{"ً":{"ٌ":145333,"ٍ":"التفسير والمفسرون في العصر الحديث - فضل عباس","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: التفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث\nالمؤلف: الأستاذ الدكتور فضل حسن عبَّاس\nالناشر: دار النفائس للنشر والتوزيع، الأردن\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦ م\nعدد الأجزاء: ٣\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية)\nتنبيه: أوضحت الدكتورة سناء فضل (ابنة المؤلف): أن آخر ٣ فصول من الكتاب ليست من قلمه: فقالت (جـ ٣/ ٥) «أضفت إلى هذه السلسلة منهج الشيخ محمد أبو زهرة -﵀- وما اقتطعته من كتاب الدكتور جمال أبي حسان في منهج الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور وما كتبه الدكتور جهاد في منهج الشيخ عبد الكريم الخطيب، وأبين هنا أنه -﵀- لم يقرأ ما كُتب في هذه الفصول الثلاثة».\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2974,"ٕ":4,"ٖ":1770156204,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"مقدمة السلسلة","level":1,"page":5},{"title":"الجزء الأول: التفسير أساسيته واتجاهاته","level":1,"page":7},{"title":"مقدمة","level":2,"page":7},{"title":"التمهيد: جهود الكاتبين في هذا المضمار التفسير والمفسرون للدكتور محمد حسين الذهبي","level":2,"page":9},{"title":"مناقشة بعض الكاتبين للشيخ الذهبي ﵀","level":3,"page":19},{"title":"أولا: الدكتور إبراهيم خليفة","level":4,"page":19},{"title":"ثانيا: عرض الدكتور محمد إبراهيم الشريف لهذا الكتاب: وهذه خلاصة ما ذكره.","level":4,"page":22},{"title":"دراسات في مناهج المفسرين د. إبراهيم عبد الرحمن خليفة","level":3,"page":26},{"title":"التفسير ورجاله محمد الفاضل بن عاشور","level":3,"page":33},{"title":"الفكر الديني في مواجهة العصر الدكتور عفت الشرقاوي","level":3,"page":37},{"title":"التفسير وروح المدنية","level":4,"page":39},{"title":"ترجمة معاني القرآن","level":4,"page":40},{"title":"التفسير ومشكلاته السياسية","level":4,"page":40},{"title":"التفسير والإصلاح الاجتماعي","level":4,"page":41},{"title":"الاتجاه الأدبي في التفسير الحديث","level":4,"page":42},{"title":"التفسير العلمي للقرآن أو علم الكلام الجديد","level":4,"page":43},{"title":"اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر الدكتور محمد إبراهيم الشريف","level":3,"page":44},{"title":"الباب الأول، تمهيدات على طريق الدراسة","level":4,"page":44},{"title":"الباب الثاني: التجديد التفسيري وبذوره في مدرسة المنار","level":4,"page":46},{"title":"الباب الثالث: اتجاهات التجديد","level":4,"page":48},{"title":"اتجاهات التفسير في العصر الراهن د/ عبد المجيد عبد السلام المحتسب","level":3,"page":50},{"title":"اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الدكتور فهد ين عبد الرحمن الرومي","level":3,"page":56},{"title":"الاتجاه العقائدي","level":4,"page":56},{"title":"المنهج الفقهي","level":4,"page":61},{"title":"منهج المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة في التفسير","level":4,"page":65},{"title":"المنهج البياني في التفسير","level":4,"page":66},{"title":"كتاب تطور تفسير القرآن/ دراسة جديدة د. محسن عبد الحميد","level":3,"page":70},{"title":"الفصل الأول بالحديث عن التفسير قبل عصر التدوين","level":4,"page":70},{"title":"الفصل الثاني فتحدث فيه عن مدارس المنهج الأصولي في تفسير القرآن الكريم","level":4,"page":73},{"title":"المدرسة اللغوية","level":5,"page":73},{"title":"المدرسة النقلية","level":5,"page":76},{"title":"المدرسة العقلية","level":5,"page":77},{"title":"الأشاعرة","level":5,"page":78},{"title":"الماتريدية","level":5,"page":79},{"title":"الفصل الثالث فيتحدث فيه عن المنهج الفلسفي في تفسير القرآن","level":4,"page":80},{"title":"الفصل الرابع تحدث عن المنهج العرفاني في تفسير القرآن","level":4,"page":81},{"title":"التفسير الإشاري","level":5,"page":81},{"title":"التفسير الصوفي","level":5,"page":82},{"title":"التفسير الباطني","level":5,"page":83},{"title":"التفسير العلمي","level":5,"page":86},{"title":"مناقشة لبعض ما ذكره الكاتب","level":4,"page":87},{"title":"تعريف الدارسين بمناهج المفسرين الدكتور صلاح الخالدي","level":3,"page":90},{"title":"مناقشة الكاتب في بعض ما ذهب إليه","level":4,"page":98},{"title":"وأي جهد بعد هذا الحشد؟","level":4,"page":102},{"title":"الباب الأول التفسير معناه أنواعه ومراحله","level":2,"page":103},{"title":"الفصل الأول التفسير والتأويل والحاجة إليهما","level":3,"page":104},{"title":"المبحث الأول التفسير والتأويل","level":4,"page":105},{"title":"معنى التفسير والتأويل والفرق بينهما","level":5,"page":105},{"title":"المبحث الثاني ما روي عن ابن عباس في أقسام التفسير ومناقشته","level":4,"page":111},{"title":"المبحث الثالث الحاجة إلى التفسير","level":4,"page":114},{"title":"مراحل التفسير","level":5,"page":117},{"title":"الفصل الثاني من مراحل التفسير: التفسير قبل عهد التدوين","level":3,"page":118},{"title":"المبحث الأول التفسير في عهد الرسول -ﷺ-","level":4,"page":119},{"title":"أولا: تفسير القرآن بالقرآن","level":5,"page":119},{"title":"القرآن يجمل أولا ثم يفصل","level":6,"page":123},{"title":"القراءات القرآنية","level":6,"page":124},{"title":"ثانيا: تفسير القرآن بالسنة","level":5,"page":126},{"title":"مجالات تفسير السنة للقرآن","level":6,"page":127},{"title":"أفسر الرسول -ﷺ- القرآن كله؟","level":6,"page":129},{"title":"رأي السيوطي والشيخ الذهبي -رحمهما الله- في المسألة","level":6,"page":129},{"title":"مناقشة السيوطي والذهبي","level":6,"page":130},{"title":"هل كان تفسير الرسول -ﷺ- مقتصرا على ما علمه جبريل ﵇؟","level":6,"page":132},{"title":"لم لم يفسر الرسول -ﷺ- القرآن كله؟","level":6,"page":133},{"title":"بعض روايات التفسير","level":6,"page":134},{"title":"سورة الفاتحة","level":7,"page":134},{"title":"سورة البقرة","level":7,"page":134},{"title":"سورة النساء","level":7,"page":138},{"title":"سورة التوبة","level":7,"page":139},{"title":"سورة الشورى","level":7,"page":140},{"title":"المبحث الثاني التفسير في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم-","level":4,"page":141},{"title":"المكثرون في الرواية من الصحابة- مناقشة ما قيل في هذا الموضوع","level":5,"page":141},{"title":"من المكثرين ابن عباس ﵄","level":5,"page":143},{"title":"أسباب قلة الروايات عن الصحابة في التفسير","level":6,"page":144},{"title":"شبهة حول روايات التفسير عند الصحابة","level":5,"page":145},{"title":"مناقشة هذه الشبهة","level":6,"page":146},{"title":"اعتماد الصحابة أسباب النزول في التفسير","level":5,"page":153},{"title":"أخبار أهل الكتاب ليست من مصادر التفسير عند الصحابة","level":5,"page":154},{"title":"من مرويات الصحابة في التفسير","level":5,"page":156},{"title":"المبحث الثالث التفسير في عهد التابعين -رضوان الله عليهم-","level":4,"page":164},{"title":"١ - ميزات التفسير في عهد التابعين","level":5,"page":165},{"title":"٢ - أشهر المفسرين في عهد التابعين","level":5,"page":166},{"title":"أسباب ضعف التفسير بعد التابعين","level":6,"page":167},{"title":"الإسرائيليات","level":7,"page":167},{"title":"من مرويات التابعين في التفسير","level":6,"page":168},{"title":"* نتائج المرحلة الأولى (مرحلة ما قبل التدوين)","level":6,"page":173},{"title":"الفصل الثالث أنواع التفسير","level":3,"page":176},{"title":"المبحث الأول التفسير الأثري","level":4,"page":177},{"title":"حدود التفسير الأثري","level":5,"page":177},{"title":"ملحوظات على هذا التقسيم","level":5,"page":179},{"title":"التقسيم البديل المختار","level":5,"page":182},{"title":"* شبهات أثيرت حول الصحابة رضوان الله عليهم وحول التفسير","level":5,"page":183},{"title":"الأولى: اتهام الصحابة بعدم النضوج العقلي","level":6,"page":183},{"title":"الثانية: شبهة على التفسير الأثري وردها","level":6,"page":183},{"title":"منكرو التفسير الأثري ومناقشتهم","level":5,"page":184},{"title":"عبارة الإمام أحمد (ثلاثة ليس لها أصل)","level":5,"page":185},{"title":"مناقشة ما ذكره بعض الأفاضل في تقسيم التفسير الأثري","level":5,"page":186},{"title":"ملحوظات على هذا التقسيم","level":5,"page":188},{"title":"أتفسير الصحابة كله له حكم المرفوع؟","level":5,"page":188},{"title":"المبحث الثاني التفسير بالرأي","level":4,"page":190},{"title":"معنى التفسير بالرأي وأنواعه","level":5,"page":190},{"title":"رأي الراغب الأصفهاني","level":6,"page":190},{"title":"رأي الشاطبي","level":6,"page":193},{"title":"رأينا في القضية","level":6,"page":197},{"title":"قول الزركشي في القضية","level":6,"page":199},{"title":"تقسيمات أخرى للتفسير","level":5,"page":200},{"title":"دعائم التفسير بالرأي","level":5,"page":201},{"title":"الدعامة الأولى: المأثور","level":6,"page":201},{"title":"الدعامة الثانية: اللغة","level":6,"page":202},{"title":"مناقشة تخليطات محمد شحرور اللغوية","level":7,"page":203},{"title":"الدعامة الثالثة: السياق","level":6,"page":207},{"title":"شروط المفسر","level":5,"page":216},{"title":"الفصل الرابع الإسرائيليات وموقف العلماء منها","level":3,"page":220},{"title":"ما ذهب إليه جولد زيهر والأستاذ أحمد أمين","level":4,"page":221},{"title":"رأي الأستاذ الذهبي","level":4,"page":223},{"title":"رأي الدكتور إبراهيم خليفة وتناقضه","level":4,"page":225},{"title":"موقف العلماء من الإسرائيليات","level":4,"page":230},{"title":"الإسرائيليات تتجاوز القصص إلى العقيدة","level":4,"page":232},{"title":"هل للقرآن ظهر وبطن؟","level":4,"page":232},{"title":"الروايات في هذه القضية وتمحيصها","level":4,"page":233},{"title":"دراسة أسانيد الحديث","level":4,"page":234},{"title":"دراسة متن الحديث","level":4,"page":237},{"title":"الفصل الخامس التفسير في عصر التدوين","level":3,"page":240},{"title":"ابن جرير الطبري","level":4,"page":241},{"title":"مدارس التفسير بعد ابن جرير الطبري","level":4,"page":243},{"title":"١ - المدرسة البيانية","level":5,"page":243},{"title":"٢ - المدرسة الفقهية","level":5,"page":243},{"title":"٣ - المدرسة العقدية","level":5,"page":244},{"title":"٤ - مدرسة التفسير بالمأثور","level":5,"page":244},{"title":"٥ - مدرسة المتصوفة","level":5,"page":244},{"title":"٦ - المدرسة الوعظية","level":5,"page":245},{"title":"التفسير في العصر الحديث","level":4,"page":247},{"title":"الباب الثاني أسباب اختلاف المفسرين","level":2,"page":249},{"title":"الفصل الأول اختلاف المفسرين وأسبابه","level":3,"page":250},{"title":"* مقدمات لا بد منها","level":4,"page":250},{"title":"الخلافات الفقهية والعقدية","level":4,"page":251},{"title":"أولا: الخلافات الفقهية","level":5,"page":251},{"title":"ثانيا: الخلافات العقدية","level":5,"page":252},{"title":"الخلافات بين المفسرين: أهي في التفسير بالنقل أم في التفسير بالرأي؟","level":4,"page":253},{"title":"* آراء الكاتبين في أسباب اختلاف المفسرين","level":5,"page":255},{"title":"* ملحوظات على ما ذكروه من أسباب الاختلاف","level":5,"page":261},{"title":"اختلاف التفسير المسبب للاختلاف في الوقف والوصل","level":4,"page":264},{"title":"الفصل الثاني الرأي المختار في أسباب اختلاف المفسرين","level":3,"page":270},{"title":"أولا: الاختلاف فيما صح عن الرسول - ﷺ -","level":4,"page":270},{"title":"ثانيا: الاختلاف بسبب تعدد القراءات","level":4,"page":271},{"title":"ثالثا: الاختلاف الناشئ عن اللغة","level":4,"page":277},{"title":"أثر اختلاف المعنى اللغوي في اختلاف الحكم الفقهي","level":5,"page":282},{"title":"* اختلافات ناشئة عن أسباب أخر","level":5,"page":285},{"title":"أيهما يقدم المعنى الشرعي أم اللغوي؟","level":5,"page":286},{"title":"* ليس كل ما اشتهر في التفسير جديرا بالقبول","level":5,"page":288},{"title":"أكثر خلافات المفسرين يرجع إلى الرأي والاجتهاد وأمثلة لذلك","level":5,"page":292},{"title":"قاعدة جليلة","level":5,"page":303},{"title":"التفسيرات البعيدة عن اللغة والسياق","level":5,"page":304},{"title":"الاختلاف الناشئ عن التفسير العلمي","level":5,"page":305},{"title":"* التجرد الحق أساس لفهم القرآن الكريم","level":5,"page":310},{"title":"الفصل الثالث مخالفة المفسرين","level":3,"page":314},{"title":"وقفة موجزه مع المفسرين","level":4,"page":314},{"title":"وقفة مطولة مع بنت الشاطئ","level":4,"page":320},{"title":"الفصل الرابع تذوق القرآن الكريم وفهمه لا بد له من التعمق في العربية","level":3,"page":353},{"title":"* احتمال الكلمة أكثر من معنى","level":4,"page":361},{"title":"* اختلافهم في الأعاريب ناشئ عن اختلافهم في فهم المعنى","level":4,"page":364},{"title":"الفصل الخامس الآيات المختلف فيها بين المفسرين في سورة الحج أنموذج تطبيقي","level":3,"page":370},{"title":"الخاتمة","level":3,"page":385},{"title":"الباب الثالث اتجاهات التفسير","level":2,"page":389},{"title":"تمهيد","level":3,"page":390},{"title":"الفصل الأول الاتجاه البياني","level":3,"page":392},{"title":"المبحث الأول خصائص القرآن الكريم","level":4,"page":393},{"title":"المبحث الثاني: تطور الدراسة البيانية للقرآن","level":4,"page":395},{"title":"المبحث الثالث جهود اللغويين والنحويين وعلماء البيان","level":4,"page":396},{"title":"أبو عبيدة","level":5,"page":396},{"title":"الفراء","level":5,"page":401},{"title":"الجاحظ","level":5,"page":410},{"title":"جهود علماء البيان بعد الجاحظ إلى الباقلاني","level":6,"page":418},{"title":"نظرية عبد القاهر وإبداعه","level":5,"page":438},{"title":"الزمخشري","level":5,"page":439},{"title":"الكشاف: للزمخشري","level":6,"page":440},{"title":"موازنة بينه وبين عبد القاهر","level":6,"page":442},{"title":"استدراكات على الزمخشري","level":6,"page":444},{"title":"أثر الكشاف","level":6,"page":445},{"title":"جهود المتأخرين","level":5,"page":446},{"title":"أمثلة من هذه الجهود","level":6,"page":447},{"title":"جهود أخرى في البيان القرآني","level":6,"page":447},{"title":"المبحث الرابع تصحيح أخطاء بعض الباحثين في هذا المضمار","level":4,"page":449},{"title":"المبحث الخامس مدرسة الشيخ محمد عبده وأثرها في الاتجاه البياني","level":4,"page":452},{"title":"المبحث السادس دراسات متخصصة في هذا الاتجاه","level":4,"page":455},{"title":"١ - مصطفى صادق الرافعي","level":5,"page":455},{"title":"أولا: دفاعه عن الإسلام وتصديه للمشككين والمارقين","level":6,"page":456},{"title":"ثانيا: كتابه في الإعجاز","level":6,"page":457},{"title":"ثالثا: تفسير الرافعي","level":6,"page":459},{"title":"٢ - فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز","level":5,"page":462},{"title":"٣ - سيد قطب","level":5,"page":467},{"title":"كتاب التصوير الفني في القرآن","level":6,"page":467},{"title":"القصة في القرآن","level":6,"page":469},{"title":"٤ - الشيخ أمين الخولي","level":5,"page":473},{"title":"٥ - الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)","level":5,"page":475},{"title":"نماذج من تفسيرها","level":6,"page":476},{"title":"ملحوظات حول التفسير","level":6,"page":477},{"title":"٦ - الأستاذ محمد المبارك وكتابه دراسة أدبية لنصوص من القرآن","level":5,"page":480},{"title":"٧ - الدكتور محمد رجب البيومي","level":5,"page":486},{"title":"المبحث السابع: كلمة أخيرة عن البيان القرآني","level":4,"page":487},{"title":"الكلمة القرآنية","level":5,"page":487},{"title":"الجملة القرآنية","level":5,"page":488},{"title":"السورة القرآنية","level":5,"page":490},{"title":"المبحث الثامن: رد افتراءات على البيان القرآني","level":4,"page":491},{"title":"الفصل الثاني الاتجاه الفقهي","level":3,"page":493},{"title":"تمهيد","level":4,"page":494},{"title":"المبحث الأول التفسير الفقهي في العصر الحديث ومميزاته","level":4,"page":495},{"title":"المبحث الثاني: التشريعات الاجتماعية","level":4,"page":496},{"title":"١ - الأسرة","level":5,"page":496},{"title":"أ- تعدد الزوجات","level":6,"page":496},{"title":"ب- الطلاق","level":6,"page":496},{"title":"جـ- الميراث","level":6,"page":497},{"title":"٢ - تحرير الرقيق","level":5,"page":498},{"title":"نماذج من أقوال العلماء","level":6,"page":500},{"title":"أ- في الرق","level":7,"page":500},{"title":"ب- في حقوق المرأة","level":7,"page":502},{"title":"العلماء المعتدلون الذين لا يتأولون النص بعيدا عن مدلوله","level":8,"page":507},{"title":"المبحث الثالث التشريعات السياسية","level":4,"page":509},{"title":"١ - الحكم بما أنزل الله","level":5,"page":510},{"title":"ما أورده الألوسي","level":6,"page":511},{"title":"رأي صاحب المنار","level":6,"page":512},{"title":"مناقشتنا للشيخ رشيد","level":6,"page":514},{"title":"آراء بعض الكتاب","level":6,"page":515},{"title":"ما ذهب إليه الباقوري","level":6,"page":515},{"title":"٢ - موقف المسلمين من غيرهم","level":5,"page":516},{"title":"٣ - وحدة هذه الأمة","level":5,"page":518},{"title":"المبحث الرابع تشريعات أخرى عرض لها المفسرون المحدثون","level":4,"page":521},{"title":"الفصل الثالث الاتجاه العقدي في التفسير","level":3,"page":522},{"title":"تمهيد","level":4,"page":523},{"title":"المبحث الأول ظهور الفرق وأثره في كتب التفسير","level":4,"page":524},{"title":"المبحث الثاني أثر مدرسة الإمام محمد عبده، وميزات الاتجاه العقدي","level":4,"page":525},{"title":"أثر مدرسة الإمام في هذا الاتجاه","level":5,"page":525},{"title":"مميزات الاتجاه العقدي في التفسير","level":5,"page":525},{"title":"١ - التركيز على أن الإسلام دين العقل","level":6,"page":525},{"title":"٢ - عدم التعقيد وسهولة العرض ويسره","level":6,"page":526},{"title":"٣ - الرد على الشبهات والافتراءات","level":6,"page":528},{"title":"٤ - تضييق نطاق الخلافات الداخلية","level":6,"page":529},{"title":"٥ - أبراز خصائص العقيدة","level":6,"page":531},{"title":"خصائص العقيدة","level":5,"page":532},{"title":"المبحث الثالث نماذج من أقوال المفسرين في هذا الاتجاه","level":4,"page":534},{"title":"الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة","level":5,"page":542},{"title":"إسهام الشيخ محمد السماحي","level":5,"page":551},{"title":"الفصل الرابع الاتجاه العلمي في التفسير","level":3,"page":554},{"title":"تمهيد","level":4,"page":555},{"title":"المبحث الأول موقف العلماء المسلمين من التفسير العلمي وأدلتهم (المانعون)","level":4,"page":557},{"title":"رأي المانعين","level":5,"page":558},{"title":"أدلة القائلين بالتفسير العلمي","level":5,"page":559},{"title":"المبحث الثاني المانعون من المحدثين","level":4,"page":562},{"title":"الشيخ محمود شلتوت","level":5,"page":562},{"title":"الأستاذ محمود شاكر","level":5,"page":564},{"title":"المبحث الثالث المثبتون للتفسير العلمي","level":4,"page":566},{"title":"الأقدمون","level":5,"page":566},{"title":"١ - الإمام الغزالي","level":6,"page":566},{"title":"٢ - الإمام الرازي","level":6,"page":566},{"title":"المبحث الرابع موقف مدرسة الإمام الشيخ محمد عبده من التفسير العلمي","level":4,"page":568},{"title":"مناقشة ما ذهبوا إليه","level":5,"page":571},{"title":"المبحت الخامس التفسير العلمي للآيات الكونية للأستاذ حنفي أحمد","level":4,"page":581},{"title":"أولا: منهج الأستاذ في بحثه","level":5,"page":581},{"title":"تقسيمه للآيات الكونية والقضايا المستنبطة منها","level":6,"page":583},{"title":"تقديره لجهود السابقين ودعوته إلى تفسير علمي","level":6,"page":585},{"title":"شروط المفسر كما يراها","level":6,"page":587},{"title":"نبذة موجزة للقواعد والنظريات التي توصل إليها العلماء","level":6,"page":588},{"title":"مأخذ على المؤلف","level":6,"page":588},{"title":"ثانيا: نماذج من التفسير","level":5,"page":589},{"title":"أ- آيات خلق السماوات والأرض","level":6,"page":589},{"title":"ب - كلامه عن آيات النجوم والكواكب والضياء والنور","level":6,"page":597},{"title":"١ - تفسيره للمصباح","level":7,"page":597},{"title":"٢ - تفسيره للنجم الثاقب","level":7,"page":599},{"title":"٣ - تفسيره (المعراج)","level":7,"page":599},{"title":"ج- تفسير آيات الشهب والحجارة","level":6,"page":600},{"title":"١ - آيات إهلاك قوم لوط","level":7,"page":601},{"title":"٢ - الصيحة","level":7,"page":602},{"title":"٣ - تفسيره للطير الأبابيل","level":7,"page":602},{"title":"٤ - تفسيره الشهب بالحجارة","level":7,"page":603},{"title":"د - على أنه لا ينبغي أن يفهم مما تقدم","level":6,"page":604},{"title":"١ - تفسيره لقول الله تعالى: (ووضع الميزان)","level":7,"page":604},{"title":"٢ - ما المقصود بالليل والنهار","level":7,"page":604},{"title":"٣ - الفرق بين السبح والجري","level":7,"page":605},{"title":"٤ - معنى التسخير","level":7,"page":606},{"title":"٥ - تفسير قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بالخنس﴾ [التكوير: ١٥]","level":7,"page":606},{"title":"٦ - الفرق بين المد والبسط في استعمال القرآن","level":7,"page":607},{"title":"٧ - البعد بين المشرقين","level":7,"page":607},{"title":"ثالثا: ملحوظات حول التفسير","level":5,"page":607},{"title":"المبحت السادس رأينا في التفسير العلمي","level":4,"page":609},{"title":"المبحث السابع نماذج من التفسير العلمي","level":4,"page":613},{"title":"أولا: نماذج مقبولة","level":5,"page":613},{"title":"١ - خلق الإنسان","level":6,"page":613},{"title":"٢ - خلق الكون","level":6,"page":616},{"title":"كلمتا بنيان وبناء","level":7,"page":617},{"title":"٣ - تكوين المطر","level":6,"page":618},{"title":"الإعجاز البياني في الآية","level":7,"page":620},{"title":"٤ - البرازخ المائية","level":6,"page":621},{"title":"ثانيا: نماذج يظهر فيها التكلف","level":5,"page":623},{"title":"خاتمة","level":5,"page":626},{"title":"الفصل الخامس الاتجاه الموضوعي في التفسير","level":3,"page":629},{"title":"معناه ودلالاته","level":4,"page":630},{"title":"المبحث الأول: ألوان التفسير الموضوعي","level":4,"page":631},{"title":"١ - الموضوع القرآني","level":5,"page":631},{"title":"٢ - السورة القرآنية","level":5,"page":631},{"title":"٣ - المصطلح القرآني أو اللفظة القرآنية","level":5,"page":632},{"title":"المبحث الثاني: نشأة التفسير الموضوعي ومنهج البحث فيه.","level":4,"page":633},{"title":"منهج البحث في التفسير الموضوعي","level":5,"page":634},{"title":"بعض من كتب في هذا الاتجاه","level":5,"page":635},{"title":"مدرسة الإمام محمد عبده والتفسير الموضوعي","level":6,"page":635},{"title":"الشيخ محمود شلتوت","level":6,"page":636},{"title":"١ - القرآن والمرأة","level":7,"page":636},{"title":"٢ - القرآن والقتال","level":7,"page":637},{"title":"العقاد وآخرون","level":6,"page":637},{"title":"الشيخ محمد محمد السماحي","level":6,"page":637},{"title":"كتب ألفت في هذا الاتجاه","level":6,"page":639},{"title":"١ - التفسير الموضوعي للقرآن الكريم/ أحمد السيد الكومي","level":7,"page":639},{"title":"٢ - الفتوحات الربانية في التفسير الموضوعي/ الحسيني محمد أبو فرحة.","level":7,"page":641},{"title":"٣ - المدخل إلى التفسير الموضوعي/ عبد الستار فتح الله سعيد.","level":7,"page":643},{"title":"٤ - المدرسة القرآنية/ محمد باقر الصدر","level":7,"page":645},{"title":"الموضوع الأول: سنن التاريخ في القرآن الكريم","level":8,"page":646},{"title":"الموضوع الثاني: عناصر المجتمع في القرآن الكريم","level":8,"page":646},{"title":"فوائد هذا الاتجاه والمآخذ عليه","level":9,"page":646},{"title":"فوائد هذا الاتجاه","level":9,"page":646},{"title":"المآخذ على هذا الاتجاه","level":9,"page":647},{"title":"كلمة أخيرة","level":9,"page":648},{"title":"الفصل السادس التفسيرات المنحرفة","level":3,"page":650},{"title":"تمهيد","level":4,"page":651},{"title":"المبحث الأول أسباب التفسيرات المنحرفة: الاستشراق والاستغراب","level":4,"page":652},{"title":"١ - المستشرقون","level":5,"page":652},{"title":"٢ - المستغربون وشبهاتهم","level":5,"page":653},{"title":"افتراءات أبي زيد الدمنهوري","level":6,"page":654},{"title":"المبحث الثاني مدرسة الإمام والانحرافات في التفسير","level":4,"page":656},{"title":"قيود مزعومة","level":5,"page":658},{"title":"المبحث الثالث دعوة مشبوهة","level":4,"page":660},{"title":"الدوافع الحقيقية لتلك الدعوة","level":5,"page":661},{"title":"رد حاسم","level":5,"page":663},{"title":"المبحث الرابع نماذج من التفسيرات المنحرفة ومناقشتها","level":4,"page":665},{"title":"أ- رسالة الفتح","level":5,"page":665},{"title":"ب- محاولة لفهم عصري للقرآن","level":5,"page":668},{"title":"المعمار القرآني","level":6,"page":669},{"title":"مخير أو مسير","level":6,"page":670},{"title":"قصة الخلق","level":6,"page":677},{"title":"النعيم والعذاب","level":6,"page":686},{"title":"الحلال والحرام","level":6,"page":689},{"title":"خاتمة","level":3,"page":692},{"title":"قائمة المصادر والمراجع","level":2,"page":693},{"title":"الجزء الثاني: مدارس التفسير","level":1,"page":703},{"title":"مقدمة","level":2,"page":703},{"title":"الفصل الأول المدرسة العقلية الاجتماعية","level":2,"page":709},{"title":"١ - الإمام الشيخ محمد عبده.","level":3,"page":710},{"title":"أولا: موجز عن تاريخ حياة الإمام","level":4,"page":710},{"title":"ثانيا: العوامل التي أثرت في تكوين شخصيته","level":4,"page":712},{"title":"العامل الأول","level":5,"page":713},{"title":"العامل الثاني","level":5,"page":714},{"title":"العامل الثالث","level":5,"page":715},{"title":"ثالثا: آراء الشيخ في الإصلاح","level":4,"page":715},{"title":"رابعا: الشيخ في رأي النقاد","level":4,"page":718},{"title":"١ - علماء الأزهر","level":5,"page":718},{"title":"٢ - الأدباء والمفكرون","level":5,"page":719},{"title":"رأيي في الشيخ","level":6,"page":723},{"title":"خامسا: آثار الشيخ العلمية","level":4,"page":724},{"title":"سادسا: مدرسته في التفسير","level":4,"page":726},{"title":"سابعا: منهجه في التفسير","level":4,"page":727},{"title":"١ - نظرته للسورة القرآنية على أنها وحدة كاملة","level":5,"page":728},{"title":"٢ - يسر العبارة وسهولة الأسلوب","level":5,"page":729},{"title":"٣ - عدم تجاوزه النص في مبهمات القرآن","level":5,"page":730},{"title":"٤ - محاربته الإسرائيليات","level":5,"page":732},{"title":"٥ - حرصه على بيان هداية القرآن الكريم","level":5,"page":733},{"title":"٦ - دحضه الشبهات","level":5,"page":737},{"title":"ثامنا: المدارس التي تأثر بها الشيخ في تفسيره","level":5,"page":743},{"title":"١ - مدرسة التصوف","level":6,"page":743},{"title":"٢ - المدرسة السلفية","level":6,"page":746},{"title":"أ- عقيدة السلف","level":7,"page":746},{"title":"ب- محاربته للبدع","level":7,"page":748},{"title":"جـ- محاربته للتقليد والتعصب المذهبي","level":7,"page":748},{"title":"موازنة تستحق التقدير","level":8,"page":752},{"title":"٣ - مدرسة المعتزلة","level":6,"page":756},{"title":"أولا: الصبغة العقلية","level":7,"page":757},{"title":"ثانيا: تأثره بأبي مسلم","level":7,"page":760},{"title":"ثالثا: مسألة السحر بعامة وسحر النبي ﵌ بخاصة","level":7,"page":761},{"title":"٤ - الحضارة الأوروبية","level":6,"page":764},{"title":"أ- تأويلاته في قصة آدم","level":7,"page":765},{"title":"مناقشة هذا التأويل","level":8,"page":768},{"title":"ب- إحياء الموتى في تأويلات الإمام","level":7,"page":772},{"title":"جـ- فكرة التطور في تفسير الشيخ","level":7,"page":773},{"title":"د- تأويله لبعض المعجزات وبعض ما خرج عن مألوف الناس","level":7,"page":776},{"title":"١ - خلق عيسى ﵇ ومعجزاته","level":8,"page":777},{"title":"٢ - الاعتقاد بنزول عيسى بن مريم ﵉","level":8,"page":780},{"title":"٣ - تأويله لحادثة الفيل","level":8,"page":781},{"title":"تاسعا: تقويم التفسير","level":4,"page":783},{"title":"٢ - صاحب المنار - محمد رشيد رضا","level":3,"page":786},{"title":"نشأته العلمية","level":4,"page":787},{"title":"عبادته وتصوفه","level":4,"page":788},{"title":"السفر إلى مصر","level":4,"page":791},{"title":"آثاره ومؤلفاته","level":4,"page":792},{"title":"تفسير القرآن الحكيم","level":4,"page":794},{"title":"منهجه في التفسير","level":4,"page":794},{"title":"تقويمه لكتب التفسير","level":4,"page":796},{"title":"طريقته في التفسير","level":4,"page":797},{"title":"خصائص تفسير المنار","level":4,"page":798},{"title":"١ - العناية بالتحقيقات اللغوية","level":5,"page":799},{"title":"عنايته بالقضايا البلاغية والإعرابية","level":6,"page":813},{"title":"٢ - بيانه لحكمة التشريع ورده لبعض المأثور","level":5,"page":826},{"title":"الفوائد الذاتية للطهارة الحسية","level":6,"page":828},{"title":"نماذج من تفسيره لآيات الأحكام","level":6,"page":833},{"title":"١ - مخالفته لأئمة الأمصار وفقهاء المذاهب","level":7,"page":833},{"title":"أ - مخالفته في آية الوصية","level":8,"page":833},{"title":"٢ - مخالفة الجمهور في معنى الإحصان","level":7,"page":835},{"title":"٤ - مخالفته فيما حرم من الأطعمة","level":7,"page":845},{"title":"٥ - آيات الرضاع","level":7,"page":853},{"title":"٣ - استشهاده بآراء المتكلمين في آيات العقيدة ومناقشتهم","level":5,"page":855},{"title":"٤ - ابتعاده عن الخرافات والإسرائيليات ووقوعه فيما هو أخطر منها","level":5,"page":876},{"title":"أ- وضعه مقاييس خاصة للحكم على الحديث","level":6,"page":877},{"title":"ب- ولقد بات سهلا على الشيخ أن ينكر كل حديث","level":6,"page":877},{"title":"جـ - علامات الساعة","level":6,"page":878},{"title":"١ - إشكالاته على أحاديث الدجال وردها","level":7,"page":880},{"title":"٢ - رأيه في أحاديث المهدي","level":7,"page":884},{"title":"٥ - استقلال الشخصية","level":5,"page":886},{"title":"٦ - بيانه لسنن الله في العمران والاجتماع","level":5,"page":889},{"title":"٧ - دفاعه عن الإسلام","level":5,"page":890},{"title":"٨ - عنفه على مخالفيه في الرأي","level":5,"page":895},{"title":"٩ - كثرة التفريعات والاستطرادات","level":5,"page":897},{"title":"تقويم التفسير","level":4,"page":901},{"title":"٣ - الشيخ عبد القادر المغربي ١٨٦٧ - ١٩٥٦","level":3,"page":903},{"title":"١ - حياته","level":4,"page":903},{"title":"عودته","level":5,"page":903},{"title":"في خدمة العلم","level":5,"page":904},{"title":"آثاره العلمية","level":5,"page":904},{"title":"وأشهر مؤلفاته","level":5,"page":904},{"title":"وفاته","level":5,"page":905},{"title":"٢ - تأثره بالإمام","level":4,"page":905},{"title":"٣ - منهجه في التفسير","level":4,"page":905},{"title":"بروز خصائص المدرسة العقلية في تفسيره","level":5,"page":915},{"title":"٤ - الشيخ محمد مصطفى المراغي","level":3,"page":926},{"title":"مولده ونشأته","level":4,"page":926},{"title":"تأثره بالإمام وآراؤه الإصلاحية","level":4,"page":927},{"title":"تفسيره","level":4,"page":931},{"title":"نماذج من تفسيره","level":4,"page":933},{"title":"تقويم التفسير","level":4,"page":937},{"title":"٥ - الشيخ أحمد مصطفى المراغي","level":3,"page":938},{"title":"ترجمته","level":4,"page":938},{"title":"آثاره العلمية","level":5,"page":939},{"title":"وفاته","level":5,"page":940},{"title":"منهجه في التفسير","level":5,"page":940},{"title":"نماذج من تفسيره","level":5,"page":942},{"title":"١ - يقول في تفسيره لآية الكرسي","level":6,"page":942},{"title":"المعنى الجملي","level":7,"page":942},{"title":"الإيضاح","level":7,"page":943},{"title":"٢ - ويقول في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه﴾","level":6,"page":946},{"title":"تفسيرات المفردات","level":7,"page":946},{"title":"المعنى الجملي","level":7,"page":946},{"title":"الإيضاح","level":7,"page":947},{"title":"الملحوظات الموضوعية على التفسير","level":4,"page":959},{"title":"١ - نقله عبارة غيره","level":5,"page":959},{"title":"٢ - التقاطه كل ما فيه غرابة","level":5,"page":960},{"title":"٣ - ولوعه بالحديث عن الأرواح وخطؤه فيها منهجا وموضوعا","level":5,"page":961},{"title":"٤ - إغراب الأستاذ في التأويل، وتضييقه لنطاق الخوارق ولو كلفه ذلك رد الأحاديث الصحيحة","level":5,"page":963},{"title":"أ- شططه في تأويل آيات استراق السمع والرجم بالشهب","level":6,"page":963},{"title":"ب- تناقض كلام الشيخ في حادثة المعراج","level":6,"page":966},{"title":"جـ- إنكاره انشقاق القمر","level":6,"page":967},{"title":"د- تأرجحه في إدريس ﵇","level":6,"page":968},{"title":"هـ- اضطرابه في معرفة ماهية إبليس","level":6,"page":968},{"title":"و- تفسيره للمعارج","level":6,"page":969},{"title":"٥ - إكثاره من التفسير العلمي ولو كان بعيد الاحتمال","level":5,"page":969},{"title":"٦ - تناقضه وعدم دقته","level":5,"page":971},{"title":"رأينا في التفسير","level":6,"page":972},{"title":"٦ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت ﵀","level":3,"page":974},{"title":"تفسير القرآن الكريم","level":4,"page":975},{"title":"منهجه في التفسير","level":4,"page":975},{"title":"مدى تأثر الشيخ بغيره من المفسرين","level":4,"page":977},{"title":"آراء الشيخ في بعض مسائل التفسير","level":4,"page":978},{"title":"١ - رأيه في القصص القرآني","level":5,"page":978},{"title":"٢ - رأيه في الإيمان بالغيب","level":5,"page":979},{"title":"٣ - رأيه في تفسير بعض آيات الأحكام","level":5,"page":980},{"title":"٤ - بيانه لحكمة التشريع ودفاعه عن الإسلام، واستنباطه بعض القواعد السياسية والاجتماعية لتدعيم المجتمع الإسلامي","level":5,"page":984},{"title":"رأيي في التفسير","level":4,"page":988},{"title":"٧ - (تيسير التفسير) لفضيلة الشيخ عبد الجليل عيسى","level":3,"page":990},{"title":"ترجمته","level":4,"page":990},{"title":"طريقة الأستاذ التي اتبعها في تفسيره","level":4,"page":991},{"title":"تأثره بالإمام محمد عبده","level":4,"page":992},{"title":"الفصل الثاني المدرسة العلمية في التفسير","level":2,"page":997},{"title":"الجواهر في تفسير القرآن للشيخ طنطاوي جوهري ﵀.","level":3,"page":997},{"title":"أ- حياة الشيخ طنطاوي جوهري","level":4,"page":997},{"title":"ب - الدوافع لهذا التفسير","level":4,"page":1001},{"title":"جـ - محتويات التفسير","level":4,"page":1002},{"title":"٢ - منهجه في التفسير","level":4,"page":1004},{"title":"أ- إهابته بالأمة وبخاصة العلماء وتنويهه بتفسيره","level":5,"page":1008},{"title":"ب - استشهاده بأقوال علماء الغرب","level":5,"page":1014},{"title":"جـ - كثرة الصور في الكتاب","level":5,"page":1015},{"title":"د - ولع الشيخ بالحديث عن الأرواح","level":5,"page":1015},{"title":"٣ - أسلوب الشيخ في التفسير","level":4,"page":1019},{"title":"أ - أسلوب القصة","level":5,"page":1019},{"title":"ب- أسلوب المحاورة","level":5,"page":1020},{"title":"جـ - خصوبة الخيال","level":5,"page":1022},{"title":"٤ - آراؤه في بعض مسائل التفسير","level":4,"page":1023},{"title":"أ - رأي الشيخ في الحروف المقطعة في أوائل السور","level":5,"page":1023},{"title":"ب- رأيه في المتشابه","level":5,"page":1025},{"title":"جـ - الشيخ والمناسبات بين السور","level":5,"page":1026},{"title":"د - رأي الشيخ في السحر وقصة هاروت وماروت","level":5,"page":1027},{"title":"هـ - رأيه في يأجوج ومأجوج","level":5,"page":1028},{"title":"و- قصة ذي القرنين","level":5,"page":1029},{"title":"ز - الشيخ ومبهمات القرآن","level":5,"page":1030},{"title":"٥ - تساؤلات حول التفسير","level":4,"page":1032},{"title":"١ - هل في الجواهر كل شيء إلا التفسير؟","level":5,"page":1032},{"title":"أما المدني","level":6,"page":1033},{"title":"التفسير اللفظي","level":7,"page":1033},{"title":"الإيضاح","level":7,"page":1034},{"title":"المثال الثاني المكي، فهو من سورة هود","level":6,"page":1035},{"title":"٢ - هل أخضع القرآن للنظريات الحديثة","level":5,"page":1040},{"title":"٣ - الربا ولحم الخنزير","level":5,"page":1046},{"title":"٦ - قيمة تفسير الجواهر","level":4,"page":1048},{"title":"١ - التسابيح والتحميد في القرآن لغز الوجود","level":5,"page":1050},{"title":"٢ - تفصيل الكلام على الارتداد وعبادة الأصنام","level":5,"page":1050},{"title":"٣ - هل الأخلاق الفاسدة وإغواء الشياطين رحمة","level":5,"page":1051},{"title":"الفصل الثالث المدرسة التربوية الوجدانية","level":2,"page":1053},{"title":"سيد قطب/ صاحب الظلال","level":3,"page":1056},{"title":"تعريف بصاحب الظلال","level":4,"page":1056},{"title":"التعريف بالظلال وفهم صاحبه له","level":4,"page":1058},{"title":"منهجه في التفسير","level":4,"page":1062},{"title":"الموضوع الأول: ما شارك فيه سيد المفسرين","level":5,"page":1065},{"title":"١ - المفسر وفواتح السور","level":6,"page":1065},{"title":"٢ - المفسر والآيات العلمية","level":6,"page":1066},{"title":"٣ - المفسر ومبهمات القرآن","level":6,"page":1072},{"title":"٤ - المفسر وآيات الأحكام","level":6,"page":1073},{"title":"الموضوع الثاني: العقيدة في ظلال الآيات","level":5,"page":1080},{"title":"١ - العقيدة في إطارها العام","level":6,"page":1081},{"title":"بيانه لأصل العقيدة الإسلامية وأنها الأساس لجميع البشر","level":7,"page":1084},{"title":"٢ - العقيدة في إطارها الخاص","level":6,"page":1089},{"title":"نماذج من تفسيرات العقيدة","level":7,"page":1094},{"title":"سيد والمدرسة العقلية","level":4,"page":1098},{"title":"تقويم التفسير","level":4,"page":1104},{"title":"١ - خصائص عامة في الظلال","level":5,"page":1104},{"title":"أولا: إن أول ما يبدو للقارئ أن التفسير لم يعن صاحبه كثيرا بالتحليل اللفظي","level":6,"page":1104},{"title":"ثانيا: عدم اهتمامه بالخلافات الفقهية","level":6,"page":1105},{"title":"ثالثا: إسهاب المؤلف في كثير من الموضوعات","level":6,"page":1108},{"title":"رابعا: الشدة والعنف في آرائه","level":6,"page":1109},{"title":"خامسا: تأثير أسلوبه الأدبي عليه في بعض ألفاظه وعباراته","level":6,"page":1110},{"title":"سادسا: ميزات الظلال","level":6,"page":1111},{"title":"ميزات التفسير","level":7,"page":1112},{"title":"الميزة الأولى: في رأي هي الإيمان بالنص القرآني","level":8,"page":1112},{"title":"الميزة الثانية: فهي موقفه من الإسرائيليات فكتابه ليس خاليا من الإسرائيليات","level":8,"page":1113},{"title":"الميزة الثالثة: خلو التفسير خلوا تاما من المماحكات اللفظية والتشاد","level":8,"page":1113},{"title":"الميزة الرابعة: هذه الدعوة الصريحة لتحكيم القرآن","level":8,"page":1113},{"title":"الميزة الخامسة: عدم مخالفته للمفسرين","level":8,"page":1114},{"title":"الجانب الثاني","level":5,"page":1116},{"title":"* المتحدثون عن الظلال وصاحبه: -","level":6,"page":1116},{"title":"أولا: بعض اتهامات ربيع المدخلي لسيد قطب والرد عليها.","level":7,"page":1117},{"title":"ثانيا: وقفة مع كتاب (في ظلال القرآن، رؤية استشراقية فرنسية) للمؤلف الفرنسي أوليفييه كاريه","level":7,"page":1127},{"title":"الخط الأول","level":8,"page":1128},{"title":"أولا: الأمور العامة التي أراد المؤلف تأكيدها وتقويم (الظلال) من خلالها","level":9,"page":1128},{"title":"ثانيا: رسم المؤلف لمنهج سيد قطب في الظلال الخطوط التالية","level":9,"page":1135},{"title":"المبحث الأول: جهات التفسير","level":10,"page":1135},{"title":"المبحث الثاني: فعل القرآن (ص ٦٢).","level":10,"page":1137},{"title":"المبحث الثالث: الظروف الاجتماعية في مكة والمدينة","level":10,"page":1139},{"title":"المبحث الرابع: القرآن والتاريخ (ص ٨٥)","level":10,"page":1140},{"title":"المبحث الخامس: القرآن والعلوم الحديثة - قضايا منهجية (ص ٩٤)","level":10,"page":1141},{"title":"الخط الثاني","level":8,"page":1143},{"title":"ثالثا: حول منهجه في التفسير الموضوعي","level":7,"page":1145},{"title":"الفصل الرابع مدرسة الجمهور","level":2,"page":1151},{"title":"محاسن التأويل للشيخ محمد جمال الدين القاسمي","level":3,"page":1152},{"title":"مولده ونشأته","level":4,"page":1152},{"title":"ثقافته","level":4,"page":1154},{"title":"أفكاره وآثاره","level":4,"page":1155},{"title":"آثاره العلمية","level":4,"page":1155},{"title":"محاسن التأويل","level":4,"page":1157},{"title":"منهجه في التفسير","level":4,"page":1159},{"title":"نماذج من التفسير","level":4,"page":1161},{"title":"١ - يقول في تأويل قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن","level":5,"page":1161},{"title":"٢ - وفي تفسير قول الله ﷿: ﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون﴾","level":5,"page":1164},{"title":"٣ - ويفسر المقسمات بها في سورة التين بقوله","level":5,"page":1164},{"title":"منهجه ﵀","level":4,"page":1168},{"title":"أولا: عنايته بالقضايا اللغوية","level":5,"page":1168},{"title":"ثانيا: عنايته بالقضايا النحوية","level":5,"page":1169},{"title":"ثالثا: عنايته ببعض القضايا البلاغية","level":5,"page":1171},{"title":"عنايته بالقضايا العلمية","level":6,"page":1174},{"title":"ملاحظات حول التفسير","level":4,"page":1176},{"title":"تقويم التفسير","level":4,"page":1181},{"title":"التفسير المنهجي التفسير الوسيط للقرآن الكريم","level":3,"page":1183},{"title":"الأستاذ الدكتور أحمد الكومي","level":4,"page":1183},{"title":"منهج هذا التفسير","level":4,"page":1185},{"title":"١ - حسن العرض ويسر العبارة","level":5,"page":1185},{"title":"٢ - شمول المادة وصحتها","level":5,"page":1186},{"title":"٣ - عدم الاستطراد","level":5,"page":1187},{"title":"نماذج من التفسير","level":4,"page":1187},{"title":"١ - من سورة الفاتحة","level":5,"page":1187},{"title":"٢ - تفسير قوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم﴾","level":5,"page":1188},{"title":"٣ - الشفاعة","level":5,"page":1189},{"title":"٤ - حكمة التكرار في آيات القبلة","level":5,"page":1191},{"title":"٥ - قوله تعالى","level":5,"page":1191},{"title":"٦ - تفسير سورة الطارق: جاء في تفسيرها","level":5,"page":1208},{"title":"٧ - سورة الكوثر","level":5,"page":1217},{"title":"محاسن هذا التفسير","level":4,"page":1220},{"title":"١ - الإكثار من الاستشهاد بالحديث النبوي","level":5,"page":1220},{"title":"٢ - بيانه لبعض القيم والأحكام التي تؤخذ من الآيات","level":5,"page":1220},{"title":"٣ - نقله أقوال المفسرين","level":5,"page":1222},{"title":"من التفاسير التقليدية الموجزة تفسير الأستاذ محمد فريد وجدي","level":3,"page":1225},{"title":"ترجمة المفسر","level":4,"page":1225},{"title":"تفسيره","level":4,"page":1226},{"title":"أولا: مقدمة (صفوة العرفان)","level":5,"page":1226},{"title":"الدور الأول: دور الفطرة","level":6,"page":1229},{"title":"الدور الثاني: دور الفلسفة","level":6,"page":1229},{"title":"الدور الثالث: دور العلم","level":6,"page":1230},{"title":"الدور الرابع: رجوع الإنسان لدين الفطرة","level":6,"page":1230},{"title":"نظرة على الأدوار التي تنتاب العقائد","level":6,"page":1231},{"title":"الرقي المادي والشكوك في الدين","level":6,"page":1232},{"title":"كيف كان العالم قبل بعثة النبي -ﷺ-","level":6,"page":1233},{"title":"الرسل في نظر القرآن","level":6,"page":1235},{"title":"الإسلام","level":6,"page":1235},{"title":"الأديان في نظر القرآن","level":6,"page":1236},{"title":"الناس في نظر القرآن","level":6,"page":1236},{"title":"النسخ في القرآن","level":6,"page":1237},{"title":"الولاية والكرامة","level":6,"page":1237},{"title":"الشفاعة والتوسل في القرآن","level":6,"page":1237},{"title":"القضاء والقدر في نظر القرآن","level":6,"page":1238},{"title":"النعيم والعذاب الأخرويان","level":6,"page":1241},{"title":"جمع القرآن","level":6,"page":1242},{"title":"القراءات","level":6,"page":1242},{"title":"ثانيا: منهجه في التفسير","level":5,"page":1243},{"title":"الجانب اللغوي في التفسير","level":6,"page":1244},{"title":"مسائل علوم القرآن في التفسير","level":6,"page":1248},{"title":"* موقفه من الإسرائيليات","level":6,"page":1251},{"title":"* موقفه من التفسير الأثري","level":6,"page":1252},{"title":"* نقله عمن سبق من المفسرين","level":6,"page":1253},{"title":"*موقفه من آيات الأحكام","level":6,"page":1254},{"title":"* موقفه من القضايا العقيدة","level":6,"page":1254},{"title":"مآخذ على التفسير","level":6,"page":1256},{"title":"الشيخ حسنين مخلوف وتفسيره صفوة البيان لمعاني القرآن","level":3,"page":1260},{"title":"ترجمة موجزة للشيخ حسنين محمد مخلوف","level":4,"page":1260},{"title":"من مؤلفات الشيخ","level":5,"page":1261},{"title":"منهجه في تفسيره","level":4,"page":1263},{"title":"خصائص هذا التفسير","level":4,"page":1264},{"title":"١ - سلفيته في تفسير آيات العقيدة","level":5,"page":1264},{"title":"أ- موقفه من آيات الصفات","level":6,"page":1264},{"title":"ب- رأيه في الإسراء والمعراج","level":6,"page":1266},{"title":"ج- يثبت رؤية الله للمؤمنين يوم القيامة","level":6,"page":1267},{"title":"هـ- رأيه في معجزة انشقاق القمر","level":6,"page":1268},{"title":"و- عدم تأويله للآيات التي تتحدث عن استماع الجن والرجم بالشهب","level":6,"page":1268},{"title":"ز- عقيدته في رفع عيسى ﵇ ونزوله","level":6,"page":1269},{"title":"٢ - اعتداله في تفسير آيات الأحكام","level":5,"page":1271},{"title":"٣ - اهتمامه بالتحقيقات اللغوية","level":5,"page":1272},{"title":"٤ - اهتمام الشيخ بالقضايا البلاغية","level":5,"page":1275},{"title":"٤ - استشهاده بالأحاديث النبوية","level":5,"page":1280},{"title":"٦ - إكثاره النقل عن المفسرين","level":5,"page":1281},{"title":"تقويم التفسير","level":5,"page":1283},{"title":"الشيخ السعدي وتفسيره","level":3,"page":1284},{"title":"* طريقة الشيخ السعدي في تفسيره","level":4,"page":1284},{"title":"التفاسير الدعوية","level":3,"page":1290},{"title":"ابن باديس ومنهجه في التفسير","level":4,"page":1290},{"title":"حياته","level":5,"page":1290},{"title":"وفاة الشيخ","level":5,"page":1295},{"title":"آثاره العلمية","level":5,"page":1295},{"title":"منهج ابن باديس في التفسير","level":5,"page":1296},{"title":"نماذج من تفسيره","level":5,"page":1299},{"title":"١ - صلاح النفوس وإصلاحها","level":6,"page":1299},{"title":"ميزان الصلاح","level":7,"page":1303},{"title":"تفاوت الصلاح","level":7,"page":1304},{"title":"التوبة وشروطها","level":7,"page":1304},{"title":"شر العصاة","level":7,"page":1305},{"title":"دواء النفوس في التوبة","level":7,"page":1305},{"title":"نكتة نحوية","level":7,"page":1306},{"title":"تطلب التوبة مهما عظمت الذنوب","level":7,"page":1306},{"title":"٢ - القول الحسن","level":6,"page":1308},{"title":"اللسان وخطره","level":7,"page":1308},{"title":"خطر الكلمة","level":7,"page":1311},{"title":"ضرورة الأدب الإسلامي","level":7,"page":1311},{"title":"التحذير من كيد العدو الفتان","level":7,"page":1311},{"title":"٣ - الطور الأخير لكل أمة وعاقبته","level":6,"page":1314},{"title":"أطوار الأمم","level":7,"page":1314},{"title":"الأحكام الشرعية والقدرية","level":7,"page":1317},{"title":"٤ - الفرقان","level":6,"page":1322},{"title":"٥ - تفسير المعوذتين","level":6,"page":1334},{"title":"سورة الفلق","level":7,"page":1334},{"title":"الأعمال الكسبية بين الخير والشر","level":7,"page":1334},{"title":"مسؤولية الإنسان","level":7,"page":1335},{"title":"سورة الناس","level":7,"page":1355},{"title":"تقويم التفسير","level":5,"page":1364},{"title":"الشيخ حسن البنا ومنهجه في التفسير","level":3,"page":1366},{"title":"* كلام بعض العلماء في الشيخ حسن البنا","level":4,"page":1370},{"title":"* طريقته في التفسير","level":4,"page":1371},{"title":"أولا: نماذج من تفسيره الوعظي الدعوي","level":5,"page":1372},{"title":"ثانيا: نماذج من تفسيره العلمي المسهب","level":5,"page":1383},{"title":"* معالم منهج البنا في التفسير","level":4,"page":1401},{"title":"١ - حرصه على ربط الآيات القرآنية بالواقع المعاش","level":5,"page":1403},{"title":"٢ - تأثره بالأستاذ الإمام وبمدرسة المنار","level":5,"page":1410},{"title":"٣ - شخصيته البارزة في مناقشة أقوال المفسرين والترجيح بينها","level":5,"page":1411},{"title":"٤ - رده على الآراء المنحرفة في التفسير","level":5,"page":1414},{"title":"٥ - عنايته بدقائق البلاغة وأسرار التعبير القرآني","level":5,"page":1415},{"title":"٦ - عنايته بالمناسبات القرآنية","level":5,"page":1418},{"title":"٧ - عنايته بالتفسير الموضوعي للآيات والسور","level":5,"page":1419},{"title":"٨ - تناوله للقضايا العلمية التي تشير إليها الآيات","level":5,"page":1428},{"title":"٩ - عنايته بالقضايا الفقهية مع استطراد أحيانا","level":5,"page":1430},{"title":"١٠ - موقف الشيخ البنا من الخوارق والمعجزات","level":5,"page":1431},{"title":"بحث تحليلي لنفس المصلح أو حال النبي - ﷺ - قبل البعثة","level":4,"page":1433},{"title":"الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين ﵀","level":3,"page":1436},{"title":"تفسيره","level":4,"page":1440},{"title":"١ - رأيه في تفسير القرآن","level":4,"page":1441},{"title":"٢ - عمق فهمه لكتاب الله","level":4,"page":1443},{"title":"٣ - طريقته في التفسير","level":4,"page":1444},{"title":"٤ - نماذج من تفسير الشيخ","level":4,"page":1445},{"title":"١ - تفسير آيات الصوم","level":5,"page":1445},{"title":"٢ - يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾","level":5,"page":1451},{"title":"٣ - وأحيانا يكون الغرض من العلم المضاف إلى الله تعالى تذكير المؤمنين بعلم الله،","level":5,"page":1454},{"title":"٤ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون﴾","level":5,"page":1454},{"title":"٥ - موقفه من بعض المسائل في التفسير","level":4,"page":1462},{"title":"أ - المحكم والمتشابه في القرآن","level":5,"page":1462},{"title":"ب - مسائل العقيدة","level":5,"page":1469},{"title":"جـ - الشيخ والقصة القرآنية","level":5,"page":1473},{"title":"د - الشيخ وآيات الأحكام","level":5,"page":1475},{"title":"المراجع","level":2,"page":1477},{"title":"الجزء الثالث: مناهج بعض المفسرين","level":1,"page":1487},{"title":"مقدمة","level":2,"page":1487},{"title":"منهج الأستاذ أبي الأعلى المودودي (ت ١٣٩٩ هـ / ١٩٧٩) في التفسير","level":2,"page":1489},{"title":"الجزء الأول: من الفاتحة إلى آل عمران","level":3,"page":1490},{"title":"حياته","level":4,"page":1490},{"title":"مقدمة","level":4,"page":1493},{"title":"جمع القرآن","level":4,"page":1496},{"title":"اختلاف اللهجات","level":4,"page":1496},{"title":"الشمولية","level":4,"page":1498},{"title":"دستور كامل","level":4,"page":1499},{"title":"مقترحات حول الدراسة","level":4,"page":1500},{"title":"منهجه في التفسير","level":4,"page":1501},{"title":"تقديمه بين يدي السورة","level":5,"page":1501},{"title":"إبرازه هداية القرآن","level":6,"page":1501},{"title":"موقفه من القضايا اللغوية","level":6,"page":1503},{"title":"موقفه من المسائل العقدية","level":6,"page":1505},{"title":"موقفه من الخلافات الفقهية","level":6,"page":1506},{"title":"مقدمات تاريخية للآية","level":6,"page":1506},{"title":"عنايته بأسباب النزول","level":6,"page":1507},{"title":"إقلاله من الاستشهاد بالأحاديث","level":6,"page":1508},{"title":"رده على بني إسرائيل","level":6,"page":1509},{"title":"رده الشبهات","level":6,"page":1510},{"title":"وقوعه في الإسرائيليات","level":6,"page":1512},{"title":"منهجية مضطربة","level":6,"page":1514},{"title":"ملاحظة السياق","level":6,"page":1515},{"title":"تفسير سورة النور","level":3,"page":1517},{"title":"توسعه في المسائل الفقهية","level":4,"page":1517},{"title":"رأيه في حجاب المرأة","level":4,"page":1518},{"title":"موقفه من الاستشهاد بالأحاديث","level":4,"page":1520},{"title":"تحليل الألفاظ","level":4,"page":1521},{"title":"الوعظ والإرشاد","level":4,"page":1521},{"title":"موقفه من المسائل البيانية","level":4,"page":1522},{"title":"عنايته بالمناسبة","level":4,"page":1523},{"title":"عقيدة التنزيه","level":4,"page":1523},{"title":"منهج الشيخ سعيد حوى (ت ١٩٨٩) في تفسيره","level":2,"page":1527},{"title":"حياته","level":3,"page":1528},{"title":"تفسيره","level":3,"page":1529},{"title":"تقسيمه القرآن والسور","level":3,"page":1530},{"title":"القرآن وحدة واحدة","level":3,"page":1533},{"title":"موقفه من التفسير المأثور","level":3,"page":1539},{"title":"موقفه من أسباب النزول","level":3,"page":1542},{"title":"موقفه من الإسرائيليات","level":3,"page":1543},{"title":"مصادره","level":3,"page":1544},{"title":"عنايته بالقضايا الفقهية","level":3,"page":1547},{"title":"قضايا العقيدة في التفسير","level":3,"page":1549},{"title":"موقفه من القضايا اللغوية","level":3,"page":1553},{"title":"موقفه من القراءت","level":3,"page":1554},{"title":"استطراداته","level":3,"page":1555},{"title":"أثر ثقافته وتجاربه على تفسيره","level":3,"page":1556},{"title":"منهج الإمام الشنقيطي (ت ١٣٩٣ هـ/١٩٧٣ م) تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن","level":2,"page":1560},{"title":"القسم الأول","level":3,"page":1561},{"title":"أولا: ترجمة الإمام الشنقيطي","level":4,"page":1561},{"title":"مؤلفاته","level":5,"page":1562},{"title":"عقيدته","level":5,"page":1563},{"title":"ثانيا: التعريف بالتفسير","level":4,"page":1565},{"title":"ثالثا: ملاحظات على القضايا المنهجية في التفسير","level":4,"page":1573},{"title":"منهح الشيخ في تفسيره","level":4,"page":1577},{"title":"أولا: القراءات القرآنية","level":5,"page":1577},{"title":"ثانيا: موقفه من المبهمات","level":5,"page":1579},{"title":"ثالثا: الإسرائيليات","level":5,"page":1579},{"title":"رابعا: ذكره أقوال العلماء","level":5,"page":1580},{"title":"خامسا: منهجه في التوثيق","level":5,"page":1581},{"title":"سادسا: تفسيره للآيات العلمية من خلال مشاهداته","level":5,"page":1582},{"title":"سابعا: قلة عنايته بالقضايا البيانية","level":5,"page":1582},{"title":"ثامنا: موقفه من المخالفين","level":5,"page":1583},{"title":"تاسعا: ملاحظات على القضايا العلمية","level":5,"page":1584},{"title":"أ- قضايا اللغة","level":6,"page":1584},{"title":"ب - قضايا أخرى","level":6,"page":1594},{"title":"عاشرا: نماذج من تفسير الشيخ ﵀ من أضواء البيان","level":5,"page":1601},{"title":"القسم الثاني تتمة الشيخ عطية محمد سالم ﵀","level":3,"page":1605},{"title":"أولا: ترجمة الشيخ عطية محمد سالم","level":4,"page":1605},{"title":"مؤلفات الشيخ عطية","level":5,"page":1608},{"title":"ثانيا: ملاحظات على تفسير الشيخ عطية محمد سالم","level":4,"page":1610},{"title":"ميزات تفسير الشيخ عطية","level":5,"page":1614},{"title":"ثالثا: نماذج من تفسير الشيخ عطية محمد سالم ﵀","level":4,"page":1619},{"title":"منهج الأستاذ محمد عزة دروزة ﵀ (ت ١٩٨٤ م) في التفسير الحديث","level":2,"page":1623},{"title":"التعريف بالمؤلف","level":3,"page":1624},{"title":"المولد والنشأة","level":4,"page":1624},{"title":"في ميدان العمل","level":4,"page":1625},{"title":"في ميدان التربية والتعليم","level":4,"page":1626},{"title":"الحفاظ على الأوقاف الفلسطينية","level":4,"page":1626},{"title":"مشاركته في الحركة القومية","level":4,"page":1627},{"title":"إنتاجه الفكري","level":4,"page":1629},{"title":"وفاته","level":4,"page":1630},{"title":"القرآن المجيد","level":3,"page":1631},{"title":"أولا: الخطة المثلى لفهم القرآن","level":4,"page":1634},{"title":"١ - القرآن والسيرة النبوية","level":5,"page":1634},{"title":"٢ - البيئة النبوية","level":5,"page":1636},{"title":"٣ - اللغة القرآنية","level":5,"page":1638},{"title":"٤ - القرآن أسس ووسائل","level":5,"page":1639},{"title":"تقسيم ليس فيه دقة ولا موضوعية","level":6,"page":1639},{"title":"٥ - القصص القرآني","level":5,"page":1640},{"title":"ادعاؤه معرفة العرب للقصص القرآني ومناقشة أدلته","level":6,"page":1640},{"title":"زعم معرفة الرسول الكريم بهذا القصص قبل الوحي","level":6,"page":1643},{"title":"النصوص الصريحة تشكل على المؤلف وتحيره","level":6,"page":1644},{"title":"صحة القصص القرآني وعدم تناقضه","level":6,"page":1645},{"title":"٦ - الملائكة والجن في القرآن","level":5,"page":1646},{"title":"٧ - مشاهد الكون ونواميسه","level":5,"page":1647},{"title":"٨ - الحياة الأخروية في القرآن","level":5,"page":1648},{"title":"٩ - ذات الله في القرآن","level":5,"page":1649},{"title":"١٠ - تسلسل الفصول القرآنية وسياقها","level":5,"page":1649},{"title":"١١ - فهم القرآن من القرآن","level":5,"page":1654},{"title":"ثانيا: تعليقاته ومآخذه على المفسرين ومناهجهم","level":4,"page":1655},{"title":"تعليقه على روايات أسباب النزول","level":5,"page":1656},{"title":"ثغرات حذر منها العلماء","level":5,"page":1657},{"title":"ثغرات مزعومة","level":5,"page":1658},{"title":"التفسير المثالي كما يراه المؤلف","level":5,"page":1659},{"title":"منهجه في التفسير","level":3,"page":1660},{"title":"ترتيب يشذ به عن المفسرين","level":3,"page":1662},{"title":"الأدلة التي اعتمدها ومناقشتها","level":3,"page":1663},{"title":"محاذير هذه الطريقة","level":3,"page":1665},{"title":"عدم تأديتها للنتائج التي قصدها المؤلف وأمثلة ذلك","level":4,"page":1665},{"title":"١ - آيات التحدي","level":5,"page":1666},{"title":"٢ - آيات الإسراء والمعراج","level":5,"page":1668},{"title":"نماذج من تفسير المؤلف","level":3,"page":1670},{"title":"تعبير غير دقيق","level":4,"page":1670},{"title":"سورة التكوير","level":4,"page":1672},{"title":"رأيه في بعض مسائل التفسير","level":3,"page":1673},{"title":"١ - فواتح السور","level":4,"page":1673},{"title":"رده القول برمزية الحروف","level":5,"page":1673},{"title":"إيراده أقوالا غير معتبرة في تفسير هذه الحروف","level":5,"page":1675},{"title":"تعليله لكثرة الحروف أو قلتها","level":5,"page":1676},{"title":"رد هذا التأويل","level":5,"page":1676},{"title":"٢ - المفسر والآيات الكونية","level":4,"page":1677},{"title":"نماذج من هذا التفسير","level":5,"page":1677},{"title":"تعليقنا على هذا المنهج","level":5,"page":1680},{"title":"٣ - رأيه في السحر","level":4,"page":1681},{"title":"٤ - المفسر والمتشابه","level":4,"page":1682},{"title":"نماذج من التفسير","level":5,"page":1684},{"title":"رأينا في هذا المنهج","level":5,"page":1686},{"title":"٥ - آيات الأحكام","level":4,"page":1687},{"title":"ذكره تفريعات في تفسير آيات الأحكام وادعاؤه أن العلماء لم يتطرقوا إليها","level":5,"page":1689},{"title":"ضعفه في أدوات التفسير","level":5,"page":1690},{"title":"اضطراب يشوش على القراء","level":5,"page":1692},{"title":"استطراد","level":5,"page":1694},{"title":"بيانه لحكمة التشريع","level":5,"page":1696},{"title":"رأينا في هذا المنهج","level":5,"page":1698},{"title":"٦ - الأستاذ دروزة وآيات الجهاد","level":4,"page":1698},{"title":"مناقشة تلك الآراء","level":5,"page":1702},{"title":"ملاحظات على التفسير","level":5,"page":1707},{"title":"٧ - المفسر يعتمد على الإسرائيليات في مواضع متعددة","level":4,"page":1710},{"title":"أ - القصص","level":5,"page":1710},{"title":"ب- مشاهد الكون ونواميسه","level":5,"page":1713},{"title":"الأستاذ دروزة يرد على حملات المستشرقين","level":6,"page":1715},{"title":"تقييم التفسير","level":6,"page":1717},{"title":"منهج الشيخ عبد القادر ملا حويش العاني (ت ١٣٩٨ هـ/١٩٧٨ م) في بيان المعاني","level":2,"page":1719},{"title":"١. نبذة عن حياة المؤلف","level":3,"page":1720},{"title":"اسمه ونسبه","level":4,"page":1720},{"title":"مولده ونشأته","level":4,"page":1720},{"title":"المناصب الإدارية التي تقلدها","level":4,"page":1722},{"title":"أوصافه","level":4,"page":1724},{"title":"حوار مع ولده","level":4,"page":1724},{"title":"مؤلفاته","level":4,"page":1726},{"title":"قصة كتابة التفسير","level":4,"page":1727},{"title":"٢. التعريف بكتابه","level":3,"page":1728},{"title":"٣. منهجه في التفسير","level":3,"page":1729},{"title":"ركاكة وتناقض","level":4,"page":1731},{"title":"اثنا عشر مطلبا يذكرها المؤلف","level":4,"page":1732},{"title":"الأصول التي اتبعها","level":4,"page":1732},{"title":"نماذج من التفسير","level":4,"page":1734},{"title":"١ - تفسيره للحروف المقطعة","level":5,"page":1734},{"title":"٢ - مخالفته لصريح القرآن وصحيح الحديث","level":5,"page":1734},{"title":"٣ - إخراج النصوص عن دلالاتها","level":5,"page":1735},{"title":"٤ - يستشهد بافتراءات بني إسرائيل على أنبيائهم","level":5,"page":1735},{"title":"٥ - حديث خرافة","level":5,"page":1735},{"title":"٦ - اعتقاده بصحة قصة الغرانيق","level":5,"page":1736},{"title":"٧ - إيراده للخرافات وجهله بالسنة","level":5,"page":1737},{"title":"٨ - قصة بلقيس","level":5,"page":1738},{"title":"٩ - غرائبه في الإسراء والمعراج","level":5,"page":1738},{"title":"أ- المعجزات بين يدي الإسراء","level":6,"page":1739},{"title":"ب- المعجزات في أثناء الإسراء","level":6,"page":1739},{"title":"ج- المعجزات في أثناء المعراج","level":6,"page":1740},{"title":"١٠ - تناقضه في إثبات رؤية الله ﷿ في الدنيا","level":5,"page":1742},{"title":"١١ - تضعيفه للأحاديث الصحيحة واستشهاده بالموضوعات","level":5,"page":1742},{"title":"١٢ - إمعانه في الخرافات","level":5,"page":1743},{"title":"١٣ - تخبطه في التفسير","level":5,"page":1744},{"title":"١٤ - جهله ببدهيات اللغة والتاريخ","level":5,"page":1745},{"title":"١٥ - إغرابه في كل شيء","level":5,"page":1747},{"title":"١٦ - رده للسنة والإجماع","level":5,"page":1748},{"title":"إشفاقنا على المفسر وتحذيرنا من تفسيره","level":4,"page":1750},{"title":"تفسير الأستاذ أحمد مظهر العظمة (١٣٢٧ - ١٤٠٣ هـ/١٩٠٩ - ١٩٨٢ م)","level":2,"page":1752},{"title":"١. منهجه في التفسير","level":3,"page":1753},{"title":"٢. نماذج من التفسير","level":3,"page":1754},{"title":"أ- من سورة الملك","level":4,"page":1754},{"title":"ب- النسق الفني في سورة المرسلات","level":4,"page":1756},{"title":"ج- آيات من سورة لقمان","level":4,"page":1756},{"title":"الصور البيانية","level":4,"page":1758},{"title":"٣. الإشارات العلمية في الآيات","level":3,"page":1760},{"title":"١ - الشمس والقمر بحسبان","level":4,"page":1760},{"title":"٢ - والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون","level":4,"page":1761},{"title":"٤. بيانه للقيم الدينية والاجتماعية والخلقية","level":3,"page":1762},{"title":"٣ - المفسر وآيات التشريع","level":4,"page":1762},{"title":"٤ - رأينا في التفسير","level":4,"page":1763},{"title":"منهج العلامة محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ/١٩٧٣ م) في تفسير التحرير والتنوير","level":2,"page":1766},{"title":"حياته","level":3,"page":1767},{"title":"قراءاته وأهم شيوخه حتى عام ١٨٩٩ م","level":3,"page":1768},{"title":"مؤلفاته وكتاباته","level":3,"page":1775},{"title":"أولا: مؤلفاته المطبوعة","level":4,"page":1775},{"title":"ثانيا: ومن كتبه المخطوطة","level":4,"page":1780},{"title":"المنهج العام لابن عاشور في تفسيره","level":3,"page":1782},{"title":"القسم الأول: مقدمات التفسير","level":4,"page":1782},{"title":"القسم الثاني: مدخل إلى تفسير السورة الكريمة","level":4,"page":1786},{"title":"رأي الشيخ في ترتيب سور القرآن الكريم","level":3,"page":1789},{"title":"الثاني: ترتيب السور حسب النزول","level":4,"page":1790},{"title":"طريقة ابن عاشور في تفسير السورة","level":3,"page":1794},{"title":"قضايا علوم القرآن في تفسيره","level":3,"page":1796},{"title":"١. الحديث عن الحروف المقطعة في أوائل السور","level":4,"page":1796},{"title":"٢. الأحرف السبعة","level":4,"page":1796},{"title":"٣. منسوخ التلاوة","level":4,"page":1798},{"title":"اهتمام الشيخ باللغة","level":3,"page":1800},{"title":"تناوب حروف الجر","level":3,"page":1804},{"title":"عناية الشيخ بالقضايا البلاغية","level":3,"page":1805},{"title":"عناية الشيخ بالقضايا العقدية","level":3,"page":1818},{"title":"عنايته بآيات الأحكام","level":3,"page":1824},{"title":"نكاح المتعة","level":3,"page":1827},{"title":"نكاح الربيبة","level":3,"page":1832},{"title":"الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة (ت ١٩٧٤ م) في زهرة التفاسير","level":2,"page":1834},{"title":"تعريف بالشيخ محمد أبو زهرة","level":3,"page":1836},{"title":"صفاته- سعة علمه ومبدؤه","level":4,"page":1839},{"title":"المؤلفات والبحوث","level":4,"page":1840},{"title":"أشهر مؤلفاته وكتبه","level":4,"page":1841},{"title":"وفاته","level":4,"page":1843},{"title":"المنهاج الذي اتبعه الشيخ","level":3,"page":1844},{"title":"التفسير بالرواية (المأثور)","level":3,"page":1847},{"title":"هل النبي -ﷺ- فسر القرآن الكريم كله؟","level":4,"page":1847},{"title":"تفسير القرآن بالراي","level":3,"page":1848},{"title":"الطريقة المثلى","level":3,"page":1849},{"title":"تفسير القرآن بالعلوم","level":3,"page":1850},{"title":"علم الكلام وأراء الفقهاء","level":3,"page":1851},{"title":"النسخ في القرآن الكريم","level":3,"page":1853},{"title":"المحكم والمتشابه","level":3,"page":1856},{"title":"القراءات القرآنية","level":3,"page":1857},{"title":"الشيخ لا يبين القراءة المتواترة من الشاذة","level":3,"page":1858},{"title":"مناسبة معجزة كل نبي لقومه","level":3,"page":1862},{"title":"نزول الفاتحة","level":3,"page":1862},{"title":"سورة الرعد مدنية","level":3,"page":1863},{"title":"رأيه في بعض مسائل التفسير","level":3,"page":1864},{"title":"رأيه في القتال","level":4,"page":1865},{"title":"رأيه في ترتيب نزول آيات الخمر","level":4,"page":1867},{"title":"قصة البقرة","level":4,"page":1872},{"title":"- رأيه في قتال الملائكة يوم بدر","level":4,"page":1877},{"title":"ترجيحات الشيخ","level":4,"page":1884},{"title":"عناية الشيخ بالقضايا اللغوية","level":4,"page":1884},{"title":"- عنايته بالقضايا البلاغية","level":4,"page":1885},{"title":"رأيه في التكرار","level":4,"page":1886},{"title":"رده القول بالزيادة","level":4,"page":1888},{"title":"القول بتناوب الحروف","level":4,"page":1889},{"title":"معنى الباء في بسم الله","level":4,"page":1889},{"title":"الفعل المحذوف بعد (بسم الله)","level":4,"page":1890},{"title":"حروف النداء","level":4,"page":1891},{"title":"معنى الباء في قوله تعالى: ﴿ذهب الله بنورهم﴾","level":4,"page":1893},{"title":"تأثره بالعلم الحديث","level":3,"page":1896},{"title":"١ - تفسيره للرعد","level":4,"page":1896},{"title":"٢ - تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات﴾","level":4,"page":1897},{"title":"ملاحظات حول التفسير","level":3,"page":1898},{"title":"منهج الشيخ عبد الكريم الخطيب (ت ١٩٨٥ م) في التفسير القرآني للقرآن","level":2,"page":1899},{"title":"أولا: تعريف بالمفسر عبد الكريم الخطيب","level":3,"page":1900},{"title":"ثانيا: التعريف العام بتفسير الخطيب","level":3,"page":1901},{"title":"ثالثا: المعالم الأساسية في منهج الخطيب في تفسيره","level":3,"page":1904},{"title":"١ - اهتمامه بعلوم القرآن","level":4,"page":1904},{"title":"٢ - اهتمامه بمسائل العقيدة","level":4,"page":1905},{"title":"موقفه من المشيئة","level":5,"page":1906},{"title":"موقفه من عقيدة تناسخ الأرواح","level":5,"page":1906},{"title":"موقفه من الستة أيام","level":5,"page":1907},{"title":"دفاع الخطيب عن عصمة الأنبياء","level":5,"page":1907},{"title":"موقفه من الاستواء","level":5,"page":1907},{"title":"موقفه من الرؤية","level":5,"page":1908},{"title":"تصوره ليوم القيامة","level":5,"page":1908},{"title":"٣ - المنهج الفقهي عند الخطيب","level":4,"page":1909},{"title":"إحياء فن النحت وصنع التماثيل","level":5,"page":1909},{"title":"مسألة مس المحدث للمصحف","level":5,"page":1910},{"title":"تفسير الخطيب لمصارف الزكاة","level":5,"page":1910},{"title":"رأي الخطيب في الخمر","level":5,"page":1910},{"title":"٤ - الاتجاه الاجتماعي في تفسير الخطيب","level":4,"page":1911},{"title":"٥ - اهتمامه بالقضايا السياسية","level":4,"page":1912},{"title":"٦ - الإعجاز القرآني عند الخطيب","level":4,"page":1913},{"title":"الإعجاز في النظم","level":5,"page":1914},{"title":"الإعجاز في الكلمة القرآنية","level":5,"page":1914},{"title":"الإعجاز الموسيقي في القرآن الكريم","level":5,"page":1915},{"title":"الإعجاز العلمي عند الخطيب","level":5,"page":1915},{"title":"٧ - مخالفته آراء العلماء والمفسرين","level":4,"page":1916},{"title":"٨ - ظهور التناقض في بعض آرائه","level":4,"page":1917},{"title":"رأيه في المحكم والمتشابه","level":5,"page":1917},{"title":"نفقة العدة للمطلقة طلاقا بائنا","level":5,"page":1918},{"title":"موقف الخطيب من الحروف المقطعة","level":5,"page":1918},{"title":"٩ - ظهور بعض الآراء الخطيرة","level":4,"page":1919},{"title":"القول بنظرية النشوء والارتقاء","level":5,"page":1919},{"title":"جرأة الخطيب على آيات كتاب الله","level":5,"page":1920},{"title":"الدعوة إلى وحدة الأديان","level":5,"page":1920},{"title":"١٠ - تعامله مع الروايات","level":4,"page":1921},{"title":"رد الأحاديث الصحيحة","level":5,"page":1921},{"title":"إهماله أسباب النزول","level":5,"page":1921},{"title":"موقفه من الإسرائيليات","level":5,"page":1922},{"title":"١١ - دفاعه عن الإسلام والقرآن","level":4,"page":1922},{"title":"تعدد الزوجات","level":5,"page":1922},{"title":"الإسلام والجنس","level":5,"page":1923},{"title":"شبهة انتشار الإسلام بالسيف","level":5,"page":1924},{"title":"موقف الخطيب من الحروف الزائدة والأقسام المنفية","level":5,"page":1924},{"title":"ظاهرة التكرار في القصة القرآنية","level":5,"page":1925}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84,"1,85":85,"1,86":86,"1,87":87,"1,88":88,"1,89":89,"1,90":90,"1,91":91,"1,92":92,"1,93":93,"1,94":94,"1,95":95,"1,96":96,"1,97":97,"1,98":98,"1,99":99,"1,100":100,"1,101":101,"1,102":102,"1,103":103,"1,105":104,"1,107":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111,"1,114":112,"1,115":113,"1,116":114,"1,117":115,"1,118":116,"1,119":117,"1,121":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,181":176,"1,183":177,"1,184":178,"1,185":179,"1,186":180,"1,187":181,"1,188":182,"1,189":183,"1,190":184,"1,191":185,"1,192":186,"1,193":187,"1,194":188,"1,195":189,"1,196":190,"1,197":191,"1,198":192,"1,199":193,"1,200":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,204":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,224":218,"1,225":219,"1,226":220,"1,227":221,"1,228":222,"1,229":223,"1,230":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,257":250,"1,258":251,"1,259":252,"1,260":253,"1,261":254,"1,262":255,"1,263":256,"1,264":257,"1,265":258,"1,266":259,"1,267":260,"1,268":261,"1,269":262,"1,270":263,"1,271":264,"1,272":265,"1,273":266,"1,274":267,"1,275":268,"1,276":269,"1,277":270,"1,278":271,"1,279":272,"1,280":273,"1,281":274,"1,282":275,"1,283":276,"1,284":277,"1,285":278,"1,286":279,"1,287":280,"1,288":281,"1,289":282,"1,290":283,"1,291":284,"1,292":285,"1,293":286,"1,294":287,"1,295":288,"1,296":289,"1,297":290,"1,298":291,"1,299":292,"1,300":293,"1,301":294,"1,302":295,"1,303":296,"1,304":297,"1,305":298,"1,306":299,"1,307":300,"1,308":301,"1,309":302,"1,310":303,"1,311":304,"1,312":305,"1,313":306,"1,314":307,"1,315":308,"1,316":309,"1,317":310,"1,318":311,"1,319":312,"1,320":313,"1,321":314,"1,322":315,"1,323":316,"1,324":317,"1,325":318,"1,326":319,"1,327":320,"1,328":321,"1,329":322,"1,330":323,"1,331":324,"1,332":325,"1,333":326,"1,334":327,"1,335":328,"1,336":329,"1,337":330,"1,338":331,"1,339":332,"1,340":333,"1,341":334,"1,342":335,"1,343":336,"1,344":337,"1,345":338,"1,346":339,"1,347":340,"1,348":341,"1,349":342,"1,350":343,"1,351":344,"1,352":345,"1,353":346,"1,354":347,"1,355":348,"1,356":349,"1,357":350,"1,358":351,"1,359":352,"1,360":353,"1,361":354,"1,362":355,"1,363":356,"1,364":357,"1,365":358,"1,366":359,"1,367":360,"1,368":361,"1,369":362,"1,370":363,"1,371":364,"1,372":365,"1,373":366,"1,374":367,"1,375":368,"1,376":369,"1,377":370,"1,378":371,"1,379":372,"1,380":373,"1,381":374,"1,382":375,"1,383":376,"1,384":377,"1,385":378,"1,386":379,"1,387":380,"1,388":381,"1,389":382,"1,390":383,"1,391":384,"1,392":385,"1,393":386,"1,394":387,"1,395":388,"1,397":389,"1,399":390,"1,400":391,"1,401":392,"1,403":393,"1,404":394,"1,405":395,"1,406":396,"1,407":397,"1,408":398,"1,409":399,"1,410":400,"1,411":401,"1,412":402,"1,413":403,"1,414":404,"1,415":405,"1,416":406,"1,417":407,"1,418":408,"1,419":409,"1,420":410,"1,421":411,"1,422":412,"1,423":413,"1,424":414,"1,425":415,"1,426":416,"1,427":417,"1,428":418,"1,429":419,"1,430":420,"1,431":421,"1,432":422,"1,433":423,"1,434":424,"1,435":425,"1,436":426,"1,437":427,"1,438":428,"1,439":429,"1,440":430,"1,441":431,"1,442":432,"1,443":433,"1,444":434,"1,445":435,"1,446":436,"1,447":437,"1,448":438,"1,449":439,"1,450":440,"1,451":441,"1,452":442,"1,453":443,"1,454":444,"1,455":445,"1,456":446,"1,457":447,"1,458":448,"1,459":449,"1,460":450,"1,461":451,"1,462":452,"1,463":453,"1,464":454,"1,465":455,"1,466":456,"1,467":457,"1,468":458,"1,469":459,"1,470":460,"1,471":461,"1,472":462,"1,473":463,"1,474":464,"1,475":465,"1,476":466,"1,477":467,"1,478":468,"1,479":469,"1,480":470,"1,481":471,"1,482":472,"1,483":473,"1,484":474,"1,485":475,"1,486":476,"1,487":477,"1,488":478,"1,489":479,"1,490":480,"1,491":481,"1,492":482,"1,493":483,"1,494":484,"1,495":485,"1,496":486,"1,497":487,"1,498":488,"1,499":489,"1,500":490,"1,501":491,"1,502":492,"1,503":493,"1,505":494,"1,506":495,"1,507":496,"1,508":497,"1,509":498,"1,510":499,"1,511":500,"1,512":501,"1,513":502,"1,514":503,"1,515":504,"1,516":505,"1,517":506,"1,518":507,"1,519":508,"1,520":509,"1,521":510,"1,522":511,"1,523":512,"1,524":513,"1,525":514,"1,526":515,"1,527":516,"1,528":517,"1,529":518,"1,530":519,"1,531":520,"1,532":521,"1,533":522,"1,535":523,"1,536":524,"1,537":525,"1,538":526,"1,539":527,"1,540":528,"1,541":529,"1,542":530,"1,543":531,"1,544":532,"1,545":533,"1,546":534,"1,547":535,"1,548":536,"1,549":537,"1,550":538,"1,551":539,"1,552":540,"1,553":541,"1,554":542,"1,555":543,"1,556":544,"1,557":545,"1,558":546,"1,559":547,"1,560":548,"1,561":549,"1,562":550,"1,563":551,"1,564":552,"1,565":553,"1,567":554,"1,569":555,"1,570":556,"1,571":557,"1,572":558,"1,573":559,"1,574":560,"1,575":561,"1,576":562,"1,577":563,"1,578":564,"1,579":565,"1,580":566,"1,581":567,"1,582":568,"1,583":569,"1,584":570,"1,585":571,"1,586":572,"1,587":573,"1,588":574,"1,589":575,"1,590":576,"1,591":577,"1,592":578,"1,593":579,"1,594":580,"1,595":581,"1,596":582,"1,597":583,"1,598":584,"1,599":585,"1,600":586,"1,601":587,"1,602":588,"1,603":589,"1,604":590,"1,605":591,"1,606":592,"1,607":593,"1,608":594,"1,609":595,"1,610":596,"1,611":597,"1,612":598,"1,613":599,"1,614":600,"1,615":601,"1,616":602,"1,617":603,"1,618":604,"1,619":605,"1,620":606,"1,621":607,"1,622":608,"1,623":609,"1,624":610,"1,625":611,"1,626":612,"1,627":613,"1,628":614,"1,629":615,"1,630":616,"1,631":617,"1,632":618,"1,633":619,"1,634":620,"1,635":621,"1,636":622,"1,637":623,"1,638":624,"1,639":625,"1,640":626,"1,641":627,"1,642":628,"1,643":629,"1,645":630,"1,646":631,"1,647":632,"1,648":633,"1,649":634,"1,650":635,"1,651":636,"1,652":637,"1,653":638,"1,654":639,"1,655":640,"1,656":641,"1,657":642,"1,658":643,"1,659":644,"1,660":645,"1,661":646,"1,662":647,"1,663":648,"1,664":649,"1,665":650,"1,667":651,"1,668":652,"1,669":653,"1,670":654,"1,671":655,"1,672":656,"1,673":657,"1,674":658,"1,675":659,"1,676":660,"1,677":661,"1,678":662,"1,679":663,"1,680":664,"1,681":665,"1,682":666,"1,683":667,"1,684":668,"1,685":669,"1,686":670,"1,687":671,"1,688":672,"1,689":673,"1,690":674,"1,691":675,"1,692":676,"1,693":677,"1,694":678,"1,695":679,"1,696":680,"1,697":681,"1,698":682,"1,699":683,"1,700":684,"1,701":685,"1,702":686,"1,703":687,"1,704":688,"1,705":689,"1,706":690,"1,707":691,"1,708":692,"1,709":693,"1,710":694,"1,711":695,"1,712":696,"1,713":697,"1,714":698,"2,1":699,"2,2":700,"2,3":701,"2,4":702,"2,5":703,"2,6":704,"2,7":705,"2,8":706,"2,9":707,"2,10":708,"2,11":709,"2,13":710,"2,14":711,"2,15":712,"2,16":713,"2,17":714,"2,18":715,"2,19":716,"2,20":717,"2,21":718,"2,22":719,"2,23":720,"2,24":721,"2,25":722,"2,26":723,"2,27":724,"2,28":725,"2,29":726,"2,30":727,"2,31":728,"2,32":729,"2,33":730,"2,34":731,"2,35":732,"2,36":733,"2,37":734,"2,38":735,"2,39":736,"2,40":737,"2,41":738,"2,42":739,"2,43":740,"2,44":741,"2,45":742,"2,46":743,"2,47":744,"2,48":745,"2,49":746,"2,50":747,"2,51":748,"2,52":749,"2,53":750,"2,54":751,"2,55":752,"2,56":753,"2,57":754,"2,58":755,"2,59":756,"2,60":757,"2,61":758,"2,62":759,"2,63":760,"2,64":761,"2,65":762,"2,66":763,"2,67":764,"2,68":765,"2,69":766,"2,70":767,"2,71":768,"2,72":769,"2,73":770,"2,74":771,"2,75":772,"2,76":773,"2,77":774,"2,78":775,"2,79":776,"2,80":777,"2,81":778,"2,82":779,"2,83":780,"2,84":781,"2,85":782,"2,86":783,"2,87":784,"2,88":785,"2,89":786,"2,90":787,"2,91":788,"2,92":789,"2,93":790,"2,94":791,"2,95":792,"2,96":793,"2,97":794,"2,98":795,"2,99":796,"2,100":797,"2,101":798,"2,102":799,"2,103":800,"2,104":801,"2,105":802,"2,106":803,"2,107":804,"2,108":805,"2,109":806,"2,110":807,"2,111":808,"2,112":809,"2,113":810,"2,114":811,"2,115":812,"2,116":813,"2,117":814,"2,118":815,"2,119":816,"2,120":817,"2,121":818,"2,122":819,"2,123":820,"2,124":821,"2,125":822,"2,126":823,"2,127":824,"2,128":825,"2,129":826,"2,130":827,"2,131":828,"2,132":829,"2,133":830,"2,134":831,"2,135":832,"2,136":833,"2,137":834,"2,138":835,"2,139":836,"2,140":837,"2,141":838,"2,142":839,"2,143":840,"2,144":841,"2,145":842,"2,146":843,"2,147":844,"2,148":845,"2,149":846,"2,150":847,"2,151":848,"2,152":849,"2,153":850,"2,154":851,"2,155":852,"2,156":853,"2,157":854,"2,158":855,"2,159":856,"2,160":857,"2,161":858,"2,162":859,"2,163":860,"2,164":861,"2,165":862,"2,166":863,"2,167":864,"2,168":865,"2,169":866,"2,170":867,"2,171":868,"2,172":869,"2,173":870,"2,174":871,"2,175":872,"2,176":873,"2,177":874,"2,178":875,"2,179":876,"2,180":877,"2,181":878,"2,182":879,"2,183":880,"2,184":881,"2,185":882,"2,186":883,"2,187":884,"2,188":885,"2,189":886,"2,190":887,"2,191":888,"2,192":889,"2,193":890,"2,194":891,"2,195":892,"2,196":893,"2,197":894,"2,198":895,"2,199":896,"2,200":897,"2,201":898,"2,202":899,"2,203":900,"2,204":901,"2,205":902,"2,206":903,"2,207":904,"2,208":905,"2,209":906,"2,210":907,"2,211":908,"2,212":909,"2,213":910,"2,214":911,"2,215":912,"2,216":913,"2,217":914,"2,218":915,"2,219":916,"2,220":917,"2,221":918,"2,222":919,"2,223":920,"2,224":921,"2,225":922,"2,226":923,"2,227":924,"2,228":925,"2,229":926,"2,230":927,"2,231":928,"2,232":929,"2,233":930,"2,234":931,"2,235":932,"2,236":933,"2,237":934,"2,238":935,"2,239":936,"2,240":937,"2,241":938,"2,242":939,"2,243":940,"2,244":941,"2,245":942,"2,246":943,"2,247":944,"2,248":945,"2,249":946,"2,250":947,"2,251":948,"2,252":949,"2,253":950,"2,254":951,"2,255":952,"2,256":953,"2,257":954,"2,258":955,"2,259":956,"2,260":957,"2,261":958,"2,262":959,"2,263":960,"2,264":961,"2,265":962,"2,266":963,"2,267":964,"2,268":965,"2,269":966,"2,270":967,"2,271":968,"2,272":969,"2,273":970,"2,274":971,"2,275":972,"2,276":973,"2,277":974,"2,278":975,"2,279":976,"2,280":977,"2,281":978,"2,282":979,"2,283":980,"2,284":981,"2,285":982,"2,286":983,"2,287":984,"2,288":985,"2,289":986,"2,290":987,"2,291":988,"2,292":989,"2,293":990,"2,294":991,"2,295":992,"2,296":993,"2,297":994,"2,298":995,"2,299":996,"2,301":997,"2,302":998,"2,303":999,"2,304":1000,"2,305":1001,"2,306":1002,"2,307":1003,"2,308":1004,"2,309":1005,"2,310":1006,"2,311":1007,"2,312":1008,"2,313":1009,"2,314":1010,"2,315":1011,"2,316":1012,"2,317":1013,"2,318":1014,"2,319":1015,"2,320":1016,"2,321":1017,"2,322":1018,"2,323":1019,"2,324":1020,"2,325":1021,"2,326":1022,"2,327":1023,"2,328":1024,"2,329":1025,"2,330":1026,"2,331":1027,"2,332":1028,"2,333":1029,"2,334":1030,"2,335":1031,"2,336":1032,"2,337":1033,"2,338":1034,"2,339":1035,"2,340":1036,"2,341":1037,"2,342":1038,"2,343":1039,"2,344":1040,"2,345":1041,"2,346":1042,"2,347":1043,"2,348":1044,"2,349":1045,"2,350":1046,"2,351":1047,"2,352":1048,"2,353":1049,"2,354":1050,"2,355":1051,"2,356":1052,"2,357":1053,"2,358":1054,"2,359":1055,"2,360":1056,"2,361":1057,"2,362":1058,"2,363":1059,"2,364":1060,"2,365":1061,"2,366":1062,"2,367":1063,"2,368":1064,"2,369":1065,"2,370":1066,"2,371":1067,"2,372":1068,"2,373":1069,"2,374":1070,"2,375":1071,"2,376":1072,"2,377":1073,"2,378":1074,"2,379":1075,"2,380":1076,"2,381":1077,"2,382":1078,"2,383":1079,"2,384":1080,"2,385":1081,"2,386":1082,"2,387":1083,"2,388":1084,"2,389":1085,"2,390":1086,"2,391":1087,"2,392":1088,"2,393":1089,"2,394":1090,"2,395":1091,"2,396":1092,"2,397":1093,"2,398":1094,"2,399":1095,"2,400":1096,"2,401":1097,"2,402":1098,"2,403":1099,"2,404":1100,"2,405":1101,"2,406":1102,"2,407":1103,"2,408":1104,"2,409":1105,"2,410":1106,"2,411":1107,"2,412":1108,"2,413":1109,"2,414":1110,"2,415":1111,"2,416":1112,"2,417":1113,"2,418":1114,"2,419":1115,"2,420":1116,"2,421":1117,"2,422":1118,"2,423":1119,"2,424":1120,"2,425":1121,"2,426":1122,"2,427":1123,"2,428":1124,"2,429":1125,"2,430":1126,"2,431":1127,"2,432":1128,"2,433":1129,"2,434":1130,"2,435":1131,"2,436":1132,"2,437":1133,"2,438":1134,"2,439":1135,"2,440":1136,"2,441":1137,"2,442":1138,"2,443":1139,"2,444":1140,"2,445":1141,"2,446":1142,"2,447":1143,"2,448":1144,"2,449":1145,"2,450":1146,"2,451":1147,"2,452":1148,"2,453":1149,"2,454":1150,"2,455":1151,"2,457":1152,"2,458":1153,"2,459":1154,"2,460":1155,"2,461":1156,"2,462":1157,"2,463":1158,"2,464":1159,"2,465":1160,"2,466":1161,"2,467":1162,"2,468":1163,"2,469":1164,"2,470":1165,"2,471":1166,"2,472":1167,"2,473":1168,"2,474":1169,"2,475":1170,"2,476":1171,"2,477":1172,"2,478":1173,"2,479":1174,"2,480":1175,"2,481":1176,"2,482":1177,"2,483":1178,"2,484":1179,"2,485":1180,"2,486":1181,"2,487":1182,"2,488":1183,"2,489":1184,"2,490":1185,"2,491":1186,"2,492":1187,"2,493":1188,"2,494":1189,"2,495":1190,"2,496":1191,"2,497":1192,"2,498":1193,"2,499":1194,"2,500":1195,"2,501":1196,"2,502":1197,"2,503":1198,"2,504":1199,"2,505":1200,"2,506":1201,"2,507":1202,"2,508":1203,"2,509":1204,"2,510":1205,"2,511":1206,"2,512":1207,"2,513":1208,"2,514":1209,"2,515":1210,"2,516":1211,"2,517":1212,"2,518":1213,"2,519":1214,"2,520":1215,"2,521":1216,"2,522":1217,"2,523":1218,"2,524":1219,"2,525":1220,"2,526":1221,"2,527":1222,"2,528":1223,"2,529":1224,"2,530":1225,"2,531":1226,"2,532":1227,"2,533":1228,"2,534":1229,"2,535":1230,"2,536":1231,"2,537":1232,"2,538":1233,"2,539":1234,"2,540":1235,"2,541":1236,"2,542":1237,"2,543":1238,"2,544":1239,"2,545":1240,"2,546":1241,"2,547":1242,"2,548":1243,"2,549":1244,"2,550":1245,"2,551":1246,"2,552":1247,"2,553":1248,"2,554":1249,"2,555":1250,"2,556":1251,"2,557":1252,"2,558":1253,"2,559":1254,"2,560":1255,"2,561":1256,"2,562":1257,"2,563":1258,"2,564":1259,"2,565":1260,"2,566":1261,"2,567":1262,"2,568":1263,"2,569":1264,"2,570":1265,"2,571":1266,"2,572":1267,"2,573":1268,"2,574":1269,"2,575":1270,"2,576":1271,"2,577":1272,"2,578":1273,"2,579":1274,"2,580":1275,"2,581":1276,"2,582":1277,"2,583":1278,"2,584":1279,"2,585":1280,"2,586":1281,"2,587":1282,"2,588":1283,"2,589":1284,"2,590":1285,"2,591":1286,"2,592":1287,"2,593":1288,"2,594":1289,"2,595":1290,"2,596":1291,"2,597":1292,"2,598":1293,"2,599":1294,"2,600":1295,"2,601":1296,"2,602":1297,"2,603":1298,"2,604":1299,"2,605":1300,"2,606":1301,"2,607":1302,"2,608":1303,"2,609":1304,"2,610":1305,"2,611":1306,"2,612":1307,"2,613":1308,"2,614":1309,"2,615":1310,"2,616":1311,"2,617":1312,"2,618":1313,"2,619":1314,"2,620":1315,"2,621":1316,"2,622":1317,"2,623":1318,"2,624":1319,"2,625":1320,"2,626":1321,"2,627":1322,"2,628":1323,"2,629":1324,"2,630":1325,"2,631":1326,"2,632":1327,"2,633":1328,"2,634":1329,"2,635":1330,"2,636":1331,"2,637":1332,"2,638":1333,"2,639":1334,"2,640":1335,"2,641":1336,"2,642":1337,"2,643":1338,"2,644":1339,"2,645":1340,"2,646":1341,"2,647":1342,"2,648":1343,"2,649":1344,"2,650":1345,"2,651":1346,"2,652":1347,"2,653":1348,"2,654":1349,"2,655":1350,"2,656":1351,"2,657":1352,"2,658":1353,"2,659":1354,"2,660":1355,"2,661":1356,"2,662":1357,"2,663":1358,"2,664":1359,"2,665":1360,"2,666":1361,"2,667":1362,"2,668":1363,"2,669":1364,"2,670":1365,"2,671":1366,"2,672":1367,"2,673":1368,"2,674":1369,"2,675":1370,"2,676":1371,"2,677":1372,"2,678":1373,"2,679":1374,"2,680":1375,"2,681":1376,"2,682":1377,"2,683":1378,"2,684":1379,"2,685":1380,"2,686":1381,"2,687":1382,"2,688":1383,"2,689":1384,"2,690":1385,"2,691":1386,"2,692":1387,"2,693":1388,"2,694":1389,"2,695":1390,"2,696":1391,"2,697":1392,"2,698":1393,"2,699":1394,"2,700":1395,"2,701":1396,"2,702":1397,"2,703":1398,"2,704":1399,"2,705":1400,"2,706":1401,"2,707":1402,"2,708":1403,"2,709":1404,"2,710":1405,"2,711":1406,"2,712":1407,"2,713":1408,"2,714":1409,"2,715":1410,"2,716":1411,"2,717":1412,"2,718":1413,"2,719":1414,"2,720":1415,"2,721":1416,"2,722":1417,"2,723":1418,"2,724":1419,"2,725":1420,"2,726":1421,"2,727":1422,"2,728":1423,"2,729":1424,"2,730":1425,"2,731":1426,"2,732":1427,"2,733":1428,"2,734":1429,"2,735":1430,"2,736":1431,"2,737":1432,"2,738":1433,"2,739":1434,"2,740":1435,"2,741":1436,"2,742":1437,"2,743":1438,"2,744":1439,"2,745":1440,"2,746":1441,"2,747":1442,"2,748":1443,"2,749":1444,"2,750":1445,"2,751":1446,"2,752":1447,"2,753":1448,"2,754":1449,"2,755":1450,"2,756":1451,"2,757":1452,"2,758":1453,"2,759":1454,"2,760":1455,"2,761":1456,"2,762":1457,"2,763":1458,"2,764":1459,"2,765":1460,"2,766":1461,"2,767":1462,"2,768":1463,"2,769":1464,"2,770":1465,"2,771":1466,"2,772":1467,"2,773":1468,"2,774":1469,"2,775":1470,"2,776":1471,"2,777":1472,"2,778":1473,"2,779":1474,"2,780":1475,"2,781":1476,"2,783":1477,"2,784":1478,"2,785":1479,"2,786":1480,"2,787":1481,"2,788":1482,"3,1":1483,"3,2":1484,"3,3":1485,"3,4":1486,"3,5":1487,"3,6":1488,"3,7":1489,"3,9":1490,"3,10":1491,"3,11":1492,"3,12":1493,"3,13":1494,"3,14":1495,"3,15":1496,"3,16":1497,"3,17":1498,"3,18":1499,"3,19":1500,"3,20":1501,"3,21":1502,"3,22":1503,"3,23":1504,"3,24":1505,"3,25":1506,"3,26":1507,"3,27":1508,"3,28":1509,"3,29":1510,"3,30":1511,"3,31":1512,"3,32":1513,"3,33":1514,"3,34":1515,"3,35":1516,"3,36":1517,"3,37":1518,"3,38":1519,"3,39":1520,"3,40":1521,"3,41":1522,"3,42":1523,"3,43":1524,"3,44":1525,"3,45":1526,"3,47":1527,"3,49":1528,"3,50":1529,"3,51":1530,"3,52":1531,"3,53":1532,"3,54":1533,"3,55":1534,"3,56":1535,"3,57":1536,"3,58":1537,"3,59":1538,"3,60":1539,"3,61":1540,"3,62":1541,"3,63":1542,"3,64":1543,"3,65":1544,"3,66":1545,"3,67":1546,"3,68":1547,"3,69":1548,"3,70":1549,"3,71":1550,"3,72":1551,"3,73":1552,"3,74":1553,"3,75":1554,"3,76":1555,"3,77":1556,"3,78":1557,"3,79":1558,"3,80":1559,"3,81":1560,"3,83":1561,"3,84":1562,"3,85":1563,"3,86":1564,"3,87":1565,"3,88":1566,"3,89":1567,"3,90":1568,"3,91":1569,"3,92":1570,"3,93":1571,"3,94":1572,"3,95":1573,"3,96":1574,"3,97":1575,"3,98":1576,"3,99":1577,"3,100":1578,"3,101":1579,"3,102":1580,"3,103":1581,"3,104":1582,"3,105":1583,"3,106":1584,"3,107":1585,"3,108":1586,"3,109":1587,"3,110":1588,"3,111":1589,"3,112":1590,"3,113":1591,"3,114":1592,"3,115":1593,"3,116":1594,"3,117":1595,"3,118":1596,"3,119":1597,"3,120":1598,"3,121":1599,"3,122":1600,"3,123":1601,"3,124":1602,"3,125":1603,"3,126":1604,"3,127":1605,"3,128":1606,"3,129":1607,"3,130":1608,"3,131":1609,"3,132":1610,"3,133":1611,"3,134":1612,"3,135":1613,"3,136":1614,"3,137":1615,"3,138":1616,"3,139":1617,"3,140":1618,"3,141":1619,"3,142":1620,"3,143":1621,"3,144":1622,"3,145":1623,"3,147":1624,"3,148":1625,"3,149":1626,"3,150":1627,"3,151":1628,"3,152":1629,"3,153":1630,"3,154":1631,"3,155":1632,"3,156":1633,"3,157":1634,"3,158":1635,"3,159":1636,"3,160":1637,"3,161":1638,"3,162":1639,"3,163":1640,"3,164":1641,"3,165":1642,"3,166":1643,"3,167":1644,"3,168":1645,"3,169":1646,"3,170":1647,"3,171":1648,"3,172":1649,"3,173":1650,"3,174":1651,"3,175":1652,"3,176":1653,"3,177":1654,"3,178":1655,"3,179":1656,"3,180":1657,"3,181":1658,"3,182":1659,"3,183":1660,"3,184":1661,"3,185":1662,"3,186":1663,"3,187":1664,"3,188":1665,"3,189":1666,"3,190":1667,"3,191":1668,"3,192":1669,"3,193":1670,"3,194":1671,"3,195":1672,"3,196":1673,"3,197":1674,"3,198":1675,"3,199":1676,"3,200":1677,"3,201":1678,"3,202":1679,"3,203":1680,"3,204":1681,"3,205":1682,"3,206":1683,"3,207":1684,"3,208":1685,"3,209":1686,"3,210":1687,"3,211":1688,"3,212":1689,"3,213":1690,"3,214":1691,"3,215":1692,"3,216":1693,"3,217":1694,"3,218":1695,"3,219":1696,"3,220":1697,"3,221":1698,"3,222":1699,"3,223":1700,"3,224":1701,"3,225":1702,"3,226":1703,"3,227":1704,"3,228":1705,"3,229":1706,"3,230":1707,"3,231":1708,"3,232":1709,"3,233":1710,"3,234":1711,"3,235":1712,"3,236":1713,"3,237":1714,"3,238":1715,"3,239":1716,"3,240":1717,"3,241":1718,"3,243":1719,"3,245":1720,"3,246":1721,"3,247":1722,"3,248":1723,"3,249":1724,"3,250":1725,"3,251":1726,"3,252":1727,"3,253":1728,"3,254":1729,"3,255":1730,"3,256":1731,"3,257":1732,"3,258":1733,"3,259":1734,"3,260":1735,"3,261":1736,"3,262":1737,"3,263":1738,"3,264":1739,"3,265":1740,"3,266":1741,"3,267":1742,"3,268":1743,"3,269":1744,"3,270":1745,"3,271":1746,"3,272":1747,"3,273":1748,"3,274":1749,"3,275":1750,"3,276":1751,"3,277":1752,"3,279":1753,"3,280":1754,"3,281":1755,"3,282":1756,"3,283":1757,"3,284":1758,"3,285":1759,"3,286":1760,"3,287":1761,"3,288":1762,"3,289":1763,"3,290":1764,"3,291":1765,"3,293":1766,"3,295":1767,"3,296":1768,"3,297":1769,"3,298":1770,"3,299":1771,"3,300":1772,"3,301":1773,"3,302":1774,"3,303":1775,"3,304":1776,"3,305":1777,"3,306":1778,"3,307":1779,"3,308":1780,"3,309":1781,"3,310":1782,"3,311":1783,"3,312":1784,"3,313":1785,"3,314":1786,"3,315":1787,"3,316":1788,"3,317":1789,"3,318":1790,"3,319":1791,"3,320":1792,"3,321":1793,"3,322":1794,"3,323":1795,"3,324":1796,"3,325":1797,"3,326":1798,"3,327":1799,"3,328":1800,"3,329":1801,"3,330":1802,"3,331":1803,"3,332":1804,"3,333":1805,"3,334":1806,"3,335":1807,"3,336":1808,"3,337":1809,"3,338":1810,"3,339":1811,"3,340":1812,"3,341":1813,"3,342":1814,"3,343":1815,"3,344":1816,"3,345":1817,"3,346":1818,"3,347":1819,"3,348":1820,"3,349":1821,"3,350":1822,"3,351":1823,"3,352":1824,"3,353":1825,"3,354":1826,"3,355":1827,"3,356":1828,"3,357":1829,"3,358":1830,"3,359":1831,"3,360":1832,"3,361":1833,"3,363":1834,"3,365":1835,"3,366":1836,"3,367":1837,"3,368":1838,"3,369":1839,"3,370":1840,"3,371":1841,"3,372":1842,"3,373":1843,"3,374":1844,"3,375":1845,"3,376":1846,"3,377":1847,"3,378":1848,"3,379":1849,"3,380":1850,"3,381":1851,"3,382":1852,"3,383":1853,"3,384":1854,"3,385":1855,"3,386":1856,"3,387":1857,"3,388":1858,"3,389":1859,"3,390":1860,"3,391":1861,"3,392":1862,"3,393":1863,"3,394":1864,"3,395":1865,"3,396":1866,"3,397":1867,"3,398":1868,"3,399":1869,"3,400":1870,"3,401":1871,"3,402":1872,"3,403":1873,"3,404":1874,"3,405":1875,"3,406":1876,"3,407":1877,"3,408":1878,"3,409":1879,"3,410":1880,"3,411":1881,"3,412":1882,"3,413":1883,"3,414":1884,"3,415":1885,"3,416":1886,"3,417":1887,"3,418":1888,"3,419":1889,"3,420":1890,"3,421":1891,"3,422":1892,"3,423":1893,"3,424":1894,"3,425":1895,"3,426":1896,"3,427":1897,"3,428":1898,"3,429":1899,"3,431":1900,"3,432":1901,"3,433":1902,"3,434":1903,"3,435":1904,"3,436":1905,"3,437":1906,"3,438":1907,"3,439":1908,"3,440":1909,"3,441":1910,"3,442":1911,"3,443":1912,"3,444":1913,"3,445":1914,"3,446":1915,"3,447":1916,"3,448":1917,"3,449":1918,"3,450":1919,"3,451":1920,"3,452":1921,"3,453":1922,"3,454":1923,"3,455":1924,"3,456":1925},"ٜ":{"1":[1,714],"2":[1,788],"3":[1,456]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,105","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,121","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,181","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,397","1,399","1,400","1,401","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,567","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,728","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,47","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,243","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,293","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,363","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456"],"ٞ":{"5":[1],"7":[2,3],"9":[4],"19":[5,6],"22":[7],"26":[8],"33":[9],"37":[10],"39":[11],"40":[12,13],"41":[14],"42":[15],"43":[16],"44":[17,18],"46":[19],"48":[20],"50":[21],"56":[22,23],"61":[24],"65":[25],"66":[26],"70":[27,28],"73":[29,30],"76":[31],"77":[32],"78":[33],"79":[34],"80":[35],"81":[36,37],"82":[38],"83":[39],"86":[40],"87":[41],"90":[42],"98":[43],"102":[44],"103":[45],"104":[46],"105":[47,48],"111":[49],"114":[50],"117":[51],"118":[52],"119":[53,54],"123":[55],"124":[56],"126":[57],"127":[58],"129":[59,60],"130":[61],"132":[62],"133":[63],"134":[64,65,66],"138":[67],"139":[68],"140":[69],"141":[70,71],"143":[72],"144":[73],"145":[74],"146":[75],"153":[76],"154":[77],"156":[78],"164":[79],"165":[80],"166":[81],"167":[82,83],"168":[84],"173":[85],"176":[86],"177":[87,88],"179":[89],"182":[90],"183":[91,92,93],"184":[94],"185":[95],"186":[96],"188":[97,98],"190":[99,100,101],"193":[102],"197":[103],"199":[104],"200":[105],"201":[106,107],"202":[108],"203":[109],"207":[110],"216":[111],"220":[112],"221":[113],"223":[114],"225":[115],"230":[116],"232":[117,118],"233":[119],"234":[120],"237":[121],"240":[122],"241":[123],"243":[124,125,126],"244":[127,128,129],"245":[130],"247":[131],"249":[132],"250":[133,134],"251":[135,136],"252":[137],"253":[138],"255":[139],"261":[140],"264":[141],"270":[142,143],"271":[144],"277":[145],"282":[146],"285":[147],"286":[148],"288":[149],"292":[150],"303":[151],"304":[152],"305":[153],"310":[154],"314":[155,156],"320":[157],"353":[158],"361":[159],"364":[160],"370":[161],"385":[162],"389":[163],"390":[164],"392":[165],"393":[166],"395":[167],"396":[168,169],"401":[170],"410":[171],"418":[172],"438":[173],"439":[174],"440":[175],"442":[176],"444":[177],"445":[178],"446":[179],"447":[180,181],"449":[182],"452":[183],"455":[184,185],"456":[186],"457":[187],"459":[188],"462":[189],"467":[190,191],"469":[192],"473":[193],"475":[194],"476":[195],"477":[196],"480":[197],"486":[198],"487":[199,200],"488":[201],"490":[202],"491":[203],"493":[204],"494":[205],"495":[206],"496":[207,208,209,210],"497":[211],"498":[212],"500":[213,214],"502":[215],"507":[216],"509":[217],"510":[218],"511":[219],"512":[220],"514":[221],"515":[222,223],"516":[224],"518":[225],"521":[226],"522":[227],"523":[228],"524":[229],"525":[230,231,232,233],"526":[234],"528":[235],"529":[236],"531":[237],"532":[238],"534":[239],"542":[240],"551":[241],"554":[242],"555":[243],"557":[244],"558":[245],"559":[246],"562":[247,248],"564":[249],"566":[250,251,252,253],"568":[254],"571":[255],"581":[256,257],"583":[258],"585":[259],"587":[260],"588":[261,262],"589":[263,264],"597":[265,266],"599":[267,268],"600":[269],"601":[270],"602":[271,272],"603":[273],"604":[274,275,276],"605":[277],"606":[278,279],"607":[280,281,282],"609":[283],"613":[284,285,286],"616":[287],"617":[288],"618":[289],"620":[290],"621":[291],"623":[292],"626":[293],"629":[294],"630":[295],"631":[296,297,298],"632":[299],"633":[300],"634":[301],"635":[302,303],"636":[304,305],"637":[306,307,308],"639":[309,310],"641":[311],"643":[312],"645":[313],"646":[314,315,316,317],"647":[318],"648":[319],"650":[320],"651":[321],"652":[322,323],"653":[324],"654":[325],"656":[326],"658":[327],"660":[328],"661":[329],"663":[330],"665":[331,332],"668":[333],"669":[334],"670":[335],"677":[336],"686":[337],"689":[338],"692":[339],"693":[340],"703":[341,342],"709":[343],"710":[344,345],"712":[346],"713":[347],"714":[348],"715":[349,350],"718":[351,352],"719":[353],"723":[354],"724":[355],"726":[356],"727":[357],"728":[358],"729":[359],"730":[360],"732":[361],"733":[362],"737":[363],"743":[364,365],"746":[366,367],"748":[368,369],"752":[370],"756":[371],"757":[372],"760":[373],"761":[374],"764":[375],"765":[376],"768":[377],"772":[378],"773":[379],"776":[380],"777":[381],"780":[382],"781":[383],"783":[384],"786":[385],"787":[386],"788":[387],"791":[388],"792":[389],"794":[390,391],"796":[392],"797":[393],"798":[394],"799":[395],"813":[396],"826":[397],"828":[398],"833":[399,400,401],"835":[402],"845":[403],"853":[404],"855":[405],"876":[406],"877":[407,408],"878":[409],"880":[410],"884":[411],"886":[412],"889":[413],"890":[414],"895":[415],"897":[416],"901":[417],"903":[418,419,420],"904":[421,422,423],"905":[424,425,426],"915":[427],"926":[428,429],"927":[430],"931":[431],"933":[432],"937":[433],"938":[434,435],"939":[436],"940":[437,438],"942":[439,440,441],"943":[442],"946":[443,444,445],"947":[446],"959":[447,448],"960":[449],"961":[450],"963":[451,452],"966":[453],"967":[454],"968":[455,456],"969":[457,458],"971":[459],"972":[460],"974":[461],"975":[462,463],"977":[464],"978":[465,466],"979":[467],"980":[468],"984":[469],"988":[470],"990":[471,472],"991":[473],"992":[474],"997":[475,476,477],"1001":[478],"1002":[479],"1004":[480],"1008":[481],"1014":[482],"1015":[483,484],"1019":[485,486],"1020":[487],"1022":[488],"1023":[489,490],"1025":[491],"1026":[492],"1027":[493],"1028":[494],"1029":[495],"1030":[496],"1032":[497,498],"1033":[499,500],"1034":[501],"1035":[502],"1040":[503],"1046":[504],"1048":[505],"1050":[506,507],"1051":[508],"1053":[509],"1056":[510,511],"1058":[512],"1062":[513],"1065":[514,515],"1066":[516],"1072":[517],"1073":[518],"1080":[519],"1081":[520],"1084":[521],"1089":[522],"1094":[523],"1098":[524],"1104":[525,526,527],"1105":[528],"1108":[529],"1109":[530],"1110":[531],"1111":[532],"1112":[533,534],"1113":[535,536,537],"1114":[538],"1116":[539,540],"1117":[541],"1127":[542],"1128":[543,544],"1135":[545,546],"1137":[547],"1139":[548],"1140":[549],"1141":[550],"1143":[551],"1145":[552],"1151":[553],"1152":[554,555],"1154":[556],"1155":[557,558],"1157":[559],"1159":[560],"1161":[561,562],"1164":[563,564],"1168":[565,566],"1169":[567],"1171":[568],"1174":[569],"1176":[570],"1181":[571],"1183":[572,573],"1185":[574,575],"1186":[576],"1187":[577,578,579],"1188":[580],"1189":[581],"1191":[582,583],"1208":[584],"1217":[585],"1220":[586,587,588],"1222":[589],"1225":[590,591],"1226":[592,593],"1229":[594,595],"1230":[596,597],"1231":[598],"1232":[599],"1233":[600],"1235":[601,602],"1236":[603,604],"1237":[605,606,607],"1238":[608],"1241":[609],"1242":[610,611],"1243":[612],"1244":[613],"1248":[614],"1251":[615],"1252":[616],"1253":[617],"1254":[618,619],"1256":[620],"1260":[621,622],"1261":[623],"1263":[624],"1264":[625,626,627],"1266":[628],"1267":[629],"1268":[630,631],"1269":[632],"1271":[633],"1272":[634],"1275":[635],"1280":[636],"1281":[637],"1283":[638],"1284":[639,640],"1290":[641,642,643],"1295":[644,645],"1296":[646],"1299":[647,648],"1303":[649],"1304":[650,651],"1305":[652,653],"1306":[654,655],"1308":[656,657],"1311":[658,659,660],"1314":[661,662],"1317":[663],"1322":[664],"1334":[665,666,667],"1335":[668],"1355":[669],"1364":[670],"1366":[671],"1370":[672],"1371":[673],"1372":[674],"1383":[675],"1401":[676],"1403":[677],"1410":[678],"1411":[679],"1414":[680],"1415":[681],"1418":[682],"1419":[683],"1428":[684],"1430":[685],"1431":[686],"1433":[687],"1436":[688],"1440":[689],"1441":[690],"1443":[691],"1444":[692],"1445":[693,694],"1451":[695],"1454":[696,697],"1462":[698,699],"1469":[700],"1473":[701],"1475":[702],"1477":[703],"1487":[704,705],"1489":[706],"1490":[707,708],"1493":[709],"1496":[710,711],"1498":[712],"1499":[713],"1500":[714],"1501":[715,716,717],"1503":[718],"1505":[719],"1506":[720,721],"1507":[722],"1508":[723],"1509":[724],"1510":[725],"1512":[726],"1514":[727],"1515":[728],"1517":[729,730],"1518":[731],"1520":[732],"1521":[733,734],"1522":[735],"1523":[736,737],"1527":[738],"1528":[739],"1529":[740],"1530":[741],"1533":[742],"1539":[743],"1542":[744],"1543":[745],"1544":[746],"1547":[747],"1549":[748],"1553":[749],"1554":[750],"1555":[751],"1556":[752],"1560":[753],"1561":[754,755],"1562":[756],"1563":[757],"1565":[758],"1573":[759],"1577":[760,761],"1579":[762,763],"1580":[764],"1581":[765],"1582":[766,767],"1583":[768],"1584":[769,770],"1594":[771],"1601":[772],"1605":[773,774],"1608":[775],"1610":[776],"1614":[777],"1619":[778],"1623":[779],"1624":[780,781],"1625":[782],"1626":[783,784],"1627":[785],"1629":[786],"1630":[787],"1631":[788],"1634":[789,790],"1636":[791],"1638":[792],"1639":[793,794],"1640":[795,796],"1643":[797],"1644":[798],"1645":[799],"1646":[800],"1647":[801],"1648":[802],"1649":[803,804],"1654":[805],"1655":[806],"1656":[807],"1657":[808],"1658":[809],"1659":[810],"1660":[811],"1662":[812],"1663":[813],"1665":[814,815],"1666":[816],"1668":[817],"1670":[818,819],"1672":[820],"1673":[821,822,823],"1675":[824],"1676":[825,826],"1677":[827,828],"1680":[829],"1681":[830],"1682":[831],"1684":[832],"1686":[833],"1687":[834],"1689":[835],"1690":[836],"1692":[837],"1694":[838],"1696":[839],"1698":[840,841],"1702":[842],"1707":[843],"1710":[844,845],"1713":[846],"1715":[847],"1717":[848],"1719":[849],"1720":[850,851,852],"1722":[853],"1724":[854,855],"1726":[856],"1727":[857],"1728":[858],"1729":[859],"1731":[860],"1732":[861,862],"1734":[863,864,865],"1735":[866,867,868],"1736":[869],"1737":[870],"1738":[871,872],"1739":[873,874],"1740":[875],"1742":[876,877],"1743":[878],"1744":[879],"1745":[880],"1747":[881],"1748":[882],"1750":[883],"1752":[884],"1753":[885],"1754":[886,887],"1756":[888,889],"1758":[890],"1760":[891,892],"1761":[893],"1762":[894,895],"1763":[896],"1766":[897],"1767":[898],"1768":[899],"1775":[900,901],"1780":[902],"1782":[903,904],"1786":[905],"1789":[906],"1790":[907],"1794":[908],"1796":[909,910,911],"1798":[912],"1800":[913],"1804":[914],"1805":[915],"1818":[916],"1824":[917],"1827":[918],"1832":[919],"1834":[920],"1836":[921],"1839":[922],"1840":[923],"1841":[924],"1843":[925],"1844":[926],"1847":[927,928],"1848":[929],"1849":[930],"1850":[931],"1851":[932],"1853":[933],"1856":[934],"1857":[935],"1858":[936],"1862":[937,938],"1863":[939],"1864":[940],"1865":[941],"1867":[942],"1872":[943],"1877":[944],"1884":[945,946],"1885":[947],"1886":[948],"1888":[949],"1889":[950,951],"1890":[952],"1891":[953],"1893":[954],"1896":[955,956],"1897":[957],"1898":[958],"1899":[959],"1900":[960],"1901":[961],"1904":[962,963],"1905":[964],"1906":[965,966],"1907":[967,968,969],"1908":[970,971],"1909":[972,973],"1910":[974,975,976],"1911":[977],"1912":[978],"1913":[979],"1914":[980,981],"1915":[982,983],"1916":[984],"1917":[985,986],"1918":[987,988],"1919":[989,990],"1920":[991,992],"1921":[993,994,995],"1922":[996,997,998],"1923":[999],"1924":[1000,1001],"1925":[1002]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"التفسير والمُفَسِّرون\nأساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث\nالتفسير\nأساسياته واتجاهُه\nالجزء الأول\nالأستاذ الدكتور فضل حسن عبَّاس\nدار النفائس\nللنشر والتوزيع","vol":"1","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة].\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\n﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة].","vol":"1","page":2},{"text":"التفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث (١)","vol":"1","page":3},{"text":"حقوق الطبع محفوظة\n١٤٣٧ هـ -٢٠١٦ م\nالطبعة الأولى\nرقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية\n١٤٨٨/ ٤ / ٢٠١٥\n٢٢٢\nعباس، فضل حسن\nالتفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث/ فضل حسن عباس. طـ ١ - عمان- دار النفائس للنشر والتوزيع-٢٠١٥\n() ص.\nالواصفات: التفسير// المفسرون// القرآن الكريم/\nتنويه مهم\nتحت طائلة المسائلة القانونية يمنع تصوير هذا الكتاب أو استخدامه بأنواع النشر كافة.\nدار النفائس\nللنشر والتوزيع -الأردن\nالعبدلي -مقابل مركز جوهرة القدس\nص. ب ٩٢٧٥١١ عمان ١١١٩٠ الأردن\nهاتف: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤٠\nفاكس: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤١\nEmail: alnafaes@hotmail.com\nwww.al-nafaes.com","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة السلسلة</span>\nالحمد لله رب العالمين، حمدًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... وبعد:\nفإن الله تعالى قد أكرم هذه الأمة بهذا القرآن العظيم، الذي حقق لها النصر والسيادة، وحقق لها وللإنسانية جمعاء حضارة عظيمة، ومن هنا وجدنا العلماء يستخرجون الفوائد والثمرات، بل الكنوز من هذا القرآن العظيم.\nولقد أكرم الله تعالى والدي، الأستاذ العلّامة الدكتور فضل حسن عباس، بأن كان في ركب هؤلاء العلماء الأفذاذ، درس ما كتبه السابقون، وهضمه بحق وتناوله بالشرح والتفصيل، والتدقيق والتمحيص والرد والترجيح.\nومن هنا بدأ بكتابة سلسلة \"التفسير والمفسرون، أساسيات واتجاهات مدارس ومناهج\"، ولحاجة طلاب العلم لتلك الرسالة رأى أن يطبعها بعد أن يعيد صياغتها، ويغير في تركيبها، ويزيد عليها ما شاء الله له أن يزيد.\nوقد قسمها إلى ثلاثة أجزاء:\nالجزء الأول: التفسير أساسيته واتجاهاته: تحدث فيه عن معنى التفسير وأنواعه ومراحله وتطوره عبر السنين، كما تحدث فيه عن اختلاف المفسرين وأسباب الاختلاف وما يتعلق بالإسرائيليات، ثم تحدث عن اتجاهات التفسير من الاتجاه البياني والفقهي والاتجاه العقائدي والموضوعي ضاربًا الأمثلة والعلماء أصحاب هذه الاتجاهات، وتحدث المؤلف عن التفسيرات المنحرفة.","vol":"1","page":5},{"text":"الجزء الثاني: تحدث المؤلف ﵀ فيه عن مدارس التفسير: وهي المدرسة العقلية الاجتماعية، والمدرسة العلمية، والمدرسة التربوية والوجدانية، ومدرسة الجمهور، وقد تحدث عن مناهج ثلة من العلماء ونماذج من تفسيراتهم ومحاسنهم.\nالجزء الثالث: تحدث فيه عن مناهج بعض المفسرين ومنهم الشيخ الأستاذ أبو الأعلى المودودي، والأستاذ سعيد حوى في تفسير الأساس، والأستاذ عزت دروزة والتفسير الحديث، والأستاذ عبد القادر ملا حويش وبيان المعاني، والشيخ الشنقيطي في أضواء البيان، وغيرهم.\nرحم الله والدي الدكتور فضل حسن عباس وجزاه خيرًا على جهوده العظيمة التي بذلها في خدمة هذا الكتاب، ورحم الله علماء هذه الأمة، ورحم الله المسلمين أحياءً وأمواتًا.\nاللهم اغفر لوالدي ولوالديه، واجعل هذا العمل خالصًا لوجهك الكريم وانفع به، واجعله ذخرًا له ولنا. رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا وللمؤمنين والمؤمنات. رب اغفر لي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرًا. رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي، وأصلح لوالدي في ذريته إني تبت إليك وإني من المسلمين، اللهم تقبل من والدي، وتجاوز عن سيئاته، وتقبل منا وتجاوز عن سيئاتنا.\nوصلَّى الله على سيد الخلق والمرسلين سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه.\n\nسناء فضل حسن عباس\nعمان في ١٥/ ٢٠١٥/١ م","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مقدمة</span>\nالحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده. يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك يا الله. والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله الذي أرسله رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والداعين بدعوته.\nاللهم صلِّ على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، ناصر الحق بالحق، والهادي إلى صراطك المستقيم، وعلى آله وصحبه حق قدره ومقداره العظيم. اللهم صلِّ على سيدنا محمد خير البرية صلاة ترضيك وترضيه وترضى بها عنا يا رب العالمين.\nلقد حقق هذا القرآن لهذه الأمة من السؤدد والنصر في أقل الأزمنة وأقصر الطرق ما لم تكن تحلم به أبدًا. كما حقق للإنسانية كلها حضارة وارفة الظلال مشرقة الجوانب، ومن هنا عني الأئمة والعلماء باستخراج كنوزه وتجلية معانيه وتوضيح مقاصده.\nولقد حرصت في كتابي هذا على شيئين:\n١ - الإيجاز ما استطعت، وذلك لأن البحث بطبيعته بحث واسع لأنه يعرض اتجاهات التفسير ومناهج المفسرين، فكان لا بد لي من عدم الإطناب حتى لا يصبح الكتاب سفرًا ضخمًا.\n٢ - محاولة إماطة كل شبهة تعرض لنا في بحثنا هذا، ذلك أن إماطة الأذى عن الطريق من شعب الإيمان، فكيف إذا كان عن طريق القرآن.\nوالله أسأل أن يوفقنا لنقوم بما لهذا القرآن من حق علينا، وأن يجنبنا الزلل والخطأ وهو حسبنا ونعم الوكيل.\nولقد شاء الله أن يكون هذا الكتاب الأول من السلسلة الموسومة بـ \"اتجاهات التفسير ومناهج المفسرين في العصر الحديث\" متضمنًا تمهيدًا وثلاثة أبواب.","vol":"1","page":7},{"text":"فأما التمهيد فيعرض جهود الكاتبين في هذا المضمار.\nوأما الباب الأول: فأعرض فيه لنشأة التفسير وتطوره، والمراحل التي مرّ بها، وأقسامه، وما ورد على كل قسم من هذه الأقسام، والإسرائيليات.\nوأما الباب الثاني فأعرض فيه أسباب اختلاف المفسرين.\nأما الباب الثالث فسأعرض فيه اتجاهات التفسير كما تبدو لي كما هي في حقيقتها، وسأعرض ذلك بشيء من التفصيل مناقشًا كل ما أجده في طريق البحث من قضايا وأقوال لا بد من التعليق عليها، راجيًا من الله ﵎ أن لا يكون البحث تكرارًا لما قيل من قبل أو نقلًا من أسود إلى أبيض، وأن يجد فيه القارئ جدَّةً في المعلومات وفي المنهج وفي الأسلوب، وتلك نعمة من نِعَم الله أرجو الله أن يعينني على شكرها والوفاء بها.\nوالله أسأل أن يكون هذا العمل خالصًا لوجهه وأن ينفع به، وأن يجعله ذخرًا، وأن يكون من العلم الذي ينتفع به، رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنًا وللمؤمنين والمؤمنات، رب اغفر لي ولوالدي رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا، رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليَّ وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين، رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والدي وأن أعمل صالحًا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين، واجعلنا اللهم من الذين تتقبل عنهم أحسن ما عملوا وتتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة، وعد الصدق الذي كانوا يوعدون.\nوصلَّى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وبارك وسلَّم تسليمًا كثيرًا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nفضل حسن أحمد عباس\nالثاني من شهر رجب من عام ألف وأربعمائة وخمسة وعشرين للهجرة النبوية الشريفة","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>التمهيد:\nجهود الكاتبين في هذا المضمار التفسير والمفسرون للدكتور محمد حسين الذهبي</span>\nيقع هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء. بدأه المؤلف ببيان معنى التفسير والتأويل، والفرق بينهما، وتحدث عن تفسير القرآن بغير لغته أو ما يسمى بالترجمة التفسيرية للقرآن، والترجمة الحرفية.\nوانتقل للحديث عن نشأة التفسير في عصر الرسول -ﷺ- والصحابة والتابعين، وهو يرى أن الإسرائيليات كانت مصدرًا من مصادر التفسير في عصر الصحابة والتابعين، وأن ابن عباس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب ويأخذون عنهم ولكن كان ذلك في دائرة محدودة ضيقة تتفق مع القرآن وتشهد له، ويرد على جولد زيهر وأحمد أمين اللذين يدعيان أن الصحابة ومنهم ابن عباس كانوا يتوسعون في الأخذ عن أهل الكتاب (١).\nثم يتحدث عن المرحلة التالية وهي مرحلة التدوين وهذه تبدأ من أواخر عهد بني أمية، وأول عهد العباسيين إلى يومنا هذا، وتدرج التفسير خلالها كثيرًا، واتجهت الكتب المؤلفة فيها اتجاهات متنوعة، أما في العصر الحاضر فقد غلب اللون الأدبي الاجتماعي على التفسير، ووجدت بعض محاولات علمية في كثير منها تكلف ظاهر وغلو كثير.\nويتحدث الكاتب عن التفسير بالمأثور ويعني به تفسير القرآن بالقرآن وبما نقل عن الرسول -ﷺ- وما نقل عن الصحابة رضوان الله عليهم وما نقل عن التابعين، ويحدثنا عن تدرج التفسير بالمأثور وأسباب الضعف فيه، فمنها كثرة الوضع في\n_________\n(١) وسنناقش الأستاذ ﵀ في هذه القضية فيما بعد إن شاء الله.","vol":"1","page":9},{"text":"التفسير، وهو يرى أن التفسير الموضوع لا يخلو من قيمة علمية لأنه مهما كثر الوضع في التفسير فإن الوضع ينصب على الرواية نفسها.\nأما التفسير في حد ذاته فليس دائما أمرًا خياليًا بعيدًا عن الآية، وإنما هو في كثير من الأحيان نتيجة اجتهاد علمي له قيمته (١). وهذا قول فيه ما فيه.\nومن أسباب الضعف: الإسرائيليات وحذف الأسانيد: ويرى أن دخولها في التفسير أمر يرجع إلى عهد الصحابة، ويستدل لذلك بأخذ ابن عباس عن أبي الجلد، ولكنه يرى أن أخذ ابن عباس عن أبي الجلد لم يكن كثيرا، كما لم يكن في كل الموضوعات كذلك، بل كان في أمور غير جوهرية، وذلك لأنّ ابن عباس -﵄- كان يشدد النكير على من يكثر النقل من الإسرائيليات.\nويتحدث عن أشهر ما دون من كتب التفسير بالمأثور جامع البيان في تفسير القرآن للطبري، وبحر العلوم للسمرقندي، والكشف والبيان عن تفسير القرآن لأبي إسحاق الثعلبي، ومعالم التنزيل لأبي محمد الحسن البغوي، والمحرر الوجيز لابن عطية، وتفسير القرآن لابن كثير، والجواهر الحسان للثعالبي، والدر المنثور للسيوطي.\nبعد ذلك يتحدث عن التفسير بالرأي، وما يتعلق به من مباحث ويعرض بإيجاز أهم كتب التفسير بالرأي الجائز والتي منها مفاتيح الغيب للرازي وأنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي، ومدارك التنزيل للنسفي، والبحر المحيط لأبي حيان وتفسير أبي السعود، وروح المعاني للآلوسي وغيرها، حيث يعرف في كل منها بالمؤلف، ثم بالتفسير وطريقة مؤلفه فيه.\nوينتقل للحديث عن التفسير بالرأي المذموم، أو تفسير الفرق المبتدعة، فيتحدث عن كثير من الفرق بالتفصيل ومن هذه الفرق -كما يرى- المعتزلة، حيث كان لهم موقفهم الخاص من تفسير القرآن الكريم، فقد أقاموا تفسيرهم على\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ص ١٦٤.","vol":"1","page":10},{"text":"أصولهم الخمسة كما أقاموا مذهبهم عليها، ويقول الشيخ إنهم ينكرون الأحاديث الصحيحة إذا عارضت آراءهم، ويتصرفون في القراءات المتواترة التي تخالف مذهبهم ومن ذلك مثلًا قوله. ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ فالقراءة الصحيحة عندهم (كلم اللهَ موسى) (١) ويذكر أهم كتب المعتزلة، ومنها تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبار وأمالي الشريف المرتضى، والكشاف للزمخشري.\nويتحدث عن موقف الشيعة من تفسير القرآن الكريم، وهم -كما نعرف- انقسموا إلى أكثر من حزب، كل حزب منهم ذهب في التفسير حسب أهوائه وآرائه، والكاتب يقصر بحثه على طائفتين هما الإمامية الاثنا عشرية، والزيدية، حيث يبين موقف كل طائفة من تفسير القرآن الكريم.\nأما الإمامية، فإننا نجدهم يلقون على الأئمة نوعًا من التقديس، والتعظيم، إذ الأئمة هم أركان الأرض أن تميد بأهلها، وحجة الله البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى، ولذا فهم يعتقدون أن الإمام له صلة روحية بالله تعالى، وهم متأثرون كذلك بالمعتزلة في آرائهم، وهم لا يرون أن للقرآن ظهرًا وبطنًا فحسب، بل له سبعة وسبعين بطنًا كذلك .. إن الإمامية يجوزون أن يكون للآية الواحدة أكثر من تفسير واحد، مع التناقض والاختلاف بين هذه التفاسير (٢) وها هم وقد أحسوا بخطر موقفهم وتحرجه، فقرروا بعض المبادئ، وأوجبوا على الناس الاعتقاد بها ومن هذه أن الإمام مفوض من قبل الله في تفسير القرآن الكريم وأنه مفوض في سياسة الأمة، والتقية.\n_________\n(١) سامح الله الشيخ، لقد بالغ في هذه القضية، ولا نستطيع أن نقول إن هذا رأي المعتزلة، فها هو شيخ المعتزلة الزمخشري في تفسير الكشاف لا يذكر شيئًا من هذا، حتى إن ابن المنير الذي يتتبع الزمخشري في كل شاردة وواردة، وصغيرة وكبيرة يقول عند تفسير هذه الآية (وصدق الزمخشري وأنصف -إنه لمن بدع التفاسير التي ينبو عنها الفهم ولا يبين بها إلا الوهم [١/ ٥٩١].\nورحم الله شيخنا الذهبي رحمة واسعة، وأكرمه بنزل الشهداء، فما كنا نودّ أن يصدر عنه مثل هذا.\n(٢) وهذا كسابقه لا نستطيع أن نعممه عليهم جميعًا، وسيظهر لنا هذا فيما بعد.","vol":"1","page":11},{"text":"وقد كان للإمامية موقفهم من الأحاديث النبوية التي تخالف آراءهم، وكان بدهيًا أن يتخلص القوم من كل هذه الروايات إما بطريق ردها، وإما بطريق تأويلها والرد عندهم سهل ميسور.\nومن أهم تفاسيرهم التي عرض لها الشيخ مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار لمولى عبد اللطيف الكازراني، وتفسير الحسن بن علي الهادي العسكري. ومجمع البيان للطبرسي، وتفسير القرآن للسيد عبد الله العلوي وغيرها من التفاسير، وقد أطال الشيخ كثيرًا وهو يتحدث عن تفاسير الشيعة، حيث يذكر في كل تفسير ما ذكر في غيره، وكان يمكن أن يكتفي بما ذكره في تفسير واحد ويحيل عليها.\nويتحدث عن الإسماعيلية (الباطنية) ويقول إنهم من الشيعة الإمامية التي تنسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، ويلقبون بالباطنية أيضًا لقولهم بباطن القرآن دون ظاهره، أو لقولهم بالإمام الباطن المستور، وهذه الطائفة لا يمكن أن تكون داخلة في عداد طوائف المسلمين. وإنما هي في الأصل جماعة من المجوس رأوا شوكة الإسلام قوية لا تقهر وأبصروا عزة الإسلام، فرأوا أنهم لن يستطيعوا التخلص منه إلا عن طريق الاحتيال الذي يوصلهم إلى مآربهم (١).\nأما الفرقة الثانية التي تحدث عنها فهي الزيدية، وهذه الفرقة أقرب فرق الشيعة إلى مذهب أهل السنة، ولم يصلنا من كتبهم إلا فتح القدير للشوكاني (٢)، والثمرات اليانعة لشمس الدين يوسف بن أحمد، ويتساءل الكاتب هل هذا هو كل ما أنتجته هذه الطائفة، أو أن هناك كتبًا أخرى درست، أو لم يكتب لها الذيوع والانتشار؟\nويرجح أن تكون هناك كتب كثيرة في التفسير لهذه الطائفة، منها ما درس ومنها ما بقي إلى اليوم مطمورًا في بعض المكتبات الخاصة، إذ ليس من المعقول أن\n_________\n(١) فليسوا -إذن- من الشيعة الإمامية رحم الله الشيخ الذهبي.\n(٢) إن عدّ تفسير فتح القدير من تفاسير الشيعة الزيدية مسألة فيها نظر، لأن الشوكاني -﵀- خالف الزيدية في كثير من القضايا.","vol":"1","page":12},{"text":"لا يكون لطائفة إسلامية قامت من قديم الزمان، وبقيت محتفظة بتعاليمها ومقوماتها إلى يومنا هذا إلا كتابٌ أو كتابان، وقد أخذ يبحث عن كتبهم -كما يقول عن نفسه- فوجد في الفهرست لابن النديم أن لمقاتل بن سليمان -وعدّه من الزيدية- كتاب التفسير الكبير، وكتاب نوادر التفسير، ووجد أن صاحب كتاب شرح الأزهار وهو من كتب الزيدية يذكر تفسيرات عديدة للزيدية منها تفسير غريب القرآن للإمام زيد بن علي. ويختم حديثه عن الزيدية، بعرض كتاب فتح القدير للشوكاني.\nويتحدث الكاتب عن فرقة الخوارج التي ظهرت بعد مقتل عثمان بن عفان ﵁، وقد افترقوا فرقًا: منها الأزارقة، والنجدات، والصفرية والإباضية، ويتحدث عن موقف الخوارج من التفسير، فهم عندما ينظرون إلى القرآن لا يتعمقون في التأويل ولا يغوصون وراء المعاني الحقيقية، ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث عن أهداف القرآن وأسراره -كما يقول الشيخ- بل يقفون عند حرفية ألفاظه، وينظرون إلى الآيات نظرة سطحيّة، وربما كانت الآية لا تنطبق على ما يقصدون إليه ولا تتصل بالموضوع الذي يستدلون بها عليه، لأنهم فهموا ظاهرًا معطلًا، وأخذوا بفهم غير مراد.\nأما من حيث الإنتاج التفسيري للخوارج فهو قليل بالنسبة لفرق المعتزلة، والشيعة ومن الكتب الموجودة: داعي العمل ليوم الأجل، وهميان الزاد إلى دار المعاد، وتيسير التفسير لمحمد اطفيش، وكتب الخوارج الموجودة اليوم كلها للإباضية، ولعل السر في ذلك أن جميع فرق الخوارج ما عدا الإباضية بادت ولم يبق لها أثر، أما الإباضية فموجودون إلى يومنا هذا، ومذهبهم منتشر في بلاد المغرب وحضرموت، وعمان، وزنجبار، ويذكر الشيخ الذهبي بعض الأسباب التي جعلت إنتاج الخوارج في التفسير قليلًا، ومن هذه الأسباب أن الخوارج كان أكثرهم من البادية ولغلبة البداوة عليهم كانوا أبعد الناس عن التطور الديني والعلمي والاجتماعي وكانوا يمثلون الإسلام الأول في بساطته وعلى فطرته، والثاني أنهم","vol":"1","page":13},{"text":"شغلوا بالحروب من مبدأ نشأتهم وكانت حروبًا قاسية طويلة ومتتابعة، والثالث أنهم مع ما هم عليه من شؤون -كانوا يخلصون لعقيدتهم ويتمسكون بإيمانهم إلى حد كبير، ويرون أن الكذب جريمة من أكبر الجرائم، فلعل هذا دعاهم إلى عدم الخوض في تفسير القرآن الكريم.\nوينتقل الكاتب للحديث عن التفسير الصوفي، والإشاري ثم التفسير الفلسفي، حيث دخلت الترجمة إلى بلاد المسلمين في العصر العباسي، وترجمت الكتب إلى اللغة العربية من اللغات المختلفة ومن هذه الكتب كتب الفلسفة، وقد قرأ بعض المسلمين هذه الكتب الفلسفية، فراقت لبعض منهم، ولم ترق لآخرين، والذين راقت لهم حاولوا التوفيق بينها وبين الدين عن طريقتين:\nالأولى: طريقة التأويل للنصوص الدينية والحقائق الشرعية بما يتفق مع الآراء الفلسفية أي. إخضاع تلك النصوص والحقائق إلى هذه الآراء حتى تسايرها وتتمشى معها.\nوالثانية: شرح النصوص الدينية والحقائق الشرعية بالآراء والنظريات الفلسفية ومعنى هذا أن تطغى الفلسفة على الدين وتتحكم في نصوصه وهذه الطريقة أخطر من الأولى وأكثر شرًّا منها على الدين.\nويأتي ببعض الشروح الفلسفية للقرآن، من مثل تفسير الفارابي، وتفسير إخوان الصفا وابن سينا الذي كان حريصًا كل الحرص على أن يوفق بين الدين والفلسفة والذي حكم النظريات الفلسفية في النصوص القرآنية فشرحها شرحًا فلسفيًا بحتًا، ومن تفسيره ما ذكره عند قوله تعالى ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ قال: هذه القوة التي توقع الوسوسة هي القوة المتخيلة بحسب صيرورتها مستعملة للنفس الحيوانية، ثم إن حركتها تكون بالعكس، فإن النفس وجهها إلى المبادئ المفارقة، فالقوة المتخيلة إذا جذبتها إلى الاشتغال بالمادة وعلائقها فتلك القوة تخنس أي تتحرك بالعكس وتجذب النفس الإنسانية إلى العكس، فلهذا سمي خناسًا.","vol":"1","page":14},{"text":"وينتقل إلى الحديث عن تفسير الفقهاء فيتحدث عن نشأة هذا اللون من التفسير، ويذكر المؤلفات في التفسير الفقهي عند أهل السنة وغيرهم ويعرض لنا كتاب أحكام القرآن للجصاص الحنفي وأحكام القرآن للكيا الهراسي الشافعي، وأحكام ابن العربي المالكي، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وفي فقه الشيعة يعرض كتاب كنز العرفان لمقداد السيوري.\nويتحدث عن الاتجاه العلمي في التفسير حيث يبدأ الحديث بتعريف التفسير العلمي، فهو التفسير الذي يحكم الاصطلاحات العلمية في عبارات القرآن ويجهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها.\nويعرض آراء القائلين بهذا النوع ومنهم الغزالي والسيوطي والرازي، وآراء المنكرين وعلى رأسهم الشاطبي في كتابه الموافقات وهو يوافق الشاطبي في ما ذهب إليه لأنه لا يعقل من حيث اللغة أن تفسر ألفاظ القرآن بتلك المعاني التي حدثت بعد نزول القرآن بأجيال، في الوقت الذي نزلت هذه الألفاظ من عند الله، وتليت أول ما تليت على من كان حول النبي -ﷺ-، ثم إذا ذهبنا مذهب أرباب التفسير العلمي وقلنا إن القرآن متضمن لكل العلوم، وألفاظه محتملة لهذه المعاني المستحدثة، أوقعنا أنفسنا في ورطة لا خلاص لنا منها إلا بما يخدش بلاغة القرآن أو يذهب بفطانة العرب، فإذا قلنا إن العرب كانوا يجهلون هذه المعاني الجديدة فمعنى ذلك أن القرآن غير بليغ لأنه لم يراع حال المخاطب (١).\nوفي خاتمة المطاف يعطي كلمة عامة عن التفسير وألوانه في العصر الحديث، فهو يرى أن الأوائل لم يتركوا للأواخر كبير جهد في تفسير كتاب الله، فقد وفوا التفسير حقه من الناحية اللغوية والبلاغية، والناحية الأدبية، والناحية النحوية والفقهية، والمذهيية، والكونية الفلسفية، ومن ثم كان عصر الركود والجمود، ثم\n_________\n(١) رحم الله الشيخ الذهبي، فليس الأمر كما ذكر، وسيأتي لهذه القضية مزيد تفصيل إن شاء الله.","vol":"1","page":15},{"text":"جاء العصر الحديث، وكانت معه النهضة العلمية الحديثة، فاتجهت أنظار العلماء للتخلص من نطاق الجمود، فتخلصوا من كثير من الاستطرادات العلمية ونقوا التفسير من الإسرائيليات، ومحصوا الأحاديث المروية عن الرسول -ﷺ- وألبسوا التفسير ثوبًا أدبيا اجتماعيًا، ويجمل ألوان التفسير في العصر الحديث (١) بما يلي:\nالأول: اللون العلمي.\nالثاني: اللون المذهبي.\nالثالث: اللون الإلحادي.\nالرابع: اللون الأدبي الاجتماعي.\nويتحدث عن كل لون من هذه الألوان، كيف راجت في العصر الحاضر وعن الكتب التي تحدثت عن هذه الألوان.\nويعني باللون المذهبي تفاسير الفرق والمذاهب، كالزيدية والإمامية والإباضية، وهذه الفرق ما تزال موجودة في العصر الحاضر، ولذلك بقي اللون المذهبي لتفسير القرآن قائمًا في العصر الحديث بمقدار ما بقي قائمًا من المذاهب الإسلامية.\nواللون الإلحادي يقصد به ما ورد من تفسيرات بعيدة عن كتاب الله تعالى، وقد ظهر من هؤلاء مَنْ حسب أن التجديد -ولو بتحريف كتاب الله- سبب لظهوره وشهرته فأخذ يثور على قدماء المفسرين ويرميهم جميعًا بالسفه والغفلة.\nومنهم من تلقى من العلم حظًّا يسيرًا لا يرقى به إلى مصاف العلماء، ولكنه اغتر بما لديه فحسب أنه بلغ مبلغ الراسخين في العلم، ونسي أنه قل في علم اللغة نصيبه وخف في علم الشريعة وزنه، فراح ينظر في كتاب الله نظرة حرة لا تتقيد بأي\n_________\n(١) لم يستوعب الشيخ الحديث عن التفسير في العصر الحديث، وكل ما ذكره شذرات قليلة ليس فيها كثير غناء.","vol":"1","page":16},{"text":"أصل من أصول التفسير، ثم أخذ يهذي بأفهام فاسدة تتنافى مع ما قرره أئمة اللغة وأئمة الدين.\nومنهم من لم يرسم لنفسه نحلة دينية ولم يسر على عقيدة معروفة، ولكنه لعبت برأسه الغواية وتسلطت على قلبه وعقله أفكار وآراء من نحل مختلفة، فانطلق إلى القرآن وهو يحمل في قلبه ورأسه هذه الأمشاج من الآراء، فأخذ يؤوله بما يتفق معها، تأويلًا لا يقره العقل ولا يرضاه الدين.\nويعرض الشيخ الذهبي نماذج للتفسير الإلحادي، كتبها أصحابها، ولكنه لا يذكر أحدًا باسمه أو لقبه، لأنه ربما كان هذا سببًا للفتنة وباعثًا على العداوة، وبخاصة وقد كان كثيرون منهم أحياء زمن الشيخ الذهبي ﵀ (١).\nأما اللون الرابع فهو اللون الأدبي الاجتماعي ويعني بذلك أن التفسير لم يعد يظهر عليه في هذا العصر ذلك الطابع الجاف الذي يصرف الناس عن هداية القرآن، وإنما ظهر عليه طابع آخر وتلون بلون يكاد يكون جديدًا وطارئًا على التفسير، وذلك هو معالجة النصوص القرآنية معالجة تقوم أولًا وقبل كل شيء على إظهار مواضع الدقة في التعبير القرآنية، ثم بعد ذلك تصاغ المعاني التي يهدف القرآن إليها في أسلوب شيق أخاذ، ثم يطلق النص القرآني على ما في الكون من سنن الاجتماع ونظم العمران، ويتحدث تحت -هذا اللون- عن مدرسة الأستاذ الشيخ محمد عبده.\nوبعد هذا العرض يجدر بنا أن نعرف أن هذا الكتاب هو أول كتاب عن تاريخ التفسير ومذاهب المفسرين في العصر الحديث، وهي رسالة قدمها الشيخ -يرحمه الله- لنيل درجة الأستاذية التي كانت تعرف بهذا الاسم، والطلاب الذين\n_________\n(١) وقد أشرت إلى هذا في كتاب (قصص القرآن صدق حدث وسمو هدف) عند حديثي عن قصة أيوب ﵊.","vol":"1","page":17},{"text":"يودون الحصول على هذه الدرجة، كان يسمى تخصصهم تخصص المادة، وهذا قبل أن يتأثر الأزهر بكلمتي ماجستير ودكتوراه، ولقد قدمها الشيخ في منتصف الأربعينيات، وكتبها الشيخ في أقل من سنتين، ومع أن هذا الكتاب كان مادة لكل من كتب في هذا الموضوع بعد الشيخ -﵀- فأكلهم أفاد منه سواء الذين أشاروا إليه أم لم يشيروا فإن هناك أمورًا حريًّا بها أن تسجل منها:\nأن الشيخ -﵀- يحرص كثيرًا على أن يثبت أن للقرآن ظهرًا وبطنًا، فيذكر ذلك في أكثر من موضع من كتابه، مع أن الأحاديث في ذلك لا يعول عليها، ولقد قلت للشيخ -﵀- وكان المشرف الأول على رسالتي (الدكتوراه) -إنني أخالفه في هذه القضية، وقد دللت على مخالفتي له، فقال - بكل رضًا وسرور- وهذه ميزة العالم الكريم- سأسرق هذه منك يا شيخ فضل عندما أطبع الكتاب مرة ثانية، ولكن ستكون سرقة شريفة، فرحم الله الشيخ الذهبي، وهكذا يعلمنا هؤلاء، الذوق والأدب مع العلم.\n- ومنها أن الشيخ -﵀- لم يتعمق كثيرًا في كثير مما تناوله، بل كان أسلوبه وصفيًا في كثير من الأحيان.\n- ومنها أنه كان يحمل -ولا أود أن أقول يقسو- على بعض المخالفين كلما مر معنا في حديثه عن المعتزلة، لأن بعضهم رد القراءة المتواترة في قول الله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ وكحديثه عن بعض أجلة علماء الأزهر في تفسيره لقصة أيوب ﵊، حيث رد عليه الشيخ الذهبي ردًّا قاسيًا.\n- ومنها أنه كان يسهب كثيرًا في حديثه عن تفسيرات الفرق المتعددة.\n- ومنها أن حديثه عن التفسير في العصر الحديث كان موجزًا مقتضبًا.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>مناقشة بعض الكاتبين للشيخ الذهبي ﵀:</span>\nوبعد هذه الملحوظات التي ذكرتها، أرى أن أذكر مناقشة بعض الكتاب للشيخ الذهبي -﵀- في كتابه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>أولًا: الدكتور إبراهيم خليفة:</span>\nعند الحديث عن الفرق بين التفسير والتأويل يقول الذهبي: (والذي تميل إليه النفس من هذه الأقوال هو أن التفسير ما كان راجعًا إلى الرواية، والتأويل ما كان راجعًا إلى الدراية وذلك لأن التفسير معناه الكشف والبيان، والكشف عن مراد الله تعالى لا نجزم به إلا إذا ورد عن رسول الله -ﷺ- أو عن بعض أصحابه الذين شهدوا نزول الوحي وعلموا ما أحاط به من حوادث ووقائع، وخالطوا رسول الله -ﷺ- ورجعوا إليه فيما أشكل عليهم من معاني القرآن الكريم. وأما التأويل فملحوظ فيه ترجيح أحد محتملات اللفظ بالدليل، والترجيح يعتمد على الاجتهاد ويتوصل إليه بمعرفة مفردات الألفاظ واستنباط لغة العرب واستعمالها بحسب السياق، ومعرفة الأساليب العربية ومدلولاتها في المعاني من كل ذلك ..\nيقول الدكتور إبراهيم: ما قاله الشيخ -﵀- سواء في التفسير وفي التأويل جميعًا غير متجه عندنا. أما التفسير فحتى لو سلمنا له قضيّة اشتراط الجزم في الكشف عن مراد الله تعالى فإن ذلك لا يتوقف على كونه من طريق الرواية، بل يمكن أن يتحقق الجزم كذلك من قطع العقل بتعيين المعنى، واستحالة إرادة غيره من الكلمة أو الجملة القرآنية، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ وقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات المتكاثرة التي يقطع العقل بتعين معناها ويحيل إرادة غيره، كما يمكن أن يتحقق الجزم أيضًا من ظهور المعنى بنفسه بأن يكون اللفظ نصًّا فيه لا يحتمل غيره، فما ظنك واشتراط مثل هذا الجزم مما لا يسلم لقائله أصلًا، بل إن تيسر لنا في بعض المفردات أو التراكيب فذاك، وصح لنا حينئذ","vol":"1","page":19},{"text":"القطع بإرادة المعنى من الكلمة أو العبارة، إما من الطريق الذي ذكره أو من الطريق الذي ذكرنا، وإلا فَلَنا أن نفسر بغلبة الظن، غاية الأمر أنا لا نقطع حينئذ بكون المعنى هو المراد لله تعالى، وبالتالي لا نطلق عبارة تفيد مثل ذلك القطع، بل نقول إنا لو طبقنا قانون أهل الأصول الذي لا يسع منصفًا أن يدفعه لرأينا أن الطريق الذي ذكره لتحقيق الجزم، وهو الرواية لا يمكن أن يحقق الجزم أيضًا، اللهم إلا في حال واحدة هي أن تكون الرواية قطعية الثبوت في نفسها بأن تكون قرآنًا أو حديثًا متواترًا عن النبي -ﷺ-، أو مما وقع عليه الإجماع من الصحابة والتابعين من غير نكير ...\nأما التأويل فما كنا لنسلم له أصلًا أن كل دراية يجب أن تعد تأويلًا، حتى لو كانت مما يقطع به العقل أو يعينه كون اللفظ نصًّا لا يحتمل غير معناه بوجه من الوجوه، أو حتى يرجحه كون اللفظ ظاهرًا في معناه، ولم تقم قرينة توجب صرفه عن هذا المعنى حتى يصرف عنه، بل الوجه عندنا ولا نحسبه إلا عند كل منصف كذلك أن يعد هذا كله من قبيل التفسير، وأن يقصر التأويل على ما يكون استنباطه من اللفظ مفتقرًا إلى مزيد من إعمال الفكرة وإنعام النظرة أو يكون مما يستعصي دركه مع ذلك، وإنما يأتي صاحبه من طريق الفيض وإلهام منزل القرآن، لا ما يكون إدراكه على طرف الثمام غير محتاج إلى بذل شيء من التأمل أصلًا) (١).\nويقول الدكتور إبراهيم بعد أن ينقل كلمة لجولدزيهر وهي قوله: (كذلك يصدق على القرآن ما قاله في الإنجيل العالم اللاهوتي التابع للكنيسة الحديثة بيترفيرتفلس: \"كل أمرئ يطلب عقائده في هذا الكتاب المقدس، وكل امرئ يجد فيه على وجه الخصوص ما يطلبه\" يقول: فكل تيار فكري بارز في مجرى التاريخ الإسلامي زاول الاتجاه إلى تصحيح نفسه على النص المقدس، وإلى اتخاذ هذا النص سندا على موافقته للإسلام، ومطابقته لما جاء به الرسول ﵊) (٢).\n_________\n(١) دراسات في مناهج المفسرين (١/ ٢٣).\n(٢) التفسير والمفسرون ص ٤١.","vol":"1","page":20},{"text":"يقول الدكتور: لا نحسن الظن بهذه الكلمة كما فعل أستاذنا الدكتور الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون) حيث أورد هذه الكلمة في كتابه المذكور من الترجمة الأولى لكتاب هذا المستشرق والتي هي بعلم الدكتور علي حسن عبد القادر (١) بهذا النص (المرحلة الأولى لتفسير القرآن والنواة التي بدأ بها تتركز في القرآن نفسه وفي نصوصه نفسه، وبعبارة أوضح في قراءاته، ففي هذه الأشكال المختلفة نستطيع أن نرى أول محاولة للتفسير) أ. هـ. ثم لم ير -﵀- منها إلا إحتمال السلامة إذ يقول طيب الله ثراه: ومن أجل هذا .. يعني جميع ما ذكر ﵀ من أوجه تفسير القرآن بالقرآن، ومنها حمل قراءة على أخرى وحاجة ذلك إلى كثير من التدبر وإعمال النظر، نستطيع أن نوافق الأستاذ جولد زيهر على ما قاله في كتابه (المذاهب الإسلامية في تفسير القرآن) من أن المرحلة الأولى لتفسير القرآن .. الخ، وساق عبارة الرجل ثم قال .. نعم نستطيع أن نوافقه على أن المرحلة الأولى للتفسير تتركز في القرآن نفسه على معنى رد متشابهه إلى محكمه، وحمل مجمله على مبينه، وعامه على خاصه، ومطلقه على مقيده .. الخ.\nكما تتركز في بعض قراءاته المتواترة، وما كان من قراءات غير متواترة فلا يعول عليها باعتبارها تفسيرًا للنص القرآني، نعم نستطيع أن نوافقه على هذا إن أراده) أ. هـ. أقول: بل في كلمة الرجل هذه التي نقلها عنه الشيخ -﵀- في تلك الترجمة، أقول: في هذه الكلمة أولًا من التعميم الموهم خلاف الحق ما لا ينبغي أن يرتكب مثله ذو أثارة من التحقيق فضلًا على من يوهم سذّج قارئيه أنه على غاية منه، ذلك أن الرجل قد شرح في هذه العبارة بمقتضى تلك الترجمة عنه مراده من القرآن ومن نصوصه بكونه القراءات.\nوهو بهذا -إذن- يتجاهل كما ترى من نصوص القرآن مما لا شأن له باختلاف\n_________\n(١) لقد كان من المعجبين بل من المؤمنين والمدافعين عن آراء جولد زيهر وغيره، ومن أراد مزيد اطلاع على هذا فليرجع إلى كتاب السنة ومكانتها في التشريع للأستاذ مصطفى السباعي ﵀.","vol":"1","page":21},{"text":"القراءات ما له أعظم الاعتبار في هذا الباب، وما هو أهم بكثير، وأغلب من حيث الكمية والكيفية جميعًا، وأعظم مدخلًا في مضمار التفسير ولا ريب من اختلاف القراءات مما ضربنا منه مثلًا فيما سبق هذا البحث كبسط الموجز، وتقييد المطلق .. فهو إذن وبحكم منطق شرحه هذا يتجاهل كل هذا القدر الأغلب والأهم في هذا الباب، ويوهم أن في اختلاف القراءات وفيها فحسب قد تركزت المحاولة الأولى للتفسير والنواة التي بدأ بها على حدّ قوله ثم في شرح الرجل نفسه ثانيًا لاختلاف نص القرآن وقراءاته، وكيف أن هذا الاختلاف في زعمه اختلاف اضطراب، وأن فيهم مجافاة لما يفرد من كون نص القرآن الكريم على الله ما كذب وافترى، نقول في هذا الشرح ما يكشف أتم كشف عن منتهى سوء القصد من هذه الكلمة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>ثانيًا: عرض الدكتور محمد إبراهيم الشريف لهذا الكتاب: وهذه خلاصة ما ذكره</span>.\nاستهدف هذا الكتاب كما يقول مؤلفه أن ينبه المسلمين على تراثهم التفسيري الذي اكتظت به المكتبة الإسلامية على سعتها وطول عهدها، وهو يرجو أن يكون لعشاق التفسير من وراء مجهوده موسوعة تكشف لهم عن مناهج أشهر المفسرين وطرائقهم التي يسيرون عليها في شرحهم لكتاب الله تعالى .. حتى لا يقصروا حياتهم على دراسة كتب طائفة واحدة أو طائفتين دون من عداهما من طوائف المفسرين، يقول في مناقشة كتاب الذهبي -﵀-\n(التفسير والمفسّرون) لا يهتم بالتحليل الكافي لكل التفاسير التي ذكرها، بالإضافة إلى أن أحكامه في الغالب عامة وقضاياه سطحية يعوزها التثبّت واليقين.\nكما أن مؤلفه ﵀ يعتقد أن الأولين لم يتركوا شيئًا لمن بعدهم اللهم إلا اليسير النادر فهو يقول: (والذي يقرأ كتب التفسير على اختلاف ألوانها لا يداخله شك في أن كل ما يتعلق بالتفسير من الدراسات المختلفة قد وفاه هؤلاء المفسرون\n_________\n(١) دراسات في مناهج المفسرين ص ٧٣.","vol":"1","page":22},{"text":"الأقدمون حقه من البحث والتحقيق) (١).\nأما مفهومه للتجديد في التفسير فهو مفهوم سلبي ينحصر في الاتجاه إلى تنقية القديم من التفسير وتطهيره من الإسرائيليات، ونقد الروايات الضعيفة أو الموضوعة، وإلباس التفسير ثويًا اجتماعيًا يظهر روعة القرآن ويربط آياته بالنظرات العملية الصحيحة.\nويشير المؤلف إلى ألوان التفسير الحديث وهي أربعة ألوان:\n١ - اللون العلمي\n٢ - اللون المذهبي\n٣ - اللون الإلحادي\n٤ - اللون الأدبي والاجتماعي.\nويناقش صاحب كتاب الاتجاهات الشيخ الذهبي في أكثر من قضية فيبين أن اللون المذهبي لم تعرفه البيئة المصرية حديثًا، وإن ما سماه باللون الإلحادي لا يوافقه عليه كثير من الدارسين وحري بهذا اللون أن يدرس تحت الأفهام المنحرفة أو الشاذة لنصوص القرآن الكريم ..).\nويعلل ذلك بأننا لو عددناه لونًا من ألوان التفسير لكان اعترافًا منا بشرعيته، علمًا بأنه (أبعد ما يكون عن خريطة التفسير لأنه يسقط من حسابه أسس التفسير وقواعده جميعها) (٢).\nكما يأخذ على هذه الدراسة قصورها عن استيعاب الدراسات المصرية الحديثة في التفسير لسبب أو لآخر، وهو أمر مخل بالصورة الصحيحة للجهود التفسيرية الحديثة في مصر.\nأما ما يسميه باللون الأدبي فلا يقصد بالأدبية في تعبيره ذلك المنهج الفني الذي ينظر فيه إلى النص القرآتي باعتباره نصا أدبيًا، وإنما يقصد المؤلف بالأدبية: إفراغ\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ٢/ ٤٩٥.\n(٢) انظر ص ١٠٦ - ١٠٧.","vol":"1","page":23},{"text":"معاني التفسير التي يهدف إليها القرآن الكريم في أسلوب شيق أخاذ وعبارة عصرية سهلة تخلص التفسير من الأساليب الجامدة المتحجرة.\nويقول هي موضع آخر.\nيزعم الأستاذ الدكتور محمد حسين الذهبي هي كتابه (التفسير والمفسرون) أن فريقًا على رأسهم شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- قائلون بشمول بيانه -ﷺ- لجميع معاني القرآن. بدون استثناء مستندًا في هذا الزعم إلى ما قاله السيوطي في الإتقان، ثم في ما ساق من الشبهة له إلى طرف من مقالة شيخ الإسلام نفسه في مقدمته في أصول التفسير، وذلك إذ يقول الأستاذ ﵀ اختلف العلماء في المقدار الذي بينه النبي -ﷺ- من القرآن لأصحابه فمنهم من ذهب إلى القول بأن رسول الله -ﷺ- بيّن لأصحابه كل معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه وعلى رأس هؤلاء ابن تيمية) أ. هـ. كذا ذكر السيوطي -﵀- ذلك في الإتقان على أنه أحد احتمالين فهمهما من كلام شيخ الإسلام -﵀- في هذه المقالة وفي غيرها، إذ يقول السيوطي: وقد صرح ابن تيمية فيما تقدم وغيره بأن النبي -ﷺ- بين لأصحابه تفسير جميع القرآن أو غالبه.\nولكنك إذا نظرت إلى جميع ما قاله شيخ الإسلام -﵀- في هذه المقدمة نظرة منصفة لا تجتزيء فيها بمجرد ما تظهر الدلالة لك فيه من قول الشيخ وتبتر غيره مما ليس لك، بل تضم بعض قول الشيخ إلى بعض، نقول إذا نظرت إلى كلام شيخ الإسلام -﵀- هذه النظرة فإنك سترى أن مثل هذا الزعم مما لم يصحبه التوفيق بالكلية، كيف لا وإن فيما سنسوقه بين يديك من البدهيات الآتية ما يقضي بسقوط من يقول بمقتضى مثل هذا الزعم عن درجة صغار العقلاء، فضلًا عن أكابر العلماء من أمثال شيخ الإسلام -﵀- بل كيف لا ومعنا قرينتان مقالتان من قول شيخ الإسلام نفسه في هذه المجال صريحتان في أنه لا يمكن أن يعني بحال من الأحوال شمول البيان النبوي لجميع القرآن:","vol":"1","page":24},{"text":"إحداهما: تصريحه أن أحسن طرق التفسير وأصحها أن يطلب أول ما يطلب من القرآن ذاته، وأنه حين يعيينا ذلك فحسب ننتقل إلى السنة ..\nأما القرينة الثانية من كلام الشيخ نفسه في هذه المقدمة فقوله بعد إذ فرغ من الحديث عن السنة (وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة، رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة ..) (١).\nويناقشه أيضًا في وصف هذا اللون بأنه اجتماعي، باعتبار أن هذا التخصيص يهدر كثيرًا من التيارات التي تجمعت في مدرسة المنار ويقلل من أهميتها.\nكما يأخذ عليه أنه يقبل ظاهرة التفسير العلمي في الاتجاه الهدائى -بينما يعترض على الظاهرة نفسها وينكرها إنكارًا شديدًا في اتجاه آخر، وفي الوقت الذي يعترض فيه على اللطائف والجواهر العلمية في تفسير الجواهر، باعتبارها تخرج بالتفسير عن أهدافه وأغراضه، يحاول تعليل استطرادات المنار بأن صاحبه رجل صحفي اتصل عن طريق مجلته بالناس فأراد أن يتمشى بكتابته مع الجميع فيثبت المتدين على دينه، ويرد الملحد عن إلحاده، ويكشف عن محاسن الإسلام (٢).\nوأخيرًا يأخذ على الشيخ إغفاله لقضية المناهج الفتية في التفسير والأنماط والأشكال الحديثة التي عبرت حقيقة عن اتجاهات التفسير الحديثة (٣).\nونحن نوافق صاحب اتجاهات التفسير في جل ما ذكر من ملحوظات.\n_________\n(١) دراسات في مناهج المفسرين ص ٢١٧ - ٢١٨.\n(٢) ص ١١٥ - ١١٦.\n(٣) ص ١١٦.","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>دراسات في مناهج المفسرين د. إبراهيم عبد الرحمن خليفة</span>\nيبدأ كتابه بتمهيد يتحدث فيه عن معنى العلم، وعن بعض المبادئ حول علم مناهج المفسرين، وينتقل للحديث عن التفسير والتأويل وفائدة التفسير، والشروط التي لا بد منها فيمن يتصدى للتفسير ويتحدث عن أقسام التفسير ويرى أن التفسير يقسم عدة تقسيمات نظرًا لاعتبارات متعددة:\nوأول هذه الاعتبارات: أن ينظر إلى التفسير من حيث إمكان تحصيله واتساع دائرة هذا الإمكان وعدم ذلك، وهو بهذا الاعتبار ينقسم إلى أربعة أوجه كما روي عن ابن عباس (١):\nالأول: تفسير تعرفه العرب من كلامها.\nالثاني: تفسير لا يعذر أحد بجهالته.\nالثالث: تفسير يعلمه العلماء.\nالرابع: تفسير لا يعلمه أحد إلا الله.\nوالاعتبار الثاني: أن ينظر إلى التفسير من جهة استمداده من الطريق المعتاد، نقلًا كان ذلك من القرآن أو كان رأيًا واجتهادًا أو بالطريق غير المعتاد وهو طريق الإلهام، ويقسم بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:\n١ - تفسير بالمأثور.\n٢ - تفسير بالرأي.\n٣ - تفسير بالفيض والإشارة.\n_________\n(١) لنا في مقولة ابن عباس -﵄- رأي نذكره فيما بعد إن شاء الله.","vol":"1","page":26},{"text":"والاعتبار الثالث: أن ينظر إلى التفسير من جهةكونه شرطًا لمجرد معنى اللفظ في اللغة ثم لمعنى الجملة أو الآية على سبيل التحليل التام والتفصيلي للنص القرآني وهو بهذا الاعتبار يقسم إلى:\n١ - تفسير إجمالي.\n٢ - تفسير تحليلي.\nوالاعتبار الرابع: أن ينظر إلى التفسير من جهة خصوص تناوله لموضوع ما بعينه من موضوعات القرآن عاما كان ذلك الموضوع أو خاصًّا، وينقسم بهذا الخصوص إلى تفسير عام وتفسير موضوعي.\nويبدو أنه يختار لأقسام التفسير الاعتبار الثاني، أي تقسيم التفسير إلى تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي، إذ إنه يقصر الحديث عليهما (١).\nويبدأ الحديث عن التفسير بالمأثور ومصادره وهي: القرآن، والسنة وكلام الصحابة وكلام التابعين على خلاف بين العلماء ويرى أن من تفسير القرآن بالقرآن التفسير بالقراءات المتواترة، أما القراءات الشاذة فلا يجوز أن نعدها من تفسير القرآن بالقرآن، وهو كلام حسن، ويعرض للمستشرقين الذين يستغلون القراءات الشاذة لينفثوا من خلالها حقدهم المسموم على القرآن وعلى المسلمين، وليسددوا منها سهامهم الطائشة ومطاعنهم الزائفة إلى هذا الكتاب العظيم.\nويعرض ما ذكره المستشرق جولد زيهر في كتابه الخبيث (مذاهب التفسير الإسلامي) من مغالطات منها: أن عثمان بن عفان خالف الرسول -ﷺ- فيما فعله من جمع الناس على حرف واحد، ومنها قوله عن القرآن الكريم (النص الأصلي المفترض) وكأنه يرى أن للقرآن نصا أصليًا وآخر غير أصلي، ثم هو يشكك في\n_________\n(١) وإذا أردنا أن نجري مع الشيخ في هذه التقسيمات، فهناك اعتبارات كثيرة يصعب حصرها فالأولى أن يقسم التفسير إلى تفسير بالرأي وتفسير بالمأثور، كما ذهب إليه الجمهور، وكما رجحه الكاتب.","vol":"1","page":27},{"text":"صحة النص الأصلي، ومنها ادعاؤه أن في القرآن اضطرابًا ينافي كون القرآن من عند الله إلى غير ذلك من افتراءات.\nويتحدث عن المصدر الثاني من مصادر التفسير بالمأثور وهو السنة النبوية الشريفة، وذلك أن خير من يمكن أن يفسر القرآن، ومن ينبغي أن يطلب منه تفسيره بعد الله، هو رسوله -ﷺ-، وهو -ﷺ- لا يمكن أن يخطيء في تفسير كتاب الله تعالى أو يقر على خطأ، ثم إن خير من يمكن أن يفسر الشيء من تكون أهم وظائفه تبيان ذلك الشيء.\nويعرض لما ذكره الشيخ الذهبي من أن ابن تيمية يذكر أن النبي -ﷺ- قد فسر القرآن كله، ويرد هذا القول مبينًا بأنك لو قرأت كلام ابن تيمية كله لرأيت أنه لم يقل مثل هذا القول، ويطيل الدكتور النفس في رد القول بأن بيان السنة للقرآن قد شمله كله (١).\nوينتقل للحديث عن أوجه بيان السنة للقرآن، ومن ذلك بيانه -ﷺ- لمجملات القرآن، وتخصيصه -ﷺ- بعض الآيات، حيث خص آية الزنا بغير المحصن وبيانه لبعض مبهمات القرآن إلى غير ذلك مما ستعرفه فيما بعد.\nويتحدث عن الوضع على رسول الله -ﷺ- ويعرض لما روي عن الإمام أحمد: (ثلاثة ليس لها أصل التفسير والملاحم والمغازي) وقد ذكر الدكتور إبراهيم المراد بهذه الكلمة إذ من العلماء من يرى أن المقصود أن غالب المرويات في هذه الموضوعات ليس لها أصل، ومنهم من يرى أن المقصود كتب خاصة، ويذكر أن بعض الجاهلين تعلق بظاهر هذه المقالة من الإمام أحمد فحملوها على إطلاقها، وغرضهم من ذلك التشكيك في جميع المنقول عن النبي -ﷺ- في التفسير، وإظهار أنه من المنتحل الموضوع الذي لا قيمة له أصلًا، وأول هؤلاء الجاهلين\n_________\n(١) تقدم شيء من هذا.","vol":"1","page":28},{"text":"المستشرقون ومن ترسم خطاهم كالأستاذ الباحث أحمد أمين (١).\nإن من التفسير المنسوب إليه -ﷺ- ما هو ثابت عنه بالأسانيد الصالحة للحجية قطعًا كما أن منه ما ليس بهذه الصفة، فأسانيده ضعيفة، بل موضوعة مختلفة كذلك.\nويتحدث الكاتب عن نشأة الوضع والاختلاق، حيث نشأ الوضع في التفسير، مع نشأته في السنة والحديث، ومن العلماء من يرى أن الوضع في السنة نشأ في السنة الحادية والأريعين للهجرة، حيث آلت الأمور إلى أول خلفاء دولة بني أمية معاوية ﵁، وينتقل لذكر أسباب الوضع، التي منها العصبية المذهبية، والنزعة السياسية المتعصبة، والتعصّب الجنسي أو الشعوبية، والشهرة واستمالة قلوب العامة بذكر الغرائب والتطرف في حب الخير للناس مع السذاجة والجهل، والمكايدة للإسلام بإظهاره في مظهر المجافاة للمنطق السليم، ويذكر الأمثلة على الوضع.\nوينتقل للحديث عن المصدر الثالث من مصادر التفسير وهو الصحابة رضوان الله عليهم ويقول بأننا إذا لم نجد التفسير لا في الكتاب ولا في السنة، فإن المصدر الثالث الذي يجب الرجوع إليه حينئذ والذي هو المرتبة التالية لهما مباشرة هو أقوال الصحابة، وبعد أن ينقل أقوال العلماء في ما روي عن الصحابة، يذكر أن تفسيرهم منه ما يعطى حكم المرفوع، ومنه ما لا يعطى هذا الحكم، ومن الأول ما لا مدخل فيه للرأي، كان يكون حديثًا عن سبب نزول آية أو نحو ذلك وليس هذا الشرط الوحيد لإعطاء قول الصحابي حكم المرفوع، بل ثم شرط آخر نبهوا عليه، وهو أن لا يكون من نقل عنه مثل ذلك القول من الصحابة قد عرف بالأخذ عن بني إسرائيل أي في بعض الأحيان، وإلا لم يعط قوله حكم المرفوع، لاحتمال أن يكون من منقولاته عنهم.\n_________\n(١) سوف نتحدث فيما بعد عما ذكره الأستاذ أحمد أمين إن شاء الله.","vol":"1","page":29},{"text":"أما إذا اختل الشرطان الآنفان أو أحدهما، لم يخل أمر ذلك المأثور عن الصحابة من حالين، الأول: أن يعرف كونه محلًا لاجماع الصحابة وأنه لم يشذ عن القول به أحد منهم. والثاني.: أن لا يعرف كونه محلًا للإجماع، بأنه كان مجالًا لاختلافهم، أو لا يعرف فيه إجماع ولا اختلاف، فالأول يجب الأخذ به، لأن الأمة معصومة في كل عصر من عصورها لا سيما عصر الصحابة، فقد روي عن النبي -ﷺ- قوله (لا تجتمع أمتي على الضلالة)، وأما الثاني فإنه يترجح عند أهل السنة والجماعة الأخذ بمقتضى مأثور الصحابة في تفسير القرآن، فهم أخبر الناس بالتنزيل وقد حضروا الوحي وشهدوا وقائع التنزيل، ولهم فوق هذا كله من العلم التام والعلم الصحيح ما ليس لسواهم، ويذكر أن الخلاف في التفسير عند الصحابة اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، ويتجلى لك من هذا الاختلاف مظاهر أربعة:\nالأول: أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى.\nالثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل.\nالثالث: أن يكون اللفظ محتملًا للأمرين إمّا لكونه مشتركًا لفظيًا في اللغة أو لكونه مشتركًا معنويًا.\nالرابع: أن يعبروا عن المعاني بألفاظ مقاربة لا مترادفة.\nوينتقل للحديث عن المفسرين من الصحابة، وهو لا يتحدث في هذا الجزء من كتابه إلا عن عبد الله بن عباس، -﵄- ويحدثنا عن مولده ونشأته وحرصه على طلب العلم وشدة تواضعه له ولأهله، وعلمه وفضله، فقد بلغ الذروة العليا من العلم لأسباب أربعة هي:\n١ - دعاء النبي -ﷺ-.","vol":"1","page":30},{"text":"٢ - حرصه الشديد على طلب العلم حيث لازم الرسول -ﷺ- منذ نعومة أظفاره فكان يسمع منه كثيرًا أو يشهد كثيرًا.\n٣ - كتابته عن أصحاب رسول الله -ﷺ- ما كان يسمع منهم وعدم اتكاله على الحفظ.\n٤ - توقد قريحته وقوة فطنته.\nوينقل نصوصًا تدل على عناية ابن عباس ﵄ بالعلم، وتدل على ذكائه وفطنته، وخلقه وحبه الخير للمسلمين، وتدل على ثقة الخلفاء به وتوليتهم له الإمارة، ويحدثنا عن الخصومة التي كانت بينه وبين عبد الله بن الزبير، واضطراره على أثر ذلك إلى النزول في الكوفة.\nوينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن ابن عباس وتفسير القرآن الكريم، فابن عباس قد بلغ ذروة السنام في تفسير القرآن العظيم، حتى سمّي ترجمان القرآن.\nأما عن التفسير الوارد عن ابن عباس، فيقول إنه من المعلوم عند علماء الأمة عليهم رضوان الله أنه -أي ابن عباس- كان مقلًا في تفسير القرآن الكريم من الأخذ عن بني إسرائيل إلى حد الندرة، بل إلى حد العدم على زعم بعضهم، وكأن الكاتب يرجح أن ابن عباس أخذ عن بني إسرائيل ولكنه كان أخذًا قليلًا.\nويعرض لما ذكره جولد زيهر من اتهام ابن عباس والصحابة بالإكثار من الأخذ عن بني إسرائيل وما ذكره أحمد أمين كذلك، . ويبين أن في هذا فرية عظيمة، وبعد أن يذكر بعض الروايات يقول، أيعقل أن يكون هؤلاء الصحابة الذين شهد لهم النبي -ﷺ- بالعدالة والفضل أن يخالفوه ﵇؟ فيأخذوا عن أهل الكتاب، ومن أين يستقيم في نصفة منصف أو سداد ذي منطق ورشد أن يركب أولئك الصفوة مخالفة من هو أحب إليهم من أنفسهم وأموالهم وأهليهم والناس أجمعين؟\nويعرض لما روي عن الرسول -ﷺ- في شأن بني إسرائيل \"لا تسألوا أهل الكتاب","vol":"1","page":31},{"text":"عن شيء\" (١)، وقوله \"حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج\" (٢)، ويقول: إنه إن جاز التحديث عن بني إسرائيل بمعنى أخذ شيء عنهم حسبما هو المتبادر من حديث الإباحة ويؤكد قوله إن جاز فهو مشروط بشروط ثلاثة:\nالأول: عدم منافاته لشيء مما جاء في الكتاب أو السنة.\nالثاني: أن لا يكون في الاشتغال بذلك ما يشغل عن علم شيء من الكتاب والسنة.\nالثالث: ألا يكون من قبيل ما يعدّ الاشتغال بمثله ضربًا من العبث وضياع الوقت والجهد.\nولا شك أننا بأي حال لا يجوز لنا الأخذ عن بني إسرائيل، فكيف يمكن للصحابة رضوان الله عليهم وعلى رأسهم ابن عباس أن يكونوا قد أخذوا عن بني إسرائيل (٣).\nوعرض الكاتب لأسانيد الروايات المتعددة عن ابن عباس، وبين الصحيح منها من السقيم ويسوق أخيرًا بعض النماذج التي ذكرها العلماء لما روي عن ابن عباس في التفسير ويتحدث عن تفسير تنوير المقباس من تفسير ابن عباس، ويذكر أن نسبة هذا التفسير إلى ابن عباس لا قيام لها إلا من الرواية التي ذكرها صاحب الإتقان وقال إنها سلسلة الكذب.\nوكنا نتمنى أن يتم المؤلف هذا الكتاب، فقد أكثر المؤلف من ذكر المقدمات، التي لا يذكرها أكثر الكاتيين في هذا العصر، كما توسع في كثير من المناقشات، التي كان يمكن أن تذكر بإيجاز على أن هذا الكتاب يقرب من أربعمائة صفحة، وقد وصل فيه المؤلف إلى مرويات ابن عباس -﵄- فلا زال في المرحلة الأولى من مراحل التفسير. جزى الله الكاتب خيرًا على ما كتب.\n_________\n(١) أخرجه أبو يعلى. قال ابن حجر بعد ذكره الحديث: في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء (٤/ ٢٠٧).\n(٣) وسنعرض لهذه القضية في هذا الكتاب عند حديثنا عن الإسرائيليات.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>التفسير ورجاله محمد الفاضل بن عاشور</span>\nكتيب من القطع الصغير، يقع في (٢٥٢ صفحة) يبدأ المؤلف فيه الحديث عن نشأة التفسير، ويبين فيه أن إجماع الأمة انعقد على أن كل لفظ في القرآن له معناه الإفرادي، وكل كلام له معناه التركيبي وأنه لم يرد في القرآن ما لا معنى له، وذكر أن الحاجة إلى التفسير، إنما هي حاجة عارضة نشأت من سببين الأول: أن القرآن لم ينزل دفعة واحدة وإنما كان نزوله وتبليغه في ظرف زمني متسع جدًّا، والسبب الثاني هو أن دلالات القرآن الأصلية التي هي واضحة بوضوح ما يقتضيه من الألفاظ والتراكيب تتبعها معان تكون دلالة التركيب عليها محل إجمال أو محل إبهام.\nويتحدث عن التفسير بالمأثور، ويذكر من اشتهر من الصحابة بالتفسير، وعلى رأسهم ابن عباس ﵄، وعناصر التفسير عند ابن عباس أربعة: أسباب النزول، ومبهم القرآن، واللغة، والأخبار التي لم تجيء عن النبي -ﷺ- استفادها من الأمم الأخرى كأهل الكتاب، والعنصران الأخيران لا يصح اعتبارهما من التفسير بالمأثور لأن مرجعهما إلى الفهم والمعرفة العامة، ويتحدث الكاتب عن التفسير في عهد التابعين، وكان منهم الموثوق الذي أخذ التفسير عن ابن عباس، وكان هناك من افترى على ابن عباس، ومن هنا طرأ الاختلاط على التفسير بالمأثور فيما ورد عن ابن عباس وما ورد عن غيره ومن هنا قام العلماء بنقد الحديث وبيان الصحيح من السقيم.\nوقد انبرى أحد الأئمة الثقات من رجال الحديث في القرن الثاني إلى جمع الأخبار المتعلقة بالتفسير في كتاب وهو عبد الملك بن جريج، فكان أول من ألف في التفسير. ويتحدث الكاتب عن بعضه المؤلفين في التفسير بالمأثور وأولهم يحيى بن سلام وتفسيره من أقدم التفاسير الموجودة اليوم على الإطلاق، وهو يعد مؤسس طريقة التفسير النقدي، أو الأثري النظري التي سار عليها الطبري بعده واشتهر بها،","vol":"1","page":33},{"text":"وتفسيره يقع في ثلاثين جزءًا من التجزئة القديمة أي في ثلاث مجلدات ضخمة بني على ذكر الأخبار مسندة وتعقبها بالنقد والاختيار.\nويتحدث الكاتب عن الطبري، ويقول: \"كان التفسير عندما انتهى إلى الطبري، في أوائل القرن الثالث نهرًا مؤبدًا، ذا ركام ورواسب، قد انصب إلى بحر خضم عباب، فامتزج بمائه وتشرب من عناصره، وصفا إليه من زبده وتطهر لديه من ركامه ورواسبه\"، وهذا مثل مضروب لما كان للإمام الطبري الذي كان فقيهًا محدثًا، من رجال التاريخ، شاعرًا نحويًا وبيانيًا، وهو في تفسيره يفصح بيانه عن المعنى المراد من الآية معتمدًا ربط السياق متمسكًا بما يدور عليه المعنى من دلالة المفردات اللغوية على المعاني التي هي مستعملة فيها، ويستشهد بالشعر العربي، ويدعم ذلك بنقل الروايات المأثورة عن الصحابة والتابعين، وقبل ذلك عن رسول الله -ﷺ-، وهو في ذلك يرجح ويختار قولًا، وبذلك أصبح تفسير الطبري تفسيرًا علميًّا يغلب فيه جانب الأنظار غلبة واضحة على جانب الآثار.\nوبعد الطبري صار أهل الأثر يعرضون بأهل التأويل -التفسير بالرأي- كما يعرض أهل السنة السلفيون بالمتكلمين أو يعرض الفقهاء أصحاب الحديث لأهل القياس ومن هنا عمد المحدثون إلى الأخبار الصحيحة يتتبعونها ليرجعوا للتفسير بالمأثور حرمته.\nويرى الكاتب أن التفسير انشق على نفسه وأصبح أهله شيعتين، تتمسك إحداهما بالتفسير بالمأثور، وتتحرر الأخرى من التزامه حتى تتركه وتطعن فيه، ومن هنا قيض الله تعالى الإمام البخاري لينقي الحديث الصحيح الثابت من غيره، وقد مكن الإمام البخاري بصنيعه هذا للشيعتين من أهل التفسير: شيعة الآثار وشيعة الأنظار بسبب تقارب، ومهد لهم الطريق، إذ حصر الأحاديث المعتد بها في التفسير، وحكم على ما وراءها بالطرح، وبذلك اتسع مجال النظر والتأويل وضاق مجال الأثر والنقل، وقد مكن هذا الوضع لكثيرين أن يتذرعوا إلى الحط من شأن","vol":"1","page":34},{"text":"الطريقة الأثرية، ولا شك في أن للأصول التي لْكون عليها مذهب المعتزلة تأثيرًا قويًّا في دفع التفسير العلمي في وجهته قدما يصادم به التفسير بالمأثور وينال منه، فإن من أصولهم تأويل متشابه القرآن الذي كان يمسك عن تأويله مذهب أهل السنة، ومن هنا جاء الارتباط الظاهر بين نشأة التفسير النظري وبلوغه أشده ولين مذهب الاعتزال، فقد كان الموغلون في التفسير العلمي من معاصري الطبري وأتباعه من المعتزلة مثل أبي على الجياني، وأبي مسلم الأصفهاني.\nوينتقل الكاتب للحديث عن نظرية إعجاز القرآن، حيث استقر عند المعتزلة من القرن الثالث على أنها أمر إيجابي، وعندما استقر الكلام السني على قواعد العقيدة الأشعرية في النصف الثاني من القرن الرابع عدل سريعًا إلى تقرير نظرية الإعجاز على نحو ما كان يقررها عليه المعتزلة، وقد حاول الباقلاني أن يفصل ما أجمله العلماء في إعجاز القرآن ببلاغته، ولكنه لم يستطع أن يفصح عن معنى البلاغة وحقائق أبوابها، فجاء عبد القاهر ليتم ما بدأه الباقلاني، فكان كتابه العجيب دلائل الإعجاز، الذي وضع فيه نظرية النظم وبذلك فتح باب بيان الوجه البلاغي المعجز للتركيب القرآني، وقد ولج هذا الباب الزمخشري وابن عطية في تفسيريهما.\nويتحدث الكاتب عن الكشاف ويقارن بينه وبين تفسير ابن عطية، فابن عطية مغربي تمكن من الرجوع إلى مصادر لم تكن في تناول الزمخشري، أهمها تفسير المهدوي، والزمخشري مشرقي، وابن عطية سني والزمخشري معتزلي، والاختلاف بينهما في تأويل متشابه القرآن ابكريم، والفرق الثالث بينهما أن ابن عطية كان مالكيًا والزمخشري حنفيًا.\nويتحدث الكاتب عن الرازي الذي جعل غايته أن يضع القرآن الكريم موضع الدراسة والبحث والتحليل، على منهج يرى تفوق الحكمة القرآنية على سائر الطرائق الفلسفية وانفرادها بهداية العقول البشرية إلى غايات الحكمة من طريق العصمة.\nومن التفاسير التي تحدث عنها تفسير البيضاوي حيث اتبع في تفسيره منهج","vol":"1","page":35},{"text":"الاختصار ودقة التعبير والتزام المصطلح العلمي والإشارة إلى ما يتفرع عن التعبير من معان يكتفى بحضورها في الذهن عن ذكرها، ثم تؤخذ مباني لما يأتي به التعبير بعدها. لقد عظم صيت الكتاب إذ وجد فيه الناس الضالة المنشودة من التفسير العلمي على الطريقة التحليلية اللفظية التي عظمت بها من قبل شهرة الكشاف، فقد روج التفسير الكشاف بأن مشى معه فيما يحبّب الناس فيه، وخلص منه ما كان ينفرهم منه.\nويتحدث الكاتب عن بعض التفاسير مثل تفسير ابن عرفة الذي اشتهر في الأندلس وسلك مسلك الجمع والتحليل والإملاء، فتتلى الآية أو الآيات بين يديه ثم يأخذ معناها بتحليل التراكيب وإيراد كلام أئمة اللغة أو النحو على معاني المفردات ومفاد التراكيب، منشدًا على ذلك الشواهد وموردًا الأمثال والأحاديث وهذا التفسير لم يتولَ ابن عرفة بنفسه كتابته، ولكن طلبته هم الذين كتبوه.\nوينتقل للحديث عن تفسير أبي السعود وتفسير الآلوسي، فأبو السعود قد جمع بين تفسير الزمخشري وبين تفسير البيضاوي، ولكنه جاء بتحرير محكم وبيان دقيق وسبك متين، فتلقفه الناس بإعجاب وتقدير، وتفسير الآلوسي جاء جامعًا لأصناف التفاسير كلها، التفاسير العلمية السنية، والتفاسير العلمية الشيعية، والتفاسير الصوفية، جامعًا إلى ذلك الاعتناء بالفقه وآداب العربية من نحو وبلاغة، حيث اهتم بالمفردات والتراكيب، موردًا الآراء والحجج مناقشًا لها.\nويختم كتابه بالحديث عن نهضة الإسلام في العصر الحديث، والإصلاح الديني على يد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا بإيجاز.\nذلكم هو كتاب ابن عاشور -﵀- وسبحان الله الذي من آياته اختلاف الألسنة والألوان والأمزجة والأساليب، وإذا كنا قد رجونا من قبل أن لا يسهب بعض الكاتبين في كتبهم، فنحن نرجو هنا أن يكون ابن عاشور -﵀- قد فصّل وأن يتجنب الاختصار والابتسار، والحق أن كتابة الرجل كانت تمتاز بالدقة العلمية والإنصاف، ولم تكن سطحية ساذجة، فرحم الله ابن عاشور، ورحم الله أباه، وجزاهما عن كتاب الله خيرًا.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الفكر الديني في مواجهة العصر الدكتور عفت الشرقاوي</span>\nهذا الكتاب يُعنى بدراسة تحليلية لاتجاهات التفسير في العصر الحديث، يبتدئه بالحديث عن التفسير في مواجهة العصر، فيتحدث عن مراحل ثلاث للتفسير هي مرحلة التفسير العملي، يتحدث فيها عن التفسير زمن الرسول -ﷺ-، وزمن الصحابة رضوان الله عليهم الذي تمثل بتفسيرات ابن عباس الذي كان يلتمس التفسير المنقول، ولكنه اتجه اتجاهًا لغويًا بعد رائده في تاريخ التفسير وواضع لبتته الأولى. والمرحلة الثانية مرحلة التأويل النظري، والتي ابتدأت بتفسير الطبري، وكان للمعتزلة في هذه المرحلة جهودهم المتعددة في التفسير، ولكن لم يصلنا من هذه الجهود إلا القليل وقد اتسعت آفاق النص أمام المعتزلة بسب ذوقهم البلاغي، وخصوبتهم الفكرية، والكشاف خير مثال على ذلك.\nوفي هذه المرحلة كذلك وجد التفسير الصوفي الذي يغالي في الاستنباط والتنقيب على أساس من العاطفة الخاصة التي لا تخضع لمنطق عام.\nومن الكتب التي ميزت هذه المرحلة تفسير الرازي الذي يبدو فيه لعلم الكلام أهمية خاصة، حيث تتشقق المسائل فيه وتتنوع في براعة عظيمة اكتسبها التفسير من النشاط الكلامي الذي بلغ قمته في هذا العصر.\nوتأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة الركود، حيث ألفت كتب خلال العصر المغولي والعصر العثماني لا تزيد على تلخيض لجهد سابق، أو شرح، أو تعليق عليه، حتى انحدر النشاط التفسيري إلى مستوى الترديد. والوقوف عند تكرار المنقول، ومن تفاسير هذه المرحلة تفسير الخازن، والبغوي، والدر المنثور للسيوطي. هذا هو الفصل الأول من الكتاب (١).\n_________\n(١) لا يمكن أن يؤخذ الكلام على إطلاقه، فهناك تفاسير كانت فيها الجدّة، وكان لها الأثر الذي لا =","vol":"1","page":37},{"text":"أما الفصل الثاني فقد جعله للحديث عن التفسير الحديث بين أيدي الباحثين. عرض فيه لجهود بعض الكاتبين في مذاهب التفسير ومن ذلك ما كتبه جولد زيهر في كتابه مذاهب التفسير الإسلامي وما كتبه محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون، وج: جومييه في كتابه تفسير المنار والشيخ طنطاوي جوهري في تفسيره الجواهر، وج يالجون في كتابه تفسير القرآن في العصر الحديث.\nأما الفصل الثالث فيعقده للحديث عن بواكير العالم الإسلامي وقضية التفسير، يحاول فيه دراسة الجانب الإيجابي من جهد المفكر المسلم المعاصر، ولذا فإنه سيقف في دراسته عند حدود تلك الجماعة التي حاولت الانتفاع بالجديد في حل مشكلات المجتمع المسلم الحديث، أما أولئك الرافضون لكل جديد باسم الحفاظ على القديم فلن يعنى بهم، ومن هؤلاء المفكرين الذين انتفعوا بالجديد في حل المشكلات جمال الدين الأفغاني، الذي يعد بحق أول مفسر في العصر الحديث.\nوفي الفصل الرابع يذكر أن التفسير الحديث قد أدى دورًا رئيسًا في الخدمة الاجتماعية بمعناها الواسع في مصر الحديثة ويرى الكاتب أن أيّ نهضة إنما هي في الحقيقة صدى لتجديد حقيقي يخلص الدين من زيف أضافته إليه عصور الانحطاط، ولا يستطيع منصف أن يتصور النهضة الأوروبية الحديثة من غير إصلاح ديني .. ولقد عرف العالم الإسلامي ما يشبه هذه النهضة في العصر الحديث، فارتبطت الحركة الإصلاحية بالتجديد الديني في كل مكان من العالم الإسلامي على تفاوت معنى التجديد، فكانت الحركة الأحمدية، لأحمد خان وحركة غلام أحمد (١) وحركة الوهابيين، والحركة المهدية في السودان وحركة المنار في مصر، بل إن\n_________\n= ينكر، من ذلك تفسير البحر المحيط لأبي حيان، وتفسير البيضاوي، وتفسير أبي السعود، على الرغم مما بينها من اختلاف في الاتجاه والأسلوب.\n(١) هذه الحركة القاديانية، وهي حركة كافرة بإجماع المسلمين لكن الكاتب ليس له خلفية دينية، فلقد كان المعروف عنه أنه ذو ميول يسارية، وإنها لسقطة كبيرة أن يعد هذه الحركة الكافرة من حركات النهضة والإصلاح.","vol":"1","page":38},{"text":"النهضة الحديثة في العالم الإسلامي تتجه أيضًا إلى التراث الماضي تحققه وتدرسه، وتزيل عنه غبار ركود طويل، ويتحدث الكاتب عن تعريف الدين. ويذكر أنه عند المسلمين لا يقف عند العقيدة، بل إنه يتجاوز ذلك إلى التشريع المنظم.\nإن حركات النهضة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتجديد الديني، لأن الدين في جوهره ثورة على الخضوع لغير الحق، ومن هنا فإن تاريخ التفسير يؤكد أن النص القرآني كان هو الأساس القوي الذي حاول المصلحون أو مدعو الإصلاح دعم موقفهم به، فقد واجه المفسرون ما ذهب إليه الزنادقة والملحدون، مستخدمين النص القرآني في الرد عليهم.\nوفي الفصل الخامس يتحدث عن الاتجاه الاجتماعي في التفسير وهو أحد الاتجاهات الواضحة والمبكرة في حركة التفسير في العصر الحديث، وهذا يدعو لعرض أهم القضايا الاجتماعية التي شغلت المفسرين في هذا العصر، ومن أهم هذه القضايا: التمدن الإسلامي، السياسة، الإصلاح الاجتماعي وهي قضايا متداخلة تلتقي في أكئر الأحيان حتى ليصعب التحديد الواضح بينها، ويتحدث عن موقف المفسرين تجاه هذه القضايا ويرى أن المفسر الحديث لم يتردد في قبول بعض الوسائل المادية المجلوبة من الغرب، ولكنه وقف طويلًا إزاء كثير من القيم المعنوية الجديدة محللًا ناقدًا، أو محاربًا مدافعًا، أو مناديًا داعيًا، فكان ذلك مؤذنًا بقضية (فتح باب الاجتهاد. في التفسير الحديث)، والمطالبة بفتح باب الاجتهاد إنما هي روح العصر التي أملت هذا الاتجاه على أكثر من مفسر في أكثر من بلد إسلامي، ويتحدث عن موقف بعض المفسرين المحدثين من هذه القضية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>التفسير وروح المدنية:</span>\nيذكر الكاتب أن المفسر الحديث يحاول تبني المثل العليا التي يدين بها المجتمع المعاصر، لأن هذه إنما هي قيم إسلامية كبيرة، إن مهمة المفسر أن يخلص القيم من آثار الزيف المتراكم ليثبت صلاحية الإسلام والمسلمين، وذلك أن الإسلام لا","vol":"1","page":39},{"text":"يتعارض وقيم المدنية الحديثة، بل إنه يسايرها ويتفق معها وأكثر من ذلك فإنه يخلصها من آفاتها التي تكاد تنتهي إلى تدمير الإنسان ذاته، وفي التفسير الحديث حقيقتان كبيرتان وقف عندهما المفسوون، لأنهما مصدران أصيلان لتجديد الفكر الديني في مواجهة المدنية الحديثة هما العلم والحرية، ويعرض الكاتب لجهود المفسربن في ذلك، ويرى أن المفسر الحديث لا يترك مناسبة تتصل بالاتجاهات العلمية الحديثة من غير أن يحاول الكشف عن دعوة القرآن إلى العلم وحثه عليه، ولقد تحدثوا كذلك عن قضية المساواة، ووضحوا موقف القرآن منها، وموقف القرآن من الرقيق وردوا على من يزعم أن القرآن قد شرع الرق، أو ضربه على فئة من الناس أو جنس من الأجناس، فالإسلام نادى بالمساواة ودعا إلى تكريم الإنسان وهذه هي الحرية السياسية، وبينوا موقف الإسلام من الحرية الفكرية والدينية، وحرية المسكن وحصانته وحرمته، وتحدثوا عن موقف القرآن من إرادة الإنسان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>ترجمة معاني القرآن:</span>\nأثارت قضية ترجمة القرآن جدلًا شديدًا، فإذا كانت نصوص القرآن تؤكد صلاحية الإسلام لكل عصر ومصر، فإن كل هذا يحتم على المسلمين أن يقوموا بكتابة ترجمة للقرآن أو لمعانيه إلى لغات العالم.\nويتحدث الكاتب عن الترجمة الحرفية. والترجمة التفسيرية للقرآن، وموقف علماء الأزهر منهما، والكاتب مع صاحب المنار في استحالة الترجمة الحرفية للقرآن الكريم، لأن استبدال كلمة واحدة بأخرى مرادفة يفقد النص جانبًا من أصالته وإعجازه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>التفسير ومشكلاته السياسية:</span>\nيرى الكاتب أن المفسرين كان لهم نشاط في القضايا السياسية، حيث عرضوا لبعض القضايا المهمة ومنها:","vol":"1","page":40},{"text":"- الصراع ضد الأجنبي.\n- مسألة نظام الحكم.\n- قضية الوحدة.\nويرى أن الاتجاه السياسي في التفسير كان بشير الجهود الجديدة في تفسيرهم، وكل ما نجد بعد ذلك من نزعات اجتماعية في سنوات تالية، إنما كان مسبوقًا بهذا الوعي الشديد في مكافحة المستعمر، ويبدو أن إدراك الأمة لمشكلتها السياسية أسبق من إدراكها لمشكلتها الاجتماعية، بل إن الملامح المبكرة للاتجاه الاجتماعي في التفسير كانت سياسية الطابع .. ولقد كان جمال الدين رائدًا لهذا الاتجاه فقد كان يؤمن بضرورة الدين للمجتمع، وقد عاب على المسلمين تخاذلهم في مقاومة الاستعمار الإنجليزي .. ومن ثم صار هدف الحركات الإسلامية حيث آثروا أن يباشروا حركة الإصلاح وتربية الأمة في الداخل، قبل الولوج بها في الصراع العسكري وتأثروا في ذلك بمحمد عبده، ويتحدث عن مواقف المفسرين على تعدد جنسياتهم تجاه هذه القضايا السياسية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>التفسير والإصلاح الاجتماعي:</span>\nلقد ارتبطت حركة الإصلاح الاجتماعي في كل مجتمع إسلامي بحركة التجديد الديني التي تعاود الرجعة إلى تراثنا الأصيل، ويتحدث الكاتب في هذا الفصل عما يتصل بقضية الإصلاح من الجانب الفردي والعملي، ويقف عند ثلاث مسائل كانت تشغل جانبًا من جهود المفسرين في هذا الصدد وهي قضية المرأة، ومسألة الإصلاح الاقتصادي، والجانب التهذيبي.\nوقد تحدث الكاتب عن قضية تحرر المرأة وسفورها وقضية التعدد والطلاق. وموقف المفسرين من هذه القضايا وفي مسألة الإصلاح الاقتصادي تحدث عن عناية المفسرين بتنمية المال وقيمته، ومحاولتهم تصحيح المفهوم الأولى لحقيقة","vol":"1","page":41},{"text":"المال كما يصورها القرآن الكريم، وتحدث عن الملكية والصراع الذي يدور بين النظامين الشيوعي والرأسمالي.\nوفي ختام الحديث عن التفسير الاجتماعي يذكر الكاتب أن جهد المفسر المحدث، إنما كان في اختيار رأي من جملة الآراء التي كان المفسر القديم يحشدها دون ترجيح في أغلب الأحيان.\nلقد كان اختيار الفكرة من بين عديد من الأفكار التي يقدّمها المفسر القديم وترجيح هذا الاختيار بالتعليل الواضح، وتطبيق فكرة النص على ملابسات العصر الحديث عمل المفسر الحديث ويسجل الكاتب للمفسرين المحدثين بعثهم للمفهوم الاجتماعي للدين بعد أن عاش المسلمون قرونًا يباعدون بين الدين والحياة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>الاتجاه الأدبي في التفسير الحديث:</span>\nيذكر الكاتب أن حركة التفسير في العالم الإسلامي شهدت إلى جانب النشاط الاجتماعي اتجاهًا آخر أوسع آفاقًا هو الاتجاه الأدبي الذي يتناول القرآن باعتباره الفن العربي الأقدس محللًا وجوه الإعجاز البياني للنص، وتحدث عن المعجزة وطبيعتها، وعن القرآن وطبيعة الإعجاز ومن القضايا الكبرى في التفسير الأدبي الحديث، القصة القرآنية، ويعرض لرسالة الفن القصصي لمحمد خلف الله، ويتحدث عن المنهج المقارن في تفسير القصة القرآنية، ويعني بذلك مقارنة القصة القرآنية مع القصة في التوراة كما فعل مالك بن نبي في الظاهرة القرآنية حيث عقد مقارنة بين القرآن الكريم وبين التوراة في قصة يوسف ﵊.\nومن قضايا الاتجاه الأدبي، التفسير البياني للقرآن الكريم، والتفسير الموضوعي، والتفسير النفسي، فقد ذكر بعض الباحثين أن قضية الإعجاز الأدبي\n_________\n(١) كلام غير دقيق.","vol":"1","page":42},{"text":"للقرآن إنما تفهم على وجهها الصحيح إذا اتصل تفسير هذا الإعجاز بفهم عالم النفس البشرية (فالقرآن قد راعى قواعد نفسية عن مظاهر الاعتقاد ومسارب الانفعال ونواحي التأثير وجوانب الانقياد) فالنظر النفسي يهدي المفسر الحديث إلى تعليل صحيح للإعجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>التفسير العلمي للقرآن أو علم الكلام الجديد:</span>\nويختم كتابه بهذا الفصل الذي يتحدث فيه عن الإعجاز العلمي ويذكر آراء العلماء في التفسير العلمي.\nوقد انقسم العلماء في بيان موقف القرآن من العلم قسمين. قسم يأخذ بتحكيم المصطلح العلمي في التفسير، وحمل العبارة القرآنية على وجه يطابق ما وصلت إليه علوم العصر، والقسم الثاني ينكر هذا الاتجاه ويفرق بين الحقيقة الدينية والنتائج العلمية. ويذكر أن الاتجاه نحو التفسير العلمي يتزايد مع الزمن ويلقى رواجًا بين القراء.\n(إن الجهود الجديدة في التفسير تكشف عن الآفاق الواسعة، التي يمكن أن يمتد إليها تفسير النص القرآني في شتى المجالات، وكلما تقدمت مباحث الاجتماع والآداب والعلم كشفت عن جوانب جديدة للنص لا تنتهي عند حد مما يؤكد أن النص القرآني نص خصيب خالد متجدد ثري).\nهذا عرض موجز لما ورد في كتاب الدكتور عفت الشرقاوي.\nوأصل هذا الكتاب رسالة ماجستير، هي \"اتجاهات التفسير في العصر الحديث في مصر\" والموضوعات التي طرقها الكاتب -كما رأينا- موضوعات تكاد تكون عامة، فهي بعيدة عن كثير من القضايا العلمية التي تتصل باللغة والأحكام والعقيدة، ومع هذا فلقد أسهم الكتاب والكاتب بما لا ينكر في تاريخ التفسير في العصر الحديث، لكن عدم تضلع الكاتب في القضايا الشرعية كان له أثر في عدم استيفاء كثير من الموضوعات.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>اتجاهات التجديد في تفسير القرآن الكريم في مصر الدكتور محمد إبراهيم الشريف</span>\nيقع الكتاب فيما يقرب من ثمانمائة صفحة، جعله كاتبه في ثلاثة أبواب:<span data-type=\"title\" id=toc-18> الباب الأول، تمهيدات على طريق الدراسة: </span>احتوى فصولًا ثلاثة: الفصل الأول: مصطلحات وقضايا تفسيرية وفيه يتحدث الكاتب عن موقف العلماء والمفسرين من الغزو الفكري، فمنهم الطامعون بالسلطة الذين استجابوا لمخططات الاستعمار ومنهم الثابتون الذين نهضوا لفضح مخططات الاستعمار ومقاومتها.\nوتحدث عن موقف المفسر الحديث وتأثره إلى حد ما بعلائق ورواسب من تلك البدع والفلسفات، فالمفسر الحديث لم يتردد في قبول بعض الوسائل المادية الغربية لكنه وقف إزاء كثير من القيم المعنوية الجديدة محللًا ناقدًا أو محاربًا مدافعًا، فكان ذلك مؤذنًا. بفتح باب الاجتهاد في التفسير الحديث.\nويفرق المؤلف بين الاتجاه والمنهج، فيرى أن الاتجاه: مجموعة الآراء والأفكار والنظرات والمباحث التي تشيع في عمل فكري بصورة أوضح من غيرها وتكون غالبة على ما سواها، ويحكمها إطار نظري أو فكرة كلية تعكس بصدق مصدر الثقافة التي تأثر بها صاحب التفسير ولونت تفسيره بلونها، ويمثل لذلك باتجاهي التفسير المأثور والتفسير بالرأي، ويذكر أن الاتجاه الواحد قد يصطبغ بصبغة الحديث أو اللغة أو الفقه أو غير ذلك.\nأما المنهج فهو الطريقة التي يسلكها كل مفسر فقد كانت لكل منهم طريقة خاصة ذاتية، بحيث يمكن القول باعتبار ما إن مناهج التفسير تتنوع وتثعدد بتنوع وتعدد المفسرين أنفسهم، فلكل منهم مسلك خاص\".\nويبين أن طريقة المفسر كانت هي الطريقة التقليدية بتتبع آيات القرآن حسب","vol":"1","page":44},{"text":"ترتيبها في المصحف، لكن كل مفسر كان له مسلك معين في عرض الآيات وتفسير المفردات، وبيان علاقة بعضها ببعض وما ورد حولها من آثار وما تحمله من دلالات وأحكام، والعصر الحديث أبرز إشكالات معينة وطرقا جديدة تختلف عن الطريقة التقليدية في تتبع الآيات، ومن هذه الأشكال: المنهج الموضوعي، والمنهج التقليدي الموضوعي، ومنهج المقال التفسيري وهذه المناهج ساعدت على ظهور اتجاهات جديدة في التفسير.\nوالفصل الثاني يتحدث فيه المؤلف عن التفسير المصري الحديث عند الدارسين، وقد جعله في مبحثين الأول عند المستشرقين، والثاني عند المسلمين، وقد تناول في المبحث الأول ثلاث دراسات المستشرقين: جولد زيهر في كتابه. مذاهب التفسير الإسلامي، وج: جومييه في كتابيه: تفسير المنار والشيخ طنطاوي جوهري، وج: بالجون في كتابه تفسير القرآن في العصر الحديث وقد أسفرت دراساتهم عن مجموعة من النتائج أهمها:\n١ - اتهام جهود التفسير الحديث بالجمود والتعصب المذهبي ورميها بالتعلق بأهداب الماضي وانعدام روح التجديد فيها.\n٢ - الغض من قيمة هذه الجهود، ومحاولة إظهار ما فيها من عيوب.\n٣ - تحديد مفهوم التجديد بما يخدم أغراضهم ويوافق أهدافهم من تدمير للقيم وإفساد للفكر الإسلامي الأصيل.\nأما المبحث الثاني، فتحدث الكاتب فيه عن كتاب (التفسير والمفسرون) للذهبي، وقد عرضنا عند حديثنا عنه لما ذكره الدكتور محمد الشريف عنه، ومن الكتب التي تناولها بالبحث: كتاب اتجاه التفسير في العصر الحديث لمصطفى الطير، الذي يجعل كل اتجاهات التفسير اتجاهًا واحدًا، ويقتصر على الدراسات المصرية الحديثة، ومفهوم التجديد عنده إنما هو في أسلوب العرض،","vol":"1","page":45},{"text":"ويتحدث عن كتاب الفكر الديني في مواجهة العصر، للدكتور عفت شرقاوى ويرى أن هذه الدراسة الوحيدة التي نجحت في اكتشاف الأشكال الفنية التي ظهرت في مناهج التفسير المصري ونبهت عليها، ثم تناول المؤلف في الفصل الثالث ثلاث دراسات أخرى باعتبارها أعمالًا جزئية هي منهج الإمام محمد عبده في تفسير القرآن الكريم للدكتور عبد الله شحاتة، والتفسير ورجاله للشيخ محمد الفاضل بن عاشور، واتجاهات التفسير في العصر الراهن للدكتور المحتسب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>الباب الثاني: التجديد التفسيري وبذوره في مدرسة المنار</span>\nويتحدث في الفصل الأول من هذا الباب عن حقيقة التجديد وهي تعني تغيير الصورة التي ألفها المسلمون وغيرهم عن دينهم وتطهيره من أدناس وقيم أنظمة أخرى علقت به وتحكمت في المسلمين طويلًا، والعود بهم سريعًا إلى خط الإسلام الواضح ونظامه المقرر في نظرته إلى الحياة الإنسانية وتصوره المعين للإنسان والكون الذي يعيش فيه، ويبين المؤلف صعوبة التجديد وذلك لأن واقع المسلمين المتخلف ليس من الإسلام في شيء ولكنه عوارض لاحقة بالمسلمين أحدثها عدو خبيث أو صديق جاهل، وأن النظم غير الإسلامية لم تمثل بين يدي المسلمين على حقيقتها بل واجهمت الناس لابسة قناع الإسلام، ويتحدث الكاتب عن ضرورة التجديد، ومن دواعي هذا التجديد أولًا: مناهضة الدعوات القائمة ضد الأديان والإسلام خاصة، والتي لم تعدم لها أنصارًا ودعاة من أبناء المسلمين أنفسهم، وثانيًا: الفارق الهائل بين الثقافة الغربية في جانبها العقلي المادي والثقافة الإسلامية التي ظلت راكدة طوال الخمسة قرون الأخيرة. وثالثًا: السرعة التي يندقع بها المسلمون في حياتهم نحو الغرب لسد الفجوة الواسعة بينهما.\nإن النص القرآني هو الأساس القوي الذي ينطلق منه المجددون فهو القاعدة الثقافية المهمة في الحضارة الإسلامية على مر العصور، والرجوع إلى الكتاب والسنة هو عدة الفكر الإسلامي في مراجعة ذاته للتخلص من زيف تضفيه عليه","vol":"1","page":46},{"text":"ظروف تخلف اجتماعي وسياسي، أو لمواجهة ثقافة دخيلة ونحل وافدة.\nأما حقيقة التجديد في التفسير فهي كما يرى الكاتب استلهام آيات القرآن الكريم للتوجيه والهداية في كل ما يعترض حياتنا مما يمس العقيدة أو الأخلاق أو يدخل في بناء اجتماعنا وسياستنا واقتصادنا، بما يكشف عن وفاء القرآن بحاجة البشرية على أن يكون رائدنا في استلهام النص ألا نفرض عليه ثقافتنا وعلومنا، وللتجديد التفسيري ثلاثة جوانب: الاتجاه الهدائي التوجيهي، والاتجاه العلمي والاتجاه الأدبي، وهناك ثلاثة مناهج أو أشكال تفسيرية جديدة هي التفسير بالمقال، والتفسير الموضوعي، والتفسير التقليدي الموضوعي.\nويتحدث الكاتب عن أسس التجديد التفسيري ومنها: احتواء مدلول النص القرآني على حقائق فكر القرون المتطاولة مع مسايرته في خطاب العرب لأحوالهم وأساليب حياتهم وما اعتادوا عليه. ومنها مخاطبة العامة والخاصة بالخطاب الواحد فيفهم كل واحد فهمًا يناسب ذكاءه وقدرته العقلية، ومنها ما يرجع إلى الواقع السّيّء الذي آل إليه المسلمون في القرون الأخيرة، وأسمهم علماؤهم فيه بنصيب وافر، أو يرجع إلى الأصول الشرعية والقواعد الدينية العامة.\nويعقد الفصل الثاني ليتحدث فيه عن بذور التجديد الفكرية والمنهجية في مدرسة المنار، ويبين فيه أن الإمام محمد عبده وقف أمام القرآن الكريم يفسره ليجعله صيحة البعث ونور الشروق، وقد جعل هذا التفسير دروسًا يتطرق فيها إلى ما يتصل بالآيات المفسرة من السنن الاجتماعية والأخلاق والعقائد.\nوبذلك كان تفسيره تفسيرًا عقليًا، وقد كشف الإمام عن كثير من بذور التفسير حيث دعا إلى درس اللغة ألفاظًا وتاريخًا، وإلى درس البيان العربي من مصادره الأولى ليمكن تحصيل الدقة في فهم النص وتفسيره، ولفت إلى دراسة أصول الاجتماع الإنساني ليكون المفسر على علم بأساليب الحياة وأنماط السلوك فيها، ثم العلم بوجه هداية البشر كلهم بالقرآن.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الباب الثالث: اتجاهات التجديد</span>\nويتحدث في الفصل الأول عن قضايا الاتجاه الهدائي، ويعرض فيه لفكرة الهداية القرآنية وموقعها عند المفسرين، فمدرسة المنار أسهمت في نهضة الشرق وتخليصه من الوهم والتقليد والضعف- ورأت أن تناول القرآن ينبغي أن يسهم في خلق وعي اجتماعي وثقافي جديد، ويوطئ السبل أمام الحرية الفكرية، هذا وقد حاول أصحاب الاتجاه الهدائي استخلاص وجوه الهداية والعظة حول محتويات السورة القرآنية، ووضعها في مكان خاص بها قبل تفسير السورة القرآنية أو بعده، ومن المؤكد أن المفسر الحديث قد أفاد كثيرًا من منهج القرآن الهدائي وأسلوبه الفريد الذي أحدث به ثورة إنسانية، ومدرسة المنار ترى أن حشر العلوم المادية في التفسير من الصوارف عن هداية القرآن الكريم، ولكن هذا الموقف اهتز وتلاشى تدريجيًا خلال التفسير التطبيقي فهناك عقائد ارتبطت البرهنة عليها بآيات الله الكونية، وقامت حجة القرآن فيها على النظر من ملكوت الله وتعرف أسرار الكون، أما أصحاب الاتجاه العلمي فهم يرون أن الهداية القرآنية تتحقق بسلوك طريق العلم الذي سلكوه، وفسروا على أساسه آيات الله الكريمة، ويستشهدون لذلك بإيمان كثير من العلماء الماديين واقتناعهم بهذا القرآن بعد أن عرفوا سبقه إلى مجالات علمية كثيرة.\nويتحدث الكاتب عن ترتيب القرآن، ويعرض لآراء الغربيين الذين يرون أن لو رتب القرآن ترتيبًا تاريخيًا أو منطقيًا أو موضوعيًا على غرار كتبهم المقدسة. ويذكر أن للقرآن ترتيبين أحدهما الترتيب الحالي المعروف بالترتيب التوقيفي والثاني ترتيب النزول الذي يساير حركات النفس الإنسانية وتفاعلها مع الدعوة الجديدة. ويرى أن القرآن بهذين الترتيبين أصبح وحده هو الكتاب الذي يعطيك منهجًا عالميًا جامعًا محكمًا فهو منهج لتأسيس دعوة وأسلوب إقناع بعقيدته وطريقة تبشير وإنذار، ودحض كامل لمنطق الإلحاد، وهو أسلوب حياة وبناء حضارة ودستور للعالم كله.","vol":"1","page":48},{"text":"وعرض الكاتب بعد ذلك لبعض القضايا مبينًا موقف مدرسة المنار منها، ومن هذه القضايا:\n١ - الاجتهاد ونقض التقليد\n٢ - السياسة والوطن\n٣ - العلم.\n٤ - الحرية\n٥ - الاقتصاد الإسلامي.\nويعرض بعد ذلك لأهم محاولات الاتجاه الهدائي، فمن المنهج التقليدي الموضوعي تفسير القرآن الكريم للشيخ شلتوت، ومن المنهج الموضوعي دستور الأخلاق في القرآن الكريم للدكتور محمد عبد الله دراز، ومن المقال التفسيري الدنيا في نظر القرآن لمحمد فريد وجدي.\nويتحدث الكاتب عن الاتجاه الأدبي، والشيخ أمين الخولي هو صاحب الدعوة إلى الاتجاه الأدبي، ويتحدث عن منهجه ويذكر بعض المآخذ على ما كتبه ويستعرض بعد ذلك رأي الدكتور دراز في الوحدة العضوية، وموقف الأدبيين في التفسير العلمي الذين يجوزون التفسير على أساس من القواعد العلمية الحديثة المكتشفة في بعض العلوم كعلم النفس وعلم الاجتماع.\nويبين المؤلف تحت عنوان الإعجاز القرآني والتفسير النفسي ارتباط الاتجاه الأدبي بمباحث الإعجاز النفسي الذي يقوم على إدراك ما استخدمه القرآن من ظواهر نفسية ونواميس روحية أدار عليها بيانه، مستدلًا وهاديًا ومقنعًا ومجادلًا.\nويعرض لأهم محاولات الاتجاه الأدبي، ومنها: في ظلال القرآن لسيد قطب، ومنها العفو في الإسلام لمهدي علام، وأسرار النظم في إعجاز القرآن لمصطفى صادق الرافعي، ويعرض لأهم محاولات الاتجاه العلمي ومنها الجواهر في تفسير القرآن الكريم لطنطاوي جوهري.\nهذا عرض موجز سريع لكتاب الدكتور محمد إبراهيم الشريف، وهذا الكتاب يكاد يكون مستوعبًا للذين كتبوا عن التفسير من حيث مناهجهم وأساليبهم، ومع ذلك لا يخلو الكتاب من مآخذ، نعرض لها إن شاء الله في هذا الكتاب.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>اتجاهات التفسير في العصر الراهن د/ عبد المجيد عبد السلام المحتسب</span>\nالكاتب بعيد عن قضايا التفسير والمفسرين، بدأت صلته بالتفسير عند تسجيله رسالة الدكتوراه، التي كان موضوعها تفسير أبي حيان، ولم تكن لديه الأصول التي تمكنه من الكتابة عن تفسير أبي حيان، ولا نودّ أن نستطرد في بحث ليس له فائدة، ولا أدل على ما قلته وأقوله من هذا الكتاب الذي نتحدث عنه الآن، اتجاهات التفسير في العصر الراهن، حيث خلط فيه كثيرًا حتى في القضايا البدهية، فتحدث حديثًا يشوبه الهوى، فيه كثير من الخلط ومجانبة الصواب، والنيل من كثير من رجال الأمة.\nيتحدث مؤلف الكتاب عن اتجاهات التفسير المتعددة، بعد أن يمهد للموضوع بالحديث عن أوضاع المسلمين العامة منذ أوائل القرن التاسع عشر. ومن هذه الاتجاهات:\n١ - الاتجاه السلفي، الذي يرتد إلى السلف الصالح من المفسرين القدامى، ويتمثل هذا الاتجاه في تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل، والتفسير الحديث لدروزة، والتفسير القرآني للقرآن لعبد الكريم الخطيب.\n٢ - الاتجاه العقلي التوفيقي يوفق بين الإسلام ويين الحضارة الغربية، ويتمثل في تفسير الشيخ محمد عبده.\n٣ - الاتجاه العلمي.\nولا بد من الإشارة إلى أن هذا الكتاب يحتوي الكثير من الأخطاء العلمية، ذلك لأن كاتبه بعيد عن مجال التفسير كل البعد، ولذلك نجده يخلط بين الاتجاه السلفي وغيره، فهو يعد تفسير الأستاذ دروزة تفسيرًا سلفيًا، ومن أخطاء هذا الكاتب الأخرى:","vol":"1","page":50},{"text":"أ- يذكر أن القاسمي يميل إلى النزعة العلمية في التفسير، حيث ينقل عن أحد أطباء عصره مضار لحم الخنزير، ويعلق بقوله (ولا حاجة للمفسر في الجري وراء ذلك). إن الحديث عن لحم الخنزير ومضاره لا أظنه يصلح للحكم على المفسر بأنه يميل إلى النزعة العلمية، وذلك أن المفسرين منذ القدم تحدثوا عن لحم الخنزير ومضاره.\nب - يقول عن صاحب التفسير الحديث محمد عزة دروزة: إنه متأثر بمنهج أبي حيان الأندلسي الذي وضعه في مقدمة تفسيره البحر المحيط، والمطلع على التفسير الحديث، لا يجد صاحبه متأثرًا ولو أدنى تأثر بتفسير البحر المحيط، وقد كنت أذكر هذا الأمر، فقال لي أحدهم: بأنه سأل الشيخ محمد دروزة إن كان قد اطلع على تفسير البحر المحيط، فقال إنه لم يسمع به، ولم يره! ! فكيف يمكن أن يقال بعد ذلك إنه متأثر بأبي حيان، ثم إن التفسير الحديث ليس تفسيرًا سلفيًا كما يذكر الكاتب.\nج - مما يدل أيضًا على عدم فهم الكاتب، أنه لا يرتضي أن يوصف الله تعالى بأنه (مدبر الكون الأعظم) ويرى بأن هذا الوصف يوافق قول الماسونية عن الله تعالى بأنه (مهندس الكون الأعظم).\nويقول إن الأعظم صيغة أفعل التفضيل وهي توحي بمدبر للكون أقلّ عظمًا منه وهذا جهل، وعلى ما قاله الكاتب لا ينبغي أن نقول: \"الله أكبر\" ومن ذلك اعتراضه على كلمة الأستاذ عبد الكريم الخطيب (أي لسبب حرمة الحياة الإنسانية وقداستها وكرامتها فرضي الله على بني إسرائيل هذا الفرض، فهو لا يوافقه على كلمة (قداستها) إذ هذه العبارة قد ينخدع بها كثير من المسلمين المثقفين، فضلًا عن السذج والجهلة، فالحياة هي خلق من خلق الله مثل خلقه الكون والإنسان والحياة يدركها الإنسان بمفرده فإذا مات لم يعد يدركها، والقداسة تعني التنزيه عن النقص، ولا يتنزه عن","vol":"1","page":51},{"text":"النقص إلا الله تعالى.\nوما ذكره غير صحيح، فإن الله قد وصف نفسه بهذا في مثل قوله. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾، وكذلك صيغة أفعل التفضيل في مثل قوله: الأكرم وقوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ﴾ وقول الرسول - ﷺ - (إن ربك هو الأجود).\n٤ - الكاتب يحمل حملة شعواء على الشيخ محمد عبده، فهو يرى بأن النزعة الإصلاحية التي جاء بها الشيخ محمد عبده، وإن كانت تتصل جذورها بالإسلام ومواقف بعض علماء المسلمين، فمانها تاثرت بشكل قوي بمفاهيم الفكر الرأسمالي.\n٥ - ويقول إن اتجاه محمد عبده في تفسير القرآن، يمثل مرحلة الدفاع عن الإسلام وكأنه في قفص الاتهام، وهو يرى أن حياة الشيخ محمد عبده الفكرية، والسياسية تنقسم إلى قسمين، يتميز أحدهما عن الآخر، القسم الأول، هو الذي عمل فيه تحت إشراف الأفغاني وكان فيه خادمًا لأهدافه، يرى بعينه ويعمل بعقله، ويكتب بوحيه، والقسم الثاني هو الذي عمل فيه بعد عودته إلى مصر في ظل صداقة اللورد كرومر والمستر بلنت.\n٦ - ويتحدث في صفحات كثيرة عن الماسونية، ويذكر أن محمد عبده كان ماسونيًا مثل أستاذه جمال الدين الإيراني المتأفغن. ودليل ذلك أن محمد عبده أسس جمعية دينية سرية من أهدافها التقريب بين الأديان الثلاثة وكان القس إسحاق تيلر راعي الكنيسة الإنجليزية أحد الأعضاء العاملين في تلك الجمعية .. ثم إن الذي يدرس الماسونية يلاحظ أن عمل محمد عبده منسجم مع مبادئها وأهدافها القريبة والبعيدة.\n٧ - ويقول عنه: (الذي يمعن النظر في أقوال محمد عبده، يدرك مباهاته وتفاخره بمعرفة علم الكون ومعرفة أحوال البشر، ولا جدال في أن محمد عبده","vol":"1","page":52},{"text":"ينطلق من قاعدة منهجية هي الدفاع عن الإسلام وكأنه في قفص الاتهام، فأوقع نفسه في ورطة كان في غنىً عنها وهذه الورطة تثمثل في إقحام القرآن في ميدان العلوم وأنه موافق لما تجدد منها.\n٨ - ومن ذلك اتهامه للشيخ محمد عبده بأنه لا يلتزم الوقوف عند النص القطعي بل نجده يخالف منهجه فيخوض في مبهمات القرآن مستعينًا بما عرف من مستحدثات العلوم على شرحها وتوضيحها ويمثل لذلك بتفسير الشيخ محمد عبده لقوله ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ إنه يقع الاضطراب في نظام الكواكب فيذهب التماسك بينها ولا يكون فيها ما يسمى سماء إلا مسالك وأبوابًا لا يلتقي فيها بشيء وذلك هو خراب العالم. ولا أظن أن دارسًا يعتقد أن هذه هي المبهمات، إن من المعلوم بداهة أن الشيخ محمد عبده كان أبعد الناس عن تفسير المبهمات بل إن مدرسة الشيخ محمد عبده كانت بجميع أعلامها كذلك.\n٩ - ومن حملته على الشيخ محمد عبده، اتهامه بأنه لم يلح على فتح باب الاجتهاد لمصلحة الإسلام والمسلمين. بل ليستطيع التوفيق ما أمكنه بين الإسلام وبين الحضارة الغربية أو ليلائم بين أحداث الحياة المتجددة التي هي ليست من صنع أحكام الإسلام ومقاييسه في الحياة وبين تعاليم الإسلام، وذلك ليزيل الفجوة المتأصلة عند المسلمين والعداء الدفين لكل ما هو من الغرب الصليبي، ومن هنا نستطيع أن نقول: أنَّ إلحاح محمد عبده على فتح باب الاجتهاد ومحاربة التقليد كانت كلمة حقٌّ يراد بها الباطل.\n١٠ - ومما يدل على عدم فهم الكاتب كذلك حديثه عن اعتماد الشيخ محمد عبده على العقل وحده حيث أوقعه ذلك في الأخطاء الشنيعة، يذكر أن العبادات وبعض الأحكام الشرعية لا يمكن أن يخوض فيها العقل أو يوجد","vol":"1","page":53},{"text":"لها علة .. ثم يقول: وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الشرع أوجب التعفف أي غض البصر بالنسبة إلى الحرة الشوهاء شعرها وبشرتها مع أن الطبع لا يميل إليها، ولم يوجب غض البصر بالنسبة إلى الأمة الحسناء التي يميل إليها الطبع، وأيضًا فقد أوجب الله القطع في سرقة القليل دون غصب الكبير، وأوجب الجلد على القاذف بالزنا بخلاف القاذف بغير الزنا مع أنه قد يكون أفظع منه كالقذف بالكفر، وشرط في شهادة الزنا أربعة رجال واكتفى بشهادة القتل باثنين مع أن القتل أغلظ من الزنا.\nوقوله: (وأتاح لحركة محمد عبده التوفيقية الحياة بعض الشيء اعتماده على فكرة أن ما لا يخالف الإسلام ولم يرد نص على النهي عنه يجوز أخذه، وهذه فكرة باطلة من أساسها ويقول ويتضح من تدقيق الأدلة أن أخذ أي حكم من غير ما جاء به الشرع أخذ لحكم كفر؛ لأنه أخذ لغير ما أنزل الله).\n١١ - ويقول عن الشيخ محمد عبده: (إنه لم يكن داعيًا إلى تصحيح جذري للأوضاع القائمة في مصر وفي غيرها من بلاد المسلمين التي كانت أوضاعًا صاغها النظام الرأسمالي المطبق بقوة الاحتلال بل نجده ينحو نحوًا فيه مهادنة وخضوع لأحكام النظام الرأسمالي ومعالجاته ومقاييسه في الحياة، ونحن نعلم أن طريقة الرسول ﵇ في نشر الدعوة الإسلامية كانت تعتمد على التكتل حول الإسلام ثم الانطلاق والجهر. بالدعوة ثم التماس النصرة لإقامة حكم الله في الأرض بإقامة دولة الإسلام.\n١٢ - وهو يرى أن القاسمي وعبد الكريم الخطيب متأثران بالشيخ محمد عبده في التفسير وعند حديثه عن طه حسين وكتابه الشعر الجاهلي - يرى أن الشيخ محمد عبده - في نظره - هو الذي فتح هذه السبيل أمام طه حسين ومن هم على شاكلته، والرابطة التي تربط هؤلاء: جرأة على دين الله، نزعة علمانية","vol":"1","page":54},{"text":"عقلية غلابة، تعظيم لمفكري الغرب ومنهم المستشرقون، تهجم على الأزهر ورجاله وتنقيب عن عيوبه وهفوات رجاله ورقة في الدين تصل إلى حد الكفر.\n١٣ - ومما يدل على عدم دقة الكاتب فيما يكتب، تعريفه للتفسير العلمي بأنه: هو التفسير الذي يتوخى أصحابه إخضاع عبارات القرآن للنظريات والاصطلاحات العلمية وبذل أقصى الجهد في استخراج مختلف مسائل العلوم والآراء الفلسفية منها.\n١٤ - يدعي أن الشيخ رشيد رضا ينعى على من اتجه في تفسيره الاتجاه العلمي، ولكن الدارس لتفسير المنار يجد أن الشيخ لم ينكر التفسير العلمي.\nهذا بعض ما ذكره الكاتب، وهو يدل على خلو الكاتب عن الاتصاف بالقواعد البدهية، لأيّ كاتب فضلًا على أن يكون كاتبًا في تاريخ التفسير، ومن هذه القواعد التي لم تهيأ للكاتب عدم الإنصاف والقسوة التي لا مسّوغ لها، وعدم فهم القضايا البدهية، فهو يدعي مثلًا أن الشيخ محمد عبده يخوض في مبهمات القرآن مستدلًا بقوله، ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾، مع أن ما نقله عن الشيخ لا يعد من المبهمات كما قلنا ثم إن المطلع على تفسير الشيخ محمد عبده يدرك من أول وهلة أن الشيخ - ﵀ - كان ينهى عن الخوض في تفسير مبهمات القرآن، بل يذكر أننا يجب علينا أن نسكت عما سكت الله عنه ورسوله - ﷺ -.\nإن هذا الكتاب مليء بالأغلاط والافتراءات، والأخطاء العلمية لذا لا بد من أن نبه طلاب العلم والدارسين على وجوب الحذر مما جاء في هذا الكتاب.\nإن الكتاب يكاد يكون كله أو جله تهجمًا على الشيخ محمد عبده ﵀، فضلًا على ما في الكتاب من قضايا لا توجد إلا في عقل الكاتب وقلمه وكتابه.\nورحم الله من قال: (من اشتغل في غير فنه رأيت منه العجائب).","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الدكتور فهد ين عبد الرحمن الرومي</span>\nيقع هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء، يبدأ الجزء الأول بتمهيد يتحدث فيه عن نشأة التفسير ومراحله ويبدؤها بمرحلة الصحابة رضوان الله عليهم، وهو يرى أن الصحابة كانوا يأخذون عن بني إسرائيل، ثم يتحدث عن مرحلة التابعين، مرحلة عصر التدوين، ومرحلة التصنيف ومرحلة سادسة هي ما يتعلق بأهواء ومذاهب من يكتبون التفسير (١).\nوعرض لمناهج التفسير عند السابقين التي تعددت بتعدد الاتجاهات، فمنها الاتجاهات العقائدية حيث رأينا مناهج كثيرة تحت هذا الاتجاه منها منهج أهل السنة، ومنهج المعتزلة والشيعة والباطنية، والخوارج والصوفية، والاتجاه العلمي الذي يشمل منهج المفسير بالمأثور ومنهج التفسير الفقهي، والتفسير العلمي التجريبي (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الاتجاه العقائدي:</span>\nويتحدث فيه عن نشأة الفرق، ثم منهج أهل السنة والجماعة في تفسير القرآن الكريم، ويطيل الحديث عن عقيدة أهل السنة، ثم يتحدث عن أسس التفسير عندهم، وهي تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسنة، وبأقوال الصحابة والتابعين وتفسيره بعموم لغة العرب، ومن تلك الأسس أن العبرة في التفسير بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وترك الأطناب فيما أُبهم من القرآن، والتقليل من شأن الإسرائيليات (٣).\n_________\n(١) وهذه في الحقيقة ليست مرحلة من مراحل التفسير، حتى إن كثيرًا من المراحل التي عدها، بعضها متداخل في بعضها الآخر.\n(٢) لنا على هذا التقسيم ملحوظات، حيث تعوزها الدقة والموضوعية.\n(٣) ولا شك أن هذه الأسس التي ذكرها ليست خاصة بأهل السنة وحدهم، فإن الفرق المعتدلة كلها قد اتخذتها أسسًا لها.","vol":"1","page":56},{"text":"ويتناول نماذج من تفسير أهل السنة والجماعة في العصر الحديث، ويعرض لقضية تنزيه الله تعالى عن البداء وغيرها من القضايا، ثم يدرس بعض التفاسير دراسة خاصة ومن هذه التفاسير: تفسير أضواء البيان - ﷺ - إيضاح القرآن بالقرآن لمحمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي، والمفسر يذكر أن غرضه بيان آيات العقيدة، ومن هذه القضايا العقدية التي ذكرها الأسماء والصفات، وإثبات الرؤية والاستواء ويد الله وغيرها من القضايا، ويتحدث الكاتب عن دقة المفسر في استخراج الأحكام فإن الله قد آتاه قسطًا وافرًا من الفهم العميق.\nومن التفاسير التي عرضها: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله الم سعدي الناصري التميمي، وهو وإن كان شاملًا لآيات القرآن الكريم كلها، إلا أنه ليس من التفاسير المطولة، ويعرض نماذج من تفسيره، منها ما يتعلق برؤية الله تعالى، والاستواء والعرش، وأصحاب الكبائر ومحبة الصحابة.\nومن تلك التفاسير: محاسن التأويل لمحمد جمال الدين أبو الفرج القاسمي، وتفسيره يقع في سبعة عشر مجلدًا جعل الجزء الأول منها مقدمة لتفسيره، والقاسمي كثيرًا ما ينقل نقولًا طويلة عن علماء السلف كالإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم وابن كثير وابن جرير وغيرهم.\nوهو في حديثه عن هذه التفاسير يعرض لنماذج معينة هي الأسماء والصفات، إثبات رؤية الله، الاستواء والعرش، كلام الله، سلامة القرآن من التحريف، الإمامة والعصمة، الميزان، الصراط، القضاء والقدر وأهل الشفاعة والولاء والبراء، وأهل البيت والشفاعة.\nويذكر بعد ذلك أن هذا المنهج هو أسلم المناهج، ولكن هناك فرق بين مفسري أهل السنة قديمًا ومفسريهم حديثًا، إن المفسرين القدامى يعرضون عقيدة أهل السنة بالتفصيل، ويردون على شبهات الخصوم وعلى الملل والنحل الباطلة، ثم يذكرون","vol":"1","page":57},{"text":"العقيدة الصحيحة، أما المفسر حديثًا فلا يكاد يعرض لبيان تفسير باطل يرد عليه، أو نحلة منحرقة يبطلها.\nوالفرق الثاني أن المفسرين المحدثين طهروا تفاسيرهم من الإسرائيليات، والفرق الثالث عناية كثير من المفسرين في العصر الحديث بتطبيق التفسير على المجتمع وتوجيه الأمة إلى ما ينبغي أن يكونوا عليه حسب توجيهات القرآن، ورابعا برز في تفسير المعاصرين الاهتمام بالتفسير العلمي التجريبي وخامسًا: الميل إلى اختصار العبارات وهذا أبى إلى اختصار الأبحاث:\nوينتقل الكاتب ليتحدث عن منهج الشيعة في تفسير القرآن، فيعرف بالشيعة ويتحدث عن بداية ظهور التشيع، وفرق الشيعة الإمامية والإمامية الاثني عشرية وغيرهم ويعرض أصول كلّ فرقة منهم.\nأما عن طريقتهم في التفسير، فأصح الطرق عندهم تفسير القرآن بالقرآن، ثم بأقوال الرسول - ﷺ -، وهم لا يعدون الصحابة والتابعين مصدرًا من مصادر التفسير إلا إذا ثبت أن قولهم حديث نبوي، ولذلك يعدُّ المصدر الثالث أقوال الأئمة، والرابع: الإجماع شرط أن يكون الإمام المعصوم من المجمعين، أو إذا كان الإجماع يعتمد على دليل معتبر أو كان كاشفًا عن رأيه في المسألة. والخامس: العقل، ولكن لا يدخل فيه القياس والمصالح والاستحسان، ولهذا كله كانت لهم آراء فقيهة انفردوا بها بناء على هذه الأصول.\nومما يرد في تفاسيرهم قضية الظاهر والباطن، فالقرآن عندهم له ظهر وبطن، ومعنى ذلك أن للقرآن مراتب من المعاني المرادة بحسب مراتب أهله ومقاماتهم، ومن القضايا التي تعرض عندهم قضية تحريف القرآن، حيث يرى بعض الشيعة أن القرآن فيه تحريف بمعنى أن المصحف الذي بين يدي الشيعة لا يشتمل على جميع القرآن الذي نزل من السماء، فقد ضاع بعضه من الناس، ويرى أن هذا القول ذهب إليه الأقدمون منهم أما المحدثون فلا يذهبون هذا المذهب، ومن هؤلاء الذين لا","vol":"1","page":58},{"text":"يرون تحريف القرآن الكريم الإمام الخوئي والشيخ محمد رضا المظفر، ومحمد الحسين آل كاشف الغطاء (١).\nويعرض لنماذج من تفاسيرهم فيما يتعلق بالإمامة والبداء والغيبة الصغرى والكبرى، والرجعة، والتقية، أما أهم كتب التفسير عند الإمامية فهي تفسير الميزان للسيد محمد حسين الطباطبائي والتفسير الكاشف لمحمد جواد مغنية والتفسير المبين لمحمد جواد مغنية، والبيانا في تفسير القرآن للإمام السيد أبي القاسم الخوئي والفرقان في تفسير القرآن لمحمد الصادقي.\nويتناول كتاب الميزان بالبحث، وهو كتاب لم يؤلف للعامة - في رأيه - بل للعلماء لما فيه من أبحاث دقيقة، وهو من أحسن التفاسير في العصر الحديث لولا ما فيه من التشيع ومن مزاياه هذه الأبحاث الواسعة الشاملة التي يوردها في تفسير الآيات.\nويتحدث عن الإسماعيلية، ويذكر أنه لم يجد لهم تفسيرًا لا في القديم ولا الحديث ثم ينتقل للحديث عن الجمهوريين وهم أتباع محمود محمد طه، ويسمون أنفسهم (المسلمون) ويطلقون على دعوتهم الرسالة الثانية، وزعيمهم محمود طه من متطرفي الباطنية والمتصوفة، وهو يزعم بأن الرسول - ﷺ - لما بعث في مكة جاء بالإسلام ولما لم يطق الناس تلقي الإسلام انتقل إلى المدينة ودعا إلى الإيمان فأجابوه، فمحمد - ﷺ - جاء بالإيمان وفصله، أما الإسلام فلم يفصله، فرسالته تسمى الرسالة الثانية لزعمه أن الرسالة الأولى المحمدية كانت للإيمان والثانية للإسلام، والرسالة الأولى لا تصلح للقرن العشرين.\nوينتقل في الفصل الثالث للحديث عن الإباضية ومنهجهم في التفسير، ويتحدث عن آرائهم في بعض القضايا العقدية كرؤية الله التي ينكرونها، والميزان والصراط،\n_________\n(١) وما ذكره لا يخلو من مناقشة، فمن الأقدمين من لا يرى التحريف في القرآن الكريم ومنهم الطبرسي صاحب مجمع البيان، على حين ذهب بعض المحدثين إلى القول بوجود التحريف.","vol":"1","page":59},{"text":"وأنهما معنويان وليسا ماديين وهم يوالون أبا بكر وعمر، أما عثمان فليس له عندهم مثل منزلة صاحبيه، فهو في رأيهم أحدث أمورًا لم يعمل بها صاحباه قبله، وأما علي فهو إمام بالإجماع، ولكنه فيما بعد دخل عليه داخل هو الأشعث بن قيس الذي أضله عن طريقه، وهو يعتقد فيه أنه يريد الحق، ويدعو إليه، وهو بطانة سوء لعلي.\nومن التفاسير الإباضية:\n١ - تفسير داعي العمل ليوم الأمل، الشيخ محمد بن يوسف اطفيش.\n٢ - هميان الزاد إلى دار المعاد للمؤلف نفسه.\n٣ - تيسير التفسير، للمؤلف كذلك.\nوالمفسر يعرض لأسماء السور في تفسيره وللمكي والمدني وعدد آيات السورة وكلماتها وحروفها وفضلها، وهو يطيل كثيرًا في تفسيره فهو يذكر ما يصح في تفسير الآية وما لا يصح، ويطيل فيما أبهم في القرآن، وهو يكثر من الأخذ بالإسرائيليات، ويهتم بالمسائل النحوية واللغوية والبلاغية.\nويتحدث عن القضايا العقدية في تفسيره، ومن بينها موقف المفسر من المذاهب الأخرى كالمعتزلة والصفرية إحدى فرق الخوارج - والصوفية.\nوأخيرًا يعرض منهج الصوفية، ويعرض لنشأتهم وعقائدهم، وأقسام التصوف فهو ينقسم إلى تصوف نظري فلسفي يقوم على دراسات وأبحاث فلسفية، والثاني تصوف عملي يقوم على التقشف والزهد والتفاني في الطاعة، وعليه فهو ينقسم إلى تفسير صوفي نظري، وتقسير صوفي فيضي إشاري والتفسير الإشاري يرتكز على رياضة روحية يأخذ بها الصوفي نفسه حتى يصل إلى درجة تنكشف له فيها. وقد اشترط العلماء لقبول هذا التفسير الإشاري:\n١ - ألا يتنافى وظاهر النظم القرآني الكريم.","vol":"1","page":60},{"text":"٢ - أن يكون له شاهد شرعي يؤيده.\n٣ - أن لا يكون له معارض شرعي أو عقلي.\n٤ - أن لا يدعى أن التفسير الإشاري هو المراد وحده دون الظاهر.\nومن أهم التفاسير في هذا المنهج:\n١ - بيان السعادة في مقامات العبادة سلطان محمد بن حيدر الخجندي؟ .\n٢ - أسرار القرآن - السيد محمد ماضي أبو العزائم.\n٣ - ضياء الأكوان في تفسير القرآن - أحمد سعد العقاد.\nويتحدث عن هذه التفاسير، ويبين بعد ذلك أننا ينبغي أن نفرق بين نوعين من التفسير: هما التفسير الإشاري والتفسير الرمزي، فالأول حقٌّ، والثاني يعتمد على الذوق والترقي في مقاماتهم، حتى يصل المتصوف مقام العرفان فتفيض عليه مكنونات العلم وأسرار المعرفة، وتفاسيرهم هذه لا تخضع لقاعدة ولا لأصل، بل تختلف باختلاف مقام الصوفي ومواجده وذوقه، ولذلك تجد تفسيراتهم غير مفهومه وليس وراءها طائل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المنهج الفقهي:</span>\nويعرض فيه بعض المسائل يقارن فيها بين فقه أهل السنة - والجماعة والشيعة والإباضية، ومن ذلك غسل الرجلين في الوضوء، وصلاة الجمعة، والخمس في الغنائم، وإرث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ونكاح المتعة، ويذكر أن هذا النوع من التفسير لم يؤلف فيه الكثير، بل هي مؤلفات عديدة وهي: نيل المرام في تفسير آيات الأحكام تأليف محمد صديق حسن، وكتاب روائع البيان في تفسير آيات الأحكام للصابوني، وتفسير آيات الأحكام لمحمد علي السايس، وقبس من التفسير الفقهي للدكتور الشافعي عبد الرحمن السيد، ودراسات في تفسير بعض آيات الأحكام للدكتور كمال جودة أبو المعاطي، وهذه كلها في فقه أهل السنة، أما الكتب المؤلفة في فقه الشيعة، فمنها تفسير الميزان وتفسير الكاشف.","vol":"1","page":61},{"text":"والمنهج الثالث الذي ذكره هو المنهج الأثري، أو التفسير المأثور، وأصح طرقه تفسير القرآن بالقرآن، ثم تفسيره بالسنة ثم بأقوال الصحابة، ويذكر أنه لم يجد من يعنى بهذا النوع في القرن الرابع عشر ومن يوليه اهتمامه، وهذا مما يؤسف له، ويود ويقول بأنه نظر في التفاسير التي بين يديه في القرن الرابع عشر فوجد أكثرها اهتمامًا بالتفسير بالمأثور تفسيرين هما:\nأضواء البيان في إيضاح القرآن لمحمد الأمين الشنقيطي، والموجز في تفسير القرآن الكريم (المصفى) الجامع بين صحيح المأثور وصريح المعقول تأليف محمد رشدي حمادي، وقد أفرد كلًّا منهما بدراسة موجزة.\nوبعد أن يعرض ما في هذه الكتب يقول: إن ميدان التفسير بالمأثور يعاني قلة خائضي عبابه وقد كان يتمنى أن يقوم من أتاه الله سعة في العلم بتأليف أو بجمع الآيات التي يفسر بعضها بعضا ويضم إليها الأحاديث الصحيحة المرفوعة إلى الرسول - ﷺ - ويرتب ذلك حسب ترتيب المصحف .. ويرى أن بعض المفسرين لم يهتموا بهذا اللون لاعتقادهم أن بعضهم قد انصرفوا عن هذا اللون من التفسير، وإيراد بعضهم الآخر التفسير بالمأثور بالمعنى من غير إيراد الآيات أو الأحاديث بنصوصها، وانشغال بعض ثالث بمباحث أخرى على حساب التفسير بالمأثور، وقد يكون هناك تعليلات أخرى (١).\nوينتقل إلى الفصل الثالث وهو المنهج العلمي التجريبي، ويبين للقارئ بأنه لا يكاد يجد في كتب المفسير العلمي من يذكر تعريفه، ولم يجد من عرفه إلا الأستاذ أمين الخولي، حيث قال: هو التفسير الذي يحكم الاصطلاحات العلمية في عبارة القرآن ويجتهد في استخراج مختلف العلوم والآراء الفلسفية منها (٢) وتناول العلماء\n_________\n(١) ولا نوافق المؤلف فيما ذهب إليه، إذ إن التفسير بالمأثور، لا يمكن أن يكون منه جديد؛ لأن دائرته محددة الجهات، فهو مختلف عن غيره.\n(٢) سامح الله الكاتب، حيث ادعى أن أحدًا لم يعرّف التفسير العلمي، مع أن التعريف الذي ذكره للأستاذ أمين الخولي غير مقبول، ونحن نعلم أن الشيخ أمين الخولي كان له موقف سلبي من التفسير =","vol":"1","page":62},{"text":"بعده هذا التعريف دون تغيير، ويرى المؤلف قصور هذا التعريف، وذلك لاستخدام كلمة (تحكيم) وفي هذا التعبير شيء من القسوة، وكذلك استخراج الآراء الفلسفية، والتفسير العلمي لا يشمل الآراء الفلسفية، والأولى أن يعرف بقولنا: هو اجتهاد المفسر في كشف الصلة بين آيات القرآن الكريم الكونية ومكتشفات العلم التجريبي على وجه يظهر به إعجاز للقرآن يدل على مصدره، وصلاحيته لكل زمان ومكان).\nويتحدث عن موقف العلماء من التفسير العلمي، فيذكر آراء المؤيدين ومنهم الغزالي والزركشي والسيوطي، وآراء المعارضين وعلى رأسهم الشاطبي، ومنهم أبو حيان الأندلسي وينقل عن أبي حيان نصا يرد فيه على الرازي. حيث يعد ما يذكره الرازي من التخليط والتخبيط في أقصى درجة (١).\nويذكر أن العلماء في العصر الحديث الذين يؤيدون الاتجاه العلمي، يختلفون عن الأقدمين، حيث إن الأقدمين جعلوا الحقيقة القرآنية أصلًا، وذكروا ما يؤيد هذه الحقيقة من نظريات أو حقائق علمية.\nأما المحدثون فجعلوا الحقيقة العلمية أو النظرية هي الأصل، ويقول إنه لا يعمم هذا القول، بل إن أكثر المحدثين كذلك (٢).\n_________\n= العلمي والكاتبون الذين عرفوا التفسير العلمي كثيرون، والذين كتبوا فيه كذلك منهم العلامة الأستاذ محمد أحمد الغمراوي - ﵀ - والأستاذ عبد الوهاب حمودة - ﵀ - وغيرهما.\n(١) والدكتور الرومي - سامحه الله - أبعد النجعة كثيرًا، في أبعد ما قصده أبو حيان عما استشهد به الدكتور فهد الرومي، فالدكتور الرومي يتحدث عن التفسير العلمي بين المؤيدين والمعارضين، وأبو حيان حينما ذكر الرازي - رحمهما الله - لم يكن يتحدث عن التفسير العلمي، بل كان يتحدث عن استطرادات الرازي - ﵀ - حيث كان يشعب القول، فينتقل من موضوع إلى موضوع، ومن علم إلى علم، كما فعل عند تفسيره لسورة الفاتحة، حيث أخذت (٣٠٠) صفحة من القطع الكبير، فأبو حيان لم يعجبه هذا الصنيع، ويمكن أن يطلع على كلمته من أراد فهي في (الجزء الأول، ص ٣٤١)، ولا أدري لم كان هذا الصنيع من الكاتب.\n(٢) ولست مع الدكتور الرومي فيما ذهب إليه، فالعلماء الذين عرضوا للتفسير العلمي في هذا العصر وأقول العلماء، وليس كلّ من تحدث عن التفسير العلمي - كانوا يتحرون الدقة، فلم نر واحدًا منهم =","vol":"1","page":63},{"text":"ويتحدث عن موقف المعاصرين من التفسير العلمي حيث انقسموا إلى ثلاثة أقسام: متطرفين في التأييد، ومتطرفين في الرفض، ومعتدلين، وينقل أقوال ثلاثة من العلماء من كلا الطرفين المؤيدين والمعترضين، ومن المعترضين الشيخ محمود شلتوت، والشيخ أمين الخولي، والأستاذ محمد حسين الذهبي ومحمد عزة دروزة وعباس العقاد وغيرهم، ويذكر أهم المؤلفات في هذا الاتجاه بإيجاز، ثم يعرض لبعض نماذج من التفسير التجريبي في العصر الحديث، ويعود مرّة أخرى فيتحدث عن تفسير طنطاوي جوهري (الذي انحرف عن جادة الصواب في تفسير القرآن الكريم انحرافًا لا يقبله ذو ذوق سليم فضلًا عن الخبير بشروط التفسير) كما يقول الكاتب لقد حمل المفسر النصوص القرآنية ما لا تحتمل وأدخل العلوم والنظريات التي لم يستقر قرارها (١).\nويتناول بالتفصيل كناب كشف الأسرار النورانية القرآنية لمحمد بن أحمد الإسكندراني، وهو آخر علماء الطب وغيره من الكتب. وهو يرى أننا بحاجة في هذا العصر لمؤلف في التفسير العلمي التجريبي تؤلفه مجموعة من العلماء في الشريعة وفي التفسير وفي اللغة وفي العلوم الحديثة يجتمعون ويقررون ما يوافق الحقائق القرآنية ذات الدلالة الصريحة، ويقيسون إليها الحقائق العلمية الثابتة التي قر قرارها وأمن ثبوت زيفها وبطلانها، يثبتونه لا على أن تفسير وإنما كشاهد وزيادة لبيان معاني الآية ومدلولاتها.\n_________\n= جعل النظرية العلمية، أو القضية العلمية هي الأصل - كما يقول -، ونحن نعلم أن التفسير العلمي كثر مدَّعوه في هذه الأيام، لكنَّ المعوَّل عليه أولئك العلماء المتخصصون الذين كان لهم حظ وافر في الدراسات العلمية، والدراسات القرآنية أمثال الأستاذ الغمراوي، وجمال الدين الفندي، وأحمد فؤاد باشا وغيرهم كثير.\n(١) سأتحدث عن تفسير الشيخ الطنطاوي في الجزء الثالث من هذا الكتاب إن شاء الله، لنرى كان كما يقول المؤلف أم لا؟","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>منهج المدرسة العقلية الاجتماعية الحديثة في التفسير:</span>\nوما كتبه هنا اختصار لكتابه (منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير) يبدأ هذا الموضوع بالحديث عن العقل في القرآن ومكانة العقل في الإسلام، ثم يتحدث عن نشأة المدرسة العقلية التي ابتدأت بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، أما الأسس التي تقوم عليها هذه المدرسة فهي:\nأولًا: الوحدة الموضوعية في القرآن.\nثانيًا: الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية.\nثالثًا: تحكيم العقل في التفسير، ويناقش أولئك الذين يرفعون من العقل إلى مرتبة تصل بالنفس الانسانية إلى مراتب الكمال، أمثال الشيخ عبد العزيز جاويش، والشيخ محمد عبده، والأستاذ محمد فريد وجدي، ويقول: إذا كانت العقول قادرة على هذا في الحكمة من إرسال الرسل؟ (١)\nرابعا: إنكار التقليد وذمه والتحذير منه.\nخامسًا: التقليل من شأن التفسير بالمأثور.\nسادسًا: التحذير من التفسير بالإسرائيليات.\nسابعًا: الشمول في القرآن الكريم.\nثامنًا: القرآن هو المصدر الأول في التشريع.\nتاسعًا: التحذير من الإطناب.\nوأخيرًا: الإصلاح الاجتماعي، ويتناول بالبحث موضوع الحرية وقضية المرأة، وبعض القضايا في تفسير المنار.\n_________\n(١) مع أن الشيخ محمد عبده بين في تفسير سورة الفاتحة أن هداية العقل لا تفي ولا تكفي فلا بد من هداية الشرع، ولذلك أرسل الله الرسل.","vol":"1","page":65},{"text":"وفي الجزء الثالث يتحدث الكاتب عن المنهج البياني، ومنهج التذوق الأدبي، والتفسيرات المنحرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>المنهج البياني في التفسير:</span>\nويتحدث عن البلاغة والفصاحة، بلاغة الرسول - ﷺ - وصحابته، ويعرض للكتب البلاغية وإعجاز القرآن منذ عصر التدوين، ثم لتطور التفسير البياني في العصر الحديث على يد الشيخ محمد عبده ويضرب الأمثلة لذلك، ويرى أن المنهج البياني في المفسير خاص بالقرن الرابع عشر وهو لا يعني أبدًا نفي الدراسات البيانية في القرون الماضية، وإنما يعني أن الدراسات السابقة لم تصل في مقصدها إلى ما\nوصلت إليه في القرن الرابع عشر الهجري، ثم إن الدراسات السابقة كانت وسيلة وليست غاية، أما الدراسات في هذه الفترة فهي غاية تدرس النص القرآني، فالدراسات الحديثة إذن أصلت الدراسة البيانية للقرآن.\nويتحدث عن المراحل التي يمر بها المفسر الواحد في العصر الحديث لتطبيق المنهج البياني في التفسير وهي:\n١ - التفسير الموضوعي.\n٢ - الترتيب الزمني للآيات ذات الموضوع الواحد.\n٣ - الدراسة وهي تضم دراسة حول القرآن، ودراسة في القرآن حيث تتناول المفردات والمركبات والكاتب في كلّ هذا يأخذ عن الأستاذ أحمد أمين.\nويأتي بالدراسة التطبيقية عند أحمد آمين مما سماه التفسير الأدبي للقرآن وجعل موضوعه في أموالهم)، والأستاذ قدم لموضوعه بآيات لتحدث عن المال لكنه لم يرتبها حسب النزول، وهذه مخالفة للمنهج الذي يدعو إليه، وخالف منهجه ثانيًا بأن نظر في هذه الآيات نظرة شاملة وقل نظره في مفرداتها.","vol":"1","page":66},{"text":"ويتحدث عن الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، ويرى بأنها وقعت في تفسيرها في ثلاثة أخطاء الأول قصورها في الاستقراء، والثانى أنَّها تحدد المعنى قبل الاستقراء وهذا عمل لا مسوغ له، والثالث اعتدادها الشديد باستقرائها فهي تقلل وتستصغر من شأن المفسرين.\nومن الكتب التي تتاولتها بالبحث كتاب الفن القصصي للدكتور محمد أحمد خلف الله.\nوينتقل إلى الفصل الثاني: منهج التذوق الأدبي في التفسير:\nويقصد بالتذوق الأدبي \"الموازنة بين الذات والموضوع، فللذات حقها في جانب الاستغراق في النص والشعور به بحيث لا يصل إلى الاستغراق الصوفي التام الذي يطغى على النص وعلى جانب الجمال الاجتماعى فيه، وللموضوع حقه في التزام مدلوله اللغوي وحدوده الشرعية والتنبيه الدقيق على المعنى الصحيح السليم، والتزام أبعاد معانيه ومدلولاته بحيث لا يتجاوزها فيشطح. إن الموازنة بين الذات والموضوع هي التي تستقر بصاحبها في ميدان التذوق الأدبي، وبقدر الموازنة يكون الاستقرار فيه، فإن طغت الذات على الموضوع خرج عن نطاقه إلى نطاق التفسير الصوفي الذي يعتمد على الأوهام أكثر مما يعتمد على الحقائق، وجنح بصاحبه إلى الخيال الجارف الذي لا يعتمد على قواعد ثابتة، ولا أصول راسخة بل يموج ويضطرب كما تضطرب الريشة في الهواء، ومن هنا نفذ الباطنيون إلى الإلحاد في تفسير القرآن الكريم حيث لا ارتباط بالنص ولا بمدلوله، بل انسلاخ منه.\nوالتذوق الأدبي للقرآن حركة نفسية، وانطباع ذاتي لا يملك الإنسان له ردًّا، ولا يستطيع له منعًا، بل لا بد أن يظهر أثره في خلجات سامعه وسكناته شاء ذلك أم أبى، وهذا ما أدركه المشركون من قبل.\nويعرض في هذا الفصل لكتاب في ظلال القرآن لسيد قطب ﵀.","vol":"1","page":67},{"text":"وأخيرًا يأتي الباب الخامس: الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرآن الكريم، ويفرق الكاتب بين التفسير الملحد والتفسير الكافر، فالتفسير المخطئ لآية من آيات القرآن بحيث لا يخالف ما علم من الدين بالضرورة، ولا يهدم جانبًا من جوانبه يسمى إلحادًا، أما التفسير الذي يؤدي إلى إنكار أصل من أصول الدين وصرفه إلى معان لا تدل عليها لغة ولا دين، بل الذي ينكرها ويرفضها فإن هذا يسمى كفرًا.\nإن المجتمع الإسلامي قد عانى وما زال يعاني من مستنبطي الإلحاد الذين ينشرون إلحادهم على الملأ باسم البحث العلمي والحرية العلمية .. ويتحدث عن ظاهرة في الدول العربية وهي أنه ما اعتدى أحد من المنتسبين إلى الإسلام على الإسلام إلا وتبوأ منصبًا كبيرًا في الدولة وكأنه مكافاة له على إلحاده - مهما علت الصيحات ضده والانتقادات والاعتراضات ضد أفكاره وآرائه، لكن هذه الصيحات لا تلبث أن تهدأ وتسكن ويعقبها تولي هذا الملحد ذلكم المنصب وكأني ألمح هناك يدًا تدفعه إلى الإلحاد ويدًا أخرى تدفع له الثمن، وأيدي أخرى تدافع عنه وتقاتل\" ويتحدث عن الأسباب التي جرفت بعضهم إلى تيار الإلحاد.\nويعرض أنموذجًا للتفسير الإلحادي، كتاب الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن لمحمد أبي زيد.\nويتحدث عن منهج القاصرين في تفسير القرآن الكريم، ويقصد بهم طائفة لم يطلبوا العلم الشرعي ولم يدرسوه في مدارسهم بل تقاذفتهم المدارس في نواح شتى ليس منها علوم الشريعة، وصاروا يكتبون حتى اشتهروا، ثم رأوا أن الأنظار من مختلف المستويات، ومختلف الاتجاهات تتجه إلى رقعة الأبحاث الشرعية، والدراسات القرآنية خاصة، فتسللوا إلى هذه الرقعة ويدأوا ينشرون تفاسيرهم لآيات قرآنية، وهم يحسبون أن علوم الشريعة لا تحتاج إلى أكثر من تقليب النظر في العبارات ثم إبداء الرأي، من غير أن يكون لصاحبها الدراية في شروط التفسير،","vol":"1","page":68},{"text":"ومن غير أن يدركوا شروط المفسر، وأصبحوا ينظرون إلى آيات القرآن الكريم كما ينظرون إلى مقالة أدبية. ويعرض نماذج مما ذكره عباس العقاد، والأستاذ عبد الرزاق نوفل، وكتاب (القرآن - محاولة لفهم عصري) لمصطفى محمود.\nوالفصل الأخير في المنهج الإلحادي يعرضه للون اللامنهجي في التفسير، وقد ذكر هذا اللون لأنه حرص على استقصاء اتجاهات التفسير، ويتساءل هل أصحاب هذا اللون من التفسير مجانين حقًّا؟ أم أنهم عقلاء كتبوا كما يكتب أولئك، ولماذا فعلوا هذا؟ ويعرض مثالا لذلك تفسير سورة الإخلاص، حيث يقول الذي فسرها وهو محمد أحمد الشمالي: قل خبر مقدم بمعنى فرد لا أحد له، فيقال مثلًا: رجل قل، هو ضمير مبتدأ مؤخر خبره قل وهو أيضًا في مقام مفعول به للجملة الفعلية التي تليه، الله أحد: أي إن الله أحّده بمعنى جعله واحدًا، أو بمعنى جعله حدًا، أو بمعنى جعله حادًا .. \" وقد وصف مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في الكويت هذا التفسير بإنه لا يدل على شيء سوى الاختلاط العقلي، ويرى أن صاحبه من المختلين عقليًا، وأنه هذيان لا يبلغه هذيان المحمومين وأنه عبث بآيات الله وبكتابه. ويعرض أخيرًا لرسالة الفتح لصاحبها عبد الرحمن فراج باعتبارها أنموذجًا على هذا اللون.\nهذه خلاصة موجزة سريعة لما ورد في هذه الأجزاء الثلاثة لكتاب اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر لصاحبه الدكتور فهد عبد الرحمن بن سليمان الرومي.\nوهو جهد مشكور، وكثير مما ذكره لا يخلو من مناقشة، ولكن نخشى أن يطول الكتاب.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>كتاب تطور تفسير القرآن/ دراسة جديدة د. محسن عبد الحميد</span>\nهذا الكتاب من بين الكتب التي جاءت تتحدث عن تطور تفسير القرآن الكريم، ومروره بمراحل كثيرة، حيث إن كتاب الله تعالى احتوى كلّ الموضوعات اللازمة للبشرية من عقائد وأصول وأحكام وقصص الأولين، والمنهج العلمي السديد في التقليد والتدبر، ولذا كان هذا القرآن بحاجة إلى تفسير على مر العصور .. والكاتب يقسم كتابه إلى فصول، يبدأ<span data-type=\"title\" id=toc-28> الفصل الأول بالحديث عن التفسير قبل عصر التدوين </span>وبعده ويقسمه الكاتب إلى مباحث ثلاثة. الأول: تفسير القرآن في عهد الرسول - ﷺ - فقد أنزل القرآن على النبي - ﷺ -، حيث أمره الله بتبليغه للناس كافة، وفعل ذلك - ﷺ - ولم يكتم شيئًا منه، ويرد الكاتب تلك الفرية التي أثارها المنافقون من أن الرسول - ﷺ - قد كتم شيئًا من القرآن، وأمره الله تعالى بأن يبين للناس ما نزل اليهم، والمقصود بالبيان تفسير المجمل وشرح المشكل، وقد فعل ذلك النبي - ﷺ -.\nولكن هل بيَّن الرسول - ﷺ - معاني القرآن كلها جملة وتفصيلًا؟ الجواب بكل تأكيد لا، فهو لم يفضل القرآن الكريم كله، ولم يبين للصحابة ما لا يحتاجونه في زمانهم وقد فسر الرسول - ﷺ - آيات القرآن بعضها ببعض، وشرح من الألفاظ ما غاب عن الصحابة وذلك مثل كلمة الظلم، والصلاة الوسطى، وبين لهم مجمل القرآن الكريم وخصص ما جاء في القرآن عامًّا، ويمثل الكاتب لذلك بقوله تعالى: (حتى تنكح زوجًا غيره) فقد جاءت السنة لتخصص هذا الحكم العام حيث قال الرسول - ﷺ - (حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) (١).\nويقول الكاتب إن السنَّة كلها جاءت بيانًا للقرآن الكريم، إذ الموضوع لا ينحصر\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٤٣٣).","vol":"1","page":70},{"text":"في الأحاديث القولية فقط، ومن يرى أن تفسيرات الرسول - ﷺ - قليلة يستند إلى حديث السيدة عائشة (ما كان رسول الله - ﷺ - يفسر شيئًا من القرآن إلا آيًّا بعدد علمهن إياه جبريل) (١).\nويذكر الكاتب أن السنة عرضت لبعض القضايا العقدية، وذلك مثل رؤية الله تعالى في قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، ويرى أن الرسول - ﷺ - لم يعرض لتفسير ألفاظ القرآن الكريم من الناحية اللغوية، وأن تفسيره لكلمة (أعدوا) ولكلمة (الظلم) لا يعد من هذا القبيل (٢).\nومن القضايا التي لم يفسرها الرسول - ﷺ - المتشابهات التي استأثرها الله بعلمه، والآيات الكونية، والحقائق العلمية، وحكمة التشريع، وأسرار إعجاز القرآن الكريم، تلك التي تدل على صدق الرسول - ﷺ -.\nوفي المبحث الثاني يتحدث عن تفسير الصحابة\nفالصحابة هم ورثة الرسول - ﷺ -، فقد كانوا أعلم الناس بتفسير كتاب الله حيث نزل بلغتهم التي يعرفون فقه ألفاظها وتراكيبها وأسبابها، أما ما وراء الألفاظ والمعاني من الاستنباطات الدقيقة فلم يكن يعرفه العلماء من الصحابة وهذا ما يراه ابن خلدون، ولكن الذهبي يخالف في ذلك ويذهب إلى أن الصحابة لم يكونوا كلهم يفهمون معاني الألفاظ والتراكيب.\nإن الصحابة لم يكونوا كلهم على درجة واحدة من المستوى العقلي، فقد أوتي\n_________\n(١) قال الهيثمي: أخرجه أبو يعلى والبزار وفيه راو لم يقرر اسمه عند واحد منهما. مجمع الزوائد (٦/ ٣٠٣). وذكر الطبري أنه حديث مطعون فيه، إذ في إسناده محمد بن جعفر الزبيدي وهو متروك الحديث [(١/ ٨٩)].\n(٢) وما ذكر حقٌّ، فإن الصحابة هم أهل اللغة، فهم ليسوا بحاجة إلى تفسير ألفاظ القرآن من هذه الناحية، ولكن لأن القرآن كتاب سماوي، ولأن القرآن استعمل الألفاظ المعروفة في معاني جديدة، اضطروا لسؤال النبي - ﷺ - عن ذلك.","vol":"1","page":71},{"text":"بعضهم حظًّا وقوة من الاستنباط العقلي أمثال عبد الله بن عباس، وأُبي بن كعب وغيرهم .. وقد كان الخلاف في التفسير بينهم قليلًا، وإن كان فهو اختلاف تنوع لا تضاد.\nأما مصادر التفسير عندهم فهي: اللغة والقرآن الكريم والسنة والاجتهاد والإسرائيليات.\nوهو يرى أن الرسول - ﷺ - قد وجه الصحابة إلى كيفية التعامل مع التوراة، فقد نهاهم في البداية عن قراءة التوراة خوفًا من الخلط والتشويه والتشكيك، ثم لما رسخ الإسلام، لم يعد يخاف عليهم الرسول - ﷺ - فقال: (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم) ثم لمَّا تكامل نزول الآيات، لم يبق حرج في الاطلاع فقال: (بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) (١).\nلقد تمخضت عن جهود الصحابة الكرام في تفسير القرآن مدارس تفسيرية كبرى، تتلمذ فيها كبار التابعين وهي مدرسة مكة التي أسسها عبد الله بن عباس ومدرسة المدينة وأسسها أبيّ بن كعب، ومدرسة الكوفة التي أسسها عبد الله بن مسعود .. ومع أن التابعين أخذوا علومهم عن الصحابة، لكن تفسيرهم لم يرق إلى تفسير الصحابة، ويقول: إن تفسير التابعين ليس حجة؛ لأنهم زادوا على تفسيرات الصحابة فيما يتعلق بالكلمة والتركيب وسبب النزول.\nأما المبحث الثالث فكان لحركة تدوين التفسير فقد كان التفسير جزءًا من الحديث، ولقد بدأ التدوين بالانتشار المحدود كلما ابتعد الناس عن زمن النبي - ﷺ -، وقد دونت السنّة النبوية نتيجة كثرة الوضع على الرسول - ﷺ -، على أن تدوين التفسير بدأت تتميز ملامحه في عصر التابعين، وفي العصر العباسي الأول بدأ العلماء بتأليف التفسير، فقد وصلنا تفسير يحيى بن سلام، ومنها تفسير ابن جرير\n_________\n(١) وهذا كلام بعيد، فإن الإسرائليليات لم تكن مصدرًا من مصادر التفسير في عهد الصحابة رضوان الله عليهم وقد ناقشت هذه القضية مرارًا في هذا الكتاب.","vol":"1","page":72},{"text":"الطبري، وهؤلاء فسروا القرآن بضوابط شتى من تفسير القرآن بالقرآن أو بالسنّة أو باللغة أو بالاستنباط العقلي أو ببعض الروايات، ويعرض الكاتب للطبري من حيث أسلوبه المتميز في تفسير القرآن وغزارة علمه في العربية والحديث، ومن حيث آراؤه التي يعرضها في تفسيره وذلك بترجيحه بين الروايات.\n\nويرى أن منهج الطبري الذي اعتمد فيه على الأثر والبيان والتاريخ، والنظر هو المنهج المتكامل الذي أثّر فيمن جاء بعده من المفسرين، وهذا المنهج الأصولي هو المنهج الإسلامي الصحيح المتبع منذ عصر الصحابة إلى اليوم، وقد تفرع عن مدرسة الطبري مدارس تفسيرية اقتربت أن تشكل اتجاهات ذات ملامح عرفت بها في أخبار المنهج الأصولي الشامل، ومنها<span data-type=\"title\" id=toc-30> المدرسة اللغوية </span>التي غلب فيها جانب الذوق والبيان.\nأما<span data-type=\"title\" id=toc-29> الفصل الثاني فتحدث فيه عن مدارس المنهج الأصولي في تفسير القرآن الكريم </span>ومن هذه المدارس:\nالمدرسة اللغوية:\nاهتم العلماء على مر العصور بالمعاني اللغوية لألفاظ القرآن الكريم، ولذا ظهر الكثير من التفاسير التي تعنى بهذه القضية منها معاني القرآن للفراء، حيث اهتم بضبط الألفاظ القرآنية من خلال حديثه عن القراءات وضبطها وتصحيحها، ومنها كتاب معاني القرآن للأخفش، ومجاز القرآن لأبي عبيدة، ومعاني القرآن للزجاج، وكانت كتب المعاني هذه أساسًا لظهور تفاسير لغوية كبيرة منها التفسير البسيط للواحدي، وتفسير الكشاف للزمخشري الذي اهتم بالمسائل اللغوية والتخريجات النحوية اهتمامًا واضحًا، ومنها مجمج البيان للطبرسي والبحر المحيط لأبي حيان وهذا الأخير يعد أوسع تفسير.\nويدخل ضمن التفسير اللغوي التفسير البياني الذي يتعلق بتركيب القرآن ولغته من","vol":"1","page":73},{"text":"حيث الحقيقة والمجاز والتشبيهات والكنايات والإيجاز والإطناب والتقديم والتأخير، وقد كانت بذوره ترجع إلى الرسول - ﷺ -، وقد كثرت هذه اللفتات البيانية في كتب المفسرين، ولو رجعت لكتاب مجاز القرآن لأبي عبيدة (١) وجدته مليئًا بمثل هذه الأمور، وممن عني بهذه القضايا الجاحظ في كتبه وهو لم يقف عند الدراسات البيانية المعاصرة له فقط، ولكن خطا بها خطوة كبيرة نحو لم الشعث والتجديد (٢).\nوقد نحا نحو الجاحظ ابن قتيبة الذي كان أكثر تنظيمًا وترتيبًا وتوسعًا، فقد تناول لغة القرآن من حيث هي أداة للتعبير ومن ثم أتبعها ببيان قيمها الجمالية والأدبية، واستشهد للاستعارة بأمثلة كثيرة من القرآن الكريم.\nثم كانت الدراسات الإعجازية التي عنيت بتلك الوجوه البيانية، وكان من أهم تلك الدراسات إعجاز القرآن للواسطي (٣)، والنكت في إعجاز القرآن للرماني، وبيان إعجاز القرآن للخطابي، وإعجاز القرآن للباقلاني، الذي قام فيه بتحليل بعض السور القرآنية، ويرى الدكتور زغلول سلام أن الباقلاني عرض للوحدة الموضوعية في السورة القرآنية، ويرى الدكتور رجب البيومي أن الباقلاني لم يتجه إلى الوحدة الفنية، ويوافق الكاتب البيومي في أن الباقلاني لم يقصد الوحدة الموضوعية في كلّ ما كتب.\nومن هذه الكتب التي عنيت بالإعجاز، دلائل الإعجاز لعبد. القاهر الجرجاني، الذي وضع نظرية النظم، هذه النظرية التي لم تكن قبل الجرجاني مجرد\n_________\n(١) مجاز القرآن لأبي عبيدة لم تكن عنايته بالقضايا البيانية التي ذكرها الكاتب، لأن كلمة مجاز التي أرادها - أبو عبيدة - ليس هو المجاز الذي اصطلح عليه فيما بعد، وسيأتي لهذا مزيد تفصيل إن شاء الله.\n(٢) ما ذكره الجاحظ كان ملحوظات أوليَّة.\n(٣) هذا الكتاب غير موجود، ولم تثبت نسبته للواسطي، فإذن لا ينبغي أن نعول عليه ونذكر أنه من أهم الكتب في إعجاز القرآن الكريم.","vol":"1","page":74},{"text":"ملاحظات، وإنما قامت على دراسات دقيقة واضحة وذلك فيما كتبه الخطابي والباقلاني وعبد الجبار، لكنها لم تتكامل إلا على يد الجرجاني.\nوممن عني بالدراسات البيانية الزمخشري في الكشاف الذي طبق نظرية الجرجاني، تلك النظرية التي كانت بحاجة إلى ذوق الزمخشري الأدبي النقدي المرهف وإلى غزارة علمه بأسرار العربية، لأن ذلك التطبيق كان يقوم أساسًا على تحليل التركيب القرآني وبيان خصائصه، ويمثل الكاتب ببعض الأمثلة من تفسير الزمخشري.\nوممن عني بالدراسات البيانية الرازي في تفسيره، الذي أدخل شيئًا جديدًا في دراسة الإعجاز القرآني، وهو اهتمامه الواضح بترتيب الآيات وتحليلها وبيان أسباب مجيئها على صورتها والاستدلال على إعجازها، وانصب جلُّ اهتمامه على ترتيب الكلمات بجانب ترتيب الآيات والسور .. إن الرازي يعد مكملًا لما بدأ به الزمخشري والجرجاني، ويرد الكاتب على البيومي الذي يرى أن الرازي قد وضع تفسيره لا ليهتم بنماذج الجمال القرآني، بل ليجعل من العلوم الإسلامية منطقًا وأصولًا وفلسفة وتوحيدًا وجدلًا، ويرى أن المتصفح لتفسير الرازي يجد غير ما ذكره محمد رجب البيومي.\nوفي العصر الحاضر جاء الشيخ محمد عبده بالدعوة إلى تغير مناهج الدراسة والعودة إلى المنابع الأولي في فهم الدين والحياة والأدب، وقد جاء ليجدد منهج الشيخ عبد القاهر في النظرية البيانية الجمالية إلى القرآن، وعالج الأنماط البلاغية سواء أكانت في المعاني أم في البيان، ثم تفرع عن مدرسة الإمام محمد عبده اتجاه سمي بالاتجاه الأدبي في تفسير القرآن حمل لواءه الشيخ أمين الخولي الذي يرى أن التفسير هو النظر في القرآن من حيث هو كتاب العربية أكبر وأثرها الأدبي العظيم.\nومن أخطر ما دعا إليه أن العرض القرآني للقصة أدبي لا يرجع إليه في تاريخ ولا يسمى ذلك من نظر أصحابه إليه وتقديرهم إياه بما يشاءون دون الموافقة أو","vol":"1","page":75},{"text":"المناقضة بينه وبين حقائق تثبتها التجربة ويقررها التاريخ القريب المنهج من العلم أو العلمي المنهجي.\nوممن عني بالدراسات البيانية في العصر الحاضر الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ في كتابها التفسير البياني، وهي فيما كتبته لا تلزم نفسها باتباع رأي مفسر واحد دائمًا، وإنما تختار الرأي الذي يحقق ذوقها الأدبي في فهم الآية سواء أكان ذلك الرأي للرازي أم للزمخشري أم للأصفهاني أم لغيرهم.\nولم يحصل تطور حقيقي في مجال التفسير البياني في العصر الحديث إلا على يد الأستاذ سيد قطب الذي أصدر التصوير الفني، وسيد قطب لم يبدأ من الفراغ وإنما بدأ من نظرية الجرجاني وطوّرها إلى رحاب التصوير الفني الشامل، وأكتشاف الخصائص العامة لأسلوب التعبير القرآني ساعده ذلك ذوق أبي رفيع وحس شاعري مرهف، وعلم بخصائص نص البيان العربي القديم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>المدرسة النقلية:</span>\nوترجع جذور هذه المدرسة إلى صحابة رسول الله - ﷺ -، الذين نقلوا السنّة النبوية التي كانت تفسيرًا للقرآن، ثم انتقلت هذه المرويات عن طريق التابعين وتابعيهم فكونت طريقًا في التفسير في إطار المنهج الأصولي الذي يستعين من خلال مدارسه كلها بضوابط التفسير المعروفة مع غلبة جانب رواية التفسير بالمأثور عليه.\nوقد اشتهر في هذه المدرسة الطبري، والثعلبي صاحب تفسير الكشف والبيان عن تفسير القرآن الذي عني بالروايات التفسبرية، ولكنه توسع في ذكر الإسرائيليات دون أن يعقب عليها بنقد، ومن رواد هذه المدرسة ابن كثير، الذي ذكر الروايات التفسيرية وكان يعقب عليها بالجرح والتعديل وهو يرجح ويضعف ويفند بعض هذه الروايات، ومن ميزة تفسيره أنه ينبه على الإسرائيليات ويفند ما يحتاج منها إلى تفنيد.","vol":"1","page":76},{"text":"ومن تفاسير هذه المدرسة الدر المنثور للسيوطي الذي لم يخلط مع الروايات. أي شيء آخر ولم يتحر الصحة فيما جمع .. إن التفسير المأثور لا يتصور أن يحصل فيه تطور لأن الأصل فيه هو نقل ما ورد عن الرسول - ﷺ - والسلف الصالح، وهذا لا يمكن تغييره، وإنما يجب أن ينقل بدقة وأمانة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>المدرسة العقلية:</span>\nيبدأ الكاتب بتعريف العقل ويذكر أنه إدراك الأشياء بالفطرة أو بالعلم على ما هي عليه أو هو معان مجتمعة في الذهن تكون مقدمات تستنبط بها المصالح والأغراض، وقد نبه القرآن الإنسان على استخدام عقله ليتدبر به، فاستعمل القرآن كلمة اللب والتفكير، ولو أحصينا في القرآن مشتقات كلمة عقل وفكر وفقه وفهم وغيرها، لجمعنا مئات الآيات التي تدل دلالة قطعية على تعظيم العقل.\nلقد كان الصحابة يجتهدون في معاني القرآن كلما ظهرت الحاجة إلى ذلك، ولكنهم لم يتوسعوا كثيرًا في استعماله، ومع ذلك وجدنا ابن عباس يفسر الكرسي بالعلم، ويد الله بالقوة، وهذه التأويلات العقلية جرت في إطار قواعد اللغة العربية.\nويرى الكاتب أن ما مرت به الأمة من تطور داخل في الصراع السياسي والفكري في المجتمع الإسلامي، في حدث من سقوط الخلافة الراشدة وقيام الدولة الأموية، ومن ثم ظهور الأحزاب السياسية أمثال الشيعة والخوارج والمرجئة وغيرها .. إن التطور الفكري لم يحدث نتيجة عوامل خارجية، وإنما هي عوامل داخلية.\nويرد الكاتب ما ذهب إليه المستشرقون من أن المسلمين قد تأثروا بما وصلوا إليه من الفقه الإسلامي والقضايا العقلية بغيرهم، ويرى أن الفقه بني على أصول الشريعة، وحركة الجدال العقلي نبع من تطور المجتمع الإسلامي، وكذلك حركة الزهد والتصوف والفلسفة إنما هي وليدة المجتمع المسلم.","vol":"1","page":77},{"text":"ويتحدث الكاتب عن المعتزلة وأصولهم التي منها المنزلة بين المنزلتين والوعد والوعيد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nويتحدث عن العقل عند المعتوْلة، وهم يقصدون به العقل العام الذي هو الحد المشترك بين العقول والذي يعتمد على المدركات الحسية والمعارف الضرورية الأولية والمعارف المكتسبة، وهذا العقل وضعه الله في البشر قبل مجيء الشرائع، فهو السابق، والدليل السمعي مرتب عليه، فالعقل هو الذي يحسن الأشياء وهو الذي يقبحها عندهم.\nإن إيمان المعتزلة بالعقل البرهاني كان من أجل إثبات حقائق الشرع، وليس معنى هذا أنهم يعتقدون أن قول النبي - ﷺ - ليس صدقًا في ذاته، لقد توصل المعتزلة إلى تقرير مبادئهم مستندين إلى فهمهم لكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - في إطار القواعد الأصولية النقلية واللغوية العقلية.\nإن المعتزلة لم يردوا الأدلة النقلية التي تتعارض مع العقل، ولكنهم أَوَّلوها في ضوء التأويل اللغوي، ويدافع الكاتب في هذه القضية عن المعتزلة، فهم مثلًا ردوا الأحاديث الواردة في الرؤية لأنَّها لا تقوى في نظرهم على معارضة الحكم القطعى القرآني (لا تدركه الأبصار)، ولماذا نستغرب وها هم بعض الفقهاء يردون أحاديث صحيحة لأنَّها لا تقوى على معارضة عام القرآن، ويمثل لذلك بالحنفية الذين يردون أحاديث صريحة في باب الأحكام.\nإن المعتزلة كانوا أئمة اللغة العربية، ولذلك لجأوا إلى التأويل في قضايا كثيرة وخاصة آيات الصفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الأشاعرة:</span>\nخرج عن المعتزلة أحد أذكيائهم وهو أبو الحسن الأشعريّ، الذي حاول التوفيق بين النقل الذي تبناه أهل الحديث والعقل الذي تبناه المعتزلة، ويتحدث الكاتب عن","vol":"1","page":78},{"text":"آراء الأشعري التي خالف بها المعتزلة حيث أثبت لله صفة القدرة والكلام والسمع، وبيَّن أن العبد لا يقدر على خلق الفعل ويقدر على كسبه، وقال إن كلام الله قديم غير مخلوق ولا حادث ولا مبتدع، وقال إن الفاسق في مشيئة الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، وذهب إلى أن الحسن ما حسنه الشرع وليس العقل، والقبيح ما قبحه الشرع.\nوالأشاعرة في منهجهم التفسيري لم يخرجوا عن المنهج الأصولي الذي يقوم على أساس التأويل في ضوء قواعد اللغة وتفسير القرآن بالقرآن وبالسنّة وبقوانين العقل، والإمام الرازي يعد وارث علوم الأشاعرة وأحد كبار علماء الإسلام، وإننا نجده يتحرك في داخل ضوابط المنهج الأصولي في التفسير ولا يحيد عنه، فهو في استدلالاته ومناقشاته يرجع إلى الأصل اللغوي ويعتقد أن تفسير كلام الله بكلام هو أقرب الطرق إلى الصواب، ولا يرفض التفسير بالمأثور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>الماتريدية:</span>\nوهم المنسوبون إلى الإمام أبي منصور محمد بن محمود الماتريدي تلقى العلم على تلامذة أبي حنيفة وكونوا معا أسس المدرسة الماتريدية في تأسيس علم أهل السنة والجماعة على أسس وقواعد متينة.\nولو قارنا بين الماتريدي والأشعري، وجدناهما يتحركان في إطار واحد، فمذهبهما واحد في الصفات، والكلام النفسي، ورؤية الله تعالى، ومسألة أفعال العباد، ومصير الفاسق، والشفاعة، فهما يتفقان في أصول المسائل الاعتقادية لأهل السنة، ولكنهما قد يختلفان في بعض المسائل الفرعية، وذلك مثل رؤية الله حيث ذهب الأشعري إلى جوازها عقلًا، وذهب الماتريدي إلى جوازها نقلًا وعقلًا.\nأما منهج الماتريدي في التفسير، فهو يعتمد على العقل بإرشاد من الشرع، ويستعين على فهم القرآن، لأن النظر العقلي عنده من مصادر العلم، فهو يأخذ","vol":"1","page":79},{"text":"بحكم العقل فيما لا يخالف الشرع، فإن خالف فلا بد من الخضوع لحكم الشرع.\nويذكر الكاتب أن الرجوع إلى العقل في التفسير لا يقتصر على المعتزلة والأشاعرة، بل إننا نجد أشد الناس تمسكًا بمذهب السلف، يلجاون إلى استخدام العقل في تفسير كتاب الله تعالى، ويمثل لذلك بابن تيمية، حيث إنه لم يكن عدوًا للعقل، بل كان عدوًا للفلسفات المنحرفة.\n\nأما<span data-type=\"title\" id=toc-35> الفصل الثالث فيتحدث فيه عن المنهج الفلسفي في تفسير القرآن:</span>\nيقول الكاتب: إن تطور الأوضاع الفكرية الداخلية في العالم الإسلامي، وبدء ترجمة الفلسفات الأجنبية وخاصة اليونانية، وهجوم متفلسفة الأديان على أسس العقائد الإسلامية، دفع جمعًا من المسلمين إلى دراسة الفلسفات المترجمة، من منطلق أن القرآن قد حث على النظر العقلي والتصدي للمنكرين والملاحدة ومحرفي الأديان.\nوهؤلاء الفلاسفة المسلمون حاولوا الرجوع إلى القرآن للتوفيق بين نصوصه، وبين ما ثبت من وجهة نظرهم في العقل من اليقينيات، ومع أنهم كانوا أقلّ تفسيرًا وتحليلًا للنصوص القرآنية، إلا أنهم لم يستطيعوا الابتعاد عن ميدان التعامل مع نصوص الوحي الإلهي.\nومن هؤلاء الفلاسفة: الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد.\nويخلص الكاتب إلى أن المنهج الفلسفي في التفسير قد اتخذ طريقين:\nالأول: طريق التعمق والتحليل الدقيق لمعنى الآية ضمن المنهج الأصولي في التفسير، وهو الطريق الذي اتبعه الكندي وابن رشد.\nالثاني: طريق إخضاع نصوص القرآن إلى فلسفات أجنبية دون ضابط والوصول إلى نتائج باطلة شرعًا وعقلًا.","vol":"1","page":80},{"text":"وفي<span data-type=\"title\" id=toc-36> الفصل الرابع تحدث عن المنهج العرفاني في تفسير القرآن:</span>\nويذكر الكاتب أن المقصود بذلك المعرفة التي تأتي عن طريق الرياضة والكشف.\nلقد كانت الرياضة الروحية تتحرك داخل النبوة؛ لأنَّها تقوم عند الصوفيين على التأمل العميق في التوحيد والعبودية التامة لله عن طريق تصفية القلب واستقامة السلوك، ولكنها فيما بعد خرجت على الإسلام، وانحرفت عنه، وقد عرف النظام العرفاني بالغنوص عند الأمم التي كانت قبل الإسلام.\n\nويتناول الكاتب ضمن هذا المنهج:<span data-type=\"title\" id=toc-37> التفسير الإشاري</span>، والتفسير الصوفي، والتفسير الباطني.\nالتفسير الإشاري:\nوالإشارة تعني الإيماء، والمقصود به: التأملات التي تحصل عن طريق ما ينقدح في ذهن المفسر العارف في حالة استغراقه في الوجد والرياضة الروحية. لإدراك أمور لطيفة لها ارتباط ومناسبة مع ظواهر الآيات ..\nولذا اشترطوا ألا تصطدم تلك الحقائق المستنبطة مع ظاهر الآيات القرآنية، والكاتب يرى أن التفسير الإشاري بهذا المعنى الشرعي قديم يعود إلى عهد الصحابة، ويستدل لذلك بتفسير ابن عباس لسورة النصر (١).\nإن التفسير الإشاري ما هو إلا محاولات عقلية ذكية تعمق في معاني الآيات وما ينطبق منها على النفس وآلافاق المرتبطة بالألفاظ وسياق الأسلوب ويساعد في الوصول إليها قوة الإيمان وإخلاص العبادة وصفاء النفس والبعد عن الهوى .. وقد تطور التفسير الإشاري شيئًا فشيئًا، حيث أفرد بالتأليف، ومن أقطابه سهل التستري\n_________\n(١) ليس ما ذكره ابن عباس في معنى سورة الفتح من باب التفسير الإشاري، بل هو من باب التأويل، وما أبعد الفرق بين التفسير الإشاري، وبين التأويل، وسيأتي مزيد تفصيل لهذه القضية إن شاء الله.","vol":"1","page":81},{"text":"إلا أنه لم يبق في إطار الفهم الأصولي للآية، بل بدا في كثير من الأحيان يستقل عنه معتمدًا على ما يتخيله المفسر الإشاري أنه الكشف والإلهام ولا حجة تقوم بادعاء الكشف والإلهام.\nإن التفسير الإشاري إذا لم ينضبط بضوابط فهم النص يكون تفسيرًا عرفانيًا غنوصيًا لا دليل عليه من داخل الآية ولا من خارجها .. وقد نقل الألوسي مجموعة كبيرة من هذه الإشارات، وكان كثير منها بعيدًا عن روح الآيات القرآنية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>التفسير الصوفي:</span>\nالتصوف هو الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق، وأصله العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال، والخلوة للعبادة.\nوالفكر الصوفي المستقيم الذي تضبطه ضوابط القرآن الكريم، لم يستطع أن يسيطر على عالم التصوف سيطرة كاملة وقد ظهرت منذ عصر الجنيد بوادر انحرافات واضحة .. (١) إن الفلسفات الأجنبية العرفانية قد أثرت في أفكار هذا الاتجاه الصوفي الفلسفي من أصحاب الحلول والإشراق والوحدة وقد أثبت الباحثون القدماء والمحدثون ذلك، أمثال ابن تيمية، وأحمد أمين.\nويتحدث الكاتب عن التفسير المنسوب لابن عربي المسمى بـ (تفسير القرآن الكريم) ويرى أن نسبته ليست صحيحة لابن عربي، وقد صحح الباحثون أن نسبته إلى الباطني القاشاني الأندلسي الشهير، وابن عربي عندما يتحدث عن تفسيره (الجمع والتفصيل في أسرار معاني التنزيل) يقول بأنه رتبه على الحديث في كلّ آية على ثلاث مقامات: مقام الجمال، ومقام الجلال، ومقام الكمال .. والتفسير الذي نسب إليه ليس فيه شيء من هذا، وما يرجح ذلك كذلك أن ابن عربي وإن صدرت\n_________\n(١) الانحرافات لم تظهر في الحقيقة إلا بعد الجنيد.","vol":"1","page":82},{"text":"منه أقوال تخالف الدين فلا يلبث أن يرجع إلى الصواب، بينما صاحب هذا التفسير يسير في طريق الضلالة الباطنية من أول تفسيره إلى آخره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>التفسير الباطني:</span>\nوالباطنية هي كبرى حركات التحريف في تاريخ الإسلام، وقد اتبع الباطنيون مع من خاطبوهم أساليب خطيرة لنقلهم من مرحلة إلى أخرى، حتى ينسلخ المدعو نهائيًا من دينه ويؤمن بدين جديد، وأول من أنشأ الباطنية جماعة من اليهود والمجوس والمزدكية وشرذمة من الوثنيين .. إن هذا المذهب ظاهره الرفض وباطنه الكفر المحض، وهو يحصر مدارك العلوم في قول الإمام المعصوم، ويعزل العقول عن الاختلافات والمعلم المعصوم عندهم هو المستبصر، المطلع من الله تعالى على جميع أسرار الشرائع، وهو يهدي إلى الحق، ويكشف عن المشكلات، وهم يوافقون اليهود والنصارى والمجوس في معتقداتهم ويقرونهم عليها.\nويرى الكاتب أن التفسير الباطني تسرب إلى تفاسير وكتب معينة لفرق أخرى، منها: (الأصول من الكافي للكليني)، فقد ورد في تفسيره ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ أي يطفئوا ولاية أمير المؤمنين علي بأفواههم ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي متم الإمامة والإمامة هي النور.\nإن التفاسير الباطنية لا تتصل بتفسير القرآن أو محاولة فهمه، ولكنها لتصل بمذاهب ونحل كونتها مصادر الثقافات والأديان الغريبة عن طبيعة الإسلام.\nويقرر الكاتب أخيرًا أنه في ظل هذه التأويلات الباطنية استغل أعداء الإسلام عبر التاريخ سذاجة كثير من المسلمين وغفلتهم وأميتهم ففرضوا عليهم من حيث لا يشعرون الكفر والشرك والانحراف وتقديس الأئمة والصالحين، ونشروا الخرافة والبدع والأسطورة وحولوها إلى دين جديد غير دين الإسلام الذي يعرفه علماء الإسلام في كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وإجماع علمائه واجتهاد مجتهديه.","vol":"1","page":83},{"text":"وإذا كان الله تعالى قد أخذ الميثاق الغليظ على العلماء في كتابه الكريم كي يبينوا للناس الحقائق الاسمية ولا يكتموها، فإن الواجب يقضي عليهم أن يراجعوا تاريخ التطور الفكري قي حضارتنا الإسلامية ليقوموا بجرد كامل للأفكار الهادمة، والمبادئ الباطلة، والاتجاهات الخرافية والأسطورية فيها، كي يفضحوها بالعلم والمنطق والبرهان، ليعود الإسلام عند المسلمين صافيًا نقيًا يوجه الجيل الجديد إلى الإيمان العميق، والعلم الدقيق بالقوانين المادية وتسخيرها، وإحداث التغيير المطلوب في مجتمعاتنا الإسلامية المتأخرة نحو حياة الأصالة، والحضارة والعقلانية.\nويعقد الفصل الخامس للحديث عن المدرسة الحديثة في التفسير فقد كان المسلمون قي القرن الثالث عشر الهجري يعيشون أوضاعًا متخلفة بعيدة عن هداية القرآن .. لقد خبت جذوة الفكر وتوقفت الحركة العلمية التجريبية، واصطبغت عقلية الأمة الإسلامية بصبغة التواكل والقعود والخرافة، وهذه الأوضاع أطمعت الاستعمار في احتلال العالم الإسلامي لتقييد حركته الحضارية وهذه الأوضاع السيئة دفعت العلماء المتنورين إلى التفكير بإخلاص لإنقاذ العالم الإسلامي من مأساته، وكانت القاعدة التي انطلقوا منها لبناء نظراتهم إلى مسائل الكون والحياة والقرآن الكريم.\nوقد بدأت تلك الدراسات والإصلاحات مع القرن الرابع عشر الهجري على يد جمال الدين الأفغاني الذي يعد مؤسس المنهج الحديث في التفسير في القرن الرابع عشر الهجري .. لقد تكلم الأفغاني في أسس التفسير ووضح ملامحه، وهاجم المناهج التفسيرية التي أقحمت علوما ومصطلحات غريبة عقلية ولغوية ونقلية، فحجبت حقائق القرآن عن الناس، ودعا إلى فهم القرآن والسنة وأعمال السلف الصالح.\nثم جاء الشيخ محمد عبده، الذي تأثر بشيخه الأفغاني، وكان يلقي دروسًا في","vol":"1","page":84},{"text":"التفسير في الجامع الأزهر، وفسَّر خمسة أجزاء من القرآن قبل أن يتوفى، ثم أكمل تفسيره وسار على منهجه محمد رشيد رضا. لقد وضع هؤلاء الثلاثة المنهج الذي ينبغي أن يسير عليه من أراد تفسير القرآن وهو يتلخص بما يلي.\n١ - بيان سنن الله في الخلق ونظام الاجتماع البشري وأسباب ترقي الأمم وتدنيها وقوتها وضعفها.\n٢ - بيان أن الإسلام دين سيادة وسلطان جمع بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.\n٣ - إن المسلمين ليس لهم جنسية إلا دينهم، فهم إخوة لا يجوز أن يفرقهم نسب ولا لغة ولا حكومة.\nلقد أراد الشيخ رشيد أن يجمع بين العقل والنقل ولذا فقد أخذ على المفسرين إخضاعهم النصوص القرآنية الواضحة على القواعد العلمية والفلسفية والأصولية الحادثة دون أن ينطلقوا من ضوابط صحيحة في التفسير اتفق عليها المحققون من علماء القرآن.\nوقد انتقد السيد رشيد المؤولين لبعض المتشابهات لمخالفتهم ما كان عليه السلف، فانتقد المفسرين الكلاميين المعتزلة والأشاعرة، ومنهم الإمام الرازي، وقد شن حملاته الشديدة على الصوفية وأفكارهم وبدعهم رافضًا تفسيراتهم الإشارية، وقد قام السيد رشيد بتحقيقات جيدة لتنقية التفسير من الإسرائيليات الكثيرة والأخبار الضعيفة، إن دراسة صاحب المنار للحديث وعلم الجرح والتعديل واطلاعه على قوانين الحياة وقواعد العمران البشري مكنه من نقد سند الإسرائيليات، وقد خالف جمهور العلماء في تعديل كعب الأحبار ووهب بن منبه.\nإن المدرسة الحديثة اتبعت منهجًا لها في التفسير وهو يتلخص فيما يلي:\n١ - تفسير الآيات ضمن معاني الألفاظ التي كانت متداولة بين العرب أيام نزول القرآن.","vol":"1","page":85},{"text":"٢ - عدم الإكثار من الموضوعات والأبحاث اللغوية والنحوية والبلاغية التي أرهقت التفاسير السابقة؛ لأنَّها تحجب هداية القرآن عن البشرية.\n٣ - الانطلاق من أن القرآن أنزله الله دستورًا وحياة للإنسان، ولذا فعمل المفسر توصيل هداية القرآن إلى العقول والقلوب.\n٤ - الاستفادة من العلوم المتنوعة والثقافات الإنسانية المتعددة الحديثة في تفسير القرآن الكريم.\n٥ - القيام بمراجعة الرصيد الحضاري الفكري وغربلته بإبعاد العناصر الدخيلة فيه وتنقيته مما علق به من الانحرافات والإسرائيليات والأخبار الضعيفة والخرافية.\n٦ - القضاء على التعصب المذهبي في المجتمع الإسلامي وبيان خطره الكبير على وحدة الأمة.\n٧ - معالجة أسباب تأخر المجتمع الإسلامي وأمراضه الكثيرة.\n٨ - رد الغزوات الفكرية الاستعمارية التي شنت على الإسلام عقيدة وشريعة وتاريخًا.\nلقد كان معتمد المفسرين المحدثين على تلك المدرسة مدرسة محمد عبده .. إن العقلانية التي تحركت فيها هذه المدرسة لم تكن غريبة على الإسلام، ولكنها تحركت لظروف الحياة الجديدة في أوسع دائرة أصولية ممكنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>التفسير العلمي:</span>\nمما عرض له الكاتب التفسير العلمي، حيث يرى أن الرازي والغزالي وغيرهم من العلماء ذكروا أن القرآن فيه الكثير من الاستدلالات على قدرة الله تعالى وعلمه وحكمته بأحوال السماوات والأرض وتعاقب الليل والنهار، وكيفية أحوال الفضاء","vol":"1","page":86},{"text":"والظلام وأحوال الشمس، ويرى أن العلماء قد أخطأوا في فهم رأي الشاطبي، في ذهب إليه الشاطي ليس معارضًا لما ذهب إليه الغزالي والرازي، إذ هم لم يدّعوا أن القرآن الكريم فيه تفاصيل العلوم بالفعل، وإنما قرروا أنه يحتوي على مبادئ تلك العلوم والمعارف بالقوة (١).\nويذكر الكاتب أن التفسير العلمي يمكن أن يتخذ مظهرين الأول تسخير الحقائق العلمية في كشف مدلول الآية القرآنية، والثاني: تفسير آية قرآنية بحقائق علمية أو نظرية علمية محددة المعالم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>مناقشة لبعض ما ذكره الكاتب:</span>\n١ - يقول الكاتب إن من يرى أن الرسول - ﷺ - لم يفسر القرآن الكريم كله يستدل بحديث السيدة عائشة ما كان رسول الله - ﷺ - يفسر شيئًا من القرآن إلا آيا بعدد علمهن إياه جبريل، وهذا الحديث طعن فيه الطبري فهو من رواية محمد بن جعفر الزبيري وهو متروك ومنكر الحديث، هذا من حيث السند أما من حيث المتن، فهو لا يصح كذلك، إذ لو كان الرسول - ﷺ - لا يفسر إلا ما يعلمه إياه جبريل ﵇، فكيف لغيره من الصحابة، بل لمن بعدهم أن يفسر آية واحدة من القرآن، لأن التفسير حينئذ سيكون توقيفيًا، وفي هذا إشكال يحملنا على رد الحديث.\n٢ - يذكر الكاتب أن من القضايا التي لم يفسرها الرسول - ﷺ - المتشابهات التي استأثرها الله بعلمه والآيات الكونية ..، وهذه من القضايا التي يركز عليها الكاتبون في التفسير الأثري.\n_________\n(١) ونحن لسنا مع الكاتب في فهمه، فإن الذي يقرأ كلام الشاطبي يفهم منه إنكاره لما يسمى بالتفسير العلمي.\n(٢) ولسنا معه كذلك في تفسير القرآن الثابت بالنظرية المتغيرة غير الثابتة.","vol":"1","page":87},{"text":"إن قضية المتشابهات وكونها مما استأثر الله بعلمه، لم تكن من القضايا المعروفة زمن الصحابة أو مما يشغلهم، فهم يعلمون أن من القرآن ما هو محكم وما هو متشابه، ولكنه لم يرد عنهم أن المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، إنهم كانوا يفهمون القرآن الكريم باعتبارهم أهل الفصاحة والبلاغة، ولذا لم يكونوا ليسألوا الرسول - ﷺ - إلا عن أمور غابت عنهم، لأن القرآن الكريم إلى جانب كونه كتابا عربيًا، فهو كتاب سماوي من عند الله تعالى.\n٣ - يذكر الكاتب أن الرسول - ﷺ - نهى الصحابة في البداية عن قراءة التوراة خوفًا من الخلط والتشويه والتشكيك، ثم لما رسخ الإسلام لم يبق حرج في الاطلاع فأباح لهم ذلك .. وهذا يخالف ما أرشدهم إليه الرسول - ﷺ -، فإنه ﵇ كان ينهى الصحابة عن الرجوع إلى أخبار أهل الكتاب، فها هو ﵊ ينهى عمر بن الخطاب حينما رآه يقرأ صحيفة من التوراة وقد غضب، يقول له (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم، وقد ضلوا وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل، والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني) (١) وهذا ابن عباس وعمر بن الخطاب - ﵃ جميعًا - يفهمون ما أرشدهم إليه الرسول - ﷺ -، فينهون عن الرجوع إلى أهل الكتاب، ولو كان الرسول - ﷺ - سمح لهم بالإطلاع، لما ثبت عن الصحابة النهي عن الرجوع إلى أهل الكتاب، وستأتي هذه القضية مفصلة إن شاء الله.\n٤ - يرى الكاتب أن الزمخشري في كشافه قد اهتم بالمسائل اللغوية والتخريجات النحوية. والمطلع على الكشاف يرى الزمخشري قد اهتم بالمسائل اللغوية حقًّا، سواء ما يتعلق بأصل الكلمة والاستشهاد لها مما ورد في شعر العرب، أم ما يتعلق بالبلاغة والبيان، أما التخريجات النحوية فإن الزمخشري لم يعن بهذه القضية كثيرًا، فهو في كثير من الأحيان - إن عرض لهذه القضية - يكتفي بوجه واحد للإعراب، ولا يعنى بتلك التخريجات كما كان ممن جاء بعده.\n_________\n(١) أخرجه أحمد برقم ١٤٦٣١.","vol":"1","page":88},{"text":"٥ - يذكر الكاتب أن الرازي عني بالدراسات البيانية، واهتم اهتمامًا واضحًا بترتيب الآيات وتحليلها وبيان أسباب مجيئها على صورتها والاستدلال على إعجازها .. وهو يعد مكملًا لما بدأ به الزمخشري والجرجاني .. إن هذا الكلام غير دقيق، فالرازي لا يعد مكملًا للزمخشري وذلك أن جل القضايا البيانية التي ذكرها، أخذها من كشاف الزمخشري، فهو - إذن - اعتمد اعتمادًا كبيرًا على ما ذكره الزمخشري، وغيره من المفسرين، ثم إن ما ذكره البيومي من أن الرازي قد وضع تفسيره لا ليهتم بنماذج الجمال القرآني، بل ليجعل من العلوم الإسلامية منطقًا وأصولًا وفلسفة وتوحيدًا وجدلًا، صحيح وليس كما يقول الكاتب، فإن الرازي قد عرض لهذه القضايا البلاغية، لكنه عني عناية كبيرة بالقضايا الأخرى، مما جعل كثرين يحكمون على تفسيره بأنه فيه كلّ شيء إلا التفسير. وإن كنا لا نهضم الرازي حقه، فهو - ﵀ - قد جعل تفسيره موسوعة، تضم كلّ شيء، ولكن غلبت القضايا المتعلقة بالعلوم الإسلامية والفلسفة على غيرها من القضايا.\n٦ - يرى الكاتب أن حركة الجدال العقلي نبع من تطور المجتمع الإسلامي، وكذلك حركة الزهد والتصوف والفلسفة، فإنها وليدة المجتمع المسلم، والحقيقة أن هذه ليست كلها وليدة المجتمع المسلم، ولكن المجتمع المسلم استقى بعضها من غيره من المجتمعات، كالمجتمع اليوناني والهندي أي من الأمم الشرقية.\n٧ - يذكر الكاتب أن الفكر الصوفي قد دخلته بوادر الانحرافات وذلك منذ عصر الجنيد، والمطلع على تاريخ الصوفية، وما كان في عصر الجنيد يكاد يجزم أن هذه الانحرافات ما ظهرت إلا بعد عصر الجنيد رحمه الله تعالى.\nوبعد فإن جهد الكاتب مشكور، نسأل الله أن يجزيه عن جهده خيرًا.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>تعريف الدارسين بمناهج المفسرين الدكتور صلاح الخالدي</span>\nيبدأ كتابه بتعريف مصطلح (مناهج المفسرين) وبيان أهميته، ويفرق بين المنهج والطريقة ويرى أنه يجب التفريق بين المنهج والطريقة في الدراسات الإسلامية والأدبية أو العلمية أو الفكرية أو غيرها. فالمنهج هو الخطة المرسومة المحددة التي تتمثل في القواعد والأسس والمنطلقات التي تعرف عليها المفسر والتي انطلق منها في فهمه للقرآن والتي التزم بها في تفسيره له، هذه الأسس كانت ضوابط له ولتفسيره. أما الطريقة فهي الأسلوب الذي سلكه المفسر أثناء تفسيره لكتاب الله، والطريق التي عرض تفسير كتاب الله من خلالها، ويقرب القضية بالمثال الهندسي.\nويتحدث في الفصل الأول عن معنى التفسير والتأويل والفرق بينهما، وينتقل للحديث عن مراحل التفسير ويقسمها إلى أربع مراحل هي:\nالمرحلة الأولى: مرحلة التأسيس التي بدأت على يد الرسول - ﷺ - ثم الصحابة والتابعين وقد ظهر في هذه المرحلة اتجاه التفسير المأثور، والاتجاه اللغوي البياني.\nوالمرحلة الثانية: مرحلة التأصيل، حيث تم ترسيخ المنهج الأصيل لعلم التفسير المنهج الذي يقوم على أسس وقواعد متينة، وقد أرسى هذه الأسس إمام المفسرين أبو جعفر محمد ين جرير الطبري، وقام هذا المنهج على تفسير القرآن باللغة والمأثور واجتهادات المفسرين.\nوالمرحلة الثالثة: التفسير في طور التفريع، حيث صار المفسرون يتوسعون ويستطردون ويرددون الكثير من القضايا، بعضها لا يتصل اتصالًا وثيقًا بالتفسير، وقد كان كلّ مفسر يفسر وفق العلم الذي مهر فيه وغلب عليه، وبذلك تحول التفسير من المنهج الجامع إلى المنهج الغالب وظهر في هذه المرحلة اتجاه؛ التفسير بالمأثور والبياني، والعقلي والفقهي والتفسير القريب من المنهج الجامع فقد كان","vol":"1","page":90},{"text":"مفسرو هذا الاتجاه قريبين من المنهج الجامع الأصيل الذي أرسى معالمه الإمام الطبري وكان هؤلاء المفسرون يقتدون بالإمام الطبري ويحاولون أن يقتربوا منه، فظهرت في تفاسيرهم الأسس الثلاثة للمنهج الجامع وهي: اللغة، والأثر والاستنباط على تفاوت بينهم في تحقيق هذه الأسس الثلاثة وكانوا في هذا دون مستوى الإمام الطبري لكنهم استفادوا من ذلك المنهج الرائد. ومن هذه التفاسير تفسير الواحدي وابن عطية والقرطبي وابن كثير.\nوالمرحلة الرابعة: مرحلة التجديد وهذه كانت في القرن الرابع عشر.\nوفي الفصل الثاني: تحدث الكاتب عن العلوم الضرورية التي لا بد منها للمفسر، وصفات وآداب المفسر، وأحسن طرق التفسير والتي هي: تفسير القرآن بالقرآن، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم بأقوال التابعين ثم باللغة العربية، ثم استنباط معانيه ودلالاته وأحكامه، وعرض كذلك الكاتب لاختلاف المفسرين، وأهم أسباب هذا الخلاف.\nوعرض بعد ذلك لأهم أخطاء المفسرين، وقد صنفها في ثلاثة أصناف:\nالأول: الخطأ في الهدف والقصد والباعث: ويعني بذلك أصحاب الأهواء.\nالثاني: الخطأ في منهج النظر في القرآن: وأصحاب هذا الخطأ لم يحصلوا العلوم الضرورية للمفسر ولم يراعوا أحسن الطرق في التفسير، فوقعوا في أخطاء مع حسن مقصدهم.\nالثالث: الخطأ في بعض الجزئيات الفرعية.\nونقل عن ابن تيمية ما ذكره من أخطاء منهجية، ومنها الخطأ في الدليل أو المدلول أو هما معًا، ويُقصد بأصحاب هذا المنهج قوم اعتقدوا معاني للقرآن فحملوا الألفاظ عليها، فإذا كان المعنى باطلًا فقد وقعوا في خطأ في الدليل والمدلول، وإن كان المعنى حقًّا كان خطؤهم في الدليل ومن الفريق الأول - الذين","vol":"1","page":91},{"text":"أخطأوا في الدليل والمدلول - طوائف من أهل البدع كالشيعة والخوارج.\nويذكر كذلك أن سيد قطب تحدث عن خطأ جذري أصيل وقع فيه بعض المفسرين قديمًا وحديثًا قادهم إلى نتائج خاطئة في تعاملهم مغ الثغرات وخرجوا بتفسيرات خاطئة، وهذا الخطأ هو دخولهم عالم القرآن بمقررات سابقة .. ويعود بعد ذلك ليسجل أخطاء المفسرين ويعددها.\nوينتقل ليحدثنا عن الضوابط التي ينبغي على دارسي التفسير مراعاتها عند تقييم أي تفسير والتي منها المعرفة التامة لعصر المفسر، والمعرفة التامة لشخصيته، وتحديد قواعد منهجه، والموضوعية في البحث، والنظرة المتزنة للمفسر.\nوفي الفصل الثالث يحدثنا عن تفسير القرآن بالقرآن، وتفسيره بالسُّنة، والمقدار الذي فسره الرسول - ﷺ - من القرآن، ويذكرنا في هذا المقام بما روي عن ابن عباس من أن التفسير على أربعة أوجه. وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله، ويرى أن الذي بينه الرسول - ﷺ - ليس إلا الذي يعلمه العلماء كاستنباط الأحكام واستخراج الدلالات من الألفاظ.\nويبين أن تفسير النبي - ﷺ - لا يقتصر على الجانب النظري وهو الذي يشمل الأحاديث القولية، ولكنه يشمل الجانب العملي ويعني به تطبيق الرسول - ﷺ - لأحكام القرآن وتخلقه بأخلاقه وغير ذلك، وهذا قد لا يفطن له بعض الدارسين والباحثين كما يقول.\nوفي الفصل الرابع يتحدث عن التفسير بالمأثور، تعريفه ومصادره ويذكر أن الذهبي أدرج تفسير القرآن بالقرآن ضمن هذا الاتجاه، ولكنه يتحفظ على ذلك ويرفضه لأن القرآن كلام الله وليس كلام بشر، وليس خاضعًا لمقاييس نقل الروايات وتمحيص الأقوال والأخبار، فهو ثابت يقينًا، ويقول إن الذي يتحقق فيه معنى","vol":"1","page":92},{"text":"المأثور في اللغة والاصطلاح هو ما روي عن الرسول - ﷺ - أو الصحابة أو التابعين. واسمه الآخر أي المأثور - يؤكد هذا المفهوم وهو التفسير النقلي الذي يقوم على نقل الأقوال والروايات عن السلف. ويحدثنا بعد ذلك عن قواعد التفسير بالمأثور وضوابطه، ونلاحظ أنه يذكر أول قاعدة تفسير القرآن بالقرآن، فهو الأساس لما بعده من التفسير بالمأثور، مع أنه لم يعده من المأثور كما ذكرنا عنه.\nوينتقل للحديث عن الخطوات التي مر بها التفسير بالمأثور وهي: الأولى في طور المشافهة، والثانية: تدوين التفسير بالمأثور مع الحديث، والثالثة تدوينه مسندًا مستقلًا عن الحديث، والرابعة تأليف تفاسير كاملة مسندة مأثورة، ثم حذف الإسناد من التفسير المأثور، وعرض لأسباب الضعف في رواية التفسير، وتوسع في الحديث عن بعض الصحابة والتابعين من حيث حياتهم ومنهجهم في التفسير، ونلاحظ أنه يركز على أن الأساس في منهجهم هو تفسير القرآن بالقرآن، وقد عرض لعبد الله بن عباس (١) والحسن البصري، وسفيان الثوري.\nوينتقل للحديث عن السيوطي وتفسير الدر المنثور، وقد ذكر هذا المثال لأنه أحب في هذا المبحث أن يذكر (مثالًا للتفسير بالمأثور المجرد، وهو تفسير كامل للقرآن الكريم حسب ترتيب المصحف) ونلاحظ أنه يضع عنوان (الدر المنثور في التفسير بالمأثور)، ولكنه يتحدث تحت هذا الموضوع عن كتب جلال الدين السيوطي التفسيرية، وفي التفسير بشكل عام، وفي التفسير بالمأثور بشكل خاص، ولم يتحدث عن الدر المنثور موضوعه إلا أسطرًا نقلها من مقدمته.\nويأتي الفصل الخامس، ويتحدث فيه عما يسميه التفسير الأثري النظري، ويعني به الذي يجمع بين جانبين، التفسير بالمأثور، والتفسير بالرأي، وذكر من هذه التفاسير ابن جرير الطبري، ومن هذه التفاسير تفسير بقي بن مخلد على الرغم من\n_________\n(١) عند حديثه عن استشهاد ابن عباس بالشعر، تحدث عن مسائل نافع بن الأزرق، وهذه المسائل بعد البحث، وجدنا أن أسانيد جلها ليست صحيحة.","vol":"1","page":93},{"text":"أن تفسيره مفقود، وتفسير الواحدي المسمى بالوسيط، وابن عطية في تفسيره المحرر الوجيز وابن الجوزي في تفسيره زاد المسير، والقرطبي في تفسير الجامع لأحكام القرآن، والشوكاني في تفسيره فتح القدير، ويكتفي على الأغلب في التعريف بهذه التفاسير، أقول يكتفي بنقل مقدمة كلّ مصنف ولكنه يفرد مبحثًا خاصًّا لتفسير ابن جرير الطبري، وآخر لتفسير ابن كثير، فيتحدث عن ترجمة المؤلف وتفسيره، ومنهجه في التفسير.\nويأتي الفصل السادس، ويفرده للحديث عن التفسير بالرأي المحمود، حيث عرف به وبين آراء العلماء في جوازه أو عدمه، ثم رجح الجواز، ومن ثم بين شروط التفسير بالرأي وتحدث بعد ذلك عن أشهر المفسرين بالتفسير بالرأي: ومن هؤلاء البيضاوي في تفسيره أنوار التنزيل والنسفي في تفسيره مدارك التنزيل، والقُمي النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن ورغائب الفرقان وأبي حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط، وأبي السعود العمادي في تفسيره إرشاد العقل السليم والإمام الآلوسي في تفسيره روح المعاني، وهو يعرف بهذه التفاسير - كما فعل سابقًا - من خلال مقدمة مصنفيها، ذاكرًا، ما قاله الذهبي في التفسير والمفسرين عنها، ولكنه يفرد بحثًا خاصًّا لتفسير الإمام الفخر الرازي، فيتحدث عن ترجمة الفخر الرازي ثم يعرف بتفسير الرازي مفاتيح الغيب، ويعرض لمقولة بعضهم من أن الرازي لم يفسر القرآن كله، وبين أن الدكتور محسن عبد الحميد في كتابه الرازي مفسرًا ناقش هذه القضية وخلص إلى أن الرازي هو الذي كتب تفسيره من أول سورة الفاتحة إلى نهاية سورة الناس، ثم بين هدف الرازي من تأليف تفسيره، وبيَّن نهجه في ذلك التفسير، وأهم مميزات التفسير، وأهم المآخذ عليه.\nوالفصل السابع يخصه للحديث. عن الاتجاهات المنحرفة: والانحراف في تفسير القرآن هو تفسيره بالرأي المذموم، ويتحدث عن الأخطاء التي يقع فيها المفسر، تلك الأخطاء التي حدثنا عنها في الفصل الثاني، ويذكر مظاهر الانحراف في","vol":"1","page":94},{"text":"التفسير وهي أربعة:\n١ - أن يكون المعنى الذى يريد المفسر نفيه أو إثباته صوابًا في نفسه وليس خطأ لكن اللفظ القرآني لا يدل عليه.\n٢ - أن يكون المعنى الذي يريد المفسر نفيه أو إثباته صوابًا في نفسه، واللفظ القرآني لا يدل عليه فيسلب اللفظ القرآني معناه الظاهري وينفيه ويجعله غير مراد، ويحمله على المعنى الذي لا يدل عليه اللفظ ومن ذلك تفسير التستري لقوله ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] حيث قال (لم يرد الله معنى الأكل في الحقيقة، وإنما أراد معنى مساكنة الهمة بشيء هو غيره).\n٣ - أن يكون المعنى الذي يريد المفسر نفيه أو إثباته خطأً في نفسه، واللفظ القرآني لا يدل عليه فيحمل اللفظ القرآني عليه ومع ذلك لا ينفي المعنى القرآني الحقيقي الذي دل عليه ظاهر اللفظ، ومن ذلك تفسير ابن عربي لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [المزمل: ٨] حيث قال: (اذكر اسم ربك: الذي هو أنت، أي: اعرف نفسك ولا تنسها فينساك الله).\n٤ - أن يكون المعنى الذي يريد المفسر نفيه أو إثباته خطأً في نفسه، واللفظ القرآني لا يدل عليه لْيحمل اللفظ القرآني عليه ولكي يكون حمله مقبولًا، يسلب لفظ القرآن ما دل عليه، وينفي عنه معناه المراد.\nويتحدث بعد ذلك عن أشهر الفرق المنحرفة في التفسير، ومن هذه الفرق الإسماعيلية وهي فرقة باطنية كافرة حرفت معاني القرآن الكريم.\nومن الفرق الباطنية الإسماعيلية والقاديانية والبابية والبهائية.\nأما الفرق التي حرفت معاني القرآن في تفسيراتها فمن أشهرها فرقة المعتزلة، والشيعة التي انقسمت إلى عدد كبير من الطوائف منها الزيدية، والإمامية الاثنا عشرية، ومن تلك الفرق الخوارج والمتصوفة، ومدعو التجديد في العصر الحاضر","vol":"1","page":95},{"text":"الذين يدعون إلى التجديد المفتوح في تفسير القرآن، التجديد غير المنضبط بالضوابط والشروط المنهجية لمن يريد أن يفهم القرآن ويفسره، بحيث يقول من شاء في تفسير القرآن بلا علم، وعد من تلك التفاسير المعاصرة:\nالهداية والعرفان لأبي زيد الدمنهوري، والجواهر في تفسير القرآن للشيخ طنطاوي جوهري، وتفسير القرآن لعبد الكريم الخطيب، ويذكر أن الانحراف في هذه التفاسير ليس على مستوى واحد، فالدمنهوري كان مغرضًا خبيثًا، أما الشيخ الطنطاوي فقد كان عالمًا فاضلًا صادق النية، أما الانحراف في تفسيره فكان في خروجه عن النص القرآني الذي يفسره إلى المباحث العلمية المعاصرة واستطراداته العلمية العديدة وغلوه ومبالغته في ذلك، أما الدكتور عبد الكريم الخطيب فهو يبالغ في اعتماد دور العقل وجعله حاكمًا على النص القرآني، ويرجع الدكتور صلاح القارئ إلى ما كتبه الدكتور عبد المجيد المحتسب في كتابه التفسير في العصر الراهن عن تفسير الخطيب.\nويتحدث عن أشهر التفاسير المنحرفة، والتي منها تفسير مجمع البيان للطبرسي، حيث يعرف بالتفسير من خلال مقدمة صاحبه، وبما ذكره الذهبي، ويعده من أجود تفاسير الشيعة وأكثرها اعتدالًا.\nومنها البرهان في تفسير القرآن لهاشم البحراني، وهو من التفاسير المتأخرة للشيعة ويعرف بالتفسير مما ذكره المؤلف في مقدمته.\nومنها تفسير هميان الزاد لمحمد يوسف اطفيش، وحقائق التفسير لأبي عبد الرحمن السلمي، والتأويلات النجمية لنجم الدين داية وهو تفسير صوفي من تفاسير الصوفية المغرقين في التأويل ومنها تفسير الكشاف للزمخشري، والدكتور صلاح يفرد مبحثًا خاصًّا للكشاف، حيث يترجم للزمخشري ويعرف بتفسيره ذاكرًا مقدمة الكشاف، ثم التفاسير التي اعتمدت على الكشاف، ثم يتحدث بإيجاز عن منهج الزمخشري في تفسيره.","vol":"1","page":96},{"text":"ويعقد الفصل الثامن للتفسير في العصر الحديث: الذي بدأ من نهاية القرن التاسع عشر الميلادي أو بداية القرن العشرين، وقد شهد تحكم المادية الجاهلية الغربية في العالم وظهر فلاسفة ومفكرون لا دينيون مثل هيجل وماركس ودوركايم، وشهد تقدم أوروبا وتأخر وانحطاط المسلمين، ومن هنا قامت حركات إسلامية دعت الأمة إلى العودة إلى الإسلام وظهرت مدارس فكرية إسلامية انطلقت من تفسير القرآن في إصلاح المجتمع، وأشهر هذه المدارس: مدرسة الشيخ محمد عبده، ويذكر الدكتور صلاح أن الشيخ الذهبي عد الشيخ محمد عبده رائد اللون الأدبي الاجتماعي، بينما عده آخرون مؤسسًا للمدرسة العقلية التي تعتمد على تحكيم العقل تحكيمًا مبالغًا فيه في فهم النص القرآني، وعلى التوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية، ومنها مدرسة الإخوان المسلمين التي أسسها الشهيد حسن البنا سنة ١٩٢٨ م، وقد ظهر مفكرون إسلاميون عديدون ينتمون إلى هذه الحركة، منهم: سيد قطب والشيخ سعيد حوى رحمهما الله تعالى.\nويتحدث عن اتجاهات التفسير في العصر الحديث بإيجاز، ومنها الاتجاه الأثري والعقلي والعلمي والاجتماعي والبياني، والاتجاه الدعوي الحركي ويتمثل في (ظلال القرآن) لسيد قطب.\nويعرض لأعلام المفسرين في العضر الحديث ومنهم الشيخ محمد رشيد رضا، فقد عرض الدكتور صلاح لترجمة الشيخ رشيد، ومكانته عند شيخه محمد عبده، ويعرفنا بالتفسير من خلال مقدمة المنار، ويقسم الأجزاء الاثني عشر من تفسير المنار، بالنسبة إلى ما أخذه الشيخ رشيد عن أستاذه الشيخ محمد عبده إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: التفسير للشيخ محمد عبده نصًّا وروحًا تقريبًا حيث كان ينقل ما قاله شيخه في دروسه وينشره في مجلة المنار، ولما أعده للطباعة عرضه على شيخه فأجازه واعتمده وهذا في الجزء الأول من تفسير المنار.","vol":"1","page":97},{"text":"الثاني: التفسير لمحمد رشيد رضا نصًّا ولمحمد عبده روحًا وهذا في الأجزاء الأربعة التالية حيث كان رشيد رضا يؤلف التفسير وهو متأثر بما ألقاه محمد عبده في دروسه، وهناك فرق بين الجزء الأول والأجزاء الأربعة التالية له، حيث كان الشيخ رشيد يتوسع في التفسير الأثري النظري.\nالثالث: التفسير لمحمد رشيد رضا نصًّا وروحًا وفكرًا ومنهجًا، وهذا يظهر في الأجزاء السبعة الباقية، حيث كانت شخصية الشيخ رشيد أوضح ظهورًا في تلك الأجزاء وبدأ يتجه نحو المنهج الجامع للتفسير، ويكثر من التفسير بالمأثور واللغة والتوجيه، وكانت هذه الأجزاء كثر نضوجًا ومنهجية وعلمية وسلفية وموضوعية.\nومن أعلام المفسرين في العصر الحديث الشيخ جمال الدين القاسمي في تفسير محاسن التأويل ويتحدث بإيجاز عن التفسير من خلال مقدمة القاسمي.\nومن الأعلام محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان، حيث يكتفي المؤلف بنقل مقدمة الشنقيطي للتعريف بتفسيره، وكذلك الأمر بالنسبة لتفسير التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور، والتفسير المنير للدكتور وهبة الزحيلي، حيث يعرفنا بتلك التفاسير من خلال المقدمة التي يضعها المؤلف .. وهو يفرد مبحثًا خاصًّا للحديث عن سيد قطب ومنهجه في تفسير الظلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>مناقشة الكاتب في بعض ما ذهب إليه:</span>\nوما ذكره الدكتور صلاح لا يخلو من مناقشة:\n١ - فمن ذلك ذكره أن تفسير القرآن بالقرآن لا يعد ضمن الاتجاه المأثور، ودليل ذلك اسمه الثاني التفسير النقلي وهذا ليس دليلًا لما ذهب إليه، فإن الحديث منقول، وأقوال الصحابة منقولة، ومن قبلهما القرآن الكريم منقول كذلك، وإذا كنا نفسر القرآن بما ورد عن الرسول - ﷺ - فمن باب أولى أن تفسر آيات القرآن","vol":"1","page":98},{"text":"بعضها ببعض، وقد وجهنا لذلك رسول الله - ﷺ -، وصاحب البيت أعلم بما في البيت كما يقولون. ثم إن الأستاذ صلاح عند حديثه عن قواعد التفسير جعل تفسير القرآن بالقرآن الأساس لما بعده من التفسير بالمأثور وجعله القاعدة الأولى له، وهذا يتناقض مع ما ذكره أولًا من أن تفسير القرآن بالقرآن لا يعد ضمن الاتجاه المأثور.\nإن تفسير القرآن بالقرآن يمكن أن نعده من المأثور أولًا: إذا صح عن الرسول - ﷺ - كتفسير الظلم بالشرك في قوله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، أو صح منه شيء عن الصحابة رضوان الله عليهم.\nثانيًا: ما لم يحتمل تأويلًا كتفسير الكلمات التي وردت في قوله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ بما جاء في سورة الأعراف ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣] وإنما اقتصرت على هذين الأمرين لأننا رأينا الكثيرين يكثرون من تفسير القرآن بالقرآن مع أن ذلك غير مسلم لهم، وهناك تفسيران يحمل كلّ منهما هذا الاسم (تفسير القرآن بالقرآن) أحدهما (أضواء البيان) للعلامة الشنقيطي ﵀، والآخر (التفسير القرآني للقرآن) للأستاذ عبد الكريم الخطيب ولن يستطيع أحد أن يدعي أنهما كذلك.\n٢ - يتحدث الكاتب عما يسميه التفسير الأثري النظري، - وهو كما قلت - يعني به الذي يجمع بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي، ويذكر أن مؤسس هذه الطريقة يحيى بن سلام كما ينقل عن ابن عاشور .. إن هذه التسمية لا تدل لما ذكره فإن الأثري ما يقابل الرأي، والنظري يقابل العملي أو التطبيقى، والتفسير بالمأثور والتفسير بالرأي أظنه كله يدخل تحت هذا القسم النظري. ثم إن ابن جرير الطبري كان الأساس الذي اعتمد عليه المفسرون فيما بعد، وما أظن أن الطبري قد اطلع عل تفسير يحيى بن سلام حتى جعله الأساس لتفسيره، وإلا لأشار إليه رحمهما الله تعالى.","vol":"1","page":99},{"text":"٣ - إن الكاتب - كما قلت - يكتفي لتعريفنا بكتب التفسير بنقل مقدمات المفسرين أنفسهم في الغالب، وما دام الكتاب في مناهج المفسرين وما دام الكاتب قد عرض لهذه التفاسير، فلا بد أن يتحدث عن مناهجهم ولو قليلًا، ولا يكتفي بذكر مقدماتهم كما فعل الذهبي، ومن ذلك مثلًا تفسير الزحيلي، حيث ذكر مقدمته، واكتفى بها، وهذا لا يجوز، إذ لا بد من الإتيان ببعض الآيات التي فسرها، ليكون نموذجًا تطبيقيًا، يعرف القارئ عن طريقه بالكتاب. وكان حريا أن يناقشه، إذ يتحدث الدكتور الزحيلي في مقدمة تفسيره أنه نقل حديثه عن الإعراب من الأنباري، وحديثه عن البلاغة من صفوة التفاسير، وهذا أمر عجب كلّ العجب لا ينبغي ولا يليق بمفسر وكان حريًا به أن لا يجعل لهما - أعني الإعراب والبلاغة - نصيبًا في تفسيره، وهذه القضية سنناقشها في الجزء الثالث من هذا الكتاب إن شاء الله (١).\n٤ - يتحدث الكاتب عن التفسير المنحرف، ويذكر أن من الفرق التي حرفت معاني القرآن الكريم فرقة المعتزلة وفرقة الشيعة، ويعد من التفسيرات المنحرفة الجواهر في تفسير القرآن لطنطاوي جوهري، والهداية والعرفان لأبي زيد الدمنهوري، وتفسير القرآن لعبد الكريم الخطيب. وسامح الله الكاتب كيف يذكر تفسير طنطاوي والخطيب مع الدمنهوري، مع أنه يقول إن الدمنهوري معرض خبيث وطنطاوي عالم فاضل .. إن التفسير المنحرف هو الذي انحرف به أصحابه عن جادة الصواب لأغراض خبيثة، وقد سماه الأستاذ الذهبي التفسير الإلحادي، وسماه الأستاذ مصطفى الطير التفسير المَرَضي. إن تفسير الجواهر وإن كان فيه بعض التجاوزات والهفوات، إلا أنه والحق يقال فيه\n_________\n(١) كان - ﵀ - يود الكتابة في منهج الزحيلي - ﵀ - لكنه لم يكمل ما بدأه في الجزء الثالث، ولم يكتب عنه.","vol":"1","page":100},{"text":"الكثير من القضايا المفيدة وكذلك الأمر بالنسبة لتفسير الخطيب، والكاتب يرجعنا إلى ما كتبه عبد المجيد المحتسب عن الخطيب، مع أن د. عبد المجيد -كما قلت من قبل- اشتغل في غير فنه، وكتابه مليء بالأخطاء العلمية، والأغلاط والافتراءات، وهو يرى أن الخطيب متأثر بمحمد عبده، وإن كنا لا نرى ذلك من خلال تفسيره.\nوالطامة الكبرى أن الدكتور صلاح سامحه الله يذكر ضمن المفسيرات المنحرفة تفسير الطبرسي وتفسير الكشاف والبيان، فالطبرسي يكاد يكون معتدلًا، فهو ينقل أقوال المفسرين جميعًا، الشيعة منهم وأهل السنة وهو يعده من أجود تفاسير الشيعة وأكثرها اعتدالًا، فكيف يذكره -إذن- ضمن التفاسير المنحرفة؟\nوالزمخشري وإن كانت له اعتزالياته في التفسير، فإن أحدًا لا ينكر أنه كان المعتمد في التفسير، وها هي التفاسير بين أيدينا لا نجد تفسيرًا ألف بعد الكشاف إلا وكان الكشاف مرجعه والعلماء يذكرون هذا المفسير ضمن الاتجاه البياني، فكيف يحيف كاتبنا على الإمام الزمخشري، ويغمطه حقه ويجعل تفسيره ضمن التفسيرات المنحرفة؟\n٥ - يذكر الكاتب أن الرسول -ﷺ- لم يفسر من القرآن إلا ما يعلمه العلماء كاستنباط الأحكام واستخراج الدلالات من الألفاظ، بعد أن يذكر تقسيم ابن عباس للتفسير، والذي أنبه عليه أن هذه الرواية لم تثبت عن ابن عباس هذا أولًا، وثانيًا: إذا كان هذا التفسير يعلمه العلماء فلم فسره النبي -ﷺ-؟ ولم لجأ إليه الصحابة لسؤاله عن بعض الآيات، والصحابة هم العلماء بالقرآن الكريم وقضاياه! ! .\nجزى الله الكاتب على جهده خيرًا","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>وأيُّ جهد بعد هذا الحشد</span>؟\nوقد يتساءل كثير من الناس بعد هذا التطواف بين هذه المؤلفات لهذه الثلة من الكاتبين، ما الداعي إلى كتبٍ جديدة قد تثقل كاهل القارئ؟ ! وهو تساؤل في محله.\nوأجيب عن هذا التساؤل، بأنني من كثر الناس بعدًا عن أن أثقل على القارئ من حيث جيبهُ أو مكتبته أو وقته، والقراء يعلمون، إن وجدت ما يغني في المكتبة، فإني لا أكتب شيئًا. ولكن إذا رجعنا إلى الكتب التي تحدثت عنها، فإننا سنجد أن الكتاب الذي أودّ أن أقدمه إلى القراء، ليس في الكتب السابقة ما يغني عنه، لا لأنني أدّعي أن الكاتبين غير أكفاء، فمعاذ الله وأستغفر الله، ولكنّ هذه الكتب السابقة كان بعضها قد اقتصر فيه مؤلفوه على المقدمات والمبادئ، وبعضها كان الحديث فيها مجملًا وبعضها لم يعرض أصحابها إلى التفسير في العصر الحديث، إلا عرضًا موجزًا وبعضها كان نهج المؤلفين فيها منهجًا وصفيًا فحسب.\nأما الكتاب الذي أودّ أن أقدمه للقارئ (اتجاهات التفسير ومناهج المفسرين في العصر الحديث) فليس كتابًا وصفيًا، وإنما سأسير فيه على المنهج التحليلي، مفصلًا فيه كثيرًا من القضايا التي تعني القارئ في هذا العصر، مناقشًا فيه أقوال المفسرين في هذا العصر، بما لا بد منه.\nإن كثيرًا من الآراء والمناهج للمفسرين في العصر الحديث، على تعدد مشاربهم واتجاهاتهم، لا بد من تنبيه القارئ على ما فيها من إيجابيات وسلبيات؛ لذا فإن المكتبة القرآنية يظهر أنها بحاجة ماسة إلى دراسة موضوعية لما كتب من تفاسير للقرآن الكريم أو ما كتب حول هذا القرآن. كما أن هناك قضايا كتبت على أنها مسلّمات لا بدّ لها من مناقشة.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الباب الأول التفسير معناه أنواعه ومراحله</span>\nوفيه. خمسة فصول:\nالأول: التفسير والتأويل والحاجة إليهما.\nالثاني: من مراحل التفسير: التفسير قبل عصر التدوين.\nالثالث: أنواع التفسير: التفسير الأثري والتفسير بالرأي.\nالرابع: الإسرائيليات وموقف العلماء منها.\nالخامس: التفسير في عصر التدوين.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>الفصل الأول التفسير والتأويل والحاجة إليهما</span>\nوفيه مباحث:\nالمبحث الأول: التفسير والتأويل.\nالمبحث الثاني: ما روي عن ابن عباس في أقسام التفسير ومناقشته\nالمبحث الثالث: الحاجة إلى التفسير.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المبحث الأول التفسير والتأويل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>معنى التفسير والتأويل والفرق بينهما:</span>\nلدى النظر في تاريخ التفسير ونشأته نجد أن العلماء عرضوا للفرق أو التفريق بين كلمتي تفسير وتأوبل، فالتفسير أصله من الفسر، وهو الكشف (١)، ويستعمل في الحسيات والمعنويات. الفسر والسفر كلاهما في معنى الكشف (٢)، إلا أن العلامة الآلوسي في مقدمة تفسيره يقول: \"إن ذلك مما لا يسفر له وجه\". والذي أراه أن ما ذهب إليه علامة الرافدين من إنكار الصلة بين الفسر والسفر، لا يؤيده فقه اللغة واستعمال ألفاظها.\nأما التأويل فهو من الأَوْل، وهو الرجوع ومنه آل إليه الأمر.\nوإذا أردنا أن نتعرف الفرق بين هاتين الكلمتين، فإن خير ما يعيننا على ذلك، ويغنينا عن التشعب في القول، وكثرة التخبط في الحديث، كتاب الله، القرآن الكريم حيث ذكرت فيه الكلمتان. أما كلمة (التفسير) فقد وردت في الكتاب الكريم مرة واحدة، في معرض الرد على الكافرين، وهم يثيرون الشبهات حول القرآن. قال تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٢ - ٣٣]، أي لا يأتونك بمثل مما يحيك في صدورهم إلا رددناه بأحسن بيان.\n_________\n(١) لسان العرب ج ٦ ص ٢٦١ الطبعة المصورة عن طبعة بولاق.\n(٢) لسان العرب ج ٦ ص ٣٢.","vol":"1","page":107},{"text":"أما كلمة (تأويل) فقد وردت في الكتاب العزيز في مواضع متعددة وسياقات مختلفة:\n١ - ما يتصل بالمتشابه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].\n٢ - ما يتصل بتأويل الرؤيا، قال تعالى: ﴿وَقَال يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: ١٠٠]. وفي السورة نفسها في رؤيا الملك ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤].\n٣ - في تأويل الأعمال وبيان ما يقصد منها، قال تعالى حاكيًا عن العبد الصالح، يخاطب موسى ﵊: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]، وبعد أن شرح له ذلك شرحًا تامًّا، قال: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢].\n٤ - وردت كلمة (تأوبل) في صحة ما ينبئ عنه القرآن، وأنه أمر محقق الوقوع. قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٩].\nوإذا تأملنا هذه الآيات الكريمة، نستطيع أن ندرك الدقة في الفرق بين التفسير والتأويل من تعبيرات القرآن نفسها. فالمواضع التي عبر فيها بالتأوبل، بحاجة إلى الرويّة وإعمال الفكر، وإلى عملية عقلية. ولا أدل على ذلك من استعمال كلمة (التأويل) في شأن المتشابه وتأويل الرؤى وأمر موسى ﵇، وما حدث بينه وبين العبد الصالح الخضر.\nأخرج الإمام البخاري عن السيدة عائشة ﵂، مرفوعًا إلى رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، فإذا رأيتم الذين يتبعون ما","vol":"1","page":108},{"text":"تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم (١).\nندرك من هذا إذًا أن استعمالات القرآن كما يشير الحس اللغوي، تفرق بين التفسير والتأويل. وإليه ذهب كثير من الكاتيين القدامى (٢) كما يعرف ذلك من كلامهم، ولقد أدرك الراغب الأصفهاني هذا الفرق بفهمه الدقيق للقرآن، فلقد كان ﵀ على قدر عظيم من الثقافة اللغوية والدينية. فذكر في مقدمته (٣) فروقًا بين التفسير والتأويل منها:\n١ - أن التفسير أعم. وأن التأويل أخص، وأن هذه الخصوصية أتت من جهتين اثنتين:\nأ- إن التفسير بيان غريب الألفاظ، وبيان لفظة يستطاع بها فهم نص متضمن لها. أما التأويل فهو بيان الجمل ومعانيها. وهذا يؤكد ما سبق أن قلناه من أنّ التأويل بحاجة إلى الدقة وإعمال الفكر.\nب- إن التأويل أكثر ما يكون استعماله في الكتب الإلهية، وهذه الكتب بحاجة إلى أن يتروى فيها أكثر من غيرها، فلا يلقى الكلام فيها جزافًا، بخلاف التفسير فإنه يستعمل فيها وفي غيرها.\n٢ - أن التفسير يختص بالرواية، والتأويل يختص بالدراية، والرواية لا تحتاج إلى إعمال الفكر، فإنها قول مسلم به ما دام قد ثبتت صحته.\nإذا عرفنا هذا فلسنا مع صاحب روح المعاني (٤) الذي ينكر الفرق بين التفسير والتأويل من الناحية اللغوية، وإن كان يفرق بينهما من الناحية العرفية. وهذا\n_________\n(١) كتاب التفسير ج ٦ ص ٤٢.\n(٢) الجاحظ في مقدمة كتاب الحيوان ج ١ ص ٥، المفردات للراغب الأصفهاني.\n(٣) مقدمة جامع التفاسير مع تفسير الفاتحة ومطالع البقرة/ الأصفهاني ص ٤٧.\n(٤) مقدمة تفسير روح المعاني الآوسي ج ١ ص ٤ - ٥.","vol":"1","page":109},{"text":"نص عبارته: قال ﵀ بعد أن بين بعض آراء المتقدمين (وعندي أنه إن كان المراد الفرق بينهما بحسب العرف، فكل الأقوال فيه، ما سمعتها وما لم تسمعها، مخالفة للعرف اليوم. إذ قد تعورف من غير نكير أن التأويل إشارة قدسية ومعارف سبحانية، تكشف من سجف العبارات للسالكين، وتنهلّ من سحب الغيب على قلوب العارفين. والتفسير غير ذلك، وإن كان المراد الفرق بينهما بحسب ما يدل عليه اللفظ مطابقة، فلا أظنك في مرية من رد هذه الأقوال، أو بوجه ما فلا أراك ترضى إلا أن في كل كشف إرجاعًا، وفي كل إرجاع كشفًا فافهم) ونستميح العلامة عذرًا وإن كنا لا ندانيه رتبة إن كان فهمنا قد خالف فهمه بل إن ما ذهب إليه -﵀- من الفرق بينهما من حيث العرف، كان في زمنه هو، والعرف يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ويظهر أن العرف في زماننا الآن غير ما ذكره ﵀.\nوممّا تقدم، يكون مجال التفسير وميدانه:\nأولًا: الروايات التي صحت عن المعصوم صلوات الله وسلامه عليه.\nثانيًا: تفسير الكلمات اللغوية التي هي من الغريب أو ما يشبهه، والتي لا اختلاف في فهمها عند اللغويين.\nومن هنا ندرك السّر فيما دعا به سيدنا رسول الله -ﷺ- لعبد الله بن عباس ﵄ (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) (١) فلا يعقل أن يكون التأويل هو حفظ الروايات عن ظهر قلب.\nوإذا أردت أن تتبين الفرق الواضح بين التفسير والتأويل، بعدما قلته ونقلته لك، فإني أذكرك بما ورد عن عبد الله بن عباس -﵄- في قوله سبحانه: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] فقد روى البخاري أن عمر بن الخطاب قال: فيم ترون هذه الآية نزلت، قالوا: الله أعلم،\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه رقم (١٦٦)، وأحمد (٢٣٩٧).","vol":"1","page":110},{"text":"فغضب عمر فقال، قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس: (في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين) فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، قال ابن عباس (ضربت مثلًا لعمل، قال عمر: أي عمل؟ قال. (لرجل غني يعمل بطاعة الله ﷿، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله) (١).\nوكذلك تفسيره لسورة النصر، فقد قال ابن عباس (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكان بعضهم وجد في نفسه، فقال: لمَ يدخل هذا معنا، ولنا أبناء مثله، فقال عمر: إنه من قد علمتم، فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم فما رأيت أنه دعاني يؤمئذ إلا ليريهم، قال: ما تقولون في قول الله تعالى ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فقال لي: (كذلك نقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا، قال فما تقول؟ قلت هو أجل رسول الله -ﷺ- أعلمه له، قال ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقول (٢).\nفالذي ذكره الحبر من باب التأويل، لا من باب التفسير، لأن التفسير كما قلنا من قبل هو بيان الروايات، أو التفسير اللغوي للكلمات، وما ذكره في تفسير الآية ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ﴾ ليس من قبيل هذا ولا ذاك، حيث بين أنها ضربت مثلًا كما سيمر معنا. أما سورة النصر، فالذي ذكره الصحابة لعمر ﵁ وعنهم جميعًا، وقد سألهم عن هذه السورة كان من قبيل التفسير، إنهم فسروا له الألفاظ التي جاءت في السورة الكريمة -كما سيمر معنا- أما ما فهمه ابن عباس -﵄- فقد كان من باب التأويل، لأنه كان وراء ما يفهم من اللفظ، فقد فهم من السورة الكريمة ما فهم لأن النبي عليه وآله الصلاة والسلام، أرسله الله ليبلغ\n_________\n(١) البخاري (٦/ ٣٩) رقم الحديث ٤٥٣٨.\n(٢) صحيح البخاري كتاب التفسير سورة النصر رقم الحديث ٣٦٢٧، ٤٩٧٠.","vol":"1","page":111},{"text":"الرسالة، وليكوّن أمة، فكانت تلك الغاية من إرساله، فلما تحققت هذه الغاية، وجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فلقد بلَّغْتَ ما عليك أيها النبي، فما عليك إلا أن تشتغل بذكرنا، وأن تلحق بالرفيق الأعلى.\nالتأويل -إذن- ما يفهم من الآية، وراء ما تعطيه الألفاظ، أي أن نتدبر الآيات، والتدبر أن لا نكتفي بمعنى اللفظ، بل أن نتجاوزه، والتدبر من الدبر وهو الوراء، فالتدبر -إذن- البحث عما وراء الألفاظ ذلكم هو الفرق بين التفسير والتأويل، ولا يظن أحد أن التأويل والتدبر شيء واحد، فقد يكون التأويل طريقًا إلى التدبر، إلا أن التدبر لا بد فيه من التأثر بالقرآن الكريم، ولذلك أثنى الله على المتدبرين، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وذم الذين لا يتدبرون بقوله ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢] فإذا فتح الله للإنسان باب فهم في كتابه، فأحرى به أن يكون من المتدبرين.\nعلى أن كلتا الكلمتين في أيامنا بدأت تحل محل صاحبتها، بل إن المفسرين الأقدمين في كتبهم استعملوا الكلمتين، فبعضهم سمى مؤلفه تاويلًا، كما هو شأن الزمخشري والبيضاوي، وبعضهم سماه تفسيرًا، والله ولي كل أمر، وهو حسبنا ونعم الوكيل.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث الثاني ما روي عن ابن عباس في أقسام التفسير ومناقشته</span>\nولا بد أن نعرض هنا للأثر الذي روي عن ابن عباس ﵄.\nقال الطبري حدثنا محمد بن بشار قال حدثنا مؤمل قال حدثنا سفيان عن أبي الزناد قال: قال ابن عباس التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره.\nقال أبو جعفر: وهذا الوجه الرابع الذي ذكره ابن عباس من أن أحدًا لا يعذر بجهالته معنى غير الإبانة عن وجوه مطالب تأويله وإنما هو خبر عن أن من تأويله ما لا يجوز لأحد الجهل به. وقد روي بنحو ما قلنا في ذلك أيضا عن رسول الله -ﷺ- خبر في إسناده نظر .. ثم قال:\nحدثني يونس بن عبد الأعلى الصدفي قال أخبرنا ابن وهب قال سمعت عمرو بن الحارث يحدث عن الكلبي عن أبي صالح مولى أم هانئ عن عبد الله بن عباس أن رسول الله -ﷺ- قال أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بالجهالة به، وتفسير فسره العرب، وتفسير يفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى ذكره، ومن أدعى علمه سوى الله تعالى ذكره فهو كاذب ..\nوعلق الأستاذ أحمد شاكر فقال: وإن ما قاله الطبري فيه نظر لأن الذي رواه هو الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وقد رد الطبري آنفا خبرًا روي بمثل هذا الإسناد فقال: إنه ليس من رواية من يجوز الاحتجاج بنقله (١).\n_________\n(١) ص ٧٥ - ٧٦ من مقدمة تفسير الطبري. حققه وعلق حواشيه محمود محمد شاكر. راجعه وخَرَّج أحاديثه أحمد محمد شاكر.","vol":"1","page":113},{"text":"- قلتُ: بالنسبة للرواية الثانية فقد كفانا الطبري مؤونة النظر في صحتها وتبعه الأستاذ أحمد شاكر فزاد الأمر وضوحًا ولم يبق إلا الرواية الأولى التي لم يتكلم في صحتها أو ضعفها وتبعه في السكوت عليها الأستاذ أحمد شاكر كذلك وعند النظر في الإسناد نجد محمد بن بشار ثقة (١).\nويروي عن مؤمل هو ابن إسماعيل قال عنه ثقة في سفيان وكذلك في رواية ابن أبي خيثمة قال ثقة (٢).\nوأما ابن محرز فقال إنه ليس بحجة فيه وهو هنا روى عن سفيان (٣). وأما الثوري فهو الإمام المشهور ثقة (٤)، وأما أبو الزناد فهو ثقة (٥)، وابن عباس هو الصحابي .. فالإسناد إلى أبي الزناد صحيح ولكن أبا الزناد لم يسمع من ابن عباس وعليه فالإسناد منقطع والأثر ضعيف وذلك لما يلي:\n١ - أن ابن عباس توفي ٦٨ هـ، وأبو الزناد ولد ٦٤ هـ. وتوفي ١٣٠ هـ عن ٦٦ عامًا فعند وفاة ابن عباس كان عمره أربع سنوات فلا يعقل أن يكون سمع منه في هذه السن.\n٢ - أنه غير معروف بالرواية عن ابن عباس كما نرى في ترجمته في تهذيب الكمال الذي يذكر عمن روى وبن روى عنه ويحاول أن يستقصي.\n٣ - الناظر في كتب المراسيل يرى أن العلماء نفوا سماعه من صحابة عاشوا بعد ابن عباس فقد نفى البخاري سماعه من أنس ونفى أبو حاتم رؤيته أو إدراكه لابن عمر (٦).\n_________\n(١) تقريب التهذيب ص ٥٧٥٤.\n(٢) الجرح والتعديل (٨/ ت ١٧٠٩٠).\n(٣) تهذيب الكمال (٢٩/ ١٧٧).\n(٤) تقريب التهذيب ص ٢٤٤.\n(٥) تقريب التهذيب/ ت ٣٣٠٢.\n(٦) راجع ترجمته في تهذيب الكمال (٢٩/ ٤٧٦ - ٤٨٣).","vol":"1","page":114},{"text":"هذا كله من حيث السند، لكن الأثر ينبغي أن يردّ من حيث المتن كذلك لأكثر من سبب، أكتفي هنا بسبب واحد، وهو أن ابن عباس ﵄ لا يفسر المتشابه بما استأثر الله بعلمه، بل الروايات الثابتة عنه أن المتشابه مما يعلمه الراسخون في العلم.\nوعلى هذا فإن هذه الرواية تتناقض تناقضا تامًّا مع ما اشتهر عن ابن عباس؛ لأنه في هذه الرواية جعل من التفسير ما استأثر الله بعلمه، مع ان ابن عباس -﵄- يرى أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل الآيات.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>المبحث الثالث الحاجة إلى التفسير</span>\nنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وقد بلغت اللغة أوج عظمتها، فكانت آياته تؤثر في القوم، والوسول عليه وآله الصلاة والسلام يتلوها عليهم لأول مرة. والأخبار في ذلك كثيرة متواترة وما خبر الوليد وغيره ببعيد (١).\nولقد كان القوم بسليقتهم مرهفي الإحساس اللغوي، وذلك أمر تحتمه الظروف التي كانوا يعيشونها فلقد امتازوا برقة الطبع كما امتازت لغتهم بدقة الوضع، لهذا كانت الآية من القرآن تعمل عملها فيهم لأول وهلة يسمعونها. وقصة إسلام عمر ﵁ (٢) خير شاهد على ما نقول: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] ولكن على الوغم من ذلك كله، فإن القرآن كتاب سماوي نزل على حسب الوقائع، وآياته بحاجة إلى البيان، وبخاصة أن كثيرًا من تعليماته وتشريعاته وأحكامه وقصصه كانت جديدة على القوم، طرقت أسماعهم لأول مرة. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فلقد كان القوم يتفاوتون فهمًا وذكاء ومعرفة باللغة كذلك.\nولما كان القرآن الكريم كتابًا سماويًا أنزله الله لهداية الناس فيه المجمل والمبهم والأوامر والنواهي. والقصة والحِكم -وأفهام الناس ليست سواء- احتيج إلى بيان هذه الأمور فكان المرجع الأول في ذلك رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، ليبين مجمله ويوضِّحَ مشكله، ويرشد إلى ناسِخِه ومَنْسُوخِهِ وأسباب نزوله، كما سنبينه فيما بعد إن شاءَ الله.\n_________\n(١) سيرة ابن هشام جـ ١ ص ٢٧٠ طبعة مصطفى الحلبي، (قصة الوليد مختصرة).\n(٢) الطبقات الكبرى (٣/ ٢٦٧)، الثقات (١/ ٧٥).","vol":"1","page":116},{"text":"أما بيان ألفاظ القرآن فإنما هو الرجوع إلى العربية شعرًا ونثرًا، ولما كان القوم الذين نزل القرآن فيهم على مستوى رفيع، فعل القرآن فيهم، فعله العظيم.\nمن هنا ندرك أن للقرآن الكريم خاصيتين اثتتين كونه سماويًا أولًا، وكونه عربيًا مبينًا ثانيًا، وإذا لم يكن القوم الذين نزل فيهم بحاجة إلى تفسيره من الحيثية الثانية فهم بحاجة إلى تفسيره من حيث الخاصية الأولى، نعني كونه كتابًا سماويًا.\nيبين هذا ما نجده في سؤال كثير من الصحابة رسول الله -ﷺ تفسير آيات من كتاب الله، وسؤال الصحابة بعضهم بعضًا.\nلذا كانت الحاجة ماسة إلى تفسير القرآن منذ نزوله، إلا أن من الواجب أن نقرر هنا أن هذه الحاجة لم تكن في جميع العصور سواء، بل كانت تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة، فحاجة التابعين للتفسير كانت أشد من حاجة الصحابة، وكذلك الناس فيما بعد كانوا أشد حاجة ممن قبلهم. هذا من جهة، ومن جهة ثانية فلقد كانت هذه الحاجة أوسع دائرة في الأزمنة المتأخرة يدلنا على ذلك الاستقراء للكتب التي وضعت في تفسير القرآن الكريم.\nقال أبو حيان: \"وكانت تآليف المتقدمين أكثرها إنما هي شرح لغة ونقل سبب ونسخ وقصص لأنهم كانوا قريبي عهد بالعرب، وبلسان العرب، فلما فسد اللسان وكثرت العجم ودخل في دين الله أنواع الأمم المختلفة الألسنة والناقصو الإدراك، احتاج المتأخرون إلى إظهار ما انطوى عليه كتاب الله تعالى من غرائب التركيب وانتزاع المعاني وإبراز النكت البيانية حتى يدرك ذلك من لم تكن في طبعه، ويكتسبها من لم تكن نشأته عليها، ولا عنصره يحركه إليها، بخلاف الصحابة والتابعين من العرب؛ فإن ذلك كان مركوزًا في طباعهم، يدركون تلك المعاني كلها من غير موقِفٍ ولا معلم؛ لأن ذلك هو لسانهم وخطبُهم وبيانهم\" (١).\n_________\n(١) البحر المحيط (١/ ١٣).","vol":"1","page":117},{"text":"إن الطريقة المثلى لفهم القرآن والتأدب بآدابه وإحلال حلاله وتحريم حرامه، معرفة تفسيره وتدبر آياته ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وقد روي عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، (اعربوا القرآن والتمسوا غرائبه) (١). وعن إياس بن معاوية (٢) مبينًا شرف التفسير والحاجة إليه (مثل الذين يقرأون القرآن وهم لا يعلمون تفسيره، كمثل قوم جاءهم كتاب من مليكهم ليلًا، وليس عندهم مصباح، فتداخلتهم روعة، ولا يدرون ما في الكتاب. ومثل الذي يعرف التفسير كمثل رجل جاءهم بمصباح فقرأوا ما في الكتاب\" (٣). وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩] قال: (المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه ومقدمه ومؤخره وحلاله وحرامه وأمثاله) (٤).\nوالحق أن شرف كل علم بشرف موضوعه. ولما كان موضوع التفسير كلام الله ﵎، وهو جماع السعادتين، لا عجب أن يتبوأ التفسير المكانة الأولى، وأن تتصدى للكتابة فيه أقلام العلماء، وأفكارهم لاستخراج كنوزه فجزاهم الله كل خير.\nوكلما أظلمت الحياة في وجوه المسلمين، وطال ليلهم، كانوا أكثر ما يكونون حاجة إلى القرآن الكريم؛ ليخرجهم من هذه الظلمات، ولن يتأَتَّى لهم ذلك إلا بتدبره، ومعرفة تفسيره، فالقرآن -كما نعلم- لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في الشعب، وابن أبي شيبة والحاكم، قال الحاكم صححه جماعة، ولكن الحافظ الذهبي والهيثمي وغيرهما أجمعوا على ضعفه. فيض القدير (١/ ٥٥٨).\n(٢) قاضي البصرة أبو واثلة. يضرب بذكائه وفطنته المثل، روى عن أنس وجماعة ووثقه ابن معين، وكان صاحب فراسة توفي عام ١٢٢ هـ (سير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٥)، شذرات الذهب (١/ ١٦٠)، حلية الأولياء (٣/ ١١٢٣)، وفيات الأعيان (١/ ٢٤٧).\n(٣) صفوة البيان ج ١ ص ٥.\n(٤) الطبري ج ٣ ص ٦٠.","vol":"1","page":118},{"text":"كثرة الردّ، فجدّته كجدّيته، يمدّ المسلمين دائمًا بما لا غناء لهم عنه، فالحاجة إلى التفسير -إذن- لا تقف عند عصر أو في مصر، ذلكم لأن القرآن ليس ديوان شعر يمكن أن تشرح قصائده، فيقف الناس عند ذلكم الشرح، جل الله وعظم كتابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>مراحل التفسير:</span>\nلقد تكفل الله أن يحفظ هذا الكتاب ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] كما تكفل كذلك ببيانه للرسول عليه وآله الصلاة والسلام ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] ولذلك كان خير ما يبين القرآن هو القرآن، فإن لم نجد فالرسول عليه وآله الصلاة والسلام هو المبين، يقول الله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وهكذا الحال في عهده عليه وآله الصلاة والسلام. فلما انتقل إلى الرفيق الأعلى قام صحابته ﵃، يؤدون الأمانة على خير وجه واقتفى أثرهم التابعون، ثم بدأ تدوين التفسير ثم بدأ عهد التدوين، ثم تطور فاتسعت ميادينه وتعددت ألوانه واتجاهاته.\nوتحقيقًا لما تقدم، فإن التفسير مرّ بمراحل وأدوار يجدر بنا التوقف عندها مستعرضين مصادره في كل مرحلة، وما تميز به من خصائص، وذلك على النحو التالي:\n- التفسير قبل التدوين.\n- التفسير في عصر التدوين.\n- التفسير في العصر الحديث (١).\n_________\n(١) توسع بعض الكاتبين في ذكر هذه المراحل، حيث عدها بعضهم أربعة، وعدها آخرون سبعة.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>الفصل الثاني من مراحل التفسير: التفسير قبل عهد التدوين</span>\nوفيه مباحث:\nالأول: التفسير في عهد الرسول -ﷺ-.\nالثاني: التفسير في عهد الصحابة رضوان الله عليهم.\nالثالث: التفسير في عهد التابعين رضوان الله عليهم.\nنتائج هذه المرحلة.","vol":"1","page":121},{"text":"من مراحل التفسير: التفسير قبل عهد التدوين\nونعني به التفسير في عهد الرسول -ﷺ- وفي معهد الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>المبحث الأول التفسير في عهد الرسول -ﷺ</span>-\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>أولًا: تفسير القرآن بالقرآن:</span>\nإن خير ما يفسر به القرآن هو القرآن نفسه، وذلك لأن الذي أنزله أعلم بمقاصده ومعانيه. ولقد نزل القرآن بلغة العرب وعلى أساليبها -فيه الإيجاز والإطناب حسب ما يقتضيه المقام والى جانب هذه، أعني- الإيجاز والإطناب، الإجمال والتفصيل، والإطلاق والتقييد، والعامّ والخاصّ- إلى جانب ذلك كله، نجد مجالًا رحبًا لتفسير القرآن بالقرآن، ونعني به القراءات الصحيحة لكتاب الله ﵎، وسنفصل ذلك بعض التفصيل:\n١ - البسط والاختصار -وهو كثير في كتاب الله- نجد ذلك واضحًا في قصص القرآن الكريم، فالقصة تفصّل في سورة وتختصر في سورة أخرى، لقد فصلت قصة نوح ﵇ في سورة هود، واختصرت فيها قصة موسى، على حين أجملت قصة نوح في سورة يونس، وفصلت فيها قصة موسى ﵊، وقد فصلت هذا في كتابي (قصص القرآن الكريم).","vol":"1","page":123},{"text":"ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]، يفسره قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] وقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] فسرتها الآية التي بعدها ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] وقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] فسرته آية الأعراف: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣].\n٢ - تخصيص العام، وهو كثير في كتاب الله ﵎، ومثلوا له بقوله سبحانه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فهذه الآية الكريمة يفهم منها أن كل مطلقة لا بد أن تعتد، ولكن هذا الحكم يجب تخصيصه كما جاء في آية أخرى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فهذه الآية بينت لنا أن المطلقة التي لم يدخل بها زوجها لا تعتد.\nومنه قوله سبحانه: ﴿حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [المائدة: ٣] فهذا حكم عام خصصته آية أخرى، ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: ٩٦].\nومنه قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فهذه الآية الكريمة تحرم على الرجال أي شيء أعطوه للنساء، إلا أن آية أخرى خُصص فيها هذا الحكم وهي قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾،","vol":"1","page":124},{"text":"[البقرة: ٢٢٩] فهذه الآية الكريمة بينت أنه في بعض الحالات يمكن أن تفتدي المرأة نفسها بإعطائها شيئًا من مالها للزوج -وهو الخُلع- يأخذه بلا حرج وأمثلة هذا النوع كثيرة، ومن أراد الزيادة فليرجع إلى ما ذكره السيوطي ﵀ في الإتقان.\n٣ - الإطلاق والتقييد: ويمكن أن نمثل له بما عند الجمهور من المفسرين بقوله سبحانه في سورة المجادلة ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] وفي سورة المائدة في كفارة اليمين ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩] فقد ذكرت الرقبة مطلقة، ولكنها قيدت في آية أخرى في سورة النساء وهي قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فحمل كثير من العلماء المطلق على المقيد، وقالوا إن الرقبة التي وردت مطلقة في بعض الآيات، يجب أن تكون مؤمنة، كما وردت في آية النساء.\nومن ذلك أن بعض الآيات التي ذكرت فيها الشهادة والشهود، أطلق فيها لفظ الشهداء؛ كقوله سبحانه: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] لكنه قيد في بعض الآيات بالعدالة، في قوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فحمل بعض العلماء المطلق على المقيد، وقالوا إن الشهداء لا بد أن يكونوا عدولًا، وهذا كثير في كتاب الله، وذكر السيوطي ﵀ منه أمثلة كثيرة.\n٤ - الإجمال والبيان. ومثلوا له بقوله سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وقوله سبحانه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فقوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بينت جواز رؤية الله ﷾، وعلى هذا فقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ المقصود بها أنه لا تحيط به الأبصار سبحانه.\nولن نستطيع أن نحيط بكل ما جاء من تفسير القرآن بالقرآن، والمتدبر لكتاب الله","vol":"1","page":125},{"text":"سيجد كثيرًا في هذا المجال فيما ذكره الكاتبون أوْ لم يذكروه، بل إن ما لم يذكر أكثر مما ذكر.\nمن ذلك حديث القرآن عن الإيمان في مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] فمن هم أولئك المؤمنون؟ نجد في كتاب الله آيات كثيرة فصّلت لنا صفات أولئك الخيّرين، نقرأ هذا في قول الله ﵎. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]. ونقرأ في سورة النور ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢] ونقرأ في سورة الحجرات: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [آية ١٥].\nوحدثنا القرآن الكريم عن البرّ والأبرار في قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣] ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١٨٩]. ونجد تفصيلًا لصفات أولئك في قوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧].\nففي هذا تفصيل وتفسير لما جاء في سورة الدهر ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ","vol":"1","page":126},{"text":"كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان ٥ - ١٠].\nوحدثنا القرآن الكريم عن الحياة الدنيا وزينتها في آيات كثيرة، مثل قوله سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢١٢]، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف: ٧] وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ [الحديد: ٢٠].\nعلى حين نقرأ تفسيرًا وتفصيلًا في سورة آل عمران ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>القرآن يجمل أولًا ثم يفصل:</span>\nولا بد لي أن أسجل هنا ملحوظة، هي من الأهمية، بحيث يجب أن يُنبه عليها ولا ينبغي أن نغفل عنها، وهي أن الآيات التي جاءت تفسر وتفصل، ذكرت بعد الآيات المجملة غالبًا (١)، وذلكم نسق قرآني بديع، يمكن أن يُفاد منه في كل ما عرض له القرآن الكريم من قواعد ومجالات وقيم، مما يتصل بتربية نوع الإنسان، عقيدة وعبادة وخلقًا، وهي ملحوظة يجب على من يفسر القرآن تفسيرًا موضوعيًا أن يتنبه لها وأن لا يغفلها، لا في آيات الأحكام فحسب بل في كل مجال كما قلت.\nإن تفسير القرآن بالقرآن ميدان يمكن أن يفيد منه الباحثون كثيرًا بعد تدبر آي القرآن الكريم، وصدق الله ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١].\n_________\n(١) راجع كتابنا \"قصص القرآن الكريم\".","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>القراءات القرآنية:</span>\nومن مجالات تفسير القرآن بالقرآن، ما نجده في القراءات القرآنية، فلقد قالوا: إن كل قراءة بمنزلة آية من الآيات، فكما أن بعض الآيات تفسر بعضًا، فإن ذلك يصدق على القراءات كذلك، وقبل أن نسترسل في هذا الموضوع، لا بد من التنبيه على أن تفسير القرآن بالقرآن في هذا المضمار يجب أن نقتصر فيه على القراءات الصحيحة المتواترة، . أما تفسير القرآن بالقراءة الشادّة فلا يعدّ من هذا القبيل، أي لا يعدّ من تفسير القرآن بالقرآن، بل هو من تفسير القرآن بالسنة، إن كانت القراءة مسندة إلى الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، أو من تفسير الصحابة إذا كانت مسندة إلى صحابي، فما روي من قراءة بعض الصحابة (فله أخ أو أخت من أم بزيادة) من (أم) أو بزيادة متتابعات في قوله (فصيام ثلاثة أيام متتابعات) وهو كثير في كتب التفسير، لا يعدّ من تفسير القرآن بالقرآن، بل لا بد من أن تكون القراءة المفسرة متواترة كما قلت. فمن ذلك على سبيل المثال:\n﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠]، ففي الآية قراءتان (كُذبوا) بالتخفيف و(كُذِّبوا) بالتشديد، فقد قرأ الكوفيون (كُذبوا) بالتخفيف، وقرأ الباقون (كُذِّبوا) بالتشديد، وقد اشتهر الخلاف بين السيدة عائشة وابن عباس ﵃ حول هذه الآية الكريمة، ومعنى قراءة التشديد أن الرسل استيأسوا وأيقنوا أن المرسل إليهم قد كذبوهم، فالضمير في (كذِّبوا) للرسل، وترى السيدة عائشة ﵂، أن معنى قوله: (وظنوا أنهم قد كذبوا) أي أيقن الرسل أن أتباعهم الذين آمنوا بهم قد كذبوهم لما تأخر النصر.\nأما قراءة التخفيف فلها توجيهان:\nأحدهما: أن الظن بمعنى التوهم وحديث النفس، والمعنى أن الرسل لما طال انتظارهم توهموا وحدثتهم أنفسهم أنهم كذبوا وأخلفوا ويؤيد هذا ما في الآية الأخرى في سورة البقرة قولهم (متى نصر الله).","vol":"1","page":128},{"text":"وثانيهما: هو أن أتباع الرسل هم الذين ظنوا أن الرسل قد كذبوا، وقد روي هذا عن سعيد بن جبير كذلك، فعلى الأول ضمير (ظنوا) يرجع إلى الرسل، وعلى الثاني إلى المرسل إليهم ويكون الظن الأول على التوهم وحديث النفس كما قلنا، أما على الثاني فيكون الظن على حقيقته أو بمعنى اليقين.\nوحجة السيدة عائشة أن الرسل لا يمكن أن يكون منهم ذلك فقالت: (معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها) (١) وحجة ابن عباس أنهم بشر يعتريهم ما يعتري البشر من الشك.\nوالذي يبدو لنا أن كلًّا من القراءتين ترشد المسلمين وتوجههم وهم يحملون لواء الدعوة إلى الله، فالقراءة الأولى تبين لهم إذا تيقنوا من إعراض المدعوين ويئسوا من إيمانهم فحري بهم أن يطمئنوا إلى نصر الله سبحانه، فلا بد أن يصبروا وهذا ما ترشد إليه آيات كثيرة منها قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] ومنها قوله سبحانه ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾ [سبأ: ٤٥].\nأما القراءة الثانية، فإنها تبين للمسلمين أن ما يكون من خطرات النفس وهواجسها بسبب تأخر النصر، لا ينبغي أن يفل عزائمهم أو أن يضعف إرادتهم، فهواجس النفس ووساوس الشيطان لا تنقطع، ولكن ينبغي أن يكونوا منها على حذر.\nقراءة التشديد تعلمنا أن لا نيأس، وقراءة التخفيف ترشدنا أن نتغلب على الوساوس والهواجس وخطرات النفوس فلكل قراءة وجهة حري بالدعاة إلى الله أن يحسبوا لها حسابًا، وهم يقارعون الباطل والشر ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ\n_________\n(١) الكشف عن وجوه القراءات السبع. وعللها، مكي بن أبي طالب، ص ١٦.","vol":"1","page":129},{"text":"﴿مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] والرسل سادة المتقين (١).\nومن ذلك قوله سبحانه: ﴿إِذْ قَال الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [المائدة: ١١٢]، فإن ظاهر الآية الكريمة لا يدل على صدق إيمان الحواريين، وهذا ما ذهب إليه بعض المفسرين، مع أن الآية التي قبل هذه الآية الكريمة تبين لنا أنهم مؤمنون ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: ١١١] فإذا ضممنا إلى هذه القراءة القراءة الثانية المتواترة، وهي قوله: ﴿إِذْ قَال الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ [المائدة: ١١٢] تقرأ (هل تستطيع ربَّك) على أن الفاعل هو عيسى ﵊، وربَّك مفعول. والمعنى هل تستطيع الطلب من ربك؟ أقول إذا ضممنا هذه القراءة إلى القراءة السابقة يمكننا أن ندرك أن الحواريين لم يقصدوا بالاستطاعة معناها الظاهر، فهم مؤمنون بقدرة الله، ولكنهم أرادوا: هل يرضى ربك، وهل يجيبنا إذا طلبنا منه ذلك؟ .\nوالمتدبر للقراءات القرآنية الصحيحة، يجد أن هناك كثيرًا من المواطن التي فَسَّرت فيها قراءة قراءةً أخرى (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>ثانيًا: تفسير القرآن بالسنة</span>\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤]. إذا كان القرآن الكريم هو المصدر الأول من مصادر التشريع، فإن السنَّة هي المصدر الثاني، ولذلك كان خير مرجع لتفسير القرآن وتبيانه رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، فقد كان يرجع إليه أصحابه فيما\n_________\n(١) راجع بحثنا القراءات القرآنية من الوجهة البلاغية.\n(٢) وضحنا هذه القضايا في كتابنا (القراءات القرآنية وتوجيهها نحويًا وبيانيًا) تحت الطبع.","vol":"1","page":130},{"text":"يدق عليهم فهمه، ولا عجب في ذلك، فالرسول الكريم -ﷺ- فضلًا على أنه اصطفاه الله كان أعلم الناس بمراد الله، وأفصحهم بيانًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>مجالات تفسير السنة للقرآن:</span>\nإن الذي فسره النبي -ﷺ- كان على جانب من الأهمية، وكان أمرًا لا بد منه لفهم شراع الإسلام والعمل بها، وكما رأينا من قبل بأن تفسير القرآن اشتمل وجوهًا متعددة، فكذلك تفسير السنة للقرآن، فهي قد تكونه بيانًا لمجمل، أو تخصيصًا لعام، أو تقييدًا لمطلق، أو بيانًا للفظ استشكله الصحابة، أو معنى لا بد له من إيضاح، وعلى كل حال فتفسيرات السنة للقرآن، من الأمور التي تمسُّ إليها الحاجة.\nولقد تتبع العلماء ما جاء في السنة من تفسير لكتاب الله، فذكر أئمة الحديث في كتبهم أبوابًا مما جاء في تفسير القرآن الكريم ذكروا فيها ما رفع إلى النبي -ﷺ-. فممّا جاء (١):\n١ - بيانه -ﷺ- لبعض مجملات القرآن الكريم، ومن ذلك ما جاء في فرض الصلاة والزكاة والصيام والحج، فقد فصلت السنة هذه الأركان تفصيلًا دقيقًا، ولولاها ما كنا نستطيع أن نأتي بهذه الأركان على الوجه المفروض، ولذلك حج الرسول -ﷺ- وقال: \"خذوا عني مناسككم\" (٢)، وصلّى وقال \"صلّوا كما رأيتموني أصلي\" (٣).\n٢ - ومن ذلك تخصيصه -ﷺ- لما جاء عامًّا في القرآن الكريم. ومن ذلك قوله\n_________\n(١) ينظر (مناهج المفسرين) / د. إبراهيم خليفة ص ٢٣٧.\n(٢) مسلم ١٢٩٧ باب استحباب رمي جمرة العقبة.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأذان باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة والإقامة رقم الباب ١٨، حديث ٦٠٣.","vol":"1","page":131},{"text":"تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] خصصه ﵊ بقوله وفعله بغير المحصن، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] فقد خصص الظلم هنا بالشرك.\n٣ - تقييده لمطلقات القرآن الكريم، وذلك مثل تقييده الحساب اليسير بالعرض والأيدي في آية السرقة بالأيمان.\n٤ - إيضاحه -ﷺ- لبعض مبهمات القرآن الكريم، وذلك مثل ذكره لاسم العبد صاحب موسى بأنه الخضر، وتفسيره -ﷺ- لقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُم﴾ [البقرة: ٥٩] بأنهم دخلوا الباب يزحفون على أستاههم ويقولون حبة في شعيرة، بدل أن يدخلوا الباب سجدًا ويقولوا حطة.\n٥ - دفعه لبعض ما يمكن أن يشكل على قارئ القرآن، ومن ذلك ما روي عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله -ﷺ- إلى نجران فقالوا أرأيت ما تقرؤون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] وموسى قبل عيسى بكذا وكذا؟ قال فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله -ﷺ- فقال: \"إنما كانوا يسمّون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم\" (١).\n٦ - تفسيره -ﷺ- للفظ غمض على بعض الصحابة وأشكل عليه فهمه وذلك لأنه استعمل في معنىً مجازي، ومن ذلك تفسيره -ﷺ- الخيط الأبيض والخيط الأسود لعدي بن حاتم ببياض النهار وسواد الليل.\n٧ - بيان النسخ، فإذا ذكر أحد الصحابة رضوان الله عليهم أنّ آية كذا نسخت آية كذا، علمنا أن هذا لا يمكن أن يكون من اجتهاد الصحابة، ولكنه ﵊ أخبرهم بذلك.\nولقد ذكر السيوطي ﵀ في آخر كتاب الإتقان، جملة من الأحاديث المرفوعة إلى النبي -ﷺ- في تفسير القرآن، وسأثبتها لك وغيرها مما لم يذكره إن شاء الله.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الآداب، باب النهي عن التكني.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>أفسر الرسول -ﷺ- القرآن كله</span>؟\nنفرض هنا تساؤلًا مهمًا يرد على الأذهان هو: كان تفسير الرسول عليه وآله الصلاة والسلام للقرآن شاملًا له كله أم إنه فسر ما كانت تدعو إليه الحاجة، سواء أكان الصحابة يسألون عنه، أم كان الرسول عليه وآله الصلاة والسلام يرى أن يبينه؟\nوأقول: إن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، كان يفسر ما يحتاج إليه الصحابة ابتداء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>رأي السيوطي والشيخ الذهبي -رحمهما الله- في المسألة:</span>\nذكر الشيخ الفاضل الأستاذ محمد حسين الذهبي -﵀- في كتابه (التفسير والمفسرون) أن ابن تيمية -﵀- يرى أن النبي -ﷺ- فسر القرآن الكريم كله للصحابة -رضوان الله عليهم- واستند في ذلك إلى ما جاء في أصول التفسير لابن تيمية أولًا وإلى ما ذكره السيوطي في الإتقان ثانيًا.\nقال السيوطي: (وقد صرح ابن تيمية فيما تقدم وغيره، بأن النبي -ﷺ- بيّن للصحابة تفسير جميع القرآن، أو غالبه، ويؤيد هذا ما أخرجه أحمد وابن ماجه عن عمر أنه قال: من آخر ما نزل آية الربا وأن رسول الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها .. دلّ فحوى الكلام على أنه كان يفسر لهم كل ما نزل وأنه إنما لم يفسر هذه الآية لسرعة موته بعد نزولها وإلا لم يكن للتخصيص بها وجه) (٢).\nوبعد أن عرفت ما قاله السيوطي والذهبي -رحمهما الله- لا- بدَّ كي نصل إلى الحق في هذه المسألة أن نضمَّ إلى ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في المقدمة نفسها، فقد قال: \"يجب أن يُعلمَ أن النبي -ﷺ- بيَّن لأصحابه معاني القرآن،\n_________\n(١) تراجع هذه المسألة في كتاب التفسير والمفسرون للأستاذ الذهبي حيث ذكرها هناك مستوفاه ج ١ ص ٤٨ - ٥٤.\n(٢) الإتقان (٢/ ٢٠٥).","vol":"1","page":133},{"text":"كما بيَّن لهم ألفاظه، فقوله تعالى. ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا وهذا. وقد قال أبو عبد الرحمن السُّلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي -ﷺ- عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعًا .. وذلك أن الله تعالى قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٩]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [لمؤمنون: ٦٨] وتدبُّرُ الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن. وكذلك قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢] وعقل الكلام متضمن لفهمه، ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك. وأيضًا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابًا في فنّ من العلم، كالطب والحساب، ولا يستشرحوه، فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟ ! ! [مقدمة أصول التفسير ص ١٨ - ٢١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>مناقشة السيوطي والذهبي:</span>\nوبعد أن اطلعت على ما قاله شيخ الإسلام في مقدمته أراك تلحظ أن كلامه قد حمّل ما لا يحتمل، وفسّر على وجه يصعب تقبله، مع أنّ له محملًا ظاهرًا واضحًا، وهو أن ابن تيمية ﵀ يؤكد أن النبي -ﷺ- قد بيَّن لأصحابه من القرآن كل ما يحتاج إلى بيان. وهذا المعنى هو المتبادر من عبارته: \"بيّن لهم معاني القرآن كما بيّن لهم ألفاظه\". وليس المراد قطعًا أنه ﵊ بيّن لهم معنى كل آية وكل كلمة، كيف وهم أهل اللسان؟ ! ولذلك لم نجد في كلام ابن تيمية ما أشار إليه السيوطي بقوله: \"وقد صرح ابن تيمية فيما تقدم وغيره بأن النبي -ﷺ- بيّن للصحابة تفسير جميع القرآن أو غالبه\"، ولا ما أشار إليه الذهبي بقوله: \"فمن العلماء من ذهب إلى القول بأن النبي -ﷺ- بيّن لأصحابه كل معاني القرآن كما بيَّن","vol":"1","page":134},{"text":"لهم ألفاظه، وعلى رأس هؤلاء ابن تيمية\".\nفابن تيمية ﵀ لم يقل هذا، ولا في كلامه المنقول آنفًا ما يدل على هذا. وكل الذي يدل عليه أن آيات القرآن الكريم كانت مفهومة تمامًا للصحابة رضوان الله عليهم، إما ابتداءً لأن الكلام بلغتهم، وهذا هو الغالب، وإما بعد بيان منه -ﷺ-، وهذا هو القليل النادر.\nوأكبر دليل على أن هذا هو مراد ابن تيمية من كلامه ما ذكره في موضع آخر من مقدمته حين قال: (فإن قال قائل: فما أحسن طرق التفسير؟ فالجواب: إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فُسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر.\nفإن أعياك فعليك بالسنة، فإنها شارحة للقرآن وموضحة له، بل قد قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: (كل ما حكم به رسول الله -ﷺ- فهو مما فهمه من القرآن .. وحينئذ إذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعت في ذلك إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك، لما شاهدوه من القرآن، والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح، لا سيما علماؤهم، وكبراؤهم كالأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين المهديين، وعبد الله بن مسعود) (١).\nفكلام ابن تيمية صريح في أنّنا إذا لم نجد تفسير القرآن الكريم في السنّة النبوية فلنبحث عما قاله الصحابة في تفسير القرآن، بل التابعون ﵃ جميعًا بل إن الأدلة التي يمكن أن يستند إليها من يرى أن النبي -ﷺ- القرآن كله، إن وجد هذا القائل -ولا إخاله كذلك- أقول إن الأدلة التي يمكن أن يُركن اليها، لا تثبت هذه الدعوى، فمنها قول الله ﵎: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] فإن المفهوم من هذه الآية الكريمة، أن النبي -ﷺ- يبين لهم ما\n_________\n(١) مقدمة في أصول التفسير ص ٩٣ - ٩٥.","vol":"1","page":135},{"text":"يحتاج إلى بيان، وليس القرآن كله كذلك، كيف وهم عرب خُلَّص أثر فيهم القرآن الكريم، حتى قبل أن يسلموا، بل أثر فيمن استمر على كفره، وهذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ تبينها آية أخرى من كتاب الله، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] فهذه الآية الكريمة صريحة بأن بيان النبي -ﷺ-، إنما كان لما اختلف فيه الصحابة واحتاجوا إلى معرفته، كما سأبينه لك إن شاء الله، فما قاله الأستاذ الذهبي -﵀- غير مسلَّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>هل كان تفسير الرسول -ﷺ- مقتصرًا على ما علمه جبريل ﵇</span>؟\nوإذا كان هذا القول يعوزه الدليل، فإن هناك قولًا آخر حريًا بالرد وعدم القبول، وهو أن النبي عليه وآله الصلاة والسلام، ما كان يفسر من القرآن الكريم إلا آيًا بعدد، علمه إياهن جبريل.\nوهذا حديث مطعون فيه -كما ذكر الامام الطبري في مقدمة تفسيره (١) وذلك لأنه من رواية محمد بن جعفر الزبيري، وهو متروك ومنكر الحديث كما قال الحافظ، وقد قال فيه الحافظ الهيثمي: وأخرجه أبو يعلى والبزار وفيه راوٍ لم يقرر اسمه عند واحد منهما (٢). وإذا كان الطبري وغيره قد طعنوا في سند الحديث فإني أرى أن الحديث يمكن أن يناقش من ناحية أخرى أعني ناحية متنه وذلك لأن الرسول -ﷺ- كما يقول الحديث- ما كان يفسر إلا آيًا بعدد، والى هنا لا غبار على متن الحديث، وهو معقول ومقبول، ولكن تتمة الحديث وهي (علمه إياهن جبريل) هي التي يمكن أن تجعلنا نرد الحديث من أساسه، فإذا كان الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، وهو الذي كرمه الله بالرسالة والنبوة والوحي وأعطاه من الفهم والفقه ما لم يعطه أحدًا، لا يفسر إلا ما يعلمه إياه جبريل، فكيف يمكن لغيره من\n_________\n(١) ص ٨ - ٨٩.\n(٢) مجمع الزوائد (٦/ ٣٠٣) طبعة دار المعارف.","vol":"1","page":136},{"text":"الصحابة ومن بعدهم في العصور المتتالية أن يفسر أحدهم آية واحدة من القرآن؟ لأن تفسيره إذًا توفيقي ولا يجرؤ أحد أن يقدم عليه، وهذا إشكال قوي يرد على متن الحديث فيردّه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>لمَ لمْ يفسر الرسول -ﷺ- القرآن كله</span>؟\nبقي سؤال على جانب من الإهمية: وهو لِمَ لم يفسر النبي -ﷺ- القرآن كله؟\nوأقول إن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام كان يفسر ما يحتاج المسلمون إلى تفسيره -كما قلنا- ولو أنه فسر القرآن كله لوصل إلينا ذلك أو أكثره، كيف لا والصحابة ومن تبعهم قد حفظوا لنا كلام الرسول عليه وآله الصلاة والسلام في شؤون هي أقل أهمية من تفسير القرآن، والحكمة في أن الرسول -ﷺ- لم يفسر القرآن كله أنه أراد أن يفتح للأمة مجالات في فهم القرآن، ليدبروا آياته وليذكر أولو الألباب، ولو أن الرسول -ﷺ- فسر القرآن كله، ما كان هناك مجال لتلك الثروة التفسيرية ولكنه القرآن الذي لا تنقضي عجائبه؛ ولا يخلق على كثرة الرد، ولذا فإن ما ورد عن الرسول الكريم -ﷺ- في التفسير لا يجوز تجاوزه، اللهم إلا إذا كان ذلك بطريق التأويل والتوسع.\nوبعد، فإن كتب السنة قد خصصت أبوابًا للتفسير المأثور عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام وعن الصحابة، ففي صحيح البخاري كتابان: كتاب التفسير، وكتاب فضائل القرآن، وهكذا نجد في كثير من الكتب الأخرى ما لا نستطيع أن نشك في نقله أبدًا، وذلك كتفسير القوة بالرمي وتفسير الحج الأكبر بيوم النحر، وتفسير الحساب اليسير بالعرض (١).\nوالحق أن التفسير الذي روي عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، بأسانيد\n_________\n(١) صحيح البخاري (٤/ ١٨٨٥) كتاب التفسير باب (٤٢٢) (فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا) حديث ٤٦٥٥.","vol":"1","page":137},{"text":"صحيحة، من الأهمية بحيث يجب ألا يعدل عنه. ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، تستريح نفوسهم حينما يصل إليهم علم شيء من ذلك.\nوإن اختلفوا في شيء من تفسير القرآن، فذلك ما لم يرد فيه شيء عن الرسول ﵌ (١). وإذًا فالتفسير في عهده -ﷺ-، كان له مصدران: القرآن أولًا، والرسول -ﷺ- ثانيًا.\nهذا هو التفسير في عهد الرسول -ﷺ- كان أصيلًا في مصادره مشرقًا في نوره واضح المعالم.\nوليكن مسك الختام لهذا المبحث (تفسير القرآن بالسنة) طائفة من الأحاديث رويت في التفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>بعض روايات التفسير </span>(٢)\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>سورة الفاتحة:</span>\nعن عدي بن حاتم ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: (المغضوب عليهم) اليهود (والضالين) النصارى رواه أحمد وابن حبان والترمذي (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>سورة البقرة:</span>\n١ - قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٨ - ٥٩].\nعن ابن مسعود موقوفًا قال: قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة. فنزل قوله\n_________\n(١) وذلك دليل على أن الرسول -ﷺ- لم يفسر القرآن كله.\n(٢) للاختصار أكتفي بذكر بعض الأحاديث، فليرجع إليها من شاء.\n(٣) موارد الظمآن ص ٤٢٤، ابن حبان ٧٢٠٦.","vol":"1","page":138},{"text":"تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾. رواه الطبراني، وفيه شيخه عبد الله بن أبي مريم وهو ضعيف.\n٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]. عن النبي -ﷺ- قال: (إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة لأجزأتهم. أو لأجزأت عنهم. رواه البزار. وفيه عباد بن منصور وهو ضعيف.\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] عن رسول الله -ﷺ- قال: وسطًا أي عدلًا، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح (١).\n٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].\nعن رسول الله -ﷺ- قال: (الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح.\n٥ - قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nعن رسول الله -ﷺ- قال: (إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار). رواه البخاري (٢) ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي. وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح (٣).\n٦ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].\nعن حذيفة بن اليمان ﵁ قال: نزلت في النفقة. أخرجه البخاري (٤).\n_________\n(١) مجمع الزوائد (٦/ ٣١٦).\n(٢) البخاري جـ ٦ ص ٣١.\n(٣) جـ ٥ ص ٢١١.\n(٤) جـ ٦ ص ٣٣.","vol":"1","page":139},{"text":"٧ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.\nعن. أبي أيوب الأنصاري ﵁ في تفسير التهلكة قال: الإقامة على الأموال وإصلاحها وتركنا الغزو.\nرواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب صحيح.\nوفي رواية أبي داود عن أبي أيوب الأنصاري موقوفا قال: الإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد (١).\n٨ - قوله تعالى: \" ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦].\nعن عبد الله بن معقل ﵁ قال: قعدت إلى كعب بن عجرة في هذا المسجد -يعني مسجد الكوفة- فسألته عن فدية الصيام؟ فقال: حملت إلى النبي -ﷺ- والقمل يتناثر على وجهي فقال: (ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا. أما تجد شاة؟ قلت لا. قال صم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين نصف صاع من طعام واحلق رأسك. رواه البخاري ومسلم والترمذي (٢).\n٩ - قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].\nعن رسول الله -ﷺ- قال: \"الحج أشهر معلومات ذو القعدة وذو الحجة\" (٣).\nوعن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ قال: الرفث: الإعرابة (٤) والتعرض للنساء\n_________\n(١) جامع الأصول جـ ٢ ص ١١٦.\n(٢) البخاري جـ ٦ ص ٣٣.\n(٣) الدارقطني (٢/ ٢٢٦) برقم ٤٦.\n(٤) الإعرابة - ويقال القرابة والعرابة وهي الفحش من القول.","vol":"1","page":140},{"text":"بالجماع. والفسوق المعاصي، والجدال: جدال الرجل صاحبه. رواه الطبراني عن شيخه يحيى بن عثمان بن صالح عن سراد بن محمد بن قريش وكلاهما فيه لين وقد وثقا. وبقية رجاله رجال الصحيح (١).\n١٠ - قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].\nعن رسول الله -ﷺ- قال: (أقبل وأدبر واتق الدبر). رواه الترمذي: وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nوروى الترمذي كذلك عن رسول الله -ﷺ- في هذه الآية قال: يعني صمامًا واحدًا. وقال: هذا حديث حسن صحيح (٢).\n١١ - قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].\nعن رسول الله -ﷺ- قال: (الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج). رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف (٣).\n١٢ - قوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨].\nعن رسول الله -ﷺ قال: (هي صلاة العصر): رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٤).\n١٣ - قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].\nعن رسول الله -ﷺ- قال: (كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة. رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط. وفي إسناد أحمد\n_________\n(١) مجمع الزوائد جـ ٦ ص ٣١٨.\n(٢) جـ ٥ ص ٢١.\n(٣) مجمع الزوائد جـ ٦ ص ٣٢٥.\n(٤) جـ ٥ ص ٢١٧ - ٢١٨.","vol":"1","page":141},{"text":"وأبي يعلى ابن لهيعة وهو ضعيف (١)،\n١٤ - قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥].\nعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: النفقة في سبيل الله .. أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم. وأخرج عبد الرزاق والطيالسي عن رسول الله -ﷺ- مرفوعًا نحوه (٢).\n١٥ - قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].\nعن رسول الله -ﷺ- قال: (إن للشيطان لمة بابن آدم، وللملك لمة فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق. فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله فليحمد الله ومن وجد الأخرى فليتعوذ. بالله من الشيطان الرجيم. ثم تلا الآية. رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>سورة النساء:</span>\n١٦ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].\nعن عائشة ﵂ قالت: قلنا يا رسول الله: إني لأعلم أشد آية في كتاب الله ﷿، قول الله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال: (أما علمت يا عائشة، أن المسلم تصيبه النكبة أو الشوكة فيحاسب أو يكافأ بأسوأ أعماله. ومن حوسب عذب. قالت: أليس الله يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ قال: (ذاكم العرض يا عائشة. ومن نوقش الحساب عذب) (٤).\n_________\n(١) مجمع الزوائد جـ ٦ ص ٣٢٠.\n(٢) كنز العمال جـ ٢ ص ٣٦٣.\n(٣) جـ ٥ ص ٢١٩ - ٢٢٠.\n(٤) أخرجه البخاري (٣)، (٤٩٣٩)، (٦٥٣٦)، ومسلم (٢٨٧٦).","vol":"1","page":142},{"text":"وعن أبي بكر الصديق قال: كنت عند النبي -ﷺ-، فأنزلت عليه هذه الآية. ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فقال رسول الله -ﷺ-: (يا أبا بكر ألا أقرئك آية نزلت عَلَيّ قلت: بلى يا رسول الله. قال: فأقرأنيها، فلا أعلم إلا أني وجدت انقصامًا في ظهري. فتمطأت لها. فقال رسول الله -ﷺ- قال: ما شأنك يا أبا بكر؟ قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي. وأينا لم يعمل سوءًا؟ وإنا لمجزيون بما عملنا؟ فقال رسول الله -ﷺ-: أما أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك في الدنيا، حتى تلقوا الله وليس لكم ذنب. وأما الآخرون فيتجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة. رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب وفي إسناده مقال وتضعيف (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>سورة التوبة:</span>\n١٧ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤].\nعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية. كبر ذلك على المسلمين فقال عمر بن الخطاب: أنا أفرج عنكم. فانطلق فقال: يا نبي اللَّه، إنه كبر على أصحابك هذه الآية. فقال: إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم. وإنما فرض المواريث. وذكر كلمة -لتكون لمن بعدهم قال: فكبر عمر ﵁ ثم قال له: ألا أخبرك بخبر ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة. إذا نظر إليها سرته. وإذا أمرها أطاعته. وإذا غاب عنها حفظته. رواه أبو داود.\nوعن ابن عمر قال في هذه الآية. من كنزها ولم يؤد زكاتها ويل له. هذا كان قبل أن تنزل الزكاة. فلما أنزلت جعلها الله طهرًا للأموال. رواه البخاري.\n_________\n(١) جـ ٥ ص ٢٤٨.","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>سورة الشورى:</span>\n١٨ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].\nعن رسول الله -ﷺ- لعلي: أفلا أفسرها لك يا علي: ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليهم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا، فالله أحلم من أن يعود بعد عفوه. رواه أحمد وأبو يعلى وفيه راوٍ ضعيف (١). نكتفي بهذه الروايات، وقد رأينا أن كثيرًا منها لا يخلو من ضعف، ومن أراد زيادة فليرجع إلى ما ذكره السيوطي في آخر كتاب الإتقان.\n_________\n(١) جـ ٢ ص ٦٤٩ طبعة دار المعارف ١٣٦٦ هـ.","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المبحث الثاني التفسير في عهد الصحابة -رضوان الله عليهم</span>-\nكان الصحابة رضوان الله عليهم يتورعون عن تفسير القرآن على عهد الرسول ﵊، مع أنهم كانوا على جانب عظيم من البيان العربي والتذوق الأدبي، بل كانوا يرجعون إليه عليه وآله الصلاة والسلام فيما يشكل عليهم فهمه. ولما انتقل ﵊ إلى الرفيق الأعلى، كان لا بد لهم من أن يشمروا عن سواعدهم، ليقوموا بما يجب عليهم نحو كتاب الله العزيز، وهم الذين شهدوا نزول القرآن ونالوا بركة الوحي، وبركة الإفادة من الرسول عليه وآله الصلاة والسلام. فمصادر التفسير عندهم إذًا الكتاب والسنة واللغة والاجتهاد، وإذا كانت تلك المنزلة للصحابة، فيجب أن لا يقلل من شأنه ما وصل إلينا منهم بأسانيد صحيحة. على أنه ينبغي أن ننبه على أن أقوالهم ﵃، لا تعطى حكم الحديث المرفوع، اللهم إلا إذا كانت بيانًا لسبب نزول آية، وذلك كما يذكره أئمة الحديث، وهو ما نص عليه ابن الصلاح في مقدمته (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>المكثرون في الرواية من الصحابة- مناقشة ما قيل في هذا الموضوع:</span>\nوالصحابة متفاوتون في فهمهم لكتاب الله، كما أنهم متفاوتون فيما روي عنهم بين مقل ومكثر. فهذا هو مسروق ﵁ يقول: (وجدت أصحاب محمد مثل الإخاذ، الإخاذ يروي الواحد، والإخاذ يروي الاثنين، والإخَاذ لو ورد عليه الناس أجمعون لأصدرهم. وإن عبد الله بن مسعود من تلك الإخاذ (٢). وذكر السيوطي ﵀ في الإتقان (٣) أن المكثرين من الصحابة عشرة: الخلفاء\n_________\n(١) ص ٤٥.\n(٢) في النهاية لابن الأثير (١/ ٢٨) الإخاذ هو مجتمع الماء وجمعه أُخُذُ ككتاب وكُتُب.\n(٣) الإتقان جـ ٢ ص ١٨٧، التفسير والمفسرون جـ ١ ص ٦٣.","vol":"1","page":145},{"text":"الراشدون الأربعة، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن الزبير، وقد اشتهر هذا القول ونقله عن السيوطي كل من الذين جاءوا بعده، ولقد حملني على بحث تلك القضية المشتهرة قراءتي في كتب الستة أو كتب التفسير التي كان لها عنايةً بذكر الروايات ومن رُوي عنهم، حيث وجدت أن كثيرًا ممّن قيل إنهم مكثرون، كانوا من المقلّين والعكس صحيح، فتتبعت ما جاء في كتب الحديث الآتية:\n١ - جامع الأصول لابن الأثير وفيه ستة أسفار هي: صحيحا البخاري ومسلم وجامع الترمذي وسنن أبى داود والنسائي وموطأ مالك.\n٢ - مجمع الزوائد الذي يتضمن ستة من أسفار الحديث ذات الشأن العظيم هي: معجمات الطبراني الثلاثة الكبير والأوسط والصغير، ومسند الإمام أحمد وأبي يعلى والبزار.\n٣ - موارد الظمآن في زوائد ابن حبان.\n٤ - كنز العمال وهو يتضمن كثيرًا من كتب الحديث.\n٥ - كما رجعت إلى بعض أجزاء تفسير ابن أبي حاتم، وهو من أوسع التفاسير بالمأثور، وسأثبت في آخر هذا الموضوع بعض الروايات ليطلع عليها القارئ لما فيها من فائدة من جهة وليدرك عدم دقة المقولة المشتهرة عن المكثرين والمقلّين من جهة أخرى فوجدت على سبيل المثال بعد استقصاء هذه الكتب أنه لم يرد لابن الزبير ﵄ الذي قالوا إنه من المكثرين إلا ثلاث روايات بينما ورد لعبد الله بن عمر ﵄ الذي عدّوه من المقلين ثلاث وثلاثون رواية. وما أجدر الباحثين وبخاصة طلاب العلم بالبحث والتمحيص حتى لا يأخذوا كل قضية يقرؤونها على أنها مسلّمة لا شك فيها.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>من المكثرين ابن عباس ﵄:</span>\nوقد أجمعوا على أنه في مقدمة أولئك المكثرين، هذا الفتى الذي دعا له الوسول عليه وآله الصلاة والسلام، وهو سيدنا عبد الله بن عباس ﵄ وهو ترجمان القرآن، وهو الحبر والبحر لكثرة علمه. فإمامته لم تقتصر على التفسير فحسب بل هو من المكثرين في الحديث كذلك، وفي الفقه له يد طولى، وفي أشعار العرب وأقوالهم له قدم راسخة، ينمي ذلك كله حدة ذكاء وعظيم فهم ونور ساطع في عقله وقلبه.\nولا غرابة في ذلك، فلقد هيئت لفتى مكة أسباب عديدة جعلته يتربع على كرسي الأستاذية في هذه العلوم كلها وبخاصة التفسير. ولو لم يكن من هذه الأسباب إلا دعاء الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، لكان كافيًا له أن يكون هكذا. وإذا أردنا أن ندرك فهم ابن عباس ﵄ فما لنا إلا أن نرجع لبعض تفسيراته. وأذكر من هذه التفسيرات على سبيل المثال تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ١٣٢٦٦] (١)، فقد روى البخاري: أن عمر ﵁ قال يومًا لأصحاب النبي -ﷺ- فيم ترون هذه الآية نزلت ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قالوا: الله أعلم. فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: (في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين) فقال عمر: (يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك). قال ابن عباس (ضربت مثلًا لعمل) قال عمر: (أي عمل؟) قال: (لرجل غني يعمل بطاعة الله ﷿، ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله) (٢)، وكذلك تفسيره لسورة النصر في قصة شهيرة مع عمر ﵁ وهي ما رواه ابن عباس قائلًا: (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكان بعضهم وجد في نفسه. فقال لِمَ يدخل هذا معنا\n_________\n(١) ثلاثًا وثلاثين رواية.\n(٢) البخاري جـ ٦ ص ٣٩.","vol":"1","page":147},{"text":"ولنا أبناء مثله؟ فقال عمر إنه من قد علمتم. فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم. فما رأيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم. قال: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا، وسكت بعضهم فقال لي: (كذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: (لا)، قال: فما تقول؟) قلت: هو أجل رسول الله -ﷺ- أعلمه له (قال) ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، وذلك علامة أجلك، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا) فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تقوله رواه البخاري (١).\nولعل بعض الصحابة كانوا يأخذون على ابن عباس ﵄ كثرة تفسيره للقرآن، ومع إجماعهم على فضل ابن عباس وسبقه في هذا الأمر، فإن الشافعي ﵁ كان يقدم قول زيد في الفرائض، لقول الرسول عليه وآله الصلاة والسلام (أفرضكم زيد) (٢) ونجد لابن عباس عدة خلافات في آيات المواريث لم يأخذ بها الصحابة، ولكن هذا العالم الجليل قد افتُريَ عليه كثيرًا لأسباب عديدة، ولهذا قال الشافعي ﵁: (لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا شبيه بمائة حديث) (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>أسباب قلة الروايات عن الصحابة في التفسير:</span>\nوهنا مسألة لا بد من بيانها والوقوف عندها، وهي أن ما نقل عن الصحابة من تفسيرات القرآن، لم يكن شيئًا كثيرًا، بل إنه أقل مما نقل عنهم في أمور أخرى كالفقه والفتاوى. وذلك لا يرجع بالطبع لعدم اهتمامهم بالقرآن، معاذ الله، ولا يرجع كذلك لعدم فهمهم لآيات القرآن وعدم حفظ أكثرهم له، وإنما يرجع ذلك\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب التفسير- سورة النصر.\n(٢) الترمذي جـ ٥ ص ٦٦٥ وقال حديث حسن صحيح.\n(٣) مناقب الشافعي للبيهقي تحقيق السيد أحمد صقر (٢/ ٢٣).","vol":"1","page":148},{"text":"لأنهم كانوا يفسرون القرآن تفسيرًا عمليًا، حسب ما تقتضيه الوقائع والحوادث. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لسلامة لغة القوم وصفاء عقيدتهم. بينما نجد أن ما نقل عنهم في التشريع والفتاوى كثير وجم غفير. فلقد ذكر ابن حزم في رسالته (أصحاب الفتيا من الصحابة ومن بعدهم) أن من نقل عنهم الفتيا من الصحابة، مائة واثنان وستون، وذلك بعد بحثه وتقصيه عن ذلك. ثم ذكر أن المكثرين في ذلك سبعة هم: عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعائشة أم المؤمنين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت ﵃، ثم ذكر أن مجموع ما روي عن الصحابة يزيد على عشرين ألف قضية، وقال إنه يمكن أن يجمع لكل من هؤلاء السبعة المكثرين سفر ضخم، وهذا يدل على اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بواقع الحياة التي يعيشونها وبما تتطلبه الظروف التي كانت تمر بهم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>شبهة حول روايات التفسير عند الصحابة:</span>\nيقول الدكتور عبد المنعم النمر -﵀- وزير الأوقاف المصري الأسبق: (إن من الحقائق التي يجب أن نضعها أمام أعيننا، أنّ الصحابة لم يحفظ منهم القرآن كله إلا عدد يسير قيل أربعة وقيل أكثر من ذلك بقليل، والذين لم يحفظوا آيات القرآن كله لا نستطيع أن ندعّي إحاطتهم بفهم ما لم يحفظوه) (٢).\nثم يقول وهو يتحدث عن الآيات المتشابهة: (وما دمنا لا نعثر على حديث صحيح عن الرسول -ﷺ- أو على رأي للصحابة موثوق، بنسبته إليهم، فالمعقول أنهم لم يفهموها ولم يسألوا عنها (٣) والمانع لهم من السؤال آيتان إحداهما قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا\n_________\n(١) وهذا هو الفقه الحق، فقه الأولويات الذي فقدناه نحن في هذا العصر.\n(٢) مجلة العربي العدد (١٢١)، كانون أول (ديسمبر) ١٩٦٨.\n(٣) مجلة العربي العدد (١١٦)، تموز (يوليو) ١٩٦٧.","vol":"1","page":149},{"text":"الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. والثانية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. ويستدل لذلك بما روي أن أصبغ التميمي جاء إلى عمر بن الخطاب -﵁- فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ قال: هي الرياح والسحاب والسفن والملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله يقوله ما قلته، ثم أمر به فضرب مائة وجعل في بيت فلما رآه دعاه فضربه مئة أخرى وحمله على قتب وكتب إلى أبي موسى الأشعري: امنع الناس من مجالسته فلم يزل كذلك حتى أتى أبا موسى، فحلف له بالأيمان المغلظة، ما يجد في نفسه مما كان يجد شيئًا فكتب بذلك إلى عمر، فكتب عمر: ما إخاله إلا قد صدق فخلِّ بينه وبين مجالسة الناس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>مناقشة هذه الشبهة:</span>\nولخطورة هذه الشبهة وانتظامها قضايا متعددة نرى من المفيد أن نأخذ كل جزئية منها على حدة على النحو التالي:\n١ - كون الصحابة رضوان الله عليهم لم يحفظ القرآن منهم إلا أربعة.\n٢ - كونهم لم يفهموا القرآن ما داموا لم يحفظوه.\n٣ - عدم سؤالهم عما لم يفهموه لورود آيات تمنعهم من ذلك.\n٤ - شدتهم وعنفهم على كل من كان يسأل عن شيء من كتاب الله.\nأما عن الجزئية الأولى وهي أن الصحابة لم يحفظ القرآن منهم إلا أربعة فإن من المؤكد أن الأستاذ أراد أن يستدل على ذلك بما أخرجه الإمام البخاري عن أنس -﵁- وقد سئل عمن جمع القرآن في عهد النبي -ﷺ- فقال: إنهم أربعة\n_________\n(١) مجلة العربي العدد (١٦٦)، تموز (يوليو) ١٩٦٧.","vol":"1","page":150},{"text":"كلهم من الأنصار: أبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت وأبو زيد وفي رواية أبو الدرداء بدل أبيّ بن كعب.\nوقد تصدى العلماء قديمًا للإجابة عما أثاره الملاحدة حول هذا الحديث، فهذا الحافظ ابن حجر (١) ﵀ في فتح الباري يذكر وجوهًا كثيرة يعزو بعضها للمازري وبعضها للباقلاني وبعضها لم يعزه لأحد، وكأنما هو استنتاجه وتفسيره وقبل أن أذكر هذه الوجوه أحب أن أشير إلى قضية مهمة حبذا أن يتنبه القارئ إليها، وهي أن فهمنا للحديث حري أن يكون على نسق فهمنا لكتاب الله من حيث معرفة أسباب النزول والمناسبات فإن معرفة السبب تعيننا كثيرًا على فهم الآية الكريمة وكذلك الأحاديث الشريفة، وأظننا إن أدركنا سبب هذا الحديث بان لنا الأمر، ووضح المَعْلَم. فقد أخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة قال: افتخر أعيان الأوس والخزرج فقال الأوس: منا أربعة: من اهتز له العرش سعد بن معاذ ومن عدلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومن حمته الدُّبُر عاصم بن ثابت فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم فذكرهم. هذا إذًا سبب ورود الحديث، والحديث كما نعلم موقوف على أنس -﵁- وقد جاء كما رأينا في مجال التنافس في الأعمال الخيرة والتسابق في خدمة الدين، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، اللهم ارحم الأنصار.\nفلا مانع إذًا من أن يكون قد جمعه غيرهم من المهاجرين ومن غير المهاجرين وبعد أن يذكر الحافظ ﵀ أجوبة متعددة لا يرضيه بعضها ينقل عن المازري أن هذا ما علمه أنس ولا يلزم منه أن يكون الواقع كذلك لأن الصحابة قد تفرقوا في البلاد، ولكي يكون الحصر حقيقيًّا لا بد أن يكون أنس ﵁ قد لقي كل واحد من الصحابة كُلًّا على حدة وأخبره عن نفسه وهذا غاية في البعد، وبعد ذلك\n_________\n(١) جـ ١٠ ص ٤٢٩.","vol":"1","page":151},{"text":"نجد الحافظ يذكر كثيرًا ممن حفظوا القرآن وجمعوه في عهد الرسول عليه وآله الصلاة السلام. ثم ينقل ما قاله القرطبي وهو أن عدة مئات من الصحابة من حملة القرآن وحفظته قد استشهدوا يوم اليمامة.\nبعد ذلك كله يقول الحافظ: (وقد تمسك بقول أنس هذا جماعة من الملاحدة ولا متمسك لهم فيه فإنَّا لا نسلم حمله على ظاهره، سلّمناه ولكن من أين لهم أن الواقع في نفس الأمر كذلك؟ سلمناه لكن لا يلزم من كون كل واحد من الجم الغفير لم يحفظه كله أن لا يكون حفظ مجموعه الجمّ الغفير، وليس من شرط التواتر أن يحفظ كل فرد جميعه بل إذا حفظ الكلُّ الكلَّ ولو على التوزيع كفى) (١).\nأفبعد ذلك كله يمكننا أن نوافق الدكتور عبد المنعم فيما ذهب إليه! ! أم يمكنه هو أن يثبت على قوله هذا! !، أما نحن فلا، وأما هو فنسأل الله أن يرحمه ويعفو عنه.\nوأما الجزئية الثانية فهي ادعاء الأستاذ أن الفهم مرتب على الحفظ، وما دام الصحابة لم يحفظوا القرآن فهم لم يفهموه كذلك، وعكس هذه القضية من البدهيات، فالقواعد التربوية وغيرها لا ترتب الفهم على الحفظ بل إن كانت صلة بينهما فالعكس هو الصحيح ولا يمتري أحد في أن الفهم مما يسهل الحفظ وييسره لمن أراده، ونحن نلمس من أنفسنا أننا ربما تعرض علينا نصوص لنبين معناها فلا نجد عسرًا في ذلك مع أننا لا نحفظ هذه النصوص، إن باستطاعتنا -وهذا دأب علماء النقد- أن نفسر كثيرًا من الأشياء شعرًا ونثرًا وننقدها دون أن نحفظها.\nوأنقل هنا كلمة للحارث المحاسبي ﵀ في كتابه العظيم الرائع (الرعاية لحقوق الله): (حدثنا الغلابي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: أول العلم حسن الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر) (٢). وإذا كان الصحابة\n_________\n(١) نفس المرجع السابق ص ٤٢٨ والفتح الرباني للساعاتي ص ٢٢، جـ ١٨، الطبعة الأولى ١٣٧٣ هـ، مصر - تفسير القرطبي جـ ١، رحم الله الحافظ فما نظن أن هناك داعيًا لهذه التنازلات.\n(٢) ص ٣٤ - تحقيق عبد القادر عطا- الطبعة الثالثة ١٩٧٠ - دار الكتب الحديثة/ مصر.","vol":"1","page":152},{"text":"-رضوان الله عليهم- وهم الذين قبسوا من مشكاة النبوة وأكرموا ببركة الوحي لا يفهمون كتاب الله ﵎وفاقد الشيء لا يعطيه- وهم الذين تصدوا له إقراء وشرحًا فأي جيل إذًا تتوافر له إمكانات الفهم؟ قال الشاطبي رحمه الله تعالى في الموافقات في معرض الحديث عن علم الصحابة بعلم أسباب النزول وما يتصل به: (ذكر أبو عبيدة عن إبراهيم التيمي، قال: خلا عمر ذات يوم: فجعل يحدث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنَّا أُنزل القرآن علينا فقرأناه وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن، ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا واقتتلوا، قال فزجره عمر وانتهره، فانصرف ابن عباس، ونظر عمر فيما قال فعرفه فأرسل إليه فقال: أعد عليَّ ما قلت فأعاده عليه فعرف عمر قوله وأعجبه) (١).\nوخلاصة القول أن الله ﵎ أنزل على نبيه -ﷺ- الذِكرَ ليبين للناس ما نُزّل إليهم فكان أول من وعى هذا البيان وحفظه وعض عليه بالنواجذ الصحابة البررة فكانوا أعلم الناس -بعد نبيهم ومعلمهم- بالله وبالحلال والحرام وبالكتاب الكريم مجمله ومبينه، مطلقه ومقيده، ناسخه ومنسبوخه، مكيه ومدنيه، محكمه ومتشابهه.\nوأما الجزئية الثالثة وهي أنهم رضوان الله عليهم لم يكونوا ليسألوا عما لم يفهموه، وبرهان ذلك عنده أننا لم نجد حديثًا واحدًا سألوا فيه عن المتشابه. والمانع لهم من السؤال الآيتان السابقتان فذلك ما نجل الصحابة عنه وفي القرآن الكريم جملة ليست قليلة من أسئلتهم صدرت بهذا العنوان (يسألونك) ولا سيما السور المدنية حتى إنّ القرآن الكريم سجل لنا سؤالهم عن الله ﵎: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦].\n_________\n(١) الموافقات (٢/ ٢٤٨)، فضائل القرآن لأبي عبيد ص ٤٥.","vol":"1","page":153},{"text":"وكان النبي عليه وآله الصلاة والسلام يشدد النكير على الذين لا يسألون، والمطلع على السنة المطهرة يجد ذلك واقعًا عمليًا في موقف الصحابة مع الرسول ﵊ من جهة. ومن جهة ثانية سؤال بعضهم بعضًا حتى إنّ جبريل ﵇ جاء يسأله عليه وآله السلام فيما أخرجه الإمام مسلم وأخبرهم النبي أنه جبريل جاء يعلمهم دينهم (١). أما الآيتان اللتان يدّعي أنهما مانعتان من السؤال وهما آية المائدة وهي من آخر القرآن نزولًا فإنها وردت في سبب خاص وأما آية آل عمران: فلقد نصت على أن الذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله والصحابة مبرأون من هذا الوصف، ثم إذا كانت هاتان الآيتان مانعتين لهم عن السؤال، فمما لا ريب فيه أنهم كانوا يسألون قبل نزولهما -وكان لا بد أن تدون تلك السؤالات وتسجل. ولا يعقل أن تكون قد حذفت وتلاشت بعد نزول الآيتين الكريمتين.\nالمقبول والمعقول أنهم لم يسألوا عن المتشابه؛ لأن ذلك كان لا يعنيهم كثيرًا، لا لعدم اهتمامهم به أو لعدم فهمهم، وإنما لأنهم كانوا يفهمون المراد منه من غير ما تكلف ولا تعقيد فهم أصحاب الذوق العربي من جهة، والعقيدة الصافية التي تلقوها مباشرة ومشافهة من النبي الكريم -ﷺ- من جهة أخرى.\nأما الجزئية الرابعة والأخيرة وهي أنهم كانوا يشددون النكير على من كان يسأل عن شيء من كتاب الله فإن لنا في ردها طريقتين اثنتين النقض والمعارضة (٢).\nأما النقض: فالحديث الذي أورده فضيلة الدكتور وهو ما كان من عمر -﵁- مع أصبغ التميمي مردود، رده العلماء من حيث السند، فقد أخرجه\n_________\n(١) أخرجه مسلم برقم ٨.\n(٢) هذا الاصطلاح في علم أدب البحث والمناظرة وهو من العلوم التي درست أو كادت، فهم يرون أن رد أي دعوى يكون لإحدى طرق النقض الإجمالي أو النقض التفصيلي أو المعارضة.","vol":"1","page":154},{"text":"الطبراني وذكره الحافظ الهيثمي، رحمه الله تعالى في مجمع الزوائد (١) في كتاب التفسير وعلق عليه بقوله: (فيه أبو بكر بن أبي صبرة وهو متروك)، وهذا الاصطلاح له مدلوله عند المحدثين وإذا كان الحديث قد رد سندًا فيمكن أن نوده كذلك متنًا، فإن السؤال عن الذاريات وأخواتها لا يحمل إشارات الانحراف، وليس فيه رائحة المتشابه، سيما وقد صرح عمر -﵁- أنه سمع تفسيره من النبي عليه وآله الصلاة والسلام، وأخرى غير مقبولة في متن الحديث وهي أن عمر أمر بجلده مئة وهي حد الزاني ثم مئة ثانية تبعهما النفي والحبس، وهذا من شأنه أن يكمم الأفواه ويذل الجباه، وما نظن ذلك كائنًا في ظل الخلافة الراشدة التي كانت فيها أروع الأمثلة لما ينقص المسلمين اليوم من حرية التعبير. وأما الرد بطريقة المعارضة فإننا نجد في تاريخ المسلمين في تلك الحقبة. مثلًا رائعًا لسعة الصدر دون حجر على الفكر أو تعنت أو تشدد، فعمر -﵁- نفسه كان يسأل عن آيات كثيرة، وفي كتب السنة أنماط متعددة لأسئلة ذات اتجاهات مختلفة في شؤون العقيدة، وفي الحلال والحرام حتى في قضايا الكون، كالرتق والفتق في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] ومع ذلك لم نجد وجهًا مكفهرًا لمسؤول، ولا زجرًا أو صدًا لسائل، فضلًا على أن يجلد المئين وينفى ويحبس بل لقد وجدنا ما هو أكثر من هذا وأشد، ففي صحيح البخاري رحمه الله تعالى عن الإمام الشهيد سعيد بن جبير رحمه الله تعالى ورضي الله عنه. قال: قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ قال: وما هي؟ قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] وقال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢]، وقال: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] وقد كتموا في هذه الآية. وفي النازعات ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)\n_________\n(١) مجمع الزوائد (٧/ ١١٢ - ١١٣).","vol":"1","page":155},{"text":"وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠] فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ٩ - ١١] فذكر في هذه الآية خلق الأرض قبل خلق السماء، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وقال. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فكأنه كان ثم مضى، ثم قال ابن عباس: فلا أنساب بينهم، في النفخة الأولى ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله. فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الأخرى أقبل بعضهم على بعض يتساءلون. وأما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، فيقول المشرك: تعالوا نقل: ما كنا مشركين، فيختم الله على أفواههم، فتنطق جوارحهم بأعمالهم فعند ذلك عرف أن الله لا يُكْتَم حديث عنده، ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]، وخلق الأرض في يومين ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات في يومين آخرين، ثم دحى الأرض أي بسطها وأخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله دحاها. فخلقت الأرض وما فيها من شيءفي أربعة أيام وخلقت السماوات في يومين وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ سمى نفسه ذلك أي لم يزل ولا يزال كذلك، فإن الله لم يرد شيئًا إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله. وفي رواية عبد الرزاق قال ابن عباس: ما هو آلشكُّ في القرآن؟ قال ليس بشك ولكنه اختلاف (١).\n_________\n(١) ذكره البخاري في كتاب التفسير/ سورة فصلت معلقًا.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>اعتماد الصحابة أسباب النزول في التفسير:</span>\nإن ما نقل من تفسيرات الصحابة للقرآن (١) يعول عليه كثيرًا، وذلك لمعرفة القوم بأسباب النزول فإن سبب النزول يعين على فهم الآية ومعرفة المراد منها، وذلك واضح في آيات كثيرة. فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] يوهم ظاهره عدم وجوب التوجه إلى القبلة. لكننا إذا عرفنا السبب زال هذا الوهم. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]. يقتضي ظاهره عدم وجوب السعي. لكننا إذا عرفنا سبب النزول، عرفنا المراد من الآية وزال هذا التوهم. ويوضح هذا المعنى ما رواه أبو عبيد عن إبراهيم قال: (خلا عمر ذات يوم فجعل يحدث نفسه كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ فأرسل إلى ابن عباس فقال: كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد؟ وقبلتها واحدة؟ قال ابن عباس يا أمير المؤمنين إنا أنزل القرآن علينا فقرأناه، وعلمنا فيم نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرأون القرآن ولا يدرون فيم نزل، فيكون لهم فيه رأي، وإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا فاقتتلوا (٢).\n_________\n(١) وسبب النزول عليه معول كبير في فهم الآية ولا أدل على ذلك من قول ابن مسعود (والله الذي لا إله غيره ما نزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن نزلت وأين نزلت ولو أعلم مكانًا آخر فيه من هو أعلم بكتاب الله تناله المطايا لأتيته) تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٣.\nراجع موضوع أسباب النزول في كتابنا (إتقان البرهان في علوم القرآن)، فقد بحثنا هذا الباب بحثًا مستفيضًا.\n(٢) فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام ص ٤٥. قال محققه الشيخ وهبي غاوجي الألباني، ورواه البيهقي والخطيب. أنظر الجامع الكبير للسيوطي، دار الكتب العلمية بيروت الطبعة الأولى ١٩٩١ م.","vol":"1","page":157},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>أخبار أهل الكتاب ليست من مصادر التفسير عند الصحابة:</span>\nإذا كانت مصادر التفسير عند الصحابة -كما سبق أن قلنا- الكتاب والسنة ومعرفتهم بلغة العرب وأسباب النزول وما منَّ الله عليهم من رأي ثاقب صائب فهل كانوا في حاجة إلى أهل الكتاب ليستعينوا بهم على تفسير القرآن، كما ذهب إلى ذلك بعض الباحثين؟\nللإجابة عن هذا لا بد أن نتبين أن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، أراد أن يشد الصحابة رضوان الله عليهم، إلى شيء واحد هو القرآن، حتى لا ينصرفوا إلى غيره فهذا هو الرسول ﵊ يدخل المسجد، فيجد الناس قد اجتمعوا حول واحد يحدثهم، فيقول: (ما هذا؟ فيقال رجل يحدث عن أنساب العرب! فيقول عليه وآله الصلاة والسلام: (هذا علم لا ينفع وجهل لا يضر. ثم يقول: العلم ثلاثة: آية محكمة، وفريضة قائمة، وسنة متبعة) (١). ولما رأى عمر ﵁ يقرأ صحيفة من التوراة غضب، وقال: (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، وإنكم إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل. والله لو كان موسى بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني) (٢). وفي رواية: (يا أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلام وخواتمه، واختصر لي الكلام اختصارًا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا) (٣) وهذا هو ابن عباس ﵄ يقول فيما رواه البخاري (يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه، أحدث الأخبار بالله، تقرأونه لم يُشَب وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب. فقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنًا\n_________\n(١) أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي. انظر فيض القدير جـ ٤ ص ٣٨٦.\n(٢) فتح الباري ١٧/ ٣٠٩ طبعة اللحلبي.\n(٣) أخرجه أبو يعلى. قال الحافظ في الفتح جزء ١٧ صفحة ٣٠٩ بعد روايته لهذا الحديث في سنده عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف.","vol":"1","page":158},{"text":"قليلًا. أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا منهم رجلًا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم) (١) ونحن عندما نستعرض ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم من روايات صحيحة، لا نجد فيها أثرًا لأهل الكتاب، بل نجد ما فسروه يرجع إلى المصادر التي ذكرناها، ولعله على العكس من ذلك، نجد أنهم كانوا لا يقبلون، بل ينفرون من كثير مما يعرض له أهل الكتاب، يناقشونهم في آرائهم. فهذا عمر ﵁، يهدد كعبًا بوجوب انتهائه عما يحدث به بقوله (لتتركن الحديث عن الأَول، أو لألحقنك بأرض القردة) (٢) وهذه السيدة عائشة ﵂ حينما يصل إليها أن كعبًا يقول: (لقد قسم الله كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام) تقول: (لقد قف شعري) (٣).\nبعد هذه النصوص والتعليمات، لا نستطيع مطلقًا أن ندعي أن أخبار أهل الكتاب كانت مصدرًا من مصادر التفسير عند الصحابة، فضلًا على أن يتوسعوا في الأخذ عنهم، بل كانت مصادر التفسير عندهم صافية غير مستوردة، تنبع من ذاتهم وبيئتهم ولذلك لم نجد بينهم اختلافًا فيما فسروه، مع أنه لم يصل إلينا عنهم تفسير للقرآن كله (٤) والذي وصل إلينا منهم كان سهل المأخذ ميسور التناول، حتى لقد كان كثير من تفسيراتهم يوضح بالقراءات التفسيرية، مما دعا مجاهدًا أن يقول كلمته الشهيرة (لو قرأت قراءة ابن مسعود، ما احتجت أن أسأل ابن عباس عن كل ما سألته عنه) (٥) وهذه ميزات لا تجدها في الفترة التالية أعني فترة تفسير التابعين.\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب الشهادات جـ ٣ ص ٢٣٧.\n(٢) البداية والنهاية (٨/ ١٠٦) ولقد اختلف الناس حول كعب وأضرابه، ولكن لو لم يكن لكعب ومن حذا حذوه إلا نقل هذه الأخبار، وشغل المسلمين بها، وتزيينها في نظرهم، وايهامهم بأنها أخبار مقدسة لا يرتقي إليها شك، لكان ذلك كافيًا لنا أن نحذر من هؤلاء وأخبارهم .. البداية والنهاية جـ ٨ ص ١٠٦.\n(٣) الترمذي جـ ٥ ص ٣٩٤.\n(٤) التفسير المنسوب لابن عباس لم يصح نسبته إليه.\n(٥) مناهج التفسير للشيخ عبد العظيم الغباشي.","vol":"1","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>من مرويات الصحابة في التفسير:</span>\nونختم بحثنا (التفسير في عهد الصحابة) بطائفة من الأحاديث التفسيرية المروية عنهم:\n١ - عن عروة قال: قلت لعائشة: أرأيت قول الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] إلى آخر الآية فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بهما. قالت ليس كما قلت يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أولتها عليه لكان (لا جناح عليه ألا يطوف) ولكنها إنما أنزلت في هذا الحي من الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدون عند المشلل وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة فلما أسلموا سألوا رسول الله -ﷺ- عن ذلك فأنزل الله ﷿ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] إلى آخر الآية (١).\n٢ - عن مرة عن عبد الله ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] قال: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر .. في قوله ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ (٢).\n٣ - عن ابن عمر قال أنزلت ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] كتب عليهم أن أحدهم إذا صلى العتمة ونام حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها.\n٤ - عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: قلت: ما أراني إلا مكلم الأمير في هؤلاء الذين ينامون في المسجد فيجنبون ويحدثون قال: فلا تفعل فإن ابن عمر سئل عنهم فقال هم العاكفون .. في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.\n٥ - عن سعيد بن جبير قال: خرج علينا عبد الله بن عمر فبدرنا رجل يقال له حكم\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير/ سورة البقرة.\n(٢) أخرجه الطبراني ورجاله رجال الصحيح [مجمع الزوائد (٦/ ٣١٦)].","vol":"1","page":160},{"text":"فقال يا أبا عبد الرحمن كيف تقول في القتال قال ثكلتك أمك وهل تدري ما الفتنة إن محمدًا -ﷺ- كان يقاتل المشركين فكان الدخول فيه فتنة، وليس بقتالكم على الملك .. في قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]\n٦ - عن حذيفة في قول الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] قال يعني في ترك النفقة في سبيل الله.\n٧ - عن أسلم أبي عمران قال: غزونا القسطنطينية وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فحمل رجل على العدو فقال الناس: مه مه لا إله إلا الله يلقي بيديه، فقال أبو أيوب الأنصاري إنما تتأولون هذه الآية هكذا وإن حمل رجل يلتمس الشهادة أو يبلى من نفسه إنما أنزلت الآية فينا معشر الأنصار إنا لما نصر الله تعالى نبيه وأظهر الإسلام قلنا بيننا خفيةً عن رسول الله -ﷺ-: إنا كنا قد تركنا أهلنا وأموالنا نقيم فيها نصلحها حتى يعز الله تعالى رسوله هل نقيم في أموالنا ونصلحها؟ فأنزل الله الخبر من السماء ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] والإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا نصلحها وندع الجهاد. وقال ابن عمران فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية (١).\n٨ - عن سالم قال سمعت ابن عمر يقول: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال: إذا رجع إلى أهله في قوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.\n٩ - قال عبد السلام يعني ابن شداد أبا طالوت قال: كنت عند أنس فقال له ثابت إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم فقال اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وتحدثوا ساعة حتى إذا هم أرادوا القيام قالوا يا أبا حمزة: إن إخوانك يريدون القيام فادع الله لهم قال تريدون أن أشق لكم الأمور. إذا آتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقاكم عذاب النار فقد آتاكم الخير كله.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢٩٧٢) كتاب تفسير القرآن، باب سورة البقرة، والحديث صحيح.","vol":"1","page":161},{"text":"١٠ - عن أبي بن كعب في قول الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال كانوا أمة واحدة حيث عرضوا على آدم ففطرهم الله يومئذ على الإسلام وأقروا له بالعبودية وكانوا أمة واحدة مسلمين كلهم، ثم اختلفوا من بعد آدم ..\n١١ - عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في قول الله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] قال: هو قول الرجل لا والله، وبلى والله .. (١)\n١٢ - عن علي ﵁ قال: يوشك أن يأتي على الناس زمان عضوض، يعض الموسر فيه على ما في يده، وينسى الفضل، وقد نهى الله عن ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].\n١٣ - عن موسى بن أبي كثير الأنصاري أن عمر بن الخطاب قال في قوله ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥]، قال: النفقة في سبيل الله.\n١٤ - عن علي قال: السكينة لها وجه كوجه الإنسان وهي بعد ريح هفافة. في قوله ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨].\n١٥ - عن أبي زرعة عن أبي هريرة في قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] قال: قد أحاط به شركه.\n١٦ - عن أبي سعيد الخدري في قوله: ﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦٤] قال: فضل الله القرآن.\n١٧ - عن عمر بن الخطاب ﵁ في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: ١٢١] قال: إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوذ بالله من النار.\n١٨ - جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال له: اعهد إليّ فقال: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فارعها سمعك، فإنه خير يأمر به، أو شرّ\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، سورة المائدة.","vol":"1","page":162},{"text":"ينهى عنه، قال ذلك في تفسير قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤].\n١٩ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٢٦] عن ابن عباس ﵄ موقوفًا قال كان إبراهيم احتجرها دون الناس فأنزل الله: ومن كفر أيضًا فأنا أرزقهم كما أرزق المؤمنين، أخلق خلقًا لا أرزقهم؟ أمتعهم قليلًا .. الخ الآية. ثم قرأ ابن عباس ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠]. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (١).\n٢٠ - قوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]. عن عبد الله بن عمرو ﵄ موقوفًا قال: نحو ميزاب الكعبة. رواه الطبراني من طريقين: رجال إحداهما ثقات (٢).\n٢١ - قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].\nعن علي بن أبي طالب قال: قبله. رواه عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي (٣).\n٢٢ - قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣] عن ابن عباس موقوفًا قال: \"على الإسلام كلهم\" رواه أبو يعلى والطبراني باختصار ورجال أبي يعلى رجال الصحيح (٤).\n٢٣ - قوله تعالى: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩].\nعن ابن عباس ﵄ موقوفًا قال: \"الفضل على العيال\" رواه الطبراني وفيه محمد بن أبي ليلى وهو سيء الحفظ وبقية رجاله ثقات (٥).\n_________\n(١) مجمع الزوائد جـ ٦ ص ٣١٦.\n(٢) مجمع الزوائد جـ ٦ ص ٣١٦.\n(٣) منتخب كنز العمال جـ ٦ ص ٣١٦.\n(٤) مجمع الزوائد جـ ٦ ص ٣١٨.\n(٥) مجمع الزوائد جـ ٦ ص ٣١٩.","vol":"1","page":163},{"text":"٢٤ - قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥].\nعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: \"النفقة في سبيل الله\" أخرجه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم.\n٢٥ - قوله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦].\nعن عمر بن الخطاب قال: فيم ترون هذه الآية نزلت: قالوا: الله أعلم. فغضب عمر وقال: قولوا نعلم أو لا نعلم. فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين قال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك. قال ابن عباس: ضربت مثلًا لعمل. قال عمر: أي عمل؟ قال ابن عباس: لِرجلٍ غني يعمل بطاعة الله ﷿ ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله. رواه البخاري موقوفًا (١).\n٢٦ - قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧].\nعن علي بن أبي طالب موقوفًا قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي من الذهب والفضة. ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي الحب والثمر وكل شيء عليه زكاة رواه ابن جرير (٢).\n٢٧ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦].\nعن ابن عباس موقوفًا: أخبر الله ﷿، إذا سلم العبد لأمر الله ورجع فاسترجع عند المصيبة، كتب له ثلاث خصال من الخير -الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى. رواه الطبراني وإسناده حسن (٣).\n_________\n(١) جـ ٦ ص ٣٩.\n(٢) جـ ٣ ص ٥٠.\n(٣) مجمع الزوائد جـ ٦ ص ٣١٦.","vol":"1","page":164},{"text":"٢٨ - قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧].\nعن ابن مسعود موقوفًا قال: أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح. تأمل العيش وتخشى الفقر. رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح (١).\n٢٩ - قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].\nعن ابن عباس ﵄ موقوفًا قال: كان في بني إسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية. فقال الله ﷿: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ فالعفو: أن يقبل الرجل الدية في العمد، ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يتبع بالمعروف ويؤدي بإحسان. ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مما كتب على من قبلكم ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قتل بعد قبول الدية. رواه البخاري (٢).\n٣٠ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].\nعن ابن عباس ﵄ موقوفًا قال: ليست هذه الآية بمنسوخة. هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا. رواه البخاري (٣) وروى الشيخان (٤) وأصحاب السنن: لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كان من أراد أن يفطر ويفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.\n_________\n(١) مجمع الزوائد جـ ٦ ص ٣١٦.\n(٢) جـ ٦ ص ٢٩.\n(٣) جـ ٦ ص ٣٠.\n(٤) البخاري جـ ٦ ص ٣٠.","vol":"1","page":165},{"text":"٣١ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.\nعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم، يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكينًا. رواه ابن جرير (١).\n٣٢ - قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nعن ابن عباس موقوفًا قال: إنه قد أنزل في رمضان في ليلة القدر جملة واحدة، ثم أنزل على مواقع النجوم رسلًا في الشهور والأيام. رواه الطبراني وفيه مسعد بن طريف وهو متروك (٢).\n٣٣ - ومن مسند عمر ﵁ عن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر فقال يا أمير المؤمنين: إنكم تقرؤون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا قال أي آية هي قال قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] فقال عمر: والله إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه على رسول الله -ﷺ- والساعة التي نزلت فيها على رسول الله -ﷺ- عشية عرفة يوم الجمعة.\n٣٤ - عن الأسود بن هلال قال: قال أبو بكر لأصحابه ما تقولون في هاتين الآيتين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلم يذنبوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم بخطيئة، قال لقد حملتموها على غير المحمل، قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلم يلتفتوا إلى إله غيره وفي لفظ فلم يرجعوا إلى عبادة الأوثان، ولم يلبسوا إيمانهم بشرك.\n٣٥ - عن أبي الصلت الثقفي أن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ\n_________\n(١) جـ ٢ ص ٧٨ الطليعة الميمنية بمصر.\n(٢) مجمع الزوائد جـ ٦ ص ٣١٦.","vol":"1","page":166},{"text":"يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ بنصب الراء، وقرأها بعض من عنده من أصحاب رسول الله -ﷺ- حرجًا بالخفض، فقال عمر: ابغوا لي رجلًا من كنانة واجعلوه راعيًا وليكن مدلجيًا، فأتوه به، فقال عمر: يا فتى، ما الحرجة فيكم؟ قال: الحرجة فينا الشجرة تكون بين الأشجار التي لا تصل إليها راعية ولا وحشية ولا شيء، فقال عمر: كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير.\n٣٦ - عن علي أنه مرّ على قوم يتحدثون فقال فيم أنتم؟ فقالوا نتذاكر المروءة، فقال أو ما كفاكم الله في كتابه إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] فالعدل الإنصاف والإحسان التفضل فما بعد هذا؟\n٣٧ - عن مجاهد قال كتبت إلى عمر: يا أمير المؤمنين رجل لا يشتهي المعصية ولا يعمل بها أفضل، أم رجل يشتهي المعصية ولا يعمل بها؟ فكتب عمر: إن الذين يشتهون المعصية ولا يعملون بها ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣].\n٣٨ - قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَال فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] عن ابن عمر ﵄ قال ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾: التلبية والإحرام، ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ قال: غشيان النساء، ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ قال السباب ﴿وَلَا جِدَال﴾ قال المراء. رواه الطبراني في الأوسط وفيه يحيى بن السكن وهو ضعيف (١).\nومن دراستنا لهذه الروايات ندرك أن التفسير في عهد الصحابة ﵃ كان توضيحًا لكلمة أو سبب نزول، أو بيانًا لحكم شرعي أو استنباطًا لأمر فهم من الآيات كما كان من ابن عباس وعمر في فهم قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.\n_________\n(١) مجمع الزوائد جـ ٦ ص ٣١٨.","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المبحث الثالث التفسير في عهد التابعين -رضوان الله عليهم</span>-\nالتابعون هم الذين ورثوا علم الصحابة رضوان الله عليهم. ولا شك أن عصر التابعين هو خير العصور بعد عصر الصحابة، يقول الرسول عليه وآله الصلاة والسلام (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) (١) وإذا كان ورع التابعين وعلمهم من المكانة بحيث لا يسعنا إلا أن نوليه من الاهتمام ما يتسع له الجهد، فإنه ينبغي ألا يفوتنا أن نقرر أن التفسير في عصر التابعين، امتاز عنه في عصر الصحابة بميزات كان لها أثر فيما بعد.\nوإذا كان الأئمة قد اختلفوا في قول الصحابي في التفسير أهو حجة أم لا؟ فإن هذا الاختلاف من الأولى أن يكون في تفسير التابعين. ولقد فرعوا على ذلك خلافًا آخر هو: هل تفسير التابعين من التفسير المأثور؟ فهو من المأثور في إحدى الروايتين عن أحمد، واختارها ابن عقيل من أئمة الحنابلة. وقال أبو حيان: (وقد جرينا الكلام يومًا مع بعض من عاصرنا، فكان يزعم أن علم التفسير مضطر إلى النقل في فهم معاني تراكيبه، بالإسناد إلى مجاهد وطاوس وعكرمة وأضرابهم. وأن فهم الآيات متوقف على ذلك، والعجب له أن أقوال هؤلاء كثيرة الاختلاف متباينة الأوصاف متعارضة ينقض بعضها بعضًا) (٢). ثم قال (وهذا كلام ساقط).\nوالذى أفهمه من قول أبي حيان أنه لا يعده -أى تفسير التابعين- من التفسير بالمأثور، والذي أرتأيه أن التفسير بالمأثور يشمل فيما يشمل ما كان بيانًا لمناسبة نزلت فيها آية، أو توضيحًا لمعنى مبهم يبينه الرسول الكريم -ﷺ-، وغير هذا لا يعد من التفسير بالمأثور، حتى لو روي عن أعظم الصحابة، وأعلمهم، وليس معنى\n_________\n(١) رواه البخاري جـ ٥ ص ٣.\n(٢) البحر المحيط جـ ١ ص ٥.","vol":"1","page":168},{"text":"هذا أننا نقلل من شأنهم ﵃، فهم حملة علم النبي -ﷺ-، وهم الذين لا يقادر قدرهم أمانة وذكاء وحرصًا على سلامة الدين كتابًا وسنة (١).\nولا ننسى كلمة أبي حنيفة ﵁ (ما جاءنا عن الرسول -ﷺ- فعلى الرأس والعين، وما جاءنا عن الصحابة تخيرنا فيه، وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال) (٢). وسأفصل إن شاء الله هذه القضية.\nولا بد أن نعرض هنا لمسألتين: الأولى: ما امتاز به التفسير في عهد التابعين وأوجه الخلاف في التفسير بين عهدهم وعهد الصحابة. والمسألة الثانية: أشهر المفسرين في هذا العصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>١ - ميزات التفسير في عهد التابعين:</span>\nلقد عرفنا أن التفسير في عهد الصحابة ﵃، كان يعتمد الكتاب والسنة واجتهاد الصحابة في بعض الأحيان. وكان يساعدهم على ذلك معرفتهم اللغوية، وعلمهم بأسباب النزول، ومعرفتهم عادات العرب، وأهم من ذلك ما فتح الله لهم من أبواب الفهم. والتفسير في عهد التابعين أخذ بهذه الأسباب، إلا أن دائرته كانت أوسع من دائرته عند الصحابة. ولقد قل الاختلاف في التفسير في عهد الصحابة رضوان الله عليهم ولكنه زاد في عهد التابعين إلى درجة أوسع كما سنفصله فيما بعد.\nولئن كان التفسير في عصر الصحابة لم يعتمد أهل الكتاب مصدرًا من مصادره فإن أخبارهم في عهد التابعين كانت مصدرًا من مصادره. وهذا بحكم امتداد البيئة الإسلامية ومن دخل الإسلام من أهل الكتاب.\nولا ننسى أن أهم ما يميز التفسير في عهد التابعين ظهور الخلافات المذهبية،\n_________\n(١) يراجج كتابنا \"إتقان البرهان في علوم القرآن\".\n(٢) مقدمة تحفة الفقهاء.","vol":"1","page":169},{"text":"التي لم تكن قد ظهرت في عصر الصحابة رضوان الله عليهم.\nوهناك بادرة ينبغي أن ننبه عليها وهي أن البذرة الأولى للتفسير بالرأي ظهرت في عهد التابعين، كما نراه مثلًا في بعض تفسيرات مجاهد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>٢ - أشهر المفسرين في عهد التابعين </span>(١):\nبعد أن اتسعت الدولة الإسلامية، كان من الطبيعي أن لا يبقى أصحاب الرسول عليه وآله الصلاة والسلام ملتزمين بيئة واحدة، إذ تفرقوا في البلاد التي بسط الإسلام عليها سلطانه، وأشرق فيها نوره، لينهل الناس من علمهم، ومن هنا فإن أمكنة عديدة كانت منارات لنشر العلم بعامة والتفسير بخاصة، وأشهر هذه الأمكنة التي كان يتلقى التابعون فيها التفسير من الصحابة رضوان الله عليهم هي مكة والمدينة والكوفة، ففي مكة المكرمة عبد الله بن عباس، وفي المدينة المنورة أبيّ بن كعب وفي الكوفة عبد الله بن مسعود، ولما كان ابن عباس ﵄، من انتهت إليه الشهرة في التفسير، رأينا أن أعلم الناس بالتفسير تلاميذه، ورأينا التفسير ينتقل للعالم الإسلامي أكثر ما ينتقل عن هؤلاء التلاميذ. ولعل هناك سببًا آخر لهذا، وهو أن مكة المكرمة فيها بيت الله العتيق مهوى الأفئدة. ومهما يكن من أمر فمن هذه المنارات الإسلامية اشتهر أعلام كانوا المرجع لكل من أراد أن ينهل من كتاب الله. ومن هؤلاء الأعلام في مكة سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة وطاوس وعطاء. ومنهم في المدينة المنورة زيد بن أسلم وأبو العالية ومحمد بن كعب القرظي. ومنهم في الكوفة علقمة بن قيس ومسروق والحسن البصري وقتادة وغيرهم.\nقال ابن تيمية: (وأما التفسير فأعلم الناس به أهل مكة، لأنهم أصحاب ابن\n_________\n(١) آثرت هذا التعبير على تعبير (مدارس التفسير في عهد التابعين)، لأن المدرسة في لغة العصر ما كان لها مميزات وأسس.","vol":"1","page":170},{"text":"عباس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عباس، وغيرهم من أصحاب ابن عباس كطاوس وابن الشعثاء وسعيد بن جبير وأمثالهم، وكذلك أهل الكوفة من أصحاب ابن مسعود، ومن ذلك ما تميزوا به عن غيرهم. وعلماء أهل المدينة في التفسير، مثل زيد بن أسلم الذي أخذ عنه مالك التفسير وأخذ عنه أيضًا ابنه عبد الرحمن وعبد الله بن وهب (١).\nثم أخذ عن التابعين تابعوهم، وكانت دائرة التفسير تتسع في كل عصر أكثر من سابقه. وهذا أمر تحتمه ضروريات الحياة، إلى أن وصل التفسير إلى المرحلة الثانية وهي مرحلة التدوين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>أسباب ضعف التفسير بعد التابعين:</span>\nوبعد عهد التابعين ظهرت مؤثرات كان لها أثر في ضعف روايات التفسير. وأهم هذه المؤثرات الوضع و<span data-type=\"title\" id=toc-83>الإسرائيليات</span>. أما الوضع فقد نشأ عن الخلاف المذهبي الذي أثرت فيه السياسة تأثيرًا كبيرًا. فرأينا أن بعض الفرق تود أن تنصر رأيها بتأويل الآية تارة وبالوضع تارة أخرى، ورأينا كذلك أن هذا الوضع يزيد وينقص بحسب الأشخاص الذين يوضع عليهم كابن عباس وعلي ﵃، فالمنسوب إليهما في التفسير أكثر من المنسوب إلى غيرهما.\nالإسرائيليات:\nأما الإسرائيليات فإنّ مما ساعد على انتشارها وتضخمها حذف الأسانيد (٢) وأول من سن هذه السنة السيئة، هو مقاتل بن سليمان صاحب التفسير الكبير فقد حذف الأسانيد وملأ تفسيره بروايات عن أهل الكتاب.\n_________\n(١) مقدمة في أصول التفسير ص ٢٣ - ٢٤.\n(٢) التفسير والمفسرون جـ ١، ص ٢٠٢.","vol":"1","page":171},{"text":"وجاء بعده من نقل عنه هذه الروايات غير مميز بين صحيحها وضعيفها وغثها وسمينها. وإن لهذه الإسرائيليات قصة اشتركت في حبكها مؤثراث كثيرة، منها المباشر وغير المباشر ومنها القريب والبعيد. وقد دامت هذه القصة قرونًا تبتدئ من القرن الأول إلى عصرنا هذا، بين أخذ ورد، وقبول ورفض، وقلة وكثرة فكيف بدأت هذه القصة؟ وكيف تطورت؟ وما هو وجه الصواب في ذلك؟ هذا ما سأحدثك عنه فيما بعد إن شاء الله.\nونختم هذا الفصل بذكر بعض الروايات التفسيرية المروية عن التابعين، ﵃.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>من مرويات التابعين في التفسير:</span>\n١ - في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: ٣٤].\nقال الحسن البصري: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس.\n٢ - ما ورد في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].\nقال مجاهد: علم من إبليس المعصية وخلقه لها. وفي رواية: علم من آدم الطاعة وخلقه لها.\n٣ - في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩].\nيقول قتادة: (كانت اليهود تستفتح بمحمد -ﷺ- على كفار العرب من قبل، وقالوا: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم، فلما بعث الله محمدًا -ﷺ- فرأوا أنه بعث من غيرهم، كفروا به حسدًا للعرب،","vol":"1","page":172},{"text":"وهم يعلمون أنه رسول الله -ﷺ- ويجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة).\n٤ - في قوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧].\nقال مجاهد: ليس بالسحاب (هو الغمام الذي يأتي فيه يوم القيامة لم يكن إلا لهم).\n٥ - في قوله ﴿ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠].\nقال مجاهد: ثم اجعلهن أجزاءً على كل جبل، ثم ادعهن يأتينك سعيًا، كذلك يحيي الله الموتى هو مثل ضربه الله لإبراهيم ﵇.\n٦ - يقول سعيد بن جبير في قوله ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] تبيان للمتقين.\nوفي قوله ﴿كَصَيِّبٍ﴾ الصيب المطر.\nوفي قوله ﴿الرِّجْزُ﴾ الطاعون.\nوفي قوله ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أصل الكتاب.\n٧ - في قوله: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٩].\nقال مجاهد: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ﴾ الفقهاء العلماء وهم فوق الأحبار.\n٨ - في قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [المائدة: ٣٢].\nقيل للحسن: هي لنا يا أبا سعيد، كما كانت لبني إسرائيل؟ فقال الحسن البصري: إي والذي لا إله غيره، كما كانت لبني إسرائيل، وما جعل دماء بني إسرائيل أكرم على الله من دمائنا.\n٩ - أخرج البغوي في تفسير قوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] عن سعيد بن جبير قال: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ أهل الكتاب إذا شهدوا على الوصية","vol":"1","page":173},{"text":"في السفر وهي محكمة والعمل على هذا باق.\n١٠ - في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَال سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣].\nيقول أبو العالية: كان قبله مؤمنون ولكن يقول أبو العالية: أنا أول من آمن بأنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة.\n١١ - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥].\nيرى قتادة أن الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر، وليس عامًّا، وذلك لأنه لم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا للمشركين، ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبي -ﷺ-).\n١٢ - روى ابن الجوزي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] عن ابن جبير قال: هذه خاصة في أهل بدر.\n١٣ - يقول سعيد بن جبير ﵁ عند قوله ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦] قال: أي صنف أعطيته من هذه الأصناف أجزأك، وقال في الفقراء: يعطي الزكاة من له الدار والخادم والفرس، وقال في (الرقاب) هم الرقاب وهم المكاتبون لهم سهم من الصدقة، وقال في (المؤلفة) ليس اليوم مؤلفة قلوبهم.\n١٤ - وعند تفسير أنس لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١] يوضح الآية بما روي عن الرسول -ﷺ- يقول: بينما رسول الله -ﷺ- في بعض مغازيه، وقد فاوت السير بأصحابه، إذ نادى رسول","vol":"1","page":174},{"text":"الله -ﷺ- بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ..﴾ فحثوا المطي حتى كانوا حول رسول الله -ﷺ-، قال: أتدرون أيّ يوم هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: يوم يقول الله ﷿ لآدم: يا آدم قم فابعث بعث النار فيقول: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة، فكبر ذلك على المسلمين فقال سددوا وقاربوا وأبشروا فوالذى نفسي بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير، أو كالرقمة في ذراع الدابة، وإن معكم لخليقتين ما كانتا مع شيء قط إلا كثرّتاه يأجوج ومأجوج ومن هلك من كفرة الإنس والجن (١).\n١٥ - في قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥].\nقال عكرمة: المشيد: المجصص، والجص بالمدينة: يسمّى الشيد.\n١٦ - في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [الحج: ١٧].\nيقول قتادة: (الصابئون: قوم يعبدون الملائكة ويصلون إلى القبلة ويقرأون الزبور، والمجوس: عبدة الشمس والقمر والنيران، وأما الذين أشركوا فهم عبدة الأوثان).\n١٧ - في قوله: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ١٠] قال الله: إني إنما أخفتك لقتلك النفس، ثم قال: كانت الأنبياء تذنب فتعاقب.\n١٨ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَال فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا ..﴾ [القصص: ٣٨] يقول السيوطي: أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير في قوله:\n_________\n(١) كنز العمال (٢/ ٣١). وقد ورد الحديث عن عمران بن حصين عند الترمذي في كتاب التفسير، سورة الحج، وقال حسن صحيح.","vol":"1","page":175},{"text":"﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ قال: أوقد على الطين حتى يكون آجرًا.\n١٩ - في قوله: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥].\nقال عكرمة: أتدعون ربًا، وهي لغة أهل اليمن، تقول: من بَعل هذا الثور؟ أي: من ربُّه؟\n٢٠ - أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير -﵁- قال: يدخل الرجل الجنة، فيقول: أين أمي، أين ولدي، أين زوجي؟ فيقال: لم يعملوا مثل عملك، فيقول: كنت أعمل لي ولهم. وفي تفسير قوله تعالى. ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر: ٨]. ذكر ابن جبير الرواية نفسها، وزاد في آخرها: (فيقال. أدخلوهم الجنة).\n٢١ - في قوله ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ [الذاريات: ٧].\nقال عكرمة: ذات الحبك. ذات الخلق الحسن، ألم تر إلى النساج إذا نسج الثوب قال: ما أحسن حبكه؟ .\n٢٢ - في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦].\nيقول قتادة: ذكر لنا أن هذا الحي من العرب كانوا إذا نزلوا بواد قالوا: نعوذ بأعز أهل هذا المكان فهو يحكي ما كان من العرب، وأن هذه الآية بصدد هذا الذي كان منهم، ثم يحكي رد القرآن على ذلك فيقول: (قال الله). (فزادوهم رهقًا) أي إثمًا وزادت الجن عليهم بذلك جراءة.\n٢٣ - في قوله ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية: ٦].\nقال عكرمة: هي شجرة ذات شوك، لاطئة بالأرض، فإذا كان الربيع سمتها قريش الشبرق، فإذا هاج العود سمتها الضريع.","vol":"1","page":176},{"text":"٢٤ - يقول قتادة في قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] أي لا مال له ولا ولد.\nوفي قوله: ﴿صَفْوَانٍ﴾ [البقرة: ٢٦٤]: الحجر الذي يسمى صفاة.\nوفي قوله: ﴿طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]: الذي يلصق باليد.\nوقوله: ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤]: متواضعين.\nو﴿الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦]: حبل القلب.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-85> نتائج المرحلة الأولى (مرحلة ما قبل التدوين):</span>\nبعد أن استعرضنا بعض المرويات في كتب السنة المعتبرة يمكننا استخلاص الحقائق التالية:\nأولًا: كان الرسول عليه وآله الصلاة والسلام يفسر للصحابة ما تدعو الحاجة إليه، وأحيانًا يرشدهم إلى تفسير القرآن بالقرآن نفسه لفهم ما أشكل عليهم فهمه.\nثانيًا: إن الصحابة رضوان الله عليهم لم يدر في خلدهم يومًا أن يسألوا عن المتشابه، وما ذلك إلا لأنهم كانوا يفهمون المقصود منه بجلاء ووضوح.\nثالثًا: إن الصحابة رضوان الله عليهم، لم يختلفوا في تفسير القرآن اختلافًا يذكر، وإنما كانت هناك بعض اختلافات نابعة من اجتهاداتهم في فهم الآية، كخلاف ابن عباس ﵄ مع عائشة ﵂ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] (١) وكخلافه معها في رؤية النبي -ﷺ- ربه (٢).\nرابعًا: إن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن الرجوع إلى أهل الكتاب مصدرًا من مصادر التفسير عندهم مطلقًا، بدليل أقوال كبار الصحابة الثابتة الصحيحة،\n_________\n(١) البخاري جـ ٦ ص ٣٥.\n(٢) الترمذي جـ ٥ ص ٣٩٤.","vol":"1","page":177},{"text":"كقول ابن عباس الذي مر معنا (لا تسألوا أهل الكتاب) وهو في صحيح البخاري، وكإنكار ابن مسعود ﵁ على أحد القصاص، وهو يفسر الدخان في قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] (١)، وكإنكار عائشة ﵂ لما قاله كعب، من أن الله قسم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد ﵉ وقولها (قف شعري)، وكإنكار عمر ﵁ على كعب في حديثه عن الأوائل وتهديده له بالنفي، وكإنكار علي ﵁ لأخبار القُصّاص.\nخامسًا: إن الصحابة رضوان الله عليهم، لم يكونوا ليمتنعوا عن سؤال ما لم يفهموه من القرآن، كما لم يمتنعوا ولم ينكروا على من أراد فهم شيء من كتاب الله كما يدعي بعض الكاتبين، فقد ورد في صحيح البخاري (٢) عن سعيد بن جبير ﵀ قال: قال رجل لابن عباس إني لأجد في القرآن أشياء تختلف عليّ قال: ما هي؟ قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧] وقد مرت الرواية معنا من قبل.\nسادسًا: اتسعت دائرة الاختلاف في التفسير في عهد التابعين، وذلك بحكم التطور وما ورد عليهم من أخبار غيرهم، كالاختلاف في بعض المبهمات، كمائدة عيسى ﵇، أأنزلت أم لا؟ إلا أن اختلافهم في التفسير لم يكن اختلاف تضاد، كما يقول ابن تيمية. قال ﵀ في مقدمته في أصول التفسير: (وغالب ما يصح عنهم من الخلاف، يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، وذلك صنفان. أحدهما أن يعبر كل واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر،\n_________\n(١) البخاري كتاب التفسير/ سورة الدخان.\n(٢) صحيح البخاري/ كتاب التفسير/ سورة فصلت.","vol":"1","page":178},{"text":"مع اتحاد المسمى. بمنزلة الأسماء المتكافئة، التي بين المترادفة والمتباينة، كما قيل في اسم السيف: الصارم والمهند. وذلك كأسماء الله الحسنى، وأسماء رسول الله -ﷺ-، وأسماء القرآن.\nالصنف الثاني أن يذكر كل منهم من الاسم العام، بعض أنواعه على سبيل التمثيل، وتنبيه المستمع على النوع، (لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه، مثل سائل أعجمي سأل عن مسمى لفظ الخبز، فرأى رغيفًا وقيل له: هذا. فالإشارة إلى نوع هذا لا إلى هذا الرغيف وحده .. الخ (١).\n_________\n(١) ص ٨ - ١١.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>الفصل الثالث أنواع التفسير</span>\nوفيه مبحثان:\nالأول: التفسير الأثري.\nالثاني: التفسير بالرأي.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المبحث الأول التفسير الأثري</span>\nنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين، على قلب الرسول ﵌، لينذر أول ما ينذر قومًا كانوا في قمة المعرفة اللغوية، وكانت لغتهم نفسها قد بلغت من النمو والتكامل ما بلغت. ولكن هذا القرآن لم ينزل جملة واحدة. بل نزل منجمًا مفرقًا بحسب الحوادث والمناسبات والوقائع، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان فيه ما يحتاج إلى بيان أو تفصيل. والصحابة الذين شهدوا نزول الوحي ﵃، قد عرفوا هذه المناسبات التي نزلت في شأنها آيات من القرآن، وهي التي سماها العلماء فيما بعد أسباب النزول. وسمعوا من الرسول ﵌ تفسير ما كان يشكل عليهم فهمه من معنى مبهم، فكانوا هم أعلم الناس بذلك. ثم اتسعت دائرة التفسير، فكانت اللغة مصدرًا من مصادره تارة وأخبار أهل الكتاب تارة أخرى. ولكن التفسير بالمأثور يبقى محتفظا بميزاته وحدوده ليشمل فيما يشمل ما كان بيانا لمناسبة نزلت فيها آية، أو توضيحًا لمعنى بينه الرسول الكريم -ﷺ-، أو قولًا أجمع عليه الصحابة، أو ما كان له حكم الرفع، مما لا يعرفه الصحابي إلا عن الرسول -ﷺ-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>حدود التفسير الأثري:</span>\nذهب أكثر العلماء إلى أن التفسير بالمأثور، هو ما رفع إلى النبي -ﷺ-، وما كان موقوفًا على الصحابة رضوان الله عليهم، وما جاء عن التابعين رضوان الله عليهم. وذهب بعضهم إلى أن ما جاء عن التابعين لا يعدّ من التفسير بالمأثور، وقد نقل هذا الزركشي في البرهان عن ابن عقيل من الحنابلة -﵀- (١).\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن (٢/ ١٥٨).","vol":"1","page":183},{"text":"ولكن الذي يظهر لي، ويتفق مع مكانة التفسير الأثري، أن التفسير المأثور ما صح عن النبي -ﷺ- أو كان له حكم المرفوع، ممّا روي عن الصحابة -رضوان الله عليهم- ويشمل هذا أسباب النزول:\n١ - فمن المعلوم أن التفسير الأثري يقابل التفسير بالرأي، والتفسير بالرأي ما كان فيه مجال للاجتهاد، وعلى هذا فالتفسير الأثري ليس كذلك، أي مما لا مجال فيه للرأي والاجتهاد، وهذا يصدق على ما رفع إلى النبي -ﷺ-، أو كان له حكم المرفوع أما ما روي عن الصحابة والتابعين مما هو اجتهاد منهم، فيدخل ضمن دائرة التفسير بالرأي، مثل بعض الروايات التي رويت عن ابن عباس.\n٢ - إنهم عدّوا من التفسير بالمأثور، تفسير القرآن بالقرآن، وعلى هذا فإن الأقرب إلى تفسير القرآن بالقرآن، تفسير القرآن بالسنة، أما ما عدا هذين مما كان من اجتهادات الصحابة، فلا ينبغي أن نعدّه من التفسير بالمأثور. ومن باب أولى أن لا نعدّ من التفسير بالمأثور كذلك ما روي عن التابعين من اجتهادات، أو أخبار أهل الكتاب، والمعلوم أنه قد اتسعت دائرة الخلاف في التفسير في عهد التابعين، فلا نستطيع -إذن- أن نجعل تفسيرهم تفسيرًا أثريًا.\nوهنا لا بد أن أشير إلى قضية، وهي أننا يجب أن نفرق بين خيرية القرون التي تكلم عنها النبي -ﷺ- (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) (١) وبين قضية علمية تتصل بالقرآن الكريم، ثم إننا لا نملك دليلًا مقطوعًا به على ما ذهب إليه الأكثرون، من أن دائرة التفسير بالمأثور تشمل ذلك الكمّ الهائل من الروايات الكثيرة المتعددة، المتفقة حينًا والمختلفة أحيانًا، وقد عرفت ما قاله أبو حيان في البحر المحيط. ومثل هذا ما روي عن أبي حنيفة (ما جاءنا عن رسول الله -ﷺ- على الرأس والعين، وما جاءنا عن الصحابة تخيرنا فيه، وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال). وليس معنى هذا أننا نقلل من شأنهم -﵃- فهم\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥/ ٣).","vol":"1","page":184},{"text":"حملة علم النبي -ﷺ- وهم الذين لا يقادر قدرهم أمانة وذكاء وحرصا على سلامة الدين كتابًا وسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>ملحوظات على هذا التقسيم:</span>\nهذا هو الذي اشتهر عند القوم، فلا نكاد نجد كاتبًا من الذين عرضوا للتفسير وتاريخه وبخاصة في العصر الحديث، إلا وقسم التفسير إلى تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي، حتى لقد أضحت هذه القضية من المسلمات، ولعل مما ساعدهم على ذلك تفسير الإمام السيوطي (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) حيث اشتمل كتابه على الروايات دون عرض اختلافات المفسرين، ولنا على هذا التقسيم ملاحظ عدة:\nأولًا: إن هذا المصطلح لم يكن معلومًا معروفًا في القرون الأولى وما بعدها حتى عند الذين كتبوا في علوم القرآن من المتقدمين، وعلى هذا هو مصطلح يخضع للبحث والتدقيق والنقد.\nثانيًا: لم يتفقوا على ماهية هذا التفسير فبعضهم وسمع دائرته ليشمل تفسير النبي عليه وآله الصلاة والسلام، وتفسير الصحابة ﵃، وتفسير التابعين -﵏- وآخرون لم يدخلوا فيه تفسير التابعين، كما بينته لك من قبل، وهذا ما أشارت إليه عبارة أبي حيان -﵀- في البحر المحيط، وفئة ثالثة -وأنا منهم- جعلته خاصًّا بما صح عن الرسول -ﷺ-.\nثالثًا: إنهم جعلوا التفسير بالمأثور مقابلًا للتفسير بالرأي، مع أن ما روي عن الصحابة -﵃- كان كثير منه ناشئًا عن الرأي والاجتهاد، وكذلك بعض ما روي عن التابعين، فهذا ابن عباس -﵄- يختلف مع الصحابة في بعض أحكام آيات الميراث، ويختلف مع السيدة عائشة ﵂. في رؤية النبي -ﷺ- ربه، وفي تفسير قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ","vol":"1","page":185},{"text":"كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] وردت عن الحبر روايتان.\nإحداهما: أن السماوات والأرض كانتا كتلة واحدة وهذه إحدى النظريات في نشأة الكون.\nوالأخرى: أن السماوات كانت رتقًا ففتقها الله بالمطر، وأن الأرض كذلك فتقها الله بالنبات.\nولا يرتاب أحد في أن هذا اجتهاد من الحبر ﵄، فهو تفسير بالرأي، فكيف يمكن أن تعدّه تفسيرًا بالمأثور؟\nومثل هذا ما روي عن مجاهد -﵁- في مخالفة المفسرين في بعض الآيات، أن هذا التقسيم، اعني بالمأثور وبالرأي لا يخلو من إشكالات متعددة منها ما تقدم، ومنها ما سيأتي.\nرابعًا: إننا لا نقدّر الصحابة -رضوان الله عليهم- قدرهم عندما نسلبهم القدرة على الاجتهاد في فهم القرآن الكريم، فنجعل كل ما روي عنهم روايات، فهموها من الرسول الكريم -ﷺ-، أو نقلوها عن أهل الكتاب، وهذا هو سيدنا عليّ -﵇- وقد سئل: اترك الرسول -ﷺ- غير هذا الكتاب؟ يقول: لا، إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن\".\nأليس هذا الفهم للصحابة رضوان الله عليهم من قبيل التفسير بالرأي، فلماذا يكون هناك إصرار أن يعد من التفسير بالمأثور؟\nخامسًا: لقد عدّوا من التفسير بالمأثور تفسير القرآن بالقرآن، وتوسعوا في ذلك كثيرًا، وهناك تفسيران كبيران، أحدهما للأستاذ عبد الكريم الخطيب -﵀- وهو خمسة عشر جزءًا واسمه (التفسير القرآني للقرآن)، والثاني للشيخ الشنقيطي -﵀- وهو في تسعة أجزاء، واسمه (أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن)، فهو عندما يذكر الآية الكريمة، يذكر عشرات الآيات في","vol":"1","page":186},{"text":"تفسيرها وهذا أمر حريٌّ بالمناقشة، لأنه يترتب عليه مالا نقبله من دقة القرآن الكريم، وينتج عنه اتحاد المعنى في آيات متعددة في سور كثيرة.\nكنت قد أشرفت على رسالة لنيل شهادة الماجستير عام (١٤١١ هـ) - (١٩٩١ م) بعنوان (تفسير ابن عاشور: التحر والتنوير، دراسة منهجية ونقدية). وقد جاء في هذه الرسالة:\n\"وقد درج المتقدمون قبلنا على تقسيم التفسير بالمأثور إلى أنحاء:\nالأول: تفسير القرآن بالقرآن، والثاني: تفسير القرآن بالسنة، والثالث: تفسير القرآن بأقوال الصحابة والتابعين.\nولكن هذا التقسيم لا يمنعنا من الوقوف عنده قليلًا متأملين فيه، فأما تفسير القرآن بالقرآن فلا أعلم أحدًا من الكاتبين كتب في التفسير أو ما يتعلق بعلومه إلا وأقحمه ضمن الإطار العام المسمى بالتفسير بالمأثور وصاروا ينظّرون آيات القرآن بعضها ببعض لورود بعض الكلمات المتقاربة أو المتحدة في الآيتين المقارن بينهما، وهذا منحنى خطير وهو غير مقبول بهذه الطريقة.\nونحن أولًا نقول: إن تفسير القرآن بالقرآن ينبغى أن لا يتجاوز تخصيص العام وتقييد المطلق، وبيان المجمل وتأويل الظاهر وغيرها مما درج على عدّه من بيان القرآن علماء الأصول، وكذلك حمل قصص الأنبياء والأمم السابقة بعضها على بعض، فما أوجز في مكان قد بسط في مكان آخر ونحو ذلك. وأما غير ذلك من تفسير بعض الآيات ببعضها الآخر لورود كلمات فيها متشابهة، . فهذا مالا نقبله من تفسير القرآن بالقرآن؛ لأنه يؤدي إلى أمرين خطيرين:\nالأول: إغفال السياق القرآني الذي وردت فيه تلك الكلمة القرآنية واختيرت في مكانها، ومثل هذا الإغفال مدعاة للخلط والخبط في التفسير.\nالثاني: أنه يفضي إلى القول بتكرار معاني القرآن الكريم، ولا شك أن هذا غير","vol":"1","page":187},{"text":"مقبول، فكما أنه لا تكرار في ألفاظ القرآن وآياته، فمعانيه لا تكرار فيها كذلك فكل آية، بل كل حرف جاء في آية في سياق خاص ومعانٍ متجددة.\nثم إن تفسير القرآن وتنظير آياته بعضها ببعض لم يكن متفقًا على كل الآيات في مواضعها التي جعلوه فيها، من أجل ذلك فإني بعد لا أدري ما السبب الذي حمل الأجلة على عدّه من قبيل المأثور مع أنه مبني على التدبر والتفحص الشديد في آيات القرآن الكريم، بل لا يقدر عليه إلا الفحول المفكرون، ولهذا فإنني أرى أن يعدّ هذا القسم قائمًا برأسه دون إلحاقه بالمأثور.\nولا يفوت أن نذكر أن ابن عاشور جعل تفسير القرآن بالقرآن من التفسير نفسه لا من مدده فقال: ولا يعد أيضًا من استمداد التفسير ما في بعض آي القرآن من معنى يفسر بعضا آخر منها، لأن ذلك من قبيل حمل بعض الكلام على بعض كتخصيص العموم، وتقييد المطلق، وبيان المجمل ... وغير ذلك (١).\nهذه بعض الإشكالات على تقسيمهم التفسير إلى تفسير بالمأثور وتفسير بالرأي، وقد يقال إذا كان هذا التقسيم كذلك، فما البديل الذي يمكن أن يحل محل هذا التقسيم؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>التقسيم البديل المختار:</span>\nنرى أن من الخير والدقة العلمية أن نقسم التفسير إلى تفسير بالنقل وتفسير بالرأي وإن شئت قلت إلى منقول ومعقول، أما التفسير المنقول، فيشمل ما يلي:\n١ - ما صح عن سيدنا رسول الله -ﷺ-، وهذا لا معدل عنه، وهو قليل نسبيًا.\n٢ - ما كان ناتجا عن اختلاف القراءات القرآنية الصحيحة، وأؤكد هذة القضية هنا؛ لأن بعض الكاتبين لم يفرق بين القراءة الصحيحة وغيرها.\n_________\n(١) التحرير (١/ ٢٧)، والرسالة (١/ ١٦٧) ومراده باستحداد العلم: توفقه على معلومات سابق وجودها على وجود ذلك العلم عند تدوينه لتكون عونًا لهم على إتقان تدوين ذلك العلم.","vol":"1","page":188},{"text":"٣ - ما كان تفسييرا لغويا للفظ، وذلك أن يحتمل اللفظ معنيين أو أكثر، وهو المشترك سواء كان من الأضداد أم لم يكن، وسيأتيك نبأ هذا كله إن شاء الله مفصلًا في الباب الثاني من هذا الكتاب.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-91> شبهات أثيرت حول الصحابة رضوان الله عليهم وحول التفسير:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>الأولى: اتهام الصحابة بعدم النضوج العقلي:</span>\nعرفنا مما سبق أن نشأة التفسير قد بدأت وتكاملت في عهد الرسول الكريم -ﷺ-، وأن نشأته لم تكن ناتجة عن عدم نضوج العقلية عند المسلمين، كما يرى الأستاذ أمين الخولي ﵀ في منهج التجديد، وتابعه على ذلك صاحب نشأة التفسير (١).\nونحن إذ نستنكر هذا القول نتساءل: ألا يكون ناضجًا عقل هؤلاء وقد أصبح من بعدهم عالة عليهم فهمًا وحفظًا واستنباطًا واجتهادًا؟ ! أما إذا كان النضوج العقلي يقصد منه عدم معرفة ما حدث من تطورات الحياة فيما بعد، فإن أرسطو طاليس مثلًا لم يكن يعرف عود الثقاب، فهل يعدّه هؤلاء غير ناضج العقل؟ الحق أنه لا بد من الشعور بالإجلال والتقدير، ولا بد من اختيار الكلمات التي يحتم علينا الأدب أن نستعملها مع هؤلاء الصفوة المختارة.\nويتبين لنا مما سبق أن الصحابة رضوان الله عليهم، وقد نزل القرآن بلغتهم قد فهموا القرآن وإن كانوا قد تفاوتوا في هذا الفهم. ولم يكن القرآن بالنسبة لهم لغزًا يصعب حله، حتى هؤلاء الذين كانوا في مكة يناصبون القرآن العداء كانوا يتأثرون به ومنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>الثانية: شبهة على التفسير الأثري وردها:</span>\nيحلو لبعض الكتّاب أن يقارنوا بين القرآن وبين بعض الكتب الدينية. حتى ما\n_________\n(١) يقول الدكتور سيد أحمد خليل: وكانت عقليتهم لم تبلغ بعد درجة النضج الذي توافر لها فيما ولي ذلك.","vol":"1","page":189},{"text":"ليس منها سماويًا. ومن هذا القبيل ما يعلق به الدكتور سيّد أحمد خليل على عبارة المسعودي من أن زرادشت لما أتى (بالأفستا) لم يفهمها كثير من الناس، فاضطر إلى شرحها هو بكتاب سماه (زندا)، ثم شرح هذا الشرح بكتاب سماه (بازندا).\nيقول الدكتور سيّد أحمد خليل تعليقًا على هذا. وهذا العمل نفسه من جانب زرادشت صاحب الأفستا قوي الشبة بالعمل الذي قام به الرسول في تفسير بعض الآيات القرآنية (١).\nوهذا تشبيه غير مهذّب، إذْ ليس ثَمّ شبه بينهما، فالأفستا لم يفهمها كثير من الناس مما اضطر زرادشت إلى شرحها ثم شرح هذا الشرح، فأين هذا من القرآن الكريم الذي تأثر به حتى أولئك الذين أصروا على الكفر؟ فعلى الرغم من مطاعنهم، فإن التاريخ لم ينقل لنا عن أحد منهم أن هذا القرآن عمّي عليهم فهمه، وسدت دون قلوبهم مسالكه، ثم أين هذا الشبه كذلك بما قام به النبي -ﷺ-، وهو يوجه أصحابه لفهم القرآن من القرآن نفسه، وبين ما قام به زرادشت من شرح وشرح لذلك الشرح؟\nإن ما قاله المسعودي لدليل واضح وبرهان ساطع على البون الشاسع والفرق البعيد بين الأفستا وما قام به صاحبها وبين القرآن المنزل من عند الله كما قال عنه منزله ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨].\nإن القرآن الكريم كتاب عربي، يسره منزله للذكر ليدبروا آياته. وإذًا فهذه المقارنة باطلة ذاتًا وموضوعًا. وإن نشأة التفسير الأثري، وعدم اتساع دائرته، يرجع أول ما يرجع إلى وضوح المعنى القرآني، ويسر لفظه من جهة، والى كونه كتابًا سماويًا يحتاج فيه إلى بيان بعض ألفاظ مبهمة من جهة أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>منكرو التفسير الأثري ومناقشتهم:</span>\nإذا كنا قد وجدنا من يوسع دائرة التفسير بالمأثور، فيدخل فيها الغث والسمين،\n_________\n(١) نشأة التفسير في الكتب المقدسة والقرآن/ ص ٣٢ - الطبعة الأولى.","vol":"1","page":190},{"text":"فلقد وجدنا على العكس من ذلك، من ينكر ثبوت شيء من التفسير بالمأثور. ويستند هؤلاء فيما يستندون، إلى كثرة الروايات الممزوجة بالإسرائيليات. كما يستندون إلى قول الإمام أحمد ﵁ (ثلاثة ليس لها أصل: المغازي والملاحم والتفسير) ومن الذين ذهبوا هذا المذهب الأستاذ المرحوم أحمد أمين (١)، وهو يتكلم عن وضع الحديث، ويضرب مثلًا لذلك أحاديث التفسير، كأنه يريد نفي ثبوت شيء منها، وهذه عبارته (وحسبك دليلًا على مقدار الوضع، أن أحاديث التفسير التي ذكر عن أحمد بن حنبل أنه قال: لم يصح عنده منها شيء. قد جمع فيها آلاف الأحاديث).\nوالحق الذي لا مرية فيه، أن ثبوت أحاديث تفسير لبعض آيات القرآن، أمر مجمع عليه من قبل الأمة وإلا فما معنى قول الله ﵎: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. بل لقد اشترط الأئمة لمن أراد أن يتصدى لتفسير القرآن أن يكون ملمًا بما ثبت عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام. يقول صاحب البحر المحيط (٢) في مقدمته: (الوجه الرابع) أي مما يحتاج إليه المفسر: تعيين مبهم، وتبيين مجمل، وسبب نزول، ونسخ، ويؤخذ ذلك من النقل الصحيح عن رسول الله -ﷺ- وذلك من علم الحديث) انتهى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>عبارة الإمام أحمد (ثلاثة ليس لها أصل):</span>\nوأما عبارة الإمام أحمد فإن صح نقلها عنه، فلقد فسرها العلماء تفسيرًا شافيًا يزيل كل شبهة يمكن أن تعلق بالنفس. فقال قوم إن الإمام إنما قصد غالب ما ذكر في هذه الموضوعات، ولم يرد الحكم عليها جميعها. وممن ذهب إلى هذا الرأي الزركشي في البرهان، وابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير. وقالت جماعة: إن\n_________\n(١) فجر الإسلام ٢١١، الطبعة الثانية عشرة/ مكتبة النهضة المصرية/ القاهرة ١٩٧٨.\n(٢) البحر المحيط ص ٦.","vol":"1","page":191},{"text":"عبارة الإمام أحمد تنفي كتبًا خاصة عرفت بهذا الاسم، بدليل الرواية التي تقول (ثلاثة كتب) - وهما كتابان للكلبي وآخر لمقاتل بن سليمان. وذهبت فئة إلى أن هذا اصطلاح خاص بالإمام ﵁، فلا يلزم من نفي الصحة ثبوت الوضع، وقد عرف عن الإمام أحمد خاصة نفي الصحة عن أحاديث وهي مقبولة (١).\nقال اللكنوي، كثيرًا ما يقولون (لا يصح) أو (لا يثبت) هذا الحديث، ويظن من لا علم له أنه موضوع أو ضعيف، وهو مبني على جهله بمصطلحاتهم، وعدم وقوفه على مصرحاتهم (٢).\nوأقول وأنا أميل إلى هذا الرأي الأخير فقد روي عن الإمام أحمد ﵁ بعض العبارات التي تشبه هذه العبارة، وهي قوله (أربعة أحاديث ليس لها أصل) ومنها (للسائل حق وإن جاء على ظهر فرس) وقد أخرجه الإمام أحمد في مسنده) (٣).\nوإذًا فثبوت أحاديث التفسير من القضايا التي لا ينبغي أن يشكك فيها أحد، كيف وقد ذكر الأئمة الأعلام، الذين أجمعت الأمة على عدالتهم في كتبهم كثيرًا من هذه الروايات؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>مناقشة ما ذكره بعض الأفاضل في تقسيم التفسير الأثري:</span>\nذكر الشيخ محمد بن صالح العثيمين أقسامًا ثلاثة للتفسير المأثور كان معتمده فيها الصلة بين اللفظ والمعنى:\nالأول: اختلاف في اللفظ دون المعنى، ومثاله: الاختلاف في معنى (قضى) من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] حيث ورد\n_________\n(١) السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للسباعي ص ٢٢١.\n(٢) الرفع والتكميل ص ١٣٧ - طبعة ثانية ١٩٦٨. مكتب المطبوعات الإسلامية- حلب.\n(٣) الباعث الحثيث بتعليق المرحوم أحمد شاكر ص ١٩١.","vol":"1","page":192},{"text":"عن ابن عباس ﵄ قضى: أمَرَ روعن مجاهد: أوحى، وعن الربيع بن أنس: أوجب.\nوهذه التفسيرات معناها متقارب ولا تأثير لهذا الاختلاف على معنى الآية.\nالثاني: اختلاف في اللفظ والمعنى والآية تحتمل المعنيين لعدم التضاد بينهما فتحمل الآية عليهما وتفسّر بهما.\nمثاله: اختلاف المفسّرين في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف: ١٧٦] فقد قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل، وقال ابن عباس: هو رجل من أهل اليمن، وقيل: رجل من أهل البلقاء. ويمكن الجمع بين هذه الأقوال بأن تكون ذكرت على وجه التمثيل لما تعنيه الآية أو التنويع.\nالثالث: اختلاف اللفظ والمعنى والآية لا تحتمل المعنيين معًا للتضادّ بينهما فتحمل الآية على الأرجح منهما بدلالة السياق أو غيره من المرجحات.\nومثاله: الخلاف في المراد بمن في يده عقدة النكاح في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. فقد روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه - أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، وقال ابن عباس: هو الوَلِيُّ. والراجح عند العلماء هو الأول لدلالة المعنى عليه، ولأنه قد روي فيه حديث عن النبي -ﷺ- (١).\n_________\n(١) أصول في التفسير: ص ٣٠ - ٣١.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>ملحوظات على هذا التقسيم:</span>\nولنا على هذا التقسيم ملحوظات لا بدّ من إيرادها:\nأولًا: الأقسام التي ذكرها الشيخ ﵀ لا تندرج كلها تحت التفسير بالمأثور، فقد يُقبل القسم الأوّل منها عند أولئك الذين توسعوا في مفهوم التفسير بالمأثور وقد بسط القول في هذه القضية من قبل.\nثانيًا: النوع الثاني الذي عدّه الشيخ من التفسير بالمأثور ليس منه يقينًا لأن الروايات التي ذُكرت فيه لا تعدو أن تكون من الإسرائيليات. ثم إنّ مثل هذه القضية هي من مبهمات القرآن التي لم نُكلَّف معرفتها، بل أمرنا بالسكوت عن البحث عنها.\nثالثًا: إن القسم الثالث الذي مثل له الشيخ ﵀ بالاختلاف فيمن بيده عقدة النكاح يرجع إلى اختلافهم في تفسير آيات الأحكام وهو يعتمد أكثر ما يعتمد الاجتهاد وإبداء الرأي. وعلى هذا فلا نرى أنّ التفسير بالمأثور يمكن أن يُقبل تقسيمه من هذه الحيثيات.\nنعم يمكن أن يقسم التفسير بالمأثور إلي ما صحّ سندًا أو لم يصحّ، أو أجمع عليه أو لم يُجْمع عليه. حتّى هذا التقسيم لن يكون ذا ثمرة مُجدية لأننا لن نقبل ما ما لم يصحّ سنده، ولسنا ملزمين فيما ليس فيه إجماع. نعم الثمرة الوحيدة هي تنقية الأقوال ما يقبل منها مما لا يقبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>أتفسير الصحابة كلّه لهُ حُكْم المرفوع</span>؟\nأكلّ ما روي عن الصحابة في التفسير مما لا مجال فيه للرأي له حكم المرفوع؟\nنقرأ في كتب التفسير روايات كثيرة أُسندت إلى الصحابة رضوان الله عنهم يُقال إنّ لها حكم المرفوع لأنها ممّا لا مجال فيه للرأي. وقد توقعنا هذه في إشكالات كبيرة، ولا بدّ أن نحتاط للأمر من جهات كثيرة:\nأولًا: هل ثبتت صحة هذه الرواية عن هذا الصحابي؟","vol":"1","page":194},{"text":"ثانيًا: هل ثبت أنّ هذه الرواية ليس لها صلة بالإسرائيليات؟\nثالثًا: وهي قضية ذات أهميّة كبيرة: أهذه القضية المفسَّرة مما لا مجال فيه للرأي؟\nفهذه أمر لا بدّ أن تُبحث بحثًا دقيقًا قبل أن نصدر حكمنا بأن هذا التفسير له حكم الموفوع.\nأضرب مثلًا لذلك: تذكر بعض الروايات أنّ القرآن الكريم له تنزّلات متعدّدة فقد أنزل إلى السماء الدنيا في ليلة واحدة، ثمّ نزل متفرقًا في ثلاثة وعشرين عامًا على قلب سيدنا رسول الله -ﷺ-. وهذه الروايات كلّها موقوفة على سيدنا عبد الله بن عبّاس ﵄، وقالوا إن بعضها صحيح الإسناد. ولمْ ترْوَ عن غيره من الصحابة وليس فيها رواية مرفوعة إلى رسول الله -ﷺ-، ولكن كثيرًا من الباحثين أعطاها حكم الموفوع، لأنها لا مجال فيها للاجتهاد.\nولكنّنا نتساءل هنا:\nأولا: لِمَ لمْ تردْ روايةٌ مرفوعة في هذا الشأن؟\nثانيًا: لِمَ لمْ يَسْمع من الرسول ﵊ هذه القضية -على أهميتها- سوى ابن عباس؟\nثالثًا: لِمَ كانت هذه القضية ممّا لا مجال فيه للاجتهاد؟\nلمَ لا يكون ابن عباس ﵄وهو ممّن أكرمه الله فعلّمه التأويل- فَهِمَ من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ومن قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ أنّ الضمير في هذه الآيات الكريمات يرجع إلى القرآن الكريم كلّه وأنه أُنزل إلى سماء الدنيا، ويكون هذا فهمَ ابن عبّاس ﵄؟\nإنّ حُكْمنا على كلّ رواية أن لها حُكْم المرفوع قد تكون له نتائج خطيرة؛ لذا ينبغي التحرّي والدقة قبل إصدار مثل هذه الأحكام والله وليّ كلّ أمر، ومنه التوفيق والسداد.","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>المبحث الثاني التفسير بالرأي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>معنى التفسير بالرأي وأنواعه:</span>\nالمقصود بالرأي هنا الاجتهاد، ولا بد أن يكون الاجتهاد هنا اجتهادًا يستند إلى أسس صحيحة ثابتة، لذلك قسموا الرأي إلى رأي محمود ورأي مذموم، فالرأي المحمود هو الذي يستند إلى اللغة والسياق والمأثور. والرأي المذموم لا يستند إلى شيء من هذه الأسس بل يعتمد على الهوى الناشئ من جهلٍ أو نحلةٍ باطلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>رأي الراغب الأصفهاني:</span>\nيقول الراغب الأصفهاني: \"والتأويل نوعان: مستكره ومنقاد:\nفالمستكره: ما يستبشع إذا سُبر بالحجة، ويستقبح بالتدليسات المزخرفة، وذلك على أربعة أضرب:\nالأول: أن يكون لفظ عام فيخصص في بعض ما يدخل تحته، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤] حمله بعض الناس على علي بن أبي طالب فقط.\nالثاني: أن يلفق بين اثنين، نحو قول من زعم أن الحيوانات كلها مكلفة، محتجًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] فدلّ بقوله: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ﴾ أنهم مكلفون كما نحن مكلفون.\nالثالث: ما استعين فيه بخبر مزوّر أو كالمزوّر كقوله تعالى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] قال بعضهم: عني به الجارحة مستدلًا بحديث موضوع (١).\n_________\n(١) إن كان الذي يعنيه الراغب ما جاء في الصحيح \"يكشف الله عن ساقه\" فليس بموضوع، لكننا لا نجعله تفسيرًا للآية.","vol":"1","page":196},{"text":"الرابع. ما يستعان به باستعارات واشتقاقات بعيدة، كما قاله بعض الناس في البقر إنه إنسان يبقر عن أسرار العلوم. وفي الهدهد: إنه إنسان موصوف بجودة البحث والتنقير.\nفالأول: أكثر ما يروج على المتفقهة الذين لم يقووا في معرفة الخاصّ والعام.\nوالثاني: على المتكلم الذي لم يقو في معرفة شرائط النظم.\nوالثالث: على صاحب الحديث الذي لم يتهذب في شرائط قول الأخبار.\nوالرابع: على الأديب الذي لم يتهذب بشرائط الاستعارات والاشتقاقات.\nوالمنقاد من التأويل: ما لا يعرض فيه البشاعة المتقدمة، وقد يقع الخلاف فيه بين الراسخين في العلم لإحدى جهات ثلاث:\nإما لاشتراك في اللفظ نحو قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ ل [الأنعام: ١٠٣] هل هو من بصر العين، أو من بصر القلب؟ أو لأمر راجع إلى النظم نحو قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤، ٥] هل هذا الاستثناء مقصور على المعطوف، أو مردود إليه وإلى المعطوف عليه معًا.\nوإما لغموض المعنى، ووجازة اللفظ، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] (١).\nويقول ابن الأثير: (النهي عن تفسير القرآن بالرأي) لا يخلو، إما أن يكون المراد به: الاقتصار على النقل والمسموع، وترك الاستنباط، أو المراد به: أمر آخر، وباطل أن يكون المراد به: أن لا يتكلّم أحدٌ في القرآن إلّا بما سمعه، فإنّ الصحابة ﵃ قد فسروا القرآن، واختلفوا في تفسيره على وجوه، وليس كل ما قالوه سمعوه من النبي -ﷺ-، وإنّ النبي دعا لابن عباس فقال: \"اللهم فقهه في الدِّين\n_________\n(١) مقدمة جامع التفاسير مع سورة الفاتحة ومطالع البقرة ص ٨٤.","vol":"1","page":197},{"text":"وعلِّمه التأويل\" فإن كان التأويل مسموعًا كالتنزيل، مما فائدة تخصيصه بذلك؟\nوإنما النهي يحمل على أحد وجهين.\nأحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، وإليه ميل من طبعه وهواه، فيتأوّل القرآن على وفق رأيه وهواه، ليحتجّ على تصحيح غرضه، ولو لم يكن له ذلك الرأي والهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.\nوهذا النوع يكون تارة مع العلم، كالذي يحتج ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، وهو يعلم أنْ ليس المراد بالآية ذلك، ولكن يُلبِّس على خصمه.\nوتارة يكون مع الجهل، وذلك إذا كانت الآية محتملةً، فيميل فهمُه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ويترجَّح ذلك الجانب برأيه وهواه فيكون قد فسَّر برأيه، أي رأيه هو الذي حمله على ذلك التفسير، ولولا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه.\nوتارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلًا من القرآن، ويستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به، كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال الله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: ٢٤]، ويشير إلى قلبه، ويومئ إلى أنه المراد بفرعون.\nوهذا الجنس قد استعمله بعض الوعَّاظ في المقاصد الصحيحة، تحسينًا للكلام، وترغيبًا للمستمع، وهو ممنوع.\nوقد استعمله الباطنية في المقاصد الفاسدة، لتغرير الناس، ودعوتهم إلى مذهبهم الباطل، فينزِّلون القرآن على وفق رأيهم ومذهبهم على أمور يعلمون قطعًا: أنها غير مرادة به.\nفهذه الفنون: أحد وجهي المنع من التفسير بالرأي.\nوالوجه الثاني: أن يسارع إلى تفسير القرآن بظاهر العربية من غير استظهار بالسماع والنقل فيما يتعلق بغرائب القرآن وما فيه من الألفاظ المبهمة والمبدلة، وما","vol":"1","page":198},{"text":"فيه من الاختصار، والحذف والإضمار، والتقديم والتأخير، فمن لم يحكم ظاهر التفسير، وبادر إلى استنباط المعاني بمجرد فهم العربية، كثر غلطه، ودخل في زمرة من فسّر القرآن بالرأي.\nفالنقل والسماع لا بدَّ منه في ظاهر التفسير أولًا، ليتقى به مواضع الغلط، ثم بعد ذلك يتَّسع التفهمُّ والاستنباط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>رأي الشاطبي:</span>\nيقول الشاطبي: إعمال الرأي في القرآن جاء ذمه، وجاء أيضًا ما يقتضي إعماله. وحسبك من ذلك ما نقل عن الصديق، فإنه نقل عنه أنه قال -وقد سئل في شيء من القرآن \"أيُّ سماء تظلُّني، وأيُّ أرض تقلني، إن أنا قلت في كتاب الله ما لا أعلم؟ \" وربما روى فيه: إذا قلت في كتاب الله برأيي، ثم سئل عن الكلالة المذكورة في القرآن، فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان. الكلالة كذا وكذا\" فهذان قولان اقتضيا إعمال الرأي وتركه في القرآن. وهما لا يجتمعان.\nوالقول فيه أن الرأي ضربان:\n(أحدهما) جار على موافقة كلام العرب وموافقة الكتاب والسنة. فهذا لا يمكن إهمال مثله لعالم بهما؟ لأمور.\n١ - أن الكتاب لا بد من القول فيه، ببيان معنى، واستنباط حكم، وتفسير لفظ، وفهم مراد، ولم يأت جميع ذلك عمن تقدم، فإما أن يتوقف دون ذلك فتتعطل الأحكام كلها أو أكثرها، وذلك غير ممكن فلا بد من القول فيه بما يليق.\n٢ - أنه لو كان كذلك للزم أن يكون الرسول -ﷺ- مبينا ذلك كله بالتوقيف، فلا يكون لأحد فيه نظر ولا قول، والمعلوم أنه ﵊ لم يفعل ذلك، فدل على أنه لم يكلف به على ذلك الوجه، بل بين منه ما لا يوصل إلى علمه","vol":"1","page":199},{"text":"إلا به، وترك كثيرًا مما يدركه أرباب الاجتهاد باجتهادهم، فلم يلزم في جميع تفسير القرآن التوقيف.\n٣ - أن الصحابة كانوا أولى بهذا الاحتياط من غيرهم، وقد علم أنهم فسروا القرآن على ما فهموا، ومن جهتهم بلغنا تفسير معناه، والتوقيف ينافي هذا بإطلاق القول بالتوقيف والمنع من الرأي لا يصح.\n٤ - أن هذا الفرض لا يمكن؛ لأن النظر في القرآن من جهتين: من جهة الأمور الشرعية، فقد يسلم القول بالتوقيف فيه وترك الرأي والنظر جدلًا، ومن جهة المآخذ العربية، وهذا لا يمكن فيه التوقيف، وإلا لزم ذلك في السلف الأولين، وهو باطل، فاللازم عنه مثله. وبالجملة فهو أوضح من إطناب فيه.\n(وأما الرأي) غير الجاري على موافقة العربية أو الجاري على الأدلة الشرعية فهذا هو الرأي المذموم من غير إشكال، كما كان مذمومًا في القياس أيضًا، حسبما هو مذكور في كتاب (١) القياس؛ لأنه تقول على الله بغير برهان، فيرجع إلى الكذب على الله تعالى. وفي هذا القسم جاء من التشديد في القول بالرأي في القرآن ما جاء، كما روى عن ابن مسعود: (ستجدون أقوامًا يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه وراء ظهورهم. فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع، وعليكم بالعتيق). وعن عمر بن الخطاب (إنما أخاف عليكم رجلين: رجل يتأول القرآن على غير تأويله، ورجل ينافس الملك على أخيه) وإنما هذا كله توقٍ وتحرزٌ أن يقع الناظر فيه في الرأي المذموم، والقول فيه من غير تثبت، وقد نقل عن الأصمعي -وجلالته في معرفة كلام العرب معلومةٌ- أنه لم يفسر قط آية من كتاب الله، وإذا سئل عن ذلك لم يجب: انظر الحكاية عنه في الكامل للمبرَّد (٢).\n_________\n(١) راجع المسألة الثانية في القياس من كتاب الأحكام للآمدي.\n(٢) الكامل للمبرد (٢/ ٩٢٧)، (٣/ ١٤٣٥).","vol":"1","page":200},{"text":"فالذي يستفاد من هذا الموضع أشياء.\n(منها) التحفظ من القول في كتاب الله تعالى إلا على بينة، فإن الناس في العلم بالأدوات المحتاج إليها في التفسير على ثلاث طبقات:\nإحداها: من بلغ في ذلك مبلغ الراسخين، كالصحابة والتابعين ومن يليهم. وهؤلاء قالوا مع التقوي والتحفظ، والهيبة والخوف من الهجوم. فنحن أولى بذلك منهم إن ظننا بأنفسنا أنا في العلم والفهم مثلهم. وهيهات.\nوالثانية: من علم من نفسه أنه لم يبلغ مبالغهم ولا داناهم، فهذا طرف لا إشكال في تحريم ذلك عليه.\nوالثالثة: من شك في بلوغه مبلغ أهل الاجتهاد، أو ظن ذلك في بعض علومه دون بعض. فهذا أيضًا داخل تحت حكم المنع من القول فيه؛ لأن الأصل عدم العلم، فعند ما يبقى له شك أو تردد في الدخول مدخل العلماء الراسخين فانسحاب الحكم الأول عليه باق بلا إشكال. وكل أحد فقيه نفسه في هذا المجال. وربما تعدى بعض أصحاب هذه الطبقة طوره، فحسن ظنه بنفسه، ودخل في الكلام فيه مع الراسخين. ومن هنا افترقت الفرق، وتباينت النحل، وظهر في تفسير القرآن الخلل.\n(ومنها) أن من ترك النظر في القرآن، واعتمد في ذلك على من تقدمه، ووكل إليه النظر فيه، غيرُ ملوم، وله في ذلك سعة إلا فيما لا بد له منه وعلى حكم الضرورة، فإن النظر فيه يشبه النظر في القياس كما هو مذكور في بابه، وما زال السلف الصالح يتحرجون من القياس فيما لا نص فيه، وكذلك وجدناهم في القول في القرآن، فإن المحظور فيهما واحد، وهو خوف التقول على الله، بل القول في القرآن أشد؛ فإن القياس يرجع إلى نظر الناظر، والقول في القرآن يرجع إلى أن الله أراد كذا، أو عنى كذا بكلامه المنزّل. وهذا عظيم الخطر.\n(ومنها) أن يكون على بال من الناظر والمفسر والمتكلم عليه أن ما يقوله تقصيد","vol":"1","page":201},{"text":"منه للمتكلم، والقرآن كلام الله، فهو يقول بلسان بيانه: هذا مراد الله من هذا الكلام فليتثبت أن يسأله الله تعالى: من أين قلت عني هذا؟ فلا يصح له ذلك إلا ببيان الشواهد. وإلا فمجرد الاحتمال يكفي بأن يقول يحتمل أن يكون المعنى كذا وكذا، بناء أيضًا على صحة تلك الاحتمالات في صلب العلم، وإلا فالاحتمالات التي لا ترجع إلى أصل غير معتبرة. فعلى كل تقدير لا بد في كل قول يجزم به أو يحمّل - من شاهد يشهد لأصله، وإلا كان باطلًا، ودخل صاحبه تحت أهل الرأي المذموم والله أعلم (١).\nولقد بحث الكاتبون في التفسير هذه القضية، وأطالوا فيها النفس -سامحهم الله- فلقد أشار إليها الراغب الأصفهاني ومن بعده الزركشي في البرهان، والسيوطي في الإتقان -﵏ جميعًا- ثم ذكرها من المحدثين الشيخ الزرقاني في مناهل العرفان، ثم الشيخ الذهبي في كتابه التفسير والمفسرون -﵏ جميعا- ثم ذكرها من بعدهم، ومن هؤلاء الدكتور إبراهيم خليفة في كتابه الدّخيل في التفسير حيث نقل أقوال أولئك السابقين والمعاصرين، وخلاصة ما قاله هؤلاء الكاتبون: إن العلماء اختلفوا فبعضهم منع التفسير بالرأي، ولم يقبل منه إلا ما ثبت عن الرسول - ﷺ -، أو ما كان فيه إجماع من الصحابة. وآخرون ذهبوا مذهبًا آخر فأجازوا التفسير بالرأي، إذا كان ناشئًا عن أسس ثابتة ليس للجهل ولا للنحل الفاسدة دخل فيه.\nولقد ذهب كثير من المحدثين منهم الشيخ الزرقاني، والشيخ الذهبي، إلى أن هذا الخلاف لفظي؛ لأن الذين أجازوا التفسير بالرأي، إنما كانوا يقصدون الرأي المحمود، الناشيء عن أسس صحيحة، والذين منعوه كانوا يقصدون الرأي المذموم الناشيء عن الهوى.\nوقد تعقبهم صاحب كتاب (الدخيل في التفسير)، وأطال القول ورد عليهم بأن الخلاف ليس لفظيًّا كما ادّعوا، بل هو خلاف حقيقي، والحق مع الشيخين\n_________\n(١) الموافقات (٣/ ٤٢١ - ٤٢٤).","vol":"1","page":202},{"text":"رحمهما الله. وكنت أودّ أن لا يَكثرُ الحديث حول هذه القضية؛ لأنها قضية المدّعى عليه فيها مجهول.\nونحن نعلم بداهة عندما تناقش قضية من القضايا مما اختلفت فيها آراء العلماء أن لكل رأي قائلًا يدافع عنه، يقال ذهب فلان إلى كذا، وقال فلان آخر كذا، ففي الفقه مثلًا يقال قال الشافعية كذا وقال الحنفية كذا، وفي التفسير يقال: قال ابن جرير كذا، وقال الزمخشري كذا، وفي الحديث يقال: قال صاحب الفتح ابن حجر كذا، وقال العيني في عمدة القارئ كذا، وفي أصول الفقه يقال: قال الآمدي كذا وقال ابن الحاجب كذا، وفي النحو يقال: قال سيبويه كذا وقال المبرد كذا. أما قضيتنا هذه فيقولون: منع قوم التفسير بالرأي، أما من هم هؤلاء القوم ومن هذه الجماعة، فإنهم لم يذكروا شخصًا معينًا، يمكن أن يوجه إليه القول لمناقشته.\nوأنقل هنا كلمة للشيخ الذهبي من كتابه التفسير والمفسرون:\nيقول: \"اختلف العلماء من قديم الزمان في جواز تفسير القرآن بالرأي، ووقف المفسرون بإزاء هذا الموضوع موقفين متعارضين: فقوم تشددوا في ذلك فلم يجرءوا على تفسير شئ من القرآن، ولم يبيحوه لغيرهم، وقالوا: لا يجوز لأحد تفسير شيء من القرآن، وإن كان عالمًا أديبًا، متسعًا في معرفة الأدلة والفقه والنحو والأخبار والآثار، وإنما له أن ينتهي إلى ما روى عن النبي - ﷺ - وعن الذين شهدوا التنزيل من الصحابة ﵃، أو عن الذين أخذوا عنهم من التابعين، وقوم كان موقفهم على العكس من ذلك، فلم يروا بأسًا أن يفسروا القرآن باجتهادهم ورأوا أن من كان ذا أدب وسيع فموسع له أن يفسر القرآن برأيه واجتهاده\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>رأينا في القضية:</span>\nوالذي أوقن به أن أئمتنا -﵏- كانوا يفترضون أن هناك مخالفًا\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ج ١ صفحة ٢٥٥ - ٢٥٦.","vol":"1","page":203},{"text":"ويفترضون له حججًا وأدلة ويأتون بها ويردون عليها ليسلم لهم الرأي الذي يتبنونه، وهذا كثير في كتبهم، وإلا فكيف يمكن أن نتصور أن هناك عاقلًا، فضلًا على أن يكون عالمًا، فضلًا على أن يكون إمامًا لا يجيز التفسير إلا إذا كان مرويًا عن رسول الله - ﷺ - أو كان له حكم المرفوع، وهو قليل؟ ولو قدِّر لمثل هذا القول -لا سمح الله- أن يكون له رواج في البيئة العلميّة لما أفاد أحد من هذا القرآن العظيم ولما كانت هذه المكتبة القرآنية التي أنعم الله بها على المسلمين، بل على الناس جميعًا، لقد كتب صاحب كتاب، (الدخيل في التفسير) (١) ما يزيد على خمسين صفحة في هذا الموضوع وما نظن أن الأمر يحتاج إلى ذلك كله.\nوالذي يقرأ أدلة هؤلاء الذين أدّعي أنهم يمنعون التفسير بالرأي، يدرك لأول وهلة أنها لا تعدو أن تكون عموميات يسهل نقضها والردّ عليها، فمنها مثلًا:\n١ - قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] قالوا فهذه الآية الكريمة تبين أن الرسول - ﷺ - هو الذي ينبغي أن يبين للناس. ويرد هذا القول بأن الآية الكريمة ليس فيها أن غير الرسول عليه وآله الصلاة والسلام لا يجوز له أن يبين للناس، كيف وهناك آيات كثيرة، تحتم على العلماء أن يبينوا للناس ما لا يعلمون؟\n٢ - ما رواه الترمذي وأبو داود عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - \"من قال في كتاب الله ﷿ برأيه فأصاب فقد أخطأ\" (٢) ومع أن الترمذي قال عنه غريب، فقد تكلموا على أحد رواته، وهو سهيل بن أبي حزم، قال ابن حجر (سهل بن أبي حزم، ويقال إن اسمه مهران، أو عبد الله وبعد أن ذكر عمن روى، ومن روى عنه، قال. قال حرب عن أحمد. روى أحاديث منكرة وقال البخاري لا يتابع في حديثه، يتكلمون فيه، وقال أبو\n_________\n(١) ص ٢٣٨ - ٣٣٩.\n(٢) أخرجه الترمذي (٢٩٥٢) وأبو داود في كتاب العلم (٣٦٥٢).","vol":"1","page":204},{"text":"حاتم: ليس بالقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به (١) وإذا كان هذا الحديث قد تكلم فيه العلماء، وقالوا لا يحتج به، فإن متنه لا يخلو من مناقشة كذلك.\nوقد تواترت الأدلة منذ عهد الصحابة -رضوان الله عليهم- أنهم كانوا يفسرون القرآن الكريم بالقرآن نفسه، أو بالسنة، فإن لم يجدوا اجتهدوا آراءهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>قول الزركشي في القضيّة:</span>\nيقول الزركشي:\nواعلم أن القرآن قسمان: قسم ورد تفسيره بالنقل، وقسم لم يرد، والأول إما أن يرد عن النبي - ﷺ - أو الصحابة أو رؤوس التابعين، فالأول يبحث فيه من صحة السند، والثاني ينظر في تفسير الصحابي، فإن فسره من حيث اللغة فهم أهل اللسان، فلا شك في اعتماده، أو بما شاهده من الأسباب والقرائن فلا شك فيه، وحينئذ إن تعارضت أقوال جماعة من الصحابة، فإن أمكن الجمع فذاك، وإن تعذر قدّم ابن عباس لأن النبي - ﷺ - بشره بذلك، حيث قال: اللهم علمه التأويل وأما ما ورد عن التابعين فحيث جاز الاعتماد فيما سبق فكذلك هنا، وإلا وجب الاجتهاد.\nوأما ما لم يرد فيه نقل، فهو قليل (٢) وطريق التوصل إلى فهمه النظر إلى مفردات الألفاظ من لغة العرب ومدلولاتها واستعمالها بحسب السياق، وهذا يعتني به الراغب كثيرًا في كتابه المفردات فيذكر قيدًا زائدًا على أهل اللغة في تفسير مدلول اللفظ؛ لأنه اقتضاه السياق\" (٣).\n_________\n(١) تهذيب التهذيب (٤/ ٢٦١).\n(٢) لا نستطيع أن نوافق الزركشي على هذا.\n(٣) البرهان (٢/ ٣١٢ - ٣١٣).","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>تقسيمات أخرى للتفسير:</span>\nهناك أنواع للتفسير اقتضتها ظروف العصر فهناك التفسير الموضوعي، وسيأتيك إن شاء الله نبَؤُه بعد حين. ويقابله التفسير التحليلي وهو تفسير الآيات حسب ترتيبيها في سورها تفسيرًا للآية إفرادًا وتركيبًا والكشف عمّا فيها من قيم متعدّدة وأحكام عقديّة أو تشريعية واجتماعية.\nوهناك التفسير الإجمالي وهو يعطي القارئ معنى مجملًا للآية الكريمة المفسّرة، وكثيرًا ما يُطبع هذا التفسير في حواشي المصحف الشريف، وقد يطبع مع المصحف كذلك القراءات القرآنية.\nوهناك التفسير المقارن ونعني به دراسة أقوال المفسرين والموازنة بينها واستخلاص القول الراجح وبيان أسباب الترجيح.\nوهناك التفسير الإذاعي وهو ما يكون دروسًا في الإذاعة المسموعة أو المرئيّة. وأظنّ أن هذا النوع يحتاج أكثر من غيره إلى الحكمة والتأني والتروّي، ذلك لأنه يخاطب أصناف الناس على اختلاف ثقافاتهم ومستوياتهم. وللدكتور محمد السعدي فرهود ﵀ تفسير في الإذاعة المصرية كنتُ قد سمعت بعض حلقاته من إذاعة القرآن الكريم في القاهرة فكان أحد القرّاء يقرأ بعض الآيات المراد تفسيرها ثم يفسّرها الدكتور ﵀. وقد وفقني الله ﵎ قبل ثلث قرن تحديدًا في سنة ١٩٧١ ففسّرت القرآن الكريم كاملًا للإذاعة الأردنية وكانت تجربة رائدة إذ كانت الأولى من نوعها، لأنني لم كن مفسّرا فحسب، بل كنتُ أتلو الآيات الكريمات وأفسّرها ثم أتلو غيرها. وكانت هذه الحلقة الواحدة خمس عشرة دقيقة. وقد استغرق هذا التفسير أربعمائة حلقة أي ما يقرب من مائة ساعة، وقد أُذيع عدّة سنين. وأظنّه لا يزال يذاع في الإذاعات الموجهة خارج الأردن ولله الحمد والمنّة.","vol":"1","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>دعائم التفسير بالرأي:</span>\nالتفسير بالرأي، أمر لا بد منه إذا استوفى شروطه، وخلاصتها:\n١ - أن لا يصدر المفسر في تفسيره عن هوىً في نفسه فينزل التفسير على مذهبه وعقيدته.\n٢ - أن لا يتعارض هذا التفسير مع اللغة، فإن اللغة هي الأساس قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢].\n٣ - أن لا يتعارض التفسير مع سياق الآيات الكريمة.\n٤ - أن لا يخالف ما صح عن رسول الله - ﷺ -.\nهذه هي دعائم التفسير، وأعمدته: المأثور واللغة والسياق، ولا بد من أن نتحدث عن هذه الدعائم الثلاث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>الدعامة الأولى: المأثور:</span>\nأما المأثور، ونعني به ما صح عن سيدنا رسول الله - ﷺ -، فإنه لا يجوز أن نفسر القرآن بما يناقضه، وهذا النوع من التفسير، مع ما له من قدسية وعظيم شرف ومنزلة، فإنه قليل نادر، نعم إن كان التفسير بما لا يتعارض مع المأثور فإنه يمكن قبوله، ففي قول الله تعالى. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٥] ثبت عن الرسول - ﷺ - تفسير القوة بالرمي: \"ألا إن القوة الرمي\" فيمكن أن يتوسع في مفهوم الرمي ليشمل ما يتطلبه الجهاد والحرب.\nأما إذا كان التفسير يتناقض مع ما صح من المأثور، فإنه لا يمكن قبوله، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [الدخان: ١٠] فقد ورد في تفسيرها أن الدخان هو ما أصاب أهل مكة من الغمّ والجهد والضنك حينما دعا عليهم رسول الله - ﷺ - في قوله \"اللهم سنين كسنين يوسف\"، فعن مسروق قال: دخلت على عبد الله فقال: إن من العلم أن تقول لما لا تعلم الله أعلم، إن الله قال","vol":"1","page":207},{"text":"لنبيه - ﷺ - ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] إن قريشًا لما غلبوا النبي - ﷺ - واستعصوا عليه قال. اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف\" فأخذتهم سنة فكلوا فيها العظام والميتة من الجهد حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع، قالوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون، فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا فانتقم الله منهم يوم بدر فذلك قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ [الدخان: ١٠ - ١٦] (١).\nوصحيح أن هذا التفسير روى عن عبد الله بن مسعود، لكنه يمكن أن نعطيه حكم الحديث المرفوع، لأنه إخبار عن واقعة عين.\nوقد جاء في تفسير الآية قول آخر، وهو أن الدخان من علامات الساعة التي تكون في آخر الزمان، وهذا التفسير لا يثبت أمام التفسير الأول، لمخالفته ما صح عن الرسول - ﷺ - ولمخالفته السياق كما سنعلم فيما بعد، حتى إن صح الحديث فلا يعد تفسيرًا للآية الكريمة.\nوخلاصة القول أن ما صح عن النبي - ﷺ - في تفسير كتاب الله تعالى ينبغي أن لا يُعدل عنه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>الدعامة الثانية: اللغة</span>\nالقرآن الكريم كرم الله به هذه اللغة، فكانت قوالب لمعانيه الشريفة وفي القرآن الكريم آيات كثيرة تبين هذه الحقيقة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير/ سورة الدخان حديث ٤٥٤٥.","vol":"1","page":208},{"text":"﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾ [الزمر: ٢٨].\nفأي تفسير لكتاب الله ﵎ لا بد أن تعتمد فيه اللغة العربية أساسًا، وأيّ تفسير يتعارض مع اللغة يحكم عليه بأنه تفسير معوج باطل، لذا حرص العلماء، وهم يتحدثون عن شروط المفسو أن يكون ملمًا باللغة إفرادًا وتراكيب وأساليب.\nإن اللغة ليس من شأنها أن ترجح رأيًا على رأي في التفسير فحسب، بل إنها في أكثر الأحيان تعين الرأي المقبول في تفسير الآيات الكريمة، وما أجمل كلمة الإمام مالك -﵁- لا أوتى برجل غير عالم بلغه العرب يفسر القرآن إلا جعلته نكالًا\" (١).\nويقول الشافعي -﵁- \"وإنما بدأت بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره، لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب، وكثرة وجوهه وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشُّبَه التي دخلت على من جهل لسانها، فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة نصيحة للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه وادراك نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه وترك موضع حظه وكان يجمع مع النصيحة لهم قياما بإيضاح حق، وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين من طاعة الله، وطاعة الله جامعة للخير (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>مناقشة تخليطات محمد شحرور اللغوية:</span>\nوالذين خرجوا من اللغة في تفسيراتهم إنما هم قوم ركبوا متن الغواية، وامتطوا عقبة الجهل وكانوا يصدرون من هوى مقيت، ونحل فاسدة، فمن الأقدمين أصحاب الفرق الباطنية، وأما المحدثون فكثيرون، منهم على سبيل المثال\n_________\n(١) قواعد التفسير ص ١٤٧.\n(٢) الرسالة ص ٥٠.","vol":"1","page":209},{"text":"صاحب. (الكتاب والقرآن) محمد شحرور، حيث كانت له تخليطات بعيدة عما قررته اللغة، وما نقله اللغويون.\nإن من القضايا التي عرض لها الكاتب قضية الترادف، فهو ينكر أن يكون في القرآن ترادف، لأنها مجرد خدعة، وهي سبب أوهام المسلمين، ومع أن القضية -قضية الترادف- قضية خلافية بين علماء اللغة إلا أن الكاتب ينكر الترادف لا اعتمادًا على قاعدة علمية، إذ كثيرون ينكرون الترادف في القرآن الكريم وأنا أحدهم، ولكن ينكره ليبني على رأيه أوهام فكره الماركسي، حيث قسم القرآن الكريم إلى أقسام متفرقة ليثبت نظريته الجدلية.\nوإذا كان ينكر الترادف، إلا أنه يعتمد قضية الاشتراك أساسًا يستند إليه في تحديد مرادات الألفاظ، والاشتراك يعني أن الكلمة لها أكثر من معنى، والكاتب يخلط هنا كثيرًا، مما يظهر لنا ضحالة فهمه وعلمه ومن ذلك ما ذكره في معنى كلمة عرش \"العرش في اللسان العربي جاء من عرش، ولها أصلان صحيحان: الأول عرش الرجل هو قوام أمره، والثاني العرش وهو ما يجلس عليه من يأمر وينهى) وإذا رجعنا إلى ما ذكره ابن فارس في معجم مقاييس اللغة الذي يعتمده الكاتب اعتمادًا كبيرًا نجده يقول: إن للمادة أصلًا واحدًا يدل على ارتفاع شيء مبني ثم يستعار في غير ذلك.\nويقرر الكاتب أن كل ما في الكون خاضع لقانون الجدل الذي يقوم على صراع المتناقضات والأضداد، واللغة أيضًا تحوى ظاهرة الأضداد التي ظهرت في اللغة كحامل للفكر لا ينفصم عنه، ويرى أن اللغة بمفرداتها، وقوانين صرفها قد خضعت للتطور من خلال قانون الجدل الأول وتطورت بقوانين نحوها من خلال قانون الجدل الثاني، وبما أن التعبير عن ظواهر الطبيعة جاء في الأضداد، جاءت الأضداد في التعابير اللغوية، وهذه الأضداد واضحة في بنية اللغة في ظاهرتين:\nالأولى: وجود أفعال ذات تراكيب صوتية بحيث إذا انعكس التركيب الصوتي","vol":"1","page":210},{"text":"انعكس المعنى ومن أمثلة ذلك (كتب وبتك).\nالثانية: وجود أفعال في اللغة كل فعل منها يحمل معنيين وكل معنى من هذه المعاني مضاد للآخر مثل (ظن، وعبد وتل، وولى).\nوما ذكره الكاتب يظهر لنا جهله، فالنحو والصرف قرينان لا ينفك أحدهما عن الآخر فالعلماء لم يفرقوا بينهما، فابن مالك ينظم ألفيته في النحو والصرف معا ويقول فيها:\nوأستعين الله في ألفية ... مقاصد النحو بها محوية\nولم يشر إلى الصرف، لأن النحو والصرف كانا يعدان علمًا واحدًا، ولكن فيما بعد، بحث العلماء الصرف في موضع والنحو في موضع آخر، وهذا الانفصال اقضته مناهج الدراسة.\nثم إن قول الكاتب بوجود أفعال ذات تراكيب صوتية إذا انعكست انعكس معناها لم يقل به أحد، ولم يرد فيه نقل ولا قياس، بل إنه مخالف لما قرره علماء النحو كابن جني وأبي علي الفارسي.\nثم إن كلمة عبد ليست من الأضداد ولم يقل أحد ذلك، وكذلك كلمة (تل) وكلمة عدل.\nوجعل الكاتب مصادر اللغة الشعر الجاهلي والمعاجم، ولم يشر إلى القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.\nويفسر الكاتب كثيرًا من الكلمات تفسيرًا مغلوطًا، من ذلك كلمة الإفك حيث يفسرها بالارتداد، ومن ذلك تفسيره المضغة بما نقله من الزمخشري في الأساس قال: ماضغت فلانًا مماضغة: جاددته القتال والخصومة، ويقول الكاتب معقبًا. أي بعد العلقة تبدأ المماضغة وهي تجدد مستمر للقتال (الصراع، الخصومة) وذلك ليفيد معنى الصراع، والتطور الذي أراده، والزمخشري ذكر هنا معنى الكلمة على","vol":"1","page":211},{"text":"المجاز، والحقيقة عنده هي \"مضغ الطعام وغيره ورمى بمضاغته وهي ما يبقى في الفم مما يمضغ\" وعليه فالمضغة هي اللقمة الممضوغة ولا تفيد الكلمة معنى الصراع والتجدد كما يذكر الكاتب.\nومن ذلك ما قرره الكاتب أن جميع كلمات اللغة مشتقة ويتناسى أن هناك كلمات جامدة غير مشتقة، ومن هنا ادعى مثلًا أن الصور مشتق من صيّر، وهذا لا يقوله أي تلميذ في الثالث الابتدائي.\nويتحدث عن صيغة فعلان فيقول (ووزن فعلان يفهم في اللسان العربي على أنه وزن ثنائية المتناقضين وقد كان هذا المعنى جديدًا على العرب ويمثل لذلك بـ (الرحمن) ويذكر أن ما يقابله (الشيطان). وما ادعاه الكاتب من ثنائية المتناقضين لم تستعمله العرب أبدًا، فالرحمن ليست نقيض الشيطان، ولا التّعبان نقيض الريحان، وما هو إلا تخليط عجيب من الكاتب.\nوللكاتب تخليطات وخبط ما أحببنا أن نكثر منه في هذا الكتاب.\nومن أراد أن يعرف ما للكاتب من خلط، فليراجع ما كتب ردًّا على كتابه.\nما لا يجوز لغة لا يجوز تفسيرًا:\nوقبل أن أنتقل إلى الدعامة الثالثة، أشير هنا إلى أن بعض الكاتبين يذكرون أنه ليس كل ما صح لغة صح تفسيرًا، وهم يستندون إلى عبارة ابن الأثير -﵀- في جامع الأصول (١) عند حديثه عن مادة تفسير، ويمثل لذلك بكلمة مبصرة في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ٥٩] فكون الناقة مبصرة معناه أنها غير عمياء.\nوالحق أن هذه العبارة موهمة، فقد جاءت كلمة مبصرة، ومبصر في القرآن الكريم في آيات كثيرة ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)﴾ [النمل: ١٣]\n_________\n(١) (١/ ص ٤).","vol":"1","page":212},{"text":"﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء: ١٢] ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [النمل: ٨٦]، ولا يجوز أن تفسر الكلمة في هذه الآيات الكريمات بعدم العمى.\nوعلى هذا أرى أن يستبدل بهذه العبارة عبارة أخرى، فبدل أن يقال: ليس كل ما صح لغة صح تفسيرًا، يقال: كل ما لا يجوز لغة لا يجوز تفسيرًا، فهذه العبارة أسلم وهي غير موهمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>الدعامة الثالثة: السياق</span>\nإذا كان المأثور واللغة كلاهما تعتمد فيه صحة التفسير وقبوله أو رده فإن السياق يعيننا كثيرًا على ترجيح القول المقبول والرأى الأصح في تفسير آي الكتاب العزيز، ونعني بالسياق الموضوع الذي تتحدث عنه الآيات الكريمة، أو القضية الكلية التي يعرض لها المقطع القرآني، أو الآية القرآنية، وهذا السياق أمر لا بد منه في الحكم على سبب النزول، أو في تفسير الآية الكريمة، ومن حسن الحظ أن العلماء -رحمهم الله تعالى وجزاهم الله خير الجزاء عن كتابه الكريم- نبهوا على أهمية السياق في تفسير الآيات القرآنية الكريمة وفهمها.\nيقول ابن دقيق العيد -﵀- \"أما السياق والقرائن فإنها الدالة على مراد المتكلم من كلامه، وهي المرشدة إلى بيان المجملات فاضبط هذه القاعدة فإنها مفيدة في مواضع لا تحصى\" (١).\nويقول ابن القيم: السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة، وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم، فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته، فانظر إلى قوله تعالى ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]\n_________\n(١) العدة على إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (٣/ ٣٧٢).","vol":"1","page":213},{"text":"كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير (١).\nوأذكر هنا بعض الأمثلة التي تبين أهمية السياق في ترجيح المعنى.\n١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦)﴾ [البقرة: ٧٦].\nاختلف أهل التأويل في بيان المقصود من قول القائلين: ﴿قَالوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ ذكر القرطبي قولين فقيل: ﴿بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ - من العذاب- لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ﴾، هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، فكانوا يحدثون المؤمنين من العرب بما عذبوا به، فقال بعضهم لبعض: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من العذاب ليقولوا نحن أحب إلى الله منكم، وأكرم على الله منكم، وهي رواية عن السدي.\nوقيل: إن عليًّا لما نازل قريظة يوم خيبر سمع سب رسول الله - ﷺ - فانصرف إليه وقال: يا رسول الله، لا تبلغ إليهم، وعرَّض له، فقال: \"أظنك سمعت شتمي منهم، لو رأوني لكفوا عن ذلك\" ونهض إليهم، فلما رأوه أمسكوا، فقال لهم: \"أنقضتم العهد يا إخوة القردة والخنازير أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته\" فقالوا: ما كنت جاهلًا يا محمد فلا تجهل علينا، من حدثك بهذا؟ ما خرج هذا الخبر إلا من عندنا، روي هذا المعنى عن مجاهد (٢).\nوهذان القولان لا ينهضان لمخالفتهما السياق، فالسياق حديث عن إيمان اليهود بمحمد - ﷺ - وبعثته التي أخبرت بها التوراة، فالإيمان إذا أطلق قصد به الإيمان ببعثة النبي - ﷺ -، فيكون المقصود من التحديث بما فتح الله عليكم،\n_________\n(١) بدائع الفوائد (٤/ ٩).\n(٢) القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ج ٢ ص ٢ - ٣.","vol":"1","page":214},{"text":"أي: بما أنزله في التوراة من ذكر نعته ﵇، فلم يرد للعذاب الذي تعرض له اليهود ذكر، -كما جاءت الرواية عن السدي أنه قال: المقصود من الفتح العذاب الذي ذاقه اليهود، وكما قال مجاهد-، وإنما الفتح: نعت النبي -﵇- في التوراة، فالآية التي قبل هذه الآية هي قوله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وهذا يكفي لرد ما قاله السدّي وغيره.\nيقول الألوسي: ﴿أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي: تخبرون المؤمنين بما بينه الله تعالى لكم خاصة من نعت نبيه محمد - ﷺ -، أو من أخذ العهود على أنبيائكم بتصديقه - ﷺ - ونصرته والتعبير عنه بالفتح للإيذان بأنه سرّ مكتوم وباب مغلق\" (١).\n٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] اختلف العلماء في تأويل هذه الآية الكريمة، فذهب بعضهم إلى أن المقصود المسجد الأقصى والمانعون النصارى وقال آخرون، بل هو المسجد الحرام، فأهل مكة هم الذين منعوا النبي - ﷺ - والمسلمين من أن يذكروا الله في المسجد الحرام، وسعوا في خرابه بعبادة الأصنام، وفعل المنكر.\nويذكر الطبري أن أولى التأويلات أن النصارى هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس، وذلك أن مشركي قريش لم يسعوا قط في تخريب المسجد الحرام، وإن كانوا قد منعوا النبي - ﷺ - في بعض الأوقات، وأيضًا أن الآية التي قبل قوله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] مضت بالخبر عن اليهود والنصارى وذم أفعالهم، والتي بعدها نبهت بذم النصارى والخبر عن افترائهم على ربهم ولم يجر لقريش ولا لمشركي العرب ذكر ولا للمسجد الحرام قبلها ... فالذي هو أولى بالآية أن يوجه تأويلها إليه\n_________\n(١) روح المعاني: ح ١/ ص ٣٠٠.","vol":"1","page":215},{"text":"هو ما كان نظير قصة الآية قبلها والآية بعدها، إذ كان خبرها لخبرهما نظيرا وشكلًا إلا أن تقوم حجة يجب التسليم لها بخلاف ذلك وإن اتفقت قصصها فاشتبهت\" (١).\n٣ - قوله تعالى ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nاختلف المفسرون في تأويل ذلك، فقال بعضهم: ذلك نهي من الله لكاتب الكتاب بين أهل الحقوق والشهيد أن يضار أهله فيكتب هذا ما لم يملله المملي ويشهد هذا بما لم يستشهده الشهيد، وقال آخرون. معنى ذلك ولا يضار كاتب ولا شهيد بالامتناع عمن دعاهما إلى أداء ما عتدهما من العلم أو الشهادة.\nيقول الطبري بعد أن رجح القول الأول \"وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب من غيره، لأن الخطاب من الله ﷿ في هذه الآية من مبتدئها إلى انقضائها على وجه افعلوا أو لا تفعلوا، إنما هو خطاب لأهل الحقوق، والمكتوب بينهم الكتاب، والمشهود لهم أو عليهم بالذي تداينوه بينهم من الديون فأما ما كان من أمر أو نهي فيها لغيرهم، فإنما هو على وجه الأمر والنهي للغائب غير المخاطب .. فتوجيه الكلام إلى ما كان نظيرًا لما في سياق الآية أولى من توجيهه إلى ما كان منعدلًا عنه (٢).\n٤ - وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] ذكر المفسرون أن معنى ذلك: وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وانفقوا مما رزقهم الله فإن الله لا يبخس أحدًا من خلقه أنفق في سبيله مما رزقه من ثواب نفقته في الدنيا ولا من أجرها يوم القيامة مثقال ذرة أي ما يزنها ويكون على قدر ثقلها في الوزن ولكنه يجازيه به ويثيبه عليه.\n_________\n(١) الطبري (١/ ٣٩٧).\n(٢) الطبري (٣/ ٨٩ - ٩٠).","vol":"1","page":216},{"text":"وذكر آخرون أن المعنى (أن الله لا يظلم عبدًا وجب له مثقال ذرة قبل عبد له آخر في معاده ويوم لقائه فما فوقه فيتركه عليه فلا يأخذه للمظلوم من ظالمه ولكنه يأخذه منه له ويأخذه من كل ظالم لكل مظلوم تبعته قبله ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ بمعنى يضاعف له ثوابها وأجرها ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ والأجر العظيم الجنة، وبعد أن رجح القول الأول قال: وإنما اخترنا التأويل الأول لموافقته الأثر عن رسول الله - ﷺ - مع دلالة ظاهر التنزيل على صحته، إذ كان في سياق الآية قبلها التي حث الله فيها على النفقة في طاعته وذم النفقة في طاعة الشيطان، ثم وصل ذلك بما وعد المنافقين في طاعته بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠] (١).\n٥ - قوله تعالى ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] اختلف المفسرون في معنى ذلك: فقال بعضهم وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به يعني بعيسى، قبل موته يعنى قبل موت عيسى، أي إن جميعهم يصدقون به إذا نزل لقتل الدجال فتصير الملل كلها واحدة وهي ملة الإسلام.\nوقال آخرون: المعنى إن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت الكتابي، وذلك أن كل من نزل به الموت لم تخرج به روحه حتى يتبين له الحق من الباطل في دينه.\nويرجح الطبري القول الأول وذلك لما يراه، ثم يقول: \"فغير جائز صرف الكلام عما هو في سياقه إلى غيره إلا بحجة يجب التسليم لها من دلالة ظاهر التنزيل أو خبر عن الرسول - ﷺ - تقوم به حجة، فأما الدعاوى فلا تتعذر على أحد\" (٢).\n_________\n(١) الطبري (٣/ ٥٧، ٥٨).\n(٢) الطبري (٦/ ١٥ - ١٧).","vol":"1","page":217},{"text":"٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، اختلف المفسرون في قائل ذلك، فذهب بعضهم إلى أنه رجل من اليهود قال بأن الله تعالى لم ينزل على بشر من شيء يعني من بني إسرائيل، وذهب آخرون إلى أن هذا خبر من الله جل ثناؤه عن مشركي قريش أنهم قالوا ما أنزل الله على بشر من شي، يقول الطبري وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل ذلك قول من قال عنى بذلك وما قدروا الله حق قدره مشركي قريش؛ وذلك أن ذلك في سياق الخبر عنهم أولا، فإنّ كون ذلك أيضًا خبرًا عنهم أشبه من أن يكون خبرًا عن اليهود لم يجر لهم ذكر، يكون هذا به متصلًا مع ما في الخبر عمن أخبر الله عنه في هذه الآية إنكاره أن يكون الله أنزل على بشر شيئًا من الكتب، وليس ذلك مما تدين به اليهود، بل المعووف من دين اليهود الإقرار بصحف إبراهيم وموسى وزبور داود (١).\n٧ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠] اختلف المفسرون في قوله \"إن ذلك على الله يسير\" فقال بعضهم معناه \"إن الحكم بين المختلفين في الدنيا يوم القيامة على الله يسير\" وقال آخرون بل معنى ذلك أن كتابة القلم الذي أمره الله أن يكتب في اللوح المحفوظ هو كائن على الله يسير يعني هين، وهذا القول الثاني أولى وذلك أن قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ أقرب وهو له مجاور، ومن قوله (الله يحكم بينكم يوم القيامة) متباعد مع دخول قوله ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ بينهما فإلحاقه بما هو أقرب أولى ما وجد للكلام، وهو كذلك مخرج في التأويل صحيح\" (٢).\n_________\n(١) الطبري (٧/ ١٧٨).\n(٢) الطبري (١٧/ ١٤٠).","vol":"1","page":218},{"text":"٨ - قال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾ [الرعد: ٣٩].\nاختلف المفسرون كثيرًا في تفسير الآية الكريمة، فهذا هو الإمام الألوسي -﵁- يكتب في تفسيرها ثلاث صفحات من القطع الكبير واالخط الصغير، ويعرض فيها لقضايا كثيرة من علم الكلام، ومن الأمور العينية التي لا يعلمها إلا الله وكثير مما ذكره يحتاج إلى شرح وتوضيح، وهذا هو الإمام الطبري -﵁- ينقل في تفسيرها أقوالًا كثيرة، سأذكرها لك أيها القارئ لتطلع عليها، ليسرها وسهولتها.\nقال الإمام الطبري -﵀-: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم: يمحو الله ما يشاء من أمور عباده فيغيره إلا الشقاء والسعادة فإنهما لا يغيران -ذكر ذلك عن ابن عباس وعن مجاهد- الشقاء والسعادة والموت والحياة لا تغيير فيها.\nوقال آخرون: معنى ذلك أن الله يمحو ما يشاء ويثبت من كتاب سوى أم الكتاب الذي لا يغير منه شيء ذكر ذلك عن ابن عباس بسنده ... في الآية ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ ..﴾ قال: كتابان، كتاب يمحو منه ما يشاء ويثبت. وعنده أم الكتاب.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أنه يمحو كل ما يشاء ويثبت كل ما أراد. ذكر من قال ذلك ... عن الأعمش عن شقيق أنه كان يقول: اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء وإن كنت كتبتنا سعداء فاثبتنا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب.\nوقال آخرون: بل معنى ذلك أن الله ينسخ ما يشاء من أحكام كتابه ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه. ذكر من قال ذلك عن ابن عباس \"يمحو الله ما يشاء\" قال: من القرآن يقول: يبدل الله ما يشاء فينسخه، ويثبت ما يشاء، فلا يبدله، وعنده أم الكتاب، يقول: جملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ والمنسوخ،","vol":"1","page":219},{"text":"وما يبدل وما يثبت، كل ذلك في كتاب.\nوقال آخرون: معنى ذلك أنه يمحو من قد حان أجله ويثبت من لم يجئ أجله إلى أجله ذكر من قال ذلك عن الحسن. وعن مجاهد قول الله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ...﴾ قالت قريش حين أنزل ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ما نراك يا محمد تملك من شيء، ولقد فرغ من الأمر. فأنزلت هذه الآية تخويفًا، ووعيدًا لهم، أنّا إن شئنا أحدثنا له من أمرنا ما شئنا، ونحدث في كل رمضان فنمحو ونثبت ما نشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما نعطيهم وما نقسم لهم.\nوقال آخرون: معنى ذلك: ويغفر ما يشاء من ذنوب عباده، ويترك ما يشاء فلا يغفر.\nوأولى الأقوال التي ذكرت في ذلك بتأويل الآية وأشبهها بالصواب القول الذي ذكرناه عن الحسن ومجاهد. وذلك أن الله تعالى ذكره، توعد المشركين الذين سألوا رسول الله - ﷺ - الآيات بالعقوبة وتهددهم بها، وقال لهم: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾. يعلمهم بذلك ان لقضائه فيهم أجلًا مثبتًا في كتاب هم مؤخرون إلى وقت مجيء ذلك الأجل ثم قال لهم: فإذا جاء ذلك الأجل يجيء الله بما يشاء ممن قد دنا أجله وانقطع رزقه أو حان هلاكه، أو اتضاعه من رفعة، أو هلاك مال، فيقضي ذلك في خلقه، فذلك محوه، ويثبت ما يشاء ممن بقي أجله ورزقه وكله فيتركه على ما هو عليه فلا يمحو وبهذا المعنى جاء الأثر عن رسول الله - ﷺ - وذلك ما حدثني ... عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله يفتح الذكر في ثلاث يبقين من الليل في الساعة الأولى منهن ينظر في الكتاب الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت. ثم ذكر ما في الساعتين الآخرتين (١).\n_________\n(١) (١٢/ ١١٤).","vol":"1","page":220},{"text":"﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ اختلف أهل التأويل ... فقال بعضهم معناه: وعنده الحلال والحرام.\nوقال آخرون معناه: وعنده جملة الكتاب وأصله.\nوقال آخرون: هو الذكر.\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: وعنده أصل الكتاب وجملته، وذلك أنه تعالى ذكره أخبر أنه يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء، ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فكان بينًا أن معناه: وعنده أصل المثبت منه والممحو وجملته في كتاب لديه (١).\nوما كان أغناهم عن هذه الأقوال الكثيرة! ! فالمتأمل في سياق الآية الكريمة سباقًا ولحاقًا يدرك بكل يسر، ودون عناء أن الآية الكريمة تتحدث عن ثبوت رسالة سيدنا رسول الله - ﷺ -، وأن الله يمحو ما يشاء من الرسالات السابقة ويثبت غيرها، ونتأمل الآيات الكريمة قبل هذه الآية ابتداء من قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠) وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَال أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا ... وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨) يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ...﴾ [الرعد: ٣٠ - ٤٥]\nفإن المتدبر لهذه الآيات قبل هذه الآية ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ وبعدها، لا يرتاب في أن الآية الكريمة المراد بها نسخ الرسالات بعضها بعضًا، وهذه الآية شبيهة بقول الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ فقد ذهب أبو مسلم بن بحر وتبعه الرازي\n_________\n(١) ج ١٢/ ص ١١٥.","vol":"1","page":221},{"text":"-رحمهما الله تعالى- وعليه المحققون من العلماء، أن المقصود من الآية في قوله ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ الرسالة، فما أجدرنا أن نرجع إلى السياق لفهم الآيات الكريمة.\n٩ - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾ [سبأ: ٥١] اختلف المفسرون في المعنيين بهذه الآية، فقال بعضهم: عُني بها هؤلاء المشركون الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ [سبا: ٤٣] وعنى بقوله ﴿إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ﴾ عند نزول نقمة الله بهم في الدنيا.\nوقال آخرون: عُني بذلك جيش يخسف بهم ببيداء من الأرض.\nوقال آخرون: عُني بذلك المشركون إذا فزعوا عند خروجهم من قبورهم.\nوأولى الأقوال عند الطبري قول من قال: وعيد الله المشركين الذين كذبوا رسول الله - ﷺ - من قومه؛ لأن الآيات قبل هذه الآية جاءت بالإخبار عنهم وعن أسبابهم وبوعيد الله إياهم مغبته، وهذه الآية في سياق تلك الآيات؛ فلأن يكون ذلك خبرًا عن حالهم أشبه منه بأن يكون خبرًا لما لم يجر له ذكر\" (١).\nونكتفي بذكر هذه الأمثلة، وبهذا يتبين لنا أهمية هذه الدعائم التي تحدثنا عنها، وأعني السنة الصحيحة، واللغة والسياق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>شروط المفسِّر:</span>\nذكر الأئمة في كتب علوم القرآن ومقدمات كتب التفسير شروطًا للمفسر، ونرى هنا أن نكتفي بما جاء في تفسير المنار للسيد محمد رشيد رضا. قال ﵀:\nللتفسير مراتب: أدناها: أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة الله، وتنزيهه،\n_________\n(١) (٢٢/ ٧٢).","vol":"1","page":222},{"text":"ويصرف النفس عن الشر ويجذبها، وهذه هى التي قلنا إنها متيسرة لكل أحد (﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ٢٢] وأما المرتبة العليا فهي لا تتم إلا بأمور:\nأحدها: فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة غير مكتف بقول فلان وفهم فلان، فإن كثيرًا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان، ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد من ذلك لفظ \"التأويل\" اشتهر بمعنى التفسير مطلقا أو على وجه مخصوص، ولكنه جاء في القرآن بمعان أخرى كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، فما هذا التأويل؟\nيجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة ليفرق بينها وبين ما ورد في الكتاب، فكثيرًا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن بإلاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى (١)، فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله، والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه وينظر فيه، فربما استعمل بمعان مختلفة كلفظ \"الهداية\" وغيره، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية، فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه، وقد قالوا: إنه القرآن يفسر بعضه ببعض، وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ، موافقته لما سبق له من القول واتفاقه مع جملة المعنى، وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته.\n_________\n(١) يذكر الشيخ رشيد من ذلك لفظ (الولي) معناه في القرآن الناصر والمولى: وأولياء الله أنصار دينه من أهل الإيمان والتقوى وقد اصطلحوا بعد ذلك على أن الأولياء صنف من الناس تظهر على أيديهم الخوارق ويتصرفون في الكون بما وراء الأشياء ولم يعرف الصحابة هذا المعنى.","vol":"1","page":223},{"text":"ثانيها: الأساليب فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته، مع التفطن لنكته ومحاسنه والعناية بالوقوف على مراد المتكلم منه، نعم إننا لا نتسامى إلى فهم مراد الله تعالى كله على وجه الكمال والتمام، ولكن يمكننا فهم ما نهتدي به بقدر الطاقة، ويحتاج في هذا إلى علم الإعراب وعلم الأساليب (المعاني والبيان) ولكن مجرد العلم بهذه الفنون وفهم مسائلها وحفظ أحكامها لا يفيد المطلوب. ترون في كتب العربية أن العرب كانوا مسددين في النطق يتكلمون بما يوافق القواعد قبل أن توضع، أتحسبون أن ذلك كان طبيعيًا لهم؟ كلا وإنما هي ملكة مكتسبة بالسماع والمحاكاة، ولذلك صار أبناء العرب أشد عجمة من العجم عندما اختلطوا بهم، ولو كان طبيعيًا ذاتيًا لهم لما فقدوه في مدة خمسين سنة من بعد الهجرة.\nثالثها: علم أحوال البشر: فقد أنزل الله هذا الكتاب وجعله آخر الكتب وبيّن فيه ما لم يبينه في غيره. بين كثيرًا من أحوال الخلق وطبائعهم والسنن الإلهية في البشر وقص علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسنته فيها، فلا بد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر في أطوارهم وأدوارهم ومناشيء اختلاف أحوالهم من قوة وضعف، وعز وذل، وعلم وجهل، وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالم الكبير، علويه وسفليه، ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمها التاريخ بأنواعه.\nقال الأستاذ الإمام: أنا لا أعقل كيف يمكن لأحد أن يفسر قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] وهو لا يعرف أحوال البشر، وكيف اتحدوا، وكيف تفرقوا؟ وما معنى تلك الوحدة التي كانوا عليها؟ وهل كانت نافعة أو ضارة؟ وماذا كان من آثار بعثة النبيين فيهم؟","vol":"1","page":224},{"text":"أجمل القرآن الكلام عن الأمم وعن السنن الإلهية، وعن آياته في السموات والأرض، وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمال صادر عمن أحاط بكل شيء علمًا وأمرنا بالنظر والتفكر، والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالًا ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره، لكنّا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده لا بما حواه من علم وحكمة.\nرابعها: العلم يوجه هداية البشر كلهم بالقرآن، فيجب على المفسر القائم بهذا الغرض الكفائي: أن يعلم ما كان عليه الناس في عصر النبوة من العرب وغيرهم، لأن القرآن ينادي بأن الناس كلهم كانوا في شقاء وضلال، وأن النبي - ﷺ - بعث لهدايتهم وإسعادهم وكيف يفهم المفسر ما قبحته الآيات من عوائدهم على وجه الحقيقة أو ما يقرب منها إذا لم يكن عارفًا بأحوالهم وما كانوا عليه؟ هل يُكتفى من علماء القرآن دعاة الدين والمناضلين عنه بالتقليد، بأن يقولوا تقليدًا لغيرهم، إن الناس كانوا على باطل وإن القرآن دحض أباطيلهم في الجملة كلا؟\nوأقول الآن: يروى عن عمر ﵁ أنه قال: \"إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة: إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية\" والمراد أن من نشأ في الإسلام ولم يعرف حال الناس قبله يجهل تأثير هدايته وعناية الله بجعله مغيرًا لأحوال البشر ومخرجًا لها من الظلمات إلى النور، ومن جهل هذا يظن أن الإسلام أمر عادي، كما ترى بعض الذين يتربون في النظافة والنعيم يعدون التشديد في الأمر بالنظافة والسواك من قبيل اللغو، لأنه من ضروريات الحياة عندهم، ولو اختبروا غيرهم من طبقات الناس لعرفوا الحكمة في تلك الأوامر وتأثير تلك الآداب من أين جاء؟\nخامسها: العلم بسيرة النبي - ﷺ - وأصحابه وما كانوا عليه من علم وعمل وتصرف في الشؤون دنيويها وأخرويها (١).\n_________\n(١) المنار (١/ ٢١).","vol":"1","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>الفَصْلُ الرَّابِع الإسرائيليات وموقف العلماء منها</span>\nتحدث القرآن الكريم عن أهل الكتاب، فتارة يذكر محاجة أنبيائهم لهم، وتارة يذكرهم بنعم الله عليهم، وتارة يذكر تحريفاتهم وتبديلاتهم لكتب الله، وقد كانت أخبار القرآن الكريم عن كل هذا تبيانًا لمواطن العبرة وإحقاقًا للحق وإظهارًا لسنن الله تعالى التي لا تتخلّف في هذا الكون. ولكن حديث القرآن الكريم، وإن كان يتفق مع الكتب السماوية في أصل هذه الأخبار والقصص، فإنه كان يختلف عنها في ذكر جزئيات القصة وتفصيلها فكان يطوي كثيرًا من هذه الجزئيات، وذلك لخلوها من مواطن العبرة والفائدة.\nوكان طبيعيًا أن تتشوف النفوس وتتشوق لمعرفة تفصيلات أكثر عن هذه الأخبار، ولقد أحس الرسول عليه وآله الصلاة والسلام بمثل هذا من بعض الناس، فكان ينهى عن ذلك، ينهى عن أن يسترسل الصحابة رضوان الله عليهم مع هذا القصص وتلك الأخبار -كما مر معنا من قبل-، ومن المفيد هنا أن نذكر حديثين من أحاديث الرسول عليه وآله الصلاة والسلام أحدهما: قوله: لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم) (١) وثانيهما: قوله عليه وآله الصلاة والسلام: (بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) (٢) ويبدو التعارض للوهلة الأولى عند بعض الناس بين هذين الحديثين. ولكن إذا عرفنا أن الحديث الأول خاص بما لم يرد فيه شيء في كتابنا ولا سنة نبينا - ﷺ -، وأن الحديث الثاني إنما\n_________\n(١) البخاري كتاب التفسير ج ٦ ص ٢٥.\n(٢) البخاري كتاب الأنبياء ج ٤ ص ٢٠٧.","vol":"1","page":226},{"text":"يكون للاستئناس فيما ورد به الكتاب العزيز، إذا عرفنا هذا زالت شبهة التعارض المتوهمة بين الحديثين، وأصبح من الممكن الجمع والتوفيق بينهما.\nولكن هل كان الصحابة رضوان الله عليهم مولعين بهذه الإسرائيليات، كما يحلو لبعض المستشرقين ومن افتتن بهم أن يصوروه ويضيفوا إليه هالات، كي يظهروه حقيقة من الحقائق، زاعمين أن كثيرًا من أعلام الصحابة كابن عباس وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو حتى عمر بن الخطاب ﵃، كانوا يكثرون النقل عن أهل الكتاب، بل يعدون الكثير من أعلام الصحابة تلاميذ لأولئك مثل كعب وغيره. ولكننا عندما نناقش الأمر مناقشة علمية هادئة، نرى أن تلك فرية بعيدة عن الصواب والسداد. فهل يمكن لمن تتلمذ لسيد الخلق عليه وآله الصلاة والسلام أن يتتلمذ لكعب وأمثاله؟ وهل يليق بهؤلاء وقد كانوا يتربعون على كرسي الأستاذية بعد رسول الله - ﷺ - أن يجلسوا على كرسيهم هذا من هو دونهم؟ فأبو هريرة مثلًا يروي عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام ما يزيد على خمسة آلاف وأربعمائة حديث، وهي علم غزير يؤهل صاحبه لأن يقضي عمره كله مهما طال، ليفيد الناس بهذا العلم. وابن عباس كذلك الذي دعا له الرسول - ﷺ - بالفقه وعلم التأويل، حري به أن لا ينصرف عن أسباب هذه الدعوة.\nولقد مر معنا نهي ابن عباس ﵄ الناس عن سؤال أهل الكتاب، فكيف ينهى عن شيء ويقدم عليه؟ ذلك أمر لا يتناسب مع الخلق والدين لإنسان عادي، فضلًا عن ابن عباس ترجمان القرآن وحبر الأمة. ولكنها إثارات الحاقدين أمثال جولد زيهر اليهودي ومن افتتن به فأخذ عنه بسوء قصد أو سوء تصرف ومن المفيد أن ننقل هنا ما ذكره جولد زيهر وغيره، حول تأثر ابن عباس بأهل الكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>ما ذهب إليه جولد زيهر والأستاذ أحمد أمين:</span>\nيقول جولد زيهر: وأجدر من ذلك بالتصديق الأخبار التي تفيد أن ابن عباس لا يرى غضاضة أن يرجع في الأحوال التي يخامره فيها الشك إلى من يرجو عنده علمها.","vol":"1","page":227},{"text":"وكثيرًا ما ذكر أنه يرجع (كتابه) في تفسير معاني الألفاظ إلى من يُدْعى أبا الجلد، والظاهر أنه غيلان بن فروة الأزدي الذي كان يثني عليه بأنه قرأ الكتب، وقد ذكرت بنته على وجه الخصوص أن أباها كان يقرأ القرآن كل سبعة أيام، ويختم التوراة كل ثمانية أيام بالروية والفهم -يبدو أن سبعة أيام إلى ثمانية أيام كانت تعد مدة وسطًا لختم القرآن بفهم- وكان يدعو جماعة كبيرة من الناس احتفالًا بكل مرة يختم فيها التوراة، ويرى أن هذا العمل الصالح يستوجب رحمة الله ورضاه.\nولا يتضح حقًّا من هذا الخبر الغامض الذي ربما زادته مغالاة ابنته غموضًا، أي نسخة من التوراة كان يستخدمها في دراسته، وكثيرًا ما نجد بين مصادر العلم المفضلة لدى ابن عباس اليهوديين اللذين اعتنقا الإسلام: كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، كما نجد أهل الكتاب على وجه العموم أي رجالًا من طوائف ورد التحذير من أخبارها -عدا ذلك- في أقوال تنسب إلى ابن عباس نفسه، ومن الحق أن اعتناقهم للإسلام قد سما بهم على المظنة، ورفعهم إلى مرتبة مصادر العلم التي لا تثير ارتيابًا، ولم يعدُ (أوتولوث) شاكلة الصواب إذ يتحدث عن مدرسة ابن عباس ذات المسحة اليهودية وأخبار الكتب السابقة، التي ذكر كثيرًا عنها من الفوائد، بل كان يسأل أيضًا كعب الأحبار مثلًا عن التفسير الصحيح للتعبيرين القرآنيين: أم الكتاب، والمرجان.\nكان يفترض عند هؤلاء الأحبار اليهود، فهم أدق للمدارك الدينية العامة الواردة في القرآن في أقوال الرسول - ﷺ -، وكان يرجع إلى أخبارهم في مثل هذه المسائل على الرغم من ضروب التحذير الصادرة من جوانب كثيرة فيهم.\nففي تعيين وقت الجمعة الذي أخبر الرسول - ﷺ - أن أداء المسلم الصلاة فيه لا بد أن يقبل، ذكر أن أبا هريرة طلب بيان ذلك عند كعب الأحبار وعبد الله بن سلام، وذلك بأنهما يعرفان التوراة التي لا بد أن يوجد فيها مثل ذلك، والظاهر أن المحور","vol":"1","page":228},{"text":"الذي تدور حوله مثل هذه الأخبار في الغالب هو افتراضات المسلمين في الزمن المتأخر.\nويدل على مدى ما تستطيع أن تبلغه مثل هذه الافتراضات من طابع السذاجة ما روى مثلًا من حصول اختلاف بين ابن عباس وعمرو بن العاص على قراءة كلمة من (لدني) في الآية (٧٦) من سورة الكهف هل هي بتشديد نون لدنّي أو بتخفيفها، وأن الاثنين قصدا إلى كعب الأحبار لتسوية هذا الخلاف (١).\nويقول الأستاذ أحمد أمين: وقد دخل بعض هؤلاء اليهود في الإسلام، فتسرب منهم إلى المسلمين كثير من هذه الأخبار، ودخلت في تفسير القرآن يستكملون بها الشرح، ولم يتحرج حتى كبار الصحابة مثل ابن عباس عن أخذ قولهم -روى أن النبي - ﷺ - قال: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم) (٢)، ولكن العمل كان على غير ذلك وإنهم كانوا يصدقونهم وينقلون عنهم (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>رأي الأستاذ الذهبي:</span>\nأما الأستاذ الذهبي فهو يرى أن ما ذهب إليه جولد زيهر وأحمد أمين فيه غلو في الرأي وبعد عن الصواب، فابن عباس كان يرجع إلى أهل الكتاب ولكن في دائرة محدودة. يقول:\nكان ابن عباس كغيره من الصحابة الذين اشتهروا بالتفسير، يرجعون في فهم معاني القرآن إلى ما سمعوه من رسول الله - ﷺ -، وإلى ما يفتح الله به عليهم من طريق النظر والاجتهاد مع الاستقامة في ذلك بمعرفة أسباب النزول والظروف والملابسات التي نزل فيها القرآن، وكان ﵁ يرجع إلى أهل الكتاب ويأخذ عنهم،\n_________\n(١) مذاهب التفسير ص ٨٥ - ٨٨.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير (٢٥/ ٦).\n(٣) فجر الإسلام ص ٢٤٨.","vol":"1","page":229},{"text":"بحكم اتفاق القرآن مع التوراة والإنجيل في كثير من المواضع التي أجملت في القرآن وفصلت في التوراة أو الإنجيل، ولكن كما قلنا فيما سبق أن الرجوع إلى أهل الكتاب كان في دائرة محدودة ضيقة، تتفق مع القرآن وتشهد لة، أما ما عدا ذلك مما يتنافى مع القرآن، ولا يتفق مع الشريعة الإسلامية فكان ابن عباس لا يقبله ولا يأخذ به.\nويقول مناقشًا جولد زيهر والأستاذ أحمد أمين: والحق أن هذا غلو في الرأي وبعد عن الصواب، فابن عباس-كما قلت آنفًا- وغيره من الصحابة كانوا يسألون علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، ولكن لم يكن سؤالهم عن شئ يمس العقيدة، أو يتصل بأصول الدين أو فروعه وإنما كانوا يسألون أهل الكتاب عن بعض القصص والأخبار الماضية، ولم يكونوا يقبلون كل ما يروى على أنه صواب لا يتطرق إليه شك، بل كانوا يحكمون دينهم وعقلهم، فما اتفق مع الدين والعقل صدقوه، وما خالف ذلك نبذوه، وما سكت عنه القرآن واحتمل الصدق والكذب توقفوا فيه) (١).\nإن الشيخ الذهبي لا ينكر أن يكون ابن عباس قد أخذ عن أهل الكتاب، ولكنه ينكر أن يكون ابن عباس قد توسع في الأخذ عنهم حيث كان ابن عباس من أشد الناس نكيرًا على ذلك، فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس أنه قال: يا معشر المسلمين: تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه أحدث الأخبار بالله، تقرؤونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله، وغيروا بأيديهم الكتاب، فقالوا ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩].\nأفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم، ولا والله ما رأينا رجلًا منهم قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم) (٢).\n_________\n(١) التفسير والمفسرون ص ٧٠ - ٧٣.\n(٢) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>رأي الدكتور إبراهيم خليفة وتناقضه:</span>\nوقد تبع الدكتور إبراهيم خليفة الذهبي فيما ذهب إليه من تشديد النكير على القائلين بأن الصحابة قد أكثروا من النقل عن بني إسرائيل، فهم قد نقلوا عنهم ولكن ضمن دائرة ضيقة محدودة، هذا ما ذكره في كتابه دراسات في مناهج المفسرين، يقول: \"نقول من المعلوم لمن بهذه الصفة ولا سيما من كان فوق ذلك من المعنيين بالتفسير بالمأثور من علماء الأمة عليهم الرضوان، أن ابن عباس ﵄ كان مقلًا في تفسيره القرآن من الأخذ عن بني إسرائيل إلى حد الندرة بل إلى حد العدم على زعم البعض\" (١).\nولكنه ذكر في كتاب آخر وهو (منة المنان في علوم القرآن)، أن ابن عباس نقل عن بني إسرائيل ما يتعارض مع قواعد العقيدة الصحيحة وعصمة الأنبياء، يقول: \"لا نسلم أن ابن عباس ﵄ ممن لم يعرف بالأخذ عن بني إسرائيل وإن زعم ذلك غير واحد من أعلام التفسير في عصرنا هذا. .. وذكر منهم الزرقاني والشيخ غزلان\" (٢) ... ويقول: \"فإنه ﵁ على الرغم من نهيه الصريح هذا قد ثبت عنه الأخذ عن بني إسرائيل إما من منطلق الأمان على نفسه ما لم يأمنه على غيره، وإما ثقة منه أن ما أخذه عنهم مما لا يخفى حاله على من تدبر أمره، وإما رؤية منه أن ما أخده عنهم لا يتنافى مع شيء مما جاء في الكتاب والسنة سواء أخطأ في هذه الرؤية أم أصاب، ودليلنا على أنه -﵁- قد ثبت عنه الأخذ من الإسرائيليات أوجه:\nأولها: ما ذكره غير واحد من الحفاظ عند ترجمتهم لكعب الأحبار الذي هو أحد رؤوس المصادر الإسرائيلية من كون ابن عباس ﵁ هو أحد الرواة عنه.\n_________\n(١) مناهج المفسرين (١/ ٣١١).\n(٢) منة المنان (٢/ ٣٦).","vol":"1","page":231},{"text":"وثاني هذه الأمور التي يتشكل منها دليلنا على ما نقول في هذه القضية المهمة روايات قد ثبتت عن ابن عباس ﵄ بالفعل لا يشك منصف في أنها من الإسرائيلية، ولا نقول إنها من صنف الإسرائيليات الموافقة للكتاب والسنة ولا حتى من جنس ما لا تعرف له موافقه ولا مخالفة بل هي من جنس الإسرائيليات المرذولة المنافرة للعقل وصريح النقل ونكتفي هاهنا بإيراد ثلاثة مواضع منها نستبيح القارئ العذر في تسويد الصفحات بغثاء ما جاء فيها من الرواية عنه ﵁.\nوأول المواضع التي ذكرها الكاتب ما جاء من روايته في شأن شيطان سليمان الذي أخذ خاتمه من إحدى أزواجه وتملك على ملكه وأقام حيث كان يقيم سليمان حتى من نسائه ﵇.\nوثاني هذه المواضع ما جاء في شأن الملكين والمرأة التي مسخت فكانت كوكب الزهرة، وثالث هذه المواضع ما روي عن ابن عباس ﵄ في شأن الأرضين السبع من أن في كل واحدة منهن آدم كآدم وإبراهيم كإبراهيم وموسى كموسى وعيسى كعيسى ومحمد كمحمد صلوات الله وسلامه على أنبيائه ورسله أجمعين (١)، ويسوق الروايات في ذلك، ثم يقول \"فانظر رعاك الله إلى هذا الغثاء، وما يقتضيه من عدم اختصاص الأنبياء المعروفين حتى أولى العزم منهم، بل حتى نبينا محمد - ﷺ - بخصائصهم مع أمثالهم لا في المسميات فحسب بل حتى في الأسماء، بل ما يقتضيه من تعداد القرآن العظيم ذاته، وأنه ليس خير الكتب ولا المتفرد من بينها بالهيمنة والإعجاز، وما إليها من خصائصه المعروفة، هل يصدر مثل هذا إلا من خرافات بني إسرائيل وضلالاتهم ... (٢).\nوإذا كان الدكتور إبراهيم لا يريد أن يسود صفحات كتابه بما نسب إلى\n_________\n(١) منة المنان في علوم القرآن (١/ ٣٧ - ٤٤).\n(٢) منة المنان في علوم القرآن (١/ ٣٧ - ٤٤).","vol":"1","page":232},{"text":"ابن عباس، فكيف يمكن أن يرضى ابن عباس أو نرضى له نحن، وكيف يمكن أن نقتنع أو أن تقنع الآخرين، بأن ابن عباس ﵄ يرى أن هناك امرأة يمكن أن تمسخ كوكبًا، إن الرجل الذي أعطي من الفطنة ومن الفهم ما لم يعطه كثير من الناس، يستحيل أن يثبت عنه مثل هذه الروايات ولو ذكرها ابن كثير أو غيره، وكنا نود أن يظل الدكتور إبراهيم خليفة عند رأيه الذي ذكره في كتاب (مناهج المفسرين) من أنّ ما روي عن ابن عباس من الإسرائيليات ليس مما يقدح في جوهريات الدين، مع أننا نجل ابن عباس حتى عن هذه، ونظن أن ما روى في صحيح الإمام البخاري، دليل كافٍ على تبرئة ابن عباس ﵄.\nرأينا في المسألة:\nإن ما ذهب إليه الشيخ الذهبي ومن تابعه مردود غير مقبول، وكلمة ابن عباس التي نقلها الذهبي ترد بكل حزم على من يدير أن الصحابة وعلى رأسهم ابن عباس -﵄- يمكن أن يرجعوا إلى أهل الكتاب في أي مسألة (أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم).\nوالذي أطمئن إليه كل الاطمئنان، وينبغي إن يطمئن إليه كل منصف، أن ابن عباس ﵄ لم يكن ليدور في خلده يومًا، بل لم يكن ليرضى أن يسأل أحد من المسلمين أحدًا من غيرهم، وبخاصة أولئك اليهود، فضلًا على أن يكون هو السائل، أقول ما كان يرضى ﵄ أن يسأل في قضية من قضايا الدين كتابًا وسنة.\nوتثبيتا لما أقوله وتدليلًا عليه حتى لا يبقى في نفس أحد من الناس أثر لشبهة جولد زيهر ومن تبعه -جدير بنا أن ندرس هذه الروايات التي جاءت تحمل لنا سؤال ابن عباس ﵄ أبا الجلد وغيره، وسنجد أن هذه الروايات قد حكم عليها أئمتنا حكمًا ليس فيه مساومة حكموا عليها بوجوب ردها ورفضها.","vol":"1","page":233},{"text":"فقد أخرج الطبري عن موسى بن سالم أبي جهضم مولى ابن عباس، قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن الرعد، فقال الرعد ملك. وعن عكرمة قال: كان ابن عباس إذا سمع الرعد قال سبحان الذي سبحتَ له، قال: وكان يقول: إن الرعد ملك ينعق بالغيث كما ينعق الراعي بغنمه.\nوعن أبي كثير قال: كنت عند أبي الجلد، إذ جاءه رسول ابن عباس بكتاب إليه، فكتب إليه (كتبت تسألني عن الرعد، فالرعد الريح).\nويُعلق الشيخ أحمد شاكر على الروايات:\nأما الرواية الأولى عن أبي جهضم فهو -كما يقول- (ثقة، ولكن روايته عن ابن عباس مرسلة). وأما رواية أبي كثير، فالإسناد (مشكل، ما وجدت ترجمة بشر بن إسماعيل وما عرفت من هو، ثم لم أعرف من أبو كثير الراوي عن أبي الجلد) (١).\nويقول الشيخ محمد عبده تعليقًا على ما ذكره الجلال من أن الرعد ملك، والبرق سوطه:\n(ولا يجوز صرف الألفاظ عن معانيها الحقيقية إلا بدليل صحيح، ولا سيما إذا صرفت من معاني من عالم الشهادة الذي يعرفه الواضعون والمتكلمون، إلى معاني من عالم الغيب ولا يعلمها إلا الله تعالى، ومن أعلمهم الله تعالى إياها بالوحي، ولكن أكثر المفسرين ولعوا بحشو تفاسيرهم بالموضوعات التي نص المحدثون على كذبها، كما ولعوا بحشوها بالقصص والإسرائيليات التي تلقفوها من أفواه اليهود، وألصقوها بالقرآن لتكون بيانًا له وتفسيرًا، وجعلوا ذلك ملحقًا بالوحي، والحق الذي لا مرية فيه: أنه لا يجوز إلحاق شيء بالوحي غير ما تدل عليه ألفاظه وأساليبه، إلا ما ثبت بالوحي عن المعصوم الذي جاء به ثبوتا لا يخالطه الريب.\nويقول الشيخ رشيد: ولا شك عندي أن هذه الأقوال كلها مما كان يذيعه مثل\n_________\n(١) تفسير الطبري (١/ ٣٤٠ - ٣٤١).","vol":"1","page":234},{"text":"كعب الأحبار ووهب بن منبه بين المسلمين من الصحابة والتابعين، ولو صح في حديث مرفوع بسماع صحيح على أن المراد به الإشارة إلى أن هذه المظاهر الكونية تقع بفعل ملك موكل بالسحاب ولكن لا حاجة إلى ذلك مع عدم صحة شيء في المسألة وبالملائكة من عالم الغيب) (١).\nإذًا فعهد الصحابة رضوان الله عليهم، نستطيع أن نقول فيه إنه عهد لم تجد فيه الإسرائيليات تربتها الخصبة، ولم تنم فيه النمو الذي وجدناه فيما بعد، فلقد كانت تشرق في نفوسهم أنوار النبوة ولقد كانت الواجبات عندهم أكثر من الأوقات. فليس هناك الوقت الذي يُقضى في مثل هذه المسائل.\nويأتي عصر التابعين بعد ذلك، ويزداد اتصال المسلمين بغيرهم من الأمم، ويكثر الداخلون في الإسلام من أهل الكتاب، ومن الطبيعي إذًا أن يتفاعل هؤلاء مع أولئك، وحب الاستطلاع أمر فطري في الإنسان، وهنا تبدأ تلك البضاعة، بضاعة الإسرائيليات تجد رواجها، والتربة الخصبة التي تنمو فيها، بخاصة وقد أصبح من بعض ألوان الوعظ أن تحكى هذه القصص في المساجد، ومن هنا كان لها أثرها الواضح في التفسير، مما جعل كثيرًا من الأئمة ينفرون منها وينفرون عنها فهذا علي ﵁ وهو آخر الخلفاء الراشدين، وقد رأى أن هذا القصص بدأ يشق طريقه إلى الناس، يقول: (من حدث بحديث داود على ما يرويه القصاص جلدته مائة وستين جلدة وهو حدّ الفرية على الأنبياء) (٢) وهذا ابن عون يقول: (دخلنا على ابن سيرين فقال: ما كان اليوم من خبر؟ فقلت: نهى الأمير القصاص أن يقصوا فقال: (وفق للصواب) وروي أن ابن عمر خرج من المسجد فقال: (ما أخرجني إلا القصاص ولولاه لما خرجت). ومما يدلنا على أن هؤلاء القصاص كانوا يبدون عناية خاصة بالقصص الإسرائيلي، أن نوف بن فضالة كان يقص بالكوفة، وقد ذكر\n_________\n(١) المنار (١/ ١٧٤ - ١٧٥).\n(٢) وهو اجتهاد منه ﵁ إلا أن الزين العراقي نفى صحة هذا الخبر عنه: روح المعاني ج ٢٣ ص ١٨٥ المطبعة المنيرية.","vol":"1","page":235},{"text":"البخاري أن سعيد بن جبير، سأل ابن عباس فيما يزعمه نوف من أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل. فقال كذب عدو الله (١) وهذا يدل على أن القصص الإسرائيلي كان أكثر انتشارًا من غيره وذلك يرجع إلى أن صلة المسلمين بيهود، كانت أقوى من صلتهم مع غيرهم فهم الذين عاشوا معهم في المدينة المنورة أول الدعوة، وهم الذين دخل منهم في الإسلام كثيرون عن حسن قصد أو سوء نية.\nوإذا كان هذا شأن الإسرائيليات فما هو موقف العلماء منها؟ .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>موقف العلماء من الإسرائيليات:</span>\nإن الأئمة رضوان الله عليهم كانوا لا يقبلون بهذه الإسرائيليات، بل كانوا يحذرون الأمة من أن تتغلغل فيهم مثل هذه الأخبار، وهذا هو الإمام الغزالي ﵁، ينهى عن التعلق بهذا القصص حتى لا ينساق الناس وراءها، وهذا ابن كثير ﵀، يبين لنا أن هذه الإسرائيليات التي انتشرت في كثير من الكتب، ينبغي أن ينبه عليها وأن تنقى منها الكتب، ويكتب. تفسيره محاولًا أن لا يقع فيما وقع فيه من قبله من المفسرين. وفي مقدمة هذا التفسير (٢) يقسم الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام: منها ما وافق الكتاب ومنها ما خالفه ومنها ما سكت عنه، فأما القسم الأول وهو الذي وافق الكتاب، فلا حاجة لنا فيه لأن الكتاب يكفينا ويغنينا عنه. وأما ما خالف الكتاب فلا حاجة لنا كذلك فيه، لأنه مخالف لكتابنا. وأما القسم الثالث فيرى الإمام ابن كثير أنه لا مانع من نقله والتعرض له على أن ينبه على ذلك. ولقد كان ابن كثير متأثرًا بأستاذه ابن تيمية الذي حمل على هؤلاء الذين ينقلون هذه الإسرائيليات في كتبهم، ولو كانوا من العلماء الأجلة، الذين عدهم ابن تيمية\n_________\n(١) ج ٦ ص ١١٥.\n(٢) ج ١/ ٩، ت: سامي سلامة، دار طيبة للنشر.","vol":"1","page":236},{"text":"من الأئمة. فهو يقول عن الثعالبي مثلًا: إنه كان فيه خير ودين. ولكنه كان حاطب ليل. هذا ما يرتأيه ابن كثير. ولكن البرهان البقاعي يرى غير ذلك الرأي، فهو يرى جواز النقل عن بني إسرائيل، ويدلل علي ذلك بأن الذي ننقله إنما يقصد به الاستئناس فقط دون الاعتقاد وما ينقل للاستئناس لا يضيرنا إن لم نثبت من صحة نقله وذلك بعكس ما ننقله من أجل الاحتجاج والاعتقاد، فلا بد من التثبت من سنده ونقله.\nويقسم الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام: موضوع وضعيف وغير ذلك فأما القسم الثالث وهو الذي ليس بموضوع ولا ضعيف فينقل للحجة، وأما الضعيف فينقل للترغيب، وأما الموضوع فينقل للتنبيه على كذبه. وكأنه يبيج نقل هذه الأقسام جميعها. فهو يوجد لكل قسم منها مسوغًا يسوغ نقله ووضعه في كتبنا. وانظر إليه وهو يقول: عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] ما نصه.\n(فإن أنكر منكر الاستشهاد بالتوراة أو بالإنجيل، وعمى عن أن الأحسن في باب النظر، أن يرد على الإنسان بما يعتقده، تلوت عليه قول الله تعالى استشهادًا على كذب اليهود ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] وقوله تعالى. ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] حتى آيات من أمثال ذلك كثيرة. وذكرته باستشهاد النبي - ﷺ - بالتوراة في قصة الزاني ... الخ) (١).\nوإذا كان هذان العالمان الجليلان مختلفين نحو هذه الإسرائيليات فأحدهما ينظر إلى الرواية والسند، والآخر ينظر إلى طبيعة المنقول. والمنقول إليه، من حيث الموافقة والمخالفة، فإن إمامًا ثالثًا وهو الحافظ ابن حجر يرى رأيًا آخر، وهو أن هذه الإسرائيليات ينبغي أن لا يطلع عليها إلا من كان متمكنًا من دينه، متضلعًا في\n_________\n(١) تفسير البقاعي (١/ ٣٧٢). دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.","vol":"1","page":237},{"text":"معرفة الأحكام، وذلك من أجل ألا ينزلق فيعتقد ما لا ينبغي اعتقاده (١). وهذا الرأي من ابن حجر حري بالتقدير والقبول وهو مناسب فيما أرى.\nومهما يكن من أمر فقد قيض الله لهذه الأمة أعلامًا أجلاء لينقوا لها دينها من كل شائبة وليحفظوا لها تراثها صافيًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>الإسرائيليات تتجاوز القصص إلى العقيدة:</span>\nولو أن هذه الإسرائيليات وقفت عند هذه الكمية الضخمة من القصص لكان أمرًا غير متقبل فكيف إذا كان الأمر أشد خطرًا؟\nنعم إنما يزيد الأمر خطورة، أن تكون هذه الإسرائيليات ألبست ثوبًا آخر، لتصبح أصلًا من الأصول المعتقدة فيتفرع عنها الكثير مما كان له أثر على كثير من الناس وبخاصة في تفسير كتاب الله. ومن هذه المسائل التي تسربت إلينا، اعتقاد كثير من اليهود أن كتابهم التوراة، ينبغي أن يفهم على أربعة أوجه، ولقد نقلت هذه القضية إلى البيئة الإسلامية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>هل للقرآن ظهر وبطن</span>؟\nوجدنا من تأثر بهذه القضية وادعى أن للقرآن ظهرًا وبطنًا وحدًا ومطلعًا، حتى إنهم رفعوا ذلك إلى الرسول عليه وآله الصلاة والسلام. فصار هذا القول أصلًا فيما بعد عند كثير من المسلمين لا فرق بين سنة وشيعة ومتصوفة، إذ أخذوا هذا القول على أنه مسلم به، وبدأوا يفسرون كل آية حسب أهوائهم، فإذا قيل لهم إن تفسيركم هذا مخالف لقواعد اللغة وصحيح المنقول، قالوا غاب عنك أن للقرآن ظهرًا وبطنًا وتشعّب البطن إلى بطون كثيرة، وصار الأمر هوى مطاعًا ونحلة فتبعة. ولعمر الحق لقد كان ذلك من أكثر الأبواب خطرًا على القرآن وأهله، بل على الدين كله.\n_________\n(١) فتح الباري ج ٩/ ١٧، دار المعرفة بيروت ١٣٧٩ هـ. كتاب التفسير باب ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦].","vol":"1","page":238},{"text":"وأذكر أن الأستاذ الشيخ الذهبي -﵀- الذي كان المشرف الأول على رسالتي التي كتبتها لنيل درجة الدكتوراه قد ذكر هذه القضية في كتابه (التفسير والمفسرون) غير مرة على أنها من المسلمات، وقلت له: إنني خالفتك في هذه القضية، حيث إنني بعد الدراسة والتمحيص، وجدت من الأحرى أن يرد هذا القول. فقال: ﵀، بكل أدب وذوق، وتلك لعمر الحق أخلاق العلماء: سآخذ ما كتبته لأضعه عندما أطبع كتابي -التفسير والمفسرون- طبعة أخرى ولكنه استشهد ﵀ رحمة واسعة قبل أن يطبع كتابه طبعة جديدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>الروايات في هذه القضية وتمحيصها:</span>\nولا بد من أن نعرض لهذا القول من عدة نواح. سرد الروايات أولًا، ومناقشة سند الحديث ثانيًا، وفي الخطوة الثالثة نناقش متن هذا الحديث، لكي نكون على بينة من الأمر فتتبعها، ولا نتبع أهواء الذين لا يعلمون. وإليكم روايات هذا الحديث:\n١ - أخرج الفريابي (حدثنا سفيان عن يونس عن عبيد عن الحسن قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لكل آية ظهر وبطن ولكل حرف حد ولكل حد مطلع).\n٢ - وأخرج الديلمي من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعًا (القرآن تحت العرش له ظهر وبطن يحاج العباد)،\n٣ - وأخرج الطبراني وأبو يعلى والبزار وغيرهم عن ابن مسعود موقوفًا (أن هذا القرآن ليس منه حرف إلا له حد ولكل حد مطلع).\n٤ - وأخرج ابن حبان في صحيحه قال: أخبرنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن) (١).\n_________\n(١) تحقيق: الشيخ شعيب الأرناؤوط (١/ ٢٧٦).","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>دراسة أسانيد الحديث:</span>\nإن رواية الفريابي فضلًا على أنها مرسلة، فإن المصدر الذي ذكرت فيه ليس من المصادر التي يطمئن إليها أهل الحديث، وكذلك الرواية الثانية للديلمي فما ذكر في هذين الكتابين ينظر إليه العلماء نظرة حذر، بل لا يأخذون ما فيهما إذا لم يات من طرق أخرى. أما الرواية الثالثة فهي موقوفة، على الرغم من أنها وردت في كتب ليس كل ما جاء فيها صحيحًا فلنقصر بحثنا إذًا على الرواية الرابعة والأخيرة، أعني رواية ابن حبان، وأذكر السند هنا مرة أخرى لتسهل مناقشته:\nقال ابن حبان: أخبرنا عمر بن محمد الهمداني، حدثنا إسماعيل بن أبى أويس حدثني أخي عن سليمان بن بلال عن محمد بن عجلان عن أبي إسحاق الهمداني عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ - .. الحديث. هذا هو سند ابن حبان. قال الذهبي في الميزان: (إسماعيل بن أبي أويس عبد الله بن عبد الله بن أبي أويس ابن أخت مالك بن أبي عامر الأصبحي محدث ومكثر فيه لين. قال أحمد لا بأس به، وقال ابن أبي خيثمة عن يحي: (صدوق ضعيف العقل، ليس بذلك).\nوقال أبو حاتم: محله الصدق مغفّل، وقال النسائي ضعيف. وقال الدراقطني لا أختاره في الصحيح) (١).\nوجاء في تهذيب التهذيب (٢) بعد أن ذكر نسبه وعمن روى ومن روى عنه قال عثمان الدارمي عن ابن معين وقال ابن خيثمة عنه: (صدوق ضعيف العقل، ليس بذلك) يعني أنه لا يحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤديه، أو يقرأ من غير كتابه. وقال معاوية بن صالح عنه: (هو وأبوه ضعيفان). وقال عبد الوهاب بن عصمة عن\n_________\n(١) الميزان ج ١ ص ٢٢٢ - ٢٢٣.\n(٢) ج ١ ص ٢٨٤.","vol":"1","page":240},{"text":"أحمد بن أبي يحيى عن ابن معين. (ابن أبي أويس وأبوه يسرقان الحديث)، وقال إبراهيم بن الجنيد عن يحيى: (مختلط يكذب ليس بشيء) وقال النسائي في الكلام عليه إلى أن يؤدي إلى تركه، ولعله بان له ما لم يبن لغيره، لأن كلام هؤلاء يؤول إلى أنه ضعيف. وقال ابن عدي (روي عن خاله أحاديث غرائب لا يتابعه عليها أحد)، وعن سليمان بن بلال وغيرهما من شيوخه. وقال العقيلي في الضعفاء عن يحيى بن معين. (ابن أبي أويس لا يسوى فلسين). وحكى ابن أبي خيثمة عن عبد الله بن عبد الله العباس صاحب اليمن أن إسماعيل ارتشى من تاجر عشرين دينارًا، حتى باع له على الأمير ثوبًا يساوي خمسين بمائة، وذكره الإسماعيلي في المدخل، فقال: كان ينسب في الخفة والطيش إلى ما أكره ذكره. وقال لبعضهم جانبناه للسنة وقال ابن حزم في المحلى: قال أبو الفتح الأزدي (حدثني سيف بن محمد أن ابن أبي أويس كان يضع الحديث). انتهى بتصرف. ومن أراد المزيد فعليه بكتب الرجال.\nولكن بقي هنا أن يقال، ما دامت هذه حال ابن أبي أويس فكيف يروي له الإمام البخاري ﵁ في صحيحه؟ وأحب هنا لكي أجيب عن التساؤل أن أنقل ما ذكره الحافظ في مقدمة فتح الباري (قال ﵀: لم يخرج له البخاري مما تفرد به إلا حديثين. وأما مسلم فأخرج له أقل من ذلك. ثم قال روينا في مناقب البخاري بسند صحيح، أن إسماعيل أخرج له أصوله وأذن له أن ينتقى منها. وأن يعلّم له على ما يحدث به، ليحدث به ويعرض عما سواه وهو مشعر بأن ما أخرجه البخاري عنه هو من صحيح حديثه، لأنه كتب من أصوله. وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلا أن يشاركه فيه غيره فيعتبر فيه) .. انتهى (١).\nأما ما ورد عن أبي الأحوص وهو أحد رواة هذا الحديث فلقد جاء في (ميزان\n_________\n(١) هدي الساري ج ١ ص ١٥١.","vol":"1","page":241},{"text":"الاعتدال): ما حدث عنه سوى الزهري، وثقه بعض الكبار. وقال ابن معين ليس بشيء نقله عباس الدوري عنه وقال ابن القطان: لا يعرف له خال، ولا قضى له بالثقة. قول الزهري: سمعت أبا الأحوص يحدث في مجلس سعيد بن المسيب) انتهى (١) باختصار:\nولقد طبع والحمد لله (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان) بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط، وقد حكم المحقق على الحديث بالحسن. قال: (إسناده حسن إن كان أبو إسحاق هو الهمداني كما ذكر المؤلف، وهو عمرو بن عبد الله السبيعي، ولين إن كان إبراهيم بن مسلم الهجري كما رواه الطبري في تفسيره، وكلاهما يكنى أبا إسحاق، وكل منهما قد روى عن أبي الأحوص عوف بن مالك الجشمي.\nوأخرجه الطبراني في الكبير (١٠٠٩٠) والبزار (٢٣١٢) من طريقين عن أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان بن بلال بهذا الإسناد، إلا أنهما قالا: عن أبي إسحاق، ولم يذكر (الهمداني) وقال البزار بإثره: لم يروه هكذا غير الهجري، ولا روى ابن عجلان عن الهجري غيره، ولا نعلمه من طريق ابن عجلان إلا من هذا الوجه.\nوأخرجه الطبري من طريق محمد بن حميد الرازي، حدّثنا جرير بن عبد الحميد، عن مغيرة، عن واصل بن حبان عمن ذكره عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود، قال قال: رسول الله - ﷺ - .. وهذا سنده ضعيف لجهالة الواسطة بين واصل بن حبان وبين أبي الأحوص. وقد فسر الطبري ﵀ الجملة الأخيرة فقال: فظهره: الظاهر في التلاوة، وبطنه: ما بطن من تأويله.\nوعلق عليه الشيخ محمود شاكر ﵀ فقال: الظاهر هو ما تعرفه العرب من كلامها، وما لا يعذر أحد بجهالته من حلال وحرام، والباطن: هو التفسير الذي\n_________\n(١) ميزان الاعتدال ج ٤ ص ٤٨٧.","vol":"1","page":242},{"text":"يعلمه العلماء بالاستنباط والفقه، ولم يرد الطبري ما تفعله الطائفة الصوفية وأشباههم في التلاعب بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، والعبث بدلالات ألفاظ القرآن وادعائهم أن لألفاظه ظاهرًا، هو الذي يعلمه علماء المسلمين وباطنًا يعلمه أهل الحقيقة فيما يزعمون، وانظر كلام البغوي في شرح السنة بتحقيقنا (١/ ٢٦٣) (١).\nوجرى بيني وبين الشيخ شعيب في شأن الحديث حديث، بينت مخاطر ما يترتب على هذا الحديث من سلبيات، فتقبل مشكورًا ووعد أن يعيد النظر فيما قال إن طبع الكتاب مرة ثانية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>دراسة متن الحديث:</span>\nأما فيما يتصل بمتن الحديث، فأنقل ما قال الإمام السيوطي في الإتقان (٢). (أما الظهر والبطن ففي معناه أوجه، أحدها أنك إذا بحثت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها. والثاني أنه ما من آية إلا عمل بها قوم ولها قوم سيعملون بها، كما قال ابن مسعود فيما أخرجه ابن أبي حاتم. والثالث: إن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها. والرابع: قال أبو عبيد وهو أشبهها بالصواب، إن القصص التي قصها الله تعالى عن الأمم الماضية وما عاقبهم به، ظاهرها الإخبار بهلاك الأولين، إنما هو حديث حدث به قوم وباطنها وعظ الآخرين، وتحذيرهم أن يفعلوا كفعلهم، فيحل بهم مثل ما حل بهم. وحكى ابن النقيب قولًا خامسًا أن ظاهرها ما ظهر من معانيها لأهل العلم بالظاهر، وباطنها ما تضمنته من الأسرار التي أطلع الله عليها أرباب الحقائق. ومعنى قوله (ولكل حرف حد) أي منتهى فيما أراد الله من معناه.\nوقيل لكل حكم مقدار من الثواب والعقاب على المراد به وقيل كل ما يستحقه\n_________\n(١) الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان/ تحقيق شعيب الأرناؤوط (١/ ٢٧٦).\n(٢) كتاب الإتقان ج ٢ ص ١٨٤.","vol":"1","page":243},{"text":"من الثواب والعقاب يطلع عليه في الآخرة عند المجازاة. وقال بعضهم: الظاهر التلاوة والباطن: الفهم، والحد: أحكام الحلال والحرام، والمطلع: الإشراف على الوعد والوعيد). انتهى.\nأما صاحب الموافقات (١) فهو يذكر هذه المسألة، ويرى القارئ من عبارته أنه غير مطمئن لهذه القضية، وإن عدم اطمئنان الشاطبي لهذه المسالة، جعله يذكرها بصيغة تدل على التشكيك والتمريض والتضعيف. فهو يقول: (من الناس من زعم أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، وربما نقلوا في ذلك بعض الأحاديث والآثار. فعن الحسن مما أرسله عن النبي - ﷺ - أنه قال: (ما أنزل الله آية إلا ولها ظهر وبطن -بمعنى ظاهر وباطن- ولكل حرف حد ولكل حد مطلع (وفسر بأن الظهر والظاهر هو ظاهر التلاوة، والباطن هو الفهم عن الله لمراده، لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] (٢) والمعنى لا يفهمون عن الله مراده من الخطاب، ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس الكلام، كيف وهو منزل بلسانهم؟ وكان هذا هو الذي روي عن على كرم الله وجهه حينما سئل. (هل عندكم كتاب؟ فقال: لا. إلا كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم وما في هذه الصحيفة. الحديث ..)، ومضى الشاطبي في بيانه هذا، وكأنه يريد أن يسد الطريق على المتحمسين والمتكلفين، فذكر شرطًا للظاهر وشرطًا للباطن. فشرط الظاهر موافقة اللغة وعدم مخالفة الشرع، وشرط الباطن موافقة اللغة وشهادة الشرع (٣).\nمما تقدم ندرك إدراكًا يقينيًا، أن الحديث الذي ذكروه قد وهن متنًا (٤) وسندًا.\n_________\n(١) الموافقات ج ٣ ص ٣٨٢.\n(٢) المرجع المذكور ص ٣٩١.\n(٣) المرجع نفسه ٣٩٤.\n(٤) هناك متون يختلف فيها الناس، فمثلًا حديث نزول القرآن على سبعة أحرف، قبلت منه آراء كثيرة، ولكن مع كثرة هذه الاأقوال فإن من السهل علينا أن نعين المختار منها.","vol":"1","page":244},{"text":"ولهذا يغلب على ظننا، بل نكاد نجزم بأن الحديث موضوع وإذا أراد بعض الناس أن يحسن الظن فيه، فإنه لا يخرجه من زمرة الأحاديث الضعيفة ضعفًا متناهيًا وحديث تلك رتبته لا يقبله العلماء في فضائل الأعمال من زهد وورع، فما ظنك بأصل من أعظم أصول الدين خطرًا وأكبرها أثرًا. وعلى التسليم بأنه حديث ضعيف، فإن بعض الأئمة الكبار لا يحتج بالضعيف مطلقًا. ومن احتج به، فإنما اشترط لذلك شروطًا، فيها أن يكون في فضائل الأعمال وأن يكون الضعفُ غير شديد، بمعنى ألا يكون في رواته من انفرد من الكذابين أو المتهمين بالكذب، ومن فحش غلطه، وأن يندرج تحت أصل معمول به، وأن لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط. وليس شرطا من هذه الشروط، قد استوفاه حديث نزول القرآن على بطن وظهر.\nلقد أطلت الكلام عن هذا الحديث، ولقد رأيتني مضطرًا إلى ذلك لأني رأيت كثيرًا من الأجّلة في تصانيفهم يمرون به دونما تعليق، بل ربما يشعر كلام كثيرين منهم بصحته، وذلك كله قد فتح لأصحاب الأهواء باب التأويل على مصراعيه فكل صاحب نحلة باطلة، أو بدعة زائفة او صاحب حقد دفين على هذا الدين وأهله، جعل من هذا الحديث منفذًا ينفذ منه إلى ما يريد، وأسال الله أن يلهمنا الصواب ويجنبنا الخطأ، وأكتفي بهذا القدر، والحق أن الإسرائيليات بما فيها من قصص وأخبار كانت من أعظم الأخطار على هذا الدين من ناحية، وعلى عقول بعض أهله وقلوبهم من ناحية أخرى.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>الفَصْلُ الخَامِس التفسير في عصر التدوين</span>\nلا نستطيع أن نتبين بالتحديد أول مدون للتفسير، وإن كان بعض الباحثين يذكر أن سعيد بن جبير ومجاهدًا في القرن الأول الهجري، قد دون كل منهما تفسيرًا للقرآن. إلا أني أشك في تلك الروايات فالمعروف عن سعيد بن جبير أنه كان يخشى أن يدون شيئًا في التفسير وقد ذكر ابن خلكان في ترجمته أنه سئل أن يدون شيئًا في التفسير، فقال إن قطع لسانه أهون عليه من ذلك (١). ولكن القرن الثاني ولا شك كان ميدانًا للتدوين والتأليف فقد شغل القرآن علماء هذا العصر على اختلاف مسالكهم ومشاربهم، وقد تفرعت بحوثهم وانتظمها سبيلان اثنان:\nأولهما: التفسير بالمأثور.\nوثانيهما: الدراسات اللغوية للقرآن.\nأما الدراسات اللغوية فكان في مقدمتها: مجاز القرآن لأبي عبيدة، ومعاني القرآن للفراء، ولقد اشتهر الأول بالمعاني اللغوية للكلمات، والأساليب اللغوية عند العرب، كما اشتهر الثاني بقضايا الإعراب، وذكر بعض الروايات الأثرية، ولم يخل من ذكر بعض الأساليب.\nوأما التفسير بالمأثور، فقد بدأ أولًا، وكانت مهمته نقل الروايات بأسانيدها، دون تعليق عليها، ودون مزج لهذه الروايات بلون آخر من الدراسة. كتفسير يزيد بن هارون السلمي المتوفى سنة ١١٧ هـ، وتفسير مقاتل بن سليمان، وتفسير عبد الرزاق الصنعاني، ونظرة واحدة إلى هذه التفاسير تعطينا صورة واضحة عما اشتملت عليه وهو نقل الروايات فحسب، ثم تدرج التفسير خطوة أخرى، وإذ به لا\n_________\n(١) وفيات الأعيان ج ١ ص ٢٥٦.","vol":"1","page":246},{"text":"يقتصر على نقل الأقوال، بل نراه يجمع إليها كذلك قضايا القراءات، وبعض قضايا الإعراب. وهذه المسائل بالطبع لم تكن هي القصد الأول لهؤلاء المفسرين. بل كان قصدهم هو نقل الروايات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>ابن جرير الطبري:</span>\nكان الاعتقاد السائد أن ابن جرير هو الذي خطى في التفسير هذه الخطوة ونقله تلك النقلة. إلا أن العلامة ابن عاشور ﵀، يذكر أن هناك حلقة بين ابن جرير، ومن سبقه ممن عني بنقل الروايات فحسب، نقل عنها العلماء والمستشرقون، ويعني بذلك تفسير يحيى بن سلام، الذي ذكر فيه بعض أوجه القراءات، كما كان يرجح بعض الآراء على بعض، ويبدي رأيه في ذلك (١).\nومهما يكن من أمر فإن جامع البيان لابن جرير كان الإمام والمورد في تفسير القرآن للعلماء جميعًا. ولا أشك في أن تفسير ابن جرير، كان الممهد لمن جاء بعده من المفسرين على اختلاف اتجاهاتهم، فالمعروف أن ابن جرير لم يذكر في تفسيره الروايات فحسب، بل كان يرجح ما يراه مستحقًّا للترجيح، ويذكر أوجه القراءات وبعض مسائل اللغة من إعراب وغيره، ويتطرق إلى النواحي الفقهية وأمور العقيدة، والخلاف مشهور بينه وبين الحنابلة في بعض المسائل. إننا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا: عن تفسير ابن جرير كان النواة الأولى للتفسير بالرأي، وليس كما شاع من إن تفسير بالمأثور فحسب. ولعل الذين جعلوه من قسم التفسير بالمأثور، نظروا إلى ما فيه من روايات كثيرة فحسب. يقول الشيخ ابن عاشور ﵀ (والعجب كل العجب، من ابن خلدون، حين راجت عليه هذه الشبهة، فعده من\n_________\n(١) التفسير ورجاله ص ١٠ فما بعدها وقد أشار ابن عاشور إلى أن عبد الملك بن جريج قد وضع تفسيرًا بالمأثور في القرن الثاني الهجري قبل تفسير ابن سلام ومع ذلك فإن تفسير ابن جربر لا شبيه له.","vol":"1","page":247},{"text":"مدوني الآثار المنقولة، مثل الواقدي والثعالبي، وقد يرجع السبب في ذلك، إلى أن تفسير الطبري، كان منذ قرون مفقودًا أو في حكم المفقود، حتى إن صاحب كشف الظنون لم يقف عليه (١).\nلقد كان محمد بن جرير ﵀ إمام المفسرين بحق، وكان تفسيره الأنموذج العلمي ذا الروعة والبيان. لذلك عرف الأئمة فضله، فقالوا ما قالوا فيه وعنه، ولا يحط من قيمته العلمية، ما فيه من بعض الإسرائيليات أو الروايات الضعيفة، ما دام يبين أسانيدها -ومن أحالك فقد أسندك- ومن الظلم لعلمائنا وتراثهم، أن نغمطهم حقهم، وأن نضع هذا التراث ونحفظه في متاحف أثرية، كما يرى الأستاذ عبد المنعم النمر، في مقال كتبه في مجلة العربي عن تفسير الطبري. فهو يرى أن يختصر أمثال هذا التفسير، وأن تبقى النسخ الأصلية في مكتبات لا يطلع عليها إلا الخاصة. إننا حينما نصدر أحكامنا على الناس، ينبغي أن نراعي الظرف والبيئة التي عاشوا فيها، فهل نريد من ابن جرير مثلًا، أن يرد في تفسيره على مطاعن المستشرقين، أو يبين لنا بوضوح أنظمة القرآن في الاجتماع والسياسة والمال، مقارنًا ذلك بالنظم الأخرى؟ . إن من الإنصاف الواجب علينا أن نقدر رجلًا كان يريد أن يجعل تفسيره ثلاثين ألف ورقة، لولا الرفق بطلابه ومستمعيه، فجعله في ثلاثة آلاف.\n_________\n(١) التفسير ورجاله ص ٣٧.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>مدارس التفسير بعد ابن جرير الطبري</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>١ - المدرسة البيانية:</span>\nوبعد ابن جرير بدأ العلماء يتوسعون في دلالات الألفاظ القرآنية، وفي ما تلقيه هذه الألفاظ من ظلال. فكانت هناك اتجاهات ومدارس متعددة في التفسير، وأهمها المدرسة البيانية. وكان أساتذتها بادي بدء من المعتزلة، ولكن أهل السنة استلموا زمامها فيما بعد، وذلك بفضل ابن قتيبة صاحب (تأويل مشكل القرآن) وأبي بكر الباقلاني، وعبد القاهر الجرجاني، إلا أن هذا لم يحل دون تربع الزمخشري المعتزليّ على كرسي الأستاذية لتلك المدرسة، والكشاف خير شاهد على ذلك، فلقد كان الإمام في تجلية البيان القرآني وللكشاف تلاميذ نهلوا من مورده. ومن أشهر هؤلاء البيضاوي والنسفي وأبو السعود. وهؤلاء، وإن خالفوا الكشاف في عقيدة الاعتزال، فإن من الأنصاف أن نسجل أنهم لم يتأثروا به فحسب، بل لقد كانوا عالة على عباراته، مع أنهم تفاوتوا في سبك تلك العبارة وتدبيجها أو اختصارها وضغطها.\nولا نعدو الحقيقة إذا قررنا أنه ليس هناك مفسّر بعد الزمخشري، إلا وللزمخشري عليه فضل، مع تفاوتهم فيما أفادوه من هذا التفسير العظيم، وما نقلوه عن هذا الإمام الفاضل، ولا يحط من قيمته تلك الحملات التي تعرض لها الزمخشري وكشافه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>٢ - المدرسة الفقهية:</span>\nظهرت بعض التآليف والتصانيف التي عني أصحابها بتجريد آيات الأحكام على حدة، وبيان ما فيها من اختلافات الفقهاء، وبعضهم فسر الآيات القرآنية كلها، لكن كانت له عناية خاصة بآيات الأحكام، ويمثل هذا اللون كتب أحكام القرآن التي تعددت بتعدد المذاهب، (مثل أحكام القرآن) للإمام الشافعي و(أحكام القرآن)","vol":"1","page":249},{"text":"للجصاص الحنفي ومثيله للكيا الهراسي الشافعي، ورابع لأبي بكر بن العربي المالكي، ثم القرطبي في موسوعته التفسيرية الجامع لأحكام القرآن والذي ظهرت فيه الصبغة الفقهية، فاسمه بحق ينبئ عن ذلك بأوضح صورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>٣ - المدرسة العقدية:</span>\nالمدرسة العقدية كان إمامها فخر الدين الرازي بتفسيره (مفاتح الغيب)، ثم بدأ العلماء يختصرون هذا التفسير كما فعل النيسابوري وغيره.\nومما هو حقيق بالإشارة ها هنا أن ما قيل في تفسير الرازي من أن فيه كل شيء إلا التفسير عبارة ظالمة، فمفاتح الغيب بحر زخّار إن كان فيه كل شيء، فيجب أن يكون فيه التفسير، فالتفسير من أعظم أشياء العلم، صحيح أن فيه غوصا في كثير من القضايا العلمية والعقدية والجدلية بين الفرق والمذاهب، ولكنه مع ذاك كله يلبّي رغبة القارئ في قضايا الأحكام واللغة وغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>٤ - مدرسة التفسير بالمأثور:</span>\nمدرسة عنيت بآثار السلف، واحتفظت بالروايات المأثورة. وقد مثل هذه المدرسة ابن الجوزي في كتابه (زاد المسير في علم التفسير) وابن عطية في (المحرر الوجيز) والحاظ ابن كثير في تفسيره، والسيوطي في (الدر المنثور) على تفاوت فيما بينهم في الأسلوب والمنهج. إلا أن تلك التفاسير ما عدا الأخير لم تكن قاصرة على ذكر الروايات وحدها، بل جمعت إلى ذلك كثيرًا من الآراء، أما الدر المنثور فقد اقتصر فيه السيوطي -﵀- على الروايات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>٥ - مدرسة المتصوّفة:</span>\nهذه المدرسة تمثلها المؤلفات التالية:\nأولًا: تفسير القرآن العظيم لابن عبد الله التستري.","vol":"1","page":250},{"text":"ثانيًا: لطائف الإشارات للقشيري.\nثالثًا: التفسير المنسوب لابن عربي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>٦ - المدرسة الوعظية:</span>\nويمثلها الإمام الخازن في تفسيره، والخطيب الشربيني. فهذان التفسيرات يمكن أن يفيد منهما كثير من الناس وبخاصة تفسير الخازن.\nهذه أهم مدارس التفسير التي مثلت تلك المرحلة، على أن هناك مفسرين أسهموا في خدمة كتاب الله تعالى وتفسيره وفق تخصصاتهم من أمثال أبي حيان النحوي في (البحر المحيط) وغير ذلك، هذا عدا عن تفاسير الفرق المختلفة.\nولا بد أن نقرر هنا أن المفسرين -﵏ - كانوا موسوعيين، فكان كلٌّ منهم دائرة معارف، وهذا شأن المفسر، فإذا قررنا أن أحدهم اشتهر بصبغة معينة، أو اتجاه خاص فليس معنى هذا أن تفسيره كان قاصرًا على هذا الاتجاه وتلك الصبغة، فالزمخشري مثلًا من أئمة البيان، لكن الأمور العقدية، وبخاصة عقيدة الاعتزال، احتلت جانبًا كبيرًا من هذا التفسير، وكذلك قضايا النحو، والإشارة إلى بعض القضايا الفقهية.\nوإذا قلنا إن تفسير الرازي يمثل المدرسة العقدية، فليس معنى هذا أنَّه كان مقتصرًا على هذا الاتجاه، بل اشتمل التفسير على كثير من قضايا اللغة متنها ونحوها وفقهها، كما كان فيه تفصيل لكثير من قضايا الفقه واختلاف الفقهاء، كذلك الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي، لم يخل من جوانب متعددة، ومن هنا كان الدارس لهذه التفاسير يجد نفسه في بحر متلاطم الأمواج، لذلك آثرت الحديث عنهم وفق التاريخ الزمني، وليس حسب اتجاهاتهم، لأنَّ الحديث حسب اتجاهاتهم يسلبنا كثيرًا من الفوائد، فعندما أتحدث عن الزمخشري مثلًا، أأتحدث عنه من حيث الاتجاه البياني أم العقدي؟ أم من حيث الاتجاه الفقهي؟ وكذلك الأمر مع الإمام الرازي.","vol":"1","page":251},{"text":"وحينما أتحدث عن البحر المحيط لأبي حيان أأتحدث عنه من الجانب النحوي فحسب؟ مع أن البحر بحر، فيه ما فيه من أنواع الدرر وصنوف اللآلئ.\nثمَّ بدأتْ محاولة جمع تلك المدارس في جامعة واحدة، والذي أعلمه أن أول من حاول هذه المحاولة هو الإمام السيوطي، كما حدثنا هو نفسه عن ذلك، وجعل كتابه (الإتقان) مقدمة لهدا التفسير يقول السيوطي (وقد جعلته مقدمة للتفسير الكبير الذي شرعت فيه، وسميته مجمع البحرين، ومطلع البدرين الجامع لتحرير الرواية، وتقرير الدراية، ومن الله استمد التوفيق والهداية، والمعونة والرعاية، إنه قريب مجيب) (١). ولكن هذه الجامعة لم يهيأ لها أن تفتح أبوابها لجماهير الدارسين، حتى جاء القرن الثاني عشر الهجري، إذ قيض الله لهذه الأمة عالمًا فذًا ذكيًا محققًا، ذلكم هو شهاب الدين الآلوسي البغدادي، فوضع تفسيره (روح المعاني) فجاء جامعة قرآنية، لم يهمل فيها مسائل المتكلم، ولا مشكلات النحوي ولا روايات الأثري، ولا آراء الفقيه، ولا نكات البياني، ولا قضايا العلم والكون، ولا نفحات الصوفي أو شطحاته فكان روح المعاني روح أقوال كل هؤلاء، يزين ذلك كله تحقيق الرجل لكل تلك المسائل، وإفاضته في ذلك كله. وبهذا التفسير ختمت المرحلة الثانية، لتبدأ مرحلة جديدة هي التفسير في العصر الحديث. فرحم الله علامة الرافدين أبا الثناء شهاب الدين الآلوسي وجزاه الله عن تحقيقه خير الجزاء. ومن الإنصاف أن نسجل هنا أن جامع البيان لابن جرير وكشاف الزمخشري ومفاتح الغيب للرازي، هي الأفلاك التي تدور حولها جميع كتب التفاسير في مرحلة التدوين.\nولا يفوتني قبل التحدث عن المرحلة الثالثة، أن أذكر أن المرحلة الثانية التي استغرقت ما يزيد على عشرة قرون، كانت غنية كل الغنى بنفائس الدرر في تفسير القرآن الكريم، فيما أنتجته عقول الأئمة الأعلام، ودبجته أيديهم. فهناك مئات\n_________\n(١) الإتقان (١/ ٢٧).","vol":"1","page":252},{"text":"التفاسير، وعشرات المدارس غير الذي حدثتك عنه.\nإن هذه المرحلة، أعني مرحلة التدوين، ملأت مئات الخزائن من المؤلفات، التي يحتاج عدها فحسب إلى مجلدات، فما بالك بالتعريف بها، فضلًا على التفصيل والتعليق، إن ذلك أمر لا يستطيع أيّ فرد أن يقوم به، بل هو يحتاج إلى أكثر من فريق، وذلك كله ليس كثيرًا على هذا الكتاب الخالد، كتاب الله، الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد، فرحم الله أئمتنا وأجزل لهم في العطاء وجزاهم خير الجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>التفسير في العصر الحديث </span>(١)\nيختلف الباحثون في تحديد العصر الحديث، والذي أراه أن هذا يختلف باختلاف الأمم أولًا، وباختلاف العلوم المتحدث عنها ثانيًا، فالعصر الحديث عند الأوروبيين مثلًا يختلف عنه عندنا، ومؤرخو الأدب العربي يجعلون ابتداءه مطلع القرن التاسع عشر، إلا أنّ العصر الحديث للتفسير، إنما ابتدأ في رأيي بظهور تفسير الإمام الشيخ محمَّد عبده، وذلك في نهاية القرن التاسع عشر. ولعل خير شاهد على ذلك، هذا البون الشاسع من حيث الموضوع والأسلوب في التفسير بين الآلوسي الذي توفي سنة ١٢٧٠ هـ - أي بعد ولادة الشيخ محمَّد عبده بست سنين - وتفسير الشيخ محمَّد عبده. فلقد كان منهج الشيخ في التفسير وأسلوبه وموضوعاته التي عرض لها، كان ذلك كله جديدًا يختلف عما ألفه الناس من الناحية التقليدية في التفسير. ولئن كان يغلب على اتجاه التفسير في هذه المرحلة، الطابع الاجتماعي، فإن مدرسة الإمام في التفسير كاتت النواة لجميع الاتجاهات التي اتسعت دائرتها فيما بعد، وأهمها الاتجاه البياني والفقهي (٢) والعلمي والعقدي\n_________\n(١) وهو موضوع هذا الكتاب.\n(٢) ويمثل هذا تفسير المنار ومجلة المنار كذلك حيث كانت تعرض لكثير من القضايا الفقهية المعاصرة.","vol":"1","page":253},{"text":"والسياسي والاجتماعي والاتجاه الموضوعي. وهناك مع كل أسف تفسيرات منحرفة عن جادة الصواب، بعضها عن قصد وبعضها عن غير قصد.\nوالتفسير في العصر الحديث يتسع باتساع الزمن، فلئن بدأ بالإمام محمَّد عبده - ﵀ - إلا أننا نجد له اليوم أعلامًا ومدارس، وهذا أمر طبعي، فارتباط المسلمين بكتابهم أمر حيوي، تحتمه الظروف، فلا حياة لهم إلا به، وسنحاول في هذا الكتاب إن شاء الله بفضل الله ومنته وتيسيره، أن تقدم لك خلاصة، أرجو أن تكون جمّة الفوائد، طيبة الجنى، دانية القطوف، وارفة الظلال، تجد فيها تفصيلًا لما أجمل من قبل.\nراجيًا من الله التوفيق، فهو ولينا في الدنيا والآخرة، له الفضل وحده، وعليه التوكل والاعتماد وهو حسبي ونعم الوكيل.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>البَابُ الثَّاني أسباب اختلاف المفسِّرين</span>\nوفيه خمسة فصول:\nالفصل الأوّل: اختلاف المفسّرين وأسبابه.\nالفصل الثاني: الرأي المختار في أسباب اختلاف المفسرين.\nالفصل الثالث: مخالفة المفسّرين.\nالفصل الرابع: تذوق القرآن وفهمه لا بد له من التعمق في العربية.\nالفصل الخامس: الآيات المختلف فيها بين المفسّرين في سورة الحجّ - أنموذج تطبيقي.","vol":"1","page":255},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>الفَصْلُ الأَوّل اختلاف المفسّرين وأسبابه</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-134> مقدّمات لا بدّ منها:</span>\nهذا هو الباب الثاني من هذا الكتاب وهو واسطة عقده ولبّ ثمراته. ولقد جهدتُ فيه ما يسّر الله وما مكنّني فيه فأكثرتُ فيه من الأمثلة التي توسم بالجدّة محاولًا تجلية أمورٍ من الأهمية بمكانٍ تتصل بموضوع التفسير من هنا فإنني أرجو من ذوي التخصص الدقيق والراغبين في الدراسات القرآنية العناية بهذا الموضوع راجيًا أن يجدوا فيه بغيتهم وأن يحلّ كثيرًا مما يدور في خلدهم وأن يفتح لهم أبواب البحث في موضوعات قرآنية تمسّ الحاجة إليها. وما توفيقي إلَّا باللهِ عليه توكّلت وإليه أنيب.\nولن أعرض في هذا الباب للخلافات التي ليس لها حظ من النظر، وأعني بذلك الخلافات المذمومة التي سلكها أصحاب النّحَل الباطلة وذوو الأهواء والجهلة من الأقدمين والمحدَثين. ولقد أشرتُ إلى شيء من هذه الخلافات عند حديثي عن التفسير بالرأي.\nوالاختلاف بين الناس فطرةٌ فطر الله الناس عليها، وقد ذكر الله ﵎ في آيات كريمات من آي القرآن الحكيم بعض هذه الاختلافات ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] وقد يكون الاختلاف بين الناس رحمةً من أجل عمارة هذا الكون. والاختلاف بين المفسّىرين - وقد وعدنا أن نتجنب الاختلافات المذمومة - اختلافٌ تتسع به الآفاق والمدارك وتهذّب به الأفكار وتُصقَلُ به الآراء فيعرف راجحها من مرجوحها.","vol":"1","page":257},{"text":"والقرآن الكريم كتاب الله يتسع لكلّ ما هو حقّ إذا كان لا يتعارض مع مراد الله ﵎، وهذا ما روي عن أمير المؤمنين عليّ ﵇: \"القرآن حمَّالٌ ذو وجوه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>الخلافات الفقهية والعقدية:</span>\nوالاختلافات بين المفسّرين منها ما يرجع إلى اختلافهم في تفسير آيات الأحكام، أو الاختلاف العقدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>أولًا: الخلافات الفقهية:</span>\nوهذا هو أكثر ما اختلف فيه العلماء، يدلّنا على هذا هذه الأسفار الضخمة الثمينة التي كُتبت في أحكام القرآن. وليس على القارئ إلَّا أن يرجع إلى تفسير آية في \"أحكام القرآن\" للجصّاص أو أحكام القرآن لابن العربي أو غيرهما من الكتب التي أُلّفت في هذا الموضوع.\nفمن خلافاتهم في تفسير آيات الأحكام على سبيل المثال:\n١ - اختلافهم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] حيث اختلفوا في أيّ المساجد يحرم دخولها على غير المسلمين.\n٢ - اختلافهم في تفسير آية القصاص في قول الله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨] حيث اختلفوا أيقتل الحرّ بالعبد والرجلُ بالمرأة والمسلم بغيره؟\n٣ - اختلافهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] حيث اختلفوا أواجبة العمرة أم سنّة؟\n٤ - قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ذهب أكثر العلماء إلى أنّ من تمتع بالعمرة لا يجوز له أن يذبح الهدي قبل يوم النحر. وذهب الشافعية إلى أنَّه يمكنه ذلك بعد انتهائه من العمرة. بيان ذلك إنّ علّة","vol":"1","page":258},{"text":"الهدي أداء العمرة ثمّ أداء الحجّ. لكنّ الشافعيّة قالوا: إذا تحقّق جزء العلّة وهو أداء العمرة صحّ تقديم الهدي. وشبيه هذا اختلافهم فيمن حلف على شيء وأراد إتيانه: أيأتيه قبل أن يكفّر عن يمينه؟ قال بعضهم. لا بدّ من أن يكفِّر أوّلًا. وقال آخرون: يمكنه أن يأتي الذي حلفَ على إتيانه ثمّ يكفِّر بعد ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>ثانيًا: الخلافات العقديّة:</span>\nهناك خلاف آخر بين العلماء، لكنّه في آيات العقيدة، حيث كان الخلاف بين كثير من الأشاعرة والمعتزلة ثمَّ بينهما وبين الحنابلة وبخاصّة شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵏ جميعًا. وسأكتفي بذكر مثالٍ أو مثالين لكلّ نوع من هذه الخلافات، لأنها كثيرة مبثوثة في كتب التفسير والعقائد والأحكام. فمن الخلافات العقديّة مثلًا:\n- اختلافهم عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وقد جاءت هذه الآية الكريمة في محاجّة أبينا إبراهيم أبي الأنبياء وشيخ الحنفاء - ﵌ - قومه \"قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون\" حيث احتُجَّ بهذه الآية على المعتزلة الذين يرون أن العبد يخلق أفعال نفسِه، فرأى خصومُهم أنّ هذه الآية تردّ عليهم فقالوا إنَّ (ما) في قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] مصدريّة، فالمعنى \"والله خلقكم وعملكم\" فعلى هذا التفسير تكون أفعال العباد مخلوقةً لله تعالى، ولكنّ المنصفين - ومنهم الإمام الطبري ﵀ - ذهبوا غير هذا المذهب فقالوا: إنّ (ما) اسم موصول والمعنى \"كيف تعبدون هذه الأصنام التي تنحتونها من الحجر والخشب وغيرهما والله ﷾ هو الذي خلقكم وخلق هذه الموادّ التي تنحتون أصنامكم منها\". وهذا التفسير هو الذي يؤيده سياق الآيات. ولا يظُنَّنَ ظانٌّ أنني أنتصر لمذهبٍ ما في هذه القضيّة، لكن الذي يعنيني أنْ لا يكون هناك تكلف في تفسير كتاب الله تعالى.\n- ومن هذه الخلافات العقدية اختلافهم في تفسير الكرسي في قوله تعالى:","vol":"1","page":259},{"text":"﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فقد نقل الطبري أقوالًا متعددة في تفسير الكرسي بدأها بما روي عن ابن عباس -﵄- من أن الكرسي هو العلم واستدلَّ له بشواهد من القرآن واللغة، وذكر أقوالًا أخرى منها أن الكرسيّ على حقيقته، ومنها أنَّه العرش أو موضع القدمين (١). ولستُ بصدد الترجيح بين هذه الأقوال إذ مثل هذا له مكان آخر، كما أنني لا أودّ أن أتوسّع في هذين النوعين من الخلاف إذ محلّهما كتب الفقه والعقائد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>الخلافات بين المفسرين: أهي في التفسير بالنقل أم في التفسير بالرأي</span>؟\nقسمنا التفسير من قبل إلى تفسير بالنقل وتفسير بالرأي، ونتساءل هنا: أهذا الاختلاف بين المفسرين في التفسير بالنقل أم في التفسير بالرأي؟ والذي يبدو لنا أن جل الاختلاف إن لم يكن كله إنما هو في التفسير بالرأي، أما التفسير بالمنقول فلا نكاد نجد فيه خلافًا، وقد نجد تعددًا في كثير من الروايات، لكن عند إنعام النظر نجدها متحدة من حيث المعنى.\nيقول الإمام الشاطبي ﵀. \"من الخلاف ما لا يعتدّ به وهو ضربان:\nأحدهما: ما كان من الأقوال خطأ مخالفًا لمقطوع به في الشريعة، وقد تقدَّم التنبيه عليه.\nوالثاني: ما كان ظاهره الخلاف وليس في الحقيقة كذلك، وأكثر ما يقع ذلك في تفسير الكتاب والسنة، فتجد المفسّرين ينقلون عن السلف في معاني ألفاظ الكتاب أقوالًا مختلفة في الظاهر، فإذا اعتبرتها وجدتها تتلاقى على العبارة كالمعنى الواحد، والأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد القائل فلا يصح نقل الخلاف فيها\" (٢).\n_________\n(١) الطبري ٣/ ٧ - ٨ طبعة بولاق ١٣٢٤ هـ.\n(٢) الموافقات ٤/ ١٤٠.","vol":"1","page":260},{"text":"ويقول شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ بعد أن ذكر أن الاختلاف نوعان اختلاف تضادّ واختلاف تنوع \"وهذا القسم الذي سميناه اختلاف تنوع كل واحد فيه من المختلفين مصيب فيه بلا تردد، ولكن الذم واقع على من بغى على الآخر فيه\" (١).\nويقول محمَّد بن نصر المروزي ﵀: \"وجهل قوم هذه المعاني فإذا لم توافق الكلمة الكلمة قالوا هذا اختلاف\" (٢).\nويقول الإمام الزركشي ﵀:\n\"يكثر في معنى الآية أقوالهم واختلافهم، ويحكيه المصنفون للتفسير بعبارات متباينة الألفاظ، ويظن من لا فهم عنده أن في ذلك اختلافًا فيحكيه أقوالًا، وليس كذلك، بل يكون كل واحد منهم ذكر معنى ظهر له من الآية، وإنما اقتصر عليه لأنه أظهر عند ذلك القائل، أو لكونه أليق بحال السائل، وقد يكون بعضهم يخبر عن الشيء بلازمه ونظيره، والآخر بمقصوده وثمرته، والكلّ يؤول إلى معنى واحد غالبًا، والمراد الجميع فليتفطن لذلك، ولا يفهم من اختلاف العبارات اختلاف المرادات كما قيل:\nعباراتنا شتّى وحسنك واحد ... وكلٌّ إلى ذاك الجمال يشير\n. . . وكثيرًا ما يذكر المفسرون شيئًا في الآية على جهة التمثيل لما دخل في الآية فيظن بعض الناس أنَّه قصر الآية على ذلك\" (٣).\nولا أراني في حاجة إلى الإكثار من ذكر الأمثلة فهي قضية واضحة وما على القارئ الكريم إلا أن يرجع إلى تفسير ابن الجوزي \"زاد المسير\" إذا أرد المزيد.\n_________\n(١) اقتصاء الصراط المستقيم ١/ ١٣٥.\n(٢) السنة/ ٧.\n(٣) البرهان/ ٢/ ١٥٩ - ١٦٠.","vol":"1","page":261},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-139> آراء الكاتبين في أسباب اختلاف المفسرين</span>\nتحدّث العلماء والمفسّرون قديمًا وحديثًا عن أسباب اختلاف المفسّرين في تفسير آي كتاب الله العزيز، وقد أُلّفت في هذا كتب وبحوث خاصّة. ممّن تحدث عن ذلك قديمًا الإمام المفسّر الشهير ابن جزي ﵀، ففي مقدمة تفسيره (كتاب التسهيل لعلوم التنريل) وضع مقدمة عقد الباب الخامس منها للحديث عن أسباب الخلاف بين المفسّىرين والوجوه التي يرجح بها بين أقوالهم.\nقال ﵀: \"فأما أسباب الخلاف فهي اثنا عشر:\nالأوّل: اختلاف القراءات.\nالثاني: اختلاف وجوه الإعراب وإن اتفقت القراءات.\nالثالث: اختلاف اللغويين في معنى الكلمة.\nالرابع: اشتراك اللفظ بين معنيين فأكثر.\nالخامس: احتمال العموم والخصوص.\nالسادس: احتمال الإطلاق أو التقييد.\nالسابع: احتمال الحقيقة أو المجاز.\nالثامن: احتمال الإضمار أو الاستقلال.\nالتاسع: احتمال الكلمة زائدة.\nالعاشر: احتمال حمل الكلام على الترتيب وعلى التقديم والتأخير.\nالحادي عشر: احتمال أن يكون الحكم منسوخًا أو محكمًا.\nالثاني عشر: اختلاف الرواية في التفسير عن النبي - ﷺ - وعن السلف -﵃-\" (١).\n_________\n(١) التسهيل: ١/ ١٥.","vol":"1","page":262},{"text":"وأتبع ابن جزي ذلك بذكر وجوهٍ للترجيح عند التعارض وهي عنده اثنا عشر وجهًا كذلك (١).\nوقد ذكر شيخ الإِسلام ابن تيمية بعض أسباب الخلاف وأنواعه في مقدمته في أصول التفسير.\nوذكر الطوفي بعض أسباب الخلاف في كتابه \"الإكسير في علم التفسير\".\nوحديثًا ألفت رسائل وكتب مستقلة في هذا الموضوع منها رسالة دكتوراه للدكتور الشيخ سعود بن عبد الله الفنيسان بعنوان \"اختلاف المفسرين أسبابه وآثاره\".\nوأفرد الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي مبحثًا خاصًّا لهذا في كتابه \"بحوث في أصول التفسير ومناهجه\" ومثله الشيخ مساعد بن سليمان الطيار في كتابه \"فصول في أصول التفسير\"، وأفرد الدكتور محمَّد بن عبد الرحمن بن صالح الشايع كتابًا خاصًّا للموضوع بعنوان \"أسباب اختلاف المفسّرين\" ذكر فيه عشرين سببًا هي: (٢)\n١ - اختلاف القراءات في الآيات: الأصل في القراءات التوافق، وإنما تُعدّ القراءتان المتواترتان كالآيتين عند تعارضهما في المعنى وعدم إمكان حملهما على معنى واحد (٣). وقد مثل لهذا السبب بأمثلة منها قوله تعالى:\n﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ففي (اتَّخذوا) قراءتان سبعيتان: واتَخَذوا، بفتح الخاء على المضيّ، و\"اتّخِذوا\" بكسر الخاء على الأمر، ويستدل بالأولى على سنّيّة الصلاة خلف المقام وبالثانية على وجوبها.\n٢ - ما يتعلق بحديث الرسول - ﷺ - بلوغًا أو ثبوتًا أو فهمًا ومن أمثلة هذا السبب قوله\n_________\n(١) التسهيل: ١/ ١٥ - ١٦.\n(٢) ينظر ص ٣٥ وما بعدها.\n(٣) نقلًا عن الدر المصون: ٣/ ٥٥٥.","vol":"1","page":263},{"text":"تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] حيث فُسّر الظلم بالشرك للحديث الشريف الذي أورده الشيخان في تفسير الآية (١).\n٣ - احتمال الإحكام أو النسخ: ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] حيث قيل إنّها منسوخة بآية الزكاة وقيل إنها محكمة غير منسوخة فإما أنها باقية في صدقة التطوع، وإما أن المقصود بالعفو الزكاة بعينها.\n٤ - احتمال العموم أو الخصوص: ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]. فلفظة الناس الأولى عامّة والمراد بها خاص وهو رجل بعينه أو جماعة بعينها وقد عُرف هذا بالإطلاع على سبب النزول.\n٥ - احتمال الإطلاق أو التقييد: ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] حيث جاء تقييد ميراث الزوجين في هذه الآية وجاء إطلاقه في غيرها.\n٦ - احتمال الحقيقة أو المجاز: ومن أمثلته قوله سبحانه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] حيث نقل الكاتب عن أبي حيان ميله إلى حمل هذه الآية ومثيلاتها ممَّا يوهم التجسيم على معانٍ مجازيّة، ثمَّ ردّ ذلك التأويل وضعَّفه.\n٧ - احتمال اللفظ تعدد المعاني لا على سبيل الاشتراك: ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَقَال الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠] ساق الكاتب ثلاثة أقوال للمفسّرين في معنى الهجران هي هجر القرآن بالإعراض عنه، أو أن يقولوا فيه هجرًا أي قبيحًا، أو أن يجعلوه هجرًا من الكلام وهو ما لا نفع فيه. ثمّ قرّب المعنى الأوّل وضعّف الثاني والثالث. وهذا من الاختلاف في الروايات وكلّها متقاربة يمكن الجمع بينها.\n٨ - إجمال اللفظ: والاختلاف بسبب الإجمال كثيرٌ ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿كُلُوا\n_________\n(١) الحديث في فتح الباري ١/ ٨٧، ٨/ ٥١٣، ومسلم الشرح النوويّ ٢/ ١٤٣.","vol":"1","page":264},{"text":"مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].\nفقد ورد لفظ (الحق) في الآية مجملًا، لذا اختُلف في المقصود به على أقوال، أولها: زكاة الزروع، وثانيها: الصدقة، وثالثها: أن هذا الحق كان مفروضًا قبل الزكاة ثمَّ نُسخ بها.\n٩ - الاختلاف في وجوه الإعراب: مثاله قوله تعالى: ﴿قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦].\nففي إعراب \"أربعين\" قولان: الأوّل أنها منصوبة بمحرّمة، وعليه يُوقف على قوله \"يتيهون في الأرض\" والمعنى أن التحريم والتيه مدّتهما أربعون سنة. والثاني أنها منصوبة بالفعل \"يتيهون\"، وعليه يُوقف على قوله \"محرمة عليهم\" والمعنى أن التحريم كان مؤبدًا، وأن التيه كان أربعين سنة. وأشار الكاتب إلى أن المعنى هنا أثر فيه كل من الإعراب والوقف، والحقّ هو العكس فالمعنى هو الذي أثر في الإعراب والوقف.\n١٠ - الاختلاف في مرجع الضمير: ومثاله قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق: ٦] فقد اختلف في مرجع الضمير في قوله \"فملاقيه\" فقيل إنه عائد إلى قوله \"كدحًا\" وقيل إنّه عائد إلى قوله \"ربك\". وكلاهما صحيح. والخلاف في مرجع الضمير يعود إلى الخلاف في المعنى لا كما ذكر الكاتب.\n١١ - الاشتراك اللفظي: وقد مثّل له بأمثلة للاشتراك في الاسم والفعل والحرف. ومن الأمثلة التي ساقها قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥] فالإخفاء ورد في اللفظ بمعنيين متضادّين هما الكتم والإظهار وقد ورد التفسير بكليهما.","vol":"1","page":265},{"text":"١٢ - احتمال الكلام التقديم والتأخير، وتقدير إعادة الترتيب: ذكر الكاتب أن السيوطي جعله قسمين:\nالأوّل: ما أشكل معناه بحسب الظاهر، فلمّا عرف أنَّه من باب التقديم والتأخير اتّضح. والثاني: ما ليس كذلك، وهو الذي لا يتوقف فهم معناه على تقدير التقديم والتأخير، وإنما لتقديمه أسباب وأسرار، على أن الأصل إقرار الكلام على نظمه وترتيبه، فلا يصار إلى القول بالتقديم والتأخير إلا بمحجّة وقرينة.\nوقد مثل الكاتب لهذا السبب بأمثلة منها قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] والتقدير: كتب عليكم الوصية إذا حضر أحدكم الموت. والمواد قبل حضور الموت؛ لأنه إذا حضر موته فهو في شغل شاغل. والحق أن ليس في هذه الآية خلاف بين المفسِّرين وإنما تقديم الشرط على قوله الوصية لحكم بيانية ليس محلّ ذكرها هنا.\n١٣ - احتمال وجود حذف واحتياج الكلام إلى تقدير محذوف مثاله قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] فقد اختلف في قوله سبحانه: \"وأضله الله على علم\" بحسب اختلاف التقدير فقيل: على علم من العبد بضلال نفسه، وقيل على علم من الله تعالى بضلال العبد. وهذا يرجع إلى الاختلاف في المعنى لا كما ذكر الكاتب.\n١٤ - احتمال كون الكلمة صلة في سياق الكلام. وقد أشار الكاتب في الحاشية إلى أن بعض المفسّرين عبروا بأنّها زائدة، لكن تأدّبًا مع القرآن الكريم ودفعًا لسوء الفهم يعبّر بالصلة (١)، ومثل لها الكاتب بأمثلة منها قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦] فقد اختلف في (لا) بين كونها صلةً لتأكيد الكلام وتقويته، وبين كونها نافيةً للقسم نفسه أو\n_________\n(١) الصلة اصطلاح الكوفيين، والزائد اصطلاح البصريين.","vol":"1","page":266},{"text":"نافيةً لكلام مقدّر، ولكنّ التحقيق أن هذا قسم بدليل قوله تعالى: \"وإنه لقسم لو تعلمون عظيم\".\n١٥ - الاختلاف في الاستثناء في نوعه وعَوْده: مثاله قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] فقد اختُلف في عَوْد الاستثناء في قوله ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ وفي نوعه، فقيل: إنه استثناء متصل مختص بقوله ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ وبناءً عليه يقتضي المعنى تحريم المذكورات إلَّا ما أُدركتْ ذكاته ممّا أكل السبع، وقيل: إنه استثناء منقطع، وبناءً عليه يقتضي المعنى تحريم المذكورات كلها، لكن ما ذكيتم أنتم فهو الذي يحلّ لكم وقيل: إنه استثناء متصل راجع على كل ما يمكن عوده إليه من المذكورات ممّا يمكن ذكاته قبل موته. وهو قول جمهور العلماء وأقول ما دام هذا قول جمهور العلماء فغيره مردود، ثمّ إن هذا ناشيء عن اختلافهم في أصل المسألة، وليس مرده الاستثناء في الآية الكريمة.\n١٦ - الاختلاف في معاني الحروف: من أمثلته قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠] فقد اختلف في تفسيرها للاختلاف في معنى \"من\" في قوله \"منكم\" فقيل. المعنى \"لجعلنا بدلكم\". فتكون \"من\" هنا للبدلية. وقيل: المعنى: ولو نشاء لقلبنا الخِلقة فجعلنا بعضكم ملائكة يخلفون من ذهب منكم فتكون \"من\" للتبعيض والحق أن الاختلاف في المعنى هو الذي نشأ عنه الاختلاف في معنى \"من\" فالإعراب فرع المعنى دائمًا، وليس كما قال الكاتب.\n١٧ - إغفال دلالة سياق الآية: مثاله قوله تعالى: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٩] فقد ذكر بعض المفسّرين أن الطّلح هو الموز، واعترض بعض أهل اللغة بأن الطّلح عند العرب هو شجر كثير الشوك، وردّ الكاتب اعتراضهم لأنَّ سياق الآيات سياق امتنان.\n١٨ - التعصب المذهبي: ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] أشار الكاتب إلى أن الجصاص استدلّ بالآية على أنَّه يجوز للمرأة أن تعقد على نفسها دون وليّ ولا إذن وليّ.","vol":"1","page":267},{"text":"وهو خلاف قول الجمهور فقد صحّ في الحديث الشريف خلافه.\n١٩ - الاختلاف العقدي: مثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٣: ١٦] أشار الكاتب إلى استدلال المعتزلة بالآية على خلود العصاة من أهل الكبائر في النار وردَّ ذلك.\n٢٠ - اختلاف المفسّرين في مفهوم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: فقد اختلف أهل الفرق في هذا فمنهم من يرى أن الأنبياء معصومون من وقت مولدهم، والثاني من وقت بلوغهم بحيث لا يجوز عليهم ارتكاب الكفر والكبائر قبل النبوة، ومنهم من يرى أن العصمة بعد النبوة، وهم أهل السنة، ومثّل الكاتب بقوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: ١ - ٢] وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧] وبعد أن ذكر أقوال المفسّرين انتصر لقول أهل السنّة.\nوأقول: سامح الله الكاتب فليس في هذا خلاف معتبر بين المفسّرين على اختلاف مذاهبهم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-140> ملحوظات على ما ذكروه من أسباب الاختلاف:</span>\nوهذه الأسباب التي ذكروها لنا عليها أكثر من ملحظ بالاضافة إلى ما ذكرناه من قبل:\nأولًا: ما فيها من تداخل، فهناك عدة أسباب ترجع إلى اللغة، أو إلى الاختلاف العقدي، فالاختلاف في مفهوم عصمة الأنبياء مثلًا ناشئ عن خلاف عقدي، وكذلك الاختلاف في الاستثناء وعود الضمير يرجعان إلى المعنى.\nثانيًا: قولهم إنّ الاختلاف في التفسير ناشئ عن الاختلاف في الإعراب وهذا كلام غير مقبول فإنّ من المسلّمات عند العلماء أن الإعراب فرع المعنى، فالمعنى","vol":"1","page":268},{"text":"هو الأساس والأصل، والحركات الإعرابية دوالٌّ على المعاني، فهي تعبر عن المعنى المقبول في الآية، لكن لا يجوز أن نقول إن الاختلاف في التفسير ناشئ عن الاختلاف في الإعراب، فالصحيح أنّ اختلاف المعنى نشأ عنه اختلاف الإعراب، لا أنّ اختلاف الإعراب نشأ عنه اختلافُ المعنى، ومن ثمّ اختلاف التفسير وإليكم هذه الأمثلة:\n١ - قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢].\nللمفسّرين أكثر من رأي في فهم الآية الكريمة: ذهب كثيرون إلى أنّ هناك ملكين نزلا إلى الأرض يعلّمان الناس السحر ونسجوا حول هذا الموضوع قصصًا عجيبة. وذهب المحققون إلى أنّ هذا من الإسرائيليات التي ينبغي أن ننزه القرآن عنها وقالوا: ليس هناك ملكان نزلا. وقد فُصّل هذا في موضعه.\nونتج عن هذا الاختلاف في فهم المعنى اختلاف في الإعراب، فعلى الرأي الأوّل تكون (ما) اسمًا موصولًا والمعنى: يعلّمون الناس السحر والذي أُنزل على الملكين. وعلى الرأي الثاني تكون (ما) نافية والمعنى: ولمْ ينزلْ على الملكين شيءٌ.\nفقد رأيَنْا إذَنْ أنّ اختلاف الإعراب نشأ عن اختلاف المعنى وليس العكس.\n٢ - قال تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥].\nاختلفوا في معني قوله: وما عملته أيديهم. فقال بعضهم: إنّ المعنى: ليأكلوا من ثمر هذا الشجر وليأكلوا مما عملته أيديهم من أنواع الطعام الذي منّ الله به عليهم، وعلى هذا المعنى تكون (ما) اسمًا موصولًا. وقال آخرون - وهو الذي يتفق مع سياق الآيات الكريمات - إنّ المعنى: ليأكلوا من ثمره وهذا","vol":"1","page":269},{"text":"الثمر منّة من الله ونعمة لم تعمله أيديهم ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤] على هذا المعنى تكون (ما) نافيةً.\n٣ - قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢].\nيظنّ كثير من الناس أنّ المعنى: جاء ربُّك وجاءَ الملكُ صفوفًا صفوفًا.\nوبناءً عليه تكون الواو الثانية في قوله (والملك) عاطفةً.\nولكن التحقيق الذي لا معدل عنه: أنّ المعنى: جاء ربك والملكُ مصطفّون صفوفًا صفوفًا، وبناءً عليه تكون الواو الثانية في قوله (والملك) حالية.\n٤ - قال تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد: ١: ٤].\nاختلف المفسّرون في المراد من قوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ قال بعضهم: المعنى أقسم بهذا البلد وبوالد وما ولد وأنت مستحَلٌّ به، أيْ إنهم استحلّوا حرمتك وآذوك في هذا البلد الحرام، وعلى هذا المعنى تكون جملة (وأنت حل بهذا البلد) معترضةً بين القسمين: أعني القسم بالبلد الحرام والقسم بوالد وما ولد.\nوقال آخرون: معنى قوله ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ أي: وأنت مقيمٌ بهذا البلد. وعليه يكون القسم بهذا البلد حال إقامتك فيه.\nوقال غيرهم: جملة (وأنت حلّ بهذا البلد) هي وعدٌ من الله لسيدنا رسول الله - ﷺ - بأنّ الله سيمنّ عليه بعد هجرته بفتح مكة فتصير حلالًا له. وهذا من قبيل الإعجاز القرآني في الإخبار بالمغيبات. ويؤيد هذا قوله - ﷺ -: \"إنّ الله حرّم مكة، وإنما أحلّت لي ساعة من نهار\". وعلى هذين المعنيَيْن الثاني والثالث تكون جملة \"وأنت حلّ بهذا البلد\" حالية.\nوأكتفي بهذه الأمثلة لبيان أن الإعراب فرع المعنى وليس المعنى فرع الإعراب كما يُفهم من عبارة كثير من الكاتبين.","vol":"1","page":270},{"text":"وقريب من هذا قول بعضهم إن من أسباب اختلاف المفسرين اختلاف القرّاء في الوقف والوصل، وهذا مردود كذلك، لأن اختلافهم في الوقف والوصل ناشئ عن اختلاف المعنى، فالشأن في الوقف والوصل كالشأن في الإعراب فكلاهما فرع عن المعنى. وهذه أمثلةٌ للاختلاف في الوقف والوصل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>اختلاف التفسير المسبِّب للاختلاف في الوقف والوصل:</span>\nأولًا: قال تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢] ذكر الزمخشري ﵀ أن الأليق بالبلاغة أن تكون هذه الجمل الأربع مستقلة كلٌّ على حدة: الأولى \"ألم\". الثانية \"ذلك الكتاب\". الثالثة: \"لا ريب فيه\". الرابعة \"هدى للمتقين\".\nهذا هو المشهور عند المحققين من العلماء، لكن رأينا بعضهم يجعلها ثلاث جمل: الأولى \"ألم\". الثانية \"ذلك الكتاب لا ريب\". الثالثة \"فيه هدى للمتقين\".\nولا شكّ أن الأليق بالنظم الكريم هو الأوّل، فعليه يكون الكتاب كلُّه هدى. أمَّا على الثاني فيكون فيه هدى.\nثانيًا: قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢].\nللمفسرين آراء في تفسير الآية الكريمة، فبعضهم يرى أن هناك ملكين كانا يعلمان الناس السحر بما أنزل عليهما، وذهب آخرون وهو ما أرجحه أن لا ملكين، وإليكم بيان ذلك:\nلقد نُسجت قصص كثيرة حول تفسير الآية الكريمة جُلّها ممّا لا يتفق مع شرع الله، ويتنافى مع عصمة الملائكة والأنبياء - ﵇ - وهؤلاء يرون أن (ما) في الآية الكريمة اسم موصول، واختلفوا في محله من","vol":"1","page":271},{"text":"الإعراب، فبعضهم يرى أن محله الجرّ؛ لأنه معطوف على ملك سليمان والمعنى عند هؤلاء: إن هؤلاء اليهود اتبعوا ما تقوله الشياطين على ملك سليمان وعلى الذي أنزل على الملكين، وذهب آخرون إلى أن محله النصب معطوف على (ما) في قوله واتبعوا ما تتلو الشياطين والمعنى واتبع اليهود ما تتخرص به الشياطين على ملك سليمان، واتّبعوا ما أنزل على الملكين.\nولكنّ أكثر المفسرين رأى أنَّه في محلّ نصب معطوف على السحر، والمعنى ولكنّ الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ويعلمونهم ما أنزل على الملكين.\nوعلى هذه الأقوال جميعها لا يوقف على كلمة السحر، بل ينبغي أن توصل بما بعدها ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾. هذا كله إذا عددنا ما اسما موصولًا.\nلكنّ المحققين من العلماء ذهبوا مذهبًا آخر، وفهموا الآية فهمًا نرجو أن يكون أقرب إلى السداد، فهم ينكرون القصة من أساسها، ينكرون أن هناك ملكين أنزل عليهما من السماء ما يتصل بالسحر من أجل تعليم الناس، ينكرون هذا من أساسه، و(ما) عند هؤلاء المحققين ليست اسما موصولًا، بل هي حرف نفي، والمعنى: أنَّه ليس هناك ملكان أنزل عليهما شيء من هذا، فـ (ما) نفي للقيد والمقيد، أي لم ينزل شيء على الملكين، لأنه ليس هنا ملكان وهذا الرأي - كما قلت - ذهب إليه كثير من المحققين وهو ما أختاره؛ لأنه أكثر انسجامًا مع قيم القرآن الكريم وفطرة الإِسلام وعلى هذا الرأي ينبغي أن يقف القارئ عند قوله سبحانه ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ ثمَّ يستأنف ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ أي لم ينزل على الملكين شيء، لأنه ليس هناك ملكان بهذه الصفة (١) أرأيتم عناية العلماء بالمعنى الذي هو الأليق في فهم الآية الكريمة وكيف يتأثر الإعراب والوقف في تنوع هذه المعاني؟\n_________\n(١) راجع تفسير البيضاوي.","vol":"1","page":272},{"text":"ثالثًا: قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥].\nللقرّاء طريقان في الوقف فبعضهم وقف عند قوله \"من ربه\" ثمَّ استأنف \"والمؤمنون كلٌ آمن\" فيكون المؤمنون مبتدأ وما بعده خبره، وبعضهم وقف عند قوله \"والمؤمنون\" واستأنف \"كلٌ آمن\" فيكون \"والمؤمنون\" معطوفًا على \"الرسول\".\nوالذي هو أوفق وأعظم دلالة على منصب الرسول - ﷺ - الأوّل لا ريب؛ لأنَّ إيمان الرسول مختلف عن إيمان غيره، فهو إيمان مكاشفة وعيان. وهذا ما ذهب إليه المحققون من الأئمة والجهابذة من المفسّرين. قال العلّامة أبو السعود ﵀: \"وتغيير سبك النظم الكريم عمّا قبله لتأكيد الإشعار بما بين إيمانه ﵇ المبني على المشاهدة والعيان وبين إيمانهم الناشيء عن الحجة والبرهان من التفاوت البين والاختلاف الجلي كأنهما متخالفان من كل وجه حتى في هيئة التركيب الدالّ عليهما وما فيه من تكرير الإسناد لما في الحكم بإيمان كل واحد منهم على الوجه الآتي من نوع خفاء محوج إلى التقوية والتأكيد أي كل واحد منهم آمن\" (١).\nرابعًا: قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠].\nوقف الأكثرون عند قوله \"من سوء\" واستأنف \"تودّ لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا\" فيكون المعنى: يوم يجد كل إنسان عمله خيرًا أو شرًّا ثمَّ استؤنف فقيل \"فماذا يكون موقف فاعل الشرّ؟ \" قيل: تودّ لو أنّ بينها وبينه أمدًا بعيدًا.\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ١/ ٢٠٧.","vol":"1","page":273},{"text":"وبعضهم وقف عند قوله \"محضرًا\" ثمَّ استأنف \"وما عملت من سوء تودّ لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا\" فعلى الأوّل يكون قوله \"وما عملت من سوء\" معطوفًا على قوله \"ما عملت من خير\". ويكون قوله (تودّ) كلامًا مستأنفًا أو جملة حاليّة.\nوعلى الثاني يكون قوله \"وما عملت من سوء\" مبتدأ خبره \"تودّ\". والذي يتفق مع جزالة النظم ويرجحه المعنى الأوّل لأنَّ الله ﵎ يبيّن أن كل إنسان سيجد ما عمل من خير أو شرّ.\nخامسًا: قال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص: ٢٥] وقف الأكثرون عند قوله \"على استحياء\" ووقفت فئة عند قوله \"تمشي\" فعلى الأوّل يكون المشي على الاستحياء، وفي الثاني يكون القول على الاستحياء، وكلاهما خير للمرأة، لأنَّ سيدنا رسول الله - ﷺ - يقول: \"الحياء خير كلّه. والحياء لا يأتي إلا بخير\" (١).\nسادسًا: قال تعالى: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥] وقف الأكثرون عند قوله \"إليكما\" فيكون المعنى: إن لكما الغلبة بما أكرمناكما به من آيات لا بالكثرة ولا بالقوّة ويجوز الوقف عند قوله \"بآياتنا\" ثمَّ يُبْتدأ \"أنتما ومن اتبعكما الغالبون\" ويكون المعنى: إنَّ عدم وصولهم إليكم وتمكّنهم منكم بقدرة الله وآياته.\nسابعًا: قال تعالى في سورة الفتح في وصف الصحابة رضوان الله عنهم وعليهم: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩].\nحيث وقف بعضهم عند قوله تعالى: ﴿فِي الْإِنْجِيلِ﴾ فيكون المثل واحدًا\n_________\n(١) أخرجه الإمام مسلم في كتاب الإيمان رقم (٦٠، ٦١) [ج ١ ص ٦٤].","vol":"1","page":274},{"text":"في الكتابين. ووقف آخرون عند قوله \"في التوراة\" وابتدؤوا بقوله \"ومثلهم في الإنجيل\" فيكون هناك مَثَلان لهم -﵃ - أحدهما في التوراة وهو قوله ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ وثانيهما في الإنجيل وهو قوله ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ. . .﴾ [الفتح: ٢٩].\nثامنًا: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٩] وقف بعضهم عند قوله تعالى: \"الشهداء\" فيكون المعنى: إن هؤلاء المؤمنين بالله ورسله إيمانًا كاملًا لهم هاتان الصفتان العظيمتان: الأولى: \"الصديقون\" والثانية: \"الشهداء\" ويكون المقصود بالشهداء هنا الشهود على غيرهم، وذلك كقوله تعالى ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨]. ووقف بعضهم عند قوله ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ وابتدأ بقوله ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾. فيكون المقصود بالشهداء الذين استشهدوا في سبيل الله حيث قدموا أنفسهم الغالية في سبيل الله كما نراه الآن في فلسطين والعراق وأفغانستان من مقاومة لقوى البغي والطغيان فجزاهم الله خير الجزاء. على أننا في هذه الآية نرجح الأوّل وهذا هو الأوفق بالسياق.\nتاسعًا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٣] قال بعض المفسرين: معنى قوله \"فيم أنت من ذكراها\" أي في أيّ شيء أنت من معرفتها، إن معرفة الساعة من شأن علّام الغيوب، لا يجلّيها لوقتها إلا هو، فيكون قوله (فيم أنت من ذكراها) جملة مستقلة.\nوقال آخرون (فيم) إنكار لسؤالهم، أي لِمَ يسألون هذا السؤال، وهم لا يعملون من أجلها؟ ثمَّ ابتدئ الكلام بقوله. أنت من ذكراها، أي إرسالك وأنت خاتم الأنبياء عليك وعليهم صلوات الله وسلامه من علاماتها، وهذا يؤيده قوله - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار إلى","vol":"1","page":275},{"text":"إصبعيه الشريفين: السبابة والوسطى\".\nوعلى هذا المعنى يكون الوقف على قوله (فيم) ثمَّ يبتدأ بقوله \"أنت من ذكراها\".\nوأكتفي بهذه الأمثلة. وخلاصة القول إن الاختلاف في فهم المعنى هو الذي ينشأ عنه الاختلاف في الإعراب أو الاختلاف في الوقف والوصل.\nإن هذه قضية لها شأنها وخطرها، وهكذا نجد أنهم قد بالغوا في التكثر من أسباب اختلاف المفسرين وتفريعها وتشعيبها بلا داعٍ، وكان الأولى جمع القضية في أسباب رئيسة يندرج تحتها كثير مما ساقوه ومثلوا له.","vol":"1","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>الفَصْلُ الثَّاني الرأي المختار في أسباب اختلاف المفسّرين</span>\nإذا كنا لا نقرّ الاختلاف في التفسير بالمنقول كما ذكره بعض الأفاضل أفنرجع اختلافات العلماء في التفسير كلها إلى اختلافهم في الرأي والاجتهاد؟ ليس الأمر كذلك. فهناك اختلافات ليس مبعثها الرأي والاجتهاد، بل مبعثها أمور أخرى وإليكم بيانها:\nيرجع الاختلاف الذي ليس مبعثه الرأي إلى أنواع ثلاثة:\nأولًا: الاختلاف فيما صحّ عن سيدنا رسول الله - ﷺ -.\nثانيًا: الاختلاف الناشئ عن اختلاف القراءات الصحيحة.\nثالثًا: اختلافهم فيما مرجعه اللغة، وأعني بها احتمال الكلمة أكثر من معنى لغويّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>أولًا: الاختلاف فيما صحَّ عن الرسول - ﷺ </span>-:\nوهذا النوع يكاد يكون غير موجود إذ لا يُعقل أن يصحّ حديث عن الرسول - ﷺ - في تفسير آية ثمّ يصحّ حديث آخر يناقضه ويعارضه، فمثل هذا لا يُقبل من آحاد الناس فكيف بمن لا ينطق عن الهوى؟ فإذا صحّ الحديث عن الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم فلا يُعْدَل عنه إلى قول آخر. اللهم إلَّا إذا كان هذا القول الآخر لا يتعارض مع الحديث الصحيح. مثال ذلك ما ورد عن الرسول - ﷺ - في تفسير الكوثر من قوله تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ من أنَّه نهر في الجنّة، وقد ورد عن ابن عباس -﵄ - أنّ صيغة (الكوثر) تدلّ على الخير الكثير ومن هذا الخير النهر في الجنّة، فلا يطنَّنَ ظانٌ أن قول ابن عباس مناقض لقول","vol":"1","page":277},{"text":"الرسول - ﷺ -، فمن فضل الله علينا أنَّه ليست هناك روايات في التفسير تثبت عن الرسول - ﷺ - بينها تعارض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>ثانيًا: الاختلاف بسبب تعدد القراءات </span>(١):\nما كان منشأ الاختلاف فيه القراءات الصحيحة مقبول قطعًا؛ لأنه إما أن يمكن الجمع بين هذه القراءات من حيث المعنى وهو كثير، وإن لم يمكن الجمع فلا يكون ثمّ تناقض بين هذه التفاسير، فمن ذلك مثلًا:\n١ - الاختلاف في قوله تعالى. ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ٣٧] \"حيث ورد (آدم) فاعلًا في بعض القراءات، و(كلمات) فاعلًا في قراءة أخرى.\n٢ - ومن ذلك اختلاف القراءات في قوله سبحانه ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] في سورة الأعراف، حيث قرأها عاصم بالباء، والباقون بالنون، إلا أن منهم من ضم النون والشين معًا (نُشُرا)، ومنهم من ضم النون وسكّن الشين (نُشْرا) ومنهم من فتح النون وسكّن الشين (نَشْرا)، ونحن نعلم أن قراءة الباء تختلف من حيث المعنى عن قراءة النون.\n٣ - ومنه ما ورد في أول سورة البقرة في قوله سبحانه ﴿وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: ٩] و﴿وما يخادعون إلا أنفسهم﴾ وفي الآية ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] من الكذب أو ﴿يُكَذِّبُونَ﴾ من التكذيب.\n٤ - ومنه قوله سبحانه ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] بالضاد المعجمة أي ببخيل وفي قراءة \"بظنين\" بالظاء المعجمة أي بمتَّهم، ومثل هذا كثير.\n٥ - وهناك اختلاف قد يدِقُّ توجيهُه. من ذلك ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَقَدْ\n_________\n(١) الخلاف المعتبر في القراءات إنما هو في القراءات الصحيحة المواترة لا في غيرها. وتَعْلمُ من هذا أنّ استدلال بعض الكاتبين بقوله سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ برفع العمرة على الابتداء كلام غير سديد لأنَّ هذه قراءة شاذّة.","vol":"1","page":278},{"text":"مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال﴾ [إبراهيم: ٤٦] فهناك قراءة بنصب الفعل المضارع \"تزولَ\" وهناك قراءة برفعِه. والتوجيه الإعرابي للقراءة الأولى أن تكون (إنْ) نافية بمعنى (ما) والمعنى \"ما كان مكرُهم ليزيلَ الجبال\" فهو تهوينٌ من شأن مكرهم، فـ\"إنْ\" نافية واللام هي لام الجحود التي يُنْصب بعدها الفعل المضارع. وأما القراءة الثانية \"لَتزولُ\" بفتح اللام ورفع الفعل فتوجيهها إعرابيًا أنّ (إن) مخفّفة من الثقيلة تفيد التوكيد، واللام في (لتزول) هي الفارقة بين (إنْ) النافية و(إنْ) المخفّفة، والمعنى (إنَّ مكرهم يزيل الجبال لشدته\" فهو ليس تهوينًا كما في القراءة الأولى، بل هو تهويل لمكرهم، فهما معنيان لا يمكن الجمع بينهما، لذلك حمل العلماء الجبال في القراءة الأولى التي هوّنت مكرهم على المجاز، وحملوا الجبال في القراءة الثانية على الحقيقة. والمعنى على الأولى \"ما كان مكرهم ليزيل الإيمان الراسخ من قلوبكم ويزحزح قلوبكم عن الإيمان، فالإيمان راسخ كالجبال، لا يستطيعون بمكرهم إزالته وقد ثبت هذا تاريخيًا.\nويكون المعنى على القراءة الثانية وإن مكرهم لشدته يزيل الجبال الراسيات.\n٦ - ومن ذلك ما ورد في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف: ١١٠].\nقرأ الكوفيون: كذبوا بالتخفيف، وقرأ الباقون كذبوا بالتشديد، وقد اشتهر الخلاف بين السيدة عائشة وابن عباس -﵃ - حول هذه الآية الكريمة، ومعنى قراءة التشديد أن الرسل استيأسوا وأيقنوا أن المرسل إليهم قد كذبوهم، فالضمير في (كذِّبوا) للرسل، وترى السيدة عائشة -﵂- أن معنى قوله ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ أي أيقن الرسل أن اتباعهم الذين آمنوا بهم قد كذبوهم لما تأخر النصر.","vol":"1","page":279},{"text":"أما قراءة التخفيف فلها توجيهان:\nأحدهما: أن الظن بمعنى التوهم وحديث النفس، والمعنى أن الرسل لما طال انتظارهم توهموا وحدثتهم أنفسهم أنهم كذبوا وأخلفوا، ويؤيد هذا ما في الآية الأخرى في سورة البقرة قولهم ﴿مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤].\nوثانيهما: هو أن أتباع الرسل هم الذين ظنوا أن الرسل قد كذبوا. وقد روي هذا عن سعيد بن جبير كذلك فعلى الأوّل ضمير ظنوا يرجع إلى الرسل، وعلى الثاني إلى المرسل إليهم ويكون الظن على الأوّل التوهم وحديث النفس كما قلنا. أما على الثاني فيكون الظن على حقيقته أو بمعنى اليقين.\nوحجة السيدة عائشة أن الرسل لا يمكن أن يكون منهم ذلك فقالت: معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها\" (١) وحجة ابن عباس: أنهم بشر يعتريهم ما يعتري البشر من الشك.\nوالذي يبدو لنا أن كلا من القراءتين ترشد المسلمين وتوجههم وهم يحملون لواء الدعوة إلى الله، فالقراءة الأولى تبيّن لهم إذا تيقنوا من إعراض المدعوين ويئسوا من إيمانهم، فحري بهم أن يطمئنوا لنصر الله سبحانه ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤]، ومنها قوله سبحانه: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ: ٤٥].\nأما القراءة الثانية فإنها تبيّن للمسلمين أن ما يكون من خطرات النفس وهواجسها بسبب تأخر النصر لا ينبغي أن يفل عزائمهم أو أن يضعف إرادتهم، فهواجس النفس ووساوس الشيطان لا تنقطع ولكن ينبغي أن يكونوا منها على حذر.\nقراءة التشديد تعلمنا أن لا نيأس، وقراءة التخفيف ترشدنا أن نتغلب على\n_________\n(١) الكشف في القراءات: مكي بن أبي طالب: ٢/ ١٦.","vol":"1","page":280},{"text":"الوساوس والهواجس وخطرات النفوس، فلكل قراءة وجهة حري بالدعاة إلى الله أن يحسبوا لها حسابًا وهم يقارعون الباطل والشر ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] والرسل سادة المتقين.\n٧ - وهناك مثال آخر في الاختلاف في القراءات، هذه القراءة أعمل العلماء فيها أفكارهم وأكدّوا فيها أذهانهم بل كُتبت فيها الرسائل الكثيرة وكانت بحقٍّ مثالًا يدلّ على عناية أئمتنا بهذا الكتاب الكريم. تلكم هي الآية الكريمة في سورة هود ﵇ ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: ٨١].\nفقراءة ابن كثير وأبي عمرو \"امرأتُك\" بضم التاء، وباقي السبعة بفتحها \"امرأتَك\".\nوالتوجيه الإعرابي يسهُل لكلّ من هاتين القراءتين، فيمكن أن تكون قراءة الرفع على البدلية من \"أحدٌ\" وقراءة النصب على الاستثناء. وهي قضية خلافية بين النحويين فمثل هذا النمط من الاستثناء يجريه بعض النحاة على البدلية ويعضُهم على الاستثناء. ومثله قوله سبحانه ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وفي قراءة \"إلَّا قليلًا\". وهناك توجيه آخر لقراءة النصب وهو أن قوله تعالى \"إلا امرأتَك\" ليس استثناءً من \"أحد\" بل هو استثناء من قوله سبحانه \"بأهلك\" فالمعنى على قراءة الرفع أن امرأته سَرَت معهم لكنها التفتت فأصابها ما أصاب قومها.\nوالمعنى على قراءة النصب أن امرأته لم تسرِ معهم فأصابها ما أصاب قومها وهي على مكانها، فالمعنى هنا \"فأسر بأهلك إلَّا امرأتَك\" أي إنه لم يؤمر باصطحابها. هذان توجيهان لقراءة النصب على كون الاستثناء متصلًا، أحدهما أنَّه استثناء من قوله تعالى \"أحد\" والآخر أنَّه استثناء من قوله تعالى: \"بأهلك\"","vol":"1","page":281},{"text":"أمَّا التوجيه الثالث لقراءة النصب فهو أن الاستثناء منقطع وعليه يكون المعنى \"ولا يلتفتْ منكم أحدٌ لكن امرأتَك\" فكأنّها ليست من أهله.\nإنَّ التوجيه الإعرابي ليس فيه إشكال لدى العلماء، ولكن الإشكال فيما يتصل بالمعنى، فقد ذكر الزمخشري أنّ هناك روايتين في التفسير إحداهما جاء فيها أنّ امرأته قد سَرَت معهم فالتفتت وهذه الرواية تؤيد قراءة الرفع، والرواية الأخرى أن امرأته لم تسرِ معهم وهذا يؤيد قراءة النصب.\nقال الزمخشري ﵀: \"قرئ \"فأسرِ\" بالقطع والوصل، و\"إلا امرأتك\" بالرفع والنصب. . . فإنْ قلتَ: ما وجه قراءة من قرأ \"إلا امرأتَك\" بالنصب؟ قلت: استثناها من قوله \"فأسر بأهلك\" والدليل عليه قراءة عبد الله: \"فأسرِ بأهلك بقطعٍ من الليل إلا امرأتَك\" ويجوز أن ينتصب عن لا يلتفت، على أصل الاستثناء وإن كان الفصيح هو البدل، أعني قراءة من قرأ بالرفع، فأبدلها عن أحد وفي إخراجها مع أهله روايتان: روي أنَّه أخرجها معهم، وأُمر أنْ لا يلتفت منهم أحد إلَّا هي، فلما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت: يا قوماه، فأدركها حجر فقتلها. ورُوي أنَّه أُمر بأن يخلفها مع قومها فإن هواها إليهم، فلم يسرِ بها. واختلاف القراءتين لاختلاف الروايتين\" (١).\nلكن الذي قاله الزمخشري كان مثار نقاشٍ حادّ بين العلماء، فقد ردّه كثيرٌ من علماء اللغة والأصول والتفسير. ومن هؤلاء الشيخ ابن الحاجب.\nقالوا: إنَّ القراءتين متواترتان، أما الروايتان فلا شكّ أن إحداهما غير صحيحة لأنَّ امرأة لوط إمّا أن تكون قد خرجت معهم فأسري بها، أو لم تخرج معهم ولم يُسْرَ بها، وإن كنّا لا نستطيع أن نجمع بين الروايتَيْن ويجب أن نردّ إحداهما فلا يجوز أن نفسّر بهما القراءتين المتواترتَيْن. هذه خلاصة ما\n_________\n(١) الكشاف: ٢/ ٤١٦.","vol":"1","page":282},{"text":"اعترضوا به عليه. ولكنّ الأمر لم يقف عند هذا الحدّ، فقد رأينا من تصدّى للدفاع عن الزمخشري قال السمين - ﵀ - قد أطال الكلام في هذه القضيّة - بعد أن نقل عبارة الزمخشري السابقة:\n\"قال الشيخ (١): \"وهذا وهم فاحش، إذ بني القراءتين على اختلاف الروايتين من أنَّه سَرى بها أو لم يَسْر بها، وهذا تكاذُبٌ في الإخبار يستحيل أن تكون القراءتان - وهما من كلام الله تعالى - يترتبان على التكاذب\".\nقلتُ: وحاشَ لله أن تترتب القراءتان على التكاذب، ولكن ما قاله الزمخشري صحيح. الفرض أنَّه قد جاء في التفسير القولان، ولا يَلْزم من ذلك التكاذبُ، لأنَّ من قال إنه سَرى بها يعني أنها سَرَتْ هي بنفسها مصاحبةً لهم في أوائل الأمر، ثمَّ أخذها العذاب فانقطع سراها، ومن قال إنه لم يسرِ بها، أي: لم يأمرها ولم يأخذها وأنه لم يَدُم سُراها معهم بل انقطع فصحَّ أن يُقال: إنه سرى بها ولم يَسْرِ بها، وقد أجاب الناس بهذا، وهو حَسَن\" (٢).\nوممن جوَّد النقل في هذه المسألة وأطال النَفَس خاتمة المحققين الشهاب الألوسي ﵀ فقد أجاد وذكر ما يشبع ويشفي الغلّة فليراجعه من شاء حيث كتب في ذلك عدة صفحات من القطع الكبير قال بعد أن ذكر كلام الزمخشري:\n\"نعم. يردُ على قوله: (واختلافُ القراءتين لاختلاف الروايتين) أنَّه يلزم الشكّ في كلام لا ريب فيه من رب العالمين. ويجاب بأن معناه اختلاف القراءتين جالب وسبب لاختلاف الروايتين كما تقول: السلاح للغزو أي أداة وصالح مثلًا له. ولم يُرِدْ أن اختلاف القراءتين لأجل اختلاف الروايتين قد\n_________\n(١) يعني أبا حبَّان الأندلسي. انظر تفسيره البحر المحيط: ٥/ ٢٤٨.\n(٢) الدرّ المصون: ٦/ ٣٦٨ - ٣٦٩.","vol":"1","page":283},{"text":"حصل، ولا شك أن كل رواية تناسب قراءة وإنْ أمكن الجمعُ، وأمّا قوله: وأمر أن لا يلتفت منهم أحد إلَّا هي فنقل للرواية لا تفسيرٌ للفظ القرآن\" (١).\n٨ - كل ما ذكرتُه من الاختلاف في القراءات ممّا سبق يرجع إلى اللغة وإلى المعنى. وهناك اختلاف في القراءات ينشأ عنه اختلاف في الأحكام الفقهية مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والآية في شأن الحيَّض من الأزواج حيث قرئ الفعل المضارع بالتخفيف \"يطهُرن\" وبالتشديد \"يطّهّرن\" ونشأ عن ذلك خلاف بين الأئمة في توقيت جواز الوطء.\n٩ - ومن ذلك الاختلاف في القراءة في قوله سبحانه: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] فهناك قراءتان صحيحتان: كسر لام وأرجلكم وفتحها، وقد نشأ عن هذا اختلاف في مسح الأرجل أو غسلها.\nإن اختلاف القراءات لثروة عظيمة تغني المعنى وتفتح آفاقًا للنظر في كتاب الله ﵎.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>ثالثًا: الاختلاف الناشئ عن اللغة:</span>\nأنزل الله كتابه ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨] والمتدبر لكتاب الله، عليه أن يتئد ويتأنى فيما يجب أن تُفَسّر به الآية الكريمة، فقد ترد الكلمة في آية فتُحمَل على معنى، وقد ترد هذه الكلمة نفسها في آية أخرى فتُحمل على معنى آخر.\nولنضرب لكم مثلًا لتوضيح هذه القضية:\nقال تعالى في سورة الفتح: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ\n_________\n(١) روح المعاني: ١٢/ ١١٠.","vol":"1","page":284},{"text":"فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] ووردت كلمة \"كفّار\" في سورة الحديد في قوله سبحانه: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] فكلمة \"كفّار\" في الآية الأولى لا تُحْمل إلَّا على معنى واحد هو أنهم غير المؤمنين. أمَّا كلمة \"كفّار\" في الآية الثانية فقد تُحمَل على معنى آخر وهم \"الزُّرّاع\" لأنَّ الزارع يسمّى كافرًا لأنه يستر الحَبّ في الأرض، والكفر هو السَّتْر وهذا هو المعنى الراجح لكلمة \"كفّار\" في سورة الحديد.\nوالاختلاف الناشئ عن اللغة قد يكون مرجعه الاشتراك، والاشتراك أن يكون للفظ أكثر من معنى، وقد تكون هذه المعاني متضادة فيدخل في قسم الأضداد، وقد يكون مرجعه غير ذلك كما سنبينه إن شاء الله في الأمثلة الآتية:\n١ - قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].\nفلقد اختلف المفسرون في معنى قوله سبحانه (تولى)، فقال بعضهم: معناها أدبر وأعرض وقال آخرون: صار ذا منصب وولاية، وهذا الفعل صالح لهذين المعنيين إلا أن الذي نراه أقرب في فهم الآية الكريمة، هو المعنى الأوّل، وهذا ما يؤيده سياقها وسباقها، فهي حديث عن هذا الذي يعجبك حديثه، وتروقك حلاوة لسانه وتسمع لقوله إذا قال، مؤكدًا ذلك بالأيمان المغلظة وبشهادة الله على ما في قلبه، وهو ذو لدد في خصومته، فإذا ترك مجلسك وأعرض عنك، كان فعله كله شرًّا، يناقض كل ما سمعته منه. هذا هو الأليق بمعنى التولي.\nأما تفسير التولي بالمنصب والولاية، فهو بعيد من جهة، ثمَّ إن التفسير الأوّل يغني عنه من جهة أخرى؛ لأنه إذا أعرض كان منه هذا الشر، فما بالك إذا كان ذا منصب وولاية، وهكذا ينبغي أن نوازن بين الأقوال التي ترد في","vol":"1","page":285},{"text":"تفسير الآية الكريمة لنفسر الآية الكريمة بأصحها وأفضلها وأرجحها، والله أعلم بما ينزل.\n٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] فالسلم في الآية الأولى يرى أكثر المفسرين أن المراد به الإِسلام، فهو أمر للمؤمنين أن يدخلوا في الإِسلام كافّة أي أن يأخذوا شرائع الإِسلام كلها لأنَّ الدين كلّ لا يتجزّأ، فـ (كافّة) ترجع إلى الإِسلام لا إلى المؤمنين، أي \"ادخلوا في الإِسلام كله\" فلا تتركوا أمرًا من أوامره أو نهيًا من نواهيه. بينما السلم في الآيتين الأخريين يراد به المسالمة والصلح، فالآية الثانية تبيّن للنبي عليه وآله الصلاة والسلام، وللمسلمين أن الأعداء إن مالوا إلى المسالمة دون أن يكون لكم عندهم حقوق وكنتم في مركز قويّ فأجيبوهم، أما الآية الثالثة فتحذر المسلمين من أن يخضعوا إلى عدوّ الله وعدوّهم، وأن يضعفوا ويستسلموا كما هو الحال في هذه الأيام. وهكذا ترى كيف يرجّح السياق حمل الكلمة على المعنى الأليق بها من حيث اللغة.\n٣ - قوله سبحانه: ﴿قَالوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٣ - ١٥٤] هذا ما قالته ثمود لنبي الله صالح ﵊، ثمَّ جاء قوله سبحانه في السورة نفسها: ﴿قَالوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٨٥ - ١٨٦].\nوكلمة (مسحَّر) لها معنيان في اللغة:\nأ - الذي يأكل ويشرب، واستدلوا له بقول السيدة عائشة -﵂ -: \"توفي رسول الله - ﷺ - وهو بين سحري ونحري\" (١).\n_________\n(١) ذكر ابن الأثير معنيين للسَّحْر: الرئة، وما لصق بالحلقوم من أعلى البطن (٢/ ٣٤٦).","vol":"1","page":286},{"text":"ب - المسحور الذي أصابه مَسّ. ولقد حمل بعض المفسرين الآيتين على المعنى الأوّل، وبعضهم على المعنى الثاني (١). وذهب آخرون إلى أن لكلّ من الآيتين معنى خاصًّا بها (٢).\n٤ - قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] قالوا: عسعس تحمل معنيين أقبل وأدبر، وينبغي أن تُحمل الآية على أحد المعنيين، فرجّح بعضهم حملها على المعنى الثاني: \"أدبر\" مستدلًا لهذا الترجيح بقول الله ﵎، ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٢ - ٣٣] في سورة المدثر.\nوأقول: إن الليل ذكر في القرآن الكريم بقيود وأوصاف متعددة منها: الآية السابقة ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ومنها ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] إلى غير ما هنالك من آيات كريمات وكلّ قيد من هذه الأوصاف جاء لحكمة وسبب، فإذا أردنا أن نرجح أحد القولين فيجب أن نتفهم سياق الآيات تفهّمًا تامًّا.\n٥ - قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣] ذكر صاحب الكشاف لقوله (غير ممنون) معنيين: \"الأوّل غير مقطوع\" كقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] الثاني: غير ممنون عليك به\" (٣).\nولا مانع من الجمع بين هذين المعنيين، لأنه ليس بينهما تضادّ كالآية السابقة.\n٦ - قال تعالى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] وقد وردت كلمة \"خير\" في القرآن الكريم مرادًا بها المال سواء كانت نكرة كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] فقد أجمعوا على أن المقصود من (الخير) في الآية المال الكثير.\n_________\n(١) راجع تفسير ابن جرير الطبري.\n(٢) راجع إعجاز القرآن للدكتور فضل حسن عباس، والكشاف (٣/ ٣٢٨).\n(٣) الكشاف (٤/ ٥٨٥).","vol":"1","page":287},{"text":"أم كانت معرفة كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] من هنا ذهب بعض العلماء إلى أن الخير هو المال في قوله ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ولكن هذا القول ردّه حذّاق العلماء؛ لأنه يتنافى مع السياق واللغة والواقع وحكمة التشريع، إذ لا يقال لغة، إن علمتم فيهم مالًا، وإنما يقال: إن علمتم عندهم أو لهم.\nولا يشترط للمكاتب الذي يريد الحرية أن يكون ذا مال، وحديث بريرة في الصحيح خير شاهد على ذلك، بل \"يشترط فيه أن يكون قادرًا على الكسب لا أن يعيش كلًّا على المجتمع المسلم\".\n٧ - قال تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢] والقصر في لغة العرب هو البيت، وبهذا فسّر الآية كثير من العلماء، وقال آخرون: إن القصر: إنما هو الحطب الغليظ، قالوا: وهذا الذي يناسب النار؛ لأنها توقد بالحطب.\n٨ - قال تعالى: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ذهب أكثر المفسرين إلى أن الجمل هو الحيوان المعروف، وقد سئل ابن مسعود - ﵁ - عن الجمل في الآية الكريمة فقال: هو زوج الناقة، وقال آخرون: إن المقصود بالجمل هو الحبل الغليظ الذي يستعمل في السفن واستدلوا لذلك ببعض القراءات الشاذة.\n٩ - وقريب من هذا ولكن ليس من الوادي نفسه قوله سبحانه ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] فقد اختلفوا فيما يجوز للمرأة أن تبديه.\nواختلافهم هذا يرجع إلى اختلافهم في معنى الزينة، فللزينة إطلاقان: فهي تطلق على ما تتزين به المرأة من حليّ وخضاب ومساحيق وثياب، وتطلق على البدن نفسه أي مواضع هذه الزينة.\nفالذين رأوا أن الزينة إنما هي موضعها أي الجسم فسّروا ما ظهر منها بالوجه والكفين والذين رأوا أن الزينة ما تتزين به، فسروا ما ظهر منها بما يصعب ويعسر إخفاؤه كالخاتم وما يشبهه.","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>أثر اختلاف المعنى اللغوي في اختلاف الحكم الفقهي:</span>\nمرّ معك أيها القارئ الكريم عند حديثنا عن اختلاف التفسير الناشيء عن اختلاف القراءات - أن منه ما أنشأ اختلافًا في الأحكام الفقهية. كذلك الشأن في الاختلاف الناشيء من اللغة، قد ينجم عنه اختلاف في الأحكام الفقهية، من ذلك اختلافهم في معنى (القرء) في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قال الحنفية: إن القرء هو الحيض، وقال الشافعية: إنه الطهر، ومن أجل هذا اختلفوا في تفسير قوله تعالى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] قال الإمام البيضاوي ﵀ - وهو شافعي - \"فطلقوهن لعدتهن\" أي وقتها، وهو الطهر، فإن اللام في الأزمان، وما يشبهها للتوقيت. ومن عدّ العدّة بالحيض علّق اللام بمحذوف مثل مستقبلات وظاهره يدلّ على أن العدّة بالأطهار\" (١).\nويشرح الشيخ زاده - وهو حنفي - كلام البيضاوي بما خلاصته: أن الذين عدّوا القرء الطهر وهم الشافعية، جعلوا اللام للتوقيت ومعنى كونها للتوقيت أي طلقوهن في وقت عدتهن. وعدتهنّ الطهر لأنَّ الطلاق المقبول شرعًا الذي لا يأثم صاحبه هو الذي يكون في حالة الطهر، فاللام في قوله \"لعدتهنّ\" متعلقة بقوله سبحانه \"فطلقوهن\" أي طلقوهن لعدتهن، أو في وقت عدتهن وهو الطهر.\nوهذا التفسير لا يتفق مع ما ذهب إليه الحنفية من أن القرء هو الحيض، إذ يصير المعنى عندهم. فطلقوهن لعدتهن. أي في حال عدتهن، وهي الحيض وهذا غير جائز، ولذلك جعلوا اللام متعلقة بمحذوف، أي فطلقوهن مستقبلات لعدتهن\" أي لا تطلقوهن في حالة حيضهن، بل مستقبلات لعدتهن أي بعد أن ينتهي حيضهنّ، فالمرأة في حالة الحيض تنتظر الطهر، والذي ينتظر شيئًا يكون مستقبِلًا له، فالمرأة\n_________\n(١) ينظر حاشية الشيخ زاده على البيضاوي (٤/ ٥٩٤).","vol":"1","page":289},{"text":"تستقبل الطهر الذي تطلّق فيه. فمن فسّر القرء بالطهر - إذن - حمل الآية على ظاهرها دون تقدير، ومن فسّر القرء بالحيض قدّر محذوفًا، أي \"قطلقوهن مستقبلات لعدتهن، التي هي الطهر.\nوهكذا نجد أن اختلاف اللغويين في معنى القرء نشأ عنه اختلاف في التفسير، وكتب أحكام القرآن والتفاسير الفقهية فيها كثير لمن أراد أن يستزيد\".\nومن الاختلاف في تفسير آيات الأحكام قوله سبحانه ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١٥ - ١٦].\nذهب جمهور المفسرين إلى أن هاتين الآيتين الكريمتين جاءتا في أحكام الزناة، وأن هذا الحكم رفع فيما بعد بما جاء في سورة النور من جلد الزاني مائة جلدة إن لم يكن محصنًا، وبما جاء في السنة برجمه إن كان محصنًا وبعض العلماء يسمي هذا نسخًا، وبعضهم لا يسميه نسخًا، لأن النسخ رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي إذا لم يكن الحكم مؤقتًا، وفي هذه الآية الكريمة جاء مؤقتا وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾، وسواء سميناه نسخًا، أم لم نسمه، فجمهور العلماء على أن الآيتين في أحكام الزناة، وعلى أن هذا الحكم رفع بما جاء في الكتاب والسنة.\nولكن أبا مسلم الأصفهاني ذهب مذهبا آخر وهو أن هاتين الآيتين محكمتان، وليستا في أحكام الزناة، بل إن الآية الأولى وردت في أمر السحاق، وهو ما يكون بين النساء، والثانية وردت في اللواط، ويستند أبومسلم في رأيه إلى أنَّه روي عن مجاهد -﵁ - وهو مَنْ هو مِن التابعين، وقد نقل الرازي لنا رأي أبي مسلم، ونقله العلماء عن الرازي، وأرى أن أطلعك أخي القارئ على ما لهذا الرأي وما عليه بما فصله خاتمة المحققين الشهاب الألوسي ﵀.","vol":"1","page":290},{"text":"قال الألوسي ﵀ في روح المعاني:\nوذهب أبو مسلم إلى أنَّه لا نسخ لحكم الآيتين بل الآية الأولى في السحاقيات وهن النساء اللاتي تستمتع بعضهن ببعض وحدهن الحبس، والآية الثانية في اللائطين وحدهما الإيذاء، وأما حكم الزناة فسيأتي في سورة النور، وزيف هذا القول بأنّه لم يقل به أحد، وبأن الصحابة ﵃ اختلفوا في حكم اللوطي ولم يتمسك أحد منهم بهذه الآية، وعدم تمسكهم بها مع شدة احتياجهم إلى نص يدلّ على الحكم دليل على أن الآية ليست في ذلك، وأيضًا جعل الحبس في البيت عقوبة السحاق مما لا معنى له لأنه مما لا يتوقف على الخروج كالزنا، فلو كان المراد السحاقيات لكانت العقوبة لهن عدم اختلاط بعضهن ببعض لا الحبس والمنع من الخروج، فحيث جعل هو عقوبة دلّ ذلك على أن المراد باللاتي يأتين الفاحشة (الزانيات) وأجاب أبو مسلم بأنّه قول مجاهد وهو من أكابر المفسرين المتقدمين وقد قال غير واحد: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. على أنَّه تقرر في الأصول أن استنباط تأويل جديد في الآية لم يذكره المتقدمون جائز، وبأن مطلوب الصحابة رضي الله تعالى عنهم معرفة حدّ اللوطي وكمية ذلك، وليس في الآية دلالة عليه بالنفي والإثبات، ومطلق الإيذاء لا يصلح حدًا، ولا بيانًا للكمية فلذا اختلفوا، وبأن المراد من إمساكهن في البيوت حبسهن فيها واتخاذها سجنًا عليهن ومن حال المسجون منع من يريد الدخول عليه وعدم تمكينه من الاختلاط، فكان الكلام في قوة فامنعوهن عن اختلاط بعضهن ببعض على أن الحبس المذكور حدّ، وليس المقصود منه إلا الزجر والتنكيل، وأيد مذهبه بتمحيض التأنيث في الآية الأولى والتذكير في الآية الثانية، والتغليب خلاف الأصل، ويبعده أيضًا لفظ (منكم) فإن المتبادر منه من رجالكم كما في قوله تعالى: ﴿أربعة منكم﴾ وأيضًا لو كان كل واحد من الآيتين واردًا في الزنا يلزم أن يذكر الشيء الواحد في الموضع الواحد مرتين وأنه تكرير لا وجه له وأيضًا على هذا التقرير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيتين بل يكون حكم كل واحدة منهما مقدرًا على حاله، وعلى ما قاله","vol":"1","page":291},{"text":"الغير يحتاج إلى التزام القول بالنسخ وهو خلاف الأصل، وأيضًا على ما قالوه يكون الكتاب خاليًا عن بيان حكم السحاق واللواطة، وعلى ما قلناه يكون متضمنًا لذلك، وهو الأنسب بحاله، فقد قال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، وأجيب بأنا لا نسلم أن هذا قول مجاهد (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-147> اختلافات ناشئة عن أسباب أُخَر:</span>\nهناك اختلافات بين المفسّرين ليس منشؤُها اللغة أو القراءات وليست في آيات الأحكام كذلك، بل ترجع إلى أمر آخر قد يكون التاريخ وقد يكون غيره. وإليكم هذا المثال:\nوردت كلمة (مرَّتَيْن) في آيات كثيرة من كتاب الله. قال تعالى في شأن المنافقين: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١].\nوفي السورة نفسها (سورة براءة) وفي شأن المنافقين أيضًا جاء قوله سبحانه: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ [التوبة: ١٢٦].\nوفي سورة الإسراء: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤].\nوفي سورة القصص في شأن أهل الكتاب الذين آمنوا برسالة النبي - ﷺ -: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤].\nوفي سورة الأحزاب في شأن أمهات المؤمنين -﵅ -: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١].\nفتفسير هذه الكلمة في بعض الآيات كان ظاهرًا ليس فيه اختلاف بين المفسّرين، وذلك في آيتي القصص والأحزاب. أمَّا آيتا براءة فقد اختلف فيهما المفسّرون. ففي\n_________\n(١) روح المعاني (٤/ ٢٣٧).","vol":"1","page":292},{"text":"قوله تعالى: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ اختلف المفسرون أهما الفضيحة وعذاب القبر أم غير ذلك (١).\nإلَّا أن الاختلاف الذي كثر بين المفسّرين أقدمين ومحدثين كان في قوله سبحانه ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ فلقد اختلفوا أولًا في هاتين المرتين من حيث زمانهما، أمَضَتْ هاتان المرتان كلتاهما أم لا؟ ثمَّ اختلفوا ثانيًا في تعيين هاتين المرّتين على الفرضَيْن: المضيّ أو عدمه.\nولشدّة هذا الاختلاف وكثرته نقَلَ الشيخ حسنين محمَّد مخلوف مفتي الديار المصرية الأسبق ﵀ في تفسيره \"صفوة البيان\" عن الجبّائي أنّ الله لم يعيّن هاتين المرّتين، فليجتهد كلٌّ بما يترجَّح لديه.\nوهكذا نرى أن أئمتنا المفسّرين ﵏ كانوا يحرصون على استنباط المعاني التي يرون أنها أقرب إلى مراد الله ﵎.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>أيهما يقدّم المعنى الشرعي أم اللغوي</span>؟\nذكر الإمام الزركشي وغيره من العلماء -﵏ - أن الآية إذا احتملت معنييْن شرعيًا ولغويًا قدمنا المعنى الشرعي على اللغوي. ويظهر أن هذا ليس على إطلاقه، فقد نقدّم المعنى الشرعي إذا كان يؤيده السياق، لكننا نقدّم المعنى اللغوي إذا لم يكن هناك محظور ولم يدلّ عليه دليل. وإليك الأمثلة:\n١ - جاء في سورة التوبة آيتان الآية الأولى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣] والآية الثانية: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فنحن نرجح المعنى اللغوي في الآية الأولى، فهؤلاء الذين أعطوا أموالهم خالصة لله وتطهيرًا وتزكية لنفوسهم يصليّ عليهم النبي - ﷺ -، والصلاة في حالة الحياة هي الدعاء. أمّا الآية الثانية فإنما تُحمل\n_________\n(١) راجع تفسير الكشاف للزمخشري.","vol":"1","page":293},{"text":"على صلاة الجنازة بدليل قوله سبحانه: ﴿مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾.\n٢ - ومن الأمثلة على ذلك ما ورد من لفظ الزكاة في الآيات المكية مثل قوله سبحانه: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦ - ٧] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤] فلا يمكن أن تحمل الزكاة هنا على الزكاة المفروضة التي فُرضت بعد الهجرة.\n٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٧ - ١٨] فالمعنى اللغوي لقوله ﴿لا يستثنون﴾ لا يتركون شيئًا للمساكين. أما المعنى الشرعي للاستثناء فهو الاستثناء في اليمين أي قول الحالف \"إن شاء الله\" وقد حمل كثير من المفسّرين هذه الآية على هذا المعنى أي أقسموا ليصرمنها مصبحين وكم يقولوا إن شاء الله. ومن المستغرب أنّ شيخ المفسِّرين ابن جرير الطبري وإمام البيان الزمخشري اقتصرا على هذا القول. والذي يبدو، بل الذي ينبغي أن تُحمل الآية عليه أنّ معنى قوله سبحانه ﴿ولا يستثنون﴾ أنهم أقسموا ليصرمنّ جنّتهم ولا يتركون شيئًا للفقراء والمساكين. ذلك لأنَّ معنى الاستثناء الشرعيّ إنّما عُرف بعد الهجرة وسورة (ن) مكية بإجماع، بل إنها ممّا نزل مبكرًا هذا أولًا، وأمَّا ثانيًا فلأنهم لو قالوا (إن شاء الله) فلا يُعدّ ذلك فضيلة لهم لأنهم علّقوا المشيئة على معصية. ومن هذا المثال ندرك أن أقوال المشاهير من العلماء أو إجماعهم على قول ليس له سند من الشرع أو اللغة لا يُلزَم أحدٌ بقبوله. وهذا لا ينتقص من قدرهم ﵏.\nبل نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك وهو أننا قد نردّ بعض أقوال لمشاهير المفسّرين معتذرين كلّ العذر عن عدم قبولها، من ذلك مثلًا ما ذكره الإمام الطبري عند تفسير قوله سبحانه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] حيث ذكر أن أكثر العلماء رأوا أن المقام المحمود هو الشفاعة، وأنّ مجاهدًا - وهو من أشهر تلاميذ ابن عباس -﵁ - خالف المفسّرين جميعًا، وقال: المقام المحمود معناه أن الله يُجْلس النبي - ﷺ - معه على العرش. ومع أنّ الطبري","vol":"1","page":294},{"text":"رجّح المعنى الأوّل لكنه دافع دفاعًا قويًّا عن قول مجاهد، وأقام في دفاعه هذا الأدلة والبراهين.\nوسامح الله شيخ المفسّرين الطبري، فما كان لمثله أن يقبل هذا القول فضلًا عن أن يتبنّاه ويدافع عنه.\nومن ذلك ما ذهب إليه ابن جرير الطبري ﵀ عند تفسير قوله سبحانه ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] في سورة الأحزاب، حيث فسّر الآية بما يتعارض مع القرآن الكريم أولًا، وبما لا يليق بمقام النبوة ثانيًا. وسامح الله الإمام الطبري وغفر له.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-149> ليس كل ما اشتهر في التفسير جديرًا بالقبول:</span>\nليس كل قول اشتهر عند الناس في التفسير حريًّا بأن يُقبل، فضلًا على أن تكون له الصدارة، وفيما يلي بيان ذلك:\nأولًا: من ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣].\nالمودة في القربى، المشتهر عند الناس أن هذه الآية نزلت في فضل أهل البيت ﵈، ولكن الإمام الطبري - وقد ذكر هذا القول - ذكر معه قولين آخرين، هما:\n١ - إلَّا أن تودّوني في قرابتي منكم أي تراعوا ما بيننا من رحم القرابة.\n٢ - أن تصلوا أرحامكم فيما بينكم، ولقد عدّ الإمام الطبري القول الأوّل مرجوحًا غير راجح واستند في قوله إلى اللغة، حيث قال ما خلاصته: لو كان القول الأوّل هو الراجح ما دخلت كلمة (في) بل كان النظم خاليًا منها هكذا \"إلّا مودّة القربى\" فتكون (أل) عوضًا عن الإضافة أي \"إلَّا مودّة قرابتي أو قرابتكم\" لذلك ضعّف القول الأوّل.","vol":"1","page":295},{"text":"ثانيًا: قال تعالى في سورة الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ [الأحقاف: ١٠] فالمشتهر عند أكثر المفسرين أنّ الشاهد هو عبد الله بن سلام -﵁ -. لكنّ مسروقًا ﵀ وهو من أئمة التابعين يقسم أن هذه الآية لم تنزل في عبد الله بن سلام؛ لأنَّ عبد الله بن سلام أسلم بعد الهجرة، وسورة الأحقاف مكيّة باتفاق. وقد نصر ابن جرير الطبري هذا القول واستدلّ له بالسياق كذلك وهو أنّ ما قبل هذه الآية لم يكن فيه ذكر لأهل الكتاب.\nفمعنى الآية إذن: أخبروني إنْ كان هذا القرآن من عند الله وكفرتم أنتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل وهو كليم الله موسى بن عمران على مثله أي شهد على مِثْلِ القرآن وبشَّرَ بالقرآن فآمن به قبل أن ينزل واستكبرتم أنتم ولكنّ ابن جرير الطبري - سامحه الله - بعد أن نَصَرَ هذا القول من حيث التاريخ والسياق عاد ليسوِّغ قبول القول الآخر وهو أن الشاهد عبد الله بن سلام، بحجة أن هذا هو الذي روي عن الصحابة سامح الله ابن جرير الطبري ورحمه ورضي عنه، فليته بقي على تمسّكه بالقول الذي أقام له الحجّة.\nثالثًا: قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: ١٠: ١٤].\nفالمشتهر عند المفسّرين أنّ معنى (زنيم) الدّعيّ أي ابن الزنا. وعلى الرغم من اشتهار هذا القول إلَّا أنَّه حريّ به أن يردّ وذلك لما يلي:\n١ - لأنَّ كلمة (زنيم) لها في اللغة معانٍ كثيرة: منها الجاف الفظّ.\n٢ - إنّ القرآن الكريم - وهو كتاب الأدب والحياة - لا يذكر مثل هذه الصفة، بل إنّ المتفق عليه عند الأئمة منذ عهد النبوة هو عدم التفرقة من حيث الحقوق والواجبات بين ابن الزنا وغيره.","vol":"1","page":296},{"text":"وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].\nرابعًا: قال تعالى: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: ٢٣] ذكر أكثر المفسّرين أن الشيخ الكبير هو شعيب - ﷺ - وهذا قول يصعب أن يقام عليه دليل فلو كان الشيخ الكبير شعيبًا لنوّه القرآن أو أشار إلى شيء من ذلك. ولهذه المسألة موضع آخر (١).\nخامسًا: قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] المشتهر في تفسير هذه الآية أنها تدل على نزول المسيح ﵇.\nومع أن هذا القول قد رجحه الإمام الطبري، إلا أن ما يرجحه كثير من المفسرن - ونميل إلى هذا الترجيح - أن الضمير في قوله تعالى: ﴿قبل موته﴾ لا يرجع إلى المسيح عيسى ﵇، بل إلى الكتابيّ نفسه أي وما من أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بالمسيح ﵇ إيمانًا صحيحًا، أي يؤمن بأنه رسول ليس إلهًا، (قبل موته) أي قبل موت هذا الكتابي، وذلك لما ورد في الأحاديث الصحيحة من أن الإنسان عند موته يرى منزلته، أمن أهل النار هو أم من أهل الجنة؟ وسيدرك في هذه اللحظة أن المسيح إنما هو رسول من رسل الله، فمعنى الآية إذن: كل واحد من أهل الكتاب سيعرف حقيقة المسيح ﵊ عندما تحضره الوفاة.\nسادسًا: قال تعالى في سورة طه: ﴿قَال فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَال بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٥ - ٩٦].\n_________\n(١) ينظر التفصيل في \"قصص القرآن الكريم\" للمؤلف.","vol":"1","page":297},{"text":"المشتهر عند المفسرين في تفسير هاتين الآيتين الكريمتين قصّة نسجت حولها كثير من الحكايات، خلاصتها: أنّ السامريّ رأى جبريل وهو نازل من السماء فنظر موضع قدم فرسه، فقبض قبضة من هذا التراب الذي مسّه قدم فرسه فوضعه مع الحليّ في النار، فكان منه هذا العجل، لأنَّ ما مسته قدم فرس الرسول يكون فيه حياة، فالرسول في الآية الكريمة جبريل.\nوهذه القصة الغريبة لم يرد فيها أثر صحيح من السنة المطهرة، فلا تزيد على أن تكون من أخبار القصاص، على أن الشهاب الألوسي - ﵀ - دافع عن هذا القول دفاعًا كثيرًا.\nوهناك قول آخر للمفسرين ذكره أبو مسلم بن بحر الأصفهاني، ورجحه الزمخشري واختاره الرازي، وتفسير الآية الكريمة على هذا القول كما يلي:\nقال فما خطبك يا سامريّ قال بصرت بما لم يبصروا به، أي عرفت ما لم يعرفوه، وكان يعني بذلك صنع التماثيل، فضعت هذا التمثال من الحليّ وكنت قد قبضت شيئًا من شريعتك، فالقبض هنا مجازي، أي اتبعت شيئًا من شريعتك ولكنني نبذته، ثمَّ اعترف بأن هذا ما سولت به نفسه له ونظن أن هذا القول أولى بالقبول مما اشتهر عند المفسرين.\nوأرى أن هذه النماذج كافية لبيان حقيقه هذا الأمر، وهو أنَّه ليس كل ما اشتهر جديرًا بالقبول.\nولا أودّ أن أسترسل فكم من أقوال مشتهرة ذكرها المفسرون جديرة بالمراجعة والتمحيص. وجلّ الله ﵎ وصلَّى الله على نبيه المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. ورحم الله الأئمة والعلماء فكلٌّ يؤخذ منه ويردّ عليه.","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>أكثر خلافات المفسّرين يَرجع إلى الرأي والاجتهاد وأمثلة لذلك:</span>\nتلك بعض الاختلافات في التفسير التي يرجع الخلاف فيها إلى القراءات الصحيحة أو إلى اختلافهم في المعنى اللغوي للكملة؛ وما سوى هذين فإن الخلاف يرجع فيه إلى الرأي والاجتهاد. وهذا يتضح من الأمثلة الآتية:\nأولًا: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].\nاختلف المفسّرون في معنى الآية الكريمة فذهب بعضهم إلى أن المقصود بقوله \"فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة\" هم طلبة العلم، فالنفر في الآية الكريمة المقصود به طلب العلم وليس الجهاد، ويرى هؤلاء أنّ المؤمنين ينفر بعضهم إلى الجهاد وينفر بعضهم إلى طلب العلم. وقال آخرون إنّ المقصود بقوله \"فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة\" هو النفر إلى الجهاد، وهؤلاء في ذهابهم إلى الجهاد يتفقهون في الدين تفقّهًا عمليًا حتى إذا رجعوا إلى قومهم أنذروهم وعلموهم.\nومن أصحاب الرأي الأوّل ابن عاشور في \"التحرير والتنوير\" والشيخ محمَّد أبو زهرة في تفسيره \"زهرة التفاسير\" ورجّح هذا الرأي من قبلهما صاحب روح المعاني.\nومن أصحاب الرأي الثاني شيخ المفسّرين الطبري، وتبعه صاحب الظلال سيد قطب -﵏ جميعًا- وسأنقل لكم ما قاله ابن عاشور من أصحاب القول الأوّل، وما قاله سيد قطب من أصحاب القول الثاني.\nقال ابن عاشور ﵀: \"وإذا قد كان من مقاصد الإسلام بثّ علومه وآدابه بين الأمّة وتكوين جماعات قائمة بعلم الدين وتثقيف أذهان المسلمين","vol":"1","page":299},{"text":"كي تصلح سياسة الأمة على ما قصده الدين منها. من أجل ذلك عُقب التحريض على الجهاد بما يبين أن ليس من المصلحة تمحض المسلمين كلّهم لأنَّ يكونوا غزاة أو جندًا، وأن ليس حظ القائم بواجب التعليم دون حظ الغازي في سبيل الله من حيث إن كليهما يقوم بعمل لتأييد الدين، فهذا يؤيده بتوسيع سلطانه وتكثير أتباعه والآخر يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده لأنَّ يصدر عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعة صالحة من العلماء والساسة وأولي الرأي المهتمّين بتدبير ذلك السلطان\" (١).\nوقال سيد قطب ﵀:\n\"والذي يستقيم عندنا في تفسير الآية: أنّ المؤمنين لا ينفرون كافة ولكن تنفر من كلّ فرقة منهم طائفة - على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون - لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم بما رأته وفقهته، من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة.\nوالوجه في هذا الذي ذهبنا إليه - وله أصل من تأويل ابن عباس -﵄ ومن تفسير الحسن البصري واختيار ابن جرير وقول لابن كثير - أن هذا الدين منهج حركي لا يفقهه إلَّا من يتحرك به، فالذين يخرجون للجهاد أولى الناس بفقهه بما ينكشف لهم من أسراره ومعانيه وبما يتجلّى لهم من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به، أمَّا الذين يقعدون فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممّن تحرّكوا؛ لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا، ولا فقهوا فقههم، ولا وصلوا من أسرار هذا الدين ما وصل إليه المتحركون، وبخاصة إذا كان الخروج مع رسول الله - ﷺ -، والخروج بصفة عامة أدنى إلى الفهم والتفقّه.\n_________\n(١) التحرير والتنوير: ج ١٠/ ص ٥٩.","vol":"1","page":300},{"text":"ولعلّ هذا عكس ما يتبادر إلى الذهن من أن المتخلفين عن الغزو والجهاد والحركة هم الذين يتفرّغون للتفقّه في الدين، ولكن هذا وهم ... إن فقه هذا الدين لا ينبثق إلّا في أرض الحركة ولا يؤخذ عن فقيه قاعد حيث تجب الحركة ... إن الفقه الإسلامي وليد الحركة الإسلامية فقد وجد الدين أولًا ثم وجد الفقه، وليس العكس هو الصحيح\" (١).\nونحن نرجح ما ذهب إليه شيخ المفسرين وصاحب الظلال - رحمهما الله - لانسجامه مع السياق.\nثانيًا: قال تعالى: ﴿فَقَالوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨].\nاختلف المفسرون في مرجع الضمير في (فنسي)، فقال بعضهم إنه يعود إلى موسى ﵊، وقال آخرون إنّه يرجع إلى السامري.\nفعلى الأول يكون المعنى: هذا إلهكم وإله موسى فنسي موسى إلهه.\nفيكون قوله (فنسي) من كلام السامري.\nوعلى الثاني - وهو أن الضمير يرجع إلى السامري - يكون كلام السامري قد انتهى عند قوله ﴿إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾، ثم قال تعالى (فنسي) أي فنسي السامري بطلان عمله ونسي الحق الذي كان يتبعه.\nوعلى الرغم من أن أكثر المفسرين رجحوا القول الأول، إلا أننا نرجح القول الثاني وذلك لأمرين:\n١ - لأنّ هذا ما يرجحه النظم.\n٢ - إنه - وإن كان السامريُّ جاحدًا- لا يبلغ به جهله وصفاقته إلى اتّهام موسى بالنسيان، وبنو إسرائيل الذين صنع لهم العجل كانوا أولى بالنسيان، لكن النسيان إنما يكون لشيء كان في الذاكرة من قبل، وقضية العجل ليست من هذا القبيل ومع ذلك فإن كلا القولين غير مستبعد.\n_________\n(١) في ظلال القرآن ج ٣/ ص ١٧٣٤ - ١٧٣٥.","vol":"1","page":301},{"text":"ثالثًا: قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١].\nاختلفوا في مرجع الضمير في قوله ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ فبعضهم رجعه إلى الله أي إن الله يعلم صلاة كل واحد من هذه الأجناس وتسبيحه، ولكنّ القول الذي أختاره أن الضمير يرجع إلى كل من الأجناس والأفراد، أي كل واحد من هؤلاء ممن في السماوات والأرض ومن الطير، يعلم صلاته وتسبيحه، أي يعلم عبادته التي علمه الله، أو ألهمه إياها، وإنما اخترت هذا القول لأنه لا يترتب عليه محظور، لأن خاتمة الآية ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وهذه الخاتمة تغني عن أن نفسر الآية بالقول الأول.\nرابعًا: ومن الاختلاف في مرجع الضمير كذلك، قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٦ - ٨].\nفقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ يرجع إلى الله ﵎، ولكن يضعف هذا القول أنه يلزم عليه تفكيك الضمائر، فإنه وإن صح من حيث الصناعة رجوع الضمير إلى الله تعالى في قوله ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ فإنه لا يصلح رجوعه إلى الله في قوله ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ فعلى هذا التفسير يكون لكل من الضميرين مرجع، وهذا تفكيك للنظم، فالصحيح والمقبول والأليق بالنظم الكريم أن يكون الضميران عائدين إلى الإنسان أي إن الإنسان على ذلك لشهيد، وإنه لحب الخير لشديد.\nخامسًا: ومن الآيات التي اختلف في تفسيرها المفسرون، قوله سبحانه ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١].\nأهي في الجهاد كما جاء في سورة الفتح أم فيما يتعلق بشان الأكل، كما","vol":"1","page":302},{"text":"جاء في قوله سبحانه فيما بعد ... ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١].\nولقد استغل بعض المستشرقين هذا الخلاف بين المفسرين، فادعى أن الآية مقحمة هنا، مستندًا في دعواه الباطلة إلى نص ذكره الإمام البيضاوي، لكنّ هذا المستشرق حرف هذا النص عن موضعه.\nوهذان القولان - أعني كون الآية في الجهاد، أو كونها تتصل بما ذكر من جواز الأكل من بيوت الذين ذكروا في الآية الكريمة - فيهما بُعد؛ أما الأول فلأنه ليس للجهاد ذكر في هذه الآيات، وأما الثاني، فإنّه لا تظهر هذه الرخصة في هذه الأصناف الثلاثة فيما يتصل بالأكل من البيوت، إلا بتكلّف بعيد؛ لذا رجح بعض المفسرين وهو ما أختاره أن أول هذه الآية تابع لما قبله من آيات الاستئذان وهذا هو المعقول في تفسير الآية الكريمة، لأن الآيات الثلاث قبل هذه الآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَال مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾ [النور: ٥٨ - ٦٠] تتحدث عن الاستئذان وعن الرخصة للقواعد من النساء، ثم جاء مطلع هذه الآية متحدثا عن هذه الرخصة لهذه الأصناف.\nسادسًا: قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)﴾ [الفجر: ١ - ٢].\nاختلف المفسرون في قوله \"وليال عشر\" فقال بعضهم إنها عشر ذي الحجة","vol":"1","page":303},{"text":"وقال آخرون إنها العشر من المحرم، وذهبت فئة إلى أن المقصود بها العشر الأخيرة من رمضان، وهذه الروايات - وإن كان بعضها صحيحًا - فإنها ليست تفسيرًا للآية الكريمة إذ السورة مكية، وبيان فضيلة ما ذكروه لم يكن معروفا عند نزول السورة الكريمة، فإن فضيلة العشر من ذي الحجة، أو أيام المحرم، أو ليالي رمضان عُلم دْلك كله في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام. ثم إن فضيلة عشر ذي الحجة وعشر المحرم يرجع إلى النهار، كما ذكر العلماء، والقول الذي يرجع إلى الليالي هو قول واحد، هو العشر الأخيرة من رمضان؛ لأن فيها ليلة القدر، ولما لم يكن هناك أثر صحيح في تفسير الآية الكريمة رأينا العلماء يعملون الفكر ويجتهدون، فذهب المحققون منهم إلى أن قوله ﵎: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ يقصد بها الليالي التي يكون القمر فيها أكثر سطوعًا ونورًا، ويكون فيها بدرًا، وهي العشر الوسط من الشهر، أي من الليلة الحادية عشرة إلى الليلة العشرين، واستدلوا لما ذهبوا إليه بما يلي:\n١ - أنها جاءت منكرة (وليال عشر) ولو كان المقصود بها شيئًا مما تقدم لقيل \"الليالي العشر\" أي الليالي المعهودة من المحرم أو من رمضان أو من ذي الحجة، لكن مجيئها منكرة يدل على أن المقصود شيء آخر.\n٢ - أن سورة الفجر نزلت في ظرف كان المسلمون يعانون فيه كثيرًا من أذى أهل مكة، فكانت السورة بشارة لهم بأنَّ هذا الليل القاسي المدلهم سيعقبه فجر يسطع نوره، ويتنفس صبحه أنفاس العافية، وهو قول له وجاهته، والله أعلم بما ينزل.\nوقد ذكر القاسمي - ﵀ - في تفسيره أن الليالي العشر هي التي تكون أكثر ظلامًا فهي الخمس الأولى والخمس الأخيرة من كل شهر قمريّ. وهذا ينافي السياق منافاةً تامّةً لأنّ السورة جاءت بشارة للرسول -ﷺ-","vol":"1","page":304},{"text":"وللمسلمين من أنّ هذا الليل المدلهمّ لا بدّ أن يطلع فجره ويتنفّس صبحه، فكيف يُجْمع بين الفجر والليالي المدلهمّة في الظلمة؟ إنْ للسياق نصيبًا كبيرًا في فهم الآيات الكريمات والترجيح بين الأقوال المختلفة.\nسابعًا: ومن الآيات التي اختلف المفسرون فيها على آراء كثيرة، تفسير العصر في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [سورة العصر].\nذهب بعضهم إلى أنها صلاة العصر، واستدلوا بما لهذه الصلاة من فضل ومنزلة، وقال آخرون إنه الدهر مستدلين بما جاء في بعض القراءات (والعصر ونوائب الدهر) - وهي قراءة تفسيرية - وقال آخرون إنه عصر النبي -ﷺ- مستدلين بما جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري \"مثل المسلمين واليهود والنصارى كمثل رجل استأجر قومًا يعملون له عملًا إلى الليل فعملوا إلى نصف النهار فقالوا: لا حاجة لنا إلى أجرك فأستأجر آخرين فقال أكملوا بقية يومكم ولكم الذي شرطت، فعملوا حتى إذا كان حين صلاة العصر قالوا لك ما عملنا فاستأجر قومًا فعملوا بقية يومهم حتى غابت الشمس واستكملوا أجر الفريقين\" (١).\nوقالوا إنه يؤخذ من هذا فضل النبي -ﷺ- حيث أقسم الله بعصره - زمانه - في هذه الآية وبمكانه في قوله ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ وبنفسه وعمره في قوله ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] وأخذوا من هذا الحديث أيضًا أن بعثة الرسول -ﷺ- كانت في آخر الساعة فما بين بعثة النبي -ﷺ- وبين قيام الساعة، كما بين العصر وغروب الشمس.\nوذهبت فئة رابعة إلى أن العصر هو الطرف الأخير من النهار، فلقد أقسم\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب.","vol":"1","page":305},{"text":"الله بالصبح والضحى، وأقسم بالعصر.\nوإذا نظرنا في هذه الأقوال كلها، نرى أنفسنا مضطرّين إلى ترجيح القول الأخير، لأن الله ﵎ أقسم بالصبح على أن هذا القرآن قول رسول كريم في سورة التكوير، وأقسم بالضحى على أنّ الله ما ودع نبيه -ﷺ-، وأقسم بالعصر على أن الإنسان لفي خسر، ومعنى ذلك أن الذي لا يبادر إلى عمل الخير، حتى يقرب انتهاء وقته في خسران.\nأما القول إنه صلاة العصر، فالآية مكية، وفضل صلاة العصر إنما عرف بعد الهجرة.\nوأما أنه الدهر، فهذا الإطلاق ليس شائعًا، أي إطلاق الدهر على العصر، وأما أنه عصر النبي -ﷺ- فلا يكفي لترجيح هذا القول الحديث السابق. إذن فالذي نرجّحه في معنى العصر الطرف الأخير من النهار.\nثامنًا: قوله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] ساق ابن جرير الطبري ﵀ في معنى (الشاهد والمشهود) الأقوال الآتية:\n١ - أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة.\n٢ - أن الشاهد يوم الأضحى والمشهود يوم عرفة.\n٣ - أن الشاهد محمد -ﷺ-، والمشهود يوم الجمعة في قول، ويوم عرفة في قول آخر.\n٤ - أن الشاهد الله تعالى، والمشهود، قيل يوم القيامة، وقيل يوم الأضحى وقيل يوم الجمعة، ثم قال بعد أن ساق تلك الأقوال: \"والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله أقسم بشاهد شَهِد، ومشهود شُهِد، ولم يخبرنا بذلك أي شاهد وأي مشهود أراد، وكل الذي ذكرنا أن العلماء قالوا هو المعني مما يستحق أن يقال له شاهد ومشهود\" (١).\n_________\n(١) تفسير الطبري (٣٠/ ٨٢).","vol":"1","page":306},{"text":"تاسعًا: وليس الطبرى وحده ينهج هذا المنهج، بل هو نهج مشاهير المفسّرين وحذّاقهم، فعند تفسير قوله تعالى في آية الكرسي ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يقول الشهاب الألوسي: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي أمر الدنيا (وما خلفهم) أي أمر الآخرة، وروي عكس ذلك. وقيل يعلم ما كان قبلهم، وما كان بعدهم، وقيل ما بين أيديهم من خير أو شرّ، وما خلفهم مما فعلوه كذلك، وقيل ما يدركونه وما لا يدركونه، أو يحسونه ويعقلونه، والكلّ محتمل ووجه الإطلاق فيه ظاهر (١).\nعاشرًا: وهناك آيات كثيرة ورد في تفسيرها أقوال كثيرة؛ لأن اللغة تحتملها من جهة، ولم يرد في تفسيرها حديث صحيح من جهة ثانية منها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٩٨].\nإني لأعجب من أولئك الذين يدّعون أن عالمًا فضلًا على أن يكون إمامًا يرى أنه لا يجوز أن يفسر كتاب الله إلا بما صح عن رسول الله -ﷺ-، وليست هناك آية من كتاب الله إلا وأعمل المفسرون فيها فكرهم وبذلوا فيها الجهد وتحملوا الجهد كذلك، ولنستمع إلى ما قالوا نتيجة هذا الجهد.\nقال الألوسي: أي لكم استقرار في الأصلاب أو فوق الأرض .. واستيداع في الأرحام أو في القبر، أو موضع استقرار واستيداع فيما ذكر. وجعل الصلب مقر النطفة والرحم مستودعها، لأنها تحصل في الصلب لا من قبل شخص آخر وفي الرحم من قبل الأب فأشبهت الوديعة فكأن الرجل أودعها ما كان عنده، وجعل وجه الأرض مستقرًا وبطنها مستودعا لتوطنهم في الأول، واتخاذهم المنازل والبيوت فيه وعدم شيء من ذلك في الثاني. وقيل: التعبير عن كونهم في الأصلاب أو فوق الأرض بالاستقرار لأنهما\n_________\n(١) روح المعاني (٣/ ٩).","vol":"1","page":307},{"text":"مقرهم الطبيعي كما أن التعبير عن كونهم في الأرحام أو في القبر بالاستيداع لما أن كلا منهما ليس بمقرهم الطبيعي.\nوأخرج جماعة منهم الحاكم وصححه من طرق عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أن المستقر الرحم والمستودع الأصلاب، ويؤيد تفسير المستقر بالرحم قوله تعالى. ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ [الحج: ٥] وأما تفسير المستودع بالأصلاب، فقال شيخ الإسلام: إنه ليس بواضح وليس كما قال، فقد ذكر الإمام بعد أن فرق بين المستقر والمستودع، بأن المستقر أقرب إلى الثبات من المستودع، ومما يدل على قوة هذا القول المعنى المروي عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: أن النطفة الواحدة لا تبقى في صلب الأب زمانًا طويلًا والجنين يبقى زمانًا طويلًا ولما كان المكث في الرحم أكثر مما في صلب الأب كان حمل الاستقرار على المكث في الرحم أولى، ويلزم ذلك أن حمل الاستيداع على المكث في الصلب أولى. وأنا أقول لعل حمل المستودع على الصلب باعتبار أن الله تعالى بعد أن أخرج من بني آدم ﵇ من ظهورهم ذريتهم يوم الميثاق وأشهدهم على أنفسهم وكان ما كان ردهم إلى ما أخرجهم منه فكأنهم وديعة هناك تخرج حين يشاء الله تعالى ... وروى تفسير المستودع بالدنيا والمستقر بالقبر ... وعن أبي مسلم الأصفهاني أن المستقر الذكر، لأن النطفة إنما تتولد في صلبه والمستودع الأنثى لأن رحمها شبيه بالمستودع لتلك النطفة\" (١).\nأليس في هذا دليل على أن المسلمين لم يجمدوا وهم يتلون هذا القرآن العظيم، بل كانوا يتدبرونه، من أجل أن يصلوا إلى المعنى الذي يتفق مع قدسية هذا القرآن الكريم وجلاله.\n_________\n(١) روح المعاني (٧/ ٢٣٦).","vol":"1","page":308},{"text":"حادي عشر: قال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ [الصافات: ١ - ٤].\nثاني عشر: قال تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾ [الذاريات: ١ - ٦].\nثالث عشر: قال تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾ [المرسلات: ١ - ٧].\nرابع عشر: قال تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (١) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (٢) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (٣) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (٤) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦)﴾ [النازعات: ١ - ٦].\nخامس عشر: قال تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (٥) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ [العاديات: ١ - ٦].\nهذه أشياء أقسم الله بها، وهي تلتقي فيما يلي:\n١ - كلها مختومة بالتاء.\n٢ - كلها صيغ جمع.\n٣ - من ذوات القسم بالواو.\n٤ - العطف حينا بالواو وحينًا بالفاء.\nولقد اختلف المفسرون في معاني هذه الأمور المقسم بها، والله أعلم بمراده.\nلكننا ونحن نتصفح أقوال المفسّرين نجد أن اختلافهم فيها ليس سواءً، فبعضها كثر الاختلاف فيه، وبعضها لا نكاد نجد فيه اختلافًا، وبعضها بينَ بينَ كما سنعرض، ويرجع ذلك إلى أن بعضها قد روي في تفسيرها آثار مقبولة، وبعضها","vol":"1","page":309},{"text":"الآخر لا يحتمل وجوهًا متعددة في اللغة. أمّا ما كثر فيه الاختلاف فلأنه لم يشتهر في تفسيره أثرٌ ما، وفيه مجال واسع ممّا تحتمله اللغة.\nفأمّا العاديات وأخواتها فهم مجمعون على أنها الخيل التي تقابلُ العدوّ على تفصيل في وصفها (١).\nوأما الذاريات وما بعدها، فقد قيل إنها الرياح والسحب والسفن، وقيل إن المقصود بها كلها الرياح، وقد استندوا في ذلك إلى آثار روي بعضها عن الرسول -ﷺ- وبعضها عن الإمام علي كرّم الله وجهه.\nوأمّا الصّافات فقيل إنها الملائكة استنادًا إلى قوله تعالى في السورة نفسها ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ [الصافات: ١٦٥ - ١٦٦] وقيل إنّ المقصود بها جماعة المؤمنين التي تنزجر عن المعاصي وتتلو الذكر.\nأمّا تفسير قوله سبحانه ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ وما بعدها فذهب كثير من المفسّرين إلى أنها الرياح، وهذا ما ترجّحه اللغة وقال آخرون الملائكة.\nبقي من هذا النمط قوله سبحانه ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ وهي أكثر ما اختلفت فيه أقوال المفسرين، فبعضهم رأى أنها الملائكة، وقال آخرون إنها الكواكب، وقال جماعة إنها الخيل، ومن أراد مزيدًا فليراجع كتب التفسير.\nونجد الإمام الطبري - شيخ المفسرين -﵁- ييين أنه يمكن أن تُحمل الأمور المقسم بها على كلّ ما ذكر فيها من أقوال؛ لأنه لا تناقض بين هذه الأقوال جميعها، والقرآن كما نعلم حمّال ذو وجوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>قاعدة جليلة:</span>\nإن ما ذكره الطبري والألوسي وغيرهما، نستنتج منه قاعدة جليلة، هي أنّ ما ورد\n_________\n(١) ينظر الكشاف: ٤/ ٧٨٦ - ٧٨٧.","vol":"1","page":310},{"text":"في تفسيره أثر صحيح لا يُقدَّم عليه قول آخر أيًّا كان، وما لم يكن كذلك، وكانت اللغة تعين على احتمال معانٍ متعددة له دون أن تتعارض مع السياق فلا بأس أن تُحمل الآية على هذه الأقوال كلها، وهذا ما سار عليه الإمام الطبري -﵀- وغيره من كبار المفسرين، وهذا من شأنه أن يفتح الباب أمام العلماء والباحثين والمحققين في فهم كتاب الله تعالى، فالقرآن الكريم - كما نعلم - لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنتهى جدّته.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>التفسيرات البعيدة عن اللغة والسياق:</span>\nهذا كله إذا كان حمل الآية على كل ما ورد في تفسيرها من أقوال ممكنًا، أمّا إذا تعذّر ذلك لسبب ما فلا، كأن يكون التفسير غير منسجم مع اللغة أو يستبعده السياق فلا ينبغي أن يُقبل مثل هذا التفسير. ومن أمثلة ذلك:\n١ - قوله سبحانه: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: ١] في أول سورة الإسراء حيث فسّر بعضهم السميع البصير بأنه رسول الله -ﷺ- وذلك لعود الضمير على أقرب مذكور ولأنّ الرسول -ﷺ- كان في هذه المواطن البعيدة عمّا يدركه البشر يسمع ويبصر. وهذا تأويل بعيده جدًّا، لأنّ السميع البصير لم يذكر في القرآن الكريم وصفًا لغير الله.\n٢ - قوله سبحانه ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٧ - ١٢١٩] فسّر بعضهم قوله تعالى: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ بمعنى أن الله يرى تقلبك في أصلاب الساجدين من آبائك من لدن آدم ﵇ إلى زمن ولادتك. وهذا قول بعيد جدًّا لا تعين عليه اللغة ولا السياق، وليس فيه كبير مدح وثناء، فإن المعنى الظاهر للآية أن الله ﵎ يراك حين قيامك في الصلاة ويراك في حال سجودك. وقيل: معنى","vol":"1","page":311},{"text":"(تقلبك في الساجدين) (١) مراقبتك لأصحابك وهم يصلون، ونحن نرجح القول الأول.\n٣ - قوله سبحانه: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] حيث قال بعضهم إن المقصود في هذا الخطاب رسول الله -ﷺ-. وهذا من أغرب التفاسير وأبعدها، لأنه يبتر سياق النظم من جهة ولا يعين عليه المعنى من جهة أخرى.\nوالمقصود بهذا الانسان الذي بدأ الحديث عنه في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦].\nفالحديث إذن عن هذا الإنسان الذي كان في غفلة عن الموت، فقبل الآية المذكورة قوله سبحانه ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢) وَقَال قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ [ق: ٢١ - ٢٣] فسباق الآية ولحاقها يردّ التفسير الآنف ذكره.\n٤ - وقريب من هذا وإن كان أقل غرابة وبعدًا تفسيرهم قوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] حيث ذكروا أن الضمير يرجع إلى سيدنا رسول الله -ﷺ-، وهذا لا يرجحه سياق الآية الكريمة وسيأتي لذلك مزيد تفصيل في تفسير هذه الآية إن شاء الله عند تفسير بعض آيات سورة الحجّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>الاختلاف الناشئ عن التفسير العلمي:</span>\nولنختر بعض النماذج التي كان اختلاف المفسرين فيها ناشئًا عن التفسير العلمي في العصر الحديث. لقد كان كل الذي مر معنا من آيات كريمات اختلف حولها المفسرون مرجعه المفسرون قبل العصر الحديث، ولا بد حتى نوفي هذا الموضوع حقه أن نختار بعض النماذج التي كان للمحدثين فيها رأي.\n_________\n(١) ينظر الكشاف ٣/ ٣٤١ - ٣٤٢.","vol":"1","page":312},{"text":"١ - قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١] وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤].\nاختلف المفسرون في الآيتين فذهب بعضهم إلى أن المقصود ما يفتح به الله على المسلمين من بلاد أعدائهم، فكم من بلاد كانت في حوزة أعداء الإسلام ففتحها الله لعباده. وبالتالي نقصت أرض المشركين (١).\nوقال آخرون: إن معنى قوله (تنقصها من أطرافها) أي نهلك ساداتها ورجالاتها من ذوي الشأن والسؤدد وهذا إطلاق معروف في اللغة، لكن بعض المفسرين في العصر الحديث فهم من الآية معنى آخر.\nيقول الأستاذ رشيد رشدي العابري -﵀- في كتاب (بصائر جغرافية):\nغير أن الأرض على الرغم من الدلائل المذكورة القطعية على كرويتها بصورة عامة فإنها غير تامة وغير منتظمة التكوير، فتنقص الأرض عن استدارتها قليلًا من جهتين: الأولى: من طرفيها الشمالي والجنوبي حيث القطبان، والثانية: من جهة أطراف محيطها بصورة عامة.\nأما من الجهة الأولى: من طرفيها الشمالي والجنوبي. حيث القطبان فهي مفلطحة وناقصة التكوير خلافًا لطرفي خط استوائها، فإنها منبعجة وبشكلها هذا دعيت هندسيًّا بأنها قطع ناقص مجسم ولذلك قل قطرها القطبي عن قطرها الاستوائي فطول قطبي الاستوائي الأرضي (١٢٧٥٤.٨) كيلو متر، وطول قطرها القطبي (١٢٧١٢.٢) كيلو متر، فالفرق بينهما (٤٢.٦) كيلو متر ونسبة هذا الفرق كنسبة (١/ ٢٩٩) وبرهن العلماء على أن الأرض أخذت هذا الشكل نتيجة دورانها حول نفسها، وهذه الظاهرة لم تعرف حتى (١٦٧٢ م) ...\n_________\n(١) وهذا يبعث في النفس ألمًا وحرقة، فها هي أرض المسلمين حتى مقدساتهم يعيث فيها أعداؤهم فسادًا وقد سُلبت بعد أن سُلبَ المسلمونَ شخصيتَهم.","vol":"1","page":313},{"text":"وأما من الجهة الثانية فتتنقص الأرض من أطراف محيطها بوجه عام، فسطح الأرض ليس مستديرًا استدارة منتظمة بل إنه على شكل هرم مثلث نظرًا إلى توزيع اليابس والماء ولمقابله قارة إلى محيط، وتدعى هذه الظاهرة، بنظام (نتراهيدي) وذلك بالملاحظتين التاليتين:\nأ- إذا لاحظنا توزيع القارات نرى أنها تتخذ شكل مثلث يتجه أحد رؤوسه إلى الجنوب، وهذا ظاهر واضح في أفريقيا والأمريكيّتَيْن، وإن كان هذا الأمر أقل ظهورًا في آسيا وأوروبا ومع ذلك فإن كلًّا منها تنتهي من الجنوب بأشباه جزر ثلاثة تتتهي برؤوس أيضًا.\nب- أن كل كتلة من اليابس يقابلها في الغالب من الناحية المضادة لها من سطح الأرض مساحة من المحيط أي إن كل ارتفاع قاري يقابله انخفاض وإن كان هذا النظام ليس مطردًا وفيه بعض الشذوذ، ولكنه مع ذلك ظاهر ظهورًا يستدعي الانتباه، فبينما القطب الشمالي يغمره المحيط، نجد القطب الجنوبي يابسًا مرتفعًا، وكذلك نرى معظم نصف الكرة الشمالي اليابس يقابله المحيطات العظيمة من الجنوب.\nفالظاهرتان المذكورتان الدالتان على تناقص الأرض من أطرافها في كرويتها وثبوتها من الناحية العلمية ثبوتا قاطعا مما يسّر للأذهان تفسير الآيتين الكريمتين اللتين صدّرنا بهما هذا البحث تفسيرًا واضحًا لا شائبة فيه من تأويل بعيد عن ظاهر اللفظ، وألقى على المعجزة ضوءًا ساطعًا أنار الأفكار وآتاها قوة من الفهم لأسرار الآية الكونية العظيمة (نقص الأرض من أطرافها) وما يتبع ذلك من قواعد علمية تهدي البشر إلى حقيقة الكون ثم معرفة خالقه ومبدعه ﷾\" (١).\nوهناك لفتة بيانية في الآيتين أذكرها للقارئ وهي أنّ آية سورة الرعد جاءت\n_________\n(١) ص ١٥٥ - ١٦٥.","vol":"1","page":314},{"text":"هكذا \"أولم يروا\" وأن آية سورة الأنبياء جاءت هكذا \"أفلا يرون\". ونحن نعلم أنّ (لم) تقلب المضارع إلى الماضي فهذا النقصُ أمرٌ ثابت ماضيًا كما في سورة الرعد وحاضرًا ومستقبلًا كما في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\n٢ - قوله تعالى ﴿مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥] وسنتحدث عن هذه الآية فيما بعد عند تفسير بعض آيات سورة الحج.\n٣ - قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨].\nذهب جل المفسرين إلى أن هذا سيكون في الآخرة حينما تدك الجبال ثم تكون كالعهن المنفوش، ثم تنسف نسفًا وتمرّ مرّ السحاب، غير أن بعض العلماء المحدثين رأى أن لهذه الآية الكريمة معنى آخر يسنده العلم الحديث.\nيقول الأستاذ رشيد العابري:\n\"هذه الآيات (١) تشير إشارة صريحة إلى أن الجبال تدك دكًا وتنسف نسفًا، فتصبح اليابسة في سوية واحدة عن سطح البحر وهي مسطحة منبسطة لا ارتفاع فيها ولا انخفاض وذلك في يوم ما وهو ما يدعى يوم القيامة، وإذا أمعنا النظر في الآيات المذكورة وجدنا أن النسف والدك قد يقعان على حالتين الأولى أن الجبال تدك دكة واحدة بدليل الآية ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]، الحالة الثانية: أن يقع النسف والدك على التتابع والتعاقب بدليل الآية ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ [الفجر: ٢١] أي تدك دكات متعاقبة ... يقول الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد ... \"إن معناه دكًا بعد دك، أنه كرر\n_________\n(١) وهي قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾ [الطور: ٩] وقوله: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَال بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ [الواقعة: ٤ - ٦] وقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَال وَكَانَتِ الْجِبَال كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤] وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١٠٧] وغيرها من الآيات.","vol":"1","page":315},{"text":"الدكّ عليها وتتابع حتى صارت الأرض هباء منبثًا\" وفي هذه الظاهرة إذن وجهتان نظرًا إلى الآيات المذكورة الأولى أن تنسف الجبال وتسوى دفعة واحدة في آن واحد. والوجهة الثانية: أن تدك وتنسف على دفعات متعددة متوالية في أزمان متطاولة حتى تكون على سوية واحدة فهل حقق العلم هاتين الوجهتين من هذه الظاهرة الطبيعية: أجل قد حققهما وأيدهما\".\nوتحدث الكاتب عن هاتين الوجهتين وقال. \"من هذا يتضح لنا أن الحركات الجبلية في الأزمنة القديمة مهما كانت عنيفة ومهما كان لها من الأثر في العصور الجيولوجية الأولى، ومن تكوين جبال شاهقة ضخمة واسعة الانتشار فإن قدم ومضي العصور قد أزال أكثر معالمها وحولها إلى هضاب منبسطة أو سهول منحوته أو جبال منخفضة وذلك بتأثير قوة الظاهرة، أما سلاسل الجبال الشاهقة المترامية الأطراف والتي تختط القارات الحالية والتي هي أقوى وأبرز ظاهرات تضاريس سطح الأرض في الوقت الحاضر، فهذه كلها تقريبًا من بقايا العصور الجيولوجية الحديثة التي لم تؤثر عليها عوامل التعرية بعد ولكن قد يأتي يوم عليها أيضًا فتتحول إلى هضاب منبسطة أو إلى سهول متموجة وحتى سهول منخفضة وذلك بتأثير الظواهر الجوية وغيرها التي دعيت بالقوة الظاهرة.\nأما القوة الباطنة التي لها الأثر البليغ الآن في تكوين التضاريس من رفع وخفض، فسيأتي يوم عليها يقل تأثيرها بصورة تدريجية وذلك بضياع جزء من الحرارة الكامنة تحت القشرة الأرضية مباشرة وذلك بالشع من جهة وبتأثير القشرة الأرضية الباردة المحيطة بالكرة الحرارية من جهة أخرى وإن استغرق ملايين السنين، وهذه الظاهرة الطبيعية تؤدي بالنتيجة إلى ازدياد سمك القشرة الأرضية وحينذاك تكون القشرة الأرضية أكثر تماسكًا. واندماجًا وأكثر مقاومة للاندفاعات الجوفية الأرضية سواء أكانت بركانية أو زلزالية\" (١).\n_________\n(١) بصائر جغرافية ص ٣٢٣ - ٣٣٠.","vol":"1","page":316},{"text":"ويقول عند قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ وهي موضع حديثنا: وما جاءت به التفاسير المعتبرة، نرى أن لها وجهتين لا ثالث لهما. فالوجهة الأولى: تبين مصير الجبال في يوم القيامة حيث تؤول إلى هباءات متناثرة في السماء كأنها سحابة متحركة بالفضاء .. أما الوجهة الثانية فهي تشير إشارة صريحة إلى حركة الأرض اليومية حول نفسها والفضائية حول الشمس بحيث نرى الجبال جامدة صامدة على سطح الأرض، ولكنها هي في الحقيقة متحركة بحركتي الأرض وفي الواقع إن كل نقطة على سطحها هي في حركة مستمرة لا استقرار لها ولكن لا نحس ولا نشعر بهذه الحركة والوجهة الأخيرة هذه أقرب من الأولى إلى الحقيقة لما جاء في آخر الآية ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من حيث. لا يتلاءم إتقان الصنعة مع التخريب والتدمير، بل يتواءم مع الإنشاء والتعمير بحركتي الأرض الخارقتين بتأثير الجاذبية، دون خلل واضطراب يصييان الأرض من جراء الحركتين المذكورتين. فيها لها من صعنة متقنة اتقانًا تحير العقول الجبارة (١)\nنكتفي بهذه النماذج، ومن دراستنا لها نجد أن أقل أسباب الاختلاف بين المفسرين ما يرجع إلى السنة المطهرة، فليس هناك قولان كان سببهما حديثين مختلفين، وإنما يرجع إلى اللغة من حيث ورود أكثر من معنى للكلمة، أو مرجع الضمير أو غير ذلك مما يمكن أن نستنتجه من أسباب، كما رأينا أن السياق يساعدنا كثيرًا في حل كثير من الإشكالات، وسنزيد هذا المعنى إيضاحًا في آخر هذا المبحث، حينما نختار سورة أنموذجًا لمعرفة ما فيها من اختلاف المفسرين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-154> التجرد الحقّ أساس لفهم القرآن الكريم:</span>\nإن حديثنا عن قواعد التفسير ودعائمه من لغة ومأثور وسياق، وما يتصل بذلك كله، إنما يكون مجديًا ومفيدًا إذا كان القارئ أو المفسر متجردًا من جميع المؤثرات الخارجية والداخلية، أعني أن لا يكون متكئًا على قول ما، أو معجبًا برأي ما، يريد أن يحمل القرآن عليه، ولقد رأينا - كما حدثتك من قبل - من يتمحل\n_________\n(١) بصائر جغرافية ص ٢٨١.","vol":"1","page":317},{"text":"في فهم القرآن الكريم، ويتكلف تكلفًا يبعده عن مواطن الحق والصواب.\n١ - ولا زلت أذكر أنه قبل سنين، جاءني بحث من إحدى الجامعات، لأحد المدرسين لتحكيمه وتقويمه، وكان الأخ الباحث ممن يرون رأيًا ما في بعض أمور العقيدة، وكان مما قاله ونقله وهو يتحدث عن الوقف في آي القرآن الكريم، وعرض للآية الكريمة في سورة الأنعام، ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام: ٣] فكان رأي الأخ الباحث، أنه ينبغي أن يكون الوقف عند قوله تعالى: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ فنقرأ الآية هكذا، (وهو الله في السموات) ونقف هنا، ونبدأ مستأنفين: (وفي الأرض يعلم سركم وجهركم)، ويقول إن هذا الرأي وإن كان ابن كثير لم يرتضه، فإن شيخ المفسرين ابن جرير -﵀- قد أرتضاه، وبعد تقويمي للبحث أكدت، أن ابن جرير﵀- لم يقل هذا الرأي، ونقلت قول ابن جرير في صلب التقويم، ثم جاءني البحث من جهة رسمية أخرى، وإذ بالباحث لم يغيّر في البحث شيئًا، ثم جاءني البحث مرة ثالثة، وإذ هو على حاله. فقد أبى الباحث أن يرجع عما كتبه ... وأنا أعجب من مثل هذا الإصرار على خطأ. أنا لا أحجر على الكاتب أن يرى ما يرى، وأن يقول ما يقول، لكن الذي لا يرضاه أحد، ويأباه الشرع الحنيف، ويرده العقل السليم أن نقوّل العلماء ما لم يقولوه، وأن ندّعي على ابن جرير﵀- ما هو بريء منه، وما أظن أن الباحث لم يرجع إلى تفسير الطبري، لكن يظهر أنه قرأ في تفسير القرطبي عند تفسير هذه الآية، أن رأي ابن جرير الوقف عند قوله سبحانه (في السموات) وأنا على يقين من أن القرطبي لم يكن قد اطلع على تفسير ابن جرير، لأن تفسير ابن جرير لم يعثر عليه إلا متأخرًا، فلم يكن معروفًا عند المشارقة، فضلًا على أن يكون معروفًا عند المغاربة .. كم كان من الخير لهذا الباحث، أن يرجع إلى الحق، وبخاصة فيما يتصل بكتاب الله ﵎.\n٢ - قرأت في كتاب أسباب اختلاف المفسرين \"عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ","vol":"1","page":318},{"text":"الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤١] قال أبو بكر الجصاص: وهو صفة الخلفاء الراشدين الذين مكنهم الله في الأرض وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي -﵃-، وفيه الدلالة الواضحة على صحة إمامتهم لإخبار الله تعالى بأنهم إذا مكنوا في الأرض قاموا بفروض الله عليهم، وقد مكنوا في الأرض فوجب أن يكونوا أئمة قائمين بأوامر الله، مُنتهين عن زواجره ونواهيه، ولا يدخل معاوية في هؤلاء؛ لأن الله إنما وصف بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم، وليس معاوية من المهاجرين بل هو من الطلقاء [الأحكام ٣/ ٢٤٦]، وما كان أغنى الجصاص عن التنصيص على إخراج معاوية من تلك الأوصاف لولا هوى في نفسه وتعصب لمعتقده، قال الذهبي تعقيبًا على ذلك: \"وما كان أولى بصاحبنا أن يترك هذا التحامل على معاوية الصحابي، ويفوض أمره إلى الله ولا يلوي مثل هذه الآيات إلى ميوله وهواه\" [التفسير والمفسرون: ٢/ ٤٤٣].\n٣ - ومن الإنصاف أن أشكر الكاتب، وأدعو للذهبي بالرحمة، فهذا أمر يستحق الشكر، لكنني قرأت في اليوم نفسه، كتابًا آخر (١)، جاء فيه ما يلي.\n\"وفي قوله\": ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال ابن القيم: وفي تفسير علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال: الذين يقولون إن الله على كل شيء قدير، وهذا من فقه ابن عباس وعلمه بالتأويل ومعرفته بحقائق الأسماء والصفات، فإن أكثر أهل الكلام لا يوفون هذه الجملة حقها، ولو كانوا يقرون بها، فمنكرو القدر وخلق أفعال العباد لا يقرون بها على وجهها، ومنكرو أفعال الرب القائمة به لا يقرون بها على وجهها، بل يصرحون أنه لا يقدر على فعل يقوم به، ومن لا يقر بأن الله سبحانه كل يوم هو في شأن يفعل ما يشاء، لا يقر بأن الله على كل شيء قدير، ومن لا يقر بأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء وأنه سبحانه يقلب القلوب حقيقة، وأنه إن شاء أن يقيم القلب أقامه،\n_________\n(١) فصول في أصول التفسير ص ٨٥.","vol":"1","page":319},{"text":"وإن شاء أن يزيغه أزاغه لا يقر بأن الله على كل شيء قدير، ومن لا يقر بأنه استوى على عرشه بعد أن خلق السموات والأرض، وأنه ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا يقول: من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، وأنه نزل إلى شجرة فكلم موسى كلمة منها، وأنه ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة حين تخلو من سكانها، وأنه يجيء يوم القيامة فيفصل بين عباده، وأنه يتجلى لهم ويضحك، وأنه يريهم نفسه المقدسة، وأنه يضع رجله على النار، فيضيق بين أهلها، وينزوي بعضها إلى بعض، إلى غير ذلك من شؤونه وأفعاله التي من لم يقر بها لم يقر بأنه على كل شيء قدير، فيالها كلمة من حبر الأمة، وترجمان القرآن\" وأنا لا أود أن أعلق على مثل هذا القول، لكني ما كنت أود أن يصدر عن نحرير مثل ابن القيم ﵀، وأن ينقله أخ كاتب، تلمس في كتابته رواء الفكر، والجدّة في التأصيل، وأتساءل أيّ مسلم وأيُّ مؤمن حتى أولئك الذين ليسوا على هذه الملة ينكر أن الله على كل شيء قدير؟ أيجوز أن نقوّل الناس ما لم يقولوه؟ أيجوز أن نأخذ النتائج من غير المقدمات؟ ! ما كان ينبغي أن نلزم الناس بما نفهمه من أقوالهم، أو بما ينبغي أن نردّ عليهم به، وإنما ينبغي أن تكون نظرتنا للناس سواءً، فلا نقبل قولًا لأن قائله فلان أو نرد قولًا لأن قائله علّان، وكلٌّ يؤخذ منه ويردّ عليه إلا سيد المعصومين -ﷺ-.\n٤ - ويقول الكاتب الفاضل: \"ومما يجدر التنبيه عليه هنا أنه قد يرد عن السلف تفسير لبعض صفات الله بلازمها، فيظن القارئ لها أن السلف يؤولون صفات الله سبحانه، وهذا ليس بصواب، وذلك لأن الأصل عند السلف هو أن صفات الله على الحقيقة، ولا يجوز التأويل، فإذا رأيت مثل هذا فاعلم أنهم لا يؤولون، لأنه لم يرد عن أحدهم أنه أنكر الصفة، وفرق بين إنكار الصفة والتفسير باللازم\" (١).\nما أجمل أن يسع بعضنا بعضًا فيما اتفقنا عليه، وأن يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه.\n_________\n(١) فصول في أصول التفسير ص ٨٠.","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>الفَصْل الثَّالثِ مخالفة المفسرين</span>\nمن البدهي أن المفسرين -﵏- وإن كانوا أئمة أعلامًا، فإنّهم يؤخذ منهم ويرد عليهم، ومن هنا وجدنا أن الردّ على المفسرين قد اشتهر في القديم والحديث، ولا أتحدث هنا عن المخالفات المنكرة للمفسرين، التي يكون مصدرها الأهواء أو الفرق أو النحل الباطلة أو الجهل، وإنما أذكر المخالفات التي لها نصيبٌ ولو كان ضئلًا من النظر، وسأكتفي بذكر بعض النماذج، ولن أثقل عليك أيها القارئ الكريم:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>وقفة موجزه مع المفسّرين:</span>\n١ - يذكر أبو عبيدة في مجاز القرآن عند تفسير قوله تعالى في سورة الأنفال ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١] مجازه: . يُفرِغ عليهم الصبر وينزله عليهم فيثبتون لعدوهم\" (١). ولكن هذا القول من أبي عبيدة لا يعجب الإمام الطبري فهو يقول: وقد زعم بعض أهل العلم بالغريب من أهل البصرة، أن مجاز قوله \"ويثبت به الأقدام\" يفرغ عليهم الصبر، وينزله عليهم فيثبتون لعدوهم، وذلك خلاف لقول جميع أهل التأويل من الصحابة والتابعين وحسب قول خطأً أن يكون خلافًا لقول من ذكرنا، وقد بينا أقوالهم فيه، وأن معناه وثبتت أقدام المؤمنين بتلبيد المطر الرمل حتى لا تسوخ فيه أقدامهم وحوافر دوابهم\" (٢).\n٢ - عند تفسير أبي حيان لقوله سبحانه ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤] يقول: طوَّل المفسرون في تفسير هذين الهمَّين، ونسب بعضهم ليوسف ما لا\n_________\n(١) مجاز القرآن (١/ ٢٤٢).\n(٢) الطبري (٩/ ١٢٥).","vol":"1","page":321},{"text":"يجوز نسبته لآحاد الفساق، والذي أختاره أن يوسف ﵇ لم يقع منه همّ البتة بل هو منفي لوجود رؤية البرهان ... ولا التفات إلى قول الزجاج: ولو كان الكلام (ولهمّ بها) كان بعيدًا، فكيف مع سقوط اللام؛ لأنه يوهم أن قوله (وهمّ بها) هو جواب لولا، ونحن لم نقل بذلك، وإنما هو دليل الجواب، وعلى تقدير أن يكون نفس الجواب، فاللام ليست بلازمة لجواز أن ما يأتي جواب لولا إذا كان بصيغة الماضي باللام وبغير لام، تقول: لولا زيد لأكرمتك، ولولا زيد أكرمتك فمن ذهب إلى أن قوله (وهم بها) هو نفس الجواب، لم يبعد، ولا التفات لقول ابن عطية أن قول من قال إن الكلام قد تم في قوله \"ولقد همت به\" وأن جواب (لولا) في قوله وهم بها، وأن المعنى لولا أن رأى البرهان لهمّ بها، فلم يهم يوسف ﵇، قال: وهذا قول يرده لسان العرب، وأقوال السلف انتهى، أما قوله يرده لسان العرب، فليس كما ذكر، وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ [القصص: ١٠] أي لكادت تبدي به وأما أقوال السلف، فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك؛ لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضًا مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين، فضلًا عن المقطوع لهم بالعصمة، والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب! لأنهم قدروا جواب لولا محذوفًا، ولا يدل عليه دليل لأنهم لم يقدروا (لهمّ بها) ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط؛ لأن ما قبل الشرط دليل عليه، ولا يحذف الشيء لغير دليل عليه، وقد طهرنا كتابنا هذا عن نقل ما في كتب التفسير مما لا يليق ذكره، واقتصرنا على ما دل عليه لسان العرب، ومساق الآيات التي في هذه السورة مما يدل على العصمة\" (١).\n_________\n(١) البحر المحيط (٥/ ٢٩٥).","vol":"1","page":322},{"text":"ومع أن كلام أبي حيان لا غبار عليه ألبتة، لكننا وجدنا من بعض الكاتبين المحدثين، من يحمل حملةً قاسية على أبي حيان، يقول الدكتور محمد بن صالح الفوزان: \"فهم السلف للقرآن حجة يحتكم إليه لا عليه، ولذا فإن ورود تفسير من تفاسيرهم مبني على فهمهم لغتهم يكون حجة يرجع إليها، وقد أغرب أبو حيان في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٢٤] حيث قال: والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب، لأنهم قدّروا جواب (لولا) محذوفًا، ولا يدل عليه دليل، لأنهم لم يقدروا (لهمّ بها)، ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط، لأن ما قبل الشرط دليل عليه، ولا يحذف الشيء لغير دليل عليه، فقوله ﵀: \"والذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب\" قول غريب، فهل أبو حيان أعلم من السلف، الذين نزل بلغتهم القرآن - بكلام العرب؟ وهل أبو حيان أعلم بمعاني كلام الله منهم؟ كل هذا بغض النظر عن المرويات التي رويت عنهم، لأن المراد هنا هو قضية المنهج الذي انتهجه أبو حيان في هذه العبارة\" (١).\nإن أبا حيان قد رد ما روى عن السلف من روايات لا يقرها القرآن الكريم ولا السنة الشريفة، ولِمَ لا يكون أبو حيان أعلم باللغة من كثير منهم، ولا نعني هنا -بالطبع- الصحابة وكبار التابعين، لأن الروايات التي لا تليق بيوسف -ﷺ- لم ترو عن هؤلاء وإنما رويت عمن جاء بعدهم، وكلمة السلف كلمة يمتد بها الزمن عشرات السنين، بل مئات السنين.\n٣ - يقول المراغي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] أي وحفظنا السماء أن يتطاول لدرك جمالها، وفهم محاسن نظامها الجهال والشياطين المتمردون من الجن والإنس، لأنهم غافلون عن\n_________\n(١) فصول في أصول التفسير ص ٤٥.","vol":"1","page":323},{"text":"آياتنا، معرضون عن التفكر في عظمتها، فالعيون مفتحة ولكن لا تبصر الجمال، ولا تفكر فيه حتى تعتبر بما فيه.\n﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ [الصافات: ٨] أي إن كثيرًا من أولئك الجهّال والشياطين محبوسون في هذه الأرض غائبة أبصارهم عن الملأ الأعلى، لا يفهمون رموز هذه الحياة وعجائبها، ولا ترمي نفوسهَم إلى التطلع إلى تلك العوالم العليا والتأمل في إدراك أسرارها والبحث في سر عظمتها.\n﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ [الصافات: ٨ - ٩] أي وقد قذفتهم شهواتهم، وطردتهم من كل جانب، فهم تائهون في سكراتهم، تتخطفهم الأهواء والمطامع والعداوات والإحن، فلا يبصرون ذلك الجمال الذي يشرق للحكماء، ويسهر أنظار العلماء، ويتجلى للنفوس الصافية، ويسحرها بعظمته، وهم ما زالوا يدأبون على معرفة هذا السر حتى ذاقوا حلاوته، فخروا ركعا سجدًا، مذهولين من ذلك الجمال والجلال.\n﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] أي وأولئك لهم عذاب دائم، بتقصيرهم عن البحث في سر عظمة هذا الكون، والْوصول بذلك إلى عظمة خالقه وبديع قدرته، ثم بيّن من وققهم الله وأنعم عليهم ممن ظفروا بالمعرفة فقال.\n﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] أي إلا من لاحت له بارقة من ذلك الجمال، وعنت له سانحة منه، فتخطفت بصيرته كالشهاب الثاقب، فحن إلى مثلها، وصبت نفسه إلى أختها، وهام بذلك الملكوت العظيم، باحثًا عن سر عظمته ومعرفة كنه جماله، وهم من اصطفاهم الله من عباده، وآتاهم الحكمة من لدنه وأيدهم بروح من عنده، وهم أنبياؤه وأولياؤه، الذين أنعم عليهم من الصديقين والشهداء والصالحين\" وفي سورة الملك يقول: (١)\n_________\n(١) تفسير المراغي ج ٢٩/ ص ٩٩.","vol":"1","page":324},{"text":"\"وقصارى القول أن هذه الكواكب - كما هي زينة الدنيا، وأسباب لرزق ذوي الصلاح من الأنبياء والعلماء والحكماء - هي أيضًا سبب لتكون الأرزاق المهيجة لشياطين الإنس والجن، فهذا العالم قد اختلط فيه الضر بالنفع، وأعطى لكل ما استعد له، فالنفوس الفاضلة والنفوس الشريرة، استمدت من هذه المادة المسخرة المقهورة، فصارت سببًا لثواب النفوس الطيية، وعذاب النفوس الخبيثة، وصار لهم فيها رجوم وظنون، إذ هم قد استمدوا شيطنتهم، من مظاهر الطبيعة الناشئة من الحرارة والضوء.\nأما عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] فيقول: فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدا، أي فمن يرم أن يسترق السمع اليوم، يجد له شهابًا رصدًا لا يتخطاه ولا يتعداه بل يهلكه ويمحقه.\nوإنا لنؤمن بما جاء في الكتاب الكريم من أن الجن كانوا يسترقون السمع، ومُنعوا من ذلك بعد بعثته -ﷺ- ولكن لا نعرف كيف كانوا يسترقون السمع، ولا نعرف الحرس الذين منعوهم ولا المراد بالشهب التي كانت رصدًا لهم والجن أجسام نارية فكيف تحترق من الشهب.\nويرى قوم أن مقاعد السمع هي مواضع الشبهة التي يوسوس بها الجن في صدور الناس، ليصدوهم عن اتباع الحق، والحرس - هي الأدلة العقلية التي نصبها سبحانه لهداية عباده، والشهب الأدلة الكونية التي وضعها في الأنفس والآفاق.\nوعلى هذا يكون المعنى - أن القرآن الكريم بما نصب من الأدلة العقلية والأدلة الكونية، حرس الدين من تطرق الشبه التي كان الشياطين يوسوسون بها في صدور الزائغين، ويحوكونها في قلوب الضالين، ليمنعوهم من تقبل الدين والاهتداء بهديه، فمن يفكر في إلقاء الشكوك والأوهام في نفوس الناس بعدئذ يجد البراهين التي تقتلعها من جذورها.","vol":"1","page":325},{"text":"هناك تأويلات كثيرة خرج بها أصحابها عن مدلولات اللفظ ومقتضى السياق، فلقد أول اليقين في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] بالوصول وقالوا إن من وصل فليس بحاجة إلى عبادة. وأول \"البحرين\" في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩] بفاطمة وعلي -﵄-، و(البرزخ) بمحمد -ﷺ-، وقال بعضهم إن أول حرف في القرآن هو الباء وآخر حرف هو السين، وهما يكونان كلمة (بس) أي \"القرآن وبس\" - وما أكثر التأويلات التي أشاعها أصحابها، ولكنها يقينًا ليست بأبعد مما ذهب إليه الشيخ المراغي في تفسيره.\nلقد خرج الشيخ عن السياق واللغة ورأي جمهور المفسرين، فالذين خطفوا الخطفة حولهم الأستاذ من الشياطين إلى الأنبياء والأولياء والمقربين. ثم أهؤلاء الذين قرأوا القرآن على مكث متدبرين، أيكونون بحاجة إلى الخطفة يخطفونها؟ وهذه الشهب التي ملئت بها السماء لرجم مسترقي السمع، يجعلها الشيخ أنواعًا من الحجج والأنوار.\nإن هذه التأويلات التي أعجب بها الشيخ ونقلها في تفسيره أقرب ما تكون إلى التأويلات الباطنية، وقد وصلت إلينا من طرق كثيرة ومدارس متعددة، كمدرسة أحمد خان في الهند الذي أنعم عليه الإنجليز بلقب (سير). نعم ليس معنى هذا أن نحجر على العقول في فهم كتاب الله ﵎، ولكن في حدود السياق واللغة والمأثور، وكل خروج كالذي رأيناه في تفسير المراغي، مردود مرفوض جملة وتفصيلًا، لأنه - مع ما فيه من مخالفة وشطط - يغري سفهاء العقول بالقرآن، فيؤولون ألفاظه ويحرفون معانيه.\n٤ - يفسر بعض الكاتبين آيات قصة أيوب ﵇، ويحملها على غير ما تحمل عليه، فقد فسر قوله تعالى: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١] بإعراض الناس واستهزائهم بالدعوة والداعين، فإن ذلك من عمل الشيطان،","vol":"1","page":326},{"text":"فشكوى الأنبياء لم تكن إلا بسبب إعراض أممهم عن الاستجابة، وحزنهم لم يكن إلا بسبب بطء في سير الدعوة، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠].\nأما قوله ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ فالمراد بقوله (اركض) عقد العزيمة وتأكيدها، واستتمام الثقة وإكمالها؛ وذلك لأن الشكوى تشعر بالوهن وعدم القوة في السير إلى الغاية لذلك، هذا ما كان من جواب تلك الشكاية.\nأما قوله ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢] لما كان تردد المرء في غايته ووهن عزيمته مرضًا يضايق الصدور كان عقد العزيمة، واستكمال الثقة غسلا للروح من صدئها، وشفاء للنفس من مرضها، فالمراد من المغتسل هو عقد العزيمة واستكمال الثقة، وهنا يكون اسم الإشارة راجعًا إلى الركض بالرجل التي هى كناية عن عقد العزيمة.\n﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [ص: ٤٣] أي هدينا أهله فآمنوا به واستجابوا لدعوته، وهدينا له مثلهم من غير أهله فالهبة هنا هي الهداية والإرشاد، لا هبة الخلق، لأن ما يهتم به الأنبياء، هو أن يهدي الله بهم لا أن يولد لهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] أي لا ترفع في وجوه قومك رمحًا ولا عصا ولا تغلظ لهم في القول، بل لوح لهم في وجوههم بالرياحين ولا تأثم بالغلظة.\nوهذه التأويلات - كما نرى - بعيدة كل البعد عن مدلول اللفظ القرآني ولا ينبغي أن نحمل الألفاظ ما لا تحمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>وقفة مطوّلة مع بنت الشاطئ:</span>\n١ - عند حديث الدكتورة عائشة عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ تقول: السورة تبدأ بهذه الجملة الخبرية القصيرة، لكن الرازي أخرجها من","vol":"1","page":327},{"text":"الإخبار إلى الاسمفهام بمعنى التوبيخ والتقريع، ولا نرى حاجة إلى هذا، بل لعل الخبرية هنا أوقع في الوجر والتأنيب والوعيد بما تشهد به على أن إلهاء التكاثر إياهم واقع قد كان فعلا، وليس المقام مقام استفهام ... (١).\nوإذا رجعت إلى تفسير الرازي لا تجد ما ذكرته الكاتبة، وكل ما في الأمر أن الرازي ذكر الاحتمالين بل ذكر احتمال الخبرية أوّلًا ولعلّه يرجّحه. قال: قوله (ألهاكم) يحتمل أن يكون إخبارًا عنهم، ويحتمل أن يكون استفهامًا بمعنى التوبيخ والتقريع، أي أألهاكم\" (٢) فهو لم يرجح القول بأن الجملة اسمفهام، كما يفهم من كلام بنت الشاطئ.\n٢ - تحدثت الكاتبة عن التكاثر، وذكرت قول الرازي إن التفاخر والتكاثر شيء واحد، وردّت هذا القول، لأن سورة الحديد لا توافقه وذلك بسبب عطف التكاثر على التفاخر فيها: وتذكر أن جمهرة المفسرين أكثر ميلًا إلى عد التكاثر هنا مباهاة وتفاخرًا، متأثرين في ذلك بما روي في سبب النزول، فالطبري ذهب إلى أنها المباهاة بكثرة المال، والعدد، والراغب يفسرها كذلك، المكاثرة والتباري في كثرة المال، وتقول بعد ذلك: وهم في هذا يأخذون من التكاثر معنى المفاعلة، مع أن اللغة استعملت تفاعل في المفاعلة وغير المفاعلة فقيل: كاثر الماء واستكثره إذا أراد أن يستأثر لنفسه بكثير منه، وإن كان الماء قليلًا، كما قيل: تمارض، إذا ادّعى المرض، وتكاره الأمر إذا تكلفه على كره منه، وتهافت إذا ظهر ضعفه (٣).\nوهذا الذي ذكرتْه وقالت: إن المفسرين لم يتنبهوا إليه ذكره الرازي في تفسيره، قال: وقال أبو مسلم: التكاثر تفاعل من الكثرة، والتفاعل يقع على أحد\n_________\n(١) ص ٢٠١.\n(٢) تفسير الرازي (٧٦).\n(٣) التفسير البياني ص ٢٠٤.","vol":"1","page":328},{"text":"وجوه ثلاثة يحتمل أن يكون بين الاثنين فيكون مفاعلة، ويحتمل تكلُّف الفعل تقول تكارهت على كذا إذا فعلته وأنت كاره، وتقول تعاميت عن الأمر إذا تكلفت العمى عنه، وتقول تغافلت، ويحتمل أيضًا الفعل بنفسه كما تقول تباعدت عن الأمر أي بعدت عنه، ولفظ التكاثرفي هذه الآية يحتمل الوجهين الأولين فيحمل التكاثر بمعنى المفاعلة؛ لأنه كم من اثنين يقول كل واحد منهما لصاحبه ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ ويحتمل تكلف الكثرة فإن الحريص يتكلف جميع عمره تكثير ماله\" (١).\nولا أدري لماذا تنكر على المفسّرين جهدهم في تفسير كتاب الله وتدّعي ما لا يجوز لها ادّعاؤه.\n٣ - تذكر الكاتبة أن الآية لم تحدد موضوع التكاثر فليس من السهل أن نخصه بالمال على ما ذهب الراغب أو نقصره على العدد كما قال الرازي، أو الموتى كما في النيسابوري، كما لا وجه لاحتمال أن يكون التكاثر هنا على الاستغراق والتعميم، وهو ما دعا مفسرين إلى أن ينبهوا إلى قصره على ما هو مذموم، كما أشفقوا أن يخطر ببال أحد أن التكاثر فيما هو خير وطاعة وحق داخل في عموم اللفظ\" (٢).\nوالرازي لم يقصر التكاثر على العدد، بل إنه ذكر أربعة أقوال فيها، الأول منها ألهاكم التكاثر بالعدد، والثاني بالمال، والثالث. ألهاكم الحرص على المال وطلب تكثيره حتى منعتم الحقوق المالية إلى حين الموت، والرابع، ألهاكم التكاثر فلا تلتفتون إلى الدين بل قلوبكم كأنها أحجار لا تنكسِر ألبتة إلا إذا زرتم المقابر (٣).\n_________\n(١) الرازي ٣٢/ ٧٥.\n(٢) ص ٢٠٤.\n(٣) الرازي (٣٢/ ٧٦).","vol":"1","page":329},{"text":"بل إن الرازي ذكر قبل ذلك أن العاقل ينبغي أن يكون سعيه في تقديم الأهم على المهم، فالتفاخر بالمال والجاه والأعوان والأقرباء تفاخر بأخس المراتب من أسباب السعادات، والاشتغال به يمنع الإنسان من تحصيل السعادة النفسانية بالعلم والعمل، فيكون ذلك ترجيحًا لأخس المراتب في السعادات على أشرف المراتب، وذلك يكون عكس الواجب ونقيض الحق، فلهذا السبب ذمهم الله تعالى فقال \"ألهاكم التكاثر\" ويدخل فيه التكاثر بالعدد وبالمال وبالجاه والأقرباء والأنصار والجيش، وبالجملة فيدخل فيه التكاثر بكل ما يكون من الدينا ولذاتها وشهواتها\" (١).\nوعجيب ما قالته .. وإنه -ويعلم الله- مستنكر مستغرب، حيث ادّعت أنّ لفظ التكاثر يشمل ما هو خير وطاعة، وهذا أمرٌ لا يقوله صبية المكاتب، فأولًا: قوله سبحانه \"الهاكم\" يدلّ على أنه خاصّ بالأمور المذمومة.\nثانيًا: سياق السورة الكريمة يدلّ على التقريع والذمّ.\nثالثًا: ما جاء بعد هذه الآية الكريمة من الردع والزجر في قوله ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وما بعده. رحم الله بنت الشاطئ. لقد حاولت ما استطاعت أن تنال من المفسرين فوقعت في طين لازب ونسيت أن لحوم العلماء مسمومة.\n٤ - عند قوله تعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] تذكر الكاتبة أنها لا تطمئن إلى تفسير اليقين هنا، . وفي قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] بالموت والبعث، وتذكر أن الطبري يؤثر أن يكون المقصود البعث وليس الموت، وأن الرازي سكت فلم يرجح قولًا، مع أن الرازي ذكر في تفسير اليقين قولين، جعل الثاني منهما الموت والبعث\n_________\n(١) الرازي (٣٢/ ٧٩).","vol":"1","page":330},{"text":"والقيامة، أي هو قد سوى بين هذه الأمور لتقاربها، فلم يجعل تفسير اليقين بالموت قولًا، وتفسيرها بالبعث قولًا آخر.\nوالكاتبة تخالف المفسرين (١) وترجح أن اليقين هنا، التحقق وإزاحة الشك، وذلك أنهم قد ذهبوا -تعني المفسرين- إلى أن علم اليقين من إضافة الصفة إلى الموصوف أي إنه علم يقين، وهذا هو القول الأول الذي ذكره الرازي حيث قال: علم اليقين وجهان: أحدهما أن معناه علمًا يقينًا فأضيف الموصوف إلى الصفة كقوله تعالى ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ [يوسف: ١٠٩] وكما يقال مسجد الجامع وعام الأول.\nوالذي يظهر أن الرازي يرجح القول الثاني وهو تفسير اليقين بالموت، وذلك أن الموت والبعث إذا وقعا جاء اليقين وزال الشك، فالمعنى لو تعلمون علم الموت وما يلقى الإنسان معه وبعده في القبر وفي الآخرة لم يلهكم التكاثر والتفاخر عن ذكر الله ويقول: \"وقد يقول الإنسان أنا أعلم علم كذا أي أتحققه، وفلان يعلم علم الطب وعلم الحساب، لأن العلوم أنواع فيصلح لذلك أن يقال علمت علم كذا (٢).\nفكلّ ما ادّعت أنه من عندها سُبقتْ إليه.\n٥ - ترى الكاتبة أن المفسرين يوجبون الوقف بين قوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: ٥] وقوله ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦]، وتذكر أن وقوفهم وجمودهم عند المصطلح النحوي هو الذي عطل ذوقهم لحس العربية، إذ جعلوا لو شرطًا يحتاج إلى جواب، و(لترون).\nوليت شعري إنْ كان المفسّرون قد عطّلوا حسّهم وذوقهم اللغوي وجمدوا\n_________\n(١) لقد كان المفسرون محقين كل الحق فيما ذهبوا إليه.\n(٢) الرازي (٣٢/ ٧٦).","vol":"1","page":331},{"text":"عند المصطلح اللغوي، فمن يكون صاحب ذوق وحسّ؟ وإذا كان ابن جرير والزمخشري وأضرابهما عُطّلت أذواقهم أفيكون الذوق محصورًا في مدرستها التي تنتمي إليها؟ اللهم إنك تعلم أن هذا منكر من القول وزور، لكنك ربي عفوّ غفور.\nلقد أسهبت الكاتبة كثيرًا حيث كتبت ما يقرب من سبع صفحات وإنّي على يقين من أنها كانت مضطربة فيما كتبت، ونحيل القارئ الكريم على ما سطره قلمها (١).\nإن خلاصة ما أرادت الكاتبة قوله أنّ قوله سبحانه ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جواب (لو) في قوله ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ وأنّ المفسّرين قد جانبهم الصواب وجمدوا على المصطلح النحوي وكان يعوزهم الحسّ البياني ولو ملكوا هذا الحسّ ما قالوا قولهم هذا، ولو وقفوا مع النصّ لتبيّن لهم ما ذهبت إليه الكاتبة من أنّ ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جواب (لو).\nولا أودّ أن أنقل كلام الكاتبة هنا لطوله وغموضه وإسفافه في النيل من المفسرين.\nوأودّ أن أقرّر ما يلي: إنّ ما ذهب إليه المفسرون ورجّحوه من أنّ جواب (لو) محذوف هو ما يؤيده المعنى وتقتضيه الصناعة النحوية وإليكم برهان ذلك:\nأولًا: إنّ المتدبّر لآي الذكر الحكيم يجد أنّ الآيات الكريمات التي حذف منها جواب (لو) كثيرة نذكر منها على سبيل المثال:\n- ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالوا يَاليْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n_________\n(١) ص (٢١٢ - ٢١٨).","vol":"1","page":332},{"text":"- ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَال أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾.\n- ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾.\nهذه الآيات الكريمات الثلاث في سورة الأنعام ولها نظائر كثيرة في القرآن الكريم. فحذف جواب (لو) من الأمور التي أشار إليها علماء البيان وبيّنوا أسرارها وفوائدها فلم تكون آية التكاثر بدعًا من تلكم الآيات الكريمات؟\nثانيًا: إن من البدهي أنّ (لو) حرف امتناع لامتناع يمتنع جوابها لامتناع شرطها فقولنا: \"لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع\" مَعناه أنّ عدم رضانا بالواقع كائنٌ لعدم علمنا بالغيب، وقول الله ﵎ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ معناه أن عدم طاعة الرسول -ﷺ- للصحابة رضوان الله عليهم سبب في عدم عنتهم.\nوفي الآية الكريمة التي معنا: لو كان قوله تعالى ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جواب (لو) لفسد المعنى إذ يصير التركيب هكذا: \"لو تعلمون علم اليقين لرأيتم الجحيم، لكنّ رؤية الجحيم ممتنعة لامتناع علم اليقين\".\nثمّ إنّ ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ لو كانت جوابًا لـ (لو) لكان منطوق هذا الكلام أنّ الذي يعلم علم اليقين هو الذي سيرى الجحيم. أمّا مفهومه فهو أنّ الذي لا يعلم علم اليقين لا يرى الجحيم، وهذا أمرٌ ثابت البطلان. قال الإمام الرازي -﵀- في تفسير الآية الكريمة: \"اتفقوا على أن جواب لو محذوف وأن قوله ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جواب (لو) ويدل عليه وجهان: أحدهما أن ما كان جواب (لو) فنفيُهُ إثبات وإثباتُهُ نفي، فلو كان قوله ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ جوابًا للو لوجب أن لا تحصل هذه الرؤية وذلك باطل،","vol":"1","page":333},{"text":"فإنّ هذه الرؤية واقعة قطعًا. فإن قيل المراد من هذه الرؤية رؤيتها بالقلب في الدنيا، ثم إن هذه الرؤية غير واقعة قلنا ترك الظاهر خلاف الأصل. والثاني (١) أنّ قوله ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ إخبار عن أمر سيقع قطعًا، فعطفه على ما لا يوجد قبيح في النظم. واعلم أن ترك الجواب في مثل هذا المكان أحسن. يقول الرجل للرجل: \"لو فعلت هذا\" أي لكان كذا. قال الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يجيء له جواب، وقال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾. إذا عرفت هذا فنقول: ذكروا في جواب (لو) وجوهًا أحدها: قال الأخفش \"لو تعلمون علم اليقين\" ما ألهاكم التكاثر، وثانيها. قال أبو مسلم: لو علمتم ماذا يجب عليكم لتمسكتم به أو لو علمتم لأي أمر خلقتم لاشتغلتم به. وثالثها: أنه حذف الجواب ليذهب الوهم كل مذهب فيكون التهويل أعظم، وكأنه قال. \"لو علمتم علم اليقين\" لفعلتم ما لا يوصف ولا يكتنه، ولكنكم ضلّال وجهلة. أمّا قوله ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ فاللام يدل على أنه جواب قسم محذوف، والقسم لتوكيد الوعيد وأنّ ما أوعدوا به ممّا لَا مدخل فيه للريب وكرره معطوفًا بثم تغليظًا للتهديد وزيادة في التهويل\" (٢).\nفتقرير المعنى - والله أعلم بما ينزل-: لو تعلمون علم اليقين ما ألهاكم التكاثر ولتنافستم في الخير.\nثمّ قرّر معنى آخر: (لترونّ الجحيم) فاللام واقعة في جواب قسم محذوف، أي: وعزّتي لترونّ الجحيم حين لا ينفعكم العذر. ونمثّل لهذا بقولنا. (لو تدرك الأمة مكر عدوّها لينصرنّ الله من ينصره) فإنّ الجملة الثانية لا يمكن أن تكون جوابًا للجملة الأولى أي: (لو تدرك الأمة مكر عدوّها لأخذت حذرها\n_________\n(١) أي الوجه الثاني.\n(٢) ج ٣٢/ ص ٧٨ - ٧٩.","vol":"1","page":334},{"text":"وعدّتها) ثمّ جاءت جملة ثانية وهي (والله لينصرنّ الله من ينصره).\nومن يقرأ ما قالته الكاتبة بنصّه في كتابها يجده قولًا فيه لجاجة وغموض ويقيني أنّ الكاتبة غلبت عليها شهوة المخالفة والادعاء، ومع هذا فإني أدعو لها بالرحمة.\n٦ - في قوله تعالى: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] فقد خالفت المفسرين في أن المسؤول هنا هم جميع البشر، المؤمنون والكافرون، ورجحت أن يكون المسؤول الكفار وحدهم.\nوخالفت المفسرين كذلك في المقصود بالنعيم، فالمفسرون يرجحون أن يكون النعيم الذي يُسئلون عنه يوم القيامة نعيم الدنيا، إلا أن بنت الشاطئ ترى أنه نعيم الآخرة. وهو قولٌ بيّن البطلان. ومن الخير أن أطلعك أيها القارئ الكريم على بحث كنتُ قد كتبتُه قبل ما يزيد على عشرين سنة في المجلة الثقافية التي كانت تصدرها الجامعة الأردنية (١) تحت عنوان \"الدكتورة بنت الشاطئ والبيان القرآني\" وهذا نصّه:\nتقولون أخطأنا فهاتوا صوابكم ... وكونوا بناة قبل أن تهدموا الصرحا\nالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، الذي بهر العرب ببيانه وكانوا أفصح الأمم بلا ريب، والذي بهر غيرهم بكنوز المعرفة المتعددة، فوقف كل فريق أمام جانب من جوانبه، وما أكثرها؛ وقف أمامه علماء البياء يستجلون صوره التعبيرية وتراكيبها، وخصائص هذا التركيب فوجدوا معانيها تنساب كأنها جدول عذب يترقرق، وألفاظها تتسق كأنما هي نغمات عذبة تتدفق حيوية وجمال ايقاع. وهذا هو التفسير البياني أو البلاغي لنصوص القرآن الكريم.\n_________\n(١) العدد السادس، ١٩٨٥ م.","vol":"1","page":335},{"text":"وللعلماء جهود مشكورة في هذا الاتجاه، ويعلم الله أنهم لم يتركوا جملة ولا كلمة، بل لم يتركوا حرفًا من حروف هذا القرآن دون أن يبينوا جماله، وسر التعبير به، وبقي الأمر كذلك يكمل المتأخر ما بدأه المتقدم شاكرًا له جهده مقدرًا له ما أسهم به في تجلية آي الذكر الحكيم.\nوفي النصف الأول من هذا القرن ظهرت مدرسة تسمّي نفسها: مدرسة التفسير البياني لآيات القرآن، مؤسس هذه المدرسة الشيخ أمين الخولي، الذي تخرّج في مدرسة القضاء الشرعي ثم ذهب إلى إيطاليا؛ حيث تسنى له أن يدرس اللغة الإيطالية وكان من أول ثمرات هذه المدرسة رسالة الفن القصصي في القرآن التي تقدم بها محمد أحمد خلف الله لنيل درجة الدكتوراه، ولقد احدثت ضجة، حيث وقف منها المنصفون وقفة استنكار وسخط لأنها جردت القرآن من صدقه وواقعيته، ووصفت كثيرًا من أخباره بالأساطير، وليس غرضنا الآن أن نتحدث عن هذا الموضوع الخطير، فلقد انبرى العلماء مشكورين للردّ عليه والتنبيه على خطر الفكرة من أساسها.\nولقد كان أكثر الناس تأثرًا بفكر الشيخ ومنهجه، تلميذته وزوجه الدكتورة بنت الشاطئ فلقد ترسمت خطاه فيما قدّمته من أبحاث وما ألقته من محاضرات وما أخرجته من كتب وسنقف عند كتابين كانا أكثر كتبها انتشارًا ضمنتهما ما لها من آراء مستمدة من هذا المنهج، وهذان الكتابان هما: التفسير البياني للقرآن الكريم. وهو تفسير لبعض قصار السور. والكتاب الثاني .. الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق، وعلى الرغم من أن لكل كتاب موضوعه الخاص به، إلا أن هناك قضايا مشتركة نجدها في كليهما.\nوبادي بدء لا يسعنا إلا أن نعترف للكاتبة بما بذلته من جهد وبما كان لها من وقفات ونظرات تحليلية موفقة لبعض ما سجلته وعرضت له بالبحث، ولكنّ هذا التقدير لا يمنعنا، بل يحتم علينا أن نسجل بعض الملحوظات التي يمكن أن يكون لها نتائج خطيرة.","vol":"1","page":336},{"text":"ومع وجود قضايا مشتركة بين الكتابين -كما قلت- إلا أن الذي نودّ أن نقف معه كتاب الإعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق أما الكتاب الأول فعلى الرغم ممّا يشتمل عليه من قضايا كثيرة إلا أننا نكتفي هنا بالتنبيه على بعض الأمور التي يدركها القارئ لأول وهلة، من ذلك هذا الموقف الذي وقفته الكاتبة من علماء البلاغة وأئمة التفسير في القديم والحديث حتى قبل أن تخوض غمار التفسير أو الحديث عن الإعجاز. ولنستمع إليها وهي تحدثنا عن منهج شيخنا تقول: \"وكان المنهج المتبع في درس التفسير -إلى نحو ربع قرن من الزمان- تقليديًا أثريًا لا يتجاوز فهم النص القرآني على نحو ما كان يفعل المفسرون من قديم، حتى جاء الامام الأستاذ أمين الخولي فخرج به عن ذلك النمط التقليدي وتناوله نصًّا أدبيًا على منهج أصله، وتلقاه عنه تلامذته وأنا منهم\" (١).\nومن هذا المنطلق تستمر الكاتبة - وهذا ما يلحظه أي قارئ - لا تألو جهدًا ولا تجد فرصة ولا تدع صفحة إلا وتحاول فيها أن تنال من المفسرين قديمهم وحديثهم ومع أنها تكتب في التفسير البياني، إلا أنها في كل آية تأتي لحشد من الأقوال، سواء مما ذكره المفسرون واستحسنوه أم من الذي ذكروه ليردّوه، تأتي بهذه الأقوال جميعها لتنسبها إلى المفسرين على أنها أقوال مختارة لهم، وما نظن مثل هذا يتفق مع عرفان الجميل أو مع الأمانة العلمية.\nونضرب مثلًا لذلك بما ذكرته من أقوال كثيرة في تفسير قوله سبحانه: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ حيث ذكرت أربعة أقوال من تفاسير الباطنية. وقوله سبحانه ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ حيث نقلت عن المفسرين أن المذكور في الآية والذي سيعطاه النبي -ﷺ- ألف قصر بما فيه من فرش ونساء وخدم. وليس المفسرون وحدهم الذين تقف منهم الكاتبة هذا الموقف وإنما علماء اللغة من نحويين وبلاغيين كذلك فأكثرهم كما تقول. طارئون على العربية لم يكسبوها ذوقًا\n_________\n(١) التفسير البياني للقرآن، مقدمة الطبعة الأولى، ص ١٣.","vol":"1","page":337},{"text":"وسليقة. وإن أجادوها علمًا وصنعة\" (١).\nوهكذا تجعل صاحبة التفسير البياني -رحمها الله- القارئ في متاهة من كثرة ما تورده من أقوال حق على ذي التفسير البياني أن يتجنبها وهذا هو دأبها.\nوقد تأتي باللفتة البيانية مبينة جدتها، زاعمة أن المفسرين لم ينتبهوا لها مثال ذلك عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾، في سر التعبير بالجار والمجرور ترى أن المفسرين القدامى لم يتنبهوا لهذا السر البلاغي وترى أنه جاء للتقرير والتأكيد وتقوية الصلة (٢) ولعل هذا ما لحظه الشيخ محمد عبده.\nوفي تفسير قول الله تعالى ... ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ تدعي أن أحدًا من المفسرين لم يتنبه لسر التعبير بكلمة \"زرتم\".\nولا أود أن أحيل القارئ على ما كتبه الشيخ محمد عبده في تفسيره هذه الآيات لكني أنقل ما قاله المفسرون القدامى، حتى يدرك القارئ إدراكًا جازمًا أنّ أئمتنا ﵏- كانوا يقفون مع كل كلمة من كلمات هذا القرآن مبينين جمال موقعها وأصالتها في موضعها، وما تحدثه في العقل والنفس وما لها من إيقاع وجَرْس، ورحم الله الإمام الأندلسي ابن عطية إذ يقول: إنك لو أدرت لسان العرب كله على أن تأتي بكلمة مكان كلمة في كتاب الله ما استطعت إلى ذلك سبيلا.\nيقول العلامة أبو السعود عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ وزيادة الجار والمجرور مع توسيطه بين الفعل ومفعوله، للإيذان من أول الأمر، بأن الشرح من منافعه ﵊ ومصالحه مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه الشريف -ﷺ-، وتشريفًا له ﵊ إلى ما يعقبه ليتمكن عنده وقت وروده فضل تمكن\" (٣).\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ٤٢.\n(٢) المرجع السابق، ص ٦٥.\n(٣) إرشاد العقل السليم ج ٥ ص ٢٧٥، مطبعة محمد عبد اللطيف.","vol":"1","page":338},{"text":"وأنقل ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية عند قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ يقول: \"قيل فيها \"حتى زرتم المقابر\"، تنبيهًا على أن الزائر لا بد أن ينتقل عن مزاره فهو تنبيه على البعث\" (١).\nونقل هذا القول كذلك صاحب روح المعاني وزاد عليه قوله: \"وفيه إشارة إلى قصر زمن اللبث في القبور\" (٢).\nنحن لا ننكر على الكاتبة الفاضلة أن تستنتج وتقرر، ولكن الذي ننكره على العصريين أن يستخفهم الإعجاب بأنفسهم فيحملهم أن ينالوا ممن سبقهم وأن تكون أقلامهم معاول لهدم ذلك الصرح الذي شيد على مدى تاريخ هذه الأمة. أفليس من الهدم أن تصف أقوال المفسرين بأنها أقوال مشوشة؛ وذلك لأن كل واحد منهم لا يكتب إلا وهناك فكرة تسيطر عليه؟ إنك لتتمنى أن تجد كلمة ثناء واحدة، إنها تحاول أن تتصيد الأخطاء ولو بغير حق. استمع إليها وهي تخطّيء الزمخشري شيخ البيان وهو يفسر قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ \"ومعنى اصطحاب اليسر والعسر أن الله، أراد أن يصبيهم، يعني المؤمنين، بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية وتقوية للقلوب\" (٣) تقول: إنه تعوزه الدقة في موضعين: التعبير بالبشرى عن الإصابة أولًا والتشبيه في قوله حتى جعل اليسر كالمقارن للعسر.\nقل لي بربك أي الكلامين تعوزه الدقة، أكلام جار الله الزمخشري أم كلامها هي؟ كيف نسيت قول الله ﵎: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.\n_________\n(١) مجموعة فتاوى ابن تيمية ص ٥٧ ج ١٣.\n(٢) تفسير روح المعاني ج ٣٠ ص ٢٢٤. ذكر أبو حيان في البحر قال \"وسمع بعض الأعراب ﴿حَتَّى زُرْتُمُ﴾ قال بعث القوم للقيامة ورب الكعبة. فإن الزائر منصرف لا مقيم وعن عمر بن عبد العزيز نحو من قول الأعرابي ج ٨ ص ٥٠٧.\n(٣) الكشاف للزمخشري ج ٤ ص ٧٧١.","vol":"1","page":339},{"text":"وقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ هذا أولًا. وأما ثانيًا فعبارة الزمخشري - وقد علك اللغة شيحها وقيصومها - بعيدة عن أن يكون فيها مطعن، لأن مثل هذا التشبيه الذي لم ترتضه الكاتبة معروف مألوف.\nأقلّوا علينا لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سُدّوا المكان الذي سَدّوا\nلا أود أن أطيل الحديث عن هذا الكتاب فربما كان للحديث عنه مجال آخر. أما الكتاب الثاني فهو \"الاعجاز البياني للقرآن ومسائل ابن الأزرق يقع الكتاب في (٥٠٩) صفحات استغرقت مسائل ابن الأزرق نصف الكتاب أو يزيد ومع أن الكتاب ينتظم فصولًا قيمة إلا أننا نود هنا أن نسجل بعض الملحوظات حول موضوعات هذا الكتاب الذي تبتدؤه الكاتبة بهذه العبارة بعد الخطبة \"لولا نسب لي في الشيوخ عريق لتهيبت التصدي لهذا الموضوع الدقيق\" (١) وأول ما نسجله هنا أن الكاتبة -رحمها الله- حينما أعطتنا نبذة عن تاريخ الإعجاز ومن كتبوا فيه صورت لنا أئمتنا تلك الصورة المستكرهة المنفرة فحين تحدثت عن الباقلاني وعبد القاهر وغيرهما إلى الرافعي ﵏ (٢) لم تتحدث بكلمة واحدة عن النظريات التي جاء بها أولئك أو عمّا أغنوا به المكتبة القرآنية وإنما كان حديثها نتفًا اقتطعَتْها من مقدمات كتبهم يذكرون فيها مآثرهم ويثني كل واحد على نفسه وكتابه ويتنكر لكل الجهود التي سبقته وهذا شيء مؤلم حقًّا. كما تصور الكاتبة أئمتنا بأن اللاحق منهم يجحد فضل السابق، فبعد أن ذكرت الباقلاني وعبد القاهر بما لا ينبغي ان يذكرا به تقول: \"وجاء القرن السادس فلم ير في فِصَل ابن حزم ما ينهي الصراع المذهبي بين المفسرين والمتكلمين في الإعجاز والنبوة كما لم يجد في شافية الجرجاني ما يشفي غليلًا أو يروي ظمأ. ولا صح أن عبد القاهر جاء بدلائل الإعجاز على نحو تؤخذ\n_________\n(١) ص (١١).\n(٢) كما أنها تناسبت وتجاهلت من لا ينبغي أن يتجاهل ممن كان لهم فضل لا ينكر وحرى أن يكتب كلامهم بالتبر لا بالحبر كصاحب النبأ العظيم أستاذنا محمد عبد الله دراز ﵀.","vol":"1","page":340},{"text":"باليد أو بلغ منها ما قاله من إقرار الأمور قرارها ووضع الأشياء في مواضعها وبيان ما يشكل وحل ما ينعقد والكشف عما يخفى، حتى يزداد السامع ثقة بالحجة واستظهارًا على الشبهة واستبانة للدليل\" (١).\nأهملت الدكتورة ما ذكره المؤلفون وما أشادوا به من فضل السابقين عليهم ذكرت مثلًا تكفير ابن حزم للباقلاني ولكنها لم تذكر شيئًا عن إشادة العلوي بعبد القاهر، أيليق ذلك بصاحبة النسب العريق بالشيوخ؟ وهكذا كل حديثها عن كل من حاموا حول الإعجاز أو كتبوا فيه.\nومن الإنصاف هنا أن نستمع إلى ما ذكره صاحب الطراز في مقدمته مشيدًا بذكر عبد القاهر متمنيًا أن يكون قد اطلع على كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة يقول: ولم أطالع من الدواوين المؤلفة مع قلتها إلا كتبًا أربعة أولها كتاب المثل السائر للشيخ أبي الفتح نصر بن عبد الكريم المعروف بابن الأثير وثانيها كتاب التبيان للشيخ عبد الواحد عبد الكريم. وثالثها كتاب النهاية لابن الخطيب الرازي ورابعها كتاب المصباح لابن سراج المالكي.\nوأول من أسس من هذا العلم قواعده وأوضح براهينه وأظهر فوائده ورتب أفانينه الشيخ العالم القدير علم المحققين عبد القاهر الجرجاني فلقد فك قيد الغرائب بالتقييد، وهدّ من سور المشكلات بالتسويد المشيد، وفتح أزهاره من أكمامها وفتق أزراره بعد استغلاقها واستبهامها فجزاه الله عن الإسلام أفضل الجزاء، وجعل نصيبه من ثوابه أوفر النصيب والجزاء وله من المصنفات كتابان أحدهما لقبه بدلائل الإعجاز والآخر لقبه بأسرار البلاغة، ولم أقف على شيء منهما مع شغفي بحبهما وشدة إعجابي بهما إلا ما نقله العلماء في تعاليقهم منهما، ولست بناقص لأحد فضلًا ولا عائب له قولًا فأكون كما قال بعضهم:\n_________\n(١) الإعجاز البياني للقرآن ص ٢١.","vol":"1","page":341},{"text":"بنقصك أهلَ الفضلِ بان لنا ... أنك منقوصٌ ومفضولُ\nولا أدعي لنفسي إحراز الفضل والاستبداد بالخصل فأكون كما قال بعضهم:\nويسيء بالإحسان ظنًّا لا كمن ... هو بابنه وبشِعرِه مفتون (١)\nانتهى كلام صاحب الطراز.\nوهكذا أئمتنا رحمهم الله تعالى يعترف اللاحق منهم بفضل السابق ولا يدّعي أنه صاحب الفضل وحده.\nأولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع\nوأعتذر أن أطلت النقل فلقد رأيتني مضطرًا لذلك لما يجد القارئ من جحود فيما ذكرته الدكتورة وحبذا لو انصفت، فعرضت لشيء من الحسنات مع ما تود ذكره من سلبيات ومثالب، سامح الله الدكتورة عائشة عبد الرحمن ونسأل الله أن يمن علينا بنعمة الشكر: شكر الله، ثم شكر أئمتنا الذين أجهدوا أنفسهم رفعًا للواء الدين. وجنَّبَنا اللهُ الحيفَ حتى لا يحيف علينا غيرنا.\nثم الملحوظة الثانية نسجلها ونحن نعجب كيف تخفى على من كان لها نسب في الشيوخ عريق وهي تعلق على قول العلوي في الطراز \"ثم لو عذرنا من كان منهم ليس له حظ في المباحث الكلامية ولا كانت له قدم راسخة في العلوم الإلهية وهم الأكثر منهم السكاكي وابن الأثير وصاحب التبيان\" (٢) تعلق على هذه العبارة بقولها: \"لعله ابن القيم الجوزية صاحب كتاب التبيان في أقسام القرآن\" (٣) وابن القيم كما نعلم ويعلم غيرنا كان ذا باع في العلوم الإلهية والمباحث الكلامية هذا أولًا. وأما ثانيًا فكتاب التبيان لابن القيم ليس له دخل في الإعجاز وإنما يتحدث\n_________\n(١) كتاب الطراز للإمام يحيى بن حمزة العلوي. ط دار الكتب العلمية ج ١، ٣ - ٤.\n(٢) المرجع السابق ج ٣ ص ٣٦٨.\n(٣) انظر الإعجاز البياني ص ٢٣ بالهامش.","vol":"1","page":342},{"text":"عن أقسام القرآن. وأما ثالثًا فقد كان الرجلان متعاصرين فابن القيم توفي سنة ٧٥١ بينما توفي العلوي سنة ٧٤٩. وأما رابعًا فكتاب التبيان كما رأينا ذكره صاحب الطراز منسوبًا للإمام عبد الكريم أو عبد الواحد وليس هذا اسم ابن القيم بالطبع (١). ما كنا نظن أن الكاتبة تقع في مثل هذا الخطأ العلمي ولكل جواد كبوة، وجل من لا يسهو.\nالملحوظة الثالثة: وهي تتكلّم عن الحرف القرآني من حيث زيادته أو حذفه، وبعد أن تحدثت عن الباء في خبر ليس و(ما) المشبهة بها - كان لها - والحق يقال - لفتات جيّدة ولمحات في الحرف القرآني، ما له من سر وما يؤديه من رسالة، نقول هذا ونحن نعترف للكاتبة فلا نقف منها ذلك الموقف الذي وقفته من الأئمة والعلماء، وبعد ذلك عوضت لما عدّوه محذوفًا من الحروف وذكرت من ذلك آيات ثلاثًا وهي قوله سبحانه: ﴿قَالوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] حيث ذكرت أن النحويين يقدّرون (لا) .. \"أي تالله لا تفتأ\" .. يبين الله لكم لئلا تضلوا\" .. وعلى الذين لا يطيقونه .. وهذه الآية الأخيرة هي ما يعنينا هنا فلقد أطالت الكاتبة فيها القول، ولكنها - والحق يقال - جانبها الصواب والدقة الموضوعية. ولكي لا يتهمنا القاريء الكريم بالتحامل وعدم الإنصاف، نرى من الخير أن ننقل بعض عباراتها، حتى يكون القارئ على بينة من الأمر. تقول: منهم من قال إنها منسوخة والقول بنسخها هو أول ما أورده الطبري من الأقوال في تفسيرها: .. قال بعضهم كان ذلك في أول ما فرض الصوم وكان من أطاقه من المقيمين - غير المسافرين - صامه إن شاء، وإن شاء أفطره وافتدى فأطعم لكل يوم أفطره مسكينًا، حتى نسخ ذلك، فلم تزل الرخصة إلا للمريض والمسافر\".\n_________\n(١) انظر مقدمة كتاب البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن لابن الزملكاني وما كتبه الدكتور شوقي ضيف في كتاب البلاغة. تطور وتاريخ.","vol":"1","page":343},{"text":"يعين النسخ بقوله تعالى في الآية بعدها .. ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ... وكذلك أشار الزمخشري في (الكشاف) إلى القول بنسخ الحكم بالإفطار والفدية على الذين يطيقونه ونقله أبو حيان وقال .. وهذا قول أكثر المفسرين.\nعلى أن الإمام الطبري نقل كذلك، بعد القول بنسخ الحكم في الآية قول آخرين \"لم ينسخ ذلك ولا شيء منه وهو حكم من لدن نزلت هذه الآية إلى قيام الساعة\" (١).\n\"القول بأن الحكم فيها نُسخ بالآية بعدها إنْ لم يوهنه ما نقل الإمام الطبري من قول من قرروا أنه لم ينسخ ذلك ولا شيء منه، وهو حكم مثبت من لدُن نزلت هذه الآية إلى قيام الساعة فقد بقي أن الآيتين تشرعان لحالين مختلفين:\nالفدية على من يطيقونه طعام مسكين.\nوالقضاء على من كان مريضًا أو على سفر عدةٌ من أيام أخر ... \" (٢).\n\" ... فندرك أن الأمر في احتمال الصوم إذا جاوز الطاقة إلى ما لا يطاق سقط التكليف، لأنه لا تكليف شرعًا بما لا يطاق، والله ﷾ لا يكلف نفسًا إلا وسعها فالحكم بالفدية في الآية غير وارد على من يستطيعونه، إذ التكليف مع الاستطاعة قائم.\nوغير وارد كذلك على من يطيقونه، بسقوط التكليف عمن لا يطيق.\nوإنما الفدية تيسير على من لا يطيقونه، بمعنى يستنفد الصوم طاقتهم وأقصى احتمالهم، فليسوا بحيث يستطيعون القضاء عدة أيام أخر. ونقبل هنا قول من ذكروا\n_________\n(١) الإعجاز البياني للقرآن ص ١٨١.\n(٢) المرجع السابق ص ١٨٢.","vol":"1","page":344},{"text":"في تفسير الآية:\n\"المريض الذي لا يرجى شفاؤه والشيخ الفاني الهرم: لا قضاء عليه لأنه ليست له حال يصير إليها ليتمكن فيها من القضاء\" (١).\nوكلام الكاتبة الفاضلة، نفهم منه أن الإمام الطبري نقل القول بالنسخ ثم نقل بعده قولًا آخر بيّن فيه أن الآية محكمة إلى قيام الساعة، ورغم أن القول بالنسخ قاله أكثر العلماء - كما نقلت الكاتبة - إلا أنها ضعفته لأكثر من سبب ولعل في أولها توهين الإمام الطبري للقول بالنسخ، وأودُّ أن نتحاكم إليك أيها القاريء الكريم، فأنا والله أعجب وستعجب معي أو أكثر مني كذلك حينما تعرف ما قاله الطبري .. ومن المستحسن هنا أن نذكر كلمة موجزة عن منهج هذا المفسر العظيم، حينما يريد تأويل آية من كتاب الله يقول مثلًا .. القول في تأويل قوله تعالى .. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ يفسر الآية بكلام يصوغه هو ثم يقول: ذكر من قال ذلك فيذكر الروايات بأسانيدها التي تؤيد ما فسر به الآية، ثم يقول وقال قوم كذا .. ذكر من قال ذلك. وهكذا يذكر ما في الآية الكريمة من أقوال وينقل الروايات التي تسند كل قول بعد ذلك يقول: وأولى الأقوال عندنا بالصواب قول من قال كذا .. وهذا منهج علمي قويم فالطبري ﵀ بعد أن يذكر كل قول وما يؤيده من روايات يختار ما يرجحه مستدلًا لهذا الترجيح. وهذا ما اتبعه الطبري في هذه الآية فقد ذكر فيها أقوالًا عدّة اقتصرت الكاتبة على قولين القول بالنسخ وهو في الجزء الثاني صفحة (٧٧) والقول بعدم النسخ (صفحة ٧٩) وهو أن حكم الآية مثبت من لدن نزول الآية إلى قيام الساعة.\nوهذه العبارة يوهم صنيع الكاتبة أنها رأي الطبري الأخير. وقد قلت لك إنك ستعجب أكثر من عجبي ولتستمع إلى ما قاله الطبري وأهملته الكاتبة وطوته ولكن لا تسلني لِمَ؟ فأنا مثلك لا أعلم بخفايا الناس. في صفحة (٨٢) يقول الطبري:\n_________\n(١) صفحة ١٨٣، ١٨٤.","vol":"1","page":345},{"text":"\"وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال \"وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين\" منسوخ بقول الله تعالى ذِكْرُهُ \"فمن شهد منكم الشهر فليصمه\" لأن الهاء التي في قوله \"وعلى الذين يطيقونه\" من ذكر الصيام ومعناه وعلى الذين يطيقون الصيام فدية طعام مسكين فإذا كان ذلك كذلك وكان الجميع من أهل الإسلام مجمعين على أن من كان مطيقًا من الرجال الأصحاء المقيمين غير المسافرين صوم شهر رمضان فغير جائز له الإفطار فيه والافتداء منه بطعام كان معلومًا أن الآية منسوخة هذا مع ما يؤيد هذا القول من الاخبار التي ذكرناها آنفًا عن معاذ بن جبل وابن عمر وسلمة بن الأكوع من أنهم كانوا بعد نزول هذه الآية على عهد رسول الله -ﷺ- في صوم شهر رمضان بالخيار بين صومه وسقوط الفدية عنهم وبين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكل يوم وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت \"فمن شهد منكم الشهر فليصمه\" فألزموا فرض صومه وبطل الخيار والفدية.\nالطبري إذن لم يوهن القول بالنسخ بل اختاره ورجحه ودلل له، وكذلك الزمخشري ذو القدم الراسخة؟ في البيان العربي، وكذلك النحوي اوؤي أبو حيّان، كلُّ أولئك وغيرهم رأوا أن خير ما تحمل عليه الآية هذا الوجه من التأويل، فليس فيه تكلف، ولا تحميل للنص ما لا يحمل.\nبقي أن ننظر فيما اختارته الكاتبة مخالفة للمفسرين، وأنت أيها القارئ إذا رجعت البصر وأعدت النظر فيما نقلناه لك من كلامها وجدت أن في كلامها اضطرابًا وخفاءً فهي تقسم الناس أقسامًا ثلاثة:\nأولًا: من يستطيعون الصوم وهؤلاء لا تقبل منهم الفدية.\nثانيًا: من لا يطيقون - كما تقول، ولم تقل من لا يستطيعون - وهؤلاء لا تقبل منهم الفدية كذلك لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها.\nثالثًا: إنما الفدية تيسير على من يطيقون، بمعنى من يستنفد الصوم طاقتهم وأقصى احتمالهم فليسوا بحيث يستطيعون القضاء عدة من أيام أخر.","vol":"1","page":346},{"text":"١ - وهذا القول مع كونه غير مقبول فقهًا لأن الشيخ الفاني والمريض مرضًا لا يرجى بُرؤه داخلان في القسم الثاني من الناس وهم الذين لا يطيقون، وعلى ما قررته لا تجب عليهما؟ الفدية لأنهما غير مكلفين.\n٢ - وهو مرفوض كذلك من حيث البيان والبلاغة، لأن فيه بترًا وتشويهًا نجلُّ نحن والكاتبة النص القرآني عنه؛ لأننا حينما نفسر الذين يطيقونه بمن يستنفد الصوم جهدهم وطاقتهم فماذا نقول في قول الله بعد ذلك \"وإن تصوموا خير لكم\"؟ إنّ يسر الإسلام وعدالة أحكامه، ورحمة الله سبحانه كل أولئك يمنع هذا التأويل؛ إذ كيف يتأتى مع الرفق ومع قوله في آية الصيام ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ كيف يتأتى أن نقول للمريض مرضًا مزمنًا وللشيخ الهرم، صومك خير لك. كنا نرجو الكاتبة أن لا تقحم نفسها في مثل هذا الخضم، وأن تكتفي بما جاءت الآية من أجله وهو أنه ليس في الآية حرف محذوف، كما قرره العلماء من قبل، كما كنا نود منها أن تقفنا على سر التعبير القرآني بكلمة (يطيقون) بدل (يستطيعون)، لكنها - سامحها الله - تحاول أن تتعقب المفسرين كلما وجدت ذلك ممكنا وكلما سنحت لها فرصة في كل ما قالوه.\nوبعد فنحن نرى أن ما قرره الأئمة في الآية هو الذي لا ينبغي أن يعدل عنه، فالآية منسوخة وهذا ينفي القول بزيادة (لا) كما يريحنا من أقوال وآراء مرجوحة.\nالملحوظة الرابعة. حديث الكاتبة عن مسائل نافع بن الأزرق، فقد ذكرت لنا مقدمات عن اهتمام المغاربة بهذه المسائل وما قالوه في تلك المسائل من منظومات وهذا حسن لكننا كنا نودُّ من كاتبتنا أن تتحدث لنا عن القيمة العلمية لهذه المسائل وما يدور حولها من مباحث سواء كانت تتعلق بالسند أم بالمتن مع أنها خصصت لها نصف الكتاب أو يزيد. كما نود أن تعالجها علاجًا علميًّا موضوعيًا.\nأولًا: هل يمكن أن نجزم بصحة سند هذه المسائل؟\nثانيًا: هل يمكن أن يوجه نافع مسائله هذه التي تقرب من المئتين لابن عباس في","vol":"1","page":347},{"text":"مجلس واحد مستشهدًا على كل مسألة بأبيات من الشعر وأن يحفظ الجالسون أو بعضهم ذلك كله في هذا المجلس؟\nثالثًا: كان بعض هذه الأسئلة عن كلمات ما أظن أن أحدًا في زماننا يجهلها فكيف يمكن أن يسال عنها في ذلك العصر؟ أي إن هذه الأسئلة لم تكن كلها عما هو غريب.\nرابعًا: كان بعض الشعر الذي استشهد به ابن عباس -﵄- لأولئك الذين قرأوا القرآن وعرفوا مضمون كلماته بعد نزولها كعبد الله بن رواحة -﵁-، حيث استشهد ابن عباس بشعره حينما سأله نافع عن كلمتي فاز وينزفون، ويشعر عمر بن أبي ربيعة حيث استشهد ابن عباس بشعره حينما سئل عن كلمة تضحى في قوله تعالى .. ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩] أفيكون شأن نافع الجدِل الخصِم اللّسِن أن يرضى بمثل ذلك الشبعر وهو يسأل عما قالته العرب قديمًا؟ ثعم أيكون شأن ابن عباس الفطن اليقظ أن يستشهد له بمثل شعر ابن أبي ربيعة (١)؟\nخامسًا: كانت الكاتبة تعلق على كل إجابة فتقرها حينا وتمحصها حينا آخر وأظن أن القول الموضح كله عن ابن عباس -﵄- ما كان لنا أن نغير فيه ونبدل. إن مثل هذه القضايا الهامة حرية أن تؤخذ لها كل حيطة وحذر وأن نحيطها بكل فكر ونظر وأن نعدّ لها كل عدة.\nسادسًا: لم تشر الكاتبة إلى سند هذه المسأل من قريب أو بعيد بل إن الأسلوب الذي ذكرتها به يوهم القاريء بصحة السند وقوته والأمر على العكس من ذلك تمامًا.\nلذا أجد من الخير والفائدة والأمانة والإنصاف أن أعرض لأسانيد هذه المسائل: رويت مسائل نافع من ثلاث طرق:\n_________\n(١) البيان القرآني لمحمد رجب البيومي.","vol":"1","page":348},{"text":"١ - ما أخرجه ابن الأنباري في الوقف والابتداء.\n٢ - ما أخرجه الطبراني في المعجم الكبير.\n٣ - ما رواه السيوطي في الإتقان بسنده.\nأما إسناد ابن الأنباري ففيه محمد بن يزيد اليشكري الميموني قال كذاب أعور يضع الحديث وقال ابن المديني رميت بما كتبت عنه وضعّفه جدًّا، وكذا قال أبو زرعة والدارقطني وابن معين .. وذكروا له أحاديث موضوعة وأما إسناد الطبراني ففيه جويبر بن القاسم صاحب الضحاك قال ابن معين ليس بشيء وقال النسائي والدارقطني وغيرهما متروك الحديث. وذكروا له أحاديث موضوعة.\nوأما سند السيوطي ففيه عيسى بن دأب وهو ابن يزيد. قال البخاري وغيره منكر الحديث وكذا قال أبو حاتم وقال خلف الأحمر كان يضع الحديث. وبعد فهذه أسانيد مسائل ابن الأزرق ونظن بعد ذلك أننا بحاجة إلى الحيطة في قبول مثل هذه المسائل.\nالملحوظة الخامسة: حاولت الكاتبة التفريق بين بعض الألفاظ القرآنية لتعطى كل لفظة مدلولها الذي يشهد به حسّ القرآن الكريم وهو عمل جيد وجهد مشكور، فلقد ذكرت مثلًا التفرقة بين الرؤيا والحلم، والإبصار والأنس، والنأي والبعد، والتصدع والتحطم، ونرجو أن تؤجر فيما ذهبت إليه وإن كان لنا أن نقول شيئًا فأحب أن أعلق على ما ذكرته من فرق بين الحلف القسم، وزوج وامرأة، ونعمة ونعيم.\nذكرت أن الحلف لا يكون إلا فيما هو كذب ومن هنا أسند الحلف كثيرًا إلى المنافقين، كما ذكر في كفارة اليمين \"ذلك كفارة إيمانكم إذا حلفتم\" أما القسم فإنما يكون لليمين الصادق صاحبها (١) .. وما نظننا نوافقها على هذا الذي ذهبت إليه والذي يظهر لي أن الحلف قد يكون صاحبه صادقًا أو كاذبًا.\nهذا ما تشهد به الآيات ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٤]،\n_________\n(١) انظر ص ٢٠٤.","vol":"1","page":349},{"text":"﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ [التوبة: ٩٥] ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] فآية المائدة تتحدث عن كفارة اليمين للمؤمنين الذين لا يحلفون إلا صادقين ولكنهم يريدون أن يكفروا عن حلفهم وتلك سنة النبي -ﷺ- إذا حلف ووجد أن من الخير أن يعود لما حلف عليه فليعد وليكفر عن يمينه.\nأما القسم فإنما يأتي في معرض التأكيد والصيغ التي ذكرت في كتاب الله جميعًا كانت عن المنافقين والكافرين ولم تأت آية منها حديثًا عن المؤمنين قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨]. وقال تعالى .. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: ٤٢] وفي سورة الأنعام: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ﴾ [الأنعام: ١٠٩] وهذا بالطبع لا يشمل الآيات التي أقسم بها ربنا ﵎ كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ... وكأن الكافرين والمنافقين أرادوا أن يغلظوا الإيمان ليخفوا وراءها ما يتفاعل في نفوسهم من كذب وخديعة.\nأما كلمتا زوج وامرأة فتقول الدكتورة عائشة كلمة زوج تأتي حيث تكون الزوجية هي مناط الموقف، حكمة وآية أو تشريعًا وحكمًا فإذا تعطلت آيتها من السكن والمودة والرحمة، بخيانة أو تباين في العقيدة فهي امرأة لا زوج\" (١).\nوما جاء في آيات الله ﵎ لا يشهد لهذا الذي قالته .. وبعد الوقوف مع الآيات وتدبّرها نستنتج أن هناك فرقين بين هاتين الكلمتين:\nأولًا: أن امرأة تطلق على الأنثى من الناس حتى لو لم تكن ذات زوج فكأنما هي تأنيث مرء أو امرئ قال تعالى في سورة القصص: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ\n_________\n(١) انظر ص ٢١٢ - ٢١٣.","vol":"1","page":350},{"text":"امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ وهما بنتا الشيخ الكبير كانتا غير متزوجتين وقال في سورة الأحزاب ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ أما زوج فلا تكون إلا حينما يكون رباط الزوجية قائمًا فكل زوج امرأة وليس كل امرأة زوجًا.\nثانيًا: تطلق كلمة زوج حينما يناط أمر بين الزوجين أي حينما تكون قضية مشتركة بينهما ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا﴾ [البقرة: ٣٥] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ [الأحزاب: ٢٨] .. ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: ٩٠] ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة: ١١] فنحن نرى في هذه الآيات الكريمة أن هناك قضايا مشتركة بين الزوجين سواء كانت هذه القضية تبليغًا أم إنجابًا أم أمرًا آخر. أما قول الكاتبة بأن المرأة تستعمل حينما تتعطل آيتها من السكن والرحمة والمودة بخيانة أو تباين عقيدة فشيء نعجب منه فلئن جاز في امرأة نوح وأمرأة لوط فإنه لا يجوز في غيرهما. قال تعالى يحدثنا عن إبراهيم ﵇ ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] وعن زكريا: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ [مريم: ٥].\nأما النعيم والنعمة فترى الكاتبة أن النعمة هي ما كانت دنيوية فحسب وأن النعيم ما كان أخرويًا فقط وأن قول الله تعالى .. ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] إنما يقصد به النعيم الأخروي أي حينما يرون الجحيم يسألون عن النعيم الذي ضيّعوه (١) \" وهذا التفسير خلاف ما يتبادر من فهم الآية الكريمة ومخالف للآثار الصحيحة (٢) والذي نحسبه -والله اعلم- أن النعمة تختلف عن النعيم من حيث هي واحدة أما النعيم فكأنما هو اسم لجملة من النعم، وإنما لم يسألنا الله عن النعمة الواحدة لأننا نعيش في أنعم كثيرة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] فكان النعيم يدل على ما فيه زيادة على ما تقتضيه\n_________\n(١) انظر ص ٢١٨.\n(٢) راجع تفسير ابن كثير في تفسير هذه الآية ج ٥٤ ص ٥٤٧.","vol":"1","page":351},{"text":"ضرورات الحياة (١)، ثم إن النعيم جاء موصوفًا. ثم إن وصف النعيم في مثل قول الله تعالى: ﴿وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] وهذا الوصف لا يؤيده ما ذهبت إليه لأن وصف النعيم بالمقيم في الآخرة يدل على أن هناك نعيمًا في الدنيا ليس كذلك. وأيضًا فلقد استعملت كلمة نعيم مقصودًا بها النعيم الدنيوي في قول لبيد \"وكل نعيم لا محالة زائل\". لذلك استثنى منه نعيم الجنة والله أعلم.\nالملحوظة السادسة: ظاهرة القسم بالواو: أطالت الكاتبة النفس في كتابيها التفسير البياني والإعجاز البياني وهي تتحدث عن القسم بالواو، فأتهمت وأنجدت وخلاصة ما ذهبت إليه أن القسم بالواو في أوائل السور خرج عن أصله، فالقسم إنما يكون لتعظيم المقسم به، ولكنه هنا ليس من هذا القبيل لذلك فإن القسم بالواو لا يحتاج إلى جواب، وهنا لم تأل الكاتبة جهدًا في النيل من المفسرين جميعًا ومعهم البلاغيون كذلك، فهم لم يفطنوا إلى ما فطنت إليه، بل سيطرت عليهم فكرة التعظيم؛ تعظيم المقسم به فوقعوا في الحيرة والاضطراب وبدأوا يتكلفون للقسم أي جواب، وإلا فما الصلة بين قوله ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ وقوله ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾؟ وما الصلة بين قوله و﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾؟ إن ذلك كله ليس له ما يسوغه، لأن هذه الواو خرجت عن الأصل فلا داعي أن نجهد أنفسنا بالبحث عن جواب لهذا القسم. والذي أوقع المفسرين في هذا الخطأ وهذه الغفلة هو أن علماء البلاغة حينما قرروا أن الأمر والنهي والاستفهام والخبر يمكن أن يخرج كل منها عن الأصل الذي وضع له لم يقدروا أن القسم كذلك، وهناك خطأ آخر وقع فيه المفسرون، وهو أنهم حينما تحدثوا عن هذه الكلمات التي جاءت بعد الواو تحدثوا عنها مطلقة، فحينما تحدثوا عن الضحى تحدثوا عن الضوء في النهار كله، وحينما تحدثوا عن الليل وعن النجم أهملوا القيود التي ذكرها القرآن فلم يتحدثوا عن الليل إذا أدبر وإذا عسعس وإذا يسري وإذا سجى، ولم يتحدثوا عن\n_________\n(١) وهذا ما تؤيده الأحاديث الكثيرة، والمرجع السابق.","vol":"1","page":352},{"text":"النجم إذا هوى وإنما تحدثوا عن مطلق ليل ومطلق نجم وهذا ديدنهم قديمهم وحديثهم والثالثة الأخرى إن هؤلاء المفسرين جميعًا لم يفرقوا بين القسم بالواو وبين غيرها من صيغ القسم مثل لا أقسم .. وقد أدركت الكاتبة الفرق فمجيء القسم مقترنًا بحرف النفي دائمًا دليل على أن الله ليس -كما تقول- في حاجة إلى القسم.\nوأخيرًا فما جاء بعد هذه الواو التي يسمونها واو القسم لا بدّ أن يكون أمرًا محسوسًا فهذا هو الغرض منه \"فالصافات صفًّا والزاجرات زجرًا والتاليات ذكرًا\" كذلك \"الفارقات فرقًا والملقيات ذكرًا عذرًا أو نذرًا\" وكذلك \"المقسمات أمرًا والنازعات\" كل هذه لا بدّ أن تكون أمورًا محسوسة لا يصح أن يراد بها الملائكة كما ذهب إليه كثير من المفسرين.\nهذا هو خلاصة رأيها في ظاهرة القسم بالواو، ولنقتطع من كلامها بعضه ليطّلع عليه القاريء الكريم، تقول عند تفسير سورة الضحى: \"ولقد ترددت في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ بـ\"لا أقسم بالضحى وأقسم بالليل إذا سجى\" لأن القرآن الكريم لا يستعمل القسم مسندًا إلى الله سبحانه. إلا مع \"لا\" النافية، باستقراء كل آيات القسم في القرآن. فكان لي من هذا الاستقراء، ما يؤذن بأنه سبحاته في غير حاجة إلى القسم\" (١).\nوعند تفسيرها لسورة النازعات ونقلها اختلاف العلماء في جواب القسم أين هو وما هو تقول: \"ولا داعي عندنا لإطالة الوقوف عند هذه التأويلات، فليس القسم هنا على أصل وصفه اللغوي، وإنما يتم لنا بالمقطع الأول من السورة -بآياته الخمس- مشهد حسِّي وصورة مادية للخيل فيما تعاني من عنف النزع وقوة الجذب وشدة التجمع للإفلات والانطلاق، كي تحسم أمرًا أريدت له وتبت في مصير حشدت له قواها، وعانت في السبق إليه وما عانت من نزع وجذب، ومن تجمع وتقبض وتوثب، شأن النازع المغرق والسابح في غير مجال\".\n_________\n(١) التفسير البياني ص ٢٥.","vol":"1","page":353},{"text":"وفي كتابها الإعجاز البياني تقول: \"وقد اتجه بها -الواو- المفسرون أو جمهرتهم فيما أعلم إلى تعظيم المقسم به ثم مضوا يلتمسون وجه العظمة في كل ما تلا الواو، وأكثر ما ذكروه من ذلك يدخل في الحكمة وهي تختلف تمامًا عن العظمة ... \" (١).\n\" .. ثم إنهم غالبًا لم يراعوا القيد في المقسم به، ففى الضحى مثلًا تحدثوا عن عظمة الضياء، وليس مقصورًا على وقت الضحى، بل لعله في الظهيرة أقوى ...\nوفي الليل إذا سجى تحدثوا عن عظمة الليل مطلق الليل، وهي في الآية مقيدة بـ ﴿إِذَا سَجَى﴾ وجاء في آيات أخرى مقيدًا بـ ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾. و﴿إِذَا يَغْشَى﴾، و﴿إِذَا يَسْرِ﴾، و﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾.\nوفي آية النجم تحدثوا عن عظمة النجم، وهو في الآية مقيد بـ: ﴿إِذَا هَوَى﴾.\nواضطروا كذلك في ربط القسم بهذه الواو، بجواب قسمه: فأين الصلة بين عظمة العاديات ضبحًا، وبين كنود الإنسان لربه، وبعثرة ما في القبور؟ وما معقد الصلة بين عظمة الليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى وبين: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾؟ أو بين عظمة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ و﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾؟\nوقيل ذلك كله، ما السر البياني لهذا البدء بواو القسم؟ وهل كان العربي الأصيل في عصر المبعث لا يجد فرقًا بين الآيات: والضحى، والليل إذا سجى، والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، والنجم إذا هوى وبين مألوف التعبير بصريح القسم: أقسم بالضحى وبالليل إذا سجى وأقسم بالنجم إذا هوى؟\nإن التعظيم الذي لفتهم من واو القسم يتحقق مثله بصريح لفظ القسم، فهل العدول عن: (أقسم بالنجم) إلى (والنجم) لا يعطي أي ملحظ بياني؟ \" (٢).\n\" ... وهم قد ذكروا في القسم بالليل والنهار مثلًا ... وحمّلوا الآيات من\n_________\n(١) ص ٢٢٦.\n(٢) ص ٢٢٧.","vol":"1","page":354},{"text":"التأويلات الفلسفية والإشارية -في مثل ما نقرأ في تفاسير الفخر الرازي والنيسابوري والطبري والشيخ محمد عبده- ما لا نتصور أن هذه الواو يمكن أن تحمله من قريب أو بعيد. مع ملاحظة أن البيان القرآني يلفت إلى آيتي الليل والنهار، أو الشمس والقمر بغير القسم، فيفهمها الناس بأيسر تنبه كالذي في آيتي القصص:\n﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾ (١) [القصص: ٧١ - ٧٢].\n\" ... من هنا كان وقوفي أمام هذه الظاهرة الأسلوبية في البيان القرآني، لعلي أجتلي من سرها البياني ما أضيفه إلى فكرة الإعظام التي سيطرت وحدها على كل من قرات لهم من المفسرين والبلاغيين.\nوالذي اطمأننت إليه بعد طول التدبر في الآيات المستهلة بالواو هو أن هذه الواو قد خرجت عن أصل معناها اللغوي الأول في القسم للتعظيم إلى معنى بلاغي، وهو اللفت بإثارة بالغة إلى حسيّات مدركة لا تحتمل أن تكون موضع جدل ومماراة، توطئة أيضًا حية لبيان معنويات يماري فيها، أو تقرير غيبيات لا تقع في نطاق الحسيات والمدركات\" (٢).\n\" ... ولعل السلف الصالح من المفسرين ما فاتهم هذا الملحظ البياني إلا لأن علماء البلاغة قد عرفوا خروج الخبر والاستفهام والأمر والنهي عن معانيها الأولى في أصل اللغة، إلى معان بلاغية نصوا عليها في كتب البلاغة المدرسية، ثم لم يشيروا إلى خروج القسم عن معناه الأول فكان ما كان من اعتساف التأويل للآيات\n_________\n(١) ص ٢٢٩.\n(٢) ص ٢٣٠.","vol":"1","page":355},{"text":"المبدوءة بواو القسم لتظل كما أراد لها علماء البلاغة، على أصل معناها اللغوي لا تخرج عنه إلى معنى بلاغي ... \" (١).\nولنستمع إليها عند تفسير سورة \"والنازعات\" \"وأمام ذلك من أسلوب القرآن في اللفت بالواو إلى مادي مدرك لا نستطيع أن نطمئن إلى تفسير \"النازعات، بما اطمأن إليه أكثر المفسرين من أنها الملائكة تنزع الأرواح، إذ ليست الملائكة في نزعها للأرواح، وسبقها إلى تدبير أمر الله ممّا يدخل في نطاق الحسيات المدركة التي لا موضع فيها لجدل من المشركين أو مماراة، كما يبدو مستبعدًا في رأينا أن يلفت إليها القرآن للاستدلال على البعث، إذ لو أنهم كانوا يؤمنون بملائكة تنزع الأرواح وتدبر شؤون الكون بأمر الله لصدقوا بالبعث واليوم الآخر.\nونحن أكثر اطمئنانًا إلى تفسير النازعات بالخيل المغيرة\" (٢).\nوأحبُّ أن أؤكد أن كثيرًا من المفسرين (٣) وقد تحدثوا عن سرّ القسم في كتاب الله لم يحصروا ذلك في تعظيم المقسم به وإنما بينوا حكمًا كثيرة تناسب كل واحد من هذه المخلوقات التي أقسم بها سبحانه، وقد تكون تلك الحكمة توجيه الأنظار، وقد تكون التنبيه على خطأ قد وقع فيه المخاطبون، يقول الإمام الشيخ محمد عبده ﵀ في تفسير قوله ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾: \"إذا رجعت إلى جميع ما أقسم الله به وجدته إما شيئًا أنكره بعض الناس، أو احتقره لغفلته عن فائدته، أو ذهل عن موضع العبرة فيه، وعمى عن حكمة الله في خلقه، أو انعكس عليه الرأي في أمره فاعتقد فيه غير الحق الذي قدر الله شأنه عليه؛ فيقسم الله إما لتقرير وجوده في عقل من ينكره، أو تعظيم شأنه في نفس من يحتقره أو تنبيه الشعور إلى ما فيه عند من لا يذكره، أو لقلب الاعتقاد في قلب من أضله الوهم، أو خانه الفهم\" (٤) أهـ.\n_________\n(١) ص ٢٣٣ - ٢٣٤.\n(٢) التفسير البياني ص ٤٠٨.\n(٣) المعنى البلاغي الذي قصرت الواو عليه لا يتعارض مع ما قاله المفسرون البلاغيون.\n(٤) تفسير جزء تبارك للشيخ عبد القادر المغربي ص ٢٩.","vol":"1","page":356},{"text":"وكثير منهم كذلك لم يتحدث عن هذه الأشياء حديثًا مطلقًا، وإنما تحدث عنها وعن حكمة القيود التي قيدت بها فلم يتحدثوا عن النجم فحسب وإنما تحدثوا عن الحكمة بتقيده بقوله تعالى: ﴿إِذَا هَوَى﴾ كذلك حينما تحدثوا عن الضحى، لم يتحدثوا عن مطلق الضوء -كما زعمت- وإنما من ذلك الوقت الذي تكون به الشمس في شبيبة النهار كما يقول الشيخ محمد عبده. أما الصلة بين القسم وجوابه فلم يتكلف لها المفسوودْ ولم يتعسفوا فيها. والذي يقف مع النصوص القرآنية الكريمة يدرك التناسب والصلة بين قوله ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ وبين قوله ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾. وبين قوله ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ وقوله ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. ثم ما الفرق بين هذا وبين ما جاء في لفظ القسم وبين ما جاء فيه من ذكر القسم صراحة مثل قوله سبحانه ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾. أفيقال ما الصلة بين القسم بهذا البلد وبين قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾؟ والسؤال يظل مطروحًا حتى على الرأي الذي ذهبت إليه فيقال ما سرّ مجيء قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ بعد قوله ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾.\nالحق أن القسم بالواو كما يرشد إليه الحس القرآني أولا وكما فهمه العرب الذين نزل فيهم القرآن ثانيًا وكما قرره أئمة البيان والتفسير ثالثًا لم يخرج وضعه الأساس الرئيس وإن خروج الخبر والأمر والنهي والاستفهام كان لأغراض ذات صلة وثيقة مباشرة بمعاني هذه الأشياء، فالاستفهام مثلًا حينما خرج إلى الإنكار أو التقرير كانت هذه المعاني لازمة للاستفهام لأن الذي يستفهم عن شيء إنما يستفهم عن شيء إنما يستفهم عنه لينكره أو يحث عليه أو ينتزع اعترافًا به من المخاطب، وكذلك يقال في غير الاستفهام.\nإن ورود فعل القسم مقترنًا بـ\"لا\" (١) ليس دليلًا على أن الله ليس في حاجة إلى\n_________\n(١) وما ذهبت إليه هو أن (لا) نافية وهذا أحد أقوال كثيرة وقد رجحنا غير هذا في بحثنا عن الزوائد وهو بحث نشر في مجلة (دراسات).","vol":"1","page":357},{"text":"قسم -كما تقول الكاتبة- وكيف يتفق هذا مع قوله سبحانه فيهم ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٥ - ٧٦] وقد أقسم الله ﵎ بنفسه وهذا أعرابي يسمع قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾: \"ويحهم من أغضب الجليل فاضطروه إلى الحلف\" (١).\nأما أن القسم بالواو لا يكون إلا في المحسوسات فترده آيات كثيرة نذكر منها على سبيل المثال قوله سبحانه ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾، وأما أن الله ﵎ يذكر الناس بالليل والنهار الحكمة منهما دون الحاجة إلى القسم مثل آية القصص، فقول نعجب له فنحن نعلم أن القرآن الكريم لم يلتزم أسلوبًا واحدًا فيما أراد تقريره، حتى في قضايا الأحكام.\nبقيت قضية هامة وهي قول الكاتبة \"هل كان العربي الأصيل في عصر المبعث لا يجد فرقًا بين الآيات المبدوءة بواو القسم ﴿وَالضُّحَى﴾ .. وبين القسم الصريح (أقسم بالضحى) .. تريد الكاتبة أن تقول إن العربي كان يدرك الفرق بين لفظ القسم صراحة وبين ذكر الواو النائبة عن القسم ومن أجل هذا فسرت. والضحى \"بـ أقسم بالضحى\" والليل بـ أقسم بالليل\" ولما كان هذا الفعل (أقسم) لم يذكر في كتاب الله تعالى إلا مقترنًا بالنفي استنتجت أن الواو قد خرجت عن هذا الأصل.\nوللإجابة عن تساؤل الكاتبة نرشد القارئ إلى كتاب أبي إسحاق الجرمي \"أيمان العرب في الجاهلية\" وسيجد بنفسه أن العرب عرفوا هذه الواو ولم يخرجوا بها عن أصلها كما خرجوا في الأمر والنهي والاستفهام نذكر من ذلك مثلا: \"لا والسماء، لا والماء لا والطارقات، لا والساعات\"، لا والقمر الطاحي (٢) \"، وقد اشتهر قولهم \"وأبيك\": إن العربي حينما كانت تطرق مسامعه هذه الواو كان يدرك أنها للقسم، وكان إذا أراد أن يقسم كان يستغني بهذه الواو كذلك. نعم يمكن أن يكون هناك\n_________\n(١) راجع الكشاف للزمخشري ج ٤، ص.\n(٢) كتاب إيمان العرب ص ٢٣.","vol":"1","page":358},{"text":"فرق بين الواو والقسم الصريح من غير هذه الجهة. جهة القسم، وإنما من حيث المقسم عليه أو من حيث الغرض النفسي الذي يقصده المتكلم؛ فالله ﵎ مثلًا أقسم باليوم الموعود، تارة بالواو وتارة بالقسم الصريح وكذلك بمكة فقال ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ وقال ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وقال ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ وقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ كل هذه أقسام.\nبقي أن يتلمس البيانيون الحكمة التي جاء من أجلها القسم تارة بالواو وأخرى بغيرها، أما أن نذهب بالواو غير هذا المذهب فذلك لا يُسعف عليه النص بل هو اعتساف وتكلف.\nوما ذهبت إليه من أن القسم بالواو لا بد أن يكون أمرًا محسوسًا، ومن هنا لا يمكن أن يراد بالنازعات الملائكة لأنهم كانوا لا يؤمنون بملائكة تنزع الأرواح ولو كانوا يؤمنون بها لآمنوا بالبعث، فهذا ما لا نرضاه من الكاتبة؛ ذلك لأن القوم كانوا يؤمنون بالملائكة، بل منهم من كان يعبدها، ولقد سجل القرآن هذا في أكثر من آية ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ ... إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ١٩ - ٢٠].\nولئن أمكن أن نفسر النازعات بالخيل فإن كثيرًا من الأقسام بالواو لا يمكن أن نفسره بالمحسوس -كما قلنا من قبل- قال تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾.\nتلك بعض الملحوظات أحببت أن أسجلها هنا، ولا يظننّ أحد أنني أريد أن أقلل أو أوهن أو أهون مما قامت به الكاتبة فمعاذ الله أن نكونَ من الجاحدين وللمجتهد نصيب إن أخطأ. كل الذي لا نقره، ولا نرضاه أن نتنكر لجهود السابقين وأن نصفهم بما لا يليق بنا وبهم وليس معنى هذا أن نوافقهم في كل ما قالوه فكلٌّ منا يؤخذ منه ويردّ عليه إلا الذي لا ينطق عن الهوى.\nجزى الله الكاتبة خيرًا وعفا عن زلاتها وزلاتنا وهو حسبنا ونعم الوكيل.\nوأكتفي بذكر هذه النماذج التي تثبت لنا أنّ مخالفة المفسّرين أمرٌ له عدّته وضوابطه، ولا يجوز أن تكون بالتشهّي أو لدافع شخصيّ أو طلبًا للشهرة.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>الفَصْلُ الرَّابِع تذوق القرآن الكريم وفهمه لا بدّ له من التعمق في العربية</span>\nلقد أثّر القرآن الكريم في العرب حينما سمعوه -على الرغم من أنّ كثرهم لم يكونوا مؤمنين به- لكون العربيّة سجيّةً من سجاياهم، وكلما كان الإنسان ذا بصيرةٍ في اللغة كان أكثر قدرةً على فهم القرآن وتذوّق حلاوته، وهذه حقيقة لا يختلف فيها اثنان، لذا وجدنا أن كثيرًا من غير المسلمين من ذوي المعرفة بالعربية كانوا يقرّون دائمًا بأنّ علوّ أساليبهم وقوّة عارضتهم في اللغة وعظيم فصاحتهم يرجع إلى تأدّبهم بالقرآن الكريم. أمّا من كانت بضاعته في اللغة مُزْجاة فليس له من فهم القرآن الكريم إلّا حفظ الروايات ونقل الأقوال عن أصحابها.\nيقول صاحب المنار (١) لا يتعظ الإنسان بالقرآن، فتطمئن نفسه بوعده، وتخضع لوعيده، إلا إذا عرف معانيه، وذاق حلاوة أساليبه، ولا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ، مع النظر في بعض النحو كنحو ابن هشام وبعض فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهر، وبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة يؤهله لفهم القرآن، قال الإمام أبو بكر الباقلاني -من زعم أنه يمكنه أن يفهم شيئًا من بلاغة القرآن، دون أن يمارس البلاغة بنفسه فهو كاذب مبطل\".\nيقول صاحب الكشاف عند قوله تعالى: ﴿قَالوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ [هود: ٩١].\n\" ﴿فِينَا ضَعِيفًا﴾ لا قوة لك ولا عزة فيما بيننا .. وعن الحسن \"ضعيفًا\" مهينًا، وقيل \"ضعيفًا\" أعمى. وحمير تسمي المكفوف ضعيفًا كما يسمّى ضريرًا، وليس بسديد، لأن \"فينا\" يأباه. ألا ترى أنه لو قيل إنا لنراك فينا أعمى لم يكن كلامًا؛ لأن\n_________\n(١) المنار (١/ ١٨٢).","vol":"1","page":360},{"text":"الأعمى أعمى فيهم وفي غيرهم\" (١).\nويعلّق ابن المنيَّر ﵀ وهو الذي كثيرًا ما يقسو على الزمخشري بقوله: \"وهذا من محاسن نكته الدالّة على أنه كان مليًا بالحذاقة في علم البيان\" (٢). ويقول الإمام الطبري ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣].\nوقد ذكر أقوالًا كثيرة في الآية مثها: (إلا أن تودّوا قرابتي) أي يطلب منهم مودّة آل بيت النبوة، وهو قول مشتهر عند كثير من الناس. ولكن ابن جرير الطبري ﵀ يرفض هذا القول محتجًا باللغة قائلًا: لو كان هذا المعنى مرادًا لم يكن لدخول (في) معنى، ولكان النظم \"إلّا مودّةَ القربى\" (٣). وهكذا نجد أن الأئمة ﵏ كانوا يرجعون إلى اللغة لتأييد المعنى الراجح وردّ المعنى المرجوح.\nولقد كانت عناية العلماء منذ العصور الأولى، وبخاصة علماء التفسير والحديث بالتضلع من اللغة وإدراك أسرارها، ومعرفة أصولها أمرًا بدهيًا، فإن الذي يريد فهم القرآن الكريم حريّ به أن يكون ملمًا بها إفرادًا وتراكيب.\nلنقف أمام هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].\nولتسل كثيرًا من الناس حتى من ذوي التخصص عن تفسير هذه الآية فإنهم سيجييون دون تردد، إن معنى هذه الآية الكريمة (ما أرسلناك أيها النبي إلا للناس جميعًا، فالآية تدل على عموم رسالته -ﷺ-، فمعنى كافة للناس -إذن- للناس كافة، وهذا المعنى الذي فَسَّروا به الآية الكريمة رده المحققون من العلماء، لأكثر\n_________\n(١) الكشاف: (٢/ ٤٢٣).\n(٢) نفسه: ٢/ ٤٢٣ (الحاشية).\n(٣) ينظر: تفسير الطبري ٢٥/ ١٧.","vol":"1","page":361},{"text":"من سبب، أما أولًا: فلسبب صناعي نحوي؛ لأن كافة ستعرب حالًا من الناس، وإذا كان صاحب الحال جارًا ومجرورًا فلا يجوز أن تتقدم الحال عليه وإلا كان ينبغي أن يقال وما أرسلناك إلا للناس كافة.\nوأما ثانيًا: فلو كان هذا المعنى مرادًا من الآية الكريمة لجيء بـ (إلى) بدل اللام، أي وما أرسلناك إلا إلى الناس كافة؛ لذا جعل العلماء كلمة (كافة) تابعة للرسالة لا إلى الناس.\nقال الزمخشري: \" ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم؛ لأنها إذا شملتهم فقد كفّتهم أن يخرج منها أحد منهم، وقال الزجاج: المعنى أرسلناك جامعًا للناس في الإنذار والإبلاغ، فجعله حالًا من الكاف، وحق التاء على هذا أن تكون للمبالغة كتاء الراوية والعلّامة، ومن جعله حالًا من المجرور متقدمًا عليه فقد أخطأ، لأن تقدم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجارّ، وكم ترى ممن يرتكب هذا الخطأ ثم لا يقنع به حتى يضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى؛ لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلا بالخطأ الثاني، فلا بد له من ارتكاب الخطأين\" (١).\nولا تقلّ أهمية مسائل الصرف عن مسائل النحو في الكتاب العزيز. يقول الزركشي: \"وفائدة التصريف حصول المعاني المختلفة المتشعبة عن معنى واحد، فالعلم به أهم من معرفة النحو في تعرّف اللغة؛ لأن التصريف نظرٌ في ذات الكلمة، والنحو نظر في عوارضها. قال ابن فارس (٢): من فاته علمه -أي الصرف- فاته المعظم، لأنا نقول \"وجد\" كلمة مبهمة، فإذا صرّفناها اتضحت، فقلنا في المال \"وُجْدًا\" وفي الضالة \"وجدانًا\" وفي الغضب \"مَوْجدة\" وفي الحزن\n_________\n(١) الكشاف: (٣/ ٥٨٣).\n(٢) تلميذ ابن جني.","vol":"1","page":362},{"text":"(وَجْدا) وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩] فانظر كيف تحول المعنى بالتصريف من الجور إلى العدل.\nوقال الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥] سهّل لهم ركوب المعاصي من السَّوَل وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السُّؤال من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعًا.\nوقال أيضًا: من بدع التفاسير أن (الإمام) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] جمع (أُمّ) وأن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم دون آبائهم لئلا يفتضح أولاد الزنا ...\nوقال الراغب في قوله تعالى: ﴿فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢] هو تفاعلتم، أصله: تدارأتم، فأريد منه الإدغام تخفيفًا، وأبدل من التاء دال فسكن للإدغام فاجتُلبت لها ألف الوصل، فحصل على افّاعلتم.\nوقال ابن جني: من قال: اتخذت افتعلت من الأخذ، فهو مخطئ قال: وقد ذهب إليه أبو إسحاق الزجاج وأنكره عليه أبو عليّ، وأقام الدلالة على فساده، وهو أنّ ذلك يؤدي إلى إبدال الهمزة تاء، وذلك غير معروف\" (١).\nوإذا كان هذا في أمر النحو والصرف، فإن معرفة البيان أعظم أثرًا وأشد حاجة، بل هو ضرورة ملحة؛ لأنه يتصل به إعجاز القرآن الكريم.\nوإذا أردنا أن ندرك حاجة المفسّر الذي يريد أن يسمو في تذوق القرآن الكريم والغوص على معانيه، والتحليق في استخراج كنوزه، إلى أن يكون ذا بصيرة ودراية واطلاع ومعرفة بأساليب اللغة أقول إذا أردنا معرفة هذا كله فخير ما يرشدنا إلى هذا\n_________\n(١) البرهان في علوم القرآن (١/ ٢٩٧).\nويرى المحققون أن الفعل تخِذ بالكسر على وزن شرِب.","vol":"1","page":363},{"text":"ما كتبه الإمام الزمخشري في مقدمة كشافه.\nقال ﵀:\n\"ثم إنّ أملأ العلوم بما يغمر القرائح وأنهضها بما يبهر الألباب القوارح، من غرائب نكت يلطف مسلكها، ومستودعات أسرار يدق سلكها -علم التفسير الذي لا يتم لتعاطيه وإجالة النظر فيه كل ذي علم- كما ذكر الجاحظ في كتاب نظم القرآن، فالفقيه وإن برز على الأقران في علم الفتاوى والأحكام، والمتكلم وإن بزّ أهل الدنيا في صناعة الكلام، وحافظ القصص والأخبار وإن كان من ابن القرية أحفظ، والواعظ وإن كان من الحسن البصري أوعَظ، والنحوي وإن كان أنحى من سيبويه، واللغوي وإن علك اللغات بقوّة لحييه -لا يتصدّى منهم أحد لسلوك تلك الطرائق، ولا يغوص على شيء من تلك الحقائق إلّا رجلٌ قد برع في علمين مختصين بالقرآن هما علم المعاني وعلم البيان وتمهل في ارتيادهما آونة، وتعب في التنقير عنهما أزمنة، وبعثته على تتبع مظانهما همّة في معرفة لطائف حجة الله وحرصٌ على استيضاح معجزة رسول الله، بعد أن يكون آخذًا من سائر العلوم بحظّ، جامعًا بين أمرين تحقيق وحفظ، كثير المطالعات طويل المراجعات، قد رَجَعَ زمانًا ورُجِع إليه، وردَّ ورُدَّ عليه، فارسًا في علم الإعراب، مقدَّمًا في حملة الكتاب، وكان مع ذلك مسترسل الطبيعة مُنقادَها، مشتعلَ القريحة وقّادها، يقظان الحسّ درّاكًا للّمحة وإن لطف شأنها منتبهًا على الرمزة وإن خفي مكانها، لا كزًّا جاسيًا، ولا غليظًا جافيًا، متصرفًا ذا دراية بأساليب النظم والنثر مرتاضًا غير ريِّض (١) بتلقيح بنات الفكر، قد عرف كيف يرتّبُ الكلام ويؤلَّف، وكيف يُنظَمُ ويُرصَف، طالما دفع إلى مضايقه ووقع في مداحضه ومزالقه\" (٢).\nوقال الشاطبي -﵀- في الموافقات:\n_________\n(١) جاء في الصحاح: \"ناقة ريض\": أول ما ريضت وهي صعبة بعد.\n(٢) ينظر: الكشاف ج (١) المقدمة صفحة (ن - س).","vol":"1","page":364},{"text":"\"فكل ما كان من المعاني العربية التي لا ينبني فهم القرآن إلا عليها فهو داخل تحت الظاهر، فالمسائل البيانية والمنازع البلاغية لا معدل بها عن ظاهر القرآن، فإذا فهم الفرق بين (ضيّق) في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] وبين (ضائق) في قوله تعالى: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، والفرق. بين النداء بيا أيها الذين آمنوا أو يا أيها الذين كفروا، وبين النداء بيا أيها الناس أو بيا بني آدم، والفرق بين ترك العطف في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البقرة: ٦] والعطف في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] وكلاهما قد تقدم عليه وصف المؤمنين والفرق بين تركه أيضًا في قوله: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٥٤] وبين الآية الأخرى ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [الشعراء: ١٨٦] والفرق بين الرفع في قوله: ﴿قَال سَلَامٌ﴾ [الذاريات: ٢٥] والنصب فيما قبله من قوله ﴿قَالوا سَلَامًا﴾ والفرق بين الإتيان بالفعل في التذكر من قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] وبين الإتيان باسم الفاعل في الإبصار من قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ أو فهم الفرق بين (إذا) و(إن) في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وبين \"جاءتهم\" و\"تصبهم\" بالماضي مع إذا، والمستقبل مع إن، وكذلك قوله: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦] مع إتيانه بقوله \"فرحوا\" بعد (إذا) و﴿يَقْنَطُونَ﴾ بعد \"إن\"، وأشباه ذلك من الأمور المعتبرة عند متأخري أهل البيان -فإذا حصل فهم ذلك كله على ترتيبه في اللسان العربي فقد حصل فهم ظاهر القرآن\" (١).\nوفي كلام هذين العلَميْن المبدعَيْن -رحمهما الله- دلالةٌ لا يرتاب فيها أحد على ما للعربية من أثر في فهم القرآن الكريم ودعوة صريحة للعناية بشأن هذه اللغة\n_________\n(١) الموافقات: ٣/ ٣٨٦ - ٣٨٨.","vol":"1","page":365},{"text":"لغةِ القرآن الكريم وتطبيقًا على ما ذكراه أسوق الأمثلة الآتية:\n١ - في مجال التقديم والتأخير نقرأ قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] فلقد قُدِّم الإنس هنا لأنّ المقام مقام تحدٍّ وهم المعنيون به.\nونقرأ قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣] ولما كان الجنّ أقدر على الحركة والتشكل قدّموا على الإنس في هذه الآية الكريمة.\nونقرأ قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] حيث قُدّمت هنا الأعمال الظاهرة للإنسان. لكننا نقرأ في سورة آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩] فقد قُدّم هنا ما يخفيه الإنسان على ما يبديه. وما ذلك إلّا لأن الآية الكريمة جاءت في سياق موالاة غير المؤمنين، وهي من الأعمال التي لا يحبّ الموالون لغير المؤمنين إظهارها، بل تكون سرًّا بينهم وبين أعداء الله.\n٢ - وفي مجال العطف وتركه نقرأ قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة-: ٥ - ٦]. حيث عطفت الجملة الثانية ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ على التي قبلها وتُركت الجملة الثالثة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بلا عطف على حين نقرأ قول الله تعالى في سورة الأعراف ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ونقرأ قول الله تعالى في سورة الانفطار ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ حيث جاء العطف بين هذه الجمل. وذلك كله إنما جاء من أجل دقّة المعنى الذي يقصد إليه القرآن (١).\n_________\n(١) راجع تفسير الكشاف.","vol":"1","page":366},{"text":"٣ - وفي مجال تقييد الجملة بالشرط نقرأ قول الله تعالى في سورة البقرة ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٩] حيث جاءت الجملة الأولى التي ذُكر فيها فعل الخوف مقيّدة بـ (إنْ) والثانية التي ذُكر فيها الأمن مقيدة بـ (إذا). وعلماء البيان بينوا بيانًا شافيًا الفرق بين الأداتين: إنْ وإذا، حيث ذكروا أنّ (إذا) تكون للأمر المحقّق على عكس (إنْ).\n- نقرأ قول الله تعالى في سورة الممتحنة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] ونقرأ في الآية التي تليها: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] ولمّا كان مجيء المؤمنات مهاجرات أمرًا محققًا شهد التاريخ بتحققه عُبِّر بـ (إذا) ولمّا كان ارتداد المرأة عن الإسلام أمرًا نادرًا أو غير واقع عُبِّر بـ (إنْ) (١).\n٤ - صيغ الأفعال: أمّا في صيغ الأفعال فنقرأ التعبير بالفعل الماضي تارة وبالفعل المضارع تارة أخرى، وقد يكون ذلك في جملة واحدة مثل قوله تعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧] وقد يكون في جملتين مختلفتين. قال تعالى: ﴿قَال هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل: ٤٠]، على حين نقرأ في سورة لقمان: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان: ١٢] فانظروا -علمني الله وإياكم- كيف عُبّر عن الشكر بصيغتين مختلفتين.\nوفي سورة النازعات نقرأ قول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾ [النازعات: ١٠ - ١٢] فلقد ذكر الفعل المضارع أولًا (يقولون) ثم ذكر الفعل الماضي (قالوا)، وهذا فيه ما فيه\n_________\n(١) انظر: البلاغة فنونها وأفنانها - علم المعاني.","vol":"1","page":367},{"text":"من بديع النظم وعلو شأنه (١).\n٥ - وضع الحروف المختلفة: قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر: ١٣] وفي آية الأنفال: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنفال: ١١] وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٤] وفي آية أخرى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] كلتاهما في سورة الفتح (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-159> احتمال الكلمة أكثر من معنى:</span>\nوقد تحتمل الكلمة أكثر من معنى فيجدّ العلماء السير ويجهدون الفكر ليختاروا المعنى الذي هو أليق بالآية الكريمة، فإن هذا القرآن -الذي هو أشرف الألفاظ وأصح المعاني وأحسن النظوم كما قال الخطابي ﵀- جدير أن نبحث فيه عن المعنى المختار الذي ليس فيه تكلف ولا شطط.\nومن هذا القبيل مثلًا: أن تكون الكلمة دالةً على الاستفهام أو النداء أو الاستفهام والنفي معًا، أو أن تصلح أن تكون اسمًا موصولًا أو حرفا نافيًا، وإليكم أمثلة لذلك كله:\nأولًا: قال تعالى في سورة الزمر: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].\nذكر ابن هشام -﵀- في مغني اللبيب أن الهمزة في قول الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ يمكن أن تكون للاستفهام، فيكون المقصود من الآية الكريمة بعد المنزلة ما بين القانتين القائمين وبين غيرهم؛ وذلك كالبعد بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، ويمكن أن تكون الهمزة للنداء، أي يا من هو قانت\n_________\n(١) ينظر تفسير أبي السعود.\n(٢) ينظر كتابنا: إعجاز القرآن المجيد.","vol":"1","page":368},{"text":"آناء الليل، فيكون ذلك تشريفًا لهذه الفئة، كما شرفت في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. ولكن الذي نطمئن إليه منسجمًا مع تدبر آي الذكر الحكيم أن الهمزة في الآية الكريمة للاستفهام لا للنداء؛ لأن الهمزة لم تستعمل للنداء في كتاب الله، ومن أراد مزيدًا فليرجع إلى مغني اللبيب في باب الهمزة.\nثانيًا: قال تعالى في سورة القمر: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [القمر: ٥] فـ (ما) في قوله تعالى: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ يحتمل أن تكون للاستفهام، أي: أيُّ إغناء يمكن أن تغنيه النذر؟ أو أي شيء يمكن أن يفيد منه الكفرة؟ ويمكن أن تكون للنفي، أي لا تغني النذر عن هؤلاء شيئًا، ونحن نعلم أن أسلوب الاستفهام الإنكاري قد يكون أحيانًا أبلغ من أسلوب النفي الصريح، وهذا الذي قرره أئمة البيان والمفسرون.\nثالثًا: قال تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس: ٣٥] اختلف المفسرون في معنى (ما) من قوله (وما عملته)، قال قوم: إنها نافية، والمعنى: أحيينا الأرض وجعلنا فيها جنات، وفجرنا فيها من العيون، ليأكلوا من هذا الثمر الذي ليس لهم فيه شيء يذكر، فهو منّة من الله تعالى لم تعمله أيديهم وقال آخرون: إن (ما) في الآية: اسم موصول والمعنى ليأكلوا من هذا الثمر وليأكلوا من الذي عملته أيديهم من غيره والذي يترجح سياقًا ونظمًا المعنى الأول: النفي؛ لأن المقام مقام امتنان وتفضل، فالأليق والألصق بالمعنى ما عرفت وهو أن تكون (ما) نافية لا اسمًا موصولًا.\nومثل هذا في كتاب الله حري أن تُضرب له أكباد الإبل وأن تنفق فيه الأوقات، لأنه خير الزاد وأفضل الأقوات.\nرابعًا: من دقة المفسرين ﵏ وإجلالهم لكتاب الله ﵎، وعنايتهم بتفسيره ليحملوا الآية الكريمة على المعنى الألصق بها حتى لا يكون هناك أي شائبة تعكر على القارئ فهم الآية الكريمة، أقول من دقة المفسرين","vol":"1","page":369},{"text":"-﵏- أنّهم قد يتركون المعنى القريب للكلمة ويبحثون لها عن معنى آخر تعين عليه اللغة. وإليكم هذا المثال.\nقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالهُمَا نَهَرًا (٣٣) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَال لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾ [الكهف: ٣٢ - ٣٤].\nوالمعنى القريب للثمر هو ما تحمله الشجر وبهذا فسره بعض المفسرين لكنّ بعض المحققين لم يرض هذا التفسير؛ لأنه يترتب عليه محظور ينبغي أن نجل القرآن الكريم عنه، بيان ذلك:\nأنه جاء في الآية الكريمة ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ والأُكل هنا هو الثمر، فإذا فسرنا الثمر في قوله تعالى ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَر﴾ بما تحمله الشجر، كان ذلك تكرارًا ما عهدناه في أسلوب الكتاب الكريم؛ لذا ذهب بعض المحققين إلى أن معنى الثمر في الآية الكريمة أنواع المال من نقد أو ذهب وفضة وغير ذلك، وهذا أمر لا تنكره اللغة، قال الشهاب الألوسي -﵀:\n\"ثمر: أنواع المال كما في القاموس وغيره، ويقال ثَمَّر إذا تموَّل، وحمله على حمل الشجر كما فعل أبو حيان وغيره غير مناسب للنظم\" (١). جزى الله أئمتنا عن كتاب الله وعنا خير الجزاء.\nخامسًا: قال تعالى: ﴿قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨].\nسادسًا: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١].\nذهب بعض المفسرين إلى أنّ (إنْ) في الآيتين الكريمتين نافية. فمعنى \"إنْ كنتَ ثقيفًا\": ما كنتَ تقيًا، ومعنى \"إن كان للرحمن ولد\": ما كان للرحمن ولد.\n_________\n(١) روح المعاني (٥/ ٢٧٤).","vol":"1","page":370},{"text":"ونحن نعلمُ أنّ (إن) قد جاءت نافية في كتاب الله في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣] ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠] ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٣] ﴿وَلَئِنْ زَالتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر: ٤١] فـ (إنْ) في قوله \"إنْ أمسكهما\" نافية. ولكن ليس معنى هذا أنّ \"إنْ\" في كل آية ينبغي أن تكون نافية. وعلى الرغم من أنّ بعض المفسرين ذهب إلى أنّ \"إنْ\" في آيتي مريم والزخرف نافية. ولكن المحققين ذهبوا غير هذا المذهب ورأوا أنّ (إنْ) على بابها أيْ شرطيّة. فمعنى الآية الأولى: إني أعوذ بالرحمن منك حتى إنْ كنتَ تقيًّا، لأنّ مجيئك فيه ريبة مع علمها بأنه لا يمكن لأحد الوصول إليها إلّا زكريا ﵇. ومعنى الآية الثانية. إن كان للرحمن ولدٌ كما تزعمون فأنا أوّل العابدين له ولكن ليس الأمر كما زعمتم.\nوهكذا نجد المفسّرين -﵏- يفترضون كل احتمال ليصلوا إلى المعنى الذي هو أليق ما يكون بتفسير الآيات الكريمات.\nتلك بعض الشذرات التي تبين لنا ضرورة التضلع من اللغة لمن أراد أن يزداد فهمًا لكتاب الله فضلًا على من أراد أن يقوم بمهمة تفسير هذا الكتاب الكريم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-160> اختلافهم في الأعاريب ناشئ عن اختلافهم في فهم المعنى:</span>\nوالناظر في كتب التفسير وبخاصة تلك التي تُعنى بالاتجاه اللغوي يجد أنهم -﵃- يذكرون أكثر من وجه في إعراب الكلمة أو الجملة. والذي ينعم النظر يدرك أن هذه الأعاريب ليست فضلة من القول، بل تتصل بالمعنى اتصالًا مباشرًا وهذا يدلنا على أهمية اللغة بجميع فروعها في فهم القرآن الكريم وتذوق معانيه.\nأولًا: عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] وما يشبهها مثل قوله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ","vol":"1","page":371},{"text":"أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: ٢٠٤] وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] وهذا التركيب كثير في القرآن الكريم.\nالمعلوم بداهة أن الجارّ والمجرور في مثل هذه الجمل يكون خبرًا مقدمًا، وما بعده مبتدأ مؤخرًا، فإذا قلنا (على الله الاعتماد) و(من الله العون)، و(بالله الثقة) و(لله الأمر) فإن الجارّ والمجرور خبر مقدم، وما بعده مبتدأ مؤخر ولكن العلامة أبا السعود شيخ الإسلام ﵀ رحمة واسعة، ذهب مذهبًا آخر فقال: ومن الناس في محل رفع مبتدأ، فمن تبعيضية، والمعنى وبعض الناس من يقول آمنا، وبعض الناس يتخذ من دون الله أندادًا، وبعض الناس يجادل في الله بغير علم، وبعض الناس يعبد الله على حرف، ففي هذه الجمل كلها وغيرها مما يشبهها يعرب الجارّ والمجرور في محل الابتداء، وما بعده الخبر.\nولكن ما الذي حمل على هذا الإعراب؟\nالناظر فيما قاله أبو السعود يجد الملحظ الدقيق الشفاف في فهم الكتاب الكريم فنحن نعلم أن المبتدأ ينبغي أن يكون معلومًا لدى المخاطبين، وأن الخبر هو الذي تتم به الفائدة. قال ابن مالك ﵀ في الألفية.\nوالخبر الجزء المتم الفائدة ... كالله برٌ والأيادي شاهدة\nفإذا جعلنا (ومن الناس) خبرًا و(من يقول) مبتدأ، يصير التركيب هكذا \"ومن يقول آمنا بالله وباليوم الآخر من الناس\" و\"من يعجبك قوله في الحياة الدنيا من الناس\" و\"من يجادل في الله بغير علم من الناس\"، ومثل هذا التركيب لا فائدة فيه، ويجلّ عنه القرآن الكريم، لأن كون هؤلاء من الناس","vol":"1","page":372},{"text":"أمر مفروغ منه، فلا يليق في أي كلام من كلام الناس، فما بالك بكلام الكبير المتعال؟ لكن إذا قلنا (بعض الناس يقول آمنا) وما يشبه هذا التركيب، فإن هذا كلام مفيد، يدلنا على أن الناس ليسوا سواء، فمنهم كذا، ومنهم كذا، أرايت إلى هذا الملحظ الدقيق في اختلافهم في الإعراب؟ !\nثانيًا: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].\nأعرب بعضهم (الذي) في قوله ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ مبتدأ، وآخرون أعربوها صفة أو نعتًا لقوله ربكم في قول الله ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ولكنّ العلامة أبا السعود اختار الإعراب الثاني، وهو أن (الذي) صفة لِـ (ربكم) وقال إن هذا الاختيار أليق بالمعنى، ذلكم لأن خاتمة الآية الثانية ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ فإذا قطعنا أول الآية عما قبلها فأعربنا (الذي جعل ..) مبتدأ، كان النهي عن جعل الأنداد، لأن الله جعل الأرض فراشًا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء.\nأما إذا أعربنا (الذي) صفة لـ (ربكم)، كان النهي عن جعل الأنداد، لا من أجل ما ذكر فحسب، بل من أجل شيء زائد على ذلك، وهو أن الله ﵎ ربكم هو الذي خلقكم والذين من قبلكم، وهذا لا شك أليق بالمعنى، إذ كيف تجعل لله ندًّا وهو أنعم عليك بنعمة الخلق أولًا، ثم بنعمة البقاء حيث جعل لك فراشًا.\nثالثًا: قال تعالى في سورة النازعات: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾ أعرب الزمخشري -﵀- (واجفة) صفة للقلوب، التي هي مبتدأ، وقوله ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ خبر مبتدأ، ولكن العلامة أبا السعود -﵀-","vol":"1","page":373},{"text":"رأى رأيًا آخر، وهو أن قوله ﴿وَاجِفَةٌ﴾ هي الخبر وقوله ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ في محل الصفة.\nوالمعلوم أن الخبر عمدة، وأن الصفة فضلة، وأن وجيف القلوب أكثر هولًا وأشد أثرًا من خشوع الأبصار، وخشوع الأبصار أهون من وجيف القلوب، فكيف نجعل ما يدل على التهويل صفة، وما يدل على التهوين خبرًا وهذه عبارته -﵀- حيث يرد على صاحب الكشاف:\n\"قوله تعالى ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ أي يوم ترجف الراجفة وجفت القلوب، قيل: قلوب مبتدأ، ويومئذ متعلق بواجفة، وهي صفة لقلوب مسوغة لوقوعه مبتدأ، وقوله تعالى: ﴿أَبْصَارُهَا﴾ أي أبصار أصحابها ﴿خَاشِعَةٌ﴾ جملة من مبتدأ وخبر وقعت خبرًا لقلوب، وقد مر أن حق الصفة أن تكون معلومة الانتساب إلى الموصوف عند السامع حتى قالوا إن الصفات قبل العلم بها أخبار، والأخبار بعد العلم بها صفات، فحيث كان ثبوت الوجيف للقلوب وثبوت الخشوع لأبصار أصحابها سواء في المعرفة والجهالة كان جعل الأول عنوانًا للموضوع مسلم الثبوت مفروغًا منه، وجعل الثاني مخبرًا به مقصود الإفادة تحكمًا بحتًا، على أن الوجيف الذي هو عبارة عن شدة اضطراب القلب وقلقه من الخوف والوجل، أشد من خشوع البصر وأهول، فجعل أهون الشرين عمدة وأشدهما فضلة مما لا عهد له في الكلام، وأيضًا فتخصيص الخشوع بقلوب موصوفة بصفة معينة غير مشعرة بالعموم والشمول تهوين للخطب في موقع التهويل فالوجه أن يقال تنكير قلوب يقوم مقام الوصف المختص سواء حمل على التنويع كما قيل وإن لم يذكر النوع المقابل، فإن المعنى منسحب عليه، أو على التكثير كما في \"شَرٌّ أَهَرَّ ذا ناب\" فإن التفخيم كما يكون بالكيفيّة يكون بالكمية أيضًا، كأنه قيل: قلوب كثيرة يوم إذ يقع النفختان واجفة، أي شديدة الاضطراب (١).\n_________\n(١) تفسير أبي السعود (٥/ ٢٣٠).","vol":"1","page":374},{"text":"رابعًا: وقد يذكرون وجوهًا كثيرة في إعراب الكلمة الواحدة دون تعليل اعتمادًا على فهم القارئ، وأكتفي بمثال واحد لهذا النوع:\nقال الله تعالى في أول سورة الدخان: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ [الدخان: ١ - ٨].\nففي قوله سبحانه ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قالوا إن قوله ﴿رَبِّ﴾ يمكن أن تكون نعتًا ويمكن أن تكون بدلًا، ويمكن أن تكون عطف بيان، ولم يبينوا ما يتفرع على هذه الأعاريب من معانٍ، اعتمادًا على معرفة القارئ لما يكتبون.\nوالحق أن هذه الأعاريب، إنما نتجت عن الاختلاف في المعنى المراد، فمن جعل قوله سبحانه، ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مدحًا وثناء على الله، أعربها نعتًا. ومن جعلها المقصود بالحكم أي إن رب السماوات والأرض من شأنه أن يكون قادرًا على إرسال الرسل وإنزال الآيات، فعلى هذا المعنى تكون بدلًا لأن البدل هو التابع المقصود بالحكم بلا واسطة كما يقولون. قال العلامة ابن مالك.\nالتابع المقصود بالحكم بلا ... واسطة هو المسمى بدلًا\nومن قال: إن المقصود من قوله ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ تسلية النبي -ﷺ- وثناء عليه، وإن قوله ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ جاءت توضيحًا لهذا أعربها عطف بيان فابحثوا -رحمني الله وإياكم وغفر لي ولكم، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير، وهو الفاتح بما شاء لمن شاء- إبحثوا","vol":"1","page":375},{"text":"عن هذه الدقائق في فهم الكتاب العزيز، فإن أئمتنا ﵏ كما قلت، قد يذكرون الكلام مجملًا دون تفصيل اعتمادًا على فهم القارئ كما كانوا يعرفونه في زمانهم. فهذا هو العلامة أبو السعود يقول عند قوله تعالى ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ في سورة ق: \"أَغَفلوا أو أَعَمُوا فلم ينظروا\" (١).\nهذه الجملة على إيجازها منه -﵀- تحمل معنى كبيرًا. يريد الشيخ -﵀- أن يقول: إن النظر في الآية الكريمة، إما أن يكون مقصودًا به الفكر، أي أفلم ينظروا، أي (أفلم يفكروا)، وإما أن يكون المقصود النظر بالعين أي (أولم يبصروا)، فإن كان الأول، أي إن النظر معناه الفكر، كان المعنى (أغفلوا فلم يفكروا) لأن المقابل للفكر الغفلة، وإن كان الثاني كان المعنى (أعموا فلم ينظروا) لأن المقابل للعمى الأبصار، فعضّوا -رحمكم الله، وبارك لي ولكم بالقرآن الكريم- على هذه اللطائف والدقائق بالنواجذ، فإن فيها خيرًا كثيرًا.","vol":"1","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>الفَصْلُ الخَامِس الآيات المختلف فيها بين المفسرين في سورة الحج أنموذج تطبيقي</span>\nيطلق بعضهم على مثل هذه الدراسات، التفسير المقارن، وأصبحت هذه المادة تدرس في بعض الجامعات، وبخاصّة في الدراسات العليا، وهي بحق تستحق من ذوي الشأن العناية اللائقة بها، ذلك لأن دراسة أقوال المفسرين فيما اختلفوا فيه من آيات ومحاولة ترجيح ما يستحق الترجيح ذات فوائد جمّة، فهو يضيّق نطاق الخلافات من جهة وينمي الفكر الإسلامي في فهم القرآن الكريم من جهة ثانية، ثم هو بعد ذلك مجال لفتح باب التنافس في استخراج كنوز هذا الكتاب الكريم من جهة ثالثة.\nوإذا كانت بعض الجامعات، لها عناية بالدخيل في التفسير، حيث يكلّف بعض طلبة الدراسات العليا -الدكتوراه- بتتبع الدخيل في التفسير، فأرى أن هذا الموضوع قد يكون حريًّا بالدرس أكثر من أي موضوع آخر، ويا ليت هذا الأمر يدرس من قبل الأساتذة المتخصصين فتجمع هذه الدراسات من أول القرآن الكريم إلى آخره، وسنقف مع هذه السورة الكريمة، سورة الحج، محاولين أن نتتبع الآيات التي اختلف فيها المفسرون، ثم -وهذه المهمة التي هي أكثر صعوبة- نحاول الترجيح بين هذه الأقوال على أنني لن أذكر الآيات التي للسلف فيها أقوال كثيرة، لكنها متقاربة تؤول إلى شيء واحد، كاختلافهم في معنى قوله سبحانه: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ حيث ذهب بعضهم إلى أنه وصف بذلك لتكبره، وآخرون قالوا: لاويًا رقبته، وقال آخرون يعرض عما يُدعى إليه. إن هذه الأقوال كلها ترجع إلى معنى واحد، وهي كثيرة جدًّا وبخاصة عند ابن جرير وأمثاله -رحمهم الله تعالى- لذا لن أعرض لهذه الأقوال.","vol":"1","page":377},{"text":"ولم يكن اختيار سورة الحج بخاصة هدفا مقصودًا، لكن وجدت أن هذه السورة وسط من حيث الطول والقصر، ثم هي تجمع بين القرآن المكي والمدني، وتجمع بين موضوعات متعدّدة من حيث الأحكام وغيرها، وأسأل الله أن يلهمني الرشد والسداد، إن ربي رحيم ودود، إن ربي قريب مجيب، إن ربي سميع الدعاء.\n* الآية الأولى: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: ١].\nاختلف المفسرون، أتكون الزلزلة قبل البعث أم بعده؟ ورجح كثيرون ومنهم الطبري أنها تكون بعد البعث، أي بعد أن يقوم الناس لرب العالمين، ورجحوا هذا القول بما ورد من أحاديث عن الرسول -ﷺ- \"يا آدم فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك، فيقول: أخرج لي بعثَ النار قال وما بعث النار؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فعنده يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد\" قالوا يا رسول الله: وأينا ذلك الواحد؟ فقال: أبشروا فإن منكم رجلًا ومن يأجوج ومأجوج ألفا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا فقال أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا، فقال: أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة فكبرنا، فقال: وما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود\" (١).\nوذهب بعضهم إلى أن الزلزلة قبل هذا الموعد، وأظن أننا أكثر ميلًا إلى ترجيح هذا القول لما يأتي:\n١ - لأن الحديث الذي استشهدوا به ليس نصًّا فيما نحن بصدده.\n٢ - لأن الزلزلة هي ما يصيب الناس من صعق وفزع، أما بعد قيام الناس لرب\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب قصة يأجوج ومأجوج.","vol":"1","page":378},{"text":"العالمين وبدء الحساب فيكون كل شيء انجلى خبره، نسأل الله أن يعيننا ويسلمنا في هذا اليوم العظيم.\n* الآية الثانية: قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج: ٣] ثم قال تعالى بعد ذلك ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: ٨].\nذهب بعض المفسرين إلى أن صدر الآية الثانية تأكيد لصدر الآية الأولى فهما حديث عن صنف واحد، وذهب بعض المحققين من المفسرين إلى غير هذا، فقالوا إن الآية الأولى تتحدث عن الأتباع والمستضعفين الذين رضوا في هذه الحياة أن يعطوا من أنفسهم الدنية، وأن يكونوا أذلاء، وأما الآية الثانية فتتحدّث عن المستكبرين، ولعل هذا القول حريّ بالقبول جدير بالترجيح للأسباب الآتية:\n١ - لأنه جاء في خاتمة الآية الأولى قوله سبحانه ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ فهو متبع إذن لا يلوي على شيء من الرأي.\n٢ - جاء عقب الآية الثانية قوله سبحانه: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فهو يصعر خدّه، ويرى أن له على غيره من الناس فضلًا.\n* الآية الثالثة: قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج: ٤] اختلفوا هنا في مرجع الضمائر، فبعضهم رجع بعضها إلى الشيطان، فقال: كتب عليه أي على الشيطان المريد، فان هذا الشيطان المتبع -بفتح الباء- يضل المتبع -بكسر الباء- ويهديه إلى عذاب السعير.\nوآخرون رجعوا الضمير الأول إلى المتبع بكسر الباء ولا أرى ثمرة ذات شأن لهذا الخلاف لذا قصرت القول فيه.\n* الآية الرابعة: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥].\nذكر الإمام الطبري -﵀- أقوالًا ثلاثة للعلماء في معنى المخلقة وغير المخلقة.","vol":"1","page":379},{"text":"الأول: المخلقة ما كان خلقا سويًّا، وغير المخلقة ما دفعته الأرحام قبل أن يكون خلقًا.\nالثاني: المخلقة التامة، وغير المخلقة غير التامة.\nالثالث: المخلقة هي المصورة، وغير المخلقة غير المصورة.\nورجح -﵀- هذا الأخير، وحجته أنه بعد أن تتخلق المضغة وقبل أن تكون عظامًا تصور، فما صورت هي التي يتم خلق الإنسان منها، وما لم تصور تسقط غير مستفاد منها.\nوهذه الأقوال الثلاثة متقاربة، وأصحاب هذه الأقوال متفقون على أن هذه المضغة قسمان، هناك مضغة مخلقة، وهي التي يتم منها خلق الإنسان، والقسم الثاني: مضغة غير مخلقة وهي التي تتلاشى قبل أن تخلق عظامًا، ولكنّ العلماء -بعد أن علّم الله الإنسان في هذا العصر من أحوال الأجنة ما لم يكن يعلم- ذهبوا مذهبًا آخر، فقالوا إن المخلقة وغير المخلقة قسم واحد كما تقول هذا الكتاب ممتع وغير ممتع، فهو ممتع بما فيه من قصص مفيدة، وغير ممتع بما فيه من حشو وألغاز، قالوا وكذلك مخلقة وغير مخلقة، فهي مخلقة من جهة، لأنها تظهر فيها بعض أعضاء الإنسان بالمجهر، ولا يظهر فيها بعضها الآخر، وأثبتوا ذلك بالصور التي لا تدع مجالًا لمرتاب، ويقيني أن هذا ما يرشد أليه النظم القرآني، لأن الله يمتن على الناس بأنه خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، إذن الناس جميعًا الذين شاء الله لهم أن يعيشوا في هذا الكون خلقوا من مضغة مخلقة وغير مخلقة، فلو كانت المضغة غير المخلقة هي التي سقطت وتلاشت، لا يقال إنا خلقناكم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، وإنما الخلق كان من المخلقة فحسب، ولو كان ذلك كذلك لبينه الكتاب الذي فيه تبيان كل شيء؛ لذا أختار ما وصل إليه العلم الحديث، وجل الله القائل ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾.","vol":"1","page":380},{"text":"* الآية الخامسة: قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج: ١٥].\nالمعنى الإجمالي للآية الكريمة: أن من ظنّ أن الله لن يبلغه ما يصبو إليه فليأت بحبل يربط به نفسه، ثم يربطه بمكان عالٍ مرتفع، ثم ليقطع هذا الحبل، وليقض على نفسه، فإنه لن يُذهِب كيدُه غيظَه، وإنما ضرّ نفسه ليس إلا.\nوقد اختلف المفسرون في هذه الآية في أكثر من موضع، ولكن أشهر الخلافات كان في مرجع الهاء في قوله تعالى: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ فبعضهم رجع هذه الهاء إلى النبي -ﷺ- ومعنى الآية عنده، من كان يظن ألن ينصر الله نبيه فليفعل ما يشاء، وليشنق نفسه، فإن الله ناصر نبيه -ﷺ-، واختار هذا المعنى الإمام الطبري.\nودذهب آخرون إلى أن الهاء ترجع إلى الشخص المتحدث عنه، إلى (من)، أي أيها الإنسان الذي يظنّ أن الله لن يبلغه ما يريد وعز عليه هذا ليفعل بنفسه ما يشاء.\nوالاختلاف الثاني في قوله تعالى (ينصر) فبعضهم حمل النصر على حقيقته المعروفة وبعضهم فسره بالرزق، قال ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ أن لن يرزقه.\nوالاختلاف الثالث: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥] اختلفوا في المقصود بالسماء، فقال بعضهم هي السماء المعروفة، وبعضهم قال: سقف البيت، وهذا خلاف لا يترتب عليه كبير فائده. وقد حاول ابن جرير -﵀- بقوة عارضته وسطوع حجته أن ينتصر للقول الأول، وهو أن المقصود الرسول -ﷺ-، ولكن الذي يرجحه سياق الآيات، وقاله أكثر المحققين، وهو الذي يستحق الترجيح -مع اعتذارنا لابن جرير- هو أن الضمير في قوله (ينصره) يرجع إلى الشخص نفسه؛ لأن الرسول -ﷺ- لم يُتحدث عنه في الآيات الكريمات، ولأن الحديث قبل هذه الآية الكريمة عن الذي يعبد الله على حرف ويدعو من دون الله ما لا يضره ولا ينفعه. هذا الذي يترجح في فهم الآية الكريمة.","vol":"1","page":381},{"text":"أما معنى النصر، فلا أرى أن يخصص بالرزق وحده، وإنما يُعنى به بلوغ الأماني، وقد ورد النصر في القرآن الكريم، في غير منازلة الأعداء في ساحات الحرب، قال تعالى في شأن سيدنا نوح ﵇: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧] ومعلوم أنه لم يكن بينهم حرب، وهكذا نرجح أنَّ معنى الآية:\nأيها الإنسان الذي يظن أن لن يعطيه الله ما يشاء وما يطلب، فلتمدُدْ بسبب ... إلى آخر الآية والله أعلم بما ينزل.\n* الآية السادسة: قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَال وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج: ١٨].\nاختلفوا في كيفية العطف، لأن سجود الشمس والقمر والنجوم والدواب، يختلف عن سجود الإنسان، لأن سجود الإنسان باختياره، أما سجود تلك فانقيادها إلى ما أمر الله، فكيف يعطف بعضها على بعض، مع أن سجودها مختلف؟\nفذهب بعضهم إلى أنه يمكن حمل اللفظ أي حمل السجود على الحقيقة والمجاز، ولكن الزمخشري -﵀- جعله من عطف الجمل لا من عطف المفردات، والمعنى عنده: ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم الجبال والشجر والدواب ويسجد له كثير من الناس، فهو من عطف جملة على جملة، أي يسجد له الشمس ... الخ ويسجد له كثير من الناس، وهو توجيه حسن يفطن له مثل جارِ الله.\n* الآية السابعة: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥] فعل الإرادة يتعدى بنفسه يقال: أردت الخير، وفي غير القرآن يقال: ومن يرد إلحادًا، ولكن مجيء النظم هكذا في كتاب الله، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾","vol":"1","page":382},{"text":"قالوا لأن الفعل (يُردْ) هنا ضُمّن معنى الهمّ. بيان ذلك، أن الله لا يؤاخذ عباده إذا همّوا بسيئة، أي إذا أرادوا فعلها ولم يفعلوها، أما في البيت الحرام الذي تضاعف فيه الحسنات، فقالوا إن الإنسان مؤاخذ فيه بهمّه، فمن همّ بسيئة في غير مكة لا يؤاخذ عليها، بل تكتب له حسنة إن لم يعملها أما إذا همّ في البيت الحرام بمعصية، فإنه يؤاخذ على همّه وإن لم يعمل ما همّ به.\n* الآية الثامنة: قال تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨].\nومع اختلافهم في تحديد هذه المنافع، إلا أنها تجمع خيري الدنيا والآخرة.\n* الآية التاسعة: قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: ٢٨].\nبعضهم ذهب إلى أن الأيام المعلومات هي أيام التشريق، والذي اختاره ابن جرير والأكثرون أن الأيام المعلومات هي العشر من ذي الحجة، وأما أيام التشريق فهي المعدودات قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣].\n* الآية العاشرة: قال تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣].\nقال بعضهم: العتيق هو القديم؛ لأنه أول بيت وضع للناس، وقال بعضهم: الكريم وقال: آخرون: العتيق الذي أعتقه الله من ظلم الجبارين، وهي معانٍ متقاربة، إلا أن العرف يرجح الأول.\n* الآية الحادية عشرة: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].\nوسواء كانت الشعائر هي بعض أعمال الحج، أم كانت الذبائح، فإن ذلك كله محتمل قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] فقد تطلق الشعائر ويراد بها كل ما ذكر مما يعمله الحاج.","vol":"1","page":383},{"text":"وهكذا اختلافهم في المنافع في قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٣٣] يرجع فيها إلى معنى الشعائر، فإن قلنا إن الشعائر هي الذبائح، فتكون المنافع هي ركوبها وحلبها، وإن قلنا إن الشعائر هي أعمال الحج، فالمنافع هي ما يبتغيه الإنسان من أجر الدنيا والآخرة.\n* الآية الثانية عشرة: قال تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦].\nومع اختلافهم في معنى القانع اختلافًا كثيرًا، إلا أن أرجح الأقوال أن القانع السائل، والمعتر الذي لا يسأل، وهذا ما رجحه كثير من العلماء، ومما قالوه في هذا: العبدُ حر إن قَنِع، والحر عبد إن قَنَعَ، فهناك قَنِع بكسر النون على وزن شرِب، وهناك قَنَع بفتحها على وزن فَتَح، فالأول من القناعة ولهذا قالوا العبد حر إن قنِع، أي إن العبد إذا لم يسأل فأخلاقه أخلاق الحر، والحر عبد إن قنَع بفتح النون، أي إذا سأل، فإن ذلك ينزله إلى مرتبة العبد، لأن السؤال لا يليق بذوي الكرامات.\n* الآية الثالثة عشرة. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧].\nاختلفوا في هذا اليوم فبعضهم جعله من أيام الدنيا مستدلًا بقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥].\nوبعضهم جعله من أيام الآخرة، ولعشاق التفسير العلميّ رأي آخر، والأولى أن نبقي تفسير مثل هذه الآيات على ما هو عليه والله أعلم بما ينزل.\n* الآية الرابعة عشرة: قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾ [الآيات: ٤٢ - ٤٤].","vol":"1","page":384},{"text":"اختلف المفسرون في السر في مغايرة النظم، حيث قال سبحانه ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ ولم يقل \"قوم موسى\" ومن هم المكذبون؟\nذكر بعض المفسرين أن المكذب له ﵊ القبط، وليسوا قومه، فإن قومه وهم بنو إسرائيل لم يكذبوه بأسرهم، ومن كذبه منهم تاب إلا اليسير، وتكذيب اليسير من القوم كلا تكذيب، ولم يأت النظم (كذب موسى القبط) بل جاء الفعل (كذب) مبنيًّا للمجهول فللإيذان بأن تكذيبهم له ﵊ في غاية الشناعة لكون آياته في كمال الوضوح (١).\nإن التغير في النظم (كذبت قوم نوح ... وكذب موسى) يبدو -والله أعلم- لأمور عدة:\nالأول: ما ذكره أبو السعود من أن موسى ﵇ أعطي من الآيات الكثيرة الواضحة، فتكذيبها مع كثرتها ووضوحها أشنع وأبشع.\nالثاني: البيان أن سيدنا موسى ﵊ بعث لفئتين متناقضتين من الناس، هما:\n١ - الفئة المستبدة الظالمة وهم قوم فرعون.\n٢ - الفئة المستضعفة الذليلة وهم بنو إسرائيل.\nفلو قال سبحانه (قوم فرعون) وحدهم لا يكفي، ولو قال (قوم موسى) وحدهم لا يكفي، فجاء النظم هكذا بـ (كذب) ليفي بالغرض المطلوب وليشمل المقصود وهم قوم فرعون وقوم موسى معًا.\nالثالث: لبيان المعاناة الشديدة التي لاقاها سيدنا موسى ﵊ في دعوته -فلم يرسل إلى قوم فرعون وحدهم، ولا إلى بني إسرائيل فحسب،\n_________\n(١) روح المعاني (١٧/ ١٦٥).","vol":"1","page":385},{"text":"بل إليهما معًا، ومن هنا فقد لقي من العنت ﵇ ما لقي، فجاء التعبير القرآني هكذا ليعطي هذا المعنى النفيس، وهذه الدرر الغالية.\n* الآية الخامسة عشرة:\nقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الآية: ٥٢].\nوالتمني على ما قال أبو مسلم: نهاية التقدير، ومنه المنيَّة وفاة الإنسان للوقت الذي قدره الله تعالى. والأمنية كما قال الراغب: الصورة الحاصلة في النفس من التمني، وقال بعضهم التمني القراءة، وكذا الأمنية.\nوقد ربط بعض المفسرين بين هذه الآية وقصة الغرانيق، وفسروا التمني في الآية بالقراءة، وقصة الغرانيق ملخصها أن الرسول -ﷺ- كان يقرأ سورة النجم عند الكعبة، فلما بلغ قوله سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ [النجم: ١٩ - ٢٠] ألقى الشيطان في كلامه: (وإنها لهي الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) ففرح المشركون بهذا الوصف لهذه الأصنام الثلاثة اللات والعزى ومناة، ووصفها بالغرانيق العلى، وبأن شفاعتها ترتجى، فلما بلغ آخر السورة وهي قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: ٦٢] سجد، فسجد المؤمنون والمشركون معه جميعًا.\nوهذه الرواية يجعلونها تفسيرًا للآية الكريمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ ...﴾ ولقد وقف الأئمة قديمًا وحديثًا من هذه القصة موقف التمحيص وبينوا فسادها من جهة النقل ومن جهة العقل:\n- أمّا من جهة النقل، فإن هذه الرواية لم ترو في كتب السنة المعتد بها بأسانيد صحيحة أو مقبولة، ولا عبرة في نقلها من قبل بعض القصاص والمفسّرين الذين يولعون بنقل الأقاصيص والحكايات الغريمة دون تمحيص أو تثبت.","vol":"1","page":386},{"text":"وأما من جهة العقل، فأولًا: إن هذا لو صح لتمسك به المشركون أعداء الإسلام في ذلك الوقت، ولكان له ردة فعل سيئة عند بعض المسلمين.\nثانيًا: إن كلمة الغرانيق مما لم يستعمله العرب وصفًا لآلهتهم شعرًا أو نثرًا، مما يجعلنا نجزم أن هذه الفرية لفقت فيما بعد.\nثالثًا: إن ما قبل هذه الآية وما بعدها فيه موقف حازم من قضية الأصنام، ومن أنها تخلق مجردة من الحياة: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل: ٢١] فأي عاقل، بل أي عقل يمكن أن يصدق بهذه الحكاية التي ودت بحزم في جميع آي القرآن؟\nرابعًا: إن شخصية النبي -ﷺ- كانت شخصية متوازنة كل التوازن، وبخاصة في قضايا الوحي، وقد عُرضت عليه حوادث لم يقطع ميها حتى نزل عليه الوحي، وإذا اجتهد في بعض هذه الحوادث كان ينزل عليه الوحي ليصحح له ويبين وجهة الحق؛ كما في قصة المجادلة.\nخامسًا: هذه العبارة (عبارة الغرانيق) إما أن يكون النبي -ﷺ- قد قالها، وإما أن يكون الشيطان هو الذي نطق بها كما تحكي الروايات، وكلتا الروايتين مرفوضة، أما الاحتمال الأول فلأن النبي -ﷺ- نفسه كما جاء في مواضع كثيرة من القرآن لا يملك لنفسه شيئًا، ولو شاء الله ما تلا شيئًا من هذا القرآن قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ [يونس: ١٦] بل إن القرآن نفسه يقرر أنه رحمة وفضل من الله، وأنهم يكادون يفتنونه عن بعض ما أوحي إليه، ولكن الله يثبته قال الله مبينًا ذلك: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ [الإسراء: ٧٣].\nأما الاحتمال الثاني فهو أكثر بعدًا عن المنطق والواقع، فالقرآن بعيد أن يحوم حوله شيطان فالقارئ أول ما يقرأ القرآن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وهم لا يستطيعون ذلك أبدًا، والقرآن يبين هذه الحقيقة واضحة قال تعالى: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].","vol":"1","page":387},{"text":"وأخيرًا فإن هذه الأحدوثة لم تعرف إلا في زمن متأخر، ويمكن الجزم بأنها من وضع الزنادقة في عصر متأخر، إن ما ادعوه مناف كل المنافاة لعصمة الأنبياء، والعصمة من المبادئ البدهية التي يتفق عليها العقل والنقل على السواء. ثم هي مختلفة الاختلاف كله عن البيان القرآني، ويدل على ذلك تلك الروايات المضطربة الظالمة فتارة يقولون: وهي الغرانيق العلى وتارة: الغرانقة العلى. وتارة شفاعتهن لترتجى، ولا ندري كيف يمكن أن يجمع بين قوله سبحانه: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: ٢٢ - ٢٣] وبين هذه الفرية فكيف ترتجى شفاعة هذه الأحجار، وما هي إلا أسماء بدون مسميات ما أنزل الله بها من سلطان! (١).\n* الآية السادسة عشرة: قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج: ٥٦].\nأي السلطان القاهر والاستيلاء التام والتصرف المطلق لله وحده بلا شريك.\n\n\"يَوْمَئِذٍ\" قال الزمخشري، هذا التنوين عوض عن جملة، فهو يدل على غاية زوال المرية فتقدير الجملة: الملك يومئذْ تزول مريتهم (٢) ويؤمنون، لأنهم ما داموا في مرية في الدنيا فستزول هذه المرية يوم القيامة، ويؤمنون، ولن ينفعهم إيمانهم.\nولكن أبا السعود لم يقبل قول الزمخشري، وجعل التنوين عوضًا عن شيء آخر هو الساعة، التي هي مدار الحكم، فالحديث يدور على إتيان الساعة وظهور الملك الحق لله ﷿، والمعنى: يومئذْ تأتي الساعة، ويثيب الله الطائعين ويعاقب العاصين.\nقال أبو السعود: (وليس التنوين نائبًا عما تدل عليه الغاية من زوال مريتهم كما قيل، ولا عما يستلزمه ذلك من إيمانهم كما قيل، كما أن القيد المعتبر مع اليوم\n_________\n(١) راجع كتابنا قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية نقض ورد ص (٣١٤).\n(٢) فالآية السابقة: ﴿وَلَا يَزَال الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [الحج: ٥٥].","vol":"1","page":388},{"text":"حيث وسط بين طرفي الجملة يجب أن يكون مدارًا لحكمها، أعني كون الملك لله ﷿ وما يتفرع عليه من الإثابة والتعذيب، ولا ريب في أن إيمانهم أو زوال مريتهم ليس ممّا له تعلق ما بما ذكر، فضلًا عن المدارية له، فلا سبيل إلى اعتبار شيء منهما مع اليوم قطعًا) (١).\n* الآية السابعة عشرة: قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج: ٦٣].\nالنحويون مجمعون على أن الفعل المضارع يجب نصبه في مواضع منها أن يأتي بعد الاستفهام تقول لمن لم يستفد من تعليمك إيّاه: ألم أعلمك فتستفيد، ولمن أنعمت عليه فلم يقابل نعمتك بالشكر: \"ألم أنعم عليك فتشكرَ\" بنصب هذين الفعلين (تستفيد وتشكر).\nلكن ما في الآية الكريمة جاء على خلاف هذه القاعدة، فالقراء مجمعون على رفع الفعل المضارع (تصبح)، وهذا يبين لنا عناية العلماء وهم يقفون أمام آي القرآن الحكيم ليبينوها للناس، قالوا إن الفعل المضارع إنما ينصب بعد الاستفهام إذا كان نتيجة له أو فرعًا عنه هذا أولًا.\nوثانيًا: إن الفعل الذي دخل عليه الاستفهام ينبغي أن يكون سببًا للفعل الذي بعده كالمثالين السابقين، فكان ينبغي أن تكون الإفادة مسببة عن العلم، والشكر مسببًا عن الإنعام، فالنعمة سبب الشكر، والتعليم سبب الإفادة.\nلكن ما في الآية الكريمة ليس من هذا القبيل، فكون الأرض مخضرة ليس مسببا عن الرؤية، ولنتدبر الآية الكريمة مرة أخرى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣] فالفعل الذي دخل عليه الاستفهام قوله سبحانه (تر) وهذه الرؤية لا يمكن أن تكون سببًا في اخضرار الأرض، إنما السبب\n_________\n(١) (٤/ ٢٨).","vol":"1","page":389},{"text":"فيها إنزال الماء ثم إنه لو نصب الفعل المضارع (تصبح) لتغير المعنى تغيّرًا تامًّا وهذه دقيقة من الدقائق حيث يصير المعنى: إن الأرض غير مخضرة.\nوما أجمل كلمة الزمخشري -﵀- \"فإن قلت: فما له رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام؟ قلت: لو نصب لأعطى عكس الغرض لأن معناه إثبات الاخضرار فينقلب بالنصْب إلى نفي الاخضرار، مثاله أن تقول لصاحبك: ألم تر أني أنعمت عليك فتشكر، إن نصبت فأنت نافٍ لشكره شاكٍ تفريطه فيه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر. وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإعراب وتوقير أهله\" (١).\n* الآية الثامنة عشرة: قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [آية: ٧٨].\nاختلفوا في مرجع الضمير، فذهب الأكثرون إلى أن المقصود به هو اسم الجلالة، مستدلين بقراءة شاذة (الله سماكم المسلمين) وذهب بعضهم إلى أن مرجعه أبونا إبراهيم -ﷺ-، وهذا القول رجحه أبو حيان في البحر المحيط.\nوعندما نوازن بين القولين، يبدو لنا -والله أعلم بما ينزل- أن الضمير يرجع إلى أبينا إبراهيم -ﷺ-.\nأما أولًا: فلأن ما استدلوا به من القراءة لا يصلح مرجحًا.\nوأما ثانيًا: فلأنه لو كان الضمير يرجع إلى اسم الجلالة، لكان مجيء النظم على غير ما جاء عليه في الآية الكريمة؛ فلقد ذكر الضمير المنفصل في الآية الكريمة مرتين أولًا في قوله ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾، وهذا الضمير لا خلاف في رجوعه إلى الله ﵎. والثاني ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهذا الذي اختلف فيه فلو كان مرجع الضميرين واحدًا لقيل (هو اجتباكم\n_________\n(١) الكشاف (٣/ ٢١).","vol":"1","page":390},{"text":"وسمّاكم)، أو (هو اجتباكم وهو سماكم) أما مجيء النظم على ما هو عليه فإنما يرجح ما ذهب إليه أبو حيان.\nثالثًا: إن الاجتباء من الله تعالى وحده، فهو الذي اجتبى إبراهيم، ومن خصهم سبحانه باجتبائه، ولقد جاء هذا في آيات كثيرة. قال تعالى: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] وقال تعالى: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] أما التسمية فيمكن أن تكون من غير الله تعالى فتكون من أبينا إبراهيم، وتكون هذه منقبة لأبينا إبراهيم ﵊.\nرابعًا: قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨].\nخامسًا: وصف الله خليله إبراهيم بالإسلام في آيات كثيرة: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] فإذا أضفنا إلى هذه كلها رجوع الضمير إلى أقرب مذكور، فإنه يترجح رجوع الضمير إلى الخليل -ﷺ-، والله أعلم بما ينزل.","vol":"1","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الخاتمة</span>\nبعد هذه المسيرة الطيبة التي عطرنا فيها أنفاسنا وألسنتنا، بعد هذا التطواف مع ما بذله المفسرون لتنقية التفسير من كل ما لا يليق بكتاب الله تعالى نستطيع أن نقرر الحقائق التالية:\nأولًا: بذل المفسرون كل ما مُنحوه من طاقات، وأنفقوا كلّ ما عندهم من أوقات لتجلية المعنى الذي يتفق مع جلال الآيات الكريمات، والمفسرون ليسوا سواءً، فمنهم المحقق المدقق الذي لا يكتفي بنقل الأقوال وعَدِّها، بل يناقش كل قول ليعرضه على المعقول والمنقول، وهؤلاء قد يذكرون الأقوال الغريبة، من أجل أن يردوها وينبهوا على بطلانها، فمن ذلك مثلا ما نقله بعضهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب: ٢٧] قالوا إن المقصود بقوله ﴿أَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ النساء، وهذا قول يرده الحق والمنطق كما ترى.\nومن ذلك ما قاله بعضهم في تفسير قوله تعالى: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ [ص: ٧٥] حيث قال \"أم كنت من الملائكة الذين علت أقدارهم، والذين لم يؤمروا بالسجود لآدم، لأن الملائكة الذين أمروا بالسجود لآدم هم قسم من الملائكة، ولكن هناك قسمًا آخر هم أرفع شأنًا وأعلى منزلة من غيرهم من الملائكة لم يؤمروا بالسجود لآدم.\nوقد تجد في طريقك وأنت تقرأ في كتب التفسير ما يشبه هذين القولين، لكنك -والحمد لله- ستجد الردّ الحاسم على مثل هذه الأقوال وما يشبهها مما هو دخيل على التفسير.","vol":"1","page":392},{"text":"ثانيًا: رأينا أن اختلافات المفسرين كلها أو جلَّها ترجع إلى إعمال الرأي ويذل الطاقة والاجتهاد في فهم الآية الكريمة، وقد تذكر أقوال كثيرة تكون كلها محتملة في تفسير الآية، صحيح أن هناك اختلافات ترجع إلى اللغة أو تعدد القراءات المتواترة، لكن هذا القسم قليل إذا قيس مع ما هو ناشيء عن الاختلاف في الرأي والاجتهاد، والأمر الذي ينبغي أن نؤكده هنا أننا لن نجد اختلافًا عند المفسرين يرجع إلى الحديث النبوي الصحيح؛ ذلك لأنه إذا صح الحديث عن سيدنا رسول الله -ﷺ- فليس من الممكن أن يناقضه حديث صحيح آخر، حتى ما روي عن الصحابة وصح عنهم فإنه لا يتناقض كذلك، نعم قد تصح أكثر من رواية عن الصحابة أو عن أحد منهم، لكن يمكن الجمع بينها، ففي قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠].\nروي عن ابن عباس -﵄- أن السماوات والأرض كانتا كتلة واحدة ففتقهما الله تعالى وفصل كل واحدة عن الأخرى، وهناك رواية أخرى عنه أن السماوات كانت رتقًا ففتقها الله بالمطر، وأن الأرض كانت رتقًا ففتقها الله بالنبات.\nوالروايات الكثيرة التي رويت عن الصحابة والتابعين جُلُّها كان الاختلاف فيها اختلاف تنوع، بمعنى أنه يمكن الجمع بينها كلها، وقد أشرت إلى هذه الحقيقة من قبل.\nوهكذا ندرك أن أكثر الاختلاف ناشئ عن الرأي والاجتهاد المبنيين على أسس صحيحة، فليس كل صاحب رأي يقبل رأيه، وليس كل من ادعى الاجتهاد يسمى مجتهدًا، وللشافعي رحمه الله تعالى ورضي عنه في الرسالة كلام عال في هذا الموضوع ولمن بعده من العلماء كذلك.","vol":"1","page":393},{"text":"ثالثًا: ينتج مما تقدم أننا لسنا ملزمين بكل ما جاء في كتب التفسير وأقوال المفسرين.\nوليس كل خلاف جاء معتبرًا ... إلا خلافًا له حظ من النظر\nولذا نجد بعضهم يرد أقوال بعض، فقد يرجح قول كان مرجوحًا عند كثير من المفسرين وقد يفتح الله لمتأخر ما لم يفتح به لمتقدم، فكتاب الله لا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنقضي عجائبه.\nولقد رأينا فيما قررناه من قبل أن هناك أقوالًا نقلها الأئمة ذوو الشأن كانت غير جديرة بالقبول، مثل تفسيرهم قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم: ١٨] في سورة القلم أي (لم يقولوا إن شاء الله).\nرابعًا: قد يعرض لبعض الناس نقبة من فكر تدور بخلده فتشغل فكره أو تزيده حيرة وهي: كيف يختلف الناس في تفسير كتاب الله وهو بيِّن يسره الله للذكر، وأنزله بلسان عربي مبين، أليس هذا الاختلاف ظاهرة غير صحية ولا صحيحة؟ ثم أليس من الأجدى أن تكون الآراء في كتاب الله واحدة، ليس فيها هذا التنازع والتعارض؟\nوكي نجيب عن هذا التساؤل إجابة دقيقة، حبذا أن نسترجع ما ذكرنا من أسباب اختلاف المفسرين وأن نسترجع الآيات التي اختلف فيها كذلك وسنجد أن هذا الاختلاف كان أمرًا إيجابيًا فيه ثراء للفكر وإغناء للمعنى، فيه حركة عقلية دؤوب، تفتر لك عن آراء وتكشف لك عن معانٍ وترتفع بك من السطحية، وتسمو بك. يقول البيضاوي \"محتملات لا يتضح مقصودها لإجمال أو مخالفة ظاهر إلا بالفحص والنظر ليظهر منها فضل العلماء ويزداد حرصهم على أن يجتهدوا في تدبرها وتحصيل العلوم المتوقف عليها استنباط المراد بها فينالوا بها وبإتعاب القرائح في استخراج معانيها ... معالي الدرجات\" (١). هذه واحدة.\n_________\n(١) تفسير البيضاوي (١/ ٦٣).","vol":"1","page":394},{"text":"أما الثانية فإننا إذا استعرضنا اختلافات المفسرين وجدناها بعيدة عن الأمور المجمع عليها في العقيدة والأحكام والأخلاق والقضايا المقطوع بها من أمور الكون والتاريخ بل هي خلافات فرعية تَصلح وتُصلح، وقد مرّ معنا آيات كثيرة مما اختلف فيه المفسرون، ليس فيها ما يناقض بعضه بعضًا أولًا، بحيث يدعو بعضها إلى حق وآخر إلى غيره، بل ليس فيها ما ينصر مذهبًا على مذهب من مذاهب الحقّ، إنها اختلافات في أمور مما يختلف فيه ذوو العقول الصحيحة، على أن هناك خطوطًا لا يمكن أن يتجاوزها أحد، إنها اختلافات ذات جدوى فكرية واجتماعية، وكلّ قول يتناقض مع هذه الأساسيات مرفوض مردود؛ لأن القرآن الكريم ليس فيه اختلاف قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] فنحمد الله أن جعلنا من أهل القرآن وصلى الله وسلم على نبي الهدى سيدنا محمد الذي أنزل الله عليه القرآن كتابًا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله وعلى آله وصحبه والتابعين، وجزى الله أئمتنا الذين أنفقوا ما منحهم الله أوقاتًا وأقواتًا في خدمة هذا الدين كتابًا وسنة، ونسأل الله أن يجعلنا منهم إن ربي قريب مجيب، إن ربي رحيم ودود، إن ربي سميع الدعاء، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>الباب الثالث اتجاهات التفسير</span>\nوفيه ستة فصول:\nالفصل الأول: الاتجاه البياني.\nالفصل الثاني: الاتجاه الفقهي.\nالفصل الثالث: الاتجاه العقدي.\nالفصل الرابع: الاتجاه العلمي.\nالفصل الخامس: الاتجاه الموضوعي.\nالفصل السادس: التفسيرات المنحرفة.","vol":"1","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-164>تمهيد:</span>\n﴿وَقَالوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١].\nحقًّا إنه آيات متعددة يجد كل باحث فيها بغيته وحاجته، فإذا وقف رجل البيان أمامها، يستجلي صورها التعبيرية وتراكيبها، وخصائص هذا التركيب، وجد معانيها تنساب كأنها جدول عذب يترقرق، وألفاظها تتسق كأنما هي نغمات عذبة تتدفق حيوية وجمال إيقاع. وإذا وقف أمامها عالم الفقه أو الاجتماع ليستجلي ما فيها من حكم وأحكام، وجد النظام البديع والقيم الإنسانية الخالدة، والأحكام التي لا يصلح النوع الإنساني إلا حينما يعيش في ظلالها، وإذا وقف أمامها الفيلسوف ورجل العقيدة وعالم الأخلاق والباحث في أسرار الكون، فإنها تمد هؤلاء جميعًا بقواعد مما يطلبون، أقصى مما تصل إليه نتائج أبحاثهم القائمة على أساس من البحث العلمي والمنطق الفلسفي، أما إذا أراد أن يعالجها من يتلمس فيها عوجًا ويتصيد مطعنًا، فإنه يرد خائبًا مدحورًا، ويرجع بخفي حنين خاسئًا وهو حسير.\nوسأحاول إن شاء الله في هذا الباب أن أتتبع النص القرآني في تلك الجهود المختلفة التي بذلها أصحابها، وهم يستخرجون كنوزه، ويفجرون عيون ماء الحياة منه، ليرتووا ويرووا صدى النفوس، وظمأ الأفئدة. وبهذا يتسنى لنا، أن نتعرف على تلك القيم الأدبية والفقهية والعقدية التي تكمن في النص القرآني، كيف لا وهو كتاب الإنسانية الخالد. كما سأعرض كذلك إلى هؤلاء الذين أرادوا أن ينحرفوا بالنص القرآني عن مداره، ويخرجوه عن مساره فأبى عليهم، واستعصى دون ما أرادوه، ولن يستقيم ذلك أبدًا. ذلك أن النص القرآني في فلكه العلوي، يربأ عن التبديل في لفظه ومعناه، وماذا يكون حال الحياة إذا غير فلك من أفلاكها","vol":"1","page":399},{"text":"طريقه المستقيم؟ إنها الطامة إذن، وكذلك شأن هذا القرآن، الذي هو كما يقول الرافعي ﵀ (آيات منزلة من حول العرش، فالأرض بها سماء هو منها كواكب) (١).\nوسيكون هذا الباب فصولًا أخصص لكل اتجاه فصلًا فأبدأ بالاتجاه البياني فالاتجاه الفقهي الذي يشمل التشريعات السياسية والاجتماعية. وأما الفصل الثالث فأخصصه للاتجاه العقدي، وأفرد الاتجاه العلمي بفصل رابع، ويبقى الاتجاه الموضوعي فأجعله في فصل يلي ذلك. وأخصص الفصل السادس والأخير للتفسيرات المنحرفة، والشبهات التي أطلقها أعداء هذا القرآن حقدًا وبهتانًا. والله أسأل أن يرزقني توفيقًا في البحث من لدنه، وأن يفتح لي أبواب رحمته وفضله، وهو حسبي ونعم الوكيل.\n_________\n(١) إعجاز القرآن ص ٩ الطبعة الثانية.","vol":"1","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>الفَصْلُ الأوّل الاتجاه البيانيُّ</span>\n﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥].\nسأعرض في هذا الفصل للموضوعات التالية:\nأولًا: خصائص القرآن.\nثانيًا: تطور الدراسة البيانية للقرآن.\nثالثًا: جهود اللغويين والنحويين وعلماء البيان.\nرابعًا: تصحيح أخطاء بعض الباحثين في هذا المضمار.\nخامسًا: مدرسة الشيخ محمد عبده وأثرها في الاتجاه البياني.\nسادسًا: دراسات متخصصة في هذا الاتجاه.\nسابعًا: كلمة أخيرة عن البيان القرآني.\nثامنًا: رد افتراءات على البيان القرآني.","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>المبحث الأول خصائص القرآن الكريم</span>\nنزل القرآن على سيدنا محمد عليه وآله الصلاة والسلام ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ولكنه يختلف عن الكتب التي سبقته، ذلك أن كل نبي ممن أنزل عليهم كتبًا، كان يؤيد بالمعجزة من أجل أن يصدقه قومه. فسيدنا موسى ﵊ أنزلت عليه التوراة كتابًا له يهتدي به قومه، أما معجزته فكانت شيئًا آخر: العصا واليد، وكذلك سيدنا عيسى ﵊، أعطي الإنجيل ومعه من المعجزات ما معه، لكن انفرد الكريم كان الكتاب والمعجزة معًا.\nمن هنا كان لهذا القرآن خصائص، انفرد بها. فهو مع خلوده كتاب سماوي ومعجزة. ولقد نزل القرآن والعربية في أوجها قد اكتملت بيانًا، وبلغ العرب رشدهم اللغوى. من دقة في التعبير واختيار للألفاظ وتأثر بالفصيح من القول، يدلنا على ذلك تلك المساجلات النقدية التي كانت تعقده لها الندوات في الأسواق العامة والمنتديات الخاصة. وخبر حسان والخنساء خير دليل على ذلك (١).\nولقد كان طبيعيًا أن يحاول العرلص معارضة القرآن، لأنه زلزل معتقداتهم ونعى عليهم كثيرًا من أعرافهم وسفه أحلامهم، ولكن مع ذلك كله، لم يستطيعوا أن يحوموا حوله بمعارضة، ولا أن يقربوا منه بمناقضة، ووقفوا مشدوهين أعيتهم\n_________\n(١) جاء في إعجاز القرآن للرافعي صفحة ٢٥٥: ألد حسان بن ثابت في سوق عكاظ فقال:\nلنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما.\nولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خالًا وأكرم بنا ابنما\nفقالت الخنساء: ضعفت افختارك في ثمانية مواضع. قال: وكيف؟ قالت: قلت: (لنا الجفنات) والجفنات ما دون العشر، فقللت العدد، ولو قلت: (الجفان) لكان أكثر، وقلت: (الغر) والغرة البياض في الجبهة، ولو قلت (البيض) لكان أكثر اتساعًا. وقلت: (يلمعن) واللمع شيء يأتي بعد الشيء، ولو قلت (يشرقن) لكان أكثر، لأن الإشراق أدوم من اللمعان، وقلت (بالضحى) ولو قلت (بالعشية) لكان أبلغ في المديح، لأن الضيف بالليل أكثر طروقًا، وقلت (أسيافنا) والأسياف دون العشر ولو قلت (سيوفنا) كان أكثر، وقلت (يقطرن) فدللت على قلة القتل ولو قلت (يجرين) لكان أكثر، وقلت دما والدماء أكثر من الدم، وفخرت بمن ولدت ولم تفتخر بمن ولدك.","vol":"1","page":403},{"text":"الحيلة، فبدأوا يتلمسون المطاعن وهم بباطلها موقنون، ويلقون الشبهات وهم بزيفها مقرون، وفي إيرادها مضطربون يدلك على هذا الاضطراب قوله سبحانه: ﴿بَلْ قَالوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]. حيث جاءت كلمة (بل) في مواضع متلاحقة، وفي هذا دليل على تخبط القوم فيما يقولون.\nولقد وقف هؤلاء أمام القرآن يخالف ظاهرهم باطنهم، فبينما مشاعرهم ووجداناتهم تتأثر بالقرآن فيخشون هذا على أنفسهم، نجد ألسنتهم تنهى عنه وتنفر منه ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦].\nولقد بلغ التعبير القرآني شأوا بعيدًا، وهو يصور ما يعانيه هؤلاء من صراع في داخل أنفسهم، حيث يقول: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ (١) [هود: ٢٠]. لقد أثر القرآن فيهم جميعًا، مؤمنهم وكافرهم، فوقفوا جميعًا أمام عذوبته وهيمنته، فآمن من آمن وكفر من كفر. وإسلام سيدنا عمر ﵁، وتفكير الوليد وتقديره، حادثتان مشهورتان.\nوتأتي بعد ذلك مرحلة التحدي ليأتوا لمثل هذا القرآن، فلم يأتوا. ويرخي لهم العنان، وتحدث تنازلات: فليأتوا بعشو سور مفتريات كما يزعمون، وتستمر تلك التنازلات إلى سورة مثله. كل ذلك في مكة، وتأتي المرحلة الحاسمة في المدينة (٢) ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ ولكنهم لم يفعلوا ولن يفعلوا. فما هو ذلك السر الذي حال بينهم وبين ذلك، فتركوا رصف الحروف إلى تقلد السيوف:\nذلك هو البيان القرآني بأوسع تدل عليه تلك الكلمات. فما الخطوات التي تدرج فيها ابتداء من ذلك العصر، مرورًا بما جادت به قرائح المفسرين والباحثين؟ وما الشبهات المثارة حول التفسير التي لو قدر لها أن تحيا في النفوس لا سمح الله، فإنها تأتي على تراث هذه الأمة، وبنيانها البياني والعلمي من القواعد.\n_________\n(١) نلاحظ أن القرآن الكريم نفى استطاعة السمع ولم ينفِ عنهم السمع، فلم يقل \"ما كانوا يسمعون\".\n(٢) راجع مراحل التحدي في كتابنا إعجاز القرآن.","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-167>المبحث الثاني: تطور الدراسة البيانية للقرآن</span>\nبدأت حركة التأليف في المفسير في القرن الثاني الهجري، وبدأ معها جنبًا إلى جنب التفسير اللغوي للقرآن. وليس معنى هذا أن المعاني البيانية في القرآن لم تظهر إلا في هذا الوقت، فالعرب الذين انزل القرآن بلغتهم، كان البيان فيهم سجية ولهم طبعًا. والمطلع على تفسيراتهم يجد أن فيها حظًّا وافرًا من هذا الاتجاه، وعلى سبيل المثال نجد الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، يفسر الرزق بالشكر في قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] (١) وابن عباس ﵄ يقول في قول الله تعالى: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [البقرة: ٢٦٦] إنها ضربت مثلًا. ويقول في قول الله تعالى. ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الحديد: ١٧] (٢)، إن المراد إحياء القلوب (٣) لأن إحياء الأرض معلوم، وهذا سيدنا عمر ﵁ يبين سر الإعجاز في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] يقول لو شاء الله تعالى لقال أنتم فكنا كلنا. ولكن قال: (كنتم في خاصة من أصحاب رسول الله -ﷺ-. ومن صنع مثل صنيعهم) رواه ابن جرير (٤) وابن أبي حاتم، وهذا عروة بن الزبير ﵁ يسأل السيدة عائشة ﵂، عن السعي بين الصفا والمروة، وعما أشكل عليه في ذلك تقول: (لو كان كما قلت، لقال الله تعالى. (فلا جناح عليه ألا يطوف بهما) (٥).\nفنحن نرى من هذه الآثار أن بعضها أشار إلى ناحية النظم، ويعضها أشار إلى الصور البيانية وما تحدث في النفوس من أثر، وهذان البابان أرقى ما تَوَصَّل إليه من دراسة الإعجاز.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي -كتاب التفسير- تفسير سورة الواقعة.\n(٢) جامع الأصول، جـ ٢ ص ٤٥٠.\n(٣) لأن إحياء الأرض بدهي لا يحتاج إلى هذا التأكيد.\n(٤) جـ ٤ ص ٢٩.\n(٥) البخاري جـ ٦ ص ٢٨.","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>المبحث الثالث جهود اللغويين والنحويين وعلماء البيان</span>\nومهما يكن من أمر فإن حركة التدوين اللغوي للقرآن الكريم، واكبت حركة التفسير بالمأثور كما أسلفت، وأول من أسهم في تلك الحركة اللغويون والنحاة، حيث ظهر كتاب (مجاز القرآن) لأبي عبيدة. ويظن السامع لأول وهلة أن هذا الكتاب يعالج المجاز الذي اصطلح عليه علماء البيان فيما بعد، ولكن من يقرأ الكتاب يدرك أن مؤلفه لم يقصد هذا، بل قصده الطريق الذي ينبغي أن يسلك لنتبين منه معنى الآية، من قولهم جزت الشيء أو جزت الطريق هو انتقال من اللفظ إلى المعنى، وظهر كتاب (معاني القرآن) للفراء. والفراء كما نعلم من أئمة النحو الكوفيين. ولقد ظهر ذلك الطابع في مؤلفه، كما ظهر فيه وفي سابقه - مجاز القرآن- أنواع من الإبداع التي يجدها من يتصفح الكتابين، والكتابان مطبوعان والحمد لله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>أبو عبيدة:</span>\nأما أبو عبيدة فيكفينا أن نقف مع كتابه (مجاز القرآن) وسنجد في هذا الكتاب كثيرًا من الأساليب البلاغية، والمباحث البيانية التي كانت أساسًا أفاد منه كل أولئك الدين جاءوا من بعده، والتي تدل كذلك على أصالة نشأة البلاغة العربية، وترد أقوال أولئك الذين يزعمون ويدعون أنها مزق من بلاغات الأمم السابقة، ويساورنا الشك فيما نقله صاحب (العمدة) عن الجاحظ حيث قال: طلبت علم الشعر عند الأصمعي، فوجدته لا يحسن إلا غريبه، فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يتقن إلا إعرابه، فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا يتقن إلا ما اتصل بالأخبار، وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب كالحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك الزيّات وقال: (ولم أر غاية النحويين إلا كل شعر فيه","vol":"1","page":406},{"text":"إعراب. ولم أر غاية رواة الشعر إلا كل شعر فيه غريب أو معنى صعب يحتاج إلى الاستخراج، ولم أر غاية رواة الأخبار إلا كل شعر فيه الشاهد والمثل) (١). فإن صح كان ذلك مستغربًا، يدعو إلى الحَيْرة ذلك أن الجاحظ - كما جاء عنه في كتاب (البيان والتبيين) - يقول عن أبي عبيدة: (لم يكن في الأرض خارجي ولا جماعي أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة)! (٢) فكيف نجمع بين الكلمتين؟ ! (٣).\nوعلى كل حال، فإن خير ما يعطينا صورة واضحة عن نفاسة الملحوظات البلاغية التي ذكرها أبو عبيدة، والتي تنتظم كثيرًا من علمي المعاني والبيان، والتي تدل على قدم راسخة للرجل في هذا المضمار، ما ذكره في الجزء الأول من كتابه - أعني: (مجاز القرآن).\n(قالوا: إنما أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وتصداق ذلك في آية من القرآن، وفي آية أخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، فلم يحتج السلف ولا الذين أدركوا وحيه إلى النبي -ﷺ- أن يسألوا عن معانيه لأنهم كانوا عرب الألسن، فاستغنوا بعلمهم عن المسألة عن معانيه، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص، وفي القرآن ما في الكلام العربي من وجوه الإعراب، ومن الغريب، والمعاني.\nومن المحتمل من مجاز ما اختصر وفيه مضمر قال: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا﴾ [ص: ٦]، فهذا مختصر فيه ضمير مجازه: انطلق الملأ منهم، ثم اختصر إلى فعلهم، وأضمر فيه: وتواصوا أن امشوا، أو تنادوا أن امشوا، أو نحو ذلك. ومن مجاز ما حُذف وفيه مضمو قال. ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ [يوسف: ٨٢]، فهذا محذوف فيه ضمير مجازه: واسأل أهل القرية،\n_________\n(١) (العمدة) (٢/ ٨٤) وراجع كتابنا البلاغة المفترى عليها ص ١٠٤.\n(٢) (البيان والتبيين) (١/ ٣٣١).\n(٣) ونحن نرتاب كل الريبة في تلك الكلمة التي نقلت عن الجاحظ.","vol":"1","page":407},{"text":"ومن في العير.\nومن مجاز ما جاء لفظه لفظ الواحد الذي له جماع منه، ووقع معنى هذا الواحد على الجميع قال: ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: ٥]، في موضع، أطفالًا. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، فهذا وقع معناه على قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، وقال: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧]، في موضع: الملائكة.\nومن مجاز ما جاء لفظه لفظ الجميع الذي له وأحله منه، ووقع معنى هذا الجميع على الواحد قال: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، والناس جميع، وكان الذي قال رجل واحد ﴿أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩]، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، والخالق الله وحده لا شريك له.\nومن مجاز ما جاء لفظه لفظ الجميع الذي له واحد منه، ووقع معنى هذا الجميع على الاثنين قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] فالأخوة جميع، ووقع معناه على أخوين، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] في مواضع يديهما.\nومن مجاز ما جاء لا جماع له من لفظه، فلفظ الواحد منه ولفظ الجميع سواء قال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ [يونس: ٢٢]، والفلك جميع وواحد، وقال: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ [الأنبياء: ٨٢] جميع وواحد، وقال: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] جميع وواحد.\nمن مجاز ما جاء من لفظ خبر الجميع المشرك بالواحد الفرد على لفظ خبر الواحد قال الله: ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] جاء فعل السماوات على لفظ الواحد لما أشركن بالأرض.","vol":"1","page":408},{"text":"ومن مجاز ما جاء من لفظ خبر الحيوان والموات على لفظ خبر الناس قال: ﴿رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، وقال: ﴿قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقال للأصنام: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٥]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ [النمل: ١٨]، وقال: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]\nومن مجاز ما جاءت مخاطبته مخاطبة الشاهد، ثم تُرِكَتْ وحُوِّلْت مخاطبته هذه إلى مخاطبة الغائب قال الله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢]، أي: بكم.\nومن مجاز ما جاء خبره عن غائب، ثم خوطب الشاهد قال. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٣ - ٣٤].\nومن مجاز ما يزاد في الكلام من حروف زوائد قال الله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] وقال: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]، وقال: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]، وقال: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣٠]، وقال: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، مجاز هذا أجمع إلقاؤهن.\nومن مجاز المكرر للتوكيد قال: ﴿رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، أعاد الرؤية، وقال: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ [القيامة: ٣٤]، أعاد اللفظ، وقال: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١].\nومن مجاز المقدم والمؤخر قال: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥] أراد: ربت واهتزت. وقال: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، أي: لم يرها، ولم يكد.","vol":"1","page":409},{"text":"ومن مجاز ما يحوَّل خبره إلى شيء من سببه، ويترك خبره هو قال: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، حوَّل الخبر إلى الكناية التي آخرها الأعناق.\nومن مجاز ما يحوّل فعل الفاعل إلى المفعول، قال: ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، والعصبة هي التي تنوء بالمفاتح.\nومن مجاز ما وقع المعنى على المفعول، وحُوِّل إلى الفاعل قال: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١]، والمعنى: على الشيء المنعوق به، وحُوِّل على الراعي الذي ينعق بالشاء.\nومجاز ما قرأته الأئمة بلغاتها فجاء لفظه على وجهين أو أكثر، من ذلك قرأ أهل المدينة: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، فأضافوا بغير نون المضاف بلغتهم، وقال أبو عمرو: لا تضاف تبشرون إلا بنون الكناية، كقولك تبشرونني.\nويقول عند قوله سبحانه: ﴿قَالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ﴾ [البقرة: ٣٠]، جاءت على لفظ الاستفهام، والملائكة لم تستفهم ربها وقد قال ﵎: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ولكن معناها معنى الإيجاب: أي: إنك ستفعل.\nوقال جرير -فأوجب ولم يستفهم- لعبد الملك بن مروان:\nألَسْتُم خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا ... وأنْدَى العالمينَ بُطون راحِ\nوتقول -وأنت تضرب الغلام على الذنب: - ألست الفاعل كذا؟ ليس باستفهام، ولكن تقرير) (١).\nفأنت ترى أن ما ذكره أبو عبيدة ينتظم كثيرًا من مباحث علم المعاني، فقد أشار إلى مباحث الخبر والإنشاء، وخروج بعض أدوات الاستفهام -وهو من قسم الإنشاء- عما وضعت له، كما أشار إلى التقديم والتأخير، والالتفات والتغليب،\n_________\n(١) (مجاز القرآن) (١/ ٣٥ - ٣٦).","vol":"1","page":410},{"text":"وغير ذلك مما لو تأملته لوجده فيه كثيرًا ممّا قرره العلماء فيما بعد.\nوقد نخالفه في بعض ما قروه هنا، وتفصيل ذلك في مواضع من كتابنا إعجاز القرآن المجيد.\nأما مباحث علم البيان فنجد أبا عبيدة في كتاب (مجاز القرآن) يحدثنا في مواضع كثيرة عن الكناية، والتشبيه، والمجاز العقلي، كما نجد حديثه عن الاستعارة في كتابه (النقائض) وإن لم يسمها باسمها، وإنما يعبر بكلمة النقل، ونحن نعلم أن الاستعارة ليست إلّا نقلًا للكلمة من المعنى الذي وُضِعَت إلى معنى آخر.\nاستمع إليه معلقًا على بيت الفرزدق:\nلا قومَ أَكْرَمُ مِن تَميمٍ إذْ غَدتْ ... عُوذُ النِّساء يُسقْنَ كالآجالِ\n\"قوله: عوذ النساء: هن اللاتي معهن أولادهن، والأصل في عوذ في الإبل التي معها أولادها، فنقله العرب إلى النساء، وهذا المستعار، وقد تفعل العرب ذلك كثيرًا\".\nذلكم هو أبو عبيدة، ولقد صدق الجاحظ فيما قال عنه وهو بحق كما قال ياقوت الحموي في معجم الأدباء: (إنه كان لا يفتش عن علم من العلوم إلا كان من يفتشه عنه يظن أنه لا يحسن غيره، ولا يقوم بشيء أجود من قيامه به) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>الفراء:</span>\nالفراء إمام لغوي اشتهر بالنحو، وكان من نحاة الكوفة، صاحب كتاب (معاني القرآن) ولا نعدم الملحوظات البلاغية في كتابه هذا، كالتقديم والتأخير وغيرهما من مباحث علم المعاني، كما أشار إلى بعض مباحث علم البيان: كالتشبيه والكناية وغيرهما وإن كان يغلب عليه طابع الإعراب ومن المآخذ التي أخذت على الفراء\n_________\n(١) معجم الأدباء (١٩/ ١٥٥).","vol":"1","page":411},{"text":"عنايته بمراعاة الفاصلة، مقدمًا لها على كل اعتبار، فهو يرى مثلًا في قول الله. ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أن التثنية إنما جاءت لمراعاة الفاصلة، وإلا فهي جنة واحدة.\nوقوله: ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦].\nربما قال القائل: كيف تربح التجارة وإنما يربح الرجل التاجر؟ وذلك من كلام العرب: ربح بيْعُك وخسر بيعُك، فحسن القول بذلك لأن الربح والخسران إنما يكونان في التجارة، فعلم معناه. ومثله من كلام العرب: هذا ليل نائم. ومثله من كتاب الله. ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١] وإنما العزيمة للرجال، ولا يجوز الضمير المحذوف إلا في مثل هذاء فلو قال قائل. قد خسر عبدك، لم يجز ذلك، (إن كنت) تريد أن تجعل العبد تجارةً يُربح فيه أو يُوضَع لأنه قد يكون العبد تاجرًا فيربح أو يُوضَع (١)، فلا يعلم معناه إذا ربح هو من معناه إذا كان متجورًا فيه. فلو قال قائل: قد ربحتْ دراهمُك ودنانيرُك، وخسر بَزُّك ورقيقك، كان جائزًا لدلالة بعضه على بعض.\nوقوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ..﴾ [البقرة: ١٧].\nفإنما ضرب المثل -والله أعلم- للفعل لا لأعيان الرجال، وإنما هو مَثَل للنفاق فقال: مثلهم بهمثل الذي استوقد نارًا ولم يقل: الذين استوقدوا. وهو كما قال الله: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩] وقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] فالمعنى -والله أعلم-: إلا كبعث نفس واحدة، ولو كان التشبيه للرجال لكان مجموعًا كما قال: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون: ٤] أراد القيم (٢) والأجسام، وقال: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ\n_________\n(١) أوضع في تجارته (بضم الهمزة)، ووضع (كعنى وكوجل) خسر فيها.\n(٢) (القيم) جمع قامة أو قيمة: وهي قوام الإنسان وقده وحسن طوله.","vol":"1","page":412},{"text":"خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] فكان مجموعا إذ أراد تشبيه أعيان الرجال فأجرِ الكلام على هذا. وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحِّدًا في شعر فأجزِه. وإن جاءك التشبيه للواحد مجموعا في شعر فهو أيضا يراد به الفعل فأجزه كقولك. ما فِغلك إلا كفعل الحَمِير، وما أفعالكم إلا كفعل الذِّئب فابن على هذا، ثم تُلْقِي الفعل فتقول: ما فعلك إلا كالحَمِير وكالذِّئب.\nوإنما قال الله ﷿: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ لأن المعنى ذهب إلى المنافقين فجمع لذلك. ولو وُحِّد لكان صوابًا، كقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٥] (ويغلي فمن أنت ذهب إلى الشجرة، ومن ذَكَّر ذهب إلى المهل. ومثله قوله ﷿: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] للأمنة، و(يغشى) للنعاس.\nوقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨].\nرُفعن وأسماؤهن في أول الكلام منصوبة لأن الكلام تمّ وانقضت به آية، ثم استؤنفت ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ في آية أخرى، فكانت أقوى للاستئناف، ولو تم الكلام ولم تكن آية لجاز أيضًا الاستئناف قال الله ﵎: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ [النبأ: ٣٦ - ٣٧] (الرحمن) يرفع ويخفض في الإعراب، وليس الذي قبله بآخر آية. فأما ما جاءَ في رؤوس الآيات مستأنفًا فكثير؛ من ذلك قول الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] إلى قوله: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. ثم قال جل وجهه: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ بالرفع في قراءتنا، وفي حرف ابن مسعود (التائبين العابدين الحامدين). وقال: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الصافات: ١٢٥ - ١٢٦] يقرأ ونصبه على جهتين؟، إن شئت على معنى: تركهم صمًا بكمًا عميًا، وإن شئت اكتفيت بأن توقع الترك عليهم","vol":"1","page":413},{"text":"في الظلمات، ثم تستأنف (صمًا) بالذم لهم.\nوالعرب تنصب بالذم وبالمدح لأن فيه مع الأسماء مثل معنى قولهم: ويلًا له، وثوابًا له، وبُعدًا وسقيًا ورَعيًا.\nوقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ..﴾ [البقرة: ١٩].\nمردود على قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾. ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ أو كمثل صيب، فاستغنى بذكر ﴿الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ فطُرح ما كان ينبغي أن يكون مع الصيب من الأسماء، ودل عليه المعنى، لأن المثل ضُرب للنفاق، فقال: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ فشبّه الظلمات (١) بكفرهم، والبرق إذا أضاء لهم فمشوا فيه بإيمانهم، والوعد ما أتى في القرآن من التخويف. وقد قيل فيه وجه آخر قيل: إن الرعد إنما ذُكر مثلا لخوفهم من القتال إذا دُعوا إليه. ألا ترى أنه قد قال في موضع آخر. ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] أي يظنون أنهم أبدًا مغلوبون.\nثم قال: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ فنصب (حذر) على غير وقوع من الفعل عليه لم ترد يجعلونها حذرًا، إنما هو كقولك: أعطيت خوفًا وفَرَقًا. فأنت لا تعطيه الخوف، وإنما تعطيه من أجل الخوف فنصبه على التفسير ليس بالفعل، كقوله جل وعز: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء: ٩٠] وكقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] والمعرفة والنكرة تفسِّران في هذا الموضع، وليس نصبه على طرح (من) (٢)، وهو مما قد يستدل به المبتدئ للتعليم.\n_________\n(١) الأولى عكس التشبيه، فالكفر مشبه بالظلمات، والإيمان مشبه بالبرق.\n(٢) يريد أنه قد يقرب المفعول لأجله للمبتدئ.","vol":"1","page":414},{"text":"وقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: ٢٨] على وجه التعجب، والتوبيخ لا على الاستفهام المحض أي ولحكم كيف تكفرون وهو كقوله. ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ [التكوير: ٢٦] وقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ المعنى -والله أعلم- وقد كنتم ولولا إضمار (قد) لم يجز مثله في الكلام. ألا ترى أنه قد قال في سورة يوسف ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ [يوسف: ٢٧]. والمعنى والله أعلم فقد كذبت، وقولك للرجل: (أصبحت كثر مالك لا يجوز إلا وأنت تريد: قد كثر مالك، لأنهما جميعًا قد كانا، فالثاني حال للأول، والحال لا تكون إلا بإضمار قد أو بإظهارها.\nوقوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَال﴾ [البقرة: ٦٧] وهذا في القرآن كثير بغير الفاء وذلك لأنه جواب يستغني أوله عن آخره بالوقفة عليه، فيقال ماذا قال لك، فيقول القائل: قال كذا وكذا، فكأن حسن السكوت يجوز به طرح الفاء وأنت تراه في رؤوس الآيات، -لأنها فصول- حسنا.\nوقوله: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١].\nوضعت (بلى) لكل إقرار في أوله جحد، ووضعت نعم للاستفهام الذي لا جحد فيه، فـ (بلى) بمنزلة (نعم)، إلا أنها لا تكون إلا لما في أوله جحد قال الله ﵎: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] فـ (بلى) لا تصلح في هذا الموضع، وأما الجحد فقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا﴾ [الملك: ٨ - ٩] ولا تصلح ها هنا نعم أداة، وذلك أن الاستفهام يحتاج إلى جواب بـ (نعم) و(لا) ما لم يكن فيه جحد، فإذا دخل الجحد في الاستفهام لم يستقم أن تقول فيه (نعم) فتكون كأنك مقر بالجحد وبالفعل الذي بعده، ألا ترى أنك لو قلت لقائل قال لك: أمالك مال: فلو قلت نعم كنت مقرًا بالكلمة بطرح الاستفهام، وحده كأنك قلت: نعم مالي مال، فأرادوا أن يرجعوا عن الجحد ويقرأوا بما بعده فاختاروا (بلى) لأن أصله كان رجوعًا محضًا عن الجحد إذا قالوا ما قال عبد الله بل","vol":"1","page":415},{"text":"زيد، فكانت (بل) كلمة عطف ورجوع لا يصلح الوقوف عليها، فزادوا فيها ألفًا يصلح فيها الوقوف عليه، ويكون رجوعًا عن الجحد فقط، وإقرارًا بالفعل الذي بعد الجحد، فقالوا (بلى) فدلت على معنى الإقرار والأنعام، ودل لفظ (بلى) على الوجوع عن الجحد فقط.\nوقوله، ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا﴾ [التوبة: ٥٤].\n(أنهم) في موضع رفع لأنه اسم للمنع كأنك قلت: ما منعهم أن تقبل منهم إلا ذاك. و(أن) الأولى في موضع نصب (١). وليست بمنزلة قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠] هذه فيها واو مضمرة، وهي مستأنفة (٢) ليس لها موضع. ولو لم يكن في جوابها اللام لكانت أيضًا مكسورة كما تقول: ما رأيت مسهم رجلًا إلا إنه ليُحسِن، وإلا إنه يحسن. يعرِّف أنها مستأنفة أن تضع (هو) في موضعها فتصبح وذلك قولك: ما رأيت منهم رجلًا إلا هو يفعل ذلك. فدلّت (هو) على استئناف إنّ.\nوقوله: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة: ٥٥].\nمعناه: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا. هذا معناه، ولكنه أخِّر ومعناه التقديم -والله أعلم- لأنه إنما أراد: لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم هي الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة. وقوله. ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ أي تخرج أنفسهم وهم كفار. ولو جعلت الحياة الدنيا مؤخرة (٣) وأردت: إنما يريد الله ليعذبهم بالإنفاق كرها ليعذبهم بذلك في الدنيا، لكان وجهًا حسنًا.\n_________\n(١) إذًا المصدر المؤول فيها مفعول ثان لمنع.\n(٢) يريد أنها في صدر جملة وليست في موضع المفرد. وجملتها في موضع النصب لأنها حال.\n(٣) أي غير منوي تقديمها، كما في الرأي السابق.","vol":"1","page":416},{"text":"وقوله: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ [التوبة: ٥٧].\nوهي الغيران واحدها غار في الجبال ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ يريد: سربا في الأرض.\n﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ مسرعين الجمح ها هنا: الإسراع.\nوقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨].\nيقول: يعيبك، ويقولون: لا يقسم بالسوية.\n﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا﴾ فلم يعيبوا.\nثم إن الله ﵎ بيَّن لهم من الصدقات.\nفقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠].\nوهم أهل صُفَّة (١) رسول الله -ﷺ-، كانوا لا عشائر لهم، كانوا يلتمسون الفضل بالنهار، ثم يأوون إلى مسجد وسول الله - ﷺ -، فهؤلاء الفقراء.\n﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾: الطوافين على الأبواب ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ وهم السعاة.\n﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم أشراف العرب، كان رسول الله -ﷺ- يعطيهم ليجتر به إسلام قومهم.\n﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ يعني المكاتبين ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾: أصحاب الدين الذين ركبهم في غير إفساد.\nوقوله: ﴿الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ [يونس: ٢٢].\nقراءة العامة. وقد ذكر عن زيد بن ثابت (ينشركم) قرأها أبو جعفر المدني (٢) كذلك. وكل صواب إن شاء الله.\n_________\n(١) هي موضع مظلل من المسجد.\n(٢) وكذلك ابن عامر.","vol":"1","page":417},{"text":"وقوله: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ يعني الفُلك فقال: جاءتها، وقد قال في أول الكلام ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ ولم يقل: وجرت، وكل صوب، تقول. النساء قد ذهبت، وذهبن. والفلك تؤنث وتذكر، وتكون واحدة وتكون جمعًا. وقال في سورة يس ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١] فذكر الفلك، وقال ها هنا: جاءتها، فأنث. فإن شئت جعلتها ها هنا واحدة، وإن شئت: جماعًا، وإن شئت جعلت الهاء في (جاءتها) للريح كانك قلت: جاءت الريح الطيبة ريح عاصف. والله أعلم بصوابه. والعرب تقول: عاصف وعاصفة، وقد أعصفت الريح، وعصفت وبالأنف لغة لبني أسد أنشدني بعض بني دبير:\nحتى إذا عصفت ريح مزعزعة ... فيها قطار ورعد صوته زجل (١)\nوقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣].\nإن شئت جعلت خبر (البغي) في قوله (على أنفسكم) ثم تنصب (٢) (متاع الحياة الدنيا) كقولك: متعة في الحياة الدنيا. ولصلح الوفع ها هنا على الاستئناف كما قال (٣) ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥] أي ذلك (بلاغ) وذلك (متاع الحياة الدنيا) وإن شئت جعلت الخبر في المتاع. وهو وجه الكلام.\nوقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦].\nفي موضع رفع. يقال إن الحسنى الحسنة. (وزيادة) حدثنا محمد قال حدثنا الفراء قال حدثني أبو الأحوص سلام بن سليم (٤) عن أيي إسحاق السبيعي عن رجل عن أبي بكر الصديق ﵀ قال: للذين أحسنوا الحسنى وزيادة: النظر إلى وجه\n_________\n(١) مزعزعة: شديدة تحريك الأشجار: وقطار جمع قطر، يريد: ما قطر وسال من المطر. وزجل: مصوت.\n(٢) وهي قراءة حفص وابن أبي إسحاق.\n(٣) وهي قراءة العامة غير حفص.\n(٤) هو الكوفي أحد الأثبات الثقات. توفي سنة ١٧٩ كما في شذرات الذهب.","vol":"1","page":418},{"text":"الرب ﵎. ويقال: (للذين أحسنوا الحسنى) يريد حسنة مثل حسناتهم (وزيادة) زيادة التضعيف كقوله: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس: ٢٧].\nرفعت الجزاء بإضمار (لهم) كأنك قلت: فلهم جزاء السيئة بمثلها كما قال ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾ و﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ والمعنى. فعليه صيام ثلاثة أيام، وعليه فدية. وإن شئت رفعت الجزاء بالباء في قوله. ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ والأول أعحب إلي.\nوقوله: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا﴾ (قِطْعًا) (١). والقطع قراءة العامة. وهي في مصحف أبي (كأنما يغشى وجوههم قطع من الليل مظلم) فهذه حجة لمن قرأ بالتخفيف. وإن شئت جعلت المظلم وأنت تقول قِطْع قطعًا (٢) من الليل، وإن شئت جعلت المظلم نعتا للقطع، فإذا قلت قطعا كان قطعا من الليل خاصة، والقطع ظلمة آخر الليل ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ٨١].\nوقوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٢٨].\nليست من زُلت إنما هي من زلت ذا من ذا: إذا فرّقت أنت ذا من ذا، وقال (فزيلنا) لكثرة الفعل. ولو قَلَّ لقلت: زِلْ ذا من ذا كقولك: مِزْ ذا من ذا. وقرأ بعضهم (فزايلنا بينهم) وهو مثل قوله: (يراءون ويرُّءون) (٣) (ولا تصعر ولا تصاعر) (٤) والعرب تكاد توفق بين فاعلت وفعّلت في كثير من الكلام، ما لم ترد\n_________\n(١) هذه قراءة ابن كثير والكسائي ويعقوب.\n(٢) يريد أن يكون المظلم حالًا الليل، وكذا في الوجه الآتي في المتحرك. ولو كان (نعتا) كان أظهر، ويكون المراد بالنعت الحال.\n(٣) [النساء: ١٤٢]. وقد قرأ بتشديد الهمزة ابن أبي إسحاق.\n(٤) [لقمان: ١٨]. قرأ نافع وأبو عمرو والكسائي وخلف \"تصاعر\" الباقون \"تصعر\".","vol":"1","page":419},{"text":"فعلت بي وفعلت بك (١)، فإذا أرادوا هذا لم تكن إلا فاعلت. فإذا أردت: عاهدتك وراءيتك وما يكون الفعل فيه مفردًا دهو الذى يحتمل فعلت وفاعلت. كذلك يقولون: كالمت فلانا وكلمته، وكانا متصارمين فصارا يتكالمان ويتكلمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>الجاحظ:</span>\nوبعد ذلك جاء إمامٌ فذٌّ، انتهت إليه الرياسة دون منازع في دفاعه عن العربية، وسيبقى بحق رائدًا من أولئك الرواد القلائل، الذين جمعوا إلى سعة الإطلاع، وقوة الحافظة، وغزارة العلم، والاعتزاز بالتراث، والغيرة على الثقافة العربية والإسلامية، جمع إلى ذلك كله يقظة الذهن، وصدق العاطفة، وإرهاف الحس، وسلامة التفكير، وإحكام المنطق، والقدرة على الاستنتاج ذلكم هو الجاحظ، الذي خلَّد للتراث مكتبة تكاد تكون متكاملة، تنتظم المعارف التي كانت معروفة إلى عهده، فخلد بذلك أثرًا لا يخلِّده إلا الجهابذة النحارير.\nوالذي يعنينا من هذا التراث تلك الملحوظات، أو قل: المباحث القيمة في قضايا البلاغة القرآنية، سواء بذلك ما وصل إلينا منها، أم لم يصل مما أشار إليه، أو أشار إليه العلماء من بعده، وهذه الملحوظات أو المباحث، تجدها أكثر ما تكون في كتابيه (البيان والتبيين) و(الحيوان)، فقد تحدّث في مواضع متعددة عن كثير من القضايا البلاغية كالإيجاز، والتشبيه، والمجاز، والاستعارة، والكناية، وكثير من الفنون البديعية، وهي مبثوثة في ثنايا كتبه، إلا أنه ينقصها حسن التبويب، والتنظيم، وليس في ذلك ما يعيبه، حيث كان ذلك طبيعة هذه المرحلة التي عاش فيها الجاحظ.\nلقد دافع الجاحط عن العربية، وردَّ على الشعوبيين الذين أرادوا أن ينالوا منها.\n_________\n(١) يعني إذا كان الفعل بين اثنين.","vol":"1","page":420},{"text":"وقد وجدناه يخص الكلمة القرآنية بعناية، وهو يبين لنا خصائصها وأسرارها، فالقرآن الكريم تختار فيه اللفظة، التي تناسب الموضع الذي جاءت فيه، فقد يشترك لفظان أو أكثر في معنى، ولكن أحدهما يكون أكثر دقة، فيذكر في التنزيل وهكذا فألفاظ القرآن مختارة منتقاة، وإن كان سيظن لأول وهلة بأن بعضها مترادف، إلا أن بينها من دقة الفروق ما يخفى على الكثيرين، حتى ذوي النظر، يقول: (وقد يستخف الناس ألفاظًا ويستعملونها، وغيرها أحق بذلك منها ألا ترى أن الله ﵎ لم يذكر في القرآن الجوع، إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع والعجز الظاهر، والناس لا يذكرون السغب ويذكرون الجوع في حال القدرة والسلامة، وكذلك ذكر المطر لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام، والأمة وأكثر الخاصة يفصلون بين ذكر المطر وبين ذكر الغيث، ولفظ القرآن الذى عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع، وإذا ذكر سبع سماوات لم يقل الأرضين، ألا ترى أنه لا تجمع الأرض على أرضين ولا السمع أسماعًا، والجاري على أفواه العامة غير ذلك، لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر وأولى بالاستعمال، وقد زعم الفراء أنه لم يرد ذكر النكاح في القرآن إلا في موضع التزويج) (١).\nولم تقف براعة الجاحظ ودقة فكره عند هذه القضية في اللفظة القرآنية، بل نجده يطلعنا على لطائف كثيرة لهذه اللفظة. من هذه اللطائف أنها قد تذكر اللفظة القرآنية لتسد مسدَّ ألفاظ كثيرة، فيستغني عن هذه الألفاظ جميعًا يقول: (وقد قال تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ فقال لنبيه ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] فاشتق لكل صائد وجارح وباز وصقر وعقاب وفهد وشاهين وزرق، ويئوبو وباشق وعناق الأرض من اسم الكلب) (٢).\n_________\n(١) البيان والتبيين طبعة هارون جـ ١ ص ٢٠.\n(٢) كتاب الحيوان طبعة هاررن جـ ٢ ص ١٨٨.","vol":"1","page":421},{"text":"ومن هذه اللطائف كذلك أن بعض الكلمات تذكر متصاحبة مع غيرها لا تكاد تفترق مثل الصلاة والزكاة، والجوع والخوف، والجنة والنار، والرغبة والرهبة، والمهاجرين والأنصار، والجن والإنس (١).\nفإذا تركنا حديث الألفاظ فإننا نجد حديث الجاحظ عن الصورة البيانية في القرآن حديثًا متعدد الأمثلة متنوع التطبيق، ومن أمثلته ما ذكره تفسيرًا لقول الله ﷿ عن شجرة الزقوم ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ إذ قال في سداد وتوفيق (٢):\n(زعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن لها منظر كريه، والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير، وقالوا ما عنى إلا رؤوس الشياطين المعروفين بهذا الاسم من فسقة الجن ومردتهم، فقال أهل الطعن والخلاف ليس يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه، ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق او خبر صادق، ومخرج الكلام يدلّ على التخويف بتلك الصورة والتفزيع منها وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجز من ذلك لذكره، فكيف يكون الشأن كذلك والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع قد عاينوه، أو صوّره لهم واصف صدوق اللسان بليغ في الوصف، ونحن لم نعاينها ولا صورها لنا صادق، وعلى أن أكثر الناس من هذه الأمم التي تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه فكيف يكون ذلك وعيدًا عامًّا؟ قلنا وإن كنا نحن لم نر صورتها قط ولا صوّر رؤوسها لنا صادق بيده ففى إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين أحدهما أن يقولوا لهو أقبح من الشيطان، والوجه الآخر أن يسمَّى الجميل شيطانًا على جهة التطير له كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة صماء قرناء\n_________\n(١) البيان والتبيين طبعة هارون جـ ١ ص ٢١.\n(٢) الحيوان جـ ٦ ص ٢١٢.","vol":"1","page":422},{"text":"وخنساء وجرباء وأشباه ذلك على جهة التطير له، ففي إجماع المسلمين والعرب وكل من لاقينا، على ضرب المثل بقبح الشيطان دليل على أنه في الحقيقة أقبح من كل قبيح) (١) ولإدراك الجمال في هذا القول نذكر أن الشبهة التي وجهتا إلى الآية الكريمة تتلخص في أن تشبيه الشجرة برؤوس الشياطين لا يعطي انطباعًا ساطعًا تتضح به الصورة، لأن المشبه به مجهول لدى المخاطب، فكيف إذن يشبه معلوم بمجهول في منطق المتسائلين؟\nوأذكر أن سؤالًا يدور حول هذه الآية، قيل إن أبا عبيدة قد أجاب عنه، وكان سببًا في تأليفه (مجاز القرآن) ولم أمل إلى تصديقه، وعلى فرض أن أبا عبيدة قده أجاب بأن العرب يستهولون الشيطان فتحدث القرآن عنه بما يدركون فإن إجابة الجاحظ إذا قورنت بإجابة أبي عبيدة تظهر الفرق الواضح بين إيجاز العالم وخيال الأديب المصوّر، لقد بدأ صاحب الحيوان فصوّر الاعتراض تصويرًا قويًّا نفاذًا لا يبلغه المعتوضون أنفسهم إذا قالوا عن ذواتهم حتى إذا أتضح للقارئ أتم اتضاح أتبعه بالرد المشبع المقنع ملتمسًا وسائل الإقناع بالمثل الشاهد والقول المتعارف لينتهي إلى أن الرؤية ليست كل شيء في دنيا التشبيه المبين، فللشعور النفسي اعتباره الأول، وفي أطوائه يكمن التأثير الوجداني المنشود، وتلك مسألة تلقفها البلاغيون بعد الجاحظ فذهبوا بها إلى أبعد الأشواط وتورط الذهنيون منهم في تمحل أمثلة مصنوعة تجعل التشبيه تارة بين مشبه عقلي ومشبه به حسّي وتارة على العكس من ذلك، وليتهم تركوا افتعال الشواهد إلى ما نطق به الأصلاء من ذوي البيان، بل ليتهم اهتموا بالبسط الأدبي اهتمام الجاحظ به إذا يُريحون وينفعون.\nنتحدث عن البسط الأدبي في مجال الاعتراض والرّد معًا لننصف الجاحظ من فرية ظالمة حاول ابن قتيبة أن يقذفه بها لحاجة في نفسه، فقد زعم أن الجاحظ\n_________\n(١) معجم الأدباء جـ ١٩ ص ١٥٨.","vol":"1","page":423},{"text":"يؤلف كتابًا يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين فإذا صار في الردّ عليهم تجوز في الحجة كأنه إنما أراد تنبيههم على ما لا يعرفون وتشكيك الضعفة من المسلمين! (١) ولا أدري كيف سمح صاحب هذا النقد على جلالة قدره وسمو علمه أن يسجله على نفسه، وهو يعلم أن كتاب الردّ على النصارى معروف متداول في عهده، ولا سبيل إلى ثلمه بهذه الغميزة البلقاء وقد أبقتا الأيام لنا جزءًا كبيرًا منه، فيسّر لنا أن نعصف بهذه الفرية إلى حيث تهوي بها الريح.\nبل إن ابن قتيبة إذا راجع منصفًا قول الجاحظ في ردّه ذاك لأدرك على الفور مقصده من شرح آراء خصومه شرحًا وافيًا بليغًا كيلا يدع بعد قوله مجالًا لمتخرص يتشبث بمأخذ، وهذا ما عناه إذ قال في دفاعه (وليعلم من قرأ هذا الكتاب وتدبر هذا الجواب، أننا لم نغتنم عجزهم، ولم ننتهز غرتهم وأن الإدلال بالحجة والثقة بالفلج والنصرة هو الذي دعانا إلى أن نخبر عنهم بما ليس عندهم) (٢)، وتلك لعمري منزلة من إنصاف الجاحظ ليس بعدها منزلة، وهي فوق دلالتها العقلية على مقدرته البالغة ذات دلالة خلقية بارعة تسمو به فوق الحيل الجدلية وألاعيب التغفل والانتهاز.\nومحل هذا القول في مضمار الحديث عن التفسير البياني للجاحظ أن الرجل لا يترك توسعه الجدلي حين يورد شبه مخالفيه في هذا التفسير، بل يمتد ويفيض ويتسع حتى لا يبقى خلجة تجول في نفس معترض فإذا جلّى آراء مخالفيه بما لا يملكون من سحره الخالب عفي عليها بما يزلزل بناءها من القواعد، ولا أمتع للقارئ من أن ندع الجاحظ يقدّم له مثالًا رائعًا من تفسيره البياني حين تعرض إلى تأويل قول الله ﷿: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ (٣).\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث ص ٧٢.\n(٢) ثلاث رسائل للجاحظ ص ٣٧.\n(٣) الحيوان جـ ٢ ص ٦.","vol":"1","page":424},{"text":"وسنذكر مسألة كلامية، وإنما نذكرها لكثرة من يعترض في هذا ممّن ليس له علم بالكلام، ولو كان أعلم الناس باللغة لم ينفعك في باب الدين حتى يكون عالمًا بالكلام، وقد اعترض معترضون في قوله ﷿ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٧٥ - ١٧٦] فزعموا أن هذا المثل لا يجوز أن يُضرب لهذا المذكور في صدر هذا الكلام لأنه قال ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ فما يشبه حال من أعطى شيئًا فلم يقبله ولم يذكر غير ذلك بالكلب الذي إن حملت عليه نبح وولى ذاهبًا وإن تركته شد عليك ونبح، مع أن قوله يلهث، لم يقع موقعه، وإنما يلهث الكلب من عطش شديد وحرّ شديد ومن تعب، وأما النباح والصياح فمن شيء آخر، قلت له إن قال: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فقد يستقيم أن يكون المراد لا يسمى مكذبا، ولا يقال لهم كذبوا إلّا وقد كان ذلك منهم مرارًا، فإن لم يكن ذلك فليس ببعيد أن يشبه الذي أوتي الآيات والأعاجيب والبرهانات والكرامات في بدء حرصه عليها، وطلبه له بالكلب في حرصه وطلبه، فإن الكلب يعطي الجد والجهد من نفسه في كل حالة من الحالات، وشبه رفضه وقذفه لها من يديه وردّه لها بعد الحرص عليها وفرط الرغبة فيها بالكلب إذا رجع ينبح بعد إطرادك له، وواجب أن يكون رفض قبول الأشياء الخطيرة النفيسة في وزن طلبها الحرص عليها والكلب إذا اتبع نفسه في شدة النباح مقبلًا إليك ومدبرًا عنك لهث واعتراه ما يعتريه عند التعب والعطش، على أننا ما نرمي بأبصارنا إلى كلابنا وهي رابضة وادعة، إلّا وهي تلهث من غير أن تكون هناك إلا حرارة أجوافها، والذي طبعت عليه من شأنها، إلّا أن لهث الكلب يختلف بالشدة واللين).\nفالاعتراض هنا يتوجه إلى التشبيه إذ ظن صاحبه أنه غير دقيق محكم في بابه،","vol":"1","page":425},{"text":"وشبهته في ذلك تتلخص في أمرين: أحدهما أن المشبه وهو من أعطي شيئًا فلم يقبله، لا يشبه بكلب إن حملت عليه نبح أو تركته نبح لخفاء وجه الشبه بين الطرفين، وثانيهما أن لهاث الكلب لا يكون إلا من الحر والعطش والتعب، والكلب هنا لم يعانِ شيئًا من نحو هذه الثلاثة فلم عدل القرآن عن النباح المتوقع ذكره إلى اللهاث؟ ! .\nهذان هما الأمران اللذان دفعا بالشبهة إلى المعترض فاختلجت في نفسه اختلاجًا صوّره الجاحظ وافيًا دقيقًا دون انتقاص فإذا تم له أن يأتي بالاعتراض على أوضح وجوهه، عمد إلى المأخذ الأول فذكر أن قول الله ﷿ في ختام الآية الكريمة ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ يَدلّ على أن المشبّه ليس هو من أعطي شيئًا فلم يقبله كما تصوّر المعترض ولكنه من كذب بالآيات حين توالت دلائلها الصادقة عليه، والتكذيب -بالتضعيف- لا يكون مرة واحدة وإنما هو إمعان في الرفض وإلحاح في الدفع مهما وضحت الدلائل وظهر اليقين، ومن يتوالى رفضه المكذب لكل دليل يقدّم إليه مع طلبه إياه، وحرصه عليه فهو شبيه بالكلب إذ يعطي الجد والجهد من نفسه في كل حالة من الحالات ثم يرجع كما كان نابحًا غير مستريح! فالمكذب إذن معاند لا يزال يلح، قدمت له الإقناع بالدليل أو تركته، ككلب في طريقك يقدم عليك نابحًا! ويتركك نابحًا! والتشبيه بعد ذلك من الدقة والبراعة بحيث يسكت كل لجاج! أمّا المأخذ الثاني ففي قول الله ﷿: ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ إذ توهم المعترض أن اللهاث. لا يكون من غير الحر والعطش والتعب! والكلب النابح في الطريق لا يعاني شيئًا من ذلك فيلهث، وقد قضى الجاحظ عليه حين قال (والكلب إذا أتعب نفسه في شدة النباح مقبلًا عليك ومدبرًا عنك لهث واعتراه ما يعتريه عند التعب والعطش، وهو أمر يدركه الأطفال قبل الرجال، فكيف جاز لمن يجد في نفسه الجرأة على نقد التشبيه أن يجهله، بل إن الجاحظ أستاذ علم الأحياء في عصره ليمهكنم خفيًا بالمعترض حين يقول: (على أننا ما نرمي بأبصارنا إلى كلابنا وهي رابضة وادعة إلا وهي","vol":"1","page":426},{"text":"تلهث من غير أن تكون هناك إلا حرارة أجوافها والذي طبعت عليه من شأنها) فكأن الاعتراض الثاني قد مات سقطًا قبل أن يستهل ويمنح الحياة! هذا البسط في التفسير البياني قد يتحّول لدى الجاحظ إلى لمح وإشارة في بعض المواقف إذا لم يكن المجال مجال معارضة وحجاج، بل كان الأمر لا يعدو التقرير المؤيد بالشاهد، ولكل من الإسهاب والإيجاز موضعه المقبول في بابه، لأن المعارض في كثر أمره لجوج عنيد قد ينكر ضوء الشمس من رمد، فالحاجة إلى إفحامه تتطلب البسط والامتداد، أمّا غيره فحسبه أن يدرك من لمح الجاحظ ما يومئ إليه، بل عليه أن يتعدى الجاحظ إلى من جاء بعده ليرى كيف انتفعوا بإشارته السريعة في الحقل البياني فعكفوا عليها يمدون في أسبابها، ويفتقون من أكمامها حتى يفوح الورق الناعم بأمتع أرج، وبأشهى عبير، ومثال ذلك ما سطره البياني الكبير هي باب الكلام المحذوف حيث قال (١):\n(ومن الكلام كلام يذهب السامع منه إلى معاني أهله وإلى قصد صاحبه كقول الله ﵎ ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ وقال: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ وقال ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ وسئل المفسر عن قوله ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فقال ليس فيها بكرة ولا عشى! وقال لنبيّه -ﷺ- ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال: (لم يشك ولم يسأل).\nفما تجد هنا آية ممّا ذكره الجاحظ إلّا أخذت نصيبها الكبير من المفسرين والبيانيين معًا، كل وفق منحاه! حتى غدت إشارات الجاحظ العابرة كإسهاب المطيل مورد علل ونهل، ومكان حظوة واحتفاء، وإن أديبًا يترك صداه القوي هى عقول تابعيه لجدير أن يحفظ له مكانه الجهير في قمة كل طود تسنم ذراه (٢).\n_________\n(١) البيان والتبيين جـ ٢ ص ٢٨٩.\n(٢) خطوات التفسير/ محمد رجب البيومي ص ٨٢ - ٩١.","vol":"1","page":427},{"text":"وهناك ملحوظات كان لها أثر عند علماء الإعجاز وعلماء البلاغة على السواء في تعليقه على بعض آي القرآن الحكيم، نعرض لها في كتاب إعجاز القرآن المجيد إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>جهود علماء البيان بعد الجاحظ إلى الباقلاني:</span>\nوكما أسهم اللغويون والنحاة في خدمة كتاب الله، نجد أن غيرهم من علماء البيان، يسهم كذلك في هذا المضمار، وهنا تبدو ظاهرة الإعجاز في أبحاث هؤلاء، وإن كانوا سواء كان هؤلاء من المعتزلة أم من غيرهم، وإن كانوا بادي بدء من المعتزلة.\nويأتي بعد الجاحظ ابن قتيبة، وهو وإن كان يخالف الجاحظ وغيره من المعتزلة، فيما ذهبوا إليه من مسائل الاعتزال -فإنه يسير مع الجاحظ في نظرية اللفظ- وتبقى هذه النظرية موضع جدال بين العلماء بين موافق ومخالف، وليس من غرضنا أن نتبع تلك النظرية وإنما كل الذي يهمنا في هذه الكلمة الموجزة، أن نسير مع الدراسات القرآنية لنرى كيف تفاعلت، وكيف تدرجت أطوارها إلى أن وصلت إلى ما هي عليه. وينبغي أن نلاحظ هنا أنه لا بد من أن نعرض لهؤلاء الذين كتبوا في الإعجاز مع المفسرين، ذلك لأنهما حلقة واحدة يتم بعضها بعضًا، كما سنتبينه إن شاء الله.\nولابن قتيبة جهد طيب في الدراسات القرآنية، ويكفي دليلًا على هذا كتابه (تأويل مشكل القرآن) فقد وقف عند كثير من آي القرآن الكريم يجلّي ما فيها من بيان، مما كان له أثر عند علماء البلاغة والإعجاز فيما بعد، ويرد بعض الشبهات عن البيان القرآني، والكتاب زاخر بالموضوعات القرآنية المتعددة.\nوللأستاذ محمد رجب البيومي كلام طيب تحدث فيه عن ابن قتيبة، رأيت أن أنقله للقارئ هنا؛ وذلك أن هدفي من هذا الكتاب، وهدف الاستاذ البيومي مما","vol":"1","page":428},{"text":"كتب واحد، وهو الحديث عن التفسير البياني وإسهام العلماء فيه، يقول الاستاذ محمد رجب البيومي:\n\"الجاحظ خطيب المعتزلة وابن قتيبة خطيب أهل السنة! هكذا يقولون حيث يريدون أن يوجزوا الحديث عن ابن قتيبة فيقرنوه بالجاحظ أستاذه ليشيروا إلى بعض ما اتفق فيه الرجلان من سمات علمية لا تنكر، وإذا كان الجاحظ من الاشتهار بحيث لا يخفى على أحد فإن ابن قتيبة قد سما إلى كثير مما نال من المجادة العلمية، والنباهة الأدبية، فقد ترك آثارًا قوية في شتى فروع المعرفة من أدب وعلم ولغة وحديث وتفسير وفقه، كما أنه امتاز عن الجاحظ في دقة التبويب، والبعد عن الاستطراد وإصابة الهدف من أقرب طريق وإن لم يكن له فقهه القوي وعارضته الحادّة، ولمحاته الصائبة، وكأني بآثار ابن قتيبة الدينية في الفقه والحديث والتفسير، ودفاعه المخلص عن آراء أهل السنة قد جعلته في رأي بعض الدارسين رجل علم يميل إلى الأدب فحسب، لا رجل علم وأدب معًا! وذلك ظلم صريح للرجل، لأن لابن قتيبة في الحقل الأدبي وحده ما يضعه بين كبار الأدباء ورجال النقد في عصره، وما زال ما سطره في أدب الكاتب وفي الشعر والشعراء وغيرهما من آثاره الأدبية يدل على أنه لو اقتصر على الميدان الأدبي وحده لكان أحد أبطاله اللّامعين، ونحن نؤكد ذلك لنشير إلى أن روحه الأدبية الصافية قد تجلّت أظهر تجلية في تفسيره البياني للقراء حين سطر مؤلفه الجهير \"تأويل مشكل القرآن\" وهو ما نخصه اليوم بالحديث.\n\"كان ابن قتيبة وعاء نظيفًا من أوعية العلم. دَرسَ ما كان يعج به عصره من ثقافات، واستوعب ما وقف عليه من ألوان العلوم والمعارف استيعاب الفاحص المنقّب، وقد انتفع أكبر الانتفاع بآثار من سبقه في الدراسات البيانية للقرآن، لأن كتاب \"التأويل\" يدل على أنه امتداد سابق مثمر لسابقيه، ولو لم يعرف القارئ شيئًا عن مؤلفه، وأخذ يقرؤه قراءة المقارن المحلّل لأدرك أن كاتبه قد تهيأ لتأليفه بعد أن","vol":"1","page":429},{"text":"هضم مجاز القرآن لأبي عبيدة، ووقف على آراء الجاحظ في الحقيقة والمجاز والكناية والتعريض والإطناب والاختصار، وهذا ما نحمده لابن قتيبة، فإنه حين ألم بآراء سابقيه لم يسردها سرد الناقل، ولكنه أحكم تبويب كتابه إحكامًا يدلّ على دقة وبصر، فوضع كل رأى في موضعه المستريح، وهذا ما يجعل كتب الرجل بنوع عام أسهل تناولًا، وأقرب مأخذًا من كتب سابقيه مهما اختلفت النظرة العلمية بها ضيقًا وسعة وتشدّدًا وانطلاقًا، ومن يقارن عيون الأخبار لابن قتيبة بالبيان والتبيين للجاحظ يرى صاحب العيون قد قيد الآبد، وذلّل العسير.\nقال ابن قتيبة يتحدث عما حداه إلى تأليف \"تأويل مشكل القرآن\" (١):\n\"وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله بأفهام كليلة، وأبصار عليلة، ونظر مدخول، فحرفوا الكلم عن مواضعه، وعدلوه عن سبله، ثم قضوا عليه بالتناقض والاستحالة في اللحق وفساد النظم والاختلاف، وأدلوا في ذلك بعلل ولما أمالت الضعيف الغمر، والحدث الغر، واعترضت بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور، ولو كان ما نحلوا إليه على تقديرهم، وتأوّلهم لسبق إلى الطعن به من لم يزل رسول الله -ﷺ- يحتج عليه بالقرآن، ويجعله العَلم لنبوّته والدليل على صدقه ويتحداه في موطن بعد موطن على أن يأتي بسورة من مثله، وهم الفصحاء والبلغاء، والخطباء والشعراء، والمخصوصون بين جميع الآنام بالألسنة الحداد، واللدد في الخصام، مع اللب والنهى وأصالة الرأي وقد وصفهم الله بذلك في غير موضع من الكتاب، وكانوا مرة يقولون هو سحر، ومرة يقولون هو قول الكهنة، ومرة أساطير الأولين، ولم يحك الله عنهم ولا بلغنا في شيء من الروايات أنهم جدبوه (٢) من الجهة التي\n_________\n(١) ص ١٧ تأويل المشكل بتحقيق الأستاذ السيد أحمد صقر.\n(٢) أي عابوه وذمّوه.","vol":"1","page":430},{"text":"جدبه منها الطاعنون، فأحببت أن أنضح عن كتاب الله، وأرمى من ورائه بالحجج النيرة، والبراهين البينة وأكشف للناس ما يلبسون\".\nوإذن فقد وجهت للقرآن مطاعن قذف بها الزنادقة وأرباب المرض من منتحلي الثقافة والعلم فلبسوا على العامة بما يزعمونه من التناقض ووقوع اللحن، وعدم التوافق بين الشرط والجزاء، والذهاب بالمجاز والكناية إلى معان حقيقية لا يشهد بها السياق ثم الوقوف عند المتشابه، وما جاء مكررًا من المعاني مما يحسبون أن القرآن في ذلك كله قد خرج على الأسلوب العربي فيه، وهي أراجيف تجد صداها لدى البعيدين عن أسرار البيان، ودقائق البلاغة التي يعرفها الأصلاء من العرب عن طبع خالص، فجرت ألسنتهم نثرًا وشعرًا يمثل ما جرى به القرآن في منحاه التعبيري وإن ارتفع القرآن بمستواه البياني إلى أفق لا تشرئب إليه الأعناق فكان من هم ابن قتيبة أن يثبت أن الأسلوب القرآني يطرد مع النسق البياني لدى العرب إيجازًا وحذفًا وتشبيهًا واستعارة وكناية وتقديمًا وتأخيرًا، وأن ما يرجف به المغرضون لغو لا يقره مَنْ درس مذاهب العرب في القول، ومناحيها في البيان، وهو لذلك يقدم الباب الأول من كتابه بقوله (١):\n\"وإنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب، وما خصّ الله به لغتها دون جميع اللغات فإنه ليس في جميع الأمم أمة أوتيت من العارضة والبيان واتساع المجال ما أوتيه العرب خِصِّيصي من الله لما أرهصه في الرسول، وأرداه من إقامة الدليل على نبوّته بالكتاب، فجعله علمه كما جعل علم كل نبي من المرسلين من أشبه الأمور بما في زمانه المبعوث فيه\" إلى أن يقول:\n\"وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها طرق القول ومأخذه ففيها الاستعارة والتمثيل، والقلب والتقديم والتأخير والحذف والتكرار والإخفاء والإظهار\n_________\n(١) تأويل المشكل: ص ١٠.","vol":"1","page":431},{"text":"والعريض والإفصاح والكناية والإيضاح ومخاطبة الواحد مخاطبة الجمع، والجمع خطاب الواحد، والواحد والجمع خطاب الاثنين والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص مع أشياء كثيرة ستراها في أبواب المجاز إن شاء الله تعالى، وبكل هذه المذاهب نزل القرآن (١) \".\nوإذن فقد وضح مقصد المؤلف من كتابه! إنه الرد على من يجهلون الأسرار البيانية للأسلوب العربي فيرجفون ببعض الآيات القرآنية إرجافًا يصغى إليه الجهلاء ويعرض عنه العلماء! ولا بد من دفاع مجيد عن الحق يقوم به أديب متمكن النظر، قوى اللمح، وهو ما نهض صاحب التأويل به في مؤلفه الحاسم فلتتابعه في بعض مراحل الطريق.\nعدّد المؤلف مطاعن الناقدين فيما اعتلوا به في وجوه الاختلاف في القراءات وفي بعض ما يتوهم من اللحن النحوي فكتب فصلين قويين بدّد فيهما كل شبهة بما سطع به من حق منير، وسنتجاوزهما إلى غيرهما لبعدهما بعض البعد عمّا نعالجه من التفسير البياني، فإذا اتجهنا إلى باب التناقض والاختلاف فسنجد لوامع ساطعة من المنحى البلاغي في الشرح والتأويل تدل على نفاذ وعمق نعهدهما لدى المؤلف في كثير مما كتب، وقد أوضح الحديث عن المتشابه إيضاحًا بالغ الجودة، فبدأ القول مدافعًا عن دقة القرآن حين يعمد إلى ما يخاله الجاهل غموضًا، وما هو إلّا تفنن في البيان لا يكشف به وجه القول لكل ناظر، بل لمن تمرّس بالأسلوب البياني وعرف منحاه ومأتاه، وقد أفصح عن ذلك بقوله (٢):\n\"وأما قولهم ماذا أراد بإنزال المتشابه في القرآن مَنْ أراد بالقرآن لعباده الهدى والتبيان، فالجواب عنه أن القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها، ومذاهبها في الإيجاز والاختصار والإطالة والتوكيد والإشارة إلى الشيء وإغماض بعض المعاني حتى لا\n_________\n(١) ص ١٦ من التأويل.\n(٢) التأويل ص ٦٢.","vol":"1","page":432},{"text":"يظهر عليه إلا اللقن (١) وإظهار بعضها وضرب الأمثال لما يخفى، ولو كان القرآن كله ظاهرًا مكشوفًا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس وسقطت المحنة وماتت الخواطر، ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة ومع الكفاية يقع العجز والبلادة ... وكل باب من أبواب العلم من الفقه والحساب والفرائض والنحو، منه ما يجل ومنه ما يدق ليرتقي المتعلم فيه رقبة بعد رتبة حتى يبلغ منتهاه ويدرك أقصاه، وتكون للعالم فضيلة النظر، وحسن الاستخراج، ولتقع المثوبة من الله على حسن العناية، ولو كان كل فن من العلوم شيئًا واحدًا لم يكن عالم ولا متعلم ولا خفي ولا جلي لأن فضائل الأشياء تعرف بأضدادها فالخير يعرف بالشر والنفع بالضر، والحلو بالمر، والقليل بالكثير، والصغير بالكبير والباطن بالظاهر وعلى هذا المثال كلام الرسول -ﷺ- وكلام صحابته والتابعين وأشعار الشعراء وكلام الخطباء ليس منه إلّا وقد يأتي فيه المعنى اللطيف الذي يتحير فيه العالم المتقتدم، ويقر بالقصور عنه النقاب المبرز\".\nونحن ننقل هذا القول لنناقشه إذ أن الموافقة التامة على ما جاء به مما يتعذر، لأن الله ﷿ لم يأت بما يسمّى بالتشابه في القرآن ليفضل قومًا على قوم فلا يستوي في معرفته العالم والجاهل فيبطل التفاوت بين الناس وتسقط المحنة وتموت الخواطر كما أراد ابن قتيبة أن يقول، فحاشا له ﷿ أن يعمد إلى هذا التفاضل - ولو في مجال البيان وحده فيؤصل حواجزه ويقيم رواسخه! إنما جاء بالمتشابه في البيان أجمعه -لا في القرآن وحده- لأن هناك من المعاني ما لا تفصح عنها الألفاظ إلا بعبارة توهم الاشتراك، ثم يجيء السياق فيفسح مجال الأخذ والرد في تفضيل معنى على معنى مما تدل عليه هذه العبارة المشتركة، والقارئ اللامح النفاذ هو الذي يصل إلى المعنى المراد جازمًا بصحته في ضوء ما يعهد من الأساليب، وبهذا كان المتشابه واضحًا لدى الراسخين من ذوي العلم يعرفون وجهه ويكشفون\n_________\n(١) اللقن: الجيد الفهم.","vol":"1","page":433},{"text":"نقابه! وحينئذ لا يعتبر متشابهًا إلّا لدى القاصرين المتحيرين، وإذن فما يسمى بالتشابه قد جاء في القرآن لأنه أحد لوازم التعبير الأدبي لا يتخلّى عنه أدب مبين، وقد امتلأ به حديث رسول الله وصحابته، وضرب المؤلف عليه شتى الأمثلة الرائعة من أقوال الشاعرين والناثرين.\nوإذا خالفنا ابن قتيبة في رأيه ذلك فإننا نقدّر رأيه القوى في إدراك ذوي العلم للمتشابه حين قال في حجاج سديد (١).\n\"ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى، ولم ينزل الله شيئًا من القرآن إلا لينفع عباده، ويدل به على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال وتعلق علينا بعلّة وهل يجوز لأحد أن يقول أن رسول الله -ﷺ- لم يكن يعرف المتشابه، وإذا جاز أن يعرف مع قوله تعالى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته فقد علم عليًّا التفسير ودعا لابن عباس فقال اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين ... حدثني محمد بن عبد العزيز عن موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال تعلمونه وتقولون آمنا به، ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ في المتشابه إلا أن يقولوا ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ لم يكن للراسخين فضل على المتعلمين، بل على جهلة المسلمين، لأنهم جميعًا يقولون ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.\nهذا قول جيد وأنا أراه من زاويتي الشخصية يدل على أن المتشابه ممّا لا سبيل إلى الابتعاد عنه ما دامت أوجه تنكشف لذوي البصيرة، ويتولون شرحه وتفسيره، حيث أنه من طبيعة كل لغة تتفتح ألفاظها عن مشتركات المعاني، وما كان للقرآن أن يحيد عنه وقد جاء بلسان عربي مبين ينحو منحى العرب في التعبير، وهل يظن ابن قتيبة -ومن وافقه على رأيه- أن من استشهد بهم من الشعراء والناثرين كانوا يأتون\n_________\n(١) ص ٧٢ من المشكل.","vol":"1","page":434},{"text":"المتشابه كيلا يستوي في معرفة أسلوبهم العالم والجاهل! إن كل أديب يتمنى في أعماقه أن يقرأه الناس جميعًا صغارًا وكبارًا نابهين وخاملين متفوقين ومتواضعين! فما ظنك بكتاب يسّره الله للذكر، وأنزله بلسان عربي مبين! .\nفإذا تركنا باب المتشابه إلى ما تلاه من القول عن (المجاز) نجد ابن قتيبة قد أحسن الاستشهاد بأمثلة رائعة من كتاب الله، وقد خصّ المجاز ببعض التفصيل إذ من جهته غلط كثير من الناس في التأويل وتشعبت بهم الطرق واختلفت النحل (١)، وقد طعن الطاعنون على القرآن بالمجاز فزعموا أنه كذب لأن الجدار في قوله تعالى ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ لا يريد. والقوية في قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ لا تسأل وهذا ما نقضه ابن قتيبة لقوله الحاسم (٢).\n\"هذا ومن أشنع جهالاتهم على سوء نظرهم وقلة أفهامهم، ولو كان المجاز كذبًا، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلًا، كان أكثر كلامنا فاسدًا، لأنا نقول نبت البقل، وطالت الشجرة وأينعت الثمرة وأقام الجبل ورخص السعر، ونقول كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا والفعل لم يكن وإنما كوّن، وتقول كان الله وكان بمعنى حدث، والله ﷿ قبل كل شيء بلا غاية لم يحدث فيكون بعد أن لم يكن، والله تعالى يقول ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ وإنما يعزم عليه، ويقول ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ وإنما يربح فيها، ويقول ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ وإنما كذب به، ولو قلنا للمنكر لقوله ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ كيف كنت أنت قائلًا في جدار رأيته على شفا انهيار، رأيت جدارًا ماذا؟ لم يجد بدًا من أن يقول جدارًا يهم أن ينقض، أو يكاد أن ينقض، أو يقارب أن ينقض، وأيا ما قال فقد جعله فاعلًا ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم إلا بمثل هذه الألفاظ، وأنشدني السجستاني عن أبي عبيدة في مثل قول الله يريد أن ينقض:\n_________\n(١) المشكل ص ٧٦.\n(٢) المشكل ص ٩٩.","vol":"1","page":435},{"text":"يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل\nوأنشد الفراء:\nإن دهرا يلفّ شَمْلي بِجُمْلٍ ... لزمان يهم بالإحسان\nوالعرب تقول بأرض فلان شجر قد صاح أي طال، لما تبين الشجر للناظر بطوله، ودلّ على نقسه جعله كأنه صائح لأن الصائح يدل على نفسه بصوته ومثله قول العجاج:\nكالكرم إذ نادى من الكافور.\nويقال: هنا شجر واعد إذا نوّر كأنه لما نور وعد أن يثمر، ونبات واعد، إذا أقبل بماء ونضرة\".\nهذا النصّ من حديث ابن قتيبة يعطي صورة أمينة لمذهبه المتبع كثيرًا هي النقاش، فهو إذ يوجز الاعتراض يوجز الردّ، ولكنه في الناحيتين معًا دقيق صائب لا يموه أو يلفق! فقد ذكر اعتراضهم على كذب المجاز واستشهادهم بالآيتين الكريمتين! واتبعهما بأمثلة من الحديث المتداول لا مجال لإنكارها مع خلوصها الصريح من الكذب فإذا تم له ذلك قَفَّى بأربعه أمثلة صريحة في المجاز من كتاب الله ليتبعها بسؤال مفحم للمنكر كيف يقول إذا رأى جدارًا على شفا انهيار، والإجابة الملزمة أن يجعل الجدار - فاعلًا مهما حوّر إجابته على نحو من الأنحاء! وبذلك يجهز بن قتيبة على كل اعتراض يقال فإذا اطمأن القارئ إلى منطقه الصريح شفعه بأمثلة معروفة من الشعر العربي تؤيد ما جاء بكتاب الله من المجاز فجعل الأسلوب العربي شعره ونثره موضع التدليل والتصويب! وهو ما ينحوه كل البيانيين من المفسرين على أن قوله في خلال ذلك \"ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم إلا بمثل هذه الألفاظ\" قد يدلّ على أن المؤلف لم يلم بلغة العجم! وقد قيل أنه يعرف الفارسية، وهي إشارة تحمل منافذ مختلفة من الرأي فدع تحليلها إلى من يريد.","vol":"1","page":436},{"text":"وإذا كانت الاستعارة من أظهر وجوه المجاز فقد أفردها صاحب التأويل بفصل شاف محتشد الأمثلة حسن التوجيه مبينًا في مطلعه أن الاستعارة بعض سبيل العرب في الحديث ومستشهدًا بجيد المأثور في ذلك، وطريقته التحليلية لأساليب الاستعارة في القرآن مشرقة، كنا نود لو اكتفى بها فلم تتحول فيما بعد إلى اصطلاحات تذهب الرونق وتضائل اللألاء، استمع إن شئت إلى قوله (١):\n\"ومنه -من باب الاستعارة- قوله ﷿: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ أي كان كافرًا فهديناه وجعبنا له إيمانًا يهتدي به سبل الخير والنجاة، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ أي في الكفر فاستعار الموت مكان الكفر، والحياة مكان الهداية، والنور مكان الإيمان\" ومنه قوله ﷿: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ أي إثمك وأصل الوزر ما حمله الإنسان على ظهره، قال الله ﷿: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ أي أحمالًا من حليهم فشبه الإثم بالحمل فجعل مكانه، وقال في موضع آخر: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ يريد آثامهم.\nويبلغ المؤلف غاية الجودة حين يتبع لفظًا واحدًا من الألفاظ القرآنية ليرى كيف مضت به الاستعارة إلى شتى المعاني إذ لكل لفظ معناه الذي يهيئه له مكانه، ويحدد، سياقه ونضرب لذلك المثال من قوله (٢) ومن الاستعارة ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني جنته سماها رحمته لأن دخولهم إياها كان برحمته، ومثله قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾.\nوقد توضع الرحمة موضع المطر لأنه ينزل برحمته قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني المطر، وقال ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ\n_________\n(١) المشكل ص ١٠٦.\n(٢) المشكل ص ١١٠.","vol":"1","page":437},{"text":"رَحْمَةِ رَبِّي﴾ يعني مفاتيح رزقه، وقال تعالى. ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ أي من رزق.\nوصنيعه هذا يدل على بصر وإحاطة، وأذكر أنه في مواضع أخرى من الكتاب، قد خصّ بعض الألفاظ القرآنية بفصول خاصة تختلف طولًا وقصرًا جمعها تحت عنوان (باب اللفظ الواحد للمعاني المختلفة) فتحدثه عن معاني القضاء، والهدى، والأمة، والعهد، والإلّ، والقنوت، والدين، والمولى، والضلال والإمام والصلاة والكتاب والسبب والحبل، والظلم، والبلاء، والرجس، والفتنة، والغرض والخيانة، والإسلام والإيمان والروح والوحي، والقرح والفتح والكريم والزوج والرؤية والمثل والضرب، والنسيان والصاعقة والأخذ والسلطان والبأس والخلق والرجم، والسعي، والمحصنات والمتاع والحساب والأمر، وذلك ما بين صفحتي ٢٩٤، ٣٤١ فكان ابن قتيبة بذلك أول من فكر في وضع معجم لمعاني الألفاظ القرآنية وهي فكرة يتولاها الآن مجمع اللغة العربية القاهري، وقارئ أمثال هذه الفصول يرى الشواهد اللائحة لتطور الكلمة من الحقيقة إلى المجاز وإذا استطعنا أن نهتدي إلى معجم تاريخي للألفاظ فإن أمثال هذا الصنيع مما يساعد ويعين.\nوأنا بعد ذلك كله أجد في باب المجاز بعض الخلاف الواضح. بيني وبين صاحب المشكل، فقد كان منحاه الفقهي والكلامي يدعوه إلى كثير من التشدّد في تطبيق المجاز، حتى ليحكم بالحقيقة فيما المجاز به واضح ساطع، واستشهد بمثالين واضحين.\n١ - قال ابن قتيبة: وأما تأولهم (١) في قوله ﷿ للسماء والأرض ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾.\nأنه عبارة عن تكوينه لهما، وقوله لجهنم ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ إخبار عن سعتها فمما يحوج إلى التعسف والتماس المخارج بالحيل الضعيفة\n_________\n(١) المشكل ص ٨٣.","vol":"1","page":438},{"text":"وما ينفع من وجود ذلك في الآية والآيتين والمعنى والمعنيين، وسائر ما جاء في كتاب الله ﷿ من هذا الجنس وفي حديث رسول الله ممتنع عن مثل هذه التأويلات وما في نطق جهنم ونطق السماء والأرض من العجب، والله تعالى ينطق الجلود والأيدي والأرجل ويسخر الجبال والطير بالتسبيح، فقال ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ وقال ﴿يَاجِبَال أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْر﴾ أي سبحن معه، وقال ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾.\nوقال في جهنم ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي تنقطع غيظًا عليهم كما تقول فلان يتقد غيظا عليك أي ينشق؛ وروي في الحديث أنها تقول قط قط أي حسبي حسبي\".\nثم قال ابن قتيبة (١) وبمثل هذا النظر أنكروا عذاب القبر ومساءلة الملكين وحياة الشهداء عند ربهم يرزقون وأنكروا إصابة العين، ونفع الرقي والعوذ وعزيف الجنان وتخبط الشيطان وتغول الغيلان ... الخ\".\nهذه وجهة نظر المؤلف، وأنا أقول في الردّ عليه إن كتاب \"تأويل مشكل القرآن\" ينهض على فكرة راسخة هي إن القرآن قد نزل بأساليب العرب، فحاكى أوجه كلامهم في الحديث ومنازعهم في تشقق الكلام، والذين يذهبون مذهب المجاز في ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ علماء أدباء يحذقون لغة العرب ويستشهدون لما يقولون بمثل قول الشاعر (٢) على لسان الناقة:\nتقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدًا وديني\nأكل الدهر حل وارتحال ... أما يبقى عليّ ولا يقيني\n_________\n(١) المشكل ص ٨٥.\n(٢) المشكل ص ٧٨.","vol":"1","page":439},{"text":"وقوله:\nشكا إليّ جملي طول السرى ... يا جملي ليس إليّ المشتكى\nوقوله:\nفازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إليّ بعبرة وتحمحم\nوعشرات أخرى من الأمثلة التي ذكر بعضها ابن قتيبة نفسه في توضيح وأى المخالفين، فإذا ألف العربي أن ينطق الناقة والجمل والحصان والذباب الجبل بما يريد على سببل المجاز، فما خالف المتأولون مذهب العرب في شيء! وهم في ذلك لم يجنحوا إلى إنكار آية أو رفض حديث.\nوالعجب لا ينتهي من قول ابن قتيبة \"وبمثل هذا النظر أنكروا عذاب القبر ومساءلة الملكين وحياة الشهداء عند ربهم، لأن البلغاء ممن اتضوا وجهة التأويل في الآيتين الكريمتين لم يتعرضوا لعذاب القبر، وسؤال الملكين وحياة الشهداء حين استشهدوا بالآيتين، وتلك أمور دينية تركوا للمتنطعين بحثها، فإذا أنكرها سواهم من ذوي الغرض فلماذا يقذفهم ابن قتيبة بما لم يقولوا؟ قد يكون من هؤلاء من أنكر عزيف الجن ورؤية الغيلان -كالجاظ- وذهب إلى تعليل ذلك بما بسطه في الحيوان وأنكره ابن قتيبة، ولكن إنكار عزيف الجن ورؤية الغيلان شيء وإنكار حياة الشهداء شئ آخر! إن ابن قتيبة من الحصافة بحيث لا يجيز له أن يخلط بين أمرين متباعدين، ولو قرأ ما كتب الجاحظ بقلب سليم لاقتنع به، وأنّى! وقد عدّه أكذب أهل الأرض ورماه بما هو منه بريء!\n٢ - أما المثال الثاني يقول الله ﷿ ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ حيث أتبعه صاحب المشكل بقوله:\n\"إن الله ﷿ لما استخلف آدم على ذريته وسلطه على جميع ما في الأرض","vol":"1","page":440},{"text":"من الأنعام والطير والوحش عهد إليه عهدًا أمره فيه ونهاه، وحرّم عليه وأحل له فقبله، ولم يزل عاملًا به إلى أن حضرته الوفاة، فلما حضرته -ﷺ- سأل الله أن يعلمه من يستخلف بعده، ويقلده من الأمانة ما قلده فأمره أن يعرض ذلك على السموات بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع ومن العقاب إن عصى فأبين أن يقبلنه شفقًا من عقاب الله ثم أمره أن يعرض ذلك على الأرص والجبال فكلها أباه ثم أمره أن يعرضه على ولده، فعرضه عليه فقبله بالشرط ولم يتهيب ما تهيبته السماء والأرض والجبال\".\nفابن قتيبة لم يكتف بما اكتفى به ملتزمو وجهته من جعل العرض حقيقة قام بها المولى ﷿ مخاطبًا السموات. والأرض والجبال فأبين! بل ذهب إلى آخر الشوط فصدّق من قال أن القائم بالعرض آدم نفسه! مع أن صريح القرآن لا يدلّ على ذلك! ولو أن آدم خاطب السموات والأرض والجبال وردّت عليه لكان ذلك إحدى معجزاته الخارقة! وما رأينا من نسب لآدم ﵇ أنه كلم السموات والأرض والجبال فردت عليه! أفيجوز لهذا الأديب المتمكن أن يتنازل وقتا ما عن حصافته البارعة! فيشتط في قبول تفسير لا تقوم عليه الشواهد، وأمامه اللسان العربي المبين يسعفه بوجه الرأي السافر لو احتكم إليه بعيدًا عن التشدّد الثقيل؟ لسنا نريد أن نلزم أحدًا برأي، ولكننا نحاول أن نتبين معالم الطريق! على أن مواضع إصابة المؤلف كثيرة متعددة لا تقاس بما يشذ بين السطور على أبعاد متنائية، وقد جعل المبالغة -كما هي في كثير من أحوالها- من بعض وجوه الاستعارة، ووفق في عرض أمثلة قرآنية تنطق بها مقرونة بما يماثلها من جيد الشعر والنثر، ولم يمنعه استحسانه برأي معين أن يذكر ما يخالفه منسوبًا إلى صاحبه، ولو أردنا أن نتوسع في الاستشهاد على ذلك لضاق بنا النطاق ولكننا نكتفي بهذا الشاهد.\nقال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ فذكر المؤلف تبيينًا له (١):\n_________\n(١) المشكل ص ١٣٧.","vol":"1","page":441},{"text":"\"تقول العرب إذا أرادت تعظيم مهلك رجل عظيم الشأن رفيع المكان عام النفع كثير الصنائع \"أظلمت الشمس له وكسف القمر لفقده وبكته الريح والبرق والسماء والأرض\" يريدون المبالغة في وصف المصيبة وأنها قد شملت وعمت وليس ذلك بكذب لأنهم جميعًا متواطئون عليه والسامع له يعرف مذهب القائل فيه، وهكذا يفعلون في كل ما أرادوا أن يعظموه ويستقصوا صفته ونيتهم في قولهم أظلمت الشمس أي كادت تظلم وكسف القمر كاد ينكسف، ثم قال وقد اختلف الناس في قوله \"فما بكت (١) \" فذهب به قوم مذاهب العرب في قولهم بكته الريح والبرق ... وقال آخرون فما بكى عليهم أهل السماء والأرض، فأقام السماء والأرض مقام أهلهما، كما قال تعالى ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أراد أهل القرية ... وقال ابن عباس: \"لكل مؤمن باب في السماء يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه فإذا مات بكى عليه الباب وبكت عليه آثاره في الأرض ومصلاه والكافر لا يصعد له عمل ولا يبكي له باب في السماء ولا أثره في الأرض\" اهـ.\nفالمؤلف -كما يلوح لي- مزورّ عما نسب إلى ابن عباس من تفسير، ولكنه يذكره بعد أن يستوفي تفسيره البياني المقنع مؤيدًا بالأمثلة السوائر معتقدًا أنه أصاب مقطع الحق فيما تناول، وليس يضيره أن يأتي برأي آخر قد يجد من القراء من يميل به إلى التوهين والترجيح وفي أبواب المقلوب، والحذف والاختصار والكناية والتعريض ومخالفة ظاهر اللفظ معناه أمثلة جيدة هي الأعواد الخضراء التي ترعرعت فيما بعد فأنشات شجرة البلاغة المتعدّدة الأفنان، بل بها ما لم يكد أن يزيد عليه البلاغيون شيئًا غير التفصيل والتفريع ومن ذلك حديثه عن الاستفهام التقريري مستشهدًا بنحو قول الله ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ (٢) والاستفهام التعجبي مستشهدًا بنحو قول الله ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ والاستفهام\n_________\n(١) المشكل ص ١٢٩.\n(٢) المشكل ص ٦٤.","vol":"1","page":442},{"text":"التوبيخي مستشهدًا بنحو قول الله ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ﴾ وكذلك فعل إذ تحدث عن الأمر التهديدي والأمو التأديبي والأمر المبيح لا الملزم، مما يحفظ للرجل مكانه في التقنين البلاغيّ لدى المنصفين.\nونشير بهذه المناسبة إلى نقطة رئيسية نؤثر أن يلتفت إليها مؤرخو النقد والبلاغة، فقد درج هؤلاء على أن يعتبروا كتاب البيان والتبين أول كتاب يبتدئ الحديث عن فنون من البلاغة العربية ثم ينتقلون منه إلى كتاب البديع لابن المعتز حيث يجعلونه الكتاب الثاني بعد كتاب الجاحظ، وإذا كان ابن المعتز قد اعترف في خاتمة كتاب البديع أنه ألفّه سنة ٢٧٤ هـ وإذا كان ابن قتيبة قد انتقل إلى جوار ربه سنة ٢٧٦ هـ ولم يكن كتاب المشكل آخر ما ألف بل ألّفَ بعد أكثر من عشرة كتب أشار فيها إلى كتاب المشكل بما يدل على سبقه الزمني في التأليف. فإن سبق ابن قتيبة في تأليف المشكل يجعله صاحب المنزلة الثانية في الحديث البلاغي بعد الجاحظ مباشرة! إذ أنه قد خصّ أبوابًا برءوسها تتحدث عن المجاز والاستعارة والكناية والتعريض كما تحدث عن التشبيه في أبواب مستقلة تجدها تحت عناوين:\nأ- في سورة البقرة ص ٢٤٩.\nب- وفي سورة الرعد ص ٢٥١.\nج- وفي سورة النور ص ٢٥٢.\nد- وفي سورة البقرة ص ٢٨٢ وإن لم يخص التشبيه في كتاب التأويل بعنوان مستقل كما فعل في عيون الأخبار، هذا إلى نظراته القوية عن الالتفات والمقلوب والحذف والاختصار ممّا يعدّ من البحوث البلاغية في صميم الصميم، وكل ذلك يجعل من كتاب المشكل خطوة هامة في التأليف البلاغي لا يجوز تجاهلها، وقد كان ابن قتيبة من الجهارة والصيت بحيث لا يجوز لعالم أديب شاعر كابن المعتز أن يجهل مكانه، أو يغمض عن مؤلفاته في فن","vol":"1","page":443},{"text":"يعمد إلى جمع مسائله، واستكمال فروعه، وإذا لم يشر إليه في كتابه، فليس لابن قتيبة ذنب في ذلك يميل بنا على تخطيه، وأذكر أن الأستاذ الأديب السيد أحمد صقر محقق كتاب المشكل كان -فيما نعلم- أول من اهتدى إلى هذه الحقيقة حيث قال في مقدمة الكتاب (١).\n\"ولأبواب المجاز التي ذكرها ابن قتيبة في هذا الكتاب قيمة تاريخية كبيرة لأنها ستضيف إلى معارفنا عن تطور البلاغة شيئًا جديدًا، فالذائع الشائع بين الخاصة وغيرهم أن البلاغة العربية طفرت من نثار الجاحظ المبثوث في كتبه إلى بديع ابن المعتز طفرة واحدة، ولم يعرف أحد أن ابن قتيبة قد أسهم في تكوينها وتطويرها بنصيب موفور، فظهور تلك الأبواب في هذا الكتاب يظهرنا على تلك الحقيقة المفقودة في تاريخ البلاغة ويضيف إلى أمجاد ابن قتيبة مجدًا آخر عظيم الشأن سيذكره الذاكرون كلما تحدثوا عن تاريخ البلاغة ونشأتها\".\nوقد ظهر انتفاع ابن قتيبة بآثار سابقيه في كتاب المشكل ظهورًا لا يخفى على الدارسين، فما أكثر ما اتكأ على الجاحظ وأبي عبيدة فيما نزع إليه من تأويل، وإن تعمّد أنْ يغفل اسم الجاحظ في كل ما انتفع به منه، من ذلك حديثه عن تأويل قول الله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ ص ٤ من المشكل فإنه عين كلام الجاحظ في باب العصا ص ٢٦ ج ٣ من البيان والتبيين (٢)، وحديثه عن تأويل قول الله ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ ص ٥ من المشكل، فإنه من حديث الجاحظ في الحيوان ج ٣ ص ٨٦ (٣) وحديثه عن قول الله ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ ص ٥٨ فإنه من وحي الجاحظ عن البيان والتبيين ج ٢ ص ٩٩٢ (٤).\n_________\n(١) مقدمة المشكل ص ٦٤.\n(٢) الطبعة الثالثة للسندوبي.\n(٣) الطبعة الأولى لعبد السلام هارون.\n(٤) الطبعة الثالثة للسندوبي.","vol":"1","page":444},{"text":"أما أبو عبيدة فلم يهمل ذكره كما أهمل الجاحظ بل أشار إليه في كثير مما اتكأ فيه عليه وإن أغفله حيث يجب الذكر في مواضع هامة، وكأن يجنح إلى معارضته دون داع موجب غير اختلاف وجوه النظر بين عقليتين متباعدتين، ومن ذلك قوله ص ١٥٣: وكان بعض أصحاب اللغة يذهب في قول الله تعالى ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ إلى مثل هذا في القلب، ويقول وقع التشبيه بالراعي في ظاهر الكلام والمعنى للمنعوق به وهو الغنم (١)، وكذلك قوله سبحانه ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي تنهض بها وهي مثقلة، ثم يقول ابن قتيبة (٢) في نقد ذلك وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله ﷿ لو لم يجد له مذهبًا لأن الشعراء تقلب اللفظ وتزيل الكلام على طريق الغلط أو على الضرورة للقافية، وبعد أن يستشهد على ذلك بأمثلة معروفة للشعراء يقول (٣) \"والله لا يغلط ولا يضطر وإنما أراد\" ومثل الذين كفروا ومثلنا في وعظهم كمثل الناعق بما لا يسمع، فاقتصر على قوله ومثل الذين كفروا وحذف ومثلنا، لأن الكلام يدل عليه ومثل هذا كثير في الاختصار.\nونحن لا نرفض تأويل ابن قتيبة فهو مما يجوز، ولكننا نرفض أن يكون وحده التأويل الصحيح بحيث يكون رأى أبي عبيدة خطأ لا يحتمل الصواب ورأيه صوابًا لا يحتمل الخطأ لأن القلب لا يكون للاضطرار الشعري كما ظن ابن قتيبة بل يكون لتأكيد المعنى وتجليته ولغيرهما من الأمور البيانية التي تظهر الصورة ذات لمح وإشعاع! وقد جاء القلب في اللسان العربي شعرًا ونثرًا حتى اشتهر قول الأعرابي \"عرضت الناقة على الحوض\" مريدًا به عرضت الحوض على الناقة، ولم يكن الأعرابي في قوله شاعرًا فيضطر إلى هذا القلب، ولكنه كان بليغا يعني ما يقول!\n_________\n(١) هذا كلام أبي عبيدة في مجاز القرآن ج ١ ص ٦٣.\n(٢) المشكل ص ١٥٤.\n(٣) المشكل ص ١٥٦.","vol":"1","page":445},{"text":"فانظر معي كيف توهم المؤلف أن القلب لا يكون إلا للضرورة والغلط ثم جعل من هذا التوهم البعيد دليلًا على غلط أبي عبيدة دون تدقيق.\nوإذا كان المؤلف الكبير -وراء هذا كله- قد استشف أسرار التركيب البياني للقرآن في أكثر ما تعرض له على كثرته الكاثرة فقد أمد المفسير البياني برافد صاف عذب لم يلبث أن ورده المفسرون، لينقعوا منه غللهم الصادية، فصدروا عنه هانئين، فإذا أضيف إلى ذلك ما قطفه المفسرون من كتابه المسمى \"تفسير غريب القرآن\" فلك أن تقدّر معي ثراء هذا الرجل الخصب وتراثه الحفيل\" (١).\nولقد كان الرماني المعتزلي (٢٩٦ - ٣٨٦ هـ) وحمد بن محمد الخطابي البستي (٣١٩ - ٣٨٨) أول من كتب في إعجاز القرآن، فلقد وضع الرماني رسالته التي سماها (النكت في إعجاز القرآن). وقد بين فيها وجوه الإعجاز، فذكر الصرفة متأثرًا بالنظام، كما ذكر من أوجه الإعجاز أخبار الغيب. ولكن عنايته في الإعجاز انصبت على البلاغة، فذكر الاستعارة والتشبيه وغيرها، ممثّلًا لكل ذلك من القرآن الكريم، على أنّه ينبغي أن يُعلم أن الصرفة التي ذكرها الرماني، ليست هي ما كان يعنيه النظام، لأنّ الرماني -﵀- ركز كثيرًا على أن البلاغة القرآنية هي سر إعجازه، فالقرآن في أعلى طبقات البلاغة التي لا يستطيعها البشر، والصرفة عنده ليست إلّا وجهًا عقليًا يصلح أن يكون وجهًا من وجوه الإعجاز.\nأما الخطابي في رسالته (بيان إعجاز القرآن) فرد على القائلين بالصرفة، كما لم يرتض القول بأن إعجاز القرآن يكمن في تضمنه الأخبار عن الأمور المستقبلة لأن ذلك في آيات مخصوصة، والإعجاز لا بد أن يكون في القرآن كلِّه، لذلك رأى أن البلاغة التي تقوم على قواعد هي سرّ الإعجاز، وإنما قلت تقوم على قواعد، لأن البلاغة التي تقوم على الذوق وحده لا تصلح في هذا الشأن الخطير، فالأذواق مختلفة، ولا بد أن يكون الذوق معللًا، وهو ما يعرف بالنقد، وناقش فكرة البلاغة\n_________\n(١) خطوات التفسير البياني [٩٢ - ١٢٠].","vol":"1","page":446},{"text":"مبينًا أنها لا تصلح لأن تكون البحث الذي تدور حوله فكرة الإعجاز، لذا كانت نظريته في الإعجاز تكمن في نظم القرآن نظما بديعًا، يجمع بين أفصح الألفاظ وأصح المعاني في أبدع نظم وأحسنه وهذه عبارته قال الخطابي (وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة، حتى لا ترى شيئًا من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظمًا أحسن تأليفًا وأشد تلاؤمًا وتشاكلًا من نظمه، وأما المعاني فلا خفاء على ذي عقل أنها هي التي تشهد لها العقول بالتقدم في أبوابها، والترقي في أعلى درجات الفضل من نعوتها وصفاتها.\nوقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأما أو توجد مجموعة من نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، الذي أحاط بكل شيء علمًا وأحصى كل شيء عددًا.\nفتفهم الآن واعلم أن القرآن إنما صار معجزًا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف متضمنًا أصح المعاني من توحيده له عزت قدرته وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته، من تحليل وتحريم وحظر وإباحة ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساوئها، واضعًا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أو لى منه، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه، مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم منبئًا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الباقية من الزمان، وجامعًا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والدليل عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباءً عن وجوب ما أمر به ونهى عنه) (١).\nولعله اللبنة الأولى لمن جاءوا بعده في إبراز نظرية النظم وتكاملها.\nوإذا كان الرماني والخطابي قد تركا لنا رسائل في الإعجاز، وكان لكل وجهته ورأيه، فإن علامة الأشاعرة القاضي أبا بكر الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣ هـ، كان\n_________\n(١) ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، الخطابي ص ٢٧.","vol":"1","page":447},{"text":"متممًا لتلك الحلقة، وذلك بكتابه الذي شاع صيتًا وعم انتشارًا واتسع شهرة، ولم يشتهر كتاب شهرته وهو كتاب (إعجاز القرآن). فلقد صال فيه وجال وأنجد وأتهم، فرد على الملاحدة، ونفى الشعر والسجع كليهما عن القرآن، وقد يكون تكلف لذلك، ووازن بين النص القرآني وغيره من الشعر والنثر فبخس الشعراء كثيرًا ظانًا أن ذلك مما يخدم النص القرآني، مع أن العكس هو الصحيح ولكنه فسر لنا بعض الآيات والسور، فكان موفقًا في استجلاء الألفاظ واستخراج المعاني، وبخاصة أن حديثه لم يقتصر على الجملة القرآنية، بل فطن إلى الوحدة في السور القرآنية، تدرك هذا وأنت تجده يربط بين الآيات، مبينًا ما بينها من صلاتٍ ووشائج، ولعله أول من ركز على هذه القضية الخطيرة الشأن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>نظرية عبد القاهر وإبداعه:</span>\nوبانتهاء هذه المرحلة التي اشتركت فيها جهود اللغويين والمتكلمين، والتي وصلت إلى نتائج كان لها أثر لا ينكر في إلقاء الظلال الأولى على نظرية الإعجاز، التي كانتا الأساس الذي بنيت عليه موحلة تالية، كان فيها الجدة والإبداع والابتكار ما تستريح له النفس، وتقر به العين، وأعنى بتلك المرحلة التالية، نظرية عبد القاهر الجرجاني، وهي النظرية التي كانت أنموذجًا تامًّا، رأينا تطبيقه العملي في كتاب الكشاف.\nلقد درس عبد القاهر النحو على يد أبي الحسين الفارسي، الذي كان يعد إمامًا فيه بعد خاله أبي علي الفارسي (١). وتأثر بتلك الدراسة في نظريته التي كانت سبب شهرته. ووضع عبد القاهر كتابين هما: (دلائل الإعجاز) و(أسرار البلاغة). وهما من خير الكتب في هذا الفن قديمها وحديثها، إذ تحدث عن البلاغة في أصالة معناها وسمو هدفها وغايتها، قبل أن تكدر مواردها العذبة بالأجاج الذي لا يستحلى، والذي حولها إلى مجموعة من المصطلحات والتعقيدات التي لا تنفذ من\n_________\n(١) البلاغة تطور وتاريخ، دار المعارف، ١٩٦٥، ص ١٦٠.","vol":"1","page":448},{"text":"منفذ الوجدان، وإنما منفذها الوحيد العقل الذي تعود الممارسة، فصار الباب الذي تلج منه كأنها والفلسفة شريكان، لقد جاء عبد القاهر والناس مختلفون بين نصير للفظ يراه سبب البلاغة، ومقدم للمعنى يرى له الشرف والسبق، فوضع نظريته في المعاني. نظرية النظم، وأساسها الذي تقوم عليه أن اللفظ لا ينظر إليه من حيث هو لفظ، وأن المعنى لا ينظر إليه من حيث هو معنى، وإنما ينظر إلى الأول من حيث هو قالب للمعنى، وينظر إلى الثاني من حيث هو معبر عنه بهذا اللفظ. وتلك النظرية هي التي خصها بكتاب (دلائل الإعجاز). بقي أن جمال هذا النظم، إنما يعظم ويحسن بقدر تأثيره في النفوس. وهذه خصها بكتابه الثاني (أسرار البلاغة). ولقد كانت دراسته فتحًا جديدًا في هذه الفنون، وهو يطبق ذلك على آي الكتاب العزيز.\nونستطيع أن نتبين حذق الرجل وهو يحدثنا عن جمال النظم، وتأثيره في النفوس، في مثل قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] حيث يذكر أن الفضل هنا ليس للاستعارة وحدها، بل لطريقة النظم، فقد جيء بهذا التمييز محولًا عن الفاعل، إذ الأصل (واشتعل شيب الرأس). وهكذا يبين لنا أسباب حذف المفعول، في مثل قول الله تعالى. ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وحالات الفصل والوصل في آيات كيرة، وعن معنى التشبيه في مثل قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] تلك القواعد المتكاملة التي وضعها عبد القاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>الزمخشري:</span>\nجاء الزمخشري ليطبق جزئيات نظرية عبد القاهر، بحذافيرها كاملة غير منقوصة، في تفسير الكشاف، الذي كان مادة غزيرة لمن جاء بعده، والزمخشري إذ يطبق قواعد عبد القاهر، ليس معنى هذا أنه كان ناقلًا مترجمًا، وإنما أعطى الرجل","vol":"1","page":449},{"text":"من البيان حظًّا وافيًا. وكان بحق كما قال في مقدمته (١) (مسترسل الطبيعة منقادها مشتعل القريحة وقادها). ولست مع هؤلاء الذين يتهمونه بأنه أخذ تفسيره عن الرماني، وما استندوا إليه من أن التفسير المنسوب للرماني للجزء الأخير من القرآن جزء عم، تشبه عبارته، أو تتحد مع عبارات الكشاف، فأنا أشك في نسبة هذا التفسير إلى الرماني. فعم إن الرجل تأثر -ولا شك- به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>الكشاف: للزمخشري:</span>\nولا بد من وقفة مع الكشاف لنرى تذوق الرجل للبيان القرآني الذي ألزم خصومه أن يعترفوا له، لقد كان الزمخشري أول من فرق في التسمية بين علم المعاني وعلم البيان، إذ كانا يعرفان باسم واحد من قبل، كما يظهر ذلك من مقدمته النفيسة الرائعة التي تدل على ما للرجل من قدم راسخة في هذا المضمار، والتي لم يستطع مثل أبي حيان، أن يخفي إعجابه بها وأسرها لفؤاده (٢). وإذا قلنا إن الرجل قد طبق نظرية عبد القاهر في الإعجاز فليس معنى هذا أنه مزجى البضاعة مكتسب الصناعة، بل كان تطبيق خبير ناقد، ليس كزًا جاسيًا ولا غليظًا جافيًا، ومع ذلك فلقد كان للرجل زيادات كثيرة يظهر فيها حذقه وبراعته. ويظهر كثير من هذا في أسلوب الفنقلة.\nوإذا أردنا أن ندرك جمال الأسلوب وحسن العرض وكشف أسرار النظم، فما لنا إلا أن نقرأ تفسير سورة الفاتحة مثلًا، لنرى ونعلم كيف ترتب آياتها آية تلو آية، كأنما هي البناء الشامخ الذي يلائم نفس الإنسان، ولنبدأ معه في أوائل سورة البقرة لنرى هذا السلك البديع، الذى نظمت فيه تلك الفنقلات جواهر ويواقيت، سواء كان في معنى اسم الإشارة في الآية الكريمة ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. أم في معنى الاستغلاء وتنكير (هدى)، والإتيان بحرف العطف مع\n_________\n(١) الكشاف ص ١٤ طبعة الحلبي ١٩٤٨.\n(٢) مقدمة البحر المحيط ص ٩.","vol":"1","page":450},{"text":"تركه في مواضع أخرى، والمجئ لضمير الفصل، وتعريف الخبر. وهكذا نعيش مع الكشاف، ليكشف لنا عن تلك الحقائق البيانية بما لا يدع مزيدًا لمستزيد. فها هو يبين السر الذى قال الله من أجله ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] دون كلمة منها.\nوالسر البلاغي في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ وسر العطف وتركه، في قول الله تعالى: ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥].\nلقد كان الزمخشري معتزليًّا كما نعلم، فبينه وبين الأشاعرة ما لا يخفى، ومع ذلك فلقد كان تفسيره المرجع الذي ينهل منه جميع العلماء وإذا كان ابن المنير الذي نراه يقسو على الزمخشري كثيرًا، قد لاحقه في كل ما كتب، فإنا نرى أن الزمخشري يأبى إلا أن ينتزع منه الاعتراف له بالفضل في مواضع كثيرة أكتفي بذكر موضع واحد، عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢] حيث يقول الزمخشري: فإن قلت الإذاقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما؟ والإذاقة المستعارة موقعة على اللباس المستعار، فما وجه صحة إيقاعها عليه؟ أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها في البلايا والشدائد وما يمس الناس منها.\nفيقولون: ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه العذاب: شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم، بما يدرك كم طعم المرارة. أما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابس. ما غشى الإنسان والتبس به من بعض الحوادث، وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف، فلأنه لما وقع عبارة عما يغشى منهما ويلابس. فكأنه قيل: فأذاقهم ما غشيهم من الجوع والخوف (١). قال أحمد بن المنيّر وهذا الفصل من كلامه يستحق على علماء البيان أن يكتبوه بِذَوْب التبر لا بالحبر).\n_________\n(١) تفسير الكشاف (٢/ ٦٣٨).","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>موازنة بينه وبين عبد القاهر:</span>\nعلى أن هناك حقيقة لا بد من تقريرها هنا، وهي أن الزمخشرى في تفننه وعلو همته، ورسوخ قدمه في أفانين القول، لم يكن ليبلغ ما بلغه عبد القاهر من طول النفس وامتداد جذوره إلى أغوار المعاني، والوصول إلى بديع الصنعة البلاغية.\nوسأضرب مثالًا واحدًا على ذلك: يقول الزمخشرى عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] شبه اليهود، في أنهم حملة التوراة وقراؤها. وحفاظ ما فيها، ثم إنهم غير عاملين بها ولا منتفعين بآياتها، وذلك أن فيها نعت رسول الله - ﷺ - والبشارة به ولم يؤمنوا به، لذلك شبههم بالحمار يحمل أسفارًا أى كتبًا كبارًا من كتب العلم، فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد والتعب، وكل من علم ولم يعمل بعلمه، فهذا مثله وبئس المثل).\nولنستمع لعبد القاهر يبين مكنون هذا التشبيه ويظهر روعته ويجلي كل ما يتعلق به (١). (الشبه منتزع من أحوال الحمار، وهو أنه يحمل الأسفار التي هي أوعية العلوم ومستودع ثمر العقول، ثم لا يحس بما فيها ولا يشعر بمضمونها، ولا يفرق بينها وبين سائر الأحمال التي ليست من العلم في شيء، ولا من الدلالة عليه بسبيل. فليس له مما يحمل حظ، سوى أنه يثقل عليه ويكد جبينه. فهو كما ترى مقتضى أمور مجموعة، ونتيجة لأشياء ألفت وقرن بعضها إلى بعض. بيان ذلك أنه احتيج إلى أن يراعى من الحمار فعل مخصوص، وهو الحمل، وأن يكون المحمول شيئًا مخصوصًا، وهو الأسفار التي فيها أمارات تدل على العلوم، وأن يثلث ذلك بجهل الحمار ما فيها، حتى يحصل الشبه المقصود ..).\nإلى أن يقول: (وإذ قد عرفت هذا، فالحمل من هذا القبيل أيضًا، لأنه يتضمن\n_________\n(١) أسرار البلاغة ص ١١٤، مطبعة الاستقامة بالقاهرة.","vol":"1","page":452},{"text":"الشبه من اليهود، لا لأمر يرجع إلى حقيقة الحمل، بل لأمرين آخرين أحدهما: تعديه إلى الأسفار، والآخر اقتران الجهل للأسفار به ..).\nويستمر عبد القاهر وهو يفيض في الحديث عن تلك الآية: \"فإن قلت: ففي اليهود شبه من الحمل، من حيث هو حمل على حال، وذلك أن الحافظ للشيء بقلبه، يشبه الحامل للشيء على ظهره وعلى ذلك يقال: حملة الحديث وحملة العلم، كما جاء في الأثر: (يحمل هذا العلم من كل خلف عُدولُه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه). فالجواب: إن الأمر وإن كان كذلك، فإن هذا الشبه لم يقصد ههنا، وإنما قصد ما يوجبه تعدي الحمل إلى الأسفار، مع اقتران الجهل بها به، وهو العناء بلا منفعة، يبين ذلك أنك قد تقول للرجل، يحمل في كمّه أبدًا دفاتر علم وهو بليد لا يفهم، أو كسلان لا يتعلم، وإن كان يحمل كتب العلم، فالحمار أيضًا قد يحمل، تريد أن تبطل دعواه، أن له في حمله فائدة، وأن تسوى بينه وبين الحمار في فقد الفائدة مما يحمل، فالحمل ههنا نفيه موجود في المشبه بالحمار ثم التشبيه لا ينصرف إليه، من حيث هو حمل، وإنما ينصرف إلى ما ذكرت لك من عدم الجدوى والفائدة. وإنما يتصور أن يكون الشبه راجعًا إلى الحمل، من حيث هو حمل، حيث يوصف الرجل مثلًا بكثرة الحفظ للوظائف أو جهد النفس في الأشغال المتراكمة، وذلك خارج عن الغرض مما نحن فيه\".\nوربما يقال هنا كيف يمكن المقارنة، بين الزمخشرى الذي يتقيد بتفسير الآية، وبين عبد القاهر الذي يكتب قواعد في هذا الفن غير مفيدة ولا محدودة، إنه لا مكان لتلك المقارنة ههنا، وهذا تساؤل وجيه حقًّا، ولكننا يتضح لنا الأمر حينما نعرف أن ما نقل عن عبد القاهر، إنما كان خاصًّا بالآية الكريمة، أما حديثه عن التشبيه فهذا ما لم أعرض له (١). وإذا كانت المكتبة البيانية قد حرمت تفسيرًا يخطه\n_________\n(١) هذا ما كنت قد كتبته قبل ثلاثين سنة، وقد قرأت ما يشبهه فيما بعد، للدكتور محمد رجب البيومي، ولكنني علقت عليه وناقشته في كتابي (إتقان البرهان في علوم القرآن).","vol":"1","page":453},{"text":"عبد القاهر بيده، فإنها حظيت بخلاصة أفكاره والتطبيق العملي لنظرياته التي خطها يراعه، وجلاها فكره، أقول حظيت المكتبة القرآنية بذلك ممثلًا في تفسير الكشاف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>استدراكات على الزمخشري:</span>\nوإذا كنا نحمد للرجل صنيعه ونشكر له جهده، فإن هذا لا يمنعنا - وقد سجلنا له كثيرًا مما برع فيه - أن نسجل عليه بعض المآخذ والكبوات، لقد كان الزمخشري يرى أن بعض القرآن أبلغ من بعض، محاكيًا بذلك من سبقه من العلماء وبخاصة المعتزلة، فنراه يطبق هذا في تفسيره. فها هو عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] يرى أنه أبلغ من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]. ويقول عند قول الله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [هود: ٩٣] حيث يرى أن الأبلغ ترك الفاء مع أن كلتيهما من باب التفنن في البلاغة، وإذا كان هناك عجب، فعجب من قوله. وهو الذي روى عنه قوله:\nومُذْ أفلحَ الجُهّال أيقنتُ أنّني ... أنا الميمُ والأيامُ أفلحُ أعلمُ\nحيث شبه نفسه بالميم وشبه الأيام برجل أفلح أعلم أي مشقوق الشفتين، وهو الذي لا يستطيع النطق بالميم، فتلك الأيام لن تجود بمثله أي الزمخشري.\nلقد كنا نود أن يغوص الزمخشري في أعماق بلاغة الآية، وأن يلم بها من جميع أطرافها، ليصدر عن حكم سوي، وحكمة وروي، في مضمار له في اليد والمنزلة. وأنا وإن كنت لست مع أصحاب حلبة هذا السباق، لكنني أفهم غير ما فهمه من السياق. أما الآية الأولى فلا أدري كيف غاب عن الزمخشري أنها جاءت بأسلوب","vol":"1","page":454},{"text":"تقريري، بينما جاءت آية الزمر بأسلوب توبيخي تقريعي.\nإنه والله لا يوجد أجمل من آية الزمر في موقعها، ولا أبلغ منها في موضعها. وهذا يقال كذلك في آية يونس إن أسلوب كل واحدة منهما، وطريقة التعبير فيها حتمها السياق والمناسبة. فإذا جئنا إلى الآية الثانية: آية هود، وجدنا أن ترك الفاء، لا يدل على أنه أبلغ من ذكرها. ولنأخذ الآيتين من ناحية الإيقاع الصوتي والمنهج اللفظي، لنرى هذا الإبداع في القرآن ثلاث آيات إحداها في سورة الأنعام ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٥] ومثيلتها في الزمر. أما سورة هود فنص الآية ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [هود: ٩٣]. فنحن نرى أن آيتي الأنعام والزمر ابتدأتا بكلمة (قل)، بينما ابتدأت آية هود بـ (ويا قوم) والذي يظهر لى، والله أعلم -وإن كنت لست من أهل تلك الربوع التي يصول أهلها ويجولون- أن ذكر الفاء، وتركها حتمه النص الذي وردت فيه، فالنص الذى وردت فيه الفاء ابتدأ بكلمة (قل)، وهو فعل أمر من جهة، واقترن بالفاء من ناحية أخرى، بينما آية هود بدأت بالواو كما قلت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>أثر الكشاف:</span>\nومهما يكن من أمر. فلقد بقي الكشاف على مدى العصور مدرسة ينهل منها طلاب البيان، بين مختصر ومسهب ومعلق، فلقد أفاد منه النسفي في عبارته كلها، ولقد ضغط البيضاوي تلك العبارة وتفنن فيها أبو السعود، وليس هؤلاء فحسب، بل الفخر وأبو حيان وغيرهما كانت لهم عبارة الكشاف مادة غزيرة، يعجبون بها تارة ويردونها أخرى، ولكن هل كان تفسير الكشاف خاتمة المطاف في تجلية الصور البيانية، وبعبارة أخرى هل وقفت دفعة التيار البياني، وجفت جداولها بانتهاء الزمخشري؟ أكثر الباحثين يردون على هذا السؤال بالإيجاب ويرون أن الكشاف كان نهاية الحركة البيانية، وأن من جاءوا بعده لم يكتفوا بالدوران حوله فقط، بل إنهم ذهبوا إلى ما هو أبعد وأغرب، فتكلفوا وتمحلوا وجاءوا بمماحكات ممجوجة بعيدة","vol":"1","page":455},{"text":"عن جو البيان الذي كان أريجه يملأ النفوس انتشارًا وسحره يستولي على المشاعر إعجابًا وإكبارًا، فاضمحل ذلك كله، وخلا ذلك الجو من بديع الصنعة وجمال الروعة، فأصبح مكفهرًا، لا تذوق فيه النفوس حلاوة، ولا يشعر الوجدان له بطلاوة.\nوأرى في تعميم هذا الحكم مجانبة للإنصاف وإنكارًا لجهد العلماء، بل افتئاتًا على الحقيقة التاريخية، صحيح أن دراسة البلاغة قد تحولت فيما بعد عن خطها الفسيح الواسع، ومدارها الرحب إلى مسار ضيق خانق، وأصبحت العناية باللفظ شكلًا لا حقيقة ومضمونًا، وكادت تكون مادة من مواد الفلسفة ذات الجدل العقيم. لكن مع هذا بقي للبيان القرآني صورته، ولو لم تكن هذه الصورة واضحة الرؤية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>جهود المتأخرين:</span>\nولعل من الإنصاف أن أذكر هنا، أن لابن تيمية ولابن القيم جهدًا لا ينكر في هذا المضمار، نلمح هذا في آثارهما. فهذا تفسير شيخ الإسلام، وإن لم يكن شاملًا للسور والآيات فإنه يحوي مجموعة يظهر منها الفهم العميق لآيات القرآن بعامة، والاتجاه البياني بخاصة. وهذه تفسيرات ابن القيم المتفرقة في كتبه، يلمح منها القارئ هذا الأثر البياني واضحًا، ولقد جاء بعد ذلك البرهان البقاعي فكان له أثر يذكر وجهد لا ينكر، وكثير من المعلقين على كتب التفسير، نجد لهم دقائق في التعبير، يرقص القلب لها طربًا، وذلك مثل الطيبي وأبي السعود والشهاب الخفاجي، وإذًا فمع الجمود والركود، الذي أصاب الحركة الإسلامية كلها، والتفسير جزء منها، بقي للتفسير بعض المنافذ التي تشع منها نورانيته، حتى عند هؤلاء الذين لم يكونوا مفسرين، وإنما كانوا يجمعون المتفرقات من هنا وهناك، مثل الشيخ الجمل ﵀ - أقول حتى عند أمثال هؤلاء نجد بعض تلك اللقطات، وإن كان العثور عليها شاقًّا أحيانًا، وجاء صاحب روح المعاني ﵀، فجمع ولكنه أشبع وأبدع، وأبرز كثيرًا من مكنونات البيان القرآني بحلل، ربما","vol":"1","page":456},{"text":"كان بهاؤها وجمالها تغطيهما بعض ظلال ذلك العصر، التي عملت على تكوينها ظروف كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>أمثلة من هذه الجهود:</span>\nهذا هو التفسير البياني، وكنت أود أن أمثل لكل طور من الأطوار، لكن ذلك يطول، وأكتفي هنا بالإشارة إلى بعض المواضع. فها هو ابن تيمية يبرز لنا سر التعبير في كلمة (زرتم)، من قول الله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ٢] هذا التعبير الذي تقول عنه الدكتورة عائشة عبد الرحمن، بأنها كانت سباقة في إبراز جماله، ولم تر أحدًا من المفسرين قد أشار إليه. ولنقرأ مثلًا لابن القيم تفسيره لسورة (الضحى) في كتابه أقسام القرآن و(الكافرون) في كتابه بدائع الفوائد وغير ذلك، ولننظر إلى ما يقوله في كلمتي (الإنس والجن)، كيف تقدم إحداهما تارة وتؤخر أخرى، وعن (المشرق والمغرب) واستعمالهما في حالة الإفراد والتثنية والجمع، وعن ختم بعض الآيات، ولا يفوتني هنا أن أذكر أن السيوطي ﵀ جمع طائفة لا يستهان بها من هذه التفسيرات.\nفإذا تركنا هؤلاء إلى الشهاب، وجدناه يحدثنا عن سر ترتيب بعض آي القرآن لفظًا ومعنى، نقرأ هذا في أواخر سورة الطور، التي ذكرت فيها (أم) خمس عشرة مرة ويأتي صاحب روح المعاني ليطلعنا على كثير من هذه اللفتات القرآنية، منها تقديم حرف في سورة، وتأخيره في أخرى وهذا مما له سر وهدف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>جهود أخرى في البيان القرآني:</span>\nوليس المفسرون والكاتبون في الإعجاز وحدهم، هم الذين عرضوا للبيان القرآني، والحق يقال إن البيان القرآني الغزير ذا الفوائد الجمّة الكثيرة، عرض له غير هؤلاء من الأدباء واللغويين والمتكلمين، ومن هؤلاء الأخوان: المرتضى والرضي.","vol":"1","page":457},{"text":"- أما المرتضى فكان إمامًا ذا باعٍ طُولى في كثير من المعارف وأنواع العلوم، كان متكلمًا لغويًّا، يدلّ على ذلك هذه المجالس العلمية في كتابه الأمالي، التي سجلها تلاميذه، والتي عرض فيها كثيرًا من أنواع البيان في تفسير بعض الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة .. ولقد كان الرجل -كما يظهر من تفسيره لهذه الآيات والأحاديث- ذا عارضة قوية، وقد وفق في كثير مما تناوله في شرح هذه الآيات والأحاديث، ولا يتسع المقام لنقل شيء مما كتب، لكننا نحيل القارئ على كتاب الأمالي.\n- أما الشريف الرضي ففضلًا على أنه شاعر مبدع، يشهد لذلك ديوانه، فيقال إن له تفسيرًا للقرآن الكريم، أشار إليه هو، وقد ظهرت براعته البيانية في كتابه (تلخيص البيان في مجازات القرآن)، وهو مرتب على السور القرآنية، وفيه لفتات خلّابة، تجذب القارئ ليحلّق في أفق البيان القرآني، وهو يقطف من ثماره ويشم أريجه الفواح من دوحته الغنّاء.\nفإذا تركنا هذين الأخوين، أو هذا الاتجاه اتجاه الأدباء والمتكلمين، إلى اتجاه اللغويين وجدناهم يحاولون أن يمسوا البيان القرآني، ولكن جهودهم فيه محدودة، فالمبرّد، وأبو هلال العسكري وغيرهما لهم بعض الملحوظات التي يُقْبَل بعضها ويردّ بعضها الآخر.\nولمّا كان هذا الكتاب يتحدث عن اتجاهات التفسير، رأيت أنه من غير المناسب أن أطوّف بكلّ ما كتب في هذا الموضوع وأنقل شيئًا مما كتب، بل أكتفي بالإشارة والإحالة لمن أراد أن يستزيد.","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-182>المبحث الرابع تصحيح أخطاء بعض الباحثين في هذا المضمار</span>\nومهما يكن من أمر، ومما لا شك فيه أن شباب التفسير قد جدد، وظلام جنباته قد تبدد، وجند الخرافة والجمود قد شرد، على يد الأستاذ الإمام محمد عبده الذي عددناه مجدد التفسير في العصر الحديث، وقد كان كذلك بحق أساسًا للتفسير في العصر الحديث.\nوقبل أن نعرض لما كان له ولمدرسته من أثر في الاتجاه البياني، لا بد أن أفي بما وعدت به من مناقشة بعض الشبهات، التي تكاد تعصف، لو قدرت لها الحياة، بأغلى ما عند هذه الأمة من تراث.\nقد يكون من الصعب إنكار تسلسل الثقافة الإنسانية. بحيث يتم بعضها ما انتهى إليه بعضها الآخر، ولكن من الظلم أن يدعى أن هذه الأمة كانت عالة على غيرها في كل مناحي الثقافة ومعطيات الفكر. لقد قالوا إن هذه الأمة عقيمة لا تلد عقولها أفكارًا جديدة، فهي حافظة ناقلة لا تعرف الابتكار، ومن هنا لم يكن لها فلسفة، وإنما نقلت فلسفة اليونان إلى لغتها، فوجدت سلوة في شرحها والتعليق عليها. ولعل رينان الفرنسي هو الذي حمل لواء هذه الفكرة الخبيثة (١)، ولم يقف بهم الأمر عند هذا الحد، بل زعم بعضهم كذلك أن الفقه الإسلامي، إنما هو صورة عن القانون الروماني، مع ما بينهما من خلافات جوهرية (٢). وثالثة الدواهي وهي أعظمها افتراء وأبعدها عن الحقيقة، أن العلوم العربية نفسها من نظريات البلاغة والنحو والإعجاز، بل تفسير القرآن بشكل عام، إنما كان صورة مترجمة عن نظريات اليونان وغيرهم، وأن كتّابًا عربًا يقررون ذلك مع كل أسف، فهذا الدكتور سيد أحمد خليل في كتابه (نشأة التفسير)، يقرر أن نشأة التفسير أسسها شبيهة كل\n_________\n(١) الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي للدكتور محمد البهي. مقدمة الجزء الأول.\n(٢) المدخل للدكتور محمد يوسف موسى ص ٩٤.","vol":"1","page":459},{"text":"الشبه بنشأة التفسير للكتب السابقة على القرآن، وأن عمل الرسول عليه وآله الصلاة والسلام يماثل عمل زرادشت الذي شرح الأفستا، لما كان فيها من صعوبة. وقد مرت معنا مناقشة هذا القول في التمهيد، وقد عرفنا بالحجة والبرهان، أن هذا القول لا يستند على أسس من العلم. فلقد كان العرب بمقتضى سليقتهم يفهمون القرآن، ويتأثرون به، حتى هؤلاء الذين ناصبوه العداء. ولم يكن مما يشغل الرسول أو الصحابة التفكير في المتشابه. ويزيد المؤلف هنا (أن أول من قام بتفسير الكتب السابقة على القرآن، هم رجال الروايات والفقهاء وهكذا كان الأمر في الإسلام، فأول من عرف تفسير القرآن هم الفقهاء ولكن الحقيقة تقول غير ذلك. ويمضي المؤلف ليقرر أن البلاغة والنحو والتصوف وجميع اتجاهات التفسير إنما نقلت عن اليونان والأمم الشرقية، فاسم الله الأعظم هو ما يعرف بالعقل الأول عند اليونان. وعلم الباقلاني إنما هو مترجم عن علوم الأمم الشرقية، ونظرية عبد القاهر في النظم، إنما هي ترجمة حرفية للنظرية الهندية، حتى كلمة الجاحظ (المعاني مطروحة في الطريق) مترجمة عن الهندية، إذن ففكرة الإعجاز ليست للقرآن وحده، وإنما هي لغيره من الكتب كذلك، ويخطّئ المؤلف من يدعون أن البلاغة العربية يونانية صرفة وإنما هي يونانية هندية - كما يزعم.\nلقد خفي على المؤلف أن يفرق بين نوعين من الكلام: كلام لا يفهم فهو بحاجة إلى شرح، لأنه يشبه الألغاز المعماة، وكلام يفهم لأول وهلة ويسحر بيانه الألباب والمشاعر. كما خفي على المؤلف أن خصائص العربية، وبلوغها أوْجًا في الرفعة والبيان أمور لم تكن لغيرها من اللغات، وأن البلاغة العربية، إنما جاء القرآن بأسلوبه وروعته البيانية. فيه التكرار وفيه التقديم والتأخير، وفيه الذكر والحذف، والتشبيه والفصل والوصل. وكل ما فعله المتأخرون، إنما هو البحث عن سر ذلك وسببه ومقتضياته، مستشهدين بما للعرب من أقوال في جاهليتهم، نرى أي معنى بعد ذلك، لكون البلاغة وغيرها فنونًا غير عربية! وهل كانت خصائص العربية يا ترى نفس خصائص اللغات الأخرى.\nمن الممكن أن يدعي مثلًا أن نظرية فلسفية، أو مسألة فلكية أو قاعدة قانونية،","vol":"1","page":460},{"text":"نقلت من لغتها الأصلية إلى لغة أخرى، ولكن مما لا يفهم أبدًا أن خصائص لغة ومميزات نص، يمكن أن تسرقها لغة غريبة عنها، مع أن نظرية الإعجاز، لم يقل بها أصحاب الكتب السماوية من قبل لذا يقرر كثير من الكاتبين، أن ظاهرة الإعجاز لم تكن معروفة في غير البيئة العربية، يقول الدكتور محمد زغلول سلام: (ظاهرتان إذن وثيقتا الصلة بالحياة الأدبية العربية، برزتا منذ بدء الدعوة الإسلامية، أولاهما: هذا الكتاب العربي المبين الذي تمت له الصدارة على كل ما أنتج عند العرب وينتجون من أدب وبيان .. أما الظاهرة الثانية التي جدت مع الإسلام على الحياة الأدبية النقدية عند العرب، فهي ظاهرة الإعجاز البلاغي، وقيام الرسالة السماوية عليه، وهي ظاهرة لم تعرفها الآداب الأخرى. ومن الطبيعي كذلك أن يشغل علماء العرب بها، وأن يستعملوا أذهانهم وعبقرياتهم في دراستها) (١). ويقول أيضًا (ولكن الحقيقة التي ينبغي أن نضعها دائمًا أمام أعيننا، ولا يمكن جحدها أو إنكارها، هي أن أثر القرآن في تربية الذوق العربي، وصقله على العصور، وفي كشف جمال الأساليب العربية، واضح لا يخفى ولا يغير منه القول، بأن بلاغة أرسطو تدخلت في الميدان وكان لها ما لها، مما أتعب فيه بعض الباحثين أنفسهم للكشف عنه) (٢).\nويتضح لنا من تلك الكلمة الموجزة، أن البيان القرآني، الذي تفاعلت معه النفوس، كان السبب المباشر في تلك الثروة العلمية الضخمة. كما يتضح لنا كذلك أنه ما من كتاب وجهت له العناية مثل هذا القرآن، فلقد جندت الأمة طاقاتها لهذا القرآن، تستخرج كنوزه، وتبين ما فيه من روعة وجدة لا تبلى، ولكن ترى هل انتهى ذلك الجهد الذي بذلته الأمة بانتهاء القدامى من العلماء؟ وللإجابة عن هذا السؤال نقرر أن القرآن الكتاب الخالد على مدى الدهر، والذي لا يشبع منه العلماء، يهيئ الله له أعلامًا من ذوي الغيرة، ليقوموا بواجبهم نحوه، وهذا ما سأتحدث عنه (٣).\n_________\n(١) أثر القرآن في تطور النقد الأدبي ص ٩ - ١٠.\n(٢) أثر القرآن في تطور النقد الأدبي ص ٢٥٤.\n(٣) راجع مثل هذه الموضوعات وغيرها مفصلة في كتابنا (البلاغة المفترى عليها).","vol":"1","page":461},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>المبحث الخامس مدرسة الشيخ محمد عبده وأثرها في الاتجاه البياني</span>\nقلنا: إن الشيخ محمد عبده، كان فاتحة عصر جديد في التفسير، ومع أن الرجل وجه عنايته إلى تجلية الهداية القرآنية، لأنه كان يعدّ القرآن كتاب هداية قبل كل شيء -وهذا لم يرض الشيخ أمين الخولي وسأعرض لهذه المسألة فيما بعد إن شاء الله- إلا أن لتفسيره رجال مدرسته من بعده أثرًا لا ينكر في الاتجاه البياني، والنهضة البلاغية وقد امتد إلى غيرهم من الباحثين الذين عُنوا بهذه الدراسات فيما بعد. فلقد كان من أهداف الشيخ محمد عبده الأولى الإصلاح اللغوي، سواء كان هذا في دواوين الحكومة والمخاطبات العامة، ويتجلى لنا ذلك واضحًا في أقواله، التي سنعرض لها عند التحدث عنه في الباب الثاني إن شاء الله. كما يتجلى ذلك فيما كتبه الشيخ رشيد، داعيًا فيه إلى طرح المنهج القديم في الدراسات البلاغية، والرجوع إلى منابعها الأولى البعيدة عن التعقيد والمماحكات والاعتراضات. وهذا بالطبع إنما هو تقرير لآراء الإمام في هذه المسألة.\nيقول: (فمن لم يقرأ من كتب البلاغة إلا مثل السمرقندية، وشرحي جوهر الفنون، وعقود الجمان، فشرحي التلخيص للسعد التفتازاني وحواشيهما، لا يرجى أن يذوق للبلاغة طعمًا، أو يقيم للبيان وزنًا، وإنما يرجي هذا الذوق، لمن يقرأ أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر، فإنهما هما الكتابان اللذان يحيلانك في قوانين البلاغة على وجدانك، وما تجد من أثر الكلام في قلبك وجنانك. فترى أن علمي البيان شعبة من علم النفس، وأن قواعدهما يشهد لهما الشعور والحس. ولكن لا بد مع ذلك من قراءة كثير من منظوم الكلام البليغ ومنثوره. واستظهار بعضه مع بعض، مع فهمه كما قرر حكيمنا ابن خلدون في الكلام على علم البيان من مقدمته) (١).\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ١ ص ٢٠٢.","vol":"1","page":462},{"text":"وسأكتفي هنا بنقل فقرات مما يتصل اتصالًا مباشرًا بما أتحدث عنه من عبارات الأستاذ الإمام، يقول عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وإنما عبر بهذه العبارة، ولم يقل (فصوموه) لمثل الحكمة التي لم يحدد القرآن مواقيت الصلاة لأجلها، وذلك أن القرآن خطاب الله العام لجميع البشر، وهو يعلم أن من المواقع ما لا شهور فيها، ولا أيام معتدلة، بل السنة كلها قد تكون فيها يومًا وليلة تقريبًا كالجهات القطبية، وهذا من الآيات الكبرى، على كون هذا القرآن من عند الله المحيط علمه بكل شيء) (١).\nوعند تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يرد ما قاله الجلال من أن الرأفة شدة الرحمة، وقدمت عليها مع أنها أبلغ منها مراعاة للفاصلة. فيقول: (إن كل كلمة في القرآن موضوعة في موضعها اللائق بها، فليس فيه كلمة تقدمت، ولا كلمة تأخرت لأجل الفاصلة، لأن القول برعاية الفواصل إثبات للضرورة، كما قالوا في كثير من السجع والشعر، إنه قدم كذا وأخر كذا لأجل السجع ولأجل القافية، والقرآن ليس بشعر ولا التزام فيه للسجع، وهو من الله الذي لا تعرض له الضرورة، بل هو على كل شيء قدير، وهو العليم الحكيم، الذي يضع كل شيء في موضعه، وما قال بعض المفسرين مثل هذا القول، إلا لتأثرهم بقوانين البلاغة، وغلبتها عليهم في توجيه الكلام، مع الغفلة في هذه النقطة عن مكانة القرآن في ذاته، وعدم الالتفات إلى ما لكل كلمة من مكانها من التأثير الخاص عند أهل الذوق العربي ... وعندي أن الرأفة أثر من آثار الرحمة أعم، فإن الرأفة لا تستعمل إلا في حق من وقع في بلاء، والرحمة تشمل دفع الألم والضر وتشمل الإحسان وزيادة الإحسان، فذكر الرحمة هنا فيه معنى التعليل والسببية، وهو من قبيل الدليل بعد الدعوى، فهو واقع في موقعه كما تحب البلاغة وترضى) (٢).\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٢ ص ١٦٢.\n(٢) تفسير المنار جـ ٢ ص ١٢.","vol":"1","page":463},{"text":"وهذه لفتة أخرى من اللفتات البديعة يبين فيها جمال التعبير، وروعة الحكمة القرآنية، حيث التعبير في الماضي تارة، والمضارع أخرى في قوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ يرفع الإمام نقابها، لتسعد بها النفوس تألقًا وحسنًا، يقول: (ولقلة أوقات الظلمة عبر في جانبها بالمضارع المفيد للحاق الشيء، وعروضه متأخرًا عما هو أصل في نفسه، أما النهار فإنه يجلي الشمس دائمًا. من أوله إلى آخره وذلك شأن له في ذاته، ولا ينفك عنه إلا لعارض، كالغيم أو الكسوف قليل العروض، ولهذا عبر في جانبه بالماضي، المفيد لوقوع المعنى من فاعله، بدون إفادة أنه مما ينفك عنه) (١).\nوفي تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ يقول (أصل تركيب الآية، ولم يكن أحد كفؤًا له، ولكن قدم المجرور، لأن الحديث عن الله، وأشد الاهتمام إنما هو بتنزيهه، فقدم ضميره مع الجار في حيز الكون المنفي، ثم قدم المنفي نفسه وهو الكفؤ، لأن العناية موجهة إلى نفيه، وأخر من سلبت عنه المكافأة، لأنه لم يؤت به في الكلام، إلا لقصد تعميم النفي فقط، وإلا فقد كان يكفي أن يقال: وليس له كفؤ، لكن العبارة على ما في الآية أَبين وأجمل والله أعلم) (٢).\nولقد صار بعد ذلك يسر العبارة وسهولة المأخذ وبيان الجمال الفني، طبيعة في التفسير والمفسر، يظهر هذا فيما كتب بعده، لا لمن هم أكثر صلة به فحسب، كالشيخ رشيد والشيخ عبد القادر المغربي، اللذين سأتحدث عنهما عند مناهج المفسرين إن شاء الله، بل لغيرهم، وهم كثر بين كاتب ومحاضر، كالشيخ إبراهيم الجبالي ﵀، الذي فسر سورة النور وغيرها، بعبارة أدبية كاشفة، والشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر، والشيخ عبد الوهاب خلاف، والأستاذ عبد الوهاب حمودة، ﵏.\n_________\n(١) تفسير جزء عم للإمام ص ١٧٩.\n(٢) تفسير جزء عم للإمام ص ٩٤.","vol":"1","page":464},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-184>المبحث السادس دراسات متخصصة في هذا الاتجاه</span>\nولكن هناك دراسات بيانية متخصصة، أفرغ فيها أصحابها إحساساتهم وعواطفهم وأفكارهم، وعلى رغم اختلافهم في تناول النص القرآني، وتعدد الجهات التي تناولها منه، إلا أنه يجمعهم إطار واحد، واتجاه واحد.\nلقد تناول بعضهم القرآن، من حيث تلاؤم حروفه في كلماتها، وما تضفيه تلك الحروف من موسيقى صوتية خلابة، وتناوله بعضهم من حيث الأسلوب والإيجاز والوحدة بين أجزائه، وتناوله بعضهم من حيث ما فيه من تصوير فني وتجسيم محسوس، وإبراز لتلك الصور بشتى الوسائل، كما تناوله آخرون من ناحية أخرى، وهي تناول مفرداته من حيث هي مفردات، ومن حيث هي أجزاء في الجمل المركبة. وهكذا كل أخذ بنصيب مما يسره الله له. وسأحول ما استطعت أن أتحدث عن كل أولئك، موجزًا الحديث قدر الإمكان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>١ - مصطفى صادق الرافعي</span>\nإذا كنا نعد الشيخ محمد عبده أساس النهضة التفسيرية في هذا العصر، فإن الرافعي ولا شك أساس المدرسة البيانية، لقد وهب الله الرافعي كثيرًا من فضله، فلقد كان الرجل يملك من الإمكانات ما لم يتوفر للكثيرين، قلم أديب، وعقل عالم، وسمو روح، وإحساسًا مرهفًا، وقلبًا مؤمنًا. وكل ذلك جنده الرافعي ﵀، ليكون في خدمة كتاب الله. لأن ذلك إنما منحه من روح هذا الكتاب. لقد كان الرجل أمة، وكان تاريخ عصر بياني كامل لتلك الأمة، أراد الله له أن يعيش في عصر الفتنة بالغرب وكل آثاره الضارة، وكانت تلك الفتنة في شبابها. ويهيئ الله لها الرافعي، صاحب السمو الأدبي، الذي لا أشك كما لا يشك الكثيرون في أن نثره لو كان سهلًا سلسًا كشعره، لكان كاتب العربية في جميع عصورها وربما يرد","vol":"1","page":465},{"text":"على الخاطر ما بالك تكتب عن الرافعي، وأنت إنما تتكلم عن اتجاه من اتجاهات التفسير؟ وهل كان الرافعي مفسرًا؟ نعم، لقد كان أول من وضع أسس النظريات البيانية لإعجاز القرآن في هذا العصر. ونحن لا يمكننا كما قلت من قبل، أن نفصل بين المفسرين البيانيين، والكاتبين في الإعجاز، وبخاصة إذا كان هؤلاء مبتكرين لا مقلدين وهناك أمور ثلاثة لا بد أن نعرض لها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>أولًا: دفاعه عن الإسلام وتصديه للمشككين والمارقين:</span>\nلم يستطع أحد أن ينال من هؤلاء ويجعلهم يتقوقعون وينحصرون في أنفسهم، وتنحصر عنهم تلك الهالات، التي كانت تلقى عليهم باسم العلم والمدنية. لم يستطع ذلك كله إلا الرافعي. ولا أود أن أطيل هنا الحديث، فكتابات الرجل تشهد له. سواء في الصحف في ذلك الوقت، أم في كتبه التي أصدرها، مثل (وحي القلم).\nوها هو كتاب (تحت راية القرآن)، الذي ينبغي أن يعي ما فيه كل مسلم، خير شاهد على ذلك، يقول في مقدمته محذرًا من خطر هؤلاء المنحرفين الذي يتسترون بالتجديد: (ومن ثم وجب أن تحذرهم الأمة، وأن تقرهم في ذلك الحيز من تخيلاتهم وأوهامهم، فهم من الأمة إذا غلبت هي عليهم، وليسوا منها إذا غلبوا عليها، وما مثلهم إلا كالرمل والحصى: تكون في مجرى الماء العذب، فتكون شيئًا من طبيعته، وتحدث فيه لونًا من الحسن والرونق، وإذا هي خيال من شعر النهر حتى إذا أخرجت من الماء، وانساغت في حلق من يجرعه، كانت بلاء وأذى، وانقلبت للماء سبة، ورمى بها ورميت به) (١).\nوها هو يتعقب الدكتور طه حسين، الذي زعم أن القرآن يصور العصر الجاهلي، والذي قال في كتابه (في الشعر الجاهلي): (ليس يعنيني أن يكون القرآن تأثر بشعر أمية بن أبي الصلت - أو لا يكون)، بقوله: (هل يدري طه حسين معنى قوله\n_________\n(١) ص ٥.","vol":"1","page":466},{"text":"تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ ومعنى قوله: ﴿مِنْ خَلْفِهِ﴾؟ وهل يفهم هذه البلاغة المعجزة، التي يسجد لها البلغاء. إن معناها يا أستاذ الجامعة، أن القرآن لا يشخص عصرًا ولا يمثله، بل هو كتاب كل عصر، وهو الثابت على كل علم، وكل بحث وكل اختراع واستكشاف على مدى الأزمنة، في أيها جاء مما سيستأنفه التاريخ وهذا معنى (من بين يديه) وأيها ذهب مما يطويه الماضي، وهذا معنى (من خلفه) (١).\nوفي الحقيقة أنه كان سيفًا ناطقًا، استلته آي القرآن ليُضرب به كل من حام حول ساحته بشبهة، فلقد جعله الله في الأواخر كما جعل حسانًا في الأوائل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>ثانيًا: كتابه في الإعجاز:</span>\nكان الرافعي يرى أن القرآن معجزًا بأوسع مدلولات تلك الكلمة، فهو معجز في تاريخه، وفي آثاره وفي حقائقه، ولكن كتاب الإعجاز الذي وضعه الرافعي، وضعه لإثبات إعجاز القرآن في نفسه، فهو يتحدث كن أسلوب القرآن وكن نظمه، وقد لا يبدو ذلك جديدًا، إذا عرفنا أن الذين تحدثوا عن نظم القرآن تحدثوا عن جمله وآياته، وتحدث الرافعي عن مراحل قبل ذلك، أدركنا أن الرجل جاء بجديد.\nلقد تحدث الرافعي عن نظم القرآن فتحدث أولًا عن الحروف في أصواتها، وثانيًا عن الكلمات في حروفها، وثالثًا عن الجمل في كلماتها، فصال وجال بين تلاؤم الحروف وعدم تنافرها، وبين موقع كل حرف في الكلمة، فجاء بما يطرب له كل قلب مؤمن، فالحرف الواحد من القرآن معجز في موضعه، لأنه يمسك الكلمة التي هو فيها، والكلمة في الحقيقة الوضعية إنما هي صوت النفس، وهناك صوت آخر هو صوت العقل، وثالث هو أرقى منهما وهو صوت الحس، والعرب إن عرفوا الأولين، لكنهم لم يعرفوا الثالث، لأنه كان مما تعاطوه ولم يعطوه فلم يدركوه إلا من القرآن. ويوضح ذلك بقوله (لو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها،\n_________\n(١) المرجع السابق ص ١٥٠ - ١٥١.","vol":"1","page":467},{"text":"لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع والتركيب مجرى الحروف نفسها، فيما هي له من أمر الفصاحة، فيهيأ بعضها لبعض ... حتى إنّ الحركة، ربَّما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل أيها كان، فلا تعذب ولا تساغ .. فإذا هي استعملت في القرآن، رأيت لها شأنًا عجيبًا ... من ذلك لفظة النذر جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معًا، فضلًا عن جسأة هذا الحرف، ونبوه في اللسان، وخاصة إذا جاء فاصلة للكلام، فكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عن موضع الثقل فيه، ولكنه جاء في القرآن على العكس، وانتفى من طبيعته، في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ فتأمل هذا التركيب، وأنعم ثم أنعم على تأمله (١). ويمضي الرافعي في بيان أوجه الجمال في هذا اللفظ، وما أحاط به من أنواع القلقة والمد والغنة.\nوهذا مثال آخر، يمسه الرافعي بلطف، ليسفر عن وجه البلاغة، وروعة اللفظ والمعنى فيه دونما تكلف وتصنع. يقول: (وفي القرآن لفظة غريبة هي من أغرب ما فيه، وما حسنت في كلام قط إلا في موقعها منه، وهي كلمة (ضيِزَى) من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن وأعجبه، ولو أدرت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضع غيرها) (٢). ثم يبين الأسرار البيانية في إيراد تلك الكلمة، فالسورة أولًا وهي سورة النجم جاءت على هذه الفاصلة، وثانيًا غرابة هذه الكلمة تتفق تمامًا مع غرابة قسمتهم التي قسموها، من أن لهم الذكر ولله الأنثى، وثالثًا تلاؤم هذه الكلمة مع حالة المتهكم في إنكاره، من إمالة اليد والرأس بهذين المدين فيها إلى الأسفل والأعلى، وجمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية، ثم يتابع قوله (وإن تعجب فعجب نظم هذه الكلمة الغريبة، وائتلافه على ما قبلها إذ هي مقطعان: أحدهما مد ثقيل،\n_________\n(١) إعجاز القرآن ص ٢٥٧ - ٢٥٨.\n(٢) إعجاز القرآن ص ٢٦١.","vol":"1","page":468},{"text":"والآخر مد خفيف، وقد جاءت عقب غنتين في (إذن) و(قسمة)، وإحداهما خفيفة حادة، والأخرى ثقيلة متغشية، فكأنها بذلك ليست إلا مجاوبة صوتية لتقطيع موسيقي، وهذا معنى رابع للثلاثة التي عَدَدْنَاها آنِفًا. أما خامس هذه المعاني، فهو أن الكلمة التي جمعت المعاني الأربعة على غرابتها، إنما هي أربعة أحرف أيضًا) (١). وهكذا يستمر الرافعي، وقد ألان الله له تفجر المعاني في هذا السمو الأدبي، وهو يتحدث عن إعجاز القرآن.\nوإذا كان الباقلاني ﵀، قد ذاعت شهرته، وعظم صيته بما كتبه في هذا الموضوع، فإن الرافعي كان أكثر ابتكارًا، وأكثر تحليقًا في سماء المعاني. وليس معنى هذا أننا نبخس السابق حقه، فمعاذ الله أن أكون من هؤلاء. ولقد كان سمو الرافعي خيرًا كله وحقًّا كله، وحسنًا كله، وليس نزوة خيال. ولكن عابه أقوام، ولن يضيره ذلك. (عابوا السمو الأدبي بأنه قليل، ولكن الخير كذلك، وبأنه مخالف، ولكن الحق كذلك، وبأنه محير، ولكن الحسن كذلك، وبأنه كثير التكاليف، ولكن الحرية كذلك) (٢). رحم الله الرافعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>ثالثًا: تفسير الرافعي:</span>\nليس لدينا مع كل أسف كثير من تفسير الرافعي لآيات القرآن، ولكن إذا عرفنا أن الرجل كان يحيا بالقرآن، وكان البيان القرآني سرًّا من أسرار ظهوره، وصورة طبيعية في نفسه، أو صورة نفسية في طبيعته، وكان يتمنى أن تمكنه ظروف الحياة وأعباؤها، ليتفرغ لهذا القرآن، وعلى الأقل لبيان التفسير، وهذا التراث على قلته، مفتاح تستخرج به كثير من الكنوز القرآنية، وأنمذوج يحتذى به، أو يفيد منه، من تذوق معنى الإعجاز، وحلاوة النظم فيما كتبه الرافعي.\n_________\n(١) إعجاز القرآن ص ٢٦٢.\n(٢) وحي القلم - المقدمة ص ٣ ومن أراد الاستزادة فعليه بكتابنا (إعجاز القرآن المجيد).","vol":"1","page":469},{"text":"وسأكتفي هنا بنقل تفسير آية من آيات الكتاب العزيز، ومنه ندرك الأبواب التي كان يلج منها، ومقدار العمق الذي كان يتمتع به، وهو يفسر القرآن. هذه الآية هي قول الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ ..﴾ الآية [آل عمران: ١٤]. يقول: (راجعت تفسير الشيخ محمد عبده وتفسير الألوسي لهذه الآية، فلم أر فيهما ما يهدي إلى السر. والمفسرون جميعًا متفقون على أن (حب الشهوات) يراد به المشتهيات فالمعنى: (زين للناس المشتهيات من النساء .. الخ. وهذا يجعل الآية موضع نقد، ويذهب بها التعبير (بحب الشهوات) وإعجاز هذه الآية هو في لفظة حب الشهوات، فلو قال المشتهيات أو الشهوات، أو حب النساء لما كان ذلك شيئًا. وللشهوات وظائف طبيعية في الناس، فكونها زينت للناس أمر لا يُعنى له، وليس فيه جديد، ولكن (تزيين حبها) هو السر، لأن حبها هو سبيل الحرص عليها، والإكثار منها، كالذي يجد مالًا ينتفع به، فالمال في نفسه منفعة، وليس في ذلك عجيب، ولكن الذي يبتلى (بحب) المال، تنقلب فيه هذه المنفعة ضررًا، فيبخل، ويبتلى بالحرص ثم يبتليه الحرص على المال بمحق حياته كلها، فالشأن إذًا ليس في المشتهيات، ولا في الشهوات، ولكن في (حب الشهوات) ثم إن حب الشهوات متى كان سببًا في الحرص عليها، والإكثار منها فهو خطأ وضرر، فإذا (زين) فكأن هناك ثلاث درجات الشهوة وهي عمل طبعي، ثم حب الشهوة، وهذه إضافة جديدة من العقل تزيد فيها، ثم تزيين هذا الحب، وهي إضافة ثانية تزيد في الزيادة وتضاعف الخطأ، وعلى هذا تلحق الشهوات في هذا الترتيب، بالحد الخارج عن العقل، وهذا الحد هو أول الجنون، كما يشاهد في ذهاب أثر العقل وضعف حكمه عند (تزيين شهوة محبوبة) بحيث لا يبقى للعقل حكم، ولا حكمة مع هذا التزيين، وجعلت (زين) مبنية للمجهول، لأن بعض هذا محبوب محمود، فهو من زينة الله ويدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ وبعضه مذموم مكروه، فهو من تزيين الغرائز الفاسدة، وبعضه حمق وجنون، فهو من تزيين الشيطان، والغرض من الآية تجاوز الحد المعقول من","vol":"1","page":470},{"text":"الشهوات الدنيا، فإن تجاوزه يجعل الدنيا هي الغاية مع أنها وسيلة فقط، ولهذا قال: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ثم إنه قال: (حب الشهوات) بالجمع ولم يقل الشهوة. فتكون (الشهوات) مختلفة متباينة، تقدر كل واحدة باعتبارها الخاص في الأصناف التي وردت في الآية. فالشهوة للنساء غيرها من البنين. وهذه غيرها من المال، وهذه غيرها من الخيل المسومة .. الخ. فكل واحدة ذات شأن خاص في النفس كما هو مشاهد، ولكن للجنون بها كلها متى (زين حبها في النفس) شيء واحد. وانظر الحكمة العجيبة في الترتيب، فالنساء شهوات من الغريزة والعاطفة، والبنين شهوات من العاطفة، والنفس، والمال الكثير من النفس فقط، والخيل المسومة والأنعام والحرث، هذه الثلاثة تارة أجزاء من المال، وتارة أجزاء من عاطفة النفس، كما يغرم بالخيل بعض الناس، أو بالأنعام أو بالزراعة. ولذلك جاءت في الآية بعد النساء والبنين، لأنها لاحقة بالغريزة والعاطفة والنفس.\nويدخل في الخيل المسومة كل ما يقتنى للمباهاة والزينة، أو لأغراض القوة على إطلاقها، ومنه السيارات والطيارات الخ .. ويدخل في الأنعام كل ما يقتنى للتجارة والكسب. وفي الحرث كل ما يقتنى للاعتمال والإيجاد، ومنه المصانع والمعامل الخ .. فإذا حققنا هذا، وجدنا هذه الأبواب جامعة لكل الشهوات الناشئة من جميع قوى الجسم الإنساني والنفس الإنسانية.\nأما ما كان خاصًّا بشهوات العقل، فلم يدخل في الآية، وهذا من أعجب إعجازها، لأن أمور الفنون والعلوم (لا تزين) إلا لفريق محدود من الناس، أي لا يزين حب الشهوات منها. وهذا الفريق عادة هم النوابغ العبقريون، وهؤلاء العبقريون في الحقيقة، لا يجدون من العلوم والفنون متاع الحياة الدنيا، ولكن مصائب الحياة الدنيا ..) (١).\n_________\n(١) رسائل الرافعي جمع وترتيب محمود أبو رية ط عيسى البابي الحلبي ١٣٦٩ هـ ص ٢٣٣، وما بعدها.","vol":"1","page":471},{"text":"ذلك النموذج ينبض بالحياة وهو يقبس من القرآن معنى القرآن، وكأنما تنزل عليه المعاني من سماء تلك الآيات، فيحيلها مادة كلامية، تشترك مع غيرها بخصائص الكلام، ولكنها تزيد عليه بما فيها من روح التعبير، رحم الله الرافعي، وجزاه عما بذل من عصارة قلبه وراحة أعصابه، في خدمة كتاب الله خير الجزاء. وأرجو أن يصدق عليه ما روي عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>٢ - فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز</span>\nلقد فتح الرافعي ﵀ باب البيان القرآني في العصر الحديث، ولكنه كان ذا عمق في الفكرة وعلو في الأسلوب، وسمو في العبارة، وربما يحول هذا كله بين بعض الناس وبين ولوج هذا الباب. فكان لا بد ممن يسير على منهجه مع عمق في البحث، وسهولة في الأسلوب، ويسر في العبارة وإلمام بالفكرة، فهيأ الله لكتابه ولتلك الأمة رجلًا جمع إلى تلك الخصال كلها، روحانية الكلمة ذلكم هو الأستاذ الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀. إنه الرجل الذي يصل معناه إلى قلبك، حين وصول لفظه إلى أذنك، ولقد كانت كتابته ومحاضراته خير شاهد على ذلك.\nيذكر الدكتور دراز أن القرآن معجزة لغوية قائمة على أسس وركائز، ولم لا يكون كذلك؟ وما هي الشكوك والشبهات التي عساها تحول بين المرء وبين صدق اليقين؟ ها هو الأستاذ ﵀ يواجه هؤلاء في كتابه (النبأ العظيم) وهو يوجه لهم ما عساه يحيك في صدورهم، من غبار الشك وتسويل النفس، ووسوسة الشيطان وعفارة الأفكار. يقول:\n_________\n(١) ذكره ابن عبد البر في التمهيد جـ ١، ص ٥٩، المطبعة الملكية بالمغرب، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ١٤٠) والبيهقي في سننه (١٠/ ٢٠٩).","vol":"1","page":472},{"text":"(من كان عنده شيء من الشك في هذه القضية، فليأذن لنا أن نستوضحه. فيم ذلك الشك؟ هل حدثته نفسه بأنه هو يستطيع أن يأتي بكلام في طبقة القرآن البلاغية؟\nأم هو قد عرف من نفسه القصور عن تلك الرتبة، ولكنه لم يعرف عن الناس ما عرف من نفسه.\nأم علم أن الناس جميعًا قد سكتوا عن معارضة القرآن، ولكنه لم يعلم أن سكوتهم عنه كان عجزًا، ولا أن عجزهم جاء من ناحية القرآن ذاته؟ .\nأم علم أنهم قد عجزوا عنه، وأنه هو الذي أعجزهم، ولكنه لم يعلم أن أسلوبه، كان من أسباب إعجازه؟ .\nأم هو يوقن بأن القرآن الكريم، كان وما زال معجزة بيانية لسائر الناس، ولكنه لا يوقن بأنه كان معجزًا كذلك لمن جاء به؟ .\nأم هو يؤمن بهذا كله ولكنه لا يدري ما أسراره وما أسبابه؟ .\nهذه وجوه ستة لكل وجه منها علاج يخصه) (١).\nوبعد أن يبدع يراع الأستاذ في الرد على كل وجه من هذه الوجوه وينتهي به القول إلى سر الإعجاز، يحدثنا عن القشرة الصوتية للقرآن كما يسميها، وهي ما تحدث عنها الرافعي تحت عنوان (الحروف وأصواتها والكلمات وحروفها ويقسم البحث إلى نقاط أربع:\n١ - القرآن في قطعة قطعة منه.\n٢ - القرآن في سورة سورة منه.\n٣ - القرآن فيما بين بعض السور وبعض.\n_________\n(١) النبأ العظيم ص ٧٢ - ٧٣.","vol":"1","page":473},{"text":"٤ - القرآن في جملته، ويتحدث عن الفقرة القرآنية فيبين لنا خصائص الأسلوب القرآني. ثم يأتي ببعض النماذج ليطبقها تطبيقًا عمليًّا.\nوكلام الأستاذ يصعب على الإنسان أن يلخصه أو أن يجتزئ منه.\nولنستمع إليه وهو يتحدث عن خصائص الأسلوب القرآني، فيذكر أولًا:\nالقصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى، وثانيًا: خطاب العامة وخطاب الخاصة، وثالثًا: إقناع العقل وإقناع العاطفة، ورابعًا: البيان والإجمال.\nيقول ﵀ في بيان هذه الخصيصة الأخيرة: (هذا مثل صغير: اقرأ قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [البقرة: ٢١٢] وانظر هل ترى كلامًا أبين من هذا في عقول الناس. ثم انظر كم في هذه الكلمة من مرونة، فإنك لو قلت في معناها إنه سبحانه يرزق من يشاء بغير محاسب يحاسبه ولا سائل يسأله لماذا يبسط الرزق لهؤلاء ويقدره على هؤلاء؟ أصبت\nولو قلت: إنه يرزق بغير تقتير ولا محاسبة لنفسه عند الإنفاق خوف النفاد أصبت.\nولو قلت: إنه يرزق من يشاء من حيث لا ينتظر ولا يحتسب، أصبت.\nولو قلت: إنه يرزقه بغير معاتبة ومناقشة له على عمله أصبت.\nولو قلت: يرزقه رزقًا كثيرًا لا يدخل تحت حصر وحساب، أصبت.\nفعلى الأول يكون الكلام تقريرًا لقاعدة الأرزاق في الدنيا، وأن نظامها لا يجري على حسب ما عند المرزوق من استحقاق بعلمه أو عمله، بل تجري وفقًا لمشيئته وحكمته سبحانه في الابتلاء، وفي ذلك ما فيه من التسلية لفقراء المؤمنين، ومن الهضم لنفوس المغرورين من المترفين، وعلى الثاني يكون تنبيهًا على سعة خزائنه وبسطة يده جل شأنه، وعلى الثالث يكون تلويحًا للمؤمنين بما سيفتح الله لهم من أبواب النصر والظفر حتى يبدل عسرهم يسرًا وفقرهم غنى من حيث لا يظنون، وعلى الرابع والخامس يكون وعدًا للصالحين إما بدخولهم الجنة بغير حساب، وإما","vol":"1","page":474},{"text":"بمضاعفة أجورهم أضعافًا كثيرة لا يحصرها العد. ومن وقف على علم التأويل واطلع على معترك أفهام العلماء في آية رأى من ذلك العجب العاجب) (١).\nأرأيت إلى روعة الأسلوب، إنه الفيض الرباني، يمنحه الله من يشاء من عباده.\nولنأخذ هذا الأنموذج مثلًا: آية من كتاب الله، تتحدث عن فصل من فصول بني إسرائيل، وهي قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]- يقول الأستاذ ﵀: (والعناصر الأصلية التي تبرزها لنا هذه الكلمات القليلة، تتلخص فيما يلي:\nأولًا: مقالة ينصح بها الناصح لليهود إذ يدعوهم إلى الإيمان بالقرآن.\nثانيًا: إجابتهم لهذا الناصح بمقالة تنطوي على مقصدين.\nثالثًا: الرد على هذا الجواب بركنيه من عدة وجوه ..\nفانظر كيف جمع القرآن، هذا المعنى الكثير في هذا اللفظ الوجيز: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ وسر ذلك أنه عدل بالكلام عن صريح اسم القرآن إلى كنايته، فجعل دعاءهم إلى الإيمان به، دعاء إلى الشيء بحجته، وبذلك أخرج الدليل والدعوى في لفظ واحد. ثم انظر كيف طوى ذكر المنزل عليه، فلم يقل آمنوا بما أنزل الله على محمد، مع أن هذا جزء متمم لوصف القرآن المقصود بالدعوة. أتدري لم ذلك؟ لأنه لو ذكر لكان في نظر الحكمة البيانية زائدًا، وفي نظر الحكمة الإرشادية مفسدًا. أما الأول فلأن هذه الخصوصية لا مدخل لها في الإلزام، فأدير الأمر على القدر المشترك، وعلى الحد الأوسط الذي هو عمود الدليل، وأما الثاني فلأن إلقاء هذا الاسم على مسامع الأعداء، من شأنه أن يخرج أضغانهم، ويثير أحقادهم، فيؤدي إلى عكس ما قصده الداعي من التأليف والإصلاح ذلك إلى ما في هذا\n_________\n(١) النبأ العظيم ص ١١٧ - ١١٨.","vol":"1","page":475},{"text":"الحذف من الإشارة إلى طابع الإسلام، وهو أنه ليس دين تفريق وخصومة، بل هو جامع ما فرقه الناس من الأديان، داع إلى الإيمان بالكتب كلها على سواء ..) (١).\nوهكذا يستمر الأستاذ ﵀ في تفسير هذه النماذج على هذا المنوال، وإنه لكلام والله يسطع برهانه، وتنير حجته، ويحمل في طياته دليله المنطقي، وسلطانه الفطري، فَيدُع ظلام الشك، وظلمة الشبهة دعًّا، ليحل محلها نور اليقين، وروعة الإقناع.\nوالأستاذ يرى أن الإيجاز والوحدة بين الآيات والسور، من أهم ما يتميز به هذا القرآن، فالحرف الواحد يعطي من المعاني الكثير، فإذا حذف هذا الحرف، - ذهبت تلك المعاني، ومثل ذلك هذه الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فلقد جاءت في موضعها، لأنه يفهم منها إقصاء المخلوقات جميعها، عن أن تقرب من رتبة الألوهية، أو تكون من قبيل الكلام الذي يحمل دعواه معه، فإن قولنا مثل فلان لا يكذب، أبلغ من قولنا فلان لا يكذب، لأنه كلام يحمل معه دليله، وليس معنى هذا أن الأستاذ تستهويه مخالفة المفسرين بل هو من رأيت وسمعت أدبًا وذوقًا رفيعًا واعترافًا بالجميل، ولكنه يبدي رأيًا فيما ظهر له، فها هو عند قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ يرى أن هذا المثل للكافرين وليس للمنافقين، كما ذهب المفسرون، وأن الذي استوقد نارًا إنما هو الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، والأستاذ ﵀ لا يخطيء المفسرين فيما ذهبوا إليه، بل نراه يجلهم ويقول: (إننا لما رأينا المفسرين جعلوا الذي استوقد نارًا مثلًا للمنافق، فإنا نتهيب أدبًا أن نجعله للرسول الكريم) (٢) ولكن شجعه على ذلك كما يقول الحديث الوارد عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام في ذلك: (إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا) (٣).\n_________\n(١) النبأ العظيم ص ١١٣ - ١١٤.\n(٢) النبأ العظيم ص ١٦٥.\n(٣) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء، باب قول الله \"وهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب\".","vol":"1","page":476},{"text":"وهكذا يسير الأستاذ الفاضل في بيانه لمحكم التنزيل، ولا أغالي إذا قلت إن المكتبة الإسلامية، وإن الشباب المسلم، وإن طلاب الحق أيًّا كانوا، بحاجة ماسة إلى مثل هذا الكتاب، الذي لن يستغني عنه أحد منهم، فلقد سدّ فراغًا كبيرًا. رحم الله الأستاذ وجزاه عن كتابه والمسلمين خير الجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>٣ - سيد قطب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>كتاب التصوير الفني في القرآن:</span>\nإذا كان الرجلان السابقان وقف كل منهما وقفة العالم الخاشع أمام النص القرآني، يعرض كل لزاوية من زواياه البيانية، فإن أيّ واحدٍ منهما لم تسعد المكتبة الإسلامية القرآنية بتفسير تام له ولقد قلت من قبل: إن الأمة قد حرمت أن يكتب لها عبد القاهر تفسيرًا، باعتباره صاحب نظرية في الإعجاز، اعتمدتها الدراسات البيانية فيما بعد، لكن صاحب التصوير الفني ﵀، كتب في البيان القرآني، كما يسره الله له، وهيأ له أن يفسر القرآن كذلك، فأفادت المكتبة والدارسون منه كثيرًا ولن أعرض له الآن مفسرًا، وإنما الذي يهمني الآن، قضية البيان القرآني كما رسمها وأبدعتها قريحته، وهيأتها سائغة شهية نتائج أفكاره ﵀، ولقد كتب أول ما كتب (التصوير الفني في القرآن). وهو مبحث لعمر الحق جديد، ثم أخرج كتابه (مشاهد القيامة في القرآن) وبعده (في ظلال القرآن).\nوالفكرة التي يقوم عليها كتابه التصوير الفني، هي أن هذا التصوير، هو الأداة المفضلة للتعبير، والقاعدة الأساسية في الكتاب العزيز، عدا آيات الأحكام بالطبع، وهذا التصوير ليس للمعاني المجردة فقط، بل هو للحالات النفسية والحوادث التاريخية والقصص والأمثال كذلك، وهذا التصوير يقوم على التجسيم المحسوس والتخيل، وهو إذ يأتي بأمثلة لكل ذلك، يشعر القارئ وكأنه أمام مناظر بديعة، تصور حالات من مشاهد الكون، أبدعتها ريشة فنان. بل والحق يقال إن ما تحدثه","vol":"1","page":477},{"text":"الآيات في النفس، أعظم وأكثر روعة وأشد أثرًا من تلك.\nويتحدث بعد ذلك، عن التناسق الفني في الآيات، من إيقاع بين أجزائها، وتلاؤم بين ألفاظها ومعانيها، ومواقع كمواقع النجوم لكلماتها فهو مثلًا يحدثنا عن سر التعبير في كلمة (سجى) من قول الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ دون (أظلم) ودون (يغشى)، ذلك لأن هذا يتناسب مع السياق الذي جاءت له الآيات، من انقطاع الوحي مدة وفتوره. فما هي إلا حالة تشبه (سجى الليل) دون أن يعم ظلامه، وها هو يحدثنا عن هذا التناسق الفني في سورة الليل ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ إنهما شيئان: أسود وأبيض، ليل ونهار، وكأن الصورة كلها تقوم على ذلك المشهد، فهناك الذكر والأنثى، وأعطى واتقى، وبخل واستغنى، واليسرى والعسرى، والآخرة والأولى، والأشقى والأتقى.\nويبين لنا سر التعبير بكل دقة وحيوية في لفظتين من ألفاظ القرآن \"خاشعة وهامدة\" في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج: ٥] وقوله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩] فالمشهد هنا مشهد البعث والإنبات وإحياء الموتى، وإخراج من في القبور، أما هناك في آية فصلت فالمشهد الخضوع والخشوع والسجود، من الليل والنهار والشمس والقمر، فلا بد أن تشارك الأرض كذلك، ولهذا لم يقل هنا ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ بينما قالها هناك.\nكما يحدثنا دون تكلف عن سر الإعجاز في الفاصلة القرآنية، وسر تغيرها، فهذه الفاصلة في سورة مريم، وهي تتحدث عنها وعن عيسى ﵊، وفجأة وإذا بالفاصلة تتغير، ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ [مريم: ٣٤] لماذا؟ يقول: (إنه الحكم يصدر، ولهجة صدور الحكم تختلف عما قبلها من لهجات المرافعة والادعاء).\nوهكذا نسير معه والآيات تسير به، وهكذا تنكشف للناظر في القرآن آفاق وراء آفاق من التناسق والاتساق: (فمن نظم فصيح إلى سرد عذب، إلى معنى مترابط، إلى","vol":"1","page":478},{"text":"متسلسل إلى لفظ معبر، إلى تعبير مصور، إلى تصوير مشخص، إلى تخيل مجسم، إلى موسيقى منغمة، إلى اتساق في الأجزاء، إلى تناسق في الإطار، إلى توافق في الموسيقى، إلى تفنن في الإخراج، وبهذا كله يتم الإبداع، ويتحقق الإعجاز (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>القصة في القرآن:</span>\nوحينما يعرض للقصة في القرآن، ويذكر أغراضها الدينية، يقفي على ذلك بالخصائص الفنية للقصة في القرآن. ويذكر من هذه الخصائص: تنوع طريقة العرض، وتنوع المفاجأة والفجوات بين المشهد والمشهد، ليتأمل السامع، أما الخصيصة الرابعة وهي أهم هذه الخصائص. فهي التصوير في القصة، سواء أكان هذا التصوير، لقوة العرض أم العواطف والانفعالات أم رسم الشخصيات. فمثلًا نجد أن بداية القصة في القرآن، تتفق فنيًّا مع المشهد الأخير لنهاية كل قصة. فهذه قصة موسى ﵇، ذكرت آخر ما ذكرت في سورة المائدة، حينما وصل بنو إسرائيل إلى التيه وكان هذا آخر نبأ سيدنا موسى ﵊.\nأما في تصوير العواطف والانفعالات، فأكتفي بمثال واحد مما ذكره، ولنستمع إليه وهو يحدثنا عن قصة مريم ﵍.\n﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: ١٦ - ١٧] فها هي ذي في خلوتها، مطمئنة إلى انفرادها، يسيطر على وجدانها ما يسيطر على الفتاة في حمامها، ولكن ها هي ذي تفاجأ مفاجأة عنيفة، تنقل تصوراتها نقلة بعيدة، ولكن بسبب ما هي فيه أيضًا، ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٧ - ١٨] إنها انتفاضة العذراء المذعورة يفجؤها رجل في خلوتها فتلجأ إلى استثارة التقوى في نفسه (إن كنت تقيا).\n_________\n(١) التصوير الفني في القرآن ص ١١٨.","vol":"1","page":479},{"text":"ولئن كنا نحن نعلم أنه الروح الأمين، فإنها هي لا تعلم إلا أنه رجل، وهنا يتمثل الخيال تلك الفتاة الطيبة البريئة، ذات التقاليد العائلية الصالحة، وقد تربت تربية دينية، وكفلها زكريا، بعد أن نذرت لله جنينًا.\nهذه هي الهزة الأولى.\n(قال: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩] ثم ليتماثل الخيال مرة أخرى. مقدار الفزع والخجل، وهذا الرجل الغريب، الذي لم تثق بعد بأنه رسول ربها، فقد تكون حيلة فاتك يستغل طيبتها - يصارحها بما يخدش سمع الفتاة الخجول، وهو أنه يريد أن يهب لها غلامًا، وهما في خلوة وحدهما.\nوهذه هي الهزة الثانية.\nثم تدركها شجاعة الأنثى تدافع عن عرضها ﴿قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٠] هكذا صراحة، وبالألفاظ المكشوفة، فهي والرجل في خلوة. والغرض من مباغتته لها قد صار مكشوفًا، فما تعرف هي بعد كيف يهب لها غلامًا، وما يخفف من روع الموقف أن يقول لها، ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ فقد تكون هذه خدعة فاتك كما قلنا، فالحياء إذن ليس يجدي، والصراحة هنا أولى.\n﴿قَال كَذَلِكِ قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾.\nثم ماذا؟\nهنا نجد فجوة من فجوات القصة، فجوة فنية كبرى، تترك للخيال تصورها، ثم تمضي القصة في طريقها، لنرى هذه العذراء المسكينة في موقف آخر أشد هولًا.\n﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالتْ يَاليْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾.\nوهذه هي الهزة الثالثة.","vol":"1","page":480},{"text":"فلئن كانت في الموقف الأول تواجه الحصانة والتربية والأخلاق بينها وبين نفسها، فهي هنا وشيكة أن تواجه المجتمع بالفضيحة، ثم هي تواجه آلامًا جسدية بجانب الآلام النفسية تواجه الألم الجسمي الحاد الذي (أجاءها) إجاءة إلى النخلة، وهي وحيدة فريدة تعاني حيرة العذراء في أول مخاض، ولا علم لها بشيء، ولا معين لها في شيء، فإذا هي قالت: ﴿يَاليْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ فإننا لنكاد نرى ملامحها ونحس اضطراب خواطرها، ونلمس مواقع الألم فيها.\n﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.\nوهذه هي الهزة الرابعة، والمفاجأة العظمى. وإنا لنكاد نحن، لا مريم نهب على أقدامنا وثبًا، روعة من هذه الهزة وعجبًا، طفل ولد اللحظة، يناديها من تحتها، ويمهد لها مصاعبها، ويهيء لها طعامها، ألا إنها الهزة الكبرى.\nونحسبها قد دهشت طويلًا، وبهتت طويلًا، قبل أن تمد يدها إلى جذع النخلة، تهزه ليساقط عليها رطبًا جنيًّا، لتتأكد على الأقل، ويطمئن قلبها لما تواجه به أهلها ولكن هنا فجوة تترك للخيال أن يقيم عندها قنطرة، ويعبرها.\n﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾.\nفلتطمئن الآن مريم، ولتنتقل الهزات النفسية إلى سواها، ﴿قَالوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.\nإن الهزة لتطلق ألسنتهم بالسخر والتهكم على (أخت هارون) أو في تذكيرها بهذه الأخوة ما فيه من مفارقة، فهذه حادثة في هذا البيت لا سابقة لها ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾.\n﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ ويبدو أنها كانت مطمئنة لتكرار المعجزة هنا، أما هم فما عسى","vol":"1","page":481},{"text":"أن نقول في العجب الذي يساورهم، والسخرية التي تجيش بها نفوسهم، وهم يرون عذراء تواجههم بطفل، ثم تتبجح فتشير إليهم ليسألوه عن سرها؟ ﴿قَالوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾.\nولكن ها هي ذي المعجزة المرتقبة ﴿قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾.\nلولا أننا قد جربنا من قبل، لوثبنا على أقدامنا فزعًا، أو لسرنا في مواضعنا دهشًا، أو لفغرنا أفواهنا عجبًا، ولكننا جربنا، فلتفض أعيننا بالدمع من التأثر.\nوفي هذه اللحظة يسدل الستار، والأعين تدمع للانتصار، وفي هذه اللحظة، نسمع في لهجة التقدير، وفي أنسب فرصة للإقناع والاقتناع.\n﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾.\nلقد برز الغرض الديني هنا، وبرزت مشاهد القصة، وبرزت معها قوة العواطف والانفعالات، وهذا اللون هو يطبعها، ويغلب فيها على الألوان الأخرى) (١).\nتلك هي الزاوية التي نبَّه عليها ﵀، فتناول النص القرآني من خلالها، وهو -كما قلت من قبل- مجدد مبتكر كسابِقَيْه الرافعي والدكتور دراز -رحمهما الله- وإن كان لكل واحد منهم، زاوية خاصة استنار بها في عرض النص القرآني.\nأما كتابه مشاهد القيامة، فإنما هو عرض للآيات التي تحدثت عن اليوم الآخر، مصورة تلك المعاني الذهنية، فيشبه أن يكون فصلًا شاملًا، أو تطبيقًا عمليًّا لما جاء في كتاب التصوير.\n_________\n(١) التصوير الفني ص ١٦٠.","vol":"1","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>٤ - الشيخ أمين الخولي</span>\nتخرج الشيخ أمين الخولي في مدرسة القضاء الشرعي وتسنى له أن يدرس اللغة الإيطالية، ثم عين مدرسًا في كلية الآداب، للغة العربية، وكان له رأي يتلخص في وجوب تجديد هذه الدراسات الأدبية والذي يهمنا نظرته إلى دراسة التفسير، فالقرآن كتاب العربية الأكبر كما يقول، ومن هنا، فالواجب أن ينظر إليه أولًا، وقبل كل شيء من هذه الناحية.\nلذا فهو لا يرضى أن يكون المقصد الأول للقرآن، بيان الهداية في العقيدة والتشريع والأخلاق، كما ذهب إليه الشيخ محمد عبده، وإنما واجب العرب، مسلمهم وغير مسلمهم أن يدرسوا القرآن أولًا، من حيث هو فن العربية الأقدس، ويقيني أن ما ذهب إليه الأستاذ الإمام هو الحق: القرآن كتاب هداية قبل كل شيء، ولولا ما فيه من تلك الهداية المخالفة لما عليه العرب، ما رفضوه وحاربوا من تلاه عليهم لأول مرة، عليه وآله الصلاة والسلام، وليس معنى هذا، أن نهمل الناحية البيانية في دراسة القرآن.\nوبهذه المناسبة أود أن أشير إلى خطأ المنهج، الذي تتبعه بعض الكليات والجامعات الإسلامية، حينما تفصل بعض الدراسات القرآنية عن الصبغة البيانية، كجُلِّ كليات الشريعة التي تعنى بالآيات من ناحية الأحكام فقط، غير ناظرة إلى ما فيها من ذوق بياني رفيع. إن دراسة البيان القرآني من الأمور المهمة التي تتبين منها روعة أسلوبه، وفصاحة كلماته، وبلاغة مركباته وهي لازمة في كل اتجاه من اتجاهات التفسير.\nأما المنهج الذي يراه الشيخ لدراسة القرآن فهو يقوم:\nأولًا: على دراسة ما حول القرآن دراسة خاصة وعامة، أما الدراسة الخاصة فهي ما لا بد منه لفهم النص القرآني كأسباب النزول والنسخ ومعرفة المكي والمدني، وهو بعض موضوعات علوم القرآن، وأما الدراسة العامة، فهي","vol":"1","page":483},{"text":"دراسة البيئة التي نزل فيها القرآن، وعوامل تكوينها سواء أكانت تلك البيئة طبيعية أم اجتماعية. وما قرره الشيخ، قرره علماء من قبله، كالشاطبي في كتاب الموافقات، ولكن ليس إلى الحدّ الذي قرره الشيخ.\nوثانيًا: على دراسة في القرآن نفسه، ويبين الشيخ هنا أن دراسة القرآن كما يعرضها المفسرون ليست سوية، إذ هم يعرضون لكل آية على حدة، والطريقة المثلى عنده أن يدرس القرآن كموضوعات فتؤخذ آيات في الموضوع الواحد على أنها مجموعة متكاملة، ويبدأ دراسة المفردات دراسة واعية، حيث لا توجد معاجم كافية، والمعجم الوحيد هو مفردات الراغب، ولكنه بدائي كما يقول، فدراسة اللفظة القرآنية ينبغي أن يراعى فيها أصل وضعها، ومدلولها في العهد الذي نزلت فيه. والتطورات التي جدت عليها بعد ذلك، ولهذه الناحية يمنع التفسير العلمي لأن مدلولات الألفاظ في العهد النبوي، لم تكن لتحمل المعاني العلمية المستحدثة (١). وما قاله صحيح، ولكن إذا كان هذا التفسير لا يتعارض مع ما أثر عن النبي الكريم عليه وآله الصلاة والسلام أو مع اللغة نفسها.\nوبعد دراسة المفردات تأتي دراسة المركبات على أن لا تطغى الصنعة البلاغية والنحوية على تلك الدراسات، ويستشهد لذلك المنهج الذي رسمه بدراسات العهد القديم والجديد حيث وضع لما ورد فيها من أزمنة وأمكنة وأعلام وحوادث ومفردات دراسات مختلفة كل على حدة.\nوأعتقد أن دراسة تلك الكتب تختلف عن دراسة القرآن مضمونًا ولغة، فهي لا تتمتع بتوافر الإسناد أولًا، ولم تثبت في لغتها التي نزلت فيها ثانيًا، ولم تسلم لغتها من التغيير والتطور ثالثًا، كما سلمت لغة القرآن، فاللغة الإنكليزية مثلًا، إذا سمع أبناؤها إنسانًا قبل شكسبير يتحدث بها، لم يفهم سوى القليل منهم القليل منها،\n_________\n(١) مناهج التجديد ص ٢٨٩.","vol":"1","page":484},{"text":"بينما إذا جاء امرؤ القيس أو من هم قبله يتحدثون، فإننا لا نجد فروقًا جوهرية أو صعوبة ذات شأنٍ في فهم ما يقولون، لذلك كله مضمومًا إليه تنويه الشيخ بالغربيين وما كتبوه عن كتبهم وعن كتبنا، أرى أنه تأثر في رسم منهجه بهؤلاء، وأيًّا ما كان الأمر، فقد كان أكثر الناس تأثرًا به وإعجابًا والتزامًا بما قال، وأوعاهم لآرائه زوجه الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ، وهذا يظهر في كتابتها في تفسير القرآن، والحق أن لها نشاطًا مشكورًا في النهضة الأدبية القرآنية محاضرة ومؤلفة، ولا بد أن نقف عند ما كتبته في تفسير القرآن، فنتعرف عن كثب إلى المنهج الذي رسمه شيخها في كتابه (مناهج التجديد) نظريًّا، وطبقته هي عمليًّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>٥ - الدكتورة عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)</span>\nكان للدكتورة عائشة -رحمها الله- عناية بالدراسات القرآنية منذ مدة من الزمن، فلقد حاضرت في كثير من الجامعات الإسلامية، حول تلك الدراسات البيانية، كما كانت لها محاولات في تفسير القرآن تفسيرًا بيانيًّا وهذا الذي يهمنا الآن.\nفسرت بعض قصار السور، وهي تعدُّ القرآن كتاب العربية الأكبر، وترى أنه ينبغي أن ينصرف الجهد بادي بدء إلى بيانه الأسمى وتلوم على دارسي الأدب في الجامعات، الذين لم يدرسوا النص القرآني دراسة أدبية تحليلية، كما درسوا القصائد والخطب، وهذه ملاحظة مشكورة من المؤلفة الفاضلة، وإن كنت أعتقد أن النظرة للآية القرآنية في هذا الحد غير كافية، وليست هي الأساس الأول، فالقرآن منهج لإصلاح العقيدة والسلوك قبل كل شيء.\nوالطريقة التي اتبعتها، تطبيق عملي للمنهج الذي رسمه الشيخ أمين الخولي كما أسلفت من قبل. فهي تبدأ بذكر المفردات، ومدلولاتها اللغوية، وعدد ورودها في القرآن (١) وأقوال المفسرين فيها، ثم يأتي بعد ذلك دور المركبات، وكثيرًا ما تحاول\n_________\n(١) رحم الله الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي وجزاه خيرًا. فلقد سهل على الكاتبين والباحثين كثيرًا =","vol":"1","page":485},{"text":"أن تبرز ناحية بلاغية وترشد إلى سر من أسرار التعبير، وقد يحالفها التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>نماذج من تفسيرها:</span>\nعند تفسيرها لقول الله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ حيث لم يعجبها ما قاله المفسرون في سبب تعدية الفعل (أوحى) باللام دون (إلى) مراعاة للفاصلة، أو تناوب حروف الجر، وإنما ارتأت رأيًا آخر خلاصته، إن الموحى إليه هنا ليست فيه الحياة كما هو في المواضع الأخرى، التي عدي الفعل فيها بـ (إلى) وبأن (اللام) لها من المعاني ما ليس لإلى وغيرها من حروف الجر).\nتقول: (أما الموحى إليه فيتعدى الفعل إليه بحرف الجر (إلى) إذا كان من الأحياء، باستقراء الآيات السبع والستين التي جاء الوحي فيها بإلى .. وتعدى الفعل، بغير (إلى) مع الجماد، فتعدى مع السماء مرة بحرف (في) ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢] ومع الأرض مرة (باللام) في آية الزلزلة، وتلتمس تعيين دلالة الحرف بالسياقين) ثم تقول: (فالإيحاء هنا مباشرة، ليلائم استعداد التحدث إلى الأرض، وسر قوته في أنه كذلك، ومن هنا كان إيثار التعدية بـ (اللام)، لما في معنى (اللام) من اختصاص، وإلصاق وصيرورة، وتقوية الإيصال، وهي معان عرفها اللغويون أنفسهم، وعدوها فيما عدوا من معانيها التي أحصاها ابن هشام في المغني وإن لم يلتفتوا إليها هنا في البيان القرآني) (١).\nومن ذلك، سر التعبير، بكلمة (المقابر) دون القبور، في قول الله تعالى ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ فضلًا عن الرنين الصوتي والاتساق اللفظي، فهناك تلاؤم معنوي بين التكاثر والمقابر، ومثل هذه اللفتات البيانية البديعة حري بنا أن نسجله للكاتبة لكن هناك ملحوظات لا بد من إيرادها هنا.\n_________\n= بمعجمه المفهرس لألفاظ القرآن.\n(١) التفسير البياني ص ٩٦ - ٩٧.","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-196>ملحوظات حول التفسير:</span>\nأولًا: لا يشك القارئ وهو يتصفح التفسير البياني، بأن مؤلفته تكتب وفي نفسها شيء من ملاحقة المفسرين، فهي في كل موضوع تقريبًا، تأتي على أقوالهم لتردها، أو تبين ما فيها من قصور وعدم وفاء بالمعنى. وقد تأتي بأقوال ضعيفة لم يعتمدها المفسرون أنفسهم، وربما تأتي باللفتة البيانية مبينة جدتها، زاعمة أن المفسرين لم ينتبهوا إليها. ومثال ذلك تفسيرها لآية ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ حيث لم ينتبه المفسرون لظاهرة القسم بالواو كما تقول، ولسر التطابق بين المقسم به والمقسم عليه، وتفسير قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ حيث ذكرت بعض الأقوال عن هذا المعطى، من أنه ألف قصر بفرش معينة وألوان معينة. وهذه أقوال لم يعتمدها المفسرون بالطبع، وقد نبه عليها كثيرون قبلها، وعند قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ في سر التعبير بالجار والمجرور (لك) ترى أن المفسرين القدامى لم ينتبهوا إلى هذا السر البلاغي، وبعد أن ترد ما قالوه، ترى أنه جاء للتقرير والتأكيد وتقوية الإيصال (١). مع أن هذا القول قرره العلامة أبو السعود وأخذه عنه كثيرون منهم الشيخ محمد عبده.\nوفي تفسير قوله تعالى ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ تدعي أن أحدًا من المفسرين لم ينتبه لسر التعبير بكلمة (زرتم).\nوأنقل هنا ما ذكره أبو السعود (٢) في الآية الأولى (وزيادة الجار والمجرور، مع توسيطه بين الفعل ومفعوله، للإيذان من أول الأمر، بان الشرح من منافعه ﵊ ومصالحه، مسارعة إلى إدخال المسرة في قلبه الشريف - ﷺ -، وتشويقًا له ﵊ إلى ما يعقبه، ليتمكن\n_________\n(١) التفسير البياني ص ٦٥.\n(٢) إرشاد العقل السليم جـ ٥، ص ٢٧٠ طبعة محمد عبد اللطيف.","vol":"1","page":487},{"text":"عنده وقت وروده فضل تمكن).\nأما الآية الثانية، فأذكر هنا ما قاله ابن تيمية في سورة التكاثر (١) قيل فيها ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾، تنبيهًا على أن الزائر، لا بد أن ينتقل عن مزاره فهو تنبيه على البعث ولقد قال مثل هذا القول كذلك، صاحب روح المعاني، وزاد عليه قوله (وفيه إشارة إلى قصر زمن اللبث في القبور) (٢).\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ [النازعات: ١٠] لا ترى المؤلفة أن هذا الاستفهام يقصد به التهكم، وإنما هذا القول يكون منهم في الآخرة.، وترد ما قاله المفسرون، محتجة باستعمال الفعل المضارع أولًا (يقولون)، وبمجيء الفعل الماضي ثانيًا (قالوا) ولقد أجاب المفسرون عن هذا كله. وذكر العلامة الآلوسي ما فيه الكفاية. وقولها بأن هذا يكون في الآخرة لا يتفق مع سياق الآية.\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾ ترى أنه لا داعي للبحث عن تعيين تلك الآية، أهي العصا أم غيرها؟ مع أن ضم الآيات بعضها إلى بعض، وبخاصة ما ورد في سورة الشعراء، يسهل علينا إدراك تلك الآية.\nثانيًا: تلوم على المفسرين لأنهم يوردون أقوالًا كثيرة، هي إلى الحشو أقرب. ومع أنها اتجهت اتجاهًا خاصًّا في التفسير، أعني الاتجاه البياني، ومع أنها تذكر أن المفسرين أوردوا أقوالًا ولا تود أن تذكرها هي، إلا أنها لا تدع قولًا، حتى من التفسيرات الباطنية إلا وتذكره كما فعلت في تفسير ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ حيث ذكرت أربعة أقوال من تفاسير الباطنية، وهكذا تجعل صاحبة التفسير البياني، سامحها الله، القارئ في متاهة، من كثرة ما تورد من أقوال، حق على المفسر البياني أن يتجنبها، وهكذا تستمر، وهذا هو دأبها دائمًا.\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن تيمية جـ ١٣، ص ٥١٧.\n(٢) تفسير روح المعاني جـ ٣٠، ص ٢٢٤.","vol":"1","page":488},{"text":"ثالثًا: تدعي أن المفسرين وهم يكتبون، يحملون في نفوسهم فكرة ما تسيطر عليهم، فتأتي أقوالهم مشوشة. وتمثل لذلك بما قرروه من أن القسم، يكون لتعظيم المقسم به، وقد سيطرت عليهم تلك الفكرة قديمهم وحديثهم، فأرادوا أن يخضعوا كل قسم، ليتفق مع تلك القاعدة، ومع مخالفتنا لها في هذا، فقد وقعت هي في ما اعترضت به على غيرها، فهي ترى أن القسم بالواو، إنما جاء في القرآن الكريم، ليدل على واقع محسوس مشهود للناس فقد خرج عن أصله اللغوي، ومن هنا لا داعي للبحث عن جوابه، ومن أجل هذا، أرادت أن تخضع كل قسم مبتدئًا بالواو لتلك القاعدة، وبخاصة إذا كان القسم على البعث. فردت تفسير النازعات بالملائكة لأن الملائكة ليست محسوسة مشاهدة، وفسرت هذه المقسم بها بالخيل. وإن الحس اللغوي في رأيي، لا يساعد على تفسير ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ (بالخيل).\nرابعًا: تتعقب المفسرين لا في التفاسير اللغوية فقط، بل فيما هو خارج عنها، كمسائل علم الكلام كما رأينا عند تفسيرها لقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ بل في مضمون كلامهم. فهي تقول عن كلام الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (ومعنى اصطحاب اليسر والعسر، أن الله أراد أن يصيبهم يعني المؤمنين بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر جعله كالمقارن للعسر، زيادة في التسلية وتقوية القلوب) تقول: (إنه يعوزه الدقة في موضعين: التعبير عن البشرى بالإصابة أولًا، والتشبيه في قوله (حتى جعل اليسر كالمقارن للعسر ولا إخال ذلك). أما أولًا ففي القرآن ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩]. وأما ثانيًا فورود الكاف من الأساليب المعروفة في اللغة. وإذا كان القسم قد يخرج عن أصله اللغوي كما تقول، أفلا يكون للتشبيه جماله في مثل هذا التعبير؟ ومع هذا كله فإن صاحبة التفسير البياني كان ينبغي أن تنبه على أمور بدل هذا كله في التعبير","vol":"1","page":489},{"text":"القرآني. ككلمة (عائل) مثلًا في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ لم استعملت دون كلمة فقير.\nوبعد، فلا أود أن أتتبع المفسرة الفاضلة كما تتبعت المفسرين ولاحقتهم في كل صغيرة وكبيرة، ولقد كانت محاولة مشكورة، محاولتها هذه، لولا أنها حشدت في كتابها من الأقوال والآراء، ما كان تركه يكسب بيانها بيانًا، وتفسيرها وضوحًا وجمالًا، ويحول القارئ بين التشويش والجفاف، ومن الوفاء أن يعترف الأواخر للأوائل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>٦ - الأستاذ محمد المبارك وكتابه دراسة أدبية لنصوص من القرآن</span>\nوهذا عالم آخر من علماء الشام، أسهم في النهضة البيانية في تفسير القرآن، هو الأستاذ محمد المبارك -﵀- وهو ذو ثقافة واسعة متعددة الجوانب، ففضلًا على ثقافته الدينية واللغوية، فإنه كذلك ذو ثقافة عامة، هيأتها له دراسته في بعض الجامعات الأوروبية.\nوالمنهج الذي اتبعه في دراسته للنصوص القرآنية، يقوم على تلخيص الفكرة العامة للسورة أو النص، ثم بسط ما تضمنته من أفكار، وكشف ما بين هذه الأفكار من صلة، وربطها بما تضمنه القرآن من مفاهيم وأفكار، ثم يعمد بعد ذلك إلى عرض معاني الآيات عرضًا مباشرًا، هو حصيلة رأيه دون نقل مختلف أقوال المفسرين (٢). ثم إنه يعرض الطريقة الأدبية أو فن التعبير عن تلك المعاني، مع بيان خصائص هذا الفن وانسجامه مع الموضوع، ثم ينتقل إلى دراسة الآيات، من حيث تراكيبها وجملها ومفرداتها وخصائصها الأدبية البارزة، سواء من جهة المعنى أم\n_________\n(١) من أراد المزيد فعليه الرجوع إلى المبحث الذي كتبناه حول الإعجاز البياني عند الدكتورة عائشة وقد نشر في المجلة الثقافية الجامعة الأردنية.\n(٢) وهذا فرق جوهري بينه وبين الدكتورة بنت الشاطئ.","vol":"1","page":490},{"text":"حسن التعبير وقوته ودقته، أم من جهة اللفظ وجرسه، وما لذلك كله من صلة بالفكرة المعروضة والفن الأدبي (١) وهذا المنهج كما نرى مشوق للقارئ لأنه لا يدخله في متاهات، ويجعله موزعًا بين الغث والسمين من الأقوال الكثيرة، فضلًا على ما فيه من شمول للمعنى، وعمق في البحث وجودة في العرض.\nولعل مما يزيد الأمر وضوحًا أن ننقل مقطعًا من كتابته، وليكن من دراسته لسورة (العاديات). لقد تكلم الأستاذ عن هذه السورة في سبع نواح نعرضها فيما يلي:\nأولًا: يأتي بالمعنى الإجمالي للسورة بكلام متراص يظهر ترابط الآيات.\nثانيًا: يقسم السورة إلى ثلاثة أقسام وخاتمة، فيقول:\n(أما القسم الأول: فهو مشهد من مشاهد صراع الإنسان في هذه الحياة للتسلط وكسب المال، مشهد فرسان يغيرون على جماعة أخرى .. وهذه الصورة ترمز إلى جميع أنواع العدوان في ميادين الصراع بين البشر، الذي يكون الاعتداء طريقه.\nوأما القسم الثاني: فهو تحليل سريع موجز لنفسية الإنسان: إنه شديد الحب للمال كفور بنعمة الله ..\nوالقسم الثالث: إهابة وتنبيه وتذكرة بالمصير بعد الفناء.\nوتختم الأقسام الثلاثة بهذه الآية. التي هي آخر المراحل ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾.\nفمن صراع في هذه الحياة .. إلى موت يعقبه بعث وحساب .. حيث يكون المحاسب هو الله) (٢).\n_________\n(١) ص ٥.\n(٢) دراسة أدبية ص ١١ - ١٢.","vol":"1","page":491},{"text":"ثم ينتهي الأستاذ المبارك من التقسيم بتلخيص لذلك فيقول: (إن هذا النص كما ترى غني بمشاهده وأفكاره، بالنسبة إلى قصره وإيجازه، ولكن الفكرة الأساسية في الآية الأخيرة، والتي نستطيع أن نلخصها، في قولنا، إنها مسؤولية الإنسان العظمى أمام الخالق بعد هذه الحياة، وكل ما تقدمها من مشاهد وأفكار كان وسيلة للوصول إليها) (١).\nثالثًا: وينتقل بعد ذلك إلى قيمة الأفكار الواردة في النص فيذكر ثلاث نواح، يبين صلتها فيما بينها أولًا، ويعرض ما في القرآن من أفكار سامية، يهتدي إليها عقل الباحث المؤمن ثانيًا، يقول:\n١ - لا شك أن الانتقال من المسؤولية القبلية المحدودة الأثر في حياة العرب قبل الإسلام، إلى هذا النوع من المسؤولية الإنسانية العميقة .. انتقال عظيم جدًّا. وهذه المقاييس المتجلية هنا ترينا تقدمًا عظيمًا في ميدان التفكير الأخلاقي.\n٢ - ولا يقتصر الأمر على هذه القيمة، فقد تضمن هذا النص القرآني أفكارًا عن الإنسان ونفسيته ومسؤوليته الأساسية، لم تبلغ مرحلة بحثها إلا قليل من الحضارات الراقية، وبعد تطورات كبيرة في الفكر والمجتمع .. وهذه ناحية بارزة من نواحي الإعجاز.\n٣ - وإن فكرة مسؤولية الإنسان العظمى .. من العقائد الأساسية التي تضمنها القرآن. وجعلها ركيزة أساسية في نظامه الأخلاقي والتشريعي، وجزءًا من فلسفة الحياة التي جاء بها (٢).\nرابعًا: ونراه بعد ذلك يأتي بخصائص النص الفكرية، فيصوغها في خصائص ثلاث مركزة، وبكلمات موجزة وافية. يقول تحت هذا العنوان:\n_________\n(١) دراسة أدبية ص ١١ - ١٢.\n(٢) دراسة أدبية ص ١٣.","vol":"1","page":492},{"text":"(تبدو في النص وحدة موضوعية واضحة تدور حول فكرة المسؤولية ولذلك كان بين أجزاء النص ارتباط وتسلسل، ويعتمد النص على العنصر النفسي واعتبار النيات في تحديد المسؤولية) (١).\nخامسًا: ثم يأتي إلى فن العرض أو الطريقة الأدبية ولنستمع إلى كلام الأستاذ هنا وهو يلقي الضوء على فنه في العرض. يقول: (لقد وَضَعَنا النَّصُّ رأسًا أمام مشهد واقعي حي من مشاهد الحياة، ينبض بالحركة والحياة .. ولقد اعتمد النص في هذا القسم الأول على الوصف، الذي يكاد يكون على إيجازه قصة أو مشهدًا من قصة .. ولقد كان افتتاح السورة بهذا المشهد مفاجأة مثيرة للخيال، ولا سيما بالنسبة للعرب الذين تثيرهم صورة الغزو.\nأما طريقة القسم الثاني فقد كانت التحليل النفسي، فقد انتقلنا من مشهد واقعي .. إلى التأمل في نفسية الإنسان. ومن الصورة الحية .. إلى التأمل الباطني .. ومن الصورة الحسية إلى الحقائق المجردة النفسية.\nوقد عاد النص في القسم الثالث إلى طريقة الوصف والتصوير .. فكأن هذا القسم في طريقته .. جمع بين التصوير الحسي الرائع والتحليل النفسي في آيتين تصفان حادثة واحدة.\nأما الخاتمة فقد جاءت على طريقة الإحكام المجردة، بعد أن هيئت النفس بتلك الصور الحسية .. والصور النفسية.\nسادسًا: وبعدها يتكلم الأستاذ المبارك عن صياغة الآيات فيقول:\n(لقد كانت الآيات إجمالًا قصيرة في جميع أنحاء السورة، متناسبة في قصرها مع سرعة الانتقال في تصوير الحركات، أو مع إيجاز الأفكار في التحليل النفسي، ومقتصرة على العناصر الأساسية للجملة، خالية من الزوائد\n_________\n(١) دراسة أدبية ص ١٣.","vol":"1","page":493},{"text":"خلو الأفكار والمشاهد من التفصيلات، متناسبة في تنوعها وانتقالاتها مع تنوع الموضوع، من فعلية غير مؤكدة إلى اسمية مؤكدة إلى استفهامية).\nوانظره يأتي بأمثلة تفصيلية من السورة فيقول: (ولو ألقينا نظرة على الآيات وترتيبها وتركيبها، لوجدناها متناسبة مع الأفكار وخصائصها، ولوجدنا تنوعها مقابلًا لتنوع الأفكار، إننا نجد في تركيب الآيات، الأقسام التالية التي تقابل الأقسام الفكرية السابقة.\n١ - آيات قصيرة تتألف كل واحدة منها من كلمتين، أولاهما اسم فاعل بمعنى الفعل، أو فعل ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (١) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (٢) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (٣) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (٤) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ وكلها أفعال تدل على حركات أو أعمال حسية، وثانيتهما أحد المفاعيل. وتخلو هذه الجمل أو الآيات من الزوائد، وتتوالى سراعًا كما تتوالى حركات الخيل في عدوها، وهي كلها جمل فعلية، أو بحكم الفعلية تصور الحركات والحوادث.\n٢ - أما آيات القسم الثاني، فهي تتألف من جمل اسمية، تستعمل عادة للتعبير عن الحقائق العامة، مصدرة كلها بـ (إنَّ) المستعملة للتأكيد مع اللام.\n٣ - تعود الآيات في القسم الثالث إلى الجمل الفعلية لتصوير مشهد خاطف ليوم القيامة، ولكنها تأتي هنا مصدرة بالاستفهام الإنكاري المثير (أفلا يعلم). ويلفت النظر في هاتين الآيتين، استعمال الأفعال المبنية للمجهول، واستعمال (ما) الموصولة المشعرة بعدم التحديد، وفي ذلك فسح المجال للخيال.\n٤ - وتعود الخاتمة مرة أخرى، وهي حقيقة كبرى تمثل الفكرة الأساسية في النص، إلى الجملة الاسمية المؤكدة بـ (إنّ) و(اللام) على طريقة القسم الثاني).","vol":"1","page":494},{"text":"ثم يعرض للألفاظ وهي نوعان أحدهما لتصوير المعاني الحسية التي جاءت واضحة دقيقة التعبير كالصبح والموريات، وثانيهما للتعبير عن المعاني المجردة، مثل (كنود) و(شهيد).\nسابعًا: ويتحدث أخيرًا عن دور الموسيقى في السورة. فيقول: وهو يشعرك بتذوقه الفني الرائع وبحسه الموسيقي - (ويشعر المرتل لهذه الآيات، أن لها طابعًا موسيقيًا واضحًا، فإذا قرأها قراءة فنية -وذلك هو الترتيل- لاحظ انقسامها إلى عدة نغمات متناسبة مع أقسام النص، من الوجهة الفكرية والنحوية (ثم إنه يعرض لكل قسم من السورة، فيبين ما فيه من موسيقى وأنغام، تارة تقل فيها المدود، وتارة تطول، وأخرى تهدأ، مع ملاحظة الجرس الموسيقي الواضح لمعنى الألفاظ إلى أن يقول: (فموسيقى النص في جملتها وتفصيلها، أي في نغمة الجمل وجرس الألفاظ وفواصل الآيات، مناسبة للمشهد والأفكار، ومقابلة لها، وتتنوع بتنوعها وتنسجم بانسجامها).\nوفي النهاية يأتي الأستاذ بخلاصة تشمل بإيجاز كل ما أتى عليه من تفصيل.\nتلك هي الطريقة التي اتبعها الأستاذ محمد المبارك في تحليل النص القرآني تحليلًا أدبيًّا. ولقد كان في رأيي مجليًا من تلك الحيثية، سواء في تقسيماته، أم طريقة عرضه، ولكنها مع ذلك تبقى بحاجة إلى نواح أخرى من البحث البلاغي.\nولعل عذر الأستاذ في هذا، أنه أراد أن يقف بالقارئ تلك الوقفة الأدبية، كما هو متبع في تحليل النصوص الأدبية. والحق أن الأستاذ المبارك بارك الله له في عمله، كان ذواقة في أسلوبه، مبتكرًا في عرضه.\nإن الحديث عن البيان القرآني سيظل ثريًّا لأن القرآن الكريم لا يخلق على كثرة الردّ، ولا تنتهي جِدَّة ألفاظه ومعانيه، مفرداته وتراكيبه سواء، وموضوعاته وأساليبه كذلك.","vol":"1","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-198>٧ - الدكتور محمد رجب البيومي</span>\nأصدر الدكتور محمد رجب البيومي في أول السبعينيات كتابين عن البيان القرآني، أحدهما (خطوات التفسير البياني)، عرض فيه لأولئك الذين حاولوا تجلية هذا البيان على اختلاف نزعاتهم واتجاهاتهم، ابتداء من عصر الصحابة رضوان الله عليهم، إلى ما سطره المحدثون.\nوالكتاب الثاني هو (البيان القرآني) تحدث فيه عن المظاهر المتعددة في هذا البيان، وتحدث عن جزالة القرآن ودقته، وحقيقته ومجازه، وقصصه، واتساق آياته، وعن الوحدة الموضوعية في آراء العلماء والمفسرين، وهما كتابان جديران بالعناية. والدكتور محمد رجب البيومي أديب متميز، ويظهر أنه قد اتجه في هذه السنين الأخيرة إلى الكتابة عن القرآن الكريم، وأعلام المفسرين وغيرهم، وإن كان لي من مأخذ وعتب، فهو أن الأستاذ البيومي لم يعرض للأستاذ سيد قطب في أيّ من كتابيه، ويظهر أن الظروف السياسية هي التي حالت بينه وبين ما كان يجب أن يكتب.\nوهناك كتب كثيرة عالجت موضوعات من البيان القرآني، كالعطف وحروفه، وصيغ الجموع في القرآن الكريم وما يتصل بذلك، هذا فضلًا على الرسائل الجامعية التي تناولت كثيرًا من موضوعات البيان القرآني، كأسلوب التأكيد والقصر، والتضمين، والتصوير بالاستعارات وغيرها، ولا إخال أحدًا يرتاب في أن البيان القرآني سيبقى غنيًّا بما يمتع العواطف ويقنع العقول.\nاللهم افتح لنا من فضلك ورحمتك في فهم كتابك، فأنت ربنا نعم المولى ونعم النصير، وصل أفضل صلاة ربٍّ وأتمَّ تسليم، على سيدنا محمد الذي أنزلت عليه القرآن، وأكرمته بقولك ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] وآله وصحبه.","vol":"1","page":496},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>المبحث السابع: كلمة أخيرة عن البيان القرآني</span>\nومن كثرة ما كتب عن البيان القرآني، ومع اختلاف الجهات التي تناولت منها الآيات الكريمة، فإن النص القرآني لا يزال جديدًا، ذلك لأن كل كلمة فيه، إنما جيء بها في مكانها الذي لا يجوز أن تحيد عنه، أو تغير منه، فكل كلمة إذن جاءت لحكمة بيانية وغرض نفسي، وكل كلمة كذلك، يمكن أن نتناولها من أكثر من ناحية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>الكلمة القرآنية:</span>\nإنّ في القرآن كلمات قدمت حينًا وأخرت حينًا آخر، كل هذا يتسق مع الهدف الذى جاء القرآن من أجله في إعجازه، وإيقاظه للنفوس وتربيته للإنسان، عاطفة وعقلًا.\nهذه مثلًا كلمة (الأموال) قدمت على الأنفس في آيات كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [الصف: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٧٢] وهذه المواضع كلها تتحدث عن الجهاد من أول أمره. لكن حينما كان الحديث عن المعمعة والقتال الفعلي في ساحة الوغى، نرى (الأنفس) تقدم على (الأموال)، في مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١].\nولقد قدم (المال) على (البنين)، مثل ما ورد في سورة الكهف ﴿الْمَال وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]، وذلك لأن السياق يقتضي ذلك التقديم، بالإضافة إلى الجرس الصوتي والإيقاع اللفظي، فقد سبقت هذه الآية الكريمة، بقصة الرجلين اللذين جُعِل لأحدهما، جنتان من أعناب محفوفتان بنخل وبينهما زرع، فاغتر وطغى، بينما أخر المال حينما كان السياق يقتضي ذلك في مثل قول الله","vol":"1","page":497},{"text":"تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤]، حيث الحديث هنا عن رتب تلك المزينات، حسب غرائز الإنسان وعواطفه.\nوهذه كلمة في كتاب الله تذكر أحيانًا في سياق النهي، وبخاصة في شان النساء، وهي كلمة (يحل) في مثل قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]. فلم يقل (لا ترثوا) كما قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ﴾، ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾. وقد ظهر لي -والله أعلم بأسرار كتابه- أن هذه الكلمة إنما جاءت في محلها، وكان لا بد منها. ذلك أنها تذكر بجانب أمر، يريد القرآن أن يشدد النهي على تركه، مع أن القوم كانوا لا يرون به بأسًا، ولا رذيلة. فالزنا والكذب وكل المال بالباطل أمور مستقبحة عند القوم، لكن وراثة النساء وأخذ أموالهن، كانوا يرونه أمرًا عاديًا، لا غبار عليه، وليس من الأمور المسترذلة والمذموم فاعلوها عرفًا، فجاءت تلك الكلمة في كتاب الله، تفظع لهم ذلك الذي تعودوه، كما رأينا في الآية التي معنا، وفي قوله الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩] وذلك هو الإبداع القرآني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>الجملة القرآنية:</span>\nفإذا تركنا الكلمة القرآنية إلى الجملة، نجد هذا البناء المحكم العجيب. ولنأخذ هذه الآيات من سورة الأنفال، الآية الأولى:\n﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٠] وهناك آية تشبهها في سورة آل عمران، جاء فيها ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الآية: ١٢٦] وإذا كان البيان إنما قصد به أن يؤثر في النفس، وإذا كانت علوم البلاغة ذات صلة وثيقة بعلم النفس، أمكننا أن ندرك سر التعبير في كل من الآيتين الكريمتين.","vol":"1","page":498},{"text":"فالآية الأولى تحدثت عن بدر، أولى المواقع التي يخوضها المسلمون، ومع إيمانهم وثقتهم بربهم، إلا أن فريقًا منهم كارهون، فالتأكيد الرباني إذا يفعل في أنفسهم ما لا تفعله الإمدادات الكثيرة بالنسبة للآخرين. فجاءت خاتمة هذه الآية بجملتين: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ و﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وفيهما هذا التأكيد الذي نراه.\nأما آية آل عمران، فإن المسلمين وقت نزولها، قد جربوا المعارك وخاضوا غمار الحرب وعلموا حق اليقين بعين اليقين، حقيقة نصر الله لهم فليسوا إذًا بحاجة إلى ذلك التأكيد وإذ بالجملتين تنطويان إلى جملة واحدة ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].\nولنَأخُذ من الآية التالية لها قول الله تعالى: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢]، بينما جاء في سورة الحشر: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر: ٢].\nوإذا عرفنا أن قريشًا في بدر لم تكن لها حصونها، وإنما كانوا في فلاة من الأرض، وأن بني النضير غرتهم حصونهم بل وغرت المؤمنين كذلك -حتى لقد سجل الله ذلك: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢]- أدركنا سر التعبير بكلمة (الإلقاء) في قلوب قريش، وسر التعبير بكلمة (القذف) الذي لا يكون إلا بالآلات الضخمة لبني النضير.\nفإذا أخذنا الآية الثالثة، وجدنا في نهايتها ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ١٣]، بينما نجد ضريعتها من سورة الحشر ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وإذا أردنا أن نعرف سبب ذلك - أعني ذكر الرسول في آية الأنفال دون آية الحشر، فما لنا إلا أن نذكر أن معاداة قريش للإسلام كانت ذات سببين اثنين: أولهما معاداة الدين نفسه، وثانيهما معاداة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام حسدًا وغيظًا. قال الله تعالى مصورًا هذا العداء: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى","vol":"1","page":499},{"text":"رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]، بينما عداوة اليهود للإسلام كدين بقطع النظر عمن كان نبيه من العرب أم من غير العرب.\nهذا ما ظهر في تلك الآيات البينات (١)، نسأله تعالى أن يرزقنا الصواب، ويفتح لنا الأبواب في فهم كتابه الكريم، وإذا كان الاعتراف بالجميل واجبًا، فإن من الحق هنا أن أعترف بالجميل لأساتذتي الكرام، الذين فتحوا أذهاننا وقلوبنا لتنعم بالعلم، وإذا كان لا بأس من التخصيص، فإني أخص ثلاثة -﵏- بالذكر: والدي الذي حبب إلى القرآن في صغري وهيأ لي حفظه، وخالي (٢) الذي غرس في قلبي كيف أحافظ على هذا الكتاب، وأستاذي العلامة الشيخ إبراهيم زيدان، الذي لا يزال لدروسه ومحاضراته في التفسير على رغم حداثة سني وصعوبة ظروفي آنذاك أعظم الأثر في نفسي، جزى الله الجميع خيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>السورة القرآنية:</span>\nوإذا تركنا الجملة القرآنية للسورة ككل، والصلة بين السورة والسورة، فإننا نجد ذلك البناء الذي وجدناها من قبل.\nلنأخذ مثلًا، سورة الفرقان، هذه السورة التي سميت بهذا الاسم فكان قمينا بها، وكانت جديرة به. ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا﴾ إنه الفرقان الذي يبدد الشبهات وما أكثرها، فمن قول الكافرين ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ إلى قولهم ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ إلى قولهم ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ وكذلك قولهم ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ و﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ وبعد هذه كلها قولهم ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾.\n_________\n(١) مذكرات في التفسير لطلاب كلية الشريعة - فضل حسن عباس.\n(٢) هو الشيخ يوسف عبد الرزاق المشهدي.","vol":"1","page":500},{"text":"تلك هي سورة الفرقان، في نظمها البديع وسياقها المحكم، ومنطقها القويم، وردها للشبهات، وبيانها لنظام الله المحكم في الكون، وبيانها الوافي عن المؤمنين عباد الرحمن، فإذا أردنا أن ندرك صلة هذه السورة المكية بما قبلها، وهي سورة النور المدنية فإنه لا يسعنا إلا أن نخر للأذقان سجدًا مسبحين مكبرين.\nذلك أن موضوع السورتين موضوع متشابه، فكل منهما ترد شبهات ومطاعن، إلَّا أن سورة الفرقان ردت شبهات عن القرآن وعن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام من حيث هو رسول الله، أما سورة النور فقد ردت شبهات عن الرسول -ﷺ- ببراءة زوجه السيدة عائشة الصديقة بنت الصديق ﵄. ذلك هو الاتساق والنظام والوحدة البيانية في جمل القرآن وآياته وسوره، وهكذا القرآن كله وصدق الله العظيم ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>المبحث الثامن: رد افتراءات على البيان القرآني</span>\nهذا هو التفسير البياني للقرآن، ومع ذلك فإننا نجد بعض المضللين يثيرون شبهات حوله، من هذه الشبهات الباطلة المتداعية الواهية ما يقوله (نولدكه): (كان غرض محمد الوحيد، في السور المكية، تحويل الناس بطريق الإقناع عن عبادة الأصنام الباطلة إلى عبادة إله واحد. هذا هو الهدف الأساسي في دعوته مهما تشعب الموضوع، إلا أن محمدًا بدلًا من أن يتوجه إلى عقول سامعين يقنعها بالبراهين المنطقية، لجأ إلى الفن الخطابي، ليؤثر في عقولهم عن طريق الخيال والوجدان) (٢) ومنها ما جاء في دائرة المعارف البريطانية تحت مادة (قرآن)، حيث ذكر كاتب المقال في هذه الدائرة:\n(فليس هناك مهارة أدبية عظيمة واضحة مبنية في التكرار، الذي لا لزوم له لنفس\n_________\n(١) القرآن معجزة لغوية وعلمية بحث قدمته لكلية أصول الدين.\n(٢) تاريخ الأدب العربي للأستاذ نيكلسون.","vol":"1","page":501},{"text":"الكلمات والجمل) (١).\nأما الشبهة الأولى، فيكفي للرد عليها، ما جاء في القرآن نفسه من آيات كثيرة تخاطب العقل، وتقيم له البراهين المنطقية، التي لا يمكن لنتائج الفلسفة على اختلاف عصورها، أن تصل إلى ما وصل إليه القرآن، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٦]، ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٨٠]، وفي القرآن آيات كثيرة غير هذه تخاطب العقل، وتدفع الباطل بحجة المنطق.\nوأما الشبهة الثانية، فمع كل أسف لم تأت من شاعر عربيد، ولا من جاهل من جهلة الإكليروس، وإنما جاءت ممّا يسمى دائرة معارف، ولكنها معارف معوجة السبل، خبيثة المقصد والغاية، إن العرب وهم فرسان البلاغة وأساطين الفصاحة، بهرهم هذا التكرار، الذي يعترف بعض الغربيين أنفسهم، بأنه من أعظم الوسائل للتربية والتعليم والتأثير في مختلف الشؤون، أمثال (جوستاف لوبون) ولكنه الجهل الأعمى بل والتعصب الأعمى بل إن النهضة الأدبية كانت وليدة تأثر الغرب بالقرآن).\nومع ذلك كله، فسيبقى القرآن في علوه ورفعته وسمو منزلته، كتاب الحياة للأحياء. وصحيفة العقل للذين يحترمون العقل، وصدق الله العظيم ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢] (٢).\n_________\n(١) ج ١٣ ص ٤٥٤ - ٤٥٥.\n(٢) سطرت هذا القول قبل ما يقرب من ثلاثين سنة، وقد منّ الله عليّ من بعد -وله الفضل دائمًا- فوفقني لإخراج كتاب (قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية)، وبعض البحوث في رد التكرار.","vol":"1","page":502},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>الفصل الثاني الاتجاه الفقهي</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: التفسير الفقهي في العصر الحديث ومميزاته.\nالمبحث الثاني: التشريعات الاجتماعية.\nالمبحث الثالث: التشريعات السياسية.\nالمبحث الرابع: تشريعات أخرى عرض لها المفسرون المحدثون.","vol":"1","page":503},{"text":"الفصل الثاني الاتجاه الفقهي\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>تمهيد:</span>\nإذا كان القرآن قد تحدى العرب بلغته وبيانه، فإنه تحدى الناس جميعًا بنظمه وتشريعاته. وإذا كان القرآن قد نزل، واللغة العربية قد بلغت أشدها، واكتمل نضجها فإن الأمر صحيح كذلك، بالنسبة للقانون الروماني الذي كان أصلًا للأمم المتمدينة في ذلك العصر. ولقد أحدثت التشريعات القرآنية انقلابًا في شؤون الحياة على اختلافها، وإذا بالعرب أمة تتبوأ مركز القيادة البشرية، بفضل هذا القرآن، مما حدا بصحابة رسول الله -ﷺ- أن يستنبطوا من أحكامه ما هو ضروري لشؤون الحياة. ومن هنا كان اختلافهم في التفسير أكثر ما يكون في آيات الأحكام.\nثم انقضى العصر الأول، ولم تجرد آيات الأحكام على حدة. وبعد أن تعددت الدراسات القرآنية كان لدراسة الأحكام نصيب وافر. ويقال إن أول من كتب في تفسير آيات الأحكام الإمام الشافعي ﵁. ثم أخذ العلماء يكتبون حسب مذاهبهم، فتلونت الدراسات بتعدد المذاهب. وهذا لا يظهر عند الذين جردوا آيات الأحكام فحسب، بل عند الذين فسروا القرآن كله كذلك. ويظهر هذا جليًا في تفسير الرازي الشافعي، والألوسي الذي صار حنفيًا بعد أن كان شافعيًا (١).\n_________\n(١) وسنعرض لهذا اللون عند حديثنا عن مناهج المفسرين إن شاء الله.","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-206>المبحث الأول التفسير الفقهي في العصر الحديث ومميزاته</span>\nواستمرت تلك الطريقة في دراسة آيات الأحكام، إلى عصر الشيخ محمد عبده ﵀، فكان لا بد من أن يغير المنهج، وأن تدرس الأحكام دراسة بعيدة عن التعصب المذهبي، تتجلى فيها حكمة التشريع، ويظهر من خلالها الإعجاز التشريعي للقرآن، ويرد فيها على الشبهات التي يثيرها خصوم الإسلام حول أحكامه وتشريعاته، وهذا يظهر جليًا عند استعراض تفسير آية من آيات الأحكام في تفسير المنار.\nإن في القرآن ثورة كبرى من التشريعات المدنية والجنائية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولقد وجه المفسرون المحدثون عنايتهم لإبراز هذه التشريعات في ثوب ناصع جديد. وسأقتصر هنا على ذكر نوعين، وهما التشريعات الاجتماعية والسياسية. ولا بد قبل التعرض لهاتين القضيتين، من أن أشيد بما لفضيلة الأستاذ محمد أبي زهرة -﵀- من جهد مشكور ونتاج طيب في هذا المجال، فلقد حرص الأستاذ جزاه الله خيرًا على أن يبرز عظمة التشريع في كثير من كتبه ومقالاته في بعض المجلات الإسلامية تحت هذا العنوان (شريعة القرآن دليل على أنه من عند الله).\nولقد أسهم علماء كثيرون كذلك في تجلية هذا الموضوع، كالشيخ شلتوت ﵀، والأستاذ أبي الأعلى المودودي وأستاذنا المرحوم محمد يوسف موسى، والدكتور مصطفى السباعي ﵀ وغيرهم. وستبقى التشريعات القرآنية المنهل العذب الذي لا يذهب ظمأ هذه الأمة سواه.","vol":"1","page":506},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>المبحث الثاني: التشريعات الاجتماعية</span>\nيقول الأستاذ المراغي عن دروس الشيخ محمد عبده، إنها كانت دروسًا يجد فيها عالم الاجتماع بغيته، ولقد أبرز ﵀ وصاحب المنار قواعد الاجتماع العامة في تفسير القرآن كما جمع صاحب المنار كثيرًا من تلك التشريعات في كتاب الوحي المحمدي. وسأذكر قضيتين من قضايا العصر، شغل المفسرون بهما، وهما قضية الأسرة وقضية الحرية فلقد ثارت شبهات كثيرة حول هاتين القضيتين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>١ - الأسرة:</span>\nأما قضية الأسوة فهناك شبهات على تعدد الزوجات والطلاق والميراث، وهذه الشبهات وغيرها في الواقع ليست جديدة وإنما هي مما أثاره أعداء الإسلام قديمًا، فما كان من المحدثين، إلا أن رددوا تلك الشبهات بأسلوب عصري جديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>أ- تعدد الزوجات:</span>\nفتعدد الزوجات من المسائل التي أثير حولها جدل ونقاش، وما كل ذلك إلا للنيل من هذا الدين، إن التعدد لم يكن محرمًا في أيّ شريعة قبل الإسلام. ولما جاء الإسلام وضع له حدودًا وشروطًا. وما ذلك إلا لأنه ضرورة اجتماعية. وقد يكون من مصلحة الرجل أو المرأة أو المجتمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-210>ب- الطلاق:</span>\nوأما مسألة الطلاق فلقد أباحها الإسلام، ولكنه لم يترك هذه الإباحة ليستغلها كل أحد، فلقد وصى القرآن بمعاملة طيبة لها، يقول الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩] ولم يجعل الطلاق مرة واحدة بل هناك مرتان، بعد كل واحدة منهما عدة، لعل أحد الزوجين يراجع نفسه. وجعل الطلاق المقبول ما كان في طهر، حتى لا تكون أسباب النفور هي التي تتحكم في الزواج. والطلاق الذي لا تعتد","vol":"1","page":507},{"text":"المرأة به هو ما كان قبل الدخول. فإن طلقها الثالثة، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، لأنه يعسر حينذاك أن يوفق بينهما. وبالجملة فقد وضع القرآن جميع الحواجز، من أجل تلافي الطلاق إن أمكن ذلك. ونحن نرى الذين كانوا يعيبون على القرآن هذا الحكم، رجعوا صاغرين إلى حكم القرآن، لأنه هو حكم الله، الذي لا يتناسب مع الطبيعة البشرية غيره. وخير دليل وأقربه على ذلك، حكومة إيطاليا، وهي معقل النصرانية التي أباحت الطلاق قبل مدة وجيزة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>جـ- الميراث:</span>\nأما مسألة الميراث فقد ألقيت الشبهات فيها على القرآن من ناحيتين اثنتين:\nالأولى: لأنه ورث الأصول مع الفروع.\nالثانية: لأنه أعطى المرأة نصف نصيب الرجل.\nومع أن تنظيم الشريعة في الميراث تنظيم بديع لا يجارى، فإن ما وجه له من اعتراضات يسقط لأول وهلة، إذا عرفنا ما في هذا النظام من معالجات إنسانية واقتصادية. فالقرآن حينما ورث الأصول، لم تفته هاتان النظريتان. فللأصول حق على صاحب التركة أولًا، وربما يكونون ذوي حاجة، ونصيبهم أقل من نصيب الفروع ثانيًا، لأن الفروع يستقبلون الحياة، وعلى هذا الأساس كان نصيب المرأة ذلك، لأن القرآن أوجب لها النفقة على الرجل، فليس من العدل مساواتها في هذا مع الرجل.\nوليس معنى هذا أن القرآن حجر على المرأة، ومنعها أن تتصرف في حقوقها، وجعلها مؤخرة عن الرجل في كل شيء. بل على العكس من ذلك منحها من الحقوق، ما لا تحلم به المرأة، وفي أرقى المجتمعات الحديثة. كل هذا وغيره مما يتعلق بالأسرة زخرت به كتب التفسير.","vol":"1","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-212>٢ - تحرير الرقيق:</span>\nأما مسألة الحرية، فمع أن الإنسانية لم تتنسم عبيرها، ولم تذق حلاوتها، إلا في ظل القرآن الذي ردها إلى فطرتها الأولى، ورد لها كرامتها، بقطع النظر عن بيئتها الجغرافية، أو أصولها التاريخية والاعتقادية واللغوية، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ومع هذا كله نجد أناسًا يمارون، ويتهمون الإسلام بأنه لم يقف موقفًا حاسمًا من هذه المسألة المهمة.\nولقد كان للمفسرين والكتاب المسلمين حديثًا عناية برد تلك الشبهات مبينين أن ما قرره القرآن لا يدانيه قانون أو مبدأ من تلك القوانين والمبادئ، التي يدعي معتنقوها أن هدفها إسعاد الإنسانية وإصلاحها. فالقرآن قرر حرية الاعتقاد وحرية المرأة في حدود الفضيلة والمعقول.\nبقيت مسألة الرق، ولقد كان الرق شريعة معترفًا بها لا في المجتمعات الجاهلية فحسب، بل وفي المجتمعات المتدينة والمتفلسفة. ولم يكن له باب واحد، بل أبواب كثيرة، ووسائل متعددة. وجاء القرآن فوقف من هذه المسألة موقف التوجيه من أول نزوله، ففي العهد المكي ولم يكن للإسلام بعد دولة، ولا للمسلمين مجتمع، يعتمد القرآن قرارًا في هذه المسألة بقوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد: ١١ - ١٣].\nولقد كانت معالجة الإسلام للرق معالجة حكيمة، تقوم على أسس سليمة صحيحة، جاء أولًا فقفل أبواب الرق، وجفف منابعه، وقضى على أسبابه، وقد كان له أسباب متنوعة وأبواب متفرقة، فكان السارق يسترق بسبب سرقته (١)، والقاتل بسبب قتله، والمدين بما عليه من دين، فشرع القرآن لكل حالة من هذه ما يناسبها، هذا أولًا. وأما ثانيًا فإنه فتح أبواب الحرية لا بالحث على العتق، وجعله\n_________\n(١) يحدثنا القرآن عن إخوة يوسف أنهم حينما سئلوا: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ قالوا: ﴿جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٤ - ٧٥].","vol":"1","page":509},{"text":"موكولًا لإحسان الإنسان وبره فحسب، بل أوجبه كفارة لبعض الأعمال، كالقتل والظهار وغيرهما، وأمر بمكاتبة الرقيق إن أراد ذلك وإن علمنا فيه خيرًا، بحيث لا يصبح عالة على المجتمع، وجعل له نصيبًا من الزكاة المفروضة.\nوالقرآن بعد ذلك كله رغب عن تزوج الإماء، ليس استخفافًا وعدم اكتراث بهن، ولكنه يريد أن يجعل للرق نطاقه الضيق، فإن التزوج بالإماء من شأنه أن يعين على بقاء الرقيق أزمنة متعاقبة، هذا ما أرشد إليه القرآن لتحرير الرق. أما معاملة هؤلاء في حال رقهم فهي معاملة لا تدل على المساواة بين الناس فحسب، بل تدل على ما هو أعمق من ذلك: العدالة في الأحكام، ولقد كان القرآن فريدًا في ذلك فلم يسبق، ولم يأت بعده ما قاربه في التشريع. وهذا لعمر الحق من أعظم وجوه إعجازه. يقول الله تعالى في شأن الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].\nهذا هو الاتجاه، الاجتماعي في طابعه، وهذه بعض المسائل التي عرض لها التفسير الحديث، وهناك مسائل أخرى لم تفت المفسرين المحدثين، كالمساواة وبيان سنن الله في الاجتماع وتسامح الإسلام مع غير المسلمين، وبيان ما يسعد المجتمع من القواعد التي وضعها القرآن. كل هذه المسائل والمشكلات مما ألقاه ظل العصر الذي نعيش فيه، وحتمته البيئة الاجتماعية والثقافية كانت الطابع المميز للتفسير.\nولئن كنت أوجزت في ذكر بعض هذه الأمور، فلأننا سنمر بكثير منها حينما نعرض لمناهج المفسرين إن شاء الله، وسنرى من أقوالهم هناك ما يوضح ذلك.\nعلى أن من الإنصاف أن يقال ليس المفسرون وحدهم عرضوا لهذه المسائل، بل إن كثيرًا من الكتاب قد عرضوا لها عرضًا موضوعيًا. كتب الشيخ شلتوت زحمه الله كتاب (القرآن والمرأة)، وكتب السباعي ﵀ (المرأة بين الفقه والقانون)، والدكتور عمر فروح (الأسرة في الشرع الإسلامي) ولدروزه كتب في نفس الموضوع. كما كتب العقاد (الإنسان في القرآن) و(المرأة في القرآن)، وكتب","vol":"1","page":510},{"text":"محمد قطب (شبهات حول الإسلام) ونلاحظ أن هذا النوع من الدراسات القرآنية في نمو وتوسع، وإن كان في بعض تلك الدراسات خروج عن الاعتدال، بسبب مؤثرات ذات صلة بالحضارة الغربية، كما رأينا عند بعضهم، من إنكار إباحة الإسلام للرق ومبالغة في تقييد تعدد الزوجات، وتطرف في حقوق المرأة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>نماذج من أقوال العلماء:</span>\nويحسن أن أنقل بعض النماذج التي نتبين منها كيف عالج المفسرون المحدثون مثل هذه الأمور:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>أ- في الرق:</span>\nكتب الأستاذ المودودي في تفسير سورة النور، عن موقف الإسلام من الرق. يقول \"إن الأرقاء في الزمن القديم كانوا على ثلاثة أنواع:\n١ - أسارى الحرب.\n٢ - الأحرار الذين كانوا يؤخذون ويسترقون ظلمًا فيباعون.\n٣ - الذين كانوا في الرق كابرًا عن كابر، ولا يعرف متى كان آباؤهم قد استرقوا رقهم.\nفلما جاء الإسلام، كان المجتمع الإنساني في بلاد العرب وغيرها من أقطار العالم ممتلئًا بالأرقاء من هذه الأنواع الثلاثة تقريبًا وعليها كان يعتمد النظام الاقتصادي والاجتماعي في سيره، أكثر مما كان يعتمد على الخدم والأُجراء، وسأعرض هنا لمسألتين: الأولى مشكلة الأرقاء الذين كانوا موجودين في المجتمع آنذاك، والثانية حل مشكلة الرق في المستقبل.\nفجوابنا عن المسألة الأولى، ما ألغى الإسلام دفعة واحدة حقوق الملكية التي كانت للناس على أرقائهم منذ الزمان القديم، لأنه لو فعل ذلك، لما عطل نظام","vol":"1","page":511},{"text":"البلاد الاقتصادي والاجتماعي بأسره فحسب، بل لجر البلاد أيضًا إلى حرب داخلية مدمرة، مثل الحرب التي ظهرت في البلاد الأمريكية لما أقدمت على إلغاء الرق (١). بل لظلت القضية على ظهور هذه الحرب بدون حل، كما بقيت قضية الزنوج بدون حل في أمريكا، فأعرض الإسلام عن هذا الطريق الخاطئ للإصلاح، وقام في البلاد بحركة شاملة قوية لمنح الأرقاء حريتهم، واستحث الناس بوسائل الترغيب والتلقين، وأحكام الدين وقوانين البلاد على أن يمنوا على أرقائهم بالعتق، ابتغاء نجاتهم في الآخرة، أو تكفيرًا لذنوبهم، حسب الأحكام الدينية، أو في مقابل مقدار معلوم من المال يأخذونه منهم.\nفهذه الحركة القوية التي قام بها الإسلام في بلاد العرب، أعتق النبي -ﷺ- بموجبها ثلاثًا وستين رقبة، وأعتقت إحدى نسائه وهي عائشة ﵂ سبعًا وستين رقبة، وأعتق عمه العباس بن عبد المطلب ﵁ في حياته سبعين رقبة، وأعتق حكيم بن حزام ﵁ مائة رقبة، وأعتق عبد الله بن عمر ﵄ ألف رقبة، وأعتق ذو الكلاع الحميري ﵁ ثمانية آلاف رقبة، وأعتق عبد الرحمن بن عوف ﵁ ثلاثين ألف رقبة. ونجد لهذا نظائر كيرة في حياة غير هؤلاء من الصحابة، من أبرزهم ذكرًا أبو بكر الصديق، وعثمان بن عفان ﵄، فكأن الناس في ذلك الزمان، كان بهم ولوع شديد بفعل الخيرات ونيل رضا ربهم، فكانوا لأجل ذلك يعتقون أرقاءهم، ويشترون أرقاء غيرهم ويعتقونهم، حتى نال جل أرقاء الجاهلية حريتهم قبل انقضاء عهد الخلفاء الراشدين.\nأما قضية الرق بالنسبة للمستقبل، فعالجها الإسلام بأن حرم تحريمًا باتًا أن يؤسر حر ويسترق فيباع ويشترى. فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: (قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته. رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه\n_________\n(١) لست مع المؤلف في إضرابه هذا، وليته اكتفى بالتعليل.","vol":"1","page":512},{"text":"ولم يعطه أجره). رواه البخاري وغيره. غير أن الإسلام قد أذن -نعم أذن فقط ولم يأمر- باستعباد أسارى الحرب فيما إن كانت حكوماتهم لا ترضى باستردادهم من الدولة الإسلامية، بمن بيدها من أسراها، ولا هم يفدون أنفسهم بأففسهم. ولكن مع ذلك فقد ترك الإسلام مجالًا واسعًا في وجوههم، لأن يشتروا حريتهم بالمكاتبة، كما أبقى في حقهم جميع التعاليم والأحكام المتعلقة بتحريض الناس على منح الحرية لأرقائهم القدماء، أي تحريرهم ابتغاء لمرضات الله، وتكفيرًا للذنوب أو وصية الرجل عند وفاته بعتق رقيقه بعده- وهو ما يعبر عنه بالتدبير في المصطلح الإسلامي أو نيل الأمة حريتها مع وفاة سيدها، سواء كان أوصى بعتقها أم لم يوص، إن كان استمتع منها فولدت له ولدًا.\nفهذا هو الحل الموفق الذي عالج به الإسلام قضية الرق فالجهال لا يدركون حقيقة هذه القضية في الإسلام، فيوردون عليها أنواعًا من الاعتراضات. والجانب الآخر أن مختلقي الأعذار لا يعتذرون عن قضية الرق فحسب، بل وينكرون أصلًا إباحة الإسلام للرق في أي صورة من صورها) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>ب- في حقوق المرأة:</span>\nهذا نوع من الحرية للرقيق، وهناك نوع آخر يتعلق بتحرير المرأة، وأجمل هذا ما فصله صاحب المنار في ما كتبه في تفسيره، وكتابيه، (نداء إلى الجنس اللطيف) و(الوحي المحمدي) من مقارنة بين مكانتها في الإسلام وغيره:\n١ - كان بعض البشر من الإفرنج وغيرهم، يعدون المرأة من الحيوان الأعجم، أو من الشياطين لا من نوع الإنسان، وبعضهم يشك في ذلك. فجاء محمد -ﷺ- يتلو عليهم أمثال قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣].\n_________\n(١) تفسير سورة النور ص ١٨٨ - ١٩٠.","vol":"1","page":513},{"text":"٢ - كان بعض البشر في أوروبا وغيرها، يرون أن المرأة لا يصح أن يكون لها دين، حتى كانوا يحرمون عليها قراءة الكتب المقدسة رسميًا. فجاء الإسلام يخاطب بالتكاليف الدينية الرجال والنساء معًا، بلقب المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات.\n٣ - كان بعض البشر يزعمون أن المرأة ليس لها روح خالدة، مع الرجال المؤمنين في جنة النعيم في الآخرة. فنزل القرآن يقول: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥].\n٤ - كان الإفرنج يحتقرون المرأة، ولا يعدونها أهلًا للاشتراك مع الرجل في أي مجال من مجالات الحياة العامة. فجاء القرآن يقرر: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١].\n٥ - وكان بعضهم يحرمون النساء من حق الميراث، وبعضهم يضيق عليهن حق التصرف فيما يملكن. فجاء الإسلاِم وأبطل هذا الظلم بقوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]، وقوله: ﴿وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢].\n٦ - كان الزواج ضربًا من استرقاق الرجال للنساء، فجعله الإسلام عقدًا دينيًا مدنيًا لقضاء حق الفطرة، بسكون النفس من اضطرابها الجنسي، وتوسيع دائرة المودة والألفة بين العشيرين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١].","vol":"1","page":514},{"text":"٧ - كان أولياء المرأة يجبرونها على التزوج بمن تكره أو يعضلونها بالمنع منه مطلقًا، وإن كان زوجها وطلقها، فحرم الإسلام ذلك، وساوى بين الرجل والمرأة، باقتسام الواجبات والحقوق بالمعروف، مع جعل حق رياسة الشركة الزوجية للرجل، لأنه أقدر على الحماية والنفقة.\n٨ - كان الرجل من العرب وبني إسرائيل وغيرهم، يتخذون من الأزواج ما شاؤوا غير مقيدين بعدد. فقيدهم الإسلام بأن لا يزيدوا على أربع، ومن خاف على نفسه أن لا يعدل، وجب عليه الاقمصار على واحدة. وإنما أباح الزيادة لمحتاجها القادر على النفقة والإحصان.\n٩ - كان الطلاق مشروعًا عند أهل الكتاب والوثنيين من العرب وغيرهم، وكان يقع على النساء منه ظلم كثير، وغبن يشق احتماله فجاء الإسلام فيه بالإصلاح الذي لم يسبقه إليه شرع، ولم يلحقه بمثله قانون، وكان الإفرنج يحرمونه ويعيبون الإسلام به، ثم اضطروا إلى إباحته، فأسرفوا فيه إسرافًا منذرًا بفوضى الحياة الزوجية، وانحلال روابط الأسرة والعشيرة.\n١٠ - بالغ الإسلام في الوصية ببر الوالدين، فقرنه بعبادة الله تعالى، وأكد النبي -ﷺ- فيه حق الأم، فجعل برها مقدمًا على بر الأب. وبالغ الإسلام في تربية البنات وكفالة الأخوات، بل جعل لكل امرأة قيمًا شرعيًا يتولى كفالتها. ومن ليس لها ولي من أقاربها، أوجب على ولي أمر المسلمين أن يتولى أمرها.\nجـ - في تعدد الزوجات:\nبقيت مسألة التعدد، وهي من أكثر المسائل التي أثير حولها الجدل بين العلماء، فبينما نرى الشيخ محمد عبده، يضيق كثيرًا في هذه المسألة، بحجة أن القرآن نفسه إنما أباح ذلك في أقصى الضرورات وبحجة الواقع المرير الذي تعيشه هذه البيوتات","vol":"1","page":515},{"text":"التي فشا فيها التعدد. ولعل هذا الرأي انعكس فيما بعد على كثيرين فتطرف بعضهم، وخرج بعض آخر عن جادة الحق، وأول بعض آخر هذه الآيات، بما يتنافى كليًا مع معناها ويسياقها.\nيقول الشيخ محمد عبده (١): (إباحة تعدد الزوجات في الإسلام، أمر مضيق فيه أشد التضييق، كأنه ضرورة من الضرورات التي تباح لمحتاجها، بشرط الثقة بإقامة العدل والأمن من الجور. وإذا تأمل المتأمل مع هذا التضييق، ما يترتب على التعدد في هذا الزمان من مفاسد، جزم بانه لا يمكن لأحد أن يربي أمة فشا فيها تعدد الزوجات، فإن البيت الذى فيه زوجتان لزوج واحد، لا تستقيم له حال ولا يقوم فيه نظام. بل يتعاون الرجل مع زوجاته على إفساد البيت، كان كل واحد منهم عدو للآخر، ثم يجيء الأولاد بعضهم لبعض عدو، فمفسدة تعدد الزوجات تنتقل من الأفراد إلى البيوت، ومن البيوت إلى الأمة).\nأما الشيخ البهي الخولي فيقول (٢): (إن التعدد محرم في حال احتمال الظلم، واحتمال الظلم أمر متوقع، لا محالة. فكان إباحة التعدد علقت بأمر يجعله محرمًا أو شبيهًا بالمحرم).\nوهذا شيخ آخر هو الشيخ عبد المتعال الصعيدي. يشقشق كعادته، فيكتب مقالًا في مجلة (الرسالة) عام ١٣٦٧ هـ يفتتحه بقوله (نعم ... نملك تحريم تعدد الزوجات) ويشبه تحريم التعدد بتحريم زرع القطن في كثر من ثلث الأرض، إذا أمر الولي بذلك. ويأتي لذلك بتعليلات لا تزيدنا إلا عجبًا منه وإشفاقًا عليه.\nوأخيرًا هذا الرجل من رجال القضاء والقانون وهو عبد العزيز فهمي، يتجرأ دون مراعاة لقانون التأويل- على كتاب الله. فيقول (٣): (إن القرآن الكريم يحرم بتاتًا\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٤ ص ٣٤٩.\n(٢) المرأة بين البيت والمجتمع ص ٥٩.\n(٣) مجلة المجتمع الجديد.","vol":"1","page":516},{"text":"تعدد الزوجات فقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ليس المقصود منه إباحة أكثر من واحدة، بل قصد منه تحريم ذلك بتاتًا. وكل ما في الأمر أن صيغة التحريم وردت على عادة القرآن في الاستدراج والتلطيف. فالآية واضحة لكل متذوق أنها هزء وسخرية، ممن يريد تعدد الزوجات، لأن المولى ﷾ رد فيها بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩]. و(لن) كما يقرر النحاة، هي أشد أدوات النفي للمستقبل إذ تنفيه نفيًا باتًا. فالقرآن يسجل بصريح العبارة، أن الاستطاعة مستحيلة، أي أن العلة المتوهمة للتصريح بالتعدد لن تتحقق.\nوالمقرر عند الفقهاء من عقليين وحرفيين، أنه متى زالت العلة زال المعلول).\nثم عاد يؤيد دعواه هذه ببحث طويل عريض في مجلة (الثقافة)، يقول فيه: \"إن\" \"ما\" في قوله تعالى: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، من أقوى ما يكون في إفادة العموم، وهي نكرة بمعنى (أي شيء) أي أية امرأة أو مجموعة من النساء -أي لا مفهوم للتحديد بأربع- وإن القرآن استعمل (طاب) ولم يستعمل كلمة (حل). لأن الطائب قد يكون حلالًا وقد يكون حرامًا .. وإن القول بدلالة الآية على حكم تحديد التعدد بأربع، يؤول بنا إلى نتيجة منكرة .. ذلك أن مثنى وثلاث ورباع معناها اثنان اثنان وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. أي أن الرجل يأتي لامرأتين فيتزوجهما. ثم إلى ثلاثة. فيتهم الفقهاء بأنهم سايروا واقع التعدد الذي فشا بعد الصدر الأول، من أجل الجنود في الحرب، فاضطروا أن يوجدوا لها سندًا من القرآن.\nوهذا كلام ظاهر البطلان، واضح التجني، وهو وإن كان لا يحتاج إلى رد وتفنيد، فإنه لا بد من إيراد بعض الملحوظات عليه:\n١ - يزعم الكاتب أن الآية الكريمة لا يفهم منها إباحة التعدد، وإنما على العكس من ذلك تشير إلى التحريم، ولقد جاءت بأسلوب السخرية من التعدد. وهذا منطق أقل ما يقال فيه، إنه يستدعي السخرية والاستنكار. فالنص","vol":"1","page":517},{"text":"صريح في الإباحة. ولن يورد الله كلامه قصد السخرية، من شرع شرعه، وبينه نبيه. ﵌، وسارت عليه الصفوة المختارة ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه.\n٢ - أن الاستطاعة المنفية بـ (لن) إنما هي العدل في الميل القلبي، وذلك ما بينه الرسول عليه وآله الصلاة والسلام بقوله: (اللهم إن هذا قسمي في ما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) (١).\n٣ - إن القرآن لم يستعمل كلمة (حل)، لأن البلاغة لا تقتضيها والحس لا يرتضيها، لأن قوله تعالى: (فانكحوا) إنما يفهم منه الحلال، لأن النكاح المأمور به من الله لن يكون إلا كذلك، فلو قال (ماحل) لكان تكرارًا ليس تحته طائل، يمجه الذوق وتأباه الفصاحة.\n٤ - إن اتهام الفقهاء بمسايرة واقع فرضته الظروف، والتساهل في إيجاد سند قرآني لإباحة التعدد قول لا تعوزه الدقة الموضوعية فقط بل والأمانة العلمية والتاريخية كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>العلماء المعتدلون الذين لا يتأولون النص بعيدًا عن مدلوله:</span>\nومقابل أولئك، نجد العلماء المعتدلين، الذين يأبون أن يخرج الناس عما شرع الله لعباده، لا يتأولون النص بعيدًا عن مدلوله، تلبية لضغوط من هنا وهناك. ومن هؤلاء الأستاذ الفاضل الشيخ محمد أبو زهرة - الذي بيّن هذه المسألة، في كثير من كتاباته. فرأى أن التعدد إنما هو شرع الله لحكمة، قد تكون فيها مصلحة الزوج أو الزوجة أو المجتمع. وأنها قد تكون ضرورة في كثير من الأحيان. ولا ينبغي ولا يجوز أن نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك.\nومنهم صاحب الظلال ﵀، الذي يرى أن القرآن لم ينشئ التعدد إنما\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب النكاح باب رقم ٣٨.","vol":"1","page":518},{"text":"حدده. ولم يأمر بالتعدد وإنما رخص فيه وقيده لمواجهة واقعيات الحياة البشرية، وضرورات الفطرة الإنسانية. وهو ينعى على أولئك الذين يسمحون لأنفسهم، بالتطاول على شريعة الله بقوله (هذه الرخصة -مع هذا التحفظ- يحسن بيان الحكمة والصلاح فيها، في زمان جعل الناس يتعالمون فيه على ربهم الذي خلقهم، ويدعون لأنفسهم بصرًا بحياة الإنسان وفطرته ومصلحته، فوق بصر خالقهم سبحانه. ويقولون في هذا الأمر وذاك بالهوى والشهوة وبالجهالة والعمى. كأن ملابسات وضرورات جدت اليوم، يدركونها هم ويقدرونها، ولم تكن في حساب الله -سبحانه- ولا في تقديره يوم شرع للناس هذه الشرائع! .\nوهي دعوى فيها الجهالة والعمى، بقدر ما فيها من التبجح وسوء الأدب، بقدر ما فيها من الكفر والضلالة! . وهم يتبجحون على الله وشريعته، ويتطاولون على الله وجلاله، ويتوقحون على الله ومنهجه، آمنين سالمين غانمين مأجورين من الجهات التي يهمها أن تكيد لهذا الدين!).\nهذه مسائل من التشريع الاجتماعي في الاتجاه الفقهي، رأينا كيف عالجها العلماء، وكيف كانت مواقفهم من النص القرآني، وهي معالجات تخضع لروح العصر وتطوراته، أكثر مما تخضع للنص نفسه عند بعضهم، وتحكم النص أول ما تحكم عند بعض آخرين. والحق أن ما في القرآن من تشريعات اجتماعية، لا تصلح للمجتمع فحسب، بل لمن يصلح المجتمع إلا بها.","vol":"1","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>المبحث الثالث التشريعات السياسية</span>\nكان من أخطر النتائج التي جرتها حضارة الغرب على بلاد المسلمين، فصل الدين عن الدولة، حسب القول المشهور (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله). فكان لا بد أن يُعنى المفسرون بهذه المسألة الخطيرة وحق لهم ذلك ونحن إذ نتكلم عن النظم السياسية، إنما نعني بها الإرشادات القرآنية لتنظيم العلاقات المختلفة للأفراد، بالدولة، والحاكم بالمحكوم، والمسلمين مع غيرهم. والقرآن الكريم وقد قرر العزة للمؤمنين، وبأن الله لن يجعل للكافرين عليهم سبيلًا، ناط ذلك كله بتنفيذ شرع الله، بحيث تستجيب الأمة لله والرسول، غير متطفلة على فتات الموائد.\nولقد كان القرآن على مدى الأزمان، الروح الذي يمد هذه الأمة بالقوة، والنور الذي يبدد ظلامها. وهذه حركات التحرر في العالم الإسلامي، كانت لا تقوم إلا على أساس قرآني خالص، إذ كان إيمانهم بالقرآن الدافع الذي لا يمكن أن تتلاشى حيويته.\nوحينما أراد القوم أن ينسلخوا عن هذا القرآن، في تجررهم ومغالبة عدوهم، قال لهم الله موتوا.\nومن أهم الأمور السياسية التي برزت في التفسير الحديث:\n١ - الحكم بما أنزل الله.\n٢ - موقف المسلمين من غيرهم.\n٣ - وحدة هذه الأمة.\nوهذه المسائل قد أثير حولها الجدل، وألفت فيها كثير من الكتب، بين أخذ ورد وجزر ومد، وسأتناول هذه المسائل بشيء من التفصيل.","vol":"1","page":520},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>١ - الحكم بما أنزل الله:</span>\nلعل هذه المسألة هي كبرى المسائل، فالمسلمون، وقد ورثوا كثيرًا من العادات والتقاليد عن غيرهم، وزين لهم عدوهم تلك العادات، انسلخوا عن حكم القرآن. وفي القرآن آيات كثيرة تعرض على المسلمين أن يحكموا بما أنزل الله، وتندد بالذين يأبون الانصياع لهذا الحكم وتهددهم، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] إلى قوله ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [لنساء: ٦٠ - ٦٥].\nومثل الآيات من سورة المائدة التي تختم بقوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة: ٢٠] عدا آيات كثيرة تحدثت عن تشريعات خاصة، وعن عقوبات بعض الجرائم.\nوبحكم صلة المسلمين بغيرهم، وكون تلك الصلة صلة الضعيف بالقوي، الذي يريد أن يفرض سلطانه وفكره بدأ المسلمون يعيشون حياة مزدوجة فهم مسلمون عبادة وعقيدة، مبتعدون عن الإسلام حكمًا ونظام حياة، فكان لا بد أن يعالج المفسرون هذه المسألة، لذا نراها شغلت كثيرين منهم، حتى قبل النهضة التفسيرية الحديثة، ومثار هذا الجدل ليس حول ما جد من الأحكام فحسب، بل حول أصل الحكم وحكم تاركه. فإذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، فهل هذا في شأن أهل الكتاب ولا يصدق إلا عليهم، أم هو في شأنهم ويصدق على المسلمين؟ أم هو عام يدخل فيه أول ما يدخل هذه الأمة؟ وإذا كان كذلك فهل هو الكفر الذي يخرج عن الملة؟ أم هو دون ذلك؟ كل هذه بحثها المفسرون حتى قدماؤهم ولا بد هنا من أن نستعرض بعض الآراء في ذلك، لنرى العناية بتلك المسألة من جهة، وكيف تطور البحث فيها من جهة أخرى.","vol":"1","page":521},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-219>ما أورده الألوسي:</span>\nولقد تيسر لي أن أطلع على كلام في هذا الموضوع في (روح المعاني) من الخير أن أورد بعض الفقرات منه، وذلك عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥] من سورة المجادلة، حيث يفسرها القاضي ناصر الدين البيضاوي بقوله: (يضعون أو يختارون حدودًا غير حدود الله تعالى ورسوله -ﷺ-) فيقول صاحب روح المعاني (قال المولى شيخ الإسلام سعد الله جلبي: وعلى هذا ففيه وعيد عظيم للملوك وأمراء السوء الذين وضعوا أمورًا خلاف ما حده الشرع وسموها (اليسا والقانون)، والله تعالى المستعان على ما يصفون، وقال شهاب الدين الخفاجي بعد نقله وقد صنف العارف بالله الشيخ بهاء الدين قدس الله تعالى روحه، رسالة في كفر من يقول: يعمل بالقانون والشرع إذا قابل بينهما، وقد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وقد وصل الدين إلى مرتبة الكمال فلا يقبل التكميل. وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. ولكن أين من يعقل؟ (وليتني رأيت هذه الرسالة، ووقفت على ما فيها فإن إطلاق القول بالكفر مشكل عندي. نعم لا شك في كفر من يستحسن القانون، ويفضله على الشرع، ويقول هو أوفق بالحكمة وأصلح للأمة، ويتميز غيظًا ويتقصف غضبًا، إذا قيل له في أمر: أمر الشرع فيه كذا، كما شاهدنا ذلك في بعض من خذلهم الله، فأصمهم وأعمى أبصارهم. وهذا القانون الذي ذكروه، قد نقصت منه اليوم أمور، وزيدت فيه أمور، وسمى بالأصول). ثم يبين صاحب روح المعاني (أن ما جاء في هذه القوانين من المسائل الحربية والإدارية، كتنظيم الجيوش وجزاء بعض الجنايات، مما لم يرد به نص، فلا بأس أن نجتهد فيه. أما ما ورد فيه نص كالحدود والمعاملات والعقود وحقوق بيت المال، فإن مخالفة الشرع فيه كفر، ويصدق عليه قول البيضاوي. وقصارى القول أن ما خالف الشرع مردود كائنًا ما كان).","vol":"1","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>رأي صاحب المنار:</span>\nفإذا تركنا صاحب روح المعاني إلى المحدثين من المفسرين، وجدناهم يعطون هذه المسألة حظًّا من البحث. فها هو صاحب المنار يعقد فصلًا خاصًّا، عند تفسير آيات الحكم في سورة المائدة، ينقل فيه آراء العلماء وأقوال المفسرين، ثم يقرر ما يلي (١):\nأ- أن عبارة الآيات عامة، وأنه إذا كان الإعراض عن الحكم بما أنزل الله ناشئًا عن استباحته، وعدم الإذعان له، وتفضيل غيره عليه، فإن المراد بالكفر في الآية الكفر الأكبر، وكذلك الظلم والفسوق.\nب- أن الذين يتركون ما أنزل الله في كتابه من الأحكام، من غير تأويل يعتقدون صحته، فإنه يصدق عليهم ما قاله الله تعالى في الآيات الثلاث أو في بعضها، كل بحسب حاله، فمن أعرض عن الحكم بحد السرقة أو القذف أو الزنا، غير مذعن له لاستباحته إياه وتفضيل غيره من أوضاع البشر عليه، فهو كافر قطعًا ومن لم يحكم به لعلة أخرى، فهو ظالم إن كان في ذلك إضاعة الحق، أو ترك العدل والمساواة فيه، وإلا فهو فاسق فقط، إذ لفظ الفسق أعم هذه الألفاظ. فأكل كافر وكل ظالم فاسق ولا عكس. وحكم الله العام المطلق الشامل لما ورد فيه النص، وبغيره مما يعلم بالاجتهاد والاستدلال، هو العدل، فحيثما وجد العدل فهناك حكم الله.\nج- يبيح للمسلم المستخدم عند الإنجليز، أن يحكم بالقوانين الإنجليزية، وذلك في الإجابة على استفتاء وجهه مفتي البنجاب في الهند للشيخ محمد عبده الذي أحاله إليه. يقول الشيخ رشيد في فتواه: (إن الأحكام المنزلة من الله تعالى، منها ما يتعلق بالدين نفسه، كأحكام العبادات وما في معناها،\n_________\n(١) تفسير المنار ج ٦ ص ٤٠٣.","vol":"1","page":523},{"text":"كالنكاح والطلاق، وهي لا تحل مخالفتها بحال، ومنها ما يتعلق بأمر الدنيا كالعقوبات والحدود والمعاملات المدنية، والمنزل من الله تعالى في هذه قليل، وأكثرها موكول إلى الاجتهاد. وأهم المنزل وآكده الحدود في العقوبات، وسائر العقوبات تعزير مفوض إلى اجتهاد الحاكم، والربا في الأحكام المدنية. وقد ورد في السنة النهي عن إقامة الحدود في أرض العدو، وأجاز بعض الأئمة الربا فيها، بل مذهب أبي حنيفة أن جميع العقود الفاسدة جائزة في دار الحرب). ثم يورد أقوال العلماء في مسألة إقامة الحدود في دار الحرب. ويختم فتواه بقوله: (فعلم مما تقدم، أن الأحكام القضائية التي أنزلها الله تعالى قليلة جدًّا، وقد علمت ما قيل في إقامتها في دار الحرب لا سيما عند الحنفية. فإذا كانت الحدود لا تقام هنا، فقد عادت أحكام العقوبات كلها إلى التعزير الذي يفوض إلى اجتهاد الحاكم. والأحكام المدنية أولى بذلك لأنها اجتهاد أيضًا، والنصوص القطعية فيها عن الشارع قليلة جدًّا. وإذا رجعت الأحكام هناك إلى الرأي والاجتهاد في تحري العدل والمصلحة وأجزنا للمسلم أن يكون حاكمًا عند الحربي في بلاده لأجل المسلمين، فالذي يظهر أنه لا بأس من الحكم بقانونه لأجل منفعة المسلمين ومصلحتهم. فإن كان ذلك القانون ضارًا بالمسلمين ظالمًا لهم، فليس له أن يحكم به، ولا أن يتولى العمل لواضعه إعانة له.\nوجملة القول أن دار الحرب ليست محلًا لإقامة أحكام الإسلام، ولذلك تجب الهجرة منها إلا لعذر أو مصلحة للمسلمين، يؤمن معها من الفتنة في الدين. وعلى من أقام أن يخدم المسلمين بقدر طاقته، ويقوي أحكام الإسلام بقدر استطاعته، ولا وسيلة لتقوية نفوذ الإسلام وحفظ مصلحة المسلمين، مثل أعمال الحكومة، ولا سيما إذا كانت الحكومة متساهلة قريبة من العدل، بين جميع الأمم والملل كالحكومة الإنجليزية).","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>مناقشتنا للشيخ رشيد:</span>\nولا بد من إيراد بعض الملحوظات هنا على هذه الأقوال:\nأ- في رأيي أنه لا داعي لهذا القيد الذي جاء في الفقرة الثانية، وهو قوله (من غير تأويل يعتقدون صحته)، إذ بهذا تعطل كثير من الحدود والأحكام الأخرى بحجة التأويل. فلقائل أن يقول: إن السارق من تعود السرقة، والزاني من تعود الزنا، والقاذف من تعود القذف، وإن أكل الربا محرم فقط إذا كان أضعافًا مضاعفة، ومثل هذا كثير. والحق أن كل تأويل يخالف اللغة والمأثور، ويعارض صاحبه الجمهور، لا ينبغي أن يكون له مكان بين الآراء، ولا لقائله مكانة بين العلماء.\nب- لا يمكن أن يتصور مسلم، فضلًا على عالم، أنه يمكن أن تتحقق عدالة أو مساواة في ترك الحكم بما أنزل الله، كما يفهم مع كل أسف من عبارته.\nج- كان أحرى بصاحب المنار أن يقول (حيثما وجد حكم الله وجد العدل).\nد- نعجب من صاحب المنار، كيف قسم الأحكام الشرعية إلى ما يتعلق بالعبادات والنكاح، فلا يجوز التساهل به، وما يتعلق بالحدود والعقوبات والأحكام المدنية، وهذا لا مانع من التساهل فيه، وبخاصة أن ما ورد منه في القرآن قليل. ونحن نعتقد أن الإسلام كل لا يتجزأ أبدًا، وأن ما ورد في الكتاب والسنة من الأحكام ليس قليلًا إلى هذه الدرجة التي يوحي بها قول المؤلف. وعلى فرض قلته حتى لو كان حكمًا واحدًا، لا يجوز التساهل فيه فضلًا على تركه ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥].\nهـ - وعفا الله عن الشيخ رشيد ومن على شاكلته، فلقد كانوا يحسنون الظن بالإنجليز ويصفونهم بالعدل وبأن قانونهم قريب من الشريعة الإسلامية، مع","vol":"1","page":525},{"text":"أن البلاء الذي حل بالمسلمين ولا يزال، إنما يرجع لتخطيطهم ومكرهم، وحقدهم على الإسلام وأهله، وها هو موقف (طوني بلير) رئيس وزرائهم يتفجر حقدًا وغيظًا، لا على المسلمين فحسب، بل على الإسلام كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>آراء بعض الكتَّاب:</span>\nوبعد صاحب المنار أخذت هذه المسألة دورًا كبيرًا من البحث، بين لين وشدة وبين تساهل وتسامح والتزام بالمنهج القرآني، وأهم من ركز على تلك المسألة صاحب ظلال القرآن، وكما عني المفسرون بهذه المسألة عني العلماء والكتاب كذلك. فظهرت مؤلفات وكتب ومقالات، وكان كل كاتب ينتصر لرأيه حسب المؤثرات التي تؤثر عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>ما ذهب إليه الباقوري:</span>\nوأمامي مقال لوزير الأوقاف الأسبق، الشيخ أحمد حسن الباقوري، يقول فيه (إن هذه الآيات، لا يمكن أن يكون المقصود بها جماعة من المسلمين، لأن المسلم ما دام يشهد أن الله خالق هذا الكون، وأن القرآن كلام الله وأن محمدًا رسول الله، فلا يخرجه بعد ذلك من الإسلام شيء، إلا إذا أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، فإذا لم يعمل المسلم ببعض تشريعات الإسلام، فغاية ما يمكن الحكم عليه، هو أنه مذنب، ولا يجوز الحكم عليه بالكفر والخروج من الدين).\nثم قال الشيخ الباقوري: (إن حكام البلاد الإسلامية اليوم، هم في حالة من الضرورة التي تبيح بعض المحظور، على أن يرتقبوا الوقت المناسب، حين تكون للأمة قوة تحمى بها تقاليدها وشرائعها ومدنيتها. والإسلام نفسه سلك هذا المسلك، فعمل أولًا على تكوين عقيدة الأمة ثم على تكوين شريعتها. والقرآن مكيه ومدنيه يؤيد ذلك).\nوأرى أنه لا عذر للأمة حكامًا ومحكومين في ترك شيء من الشريعة، والابتعاد","vol":"1","page":526},{"text":"عن تحكيم هذا الدين الذي أكمله الله وأتم به نعمته على هذه الأمة، وما دامت الأمة معرضة عن ذكر الله فإن لها معيشة ضنكًا جزاءً وفاقًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-224>٢ - موقف المسلمين من غيرهم:</span>\nكان لصلة المسلمين بغيرهم أثر في التفاسير الحديثة، وتلك مسألة حري بها أن تبحث. فما هي طبيعة العلاقات بين هذه الأمة والأمم الأخرى.\nفي القرآن آيات كثيرة تنهى عن موالاة الكافرين مثل آية آل عمران ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، وآية المائدة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١] وغيرها كآية الممتحنة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]. وهناك آيات أخرى تأمر بالبر والتسامح مع فريق من أهل الكتاب كآيات سورة الممتحنة.\nولقد كانت هذه الآيات مثار جدل بين العلماء، فصاحب المنار يخطيء بعض المفسرين -الزمخشري والبيضاوي- الذين يعدون الولاية، ولاية مودة وحسن معاملة، واستخدام أهل الكتاب ولا يرى بأسًا في ذلك كله ما داموا غير محاربين. ولهذا عدّ الأفغانيين جهلة متعصبين، حينما ثاروا على أميرهم لأنه خالط الإنجليز، وتزيا بزيهم. ولكن صاحب الظلال يرى أن الولاية ولاية تعاون وتناصر، وأنه ينبغي أن نفرق بين الولاية وبين التسامح الذي يكون للذين في بلاد المسلمين، وفي المسائل الشخصية، وليس في التصور الاعتقادي أو النظام الاجتماعي. فأهل الكتاب هم الذين قالوا عن المشركين ﴿هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١]. وهم الذين أثاروا الحرب الصليبية، وهم الذين ارتكبوا الفظائع في الأندلس، وشردوا المسلمين في فلسطين، وهم يتعاونون مع الوثنيين والملحدين، حينما يكون الحرب ضد الإسلام، وأنه لا تجوز الاستعانة بهم إلا لضرورة، حين يتعذر وجود مسلم يقوم بنفس العمل.","vol":"1","page":527},{"text":"والحق أن من آثار هذا القرآن وجهد مفسريه وعلمائه هذه الانتفاضات الجهادية ومقاومة الدول الاستعمارية في أنحاء العالم الإسلامي على أن هناك مسائل كان لا بد أن يعرض لها المفسرون والمحدثون، وبخاصة قريبي العهد بأحداث المسلمين السياسية، وذلك كالصلح مع اليهود وما يسمونه حلًا سلميًا وليس كذلك. ولقد رأينا ممن يعدون أنفسهم من كبار العلماء في بلد من بلاد المواجهة، من يجمع الوعاظ يومًا، ليقول لهم بأنه لا مانع من الصلح مع اليهود، مستدلًا بصلح الحديبية، فهذه إذًا مسائل حساسة، حري بدارسي القرآن وحملة رايته، أن لا يهملوها ولا يغفلوها، فالمسلمون اليوم يتخبطون وراء سياسات متعددة المناحي مختلفة المشارب.\nوإنه -ويعلم الله- لمما يدمي القلب ويملأ النفس حسرات موقف أكثر علماء المسلمين وبخاصة ذوي المسؤولية منهم، مما يعانيه العالم الإسلامي اليوم فهذه الدول الاستعمارية، وبخاصة الولايات المتحدة وبريطانيا وهي العريقة في إيذاء المسلمين، وكل ما يعانيه المسلمون اليوم من ويلات إنما كان بفعلها وتخطيطها، والذين يتسلمون ذروة القيادة في العالم الإسلامي والدول الإسلامية لا زالوا يتقربون إلى هاتين الدولتين، ويقدمون لهما فروض الطاعة والولاء، ولا نكاد نسمع صوتًا يرتفع لبيان حكم الله ﵎، أفليس من أعظم المصائب التي تقصم الظهر أن يبتعد من هم في قمة المسؤولية من علماء المسلمين عن واجبهم الذي كلفهم الله به، وحذرهم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله سلم من السكوت عنه، لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس، أفيحق لدولة مسلمة أن تدّعي صداقة أمريكا وغيرها، وأن يسلموهم زمامهم، وآي القرآن صريحة لمن كان له قلب والله تعالى يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ [الممتحنة: ٨ - ٩] وهل","vol":"1","page":528},{"text":"نجد عُتوًا وعنتًا وحقدًا أكثر من هذا الحقد الذي نجده من إدارة البيت الأبيض الذي نسأل الله أن يجلله بالسواد، وصنيعته بريطانيا، وعلماء المسلمين في إغفاءة عميقة:\nشعوبك في شرق البلاد وغربها ... كأصحاب كهف في عميق سبات\nبأيمانهم نوران: ذكر وسنة ... فما بالهم في حالك الظلمات (١)\nوهذه الإذاعات -وما أكثرها- تفتح (استوديوهاتها) للمتحدثين باسم الإسلام لكنها أحاديث بعيدة عن واقع المسلمين، أليس مما يملأ النفس حسرة وأسفًا أن نجد شرائح كثيرة من شرائح الشعب -فنانين وغيرهم- يتحدثون عن هذا الواقع المرّ، ولكن لا تسمع صوت العلماء الذين أخذ الله عليهم الميثاق أن يبينوا للناس أمر هذا الدين ولا يكتمونه، واشتروا بذلك ثمنًا قليلًا، فبئس ما يشترون؟ ألست هذه نهاية الظلم، ونرجو أن تكون كذلك، ظلم الذين يسكتون عن الحق، ويشغلون الأمة بما لا طائل تحته كأنما الدين شيء بعيد كل البعد عن الحياة، فليتق الله هؤلاء وأولئك، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>٣ - وحدة هذه الأمة:</span>\nبقيت مسألة من المسائل التي كان لها أثر في التفسير الحديث، وأعني بها مسألة وحدة الأمة المسلمة. وفي القرآن آيات كثيرة تؤكد أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض وأن هذه الأمة أمة واحدة. وتحذر من الاختلاف والتفرق، وترشد إلى أسباب كل من الوحدة والتفرق. لنأخذ بالأولى ونذر الثانية. وكان طبيعية أن يعرض المفسرون لهذا الأمر. ولعل تلك المحاولات التي برزت في مظاهر متعددة كالجامعة الإسلامية والمؤتمرات الإسلامية، كانت صدى لتلك الصرخات المدوية ممن حملوا كتاب الله. فجنسية المسلم، إنما هي عقيدته، وأن لا إله إلا الله هي البطاقة\n_________\n(١) من قصيدة أحمد شوقي \"إلى عرفات الله\".","vol":"1","page":529},{"text":"أو جواز المرور، الذي يمكن المسلم من التجول والإقامة في أي بلد للإسلام شاء.\nأبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم\nولست أدري سوى الإسلام لي وطنًا ... الشام فيه ووادي النيل سيان\nوحيثما ذكر اسم الله في بلد ... عددت أرجاءه من لب أوطاني\nلقد كان من الممكن أن تفضي تلك الجهود، إلى نتائج لا بأس بها، في جمع شمل المسلمين، ولم شعثهم وتوحيد صفهم، واستقامة أمرهم، لولا موانع وحوائل ترجع فيما ترجع إلى ضغوط من أعداء المسلمين، وضعف العقيدة في نفوس كثير من أبنائهم، فاستبدلت بالوحدة الإسلامية أنواع أخر.\nوهكذا بدأ المد السياسي للإسلام ينحسر، وينحصر على صفحات الكتب. ولقد أصبحت كلمة الإسلام عند كثيرين، تعني الطائفية والتعصب، حتى لقد استبعدت من كل أشكال الحكم، مع أن عدونا الجاثم فوق أرضنا، والمدنس لمقدساتنا، لم يختر لدولته اسمًا، ولا لمجلس أمته كلمة، إلا ما يشير إلى أصل ديني. فسميت الدولة إسرائيل وسمي مجلسهم الكنيست، وهذه الأحزاب الحاكمة في أوروبا، تفاخر بانتمائها لعقائدها وأديانها، كالديمقراطيين المسيحيين في كثير من البلاد، وكحزب المحافظين الذي جعل أول مادة في دستوره، إيجاد حضارة مسيحية. أما الإسلام وحده فهو الذي يجب أن يعزل عن تلك المجالات. ورحم الله حافظًا:\nأمن العدل أنهم يردون الماء صفوًا وأن يكدر وردي\nأمن الحق أنهم يطلقون الأسد منهم وأن تقيد أسدي\nوللأستاذ دروزة رأي غريب هنا، إذ يزعم أنه ليس في القرآن ما يشير صراحة إلى وحدة الدولة في الإسلام. بل على العكس من ذلك، فيه تلقينات تلمح إلى وجود","vol":"1","page":530},{"text":"دول وحكومات متعددة، مستدلًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ وهو استدلال عجيب (١). كما يرى للعرب شأنًا خاصًّا في الدولة وشؤونها السياسية، آخذًا من قول الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ وقوله ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وقوله ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) وهو كما ترى خروج بالآيات عن مسارها الحقيقي (٣).\nوالخلاصة أن التشريعات السياسية القرآنية، احتوت قواعد متعددة في تنظيم شؤون الحياة للمسلمين، بعضهم ببعض وبغيرهم، وهذه القواعد وإن لقيت عناية من المفسرين بحثًا ومقارنة بغيرها من القوانين، إلا أنها -والحق يقال-، كانت أقل من عنايتهم بالتشريعات الاجتماعية، هذا من ناحية، ولم يكن لها من ناحية ثانية أثر يذكر في واقع المسلمين العملي.\n_________\n(١) الدستور القرآني في شؤون الحياة ص ٨٨.\n(٢) المرجع السابق ص ٨٩.\n(٣) والأستاذ دروزة تسيطر عليه الفكرة القومية، كما سيظهر ذلك من خلال دراستنا لتفسيره إن شاء الله.","vol":"1","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-226>المبحث الرابع تشريعات أخرى عرض لها المفسرون المحدثون:</span>\nوهناك تشريعات أخرى عني بها المفسرون، كالتشريعات المالية والحربية وكلها تندرج تحت الاتجاه الفقهي. فمن أهم الموضوعات التي عولجت في التشريعات مسألة الربا، حيث وجهت شبهات من المفتونين بمذاهب الغرب. إلى النظام الاقتصادي في الإسلام. وكان تحريم الربا أهم ما وجه إليه هؤلاء سهامهم. فتصدى العلماء جزاهم الله خيرًا لبيان أفضلية النظام الاقتصادي الإسلامي، ودعوة المسلمين إلى نبذ الأنظمة الأخرى، التي لن تنتج إلا الشقاء والفقر والتسلط كالرأسمالية والشيوعية. فكتب الأستاذ أبو زهرة -﵀- رسالة بعنوان (تحريم الربا نظام اقتصادي) وتطرق الشيخ محمود شلتوت -﵀- لهذه المسألة في تفسيره، كما كتب الأستاذ المودودي كتب (الربا) و(أسس الاقتصاد) و(معضلات الاقتصاد وحلها في الإسلام) وللعلامة الشيخ محمد باقر الصدر -﵀- كتاب (اقتصادنا)، وهو من خير ما كتب في هذا الموضوع وأما التشريعات الحربية، فلصاحب المنار أبحاث في تلك التشريعات، كما عرض لتلك الأبحاث كذلك الشيخ محمود شلتوت، في كتابه (القرآن والقتال) والأستاذ أبو زهرة في مقالات متعددة.\nولا ننسى هنا ما عرض له المفسرون من أحكام حول العبادات، مما جاء في القرآن عرضًا موضوعيًا، تجنبوا فيه الخلافات المذهبية كآيات الصوم والتيمم وغيرهما.\nهذه هي أهم أبحاث الاتجاه الفقهي كما عرضها المحدثون.\nونلاحظ هنا أن هذا الاتجاه، لم يتطور كما رأينا ذلك في الاتجاه البياني، إلا في الزمن المتأخر. ولعل من أسباب ذلك قفل باب الاجتهاد، وتسلط أعداء المسلمين عليهم، ومواجهة الإسلام لمشكلات العصر، وعزل التشريع الإسلامي عن أكثر شؤون الحياة.","vol":"1","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-227>الفصل الثالث الاتجاه العقدي في التفسير</span>\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: ظهور الفرق وأثره في كتب التفسير.\nالمبحث الثاني: أثر مدرسة الإمام محمد عبده، وميزات الاتجاه العقدي.\nالمبحث الثالث: نماذج من أقوال المفسرين في هذا الاتجاه.","vol":"1","page":533},{"text":"الاتجاه العقدي في التفسير\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>تمهيد:</span>\nإن من أهم الحقائق التي قصد إليها القرآن، بل أهمها على الإطلاق بناء العقيدة الصحيحة في النفوس، محل العقائد التي سيطرت على أجواء القلوب والعقول، لا فرق في ذلك بين عقائد الوثنيين وأهل الكتاب.\nوإذا كانت العقيدة من أهم ما ركز عليه القرآن، بل كانت فعلًا أهم مسألة أراد تثبيت دعائمها، كما نرى ذلك في آيات القرآن المكي ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٤ - ٥]. حتى المدني منه الذي عني بالتشريع والأحكام، لم يخل في أكثر المواضع من لفت لتلك العقيدة:\nوالرسول الذي أُعطي جوامع الكلم عليه وآله الصلاة والسلام، كان كل همه أن يؤمن قومه. حتى لقد كان عدم إيمانهم يشق عليه ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] وها هو الرسول يتلو عليهم القرآن، ليبشر به المتقين وينذر به قومًا لدا، يخاطب عواطف القوم وعقولهم (قولوا كلمة واحدة فإذا قلتموها دانت لكم العرب، وأدت لكم العجم الجزية، قولوا: لا إله إلا الله) (١).\nويقول -ﷺ-: (إن الرائد لا يكذب أهله، والله لو كذبت الناس جميعًا، ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعًا ما غررتكم، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون ولتجزون بالسوء سوءًا وبالإحسان إحسانًا. وإنها لجنة أبدًا، أو لنار أبدًا) (٢). وألقى القوم الشبهات، وطلبوا المقترحات، وعاندوا وكابروا، والقرآن يتدرج معهم، دليلًا، بعد دليل، يكر على شبهاتهم ليأتي عليها من القواعد، إلى أن ثبت الله دينه في النفوس ومكن له في الأرض.\n_________\n(١) جامع الأصول ٢/ ٤٠٣.\n(٢) رواه البلاذري؛ ذكر ذلك الإمام محمد بن يوسف الصالحي في سبل الهدى والرشاد (٢/ ٣٢٢).","vol":"1","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-229>المبحث الأول ظهور الفرق وأثره في كتب التفسير</span>\nولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم، يفهمون آيات العقيدة دون تمحل أو تكلف، ذلك أن توجيهات القرآن كانت شعلة تتوقد في نفوسهم، تضيء لهم طريق الحياة وتنقذهم من كل حيرة ووهم. ولقد كانوا يندفعون بتلك العقيدة اندفاع الماء المتدفق، لتحيا به الأرض أو يسقاه الناس، أو اندفاع السهم من راميه ليصيب محازم الباطل. واستمر الأمر هكذا إلى أن ظهرت في البيئة الإسلامية فرق ومذاهب، وغدا كثير من الناس أحزاب متناحرة بالدليل تارة، وبالسيف تارة أخرى. ولجأت كل فرقة للقرآن تأخذ ما تؤيد به ما ذهبت إليه، وكثيرًا ما كانت تتكلف لذلك وتتعسف. وكان طبيعيًا أن يؤثر ذلك، وأن تنعقل عدواه إلى كتب التفسير. وهذا الذي كان وإذ بهذه الكتب كأنما هي ساحات واسعة ورحاب فسيحة تحتدم فيها المعارك الجدلية والآراء المختلفة.\nومما سعر تلك الحرب وأذكى نارها، وزاد أوارها، احتلال الفلسفات مكانة في البيئة الإسلامية وذلك كله يدركه لأول وهلة من يقرأ في تلك الكتب. فما على الإنسان مثلًا إلا أن يقرأ تفسير آية في مفاتح الغيب للإمام الرازي أو من كشاف الزمخشري ومن نقلوا عنه، كالبيضاوي وغيره، أو علقوا عليه كابن المنير أو الطيبي، ومن جاء بعد هؤلاء فإنه يواجه ذلك التشاحن، أو ذلك الترف العقلي في تفسير كثير من الآيات، بين الأشاعرة والشيعة، أو السلف وغيرهم من الفرق. وأكثر ما يكون هذا بين الأشاعرة والمعتزلة، فمن أبحاث الصفات إلى أفعال العباد، ومعنى الهداية والإضلال، والحسن والقبح، ووجوب شيء على الله أو عدم وجوبه، إلى بحث الرؤية وغيرها من المسائل الكثيرة. واستمر هذا ديدن المفسرين على اختلاف اتجاهات في التفسير، إلى زمن متأخر أدركه صاحب روح المعاني، فأدلى بدلوه كذلك.","vol":"1","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>المبحث الثاني أثر مدرسة الإمام محمد عبده، وميزات الاتجاه العقدي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>أثر مدرسة الإمام في هذا الاتجاه:</span>\nوكان لا بد من انتفاضة تتغير فيها أوضاع، ويترك فيها الطابع التقليدي المعروف، فكانت تلك الانتفاضة التي بدأت من عصر الأستاذ الإمام، ليسلك التفسير نهجًا آخر في جميع اتجاهاته، ومنها الاتجاه العقدي. فلقد جاء الشيخ محمد عبده فكتب في التوحيد، وكتب في التفسير. كانت كتابته في كلا الموضوعين ذات طابع يختلف عما عرف أسلوبًا، ومضمونًا فلم يغرق القارئ في بحر لجي تتقاذفه أمواج الاختلاف والتشاد المذهبي- مبينًا خصائص العقيدة كما وضحها القرآن، قبل أن تختلط وتمتزج بالآراء الفلسفية الغربية عن بيئة القرآن وأهله، واستمر المفسرون على هذا المنوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>مميزات الاتجاه العقدي في التفسير:</span>\nولكن ما هي أهم مميزات الاتجاه العقدي في التفسير. هذا ما سأعرض له بإيجاز مستمدًا من الله التوفيق والعون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>١ - التركيز على أن الإسلام دين العقل:</span>\nيختلف مفهوم العقيدة عند الغربيين عنه عند علماء المسلمين، فبينما يرى كثير من فلاسفة الغرب وعلمائه أن العقيدة لا ترتكز على العقل، وليس للإرادة فيها دخل، وإنما هي شيء يرتكز في اللا شعور، كما يرى ذلك جوستاف لوبون. ومن كلمات (كنت): (اضطررت أن أوقف المعرفة لأدخل لقلبي شيئًا من الإيمان) فالمعرفة والإيمان إذًا أمران متضادان، إذن تقوم المعرفة على أساس من العقل، وليس كذلك الإيمان).\nأما العقيدة عند المسلمين، فهي ما يرتكز على العقل والوجدان معًا.","vol":"1","page":537},{"text":"ولقد عرفوها بأنها: الجزم المطابق للواقع عن دليل. من هنا حرص المفسرون المحدثون على إبراز تلك الميزة للعقيدة، فهم لا يألون جهدًا كلما سنحت فرصة، أن يبينوا أن الإسلام دين العقل، الذي لا يتناقض مع مسلماته، ولا يختلف مع مقدماته ونتائجه حتى لقد بالغ بعضهم في ذلك، فكان من جملة المآخذ عليه، كما سيظهر ذلك عند الحديث عن منهج الإمام في التفسير إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>٢ - عدم التعقيد وسهولة العرض ويسره:</span>\nوتلك هي في الحقيقة سنة القرآن، وطريقته وهو يعرض أمور العقيدة. لقد ذكر القرآن الألوهية والبعث وأخبار الأنبياء، وكان في ذلك كله داني القطوف سهل المسلك ميسر المعنى، فعرض قضية الوجود في ذكره لصحائف الكون، كأنما هي لوحة فنية تأخذ بالألباب. والرائع في ذلك أن الصحائف الكونية التي عرضها القرآن، ليست وليدة البيئة التي نزل فيها، ولا هي مما عرفته تلك البيئة فحسب كأطلال الشعراء ورسوم الديار والوحوش والفيافي، مما تحدث عنه الشعراء، بل كان عرض القرآن وحديثه شاملًا لهذا الكون كله، بما فيه من طبقات علوية ويابسة وماء. كل هذه المشاهد جاءت أدلة على عظمة الخالق ووحدانيته وقدرته (١).\nوهذه أدلة البعث كما عرضها القرآن تخاطب العقل والعاطفة معًا، فتقنع العقل وتلهب العواطف والمشاعر ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ\n_________\n(١) يرى بعض الأساتذة أنه ليس في القرآن آية واحدة جاءت دليلًا لوجود الله، لأن وجود الله أمر مرتكز في الفطرة، وما كان العرب ينكرون ذلك (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) ولكن إذا عرفنا أن القرآن حدثنا عن أناس، كانوا يقولون (ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) وقرأنا مثل قوله تعالى: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون)، وعرفنا أن القرآن لم يأت للعرب وحدهم ولا لتلك الفترة فحسب، أدركنا أن القرآن عرض لتلك القضية المهمة.","vol":"1","page":538},{"text":"مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٥ - ٧]. وكما ورد في آخر سورة يس وفي سورة الأعراف.\nوالملاحظ في هذه الأدلة القرآنية لإثبات العقيدة أنها ليست جافة تجريدية، وإنما هي كلها مما له صلة بهذا الإنسان، بل هي من أعظم النعم عليه. وإذا أردنا أن ندرك بوضوح مدى الفرق بين تلك الأدلة وأدلة المتكلمين فما علينا إلا أن نقرأ كتابًا كمواقف العضد، أو مقاصد السعد، أو طوالع البيضاوي أو مفاتح الرازي، فإننا سنجد الفرق الهائل بين كلا النوعين من الأدلة. فهذا ابن رشد في كتابه (الكشف عن مناهج الأدلة) (١) بعد أن يستعرض طرق البحث في إثبات وجود الله، ويذكر طريقة الحشوية التي تعتمد على السمع، وطريقة المتصوفة التي تعتمد على الإشراق، وطريقة الأشاعرة والمعتزلة التي تعتمد على العقل المجرد، يرد هذه الطرق ويقول: (إن خير طريقة هي الطريقة التي اتبعها القرآن، من حيث نبه إلى وجود أشياء لم تكن، وإلى الإبداع والتناسق بين الأشياء. فمن القسم الأول يمكن أن نكون دليلًا نسميه (دليل الاختراع)، ومن الثاني دليلًا نسميه (دليل العناية) والقرآن إذ يوجه العقول لكيفية الاستفادة من تلك الأدلة يحذرها من الخرافة والظن الذي لا يغني من الحق شيئًا، والتقليد الذي يحول بينها وبين الوصول إلى الحق.\nولقد رأينا المفسرين المحدثين، يحرصون على المنهج القرآني، في عرض مسائل العقيدة، ويتجنبون المناهج الأخرى، فينحون باللائمة على علماء الكلام، وعلى المفسرين الذين سلكوا في تفاسيرهم مسالك المتكلمين ولست بصدد مناقشة هذه القضية.\n_________\n(١) ص ٢٤ - ٢٨ طبعة مكتبة الأنجلو المصرية.","vol":"1","page":539},{"text":"وظهر هذا جليًّا في أكثر التفاسير ابتداءً من تفسير الإمام إلى تفسير الظلال. فلم يعد فيها تلك الأقيسة الاقترانية والاستثنائية، وتلك الأدلة والمسائل التي ترجع فيما ترجع لتعقيدات الفلسفة وأحاجيها وألغازها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>٣ - الرد على الشبهات والافتراءات:</span>\nأصيب الإسلام في هذا العصر بنكبات كثيرة، اجتمعت عليه، من أقطار الدنيا المختلفة شرقها وغربها. ولقد كان أعداء الإسلام يسلكون طريقًا، خططوا له ما وسعهم التخطيط، ودبروا وبيتوا ما أمكنهم ذلك. فحاولوا أولًا أن يحولوا بين المسلم وبين سلوكه القويم في عبادته وحياته كلها. فلما كان لهم ما أرادوه، انتقلوا نقلة أخرى وهي زعزعة عقيدته، وإحلال الشبهات والأفكار الغريبة مكان تلك العقيدة، ليتنكر المسلم لدينه، ومن المؤلم أن الكتل الكبرى في هذا العالم وهي -الكاثوليك والبروتستانت والشيوعية واليهودية والوثنية- هذه الخمس على اختلافها، وعلى ما بينها من بغضاء وشحناء، تعمل جاهدة لمحو معالم الإسلام عن ظهر هذه الأرض، ولكن بعد محوها من قلوب المسلمين لذلك كان لزامًا على مفسري القرآن في هذا العصر أن يشمروا عن سواعدهم، ويدفعوا بكل ما عندهم من طاقة وقوة، أمدهم بهما القرآن، الذي لا ينضب معينه، من أحل القضاء على هذه الشبهات، ورد تلك المطاعن، والحيلولة بينها وبين التسرب إلى قلوب المسلمين، فليس غريبًا أن نراهم يلاحقون هؤلاء المضللين والمضللين، فيردوا على هؤلاء الذين أرادوا أن يطفئوا نور الله بأفواههم.\nفها هو صاحب المنار مثلًا يرد على منكري الوحي، ومثيري الشبهات حول نبوة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، وحول ما في القرآن من أحكام وقيم. كما يرد على الفرق التي غذاها الاستعمار كالقاديانية والبهائية.\nوهذا هو صاحب الظلال يرد نظرية دارون في خلق الإنسان، ونظرية فرويد الذي يزعم أن الانسان يتمرغ في أوحال الجنس ويرجع الظواهر الإنسانية كلها إلى هذا.","vol":"1","page":540},{"text":"كما يرد نظرة الشيوعية للإنسان، ونظرات الغربيين المختلفة التي أراد المسلمون أن يقتبسوها عنهم.\nوهذا هو الأستاذ أحمد مظهر العظمة يرد الشبهات التي أثارها الشيوعيون حول الساعة وغيرها من الأمور.\nولا ننسى أن الأستاذ الإمام محمد عبده ﵀ قبل هؤلاء جميعًا، رد كثيرًا من تلك الشبهات والمطاعن. سواء أكانت من الغربيين كوزير خارجية فرنسا، أم من العرب غير المسلمين كفرح أنطون، وكتابه (الإسلام والنصرانية) خير شاهد على ذلك.\nوبعد فلقد كان كل مفسر يرد كل ما صادفه في طريقه، ومع ذلك كله فلقد كانت المؤثرات قوية عنيفة على الشباب المسلم، ذلك لأن لتلك المؤثرات دولًا من ورائها. وما الشيوعية والوجودية والماسونية والصهيونية، إلا حلقات ومظاهر لتلك المؤثرات. والأمر جد خطير. وليس من مخرج إلا هذا القرآن، تُوضَّح حججُه، لتزيل ما يحيك في الصدور من تلك اللجج ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: ١٨]. لقد بذل المفسرون من الجهد ما استطاعوا ولكن أعداءنا يعرضون هذه الشبهات كل يوم في أثواب جديدة، مع أنها هي هي في جوهرها حتى من أيام (يوحنا الدمشقي). وهذه ميزة من أعظم الميزات التي تميز بها الاتجاه العقدي في التفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>٤ - تضييق نطاق الخلافات الداخلية:</span>\nتمتلئ كتب التفسير القديمة بالخلافات بين المعتزلة وأهل السنة وغير هؤلاء وأولئك، من أصحاب المذاهب والفرق الإسلامية. ولقد تلاشت هذه أو كادت ولكن شيئًا واحدًا رأينا له أثره على المحدثين، وهو خلاف بعض الفرق، وبخاصة في آيات الصفات، وما يتصل بها من الموضوعات الأخرى.","vol":"1","page":541},{"text":"إن كثيرًا من مفسري العصر الحديث، يؤكدون سلفيتهم في تفسير القرآن، ولذا تجدهم يظهرون ذلك في تفاسيرهم، كما فعل صاحب المنار، ولعل هذه المسألة هي من أهم المسائل التي عولجت بعنف وشدة من كلا الطرفين. فهؤلاء يتهمون أولئك بالتجسيم، وأولئك يصفونهم بأنهم جهمية معطلة. ووصل التراشق بين الفريقين إلى ما هو أبعد من ذلك. فهذا عالم، ممن يشهد لهم، بالعلم والصلاح، وهو الشيخ محمود السبكي ﵀ يؤلف كتابًا خاصًّا في تلك المسألة (اتحاف الكائنات ببيان مذهب السلف والخلف في المتشابهات) ردًّا على سؤال تلقاه (ما قول السادة العلماء حفظهم الله تعالى فيمن يعتقد أن الله ﷿ له جهة، وأنه جالس على العرش في مكان مخصوص، ويقول ذلك هو عقيدة السلف، ويحمل الناس على أن يعتقدوا هذا الاعتقاد .. أهذا صحيح أم باطل؟ وعلى كونه باطلًا أيكفر ذلك القائل ... وما قولكم فيما يقوله بعض الناس من أن القول: نفى الجهات الست عن الله تعالى باطل، لأنه يلزم عليه نفي وجود الله تعالى؟ أفيدونا مأجورين مع بيان مذهب السلف والخلف في مثل قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠] وقوله ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وقول الرسول عليه وآله الصلاة والسلام (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا)، وحديث الجارية (١). ويجيب الشيخ ﵀ منكرًا على هؤلاء مبينًا مذهب السلف والخلف، وينقل إجابات على مثل هذا السؤال لبعض علماء الأزهر، كالعلآمة الشيخ محمد بخيت المطيعي ﵀ مفتي الديار المصرية، والشيخ اللبان وغيرهما، ولا يكتفي بذلك بل يأتي لكل آية من آيات الصفات، كالاستواء واليد والوجه والفوقية والذهاب والمجيء والنزول، وما ورد في الأحاديث من ذكر القدم والرجل ويأتي بأقوال المفسرين في كل صفة ابتداءً من ابن جرير، فمرورًا بابن الجوزي السلفي، ثم الرازي المتكلم إلى الشيخ محمد عبده.\n_________\n(١) إتحاف الكائنات محمود السبكي ص ٣.","vol":"1","page":542},{"text":"وهذا العمل يعكس لنا بحق وصدق مدى التأثير، الذي كان يسيطر على النفوس في هذه المسألة، ولا زال عند بعض من الناس. وما كان جديرًا بمثل هذه المسائل أن تنال من جهد العلماء وأوقاتهم، وأن تثير فيهم بواعث التعصب وكوامن التشدد، لا لأنها أمور لا تستحق البحث، فاستغفر الله من ذلك، ولكن لأننا إذا جرينا على الأسلوب العربي الذي جاء به القرآن، وعرفنا أن الصحابة رضوان الله عليهم، لم تثر في نفوسهم تلك الآيات أدنى ريبة وأقل شك ولو وجد لنقل عنهم. ولكنهم فهموا تلك الآيات فهم بيان يتفق مع أساليبهم في الكلام، وطرائقهم في التعبير.\nلقد نهى الرسول عليه وآله الصلاة والسلام عن الجدل في كل ما لا يجدي، ومن ذلك أن يفكر المسلم في ذات الله. ولقد بلغ الرسول في هذا النهي. أقصى مراتب الحكمة، التي يمكن لمخلوق أن يتوصل اليها. فهذه الفلسفة اليونانية حينما سلكت ذلك المسلك، وقعت في حمأة الخيال، وتردت في أوحال الشذوذ. ولعل من الأسباب التي جعلت الغرب يتمرغ في أوحال الإلحاد، ويتنكس تلك النكسات، اقتفاءه الفلسفة اليونانية في أبحاثها، حيث ضلال الطريق. ولعل وصية الرسول الكريم ﵌ بعدم المراء في الدين، كانت الحصن الواقي للمسلمين، ردحًا من الزمن غير قصير، كي يحتفظوا بحرارة العقيدة كامنة في قلوبهم، تمدهم بشعلة الحق وإشعاعات النور. إن كلا الفريقين من العلماء سلفهم وخلفهم، هدفه سياج تلك العقيدة بأسلاك شائكة، حتى لا يحوم حولها مشكك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>٥ - أبراز خصائص العقيدة:</span>\nإن مزج العقيدة بركام الفلسفات القديمة وبمعطيات الفكر الحديث، عكر وردها، وشوه كثيرًا من مفهوماتها وتصوراتها. فها هم الفلاسفة قديمًا يحاولون جادين أن يوفقوا بين مسلمات القرآن في العقيدة، ومقررات الفلسفة اليونانية. وهذا هو ابن سينا وقد حاول التوفيق فأخضع مسلمات القرآن المحكمة، لخلط الفلسفة","vol":"1","page":543},{"text":"وخبطها، ولكن لم يحالفه التوفيق في توفيقه. ورحم الله أستاذنا الدكتور حمودة غرابة، الذي بين مواضع الخطأ في تلك العملية، ودعا الله أن يغفر لابن سينا الذي أنكر النعيم الجسماني. وها هم الذين تأثروا بالفكر الغربي الحديث، يحاولون المحاولة القديمة نفسها، فكان لزامًا أن تعرض العقيدة القرآنية عرضًا جديدًا، وأن تبين خصائصها بعيدًا عن ركام الفلسفات ومعطيات الفكر الغربي. وهذا يقتضي جدة في العرض والمنهج معًا. ومن أهم هذه الخصائص للعقيدة أنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>خصائص العقيدة:</span>\n١ - ربانية، فهي تختلف عن عقائد البشر جميعًا، لأنها من وضع الإنسان.\nوربانية العقيدة ترتفع بها عن مجال الشك ومواطن الشبهة.\n٢ - وهي كذلك عالمية لم تأت لشعب دون شعب ولا لأمة خاصة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].\n٣ - وهناك خصائص أخرى تنبثق عن هاتين كالثبات. إذ أن هذه العقيدة لا تتطور. بل الذي يتطور هو حياة الناس في ظل تلك العقيدة. وهي تتسع لذلك كله ولا تنثلم ولا تنخرم قاعدة من قواعدها.\n٤ - والشمول فهي لم تهمل شيئًا من علاقات الإنسان بخالقه، أو بالكون الذي يعيش فيه، كما أنها لم تهمل أصلًا من أصول الخير التي تربط الإنسان بالماضي السحيق أو المستقبل الآتي.\n٥ - ومن خصائص هذه العقيدة كذلك الواقعية فهي لم تكلف العقل البشري ما لا يطيق تصوره، ويستطيع إدراكه، وهي تبتعد به عن مجال الخيال وميادين الخرافة.\n٦ - ومن خصائصها الإيجابية: فالله هو الخالق الرازق المدبر لأمر هذا الكون، وإليه يرجع الأمر كله، وليس كما تصوره أرسطو ومن على شاكلته من أنه","vol":"1","page":544},{"text":"صدر عنه هذا العالم صدور المعلول من علته، ثم ترك هذا العالم وشأنه.\nومن هنا انعكست تلك الإيجابية في العقيدة على المسلم، فلا يكون سلبيًا في حياته كلها.\n٧ - ومن أهم خصائص تلك العقيدة التوازن. فلم تكن النظرة للإنسان على أنه جسم ترابي أو روح علوي. ولم تخاطب عواطفه وحدها أو عقله فحسب، بل عدته وحدة لا ينبغي أن يطغى فيها عنصر على عنصر، فكانت فريدة في ذلك التوازن. كما أنها وازنت في اعتقاد الإنسان بين مشيئة الله المطلقة وبين ثبات السنن الكونية من جهة، ومشيئة العبد المقيدة من جهة أخرى، إلى غير ذلك من التوازن الدقيق الذي تنفرد به هذه العقيدة.\nوبعد، فتلك هي أهم مميزات الاتجاه العقدي في التفسير. وقد رأينا أن العقيدة الإسلامية في نصها وروحها وفي توجيهاتها ومقرراتها، وفي مقدمتها ونتائجها، إنما هدفت في ذلك كله إلى سعادة الإنسان في دنياه وآخرته، وإلى إشعاره بعبوديته لله، وسيادته على هذا الكون، والبعد بالإنسان عن الخرافات والخزعبلات وتلك أهداف لا ريب واسعة، ممتدة الأطراف متعددة الجوانب ومن ثم فهي تستاهل وتستوجب مزيدًا من البحث والتقدير.","vol":"1","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>المبحث الثالث نماذج من أقوال المفسرين في هذا الاتجاه</span>\nويحسن أن أورد الآن بعض النماذج مما كتبه المفسرون في هذا الاتجاه لتلقي ضوءًا على ما ذكرته آنفًا:\n١ - يقول صاحب المنار (١) (الإسلام دين العقل والفكر) تقرأ الكتاب المقدس فلا تجد فيه كلمة (العقل، ولا ما في معناها .. لا لأن هذه المادة لم تذكر في كتب العهدين مطلقًا، بل لأنها لم ترد فيها أساسًا لفهم الدين ودلائله والاعتبار به، ولا أن الخطاب بالدين موجه إليه وقائم به وعليه، وكذلك أسماء التفكر والتدبر والنظر في العالم التي هي من أعظم وظائف العقل. أما ذكر العقل باسمه وأفعاله في القرآن الحكيم فيبلغ زهاء خمسين مرة، وأما ذكر أولى الألباب أي العقول ففي بضع عشرة مرة، وأما كلمة أولي النهي .. فقد جاءت مرة واحدة من آخر سورة طه (٢) .. كذلك آيات النظر العقلي والتفكر كثيرة في الكتاب العزيز، فمن تأملها علم أن أهل هذا الدين، هم أهل النظر والتفكر والتعقل والتدبر، وأن الغافلين عن الدين يعيشون كالأنعام، لا حظ لهم منه إلا الظواهر التقليدية. التي لا تزكي الأنفس ولا تثقف العقول، ولا تصعد بها في معارج الكمال بعرفان ذي الجلال والجمال .. وقد صرح بعض حكماء الغرب بما لا يختلف فيه عقلان في الأرض، من أن التفكر هو مبدأ ارتقاء البشر وبقدر جودته يكون تفاضلهم فيه. ولقد كانت التقاليد الدينية قد حجرت حرية التفكر، واستقلال العقل على البشر، حتى جاء الإسلام فأبطل في كتابه هذا الحجر وأعتقهم من هذا الرق. وقد تعلم أهل الغرب هذه الحرية من المسلمين\n_________\n(١) الوحي المحمدي ص ٢٤٢ - ٢٤٤ الطبعة الثانية بيروت.\n(٢) ذكرت مرتين في سورة طه في وسطها وآخرها ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ وقوله ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾.","vol":"1","page":546},{"text":"ثم نكس هؤلاء المسلمون على رؤوسهم، فحرموها على أنفسهم إلا قليلًا منهم، حتى عاد بعضهم يقلدون فيها من أخذوها عن أجدادهم. وقد اعترف علماء الغرب لعلماء سلفنا بسبقهم، وإمامتهم لهم فيها، وفي ثمراتها ونقل شيخنا الأستاذ الإمام طائفة من أقوالهم في كتاب (الإسلام والنصرانية).\nويقول عند تفسيره لقول الله ﷿: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة: ١٦٤].\n(وبقدر ارتقاء العقل في العلم والعرفان يكمل التوحيد في الإيمان، وإنما يشرك بالله أقل الناس عقلًا وأكثرهم جهلًا .. نعم إن هذا الكون هو كتاب الإبداع الإلهي، المفصح عن وجود الله وكماله وجلاله وجماله إلى هذا الكتاب الإشارة بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ وبقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧] فكلمات الله في التكوين باعتبار آثارها ومصداقها هي آحاد المخلوقات والمبدعات الإلهية، فإنها تنطق بلسان أفصح من لسان المقال، لكن لا يفهمه الذين هم عن السمع معزولون، وللعلم معادون، الواهمون أن معرفة الله تقتبس من الجدليات النظرية والأقيسة المنطمية، دون الدلائل الوجودية الحقيقية. ولو كان زعمهم حقيقة لا وهمًا، لكان الله سبحانه استدل في كتابه بالأدلة النظرية الفكرية، وذكر الدور والتسلسل، وغير ذلك من الاصطلاحات الكلامية، ولم يستدل بالسماء والأرض والليل والنهار والفلك، والمطر وتأثيره في الحياة وغير ذلك من المخلوقات التي أرشدنا القرآن إلى النظر فيها واستخراج الدلائل والعبر منها.","vol":"1","page":547},{"text":"إلا أنّ لله كتابين -كتابًا مخلوقًا وهو الكون، وكتابًا منزلًا وهو القرآن- وإنما يرشدنا هذا إلى طريق العلم بذاك، بما أوتينا من العقل. فمن أطاع فهو من الفائزين، ومن أعرض فأولئك هم الخاسرون) (١).\n٢ - يقول صاحب الظلال عند تفسيره لمطلع سورة الأنعام: (إن هذه الموجة العريضة الشاملة في مطلع السورة، إنما تخاطب القلب البشري والعقل البشري، بدليل (الخلق) ودليل (الحياة) ممثلين في الآفاق والأنفس .. ولكنها لا تخاطب بهما الإدراك البشري خطابًا جدليًا لاهوتيًا أو فلسفيًا، ولكن خطابًا موحيًا موقظًا للفطرة، حيث يواجهها بحركة الخلق والإحياء وحركة التدبير والهيمنة، في صورة التقرير لا في صورة الجدل، وبسلطان اليقين المستمد من تقرير الله، ومن شهادة الفطرة الداخلية بصدق هذا التقرير فيما تراه.\nووجود السماوات والأرض وتدبيرها وفق هذا النظام الواضح، ونشأة الحياة وحياة الإنسان في قمتها وسيرها في هذا الخط الذي سارت فيه .. كلاهما يواجه الفطرة البشرية بالحق. ويوقع فيها اليقين بوحدانية الله .. والوحدانية هي القضية التي تستهدف السورة كلها تقريرها، وليست هي قضية وجود الله. فلقد كانت المشكلة دائمًا في تاريخ البشرية، هي عدم معرفة الإله الحق بصفاته الحق، ولم تكن هي مشكلة عدم الإيمان بوجود الله.\nأما مواجهة دليل الخلق ودليل الحياة للوثة الإلحاد، فهي مواجهة قوية لا يجد الملحدون إزاءها إلا المماحلة والمغالطة والالتواء. إن وجود هذا الكون ابتداء بهذا النظام الخاص، يستلزم بمنطق الفطرة البديهي، وبمنطق العقل الواعي على السواء أن يكون وراءه خالق مدبر .. فالمسافة بين الوجود والعدم، مسافة لا يملك الإدراك البشري أن يعبرها، إلا بتصور إله ينشيء ويخلق ويوجد هذا الوجود.\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٦٣ - ٦٤، وستأتي زيادة إيضاح لرأي الإمام وصاحب المنار فيما بعد.","vol":"1","page":548},{"text":"والذين يلحدون يعمدون إلى هذه الفجوة، فيريدون ملأها بالمكابرة.\nويقولون إنه لا داعي لأن نفترض أنه كان هناك عدم قبل الوجود .. ومن هؤلاء فيلسوف عرف بأنه فيلسوف (الروحية) المدافع عنها في وجه (المادية)، وعلى هذا الأساس ربما أشاد به بعض المخدوعين (من المسلمين) واستأنسوا بأقواله لدينهم، كأنما ليؤازروا دين الله بقول عبد من العبيد .. هذا الفيلسوف هو (برجسون) .. اليهودي! إنه يقول: (إن هذا الوجود الكوني لم يسبقه عدم، وإن فرض الوجود بعد العدم، ناشيء من طبيعة العقل البشري، الذي لا يستطيع أن يتصور إلا على هذا النحو ..).\nفإلى أي منطق يستند برجسون إذًا في إثبات أن الوجود الكوني لم يسبقه عدم؟ إلى العقل؟ إنه لا يدعي هذا. وإن كان يقول، إن حدس المتصوفة كان دائمًا يجد إلهًا، ولا بد أن يصدق هذا الحدس المطرد، (الإله الذي يتحدث عنه برجسون ليس هو الله إنما هو الحياة) فأين المصدر الثالث الذي يعتمد عليه برجسون إذًا في إثبات أن الوجود الكوني غير مسبوق بعدم؟ لا ندري! .\nإنه لا بد من الالتجاء إلى تصور خالق خلق هذا الكون. لا بد من الالتجاء إلى هذا التصور، لتعليل مجرد وجود الكون، فكيف إذا كان الحال أنه لم يوجد مجرد وجود .. ولكنه وجد محكومًا بنواميس لا تتخلف، محسوبًا فيها كل شيء بمقاييس، قصارى العقول البشرية أن تدرك أطرافًا منها بعد التدبر الطويل؟ .\nكذلك نشأة هذه الحياة، والمسافة بينها وبين المادة أيًا كان مدلول المادة، ولو كان هو الإشعاع لا يمكن تعليلها إلا بتصور إله خالق مدبر. يخلق الكون بحالة تسمح بنشأة الحياة فيه، وتسمح بكفالة الحياة أيضًا بعد وجودها.\nوالحياة الإنسانية بخصائصها الباهرة درجة فوق مجرد الحياة .. وأصله من طين .. أي من مادة هذه الأرض وجنسها ولا بد من إرادة مدبرة تمنحه الحياة، وتمنحة خصائص الإنسان عن قصد واختيار.","vol":"1","page":549},{"text":"وكل المحاولات التي بذلها الملحدون، لتعليل نشأة الحياة باءت بالفشل .. وذلك من جهد مستميت، لملء الفجوة بين المادة الهامدة والحياة النابضة. بقصد الاستغناء عن الإله الذي ينشئ الحياة في الموت) (١).\nويعقد الأستاذ ﵀ فصلًا عن الإيمان بالغيب، عند تفسيره لقول الله ﷿: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٦٠] يقول فيه:\n(إن القرآن الكريم .. يقرر أن هناك عالمًا للغيب، وعالمًا للشهادة. فليس كل ما يحيط بالإنسان غيبًا، وليس كل ما يتعامل معه من قوى الكون مجهولًا.\nإن هناك سننًا ثابتة لهذا الكون، يملك الإنسان أن يعرف منها القدر اللازم له حسب طاقته، وحسب حاجته للقيام بالخلافة في هذه الأرض. وقد أودعه الله القدرة على معرفة هذا القدر من السنن الكونية، وعلى تسخير قوى الكون، وفق هذه السنن للنهوض بالخلافة .. والى جانب هذه السنن الثابتة في عمومها، مشيئة الله الطليقة، لا تقيدها السنن وإلا كانت من عملها، وهناك قدر الله الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها، فهي ليست آلية بحتة، فالقدر هو المسيطر على كل حركة فيها، وإن جرت وفق السنن التي أودعها الله إياها. وهذا القدر الذي ينفذ هذه السنن في كل مرة تنفذ فيها (غيب) لا يعلمه أحد علم يقين، وأقصى ما يصل إليه الناس هو الظنون (والاحتمالات) وهذا ما يعترف به العلم البشري أيضًا. وإن ملايين الملايين من العمليات، لتتم في كيان الإنسان في اللحظة الواحدة، وكلها (غيب) بالقياس إليه، وهي تجري في كيانه. ومثلها ملايين ملايين العمليات التي تتم في الكون من حوله وهو لا يعلمها.\nإن العقلية الإسلامية عقلية (غيبية عملية)، لأن (الغيبية) هي (العملية) بشهادة (العلم) والواقع. أما التنكر للغيب فهو (الجهلية) التي يتعالم أصحابها وهم بهذه الجهالة.\n_________\n(١) الظلال جـ ٧ - ص ١١٩ - ١٢٥.","vol":"1","page":550},{"text":"إن العقلية الإسلامية لتجمع بين الاعتقاد بالغيب المكنون، الذي لا يعلم مفاتحه إلا الله، وبين الاعتقاد بالسنن التي لا تتبدل .. فلا يفوت المسلم (العلم) البشري في مجاله، ولا يفوته كذلك إدراك الحقيقة الواقعة، وهي أن هنالك غيبًا لا يطلع عليه أحد إلا من شاء الله بالقدر الذي يشاء.\nوالإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها (الفرد)، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل فمن ذلك الحيز الصغير المحدود، الذي تدركه الحواس -والأجهزة- التي هي امتداد الحواس- وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان. وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير، كما أنها بعيدة في حياته على الأرض.\nلقد كان الإيمان بالغيب، الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمية، ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان -كجماعة الماديين في كل زمان- يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقري إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس ويسمون هذا تقدمية وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها، فجعل صفتهم المميزة هي صفة ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ .. والحمد لله على نعمائه .. والنكسة للمنتكسين والمرتكسين.\nوالذين يتحدثون عن (الغيبية) و(العلمية)، يتحدثون كذلك عن الحتمية التاريخية، كأن كل المستقبل مستيقن! والعلم في هذا الزمان يقول: إن هناك (احتمالات) وليست هنالك حتميات، ولقد كان ماركس من المتنبئين بالحتميات، ولكن أين نبؤات ماركس اليوم؟ لقد تنبأ بحتمية قيام الشيوعية في إنجلترا نتيجة بلوغها قمة الرقي الصناعي، ومن ثم قمة الرأسمالية في جانب والفقر العمالي في جانب آخر. فإذا الشيوعية تقوم في أكثر الشعوب تخلفًا صناعيًا، في روسيا والصين وما إليها! ولا تقوم قط في البلاد الصناعية الراقية؟ ولقد تنبأ (لينين) وبعده (ستالين) (١)، بحتمية الحرب بين العالم الرأسمالي والعالم الشيوعي، وها هو ذا\n_________\n(١) رحم الله صاحب الظلال، فلقد شاء الله له أن يستشهد قبل أن تنتهي الشيوعية، ويتفكك الاتحاد =","vol":"1","page":551},{"text":"خليفتهما (خروشوف)، يحمل راية (التعايش السلمي)! ولا نمضي طويلًا مع هذه الحتميات التنبؤية، فهي لا تستحق جدية المناقشة. إن هنالك حقيقة واحدة مستيقنة. هي حقيقة الغيب وكل ما عداها احتمالات. وإن هناك حتمية واحدة، هي وقوع ما يقضىِ به الله ويجري به قدره. وقدر الله غيب لا يعلمه إلا هو. وأن هنالك مع هذا وذاك سننًا للكون ثابتة يملك الإنسان أن يتعرف اليها، ويستعين بها في خلافة الأرض، مع ترك الباب مفتوحًا لقدر الله النافذ، وغيب الله المجهول، وهذا قوام الأمر كله .. ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (١).\nوعند تفسيره لقول الله تعالى ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٠، ١١] من سورة الأعراف، يرد على الوجودية والداروينية.\nفعند تفسير الآية الأولى، يرد على الوجودية بقوله: (إن مسألة الوجودية الكبرى هي هذا التصور النكد الخبيث .. تصور الوجود الكوني -بل الوجود الجماعي للبشرية ذاتها- معاكسًا في طبيعته الوجود الفردي الإنساني متجهًا بثقله الساحق إلى سحق هذا الوجود الإنساني، إنه تصور بائس لا بد أن ينشئ حالة من الانزواء والانكماش والعدمية، أو ينشئ حالة من الاستهتار والتمرد والفردية. وفي كلتا الحالتين لا يكون إلا القلق المضني، والبؤس النفسي والعقلي، والشرود في التيه. تيه التمرد أو تيه العدم .. وهما سواء وهي ليست مأساة (الوجودية) وحدها من مذاهب الفكر الأوروبي ... إنها مأساة الفكر الأوروبي كله- بكل مذاهبه\n_________\n= السوفييتي ويمزق شر ممزق بعد استشهاده بأقل من ربع قرن، ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦، ٣٧].\n(١) الظلال جـ ٧ ص ٢٦٠.","vol":"1","page":552},{"text":"واتجاهاته- بل مأساة الجاهلية كلها في جميع أزمانها وبيئاتها. المأساة التي يضع الإسلام حدًّا لها، بعقيدته الشاملة التي تنشيء في الإدراك البشري، تصورًا صحيحًا لهذا الوجود وما وراءه من قوة مدبرة.\nإن (الإنسان) هو ابن هذه الأرض، وهو ابن هذا الكون. لقد أنشأه الله من هذه الأرض ومكنه فيها، وجعل فيها أرزاقًا ومعايش ويسر له المعرفة التي تسلم مفاتيحها وجعل نواميسها موافقة لوجود هذا الإنسان، تساعده حيث يتعرف إليها على بصيرة وتيسر حياته) (١).\nويرد على الداروينية عند تفسير الآية الثانية يقول:\n(وعلى أية حال، فإن مجموع النصوص القرآنية في خلق آدم ﵇، وفي نشأة الجنس البشري، ترجح أن إعطاء الكائن خصائصه ووظائفه المستقلة، كان مصاحبًا لخلقه. وأن الترقي في تاريخ الإنسان كان ترقيًا في وجود الإنسان، من تطور الأنواع، حتى انتهت إلى الإنسان كما تقول الداروينية.\nووجود أطوار مترقية من الحيوان تتبع ترتيبًا زمنيًا، بدلالة الحفريات التي تعتمد عليها نظرية النشوء والارتقاء، هو مجرد نظرية (ظنية وليست يقينية) لأن تقدير أعمار الصخور ذاته في طبقات الأرض ليس إلا ظنًّا! مجرد فرض كتقدير أعمار النجوم من إشعاعها، وليس ما يمنع من ظهور فروض أخرى تعدلها أو تغيرها.\nعلى أنه -على فرض العلم اليقيني بأعمار الصخور- ليس هناك ما يمنع من وجود (أنواع) من الحيوان في أزمان متوالية، بعضها أرقى من بعض، بفعل الظروف السائدة في الأرض، ومدى ما تسمح به من وجود أنواع تلائم هذه الظروف السائدة حياتها. ثم انقراض بعضها حين تتغير الظروف السائدة، بحيث لا تسمح لها بالحياة. ولكن هذا (لا يحتم) أن يكون بعضها (متطورًا) من بعض.\n_________\n(١) ينظر جـ ٨ ص ١٣٥.","vol":"1","page":553},{"text":"وحفريات داروين وما بعدها لا تستطيع أن تثبت أكثر من هذا. لا تستطيع أن تثبت في يقين مقطوع به -أن هذا النوع تطور تطورًا عضويًا من النوع الذي قبله، من الناحية الزمنية وفق شهادة الطبقة الصخرية التي يوجد فيها- ولكنها فقط تثبت أن هناك نوعًا أرقى من النوع الذي قبله زمنيًا .. وهذا يمكن تعليله كما قلنا ..\nوعندئذ تكون نشأة النوع الإنساني نشأة مستقلة في الزمن، الذي علم الله أن ظروف الأرض تسمح بالحياة والنمو والترقي لهذا النوع. وهذا ما ترجحه مجموعة النصوص القرآنية في نشأة البشرية، وتفرد الإنسان من الناحية البيولوجية والفسيولوجية والعقلية والروحية. هذا التفرد الذي اضطر الداروينيين المحدثين -وفيهم الملحدون بالله كلية- للاعتراف به، دليل مرجح على تفرد النشأة الإنسانية، وعدم تداخلها مع الأنواع الأخرى في تطور عضوي) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة:</span>\nللأستاذ الشيخ كتيب قيم بعنوان العقيدة الإسلامية كما جاء بها القرآن الكريم تحدّث فيه عن أركان الوحدانية التي قسمها إلى أقسام ثلاثة:\n١ - الوحدانية في الذات وتحدث معها عن وحدانية الصفات.\n٢ - الوحدانية في الخلق والتكوين.\n٣ - الوحدانية في العبادة.\nوسأكتفي ببعض ما ذكره الشيخ عند حديثه عن القسم الأول: \"يذكر الشيخ أن المسلمين مقرون أن الله تعالى غير خلقه وهذا أصل يتفق عليه الجميع من غير نكير، ولا اختلاف فيه عند أهل القبلة، ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا\n_________\n(١) الظلال جـ ٧ ص ١٣٧ - ١٣٨.","vol":"1","page":554},{"text":"يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٣، ٢٤]، وهو سبحانه العليم الحكيم والسميع البصير، وهذه الأسماء، وأن تشابهت في الاسم مع صفات الناس كالقدرة والإرادة فإن حقيقة هذه المعاني التي تنسب إلى الله تعالى غير ما هو معروف عند العباد فما يضاف إليه سبحانه غير ما يضاف إلى الناس، وما يضاف إلى الله يليق بالخالق، هذا هو معنى وحدانية الذات في نظر الذين يقفون عند النصوص القرآنية- ويستأنسون لفهمهم بالأحاديث النبوية التي رويت عن طريق الثقات ...\nإن أهل القبلة جميعًا متفقون على وحدانية الذات الإلهية وأنها لا تشبه الحوادث سواء في ذلك الذين يؤولون ظواهر القرآن، أو لا يأخذون بظواهر الألفاظ من غير تخريجها على مجاز مشهور ولو كان يبدو بادي الرأي، والذين يأخذون بظاهر اللفظ من غير التفات للمجاز ولو كان مشهورًا، وعبارات القوم تومئ إليه إذ الجميع يتجهون إلى التنزيه المطلق وإن اختلفت العبارات وتباينت الإشارات\" (١).\nويعرض الشيخ لموضوع المتشابه الذي جاء في القرآن في آية آل عمران (٢): ويتحدث عن أهل التأويل وأهل التفويض، ويقول \"إن غير الظاهرية من العلماء يرون أن في القرآن متشابها ويخوضون في بيانه خوضًا كبيرًا، ولا يهمنا مما خاضوا فيه إلا كلامهم في التنزيه وما تتصف به الذات العليّة، فقد ورد ذكر الوجه مضافًا إلى الله ﷻ وذكرت اليد مضافة إلى ذات الله، وكذلك العين ... ومن العلماء من يقول إن ما ذكره الله ﷾ في القرآن وما ذكره عنه النبي -ﷺ- يؤخذ كما هو من غير تأويل ولا تفسير، بل يؤخذ اللفظ. ومن هؤلاء طائفة من الحنابلة، وقد تشدد في الأخذ بنظرهم ابن تيمية وادعى أن ذلك هو قول السلف\n_________\n(١) ص ٢٩.\n(٢) قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].","vol":"1","page":555},{"text":"الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ويعجب الشيخ أبو زهرة لهذا القول إذ إن من الحنابلة من ينكر أن يكون ذلك مذهب السلف (١) ويستنكر قول الذين يزعمون ذلك، ومن هؤلاء ابن الجوزي فقد أخذ عليهم أنهم سموا الإضافات صفات، فاعتبروا الاستواء صفة وأنهم حملوا العبارات على ظاهرها، وأنهم أثبتوا العقائد بأدلة غير قطعية، وأخذ عليهم أنهم اعتبروا ذلك هو علم السلف، فتبين أن علم السلف غير ذلك، وإليك قوله -﵁-، وقد حصر أغلاطهم في سبعة مواضع:\nالأول: أنهم سموا الأخبار صفات، وإنما هي إضافات وليس كل مضاف صفة، فإنه قال تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وليس لله صفة تسمى الروح، فقد ابتدع من سمى المضاف صفة.\nوالثاني: أنهم قالوا هذه الأحاديث من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. ثم قالوا نحملها على ظواهرها.\nفواعجبا! لا يعلمه إلا الله تعالى أي ظاهر له، وهل ظاهر الاستواء إلا القعود؟ وظاهر النزول إلا الانتقال؟\nوالثالث: أنهم أثبتوا لله ﷾ صفات بأخبار آحاد وصفات الحق ﷻ لا تثبت إلا بما تثبت به الذات من أدلة قطعية.\nوالرابع: أنهم لم يفرقوا في الإثبات بين خبر مشهور كقوله -ﷺ-: \"ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا\" وبين خبر لا يصح كقوله: \"رأيت ربي في أحسن صورة\".\nوالخامس: أنهم لم يفرقوا بين حديث مرفوع إلى النبي -ﷺ- وبين حديث موقوف على صحابي أو تابعي، فأثبتوا بهذا ما أثبتوا بهذا.\n_________\n(١) العقيدة المحمدية الكبرى ص ٢٤٩.","vol":"1","page":556},{"text":"والسادس: أنهم تأولوا بعض الألفاظ في موضع كقوله: \"من أتاني يمشي أتيته هرولة\"، قالوا ضرب مثلًا للأنام.\nوالسابع: أنهم حملوا الأحاديث على مقتضى الحسّ، فقالوا: ينزل بذاته، وينتقل ويتحول بذاته.\nثم قالوا: لا كما نعقل، فغالطوا من يسمع، وكابروا الحس والعقل (١).\nويسترسل ابن الجوزي فيرد هذه الأقوال، ويرد نسبتها إلى السلف، ونسبتها إلى الإمام أحمد خاصة ويقول في ذلك: رأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح ... رأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، سمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته، فاثبتوا له صورة ووجها زائدًا على الذات، وعينين وفمًا ولهوات وأضراسًا، وأضواء لوجهه ويدين وأصابع، وكفًّا وخنصرًا وإبهامًا، وصدرًا وفخذًا وساقين، وقالوا: ما سمعنا بذكر الرأس.\nوقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، ولا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى، ولا إلغاء ما توجبه الظواهر من سمات الحدث، ولم يقنعوا أن يقولوا صفة فعل، حتى قالوا: إنها صفة ذات، ثم لما أثبتوا أنها صفات قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة، مثل يد على نعمة وقدرة، ومجيء وإتيان على معنى بر ولطف ولا ساق غلى شدة، بل. قالوا: نحملها على ظواهرها المتعارفة، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين، والشيء إنما يحمل على حقيقته إن أمكن، فإن صرف صارف حمل على المجاز، ثم يتحرجون من التشبيه، ويأنفون من إضافته إليهم، ويقولون: نحن أهل السنة وكلامهم صريح في التشبيه، وقد تبعهم خلق من العوام وقد نصحت التابع والمتبوع.\n_________\n(١) دفع شبه التشبيه ص ٨ مجموع الرسائل.","vol":"1","page":557},{"text":"وقلت لهم: يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع، وإمامكم الأكبر وهو أحمد بن حنبل -﵀- تعالى يقول وهو تحت السياط: كيف أقول ما لم يقل! فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه، قلتم في الأحاديث تحمل على ظاهرها، فظاهر القدم الجارحة، ومن ثم قال: استوى بذاته المقدسة، فقد أجراه سبحانه مجرى الحسيات، وينبغي ألا يهمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل، فإنا به عرفنا الله تعالى وحكمنا له بالقدم، فلو أنكم قلتم نقرأ الأحديث ونسكت ما أنكر أحد عليكم، وإنما حملكم إياه على الظاهر قبيح، فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل السلفي الصالح ما ليس فيه.\nهذا كلام ابن الجوزي وهو حنبلي، ونلاحظ أنه لم يوافق على ما يأتي:\nأ- لم يوافق على أن مذهب السلف هو تفسير الألفاظ الواردة في القرآن والحديث، الدالة بظاهرها على الجوارح كاليد والوجه والقدم على معانيها الظاهرة، بل صرفها إلى معان مجازية، فاليد تطلق على النعمة والقدرة، والوجه على الذات العلية، ويعتبر ذلك مجازًا مشهورًا، وقد صرف إليه صارف من العقل، واستحالة ذلك على الذات العلية.\nب- لم يوافق على أن تفسير هذه الألفاظ بظواهرها هو مذهب الإمام أحمد الذي يتبعونه ويدعون عليه في نظره ما لم يقل.\nج- إنه بالبداهة يرى أن صرف الألفاظ إلى ظواهرها يؤدي إلى الحكم بأنه محسوس وأنه جسم كالأجسام.\nد- ولا يرى أن ذلك التفسير هو التفويض، إنما التفويض هو الوقوف عند النص لا يحاول أن يتعرف المراد منه لأن الذي يفسره تفسيرًا حسيًا لا يفوض، بل إنه يفسر، وإن كان لا يؤول.","vol":"1","page":558},{"text":"هـ- ويرى أنهم بادعائهم أن لله يدًا ليست كأيدينا، ووجهًا ليس كوجهنا، وعينًا ليست كعيوننا، إنما يخرج اللفظ عن ظاهره لأن ظواهر الألفاظ في دلالتها على الأيدي المحسوسة، والعين المحسوسة، فصرفها من المحسوس إلى غيره تأويل وتفسير.\nوننتهي من هذا إلى أن ابن الجوزي يرى أنه إذا أطلقت هذه الألفاظ على غير المعاني المحسوسة سواء أكانت المعاني معلومة أم كانت مجهولة، فإنها قد استعملت في غير ظاهرها ولا تكون مستعملة في ظواهرها.\nوإن ابن الجوزي بهذا ينفي أن يكون مذهب السلف هو الأخذ بظواهر الألفاظ، ولكن ابن تيمية ومن نهج منهاجه يرون أن ذلك هو مذهب السلف، وذلك لأنه يرى أن العبارات المروية عن الأئمة الأعلام هي إلى التفويض أقرب منها إلى التفسير، فالإمام مالك يروي عنه أنه قال في قوله تعالى:\n﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].\n\"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\".\nوهذه الكلمة تدل على التوقف، وأنه يرى الأخذ بكون الاستواء معلومًا ولكن الكيف هو المجهول.\nوقد روي عن الإمام أحمد أنه لما سئل عن أحاديث النزول والرؤية ووضع القدم، قال: \"نؤمن بها ولا كيف\".\nولقد روى الخلال في سنده عن الإمام أحمد أنهم سألوه عن الاستواء فقال: \"استوى على العرش كيف شاء، وكما شاء وبلا حد ولا صفة يبلغها واصف\".\nوهذا بلا شك تفويض وتنزيه، ولكن ليس فيه تخريج للفظ على الظاهر، ولا غير الظاهر.\nوروي أن الامام أحمد: فسر بالمجاز.","vol":"1","page":559},{"text":"وفي الحق أن بعض السلف توقفوا ولم يفسروا لا بالظاهر ولا بالمؤول، وهذا ينطبق على قراءة الوقف في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]. ويكون قوله تعالى: من بعد ذلك: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] يطلقون الإيمان إطلاقًا، ويفوضون الأمر تفويضًا.\nوبعض السلف كانوا يفسرون بالمجاز المشهور الواضح، وهو إطلاق اليد بمعنى القدرة أو النعمة ونحو ذلك، ولا يعد ذلك تأويلًا، بل هو تفسير، لأن التأويل لا يكون باستعمال المجاز المشهور، إذ الاستعمال في المجاز المشهور أخذ للفظ بظاهره، لا بما وراء الظاهر.\nولقد قرر سعد الدين التفتازاني أنه إذا كان النص لا يحتمل إلا مجازًا واحدًا وجب الأخذ به، لأن ذلك يكاد يكون هو المتبادر، إذ تعين المعنى المجازي.\nويظهر أنه يرجح مسلك التفسير، فقد قال في \"شرح المقاصد\" \"ومنها ما ورد به ظاهر الشرع وامتنع حمله على معانيه الحقيقية مثل الاستواء- في قوله تعالى:\n﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥].\nواليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠].\nوالعين في قوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩].\nوقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].\nعند الجمهور إنها مجازات:\nفالاستواء مجاز عن الاستيلاء، وتصوير لعظمة الله تعالى.\nواليد مجاز عن القدرة.\nوالوجه عن الوجود.\nوالعين عن البصر.","vol":"1","page":560},{"text":"ومعنى تجري بأعيننا أنها تجري بالمكان المحوط بالكلاءة والعناية والحفظ والرعاية، يقال فلان بمرأى من الملك ومسمع، إذا كان بحيث تحوطه عنايته، وتكتنفه رعايته.\n\"وفي كلام المحققين من علماء البيان أن قولنا: الاستواء مجاز عن الاستيلاء، واليد واليمين عن القدرة، والعين عن البصر، ونحو ذلك، إنما هو لنفي وهم التشبيه والتجسيم، فهي تمثيلات وتصويرات للمعاني العقلية\".\nهذا موقف العلماء من رأي السلف، وبيان رأي الخلف.\nوالغزالي يتجه إلى أن رأي السلف هو التفسير بالمجاز ولا يعتبر ذلك إخراجًا للفظ عن معناه الظاهر، بل إنه ﵁ يميل إلى أن الظاهر هو هذا المجاز الواضح وينقل الشيخ نصًّا للإمام الغزالي من كتابه \"إلجام العوام عن علم الكلام\" ثم يقول، ونرى أن الغزالي لا يرى أن السلف فوضوا تفويضًا مطلقًا ابتداء ولا فسروا الألفاظ بظواهرها، بل إنه يبين المعاني المستحيلة على الله تعالى التي تتنافى مع التقديس وتنزيه الذات العلية عن مشابهة الحوادث، ويمنع العامي الذي تخفى عليه المعاني المجازية من أن يخوض، ولكن يفتح الباب لذوىِ الأفهام، ويقرر أن هذه المعاني إذا خفيت على العامي، أو دقت عن مداركه، فإنها لا تخفى على الرسول ولا سائر الأنبياء ولا الصديقين أي أهل المعرفة والإدراك الصحيح، ويقرب المعاني التي تتفق مع التقديس تقريبًا يدركه طلاب الحقيقة.\nوإذا كان ابن الجوزي قد نفى أن يكون مذهب السلف هو التفسير بظواهر الألفاظ، تفسيرًا لا يتفق مع التشبيه فالغزالي قد قرر أن السلف فهموا المعاني المجازبة، وقرر أن الذين لا يفهمون هذه المعاني التنزيهية عليهم أن يفوضوا ولا يخوضوا، وقال لهم: \"ليس هذا بعشك فادرجي\".\nويهذا يكون قد قسم الناس قسمين:","vol":"1","page":561},{"text":"قسم يدرك ويفهم.\nوقسم يعسر عليه أن يدرك ويفهم الأمور على حقيقتها.\nوهذا يكتفي الغزالي منه بنفي المعاني المشبهة غير المنزهة، ثم يمنعه من بعد ذلك من الخوض، وكأنه يعتبر ذلك من علم الخاصة، وليس من علم العامة الذي لا يسع مسلمًا أن يجهله، كما قرر الشافعي.\nوإن ذلك النظر بلا ريب نظر سليم، لا مجال لرفضه، ولكن قد يقول قائل: إن مؤدي كلامك أن الراسخين في العلم هم الذين يفسرون، ويؤولون هذه المعاني تأويلًا يتفق مع التنزيه، وهذا يتفق مع قراءة الوصل في قوله تعالى:\n﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧].\nمن غير وقوف عند لفظ الجلالة، ولكن على قراءة الوقوف عند لفظ الجلالة لا يستقيم المعنى، لأن المعنى أن يكون العالم بهذا التشابه هو الله وحده، وهذا التفسير يجعل للراسخين علمًا.\nونقول في الجواب عن ذلك: إن المتشابه ليس مقصورًا على الألفاظ التي توهم التشبيه أو ليس المراد من التأويل هو التفسير، بل المراد به على قراءة الوقوف عند لفظ الجلالة معرفة المآل، ولا يعرف المآل يوم القيامة إلا الله تعالى، فهو وحده علام الغيوب، وقد قال تعالى:\n﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٣].\nهذا نظر العلماء في العبارات التي وردت في القرآن والسنة توهم التشبيه والذي ينتهي إليه النظر هو ما يأتي:","vol":"1","page":562},{"text":"أولًا: اتفاق العلماء على أن الله تعالى منزه عن أن يكون متصفًا بما تتصف الحوادث به، فليس لديه يد كأيدي الناس ولا عين كعيونهم ولا وجه كوجوههم.\nثانيًا: اتفاق العلماء على أن العامة لا يصح أن يخوضوا في تأويل هذه الآيات ولا تفسيرها، ولكن عليهم أن يؤمنوا بأن الله تعالى منزه عن أن يكون له ما يشبه الآدميين وسائر الحوادث، ولكن المعنى المجازي ليس عليهم أن يطلبوه لأنه ليس إلا من علم الخاصة الذي لا يطالب به العامة، ولا يطالب به إلا من يطيق إدراكه، ويكفي من العامي التنزيه الإجمالي.\nثالثًا: أننا نرى أن السلف لم يفسروا بظواهر الألفاظ، فلم يقولوا إن لله يدا لا نعلمها، ولا إن لله عينًا لا نعلمها، ونظرنا في ذلك مستمد من كلام ابن الجوزي والغزالي، وأن بعضهم كان يفسر هذه الألفاظ بما يتفق مع التنزيه، ونستبعد أن يكون مثل علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر وابن عباس، وغيرهم من علية العلماء يفهمون من قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أن لله يدًا.\nوخلاصة القول: أن وحدانية الذات الإلهية وعدم مشابهتها للحوادث ركن من أركان الوحدانية لا يسع مسلمًا أن يجهله، ولا يعتبر موحدًا من لا يؤمن به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>إسهام الشيخ محمد السماحي:</span>\nأما أستاذنا فضيلة الشيخ محمد السماحي، فلقد أسهم في هذا الاتجاه إسهامًا مشكورًا طيبًا، وها هو في تفسيره الموضوعي لبعض موضوعات القرآن، وعند كلامه عن الألوهية، يذكر ما ورد في شأن الإنسان والحيوان والنبات والسموات والأرض من آيات. ثم يجمل هذه الأدلة التي أشار إليها القرآن مبينًا قطعيتها، رادًا جميع الشبهات التي يمكن أن ترد عليها مبينًا أن طريقة القرآن ومنهجه لا تدانيهما طريقة أو منهج آخر. وهذه هي الأدلة التي أجملتها:\n١ - دليل الحياة من العناصر الميتة نباتية وحيوانية.","vol":"1","page":563},{"text":"٢ - دليل تركيب الخلايا وتعاونها بعضها مع بعض في تكوين كائن حي وتخصيص كل خلية في عمل خاص، بعد أن كانت كل خلية مستقلة بنفسها وتتوالد بالانقسام.\n٣ - دليل الزوجية في النبات والحيوان، والتوالد من زوجين، كل زوج مشابه لزوجه في الجنسية والنوعية، ومتلائم معه في التكوين المادي، منجذب إليه بالغريزة، متجاوب معه في العاطفة بالتراحم والتعاطف، متلائم معه في التكوين النفسي والغريزي والعاطفي.\n٤ - دليل العلق المكون من نطفة الرجل (الخلية الذكرية)، وبويضة الأنثى (الخلية الأنثوية) واشتمال كل منهما على نصف حاملات الوراثة، بعد أن كان كل منهما في خلية، حاملة لكل حاملات الوراثة، انشطرت شطرين، كل شطر حمل نصفها، ويتكاملان بالتلقيح، ويبتدئ التفاعل بينهما بالامتزاج، في المكان الصالح لتكوين الجنين، سواء أكان في رحم الأم، أم في بويضة تنفصل عن الأم، ثم تنمو بالانقسام إلى أن يتكون الجنين.\n٥ - تنوع الأنواع من النبات والحيوان تنوعًا يؤدي إلى قيام كل نوع بمهمته الخاصة به في الحياة، لا يؤديها نوع آخر، والكل يتعاون في تكميل سلسلة الحياة المتشابكة الحلقات.\n٦ - تكوين العناصر من الذرات، وتكوين الذرات من النواة المشحونة بشحنة كهربائية موجبة، والإلكترونات المشحونة بشحنة كهربائية سالبة.\n٧ - قابلية العناصر إلى أن تكون المواد المختلفة بالتركيب تارة، وبالتحليل تارة ثانية.\n٨ - التدبير في معزل عن المؤثرات الطبيعية في النبات والحيوان.","vol":"1","page":564},{"text":"٩ - التدبير المترابط في النظام العام بين الكائنات جميعها علويها وسفليها، وتأثر بعضها ببعض حتى كأن العالم وحدة متحدة القصد والغاية.\n١٠ - الإنسان سيد هذا الوجود، خلقه في أحسن تقويم، وخلافته في الأرض في تسخير كل شيء له، فركب الماء والهواء، واستخدم الحديد والنار، واستعان بالمغناطيسية والكهربائية واكتشف العناصر وركبها وحللها، واكتشف الذرة وذللها.\nوأكتفي بهذه النماذج .. ولعلي أكون قد وفقت في انتقائها واختيارها.\nومن كل ما تقدم ندرك أن الاتجاه العقدي في التفسير كان كسابقه، حيث عالج ما أملته روح العصر ومشكلات المادة والماديين. إلا أن قضايا العقيدة أكبر خطرًا من غيرها، ومن هنا كان هذا الاتجاه في رأيي، أبرز ما ينبغي أن توجه له عناية المفسرين، إذ ليس عبثًا أن ينزل القرآن في ثلاث عشرة سنة، يعالج هذا الجانب، وأن أكثر آيات القرآن جاءت لبناء العقيدة وستبقى أدلة القرآن ومنهجه في هذا المجال فصل الخطاب على مدى الأجيال.","vol":"1","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>الفصل الرابع الاتجاه العلمي في التفسير</span>\nوفيه تمهيد وسبعة مباحث:\nالمبحث الأول: موقف العلماء المسلمين من التفسير العلمي وأدلتهم (المانعون)\nالمبحث الثاني: المانعون من المحدثين\nالمبحث الثالث: المثبتون للتفسير العلمي\nالمبحث الرابع: موقف مدرسة الإمام الشيخ محمد عبده من التفسير العلمي\nالمبحث الخامس: التفسير العلمي للآيات الكونية للأستاذ حنفي أحمد\nالمبحث السادس: رأينا في التفسير العلمي\nالمبحث السابع: نماذج من التفسير العلمي","vol":"1","page":567},{"text":"الفصل الرابع الاتجاه العلمي في التفسير\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>تمهيد:</span>\nالقرآن الكريم كتاب الله ووثيقة السماء الخالدة، أنزله ليكون موعظة وشفاء وهدى ورحمة وبرهانًا ونورًا ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ١٧٤، ١٧٥] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٥٧].\nفالقرآن كتاب الإنسانية كلها، ونوره سيبقى يشع ما دامت الحياة، لتهدى به قلوبٌ غلفٌ، وتفتح به عيونٌ عميٌ، وآذانٌ صُمٌّ، وكما جاء القرآن دعوة صريحة للإيمان الصحيح، ومكارم الأخلاق، فإنه جاء كذلك دعوة صريحة للعلم والنظر والتفكر، ويكفي أن أول ما تلألأ من آياته، كان الأمر بالقراءة باسم الرب الذي خلق، الرب الأكرم الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، ولا نجد كتابًا سماويًا أو أرضيًا، كرم العلم والعلماء، ودعا في مواضع كثيرة منه، للتزود من منهل هذا العلم كهذا القرآن، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم: ٢٢] ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].\nومن عظيم شأن هذا القرآن وعجيب أمره أنه جعل دعوته للعلم مفتوحة للبشر جميعًا، لم يفرق بين غني وفقير، ورجل وامرأة أحرارًا كانوا أو مملوكين. ولقد ظهر أثر ذلك في وقت مبكر في ظل حكومة القرآن. وإذا بهذه الأمة المنطوية على","vol":"1","page":569},{"text":"نفسها، المنحصرة في مضاربها تفجر طاقات الكون، وهي تجوب آفاق الأرض التي جعلها الله لها ذلولًا، لتمشي في مناكبها غير معتدية أو سالبة، وإنما هي فاتحة للعقول قبل البلاد، لقد نمت دعوة القرآن للعلم، فأحيت أمة من أجداثها، وإذ بهذه الأمة الأمية، والتي منّ الله عليها بالهداية، يصبح كل بيت من بيوتها، ومسجد من مساجدها، موئلًا للعلم، يأتيه الناس على اختلاف لغاتهم وأديانهم من كل فج عميق. ليشهدوا منافع لهم. هذه حقيقة لا يختلف فيها اثنان، ولا يشك فيها عدو.\nوهناك بَدَهِيَّة أُخرى، وهي أن هذا القرآن، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وعلى رغم اكتشاف كثير من المجاهيل، وعلى رغم تقدم الإنسان في مضمار العلم، وآفاق الكون الفسيحة -لا يتعارض مع المسلمات الصحيحة التي وصل إليها الإنسان فضلًا عن أن يناقضها. وهذه البدهية التي لا يختلف فيها اثنان كذلك، نجد مع كل أسف بعضًا ممن ينتسبون لهذه الأمة بأسمائهم فحسب، ممن رانت نخالات الأفكار الغربية على عقولهم، يمارون فيها، لأنهم حجبوا بالهوى وأسروا بالتقليد.\nوالخلاصة أن القرآن بدعوته المفتوحة للعلم، بنى حضارة شامخة سعدت بها الإنسانية حينًا من الزمن، وأن هذا القرآن لن يناقضه علم كوني صحيح. وإذا كان هذا كله ليس محل خلاف وجدل، فإن هناك قضية أخرى، اختلفت فيها كلمة العلماء قديمًا وحديثًا، ولكن خلافهم هذا منبعث من حرصهم على هذا القرآن وناشئ عن إجلالهم له، ودفع كل شبهة تقوم حوله. هذه القضية هي: هل ينبغي أن تفسر آيات القرآن تفسيرًا علميًّا حسب ما توصل إليه الإنسان من نتائج؟ وبعبارة أخرى هل في آيات القرآن إشارات لقضايا العلوم الكونية ودقائقها؟ .\nهذا التساؤل يتطلب مني أن أعرض لآراء العلماء المانعين والمثبتين، مثبتًا أدلتهم مناقشًا لها مبديًا ما أراه بعد ذلك.\nولما كانت انطلاقة التفسير الحديث إنما بدأها الإمام الشيخ محمد عبده، فمن الواجب أن أعرض لرأي مدرسته في التفسير العلمي، وفي المرحلة التالية أورد بعض النماذج من هذا التفسير معلقًا عليها حسب ما أرتئيه في الموضوع.","vol":"1","page":570},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>المبحث الأول موقف العلماء المسلمين من التفسير العلمي وأدلتهم (المانعون)</span>\nأكثر علماء المسلمين لا يرون مانعًا من تفسير القرآن تفسيرًا علميًّا. فرأيهم أن آيات القرآن فيها من دقائق العلوم ما لا يحصى، ولنضرب مثلًا ببعض هؤلاء.\n- فحجة الإسلام الغزالي -﵁-، ممن ذهب إلى هذا الرأي ودافع عنه بحزم وقوة، يقول: (إن العلوم كلها، داخلة في أفعال الله ﷿ وصفاته. وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته.\nوهذه العلوم لا نهاية لها، وفي القرآن إشارات إلى مجامعها. والمقامات في التعمق في تفصيلاتها راجعة إلى فهم القرآن. ومجرد ظاهر التفسير لا يشير إلى ذلك، بل كل ما أشكل فيه على النظار، واختلف فيه الخلائق في النظريات والمعقولات، ففي القرآن رموز ودلالات عليه، يختص أهل الفهم بدركها، فكيف يفي بذلك ترجمته وتفسير ظاهره) (١)؟\nأما الإمام الرازي فإنه ينعى على ما اعترض عليه لإيراده في تفسير ما أورد. يقول: (وربما جاء بعض الجهال والحمقى، وقال: إنك أكثرت في تفسير كتاب الله من علم البيئة والنجوم وذلك خلاف المعتاد. فيقال لهذا المسكين: إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل، لعرفت فساد ما ذكرته .. إن الله تعالى ملأ كتابه من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة، بأحوال السماوات والأرض وتعاقب الليل والنهار، وكيفية أحوال الضياء والظلام وأحوال الشمس والقمر والنجوم. وذكر هذه الأمور في أكثر السور، وكررها وأعادها مرة بعد أخرى، فلو لم يكن البحث عنها والتأمل في أحوالها جائزًا لما ملأ الله كتابه منها ...) (٢).\n_________\n(١) إحياء علوم الدين جـ ١ ص ٢٥٨ ويراجع كتابه جواهر القرآن.\n(٢) الرازي ١٤/ ١٢٠ - ١٢٢.","vol":"1","page":571},{"text":"ويأتي الإمام السيوطي بعد هذين العلمين، في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) بالعجيب مما قاله ونقله عن الفريق الأول، الذين توغلوا في التفسير العلمي إلى حد بعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>رأي المانعين:</span>\nوعلى العكس من هذا الرأي، نرى إمامًا من أئمة الفكر الإسلامي هو أبو إسحاق الشاطبي يعارض هذا الرأي معارضة شديدة، في كتابه (الموافقات) حيث يقول: (ما تقرر من أمية الشريعة، وأنها جارية على مذاهب أهلها -وهم العرب- ينبني عليه قواعد: منها أن كثيرًا من الناس تجاوزا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين، من علوم الطبيعيات والمنطق وعلم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها. وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح. وإلى هذا فإن السلف الصالح -من الصحابة والتابعين ومن يليهم- كانوا أعرف بالقرآن، وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدعى) (١).\nوإذا تركنا القدامى إلى المحدثين، فإننا نجد أتباعًا لكل من الفريقين. فممّن تأثر برأي الشاطبي المرحوم الشيخ أمين الخولي ووقف مع هذا الرأي وارتضاه الأستاذ الشيخ محمد حسين الذهبي.\nونذكر ممن ارتضى الرأي الأول في التفسير العلمي المرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي في كتابه (إعجاز القرآن) والأستاذ عبد الوهاب حمودة ﵀، إذ يقول: (والرأي الذي نميل إليه، هو أننا في حاجة شديدة إلى أضواء العلم، تكشف لنا عن حكم وأسرار جاءت بها الآيات الكريمة، ولا ضرر من عدم قصر فهمه على ما كان عند العرب في علمها، ومألوف معارفها، لأن القرآن أنزل للناس\n_________\n(١) الموافقات جـ ٢ ص ٧٩ - ٨٠.","vol":"1","page":572},{"text":"كافة، يأخذ منه كل على قدر استعداده وحاجته، ما دام ذلك لا يتنافى مع ما قصّه القرآن من الهداية، وما يهدف إليه من الإرشاد. فكم من حكمة فيه إذا ما مستها يد العلم أسفرت أسرارها، فظهرت أنوارها عن سر إعجازها وسحر بيانها ..) ثم يذكر أمثلة عن بعض مدلولات الآيات التي يستعان على فهمها بشتى العلوم حتى يقول: (فالحق أن كل ما يساعد من العلوم على الكشف عن الأسرار الكونية والدلالة على قدرة الصانع الحكيم، والإبانة عن مبلغ آياته ونعمه، ولا يتعارض مع أسلوب اللغة، ومألوف تعبيرها، من غير إغراب ولا تكلف، ولا إغراق في التأويل وإسراف في التحديد، فهو مما يجوز أن يستخدم في فهم آيات القرآن الكريم، فهو لا تفنى عجائبه ولا تحصى أسراره) (١).\nولا بد من أن نعرض لأدلة الفريقين: فمن الواضح أن الإمام الشاطبي، كانت ركيزته في قوله، التي استند اليها، أمية الشريعة ونزولها إلى أميين، كما استند إلى أن الصحابة والتابعين لم يثبت عنهم شيء من هذا اللون في التفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>أدلة القائلين بالتفسير العلمي:</span>\nأما أدلة القائلين بالتفسير العلمي -فلقد نقلها الشاطبي نفسه ورد عليها- كما يأتي:\nأولًا: يقول الإمام الشاطبي: إن الأمة التي أرسل فيها النبي -ﷺ- أمّة أميّة، وهذا ما أرشد إليه القرآن الكريم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا﴾ [الجمعة: ٢] بل إن الله وصف نبيه -ﷺ- فقال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ويقول النبي -ﷺ-: (نحن أمّة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا) (٢). وإذا كانت الأمّة أميّة، فإن الشريعة التي نزلت فيها أميّة كذلك.\n_________\n(١) مجلة لواء الإسلام العدد ١٠ سنة (٢) بعنوان التفسير العلمي.\n(٢) أخرجه البخاري رقم (١٩١٣).","vol":"1","page":573},{"text":"ثانيًا: إن العرب الأميين الذين نزل فيهم القرآن الكريم، وتحداهم الله أن يأتوا بمثله كان لهم معرفة ببعض العلوم كعلم النجوم، قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٩٧] وكعلم الأنواء وهو ما يتصل بالرياح ونزول المطر، وبعض مسائل الطب الناشئة عن تجربة، وقضايا الأخلاق وما يتصل بها مما نجده في كتاب الله ﵎.\nثالثًا: لقد جدت علوم بعد القرآن الكريم على هذه الأمة لم تكن معروفة لدى الصحابة رضوان الله عليهم، وذلك كعلوم الطبيعيات والفلسفة، والفلك، إلى غير ما هنالك من علوم، وحينما تحدى القرآن الكريم العرب أن يأتوا بمثله، إنما تحداهم بما كان معلومًا عندهم، ولا يجوز أن يكون قد تحداهم بما ليس كذلك، إذ لو تحداهم بشيء منه لقالوا: (كيف تتحدانا بشيء لا نعرفه ومن هنا فلا تقوم الحجة عليهم، ويستدل بمثل قول الله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤].\nرابعًا: يرى الإمام الشاطبي -﵀- بعد هذه المقدمات أنه لا يجوز لأحد أن يفسر آي القرآن الكريم، بما لم يكن معروفًا عند الصحابة مما جدّ فيما بعد.\nيقول: (إن كثيرًا من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين من علوم الطبيعيات، والتعاليم، والمنطق، وعلم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها، وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح، والى هذا فإن السلف الصالح -من الصحابة والتابعين ومن يليهم- كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شيء من هذا المدعى، سوى ما تقدم وما ثبت فيه من أحكام التكاليف، وأحكام الآخرة، وما يلي ذلك، ولو كان لهم في ذلك خوض ونظر، لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة: إلا أن ذلك لم يكن، فدلّ على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشيء ممّا زعموا،","vol":"1","page":574},{"text":"نعم تضمن علومًا هي من جنس علوم العرب، أو ما ينبني على معهودها مما يتعجب منه أولو الألباب، ولا تبلغه إدراكات العقول الراجحة دون الاهتداء بأعلامه والاستنارة بنوره، أما أن فيه ما ليس من ذلك فلا) (١).\nثم يناقش الشاطبي أدلة الفريق المعارض الذي يرى جواز تفسير آيات القرآن تفسيرًا علميًّا، ويرد عليهم فيقول: (وربما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ونحو ذلك، وبفواتح السور -وهي ما لم يعهد عند العرب- وبما نقل عن الناس فيها، وبما حكي من ذلك عن علي بن أبي طالب -﵁- وغيره أشياء.\nفأما الآيات فالمراد بها عند المفسرين ما يتعلق بحال التكليف والتعبد، أو المراد بالكتاب في قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها بما يقتضي تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية.\nوأما فواتح السور فقد تكلم الناس فيها بما يقتضي أن للعرب بها عهدًا كعهد الجُمّل الذي تعرفوه من أهل الكتاب، حسبما ذكره أصجاب السير، أو هي من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله تعالى وغير ذلك، فيها على ما ادعوه، وما ينقل عن علي أو غيره في هذا لا يثبت، فليس بجائز ان يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصح أن ينكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار -في الاستعانة على فهمه- على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة، فيه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغير ما هو أداة له ضل عن فهمه، وتقول على الله ورسوله فيه، والله أعلم وبه التوفيق).\nذلكم هو الإمام الذي اقترن اسمه بهذه القضية، فلا نجد أحدًا قديمًا وحديثًا يعرض لهذه القضية، دون أن يذكر أول ما يذكر رأي هذا الإمام.\n_________\n(١) الموافقات: (٢/ ٧٩).","vol":"1","page":575},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-247>المبحث الثاني المانعون من المحدثين</span>\nوالعلماء المحدثون الذين منعوا تفسير آي القرآن الكريم تفسيرًا علميًّا، لم يخرجوا عما قاله الإمام الشاطبي، ومن هؤلاء الشيخ أمين الخولي زوج الدكتورة بنت الشاطئ -رحمهما الله- وقد نقله عنه وارتضاه الشيخ محمود حسين الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون)، أما أبرز أولئك المانعين فهو<span data-type=\"title\" id=toc-248> الشيخ محمود شلتوت </span>شيخ الأزهر الأسبق وهو إمام ذو عقلية فذّة -﵀-.\nالشيخ محمود شلتوت\nيقول الشيخ: (وأما الناحية الثانية، فإن طائفة أخرى، هي طائفة المثقفين الذين أخذوا بوافر من العلم الحديث، وتلقنوا أو تلقفوا شيئًا من النظريات العلمية والفلسفية وغيرها، أخذوا يستندون إلى ثقافتهم الحديثة ويفسرون آيات القرآن على مقتضاها.\nنظروا في القرآن فوجدوا الله ﷾ يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فتأولوها على نحو زين لهم أن يفتحوا في القرآن فتحًا جديدًا، ففسروه على أساس من النظريات العلمية المستحدثة، وطبقوا آياته على ما وقعوا عليه من قواعد العلوم الكونية وظنوا أنهم بذلك يخدمون القرآن، ويرفعون من شأن الإسلام، ويدعون له أبلغ دعاية في الأوساط العلمية والثقافية.\nنظروا في القرآن على هذا الأساس، فأفسد ذلك عليهم أمر علاقتهم بالقرآن، وأفضى بهم إلى صور من التفكير لا يريدها القرآن، ولا تتفق مع الغرض الذي من أجله أنزله الله، فإذا مرّت آية فيها ذكر للمطر، أو وصف للسحاب، أو حديث عن الرعد أو البرق، تهللوا واستبشروا. وقالوا: هذا هو القرآن يتحدث إلى العلماء الكونيين ويصف لهم أحدث النظريات العلمية عن المطر والسحاب وكيف ينشأ","vol":"1","page":576},{"text":"وكيف تسوقه الرياح، وإذا رأوا القرآن يذكر الجبال أو يتحدث عن النبات والحيوان وما خلق الله من شيء قالوا: هذا حديث القرآن عن علوم الطبيعة وأسرار الطبيعة، وإذا رأوه يتحدث عن الشمس والقمر والكواكب والنجوم، قالوا: هذا حديث يثبت لعلماء الهيئة والفلكيين أن القرآن كتاب علمي دقيق! .\nومن عجيب ما رأينا من هذا النوع أن يفسر بعض الناظرين في القرآن قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠، ١١] بما ظهر في هذا العصر من الغازات السامة، والغازات الخانقة التي أنتجها العقل البشري بعيدًا عن قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾، ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾.\nويعرض الشيخ بعض الآيات التي فسرت ببعض النظريات العلمية، ثم يقول:\nإن هؤلاء في عصرنا الحديث لمن بقايا قوم سالفين فكروا مثل هذا التفكير ولكن على حسب ما كانت توحي به إليهم أحوال زمانهم، فحاولوا أن يخضعوا القرآن لما كان عندهم من نظريات علمية أو فلسفية أو سياسية.\nولسنا نستبعد -إذا راجت عند الناس في يوم ما نظرية (داروين) مثلًا- أن يأتي إلينا مفسر من هؤلاء المفسرين الحديثين فيقول: إن نظرية داروين قد قال بها القرآن منذ مئات السنين (١).\nومن الأدلة التي استند إليها الشيخ محمود شلتوت في ردّ التفسير العلمي:\n١ - إن الله لم ينزل القرآن ليكون كتابًا يتحدث فيه إلى الناس عن نظريات العلوم ودقائق الفنون وأنواع المعارف.\n_________\n(١) رحم الله الشيخ فقد جاء من فسر بعض آيات القرآن بنظرية (داروين) وهو الدكتور مصطفى محمود فيقول في كتابه القرآن محاولة لفهم عصري: (إن داروين قد أحسن ووفق فيما توصل إليه من اكتشاف وشائج القربى بين المخلوقات جميعها، فها هي ذي نفس عضلات الأذن التي كانت تحرك آذان (أجداده) الحمير، وقد تليفت وضمرت حينما لم تعد لها وظيفة) ص ٤٤.","vol":"1","page":577},{"text":"٢ - إنها تحمل أصحابها والمغرمين بها على تأويل القرآن تأويلًا متكلفًا يتنافى مع الإعجاز، ولا يسيغه الذوق السليم.\n٣ - إنها تعرض القرآن للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان، والعلوم لا تعرف الثبات ولا القرار ولا الرأي الأخير، فقد يصح اليوم في نظر العلوم ما يصبح غدًا من الخرافات.\nفلو طبقنا القرآن على هذه المسائل العلمية المتقلبة، لعرضناه للتقلب معها وتحمل تبعات الخطأ فيها، ولوقفنا أنفسنا بذلك موقفًا حرجًا في الدفاع عنه.\nفلندع للقرآن عظمته وجلالته، ولنحفظ عليه قدسيته ومهابته، ولنعلم أن ما تضمنه من الإشارات إلى أسرار الخلق وظواهر الطبيعة إنما هو لقصد الحث على التأمل والبحث والنظر، ليزداد الناس إيمانًا مع إيمانهم، وحسبنا أن القرآن لم يصادم -ولن يصادم- حقيقة من حقائق العلوم تطمئن إليها العقول (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>الأستاذ محمود شاكر</span>\nوبعد أن تحدثنا عن علمين من أعلام الأمة قديمًا وحديثًا، يجدر بنا أن نتحدث عن رأي عالم آخر من علماء اللغة والأدب، ذي باع طويل وقدم راسخة في هذا، وهو الأستاذ محمود محمد شاكر، صاحب الكتب المفيدة والمقالات العميقة في مادتها، والمنافح عن لغة القرآن الكريم.\nوإن كان رأي الأستاذ يختلف عن سابقيه، فإن هناك روابط تربط آراءهم بعضها ببعض، عرفنا رأي الشاطبي ومن بعد الشيخ شلتوت رحمهما الله وقد نقلنا عنهما منعهما التفسير العلمي.\nأما الأستاذ محمود شاكر فهو يفرق بين قضيتين:\n_________\n(١) تفسير القرآن: ص ١١.","vol":"1","page":578},{"text":"الأولى: أن تفسر آي القرآن الكريم بحقائق العلم الثابتة لا بنظرياته.\nالثانية: أن تكون هذه الحقائق العلمية والدقائق الكونية وجهًا من وجوه الإعجاز وقع بها التحدي.\nفيرى أن لا مانع من القضية الأولى، وهي أن يكون القرآن الكريم أشار في بعض آياته إلى حقائق ودقائق تشريعية وتاريخية، وعلمية، وكونية، وبهذا يختلف عن سابقيه، ولكنه يرى بعد ذلك أن هذه الحقائق والدقائق ليست من وجوه الإعجاز لأنها لم يقع بها التحدي وإنما التحدي كان بأسلوب القرآن ونظمه، كان بما يعرفه العرب، الإعجاز -إذن- الذي وقع به التحدي، هو ما كان بلغة القرآن نظمًا وأسلوبًا، ونتيجة ما قاله الأستاذ محمود شاكر أن حقائق التشريع ودقائق العلم، يصح أن تكون دليل صدق على أن القرآن الكريم كتاب الله، وعلى أن الذي جاء به من عند الله سيدنا محمد رسول الله حقًّا -ﷺ-.\nوهكذا يفرق الأستاذ محمود شاكر بين أن نأخذ من القرآن الكريم بعض القضايا، فذلك أمر لا محذور فيه، وبين أن نجعلها وجهًا من وجوه الإعجاز (١).\nذلكم أبرز ما قيل في منع تفسير القرآن الكريم تفسيرًا علميًّا، وبناءً عليه إنكار أن يكون ذلك وجهًا من وجوه الإعجاز، وننتقل الآن للحديث عن المثبتين وما استدلوا به لما ذهبوا إليه.\n_________\n(١) مقدمة الظاهرة القرآنية، ص ٢٤.","vol":"1","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>المبحث الثالث المثبتون للتفسير العلمي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>الأقدمون:</span>\nإن أكثر علماء الأمة ومنهم علماء الكلام وجمهور المتصوفة لا يرون مانعًا من تفسير القرآن تفسيرًا علميًّا فرأيهم أن آيات القرآن فيها من دقائق العلوم ما لا يحصى، وسنذكر لكم بعض هؤلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>١ - الإمام الغزالي:</span>\nحجة الإسلام الغزالي -﵁- ممن ذهبوا إلى هذا الرأي ودافع عنه بحزم وقوة، يقول: (إن العلوم كلها داخلة في أفعال الله ﷿ وصفاته، وفي القرآن شرح ذاته وأفعاله وصفاته، وهذه العلوم لا نهاية لها، وفي القرآن إشارات إلى مجامعها، والمقامات في التعمق في تفصيله راجع إلى فهم القرآن، ومجرد ظاهر التفسير لا يشير إلى ذلك، بل كل ما أشكل فيه على النظارة واختلف الخلائق في النظريات، والمقولات ففي القرآن رموز ودلالات عليه، يختص أهل الفهم بدركها، فكيف يفي بذلك ترجمته وتفسير ظاهره (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>٢ - الإمام الرازي:</span>\nينعى الإمام الرازي على من اعترض عليه لإيراده في تفسيره ما أورد من مسائل العلم وقضايا الكون، يقول: (وربما جاء بعض الجهال والحمقى، وقال: إنك، أكثرت في تفسير كتاب الله من علم الهيئة والنجوم وذلك خلاف المعتاد، فيقاله لهذا المسكين: إنك لو تأملت في كتاب الله حق التأمل، لعرفت فساد ما ذكرته .. إن الله تعالى ملأ كتابه من الاستدلال على العلم والقدرة والحكمة، بأحوال السماوات\n_________\n(١) إحياء علوم الدين جـ ١ ص ٢٥٨.","vol":"1","page":580},{"text":"والأرض وتعاقب الليل والنهار وكيفية أحوال الضياء والظلام وأحوال الشمس والقمر والنجوم، وذكر هذه الأمور في أكثر السور، وكررها وأعادها مرة بعد أخرى، فلو لم يكن البحث عنها والتأمل في أحوالها جائزًا لما ملأ الله كتابه منها ..) (١).\nويأتي الإمام السيوطي بعد هذين العلمين، في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) بالعجيب مما قاله ونقله عن هذا الفريق، الذين توغلوا في التفسير العلمي إلى حد بعيد، فينقل عن أبي الفضل المرسي وعن غيره، كثيرًا مما فيه مبالغة ومغالاة.\nومنهم الحكيم داود الأنطاكي المتوفى عام (١٠٠٨ هـ)، حيث نقل عنه الرافعي ﵀ تفسير قوله سبحانه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢، ١٣] (٢). وغير أولئك كثير، ونكتفي بهؤلاء الأئمة ﵏.\n_________\n(١) الرازي ١٤/ ١٢١ - ١٢٢.\n(٢) يقول الرافعي ﵀: ولقد قرأنا هذه الآية الكريمة على طبيب مسيحي محقق فاضل من أصدقائنا، ونبهنا إلى هذه الدقائق، فقال: آمنت بما أنزل على محمد (إعجاز القرآن/ ص ١٣٦).","vol":"1","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-254>المبحث الرابع موقف مدرسة الإمام الشيخ محمد عبده من التفسير العلمي</span>\nوقبل أن أبدي رأيي في هذا الموضوع، لا بد أن أعرض لموقف مدرسة الأستاذ الإمام من التفسير العلمي، لكونه ﵀ إمام النهضة التفسيرية في هذا العصر.\nقرأت لكثير من الأساتذة الفضلاء ما يفيد أن مدرسة الأستاذ وقفت موقفًا سلبيًا، بل موقف المعارض من التفسير العلمي. واستدلوا بأن الشيخ رشيدًا في مقدمة تفسير (المنار) لم يرض عن هذا الاتجاه ولكننا إذا دققنا في الأمر وأنعمنا النظر فيه، وجدنا هذا القول تعوزه الدقة فلقد كان لهذه المدرسة السبق في هذا اللنهج، أعني التفسير العلمي.\nيقول الأستاذ محمد أحمد الغمراوي (واللطيف البديع أن كبير المفسرين المحدثين، الإمام الشيخ محمد عبده ﵀، فسر بناء السماء طبق قانون الجاذبية، فكان فتحًا في التفسير، وفتوى عملية تبيح تفسير الآيات الكونية في القرآن، طبق ما ثبت أو يثبت على أيدي علماء الفطرة من الحقائق الخاصة والعامة (١) نعم إن الأستاذ الإمام ومن نهج نهجه، لم يفرغوا كل جهدهم للبحث في التفسير العلمي، ولكن مع ذلك كانت لهم لفتات وإرشادات ومباحث في هذا اللون من التفسير، وسأعرض لبعض ما قالوه:\nأ- يقول الأستاذ في تفسير جزء عم عند قول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ السماء اسم لما علا وارتفع فوق رأسك. وأنت إنما تتصور عند سماعك لفظ (السماء)، هذا الكون الذي فوقك فيه الشمس والقمر وسائر الكواكب تجري في مجاريها، وتتحرك في مدارتها. هذا هو السماء وقد بناه الله أي رفعه وجعل كل كوكب من الكواكب منه بمنزلة لبنة من بناء سقف أو قبة جدران تحيط\n_________\n(١) الوعي الإسلامي عدد ٤٤ سنة ١٩٦٨.","vol":"1","page":582},{"text":"بك. وشد هذه الكواكب بعضها إلى بعض برباط الجاذبية العامة، كما تربط أجزاء البناء الواحد بما يوضع بينهما مما تتماسك به) (١).\nويقول عند قوله تعالى ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ وطأها وجعلها فراشًا، كما قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ وليس في ذلك دليل على أن الأرض غير كروية، كما يزعم بعض الجاهلين، والذي طحاها هو الله).\nويقول عند قول الله تعالى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾: (انشقاق السماء مثل انفطارها وهو فساد تركيبها واختلال نظامها، عندما يريد الله خراب هذا العالم، الذي نحن فيه وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجز إليها سير العالم، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر، فيتجاذبا فيتصادما فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع فتكون السماء قد تشققت بالغمام واختل نظامها حال ظهوره) (٢).\nب- ويقول السيد رشيد رضا وهو يتحدث عن الإعجاز العلمي: قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ وكانوا يقولون فيه إنه تشبيه لتأثير الرياح الباردة في السحاب، بما يكون سببًا لنزول المطر، بتلقيح ذكور الحيوان لإناثه. ولما اهتدى علماء أوروبا إلى هذا، وزعموا أنه مما لم يسبقوا إليه من العلم، صرح بعض المطلعين على القرآن منهم بسبق العرب إليه قال مستر (اجنيري) المستشرق الذي كان أستاذ اللغة العربية في مدرسة أوكسفورد في القرن الماضي: (إن أصحاب الإبل قد عرفوا أن الريح تلقح الأشجار والثمار، قبل أن يعلمها أهل أوروبا بثلاثة عشر قرنًا). نعم إن أهل النخيل من العرب، كانوا يعرفون التلقيح، إذ كانوا ينقلون بأيديهم اللقاح من طلع ذكور النخل إلى إناثها. ولكنهم لم يكونوا يعلمون أن الرياح تفعل ذلك. ولم يفهم المفسرون\n_________\n(١) تفسير جزء عم ص ٩٥.\n(٢) تفسير جزء عم ص ٤٩.","vol":"1","page":583},{"text":"هذا من الآية بل حملوها على المجاز) (١).\nثم يقول وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ إن هذه الآية أكبر مثال للعجب بهذا التعبير: أن العناصر التي يتكون منها النبات، مؤلفة من مقادير معينة، في كل نوع من أنواعه، بدقة غريبة لا يمكن ضبطها، إلا بأدق الموازين المقدرة من أعشار الجرام والملليجرام. وكذلك نسبة بعضها إلى بعض في كل نبات. أعني أن هذا التعبير بلفظ (كل) المضاف إلى (شيء)، الذي هو أعم الألفاظ العربية، الموصوف بالموزون - تحقيق لمسائل علمية فنية، لم يكن شيء منها يخطر ببال بشر قبل هذا العصر، ولا يمكن بيان معناها بالتفصيل إلا بتصنيف كتاب مستقل) (٢).\nويقول كذلك في قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] إلى قوله ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، فهو موافق لما ثبت في الهيئة الفلكية، مخالف لما كان يقوله المتقدمون. ومنه الآيات المتعددة الواردة في خراب العالم عند قيام الساعة، وكون ذلك يحصل بقارعة تقرع الأرض قرعًا وتصخها فترجها، وتبس جبالها بسًا فتكون هباء منبثًا، وحينئذ تتناثر الكوكب والنجوم، وعلى إثبات ما تقرر في الهيئة الفلكية العصرية في ذلك، وفي نظام الجاذبية العامة. ويجد القارئ تفصيل هذا في عدة مواضع من هذا التفسير. فهذا النوع من المعارف التي جاءت في سياق بيان آيات الله وحكمه، كانت مجهولة للعرب، أو لجميع البشر في الغالب، حتى إن المسلمين أنفسهم، كانوا يتأولونها ويخرجوها عن ظواهرها لتوافق المعروف عندهم في كل عصر من ظواهر وتقاليد، أو نظريات العلوم والفنون الباطلة، فإظهار ترقي العلم لحقيقتها المبينة فيه ما يدل على أنها موحى بها من الله تعالى) (٣).\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ١ ص ٢١٠.\n(٢) تفسير المنار جـ ٢ ص ٢١٠.\n(٣) تفسير المنار جـ ١ ص ٢١١.","vol":"1","page":584},{"text":"فالشيخ رشيد قد عرض إذًا للتفسير العلمي، بهذه الأدلة التي ذكرناها وبدليل ما ذكره هو من قوله أنه سيعرض للتفسير العلمي في كثير من مواضع تفسيره، وإذًا فلم يقف منه موقف المعارضة كما قيل.\nجـ- عرض الشيخ عبد القادر المغربي -وهو علم من أعلام مدرسة الإمام- للتفسير العلمي في تفسيره جزء تبارك.\nد- أما الأستاذ الأكبر الشيخ المراغي ﵀، فعلى الرغم من أنه وقف من هذا التفسير موقف المعارضة في مقدمته لكتاب (الإسلام والطب)، للمرحوم الدكتور عبد العزيز إسماعيل، إلا أنه لم يستطع إهمال هذا اللون من التفسير. وسأعرض للحديث عنه وعن سابقه إن شاء الله في الباب التالي عند ذكر منهج المفسرين.\nفمدرسة الإمام إذًا قد أسهمت في هذا اللون من التفسير. والوحيد من رجالها الذي لم نجد له آثارًا في هذا اللون، هو الشيخ شلتوت ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>مناقشة ما ذهبوا إليه:</span>\nولنبدأ بمناقشة المانعين وقد عرفنا أن من أبرز هؤلاء وأسبقهم الشاطبي -﵀- وتتلخص دعواه في: -\nأمية العرب أمية الشريعة لذا لا يجوز لنا أن نفسر الآيات بما لم يكن معروفًا عند الذين نزل القرآن فيهم، وقد ذكرنا خلاصة لأقواله من قبل، فارجعوا إليها إن شئتم. ونناقش دعوى الشاطبي ﵀ بتقرير ما يلي:\n١ - ينبغي أن لا ننسى أن القرآن الكريم وإن نزل في العرب لكنه لم ينزل لهم وحدهم، وإنما نزل للناس جميعًا ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] وقال: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨] وقال النبي -ﷺ-: (أعطيت خمسًا لم يُعطهن أحد قبلي","vol":"1","page":585},{"text":"كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ... الحديث) (١) والنصوص في ذلك كثيرة، فالقرآن الكريم والشريعة -إذن- لا ينبغي أن نضيق دائرتها لنحصرها في الأمة الأمية وحدها.\n٢ - إن قول الشاطبي -﵀- إن الشريعة أمية جدير بالمناقشة، إذ لا يلزم من أمية الأمة، أمية التشريع، فهذه الشريعة التي أكرمنا الله بها نجدها -ونحن في بداية القرن الحادي والعشرين- تفوق كل ما وصل إليه الإنسان المتمدين في مجالات الحياة وأنواع التشريع، فليست أمة الشريعة وأمية الأمة سواء.\n٣ - ليس معنى كون الأمة أمية أنها ستبقى كذلك، فلقد أكرم الله الإنسانية بهذا الدين، وبهذا الكتاب الخالد، وبهذا النبي العظيم عليه وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم، لتسعد الإنسانية وتصعد، وتنهض الأمة بأعباء هذه الرسالة الخالدة، فينقطع دابر الجهل، وتصل إلى أسرار هذا الكون الذي سخره الله لنا سماءه وأرضه وفي ذلك آيات كثيرة منها قول ربنا: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢] فليس من منطق التاريخ أن تظل الأمة أمية في عصورها كلها. ثم ماذا نقول عن أولئك الذين دخلوا في الإسلام من غير الأميين، كيف يتأتى لهم في مجالات حياتهم، أن تكون الشريعة التي يدينون بها ويخضعون لها أمية لا تتسق مع أوضاعهم، ولو كان ذلك مقبولًا لرفض أئمة المسلمين وعلماؤهم ومفكروهم جميع العلوم والمعارف التي تتنافى مع هذه الأمية.\nإن الواقع والتاريخ يشهدان لغير ذلك، لقد هضم المسلمون أنواع المعارف جميعها فأنتجت لهم نوعًا من المعرفة المتصلة بكيانهم، وهي التي\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب التيمم (١/ ١٢٨).","vol":"1","page":586},{"text":"صارت فيما بعد جزءًا من هذا الدين.\n٤ - إن دعوى تفسيرنا للقرآن بما لم يكن معلومًا لسادتنا الصحابة رضوان الله عليهم، أمر لا يجوز لأنه فيه انتقاصًا من قدر الصحابة رضوان الله عليهم كما يقول الشيخ -﵀- دعوى غير جائزة، بل هي مردودة تردها نصوص هذا الدين الحنيف، فنحن نعلم أن الله ﵎ أوجب على المسلمين أن يتدبروا القرآن الكريم، ولذا لم يفسر منه سيدنا رسول الله -ﷺ- إلا آيات قليلة، ليعيش المسلمون دائمًا على مادته، ولو وجب علينا أن نقف عند ما وقف عنده الصحابة رضوان الله عليهم، لم يكن أي معنى للتدبر، صحيح يجب أن نهتدي بما وصلوا إليه، ولكن ليس معنى هذا أن نحرم على أنفسنا كل ما يفتح الله به من حقائق في فهم هذا الكتاب المبين.\nونرجو أن لا يفهم أحد أننا نفتح الباب على مصراعيه، ليتطاول الناس فيما لا ينبغي لهم، وأن نفسر آي القرآن الكريم تفسيرًا يقوم على الظن والحدس وأن نلهث وراء كل قول وخلف كل نظرية، إن ذلك أمر لا يجوز أبدًا، ولقد نقلنا من قبل ما قاله كثير من العلماء في هذا المعنى، ولسنا مع كثير ممن فسروا آي القرآن الكريم تفسيرًا بعيدًا عن لغته، بعيدًا عن سياق آياته.\nيقول الأستاذ محمد رجب البيومي:\nنحن الآن في عصر تقدمت فيه الفتوح العلمية تقدمًا مدهشًا، ففي كل يوم جديد طارف تحمله انتصارات العقل البشري، فتسير به الصحف اليومية مقرظة مادحة، والمجلات العلمية مفصلة شارحة، وقد تطوع رهط من أولى العلم والثقافة، فأخذوا يدرسون آيات الكتاب الكونية دراسة هادية، ويحاولون أن يستشفوا من خلالها أقباسًا وضيئة، تشير إلى ما جد من مخترع واستحدث من مكتشف، على حين قام فريق آخر من أولي العلم أيضًا يناهض هذا الاتجاه ويحاربه ويرى أن تظل نصوص القرآن بعيدة عما يراد لها من التوجيه والاستدلال، ولا نريد أن نعجل","vol":"1","page":587},{"text":"بالحكم في هذه القضية الدقيقة، قبل أن نستعرض أدلة أولئك وهؤلاء، ليطمئن القارئ إلى وجه يرضيه! .\nيذهب الذين يريدون أن يفسر القرآن الكريم تفسيرًا علميًّا، تؤيده النظريات المستحدثة إلى أدلة واضحة محددة، فهم يرون أن القرآن ليس للعرب فقط حتى يكون إعجازه بلاغيًا يلمس الفصحاء وحدهم ويدركه من فهموا أسرار البيان العربي من ذكر وحذف- ووصل وفصل، ولكنه إعجاز بشري يشمل الناس كافة من آسيويين وأوروبيين وأمريكيين وأفريقيين، وهؤلاء العجم من غير العرب يستطيعون أن يفهموا نواحيه العلمية والنفسية والاجتماعية فلو اقتصر الإعجاز القرآني على الوجه التشريعي أو البلاغي لفات هؤلاء جميعًا أن يروا أقباسًا وضيئة من نور الله، كما أن القرآن ليس خاصًّا بجيل واحد من الأجيال، فنحصر تفسيره فيما يروى عن الصحابة والسلف من أقوال، ومن حق كل جيل أن يفهم منه ما يمتد إليه بحثه العلمي والنفسي والاجتماعي من استنباط وقياس! ! فإذا حاول أبناء القرن العشرين أن يجدوا في بعض آياته تعضيدًا لما سطعت به الفتوح العلمية من حقائق، فإنهم بذلك يزدادون إيمانًا ويقينًا، وهذا كسب كبير للنصوص الدينية في عهد يفيض بالشكوك ويمتلئ بالإلحاد! ! على أن هؤلاء الملاحدة المتشككين لا يجدون حجة يستطيلون بها على المؤمنين إذا وجدوا الحقائق العلمية تؤيد ما يتشككون فيه من هدي كريم، فنخرس ألستتهم أمام الحجج الساطعة، ويجد كتاب الله له من النظريات الثابتة أسسًا تدعمه وأركانًا وطيدة تقويه وتعليه! ! .\nهذه هي أهم ما يحتج به أنصار التفسير العلمي للقرآن من أقوال وقد بسطها العالم المتمكن الغيور الأستاذ محمد أحمد الغمراوي غير مرة في أعداد مختلفة من الرسالة (١)، وجاء كتابه العلمي النفيس (في سنن الله الكونية) تطبيقًا عمليًا لما يرتئيه، وقد احتاط احتياطًا مفيدًا حين وضع القيود المحكمة لهذا التفسير العلمي\n_________\n(١) الرسالة الأعداد ٧٠٥، ٧٠٦، ١٤٦.","vol":"1","page":588},{"text":"فقال نقلًا عن الرسالة (١) (وقبل أن نورد الأمثلة التوضيحية، يجب أن ننبه إلى أمرين مهمين، الأول أنه لا ينبغي في فهم القرآن الكريم أن نجدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا إذا قامت القرائن الواضحة تمنع من حقيقة اللفظ، وتحمل على مجازه، لأن مخالفة هذه القاعدة الأصلية قد أدى إلى كثير من الخلط في التفسير.\nأما الأمر الثاني فهو أنه ينبغي ألا نفسر كونيات القرآن إلا باليقين الثابت من العلم، لا بالنظريات ولا بالفروض، لأن الحقائق هي سبيل التفسير الحق، هي كلمات الله الكونية ينبغي أن يفسر بها نظائرها من كلمات الله القرآنية، أما الحدسيات والظنيات فهي عرضة للتصحيح والتعديل، إن لم يكن للإبطال في أي وقت).\nوإذن فهذان قيدان مفيدان وضعهما الأستاذ الغمراوي ليحول دون الشطط في التأويل والجموح في التطبيق، وقد جاء الأستاذ الأكبر محمد مصطفى المراغي - ﵁ - بقيد ثالث نضيفه إليها حين قال: (يجب ألا نجر الآية إلى العلوم كي نفسرها، ولا العلوم إلى الآية كذلك، ولكن إن اتفاق ظاهر الآية مع حقيقة علمية ثابتة فسرناها بها) (٢) ويمكن القارئ أن يأخذ هذا القيد مستشفًا من خلال القيدين السابقين إلا أنني آثرت أن أسجله صريحًا واضحًا، ليكمل التوجيه المحتوم لمن يتعرض إلى كتاب الله بتفسير علمي رشيد، في ضوء هذه التوجيهات الصريحة قطع العلماء من المتفقهين شوطًا حميدًا في تفسير بعض الآيات الكونية والطبية -فضلًا عن النفسية والاجتماعية، فجاءوا بما يجب ويروق مما لا يتطرق إليه التعسف والافتعال وأصبح القارئ المثقف يجد تفسيرًا علميًّا شافيًا لأمثال قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ٩، ١٠] وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا\n_________\n(١) الرسالة العدد ٧٠٥.\n(٢) مجلة الأزهر المجلد السادس ص ٦٣٥.","vol":"1","page":589},{"text":"فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].\nوإذا كانت بعض الآيات الكونية لا تزال في دور التطبيق الصريح فإن أكثر الآيات الطبية قد وجدت من العلم نصيرًا مجددًا، فأصبح من الإعجاز العلمي للقرآن أن نقرأ قول الله ﷿: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧] ونحو ذلك مما انبسط فيه مجال القول للمتخصصين، فكان إحدى معجزات القرآن الكريم.\nأما الفريق الآخر ممن لا يرون أن نجذب التفسيرات العلمية إلى آيات الكتاب، فيذهبون إلى أن القرآن قد خاطب العرب أول من خاطب من الناس، وهم قوم أميون لا يحتاجون في فهم النصوص الصريحة إلى التغلغل في العلوم الكونية، والرياضيات الهندسية، وقد واجههم القرآن بما في مقدورهم أن يستوعبوه من الكلام، فأدى رسالته معهم على أحسن وجه يتاح، إذ فهموا مبادئه ودرسوا شرائعه دون أن تكون بهم حاجة إلى نظرية علمية، أو فلسفة كونية فعلى المفسرين أن يفهموا من القرآن ما فهمه العرب الأوائل، إذ أن كتاب الله لسان هداية، ومنار توجيه، أنزله الله على نبيه -ﷺ- ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، لا ليتحدث عن أسرار البرق والرعد والمطر والرياح، ولا ليحدد مواضع الشمس والقمر والنجوم والبحار والجبال ... ثم إن النظريات العلمية في الكون لا تستقر على حال فقد تثبت القضية الكونية لدى جيل من الأجيال، حتى تصبح أمرًا بدهيًا لا يجوز فيه الاختلاف، ثم يدور الزمن فيجد من النظريات ما يقلب الأولى رأسًا على عقب، فإذا فسرنا القرآن بمقتضى النظر العلمي فإننا نجعله ميدانًا للتأويل المتناقض المضطرب حتى ليجوز أن نتخذ من الآية الواحدة دليلًا للإثبات في زمن، والنفي","vol":"1","page":590},{"text":"في زمن آخر، ومثل ذلك عبث بالغ يجب أن يتنزه عنه كتاب الله.\nومما جعل الآذان تصغي كثيرًا إلى هذا الفريق أن أناسًا ممن لا يجمعون بين النظر الصائب والعلم الصحيح قد دفعهم حب الابتكار إلى تفسير بعض الآيات تفسيرًا بدائيًا لا يستند إلى دليل، فحين يظهر مكتشف ما من المكتشفات يسارع هؤلاء السطحيون، فيقتطعون من كتاب الله ما يوهم صاحب النظر المتسرع أنه يسير مع المكتشف الحديث، ثم يَملَؤون الصحف هراء بتمحلاتهم الكاذبة، وافتئاتهم المقيت، ويدعون عند ذلك أن كتاب الله قد ألقى إليهم بأسراره، فهم قديرون على أن يستنبطوا منه قضايا العلم الحديث، وينسون أنهم في تمحلهم الكاذب يخبطون خبط عشواء! ! .\nتجد أحد هؤلاء يتحدث عن التصوير الشمسي فيستدل بقول الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ [الفرقان: ٤٥].\nأو يتحدث عن الأثير فيستدل بقول الله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت: ١١] أو يتحدث عن القمر الصناعي فيستدل بقول الله ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] أِو يلم بآلة التسجيل الهوائي للأصوات فيستشهد بقول الله ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] أو يشير إلى تحطيم الذرة فيقرأ قول الله ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨] وربما تجرأ هؤلاء الأدعياء فكتبوا المؤلفات المتتابعة تحت عنوان (بين العلم والقرآن) وظنوا أنهم بتسرعهم العاجل يقاربون بين العلم والدين! ! وأذكر أن فضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت قد كتب في الرسالة (١) ردًّا مسهبًا ضافيًا يفند به ما ذهب إليه هؤلاء الأدعياء من تعسف مقيت، فبسط الحجج المقنعة على فساد نظرهم الطائش واستدل بالنقل والعقل على شططهم الكريه، ثم قال في ختام حديثه: (فلندع للقرآن عظمته وجلالته ولنخلع عليه قدسيته ومهابته،\n_________\n(١) الرسالة العدد ٤٠٨ سنة ١٩٤١.","vol":"1","page":591},{"text":"ولنعلم أن ما تضمنه من الإشارة إلى أسرار الخلق، وظواهر الطبيعة، إنما هو لقصد الحث على التأمل والبحث والنظر ليزداد الناس إيمانًا مع إيمانهم، وحسبنا أن القرآن لم يصادم ولن يصادم حقيقة من حقائق العلوم تطمئن إليها العقول).\nوكلام الأستاذ الأكبر -كما هو واضح جلي- موجّه إلى من يهجمون على التأويل دون دراسة فاحصة فلا يربطون الآيات بعضها ببعض، أو يلتفتون إلى أسباب النزول وأسرار البيان أو يحكمون السياق الأسلوبي للقرآن، بل يندفعون وراء الحدس الظني والخيال الوهمي ثم يجترئون فيطبقون ويؤولون! ! أما من يتقيدون بالنهج الصحيح في التزام اليقين الثابت من العلم، والصريح الواضح من الآية دون أدنى تكلف يدعو إلى الاعتساف والشطط، فما نظن إلا أن الأستاذ الأكبر يوافق سلفه الأستاذ الأكبر المراغي على منحاه في تفسير ظاهر الآية بالحقيقة العلمية دون تكلف أو افتعال لأن كتاب الله كما يقول الأستاذ شلتوت (لم يصادم ولن يصادم حقيقة من حقائق العلوم تطمئن إليها العقول) هذان رأيان متقابلان وبالنظر إلى أدلة كل رأى على حدة، نجد أن الذين ينادون بابتعاد القرآن عن التفسير العلمي مصيبون كل الإصابة، إذا كان التفسير قائمًا على الظن الوهمي، أو التعسف التأويلي، أما إذا كان مستندًا إلى الصريح من القول معتمدًا على اليقين الثابت من العلم، فلا يمنع إطلاقًا أن نستضيء بشعاع العلم في إيضاح حقائق الذكر الحكيم، وإذا كان القرآن كتاب هداية وإرشاد، فإن آياته العلمية لا تحول دون هذه الهداية المبتغاة! بل تؤكدها وتدعو إليها الجاحدين، أما من يقول: إنه نزل في أمة أمية لا تعرف النظر العلمي فنحن نردّ عليه بأنه لم ينزل لأمة واحدة أو قرن واحد، بل لجميع الأمم في شتى القرون المتعاقبة ليأخذ كل جيل من هديه ما يناسب استعداده الذهني والنفسي ولن يضير اللهر المترقرق أن يرتوي منه غلام ناشئ أو شاب مكتمل، ولن تجد حجة لمن يدعون تناقض العلم واضطرابه لأننا في هذا التفسير المرتقب لن نأخذ بغير اليقين الثابت مما صححته الأجيال المتعاقبة دون أن نكر عليه بالنقض والتفنيد، وسنتمسك بالقيود الملزمة التي فرضها العلماء على أنفسهم وسجلناها مركزة في صدر","vol":"1","page":592},{"text":"هذا المقال، وقد التفت المرحوم الأستاذ مصطفى صادق الرافعي إلى هذه الناحية من الإعجاز العلمي، فأيد ما ذهب إليه العالم التركي مختار باشا في كتابه (سرائر القرآن)، ونقل قدرًا منه في الجزء الثاني من تاريخ آداب العرب (١) ثم قال الرافعى (٢):\n(ولعل متحققًا لهذه العلوم الحديثة لو تدبر القرآن الكريم وأحكم النظر فيه، وكان بحيث لا تعوزه أداة الفهم ولا يلتوي عليه أمر من أمره، لاستخرج منه إشارات كثيرة تومئ إلى حقائق العلوم وإن لم تبسط أنباءها، وتدل عليها وإن لم تسمها بأسمائها، بلى، وإن في هذه العلوم الحديثة على اختلافها لعونًا على تفسير بعض معاني القرآن والكشف عن حقائقه، وإن فيها لجامًا ودربة لمن يتعاطى ذلك، يحكم بها من الصواب ناحية، ويحرز من الرأي جانبًا، وهي تفتق له الذهن، وتواتيه بالمعرفة الصحيحة على ما يأخذ فيه، وتخرج له البرهان وإن كان في طبقات الأرض وتنزل عليه الحجة وإن كانت في طبقات السماء! !).\nومما يدور حول هذه المعاني ما كتبه الأستاذ الأكبر المراغي في مقدمة كتاب (الإسلام والطب الحديث) لعبد العزيز إسماعيل وكنت أوثر أن أنقل بعض حديثه لولا أنه ليس تحت يدي الآن.\nعلى أن هذه الدعوى المخلصة إلى النظر في كتاب الله على ضوء من العلم الحديث يجب أن ننتفع انتفاعًا واعيًا بما اصطدمت به عند التطبيقات الأولى في الغابر والحاضر من أخطاء لنحيد عنها في دورها التطبيقي الجديد، فنحن نجد أن تفسير الفخر الرازي قد أثقل إثقالًا بالآراء الكونية والعلمية التي فاض بها القرن الخامس من الهجرة فجاء في كثير من صفحاته بعيدًا عن الجو القرآني حتى قال فيه بعض الباحثين: إنه يجمع كل شيء غير التفسير! ! وأنا أعتقد أن الرازي قد كتبه لخاصة تلاميذه فأتخمه إتخامًا حال دون ازدهاره بالقياس إلى غيره. على جودة\n_________\n(١) ص ١٢٧ ط سنة ١٩٥٣.\n(٢) ص ١٢٥ ط ٣ سنة ١٩٥٣.","vol":"1","page":593},{"text":"حكمه وصائب رأيه، كما نجد أن المسألة قد كررت في صورة مكبرة حين جاء الأستاذ طنطاوي جوهري- فملأ تفسيره الضخم بمئات المسائل العلمية التي تتحدث عن مظاهر الكون حديث الكيميائي والطبيعي والفلكي والجغرافي والنباتي، فهو ينتهز كلمة عابرة كالرعد أو الأرض أو النحل أو النمل ليفيض في دقائق علمية تعرض خواص هذه الأشياء دون أن تدعو إليها حاجة التفسير المعقول للكتاب الكريم!، ولقد سُجل رد الشيخ رشيد على الإمامين الرازي وطنطاوي جوهري رحمهما الله تلميحًا في مقدمة الجزء الأول من التفسير، وتصريحًا في مجلة المنار (١) حيث يقول من حديث طويل: (ثم توسع المؤلف -يعني الشيخ طنطاوي جوهري- في هذا التفسير الذي يرجو أن يجذب طلاب فهم القرآن إلى العلم، ومحبي العلم إلى هدي القرآن في الجملة، والإقناع بأنه يحث على العلم لا كما يدعى الجامدون من تحريمه له، أو صده عنه، فهو لم يعن تبيان معاني الآيات كلها، وما فيها من الهدى والأحكام بقدر ما عني من سرد المسائل العلمية وأسرار الكون وعجائبه، ولا يمكن أن يقال: إن كل ما أورده فيه يصح أن يسمى تفسيرًا له، ولا أنه مراد الله تعالى من آياته، وما أظن أنه هو يعتقد هذا). وإن ما وجه إلى المتبحرين في مسائل الفلسفة والعلم لأدنى مناسبة واهية كالفخر الرازي والشيخ طنطاوي جوهري من ناحية، والى المتكلفين أوجه التأويل عن طريق الكناية والمجاز من ناحية ثانية، ليدعونا دعوة صادقة إلى أن نتجنب كل خطأ وقع فيه أولئك وهؤلاء حتى يكون التفسير المنتظر صائب النظر صادق الإقناع، فيشفي النفوس المريضة ويرشد الأبصار الحائرة ويدعو إلى صراط مستقيم).\nونحن مع الأستاذ فيما ذهب إليه من أن التفسير لا ينبغي أن يؤخذ على علاته أو يزاوله كل أحد، نمثل لهذا بكتاب (الآيات الكونية) للأستاذ حنفي أحمد الذي سنناقشه في المبحث الآتي.\n_________\n(١) مجلة المنار شعبان سنة ١٣٤٨ هـ.","vol":"1","page":594},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>المبحت الخامس التفسير العلمي للآيات الكونية للأستاذ حنفي أحمد </span>(١)\nكثيرون هؤلاء الذين دفعهم عامل إخلاصهم لقرآنهم، مشفوعًا بروح البحث العلمي، ممن سلكوا نهج صاحب (الجواهر) الشيخ طنطاوي ﵀، وتأثروا به فحري بهم أن يكونوا من رجال مدرسته العلمية في تفسير القرآن، ولكني آثرت هذا الكتاب، أعني (التفسير العلمي ..) عند الحديث عن الاتجاه العلمي، لأنه ليس تفسيرًا تامًّا لكتاب الله تعالى.\nوالأستاذ حنفي كما يتضح لنا من خلال كتابه هذا، من ذوي الغيرة على دينه وعقيدته، ملم بقضايا العلم الكوني حديثه وقديمه، كما يتميز بسعة الاطلاع على أقوال المفسرين ﵏، على اختلاف عصورهم وبيئاتهم، ولا بد قبل كل شيء من أن نتبين المنهج الذي رسمه الأستاذ في بحثه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>أولًا: منهج الأستاذ في بحثه:</span>\nيقول الأستاذ (٢): (وتقوم طريقة البحث في هذه الكتاب، على الطريقة المتبعة في البحوث العلمية. فقد بدأت أولًا بحصر جميع الآيات المختلفة، عن الكائنات المنبثة في السور المختلفة من الكتاب العزيز، ثم رتبتها وقسمتها على حسب موضوعاتها، واقتبست منها ما يتطلبه البحث. فوقعت بذلك في خمسة أبواب أو موضوعات أصلية وهي:\n١ - الخلق العام للسماوات والأرض وتدبير الأمر فيهما.\n_________\n(١) عميد مفتشي العلوم والمدير العام لتعليم البنات بوزارة المعارف (سابقًا) والحاصل على دبلوم المعلمين العليا بمصر، وبكالوريوس في العلوم من جامعة درهام بإنجلترا.\n(٢) التفسير العلمي ص ٩.","vol":"1","page":595},{"text":"٢ - الخلق الخاص بالأرض التي يسكنها الناس وإعدادها للحياة.\n٣ - خلق النبات والحيوان.\n٤ - خلق الإنسان.\n٥ - حوادث فناء العالم بقيام الساعة.\nوقد صدرت هذه الأبواب، بمقدمة هامة موجزة، يحتاج إليها كثير من القراء، وجعلتها في فصلين:\nأولهما: عن رسالة القرآن والآيات الكونية.\nوالثاني: عن وسائل البحوث الفلكية وبعض نتائجها الهامة.\nوجعلت كل باب في فصول متعددة، وبعض الفصول في مباحث، وذلك تيسيرًا للبحث.\nوقد استعنت في هذه المرحلة، (بالمعجم المفهرس لألفاظ القرآن) الذي وضعه الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، ثم انتقلت بعد هذه المرحلة إلى إثبات معاني الآيات المقتبسة، بعد ترتيبها في كل موضوع حسب إيضاح المفسرين، مع النقل الحرفي في بعض الأحيان، من مشهور التفاسير المتداولة، كتفسير (الجلالين) (وأبي السعود) و(الفخر الرازي) وغيرها من التفاسير المعتمدة.\nواستعنت عند الحاجة في تحقيق معاني الألفاظ، بمعجمات اللغة كأساس البلاغة للزمخشري وغيره، ويكتاب (المفردات في غريب القرآن) للإمام الراغب الأصفهاني. وهو معجم نفيس في استجلاء معاني ألفاظ الكتاب العزيز.\nفتم بذلك إثبات معاني الآيات وفق مقتضيات اللغة، ومتواتر المنقول عن غرائبها، وهو الشرط الأول الذي يجب أن يستوفيه، كل من يتصدى للنظر والبحث في كلام الله، الذي بينته في الفصل الأول من المقدمة. ثم عقبت بعد ذلك على","vol":"1","page":596},{"text":"إيضاح المفسرين في كل موضوع، بتعليق يتم نواحي البحث، ويوضحها ويلقي ضوءًا ساطعًا على المقاصد والغايات وحين الخلاف في الرأي رجعت إلى العقل، ودعمت الرأي بالدليل، في نطاق القاعدة الأساسية للتفسير، وهي (الأخذ بظاهر المعنى، ما لم يمنع منه مانع من العقل أو النقل، في حدود المعاني المحتملة للألفاظ والآيات، دون نقص أو زيادة).\nوبعد أن أتممت بالتعليق استجلاء معاني الآيات، في حدود ألفاظها وعلى ضوء العلم، وضعت هذه المعاني على هيئة قضايا -مقررة أو ظنية- مستنبطة من نصوص الآيات أو من ربط بعضها ببعض، أو بعبارة أخرى وضعتها في صورة موجزة محدودة تبين ما تحتويه الآيات من علم جزئي أو كلي، منزل عن الكائنات، لكي يسهل مقابلتها بنظائرها من قضايا العلم.\nوأخيرًا عقدت في كل فصل أو باب، مقابلة بين القضايا القرآنية والقضايا المناظرة لها، مما أثبتته أحدث البحوث العلمية من حقائق ونظريات علمية. ثم بينت ما بين هذه وتلك من الاتفاق أو التعارض -إن وجد- ثم ما تدل عليه هذه المقابلة من وجوه الإعجاز في الآيات الكونية. ونظرًا إلى كثرة صحائف هذا الكتاب، ولتيسير الإطلاع عليه جعلته في جزأين: الأول منها يشمل المقدمة والبابين الأول والثاني، والثاني: منها يشمل الأبواب الثلاثة الأخيرة) (١).\nولكن الذي بين أيدينا إنما هو الجزء الأول فقط، وكنا نرجو أن يصدر الجزء الثاني كي ننظر فيه، وننبه على ما لعلّه يقع فيه من ثغرات وأخطاء\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>تقسيمه للآيات الكونية والقضايا المستنبطة منها:</span>\nوالأستاذ يقسم الآيات الكونية إلى قسمين، فبعد أن يعرفنا أن الآيات الكونية، هي التي جاءت تتحدث عن خلق العالم، وما فيه من إبداع ونظام، وقد وجه القرآن\n_________\n(١) ص ١٠ - ١١.","vol":"1","page":597},{"text":"أنظار الناس إليها، هذه الآيات سميت الآيات الكونية، لأنها تتحدث عن هذا الكون المادي، يقسم هذه الآيات إلى قسمين: قسم يوضح المنهج الإلهي والسنن الحكيمة في إيجاد الخلق وإنشاء الحوادث، وقسم يتحدث عن المخلوقات، ويصف نظام إيجادها الحكيم وأحوالها، وفقًا لأحكام سنته، وتنفيذًا لإرادته ومشيئته، ويصف ما فيها من رحمات ونعم للعباد. ولا يخفى أن الآيات الكونية من القسم الثاني، هي موضوع البحث في معظم الأبواب بجزأي الكتاب (١).\nثم يبين أنواع القضايا المستنبطة من القرآن عن الكائنات (٢) صراحة أو إشارة، بعد استخلاص معانيها من التعليق وإيضاح المفسرين. وهذه القضايا كما يقول:\nأ- منها ما كانت مقدماتها وافية وأدلتها قاطعة، فنسميها القضايا المقررة.\nب- أما ما كانت مقدماتها غير وافية وأدلتها غير قطعية قيطلق عليها (القضايا الظنية)، وهي ما غلب عليها الظن فارتفعت عن درجة الاحتمال إلى ترجيح معنى ما.\nجـ- وهي قضايا ذات معان محتملة، وليس فيها ما يرجح معنى على آخر. فيجدر بها أن تسمى كما يقول قضايا محتملة:\nويمثل لكل واحد من هذه الأنواع فيمثل للنوع الأول، بقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] فإنه يستنبط من قوله: ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ أن السماء قبل تكوينها كانت مادة دخانية، وأنه تعالى كونها وخلقها منها .. ويأتي بأمثلة متعددة لهذا النوع الذي إما أن يكون وصل إليه العلماء عن طريق صحيح، وأشار إليه القرآن، أو علم صحيح بينه القرآن صراحة. أما القضايا الظنية المأخوذة من صريح النص، فيمثل لها بقضية نشوء الأرض والكوكب من النجوم، وأما\n_________\n(١) نفس المرجع ص ٣٥.\n(٢) نفس المرجع ص ٤١ - ٤٣.","vol":"1","page":598},{"text":"القضايا الظنية المأخوذة من إشارات في نصوص الآيات، فيمثل لها بورود ذكر النجوم في القرآن، أكثر بكثير من ذكر الكواكب ويبني على ذلك نتائج منها، أن النجوم أكثر عددًا وأعظم شأنًا في السماء من الكواكب.\nوأما القضايا المحتملة المأخوذة من صريح النص، فيمثل لها بقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧]. (وفي اللغة لفظ) (موسعون)، إما مشتقة من أوسع (اللازم) بمعنى جعل الشيء واسعًا، وإما من أوسع (المتعدي) بمعنى التوسيع والزيادة في الشيء. فبناء على ذلك يكون معنى قوله: ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أنه تعالى بنى السماء وجعلها واسعة، أو أنه بناها، وأنه يوسع ويزيد في سعتها. ومن هذا يتضح أن للآية معنين محتملين، لا ترجح أحدهما على الآخر. ولكن قد يوجد في آيات أخرى ما يرجح أحدهما أو يرجحهما معًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>تقديره لجهود السابقين ودعوته إلى تفسير علمي:</span>\nوالأستاذ إذ يعترف للعلماء بجهودهم في البحث -كالأستاذ محمد الغمراوي في كتابه (سنن الله الكونية) والأستاذ الشيخ طنطاوي جوهري- إلا أن الأستاذ حنفي يأخذ على أستاذه صاحب الجواهر، أنه كان يسهب. يقول: (وأستاذنا المرحوم الشيخ طنطاوي، في تفسيره الواسع للقرآن، الذي أفاض وأسهب فيه، وبين كثيرًا من العلوم المختلفة التي تشير إليها الآيات الكونية، لولا أنه ﵀ قد زاد في هذا البيان، حتى جاوز حدود معاني الآيات، ولم يحاول الجمع بينها، فخفي بذلك كثير من حقيقته، ومقدار العلم المنزل فيها، على كل حال فقد كان ﵀ من المجتهدين، والله لا يضيع أجر المحسنين) (٢) وهو لا ينسى أن يقدر للمفسرين السابقين جهدهم في تفسير الآيات الكونية، ويعتذر عن عدم إيفائهم الموضوع حقه، (فلم يجمعوا الآيات الكونية مثلًا، ليستنبطوا منها معانيها كما فعلوا\n_________\n(١) نفس المرجع ص ٤٦ - ٤٧.\n(٢) المرجع السابق ص ٧.","vol":"1","page":599},{"text":"في آيات الأحكام. فليس ذلك عن قصور فيهم، وإنما يرجع إلى عدم توفر الإمكانات العلمية عن هذا الكون عندهم، وعند غيرهم من للناس، ومع هذا كله فرغم تقدم العلم في عصرنا، فلا زالت آيات القرآن غير موضحة دقائقها العلمية عن هذا الكون، اللهم إلا طرفًا يسيرًا منها. ويرجع السبب في ذلك إلى وراثة العقيدة التي كانت ولا تزال سائدة في الأذهان، بأن القرآن رسالة هداية وإرشاد، ولا شأن لها بالوصول إلى العلوم الكونية، وأن حديثه عن الكائنات لا يحتاج في فهمه، إلا لمجرد التعقل والخبرة العادية، وأنه بذلك لا يحوي دقائق أو تفاصيل عن طبائع الكائنات، تتطلب علمًا خاصًّا لإبانتها ودركها، ولأن الحديث عن الكون جاءت آياته مفرقة بين السور القرآنية، مخالفًا لما هو معروف لديهم في تصنيف الكتب العلمية (١).\nلذلك كله أصبح ضروريًا أن يتعاون في تفسير القرآن، العالمون بأسرار الشريعة وفقه اللغات وبلاغتها، والعلماء الأخصائيون (٢) في مختلف العلوم، والنظر في خلق الله العجيب لبناء صرح إيمان قوي ثابت (٣). ذلك لأن القرآن جاء معجزًا في بلاغة أسلوبه وسمو معانيه وجوامع كلمه. وجاء معجزًا بما قصه من سير الأنبياء والمرسلين السابقين، التي ما كان يعلمها سوى علماء أهل الكتاب. وجاء معجزًا بما تضمن من تشريعات حكيمة ومثل عليا، تتفق مع إطباح البشر في كل مكان وزمان، تكميلًا لفطرتهم وضمانًا لسعادتهم وجاء معجزًا بما حوى من آيات العلم والمعرفة الصحيحة، عن الجانب المادي من الكون، مما لم يكن للناس علم به قبل نزوله أو بعده، حتى جاء العلم الحديث بوسائل بحثه الدقيق، المستندة إلى\n_________\n(١) وأنا لست مع الأستاذ إن أراد أن يقول إن القرآن كتاب للعلم الكوني، قبل أن يكون كتاب هداية. ذلك أن هداية القرآن هي المقصد الأسمى فيه، بها إعجازه وخلوده. أما إن أراد أن يقول إن القرآن كتاب هداية وفيه إشارات علمية لدقائق هذا الكون، فهذا رأي لا غبار عليه.\n(٢) الصحيح: الاختصاصيون.\n(٣) المرجع السابق ص ٣٤.","vol":"1","page":600},{"text":"الخبرة والمشاهدة منذ أكثر من قرنين من الزمان، فكشف عن كثير منها وأماط اللثام عن حقائقها، ولم تتعارض حقائقه معها في شيء ما).\n(ولما كان القرآن كتابًا للناس جميعًا، يأخذ كلّ بقدر ما منحه الله من فهم وعلم وحكمة)، لذلك جاء أكثر الأنباء الدقيقة عن الكائنات بطريق الإشارة لكيلا يستعصي فهمها على العوام، وقصد بالخطاب فيها ذوو البصائر من العلماء، وجاء ما فيها صريحًا من ظاهر الآيات لمناسبته لعقول كافة الناس. وهذه وتلك بلاغة وحكمة في التبليغ، لا تجدهما في كتاب آخر) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>شروط المفسر كما يراها:</span>\nهذا، وينقل عن الإمام الغزالي ﵁ فصلًا في شروط التفسير، ثم يستخلص منه حقائق أذكر هنا بعضها قال:\n\"ثالثًا: يقوم تفسير ظاهر القرآن على شرطين:\n١ - أن يلتزم المفسر حدود المعاني اللغوية للألفاظ، مع عدم التأثر برأي خاص، أو ميل مع الهوى.\n٢ - أن يراعي ما في القرآن من الغرائب التي هي دلائل الإعجاز، والتي لا تعرف إلا بالسماع والنقل، مثل: (الإيجاز بالحذف، والتقديم والتأخير والتدرج في البيان وغيرها.\nرابعًا: لا يفي تفسير ظاهر القرآن وترجمة ألفاظه، بفهم معانيه الدقيقة وما فيه من أسرار، ولا تنكشف هذه المعاني الدقيقة إلا للراسخين في العلم، كلّ إلى حد بقدر ما وهب من علم وفهم وما أوتي من حكمة) (٢).\n_________\n(١) المرجع السابق ص ٤٤\n(٢) المرجع السابق ص ٣٢.","vol":"1","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>نبذة موجزة للقواعد والنظريات التي توصل إليها العلماء:</span>\nولقد أحسن المؤلف صنعًا، حينما عقد فصلًا خاصًّا ضمنه النتائج العلمية لأبحاث الفلك والجيولوجيا، قديمها وحديثها، بقدر ما يتطلبه بحثه في تفسير الآيات، وذلك لكي يسهل على القارئ الاستعانة بهذه النتائج، ومقابلتها مع القضايا القرآنية المستنبطة، فتكلم مثلًا في هذا الفصل عن:\nأ- علم الفلك القديم كما تكلم في علم الفلك الحديث، عن السدم وأقسامها والمجرات الشمسية، وعن الوسائل العلمية في العلوم الفلكية، وطريقة استخراج النتائج بواسطتها، وعن أهم هذه النتائج لقياس الأبعاد للقمر والشمس والنجوم في المجرة، وأبعاد المجرات الخارجية كذلك.\nب - تقديره درجة حرارة سطوح الأجرام السماوية، وهي السيارات التي في المجموعة الشمسية كالقمر وعطارد والزهرة والمشتري له.\nج- التركيب الكيميائي لسطوح النجوم والسيارات.\nد - الإضاءة الذاتية والإشعاع الكلي لسطوح النجوم والسيارات.\nهـ - تقدير الأحجام والأوزان.\nو- أشكال وحركات الأجرام الالتفافية حول محاورها .. إلى آخر هذه التتائج مارًا بسرد نظريات النشوء لهذا الكون.\nز - تكوين الكرة الأرضية والعوامل التي أثرت عليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>مأخذ على المؤلف:</span>\nعلى أن هناك مأخذًا لا بد من الإشارة إليه. لأنه في رأي يشكل خطرًا من نفسيات المؤلفين ينعكس على نفسيات القراء. لقد ذكر المؤلف نبذة عن تاريخ الفلك، مبتدئًا بقدماء المصريين وأهل بابل إلى اليونان، ثم قفز قفزة كبيرة حيث","vol":"1","page":602},{"text":"تجاهل كلّ ما للمسلمين وحضارتهم من جهود طيبة مشكورة في هذا المضمار. من إبداع، مما شهد به علماء العصر الحديث، سواء أكان من ناحية الوسائل التي اتبعت، أم من حيث النتائج التي توصل إليها، مما كان له الأثر الكبير في النهضة الحديثة)، ولكن كثيرًا من المؤلفين مع كلّ أسف، لا يلقون بالًا لتلك الحقبة الذهبية في تاريخ الإنسان، متأثرين في ذلك بهؤلاء الذين أسرتهم العصبية الجنسية والطائفية، فاتهموا العقلية العربية المسلمة، بأنها عقلية حافظة ناقلة فحسب، ليس من شأنها أن تبدع أو تنتج، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]. ومهما يكن من أمر فلقد كان لزامًا على المؤلف أن يذكر ما أسهمت به أمته في تراث الإنسانية العلمي، ولكنه سامحه الله لم يفعل.\nوبعد هذه الإلمامة عن منهج المؤلف، لا بد من استعراض بعض النماذج كي نتبين من خلالها طريقة الرجل وموضوعيته في البحث، والتزامه بالنهج الذي رسمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-263>ثانيًا: نماذج من التفسير:</span>\nيذكر المؤلف عند هذه الآيات أقوال بعض المفسرين، ثم يتبعها بتعليق على تلك الأقوال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>أ- آيات خلق السماوات والأرض:</span>\n١ - تفسيره قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ يقول: (وكنا نرى أن المثل معناه كلّ ما يشبه غيره في صفة واحدة أو أكثر. فيكون معنى الآية، أنه تعالى خلق من جنس الأرض التي يسكنها الناس أرضين تشبه السماوات السبع في صفة أو أكثر. وبما أنه خصص السماوات بالعدد (سبعة)، فالراجح أن يكون هذا العدد، هو أحد أوجه المثلية المقررة بينهما. وقد ذكر المفسرون آراء مختلفة عن مكان","vol":"1","page":603},{"text":"الأرضين دون أن يذكروا ما يدعمها من الشواهد.\nونرى أن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، الذي معناه وخلق من جنس الأرض مثلهن، مع قوله: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾، يفيد أنه تعالى خلق سبع سماوات من غير جنس الأرض. وعلى هذا الاعتبار، يكون معنى الآية أن الله تعالى خلق سبع سماوات غير أرضية، وخلق أرضين متعددة منها الأرض، التي يسكنها الناس، تشبه السماوات السبع في بعض الصفات، وليس في كلّ الصفات لأنَّها مختلفات في الجنس على الأقل. والصفات التي يمكن أن تشترك فيها السماوات السبع غير الأرضية والأرضون، مع اختلافها في الجنس، ولا تدل عليها الآية صراحة كثيرة منها:\nأ - التركيب الكيميائية من حيث نوع العناصر وحدها أو مع النسبة بينهما.\nب - وطريقة الخلق والنشوء.\nج - والشكل.\nد - والعدد وطريقة الانتشار في الفضاء.\nهـ - والحركة أو السكون وغير ذلك (١).\nهذا الذي ذكره الأستاذ تعليقًا على إيضاح المفسرين في هذه الآية، وهو بلا ريب يحتاج إلى الضاح، لما فيه من إبهام وغموض. إن الأستاذ لم يزد على ما قاله المفسرون القدامى، بل والحق يقال، إن ما ذكروه أكثر وضوحًا وأظهر معنى.\n٢ - رأيه في قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥]: وليته يقف عند هذا الحد، ولكننا نراه يذهب إلى ما هو أبعد من هذا وأكثر غرابة، وأشد بعدًا عن العقل والنقل، وذلك في تفسيره قول الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ فهو\n_________\n(١) المرجع السابق ص ١٤٨.","vol":"1","page":604},{"text":"يرى أن هذه الآية إنما تتحدث عن مرحلة خاصة، وهي ما بين نفختي الصور المشار إليهما بقول الله تعالى في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨] فالألف سنة هي ما بين النفختين.\nوالعجيب أنه ينقل هذا عن المفسرين كما يقول، ولم يذكر لنا المفسر الذي نقل عنه، ولا التفسير الذي نقل منه. ويرجح هذا القول معللًا له بتعليلات عقلية كما يقول.\nوهذه عبارته، (وحيث إن العقل يقضي بأن العالم الحي من العباد، ينقطع تدبيرهم وتصريفهم لشؤونهم بين النفختين؛ لأنهم يكونون وقتئذٍ أمواتًا فلا تكون لهم شؤون تصرف، وأن العالم غير الحي من سماوات وأرضين، مسخر ولا ينقطع تدبير وتصريف أمره ما دام في الوجود، بل إنه يكون مستمرًا في صورة هدم كيانه وبنائه من جديد بعد النفخة الأولى، فلهذه الأسباب يرجح لدينا أن المقصود من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ ....﴾. إلى آخر الآية هو انقطاع وتوقف تدبير الخلق العاقل لشؤونهم، في الفترة بين النفختين حيث يكونون أمواتًا، وأن فترة هذا التوقف التي قدرها الله بألف سنة من سني الدُّنيا، هي مقدار الزمن بين النفختين) (١). وما ذكره المؤلف بعيد كلّ البعد، عما تشير إليه الآية - والله أعلم بمراده - لا لأنه مخالف لما ذكره المفسرون، فإن الله ييسر فهم كتابه لمن شاء وربما يصل المتأخر إلى مكنون آية غفل عنه المتقدم، ولكن لأن ما ذكره مخالف للسياق والمأثور. فسياق الآية أولًا، لا يشير من قريب أو بعيد إلى أن هذا العروج، وذلك اليوم إنما هو بين النفختين، بل على العكس من ذلك. إن سياق الآيات في شؤون هذه الحياة من تدبير الله أمر هذا الخلق، وهو ما يدل على عظمة الخالق، وأما المأثور فقد ورد في صحيح الإمام مسلم -﵁ - عن أبي هريرة - رضي\n_________\n(١) المرجع السابق ص ١٣٤.","vol":"1","page":605},{"text":"الله عنه - (أن بين النفختين أربعين) (١) وعند ابن مردويه (إنها أربعون سنة) (٢). فلا أدري بعد ذلك كله كيف استساغ المؤلف مثل هذا التأويل، مع مخالفته للسياق والمأثور؟ !).\n٣ - رأيه في السماء الدنيا والسماوات السبع: وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾ [الحجر: ١٦] يخطئ المفسرين الذين عدّوا السماء الدنيا، هي التي فيها الكواكب والنيرات وهي ذات الزينة، ويقول: (إن السماء الدينا هي الطبقات العليا، من جو الأرض، لأن كلّ ما علا فهو سماء).\nوأنا غير مطمئن إلى ما ذهب إليه لأن هناك آيات كثيرة تدل على تزيين السماء، كآية فصلّت ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت: ١٢]، وآية المُلْك ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]. وآية الصافات ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦]. ولا أظن عَدّ الطبقات العليا من جو الأرض سماءً قولًا تساعده الآيات القرآنية، فإن الله يقول عن السماء ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات: ٢٨]. وإذا كانت هذه الطبقات السماء الدنيا، والقمر أكثر منها بعدًا، فيمكن عده إذًا في سماء ثانية، وهذا ما لا أتصوره أبدًا مع أن الأستاذ ذكر قبل قليل، وهو ما نقلناه من أن، السبع سماوات غير أرضية، وهي مختلفة عن الأرض في الجنس على الأقل (٣)، ثم إن الآيات التي ذكرناها تشهد كلها بأن السماء الدنيا هي المزينة بالكواكب.\nوما دمنا في ذكر الحديث عن السماوات والأرض وما فيهما، فلا بد أن نعرض لآراء الأستاذ، وبخاصة تلك التأويلات البعيدة، التي يريد أن يخضع بها القرآن لاحتمالات وظنون. السماوات السبع كما يقول إنما هي النجوم، ولم يبين لنا أي تلك النجميات هي التي اكتسبت اسم السماوات، وأما الأرضون فإنما هي الكوكب.\n_________\n(١) ج ١٨ ص ٩٠ شرح النووي.\n(٢) فتح الباري ج ١٠ ص ١٧٢.\n(٣) المرجع السابق ص ١٣٠.","vol":"1","page":606},{"text":"والحق أن المتدبر لآيات القرآن، يدرك دونما أدنى شك، أن النجوم شيء وإن السماوات شيء آخر. فقد ذكرت النجوم في القرآن دونما تحديد لها، ولا كذلك السماوات فقد ذكرت بأنها سبع، والحق أن تفسير السماوات السبع بالكواكب أو مداراتها، كما ذكره المفسرون الأقدمون، وهو ما تشير إليه نظرية بطليموس، تفسير لم يساعده الواقع. فإذا جاء الأستاذ حنفي، وقال: أنا أعتبر الكواكب إنما هي الأرضون، وأما السماوات فهي النجوم اللامعة المضيئة بذاتها) (١) .. فإنا نقول له - إن هذا بعيد كلّ البعد عن معنى الآي الحكيم.\nولقد اختلفت كلمة العلماء المحدثين في السماوات السبع، ويعجبني ما قاله الأستاذ رشيد رشدي العابري ﵀، وهو ممن جمعوا إلى عقيدتهم التي منّ الله بها عليهم، معلومات قيمة في علم الفلك الحديث، يقول حول موضوع السماوات السبع مفندًا ما شاع عند الناس من أن المقصود بها الكواكب السيارة: (وكل نظرية ومنها النظرية المدّية في كيفية تكوين العالم الشمسي، إن لم تحقق علميًّا بحيث تكون قطعية الثبوت، فإنه لا يجوز الركون إليها في تفسير آيات القرآن الكريم. ومن العلماء المعاصرين الذين يعتبرون حجة في آرائهم الفرعية، قد فندوا النظرية المذكورة وكم من نظرية جاءت قبل هذه النظرية المدّية اعتبرها العلماء تفسيرًا لكيفية تكوين المجموعة الشمسية، ولكنها لم تلبث أن تهاوت واندثرت فحلت محلها نظرية أخرى، لم تلبث أن سقطت وهكذا) (٢).\nويظهر أن السماوات السبع، من الأمور التي لم يمكن الله الإنسان من معرفة كنهها حتى الآن. وها هم العلماء يكتشفون جديدًا في كلّ يوم في هذا العالم العلوي من شموس ومجرات ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\nويستمر الأستاذ حنفي في حديثه عن تفسير آيات السماوات والأرض، وعن\n_________\n(١) لقد فسر السماء الدنيا تفسيرًا مخالفًا لهذا التفسير.\n(٢) التمدّن الإسلامي ص ٨٥٨ سنة ١٣٧٤ هـ.","vol":"1","page":607},{"text":"مبدأ خلقهما، ومعنى طواعيتهما، كذلك عن معنى قول الله تعالى ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، فيرى أن السماوات خلقت قبل الأرض، وأن معنى قول الله تعالى ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ﴾، إنما هو التقدير دون الإيجاد، وهذا ما تاباه آيات القرآن. ولعل في آيات سورة فصلت ابتداء من قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ...﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ما يبين ذلك.\n٤ - رده أقوال المفسرين في معنى ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٩]: ثم يرد قول المفسرين عند قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢٧ - ٢٩]. ويقول (إنهم أولوا الآية دون حاجة)، ثم يأتي برأيه هو. ولا أدري أيهما كان أكثر إمعانًا في التأويل هو أم هم هذا ما ستتبينه إن شاء الله تعالى من عباراته.\nيقول: (أما قوله: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ فقد أول المفسرون ظاهره دون مبرر. وقالوا إن معناها أنه تعالى أحدث الليل والنهار على الأرض وأنه إنما نسبها إلى السماء لأنَّها سبب فيهما. وإنا نرى الأخذ بظاهر الآية؛ لأنه لا يوجد ما يدعو إلى تأويلها وعملًا بالقاعدة المتفق عليها في التفسير، أي أن ما أغطش ليله - ﷾ - وأخرج ضحاه، إنما هو أجرام السماوات بعد تسويتها .. والخلاصة أن قوله (وأغطش ليلها) إشارة قوية إلى أنه تعالى جعل الأجرام المسواه تتجمع أجزاؤها وتنكمش، حتى أصبحت كثيفة غير شفافة، فصار بذلك ليلها مظلمًا. وذلك بعد أن كانت غازية مخلخلة شفافة (١)، ثم يقول عند (وأخرج ضحاها) (فقد اتفق أهل اللغة على أن وقت الضحى، هو الوقت من النهار بعد ارتفاع الشمس، بعد الشروق بنحو ثلث ساعة إلى ما قبل الزوال. وقالوا إن الضحى أصل معناه ضوء الشمس عند امتداد النهار، وأن الوقت سمي به. وقال المرحوم الشيخ محمد عبده، (الضحى هو ضوء الشمس\n_________\n(١) التفسير العلمي ص ٢١٦ - ٢١٧.","vol":"1","page":608},{"text":"في شباب النهار ..).\nأ- وبعد أن شرح كيف يتغير لون الشمس من الأحمر إلى الأبيض وأسباب ذلك يقول: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ معناه: أنَّه تعالى أخرج من أجرام السماء غير الأرضية المظلمة المسواه، ومع إغطاش ليلها، ضوءًا متغير الألوان حتى صار مثل ضوء الشمس في وقت الضحى، ليشير بذلك إشارة قوية محدودة، إلى أنه أخرج منها ضياءً متدرجًا في ألوانه، كما يخرج ضوء الشمس الواصل إلى الأرض من خلال الهواء، متدرجًا في ألوانه من الأحمر في بدء الشروق، إلى الأبيض اللامع الساطع في وقت الضحى، وتكون الأجرام في أثناء ذلك قد أصبحت نجومًا).\nب - بعد أن تكلم عن تغير ألوان المعادن والأحجار، بارتفاع درجة حرارتها من الأحمر حتى الأبيض في الدرجات العليا، يقول بانيًا على تلك الحقيقة (يكون في قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ إشارة قوية إلى أنه تعالى. رفع درجة حرارة أجرام السماوات المظلمة الغازية، تدريجيًا مع إغطاش ليلها، فصار يخرج منها أولًا ضوء أحمر برتقالي، ثم أصفر وأخيرًا أبيض ساطع كضوء الشمس في وقت الضحى، فأصبحت نجومًا مكونة من لهب مستعرة، أي غازات في درجة حرارة مرتفعة ..).\nج- ثم يتكلم عن الجمع بين الإغطاش والضحى بواو المعية، يقول: (لذلك نرى أن الجمع بين العمليتين بواو المعية، إشارة قوية إلى أن عملية إغطاش ليل الأجرام، تسبب عنها إخراج الضحى من الأجرام. أي أن زيادة كثافتها وتقلصها، أدى إلى رفع درجة حرارة الأجرام تدريجيًا حتى صارت نجومًا، يخرج منها ضوء متدرج في ألوانه) (١).\n_________\n(١) التفسير العلمي ص ٢١٨ - ٢١٩.","vol":"1","page":609},{"text":"ومع أنني لا أبخس الرجل ما اجتهد فيه، إلا أن ما ذهب إليه المفسرون في تفسير الآية أقرب إلى ضحى العقول، وهو واضح الفهم دون تزيد.\n٥ - رأيه في سر التعبير بكلمة الدخان: ولعلّ مما وفق فيه الأستاذ أشار إلى سرّ التعبير بكلمة دخان في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١] فهو يرى أن التعبير بكلمة دخان، دون هباء أو هواء أو بخار، لأن الهباء دقائق صلبة، والبخار دقائق سائلة، والهواء دقائق غازية. أما الدخان فإنه يشير إشارة قوية، إلى أن مادة السماء الأولية قبل خلقها كان لها من الصفات الهامة ما يشبه صفات الدخان العادي، الذي يتصاعد من النيران .. فكانت حاوية لدقائق أنواع المادة الثلاثة، من صلبة وسائلة وغازية (١).\n٦ - عند قوله تعالى: ﴿قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ذهب في تفسيرها مذهبًا آخر وهو أن الطواعية هنا إنما تعبر عن مدى الانسجام والتعاون والتلاؤم بين السماء والأرض، فيما يحقق مصالح الناس في الأرض، ويستدل بآيات التسخير مثل قول الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ [إبراهيم: ٣٣] الخ. ولبعد هذا عن موطن الاستدلال أرى أن ما ذكره المفسرون أقرب إلى فهم الآية.\n٧ - تكلفه واغرابه في تفسير الستة أيام: فهو يفسر الأيام بالحوادث، ولم يكتف بهذا بل يستخرج ذلك من القرآن نفسه. أما يومًا السماوات فهي حادثة الرتق وحادثة الفتق. وأما أيام الأرض الأربعة فهي:\n١ - حادثة رتقها مع النجوم.\n٢ - حادثة فتقها عنها.\nأما اليومان الآخران فهما:\nأ- إتمام خلقها مع القمر.\n_________\n(١) التفسير العلمي ص ٢١١.","vol":"1","page":610},{"text":"ب - فتق القمر عنها.\nهذا هو تأويل الأستاذ للستة أيام، وهو تأويل كما نراه، فضلًا على ما فيه من تكلف وبعد، ومخالفة للمألوف، فإنه مع ذلك إنما يقوم على أمور ظنية، لم تصل إلى درجة الحقيقة حتى الآن. ونحن نكتفي بما أخبرنا به الله، من أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، دون أن نجزم برأي في معنى هذه الأيام. ومقاديرها، كما نؤمن بما جاء في التنزيل بأن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقهما الله، دون تزيد في أمور تدور ما بين الوهم والشك، ولعلها لا تصل إلى درجة الظن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>ب - كلامه عن آيات النجوم والكواكب والضياء والنور:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>١ - تفسيره للمصباح:</span>\nعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٥] يرى الأستاذ أن المصباح ليس ما تعارف عليه الناس، وإنما هو شيء آخر. وأن قوله تعالى ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، ليس المقصود به مضاعفة هذا النور كما يرشد إليه سياق الآية.\nومن المفيد أن أنقل بعض عباراته في تفسير هذه الآية، يقول: (ومثل هذا اللمعان والتلألؤ الذي يصف تعالى به سطح الزجاجة الداخلي، يشاهده الناس في الأحجار الكريمة الشفافة الصافية كالماس واللؤلؤ، ذات الكثافة العليا نوعًا، إذ يرون في داخلها نقطًا عديدة تسطع وتلمع، كأنها مصادر ضوء قوي. وسبب ذلك أن الأشعة التي تصل إلى داخل الماس يتكرر انعكاسها كليًا، مرات متوالية في داخلها فيتراكم بعضها على بعض في نقط عديدة ثم تنبعث إلى الخارج، فترى كأنها","vol":"1","page":611},{"text":"صادرة عن مصادر ضوئية ينشأ منها اللمعان. فيكون إذًا وصفه تعالى الضوء اللامع المتلالئ من سطوع ولمعان زجاج المصباح، يقول ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾، إشارة إلى أن هذا اللمعان ينبعث من تراكم أضواء عديدة منعكسة انعكاسًا كليًا، أي أنوار فوق بعض تتجمع في نقط مختلفة، داخل الزجاج قبل انبعاثها إلى الخارج، وأنه تعالى يخاطب بهذه الإشارة أهل الخبرة بحال الضياء. ولما كان الزجاج في اللغة معناه كلّ حجر شفاف، فنرى أن صورة المصباح المقصود في هذه الآية الكريمة على حسب وصفه تعالى، إنما هي شعلة فتيل كاملة الاحتراق والإضاءة، موضوعة في فجوة داخل حجر شفاف سميك من الأحجار الثمينة الطبيعية، ذات الكثافة العالية كالماس أو اللؤلؤ. التي كان العرب يعرفونها ولا يعرفون سبب لمعانها. ولا يجوز فهمه على أنه مصباح كالقناديل المعروفة لدى الجمهور، والمصنوعة من الزجاج العادي، لأن مثل هذا الزجاج لا تسمح كثقافته ولا سمكه، بحدوث ظاهرة اللمعان والسطوع المقصود في الآية) (١).\nوأعتقد أنه لا داعي لمثل هذا البعد في التأويل، وأن الآية واضحة الأهداف ظاهرة المقصد، فالمصباح هو المصباح الذي يعرفه الناس، والمثل الذي جاءت به الآية مثل من واقع الناس، وإن قوله ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ تبعًا لهذا، إنما يقصد به مضاعفة هذا النور وقوة إشعاعاته.\nوانطلاقًا من تفسير الضياء والنور وما بينهما من فارق، يقول الأستاذ حنفي: (إن الله تعالى أطلق على رسالته الضياء تارة والنور تارة أخرى. فالحالة الأولى (الضياء) هي الضوء الحسي الذاتي قبل وقوعه على الأجسام المظلمة وانعكاسه منها - قبل تبليغها للناس - والحالة الثانية (النور) وهي الضوء الحسي الذي ينعكس من الأجسام المظلمة بذاتها، بعد وقوعه عليها - بعد تبليغها للناس -.\nوهذا تكلف في التأويل لا أخال سياق الآيات يساعده. وما دام التعبير بالضياء\n_________\n(١) المرجع السابق ص ١٤٨.","vol":"1","page":612},{"text":"والنور كليهما تعبيرًا مجازيًا، فلا داعي إذًا لكل هذا. نعم تلتمس مثل هذه الفروق إذا كان التعبير عن أشياء محسوسة، تعبيرًا حقيقيًّا وكانا مجتمعين، مثل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>٢ - تفسيره للنجم الثاقب:</span>\nوحينما يعرض لقول الله تعالى ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ١ - ٣] يقول إن هذه الآية تفيد حركة النجم. مع أن هناك آية أخرى من كتاب الله وهي قوله ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]، تفيد الثبوت والسكون، وهذا تناقض بين الآيتين، ولكنه تناقض ظاهري، ثم يحل لنا هذا الإشكال في رأيه بآية أخرى، وهي قول الله تعالى في سورة طه ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: ٤] ووجه الاستدلال كما يصوره أن السماوات وصفت بالعلو. فالنجوم التي ترى ثابتة إنما هي متحركة في الواقع ونفس الأمر، ولكن بُعدها عنا يجعلنا نراها كأنها ثابتة.\nوالعجب كل العجب مما ظنه الأستاذ تناقضًا، فإن قول الله تعالى (علامات) تابع للآية التي قبلها، وهي قوله تعالى في سورة النحل ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ﴾ [النحل: ١٥، ١٦] والاهتداء بالنجم لا يستلزم كونه ثابتًا أو متحركًا ولا مانع أن تكون الهداية بالنجم حال تحريكه وسيره، وبخاصة إذا كان هذا السير في طريق ثابت دون تحول أو تغير. حتى في هذه الحالة نفسها يكون معروفًا لدى السيارة فلا داعي لكل هذا، مع أن ما استدل به المؤلف لإزالة التناقض الظاهري الذي زعمه بعيد كلّ البعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>٣ - تفسيره (المعراج):</span>\nوعند حديثه عن النجوم والكوكب والسراج، يعرض لقول الله تعالى، وهو يخاطب نبيه عليه وآله الصلاة والسلام ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا","vol":"1","page":613},{"text":"وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥، ٤٦] ويقول إنما وصف الرسول بالسراج المنير، إشارة إلى أن هذه الرسالة إنما هي من الله وليست مفتراة منه. وهذه عبارته (والسراج المنير - بحسب تخصيصه تعالى معنى النور - معناه المضيء وضوءه مكتسب ومعكوس، وتسميته تعالى رسوله الأمين سراجًا منيرًا مقصود بها أنه إنما يبلغ رسالة هدى تهدي إلى طريق الحق، كما يهدي الضوء إلى سلوك الطريق، وإن هذه الرسالة منزلة عليه غير مفتراة منه وهو يبلغها، تشبيهًا بالضوء الذي يقع على أجسام غير مضيئة، ثم ينعكس من سطوحها ولا يكون ناشئًا منها) (١).\nوالذي أراه والله أعلم - أن هذا الوصف للوسول الكريم عليه وآله الصلاة والسلام إنما يدل على أمرين اثنين:\nالأول: كونه - ﷺ - سراجًا في ذاته ولا غرابة في هذا، فهو الرسول طهارة وإشراقًا وقوة يقين، فهو كامل الأوصاف الخَيِّر في نفسه.\nالثاني: أنَّ الله ﵎ جعله مفتاحًا لهداية الناس، في وقت خيّم فيه الظلام.\nوهذا يؤخذ من قوله تعالى: (منيرًا) فإن من المعلوم أن النور إنما يحتاج إليه وقت الظلمة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذا ما أفهمه من الآية دون حاجة لتأويلٍ لا يتفق مع ما للرسول عليه وآله الصلإة والسلام، من قدر ومكانة وعلو منزلة وجاه، نسأل الله أن يجزيه خير ما يجزي نبيًّا عن أمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>ج- تفسير آيات الشهب والحجارة:</span>\nإذا كان صاحب (التفسير العلمي)، قد حمل آيات خلق السماوات والأرض فوق ما تحمل، فإنه في تفسير آيات العذاب، لم يكتف بهذا المسلك الذي سلكه، بل أمعن إغرابًا فلم يقم للغة ولا للسياق ولا لأقوال المفسرين وزنًا، وتناسى ما ذكره في مقدمته عن شروط التفسير. وهذه أمثلة من تفسيره:\n_________\n(١) المرجع السابق ص ١٥٢.","vol":"1","page":614},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>١ - آيات إهلاك قوم لوط:</span>\nفعند تفسيره لآيات إهلاك قوم لوط يقول: (إنه ليس في الآية ما يدل على أن مواطنهم قلبت رأسًا على عقب، وإنما نزلت هذه الحجارة فهدمت مساكنهم ..) والمعقول أن المعنى المقصود، أنه تعالى أمطر على القرية الحجارة فدمرت مبانيها، فانهارت وسقط كلّ جزء عال فيها على الأرض فتجمعت في أسافلها. أما قلب القرية فليس في الآية ما يدل عليه أو يرجحه) (١).\nوقد حذر العلامة الآلوسي في تفسيره العظيم، من مثل القول الذي ذهب إليه الأستاذ؛ لأنه مخالف لدلالات الآية.\nونقول للأستاذ الفاضل: ولم تستبعد هذا وهو صريح لفظ الآية؟ والمنقول والمعقول لا يأبيان قلب هذه القرى وجعل عاليها سافلها.\nثم يعلل الأستاذ حنفي تأثير تلك الحجارة مع صغرها، بأنها كانت تشتمل على خام أكسيد الحديد، ذي اللون الأحمر، الذي يكسبها صلابة وسرعة في الوصول إلى أهدافها، مستدلًا على هذا بما جاء في بعض الروايات، بأن في تلك الحجارة خطوطًا حمراء، ويقول الله تعالى: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي معلمة بهذه المخطوط التي تثبت وجود الحديد فيها (٢).\nولا ندري ما الذي أحوج الأستاذ إلى مثل هذا التكلف، ما دام الحدث بحد ذاته خارقًا لمألوف الناس، بعيدًا عما عهدوه، وإذا كان التفسير العلمي يمكن أن يقبل في الآيات التي تتحدث عن الخلق، وبعض ظواهر الكون، فلا يجوز أن نقحم هذا التفسير، لما هو من قبيل الآيات أو المعجزات، فإن ذلك يخرج قطعًا عن مدى الاعتدال ومنطقه المعقول والمقبول.\n_________\n(١) المرجع السابق ص ١٨٣.\n(٢) المرجع السابق ص ١٨٥.","vol":"1","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>٢ - الصيحة:</span>\nويفسر الأستاذ الصيحة بأنها، إما صرير البيوت المنهارة أو صراخهم وأنينهم وصياحهم .. كأنه يريد أن يقول أخذتهم الصيحة التي هي صوت الأماكن المهدمة أو أصواتهم هم .. ولا أظن المعنى يستقيم على كلا الاحتمالين.\nفالصيحة التي عبر عنها بالرجفة تارة أو بالصاعقة أخرى، وهي التي يقول عنها بعضهم صيحة جبريل، هي التي أخذت بها الأمم المكذبة كثمود ومدين وغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>٣ - تفسيره للطير الأبابيل:</span>\nويستمر الأستاذ في نشر غرائبه، ضاربًا صفحًا عن كلّ ما تعارف عليه الناس، من وسائل التخاطب فيما بينهم وعن منهجه الذي ذكره في مقدمته، وهو عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل: ٣ - ٤] يذكر رأي الجمهور، وهو أن هذه الحجارة من سجيل، ورأي الشيخ محمد عبده، وهو أنَّها كانت تحمل الميكروبات، ويذهب إلى رأي الجمهور. ثم يخالف الجميع كما يقول، فهو يرى أنه لم يكن هناك طير يحمل هذه الحجارة، وإنما المقصود بالطير الحجارة نفسها؛ لأنَّها كثيرة كالطير. ولأن هذه الحجارة كانت من السرعة بحيث لا يقوى الطير على إيصالها لأهدافها، أي على قذفها بهذه السرعة الهائلة حتى تدمر وتتبر.\nولا أظن أن قول الأستاذ بحاجة إلى تعليق، ذلك أنه لا يستسيغه حتى أطفال العلم .. كان من الممكن أن يقول القرآن، وأرسل عليهم طيرًا أبابيل حجارة من سجيل. أما وقد قال ما قال في هي التي ترمي يا ترى؟؟ فهناك رام ومرمي به، أما المرمي فهم أصحاب الفيل، وأما المرمي به فالحجارة، فما فائدة قول الله تعالى: (ترميهم)؟ الحق إنها مسؤولية العلماء الذين يغضون الطرف عن كلّ كتاب وكاتب. وما أكثر إغرابات الأستاذ وتناقضاته!","vol":"1","page":616},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-273>٤ - تفسيره الشهب بالحجارة:</span>\nثم يستمر الأستاذ في حديثه، ليأتينا بكل جديد على عادته. فالحجارة التي رمى بها قوم لوط، والحجارة التي رمه بها أبرهة، إنما هي نوع واحد. وقد لا نجد ابتكارًا وكبير استغراب في هذا، ولكن الذي يدعو إلى الدهشة أنه حينما يتعرض للشهب التي يرجم بها الشياطين حين استراقهم السمع، أعدت للمسرفين الظالمين إنسًا وجنًا. فهذه الحجارة إذن نوع أعده الله لكل عات، فكما أرسلت على قوم لوط وأصحاب الفيل فهي كذلك يرمى بها مسترقو السمع)، ويبرهن على هذا بأن الله قال: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ [النمل: ٧] قال: فكلمة شهاب تعني جسمًا مظلمًا غير مشتعل، وإنما يكتسب اشتعاله عند اختراقه جو الأرض بسبب الاحتكاك، ولهذا وصف الشهاب بالرصد للمستمعين. أما الهاربون فقد وصف الشهاب لهم بأنه ثاقب ومبين. فكلمة قبس كانت ضرورية في قول الله: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ لأنه يريد أن يقول: شهابٌ من نارٍ، ولو قال شهاب فحسب، فإنه يفهم منه أنه ليس فيه نار).\nسامح الله الأستاذ فيما ذهب إليه. واللغة التي يعول عليها في فهمه للقرآن تطرح قوله وتنبذه وترفضه وتلفظه، فهذا الراغب وهو من هو، كما حدث عنه الأستاذ في مقدمته، يعرف الشهاب بأنه شعلة من نار. ويقول صاحب (روح المعاني) إنه قد يكون قبسًا وقد لا يكون. والآيات بمجموعها لا تساعد مطلقًا على ما ذهب إليه.\nإن حكمة الله تظهر في كلّ شيء، ولا يضيرها أن خفيت على بعض الناس، ولعل من أسرار الحكمة هنا أن الله جعل الحجارة من طين، لمن خلق من الطين، بينما جعل شهب النار لمن خلقوا من جنسها. ثم هناك تساؤل لا بد منه: إذا كان ما يرمى به الشياطين، هو نفسه ما رمى به قوم لوط وأصحاب الفيل، فلم يكون محرقًا للشيطان إحراقًا غير محرق لغيره؟؟ . ولم كانت تعبيرات القرآن بالشهاب تارة وبالحجارة تارة أخرى؟؟ لقد كان من الخير للأستاذ (حنفي)، أن لا يجنف عن","vol":"1","page":617},{"text":"طريق مدلولات الألفاظ وظاهرها، وأن يحنف إلى المعاني الظاهرة المقبولة، ولكنه سامحه الله لم يفعل ..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>د - على أنه لا ينبغي أن يفهم مما تقدم</span>، أن الكتاب كله ليس فيه إلا هذه الإغرابات والمتناقضات، بل والحق يقال، إنه يحوي كثيرًا من الفوائد العلمية بتوضيح دقائق التعبير القرآني. ويلاحظ أن الرجل بذل جهدًا مشكورًا في إبراز عظمة كتاب الله. وسأنقل هنا شيئًا من هذا الجهد مما يسمح به المقام.\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>١ - تفسيره لقول الله تعالى: (ووضع الميزان):</span>\nفعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧] يقول: فيكون قوله تعالى: (ووضع الميزان) إشارة قوية إلى أنه تعالى، بعد رفع الأجرام، عادل وساوى بين تأثير قوى التجاذب الرابطة لها، وتأثير حركاتها المكتسبة، فحفظها بذلك من السقوط، بتأثير القوى الرابطة، ومن التفرق بتأثير القوى الرافعة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>٢ - ما المقصود بالليل والنهار:</span>\nوحينما يتعرض للآيات التي ذكر فيها الليل والنهار، مثل قول الله تعالى: ﴿وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]، ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [فاطر: ١٣]، ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] يقرر ما يلي:\n(إن الليل والنهار عندما يذكران في القرآن، إما أن يقصد بهما الزمن نفسه، أو لازمهما من الضوء والظلمة، أو مكانهما وهو الأرض، أو سبب وجودهما وهي الأرض لليل، والنجوم للنهار. فقول الله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾، ﴿وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ لا يعقل أن يقصد به الزمن نفسه، وإنما يقصد به مكانهما. أي يولج مكان الليل في مكان النهار، في سطوح الأرض المنحنية ويخلص من هذا","vol":"1","page":618},{"text":"إلى دوران الأرض حول نفسها. كما يقرر أن الله تعالى ذكر في آية الأعراف: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ بينما ذكر في آية الرعد: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الرعد: ٣]، دون الجملة الأخيرة، ويرى أن سبب ذلك أن آية الأعراف، تكلمت عن مبدأ خلق السماوات والأرض، وهذه هي ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾. أما آية الرعد فإنما تحدثت عن الأرض بعد خلقها وتهيئتها وهذه هي ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. ذلك أن الأرض كانت أسرع دورانًا حين خلقها، ثم بدأت تخف حركتها، حتى استقرت إلى ما هي عليه الآن، أي تكمل دورتها في أربع وعشرين ساعة. ولهذا ذكرت جملة ﴿يطلبه حثيثًا﴾، عند بدء الخلق.\nوأقول إذا صح هذا علميًّا، فإنه من الدقائق القرآنية التي يبرز الإعجاز العلمي في صورة واضحة مشرقة، والتي أظهر مكنونها الأستاذ شكر الله له.\nكما يقرر أن قول الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ أن أصل السلخ فصل الجلد عن اللحم، وتلك إشارة إلى أن ضوء النهار، إنما يغشي ظاهر الأرض، غير ممتد إلى باطنها، كما هو الحال في الجلد بالنسبة إلى اللَّحم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>٣ - الفرق بين السبح والجري:</span>\nوعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أنه لا معنى لسبح الليل والنهار باعتبارهما زمانين، بل إن المقصود سببهما من أرض ونجوم: ثم يعرض لمعنى دقيق في الآيات، وهو هل الجري والسبح شيء واحد؟ وإذا كان كذلك فلمَ التكرار في الآيات، ويرى أن معناهما مختلف. فالسبح إنما هو الحركة السريعة الذاتية، والجري الحركة السريعة ذاتية أو غير ذاتية. فالسبح إذن هو حركة هذه الأجرام المنبعثة منها، أما الجري فهو حركتها لمستقر أو أجل مسمى، وهو نهايتها. فهي","vol":"1","page":619},{"text":"سابحة جارية. سابحة بمعنى أنَّها تدور حول نفسها، جارية إلى أجلها الذي قدره الله لها. مثل قوله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>٤ - معنى التسخير:</span>\n(ومن دقائق التعبير في الآيات، الفرق بين تسخير الشمس والقمر وتسخير النجوم في قول الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢]، فإن تسخير هذه الأربعة الأولى، جاء بصيغة غير صيغة تسخير النجوم لأنَّها إنما سخرت لنا. أما النجوم فتسخيرها لأمر خاص بها).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>٥ - تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥]:</span>\nوعند تفسيره قول الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (١٦) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٥ - ١٩]، يرى أن المقصود (بالخنس) المذنبات، كما يرى أن في قول الله تعالى: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ تعبيرًا دقيقً زائدًا على ما ذكره البلغاء، من استعارة لطيفة، حيث يقول: (ولما كان هذا الضوء يحدث بدخول ضياء الشمس في الطبقة الهوائية ثم بانعكاسه منها، كان حدوثه شبيهًا بعملية التنفس، التي يدخل بها الهواء في الأجسام في الرئتين شهيقًا، ثم يخرج منها زفيرًا. لذلك عبر تعالى مجازًا عن حدوثه بالتنفس. وليس وجه الشبه بين ضياء الشمس المعكوس من الهواء على الأرض قبل طلوع الشمس، وعملية التنفس مقصورًا على حركة الدخول ثم الخروج، بل إن بينهما تشابها آخر قويًّا، وهو أن هواء الشهيق يفقد بعضًا منه وهو الأوكسجين، الذي يمتصه الجسم ولا ينعكس في الزفير منه سوى بعضه الآخر. وكذلك ضياء الشمس قبل الشروق، فإن بعض أضوائه الجزئية، ينفذ خلال الهواء إلى الفضاء الخارجي، حين ينعكس البعض الآخر من هذه الأضواء الجزئية على الأرض) (١).\n_________\n(١) المرجع السابق ص ٣٥٤ - ٣٥٥.","vol":"1","page":620},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>٦ - الفرق بين المد والبسط في استعمال القرآن:</span>\nويفرق بين ما ورد في قول الله تعالى عن مد الأرض وبسطها، مثل قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: ١٩] حيث قصد بمد الأرض زيادة طول سطحها، يجعل بعضها مرتفعًا على بعضه الآخر قليلًا أو كثيرًا. وقصد ببسطها زيادة سطحها طولًا وعرضًا وإحداث أراضٍ راسية مبسوطة فيها (١) كما يستعرض الآيات التي وردت في المد، ويستخلص منها أن المد ذكر في أكثر من آية (فتارة ذكر معطوفًا على حوادث إتمام بناء السماء، وتارة على السماء تامة البناء، وثالثة على السماء المسخرة بالجري بعد فترة من بنائها، وفي هذا إشارة إلى ما حدث للأرض من مدود في أزمنة مختلفة، ونتيجة لهذه تم تكوينها كما هي عليه الآن).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>٧ - البعد بين المشرقين:</span>\nوعند قوله تعالى: ﴿يَاليْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣٨]، يقول: (فانظر كيف مثل الله تعالى أعظم بعد يتمناه الكافر يوم القيامة، بينه وبين قرينه الشيطان، بأعظم بعد يحدث فعلًا للناس على الأرض، بين مكانين في الفضاء، فأشار بذلك إلى أمرين هامين: أولهما: أنَّه إنما مثل بأمر حقيقي واقع، ليس بشيِء فوضي غير واقع. ثانيهما: أنَّه أوضح خاصة هندسية هامة لفلك الأرض) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>ثالثًا: ملحوظات حول التفسير:</span>\nإن لنا عليه بعض المآخذ في هذه التفسيرات العلمية. فهو مثلًا ينكر تفسير الرواسي بالجبال، في قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ [فصلت: ١٠]. ويفسر الرواسي بسطحها المتجمد، مع أن هناك آيات كثيرة تشير إلى أن المقصود\n_________\n(١) المرجع السابق ص ٣٩٢.\n(٢) المرجع السابق ص ٣٥٧.","vol":"1","page":621},{"text":"بالرواسي الجبال. كما يذكر أن قول الله تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ في الآية نفسها إنما يشير إلى خلق القمر منها. وهذا تأويل أبعد ما يكون عن روح الآية ونصها.\nويرد أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات: ٣١]، فيعد المرعى مكان الرعي من هواء وتربة خصبة وغير ذلك.\nكما يرى في قوله تعالى: ﴿وَالْجِبَال أَرْسَاهَا﴾ أن تقديم المفعول إنما هو إشارة إلى أن الجبال التي نراها الآن، ليس هي أول ما وجد في هذه الأرض .. وإلا لقال (وأرسى جبالها).\nوأكتفي بما ذكرته عن هذا الكتاب وعلى كلّ حال فالكتاب محاولة جديدة في عصر العلم والتقدم المادي، أراد منه كاتبه بحسن نية، أن يقرب معاني القرآن العلمية لذوي الثقافة الحديثة، حتى يكونوا على بينة من كتابهم، الذي لن يذوقوا طعم النصر، ولن يشموا رائحته، دون الرجوع إليه، وتحكيمه في شؤون حياتهم كلها، ولم يحالفه التوفيق في كثير مما ذهب إليه.","vol":"1","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-283>المبحت السادس رأينا في التفسير العلمي</span>\nظهر لنا مما سبق أن هناك رأيين في التفسير العلمي يظهر تعارضهما:\nأحدهما يقف منه موقف المنكر والمستنكر. والآخر يسهب فيه إلى حد التكلف، الذي يخرج بآيات القرآن عن مدلول ألفاظها. فالرأيان كما أعتقد فيهما إفراط وتفريط. والذي أختاره في هذا الموضوع أوجزه فيما يلي:\nأ- إن التفسير العلمي ضرورة تتطلبها هذه الفترة الزمنية التي نعيشها، شريطة أن يتوفر لذلك ذوو الاختصاص.\nب - إن القول بأن التفسير العلمي فيه غض من قدر الصحابة رضوان الله عليهم لا إخاله متفقًا مع منطق الواقع ومسلمات العقل.\nج- إنَّ القرآن ليس ديوان شعر، كما أن سوره وآياته ليست قصائد وأبياتًا يقولها الشاعر في ظرف معين، وإنما القرآن كتاب الله ما دامت الإنسانية. وإذًا فلا بد من أن تكون فيه الجدة دائمًا، وهو الذي لا تنقضي عجائبه، ولذا فإن الله ﵎، لا إله إلا هو يفتح لمن أراد أبوابًا في فهم هذا الكتاب.\nمن كلّ ما سبق فإن التفسير العلمي إذا تواهر له مناخه الصالح، واستجمع الشروط فلا مانع منه أبدًا، وهذه الشروط كما أرتئيها:\n١ - موافقة اللغة موافقة تامة بحيث يطابق المعنى المفسر المعنى اللغوي.\n٢ - عدم مخالفة صحيح المأثور عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام أو ماله حكم المرفوع.\n٣ - موافقة سياق الآيات بحيث لا يكون التفسير نافرًا عن السياق.","vol":"1","page":623},{"text":"٤ - التحذير من أن يتعرض التفسير العلمي لأخبار وشؤون المعجزات أو اليوم الآخر.\n٥ - أن لا يكون التفسير حسب نظريات وهمية متداعية، بل لا بد أن يكون حسب الحقائق العلمية الثابتة.\nونحن نرى أن الخروج عن هذه الشروط، يعرض المفسر لخطر وخطل لا تحمد عقباهما. فمن مخالفة اللغة مثلًا، ما رأينا لبعضهم من تفسير الطير بالحجارة في قول الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ﴾ [الفيل: ٣] وتفسير (الغثاء الأحوى) بالفحم الحجري، ومن مخالفة صحيح المأثور ما رأيناه لبعضهم في تفسير قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، حيث فسروا الدخان في الآية بما يدل على نهاية الأرض. ومن مخالفة السياق ما رأيناه من تفسير بعضهم قول الله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٧ - ٩]، بأنها إشارة إلى الكهرباء، وهي حديث عن الأشعة، وهذا رأي بعيد غير مقبول، لأن الآيات تتحدث عن يوم القيامة، وما أعد من عذاب للمجرمين. وأما تعرض التفسير العلمي لأخبار الغيب، فكما رأيناه لبعضهم من تفسير قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السجدة: ٥]، بأن ذا يقصد به ما بين نفختي الصور وأن المدة ألف سنة. وأما التفسير حسب النظريات المتداعية الواهية فكما نراه عند بعضهم من تفسير (الخلق) حسب نظرية دارون في التطور.\nوهذا الذي ذهبت إليه قرره كثير من العلماء: علماء الدين، وعلماء الطبيعة. وأنقل هنا نصين اثنين، أحدهما لأحد علماء الأزهر وهو أستاذنا الشيخ محمد الصادق عرجون، والآخر للأستاذ محمد أحمد الغمراوي أستاذ الكيمياء بكلية الصيدلة سابقًا.\nيقول فضيلة الأستاذ محمد الصادق عرجون: (فالبحث عن حقائق الموجودات سماوية أو أرضية، هو في نظر القرآن، مهمة الإنسان ما دام على ظهر هذه الأرض؛ لأنه وسيلة إلى استخلاص أكبر قسط من المنافع المادية والروحية، التي يحيا بها حياة طيبة، يغمره فيها الإيمان بجلال الخلاق العظيم .. إن الجانب الكوني","vol":"1","page":624},{"text":"في آيات القرآن الحكيم - وهو جانب مهم جدًّا؛ لأنه عماد الدلائل الإلهية على وجود الله تعالى، وتوحيده وباهر قدرته وواسع علمه، ولطيف حكمته وسائر ما يجب له تعالى من الكمال - في حاجة ماسة إلى إعادة النظر فيه للتفسير والبيان بأسلوب علمي يبرز عن طريق ملاحظة الظواهر الكونية حجة الله على خلقه، ويكشف عما في الآيات من أسرار وحقائق ناط الله بها كثسرًا من منافعنا ومصالحنا في الدين والدنيا، وقد أشار إليها القرآن، وبدأ العلم يكشف عنها الحجب، ولكن على شرط أن نحذر، فلا نخضع القرآن لنظريات لا تزال في مهب التجارب، وقد تعصف بها فتصبح من قبيل الأساطير، فنقول إنها تفسير لآيات القرآن، كما صنع ذلك بعض المتحمسين، وبعض المخدوعين ببريق العلم التجريبي. والقرآن كتاب الله الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، فهو لا يخضع لأسلوب حديث ولا أسلوب قديم، وإنما تفسره الحقائق والبراهين، التي يحققها البحث العلمي المستند إلى الأصول الإسلامية وقضايا العقول المستقيمة) (١)\nيقول الغمراوي:\n(وقبل أن نورد الأمثلة الإيضاحية يجب أن نتنبه إلى أمرين الأول: أنَّه لا ينبغي في فهم الآيات الكونية من القرآن الكريم أن نعدل عن الحقيقة في المجاز إلا إذا قامت القرائن الواضحة تمنع من حقيقة اللفظ وتحمل على مجازه، إن مخالفة هذه القاعدة الأساسية الأصلية البسيطة قد أدى إلى كثير من الخطأ في التفسير وسنرى أن من أعجب العجائب أن المطابقة بين آياته وآيات الفطرة تكون أتم وأيسر كلما أخذنا بتلك القاعدة في فهم آيات القرآن. هذا واحد.\nأما الأمر الثاني فهو أنه ينبغي ألا نفسر كونيات القرآن إلا باليقين الثابت من العلم لا بالفروض ولا بالنظريات التي لا تزال موضع فحص وتمحيص. إن الحقائق هي سبيل التفسير الحق وهي كلمات الله الكونية التي ينبغي أن يفسَّر بها نظائرها من\n_________\n(١) القرآن العظيم هدايته وإعجازه ص ٢٦٦ - ٢٧٤.","vol":"1","page":625},{"text":"كلمات الله القرآنية، أما الحدسيات والظنيات فهي عرضة للتصحيح والتعديل إن لم يكن للإبطال في كلّ وقت، فسبيلها أن تعرض على القرآن بالقاعدة السابقة ليتبين مبلغ قربها منه أو بعدها عنه وعلى مقدار ما يكون بينها وبينه من اقتراب يكون مقدار حظها من الصواب) (١).\nويقول: (إن القرآن عربي، فعلى الناظر فيه أن يلتزم معاني كلماته، كما كان يفهمها العرب حين تنزل بها الوحي، وأن يلتزم قواعد العربية في الناحيتين النحوية والبلاغية كما قعدها العلماء.\nوالقرآن حقٌّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فعلى الناظر فيه ألا يطابق إلا بينه وبين ما ثبت أنه حقٌّ لا شك فيه، وهذا يخرج النظريات العلمية والنفسية، وما إليها من ميدان التطبيق. اللهم إلا أن تعرض تلك النظريات على القرآن، مع الدقة في الفهم والمطابقة، في وافقه منها كان القرآن مؤكدًا لها وما خالفه منها كان القرآن شاهدًا عليها بالبطلان.\nوالقرآن من عند الله، فمستحيل أن تتناقض آياته فيما بينها، أو مع ما يثبت في العلوم الكونية أنه حقٌّ. فحقائق العلوم ويقينياتها - لا نظرياتها - هي التي تفسر بها الآيات الكونية في القرآن. وكل فهم لآيات القرآن يؤدي إلى تناقض بينها، أو بينها وبين حقٌّ ثابت في العلم هو فهم خطأ لا محالة، ينبغي أن يجتنب، وإن اشتهر وسار بين الناس.\nثم بعد ذلك على الباحث عن معاني القرآن وعجائبه، أن يتبع المنطق الصارم في استنباطه وعجائبه وتطبيقاته، خصوصًا في المطابقة بين آياته وبين حقائق الفطرة كما ثبت في علوم الفطرة أو العلوم الطبيعية كما يسميها الناس) (٢).\n_________\n(١) د. محمد الغمراوي، الإسلام في عصر العلم، الرسالة والرسول والقرآن والإعجاز العلمي ص ٢٦٢، ط ٤، ١٤١١/ ١٩٩١، دار الإنسان / القاهرة.\n(٢) الوعي الإسلامي عدد ١٥، سنة ١٩٦٦.","vol":"1","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>المبحث السابع نماذج من التفسير العلمي</span>\nولما كانت بعض التفسيرات العلمية توافرت لها الشروط السابقة، فجاءت معقولة مقبولة، وبعض آخر لم تتوافر له هذه الشروط فجاءت مفككة مخلخلة الجوانب، يظهر فيها التكلف، فإنه لا بد من التمثيل لهذين النوعين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>أولًا: نماذج مقبولة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>١ - خلق الإنسان:</span>\nقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ [النحل: ٧٨].\nيقول المفسرون القدامى، إنه قدم السمع على البصر، وأفرد السمع لأفضليته ولأنه مصدر لا يثنى ولا يجمع، فإذا جاءت حقائق العلم تثبت أن حاسة السمع يمنحها الله للطفل قبل حاسة الإبصار، وأن السمع إنما يدرك به شيء واحد، وهو الأصوات، بينما يدرك بالبصر أكثر من شيء كالألوان والأشكال، وكان هذا لا يتعارض مع مفهوم الآية ومنطوقها، ولا يعارض أثرًا عن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، في المانع أن يقبل تفسيرًا علميًّا للآية فيكون إعجازًا قرآنيًا خالدًا.\nويقول تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: ٦].\nوالمفسرون القدامى يعدون هذه الظلمات الثلاث: ظلمة البطن والرحم والمشيمة، فإذا جاء علم التشريح، ليثبت بما لا يقبل الريبة، أن هذه الظلمات إنما هي أغشية ثلاثة، تحيط بالطفل غشاء فوق غشاء، وهذه الأغشية لا تظهر بالعين. المجردة وهي:","vol":"1","page":627},{"text":"أ - المتبارى.\nب - الخربوتي.\nج - اللفائفي.\nأو كما يقول: (توماس إيدن) هي (الكوريون وهو الغشاء الخارجي، يليه الميزودورم فالأمنيوس) (١).\nأفلا يكون ما أثبته العلم في العصر الحديث، مطابقًا لما جاء في كتاب الله، حجة على البشر جميعًا ليستجيبوا لله وللرسول - ﷺ -؟\nويقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧].\nفإذا لاحظنا لفظ الآية، نجد أنه عبر فيها باسم المصدر وهو (نبات) دون المصدر (إنبات) ولا أرى ذلك إلا لحكمة بالغة رائعة، تلك التي أظهرها العلم الحديث وهي أن هذا الإنسان إنما هو من عناصر الأرض. وأشار إلى ذلك بأوجز عبارة، وكلمة (إنبات) لا تفيد هذا المعنى.\nومن قبيل هذا قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤] حيث جاءت دقة التعبير بجعل هذه النطفة، وهي الحيوان المنوي في قرار مكين وهو الرحم. والقرار بهذه الصفة عرف تماما وصفه في عصر العلم.\nجاء في كتاب (بين الإسلام والطب) للدكتور حامد الغوابي قوله في القرار المكين): وهو رحم المرأة، وحقًّا إنه لقرار مكين، إذ تربطه ألياف قوية في موضعه وتثبته أربطة متينة في جوسقه (بيته الصغير)، ويحمله حوض من عظام متينة، ففوقه\n_________\n(١) بين الطب والإسلام للدكتور حامد الغوابي ص ٢٨.","vol":"1","page":628},{"text":"الحجبتان (العظمتان فوق العانة. وعلى جانبيه الحرقفتان (العظم الجانبي في الحوض) وعظام العجز (أسفل العمود الفقري) والعصعص (أسفل العجز) من خلف له سنادات، ثم أنه ليغطى من أعلى بالمثانة ومن أسفل بالمستقيم) (١). ثم يقارن بين هذه الآية ومثيلتها من سورة الحج فيقول:\n(وقد يسأل سائل: لماذا قال الله تعالى في الآية الكريمة السابقة، ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ ثم في هذه الآية الكريمة يقول ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ فنجيب بأن الله سبحانه هنا يبين أدوار النشاة بتسلسل متبوع (من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة)، ليبين الأطوار التي يمر بها الإنسان. فالنطفة تمر بأطوار، والعلقة لا تبلغ المضغة إلا بعد أن تنقسم في أدوار، أما في الآية السابقة، فقد أرانا الله نصيب كلّ دور، ووقت كلّ طور فجاء بالعطف بالفاء ليبين قصر الدور ويالعطف بـ (ثم) ليبين التعقيب مع التراخي، أي طول هذا الطور) (٢).\nويقول تعالى: ﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٤] يقول المفسرون القدامى (على أن نسوي بنانه أي أصابعه التي هي أطرافه، وآخر ما يتم به خلقه. أو على أن نسوي بنانه ونضم سلامياته على صغرها ولطافتها بعضها إلى بعض، كما كانت أولًا من غير نقصان ولا تفاوت) (٣). بينما يأبى العلم الحديث إلا أن ينقاد للقرآن، فيما أخبر به حيث يقرر (أن الأصابع لها مميزات خاصة، لا تتشابه ولا تتقارب. وهذه المميزات لم تعرف لأول مرّة إلا في القرن الماضي، أي بعد نزول الآية باثني عشر قرنًا ونصف تقريبًا. ففي سنة ١٨٨٤ م استعملت رسميًا في إنجلترا طريقة الاستعراف والتعرف بواسطة بصمات الأصابع، في الناس جميعًا، تجد أن بشرة جلدها مغطاة بخطوط بارزة تتفتح بها مسام العرق. وإذا نظر أي إنسان في\n_________\n(١) بين الطب والإسلام ص ٢١.\n(٢) بين الطب والإسلام ص ٢٦.\n(٣) الكشاف جـ ٤ ص ٦٥٩.","vol":"1","page":629},{"text":"يده، وجد هذه المخطوط على أصابعه. وهي نماذج شخصية أي أنه لا يوجد يدان متماثلتان تمامًا) (١).\nويقول تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٥، ٢٦]. ولله أن يخلق ما يشاء، ولكم تساءلت في نفسي؛ لم خصت النخلة يا ترى، دون التين مثلًا، مع أن تلك البلاد يكثر فيها التين؟ ولله أن يخلق ما يشاء كما قلت، لكن إذا أتى العلم ليكشف عن وجه الإعجاز، فإنما ذلك رحمة من الله وفضل. وقد أثبت العلم أخيرًا أن للبلح تأثيرًا على خفض ضغط الدم عند الحوامل، وله تأثير على تسهيل الولادة. وقد قدم الدكتور عبد العزيز شرف رئيس المركز القومي للبحوث في مصر - بحثًا عن البلح (أثبت فيه أن البلح يقوي انقباض عضلات الرحم، وخصوصًا في الشهور الأخيرة من الحمل) ويقول الدكتور شرف، إنه استرشد في بحثه بهذه الآية القرآنية ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>٢ - خلق الكون:</span>\nقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠].\nهذه الآية من كتاب الله وهي تعبر بهاتين الكلمتين (الرتق والفتق)، بقي معناها سرًّا مكنونًا إلى هذا العصر. فبعد أن تقدم علم الانسان عن هذا الكون، عرف أن هذه الأرض، إنما انفصلت من المجموعة الشمسية. وفي إشارة الآية إذًا إعجاز علمي دقيق. ولا ينافي هذا ما ورد عن ابن عباس ﵄ (من أن السماوات كانت رتقًا لا تمطر فقتقها الله بالمطر، والأرض رتقا لا تنبت ففتقها بالنبات) ذلك لأن هذه إحدى روايتين عن ابن عباس. والرواية الثانية التي رواها عنه كثير من التابعين هي أنهما كانتا شيئًا واحدًا (٢). على الرواية الأولى، فإن ذلك لا\n_________\n(١) بين الطب والإسلام ص ٥٢ - ٥٣.\n(٢) روح المعاني ج ٥ ص ٣٤٨ طبعة بولاق.","vol":"1","page":630},{"text":"ينفي ما وصل إليه العلم، لا لأنَّها رواية غير مرفوعة للرسول عليه وآله الصلاة والسلام فحسب، بل لاحتمال أن تكون هناك مرحلتان: الأولى فصل الأرض عن السماوات. والثانية فتق كلّ منهما على حدة بالمطر والإنبات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>كلمتا بنيان وبناء:</span>\nومما يدعو إلى الدهشة التي تأخذ بالآلباب، تعبير القرآن بكلمتي (بناء وبنيان) حيث استعملت كلمة البنيان، لما تعارفه الناس على الأرض. قال الله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، وقال تعالى: ﴿قَالوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧]، بينما استعملت كلمة البناء للسماء ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: ٢٢]. ترى أهذا مجرد تعبير لا يحمل معه معاني أُخر؟ لو كان ذلك في كلامنا لرضينا. ولكنها كلمات الله المحكمة المنزلة من لدن حكيم خبير. ألا ينبغي أن يدفع ذلك العلماء للبحث والتمحيص، ليتبينوا الفرق بين بنيان الأرض المتلاحم الأجزاء، وبناء السماء المتباعدة أجزاؤه ولكنها مع تباعدها مترابطة ترابط البناء، بما خصها الله من نظام محكم، اهتدى العلماء فيما بعد إلى سره ومعرفته، وأطلقوا عليه اسم الجاذبية (١). ألا إنها آيات الله، يرى الناس من إشعاعاتها كلّ يوم ما يزيدهم نورًا ..\nوهكذا نجد عبارات القرآن من الدقة والإيجاز في التعبير لا من حيث اللغة فحسب، بل في مجال العلم ومقاييسه وموازينه: نجد هذا في القرآن كثيرًا، كالرجع والصدع والسبح والبسط والمد. وسيأتي لذلك كله بحث إن شاء الله في الجزء الثالث، عندما أتكلم عن المفسرين ومناهجهم.\n_________\n(١) الوعي الإسلامي عدد ٤٤، من مقال الأستاذ محمد أحمد الغمراوي.","vol":"1","page":631},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>٣ - تكوين المطر:</span>\nيقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ [النور: ٤٣].\nيقول الأستاذ رشيد رشدي العابري ﵀: (لحصول المطر عوامل ثلاثة لا غيرها، إذا توافرت لها لا بد من نزول المطر وإن نقص عامل واحد منها فلا إمكان لحصوله. وتلك العوامل هي:\nأ - التبخر حتى يؤدي إلى تكوين سحاب.\nب - وصول الهواء إلى درجة الإشباع بكمية البخار.\nج - التكاثف.\nوهذا الترتيب على التعاقب لا مفر منه لتكوين المطر. ولكن الآية قد جاءت بوصف موجز مدهش للالباب، إذ عبرت بكلمة (يزجي سحابًا) عن عملية التبخر. ثم عبرت عن تشبع الهواء ببخار الماء، بقوله على سبيل التعاقب (ثم يؤلف بينه). إذ إن درجة الإشباع كما ذكرناها آنفًا، تتوقف على تساوي تبادل الجزئيات. ومن ناحية أخرى أنه لا يحصل التشبع إلا بالتعادل والتآلف، بين ضغطي بخار الماء وبخار الهواء، أو الاتحاد بين نوعي الكهربائية وائتلافها كما قد سبق بيانه. وعلى ذلك فإن أصدق وأصح وأبلغ تعبير لهذه الظاهرات، هو التأليف الذي وضفه العلم بالتشبع وليس لها تفسير آخر. ثم جاءت بقولها: (ثم يجعله ركامًا) على سبيل التعاقب أيضًا فأبلغ تعبير للتكاثف الذي هو الركام بأنه (سحاب كثيف). ويقصد بالسحاب الكثيف البخار، والذي قد تشبع الهواء به فتكاثف. ثم تقول الآية ... (فترى الودق) - أي المطر (يخرج من خلاله). فعندما بينت الآية العوامل الثلاثة لحصول المطر، فصلت بينها بكلمة (ثم) للترتيب والتراخي (لأن كلا من عوامل التبخر والتشبع والتكاثف التي ذكرناها آنفًا، يستغرق وقتًا مهما كان ضئيلًا، وبعدها","vol":"1","page":632},{"text":"بكلمة (فترى الودق) بحرف الفاء السببية والتعقيبية. أي أنَّها تقول بعدما تتوافر العوامل الثلاثة فلا بد أن يحصل المطر فورًا. فهذا الترتيب الطبيعي الثلاثي لحصول المطر، لم يحققه العلم، ولم يطلع عليه العلماء على الوجه العلمي الآنف الذكر، قبل ما ينوف على ثلاثة عشر قرنًا) (١).\nوهذه جوهرة أخرى من جواهر الإعجاز القرآني، صافية في مزنها متلألئة في بريقها، ننقلها من كتاب قيم لعالم مؤمن: أما الكتاب فهو (سنن الله الكونية) وهي مذكرات كتبها المؤلف لطلاب كلية أصول الدين، وأما الكاتب فهو الأستاذ الغمراي الذي مر ذكره من قبل. وأما الجوهرة فهي قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٦٨ - ٧٠] حيث يقول الأستاذ: (وتستطيع - بعد أن عرفت العوامل المتعددة التي لا بد من تعاونها على تكوين المطر - أن تدرك شيئًا من سر الحجة في هذا السؤال العجيب. ولكن الإشارة التي أردنا أن نلفت النظر إليها هي قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ والناس طبعًا يسلمون بالقدرة الإلهية على قلب العذب أجاجًا. ويظنون أن هذا يكون عن طريق الخوارق، ولا يتساءلون - هل في سنن الله ما يسمح بهذا؟ .\nولو تساءلوا وتطلبوا الجواب في العلم، لوجدوه قريبًا، ولعرفوا أن عذوبة الماء، الذي يسقيهم الله إياه من السحاب هي بمحض رحمة الله، إن الماء طبعًا عذب بطبيعته. وماء المطر معروف أنه أنقى المياه، ولكن طبيعة تكونه من السحاب، تعرضه لأن ينقلب أجاجًا لا ينتفع به الإنسان.\nإن الهواء كما تعرف أربعة أخماسه آزوت أو نيتروجين، والآزوت كما تعرف أيضًا لا يكاد يتحد في المادة بشيء، ولا بالأوكسجين الذي يكاد يتحد بكل شيء. لكن الكيماويين وجدوا أنهم يستطيعون بالكهربائية، أن يحولوا الآزوت غير الفعال\n_________\n(١) بصائر جغرافية ص ٢١١.","vol":"1","page":633},{"text":"إلى آزوت فعال، يتحد بأشياء كثيرة في درجة الحرارة العادية، كما وجدوا أنهم يستطيعون أن يحملوا الآزوت على الاتحاد بالأوكسجين، بامرار الشرر الكهربائي، في مخلوط منها. ومن هذا الاتحاد ينشأ بعض أكاسيد للآزوت، قابل للذوبان في الماء. وإذا ذاب فيه اتحد به، وكوّن حامضين آزوتيين، أحدهما حامض الآزوتيك، أو ماء النار، كما كان يسميه القدماء. وإليه يصير الحامض الثاني. وقليل من حامض الآزوتيك في الماء كاف لإفساد طعمه.\nأظنك الآن قد بدأت تدرك الطريق، الذي يمكن أن ينقلب به ماء المطر ماءً أجاجًا، من غير خرق لأي سنة من سنن الله، فهو نفس الطريق الكهربائي الذي يتكون به المطر. وكل الذي يلزم - أن يتعدل التفريغ الكهربائي، ويتكرر في الهواء تكرارًا، يتكون به مقدار كاف من تلك أكاسيد الآزوتية، يذوب في ماء السحاب، ويحوله حامضيًا لا يسيغه الناس.\nوهذا هو موضع المن من الله تعالى على الناس، أنه يكيف التفريغ بالصورة التي ينزل بها المطر ولا يؤج بها الماء) (١).\nهذا هو الإعجاز العلمي في الآية كما أبانت عنه، بعبارة موجزة وكما وضحه الأستاذ الغمراوي ويقيني أنه قد وفق وأجاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>الإعجاز البياني في الآية:</span>\nوهناك نوع آخر من الإعجاز في الآية، وهو إعجاز بياني، كان من حقه أن لا يذكر هنا، لأن هذا الفصل قد خصص للاتجاه العلمي - لكن ذكر الآية هنا، هو الذي أوحى به، وهو في قول الله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. حيث حذفت اللام بينما أثبتت في التي قبلها، أعني قول الله: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٥]، وقد عرض الإمام الزمخشري ﵀ لهذه النكتة، على\n_________\n(١) سنن الله الكونية.","vol":"1","page":634},{"text":"طريقته في فنقلته (فإن قلت: لم أدخلت اللام على جواب (لو) في قوله ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾، ونزعت منه هنا؟ قلت: إن (لو) لما كانت داخلة على جملتين، معلقة ثانيتهما بالأولى، تعلق الجزاء بالشرط، ولم تكن مخلصة للشرط كإن، ولا عاملة مثلها، وإنما سرى فيها معنى الشرط اتفاقًا، من حيث إفادتها في مضموني جملتيها، أن الثاني امتنع لامتناع الأول. افتقرت في جوابها إلى ما ينصب علمًا على هذا التعلق، فزيدت هذه اللام لتكون علمًا على ذلك فإذا حذفت بعدما صارت علمًا مشهورًا مكانه، فلأن الشيء إذا علم وشهر موقعه، وصار مألوفًا ومأنوسًا به، لم يبال بإسقاطه عن اللفظ، استغناء بمعرفة السامع) (١).\nوهناك وجه آخر ذكره الزمخشري، وملخصه أن الآية الأولى كانت في المطعوم، وهي قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣، ٦٤] وهذه في المشروب، والمطعوم مقدم على المشروب.\nوالذي يظهر لي والله أعلم - أن ذكر اللام وحذفها كان لسرٍّ بديع. ذلك أن التأكيد إنما يأتي حيث يستوجبه المقام. ولما كان ظن الناس أنّ قدرتهم على الحرث وحفظ مزروعاتهم، أمر في متناول أيديهم وهو من السهولة بمكان، وليس كذلك إنزال المطر، أكد الأول ولم يؤكد الثاني. لأن إنزال المطر عذبًا ليس في طاقتهم قطعًا. لذا لم يكن في حاجة إلى تأكيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>٤ - البرازخ المائية:</span>\nوآخر النماذج من نماذج التفسير العلمي ما فسر به قول الله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠].\nقال الزمخشري ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أرسل البحر المالح والبحر العذب متجاورين متلاقيين، لا فصل بين المائين في مرأى العين). بينهما برزخ حاجز من قدرة الله\n_________\n(١) الكشاف ج ٤ ص ٤٦٦.","vol":"1","page":635},{"text":"تعالى. ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ لا يتجاوزان حديهما، ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة) (١). والذي قاله لم يخرج عنه المفسرون القدامى.\nولكن الأستاذ العابري ﵀، بعد أن ذكر أقوال المفسرين في الآية وشرح ما أثبته التحليل العلمي عن المحيطات والمضائق والبزازخ المائية قال (٢): (وعلى ضوء التحليل العلمي الحديث الذي سبق تلخيصه، نعود إلى تدبر الآية الكريمة، فيظهر لنا مفهومها منسجمًا مع الحقائق المتوصل اليها، في برزخي مضيق باب المندب، ومضيق هرمز، أكثر من البرازخ المائية الأخرى وذلك لأمرين:\nالأول: أنَّ الآية التي عقبت الآية المذكورة مباشرة، وهي ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ تدلنا على تحديد الموضع، إذ يكثر اللؤلؤ والمرجان (بدرجة هائلة في البحر الأحمر وخليج البصرة وخليج عُمان من المحيط الهندي، حيث تعيش الحيوانات المرجانية واللؤلؤية في المياه الحارة. بينما ينعدمان تقريبًا حوالي مضيق جبل طارق، ومضيق البسفور والدردنيل، حيث المناطق المعتدلة التي لا تعيش فيها تلك الحيوانات.\nالثاني: أنَّ الآيات القرآنية التي جاءت بإحداث تاريخية أو ظواهر طبيعية، هي التي وقعت في الجزيرة العربية أو حواليها غالبًا. وذلك للفت أنظار المخاطيين بالقرآن عند أول نزوله، وهم العرب المجاورون لسواحل البحر الأحمر وخليج البصرة من المحيط الهندي، وإثارة الرغبة الشديدة للتعمق في معاني الآيات التي تنطوي عليها الألفاظ، والوصول إلى حقيقة الغرض منها.\nفإذا تفكر المتأمل المتدبر في قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ يتجه تفكيره حتمًا إلى إزاحة النقاب عن المفهوم المتضارب من التقاء البحرين واختلاطهما، ثم وجود برزخ بينهما، فلا يتجاوز أحدهما الآخر.\n_________\n(١) الكشاف ج ٤ ص ٤٤٥.\n(٢) بصائر جغرافية ص.","vol":"1","page":636},{"text":"ويعد أن يستنير بالمعلومات التي توصلت إليها الأبحاث العلمية، على الحياة المائية المتولدة في البحرين الملتقيين بواسطة البرزخ المائي، مثل (باب المندب) (١). يتضح له أن تلك الحياة قد انفصلت في البحر الأحمر عن الهندي، بوجود ذلك البرزخ الذي كان حاجزًا بسطحه إلى عمق ٢٠٠ متر. فتغيرت الحياة في كل منها، فلا يتماثلان، ولا يبغي أحدهما بمواليده وأملاحه وتياراته وحرارته، على الآخر بما يغايره في تلك النواحي. فيتجلى مفهوم الآية بنور التدقيق والبحث العلمي الصحيح.\nهذه نماذج من التفسير العلمي، وهي كما رأينا لا تصطدم مع الآيات القرآنية في روحها أو نصها، ولا تتعارض مع السياق، ولا تناقض مفاهيم اللغة أو مدلولات الألفاظ، كما لا تخالف أثرًا صحت روايته. ولو أن التفسير العلمي كله يسير على هذا المنوال، فيحمل معه شواهد صحته، لكن ثروة علمية هائلة، يسدي أصحابها للمسلمين وغيرهم عملًا جليلًا، من شأنه أن يميط اللثام عن مكنون الآيات القرآنية، ويحكم الصلة بينها وبين آيات الله في الكون، ليكون حجة على العقول والقلوب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>ثانيًا [*]: نَمَاذجِ يَظْهَرُ فِيهَا التَكَلُّف:</span>\nولكنَّ بعض منْ سلكوا هذا المسلَك قديمًا وحديثًا، لم يلزموا أنفسهم بالنهج الذي رأيناه ومثلنا له، فخرجوا - وإن كان ذلك منهم بحسن نية - عن المدار الحقيقي، والمسار الذي تسير فيه الآيات، وهذه أمثلة مِن هذا النوع:\n١ - نقل السيوطي ﵀، أن في القرآن علومًا كثيرة أوصلها بعضهم إلى خمسين ألفًا ونيفٍ. فقد قالوا: إن في كلّ حرف من القرآن أربعة أنواع من\n_________\n(١) وهناك وجه آخر في هذه الآية من الإعجاز العلمي، أثبته العلماء تحدث عنه الشيخ عبد المجيد الزنداني في بعض أشرطته المسجلة، ولا بأس أن يكون للآية أكثر من تفسير، ما دام ذلك لا يتنافى مع اللغة والسياق.\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع (ثالثًا)، وهو خطأ","vol":"1","page":637},{"text":"العلم. واستخرج بعضهم العلوم من كلمات وردت في القرآن، كالحياكة والنجارة والحدادة، وأعتقد أن هذا تكلف ظاهر، تنبو عنه آيات القرآن في رفعتها.\n٢ - أما المحدثون فإن لهم من التكلفات، وعليهم من المآخذ أشياء كثيرة. فمن ذلك ما ذكروه في تفسير قول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، بأن المقصود به الهواء وهو كما ترى ظاهر التكلف.\nوقد قالوا في تفسير قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩]، بأن المقصود بالكلمات هنا، إنما هي سعة الكون والمادة فيه، ولا أظن النفس تطمئن إلى مثل هذا التفسير.\nوالأنكى من هذا أنهم أرادوا تفسير الآيات التي وردت في يوم القيامة، كتسيير الجبال ودكها، وتسخير البحار وتفجيرها، تفسيرًا يخضع لظواهر العلم. مع أن هذه الآيات وردت في يوم، تتغير فيه القوانين الطبيعية، والسنن المألوفة فكان من الخير عدم التعرض إلى مثل هذا. ويكفي أن نطبق قواعد العلم وقوانينه على دنيانا.\nومن هذا القبيل ما فسروا به قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، بأن اليوم مقدار دورة أحد الكوكب حول نفسه، فدورة الأرض مثلًا تتم في أربع وعشرين ساعة. ودورة الشمس تتم في سنة كاملة.\nوهناك كواكب لا تتم دورتها إلا في ألف سنة. ونحن إذ نسلم بأن هناك كواكب قد تحتاج لإتمام دورتها إلى آلاف السنين أو كثر لكن لا نسلم بجعل هذا تفسيرًا لهذه الآية. فقد ورد قول الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٥]، والآية التي ذكروها أعتقد أن سياقها يوضح معناها. وهذا نص الآية ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ كأنه يقول لهؤلاء والله أعلم بحقائق كتابه، لم هذه العجلة؟ إن الله ليملي لكم، وما ترونه بعيدًا فإنه قريب عند الله.","vol":"1","page":638},{"text":"فالزمن الذي ترونه متطاولًا ليس كذلك في حساب الله ﵎.\nوأخيرًا أمثل لهذا النوع بما ذكره الأستاذ محمد محمود إبراهيم أستاذ الجيولوجيا وهندسة التعدين في كلية الهندسة في جامعة القاهرة، في كتابه (إعجاز القرآن)، حيث يذكر تحت عنوان نهاية الأرض، هذه الآيات ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠] ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩]، ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ [الطور: ٤٤] حيث يستدل بهذه الآيات على نهاية الأرض، ومجيء الساعة. عجيب هذا الاستدلال. ولكن الأعجب منه أن الأستاذ مصطفى محمد الطير (١)، حينما يناقش المؤلف يقول: إن الآية الأولى فقط، هي التي تدل على ما ذهب إليه الأستاذ: أما الآيتان الثانية والثالثة، فإن سياقها لا يدل على ذلك. والحقيقة أن الآيات الثلاثة لا تدل على هذا المعنى، ولا أدري كيف غاب عن الأستاذ الفاضل أن الآية الأولى لا يأبى سياقها فحسب ما ذهب إليه المؤلف، بل إن ما ورد فيها من مأثور يأبى ذلك أيضًا. وأعني به ما ورد عن ابن مسعود ﵁ عن مسروق قال: (كنا جلوسًا عند عبد الله بن مسعود. فأتى رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن، إن قاصًا عند أبواب كندة يقص ويزعم أن آية الدخان تجيء، فتأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمن فيها كهيئة الزكام. فقال عبد الله: وجلس وهو غضبان يأ أيها الناس اتقوا الله من علم منكم شيئًا فليقل بما يعلم، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإنه أحكم لأحدكم أن يقول لما لا يعلم - الله أعلم. فإن الله تعالى قال لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. إن رسول الله - ﷺ - لما رأى من الناس إدبارًا قال: (اللهم سبعًا كسبع يوسف - وفي رواية لما دعاء - ﷺ - فجعل أحدهم ينظر إلى السماء فيرى كهيئة الدخان. ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَائِدُونَ﴾. فقال عبد الله: أفيكشف عذاب الآخرة؟ ! ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ\n_________\n(١) اتجاه التفسير.","vol":"1","page":639},{"text":"الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ [الدخان: ١٦]، فقال: (البطشة الكبرى يوم بدر). وللحديث روايات كثيرة مطولة أخرجها البخاري ومسلم وغيرهما). هذا ما روي عن ابن مسعود ﵁) وهو يدل بنصه وسياقه على أن التفسير الذي ذهب إليه الأستاذ محمد محمود إبراهيم، والذي ارتضاه الأستاذ مصطفى محمد الطير يتعارض كليًا مع هذا النص الذي له حكم المرفوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>خاتمة:</span>\nوأكتفي بما ذكرته من هذه النماذج. على أن للبحث صلة في الباب الثاني إن شاء الله. ومن الإنصاف أن أقرر هنا أن الذين جنحوا إلى التفسير العلمي، حتى هؤلاء الذين لم يحالفهم التوفيق في بعض ما تطرقوا إليه، إنما خاضوا غمار هذه الأبحاث، انطلاقًا من إيمانهم بهذا القرآن، بأنه كتاب الإنسانية الخالد. ووقوفًا في وجه كلّ أفاك وخراص يريد النيل من قدسية هذا الكتاب.\nوالحق أن كثيرًا من هذه الكتب التي ألفت في هذا الموضوع، بذل مؤلفوها جزاهم الله خيرًا كلّ جهد لكي يكونوا موضوعيين في أبحاثهم. فحالفهم التوفيق إلى حد بعيد ومن هذه الكتب:\n١ - (الإسلام في عصر العلم)، للأستاذ محمد أحمد الغمراوي، وقد جمعه بعض أصدقاء الغمراوي بعد وفاته ﵀.\n٢ - (بصائر جغرافية) للأستاذ رشيد العابري ﵀.\n٣ - كتاب (من الآيات الكونية في القرآن) للدكتور محمد جمال الدين الفندي أستاذ الطبيعة في كلية العلوم بالقاهرة، وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ولجنته التنفيذية العليا.\nوهذه الكتب في رأيي جمة الفوائد قليلة الهفوات، يجد القارئ فيها فوق ما لها من متعة، كثيرًا من التساؤلات التي تكمن في داخل نفسه. وهذا بالطبع غير كتب","vol":"1","page":640},{"text":"التفسير التي نهجت هذا النهج، والتي سأعرض لها في الباب الثاني إن شاء الله.\nوهناك بعض الكتب لم يلتزم أصحابها موضوعًا معينًا، جمعوها متفرقات من هنا وهناك. فجاءت مزيجًا فيها ما يشتهى وما ليس كذلك ويغلب عليهم أنهم غير متخصصين فيما كتبوا فيه. كما فعل الأستاذ علي فكري في كتابه (القرآن ينبوع العلوم والعرفان) وقد جعله في ثلاثة أجزاء ضمنها جميع العلوم من طب وفلك وصحة وجغرافية وتاريخ وكهرباء وطيران وملاحة ورياضة. ولم يذكر العلوم التشريعية والفلسفية لأن لها كتبها الخاصة بها. ويقول في آخر الجزء الثاني: (إن كلّ ماله في هذا الكتاب هو جمعه). فهو إلى المتعة أقرب منه إلى الفائدة.\nوخلاصة القول على ضوء ما تقدم كله، أنني لست مع هؤلاء الذين يريدون أن يستنبطوا العلوم كلها من فواتح السور، بضم بعضها إلى بعض، أو من بعض الكلمات الواردة في القرآن، وبأن في القرآن عشرات الآلاف من العلوم كما فعل الأقدمون، ولا مع هؤلاء المحدثين الذين يريدون أن يطوعوا آيات القرآن للنظريات الحديثة في علم الكون، فيثبتوا من قريب أو من بعيد، وبيسر وتكلف، أنه ما من نظرية إلا والقرآن قد أشار إليها وتحدث عنها، كهذا الذي سُئل: هل ذكرت الفنادق في القرآن؟ فقال نعم أفلا تقرأ قول الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٩].\nلقد أفرط هؤلاء والإفراط لا يحمد، ولا تحمد عقباه، ولكن في الوقت نفسه، فإني لا أرى مسوغًا لما ذهب إليه الفريق الآخر، الذين أبوا وبكل ما أوتوا من قوة، أن تفسير الآيات تفسيرًا تجلى فيه بعض دقائق الكون وقوانين العلم، بحجة أنَّ القرآن كتاب هداية. وهداية القرآن لا ينازع فيها أحد، ولكن ما الذي يمنع - ودقة القرآن في تعبيره وسلامته في حقائقه لا يخالف فيها هؤلاء - أقول ما المانع أن نبحث عن هذه الدقة، وهي التي تحدثنا عن الكون وأصل خلقه وما بث فيه، وعن الحياة ونشأتها، وعن الإنسان في أطواره والأدوار التي مر بها؟ لا أرى مانعًا","vol":"1","page":641},{"text":"من ذلك، ما دمنا نقف على صخرة صلبة لا تقوى على خلخلتها كلّ الزوابع والعواصف التي تثور من حولها.\nوإن العلماء لمدعوون ليقوموا بواجبهم نحو كتاب الله، فيظهروا ما فيه من أسرار الكون، ويحولوا بذلك بين الناس وبين هؤلاء الذين هم من أنصاف العلماء أو أرباعهم، وقد تصدروا لتفسير القرآن فكان الخبط والخلط والإسراف.\nإن القرآن العظيم المجيد، الحكيم، الكريم، سيبقى في مجده، وحكمته وعظمته يمد الحياة بأسراره، وبخاصة إذا هيأ الله من يكشف عن أستاره. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢].","vol":"1","page":642},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-294>الفَصْل الخَامِس الاتجاه الموضوعي في التفسير</span>\nوفيه تمهيد ومبحثان:\nالمبحث الأول: ألوان التفسير الموضوعي\nالمبحث الثاني: نشأة التفسير الموضوعي ومنهج البحث فيه","vol":"1","page":643},{"text":"الفَصْل الخَامِس الاتجاه الموضوعي في التفسير\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>معناه ودلالاته</span>\nالطريقة التي ألفها الناس في التفسير قراءة وتدريسًا وتأليفًا، وهي ما نجده في كتب التفاسير الكثيرة، أن يبدأ بتفسير القرآن آية آية، سورة سورة. والقرآن كما نعلم نزل منجمًا، فربما ينزل الموضوع الواحد منه في أكثر من نجم، حسب ما تقتضيه الضرورة ويتطلبه الظرف. وهذه هي الطريقة التي اشتهرت عند الناس، وهي تفسير تحليلي يقف به المفسر عند كلّ آية من الآيات. وبالطبع سيتحدث المفسر عن الموضوع الواحد في أكثر من موضع حسب وروده في الآيات الكريمة.\nوقد ذكر العلماء للتفسير الموضوعي تعريفات منها:\n١ - ما ذكره الكومي: أنَّه جمع الآيات القرآنية المتفرقة في سور القرآن والمتعلقة بالموضوع الواحد لفظًا أو حكمًا وتفسيرها حسب المقاصد القرآنية (١).\n٢ - وعرفه الفرماوي بما عرفه به الكومي ولكنه توسع في التعريف، حيث قال: (جمع الآيات القرآنية ذات الهدف الواحد، والتي اشتركت في موضوع واحد وترتيبها حسب نزولها، ما أمكن مع الوقوف على أسباب نزولها وتناولها بالشرح والبيان والتعليق والاستنباط وإفرادها بالدرس المنهجي الموضوعي) (٢).\n٣ - وعرفه آخر بأنه (علم يتناول القضايا حسب المقاصد القرآنية من خلال سورة أو أكثر) (٣).\n_________\n(١) التفسير الموضوعي / الكومي ص ١٣.\n(٢) البداية في التفسير الموضوعي ١٣.\n(٣) مباحث في التفسير الموضوعي / مصطفى مسلم ص ١٦.","vol":"1","page":645},{"text":"٤ - وعرفه الدكتور عبد الستار بأنه علم يبحث في قضايا القرآن الكريم المتحدة معنى أو غاية عن طريق جمع آياتها المتفرقة، والنظر فيها على هيئة مخصوصة وبشروط مخصوصة، لبيان معناها واستخراج عناصرها وربطها برباط جامع) (١).\nوهذه تعريفات قريبٌ بعضها من بعض، تتحدث عن جمع الآيات القرآنية المتحدثة عن موضوع معيّن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>المبحث الأول: ألوان التفسير الموضوعي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>١ - الموضوع القرآني:</span>\nوالطريقة المشتهرة للتفسير الموضوعي أن تُجّمَع الآيات القرآنية في الموضوع الواحد، وقد تكون هذه الآيات مكية وقد تكون مدنية، فإذا أردنا أن نتحدث عن البر والأبرار، تتبعنا هذا الموضوع في آي القرآن الكريم، فنتحدث عن الأبرار في سورة الانفطار وسورة الإنسان، وغيرهما من السور المكية، ثم تحدثنا عن البر في السور المدنية، في الزهراوين وغيرهما، ونقف عند كلّ نجم في السور القرآنية الكريمة وهكذا الحديث عن الإنفاق وتحرير الإنسان من الرق، والربا، والصلاة. تلكم هي الطريقة المشتهرة في التفسير الموضوعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>٢ - السورة القرآنية:</span>\nولقد اختلفت كلمة الكاتبين فذهب بعضهم إلى أن هناك وحدة موضوعية في كلّ سورة من سور القرآن الكريم، فالسورة مهما تعددت القضايا التي تحدثت عنها إلا أنَّها ينتظمها جميعها موضوع واحد، وهذه هي التي تسمى الوحدة الموضوعية.\nوهناك من ذهب غير هذا المذهب، فرأى أن هذا الاتجاه، قد يشوبه شيء من التكلف فرأى أن كلّ سورة من سور القرآن، وإن لم يكن فيها وحدة موضوعية،\n_________\n(١) المدخل إلى التفسير الموضوعي/ ص ٢٠.","vol":"1","page":646},{"text":"فإن فيها وحدة عضوية، بمعنى أن ما في السورة الكريمة من موضوعات وقضايا يتمم بعضه بعضا، ولعل هذا أقرب إلى الحق.\nعلى أن هناك سورًا قرآنية كريمة ليس من الصعب أن ندرك الوحدة الموضوعية فيها كسورة يوسف ﵊ وقصار السور.\nونحن نرى أن هناك من تكلف في إبراز الوحدة الموضوعية في كلّ سورة من سور القرآن، أفلا يكفينا أن يكون في كلّ سورة وحدة عضوية؟ سورة الكهف مثلًا، كان فيها الحديث عن أصحاب الكهف، وعن الرجلين، اللذين جعل الله لأحدهما جنتين، وما تبع هذا من الحديثا عن المال والبنين، وقصة موسى - ﷺ - مع العبد الصالح، وقصة ذي القرنين، وبدراسة هذه الموضوعات والقصص ندرك أن سورة الكهف تحدثت عن مقومات الشخصية المسلمة وعناصرها، وهي العقيدة والعبادة وقد مثل هذه أصحاب الكهف، والعلم الذي مثلته قصة موسى مع العبد الصالح، والجهاد الذي مثلته قصة ذي القرنين.\nوهكذا يكفينا أن نجلي الوحدة العضوية في سور القرآن الكريم، وهكذا الحديث عن المفردات القرآنية في سور القرآن الكريم، فتتبعها في السور القرآنية حسب نزولها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>٣ - المصطلح القرآني أو اللفظة القرآنية:</span>\nوهذا اللون - كما ذكروا - يخص بالمصطلحات والمفردات، فالباحث يختار لفظة من ألفاظ القرآن، ويتتبعها من خلال الآيات والسور، بحيث يجمع اللفظة بكل اشتقاقاتها وتصاريفها، ثم يحيط بتفسيرها مستنبطًا الدلالات واللطائف في ورود هذه اللفظة على ما وردت عليه.\nعلى أن الذي أطمئن إليه أن ما هو حري أن يسمى تفسيرًا موضوعيًا هو اللون الأول، وهو أن يؤخذ الموضوع الواحد حسب آي القرآن الكريم.","vol":"1","page":647},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-300>المبحث الثاني: نشأة التفسير الموضوعي ومنهج البحث فيه</span>.\nإذا كان هذا الاتجاه يبدو ظاهرًا أنه من مواليد هذا العصر، فإننا إذا أنعمنا النظر نجد في العصور السابقة أساسًا له، وأرى في قول رسول الله - ﷺ - وهو ينبه أصحابه حينما سألوه (أينا لم يظلم نفسه؟) وهم يقرأون قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢] قال: (أما سمعتم قول العبد الصالح، ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. أرى في هذا القول الكريم لفتة لضم آيات القرآن الكريم بعضها إلى بعض، حينما نريد فهمه وتفسيره، ولا نعْدم مثل هذا في آثار الصحابة - رضوان الله عليهم -.\nوهذا ابن عباس -﵄ - وقد سأله رجل فقال: أنّي أجد أشياء تختلف علي، فقد قال الله ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] وقال الله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠] وقال الله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] وقال الله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] فقد كتموا في هذه الآية .. فأجابه ابن عباس بقوله: قولُه ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ في النفخة الأولى، وقوله ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ في النفخة الثانية.\nوإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، عند ذلك يقول المشركون تعالوا نَقُلْ ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فيختم الله على أفواههم وتنطق أيديهم، عند ذلك يعرفونَ أن الله لا يكتم عنده حديث (١).\nوقد جاء الأئمة بعد ذلك فألف كثير منهم في موضوعات خاصة كأقسام، ومجاز القرآن، وتشبيهات القرآن وغير ذلك، على أنه والحق يقال إنما نطلق على مثل هذه تفسيرًا موضوعيا تجوزًا، فبذرة التفسير الموضوعي إذن قديمة قدم نزول القرآن\n_________\n(١) ذكره البخاري في كتاب التفسير - تفسير سورة السجدة.","vol":"1","page":648},{"text":"الكريم، وعناية العلماء به.\nإن الأقدمين لم تكن لهم حاجة كبيرة لدراسة موضوعات القرآن الكريم على هذا النحو، فهم حفاظ القرآن الكريم ودرايتهم بالثقافة الإسلامية واضحة عميقة ولذا فإن لديهم القدرة على ربط ما تفيده الآية المتعلقة بموضوع معين بما يوضحها من معلوماته الخاصة بالموضوع نفسه (١)، أما في العصر الحديث فالحاجة ماسة لتجديد أساليب الدعوى لمجاراة الحالة الراهنة التي نعيش فيها، فقد توالت النكبات بالأمة وبالمسلمين وكانت الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين من كلّ حدب وصوب، وهذا دفع العلماء إلى أن يقاوموا الضلال، والظلم بأقلامهم وأفكارهم، فكتب مثلًا الشيخ شلتوت (القرآن والمرأة) و(القرآن والقتال) وكتب عزة دروزة (اليهود في القرآن) وكتب العقاد (المرأة في القرآن) فكانت هذه بواكير لتأصيل مدرسة التفسير الموضوعي.\nإن القرآن الكريم دعوة عالمية تهدف إلى تطهير العادات وتوضيح العقائد وإلغاء العنصرية وإحقاق الحق والعدل، ولهذا فقد دعا سبحانه إلى فهم القرآن وتدبره ودراسته دراسة تكشف للناس ما فيه من تشريعات ومبادئ تشعرهم بما للقرآن من اتصال بالنظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية - والحربية والسلوك الأخلاقي، وطلاب العلم - كما يرى بعضهم - لا يمكنهم الوصول إلى هذا الغرض من كتب التفسير التحليلي، فهي لن تعينهم على الوصول إلى أهداف الموضوعات القرآنية ولذا كانت الحاجة ماسة إلى هذا العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>منهج البحث في التفسير الموضوعي:</span>\nولزامًا على الذي أراد أن يسلك هذا الاتجاه، أن يقوم أولًا بجمع الآيات في الموضوع الواحد، وقبل أن يصدر حكمه أو يستخرج أحكامها، يجب عليه:\n_________\n(١) البداية في التفسير الموضوعي / الفرماوي ص ٥٧.","vol":"1","page":649},{"text":"١ - أن يرتبها حسب ترتيب النزول.\n٢ - أن يدرس كلّ نجم منها على حدة.\n٣ - أن يلحظ الظرف الذي نزل فيه كلّ نجم.\n٤ - معرفة الناسخ والمنسوخ منها.\n٥ - دراسة الآيات حسب سياقاتها.\n٦ - قراءة تفسير الآيات وما يدور حولها من معانٍ وأقوال مأثورة وقضايا علمية.\n٧ - الإطلاع على الدراسات والأبحاث القرآنية المعاصرة الخاصة بالموضوع.\n٨ - استخلاص الدلالات والعبر واللطائف وبيان الأبعاد المعاصرة للموضوع.\nهذا هو المنهج القويم الذي لا بد أن يسلكه المفسرون الذين يسيرون في هذا الاتجاه.\nولكن ميزة التفسير الموضوعي في هذا العصر إنما هي اتساع رقعته من جهة، وعرضه موضوعات تدعو إليها الحاجة من جهة أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>بعض من كتب في هذا الاتجاه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>مدرسة الإمام محمد عبده والتفسير الموضوعي:</span>\nوإذا كنا قد رأينا من قبل أن لمدرسة الأستاذ الإمام أثرًا في كلّ اتجاه من اتجاهات التفسير، فإن هذا أيضًا يصدق على التفسير الموضوعي. لقد كانت وحدة الموضوع إحدى مزايا هذه المدرسة. ونلمح هذا واضحًا في تفسير المنار حينما نمر بموضوع من الموضوعات، وإن كانت سمة التفسير الموضوعي لم تظهر منفردة عن التفسير التحليلي.","vol":"1","page":650},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-304>الشيخ محمود شلتوت:</span>\nكان أول من دعا صراحة -فيما أعلم- إلى هذا الاتجاه الأستاذ الشيخ محمود شلتوت ﵀. وهو علم من أعلام هذه المدرسة. فالشيخ شلتوت يرى أن الطريقة المثلى لتفسير القرآن:\n(أن يعمد المفسر أولًا إلى جميع الآيات التي وردت في موضوع واحد، ثم يضعها أمامه كمواد يحللها ويفقه معانيها، ويعرف النسبة بين بعضها وبعض، فيتجلى له الحكم، ويتبين المرمى الذي ترمي إليه الآيات الواردة في الموضوع، وبذلك يضع كل شيء موضعه ولا يكره آية على معنى لا تريده، كما لا يغفل عن مزية من مزايا الصوغ الإلهي الحكيم، وهذه الطريقة في نظرنا هي الطريقة المثلى، خصوصًا في التفسير الذي يراد إذاعته على الناس، بقصد إرشادهم إلى ما تضمنه القرآن من أنواع الهداية، والى أن موضوعات القرآن ليست نظريات بحتة، يشتغل بها الناس، من غير أن يكون لها مثل واقعية، فيما يحدث للأفراد والجماعات من أقضية، ويتصل بحياتهم من شؤون) (١).\nويصدر الشيخ تفسيرًا لموضوعين من موضوعات القرآن:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>١ - القرآن والمرأة:</span>\nيستعرض فيه الآيات التي وردت في شأنها، سواء تلك التي تدل على حصافتها وحسن تدبيرها أو سياستها وفراستها، كما كان من شأن أم موسى عليها وعلى نبينا صلاة الله وسلامه. وبنت الشيخ الكبير التي كلمت أباها بشأنه حينما قالت: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وملكة سبأ، كما تحدث عما للمرأة من حقوق التملك والتصرف والتعلم وغير ذلك مما ورد في القرآن الكريم.\n_________\n(١) من هدي القرآن ص ٣٢٣ - ٣٢٤.","vol":"1","page":651},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-306>٢ - القرآن والقتال:</span>\nاستعرض فيه آيات القتال سواء تلك التي تبين أسبابه أو وسائله. وخلص من ذلك إلى هاتين النتيجتين:\nأسباب القتال أولًا كما يبينها القرآن (رد العدوان، وحماية الدعوة، وحرية الدين) (١) وأغفل الأستاذ ﵀ تحرير الإنسان من عبادة العباد.\nأما وسائله فتتلخص في (تقوية الروح المعنوية في الأمة وإعداد القوى المادية والتنظيم العلمي للحرب) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>العقاد وآخرون:</span>\nولقد جرى على هذا المنهج كثيرون، فكتبوا موضوعات خاصة. فكتب المرحوم العقاد (الإنسان في القرآن) و(المرأة في القرآن). وكتب الأستاذ البهي الخولي (آدم). وكتب الأستاذ أبو الأعلى المودودي (الربا في القرآن) وكتب الأستاذ أبو زهرة عن العقيدة لمجمع البحوث، ثم توالت الكتب في هذا الموضوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>الشيخ محمد محمد السماحي:</span>\nمن خير ما كتب في هذا الاتجاه والحق يقال، ما كتبه الأستاذ محمد محمد السماحي، لطلاب الدراسات العليا شعبة التفسير كلية أصول الدين. فلقد كتب في موضوعات خطيرة مهمة: الألوهية والرسالة. وكان موضوعيًا موفقًا فيما كتب.\nففي موضوع الألوهية مثلًا عرض للآيات التي وردت في خلق الإنسان والحيوان، والنبات والسماوات والأرض كل على حدة. حسب نزولها. وهو يقف عند كل نص قرآني، يجلي ما فيه من حقائق، ويبين ما فيه من حكمة وإبداع.\n_________\n(١) المصدر السابق ص ٣٤٤.\n(٢) المصدر السابق ص ٣٣٤.","vol":"1","page":652},{"text":"يقول في مقدمة هذا البحث:: (إنك إذا نظرت في كل هذه الأدلة جملة، تجدها تدهشك حقًّا، إنها تمشت مع العلم تمشيًا دقيقًا، وتمشت مع التربية النفسية تمشيًا أدق، وراعت الظروف التي كانت نزلت فيها، والظروف المستقبلية لهذا الدين الخالد، فوسعت عقليات الشعوب من عهد الرسول - ﷺ -، وإلى عصر الذرة والصواريخ واكتشاف الفضاء، وكأنك وأنت تقرؤها ويبعث بيانها في نفسك مغزى الأدلة وأهدافها، تقرأ كتابًا قد نزل لعصرنا هذا، في جوه المشبع بالعلم على سعة آفاقه، وحقًّا: إنه الكتاب الخالد، والرسالة العامة الخالدة إلى يوم القيامة) (١).\nوفي موضوع الرسالة يقسم البحث إلى أطوار وأدوار متعاقبة -ويأتي لكل دور من الآيات بما يناسبها حسب نزولها. فبعد أن يتكلم عن الدعوة والأمر بالإنذار يتحدث عن الدعوة في طور الاستدلال، ذاكرًا بعض الأدلة التي جاء بها القرآن، على أنه من عند الله أنزل على رسوله الكريم عليه وآله الصلاة والسلام، ثم يتكلم عن الدعوة في دور المعارضات والشبهات وضرب الأمثال والاقتراحات. ثم يتكلم عن عصر التحدي. . وهكذا يتدرج في هذا البحث الشائق فجزاه الله خيرًا ورحمه الله رحمة واسعة، وأرجو أن يوفقني الله لإخراج هذا البحث ونشره، ليفيد محبو الدراسات القرآنية منه.\nهذا وقد كثرت التأليفات في هذا اللون، ولكن -والحق يقال- ليست كلها سواء، وأن كنا نشكر لمؤلفيها جميعًا، فكلَّ بذل ما عنده، ولكن بعض هذه المؤلفات فيها ثراء وغنية، ويجد القارئ جهدًا طيبًا لأصحابها على حين نجد أن هناك كتبا تحدثت عن الموضوع بصفة عامة.\nومن المفيد أن نذكر بعض هذه الكتب بإيجاز، ليفيد القارئ منها وعلى الله قصد السبيل.\n_________\n(١) مذكرات في التفسير الموضوعي ص ٥.","vol":"1","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-309>كتُبٌ ألّفت في هذا الاتجاه:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>١ - التفسير الموضوعي للقرآن الكريم/ أحمد السيد الكومي:</span>\nلعل الأستاذ الكومي -﵀- هو أول من ألف كتابًا يحمل اسم التفسير الموضوعي وقد أفاد كثيرون ممن جاءوا بعده منه، فهو يذكر في مقدمة كتابه أنواع التفسير التي هي: التفسير التحليلي، والتفسير الإجمالي، والتفسير الموضوعي، والتفسير المقارن، وذكر أن العصر الحاضر في حاجة إلى التفسير الموضوعي، إذ عن طريقه نصل إلى الحقيقة بأسهل الوسائل (١).\nوتحدَّث عن نشأة التفسير الموضوعي مبينًا أن بذوره كانت منذ زمن الرسول - ﷺ - وذلك في تفسيره القرآن بالقرآن، وعرض إلى جهود العلماء منذ القدم إلى عصرنا الحاضر التي تناولت بعض الموضوعات القرآنية، وبعض العلوم المختصة بالقرآن الكريم.\nوانتقل للحديث عن ألوان طرق التفسير الموضوعي، فذكر له طريقتين:\nالأولى: التفسير الموضوعي للسورة القرآنية، وهي أن ننظر إلى السورة القرآنية على أنها وحدة متكاملة هدفها واحد.\nالثانية: التفسير الموضوعي للموضوع القرآني، فإذا ما أطلقت جملة (التفسير الموضوعي) فلا يفهم منها إلا بحث موضوع من موضوعات القرآن الكريم على مستوى القرآن جميعه (٢).\nوالتفسير الموضوعي لا بد فيه من جمع آيات الموضوع وترتيبها وتفسيرها (٣).\n_________\n(١) ص: ٦ - ٢٠.\n(٢) ص ٢٣.\n(٣) ص ٢٣.","vol":"1","page":654},{"text":"والموضوعات التي عرض لها القرآن مجملة في عشرة موضوعات رئيسة هي:\n١ - عرض القرآن للألوهية في وضعها الحقيقي وجلى عنها ما أسدلته عليه الأوهام من أستار حجبت نورها عن أن يصل إلى الفطرة الإنسانية.\n٢ - عرض للحياة الآخرة، وقد صورها تصويرًا يجعلها نتيجة حتمية.\n٣ - عرض القرآن للرسل عليهم الصلاة والسلام، الذين اصطفاهم الله من بين خلقه.\n٤ - عرض القرآن لأولئك الذين هم واسطة بين الله تعالى والناس، قد جعلهم الله خلقًا آخر يقومون بوحي الله تعالى إلى الرسل وهم الملائكة.\n٥ - تحدث القرآن عن التشريعات للفرد والمجتمع.\n٦ - عرض القرآن الكريم للمعاملات الاجتماعية بما يتفق مع شؤوننا الخاصة، ومصالحنا العامة.\n٧ - عرض القرآن الكريم للأخلاق التي هي كمل الخصال، وأسمى السجايا والصفات.\n٨ - حديث القرآن الكريم الخاص بالعبادات من صلاة وصيام وحج وزكاة وغيرها.\n٩ - موقف القرآن من أهل الكتاب.\n١٠ - إباحة القرآن للطيبات من الرزق وتحريمه الخبائث.\nوقد تحدث أستاذنا عن منهج القرآن في عرض موضوعاته، فتناول موضوع الخمر في القرآن الكريم، وجمع الآيات ذات الصلة بهذا الموضوع ورتبها وفسرها، وبين حكم الخمر في القرآن الكريم، وحكمة القرآن في التدرج في تحريمه (١)،\n_________\n(١) ص ٤٥.","vol":"1","page":655},{"text":"وتناول كذلك موضوع القتال والجهاد فجمع الآيات المتعلقة بالموضوع، ورتبها وفسرها، بينما تدرج القرآن الكريم في تشريع القتال للمسلمين (١).\nوعرض الأستاذ لموضوع الأسرة، حيث قسمه إلى عناصر، جمع تحت كل عنصر الآيات القرآنية المتعلقة به وفسرها وبين معانيها، وهذه العناصر هي:\n- اهتمام الإسلام بالأسرة.\n- حقوق كل من الزوجين على الآخر.\n- حقوق الأبناء على الآباء وحقوق الآباء على الأبناء.\n- علاج مشكلات الأسرة التي منها الطلاق.\nومن الموضوعات التي عرض إليها الكاتب الحروف المقطعة التي افتتحت بها بعض السور، واستخلاف آدم ﵊ في الأرض، وموضوع البعث، وعصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\nوقد رأينا كيف ذكر أستاذنا الكريم -﵀- الأمثلة للون الثاني من ألوان التفسير الموضوعي وهو ما يتعلق بالموضوعات القرآنية، ولم يمثل للون الأول وهو الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية، وكأني به يرجح أن يكون المقصود بالتفسير الموضوعي، تلك الموضوعات التي عرض لها القرآن الكريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>٢ - الفتوحات الربانيّة في التفسير الموضوعي/ الحسيني محمد أبو فرحة</span>.\nأفاد الكاتب مما كتبه أستاذنا الكومي، وقد قسم كتابه إلى قسمين تحدث في القسم الأول عن معنى التفسير الموضوعي ونشأته ومنهجية البحث فيه، ومدى الحاجة الماسة في هذا العصر لهذا المنهج أو اللون من ألوان التفسير، وكان ذلك\n_________\n(١) ص ٤١.","vol":"1","page":656},{"text":"بإشارات موجزة (١).\nوتحدث في القسم الثاني عن الموضوعات التي عرض لها القرآن الكريم، وأجملها في ثمانية موضوعات رئيسة هي:\nالأول: الإلهيات.\nالثاني: النبوات.\nالثالث: السمعيات.\nوهذه تنطوي تحت علم التوحيد.\nالرابع: العبادات.\nالخامس: المعاملات.\nوهذه تتعلق بعلم الفقه.\nالسادس: الأخلاق.\nالسابع: المواعظ.\nالثامن: القصص القرآني.\nبدأ الشيخ أبو فرحة الحديث عن الموضوع الأول، وهو وحدانية الله تعالى، حيث جمع الآيات التي تتصل بهذا الموضوع ورتبها في ثلاث مجموعات، جاعلًا لكل مجموعة عنوانات فرعية، أوصلها بمجموعها إلى خمسة عشر عنوانًا، ثم فسر الآيات القرآنية المتعلقة بالموضوع. . وهكذا فعل بالموضوعات الأخرى.\nلقد عالج الشيخ أبو فرحة تلك الموضوعات باختصار، ثم إنه لم يستقريء كل الآيات في أي موضوع من الموضوعات التي تناولها بالبحث، وهذا ما ذكره هو بنفسه، يقول وهو يتحدث عن موضوع الوحدانية: (ومن هنا فقد بلغت الآيات التي\n_________\n(١) ص: ٥ - ٩.","vol":"1","page":657},{"text":"تتحدث عن نفي الشريك، وإثبات التوحيد حدًا من الكثرة تجعل الإحاطة بها وتصنيفها شيئًا مرهقًا للغاية ولذلك سأقتصر على ذكر ما يكفي لتصوير أطراف هذا الموضوع وهو مع ذلك كسر) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>٣ - المدخل إلى التفسير الموضوعي/ عبد الستار فتح الله سعيد</span>.\nيبدأ المؤلف كتابه بتعريف تفسير القرآن وبداية نشأته وتطوره، ويذكر أنواع التفسير والتي هي: التفسير التحليلي، والإجمالي، والمقارن، والموضوعي، ويبدأ بتعريف التفسير الموضوعي، ويذكر أنواعه: التفسير الموضوعي العام، والتفسير الموضوعي الخاص.\nويحدثنا عن:\nأ- نشأة التفسير الموضوعي وتطوره في العهد النبوي، وفي عهد الصحابة والتابعين إلى العصر الحاضر.\nب- أسباب ظهور التفسير الموضوعي وتطوّره وأهميته وفوائده والحاجة الملحة إليه في هذا العصر.\nجـ- منهجية البحث في التفسير الموضوعي وخطوات هذه المنهجية إجمالًا. ويتناول الكاتب بعد ذلك خمسة نماذج للتفسير الموضوعي، فيتحدث عن موضوعات هي:\n١ - الموضوع الأول: الوحدانية والتوحيد، ويقسمه إلى خمسة فصول: الأول: أسماء الله تعالى وصفاته، والثاني: موقف القرآن من الوحدانية والتوحيد، والثالث: الربوبية والألوهية وصلتهما بالتوحيد، والرابع: التوحيد عقيدة شاملة، والخامس: أساليب القرآن في الحديث عن الوحدانية والتوحيد، وهذه الأساليب هي: أسلوب الخبر المجرد، وأسلوب الخبر المؤكد، وأسلوب المطلب كالاستفهام التقريري، وأسلوب الأمثال، وأسلوب المحاورة وأسلوب القصة، وغيرها.\n_________\n(١) ص ١٣.","vol":"1","page":658},{"text":"٢ - الموضوع الثاني: المعية في القرآن الكريم، حيث ذكر أنواع المعية وهي:\n- معية الله تعالى لعباده.\n- معية العباد لله تعالى.\n- معية الناس لما حولهم من الأحياء والأشياء.\nوقد جمع الآيات المتعلقة بكل نوع ورتبها وفسرها.\n٣ - الموضوع الثالث: التبعية في القرآن، وقد بين معنى التبعية، وجمع الآيات القرآنية التي تتعلق بهذا الموضوع، والتبعية نوعان تبعية محمودة تتمثل في اتّباع الوحي الإلهي واتّباع الرسل ﵈، واتّباع الصالحين.\nوتبعية مذمومة تتمثل:\n١ - اتّباع الذات بالباطل.\n٢ - اتّباع الإنسان غيره بالباطل.\n٤ - الموضوع الرابع: العلم والعلماء: وهذا الموضوع ورد كثيرًا في كتاب الله تعالى، ولذا فقد جمع الآيات القرآنية المتعلقة بالموضوع، وتبعًا لذلك قسم الموضوع إلى فصول هي:\nأ- شرف العلم في القرآن.\nب- العلم تكليف قرآني.\nجـ- أقسام العلم في ضوء القرآن، وهي: العلم المطلق المحيط وهو علم الله تعالى، والعلم المحدود وهو علم المخلوقات جميعًا، وتحدث عن علم الملائكة، وعلم الرسل عليهم الصلاة والسلام.\n٥ - الموضوع الخامس: ويتحدث عن الآخرة ومشاهدها: وهذا موضوع واسع في كتاب الله تعالى، قسمه الشيخ إلى فصول تناول تحت كل فصل طائفة من آيات","vol":"1","page":659},{"text":"الله، يرتبها ويفسرها ويبين معانيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>٤ - المدرسة القرآنية/ محمد باقر الصدر:</span>\nهذا الكتاب أصله محاضرات ألقاها الشيخ محمد باقر الصدر -﵀- على تلاميذه عام (١٣٩٩ هـ)، في تفسير القرآن الكريم، حيث تحدث عن نوعي التفسير: التجزيئي التحليلي للقرآن الكريم، والمنهج التوحيدي أو الموضوعي، وبين أفضلية التفسير الموضوعي على التفسير التحليلي، وفائدة وأهمية هذا اللون من ألوان التفسير، والحاجة الماسة له وذلك لمجاراته تطورات الحياة البشرية، ومعالجته للواقع وما يطرأ من مسائل تحتاج إلى بيان حكم القرآن فيها. . ثم ذكر أوجه الاختلاف بين المنهج الموضوعي في التفسير والمنهج التحليلي، وبين علاقة كل من المنهجين في الواقع وما يترتب على ذلك من فوائد. يقول -رحمه الله تعالى- عن التفسير التحليلي:\n(ساعد انتشار الاتجاه التجزيئي في التفسير على إعاقة الفكر الإسلامي عن النحو المكتمل وساعد على اكتسابه حالة تشبه الحالات التكرارية، حتى نكاد نقول إن قرونًا من الزمن متراكمة مرت بعد تفاسير الطبري والرازي والطوسي، لم يحقق فيها الفكر الإسلامي مكاسب حقيقية جديدة) (١).\nرحم الله شيخنا، فإن التفسير التحليلي جاء ليعالج احتياجات الناس في العصور التي ساد فيها وانتشر، كما جاء التفسير الموضوعي ليعالج احتياجات هذا العصر الحاضر. . لقد جاءت كتب التفسير في كل عصر لتحقق مكاسب حقيقية جديدة للفكر الإسلامي، وما أصاب الأمة الإسلامية من جمود لم يكن بسبب التفسير التحليلي.\nوانتقل الشيخ بعد ذلك إلى الدراسة التطبيقية، فتناول موضوعين من الموضوعات القرآنية هما:\n_________\n(١) ص ١٨.","vol":"1","page":660},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>الموضوع الأول: سنن التاريخ في القرآن الكريم:</span>\nوقد جمع الشيخ الآيات المتعلقة بهذا الموضوع مستقرئًا للشواهد التاريخية من أجمل الوصول إلى السنة التاريخية، وبعد جمعه للآيات وتفسيرها وتحليلها يتوصل إلى ثلاث حقائق في الموضوع هي:\nالأولى: الاطراد في هذه السنن.\nالثانية: ربانية السنة التاريخية.\nالثالثة: حقيقة اختيار الإنسان وحرية إرادته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>الموضوع الثاني: عناصر المجتمع في القرآن الكريم:</span>\nحيث بدأ الشيخ الموضوع بطرح أسئلة عدة عن المجتمع في نظر القرآن، وتحدث عن خلافة آدم ﵊ في الأرض من خلال الآيات القرآنية، وحدد عناصر المجتمع.\nإن الشيخ -﵀- لم يستقرئ جميع الآيات القرآنية التي تحدثت عن تكوين المجتمع، واقتصر على دراسة مجموعة من الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316><span data-type=\"title\" id=toc-317>فوائد هذا الاتجاه </span>والمآخذ عليه</span>\nفوائد هذا الاتجاه:\nوإذا كان التفسير الموضوعي هكذا فإن له من الفوائد ما لا يخفى:\nأ- إنه يجمع آيات القرآن بعضها إلى بعضها الآخر في الموضوع الواحد فيدرك ما بينها من انسجام وترابط.\nب- ومن فوائد هذه الطريقة كذلك أن فيها تيسيرًا على الناس، حيث تقدم لهم صنوف المائدة القرآنية سهلة ميسرة تهضمها عقولهم دون عناء.","vol":"1","page":661},{"text":"جـ- القضاء على التعارض والاضطراب، الذي ربما يحدث عند بعض الناس في فهمهم لآيات كتاب الله.\nد- إنه يتسق مع روح العصر الذي اعتاد الناس فيه أن تقدم لهم المعارف البشرية، بشكل يظهر فيه طابع الإيجاز، بأقرب الطرق وأبسط الوسائل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>المآخذ على هذا الاتجاه:</span>\nولكن مع هذه المزايا كلها، فإن لهذه الطريقة مآخذ تقوى وتضعف وتزيد وتنقص تبعًا للمفسر نفسه. فمن المعلوم أن طريقة التفسير التي اعتدناها، تهيّئ لنا معرفة الإعجاز القرآنية في ألفاظه إفرادًا وتركيبًا، وينتقل فيها الذهن من روضة إلى روضة، والتفسير الموضوعي يحرمنا من ذلك كله. ولكن هذه المآخذ لا يشعر بها الجميع بالطبع، وأما ذوو الاختصاص وحدهم يدركون ذلك.\nأما أخطر ما في هذا الاتجاه فهو أن لا يحسن المفسر عمله، ولا يتنبه إلى أمر مهم جدًّا، وهو أن القرآن الكريم نزل في ظروف ليست كلها سواء، لذا نراه قد تدرج في الأحكام، فإذا أغفل المفسر هذه الناحية وجمع الآيات كلها بعضها إلى بعضها الآخر دون نظر وتمحيص وتحديد للظرف الذي نزلت فيه كل آية، فإنه يقع ويوقع في مزالق سحيقة في نتائجها السيئة الخطيرة.\nفمثلًا وردت آيات الخمر وآيات الربا في أكثر من موضع، فإذا جاء أحد الناس وجمع آيات الخمر فوجد أن منها ما يحرم السُكر في حالة الصلاة، وأن منها ما يدل على أن فيها نفعًا، وأن منها ما يأمر بالاجتناب، فأصدر حكمًا بأن الخمر ليس قطعي التحريم، فإن ذلك قطعًا من الدواهي الكبرى.\nوإذا جاء آخر وجمع آيات الربا، فوجد أن منها آيات مطلقة في تحريمها للربا وآيات مقيدة كتلك التي تقول: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] وقال: أنا أحمل المطلق على المقيد، فلا أحرم الربا إلا إذا كان","vol":"1","page":662},{"text":"أضعافًا مضاعفة، ويدعي أن هذا هو حكم الله، فإن ذلك يقينًا من أعظم الثغرات التي يدخل منها الطاعنون وأصحاب الأهواء.\nوهكذا نستطيع أن نقول في كل موضوع من موضوعات القرآن، فآيات القتال وردت فيها آيات مقيدة مثل قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] ومنها آيات مطلقة مثل قول الله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] ولا شك إن كلا من الآيتين نزلت في ظرف غير الذي نزلت فيه الأخرى. هذه المخاطر في التفسير الموضوعي ينبغي أن ينبه عليها خوفًا مما لها من نتائج سيئة وعواقب ضارة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>كلمة أخيرة:</span>\nولقد أحس بعض العلماء بضرورة دراسة التفسير الموضوعي في الكليات والجامعات الإسلامية، فرأينا بعض المؤتمرات لهذه الكليات، توصي بهذا النوع من الدراسة.\nوالواقع أن هذه الطريقة أفضل بكثير من الطريقة التي اتبعها بعض المفسرين في تفاسيرهم، حيث فسروا القرآن لا كما عهدناه في المصحف وإنما حسب نزوله وسأعرض لهذا في الباب الثالث إن شاء الله. فطريقة هؤلاء لا توصل إلى المقصود الذي توصل إليه دراسة التفسير الموضوعي والذي ارتأيته أن يجمع بين الطريقتين في التفسير: أعني التفسير التحليلي والتفسير الموضوعي، فنوفي الموضوع حقه في جهة، ونحلل ألفاظ الآيات من جهة أخرى فلا يحرم القارئ من كلا الهدفين، وكلاهما مفيد لا يستغنى عنه.\nإن القرآن الكريم كما هو معجزة في لفظه، فهو معجزة في معناه، معجز في تدرجه لتربية نوع الإنسان. ومن هنا -فإذا أحسنت صياغة التفسير الموضوعي، وتجنبت أخطاره التي أشرت إليها من قبل- فإنه يكون ذا أثر عظيم، لا في التعليم","vol":"1","page":663},{"text":"والتثقيف فحسب، وإنما في تربية الوجدانات والمشاعر، وهي تسير مع القرآن خطوة بعد خطوة. وسيجد القارئ وهو يتتبع آيات القرآن كما أنزلها الله، آثار هذا الإعجاز: فهذه قصة آدم، وردت في عدة سور وكان أولها نزولًا ما جاء في سورة (ص)، وآخرها ما جاء في سورة (البقرة)، والناظر في هذه القصة في سورها التي وردت فيها حسب ترتيب النزول، يجد العجب العجاب وهو أنه لا تكرار أبدًا، وإن كل سورة جاءت بجديد في هذه القصة -وهكذا الموضوعات القرآنية- فسورة الأعراف زادت على ما ذكرته سورة (ص)، حيث بينت المداخل التي دخل إبليس إلى آدم منها من أجل خديعته. وذلك في قول الله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَال مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]. كذلك سورة (طه) بينت شيئًا جديدًا عن طبيعة الجنة التي كان فيها آدم: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٨ - ١١٩]، وتأتي سورة الحجر لتبين تفصيلًا آخر عن الطين الذي خلق منه آدم ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]. وهكذا كل سورة من سور القرآن، في هذا الموضوع وفي المواضع كلها. من هنا كان خطر التفسير الموضوعي وشأنه العظيم، فنحن اليوم أمام موضوعات كثيرة مختلفة تمس واقعنا السياسي، والاقتصادي والفكري. وقبل ذلك كله الخلقي والعسكري فنحن أحوج ما نكون إذًا إلى تجلية هذه الموضوعات، على أساس من هدي القرآن ومنهجه. وحكمته في إسعاد هذه الأمة، نحن في حاجة إلى هذه الموضوعات لتثقف عقولنا وتهذب نفوسنا، وتردّ شبهًا يحوم بها حولنا الخصوم، وتكون لنا منهاج حياة.","vol":"1","page":664},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>الفَصْلُ السَّادِس التفسيرات المنحرفة</span>\nوفيه تمهيد وأربعة مباحث:\nالمبحث الأول: أسباب التفسيرات المنحرفة: الاستشراق والاستغراب.\nالمبحث الثاني: مدرسة الإمام والانحرافات في التفسير.\nالمبحث الثالث: دعوة مشبوهة.\nالمبحث الرابع: نماذج من التفسيرات المنحرفة ومناقشتها.","vol":"1","page":665},{"text":"الفَصْلُ السَّادِس التفسيرات المنحرفة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>تمهيد:</span>\nأطلق أستاذنا الذهبي على هذا النوع من التفسير، التفسير الإلحادي (١) كما أطلق عليه الأستاذ مصطفى الطير التفسير المَرَضيّ (٢). ولقد آثرت أن لا أذكر هنا كلمة اتجاه، جريًا على عادتي في الفصول السابقة ذلك لأن هناك بعض التفسيرات لم يكن الانحراف اتجاهًا لأصحابها، وإنما جاء نتيجة لبعض أسباب، ربما أعرض لها فيما بعد إن شاء الله.\nوالقرآن منذ أنزله عالم الغيب والشهادة، بوساطة الروح الأمين على قلب الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، منذ ذلك الوقت وجه إليه مرضى القلوب التهم والمطاعن، وألقوا فيه الشبهات، وحال بعضهم أن يعارضه -كما قيل- لكن ذلك كله لم يقو على الحياة والحركة، بل لم يلبث أن تلاشى كتلك الفقاعات التي تطفو فوق الماء، وهذا شأن الزبد يذهب جفاء، وإذا كان كل هذا من هؤلاء العرب الأقحاح، قد تحطم على صخرة القرآن الصلبة -والمفترون لم تفسد سليقتهم- فمن الطبيعي أن يكون أقرب إلى التحطم والزوال ما جاء به وافتراه غير هؤلاء ممن فسدت طبائعهم وأذواقهم. والقرآن -وقد تكفل الله بحفظه- لا يطمع أحد أن يغير فيه أو يبدل وكل الذي يطمع فيه هؤلاء ما سجله القرآن نفسه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. وصدق الله، ومن أصدق من الله حديثًا، ومن أصدق من الله قيلًا.\n_________\n(١) التفسير والمفسرون جـ ٣ ص ١١٨.\n(٢) اتجاه التفسير.","vol":"1","page":667},{"text":"وها نحن نرى أنه قد جندت مواهب أفسدها التعصب، وعقول لعب بها الهوى، وأفئدة ملأها الحقد، وأقلام أغرت أصحابها المطامع، جندت كل هذه لتنال من القرآن، فرأينا قديمًا من يريد أن ينال من أسلوب القرآن، وعقائده، وأحكامه، والتاريخ يعيد نفسه. وفي هذا العصر الذي هجمت فيه ثقافة الغرب، رأينا هذه الأقلام تنبعث من جديد، لا لتنال من أحكام القرآن وتشريعاته فحسب، ولكن من لغة القرآن وأسلوبه وقصصه كذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-322>المبحث الأول أسباب التفسيرات المنحرفة: الاستشراق والاستغراب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>١ - المستشرقون:</span>\nربما يتساءل بعض الناس لماذا ذكرت المستغربين، ولم أذكر المستشرقين، مع أن التراث الإسلامي، والفكر الإسلامي، عانى كثيرًا من أولئك المستشرقين، ومع أننا -والحق يقال- لا ننكر ما لهم من إيجابيات، إلا أن هذه الإيجابيات كادت تغطيها هذه السلبيات الكثيرة، ولقد حفلت المكتبة الإسلامية بالحديث عن المستشرقين ما لهم وما عليهم، ليس في التفسير وحده، بل في فروع المعرفة الإسلامية وما أكثرها، ولا ننسى مذاهب التفسير الإسلامي لجولد زيهر، وسيمر معنا إن شاء الله الحديث عن بعض هؤلاء المستشرقين وكتبهم.\nأما هذا الفصل فحديثي فيه عن المستغربين الذين كانوا يفكرون بعقول بعيدة عن بيئتهم وتراثهم، والله نسأل أن يقينا شر المستغربين والمستشرقين، فهما وجهان لعملة واحدة، وقد يكون أثر هؤلاء المستغربين أكثر ضررًا من آثار المستشرقين، لأن المستشرقين والحق يقال كانت لبعضهم جهود في البحث لا ينبغي أن تنكر، أما المستغربون فهم إنما يعزفون لحون غيرهم دون أن يكون لهم جهد يذكر ولا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"1","page":668},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>٢ - المستغربون وشبهاتهم:</span>\nلقد شهدنا أقلام من يسمون كبار الكتاب، تعرض لهذا القرآن، فهذا هو الدكتور طه حسين يوجه المطاعن لأسلوب القرآن، وهذا فريد وجدي يزعم أن معجزات القرآن من قبيل المتشابه، وأخيرًا هذا الدكتور محمد خلف الله يصدر كتابه (الفن القصصي في القرآن) بإشراف الشيخ أمين الخولي، فيتهم القرآن والأنبياء ﵈، والصحابة رضوان الله عليهم. يتهم القرآن برواية الأساطير، والأنبياء ﵈ يجعلهم أبطال روايات غرامية، وأما الصحابة فيرميهم بالجهل. كل هذا في حقبة زمنية متقاربة. ولكن ترى هل نال ذلك شيئًا من قدسية القرآن؟ ولا وألف لا.\nلقد ابتلي المسلمون بهؤلاء النفر الذين تتلمذوا على يد الغربيين، فانسلخوا من أمتهم، وتنكروا لحضارتهم، وفقدوا مقومات وجودهم، وبهرتهم حضارة الغرب ومدنيته، فأصبحوا يرددون مزاعم أساتذتهم من المستشرقين عن الإسلام وكتابه الكريم.\nفهذا الدكتور طه حسين، يخرج كتابه (في الشعر الجاهلي)، مرددًا فيه أقوال المستشرقين، وبخاصة اليهود، أمثال (جولد زيهر)، و(مرجليوث) وأقوال المبشرين أمثال (سيل) الإنجليزي. ولا يكتفي الدكتور بإنكاره لبعض ما جاء في القرآن مثل قصة سيدنا إبراهيم ﵇ وبناء الكعبة، بل يتجاوز ذلك إلى الطعن في أسلوب القرآن مكيه ومدنيه. وقد قيض الله كثيرًا من العلماء والباحثين، فردوا أباطيله وفندوا مفترياته، أمثال العالم الفاضل الشيخ محمد عرفه ﵀ وجزاه خير الجزاء (١).\nوجاء بعد طه حسين، فريد وجدي الذي زعم أن معجزات الأنبياء في القرآن إنما هي من قبيل المتشابه، وقد انبرى له صاحب المنار وغيره من العلماء (٢) فردوا عاديته عن هذا الدين القويم جزاهم الله خيرًا.\n_________\n(١) الأستاذ محمد أحمد الغمراوي، والأستاذ مصطفى صادق الرافعي وغيرهم.\n(٢) تراجع مجلة الفتح المجلد العاشر فما بعده.","vol":"1","page":669},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-325>افتراءات أبي زيد الدمنهوري:</span>\nومن بعد هذا وذاك، جاء أبو زيد الدمنهوري، في كتابه (الهداية والعرفان)، -وما هو بالهداية ولا بالعرفان- ليؤول معجزات الأنبياء تأويلًا بعيدًا عن اللغة وصحيح المأثور، وسليم المنطق. فمعجزات عيسى ﵇ يؤولها بأنها كانت ليس كما يفهمها الناس، وإنما المقصود بها أمور عقلية روحية. وهو ينحرف بقول الله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ [آل عمران: ٤٩] عن معناه فيقول: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ يفيدك التمثيل لإخراج الناس من ثقل الجهالة وظلماتها إلى خفة العلم ونوره، (الأكمه) من ليس عنده نظر (الأبرص) المتلون بلون الفطرة. ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أعلمكم التدبير المنزلي (١). والأعجب من هذا أنه لا يكتفي بإنكار معجزات الأنبياء ﵈، بل ينكر معجزات الرسول عليه وآله الصلاة والسلام كالإسراء والمعراج (٢).\nثم جاء من بعد هؤلاء جميعًا محمد أحمد خلف الله، في كتابه (الفن القصصي في القرآن) مدعيًا أن في القرآن أساطير، وأن القصص القرآني لا ينبغي أن نفهمه على أنه حقائق ثابتة، قصد القرآن إلى تقريرها، وإنما هي أنماط من الخيال الخصب والفن المدبج، لما تعارف عليه الناس في عصر نزول القرآن، أو جاءت تحكي ما عرفه السابقون.\nوهذا عن أخطر ما قيل وما يمكن أن يقال عن هذا القرآن الذي نزل بالحق وقص\n_________\n(١) التفسير والمفسرون (اللون الإلحادي).\n(٢) ليس هو وحده الذي أنكر هذه المعجزة، وأوّلَ ما جاء في القرآن في شأنها تأويلًا فاسدًا. بل رأينا غير واحد يذهب هذا المذهب، كصاحب رسالة الفتح، وكالشيخ محمد التونسي، الذي أخرج من الأردن -في آخر الستّينيّات- حينما ثار عليه العلماء. وهذا يجعلنا نجزم بأن وراء هؤلاء جميعًا اليهودية العالمية، التي خططت للحيلولة بين المسلمين وبين الأقصى عسكريًا وسياسيًا، ولا زالت تخطط لتقضي على كل الصلات والروابط بين المسلمين وبين أولى القبلتين وثالث الحرمين. ولكنها وإن نجحت بادي بدء، فإنها لا بد مخفقة في استمرار هذا النجاح إن شاء الله.","vol":"1","page":670},{"text":"أنباءه بالحق. وهذه الرسالة، التي ثار عليها العلماء وَرُدَّت أكثر من مرة، ولكنها ظهرت إلى الوجود بعد ذلك، لا يكاد يخلو موضوع من موضوعاتها من سقطات وانحرافات وقد استُفْتَى علماء الأزهر بشأن مؤلف هذه الرسالة، والمشرف عليها المقر بما جاء فيها فأفتوا بتكفيرهما، وأهم ما جاء في ذلك الاستفتاء ما يلي (١):\n١ - إن الحرية الفنية تقتضي عدم التقيد بالصدق العقلي، ولا بتصوير الحقائق تصويرًا صادقًا، بل قد يتقول القرآن ما لم يحصل ولن يحصل.\n٢ - إن تاريخ الأنبياء الوارد في القرآن، لا ينبغي أن يؤخذ على أنه حقائق.\n٣ - إن القصص القرآني قد يكون لتصوير واقع نفسي لا لحوادث حصلت، وأنه حرب أعصاب، لا أقل ولا أكثر.\n٤ - إن القرآن يشتمل على الأساطير، وما فيها من حوادث ملفقة أو مكذوبة.\n٥ - إنّ مصادر القصص القرآني هي كتب الأديان الأخرى، والحكايات الشعبية والأفراد العاديين من الناس، والخلط والمزج بين عناصر القصص الشائعة في عدة أمم.\nولقد رد عليه الأستاذ أكبر الشيخ محمود شلتوت ﵀، في الكتاب الذي وجهه إليه وزير المعارف (التربية والتعليم).\nهؤلاء نفر ممن يعلنون إسلامهم، أرادوا أن ينالوا من القرآن في أسلوبه وقصصه ومعجزاته، ولكن ما هدفوا إليه ذهب أدراج الرياح هباء، ويقيت قدسية القرآن في أسلوبه وأنبائه وقصصه.\nوإذا تركنا هؤلاء إلى غيرهم، وجدنا فئة أخرى، أرادت أن تنال من القرآن في نظمه وتشريعاته وأحكامه، وهؤلاء ليسوا أقل تأثرًا ممن سبقهم بالمستشرقين\n_________\n(١) فصول ممتعة ص ٥٨.","vol":"1","page":671},{"text":"والمبشرين بل كانوا أسرع إجابة وأكثر تهافتًا، لقد زعم هؤلاء أن أحكام القرآن يمكن أن تترك لولي الأمر، ينفذ ما شاء ويترك ما شاء، وإن مثل قول الله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، إنما يدل على تكرار العمل، فمن سرق أو زنى مرة واحدة لا يقام عليه الحد (١).\nولقد طلع أخيرًا على المسلمين بعض المنتسبين إلى العلم ممّن يزعم حلّ الربا إذا لم يكن أضعافًا مضاعفة، وجواز الفدية لمن كان قادرًا على الصوم، ولا يريد أن يصوم. كل هذا وغيره يذهب أدراج الرياح. وستبقى أحكام القرآن وتشريعاته منار الإنسانية كلها، والمنهل العذب الذي لن يجد الناس غيره، مرويًا لظمئهم الفكري والروحي والسياسي والاجتماعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-326>المبحث الثاني مدرسة الإمام والانحرافات في التفسير</span>\nهذه أفكار مسمومة خرج أصحابها بهذه المطاعن، ولكنها لم تأخذ شكل التفسير إذا استثنينا كتاب أبي زيد الدمنهوري. وهناك كتب أراد أصحابها أن يلبسوها صبغة التفسير، وقبل أن أتعرض لها لا بد من الإشارة إلى أثر مدرسة الأستاذ الإمام في هذا النمط من التفسير. فلقد رأينا لهذه المدرسة آثارًا في اتجاهات التفسير على اختلافها، فهل يا ترى كان لها أثر كذلك في ظهور التفسير المنحرف؟ . هذا تساؤل أود أن أجيب عنه.\nلا يشك أحد بأن للشيخ محمد عبده ومدرسته أعظم الأثر في تقريب فهم القرآن من القلوب، وتنقية التفسير من كثير من الشوائب، والابتعاد به عن جو الخرافات\n_________\n(١) التفسير والمفسرون (اللون الإلحادي).","vol":"1","page":672},{"text":"والإسرائيليات والتعصب للمذاهب الفقهية والكلامية، وتنقيته من كثير من المصطلحات العلمية، التي يدق فهمها على كثير من الناس، وإلباسه ثوبًا جديدًا يتناسب مع أسلوبه وموضوعيته مع مدركات الناس في هذا العصر. ولكن مع تلك الحسنات كلها، فلقد كان لهذه المدرسة هفوات وكبوات، خرجت بالنص القرآني عن معناه الظاهر، إلى تأويلات بعيدة وتفسيرات غريبة، وذلك كتأويل بعض الآيات التي تحدثت عن الملائكة بالقوى الطبيعية، حتى مجرد التسمية بهذا الاسم، يعد غريبًا عن معنى الآية ومضمونها. وكتأويل سجود الملائكة لآدم بتسخير القوى، وكتأويل مولد عيسى ﵇، بأنه تأثير حصل لمريم نتيجة اعتقاد خاص، ومن هذا القبيل تأويل الرجوم بالحجج عند المراغي الأكبر (١)، وتأويل الخطفة والشهاب الثاقب والشهاب الرصد عند المراغي الأصغر (٢)، وتأويل الدابة عند الشيخ عبد الجليل عيسى، مما سأعرض له مفصلًا إن شاء الله في الجزء الثالث. ولا ننسى تأويل قصة البقرة، الذي ذهب إليه الأستاذ الإمام وصاحب المنار. ولقد استند صاحب الفن القصصي فيما ذهب إليه إلى بعض عباراتهما.\nهذا كله يجعلني أخلص إلى النتيجة التالية وهي أن لهذه المدرسة أثرًا في ما رأيناه من انحراف في التفسير فيما بعد. وهذا الانحراف، وإن لم يكن هدفًا عند هذه المدرسة، وإن كان كثير من رجالها قد حاربوه حربًا لا هوادة فيها، إلا أن هؤلاء المنحرفين كانوا أقل ما في الأمر، يتسترون ببعض آراء تلك المدرسة، والحق أن مدرسة الأستاذ الإمام مع ما لها من فضل، إلا أنها قد شجعت كثيرين ممن نشك في دوافعهم وأهدافهم على أن يذهبوا هذه المذاهب الشاذة في تفسير القرآن.\nوليس معنى هذا أن انحراف هؤلاء، كان نتيجة لبعض آراء تلك المدرسة التي\n_________\n(١) الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الأزهر.\n(٢) الشيخ أحمد مصطفى المراغي صاحب التفسير المعروف.","vol":"1","page":673},{"text":"صدعت بها، فإن كثيرين منهم قد تأثروا بعوامل ودوافع لا تقرها تلك المدرسة، وإنما هذه الدوافع كانت أثرًا مباشرًا لذلك اللبن الآسن، الذي أرضعه هؤلاء في حضانة الجامعات الأوروبية، أو نتيجة لشهوة الشهرة التي سيطرت عليهم.\nفمن الطراز الأول تلك الرسالة التي تقدم بها منصور فهمي، لنيل شهادة الدكتوراه من جامعات فرنسا، وكان موضوعها (المرأة المسلمة). وفي هذه الرسالة يظهر التعصب والحقد من جهة، والجهل والغباء من جهة أخرى.\nإذ كشف الكاتب عن حقيقته، فاتهم الرسول عليه وآله الصلاة والسلام تهمًا يردها كثير من علماء الغرب المنصفين.\nومن الطراز الثاني ما رأيناه من علي عبد الرازق، حينما أصدر كتابه (الإسلام وأصول الحكم) سنة ١٩٢٥ م، متأثرًا بما أصدرته الحكومة التركية في ذلك الوقت، مسوّغة إنهاء الخلافة في سنة ١٩٢٤ م، ولقد كان لكتاب علي عبد الرازق ضجة في الأوساط الإسلامية، كما كان له أثر سيّء فيما بعد.\nوالغريب أن هؤلاء الذين ينحرفون في منهجهم سرعان ما تتاح لهم الفرص فيما بعد، ليشغلوا المراكز الخطيرة الحساسة، وليتملكوا بعض زمام هذه الأمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>قيود مزعومة:</span>\nعلى أن هؤلاء لم يفتُروا عن التشكيك، والمحاولات الجادة لتحريف هذا الكتاب، والنيل من قدسيته، بدافع من الدوافع الخبيثة ولكنهم يصورونها غيرة على القرآن. فهذا رجاء النقاش يكتب بكل قحة، تحت عنوان مثير للدهشة (حرروا القرآن من هذه القيود)! ونبحث عن تلك القيود فماذا نجد؟ حقًّا لا نجد إلا ما يبعث على الاستغراب، هذه القيود في نظره نوعان: قيود شكلية وقيود أساسية أما القيود الشكلية فهي كتابة المصحف بالرسم العثماني، وعدم وجود تفسير عصري، وأما الأساسية التي هي أعمق وأبعد أثرًا من سابقتها، فهي الاستفادة من المسرح","vol":"1","page":674},{"text":"والموسيقا والفن، لكن علماءنا جامدون -كما يقول- بعكس رجال الكنيسة في الغرب، الذين استفادوا من تلك الوسائل. نعم ينبغي أن نحرر القرآن فنكتبه حسب قواعد الخط الحديثة. وينبغي أن نحرر القرآن فلا نقراه إلا على ألحان الموسيقى، وينبغي أن تمتلئ مساجدنا بالصور والرسوم. كل هذا حتى تكون نظرتنا للقرآن نظرة عصرية فيؤثر في نفوسنا.\nلا بد أن نفعل ذلك، ولو أدى هذا إلى ثورة، كتلك التي قام بها لوثر في عالم المسيحية. هذا ما يرجوه رجاء النقاش (١). ونحن إذ ندعو الله أن يحول بين ما كتبه، وبين أن ينقش في عقول الناشئة نوجه إليه الأسئلة التالية:\nأولًا: كيف أحدث القرآن هذا الانقلاب الهائل، في نفوس أولئك الأميين الذين لم يعرفوا القراءة والكتابة، وكيف امتد هذا الأثر فيما بعد، إلى هؤلاء الذين عرفوا أنواعًا من المخطوط المتعددة؟ . إن القرآن مؤثر ببيانه وأسلوبه، وفصاحة مفرداته ويلاغة تراكيبه، وتأثيره الجذاب في جرس لفظه وسمو معناه.\nوإن كتابة القرآن لم تكن في يوم من الأيام عائقًا أو عقبة دون الأخذ بمجامع القلوب، ولكن لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.\nثانيًا: ماذا يقصد الكاتب بالتفسير العصري؟ ! . نحن على يقين بأنه لم تتح له الفرصة، ويعبارة أدق، لم يتح لنفسه الفرصة للاطلاع على الثروة التفسيرية التي بذل أعلام الأمة فيها جهدهم، وهي خالية من التعقيدات والخرافات، ويقيني لو أنه اطلع على أي تفسير من هذه التفاسير الكثيرة في المكتبة الإسلامية لأراح نفسه وغيره.\nثم لا أدري من أين أتى بهذا التفسير للبرق، بأنه صراع بين ملائكة الخير وملائكة الشر. ونحن نعرف الملائكة بأنهم جميعًا من عناصر خيرة، ولم يقل أحد إن هناك ملائكة يسمون ملائكة الشر.\n_________\n(١) مجلة الهلال عدد خاص عن القرآن ص ٤، ديسمبر ١٩٧٠ م.","vol":"1","page":675},{"text":"ثالثًا: كأن الكاتب لم يسمع نهي الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، عن تلحين القرآن كما تفعل الأعاجم. إن موسيقا القرآن الربانية ستبقى وحدها، ذات الأثر العميق الخالد في النفوس والقلوب، ولن يصل هؤلاء أبدًا إلى الغاية التي يريدونها. وستبقى قدسية القرآن دون أن ينال منها أحد ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\nرابعًا: هل نسي الكاتب أن الثورة التي قام بها لوثر، إنما كانت نتيجة تأثره بالإسلام إلى أبعد الحدود.\nإن مثل هذه الدعوات، إنما تصدر عن تخطيط رهيب، ومكر سيّء، لهذا الدين، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، ويصدق عليها قول الله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ [النساء: ١١٤]. وقوله: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>المبحث الثالث دعوة مشبوهة</span>\nوهذه شقشقة من كاتب آخر، وهو إبراهيم عامر، لا تقل عن سابقتها، فإنه من أجل استكشاف الذات، ومن أجل تعصير الإسلام، ومن أجل أن يظهر الإسلام بصورة جديدة في أعين الناس يطور معناه، من أجل ذلك كله، يوجه الكاتب دعوة إلى علماء الأزهر، ليقوموا بإعداد تفسير عصري تاريخي اجتماعي. ولكن مع الأسف الشديد، فإن مثل هذه المحاولة، التي غفل عنها علماء الأزهار، قد سبقهم إليها الكاتب الفرنسي (مكسيم رودنسون) في كتابه (محمد) و(الإسلام والرأسمالية) (١).\n_________\n(١) المرجع السابق.","vol":"1","page":676},{"text":"تلك دعوة الكاتب، وهي وإن كانت تظهر هويته بصراحة ووضوح، إلا أنه يكشف لنا عن هويته، بكلام أكثر صراحة حينما يقول: (إن للدين سببًا إنسانيًا. وإن لكل دين جانبين إيمانيًا ودنيويًا، ومن ثم فللقرآن -الذي دون بعد نزوله بفترة هذان الجانبان، الأول باعتباره كلامًا موحى به، والثاني باعتباره مشتملًا على تنظيم الحياة لمن نزل عليهم. ويمعن أكثر فأكثر، وهو يكشف عن هويته حينما يقول: (إن للدين دورًا في حياة الإنسان ما ظل الإنسان يموت، لأنه يبشره بحياة بعد الموت، يثير في نفسه القدرة على تقبل بؤس الحياة وشقائها. وإذا كان للدين هذا الأثر فإن له معنى تاريخيًا).\nوبعد ذلك يحاول تطبيق نظريته هذه على القرآن في مواضع متعددة فيقول: فكون أول آيات القرآن نزولًا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، فإن لهذا معنى تاريخيًا. وكون الصوم كان في أول المحرم، ثم صار في رمضان الذي أنزل فيه القرآن، فإن لهذا معنى اجتماعيًا. وكذلك كون الصلاة في أوقات يعينها اختلاف دورة الشمس، وكون الحج إلى الكعبة، التي كانت الأسواق التجارية على مقربة منها، كل هذا يدل على هذه المعاني التاريخية الاجتماعية. وهكذا يمضي الكاتب في تلك الشقشقات، تظهر أهدافه تارة، وما يخفيه في صدره أكبر وأعظم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>الدوافع الحقيقية لتلك الدعوة:</span>\nهذه الأقوال لا تدل على جهل صاحبها في الدين فحسب، وإنما تدل كذلك على مدى تأثره وارتباطه، بتلك النظريات المادية بعامة واليسارية بخاصة. إنها النظريات التي طغت على كثير من مثقفينا في هذا الظرف العصيب، وتلك المرحلة الصعبة التي تمر بها أمتنا، ولا أظن أن الكاتب نسي أو تناسى أن الفرنسي الذي استشهد به، والذي قال عنه إنه سبق علماء الأزهر، بمحاولة تفسير عصري للقرآن، هو شيوعي يهودي. وبالطبع فعلماء الأزهر بل وكل مسلم، مهما كان علمه يعجز -ولكن عن غير ضعف- أن يفسر القرآن تفسيرًا تبث فيه اليهودية والشيوعية","vol":"1","page":677},{"text":"أغراضهما، من أجل النيل من هذا الدين.\nونحب أن نطمئن الكاتب إلى أن القرآن الذي أنزله عالم الغيب والشهادة والذي يعلم السر في السماوات والأرض، لا يمكن تعصيره، لأنه نزل ملائمًا لكل عصر، ولا تطوير معناه لأن معانيه ملازمة للجدة دائمًا. فهو خير مصلح للبشرية على اختلاف أزمنتها وأمكنتها، والتفسير التاريخي الاجتماعي الذي يريده الكاتب، لا يجرؤ مسلم يؤمن حق الإيمان بالله واليوم الآخر، وبقدسية القرآن، على القيام به كما يبتغيه الكاتب. ذلك أن الكاتب ينطلق من أرضية معينة ونظريات معينة. تلك النظريات التي تفسر كل شيء تفسيرًا ماديًا، فالتاريخ مثلًا ينبغي أن يفسر تفسيرًا ماديًا، فإذا قيل إن المسلمين انتصروا على الروم. قال هؤلاء نعم إن تفسير ذلك قوة المسلمين عدة، وكثرتهم عددًا، وحرصهم على المادة التي سيغنمونها، والاضطراب الداخلي في صفو أعدائهم، وهكذا يسوّغ هؤلاء حوادث التاريخ. كل ذلك ليطمسوا معالم القوة الروحية، وعامل العقيدة والدوافع الإيمانية والعناية الربانية، ولم يكتف هؤلاء بهذا التفسير المادي للتاريخ، بل تجاوزوا ذلك إلى الدين نفسه. وهذا ليس غريبًا بالطبع، فالدين ظاهرة تاريخية لها سبب إنساني كما يزعمون، فالإسلام ثورة قام بها النبي ليحارب الإقطاع ويقضي عليه، والقرآن إذن جاء من أجل هذا، وافترض ما افترض على الناس من أجل هموم مادية كما يسمونها.\nفالصيام له معناه التاريخي والاجتماعي، بل الاقتصادي، والحج إلى مكة حيث الأسواق التجارية، والزكاة قصد منها تفتيت الثروة. وهكذا يقولون فيما شرعه القرآن ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣] ولعل الكاتب يعبر عن ذلك كله بهذه الجملة الموجزة (ما ظل الإنسان يموت فهو بحاجة إلى الدين، لأنه يثير في نفسه القدرة على تحمل البؤس والشقاء). وهذا تمامًا يتفق مع العبارة القائلة (الدين أفيون الشعوب) والإنسان بحاجة إلى الدين إذن لأمر مادي يتصل برغبته.","vol":"1","page":678},{"text":"على أن الشيوعي الفرنسي الذي كان المثل الأعلى لهذا الكاتب من أخطر أعداء الإسلام وخصومه، فبعد هذه الدعوة بأقل من ربع قرن كانت ضجة في مصر لا من علماء الأزهر فحسب، بل ضجة شعبية من المثقفين على اختلاف مشاربهم، من أجل كتب هذا اليهودي التي كانت تدرس في الجامعة الأمريكية في القاهرة، وهكذا نجد مثل هؤلاء الكتاب لا يفرقون بين الغث والسمين، ولا يعرفون العدو من غيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>رد حاسم:</span>\nلا يا هؤلاء! إن القرآن ليس كما وصفتم، وإلا فكيف تفسرون لنا تلك الظاهرة، إذا كان القرآن ثورة على الغني والثروة، فكان ينبغي إذًا أن ينضوي كل من ليس ثريًا تحت رايته من أول يوم، ولكن لم يكن ذلك بل رأينا الفقراء والأغنياء في حزبه سواء.\nوالحج إنما افترضه الله من أجل معاني روحية واجتماعية، وإنها دعوة إبراهيم ﵇، من قبل أن تقوم عكاظ وغيرها. وإن الإنسان بحاجة إلى الدين لا لأنه يموت، وإنما هو بحاجة إليه من أجل أن يحيا. لا يا هؤلاء! لا تجرّدوا الإنسان من سمو الروح ومشاعر الخير التي فطره الله عليها، فتجعلوا منه جهازًا ديناميكيًا لا تحركه إلا دوافع المادة وعوامل المنفعة ونزوات الشهوات. إن في تاريخ المسلمين ودينهم، من الحقائق، ما يجعل تلك النظريات نوعًا من الهراء، لا تساوي الحبر الذي كتبت به.\nوأخيرًا أود أن أقف مع الكاتب عند هذه الجملة التي جاءت في كلامه (إن للقرآن في تصوري معنيين أو دلالتين. إنه مجموع (كلام الله) المنزل على نبيه ورسوله محمد بن عبد الله، والذي دون في فترة لاحقة في المصحف. وهو في الوقت ذاته الدستور الذي يتضمن مبادئ وقواعد تنظم حياة البشر الاقتصادية","vol":"1","page":679},{"text":"والسياسية والاجتماعية والعقائدية. كما ينظم قيمهم الأخلاقية ومعايير العلاقات فيما بين بعضهم بعضًا. وهو بالدلالة الأولى قد فسر التفسير الكافي أو الأقرب إلى الكفاية، لكنني أظن أنه لم يفسر بدلالته الثانية بما يكفي حتى الآن.\nأما أولًا: فإن قوله: إن للقرآن دلالتين كلام ليس له دلالة، فلا أدري ما الفرق بين الدلالة الأولى والثانية. فالكلام ألفاظ لها معانيها، والقرآن هو كلام الله المتضمن ما فيه سعادة البشر وليس المسلمين فقط. فلا يمكننا إذًا أن نقول إنَّ هناك معنيين يختلف أحدهما عن الآخر، أو ينفرد أحدهما عن الآخر: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، ولكن هدف الكاتب من وراء ذلك، هو ما عبر عنه بوجود ظاهرتين للدين: إيمانية ودنيوية والدنيوية تخضع للظروف التاريخية والاجتماعية، فإذا تغيرت الظروف وتغيرت النظم، وتبدلت القيم واختلفت الموازين، فلا بد أن تغير نتيجة لذلك هذه المعاني الدينية. وهذا معنى قوله بوجوب تعصير الإسلام وتجديده، وتطوير معناه، وكأنه ظن أن الإسلام نظرية كنظريات داروين، أو ماركس أو لينين أو سارتر، ونسي أن الإسلام في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، هو فوق النظريات والتجديد والتعصير والتطوير.\nوأما ثانيًا: فإن القرآن لم يدون بعد نزوله بفترة، لقد حفظ القرآن في الصدور، ودون في حياة الرسول عليه وآله الصلاة والسلام. فليطمئن الكاتب لهذا إن أراد الاطمئنان. ولا أدري لم حشر هذه العبارة هنا، مع أن المقام لا يقتضيها ولا يتطلبها.\nوأما ثالثًا: فلا أدري كيف توصل الكاتب، إلى هذا الحكم الذي أطلقه دفعة","vol":"1","page":680},{"text":"واحدة. وهو: أن القرآن قد فسر بالدلالة الأولى، تفسيرًا كافيًا أو أقرب إلى الكفاية بينما لم يفسر بالدلالة الثانية.\nنحن أولًا لم نسلم أن هناك دلالتين اثنتين، وعلى فرض صحة ما قاله، فكيف يدعي أن القرآن لم يفسر دستورًا للحياة. أغلب الظن بل اليقين أن الكاتب لم يطلع على ما كتب من تفسير للقرآن. سواء كان تفسيرًا تحليليًا لآيات القرآن وسوره، أم موضوعيًا لموضوعاته المتعددة المتنوعة. أما إذا أراد أن القرآن لم يفسر تفسيرًا حسب النظريات التي يريدها، كتفسير مكسيم رودنسون الذي أشاد به، فهذا صحيح، لم يفسر القرآن مثل هذا، ولن يفسر كذلك، اللهم إلا إذا خلا الوجود من العلماء، الصادعين بالحق القائمين على أمر هذا الدين، ولن تخلو منهم الحياة ما دامت، حتى يأتي أمر الله.\nوبعد فتلك أمثلة من الهوى المتبع، والحقد المبطن حينًا، والمكشوف حينًا آخر، دبجتها أقلام مسمومة باسم الغيرة على الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>المبحث الرابع نماذج من التفسيرات المنحرفة ومناقشتها</span>\nوالآن لا بد من أن أضع على مشرحة الفكر وبساط البحث، بعض الكتب التي تتصل بهذا الموضوع ونتائجه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>أ- رسالة الفتح:</span>\nهكذا سماها كاتبها، وما هي كذلك، فإنها هراء من القول، وفتح لأبواب من الهزل والسخرية، ولأول وهلة يحكم القارئ على كاتبها بالسقم العقلي والخفة والطيش اللذين يعوزهما أدنى درجات الحكمة والمهارة في العرض والسلامة في المنطق لذا لن أقف عندها كثيرًا، وإنما أشير إشارات خاطفة إلى بعض ما جاء","vol":"1","page":681},{"text":"فيها من هذيان.\nفمثلًا: من الصفاقة المضحكة ما يقوله من أن عصابة الماسون بعد الجيل الثالث، حرفوا معاني القرآن، ووضعوا الأشعار، ودونوا الأحاديث المكذوبة، ووضعوا المعجمات وقد بقي هذا الانحراف وتلقته الأمة جيلًا بعد جيل. إذًا الأحاديث مكذوبة! ومعاني الشعر مصطنعة! والمعجمات كلها بنيت على الخطأ والتحريف منذ الأساس! ويلزم من هذا بالطبع، أن معاني الكلمات التي تعارفنا عليها إنما هي من وضع الماسونية! فلو جاء أحد قبل ألف سنة يخاطبنا، ما كنا لنفهم حديثه. فليس معنى (رجل)، هو ما تعارفنا عليه من أنه البالغ أشده من ذكور بني آدم! . وهكذا يقال في (المرآة) و(الكتاب) و(القرآن). هكذا معنى رسالة الفتح. فقد يكون معناها الأساسي مثلًا: (دهاليز التخريف) أو (جهالات أحمق). الكاتب وحده إذًا هو الذي يعرف معاني الكلمات.\nوهل يدعي أحد أن معاني اللغة كلها محرفة غير صحيحة، اللهم إلا أن يكون مأفونًا. ثم أليست اللغة، وهي -وسيلة التخاطب بين الناس- قوالب من الألفاظ لها معانيها، وهذه القوالب التي حفظها القرآن وأشعار العرب، لا زالت كما هي فقهًا وبلاغة ووضعًا، وإذا كانت معاني اللغة كلها محرفة غير صحيحة، فليست هناك إذًا حقيقة من الحقائق، إذ لا يمكن أن يثبت شيء.\nويمضي الكاتب في ترهاته التي لا تستدعي الإشفاق عليه إلّا بقدر ما تستدعي الضحك منه، يعرض نماذج من ذلك الجهل المركب، فهو يزعم أن كلمة (بقرة) التي وردت في سورة يوسف، في رؤيا الملك ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ [يوسف: ٤٣] معناها الطير، ولكنها حرفت في الجيل الثالث، واصطلح الناس على هذا التحريف إلى يومنا هذا. وحجته أن البقر لا يأكل بعضه بعضًا، أما الطير فذلك فيه ممكن أما بقرة بني إسرائيل التي أمروا بذبحها، فهي عنده (دجاجة). هذا العلم الذي وصل للمؤلف أراد أن يبرهن عليه بأن البقر لا يأكل","vol":"1","page":682},{"text":"بعضه، ونسي أنها رؤيا، ولم يهده الله إلى \"سورة الأنعام\" التي ذكر فيها البقر بجانب الإبل تارة والغنم تارة أخرى، وذلك في قول الله: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] وقوله في شأن اليهود ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] أفيفسر البقر هنا بالطائر كذلك، وذلك لا يستقيم أبدًا؟ اللهم إلا أن أراد بالإبل الحمام، وبالغنم العصافير، وذلك أمر ليس بعيدًا عنه.\nولم يكتف المؤلف بإنكار حقائق اللغة، بل يتجاوز ذلك إلى إنكار الأشخاص. فهو حينما يذكر الصحاح و(لسان العرب) يقول: (ولمن سموه بابن منظور).\nوماذا بقي إذًا، إذا لم يكن هناك حقائق لغوية وتاريخية من السهل أن يدعي كل واحد أنه ليس هناك من يسمى بـ (عمر بن الخطاب) أو (بالرشيد) أو (بقطز) أو (بصلاح الدين).\nوكما أنكر اللغة والأشخاص، فإنه أراد كذلك أن يهدم الآثار التاريخية كلها. وذلك حينما زعم أن قبيلة ثمود التي أرسل لها صالح ﵇، كانت مساكنهم بلاد النوبة جنوب مصر، وقد ورثهم الفراعنة الذين فجروا الذرة، وشقوا مجرى النيل، مع أن الثابت أن مساكن ثمود كانت في الحجر بين بلاد الشام والحجاز، وثبت أن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، حدث صحابته بذلك وهو في طريقه إلى تبوك، وطلب منهم أن يجدوا في السير. فقد روى البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: لما مر النبي - ﷺ - بالحجر قال: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، أن يصيبكم ما أصابهم إلا أن تكونوا باكين) ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى جاز الوادي) (١).\n_________\n(١) فتح الباري جـ ٩ ص ١٨٩ طبعة الحلبي وكذلك أخرجه مسلم -في كتاب الزهد- والإمام أحمد في مسند عبد الله بن عمر ﵄ جـ ٢ ص ٩.","vol":"1","page":683},{"text":"وثالثه الأثافي عند الكاتب، إنكاره الإسراء إلى بيت المقدس، وإنكاره الصلة بين مكة والقدس، مما يجعلنا نوقن بأنه مدفوع من قبل أعداء الله وأعداء هذه الأمة: يهود الذين وقع الأقصى في قبضتهم، وقد مكنهم من هذا وجود أمثال هذا الكاتب في صفوف المسلمين وهذا تفسيره لسورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ [الإسراء: ١] (أسرى): (أوفى وأنهى) (المسجد): (القرآن): (المسجد الأقصى: (سدرة المنتهى)، ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ وهذه الآيات التي رآها (أرواح القدس السبعة، جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ومناة واللات والعزى) فانظر كيف خلط بين الملائكة المقربين، وبين الأصنام التي كان يتقرب إليها العرب في جاهليتهم! ثم يدعي أن إسراء النبي - ﷺ - إلى فلسطين من باب الخيال والخرافة. وهكذا يستمر في ضلاله وخلطه إلى أبعد الحدود.\nويقيني أن هذا وأمثاله، ما كانوا ليجرؤوا على مثل ذلك، لولا اللين والتهاون في شأن هو أعظم شؤون الأمة، ويحضرني ما حدث في زمن سيدنا عمر ﵁، حينما رفع إليه الزبرقان بن بدر رضي اله عنه شكوى على الحطيئة من أجل بيت من الشعر، قاله فيه:\nدع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكَاسِي\nفأدبه سيدنا عمر التأديب اللائق به. وإذا كان الحطيئة قد نال من شخص مسلم، فما بالنا بمن أراد أن يهدم الإسلام كتابًا ولغة وتاريخًا وآثارًا وعقائد وأحكامًا. أليس هذا من أعظم الحرب على الله ورسوله؟ أليس هذا من أعظم الإفساد الذي تُوعِّد فاعلوه بخزي في الدنيا وعذاب عظيم في الآخرة؟ ! ثم أليس من أعظم المصائب أن ينشر مثل هذا، في كنانة الله مصر الإسلام والأزهر؟ ! .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>ب- محاولة لفهم عصري للقرآن</span>\nطلع الطبيب مصطفى محمود، الذي نسأل الله له تمام الهداية بمحاولته العصرية","vol":"1","page":684},{"text":"لفهم القرآن. وإذا كان الذين ينحرفون في التفسير، بعضهم ينحرف من حيث الاستناد إلى الآثار المروية، وبعضهم ينحرف من حيث صرف المعاني عن مدلولاتها اللغوية، وفريق ثالث حمل معاني القرآن لتوافق هوى في نفسه، فإن صاحب الفهم العصري، كان انحرافه من هذه الحيثيات مجتمعة.\nوليس عجيبًا أن نجد مثل هذا التحريف لمعاني القرآن، لكنني أعجب حقًّا من قول الأستاذ مصطفى الطير بأنه يعز عليه أن يضعه في التفسيرات المريضة، لأنه أجاد في أكثر ما كتب، واحتوى كتابه على كثير من الفضائل والمحاسن. فلقد أعجبه أسلوب الكاتب الجذاب. وما كان ينبغي لهذا العالم الفاضل أن يصدر منه مثل هذا، والله ﷾ يقول: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٠٩]. وسأتتبع فصول هذا الكتاب، ليتبين لنا ما فيه من تأويل فاسد ومنزلقات خطيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>المعمار القرآني:</span>\nفي أثناء كلام الكاتب تحت هذا العنوان: \"المعمار القرآني\" ينتقل بين موضوعات كثيرة معلقًا حينًا ومستنتجًا حينًا، ومتحدثًا عن نفسه وطفولته وبيته حينًا آخر، ولن تعنيني الجزئيات والخصوصيات، فلن أناقش منها شيئًا، لكنني أتتبع المؤلف فيما يبدو لي خروجًا عن حق من مخالفة سنة، أو شطط في تأويل، أو إغراب في رأي. يحدثنا أنه نشأ في بيت لا إرغام فيه على التدين والمذاكرة، فكل يتحمل نتيجة عمله، فلم تكن أسرته كتلك (الأسر المتزمتة) التي تحشر العلم والدين حشرًا في عقول أطفالها بالكرباج والعصا) (١). وهنا لا بد أن أتدخل لتصحيح خطأ لأقول للكاتب، إنه ليس تزمتًا أن تعوَّد الناشئة لتعيش في جو التدين،\n_________\n(١) ص ٨.","vol":"1","page":685},{"text":"وهذا رجل التربية الأول رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، الذي أدبه ربه فأحسن تأديبه، والذي كان حريصًا على أن يؤدب أمته، يقول معلمًا لأولياء الأمور كيف يعاملون أبناءهم: (مروهم بالصلاة أبناء سبع، واضربوهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع) (١) أفيكون هذا تزمتًا؟ !\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-335>مخيّر أو مسيّر:</span>\nوتحت عنوان (مخيّر أو مسيّر)، يعالج المؤلف مسألة من أخطر المسائل، وأكثرها تعقيدًا، وهي ليست مشكلة الفكر الإسلامي فحسب، بل مشكلة الفكر الإنساني المتدين، منذ أن كانت له كتب سماوية وفلسفات أرضية، إنها مشكلة القدر. ومن الإنصاف أن أعترف بأن المؤلف قد وفق إلى حد في بعض ما قاله ولكن هناك ملاحظات لا بد من تسجيلها هنا.\nيعلل المؤلف نهي الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، عن الخوض في القدر (لأنه يعلم أن المعضلة من المعضلات الفلسفية العالية التي لا يتيسر الرد عليها بعلوم عصره، وأن الجدل سوف ينزلق إلى متاهة يضيعون فيها. ولذا فضّل الإيمان بالقلب على الثرثرة العقلية العقيمة، وهي وصية لا تنسحب تمامًا على عصرنا، الذي دخلت فيه الفلسفة الجامعات، وأصبحت درسًا ميسرًا، يتلقاه ابن العشرين كل يوم. وبذلك أصبح السؤال مطروحًا بشدة، وفي حاجة إلى جواب ورد شافٍ من الفلسفة، ومن الدين. ومن صميم القرآن ذاته) (٢).\nوهنا نتساءل هل كانت مسألة القدر من المسائل العلمية التي تحتاج إلى المختبرات الكيميائية أو آلات التشريح؟ بالطبع لا. هل ما ورد في القرآن من ذكر القدر، يكفي المؤمنين ليشقوا طريقهم في الحياة، وهم يعلنون إيمانهم بكل ما جاء\n_________\n(١) أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود. انظر المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود جـ ٤ ص ١٢١.\n(٢) ص ٢٢.","vol":"1","page":686},{"text":"به القرآن؟ هل دخول الفلسفة إلى الجامعات، من شأنه أن يحل المشكلات العويصة، كمشكلة النفس والروح والمشكلة الأخلاقية وغيرها؟ . لقد زادت الفلسفة هذه المشكلات إشكالًا. ولا نظن أبدًا أن نهي الرسول الكريم - ﷺ - كان للأسباب التي ذكرها الكاتب، بالنسبة لصحابته فقط. وإنما تنسحب تلك الوصية على كل مؤمن من ذكر أو أنثى ما دام القرآن تُتَفيّأ ظلاله.\nلقد نهى الرسول الكريم مثلًا عن التفكير في ذات الله، أفيمكن القول إنّ هذا النهي كان مؤقتًا، لأن الفلسفة لم تدخل الجامعات؟ وهل تدنت أوروبا الحديثة إلا حينما ورثت أوحال الفلسفة اليونانية، التي شغلت حيزًا من التفكير في ذات الله. وقد بحثت مسألة القدر بحثًا مستفيضًا في فلسفة الإغريق وما جاء بعدها من فلسفات مسيحية وإسلامية، فهل أجدى ذلك شيئًا؟ أود أن أقول للكاتب هنا: إنّ الرسول الكريم - ﷺ - وهو الحريص على أمته- حينما بينهى عن أمر فإنه يعلم يقين العلم أنّ مثل هذا ليس من شأنه أن تسعد به الأمة من جهة، أو تصل من بحثه إلى حل تجتمع عليه من جهة أخرى. ومن أراد تقريرًا علميًّا لهذا، فتلك كتب علماء الكلام والفلاسفة مليئة بل متخمة ببحث هذه القضية.\nويبدأ المؤلف بتقديم الحلول لمسألة القدر، ويركز على ما يسميه حرية الضمير. وبمقتضى هذه الحرية كما يقول: (جعل الله من ضمير الإنسان ونيته وسريرته، منطقة محرمة وقدس أقداس، لا يدخلها قهر أو جبر، وقطع على نفسه عهدًا بأن تكون هذه المنطقة حرامًا لا يدخلها جنده) (١). وهذا القول مع ما يبدو فيه من جرأة على الله، لست بصدد مناقشته هنا، كل ما أود أن أثبته أن علماءنا الأقدمين، أثبتوا هذا الرأي وهم يتحدثون عن معنى الكسب، ورأينا منهم من يعلن أن هذا الكسب، إنما هو من فعل الإنسان نفسه (٢).\n_________\n(١) ص ٢٩.\n(٢) القول السديد في علم التوحيد للأستاذ الشيخ محمود أبي دقيقة ﵀- مبحث أفعال العباد).","vol":"1","page":687},{"text":"وإذا كان ما توصل إليه الكاتب هنا، قد سبق إليه، فإن بعض النتائج التي أثبتها تستحق الدهشة، لأنها نتائج غريبة لا تتفق مع التصور الإسلامي. والآيات التي استشهد بها، ينبو سياقها عن المعنى الذي أراد، يقول الكاتب: (وحتى لا تكون لأحد أعذار في أفعاله، فيقول لحظة الحساب فعلت كذا وكذا تحت تأثير العرف والتقاليد والبيئة والمجتمع والتربية. . . الخ حسم الله الموضوع فقال في القرآن: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وفي آية ثانية: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] كما يستشهد بآيتين أخريين: إحداهما ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] والأخرى ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾.\nهذا ما قاله الكاتب، واعتقادي أن هذا قول خطير لا من حيث الناحية الموضوعية والتدقيق العلمي فحسب، وإنما من حيث النتائج التي تترتب عليه كذلك:\nفأولًا: لا أدري ما وجه الصلة وسر الربط بين عدم العذر في لحظة الحساب، وبين ما استشهد به من آيات، وبخاصة الآية الأخيرة التي جاء قبلها ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾ يقينًا أقحمها الكاتب إقحامًا. والآيات التي قبلها كل واحدة منها لها سببها، ومع أن العبرة ليست بخصوص السبب، لكن إيرادها هنا، ليس حلًا حاسمًا من قبل الله، لعدم الإعذار في لحظة الحساب.\nوثانيًا: الذي نفهمه من كلام الكاتب، ويفهمه كل واحد: أن من يقترف عملًا بتأثير البيئة والمجتمع والعرف والتقاليد والتربية، وغير ذلك من العوامل المؤثرة في سلوك الانسان ونهجه، فإنه لا يحاسب عما اقترفه، ترى أيتفق هذا مع التصور الإسلامي روحًا ونصًا؟ وأي الناس أولى من الأباء والإخوة والعشيرة من أن يكون لهم تأثير على مسلك الإنسان. فهل قال القرآن لهؤلاء لا تثريب عليكم ما دمتم","vol":"1","page":688},{"text":"فعلتم ذلك كله، بتأثير آبائكم أولي الفضل عليكم؟ الحق أن القرآن قال عكس هذا، ألم ينعَ القرآنُ على الذين اعذروا بتقليد الآباء، فسفههم ورد حججهم، وإذا كان للعرف والتقاليد والأخلّاء والأصدقاء أثر في ذلك، فَلِمَ قال القرآن وهو يحدثنا عن مشهد من مشاهد يوم القيامة: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَاليْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].\nلقد طلب الإسلام من كل مسلم أن يتمرد على البيئة والعرف والتقاليد. حتى الوالدين فلا يطيعهما في شركهما، إن تعذر التوافق التام بين هذه كلها وبين دينه، وعليه أن يختار إما هذه كلها وإما الإسلام ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢] ثم ألم يجعل القرآن الكريم، ذنب المستضعفين الذين كانت جريمتهم بعوامل التأثير ألم يجعل القرآن ذنب هؤلاء وعقويتهم، تمامًا كعقوبة الذين أضلّوهم ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]. وهذا كثير في كتاب الله وسنة رسوله عليه وآله الصلاة والسلام، فكيف يمكننا بعد ذلك أن نتمشى مع الكاتب أو نسكت عليه فيما قال؟ وبعد هذا يعلم بطلان قوله: (إن ما يدور في القلب هو موضوع المحاسبة بالدرجة الأولى، وليس ما يجري على مسرح الفعل).\nفعلماؤنا جزاهم الله خيرًا، قرروا أن العمل لكي يكون مقبولًا عند الله، وصاحبه غير محاسب، لا بد أن يَصْلُح ظاهرًا وباطنًا. فهل يكفي لصحة الصلاة أن أُحسن نيتها، دون الالتزام بما لها من شروط وأركان؟ . ولقد نقل الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ (١)، عن كبار الأئمة، أن هذا الدين مبني على هذين الأصلين: أمّا الأصل الأول فيشير إليه قوله ﵊: (إنما الأعمال بالنيّات) وأما\n_________\n(١) جامع العلوم والحكم ص ١٢ جـ ١.","vol":"1","page":689},{"text":"الأصل الثاني فيشير إليه الحديث (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد).\nويظهر واضحًا في عبارات المؤلف عدم الدقة في التعبير. وهذا لا ريب ينشر الاضطراب والتشويش في أجواء نفوس القراء، فمثلًا: يمزج بين الروح والنية، وهو يتحدث عن الضمير والسريرة. فيعدّ الروح قدس أقداس، وحرمًا محرمًا لا يدخلها جبر وقهر (١) ولا يرغم الله جنده على اقتحامها. والروح كما نعلم قسيمة الجسم، وهي بهذا المعنى الذي نعرفه لا تتناسب مع ما أورده من عبارات، ومن هذا قوله: (ولعدم الجبر والقهر، أخفى الله نفسه في الإنجيل، وأخفى نفسه في القرآن، لأنه لم يرد أن يلجمنا بالتجلي القاطع الفاصل، فيقهرنا عبى الإيمان قهرًا) (٢). ومعلوم أن هذه الكتب إنما أنزلها الله ليعرفه عباده، معرفة صحيحة تليق بجلاله، فليس من الدقة والأحكام أن يقال إن الله أخفى نفسه في هذه الكتب! .\nومن عباراته: إن الله جعل من التوراة والإنجيل والقرآن كتبًا يمكن أن نؤمن بها ويمكن أن نشك فيها. وقال عن قرآنه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ (٣). ولكننا حينما نتأمل أول سورة في القرآن بعد الفاتحة، نجد هذه الآية الكريمة ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]. فإذا بحثنا عن معنى هذه الآية، وما فيها من روعة الصورة البيانية والجمال الفني، وجدنا ما يأخذ اللب.\nيقول الزمخشري موضحًا وكاشفًا لتلك الروعة: (فإن قلت لم آخر الظرف هنا، وقدمه في قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ ويجيب بما معناه بأن قوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ (إنما قصد به، أنها ليست كخمر الدنيا التي فيها تلك الصفة، أما قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فليس المراد نفي الريب عنه، وإثباته في غيره من الكتب، وإنما المقصود: نفي الريب بحيث ينبغي أن لا يقع. فكأنه يقول: هذا القرآن ليس من شأنه أن يرتاب فيه\n_________\n(١) ص ٣٥.\n(٢) ص ٣٧.\n(٣) ص ٣٧.","vol":"1","page":690},{"text":"أحد (١). هذا ما يقوله القرآن، فكيف يمكن أن نقول نحن غير ذلك؟ .\nوالأعجب من هذا قوله: إن الله يقول عن قرآنه: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾. والقرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، لم ترد فيه هذه العبارة عنه، فلا أدري كيف تسرع المؤلف ونسبها فجعلها خاصة بالقرآن. وهذه هي الآية الكريمة التي وردت فيها هذه العبارة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]. ومن هذه الآية نتبين أن هذه العبارة ليست عن القرآن، وأن الضمير في قوله (به) إنما هو للمثل.\nومن هذه العبارات قوله: (إن الله يريد للإنسان ما يريد لنفسه) (٢) ومن كان له أدنى معرفة بالدين، يدرك مما جاء فيه عن الإرادة، إن عبارته تعوزها الدقة التعبيرية كما يعوزها المنهج العلمي، فليست إرادة الله تابعة لإرادة الإنسان، فما أكثر ما يريده الإنسان، ولكن الله يريد غيره. يقول الله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] ويقول الرسول عليه وآله الصلاة والسلام: (أردنا أمرًا وأراد الله أمرًا والذي أراد الله خير) (٣). ويقول أيضًا: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) (٤).\nويستمر في حديثه عن موضوع القدر، فيفسر الآية الكريمة: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]، بقوله (ومعنى هذا أن الله يدع القلب حرًّا، فتكون لكل إنسان سريرة هو حر فيها. ولكنه يقيم سلطانه\n_________\n(١) الكشاف جـ ١ ص ٣٤.\n(٢) ص ٣٩.\n(٣) أخرجه ابن جرير جـ ٥ ص ٣٧.\n(٤) سنن أبي داود جـ ٤ ص ٤٣٥ - ٤٣٦.","vol":"1","page":691},{"text":"بين المرء وقلبه، فهو يحول بين المرء وقلبه بالتمكين والإحباط لطفًا ورحمة ليقي أحباءه السيئات، وليقدم التيسيرات لكل حسب ضميره ونيته ومبادراته، (إما لليسرى وإما للعسرى. .) وسياق الآية كما يتدبره المتدبر بعيد عما ذهب إليه، ولا ينسجم ما قاله مع نص الآية إذ ينبغي أن تؤخذ الآية دون بتر وتجزئة. وهذه هي الآية الكريمة من سورة الأنفال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. ففي الآية أمر صريح بوجوب الاستجابة لله وللرسول، وذلك أنه لا يدعوهم إلا لما فيه الحياة الكريمة، وهو يحثهم على المسارعة وعدم التسويف، من قبل أن تذهب الفرصة، ويفوت الأوان، فيحال بينهم وبين ما يريدون عمله وتنفيذه، بشتى الأسباب من موت وغيره، ثم يأتي دور المحاسبة على هذا التقصير ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ولعل ما يساعد على هذا المعنى الآية التالية: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥].\nولقد طوّف المؤلف كثيرًا وهو يتحدث عن القدر، فوفق حينًا وأخطأ حينًا، وختم هذا الفصل بقوله: (بهذه الكلمات التي تضيء كالومض الخفي، يعطي القرآن المفتاح لأكبر المشكلات استعصاء في الفلسفة. . مشكلة الجبر والاختيار).\nولعل هذا القول لا يتفق مع ما قدره في هذا الفصل من أن نهي الرسول الكريم - ﷺ - أصحابه -رضوان الله عليهم- عن أن يخوضوا في القدر كان نهيًا مؤقتًا، لأن الفلسفة لم تدخل الجامعات بعد. فالقرآن وحده إذًا -كما يعترف المؤلف- هو الذي يحل كل مشكلة مستعصية. وفهمنا للقرآن نصًّا وروحا ولفظًا ومعنى، لا يداني فهم الصحابة -رضوان الله عليهم-، وقد أشرق فيهم نور النبوة، ونالوا بركة الوحي وها هي الفلسفات قد دخلت الجامعات، فهل حلّت هذه المشكلات؟ إنها لم تزد الأمور إلا تعقيدًا.","vol":"1","page":692},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-336>قصة الخلق:</span>\nوفصل آخر يعقده المؤلف في كتابه يتحدث فيه عن (قصة الخلق)، جدير بنا أن نوليه اهتمامنا، ذلك لأنه لا تقل فيه المخاطر والمآخذ والمزالق والانحرافات عن سابقه، يقدم لهذا الفصل بكلمة عن نظريات العلم في أصل الخلق، وينفذ من خلال ذلك إلى نظرية داروين، ويخلص إلى القول: (بأن داروين قد أحسن ووفق فيما توصل إليه، من اكتشاف وشائج القربى بين المخلوقات جميعها، فها هي ذي نفس عضلات الأذن، التي كانت تحرك آذان أجدادنا الحمير (١)، وقد تليفت وضمرت حينما لم تعدلها وظيفة، هذا الجانب الذي أصاب فيه داروين، ولكن هناك جانبًا آخر من نظريات لم يحالفه فيه التوفيق، وهو أنه اعتبر تحول هذه المخلوقات، تحولًا ينبع من داخلها، فهو تحول ذاتي) (٢). ويرد المؤلف على دارون في هذا الجانب، بأن (هنا عقل الفنان المبدع الذي يجمل مخلوقاته، نلمس آثاره في ورق الشجر وألوان الزهر، وهو الذي يحول هذه المخلوقات).\nونحن أولًا إذ نرفض مثل هذا الإطلاق على الله جل وعلا، لأنه إطلاق ينبع من أرضّيتنا وبيئتنا، وحصيلتنا اللغوية. ولا يجوز بحال أن نتجاوز الحد، فنطلق على الله ما لم يطلقه على نفسه، فنصفه بالعقل تارة، والفنان تارة، والمهندس تارة، وما يشبه تلك العبارات تارة ثالثة. ولقد بحث علماء الكلام هذه المسألة، وقرروا هذا بكل وضوح وصراحة.\nأما نظرية داروين، وبخاصة الجزء الذي رأى المؤلف أنه صواب يتفق مع العلم، لبعض التشابهات بين المخلوقات، فهذا ما ينبغي أن نجعله في مجال النظرية، وذلك لعدم أهليته دخول أفنية العلم وميادين الحقائق، وجامعات اليقين، وإذا كان المؤلف قد رد الجزء الأخير من هذه النظرية، كما فعل كثيرون قبله،\n_________\n(١) هذه عبارته، ونحن لا نرضى أن يكون الحمير أجدادنا.\n(٢) ص ٤٤.","vol":"1","page":693},{"text":"وبخاصة من يعرفون بأصحاب (الداروينية الحديثة)، فإن آخرين ردوا كذلك جزءها الأول، ووجهوا لذلك نقدهم اللاذع، وأبطلوا بالعلم كثيرًا من نتائجه التي توصل إليها. وليس هذا المجال مجال حديث عن نظرية داروين، كل ما أريد أن أقوله هنا أنه لا يجوز أبدًا أن نجعل هذه النظرية أصلًا (١)، ننطلق منه، لنؤول آيات القرآن الحكيم. وفي القرآن حل لكل المشكلات المستعصية كما يعترف المؤلف لكن إذا كانت مشكلات ولدتها الحقائق العلمية الثابتة.\nوالتشابه بين المخلوقات في بعض الأمور، ليس دليلًا على أنها من عائلة واحدة وإلا فكيف يفسر: أن ما بين الإنسان وبين القرود العليا من تشابه، أكثر مما بين القرود أنفسها؟ وكيف تفسر: عدم استطاعة هذه الفئة العليا من القرود كما يقولون أن تتكلم، وهلا أجريت عملية لبتر هذا الغشاء الذي يحول بينها وبين التكلم. القرآن يحل ذلك كله، والله تعالى يقول: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣].\nوينطلق المؤلف من هذه التقريرات التي بنيت على الأوهام ليقحم القرآن إقحامًا لا يليق به، ويؤول الآيات تأويلًا تنفر عنه روعة البيان القرآني والوحدة الموضوعية في كتاب الله، لا في السورة فحسب بل في الآية نفسها، (والقرآن يقدم المسائل العلمية) كما يقول، (لا كما يعرضها آينشتاين)، وإنما يقدمها بالإشارة والرمز والمجاز والاستعارة. وقد يفوت فهمها على المعاصرين، ولكن التاريخ والمستقبل سوف يشرحها فيما بعد) (٢) ويستدل لذلك من القرآن بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وهذا يثبت أنه ليس للكاتب صلة بالثقافة الدينية، وبفهم الكتاب والسنة، فإن هذه الجملة القرآنية لا تدل على ما أراد، بل هي حديث عن المتشابه ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ\n_________\n(١) راجع كتابنا: القصص القرآني صدق حدث وسمو هدف.\n(٢) ص ٤٨.","vol":"1","page":694},{"text":"إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]. فلا يجوز إذن أن نطلق العبارات جزافًا، ونقول: الله يقول عن كلامه كذا.\nومن الآيات التي يستدل بها المؤلف على مدعاه، قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩] أي أنه سوف يشرحه ويبينه في مستقبل الأعصر والدهور (١) ما أبعد هذا عما ترشد إليه الآية من غير تكلف، ولا أدري كيف ساغ المؤلف مثل هذا الفهم، والآية واحدة من مقطع قرآني فيبه الإشفاق على الرسول الكريم، وفيه الوعد الذي لا بد أن يتحقق. إنها مجموعة أفضال ومنن من الله على مصطفاه: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٦ - ١٩] أيمكن أن نقطع الروابط بين هذه الآيات، لنأخذ الأخيرة منها على حدة، فنؤولها هذا التأويل ونحن نتلمّس علاقة ووشيجة للتشابه بين الأجناس لنقول بوحدة أصلها فما بالنا نمحو ذلك كله في الوحدة الموضوعية لكتاب الله، إن هذا لشيء عجيب! .\nويبدأ المؤلف بتطبيق منهجه الذي رسمه على الآيات القرآنية، فيقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، (والعرجون هو فرع النخل القديم اليابس لا خضرة فيه ولا ماء ولا حياة وهو تشبيه حرفي للقمر الذي لا خضرة فيه ولا ماء ولا حياة) (٢).\nوإذا كان تشبيهًا حرفيًا بهذا المعنى الذي قصده، فلقد فاته أن يوفق بين درجة الحرارة في العرجون وفي القمر.\nويمعن المؤلف في الإغراب رادًا أقوال أئمة التفسير، حينما يعرض لقول الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]. فهو يرى أن القرآن هنا يقدم فكرة الحركة الخفية من وراء السكون الظاهر: (وتشبيه الجبل\n_________\n(١) ص ٤٩.\n(٢) ص ٥٠.","vol":"1","page":695},{"text":"بسحابة هو تشبيه يقترح على الذهن تكوينًا ذريًا فضفاضًا مخلخلًا، وهو ما عليه الجبل بالفعل، فما الأشكال الجامدة إلا وهم. وكل شيء يتألف من ذرات، وما يقوله المفسرون القدامى من أن هذه الآية، تصف ما يحدث يوم القيامة هو تفسير غير صحيح لأن يوم القيامة هو يوم اليقين والعيان القاطع.\nولا يقال في مثل هذا اليوم (ترى الجبال تحسبها). فلا موجب لشك في ذلك اليوم) (١).\nترى هل يريد أن يقول المؤلف إنه تشبيه حرفي كذلك. والجبل ذرات متماسكة راسية شامخة جعلها الله أوتادًا في هذه الأرض، والتشبيه الذي جاء في الآية الكريمة ليس تشبيه الجبال بالسحاب، وإنما الآية صريحة ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾. ولو أن المؤلف اكتفى باحتمال الوجه الذي ذهب إليه كما فعل غيره لكان ما ذهب إليه مقبولًا. أما وقد خَطَّأ المفسرين جميعًا، الذين فهموا الآية على أنها مشهد من مشاهد يوم القيامة. فإن ذلك يصعب علينا أن نقبله منه. فهذا الشيخ طنطاوي جوهري ﵀، يذكر أن الآية تحتمل المعنيين، فبالنظر لما قبلها وهو نفخ الصور، يرجح أنها من حوادث يوم القيامة، وبالنظر لما بعدها من صنع الله المتقن يقوى احتمال كونها في الدنيا، ولم يجرؤ على القول بأن ما ذهب إليه المفسرون غير صحيح، وأما استدلاله بجملة (تحسبها) فهو استدلال ليس في موضعه. ذلك لأن هذه الجملة تبرز هذه الصورة إبرازًا كأنه محسوس ملموس. والقول بأنه لا موجب للشك في ذلك اليوم، قول لا بد من مناقشته، فسياق الآية أولًا: لا يفيد معنى الشك في جملة (تحسبها)، وإنما هو استحضار لصورة لا بد واقعة، فهي صورة تؤثر في أعماق النفس كأنه يقول: ترى الجبال، يخيل ويهيأ لك أنها جامدة. ولكنها في الحقيقة سريعة في حركتها، وهي تمر مر السحاب، فليس المجال مجال شك.\nوأما ثانيًا: فلقد استعملت هذه اللفظة نفسها في القرآن الكريم، في مشهد آخر\n_________\n(١) ص ٥٠.","vol":"1","page":696},{"text":"من مشاهد القيامة، وفي سياق أدل على الشك من سياق تلك الآية التي معنا، وهذه الآية هي قول الله تعالى في سورة المجادلة: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨].\nونسير مع المؤلف وهو يحدثنا عن قصة خلق آدم، بفنون من القول، يمزج فيه بين بتر الآيات وتأويلها تأويلًا يبعدها عن أهدافها وغاياتها، كل هذا الانحراف وقع فيه المؤلف، وذلك لأنه اعتقد صحة نظريات، فأراد أن ينزل عليها آيات القرآن. وخلاصة ما ذكره (أن الله حينما خلق آدم في الجنة، وأمر الملائكة أن يسجدوا فسجدوا إلا إبليس، أراد إبليس أن يغوي آدم، فلما أكل من الشجرة رده الله إلى مستنقعات الطين، وبدأ هناك رحلة طويلة، من الأميبا إلى الإسفنج، إلى الحيوانات الرخوية إلى الحيوانات القشرية إلى الفقريات، إلى الأسماكِ إلى الزواحف إلى الطيور، إلى الثدييات إلى أعلى رتبة آدمية، بفضل الله وهديه وإرشاده (١). ولقد استمرت تلك الرحلة خمسة آلاف مليون سنة، وعاد آدم جديد على هذه الأرض كآدم الذي كان من قبل في الجنة. إذًا كان آدمان: آدم الصورة والمثال: وهو الذي كان في الجنة فعصى ربه. وآدم الأرض: وهو الذي مر بتلك المراحل كلها). ولم يحدثنا المؤلف عن حواء أمرّت بما مر به آدم كذلك؟ . وقد حشد لهذا القول كثيرًا من النصوص، جاء بها لتوافق ما قرره. ومن هذه النصوص قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٤ - ٥]، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١].\nهذه بعض نصوص استشهد بها المؤلف مستدلًا على ما ذهب إليه، ومعلنًا أن لنا\n_________\n(١) ص ٥٣.","vol":"1","page":697},{"text":"وجودًا سابقًا على وجودنا هذا أما الشجرة فيرى أنها (رمز للجنس) والموت اللذين تلازما في قصة البيولوجيا) (١) وأكرر هنا أن النظرية التي جعلها أصلًا ليطابقه القرآن، إنما هي نظرية أبى العلم أن يمنحها هويته، لتدخل في نطاقه. والآيات التي ذكرها حينما ننعم النظر فيها، نجدها بعيدة عن المعنى الذي أراده وقصده.\nفالآية الأولى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ يرى كثير من المفسرين أن التراخي فيها تراخ رتبي لا زمني، والتراخي في الرتبة من الأساليب التي لا يستطيع أحد أن ينكرها، حتى إن عُدَّ هذا التراخي زمنيًا فإنّ ما قاله المؤلف غير صحيح حينما ذكر أن آدم مر بهذه الأزمنة الطويلة إلى أن تكامل خلقه. وقد يدلّ حرف التراخي على أيام أو ساعات فحسب. وفي القرآن شواهد كثيرة لهذا. وهذه من المغيبات التي لا ينبغي أن نقول فيها بمجرّد الظن.\nوأما الآية الثانية ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ فلقد تجاهل المؤلف ما جاء عقبها ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فالمقصود بالإنسان هنا جنسه (هذا النوع الإنساني) وسواء عددنا الاستثناء منقطعًا أم متصلًا، فإن الآية لا تساعده على ما أراد، وتنفر من تأويله الذي ذهب إليه. وللمفسرين في الآية أقوال وجيهة، فيرى بعضهم: أن معنى ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ (الهرم) الذي يدرك بعض الناس مثل قوله تعالى ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ ويكون معنى الآية: ثم رددناه إلى تلك الحالة التي تغير فيها شكله وقوامه، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فإن لهم من الأجر في حال هرمهم، مثل الذي كان لهم في حال الشباب والقوة فيكون الاستثناء متصلًا ويكون (الذين آمنوا)، ممن ردوا إلى أسفل سافلين، إذا أدركهم الهرم. ويرى بعضهم أن (أسفل سافلين)، إنما هي الدركات من العذاب يوم القيامة. فيكون المعنى، لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، ولكننا رددناه إلى جهنم لما كفر وأعرض، لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر عظيم،\n_________\n(١) ص ٦٢.","vol":"1","page":698},{"text":"فليسوا ممن رُدّ إلى تلك الدركات، ويكون الاستثناء منقطعًا. وعلى كل حال، فإن تأويل (أسفل سافلين) بالأميبا فما بعدها، تأباه الآية سياقًا ونصًّا.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ فإن هذا الإجمال في الآية، بينته وفصلته آية أخرى هي آية سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤]، وآيات كثيرة فصلت هذا الإجمال مثل آية سورة الحج: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، فلا يعقل أن تكون الأطوار هذه، ما ذكره المؤلف مع وجود هذا البيان والتفصيل في كتاب الله.\nبقي أن يقال: إن قول الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]، لا يساعد ذلك التأويل الذي ذهب إليه، لأن المماثلة التي قال إنها وشيجة من وشائج القربى. مماثلة في غير ما ذهب إليه فتلك مخلوقات لها طبائعها وأنظمتها والظروف الملائمة لها. فهناك صلات قوية بين هذه المخلوقات في أسس الحاجة والتنظيم، وليست إذا وشيجة قربى.\nأما وجودنا الروحي الذي تحدث عنه، واستدل له بآية الأعراف، فأمر لا نسلمه له ذلك لأن الآية تقول: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ ولم تقل من (آدم نفسه). وهذه إشارة إلى ما زود به الإنسان من الفطرة السليمة كما ذهب إليه أكثر أئمة التفسير. ولو كان لنا وجود سابق على وجودنا هذا لتذكرناه، أو تذكرنا بعضه لأن وجودنا اللاحق لا ينسينا وجودنا الدنيوي، كما نص القرآن الكريم نفسه.\nأما آية آل عمران (١) فإن قصارى ما تفيده: أن الله أخذ الميثاق على النبيين حينما\n_________\n(١) قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١].","vol":"1","page":699},{"text":"أرسلهم إلى أقوامهم أن يؤمنوا بالرسول الكريم وينصروه إذا أدركوه ويطلبوا من أقوامهم الإيمان به ونصرته عند بعثته.\nوأما آية الأنعام وهي قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣] فإنه عليه وآله الصلاة والسلام أول مسلمي هذه الأمة، ولا داعي أن نغرب في التأويل، ونغرق في البعد عن ظاهر الآيات المحكمات.\nبقيت كلمة أخيرة في هذا الموضوع، وهي أن تأويله للشجرة، بأنها (رمز للجنس)، لا إخال مفهوم الزوجية نفسه يعينه على هذا التأويل، فالله يقول: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، فما معنى أن يكون المقصود من الشجرة (اللقاء الجنسي) بعد أن كانت زوجًا له بنص القرآن.\nومن أعجب ما استنتجه المؤلف هنا (أن القرآن خاطب آدم وحواء، بألف التثنية قبل الأكل من الشجرة فقال: (فكلا)، وخاطبهما بواو الجماعة بعد الأكل، (لأن اللقاء الجنسي -وهو الأكل من الشجرة- أدى إلى التكاثر)، فهم عجيب والله، وأعجب منه أن يقبله من عرف لغة القرآن، وتذوق أساليب العربية. ولقد كنا نود من المؤلف، أن يقتصر على كلمته الأخيرة في الشجرة، وهي أنها من أمور الغيب ومن المبهمات التي لو علم الله في بيانها خيرًا لنا لبينها. ونقول للمؤلف إن ألف التثنية كانت لآدم وحواء، وأما (واو) الجماعة فلهما ولإبليس، بدليل قوله تعالى في الآية نفسها: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وليت المؤلف كان يقف عند كل آية ليصل نهايتها ببدايتها، وآخرها بأوّلها، وليته كذلك كان يسترشد بهذا القرآن، وعقله ونفسه خاليان من كل نظرية تؤثر عليه، في مسيرة فهمه للنص، لكنه لم يفعل. إن قصة آدم عليه وعلى نبينا وأنبياء الله صلوات الله وسلامه، كما يبيّنها القرآن دون تمحل أو تكلف، بيّنة الأهداف واضحة المقصد والغاية. إنها قصة آدم واحد لا آدمين، إنه هو هو الذي أسكنه الله في الجنة، وأهبطه إلى الأرض ليستأنف حياة","vol":"1","page":700},{"text":"الإنسان، بما فيها من جهد وكدح وراحة ونصب. فليس هناك آدم المثال وآدم الأرض. وحينما نستعرض آيات القرآن متدبرين، فإنه لا يسعنا إلّا أن نقرر هذا. لقد خلق الله آدم كما تقول الآيات من عنصرين، أحدهما: أرضي: وهو ذلك الطين الذي كان حمأً مسنونًا، فصلصالًا كالفخّار، وأما العنصر الآخر، فهو الروح. وإذًا فمنذ اللحظة الأولى التي تكامل فيها خلقه، هُيِّئ بما يستلزمه هذان العنصران. أعني هذه الاستعدادات الفطرية التي هي نتيجة لا بد منها، تستلزمها طبيعة هذين العنصرين. وها هو القرآن يحدثنا عن آدم في الجنة، وقد طمأنه الله بأن لا يخشى غائلة الجوع وحياة العرى، ومشقة الظمأ وحرارة الضحوة، أفليست هذه كلها تستلزمها طبيعة الجسم الترابي والعنصر الأرضي. ثم هذا هو القرآن يحدثنا كذلك، عن هذه الاستعدادات الفطرية، التي يطلق عليها بعض العلماء الغرائز، وهي: الجنس وحب التملك، وحب البقاء، والتدين. نقرأ هذا في قول الله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧]، ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩] كل هذا يدلنا على الاستعداد الجنسي. أما الحرص على البقاء وحب التملك، فيشير إليهما قول الله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠]. ﴿وَقَال مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وأما التدين فيظهر في قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].\nهذه هي الأمور الفطرية التي زود بها آدم في الجنة، بعضها يستلزمه الجسم وبعضها تستلزمه الروح. أفبعد هذا كله، يمكننا القول إن هناك آدمين، آدم المثال، وآدم الأرض؟ وهل آدم المثال يمكن أن يخشى الجوع، ويخاف العري، ويزعجه الظمأ، وتضيره الضحوة، ويقلقه الفناء. إن آدم هذا الذي تلقى من ربه كلمات فتاب عليه، هو الذي أهبطه الله إلى الأرض. سواء أكان هذا الإهباط ماديًا أم معنويًا في أول ما تتطلبه الأرض وليس يتلاءم ويتناسب مع كرم الله، ولطف الله وحكمة الله،","vol":"1","page":701},{"text":"أن يحوله بعد أن أعلن توبته من هذا الخلق السوي الذي سجد له الملائكة إلى الأميبا، مرورًا بالمراحل المختلفة التي تتنافى مع الإنسانية كل التنافي. ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٨].\nهذا هو آدم في القرآن. فإذا جاء بعد ذلك من يدعي، وقد بهرته النظريات وأسرت عقله - أنه ينبغي أن تؤول الآيات حتى لا تتنافى مع تلك المقررات فإنا نرفض قوله أيا كان، ومن هنا فأنا أسأل الله الرحمة للأستاذ الشيخ عبد الوهاب النجار، الذي يشعر القارئ لكتابه قصص الأنبياء، وكأنه متخوف من مثل تلك النظريات حينما يتكلم عن قصة آدم، حيث يقرر أنّه إن صحّت تلك النظريات فلا تنافي بينها وبين القرآن. ونحن نقول: (لا، القرآن هو الحجة والمهيمن على كل ما عداه، سواء أكان ذلك قبله، كالكتب السماوية أم بعده من النظريات، وهو أحرى بالهيمنة على هذه من غيرها).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>النعيم والعذاب:</span>\nوإذا تركنا قصة الخلق إلى آيات البعث والعذاب والنعيم، رأينا المؤلف يحكي لنا أقوال بعض السابقين، من أن آيات النعيم والعقاب، ليست على حقيقتها. ولعل المرجئة هم أول فرقة من الفرق الإسلامية التي قالت هذا القول (١). لقد كان المؤلف يدور حول عبارة لا نختلف معه فيها، وهي أن الله لا يعذب حبًا في العذاب، وإنما يعذب لأنه حكم عدل. لكننا نخالف المؤلف فيما اتبعه من وسائل، وفيما حشده من نصوص أخرجها عن سياقها، وذهب بها بعيدًا عن مراميها ومقاصدها. ومن هذه النصوص التي استشهد بها المؤلف، قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥]. فلقد كان سبب إعراضه عن الدين\n_________\n(١) نهاية السول للأسنوي جـ ١ ص ٣٠٧ - طبعة صبيح.","vol":"1","page":702},{"text":"- كما يقول - أنه يكره الخمر والعسل، وهذا لا نعتقده مسوغًا حقيقيًّا، ولن نناقشه فيه، ولكن المهم عندنا أنه يقول: (إن هذا مثل وليس حقيقة) ونسي أن المثل هذا ليس هو الذي شبه مضربه بمورده، وإنما المقصود بالمثل هنا: الحال والصفة. فكأن الله يقول: (صفة الجنة التي وعدها المتقون) وحالها وشأنها كذا وكذا). وأما ما قاله المؤلف من أن هذا ما يناسب البدوي في الصحراء، فإن القرآن أنزل للناس جميعا على مدى العصور. وهل يجد إنسان القرن العشرين، خيرًا من هذا متعة للنفس وللجسم، والعجيب أنه يضرب مثلًا لهذا بسؤال الطفل عن اللذة الجنسية، فيقال له: إنها شيء مثل السكر، مع ما بينهما من فرق عظيم، وما أعظم الفرق كذلك، بين ما حكاه القرآن، وبين ما مثل به هو، والقرآن حق.\nويستدلّ بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: ١٦]، على أن المقصود من هذه الأخبار، إنما هو التخويف ليس إلا، ولكن: يا ترى كان تخويفًا يقصد منه التهويل فحسب، أم أن هناك تخويفًا لا يخرج عن الحقيقة، حتى في حياتنا هذه؟ . ولعل الآية تفسر نفسها: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦] وهكذا شأن عباد الله يرجون رحمته، ويخافون عذابه، وما أبعد ما ضربه مثلًا، من قول الرجل لطفله: نظف أسنانك حتى لا تأكلها الفئران. فإن مثل هذا القول، لا يجيزه الشرع ولا علماء التربية المحدثون. أما الإسلام، فإنه لا يجيزه بحال من الأحوال لأنه كذب، فكيف يصح أن نقول: إن آيات القرآن هي من هذا القبيل، والرسول عليه وآله الصلاة والسلام علمنا وهو المربي الأول أن ننشئ أطفالنا على الصدق. فها هو يقول للمرأة التي قالت لولدها: (تعال أعطك) أما أنك لو لم تعطه شيئًا لكتبت عليك كذبة) (١). فكيف ينهانا الرسول - ﷺ - عن مثل هذا مع أطفالنا، ثم نقول إن آيات القرآن إنما هي من هذا القبيل؟ !\n_________\n(١) أبو داود جـ ٢ ص ٥٩٤.","vol":"1","page":703},{"text":"وآية أخرى يستدل بها المؤلف على ما ذهب إليه وما ارتآه (فكل الغاية هي تقريب تلك المعاني المستحيلة بقدر الإمكان. وكل ما جاء عن الجنة والجحيم ما هو إلا ألوان من ضرب المثال، وألوان من التقريب وألوان من الرمز) (١)، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]. وما أبعد هذه الآية عن الموطن الذي أرادها فيه. لقد نزلت ردًّا على هؤلاء الذين أرادوا أن ينالوا من القرآن، وهو يضرب العنكبوت والذباب مثلًا، ولكنها عادته هداه الله وسامحه.\nومثل هذا قوله: إن العذاب في الشخص في المكان، مستدلًا بقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] إن أمامنا اثنين يتعذب الواحد منهما ضعف الآخر، مع أنهما في نفس المكان. ومعنى هذا أن العذاب في الشخص وليس في المكان ذاته) (٢).\nوالآية كما ينبئ عن معناها سياقها ولفظها - والله أعلم بمراده - إنه حينما يدخلها مستحقوها تقول أخراهم لأولاهم، أي من أجلهم فاللام للتعليل لا للتبليغ ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ يقول هؤلاء الأتباع المستضعفون، عن المتبوعين المستكبرين إنهم سبب ضلالهم، فهم يستحقون ضعفين من العذاب لأن لهم جريمتين اثنتين:\n١ - جريمة الضلال.\n٢ - جريمة الإضلال.\nإنهم ضلوا وأضلوا، ولكن الله يقول لهؤلاء المستضعفين ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ فكما ضل هؤلاء وأضلوا فهما جريمتان اثنتان، فأنتم كذلك لكم جريمتان:\n١ - جريمة الضلال.\n٢ - وجريمة الاستضعاف والرضا بالذل.\n_________\n(١) ص ٦٦.\n(٢) ص ٧٣.","vol":"1","page":704},{"text":"فليس هؤلاء وحدهم الذين يستحقون العذاب المضاعف، بل أنتم مثلهم كذلك. هذا ما نفهمه من الآية، دون أن نقحمها في متاهات التأويل وغيابات الباطن، ولم يكتف المؤلف بتأويلاته هذه بل نراه هنا يستشهد بكثير من الإسرائيليات ككلام أشعيا في العهد القديم.\nوكان ينبغي للمؤلف أن يقف عند ما جاء به القرآن. ولقد وصف الله نفسه بأنه رحيم، وبأنه شديد العقاب. وهذا ينبغي ألا نغفل عنه. أما أن الله لا يعذب، وإن عذب فإنما عذابه رحمة، وأنه أدخل عذابه في نطاق رحمته، في قوله تعالى: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فذلك من الشطحات التي وددنا للمؤلف أن يتجنبها. فأكثر العمومات التي وردت في القرآن مخصصة، ثم لم لا نكمل الآية فنعرف من يستحق هذه الرحمة ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>الحلال والحرام:</span>\nوإذا تركنا ما يتعلق بالعقيدة من مسائل القدر، وقصة الخلق والنعيم والعقاب، وجئنا إلى أحكام الحلال والحرام، وجدنا المؤلف كعادته يشتط ويغرب، ولا يقل ما كتبه هنا خطورة عما كتبه في الفصول السابقة. فهو يؤول الآيات تأويلًا لا يليق بها، فالعقبة في قول الله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ هي النفس (١)، وقتل النفس الذي جاء على لسان موسى ﵇ مخاطبًا بني إسرائيل ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] معناها الهزيمة أي فاهزموا أنفسكم وانتصروا عليها (٢).\nومثل هذا تعودنا أن نسمعه منه، والآيات من تأملها أدنى تأمل يرد سياقها\n_________\n(١) ص ٨٩.\n(٢) ص ٩٠.","vol":"1","page":705},{"text":"ولفظها هذا التأويل. لكن موطن الخطر ما ذكره في أول هذا الفصل، عند قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] حيث يقول: (لو أخذنا الآية بظاهر حروفها، دون أن يكون جوهر القضية واضحًا في الذهن، فسوف نجد أن الحياة الطبيعية في زمننا - زمن الميني جيب .. والديكولتيه، والجابونيز والصدر العريان، والشعر المرسل، والباروكات الذهب أمر صعب، والسير في شارع مثل عماد الدين أو فؤاد أو سليمان باشا، سيرًا مطابقًا لحروف الآية هو الأمر العسير - ونحن نرى وجهًا فنهتف بالقلب إعجابًا (الله) ونقصد الخالق الذي صوّر وليس المخلوق، فلا تكون هذه النظرة حلالًا فقط .. وإنما تكتب لنا حسنة .. وهي نظرة لا يقدر عليها إلا متصوف عابد. ء وغض البصر ليس فقط غض البصر عما يتعرى من الجسد، وإنما هو غض البصر، عما في يد الناس من مال ونعمة، وهو الحياء والترفع عن النزول بالنفس إلى مواطن الشهوة والحسد والحقد والغيرة) (١).\nومثل هذا القول فضلًا على مخالفته للآيات الصريحة والسنة الصحيحة، فإنه في الحقيقة لا ينسجم مع طبيعة الأشياء، ذلك أن من المعلوم أنه لا بد من اعتبار الوسائل في كل محرم أو واجب، والإسلام حينما حرم النظرة، فإنه لم يأمر الناس بأن يضع كل على وجهه برقعًا، فيتخبط في سيره، ومن هنا جاء التعبير بكلمة (من). إن المجتمع الذي أراده القرآن، هو الذي يمكن أن تحيا في هذه الآية حياة واقعية عملية. وليس هذا القول غريبًا من المؤلف أو بدعًا من الأقوال، فلقد قاله الكثيرون قبله، محاولين أن يوجدوا لأنفسهم المسوّغ الذي يسمح لهم بمثل هذا. وأذكر هنا كلمة لمنصور فهمي (٢): (واتجهت حيث يقع بصري على هذا الخلق الفتان، لم أختلس النظرات اختلاسًا، وإنّما رأيت أن أشبعها حسنًا، غير مكترث بما\n_________\n(١) ص ٨٦ - ٨٨.\n(٢) فصول ممتعة ص ١٥.","vol":"1","page":706},{"text":"قد يأخذني به الناس من تلك النظرات، لأني كنت حينئذ طاهر النية أمام الله، فلا يخجلني أن أتمتع متاعًا ظاهرًا بجمال فتاة لا تكاد تبلغ الرابعة عشرة)، ثم يخاطب قسًا كان يجلس بجانبه، وهو يقرأ كتابًا صامتًا متعبدًا (ليت شعري أي العبادات كانت إلى الله أقرب يا صاحبي القس؟ أعبادة رجل يرى الله في الكتاب؟ أم عبادة من كان يعجب بالمصور الأكبر في صورة بديعة صوّرها)؟ ! .\nإنه الاستهتار بالقيم، وإنه الضعف أمام الفتن والمغريات، وإنه الخداع الذي يحاول فيه أحدهم أن يتقمص أكثر من شخصية واحدة، ولكن نقول لمثل هؤلاء: إن الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لا ينهى عن الشيء إلا وهو يعلم مغبة ضرره، وما يحدثه من قلق واضطراب داخل النفس وخارجها. إن النظرة سهم من سهام الشيطان، لا بد وأن يفتك بصاحبه، ونحن في واقعنا المشاهد، نرى أنه قد دمرت بيوت، وهدمت أسر، وانتهكت أعراض وحرمات، كل ذلك من جراء نظرة جموح رعناء، ملكت صاحبها فجعلته أسير الشهوة والشر، يسلم زمامه للشيطان. لقد أمرنا الله ورسوله - ﷺ - أن نتجنب كل هذه المزالق ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣].\nوهكذا يستمر المؤلف في الفصول اللاحقة، يبتر آية حينًا، ويكثر من نقل الإسرائيليات حينًا، وتارة ثالثة يهرع لتأويلات المتصوفة، مع أنه يعيب على البهائية تأويلهم لآيات القرآن، ويرى أنه لا بد أن يفسر القرآن تفسيرًا، لا يخرج اللفظ عن مدلوله اللغوي، وليته التزم هذا. إن الرجل لا يملك عدة المفسر، مع أننا ندرك من خلال كلماته أنه يحاول الفهم. قال لي قائل وأنا أكتب هذا الفصل: ينبغي أن يشجع مثل هذا، ألا تكفي هذه النقلة العظيمة التي انتقلها من الكفر إلى الإيمان فكفّر عن خطيئته؟، قلت: إذا كان الرجل صادق التوبة - وهذا ما أرجوه له، وما اقتنع به - فإنه لا يضره كلمة حق تقال له، بل ينبغي أن برحب بها. ذلك أنه ليس هناك مجاملة على حساب الدين، ورحم الله عمر وقد سجل التاريخ له صلابته في","vol":"1","page":707},{"text":"الحق مع جبلة بن الأيهم، إننا نرجو بصدق للطبيب الكاتب أن يفهم الإسلام صافيًا، نصًّا وروحًا غير متأثر بمؤثرات داخلية أو خارجية (والله يقول الحق وهو يهدي السبيل).\nومن هذه الإلمامة، ندرك أن التفسيرات المنحرفة لم يسلم منها اتجاه من اتجاهات التفسير، بيانيًا كان أو فقهيًا أو عقديًا.\nبعد أن كتبت هذا بما يزيد عن عشرين سنة، ذكرت بعض الصحف عن هذا الكاتب أنه من البهائية، وإذا صح هذا فهي الطامة الكبرى، وللبهائية والقاديانية تأويلات كثيرة منحرفة كنت أود أن لا أذكر شيئًا منها، لكن قد يقال لم لا يذكر شيء قليل لينبه الناس على خبط أولئك وانحرافاتهم وخروجهم عن الجادة وبعدهم عن الحقيقة؟\nوأقول: إنّ هناك كتبًا كثيرةً كتبها ذوو الغيرة ردّوا فيها الشبهات الكافرة التي أثارتها هاتان الفرقتان المرتدتّان عن دين الله: القاديانية والبهائية، لذا ضربتُ صفحًا عن الحديث عن هؤلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>خاتمة:</span>\nهذا ما يسّره الله لنا في هذا القسم الثاني، وهو الحديث عن اتجاهات المفسّرين في العصر الحديث، ويليه - إنْ شاء الله - القسم الثالث الذي أرجو الله أن يعين على إتمامه، وفيه أتحدّث عن مناهج المفسرين بادئًا بالحديث عن مدرسة المنار. ومن الله وحده العون. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم.","vol":"1","page":708},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>قَائِمَةُ الْمَصَادِرُ وَالْمَرَاجِعُ</span>\n١ - الإسرائيليات في التفسير الحديث، محمد حسين الذهبي، نشر مجمع البحوث.\n٢ - اتجاه التفسير، مصطفى محمد الطير، بحث مقدم لمجمع البحوث.\n٣ - إتحاف الكائنات، في تأويل الآيات المتشابهات، الشيخ محمود السباعي.\n٤ - الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، مصطفى الحلبي القاهرة.\n٥ - أثر القرآن في تطور النقد الأدبي، د. محمد زغلول سلام.\n٦ - أحكام القرآن، أبو بكر محمد عبد الله، ابن العربي، عيسى البابي الحلبي، القاهرة.\n٧ - الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي.\n٨ - إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، شركة مصطفى البابي، ١٣٥٨ هـ / ١٩٣٩ م.\n٩ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، أبو السعود العمادي، مطبعة محمد عبد اللطيف.\n١٠ - أسرار البلاغة، عبد القاهر الجرجاني، طبعة المنار.\n١١ - الإسلام في عصر العلم، الأستاذ محمد الغمراوي، دار الكتاب الحديثة.\n١٢ - الإعجاز البياني للقرآن، بنت الشاطئ، د. عائشة عبد الرحمن، دار المعرفة مطبعة المعارف، مصر.\n١٣ - إعجاز القرآن، مصطفى صادق الرافعي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط ٩، ١٩٧٣.\n١٤ - إعجاز القرآن، القاضي أبو بكر محمد بن الطيب بن القاسم الباقلاني، دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٣.\n١٥ - إعجاز القرآن الكريم، د. فضل حسن عباس وابنته سناء، دار النفائس.\n١٦ - الأمالي، الشريف المرتضى.\n١٧ - البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، مطبعة السعادة.\n١٨ - البداية في التفسير الموضوعي، د. عبد الحي الفرماوي، ط ٣، ١٤٠٥ هـ / ١٩٨٤ م.\n١٩ - البرهان في علوم القرآن، بدر الدين أبو عبد الله الزركشي، عيسى الحلبي، القاهرة.\n٢٠ - البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن، ابن الزملكاني.\n٢١ - بصائر جغرافية، رشيد رشدي العابري، المطبعة الأهلية، بغداد، ١٣٧٠ هـ/ ١٩٥١ م.\n٢٢ - البلاغة تطور وتاريخ، د. شوقي ضيف، ط ٢، دار المعارف، مصر.\n٢٣ - البلاغة فنونها وأفنانها وعلم المعاني، د. فضل حسن عباس، دار النفائس.\n٢٤ - البيان القرآني، د. محمد رجب البيومي، مجمع البحوث الإسلامية، ١٣٩١ هـ/ ١٩٧١ م.","vol":"1","page":709},{"text":"٢٥ - البيان والتبيين، عمرو بن بحر أبو عثمان الشهير بالجاحظ، تحقيق: عبد السلام هارون، دار الجليل.\n٢٦ - التبيان في أقسام القرآن، شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب، ابن قيم الجوزية، مطبعة مكة المكرمة.\n٢٧ - بين الطب والإسلام، د. حامد الغوابي، دار الكتاب للطباعة والنشر، القاهرة، ١٩٦٧ م.\n٢٨ - تأويل مختلف الحديث، ابن قتيبة.\n٢٩ - تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسلم، تحقيق: سيد صقر، القاهرة، مكتبة ومطبعة عيسى البابي الحلبي.\n٣٠ - التحرير والتنوير، (تفسير ابن عاشور)، ابن عاشور.\n٣١ - تحفة الفقهاء، علاء الدين السمرقندي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط ٢، ١٤١٢ هـ.\n٣٢ - التصوير الفني في القرآن، سيد قطب، دار الشروق.\n٣٣ - التفسير البياني للقرآن، بنت الشاطئ، د. عائشة عبد الرحمن، القاهرة، دار المعارف.\n٣٤ - تفسير جزء تبارك، عبد القادر المغربي، مطبعة العارف.\n٣٥ - تفسر جزء عمّ، الإمام محمد عبده، مطبعة دار الشعب.\n٣٦ - مفاتيح الغيب، فخر الدين الرازي، مطبعة عبد الرحمن محمد، القاهرة.\n٣٧ - التفسير العلمي للآيات الكونية، حنفي أحمد، دار المعارف.\n٣٨ - تفسير القرآن، الشيخ محمود شلتوت، دار القلم.\n٣٩ - تفسر القرآن العظيم، ابن كثير أبو النداء إسماعيل، طبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة.\n٤٠ - تفسير المراغي، الشيخ أحمد المراغي، مطبعة مصطفى الحلبي.\n٤١ - تفسير القرآن الحكيم (المنار)، الشيخ محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، ط ٢.\n٤٢ - التفسير الموضوعي، أحمد السيد الكومي.\n٤٣ - التفسير والمفسرون، د. محمد حسين الذهبي.\n٤٤ - تقريب التهذيب، ابن حجر العسقلاني، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، دار المعرفة، بيروت، ط ١٣٩٥، ٢ هـ / ١٩٧٥ م.\n٤٥ - تلخيص البيان في مجازات القرآن، الشريف الرضيّ.\n٤٦ - التمهيد لما في الوطأ من المعاني والأسانيد، يوسف بن عبد البر، ت: محمد الفلاح، ط ٢، الملكة المغربية، ١٤٠٢ هـ / ١٩٨٢ م.\n٤٧ - تهذيب الكمال في أسماء الرجال، يوسف بن عبد الرحمن المزي، مؤسسة الرسالة.\n٤٨ - الثقات، أبو حاتم البستي.\n٤٩ - تحت راية القرآن، الأستاذ مصطفى صادق الرافعي، المطبعة الرحمانية.\n٥٠ - ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، للرماني والخطابي وعبد القاهر الجرجاني، القاهرة، دار المعارف.","vol":"1","page":710},{"text":"٥١ - جامع الأصول، ابن الأثير الجزري.\n٥٢ - جامع البيان في تفسير القرآن، أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، مطبعة بولاق، ١٣٢٧ هـ القاهرة.\n٥٣ - جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي.\n٥٤ - الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، القاهرة، دار الكتب.\n٥٥ - الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي، د. محمد البهي.\n٥٦ - الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم.\n٥٧ - حاشية الشيخ زاده علي البيضاوي، الشيخ زادة. محيي الدين بن مصلح، دار الكتب العلمية، ط ١.\n٥٨ - الحيوان، لأبي عثمان، عمرو بن بحر الجاحظ، مطبعة الحلبي، ١٩٣٨ م.\n٥٩ - خطوات التفسير البياني، د. محمد رجب البيومي، مجمع البحوث الإسلامية، السنة الثالثة، ١٣٩١ هـ / ١٩٧١ م.\n٦٠ - الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، السمن الحلبي، ت: د. أحمد محمد الخراط، دار القلم، دمشق، ط ١، ١٤٠٨ هـ / ١٩٨٧ م.\n٦١ - دراسات في مناهج المفسرين، د. إبراهيم خليفة، ١٤٣٥ هـ، جامعة الأزهر.\n٦٢ - دراسة أدبية لنصوص من القرآن، د. محمد المبارك، دار الفكر المعاصر، ١٩٧٣ م.\n٦٣ - الدستور القرآني في شؤون الحياة، محمد عزة دروزة، ١٩٨١ م.\n٦٤ - رسائل الرافعي، جمع وترتيب محمود أبو ريّة، طبعة عيسى البابي الحلبي سنة ١٣٦٩ هـ.\n٦٥ - الرعاية لحقوق الله، الحارث المحاسبي.\n٦٦ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، شهاب الدين محمود الآلوسي، المطبعة المنبرية، القاهرة.\n٦٧ - سبل الهدى والرشاد، محمد بن يوسف الصالحي.\n٦٨ - سنن الترمذي، الإمام الترمذي، طبعة البابي الحلبي.\n٦٩ - سنن أبي داود، أبو داود السجستاني مطبعة السعادة.\n٧٠ - السنن الكبرى، أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، مجلس دائرة المعارف العثمانية.\n٧١ - سنن الله الكونية، محمد أحمد الغمراوي.\n٧٢ - سنن ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة البابي الحلبي وشركاه.\n٧٣ - سير أعلام النبلاء، الإمام أبو عبد الله شمس الدين الذهبي، ت: الشيخ شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة.\n٧٤ - السيرة النبوية، ابن هشام، تحقيق: مصطفى السقا، ط ٢، ١٣٥٥ هـ/ ١٩٥٥ م، مطبعة البابي الحلبي.","vol":"1","page":711},{"text":"٧٥ - شذرات الذهب، ابن العماد الحنبلي.\n٧٦ - صحيح البخاري، الإمام محمد بن إسماعيل البخاري، دار القلم، ط ١، ١٤٠١١ هـ/ ١٩٨١ م.\n٧٧ - صحيح مسلم، الإمام مسلم بن الحجاج القشيري، ت: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث.\n٧٨ - صحيح مسلم بشرح النووي، الإمام زكريا بن شرف الدين النووي، ١٣٤٩ هـ.\n٧٩ - الطبقات الكبرى، أبو عبد الله محمد بن سعد، ط ١، دار صادر بيروت، ١٩٦٨ م.\n٨٠ - على هامش التفسير، الشيخ عبد القادر المغربي، دار المعارف، القاهرة.\n٨١ - الطراز، ليحيى بن حمزة العلوي اليمني.\n٨٢ - العقيدة الإسلامية كما جاء بها القرآن الكريم، الإمام محمد أبو زهرة، مجمع البحوث في القاهرة.\n٨٣ - العقيدة المحمدية الكبرى، ابن الجوزي.\n٨٤ - العمدة في صناعة الشعر ونقده، ابن رشيق القيرواني، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ط ٤.\n٨٥ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، مطبعة البابي الحلبي، القاهرة.\n٨٦ - الفتح الرباني في ترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني، الساعاتي، ط ١، ١٣٥٥ هـ.\n٨٧ - الفتوحات الربانية في التفسير الموضوعي، الحسيني محمد أبو فرحة.\n٨٨ - فصول في أصول التفسير، د. محمد بن سليمان الطيار، تقديم: محمد الفوزان، الرياض، دار البشير، ط ١، ١٩٩٣.\n٨٩ - فضائل القرآن، أبو عبيد القاسم بن سلام.\n٩٠ - الفن القصصي في القرآن، محمد أحمد خلف الله، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة.\n٩١ - فيض القدير، شرح الجامع الصغير، محمد عبد الرؤوف المناوي، ط ١، ١٣٥٦ هـ / ١٩٣٨ م، المكتبة التجارية الكبرى.\n٩٢ - في ظلال القرآن، سيد قطب، ط ٥.\n٩٣ - القرآن العظيم هدايته وإعجازه، الشيخ محمد الصادق عرجون، مكتبة الكليات الأزهرية.\n٩٤ - قصص القرآن، صدق حدث وسموّ هدف، د. فضل حسن عباس، دار النفائس.\n٩٥ - قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية، د. فضل حسن عباس، دار البشير، ١٩٨٧ م.\n٩٦ - القول السديد في علم التوحيد، الشيخ محمود أبو دقيقة، مطبعة العلوم.\n٩٧ - الكامل في اللغة والأدب، لأبي العباس محمد بن يزيد المبرد، ت: محمد أحمد الدالي، مؤسسة الرسالة، ط ١، ١٤٠٦ هـ / ١٩٨٦ م.\n٩٨ - الكشاف، تفسير الزمخشري، الإمام محمود بن عمر الزمخشري، مطبعة الاستقامة، ١٩٤٦ م.\n٩٩ - الكشف عن مناهج الأدلة، أبو الوليد محمد بن رشد، مطبعة الإنجلو المصرية.\n١٠٠ - الكشف عن وجوه القراءات، مكي بن أبي طالب.","vol":"1","page":712},{"text":"١٠١ - لباب التأويل في معاني التنزيل، علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم المعروف بالخازن، مصطفى البابي، القاهرة.\n١٠٢ - مباحث في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم.\n١٠٣ - مجاز القرآن، أبو عبيدة، معمر بن المثنى، مكتبة الخانجي، القاهرة.\n١٠٤ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، أبو الحسن علي بن أبي بكر الهيثمي، مطبعة القدسي.\n١٠٥ - مجموع فتاوى ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم، ط ١، ١٣٩٨ هـ.\n١٠٦ - محاولة لفهم عصري للقرآن، د. مصطفى محمود، طبعة بيروت.\n١٠٧ - المدخل إلى التفسير الموضوعي، د. عبد الستار فتح الله سعيد.\n١٠٨ - المدخل إلى دراسة الفقه الإسلامي، د. محمد يوسف موسى، القاهرة، سنة ١٩٥٤ م.\n١٠٩ - المدرسة القرآنية، الإمام محمد باقر الصدر.\n١١٠ - مذكرات في التفسير الموضوعي، محمد محمد السماحي.\n١١١ - المرأة بين البيت والمجتمع، البهي الخولي، ط ١، دار الكتاب.\n١١٢ - مسند الإمام أحمد، الإمام أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، ودار صادر بيروت، ط ١، ١٣٨٩ هـ / ١٩٦٩ م.\n١١٣ - معجم الأدباء (إتحاف الأريب بمعرفة الأديب)، ياقوت الحموي.\n١١٤ - مناقب الإمام الشافعي، البيهقي.\n١١٥ - مناهج التجديد، الشيخ أمين الخولي، دار المعارف، ١٩٦٠ م.\n١١٦ - مناهج التفسير، عبد العظيم الغباشي.\n١١٧ - مناهج المفسرين، د. إبراهيم عبد الرحمن خليفة.\n١١٨ - معاني القرآن، أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء، دار المعارف، القاهرة.\n١١٩ - مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، مصطفى البابي الحلبي، القاهرة.\n١٢٠ - مقدمة جامع التفاسير، الراغب الأصفهاني، مطبوعة مع كتاب تنزيه القرآن، عن المطاعن، القاهرة، المطبعة الجمالية.\n١٢١ - مقدمة في أصول التفسير، تقي الدين أبو العباس، ابن تيمية، المطبعة السلفية، القاهرة.\n١٢٢ - من هدي القرآن، الإمام محمود شلتوت.\n١٢٣ - المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود، محمود خطاب السبكي.\n١٢٤ - من بلاغة القرآن أحمد أحمد بدوي، طبعة نهضة مصر.\n١٢٥ - الموافقات، الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، المكتبة التجارية، القاهرة.\n١٢٦ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال، محمد بن أحمد الذهبي، عيسى البابي الحلبي.\n١٢٧ - النبأ العظيم، د. محمد عبد الله دراز، مطبعة السعادة، مصر.","vol":"1","page":713},{"text":"١٢٨ - نهاية السول، جمال الدين أبو محمد عبد الرحمن الإسنوي، حلية محمد علي صبيح.\n١٢٩ - النهاية في غريب الحديث، ابن الأثير الجزري.\n١٣٠ - وحي القلم، مصطفى صادق الرافعي.\n١٣١ - الوحي المحمدي، محمد رشيد رضا، المكتب الإسلامي.\n١٣٢ - وفيات الأعيان، ابن خلكان، طبعة البابي الحلبي.\n١٣٣ - أعداد متفرقة من المجلات التالية:\n- مجلة الأزهر.\n- مجلة التمدن الإسلامي.\n- مجلة الرسالة.\n- مجلة الفتح.\n- مجلة المنار.\n- مجلة الهلال.\n- مجلة الوعي الإسلامي، العدد ٤٤ - ١٩٦٨، العدد ١٥ - ١٩٦٦.","vol":"1","page":714},{"text":"التفسير والمُفَسِّرون\nأساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث\nالمفسرون\nمدارسهم ومناهجهم\nالجزء الثاني\nالأستاذ الدكتور فضل حسن عبَّاس\nدار النفائس\nللنشر والتوزيع","vol":"2","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"2","page":2},{"text":"التفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث (٢)","vol":"2","page":3},{"text":"حقوق الطبع محفوظة\n١٤٣٧ هـ -٢٠١٦ م\nالطبعة الأولى\nرقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية\n١٤٨٨/ ٤ / ٢٠١٥\n٢٢٢\nعباس، فضل حسن\nالتفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث/ فضل حسن عباس. طـ ١ - عمان- دار النفائس للنشر والتوزيع-٢٠١٥\n() ص.\nالواصفات: التفسير// المفسرون// القرآن الكريم/\nتنويه مهم\nتحت طائلة المسائلة القانونية يمنع تصوير هذا الكتاب أو استخدامه بأنواع النشر كافة.\nدار النفائس\nللنشر والتوزيع -الأردن\nالعبدلي -مقابل مركز جوهرة القدس\nص. ب ٩٢٧٥١١ عمان ١١١٩٠ الأردن\nهاتف: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤٠\nفاكس: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤١\nEmail: alnafaes@hotmail.com\nwww.al-nafaes.com","vol":"2","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>مقدِّمَة:</span>\nاللهم لك الحمد كما نقول وخيرًا مما نقول، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، حمدًا يوافي نعمك ويكافئ مزيدك، اللهم صلِّ على سيدنا محمد خاتم رسلك، وخيرتك من خلقك، وصفوتك من عبادك، البشير النذير والسراج المنير، وسلم تسليمًا كثيرًا أفضل صلاة وأزكى تسليم، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد البشير النذير، والسراج المنير، وعلى آل محمد، كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد. وارضَ اللهم عن أصحابه الأبرار واجزهم عن دينك وكتابك خير الجزاء، واشمل اللهم التابعين وأئمتنا وعلماءنا وشيوخنا برحمتك ورضاك. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا، واجعل ذلك خالصًا لوجهك الكريم زادًا لنا يوم ينفد الزاد ولا يسأل حميم حميمًا .. أما بعد فمن نعم الله ﵎ التي لا تُحصى أن وفقنا وجعلنا دعاة للخير، وهذا هو القسم الثالث الذي أتناول فيه مناهج المفسرين في العصر الحديث، فلقد أتم الله علينا النعمة وله الشكر والمنة بإتمام القسمين الأولين اللذين ضمنتهما: الجزء الأول: القسم الأول: نشأة التفسير وأساسياته، والقسم الثاني اتجاهات التفسير.\nولقد ترددت كثيرًا في كيفية ترتيب هذا الجزء، أأتحدث عن المفسرين من حيث أزمنتهم، أم من حيث أمكنتهم أم من حيث مدارسهم، وآراؤهم، أم من حيث الترتيب الذي سلكوه في تفاسيرهم، أم من حيث الإيجاز والإطناب، أم من حيث إتمامهم لتفاسيرهم وعدم إتمامها، كل هذه كانت خواطر، وكان المسلك الذي هديت إليه راجيًا - من الله أن يكون صوابًا - الحديث عن المفسرين من حيث مدارسهم والصبغة التي عرفت بها تفاسيرهم، فقسمت هذا الباب إلى مدارس أربع.","vol":"2","page":5},{"text":"الأولى: المدرسة العقلية الاجتماعية، وأعني بها مدرسة الإمام محمد عبده أو مدرسة المنار، وسنتحدث فيها عن:\n١ - الأستاذ محمد عبده.\n٢ - الأستاذ محمد رشيد رضا.\n٣ - الشيخ عبد القادر المغربي.\n٤ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي.\n٥ - الشيخ أحمد مصطفى المراغي.\n٦ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت.\n٧ - الأستاذ الشيخ عبد الجليل عيسى.\nالثانية: المدرسة العلمية الكونية، وأعني مدرسة الشيخ طنطاوي جوهري.\nوسنتحدث فيه عن تفسيره جواهر التفسير.\nالثالثة: المدرسة التربوية الوجدانية، وأعني بها مدرسة ظلال القرآن للأستاذ الشهيد سيد قطب، ونتحدث فيه عن تفسيره في ظلال القرآن.\nأما المدرسة الرابعة فهي مدرسة الجمهور، ونعني بمدرسة الجمهور تلك التي لم تسترسل ولم تغال في تحكيم العقل، حتى إنها لترد بعض ما صح من الأحاديث والآثار - كما رأينا في مدرسة المنار - وتلك التي لم تغال في تفسير آي القرآن الكريم بما جاء في العلم الحديث، سواء أكان من النظريات العلمية أم من الحقائق، وليس معنى هذا أن مدرسة الجمهور لم تعرض لهذين النهجين، بل إنها لم تغال تلك المغالاة التي رأيناها في مدرسة المنار، ومدرسة الشيخ طنطاوي جوهري كما أننا لا نجد لها تلك الخصائص التي وجدناها في مدرسة التربية الوجدانية، ونعني مدرسة الظلال، وإن كان في بعضها كثير من آثار هذه المدرسة.\nوعلى هذا فإن جل التفاسير في العصر الحديث، يمكن أن نصنفها من هذه","vol":"2","page":6},{"text":"المدرسة أعني مدرسة الجمهور ... ولما كان هذا التصنيف قد يصعب لكثرة هذه التفاسير فقد رأيت تيسيرًا للأمر ومن الله التيسير، وتسهيلًا على القارى أن نقسم التفاسير في هذه المدرسة إلى أنماط، وأن نميز كل نمط من غيره على الترتيب التالي:\nأولًا: تفاسير منهجية: أراد منها مؤلفوها أن تدرس لطلاب الجامعات ويمثل هذا النمط التفسير الوسيط الذي صدرت منه عدة أجزاء للأستاذين: الأستاذ الفاضل مربي الأجيال الدكتور أحمد السيد الكومي ﵀، والأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر في هذه الأيام، الذي كان مدرسًا في كلية أصول الدين، ثم صدر هذا التفسير بعد ذلك دون أن يكون للأستاذ الكومي - ﵀ - أيّ ذكر، وهذا مما يؤسف له.\nثانيًا: تفاسير تقليدية، وهذه التفاسير منها ما هو موجز طبع مع المصحف الشريف، ومنها تفاسير مطولة، وهذه ليست سواء، فمنها ما أطال المفسر فيه النفس، ومنها ما هو دون ذلك، فمن التفاسير الموجزة:\n١ - تفسير الأستاذ محمد فريد وجدي الذي كتبه عام ١٣٢١ هـ.\n٢ - تفسير العلامة الشيخ حسنين مخلوف مفتي الديار المصرية سابقًا، ﵀.\n٣ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀.\nومن التفاسير المطولة:\n١ - تفسير القاسمي للشيخ محمد جمال الدين القاسمي ﵀.\n٢ - التحرير والتنوير لابن عاشور ﵀.\n٣ - تفسير الشنقيطي (أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن) للشيخ محمد أمين الشنقيطي ﵀.","vol":"2","page":7},{"text":"٤ - تفسير القرآن بالقرآن لعبد الكريم الحظيب ﵀.\n٥ - تفسير الشيخ محمد أبو زهرة ﵀.\n٦ - تفسير الدكتور وهبي الزحيلي.\nثالثأ: النمط الدعوي في التفسير، وقد جاء جلها مقالات في الصحف والمجلات ونتحدث إن شاء الله في هذا النمط عما يلي:\n١ - تفسير الشيخ ابن باديس ﵀.\n٢ - تفسير الشيخ حسن البنا ﵀.\n٣ - تفسير الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الأزهر الأسبق ﵀.\n٤ - تفسير الشيخ إبراهيم الجبالي ﵀.\n٥ - تفسير أبي الأعلى المودودي ﵀.\n٦ - تفسير الشيخ النورسي ﵀.\n٧ - تفسير الشيخ سعيد حوى ﵀.\n٨ - تفسير الشيخ عبد الرحمن الدوسري ﵀.\n٩ - تفسير الأستاذ أحمد مظهر العظمة ﵀.\n١٠ - تفسير الشيخ محمد محمود الصواف ﵀.\nرابعًا: تفسير ألقاها أصحابها دروسًا على أشرطة ثم فرغت وسنتكلم عن:\n١ - تفسير الشيخ الشعراوي ﵀.\n٢ - تفسير الشيخ عبد الحميد كشك ﵀.\nخامسًا: تفاسير خالف أصحابها المفسرين من حيث الترتيب، حيث لم يبدءوا تفاسيرهم حسب ترتيب المصحف الشريف، بل حسب ترتيب النزول كما ادعوا وسنتحدث عن تفاسير ثلاثة:","vol":"2","page":8},{"text":"١ - التفسير الحديث للأستاذ محمد عزة دروزة ﵀.\n٢ - بيان المعاني لعبد القادر ملا حويش ﵀.\n٣ - معارج التفكر للأستاذ عبد الرحمن حبنكة الميداني ابن العلامة - المجاهد الشيخ حسن حبنكة رحمه الله تعالى.\nكما سأتحدث إن شاء الله عن بعض الموضوعات القرآنية التي كثرت فيها الآراء واختلفت حولها أقوال العلماء، مثل اختلافهم في ذي القرنين ويأجوج ومأجوج وغيرهما من القضايا، وكثير من هذه القضايا ذكرها الكاتبون ذكرًا مستقلًا.\nسادسًا: بعض تفاسير الفرق من غير أهل السنة، وسأتحدث عن:\n١ - تفسير الميزان للطباطبائي ﵀.\n٢ - تفسير الشيخ محمد حسين فضل الله ﵀ وهما من تفاسير الشيعة.\nكما سنختار بعض تفاسير الإباضية، وقد تكون هناك تفاسير غير ما ذكرت، وسأحاول أن أسير على هذا الترتيب الذي ذكرت، لكنني قد أخرج عنه فأقدم أو أؤخر حسب المادة الموجودة المتوافرة، والله ولي التوفيق. ومن الله وحده أستمد العون وعليه وحده أتوكل، وهو حسبي ونعم الوكيل.\nوسأتحدث في هذا الجزء، من هذه المدرسة عن:\n١ - تفسير القاسمي.\n٢ - التفسير الوسيط.\n٣ - تفسير الأستاذ محمد فريد وجدي.\n٤ - صفوة البيان لمعاني القرآن للشيخ حسنين مخلوف.\n٥ - تفسير الشيخ السعدي.\n٦ - تفسير ابن باديس.","vol":"2","page":9},{"text":"٧ - تفسير الشيخ حسن البنا.\n٨ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين.\nوالله أسأل أن يوفق لإتمامه كما أتم القسمين السابقين، إن ربي قريب مجيب، سميع الدعاء. والله ولي التوفيق، ومن الله وحده أستمد العون وعليه وحده أتوكل، وهو حسبي ونعم الوكيل. وصلى الله وسلم تسليمًا كثيرًا وبارك على سيدنا محمد وآله، ورضي الله عنه الصحابة والتابعين لهم بإحسان.\nفضل حسن أحمد عباس\nالجمعة/ الرابع عشر من ربيع الثاني ١٤٢٧ هـ\nالثاني عشر من شهر أيار سنة ٢٠٠٦ م","vol":"2","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>الفصل الأول المدرسة العقلية الاجتماعية</span>\nسنتناول في هذا الفصل مناهج المفسرين التالية أسماؤهم:\n١ - الإمام الشيخ محمد عبده.\n٢ - السيد محمد رشيد رضا.\n٣ - الشيخ عبد القادر المغربي.\n٤ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي.\n٥ - الشيخ أحمد مصطفى المراغي.\n٦ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت.\n٧ - الأستاذ الشيخ عبد الجليل عيسى.","vol":"2","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-344>١ - الإمام الشيخ محمد عبده</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>أولًا: موجز عن تاريخ حياة الإمام:</span>\nيشاء الله أن يكون لأفراد من الناس أثر كبير وشأن عظيم، وربما يكون هذا نتيجة لعوامل متعددة: كالاستعداد الفطري، وتوافر الظروف، وإتاحة الفرص. ومن هؤلاء الأفراد كان الشيخ المفسر الإمام محمد عبده، والده عبده بن حسن خير الله، تركماني الأصل من قرية محلة نصر بمركز شبراخيت بمديرية البحيرة، بمركز السنطة، مديرية الغربية. وتردد على حصة بشير (مركز طنطا). وهناك تزوج بامرأة، يقال إن نسبها يتصل بعمر بن الخطاب ﵁. ومن هذين الأبوين ولد الشيخ الإمام محمد عبده عام ١٨٤٩ م/ ١٢٦٦ هـ.\nثم عاد والده إلى محلة نصر حيث كبر الطفل وترعرع، وقد أولاه أبوه عناية خاصة، فتعلم القراءة والكتابة في البيت. وحفظ الغلام القرآن على معلم خاص به في عامين اثنين. ثم انتقل إلى الجامع الأحمدي بطنطا عام (١٢٧٩ هـ ١٨٦٢ م) حيث أتقن تجويد القرآن في عامين وكان آنذاك في الخامسة عشرة، ولكنه صمم بعد ذلك على ترك الدراسة والرجوع إلى بلده، ليعمل مزارعًا، وذلك لأنه لم يتمكن من استيعاب شيء من الدروس. ولكن رغبة والده كانت على العكس من ذلك، لذا نراه يرغم ولده على الرجوع إلى طنطا، على الرغم أنه كان قد مضى على زواج محمد عبده أربعون يومًا.\nوهنا تتدخل العناية الإلهية، فقد هيأ الله له رجلًا صالحًا من أخوال أبيه هو الشيخ درويش خضر - وكان متصوفًا ملمًا ببعض أنواع العلوم - وهو الذي استطاع أن يحبّب للشيخ طلب العلم. فعاد إلى طنطا تدفعه الرغبة، وكل همه أن يزداد علمًا. فقضى أربع سنين أتم خلالها الدراسة في الجامع الأحمدي.","vol":"2","page":13},{"text":"ثم انتقل إلى الأزهر الشريف سنة (١٨٦٦ م -١٢٨٣ هـ) واستمر فيه حتى حصل على الشهادة العالمية سنة (١٨٧٧ م -١٢٩٤ هـ) عين بعدها مدرسًا للتاريخ في مدرسة دار العلوم، ومدرسًا للعلوم العربية في مدرسة الألسن الخديوية.\nوقد التقى في أثناء دراسته في الأزهر الشيخ جمال الدين الأفغاني، وصاحبه عام (١٢٨٧ هـ -١٨٧٠ م) وكان من أقرب المقربين إليه. وعندما نفي الشيخ جمال الدين، عزل الشيخ محمد عبده من عمله، وفرضت عليه الإقامة الجبرية في قريته. ثم استصدر رياض باشا عفوًا له من الخديوي عام (١٨٨٠ م -١٢٩٧ هـ)، وعينه محررًا في الجريدة الرسمية، فرئيسًا لتحريرها في نهاية العام، وساعده مركزه على الكتابة فكان في كتاباته يطالب بالإصلاح الاجتماعي والسياسي.\nوحينما حدثت الثورة العرابيّة، كان له دور بارز فيها، على الرغم من أنه لم يكن بادي الأمر مقتنعًا بهذا الأسلوب في الإصلاح، وعندما فشلت الثورة حوكم مع من حوكم، ونفي إلى سورية فأقام فيها نحو سنة. ثم سافر إلى باريس بدعوة من الشيخ الأفغاني، فأصدر هناك مجلة (العروة الوثقى)، ولكن هذه المجلة لم تعمر طويلًا، مما اضطر الشيخ أن يستقر بعد تطواف في بيروت، وكان له هناك نشاط واسع في المساجد والمدارس الدينية.\nوعاد في سنة (١٨٨٨ م - ١٣٠٥ هـ) من منفاه، بعد أن عفا عنه الخديوي توفيق، وعين في سلك القضاء، وترقى فيه حتى أصبح مستشارًا بمحكمة الاستئناف. ثم عين عضوًا في مجلس إدارة الأزهر، الذي أسس بفضل سعيه عند الخديوي عباس، ثم صدر أمر بتعيينه مفتيًا للديار المصرية، وعضوًا في مجلس شورى القوانين في عام (١٨٩٩ م - ١٣١٧ هـ) وكان قد تعلم اللغة الفرنسية وهو ابن أربع وأربعين، وسافر إلى أوروبا عدة مرات، وقد قام بعد عودته من المنفى بنشاط علمي واسع في دروسه بالأزهر، وفتاويه في العالم الإسلامي، ومحاضراته ومقالاته ومراسلاته ومجالسه. ثم انتقل إلى رحمته تعالى في الحادي عشر من","vol":"2","page":14},{"text":"تموز عام ١٩٠٥ م، في الثامن من جمادى الأولى ١٣٢٣ هـ في مدينة الإسكندرية، ودفن في القاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>ثانيًا: العوامل التي أثرت في تكوين شخصيته:</span>\nكان الشيخ ﵀ ذا شخصية قوية فذة تمتاز بميزات في أكثر من جانب: الجانب العلمي والجانب الإصلاحي، والجانب الأخلاقي والروحي، كل هذه كانت واضحة في شخصية الشيخ. فلا بد أن نبحث إذن عن تلك العوامل التي أثرت في تلك الشخصية إيجابًا أو سلبًا، قريبة أو بعيدة. مباشرة كانت تلك العوامل أو غير مباشرة، وعلى ضوء الدراسة لحياة الشيخ وتاريخه، سأحاول أن ألم ببعض تلك المؤثرات متجنبًا الإسهاب والإطناب ما استطعت.\nنشأ الشيخ في أسرة متوسطة الحال كما أسلفت. وكان أبوه قد تزوج بعد أمه فعاش ذلكم الجو الاجتماعي الخاص، وكان أبوه قد ترك موطنه الأصلي، نتيجة للظلم والاضطهاد والتعسف، وكان هذا وذاك من العوامل الأولى التي تفتحت عيونه عليها. ولعل هذه الأسباب وغيرها كانت من أهم الحوافز التي جعلت الشيخ يندفع فيما بعد في دعوته الإصلاحية للمجتمع الذي يعيش فيه، على أن عامل الوراثة كذلك ينبغي ألا يهمل أثره، فقد عرف عن والده الجرأة والصلابة والقسوة على من يعاديه. يقول الشيخ:\n(وكنت أعقل من صغري، ما كان عليه والدي من ثباته في عزيمته، وشدته في المعاملة، وقسوته على من يعاديه. وأخذت عنه هذه الصفات ما عدا القسوة، وأما والدتي فكانت منزلتها بين نساء القرية لا تقل عن مكان والدي، وكانت ترحم المسكين، وتعطف على الفقراء، وتعد ذلك مجدًا وطاعة لله وحمدًا) (١).\nوبعد أن ترك الشيخ جو القرية، ذهب إلى الجامع الأحمدي في طنطا، وكان لا\n_________\n(١) الأعمال الكاملة للإمام. ٢/ ٣٢١ وما بعدها ط ٢، ١٩٨٠ م.","vol":"2","page":15},{"text":"يزال غضًا سرعان ما يتأثر بما يحيط به، وكان أول هذه المؤثرات هنا، هو هذا الأسلوب في التدريس، الذي نقم عليه الشيخ، واستمرت تلك النقمة تلازمه طيلة حياته كلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-347>العامل الأول:</span>\nأما أهم العوامل التي كان لها في نفس الشيخ الأثر القريب، ذو الفعل المباشر، اتصاله بالشيخ درويش خضر ﵀. فلقد استطاع هذا الشيخ بحق، أن ينتزع من نفس الأستاذ جميع تلك السلبيات، وأن يقتلع جذور تلك الرواسب، وأن يغرس الإيجابية والحيوية، وأن يفتح له الآفاق الروحية المشرقة، وهنيئًا لهؤلاء الذين جعلهم الله أبوابًا للخير، يفتحون مغاليق النفوس بما وهبهم الله من صفاء وإخلاص، وهنيئًا كذلك لأولئك الذين يقيض الله لهم، هذه الصفوة الخيرة - اللهم دلنا على من يدلنا عليك - ولقد كان الأستاذ شغوفًا بلقاء الشيخ، كلما سمح وقت أو سنحت فرصة. وإذا أردنا أن ندرك أثر الشيخ درويش في نفسه، فلنوازن بين ما يقوله عن دراسته في طنطا، وما يعترف به من أثر للشيخ درويش.\nيحدثنا عن أثر أسلوب التعليم في نفسه فيقول:\n(وقضيت سنة ونصفًا لا أفهم شيئًا، لرداءة طريقة التعليم. فأدركني اليأس من النجاح، وهربت من الدرس، واختفيت عن إخواني مدة ثلاثة شهور، ثم عثر علي أخي، وأخذني إلى المسجد الأحمدي، وأراد إكراهي على طلب العلم، وقلت له: قد أيقنت أن لا نجاح لي في طلب العلم، ولم يبق علي إلا أن أعود إلى بلدي وأشتغل بملاحظة الزراعة كما يشتغل الكثير من أقاربي. وانتهى الجدل بتغلبي عليه، وأخذت ما كان لي من ثياب ومتاع، ورجعت إلى محلة نصر على نية ألّا أعود إلى طلب العلم، وتزوجت على هذه النية فهذا أول أثر وجدته في نفسي، من طريقة التعليم في طنطا. وهي بعينها طريقته في الأزهر، وهو الأثر الذي يجده خمسة وتسعون في المائة، ممن لا يساعدهم القدر، بصحبة من لا يلتزمون هذه","vol":"2","page":16},{"text":"السبل في التعليم) (١).\nويصف أثر صحبة الشيخ في نفسه فيقول:\n(رأيتني أطير بنفسي في عالم غير العالم الذي كنت أعهده. واتسع لي ما كان ضيقًا، وصغر عندي من الدنيا ما كان كبيرًا، وعظم عندي من أمر العرفان والنزوع بالنفس إلى جانب القدس، ما كان صغيرًا، وتفرقت عني هموم النفس إلّا همًا واحدًا، وهو أن أكون كامل المعرفة وكامل أدب النفس.\nولم أجد إمامًا يرشدني إلى ما وجهت إليه نفسي، إلّا ذلك الشيخ، الذي أخرجني في بضعة أيام، من سجن الجهل إلى فضاء المعرفة - ومن قيود التقليد إلى إطلاق التوحيد ... وهو مفتاح سعادتي إن كانت لي سعادة في هذه الحياة الدنيا، وهو الذي رد لي ما كان غاب من غريزتي، وكشف لي ما خفي عني مما أودع في فطرتي) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>العامل الثاني:</span>\nوإذا كان الشيخ درويش خضر هو المؤثر الخفي الذي غاب عن أذهان الناس، فإن هناك مؤثرًا ظاهرًا كان له صولة وجولة في حياة الشيخ، ألا وهو جمال الدين الأفغاني. وإذا كان الشيخ درويش، قد فتح قلب الأستاذ لآفاق الحياة الواسعة، واستطاع أن يسمو بروحه إلى مدارج الصفاء، فإن الشيخ جمال الدين كان له أثره في نمو فكره، واتساع مداركه لينظر إلى الحياة نظرة فيها الجدة والواقعية لا يشوبها الخيال، ولا يعتريها بعض ما يعتري المتصوفين، بل كانت فيها روحانية المتصوف وفكر الفيلسوف، وفقه المسلم.\nومن الجميل أن يقدر الأستاذ محمد عبده للشيخ جمال الدين هذا الجميل،\n_________\n(١) تاريخ الأستاذ الإمام ١/ ٢٠، وانظر الأعمال الكاملة للإمام ٢/ ٣٢٨.\n(٢) تاريخ الأستاذ الإمام ١/ ٢٤ - ٢٥.","vol":"2","page":17},{"text":"فيقول: (إن أبي وهبني حياة يشاركني فيها علي ومحروس - وهما أخوان له كانا مزارعين - والسيد جمال الدين وهبني حياة أشارك فيها، محمدًا وإبراهيم وموسى وعيسى والأولياء والقديسين). ولقد أدرك جمال الدين ذكاء الشيخ، وقوة شخصيته وعلو همته، فكان يقول \"أي ملك في جلدك؟ \" وحينما أخرج من مصر خرج وهو مطمئن إلى أنه قد خلف وراءه من ورث علمه وإصلاحه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>العامل الثالث:</span>\nمن تلك المؤثرات في شخصية الشيخ، كان ذلك التطواف وتلك الرحلات في البلدان الأوروبية، حيث اطلع على نظمها وأساليب الحياة فيها، والتقدم العلمي الذي وصلت إليه، فكان لذلك كله أثر غير خاف في منهجه الاصلاحي والعلمي.\nتلك أهم العوامل القريبة التي كان لها أثرها الكلي في حياة الشيخ، وربما كانت هناك عوامل أخرى نابعة من ثقافته الخاصة، كدراسته عن المعتزلة وغيرهم، ممن لهم أثر في التراث الإسلامي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>ثالثًا: آراء الشيخ في الإصلاح:</span>\nأما نزعته في الإصلاح، فتتجلى في مظاهر متعددة، فكتابته في الصحف والمجلات، وتكوينه الجمعيات المختلفة، خيرية أو ثقافية، وما كان يصدره من فتاوى، وما كان له من جهد شخصي في إغاثة المنكوبين وإغاثة البؤساء، كل ذلك إنما يدل على شفافية نفس الشيخ، وحرصه على نهضة أمته، وحب الخير لها، وتخليصها من استبداد الحاكم وسلطان الأجنبي. وكان يرى أن هذا الإصلاح وتلك التوعية، لا ينبغي أن تكون طفرة، بل لا بد فيها من التؤدة والحكمة، ومن هنا لم يكن يؤمن بالعنف، والوصول عن طريق الثورات. لذلك لم يكن من مؤيدي الثورة العرابيّة في بدايتها - كما أسلفت -، وإن انخرط فيها بعد ذلك.\n_________\n(١) تاريخ الأستاذ الإمام ١/ ٢٤.","vol":"2","page":18},{"text":"وكان يدعو إلى إصلاح الأزهر بالطريقة التي رآها مناسبة. وتمت بعض الخطوات في حياته، إلا أن آماله سرعان ما تبددت، حين اصطدم بالواقع الصلب. وكان يعتقد أنه لا ينبغي أن نثور على كل جديد، فإن من هذا الجديد ما هو ضروري للأمة، ولو كان مستعارًا حيث يقول الشيخ:\n(ويمكننا أن نعرف كثيرًا من شؤون الإسلام وتاريخه من الكتب الإفرنجية، فإن فيها ما لا نجده في كتبنا، إن العالم المسلم، لا يمكن أن يخدم الإسلام من كل وجه يقتضيه حال هذا العصر، إلا إذا كان متقنًا للغة من اللغات الأوروبية، تمكنه من الاطلاع على ما كتب أهلها في الإسلام وأهله، من مدح وذم وغير ذلك من العلوم) (١).\nوقد ساعده على نشاطه الإصلاحي تبوؤه لمناصب حساسة في الحكومة، ويستحسن أن أنقل هنا كلمة للشيخ توضح مقاصده وغايته من الإصلاح:\n(ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول تحرير الفكر من قيد التقليد، وفهم الدين على طريقة سلف الأمة، قبل ظهور الخلاف، والرجوع في كسب معارفه إلى ينابيعها الأولى، واعتباره من ضمن موازين العقل البشري التي وضعها الله لترد من شططه وتقلل من خلطه وخبطه. وأنه على هذا الوجه يعد صديقًا للعلم، باعثًا على البحث في الكون، وداعيًا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبًا بالتعويل عليها، في أدب النفس والإصلاح والعمل .. والأمر الثاني إصلاح أساليب اللغة العربية في التحرير، سواء كان في المخاطبات الرسمية، أم في المراسلات بين الناس - وكانت أساليب الكتابة في مصر تنحصر في نوعين كلاهما يمجه الذوق وتنكره لغة العرب: الأول ما كان مستعملًا في مصالح الحكومة وما يشبهها، وهو ضرب من ضروب التأليف بين الكلمات رث خبيث غير مفهوم، ولا يمكن رده إلى لغة من لغات العالم، لا في صورته ولا في مادته، والنوع الثاني: ما كان يستعمله الأدباء والمتخرجون في الجامع الأزهر، وهو ما كان يراعى فيه السجع، وإن كان\n_________\n(١) تاريخ الأستاذ الإمام ١/ ١٢٧.","vol":"2","page":19},{"text":"باردًا، وتلاحظ فيه الفواصل، وأنواع الجناس وإن كان رديئًا في الذوق، بعيدًا عن الفهم، ثقيلًا على السمع، غير مؤد للمعنى المقصود، ولا ينطبق على آداب اللغة العربية .. ولا يزال هذا النوع موجودًا في عبارات المشايخ. وهناك أمر آخر كنت من دعاته والناس جميعًا في عمى عنه، ولكنه الركن الذي تقوم عليه حياتهم الاجتماعية وما أصابهم الوهن والضعف والذل إلا بخلو مجتمعهم منه، وذلك هو التمييز بين ما للحكومة من حق الطاعة على الشعب، وما للشعب من حق العدالة على الحكومة، نعم كنت فيمن دعا الأمة المصرية إلى معرفة حقها على حاكمها، وهي لم يخطر لها هذا الخاطر على البال من مدة تزيد على عشرين قرنًا. دعوناها إلى الاعتقاد بأن الحاكم، وإن وجبت طاعته، من البشر الذين يخطئون وتغلبهم شهواتهم، وأنه لا يرده عن خطئه، ولا يقف طغيان شهوته إلا نصح الأمة له بالقول والفعل. جهرنا بهذا القول والاستبداد في عنفوانه، والظلم قابض على صولجانه، ويد الظالم من حديد، والناس كلهم عبيد له أي عبيد.\nولم أكن في كل ذلك الإمام المتبع، ولا الرئيس المطاع، غير أني كنت روح الدعوة وهي لا تزال بي في كثير مما ذكرت قائمة. ولا أبرح أدعو إلى عقيدتي في الدين، وأطالب بإتمام الصلاح في اللغة وقد قارب، أما أمر الحكومة والمحكوم، فتركنه للقدر يقدره، وليد الله بعد ذلك تدبره، لأنني قد عرفت أنه ثمرة تجنيها الأمة من غراس تغرسه، وتقوم على تنميته السنون الطوال. فهذا الغرس هو الذي ينبغي أن يعنى به الآن والله المستعان، أصبت نجاحًا في كثير مما عنيت به، وأخفقت في كثير مما وجهت عزيمتي إليه، ولعل لذلك أسبابًا، بعضها ما غرز في طبعي وشيء منها احتف حولي، وطائفة من أصالتي في الرأي أو خطلي) (١) وكلمة الشيخ هذه يشعر قارئها، ويحس المتأمل فيها، بأنها كانت نفثة أخرجها الشيخ من فؤاده، وكانت عصارة ألم فيه اليأس تارة، والأمل أخرى. على أن نزعة الشيخ وآراءه في الإصلاح، كانت مثار نقاش وجدل بين خصومه ومؤيديه، في حياته وبعد وفاته.\n_________\n(١) الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ٣/ ٥٣٩ وما بعدها.","vol":"2","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>رابعًا: الشيخ في رأي النقاد:</span>\nإن رضا الناس غاية لا تدرك، وكلما عظم صيت الإنسان وازدادت شهرته كثرت آراء الناس فيه، ولقد كان شيخنا من هذا القبيل، وإذا كان بعض الناس تختلف فيهم الآراء بعد رحيلهم عن الدنيا، فإن الأستاذ أدرك اختلاف الناس فيه في حياته، وسأعرض هنا لآراء خصومه ومؤيديه في حياته وبعد وفاته.\nأما في حياته فلقد كان للشيخ آراؤه في الإصلاح والسياسة ومن هنا تعددت الجهات التي تخاصمه، وتناصبه العداء من أنجل آرائه. وأهم هذه الجهات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>١ - علماء الأزهر:</span>\nلقد وضع الشيخ برنامجًا إصلاحيًا للأزهر إدارة وتدريسًا، ولكن هذا سبب نقمة كثيرين عليه، وخاصة بعد إصداره لبعض الفتاوى، وأهمها فتوى جواز التعاون مع الكفار، وجواز استثمار الأموال في صناديق التوفير، وجواز لبس البرنيطة. ولقد كانت خصومة الأزهر عنيفة على الشيخ. ذلك لأن وضع الأزهر في ذلك الوقت، كان يمكنه من ذلك العنف وتلك الشدة. على أن بعض ما رمى به الشيخ في ذلك الوقت، كان من قبيل الافتراء والدسائس، يروي الأستاذ الطناحي في تقديمه لكتاب دروس من القرآن الكريم، حديثًا حدث به الأستاذ إبراهيم الهلباوي ﵀، وكان من زملاء الإمام في الدراسة: (لعلك تعجب إذا قلت لك: إنني كنت من أعدى أعداء الشيخ محمد عبده وإنني تسببت مرة للشيخ محمد عبده في (علقة حامية) من الطلاب. وذلك أن السيد جمال الدين الأفغاني حضر إلى مصر في نحو سنة ١٨٧١ م، وكانت سنه لا تزيد على الثانية والثلاثين، وأخذ يلقي دروسًا في العلوم الدينية والأدبية والفلسفية، بروح جديدة وأسلوب جديد، لم يعهده الأزهر وطلابه، فكان طبيعيًا أن ينقم عليه شيوخ الأزهر، وأتباعهم من الطلاب المنافقين. وكنت وقتئذ في السابعة عشرة من عمري، ومن أشد الطلاب كرهًا لجمال الدين وتلاميذه، وعلى رأسهم الشيخ محمد عبده، حتى وصل بي طيش الصبا والشباب","vol":"2","page":21},{"text":"إلى أن توجهت إلى أستاذنا الشيخ عليش، وهو جالس بمسجد الإمام الحسين، وادعيت على الشيخ محمد عبده، أنه يصلي العصر بغير وضوء. كانت سنه في ذلك الوقت في نحو الثانية والعشرين، فأرسل معي جمعًا من الطلاب، فوجدناه يصلي، فقطعنا صلاته، وأخذناه عنوة إلى الشيخ عليش، وهناك أمر بتعذيبه فانهلنا عليه ضربًا موجعًا ..) كما أنه يذكر في نفس التقديم كيف أن الشيخ قد روج عليه بعض العلماء، بأنه تارك للصلاة، ويروي على ذلك قصتين: إحداهما في بيت أحد وجهاء الريف، والأخرى في بيت أحمد باشا تيمور. وكيف أن الله أظهر زيف تلك الدعاوى. وأقول والألم يعتصر في نفسي: إنني سمعت حين كنت طالبًا في الأزهر كثيرًا مما يشابه ما نقله الأستاذ الطناحي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>٢ - الأدباء والمفكرون:</span>\nومن هؤلاء رئيس الحزب الوطني المرحوم مصطفى كامل، الذي كان يرى أنه لا يمكن أن يتم أي إصلاح في مصر، إلا بعد جلاء الإنجليز. يقول أحمد أمين في كتابه زعماء الإصلاح (١): وحاربه في السياسة الحزب الوطني لأنه لا يرى رأي الأستاذ في إصلاح التعليم أولًا بل بالجلاء أولًا. ولا يرى رأيه في الاعتماد على الشعور، ولا يرى رأيه في مسألة الإنجليز (٢)، بل بمخاصمتهم العنيفة.\n_________\n(١) زعماء الإصلاح ص ٣٣٦.\n(٢) وفي العاشر من هذا الشهر - آذار (مارس) - عام ٢٠٠٥ عقدت بعض الجهات الثقافية في مصر ندوة وذلك بمناسبة مرور مائة عام على انتقال الشيخ إلى رحمة الله تحدث فيها بعض أهل الفكر والأدب، وكان من أهم ما أثير فيها موقف الشيخ السياسي، فقد تساءل بعض المتحدثين: أكان مقبولًا من الشيخ دعوته إلى الإصلاح واختلافه مع الوطنيين الذين يريدون إخراج الإنجليز من مصر، مما كان له آثر في تصدع الإجماع في محاربة الأعداء؛ وأقول كنت أتمنى أن يكون للشيخ غير هذا الموقف، ولقد سمعنا في هذه الأيام، وبلادنا تتعرض لهجمة شرسة من الأمريكان واليهود وغيرهما من الأعداء وها هي الأوضاع في العراق وفي فلسطين وفي أفغانستان وفي الشيشان، بل في العالم الإسلامي كله، تتحفز فيها الشعوب المسلمة لنيل حريتها، لولا طغيان حكامها، أقول: سمعنا من الذين يريدون أن يمكنوا لأعداء الله أعداء الأمة، سمعنا منهم تسويغهم لمساندة الأعداء، وادعاءهم =","vol":"2","page":22},{"text":"أما بعد وفاته فعلى الرغم من كثرة مؤيديه الذين يعدونه إمامًا وعلمًا من أعلام النهضة، فقد رأينا من يهاجمه، وقد يصل هذا إلى درجة التشنيع. يقول الأستاذ مصطفى صبري (١): (أما النهضة الإصلاحية المنسوبة إلى الشيخ محمد عبده، فخلاصتها أنه زعزع الأزهر عن جموده على الدين فقرّب كثيرًا من الأزهريين إلى اللادينيين خطوات، ولم يقرّب اللادينيين إلى الدين خطوة، وهو الذي أدخل الماسونية في الأزهر، بواسطة شيخه جمال الدين الأفغاني، كما أنه شجع قاسم أمين على ترويج السفور في مصر).\nبينما نرى الدكتور محمد البهي، الذي أعجب بالشيخ، حتى جعل إهداء كتابه (الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي) للشيخ تقديرًا وتعظيمًا له، يدافع عن الأستاذ في كتابه (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي)، وينكر على أحمد أمين مقارنته بين الثميخ وبين أحمد خان في الهند. يقول: (لقد كانت توجد في مصر سلطتان: سلطة الاحتلال وسلطة محلية، وهي سلطة الخديوي. بينما كانت توجد في الهند سلطة واحدة هي سلطة الاحتلال الإنجليزي. فهناك نوع من المفارقة بين الهند ومصر، وبالتالي بين موقف محمد عبده، وموقف السير سيد أحمد خان. فالممالأة للسلطة القائمة هناك كانت واضحة، لتحقيق منفعة شخصية أو لتحقيق خدمات للاستعمار. أما التفاهم هنا في مصر مع ممثل السلطة المحتلة، فكان للوقاية أو للحيلولة دون استمرار تنفيذ الخطة الموضوعة، لتصفية أوقاف المسلمين، وتوجيهها وجهة أخرى غير التي وقفت من الخيرين).\nويحسن هنا أن نثبت بعض فقرات لكاتب حديث هو الدكتور محمد محمد\n_________\n= أن هذا كان منهج الشيخ محمد عبده، فلماذا تلوموننا، مع أنني على يقين بأن هناك فرقًا شاسعًا بين موقف هوْلاء العملاء، وبين موقف الشيخ الذي كان يصدر عن رأي، لا عن عمالة، سامح الله الشيخ محمد عبده، ورحمه رحمة واسعة.\n(١) موقف العقل والعلم والدين ١/ ١٣٣.","vol":"2","page":23},{"text":"حسين (١): (وظهر بين هاتين النزعتين (الغربية والإسلامية)، اتجاه ثالث يرمي إلى التوفيق بين الإسلام وبين حضارة الغرب، وتزعم الشيخ محمد عبده هذا الاتجاه الجديد، الذي عرضه لسخط المتفرنجين والداعين بدعوة الإسلام كليهما - كما يقول كرومر - وإن كان سخط الأولين أقل من سخط الآخرين، وحقيقة الأمر في حركة الشيخ محمد عبده وأستاذه جمال الدين الأفغاني، الذي اقترن اسمه في الشطر الأول من حياته، لا تزال تشاج إلى مزيد من الوثائق، التي توضح موقفهما، وتزيل ما يحيط به من غموض ومن تناقض، فيما اجتمع حولهما من أخبار، فبينما ينزله رشيد رضا، ومعه كل أتباع الشيخ محمد عبده الذين ازداد عددهم على الأيام منزلة الاجتهاد في الدين، ويرفعونه إلى أعلى درجات البطولة والإخلاص الذي لا تشوبه شائبة، كان كثير من علماء الشريعة المعاصرين له، يتهمونه بالمروق من الدين والانحراف به، وتسخيره لخدمة العدو. فإذا تركنا هؤلاء وهؤلاء ممن قد يجد الطاعنون سبيلًا إلى رميهم بالتحيز والمحاباة أو التحامل والتزمت، وجدنا كثرة من النصوص في كتب ساسة الغرب ودارسيه، تصور رأيهم فيه وفي مدرسته وتلاميذه، ومكانه من الفكر الحديث، وهي جميعًا تتفق على تمجيده والإشادة به، وبما أداه للاستعمار الغربي من خدمات، بإعانته على تخفيف حدة العداء بينه وبين المسلمين، وهو عداء يستتبع آثارًا سياسية تضر بمصالحه، وتهدد بإذكاء الثورات التي لا تفتر ولا تنقطع).\nوإلى جانب ذلك كله نجد إشارات صريحة، لأحد كبار رجال الماسونية في مصر - ومن المعروف أنها دعوة تخدم اليهودية العالمية - تؤكد أن جمال الدين الأفغاني هو مؤسس (محفل كوكب الشرق) ورئيسه، كما تؤكد أن محمد عبده كان عضوًا في هذا المحفل إذ يقول:\n(وقد ظهرت الماسونية في سورية في مظهر الإخلاص والمحبة، أثناء الحوادث\n_________\n(١) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر جـ ١ ص ٣٠٧ الطبعة الثانية.","vol":"2","page":24},{"text":"العرابية سنة ١٨٨٢ م فإن الإخوان المصريين والمهاجرين الذين جاءوا إلى سورية، قابلهم إخوانهم بالترحيب العظيم، ودعوهم إلى محافلهم ومنازلهم، وكان الأفاضل الشيخ محمد عبده وإبراهيم بك اللقاني وحسن بك الشمسي، وجماعة المرحوم السيد جمال الدين الأفغاني وغيرهم، يحضرون معنا في محفل لبنان ويخطبون، فيشنفون أسماع السوريين بخطبهم النفيسة وأحاديثهم الطليّة. ونال الأستاذ محمد عبده رتبة البلح والصدف، من المندوبّ الأمريكي الذي حضر إلى محفل لبنان).\nومما يؤكّد أن الأستاذ كان يسعى إلى تقريب الإسلام من الحضارة الغربية ما سبق من نصوص ومما يؤكد ويزيد ذلك أن الشيخ رشيد رضا - وهو أكثر تلاميذ محمد عبده محبة له - قد أيّدها في كنابه (تاريخ الأستاذ الإمام). ومهما يكن من أمر في حقيقة حركة محمد عبده فمن الواضح في آثاره الأدبية - وأكثرها مقالات صحيفة - أنها تنقسم إلى قسمين ظاهرين:\nاتجه في أحدهما إلى تدعيم الدعوة للجامعة الإسلامية، بينما اتجه في القسم الثاني إلى تقريب الإسلام من الحضارة الغربية والتفكير الغربي الحديث).\nوقد زاد عن حد المألوف بعضهم حين قال: كان عبده أول - أو من أول - من أحيا الرابطة الوطنية، وأنكر الحكم الديني، وأسس جمعيات تقارب الأديان، وكان تلامذته مثل سعد زغلول وقاسم أمين وعلي عبد الرازق معاول هدم لركائز الحياة الإسلامية. وإحلال التصورات، والقيم الصليبية في ديار المسلمين، بل ورفعها إلى مكانة الصدارة) (١).\nهذه بعض الآراء التي قيلت في الشيخ - ﵀ - وقد ذكرها أصحابها بتجرد دون قصد الإساءة من يخالفهم الفهم والفكر، ولكننا وجدنا في هذه الأيام من يحاول تصيُّد الأقوال والآراء ليبني عليها أسوارًا من سوء الظن بأئمة الإسلام، وهو\n_________\n(١) ما أنا عليه وأصحابي، أحمد سلام، ص ٣٤.","vol":"2","page":25},{"text":"أمر نرفضه، ونترفع ونرفع غيرنا أن يقعوا فيه، وهو باب إن فتح، فتح معه الشر كله ولذا كان المنهج الأوفق محاكمة الشيخ في ضوء آثاره، وإنتاجاته، وهو منهج القرآن ومن سار عليه من الصحابة وعلماء الأمة، وهو ما سأحدثك عنه إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>رأيي في الشيخ:</span>\nوإبان هذا التصارع حول شخص كان له شأن في التاريخ، أرى لزامًا على أن أبدي ما أرتئيه. فأنا لست مع هؤلاء الذين يرمون الشيخ بعدم العلم - كما ذهب إلى هذا الأستاذ مصطفى صبري - ولا أؤيدهم بأن ما ظهر من انحراف وإلحاد كان الشيخ سببه. وما استدل به هؤلاء، من أن فريد وجدي قد تأثر بالأستاذ الإمام في تأويل آيات البعث وقصص القرآن وعدّها من المتشابه، يدحضه تزعم الشيخ رضا حملة الرد على تأويلات فريد وجدي.\nأما ما اتُّهم به الشيخ من تعاون مع الاحتلال، فالذي أعتقده أن الشيخ لم يكن في يوم ما صنيعة للمحتلُ يُنَفِّذ أغراضه ويعمل بتخطيط منه لتثبيت سلطانه. ولكن كان للشيخ رأيه في هذا التعاون الذي كان يظن أنه سينقلب خيرًا على الأمة. فإن لم تكن النتائج كما ظن، فإن ذلك لا يعدو أن يكون خطأ في الاجتهاد. ولعل بعض عبارات الشيخ التي تقدمت تؤيد ما ذهبت إليه.\nأما المحفل الماسوني الذي كان عضوًا من أعضائه، فلا ريب أن الشيخ قد خدع وغرر به، ذلك أن الماسونية لم تكن لها صورة واضحة في ذلك الزمن كما هي الآن. ففي وقتنا هذا لا يشك أحد في غايات الماسونية وأهدافها، وبأن الانتساب إليها محاربة لله ورسوله.\nأما محاولاته للتوفيق بين الإسلام والحضارة الغربية، فإن وضع المسلمين الفكري السياسي في ذلك الوقت، إذا قورن بأوضاع الأوروبيين من جهة، وثقافة الشيخ ورحلاته إلى أوروبا، وحرصه على نهوض أمته من جهة ثانية، كانت دافعًا لهذه المحاولات. إن جمود المسلمين في ذلك الوقت، ورفضهم العودة حتى إلى","vol":"2","page":26},{"text":"مصادر دينهم، جعل الشيخ يجتهد فيما دعا إليه، ولا محذور في تصوره ما دامت مصادر هذا الدين ستحتفظ للمسلمين بشخصيتهم، ولن تذوب وتتلاشى هذه الشخصية أمام الحضارة الأخرى.\nوأما كون الشيخ قد أنكر الحكم الديني، فهي تُهم عارية عن الدليل دافعها تعصب أعمى، وأما كون تلامذته كانوا معاول هدم لأركان الحياة الإسلامية، لتحل محلها القيم الصليبية، فهذا غير مسلم، وإن صح عن بعضهم أنه كان يريد أن يثبت بعض أفكار الغرب مثل علي عبد الرازق في كتابه (أصول الحكم) فهذا كان بعد وفاة الشيخ بأكثر من عشرين سنة ولا ذنب للشيخ فيه.\nوعلى كل حال، فلقد اجتهد الشيخ وللمجتهد أجر واحد إن أخطأ، نعم أنا لست معه في تلك الحملات الشعواء، وتلك الكلمات التي كان يرمي بها الأزهر والأزهريين، كما أن كثيرًا من اجتهاداته كان لها آثار عكسية. ولكن مع هذا كله فسيبقى الشيخ علمًا ورمزًا لنقطة تحول أيقظت المسلمين ونبهتهم إلى ما يحيق بهم من أخطار، سواء أكان هؤلاء من خصومه أم مؤيديه. كما سيبقى إمامًا لمدرسة من مدارس الوعي الإسلامي. ولقد ذهب إلى جوار ربه وأفضى إلى ما قدم ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>خامسًا: آثار الشيخ العلمية:</span>\nإن أول ما دبجه يراع الشيخ كان رسالة صغيرة تسمى (رسالة الواردات) تظهر فيها نزعته الفلسفط والصوفية، وذلك سنة ١٣٧٣ هـ، أي بعد اتصاله بالشيخ جمال الدين بعامين، ولم تطبع تلك الرسالة في حياته. وفي سنة ١٢٩٢ هـ ظهر للشيخ كتاب آخر، وهو حاشية على شرح الجلال الدواني للعقائد العضدية، لصاحبها عضد الدين الأيجي، صاحب كتاب المواقف (١). بدأت طباعة تلك الحاشية سنة\n_________\n(١) رسالة الواردات وحاشيته على الجلال الدواني يرى د. محمد عمارة أنّ هذين الكتابين لجمال الدين الأفغاني وليسا للشيخ محمد عبده ويبرهن على ذلك بحجج كثيرة.","vol":"2","page":27},{"text":"١٣٢٢ هـ في حياته، أي قبل وفاته بعام واحد، مع حاشية أخرى لعبد الحكيم السيلكوتي وقد انتهت طباعتها بعد وفاته في شعبان ١٣٢٣ هـ أي بعد وفاته بثلاثة أشهر، ويظهر للقارئ لأول وهلة تأثر الشيخ بالتصوف عند قرائته لأول تلك الحاشية (١)، كما يظهر علم الشيخ في فنون اللغة، وهو يناقش الجلال الدواني، فيما كتب على الطريقة الأزهرية المعروفة. وهذا رد على هؤلاء الذين يتهمون الشيخ بأن بضاعته في العلم مزجاة. كما يظهر من تلك الحاشية، ما علق في ذهن الشيخ من آثار فلسفية، ومعرفة بالمذاهب الكلامية وآراء الفرق المختلفة. وهذان الكتابان كانا من إنتاج الشيخ قبل حصوله على الشهادة العالمية.\nوفي أثناء نفي الشيخ إلى بيروت وعودته من هذا المنفى، حظيت المكتبة الإسلامية بألوان من الثقافة الدينية واللغوية فمنها:\nترجمة رسالة الرد على الدهريين، ورسالة التوحيد التي كانت جديدة في أسلوبها، وتختلف اختلافًا كليًا عن حاشيته على العقائد، وإن كان موضوعهما واحدًا. وشرح البصائر النصيرية و(الإسلام والنصرانية) في رده على فرح أنطون الصليبي. وقد فسر جزء (عم) لطلاب مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية، وشرح نهج البلاغة، ومقامات بديع الزمان، وشرح ودرّس كتابي دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة للإمام عبد القاهر الجرجاني ﵀. ولعل آخر تلك الآثار وأخيرها وأدومها أثرًا، دروس التفسير التي ألقاها الشيخ في بضع سنين قبل وفاته، التي كانت شيئًا جديدًا في موضوعه وأسلوبه، كما كانت نواة لمدرسة وارفة الظلال في فهم القرآن وتفسيره.\n_________\n(١) هذا إذا لم نرتأ ما ارتآه الدكتور محمد عمارة من أن هذين الكتابين للشيخ جمال الدين الأفغاني، حتى إن صح ما قاله الدكتور محمد عمارة، فإن للشيخ آثارًا كثيرة تدل على غزارة علمه وجمّ معرفته.","vol":"2","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-356>سادسًا: مدرسته في التفسير:</span>\nإن أهم ما اشتهر به الشيخ، تفسير القرآن الكريم، لا من حيث الأسلوب، ولا من حيث المنهج الذي نهجه فحسب، ولكن من حيث آراؤه التي بثها في تفسيره كذلك. ومع أن الشيخ كان يرى أن إصلاح المسلمين إنما يكون نتيجة فهمهم للقرآن. فالمعروف أن السيد رشيد رضا، هو الذي كان يُلح عليه كثيرًا ليفسر القرآن. وهذا الإلحاح ربما يكون نتيجة لثقته بأستاذه، ولأنه اطّلع على تفسيراته لبعض آيات وسور قصيرة. وقد أجاب الشيخ على اقتراح السيد رشيد رضا بقوله: (إن القرآن لا يحتاج إلى تفسير كامل من كل وجه، فله تفاسير كثيرة، أتقن بعضها ما لم يتقنه البعض الآخر، ولكن الحاجة شديدة إلى تفسير بعض الآيات، ولعل العمر لا يتسع إلى تفسير كامل، ثم إن الكتابة لا تفيد القلوب العمي، وإنما تفيد القلوب المتيقظة العالمة بوجه الحاجة إليها) (١) ... ولكن الشيخ استجاب أخيرًا لاقتراح السيد رشيد رضا، فبدأ يفسر القرآن في الجامع الأزهر، واستمر مدة تزيد على ست سنين، وصل فيها إلى قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: ١٢٦]. ولقد كان الشيخ يؤمل أن يتم تفسيره فهو يذكر عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ..﴾ [آل عمران: ٤٧] أنّ هناك معاني سيتطرق إليها عند تفسيره لسورة مريم، ولكن اختاره الله إلى جواره قبل أن يصل إليها، وتفسيرات الشيخ وإن اختلفت أزمنتها وأمكنتها، وإن استرسل في بعضها أكثر من بعضها الآخر، فإنها يجمعها طابع واحد كما سنبين ذلك إن شاء الله.\nلقد فسر الشيخ أول ما فسر جزء عم. وهذا التفسير تظهر عليه سمات الاختصار\n_________\n(١) دروس من القرآن الكريم ص ٥. وفي عبارة الأستاذ محمد عبده رد على بعض الكاتبين: كصاحب منهج الإمام - الذين يزعمون أن كتب التفسير قبله كان فيها كل شيء إلا التفسير ويقينًا هو لا يرضى ذلك الغلو! .","vol":"2","page":29},{"text":"وعدم التعرض للمسائل اللغوية إلا قليلًا. وكان للشيخ تفسير لبعض الآيات والسور، يظهر منه اختلافه عن تفسير الجزء السابق. فسورة العصر التي فسرها الشيخ في الجزائر، يبدو تفسيرها أوسع منه في جزء عم، وهناك موضوعات قرآنية تطرق لها الشيخ على حدة، كمسألة الغرانيق وقصة زواج زيد بزينب وغيرهما. وهذه وإن كانت تعطينا فكرة كاملة عن منهج الشيخ وآرائه، فإن الذي يعطينا فكرة أتم وأشمل تفسيره للأجزاء الخمسة الأولى الذي دوِّن في تفسير المنار.\nفي سنة ١٨٩٢ م جيء بأحد العلماء لإلقاء دروس في التفسير في قصر القبة، وبعد إلقائه لتلك الدروس وإخفاقه فيها قال في حقه الأستاذ أحمد شفيق باشا: (إنه كان كثير الإسهاب في إيراد أقوال المفسرين، وإيراد بعض الآراء والروايات الغريبة وفي ذات يوم تحدث عن (إرم ذات العماد) فذكر أنها مدينة شيدت طوبة من ذهب وأخرى من فضة، وأنها معلقة بين السماء والأرض، ثم توسع في ذلك وعرض إلى علم الفلك بأسلوب يثير الإشفاق والضحك ...) وفي تلك الحقبة الزمنية كان الأستاذ صاحب طريقة جديدة في التفسير، واتجاه تجريدي في فهم كتاب الله ﷿، ولا شك أن اتجاهه في التفسير كان خطوة فذة جبارة، ذات أثر قوي لا في تأويل نصوص القرآن فحسب، بل في حركة المسلمين للتخلص مما هم فيه من واقع سيء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>سابعًا: منهجه في التفسير:</span>\nمنح الله الإمام فكرًا ثاقبًا، ومنَّ عليه بعقيدة راسخة، وهيأ له اكتساب ثقافة متشعبة الأطراف متعددة الألوان. وهذه كلها عملت على تكوين منهجه في فهم كتاب الله. لقد كان الأستاذ يرى أن كتب التفسير على كثرتها، وعلى رغم إجلاله لأصحابها على ما حوته من فوائد، لا تفي بالمقصود. وذلك لأن كل مفسر كان يسيطر على كتابه تخصصه وميله، ومع أن هذا هو رأي الشيخ فإنه لم يكن ليهجر تلك الكتب، وينفر من أصحابها، بل كان كثير الاطلاع عليها، حتى إنه ليذكُرُ عند","vol":"2","page":30},{"text":"تفسير بعض الآيات، أنه قرأ خمسة وعشرين تفسيرًا (١)، ليطلع على ما كنبه الأوائل. ومع هذا فقد يكون له رأيه الخاص، دون أن يتأثر بأحد فقد قصد إلى تجلية معاني القرآن للمسلمين، دون حواجز وعقبات تحول بينهم وبين قطوفه الدانية.\nوقد كتب كل من الشيخ محمد رشيد رضا، والمستشرق جولدزيهر، والدكتور محمد حسين الذهبي، والدكتور محمد البهي، والدكتور عبد الله شحاته في وصف منهج الشيخ محمد عبده، وجمع تلك الكتابات عبد الغفار عبد الرحيم في كتابه: الإمام محمد عبده ومنهجه في التفسير، وكان له رأي في وصف منهج الإمام، وجميع ما كتب يعود لأصول واضحة في منهجه في تفسير كتاب الله، وإن اختلفت التعبيرات والألفاظ في وصف المنهج، حيث اختصر بعضهم ما توسع فيه الآخرون وبيَّن بعضهم ما أجمله الآخرون.\nوالذي أراه أن منهج الإمام يتضح في الخصائص التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>١ - نظرته للسورة القرآنية على أنها وحدة كاملة:</span>\nيعد الأستاذ الآية بل السورة بل القرآن كله وحدة تامة. فلم يكن يرضى بتجزئة السور والآيات الكريمة كما رأينا عند بعضهم، من تجزئتهم للآية الواحدة، وأنها تشتمل على ناسخ ومنسوخ في الوقت نفسِه. وهذه ضرورية في تجلية معاني القرآن، حتى لا يكون القرآن خليطًا متنافرًا لا تربط بين آياته رابطة. يقول الأستاذ عثمان أمين (٢):\nإن الإمام كان يميل في التفسير إلى أخذ آيات القرآن جملة، ويرى أنه إذا كنا بحاجة إلى معرفة أسباب النزول في آيات الأحكام، فإن معرفة الوقائع والحوادث\n_________\n(١) المنار جـ ٥ ص ١١٩ - ١٢٠.\n(٢) محمد عبده رائد الفكر المصري، ط ٢، ١٩٦٥ م.","vol":"2","page":31},{"text":"التي نزل فيها الحكم يعين على فهمه، ولا بد في التفسير من الذوق السليم، وما يتبعه من لطف الوجدان ودقة الشعور، اللذين هما مدار المعقل والتأثر والفهم والتدين. ومقتضى هذا أن ينفذ المفسر إلى روح القرآن). وبالإضافة إلى هذا، فقد دفع الأستاذ الإمام شبهات المستشرقين إلى الوراء حيث كانت ردوده العملية عبر هذا المنهج على تُهَمِهِم الجوفاء، من كون القرآن لا ترابط بين سوره ولا التئام بين آياته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-359>٢ - يسر العبارة وسهولة الأسلوب:</span>\nفهو يقدم المادة للقارئ والمستمع، بعيدة عن التقعر في الألفاظ، بعيدة كذلك عن الجفاف في المعاني بحيث يتقبلها القلب والعقل. فلنستمع إلى الشيخ عند تفسيره لسورة البروج، فبعد أن عرف البروج وتكلم عن اليوم الموعود وشاهد ومشهود قال: (أقسم سبحانه أولًا، بما فيه غيب وشهود وهو السماء ذات البروج. فإن كواكبها مشهود نورها مرئي ضوءها. معروفة حركاتها في طلوعها ومغيبها تحبس الضر. والسماء ما علاك مما نسميه بهذا الاسم وفيه البروج تشاهدها، ولكن فيها غيب لا تعرفه بالحس، وهو حقيقة الكواكب وما أودع الله فيها من القوى، وما أسكنها من الملك أو غيره. كل ذلك غيب لا تدركه حواسنا، وإن وصل إلى الاعتقاد بشيء منه عقلنا. ثم أقسم جل شأنه بما هو غيب صِرف، وهو اليوم الموعود. لأنه أخبرنا بأنه سيكون، وعما يكون فيه من حوادث البعث والحساب والعقاب والثواب، ولكن شيئًا من ذلك لا يمكن أن نشهده في حياتنا هذه.\nوبعد ذلك أقسم بما هو شهادة صِرفة، وهو الشاهد أي صاحب الحس فإنه مرئي. والمشهود هو ما وقع عليه الحس. فكأنه جل شأنه، أقسم بالعوالم كلها، مع هذا التقسيم البديع، ليلفتك إلى ما فيها من العظم والفخامة، لتعتبر بما حضرك، وتبذل الوسع في درك ما استتر عنك، وتستعد لما يستقبلك) (١).\n_________\n(١) تفسير جزء عم ص ٥٨ - ٥٩.","vol":"2","page":32},{"text":"وهذا الأسلوب البديع وذلك التقسيم المنطقي يخلفان أثرًا في نفس القارئ يتفاعل مع الآيات الكريمة.\nومع هذا فإننا نرى الأستاذ في بعض الأحيان يحلق بنا في أجواء علم الكلام والمسائل الفلسفية، ولكن بمقدار ما لذلك من صلة في الموضوع الذي يتحدث عنه، فلكل مقام مقال، ولكل سياق من الموضوعات عبارات وألفاظ، فقد لا يحسن الأسلوب السهل اليسير في مكان كما يحسن في آخر، وقد يجذب الأسلوب الجزل الرصين القراء في مكان، ويدفعهم عن القراءة في مكان آخر، فنراه مثلًا عند تفسير سورة الإخلاص يقول: (الأحد هو الواحد الذي لا كثرة في ذاته، فهو ليس بمركب من جواهر مختلفة؛ فليس بمادي، ولا هو من أصول متعددة غير مادية، كما يزعم بعض أرباب الأديان من أنه أصلان فاعلان، أو أنه ثلاثة أصول تعتبر واحدًا، وهي متعددة، سواء عقل ذلك أم لم يعقل، فإن الله بريء منه؛ لأن العقلاء أجمعت على موجد العالم وهو الله واجب الوجود. ووجوب الوجود يستلزم ببداهة العقل وحدة الذات، لأن التعدد في الذات مستلزم لافتقار المجموع إلى الأجزاء، فلا يكون المجموع المسمى بالله، أو موجد العالم واجب الوجود. وكذلك الأفراد نفسها لا يكون كل واحد واجب الوجود، لأنه يختلف عن الآخر بميزة، وذلك المميز غير ما يشتركان فيه من الوجود، فيكون كل منهما مركبًا، والمركب غير واجب كما ذكرنا. فلم يبق إلا أن يكون واجب الوجود واحدًا فالله أحد) (١) ... وهذا الكلام ربما يبدو غريبًا بعيدًا عن أفهام كثير من الناس الآن. لكننا إذا تصورنا العصر الذي كتب فيه نجد أنه لا بعد فيه ولا غرابة، وهذا القول لا نراه من الأستاذ إلا حينما تدعو إليه الحاجة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>٣ - عدم تجاوزه النص في مبهمات القرآن:</span>\nأما منهج الأستاذ في مبهمات القرآن الكريم، فإنه يقوم أول ما يقوم على دقة في\n_________\n(١) تفسير سورة الفاتحة وست سور أخرى، ص ١٢٢.","vol":"2","page":33},{"text":"الفهم، وذلك بالوقوف عند حدود ما ذكره القرآن. فلو كان فيما وراء ذلك حكمة وفائدة، لما أغفلها النص، وهذا المنهج وإن رأيناه عند بعض المفسرين قديمًا، إلا أنه كان للأستاذ الفضل الأكبر في إحيائه حديثًا، وتتجلى لك تلك البراعة في مقدرة الشيخ على ترك ما أبهم القرآن بل الدعوة إلى هذا المنهج لا التطبيق فحسب، إذا تأملت معي الحبارات الآتية: يقول عند قوله تعالى ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]: (وأصحاب الأخدود قوم كافرون، ذوو بأس وقوة، أصابوا قومًا مؤمنين غاظهم إيمانهم، فحملوهم على الكفر، وأكرهوهم أن يرتدوا إليه فأبوا، فشقوا لهم شقًا في الأرض وحشوه بالنار، وجاءوا بالمؤمنين واحدًا واحدًا وألقوهم في النار ... أما تعيين أصحاب الأخدود. وأين كانوا ومن هم أولئك المؤمنون وأين كان منزلهم من الأرض فقد كثرت فيه الروايات .. غير أن المؤمن لا يحتاج في الاعتبار، وإشعار الموعظة قلبه إلى أن يعرف القوم والجهة، وخاصة الدين الذي كان عليه أولئك أو هؤلاء، حتى يطير وراء القصص المشحونة بالمبالغات، والأساطير المحشوة بالخرافات، وإنما الذي عليه هو أن يعرف من القصة ما ذكرناه أولًا. ولو علم الله خيرًا في أكثر من ذلك لتفضل علينا به) (١).\nوكذلك عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] في سورة البقرة يذكر ما قاله (الجلال)، وما جاء في التوراة عن العدد الذي قتل ثم يقول (والقرآن لم يعين العدد. والعبرة المقصودة من القصة لا تتوقف على تعيينه فنمسك عنه) (٢).\nوعند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨] يقول: ونسكت عن تعيين القرية كما سكت القرآن) (٣).\n_________\n(١) تفسير جزء عم ص ٥٨ - ٥٩.\n(٢) تفسير المنار جـ ١ ص ٣٢٠.\n(٣) تفسير المنار جـ ١ ص ٣٢٤.","vol":"2","page":34},{"text":"وكذلك عند تفسير الرجز في قول الله ﷿: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: ٥٩] يقول: (ونسكت عن تعيين نوع ذلك الرجز، كما هو شأننا في كل ما أورده القرآن - وقال المفسر - يعني به الجلال - وغيره: إنه الطاعون، واحتج بعضهم عليه بقوله تعالى (من السماء) - وهو كما تراه - والرجز هو العذاب وكل نوع منه رجز. وقد ابتلى الله بني إسرائيل بالطاعون غير مرة، وابتلاهم بضروب أخرى من النقم، في إثر كل ضرب من ضروب ظلمهم وفسوقهم. ومن أشد ذلك تسليط الأمم عليهم، وحسبنا ما جاء في القرآن عبرة وتبصرة فنعين ما عينه ونبهم ما أبهمه ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] (١).\nوهكذا نجد الأستاذ الإمام بهذا المنهج الحكيم يجلي العبارة القرآنية ويوصد أبوابًا طالما دخل منها إلى التفسير ما يشوهه من الأساطير والخرافات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-361>٤ - محاربته الإسرائيليات:</span>\nوما دمنا قد عرضنا لرأي الأستاذ في مبهمات القرآن، فلا بد أن نعرض لموقفه من الإسرائيليات، وهو الذي عرف عنه حرصه وعمله الجاد على تنقية جو التفسير من هذه الإسرائيليات، وأكتفي هنا بنقل تلك العبارة الجامعة، التي تظهر بحق عظمة ذلك الرجل، لا من حيثُ موقفه من هذه الإسرائيليات فحسب، ولكن من حيث موقفه من المفسرين الذين نقلوا في كتبهم مثل هذه الأشياء. يقول: (وقد قلت لكم غير مرة، إنه يجب الاحتراس في قصص بني إسرائيل وغيرهم من الأنبياء، وعدم الثقة بما زاد على القرآن من أقوال المفسرين والمؤرخين، فالمشتغلون بتحرير التاريخ والعلم اليوم يقولون معنا إنه لا يوثق بشيء من تاريخ تلك الأزمنة التي يسمونها أزمنة الظلمات، إلا بعد التحرّي والبحث واستخراج الآثار. فنحن نعذر المفسرين الذين حشوا كتب التفسير بالقصص التي لا يوثق بها\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ١ ص ٣٢٥.","vol":"2","page":35},{"text":"لحسن قصدهم، ولكننا لا نعوّل على ذلك، بل ننهى عنه، ونقف عند نصوص القرآن لا نتعداها، وإنما نوضحها بما يوافقها إذا صحت روايته) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>٥ - حرصه على بيان هداية القرآن الكريم</span>\nإن تعرية التفسير من المبهمات والإسرائيليات التي تعودها كثير من الناس، بل ظنوها هي التفسير كله، يزيل تلك الحواجز التي تحول بين المسلم وبين هداية القرآن. يقول الأستاذ الإمام: (والتفسير الذي قلنا إنه يجب على الناس معرفته على أنه فرض كفاية، هو الذي يذهب فيه المفسر إلى فهم المراد من القول وحكمة التشريع، في العقائد والأحكام على الوجه الذي يجذب الأرواح، ويسوقها إلى العمل والهداية المودعة في الكلام، ليتحقق فيه معنى قوله: (هدى ورحمة) وغيرها من الأصناف ... فالمقصد الحقيقي ... هو الاهتداء بالقرآن، وهذا هو الغرض الأول الذى أرمي إليه في قراءة التفسير) (٢). ولقد أصبح واضحًا غرض الأستاذ من تفسيره، وبانت غايته منه. والقارئ يلمح ذلك في أكثر المواضع من هذا التفسير، فلا نكاد نجد آية من الآيات إلا ويحاول أن يبين ما فيها من هداية الناس. وهداية القرآن ذاتها في غاية الوضوح والكمال. فكيف إذا هيأ الله لهذا الكتاب غيورًا ذا فهم، يجعله قريب المنال من الناس، ويرد عنه كيد كل ماكر، وانحراف كل زائغ، والأستاذ إذ يتصدى لهذا كله، لا يركب مركبًا صعبًا وإنما هو أهل ذلك كله. وخير ما يعطينا صورة واضحة عن ذلك نماذج نختارها من تفسيره.\nأ - أقسام الهداية: عند تفسير قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، يقسم الهداية إلى أقسام أربعة:\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ١٠ ص ٣٤٧، ولست أدري ما مقياس الصحة الذي يعتمد عليه الأستاذ في نقله لهذه الأخبار الموضحة للقرآن، مع أننا سنراه يرد أو يؤول ما هو صحيح بإجماع الحفاظ.\n(٢) تفسير المنار جـ ١ ص ٢٥.","vol":"2","page":36},{"text":"الأول: هداية الوجدان الطبيعي والإلهام الفطري، وتكون للأطفال منذ ولادتهم.\nالثاني: هداية الحواس والمشاعر، وهي متممة للهداية الأولى في الحياة الحيوانية، ويشارك الإنسان فيها الحيوان الأعجم.\nالثالث: هداية العقل ..\nالرابع: هداية الدين .. يغلط العقل في إدراكه، كما تغلط الحواس. وقد يهمل الإنسان استخدام حواسه وعقله فيما فيه سعادته الشخصية والنوعية، ويسلك بهذه الهدايات مسالك الضلال .. إنه في أشد الحاجة إلى هذه الهداية الرابعة (الدين) وقد منحه الله إياها (١)، وفيما قرره الأستاذ -﵀- هنا توضيح وتفصيل لما ذكره في رسالة التوحيد، من أن العقل والوحي أثران من آثار الله، وآثار الله لا بد أن ينسجم بعضها مع بعضها الآخر، وليس معنى هذا أن الإمام يعد هداية الدين وهداية العقل ندَّين، بل هو يبين أن هداية العقل لاتصل في بيانها إلى هداية الدين.\nب- نتائج الهداية: يقول عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] يقول (٢): فالمهتدون بهداية الله تعالى لا يخافون مما هو آت ولا يحزنون على ما فات، لأن اتباع الهدى، يسهل عليهم طريق اكتساب الخيرات، ويعدهم السعادة في الدنيا والآخرة، ومن كانت هذه وجهته يسهل عليه كل ما يستقبله، ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده، لأنه مؤمن بأن الله يخلفه، فيكون كالتعب في الكسب، لا يلبث أن يزول بلذة الربح الذي يقع أو يتوقع، وإذا قال قائل إن الدِّينَ يقيد حرية الإنسان، ويمنعه بعض اللذات التي يقدر على التمتع بها، ويحزنه الحرمان منها، فكيف يكون هو المأمن من\n_________\n(١) المنار (١/ ٦٣، ٦٤).\n(٢) المنار جـ ١/ ص ٢٨٥.","vol":"2","page":37},{"text":"الأحزان، ويكون باتباعه الفوز وبتركه الخسران؟ فجوابه أن الدين لا يمنع من لذة، إلا إذا كان في إصابتها ضرر على مصيبها، أو على أحد إخوانه من أبناء جنسه، الذين يفوتهم من منافع تعاونهم، إذا آذاهم أكثر مما يناله بالتلذذ بإيذائهم، لو تمثلت لمستحل اللذة المحرمة مضارها، التي تعقبها في نفسه وفي الناس، وتصور ما لها من التأثير في فساد العمران، لو كانت عامة وكان صحيح العقل معتدل الفطرة، لرجع عنها متمثلًا بقول الشاعر الأخير في لذة من بعدها كدر) فكيف إذا كان مع ذلك يؤمن بالله واليوم الآخر، ويعلم أن هذه المحرمات تدنس الروح، فلا تكون أهلًا لدار الكرامة في يوم القيامة؟) ويظهر لنا حرص الشيخ على بيان هداية القرآن وأنها لا تتناقض مع لذات الإنسان التي لا تعقب ضررًا وهو في ذلك حريص شديد الحرص على إقناع القارئ بروح دعوية خالصة.\nجـ- هداية القرآن في الأموال: يقول عند تفسير قول الله تعالى ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ﴾ [النساء: ٥] (١):\nأمرنا الله تعالى في الآيات السابقة بإيتاء اليتامى أموالهم، وبإيتاء النساء صدقاتهن أي مهورهن. وأتى في قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] بشرط للإيتاء يعم الأمرين السابقين، أي أعطوا كل يتيم ماله إذا بلغ، وكل امرأة صداقها، إلا إذا كان أحدُهما سفيهًا، لا يحسن التصرف في ماله، فحينئذ يمتنع أن تعطوه إياه، ويجب أن تحفظوه له إلى أن يرشد. وإنما قال (أموالكم) ولم يقل أموالهم، مع أن الخطاب للأولياء، والمال للسفهاء الذين في ولايتهم، للتنبيه على أمور:\nأحدها: أنه إذا ضاع هذا المال ولم يبق للسفيه من ماله ما ينفق منه عليه، وجب على وليه أن ينفق عليه من مال نفسه. فبذلك تكون إضاعة مال السفيه\n_________\n(١) المنار جـ ٤ ص ٣٧٩.","vol":"2","page":38},{"text":"مفضية إلى إضاعة شيء من مال الولي، فكأن ماله عين ماله.\nثانيها: أن هؤلاء السفهاء إذا رشدوا وأموالهم محفوظة لهم، وتصرفوا فيها تصرف الراشدين، وأنفقوا منها في الوجوه الشرعية من المصالح العامة والخاصة، فإنه يصيب هؤلاء الأولياء حظ منها.\nثالثها: التكافل في الأمة، واعتبار مصلحة كل فرد من أفرادها عين مصلحة الآخرين كما قلنا في آيات أخرى.\nثم قال في قوله تعالى: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ في هذه الجملة من الآية تحريض على حفظ المال، وتعريف بقيمته، فلا يجوز للمسلم أن يبذر أمواله. وكان السلف من أشد الناس محافظة على ما في أيديهم، وأعرف الناس بتحصيل المال من وجوه الحلال. فأين من هذا ما نسمعه من خطباء مساجدنا من تزهيد الناس وغل أيديهم، وإغرائهم بالكسل والخمول، حتى صار المسلم يعدل عن الكسب الشريف إلى الكسب المرذول من الغش والحيلة والخداع. ذلك أن الإنسان ميال بطبعه إلى الراحة، فعندما يسمع من الخطباء والعلماء والمعروفين بالصلحاء عبارات في التزهيد في الدنيا، فإنه يُرضي بها ميله إلى الراحة، ثم إنه لا بد له من الكسب، فيختار أقله سعيًا وأخفه مؤونة وأبعده عن الشرف. على أن هذا التزهيد في الدنيا من هؤلاء، لم يأت بما يساق لأجله من الترغيب في الآخرة والاستعداد لها، بل إن خطباءنا ووعاظنا قد زهدوا الناس في الدنيا، وقطعوهم عن الآخرة، فخسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين، وما ذلك إلا لجهلهم وعدم علمهم بما يعظون به غيرهم (١). والواجب على المسلم العارف بالإسلام، أن يبين للناس الجمع بين الدنيا والآخرة. أهـ.\n_________\n(١) على أننا لسنا مع الشيخ في تعميمه هذا.","vol":"2","page":39},{"text":"ولعمر الحق إنها لإشارات بديعة، تلك التي يشير إليها الإمام ينبغي على المسلمين أن يجعلوها أمام أعينهم دائمًا، ولكن واقع المسلمين لا يزال على ما كان عليه، بعيدًا عن روح الإسلام وهدي القرآن! ! .\nوهكذا يبين الأستاذ مواطن الهداية القرآنية، وذلك من أجل قيام المجتمع المسلم وتنظيمه وتكافله، على قواعد متينة راسخة من تشريعات القرآن، التي تنظم الحياة كلها، وقد أبان لنا الشيخ علاقة الهداية بالعقل والوجدان، ومآل الهداية في الدارين، وهو بذلك يكشف لنا عن مدى حرصه على إبراز هداية القرآن في سعادة الإنسان، وقد كتب ذلك كله بأسلوب مشرف، وبلاغة واضحة نابعَيْن من عقل وقلب استنارا بنور القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>٦ - دحضه الشبهات:</span>\nوالأستاذ لا يكتفي بهذا الموقف، أعني موقف البيان لهداية القرآن، بل إلى جانب هذا الموقف نرى له موقفًا آخر، فهو لا يدع فرصة تمر، إلا وينافح عن الدين فيها بكل ما آتاه الله من بيان وحكمة، مطاردًا الشبه الباطلة والترهات التي يشيعها أعداء الإسلام قديمًا وحديثًا، مما قد التبس على بعض المفسرين، ويكفي الأستاذ فخرًا رده على (فرح انطون) وتصديه لـ (هانوتو) وزير خارجية فرنسا، وسأكتفي بإيراد بعض الأمثلة:\nأ- يعقب الأستاذ على تفسيره لآيات القتال في سورة البقرة بقوله: (وما قررناه أبطل ما يهذي به أعداء الإسلام، حتى من المنتمين إليه من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف، وقول الجاهلين المتعصبين إنه ليس دينًا إلهيًا، لأن الله الرحيم لا يأمر بسفك الدماء، وإن العقائد الإسلامية خطر على المدنيَّة - فكل ذلك باطل، والإسلام هو الرحمة العامة للعالمين) (١).\n_________\n(١) المنار جـ ٢ ص ٣١٦.","vol":"2","page":40},{"text":"ب- ويتناول فرية الغرانيق فيدحض زيفها ويهدم أركانها. يقول: .. قد يجد الباطل أنصارًا، فيتبوَّأ من نفوسهم دارًا، ويتخذ له منها قرارًا ... وهو يلعب بأهله وبغلب أهواءهم بحيَلِهِ حتى يقصروا نظرهم عليه، ولا يجدوا ملجأ منه إلا إليه، فإذا أتوا من ناحيته رضوا، وإذا عرض لهم الحق أعرضوا، ولا يزالون كذلك إلى أن تنحل به عراهم، وتفسد بعلله قواهم والحق لا يزال يعرض نفسه، يستخدم مرة لينه وأخرى باسه. وهو الشاب الذي لا يهرم والعامل الصبور الذي لا يسأم وإنما يعرض بوجهه عن الأغبياء ... ثم لا ينفك يرحمهم .. فإذا واتاهم وقد وهت سننهم ... صاح بهم صائحٍ، فغلق بالباطل مكانه) (١).\nوهي قطعة أدبية نادرة في سياق رد الأباطيل إلى أن يقول: (عصمة الرسل في التبليغ عن الله) أصل من أصول الإسلام، شهد به الكتاب وأيدته السنة، وأجمعت عليه الأمة .. ومع ذلك لم يعدم الباطل في الدين أعوانا، يجملون على هدمه وتوهين ركنه. أولئك عشاق الروايات الباطلة وعبدة النقل. نظروا نظرة في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ...﴾ [الحج: ٥٢] ... إلخ، ثم يسوق الروايات التي استدل بها على قصة الغرانيق.\nوملخص هذه الفرية أن الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، كان يتلو سورة (النجم) فلما بلغ ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٢٠] ألقى الشيطان في قراءته: (وإنها لهي الغرانيق العُلى وإن شفاعتهن لترتجى).\nثم بعد ذلك يظهر زيف هذه الروايات بقوله: (قال القسطلاني في شرح البخاري: وقد طعن في هذه القِصَّة وسندها غير واحد من الأئمة، حتى قال ابن إسحق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة، وكفى في إنكار حديث، أن يقول فيه ابن اسحق إنه من وضع الزنادقة .. وقال القاضي عياض إن هذا\n_________\n(١) دروس في تفسير القرآن ص ١٢٣.","vol":"2","page":41},{"text":"حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب .. وقال الإمام أبو بكر بن العربي ... إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له).\nوبعد أن أبطل هذه القصة بالأدلة النقلية من أقوال الأئمة كما رأينا، أبطلها كذلك من الناحية العقلية. ثم يعقّب على ذلك بقوله: (أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلةً من ثلاث طرق على شرط الصحيح، وأنه يحتج بها الخ ما سبق، فقد ذهب عليه -كما قال في الإبريز- إن العصمة من العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها، لا يقبل على أي وجه جاء. وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها. هذا لو فرض اتصال الحديث فما ظنك بالمراسيل؟ وإنما الخلاف بالاحتجاج بالمرسل، وعدم الاحتجاج به، فيما هو من قبيل الأعمال، وفروع الأحكلام، لا في أصول العقائد، ومعاقد الإيمان بالرسل، وما جاءوا به فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له.\nهذا ما قاله الأئمة جزاهم الله خيرًا في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا أصل لها، ولا عبرة برأي من خالفهم، فلا يعتد بذكرها في بعض كتب العسير، وإن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا، وشهرة المبطل في باطله، لا تنفخ القوة في قوله، ولا تحمل على الأخذ برأيه ..) (١).\nثم يبدأ في تفسير الآيات، فيفسرها تفسيرًا يقوم على وحدة الموضوع أولًا، ومعطيات اللغة ثانيًا، ومسلمات العقل ثالثًا، وبعد ذلك ما يتفق مع مقام الأنبياء جميعًا ﵈. ومن أعماق قلبي، أرجو أن يهيء الله لهذه الأمة، إمامًا ينافح عن كتاب الله كما نافح عنه هذا الإمام. وبودي أن أنقل كل ما كتب، لأن كل كلمة فيه تستحق أن تقدر قدرها، ولكنه يطول. قال ﵀:\n_________\n(١) فصلت هذه القضية تفصيلًا أرجو أن يكون كافيًا في كتابي دائرة المعارف البريطانية نقض ورد.","vol":"2","page":42},{"text":"(لا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية، وقرأ شيئًا من القرآن أن قوله قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآيات- يحكي قدرًا قدر للمرسلين كافة، لا يعدونه ولا يقفون دونه، ويصف شنشنة عرفت فيهم وفي اسمهم، فلو صح ما قال أولئك المفسرون، لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قد سلط الشيطان عليهم فخلط في الوحي المنزل إليهم ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته الخ .. وهذا من أقبح ما يتصور متصور، في اختصاص الله تعالى لأنبيائه واختيارهم من خاصة أوليائه فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده).\nوبعد بيان مستفيض عن صلة الآية بما قبلها وما بعدها، وهو بيان يعين كثيرًا على فهم الآية يقول: (فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الأنبياء جميعًا، يجب أن نفسر الآية، وذلك يكون على وجهين:\nالأول: أن يكون (تمنى) بمعنى قرأ، (والأمنية) بمعنى القراءة، وهو معنى قد يصح، وقد ورد استعمال اللفظ فيه .. غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه، بل على المعنى المفهوم من قولك (ألقيت في حديث فلان) إذا أدخلت فيه ما ربما يحمله لفظه، ولا يكون قد أراده، أو نسبت إليه ما لم يقله، تعللًا بأن ذلك الحديث يؤدي إليه. وذلك من عمل المعاجزين الذين ينصبون أنفسهم لمحاربة الحق، يتبعون الشبهة ويسعون وراء الريبة، فالإلقاء بوساوسه، مفسد القلوب بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال، يصح أن ينسب إليه، ويكون المعنى: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي، إلا إذا حدث قومه عن ربه، أو تلا وحيًا أنزل إليه فيه هدى لهم، قام في وجهه مشاغبون، يحولون ما يتلوه عليهم عن المراد منه، ويتقولون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس، ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل. ولا زال الأنبياء يصبرون على ما كذبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق ولا يعتدون بتعجيز المعجزين، ولا بهزء","vol":"2","page":43},{"text":"المستهزئين، إلى أن يظهر الحق بالمجاهدة، وينتصر على الباطل بالمجادلة، فينسخ الله تلك الشبه، ويجتثها من أصولها، ويثبت آياته ويقررها. وقد وضع الله هذه السنة في الناس لتمييز الخبيث من الطيب يفتتن الذين في قلوبهم مرض، وهم ضعفاء العقول، بتلك الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها، ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجادلة فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جدلهم، ثم يتمحص الحق عند الذين أوتوا العلم، ويخلص لهم بعد ورود كل شبهة عليه، فيعلموا أنه الحق من ربك فيصدقوا به، وتطمئن له قلوبهم ..).\nثم يذكر المعنى الثاني، وملخصه أن التمني على معناه المعروف، وأن الأنبياء كانوا يتمنون اهتداء أقوامهم. والرسول ﵌ كان له المقام الأعلى في ذلك، مما يشهد له آيات القرآن الكثيرة، وأنه ما من رسولا ولا نبي إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ألقى الشيطان في سبيله العثرات، ووسوس في صدور الناس فثاروا في وجهه وصدوه عن قصده. وإلقاء الشيطان فيها، يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساوس الموجبة لكفر بعضهم. لكن الله غالب على أمره، فيمحق ما ألقاه الشيطان في قلوب المؤمنين، ويبقى ذلك ﷿، في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به (١).\nجـ - وكما أبطل الأستاذ الإمام قصة الغرانيق، بهذا البيان الذي لا يدع مجالًا لصاحب ريب، ولا يترك فرصة لذي شبهة، كر على مسألة أخرى، لا تقل في خطورتها عن مسألة الغرانيق، ذلك لأنها تتعلق مباشرة بشخص رسول الله -ﷺ-، من حيث عصمته، وعظمة خلقه. وهي من المسائل التي خدع بها بعض الكاتبين قديمًا، وأستغلها الحاقدون على الإسلام حديثًا. ويأبى الله إلا أن يهيء لهذا الدين، من ينفي عنه زيغ الضالين، وضلال المغضوب عليهم.\n_________\n(١) دروس في تفسير القرآن ص ١٢٣ وما بعدها.","vol":"2","page":44},{"text":"وهذه المسألة هي زواجه من السيدة زينب بنت جحش ﵂.\nوالمعلوم أن رسول الله ﵌، أراد من زواج زيد بزينب، على الرغم من الفوارق البعيدة بينهما، مقاصد نبيلة أهمها: إذابة الفوارق في المجتمع المسلم الجديد. ولكن هذا الزواج لم يكتب له دوام التوفيق، فطلق زيد زينب ونزل في ذلك قرآن، وأمر رسول الله ﵌ أن يتزوجها، وذلك لتقرير حكم شرعي كانت الجاهلية تنفر منه، وهو جواز زواج المتبني مطلقة متبناه. ولكن الذين لا يميزون بين صحيح الروايات وسقيمها، اختلط عليهم الأمر فنقلوا روايات تخل بعصمته عليه وآله الصلاة والسلام. وقد بين الأئمة زيفها كما رأينا في تفسير الحافظ ابن كثير ﵀ وأبي بكر بن العربي ﵀، صاحب أحكام القرآن، الذي نقل عنه الإمام كثيرًا مما كتبه، وقد أعجب بما كتب. ويستغل أعداء الإسلام مثل هذه الفرية ليشوهوا بها جمال هذا الدين ونبيه. ولا نجد دينًا كالإسلام، وكتابًا كالقرآن، وشخصية كالرسول الكريم -ﷺ-، حاول المغرضون والموتورون أن يقيموا الحجب بين الناس وشمس هدايتهم وإشراقهم، ولكنه الإسلام تتحطم على صخرته الصلبة كل المطاعن والشبه والدسائس. ولقد أحسن الشاعر محمود غنيم في قوله:\nهي الحنيفة عين الله تكلؤها ... فكلما حاولوا تشويهها شاهوا\nيقول الأستاذ الإمام: (ولو كان للجمال سلطان على قلبه -ﷺ-، لكان أقوى سلطانه عليه جمال البكر في رواثه ونضرة جدته، وقد كان يراها، وليس بينه وبينها حجاب، ولا يخفى عليه شيء من محاسنها الظاهرة، ولكلنه لم يرغبها لنفسه، ورغبها لمولاه. فكيف يمتد نظره إليها، ويصيب قلبه سهم حبها، بعد أن صارت زوجة لعبد من عبيده، أنعم عليه بالعتق والحرية) (١). وبعد كلام كثير حول تفسير الآية ورد الشبهات يقول: (أما والله لولا ما أدخله الضعفاء أو المدلسون من مثل هذه الرواية، ما خطر ببال مطلع على الآية الكريمة، شيء مما يرمون إليه، فإن نص\n_________\n(١) دروس من القرآن الكريم، ص ١٤٤.","vol":"2","page":45},{"text":"الآية ظاهر جلي، لا يحتمل معناه التأويل، ولا يذهب إلى النفس منه إلا أن العتاب كان على التمهل في الأمر والتريث به، وأن الذي كان يخفيه في نفسه، هو ذلك الأمر الإلهي الصادر إليه، بأن يهدم تلك العادة المتأصلة في نفوس العرب، وأن يتناول المعول لهدمها بنفسه، كما قدر له أن يهدم أصنامهم بيده لأول مرة، عند فتح مكة وكما هو شأنه في جميع ما نهى عنه من عاداتهم) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>ثامنًا [*]: المدارس التي تأثر بها الشيخ في تفسيره:</span>\nهذا هو جانب من تفسير الأستاذ الإمام يوضح منهجه، وهو بحق تشع في جنباته الحكمة وغزارة العلم، كما تظهر فيه فطرة المسلم. وإذا كانت النماذج التي أوردتها من تفسيره، لا تظهر تأثره بعوامل خارجية، وإنما تظهر علمه وفهمه وفقهه للدين، فإن هناك جانبًا آخر، يظهر فيه بوضوح تأثر التفسير بمدارس مختلفة، بل ربما قد تبدو متناقضة وأهم هذه المدارس:\n١ - الصوفية وبخاصة الإمام الغزالي ﵀.\n٢ - السلفية وبخاصة ابن تيمية ﵀.\n٣ - المعتزلة وأبو مسلم -﵀- بخاصة.\n٤ - الحضارة الأوروبية.\nوسنرى لكل واحدة من هذه المدارس، أثرًا غير خاف، وهذه الآثار تتفاوت قوة وضعفًا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>١ - مدرسة التصوف:</span>\nإن أهم أثر كان في حياة الشيخ الأولى هو التصوف، فصلته بالشيخ درويش خضر، وما بثه هذا في نفس الشيخ، كان له أطيب النتائج في حياته، كما رأينا من\n_________\n(١) دروس من القرآن الكريم، ص ١٥١.\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: (ثامنا) ليست بالمطبوع","vol":"2","page":46},{"text":"كلام الأستاذ نفسه، وبعد أن اتصل بالأفغاني لم يحاول هذا الأخير أن يقتلع جذور التصوف من قلب الشيخ، لكنه هذبه ونظمه ليكون خالصًا من التشويش والسلبية ولقد مرت حياة الشيخ بمراحل متعددة ذات آثار مختلفة في الفكر والسياسة والاجتماع. ومع هذا كله فلقد بقي للتصوف في نفس الأستاذ جذوره وآثاره. وإن هذه الآثار لتبدو في مظاهر متعددة في التفسير وغير التفسير. ويغلب على الظن أن لحجة الإسلام الغزالي الأثر الكبير في ذلك (١). يذكر العلامة جمال الدين القاسمي ﵀، أنه لما جاء مصر والتقى بالأستاذ الإمام حبّب إليه اختصار كتاب (الإحياء) ليستفيد منه الناس، وكان القاسمي سريعًا في تلبية الطلب، وتنفيذ تلك الرغبة. فاختصره في كتاب سمّاه (موعظة المؤمنين). وهذا الطلب من الأستاذ الإمام لم يكن في أول حياته طبعًا. وهذا يدلنا على تأثره بهذا الكتاب من ناحية، واهتمامه بالنواحي الروحية من ناحية. وسنجد في ثنايا التفسير ما يثبت ذلك.\nيقول في شرح معنى التوبة عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] في سورة البقرة، إنها محو أثر الرغبة في الذنب من لوح القلب.\nوالباعث عليها هو شعور التائب بعظمة من عصاه، وما له من السلطان عليه في الحال، وكون مصيره إليه في المآل، لا جرم أن الشعور بهذا السلطان الإلهي، بعد مقارفة الذنب، يبعث في قلب المؤمن الهيبة والخشية، ويحدث في روحه انفعالًا مما فعل، وندمًا على صدوره عنه، ويزيد هذا الحال في النفس تذكر الوعيد على ذلك الذنب، وما رتبه الله عليه، من العقوبة في الدنيا والآخرة. هذا أثر التوبة في النفس وهذا الأثر يزعج التائب إلى القيام بأعمال تضاد ذلك الذنب الذي تاب منه، وتمحو أثره السيء، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فمن علامة التوبة النصوح: الإتيان بأعمال تشق على النفس، ما كانت لتأتيها لولا ذلك الشعور الذي\n_________\n(١) يذكر الأستاذ الأكبر (المراغي) ﵀، أنه ليلة سفره إلى السودان في سنة ١٩٠٤ م، وهذا في أواخر حياة الإمام ذهب لزيارته فأوصاه أن يصحب كتاب الإحياء.","vol":"2","page":47},{"text":"يحدثه الذنب وهذه العلامة لا تتخلف عن التوبة، سواء كان الذنب مع الله تعالى، أو مع الناس، ألا ترى أن أهون ما يكون من إنسان يذنب مع آخر ذنبًا يباهي به، أن يجيء معرفًا بالذنب، معتذرًا عنه، وهذا ذل يشق على النفس لا محالة) (١).\nوهذا الكلام لا يشك قارئه بأنه تسرب للإمام، من أحياء المتصوفين وعلى وجه الخصوص من إحياء أبي حامد.\nوعند تفسير الإمام لقصة آدم، يذكر في تفسير الملك والشيطان، أن الأول داعية الخير، والثاني داعية الشر. ويعلق السيد رشيد رضا على هذا التفسير، بأنه موافق لما ذهب إليه الإمام الغزالي، ويأتي بجملة من كلامه مؤيدة لما ذهب إليه. ولا أود هنا أن أناقش المقارنة التي عقدها بين الكلامين، فلذلك موضع آخر إن شاء الله، إلا أن ما أسجله هنا أن الإمام ليس وحده هو الذي تأثر بالغزالي، بل إن السيد رشيد رضا كذلك قد تأثر.\nويقول الأستاذ الإمام عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ١٨٦] في سورة البقرة يصح أن يكون من قرب الوجود، فإن الذي لا يتحيز ولا يتحدد تكون نسب الأمكنة وما فيها إليه واحدة، فهو تعالى قريب بذاته من كل شيء إذ منه كل شيءٍ إيجادًا وإمدادًا وإليه المصير) (٢).\nويقول السيد رشيد رضا معلقًا على هذا التفسير (وهذا الذي قاله من الحقائق العالية، وعليه السادة الصوفية فقد قال أحد العلماء في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ أي إذا بلغت روحه الحلقوم، إنه القرب بالعلم. وكان أحد كبار الصوفية حاضرًا فقال: لو كان هذا هو المراد لقال تعالى، في تتمة الآية ولكن لا تعلمون، ولكنه لم ينف العلم عنهم وإنما قال: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ وليس من شأن العلم أن يبصر، فينبغي هنا إبصاره وإنما ذلك شأن الذات. انتهى بالمعنى وهذا مذكور\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ١ ص ٣٢٠.\n(٢) تفسير المنار جـ ١ ص ١٦٨.","vol":"2","page":48},{"text":"بنصه في كتاب اليواقيت والجواهر للشعراني .. هذا ما كتبته من التعليق على كلمة شيخنا في قرب الوجود وطبع أولًا واطلع هو عليه. ثم استشكله بعض إخواننا السلفيين، بأنه مخالف لمذهب السلف، فإنهم يتأولون، أو يفسرون القرب بالعلم كالمتكلمين ويقولون إن الله تعالى فوق عباده، بائن من خلقه مستوٍ على عرشه، وعبارة الأستاذ على إجمالها أقرب إلى مذهب السلف من تأويل المتكلمين ومن وافقهم من السلفيين) (١).\nولا بد لنا أن نبني أمرًا على ما ذكره السيد محمد رشيد رضا من تعليق على كلمة الأستاذ الإمام، ألا وهو أن الأستاذ الإمام قد أخذ من معين مدرسة التصوف، وأكثر من الإفادة من كتب حجة الإسلام، ولكنه في نهاية الأمر استطاع أن يستقل بفهمه ورؤيته للمسائل الشرعية دون تعصب أو تقليد، وهذا ما دعا رشيدًا لأن يقول: وعبارة الأستاذ على إجمالها أقرب إلى مذهب السلف من تأويل المتكلمين، ومن وافقهم من السلفيين فهل كان هذا الأخذ من المدرسة السلفية باستقلال كما كان من مدرسة المتصوفة؟ هذا ما سيأتيك نبؤه بعد حين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>٢ - المدرسة السلفية:</span>\nلقد تأثر الأستاذ بهذه المدرسة كثيرًا، ويبدو هذا جليًّا في المظاهر التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>أ- عقيدة السلف: </span>لقد صرح الأستاذ الإمام بأنه على طريقة السلف في فهم آيات الصفات، وأن هذه الطريقة تلتقي وطريقة الخلف، إذ لا بد للكلام من فائدة يحمل عليها، فبعد أن بين الطريقتين وما تمتاز به كل منهما، قال: وأنا على طريقة السلف في وجوب التسليم والتفويض فيما يتعلق بالله وصفاته وعالم الغيب، وإننا نسير في فهم الآيات على كلا الطريقتين لأنه لا بد للكلام من فائدة يحمل عليها لأن الله ﷿ لم يخاطبنا بما لا نستفيد منه معنى) (٢).\n_________\n(١) المنار جـ ٢ ص ١٦٨.\n(٢) المنار (١/ ٢٥٢).","vol":"2","page":49},{"text":"فالأستاذ الإمام -﵀- يرى أن طريقة السلف لا تتصادم مع طريقة الخلف بل تجتمعان، فهو يسلم ويفوض، ومن جهة أخرى يفهم الآيات على طريقة التأويل ليحمل عليها فائدة.\nوههنا لا بد من إيضاح أمر وهو أنه قد شاع وجود طريقتين في فهم الصفات الخبرية: طريقة السلف وطريقة الخلف، فمن تبع الأولى تبرأ من الثانية، ومن تمسك بالثانية خالف الأولى، وهذا كلام يخلو من الدقة، إذ إن الطريقتين قد أخذ من معينهما السلف، فكما أن الإثبات والتفويض والتسليم نهج قد اتبعوه، فكلذلك التأويل قد سار عليه كبار الصحابة والتابعين ولذا لا يصح ألبتة أن ينسب إلى السلف طريقة ومذهب ويسلب عنه الآخر.\nوفوّض وسأكتفي بإيراد مثال واحد على التفويض في شأن الملائكة، لأنني سأناقش بعض تأويلاته لاحقًا إن شاء الله.\nيقول عند تفسيره لقول الله ﷿: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١]: \"ومن الغيب الذي يجب علينا الإيمان به، ما أنبأنا به في كتابه، من أن علينا حفظة يكتبون أعمالنا حسنات وسيئات. ولكن ليس علينا أن نبحث عن حقيقة هؤلاء ومن أي شيء خلقوا، وما هو عملهم في حفظهم وكتابتهم. هل عندهم أوراق وأقلام ومداد كالمعهود عندنا، وهو ما يبعد فهمه، أو هناك ألواح ترسم فيها الأعمال، وهل الحروف والصور التي ترسم هي على نحو ما نعهد، أو إنما هي أرواح تتجلى لها الأعمال، فتبقى فيها بقاء المداد في القرطاس، إلى أن يبعث الله الناس. كل ذلك لا نكلف العلم به، وإنما نكلف الإيمان بصدق الخبر، وتفويض الأمر في معناه إلى الله. والذي يجب علينا اعتقاده من جهة ما يدخل في علمنا، هو أن أعمالنا تحفظ وتحصى، ولا يضيع منها نقير ولا قطمير) (١).\n_________\n(١) تفسير جزء عم ص ٢٤.","vol":"2","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-368>ب- محاربته للبدع:</span>\nويظهر هذا باعتباره مقصدًا من مقاصد تفسيره، كلما سنحت له فرصة لذلك. فمثلًا ينعى على هؤلاء الناس الذين يظنون أن الموالد من الدين، وهم يغمضون أعينهم عن كل ما فيها من منكرات. يقول (وأظهرها في هذه البلاد الاحتفالات التي يسمونها الموالد. ومن العجيب أن يتبع الفقهاء في استحسانها الأغنياء، فصاروا يبذلون فيها الأموال العظيمة، زاعمين أنهم يتقربون بها إلى الله تعالى، ولو طلب منهم بعض هذا المال، لنشر علم أو إزالة منكر أو إغاثة منكوب، لضنوا به وبخلوا -ولا يرون ما يكون فيها من المنكرات منافيًا للتقرب إلى الله تعالى، كان كرامة الشيخ الذي يحتفلون بمولده، تبيح المحظورات وتحل للناس التعاون على المنكرات .. ويَرى كبار مشايخ الأزهر يتخطون هذا كله لحضور موائد الأغنياء في السرادقات والقباب العظيمة التي يضربونها، وينصبون فيها الموائد المرفوعة، ويوقدون الشموع الكثيرة احتفالًا باسم صاحب المولد، ويهنئ بعضهم بعضًا، بهذا العمل الشريف في عرفهم) (١). وذكر الأستاذ الإمام عند شرح مفاسد الموالد أن بعض كبار الشيوخ في الأزهر دعوه مرة للعشاء عند أحد المحتفلين فأبى، فقيل له في ذلك فقال: (إنني لا أحب أن أكثر سواد الفاسقين) (٢).\nكما نجد مثل هذا التنديد بالبدع وهو يبين أنواع الشرك، عند تفسير الآية ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-369>جـ- محاربته للتقليد والتعصب المذهبي:</span>\nيذكر السيد رشيد رضا في مقدمة كتابه تاريخ الأستاذ الإمام، أن الأستاذ\n_________\n(١) المنار جـ ٢ ص ٧٤ - ٧٥.\n(٢) المنار جـ ٢ ص ٧٤ - ٧٥.\n(٣) المنار ٥/ ٨٢.","vol":"2","page":51},{"text":"كان يجمع بين الصلاتين دونما عذر، وهذه كبيرة عند المقلدين (١)، وإذا نظرنا في تفسيره ﵀، فسنجد أنه لا يكتفي بعدم التعصب لمذهب معين، وإنما يهاجم التقليد والتعصب، وينعى على أصحابهما. يظهر هذا جليًّا عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] حيث يرجح بالأدلة رأى ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله (٢). كما نراه عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)﴾ [النساء: ٤٣] يذكر أنه قرأ خمسة وعشرين تفسيرًا فلم تشف غليله. ويفسر الآية على أنها تبيح التيمم للمسافر مع وجود الماء (٣).\nوقد أوضح الأستاذ رأيه في مسألة الاتباع والتقليد بقوله (ولكن رؤساء التقليد حالوا بين المسلمين وبين كتاب ربهم، بزعمهم أن المستعدين للاهتداء به قد انقرضوا، ولا يمكن أن يخلفهم الزمان، لما يشترط فيهم من الصفات والنعوت التي لا تتيسر لغيرهم، كمعرفة كذا وكذا من الفنون الصناعية، والإحاطة بخلاف العلماء في الأحكام، والذي يعرفه كل واقف على تاريخ الصدر الأول من المسلمين، هو أن أهل القرنين الأول والثاني، لم يكونوا يقلدون أحدًا، أي لم يكونوا يأخذون بآراء الناس وأقوال العلماء بل كان العامي منهم على بينة من دينه (٤). يعرف من أين جاءت كل مسألة يعمل بها من مسائله، إذ كان علماء الصدر الأول ﵃، يلقنون الناس الدين، ببيان كتاب الله تعالى وسنّة رسوله ﵌) (٥). وكان الجاهل\n_________\n(١) وهذه كبيرة عند فقهاء أهل السنة لا عند المقلدين كما يقول الشيخ رشيد وإن الذين يجمعون بلا عذرٍ هم الشيعة والإباضية. انظر الموسوعة الفقهية ١٥/ ٢٩٢.\n(٢) المنار ٢/ ٣٨١.\n(٣) وسنناقش هذه القضية مناقشة تامة عند حديثنا عن الشيخ رشيد ﵀.\n(٤) هذا الكلام لا يسلم للشيخ، فما ذكره يصدق على علمائهم دون عوامّهم.\n(٥) المنار جـ ٢ ص ٨١ - ٨٤، وسيأتي نقاش هذه المسألة في حديثنا عن منهج الشيخ رشيد.","vol":"2","page":52},{"text":"بالشيء يسأل عن حكم الله فيه، فيجاب بأن الله تعالى قال كذا، أو جرت سنّة نبيه على كذا، فإن لم يكن عند المسؤول فيه هدى كتاب أو سنة، ذكر ما جرى عليه الصالحون، وما يراه أشبه بما جاء في هذا الهدى أو أحال على غيره.\nولما تصدى بعض العلماء في القرن الثاني والثالث لاستنباط الأحكام، واستخراج الفروع من أصولها، ومنهم الأئمة الأربعة -كانوا يذكرون الحكم بدليله، على هذا النمط، فهم متفقون مع الصحابة والتابعين (عليهم الرضوان) على أنه لا يجوز لأحد أن يأخذ بقول أحد في الدين، ما لم يعرف دليله ويقتنع به، ثم جاء من العلماء المقلدين في القرون الوسطى (١)، من جعل قول المفتي للعامي بمنزلة الدليل، مع قولهم بأنه لو بلغه الحديث فعمل به كان كذلك أو أولى. ثم خَلفَ خَلفٌ أعرق منهم في التقليد، فمنعوا كل الناس أخذ أي حكم من الكتاب والسنة، وعدوا من يحاول فهمها والعمل بها زائغًا. وهذه غاية الخذلان وعداوة الدين، وقد تبعهم الناس في ذلك فكانوا لهم أندادًا من دون الله، وسيتبرأ بعضهم من بعض كما أخبر الله) (٢).\nثم نقل الأستاذ عن الأئمة الأربعة ﵃، النهي عن الأخذ بقولهم من غير معرفة دليلهم، والأمر بترك أقوالهم لكتاب الله أو سنة رسوله ﵌، إذا ظهرت مخالفة لهما أو لأحدهما. وبعد ذلك يواصل استعراض مواقف المتأخرين، فيقول (وهناك قول آخر للمتأخرين مبني على أن الأمة جاهلة لا تعرف من الدين شيئًا لا من أصوله ولا من فروعه، ولا سبيل إلى تكفير هؤلاء المنتسبين إلى الإسلام، ولا إلى إلزامهم معرفة العقائد الدينية من دلائلها، والأحكام الشرعية بادلتها وعللها. فلا مندوحة إذن عن القول\n_________\n(١) لا بد من التنبيه على أن اصطلاح القرون الوسطى هو اصطلاح فكري يصدق على عصور الظلام في أوروبا القديمة، ولا نوافق الشيخ -﵀- في إطلاقه هدا الاصطلاح على القرون الإسلامية المتأخرة، مع أنها كانت دون العصور الإسلامية المتقدمة في مستواها الفكري.\n(٢) المنار (٢/ ٨١ - ٨٤)، وهذا لا يخلو من غلو ومبالغة.","vol":"2","page":53},{"text":"بجواز التقليد في الأصول، وهي ما يجب اعتقاده في الله وصفاته، وفي الرسالة والرسل، وفي الإيمان بالغيب وهو ما فصله النص القطعي، والتقليد في الفروع العملية بالأولى. وهذا القول مخالف لإجماع سلف الأمة، وما قاله إلا الذين يحبون إرضاء الناس، بإقرارهم على ما هم عليه من الجهل، وإهمال ما وهبهم الله من العقل، لينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. والمراد أن قلوبهم أي عقولهم، لا تفقه الدلائل على الحق، وأعينهم لا تنظر الآيات نظر استدلال، وأسماعهم لا تفهم النصوص فهم تدبر واعتبار، فهذه صفات المقلدين) (١). ثم يختتم حديثه بقوله: (والقول الوسط بين القولين، هو أنه يجب النظر في إثبات العقائد بقدر الإمكان، ولا يشترط فيه تأليف الأدلة على طريق المنطق ولا طريق المتكلمين. وإن أفضل الطرف وأمثلها في ذلك، هو طريق القرآن الحكيم، في عرض الكائنات على الأنظار، وإرشادها إلى وجه الدلالة فيها على وحدانية مبدعها وقدرته وحكمته .. وأما فرض الأمة جاهلة، وإقرارها على ذلك اكتفاء باسم الإسلام، وما يقلد به الجاهلون أمثالهم من الأحكام، فهو من القول على الله بغير علم ولا سلطان. وقد قرنه تعالى جمع الشرك في التحريم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣].\nوأما الأحكام ومسائل الحلال والحرام فمنها ما لا يسع أحدًا التقليد فيه،\n_________\n(١) قضية التقليد للعلماء فيها أقوال سديدة في كتب علم الكلام وكتب الفقهاء، والآية التي أوردها (ولقد ذرأنا لجهنم ..) الآية لا تدل على ما أراد أن يستدل عليه، فسياقها في غير سياق تقليد العوام، وإنما جاءت في الحديث عن المشركين، والتقليد الوارد فيها لا يطابق التقليد الذي تحدث عنه الشيخ.","vol":"2","page":54},{"text":"وهي ما علم من الدين بالضرورة، كوجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وما أجمع عليه من كيفياتها وفروضها، فإن أدلتها وأعمالها متواترة. وتلقينها مع ما ورد في فوائدها من الآيات والهدي النبوي، يجعل المسلم على بصيرة فيها، وفقه يبحث على العمل ولا أسهل منه.\nومنها فروع دقيقة مستنبطة من أحاديث غير متواترة، لم يطلع عليها جميع المسلمين. وقد مضت سنة السلف الصالح في مثلها، بان من بلغه حديث منها، بطريق يعتقد به ثبوته عمل به. ولم يوجبوا على أحد، ولو منقطعًا لتحصيل العلم، أن يبحث عن جميع ما روي من هذه الآحاد ويعمل بها ... فمثل هذه الفروع يعذر العاصي بجهلها بالأولى، ويجب عليه التحري في قبول ما يبلغه منها، فلا يقبل رواية كل أحد، ولا يسلم كل ما في الكتب لكثرة الموضوعات والضعاف فيها .. فتبين مما شرحناه أنه لا عذر لأحد في التقليد المحض) (١). وهذا النص يعد آية ظاهرة في بيان موقف الأستاذ الإمام من التعصب المذهبي والتقليد، وجميع آرائه في هذا الباب تفهم في ضوء هذا النص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>موازنة تستحق التقدير:</span>\nابتلي المسلمون بخلافات جانبية كثيرة، واحتدم بينهم الجدل وقوي النزاع حول مسائل فرعية، وشكليات هي أقرب إلى القشور منها إلى اللباب. والذي يحز في النفس، ويصيب القلب بسهام الألم، أن هذه الخلافات وذلك النزاع، يعيشه المسلمون، وأعداؤهم يتربصون بهم من كل جانب، ويبيتون لهم كل عظيمة سوءًا وغدرًا.\nومن أقوى الأمثلة على هذه الخلافات ما رأيناه بين المتسلفة والمتصوفة من جهة، وبينهم وبين أصحاب المذاهب من جهة أخرى، لقد عشت هذا الخلاف كما عاشه كثيرون غيري في مصر، وليست مصر وحدها. فهذه بلاد الشام وكثير من\n_________\n(١) المنار جـ ٢ ص ٨١ - ٨٤.","vol":"2","page":55},{"text":"بلاد العالم الإسلامي تعيش هذا الخلاف، والتفرق منذ أمد بعيد. والمضحك المبكي أن الذين يقومون على هذا الخلاف، ويغذونه هم من أساتذة التوجيه الإسلامي، الذين يوجه المسلمون إليهم أنظارهم، ينتظرون منهم الخير. حتى لقد وصل الخلاف إلى مستوى الكتب تؤلف للجدل والتراشق بالتهم، بل إلى مستوى الأشرطة وجميع وسائل الاتصال الفكري المعاصر، حتى إنهم قد نقلوا هذا الخلاف إلى بلاد الغرب ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولقد حاولت جاهدًا يومًا، وتجشمت المشاق لإقناع زعماء كل من الفئتين، بأن ينبذوا ذلك ظهريًا، أو أن يتناسوه على الأقلّ، وأن يوجهوا نشاطهم لما فيه الخير لهذه الأمة، التي تفرقت شملًا، وتصدعت بنيانًا، ولكن عبثًا يحاول المحاولون. قال لي أحدهم لقد حاكمت الغزالي غيابيًا. قال: ولكنه خفف الحكم عليه، واكتفى بتجريده من لقب حجة الإسلام! ومقابل هذا طلع علينا أحد أساتذة كلية الشريعة في جامعة دمشق بكتاب عنوانه (اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الدين الإسلامي)، وكتاب آخر اسمه (باطن الإثم) جنّد فيهما جهده للطعن في كل من لم يتمذهب أو يتصوف.\nهذا واقعنا وهو يستحق المعالجة والحكمة، وكان من الممكن أن يجتمع المسلمون على ما اتفقوا عليه، وهو كثير، ويعذر بعضهم بعضًا فيما اختلفوا فيه وهو قليل. وأنه بإمكان أي إنسان يريد الخير لأمته، أن يأخذ الحكمة أيًا كان صاحبها، وأن يكون متصوفًا وسلفيًا في الوقت نفسه، ما دامت غاية التصوف تهذيب الروح وغاية السلفية سلامة العقيدة، فهما يلتقيان في طريق واحد، ولكن شريطة أن يُنحَّى الغلو والتطرف جانبًا.\nوخير مثال لهذا الطراز من الناس الذبن سلكوا تلك الطريقة الفضلى، مفسرنا ﵀، فلقد استطاع أن ينهل من مورد المتصوفة، وأن يرتشف من نمير السلفية، دون أن يطغى أحدهما على الآخر، وإنما هي جداول تلتقي معًا.\nلقد استطاع محمد عبده أن يرتفع فوق هذه الخلافات، فأعطى بذلك درسًا","vol":"2","page":56},{"text":"لهؤلاء المتزمتين ينبغي أن يعتبروا به. لقد رأينا كيف تأثر بالسلفية، ونقلت نصوصًا من كلامه، كان فيها واضح المنهج قريبًا من أفهام الناس، وهو مع ذلك كله يوفق بين السلفية والتصوف منصفًا كليهما. ومن الخير أن أقتطف بعض عباراته عن التصوف، ليتبين فيها حسن إدراكه لطبيعة هذا الدين. وهو إدراك يستحق الإعجاب، ويستدعي التقدير، يقول:\n(اشتبه على بعض الباحثين، السبب في سقوط المسلمين، في الجهل العميم ... وظنوا أن التصوف من أعظم الأسباب لسقوط المسلمين في الجهل بدينهم، وبعدهم عن التوحيد، الذي هو أساس عقائدهم، وليس الأمر عندنا كما ظنوا ...\nظهر التصوف في القرون الأولى للإسلام، فكان له شأن كبير، وكان الغرض منه في أول الأمر تهذيب الأخلاق، وترويض النفس بأعمال الدين وجذبها إليه، وجعله وجدانًا لها وتعريفها بأسراره وحكمه بالتدرج. ابتلي الصوفية في أول أمرهم بالفقهاء الذين جمدوا على ظواهر الأحكام المتعلقة بالجوارح، والتعامل، فكان هؤلاء ينكرون عليهم معرفة أسرار الدين، ويرمونهم بالكفر. وكانت الدولة والسلطة للفقهاء لحاجة الأمراء والسلاطين إليهم، فاضطر الصوفية إلى إخفاء أمرهم ووضع الرموز والاصطلاحات الخاصة بهم، وعدم قبول أحد معهم إلا بشروط واختبار طويل .. فكانوا يختبرون أخلاق الطالب وأطواره زمنًا طويلًا، ليعلموا أنه صحيح الإرادة صادق العزيمة، لا يقصد مجرد الاطلاع على حالهم، والوقوف على أسرارهم، وبعد الفتنة يأخذونه رويدًا رويدًا. ثم إنهم جعلوا للشيخ (المُسلِّك) سلطة خاصة على مريديه، حتى قالوا: يجب أن يكون المريد بين يدي الشيخ كالميت بين يدي الغاسل، لأن الشيخ يعرف أمراضه الروحية وعلاجها. فإذا أبيح له مناقشته ومطالبته بالدليل تتعسر معالجته أو تتعذر. فلا بد من التسليم له في كل شيء من غير منازعة، حتى لو أمره بمعصية لكان عليه أن يعتقد أنها لخيره، وأن فعلها نافع له ومتعين عليه فكان من قواعدهم التسليم المحض والطاعة العمياء.","vol":"2","page":57},{"text":"وقالوا إن الوصول إلى العرفان المطلق، لا يكون إلا بهذا ثم أحدثوا إظهار قبور من يموت من شيوخهم، والعناية بزيارتها لأجل تذكر سلوكهم ومجاهدتهم وأحوالهم ومشاهدتهم، لأن التذكر من أسباب القدوة، والتأسي هو طريق التربية القويم عندهم وعند غيرهم.\nفظهر من هذا الإجمال أن قصدهم في هذه الأمور كان صحيحًا، وأنهم كانوا يريدون الخير المحض ... ولكن ماذا كان أثر ذلك على المسلمين؟ كان منه أن مقاصد الصوفية الحسنة قد انقلبت ولم يبق من رسومهم الظاهرة إلا أصوات وحركات، يسمونها ذكرًا، يتبرأ منها كل صوفي، وإلا تعظيم قبور المشايخ تعظيمًا دينيًا، مع الاعتقاد بان لهم سلطة غريبة تعلو الأسباب التي ارتبطت بها المسببات بحكمة الله تعالى، بها يديرون الكون، ويتصرفون فيه كما يشاءون، وأنهم قد تكفَّلوا بقضاء حاجة مريديهم والمستغيثين بهم أينما كانوا. وهذا الاعتقاد هو عين اتخاذ الأنداد، وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وسيرة السلف من الصحابة وأئمة التابعين والمجتهدين.\nوزادوا على هذا شيئًا آخر، هو أظهر منه قبحًا وهدمًا للدين، وهو زعمهم أن الشريعة شيء والحقيقة شيء آخر، فإذا اقترف أحدهم ذنبًا فأنكر عليه منكر، قالوا في المجرم إنه من أهل الحقيقة، فلا اعتراض عليه وفي المنكر إنه من أهل الشريعة فلا التفات إليه. كأنهم يرون أن الله تعالى أنزل للناس دينين، وأنه يحاسبهم بوجهين، ويعاملهم معاملتين -حاشا لله- نعم جاء في كلام بعض الصوفية ذكر الحقيقة مع الشريعة، ومرادهم به أن في كلام الله ورسوله ما يعلو أفهام العامة، بما يشير إليه من دقائق الحكم والمعارف، التي لا يعرفها إلا الراسخون في العلم .. فهذا ما يسمونه علم الحقيقة لا سواه، وليس فيه شيء يخالف الشريعة أو ينافيها ... هكذا كان القوم: الصوفيون الحقيقيون في طرف، والفقهاء في طرف آخر، وبعد ما فسد التصوف وانقلب من حال إلى حال مناقضة لها، وضعف الفقه، فصار مناقشة لفظية في عبارات","vol":"2","page":58},{"text":"كتب المتأخرين، اتفق المتفقهة الجامدون والمتصوفة الجاهلون، وأذعن أولئك إلى هؤلاء واعترفوا لهم بالسر والكرامة، وسلموا لهم بما يخالف الشرع والعقل، على أنه من علم الحقيقة. فصرت ترى العالم، الذي قرأ الكتاب والسنة والفقه يأخذ العهد من رجل أمي، ويرى أنه يوصله إلى الله تعالى! ! فإن كان كتاب الله وسنة رسوله ﵌، وما فهم الأئمة واستنبط الفقهاء منهما، كل ذلك لا يفيد معرفة الله تعالى المعبر عنها بالوصول إليه، فلماذا شرع الله هذا الدين والناس أغنياء عنه بأمثال هؤلاء الأميين وأشباه الأميين؟ ! (١).\nهكذا فهم الأستاذ الإمام التصوف، وهكذا أفاد منه وجمع بينه وبين مذهب السلف، فكان جامعًا بين خيرين ينطلقان من معين واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-371>٣ - مدرسة المعتزلة:</span>\nلقد كان للمعتزلة أثر لا يُنكر في تاريخ الفكر الإسلامي بخاصة والإنساني بعامة، وفي نمو هذا الفكر كذلك. والمعتزلة هي الفرقة التي كانت نشأتها دينية لا تشوبها شوائب السياسة. ولقد ازدهرت فكرة الاعتزال بسبب تأييد بعض الخلفاء، وكان لهذا التأييد رد فعل سيء فيما بعد، ومن المرجح أن خصوم المعتزلة قد لعبوا دورًا غير يسير في تشويه آرائهم وأفكارهم، إلا أن مما لا مرية فيه، أن العقل كان الحكم الأول عند هؤلاء، وليس معنى هذا أنهم تنكروا للنص تنكرًا كليا وكان لهذا أثرٌ سيء على الدين، مع أن لهم مواقف دفاعية من الظلم أن ينكرها المنكرون، وإن كان من مأخذ فإنما هو تفخيم سلطة العقل، وتوسيع دائرة حكمه، حتى حافوا به على النص. وعلى كل حال فلقد حوصرت أفكار الاعتزال، وضيق عليها الخناق، حتى تلاشت أو كادت وبقيت كذلك إلى أن جاء الأستاذ الإمام، فانتزع سلالتها ليبثها في آرائه التفسيرية، واستل نزعتها ليقدمها إلى قرائه ومستمعيه آراء علمية بثوب جديد.\n_________\n(١) المنار جـ ٢ ص ٧٢.","vol":"2","page":59},{"text":"إن إقرارنا بأن الأستاذ الإمام قد تأثر بمدرسة المعتزلة، لا يعني أنه كان معتزليًا، ولا يعني كذلك أنه كان من أعيان مفسري المعتزلة، ولذا فليس من المقبول أن نعدّه من المعتزلة.\nإن تأثر الأستاذ بمدرسة الاعتزال يبدو في أكثر من مظهر، ويتضح في أكثر من وجه، وللتعرف على تلك المظاهر أورد الأمور التالية:\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>أولًا: الصبغة العقلية </span>في تفسيره وتركه بعض المأثور في كثير من المواضع.\nثانيًا: تأثره في بعض مواضع التفسير بابن بحر (١).\nثالثًا: مسألة السحر وما يتصل بها.\n\nأولًا: الصبغة العقلية:\nإن ما يقرره الأستاذ في كثير من المواضع، يلمح القارئ فيه تحكيم العقل، مع أن ذلك يبدو مخالفًا لما صح من المأثور، كما نرى ذلك واضحًا في تفسيره لسورة الفاتحة. حيث يقول: (وإني أرجح أنها أول ما نزل على الإطلاق، ولا أستثني قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾) ثم يعلل ذلك تعليلًا يبدو مقبولًا لأول وهلة من الوجهة العقلية، حيث يقول: (ومما يدل على ذلك أن السنة الإلهية في هذا الكون، سواءً كان كون إيجاد، أم كون تشريع، أن يظهر سبحانه الشيء مجملًا، ثم يتبعه التفصيل بعد ذلك تدريجيًا. وما مثل الهدايات الإلهية إلا مثل البذرة والشجرة العظيمة فهي في بدايتها مادة حياة تحتوي على جميع أصولها، ثم تنمو بالتدريج حتى تبسق فروعها بعد أن تعظم دوحتها، ثم تجود عليك بثمرها. والفاتحة مشتملة\n_________\n(١) هو محمد بن بحر الأصفهاني، المعروف بأبي مسلم، معتزلي، كان عالمًا بالتفسير وبغيره من صنوف العلم، له كتاب (جامع التأويل في التفسير) في أربعة عشر مجلدًا، جمع سعيد الأنصاري نصوصًا وردت منه في تفسير الرازي، سماه (ملتقط جامع التأويل لمحكم التنزيل) وقد حفظ لنا الرازي -﵀- تلك النصوص التفسيرية، بما لا نجدها عند غيره، توفي أبو مسلم (٣٢٢ هـ).","vol":"2","page":60},{"text":"على مجمل ما في القرآن، وكل ما فيه تفصيل للأصول التي وضعت فيها) (١).\nوهذا كلام -مخالف للروايات الصحيحة، من أن أول ما نزل من القرآن قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ...﴾ [العلق: ١ - ٥] (٢)، وإذا صحت الرواية فلا ينبغي أن يُعدلَ عنها فإن فيه تحميل الفاتحة ما لا تحمل، وهذا ما يعترض به الأستاذ الإمام كثيرًا على غيره من المفسرين، ولكن الصبغة العقلية قد أخذت من الشيخ مأخذها في تحديد أول ما نزل.\nوفي السورة نفسها عند تفسير (المغضوب عليهم والضالين) يقول الأستاذ: (فالمغضوب عليهم، هم الذين خرجوا عن الحق بعد علمهم به، والذين بلغهم شرع الله تعالى ودينه فرفضوه ولم يتقبلوه، انصرافًا عن الدليل ورضا بما ورثوه من القليل ووقوفًا عند التقليد وعكوفًا على هوى غير رشيد، وغضب الله عقوبته وانتقامه ... ولا شك أن المغضوب عليهم ضالون أيضًا، لأنهم بنبذهم الحق وراء ظهورهم قد استدبروا الغاية واستقبلوا غير وجهتها، فلا يصلون منها إلى مطلوب، ولا يهتدون فيها إلى مرغوب، ولكن فرق بين من عرف الحق فأعرض عنه على علم، وبين من لم يظهر له الحق، فهو تائه بين الطرق، لا يهتدي إلى الجادة الموصلة منها، وهم من لم تبلغهم الرسالة، أو بلغتهم على وجه لم يتبين لهم فيه الحق، فهؤلاء هم أحق باسم الضالين) (٣).\nأقول: إن حديث عدي بن حاتم الذي ورد فيه (أن المغضوب عليهم هم اليهود وأن الضالين هم النصارى) والذي أخرجه الترمذي في جامعه (٢٩٥٣) وأخرجه ابن حبان (٦٢٤٦) و(٧٢٠٦) وأخرجه أحمد (٤/ ٣٧٨ - ٣٧٩) والطبراني (١٧/ ٢٣٧)، والبيهقي في الدلائل (٥/ ٣٣٩ - ٤١ - ٣٤١) وأخرجه الطيالسي (١٠٤٠).\n_________\n(١) المنار (١/ ٣٥).\n(٢) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان الوحي إلى رسول الله -ﷺ-.\n(٣) المنار (١/ ٦٨، ٦٩).","vol":"2","page":61},{"text":"ومعظم أسانيد هذا الحديث مروية من طريق سماك بن حرب. قال الترمذي بعد إيراده: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث سماك بن حرب، فإذا علمنا هذا وعلمنا أن سماكًا قال في شأنه ابن معين حينما سئل عنه: ما الذي عابه؟ قال: أسند أحاديث لم يسندها غيره وهو ثقة، وكان الثوري يضعفه بعض الضعف، وقال النسائي: ليس به بأس وفي حديثه شيء، وقال صالح بن محمد: يُضَعَّف، وقال ابن خراش: في حديثه لين.\nوقال النسائي: كان ربما لقن، فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة لأنه كان يلقن فيتلقن. ومن هنا أدركنا أن هذا الإسناد عليه إشكال لا يزيله تحسين بعض المحدثين له كما صنع ابن حجر -رحمه الله تعالى- اعتمادًا على الشواهد والمتابعات وذلك أن الشواهد التي تذكر ليست تفسيرًا للآية الكريمة والمتابعات لا تصح، وعلى فرض تجاوزنا وسكوتنا عن هذه الإشكالية، تبقى مسألة أخرى، وهي: هل بعض المرفوعات للنبي -ﷺ- في ذكره أن المغضوب عليهم هم اليهود والضالين هم النصارى تفسير للآية بحيث لا تقبل مخالفته، ومثل ذلك الآثار الموقوفة على الصحابة -رضوان الله عليهم- ومن تابعهم من التابعين؟\nفي ظني أن الأمر فيه سعة، وليس بالصورة الضيقة التي يظنها بعض الناس من أن التفسير قد اقتصر على اليهود والنصارى، بحيث لا يتجاوزهم إلى من هو أسوأ منهم.\nوعلى أي حال فإن تفسير الشيخ -﵀- لا يخالف الآثار المروية في ذلك ولا يعد في هذا المثال متأثرًا بالعقل، وإنما ذكرناه ها هنا لندرك بيان الفرق فيما يكون فيه الشيخ متأثرًا بالصبغة العقلية وما لا يكون كذلك.\nوتظهر هذه النزعة العقلية أيضًا، عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣] من سورة البروج. فلقد ضرب الإمام صفحًا عن كل الروايات التي وردت في تفسيرهما (١) -كما رأينا ذلك سابقًا- وكذلك عند تفسير قول الله تعالى:\n_________\n(١) تفسير جزء عم ص ٥٧.","vol":"2","page":62},{"text":"﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، حيث فسر الفجر بأنه جنس لتنفس النهار الذي يطرد الليل. والليالي العشر بأنها الليالي التي يغالب ضوء القمر فيها الظلمة (١)، وهو تفسير عقلي، على أن بعض المفسرين السابقين ذكر ما هو قريب من هذا (٢).\nوعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] يقول: إنها خير من ألف شهر، لأنه قد مضى على الأمم آلاف الشهور وهم يختبطون في ظلمات الضلال، فليلة يسطع فيها نور الهدى، خير من ألف شهر من شهورهم الأولى ...) (٣).\nواختصارًا لما سبق أقول: نحن لا ننكر على الأستاذ تفسيره ما دام لم يرد فيه أثر ثابت عن رسول الله -ﷺ-، فالتفسير العقلي تفسيران: تفسير خالف المأثور كما مثلنا له في أول ما نزل، وتفسير لم يخالف المأثور بحيث يلغيه وينحيه، بل يزيد في بيانه كما رأينا في تفسيره الليالي العشر، وعليه فالنوع الأول يرد ولا يقبل؛ لما تقرر في أصول التفسير من أن التفسير بالمأثور يقدم على غيره إذا كان صحيحًا، والنوع الثاني يقبل ما دام في حدود اللغة والسياق إذا كان فيه إغناء للمعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-373>ثانيًا [*]: تأثره بأبي مسلم:</span>\nإن تأثر الشيخ بأبي مسلم، وهو مفسر من مفسري المعتزلة، واضح المعالم في مواضع كثيرة. فعند تفسير قول الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، يقول: (والمعنى الصحيح الذي يلتئم مع السياق إلى آخره، أن الآية هنا هي ما يؤيد الله تعالى به الأنبياء من الدلائل على نبوتهم. أي ما ننسخ من آية نقيمها دليلًا على نبوة نبي من الأنبياء، أي نزيلها ونترك تأييد نبي آخر بها، أو ننسها الناس لطول العهد بمن جاء بها، فإننا بما لنا من القدرة الكاملة\n_________\n(١) تفسير جزء عم ص ٧٧.\n(٢) تفسير الطبري (٣٠/ ١٠٧).\n(٣) تفسير جزء عم ص ١٣٠.\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع (ب)","vol":"2","page":63},{"text":"والتصرف في الملك، نأتي بخير منها، في قوة الإقناع وإثبات النبوة، أو مثلها في ذلك) (١) وهذا نفس ما ذهب إليه ابن بحر حيث عد الآية هي الرسالة، كما نقله عنه الرازي وغيره (٢).\nلكن من الإنصاف هنا أن نذكر أن الأستاذ لم يسر مع أبي مسلم في إنكاره النسخ بل إنه أثبته ولكن لا بهذه الآية، وإنما بآية أخرى وهي قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ وهذا موطن غرابة كذلك. فإن آية النحل التي أثبت بها النسخ مكية باتفاق، ولم يكن نسخ حين ذلك. فسياق آية النحل يقضي بأن يكون المراد بها الرسالة، ويؤيد هذا ﴿قَالوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠١ - ١٠٢] وليس هذا موطن تفصيل هذا الموضوع، فمن أراده فلينظر في كتابنا (إتقان البرهان).\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]: يقول بأن المراد بـ (عقدت أيمانكم) عقد النكاح، وهذا ما ذهب إليه أبو مسلم -﵀- (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>ثالثًا: مسألة السحر بعامة وسحر النبي ﵌ بخاصة:</span>\nوالسحر أحد الأمور الكثيرة التي احتدم فيها الجدل بين العلماء وبخاصة أهل السنة والمعتزلة. فبينما يقول أحدهم أن للسحر حقيقة ووجودًا يقول آخرون أنه لا حقيقة له، وإنما هي حيل وشعبذات وتمويهات. وكتب التفسير وكتب الكلام غنية بأدلَّة كل من الفريقين ورد كل فريق على الآخر.\nوالذي يهمنا هنا هو أن نتعرف رأي الإمام في هذه المسألة، فعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] يبين\n_________\n(١) المنار (١/ ٤١٧).\n(٢) التفسير الكبير (٣/ ٢٢٩).\n(٣) التفسير الكبير للرازي (١٠/ ٨٥، ٨٦).","vol":"2","page":64},{"text":"معنى السحر ومادته اللغوية، ثم يقول ... (ومجموع هذه النصوص يدل على أن السحر إما حيلة وشعوذة، وإما صناعة علمية خفية يعرفها بعض الناس ويجهلها الأكثرون، فيسمون العمل بها سحرًا، لخفاء سببه ولطف مأخذه. ويمكن أن يعد منه تأثير النفس الإنسانية في نفس أخرى لمثل هذه العلة. وقد قال المؤرخون: إن سحرة فرعون، قد استعانوا بالزئبق على إظهار الحبال والعصي، بصور الحيات والثعابين وتخييل أنها تسعى) (١).\nوعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] يتكلم عن معنى النفث والعقد، ويبين أن المقصود بهذا إنما هم النمامون (ثم يتعرض لما قيل في سحر النبي عليه وآلة الصلاة والسلام فيقول:\n(ولا يخفى أن تأثير السحر في نفسه ﵇، حتى يصل به الأمر إلى أن يظن أنه يفعل شيئًا، وهو لا يفعله. ليس من قبيل تأثير الأمراض في الأبدان، ولا من قبيل عروض السهو والنسيان في بعض الأمور العادية، بل هو ماس بالعقل آخذ بالروح، وهو مما يصدق قول المشركين فيه ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧] وليس المسحور عندهم إلا من خولط في عقله، وخيل له أن شيئًا يقع، وهو لا يقع فيخيل إليه أنه يوحى إليه ولا يوحى إليه. وقد قال كثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما هي النبوة، ولا ما يجب لها: إن الخبر بتأثير السحر في النفس الشريفة قد صح فيلزم الاعتقاد به. وعدم التصديق به من بدع المبتدعين، لأنه ضرب من إنكار السحر. وقد جاء القرآن بصحة السحر. فانظر كيف ينقلب الدين الصحيح والحق الصريح، في نظر المقلد بدعة نعوذ بالله، يحتج بالقرآن على ثبوت السحر، ويعرض عن القرآن في نفيه السحر عنه -ﷺ-. ويستمر في شرح هذه المسألة، فيبين أن القرآن مقطوع به، فلا ينبغي أن يعدل عنه، وأن الحديث على فرض صحته فهو آحاد، لا يؤخذ به في العقائد أولًا، وهو يفيد الظن ثانيًا).\n_________\n(١) تفسير المنار (١/ ٤٠٠).","vol":"2","page":65},{"text":"وبعد ذلك يرى أن نفي السحر عنه -ﷺ- لا يستلزم نفي السحر عن غيره. ولكنه يعود فينفي السحر بقوله: (وماذا علينا لو فهمنا من السحر الذي يفرق بين المرء وزوجته، تلك الطرق الدقيقة التي تصرف الزوج عن زوجته والزوجة عن زوجها ... وقد يكون ذكر المرء وزوجته من قبيل التمثيل، وإظهار الأمر في أقبح صورة، أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من ضروب الحيل وطرق الإفساد، أن يتمكنوا من التفريق بين المرء وزوجه وسياق الآية لا يأباه) (١).\nيقول صاحب الظلال بعد أن أورد أحاديث سحر النبي -ﷺ-:\n(ولكن هذه الروايات تخالف أصل العصمة النبوية في الفعل والتبليغ، ولا تستقيم مع الاعتقاد بأن كل فعل من أفعاله ﵌، وكل قول من أقواله سنة وشريعة، كما أنها تصطدم بنفي القرآن عن الرسول -ﷺ- أنه مسحور، وتكذيب المشركين فيما كانوا يدعونه من هذا الإفك، ومن ثم تستبعد هذه الروايات، وأحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في أمر العقيدة، والمرجع هو القرآن، والتواتر شرط للأخذ بالأحاديث في أصول الاعتقاد، وهذه الروايات ليست من المتواتر، فضلًا على أن نزول هاتين السورتين في مكة هو الراجح مما يوهن أساس الروايات الأخرى) (٢).\nوالذي أدين الله تعالى به هو أن السحر لا يمكن أن يكون له تأثير حقيقي في شخص سيدنا رسول الله -ﷺ-، وإنما الروايات التي جاءت في هذا المقام يمكن الإفادة منها في تصوير مدى حقد وضيق اليهود على النبي -ﷺ-.\nوهل يبعد عن اليهود مثل هذا العمل وقد استطاع الرسول الكريم عليه وآله الصلاة والسلام، أن يفوت عليهم كل ما يبيتونه لهذا الدين ونبيه وأهله، من سوء\n_________\n(١) ينظر جزء عم ص ١٨٢، ١٨٣.\n(٢) في ظلال القرآن (٦/ ٤٠٨).","vol":"2","page":66},{"text":"ومكر وخديعة وهم من هم في ذلك كله هل يبعُد عنهم أن يبذلوا كل ما يستطيعون لإيذاء النبي الكريم، إذ إن السحر حرفتهم.\nوالخلاصة أن تأثر الأستاذ بالمعتزلة واضح المعالم، حتى لقد عَدّ بعض الفضلاء مدرسته امتدادًا لمدرسة المعتزلة، يقول أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود -﵀-:\n(وكل من نهج المنهج العقلي في الدين في العصر الحاضر، إنما هو تابع من أتباع المعتزلة، ولا مناص من الإقرار بأن مدرسة الشيخ محمد عبده، إنما هي مدرسة اعتزالية في مبادئها وأصولها، وهي مدرسة اعتزالية في غاياتها وأهدافها، ذلك أنها تضع قضايا الدين في ميزان عقلها، فتنفي وتثبت حسبما تقتضيه الأهواء والنزعات) (١) وأنا مع أستاذي الفاضل، لكن لا إلى الحد الذي ذهب إليه، ذلك أننا رأينا كيف تأثر الأستاذ بطريقة السلف، وتحكيم العقل يختلف عند أصحاب هذه المدرسة بين واحد وآخر، وكونه قد تأثر في بعض آرائه بمدرسة الاعتزال، لا يعني أنه كان معتزليًا، ولا يعني أن مدرسته كانت كذلك في غاياتها وأهدافها، وأنها كانت تفسر النصوص حسبما تقتضيه الأهواء والنزعات، بل إن من كبار رجال هذه المدرسة كما سنرى إن شاء الله تعالى، من وقف عند حدود النص، ضاربًا بآراء المعتزلة عرض الحائط في كثير من الأمور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>٤ - الحضارة الأوروبية:</span>\nعاش الغرب تاريخًا طويلًا والكنيسة تسيطر على عقله وضميره وواقع حياته فالسلطان لها في الأخلاق والسياسة والعلم وجميع شؤون الحياة، ولم يكن من السهل أن ينشر عالم من العلماء آراءه ونظرياته إذا كانت تصطدم مع ما تقرره الكنيسة. فكم من عالم عُذِّب ونُكِّل به؛ لأنه أثبت خطأ بعض النظريات العلمية،\n_________\n(١) الإسلام والعقل ص ٣٢.","vol":"2","page":67},{"text":"التي تبنتها الكنيسة على أنها كلمة السماء. فكان أمرًا لا بد منه أن يحصل الصراع بين العلماء والكنيسة، أو بين العلم والدين.\nوأخيرًا انتصر العلماء وانحسرت سلطة الكنيسة، اللهم إلا عند بعض الضمائر، وبدأت فتنة الناس بالعلم، فلا يؤمنون إلا بما تثبته تجارب العلم.\nوكان طبيعيًا أن يتأثر شرقنا الإسلامي بهذا المد الجارف. ولقد عاش الأستاذ الإمام ﵀ في هذه الحقبة الزمنية الخطيرة، التي انتثرت فيها نظريات داروين، التي تقول بتطور الأشياء كلها، لتستأصل فكرة الثبات التي كانت تتبناها الكنيسة، وقد كانت له أسفار ورحلات إلى أوروبا، التقى فيها بعض رجال الفكر والعلم، ولقد تأثر الأستاذ ببعض هؤلاء العلماء، وبعض تلك النظريات في الاجتماع (١) والتطور والدين، ولكن لا كما يتأثر غيره من الناس، الذين حلت هذه النظريات محل العقيدة في قلوبهم، وإنما أراد أن يوفق بينها وبين الدين، ولقد بدت آثار ذلك في تضييقه لنطاق الخوارق، وفي تفسيره بعض الغيبيات، وفي تقريراته عن أصل الإنسان وتطوره، وتأويله لبعض المعجزات وتفسيرها تفسيرًا علميًّا. وسأحاول أن أتتبع ذلك في نماذج من تفسيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>أ- تأويلاته في قصة آدم:</span>\nلعل من أهم ما يلفت النظر في تفسير الإمام، ذلك المسلك الذي سلكه في تأويل هذه الآيات ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨] فعند ذكر الملائكة يقول: (وذهب بعض المفسرين مذهبا آخر في فهم معنى الملائكة، وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال، من إنماء نبات وخلقة حيوان، وحفظ إنسان وغير ذلك، فيه إيماء إلى الخاصة، بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أن هذا النمو في النبات، لم يكن إلا بروح خاص، نفخه الله في\n_________\n(١) ولا ينفي هذا أنه قد تأثر بنظريات ابن خلدون الاجتماعية من قبل.","vol":"2","page":68},{"text":"البذرة، فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يقال في الحيوان والإنسان، فكل أمر كلي قائم مخصوص تمت به الحكمة الإلهية في إيجاده، فإنما قوامه بروح إلهي، سمي في لسان الشرع ملكًا. ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف سمى هذه المعاني القوى الطبيعية. فالحقيقة واحدة، والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات، وإن كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجودًا لا يدرك كنهه، والذي لا يؤمن بالغيب، يقول لا أعرف الروح ولكن أعرف قوة لا أفهم حقيقتها، ولا يعلم إلا الله علام يختلف الناس. وماذا على هذا الذي يزعم أنه لا يؤمن بالغيب، وقد اعترف بما غُيب عنه، لو قال أصدق بغيب أعرف أثره، وإن كنت لا أقدره قدره، فيتفق مع المؤمنين بالغيب، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحي، ويحظى بما يحظى به المؤمنون.\nيشعر كل من فكر في نفسه، ووازن بين خواطره، عندما يهم بأمر فيه وجه للحق، أو الخير، ووجه للباطل أو الشر، بأن في نفسه تنازعًا، كان الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى. فهذا يورد وذلك يدفع وواحد يقول افعل، وآخر يقول لا تفعل، حتى ينتصر أحد الطرفين، ويترجح أحد الخاطرين، فهذا الشيء الذي أودع في أنفسنا ونسميه قوة وفكرًا، لا يبعد أن يسميه الله ملكًا. فإذا صح الجري على هذا التفسير، فلا يستبعد أن تكون الإشارة في الآية إلى أن الله تعالى، لما خلق الأرض ودبرها بما شاء من القوة الروحانية، التي بها قوامها ونظامها، وجعل كل صنف من القوى مخصوصًا بنوع من أنواع المخلوقات، لا يتعداه ولا يتعدى ما حدد له من الأثر الذي خص به، خلق بعد ذلك الإنسان، وأعطاه قوة يكون بها مستعدًا للتصرف بجميع هذه القوى وتسخيرها في عمارة الأرض، وعبر عن تسخير هذه القوى له بالسجود، الذي يفيد معنى الخضوع والتسخير واستثنى من هذه القوى قوة واحدة، عبر عنها بإبليس، ولو أن نفسًا مالت إلى قبول هذا التأويل، لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك، والعمدة على اطمئنان القلب وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق).","vol":"2","page":69},{"text":"ثم يقول بعد ذلك في ثنايا تفسيره لقصة آدم: -\n(وتقرير التمثيل في القصة على هذا المذهب -مذهب الخلف- هكذا: أن إخبار الملائكة .. هو عبارة عن تهيئة الأرض .. لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها. وسؤال الملائكة عن جعل الخليفة ... هو تصوير لما في استعداد الإنسان لذلك. وتعليم آدم الأسماء كلها، بيان لاستعداد الإنسان لعلم كل شيء في هذه الأرض وانتفاعه في استعمارها، وعرض الأسماء على الملائكة وسؤالهم عنها، وتنصلهم في الجواب، تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودًا لا يتعدى وظيفته. وسجود الملائكة لآدم عبارة عن تسخير هذه الأرواح والقوى له، ينتفع بها في ترقية الكون، بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك، وإباء إبليس واستكباره عن السجود، تمثيل لعجز الإنسان عن إخضاع روح الشر، ويصح أن يراد بالجنة الراحة والنعيم ... وبآدام نوع الإنسان ... وبالشجرة معنى الشر والمخالفة ... وبسكنى الجنة والهبوط منها أمر التكوين ... والمعنى على هذا أن الله تعالى كون النوع البشري على ما نشاهد في الأطوار التدريجية، التي قال فيها سبحانه ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح: ١٤]، فأولها طور الطفولة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] وذكر الزوجة مع أن المراد بآدم النوع الآدمي، للتنبيه على الشمول، وعلى أن استعداد المرأة كاستعداد الرجل في جميع الشؤون البشرية، فأمر آدم وحواء بالسكنى أمر تكوين، أي أنه تعالى خلق البشر ذكورًا وإناثًا هكذا، وأمرهما بالأكل حيث شاءا، عبارةٌ عن إباحة الطيبات وإلهام معرفة الخير. والنهي عن الشجرة عبارة عن إلهام معرفة الشر. وهذان الإلهامان اللذان يكونان للإنسان في الطور الثاني، وهو طور التمييز، هما المراد بقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]. ووسوسة الشيطان وإذلاله لهما عبارة عن تلك الروح الخبيثة، التي تلابس النفوس البشرية، فتقوى فيها داعية الشر. أي أن إلهام التقوى والخير، أقوى في فطرة الإنسان، أو","vol":"2","page":70},{"text":"هو الأصل، ولذلك لا يفعل الشر إلا بملابسة الشيطان له ووسوسته إليه، والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإنسان من البلاء والعناء، بالخروج عن الاعتدال الفطري. وأما تلقي آدم الكلمات وتوبته، فهو بيان لما عرف في الفطرة السليمة، من الاعتبار بالعقوبات التي تعقب الأفعال السيئة، ورجوعه إلى الله تعالى عند الضيق، والتجاؤه إليه في الشدّة، وتوبة الله تعالى عليه عبارة عن هدايته إلى المخرج من الضيق والتفلت من شرك البلاء بعد ذلك الاعتبار والالتجاء ... فحاصل القوى أن الأطوار الفطرية للبشر ثلاثة: طور الطفولة وهو طور نعيم وراحة. وطور التمييز الناقص، وفيه يكون الإنسان عرضة لاتباع الهوى بوسوسة الشيطان، وطور الرشد والاستواء، وهو الذي يعتبر فيه بنتائج الحوادث، ويلتجئ فيه عند الشدة إلى القوة الغيبية العليا، التي منها كل شيء، وإليها يرجع الأمر كله، فهكذا كان الإنسان في أفراده مثالًا للإنسان في مجموعه ... وبقي طور آخر أعلى من هذه الأطوار وهو منتهى الكمال، وأعني به طور الدين الإلهي والوحي السماوي، الذي به كمال الهداية الإنسانية) (١).\nهذا ملخص ما ذكره الإمام في تفسير قصة آدم، ولقد شعر ﵀ بأن تفسيره هذا سيثير عليه كثيرين. فبدأ يدافع عن نفسه، كما دافع عنه صاحب المنار. ونقل مقالة كتبها الإمام بيده يبين فيها أنه لم ينكر وجود الملائكة، ولم يقل إنهم قوى غير عاقلة، وإنما قصد التقريب لهؤلاء الذين لا يؤمنون بالدين. ثم ينعى في آخر كلمته على هؤلاء الذين ظنوا به سوءًا، وحملوا كلامه على غير محمله، وهو أعرف منهم بالله وأرسخ منهم إيمانًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>مناقشة هذا التأويل:</span>\nهذا أسلوب في التهجم ما كنا نرضاه من الإمام ﵀. وأنا أحسن الظن به ولا أقول إنه ينكر وجود الملائكة، ولكن ليس معنى هذا أن يسلم له ما جاء به من هذا التأويل.\n_________\n(١) المنار جـ ١/ ٢٨١ - ٢٨٤ الطبعة الأولى.","vol":"2","page":71},{"text":"لقد أراد الإمام أن يقرب البعيدين عن الدين، ولكنه ﵀ نسي أنه بعمله هذا يقرب المتدينين من غيرهم كما قال الشيخ مصطفى صبري ﵀. ولقد قدم الإمام تنازلات كثيرة حينما فتح باب التأويل. هذه التنازلات رأينا لها أسوأ الأثر فيما بعد، وبخاصة عند هؤلاء الذين لم تخالط بشاشة الإيمان قلوبهم، بينما يعجبك قولهم في الحياة الدنيا.\nكنا نود من الإمام ﵀، أن يكتفي بما قاله السلف والخلف، في تفسير تلك الآيات. وألا يشتط فِي التأويل، وهو أعلم بسنن الله من كثير من الناس في مثل قول الله ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١]. إن هذه الآيات التي أولها الإمام لا تحتمل هذا التأويل. وكما هي قطعية في ثبوتها فهي قطعية في دلالتها كذلك. نعم، إن قطعية الدلالة وإن لم تستفد من اللفظ نفسه، لكنها هنا تستفاد من أمر آخر وهو ذكرها في مواطن كثيرة. فلقد ذكرت هذه القصة في القرآن الكريم مرات كثيرة، ومثلها لفظ الملائكة. وقول الإمام بأن مجموع ما ورد في الملائكة فيه إيماء للخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، لا نرضاه منه ولا نسلمه له؛ ذلك أن عبارات القرآن غاية في الوضوح، بحيث يكون الخروج عن ظاهر معناها ذهابًا إلى الرمزية والإشارات الخفية التي يستنكرها أمثال الإمام.\nوإذا كانت أخبار الملائكة في القرآن يمكن أن يفهم منها ما هو أدق من عبارتها، فجائز أن يقال ذلك كذلك في آيات البعث ومعجزات الأنبياء وغير ذلك من الآيات! .\nوقوله بأن الذي لا يبالي بالتوقيف يسميها قوى طبيعية، وبأن الحقيقة واحدة وبأنه يحظى بما يحظى به المؤمنون قول خطير عجيب، وأعجب منه أن يصدر من الأستاذ الإمام.\nإن ألفاظ القرآن عربية واضحة محددة المفاهيم، وتعم الفوضى حينما تفقد","vol":"2","page":72},{"text":"الألفاظ مفاهيمها ودلالتها، وهناك تفقد الحقيقة كل قيمة، وتعيش الإنسانية عيشة تعاسة وشقاء، كما رأينا عند السفسطائيين، لذا كان أول عمل قام به سقراط هو تحديد مفاهيم الألفاظ. والخروج عن تحديدها قد فتح الباب أمام الفرق الباطنية التي كان لها أسوأ الأثر في حياة المسلمين الفكرية والسياسية. وفي صحيح البخاري روي أن الرسول ﵌ قال: (قل ونبيك الذي أرسلت) (١). وهذه ليست أخطر مما نحن بصدده. وإذا أجزنا أن نسمي الملائكة قوى طبيعية فإن من الممكن أن يقول قائل (أنا لا أؤمن بأن الله هو الخالق كما تسمونه، وإنما أسميه الطبيعة، ولا أسمي رسولكم نبيًّا وإنما أسميه عبقريًا أو فيلسوفًا!) وهذا باب إن فتح فلن تكون منه إلا معاول الهدم لهذا الدين.\nويستحيل كذلك أن نسمي الخواطر الحسان ملائكة، والتمثيل الذي أورده الإمام في القصة، فضلًا على أنه يفتح أبواب التأويل للذين في قلوبهم مرض، وعلى رغم ما في الكثير منه من تكلف ظاهر، فإنه مخالف صراحة لكثير من النصوص. وعلى سبيل المثال: تمثيله سجود الملائكة لآدم ورفض إبليس بتسخير القوى الطبيعية وتحكم الإنسان فيها، مع أن سجود الملائكة قد ذكر كثيرًا في القرآن. وفي بعض الآيات تحديد لهوية إبليس بأنه من الجن، وهذه المحاورات الكثيرة في القرآن تنفي هذا التمثيل. وكون المقصود من آدم النوع البشري ومن الجنة الراحة والنعيم ينفيه مثل قول الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٧].\nلقد عد الكتاب والسنة الإيمان بالملائكة ركنًا من أركان الإيمان، في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقوله ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وفي مثل قول الرسول ﵌ ردًّا على سؤال\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب الوضوء، باب فضل من بات على الوضوء رقم (٢٤٧).","vol":"2","page":73},{"text":"جبريل \"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره\" (١). ولقد ورد في القرآن مثل قول الله ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٧] ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ [النجم: ٢٦]، ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] وفي السنة المطهرة عن تعاقب الملائكة بالليل والنهار (٢). والنصوص أكثر من أن تحصى وكلها لا تساعد، بل لا تسمح بأن يطلق على الملائكة معنى القوى الطبيعية.\nكما لا تسمح أن يحظى منكر الملائكة ولو للتسمية فقط، بما يحظى به المسلمون فضلًا على المؤمنين. ولقد كان جبريل ﵇ يتمثل أحيانًا بصفة إنسان، كما مر في الحديث السابق، وكان رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام يراه أحيانًا في صورته الحقيقية.\nولا أود أن أسترسل فلقد كان تأويل الأستاذ بدعًا من التأويل، لما فيه من الخروج البين عن ظاهر الألفاظ من الآيات، بهذا المسلك، الذي ينم عن مدى تأثر الأستاذ بالحضارة الغربية التي لا تؤمن إلا بما هو في دائرة الحس، ومع مخالفتنا الشديدة للأستاذ الإمام، إلا أننا لا نرى سبيلًا أمامنا إلا إحسان الظن به، ولا نرضى الطعن فيه، وقد جاوز الدكتور فهد الرومي حدود المنطق والعقل حين قال: ماذا يريد الشيخ محمد عبده بهذا التأويل، وهذا المفهوم؟ هل يريد أن يؤكد لنا مرة أخرى تكذيبه للقرآن الكريم كما كذب قصصه بحملها على التمثيل لا على الحقيقة والواقع (٣).\nثم يسترسل بكلام لا يليق بمقام الأستاذ الإمام -﵀- وهذا منزع لا نرضاه، فمن أراد أن يقوم آراء الآخرين، فلا يعتدي على حرمة دينهم ودائرة اعتقادهم.\n_________\n(١) صحيح مسلم جـ ١ ص ٣٠ - طبعة دار الطباعة العامة ١٣٢٩ هـ، حديث رقم (١).\n(٢) صحيح البخاري كتاب المواقيت، باب فضل صلاة العصر، حديث رقم (٥٣٠)، وصحح مسلم في كتاب المساجد، باب فضل صلاتي الصبح العصر، رقم الحديث (٦٣٢).\n(٣) اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر (٢/ ٦٢٩).","vol":"2","page":74},{"text":"ثم إنني على يقين أستند به إلى كل ما سطره الشيخ في كتبه بأنه يؤمن بوجود الملائكة كما يؤمن كل مسلم، لكن الذي أراده هنا -وكنا نود أن لا يكون- هو التمثيل: تمثيل ما ورد في الآيات الكريمات، فلا يجوز أن نفتئت على الشيخ وأن نتجاوز الحدّ، وما أعظمها كبيرة أن يقال: هل يريد الشيخ أن يكذب القرآن؟ ويعلم الله أننا نتمنى أن يكون عند الكثيرين ممن ينتسبون إلى العلم غيرة كغيرة الأستاذ الإمام على هذا الدين وكتابه، وعلى سنة النبي -ﷺ-، وأن يكون لهم فهم يشبه فهمه لدين الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-378>ب- إحياء الموتى في تأويلات الإمام:</span>\nذكرت بعض الآيات إحياء بعض الموتى، كما ورد في سورة البقرة، وهذه مسألة خارقة للعادة. لذا رأينا الأستاذ قد أوَّلها تأويلًا يخرجها من نطاق الخوارق فقد قال عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٦] البعث هو كثرةُ النسل، أي أنه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها، وظن أنهم سينقرضون، بارك الله في نسلهم (١).\nوعند قوله تعالى ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] يقول: (والظاهر مما قدَّمنا أن ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل إذا وجد القتيل قرب بلد، ولم يعرف قاتله، ليعرف الجاني من غيره. فمن غسل يده. وفعل ما رسم لذلك في الشريعة، بريء من الدم. ومن لم يفعل تثبت عليه الجناية. ومعنى إحياء الموت على هذا، حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك، بسبب الخلاف في قتل تلك النفس. أي يحييها بمثل هذه الأحكام، وهذا الإحياء على حد قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]، وقوله ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [االبقرة: ١٧٩] فالإحياء هنا بمعنى الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين (٢).\n_________\n(١) المنار جـ ١ ص ٣٢٢.\n(٢) المنار جـ ١ ص ٣٥١.","vol":"2","page":75},{"text":"وهذا التأويل فضلًا على أنه خالف فيه جميع المفسرين، إلا أن مخالفتهم قد تحتمل أحيانًا. ولكن الأدهى من ذلك أنه مخالف لعبارة الآية وسياقها، فالعبارة والسياق يشيران إلى حادثة مخصوصة، حادثة قتيل اختلف الناس فيمن قتله، فهُرعوا إلى موسى ﵇، كي يخرجهم مما هم فيه من حيرة، بهدى الله وإرشاده، فكان بينهم وبينه ما كان من سؤال عن البقرة وصفاتها. وأخيرًا قالوا: ﴿الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: ٧١] وذبحوا البقرة، وأحيا الله بقدرته هذا القتيل، ومثل هذا الإحياء يحيى الله الموتى وكل تأويل للآية يصرفها عن ظاهر لفظها مردود تأباه اللغة إفرادًا وتركيبًا. وما استؤنس به مما جاء في التوراة لا ينهض دليلًا، حتى تصرف الآيات إلى غير ظاهرها. وما استدل به من الآيات على تأويل الإحياء غير مسلم به، ذلك لأن كل كلمة من الآيات يمكن أن يحدد سياقُها المعنى المقصود. والخلاصة أن مسلك الإمام في تأويل هذه الآية، مسلك وعر فيه خطر على كثير من معاني القرآن.\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، يقول: (فمعنى موت أولئك القوم، هو أن العدو نكّل بهم، فأفنى قوتهم وأزال استقلال أمتهم، حتى صارت لا تعد أمة، بأن تفرق شملها، وذهبت جامعتها. فأكل من بقي من أفرادها خاضعين للغالبين ... ومعنى حياتهم هو عودة الاستقلال إليهم (١).\nوهذا الذي قاله، وإن كان له أصل فيما نقله ابن كثير عن عطاء حيث نقل عنه أن هذا مَثَل، إلا أنه يعكس لنا بوضوح الأرضية التي يقف عليها، والقاعدة التي ينطلق منها في تفسيره ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>جـ- فكرة التطور في تفسير الشيخ:</span>\nلا يشك أحد في أن فكرة التطور، كانت وليدة بعض النظريات كنظرية داروين.\n_________\n(١) المنار جـ ٢ ص ٣٥١.","vol":"2","page":76},{"text":"ولقد جعل هؤلاء التطور في كل شيء، فالإنسان لم يخلق هكذا، وإنما تطور في مراحل عديدة، حتى غدا إنسانًا عاقلًا منتصب القامة، وسلوكه الاجتماعي قد تطور كذلك، ومن ثم فعقائده الدينية مرت بمراحل كثيرة، حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن.\nومفسرنا ﵀ يظهر أنه استهوته فكرة التطور هذه، سواء أكان تطورًا في العقيدة أم في خلق الإنسان نفسه، فعبر عنها في مواضع كثيرة، فمثلًا ربط اختلاف رسالات الرسل وتعاقبها بتطور الإنسانية، فالإنسانية حسبما يرى حسية في زمن موسى، فكانت رسالة سيدنا موسى حسية. ثم تطورت من الحس إلى العاطفة، فكانت رسالة سيدنا عيسى عاطفية ثم تطورت من الحس والعاطفة إلى العقل، فكانت رسالة سيدنا محمد ﵌ عقلية. يقول أستاذنا الدكتور عبد الحليم محمود: (ورأيي أن الإنسانية لم تتطور هذا التطور، وأن الإنسانية أينما سرنا، وعند أي فرد رأينا، وفي أي مجتمع شاهدنا، فإنما يتمثل فيها جوانب ثلاثة: الحس والعاطفة والعقل، ولكن فكرة التطور وأن الإنسانية متطورة، انتهت بأن أصبحت مسيطرة على الكثيرين، فانقادوا لها وأدخلوها في المحيط الديني، فأفسدت كثيرًا من القضايا (١).\nوأقول: إن المتدبر للقرآن يتبين أن أصول دعوة الأنبياء واحدة، كما تنطق بذلك كثير من الآيات، ويتبين أن شبهات المعاندين، ابتداء من قوم نوح ﵇، إلى المعاندين في عهده ﵌، تكاد تكون واحدة. مما يجعلنا نجزم بأنه لا وجود أبدًا لنظرية التطور في العقيدة، نعم قد يكون هناك اختلاف في الفروع يحتمله تعاقب الزمن، وإلا فكيف نفسر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ [الأحقاف: ٢٦].\nكذلك عند تفسيره لقول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ\n_________\n(١) الإسلام والعقل ص ١٥٥.","vol":"2","page":77},{"text":"وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]. يقول: (وقد أبهم الله تعالى ههنا أمر النفس التي خلق الناس منها وجاء به نكرة فندعها على إبهامها. فإذا ثبت ما يقوله الباحثون من الإفرنج من أن لكل صنف من البشر أبًا، كان ذلك غير وارد على كتابنا، كما يرد على كتابهم التوراة لما فيها من الشيء الصريح في ذلك، وهو مما حمل باحثيهم على الطعن في كونها من عند الله تعالى ووحيه) (١).\nثم يذكر صاحب المنار أن للإمام رأيين في هذه المسألة: أحدهما أن ظاهر هذه الآية، يأبى أن يكون المراد بالنفس الواحدة آدم أي سواء كان هو الأب لجميع البشر أم لا، لما ذكره الإمام من معارضة المباحثِ العلمية والتاريخية له، ومن تنكير ما بثه منها ومن زوجها.\nوثانيهما: أنه ليس في القرآن نص أصولي قاطع على أن جميع البشر من ذرية آدم، والمراد بالبشر هنا هذا الحيوان الناطق البادي البشرة المنتصب القامة، الذي يطلق عليه لفظ الإنسان، وعلى هذا الرأي لا يرد على القرآن، وما يقوله بعض الباحثين، ومن اقتنع بقولهم، من أن للبشر عدة آباء، وترجع إليهم سلائل كل صنف منهم.\nوأقول إن أبوة آدم يكاد يكون مجمعًا عليها من قبل الناس جميعًا، والمسلمين بخاصة والنصوص من الكتاب والسنة كثيرة، وكفيلة بدحض الشبهات التي ترد على هذه المسائل مثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣].\nوالمراد بالناس هنا ليسوا قريشًا فقط، فإن دعوته ﵌ عامة كما نعلم وفي القرآن الكريم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]. وفي الحديث الصحيح أنه يوم يقف الناس لرب العالمين يذهبون إلى\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٤، ص ٣٢٦.","vol":"2","page":78},{"text":"آدم، ويقولون أنت أبو البشر ... (١).\nفهذه نصوص صريحة، في أن للبشر أبًا واحدًا، وأنه آدم ﵇، ولا يمكن أن يراد من الناس الذين أرسل إليهم النبي ﵌ في الآية الكريمة، ولا من البشر الذين يذهبون إلى آدم في الحديث، قريش أو فئة أخرى فقط. وإن ما يقوله الباحثون لا يعدو أن يكون ظنًّا وتخمينًا، ونظريات لا تصل إلى درجة القطع ولم تتعد حدود الظن. والمسلم ينبغي أن يقف من النص القرآني موقف حزم ويقين، دون التفات إلى تخرصات المتخرصين ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣]، فلا يجوز إذن أن يكون النص القرآني أسيرًا لمثل هذه النظريات الهزيلة، نقول: إن ثبتت هذه النظرية فلا تعارض القرآن، وإن ثبت عكسها كذلك، فإنها لا تعارض القرآن أيضًا، وهكذا نؤرجح النص القرآني، فيكون تحت رحمة هذه الأقوال والظنون، إن النص القرآني ينبغي أن يكون هو الأصل، وإن كل نظرية لا تنسجم معه يجب أن نردها غير مبالين ولا خائفين. ولكن أناسًا فتنوا بهذه الحضارة فجعلوها أصلًا يتحاكمون إليه وذلك لعمر الحق هزيمة في حق أنفسهم أخف منها هزيمة حزيران في القرن الماضي سنة ١٩٦٧ وما بعد حزيران وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>د- تأويله لبعض المعجزات وبعض ما خرج عن مألوف الناس:</span>\nإن بعض الناس عشاق لكل ما ليس بمألوف، تستهويهم الخوارق، حتى ولو كانت نسيج خرافة أو ناتج خيال. وعلى العكس من هؤلاء، أناس نفروا من ذلك كله، تارة بالإنكار وأخرى بالتأويل. والحد الوسط بين هؤلاء وأولئك، أن يرد كل ما لا يصح، وأن يقبل ما تثبت صحته، دون مخرج أو تأويل. والأستاذ الإمام ﵀ كان من هؤلاء الذين يريدون حصر هذه الخوارق وتضييق نطاقها. ونحن\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب التوحيد باب رقم (٣٧)، حديث رقم (٧٠٧٨) وهذه الآيات مدنية، فلا يعقل أن يكون المخاطبون فيها أهل قريش.","vol":"2","page":79},{"text":"إذ نوافقه في بعض ما ذهب إليه كإنكاره أن يكون الرزق الذي وجده زكريا عند مريم ﵍، فاكهة الشتاء في الصيف أو الصيف في الشتاء، نحن معه في هذا، لأنه ليس عندنا نص صحيح فيه من كتاب أو سنّة، ولكننا لا نتفق معه فيما ذهب إليه من تأويل نصوص لا يُمارى فيها وسأذكر هنا بعض الأمثلة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-381>١ - خلق عيسى ﵇ ومعجزاته:</span>\nيقول في تفسيره لقول الله ﷿: ﴿قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧]، ونحن معاشر المؤمين نقول: إن تلك الأشياء المعبر عنها بالفلتات، إما أن يكون لها سبب خفي، وحينئذ يجب أن تهدي هؤلاء الجاحدين إلى أن بعض الأشياء يجوز أن يأتي من غير طريق الأسباب المعروفة، فلا ينكروا كل ما يخالفها، لاحتمال أن يكون له سبب خفي لم يقفوا عليه، لا ينزل أمر عيسى في الحمل به من غير واسطة أب عن ذلك، وإما أن تكون قد وجدت في الواقع ونفس الأمر خارقة لنظام الأسباب. ونحن نرى علماء الغرب وفلاسفته، متفقين على إمكان التولد الذاتي، أي تولد الحيوان من غير حيوان أو في الجماد، وهم يبحثون ويحاولون أن يصلوا إلى ذلك بتجاربهم وإذا كان تولد الحيوان من الجماد جائزًا فتولد الحيوان من حيوان واحد أولى بالجواز، وأقرب إلى الحصول، نعم إنه خلاف الأصول، وإن كونه جائزًا لا يقتضي وقوعه بالفعل، ونحن نستدل على وقوعه بالفعل، بخبر الوحي الذي قام الدليل على صدقه.\nويمكن تقريب هذه الآية الإلهية من السنن المعروفة في نظام الكائنات بوجهين:\n- الأول: أن الاعتقاد القوي الذي يستولي على القلب، ويستحوذ على المجموع العصبي يحدث في عالم المادة من الآثار، ما يكون خلاف المعتاد. فكم من سليم اعتقد أنه مصاب بمرض كذا، وليس في بدنه شيء من جراثيم هذا المرض، فولد له اعتقاده الجراثيم الحية، وصار مريضًا، وكم من امرئ سقي الماء القراح أو نحوه، فشربه معتقدًا أنه سم ناقع فمات مسمومًا به. والحوادث","vol":"2","page":80},{"text":"في هذا الباب كثيرة، أثبتتها التجارب، وإذا اعتبرنا بها في أمر ولادة المسيح نقول إن مريم لما بشرت بأن الله تعالى سيهب لها ولدًا بمحض قدرته، وهي ما هي عليه من صحة الإيمان وقوة اليقين، انفعل مزاجها بهذا الاعتقاد انفعالًا، فعل في الرحم فعل التلقيح، كما يفعل الاعتقاد القوي في مزاج السليم فيمرض أو يموت، وفي مزاج المريض فيبرأ. وكان نفخ الروح الذي ورد في سورة أخرى متممًا لهذا التأثير.\n- الثاني: وهو أقرب إلى الحق وإن كان أخفى وأدق:\nويقدم لهذا الوجه مقدمة ملخصها أن المخلوقات قسمان: أجسام كثيفة وأرواح لطيفة، وأن اللطيفة تؤثر في الكثيفة. ويمثل للطيفة بالريح والكهرباء والماء، وهذه أرواح تفعل الأعاجيب، مع أنها غير مدركة ولا مريدة فكيف بالأرواح العاقلة المريدة. فلا شك أنها أعظم أثرًا، ثم يقول: (إن الله المسخّر للأرواح المنبثقة في الكائنات، قد أرسل روحًا من عنده إلى مريم فتمثل لها بشرًا، ونفخ فيها فأحدثت النفخة التلقيح في رحمها، فحملت بعيسى ﵇، وهل حملت إليها تلك النفخة مادة أم لا؟ الله أعلم) (١).\nويقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤٩].\n(نقف عند لفظة الآية، وغاية ما يفهم منها أن الله تعالى، جعل فيه هذا السر، ولكن لم يقل إنه خلق بالفعل، ولم يرد عن المعصوم أن شيئًا من ذلك وقع. وقد جرت سنّة الله تعالى، أن تجري الآيات على أيدي الأنبياء، عند طلب قومهم لها، وجعل الإيمان موقوفًا عليها، فإن كانوا سألوه شيئًا من ذلك فقد جاء به. وكذلك يقال في قوله: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. فإن قصارى ما تدل عليه العبارة، أنه\n_________\n(١) المنار جـ ٣ ص ٣١٠.","vol":"2","page":81},{"text":"خصّ بذلك وأمر بأن يحتج به، والحكمة في إخبار النبي ﵌ بذلك إقامة الحجة على منكري نبوته كما تقدم. وأما وقوع ذلك كله أو بعضه بالفعل، فهو يتوقف على نقل يحتج به في مثل ذلك) (١).\nوأول ما يلفت النظر في أقوال الأستاذ ﵀، قوله بأن علماء الغرب يحاولون التوليد الذاتي. فلقد كان يحسن الظن بنظرياتهم، ولعل له عذره في ذلك (٢)، أما ما لا يعذر فيه، فهو محاولته تفسير ولادة عيسى تفسيرًا علميًّا، وإخضاع هذه المعجزة لمقياس العقل ومنطق الحس، وكان في غنى عن ذلك كله، فلقد كان مولد عيسى صفعة للمادية والماديين. ومريم ﵍ نفسها، قد أبدت العجب والدهشة من مثل هذا الأمر، لولا أن قيل لها: ﴿قَال رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [مريم: ٢١]، إذا كان الأمر كذلك فلم نجهد أنفسنا في هذه التأويلات التي لا طائل تحتها، والتي لا تثبت أمام العلم الذي أردنا أن نستند إليه في مثل هذه الأمور؟ وكان حريًا بالأستاذ أن يقف عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ [آل عمران: ٥٩، ٦٠]. ولا داعي لهذين الوجهين في تأويل الآية، وكان من الخير له أن يكتفي بوجه واحد، وهو أن خلق عيسى معجزة.\nبقي هنا أن يقال: هل خرجت إلى حيز الوجود تلك المعجزات التي أيد الله بها عيسى ﵇؟ ولقد كنت أوثر عدم الخوض في هذه المسألة، لأنها لا يندرج تحتها فائدة ما، ولكن مفسرنا ﵀، مع أن من منهجه عدم الخوض في مثل هذه الأمور، خرج هنا عما رسم لنفسه، وقرر أنه ليس هناك نص يفيد حدوث هذه المعجزات بالفعل، مع أن مجرد ذكر هذه المعجزات في أكثر من موضع، دليل\n_________\n(١) المنار جـ ٣ ص ٣١١.\n(٢) إن نظرية التولد الذاتي ثبت بطلانها بعد التجارب التي قام بها بستير الفرنسي وذلك قبل زمن الأستاذ الإمام.","vol":"2","page":82},{"text":"على حُدوثها فعلًا والناس دائمًا عشاق لما هو غير مألوف لهم. فحينما يقول عيسى ﵇ أنا أفعل كذا وكذا من هذه الأمور الغريبة، أيعقل ألا يطلبوا منه ذلك؟ وهذا موسى ﵇ حينما قال لفرعون، وهو من هو في عتوه واستكباره، ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] فيقول فرعون دون تمهل أو تريث ﴿فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.\nوأما قول الإمام ﵀ بأن المعجزات تجري على أيدي الأنبياء، حينما يطلبها منهم أقوامهم فهذا صحيح. ولا يمنع هذا من أن هناك معجزات للأنبياء عليهم الصلاة والسلام لم يطلبها أحد من أقوامهم. ومع أنه لا يفيده في مدعاه، فإن تحديد نوع المعجزة، إنما يكون حسب مشئية الله وحكمته، فليس فرعون الذي حدد المعجزة لموسى ﵊، وكذلك يقال في معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>٢ - الاعتقاد بنزول عيسى بن مريم ﵉:</span>\nيذكر عند تفسير قول الله ﷿: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥]. أن للعلماء طريقتين في تفسيرها: إحداهما وهي المشهورة، أنه رفع حيا بجسمه وروحه، ثم ينزل في آخر الزمان، ويردها، ويذكر الطريقة الثانية دونما رد كأنما هي رأيه. يقول:\n(والطريقة الثانية أن الآية على ظاهرها، وأن التوفي على معناه الظاهر المتبادر، وهو الإماتة العادية وأن الرفع يكون بعده، وهو رفع الروح، ولا بدع في إطلاق الخطاب على شخص وإرادة روحه، فإن الروح هي حقيقة الإنسان، والجسد كالثوب المستعار فإنه يزيد وينقص ويتغير، والإنسان إنسان لأن روحه هي هي، ولصاحب هذه الطريقة في حديث الرفع والنزول في آخر الزمان تخريجان: أحدها أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي لأنه من أمور الغيب، والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي؛ لأن المطلوب فيها هو اليقين، وليس في الباب حديث","vol":"2","page":83},{"text":"متواتر. وثانيهما: تأويل نزوله وحكمه على الأرض، بغلبة روحه وسر رسالته على الناس، وهو ما غلب في تعاليمه من الأمر بالرحمة والمحبة والسلم، والأخذ بمقاصد الشريعة دون الوقوف عند ظواهرها والتمسك بقشورها دون لبابها، وهو حكمتها وما شرعت لأجله. وكل ذلك مطوي في القرآن الذي حجبوا عنه بالتقليد، الذي هو آفة الحق، وعدو الدين في كل زمان، فزمان عيسى على هذا التأويل، هو الزمان الذي يأخذ الناس فيه بروح الدين والشريعة الإسلامية، لإصلاح السرائر من غير تقيد بالرسوم والظواهر) (١).\nوسئل عن المسيح الدجال وقتل عيسى له فقال: (إن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح، التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها والأخذ بأسرارها وحكمها) (٢).\nوهذا مسلك خطر جدًّا، فالأحاديث في نزول سيدنا عيسى ﵇ والدجال، أحاديث صحيحة صريحة، وليست من الآحاد في شيء، ثم دعوى أن أحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في شؤون العقائد دعوى للعلماء فيها خلاف، فمحور الأمر كله يدور على صحة الحديث. وأخطر من هذا المسلك مسلك التأويل لهذه الأحاديث. وهذا قريب من تأويل الباطنية وما كان ينبغي له أن يخوض مثل هذا الخوض. وإذا فتح باب التأويل على هذا المنوال، فإن جميع النصوص سيلحق بها هذا الظن، وللناس مشارب مختلفة، فمن يمنع كل واحد إذن أن يؤول كل ما لم يقتنع به، أو ما له هوى في تأويله من أجل أن يوافق مذهبه وهواه؟؟ .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-383>٣ - تأويله لحادثة الفيل:</span>\nيقول في تفسيره لسورة الفيل:\n(وفي اليوم الثاني، نشأ في جند الحبشة داء الجدري والحصبة. وقد فعل ذلك\n_________\n(١) المنار جـ ٣ ص ٣١٧.\n(٢) المنار جـ ٣ ص ٣١٧.","vol":"2","page":84},{"text":"الوباء بأجسامهم ما يندر وقوع مثله، فكان لحمهم يتناثر ويتساقط. فذعر الجيش وصاحبه، وولوا هاربين، وأصيب الحبشي ولم يزل يسقط لحمه قطعة قطعة، وأنملة أنملة حتى انصدع صدره ومات في صنعاء، هذا ما اتفقت عليه الروايات، ويصح الاعتقاد به، وقد بينت لنا هذه السورة الكريمة أن ذلك الجدري أو تلك الحصبة، نشأت من حجارة يابسة، سقطت على أفراد الجيش بواسطة فرق عظيمة من الطير مما يرسله الله مع الريح. فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض، أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض -وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس، الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسد، دخل مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه. وأن كثيرًا من هذه الطيور الضعيفة من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر. وأن هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه الآن بالميكروب، لا يخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يُحصي عدَدها إلا بارئُها .. وهذا ما يصح الاعتماد عليه في تفسير السورة وما عدا ذلك فهو مما لا يصح قبوله، إلا بتأويل إن صحت رواياته) (١).\nولا أدري بم يفسر الأستاذ ﵀ الحجارة، التي أرسلها الله على قوم لوط وما هو نوع الميكروب الذي كانت تحمله، ومثل ذلك ريح عاد وصيحة ثمود؟ .\nوالحق أن مذهب الأستاذ ومسلكه في تضييق نطاق الخوارق، وتأثره بالفلسفات المادية، وافتتانه بمعطيات الحضارة الغربية، التي تفسر كل شيء تفسيرًا ماديًا حتى التاريخ، كل ذلك واضح من خلال مواضع كثيرة في تفسيره، وبخاصة تفسير هذه السورة. إن الميكروبات حينما تظهر، لا تفرق بين عربي وحبشي، فإذا ابتلي بها قوم دون آخرين فذلك لا شك شأن إلهي، وإن لم تدركه عقولنا، فحري بنا إذن أن نبقي مثل هذه الشؤون الإلهية الخاصة كما جاء بها الشرع، وألا نحاول أن نخضعها\n_________\n(١) تفسير جزء عم ص ١٥٨.","vol":"2","page":85},{"text":"للقوانين المادية؛ ذلك لأن هذا التفسير إن كان يخدمنا من جهة، فإنه أكثر هدمًا من جهات أخرى.\nوكلما أمعنَّا في الانحياز إلى جانب المادة في تفسير النصوص، فإننا بذلك نزيد أعداءنا تمكينًا في انقضاضهم على عقائدنا، فنحن حينما نريد أن نثبتها بالعلم، وقد مكن لهم فيه أكثر منا، يكون نفيهم لها أشد.\nتلكم بعض نماذج من تفسير الأستاذ، رأينا عليها مسحة الحضارة الغربية، وصبغة التأويل واضحة جلية. مما يؤكد ما ذهبت إليه من قبل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>تاسعًا: تقويم التفسير:</span>\nلقد كان الأستاذ رائد الفكر في هذا العصر، ولقد كانت مدرسته في التفسير مَنْهَلًا لا لأتباعه فقط، بل لجميع المدارس التي جاءت من بعده، ولا عجب في ذلك، فشخصيته ومركزه وثقافته تخوله كل ذلك، ولا يقلل من شأن تفسيره تلك المؤثرات التي تأثر بها، فهذه طبيعة الإنسان بل طبيعة تفكير يكمل بعضه بعضًا، ولقد استطاع الأستاذ ﵀ أن يخترق هذه الأسوار التقليدية، التي كانت تحول بين كثير من المسلمين وبين فهم القرآن وكيفية الاستفادة منه.\nوإذا كان قد بدأ في تفسيره معتدلًا في تأثره بمدرستي الصوفية والسلفية، فإنه كان مبالغًا في تأثره بالمعتزلة كما رأينا. ولكنه كان مغاليًا متطرفًا في تأثره بالحضارة الغربية وفلسفتها. ولقد كانت سيئات هذا التأثر أكبر من حسناته فيما بعد.\nونحن إذ نقدر هذا التفسير، وندعو الله لصاحبه بالرحمة والمغفرة، فإنني كنت أود أن لا ينساق وراء روايات ضعيفة، وإنكار روايات صحيحة أو تأويلها، وألا يخرج بالعقل عن نطاق دائرته، الأمر الذي لقي من المستشرقين استحسانًا بل إعجابًا، وكان له في نفوسهم صدى عميق الأثر، وقد عدوه القوة الوحيدة التي يمكن أن تخترق جدار المحافظين المسلمين. وقد وضح (جب) المستشرق","vol":"2","page":86},{"text":"الإنجليزي وأحد مستشاري وزارة الخارجية حقيقة الدور الذي تلعبه مدرسة محمد عبده إذ يقول: (إن في كل البلاد الإسلامية حركات معينة، تختلف قوة واتساعًا، ترمي إلى تأويل العقائد الإسلامية وتنقيحها، وقد اتجهت مدرسة محمد عبده بكل فروعها وشعبها نحو تحقيق هذا الهدف) (١) ويثني على الشيخ محمد عبده وتلاميذه، الذين يمتزجون بالصفوف الأوروبية) (٢).\nونحن أكثر منه ثناء وأشد منه حبًا، لا من أجل ما قصده (جب) ولكن من أجل ما قصده الشيخ نفسه، فلقد كان ﵀ ذا قصد نبيل، يظهر في محاولته تيسير فهم القرآن من أجل أن يحكمه المسلمون في شؤون حياتهم كلها، ولكن لكل جواد كبوة ولكل عالم هفوة.\nوسيبقى الأستاذ حيًّا في مدرسته في التفسير، التي لا زالت تمد المسلمين بغذاء فكري ومنهج قويم في فهم القرآن، لولا بعض الهفوات، وحبذا لو جمع تفسيره على حدة، ليسهل على الدارسين مطالعته.\nولقد تتلمذ في مدرسة الأستاذ، أعلام من رجال العلم في حياته، وبعد وفاته، وإن اختلفوا فيما بينهم قوة وضعفًا ومنهجًا وأسلوبًا، إلا أنهم يشدهم أصل واحد، هو ارتباطهم بهذه المدرسة، ومن الإنصاف أن نقرر هنا أن تقديرهم للشيخ، لم يصل بهم إلى درجة التعصب لآرائه، فكثيرًا ما يخالفونه ويستدركون عليه، وعليه فلقد بقيت شخصيتهم العلمية، دون أن تذوب أو تتلاشى. ولعل ذلك يرجع إلى روح البحث العلمي من جهة، وإلى نفس الشيخ ومسلكه من جهة أخرى. فكم من مبتلين بآفة التبعية والتقليد، يدافعون عن كل باطل ممن اتبعوه، وهو يزين لهم ذلك ويحببه.\nويحسن بنا هنا أن ننبه على أمر، ألا وهو أن بعض الباحثين، قد قوم هذه\n_________\n(١) إلى أين يتجه الإسلام ص ٦٣.\n(٢) الاتجاهات الحديثة في الإسلام ص ٨٤.","vol":"2","page":87},{"text":"المدرسة برجالاتها المختلفين تقويمًا واحدًا، فهو يعد رجال هذه المدرسة متفقين في كل صغيرة وكبيرة.\nوهذا ضرب من التحكم لا نرتضيه، فقد جمع هذه المدرسةَ أصولٌ وجذور انتموا إليها، وعلى أساسها انطلقوا مثل الاتجاه الهدائي والاجتماعي، وترك التقليد، لكنهم قد اختلفوا في أصول وفروع أخرى، فعلى سبيل المثال قد عدّ الدكتور فهد الرومي محمد فريد وجدي من هذه المدرسة، ثم نقل رأيه في مسألة القضاء والقدر، وأنه يقول بالجبر، وبعد هذا نقل رأي أرباب هذه المدرسة القائلين بالاختيار، ونسب إليهم التناقض والاضطراب (١).\nوهذا كلام مضطرب ومتناقض، وإلا فيلزمنا عليه أن ننسب التناقض والاضطرات إلى مدرسة الحنفية التي تعددت الآراء فيها حتى أصبحت مذاهب وفهومًا متعددة، وأهل مدرسة الرأي وغيرها من المدارس الفقهية والكلامية وإلى المدرسة السلفية كذلك.\nمن أجل هذا آثرت أن يكون حديثي عن رجالات هذه المدرسة منفصلًا غير متداخل كما صنع الرومي، فألزمهم التناقض والمروق من الدين والفساد الفكري حتى كاد يخرجهم من ربقة الإسلام، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالحديث عن هؤلاء الأعلام كل على حدة يعطينا تصورًا عن شخصية كل واحد منهم، ومدى عمقها وتأثيرها، وتأثرها وإنتاجها من الشخصيات الأخرى، وهذا أقرب للعدل والإنصاف العلمي من الطريقة الأخرى، وكنا نود أن يكون الدكتور فهد بعيدًا عن هذا الغلو الذي سلكه في كتابه.\nوسأحاول إن شاء الله أن أتتبع رجال هذه المدرسة، ومناهجهم في التفسير واحدًا واحدًا، وإن من أبرز هؤلاء وألصقهم بالأستاذ، وهو الذي حفظ لنا تراثه وأول من ناداه بالإمام، السيد محمد رشيد رضا.\n_________\n(١) منهج المدرسة العقلية فهد الرومي جـ ٢ ص ٥٤٣.","vol":"2","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-385>٢ - صاحب المنار - محمد رشيد رضا</span>\nهو محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين القلموني البغدادي الأصل والحسيني النسب (١). ولد سنة ١٢٨٢ هـ (١٨٦٥ م) في القلمون على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وهي تبعد عن طرابلس الشام زهاء ثلاثة أميال، وهو من أسرة كريمة اشتهرت علمًا وصلاحًا ونسبًا. وخير ما يعطينا صورة عن شخصيته وحياته، تلك الترجمة التي كتبها بقلمه عن نفسه في كتابه (المنار والأزهر) عام ١٣٥٣ هـ -١٩٣٤ م، أي في آخر سني حياته، وقد نقل هذه الترجمة كاملة، أمير البيان شكيب أرسلان ﵀ في كتابه (السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة).\nنشأ قليل الرغبة في اللعب، شديد الحياء، وقد نفعه حياؤه من ناحية الأدب وصيانة العرض واللسان، فلم ينطق بشيء من كلام المجون والفحش، ولم يجهر بقراءة شيء مما في الكتب منه، ولم يسمح لأحد أن يتكلم معه بشيء، مما يتسامح به الأدباء من ذلك، وإلى جانب ذلك كله كان نادر الذكاء، وقد وصف نفسه بالذكاء، وأبرز جوانبه سرعة الفهم والقدرة على التعبير عما يفهمه، وقوة الاستحضار لما يقرأ أو يسمع، إلا أنه ضعيف الاستعداد للحفظ ولا سيما للجزئيات كالأعلام والأرقام والحوادث الجزئية التي لا تضبطها قاعدة كلية أو، غرض عام، ويُعنى من التاريخ بفلسفة الحوادث وأسبابها ونتائجها العامة دون التفاصيل الجزئية لأحداثه.\nأقول: إن مثل هذه الشخصية التي اهتمت بكليات الأمور وأحداثها العامة، هي التي يمكن أن تقدم للأمة الخير، وتنتفع الأمة بجهودها، وهي التي تقدم الجديد والخير للناس، على العكس من ذلك، تلك الشخصية التي تمكنت من دقائق\n_________\n(١) الأعلام للزركلي/ جـ ٦ ص ٣٦١، الطبعة الثانية.","vol":"2","page":89},{"text":"الأمور وصغائرها حتى غدت الغاية في حياتها، فتناست هموم الأمة فتناساها الناس. وإذا نظرنا نظرة فاحصة في التاريخ، وجدنا العظماء من أمثال الشافعي وأبي حنيفة مرورًا بالغزالي، والعز بن عبد السلام، وابن تيمية إلى عصر المنار هم الذين يتوارثون ويورثون الخير النافع للناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>نشأته العلمية:</span>\nتعلم مبادئ القراءة في بلده، ثم دخل المدرسة الرشيدية في طرابلس حيث تلقى مبادئ العلوم الشرعية والعقلية واللغوية، ثم دخل المدرسة الوطنية عام (١٣٠٠ هـ ١٨٨٣ م) وكان فيها نخبة من العلماء، وكانت الغاية من تلك المدرسة الجمع بين العلوم الدينية والعلوم العصرية، وكان الذي يديرها ويشرف عليها، عالمًا شهيرًا، هو الشيخ حسين الجسر، صاحب الرسالة الحميدية، وقد تلقى عنه السيد رشيد العلوم العربية والشرعية والعقلية، كما تلقى فقه الشافعية والحديث على الشيخ محمود نشابة، وهو من تلاميذ الشيخ الباجوري - رحمهما الله - ودرس على الشيخ عبد الغني الرافعي - ﵀ - قليلًا من (نيل الأوطار) للشوكاني، واستفاد كثيرًا من معاشرته في العلم والأدب والتصوف كما درس بعض علوم الحديث على الشيخ الصالح محمد القاوقجي.\nهؤلاء هم بعض أشياخ رشيد، توسموا فيه جميعًا اليقظة الفكرية وقوة العارضة في الحديث، فكانت عنايتهم به خاصة، حتى إن الشيخ الجسر كان يقول لبعض المدرسين الذين كان يجلس إليهم رشيد في بعض الأحيان، يستمع منهم ويناقشهم: (دعوا هذا، إنه لا يقدر أحد أن يقرأ له غيري) ولقد قال له يومًا في أثناء شرح الدرس (لا تسألني في الدرس عن شيء، فإن كل ما أعرفه أقوله، ولا يبقى عندي غيره).\nومما يدلنا على قوة شخصيته، أن الشيخ الجسر خصه دون زملائه الطلاب، فأهداه كتاب (الرسالة الحميدية) ثم سأله رأيه فيه، فأجاب: إن الحاجة إليها","vol":"2","page":90},{"text":"لشديدة، ولم يسبق مولانا أحد إلى مثلها في الدفاع عن الإسلام، ولكن لي عليها أنكم توردون المسألة القطعية في العلم، ككروية الأرض ودورانها بعبارة فرضية تدل على شككم فيها، قال الشيخ الجسر: أنت تعلم تعصب الجاهلين بهذه العلوم في بلادنا، فلا نترك لهم مجالًا للقيل والقال. فقال السيد رشيد: إذا كان مثلكم في ثقة الأمة بدينه وعلمه لا يجرؤ على التصريح بالحقائق فممن نرجو ذلك؟ وكنت أود لو جعلتم لكل مسألة أو موضوع في الرسالة عنوانًا، فهي كمقالة واحدة لا أبواب فيها ولا فصول، ولا عناوين تسهل المطالعة والمراجعة، قال الشيخ: هذا كما قيل في الكلام المنسجم إنه كالماء الجاري، وإنه آخذ بعضه برقاب بعض. فقال رشيد: إذن لماذا جعل الله القرآن سورًا مفصلة منفصلة، ولم يجعله جملة واحدة؟).\nولقد استطاع رشيد أن يلم بمسائل العلوم المختلفة، وأن يكون له فيها قدم راسخة، ففي العلوم العقلية، يقرأ كثيرًا من كتب الكلام، كما يقرأ في علوم المنطق شرح القطب على (الرسالة الشمسية)، وهو في هذا الفن شيء يذكر، وقرأ من كتب الغزالي في هذا المجال كتابي (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) و(محك النظر) في المنطق. وفي العلوم النقلية لا يكتفي بالوقوف عند ظاهر الأحاديث مثلًا، بل نراه يمحص أسانيدها، والذي فتح له الباب - كما يقول - شرح الإحياء للزبيدي - ﵀ - ولهذا كان أول من استحضر كتاب (ميزان الاعتدال) من الهند إلى طرابلس. ولقد ظهر أثر تلك الثقافة الواسعة في تفسيره فيما بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>عبادته وتصوفه:</span>\nنشأ في حجر العبادة، فألفها وجدانه، ونشطت فيها أعضاؤه من الصغر فخفت عليه في الكبر، وكان من سن المراهقة، يذهب إلى المسجد في السحر ولا يعود إلا بعد ارتفاع الشمس. وقد اتخذ لنفسه حجرة خاصة في المسجد للعبادة والمطالعة. يقول: (كانت تلذ لي صلاة التهجد تحت الأشجار في بساتيننا الخالية","vol":"2","page":91},{"text":"وأفكر في صدق من قال (أهل الليل في ليلهم أنعم من أهل اللهو في لهوهم)، وقول آخر: (لو يعلم الملوك ما نحن فيه لقاتلونا عليه بالسيف). (نعم إن للبكاء من خشية الله، وتدبر كتابه في صلاة الليل، حيث يعلم المصلي أنه لا يسمع صوته أحد إلا الله، لذة روحية تعلو كل لذات الضحك واللهو على اختلاف أسبابها ... وكنت أقرأ ورد السحر ... وكنت إذا بلغت قوله في الجيمية:\nودموع العين تسابقني ... من خوفك تجري كاللجج\nولم يكن حضرني البكاء، أسكت فلا أقرأ البيت حياء من الله تعالى أن أكذب عليه ولما اشتغلت بالسنّة، وعلمت أن قراءة هذا الورد وأمثاله من البدع ... تركت قراءته، واستبدلت بها قراءة القرآن. وكنت أواظب على قراءة دلائل الخيرات ... ثم تركتها بعد اشتغالي بكتب السنّة، كما تركت ورد السحر، واستبدلت وردًا آخر في الصلاة على النبي - ﷺ -، ليس فيه شبهة بدعة من توقيت وجهر، وصيغ منكرة ومضاهاة للشعائر الموهمة للمأثور عن الشارع).\nوقد حبب إليه التصوف كتاب الإحياء، الذي درسه عدة مرات، وكان يقرأ للناس فكان له أثر كبير في دينه وخلقه وعلمه وعمله. يقول الشيخ في بيان هذا الأثر:\n(وللإمام الغزالي قدس الله روحه فضل عليّ في هذا، فإنه كان قد علق بنفسي من كلامه في شرح عجائب القلب، ما ضربه من المثل للفرق بين العلم الذي يصل إلى القلب أو النفس عن طريق الحواس، والعلم الذي يتفجر منه بتطهيره من الصفات المذمومة والأفكار الرديئة، حتى يكون كالمرآة الصقيلة بأن مثل الأول كالماء الذي يجري من السواقي المحفورة إلى حفرة أو بئر يجتمع فيه مع ما يحمله في طريقه من الغثاء والوحل، ومثل الثاني كماء الينبوع الدي يتفجر من الصخر النظيف. فقد كنت أتحرى أن يكلون قلبي طاهرًا ونفسي زكية لأكون مستعدًا للعلم الإلهامي). وقد درس كثيرًا من كعب المتصوفة، كما حفظ بعض قصائدهم، وقد","vol":"2","page":92},{"text":"طلب من الشيخ الصالح أبي المحاسن القاوقجي أن يسلكه الطريق على أسس من الرياضة الروحية والمجاهدة لأنه لا يريد الاكتفاء بقراءة الأوراد وحضور اجتماع ذكرها. فأجابه الشيخ: (إنني لست أهلًا لما تطلب، فهذا بساط قد طوي وانقرض أهله). ثم سلك طريق السادة النقشبندية، وحافظ على أورادها.\nولم يكن الشيخ في تصوفه انعزاليًا عن الناس، بل أفاده التصوف الجرأة، فهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويبدو أن الشيخ قد وهبه الله منذ نشأته، حرية في التفكير، وحبًّا للبحث عن الحق، وصلابة في الدفاع عن رأيه، فلقد تأثر بكتب السنّة كثيرًا، حتى إنه ليرد على كثير من البدع، التي كانت منتشرة في ذلك الوقت. كما تأثر بقراءة كتاب (الزواجر) لابن حجر الهيتمي ﵀، فحارب بدع البناء على القبور وتعظيمها، وله في ذلك حوادث شهيرة. كل ذلك في حداثة سنه، وهو لم يطلع بعد على كتب ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى. بل كان لا يرتاح لهما، لأنه كان متأثرًا بما كتب ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الحديثية، وبقي كذلك إلى أن قرأ كتابًا في طرابلس للشهاب الألوسي وهو (جلاء العينين في محاكمة الأحمدين) فتطلعت نفسه لدراسة كتبهما.\nعلى أن السيد محمد رشيد، لم يقصر كل همه على القول من تعليم للناس ومحاربة للبدع، بل إنه شارك قلمه لسانه، فكانت له رسائل وقصائد وأهمها (المقصورة الرشيدية) التي عارض فيها مقصورة ابن دريد، وهي تزيد على أربعمائة بيت، وقد أُعجبَ بها بعض فحول الشعراء، كالبارودي وحافظ إبراهيم رحمهما الله، كما ألف كتاب (الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية)، وقد ردّ فيه على الشيخ أبي الهدى الصيادي، كما ذكر فيه كثيرًا من المسائل العلمية. هذا هو رشيد كما عرفته بلاد الشام، عالم عرف بجرأته في الحق، وبفكره الحر وإجادته في الكتابة، وهذه هي المرحلة الأولى من حياته قبل رحيله إلى مصر.","vol":"2","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>السفر إلى مصر:</span>\nلقد رحل الشيخ رشيد إلى مصر، ولكن رحيله كان يختلف عن رحيل الكثيرين إليها، فهؤلاء إنما يرحلون طلبًا للعلم، ومن أجل الحصول على الشهادة. أما هو فقد رحل عالمًا مجازًا بل مؤلفًا. ومن هنا فتتلمذه للشيخ محمد عبده في رأيي وإن صحت تلك الكلمة، إنما هو تتلمذ احترام وتقدير، لا تلقٍ وتعليم. وأستاذية الشيخ له قد تكون أستاذية توجيه فقط. وفي مصر كانت حياة رشيد حافلة بالنشاط والكتابة والتأليف والخصومات الكثيرة. فقد أصدر مجلة (المنار) لبث آرائه في الإصلاح الديني والاجتماعي (١)، وأصبح مرجع الفتيا في التاليف بين الشريعة والأوضاع العصرية الجديدة. ولما أعلن الدستور العثماني سنة (١٣١٦ هـ -١٨٩٩ م) زار بلاد الشام، واعترضه في دمشق وهو يخطب على منبر الجامع الأموي، أحد أعداء الإصلاح. فكانت فتن عاد على أثرها إلى مصر، وأنشأ مدرسة (الدعوة والإرشاد). ثم قصد سورية في أيام الملك فيصل بن الحسين، وانتخب رئيسًا للمؤتمر السوري فيها، وغادرها على أثر دخول الفرنسيين إليها سنة (١٩٢٠ م- ١٣٣٧ هـ) فأقام في وطنه الثاني مصر مدة، ثم رحل إلى الهند والحجاز وأوروبا، وعاد فاستقر بمصر إلى أن توفي فجأة في سيارة كان راجعًا فيها من السويس إلى القاهرة في ٢٣ جمادى الأولى عام ١٣٥٤ هـ الموافق ٢٢ أغسطس سنة ١٩٣٥ م ودفن فيها.\nوقد قال الأستاذ الأكبر محمد مصطفى المراغي في حفل التأبين للسيد محمد رشيد رضا - ﵀ ورضي عنه - كان فقيد الإسلام السيد محمد رشيد رضا محيطًا بعلوم القرآن، وقد رزقه الله عقلًا راجحًا في فهمه، ومعرفة أسراره وحكمه، واسع الاطلاع على السنة وأقضية الصحابة وآراء العلماء، عارفًا بأحوال المسلمين في الأقطار الإسلامية، ملمًا بما في العالم من بحوث جديدة، وبما يحدث من\n_________\n(١) الأعلام للزركلي/جـ ٦ ص ٣٦١، الطبعة الثانية.","vol":"2","page":94},{"text":"المعارك بين العلماء وأهل الأديان، فهو ممن أوتي الحكمة ورزق الخير الكثير ... من الحق أن نعد السيد رشيد من المجدّدين، وأن نعده من المجاهدين في إحياء السنّة، ومن الحقّ أن نعتبر بما كان للسيد رشيد من أناة وصبر في إحياء البحث والقراءة، والتأليف والفتوى والمناظرة، ومن الحق أن نذكر أن هذه الأعمال الصالحة قام بها احتسابًا وأداها في سبيل الله (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>آثاره ومؤلفاته </span>(٢):\n١ - تفسير القرآن الكريم، الشهير (بتفسير المنار)، فسر فيه إلى قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١] (٣).\n٢ - التفسير المختصر المفيد، وهو كالمتن لتفسير المنار.\n٣ - مجلة المنار.\n٤ - تاريخ الأستاذ الشيخ محمد عبده.\n٥ - نداء للجنس اللطيف (حقوق النساء في الإسلام).\n٦ - الوحي المحمدي.\n٧ - المنار والأزهر.\n٨ - ترجمة القرآن وما فيها من المفاسد.\n٩ - ذكرى المولد النبوي.\n_________\n(١) النهضة الإسلامية محمد رجب البيومي (٢/ ٣٤).\n(٢) السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة لأمير البيان ص ٨.\n(٣) لا بد من التنبيه ها هنا على أمر، وهو أن تفسير المنار المطبوع في اثني عشر مجلدًا وصل فيه إلى الآية (٥٢) من سورة يوسف، وبقية تفسيره إلى الآية (١٠١) قد طبعت في جزء مستقل مع تفسير الآيات العشر الأخيرة للشيخ محمد بهجت البيطار، وذلك أن كثيرًا من الناس يجهل هذا الأمر مع علمهم أنه قد بلغ إلى الآية المشار إليها في الأعلى.","vol":"2","page":95},{"text":"١٠ - مختصر ذكرى المولد النبوي.\n١١ - الوحدة الإسلامية.\n١٢ - يسر الإسلام وأصول التشريع العام.\n١٣ - الخلافة أو الإمامة العظمى.\n١٤ - الوهابيون والحجاز.\n١٥ - السنة والشيعة أو الوهابية والرافضة.\n١٦ - خطاب عام فيما يجب على المسلمين لبيت الله الحرام وحرم رسول الله - ﷺ -.\n١٧ - مناسك الحج وأحكامه وحكمه.\n١٨ - المسلمون والقبط.\n١٩ - تفسير الفاتحة والكوثر والكافرون والإخلاص والمعوذتين في مجموعة.\n٢٠ - رسالة في الصلب والفداء.\n٢١ - شبهات النصارى وحجج الإسلام.\n٢٢ - محاورات المصلح والمقلد.\n٢٣ - خلاصة السيرة المحمدية وحقيقة الدعوة الإسلامية وكليات الدين وحكمه.\n٢٤ - الربا والمعاملات في الإسلام.\n٢٥ - المسلمون والقبط والمؤتمر المصري.\n٢٦ - إبطال حكومة الترك لشريعة الإسلام.","vol":"2","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>تفسير القرآن الحكيم</span>\nكانت تسطير على رشيد رضا ﵀ النزعة الإصلاحية، ولقد نمت تلك النزعة حينما اطلع في بلده على بعض أعداد من مجلة العروة الوثقى، التي كان يقرأ فيها تفسيرًا لآيات من الكتاب العزيز، تتجلى فيها هداية القرآن، بما لم يره في تفسير من قبل، ولقد لخص أهداف تلك المجلة بقوله:\n١ - بيان سنن الله تعالى في الخلق، ونظام الاجتماع البشري، وأسباب ترقي الأمم وتدنيها وقوتها وضعفها.\n٢ - بيان أن الإسلام دين سيادة وسلطان جمع بين سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.\n٣ - أن المسلمين ليس لهم جنسية إلا دينهم، فهم إخوة لا يجوز أن يفرقهم نسب ولا لغة ولا حكومة.\nمن هنا أيقن الرجل أن لا صلاح لهذه الأمة إلا بفهم القرآن، وهذا لا يأتي إلا بتفسير يلائم أوضاع العصر، وظروف الحياة، لذا نراه في أول يوم وطئت قدمه أرض مصر، يتصل بالشيخ محمد عبده، ليعرض عليه اقتراحه بتفسير القرآن، وتأخذ هذه المسألة دورًا من النقاش، وأخيرًا يقتنع الشيخ، ويبدأ بإلقاء دروسه في تفسير القرآن في الجامع الأزهر، وكان الشيخ رشيد، يدون لنفسه أفكار الأستاذ الإمام في التفسير، وعندما أنشئت مجلة المنار، بدأ رشيد ينثر دروس الشيخ في التفسير، بعد عرضها عليه وإقراره لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>منهجه في التفسير:</span>\nوبعد أن توفي الأستاذ ﵀، شعر رشيد بعبء المسؤولية، وأنه لا بد من أن يتحمل وحده تبعة تأليف تفسير للقرآن، على أن يودعه دروس الإمام. ونجد رشيدًا في تفسيره هذا، لم يلزم نفسه بنهج الإمام وطريقته، بل كان له نهج آخر، عبر عنه بقوله:","vol":"2","page":97},{"text":"(وإني لما استقللت بالعمل بعد وفاته، خالفت منهجه رحمه الله تعالى، بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنّة الصحيحة، سواء كان تفسيرًا لها أم في حكمها، وفي تحقيق بعض المفردات والجمل اللغوية، والمسائل الخلافية بين العلماء، وفي الإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة، وفي بعض الاستطرادات لتحقيق مسائل تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها، بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا العصر، أو يقوي حجتهم على خصومهم من الكفار والمبتدعة، أو يحل بعض المشكلات التي أعيا حلها بما يطمئن به القلب، وتسكن إليه النفس. وأستحسن للقارئ أن يقرأ الفصول الاستطرادية الطويلة وحدها، في غير الوقت الذي يقرأ فيه التفسير، ليتدبر القرآن والاهتداء به في نفسه، وفي النهوض بإصلاح أمته وتجديد شباب ملته - الذي هو المقصود بالذات منه - وأسأله أن يخصني والأستاذ بدعواته الصالحة (١).\nوهكذا ولد هذا التفسير، وهنا مسألة مهمة لا بد من بيانها، وهي: ما جاء في أجزاء المنار الأولى، منسوبًا للشيخ محمد عبده، أهو له بالفعل؟ أم أن الشيخ رشيدًا كان له فيه شيء من التحوير والتبديل والزيادة والنقص؟ .\nلقد رأيت لبعض الكاتبين كلامًا في هذا الموضوع، يفهم منه التشكيك في هذه المسألة، وهذا في رأيي لا يصح أبدًا، فرشيد كان ﵀ أمينًا، وهو الذي حفظ لنا تراث الأستاذ، وهو الذي كان يخالفه أو يستدرك عليه، ولقد بلغت أمانته أنه بعد أن توفي الإمام حيث رأى أن من الأمانة ألا يعزو إليه ما كتبه عنه، أو حفظه منه حفظًا وصار يكثر من القول: (قال ما معناه)، أو (ما مثاله)، أو (ما ملخصه).\nيقول ﵀ عند تفسير سورة الفاتحة: (كان غرضنا الأول من كتابة تفسير الفاتحة، ونشره في المنار هو بيان ما نستفيده من دروس شيخنا الأستاذ الإمام مع شيء مما يفتح الله به علينا بالاختصار، فلذلك اختصرنا فيما كتبناه أولًا، ثم لما طبعنا تفسير الفاتحة على حدته مرة ثانية زدنا فيه بعض زيادات، وكان بدا لنا أن\n_________\n(١) تفسير المنار (١/ ١٦).","vol":"2","page":98},{"text":"نجعل هذا التفسير مطولًا مستوفى، ولهذا زدنا في تفسير الفاتحة هنا زيادات كثيرة كما نبهنا على ذلك في المقدمة (١).\nثم يقول (إن ما أوردناه أولًا في تفسير الفاتحة من تلخيص لما فهمناه من دروس شيخنا ومما قرأناه في الكتب، ثم ما زدناه عليه في أصله ...) (٢).\nويقول بعد تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)﴾ [آل عمران: ١٦٨]: (وأقول: إنه ذكر في المسألة كلامًا - أي الشيخ محمد عبده - آخر لم أكتبه في وقته ولم أفرغ له بعد حتى نسيته) (٣).\nويقول عند قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦]، (ثم تكلم الأستاذ عن استشكال بعض المتكلمين لتعذيب الجلود مع أن العصيان لم يكن بها ولم أكتب ما قاله ولا أتذكره) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>تقويمه لكتب التفسير:</span>\nيقول الشيخ رشيد رضا: (كان من سوء حظ المسلمين، أن أكثر ما كتب في التفسير، يشغل قارئه عن هذه المقاصد العالية، والهداية السامية، فمنها ما يشغله عن القرآن بمباحث الإعراب وقواعد النحو، ونكت المعاني ومصطلحات البيان. ومنها ما يصرفه عنه بجدل المتكلمين وتخريجات الأصوليين، واستنباطات الفقهاء المقلدين، وتأويلات المتصوفين، وتعصب الفرق والمذاهب بعضها على بعض، وبعضها يلفته عنه بكثرة الروايات، وما مزجت به خرافات الإسرائيليات، وقد زاد\n_________\n(١) (١/ ٧٢).\n(٢) (١/ ١٠١).\n(٣) (٤/ ٢٣١).\n(٤) (٥/ ١٦٥).","vol":"2","page":99},{"text":"الفخر الرازي صارفًا آخر عن القرآن وهو ما يورده في تفسيره من العلوم الرياضية والطبيعية، وغيرها من العلوم الحادثة في الملة على ما كانت عليه في عهده، كالهيئة الفلكية اليونانية وغيرها، وقلده بعض المعاصرين (١)، بإيراد مثل ذلك من علوم هذا العصر وفنونه الكثيرة الواسعة، فهو يذكر فيما نسميه تفسير الآية فصولًا طويلة بمناسبة كلمة مفردة، كالسماء والأرض من علوم الفلك والنبات والحيوان تصدُّ قارئها عما أنزل الله لأجله القرآن (٢).\nهذا هو تقويم صاحب المنار لكتب التفسير، قديمها وحديثها، وذلكم هو حكمه على المفسرين، وسنحاول من خلال تتبعنا لمنهجه في تفسيره - الذي يحوي آلاف الصفحات، في اثني عشر مجلدًا لاثني عشر جزءًا من القرآن - معرفة ما إذا كان قد وقع فيما وقع فيه هؤلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-393>طريقته في التفسير:</span>\nليس في طريقة الشيخ ما يلفت الانتباه، فهو مثل كثير من المفسرين، بعد أن يذكر عن السورة ما يخصها من بعض الوجوه، كمكيتها أو مدينتها، وعدد آياتها ومناستها لما قبلها، يأخذ الآية أو الآيات ويفسرها على حدة، وهكذا إلى نهاية السورة. ولكن الجديد في طريقة الشيخ، أنه يأتي بخلاصة للسورة في آخرها، عدا سورة البقرة فقد أوردها في أولها، وهذه الخلاصة ربما تنتظم أبوابًا وفصولًا.\nوعلى سبيل المثال، فإنه يأتي بخلاصة لسورة الأعراف، تتضمن ستة أبواب يكتب كل باب في سطر.\nفالباب الأول: توحيد الله تعالى إيمانًا وعبادة وتشريعًا وصفاته وشؤون ربوبيته.\nالثاني: الوحي والكتب والرسالة والرسل.\n_________\n(١) يقصد الشيخ صاحب الجواهر الشيخ طنطاوي ﵀.\n(٢) تفسير المنار جـ ١ ص ٧.","vol":"2","page":100},{"text":"الثالث: الآخرة والبعث والجزاء.\nالرابع: أصول التشريع وبعض قواعد الشرع العامة.\nالخامس: آيات الله وسننه في الخلق والتكوين.\nوالسادس: سنن الله تعالى في الاجتماع والعمران البشري، وشؤون الأمم، المعبر عنه في عرف عصرنا بعلم الاجتماع.\nوكذلك خلاصة سورة (براءة) تحتوي على خمسة أبواب في خمسة عشر فصلًا:\nفالباب الأول: في صفات الله تعالى وشؤونه في خلقه وأحكامه وسننه فيها.\nالثاني: في مكانة محمد - ﷺ -، وخاتم النبيين عند ربه، وفي هداية دينه وحقوقه على أمته.\nالثالث: في دين الإسلام، وما في السورة من حججه وأصوله وصفات أهله.\nالرابع: في المسائل المالية والعسكرية والسياسية وما فيها من أحكام القتال.\nالخامس: في شؤون الكفار والمنافقين وحكم الإسلام عليهم وسياسته فيهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>خصائص تفسير المنار:</span>\nوالناظر في تفسير المنار، يدرك لأول وهلة يسر عبارة الشيخ وسهولة أسلوبه، ولا عَجَبَ في ذلك، فقد أعطي حظًّا وافرًا في فن الكتابة، لذا ظهر على تفسيره طابع الأسلوب الأدبي، وإلى جانب هذا، مادة علمية غزيرة، يظهر من خلالها التحقيق. وإذا كان بعض الناس قد منحه الله قوة في التعبير، وكان بعيدًا عن الجو العلمي، وبعضهم على العكس تمامًا فإن رشيدًا قد مَنَّ الله عليه بهما مجتمعتين. ويظهر في هذا التفسير بكل جلاء ووضوح الخصائص التالية:\n١ - العناية بالتحقيقات اللغوية.\n٢ - بيانه لحكمة التشريع ورده لبعض المأثور.","vol":"2","page":101},{"text":"٣ - استشهاده بآراء المتكلمين في آيات العقيدة ومناقشتهم.\n٤ - ابتعاده عن الخرافات والإسرائيليات، ووقوعه فيما هو أخطر منها.\n٥ - استقلال الشخصية.\n٦ - بيانه لسنن الله في العمران والاجتماع.\n٧ - دفاعه عن الإسلام.\n٨ - عنفه على مخالفيه في الرأي.\n٩ - كثرة التفريعات والاستطرادات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>١ - العناية بالتحقيقات اللغوية:</span>\nليس عجيبًا أن يعنى المفسر بعلوم اللغة، وفروعها المتعددة، فهي الوسيلة لفهم القرآن وتدبره. ولقد أدرك صاحب المنار هذا. لذا رأينا في تفسيره كثيرًا من الأبحاث اللغوية، سواء كان ذلك في متونها أم مركباتها، إعرابية أم أسلوبية.\nيقول الشيخ (١): (لا يتعظ الإنسان بالقرآن، فتطمئن نفسه بوعده، وتخضع لوعيده إلا إذا عرف معانيه، وذاف حلاوة أساليبه، ولا يأتي هذا إلا بمزاولة الكلام العربي البليغ، مع النظر في بعض النحو، كنحو ابن هشام، وبعض فنون البلاغة كبلاغة عبد القاهر. وبعد ذلك يكون له ذوق في فهم اللغة، يؤهله لفهم القرآن.\nقال الإمام أبو بكر الباقلاني- من زعم أنه يمكنه أن يفهم شيئًا من بلاغة القرآن، بدون أن يمارس البلاغة بنفسه، فهو كاذب مبطل).\nوالمباحث اللغوية في تفسير المنار، إنما تنم عن سعة اطلاع، ورسوخ قدم، ورفعة ذوق، فمن حيث متون اللغة نقرأ للشيخ رشيد كثيرًا من التحقيقات اللغوية، التي لا تظهر فيها سمة النقل وحده، بل تبدو فيها آثار شخصيته العلمية الواضحة.\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ١ ص ١٨٢.","vol":"2","page":102},{"text":"١ - فعند تفسيره قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩] يقول (١): (وليخش) أمر من الخشية، وهي كما في المعاجم: الخوف، وقال الراغب هي خوف يشوبه تعظيم، وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه، ولذلك خصّ العلماء بها في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. وأقول: إن القيد الذي ذكره لا يظهر في كل الشواهد التي وردت من هذا الحَرْف في القرآن وكلام العرب، فلم يكن عند عنترة خوف مشوب بتعظيم، ولا علم فيما عبر عنه بقوله:\nولقد خشيت بأن أموت ولم تكن ... للحرب دائرة على ابني ضمضم\nفإذا كان بين الخوف والخشية فرق، فالأقرب عندي أن تكون الخشية هي الخوف في محل الأمل، ومن دقق النظر في الآيات التي ورد فيها حرف الخشية، يجد هذا المعنى فيها، ولعل أصل الخشية مادة: خشت النخلة، تخشو، إذا جاء تمرها دقلًا (رديئًا) وهي مما يرجى منها الجيد.\n٢ - وعند تفسيره قول الله ﷿: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، يورد ما قاله الشيخ محمد عبده، من أن (لعل) تستعمل للإعداد والتهيئة للشيء وفي هذا معنى الترجي، ثم يعقب عليه بقوله (٢): (إن ما ذكره من الإعداد صحيح ولكنه غير مطرد. والتحقيق أن الترجي عبارة عن كون الشيء مأمولًا بما يذكر من سببه، غير مقطوع به لذاته، بل يتبع قوة أسبابه مع انتفاء الموانع، ويتعلق تارة بالمتكلم، وتارة بالمخاطب، وتارة بالمتكلم عنه، وتارة بغيرهم، فتأمل قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ [الطلاق: ١] وقوله حكاية عن قوم موسى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ﴾ [الشعراء: ٤٠] وقوله: ﴿وَقَال فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦)﴾ [غافر: ٣٦] وقوله لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ١ ص ١٨٧.\n(٢) تفسير المنار جـ ٤ ص ٣٩٣.","vol":"2","page":103},{"text":"قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٤]. وقد علم أن هذا مقطوع بعدم وقوعه عند الله، ولكن الرجاء فيه متعلق بموسى وهارون أي ﴿قولا له قولًا لينًا﴾ راجين به أن يتذكر أو يخشى لا قولًا غليظًا منفرًا.\nوتأتي (لعل) للإشفاق وإفادة التحذير من أمر وقعت أسبابه، فكان بها مظنة الوقوع كقوله تعالى لرسوله ﵌: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢].\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] ينقل أقوال علماء اللغة في معنى (الذرء) (١) ويعقب عليها بقوله: (فإذا تأملت مع هذه الأقوال استعمال القرآن لهذا الحرف في النبات والحيوان والإنسان خاصة، علمت أن الذرء في أصل اللغة، بمعنى خلق ذلك أي إيجاده، كما أن أصل معنى الخلق التقدير، ويسند إلى الله تعالى بمعنى إيجاد الأشياء بتقدير ونظام لا جزافًا، ولهذا عطف الذرء والبدء على الخلق في حديث الدعاء (أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق وذرأ وبرأ) (٢).\nوبعد ذلك يفسر المقصود بالقلب، ثم ينتقل إلى توضيح معنى الفقه، فيقول: (أما الفقه فقد فسروه بالعلم بالشيء والفهم له، وكذا بالفطنة، كما في جل المعاجم أو كلها، وقالوا: فقه: (كعلم وفهم وزنًا ومعنى). وقالوا فقه (ككرم وضخم) فقاهة، أي صار الفقه وصفًا وسجية له، وقال الراغب: الفقه هو التوصل بعلم شاهد إلى علم غائب. قال السيوطي بعد نقله: فهو أخص من العلم. وقال ابن الأثير في النهاية: إن اشتقاقه من الشق والفتح، أي هذا\n_________\n(١) تفسر المنارجـ ٩ ص ٣٨٦.\n(٢) مسند أحمد (٣/ ٤١٩).","vol":"2","page":104},{"text":"معناه الأصلي، فهو كالفقء بالهمزة، وهي تتعاقب مع الهاء لاتحاد مخرجهما وذكر الحكيم الترمذي هذا، واستدل به على أن الفقه بالشيء، هو معرفة باطنه والوصول إلى أعماقه، فمن لا يعرف من الأمور إلا ظواهرها لا يسمى فقيهًا.\nوذكر أصحاب المعاجم، أن اسم الفقه غالب على علم فروع الشريعة، أي من العبادات والمعاملات، وهو اصطلاح حادث لا يفسر به ما ورد في الكتاب والسنّة من هذه المادة. والتحقيق أنهم لم يكونوا يسمون كل من يعرف هذه الفروع فقيهًا، كما ترى عبارة الغزالي الآتية، ولغيره ما هو أوضح منها، فقد اشترطوا فيه معرفته بدلائلها وذكر الغزالي في (بيان ما بدل من ألفاظ العلوم)، أن لفظ الفقه تصرفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل، إذ خصصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوى، والوقوف على دقائق عللها ..\nقال: ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقًا على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب، ويدلك عليه قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] وما يحصل به الإنذار والتخويف، هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق والعتاق واللعان والسلم والإجارة، فذلك ليس به إنذار ولا تخويف، بل التجرد له على الدوام، يقسى القلب وينزع الخشية منه، كما نشاهد الآن من المتجردين له، . وقال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] وأراد به معاني الإيمان دون الفتوى. وروي عن أبي حنيفة تفسيره بمعرفة النفس ما لها وما عليها.\nوأقول: ذكرت هذه المادة في عشرين موضعًا من القرآن، تسعة عشر منها تدل على أن المراد به نوع خاص من دقة الفهم والتعمق في العلم، الذي يترتب عليه الانتفاع به، وأظهره نفي الفقه عن الكفار والمنافقين، لأنهم لم يدركوا كنه المراد مما نفي فقهه عنهم، ففاتهم المنفعة من الفهم الدقيق، والعلم المتمكن","vol":"2","page":105},{"text":"من النفس، ومنه قول قوم شعيب لنبيهم: ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] وإن تراءى لغير الفقيه أنه ليس منه، فإنهم كانوا يفهمون كل ما يقول فهمًا سطحيًا ساذجًا، لأنه يكلمهم بلغتهم، ولكن لم يكونوا يبلغون ما في أعماق بعض الحكم والمواعظ من الغايات البعيدة لعدم تصديقهم إياه، وعدم احترامهم له، ولأنه مخالف لتقاليدهم وأهوائهم الصادة لهم عن التفكير فيه والاعتبار به. أما الموضع العشرون فهو قوله تعالى حكاية عن نبتّه موسى ﵇:\n﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧ - ٢٨]، وهو لا ينافي ما ذكر؛ لأن فصاحة اللسان الداعية إلى الدين والواعظ المنذر تعين على تدبر ما يقول وفقهه.\n٤ - وفي تفسير الركون في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣] من سورة هود يظهر لنا تضلعه - ﵀ - في إمامة اللغة، فهو ناقد ومقوّم بل راسم منهج في التعامل مع الألفاظ اللغوية إلى حد الاجتهاد اللغوي، يقول (١):\n﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أي ولا تستندوا إلى الذين ظلموا من قومكم المشركين، ولا من غيرهم، فتجعلوهم ركنًا لكم تعتمدون عليهم فتقروهم على ظلمهم، وتوالوهم في سياستكم الحربية أو أعمالكم المالية، فإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، فالركون من ركن البناء وهو الجانب القوي منه، ومنه قوله تعالى حكاية عن لوط ﵇: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هود: ٨٠]، والسند بمعنى الركن، وقد اشتق منه: (سند إلى الشيء، كركن إليه، واستند إليه)، وفسره الفيروز أبادي في قاموسه بالتبع للجوهري بالميل إلى الشيء والسكون له، وهو تفسير بالأعم، كعادتهم،\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ١٢ ص ١٦٩.","vol":"2","page":106},{"text":"وفسره الزمخشري بالميل اليسير، وتبعه البيضاوي وغيره من المفسرين، الذين يعتمدون عليه في تحريره للمعاني اللغوية، لدقة فهمه وذوقه وحُسن تعبيره وإنه لكذلك، وقتما يخطئ في اللغة إلا متحرفًا إلى شيوخ المذهب (المعتزلة)، أو متحيزًا إلى فئة من رواة المأثور من الصحابة والتابعين، أو نقلة اللغة. وشيوخ المذهب يخطئون في الاجتهاد، وفئة الروايات تخطئ في اعتماد الأسانيد الضعيفة والإسرائيليات، ورواة اللغة يفسرون اللفظ أحيانًا، بما هو أعم منه أو يلازمه أو بغير ذلك من قرائن المجاز في بعض كلام العرب، ولا يعنون أن ذلك هو حد اللفظ المعروف بحقيقته. وقد فسر بعضهم الركون بالميل والسكون إلى الشيء، وهو من تساهلهم، ولكنهم قد ذكروا في مادته، ما يدل على هذا التساهل، ويؤيد ما حققناه).\n٥ - وتظهر دقته في فهمه وغوصه في أعماق معاني الألفاظ، وهو يفرق بين معنى الإجابة والاستجابة، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام: ٣٦] من سورة الأنعام (١). فبعد أن ينقل ما قيل في الفرق بينهما يقول: (وقال الراغب: والاستجابة قيل هي الإجابة، وحقيقتها هي التحري للجواب والتهيؤ له، لكن عبر به عن الإجابة لقلة انفكاكها منها وهذا من دقائق تحديده للمعاني رحمه الله تعالى، ولكنه لم يحط به.\nوحقيقة الجواب والإجابة كما يؤخذ من قوله: قطع الصوت أو الشخص الجوب أو الجوبة، وهي المسافة بين البيوت أو الحفرة ووصوله إلى الداعي، أي المستلزم للشروع والمضي فيها. وعند الإمكان، وغايته الإجابة التامة عند عدم المانع، فالسين والتاء على معناهما، ومن دقق النظر في استعمال الصيغتين في القرآن الكريم، يظهر له أن أفعال الإجابة كلها، قد ذكرت في المواضع المفيدة لحصول السؤال كله، بالفعل حقيقة أو ادعاء، دفعة واحدة،\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٧ ص ٣٨٤.","vol":"2","page":107},{"text":"ومنه الإجابة بالقول، كقولك: نعم، وبلى، ولبيك، ولك ذلك، وأن الاستجابة قد ذكرت في المواضع المفيدة لحصول السؤال بالقوة أو التهيؤ والاستعداد له، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: ١٧٢]، فهو قد نزل في تهيؤ المؤمنين للقتال في حمراء الأسد بعد أحد، أو بالفعل التدريجي، كاستجابة دعوة الدين التي تبدأ بالقبول بالشهادتين، ثم تكون سائر الأعمال بالتدرج وشواهده كثيرة، والاستجابة من الله القادر على كل شيء، إنما يعبر بها في الأمور التي تقع في المستقبل، ويكون الشأن فيها أن تقع بالتدريج، كاستجابة الدعاء بالوقاية من النار، وبالمغفرة وتكفير السيئات وإيتاء ما وعد الله به المؤمنين في الآخرة، قال تعالى بعد حكاية هذا الدعاء بذلك عن أولي الألباب: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] وكاستجابته للمؤمنين في بدر بإمدادهم بالملائكة تثبتهم، كما في سورة الأنفال، ومن ذلك استجابته لأيوب وذي النون وزكريا ﵈، كما في سورة الأنبياء. كل ذلك مما يقع بالتدريج في الاستقبال. وأما قوله تعالى لموسى وهارون، حين دعوا على فرعون وملئه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩] فهو تبشير لهما بأنه تعالى قد قبلها بالفعل، وهذا من الإجابة القولية، جاءت بصيغة الماضي للإيذان بتحقق مضمونها في المستقبل، حتى كأنها أجيبت وانتهى أمرها. وهذا المعنى تؤديه مادة الإجابة دون مادة الاستجابة. ولو ذكرت هذه المسألة بصيغة الحكاية، لعبر عن إعطائهما ما سألا بلفظ الاستجابة، كما قال في شأن كل من أيوب وذي النون وزكريا.\n٦ - ومن ذلك بيانه لمعنى (ذرية) يقول:\nإن الذرية من مادة ذرأ المهموزة، أي خلق، كما أن البرية من مادة برأ. وقيل من مادة ذرو، فأصلها ذروية وقيل هي من الذر وأصلها فعلية كقمرية.","vol":"2","page":108},{"text":"قال الراغب: والذرية أصلها الصغار من الأولاد، وإن كان قد يقع على الصغار والكبار معًا في التعارف، ويستعمل للواحد والجمع. وأصله الجمع، وقال الأستاذ الإمام: يقال إن لفظ الذرية قد يطلق على الوالدين والأولاد خلافًا لعرف الفقهاء، وهو قليل، والمشهور ما جرى عليه الفقهاء وهو أن الذرية الأولاد فقط فقوله (بعضها من بعض) ظاهر على الأول. ويخص على الثاني بآل إبراهيم وآل عمران، ويصح أن يكون بمعنى أنهم أشباه وأمثال في الخيرية والفضيلة التي هي أصل اصطفائهم على حد قوله تعالى ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] وهو استعمال معروف. أقول: وهؤلاء الذين يشبه بعضهم بعضًا من هذه الذرية هم الأنبياء والرسل، قال تعالى في سياق الكلام على إبراهيم ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٨٧] (١).\n٧ - ويبين معنى الإدلاء في قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة: ١٨٨] فيقول: إن الإدلاء بمعنى الإلقاء، وقالوا: إنه في الأصل إلقاء الدلو، واختير هذا التعبير لأنه يشعر بعدم الروية. هذا ما اقتصر عليه الأستاذ الإمام، وفي التفسير الكبير للإمام الرازي: إلقاء الدلو يراد به إخراج الماء.\nوإلقاء المال إلى الحكام يراد به الحكم للملقى، وذكر وجهًا آخر بعيدًا. والضمير في قوله تعالى (بها) قيل إنه يرجع إلى الأموال، والمعنى لا تلقوها إليهم بالرشوة، وقالوا: إن الرشوة رشاء الحكم، وقيل: إن المراد ولا تلقوا بحكومة الأموال إلى الحكام. والفريق من الشيء: الجملة والطائفة منه.\n_________\n(١) ج ٣/ ص ٢٨٨.","vol":"2","page":109},{"text":"والإثم فسره بعضهم بشهادة الزور وبعضهم باليمين الفاجرة، وهو أعم من ذلك وإن صح ما ذكروه في سبب نزول الآية وهو ما أخرجه ابن أبي حاتم من مراسيل سعيد بن جبير «أن عبد الله ابن أشوع الحضرمي وأمرأ القيس بن عابس اختصما في أرض ولم تكن بينة، فحكم رسول الله - ﷺ - بأن يحلف امرؤ القيس، فهم به، فنزلت) والمراد بالعلم في قوله (تعلمون) ما يشمل الظن، وهو احتراس عمن يأكل معتقدًا أنه حقه، ولذلك أمثلة وفروع لا تحصى، ذكر الأستاذ الإمام منها في الدرس: ما إذا علم زيد أن أباه أودع له وديعة كذا عند فلان الذي مات فطالب ولد الميت بذلك، وكان هذا يعتقد أن أباه تركه تراثًا فمن حكم له به منهما لا يقال إنه أكله بالإثم.\nوذكر الأستاذ الإمام في تفسير الآية ما عليه المسلمون في هذا العصر ولا سيما في بلاد مصر، من كثرة التقاضي والخصام والإدلاء إلى الحكام، حتى إن منهم من لا يطالب غريمه بحقه إلا بواسطة المحكمة، ولعله لو طالبه لما احتاج إلى التقاضي، ومنهم من يحاكم الآخر لمحض الانتقام والإيذاء وإن أضر بنفسه أهـ.\nأقول: وكم من ثروة نفدت، وبيوت خربت، ونفوس أهينت، وجماعة فرقت، وما كان لذلك من سبب إلا الخصام، والإدلاء بالمال إلى الحكام، ولو تأدب هؤلاء الناس بآداب الكتاب الذي يتتسبون إليه؛ لكان لهم من هدايته ما يحفظ حقوقهم، ولمنع تقاطعهم وعقوقهم. ويحل فيهم التراحم والتلاحم، محل التزاحم والتلاحم، وإنك ترى من أذكيائهم ممن يزعم أنهم عن هدى الدين أغنياء، وقد عموا عما أصابهم بتركه من الأرزاء، فهم بالفسق يتنابذون ويتحاسدون، ويتنافذون ويتنافدون ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون (١).\n_________\n(١) ج ٢، ص ٢٠٠.","vol":"2","page":110},{"text":"٨ - وبين معنى الإحصان في قوله تعالى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] قال: والإحصان من الحصن، وهو المكان المنيع المحمي، ففيه معنى المنع الشديد، ويقال: حصنت المرأة (بضم الصاد) حصنا وحصانة أي عفت فهي حاصن وحاصنة وحصان وحصناء (بالفتح فيهما) قال الشاعر (١):\nحصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل\nويقال: أحصنت المرأة إذا تزوجت. لأنها تكون في حصن الرجل وحمايته ويقال: أحصنها أهلها إذا زوجوها، ومن شأن المتزوجة أن تحصن نفسها فتكتفى بزوجها عن التطلع إلى الرجال؛ لأجل حاجة الطبيعة، وتحصن زوجها عن التطلع إلى غيرها من النساء، فعلى المرأة المعول في الإحصان. حتى قيل: إن لفظ المحصنة (بفتح الصاد) اسم فاعل نطقت به العرب على خلاف عادتها فقد روى عن ابن الأعرابي أنه قال (كل أفعل اسم فاعله بالكسر إلا ثلاثة أحرف: أحصن، وألفج إذا ذهب ماله، وأسهب إذا كثر كلامه) وروى مثله عن الأزهرى. وعن ثعلب أن المرأة العفيفة يقال لها محصنة (بفتح الصاد) ومحصنة (بكسرها) وأما المرأة المتزوجة فيقال لها: محصنة بالفتح لا غير. وجماهير السلف والخلف، ومنهم أئمة الفقه المشهورون، على أن المراد بالمحصنات ههنا المتزوجات. وقيل: هن الحرائر، وقيل: عام في الحرائر والعفائف والمتزوجات. وقد يقال: هن الحرائر المتزوجات وسيأتي عن الأستاذ الإمام ما يرجحه (٢).\n٩ - ومن ذلك بيانه لمعنى المنخنقة والموقوذة. يقول: (قال صاحب القاموس: (خنقه خنقًا (ككتف) وخنقًا فهو خنق أيضًا (أي ككتف) وخنق ومخنوق كنخقه فاختنق. وانخنقت الشاة ننفسها) وقد روى ابن جرير في تفسير المنخنقة أقوالًا\n_________\n(١) هو حسان بن ثابت في مدح أم المؤمنين عائشة ﵂.\n(٢) ج ٥، ص ٣.","vol":"2","page":111},{"text":"عن مفسري السلف في هذا المعنى، فعن السدى أنها التي تدخل رأسها بين شعبتين من شجرة فتختنق فتموت.\nوعن ابن عباس والضحاك، التي تختنق فتموت، وعن قتادة: التي تموت في خناقها.\nوفي رواية عن الضحاك: الشاة توثق فيقتلها خناقها، وفي رواية أخرى عن قتادة: كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة حتى إذا ماتت أكلوها. قال ابن جرير: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: هي التي تختنق، إما في وثاقها أو بإدخال رأسها في المواضع الذي لا تقدر على التخلص منه، فتختنق حتى تموت، وإنما قلنا إن ذلك أولى بالصواب في تأويل ذلك من غيره؛ لأن المنخنقة هي الموصوفة بالانخناق دون خنق غيرها لها. ولو كان معنيًا بذلك أنها مفعول بها لقيل (والمخنوقة) حتى يكون معنى الكلام ما قالوا أ. هـ، وهو المختار عندنا لأنه هو المعنى اللغوي المنطبق على حكمة الشارع.\nويغلط من يقول إن فعل الانخناق هنا مما يسمونه فعل المطاوعة، كما قال الصرفيون في مثل كسرته فانكسر، ولتوهم من لا ذوق له في اللغة أن هذه الصيغة لا تجيء إلا لما كان أثرًا لفعل فاعل مختار ككسرته فانكسر، والصواب أن هذه فلسفة باطلة. وأن العربي القح إنما يقول انكسر الشيء إذا كان يعلم أنه أنكسر بنفسه أو يجهل من كسره، إلا إذا كان المقام مقام تعبير عن شيء تعاصى كسره على الكاسرين ثم انكسر بفعل أحدهم، وهذا لا يتأتى إلا في بعض المواد.\nوأرى ذوقي يوافق في مادة الخنق ما يفهم من عبارة القاموس من أن مطاوع خنق هو اختنق من الافتعال، وأن انخنق لا يفهم منه إلا ما كان بفعل الجيوان بنفسه كما قال ابن جرير.\nويؤيد هذا الفهم الذي جزم ابن جرير بأنه هو الصواب الجمع به بين هذه الزوائد.","vol":"2","page":112},{"text":"في سورة المائدة بتن حصر المحرمات في الأربعة الأولى منها. فالمنخنقة بهذا المعنى من قبيل ما مات حتف أنفه من حيث إنه لم يمت بتذكية الإنسان له لأجل أكله، فهي داخلة في عموم الميتة بالمعنى الشرعي الذي بيناه في تفسيرها، وإنما خصها بالذكر؛ لأن بعض العرب في الجاهلية كانوا يأكلونها، ولئلا يشتبه فيها بعض الناس؛ لأن لموتها سببًا معروفًا، وإنما العبرة في الشرع بالتذكية التي تكون بقصد الإنسان لأجل الأكل، حتى يكون واثقًا من صحة البهيمة التي يريد التغذي بها، ولو أراد تعالى بالمنخنقة المخنوقة بفعل الإنسان لعبر بلفظ المخنوقة أو الخنيق؛ لأنه حينئذ يفيد أن الخنق وإن كان ضربًا من التذكية بفعل الفاعل لا يحل، ويفهم منه تحريم المنخنق بالأولى، بل يفهم هذا من لفظ الميتة أيضًا كما تقدم. فالعدول إلى صيغة المنخنقة لا تعقل له حكمة إلا الإشعار بكون المنخنقة في معنى الميتة).\nويقول في معنى (الموقوذة): (وهي التي ضربت بغير محدد حتى انحلت قواها وماتت.\nقال في القاموس: الوقذ شدة الضرب. قال شارحه: وفي البصائر للمصنف الموقوذة هي التي تقتل بعصا أو بحجارة لاحد لها فتموت بلا ذكاة أ. هـ. وشاة وقيذ وموقوذة والوقذ أيضًا: الشديد المرض، المشرف على الموت، وما نقله ابن جرير من أقوال مفسري السلف موافق لهذا، وهو أن الوقيذ: ما ضرب بالخشب أو العصا، وكانوا يأكلونها في الجاهلية، والوقذ محرم في الإسلام لأنه تعذيب للحيوان وقد قال - ﷺ -: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتهم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته) رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن شداد بن أوس فلما كان الوقذ محرمًا حرم ما قتله به، ثم إن الموقوذة تدخل في عموم الميتة الشرعية على الوجه الذي فسرناها به أخذًا من مجموع النصوص، فإنها لم تذك تذكية شرعية","vol":"2","page":113},{"text":"لأجل الأكل) (١).\n١٠ - ومن ذلك بيانه لمعنى طوعت في قوله ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ [المائدة: ٣٠] قال: فسروا طوعت بشجعت، وهو مأثور عن ابن عباس ومجاهد، وبوسعت وسهلت وزينت، ونحو ذلك من الألفاظ التي رويت عن مفسري السلف وعلماء اللغة، وكل منها يشير إلى حاصل المعنى في الجملة، ولم أر أحدًا شرح بلاغة هذه الكلمة في هذا الموضع ببعض ما أجد لها من التأثير في نفسي. وإنها لبمكان من البلاغة يحيط بالقلب، ولضغط عليه من كل جانب. ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إنني أكتب الآن، وقلبي يشغلني عن الكتابة بما أجد لها فيه من الأثر والانفعال، إن هذه الكلمة تدل على تدريج وتكرار في حمل الفطرة على طاعة الحسد الداعي إلى القتل، كتذليل الفرس والبعير الصعب، فهي تمثل لمن يفهمها ولد آدم الذي زين له حسده لأخيه قتله، وهو بين إقدام وإحجام، يفكر في كل كلمة من كلمات أخيه الحكيمة، فيجد في كل منها صارفًا له عن الجريمة، يدعم ويؤيد ما في الفطرة من صوارف العقل والقرابة والهيبة. فَيَكِرُّ الحسد من نفسه الأمَّارة على كل صارف في نفسه القرامة، فلا يزالان يتنازعان ويتجاذبان، حتى يغلب الحسد كلا منهما ويجذبه إلى طاعته، فإطاعة صوارف الفطرة وصوارف الموعظة لداعي الحسد هو التطويع الذي عناه الله تعالى، فلما تم كل ذلك قتله. وهذا المعنى يدل عليه اللفظ، ويؤيده ما يعرف من حال البشر في كل عصر، بمقتضٍ، فنحن نرى من أحوال الناس واختبار القضاة للجناة، أن كل من تحدثه نفسه بقتل أخ له من أبيه القريب أو البعيد (آدم) يجد من نفسه صارفًا أو عدة صوارف تنهاه عن ذلك، فيتعارض المانع والمقتضى في نفسه زمنًا طويلًا أو قصيرًا حتى تطوَّع له نفسه القتل بترجيح المقتضى عنده على الموانع، فعند ذلك يقتل إن قدر، فالتطوع لا\n_________\n(١) ج ٦/ ص ١٣٧.","vol":"2","page":114},{"text":"بد فيه من التكرار، كتذليل الحيوان الصعب، وتعليم الصناعة أو العلم، وقد يكون التكرار لأجل إطاعة مانع أو صارف واحد، وقد يكون لإطاعة عدة صوارف وموانع، وأقرب الألفاظ التي قيلت إلى هذا المعنى كلمة التشجيع المأثورة، فهي تدل على أنه كان يهاب قتل أخيه، وتجبن فطرته دونه فما زالت نفسه الأمارة بالسوء تشجعه عليه حتى تجرأ وقتل عقب التطويع بلا تفكر ولا تدبر للعاقبة.\n١١ - بيانه لمعنى يذر: (ذروا) أمر لم يرد في اللغة استعمال ماضيه ولا مصدره وهو بمعنى الترك والإهمال، فهو بوزن ودع الشيء يدعه ودعا، ومعناه. إلا أن هذا قد استعمل ماضيه ومصدره قليلًا، وذاك لم يستعمل منه إلا المضارع (يذر) والأمر (ذر) وتعدد ذكرها في التنزيل، وزعم الراغب في مفرداته أن معناه قذف الشيء لقلة الاعتداد به. وأورد من الشواهد عليه من القرآن ما هو ظاهر فيه، وأشار إلى شاهد واحد يخالفه في الظاهر ووعد ببيان دخوله في موضع آخر، ولعله يعني تفسيره للقرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] ولم يقل: ويتركون ويخلفون، ولعله أجاب عنه بأن المراد: ويتركون أزواجًا هن عرضة للإهمال، وعدم الإنفاق عليهن فليوصوا لهن، وإلا كانوا هم المهملين لهن، والقاذفين بهن في بِيْدِ الإهمال والحاجة. ويرد عليه أيضًا قوله تعالى حكاية عن المخلفين في سورة الفتح ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ [الفتح: ١٥] وكل ما عداه من استعمال القرآن لهذه الكلمة يظهر فيه معنى الترك لعدم المبالاة والاهتمام. لا القذف كما عبر به، ومنه قوله تعالى ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٧٩] ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦] ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧] ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦] ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة: ٢١] ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١] ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا","vol":"2","page":115},{"text":"وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [المعارج: ٤٢]، ... إلخ (١).\n١٢ - ومن ذلك التفرقة بين يعملون ويصنعون. قال الراغب: الصنع إجادة الفعل، فكل صنع فعل، وليس كل فعل صنعًا، ولا ينسب إلى الحيوانات والجمادات كما ينسب الفعل، أ. هـ.، وقال غيره: الصنع أخص من العمل فهو ما صار ملكة منه، والعمل أخص من الفعل؛ لأنه فعل بقصد. وقال في الكشاف: كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير؛ لأن كل عامل لا يسمى صانعًا ولا كل عمل يسمى صناعة. حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه. وكان المعنى في ذلك أن مواقع المعصية معه في فعل غيره، فإذا فرط في الإنكلار كان أشد إثمًا من المواقع أ. هـ. والذي أفهمه أن معاصي العوام من قبيل ما يحصل بالطباع لأنه اندفاع من الشهوة بلا بصيرة، ومعصية العلماء بترك النهي عن المنكر والأمر بالمعروف من قبيل الصناعة المتكلفة الفائدة للصانع فيها يلتمسها ممن يصنع له، وما ترك العلماء النهي عن المنكر وهم يعلمون ما أخذ الله عليهم من الميثاق إلا تكلفًا لإرضاء الناس، وتحاميًا لتنفيرهم منهم، فهو إيثار لرضاهم على رضوان الله وثوابه، والأقرب أن يكون من الصنع - لا من الصناعة، وهو العمل الذي يقدمه المرء لغيره يرضيه به (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>عنايته بالقضايا البلاغية والإعرابية:</span>\nوكما عني المفسر بتحقيق المفردات اللغوية، فإنه قد عني كذلك بمسائل البلاغة والإعراب، وقد يكون نصيب هذه أوفر، وذكرها في تفسيره أكثر، ففي المسائل البلاغية نجده يطنب ويسهب فلم يترك بحثًا من مباحث البلاغة إلا وتحدث فيه وأظهر تأثير القرآن فيه، فتحدث عن براعة خواتيم سوره وفواتحها، وبلاغته واختلافها، ومدى دقة التعبير وتحديد الحقائق فيه، وبلاغة التناسب بين سوره\n_________\n(١) ٩/ ٤٠٥.\n(٢) ٩/ ٤٥١.","vol":"2","page":116},{"text":"وآياته وبلاغته في إيجازه، ومن ذلك:\n١ - عند قوله تعالى ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] يقول: (قالوا إن هذا خبر لا يقصد به الإخبار. بل التحسر والتحزن والاعتذارة فهو بمعنى الإنشاء وذلك أنها نذرت تحرير ما في بطنها لخدمة بيت الله والانقطاع لعبادته فيه، والأنثى لا تصلح لذلك عادة لا سيما في أيام الحيض) (١).\n٢ - وبعد أن يفسر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤] يقول: (أقول: لا يبعد أن يكون في قوله تعالى بعد نفي الخلة والشفاعة. ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ تعريض بهؤلاء الملوك الذين يمنحون بالشفاعة غير المستحق ويمنعون المستحق، ويعاقبون بها البريء ويعفون عن المجرم، والمراد بالكافرين الكافرون بالنعم بقرينة السياق، وهم الذين لا ينفقون في سبل البر والخير. وقد قصر الظلم عليهم، كما أفادت الجملة المعرفة الطرفين تشنيعًا لحالهم، كأن كل ظلم غير ظلمهم ضعيف لا يعتد به؟ لأنهم ظلموا أنفسهم ودنسوها برذيلة البخل ومنع الحق، وظلموا الفقراء والمساكين وغيرهم من الأصناف الذين فرضت لهم الصدقة؛ بمنعهم مما فرضي الله لهم، وظلموا الأمة بإهمال مصالحها المعبر عنها بسبيل الله. وإن أمة يؤدي أغنياؤها ما فرضي الله عليهم لفقرائها ولمصالحها العامة لا تهلك ولا تخزى ولا شيء أسرج في إهلاك الأمة من فشو البخل ومنع الحق في أفرادها) (٢).\n٣ - وعند قوله تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] يقول:\n(وقد ذكر حكم هذا الإنفاق في سبيل الله بعبارة تستفز النفوس، وأسلوب يحفز الهمم، ويبسط الأكف بالكرم، فقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا\n_________\n(١) ٣/ ٢٨٨.\n(٢) ٣/ ١٨.","vol":"2","page":117},{"text":"حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فهذه العبارة أبلغ من الأمر المجرد، ومن الأمر المقرون ببيان الحكمة، والتنبيه إلى الفائدة، والوجه في اختيار هذا الأسلوب هنا على ما قرره الأستاذ الإمام: أن الداعية إلى البذل في المصالح العامة ضعيفة في نفوس الأكثرين، والرغبة فيه قليلة، إذ ليس فيه من اللذة والأريحية ما في البذل للأفراد، فاحتيج فيه للمبالغة في التأثير.\nيدفع الغني إلى بذل شيء من فضل مالِه لأفراد ممن يعيش معهم أمور كثيرة، منها: إزالة ألم النفس برؤية المعوزين والبائسين، ومنها اتقاء حسد الفقراء واكتفاء شر شرارهم، والأمن من اعتدائهم، ومنها التلذذ برؤية يده العليا، وبما يتوقعه من ارتفاع المكانة في النفوس، وتعظيم من يبذل لهم وشكرهم وحبهم، فإن السخي محبب إلى جميع الناس من ينتفع منهم بسخائه ومن لا ينتفع، وإذا كان البذل إلى ذوي القربي أو الجيران فحظ النفس فيه أجلى، وشفاء ألم النفس به أقوى، فإن ألم جارك وقريبك ألم لك، ويتعذر على الإنسان أن يكون ناعمًا بين أهل البؤس والضراء، سعيدًا بين الأشقياء، فكل هذه حظوظ للنفس في البذل للأفراد تسهل عليها امتثال أمر الله فيه وإن لم يكن مؤكدًا، وقد يكون فيها من الرياء وحب السمعة ما ينافي كونها قربة وتعبدًا.\nوأما البذل الذي يراد هنا - وهو البذل للدفاع عن الدين وإعلاء كلمته، وحفظ حقوق أهله - فليس فيه شيء من تلك الحظوظ التي تسهل على النفس مفارقة محبوبها (المال) إلا إذا كان تبرعًا جهريًا، يتولى جمعه بعض الحكام والأمراء أو يجمع بأمر الملوك والسلاطين، ولذلك يقل في الناس من يبذل المال في المصالح العامة لوجه الله تعالى، فلهذا كان المقام يقتضي مزيد التأكيد، والمبالغة في الترغيب، وليس في الكلام ما يدرك شأو هذه الآية في تأثيرها ولا سيما موقعها هذا بعد بيان سنة الله تعالى في موت الأمم وحياتها.","vol":"2","page":118},{"text":"حسبك أنه تعالى جعل هذا البذل بمثابة الإقراض له وهو الغني عن العالمين الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما، وإنما يقترض المحتاج - وأنه عبر عن طلبه بهذا الضرب من الاستفهام، المستعمل للإكبار والاستعظام، فإنه إنما يقال: من ذا الذي يفعل كذا؟ في الأمر الذي يندر أن يقدم عليه أحد. يقال: من ذا يتطاول إلى الملك فلان؟ أو من ذا الذي يعمل هذا العمل وله كذا؟ إذا كان عظيمًا أو شاقًا يقل من يتصدى له قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقال ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ١٧].\nولا يقال من ذا الذي يشرب هذه الكأس المثلوجة - وهجير الصيف متقد، والسموم تلفح الوجوه -؟ (١).\n٤ - وعند قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣].\nقال: (ومن مباحث البلاغة في الآية أن ذكر (غفور) له فيها نكتة دقيقة لا تظهر إلا لصاحب الذوق الصحيح في اللغة، فقد يقال إن ذكر وصف الرحيم ينبئ بأن هذا التشريع والتخفيف بالرخصة من آثار الرحمة الإلهية، وأما الغفور فإنما يناسب أن يذكر في مقام العفو عن الزلات والتوبة عن السيئات. والجواب عن هذا أن ما ذكر في تحديد الاضطرار دقيق جدًّا، ومرجعه إلى اجتهاد المضطر، ويصعب على من خارت قواه من الجوع أن يعرف القدر الذي يمسك الرمق ويقي من الهلاك بالتدقيق، وأن يقف عنده، والصادق الإيمان يخشى أن يقع في وصف الباغي والعادي بغير اختياره، فالله تعالى يبشره بأن الخطأ المتوقع في الاجتهاد في ذلك مغفور له ما لم يتعمد تجاوز الحدود، والله أعلم) (٢).\n_________\n(١) ٢/ ٤٦٢.\n(٢) ٢/ ٣٠٠.","vol":"2","page":119},{"text":"٥ - ومنها قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] قال الأستاذ الإمام: جاءت فيه الباء لمعنى خاص لا يظهر فيما ذكروه هنا من معانيها، وإنما يفهمه العربي من الأسلوب، فإنك إذا قلت هنا كما قال الجلال تقطعت عنهم الأسباب لا ترى في نفسك الأثر الذي تراه عند تلاوة العبارة الأولى التي تمثل لك التابعين والمتبوعين، كعقد انفرط بانقطاع سلكه فذهبت كل حبة منه في ناحية.\nأقول وتوضيحه أن هؤلاء المقلدين قد كانوا مرتبطين في الدنيا، ومتصلًا بعضهم ببعض بأنواع من المنافع والمصالح، يستمدها كل من التابع والمتبوع من الآخر، فشبهت هذه المنافع التي حملت الرؤساء على قود المرؤوسين، والتابعين على تقليد المتبوعين بالأسباب، وهي في أصل اللغة الحبال كأنه يقول إن كل واحد منهم كان مربوطًا مع الآخرين بحبال كثيرة، فلم يشروا إلا وقد تقطعت هذه الحبال كلها، فأصبح كل واحد منبوذًا في ناحية لا يصله بالآخر شيء، وعلى هذا تكون الباء متعلقة بمحذوف حال من الفاعل، قال الأستاذ الإمام: ومن هذه الأساليب الخاصة قوله تعالى: (وكفى بالله شهيدًا) و(سبحان الله)، فإذا فسرت ذلك بالتحليل والإرجاع إلى القواعد العامة، فقلت في الأول كفى الله شهيدًا، أو كفت شهادته، وفي الثاني تسبيحًا لله: لم يكن له تأثير الأول وموقعه من النفس، ومثل هذه الأساليب الخاصة توجد في كل لغة.\n٦ - وعند قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦] قال:\n(مضت سنة القرآن الحكيم بأن يعلل الأحكام الشرعية ويبين حكمها بعد بيانها، وفي هذه الآيات تعليل بيان لما تقدم من أحكام النكاح. قال الأستاذ الإمام: قوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الخ استئناف يأتي كأن قائلًا يقول: ما","vol":"2","page":120},{"text":"هي حكمة هذه الأحكام وفائدتها لنا؟ وهل كلف الله تعالى أمم الأنبياء السابقين إياها أو مثلها فلم يبح لهم أن يتزوجوا كل امرأة وهل كان ما أمرنا به ونهانا عنه تشديدًا علينا أم تخفيفًا عنا؟ فجاءت الآيات مبينة أجوبة هذه الأسئلة التي من شأنها أن تخطر بالبال بعد العلم بتلك الأحكام، وقوله (ليبين) معناه أن يبين فاللام ناصبة بمعنى أن المصدرية كما قال الكوفيون: ومثله ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف: ٨] أقول: ويجعل البصريون متعلق الإرادة محذوفًا واللام للتعليل أو العاقبة أي يريد الله ذلك التحريم والتحليل لأجل أن يبين لكم به ما فيه مصلحتكم وقوام فطرتكم. ولهم في هذه اللام أقوال أخرى.\nوقد حذف مفعول ليبين لتتوجه العقول السليمة إلى استخراجه من ثنايا الفطرة القويمة، وقد أشار الأستاذ الإمام إلى بعض الحكم في تحريم تلك المحرمات عقب سردها ورأينا أن نؤخر ذكرها فنجعله في هذا الموضع ليكون بيانًا لما وجهت إليه النفوس هنا بحذف المفعول، وإنما كتبنا عنه في مذكرتنا بيان عاطفة الأب السائقة إلى تربية ولده وهي تذكر بغيرها من مراتب صلات القرابة، وإننا نذكر ما يتعلق بهذا المقام بالإيجاز، ومحل الإسهاب فيه كتب الأخلاق) (١).\n٧ - وعند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠] قال: (نادى الله تعالى بهذه الآية جميع الناس، في سياق خطاب أهل الكتاب، لأن الحجة إذا قامت عليهم بشهادة الله تعالى بنبوة محمد - ﷺ - ووجب عليهم الإيمان به، فبالأولى تقوم على غيرهم، ممن ليس لهم كتاب ككتابهم، وذكر الرسول ههنا معرفًا لأن أهل الكتاب قد بشروا به، وكانوا ينتظرون بعثته. بعنوان أنه الرسول الكامل، الذي هو المتمم الخاتم. ومما يدل على أن اليهود كانوا ينتظرون من الله مسيحًا ونبيًّا بشر بهما أنبياؤهم، ما جاء في\n_________\n(١) ٥/ ٢٨.","vol":"2","page":121},{"text":"أوائل الفصل الأول من إنجيل يوحنا، وهو أنهم أرسلوا بعض الكهنة واللاويين إلى يوحنا (يحيى ﵇) ليسألوه من هو، وكانت قد ظهرت عليه إمارات النبوة - فسألوه أأنت المسيح؟ قال لا، قالوا أأنت النبي؟ قال لا. والشاهد أنهم ذكروا له النبي بلام العهد. فلا شك أن يهود العرب ونصاراهم لما سمعوا هذه الآية في زمن التنزيل تذكر مجيء الرسول المعروف بصيغة التحقيق (قد) فهموا أن المراد به الرسول الذي بشرهم به موسى ﵇ في التوراة ... وعيسى في الإنجيل ... ومن لم يعرف شيئًا من أمر هذه البشارات يفهم من التعريف معنى آخر وهو صحيح ومراد وهو أن التعريف لإفادة أن هذا الرسول هو الفرد الكامل في الرسل لظهور نبوته، ونصوع حجته، وعموم بعثته، وختم النبوة والرسالة به، ومعنى كونه جاء الناس بالحق من ربهم أنه جاء بالقرآن الذي هو أبلغ بيان للحق، وأظهرت الآيات المؤيدة له، واختيار لفظ الرب هنا للإشعار بأن هذا الحق الذي جاء به يقصد به تربية المؤمنين وتكميل فطرتهم) (١).\n٨ - وعند قوله تعالى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] أي كسبتم، وقيل من الجرح بمعنى الخدش أي أن من شأنها أن تجرح ما تصيده، و(مكلبين) اسم فاعل من التكليب، وهو تعليم الجوارح وتأديبها وإضراؤها بالصيد، وأصله تعليم الكلاب، غلب لأنه الأكثر، وقيل أنه من الكلب (يالتحريك) بمعنى الضراوة، يقال هو كلب (ككتف) بكذا، إذا كان ضاريًا به، وموضع (مكلبين) النصب على الحال، وكذلك جملة ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ أو هي استئناف، أي أنتم تعلمونهن مما علمكم الله، أي مما ألهمكم الله إياه وهداكم إليه من ترويضها والانتفاع بتعليمها، وما ألهمكم ذلك الانتفاع إلا وهو ييح لكم. ونكتة هذه الجملة على القول بأنها حالية مراعاة استمرار تعاهد الجوارح بالتعليم؛ لأن إغفالها ينسيها ما تعلمت فتصطاد لنفسها، ولا تمسك على\n_________\n(١) المنار ٦/ ٧٩، ٨٠.","vol":"2","page":122},{"text":"صاحبها، وإمساكها عليه شرط لحل صدها، نص عليه في الجملة التي بعد هذه، وهذا التعليل الذي ألهمنيه الله تعالى أظهر مما قالوه من أنه المبالغة في اشتراط التعليم، وإذا كانت الجملة استئنافًا فنكتتها تذكير الناس بفضل الله عليهم بهدايتهم إلى مثل هذا التعليم، على سنة القرآن في مزج الأحكام بما يغذي التوحيد وينمي الاعتراف بفضل الله وشكر نعمه وغاية تعليم الجارح أن يتبع الصيد بإغراء معلمه أو الصائد به، ويجيب دعوته، وينزجر بزجره، ويمسك الصيد عليه) (١).\n٩ - وعند قوله تعالى: ﴿قَال يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] يقول: (قال جمهور المفسرين: إن (يا ويلتا) كلمة تحسر وتلهف، وإنها تقال عند حلول الدواهي والعظائم، وقال في لسان العرب: والويل حلول الشر، والويلة الفضيحة والبلية. وقيل هو تفجع. وإذا قال القائل: يا ويلتاه! فإنما يعني وافضيحتاه! وكذلك تفسير ﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف: ٤٩] أ. هـ. وهذا هو المعنى الصحيح. والألف في الكلمة بدل ياء المتكلم إذ الأصل: يا ويلتي والنداء للويلة لإفادة حلول سببها الذي تحل لأجله حتى كأنه دعاها إليه وقال: أقبلي فقد آن أوان مجيئك، فهل بلغ من عجزي أن كنت دون الغراب علمًا وتصرفًا؟ والاسستفهام للإقرار والتحسر، وأما الندم الذي ندمه فهو ما يعرض لكل إنسان عقب ما يصدر عنه من الخطأ في فعل فعله، إذا ظهر لَهُ أن فعله كان شرًّا له لا خيرًا. وقد يكون الندم توبة إذا كان سببه الخوف من الله تعالى، والتألم من تعدى حدوده، وقصد به الرجوع إليه. وهذا هو المراد بحديث (الندم توبة) رواه أحمد والبخاري في تاريخه والحاكم والبيهقي، وعلم عليه في الجامع الصغير بالصحة، وأما الندم الطبيعي الذي أشرنا إليه فلا يعد وحده توبة والتوبة من\n_________\n(١) ٦/ ١٧٠.","vol":"2","page":123},{"text":"إحداث البدعة لا تنجي مبتدعها من سوء أثرها، وفي حديث ابن مسعود في الصحيحين مرفوعًا (لا تقتل نفس ظلما إلًا كان على ابن آدم كفل (نصيب) من دمها لأنه أول من سن القتل).\n١٠ - وعند قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا﴾ [النساء: ٤٣] يقول: (ولا جنبًا) عطف فيه قوله (ولا جنبًا) على قوله (وأنتم سكارى) والمعنى لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبًا، فجملة (وأنتم سكارى) حالية، فهي في حيز النصب، وفرق عبد القاهر في دلائل الإعجاز بين الحال المفردة والجملة الحالية، فمعنى جاء زيد راكبًا أن الركوب كان وصفًا له حال المجئ، فهو تابع للمجيء مقدر بقدره، ومعنى جاء وهو راكب: أن الركوبَ وصف ثابت في نفسه، وقد جاء هو في حال تلبسه به، وقد تكون الجملة الحالية غير وصف لذي الحال، كقولك جاء والشمس طالعة، وقد يتقدم مضمونها فعل ذي الحال الذي جعلت قيدًا له، وقد يتأخر عنه، وأما الحال المفردة، فيعتبر فيها مقارنة فعل الركوب، ولهذا قال بعض فقهاء الشافعية: من قال لله عَلَيَّ أن أعتكف صائمًا وجب عليه أن يصوم لأجل الاعتكاف، ولا يجزئه أن يعتكف في رمضان، ومن قال لله عليّ أن أعتكف وأنا صائم، لا يلزمه صوم لأجل الاعتكاف، بل يجزئه أن يعتكف في رمضان، لأن مضمون الجملة الحالية لا يشترط أن يكون مقارنًا لفعل ذي الحال، كما يشترط ذلك في الحال المفردة. هذا وإني لا أذكُر أني رأيت للمفسرين بيانًا لنكتة اختلاف الحالين في هذه الآية فلم لم يقل لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبًا أو لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ولا أنتم جنب أو يجعل الأولى مفردة والثانية جملة؟ وهل يقع هذا الاختلاف في تعبير القرآن اتفاقًا، أو لمجرد التفنن في العبارة؟ كلا إن النكتة ظاهرة، لا تخفى على من كانت اللغة ملكة له، وقد تخفى عمن تكون صناعة عنده، لا يفهم دقائق نكتها إلا عند تذكر القواعد","vol":"2","page":124},{"text":"الصناعية التي تدل عليها وتدبرها، ومن كانت له الملكة والصناعة قد يفهم المراد في الجملة، ويغفل عن إيضاحها بالقواعد الصناعية. إن التعبير بجمله (وأنتم سكارى) يتضمن النهي عن السكر الذي يخشى أن يمتد إلى وقت الصلاة، فيفضي إلى آدائها في أثنائه، فالمعنى: احذروا أن يكون السكر وصفًا لكم عند حضور الصلاة، فتصلوا وأنتم سكارى، فامتثال هذا النهي إنما يكون بترك السكر في وقت الصلاة، بل وفيما يقرب من وقتها، وليس المعنى لا تصلوا حال كونكم سكارى، وعلى هذا لا يرد الاعتراض الذي أورده الأستاذ الإمام وأجاب عنه بثلاثة أجوبة، وإنما كان يرد لو قال تعالى: (لا تقربوا الصلاة سكارى، أو يقال في دفعه هذا، والجواب الأول من تلك الأجوبة في معنى هذا، ولكنه ليس مأخوذًا من منطوق الآية ومدلول الجملة الحالية، وإنما فهمنا منه أنه مأخوذة من توقف الامتثال على اجتناب السكر قبل الصلاة، وصرح بأنه من باب الاحتياط. وأما نهيهم عن الصلاة جنبًا فلا يتضمن نهيهم عن الجنابة قبل الصلاة، ولهذا لم يقل وأنتم جنب. فيا لله العجب من دقة عبارة القرآن الحكيم وبلاغتها واشتمالها على المعاني الكثيرة باختلاف التعبير فقد دلت الآية باختلاف الحالين على أن الشارع يريد صرف الناس عن السكر وتربيتهم على تركه بالتدريج لما فيه من الإثم والضرر ولا يريد صرفهم عن الجنابة لأنها من سنن الفطرة وإنما ينهاهم عن الصلاة في أثنائها حتى يغتسلوا، فهذا النهي تمهيد لفرض الطهارة من الجنابة، وكونها شرطًا للصلاة وذلك النهي تمهيد لتحريم الخمر البتة في سياق إيجاب الفهم والتدبر لما في الصلاة من الأذكار والتلاوة) (١).\n١١ - وعند قوله ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢] يقول: وفي الجملة مباحث لفظية ومعنوية يتضح بها ما فيها من البلاغة.\n_________\n(١) المنار ٥/ ١١٣.","vol":"2","page":125},{"text":"(الأول) أن في الكلام التفاتًا من الخطاب إلى الغيبة لأن ما قبله خطاب منه سبحانه للمكلفين، والتفاتًا آخر من التكلم إلى الغيبة وإلا لقال: ثم رددنا أو رددناهم على الالتفات - الخ ونكتة الالتفات تفهم من المباحث الأخرى.\n(الثاني) أنه جعل فعل الرد مبنيًا للمفعول للدلالة على أن له تعالى رسلًا أخرى - والظاهر أنهم غير رسل الموت ورسل الحفظ - يردون العباد إليه بعد البعث عندما يحشرونهم بأمره للحساب والجزاء، وهي أظهر نكت الالتفات.\n(الثالث) ذهب بعض المفسرين إلى أن الضمير في قوله (ردوا) للكل المدلول عليه بأحد من قوله (إذا جاء أحدكم الموت)، وأن هذا هو السر في مجيئه بطريق الالتفات، والإفراد أولًا والجمع آخرًا، لوقوع التوفي على الإفراد، والرد على الجملة والمجموع. ونحن نرى أنه لا حاجة إلى تكليف القول برجوعه إلى الكل المدلول عليه بأحد. والالتفات عبارة عن جعل ضمير الخطاب الذي للجماعة ضمير غيبة لهم.\n(الرابع) أن هذا الرد يكون بعد البعث فكان الأصل أن يعبر عنه بفعل الاستقبال كما في آية الجمعة ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ [الجمعة: ٨] وعبر هنا بالماضي لإفادة تحقق الوقوع حتى كأنه وقع وانقضى.\n(الخامس) من فوائد الالتفات من التكلم إلى الغيبة ذكر اسم الجلالة ووصفه بما وصف به، ولا يخفى أن تأثيره في النفس هنا أعظم من تأثير ضمير المتكلم.\nوينقل أبحاثًا أربعة عقدها السكاكي (١)، عند تفسير قول الله تعالى ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي\n_________\n(١) المنار جـ ٩ ص ٣٤٥.","vol":"2","page":126},{"text":"مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: ٤٤] تبيّن ما في هذه الآية من علم البيان وعلم المعاني ووضوح الألفاظ والمحسنات البديعية.\nوقضايا النحو لم تفت الشيخ في ثنايا تفسيره وإن كانت عنايته بها أقل من سابقتها. وسأضرب مثالًا واحدًا ليتبين للقارئ كيف أن الشيخ - ﵀ - قد غاص في معاني النحو، ولم يقف على ألفاظه الجامدة، وكيف جعل النحو أداة لبيان البلاغة فعند تفسير قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٧] يقول: (ومن مباحث اللفظ أن البصريين والكوفيين من النحاة اضطربوا في إعراب قوله تعالى: ﴿أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ﴾ لمجيئه على خلاف المعهود الشائع من اقتران معمول اسم التفضيل بالباء كقوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة القلم ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القلم: ٧] فكان أبعد إعرابهم له عن التكلف أن الباء حذفت منه اكتفاء باقترانها بمقابله المتصل به وهو قوله ﴿أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، ومخالفة المعهود في أساليب اللغة لا يكاد يقع في كلام بلغاء أهلها إلا لنكتة يقصدونها به. وكلام رب البلغاء ومنطقهم باللغات أولى بذلك. والنكت منها لفظي كالاختصار والتفنن في الأسلوب، ومنها معنوي وهو أعلى. وقد يكون من نكت مخالفة المعهود الكثير تنبيه الذهن للتأمل، كمن يريد إيقاف سالك الطريق في مكان منه لفائدة له في الوقوف، كما أرى الله تعالى نبيه موسى النار في الشجرة بجانب الطور، فحمل أهله على المكث فيه لما علمنا من حكمة ذلك. وقد بينا هذا النوع من النكت من قبل، وجعلنا منه عطف المرفوع على المنصوب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] أي وكذا الصابئون، أو والصابئون كذلك، خص هؤلاء بإخراجهم عن نسق من قبلهم في الإعراب؛ لأن الناس لم يكونوا يعرفون أنهم بقايا أهل كتاب، وقد يكون حذف الباء في قوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧] للتنبيه إلى التأمل والتفكير في كون الله تعالى","vol":"2","page":127},{"text":"أعلم بأحوالهم؛ لأنها هي المقصودة هنا بالذات، بدليل سابق الكلام ولاحقه، إذ هو فيهم. وما ذكر العلم بالمهتدين إلا لأجل التكملة والمقابلة، ولذلك عطف على ما قبله عطف جملة لا عطف مفرد، فتأمل. ولو جازت الإضافة هنا نحو: أفضل من حج واعتمر- لكان الكلام احتباكا تقديره هو أعلم من يضل ومن يهتدي، وهو أعلم بالضالين وبالمهتدين، فحذف من كل من المتقابلين ما أثبت نظيره في الآخر، وليس المانع من جواز الإضافة هنا كون صلة مَنْ فِعلًا مضارعًا لا ماضيًا، كالمثال الذي أوردناه ونظائره. بل المانع هو أن المضاف في مثل هذا الكلام من جنس المضاف إليه، وهو ممتنع في الآية؛ لأنه تعالى لا جنس له، ولو اقترن الموصول هنا بالجار فقيل: هو أعلم ممن يضل عن سبيله لجزمنا بالاحتباك (١).\nعلى أنه لا يفوتني أن أنبه على أمرين اثنين:\n١ - أن الشيخ رشيد يأبى أن يقصر التفسير على ذكر النكتة البلاغية، أو أن تكون هي المقصود الأول من التفسير، لأن هذا ربما يخرح القرآن عن قصده الأساسي، وهو أنه كتاب هداية.\n٢ - يرفض الشيخ رشيد أن نخضع القرآن أو أيّ قراءة متواترة لآراء النحويين ومذاهبهم، وينعى وينحي باللائمة على الذين نهجوا هذا النهج، فجعلوا القرآن تابعًا، وربما أولوا آية أو ردوا قراءة صحيحة؛ لأنها تخالف مذهب الكوفيين أو البصريين، وربما استندوا فيه إلى بيت من الشعر لم يُعرف قائله. فهم مفتونون بمذاهبهم، كما يقول صاحب المنار، عند تفسيره قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، حيث رد بعض النحاة قراءة حمزة - ﵀ - بجر الأرحام مع أنها متواترة (٢).\n_________\n(١) تفسير المنار (٨/ ١٦، ١٧).\n(٢) المنار ٤/ ٢٣٢.","vol":"2","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>٢ - بيانه لحكمة التشريع ورده لبعض المأثور:</span>\nلم يكن إطناب الشيخ في تفسير آيات الأحكام بأقل من إسهابه في مسائل اللغة، بل هو في هذه أكثر تعليقًا وأشد تحقيقًا. ذلك أن مسائل اللغة، ليس فيها خلاف كمسائل الفقه من جهة، ولا تلتصق بواقع الحياة العملية من جهة أخرى، ولما كانت آيات الأحكام قد جاءت في الأجزاء الأولى من القرآن، وهي الأجزاء التي هيئ للشيخ أن يفسرها، فإن من الممكن القول بأننا نستطيع أن نأخذ صورة وافية عن آيات الأحكام في تفسير المنار، وأول ما أقرره هنا أن منهجه في تفسيره لآيات الأحكام، تظهر فيه الميزات التالية:\nأ - حكمة التشريع وما يهدت إليه من سعادة الإنسان. فقلما يمر باية من آيات الأحكام، إلا ونجده ينبري لبيان ما تشتمل عليه من مصالح للفرد أو للجماعة، سواء أكانت روحية أم مادية، نجد هذا واضحًا في آيات الحج والصوم والقصاص وغيرها، وهو في أثناء ذلك كله يبين عظمة الإسلام، ويرد كل ما يعرض له في طريقه من شبهات ومطاعن، مبينًا لا صلاحية الأحكام فحسب، بل تفوقها على ما عداها. وهذا ليس في المعاملات وما يتصل بها من القانون المدني والجنائي وغيرهما فحسب، بل تظهر كذلك في العبادات كالوضوء والغسل وسائر العبادات وإليكم بيانه لحكم مشروعية الوضوء والغسل. يقول:\n(..... ولما بين فرض الوضوء وفرض الغسل، وما يحل محلهما عند تعذرهما أو تعسرهما، تذكيرًا بهما ومحافظة على معنى متعبد فيهما، وهو التيمم - بين حكمة شرعهما لنا مبتدئًا ببيان قاعدة من أعظم قواعد هذه الشريعة السمحة فقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] أي مما يريد الله ليجعل عليكم فيما شرعه لكم في هذه الآية - ولا في غيرها أيضًا - حرجًا ما، أي أدنى ضيق وأقل مشقة، لأنه تعالى غنى عنكم، رؤوف رحيم بكم، فهو لا يشرع لكم إلا ما فيه الخير والنفع لكم، ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] من القذر","vol":"2","page":129},{"text":"والأذى، ومن الرذائل والمنكرات والعقائد الفاسدة فتكونوا أنظف الناس ابدانًا وأزكاهم نفوسًا وأصحهم أجسامًا وأرقاهم أرواحًا ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالجمع بين طهارة الأرواح وتزكيتها، وطهارة الأجساد وصحتها، فإنما الإنسان روح وجسد، لا تكمل إنسانيته إلا بكمالهما معًا. فالصلاة تطهر الروح وتزكي النفس لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتربي في المصلي ملكة مراقبة الله تعالى وخشيته لدى الإساءة. وحبه والرجاء فيه عند الإحسان، وتذكره دائمًا بكماله المطلق فتتوجه همته دائمًا إلى طلب الكمال (١)، والطهارة التي جعلها الله تعالى شرطًا للدخول في الصلاة، ومقدمة لها، تطهر البدن، وتنشطه، فيسهل بذلك العمل على العامل من عبادة وغير عبادة، فما أعظم نعمة الله تعالى على الناس بهذا الدين القويم! وما أجدر من هداه الله إليه بدوام الشكر له عليه! ولذلك ختم الآية بقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] أي وليعدكم بذلك لدوام شكره فتكونوا أهلًا له ويكون مرجوًا منكم، لتحقق أسبابه، ودوام المذكرات به، فتعنوا بالطهارة الحسية والمعنوية، وتقوموا بشكر النعم الظاهرة والباطنة.\nوقد استعمل لفظ \"الطهارة\" في بعض الآيات بمعنى الطهارة البدنية الحسية وفي بعضها بمعنى الطهارة النفسية المعنوية، وفي بعض آخر بالمعنيين جميعًا بدلالة القرينة.\nفمن الأول قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] وقوله تعالى في النساء الحُيَّض ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي من الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] أي اغتسلن بعد انقطاع الدم ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] وختم الآية بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] والتطهر فيه شامل للطهارتين الحسية والمعنوية\n_________\n(١) راجع تفسير قوله تعالى ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] الجزء الثاني.","vol":"2","page":130},{"text":"أي المتطهرين من الأقذار والأحداث، ومن الفواحش والمنكرات، فالسياق قرينة على المعنى الأول، وذكر التوبة قرينة على المعنى الثاني، ويشير إليه السياق من حيث إن من أتى الحائض قبل أن تطهر وتتطهر يجب عليه التوبة. ومن المعنى الثاني خاصة قوله ﷿ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] وقوله تعالى حكاية عن قول لوط ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: ٥٦] أي من الفاحشة. ومنه قوله تعالى ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥] أي طهراه من الوثنية وشعائرها ومظاهرها كالأصنام والتماثيل والصور.\nومن الآيات التي استعملت الطهارة فيها بمعنييها قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]. فإذا تاملت هذه الآيات وعرفت استعمال القرآن لكلمة الطهارة في معنييها، ترجح عندك أن الآية التي نفسرها من هذا القبيل، فذكر الطهارة بعد الأمر بالوضوء والغسل قرينة المعنى الأول، والسياق العام، وذكر إتمام النعمة بعد الطهارة التي ذكرت بغير متعلق قرينة المعنى الثاني مضمومًا إلى الأول.\nأما تفصيل القول في حكمة الوضوء والغسل - ويتضمن حكمة ما يجب من طهارة كل البدن والثياب من القذر- فيدخل في مسألتين، نبين فيهما فوائدهما الذاتية وفوائدهما الدينية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>الفوائد الذاتية للطهارة الحسية:</span>\n(الفائدة الأولى) ما أشرنا إليه آنفًا، من كون غسل البدن كله، وغسل أطرافه يفيد صاحبه نشاطًا وهمة، ويزيل ما يعرض لجسده من الفتور والاسترخاء؛ بسبب الحدث أو بغير ذلك من الأعمال التي تنتهي بمثل تأثيره، فيكون جديرًا بأن يقيم","vol":"2","page":131},{"text":"الصلاة على وجهها، ويعطيها حقها من الخشوع ومراقبة الله تعالى، ويعسر هذا في حال الفتور والكسل، والاسترخاء والملل، أو الحر والبرد، ونزيد ذلك بيانًا فنقول: من المعروف عقلًا وتجربة أن الطهارة دواء لهذه العوارض؛ فهي بمقتضى سنة رد الفعل تفيد المقرور حرارة والمحرور ابترادًا، وتزيل الفتور الذي يعقب خروج الفضلات من البدن كالبول والغائط اللذين يضر احتباسهما، كاحتباس الريح في البطن، فالحاقن من البول، والحاقب من الغائط، والحازق من الريح، كالمريض. وكل منهم تكره صلاته كراهة شديدة، فمتى خرجت هذه الفضلات الضارّ احتباسها، يمثنعر الإنسان كأنه كان يحمل حملًا ثقيلًا وألقاه، ويشعر عقب ذلك بفتور واسترخاء. فإذا توضأ زال ذلك ونشط وانتعش، كذلك من مس فرجه أو قبل امرأة مس جسدها بغير حائل، يحصل له لذة جسدية في بعض الأحيان، وحدوث اللذة عبارة عن تثبه أو تهيج في العصب يعقبه فتور ما، بمقتضى سنة رد الفعل، والوضوء يزيل هذا الفتور الذي يصرف النفس باللذة الجسدية عن اللذة الروحية والعقلية، ولهذا اشترط بعض من قال بنقض الوضوء بمس ما ذكر أن يكون بلذة، واكتفى بعضهم بكونه مظنة اللذة.\nأما إذا بلغ الإنسان من هذه اللذة الجسدية غايتها بالوقاع أو الإنزال، فيكون ذلك منتهى تهيج المجموع العصبي الذي يعقبه بسنة رد الفعل أشد الفتور والاسترخاء والكسل، وضعف الاستعداد للذة الروحية بمناجاة الله وذكره، ولا يزيل ذلك إلا غسل البدن كله؛ فلذلك وجب الغسل عقب ذلك. واشترط بعضهم في الإنزال اللذة، ويحصل نحو هذا الضعف والفتور للمرأة بسببين آخرين وهما: الحيض والنفاس، فشرع لها الغسل عقبهما، كما شرع لها الغسل من الجنابة كالرجل. والظاهر أن سبب ما ورد في السنة من الأمر بالوضوء من أكل ما مسته النار كله هو ما فيه من اللذةلا، وخص منها لحم الإبل لأنهم كانوا يستطيبونه، أو لأنه يستثقل على المعدة فيضعف النشاط عقب أكله، ثم خفف النبي - ﷺ - عن الأمة في ذلك واكتفى بالحدث الذي هو غاية الأكل عن المبدإ، كما هو مذهب الجماهير، ومن","vol":"2","page":132},{"text":"زال عقله بمرض عصبي أو غيره، كالإغماء والسكر وتناول بعض المخدرات والأدولة، لا ينشط بعد إفاقته إلا إذا أمسّ الماء بدنه بوضوء أو غسل، وإنني أرى هذا الدخان (التبغ والتنباك) الذي فتن به الناس في هذه الأزمنة، لو كان في زمن الشارع لأوجب الوضوء منه، إن لم يحرمه تحريمًا. ويقرب من الإغماء ونحوه النوم، ومهما اختلف الفقهاء في نقض الوضوء به هل هو لذاته أو لكونه مظنة لشيء آخر؟ وهل ينقض مطلقًا أو يشترط فيه الكثرة أو عدم تمكن المقعدة من الأرض؟ فالجماهير على وجوب الوضوء عقب النوم المعتاد.\nواعلم أن هذه الفائدة تحصل بالماء دون غيره من المائيات حتى ما يزيل الوسخ أكثر من الماء كالكحول، فلا تحصل عبادة الغسل بغير الماء لإنعاشه، وكونه أصل الأحياء كلها، وهذا الذي تعبر عنه الصوفية بتقوية الروحانية للعبادة، وهو ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية. ولا ينافى روحانية المائية القطرة التي تقطر من الورد وغيره، بل تزيد المتطهر به طهارة وطيبًا وروحانية ومادة الماء معروفة.\n(الفائدة الثانية من فوائد الطهارة الذاتية): ما أشرنا إليه من كونها ركن الصحة البدنية، وبيان ذلك: أن الوسخ والقذارة مجلبة الأمراض والأدواء الكثيرة، كما هو ثابت في الطب، ولذلك نرى الأطباء ورجال الحكومات الحضرية يشددون في أيام الأوبئة والأمراض المعدية - بحسب سنة الله تعالى في الأسباب - في الأمر بالمبالغة في النظافة، وجدير بالمسلمين أن يكونوا أصلح الناس أجسادًا، وأقلهم أدواء وأمراضًا، لأن دينهم مبنى على المبالغة في نظافة الأبدان والثياب والأمكنة.\nفإزالة النجاسات والأقذار التي تولد الأمراض من فروض دينهم، وزاد عليها إيجاب تعهد أطرافهم بالغسل كل يوم مرة أو مرارًا، إذ ناطه الشارع بأسباب تقع كل يوم، وتعاهد أبدانهم كلها بالغسل كل عدة أيام مرة، فإذا هم أدوا ما وجب عليهم من ذلك تنتفي أسباب تولد جراثيم الأمراض عندهم، ومن تأمل تأكيد سنة السواك،","vol":"2","page":133},{"text":"وعرف ما يقاسيه الألوف والملايين من الناس من أمراض الأسنان، كان له بذلك أكبر عبرة. ومن دقائق موافقة السنة في الوضوء لقوانين الصحة غير تقديم السواك، عليه تأكيد البدء بغسل الكفين ثلاث مرات، وهذا ثابت في كل وضوء فهو غير الأمر بغسلهما لمن قام من النوم، ذلك بأن الكفين اللتين تزاول بهما الأعمال يعلق بهما من الأوساخ الضارة وغير الضارة ما لا يعلق بسواهما، فإذا لم يبدأ بغسلهما يتحلل ما يعلق بهما، فيقع في الماء الذي به يتمضمض المتوضئ ويستنشق ويغسل وجهه وعينيه، فلا يأمن أن يصيبه من ذلك ضرر مع كونه ينافي النظافة المطلوبة. ومن حكمة تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل جميع الأعضاء، اختبار طعم الماء وريحه، فقد يجد فيه تغيرًا يقتضي ترك الوضوء به.\nالفائدة الثالثة من فوائد الطهارة الذاتية: تكريم المسلم نفسه في نفسه وفي أهله وقومه الذين يعيش معهم، كما يكرمها ويزينها لأجل غشيان بيوت الله تعالى للعبادة بهداية قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] ومن كان نظيف البدن والثياب كان أهلا لحضور كل اجتماع، وللقاء فضلاء الناس وشرفائهم، ويتبع ذلك أنه يرى نفسه أهلًا لكل كرامة يكرم بها الناس، وأما من يعتاد الوسخ والقذارة فإنه يكون محتقرًا عند كرام الناس، لا يعدونه أهلا لأن يلقاهم ويحضر مجالسهم، ويشعر هو في نفسه بالضعة والهوان، ومن دقق النظر في طبائع النفوس وأخلاق البشر رأى بين طهارة الظاهر وطهارة الباطن، أو طهارة الجسد واللباس ؤطهارة النفس وكرامتها - ارتباطًا وتلازمًا.\nوالطهارة في الآية تشمل الأمرين معًا كما تقدم، وكل منهما يكون عونًا للآخر. كما أن التنطع والإسراف في أي واحدة منهما يشغل عن الأخرى.\nوهذا هو سبب عدم عناية بعض الزهاد والعباد بنظافة الظاهر، وعدم عناية الموسوسين المتنطعين في نظافة الظاهر بنظافة الباطن، والإسلام وسط بينهما. يأمر بالجمع بين الأمرين منهما، وإن اشتبه ذلك على بعض المحققين حتى هونوا أمر نظافة الظاهر في بعض كتبهم مع ذكرهم لأدلتها في تلك الكتب، والله تعالى يقول","vol":"2","page":134},{"text":"﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ولأجل هذا قال رسول الله - ﷺ - \"الطهور شطر الإيمان\" رواه أحمد ومسلم والترمذي من حديث أبي مالك الأشعري وله تتمة.\nوذلك أن الإنسان مركب من جسد ونفس وكماله إنما يكون بنظافة بدنه وتزكية نفسه. فطهور الجسم هو الشطر الأول الخاص بالجسد، وتزكية النفس بسائر العبادات هو الشطر الثاني، وبكلتيهما يكمل الإيمان بالأعمال المترتبة عليه.\nويؤيد ذلك ما ورد عن تأكيد الأمر بالغسل يوم الجمعة والطيب ولبس الثياب النظيفية لأنه يوم عيد الأسبوع، يجتمع الناس فيه على عبادة الله تعالى فيطلب فيه ما يطلب في عيدي السنة. وورد في أسباب الأمر بالغسل فيه خاصة أن بعض الصحابة كانوا يتركون فيه أعمالهم قبيل وقت الصلاة، فتشم رائحة العرق منهم ولا تكون أبدانهم نظيفة. وفي بعض هذه الروايات أنهم كانوا يلبسون الصوف فإذا عرقوا علت رائحته، حتى شمها النبي - ﷺ - مرة وهو يخطب، فكان يأمرهم بالغسل والطيب، والثياب النظيفة لأجل هذا، رواه ابن جرير وغيره، وقد روى مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من عدة طرق أن النبي - ﷺ - قال: \"غسل الجمعة واجب على كل محتلم\" أي بالغ مكلف، وحكى ابن حزم القول بوجوب غسل الجمعة عن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمرو بن سليم وعطاء وكعب والمسيب بن رافع وسفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد، ولكن المالكية والشافعية على كونه سنة مؤكدة، والوجوب قول الشافعي في القديم ورواية عنه في الجديد، وعارض القائلون بأنه سنة حديث الوجوب بما يدل على أن المراد به التأكيد لصحة صلاة الجمعة ممن توضأ فقط. وقال الظاهرية أنه واجب لليوم وليس شرطًا لصحة صلاتها. وقال ابن القيم: إن أدلة وجوبه أقوى من أدلة وجوب الوضوء من لمس المرأة ومس الفرج والقيء والدم (١).\n_________\n(١) ٦/ ٢٥٨ - ٢٦٤.","vol":"2","page":135},{"text":"ب - عدم الالتزام بمذهب فقهي معين، وحملته على التقليد. فهو يصرح دائمًا بسلفيته، عليها يحيا وعليها يموت، وتأثره بابن تيمية وابن القيم لا يخفى على أحد، فلقد كان أكثر من الشيخ محمد عبده في هذا. ولو أنه كان يكتفي ببيان ما يراه في المسألة لكان هذا مقبولًا معقولًا، ولكنه سلك مسلكًا زائدًا على هذا، وهو رده أقوال مخالفيه، واصفًا إياهم بالمقلدين، ولو كانوا أعلامًا منصفين، ولهذا نجد في تفسيره كثيرًا من الآراء التي خالف فيها الجمهور، حتى لقد كان مغاليًا في حديثه عن التقليد والمقلدين، يدلك على هذا ما نقلناه عنه في حديثه عن الشيخ محمد عبده، وقد كان يجمع بين الصلوات، بأن مثل هذا العمل لا يرضي المقلدين، مع أن الجمع بين الصلوات مردود عند أهل السنة على اختلاف مذاهبهم وآرائهم.\nجـ - استعانته بما ورد من الأحاديث وآراء السلف في تفسيره لآيات الأحكام، مع رده لبعض ما أجمعت الأمة على صحته أحيانًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>نماذج من تفسيره لآيات الأحكام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>١ - مخالفته لأئمة الأمصار وفقهاء المذاهب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>أ - مخالفته في آية الوصية:</span>\nعند تفسيره آية الوصية في سورة البقرة، يذكر أقوال العلماء (١) وينقل عن الألوسي ﵀، ثم يرد عليه ويختم رده بقوله: (فما هذا الحرص على إثبات نسخها، مع تأكيد الله تعالى إياها، والوعيد على تبديلها، إن هذا إلا تأثير التقليد).\nرحم الله صاحب المنار وعفا عنه، ألكي لا يكون الشخص مقلدًا، ينبغي أن يقلد رأيه؟ وإن جمهورًا من الأئمة كأبي حنيفة والشافعي قد قالوا بنسخ هذه الآية الكريمة، أفيعدّ هؤلاء مقلدين؟ وإذا كانوا كذلك، فمن المجتهد؟ ومن الذي قلدوه؟ .\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٢ ص ١٣٧ - ١٤٠.","vol":"2","page":136},{"text":"ثم يحاول صاحب المنار أن يضعف الحديث (لا وصية لوارث)، بحجة أن الشيخين لم يروياه مسندًا لعدم ثقتهما به، وأن البخاري قد رواه موقوفًا عن ابن عباس ﵄، وأنه لا يعقل أن ينسخ القرآن بالحديث، لأن هذا الحديث ربما لم يقله الرسول -ﷺ-، أو قاله رأيًا. وعجيب هذا من السيد وأعجب منه أنه رد أحاديث رواها الشيخان أنفسهما، ولكنه صحح أحاديث لم يروياها، كما سنرى، والقول بأن الشيخين لم يخرجاه لعدم ثقتهما به قول مردود، لأن من المعلوم أنهما لم يلتزما بإخراج جميع الصحيح. وأما رواية البخاري له موقوفًا على ابن عباس، فإن الحافظ قال في (الفتح) (١): إن له حكم المرفوع لأنه في تفسيره -أي ابن عباس- إخبار بما كان من الحكم قبل نزول القرآن فيكون في حكم المرفوع بهذا التقرير.\nولكن الشيخ تناسى هذا القول أو أغفله، والأغرب من ذلك قوله (بأن الرسول ﵌ ربما لم يقله أو قاله رأيًا). وهذا غير وارد لأن العلماء جزاهم الله خيرًا، قد بينوا لنا ما قاله الرسول -ﷺ- وما لم يقله، والرسول الكريم لا يمكن أن يقول رأيًا في الدين، وعلى التسليم بذلك، فإما أن يقره الوحي أو يرده.\nوبعد: فحديث (إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه فلا وصية لوارث) (٢) تلقته الأمة بالقبول، وأجمع جمهور الأئمة على صحته. يقول الشافعي ﵁ (٣):\n_________\n(١) فتح الباري جـ ٦ ص ٣٠٢.\n(٢) رواه عمرو بن خارجة، وقد أخرج روايته النسائي في السنن في كتاب الوصايا، باب إيطال الوصية للوارث.\nوابن ماجة في كتاب لا وصية لوارث حديث (٢٧١٢).\nوالترمذي في أبواب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث حديث (٢١٢).\nوالإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٨٦، ١٨٧، ٢٣٨، ٢٣٩). والبيهقي في كتاب الوصايا، باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين الوارثين ورواه أبو أمامة، أخرج روايته أبو داود في السنن في كتاب الوصايا باب ما جاء في الوصبة للوارث، حديث (٢٨٧٠)، وابن ماجة حديث (٢٧١٣)، والترمذي حديث (٢١٢٠)، قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح، وأحمد في مسنده (٥/ ٢٥٧).\n(٣) الأم جـ ٤ ص ٣٦ مطبعة دار الشعب.","vol":"2","page":137},{"text":"(وجدنا أهل الفتيا، ومن حفظنا عنهم من أهل العلم من بالمغازي من قريش وغيرهم، لا يختلفون في أن النبي -ﷺ- قال عام الفتح (لا وصية لوارث ولا يقتل مؤمن بكافر) ويأثرون عمن حفظوا عنه، ممن لقوا من أهل العلم بالمغازي فكان هذا نقل عامة عن عامة، وكان أقوى في بعض الأمر من نقل واحد عن واحد، كذلك وجدنا أهل العلم عليه مجمعين (١)، ولعلم الله أن أنوار النبوة تنادي على صحة هذا الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-402>٢ - مخالفة الجمهور في معنى الإحصان:</span>\nنجده يخالف الجمهور في تحديد من ينطبق عليها معنى الإحصان، فهو يقول عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]: (ثم قيدوا المحصنات هنا بقيد آخر هو كونهن أبكارًا، لأنهم يعدون من تزوجت محصنة، وإن آمت بطلاق أو موت زوجها، والوصف لا يفيد ذلك، فإن المحصنة بالزواج هي التي لها زوج يحصنها، فإذا فارقها لا تسمى محصنة بالزواج كما أنها لا تسمى متزوجة، كذلك المسافر إذا عاد من سفره لا يسمى مسافرًا والمريض إذا برئ لا يسمى مريضًا، وقد قال بعض الذين خصوا المحصنات بالأبكار، إنهن قد أحصنتهن البكارة، ولعمري إن البكارة حصن منيع، لا تتصدى صاحبته لهدمه بغير حقه، وهي على سلامة فطرتها وحيائها، وعدم ممارستها للرجال. وما حقه إلا أن يستبدل به حصن الزوجية، ولكن ما بال الثيب التي فقدت كل واحد من الحصنين، تعاقب أشد العقوبتين، إذ حكموا عليها بالرجم؟ هل يعدون الزواج السابق محصنًا لها، وما هو إلا إزالة لحصن البكارة، وتعويد لممارسة الرجال، فالمعقول الموافق لنظام الفطرة، هو أن يكون عقاب الثيب التي تأتي الفاحشة دون عقاب المتزوجة وكذا دون عقاب البكر أو مثله في الأشد. وقد بلغني أن بعض الأعراب في اليمن، يعاقبون بالقتل كلًّا من\n_________\n(١) الرسالة ص ١٣٩ ت أحمد شاكر.","vol":"2","page":138},{"text":"البكر والمتزوجة إذا زنتا، ولا يعاقبون الثيب بالقتل ولا بالجلد، لأنهم يعدونها معذورة طبعًا، وإن لم تكن معذورة شرعًا).\nوما ذكره يبدو مقبولًا من الجهة العقلية، لكنه مخالف لظاهر الأحاديث، إلا أن يقال بأن من رجمن في حياته ﵌، كن ذوات أزواج، فهن المقصودات بالنص وقد وعد -﵀- أن يتم هذا البحث في سورة النور، حيث قال: (ولا أذكر أنني رأيت حديثًا صريحًا في رجم الأيِّم الثيب، وسأتتبع جميع الروايات عند تفسير آية النور وأحرر المسألة من كل وجه، إن أنسأ الله في العمر) ولكن الله ﷾ أراد غير ذلك.\nفرحم الله الشيخ وغفر له وأيًا ما كان الأمر، فإن الشيخ رشيدًا قد خالف الجمهور فيما ذهب إليه، ولا ندري هل ما ذكره ينطبق على الرجل كذلك إن ذهبت زوجته بطلاق أو موت؟ .\nوبعد مراجعتي الأحاديث التي ذكر فيها الرجم، يظهر لنا أن الغامدية عند رجمها لم تكن ذات زوج، والحق ما أجمع عليه العلماء خلافًا لما قرره. الشيخ رشيد ﵀.\nعلى أن الأستاذ مصطفى الزرقا -﵀- ذهب في كنابه المدخل الفقهي (١) مذهب الشيخ رشيد، والأستاذ الزرقا -﵀- على الرغم من كونه حنفيًا لكنه قد يخالف المذهب، يقول ابن عابدين الحنفي في حاشيته في تعليقه على كلام صاحب الدر المختار (واعلم أنه لا يجب بقاء النكاح لبقائه) أي الإحصان، فلو نكح في عمره مرة ثم طلق وبقي مجردًا وزنى رجم) يقول ابن عابدين (قوله واعلم) ذكر هذه المسألة في الدرر، قوله (فلو نكح في عمره مرة) أي ودخل بها، قوله (ثم طلق) عبارة الدرر: ثم زال النكاح وهي أعم لشمولها زوال النكاح بموتها أو ردتها أو نحو ذلك) (٢).\n_________\n(١) (١/ ٢٨٩).\n(٢) حاشية ابن عابدين (٤/ ١٨).","vol":"2","page":139},{"text":"ويظهر أن هذا أمر مجمع عليه بين الأئمة.\n٣ - عند تفسيره آية التيمم في سورة النساء ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] يرى أن التيمم مباح للمسافر مع وجود الماء، وهذا القول لم يسبق إليه، اللهم إلا ما ذكره صديق حسن خان في بعض كتبه، والمعروف أن صديق حسن خان يسير على نهج الشوكاني، يظهر هذا في تفسيره، فهو اختصار لتفسير الشوكاني فتح القدير، ومع أن الشوكاني في السيل الجرَّار لا يرى هذا الرأي والمجمع عليه عند العلماء وأئمة الأمصار وفقهائها أن التيمم إنما يباح عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله، قال الشيخ الأستاذ الإمام: المعنى أن حكم المريض والمسافر إذا أراد الصلاة كحكم المحدث حدثًا أصغر أو ملامس النساء ولم يجد الماء فعلى كل هؤلاء التيمم فقط.\nهذا ما يفهمه القارئ من الآية نفسها إذا لم يكلف نفسه حملها على مذهب من وراء القرآن، يجعلها بالتكلف حجة له منطبقة عليه. وقد طالعت في تفسيرها خمسة وعشرين تفسيرًا، فلم أجد فيها غناء، ولا رأيت قولًا فيها يسلم من التكلف، ثم رجعت إلى المصحف وحده فوجدت المعنى واضحًا جليًّا، فالقرآن أفصح الكلام وأبلغه وأظهره، وهو لا يحتاج عند من يعرف العربية مفرداتها وأساليبها إلى تكلفات فنون النحو وغيره من فنون اللغة، عند حافظي أحكامها من الكتب، مع عدم تحصيل ملكة البلاغة -إلى آخر ما أطال به في الإنكار على المفسرين الذين عدوا الآية مشكلة لأنها لم تنطبق على مذاهبهم انطباقًا ظاهرًا سالمًا من الركاكة، وضعف التأليف والتكرار، التي يتنزه عنها أعلى الكلام وأبلغه. وإذا كان ﵀ قد راجع خمسة وعشرين تفسيرًا رجاء أن يجد فيها قولًا لا تكلف فيه، فأنا لم أراجع عند كتابة تفسيرها إلا روح المعاني وهو آخر التفاسير المتداولة تأليفًا، وصاحبه واسع الإطلاع فإذا به يقول (الآية من معضلات القرآن) ووالله أن","vol":"2","page":140},{"text":"الآية ليست معضلة ولا مشكلة وليس في القرآن معضلة إلا عند المفتونين بالروايات والاصطلاحات وعند من اتخذوا المذاهب المحدثة بعد القرآن أصولًا للدين يعرضون القرآن عليها عرضًا، فإذا وافقها بغير تكلف أو بتكلف قليل فرحوا وإلا عدوها من المشكلات والمعضلات على أن القاعدة القطعية المعروفة عمن أنزل عليه القرآن -ﷺ- وعن خلفائه الراشدين (﵃): أن القرآن هو الأصل الأول لهذا الدين، وإن حكم الله يلتمس فيه أولًا، فإن وجد فيه يؤخذ، وعليه يعول، ولا يحتاج معه إلى مأخذ آخر، وإن لم يوجد التمس من سنة رسول الله -ﷺ-، على هذا أقر النبي -ﷺ- معاذًا حين أرسله إلى اليمن، وبهذا كان يتواصى الخلفاء والأئمة من الصحابة والتابعين، وقد رأى القارئ أن معنى الآية واضح في نفسه لا تكلف فيه ولا إشكال ولله الحمد.\nسيقول أدعياء العلم من المقلدين: نعم إن الآية واضحة المعنى كاملة البلاغة على الوجه الذي قررتم، ولكنها تقتضي عليه أن التيمم في السفر جائز ولو مع وجود الماء، وهذا مخالف للمذاهب المعروفة عندنا، فكيف يعقل أن يخفى معناها هذا على أولئك الفقهاء المحققين، ويعقل أن يخالفوها من غير معارض لظاهرها أرجعوها إليه. ولنا أن نقول لمثل هؤلاء -وإن كان المقلد لا يُحاجُّ لأنه لا علم له- وكيف يعقل أن يكون أبلغ الكلام وأسلمه من التكلف والضعف معضلًا مشكلًا؟ وأي الأمرين أولى بالترجيح: آلطعن ببلاغة القرآن وبيانه لحمله على كلام الفقهاء، أم تجويز الخطأ على الفقهاء؛ لأنهم لم يأخذوا بما دل عليه ظاهر الآية من غير تكلف، وهو الموافق الملتئم مع غيره من رخص السفر التي منها قصر الصلاة وجمعها وإباحة الفطر في رمضان، فهل يستنكر مع هذا أن يرخص للمسافر في ترك الغسل والوضوء وهما دون الصلاة والصيام في نظر الدين؟ أليس من المجرب أن الوضوء والغسل يشقان على المسافر الواجد للماء في هذا الزمان الذي سهلت فيه أسباب السفر في قطارات السكك الحديدية والبواخر؟ أفلا يتصور المنصف أن المشقة فيهما أشد على المسافرين على ظهور الإبل في مفاوز الحجاز وجبالها؟ هل يقول منصف إن صلاة الظهر أو العصر أربعًا في السفر أسهل من الغسل أو الوضوء","vol":"2","page":141},{"text":"فيه؟ السفر مظنة المشقة، يشق فيه غالبًا كل ما يؤتى في الحضر بسهولة وأشق ما يشق فيه الغسل والوضوء، وإن كان الماء حاضرًا مستغنى عنه. وأضرب لهم مثلًا هذه الجواري المنشآت في البحر كالأعلام، فإن الماء فيها كثير دائمًا وفي كل باخرة منها حمامات أو بيوت مخصوصة للاغتسال بالماء الساخن والماء البارد، ولكنها خاصة بالأغنياء الذين يسافرون في الدرجة الأولى أو الثانية، وهؤلاء الأغنياء منهم من يصيبه دوار شديد يتعذر عليه معه الاغتسال، أو خفيف يشق معه الاغتسال، ولا يتعذر، فإذا كانت هذه السفن التي يوجد فيها من الماء المعد للاستحمام ما لم يكن يوجد مثله في بيت أحد من أهل المدينة زمن التنزيل، يشق فيها الاغتسال أو يتعذر، فما قولك في الاغتسال في قطارات سكك الحديد أو قوافل الجمال والبغال؟ .\nإلا أن من أعجب العجب غفلة جماهير الفقهاء عن هذه الرخصة الصريحة في عبارة القرآن، التي هي أظهر وأولى من قصر الصلاة وترك الصيام، وأظهر في رفع الحرج والعسر الثابت بالنص وعليه مدار الأحكام، واحتمال ربط قوله تعالى (فلم تجدوا ماء) بقوله (وإن كنتم مرضى أو على سفر) بعيد بل ممنوع ألبتة، كما تقدم، على أنهم لا يقولون به في المرضى؛ لأن اشتراط فقد الماء في حقهم لا فائدة له؛ لأن الأصحاء مثلهم فيه، فيكون ذكرهم لغوا يتنزه عنه القرآن، ونقول إن ذكر المسافرين كذلك، فإن المقيم إذا لم يجد الماء يتيمم بالإجماع، فلولا أن السفر سبب الرخصة كالمرض لم يكن لذكره فائدة، والذنك عللوه بما هو ضعيف متكلف. وما ورد في سبب نزولها من فقد الماء في السفر أو المكث مدة على غير ماء لا ينافي ذلك. رووا (أنها نزلت في بعض أسفار النبي -ﷺ- وقد انقطع فيها عقد لعائشة فأقام النبي -ﷺ- على التماسه والناس معه وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأغلظ أبو بكر على عائشة وقال حبست رسول الله -ﷺ- والناس ليسوا على ماء وليس معهم ماء، فنزلت الآية فلما صلوا بالتيمم جاء أسيد بن الخضير إلى مضرب عائشة فجعل يقول: ما أكثر بركتكم يا آل أبي بكر) رواه الستة وفي رواية (يرحمك","vol":"2","page":142},{"text":"الله تعالى يا عائشة ما نزل بك أمر تكرهين إلا جعل الله تعالى فيه للمسلمين فرجًا. فهذه الرواية وهي من وقائع الأحوال لا حكم لها في تغيير مدلول الآية، ولا تنافي جعل الرخصة أوسع من الحال التي كانت سببًا لها، ألا ترى أنها شملت المرضى، ولم يذكر في هذه الواقعة أنه كان فيها مرضى شق عليهم استعمال الماء، على تقدير وجوده، وليس فيها دليل على أن كل الجيش كان فاقدًا للماء، ولا أن النبي -ﷺ- جعل التيمم فيها خاصًّا بفاقدي الماء دون غيرهم، ومثلها سائر الروايات المصرحة بالتيمم في السفر لفقد الماء التي هي عمدة الفقهاء، على أنها منقولة بالمعنى وهي وقائع أحوال مجملة لا تنهض دليلًا، ومفهومُها مفهومُ مخالفة، وهو غير معتبر عند الجمهور، ولا سيما في معارضة منطوق الآية. وإننا نرى رخصة قصر الصلاة قد قيدت بالخوف من فتنة الكافرين كما سيأتي في هذه السورة، ونرى هؤلاء الفقهاء كلهم لم يعملوا فيها بمفهوم هذا الشرط في كتاب الله! ! وروي في سبب النزول أيضًا: أن الصحابة نالتهم جراحة وابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك للنبي -ﷺ- فنزلت، وروي أيضًا: أنها نزلت فيمن اغتسل في السفر بمشقة وسيأتي.\nوإذا ثبت أن التيمم رخصة للمسافر بلا شرط ولا قيد، بطلت كل تلك التشديدات التي توسعوا في بنائها على اشتراط فقد الماء، ومنها ما قالوه من وجوب طلبه في السفر وما وضعوه لذلك من الحدود، كحد القرب وحد الغوث. وأذكر أنني عندما كنت أدرس شرح المنهاج في فقه الشافعية قرأت باب التيمم في شهرين كاملين لم أترك الدرس فيهما ليلة واحدة فهل ورد أن النبي -ﷺ- أو أحد الصحابة تكلم في التيمم يومين أو ساعتين؟ وهل كان هذا التوسع في استنباط الأحكام والشروط والحدود سعة ورحمة على المؤمنين أم عسرًا وحرجًا عليهم؟ وهو ما رفعه الله عنهم.\n﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] العفوّ ذو العفو العظيم، ويطلق العفو بمعنى اليسر والسهولة، ومنه في التنزيل (خذ العفو) وفي الحديث (قد عفوت عن","vol":"2","page":143},{"text":"صدقة الخيل والرقيق) أي أسقطتها تيسيرًا عليكم. ومن عفوه تعالى أن أسقط في حال المرض والسفر وجوب الوضوء والغسل. ومن معاني العفو محو الشيء، يقال: عفت الريح الأثر، ويقال: عفا الأثر (لازم) أي امَّحى، ومنه: العفو عن الذنب عفا عنه وعفا له ذنبه وعفا) (١).\nبقي بعد ذلك النظر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] من جهة ما تدل عليه من الأسباب المبيحة لتلك البديلة.\nونحن في هذا المقام نريد أن نقف بأنفسنا أمام هذه الجملة من آية الطهارة، ناظرين في تلك الوقفة فقط إلى صلتها بالجملتين السابقتين لنتعرف -بمجرد النظر في الأسلوب- الأحوال التي تريد الآية أن تضع لها أحكامها من جهة الطهارة واستباحة الدخول في الصلاة، وبهذه النظرة نجد آية الطهارة تسوق شرطيات ثلاثًا:\nتخاطب المؤمنين أولًا، وتسوق لهم شرطيتين تبين فيهما حكم الحالة التي هم عليها بحسب الطبيعة والعادة، وهي حالة الإقامة، ووجود الماء والقدرة على استعماله، وترشدهم إلى أنهم إذا أرادوا الصلاة -وكانوا طبعًا على حالة من الحدث المنافي للصلاة- وجب عليهم أن يتطهروا طهارة صغرى إن كان الحدث أصغر، وهي الوضوء المذكور في الشرطية الأولى وهي قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. وطهارة كبرى إن كان الحدث أكبر وهي الغسل المذكور في الشرطية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وظاهر أن الحكم في هاتين الحالتين لم يدخل في حيثياته سوى الاعتبارات الطبيعية الجارية علي الناس بحكم العرف والعادة، ولم ينظر فيها إلى طاري عليهم من مرض أو سفر، أو فقدان ماء، أو عجز عن استعماله، وبعد هذا صار من الحتم\n_________\n(١) ٥/ ١٢٨ وما بعدها.","vol":"2","page":144},{"text":"استيفاء لأحكام هذه الأحوال الطارئة أن نعرفها، وأن نعرف أساس الحكم فيها من هذه الطوارئ، فجاءت الشرطية الثالثة تبين لنا الحكم في ظل تلك الطوارئ. ولما كان الأصل الذي عليه الناس هو صحتهم، وإقامتهم، ووجود الماء فيما بينهم، وعلى هذا الأصل جاء الحكم في الشرطيتين السابقتين، كان من الضروري أن تعرض الآية للأحوال الطارئة على هذا الأصل، وهي أحوال المرض والسفر، وعدم وجود الماء، فذكرت الشرطية الثالثة الحكم في الأحوال الثلاثة بعناوينها الخاصة فقالت: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وعلى هذا يكون (المرض) عارضًا مبيحًا للتيمم بنفسه دون أي اعتبار آخر معه، سواء صحبته إقامة أم سفر. أو وجود ماء أو فقده، أو حدث أصغر أو أكبر، ويكون (السفر) عارضًا مبيحًا للتيمم بنفسه دون أي اعتبار آخر معه سواء صحبه مرض أو صحة، أو وجود ماء أو فقده في حدث أصغر أو أكبر، ويكون (فقد الماء) عارضًا مبيحًا للتيمم بنفسه صحبته صحة أم مرض، إقامة أو سفر، في حدث أصغر أم أكبر، وبهذا تكون الشرطية الثالثة جاءت لبيان أحكام الحالات التي طرأت على ما هو الشأن في الناس من الإقامة، والصحة، ووجود الماء.\nهذا هو الذي نفهمه من الأسلوب القرآني بمجرد النظر فيه، وتتبع الأحوال التي دلت عليها العادة الجارية، وأشارت إلى ما يخالفها العناوين الخاصة التي ذكرت في تلك الشرطية من (المرض، والسفر، وعدم وجدان الماء) وبذلك يكون (المرض) مبيحًا للتيمم كيف كان، وعلى أي حال كان المريض، ويكون (عدم وجدان الماء) مبيحًا للتيمم كيف كان الفاقد له، وعلى أي حال كان، فالمريض يتيمم، والمسافر يتيمم، وفاقد الماء يتيمم، وكلها أسباب مستقلة مبيحة للتيمم.\nأما الجمهور فقد قالوا: إن المذاهب المعروفة عندنا لا تبيح التيمم للمسافر إلا عند فقد الماء، ولا يمكن أن يعقل ذلك من أرباب المذاهب كلها إلا إذا كان لديهم","vol":"2","page":145},{"text":"أصل لذلك الحكم يجعلهم يقفون أمام الآية هذا الموقف الذي وقفوه، وكانت به في نظرهم من المشكلات المعضلات، ولكن أي أصل هذا الذي يقف أمامهم قبل القرآن، ويجعلونه حكمًا على القرآن؟ قالوا: إن الأحاديث والروايات التي ذكرت السفر والتيمم فيه، كانت كلها مجمعة على أن القوم لم يكن عندهم ماء وهم على سفر، وأن التيمم أبيح لهم وهم على تلك الحال، ونحن نقول: أبيح لهم التيمم وهم على تلك الحال، وهل منعوا منه وهم على سفر مع وجود الماء؟ لم يرد ذكر حالة مثل هذه، وليست الإباحة في الحالة التي وقعت لهم مانعة من الإباحة في مثل تلك الحالة إذا وقعت، ولم يوجد نص قولي يعم الأحوال كلها، ويحدد ما يباح التيمم فيه للمسافر وما لا يباح، فأكل ما ورد وقائع أحوال لا عموم لها ولا تدل على انتفاء الحكم في غيرها. قالوا: إن ذكر السفر هنا لدفع توهم أنه مرخص بذاته، كما عرف له ذلك في الصلاة والصوم، وكأنه يقول إن السفر في هذا الباب ليس مرخصًا بذاته، ولا أثر له في إباحة التيمم إلا إذا عدم الماء كالمقيم سواء بسواء، ولعلهم يقولون بمثل ذلك في المرض ويمنعون تيمم المريض متى كان الماء موجودًا، وإلى هذا ذهب بعض الفقهاء، ونحن نقول: كان يكفي الاقتصار على عدم وجود الماء، فيعم الأحوال كلها، ويفهم ذلك الذي تقولون من مجرد الاقتصار على عدم الماء، ومن المعلوم أن الرخصة لا تثبت لحالة خاصة إلا إذا نص عليها، وما لم ينص عليها يعمها الحكم دون استثناء، ثم كيف يقبل أن المرض لا يبيح التيمم، وعندئذ يقولون دفعًا لهذا: إن المراد بعدم الوجدان عدم القدرة على استعماله والانتفاع به، ويكون بذلك عدم الوجدان مستعملًا في حقيقته ومجازه، فإن قالوا: دل على هذا الاستعمال قاعدة نفي الحرج وما أباحه الله من الرخص في حالة المرض، قلنا: وبمثل هذا يقال في السفر، فقد أباح الله فيه -كما أباح في المرض- الإفطار في رمضان، وقصر الصلاة والجمع بين الصلوات، وما إلى ذلك من سائر الرخص التي رتبها الشارع عليهما معًا.","vol":"2","page":146},{"text":"ولقد رأى الشيخ شلتوت -﵀- رأي صاحب المنار مع أنه يخالفه في أحيان كثيرة يقول ﵀: ولا يقال إن هناك فرقًا بين الحدث الأصغر والأكبر، لأن إباحة التيمم تشملهما معًا للمريض وللمسافر، وقد جمع القرآن بينهما في قوله سبحانه ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، وليس من المقبول ولا من المعقول أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعرفون أن التيمم مباح مع وجود الماء للمسافر، وأن يكون هذا موقفهم من عمرو بن العاص ﵁، سامح الله الشيخ رشيدًا ومن بعده الشيخ شلتوت رحمهما الله تعالى ومعهما الشيخ محمد عبده.\nوإذا كان قول الشيخ رشيد في المسألة السابقة -أعني قضية الرجم، ورأيه أن الإحصان يشترط له دوام الزواج- أقول إذا كان في هذا الرأي وجاهة، فإن ما قاله في هذه المسألة، وهي مسألة تيمم المسافر مع وجود الماء، فيه شيء من الغرابة، ومع أن الشيخ أطال النفس في دفاعه عن رأيه، وهو رأي الإمام الشيخ محمد عبده، فإن كل ما ذكره لا يخلو من مناقشة، وما أبعد الفرق بين قصر الصلاة المباح للمسافر، وبين تيممه مع وجود الماء، فقصر الصلاة رخصة ذكرت في كتاب الله تعالى، وبينها سيدنا رسول الله -ﷺ-، ومع ذلك يجوز للمسافر أن يتم الصلاة عند أكثر الأئمة إلا أن القصر أفضل، أما التيمم فهو عبادة بديلة عند فقد الماء أو عدم القدرة على استعماله، والمتتبع لغزوات الرسول -ﷺ-، وأحوال الصحابة ﵃، كما أنبأت عنها السير والأخبار يدرك أنهم كانوا يتوضئون ويغتسلون، وما كانوا يتيممون مع وجود الماء ونستدل هنا بما كان من عمرو بن العاص ﵁ حينما أجنب وتيمم لعدم قدرته على استعمال الماء البارد، وعجب الصحابة، فأخبروا النبي -ﷺ- فأقره على عمله، ولو كان التيمم مباحًا مع وجود الماء ما كان في القضية غرابة مع أن إسلام عمرو ﵁، كان متأخرًا (هاجر إلى","vol":"2","page":147},{"text":"رسول الله -ﷺ- مسلمًا في أوائل سنة ثمان) (١) وتيممه كان في غزوة ذات السلاسل وهي سنة ثمان، فلو كان الأمر كما يقول الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد، ومن بعدهما الشيخ محمود شلتوت -رحمهم الله تعالى- لكان الأمر طبيعيًا أن يتيمم عمرو دون أن يجد الصحابة فيه شيئًا من الغرابة، فيرفعوا أمره إلى سيدنا رسول الله -ﷺ-، ويدافع عمرو عن نفسه بأنه خشي على نفسه، ولو كان الأمر كما قال الشيخ رشيد لكان الرسول -ﷺ- قد بينه لهؤلاء، وأخبرهم بأن السفر يبيح لهم التيمم، لكن شيئًا من هذا لم يحدث.\nوالحق أن إباحة التيمم للمسافر مع وجود الماء لا نتفق فيها مع ما ذهب إليه صاحب المنار ولا يسعنا كذلك إلا أن نوافق جمهور العلماء فيما ذهبوا إليه والله ورسوله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>٤ - مخالفته فيما حرم من الأطعمة:</span>\nيقول عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ ...﴾ [الأنعام: ١٤٥] (٢) (الآية وردت بصيغة الحصر القطعي. فهي نص قطعي في حِل ما عدا الأنواع الأربعة، التي حصر التحريم بها فيها، وقد بينا في تفسير آية المائدة أن المنخنقة والموقوذة والمتردية وأكيلة السبع، التي تموت بذلك، ولا تدرك تذكيتها قبل الموت، من نوع الميتة، فهي تفصيل لها لا أنواع حرمت بعد ذلك حتى تعد ناسخة لآية الأنعام، وتحريم الخبائث لا يدل على محرمات أخرى في الطعام غير هذه، فيجعل ناسخًا للحصر فيها، فإن لفظ الخبائث، يشمل ما ليس من الأطعمة كالأقذار، وأكل أموال الناس بالباطل وكل شيء رديء. قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] فليس في القرآن ناسخ لهذه الآية، وما في\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٥).\n(٢) المنار (٨/ ١٤٩).","vol":"2","page":148},{"text":"معناها من الآيات المؤكدة لها، ولا مخصص لعمومها، وما يريدُ الله نسخه أو تخصيصه، لا يجعله بصيغة الحصر المؤكدة، كل هذا التأكيد الذي نشرحه بعد. ولكن ورد في الأحاديث تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير الجوارح، وغير ذلك مما يأتي. ولذلك اختلفت أقوال مفسري السلف والخلف في الآية.\nثم يورد ملخص المأثور فيها من الدر المنثور للسيوطي، وأقوال العلماء ويعقب على ذلك كله، فيرى أن تحريم لحوم الحمر الأهلية، إما كان عرضًا ويتكلف لذلك في الجمع بين أحد الأحاديث الصحيحة -وهو الذي رواه أنس بن مالك ﵁، قال: (أصبنا من لحوم الحمر، يعني يوم خيبر، فنادى منادي رسول الله -ﷺ-: الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس أو نجس) (١) وحديثين ضعيفين هما:\n١ - أخرج أبو داود عن غالب بن أبجر قال: أصابتنا سنة، فلم يكن في مالي شيء أطعم أهلي إلا سمان حمر، وقد كان رسول الله -ﷺ- حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت رسول الله -ﷺ- فقلت: يا رسول الله أصابتنا السنة، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان الحمر، وإنك حرمت لحوم الحمر الأهلية فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية -يعني الجلالة-) (٢).\n٢ - أخرج الطبراني عن أم نصر المحاربية أن رجلًا سأل رسول الله -ﷺ- عن الحمر الأهلية فقال: أليس ترعى الكلأ وتأكل الشجر، فقال: نعم، فقال: فأصب من لحومها. يقول: حديث أنس شاهد يقوي حديث غالب بن أبجر لأنه بمعناه ولا معارض له، فيجعل شاذًا بمخالفته إياه، فلا يضره اضطراب سنده، إذا مع\n_________\n(١) صحيح البخاري باب لحوم الحمر الإنسية رقم ٢٨، رقم الحديث (٥٢٠٨).\n(٢) سنن أبي داود، كتاب الأطعمة، باب في أكل لحوم الحمر الأهلية حديث (٣٨٠٩).","vol":"2","page":149},{"text":"عدم الطعن برجاله، وحديث أم نصر المحاربية يقوي ما ذكرناه، بتعليل حِل الحمر، بكونها تأكل الكلأ وورق الشجر، أي لا النجاسة، فالحديثان متفقان في المعنى، مع حديث أنس الذي هو عمدة القائلين بتحريم الحمر، وإنما يجمع بين هذه الأحاديث وبين الآية، بل الآيات القطعية اللفظ، والدلالة على الإباحة، بأن التحريم كان عارضًا، مؤقتًا، فيقصر على وجود العلة في كل زمان ومكان، ويباح في سائر الأحوال على الأصل ومقتضى النص القطعي) (١).\nومن العجيب أن الشيخ وهو وافر البضاعة في الحديث، قوي العارضة في التمييز بين الغث والسمين، تناسى هنا الروايات الصحيحة الكثيرة التي وردت عن علي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو، وجابر والبراء، وعبد الله بن أبي أوفى وزاهر الأسلمي ﵃ جميعًا، أنس وهو الحديث الصحيح شاهدًا لحديث غالب بن أبجر، مع أنه لا يصلح شاهدًا لاختلاف المعنى فيهما. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن حدث غالب أجمع الحفاظ على شذوذ متنه، لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة، واختلف العلماء كثيرًا في سنده، ففيه ضعف واضطراب. وكذلك حديث أم نصر أجمعوا على ضعفه، هذا وإن تحريم لحوم الحمر متفق عليه.\nقال الإمام النووي: (قال بتحريم الحمر الأهلية أكثر العلماء من الصحابة فمن بعدهم، لم نجد عن أحد من الصحابة في ذلك خلافًا إلا عن ابن عباس، وعند المالكية ثلاث روايات ثالثتهما الكراهية) (٢).\nوذكر ابن حزم أنه نقل تحريم الحمر الأهلية عن النبي -ﷺ- عن طريق تسعة من الصحابة بأسانيد كالشمس. فهو نقل متواتر لا يسع أحدًا خلافه. ثم قال:\n_________\n(١) المنار ٨/ ١٤٩.\n(٢) شرح صحيح مسلم جـ ٤ ص ٣٣٢ (مطبعة الكستلية).","vol":"2","page":150},{"text":"(فإن ذكر ذاكر أن ابن عباس أباحها قلنا: لا حجة في أحد على الرسول -ﷺ-، فكيف وابن عباس قد أخبر بأنه متوقف فيها. فقد روى البخاري عنه أنه قال: (لا أدري أنهى عنه رسول الله -ﷺ-، من أجل أنه كان حمولة الناس، فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرم في يوم خيبر لحمر الحمر الأهلية) وإن ذكروا أن عائشة ﵂ أحلتها، واحتجت بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا ...﴾ قلنا لم يبلغها التحريم ولو بلغها لقالت به كما فعلت في الغراب، فقد حرمته، مع أنه ليس مذكورًا في الآية) (١).\nوقال ابن قدامة: (أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية. قال أحمد: خمسة عشر من أصحاب النبي -ﷺ- كرهوها. قال ابن عبد البر: لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها) (٢).\nثم يذكر الشيخ رشيد في ثنايا تفسيره لهذه الآية أن ما ورد في أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، بلفظ النهي. من الأحاديث ليس نصًّا في التحريم لاحتماله الكراهة، وبعد أن يصحح ويضعف ما شاء ويؤول رواية أبي هريرة ﵁، التي جاء فيها لفظ التحريم، بأنها قد تكون رواية بالمعنى، وأن أبا هريرة قد فهم من النهي التحريم، بأنها قد تكون من مراسيله. ولا أدري أأدرك الشيخ رشيد أن في احتمالية كليهما طعنًا في الصحابة رضوان الله عليهم أم لا؟ وهل نحن أوعى باحاديث الرسول -ﷺ- من الصحابة؟ وحينما يقول الصحابي: حرم رسول الله كذا، فهل يبقى في ذلك ريب لمرتاب، وبخاصة إذا كانت هذه الأحاديث لا تحوم حولها الشكوك؟ ! .\nثم ينقل صاحب المنار ما قاله الحافظ ابن حجر في الأحاديث ويعلق عليه بأنه كلام ساقط على جلالة قائليه (٣)، وهذا كلام لا يليق من صاحب المنار. على أن\n_________\n(١) المحلى لابن حزم جـ ٧ ص ٤٠٦ - ٤٠٧.\n(٢) المغني جـ ٩ ص ٤٠٤.\n(٣) تفسير المنار جـ ٨ ص ١٥٨.","vol":"2","page":151},{"text":"الشوكاني ﵀ الذي يطلق عليه صاحب المنار لقب الإمام يقول: (وفي الحديث دليل على تحريم ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير وإلى ذلك ذهب الجمهور) (١).\nوالذي يدور حوله صاحب المنار في هذه المسألة، هو أن الآية ليست منسوخة حتى يحرم غيرها، مع أنه لا أحد من أهل العلم، أو حتى من هو قريب منهم يقول بنسخها، ولكن صاحب المنار اضطرب كثيرًا في هذه المسألة فكتب عليها الصفحات الطوال، فتارة يضعف الروايات، وتارة يجمع بينهما وبين الآية، وأخرى ينال من الصحابة أو يشكك فيهم! ومع هذا كله تسقيط ورد لأقوال الأئمة الحفاظ.\nوأحب في نهاية المسألة أن أنقل فقرة مما قاله غير معلقٍ عليها، بل أدع هذا للقارئ:\n(والأرجح المختار عندنا، أن كل ما صح من الأحاديث في النهي عن طعام غير الأنواع الأربعة، التي حصرت الآيات محرمات الطعام فيها، فهو إما للكراهة، وإما مؤقت لعلة عارضة كما تقدم في الخبر. ما ورد منه بلفظ التجريم، فهو مروي بالمعنى لا بلفظ الرسول -ﷺ-، وليس المراد من رد تلك الأحاديث بآية الأنعام من الصحابة وغيرهم، أنه لا يقبل تحريم ما حرمه الرسول ﵌، إذا لم يكن منصوصًا في القرآن بل معناه أنه لا يمكن أن يحرم -ﷺ- شيئًا نص القرآن المؤكد عليه. واعتبر هذا بما أخرجه أحمد وأبو داود عن عيسى بن نميلة الفزاري عن أبيه، قال: كنت عند ابن عمر، فسئل عن أكل القنفذ، فتلا الآية ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ فقال شيخ عنده، سمعت أبا هريرة يقول: (ذكر عند النبي -ﷺ- فقال: (خبيثة من الخبائث) فقال ابن عمر: (إن كان رسول الله -ﷺ- قاله فهو كما قال) (٢).\nفقوله (إن كان) مشعر بشكه فيه، وأنه إن فرض أنه قاله وجب قبولُه ... لأن الله أمر باتباعه، ولكن بمعنى أنه خبيث غير محرم كالثوم والبصل، ويكثر في أحاديث\n_________\n(١) نيل الأوطار جـ ٨ ص ١١٦.\n(٢) هذا هو فهم ابن عمر ﵄، أما الشيخ فله فهم آخر.","vol":"2","page":152},{"text":"أبي هريرة الرواية بالمعنى والإرسال، لأن الكثير منها قد سمعه من الصحابة، وكذا من بعض التابعين، لا من النبي -ﷺ- ولهذا تكثر فيه العنعنة.\nوأخيرًا أنقل هنا كلمة الشيخ الشنقيطي المالكي في أضواء البيان. قال بعد كلام طويل تستحسن قراءته، ولن ننقله خشية الإطالة:\nقال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر رجحانه بالدليل هو ما ذهب إليه الجمهور من أن كل ما ثبت تحريمه بطريق صحيحة من كتاب أو سنة فهو حرام، ويزاد على الأربعة المذكورة في الآيات، ولا يكون في ذلك أي مناقضة للقرآن لأن المحرمات المزيدة عليها حرمت بعدها.\nوقد قرّر العلماء: أنه لا تناقض يثبت بين القضيتين إذا اختلف زمنهما لاحتمال صدق كل منهما في وقتها، وقد اشترط عامة النظار في التناقض: اتحاد الزمان لأنه إن اختلف جاز صدق كل منهما في وقتها، كما لو قلت: لم يستقبل بيت المقدس، قد استقبل بيت المقدس، وعنيت بالأولى ما بعد النسخ، وبالثانية ما قبله، فكلتاهما تكون صادقة، وقد أشرت في أرجوزتي في فن المنطق إلى أنه يشترط في تناقض القضيتين اتحادهما فيما سوى الكيف، أعني الإيجاب والسلب، من زمان ومكان، وشرط وإضافة، وقوة وفعل، وتحصيل وعدول، وموضوع ومحمول، وجزء وكل، بقولي:\nوالاتحاد لازم بينهما ... فيما سوى الكيف كشرط علما\nوالجزء والكل مع المكان ... والفعل والقوة والزمان\nإضافة تحصيل أو عدول ... ووحدة الموضوع والمحمول\nفوقت نزول الآيات المذكورة لم يكن حرامًا غير الأربعة المذكورة، فحصرها صادق قبل تحريم غيرها بلا شك، فإذا طرأ تحريم شيء آخر بأمر جديد فذلك لا ينافي الحصر الأول لتجدده بعده، وهذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى، وبه يتضح","vol":"2","page":153},{"text":"أن الحق جواز نسخ المتواتر بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه، وإن منعه أكثر أهل الأصول.\nوإذا عرفت ذلك: فسنفصل لك إن شاء الله تعالى المحرمات التي حرمت بعد هذا، وأقوال العلماء فيها.\nفمن ذلك كل ذي ناب من السباع، فالتحقيق تحريمه لما قدّمنا من حديث أبي هريرة، وأبي ثعلبة الخشني من النهي عنها، وتحريمها، أما حديث أبي ثعلبة، فمتفق عليه، وأما حديث أبي هريرة، فقد أخرجه مسلم في (صحيحه) عنه عن النبي -ﷺ-، بلفظ: (كل ذي ناب من السباع، فأكله حرام).\nوالأحاديث في الباب كثيرة، وبه تعلم أن التحقيق هو تحريم أكل كل ذي ناب من السباع.\nوالتحقيق أن أكل كل ذي مخلب من الطير منهي عنه، ولا عبرة بقول من قال من المالكية وغيرهم: إنه لم يثبت النهي عنه، عنه -ﷺ-، لما ثبت في (صحيح مسلم) من حديث ابن عباس، أنه -ﷺ-: (نهى عن كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير) أ. هـ.\nفقرن في الصحيح بما صرح بأنه حرام مع أن كلًّا منهما ذو عداء وافتراس، فدل كل ذلك على أنه منهي عنه.\nوالأصل في النهي التحريم، وبتحريم ذي الناب من السباع، وذي المخلب من الطير. قال جمهور العلماء، منهم الأئمة الثلاثة وداود.\nوقد قدّمنا أنه الصحيح عن مالك في السباع، وأن مشهور مذهبه الكراهة، وعنه قول بالجواز وهو أضعفها، والحق التحريم لما ذكرنا.\nومن ذلك الحمر الأهلية، فالتحقيق أيضًا أنها حرام، وتحريمها لا ينبغي أن يشكّ فيه منصف لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بتحريمها، وقد روى البخاري ومسلم تحريمها من حديث علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن","vol":"2","page":154},{"text":"الأكوع، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس، وأبي ثعلبة الخشني ﵃، وأحاديثهم دالة دلالة صريحة على التحريم، فلفظ حديث أبي ثعلبة عند البخاري، ومسلم (١): (حَرَّم رسول الله -ﷺ- لحوم الحمر الأهلية)، وهذا صريح صراحة تامّة في التحريم، ولفظ حديث أنس عندهما أيضًا: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية، فإنها رجس)، في رواية لمسلم: (فإنها رجس من عمل الشيطان)، وفي رواية له أيضًا: (فإنها رجس) أو (نجس).\nقال مقيده عفا الله عنه: حديث أنس هذا المتفق عليه الذي صَرح فيه رسول الله -ﷺ- بأن لحوم الحمر الأهلية رجس، صريح في تحريم أكلها، ونجاسة لحمها، وأن علة تحريمها ليست لأنها لم يخرج خمسها، ولا أنها حمولة كما زعمه بعض أهل العلم، والله تعالى أعلم.\nولا تعارض هذه الأحاديث الصحيحة المتفق عليها بما رواه أبو داود من حديث غالب بن أبجر المزني ﵁، قال: (أتيت النبي -ﷺ-، فقلت: يا رسول الله، أصابتنا السنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، وإنك حرّمت الحمر الأهلية، فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية) أ. هـ.\nوالجوال: جمع جالة، وهي التي تأكل الجلة، وهي في الأصل البعر، والمراد به هنا أكل النجاسات كالعذرة.\nقال النووي في (شرح المهذب): اتفق الحفاظ على تضعيف هذا الحديث.\nقال الخطابي والبيهقي: \"هو حديث يختلف في إسناده\". يعنون مضطربًا، وما كان كذلك لا تعارض به الأحاديث المتفق عليها.\nوأما البغال فلا يجوز أكلها أيضًا لما رواه أحمد والترمذي من حديث جابر، قال: (حرّم رسول الله -ﷺ-، يعني يوم خيبر، لحوم الحمر الإنسية، ولحوم البغال،\n_________\n(١) صحيح مسلم كتاب الصيد والذبائح باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، رقم الحديث (١٩٣٧).","vol":"2","page":155},{"text":"وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير)، أصل حديث جابر هذا في (الصحيحين) كما تقدم، وهو بها اللفظ: بسند لا بأس به. قاله ابن حجر والشوكاني.\nوقال ابن كثير في (تفسيره): وروى الإمام أحمد وأبو داود بإسنادين كل منهما على شرط مسلم عن جابر قال: (ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، فنهانا رسول الله -ﷺ- عن البغال والحمر، ولم ينهنا عن الخيل)، وهو دليل واضح على تحريم البغال، ويؤيده أنها متولدة عن الحمير وهي حرام قطعًا لصحة النصوص بتحريمها. وأما الخيل فقد اختلف في جواز أكلها العلماء (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>٥ - آيات الرضاع:</span>\nليست هواية الشيخ وحرصه على توهين من خالفه وقسوته عليه، بأقل من هوايته وحرصه على رد روايات الأحاديث الصحيحة، فعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣] من سورة النساء، يذكر آراء الأئمة، ثم يناقش الرواية التي وردت عن عائشة ﵂، وهي أن التحريم بخمس رضعات، ويبين أن عمل عائشة بهذه الرواية ليس حجة. وأن من قال بها من الصحابة، إنما قالوا بها تبعا للسيدة عائشة ﵂ورضي الله عنها وإن لم يقل صاحب المنار هذا- فليس قولهم بها مقويًا لها، ثم يتساءل كيف وأن رابع الخلفاء وأول الأئمة الأصفياء قال خلاف ذلك (٢)، ثم يناقش الرواية من ناحية موضوعها، ويورد عدة تساؤلات يصل في نهايتها إلى أنه لا يظهر معنى لهذه الرواية، فلماذا كان التحريم بعشر، ثم نسخ إلى خمس؟ وكيف يكون شأن من تزوج من رضع معها أكثر في خمس وأقل من عشر؟ وبعد هذا\n_________\n(١) روائع البيان، الشنقيطي ١/ ٥٢٣.\n(٢) يذكر الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار أن هذه الرواية رويت عن الإمام علي كرم الله وجهه كذلك جـ ٨ ص ١١٥.","vol":"2","page":156},{"text":"التطواف والتجوال يصل بنا الشيخ لتقرير ما يلي: أن روايات الحديث مضطربة، وإن وردت في صحيح مسلم وغيره من كتب السنن، وأن هذه الرواية تتعارض مع قدسية القرآن، ومن هنا يحكم الشيخ بوجوب رد الحديث.\nوالحديث روته عمرة عن السيده عائشة ﵂، وإنه لمن السهل الإجابة عن تساؤلات الشيخ: أما عن التدرج من عشر إلى خمس، فتلك حكمة الله في أحكامه، وأما عمن تزوج من رضع معها أقل من عشر وأكثر من خمس، فمع أن هذه لم تحك الروايات وقوع مثلها، إلا أنّا نقول: إن هذا تزوج حسب حكم صحيح، وإن الله أكرم وأرحم من أن يضيق عليه بتطليق زوجته، ولكن الطامة الكبرى تكمن في رد الحديث، ومن لين الشيخ في رد الأحاديث، إلا أن سياسته كما يقول، أنه لا يرد الحديث إلا بعد تعذر الجمع بينه وبين القرآن والحق أن من أخطر الأمور رد الأحاديث الصحيحة، فإنها مسألة لها ما وراءَها من مضاعفات فتاكة، ونتائج هدامة لهذا الدين.\n- وقد عرف عن الشيخ، بأنه يحل كل معضل، ويرد كل مشكل، حتى ولو اتفق المفسرون على إعضاله وإشكاله - وقد بينه الأئمة. يقول الإمام النووي ﵁: (إن النسخ بخمس رضعات، تأخر إنزاله جدًّا، حتى إنه -ﷺ- توفي وبعض الناس يقرأ خمس رضعات، ويجعلها قرآنًا متلوًا، لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك وأجمعوا على أن هذا لا يتلى (١).\nويقول الشوكاني ﵀: (ولو سلم انتفاء قرآنيته على جميع التقادير، لكان سنّة لكون الصحابي راويًا له عنه -ﷺ-، لوصفه له بالقرآنية وهو يستلزم صدوره عن لسانه، وذلك كاف في الحجية، لما تقرر في الأصول من أن المروى آحادًا، إذا انتقى عنه وصف القرآنية، لم ينتف وجوب العمل به كما سلف) (٢).\n_________\n(١) صحيح مسلم، شرح النووي جـ ١٠ ص ٢٩.\n(٢) نيل الأوطار (٦/ ٣١٢).","vol":"2","page":157},{"text":"وأقول: يعجبني هذا القول فإنني لا أرى أن هناك قرآنًا نسخت تلاوته وقد بينت هذه القضية مفضلة في كتاب (إتقان البرهان)، فليرجع إليها من شاء.\n٦ - يظهر تأثّر الشيخ بابن تيمية ﵀، في الأمور الفقهية واضحًا غير خفي في مواضع كثيرة، فإذا استعرضنا تفسيره لآيات الصيام والطلاق والتيمم، وجدناه لا يلتزم بأقوال فقهاء المذاهب فيما قرروه بل ينقل كثيرًا من أقوال ابن تيمية. ففي آخر تفسيره لآيات الصيام يقل فصلًا من كلام شيخ الإسلام ﵁، فيما يفطر الصائم وما لا يفطر. وعند مسائل الطلاق يأخذ ما عرف عنه وعن تلميذه ابن القيم، وفي مسألة التيمم ينال كعادته ممن يسميهم بالمقلدين، ويذكر فيما يذكر إباحة التيمم للمسافر، ولو وجد الماء، ثم يذكر ما معناها يبين فيها أحكامًا قال خلافها فقهاء المذاهب، ككون التيمم ضربة واحدة، يصلي بها أكثر من وقت، وغير ذلك من الأمور، ولست بصدد المناقشة لمثل هذه الآراء، فهذا ليس محله هنا، ولكن ما أردت إثباته، هو منهج المفسر واتجاهه في آيات الأحكام.\nوقد عرضنا في الجزء الأول من هذا الكتاب الذي سميناه \"التفسير اتجاهاته وأساسياته\" عند حديثنا عن الاتجاه الفقهي جملة من الآراء في القضايا الاجتماعية والسياسية مثل تعدد الزوجات، وصلة المسلمين بغيرهم، وموقف المسلمين من المستعمرين لذا لا حاجة إلى إعادة ما ذكرته هناك فليرجع إليه من شاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>٣ - استشهاده بآراء المتكلمين في آيات العقيدة ومناقشتهم:</span>\n(وللناس فيما يعشقون مذاهب)\nلام الشيخ كثيرًا في مقدمته هؤلاء الذين يمزجون التفسير بأمور خارجة عن روح القرآن، وهي مما يبعد الناس عن هدايته، وإذا أضفنا إلى هذا سلفية الشيخ، فإنه كان من المتوقع ألا يخوض في تفريعات علم الكلام ومسائل المتكلمين. ولكنه يأبى إلا أن يظهر لنا سعة اطلاعه في مختلف فنون العلم وأنواع المعرفة، على أننا","vol":"2","page":158},{"text":"رأيناه يحدثنا عن العقيدة كما يصورها القرآن سهلة ميسرة، مبينًا أن أصول العقيدة ينبغي ألا تؤخذ إلا من النبع الصافي، وهو كتاب الله وسنّة رسوله -ﷺ-، ويوازن بين أدلة القرآن في حيويتها ووضوحها، وبين ما تسرب إلينا من الفلسفة اليونانية في جفافها وجمودها وتجريدها عن واقع الناس ومشاعرهم.\nيقول في هذا المعنى (١): (أما مسائل العقائد في الإلهيات، فقد فصلت أبلغ تفصيل، بأساليب القرآن العالية الجامعة بين الإقناع والتأثير، كبيان صفات الله في سياق بيان أفعاله وسننه في الخلق والتكوين والتقدير والتدبير وآياته في الأنفس، والآفاق وطبائع الاجتماع، وملكات الأخلاق، وتأثير العقائد في الأعمال وما يترتب عليها في الدارين من الجزاء، وناهيك بإيراد الحقيقة بأسلوب المناظرة والجدال، أو ورودها جوابًا بعد سؤال، أو تجليها في بروز الوقائع وضروب الأمثال. وهذا الأسلوب أعلى الأساليب، وأكملها، جمعًا بين إقناع العقول والتأثير في القلوب، فيقترن اليقين في الإيمان بحب التعظيم وخشوع الخوف والرجاء، وفي أثناء ذلك يذكر شبهات المشركين والكفار، فيكون مَثلُها فيه كقطعة الطين الآسن، تلقى في غدير صاف، يتدفق من صخر على حصاه كالدر، لا تلبث أن تتضاءل وتختفي، ولا تكدر له صفوًا، حتى إنه ليستغني بمجرد بيانه عن وصف قبحها، والحجة على بطلانها، فكيف وهي تقترن غالبًا بالوصف الكاشف لما غشيها من التلبيس، أو يقضى عليها بالبرهان الدامغ، لما فيها من الأباطيل، ولا تغفل عن أسلوب إحالة المخاطبين، على ما أودع في غرائزهم وفطرهم، وتذكيرهم بمعارضته؛ لما ألفوا من تقاليدهم وفساد نظرهم، ولا عن أسلوب إنذار سوء المغبة في العاجلة، وسوء العاقبة والمصير في الآخرة.\nأضلت الفلسفة اليونانية علماء الكلام عن هذه الأساليب العليا، فلم يهتدوا بها، ولا اقتدوا بشيء منها، بل طفقوا يلقنون النّشْئ الإسلامي، صفات الله تعالى\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٨ ص ٢٧١.","vol":"2","page":159},{"text":"مسرودة سردًا ومعدودة عدًا، معرفة بحدود ناقصة، أو رسوم دارسة، مقرونة بأدلة نظرية وتشكيكات جدلية، لا تثمر إيمان الإذعان، ولا خشية الديان، ولا حب الرحمن بل تثير رواكد الشبهات وتتعارض في إثباتها دلائل النظريات).\nيقينًا لا يظن من يقرأ مثل هذا القول، بأن المفسر ﵀، يمكن أن يشحن كتابه بمسائل علم الكلام المشوب بالفلسفة، حتى إن كثيرًا من الموضوعات التي تقرأ في هذا الكتاب، يشعر قارئها كأنما يقرأ (مواقف العضد) أو (مقاصد السعد) وما ضارعهما، فلقد بسط الشيخ الكلام في القضاء والقدر، والحسن والقبح، والصلاح والأصلح، والثواب والعقاب، بل نجده كثيرًا ما يحاول أن يتعقب ما قاله العلماء، وإن كان بعيدًا عن موضوع الآية، ليرده، بنقضٍ أو معارضة، وهو في هذا كله شديد الوطأة في حكمه، وبخاصة على الأشاعرة الذين يحلو له أن يسميهم بالجبريين، كما يسميهم المعتزلة، ونظرة في تفسير الشيخ تطلعنا على كثير من هذا، بل على كثير مما لم يدر في خلد أحد أن يقوله الشيخ، ولا بد أن نستعرض نماذج من تفسيره توضح ما ذهبت إليه:\nأ- يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] من سورة النساء (١): (وما أخطأ كثير من العلماء في فهم كثير من الآيات، إلا لذهولهم عن مقارنة الآيات المتناسبة بعضها ببعض، واستبدالهم بذلك تحكيم الاصطلاحات والقواعد التي وضعها علماء مذاهبهم، وإرجاع الآيات إليها وحملها عليها، فهذا يستشكل نفي الظلم عن الله ﷿، لأن العبيد لا يستحقون عنده شيئًا من الأجر، فيكون منعه أو النقص منه ظلمًا. ثم يجيب عن ذلك بأنه بالنسبة إلى الوعد فهو قد وعد بإثابة المحسن، وأوعد بعقاب المسيء، ثم جعلوا جواز تخلف الوعد أو الوعيد محل بحث وجدال أيضًا، فهذا يقول إن إثابة المحسن، وعقاب المسيء، أمر حسن في ذاته، وموافق\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٥ ص ١٠٧.","vol":"2","page":160},{"text":"للحكمة، فهو واجب عليه تعالى، أو واجب في حقه، كما يجب له كل كمال، ويستحيل عليه كل نقص فقام الآخرون يجادلونهم على لفظ (واجب عليه)، ولعلهم قالوا (يجب له) (١)، فحرفوها، ومهما قالوا فالمقصود واحد، وهو إثبات الكمال لله تعالى وتنزيهه عن النقص، وأكثر الجدل الذي أهلك المسلمين، وفرقهم شيعًا وأذاق بعضهم بأس بعض، كان مبنيًا على المشاحَّة في الألفاظ والاصطلاحات. وكتاب الله ودينه، يتبرأ من ذلك وينهى عنه) (٢).\nب - وكذلك عند قول الله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] من سورة الأنعام، يقول: (ومن المباحث الكلامية في الآية قول الأشعرية (إن الثواب كله بفضل الله تعالى، ولا يستحق أحد من المحسنين منه شيئًا) وقول المعتزلة (إن الثواب هو المنفعة المستحقة على العمل، والتفضل المنفعة غير المستحقة، وإن الثواب يجب أن يكون أعظم من التفضل في الكثرة والشرف، إذ لو جاز العكس أو المساواة، لم يبق في التكليف فائدة، فيكون عبثًا قبيحًا. ومن ثم قال الجبائي وغيره يجب أن تكون (العشرة الأمثال) في جزاء الحسنة تفضلًا، والثواب غيرها وهو أعظم منها، وقال آخرون: يجوز أن يكون أحد العشرة هو الثواب، والتسعة تفضل، بشرط أن يكون الواحد أعظم وأعلى شأنًا من التسعة، ونقول: إن هذه النظريات كلها ضعيفة ولا فائدة فيها، وإذا كان التفضل ما زاد وفضل على أصل الثواب المستحق بوعد الله تعالى وحكمته وعدله، فأي مانع أن يزيد الفرع على الأصل، وهو تابع له، متوقف عليه وإنما كان يكون الثواب حينئذ عبثًا، على تقدير التسليم، لو كان التفضل يحصل بدونه فيستغني به، عنه كما هو واضح) (٣).\n_________\n(١) وهذه تعطينا صورة عن مقدار عدم ثقته بآراء الأشاعرة وموقفهم من المعتزلة.\n(٢) تفسير المنار (٥/ ١٠٧).\n(٣) تفسير المنار جـ ٨ ص ٢٣٦.","vol":"2","page":161},{"text":"وبعد هذا التقعيد الذي جعله حلًا لهذه الخلافات، لم يكتف الشيخ بهذا، بل يتعقب الرازي في إشكالات أوردها هذا الأخير وأجاب عليها، ليضعف ما قال، وسأكتفي بواحد منها دون أن أناقشه في تخطئته للرازي ورده عليه. فهذا لا يهمني هنا، وإن كانت مناقشته -في رأيي-، أمرًا لا يسلم له.\nقال الشيخ: (وقد أورد الرازي في تفسير الآية إشكالات شرعية، وأجاب عنها أجوبة ضعيفة، قال- الأول: كفر ساعة كيف يوجب عقاب الأبد على نهاية التغليظ (جوابه) أنه كان الكافر على عزم أنه لو عاش أبدًا لبقي على هذا الاعتقاد أبدًا، فلما كان ذلك العزم مؤبدًا، عوقب عقاب الأبد، خلاف المسلم المذنب، فإنه يكون على عزم الإقلاع عن ذلك الذنب، فلا جرم، كانت عقوبته منقطعة.\nونقول في الرد عليه:\nأولًا: إننا لا نسلم أن كل كافر يعزم أو يخطر بباله العزم المذكور، ولا سيما من عرضت له عقيدة أو فعلة مما عدوّه كفرًا، ساعة من الزمان ومات عليها. والكفر عند المتكلمين والفقهاء، لا ينحصر في جحود العناد، وربما كان أكثر الكفار يعتقدون أنهم مؤمنون ناجون عند الله تعالى.\nثانيًا: إن كون العقاب الأبدي على العزم المذكور يحتاج إلى نص، والعقل لا يوجبه، بل لا يوجب عند الأشعرية حكمًا ما من أحكام الشرع. وهذا الإشكال لا يرد على ما جرينا عليه هنا، تبعًا لما وضحناه مرارًا، من كون الجزاء على قدر تأثير الاعتقاد والعمل في النفس.\nثالثًا: قد تنصل بعض العلماء من هذا الإشكال، بمثل ما نقلناه في تفسير ﴿خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، وهو يرجع إلى قولين:\nأحدهما: نفي كون العذاب أبديًّا لا نهاية له.","vol":"2","page":162},{"text":"ثانيهما: تفويض الأمر فيه إلى حكمة الله تعالى وعلمه (١).\nجـ - وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] من سورة الأنعام، يعقد فصلًا طويلًا يتكلم فيه عن الموضوعات التالية: - منشأ خلاف الفرق في الخلق والتقدير والجبر ... التوفيق والخذلان واختيار الإنسان ... الرد على المتكلمين كالجبرية والقدرية ... مناظرة الأشعري لشيخه الجبائي. رد الرازي على أبي الحسن البصري، تنابز الأشاعرة والمعتزلة بالألقاب، نظريات المتكلمين ومذهب السلف، الوجوب على الله، مذهب المعتزلة في الوجوب وتشويه الأشاعرة له، نقل المخالف مناظرة الأشعري للجبائي، علم الكلام بدعة عند السلف، المذهب الوسط بين القدرية والجبرية، القول الوسط في مسألة الحسن والقبح. مسألة أفعال العباد وأفعال البارى. سؤال العباد ربهم عن أفعاله وأحكامه، ترتب الجزاء على العمل بعدل الله وفضله، رد نظريات في مناظرة الأشعري للجبائي. سنن الله وقدره في الأعمار والأعمال. تضليل متعصبي الفرق بعضهم بعضًا بلازم المذهب.\nثم يقول في آخره: (وجملة القول أن كلا من الفريقين قصد تنزيه الله تعالى عما لا يليق به، ووصفه بالكمال الذي لا يعقل معنى الألوهية والربوبية بدونه، فبالغ بعضهم في الإثبات، وبعضهم في النفي، والوسط بين ذلك، وقول الرازي وأمثاله من غلاة الأشعرية في هذا المقام، أبعد عن الصواب وعن\n_________\n(١) أطال الشيخ الكلام في هذه المسألة، ونقل كثيرًا عن ابن القيم، وتبعه فيما ارتآه، مع أن الأستاذ أبا زهرة، ذكر في بحث له عن العقيدة في القرآن، كتبه لمجمع البحوث، أن ابن القيم رجع عن قوله هذا في عدم خلود النار. وعجبًا من الشيخ رشيد -﵀- ينعى على العلماء ما ذكروه من آراء لا تعجبه، ويصفهم بالمقلدين، وها هو يقلد ابن القيم في قوله بعدم خلود أهل النار مع أن إجماع العلماء غير هذا، وما أجمل أن يكون الإنسان متزنًا في حبه وبغضه. نسأل الله أن يمنّ علينا يالسداد في الرأي إن ربي قريب مجيب، إن ربي سميع الدعاء.","vol":"2","page":163},{"text":"مذهب السلف ويمكن أن يستنبط من لوازم رأيهم، مثل ما استنبطوا من رأي خصومهم في التشنيع أو أشد، بل وجد من فعل ذلك، والحق أن هذه ليست لوازم مقصودة لمذهب هؤلاء ولا هؤلاء، والجمهور على أن لازم المذهب ليس بمذهب وإن كان لا يظهر على إطلاقه ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] (١). وهذه الكلمات الأخيرة من الشيخ رشيد كلمات طيبة أثابه الله عليها، لكن ليته لم يغال فيما ذهب إليه، وقد نعى على الآخرين أنهم يغالون.\nد- وهكذا نجد الشيخ يتعقب كل ما فيه خلاف، ليفيض القول فيه، كأنما في ذلك متعة له، فهو حريص كل الحرص على أن يدلي بدلوه في كل مسألة، وأن يصدع برأيه دون أن يبالي بمخالفيه، فعند قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩]، يذكر آراء العلماء في الجمع بين استغاثة الرسول ﵌، ووعد الله له بالنصر، فيرد ويعقِّب ويخطِّئ، وعند ذكر الإمداد بالملائكة يرى خلافًا للجمهور، موافقًا (الأصم) الذي نقل عنه، بأن الملائكة لم تقاتل يوم بدر.\nعلى أنني أسجل هنا سعة اطلاع الشيخ كأنَّما هو دائرة معارف، وإنّك لتعجب وأنت تقرأ تفسيره وتحقيقاته في قضايا اللغة والفقه والعقيدة وغيرها.\nوما دمنا نتحدث عن مناقشته للمتكلمين فيطيب لي أن أنقل للقارئ الكريم رأيه في أمر البعث، أهو لهذه الأجسام كما هي، أي أيحيي الله هذا الجسم نفسه؟ .\nالقضية فيها اختلاف بين العلماء، ولقد استوعبها الشيخ، عند تفسيره قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] فعند تفسيره هذه الجملة الأخيرة يطيل النفس\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٨ ص ٦٢.","vol":"2","page":164},{"text":"وهو يتحدث عن البعث وآراء العلماء فيه مبينًا ما يراه، وهو كلام رأيت أن أتحفك به أيها القارئ الكريم مع ما فيه من طول نفس كما قلت، فاصبر على قراءته وأفدِ منه، فإن فيه خيرًا كثيرًا. يقول:\n﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أي مثل هذا الإخراج لأنواع النبات من الأرض الميتة بإحيائها بالماء نخرج الموتى من البشر وغيرهم. فالقادر على هذا قادر على ذاك. لعلكم تذكرون هذا الشبه فيزول استبعادكم للبعث الذي عبرتم عنه بقولكم: من يحيي العظام وهي رميم؟ أئذا متنا وكنا ترابًا وعظامًا أننا لمبعوثون؟ أننا لمدينون؟ ذلك رجع بعيد. وأمثال هذه الأقوال الدالة على أن إنكاركم لا منشأ له إلا ما تحكمون به بادي الرأي من امتناع خروج الحي من الميت، ذاهلين عن خروج النبات الحي من الأرض الميتة، وعن عدم الفرق بين حياة النبات وحياة الحيوان، في خضوعها لقدرة الرب الخالق لكل شيء، فوجه الشبه في الآية هو إخراج الحي من الميت، والحي في عرفهم يعرف بالنماء والتغذي كالنبات، وبالحس والتحرك والإدراك كالحيوان.\nفإن قيل إن العلم قد أثبت أن الحي لا يولد إلا من حي سواء في ذلك النبات والحيوان بأنواعه من أدنى الحشرات إلى أعلاها، فالنباتُ الذي يخرج من الأرض القفراء بعد سقيها بالماء، لا بد أن يكون له بذور أو جذور فيها حياة كامنة لا تظهر من مكمنها إلا بالماء، كما أن البيوض التي يتولد منها الحيوان -أدناها كالصئبان وبذور الديدان، وأوسطها كبيض الطير والحيات، وأعلاها كبيوض الأرحام- كلها ذات حياة لا تنتج إلا بتلقيح ماء الذكور لها؟\nقلنا إن هذه الحياة لم تكن معروفة عند واضعي اللغة فهي اصطلاح جديد، وأهل اللغة خوطبوا بعرفهم في الحياة والموت ففهموا، بل إن قول هؤلاء العلماء لا ينفي صحة خروج النبات الحي من الأرض الميتة، فلولا تغذى البذور والجذور بمواد الأرض الميتة بسبب الماء لما نبتت، على أن بعض المتكلمين والمفسرين","vol":"2","page":165},{"text":"قالوا إن الإنسان يبلى كله إلا عجب الذنب، وهو أصل الذنب المسمى بالعصعص، أو رأس العصعص، فهو كنواة النخلة تبقى فيه الحياة كامنة بعد فناء الجسم، وإن الله تعالى ينزل من السماء ماء فينبت الناس من عجب الذنب كما ينبت البقل. فهؤلاء يرون أن ذلك المطر يفعل فيه ما يفعل هذا المطر في الحب والنوى، وليس لهذا القول أصل صريح (١) يعد حجة قطعية في مسألة اعتقادية غير معقولة المعنى كهذه ولكن ورد في الآحاد من حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما ما يثبت بقاء عجب الذنب قال -ﷺ- (ما بين النفختين أربعون ... ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب الذنب فيه يركب الخلق) هذا لفظ البخاري للمرفوع. وزاد مسلم بعد قوله أربعون (ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل (قال) وليس من الإنسان شيء لا يبلى إلا عظمًا واحدًا وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة، وهو غير صريح فيما تقدم، ولكن جاء في تفسيري الثعلبي وابن عطية عن أبي هريرة: أن بين النفختين أربعين عامًا، يرسل الله فيها على الموتى مطرًا كمني الرجال من ماء تحت العرش يسمى ماء الحيوان، فينبتون من قبورهم بذلك المطر، كما ينبت الزرع من الماء ثم ينفخ فيهم الروح عند النفخة الثانية، بالنفخة الأولى لا يصح فيه شيء مرفوع عنه ولا عن غيره، ويعارضه كون الأرض تصير بالنفخة الأولى كما يأتي قريبًا هباء منبثا، وهذا قطعي وهو يعارض المرفوع أيضًا، فإن لم يمكن الجمع بينهما كان ذلك مطعنًا في صحة الحديث.\nوقد اختلف العلماء في حديث الشيخين نفسه فأخذ به الجمهور على إطلاقه وإجماله، وأول بعضهم كون عجب الذنب لا يبلى بطول بقائه لا أنه لا يفنى مطلقًا، ذكره الحافظ في شرحه للحديث من الفتح، وفوض بعضهم معناه وسره\n_________\n(١) يستدرك الشيخ رشيد هنا في الحاشية فيقول:\nفي الطبعة الأولى أنه ليس له أصل صحيح من الكتاب والسنة وهو سهو غريب منه ونسيان لحديث الشيخين الذي كنا قرأناه مرارًا ولذلك استدركنا عليه بالتفصيل الآتي.","vol":"2","page":166},{"text":"إلى الله تعالى وخالف الإمام المُزني صاحب الشافعي فقال بفنائه كما قال صاحب الجوهرة.\nعجب الذنب كالروح لكن صححا ... المزني للبلى ورجحا\nوإنما يقال لأهل العلم بالنبات وبالحياة النباتية والحيوانية: إنكم تقولون بأن الأرض كانت كرة نارية ملتهبة. وإن الأحياء الأولى وجدت فيها بالتولد الذاتي الذي انقطع بعد ذلك بتسلسل الأحياء، لأن طبيعة الأرض لم تبق مستعدة له كما كانت، وهي قريبة العهد بالتكوين، وقد نطق القرآن الحكيم بأن الأرض تفنى بتفرق مادتها، ثم يعيدها الله كما بدأها، قال تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَال بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٤ - ٦] فهذه الرجة هي التي سماها في سور أخرى بالقارعة والصاخة، والمعقول أن كوكبًا يقرعها باصطدامه بها فتتفتت جبالها وتكون كالهباء المتفرق في الجو، وهو ما يسمونه بالسديم، وقال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ [الأنبياء: ١٠٤] والأشبه أن تشبيه الإعادة بالبدء إنما هو بالإجمال دون التفصيل: فكما خلق الله جسد الإنسان الأول خلقًا ذاتيًا مبتدأ، ثم نفخ فيه الروح -يخلق أجساد جميع أفراد الإنسان خلقًا ذاتيًا معادًا، ثم ينفخ فيها أرواحها التي كانت بها أناسي في الحياة الدنيا، لا أنه يجعلها متسلسلة بالتوالد من ذكر وأنثى كالنشأة الأولى، إذ كانت الأجساد كاللباس للأرواح أو السكن لها، وإذا كان الناس قد بلغوا من علم الكيمياء أن يحللوا بعض المواد المركبة من عناصر كثيرة ثم يركبوها، أفيعجز خالق العالم كله أو يستبعد على قدرته أن يعيد أجساد ألوف الألوف مرة واحدة؟ وأي فرق عنده بين القليل والكثير، وهو على كل شيء قدير؟ .\nعلى أنه قد ثبت عند الروحيين من علماء الكون في هذا العصر، وما قبله أن الله تعالى قد أعطى الأرواح المجردة قدرة على التصرف في مادة الكون بالتحليل والتركيب، وإنها بذلك تركب لنفسها من هذه المادة جسمًا لطيفًا أو كثيفًا تحل فيه","vol":"2","page":167},{"text":"وهو ما يسميه علماؤنا بالتشكل، في تفسير مجيء الملك جبريل النبي -ﷺ- مرة بشكل أعرابي، وأحيانًا في صورة دحية الكلبي، وتمثله للسيدة مريم -صلوات الله وسلامه عليه- بشرًا سويًّا. وإذا كان الماديون لا يصدقون الروحانيين في هذا، فهم لا يستطيعون أن يقولوا إنه مُحال في نفسه. وإنما قصارى إنكارهم أن قالوا إنه لم يثبت عندنا، وإذا كان ممكنًا غير محال أن يكون مما وهب الخالق للمخلوق أفيكون من المحال أن يفعله الخالق ﷿ من غير أن يجعل للأرواح فيه عملًا؟ .\nليس للكفار شبهة قوية على أصل البعث: وكل ما كان يستبعده المتقدمون من أخبار عالم الغيب قد قربه ترقى العلوم الطبيعية إلى العقول والأفهام. حتى قال بعض كبراء الغرب: ليس في العالم شيء محال. ولكن للمتقدمين والمتأخرين شبهة على حشر الأجساد ترد على ظاهر قول جمهور المسلمين إن كل أحد يحشر بجسده الذي كان عليه في الدنيا أو عند الموت لكي يقع الجزاء بعده على البدن الذي اقترف الأعمال.\nوتقرير هذا الإيراد أن هذه الأجساد مركبة من العناصر المؤلفة منها مادة الكون كله، وهي مشتركة، يعرض لها التحليل والتركيب، فتدخل الطائفة منها في عدة أبدان على التعاقب، فمن الإنسان والحيوان ما تأكله الحيتان أو الوحوش، ومنها ما يحرق فيذهب بعض أجزائه في الهواء فيتصل كل بخاري -أو غازي- منها بجنسه كبخار الماء وعنصريه، والكربون، وينحل ما يدفن في الأرض فيها ثم يتغذى بكل منهما النبات الذي يأكله بعضه الناس والأنعام فيكون جزءًا من أجسادها، ويأكل الناس من لحوم الحيتان والأنعام التي تغذت من أجساد الناس بالذات أو بالواسطة، فلا يخلص لشخص معين جسد خاص به، بل ثبت أن الأجساد الحية تنحل وتندثر بالتدريج وكلما انحل بعضها بالتبخر وبموت بعض الدقائق الحية يحل محله غيره من الغذاء بنسبة منتظمة من الدم المتحول بحسب سن الله الذي أحسن كل شيء خلقه، فلا يمر بضع سنين على جسد إلا ويتم اندثاره وتجدده فكيف يمكن أن يقال إن كل إنسان وحيوان يحشر بجسده الذي كان في الدنيا؟","vol":"2","page":168},{"text":"وقد أجاب بعض العلماء عن هذا بان للجسد أجزاء أصلية وأجزاء فضلية، والذي يعاد بعينه هو الأصلي دون الفضلة، وجعل بعضهم الأصلي عبارة عن ذرات صغيرة كعجب الذنب الذي ورد أنه كحبة خردل، بل جوز أن تكون هي التي ورد أن الله تعالى أودعها في صلب آدم أبي البشر بصورة الذر، كما روي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، الآية- وسيأتي تحقيق معناها وما ورد فيها في تفسير هذه السورة -وجوز شيخنا الشيخ حسين الجسر في الرسالة الحميدية أن يكون ذلك الذر مما لا يدركه الطرف؛ لتناهي صغره، كالأحياء المجهرية أي التي لا ترى إلا بالمنظار المسمى بالمجهر (الميكروسكوب).\nوقد بينا في غير هذا الموضع أن التزام القول بوجوب حشر الأجساد التي كانت لكل حي بأعيانها لأجل وقوع الجزاء عليها غير لازم لتحقيق العدل، فجميع قضاة العالم المدني في هذا العصر يعتقدون أن أبدان البشر تتجدد في سنين قليلة، ولا يوجد أحد منهم ولا من غيرهم من العقلاء يقول إن العقاب يسقط عن الجاني بانحلال أجزاء بدنه التي زاول بها الجناية وتبدل غيرها بها، فما لم يكن عندنا نص صريح من القرآن أو الحديث المتواتر على بعث الأجساد بأعيانها فما نحن بملزمين قبول الإيراد وتكلف دفعه، فإن حقيقة الإنسان لا تتغير بهذا التبدل فقد تبدلت أجسادنا مرارًا ولم تتبدل بها حقيقتنا ولا مداركنا، ولا تأثير الأعمال التي زاولناها قبل التبدل في أنفسنا، بل لم يكن هذا التبدل إلا كتبدل الثياب كما بيناه من قبل، وقد قال بعض أعلام المتكلمين بمثل هذا ولم تكن المسألة الأخيرة معلومة في عصرهم، قال السعد التفتازاني في شرح المقاصد -وهو أشهر كتب الكلام في التحقيق- بعد بيانه لما قاله الغزالي في إثبات كون الحشر والمعاد للروح والجسد جميعًا ما نصه: (نعم ربما يميل كلامه وكلام كثير من القائلين بالمعادين إلى أن معنى ذلك أن يخلق الله تعالى من الأجزاء المتفرقة لذلك البدن بدنًا، فيعيد إليه نفسه المجردة الباقية بعد خراب البدن ولا يضرنا كونه غير البدن","vol":"2","page":169},{"text":"الأول بحسب الشخص، ولا امتناع إعادة المعدوم بعينه، وما شهدت به النصوص من كون أهل الجنة جردًا مردًا وكون ضرس الكافر مثل جبل أحد يعضد ذلك، وكذا قوله ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، ولا يبعد أن يكون قوله تعالى ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١]، إشارة إلى هذا.\n(فإن قيل) فعلى هذا يكون المثاب والمعاقب باللذات والآلام الجسمانية غير من عمل الطاعة، وارتكب المعصية (قلنا) العبرة في ذلك بالإدراك، وإنما هو للروح ولو بواسطة الآلات وهو باق بعينه، وكذا الأجزاء الأصلية من البدن ولهذا يقال للشخص من الصبا إلى الشيخوخة إنه هو بعينه وإن تبدلت الصور والهيئات، بل كثير من الآلات والأعضاء ولا يقال لمن جنى في الشباب فعوقب في المشيب إنها عقوبة لغير الجاني.\n(قال) (لنا أن المعتمد في إثبات حشر الأجساد دليل السمع، والمفصح عنه غاية الإفصاح من الأديان دين الإسلام، ومن الكتب القرآن، ومن الأنبياء محمد ﵇، والمعتزلة يدعون إثباته بل وجوبه بدليل العقل -وتقريره إنه يجب على الله ثواب المطيعين، وعقاب العاصين، وإعراض المستحقين، ولا يتأتى ذلك إلا بإعادتهم بأعيانهم فيجب، لأن ما لا يتأتى الواجب إلا به فهو واجب، وربما يتمسكون بهذا في وجوب الإعادة على تقرير الفناء، ومبناه على أصلهم الفاسد في الوجوب على الله تعالى، وفي كون ترك الجزاء ظلمًا لا يصح صدوره من الله تعالى مع إمكان المناقشة في أن الواجب لا يتم إلا به، وأنه لا يكفي المعاد الروحاني، ويدفعون ذلك بأن المطيع والعاصي هي هذه الجملة أو الأجزاء الأصلية لا الروح وحدها، ولا يصل الجزاء إلى مستحقه إلا بإعادتها.\n(والجواب) أنه إن اعتبر الأمر بحسب الحقيقة فالمستحق هو الروح؛ لأن مبنى الطاعة والعصيان على الإدراكات والإرادات والأفعال والحركات، وهو المبدأ للكل، وإن اعتبر بحسب الظاهر، يلزم أن يعاد جميع الأجزاء الكائنة من أول","vol":"2","page":170},{"text":"التكليف إلى الممات ولا يقولون بذلك فالأولى التمسك بدليل السمع.\n(وتقريره أن الحشر والإعادة أمر ممكن أخبر به الصادق فيكون واقعًا، أما الإمكان فلأن الكلام فيما عُدم بعد الوجود أو تفرق بعد الاجتماع أو مات بعد الحياة فيكون قابلًا لذلك، والفاعل هو الله القادر على كل الممكنات. العالم بجميع الكليات والجزئيات. وأما الأخبار فلما تواتر عن الأنبياء سيما نبينا ﵇ أنهم كانوا يقولون بذلك، ولما ورد في القرآن من نصوص لا يحتمل أكثرها التأويل مثل قوله تعالى ﴿قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ - ٨٣] ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (٣) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (٤)﴾ [القيامة: ٣ - ٤] ﴿وَقَالوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤] ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات: ٩] إلى غير ذلك من الآيات ومن الأحاديث أيضًا (وهي) كثيرة بالجملة فإثبات الحشر من ضروريات الدين وإنكاره كفر بيقين.\n(فإن قيل) الآيات المشعرة بالمعاد الجسماني ليست أكثر وأظهر من الآيات المشعرة بالتشبيه والجبر والقدر ونحو ذلك، وقد وجب تأويلها قطعًا فلنصرف هذه أيضًا إلى بيان المعاد الروحاني، وأحوال سعادة النفوس وشقاوتها بعد مفارقة الأبدان على وجه يفهمه العوام. فإن الأنبياء مبعوثون إلى كافة الخلائق لإرشادهم إلى سبيل الحق، وتكميل نفوسهم بحسب القوة النظرية والعملية، وتبقية النظام المفضي إلى صلاح الكل، وذلك بالترغيب والترهيب بالوعد والوعيد، والبشارة بما يعتقدونه لذة وكمالًا والإنذار عما يعتقدونه ألمًا ونقصانًا. وأكثرهم عوام تقصر عقولهم عن فهم الكمالات الحقيقية. واللذات العقلية، وتقتصر على ما ألفوه من","vol":"2","page":171},{"text":"اللذات والآلام الحسية، وعرفوه من الكمالات والنقصانات البدنية، فوجب أن تخاطبهم الأنبياء بما هو مثال للمعاد الحقيقي، ترغيبًا وترهيبًا للعوالم، وتميمًا لأمر النظام. وهذا ما قاله أبو نصر الفارابي: إن الكلام مُثُل وخيالات للفلسفة.\n(قلنا) إنما يجب التأويل عند تعذر الظاهر، ولا تعذر ههنا، سيما على القول بكون البدن المعاد مثل الأول لا عينه، وما ذكرتم من حمل كلام الأنبياء ونصوص الكتاب على الإشارة إلى مثال معاد النفس، والرعاية لمصلحة العامة، نسبة للأنبياء إلى الكذب فيما يتعلق بالتبليغ، والقصد إلى تضليل أكثر الخلائق، والتعصب طول العمر لترويج الباطل وإخفاء الحق؛ لأنهم لا يفهمون إلا هذه الظواهر التي لا حقيقة لها عندكم. نعم لو قيل إن هذه الظواهر مع إرادتها من الكلام وثبوتها في نفس الأمر، مثل للمعاد الروحاني، واللذات والآلام العقلية، وكذا أكثر ظواهر القرآن على ما يذكره المحققون من علماء الإسلام لكان حقًّا لا ريب فيه، ولا اعتداد بمن ينفيه أ. هـ. كلام التفتازاني.\nومن تأمل هذا من أهل عصرنا تظهر له دقة أفهام هؤلاء المتكلمين الذين صوروا الشبهة بنحو مما يؤخذ من أحدث ما قرره علماء هذا العصر في علم الكيمياء وغيره وأجابوا عنها بما يغني عن جواب آخر، وما قاله الفارابي وأمثاله فهو كأكثر فلسفتهم فيما وراء الطبيعة جهل بحقيقة الإنسان، وضلال في تأويل الأديان، فالإنسان روح الجسد، وكماله بحصول لذاته الروحية والجسدية جميعًا ولا تنافي بنيهما، ولو كان روحانيًا محضًا لكان ملكًا أو شيطانًا، ولم يكن إنسانًا وقد سبق لنا بيان هذه الحقيقة مرارًا.\nوأما القول بالأجزاء الأصلية والأجزاء الفضلية فهو لا يدفع الشبهة، ولا تقوم به حجة، وتفسير الأجزاء الأصلية بالذر أو ما يشبهه الذي ورد أن الله جعله في صلب آدم وأخذ عليه الميثاق فهو غير ظاهر في هذا المقام إذ لا يصح أن تكون هذه الجراثيم المشبهة بالذر من أجزاء الجسد الظاهرة التي يعنيها من يقولون بحشر هذه","vol":"2","page":172},{"text":"الأجساد بأعيانها.\nولكن لهذه المسألة وجهًا آخر من النظر العلمي، وهو هل خلق الله للبشر في التكوين الأول جراثيم حية تتسلسل في سلائلهم التناسلية؟ فإن مسألة أصول الأحياء كلها من أخفى مسائل الخلق، والقاعدة المبنية على التجارب والمباحث الكثيرة أن كل حي يوجد في الأرض في حالها هذه فهو من أصل حي كما تقدم، وإن كل أصل من جراثيم الأحياء الحيوانية والنباتية يندمج فيه جميع مقوماته ومشخصاته التي يكون عليها إذا قدر له أن يولد وينمى ويكمل خلقه، فنواة النخلة مشتملة على كل خواص النخلة التي تنبت منها حتى لون بسرها وشكله ودرجة حلاوته عندما يصير رطبًا فتمرًا، ولا يعلم أحد من البشر كيف وجدت هذه الأصول والجراثيم في التكوين الأول، سواء منهم القائلون بخلق الأنواع دفعة واحدة والقائلون بالخلق التدريجي على قاعدة النشوء والارتقاء، إلا أن لهؤلاء نظرية في تصوير التكوين الأول من مادة زلالية مكونة عن عناصر مختلفة لها قوى التغذي والانقسام والتوالد في وقت كانت طبيعة الأرض فيها غير طبيعتها في هذا الزمن وما يشبهه منذ ألوف الألوف من السنين، ولكن كيف صار لما لا يحصى من أنواع النبات والحيوان الدنيا والوسطى والعليا جراثيم مشتملة على ما أشرنا إليه من الخواص والأسرار لا تتولد إلا منها؟ إنهم ليسوا على علم صحيح بهذا ولا بما قبله. ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١].\nأطال شيخنا حسين الجسر رحمه الله تعالى في المسألة فأثبت أنها من الممكنات، إذ لا محال في إبداع الملايين الكثيرة من النسم في ظهر آدم، وقد ثبت عند علماء هذا العصر أن في نقطة الماء من الجراثيم الحية بعدد جميع من على الأرض من البشر، وارتأى أن مستودعها من آدم كان في منيه (وإنها كانت تخرج منه بالوقاع (قال) (فتحل في البزور التي تنفصل من مبيض زوجته، فيكون هياكلها من تلك البزور مع السائل المنوي، ويطورها أطوارًا، حتى تبلغ صورة الهيكل","vol":"2","page":173},{"text":"الإنساني، وأول ذرة من أولاده نقلها إلى بزرتها، نقل معها عدد الذرات التي تكون أولادًا لها، ثم ينقل تلك الذرات في المني الذي ينفصل فيما بعد عن هيكل هذه الذرة الأولى (وهكذا الحال في بقية أولاده وأولادهم، يفعل على تلك الكيفية إلى آخر الدهر ... وعند بلوغ كل هيكل إلى حد محدود يرسل الله تعالى الروح فتحل في ذرتها، وتسري فيها وفي هيكلها الحياة والحركة، فكل إنسان هو مجموع الروح والذرة، وهذه الذرة هي الأجزاء الأصلية التي قال بها اتباع محمد -ﷺ-، وأنها الباقية مدة العمر، وهي المعادة بإعادة الروح إليها بعد أن تفارقها بالموت، والهيكل هو الأجزاء الفضلية التي تروح وتجيء وتزيد وتنقص، فإذا أراد الله تعالى موت الإنسان فصل عن ذرته الروح ففارقتها الحياة وفارقت الهيكل الذي هو الأجزاء الفضلية وحلمها الموت فيأخذ الهيكل بالانحلال، ويجري عليه من التفرق والدخول في تركيب غيره ما يجري، والذرة محفوظة بين أطباق الثرى، كما تحفظ ذرات الذهب من البلى والانحلال، وإن دخلت في تركيب حيوان، فإنما تدخل في تركيب هيكله الذي هو الأجزاء الفضلية محفوظة غير منحلة. فإذا انحل ذلك الهيكل، عادت محفوظة في أطباق الثرى، ولا تدخل في تركيب الأجزاء الأصلية لذلك الحيوان التي هي حقيقته، غاية ما يطرأ عليها بالموت مفارقة الروح لها، وانحلال هيكلها، وإذا أراد الله تعالى حياتها أعاد الروح إليها، فتعود إليها الحياة وبقية خواصها وإن كان هيكلها منحلًا.\nومن هنا تنحل شبه سؤال القبر ونعيمه وعذابه وأمثال ذلك من أمور البرزخ التي وردت النصوص الشرعية بها، وأنها تكون قبل البعث.\nثم إذا أراد الله تعالى أن يبعث الخلق للحساب، أعاد تكوين هياكل الذرات الإنسانية، التي هي الأجزاء الفضلية، سواء كانت هي الأجزاء السابقة أو غيرها -إذ المدار على عدم تبدل الذرات، وأحل الذرات في تلك الهياكل وبتعلق الروح بها تقوم فيها وفي هياكلها الحياة، ويقوم البشر في النشأة الآخرة كما كانوا في هذه","vol":"2","page":174},{"text":"الدار، وجميع ما تقدم يمكن أن يكون حاصلًا في بقية الحيوانات غير الإنسان في جميع تفصيله).\nثم ضرب للماديين الأمثال المقربة لذلك بأنواع جنة الأحياء الخفية (الميكروبات) وحياتها في الماء وغيره، على كثرتها، بنظام غريب، ودخول المرضية منها في أجساد المرضى وسريانها في دورة الدم، وبالحيوانات المنوية منها في المني الذي ينفصل من الأنثيين ويلقح بذور الأنثى -وقال بعد تلخيص ما قالوه في صفتها وقدرها وحركتها - فأي مانع أن تلك الحيوانات المنوية جعلها الخالق تعالى تحمل ذرات بني آدم التي هي أصغر منها، وتسير بها في السائل المنوي حتى تلقيها في البزور المنفصلة من مبيض الأم؟ ... ثم علل بهذا كون الإنسان ينتقل من الأب إلى الأم خلافًا لقولهم: إن الإنسان من بزرة أمه وليس لأبيه منه إلا مجرد التلقيح.\nثم ذكر عمل القلب وتعليلهم لحركته المنتظمة، واستظهر أنه هو مركز الذرة الإنسانية، وأنها بحلول الروح فيها تتحرك تلك الحركة المنتظمة التي تنشأ عنها دورة الدم، وبعد إيضاح ذلك قال:\n(وخلاصة ما تقدم: أن الإنسان الحقيقي على هذا التقرير هو الذرة التي تحل في القلب، وتحل فيها الروح، فتكسبها الحياة، وتسري الحياة إلى الهيكل، ثم الهيكل إنما هو آلة لقضاء أعمال تلك الذرة في هذا الكون ولاكتساب معارفها بسببه، وتلك الذرة مع الروح الحالة فيها هي المخاطب بالتكليف والمعاد والمنعم والمعذب - إلى آخر ما ورد في حق الإنسان.\n(وعلى هذا التقرير نجد أن الشبه التي وردت على ما جاء في الشريعة المحمدية من البعث وسؤال القبر ونعيمه وعذابه وحياة بعض البشر في قبورهم ونحو ذلك سقطت برمتها كما يظهر بالتأمل الصادق والله أعلم).\nثم أورد على هذا أن بعض النصوص صريحة في إعادة الهيكل الإنساني أو بعضه كالعظام -كما تقدم مثله عن السعد- وأجاب بأن هذه النصوص وردت لدفع","vol":"2","page":175},{"text":"إشكالات أخرى كانت تعرض لأفكار أهل الجاهلية في إعادتها، إذ عند ذكر البعث لا تنصرف أفكارهم إلا إلى إعادة هذا الهيكل المشاهد لهم، فيقولون كيف تعود الحياة للعظام بعد أن تصير رميمًا؟ فتدفع هذه النصوص إشكالاتهم بقدرة الله الشاملة وعلمه المحيط (قال): وهذا لا ينافي التوجيه الذي تقدم في إعادة الأجزاء الأصلية التي هي الذرات لتدفع به الإشكالات الأخرى التي تقدمت فليتأمل أ. هـ. ثم صرح بأنه لا يقول إن ما حرره مما يجب اعتقاده، وإنما هو لدفع الإشكال عمن يعرض له.\nفهذا ملخص رأيه رحمه الله تعالى وغايته أنه مبني على تأويل بعض الآيات كغيره. وليس فيه إلا محاولة الجمع بين ما ورد في خلق ذرية آدم وقول من قال بالفرق بين الأجزاء الأصلية والفضلية، وهو تكلف لا حاجة إليه ولا يمكن أن يكون المراد بالأجزاء الأصلية لكل فرد ذرة حية في بدنه كالأجنة التي لا تري في الماء والدم وغيرهما بغير المنظار المكبر (المجهر).\nنعم إنه يجوز عقلًا أن يحمل الحيوان المنوي الذي يلقح بويضة المرأة في الرحم ذرة حية هي أصل الإنسان، كما يجوز أن يكون هذا الحيوان المنوي نفسه هو الذي ينمى في البويضة ويكون إنسانًا، وأن يكون أصله ما يتولد من ازوداج خليته بخليتها كما سيأتي، وأيها كان أصل الإنسان فإنما يكون كذلك بكبره ونمائه، كما تكون نواه الشجرة شجرة باسقة مثمرة، وبذلك يكون الفرع عين الأصل، فلا يكون له أصل آخر بشكل مصغر في هذا الهيكل، لا في القلب ولا في المني. وإنما قد يكون في هيكله أصل وأصول لأناسي آخرين يكونون فروعًا إذا أراد الله ذلك، كما يكون للنخلة النابتة من النواة نوي كثيرة يمكن أن ينبت منها نخل كثير.\nوأما المعروف عند علماء العصر في هذا الشأن فهو أن سر حركة القلب، وإن كان لا يزال مجهولًا، فمن المعلوم أن الدم الوارد منه إلى الخصيتين هو الذي يغذيهما وبتغذيتهما به تنقسم خلاياهما، فتتولد الحيوانات المنوية من انقسامها، وتلك سنة الله في جميع الأحياء، تتغذي وتنمى بالتوالد الذي يكون من انقسام","vol":"2","page":176},{"text":"الخلايا التي تتكون بنيتها منها، ومن غريب صنع الله الذي أتقن كل شيء، أن في كل خلية من خلايا الأجساد الحية نويتين (تصغير نواة) صغيرتين تتولد الخلية الجديدة باقترانهما، فسنة الزواج عامة في أنواع الأحياء وفي دقائق بنية كل منها كما قلنا في المقصورة:\nوسنة (١) الزواج في النتاج بل ... كل تولد تراه في الدنا\nفاجتله في الحيوان ناطقًا ... وأعجمًا وفي النبات المجتنى\nبل كل ذرة بدت في بنية ... زاد بها الحي امتدادًا ونمى (٢)\nخلية تقرن في غضونها ... نويتان فإذا الفرد زكا (٣)\nوالحيوانات المنوية تتولد من الخلايا المبطنة بها الخصية من داخلها، بسبب تغذية الدم لها، ولا مانع من وجود سبب خفي لذلك الدم، كذرات حية، لا ترى في المناظير المكبرة المعروفة الآن، فهم يقولون بأنه لا يبعد أن يوجد مناظير أرقى منها يرى فيها من أنواع هذه الأجنة المسماة بالبكتيريا ما لا يرى الآن.\nوهم يقولون إن الحيوان المنوي له خلية واحدة وله رأس وجسم وذنب: ورأسه هو نواة الخلية، وهو سريع الحركة شديد الاضطراب، ويتولد من عهد بلوغ الحلم لا قبله، فإذا وصلت هذه الحيوانات إلى رحم الأنثى مع المني الذي يحمله إليه تبحث بطبيعتها عن البويضة التي فيه، فالذي يعلق بها يدخل رأسه فيها، وهي مثله ذات نواة أو نوية واحدة فيحصل التلقيح باقتران النويتين.\nويقولون إن بويضات النسل تكون في البنت من ابتداء خلقها، فتولد وفيها ألوف منها معدودة لا تزيد، ويظنون أنها تسقط منها في زمن الطفولة، ثم تتكون فيها بويضات النسل بعد البلوغ بسبب دم الحيض، ذلك بأن في داخل الرحم عضوين\n_________\n(١) سنة مجرورة بالعطف على ما قبلها من ذكر سنن الله في الخلق [تعليق للشيخ رشيد].\n(٢) نمى ينمى بوزن رمى أفصح من نما ينمو [تعليق للشيخ رشيد].\n(٣) الزكا الزوج والشفع [تعليق للشيخ رشيد].","vol":"2","page":177},{"text":"مصمتين يشبهان خصيتي الرجل يسميان المبيضين؛ لأن في داخلهما بويضات دقيقة جدًّا لا ترى إلا بالمناظير المكبرة تكون في حويصلات يقترب بعضها من سطح المبيض رويدًا رويدًا حتى ينفجر، فتخرج منه البويضة إلى بوق الرحم، فتكون مستعدة بذلك لتلقيح الحيوان المنوي لها. وأكثرها يضمر بالتدريج إلى أن يضمحل ولا ينفجر. وإنما ينفجر ما ينفجر منها في زمن الحيض، والمعروف أن كل حيضة تفجر حويصلة واحدة، تكون منها بويضة واحدة في الغالب، وأن ذلك يكون بالتناوب بين المبيضين مرة في الأيمن ومرة في الأيسر، وقد اهتدى أحد الأطباء بالتجارب الطويلة إلى أن البويضة التي تكون في المبيض الأيمن يتولد منها الذكر والتي تكون في المبيض الأيسر تتولد منها الأنثى، وإنه متى عرف بوضع المرأة أول ولد لها متى كان حملها يمكن أن يعرف بعد ذلك دور بويضة الذكر ودور بويضة الأنثى في الغالب، ويكون للزوجين كسب واختيار لنوع المولود إن قدره الله لهما. وقد فصلنا هذه المسألة في تفسير ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٥٩] من سورة الأنعام. وأما التوأمان فسببهما إما انفجار بويضتين فأكثر شذوذًا، وإما اشتمال البويضة الواحدة على نويتين يلقحان معًا، والله أعلم. وقد ذكرنا هذا الاستطراد للاعتبار بقدرة الخالق وسعة علمه ودقائق حكمته بعد توفية مسألة البعث حقها من البحث، وكان المناسب أن يذكر بحث التكوين في سياق خلق آدم في أوائل السورة.\nوما نقلته عن الشيخ يدل على سعة علمه وشمول معرفته، وكثرة اطلاعه على ما كتبه الأقدمون والمحدثون، لا في العلوم الدينية فحسب، بل في العلوم الحديثة كذلك، كما يدل على إنصافه للمتكلمين الأقدمين والمحدثين، يدلنا على هذا ما ذكره عن العلامة الثاني سعد الدين التفتازاني، وعن شيخه صاحب الرسالة الحميدية الشيخ حسين الجسر ﵀، ويدل ثالثًا على ما منحه الله من فكر ثاقب وتفكير عميق، وقوة عارضة في النقاش والحجاج والأخذ والردّ، رحم الله صاحب المنار وأسكنه الدرجات العلى من الجنة، هدانا الله ومنحنا من عظيم فضله وسعة رحمته إن ربي سميع الدعاء.","vol":"2","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>٤ - ابتعاده عن الخرافات والإسرائيليات ووقوعه فيما هو أخطر منها:</span>\nليس غريبًا موقف الشيخ من الإسرائيليات ومحاربته لها، فالذين تأثر بهم الشيخ كابن تيمية وابن القيم، وابن كثير وابن خلدون والشيخ محمد عبده، ومن قبل ذلك رجاحة عقله ودقة حكمة على الأمور، كل هؤلاء العلماء عقدوا ألوية لمحاربة الخرافات والإسرائيليات، وجردوا لذلك أقلامهم وحججهم من المعقول والمنقول، لكن رشيدًا كان أكثرهم عنفًا، وأقواهم شكيمة، لذا نجده لا يدع فرصة تمر إلا وينبه فيها على هذه الإسرائيليات وخطرها، والحق أنه كان لها أعظم الخطر، وأسوأ الأثر على المسلمين، بانصرافهم إليها، وعلى الإسلام بقصد تلويث نبعه الصافي، وهي تكثر في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبخاصة قصة موسى ﵊.\nلقد سكت القرآن عن كل ما ليس فيه عبرة للمسلمين، فلم يبين مثلًا كيفية فرق البحر لموسى، ولا بعض البقرة الذي ضرب به الميت، ولا عدد الألواح التي أخذها موسى، ولا أنواع الطعام التي أنزلت في المائدة على عيسى ﵇، ولا وسيلة إغواء إبليس لآدم، ولا هوية الذي أراه الله آياته فانسلخ منها، ولا مقدار الثمن الذي بيع به يوسف، ولا مدة طوفان نوح ونوع سفينته وحجمها، إلى غير ذلك من المسائل الكثيرة التي أجملها القرآن، والتي كثرت حولها الإسرائيليات، والأساطير، وتسربت فيما بعد إلى كثير من كتب التفسير. وجاء صاحب المنار ينبه المسلمين بقوة على وجوب طرح هذه الخرافات وتنقية التفسير منها، لأنها حجاب كثيف يحول بين المسلمين وبين هداية القرآن وحججه الواضحة، ولو أنه وقف عند هذه لأسدى إلى المسلمين خدمات عظيمة جليلة، ولكنه مع الأسف غالى وتطرف وهدم بقدر ما بنى، ودمر أكثر مما جنى، وكان لمغالاته وتطرفه نتائج خطيرة، تكاد تعصف ريحها الصرصر العاتية بقواعد من أصول العقيدة، وأهم هذه النتائج، الطعن في أحاديث أجمعت الأمة على صحتها، والتشكيك في عدالة الصحابة واتهامهم","vol":"2","page":179},{"text":"باستقاء علومهم وأحاديثهم من أهل الكتاب.\nوسأورد بعض الأمثلة التي توضح خطر هذا المسلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>أ- وضعه مقاييس خاصة للحكم على الحديث:</span>\nجاء في صحيح البخاري عند تفسير هذه الآية (١) ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] من سورة البقرة أنه لما قيل لبني إسرائيل ذلك، دخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا حبة في شعيرة، ولكن الشيخ يرفض هذا الحديث ويقول بأنه لا يخلو من علة إسرائيلية (٢).\nكنا نظن ألا يسير الشيخ رشيد، وهو الضليع في علم الحديث، وراء الشيخ محمد عبده في الطعن في هذا الحديث، ولكنه رده مع أنه لا يعارض ولا يتناقض حتى مع مقاييسه التي جعلها ميزانًا لقبول الحديث أو رده، كموافقة القرآن والعقل وسنن الله في الكون وقواعد العلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>ب- ولقد بات سهلًا على الشيخ أن ينكر كل حديث</span>، لا يتفق والمقاييس التي وضعها هو لقبول الحديث أو رده، فرد (٣) حديث أبي هريرة الذي أخرجه مسلم، والذي يقول فيه (أخذ رسول الله -ﷺ- بيدي فقال: خلق الله ﷿ التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد .. الخ).\nومن الإنصاف أن أقرر هنا أن الشيخ قد قال كلامًا طيبًا في تفسير هذه الآية ومن الإنصاف كذلك أن أقول إن حديث التربة الذي أخرجه الإمام مسلم ليس ابن كثير هو أول من وهنه، بل إن الإمام البخاري -﵀- قد طعن في هذا الحديث ورده، وإن كان لنا من مأخذ على الشيخ، فإنما هو مأخذ يتصل بمنهجيته في قبول الحديث أو رده، حتى إن ذلك قد يضطره لمخالفة الإجماع، وهو حينما\n_________\n(١) كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة، قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ ...﴾.\n(٢) تفسير المنار جـ ١ ص ٣٢٥.\n(٣) تفسير المنار جـ ٨ ص ٤٤٩.","vol":"2","page":180},{"text":"يطعن في الصحابة يحمل عليهم حملة ما كنا نرضاها منه، فإذا كان الشيخ يرد بعض الأحاديث لتوهين بعض الحفاظ لها، أو توقفهم فيها فإننا رأيناه قد اخترق حصن إجماع الأمة، لا من حيث رد أحاديث لم تحم حولها من قبل شبهة، وإنما كذلك من حيث نقض هذه القاعدة، وهي كون الصحابة عدولًا، فهو تارة يتهم أبا هريرة وابن عباس بكثرة النقل عن أهل الكتاب من بني إسرائيل، مع أن ابن عباس -﵄- ثبت عنه النهي عن سؤال أهل الكتاب شيئًا كما ورد في صحيح البخاري وقد تقدم هذا من قبل في الجزء الأول \"التفسير اتجاهاته وأساسياته\"، كما تقدم قول الشافعي ﵁، بأنه لم يثبت عن ابن عباس في التفسير إلا نحو مائة حديث. وتارة أخرى يشتط فيختط لنفسه طريقًا عجبًا. إذ يزعم بأن الصحابة رضوان الله عليهم، كانوا ينقلون عن كعب وأضرابه، حتى عن التابعين وينسبونه للرسول -ﷺ-، ويرد على كون الصحابة عدولًا، بأنها أغلبية لا مطردة، وهذا من شأنه أن يعري السنة ورجالها من كل ما يجب لهم من قدسية وتقدير، وأن يكون بعد ذلك كسرًا لباب عظيم من أبواب الإسلام، ليلج منه كل حاقد وطامع وطاعن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>جـ - علامات الساعة:</span>\nوهناك موضوع جدير بالبحث طرقه الشيخ، أعني به علامات الساعة، ومن الإنصاف أن أقرر هنا أنّ الشيخ رشيدًا، بذل كل جهد ليكون في بحثه هذا موضوعيًا يكتب بتجرد من كل نزعة صابغًا بالصبغة العلمية كل مسألة تناولها، ولقد أسيء فهم كتابته عند بعضهم، كما أعجب بها آخرون، والإنصاف والأمانة العلمية يقضيان علينا ويستلزمان منا أن نتتبع أقواله، فنرى ما فيها من جهد علمي وثغرات وهفوات.\nعرض الشيخ رشيد لموضوع علامات الساعة في سورتي الأنعام والأعراف. ولكنه أسهب في هذه الأخيرة، ففي سورة الأنعام عند تفسير قوله تعالى (١) ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٨ ص ٢١٠.","vol":"2","page":181},{"text":"يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] يقول: (وأقوى الأحاديث الواردة في طلوع الشمس من مغربها، ما رواه البخاري في كتاب الرقاق، عن أبي هريرة أن رسول -ﷺ- قال (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ...﴾ واخرج الترمذي وأحمد وغيرهما عن أبي هريرة أيضًا، وقد رفعه (ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل، طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض) وهو مشكل مخالف للأحاديث الأخرى الواردة في نزول المسيح بعد الدجال وإيمان الناس به، والمشكلات في الأحاديث الواردة في أشراط الساعة كثيرة، أهم أسبابها فيما صحت أسانيده، واضطربت المتون، وتعارضت أو أشكلت من وجوه أخرى، أن هذه الأحاديث رويت بالمعنى، ولم يكن كل الرواة يفهم المراد منها، لأنها في أمور غيبية، فاختلف التعبير باختلاف الأفهام، على أنهم اختلفوا في ترتيب هذه الآيات، ومما استشكل أن علة عدم قبول الإيمان بعد طلوع الشمس من مغربها، لا تنطبق على من رآها أو رويت له بالتواتر ... هذا. وإن أبا هريرة ﵁ لم يصرح في هذه الأحاديث بالسماع عن النبي -ﷺ-، فيخشى أن يكون قد روى بعضها عن كعب الأحبار وأمثاله فتكون مرسلة).\nوإذا كان الشيخ يقف من أبي هريرة ﵁ هذا الموقف، فإنه يتعداه إلى غيره من الصحابة رضوان الله عليهم، فهو يشكك في حديث أبي ذر ﵁ الذي أخرجه البخاري، يقول: (ومن هذه الأحاديث في الباب حديث أبي ذر جندب بن جنادة، الذي يعد متنه من أعظم المتون إشكالًا، فهو يقول إن النبي -ﷺ- سأله: أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ قال: قلت لا أدري. قال: إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجدة، ثم تقوم حتى يقال لها ارجعي. فيوشك يا أبا ذر أن يقال ارجعي من حيث دخلت، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها، لم تكن آمنت من قبل (١).\n_________\n(١) صحيح البخاري كتاب بدء الخلق باب رقم ٤، رقم الحديث ٣١٩٩.","vol":"2","page":182},{"text":"وعند قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: ١٨٧] من سورة الأعراف، يكتب ما يزيد على أربعين صفحة عن علامات الساعة، وبعد أن يقسم هذه العلامات ويناقش أحاديث عمر الدنيا، يعقد فصلين أحدهما يناقش فيه أحاديث الدجال والجساسة، ويناقش في الثاني أحاديث المهدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>١ - إشكالاته على أحاديث الدجال وردها:</span>\nيقول في الفصل الأول (١) بعد نقله عن ابن الجوزي، بأن الرسول -ﷺ-، كان يقدر تقديرًا في هذه المسائل، إذ لم يوح الله تعالى إليه أخبارها تفصيلًا.\n(إن أحاديث الدجال مشكلة من وجوه).\nأحدها: ما ذكرناه آنفًا من منافاتها لحكمة إنذار القرآن الناس، بقرب قيام الساعة وإتيانها بغتة.\nثانيها: ما ذكر فيها من الخوارق التي تضاهي أكبر الآيات التي أيد الله بها أولي العزم من المرسلين، أو تفوقها، وتعد شبهة عليها .. فكيف يؤتى الدجال أكبر الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباد الله.\nثالثها: وهو من متعلقات ما قبله، أن ما عزي إليه من الخوارق، مخالف لسنن الله تعالى في خلقه، وقد ثبت بنصوص القرآن القطعية أنه لا تبديل لسنته تعالى ولا تحويل، وهذه الروايات المضطربة المتعارضة لا تصلح لتخصيص هذه النصوص القطعية ولا لمعارضتها.\nرابعها: اشتمال بعض هذه الأحاديث على مخالفة بعض القطعيات الأخرى من الدين، كتخلف أخبار الرسول -ﷺ-، أو كونها عبثًا، وإقرارهم على الباطل وهو محال في حقهم.\nخامسها: إنها متعارضة تعارضًا كثيرًا يوجب تساقطها.\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٦ ص ٤٥٠.","vol":"2","page":183},{"text":"هذه إشكالات الشيخ رشيد في مسألة الدجال، والذي يظهر لي أن هناك إشكالًا واحدًا فقط وهو عدُّ الشيخ وجعله مثل هذه الأمور إشكالًا.\nأما قوله إن هذا ينافي إتيان الساعة بغتة فلا يسلم له، فإن هناك فرقًا بين الساعة وأماراتها كما ورد في حديث جبريل ﵇، الذي ورد في الصحيحين عن أمارات الساعة، ولا إخال الشيخ ينكره. ثم إن بعثة الرسول -ﷺ- من أعظم علامات الساعة، كما ذكر الشيخ من قبل، فلا ينافي هذا كون الساعة بغتة يقول الله تعالى ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه: ١٥]، فأمارات الساعة إذًا مما يستأنس به المؤمنون ويزيدهم إيمانًا.\nوأما قوله في الإشكال الثاني إن خوارق الدجال تضاهي بل تفوق ما أعطاه الله لأولي العزم من الرسل، وتعد شبهة عليها، فهذا من غرائبه، فالشيخ ﵀ يعلم قبلنا أن المعجزات إنما انتهت بانتهاء أزمنة الأنبياء، وأن الله ﵎ يبتلي عباده بما شاء من الفتن، ليظهر الصادق من الكاذب، ثم إن ما أعطيه الدجال يحمل زيفه معه، كما جاء في الروايات الصحيحة، وما أكثر ما يفتن به الناس في هذه الحياة، أفليس الشيطان فتنة حُذر منه المؤمنون؟ ألم يقل الله عما متع به كثيرًا بأنه زهرة الحياة الدنيا ليفتنهم فيه؟ وعجيب قول الشيخ بأن ما أعطيه الدجال يفوق ما أوتيه الرسل من المعجزات. والحق أنه ليس هناك مضاهاة، ولا ما هو قريب منها، بل إنه قياس مع الفارق، كما يقولون.\nوأما كون ما أعطيه الدجال مخالفًا لسنن الله تعالى، فمن المعلوم أن سنن الله ليس ما ألفه الناس فقط، فمن سننه التي تقتضيها حكمته كذلك، ما ليس بمألوف ألم يحدثنا القرآن عما فعله سحرة موسى، حتى إنه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أوجس في نفسه خيفة؟ وكذلك عن أصحاب الفيل وأهل الكهف، والذي أماته الله مائة عام ثم بعثه.\nوأما كون أخبار الدجال تخالف القطعي، وتستلزم تخلف أخبار الأنبياء، فهذا","vol":"2","page":184},{"text":"غير وارد هنا، فإن رسول الله -ﷺ- لم يعين السنة أو اليوم الذي ستظهر فيه. والساعة لم تقم بعد.\nلكن الشيخ سامحه الله يمزج بين صحيح الروايات وضعيفها، والمقبول منها والمردود، فيبني على كل ذلك نتائجه، مع أن النصفة تقتضي منه غير ذلك.\nبقي القول بأن بين هذه الأحاديث تعارضًا، والتعارض الذي ذكره الشيخ يرجع تارة إلى المكان الذي يخرج منه الدجال، وتارة إلى زمانه، وتارة إلى ما أعطيه مما يخدع به الناس، وأقول إن منشأ هذا التعارض هو إدراج الروايات الضعيفة والصحيحة وجعلها في سلك واحد، ونحن نعلم أنه ينبغي أن نأخذ أصح الروايات، وألا نحتج بما ضعف منها على ما صح. وإن الناظر فيما جاء في الصحيح، لا يجد تعارضًا حقيقيًّا، وكل ما يوهم ظاهره التعارض قد بينه العلماء.\nويفيض الشيخ في الحديث عن ابن صياد وعن الجساسة، جاعلًا كل ما ورد من هذه الأخبار يفضي إلى نتيجة واحدة، هي أن حديث الدجال مصنوع، ويرد على التواتر بأنه تواتر بمعنى كثرة الأخبار فقط، وأنه إن صح شيء من حديث الجساسة فإنما هو فقط كون الدجال لا يدخل مكة والمدينة.\nيقول الشيخ: (ينظر إلى اختلاف الروايات الأخرى في مكان الدجال بعين، وينظر إلى اختلاف الروايات في ابن صياد بالعين الأخرى، وينظر بالعينين كليتهما إلى سبب هذا التردد ومنافاته لأن يكون كلامه صلوات الله وسلامه عليه في أمر الدجال عن وحي من الله تعالى).\nوكان حريًا بالشيخ أن يكتفي بما قاله الأئمة الأعلام في موضوعي الجساسة وابن صياد، وعلى سبيل المثال ما نقله الشيخ نفسه عن الإمام النووي ﵁ في موضوع ابن صياد وعن العلامة الطيبي في حديث الجساسة. (يقول الإمام النووي: (وظاهر الأحاديث أن النبي -ﷺ- لم يوح إليه بأنه المسيح الدجال ولا غيره، وإنما أوحي إليه بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة، فلذلك كان","vol":"2","page":185},{"text":"النبي -ﷺ- لا يقطع بأنه الدجال ولا غيره، ولهذا قال لعمر (إن يكن هو فلن تستطيع قتله) (١). ويقول العلامة الطيبي: (لمّا تيقن ﵇ بالوحي، أنه من قبل المشرق نفى الأولين، وظاهر العبارة يدل على أن النبي -ﷺ- صدق تميمًا في أول الأمر، ولذلك قال: (ألا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن بالتأكيد بـ (إن) والبدء بأداة الاستفتاح (ألا). ثم كوشف في موقفه بأنه ليس في هذا ولا ذاك بل في جهة المشرق).\nوكأن الشيخ شعر بما لإنكار روايات الدجال من نتائج خطيرة، لذا نراه يستدرك بقوله: (وجملة أخبار الدجال قالوا إنها متواترة، يعنون التواتر المعنوي، وهو أن لها أصلًا، وإن لم يتواتر شيء من رواياتها، ويدل القدر المشترك منها على أن النبي -ﷺ-، كشف له وتمثل له ظهور دجال في آخر الزمان، يظهر للناس خوارق كثيرة وغرائب يفتتن بها خلق كثير، وأنه من اليهود، وأن المسلمين يقاتلونه ويقاتلون اليهود في هذه البلاد المقدسة وينتصرون عليهم، وقد كشف له ذلك مجملًا غير مفصل ولا بوحي عن الله تعالى -كما كشف عن غير ذلك من الفتن- فذكره فتناقله الرواة بالمعنى فأخطأ كثير منهم، وتعمد الذين كانوا يبثون الإسرائيليات الدس في رواياته، ولا يبعد أن يقوم طلابُ الملك من اليهود الصهيونيين بتدبير فتنة في هذا المعنى، ويستعينون عليها بخوارق العلوم والفنون العصرية كالكهرباء والكيمياء وغير ذلك والله أعلم (٢).\nوها هم اليهود قد اتخذوا من بلاد المسلمين مباءة ووطنًا، ولا ندري أين سيكون هذا الدجال المرتقب، أفي فلسطين وما يتبعها مما يحتله اليهود؟ ! الحق أن هذه أمور غيبية ينبغي ألا نماري فيها، وألا نحاول إخضاعها لمقاييس عقولنا ومعارفنا المحدودة.\n_________\n(١) شرح أحاديث ابن صياد من صحيح مسلم- شرح النووي جـ ١٨ ص ٤٦.\n(٢) تفسير المنار جـ ٩ ص ٤٥٩.","vol":"2","page":186},{"text":"ولا يفوتني هنا أن أنبه على ما سبق من قول الأستاذ الشيخ محمد عبده، حينما سئل عن الدجال، بأنه رمز للخرافات والدجل. لكن الشيخ رشيدًا جعله تابعًا لظواهر العلم وتقدم الفنون العصرية كالكهرباء والكيمياء، ومنه أنه ﵀ رد على الشيخ محمد عبده، في مسألة نزول المسيح ﵇، حيث اعترف بصحة الحديث، إلا أننا رأيناه في مسألة الدجال يقول ما يقول، مع أن نزول المسيح من السماء أدل على الخوارق، وأبعد عن تحكيم العقل من الدجال الذي يخرج من الأرض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>٢ - رأيه في أحاديث المهدي:</span>\nأما عن حديثه عن المهدي فيقول: (وأما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيه أعسر، والمنكرون لها أكثر والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من رواياتهما في صحيحيهما) (١).\nوعجيب أمر الشيخ أنه يرد أحاديث المهدي، لما بينها من تعارض، لأن الشيخين لم يعتدا بها. هكذا صنيع مفسرنا ﵀، إنه إذا لم تتفق الأحاديث مع مقاييسه، يرفضها جملة وتفصيلًا، فإذا لم تكن قد وردت في الصحيحين، احتج بأن الشيخين لم يعتدّا بها فلم يخرجاها، فإذا ورد الحديث في صحيح مسلم، كحديث عائشة -﵂- في الرضاع، وحديث الجساسة رد الحديث محتجًا بأن البخاري أعله فلم يخرجه. فإذا ورد في صحيح البخاري زعم بأنه لا يخلو من علة إسرائيلية، أو من خطأ الرواية في المعنى.\nويستمر الشيخ في إيراد الروايات المتعارضة في حديث المهدي أعباسي أم علوي، وما اسمه واسم أبيه إلى غير ذلك. ويختم الشيخ بحثه بنتائج، نذكر أهمها وأخطرها:\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٩ ص ٤٥٩.","vol":"2","page":187},{"text":"(إن بعض الصحابة والتابعين كانوا يروون عن كل مسلم، وما كل مسلم مؤمنًا صادقًا، وما كانوا يفرقون في الأداء بين ما سمعوه من النبي -ﷺ- أو من غيره وما بلغهم عنه بمثل: (سمعت وحدثني وأخبرني) كما فعل المحدثون من بعد عند وضع مصطلح الحديث، وقد ثبت أن الصحابة -﵃-، كان يروي بعضهم عن بعض وعن التابعين حتى عن كعب الأحبار وأمثاله. . . ولكن البلية في الرواية عن مثل كعب الأحبار، وممن روى عنه أبو هريرة وابن عباس، ومعظم التفسير المأثور مأخوذ عنه وعن تلاميذه، ومنهم المدلسون كقتادة، وكذا غيره من كبار المفسرين كابن جريح) (١).\nوهذا قول فضلًا على أنه لا يليق بجلال الصحابة، فإنه لا يثبت أمام النقد العلمي وهو مخالف للقواعد الأولية، ككون الصحابة عدولًا يتشددون في رواية الحديث، وهم أشد وعيًا لما سمعوه من الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، وحاشاهم أن ينسبوا للرسول ما لم يقله.\nعلى أنني قد أتفق مع الشيخ في موقفه من أحاديث المهدي لما ذكره الشيخ من جهة، ولأسباب لا محل الآن لإيرادها من جهة أخرى.\nوخلاصة القول، إن الشيخ رشيدًا ﵀ نفر من الإسرائيليات في تفسيره ونفَّر منها وحذر، ولكنه غالى وتطرف، وحكم العقل أكثر مما ينبغي، وجعله أعظم المقاييس التي يقاس بها تمريض الحديث أو تصحيحه، فكانت النتائج التي وصل إليها لا تقل خطورة عن الإسرائيليات، بل إنها والحق يقال أشد خطورة وأسوأ آثارًا، ذلك لأنها تتعلق بمصدر من مصادر التشريع وهو السنّة، وليست كذلك الإسرائيليات.\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٩ ص ٤٦٦.","vol":"2","page":188},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-412>٥ - استقلال الشخصية:</span>\nإن كثيرًا من الناس لا يتمتعون بشخصية مستقلة، وكيان علمي بارز، ونزعة حرة في التفكير، بل تذوب هذه كلها أمام تأثير الآخرين، وهذا ما نهى عنه الإسلام، حيث حارب القرآن التبعية التي لا تستند إلى الحق، والتي ترتكز على التقليد والهوى والتعصب الأعمى، كما حذر الرسول عليه وآله الصلاة والسلام المؤمنَ من أن يكون إمعة.\nوتفسير المنار تبدو فيه آثار استقلال الشخصية واضحة المعالم عميقة الجذور. وتلك الآثار إنما انعكست على التفسير من شخصية المؤلف.\nولا يخفى على أحد أنه حينما يذكر رشيد، فإنه يذكر إلى جانبه بطريقة الربط وتداعي المعاني -كما يقول علماء النفس- الشيخ محمد عبده، ومن قبله ابن تيمية وتلميذاه، ابن القيم وابن كثير ﵏، ومع إجلال الشيخ رشيد لهؤلاء جميعًا، وإعجابه بهم جميعًا ودفاعه عنهم، فإننا مع ذلك نجده في كثير من المواضع، يستدرك عليهم حينًا، ويرد ويناقش حينًا آخر. والمتأمل في تفسير المنار لا يسعه إلا أن يكبر رشيدًا .. فإذا تأملنا تصرفه مع الشيخ محمد عبده نجد الأطراء والإكبار، فهو تارة يقول عنه، بأنه جاء بما لم يجيء به مفسر من قبله، وبأنه سبق المفسرين في تقرير بعض المعاني، كما رأينا ذلك عند تفسير قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] (١) وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٢)، وتارة يستدرك عليه ويعتذر عنه مسوغًا له قوله كما رأينا ذلك عند تفسيره سورة الفاتحة. وتارة يصحح ما ضعفه الشيخ من أحاديث، كما رأينا ذلك في أحاديث نزول عيسى (٣)، وعدم نخس الشيطان (٤) له،\n_________\n(١) المنار جـ ٢ ص ٣٣٠.\n(٢) المنار جـ ٥ ص ٩٤.\n(٣) المنار جـ ٣ ص ٣١٧.\n(٤) المنار جـ ٣ ص ٣٩٠.","vol":"2","page":189},{"text":"وحديث سحر النبي عليه وآله الصلاة والسلام (١)، ورده ما يورد الشيخ من سبب نزول للآية ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٢٨]، حيث جعل الإمام سبب نزولها، قصة حاطب بن أبي بلتعة -﵁- (٢).\nومع أن رشيدًا كان مع الشيخ غاية في الأدب واللطف، إلا أن هذا لم يحل بينه وبين النقد المر في بعض الأحيان، يقول معلقًا على تفسير الشيخ ﵀ (٣): (ما نقلناه عن شيخنا في معنى الرحمة، تبع فيه متكلمي الأشاعرة والمعتزلة ومفسيريهم .. كالزمخشري والبيضاوي ذهولًا، وحاصلُه أن الرحمة ليست من صفات الذات، أو صفات المعاني القائمة بذاته تعالى، لاستحالة معناها اللغوي عليه، فيجب تأويلها بما يلازمها وهو الإحسان، فتكون من صفات الأفعال كالخالق والرازق. وقال بعضهم يمكن تأويلها بإرادة الإحسان فترجع إلى صفة الإرادة، فلا تكون صفة مستقلة، وهذا القول من فلسفة المتكلمين الباطلة المخالفة لهدي السلف الصالح، والتحقيق أن صفة الرحمة كصفة العلم والإرادة والقدرة، وسائر ما يسميه الأشاعرة صفات المعاني، ويقولون إنها صفات قائمة بذاته تعالى خلافًا للمعتزلة، فإن معاني هذه الصفات كلها بحسب مدلولها اللغوي واستعمالها في البشر، محال على الله تعالى).\nكما يقول عند تفسير الشيخ لقصة خلق آدم: (إنه قد ترك هذه المسألة مبهمة مظلمة).\nوعلى الرغم مما بين الرجلين من صلة فكر، وتشابه منهج، إلا أن الإنسان يدرك دون إعياء وهو يقرأ ما كتبه كل منهما، أن الأستاذ الإمام، كان أكثر تأثرًا بالفلسفة، وأكثر التزامًا بالمنهج العقلي، كما كان الشيخ رشيد أشد تأثرًا بمذهب\n_________\n(١) المنار- تفسير الفاتحة وست سور/ للسيد رشيد رضا.\n(٢) تفسير المنار جـ ٣ ص.\n(٣) تفسير المنار جـ ١ ص ٧٦.","vol":"2","page":190},{"text":"السلف وطريقتهم، يقول الشيخ رشيد ردًّا على ما قاله الأستاذ الإمام في حاشيته على شرح الجلال الدواني للعقائد العضدية (١)، في شرحه لحديث رسول الله -ﷺ- في افتراق الأمة إلى فرق شتى: (ونقول: إن هذا الكلام من الأستاذ، يدل على أنه كان في عهد تأليفه لهذه الحاشية، أيام اشتغاله بعلم الكلام في الأزهر ... ولكنه كان ينقصه سعة الاطلاع على كتب الحديث، وإذن لجزم بأن الذين هم على ما كان عليه النبي -ﷺ- وأصحابه هم أهل الحديث وعلماء الأثر ... وقد كان رحمه الله تعالى توغل في مذاهب الكلام والتصوف جميعًا ... فهداه الله بإخلاصه إلى مذهب السلف الصالح مجملًا ثم مفصلًا والرجوع عما خالفه من الكلام والتصوف تدريجيًا) (٢)، هذا هو رشيد مع الشيخ محمد عبده. كذلك ترى رشيدًا يخالف ابن كثير، وينبه على ما أورده من إسرائيليات.\nولقد خالف الشيخ رشيد ابن القيم، في مسألة وصول ثواب قراءة القرآن للميت حيث أجازه ابن القيم، ولكن رشيدًا لم يرضَ هذا منه، فاورد رأيه وناقشه. يقول الشيخ رشيد: (عفا الله عن شيخنا وأستاذنا المحقق، فلولا الغفلة عن تلك المسألة الواضحة، لما وقع في مثل هذه الأغلاط، التي نردها عليه ببعض ما كان يردها هو في غير هذه الحالة، وسبحان من لا يغفل ولا يعزب عن علمه شيء) (٣).\nولقد كان ابن تيمية وابن القيم يعتقدان بإمكان ضر الجن والشياطين للناس ولكن رشيدًا يرى أن الشياطين تتسلط بالإغواء فقط، أو على الأقل أن أكثر ما يتحدث به الناس، إنما هو من الخرافات التي لا أصل لها (٤).\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٨ ص ٢٢٢.\n(٢) هذا ما ذكره الشيخ رشيد، ولكن يظهر أن تأثر الشيخ محمد عبده بكتب التصوف وبخاصة الأحياء لازمه حياته كلها، انظر كلامنا حول ذلك ص ٢٣.\n(٣) تفسير المنار جـ ٨ ص ٢٥٨.\n(٤) تفسير المنار جـ ٨ ص ٣٧٠.","vol":"2","page":191},{"text":"وأخيرًا فإن شخصية رشيد العلمية تبرز جلية في تفسيره وآرائه، وليس معنى هذا أنه لم يتأثر بمن سبقه، فهذا أمر تلفظه وترفضه طبيعة الفكر الإنساني وطبيعة الاجتماع البشري، فلقد تابع رشيد الشيخ محمد عبده في مسألة تضييق نطاق الخوارق، وهو ما تسرَّب إليهما في اعتقادي من الحضارة الأوروبية، فوافقه في قصة آدم، وتأويل آيات قصة البقرة، ولم يعترض عليه فيما قرره في معجزة خلق عيسى ﵇، وهذا كله لا يخرج رشيدًا من ميدان استقلال الفكر في بحثه، ومن أراد أن يتعرف مقدار ما بين أسلوبيهما من تمايز، فليراجع ما كتبه كل منهما في تفسير سورة الإخلاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-413>٦ - بيانه لسنن الله في العمران والاجتماع:</span>\nلعل من أعظم ما امتاز به تفسير المنار، إرشاده إلى سنن الله وكونها لا تتخلف، فلا نكاد نمر بتفسير آية إلا ونجد فيه ما يلفت المسلمين إلى واقعهم السيء وإلى المسافات الشاسعة بين هذا الواقع وبين هدي القرآن، كما نجد الإفاضة الكثيرة في تقرير هذه السنن في الاجتماع والعمران، وهذه لفتات كريمة حقًّا، فإن الله ﵎ ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق، وقد أرشدنا القرآن لأن نعتبر بأحداث الأمم ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾ [آل عمران: ١٣٧]، فلا عجب أن يشرح رشيد هذه السنة وآثارها، وأن يبث ذلك في تفسيره، كل ذلك من أجل أن يستيقظ المسلمون من سباتهم، وأن ينهضوا من كبوتهم، وأن ينفضوا عنهم غبار اليأس المتراكم ووعثاء الغرور والتمني، حتى أننا نجده يعقد فصولًا في ذلك، من ذلك ما نراه في خلاصة تفسير سورة الأعراف حيث يفرد بابًا في سنن الله تعالى يضمنه الأصول التالية (١):\n١ - إهلاك الله الأمم بظلمها لنفسها وغيرها ...\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٩ ص ٥٣١ - ٥٣٥.","vol":"2","page":192},{"text":"٢ - بيان أن للأمم آجالًا لا تتقدم ولا تتأخر عن أسبابها، التي اقتضتها السنن الإلهية العامة ...\n٣ - ابتلاء الله الأمم بالبأساء والضراء تارة، وبضدها من الرخاء والنعماء تارة أخرى.\n٤ - بيان أن الإيمان بما دعا الله إليه، والتقوى في العمل بشرعه فعلًا وتركًا، سبب اجتماعي طبيعي لسعة بركات السماء والأرض وخيراتها على الأمة ...\n٥ - استدارجه تعالى للمكذبين والمجرمين وإملاؤه لهم ...\n٦ - سنة الله في الأمم التي ترث الأرض من بعد أهلها الأصلاء، هي سنته تعالى في أهلها.\nويفصل كل أصل من هذه الأصول، ولعلنا لا نعدو الحقيقة إذا قلنا: إن تفسير المنار كان له أثر غير قليل، وهو ينبه على هذه السنن، وهو ينعى على هؤلاء الذين ركنوا إلى التواكل ظانين أنه من التوكل، وشتان ما بينهما، ولا نعدو الحقيقة كذلك إذا قلنا إن خير ما يمتاز به هذا التفسير كذلك هو تفصيل هذه السنن تفصيلًا يجمع إلى دقة البحث وعمق الفهم نبيل الغاية وكريم المقصد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-414>٧ - دفاعه عن الإسلام:</span>\nلم يعرف التاريخ قديمًا وحديثًا دينًا صوبت له السهام من كل حدب وصوب كهذا الدين، ولقد كانت هجمات أعدائه مركزة غاية التركيز، مع أنه الدين الذي كرم الإنسان وسما به، بقطع النظر عن بيئته الجغرافية أو الاجتماعية، وبقطع النظر عن جنسيته، ولو أن المسلمين تنبهوا لتلك الهجمات، أو سلم هذا الدين على الأقل من تبعية كثير منهم لأعدائه، ما استطاعت قوة في الدنيا أن تنال منه أو منهم، وليس أضر على مبادئ الحق من الجهل والتعصب الأعميين، وبهما ابتلي هذا الإسلام من الداخل والخارج، ورحم الله القائل (١):\n_________\n(١) هذه الأبيات من قصيدة لخالي ﵀ الشيخ يوسف عبد الرزاق، عنوانها: (كيف الوصول إلى العلياء) نشرت في مجلة جمعية مكارم الأخلاق في مصر في عشرينيات القرن الماضي.","vol":"2","page":193},{"text":"وبالإسلام كان لنا التفاف. . . لدوحته فتخشانا الشعوب\nفكاد له بنو الإلحاد كيدًا. . . وعابوه وليس له ذنوب\nوأعماهم عنادهم وصموا. . . وحقًّا إنها تعمى القلوب\nومع كل هذا فإن الله يقيض لهذا الدين على مدة الزمن، من ينفي عنه تحريف المبطل، وزيغ الضال، وكيد الماكر، وحقد الحاقد، وهم ورثة الأنبياء، وهم الذين يقول الرسول -﵌- عنهم (لا تزال طائفة من أمتي قائمة على هذا الدين، لا يضرهم من غالبهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك) (١).\nولقد امتازت الحقبة الزمنية التي عاشها صاحب المنار بضروب كثيرة من هذا الهجوم المركز، ذلك أن فتنة الناس بمدنية الغرب وطفرة المادية، كانت على أشدها، وزاد في ذلك ما أصيب به المسلمون من هزات عنيفة في الحرب والسياسة والاقتصاد وغير ذلك من مرافق الحياة، فلا بد إذن من أن يشمر كل عالم عن ساق الجد، ويفرغ كنانته ويعجم عيدانها، ليرد السهام إلى كبد راميها، ولقد كان رشيد من هؤلاء، وقد ظهر ذلك واضحًا في تفسيره، فهو يدحض شبهات المستشرقين تارة، ويكشف زيف افتراءات الكنيسة تارة، ويصحح العقائد المزلزلة في نفوس المستغربين تارة ثالثة، ويبين خطورة المذاهب الداخلية والنحل الباطنية، كالبهائية والقاديانية وغيرهما، كل ذلك بأسلوب واضح، وحجة دامغة تتبختر اتضاحًا، مضمنًا ذلك كله الميزات التي يمتاز بها هذا الدين، فلقد رد على منكري الوحي عمومًا، وعلى الخصوص منكري الرسالة المحمدية، وبين أن الإسلام دين الفطرة والعقل، كما رد على منكري الجن -وهذا يدحض ما اتهم به من أنه منكر لوجودهم- وكذلك وضح سبق الإسلام في تحرير الرقيق والمرأة، وتكلم عن مقاصد القرآن في تربية النوع الإنساني، وأظهر عظمة القرآن في ما شرعه من نظم مالية وحربية وسياسية وغير ذلك، وأورد هنا نماذج من دفاعه عن الإسلام، كتبها في ثنايا تفسيره لسورة يونس:\n_________\n(١) صحيح مسلم جـ ٣/ ١٥٢٣ طبعة عيسى الحلبي.","vol":"2","page":194},{"text":"١ - يعقد فصلًا بعنوان (صد الكنيسة عن الإسلام وبغيه عوجًا) (١) يقول فيه:\n(إن رجال الكنيسة لم يجدوا ما يصدون به أتباعها عن الإسلام -بعد أن رأوه قد قضى على الوثنية والمجوسية، وكاد يقضي على النصرانية في الشرق، ثم امتد نوره إلى الغرب- إلا تأليف الكتب ونظم الأشعار والأغاني، في ذم الإسلام ونبيه وكتابه بالإفك والبهتان وفحش الكلام، الذي يدل على أن هؤلاء المتدينين أكذب البشر، وأشدهم عداوة للحق والفضيلة في سبيل رياستهم، التي يتبرأ منها المسيح عليه صلوات الله وسلامه، وقد كان أتباعه يصدقون ما يقولون، ويكتبون ويتهيجون بما ينظمون وينشدون، حتى إذا ما اطلع بعضهم على كتب الإسلام، ورأوا المسلمين وعاشروهم، فضحوهم أقبح الفضائح. كما ترى في كتاب (الإسلام خواطر وسوانح) للكونت دي كاستري، وكما ترى في الكتاب الفرنسي الذي ظهر في هذا العهد باسم (حياة محمد) للمسيو درمنغام، وهذان الكاتبان فرنسيان من طائفة الكاثوليك اللاتين. وقد صرحا كغيرهما بأن كنيستهم هي البادئة في الظلم والعدوان، والإفك والبهتان، وبأدب المسلمين في الدفاع (٢).\n٢ - يرد على زعم بعض أعداء الإسلام، أن محمدًا -ﷺ-، سمع من نصارى الشام، خبر غلب الفرس وظهورهم على الروم، ليوهم الناس أن ما جاء في أول سورة الروم من الإنباء بالمسألة، مستمد من سماعه منهم، فيقول: (هذا مردود بدلائل التاريخ والعقل، فأما التاريخ فإنه يحدثنا بأن ظهور الفرس على الروم كان في سنة (٦١٠ م)، وذلك بعد رحلة محمد -ﷺ- الأخيرة إلى الشام بأربع عشرة سنة، وقبل بدء الوحي بسنة ... وأما العقل فإنه يحكم بأن مثل محمد في سمو إدراكه المتفق عليه، لا يمكن أن يجزم بأن الغلب سيعود للروم على\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ١١ ص ١٥٤.\n(٢) تفسير المنار جـ ١١ ص ١٨٦.","vol":"2","page":195},{"text":"الفرس في مدة بضع سنين ... وقد صح أن انتصار الروم حصل سنة ٦٢٢ م، وكان وحي التبليغ للنبي - ﷺ - سنة ٦١٤ م، فإذا فرضنا أن سورة الروم نزلت في هذه السنة، يكون النصر قد حصل بعد ثماني سنوات، وإن كان في السنة الثانية تكون المدة سبع سنين، وهو المعتمد في التفسير).\n٣ - ويرد زعم الذين يدعون أن الرسول -ﷺ- أخذ عن علماء النصارى في الشام بقوله (١): (لو كان النبي -ﷺ-، تلقى عن علماء النصارى في الشام شيئًا، أو عاشرهم، لنقل ذلك أتباعه الذين لم يتركوا شيئًا علم عنه أو قيل فيه ولو لم يثبت، إلا ودونوه ووكلوا أمر صحته أو عدمها إلى إسناده، ولو وقع ما ذكر لاتخذه أعداؤه من كبار المشركين شبهة يحتجون بها على أن ما يدعيه من الوحي قد تعلمه في الشام من النصارى، فإنهم كانوا يوردون عليه ما هو أضعف وأسخف من هذه الشبهة، وهو أنه كان في مكة قين (حداد) رومي يصنع السيوف وغيرها. فكان النبي -ﷺ- يقف عنده أحيانًا يشاهد صنعته، فأتهموه بأنه يتعلم منه، فرد الله عليهم بقوله ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣].\n٤ - يعقد فصلًا في ترجيح فضائل القرآن على فضائل الإنجيل (٢)، يقول فيه:\n(وأذكر فضيلتين من فضائله، يزعم النصارى أن ما هو مأثور عندهم فيها، أكمل وأفضل مما جاء به الإسلام.\n(الأولى) قول المسيح ﵇: (أحبوا أعداءكم باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى من أساء إليكم، ومن ضربك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر) ... أمثال هذه الأوامر لا تأتي في دين الفطرة العام، لأن امتثالها من\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ١١ ص ١٨٧.\n(٢) تفسير المنار جـ ٨ ص ٢١٦.","vol":"2","page":196},{"text":"غير المستطاع، فالله تعالى يقول ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وإنما قرر القرآن في موضوعها الجمع بين العدل والفضل والمصلحة قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠) وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٠ - ٤٣]، ولا يخفى أن العفو والمغفرة للمسيء، إنما تكون من القادر على الانتصار لنفسه، وبذلك يظهر فضله على من عفا عنه، فيكون سببًا لاستبدال المودة بالعداوة، في مكان الإغراء بالتعدي ودوام الظلم ... أفليس هذا الإصلاح الأعلى، على لسان أفضل النبيين والمرشدين، دليلًا على أنه وحي من الله تعالى وقد أكمل به الدين؟ بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، ولا يجحده إلا من سفه نفسه فكان من الجاهلين.\n(الثانية) مبالغة المسيح ﵇ في التزهيد في الدنيا، والأمر بتركها، وذم الغني، حتى جعل دخول الجمل في ثقب الإبرة أيسر من دخول الغني ملكوت السماوات ... أما الإسلام فهو دين البشر العام الدائم، فلا يقر إلا ما هو لمصلحة الناس كلهم في دينهم ودنياهم، وهو في هذه المسألة، ذم استعمال المال فيما يضر من الإسراف والطغيان، وذم أكله بالباطل، ومنع الحقوق المفروضة فيه، والبخل به عن الفقراء والضعفاء ومدح أخذه بحقه ليكونَ عونًا للنفس على حفظ حقيقتها واستقلالها، فهذه المسألة وما قبلها مما أكمل الله تعالى به الدين، فيما أوحاه من كتابه إلى محمد رسول -ﷺ- وخاتم النبيين، وما كان لرجل أمي ولا متعلم، أن يصل بعقله إلى أمثال هذا الإصلاح، لتعاليم الكتب السماوية التي يتعبد بها الملايين من البشر.\n٥ - ويرد على شبهة لمقلدي الفلاسفة، يزعمون فيها أن الكمال البشري أن يعمل الإنسان الخير لذاته، أو لأنه خير لا لعلة، ويعدون من أكبر العلل، أن يعمله","vol":"2","page":197},{"text":"رجاء ثواب الآخرة، أو خوف عقابها، فيقول (١): (ومعنى هذا إن كانوا يفقهون، أن من يقصد بعمل الخير والبر، ما أرشد إليه الإسلام من تزكية نفسه وترقية روحه، بحيث تكون راضية مرضية عند رب العالمين -ذي الكمال المطلق الأعلى- وأهلًا لجواره في دار كرامته يكون ناقصًا، وإنما يكون كاملًا إذا خرج عن طبعه، وقصد النفع بعمله لغيره دون نفسه، ودون إرضاء ربه، ومن ذا الذي يجد حقيقة هذا الخير للبشر ويحملهم عليه)؟ .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>٨ - عنفه على مخالفيه في الرأي:</span>\nوحبذا لو أن الشيخ رشيدًا اكتفى بهذا الموقف الرائع المشرف، في دفاعه عن الإسلام، ودحضه كل شبهة يريد أعداؤه أن يلصقوها به، والشدة على الأعداء من أبرز الصفات التي ميز الله بها الصادقين ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾. [الفتح: ٢٩]. لقد كان يأخذ على الشيخ محمد عبده حدته في بعض الأحيان فيقول: (لطالما هدمت الحدة ما بنت الفطنة) (٢). وكنا نرجو أن يسير الشيخ على هذا المنهج، وأن يتجنب ما لام عليه غيره، إلا أنه مع كل أسف، تبرز في تفسيره تلك الظاهرة، ظاهرة العنف والحدة على مخالفيه في الرأي، دون أن يشفع لهم علمهم وحسن قصدهم وما عرفوا به من صلاح وتقوى، ولا نكاد نجد فئة سلمت من ملاحقته لها، وتشهيره بها وطعنه عليها، فهو يلاحق المفسرين ليخطئهم في كثير مما ذهبوا إليه، فتارة يصفهم بالتقليد، وتارة يسمهم بعدم فهم ما يقرأون، يبدو هذا واضحًا عند تفسير البسملة في أول الفاتحة، حيث خطأ صاحب (روح المعاني) ﵀ (٣).\nولقد اشتدت ملاحقة الرجل للرازي مثلًا حتى إنه يشنع عليه تفسيره ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، من سورة الأعراف، فيقول: (إن هذا الذي\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ١١ ص ٢١٨.\n(٢) تاريخ الأستاذ الإمام.\n(٣) تفسير المنار.","vol":"2","page":198},{"text":"قاله الرازي، من أظهر هفواته الكثيرة بطلانًا، وسببه امتلاء دماغه عفا الله عنه بنظريات الكلام، وجدل الإصلاحات الحادثة، وغفلته عن معنى الإله في أصل اللغة) (١). وكذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٣٢)﴾ [الأنعام: ١٣٢] من سورة الأنعام، يقول: (إننا نرى أن نصرح بأن الفخر الرازي عفا الله عنه، قد صرح في تفسيرها بأنها تدل على الجبر، وإننا نذكر عبارته بنصها، ونبين بطلانها حتى لا يغتر بها من ينخدع بلقبه وكبر شهرته (٢). وعند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، من سورة الأنعام يشنع على الرازي بقوله: (فما أضعف دلائل هذا الإمام الشهير، ولا سيما في هذا التفسير الملقب بالكبير) (٣).\nوقد يلاحق المفسرين جميعًا لتخطيئهم في تفسير آية، كما رأينا ذلك واضحًا عند تفسير قول الله تعالى ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]، فلقد تتبع تفاسيرهم للركون والظلم، ابتداء من الطبري إلى الشوكاني ثم صديق خان وردها جميعًا.\nوإذا كان هذا نصيب المفسرين من صاحب المنار، فإن نصيب الفقهاء وعلماء الكلام والمتصوفة كان أكثر وأكبر، وأشد حدة وأعظم شدة، وأبعد عن النصفة والاعتدال، فالفقهاء عنده ممعنون في التقليد، جامدون عليه، والمتكلمون هم المبتدعون الضارون بآرائهم، الخارجة عن منهج القرآن في الهداية، والمتصوفة هم المشوهون لجمال الإسلام، المميتون لحركته وحيويته، المستغرقون في الدجل والمتخذون أربابًا من دون الله، ذلك كله ليس بحاجة إلى نقل نماذج وكتابة أمثلة، حيث يجده القارئ مبثوثًا في ثنايا التفسير، حتى لو كان بعيدًا كل البعد عن موضوع الآية المفسرة، وقد يصل به الإسفاف عفا الله عنه لإلصاق الرذائل بالعلماء،\n_________\n(١) المنار ٩/ ١١٠.\n(٢) المنار ٨/ ١١٦.\n(٣) المنار ٨/ ١٣٧.","vol":"2","page":199},{"text":"يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، من سورة البقرة: (وأبعد الناس عندنا من الصبر، وأدناهم من الجزع والهلع والفزع، المشتغلون بالعلوم الدينية، فإن الشجاعة والفروسية والرماية عندهم، من المعايب التي تزري بالعلم وتحط من قدره) (١)، وهكذا يستمر الشيخ في هجومه العنيف غير مبال ولا آبه بما ينبغي أن يكون بين العلماء من صلة وقربى، والعلم أعظم رحم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-416>٩ - كثرة التفريعات والاستطرادات:</span>\nكل الذي فسره السيد محمد رشيد رضا اثنا عشر جزءًا وبعض الجزء، ولكن صفحات هذا التفسير تربو على ستة آلاف صفحة، ولم نعلم تفسيرًا مما هو بين أيدينا بلغ قريبًا من هذا، والحق أن استطراداته كانت كثيرة ومتعددة، ولذا رأيناه ينصح القارئ في مقدمة تفسيره بمطالعة هذه الفصول الاستطرادية في غير وقت قراءة التفسير، ولكن هذا قد يكون صعبًا على القارئ من الناحيتين، الموضوعية والنفسية، إذ لا نتصور قارئًا ما يسهل عليه أن يقرأ تفسير بعض آية، ثم يترك الاستطرادات التي قد يكون لها تعلق بتفسير الآية ولو من بعيد.\nوإذا أردنا أن نلقي ضوءًا على استطرادات الشيخ، وما أكثرها، فما لنا إلا أن نطلع على تفسيره لمطلع سورة يونس، حيث كتب فصولًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس: ٢]، تزيد على مائة وخمسين صفحة، وهي التي جردت فيما بعد فكانت كتاب (الوحي المحمدي).\nوكذلك عند قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٥١]، من سورة المائدة، حيث كتب ما يزيد على سبعين صفحة.\nوعند قوله تعالى: ﴿قَال النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، من سورة الأنعام، وكذلك في خلاصات بعض السور.\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٢ ص ١٢٢.","vol":"2","page":200},{"text":"وهذه الاستطرادات تخرج بالقارئ في كثير من الأحيان عن موضوع الآية، كما أنها ليست دائمًا تتعلق بمسائل الدين، أو قضايا اللغة، بل تتعداها إلى بعض المسائل الكونية كالنبات والفلك والرياحِ، فتراه يكتب بعد تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ [الأعراف: ٥٨]، من سورة الأعراف، استطرادًا في بيان بعض نعم الله على الخلق بالهواء والرياح، يتكلم عن تركيب الهواء وفائدته للحياة يقول فيه: \"الهواء جسم لطيف مما يعبر عنه علماء الكيمياء بالغاز، لا لون له ولا رائحة، مركب تركيبًا مزجيًا من عنصرين غازيين أصليين، يسمون أحدهما الأكسجين وخاصته توليد الاحتراق والاشتعال وإحداث الصدأ في المعادن، وهو سبب حياة الأحياء كلها من نبات وحيوان وإنسان، وثانيهما (الهيدروجين) \" ... والنبات يمتص الكربون السام من الهواء، فيتغذى به كما تقدم، ويدع الأكسجين للحيوان، فكل منهما يأخذ منه حظه، ويفيد في الحياة صنوه، كما قلنا في المقصورة:\nوالباسقات رفعت أكفها. . . تستنزل الغيث وتطلب الندى\nتمتلج الكربون من ضرع الهوى. . . تؤثرنا بالأكسجين المنتقى (١)\nولقد شعر ﵀ بذلك، فحاول أن يكتب تفسيرًا مختصرًا، يجعله كالمتن لهذا التفسير على حد تعبير الأمير شكيب أرسلان ﵀، إلا أن المنية عاجلته فلم يكتب منه إلا بعض الأجزاء، وسماه (التفسير المختصر المفيد)، ولكي ندرك قيمة هذا المختصر من ناحية والفرق بينه وبين تفسير المنار من ناحية أخرى، نورد تفسيرًا لآية البر من سورة البقرة (٢)، يقول:\n﴿الْبِرَّ﴾ بكسر الباء لغة التوسع في الخير، وقرئ بالنصب والرفع، وشرعًا ما يتقرب به إلى الله تعالى من الإيمان والأخلاق والأعمال الصالحة، وتوجيه الوجوه\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٨ ص ٤٨٢ - ٤٨٣.\n(٢) الآية (١٧٧) من سورة البقرة.","vol":"2","page":201},{"text":"إلى المشرق أو المغرب ليس هو البر ولا منه، بل ليس في نفسه عملًا صالحًا كما تقدم في آيات تحويل القبلة.\n﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ. . . الخ﴾ وفيه الإخبار عن المعنى بالذات، وهو أسلوب بليغ يصور لك المعنى في نفس الموصوف به، فيفند أن البر هو الإيمان وما يتبعه من الأعمال، باعتبار اتحادهما، وتلبس البار بهما معًا، ومن حيث إن الإيمان باعث على الأعمال، وهي منبعثة عنه، وأثر له تستمد منه وتمده وتغذيه، وأصول هذا الإيمان الخمسة المذكورة هنا وهي: الإيمان بألوهية الله وربوبيته وحده، وما يجب من تنزيهه وكماله المفصل في كتابه، والإيمان باليوم الآخر، وما فيه من الحساب والجزاء، والإيمان بالملائكة، والكتب الإلهية، والنبيين والكتب التي نزلت عليهم بما في القرآن من إجمال وتفصيل.\n﴿وَآتَى الْمَال عَلَى ... الخ﴾ أي وأعطى المال لأجل حبه تعالى أو على حبه تعالى أو على حبه إياه أي المال.\n﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ أي الأقربين للمعطى، وهم أحق الناس بالبر والصلة، فإن الإنسان إذا احتاج وفي أقاربه غني، فإن نفسه تتوجه إليه بعاطفة الرحم والفطرة، فمن قطع الرحم ورضي بأن ينعم، وذوو قرباه بائسون، فهو بريء من الفطرة والدين وبعيد عن الخير والبر.\n﴿وَالْيَتَامَى﴾ فإنهم لموت آبائهم تتعلق كفالتهم وكفايتهم بأهل الوجد واليسار من المسلمين، كيلا تسوء حالتهم، وتفسد تربيتهم، فيكونوا مصائب على أنفسهم وعلى الناس.\n﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ أهل السكون والعفة من الفقراء، فإنهم لما قعد بهم العجز عن كسب ما يكفيهم، وسكنت نفوسهم للرضى بالقليل، عن مد كف الذليل، وجبت مساعدتهم ومواساتهم على المستطيع.\n﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ المنقطع في السفر لا يتصل بأهل ولا قرابة، حتى كان السبيل","vol":"2","page":202},{"text":"أباه وأمه ورحمه وأهله.\n﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ الذين تدفعهم الحاجة العارضة إلى تكفف الناس، وأخرهم لأنهم يسألون فيعطيهم هذا وهذا، وقد يسأل الإنسان لمواساة غيره، والسؤال محرم إلا لضرورة يجب على السائل أن لا يتعداها.\n﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ أي في تحريرها وعتقها، وهو يشمل ابتياع الأرقاء وعتقهم وإعانة المكاتبين الذين يشترون أنفسهم من ساداتهم بأقساط منجمة، على أداء نجومهم، ومساعدة الأسرى على الافتداء.\n﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ أي أداها على أكمل وجه وأقومه وأدامها، وهذا هو الركن الروحاني الركين للبر.\n﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ المفروضة أي أعطاها مستحقيها، وقلما تذكر إقامة الصلاة في القرآن إلا ويقرن بها إيتاء الزكاة، فالصلاة مهذبة للروح، والمال كما يقولون قرين الروح، فبذله في سبيل الحق، هو الركن الثاني من أركان البر العملية.\n﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ وهذا انتقال من البر في الأعمال الشخصية إلى البر في الأخلاق والأعمال الاجتماعية. وأولها: الوفاء بالعهود والعقود التي يعاهدون عليها الله والناس، من مالية واجتماعية وسياسية وحربية، والوفاء قوام النظام وأساس العمران.\n﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ. . . الخ﴾ البأساء الشدة والفقر، والضراء ما يضر الإنسان من نحو مرض أو جرح، أو فقد محبوب من مال أو أهل.\n﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ الشدة، وفسَّروه باشتداد الحرب، وهو أعم.\nوالصبر يحمد في هذه المواطن وفي غيرها، وخص هذه الثلاث بالذكر لأن من صبر فيها، كان في غيرها أصبر لما في احتمالها من المشقة على الناس، والاضطراب في القلب.","vol":"2","page":203},{"text":"﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي أولئك الأبرار الراسخون في أصول الإيمان الخمس، والمنفقون المال في مواضعه الستة، والمقيمون الصلاة الروحية والاجتماعية والمؤتون الزكاة التي عليها مدار أمور الملة المالية والسياسية، والموفون بعهودهم الثلاثة الدينية والمالية والحربية، والصابرون في مواقف الشدة الثلاثة، هم الذين صدقوا الله في دعوى الإيمان دون الذين قالوا: آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الذين تشهد لهم بالتقوى أعمالهم وأموالهم.\nوالتقوى أن تجعل بينك وبين سخط الله وعقابه وقاية، بأن تتحامى أسباب خذلانه في الدنيا وعذابه في الآخرة.\nهذه أهم خصائص تفسير المنار، وهنالك أمور اشترك فيها مع الشيخ محمد عبده، لا داعي لإيرادها هنا، كما أن هناك بعض الأبحاث تقدمت في الباب الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>تقويم التفسير:</span>\nوبعد: فهذا تفسير المنار، رأينا الناس مختلفين فيه، قدحًا ومدحًا، وقد تطرف هذا وغالى ذاك، وإن الحديقة الغناء كما تضم الأشجار المثمرة، فإنها تضم كذلك تلك التي لا تثمر، ومع هذه وتلك نرى الشوك والعوسج، وهذان لا يخرجانها عن وصفها بأنها غناء، كذلك تفسير المنار، نجد فيه التفسير المفيد، والعلم الغزير والحجج القاطعة والبراهين الساطعة، وإلى جانب ذلك كله ترفًا عقليًا، واستطراد لا لزوم له، ومع هذا وذاك هفوات وكبوات، كنا نود ألا يتعثر فيها صاحب المنار، ولعل أكثر ما حال بين كثير من الناس، وهذا التفسير أمران اثنان:\nأحدهما: استطرادات الشيخ الكثيرة.\nثانيهما: قسوته على مخالفيه.\nوربما كانت هذه أكثر أثرًا في ابتعاد كثيرين عنه وتنكرهم له، وإذا ضممنا إلى","vol":"2","page":204},{"text":"هذين رده بعض الأحاديث الصحيحة، مما أوغر صدور كثيرين عليه، أمكننا القول بأنه يغالي كثيرًا، كل إنسان أخذ جميع ما في هذا التفسير مسلمًا به مدافعًا عن صاحبه، كما أنه يتجنى كثيرًا، كل من ينكر قيمة هذا التفسير، ويجحد جهد صاحبه وعلمه.\nوخلاصة القول، إن هذا التفسير من خير التفاسير، وعسى أن يشفع لصاحبه حسن قصده فيما وقع فيه من أخطاء، والمعصوم من عصمه الله، وكل واحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم سيدنا محمد -ﷺ-.","vol":"2","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-418>٣ - الشيخ عبد القادر المغربي ١٨٦٧ - ١٩٥٦</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-419>١ - حياته:</span>\nولد الشيخ عام (١٨٦٧ م) في اللاذقية، من بيت علم قديم لا يزال معروفًا في تونس باسم دارغوت، واشتهر في بلاد الشام باسم المغربي، وينتهي نسبه إلى المجاهد الكبير أمير البحر درغوت المدفون في طرابلس الغرب. وقد تلقى العلم أولًا على والده وبعض أفراد أسرته وبعض كبار العلماء المعروفين، منهم الشيخ حسين الجسر مؤلف الرسالة الحميدية. ثم اتصل بالمصلح الكبير السيد جمال الدين الأفغاني، وكتب عنه مذكرات نشرتها دار المعارف المصرية في العدد (٦٨) من سلسلة (اقرأ)، ثم أولع بدراسة آثار الشيخ محمد عبده وأعجب بعمق أفكاره، وأخذ يجهر بضرورة الإصلاح الديني والاجتماعي والسياسي، فلقي في سبيل ذلك عسرًا وعناء، حمله على اللجوء إلى مصر، بعد أن استدعاه إليها الشيخ محمد عبده، وفيها عكف على الاشتغال بالصحافة، وكتب في أكبر جرائد ذلك العصر، وكانت مقالاته في جريدة المؤيد حديث الطبقة المثقفة المستنيرة آنذاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-420>عودته:</span>\nولما أعلن الدستور العثماني، عاد إلى طرابلس الشام، فأصدر فيها جريدة (البرهان) تبشر بالمبادئ الإصلاحية التي ارتضاها، وتدعو إلى النهضة اليقظة بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد اشترك بعدئذ مع صديقه عبد العزيز جاويش والأمير شكيب أرسلان، في تأسيس كلية دار الفنون في المدينة المنورة، كما اشترك في تأسيس الكلية الصلاحية في القدس. وكان هدفها تخريج علماء ودعاة إلى الدين، يجمعون بين العلوم الدينية والعصرية.","vol":"2","page":206},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-421>في خدمة العلم:</span>\nاستوطن دمشق واشتهر بعلمه وفضله، فلما أنشأت الحكومة العربية المجمع العلمي العربي فيها سنة ١٩١٩ م، انتخب عضوًا عاملًا فيه، كما سمي بعدئذ أستاذًا للآداب العربية في الجامعة السورية، وفي سنة ١٩٣٤ م سمي عضوًا في مجمع اللغة العربية المصري الذي كان يسمى مجمع فؤاد الأول. ثم صدر مرسوم جمهوري في سنة ١٩١٤ م بالموافقة على انتخابه نائبًا لرئيس المجمع العلمي المصري العربي في دمشق، ثم انتخب عضوًا في المجمع العلمي العراقي في بغداد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-422>آثاره العلمية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>وأشهر مؤلفاته:</span>\n١ - كتاب (الاشتقاق والتعريب).\n٢ - (البينات) وقد صدر منه جزءان.\n٣ - (الأخلاق والواجبات)\n٤ - تفسير جزء تبارك.\n٥ - محمد والمرأة.\n٦ - وترجم عام ١٩٠٨ م رواية (غادة الكاميليا) لإسكندر دوماس، وسماها (النجم الآفل)، ومثلها لأول مرة الشيخ سلامة حجازي ذلك العام.\n٧ - شرح تائية عامر بن عامر البصري.\n٨ - (كتاب عثرات اللسان).\n٩ - (منافسة أدبية لغوية) مع عبد الله البستاني وأنستاني الكرملي.\n١٠ - شرح المقصورة الدريدية.\n١١ - على هامش التفسير.","vol":"2","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-424>وفاته:</span>\nوفي يوم الخميس ٧ حزيران سنة ١٩٥٦ م، استأثرت المنية بروحه الطاهرة ودفن في مقبرة الفواخير بسفح جبل قاسيون، وأقيمت له حفلة تأبين كبرى في مدرج الجامعة السورية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-425>٢ - تأثره بالإمام:</span>\nيبدو تأثر الشيخ عبد القادر بالإمام محمد عبده جليًّا في كثير من المواضع، سواء أكان ذلك بتبني رأي ارتآه، أم بإشادته به، فهو يذكر في مقدمته لتفسير جزء تبارك، أنه أحجم عن تفسير هذا الجزء حينما طلب منه، لأنه سمع أن الإمام قد فسره، ويقول: إن تفسيره لهذا الجزء، سوف لا ينظر إليه على أنه تفسير له هو بصفته الشخصية، بقدر ما سينظر إليه على أنه حلقة في مدرسة الشيخ محمد عبده، ويقول في رسالته التي سماها (الحجج الظاهرة في ما هي ملذات الآخرة): (بقي أن نذكر ما قاله إمام المتأخرين، أستاذنا وقدوتنا في أبحاثنا الشيخ محمد عبده ﵀، في تفسيره على (جزء عم)، عند قوله تعالى في صفة أهل الجنة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (١٠) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾ [الغاشيه: ٨ - ١١] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-426>٣ - منهجه في التفسير:</span>\nلم يترك الشيخ المغربي في التفسير إلا النزر اليسير، فهو يختلف عن سابقه وزميله الشيخ رشيد فقد ترك تفسير جزء تبارك والرسالة التي نوهنا عنها آنفًا وهذا الذي تركه على قلته، يعطينا صورة واضحة عن منهجه وطريقة تفسيره، وبعد ذلك عن مدى التأثر بالإمام في التفسير.\n_________\n(١) عن كتاب: (أعلام الأدب والفن) تأليف: أدهم الجندي جـ ٢ ص ١٢٠ - ١٢١.\n(٢) على هامش التفسير ص ٤٠.","vol":"2","page":208},{"text":"أعطي الشيخ عبد القادر حظًّا وافيًا من البيان العربي، وأسلوبه يمتاز بسلاسة اللفظ، وسهولة المعنى، وجوده السبك. فتفسيره للآية من القرآن قطعة أدبية يبدعها يراعه، فيحس القارئ آثار الروعة وحسن العبارة ويسر المعنى جمالًا يترقرق، فيصل إلى قلب القارئ دون تكلف أو تعقيد.\nوهو مع هذا لا يهمل دقائق اللغة، بل يتوسع فيها أكثر من شيخه الإمام، كما لا يهمل بعض النوادر التي تعكس لنا صورة واضحة عن أسلوب الشيخ، وقوة عارضته في تأدية العبارة.\nأ- يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾ [الملك: ١٥].\nأصل الذلول الدابة اللينة السهلة الانقياد. مشتق من الذِّلّ بكسر الذال بمعنى اللين، وهو ضد الصعوبة، والوصف منه ذلول، أما الذُّل بضم الذال، فهو أن يهون أمر الرجل ويصغر شأنه بين الناس، وضده العز، والوصف منه ذليل.\nوالمناكب جمع منكب على وزن مجلس، وهو الناحية من كل شيء، فمناكب الأرض أطرافها وجوانبها، ومنكبا الرجل جانباه. والمنكب أيضًا في البعير والإنسان، اسم للموضع الذي يلتقي فيه عظم عضده بكتفه، وهما منكبان، فيحتمل أن يكون المراد بمناكب الأرض جبالها وآكامها، وتكون سميت بذلك لشخوصها وارتفاعها، كارتفاع المناكب في الإنسان، وخص الجبال بالذكر في قوله ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ لإفادة أن الأرض غاية السهولة والانقياد للإنسان، بحيث يتسنى له الانتفاع بوعورها وحزونها، فكيف يكون مقدار انتفاعه بسهولها وأريافها المنبسطة؟ يروى أن بشير بن كعب العدوي، قرأ هذه الآية ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ فقال لجارية له: (إن دريت ما مناكبها فأنت حرة لوجه الله) فقالت: (مناكبها جبالها)، فكأنما صفع في وجهه، أي كأن لاطمًا لطمه على وجهه خشية أن تكون الجارية","vol":"2","page":209},{"text":"أصابت في تفسير المناكب فتعتق عليه، وتخرج من ملكله، وهو ضنين بها، فسأل: فمن قائل عتقت، ومن قائل لم تعتق. ثم سأل أبا الدرداء الصحابي الجليل -﵁- فقال له: (إن الخير في طمأنينة، وإن الشر في ريبة فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك) ومعنى هذا أن خيرًا للإنسان أن يكون في حالة طمأنينة وهدوء نفس، وأن شرًّا له أن يكون حاله على العكس، وإن الجارية يحتمل أن تكون قد أصابت وأن تكون قد أخطات. فبقاؤها في ملك سيدها مدرجة للشيطان بالوسوسة إلى نفسه، فالأحسن له أن يعتقها ثم يتزوجها إن شاء وشاءت هي).\nوالنشور مصدر (نشر الميت) (ينشر) من باب (دخل)، عاش بعد الموت، ومعنى كون النشور إلى الله، أن البعث ومرجع الإنسان في نشأته الأخرى إليه تعالى، فليس من يحاسبه على أعماله سواه.\nقلنا آنفًا: إن هذه الآية تتضمن مثالًا من أمثلة لطفه تعالى بالبشر، منذ جعل الأرض صالحة لسكناهم فيها، على أن الآية ربما كانت مسوقة لتهديد المكذبين وتذكيرهم بأن من يسر لهم أسباب البقاء في هذه الأرض قادر على سلبهم إياها. فهو يقول لهم: احذروا هذا التمادي والتكذيب للرسل، ومحاولة إخفاء سرائركم، واذكروا أنه تعالى جعل لكم الأرض سهلة لينة منقادة انقياد الدابة الذلول، فدعوا إذن العناد والتكذيب جانبًا وحافظوا على هذه النعمة، وامشوا في الأرض مشى المستثمر المستفيد، وانتفعوا بما هيأه لكم فيها من أنواع الرزق وأصناف القوت، ثم لا تركنوا إلى هذا العيش الهنيء، فتستسلموا إلى أهوائكم، ووساوس نفوسكم، بل تيقنوا أنكم سوف ترجعون بعد النشور، من قبوركم إلى الله، فيحاسبكم وينتصف منكم.\nوانقياد الأرض للإنسان ظاهر بالأكثر في الأمم الحية، التي عرفت كيف تنتفع بقوى نفسها ومدارك عقولها الممنوحة لها من قبل العزة الإلهية، فهي لم","vol":"2","page":210},{"text":"تدع ضربًا من ضروب الانتفاع بهذه الأرض إلا تناولته، ولا طريقًا من طرق الاستفادة من خيراتها إلا سلكته: حلّلت العناصر وركبتها، صهرت المعادن وطبعتها، عرفت طباع الحيوانات وسخرتها، فقهت خصائص النباتات واستنبتتها، اكتشفت نواميس المادة وأخضعتها، اكتنهت أسرار الكائنات واستخدمتها، غاصت في أعماق الماء، طارت في أجواء السماء، إذا اعترضتها شوامخ الجبال نادتها بالبخار من تحتها. أو توقَّلت بسلالم سكك الحديد من فوقها. وبالجملة فإن من بلوغ البشر هذه الدرجة من الرقي، مصداقًا لامتنان الباري تعالى عليهم، بجعل الأرض ذلولًا لهم يمشون في مناكبها، ويأكلون من رزقها حتى يأتيهم اليوم المقدور، ثم إلى الله يكون النشور.\nوقد يقال في تصوير كون الأرض ذلولًا لنا معشر البشر، أننا نعيش محمولين على ظهرها، وهي تسير بنا في فلكها حول الشمس، لا تبطئ ولا تسرع بأكثر مما تستدعيه حال سكانها، ولا تصادم نجمًا أو ذنبًا لذوات الأذناب السابحة في الفضاء. فكانت الأرض لنا نعمت المطية المدربة والذلول المجربة) (١).\nب- ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢)﴾ [المعارج: ١٩ - ٢٢].\n(أما الخلق الذي فطر عليه الإنسان، فهو ما عبر عنه بقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩)﴾ وأراد بالإنسان كل أفراده لا واحدًا منه، بدليل استثناء (المصلين) منه، والاستثناء معيار العموم، أما الهلوع فقد فسره الكتاب نفسه بقوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرّ. . .﴾ والمعنى أن الله خلق الإنسان، وغرس في نفسه منذ أول نشأته، هذا الخلق الذي هو (الهلع) فهو (إذا مسه الشر) ونزل به المكروه، من فقر أو مرض أو خوف، كان (جزوعًا) فيستولي عليه اليأس والقنوط، ويحسب\n_________\n(١) تفسير جزء تبارك ص ١١ - ١٢.","vol":"2","page":211},{"text":"أن ما نزل به غير مقلع عنه، فالفقر لا يعقبه غنى، والمرض لا تخلفه صحة، والخوف لا ينسخه أمن، وكثيرًا ما قاده يأسه هذا إلى ارتكاب معصية أو منكر وقتل نفسه أحيانًا. ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ﴾ وتيسرت له أسباب الرغد وغضارة العيش، فأصبح غنيًّا موسعًا عليه في الرزق صحيح الجسم معافى، موقور الجانب نافذ الكلمة، ذا جاه ومنصب كان إذ ذلك ﴿مَنُوعًا﴾، يمنع الناس رفده ومعونته والانتفاع بجاهه، فهو من غلبة هذا الخلق عليه، يحسب أن ما أوتيه من الخير والرزق والنعمة، لم يؤت إلا لكلونه مستحقًّا له بذاته لا بفضل الله، فيطغى على الناس، ويكفر النعم، فلا يشكر لله عليها بوضعها في مواضعها، بل قد يستخف بها أحيانًا، فيحسب أنه مستحق لأكثر منها، وربما تدرج من هنا إلى إيذاء خلطائه والبغي عليهم، وغمط حقوقهم، وهذا هو البطر، وصاحبه هو المنوع الذي حكى الله عنه في هذه الآية.\nخلق الإنسان، منذ أول نشأته، مفطورًا على (الهلع)، ولكنه تعالى لطف به، فخلق في نفسه إلى جانب هذا الهلع مواهب سامية، كالعقل وغريزة التدين، وكآيات الوحي (١)، التي كان يتلقاها الأنبياء، فيعالجون بها ضعف الإنسان ويلطفون من سورة هلعه، ومن ذلك الصلاة التي هي عماد التدين، وأكبر مظهر من مظاهر عاطفته، وهذا معنى قوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾، استثناهم من أفراد الإنسان الملوثين بالهلع، فالمصلون بما واظبوا على صلواتهم، وتعرضوا لنفحات ربهم، وهم يناجون فيها -فلا يجزعون إذا مسهم الشر، ولا يمنعون إذا مسهم الخير) (٢).\nجـ - ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ [الإنسان: ٧] من سورة الإنسان (٣): (أما الخصلة الثالثة التي استحق بها الأبرار\n_________\n(١) هذه العبارة دليل على تأثره بالاعتزال كما سيظهر فيما بعد.\n(٢) تفسير جزء تبارك ص ١٠٩ - ١١٠.\n(٣) ص ٢٦٠.","vol":"2","page":212},{"text":"رضاء الله وكرامته، فهي الوفاء بالنذر. وأنت ترى أنه خص هذه الخصلة بالتقديم على الخصلتين الأخريين، وليس ذلك لأن المراد بها، أن ينذر المؤمن لله صيام يومين، أو صلاة ركعتين أو إطعام رغيفين، ثم يفعل ما نذره ليس المراد ذلك، وإن كان الوفاء بما ذكرنا مطلوبًا شرعًا، وإنما المراد بالوفاء بالنذر، الذي جعله الله من صفات الأبرار في قوله تعالى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قوة الإرادة، فلا يأخذ على نفسه عمل خير، أو ممارسة فضيلة أو قيامًا بأمر نافع له أو لقومه دنيا وأخرى -إلا أمضاه ووفى به، ويدخل في ذلك الوفاء بما نذر من قربة أو طاعة. أما أن الواحد منا، يفكر في عمل صالح ينفع قومه، ويعلن أنه يريد القيام به والإقدام عليه، ثم يتقاعس عنه ويفتر، ويماطل إذا سئل عنه ويعتذر، فهذا هو ضعف الإرادة الذي عابه القرآن في غير ما موضع من آياته، ولم يجعله من خصال الأبرار الذين يستحقون دخول جناته. قال ابن جرير في تفسيره: (والنذر هو كل ما أوجبه الإنسان علي نفسه من فعل، ومنه قول عنترة:\nالشاتميْ عِرْضِي ولم أَشْتِمْهُمَا. . . وَالناذِرَيْن إذا لم ألقهما دمي\nولا يخفى أن سفك دم عنترة، الذي نذره أبناء ضمضم ليس من القربات في شيء، فهذا هو النذر في لغة العرب، وهذا هو طريق استعماله لحين نزول القرآن، ثم لما شاع استعماله في نذر القربات، لم يعد يفهم منه إلا نذر هذه الأشياء، ككثير من كلمات اللغة الواردة في القرآن والسنّة، اختلفت معانيها باختلاف الزمان وعلى المفسر المتقن أن ينتبه إلى ذلك الاختلاف (١) وليفطن أن الوفاء بالنذر الذي مدحه القرآن في هذه الآية، عبارة عن قوة الإرادة التي من آثارها إبراز كل عمل صالح نافع إلى ساحة الوجود، بعد أن جرى التصميم عليه في ساحة الفكر، وإن لم يبرزه المفكر، لم يكن موفيًا بالنذر، ولم يكن من الأبرار الذين تصدق عليهم هذه الآية، بل تصدق عليهم آية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ\n_________\n(١) قول الشيخ هذا يفقد عنصري الدقة والموضوعية.","vol":"2","page":213},{"text":"آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٢ - ٣].\nد - وها هو الشيخ عبد القادر ﵀، يجلى لنا روعة البيان القرآني في تشبيهاته، بأسلوب جذاب فيه الحركة والحيوية موشيًا ذلك بأقوال العرب في أشعارها، نستمع إليه عند تفسير قول الله ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ من سورة المرسلات يقول: فهم المخاطب من أوصاف الظل في الآية السابقة أنه ظل جهنمي، وأن المراد به الدخان المنعقد في سماء جهنم، فلم يتردد في كون ضمير (إنها ترمي المؤنث) -عائدًا إلى جهنم أو دار العذاب، على أنه يصح أن يرجع الضمير المذكور إلى قوله (ثلاث شعب)، التي قلنا إن المراد بها ذوائب اليحموم المتكاثف، في سماء تلك الدار، فهو دخان لا كالدواخن المعقودة، وله صفات غريبة غير معهودة، من ذلك (أنها) أي شعب اليحموم وذوائبه (ترمي) على المستظلين بها من آونة إلى أخرى.\n(بشرر) جمع شررة، وهي ما يتطاير من النار أثناء تلظيها، وكل واحدة من هذا الشرر (كالقصر) أي كالبيت المبني، وقد يستعظم السامع هذا الوصف، ويستغرب تشبيه الشرر بالقصر، لأنه إنما يفهم من القصر حسب المشهور في معناه -البناء العظيم المشرف، فيقول: كيف تكون الشررة الواحدة المتساقطة من ذلك الدخان، أو من تلك النيران كالقصر؟ بل ربما ذهب خياله إلى قصور الملوك الباذخة ذات الشرف والقمم والأبراج الشامخة، فيستغرب الوصف ويستبعد الأمر، ولكن القصر إن كان يطلق في لغة العرب على هذا الضرب من المساكن الشامخة، فإنه يطلق على كل بيت من حجر ولو كان صغيرًا لائطًا. بل قال ابن عباس -﵄-: (إن تشبيه الشرر بالقصور وارد على ما هو المعتاد في بلاد العرب، من جعل قصورهم قصيرة السمك -أي قليلة الارتفاع- جارية في هيئاتها وشكلها مجرى الخيام) وقد لمح أبو العلاء المعري","vol":"2","page":214},{"text":"قول ابن عباس هذا، فقال يصف نارًا عظيمة، ويشبه شررها بالخيام:\nحمراء ساطعة الذوائب في الدجى. . . ترمي بكل شرارةٍ كطرافِ (١)\nوقد فسر بعضهم (القَصْر) الذي شبهت به الشرارة بجزل الحطب، أي الغليظ من أعواده، وكأن هذا القائل استبعد أن يكون المراد بالقصر البيت الحجري لما ذكرنا آنفًا، مع أن تفسيره به من أحسن التشابيه وأشدها انطباقًا على ما كان مألوفًا للعرب في ذلك العهد، وكثيرًا ما شبه شعراؤهم النياق بالقصور.\nقال عنترة:\nفوقفتُ فيها ناقتي فكأنها. . . فَدَنٌ (٢) لأقضي حاجةَ المتلَوِّمِ\nوقال امرؤ القيس:\nولما أن جرى سمن عليها. . . كما طينت بالفدن السِّيَاعا (٣)\nيريد أن ناقته لما سمنت، كان اللحم متراكبًا عليها، تراكب الطين على جدران القصر.\nوقال الأخطل:\nكأنها برج رومي يشيده. . . لُزَّ بِجِصِّ وآجرٍّ وأحجار\nوقالوا في وصف نياق أو أفراس: (إن وقفن فمَجَادل، أو مررن فأجادل والمجادل القصور والأجادل الصقور).\nثم ذكر الكتاب لشرر جهنم تشبيهًا آخر، غير تشبيهها بالقصر، قال: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣]، أي كأن شرر جهنم المتطاير عنها (جمالات)\n_________\n(١) الطراف: الخيمة من الجلد المدبوغ.\n(٢) فدن: قصر.\n(٣) السياع: الطين بالتبن.","vol":"2","page":215},{"text":"جمع جمل وهو الحيوان المعروف، كما قالوا رجل رجال ثم رجالات، ومن جموع جمل أيضًا جمالة، وقرئ به أيضًا، ﴿كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْرٌ﴾، شبه الشرارات بالجمالات في عظمها ولونها، ثم في كثرتها وانتشارها هنا وهناك، في المراعي وفي تتابع بعضها إثر بعض، وهي سائرة في قطارها، وهكذا الشرارات، تنبعث الشرارة إثر الشرارة، أثناء تلظي نارها.\nو(الصفر) ذات اللون الأصفر المعروف، أو المراد بالصفرة هنا: السواد الضارب إلى الصفرة، فإن هذا اللون هو اللون الغالب في ألوان الإبل عند العرب، والعرب يستعملون وصف (الأصفر) فيما كان لونه كالذهب والزعفران، وفيما كان لونه أسود كالغراب والدخان، فهو من أسماء أو صفات الأضداد، حتى فسر بعضهم قوله تعالى في وصف بقرة بني إسرائيل ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ بأنها سوداء خالصة اللون، وكما جعل بعض المفسِّرين (القَصْر) في الآية بمعنى جذوع الحطب الضخم، لا البيوت المعروفة، كذلك جعل بعضهم (الجِمَالات) جمع الجمل بمعنى القلس، لا الحيوان المعروف، والقلس حبل السفينة الضخم).\nوقال: إن الكتاب يشبِّه الشرر في تتابعه وتلاحقه، واتصال كل شرارة بأختها بحبال السفن الضخمة البالغة الغاية في الثخانة والطول، فشرارات نار دار العذاب في ضخامتها وتماسكها ولونها الأصفر الضارب إلى السواد -كالقلوس أي حبال السفن التي هذه صفتها، والحاصل أن الوحي الإلهي شبه شرار جهنم في كبرها ولونها بالقصور والجمال، أو بجذوع الحطب والحبال، ولا تعجب من قرن الجمال الصفر بالقصور الحمر في الذكر، ولا من الجمع بينها في التشبيه، فإنك إذا نظرت إلى قرية من قرى العرب وقصورها، أي أبياتها الصغيرة اللائطة، المحمرة والمصفرة بلون طينها أو ترابها أو حجارتها، وهي منتشرة هنا وهناك في جنبات السهل الأفيح، ويتخللها أو يسرح في كل جانب","vol":"2","page":216},{"text":"من جوانبها، نياق وجمال مصفرة اللون أو مسودته، ترعى وتتناول بمشافرها أوراق الشيح والقيصوم، تارة هنا وطورًا هناك -إذا وقع نظرك على ذلك، لمحت من بعد في آن واحد أجسامًا صغيرة حمراء أو صفراء أو سوداء، تتراءى لك من خلال الكلأ والعشب الأخضر، هذه البيوت هنا وهذه الجمال هناك، في مشهد واحد، وإذ ذاك لا تعود تستبعد تشبيهه الشرارات الجهنمية، بتلك الأبيات والجمالات، ولا تستغرب قرنهما حقًّا في الذكر، بل تستحلي ذلك وتعجب به، وأمر هذه التشابيه ووقعها في النفوس، وقربها أو بعدها من الأذواق، مرجعه الألفة والاعتياد، ومقدار تأثر الحواس والمشاعر بها، وهذه منشأ خطأ الكثيرين، لا سيما الذين يجهلون أحوال العرب، وأطوار معايشها وأساليب حياتها، في حكمهم على القرآن وبلاغته ... يرونه يصفُ وصفًا، أو يطلق قولًا، أو يورد تشبيهًا أو يحكي قصة غير مألوفة لنا اليوم، ولا مما جرينا عليه في أساليب كلامنا، ولا مما اعتدنا أن نشعر به في حياتنا وأطوار اجتماعنا، ويكون السبب في قصور حكمهم مخالفة ما نحن عليه لما عند أولئك العرب المخاطبين بالقرآن الذي روعي في آياته وأساليب خطابه، ما اعتادوه وألفوه هم، كما قال ابن عباس في تشبيهه شرر الناس بالقصور: (إنه وارد على ما هو المعتاد في بلاد العرب، من جعل قصورهم قصيرة السمك، جارية في هيئتها وشكلها مجرى الخيام)، ولعل ابن عباس إنما قال هذا، بعد أن رأى قصور الشام والعراق، التي يستحلي شعراؤهم أن يشبهوها -منذ يرونها مبثوثة بين المروج- بالدرّ بين الزبرجد.\nقال شاعرهم:\nلاحت قراها بين خضرة مرجها. . . كالدرّ بين زبرجدٍ مكنون (١)\nهذا هو الشيخ عبد القادر في أسلوبه، وهو يصدر المعاني كأنما قلمه ريشة فنان، ولكن هذا لا يُكتفى به، ليعطي صورة صحيحة عن مفسر القرآن. وإذا\n_________\n(١) تفسير جزء تبارك ص ٢٩١ - ٢٩٤.","vol":"2","page":217},{"text":"كانت النماذج السابقة جعلتنا نقف على أسلوب الرجل وطريقته، فإن من الضروري أن نتعرف إلى آرائه وأفكاره، بصفته من أبرز رجال مدرسة لها أثرها وخطرها في تفسير القرآن الكريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>بروز خصائص المدرسة العقلية في تفسيره:</span>\nلقد عشنا مع المغربي الأديب فلا بد أن نعيش كذلك مع المغربي العالم.\nوالناظر في تركة الشيخ من تراث قرآني يدرك لأول وهلة أنه كان أكثر تأثرًا بالشيخ محمد عبده، حتى من الشيخ رشيد، وبخاصة في توسيع دائرة العقل، ويتصل هذا التأثر بمدرسة الاعتزال، ومن خلال هذا التفسير سنلمح كذلك عدم عناية الشيخ بالسنّة، وتأويله كثيرًا من الآيات بالتمثيل، لتنسجم مع معطيات العلم الحديث.\nأولًا: نزعته العقلية وتأثره بالاعتزال: يقص علينا الشيخ في مقدمته، أن اللجنة التي شكلتها مشيخة الأزهر لدراسة تفسيره قبل أن يطبع، كان من ملاحظاتها أنها وجدت عدة نقاط قررها بما يتفق مع مذهب المعتزلة، وقد اضطر إلى حذفها من تفسيره إلا أن آثار الاعتزال بقيت فيه وقد ظهر بعضها في النماذج السابقة.\nأ- فهو عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] يبين مذهب أهل السنّة، ومذهب المعتزلة في رؤية الله، ثم يقول بعد ذلك: (ويا ليت المسلمين أضربوا في صدرهم الأول، عن الاختلاف في أمثال هذه المسألة، مما كان الخلاف فيه لفظيًا أو فلسفيًا، أو لا تكون له نتيجة عملية، أو لا ينقض أصلًا من أصول الدين) وكان الأحرى بالشيخ أن يسير مع أهل السنّة لا على سبيل التعصب، ولكن لأن الآثار ترجح ما ذهبوا إليه، وأن ينحي باللائمة على المعتزلة، لأنهم هم الذين أثاروا مثل هذا الخلاف، ولم يظهر هذا الخلاف في الصدر الأول كما يدّعي.\nب- وإذا كان الشيخ قد تأثر بالمعتزلة بعامة، فإنه كشيخه الإمام تأثر بأبي مسلم","vol":"2","page":218},{"text":"بخاصة، فهو ينقل مستحسنًا كلما سنحت فرصة رأي أبي مسلم. من ذلك مثلًا قوله عند تفسير قول الله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ [الملك: ١٦] وذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أن العرب لما كانوا يقرون بوجود الله تعالى، ويزعمون أنه في السماء خوطبوا في الوحي على حسب اعتقادهم، فقيل لهم: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ أي أأمنتم أيها القوم ذاك الإله العظيم الذي تعتقدون أنه موجود في السماء، أن يهلككم! هذا ما قاله أبو مسلم، وهو دقيق جدًّا).\nوعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أي يوم هو، أفي الآخرة أو الدنيا؟ يقول: (وذهب أبو مسلم الأصفهاني مذهبًا في تفسير هذه الآيات لا أراه بالبعيد، فقد قال: إن ذلك اليوم في الدنيا، لأن الله تعالى قال: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ ويوم القيامة لا يدعى فيه إلى عبادة) ومع بعد هذا عن المتبادر من الآيات، إلا أن الأستاذ يستحسنه ولا يرى فيه بعدًا ولا به بأسًا.\nجـ - ومن هذا القبيل ميله إلى التمثيل في كثير من الآيات، والتمثيل شائع كثيرًا عند المعتزلة. فمثلًا يقول في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧]، إن هذا من باب التمثيل).\nويبسط هذا حينما يتحدث عن نعيم الجنة في رسالته (الحجج الظاهرة في ما هي ملذات الآخرة) فهو يذكر أن للناس في نعيم الآخرة ثلاثة مذاهب:\nأولًا: مذهب الجمهور ويحملون الآيات على حقيقتها، مستندين إلى قدرة الله والإمكان العقلي.\nثانيًا: مذهب المتصوفة ويفسرونه تفسيرًا روحانيًا.\nثالثًا: مذهب اللغوين الذين يدركون أسرار اللغة ومزاياها.\nوأما المذهب الأول فهو مذهب المقلدين الجامدين (هكذا يقول الشيخ وبكل","vol":"2","page":219},{"text":"جرأة! ومن هم هؤلاء المقلدون الجامدون؟ إنهم ليسوا متأخري الفقهاء، ولا صغار العلماء، وإنما هم الجمهور كما قال هو! ... الجمهور إذن هم المقلدون الجامدون!، سبحان الله إنه ليس أسهل على رجال هذه المدرسة، من أن يصفوا غيرهم بالجمود والتقليد، ولو كان هؤلاء كبار الأئمة المجتهدين! ! ويخلص الشيخ إلى القول بأن أصحاب المذهب الثالث، هم الذين أصابوا عين الحقيقة، ويستدل لذلك بأمثلة كثيرة منها: (إن التمثيل معروف في لغة العرب، ويستشهد بأقوال من الشعر العربي لا تنهض له دليلًا، ولست بصدد مناقشتها في هذا المجال، فنحن لا ننكر التمثيل والصور المنتزعة من المحسوسات، لكننا لا نرى أن مجال التمثيل ينبغي أن تتسع له دوائر الألفاظ كلها، ولا بأس من أن أنقل بعض عبارات الشيخ (ولا يتوهمن أحد ما قلناه هو بعينه قول المتصوفة السابق، لأن المتصوفة إنما يجعلون مدلولات هذه الألفاظ الدالة على الملذات، أمورًا ذوقية تحسّ بها طائفة خاصة، بينما نحن نقول بأن لتلك الألفاظ مدلولات علوية تلائم الحياة: الحياة الأخروية، لا نستطيع اكتناهها في حياتنا الدنيا، وإنما فعل الشرع ذلك تفاديًا من وضع كلمات جديدة، لهذه المسرات الأخروية، ليست من لغة العرب المخاطبين ولا يفهمونها. والحكمة تقضي أن لا يخاطبهم إلا بما يفهمون، لتنهض الحجة عليهم، وما فعله الشرع من نقل هذه الكلمات من معنى إلى معنى، لم يكن بدعًا من عادة العرب) (١).\nثم يقول: (ومحصل القرآن حمل آيات النعيم، ووصف اللذائذ الأخروية على المعنى الكنائي، والأسلوب التمثيلي -كما وقع في قول الخنساء وأقوال الكثيرين غيرها، من فحول فصحاء العرب وبلغائهم- لا يضر تلك الآيات، ولا يحط من قدر بلاغتها وقيمة إعجازها، بل هو على العكس يزيدها رونقًا وبلاغة وحسنًا، ويرفعها درجات في معارج الإبداع والإعجاز) (٢).\n_________\n(١) على هامش التفسير ص ٢٢ - ٢٣.\n(٢) على هامش التفسير ص ٢٧ - ٢٨.","vol":"2","page":220},{"text":"ونتساءل هنا إذا كانت الآخرة وما فيها غيبًا من الغيوب، التي ليس لها طريق إلا خبر المعصوم، وإذا كان لا يعدل عن الحقيقة بغيرها إلا بسبب، فما هو الداعي الذي دعانا إلى حمل هذه الآيات على الكناية والتمثيل؟ يجيب الشيخ عن هذا التساؤل:\nأولًا: إن دار الآخرة دار الكمال المطلق، وهي مغايرة بطبيعتها وسننها وجميع نواميسها لدار الدنيا.\nثانيًا: ذكر الوحي مشتهيات ومسرات وأسباب لذة وصنوف نعيم يتنافس بها العرب المخاطبون لذاك العهد، ويعدونها من أكرم الملذات.\nثالثًا: إن الوصائف والمطاعم والمشارب والملابس والأواني، وضروب الزينة، هي مما يزهد فيه كثيرون من أهل الدنيا لا نمثل لك بالأنبياء والصديقين والربانيين، بل ببعض ذوي النفوس الكبيرة والعقول الثاقبة والحكمة الرائعة من أبناء الدنيا) (١).\nوما ذكره الشيخ من هذه الأسباب ليس مسوغًا للخروج عن الحقيقة، بل إن كل ما ذكره يمكن أن يناقش ويرد، ويقيني أنه ليس هذا هو السبب الحقيقي، بل إن السبب الحقيقي وراء هذا كله شعور داخلي يطارد كثيرًا من الناس، الذين يظنون أن ما يشيعه خصوم الإسلام من تهم وافتراءات وتقولات، يحتم علينا أن نقف موقفًا دفاعيًا، فنتأول الآيات ونخرجها عن حقيقتها. من أجل ما يقول أولئك، إنه انهزام مع كل أسف، ولعلي لا أتجنى على الحقيقة كما تجنى عليها هؤلاء، وإذا رجعنا إلى بعض عبارات الشيخ ندرك السبب الحقيقي الذي من أجله يعدل عن الحقيقة إلى غيرها، يقول الشيخ: (ولا سيما أن الزنادقة مبغضي الإسلام، قاموا في هذه الأزمنة المتأخرة، فأكثروا من تعيير المسلمين، والقدح فيهم وفي دينهم، وأكبر تكأة يتكئون عليها في ذلك عقيدة (ملذات الجنة) مُذْ يسمعوننا -معشر المسلمين- نأخذ\n_________\n(١) المرجع نفسه.","vol":"2","page":221},{"text":"بظاهرها الحرفي، ولا يحسن بنا أن نتغافل عما يقوله كتاب أوروبا، وقصصيُّوهم وشعراؤهم فينا، وفي ديننا وتقاليدنا، فقد كان لقولهم تأثير عميق في نفوس أقوامهم وبني جلدتهم، فاقتنعوا فضل اقتناع بأن المسلمين منحطون في دينهم وآدابهم وأخلاقهم) (١).\nولكن لا ندري، ترى، إذا أوّل الشيخ هذه الآيات، أيقتنع هؤلاء المبغضون بهذا التأويل، أم أن هذه الآيات ستبقى في القرآن الذي حفظه الله، وستبقى مثار شبهة عند هؤلاء ابتغاء الفتنة؟ وهل اقتصر أعداء الإسلام في طعنهم وشبهاتهم على نعيم الجنة وحلاوتها فحسب؟ لقد حاولوا النيل من كل جانب من جوانب عظمة الإسلام، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢] لقد ألقى هؤلاء شبهات عن الإرث والطلاق والجهاد وتعدد الزوجات، وكلها شبهات باطلة داحضة أفتتأول هذه كلها من أجل أن نأمن شرهم؟ والله يقول وهو يحذرنا منهم ﴿وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨].\nثانيًا: عدم التثبت في نقل الأحاديث: من أهم الأمور بالنسبة للمسلم بعامة وللعالم بخاصة، التثبت مما ينقل، ولا سيما إذا كان هذا المنقول أحاديث الرسول عليه وآله الصلاة والسلام، إن الواحد من هؤلاء لو نقل له خبر عن شيخه مثلًا، ما كان ليقبله إلا بعد روية وطمأنينة، فما بالهم لا يتثبتون وهم يقولون قال رسول الله! إن إسناد القول إلى رسول الله -ﷺ-، دون التأكد من هذا الإسناد، من أعظم المآخذ والهفوات التي يلام عليها العالم، فليتق الله أقوام ليس أسهل عليهم من نسبة القول إلى الرسول عليه وآله الصلاة والسلام دون حيطة وتأكد.\nوالأستاذ المغربي ﵀ على الرغم من علمه وفضله قد وقع في هذا الخطأ عفا الله عنه، ففي أثناء حديثه عن تفسير آيات نعيم الجنة تفسيرًا لغويًا يعتمد على\n_________\n(١) على هامش التفسير ص ١٩ - ٢٠.","vol":"2","page":222},{"text":"أسرار لغة العرب -كما يقول- ويذكر دليلًا على رأيه هذا، قولين ينسبهما إلى الرسول الكريم عليه وآله الصلاة والسلام:\nأما الأول فيقول: إن عمرو بن قميئة قال للنبي إنك تزعم أن عيسى نبي، فكيف تقول (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون؟) فيجيبه الرسول ويحك ما أجهلك بلغة قومك إن (ما) لما لا يعقل وإن (من) لمن يعقل.\nأما الثاني فيقول: قال رسول الله -ﷺ- (أعربوا الكلام كي تعربوا القرآن).\nوأقول والألم يحز في نفسي: أما القول الأول فمع أنه باطل من ناحية المعنى والدراية فإنه كذلك مردود من ناحية الرواية، ولهذا قال الحافظ: إنه موضوع وإنه يعجب ممن ينقله (١). وأما الثاني فقد أورده ابن الأنباري في كتاب الوقف والابتداء عن أبي جعفر الأنصاري وهو ضعيف معضل (٢).\nوهكذا نجد بعض العلماء ممن يتصدون لأخطر مهمة، وهي تفسير كتاب الله لا يكلفون أنفسهم التحري في رواية حديث، مع أن ذلك ليس فيه جهد ومشقة، فقد كفانا الأئمة، جزاهم الله خيرًا، مؤونة العناء بما بحثوه ودونوه.\nثالثًا: الشيخ والنظريات العلمية: القرآن كتاب الإنسانية الخالد، جاء يصحح لها معتقداتها وآراءها، ويبين لها طريقة البحث كي لا تضل الطريق، وكتاب هذا شأنه، لا يتصور أبدًا، أن يجاري الناس فيما ألفوه وعرفوه، وإن كان بعيدًا عن الواقع، مجافيًا للحقيقة، ولكن بعض علمائنا سامحهم الله، وعفا عنهم لا يجدون حرجًا من أن يُعلنوا مجاهرين بأن القرآن قرر بعض الأمور، مجاراة لأفهام الناس ومعلوماتهم، بقطع النظر عن حقيقة هذه الأمور في الواقع ونفس الأمر، وما يقررونه مع مجافاته للصواب، فإنما يحمل معه نتائجه الخطيرة في آثارها، والسيئة في عواقبها.\n_________\n(١) روح المعاني جـ ١٧ ص ٩٤.\n(٢) فيض القدير جـ ١ ص ٥٥٨.","vol":"2","page":223},{"text":"أ- ومن هذا القبيل، ما يقولونه من أن السماوات السبع إنما هي مدارات الكواكب السيارة، وكان الأقدمون يعرفون منها سبعًا، فقرر القرآن هذا، تبعًا لمعارفهم، قالوا: (ولم تكن قد عرفت كواكب غير هذه السبع، وإنما اكتفى القرآن بذكر السبعة، لأنه لا يريد أن يخبرهم عن أشياء غير معلومة لهم) وهذا قول مردود لأول وهلة، لأن القرآن هو الكتاب الخالد على مدار الأيام، وهو الذي جاء يفتح عيون الناس وعقولهم، ويفتح لهم أبواب الآفاق كلها، ثم ألم يخبر القرآن بأن السماوات والأرض كانتا رتقًا ففتقهما الله؟ أكان هذا يا ترى، مما علمه الناس في ذلك الوقت؟ ألم يقل القرآن: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] أفكان هذا مما عرفه الناس في ذلك الوقت؟ ! .\nوكنا نود من الأديب المفسر الأستاذ المغربي، أن لا يتورط في مثل هذا، ولكنه مع كل أسف أرخى العنان لقلمه ليقرر ما يلي:\n(والسماوات السبع هنّ طرائق السيارات ومداراتها، ولا ريب أن هذه المدارات طبقات: طبقة أدنى من طبقة، وفلك فوق فلك، وإنما اقتصر الوحي من ذكر السماوات على سبعة -مع أن العلم أثبت أنها أكثر من ذلك- لأنه تعالى يخاطب القوم وقت البعثة، بما عرفوا من أمر الأفلاك وكواكبها، . وقد أحالهم على النظر والتأمل في تكوينها وأوضاعها، ليتنبهوا إلى كمال إحكامها، وليحدث الخطاب في نفوسهم عبرة، وإذعانًا وفضل تأثر، وليكون ذلك آية لهم على وجود الله وكريم صفاته، وهذا هو جل القصد من ذكر السماوات في القرآن، وليس القصد من ذكرها تقرير حقائق علم الهيئة، وسكوت الوحي من ذكر ما زاد على سبع سماوات لا ينفي وجود الزيادة. والحكمة في هذا السكوت أن المخاطبين في ذلك العهد، ما كانوا مقتدرين على النظر والتفكير في غير السماوات السبع، أو السيارات السبع التي عرفها الأوائل، واشتهر","vol":"2","page":224},{"text":"أمرها عند عامة الناس يومئذ، أما النجوم الثوابت الأخر، فلم يكن يتيسر لهم أو ينتظر منهم، أن يرجعوا البصر فيها ليروا ما فيها من تفاوت أو إحكام، وذلك لبعدها الشاسع عن متناول الحس، وعدم معرفة الأوائل ما عرفه المتأخرون من طبائعها وأحوالها وأما فلكا (أورانس) و(نبتون) فلم يكونا اكتشفا بعد في ذلك العهد، فلو أحال الله البشر في قرآنه على ما لم يمكنهم النظر فيه، والإحاطة علمًا بأمره من النجوم الثوابت، والفَلَكَيْن المذكورين -لكانت إحالته عبثًا، وتكليفه محالًا، وقد أبى الله ﷾ لنا ذلك في منزل وحيه، ومحكم شرعه، تفضلًا منه ورحمة) (١).\nوفي سورة نوح عليه وعلى نبينا صلاة الله وسلامه، وعند تفسير قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ [نوح: ١٥] يقرر هذا المعنى، ويقول: (إن قوم نوح قد عرفوا هذا، لأنهم كانوا ذوي خبرة في الكواكب). هذا ما يقرره الشيخ عبد القادر ﵀، ومن تتبع آي القرآن يجد أن تحديد السماوات بسبع، قد قرر كثيرًا في القرآن بأساليب مختلفة. مثل قوله تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، ومثل قوله ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [الملك: ٣]، ومثل قوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ﴾ [المؤمنون: ٨٦]، وفي كل هذا وضوح دلالة على أن تقرير القرآن، لم يكن القصد منه، مجاراة معارف الناس في ذلك الحين، وإنما هي حقائق قرآنية دونها حقائق العلوم على اختلافها.\nويقيني أن تحديد السماوات بسبع، ليس تحديدًا بشريًا، أي ليس البشر هم الذين وصلوا إليه بمعارفهم كما يقول الأستاذ، وإنما أصل المسألة الوحي الإلهي، وأنا أشك كل الشك في أن قوم نوح استطاعوا أن تصل معارفهم إلى اكتشاف الكواكب السيارة وغيرها، فخبر السماوات إذن وأصلها وعددها، إنما\n_________\n(١) تفسير جزء تبارك ص ٤.","vol":"2","page":225},{"text":"هو من الوحي، وإنما حصل اللبس فيما بعد، حينما عرفت الكواكب السبع فظن أن هذه هي عين تلك، فكان الخطأ في التطبيق والتفسير.\nويحضرني مثال شبيه لهذا وإن كان بعيدًا من حيث الموضوع، يخبرنا رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام، أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وبعد أكثر من قرنين اصطلح على سبعة أئمة للقراءات عرفت قراءاتهم بالقراءات السبع، فاشتهر عند العامة وعند كثير من الخاصة حتى من المفسرين، (كالخازن) مثلًا، إن الأحرف السبعة هي القراءات السبع، وهذا خطأ في التطبيق والتفسير، ولكن ليس معنى هذا أنه ليس هناك أحرف سبعة أو قراءات سبع، وهكذا يقال بالنسبة للسماوات السبع والكواكب السبع التي عرفها الأقدمون.\nوإذا كان القرآن حصر السماوات بسبع مجاراة لعلوم السابقين ومعارفهم، أفلا يمكن أن يقاس على هذا أمور كثيرة؟ فلو أن مؤرخًا مأفونًا، أو عالمًا معتوهًا، جاء يدعي أنه ليست هناك قرى تعرف بالأيكة أو مدين، أو ليس هناك في التاريخ من يسمى (لُوطا)، أفلا يمكن أن يقال له إذن إن القرآن ذكر هذا، مجاراة لمعارف الناس وتصوراتهم؟ الحق أن فتح هذا الباب على مصراعيه، سيكون سببًا لسهام غدر توجه إلى كبد الحقيقة: (حقيقة هذا الدين) وتقرير القرآن بأن السماوات سبعٌ لفتة علمية رائعة، ينبغي على العلماء أن يحاولوا جادين بحثها، بحثًا علميًّا يكون القرآن فيه هو الأساس.\nب - يقول الشيخ عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥] بعد بيانه لرأي الجمهور، ويا ليته اكتفى به: (ولبعضهم في تأويل جعل النجوم رجومًا للشياطين كلام جدير بالقبول وهو: أن الرجوم واحدها الرجم، مصدر رجم، وهو أن يتكلم المرء بالظن والتخمين، ومنه قوله تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: ٢٢] فإن الرجوم هنا يسمى الظنون، أما الشياطين فهم شياطين الإنس، أعني المنجمين الذين اتخذوا من النظر في نجوم السماء، والتكهن عن أمور المستقبل، بما يبدو لهم من طوالعها وقراناتها -صناعة لحمتها","vol":"2","page":226},{"text":"الرجم، وسداها الوهم، فالله تعالى يقول: إنه خلق النجوم فكانت زينة السماء، أما الشياطين من الكهان فقد اتخذوها وسائل للتنجيم وإضلال الناس، فلا بدع إذا أعدت لهم النار يصلون سعيرها) (١) ولسنا مع الشيخ فيما ذهب إليه، لأنه غير جدير بأن يقبل، إذ لا يستقيم مع آيات أخرى، وردت في الموضوع ذاته.\nنعم: نحن لا ننفي ما يقوله العلماء، ولكننا لا نخضع له القرآن كذلك، فالقرآن لم يصرح بأن كل ما نراه من الشهب إنما هو من هذا القبيل.\nجـ - ويطلعنا الشيخ على ميله، وجريه وراء النظريات، في التوفيق بينها وبين القرآن، فهو يقول عند تفسير قول الة تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ [المرسلات: ٢٥ - ٢٦]: (وأرى أن اكتشاف ناموس الجاذبية العام، الذي بموجبه تجذب الأرض إليها ما على ظهرها من البشر والدواب وسائر الأشياء، والذي لولاه لطاروا وتبددوا شذر مذر في الفضاء، بسبب حركة الأرض اليومية على نفسها، وحركتها السنوية حول الشمس بسرعة فائقة الحد - هذا الاكتشاف يفسر لنا معنى ما قرره الكتاب الإلهي، من أن الأرض كفات للأحياء منذ يكونون على ظهرها، فإنها تجذبهم إليها، وتضمهم إلى صدرها كما تفعل الأم الحنون، فلا تدعهم يتفلتون وهم بذلك لا يشعرون) (٢).\nوأما أنا فأرى أن هذا تأويل بعيد، وأنه الآية لا تمت إلى ناموس الجاذبية وقانونها، من قريب أو بعيد، وإنما جاءت الآية، تقرر بعض نعم الله على الإنسان، وليس معنى هذا أنني أنفي ما في الآيات الكونية من إشارات، ولكن لا ينبغي أن نحمل الآيات، فوق عبارتها، كما ذهب إليه الشيخ.\nد- ولعل قريبًا من هذا ما قاله في قصة سيدنا يونس عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم، من أن ما حصل له لا يستغرب، ما دام الإنسان قد سبح في أعماق البحر، وطار في عنان السماء يقول هذا للمنكرين قال (وأما نحن فنؤمن\n_________\n(١) تفسير جزء تبارك ص ٦.\n(٢) تفسير جزء تبارك ص ٢٨٨.","vol":"2","page":227},{"text":"بما جاء بالقرآن ما لم يحله العقل) وأقول: لا داعي لهذا القيد، بل نؤمن بكل ما جاء به القرآن مألوفًا للبشر وغير مألوف.\nرابعًا: ذكره بعض نصوص كتب اليهود والنصارى في تفسيره: نلحظ هذا في تفسيره قصة يونس في سورة (ن)، وعند ذكر سيدنا لوط في سورة الحاقة، وعند ذكر سيدنا نوح وخبر الطوفان في سورة نوح، وكان في غنى عن هذا كله، وبخاصة أن تفسيره كتب من أجل الناشئة، وتبنته وزارة المعارف العمومية (١).\nخامسًا: عدم تحريه مكية الآية أو مدنيّتها: فمثلًا يذكر عند قول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] أن بعض المفسرين قال: (إن هذه الآية نزلت بسبب ما حدث في أحد) ولكن الشيخ لم يرد هذا القول، ولكن رجح غيره عليه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ وكان يكفيه ما يدل عليه سياق السورة وكونها مكية النزول (٢).\nسادسًا: إشارته لمواطن الهداية: مما يحمد للشيخ في تفسيره، إشارته لمواطن الهداية في القرآن، وتبيينه لسنن الله في الاجتماع البشري، ومحاولة جذبه للمسلمين نحو كتابهم، حتى لا يعذبهم الله بتداعي الأمم عليهم.\nوبعد: فهذا علم من أعلام مدرسة الأستاذ الإمام، رأينا فيه نفس الخصائص التي وجدناها في شيخ المدرسة، وربما كان (الأستاذ المغربي) -كما قلت من قبل. وكما ظهر من استعراضنا لتفسيره- أقرب الناس رأيًا إلى الأستاذ الإمام، حتى من الشيخ رشيد في بعض المسائل، ويدلنا على هذا تعمقه في آراء المعتزلة، وبضاعته القليلة في السنة، وقلة تحريه في أسباب النزول، وما سوى ذلك مما أشرت إليه، ومهما يكن من الأمر فإن للشيخ جهدًا، من الحق علينا أن نشكره له، ولقد أحسن، وإن كنا لا نوافق آراءه التي اجتهد فيها في بعض الأحيان، وللمجتهد أجر، هذا إن أخطأ، رحم الله الشيخ وجزاه خيرًا.\n_________\n(١) ص ٦٢، ص ٧٤، ص ١٣٨.\n(٢) تفسير جزء تبارك ص ٥٩.","vol":"2","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-428>٤ - الشيخ محمد مصطفى المراغي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-429>مولده ونشأته </span>(١):\nولد الشيخ سنة ١٨٨١ في المراغة من أعمال جرجا بالصعيد، وكان بيتهم بيت علم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة في بلده، وتحت رعاية أبيه، ثم دخل الأزهر وحصل على العالمية سنة ١٩٠٤، وكان إبان وجوده في الأزهر، يحضر دروس الشيخ محمد عبده في الرواق العباسي، فعرفه الإمام عن كثب، وبعد حصوله على الشهادة العالمية ذهب إلى السودان لتولي القضاء هناك، وكان الأستاذ الإمام هو الذي رشحه لذلك، وقد أبدى الشيخ نشاطًا وجرأة وتفهمًا، وقد أهله ذلك كله لمنصب القضاء، وهو مركز لا شك خطير، وبعد عودته من السودان شغل مناصب قضائية متعددة، من رئيس للتفتيش الشرعي بوزارة الحقانية (العدل) إلى رئيس للمحكمة الشرعية العليا ثم عين شيخًا للأزهر سنة ١٩٢٨ م، واستمر في منصبه هذا أربعة عشر شهرًا، ثم عادة إليه مرة ثانية سنة ١٩٣٥ م، إلى أن توفاه الله سنة ١٩٤٥ م.\nمن أعلام مدرسة الإمام محمد عبده، ومن أشهر رجالها، الأستاذ الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، شيخ الجامع الأزهر سابقًا ﵀، بل إن كثيرًا من الباحثين يرى أنه أشهر تلاميذه وأكبرهم، كما يقول تشارلس أدمس مؤلف (الإسلام والتجديد). ويقول الأستاذ الشيخ محمد الصادق عرجون (لقد كان أفضل من نهج نهج الأستاذ الشيخ محمد عبده. ويقول أنور الجندي: إنه أقرب تلاميذه إليه، ويعقد مقارنة بينه وبين رشيد رضا ليدلل على ذلك.\nومهما يكن من أمر فإن الأستاذ المراغى تأثر كثيرًا في آرائه ومنهجه بالأستاذ الإمام.\n_________\n(١) انظر الأعلام (٧/ ١٠٣).","vol":"2","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-430>تأثره بالإمام وآراؤه الإصلاحية:</span>\nلقد نادى الأستاذ الإمام من قبل بإصلاح الأزهر، ولكنه لم يبلغ بغيته، وذلك لأن كثيرًا ناصبوه العداء، وعلى رأس هؤلاء خديوي مصر، ولكن الشيخ المراغي، استطاع بحنكته وحكمته، أن يبقي على شعرة معاوية، وذلك بما كان بينه وبين الحاكم من صلات، ولقد تسنى له أن ينفذ برنامجه الإصلاحي، فكان امتدادًا لأفكار الشيخ محمد عبده، وكان الأستاذ الإمام ﵀ المصباح الذي أضاء طريقه، على حد تعبيره، وكان المراغي يجل الإمام كثيرًا، ويظهر هذا في كلماته وتصريحاته المتعددة ... وآراء الشيخ في الإصلاح خير دليل على ذلك، وهذا ملخص لمذكرته الإصلاحية نوجزها فيما يلي (١):\n١ - يجب أن يدرس القرآن دراسة جيدة، وأن تدرس السنّة دراسة جيدة، وأن يفهما وفق ما تتطلبه اللغة العربية فقهها وآدابها من المعاني.\n٢ - يجب أن تهذب العقائد والعبادات، وتنقى مما جد فيها وابتدع، وتهذب العادات الإسلامية بحيث تتفق والعقل وقواعد الإسلام الصحيحة.\n٣ - يجب أن يدرس الفقه الإسلامي دراسة حرة، خالية من التعصب لمذهب، وأن تدرس قواعده مرتبطة بأصولها من الأدلة.\n٤ - يجب أن تدرس الأديان، ليقابل ما فيها من عقائد وعبادات وأحكام، بما هو موجود في الدين الإسلامي، ليظهر للناس يسره وامتيازه عن غيره في موطن الاختلاف.\n٥ - يجب أن تدرس أصول المذاهب في العالم قديمها وحديثها.\n٦ - يجب أن تدرس اللغة العربية دراسة جيدة، كما درسها الأسلاف.\n_________\n(١) الإمام المراغي أنور الجندي ٦٧ - ٦٨.","vol":"2","page":230},{"text":"٧ - يجب أن توجد كتب قيمة في جميع فروع العلوم الدينية واللغوية على طريقة التأليف الحديثة.\n٨ - يجب أن يفعل هذا لإعداد رجال الدين، لأن رسالة النبي -ﷺ- عامة، ودينه عام ويجب أن يطبق بحيث يلائم العصور المختلفة والأمكنة المختلفة، وإن لم يفعل هذا يكن عرضة للنفور منه والابتعاد عنه، كما فعلت بعض الأمم الإسلامية، وكما حصل في الأمة المصرية نفسها، إذ تركت الفقه الإسلامي لأنها وجدته بحالته التي أوصله إليها العلماء غير ملائم (١).\nونلاحظ أن الشيخ لم يقف تأثره بالإمام في مجالات الإصلاح فحسب، بل إنه تعدى هذا إلى قضايا الفكر، ولقد مر أن الأستاذ الإمام تأثر بالحضارة الغربية، ولوحظ هذا في مواضع كثيرة من تفسيره، كتأويله لبعض الآيات الذي مرت نماذجها عند حديثنا عنه، لذا نرى الشيخ المراغي، لا يجد محظورًا في تأويل الآيات إذا تصادمت مع نظرية من نظريات العلم الحديث.\nيقول ردًّا على سؤال المحرر في مجلة (الهلال) (٢). وكان نص السؤال ما يلي: ماذا يكون موقفكم إذا ما كانت نتيجة البحث تخالف أوامر الدين؟ يقول الشيخ: (تريد أن تقول إن هناك نظريات أثبتها العلم تخالف ما ينص عليه الدين، فأنا أقول إن هذه النظريات إن كانت نضجت وصحت عند العلماء، وثبتت ومضت عليها المدة الكافية، وجب علينا أن نوفق بينها وبين الدين، فالقرآن مثلًا ذكر أن لله وجها وأنه يستوي على العرش، وهذه الأوصاف توهم أن لله جسمًا ولكن الفقهاء عندما\n_________\n(١) لست مع الشيخ فيما ذهب إليه، فإن ترك الأمة للفقه الإسلامي لم يكن ناشئًا عن تقصير العلماء، وإنما سببه ما بُيِّت لهذا الدين من مكر وكيد اشترك فيه المستشرقون والمستغربون على السواء، وصدق الله ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩].\n(٢) يونيه سنة ١٩٢٩ م.","vol":"2","page":231},{"text":"تفقهوا بالفلسفة أولوا هذه الأوصاف بما يوافق التجرد في ذاته، وكذلك يجب أن نفعل ..).\nوهذا القول من الأستاذ الأكبر يستدعي الدهشة والعجب من وجهين اثنين: أما أولًا فإن النظريات العلمية لا ينبغي أن نقف منها موقف الخائف الوجل، وأن نكون أمامها مستضعفين نجعلها أصلًا يقاس عليها، ولو أن هذا الذي نقيسه رأيٌ لمجتهد أو قولٌ لفقيه أو أثرٌ لتابع أو صحابي لهان الأمر، أما أن نقيس على تلك النظريات كلام الحكيم الحميد، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهذا أمر لا يقبل من أحد، وهذا لا يعدو في رأينا أن يكون شعورًا بالهزيمة ولو داخليًا أمام المادة وعلمائها، الذين أرادوا أن يجرف تيارهم كل أثر للدين.\nثم ما هي هذه النظريات العلمية التي خالفت نصًّا من نصوص القرآن؟ إن معنى كونها نظرية أنها لا زالت محل نظر، كنظرية (داروين) مثلًا وكنظريات علماء الفلك والتاريخ وطبقات الأرض، إن موقفنا ينبغي أن يكون حاسمًا وحازمًا في هذه القضية، فنجعل القرآن هو الأصل، ونوقن في أنفسنا أن هذا القرآن الذي يقول عنه منزله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]، لا يمكن أن يتناقض، لا في نفسه ولا مع مسلمات العلم التي أودعها الله في هذا الكون، فالطبيعة بقوانينها كتاب الله المرئي، والقرآن كتابه المتلو، وبغير هذا اليقين سنعرض النص القرآني لهزات عنيفة، لا يعلم خطورة نتائجها إلا الله، وأولو الغيرة على هذا الدين.\nولقد رأينا كثيرين من أساتذتنا الفضلاء، وقفوا موقف المتردد، فالأستاذ المرحوم الشيخ عبد الوهاب النجار مثلًا في كتابه (قصص الأنبياء) حين يتكلم عن قصة آدم ﵇ يعرض لنظرية داروين، ويقول إنه إن ثبتت تلك النظرية فلا منافاة بينها وبين القرآن، إذ يمكن أن نؤول الآيات.\nوأنا أقول: رحم الله الأستاذ وعفا عنه، وليطب نفسًا، فإن آي القرآن ستبقى الوثيقة الخالدة الوحيدة، وستبلى هذه النظريات كما بلى أصحابها.","vol":"2","page":232},{"text":"أما الأمر الثاني الذي من أجله كانت الدهشة من كلام الأستاذ الأكبر ﵀، فهذا المثل الذي جاء به ليثبت ما أراد، وهو مسألة الصفات، حيث يقول: إن العلماء حينما تفقهوا بالفلسفة أولوا هذه الآيات، ونحن نتساءل ما موقف من لم يتفقه بالفلسفة ابتداء من الصحابة رضوان الله عليهم، هل كانت هذه الآيات توهم عندهم التشبيه؟ وهل فهموا ذلك منها، واستمر هذا حتى جاءت الفلسفة والمتفلسفون، فصححوا لنا هذا؟ اللهم لا وألف لا! هذا فضلًا على أنه لا صلة بين مسألة الصفات، وبين ما سئل عنه الأستاذ.\nوهناك مسألة أخرى عرض لها الأستاذ الأكبر، لا تقل خطورة في ذاتها ونتائجها عن سابقتها، وأعني بها ترجمة القرآن، فلقد أخذت هذه المسألة اهتمامًا كبيرًا لدى العلماء قديمًا وحديثًا، والقرآن كما نعلم كتاب العربية الأول، وللعربية خصائص لا توجد في غيرها من اللغات، وترجمة القرآن بنصه من الأمور المتعذرة، التي ليست في طاقة البشر، ولكن الأستاذ كان لا يرى محظورًا في ترجمة القرآن، أو على الأقل ترجمته بدلالات معانيه الأولية، يقول الأستاذ: (أما إمكان الترجمة فهو أمر هين يدركه من لا يعرف (اللغة العربية ... -وقد تستطيع اللغة المنقول إليها، أن تؤدي بعض الخصائص في اللغة العربية، وتنهض لأداء الدلالات التابعة، يعرف هذا من عاين نقل العلوم والفنون من لغة إلى أخرى، ومن يدرك فقه اللغات وخواص استعمالها ... وإذا كان الأمر هكذا، كان ادعاء إنَّ القرآن الكريم كله لا يمكن ترجمته ادعًاء خاطئًا، بل الحق أن يقال: إنه يمكن ترجمته كله من ناحية الدلالات الأصلية، وتستحيل ترجمته من ناحية الدلالات التابعة) (١).\nوكأن الذي حدا به إلى هذا اعتقاده بعالمية القرآن وتيسيره للناس، ولكن هذا ليس مسوغًا لترجمة القرآن نفسه، بل يمكن أن تترجم معانيه، أما القرآن فيبقى كما\n_________\n(١) بحث في ترجمة القرآن الكريم وأحكامها، الشيخ المراغي ص ٧٠٦، مطبعة الرغائب سنة ١٣٥٥ هـ-١٩٣٦ م وهو بحث له فيه آراء غريبه بل شاذة.","vol":"2","page":233},{"text":"أنزل، عربيًا غير ذي عوج، وبهذا تزيد أواصر الأمة المسلمة، حيث تكون لغة القرآن إحدى الروابط بينها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-431>تفسيره:</span>\nلم يفسر الشيخ المراغي القرآن كله، بل ليس له تفسير لجزء واحد من أجزائه الثلاثين، ويقيني أن عده من المفسرين أمر تدخل فيه منصب الشيخ ومركزه. فكم من أناس كتبوا في التفسير أكثر مما كتبه الشيخ، ولم يذكروا في عداد المفسرين، وقد أحصى الأستاذ الذهبي في كتابه (التفسير والمفسرون) ما فسره الشيخ، فما كان إلا بعض سور كسورة لقمان والحجرات والحديد، وبعض آيات من سور القرآن العظيم وقد كانت دروسًا يتخيرها الشيخ ليلقيها على مستمعيه في شهر رمضان المبارك، وفيهم أرباب السلطة والسلطان.\nويظهر لنا من خلال هذه التفسيرات الخصائص التالية:\n١ - يسر أسلوبه وسهولة ألفاظه ووضوح معانيه.\n٢ - إقلاعه عن ذكر الإسرائيليات وإبعادها عن مواطن التفسير.\n٣ - وقوفه عند مبهمات القرآن بحيث لا يتعدى ما أخبر القرآن عنها.\n٤ - عدم التزام مذهب فقهي معين في تفسير آيات الأحكام.\n٥ - تأويله لبعض الآيات بما يخرج عن رأي الجمهور.\n٦ - بيانه لحكمة التشريع.\n٧ - تفسيره لبعض الآيات تفسيرًا علميًّا.\nونلاحظ أن هذه الخصائص لتفسير الأستاذ ﵀ يظهر منها تأثره بالإمام على أننا قبل أن نذكر بعض الأمثلة من تفسيره، ينبغي أن ننوه اعترافًا وتقديرًا بمنقبتين اثنتين لشيخ الأزهر.","vol":"2","page":234},{"text":"إحداهما: أن الشيخ كان مثالًا للخلق الكريم مع من سبقه من المفسرين، فلا حدة ولا غلظة، وإنما أدب جم فيه عرفان الجميل وجميل العرفان، وهذه لعمر الحق من أعظم مزايا العلماء.\nوالمنقبة الثانية: جرأته في الحق، فلقد كانت دروس الشيخ يستمع إليها أكبر رجال الدولة، بل أكبرهم على الإطلاق، ومع ذلك كان لا يجامل على حساب دينه، بل لا يتردد في إسداء النصح وبيان ما يجب على الحاكم.\nنستمع إليه عند تفسيره قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٦] يقول: (من الناس فريق مؤمن بالقرآن إجمالًا، وبرسالة محمد -ﷺ-، ويعظمها ويحترمها، فإذا قلت له لم لا تقطع يدَ السارق، وتحد القاذف، ولم لا تحكم القرآن في الحياة ونحن مؤمنون به؟ هز كتفيه فابتسم أو زاد، إنها رجعية لا يحتملها تمدين العصر الحديث).\nوعند تفسير قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦].\nيقول: (والتثبت في الأخبار فضيلة ليست عند أكثر الناس، وأكثر الناس يقعون في تصديق الأخبار من حيث لا يشعرون، ولبعض مهرة الكاذبين حيل تخفى على أشد الناس تثبتًا من الأخبار، وكثيرًا ما يقع عدم التثبت من الحكامِ الذين يملكون النفع والضرر، يجيئهم ذلك من ناحية استبعاد أن تكذب بطانتهم عليهم، وهو مدخل للخطر عظيم، والذين هم في أشد الحاجة للعمل بهذه الآية، ولا نفعًا فحاجتهم إليها أقل من حاجة هؤلاء، والآية على العموم أدب عظيم، لا بد منه لتكميل النفس وإعدادها، لتعرف الحق والبعد عن مواطن الباطل) (١).\n_________\n(١) تتبين جرأة الشيخ ﵀ وصراحته وحكمته إذا عرفنا أن هذه الدروس كانت تلقى في حضرة فاروق ملك مصر.","vol":"2","page":235},{"text":"فأين هذا ممن يسكتون عن المنكر، ويجبنون عن كلمة الحق، بل ربما حرفوا شرع الله ليوافق رغبة الحاكم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-432>نماذج من تفسيره:</span>\nولعل من الخير أن نأتي بنماذج من التفسير، تتبين لنا من خلالها تلك الخصائص التي تحدثت عنها آنفًا.\nفمثلًا يدلنا على وقوفه عند مبهمات القرآن وعدم تجاوزها، تفسيره قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣].\nحيث يقول: (ونحن لا نعلم ما هو الذي فرضه الله على الأمم السابقة من قبل، أهو شهر رمضان كما قال بعض الناس؟ أم غيره؟ وليس لنا ما يهدينا إلى شيء معين من دليل يطمئن إليه القلب، والتشبيه لا يدل على المماثلة في كل شيء، فنحن نؤمن بأن صومًا فرض على الأمم السابقة، لا نعلم مقداره ولا كيفيته، ولا يزال الصوم معروفًا عند الأمم الأخرى على أوضاع مختلفة.\nوكذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان: ١٢] ... يقول: (اختلف الناس في لقمان هذا من هو! ومن أي الأمم هو؟ فقيل إنه من بني إسرائيل، وقيل إنه كان عبدًا حبشيًا، وقيل إنه أسود من سودان مصر، وقيل إنه يوناني، ومن الناس من جعله نجارًا، ومنهم من جعله راعي غنم، ومنهم من قال إنه نبي، ومنهم من قال إنه حكيم، وكل هذه الأقوال ليس لها سند يعول عليه، وبعد أن وصفه الله بالحكمة فلا يرفع من شأنه أنه كان من أشرف الأمم، ولا يضع من قدره أن كان زنجيًا مملوكًا).\nفنحن نرى أن الأستاذ لم يخض فيما خاض فيه كثير من المفسرين، ولم تستهوه القصص المنسوجة حول لقمان، ولا الأقوال المحبوكة حول صيام من قبلنا، وما","vol":"2","page":236},{"text":"هو نصيب كل أمة من الأمم منه، وهذا لم يكن جديدًا مبتكرًا من الشيخ؛ لأنه قد سبق إليه، إلا أن نهجه هذا المنهج، إنما ينم عن دقة فهم لهدايات القرآن.\nولقد كان الشيخ يحارب التعصب المذهبي، يدلنا على هذا منهجه الإصلاحي للأزهر، ولعل هذا ما دفعه إلى عدم التقيد بمذهب معين في تفسيره، يقول في درسه التفسيري ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقد روى أحمد ومسلم وأبو داود عن أنس أن رسول الله -ﷺ- كان يقصر الصلاة مسيرة ثلاثة أميال، وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه كان يقصر في الميل الواحد، وإذا نظرنا إلى أن نص القرآن مطلق، وأن كل ما رووه في التخصيص أخبار آحاد، وأنهم لم يتفقوا في التخصيص، جاز لنا أن نقول: إن السفر مطلقًا مبيح للفطر، وهذا رأي داود وغيره من الأئمة.\nوهذا يوضح لنا تأثر الشيخ المراغي فقهيًا بأستاذه الإمام.\nويزيد هذا الأمر وضوحًا، تأويل الشيخ لآيات يرى الجمهور فيها رأيًا معينًا، فمثلًا نجده يصرح بأن أبواب الجنة الثمانية وأبواب النار السبعة، لا يقصد فيها العدد بذاته، بل إنما يدل على الكثرة وكذلك عدد السمارات، وذكر أنها سبع لا يقصد منه الحصر.\nوهذا أمر لا نوافقه عليه؛ لأن الله إذا عين عددًا، فلا ينبغي ولا يصح أن يقال: إنه إنما ذكر هذا العدد بالذات ليوافق ما يعرفه المستمعون، القرآن يقرر حقائق بقطع النظر عما يعرفه الناس أو لا يعرفونه.\nكذلك نرى الشيخ يفسر الرجوم بالحجج، في قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥]، مع أن هذا التفسير لا يتفق مع آيات أخرى، وقد مرت مناقشة هذه الآراء، عند الحديث عن الشيخ عبد القادر المغربي، أحد رجال هذه المدرسة.","vol":"2","page":237},{"text":"ومهما يكن من أمر، فإنه يظهر من هذه التفسيرات أن أصحابها يحاولون أن يخضعوا آيات القرآن، ليجعلوها في نطاق دائرة العقل، ولو أدى بهم ذلك إلى ركوب مخاطر التأويل، وهذا أمر لا ينبغي أن نجعله تحت ذمة آرائنا ومسلمات عقولنا، فنأخذ ما نأخذ ونرد ما نرد، وأمير ركبنا في ذلك كله العقل، الذي فتنته الحضارة المادية تارة، والفلسفة تارة أخرى.\nوالشيخ كغيره من رجال هذه المدرسة، ينفون كل جمود عن هذا الدين، مبينين فلسفة الأحكام وحكمة التشريع في أثناء تفسيراتهم، وبيان حكمة التشريع من الأمور الدقيقة المهمَّة التي تزيل اللبس، وتنشر الطمأنينة في كثير من النفوس، يقول الشيخ في تفسيره لقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] (والحكم في هذه الشرائع الإلهية، أن الإنسان إذا ترك إلى مداركه الحسية ونظرياته العقلية، ضل وكره الحياة، وكان أشقى من أنواع الحيوان، وشقاؤه يكون من ناحية العقل نفسه، فقد دلت التجارب على أن العقل غير المؤيد بالشرع الإلهي، يذهب مذاهب شتى: منها الصواب ومنها الضلال، وهو فيما عدا المحسات والماديات ضلاله أكثر من صوابه، وهذه آراء العلماء في الفلسفة والأخلاق، يشبه بعضها هذيان المحموم، وبعضها لا يدرك له محصل، على كثرة ما يقولون من مقدمات وبراهين، وهذه مذاهب الاجتماع قديمًا وحديثًا لم تسعد الأمم بها، فلا بد من هداية تصدر عن المعصوم، يحملها من عند الله العلي الحكيم، وقد دلت التجارب أيضًا، على أن الأمم التي عملت بالهدى كله أو بعضه، سعدت بمقدار ذلك الهدى الذي عملت به، فلا بد من نظام يعتقد فيه العصمة من الخطأ، ويهدر معه حكم العقل، إذا حصل تعارض بينهما، فإن دائرة العقل محدودة، وهي قاصرة عن إدراك خفايا المستقبل، وإذا قيل إن التدين مقيد للحرية، ومانع من التمتع باللذات، فكيف تكون فيه السلوى والعزاء؟ فالجواب: إن الإسلام أباح الطيبات وحرم الخبائث، ولم يحظر من اللذات إلا ما يضر الإنسان، وليست السعادة في حرية","vol":"2","page":238},{"text":"البهائم، بل في حرية يصبح بها فيما فيه خيره وسعادته) وهذا الكلام شبيه كل الشبه بما نقلناه من قبل، عن الأستاذ الإمام عند الحديث عن هداية القرآن.\nأما موقف الأستاذ من التفسير العلمي للآيات الكونية، فمع أنه ليس من رأيه أن يفسر القرآن حسب نظريات العلم، إلا أننا نجده ينساق، ليكون في قافلة هؤلاء العلماء، الذين يفسرون الآيات حسب النظريات المستحدثة، يقول عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)﴾ [لقمان: ١٠].\n(السماوات مجموع ما نراه في الفضاء فوقنا، من سيارات ونجوم وسدائم، وهي مرتبة بعضها فوق بعض، تطوف دائرة في الفضاء، كل شيء فيها في مكانها المقدر له بالناموس الإلهي ونظام الجاذبية، ولا يمكن أن يكون لها عمد، والله هو ممسكها ومجريها إلى الأجل المقدر لها، فإذا قيل إن نظام الجاذبية، وهو الناموس الإلهي قائم مقام العمد، ويطلق عليه اسم العمد، جاز أن نقول إن لها عمدًا غير منظورة، وإذا لاحظنا أنه لا يوجد شيء مادي تعتمد عليه، وجب أن نقول إنه لا عمد لها، وأقدار الأجرام السماوية وأوزانها أقدار وأوزان لا عهد لأهل الأرض بها ... والأرض نفسها إذا قيست بهذه الأجرام، ليست إلا هباءة حقيرة في الفضاء ... قرر الكتاب الكريم أن الله ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]، وهذا الذي قرره الكتاب الكريم، هو الذي دل عليه العلم، وقد قال العلماء: إنَّ حادثًا كونيًا جذب قطعة من الشمس وفصلها عنها، وإن هذه القطعة بعد أن مرت عليها أطوار تكسرت، وصارت قطعًا كل قطعة منها صارت سيارًا من السيارات، وهذه السيارات طافت حول الشمس وبقيت في قبضة جذبتها، والأرض واحدة من هذه السيارات، فهي بنت الشمس، والشمس هي المركز لكل هذه السيارات ... فليست الأرض هي مركز العالم كما ظنه الأقدمون، بل الشمس هي مركز هذه المجموعة، والشمس وتوابعها قوى صغيرة في العالم السماوي.","vol":"2","page":239},{"text":"ومع أن ما قرره الأستاذ المراغي ﵀ قد سبق إليه، إلا أن أستاذنا الشيخ محمد الصادق عرجون، لم يعجبه ما قاله الشيخ المراغي، وهو أن القرآن قرر ما دل عليه العلم، وقال: (إن القرآن لم يقرر ذلك أبدًا، نعم جاء في القرآن الكريم ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] وهذا ليس تقريرًا لما قاله العلماء)، واستدل بما روي عن ابن عباس ﵄، من أن السماوات فتقت بالمطر، والأرض فتقت بالنبات، ولقد مر طرف من هذا في الباب الأول، وذكرنا هناك أن كون السماوات والأرض كانتا رتقًا ثم فتقهما الله، وهو ما قررته بعض النظريات روي كذلك عن ابن عباس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-433>تقويم التفسير:</span>\nومما سبق ندرك أن ما فسره الأستاذ المراغي على قلته، يعكس لنا صورة صادقة لتأثره بأستاذه الإمام، لا من حيث الفكرة فقط، بل من حيث تشابه العبارات وتجانس الأسلوب، ومهما يكن من أمر فإن تفسير الشيخ المراغي، وإن لم يكن فيه ابتكار، إلا أن شخصية الأستاذ العلمية أضفت عليه أسلوب الجِدّة، رحم الله الأستاذ المراغي، وجزاه عن كتابه وأمة نبيه عليه وآله الصلاة والسلام، وجرأته في الحق خير الجزاء.","vol":"2","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>٥ - الشيخ أحمد مصطفى المراغي</span>\nتحدثنا عن تفسير الأستاذ الأكبر الشيخ مصطفى المراغي، وتتحدث الآن إن شاء الله عن تفسير أخيه الشيخ أحمد مصطفى المراغي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>ترجمته </span>(١):\nهو الشيخ أحمد بن مصطفى بن محمد بن عبد المنعم القاضي، ولد ببلدة المراغة، من جرجا في الصعيد، سنة (١٣٠٠ هـ - ١٨٨٣ م) من أسرة عريقة في خدمة العلم والقضاء، توارث القضاء فيها خلف عن سلف، ومن قِبل هذا تلقب بأسرة القاضي.\nوالشيخ حنفي المذهب، ولكنه لم يكن متعصبًا لمذهبه، ولا من خصوم التقليد المذهبي.\nولم يُعرف عن الشيخ انخراط في عمل سياسي أو تنظيمي، ولكنه -﵀- لم ينفصل عن هموم قومه وبلده، فقد بث في تفسيره كثيرًا من التحذيرات من خطر الاستعمار في المجتمع سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا.\nتولى الشيخ أحمد التدريس بالمدارس الأميرية، ثم عين ناظرًا لمدرسة المعلمين بالفيوم، ثم سافر إلى السودان، وتولى التدريس بكلية عزدون، أستاذًا للشريعة الإسلامية واللغة العربية لمدة أربع سنوات (١٩١٧ م - ١٩٢١ م) ثم رجع إلى مصر أستاذًا للغة العربية والشريعة الإسلامية بمدارس دار العلوم، وقد نُدب لإقراء علوم البلاغة في كلية اللغة العربية شعبة البلاغة، والأدب بالأزهر الشريف، وتخرج على يديه من تفخر به المعاهد الدينية من علماء التخصص.\n_________\n(١) انظر الأعلام (١/ ٢٥٨).","vol":"2","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-436>آثاره العلمية:</span>\nترك الشيخ أحمد المراغي عدة كتب ورسائل، كان للبلاغة وبعض علوم اللغة الأخرى فيها حظ وافر إلى جانب بعض الدراسات الفقهية والمتفرقة، أما كتبه فهي كما يلي:\n١ - تفسير القرآن الكريم المسمى تفسير المراغي وهو أكثر كتبه حظًّا في الشهرة.\n٢ - علوم البلاغة: وهو كتاب جمع بين طريق عبد القاهر وطريق السكاكي في التأليف.\n٣ - هداية الطالب (جزءان) أحدهما في النحو والتصريف والثاني في علوم البلاغة الثلاثة وقد روعي فيه منهج الدراسة للمدارس الثانوية.\n٤ - مرشد الطالب: في علوم البلاغة اتبع فيه الطرق الاستنتاجية.\n٥ - تهذيب التوضيح: جزءان أحدهما في النحو والثاني في التصريف وكان يدرس في الازهر.\n٦ - بحوث وآراء في فنون البلاغة.\n٧ - تاريخ علوم البلاغة والتعريف برجالها.\n٨ - الديانة والأخلاق.\n٩ - الموجز في الأدب العربي.\n١٥ - الموجز في الأصول.\n١١ - المطالعة العربية للمدارس السودانية.\n١٢ - تعليقات على أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني.\n١٣ - تعليقات على دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني.","vol":"2","page":242},{"text":"وأما رسائله فهي:\n١ - رسالة في مصطلح الحديث.\n٢ - رسالة في شرح ثلاثين حديثًا مختارة.\n٣ - تفسير جزء (إنما السبيل).\n٤ - زوجات النبي -ﷺ-.\n٥ - الحسبة في الإسلام.\n٦ - الرفق بالحيوان في الإسلام.\n٧ - رؤية الهلال في رمضان.\n٨ - في الخطب والخطباء في الدولتين الأموية والعباسية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>وفاته:</span>\nتوفي في اليوم التاسع من الشهر السابع لسنة ثنتين وخمسين وتسعمائة وألف في العهد الملكي من تاريخ مصر الحديث، ﵀ رحمة واسعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>منهجه في التفسير:</span>\nلن أجد عناء في تحديد منهج الأستاذ في تفسيره، فلقد كفانا هذا فحدد لنا منهجه وغايته من التفسير في مقدمته، أما الغاية من تفسيره فإنها تقريب معاني القرآن من الناس، يقول (١): (رأينا مسيس الحاجة إلى وضع تفسير للكتاب العزيز، يشاكل حاجة الناس في عصرنا، في أسلوبه وطريق وصفه ووضعه، ويكون داني القطوف سهل المأخذ، يحوي ما تطمئن إليه النفس من تحقيق علمي، تدعمه الحجة والبرهان وتؤيده التجربة والاختبار، ويضم إلى آراء مؤلفه آراء أهل الفكر من\n_________\n(١) تفسير المراغي جـ ١ ص ٤.","vol":"2","page":243},{"text":"الباحثين، في مختلف الفنون التي ألمع إليها القرآن، على نحو ما أثبته العلم في عصرنا، وتركنا الروايات التي أثبتت في كتب التفسير، وهي بعيدة عن وجه الحق مجانبة للصواب).\nوأما منهجه في هذا التفسير فيحدّده في النقاط التالية (١):\n١ - ذكر الآيات في صدر البحث.\n٢ - شرح المفردات.\n٣ - المعنى الجملي للآيات.\n٤ - أسباب النزول.\n٥ - الإعراض عن ذكر مصطلحات العلوم.\n٦ - أسلوب المفسرين ... فكان لزامًا علينا أن نتلمس لونًا من التفسير لكتاب الله، بأسلوب عصرنا موافقًا لأمزجة أهله.\n٧ - ميزة العصر الحاضر في وسائل التفاهم ... كان أهم ما عنيت به، أن أقرأ في الموضوع الواحد، ما كتبه أعلام المفسرين على اختلاف نزعاتهم وتباين أزمنتهم، حتى إذا اطمأننت إلى فهم ما قرأت وتمثلته وهضمته، كتبته بأسلوب العصر الحاضر، وهذا هو نهجي في تأليف التفسير، وما حملني على ركوب هذا المركب الخشن، واقتحام هذه العقبات، إلا انصراف القارئين عن قراءة كنب التفسير التي بين أيدينا، بدعوى أنها صعبة المدخل.\n٨ - تمحيص روايات كتب التفسير.\nوْقد جعل المفسر تفسيره في ثلاثين جزءًا، لتسهل مطالعته على الناس في حلهم وترحالهم، وقبل أن أذكر شيئًا عن منهج الشيخ في التفسير وقبل أن أبدي\n_________\n(١) تفسير المراغي جـ ١ ص ١٦.","vol":"2","page":244},{"text":"ملاحظاتي على التفسير ما له وما عليه، يحسن أن أورد بعض ال<span data-type=\"title\" id=toc-439>نماذج من تفسيره</span>، تتضح منها طريقته وأسلوبه.\nنماذج من تفسيره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-440>١ - يقول في تفسيره لآية الكرسي </span>من سورة البقرة (١):\n(الله هو المعبود بحق، والعبادة استعباد الروح وإخضاعها لسلطة غيبية، لا تحيط بها علمًا ولا تدرك كنهها وحقيقتها، وكل ما ألهه البشر من جماد ونبات وحيوان وإنسان، فقد اعتقدوا فيه هذا السلطان الغيبي استقلالًا أو تبعًا لسواه، والحي هو ذو الحياة، والحياة هي مبدأ الشعور والإدراك والحركة والنمو، وهي بهذا المعنى يتنزه عنها الله سبحانه، فالمراد بها بالنسبة إليه تعالى، الوصف الذي يعقل معه الاتصاف بالعلم والإرادة والقدرة، والقيوم القائم على خلقه بتدبير آجالهم وأعمالهم وأرزاقهم، كما قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: ٣٣] والأخذ - الغلبة والاستيلاء.\nوالسِنة النعاس، وهو فتور يسبق النوم، قال عدي بن الرقاع:\nوسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سِنَة وليس بنائم\nوالنوم -حال تعرض للحيوان، بها تقف الحواس الظاهرة عن الإحساس والشعور، والكرسي -هو العلم الإلهي، وآده الشيء يئوده- إذا أثقله ولحقه منه مشقة، والعلي هو المتعالي عن الأشباه والأنداد، والعظيم هو الكبير الذي لا شيء أعظم منه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-441>المعنى الجملي:</span>\nأمرنا سبحانه قبل هذا بالإنفاق في سبيله، قبل أن يأتي اليوم الذي لا تنفع فيه\n_________\n(١) تفسير المراغي جـ ٣ ص ١١.","vol":"2","page":245},{"text":"شفاعة الشافعين، ولا يغني مال يعطى فدية عن العاصين، ولا تنفع صداقة لدى الرؤساء وذوي الثراء، كما كانت تجري في الدنيا نفعًا، وبها تحل كل مهمة هنا انتقل إلى تقرير أصول الدين من توحيد الله وتنزيهه حتى يستشعر العبد، عظيم سلطانه ووجوب الطاعة لأمره، والإذعان لحكمه والوقوف عند حدوده، وبذل المال في سبيله وعدم الركون إلى شفاعة الشافعين، ولا الفدية بمال ولا بنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-442>الإيضاح:</span>\n﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي الإله الحق الذي يستحق أن يعبد، هو الله الواحد الصمد، ذو الملك والملكوت، الحي الذي لا يموت، القائم بتدبير أمر عباده يكلؤهم ويحفظهم ويرزقهم.\n﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ أي لا يعتريه نوم ولا مقدماته، وإذا كان كذلك، كان قائمًا بتدبير شؤون عباده، في جميع الأوقات آناء الليل وأطراف النهار، وقد جاء النظم الكريم بحسب الترتيب الطبيعي في الوجود، فنفى ما يعرض أولًا وهو السِّنَة، ثم ما يتبعها وهو النوم، أو بعبارة أخرى -هو ترق في نفي النقص عنه، فإن من لا تغلبه السِنَة، قد يغلبه النوم لأنه أقوى، فذكر النوم بعد السِنَة، ترق من نفي الأضعف إلى نفي الأقوى.\nوالخلاصة- أن هذه الجملة مؤكدة لما قبلها، مقررة لمعنى الحياة والقيومية على أتم وجه، إذ من تأخذه السِنَة والنوم، يكون ضعيف الحياة ضعيف القيام بشؤون نفسه وبشؤون غيره.\n﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فكل من فيهما وما فيهما ملكه وعبيده، خاضعون لمشيئته وهو المصرف لشؤونهم الحافظ لوجودهم، وهذه الجملة تأكيد ثان لقيوميته، واحتجاج بها على تفرده في الألوهية، لأنه تعالى خلقهما بما فيهما.\n﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي من ذا الذي يستطيع من عبيده أن يغير ما مضت به سنته، وقضت به حكمته، وأوعدت به شريعته، من تعذيب ذوي العقائد","vol":"2","page":246},{"text":"الباطلة والأخلاق السافلة، الذين أفسدوا في الأرض وانحرفوا عن جادة الدين، إلا إذا أذن له ربه، ونحو هذا قوله: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥] وهذا تمثيل لانفراده بالملك والسلطان في ذلك اليوم، وأن أحدًا من عباده لا يجرؤ على الشفاعة أو التكلم بدون إذنه -وإذنه غير معروفٍ لأحد من خلقه- وفي ذلك قطع لأمل الشافعين، والذين يركنون إلى الشفاعة، التي كان يقول بها المشركون وأهل الكتاب.\n﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم أمور الدنيا التي خلفوها، وأمور الآخرة التي يستقبلونها، وهذه الجملة مؤكدة لنفي الشفاعة، إذ من كان عالمًا بكل شيء فعله العباد في الماضي، وفيما هو حاضر بين أيديهم، وفيما يستقبلهم، وكان ما يجازيهم به مبنيًا على هذا العلم، كانت الشفاعة على هذا النحو المعروف ممَّا يستحيل عليه تعالى، لأنها لا تتحقق إلا بإعلام الشفيع المشفوع عنده، من أمر المشفوع له وما يستحقه ما لم يكن يعلم، وما ورد من أحاديث الشفاعة، فهو محمول على الدعاء، الذي يفعلُ الله تعالى عقبه ما سبق في علمه الأزلي أنه سيفعله، مع أننا نقطع بأن الشافع لا يغير شيئًا من علمه، ولا يحدث تأثيرًا في إرادته، وبذلك تظهر كرامة الله لعبده، بما أوقع من الفعل عقب دعائه، قاله شيخ الإسلام ابن تيمية.\n﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أي ان أحدًا من خلقه لا يحيط بما يعلمه إلا إذا شاء ذلك، والشفاعة تتوقف على إذنه تعالى، واذنه لا يعلم إلا بوحي منه، وإنما يعرف إذنه تعالى بما حدده من الأحكام في كتابه، فمن بين أنه مستحق لعقابه فلا يجرؤ أحد أن يدعو له بالنجاة، ومن بين أنه مستحق لرضوانه على هفوات زلَّ بها، لم تحول وجهه عن الله تعالى، إلى الباطل والفساد، ولم تدس روحه حتى تسترسل في الخطايا، فهو واصل إليه على ما وعد به في كتابه، وما تفضل به على عباده.","vol":"2","page":247},{"text":"﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي إن علمه تعالى محيط بما يعلمون مما عبر عنه بقوله ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، وبما لا يعلمون من شؤون سائر الكائنات، ويرى جمع من المفسرين منهم القفال والزمخشري، أن الكلام تصوير لعظمته وتمثيل لكبريائه، ولا كرسي ولا قيام ولا قعود، وقد خاطب سبحانه عباده في تعريف ذاته وصفاته، بما اعتادوه في ملوكهم وعظمائهم.\nوالخلاصة -أن الكرسي شيء يضبط السماوات والأرض، نسلم به بدون بحث في تعيينه، ولا كشف عن حقيقته، ولا كلام فيه بالرأي دون نص عن المعصوم.\n﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ أي ولا يثقله حفظ هذه العوالم بما فيها، ولا يشق عليه ذلك، وإنما لم يذكر ما فيهما لأن حفظهما مستتبع لحفظه.\n﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾ أي وهو المتعالي عن الأنداد والأشباه، العظيم على كل شيء سواه، فهو المنزه بعظمته عن الاحتياج إلى من يعلمه بحقيقة أحوالهم ويستنزله عما يريد من مجازاتهم على أعمالهم.\nوالخلاصة -أن هذه الآية تملأ القلب مهابة من الله وجلاله وكماله، حتى لا تدع موضعًا للشفعاء الذين يعظمهم المغرورون، ويتكلمون على شفاعتهم، فأوقعهم ذلك في ترك المبالاة بالدين، فخويت القلوب من ذكر الله، وخلت من خشيته جهلًا منها بما يجب من معرفته، وأفسدت فطرتهم الأهواء والجهالات، فلا يجدون ما يلهون به إلا كلمة (الشفاعة)، ومن اغتر بها فشيطانه هو الذي يوسوس له ويمده في الغي.\nفهذه النفوس لم تعرف عظمة الله، ولم تستشعر بالحياء منه، ولم تحترم دينها وشريعتها، إذ آية ذلك بذل المال والروح في إعلاء كلمته، لا تعظيمه بالقول دون أن يصدق ذلك العمل.\nوإنك لترى المسلمين يترنمون بهذه الآيات، وقلما تحدث لأحد منهم ذكرًا يصرفه عن الشفاعات، ويرجو النجاة بعمل الصالحات، وهو مؤمن كما وعد الله","vol":"2","page":248},{"text":"بذلك في كتابه، وقد حذوا حذو أهل الكتاب من قبلهم، واتكلوا في نجاتهم على شفاعة رسلهم وتركوا المبالاة بالدين).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>٢ - ويقول في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ </span>إلى قوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٥ - ١٤٧].\n<span data-type=\"title\" id=toc-444>تفسيرات المفردات:</span>\n(الطاعم: الآكل، والميتة: البهيمة ماتت حتف أنفها، والمسفوح: المصبوب، كالدم الذي يجري من المذبوح، رجس: أي قذر قبيح، الإهلال: رفع الصوت، والمراد به الذبح باسم الأصنام، اضطر: أصابته الضرورة الداعية إلى تناول شيء منه، باغ: أي طالب لذلك قاصد له، عاد: أي متجاوز قدر الضرورة، الذين هادوا: هم اليهود لقولهم ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ أي رجعنا وتبنا، الظفر للإنسان وغيره مما لا يصيد، والمخلب لما يصيد، والشحم: ما يكون على الأمعاء والكرش والكلى من المادة الدهنية، حملت ظهورهما: أي علقت بها، والحوايا: المباعر أو المرابض (مجتمع الأمعاء في البطن) أو المصارين والأمعاء، بأسه: أي عذابه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>المعنى الجملي:</span>\nبعد أن ذكر سبحانه في سابق الآيات، أنه ليس لأحد أن يحرم شيئًا من الطعام ولا غيره، إلا بوحي من ربه على لسان رسله، ومن فعل ذلك يكون مفتريًا على الله، معتديًا على مقام الربوبية، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله تعالى، وأبان أن هذا افتراء ما حرمته العرب في جاهليتها من الأنعام والحرث.\nقفّى على ذلك بذكر ما حرمه تعالى على عباده من الطعام، على لسان خاتم رسله وألسنة بعض الرسل قبله، أخرج عبد بن حميد عن طاووس قال-: (إن أهل الجاهلية، كانوا يحرمون أشياء ويستحلون أشياء فنزلت- ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية.","vol":"2","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-446>الإيضاح:</span>\n﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] أي قل أيها الرسول لهؤلاء المفترين على الله الكذب فيما يضرهم، في تحريم ما لم يحرم عليهم، وقل لغيرهم من الناس -لا أجد فيما أوحاه إليَّ ربي طعامًا محرمًا على آكل يريد أن يأكله- إلا أن يكون ميتة، لم تذك ذكاة شرعية، وذلك شامل لما مات حتف أنفه، وللمنخنقة والموقوذة والنطيحة ونحوها، أو دمًا مسفوحًا، أي: سائلًا كالدم الذي يجري من المذبوح، فلا يدخل فيه الدم الجامد كالكبد والطحال) أو لحم خنزير، فإن كل ذلك خبيث تعافه الطباع السليمة، وهو ضار بالأبدان الصحيحة، أو فسقًا أهل لغير الله به، وهو ما يتقرب به إلى غيره تعبدًا، ويذكر اسمه عليه عند ذبحه.\n﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي فمن دفعته ضرورة الجوع وفقد الحلال، إلى أكل شيء من هذه المحرمات، حال كونه غير مريد لذلك، ولا قاصد له، ولا متجاوز حد الضرورة -فإن ربك الذي لم يحرم ذلك إلا لضرره- غفور رحيم، فلا يؤاخذ بأكل ما يسد به مخمصته. ويدفع عنه ضرر الهلاك.\nوالخلاصة -قل لا أجد فيما أوحي إلي من أخبار الأنبياء وشرائعهم، ولا فيما شرع على لساني- أن الله حرم أي طعام، إلا هذه الأنواع الأربعة، وما حرمه على اليهود تحريمًا مؤقتًا عقوبة لهم، وهو ما ذكر أهمه في الآية التالية، ودليل التوقيت قوله في سورة آل عمران: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٥٠]، وقوله مخاطبًا من يتبع النبي -ﷺ- ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ودليل كونه عقوبة لا لذاته، قوله: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: ٩٣].","vol":"2","page":250},{"text":"وما صح من الأحاديث في النهي عن طعام غير هذه الأنواع الأربعة، فهو إما مؤقت لعارض وإما للكراهة فقط، ومن الأول تحريم الحُمُر الأهلية، فقد روى ابن أبي شيبة والبخاري عن ابن عمر ﵄ قال: (نهى النبي ﵌ عن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر)، ومن الثاني ما رواه البخاري ومسلم عن أبي ثعلبة الخشني- أن رسول -ﷺ-: (نهى عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير).\nثم بين ﷾ ما حرمه على بني إسرائيل خاصة عقوبة لهم، لا على أنه من أصول شرعه على ألسنة رسلهم قبلهم أو بعدهم، فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ أي وعلى الذين هادوا دون غيرهم من أتباع الرسل، حرمنا كل ذي ظفر، أي ما ليس منفرج الأصابع كالإبل والنعام والإوز والبط، كما قاله ابن عباس وابن جبير وقتادة ومجاهد.\n﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ أي أنه حرم عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه، وكل شيء منه، وترك البقر والغنم على التحليل، لم يحرم منهما إلا الشحوم الخالصة، وهي الثروب (وأحدها ثرب، وهي الشحم الرقيق الذي يكون على الكرش).\nوالخلاصة -ومن البقر والغنم دون غيرهما، مما أحل لهم من حيوان البر والبحر، حرمنا عليهم شحومهما الزائدة، التي تنتزع بسهولة لعدم اختلاطها بلحم ولا عظم، ولا يحرم عليهم ما حملت الظهور أو الحوايا أو ما اختلط بعظم والسبب في تخصيص البقر والغنم بهذا الحكم، أن القرابين عندهم لا تكون إلا منهما، وكان يتخذ من شحمهما الوقود للرب، كما ذكر ذلك في الفصل الثالث من سفر اللاويين فقد جاء فيه التفصيل في قرابين السلامة من البقر والغنم (كل الشحم للرب فريضة أجيالكم في جميع مساكنهم، لا تأكلوا شيئًا من الشحم ولا الدم).\n﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ أي إنما حرم الله ذلك عليهم عقوبة بغيهم فشدد عليهم","vol":"2","page":251},{"text":"بذلك، وليس ذلك بالخبيث لذاته.\nولما كان هذا النبأ عن شريعة اليهود من الأنباء، التي لم يكن النبي -ﷺ- ولا قومه يعلمون منها شيئًا، وكان مظنة تكذيب المشركين له، لا يؤمنون بالوحي، ومظنة تكذيب اليهود له بأن الله لم يحرم ذلك عقوبة بغيهم وظلمهم، أكده فقال: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي وإنّا لصادقون في هذه الأخبار عن التحريم وعلته، لأن أخبارنا صادرة عن العلم المحيط بكل شيء، ولأن الكذب محال علينا، لأنه نقص فلا يصدر عنا.\n﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ هذا الخطاب إما لليهود وهو المروي عن مجاهد والسدي، وإما لمشركي مكة.\nفعلى الأول يكون المعنى -فإن كذبك اليهود، وثقل عليهم أن يكون بعض شرعهم عقابًا لهم على ما كان من بغيهم على الناس، وظلمهم لهم ولأنفسهم، واحتجوا على إنكار كونه عقوبة بكون الشرع رحمة من الله، فأجبهم بما يدحض هذه الشبهة، بأن رحمة الله واسعة حقًّا، ولكن ذلك لا يقتضي أن يرد بأسه ويمنع عقابه عن القوم المجرمين، فإصابة الناس بالمحق والشدائد عقابًا لهم، على جرائم ارتكبوها قد تكون رحمة بهم، وقد تكون عبرة وموعظة لغيرهم لينتهوا عن مثلها، وهذا العقاب من سنن الله المطردة في الأمم، وإن لم يطرد في الأفراد.\nوعلى الثاني يكون المعنى -فإن كذبك المشركون فيما فصلناه من أحكام التحليل والتحريم، فقل لهم ربكم ذو رحمة واسعة، ولا يعاجلكم بالعقوبة على تكذيبكم، فلا تغتروا به، فإنه إمهال لكم لا إهماله لمجازاتكم، وفي هذا تهديد لهم ووعيد، إذا هم أصروا على كفرهم وافترائهم على الله، بتحريم ما حرموا علي أنفسهم، كما أن فيه إطماعًا لهم في رحمته الواسعة، إذا رجعوا عن إجرامهم، وآمنوا بما جاء به الرسول فيسعدون في الدنيا بحل الطيبات، وفي الآخرة بالنجاة من النار ودخول الجنات) (١).\n_________\n(١) تفسير المراغي (٨/).","vol":"2","page":252},{"text":"وأكتفي بهذين الأنموذجين، من تفسير الأستاذ المراغي، إذ إن أحدها مكي، والآخر مدني، كما يعالجان موضوعين مهمَّيْن، وهما موضوع العقيدة وموضوع الأحكام، وقبل أن أسجل ملاحظاتي على التفسير، من الناحية الموضوعية، لا بد أن أذكر ملاحظة من الناحية الفنية والشكلية، فطريقة الشيخ في تفسير المفردات، لا غبار عليها، وقد سلكها كثير من المفسرين حتى من الأقدمين، كما فعل أبو حيان ﵀ في بحره، لكن المعنى الجملي الذي انفرد الشيخ بذكره لا داعي له، وبخاصة إذا عرفنا أن الذي انفرد الشيخ بذكره ليس معنى الآية نفسها، وإنما هو كما يظهر في تفسيره كله، تقرير لكيفية ربط الآية بما قبلها من آيات، ولذا فإننا نجد ما يذكره الشيح تحت هذا العنوان (المعنى الجملي) يذكره المفسرون -ولا سيما الذي اقتبس منهم الشيخ عباراته كتفسير المنار- قبل تفسير الآية، ولكن لا على أنه معنى جملي لتفسير الآية، وإنما على أنه ربط للآية بما قبلها، فكان من الأفضل أن يكتفي الشيخ بتفسير المفردات والإيضاح بعد ذلك.\nوقبل أن أذكر ملحوظات على التفسير، أبين أن الشيخ كغيره من المفسرين كانت له عنايته بالقضايا اللغوية -كما رأينا من الأنموذجين- وقضايا علوم القرآن وغيرها من القضايا أما فيما يتعلق بالقضايا اللغوية، فإننا نلحظ أن الشيخ المراغي مثلًا لا تكاد تجده يفرق بين بعض الكلمات القرآنية من حيث المعنى، فإذا نظرت إلى تفسير المراغي للكلمات التالية:\nالامتراء، الريب، المرية، الارتياب، وجدت ما يلي:\n- (تجده مثلًا في سورة البقرة يفسر الامتراء بالشك) (١).\n- (وفي سورة براءة يقول: والريبة من الريب وهو اضطراب النفس وتردد الوهم والحيرة) (٢).\n_________\n(١) تفسير المراغي ٢/ ٩.\n(٢) المصدر السابق ١١/ ٢٤.","vol":"2","page":253},{"text":"- (وفي سورة هود يفسر: المرية بالشك) (١).\n- (وفيها أيضًا: والريب: الظن والشك، يقال رابني الشيء يريبني إذا جعلك شاكًّا) (٢).\n- وفي سورة غافر يقول: (مرتاب أي شاكٌ في دينه) (٣).\n- وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [فصلت: ٤٥]، يقول: (أي وإن قومك لفي شك من أمر القرآن موجب لقلقهم واضطرابهم) (٤).\n- وأخيرًا فإنه في سورة فصلت كذلك يفسر المرية بالشك (٥).\n٢ - يفرق الشيخ بين الحول والعام من جهة، والسنة من جهة أخرى فيقول: الحول والعام يقعان في صيفة وشتوة كاملتين، والسنة تبتدئ من أي يوم عددته من العام إلى مثله) (٦).\n٣ - عرض الشيخ لمعنى كل من الافتراء والفرية.\n- ففي سورة آل عمران يقول: (الافتراء: الكذب) (٧).\n- وفي موضع آخر من السورة يفرق بين الافتراء والفرية بقوله: الفرية: الكذب، والافتراء: اختلاق الكذب) (٨).\n- وفي سورة النساء يبحث في أصل الافتراء فيقول: (يقال افترى الكذب، إذا\n_________\n(١) المصدر السابق ١٢/ ١٧.\n(٢) المصدر السابق ١٢/ ٥٣.\n(٣) تفسير المراغي ٢٤/ ٦٦.\n(٤) المصدر السابق ٢٤/ ١٤٢.\n(٥) نفسه ٢٥/ ٩.\n(٦) السابق ٢/ ١٨٤.\n(٧) المراغي ٣/ ١٢٦.\n(٨) المصدر السابق ٤/ ٤.","vol":"2","page":254},{"text":"اعتمله واختلقه، وأصله من الفري بمعنى القطع) (١).\n٤ - في كلمتي نصيب وكفل، يفسر النصيب بالحظ، والكفل بالنصيب، ثم يفرق بينهما بأن النصيب في الآية سمّي كفلًا لأنه نصيب مكفول للشافع إذ هو أثر عمله، أو نصيب محدود لأنه على قدره (٢).\nوأنت -أيها القارئ- تلحظ اضطراب الشيخ في تفسير هذه الكلمات وعدم دقّته في تحديد مفهوم كل كلمة.\nأما فيما يتعلق بتناوب الحروف فإن الشيخ يذهب إلى جواز تناوب حروف الجر، حيث سار في تفسيره بناء على هذا المذهب، وهذه أمثلة من ذلك:\n١ - في قوله تعالى ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] يقول: (وإلى بمعنى مع: أي لا تأكلوا أموالهم مخلوطة ومضمومة إلى أموالكم) (٣).\n٢ - في قوله تعالى ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧] يقول: (ولوقتها أي في وقتها) (٤)، فجعل اللام بمعنى في.\n٣ - في قوله سبحانه ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] يقول: (من أمر الله: أي بأمر الله وإعانته) (٥) فجعل من بمعنى الباء.\n_________\n(١) نفسه ٥/ ٥٧.\n(٢) المراغي ٩/ ١٧٢.\n(٣) انظر المراغي ٤/ ١٧٩، وذكر الرازي هذا الوجه الدال على تناوب الحروف، ووجهًا آخر يجعل إلى بمعناها الأصلي، وتقدير المعنى: (ولا تضموا أموالهم إلى أموالكم في الإنفاق حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم في حل الانتفاع بها) بتقدير فعل (تضموا) انظر الرازي ٥/ ١٧٦.\n(٤) المراغي ٩/ ١٢٧، وأبو حيان يبقي على اللام في تفسير الآية كما هي انظر البحر المحيط ٤/ ٤٣٤.\n(٥) المراغي ١٣/ ٧٤ وذكر الرازي ثلاثة تأويلات لمعنى (من أمر الله) الأول أنه على التقديم والتأخير، والتقدير / له معقبات من أمر الله يحفظونه الثاني: أن فيه إضمارًا، أي ذلك الحفظ من أمر الله معًا أمر الله به فحذف الاسم وأبقى خبره كما يكتب على الكيس ألفان والمراد الذي فيه ألفان، والثالث: أن كلمة من معناها الباء والتقدير: يحفظونه بأمر الله وإعانته، انظر تفسير الرازي ١٠/ ٢١.","vol":"2","page":255},{"text":"وهناك الكثير من القضايا البلاغية التي عرض لها في تفسيره كالمجاز والتشبيه، والاستعارة من علم البيان وكالاستفهام، والإنشاء والخبر من علم المعاني.\nومن ذلك عناية الشيخ بالقضايا العلمية، والقارئ يدرك أن الشيخ قد وفّى بوعده في التطرق لما أثبته العلم في عصره، حتى إنه ليبالغ في بسط مسائله وإعطائها صبغة الحقائق، وهي قد لا ترقي إلى ذلك أحيانًا.\nوتظهر الإطالة في هذا الجانب عندما ينقل نصوصًا كاملة حول الموضوع الذي يتحدث عنه، من كتاب (الإسلام والطب الحديث) أو مما يجاب عنه من كلام لأهل الاختصاص.\nفها هو ينقل ما يزيد على نصف الصفحة في تفسير قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام: ٩٥] مفادها أن إخراج الحي من الميت هو نمو الحي بأكل أشياء ميتة وأما إخراج الميت من الحي فهو الإفرازات مثل اللبن (١).\nوفي تفسير قوله تعالى ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩] قال الشيخ: (وقد أثبت العلم الحديث ما يتبين منه أن في كل عالم من العوالم الأرضية والسماوية ما لا يحصى من النعم على عباده، وعليك أن تلقي سمعك إلى آخر الآراء التي اهتدى إليها العلماء في العصر الحاضر، قال الأستاذ جينس الإنجليزي المدرس لعلوم الرياضيات التطبيقية في جامعة بنسلفانيا بأمريكا في ٧ من مارث ١٩٢٨، وهي أحدث الآراء في منشأ الكائنات وعدم التناهي في الزمان والمكان ما خلاصته: ...) وعدد الشيخ تسع عشرة نقطة تتعلق بمعلومات عن الأرض والأجرام السماوية الأخرى بالأرقام (٢) التي يقف المرء عندها طويلًا قبل أن يخلص إلى أن الأجدر بنا أن نترفع بكتاب الله تعالى عن تفسير آياته بتخمينات وفرضيات وضعها العلماء قبل أكثر من ستين سنة! ! .\n_________\n(١) انظر تفسير المراغي ٧/ ١٩٧ - ١٩٨.\n(٢) تفسير المراغي ١٦/ ٢٦ - ٢٩.","vol":"2","page":256},{"text":"ترى لو وضعت هذه الفرضيات في ميزان العلم اليوم، فماذا سيقول عنها؟ وكم هي نسبة ما يثبت منها أمام مستجدات الأمور؟ ! .\nوفي قوله سبحانه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾ [يس: ٣٨] ذكر الشيخ نظرية علماء الفلك في أمر الكواكب واستقرارها، ثم خلص إلى أن القرآن أثبت ما دلّ على صحته الكشف الحديث من أن الكواكب متحركة، ثم قال:\n(وقد طلبت إلى الأستاذ عبد الحميد سماحة وكيل المرصد الفلكلي المصري بحلوان أن يدلي إليّ بما أثبته علماء الفلك حديثًا في النظريات التي تضمنتها الآيات فكتب إليّ ما يلي ...).\nوذكر أربع آيات (دلائل على الإعجاز) تستفاد من هذه الآية الكريمة (١).\nوقد استطرد الشيخ ﵀ فيما سماه (نظريات) تضمنتها الآيات، ومعلوم أن النظرية غير الحقيقة، فالنظرية أمر قابل للدراسة والثبوت أو البطلان مع تقدم العلم ودقة التجارب.\nوقد يستطرد الشيخ في ذكر معلومة لا تلزم لفهم النص، من ذلك: ما جاء في قوله سبحان ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ [المرسلات: ٢٧] يقول: (وهذه الجبال متصلة بالطبقة الصّوانية التي هي أبعد طبقات الأرض عن سطحها، وتلك الطبقة تضم في جوفها كرة النار المشتعلة التي في باطنها وظاهرها هذه القشرة التي نحن عليها) (٢).\nومن ذلك استطراده في بيان معنى البروج في سورة البروج، إذ يقول: (واحدها برج، ويطلق على الحصن والقصر العالي، وعلى أحد بروج السماء الأثني عشر، وهي منازل الكواكب والشمس والقمر) (٣).\n_________\n(١) المرجع السابق ٢٣/ ١٠ - ١٤.\n(٢) انظر المراغي ٢٩/ ١٨٤.\n(٣) المصدر السابق ٣٠/ ٩٧.","vol":"2","page":257},{"text":"ولو وقف عند هذا لكان كافيًا في وضوح المراد، ولكنه استطرد ليبين زمن مسير القمر في كل برج، ثم مسير الشمس، ثم أسماء البروج التي تسير فيها الشمس، ثم تفرع الفصول الأربعة من هذا المسير.\nكل ذلك جاء في شرح المفردات، ثم عاد في الإيضاح ليتكلم عن الزمن اللازم لوصول ضوء الكواكب إلى الأرض، وسرعة الضوء في الثانية الواحدة، ثم خلص بعد ذلك إلى بُعد الكواكب عن الأرض تبعًا للزمن الذي يستغرق ضوؤها في الوصول إلينا) (١).\nويحاول الشيخ أن يقرب الكثير من القضايا الغيبية إلى الأذهان فعند قوله سبحانه ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١] يقول: (أي للإنسان ملائكة يتعاقبون عليه حرس بالليل وحرس بالنهار، يحفظونه من المضار ويراقبون أحواله ... وليس أمر الحفظة بالبعيد عن العقل بعد أن أثبته الدين وبعد أن كشف العلم أن كثيرًا من الأعمال العامة يمكن إحصاؤها بآلات دقيقة لا تدع فيها شيئًا إلا تحصيه، فقد أصبحت المياه والكهرباء في المدن تعدّ بالآلات (العدادات) فالمياه التي يشربونها، والكهرباء التي يضيئون بها منازلهم تحصى وتعد كما يعد الدرهم والدينار، وكذلك هناك آلات تحصي المسافات التي تقطعها السيارات في سيرها، وأخرى تحصي تيارات الأنهار ومساقط المياه إلى غير ذلك من دقيق الآلات التي لا تترك صغيرة ولا كبيرة من الأعمال إلا تكتبها وتحصيها.\nوكلما تقدمت العلوم وكشفت ما كان غائبًا عنا كان في ذلك تصديق أيما تصديق لنظريات الدين (٢)، ووسيلة حافزة إلى الاعتراف بما جاء فيه مما يخفى على بعض الماديين الذين لا يقرون إلا بما يرونه رأي العين، ولا يذعنون إلا بما يقع تحت\n_________\n(١) نفسه ٣٠/ ٩٨ - ١٠٠.\n(٢) هذا تعبير غير دقيق، والشيخ يريد بقوله (تصديق لنظريات الدين) تصديق لرأي الدين، واستعمال (النظرية) يتنافى مع حقائق الدين، فالنظرية أمر خاضع للبحث والتجربة، قابل للخرق.","vol":"2","page":258},{"text":"حسّهم، وبهذا يصدق قول القائل (الدين والعقل في الإسلام صنوان لا يفترقان وصديقان لا يختلفان) (١).\nوفي قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] يدافع الشيخ عن طلب إبراهيم ﵇ معرفة شيء من كنه الغيب الذي لا يعرفه، بأن هذه طبيعة البشر يودون دائمًا التعّرف على المجهول، ويأتي لذلك بأمثلة من المبتكرات العلميّة وخفائها على كثير من الناس، فيقول: (وإنا الآن لا (٢) نؤمن بأمور كثيرة إيمانًا ولا نعرف كيفيتها ونود لو نعرفها، فهذا الأثير (التلغراف اللاسلكي) ينقل أخبار العالم في لحظة ولا نعرف كيفية ذلك، بل أكثر من ذلك نقل الصور بالتلغراف من الأقطار النائية والقارات البعيدة، ومثله أصوات المذياع (الراديو) التي تنتشر في جميع أقطار العالم بكل اللغات، وتسمع في أرجاء المعمورة، ولا يعرف كثير من الناس كيف تصل إليهم) (٣).\nويعرض الشيخ في تفسيره لبعض الدروس الاجتماعية التي يمكن أن يستفيدها الإنسان من السيرة النبوية.\n١ - فعند تفسير قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥] بيّن الشيخ أثر الإيمان في مجتمع الصحابة، في إيماء إلى ضرورية ترسّم خطاهم بعد أن رقي بهم إيمانهم من حضيض التخلف، قال:\n(وقد كان أثر هذا الإيمان أن زكت نفوسهم وطهرت قلوبهم وعلت هممهم، فأتوا بالعجب العاجب من فتح البلاد والشعوب وسياستها سياسة عدل وحكمه، مما شهد لهم به أعدى أعدائهم، وسجله لهم التاريخ في سجل\n_________\n(١) المراغي ١٣/ ٧٧.\n(٢) والصحيح أن يقول: (وإنا لنؤمن بأمور كثيرة)، وهذا مراد الشيخ والله أعلم، لأن سياق الجملة يؤيده، فسيدنا إبراهيم يؤمن ببعث الموتى كما نؤمن بظواهر كثيرة ونشترك وإياه في طلب معرفة حقيقة ما نؤمن به.\n(٣) المراغي ٣/ ٢٧.","vol":"2","page":259},{"text":"الدول العظيمة الرقيّ والتقدم حين كان الناس في ظلام دامس، وحين كانت أرقى الأمم في تلك العصور تسوس رعاياها بالخسف والعسف، فأنقذها مما ترسف فيه من قيود الاستعباد، وجعلها تتنفس في جوّ من الحرية لم تر مثله، وكفى بالله شهيدًا لهم) (١).\n٢ - ويدعو الشيخ إلى العودة إلى سيرة النبي -ﷺ- للقضاء على أمراض المجتمع، وأهمها الفرقة والخلاف، وذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩] إذ يقول:\n(والعبرة في هذا القصص أن نبتعد عن الخلاف في الدين والتفرق فيه إلى شيع ومذاهب كما فعل من قبلنا، ولكن واأسفا وقعنا فيما وقع فيه السالفون، وتفرقنا طرائق قددًا، وأصابنا من الخذلان والذل بسبب هذا التفرق ما لا نزال نئن منه، ونرجو أن يشملنا الله بعفوه ورحمته ويمدنا بروح من عنده، فيسعى أهل الإيمان الصادق في نبذ الاختلاف والشقاق، والعودة إلى الوحدة والاتفاق، حتى يعود المسلمون إلى سيرتهم الأولى في عهد النبي -ﷺ- وخلفائه الراشدين ومن تبعهم بإحسان) (٢).\nوهو كذلك يركز على السُّنن الإلهية في النفس والمجتمع:\n١ - فعند قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ [آل عمران: ١٥٥] يقول:\n(وفي هذا إيماء إلى سنة من سنن الله في أخلاق البشر وأعمالهم، وهي أن المصايب التي تعرض لهم في خاصة أنفسهم أو في شؤونهم العامة إنما هي آثار طبيعية لبعض أعمالهم، ولكن الله قد يعفو عن بعض الأعمالا التي لا أثر\n_________\n(١) المراغي ٣/ ٢٧.\n(٢) تفسير المراغي ٣/ ١٢٠ - ١٢١.","vol":"2","page":260},{"text":"لها في النفس وليست ملكة ولا عادة لها، بل صدرت هفوة غير متكررة) (١).\n٢ - وعند حديثه عن الابتلاء يبين الشيخ أن فائدة إخبارنا بوقوعه في قوله سبحانه ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] هي أن نعرف السنن الإلهية ونهيئ أنفسنا لمقاومتها (٢)، فإن من تقع به المصيبة فجأة على غير انتظار يعظم عليه الأمر ويحيط به الغم حتى ليقتله في بعض الأحايين، لكنه إذا استعد لها اضطلع بها وقوي على حملها (٣).\n٣ - وفي تلخيصه لأهم ما اشتملت عليه سورة الأعراف يذكر في النقطة السابعة (سننه تعالى في الاجتماع والعمران البشري، ويتضمن ذلك إهلال الله الأمم بظلمها لنفسها ولغيرها، وأن للأمم آجالًا لا تتقدم ولا تتأخر عنها، بما اقتضته السنن الإلهية العامة ابتلاء الله الأمم بالبأساء والضراء تارة، وبالرخاء والنعماء أخرى ... وأن لله في إرث الأرض واستخلاف الأمم والسيادة على الشعوب سننًا لا تتبدل ... ولله سنن في سلبها من قوم وجعلها إرثًا لقوم آخرين ...) (٤).\n٤ - ويفرق الشيخ بين سنة الله في الأمم وسنته في الأفراد.\nففي تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣]، يقول:\n(وهذه سنة مطردة في ذنوب الأهم، وهي فيها أظهر من ذنوب الأفراد، فالمشاهد أن الأمم التي تصر على الظلم والفسوق والعصيان يهلكها الله تعالى في الدنيا بالضعف والشقاق وخراب العمران، حتى تزول نعمتها وتتمزق وحدتها (٥).\n_________\n(١) تفسير المراغي ٤/ ١٠٦.\n(٢) والأحسن أن يقول: ونهيء أنفسنا لمقاومة آثارها لأن سنن الله لا تقاوم.\n(٣) المراغي ٤/ ١٥٤.\n(٤) نفسه ٩/ ١٥٩ - ١٦٠.\n(٥) المراغي ١١/ ١٦٩ وقد ورد هذا المعنى مطولًا في تفسير قوله تعالى ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا ...﴾ [الأعراف: ٥] انظر المراغي ٨/ ١٠٢ - ١٠٣.","vol":"2","page":261},{"text":"٥ - وأخيرًا فإن الشيخ ينبه إلى ضرورة معرفة سنن الله المتعلقة بالإنسان ومجتمعه ويحذّر من ضرر الجهل بها، وذلك في قوله:\n(ولكن وا أسفا قد أضحى المسلمون من أجهل الشعوب بسنن الله تعالى في الأكوان وبالعلوم والمعارف اللازمة لتقدم الحضارة والمدنية، وأصبحوا في مؤخرة الأمم، وصاروا مضرب الأمثال في التأخر والخمول والكسل ..) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>الملحوظات الموضوعية على التفسير:</span>\n- الملحوظات على التفسير كثيرة، ومن أهمها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>١ - نقله عبارة غيره:</span>\nتأثر الشيخ بغيره لا كما عهدنا ذلك من مفسرين سابقين، وإنما هو تأثر من نوع آخر، إنه تأثر وصل إلى اقتباس العبارة نفسها، وإذا كنا قد تحدثنا عن مفسرين من مدرسة الأستاذ الإمام، ساروا على منهجه، وظهرت في تفسيراتهم الخصائص التي ظهرت في تفسير الإمام، فإن الأستاذ المراغي لم يكن من هذا الصنف فحسب، بل إنه يذكرنا ببعض الأقدمين، الذين كانت طريقتهم في التأليف، اختصارًا لما كتبه غيرهم مع بعض التصرف في عباراتهم، وليس من التجني أن نقول: إن التفسير المنسوب للمراغي، إنما هو اختصار حرفي لتفسير المنار في أجزائه الاثني عشر الأولى، والعجيب أنه ربما يذكر صاحب المنار رأيًا للشيخ محمد عبده ويرده، أو يذكر رأيًا لأحد المفسرين، فيأتي مفسرنا ليدمج ذلك كله، دون إشارة للخلاف، أو لمن نقل عنه القول من قريب أو بعيد وأمثل لذلك بما يلي:\nأ- عند تفسيره لسورة الفاتحة يذكر أنها أول سورة نزلت، مستدلًا برواية للبيهقي، مع أن السيد رشيد رضا، أشار إلى هذه الرواية بالتضعيف.\n_________\n(١) تفسير المراغي ٨/ ١٣٧.","vol":"2","page":262},{"text":"ثم يورد في تفسيره لسورة العلق رواية البخاري، في أن السورة أول ما نزل من القرآن، وكم كنا نود لو تنبه الشيخ إلى هذا التناقض في كلامه.\nب- في تفسير المنار ينقل الإمام عن الجلال، تفسير الإله بأنه المعبود بحق ويستحسن هذا التفسير يقول (١):\n(فسر الجلال الإله بالمعبود بحق ... وقد استحسن الإمام قوله ... وقال إن تفسيره لكلمة (الإله) هو الشائع، وهو إنما يصح إذا حملنا العبارة على معناها الحقيقي، وهو استعباد الروح وإخضاعها لسلطان غيبي، لا تحيط به علمًا، ولا تعرف له كنهًا، فهذا هو معنى التأليه في نفسه، وكل ما ألهه البشر من جماد ونبات وحيوان وإنسان، فقد اعتقدوا فيه هذا السلطان الغيبي، بالاستقلال أو بالتبع لإله آخر أقوى منه سلطانا). وهذا هو نفس النص الذي كتبه الأستاذ المراغي في الأنموذج الذي نقلناه في تفسيره.\nج- وكذلك عند تفسيره لمعنى (الحي) فإنه يأتي بعبارة الإمام نفسها، وإذا كان الأمر كذلك فإن الآراء التي تبناها الإمام، وصاحب المنار هي نفسها التي نقلها المراغي كرأيه في السحر والدجال ونزول عيسى وأحاديث المهدي. وبالجملة فأكثر الملاحظات التي أوردتها على تفسير المنار، يمكن أن ترد على تفسير المراغي، والمسألة التي وجدته لا يسير على رأيهما فيها تفسيره لقصة البقرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>٢ - التقاطه كل ما فيه غرابة:</span>\nيلتقط المراغي كل رأي فيه غرابة وعجب، ولو أورده غيره بصيغة الاحتمال، من ذلك نقله عن الشيخ طنطاوي تفسير يأجوج ومأجوج بالمغول والتتار، يقول في تفسيره لسورة الكهف (٢) (يأجوج -هم التتر، ومأجوج- هم المغول، وأصلهما من\n_________\n(١) تفسير المنار جـ ٢ ص ٢٣.\n(٢) تفسير المراغي جـ ١٦ ص ١٣.","vol":"2","page":263},{"text":"أب واحد يسمى (ترك) وكانوا يسكنون الجزء الشمالي من آسيا، وتمتد بلادهم من التبت والصين إلى المحيط المتجمد الشمالي، وتنتهي غربًا بما يلي بلاد التركستان).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>٣ - ولوعه بالحديث عن الأرواح وخطؤه فيها منهجًا وموضوعًا:</span>\nيكتب الأستاذ المراغي في ثنايا تفسيره عن مسألة الأرواح متأثرًا بالجواهر مع أنها من أكبر المآخذ على الشيخ طنطاوي كما سنرى، فعند تفسيره لسورة النجم يقول (١):\n(وإن علماء الأرواح في أوروبا الآن، أصبحوا يؤمنون بقوى عالم الروح، وبما لها من خوارق العادات بالنظر إلى عالمنا، قال أوليفر لودج (- أني أصبحت مؤمنًا موقنًا، بأننا محوطون بعالم نحن بالنسبة إليه كالنمل بالنسبة لنا، وهم يساعدوننا ويحافظون علينا)، ثم قال: (وقفت على هذا بطريق علمي (يريد تحضير الأرواح (ثم قال: (فإذا ما قال القديسون إنهم رأوا الملائكة، أو إنهم رأوا الله فكل ذلك حق لا مرية فيه).\nهذا ولا شك من عجائب القرآن، فإن ما جاء فيه مما يتعلق بعالم الأرواح أصبح علومًا تدرس وتذاع بين الناس، باعتبارها علومًا روحية وكشفًا حديثًا ... ولا غرو فإن ظهور الأرواح في صورة مرئية أصبح الآن معروفًا، وقد قص علماء الروح عجائب وغرائب، وأصبح في طوقهم أن يظهروا الروح في صورة بشرية وصورة نورية، تخاطبهم حين التنويم المغناطيسي ... ولا تتجلى الأرواح إلا بالمناسبة بين المتجلي والمتجلى عليه، وظهوره في صورة مرئية يرجع إلى قوته وشدته، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ يرجع إلى قوته العلمية).\nويقول في ثنايا تفسيره لسورة الجن (٢) (وهنا سمى هذه السورة، بعالم لا نراه،\n_________\n(١) تفسير المراغي جـ ٢٧ ص ٤٦ - ٤٧.\n(٢) تفسير المراغي جـ ٢٩ ص ٩٣ - ٩٥.","vol":"2","page":264},{"text":"وهو عالم الجن، وهو عالم لم يعرف في الإسلام إلا من طريق الوحي، وليس للعقل دليل عليه، ولقد أصبحت هذه العوالم المستترة عنا الشغل الشاغل اليوم للعلماء والباحثين، فصار علماء أوروبا يدرسون عالم الملائكة وعالم الجن وعالم الأرواح، ويطلعون على غوامض هذه العوالم، فتحدث الناس مع أرواح أصحابهم الذين ماتوا، واتصل العالم الإنسي بالعالم الجني وبعالم الأرواح الطاهرة وهم الملائكة ...\nوجاء في كتاب (إخوان الصفا) - أن الأحياء بعد الموت، هم الموسوسون إن كانوا أشرارًا، وهم الملهمون الناس الخير إن كانوا أخيارًا.\nواعلم أن ما جاء في هذه السورة من السمعيات التي لا دليل عليها من العقل، قد بقى في الإسلام حوالي أربعة عشر قرنًا تتلقاه الأمة بالقبول جيلًا بعد جيل، دون بحث عن حقائقه، حتى عني علماء أوروبا في العصر الحديث بالبحث عنه، فظهر لهم أن الأرواح الناقصة تسمع كلام الناس وتهتدي به. وأنها لا تعرف ما فوق طاقتها ... فلا تهتدي بهدي الأرواح العالية، فالنبي -ﷺ- قد ارتقى في العلم إلى حد لا يمكن للارواح الناقصة أن تتعلم منه، فما أشبه حالهم بحال الجهال، الذين يسمعون من أبنائهم المتعلمين العلم ولا يفهمونه، وما مثل حال الأرواح الناقصة بعد الموت، إلا مثل حالها المشاهدة في الدنيا، فإنا نرى الجهال لا يجلسون في مجالس العلم، فهم في الحياة الدنيا ممنوعون من السمع، وقد يشتد المنع إذا كان في السماع مفسدة، كمعرفة الأسرار الحربية والخطط السياسية، التي ينبغي أن تبقى سرًّا مكتوبًا بين الدول، وهذا المنع الذي نشاهده، أشبه بالمنع من استراق السمع لأنه إنما كان لحفظ الدرجات، وهي المعارج لأربابها.\nومن المؤلم للنفس الباعث على الأسف، أن نجد من علماء المسلمين، وممن يتصدون لتفسير القرآن، من يقرر مثل هذه الترهات، وإنه فيما كتبه الأستاذ المراغي خطأين اثنين:","vol":"2","page":265},{"text":"أ- خطأ في المنهج: ذلك أن مناهج البحث التي سار عليها علماء الغرب، مناهج غريبة عن طبيعة ديننا، فكان ينبغي أن يتنبه مفسرنا إلى هذا ... وقد ذكر العلماء أن أسباب العلم للخلق ثلاثة: الخبر المتواتر والحواس والعقل وهذا مصداق قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، فهناك أمور لا يمكن أن نصل إلى معرفتها عن طريق حواسنا، ولا حتى عن طريق العقل، فنقل الأستاذ عن بعض علماء الغرب بحثهم في عالم الملائكة وغيره من الغيبيات، لا يرتكز على منهج صحيح في البحث، وكم كان من الخير أن يرد الأستاذ مثل هذا، لا أن يورده على أنه من المسلمات.\nب- خطأ موضوعي هو إيراده لتلك المسائل في تفسيره، ومحاولته تطبيق ذلك على الآيات، مع أن مسألة تحضير الأروح من أساسها، ظن لا يغني من الحق شيئًا، كما أن نقله عن إخوان الصفا وغيرهم، وتقريره أن الرسول -ﷺ- ارتقى في العلم، إلى حد لا يمكن للأرواح الناقصة أن تتعلم منه، وتطبيقه ذلك كذلك على استراق السمع، وافتتانه بعلماء الغرب، كل ذلك ثغرات في تفسيره، كان من الخير له وللقراء تحاشيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-451>٤ - إغراب الأستاذ في التأويل، وتضييقه لنطاق الخوارق ولو كلفه ذلك رد الأحاديث الصحيحة:</span>\nوهذا هو العجب حقًّا، الأستاذ الذي ينقل عن علماء الغرب بأنهم رأوا الله والملائكة، وحادثوا أرواح الموتى، نجده مع ذلك لا يستطيع أن يحمل عقله وعقول القراء، بعض ما أرشدت إليه الآيات القرآنية في صراحة ووضوح.\nولنستمع إلى الشيخ في أمثلة ننقلها من تفسيره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-452>أ- شططه في تأويل آيات استراق السمع والرجم بالشهب:</span>","vol":"2","page":266},{"text":"يقول في سورة الصافات (١).\n﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ [الصافات: ٧] أي وحفظنا السماء أن يتطاول لدرك جمالها، وفهم محاسن نظامها الجهال والشياطين المتردون من الجن والإنس، لأنهم غافلون عن آياتنا، معرضون عن التفكير في عظمتها، فالعيون مفتحة ولكن لا تبصر الجمال، ولا تفكر فيه حتى تعتبر بما فيه.\n﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ [الصافات: ٨] أي إن كثيرًا من أولئك الجهال والشياطين، محبوسون في هذه الأرض غائبة أبصارهم عن الملأ الأعلى، لا يفهمون رموز هذه الحياة وعجائبها، ولا ترقى نفوسهم إلى التطلع إلى تلك العوالم العليا، والتأمل في إدراك أسرارها، والبحث في سر عظمتها.\n﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا﴾ [الصافات: ٨ - ٩] أي وقد قذفتهم شهواتهم، وطردتهم من كل جانب، فهم تائهون في سكراتهم، تتخطفهم الأهواء والمطامع والعداوات والإحن، فلا يبصرون ذلك الجمال الذي يشرق للحكماء، ويبهر أنظار العلماء، ويتجلى للنفوس الصافية، ويسحرها بعظمته، وهم ما زالوا يدأبون على معرفة هذا السر حتى ذاقوا حلاوته، فخرّوا ركعًا سجدًا، مذهولين من ذلك الجمال والجلال، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] أي أولئك لهم عذاب دائم، بتقصيرهم عن البحث في سر عظمة هذا الكون، والوصول بذلك إلى عظمة خالقه وبديع قدرته، ثم بين من وفقهم الله وأنعم عليهم ممن ظفروا بالمعرفة فقال:\n﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ [الصافات: ١٠] أي إلا من لاحت له بارقة من ذلك الجمال، وعنت له سانحة منه، فتخطفت بصيرته كالشهاب الثاقب، فحن إلى مثلها، وصبت نفسه إلى أختها، وهام بذلك الملكوت العظيم، باحثًا عن سر عظمته ومعرفة كنه جماله، وهم من اصطفاهم الله من عباده، وآتاهم الحكمة من لدنه وأيدهم بروح من عنده، وهم (أنبياؤه وأولياؤه) الذين أنعم عليهم من\n_________\n(١) تفسير المراغي جـ ٢٣ ص ٤٣.","vol":"2","page":267},{"text":"الصديقين والشهداء والصالحين. وفي سورة الملك يقول (١):\n(وقصارى القول أن هذه الكواكب، كما هي زينة الدنيا، وأسباب لرزق ذوي الصلاح من الأنبياء والعلماء والحكماء، هي أيضًا سبب لتكون الأرزاق المهيجة لشياطين الإنس والجن، فهذا العالم قد اختلط فيه الضر بالنفع، وأعطى لكل ما استعد له، فالنفوس الفاضلة والنفوس الشريرة، استمدت من هذه المبادرة المسخرة المقهورة، فصارت سببًا لثواب النفوس الطيبة، وعذاب النفوس الخبيثة، وصار لهم فيها رجوم وظنون، إذ هم قد استمدوا شيطنتهم، من مظاهر الطبيعة الناشئة من الحرارة والضوء.\nأما عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨)﴾ [الجن: ٨] فيقول: فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا، أي فمن يرم أو يسترق السمع اليوم يجد له شهابًا مرصدًا لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يهلكه ويمحقه.\nوإنا لنؤمن بما جاء في الكتاب الكريم من أن الجن كانوا يسترقون السمع، ومنعوا من ذلك بعد بعثته -ﷺ-، ولكن لا نعرف كيف كانوا يسترقون السمع، ولا نعرف الحرس الذين منعوهم ولا المراد بالشهب التي كانت رصدًا لهم، والجن أجسام نارية فكيف تحترق من الشهب.\nويرى قوم أن مقاعد السمع هي مواضع الشبه التي يوسوس بها الجن في صدور الناس، ليصدوهم عن اتباع الحق، والحرس -هي الأدلة العقلية التي نصبها سبحانه لهداية عباده، والشهب الأدلة الكونية التي وضعها في الانفس والآفاق.\nوعلى هذا يكون المعنى- أن القرآن الكريم بما نصب من الأدلة العقلية والأدلة الكونية، حرس الدين من تطرق الشبه التي كان الشياطين يوسوسون بها في صدور الزائغين، ويحوكونها في قلوب الضالين، ليمنعوهم من تقبل الدين والاهتداء\n_________\n(١) تفسير المراغي جـ ٢٩ ص ٩٩.","vol":"2","page":268},{"text":"بهديه، فمن يفكر في إلقاء الشكوك والأوهام في نفوس الناس بعدئذ يجد البراهين التي تقتلعها من جذورها. أهـ.\nلقد خرج الشيخ عن السياق واللغة ورأي جمهور المفسرين، فالذين خطفوا الخطفة حولهم الأستاذ من الشياطين إلى الأنبياء والأولياء والمقربين. ثم أهؤلاء الذين قرأوا القرآن على مكث متدبرين، أيكونون بحاجة إلى الخطفة يخطفونها؟ وهذه الشهب التي ملئت بها السماء لرجم مسترقي السمع، يجعلها الشيخ أنواعًا من الحجج والأنوار.\nإن هذه التأويلات التي أعجب بها الشيخ ونقلها إلى تفسيره، أقرب إلى التأويلات الباطنية، بل هي نفسها. نعم ليس معنى هذا أن نحجر على العقول في فهم كتاب الله ﵎، ولكن في حدود السياق واللغة والمأثور، وكل خروج كالذي رأيناه في تفسير المراغي مردود مرفوض جملة وتفصيلًا، لأنه -مع ما فيه من مخالفة وشطط- يغري سفهاء العقول بالقرآن، فيؤولون ألفاظه ويحرفون معانيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-453>ب- تناقض كلام الشيخ في حادثة المعراج:</span>\nيفهم من كلامه في سورة الإسراء أنه يمكن أن يكون بالجسم -ولكن الإشكال يبقى كما يقول في حديث المعراج فهو مضطرب المتن كما يروي عن الباقلاني، وإن صح هذا عن الباقلاني، فإنه ليس من علماء الحديث مع تقديرنا لعلمه وفضله، وقد رد العلماء دعوى الاضطراب في حديث المعراج، وقد بين ذلك الإمام النووي ﵁، وغيره من الأئمة جزاهم الله خيرًا- بينما يقطع بأن المعراج كان بالروح فقط في سورة النجم.\nيقول في تفسير سورة الإسراء (١) (ويبقى أمر الحديث واشتماله على أمور غريبة،\n_________\n(١) تفسير المراغي جـ ١٥ ص ٩.","vol":"2","page":269},{"text":"لا حاجة إليها في تصديق النبوة، والمحاورة في فرض الصلوات، وانتقالها من خمسين إلى خمس مما يستدعي ردّ الحديث، وعدم النظر إليه لاضطراب متنه، كما قال القاضي أبو بكر البلاقلاني، وإن صححه رواة الحديث باعتبار سنده).\nويقول في سورة النجم (١) (وقد تقدم أن الصحيح أن الصعود إلى الملأ الأعلى، كان روحيًا لا جسمانيًا، كما روى عن جمع من الصحابة رضوان الله عليهم).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>جـ- إنكاره انشقاق القمر:</span>\nلم يسع الشيخ التصديق بانشقاق القمر، فأوّل الآية، كما رد الأحاديث الصحيحة التي وردت في ذلك، وأورد كلامًا لا ينهض دليلًا على ما ذهب، يقول في تفسير سورة القمر (٢).\n(والذي يدل على هذا أن إخبار عن حدث مستقبل، لا عن انشقاق ماض أمور:\n١ - أن الإخبار بالانشقاق أتى إثر الكلام على قرب مجيء الساعة، والظاهر تجانس الخبرين وأنهما خبران عن مستقبل لا عن ماض.\n٢ - أن انشقاق القمر من الأحداث الكونية الهامة، التي لو حصلت لرآها من الناس من لا يحصى كثرة من العرب وغيرهم، ولبلغ حدًا لا يمكن لأحد أن ينكره، وصار من المحسوسات التي لا تدفع، ولصار من المعجزات التي لا يسع مسلمًا ولا غيره إنكارها.\n٣ - ما ادعى أحد من المسلمين، إلا من شذ، أن هذه معجزة بلغت حد التواتر، ولو كان قد حصل ذلك، ما كان رواته آحادًا، بل كانوا لا يعدون كثرة.\n٤ - أن حذيفة بن اليمان وهو ذلكم الصحابي الجليل، خطب الناس يوم الجمعة في المدائن، حين فتح الله فارس، فقال -إلا إن الله ﵎ يقول- ﴿اقْتَرَبَتِ\n_________\n(١) تفسير المراغي جـ ٢٧ ص ٤٩.\n(٢) تفسير المراغي جـ ٢٧ ص ٧٧.","vol":"2","page":270},{"text":"السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، ألا وإن الساعة اقتربت ألا وإن القمر قد انشق، فهذا الكلام من حذيفة في معرض قرب مجيء الساعة وتوقع أحداثها، لا في كلام عن أحداث قد حصلت تأييدًا للرسول وإثباتًا لنبوته، لأن ذلك كان في معرض العظة والاعتبار).\nويرد على ذلك كله -أما أولًا فلأن الساعة قد اقتربت بالفعل، فليس اقترابها أمرًا من أمور المستقبل، وأما ثانيًا فلأنه لم يثبت أن أحدًا من المشركين، أنكر ما جاء في الآية الكريمة، وأما ثالثًا فترده الأحاديث التي نقلها عن أبي داود والطيالسي والبيهقي، بأن أهل مكة سألوا السفار عن ذلك فأيدوا رؤيته، ويكفي أن الحديث ورد في الصحيحين، وأن سياق الآية دال على ذلك، وأما رابعًا فإن قول حذيفة ﵁، رد عليه وليس حجة له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-455>د- تأرجحه في إدريس ﵇:</span>\nيذكر الشيخ في تفسير سورة مريم عند قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٥٦]، ما نقله النسابون عن إدريس ﵇ (١) ويرده لأنه ينبغي أن نكتفي بما جاء به الكتاب الكريم، كما يقول، ولكنه بعد ذلك مباشرة، ينقل ما قاله علماء الآثار، عن قدماء المصريين من أن إدريس (أوزريس - أموريس)، ويأتي بكلام كثير، خير منه بكثير ما قاله النسابون، وأكثر خيرًا من ذلك كله عدم ذكره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-456>هـ- اضطرابه في معرفة ماهية إبليس:</span>\nعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠] لا يكتفي الشيخ بهذا، بل ينقل ما قيل من أن إبليس من الملائكة، وهذا قد سبقه إليه كثير من المفسرين، ولكنه يذكر أن الملائكة والجن لا دليل على وجود فروق جوهرية بينهما، بل هي فروق في الصفات فحسب (٢) وهذا\n_________\n(١) تفسير المراغي جـ ١٦ ص ٦٣ - ٦٤.\n(٢) تفسير المراغي جـ ١٥ ص ١٦.","vol":"2","page":271},{"text":"من أغرب أقوال الشيخ، ثم يردد ما قاله الشيخ محمد عبده عن الملائكة والشياطين، ولا حاجة لمناقشة هذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-457>و- تفسيره للمعارج:</span>\nقد لا يكون غريبًا خروج الشيخ عن سياق الآيات ورأي جمهور المفسرين، بعد أن عرفنا كثيرًا من هذا، ومن هذا القبيل تفسيره (المعارج) بالنعم في قوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾ [المعارج: ٣] (١)، مع أن السياق والمقام لا يساعدان على ذلك، فإن الحديث عن عذاب واقع ليس له دافع، ولعل من الخير أن أنقل شيئًا من عباراته، يقول: (المعارج - وأحدها معرج: وهو المصعد (أسنسير)، كما قال ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] والمراد بها النعم التي تكون درجات متفاضلة، تصل إلى الخلق على مراتب مختلفة ... وقد نظم سبحانه العوالم، فجعل منها مصاعد ومنها دركات، فليكن هؤلاء في الدركات، وليكن المؤمنون والملائكة في الدرجات، طبقًا عن طبق، على نظم ثابتة اقتضتها الحكمة والمصلحة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-458>٥ - إكثاره من التفسير العلمي ولو كان بعيد الاحتمال:</span>\nفمثلًا في سورة الأعراف يفسر خلق السماوات والأرض في ستة أيام بأنها ستة أطوار، فالدخان ثم الماء ثم اليابسة ثم أجناس الأحياء، ويبقى يومان للعالم العلوي (٢).\nوعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان: ١]، يبين أن الآية تتفق مع ما أثبته العلم، من أن الإنسان إنما خلق بعد أزمنة طويلة من خلق هذه الأرض (٣).\nوفي تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ\n_________\n(١) تفسير المراغي جـ ٢٩ ص ٦٥ - ٦٧\n(٢) تفسير المراغي ٨/ ١٧٢.\n(٣) تفسير المراغي ٢٩/ ١٥٩.","vol":"2","page":272},{"text":"كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩]، ينتهز هذه الفرصة لينقل ما قاله العلماء عن عمر الأرض، بأنه ألفا مليون سنة، وأن الإنسان لم يعش عليها إلا منذ ثلاثمائة ألف سنة، وأن إنسان الغد سيكون أحكم من إنسان اليوم بثلاثة ملايين مرة وهكذا. وكله خرص وتخمين كما ترى يُقحم في تفسير القرآن (١).\nولا ينسى الشيخ كما وعد في مقدمته، أن يسأل ذوي الاختصاص فنراه يسأل الأستاذ عبد الحميد سماحة، وكيل المرصد الفلكي المصري بحلوان، ليدلي إليه بما اتفق لعلماء الفلك من النظريات التي تضمنتها الآيات مثل ذلك ما رأيناه في سورتي الأنبياء ويس، يقول عند قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٤٠] (٢).\n(المقصود هنا أن الله سبحانه بديع السماوات والأرض، جعل لكل من الشمس والقمر مدارًا مستقلًا يسبح فيه، فلا يحجب أحدهما ضوء الآخر إلا نادرًا، حينما يحدث كسوف الشمس أو خسوف القمر فالشمس كما ذكرنا تدور حول الأرض في حركة ظاهرية، تنشأ عن دوران الأرض حولها، وهي تشبه ما يبدو للمسافر في القطار، من حركة الأشجار وأعمدة التلغراف والقرى، دون أن يحس بحركته المكتسبة من وجوده في القطار، وهكذا تتحرك الشمس وسط النجوم في مدار واسع نسبيًا نصف قطره ٩٣ مليون ميل، وتتم دورة كاملة في زمن مقداره سنة، يدل على هذه الحركة تنقلها وسط البروج، بمعدل برج في كل شهر، أو درجة واحدة تقريبًا في كل يوم.\nأما القمر فمداره حول الأرض أصغر نسبيًا، ويقدر طول نصف قطر مداره، بحوالي ٢٤ ألف ميل، يقطعه في شهر، أي بمعدل منزل في كل يوم، أو ١٣ درجة في اليوم، وحركته حول الأرض حركة حقيقية، ويمكن ملاحظتها بسهولة، من مراقبة موقعه بين النجوم ليلة بعد أخرى.\n_________\n(١) تفسير المراغي ١٥/ ٢٩.\n(٢) تفسير المراغي جـ ٢٣ ص ٢٣.","vol":"2","page":273},{"text":"وفضلًا عن ذلك فالمداران السالفا الذكر، ليسا في مستوى واحد، بل يميل أحدهما على الآخر، ولولا ذلك لتكرر كل من الكسوف والخسوف مرة في كل شهر، وهكذا يتبين كيف أن لكل من الشمس والقمر فلكًا أو مدارًا مستقلًا يسبح فيه).\nوكذلك نراه عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨)﴾ من سورة الطارق، يقول: (استفتيت النطاسي البارع، عبد الحميد العرابي بك وكيل مستشفى الملك سابقًا، في نظرية الحمل وكيفية تكوين الجنين، فكتب له هذا عدة صفحات، حول علاقة الآيات بالنظريات العلمية) (١).\nوهكذا لا يألو الشيخ جهدًا في تطبيق النظريات العلمية على آيات القرآن محاولًا بذلك إبراز الإعجاز العلمي في كتاب الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-459>٦ - تناقضه وعدم دقته:</span>\nيبدو من ظاهر كلام الشيخ أحيانًا التناقض وعدم الدقة، فقد مر معنا ما قاله في سورة الفاتحة، من أنها أول سورة نزلت، ثم قال هذا عند تفسير سورة العلق.\nوفي سورة الأعراف يفسر الاستواء على العرش، بأنه استقامة أمر السماوات والأرض وانفراده بتدبيرهما، بينما يقول في سورة الحديد (ثم استوى على عرشه فارتفع إليه) وفي سورة هود يقول: (عرش الرحمن من عالم الغيب، الذي لا ندركه بحواسنا، ولا نستطيع تصويره بأفهامنا، فلا نعلم كنه استوائه عليه) (٢) بينما يقول في سورة البروج (ذو العرش أي صاحب الملك والسلطان والقدرة النافذة).\nوقد نقلنا عنه سابقًا أن المحرمات هي ما جاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ ..﴾ وأن ما عدا هذه الأنواع الأربعة، مما ورد\n_________\n(١) تفسير المراغي جـ ٣٠ ص ١١٢ - ١١٥.\n(٢) تفسير المراغي جـ ١٢ ص ٥٠.","vol":"2","page":274},{"text":"النهي عنه فحرمته مؤقتة، أو أن النهي عنه للكراهة فقط، ولكن عباراته في سورة المائدة تشعر بغير هذا فهو يقول:\n(أما الطيبات فهي ما عدا المنصوص على تحريمه كبهيمة الأنعام، وصيد البر والبحر، أي ما من شأنه أن يصاد منهما، فالبحر كل حيوانه يصاد منه ما يؤكل، ما عدا سباع الوحش والطير لحديث ابن عباس (نهى رسول الله -ﷺ- عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير) وحديث ابن ثعلبة الخشني (كل ذي ناب من السباع فأكله حرام) رواهما أحمد ومسلم وأصحاب السنن) (١).\nوأكتفي بما ذكرته عن تفسير المراغي من إغراب في التأويل، ورد للأحاديث وخروج عن رأي الجمهور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-460>رأينا في التفسير:</span>\nوبعد، فلا بد من كلمة أخيرة حول هذا التفسير، بعد أن أعطيت فكرة عنه أرجو أن تكون واضحة، ولكن قبل ذلك أورد ما قاله الأستاذ محمد عزة دروزة، صاحب التفسير الحديث -الذي سنتحدث عنه إن شاء الله- حول هذا التفسير، يقول (٢):\n(ولقد اطلعنا على تفسير حديث، نشر معظمه للأستاذ المراغي، ومع أنه قصد التحرز والتحاشي وعدم الإغراب، والسير بأسلوب قريب المتناول على أوساط الأفهام، فإنه يأخذ كثيرًا من الروايات والأقوال الضعيفة، وغير المتسقة مع الآيات سندًا، أو كقضايا مسلمة، ولا يندمج في جو القرآن ونزوله وبيئته، وليس فيه تلك الحرارة والحيوية اللتان يثيران الاهتمام والشوق، فضلًا عن تفصيلات كثيرة لا طائل من ورائها، أدخلته في عداد كتب التفسير الضخمة، التي لا تسمح لكثير من الراغبين بالإحاطة به واستيعابه، حيث تبلغ صفحاته نحو سبعة آلاف ونيفًا، وكل\n_________\n(١) تفسير المراغي جـ ٣٠ ص ١٠٤.\n(٢) التفسير الحديث.","vol":"2","page":275},{"text":"ذلك لا يجعله تفسيرًا مثاليًا فيما نعتقد).\nونحن لا نؤيد الأستاذ دروزة فيما ذهب إليه، فمع غموض عبارته فيما ذكره من التحرز والتحاشي، والحرارة والحيوية، فالتفسير لا يعد من التفاسير الضخمة ولا تبلغ صفحاته العدد الذي ذكر.\nوإذا كان الأستاذ المراغي، قد جمع تفسيره من عبارات من سبقوه، فإن ذلك لا يقلل من شأن هذا التفسير نفسه، ولكنه مأخذ كبير على المفسر، وهذه المسألة لا تضير القارئ، لكن ما ينبغي التنبيه عليه هو التأويل الذي اشتط فيه الشيخ أحيانًا، وإيراده أقوال من يسمون بعلماء الأرواح على أنها قواعد مسلم بصحتها وصدقها، والتفسير بعد ذلك لا يخلو من فوائد، بل ربما يكون من التفاسير المفضلة لغير ذوي الاختصاص.","vol":"2","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-461>٦ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت ﵀</span>\nالأستاذ الأكبر واحد من هؤلاء القلة من العلماء، الذين من الله عليهم بقوة الشخصية ونفاذ البصيرة وإصابة الرأي.\n(والشيخ فقيه مفسر ولد سنة (١٣١٠ هـ -١٨٩٣ م) في مينة بني منصور (بالبحيرة) وتخرج في الأزهر (١٩١٨ م) وتنقل في التدريس إلى أن نقل للقسم العالي بالقاهرة (١٩٢٧ م) وكان داعية إصلاح نير الفكر، يقول بفتح باب الاجتهاد، وسعى إلى إصلاح الأزهر فعارضه بعض كبار الشيوخ، وطرد هو ومناصروه فعمل في المحاماة (١٩٣١ - ١٩٣٥ م) وأعيد إلى الأزهر، فعين وكيلًا لكلية الشريعة، ثم كان من أعضاء كبار العلماء (١٩٤١ م) ومن أعضاء مجمع اللغة العربية (١٩٤٦ م) ثم شيخًا للأزهر (١٩٥٨ م) إلى وفاته، وكان خطيبًا موهوبًا جهير الصوت، له ٢٦ مؤلفًا مطبوعًا، منها:\n١ - التفسير.\n٢ - القرآن والمرأة.\n٣ - القرآن والقتال.\n٤ - هذا هو الإسلام.\n٥ - عنصر الخلود في الإسلام.\n٦ - الإسلام التكافل الاجتماعي.\n٧ - فقه السنة.\n٨ - أحاديث الصباغ في المذياع.\n٩ - فصول شرعية اجتماعية","vol":"2","page":277},{"text":"١٠ - حكم الشريعة الإسلامية في تنظيم النسل (محاضرة).\n١١ - الدعوة المحمدية (رسالة).\n١٢ - فقه القرآن والسنة.\n١٣ - الفتاوى.\n١٤ - توجهات الإسلام.\n١٥ - الإسلام عقيدة وشريعة.\n١٦ - الإسلام والوجود الدولي.\nتوفي عام (١٣٨٣ هـ-١٩٦٣ م) (١).\nومع أننا نعد الشيخ من مدرسة الإمام الشيخ محمد عبده، إلا أنه ليس مثل كثير ممن تكلمنا عنهم ممن التزم آراء الشيخ التزامًا تامًّا، بل إن شخصية الشيخ احتفظت بمميزاتها ومقوماتها، مما أثر في تفسيره فجعل له خصائص فريدة، سواء أكان في أسلوبه وطريقته أم في آرائه وأفكاره، وقد فسر الأستاذ الثلث الأول من القرآن، وهو المعروف بتفسير القرآن الحكيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-462>تفسير القرآن الكريم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>منهجه في التفسير:</span>\nسلك الشيخ طريقة فريدة في تفسيره فهو يجمع بين الطريقتين الموضوعية والتحليلية، وإن كانت الأولى هي التي تغلب على تفسيره، فهو حينا يعرض للسورة من القرآن يذكر سبب تسميتها، والظرف الذي نزلت فيه، مقارنًا بينها وبين غيرها من السور الشبيهة بها من حيث الموضوع، أو من حيث البدء، ثم يذكر أهم\n_________\n(١) الأعلام (٧/ ١٧٣).","vol":"2","page":278},{"text":"موضوعات السورة عقدية أو قصصية أو تشريعية، وهو مع ذلك كله يبدي رأيه في كل مسألة من مسائل الخلاف، بعد أن ينقل أقوال سابقيه، ثم يفسر بعض الآيات تفسيرًا تحليليًا.\nفعند تفسيره لسورة البقرة، يذكر الأمور التي أشرت إليها ثم يخص آية البر وهي قوله تعالى ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] باعتبارها واسطة العقد في سورة البقرة بشيء من التفصيل.\nونلاحظ أن حديثه عن سورة البقرة، لم يكن شاملًا لجميع موضوعاتها بالتحليل.\nوهكذا عند تفسيره لسورة آل عمران، فبعد ذكره لأهم موضوعاتها، يتناول النداءات التي وردت فيها للمؤمنين بشيء من التفصيل.\nأما عند تفسيره لسورة النساء ففضلًا على ما تقدم، يوازن بين سورتي النساء والحج، من حيث البدء بنداء الناس جميعًا وأمرهم بالتقوى، وكيف أن أولاهما ذكرت البدء والأخرى ذكرت الميعاد.\nونراه عند تفسيره سورة المائدة بعد ذكره لبعض الموضوعات، وما امتازت به السورة من كثرة النداءات، يقتصر على تحليل النداءات الستة الأولى تحليلًا وافيًا.\nلكنه عند تفسيره سورة الأنعام يعقد موازنات أولها بين سورة الأنعام لكونها مكية، وبين السور المدنية التي سبقتها، وثانيهما بين سورة الأنعام، ومثيلاتها مما بدئ بالحمد، ثم يعقد موازنة ثالثة، بين سورة الأنعام والأعراف التي تليها، باعتبارها أكبر السور المكية، وهو إذ يفيض في موضوعات سورة الأنعام، يذكر ما امتازت به السورة من الأسلوب التقريري، المبدوء بـ (هو) مثل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، والأسلوب التلقيني المبدوء بكلمة (قل) مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤]، ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ","vol":"2","page":279},{"text":"شَهَادَةً﴾ [الأنعام: ١٩]، ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]، ثم يخص الوصايا العشرة بتحليل وتفصيل دقيق.\nهذه هي طريقة الشيخ في تفسيره، وهي كما قلت من قبل فريدة في مسلكها لأن غيره من المفسرين سلك الطريق التحليلي على حدة أو الموضوعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-464>مدى تأثر الشيخ بغيره من المفسرين:</span>\nإذا كان الشيخ قد انفرد في طريقته ومنهجه، فإن هناك سؤالًا يُطرح وهو: هل انفرد الشيخ في آرائه كذلك، أم تأثر بغيره وبخاصة الإمام محمد عبده؟ .\nالممعن في تفسير الشيخ، يجده ينقل كثيرًا من أقوال المفسرين مستشهدًا بها، فقد نقل عن أئمة المفسرين كالرازي والقرطبي والألوسي، وهو إذ ينقل عنهم، نلمح منه عبارات الإجلال والتقدير، وهذه خصلة كريمة تدل على فضل الشيخ، وعلى سبيل المثال، ينقل ما امتازت به سورة الأنعام عن الفخر الرازي، كما يصف القرطبي في ثنايا الاستشهاد بأقواله بالإمام. ويستحسن في قصة المائدة ما ذكره الإمام الرازي في درجات الإيمان.\nأما تأثره بالإمام محمد عبده فعلى الرغم من أن معالمه ربما تبدو في بعض المسائل، إلا أنه لا يصل إلى درجة التقليد والمحاكاة، فإن للشيخ كما أسلفت شخصيته العلمية القوية وتبدو آثار هذا التأثر في الأمور التالية:\nعند تفسيره لسورة الفاتحة، يرى أن المغضوب عليهم والضالين، هم الكافرون والمنافقون، ويترك الروايات الواردة في ذلك، وقد تركها الإمام من قبل، ويبين في أثناء تفسيره لسورة الأنعام، أن سورة الفاتحة قد اشتملت على مقاصد القرآن جمله، ولا ننسى إنكاره نزول عيسى بحجة آحادية الحديث، وهذا ما ذهب إليه الإمام من قبل ومع ذلك فإن شخصيته تتجلى في مخالفته الشيخ، ومعارضته في مواضع أخرى، من ذلك مثلًا رأيه في الحروف المقطعة، فهو يرى أنها مما استأثر الله","vol":"2","page":280},{"text":"بعلمه، فهي من الأسرار، وهو يرد رأي الشيخ صراحة، ورأي صاحب المنار في تفسير قصة البقرة، ويرى أنه تأويل لا تساعد اللغة عليه ويرده السياق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-465>آراء الشيخ في بعض مسائل التفسير:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>١ - رأيه في القصص القرآني:</span>\nيتحدث الشيخ في ثنايا تفسيره لسورة البقرة عن القصص القرآني، ويبين مذاهب الكتاب فيه، فيذكر مذهب المؤولين، ممثلًا له بما قال الشيخ محمد عبده في قصة البقرة ويرده، ثم يذكر رأي القائلين بالتحليل، ويبين أنهم وإن اتفقوا مع المؤولين في صرف اللفظ عن ظاهره إلا أنهم يختلفون عنهم بصرف اللفظ إلى تخييل ما ليس بواقع واقعًا، فلا يلزم فيه الصدق، ولا أن يكون إخبارًا بما حصل، ولشدد النكير على هؤلاء في تفسيره لسورة البقرة (١).\nثم يعود للحديث عنهم في سورة المائدة، يقول (٢):\n(بقي أن جماعة متفلسفة هذا العصر، حاولوا أن يعيدوا بعض آراء قوم حكموا عقولهم فيما قصه الله فقالوا - إن مثل هذا القصص لا يلزم أن يكون صادقًا، يحكي واقعًا صحيحًا، وإنما يجوز أن يكون القرآن جارى فيه معلومات اشتهرت على تعاقب العصور، من غير أن يكون لها أصل كوني، وأن القرآن حدث القوم بما يتناقلون من معارف مأثورة، وإن لم يكن لها واقع صحيح، قالوا - ومن الجائز أن يكون القرآن هو الذي وضعها ابتداء، بقصد التمثيل لغرض صحيح، وهو التأثير على القوم في سبيل اعتناق الحق الذي يدعون إليه، وعليه يكون سؤال الحواريين افتراضًا وتخييلًا، وإجابة عيسى لهم افتراضًا وتخييلًا، وإجابة الله لهم على هذا النحو الذي أجاب به افتراضًا وتخييلًا، وكل ما تضمنه هذه الآيات، من نسب هي\n_________\n(١) تفسير القرآن الكريم ص ٤٥.\n(٢) تفسير القرآن الحكيم ص ٢٨٣.","vol":"2","page":281},{"text":"حكايات عن مفروض متخيل، لا واقع له تنطبق عليه، وإنما هي تخييل واختراع في اختراع ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥]. وكما لم يعجب الشيخ قول أصحاب التأويل ورد على أصحاب التمثيل أقوالهم مستنكرًا فإنه لا يعجبه كذلك إسراف نقلة الروايات في القصص، ما صح منها وما لم يصح، كما فعل بعض المفسرين. والرأي الذي يرتضيه هو الوقوف عند ما أخبر به القرآن، ويستحسن الشيخ ما قاله الإمام محمد عبده، من أنه ينبغي أن تؤخذ القصة القرآنية، سواء عرفها الناس أم جهلوها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>٢ - رأيه في الإيمان بالغيب:</span>\nللشيخ رأي في مسائل الغيب، وهو الإيمان بما ورد فيها في حدود، دون تزيد أو محاولة لقياس الغائب على الشاهد وأنه لا يجب الإيمان في ذلك إلا بما صح وأفاد العلم من كتاب أو سنّة (١)، وهذا يعني أنه لا يحتج بصحيح خبر الآحاد، وهذا عين ما ذهب إليه الإمام، ومن ذلك ما ذهب إليه من إنكار نزول عيسى ﵇، ويحسن هنا أن أورد مثالًا يوضح طريقته في تفسير هذه المسائل، ففي تفسير سورة الأعراف، بعد أن يورد اثني عشر قولًا، في تفسير الحجاب الذي بين الجنة والنار وأصحاب الأعراف يقول (٢):\n(والذي يجب علينا أن نقف عنده هو - أن هناك حجابًا بين الجنة والنار، قد يكون ماديًا وقد يكون معنويًا، والله أعلم بحقيقته، والمقصود أن بين الجنة والنار ما يحجز بين الفريقين، وأن هذا الحجاب الحاجز، لا يمنع من دخول ووصول المناداة، وأن هناك مكانًا له صفة الامتياز والعلو، وأنه يكون على هذا المكان رجال لهم من المكانة، ما يجعلهم مشرفين على هؤلاء وهؤلاء، ينادون كل فريق بما\n_________\n(١) تفسير القرآن الكريم ص ٥٠٥.\n(٢) تفسير القرآن الكريم ص ٥٠٢.","vol":"2","page":282},{"text":"يناسبه -يحيون أهل الجنة ويبكتون أهل النار). وهنا نراه قد التزم بالمنهج الذي خطه لنفسه.\nولكننا نراه يخالف هذا المنهج، حينما يحدد من هم أصحاب الأعراف، فإنه لم يقف عند الإيمان بظاهر النص، وهو أن هناك رجالًا يسمون أصحاب الأعراف، بل حددهم بأنهم عدول الأمم، والشهداء على الناس وفي مقدمتهم الأنبياء والرسل، واستشهد بآيات لا تدل على ما ذهب إليه.\nوكما يفهم من كلام الأستاذ عدم احتجاجه بأحاديث الآحاد، في قضايا العقيدة نراه يؤول بعض هذه الأحاديث، كما فعل عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣]، حيث أتى بقول الرسول -ﷺ- (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ..) قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) فهو يقول (أما الحديث فمعناه- أن هذا الجزاء الذي يحصل عليه الطائع، ليس بدلًا مماثلًا لطاعته، وليس جزاءً مساويًا كالشأن بين البدلين، وإن كانت الطاعة هي التي أوجبته وتسببت فيه، والمعنى: لن يدخل أحدكم الجنة بعمل يساويها وما فيها من نعيم، ففضل الله عظيم سابغ، باعتبار جعله الجنة بدلًا من عمل محدود قليل، لا يطاولها ولا يقابلها في ذاته) (١) ونحن نعلم أن الجدل حول هذا الموضوع، احتدم بين المعتزلة وغيرهم، فحينما يرى المعتزلة أن العمل أساس في دخول الجنة، وأن دخولها بسببه حقيقة، يرى غيرهم خلاف ذلك، وهكذا نلمح آثارًا لمدرسة الاعتزال في تفسير الشيخ، وإن لم تبلغ ما بلغته عند آخرين من رجال هذه المدرسة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>٣ - رأيه في تفسير بعض آيات الأحكام:</span>\nمن المعلوم بداهة، أن الأستاذ الأكبر كغيره من رجال مدرسة الإمام، ينادون\n_________\n(١) تفسير القرآن الكريم ص ٤٩٦.","vol":"2","page":283},{"text":"بفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، فمن الظلم أن تكبل العقول ويحجر عليها، ومن المؤسف أن يوصف الإسلام بالجمود ... هكذا يقررون، لذا فإن من الأهمية بمكان، معرفة آراء الشيخ شلتوت في بعض الأحكام، التي عرضت لها الآيات القرآنية، وسأعرض هنا لبعض آرائه من خلال تفسيره:\nأ- فعند قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] يعرض الشيخ لمسألتين: الأولى: حكم الأطعمة المستوردة من بلاد الكتابيين- ويذكر فيها رأيين للعلماء، رأي الجمهور: وملخَّصُه، أنها حلال ما لم نتأكد أنه ذكر عليها اسم غير الله، والرأي الآخر وهو أنها حلال ما لم يكن من المحرم لذاته، وهو الميتة والدم ولحم الخنزير، ويأتي الشيخ شلتوت بالفُتيين اللتين أصدرتهما لجنة الفتوى بالأزهر، وكانت الأولى في عهد الشيخ المراغي، وهي موافقة لفتوى الشيخ محمد عبده، أما الثانية أعني رأي الجمهور، فقد صدرت بعد ذلك في عهد الشيخ عبد المجيد سليم رحمهما الله ويرجح الشيخ رأي الجمهور فيقول: (وقد يكون من ذلك الاجتهاد، المقارنة بين هاتين الفُتيين، وإن الناظر في المعنى الذي لأجله حرم ما حرم على المؤمنين، وهو الابتعاد عما اتصل به ما ينافي التوحيد كذكر اسم غير الله، أو الذبح على النصب، وعما كانه تحريمه لمعنى في نفسه كالميتة وما عطف عليها لا يرى بدا من الحكم، بأن ذلك التحريم لا يرفعه إن كان الحيوان ملكًا لغير المسلم، أو طعامًا له، فإنه لم يعهد أن يحرم بشيء لمعنى على طائفة، ثم يباح لها إذا كان لغيره مع وجود معنى التحريم فيه. وإذا نظرنا إلى أن التكاليف الإسلامية وما تضمنته من تحليل وتحريم -وهي في واقعها، وفيما أراد الله من جعل الرسالة المحمدية وشرائعها- عامة لجميع الناس، وأن الناس جميعًا مكلفون بها، يظهر لهذا الرأي قوة فوق قوته. نعم جعل الشارع سبحانه عدم","vol":"2","page":284},{"text":"إيمانهم بالرسالة قبيحًا لتركهم وما يدينون، وإن كان باطلًا في ذاته، وذلك تسامح منه سبحانه قضت به محبة الأمن والاستقرار، وعدم الإكراه في الدين، وهذه مبادئ قررها الإسلام صونًا للجماعة وحفظًا للنظام، أما قول المرجحين للإباحة \"إن الله أباح طعام أهل الكتاب للمؤمنين وهو يعلم ما يقولون ويفعلون\" فيقابله أنه سبحانه أباحه للمؤمنين وهو أيضًا يعلم ما حرمه عليهم، ويعلم أنهم يعلمونه، ويعلمون أن تحريمه لم يكن لأنه ملك لهم، بل لمعنى متصل به ومتحقق فيه ولا تأثير لصفة الملك عليه.\nهذا موقفنا بين الفوتيين، وبعبارة أخرى بين الرأيين، ولكل مجتهد نصيب (١).\nالمسألة الثانية: -التزوج بالكتابيات- فبعد أن يذكر رأي المانعين والمثبتين، يرى أنه لا حجة في المنع فإنه وقف لحكم الآية أو نسخ لها، ولا دليل على ذلك.\nب- عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١] يعرض لمسالة مهمَّة وهي حكم الإجهاض. ولقد أبدى الشيخ فيها رأيه، متفقًا مع أصول الشريعة وأقوال الفقهاء، غير ملتفت إلى هؤلاء الذين يريدون التجديد ولو على حساب دينهم، يقول: (وقد اتفقت أقوال الفقهاء على أن إسقاط الحمل قبل نفخ الروح فيه حرام، لا يحل لمسلم أن يفعله توهمًا منه أنه لا حياة فيه، فلا جناية بإسقاطه فلا حرمة، والتحقيق أنه حرام، لأن فيه حياة محترمة، هي حياة القبول والاستعداد، ثم ينقل عن الإمام الغزالي ﵁ وعن بعض كتب الفقه، ما يؤكد ما ذهب إليه (٢).\nجـ - عند تفسير آية الوضوء في سورة المائدة (٣)، يذهب في حكم التيمم للمسافر ما ذهب إليه الشيخ محمد عبده والسيد رشيد رضا من إباحة التيمم للمسافر مطلقًا، وينقل ما قالاه عند تفسير آية النساء، كما يرى عند تفسير قول الله\n_________\n(١) تفسير القرآن ص ٢٩٢ - ٢٩٤.\n(٢) التفسير ص ٤١١.\n(٣) التفسير ص ٣٠٥.","vol":"2","page":285},{"text":"تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] وجوب غسل الرجلين غير معتد بخلاف الشيعة وغيرهم.\nد - عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤] يتكلم عن استنباطات الفقهاء معلنًا أنها لا تعجبه ثم يأتي برأيه، وهو إن دل فإنما يدل على أصالة وفكر ثاقب، يقول الشيخ: (ثم توجه إليهم الأمر بالاستماع والإنصات إذا تلي عليهم القرآن، ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ [الأعراف: ٢٠٤] فلا يقولون كما اعتادوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] ولعلهم إذا استمعوا وأنصتوا وقفوا على حقيقته وظهرت لهم أسراره، وعرفوا أنه المعجزة التي لا تطلب بعدها معجزة، فيستغنون به عن طلب المعجزات، ولا يقولون إذا لم تأتهم بآية من الآيات التي يقترحونها ﴿لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ [الأعراف: ٢٠٣]، اختلقتها وافتعلتَها من تلقاء نفسك. هذا هو الوجه الذي ينبغي أن تفهم به هذه الآية الكريمة، ولا يعجبني تخريجها على أنها تشريع خاص للمؤمنين، فيما يختص بتحريم الكلام في الصلاة أو بالسكوت عند الخطبة، أو بالقراءة خلف الإمام، كما يذهب إليه كثير من العلماء، ويجعلونها مثار جدل ونقاش حول المسائل الثلاث، فإنها على أي وجه من هذه الوجوه، لا تلتئم مع السياق، ولا مع وقت النزول، والقراءة خلف الإمام سرًّا أو جهرًا، من المسائل الجزئية التي تختص بالمؤمنين في صلاتهم، ويبعد كل البعد أن يوكل بيان عدد الركعات والكيفيات الأولى للصلاة، إلى بيان الرسول عن طريق الوحي الباطني، دون أن يتعرض القرآن لشيء من ذلك، ثم يُعنى القرآن بخصوص القراءة خلف الإمام سرًّا أو لا سرًّا ولا جهرًا؟ فما أبعد هذه الآية عن هذه المسألة، ما أبعد هذه السورة في موضوعها وفي وقت نزولها عن الاهتمام بمثل هذا) (١)، وهكذا يتناسب فهم الشيخ مع سياق السورة وكونها مكية النزول.\n_________\n(١) تفسير القرآن الكريم للشيخ ص ٥٠٦، ٥٠٧.","vol":"2","page":286},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-469>٤ - بيانه لحكمة التشريع ودفاعه عن الإسلام، واستنباطه بعض القواعد السياسية والاجتماعية لتدعيم المجتمع الإسلامي:</span>\nأ - فهو عند تفسيره آية الربا في سورة آل عمران، يبين أن هناك جانبين مهمين في تحريم الربا: الجانب الأخلاقي والجانب الاقتصادي، ثم يكر على شبهات بعض العصريين المنحرفين في استباحة الربا ليبطلها، مبينًا أن القضية ليست قضية الربا أو غيره، وإنما هي قضية الشريعة ككل، يقول (وهذا موضوع قد أثير أخيرًا، وشغل الأفكار منذ أنشبت المدنية الحديثة أظفارها في أعناق المسلمين، وعمل أهل التشكيك في صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان عملهم المثابر المتواصل في الفتنة، وزلزلة القلوب عن دين الله، والقضية في الحقيقة ليست قضية الربا أو غيره من المعاملات المالية، وإنما هي قضية الشريعة الإسلامية كلها، وقد انصرف عنها أهلها وتعلقوا بأهداب غيرها من قوانين الأمم الغالبة المسيطرة عليهم، ومن شأن المغلوب أن يولع بتقليد الغالب، ويرى أكثر ما يفعله خيرًا وصلاحًا، ويزين له الشيطان أن نجاحه إنما يرجع إلى عدم تمسكه، بما يتمسك به هو من القواعد والأصول والآداب ... والتقاليد.\nلو كان للإسلام دولة وقوة، لكان تشريعه هو المتبع، ولكان للأمم والشعوب من الوسائل الاقتصادية العملية، ما يغنيهم عن الربا وغير الربا، مما حرمه الإسلام، وإن للكسب لموارد طبيعية، هي الأساس والفطرة، كالزراعة والصناعة والتجارة والشركات المساهمة التعاونية، ولا يستطيع أحد أن يقول: إن الشعوب لا تستطيع أن تقيم مدنيتها على أساس التعاون والتراحم، ومساعدة الفقير والمحتاج، بإقراضه قرضًا حسنًا، على نظام يكفل لأصحاب الحقوق حقوقهم، ولا يؤدي إلى إثقال كواهل المدينين، واستلاب أموالهم بالباطل) (١).\n_________\n(١) تفسير القرآن الكريم ص ١٥٦.","vol":"2","page":287},{"text":"ب - وعند تفسيره سورة الأنفال يميط الأذى من طريق المسلمين، هذا الأذى الذي يتمثل في شبهات خصوم الإسلام، فيأتي بشبهتين -شبهة على أصل الحرب في الإسلام، وشبهة على سبب غزوة بدر، حيث يُفْتَرَى بهذه الشبهات على الإسلام، ويردُّهما الشيخ جزاه الله خيرًا ويفندهما. وها هو يقول في تفنيد الشبهة الثانية وردها: (وأكبر دليل على أنهم لم ينبعثوا عن رغبة في السلب والنهب والاستيلاء على الأموال، أنه لم يؤثر عنهم التفكير ولو مرة واحدة، في أن يتجهوا إلى عِيْر قريش فيسلبوا وينهبوا، وقد كانوا يعيشون مع اليهود فعاهدوهم، وأمنوهم وأحسنوا جوارهم، وظلوا محافظين على جوارهم وعهودهم، إلى أن نقض هؤلاء عهودهم، واتصلوا بمشركي قريش وألبوا عليهم، فلو كان المسلمون يصدرون عن طبيعة حب السلب والنهب، لوجدوا في أموال اليهود ما يمكنهم أن يتجهوا إلى سلبه، فاتخاذهم أموال قريش غرضًا خاصًّا، ليس له سبب ما إلا أنهم وجدوا أنفسهم في حرب مع قريش) (١).\nجـ - وكما رد الشيخ شبهات خصوم الإسلام وأعدائه، لم ينس هؤلاء الذين يُسمَّون مسلمين، ولكنهم فتنوا بالحضارة والمادة، فتاهوا بين إلحاد الشرق وميوعة الغرب، هؤلاء الذين تعاني منهم أمتنا كل عنت، وهم السبب في انحدارها وتقهقرها، والمصيبة تكون أعتى وأشد، حينما يتسلم هؤلاء زمام أمر الأمة ومقدراتها، فيضلون ويضلون، لا ينسى الأستاذ الأكبر ﵀ أن يلتفت إلى هؤلاء، عاقدًا موازنة بينهم وبين المنافقين، الذين ابتليت بهم الأمة في أول أمرها.\nيقول الشيخ شلتوت (هذا اللون من ألوان التمرد على أحكام الله، قد مني به المسلمون في أول شأنهم بالمنافقين، كما تحدثت عنه سورة النساء، ومنوا به في آخرهم بأرباب الثقافات الأجنبية، الذين غرهم بريق الطواغيت الأوروبية\n_________\n(١) تفسير القرآن الكريم ص ٥٤٢.","vol":"2","page":288},{"text":"الكافرة بالله وبشرع الله، فرأوا أن تشريع تلك الطواغيت هو التشريع الملائمُ للعصور، المحقق للمصالح المسايرُ للحضارة. أما قطع يد السارق، أما جلد الزاني، أما تحريم الربا، أما حظر التجارة بالخمر والخنزير وتحريم أكلهما والانتفاع بهما، أما تعدد الزوجات، أما ﴿فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، أما ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤] أما ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩]، أما كل هذا وأمثاله، مما وضعه الحكيم الخبير، العليم بطبائع النفوس ودخائلها، وبما يصلحها وبما يفسدها وهو الواقع الملموس، أما كل هذا فتشريع جاف صحراوي، لا يلبي حاجة العصر، ولا يتفق وحضارة الإنسان ... نعم هو لا يتفق وهذه الميوعة الخلقية والاجتماعية، لا يتفق وهذا الذوبان والانحلال، أما كل ما يأتي به الغرب وترمينا به تياراته الخبيثة، فإنه يتفق وهذا الضعف، الذي أناخ بكلكله على المسلمين، وسلبهم الثقة بأنفسهم وقوميتهم، وجعلهم يؤمنون بباطل أعدائهم، ويكفرون بالحق الذي أنزله الله واختاره، ولكن ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨]، ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦] (١).\nد - كثيرًا ما يستنبط الشيخ من النص القرآني أو يتوسع في فهمه، بما لا يخرج به عن مدلول لفظه، فهو مثلًا يشير إلى حرب الأفكار والمبادى، وأهمية هذا اللون من الحرب، كما يشير إلى شرعية الأحكام العرفية إن وجد ما يسوغها، كل ذلك يفهمه من سياق آيات سورة النساء، التي تحث على الجهاد، وتأمر بالإعداد وتفضح المنافقين والمثبطين، كما نجده عند تفسير قول الله تعالى:\n_________\n(١) ص ٢١٠.","vol":"2","page":289},{"text":"﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١]، يتكلم عن أضرار الرأسمالية الفردية والرأسمالية الدولية) (١).\nولنستمع إليه وهو يقول ﵀ (وإذا كانت الرأسمالية الفردية، تستغل حاجة الفقير، وتموت أمام طغيانها فضيلة الرحمة بالإنسان الضعيف، فالرأسمالية الدولية تستلب من الفقير المتكسب حقه، ومن العامل المجد أجره، وتركز المادة في بضعة من الرجال القائمين بالحكم، تحت ستار زائف هو ستار (العدالة الاجتماعية)، فليحذر من يتنشق غبار هؤلاء وهؤلاء، كما تحذر طوائف أخرى ليسوا عنها ببعيد، اتخذوا دينهم صورًا ورسومًا بها يلهون ويلعبون -ينتهزون لها الأعياد والمواسم والاحتفالات التي خلعوا عليها اسم الاحتفالات الدينية، والحلقات التي خلعوا عليها اسم حلقات الذكر، والمواكب التي يسيرون بها في الطرقات، وقد أحاطت بهم الشياطين من كل الجهات، وخلعوا عليها اسم موكب الخليفة، فليعتبر هؤلاء كما يعتبر هذا الفريق الثالث، الذين يقيمون حفلات الملاهي، باسم أعمال الخير التي يدعو إليها الدين، كل هؤلاء يصدق عليهم من قريب أو بعيد ﴿اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ [الأعراف: ٥١] (٢).\nهـ - ولا ننسى أن الشيخ ذكر في مقدمة تفسيره، أنه يمقت لونين دخلا إلى التفسير، أما أحدهما فهو التعصب العقدي والتشاد المذهبي، وأما الآخر فهو التفسير العلمي لآيات القرآن، ونجد أن الشيخ قد تجنب هذا الأخير وهو التفسير العلمي، أما الأول فإن الشيخ لم يجعل له في تفسيره حيزًا ذا أهمية، لقد كان يمر به مرورًا، وكما رأيناه يسمح لنفسه بمخالفة الفقهاء، فإنه لمخالفة\n_________\n(١) ص ٢٥٠.\n(٢) ص ٤٩٧.","vol":"2","page":290},{"text":"المتكلمين أقرب فها هو عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، يخالف من فسر سبيل المؤمنين (بالإجماع)، كما يخالف من فسر قوله ﴿مَا تَوَلَّى﴾ (بالإضلال)، ثم يعرض لمذاهب المتكلمين في أفعال العباد، فيرد مذهب الجبر، كما يعارض مفهوم الكسب، الذي قال به الأشاعرة، ويثبت أن للعبد قدرة وإرادة، وينقل عن بعضهم قولته (إن كسب الأشعري، وطفرة النظام، وأحوال أبي هاشم ثلاثتها من محاولات الكلام) (١).\nفهذه نبذة عن تفسير الأستاذ الأكبر، وهو تفسير تتجلى فيه أهداف السور تجلية تامة، ولقد قال عنه الدكتور محمد البهي (إنه جدير به أن يسمى تفسير مشاكل التفسير أو نهضة في تفسير القرآن، أو تعقيب على تفسير المفسرين).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-470>رأيي في التفسير:</span>\nوفي رأيي أن الشيخ شلتوت، قد أحسن العرض للموضوعات التي تطرق إليها ولقد كان اختياره موفقًا لهذه الموضوعات، لكن أود هنا أن أسجل بعض الملاحظات:\n١ - إن التفسير وإن كان يشفي الغلة في الموضوعات التي تطرق لها، فإنه لم يف بغرض القارئ في كثير من الموضوعات، فالشيخ مثلًا لم يعرض لكثير من الأحكام في سورة البقرة، مع أنها من المهمات التي لا يستغني عنها المسلم، كما أنه لم يعرض لكثير من أحكام سورة المائدة ونداءاتها، وهي من أكثر الأمور التصاقًا بالحياة، وبخاصة بين المسلمين وبين غيرهم، هكذا كان هذا التفسير غير وافٍ بأحكام الأجزاء التي فسرها.\n٢ - تطرق الشيخ ﵀ إلى بعض الخلافات التي لا طائل تحتها، كالخلاف في الحواريين أمؤمنون هم؟؟ وفي (المائدة) أَنَزَلَتْ أم لم تنزل وكان من الخير أن\n_________\n(١) ص ٢٣٣.","vol":"2","page":291},{"text":"يُستبدَل بمثل هذا غيرُهُ من الأمور المهمة التي تكمل التفسير.\n٣ - لم يكثر الشيخ في تفسيره من الاستشهاد بالأحاديث، بل رأيناه ربما يضرب صفحًا عنها، كم رأينا عند تفسير سورة الفاتحة.\nوأخيرًا فمن الإنصاف أن أقرر هنا أن الشيخ كان من أقل رجال مدرسة الإمام محمد عبده تأويلًا لآيات القرآن وصرفًا للفظها عن مدلوله، كما كان أقلهم تأثرًا بالمعتزلة، وقد يرجع هذا لمرونته، وتحاشيه مثل هذه الأمور، كما كان أقلهم مخالفة لجمهور الفقهاء كما رأينا منه في بعض المسائل التي تحدثنا عنها، رحم الله الشيخ محمود شلتوت وعفا عنه وجزاه بلطفه خير الجزاء.","vol":"2","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-471>٧ - (تيسير التفسير) لفضيلة الشيخ عبد الجليل عيسى</span>\nهناك تفاسير موجزة طبعت مع القرآن الكريم، كي يمكن القارئ لكتاب الله أن يدرك معنى كلمة، إن استعصت عليه، ويعرف معنى آية خفيت عليه، وقد كثرت في أيامنا هذه منها تفسير محمد فريد وجدي، وصفوة البيان للشيخ حسنين محمد مخلوف رحمهما الله تعالى وغيرهما كثير. ومن هذه التفاسير تفسير الأستاذ الشيخ عبد الجليل عيسى عميد كلية اللغة العربية سابقًا. وقد آثرت أن أعده في رجال مدرسة الإمام لما سنراه فيما بعد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-472>ترجمته:</span>\nالشيخ عبد الجليل عيسى حرب ولد عام (١٣٠٦ هـ-١٨٨٨ م) الشيخ الأزهري الجليل، العالم المفسر ولد في محافظة كفر الشيخ، حيث تلقى علومه الأولى بالجامع الأحمدي في طنطا، ثم حصل على عالمية الأزهر عام ١٩١٤ م، وعين مدرسًا بمعهد طنطا، وبعدها عاش أيام ثورة ١٩١٩ م، ضد الوجود الإنجليزي في مصر، وشارك فيها مع علماء الأزهر الأجلاء، وفي منتصف الثلاثينيات تم تعيينه شيخًا لمعهد دسوق الديني، ثم شيخًا لمعهد شبين الكوم عام ١٩٣٧ م. وإلى جانب تلك المهام الرسمية حصل على عضوية كل من مجمع البحوث الإسلامية في كل من مجمع البحوث الإسلامية في مطلع السبعينات، ومن قبلها عضوية لجنة الفتوى بالأزهر، وكان أيضًا عضوًا بالمجلس الأعلى للثقافة.\nوعين عميدًا لكلية أصول الدين في منتصف الأربعينات الميلادية، كما عيّن عميدًا لكلية اللغة العربية في نهايتها مدة خمس سنوات، قبل تقاعده من الجامعة الأزهرية في منتصف الخمسينات. وكان في مقدمة تلك القائمة الشهيرة من الأزهريين الأحرار الذين فصلهم الملك فؤاد مطلع الثلاثينيات في أعقاب احتجاجهم على الممارسات الوحشية للاستعمار الإيطالي في ليبيا على أثر إعدام المجاهد عمر المختار.","vol":"2","page":293},{"text":"وإلى جانب بحوثه المكثفة في علوم الدين قدم للمكتبة الإسلامية العديد من المؤلفات القيمة، ويأتي في مقدمتها كتاب (صفوة صحيح البخاري) في أربعة أجزاء، وكتابه تيسير التفسير، وقد صدر عام ١٣٧٧ هـ، ومن كتبه كذلك المصحف الميسر، طبع دار القلم - القاهرة سنة ١٣٨٥ هـ. وكتاب اجتهاد الرسول -ﷺ-، طبع دار البيان في الكويت (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-473>طريقة الأستاذ التي اتبعها في تفسيره:</span>\nتقوم طريقته التي اتبعها في تفسيره على:\n١ - ذكر المفردات.\n٢ - ذكر المعنى.\nيبين لنا الشيخ أن التفاسير السابقة، لا تفي بالغرض لأسباب ذكرها، لذا عهد إليه أن يضع تفسيرًا، يقول (بعد ذلك استقر الرأي على أن يعهد إلينا، بوضع تفسير مختصر، يوضح معنى اللفظ الغريب، وما لا بد منه في فهم التركيب، على أن تبعد عنه ما استطعنا العبارات الاصطلاحية والخلافات المذهبية وإذا اضطررنا لذكر بعض الاصطلاحات، فإننا لا نذكرها إلا في مقدمة الصفحة بين تفسير المفردات، ولكن عند تفسير (المعنى) فإننا حرمنا على أنفسنا ذكر شيء من ذلك مطلقًا، وقد تجنبنا أيضًا زخرفة العبارة، محافظة على محاكاة المعنى الأصلي بارزًا ليس له حجاب، فإذا رأيتنا نفسر قوله تعالى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بقولنا (لا نعبد غيرك) نعلم أننا فهمنا هذا الحصر، من تقديم المفعول (إياك) وإذا فسرنا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] بقولنا (ثم يدخلون في النار ليحرق باطنهم وظاهرهم) تعلم أننا أخذنا إدخالهم النار من الحرف (في)، وإحراق باطنهم من قوله (يسجرون)، وإذا قلنا في تفسير قوله تعالى ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ٢] (والحال\n_________\n(١) انظر تتمة الأعلام ١/ ٢٦٨.","vol":"2","page":294},{"text":"أن الكفار من أهله استحلوا إيذاءك أيها النبي) تعلم أن الواو (وأنت حل)، تدل على أن الجملة التي بعدها حال مما قبلها، وهكذا في كل مكان من هذا النوع (١).\nوقد رأينا لداعي الاختصار، وضيق حيز الصفحات، من الرغبة في إيفاء بعض المقامات حقها، بتدعيمها بالأدلة من القرآن نفسه، أن نكتفي بذكر رقم الآية وسورتها أو صفحتها من المصحف نفسه، بدل ذكر ألفاظ الآيات كلها) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>تأثره بالإمام محمد عبده:</span>\nوليس غرضي الحديث هنا عن طريقة الأستاذ في التفسير وما لها وما عليها، إنما الذي أهدف إلى بيانه هو شيء واحد، وهو تأثر المفسر الفاضل بآراء الأستاذ الإمام، في كثير من مواضع تفسيره، وسأكتفي بذكر بعض الشواهد على ذلك.\n١ - يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] (٣) (ما نترك تأييد نبي متأخر، بمعجزة كانت لنبي سابق، أو ننسي الناس هذه المعجزة السابقة، لطول العهد بها، إلا وأيدنا هذا الرسول المتأخر بمعجزة خير من السابقة في قوة الإقناع وإثبات النبوة).\n٢ - ويقول في تفسير آية الوصية من سورة البقرة (٤).\n(فرض عليكم أن يوصي كل من حضرته الوفاة للوالدين اللذين لا يرثان، كالأجداد مع وجود الآباء، والوالدين الكافرين، لأنه من البر المطلوب لهما شرعًا، والأقربين من الفقراء، فإن لم يكن في قرابته فقراء يوصي ندبًا لفقراء المسلمين، فإن مات ولم يوص، وجب على الورثة أن يخرجوها عنه لأن\n_________\n(١) هذا الذي ذكره الشيخ لا يمكن أن يدركه أي قاريء بل أكثر قراء تفسيره.\n(٢) المقدمة، وهذا أيضًا فيه من الصعوبة على القارئ ما لا يخفى.\n(٣) تيسير التفسير ص ٢١.\n(٤) تيسير التفسير ص ٣٥.","vol":"2","page":295},{"text":"فرضها ثابت بالآية وبحديث البخاري (حق على كل مسلمٍ ألا يبيت ليلتين -بعد سماع الآية- إلا ووصيته مكتوبة عنده). فرحم الله امرأ حافظ عليه، ولم يغتر بمن يقول إن الآية منسوخة، فإن العلماء المحققين أبطلوا قوله هذا.\n(بالمعروف) أي يوصي لمن ذكروا بالمتعارف بين الناس، أنه يكفي صدقة في مثل ماله (حقًّا) أي الإيصاء واجب وجوبًا حقًّا.\n٣ - ويفسر الموت في قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَال لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] بالموت الأدبي والإذلال للعدو كما يفسر إحياء الله لهم، بأنه إخراج جيل جديد أرجع ملكهم (١).\n٤ - ويفسر ﴿الكرسي﴾ في آية (الكرسي) بأنه السلطان والعظمة والقدرة (٢).\n٥ - ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] (٣) (وأخيرًا اتفقوا على أن يقترعوا فمن خرجت له القرعة أخذها، فأحضروا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة تبركًا بها، ووضعوها في جراب، وأمروا بعض الغلمان ممن في بيت المقدس، أن يدخل يده ويخرج قلمًا، فالذي يخرج قلمه يكفل مريم).\n٦ - ويفسر قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ [آل عمران: ٨١] بقوله (٤):\n(واذكر حين أخذ الله العهد على النبيين، وعلى أممهم بواسطة أنبيائهم، مؤكدين العهد على أن الذي أعطيتكم إياه من كتاب وحكمة، إذا جاءكم به\n_________\n(١) تيسير التفسير ص ٥٠.\n(٢) تيسير التفسير ص ٥٣.\n(٣) تيسير التفسير ص ٧٠.\n(٤) تيسير التفسير ص ٧٦.","vol":"2","page":296},{"text":"رسول آخر مصدقًا للكتاب الذي معكم، لتؤمنن بهذا الرسول ولتنصرنه على من يحاربه).\n٧ - ويفسر قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١] بأنه خلق من نوعها زوجها (١).\n٨ - يذكر بأن المقصود بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] الزوج والزوجة، لأن من عادة عقد الزواج أن يضع كل من طرفيه يمينه في يمين الآخر.\n٩ - في تفسير سورة القمر، يميل الشيخ إلى إنكار انشقاقه في عهد الرسول -ﷺ-، وأن معنى ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾، أي وضح الأمر حتى لم يعد صالحًا للجدل، أو أنه سينشق بين يدي الساعة.\n١٠ - يقول في حادثة الإسراء (٢) (واعلم أن العلماء قد اختلفوا قديمًا وحديثًا في الإسراء -هل كان بالروح والجسد أم بالروح فقط، يقظة أو منامًا. وبهذا الاختلاف خرج كونه يقظة من باب العقائد الواجبة إلى باب العلم الذي يرى فيه كل واحد ما يطمئن إليه قلبه).\n١١ - وفي تفسير سورة الأعراف، يذكر في معنى قوله تعالى ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦] يقول (وبين الجنة والنار وأصحابها، سور قد اعتلاه رجال أي ونساء، وهؤلاء الواقفون على الأعراف هم من استوت حسناتهم وسيئاتهم) بينما يقول في تفسير قوله تعالى ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٨] (كرر ذكرهم ولم يقل ونادوا، لأن المنادين هنا غير المتقدمين، والموضوع غير الموضوع، فالمراد بأصحاب الأعراف هنا قوم ممن كانوا في مكة أيام طغيان كفار قريش، والرجال المنادى عليهم هم\n_________\n(١) تيسير التفسير ص ٩٧.\n(٢) تيسير التفسير ص ٣٦٥.","vol":"2","page":297},{"text":"رؤساء المشركين) (١).\n١٢ - وفي سورة النمل يذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل: ٨٢] يقول: (قال الراغب الأصفهاني (والمراد بالدابة هنا جمع من الأشرار، الذين هم في الجهل بمنزلة) ويساعده ﴿نَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] وما ورد في الحديث الصحيح من قوله -﵌- (إذا كان أمراؤكم شراركم فبطن الأرض خير من ظهرها) وقوله (من الأرض إشارة إلى أن هؤلاء الأشرار كالحشرات، التي توجد بطريق التولد من التراب، لا بطريق التوالد والتناسل المعروف، وأن طبعه سفلي ليس فيه من سمو العالم العلوي شيء، ومعنى تكليمهم الناس أنهم يأمرونهم فيطيعون، أي أنهم أصحاب الكلمة كما هو شأن كبار المجرمين مع غيرهم، وقوله ﴿أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] تعليل لاستحقاقهم العذاب، والأصل لأن الناس الخ ... ورد عن ابن عباس قال تكلمهم من الكلم بفتح وسكون، وهو الجرح بفتح الجيم، فالتكليم التجريح الكثير، والمراد الإيلام للناس حسيًا، بما يصيبهم في أجسامهم، ومعنويًا بما يصيبهم في أرزاقهم، ويصح على هذا أن يراد بالدابة، كل الحشرات التي يبتلى بها الناس عند انتشار معاصيهم، كالطاعون وغيره، ومثل ما حصل لقوم فرعون ... لقول الله سبحانه ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وإن ما ألجأنا إلى مخالفة عادتنا في الاختصار في هذه الموضوع الرغبة في تنبيه القارئ إلى خطر الإسرائيليات، التي أدخلها اليهود على المسلمين، حتى كادت تشوه صفاء الإسلام وسماحته) (٢).\n_________\n(١) تيسير التفسير ص ١٩٩ - ٢٠٠.\n(٢) تيسير التفسير ص ٥٠٤.","vol":"2","page":298},{"text":"من هذه الشواهد يتبين لنا مدى تأثر الشيخ عبد الجليل عيسى بمدرسة الأستاذ الإمام، سواء أكان ذلك في تحكيم العقل في النص، أم في الرغبة في تضييق نطاق الخوارق، ولئن أغرب الشيخ في تفسير آية الأعراف، فإنه كان أكثر إغرابًا في آية الإسراء، وكان أكثر شططًا وبعدًا عن السياق والمأثور في تفسيره آية النمل، ولقد قال إنه أطال في تفسيرها لينبه القارئ على خطر الإسرائيليات، وكان بإمكان الشيخ أن يكتفي بما جاء في الأخبار الصحيحة، كما فعل كثير من المفسرين، مع أن عبارته توهم أن كل ما ورد عن الدابة إنما هو من الإسرائيليات، وليس الأمر كذلك، سامح الله الشيخ وجزاه عن حسن نيته خيرًا.\nوأكتفي بما ذكرت عن أعلام مدرسة الشيخ محمد عبده في التفسير، تلك المدرسة التي أرادت أن تجلي معنى القرآن للمسلمين، بما يتفق مع روح العصر الذي يعيشون فيه، وأن ترد عنه شبه الأعداء وكيد الخصوم، وأن تُنبّه على سنن الله التي لا تتخلف في شؤون الحياة، ولكنها أرخت العنان للعقل، فتعدى حدوده، ووقفت مع كل قديم موقف الناقد الممحص، فأصابت حينًا، وتجنّت وأخطأت حينًا آخر، ومع كثرة ما لها من هفوات، إلا أن لها، والحق يقال، دورًا فعالًا في محاربة البدع والخرافات، ومحاولة إيقاظ المسلمين والدفاع عن الإسلام ورد شبهات المستشرقين والمستغربين وللمجتهد إن أخطأ أجر.","vol":"2","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>الفصل الثاني المدرسة العلمية في التفسير</span>\nوسأتحدث في هذا الفصل عن:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>الجواهر في تفسير القرآن للشيخ طنطاوي جوهري ﵀</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-477>أ- حياة الشيخ طنطاوي جوهري:</span>\nورد في كتاب الأعلام للزركلي، (طنطاوي بن جوهري المصري (١) -فاضل، له اشتغال بالتفسير، والعلوم الحديثة، ولد في قرية (عوض الله حجازي) من قرى الشرقية بمصر، وتعلم في الأزهر مدة، ثم في المدارس الحكومية، وعني بدراسة الإنجليزية، ومارس التعليم في بعض المدارس الابتدائية ثم في مدرسة دار العلوم، وألقى محاضرات في الجامعة المصرية، وناصر الحركة الوطنية، فوضع كتابًا في (نهضة الأمة وحياتها)، نشره تباعًا في جريدة اللواء.\nوانقطع للتأليف، وصنف كتبًا أشهرها (الجواهر في تفسير القرآن الكريم في ٢٦ جزءًا، نحا فيه منحى خاصًّا، ابتعد في أكثره عن معنى التفسير، وأغرق في سرد أقاصيص وفنون عصرية وأساطير، وجعل لسائر كتبه عناوين ضخامًا، وأكثرها رسائل منها:\nجواهر العلوم، النظام والإسلام، التاج المرصّع، نظام العالم والأمم، الأرواح، أين الإنسان، أصل العالم، جمال العالم، الحكماء والحكمة، سوانح الجوهري، ميزان الجواهر في عجائب هذا الكون الباهر، الفرائد الجوهرية في الطرق النحوية،\n_________\n(١) الأعلام للزركلي جـ ٣ ص ٣٣٣ الطبعة الثانية.","vol":"2","page":301},{"text":"بهجة العلوم في الفلسفة العربية وموازنتها بالعلوم العصرية، وتوفي بالقاهرة سنة ١٩٤٠ م).\nوجاء في تقويم دار العلوم بمناسبة مرور خمسة وسبعين عامًا على تأسيسها، ما كتبه محمد عبد الجواد عن الشيخ طنطاوي، بصفته مدرسًا بدار العلوم، نقتطف منه ما يلي:\n(ولد سنة ١٨٧٠ بكَفْر عوض الله، ونشأ به، وكان يشتغل بالأعمال الزراعية، وتلقى تعليمه الأولى في (الغار) بلد جدته لأمه، وكان مشهورًا بجودة الحفظ والذكاء المفرط، تلقى العلم في الأزهر، فدار العلوم وتخرج منها سنة ١٨٩٣، ثم عين بعد تخريجه مدرسًا بدمنهور، فدار العلوم، ثم الخديوية، ودرس بالجامعة المصرية، تعلم اللغة الإنجليزية وهو مدرس بالخديوية، وانتفع بها كثيرًا، في تأليفه، كان عالمًا أديبًا فيلسوفًا، ترك من المؤلفات عددًا كبيرًا من الكتب القيمة، وكان عمله لا ينحصر في دائرة محدودة، بل كنت تراه في درسه كالقاموس، وقد طلب للقضاء فلم يقبل، كان رئيسًا لجمعية المواساة الإسلامية بالقاهرة، وتولى رياسة تحرير مجلة (الإخوان المسلمين) مدة، عاش نحو سبعين عامًا صحيح الجسم معافى البدن، قوي الذاكرة، مشرق المحيا، بفضل ما اختطّ من نظام صحي خاص بعد إحالته على المعاش.\nعرفته مدرسًا بدار العلوم، فإذا به في درسه كالطائر في قفص، يحاول أن يرد نفسه إلى حدود المنهج الدراسي، فلا يطاوعه علمه ولا يساعده تبحره. كان يقرر المسألة، فيستشهد في شرحه بصغار الهوام والحشرات، ثم يحلق بك في أجواء عالم الفلك والسماوات، فلا يكاد ينتهي من درسه حتى تشعر كأنك قمت برحلة، في طائرة شاهدت بها عالم السماوات، أو طفت البحار في باخرة شاهدت فيها عجائب البحار، أو طوفت بالحقول فتأملت فيها غرائب النبات، أو تنقلت بين السهول والجبال، فأدركت عجائب الكائنات غير الناطقات مع عبارة تستهويك،","vol":"2","page":302},{"text":"وألفاظ لا تملها، وأمثلة من المشاهدات تحسها عادية تمر بك كل يوم، فلا تلقي لها بالًا. ثم يفرغ من ملاحظته، فإذا بك تحسبها مسألة عويصة، فيها من الدروس والحكم ما يستوقفك ويستوحيك الفكر والتأمل والملاحظة والتعليل، فتعلم أنك تعيش في عالم كله دروس، وكله مسائل علمية، وكله يسترعي النظر، وكله يتطلب التأمل والفحص.\nهذا هو الشيخ طنطاوي في شرحه المسائل، وفي تقديره الأبحاث العلمية أو تفسير الآيات القرآنية، في دائرة الدرس المحدود المنهج، المحدود الزمن المقيد بعدد من المستمعين.\nعرفته أيضًا مؤلفًا يقرأ الإنسان كتابًا من كتبه، فلا يتعثر في لفظه، ولا يستصعب فكره، وكأنه قاص يقص عليك ألذ الحكايات وأغرب الوقائع، صاعدًا هابطًا يجوب بك الآفاق، ويخترق الحجب، ويغور وينجد، ولا تجد صعوبة في كل ذلك، اللهم إلا ما تحس من أنك أمام مشاكل علمية، ونظريات دقيقة ونتائج مدهشة، ما كنت لتدركها لو لم تقرأ هذا الكتاب.\nلم تشتهر في الشرق شخصية من المصريين، كما اشتهر الشيخ، فقد كان السائح الشرقي إذا رحل إلى مصر، سأل عن الشيخ في رحلته، كما يسأل الأوروبيون أو الأمريكيون عن الأهرام، فهو معروف في الهند وفارس والصين وأندونيسيا وتركستان، وقد يسمي أهل تركستان مدارسه وجامعاتهم وكتبهم باسمه، فيقولون جامعة طنطاوية ومدارس جوهوية، وعقائد جوهرية، لما يرون فيه من رمز لحجة الإسلام.\nلم يكن الشيخ عالمًا كسائر العلماء، بل كان ممتازًا في كل النواحي، فهو عالم ديني إسلامي وطني، وهو عالم اجتماعي عالمي، جامع بين الثقافتين الدينية والحديثة، ومازج المسائل الدينية بالآراء الاجتماعية والسياسية، ها هو حقق الجهاد بعلمه وبرأيه في رفعة شأن الإسلام والانتصار لمبادئه، مظهرًا أنه دين العقل","vol":"2","page":303},{"text":"والتجديد، لا دين التسليم والتقليد، يرمي في كل أحاديثه وتآليفه، إلى التوفيق بين العلم، وما جاء به القرآن، وإلى أن العلم إذا أحسن فهمه، كان أداة صالحة لتفهم روح الدين، كان من أخلص المخلصين لقضية البلاد واستقلالها من فجر النهضة إلى وفاته، فهو أحد قادة النهضة السياسية والدينية، ومن رؤساء الحركة السياسية والاجتماعية فهو في (نهضة الأمة وحياتها) وفي (نظام العالم والأمم، يندد بالدول التي تؤسس وجودها على أسنة الحراب، وأصوات المدافع وتخريب البلاد ودك الحصون، لأنه يتمنى أن تؤسس الدول حياتها على تبادل المنافع والمحبة العامة، ما كان يرى سقراط، وهو بذلك يوافق الرأي الذي يتشدق به بعض الدول، وما تخدع به العالم، من ألفاظ الديمقراطية والمساواة، ويريد أن تكون الجمعية الإنسانية أسرة واحدة، لا يفرق بينها لغة ولا دين).\nوقد ترجم (تفسيره المسمى (بالجواهر) إلى اللغة الأردية، فأقبل عليه أهل الهند إقبالًا عظيمًا، هذا وقد ترجم كثير من كتبه إلى اللغات الأوروبية واللغات الشرقية خاصة، هذا وقد كان ﵀ معجبًا بكتب لورد أقبري في مسرات الحياة وعجائبها، وربما تأثر به فيما كتبه عن ملاذ الحياة وعجائب الكون وجمال الطبيعة) (١).\nوالذي يظهر لي، أن هناك مؤثرات عديدة، كان لها دور مهم في تكوين شخصية الشيخ، فهو أزهري قبل كل شيء، فهم الإسلام عقيدة وشريعة وألمّ بالعلوم اللغوية، وهو إلى جانب هذا ملمّ بالتصوف، يدرس كتبه ويتأثر برجاله، كما يحدث عن نفسه، حينما اختير مرة من قبل وزير المعارف، ليعين سيدة روسية على دراسة التصوف، وفهم كتبه واصطلاحات القوم، وكان من ضمن تلك الكتب الرسالة القشيرية (٢).\n_________\n(١) محمد عبد الجواد -تقويم دار العلوم- طبعة دار المعارف ١٩٤٧.\n(٢) الجواهر جـ ١٣.","vol":"2","page":304},{"text":"وإلى جانب هذا وذاك يدرس اللغة الإنجليزية، لتهيء له فرصة اطلاع أوسع، ومع هذا كله لا ينبغي أن نتجاهل العصر الذي عاش فيه، ذلك العصر الذي اتصل فيه الشرق بالغرب، وأكب علماؤه على دراسة الثقافة الغربية، دراسة المعجب، وهذا بالطبع نتيجة حتمية للفوارق الكثيرة بين هؤلاء وأولئك.\nتلك عوامل خارجية كان لها أثرها في حياة الشيخ الفاضل، فإذا أضيف لها عامل داخلي ذاتي، وهو ذكاء الشيخ العجيب، الذي يظهر في فكره الثاقب ومنطقه السوي وخياله الخصب، استطعنا أن ندرك سر نبوغ هذا الرجل، وما أعطيه من قوة البيان وسعة الإطلاع، واستطعنا أن ندرك أيضًا شدة غيرة الشيخ على دينه وأمته، وعميق تأثره بالواقع الذي وصلت إليه، وإن هذه العوامل كلها، لتظهر جلية واضحة في تفسيره، الذي نحن بصدد التحدث عنه إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-478>ب - الدوافع لهذا التفسير:</span>\nيقع تفسير الجواهر في ستة وعشرين جزءًا، الجزء الأخير منها ملحق بالأجزاء السابقة، ليكون استدراكًا لما فات المؤلف فيها، وقد طبع في مطبعة مصطفى البابي الحلبي أكثر من مرة.\nويذكر المؤلف في مقدمة تفسيره الدوافع التي حملته على تفسير القرآن الكريم، فيقول:\n(أما بعد، فإني خلقت مغرمًا بالعجائب الكونية، معجبًا بالبدائع الطبيعية، مشوقًا إلى ما في السماء من جمال، وما في الأرض من بهاء وكمال، آيات بينات وغرائب باهرات، شمس تدور وبدر يسير ونجم يضيء وسحاب يذهب ويجيء، وبرق يتألق وكهرباء تخترق، ومعدن بهي ونبات سني، وطير يطير ووحش يسير، وأنعام تسري وحيوان يجري، ومرجان ودر وموج يمر.\nثم إني لما تأملت الأمة الإسلامية وتعاليمها الدينية، ألفيت أكثر العقلاء وبعض","vol":"2","page":305},{"text":"أجلّة العلماء، عن تلك المعاني معرضين، وعن التفرج عليها ساهين لاهين، فقليل منهم من فكر في خلق العوالم، وما أودع فيها من غرائب، فأخذت أؤلف لذلك كتبًا شتى كـ (نظام العالم والأمم)، (وجواهر العلوم). مزجت فيها الآيات القرآنية بالعجائب الكونية، وجعلت آيات الوحي مطابقة لعجائب الصنع وحكمة الخلق، ثم توجهت إلى الله أن يوفقني أن أفسر القرآن، واجعل هذه العلوم في خلاه، وأتفيأ بساتين الوحي وظلاله، فاستجاب الله الدعاء.\nوليكونن هذا الكتاب داعيًا حثيثًا إلى درس العوالم العلوية والسفلية، وليقومن من هذه الأمة من يفوقون الفرنجة في الزراعة والطب والمعادن والحساب وغير هذه العلوم، كيف لا، وفي القرآن من آيات العلوم ما يربو على ٧٥٠ آية، فأما علم الفقه فلا تزيد آياته الصريحة على مائة وخمسين آية.\nولقد وضعت في هذا التفسير، ما يحتاجه المسلم من الأحكام والأخلاق، وعجائب الكون، وأثبت فيه غرائب العلوم وعجائب الخلق، مما يشوق المسلمين والمسلمات إلى الوقوف على حقائق معاني الآيات البينات، في الحيوان والنبات والأرض والسماوات، وإن له شأنًا سيعرفه الخلق، وسيكون من أهم أسباب رقي المستضعفين في الأرض).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>جـ - محتويات التفسير:</span>\nويحدثنا الشيخ عما ضمن تفسيره، فيقول في مجلة (الفتح):\n(وها هو ذا خمسة وعشرون مجلدًا ضمنته خلاصة آراء حكلمة اليونان وآبائنا أيام جدهم، وحكمة علماء عصرنا بأوروبا، ونموذج التاريخ وأحوال الإسلام العامة في زماننا).\nومن هذا ندرك أن هذا التفسير موسوعة علمية، أشبه ما يكون بدائرة معارف، وندرك كذلك ما يعلقه الشيخ من أهمية على تفسيره، وما يرتسم في نفسه وكلماته","vol":"2","page":306},{"text":"من آمال مشرقة ومن مستقبل زاهر سيحدثه هذا التفسير لهذه الأمة.\nويذكرني صنيع الشيخ في تفسيره بذلك الإمام الجليل فخر الدين الرازي، الذي ما كان يترك مسألة من علم الفك، أو من الفلسفة الطبيعية والإلهية، أو من الملل والنحل المختلفة، إلا وضمنها تفسيره العلمي الكبير، كل ذلك مع سهولة في العبارة، ويسر في الأسلوب، ودفاع بحرارة عن عقيدته، وإلزام لخصومه بالحجة الواضحة، فما أشبه حكيم الإسلام في هذا العمر بحكيم الإسلام (الفخر الرازي) في الزمن الماضي، وما أشبه الجواهر بالمفاتح، مع اختلاف حتمته ظروف البيئتين، وأوجبه كر الغداة ومر العشى، وإذا كان الفخر الرازي، ينكر كل الإنكار، ويعجب كل العجب، ممن يستغرب اشتمال سورة الفاتحة على آلاف المسائل بل عشرات الآلاف، فيطلق لفكره وقلمه العنان، بما يفيضه خاطره ويرصفه فكره، من مسائل مختلفة متنوعة في سورة الفاتحة، فيخرج للمكتبة الإسلامية جزءًا ضخمًا يقع في قرابة ثلاثمائة صفحة من القطع الكبير فإن الشيخ طنطاوي يحاول في تفسيره للفاتحة، أن يبين أن هذه السورة الكريمة، تشتمل على جميع العوالم التي خلقها الله، وأنه ينبغي على المسلم، كما يعرف أحكام الفقه، أن يعرف أسرار هذه العوالم ومميزاتها، ولنستمع إليه:\n(وتأمل في سورة الفاتحة، كيف قدم تربيته للعالمين ورحمته للمخلوقين على العبادة وهداية الصراط المستقيم، كأنه يشوقكم إلى دراسة رحماته، ويأمركم بمعرفة كلماته الكونية وعجائبه وبدائعه. ثم إن الحمد يكون على مقدار علم الحامد ولن يعرف المسلمون محامد الله، حتى يقرأوا نظام الطبيعة ويفهموا دقائق التكوين، حينئذ يحمدون الله حق حمده. فسورة الفاتحة إذن عنده كلها آيات علوم، ولنا أن نجعل القسم الثاني منها أخلاقًا.\nوإذا كان تفسير الفخر لم يعجب الكثيرين من الناس لما فيه من تشعب واستطراد فإن الشيخ طنطاوي أدرك هذه القضية فها هو يفترض سؤالًا من أحد القراء، ومن","vol":"2","page":307},{"text":"بعض هؤلاء المعترضين، فيجيب عنه مسوغًا، صحة مسلكه وسلامة منهجه، فيقول: (لو ذهب فلاح ومهندس وصبي وحمار، إلى حقل من الحقول، فما دائرة اهتمام كل طرف من هؤلاء؟ أما الحقل فهو فعل الله، تختلف أنظار الناس فيه، وأما مثل الحمار فهم الحفاظ، الذين لا يحفظون من القرآن إلا حروفه (١)، والصبي هم العامة يفرحون لأنغام القرآن، كما يفرح الصبي لمنظر الحقل والفلاح المهتمّ بالأرض، كالعابد يناجي ربه بهذا القرآن، أما المهندس فهو المفسر، يهتم بكل صغيرة وكبيرة، ويحمل سائر الأمة على معرفة العلوم (وسواء أكان هذا المثل الذي ضربه الشيخ ... مدللًا معللًا، يقيه اعتراضات المعترضين، أم لا، فإنه قد كان ما كان، وجاء تفسير الشيخ على هذا المنوال.\nوإذن فالذي يتحتم علينا أن نسير مع الشيخ في تفسيره، لنعرف منهجه ولنطلع على آرائه في بعض الأمور، حتى يتسنى لنا أن نصدر حكمنا بلا شطط، غير باخسين ولا غالين، والله حسبنا ونعم الوكيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-480>٢ - منهجه في التفسير:</span>\nيورد الشيخ مقدمة للسورة التي يريد تفسيرها، وربما يورد ملخصًا لها، ثم يقسم هذه السورة إلى أبواب عامة، ويقسم هذه الأبواب، إلى مقاصد وفصول، حسب ما يتراءى له، وهذه طريقة يتبعها كثير من المفسرين المحدثين، كما رأينا من الأقدمين من سلكلها، في كثير من السور من قبل، إلا أن هذا التقسيم يختلف باختلاف نظر المفسر واجتهاده، مفسِّرنا مثلًا، وهو الذي يهمنا الآن، حينما يتكلم عن سورة البقرة، يقسمها إلى بابين، الأول إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] والثاني إلى آخر السورة، وهو تقسيم من المؤلف إنما نشأ عن فهم حسن جميل، فنحن نرى أن معظم التكاليف من عبادات وأنظمة\n_________\n(١) ما كنا نرضى من الشيخ مثل هذا المثل.","vol":"2","page":308},{"text":"متعددة، إنما هي في هذا الباب الأخير، وبعد ذلك يقسم الباب إلى عشرة مقاصد:\n١ - مدح القرآن.\n٢ - بشارة المؤمنين.\n٣ - ذم المنافقين الكاذبين.\n٤ - ضرب مثلين لحال الطائفتين المؤمنين والمنافقين.\n٥ - نداء عام للناس.\n٦ - كيف بدء خلق آدم.\n٧ - ذكر بني إسرائيل ونعم الله عليهم وجناياتهم.\n٨ - قصة إبراهيم وإسماعيل ... الخ.\nكما يقسم سورة (آل عمران) إلى عشرة أقسام، معنى ألم، معنى الإيمان والتخلية من الرذائل، وكيف يعامل المعاندون والمجادلون، وقصة مريم وزكريا ويحيى وعيسى والحواريين ... الخ.\nوعندما يفسر سورة (النساء) يقسمها إلى تسعة مقاطع -خلق الناس من نفس واحدة، وصلة الأرحام والوصية على اليتامى، وقسّم التركات والمعاملات المالية ... الخ.\nولئن كان التقسيم سهلًا بالنسبة للسور المدنية، وذلك لما فيها من أحكام متعددة وموضوعات متمايزة، فإنه في السور المكية، ربما يكون شائكًا بعض الشيء، لكن المفسر الفاضل (وقد ألان اللهُ له التفسير، بما منحه من فهم)، نراه يقسم السور المكية كذلك، تقسيمًا لطيفًا دقيقًا، فهذه سورة الإسراء يقسمها قسمين اثنين -الأول إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]، والثاني حتى نهاية السورة، ويعرض في القسم الأول الموضوعات التالية -الإسراء، تاريخ بني إسرائيل ارتقاءً وانحطاطًا، حكم تتبع ذلك وعظات للأمة الإسلامية،","vol":"2","page":309},{"text":"كي لا تذهب دولها كما ذهبت دولة اليهود ... الخ، والقسم الثاني يشتمل على الموضوعات العملية وهي ٢٥ نوعًا.\nإلا أن للشيخ طنطاوي طريقة في تناول الآيات القرآنية، فهو يبدأ بالتفسير اللفظي لكل قسم من الأقسام التي أشرنا إليها، محاولًا أن يأتي بزبدة ما قاله المفسرون، فربما يأتي للآية الواحدة بأكثر من وجه، نلحظ ذلك في كثير من تفسيره ولنأخذ مثلًا هذه الآية من سورة (براءة)، ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [براءة: ١٢٢].\nانظر كيف يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾، أي وما استقام لهم أن ينفروا جميعًا، لنحو غزو أو طلب علم، كما لا يستقيم لهم أن يقعدوا جميعًا، فإن ذلك يخل بأمر المعاش وبتوزيع الأعمال، كما أوضحناه في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ فهلا نفر من كل جماعة كثيرة كقبيلة وأهل مصر أو قرية جماعة قليلة.\n﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ ليتكلفوا ويتجشموا مشاق تحصيل الفقه.\n﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي وليجعلوا غاية سبيلهم ومعظم قصدهم من تحصيل الفقه، أن يرشدوا قومهم (ينذرهم)، لا أنهم يترفعون على الناس ويتبسطون في البلاد.\n﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، إرادة أن يحذروا عما ينذرون، وإنما خص الفقه بالذكر لأنه أهم، وهناك وجه آخر، وهو أن الآية من بقية أحكام الجهاد، وذلك أن هذه الآيات لما فضح المنافقون فيها، وبعث رسول الله -ﷺ- السريا، نفر الناس كلهم للغزو، ولم يتخلَّف أحد فنزلت هذه الآية، وهي تقتضي أن ينقسم المسلمون إلى","vol":"2","page":310},{"text":"قسمين .. الخ) (١).\nوكذلك عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: ٨٥] يقول فيه (معاد دنيوي وآخروي، أما الدنيوي فإنك ترد إلى مكة إذا اشتقت إليها، لأنها مولدك ومولد آبائك، وأما الأخروي، فإنك ترد إلى المقام المحمود الذي وعدت أنت به).\nثم بعد أن ينتهي من التفسير اللفظي في كثير من الأحيان، يذكر لطائف كما يسميها، وهذا نجده كثيرًا في تفسيره، فمثلًا في سورة (التوبة)، فسر هذه الآيات ابتداءًا من قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾ [التوبة: ٣٩] إلى قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ [التوبة: ١٠٩] ثم ذكر لطائف، أولاها في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا﴾، قال: (حكم الله في هذه الآية على الأمم الإسلامية، أن تصبح في عداد الأموات، إذا هي نامت وادعةً ساكنة، ولم تسع سعي الأحياء، وأن تكون في خبر كان، وأن يستبدل بها أممًا أخرى تحل في أماكنها، تهديد شديد ووعيد عظيم، أنزله الله بمن يتركون الجهاد في خفض العيش ودعته). ثم استطرد إلى ذكر أرسطو طاليس، وما بعث به من كتب للإسكندر في هذا الموضوع.\nويقول في اللطيفة الثالثة في قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]. (واعلم أن التحقيق في هذا المقام، أن الأمم كلها يجب عليها العمل العام، فأصحاب القوة للدفاع، وأصحاب الصناعات لإحضار العدة، وكل امرئ في الآية مكلف بعمل، لأنه لا دفاع بلا رجال أقوياء، ولا دفاع للأقوياء بلا سلاح، ولا وقوف لهم في وجه العدو إلا بالغذاء واللباس والطرق المنتظمة، ولا طرق ولا غذاء ولا لباس إلا بأعمال هامة، ومدارس منظمة، وحكومة قادرة، وأمة مستيقظة وإرادة تامة). وهذا كلام مَنْ فهم روح القرآن وأدرك مغزاه.\n_________\n(١) الجواهر جـ ٥ ص ١٧١.","vol":"2","page":311},{"text":"وربما تكون اللطيفة الواحدة صفحات كثيرة، كتلك التي نجدها في آخر سورة (براءة). فبعد أن انتهى من التفسير لآخر سورة (براءة)، أورد لطيفة ذكر فيها مقالات كتبها في الصحف، بمناسبة قوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢]، وبعد هذه المقالات العديدة ذكر معنى الفقه لغةً واصطلاحًا، ثم استطرد إلى ذكر علوم متعددة، كالطب والكيمياء والفلسفة، واستغرق هذا أكثر من ثلاثين صفحة، حتى لينسى القارئ نفسه، من أنه يقرأ تفسيرًا للقرآن الكريم.\nوتلك لطيفة أخرى في سورة العنكبوت، عند قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] حيث قسم السير إلى قسمين جسمي وعقلي، ثم تكلم عن نظام الكواكب والعوالم الأربعة والعناصر ... الخ، مما يؤكد ما ذكرناه في الفقرة السابقة.\nوفي ثنايا تفسيره ولطائفه، يرى القارئ أمورًا تتكرر كثيرًا، نذكر منها ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>أ- إهابته بالأمة وبخاصة العلماء وتنويهه بتفسيره:</span>\nإن الشيخ يكتب وفكرة تضغط على أعصابه وتلح عليه، تلك هذي حالة المشرق المسكين، الذي يستعبده الغرب بالعلم والمخترعات، فتجده يتلقف أيَّ فكرة، ليعلن من خلالها أصالة الشرق في هذا المضمار واستفادة الغرب، فها هو في تفسير قصة يوسف، وذكر إعداد المتكأ للضيفات، وإعطائهن السكاكين، لفت النظر إلى المستوى الاجتماعي الراقي، الذي كان يعيشه المجتمع المصري القديم والذي استفاد منه الغرب في حياته اليوم، وخلال السورة تعيش مع رحلات الشيخ في عالم النبات والطيور والزراعة وعجائب العلم.\nوعند قوله تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] يقول الشيخ: (اعلم أن هذه الآية، نزلت لتخرج المسلمين من جهالتهم العمياء، إذ هم اليوم أقل الأمم علمًا، وهذه السورة فيها سر العلوم، وهذه","vol":"2","page":312},{"text":"الآية تطلب من أمة الإسلام رقيًا في العلوم بلا نهاية) (١).\nويرى الشيخ أن تفسيره، سيكون من الممهدات لارتقاء أمة الإسلام في المستقبل ولقد كان الشيخ ذا أمل عريض، وثقة بالنفس كبيرة، وذا تطلع بعيد وهمّة عالية. استمع إليه في تفسيره للسورة نفسها -يوسف- يقول: (واعلم أنه لولا ما يحس به عظماء الرجال في نفوسهم من عزيمة صادقة وآمال قوية، ما بلغوا مقاصدهم، ولا نالوا مآربهم، ويستحيل أن يقوم عظيم بأمر عظيم، إلا بآمال نصب عينيه، وهواجس تقوم بنفسه تُسليه على مصائبه).\nإذن هناك أمل يداعب خيال الشيخ، في أن يرى شرقه المعذب، وقد ارتفعت كلمته في الدنيا، وساد بعد استعباده، ولهذا هب الشيخ يربط بين القرآن الكريم الذي يؤمن به هذا الشرق ويرتبط به، وبين العلوم التي نكل عنها، واستُعبد بسبب جهله بها، فكتابه هذا الذي يتوقع له أن يحدث انقلابًا شاملًا في العالم الإسلامي، دعوة إلى العلوم، استشهد فيها بآيات القرآن الكريم، فأجاد الربط في كثير من المواضع، مما يدل على تعمق الشيخ وسعة أفقه، واتساع رؤيته وإحاطته بالعلوم والقرآن على حد سواء.\nولكن الشيخ قد يقع أحيانًا في شيء من الاعتساف والتكلف والربط البعيد، مثل محاولة الربط بين جمال يوسف التابع للحساب والقياسات -كما يرى الشيخ- والجمال التابع للكلام الذي يرجع إلى الحساب، ويضرب مثالًا بالشعر والموسيقى وتقطيعات الشعر وأعدادها وحروفها، وكذلك نغمات الطير التي تجري على حساب الحركات، ويخرج بنتيجة أن الجمال في العالم ليس يدركه إلا العلماء، الذين درسوا الرياضيات والطبيعيات والحكمة.\nولقد بذل الشيخ جهدًا في تطوير فهم القرآن، ولفت الأنظار إلى غرائبه وعجائبه\n_________\n(١) الجواهر جـ ٧ ص ٣٣.","vol":"2","page":313},{"text":"كما أنه نبه علماء الإسلام على ضرورة مخاطبة قومهم، بما يناسب واقعهم وبما يعيشون من حوادث (فهذا موسى ﵇ يأمره ربه ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] وإن على علماء الإسلام أن يحذوا حذو موسى ﵇، إذ اصطفى ما يناسب من قومه، وانظر في هذا قوله تعالى في نفس الموضع من سورة إبراهيم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] فالمدار على البيان الذي يعقله القوم، فالقرآن نزل لننسج على منواله، ونذكر الناس بما يناسب عقولهم، هذه هي عجائب القرآن التي يعجز عنها الفصحاء والحكماء، كلام مملوء حكمًا وغرائب) (١).\nوإنها للفتة رائعة من الشيخ إلى علمائنا النظريين، الذين لا يلتفتون إلى واقع الحياة فيعالجونه، بل يكتفون بسرد مواعظهم وأقاصيصهم، تاركين الأدواء تفتك بالمجتمعات، ولا حل لها إلا على أيدي الفاجرين ألا رحمك الله يا شيخ طنطاوي، لقد كنت روحًا جادة وفكرًا ثاقبًا وهمة عملاقة! !\nوما أجمل ما يذكره من التفريق بين تذكير المسلمين فعلًا وبالوقائع، وبين أمرهم بالتذكر والعودة إلى الله، وهو يرى أن الفرق بينهما، كالذي يقرأ آيات الصلاة ويكررها فلا يكون مصليًا بها، والذي يمارس فعل الصلاة ويقيمها فيكون مصليًا، كذلك التذكير والأمر به، ومن هنا فإن الشيخ في كتابه وجواهره، يمارس فعلًا عملية التذكير، من خلال الوقائع التي عاشها المسلمون طوال تاريخهم، وما حل بهم من رفعة وهبوط، وما وصل إليهم من علم، وما وصل إليه العصر الحديث، فكل هذا تذكير للمسلمين بأيام الله.\nويضرب الأستاذ مثلًا لاستفادة المسلمين من الآيات، وتطبيقها على الوقائع، بفعل أبي بكر -﵁-، حين اجتماعه بالأنصار في سقيفة بني ساعدة قبل توليه الخلافة، حيث قال:\n_________\n(١) الجواهر جـ ٧ ص ١٧٧.","vol":"2","page":314},{"text":"(أيها الأنصار، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، ألم تكن فينا نحن المهاجرين؟ فقالوا: ألم تقرأوا قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] فها نحن أولاء الصادقون، فلتكن معنا) (١).\nويتساءل الشيخ بعد هذا المثل - (أفلا يحق لنا أن نقول للمسلمين، الذين ضربتهم أوروبا ومزقت شملهم، وضحكت على أذقان عظمائهم- أيها المسلمون لم كرر الله ذكر السماوات والأرض؟ ولم ضرب المثل بشجرة تمتد من الأرض إلى السماء؟ ولم ذكر السماوات والأرض في كل مناسبة: في أول السورة على لسان نبينا، وفيها على لسان موسى، وعلى ألسنة جميع الأنبياء مع أممهم؟ ويعيدها في ضرب الأمثال ويكررها في كل حين؟ (٢). إن ذلك لأجل أن نتدبر ونتفكر، ونرتقي بواقعنا ونعرف أسرار الكون، لنواكب تيار الحياة، ونتفوق في مضامير المعرفة.\nوما أشد المرارة في نفس الشيخ حيث يتساءل:\n(هل الخطاب بتسخير الكون، والإنعام بكل ما سأل الإنسان، استثني منه المسلمون؟ هل جعل الله الثمرات في الأرض خاصة بغير المسلمين؟ .\nوهل الفلك التي تجري في البحر ما بين آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا، هل هذه السفن خاصة بالإفرنج؟ ! .\nويشتد الشيخ في الحكم على غفلة المسلمين، حيث يجعلها عين عبادة الأصنام وذلك استنتاجًا من دعاء إبراهيم ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، فهو يرى أن إبراهيم الذي كسر الأصنام، لا يمكن أن يداخله ميل إليها أو هوى لعبادتها، ولكنه يعني الاستعاذة من حصر الفكر وعمى القلب والأبصار عن عجائب الدنيا، وهذه كلها حالات ملازمة لعبادة الأصنام، فدعوة إبراهيم كانت استعاذة من ملازمة عبادة الأصنام، وليس منها نفسها. وتأمل كيف أن\n_________\n(١) هذا ما ذكره الشيخ دون أن يشير إلى مصدره.\n(٢) الجواهر جـ ٧ ص ٢٠٥.","vol":"2","page":315},{"text":"الخليل عندما كسر الأصنام نظر نظرة في النجوم، وارتقى إلى الأفلاك وفوق السبع الطباق، وعندها قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، وإن دعوة أبينا إبراهيم لنا أن يجنبنا الله عبادة الأصنام، إنما هي دعوة للعرب أن يجنبهم الله تقييد الفكر وانعدام النظر في الطبيعة، كما نظر هو، وكما فكر يوم قال: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فنفكر في الخروج من هذا المأزق، ونفك القيود التي قيدنا بها.\nوتعجبنا واقعية الشيخ، وحديثه الصريح عن الذي يضطرب في أحشاء هذا العالم الإسلامي، من حركات ومذاهب ومخاضات فكرية وصراع وتخلف، وهو يتحدث عن طائفة الشيعة الإسماعيلية في الهند، كيف استعبدهم آغا خان، وحرفهم عن عقيدتهم، وكل ذلك في معرض تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]، ثم يطلق الشيخ حكمًا لطيفًا حيث يقول: (إن الأئمة وكتب السلف والخلف، بمثابة لبن الأم، فإذا ترعرع الطفل، وبلغ سن الفطام، حتم عليه أن يأكل من نبات الأرض وحيوانها، وهكذا لا يجوز لشيوخ الطرق، ولا لعلماء الدين أن يفهموا الطالب أنه دائمًا محتاج إليهم، بل لا بد أن يطلقوا لهم الحرية فيرتقوا) (١).\nومن هذا المنطلق، أعني إهابة الشيخ بالمسلمين وتفطر فؤاده لواقعهم، يعرض الشيخ لنقد الوهابية -كما يسميهم- فيقول: (نعم قام فينا الوهابية الذين يملكون الحجاز ونجدًا الآن، وهي وإن أزالت الخرافات، فقد وجب عليها أن تنظر في مثل ما نظرناه، ألا وهي مناظر الدنيا وعجائبها، إن الوهابية برعوا في القسم السلبي من الإسلام، ولكنهم لم يراعوا القسم الإيجابي منه، أي إنهم حصروا همهم فيما ذكره العلامة ابن تيمية، وفاتهم أن العلم أوسع وأوسع) (٢).\n_________\n(١) الجواهر جـ ٧ ص ٢٤٠ - ٢٤١.\n(٢) الجواهر جـ ٧ ص ٢٤٣.","vol":"2","page":316},{"text":"إن الشيخ يرى سبيل النهضة كما قال في تفسيره لسورة (الحجر)، عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥].\n(المتنورون والمتوسمون في العالم الإسلامي، يريدون الإسراع في الرقي فإذا عاونهم رجال الدين بأن فهموا أمثال ما يكتب في هذا التفسير، أسرع الرقي إلى بلاد الإسلام، كما أسرع سابقًا في بلاد اليابان، وإن تباطأ علماء الدين وبقيت دراسة الإسلام على ما هي عليه، هلكت هذه الأمة هلاكًا لا مناص منه، كما هلكت أمتان عظيمتان، في زماننا، هما أهل أمريكا الأصليون، وأهل أستراليا الأصليون. فهؤلاء لما دخلت عندهم المدنية الأوروبية، ولما يجاروا القوم، هلكوا وانقرضوا إلا قليلًا) (١). ثم يحذر الأمم الإسلامية تحذيرًا قويًّا، بأن استقلالها سيضيع منها، إذا هي لم تستخرج كنوز الأرض وتَبْنِ قوتها، أما إذا حفظت الأمانة، واستخرجت الكنوز من الأرض ونفعت نفسها والناس، فإنها ستبقى في أرضي الله، وإلا فستكون كالأمم التي بدلت نعمة الله كفرًا.\nولنستمع إليه وهو يقول في تفسيره لسورة الإسراء. (فيا عجبًا للمسلمين، يكون هذا دينهم، وهذا نبيهم، ثم ينامون وتدوسهم الأمم، يمر نبينا على أنبياء هذه الأمم أمة أمة، ثم يغادر عيسى إلى السماء الثانية، ويوسف في الثالثة وإدريس في الرابعة، وهكذا ثم ينام المسلمون عن هذا كله، يمر على الأنبياء حتى يتركهم، ويصل إلى مستوى فوق السبع الطباق، والمسلمون يسمعون هذا الكلام كأنهم لا يعلمون؟ ! ولكن بعد ظهور هذا الكتاب، سيظهر في الأمة رجال يعقلون ويعلمون، فيعرفون ما الحكمة في هذا الارتقاء).\nوفي سورة الأنبياء حيث حطم سيدنا إبراهيم الأصنام، نجده يقول: (إن إبراهيم ﵇ حطم الأصنام، وهكذا سيدنا محمد -ﷺ-، وهذان قدوتنا، فعلى علماء المسلمين، وعليك أيها الذكي، أن تكسر بعلمك وبلسانك، كل ما تراه معطلًا\n_________\n(١) الجواهر جـ ٩ ص ٦٣.","vol":"2","page":317},{"text":"لرقي الأمة الإسلامية) (١)، ثم يختم تفسير السورة بهذا النداء:\nظهر الحق أيها المسلمون، اللهم إني أبرأ إليك من الكتمان، اللهم إني بينت في هذا التفسير داء المسلمين ودواءهم في أكثر سور كتابك. أيها المسلمون ما فرقكم إلا الجهل، أيها المسلمون، أليس فيكم رجل رشيد؟ أليس فيكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في هذه الأرض؟ ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>ب - استشهاده بأقوال علماء الغرب:</span>\nطيلة مسيرتك مع الشيخ، وتأملك في جواهره، تجده يستشهد بين الفينة والفينة، بقصص علمية أو أقوال لعلماء ومخترعين، من ذلك ما نراه في مجال دعم ما يناقشه من قضية إثبات الصانع والديانات، عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] بقول لهكسلي ينقله عن سبنسر: (العلم الطبيعي الصحيح والدين الصحيح توأمان، إذا انفصل أحدهما عن الآخر، خرا صريعين وماتا رغم أنفهما). ثم قال سبنسر: (متى اتفق العلم والدين نموا نموًا صحيحًا، فالدين ينمو بامتداد جذوره وتغذية أصوله، في رياض العلم الصحيح، والعلم الصحيح يؤيده الدين ويشد أزره، فيكون قويًّا متينًا).\nبل نجد الشيخ طنطاوي ﵀، يصرح بما هو أخطر من ذلك، حيث يقرن بالكتاب العزيز كلام الفرنجة، لتأييد ما يدعو إليه، فها هو عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١١٥] يقول:\n(فانظر كيف كان القرآن يدعو حثيثًا إلى هذه العجائب، وصغار العقول نائمون، وبعض العلماء غافلون، والمغرورون من متعلمي اللغات الإفرنجية مفتونون، وقد أقمت الحجة على الجميع من الكتاب وكلام الفرنجة، عسى أن يكونوا من\n_________\n(١) الجواهر جـ ١٠ ص ٢٢٦.\n(٢) الجواهر جـ ١٠ ص ٢٥٣ - ٢٥٤.","vol":"2","page":318},{"text":"المفكرين). وقول الشيخ هذا، يبرهن على ضخامة الدور الذي كان يلعبه تلامذة الإفرنج في العالم الإسلامي، حتى شكلوا هذا الضغط النفسي على علمائنا، وأنطقوا ألسنتهم بهذه المقالات، وجعلوهم ينحون هذا المنحى الخطير في التفسير).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-483>جـ - كثرة الصور في الكتاب:</span>\nمن الأمور التي تسترعى انتباه القارى، ما يجده قد بث في ثنايا الكتاب من صور عديدة متنوعة، فمن صورة حشرة كنملة أو عنكبوت، إلى صورة الفراشة والخنفساء والدودة الشريطية، فرأس البرغوث فأم الأربعة والأربعين، إلى صور حيوانات برية وبحرية، إلى صور بعض الأناسي، إلى صور الطير وصور بعض الناس، وأذكر أنني حينما كنت طالبًا في كلية أصول الدين، كنت أتردد على المرحوم الأستاذ محب الدين الخطيب، قبل أن يكون رئيسًا لتحرير مجلة الأزهر، وسألته عن تفسير الشيخ طنطاوي، فلم يُبدِ لي كثيرًا من الاستحسان، ثم قال: (ما هذا التفسير الذي يمتلئ صورًا؟) وذكر على سبيل المثال، صورة آغاخان كبير فرقة الإسماعيلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-484>د - ولع الشيخ بالحديث عن الأرواح:</span>\nمن الغريب أن نجد عالمًا فاضلًا وهبه الله فكرًا مستنيرًا، ومنّ عليه بإيمان راسخ وعقيدة ثابتة، أقول من الغريب أن نجد مثل هذا يؤمن بتحضير الأرواح، ويؤلف لذلك الكتب، ولا يكتفي بذلك، بل يمزج هذا بتفسير القرآن الكريم، ولو أردنا أن نعدد المواضع التي ذكر الشيخ فيه مسألة علم الأرواح لطال الأمر، لأننا لا نكاد نقرأ تفسير سورة من سور القرآن، إلا ونجد لعلم الأرواح ذكرًا، بل نجد في السورة الواحدة مواضع عديدة، ذكر فيها مسائل الروحانية الحديثة، فعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]، يقحم الحديث عن الأرواح عند تفسير الآية، ليجعلها دليلًا على","vol":"2","page":319},{"text":"تحضير الأرواح، ويلوم المسلمين لقعودهم عن هذا العلم الذي سبق إليه الغربيون، ولا ينسى أن يكرر هذا القول عند تفسير قول الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، وعند قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠].\nويقول عند تفسيره لقول الله تعالى في سورة الأنعام: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧]، (ولقد أظهر علم الأرواح في الكشف الحديث، أن الأرواح الشريرة توسوس لأمثالها من الأحياء بما يناسب طبائعها، ويوالونهم، ويريدون أن يكونوا على طرائقهم ... وأهل العلم والفضلاء يعطون الأحياء إرشادًا وتعليمًا نافعًا، كما كانوا في الدنيا، وعلى ذلك يكون الفاسقون الميتون من البشر، ملحقين بالجن في الوسوسة، والصالحون الميتون ملحقين بالملائكة في الإلهام، وهذا الكشف الحديث الذي ملأ أمريكا وإنجلترا وفرنسا وإيطاليا وجميع بلاد العالم، ما عدا المسلمين، هو الذي يكون به تفسير القرآن ... الخ).\nوها هو في السورة نفسها عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١]، يقول تحت عنوان: (عجائب القرآن ومعجزاته في القرن العشرين): (أفادت هذه الآية أن الإيمان بالله واليوم الآخر، تابع لمشيئة الله واستعداد الإنسان، فليست البراهين بمغنية ما دام المرء لا يستعد، والقضاء لم يسعد، وهذا بعينه الحاصل الآن، ألم تر إلى أننا اليوم في القرن العشرين، نسمع أن العلماء في أمريكا وأوروبا يكلمون الموتى، ومع ذلك نرى بعض المتعلمين في بلادنا الشرقية، يكفرون بالله واليوم الآخر، ولا يقلدون في الإيمان ساداتهم من الفرنجة ... فالله تعالى أذن للناس أن يكلموا الموتى في عصرنا الحاضر كما في الآية ... الخ) (١).\n_________\n(١) الجواهر جـ ٤ ص ١٠٥.","vol":"2","page":320},{"text":"وها هو عند تفسيره لسورة الإسراء (يريد أن يثبت صحة الإسراء علميًّا بأدلة من علوم الغربيين وقصصهم، وأقوال علماء الأرواح الذين يرون أن هذه الأجسام البشرية في الدنيا تنظمها أرواح، وكل جسم يربى فيه جسم آخر على مثاله، نوراني أثيري، أي مادة أثيرية، وهذا الجسم الأثيري البرزخي منطبق تمام الانطباق على هذا الجسم المادي، وأن الإنسان إذا تجرد من هذا الجسم، يرى أنه لم يكن هناك فرق بين المجسمين ... الخ.\nويجد الشيخ المجال الخصيب للحديث عن الأرواح، عند قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥]. (حيث يطيل القول ويأتي بموضوعات عديدة (١)، فيكتب فصلًا عن طريق تحضير الأرواح، يذكر فيه ست طرق، وعن الأرواح تكتب بلا أقلام، كما يتحدث عن آداب تحضير الأرواح، وعن حوادث عديدة في مصر، جرى فيها تحضير للأرواح، إلى آخر ما هنالك من مسائل كثيرة حول هذا الموضوع.\nكما لا ينسى الشيخ ﵀: الحديث عن الأرواح عند قوله تعالى: ﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل: ٤٠] وعند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢].\nإلا أن من الإنصاف للرجل أن نقول، إنه في أكثر هذه المواضع التي ذكرناها، كان لا يتحدث في هذه الأحاديث عند التفسير اللفظي للآيات، وإنما يتحدث بعد انتهاء التفسير اللفظي، حيث يتحدث عن لطائف أو جواهر عن هذه الآية أو تلك، بل لقد صرح الشيخ -﵀- بأنّ حديثه هذا ليس تفسيرًا للآية بل الآية تبقى على ظاهرها، وإنما ذلك رمز، فها هو عند تفسيره للآية الأخيرة يفسرها تفسيرًا لفظيًا، ليس فيه زيادة ولا خروج عن المألوف، ولكنه بعد انتهاء هذا التفسير لها ولآيات بعدها، يأتي\n_________\n(١) الجواهر جـ ٩ ص ٩٢ - ١٢٠.","vol":"2","page":321},{"text":"بلطائف، ومنها لطيفة في هذه الآية، يضمنها حديثه عن الأرواح.\nويعترض عليه بأن قوله هذا، ليس منسجمًا مع النصوص القرآنية، فكيف يقصره على علم الأرواح؟ فيجيب الشيخ: (أنا لم أقل إن هذا هو المعنى، ولكن أقول إنه رمز له وإشارة، فالآية باقية على ظاهر معناها، ترمز إلى ما ذكرناه فالدابة باقية على المعنى الأصلي، نكل علمها إلى الله تعالى، وتكون رمزًا لهذا، وهذا قسم من أقسام الكناية في علم البيان، فاللفظ على حاله يشير لما اقترب منه، كما أوضحه الإمام الغزالي في تفسير قوله -ﷺ-: (إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو صورة)، فقد جعلها على حالها، ورمز بها إلى الشهوة والغضب فافهم، فإذا فهمت هذا فقد قطعت جهيزة قول كل خطيب) (١).\nحتى مع التسليم بصحة ما ذكره الشيخ، فإن ذلك في رأينا لا يسلمه من الإنحاء عليه باللائمة، ولا يعفيه من عتاب عنيف ونقد ومؤاخذة توجه إليه، من كل هؤلاء الذين يغارون على الإسلام وأمته كغيرته هو.\nإن مزج التفسير بهذه المسائل في اعتقادي، هو الذي أفقده عنصرًا هامًا من عناصر الشهرة والإقبال عليه والإفادة منه، ويا ليت الشيخ ﵀ اكتفى بما ذكره في تفسيره من الفوائد العلمية، وهو كثير، ولم يتورط بإقحام هذه المسائل، التي لم تثبت صحتها، ويقيني أنها لن تثبت كذلك، يقول الدكتور محمد محمد حسين عن هذا التفسير: (وكم كانت الكارثة شديدة الوقع، حينما نرى الشيخ طنطاوي قد خدع بجمعية أبي الخير الروحية، كما أفسح المجال في تفسيره للنقل عن مزاعمهم ودعاواهم، مما أدخل الفساد والضعف على كتابه ذلك، في كثير من المواضع) (٢).\n_________\n(١) الجواهر جـ ١٢ ص ٢٣٥.\n(٢) حصوننا مهددة من داخلها ص ٣٠٩.","vol":"2","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-485>٣ - أسلوب الشيخ في التفسير:</span>\nمنّ الله على الشيخ طنطاوي بسعة اطلاعه، فهو ذو ثقافة متنوعة الأبحاث متعددة المناحي، فإذا أضفنا لهذا ذكاءه وخياله، استطعنا أن ندرك سر هذا اليسر، وتلك السهولة والسلاسة في أسلوب الشيخ، وعلى الرغم مما في التفسير من مصطلحات ومباحث، وعلى الرغم مما فيه من كلام مترجم وغير مترجم، فإن القارئ لا يجد عناء، ولا يشعر بسآمة، ولا يحس بملل من أسلوب الشيخ، وربما يمج فكرة أو موضوعًا لذاته، ولكن لا من حيث الأسلوب. ولقد حاول مفسرنا ﵀ أن يضيف لتلك السهولة في الأسلوب محسنات ومشوقات، فها هو مثلًا يأتي في أثناء التفسير بهذه الألفاظ، التي لم يألف القارئ وضعها في عناوين لأبحاث وفصول، كقوله (وهذا القسم في عشر ماسات وخمس زبرجدات وثلاث جواهر وياقوتتين) وهكذا يجري الشيخ على هذا المنوال.\nكما أنه في تفسيره ينوع أسلوبه ويزينه، حتى يعود سائغًا لذة للدارسين، وحتى يؤدي دوره المرتقب في بعث العالم الإسلامي ورقيه كما يتوقع، فهو يضرب المثل، ويقرب المعنى بالقصة والمحاورة، ويزين الأفكار بحلل الخيال ومشاهد الجمال الكوني.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>أ - أسلوب القصة:</span>\nفها هو ذا في تفسيره لقصة موسى والرجل الصالح، في سورة الكهف يقص قصة خيالية بطلها الحارث بن همام، قال: (أخذتني سنة من النوم، فرأيت فيما يرى النائمون رجلين، وبينما نحن كذلك، إذ انقض طائر أبيض من فوق الشجرة، وأقبل إليهما وجلس بينهما، ثم انقلب فجأة رجلًا سويًّا، فقال: قد سمعت قولكما وفهمت ما دار بينكما، ثم التفت إلى الشيخ وقال: (هل قرأت قصة الخضر وموسى ﵉ في سورة الكهف؟ قال (نعم). قال: (هل تدري ما فيهما من","vol":"2","page":323},{"text":"الحكم)؟ قال: (نعم). ثم يأخذ الطائر الرجل يقص ما في القصة من حكم، بعد أن عجز عنها الشيخ فيقول:\n١ - قال الله لموسى إن الخضر أعلم منك بعد أن عتب عليه.\n٢ - ولما سأله عن مقره قال: مجمع البحرين، فلم عبر بالبحرين؟ فكأن المقام مقام تبحر في العلم.\n٣ - ذكر في الخبر، أن عند الصخرة ماء عين الحياة، ونام موسى فلما أصاب السمكة روح الماء وبرده، عاشت ووقعت في الماء، وعين الحياة رمز للعالم هو الحي الحقيقي بعد الموت وفي الدنيا، والناس جميعًا أموات ..).\nواللطيف في أسلوب قصة الشيخ، أنها جاءت متناسبة في أكثر من وجه مع القصة الأصلية، فالرجلان الأولان في القصة أحدهما عالم، والآخر فلاح يريد أن يتعلم، ثم هذا الشيخ يعلمه الطائر المنقلب رجلًا، فتأمل عمق الشيخ ودقته وجميل أفكاره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>ب- أسلوب المحاورة:</span>\nفكما اعتمد الشيخ أسلوب القصة، يوشح بها بعض مقاطع تفسيره، فقد استعمل كذلك أسلوب المحاورة، فيصور لنا أن عالمًا يرتاده بين الفينة والفينة، ليسأله مسألة في التفسير، ليبين فيها وجهًا غامضًا، ويجري حوارًا لطيفًا، يخرج الفكرة بيضاء ناصعة، نقشت في صفحات القلب، وها هو الشيخ المستفسر يجلس إلى الشيخ يسأله في أثناء كتابته تفسيره سورة طه.\nيقول الشيخ طنطاوي: (لما وصلت إلى هذا المقام، حضر صديقي العالم، الذي اعتاد أن يناقشني في أمثال هذا المقام، واطلع على ما تقدم وقال: لقد أحسنت صنعًا في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠]، إذ أبنت أن القرآن يدخل العلوم والحكم في غضون القصص،","vol":"2","page":324},{"text":"وتكون تلك هي المقصودة، ولكن كيف أَبَنْتَ تلك المحاورة الموسوية، ولم تُبيِّنْ محاورة السحرة مع فرعون؟ فالمحاورة الأولى قد استبان بها نظام هذه الدنيا، فهل من سبيل إلى أن تستبين الثانية بطريق مشوق جميل، حتى نرى نظام الآخرة، بهيئة تسر القلب وتشرح الصدر، كما انشرحت صدورنا ببيان المحاورة الأولى، وجمال نظام العالم الذي نعيش فيه؟) (١)، وإزاء هذه الرغبة، يأخذ الشيخ في بيان ما طلبه صديقه العالم السائل، فيأتي على عادته بالطريف والعجيب في المعارف، والحكم والعلوم.\nوها هو ذا يقول في سورة الأنبياء، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].\n(اعلم أن الله ﷿، لا يضع شيئًا في غير موضعه، فبالحكمة قامت السماوات والأرض، وجعل صلاح كل شيء بحسبه، فلصلاح الملك أربعة شروط هي:\n١ - أن يكون القادة علماء حكماء مفكرين، فهم يكونون أشبه بالعقل في الدماغ.\n٢ - وأن يكون للأمة جيش منظم يقوده ضباطه، على شريطة أن يخضع لأولئك العقلاء، وهذا أشبه بالقوة الدموية في جسم الإنسان.\n٣ - أن يكون الفلاحون والعمال والصناع قائمين بأعمالهم مطيعين للفريقين.\n٤ - أن تنظم هذه الطوائف الثلاثة، بحيث تقسم جميع أعمال الدولة عليهم، هذا هو الصلاح الذي ذكره الله هنا للملك في الأرض).\nوهنا نجد الشيخ يستعين بموقف المحاورة، ليزيد الموضوع إيضاحًا: (قال لي قائل لما سمع هذا المعنى: أيها الأستاذ، هل الله قال ذلك؟ فو الله إنك لتطرق المعاني من تلقاء نفسك، ووالله ما في كتاب الله شيء من هذا، فقلت له: (لا\n_________\n(١) الجواهر جـ ١٠ ص ١٢٥.","vol":"2","page":325},{"text":"تحلف وانظر معي، ألم تر أن الله ذكر الأنبياء، وقد قسم أعمال الدولة عليهم، فمنهم صاحب العلم والحكمة، ومنهم من يهدم الأصول الضالة ومنهم من استبانت عفته واضحة، ثم قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢]، فلتجمع جميع هذه الخصال، ثم ذكر أن المسلمين سيقصرون، ويأخذ كل فريق منهم بطرف من الدين، وذمهم على ذلك، ثم حذر وذكر أمور الآخرة وفناء العالم، ثم أتبعه بهذه الآية فهي ملخص ما تقدم كله).\nأرأيت ما أجمل هذا الأسلوب، وما أنصع هذه الحجة، وما أبين هذه الكلمات، وما أحلى وأروع الإبداع فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>جـ - خصوبة الخيال:</span>\nوتلك الخصوبة في الخيال، تظهر في غير القصة والمحاورة كذلك، فنراها واضحة وهو يحدثنا عن أسرار الحروف: سر الطاء والسين في سورة النمل، وأنهما في كلمتي الطير وسليمان، وسر كون الرسول -ﷺ- رحمة للعالمين، في الطاء والسين، وهما طمأنينة العالم وسلامته، وهذه عبارته: (فطاء طمأنينة العالم، وسين سلامه، تتوقفان على تفقد المسلمين الأمم أمة أمة، كما تفقد سليمان الطير، وتفقده له بين الطاء والسين، وينتج الطاء والسين، ومن عجب أن سليمان فيه معنى السلام، وأن الطيران الحديث ربما يعقبه تواصل الأمم فتكون الطمأنينة (١)، ففي الطاء والسين السر العجيب) (٢).\nرحم الله الشيخ طنطاوي، فمع أننا لا نشك في شدة غيرته على هذه الأمة، وإيمانه العميق بهذا القرآن، إلا أن خصوبة خياله، جعلته يحلق في كثير من الأحيان بعيدًا عن الناس وواقعهم، وعن الألفاظ ومدلولاتها، وهذا يظهر جليًّا في تفسيره،\n_________\n(١) ولكن معظم البلاء اليوم إنما هو من الصواريخ والقنابل التي يطلقها الطيران.\n(٢) الجواهر جـ ١٣ ص ١٢٣.","vol":"2","page":326},{"text":"ولعل بيانه لأسرار الطاء والسين، أحد هذه الشواهد الكثيرة، فهما طمأنينة وسلام مرة، ويشيران إلى سليمان والطير مرة، وهما الطلاسم ومفتاحها مرة ثالثة، لأنهما بشكلهما واجتماعهما يشيران إلى قفل ومفتاح، وفي الطاء عدا الطير ذكر صالح، وتطيّر قومه به، وذكر لوط ففي هذه كلها طاء، وتأتي النتيجة بالسين ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩] وعن وصف الله بجمال خلقه.\nولا ينسى الشيخ طنطاوي هنا أن يهيب بالمسلمين، ليأخذوا العلوم من ذويها وأصحابها، فإن الهدهد قال لسليمان ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ [النمل: ٢٢]، وشتان ما بين الهدهد وسليمان، فهل المسلمون اليوم خير من سيمان؟ وهل العلماء المحدثون أقل شأنًا من الهدهد؟ وهكذا يستمر الشيخ طنطاوي يحلق في هذه.\nولكن الشيخ يحافظ كل المحافظة على قدسية القرآن، ويقف عند حدود الغيب، فها هو عند ذكر بعض اللطائف، التي يذكرها عادة بعد التفسير اللفظي، يذكر اللطيفة الرابعة في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، (ويتساءل هل يتكلم النمل؟ وكيف يستمع سليمان؟ فيجيب بأن هذا جاء به الوحي فلا قول لنا فيه (١).\nولعلي إلى هنا أكون قد أعطيت فكرة واضحة موجزة، عن طريقة الشيخ ومنهجه وأسلوبه في التفسير، وذلك ليتسنى لي أن انتقل إلى الكلام عن بعض جزئيات التفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>٤ - آراؤه في بعض مسائل التفسير:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>أ - رأي الشيخ في الحروف المقطعة في أوائل السور:</span>\nيقول الشيخ طنطاوي في معرض تفسيره لفاتحة سورة البقرة: (إن آلم في سورة البقرة، مفتاح العلوم في المستقبل، ومفتاح السياسة لأمم السلام، فقارئ القرآن لا يزال متربصًا أن يعرف معنى وسر (آلم)، فما يشعر إلا وقد فوجئ بنفس هذه\n_________\n(١) الجواهر جـ ١٣ ص ١٤٦.","vol":"2","page":327},{"text":"الحروف، في قصة الذين خرجوا من ديارهم فارين من الموت، وفي قصة طالوت وما تحمل من معاني تربية الأمم والشعوب، وهذا المقصد هو سر نصف الفلسفة، وهي الفلسفة العلمية، ثم ذكرت هذه الحروف في قصة إبراهيم، مع الذي حاجّه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. مختصر القول وخلاصته أن (آلم) في أول البقرة، تشير إلى كل علم في الأرض، وكأنه قيل، تأملوا في الآيات التي في حيز (آلم) فالقارئ حين يقرأ في أول سورة البقرة، يفكر حالًا في كل جملة تقع بعد هذه الحروف، فيجد عجبًا عجيبًا مدهشًا، وسط جو من نظام الأسرة ونظام الأمة ونظام الطبيعة.\nويقول الشيخ في أول آل عمران في حديثه عن هذه الحروف -الحروف المقطعة: (هذه الحروف جعلها الله من الأسرار، التي توجب أن يتفكر بها الخلق تدريبًا لعقولهم، وتوجيهًا لنفوسهم إلى المعاني المختلفة التي تحتملها، فإن الكتب السماوية لهذا أنزلت، أنزلت لترمز تارة، وتصرح تارة أخرى، وتفتح للعقول مجال الفكر، والقرآن كأي كتاب سماوي يرمز تارة ويصرح تارة، والرمز والإشارة من المقاصد السامية والمعاني العالية، وقديمًا كان ذلك في أهل الديانات، ألم تر إلى اليهود كانوا يصطلحون فيما بينهم على أعداد الجمل، كذلك اتخذ النصارى الحروف رموزًا دينية معروفة فيما بينهم، وكانوا يرمزون بلفظ (أكسيس) لجملة، (يسوع المسيح ابن الله المخلص).\nوتأمل هذه اللطيفة من الشيخ حيث يقول: (إن الله تعالى خلق العالم منظمًا محكمًا متناسقًا، والكتاب السماوي إذا جاء مطابقًا لنظامه موافقًا لإبداعه، سائرًا على نهجه، دل ذلك على أنه من عنده، وإذا جاء الكتاب مخالفًا لنهجه، منافرًا لفعله، منحرفًا عن سننه، كان ذلك الكتاب مصطنعًا مفتعلًا متقولًا مكذوبًا، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. والعالم المشاهد فيه عدد (٢٨) في مفاصل اليدين في كل يد (١٤)، وفي خرزات عمود ظهر الإنسان","vol":"2","page":328},{"text":"منها (١٤) في أسفل الصلب و(١٤) في أعلاه، وفي خرزات العمود التي في أصلاب الحيوانات التامة الخلقة، كالبقر والجمل والحمير والسباع، وسائر الحيوانات التي ترضع أولادها، وهكذا عدد الريشات التي في أجنحة الطير المعدة للطيران ... الخ، هذه المشاهدات في الحيوانات والفلك وسائر العلوم).\nوقد أخذ الشيخ طنطاوي هذا الرأي عن إخوان الصفا، ولكنه عاد فقال بوجود بعض الأغلاط فيما قالوا، إلا أن أصل ما ذهبوا إليه من هذا الأمر صحيح، وأيًا كان الأمر فإن هذه الحروف دفعت الأوائل للبحث والاستقصاء وتتبع العلوم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-491>ب- رأيه في المتشابه:</span>\nيرجح الشيخ طنطاوي أن المتشابه، إنما هو ما استأثر الله بعلمه، كوقت قيام الساعة، وسر الأعداد في بعض الأمور كالزبانية، أما ما أمكن تحصيله بدليل جلي أو خفي فإنما هو من المحكم عنده، ولذا فهو يؤول الحروف المقطعة في أوائل السور، كما يظهر أنه لا يلتزم بمذهب السلف في آيات الصفات. فهو يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤] (ثنَّى اليد مبالغة في نفي البخل وإثبات الجود).\nويقول عند قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] (أي كل شيء هالك، إلا ما أريد به وجه الله تعالى، يقصد إلا ما أخلص فيه لله).\nوعند قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] يقول: (إن هذا تمثيل للعظمة).\nوهكذا نرى الشيخ لا يلزم نفسه بمذهب السلف، ولعل هذا كان سببًا في منع كسابه من دخول المملكة العربية السعودية، بالإضافة إلى ما تقدم من نقده للوهابيين كما يسميهم، الذي أشرت إليه من قبل.","vol":"2","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-492>جـ - الشيخ والمناسبات بين السور:</span>\nاعتاد كثير من المفسرين كالرازي وأبي حيان والألوسي وصاحب المنار، أن يذكروا أوجه الربط بين كل سورة وسورة، فيبينوا ما بين السورتين من أمور مشتركة اقتضت أن تلي إحداهما الأخرى، هذه الصلة بين السورتين هي التي يسميها العلماء (المناسبات) ولما كانت المناسبة بين السورتين أمرًا استنباطيًا يعتمد على حذف المفسر، وعمق فهمه لمرمى السورة ومقاصدها، دون تكلف في ذلك، رأينا أن المفسرين يتفاوتون في هذا الأمر، بل يرى القارئ أن بعضهم ينقل عن بعض، مع بعض الزيادات للمتأخرين، كما نرى ذلك في البحر المحيط وروح المعاني.\nومفسرنا ﵀، لم يفته الحديث عن هذه المناسبات، إلا أنه من الحق والإنصاف له، أن نقول بأن ما ذكره في كثير منها، إنما ينم عن فهم عميق وقريحة نفاذة ونظر ثاقب، غير متأثر من قريب أو بعيد، بما كتب من قبل، فهو يقول عن صلة آل عمران بسورة البقرة: (اعلم أن هذه السورة كالمتممة لسورة البقرة، ألا ترى أن لفظ البقرة، يدل على بقرة بني إسرائيل التي ذبحت لإظهار القتيل، وأن القصة التي تخللت السورة هي قصة بني إسرائيل، وقد قدمت لك في البقرة، أنها مرتبة ترتيبًا تاريخيًا على حسب العصور، فترى أن أول البقرة اشتمل على قصة بني إسرائيل لما كانوا في مصر، ثم الخروج منها، ثم ذكر أزمان حكم الشيوخ السبعين، ثم جاء في أواخر السورة، فذكر ملكهم بعد أن كانت حكومتهم شورية، فملك الله عليهم طالوت، ثم داود وسليمان، واستفحل ملكهم كما أوضحته هناك، وليس بعد هذا التاريخ إلا خروج عيسى -صلوات الله وسلامه عليه-، فجاءت سورة آل عمران التي تلي قصة بني إسرائيل السابقة، فانظر كيف كان لفظ البقرة دالًا على قصة بني إسرائيل، كما أن آل عمران رمز إلى قصة مريم وزكريا ويحيى وعيسى. ثم إن أول البقرة وآخرها مشابهًا لأول آل عمران وآخرها، فابتداء البقرة بالإيمان بالغيب وذكر الكتب السماوية، وهكذا افتتاح آل عمران، وختم البقرة بأن","vol":"2","page":330},{"text":"النبي ومن معه قد آمنوا بالله وجميع الكتب السماوية، وختم آل عمران بمدح التفكر في خلق السماوات والأرض، وأن هؤلاء المفكرين يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٩٣] فهنا آمنا وفي البقرة قالوا آمنا).\nولنستمع إليه وهو يتحدث عن صلة سورة النساء بسورة آل عمران فهو يقول:\n(ولما كان ما ورد في آل عمران من أحوال الإسلام، لا يعدو في مجموعه جهاد الأعداء، ودفعهم عن الأوطان، والذب عن حياض الدولة وحراسة الملة، ناسب أن يؤتى عقبها بما يصون البلاد في داخلها، من القوانين المسنونة لصيانة الأموال والأعراض، ونظام الأسرات، من قسم التركات وحفظ الزوجات وتبيان المحرمات، وحفظ الأنفس من القتل، ونظام القضاة والقضايا والمحامين المدافعين عن المدعى عليهم، والصلح بين الأزواج، والصداق والشهادات وأداء الأمانات، وإغاثة المستضعفين، وما أشبه ذلك مما قرأته مجملًا وستعرفه مفصلًا، فكان تسميتها بالنساء أقرب، لأن المسألة ترجع إلى أمر الأسرات والأحوال المنزلية، وحفظ العائلات والنساء أس المنازل كما أن الرجال أساطين الحروب والأعمال الخارجية) (١).\nفلم يعرض هنا لما ذكره أكثر المفسرين، من أن سورة آل عمران فصل فيها ما أجمل في النساء كغزوة أحد وحمراء الأسد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-493>د - رأي الشيخ في السحر وقصة هاروت وماروت:</span>\nليس غريبًا رأي الشيخ في السحر وبأن له حقيقة كما يقول الجمهور، ذلك لأن الشيخ يؤمن بما هو أشد من ذلك غرابة، وهي قضية الأرواح التي ذكرناها سابقًا، ولذا فهو لا يخرج عن رأي الجمهور فيما يتعلق بقصة هاروت وماروت، وأن الله\n_________\n(١) الجواهر جـ ٣٤ ص ٤.","vol":"2","page":331},{"text":"أنزلهما ليعلما الناس السحر، كي يفرق بينه وبين المعجزة، وهذا القول ذكره الإمام الرازي في تفسيره، ونقله عنه المفسرون بعده، ولعل من المفيد أن نقتطف من تفسير الشيخ، ما له تعلق في هذا الموضوع:\n(مقصود القرآن الكريم، أن الأمم حين تتدهور في الهاوية، ترجع عقولها القهقرى وتأخذ في الدين إلى الوراء، وتتبع ما تملي عليهم الشياطين من الأنس والجن، فيكون الأستاذ هو الوسواس، والدجال هو الفقيه، ويذرون العلم والدين والأنبياء) (١).\nويضرب مثالًا لطيفًا لتعليم الملكين السحر للناس حيث يقول: (نزلا في صورة رجلين، ليعلما الناس السحر، تفريقًا بينه وبين المعجزة، كما يتعلم رجال الجيش اليوم المواد الخانقة والمعمية وغيرها، ويؤمرون بكتمها دفاعًا عن حريتهم وعظمة دولهم، ولا يطلع عليها عامة الشعب، وهكذا المواد السمية يتعلمها الأطباء، ولكن يحرم عليهم استعمالها، أو إعطاؤها لأحد من الناس إلا في أحوال خاصة، وهؤلاء كذلك، حتى إذا جاء ساحر وادعى النبوة، عارضوه وكذبوه، وقد ظهر هذا بأجلى مظاهره في التنويم المغناطيسي في عصرنا، حتى إن الأمم الغربية حرمت العمل به إلا في الأعمال الجراحية، فإنهم رأوا أن الاستهواء وأخذ الألباب قد كثر في ديارهم) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>هـ - رأيه في يأجوج ومأجوج:</span>\nوفي قصة يأجوج ومأجوج، يقسم الشيخ الدراسة عنهم إلى خمسة مباحث:\nالأول: في معنى لفظ يأجوج ومأجوج وأصلهم وجغرافية بلادهم، وينتهي من التحقيق إلى أنهم المغول والتتر، وبلادهم من التبت والصين إلى المتجمد\n_________\n(١) الجواهر جـ ١ ص ١٠١.\n(٢) الجواهر جـ ١ ص ١٠٣.","vol":"2","page":332},{"text":"الشمالي وإلى التركستان.\nالثاني: الكلام عن إفسادهم في الأرض، ويسرد مجموعة من الفظائع التي ارتكبها هؤلاء.\nالثالث: في معنى فتحت يأجوج ومأجوج (الواردة في الأنبياء)، وذكر خروجهم وتعيين زمنه وما يشهد له، ويذكر في ذلك أحاديث منها ما رواه البخاري عن زينب (أن رسول الله -ﷺ-، دخل عليها يومًا فزعًا يقول -لا إله إلا الله، ويلٌ للعربِ من شرٍ قد اقترب، فُتِحَ اليومَ من ردمِ يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذا وحلَّق باصبعه الإبهام والتي تليها). ولقد اتسع ذلك الفتح من ذلك التاريخ إلى القرن السابع من الهجرة، حتى فتح عن آخره وخرج هؤلاء القوم.\nالرابع: في ذكر معنى (الحدب) لغة ومقارنته بكلام المؤرخين، والحدب ما ارتفع من الأرض، (وينسلون) أي يسرعون في النزول من الآكام والتلال، وهذه الحال منطبقة تمامًا على قوم جنكيز خان المتقدمين، فإنهم بإجماع المؤرخين كان خروجهم من هضبات آسيا الوسطى.\nالخامس: اقتراب الوعد الحق، والمقصود اقتراب يوم القيامة، كما قال في الكهف، ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٩]، ولكن هذا لا يدلنا على أنه لا فاصل بينه وبين الساعة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وقوله -ﷺ-: (بعثتُ أنا والساعة كهاتينِ، وأشار بالسبابة والوسطى).\nفالشيخ لا يقطع بشيء، لكنه لا يقف مكتوف اليدين ليردد العبارة المعهودة -الله أعلم بمراده- فهو يعمل فكره ويجتهد رأيه ويناقش ويستنتج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-495>و- قصة ذي القرنين:</span>\nلا يخرج الشيخ في تفسيره لهذه القصة، عما قاله بعض المفسرين، فهو يرى","vol":"2","page":333},{"text":"كغيره أن ذا القرنين ليس الإسكندر المكدوني، وإنما هو يماني حميري معللًا ذلك.\nوهذا الرأي نجده مفصلًا في تفسير النيسابوري، الذي كان اختصارًا لمفاتح الغيب للرازي، إلا أن الذي يعجبنا في كلام الشيخ هنا، والذي ينبغي أن ينوه به، لرد الحملات الشديدة على الشيخ، تعليقه على قصة ذي القرنين، لمعرفة أنه لم يخرج بتفسيره هذا، ليثبت أن القرآن كتاب علوم وتاريخ، لا بل هو يراه كما يراه علماء الإسلام، كتاب هداية، فليس تفسير الشيخ بدعًا من التفاسير من هذه الناحية، كما يحلو لبعضهم أن يصفه من بعيد، دون أن يكلف نفسه عناء الإطلاع على كتاب الشيخ وصراحته في مثل هذه المواقف.\nاستمع إليه يقول: (لا يهم القرآن أي ذي القرنين هو المقصود المقدوني أو الحميري، فليست هذه من العقائد، وإنما هي نصائح تتلى للموعظة الحسنة، وليس القرآن جاءنا ليعلمنا تاريخ اليونان أو تاريخ الحميريين، القرآن أكبر من التاريخ العام ومن جميع العلوم ... ولن نماري في هذه القصة إلا مراءً ظاهرًا، ولن نستفتي فيها أحدًا من المؤرخين، فالقرآن لم يكن للتاريخ بل للعظة والاعتبار) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-496>ز - الشيخ ومبهمات القرآن:</span>\nنرى الشيخ في كثير من المواضع يحاول جاهدًا ألا يخرج عن الحد الذي رسمه القرآن في أمر المبهمات، ولا ليته سلك هذه الطريقة في جميع تفسيره، فها هو عند قوله تعالى في قصة آدم: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [البقرة: ٣٥] يقول: (ونهى عن الاقتراب من شجرة لا يهم تعيينها للناس).\nوعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: ٤٠] يقول: (هو الذي صفت نفسه من ظلمات الأرض، وتباعد عن الكبر والحسد والظلم ... الخ، سواء كان جبريل أو آصف أو سليمان نفسه، وسواء دعا بهذا الدعاء أو ذاك،\n_________\n(١) الجواهر جـ ٩ ص ١٩٩.","vol":"2","page":334},{"text":"فدع زيدًا يقول إن سليمان وجه نظره نحو اليمين، ودع عَمْرًا يقول خرَّ سليمان ساجدًا).\nوهكذا يبدي الشيخ الفهم الدقيق الذي ينم عن عقيدة قوية وفكر ثاقب. ولكن يا ليت الشيخ وقف عند هذا الحد، بل إنه انتقل إلى الفكرة التي تسيطر عليه، وهي مسألة الأرواح في كثير من مواضع التفسير.\nوفي تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] يفسر هذه الآية تفسيرًا، يظهر منه وقوف الرجل عند الحدود التي وقف عندها القرآن، دون زيادة أو افراط، يقول: (إذا وجبت الحجة عليهم، أو إذا لم يرج صلاحهم بالطرق المعروفة، في آخر الزمان، أخرجنا لهم دابة من الأرض، وقد ورد في صحيح مسلم أن رسول الله -ﷺ- قال: (بادروا بالأعمال قبل ستًّا، طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان أو الدابة، وخويصة أحدكم وأمر العامة) (١). وورد فيه أيضًا (إن أول الآيات خروجًا، طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة على الناس ضحىً. وأيتهما كانت قبل صاحبتها، فالأخرى على أثرها قريبًا). ولم يرد في الصحيح على ما أعلم، ما ذكر من صفاتها من أن معها خاتم سليمان وعصا موسى، فتجلو وجه المؤمن وتخطم أنف الكافر بالخاتم) ... إلى أن يقول: (فكل ذلك لم أره في الصحيح، وإنما نعرف من صفاتها، ما ورد في الصحيح كما تقدم، فإنه لم يذكر إلا زمن مجيئها، ولم يرد في القرآن إلا هذه الآية) (٢).\nوهكذا نرى الشيخ هنا لم يخرج في تفسيره، لا عن صحيح المأثور، ولا عن قواعد اللغة، كما لم يحاول الخوض في تفسير هذه المبهمات.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب رقم ٢٥، رقم الحديث ١٢٩.\n(٢) الجواهر جـ ١٣ ص ٢٣٢.","vol":"2","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-497>٥ - تساؤلات حول التفسير:</span>\nوهنا نرى لزامًا علينا أن نعرض لبعض الأمور التي تدور حول الشيخ وتفسيره، ذلك أن هذا التفسير قد تباينت فيه آراء الباحثين بين مستحسن ومستنكر، ومعجب وقادح، لأنه جاء على غير ما ألفه الناس من التفاسير، وكان الوقت الذي صدر فيه مختلفًا عما قبله وبعده، فالمسلمون بين جامد على كل قديم، حتى هذا الذي لا يستند إلى نص صحيح أو رأي صريح، وبين منفتح على كل جديد نقله الأوروبيون، أو تلاميذهم المفتونون بهم، وجاء الشيخ طنطاوي بتفسيره محاولًا التوفيق بين القديم والحديث، معلنًا إعجابه ببضاعة الغرب، وتمسكه بحضارة الشرق، وربما أسرف في هذا الإعجاب من جهة، أو في تطبيق النصوص من جهة أخرى، لذلك كله كان ما كان حول هذا التفسير، وإذن فلا بد من طرح هذه الأسئلة، التي أحاول اختصارها في ثلاث:\n١ - السؤال الأول: هل صحيح أن كتاب الشيخ في التفسير، فيه كل شيء إلا التفسير؟ ! .\n٢ - السؤال الثاني: هل صحيح أن الشيخ طنطاوي فسر القرآن حسب نظريات العلم الحديثة، فأخضع بذلك القرآن إلى آراء لم تثبت ونظريات لم تنهض؟ ! .\n٣ - السؤال الثالث: هل صحيح أن الشيخ طنطاوي أباح الربا والخنزير؟ ! .\nهذه أمور لا بد من أن نتبينها، مهما كان فيها من عناء في البحث، وذلك حتى لا يكون حكمنا على الرجل قاسطًا فيه شطط:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-498>١ - هل في الجواهر كل شيء إلا التفسير</span>؟\nأما السؤال الأول، فليس تفسير الشيخ طنطاوي، أول تفسير قيلت هذه المقالة فيه، بل رأينا تفسيرًا من قبله ببضعة قرون، هو من أجل التفاسير وأكثرها سعة قيلت","vol":"2","page":336},{"text":"فيه تلك المقالة كذلك، ألا وهو تفسير الإمام الرازي، وإن كان القائلون إنما هم المتطرفون من العلماء، كما نقل ذلك أبو حيان الأندلسي المصري، في الجزء الأول من بحره، عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].\nولكن لا ندري أصدرت هذه المقالة بالنسبة للجواهر من المتطرفين فقط، أم من بعض المعتدلين؟ وهذا الذي نرجحه، لأن بعض هؤلاء قد يكون أصدر حكمه لمجرد السماع فقط، وبعضهم الآخر قد يكون اطلع على فصل في أثناء التفسير، عند لطيفة من لطائف الشيخ، أو جوهرة أو زمردة أو ماسة أو ياقوتة، فظن أن هذا هو التفسير لا غير، لكن إذا أردنا أن ننصف الرجل، فلا بدَّ أن نغير هذه العبارة بأن نقول: (لقد جاء في كتاب الشيخ كل شيء مع التفسير، فنستبدل كلمة (إلا) بكلمة (مع)، ولا أحب هنا أن أنقل نماذج كثيرة بل أكتفي بمثالين اثنين، وليكن أحدهما مدنيًا من سورة البقرة، وليكن من آيات الأحكام كذلك وليكن الآخر مكيًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-499>أما المدني </span>فهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].\n<span data-type=\"title\" id=toc-500>التفسير اللفظي:</span>\nيقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ... عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي شيء من العفو وإذن يكون بعض العفو كالعفو التام في إسقاط القصاص.\n﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي فليكن اتباع بالمعروف، أي فلا يعنف ولي الدم في المطالبة.\n﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أي وعلى القاتل أداء الدية إلى ولي الدم في غير مماطلة.\n﴿ذَلِكَ﴾ الحكم المذكور، ﴿تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ لما فيه من التسهيل كما سيأتي في الإيضاح.","vol":"2","page":337},{"text":"﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي قتل بعد العفو وأخذ الدية ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة.\n﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أي بقاء لأن القاتل إذا علم أنه إذا قتل قُتل، ترك القتل فيكون بذلك بقاؤه، وبقاء عشيرته وعشيرة الذي يريد قتله، لأنهم كانوا يقتتلون طول الحياة، لو أقدم على القتل.\n﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي ذوي العقول الكاملة.\n﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي تنتهون عن القتل خوف القصاص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-501>الإيضاح:</span>\nكان في الجاهلية بين حيين من أحياء العرب دماء، وكان لأحدهما طول على الآخر، فأقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد، والذكر بالأنثى، فلما جاء الإسلام تحاكموا إلى رسول الله - ﷺ - فأمرهم أن يتباوأوا القصاص، من قص الأثر إذا تتبعه، فعلى ذلك يقتل القاتل، بمثل ما قتل به من سيف أو عصا أو شدخ رأس، وهذا قول الشافعي ومالك وأحد قولين عن أحمد، ومذهب الحنفية السيف، وليس في الآية من دليل على ما ذهب إليه مالك والشافعي ﵄، من امتناع قتل الحر بالعبد، والمسلم بالكافر، وإنما الدليل ما ورد في السنة أن لا يقتل مسلم بذي عهد، ولا حر بعبد، وهكذا فعل الصحابة من غير نكير.\nوهذه الآية أفادت التخفيف على هذه الأمة، فلقد كان العفو عند النصارى، والقصاص. عند اليهود، وكان العرب تارة يوجبون القصاص، وأخرى يوجبون الدية، ومنهم من يبطش فيقتلون في الرجل رجالًا، وفي المرأة رجلًا، وفي العبد حرًّا. فجاءت هذه الآية بوضع القسطاس في الأرض، سوى الله بين الناس، وجعل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فلا يتجاوز عنه إلى ما تفعله العرب في الجاهلية، وما كان فوق ذلك المسلم والكافر والعبد والحر، فإنما هو محل","vol":"2","page":338},{"text":"الاجتهاد بين الأئمة رضوان الله عليهم، وهكذا أفادت أن العفو عن بعض الدم موجب بسقوط القصاص وللولي المطالبة بالدية، وعلى القاتل دفعها، وعلى ولي الدم، اتباع بالمعروف ومطالبة بلا عنف، وعلى القاتل وعائلته أداء إليه بإحسان، ولا جرم أن هذا تخفيف على الأمة ورحمة بها، وفتح باب للمسامحة والمساهلة، فلو قتل ولي الدم، القاتل بعد أن أخذ الدية فله عذاب أليم، في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، إن القصاص حياة وإبقاء للأجسام والأرواح.\nألا ترى أن الاضطراب ما ولج في أمة إلا أنزلها من شاهق، وأحل بها العذاب الهون، عامًا لكل من دنت وفاته، وحضرت منيته، وجاءت ساعته، فقال: المقصد الثاك: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠].\nوبهذا ندرك أن الشيخ يذكر، ما لا بد من فهمه في التفسير، كما أنه لم يهمل آراء الفقهاء والأئمة، وهذا نجده في جميع آيات الأحكام، كآية تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وآية الصوم وآية الوصية، وغيرهما، كما أنه يبين ما بين الآيات من صلة وربط كما رأينا في هذا المثال، إلا أنه يتشعب كثيرًا عند ذكر لطائفه.\n\nأما<span data-type=\"title\" id=toc-502> المثال الثاني المكي، فهو من سورة هود</span>، عند تفسير قوله تعالى ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]\nيقول: (قال تعالى ﴿ذَلِكَ﴾ النبأ مبتدأ خبره ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خبر بعد خبر، ﴿قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ أي بعضها باق وبعضها عافى الأثر، كالزرع القائم على ساق والذي حصد، وهذه الجملة مستأنفة.\n﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بإهلاكنا إياهم، ﴿وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بارتكاب ما به أهلكوا، وذلك لما جبلت نفوسهم عليه من النقص، الذي هو نتائج أسباب خافية وظاهرة، في هذا العالم الذي فطر على الخير والشر، ولكن الشر جاء عرضًا، ولا يترك الخير الكثير، للشر القليل ككفل هؤلاء، فلا بد من نفاذ أمرنا، لأن تلك هي حقائق الوجود الثابتة، التي تعلق علمنا بها، فهكذا علمنا وهكذا خلقنا، وهكذا","vol":"2","page":339},{"text":"رتبنا ونظمنا المخلوقات، ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ﴾ فما نفعتهم ولا دفعت عنهم، ﴿آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ﴾ يعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ عذابه، ولما منصوب بما أغنت، ﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ تخسير، يقال (تب) إذا خسر، وتببه غيره ... أوقعه في الخسران أي ما دفعت عنهم عبادة غير الله شيئًا، بل أهلكتهم.\n﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي ومثل ذلك الأخذ، ومحل الكاف الرفع ﴿أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ أي أهلها، ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ حال من القرى، ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ مؤلم صعب على المأخوذ، هذا تحذير لكل قرية ظالمة من كفار مكة وغيرهم، فليبادر الظالمون بالتوبة، ولا يغرهم الإمهال.\n﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما قصّه من قصص الأمم الهالكة، في هذه وفي غيرها ومن السور، ﴿لَآيَةً﴾ لعبرة، ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ أي اعتقد صحة وجوده، فأما من يرى أن العالم لا فاعل له، وإنما هي ذرات تتكون وتنحل، فلا يقول بحساب ولا عقاب، فليس لهذا عبرة عنده. ﴿ذَلِكَ﴾ أي يوم القيامة، ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾، أي يجمع له الناس لا محالة، والناس ينفكون عنه، ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾، أي مشهود فيه أهل السماوات والأرضين، وقد اتسع فيه بإجراء الظرف مجرى المفعول به، وليس المقصود أن اليوم مشهود في نفسه، وإلا لبطل الغرض من تعظيم اليوم بتمييزه، فإن سائر الأيام مشهودة.\n﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾ أي اليوم، ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾، الأجل يطلق على مدة التأجيل كلها، وعلى منتهاها.\n﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ بحذف الياء وإثباتها (يأتي)، والحذف في مثل هذا كثير في لغة هذيل، ونظيره قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤]، والفاعل ضمير يرجع إلى قوله: ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾، ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾ لا تتكلم، ﴿نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي لا يشفع أحد إلا بإذن الله، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ ﴿فَمِنْهُمْ﴾ أي من أهل الموقف وهم الناس المذكورون، في قوله ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ","vol":"2","page":340},{"text":"النَّاسُ﴾ ﴿شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ فمنهم معذب، ومنهم منعم.\n﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ هو أول نهيق الحمار. ﴿وَشَهِيقٌ﴾ هو آخره، أو هما إخراج النفس ورده، والجملة حال، والعامل هو الاستقرار المقدر في النار ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال مقدرة، و﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي مدة دوام السماوات والأرض، وذلك للتأبيد ونفي الانقطاع، كما تقول العرب: ما لاح كوكب -والمقصود التأبيد ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ هو استثناء من الخلود في النار، وكذلك أهل الجنة يتصلون بجانب القدس، وبرضوان الله، وهذا أعلى من الجنة، أو ما شاء بمعنى من شاء، وهم قوم يقال لهم الجهنميون، يخرجون من النار أيامًا، فهؤلاء لم يشقوا شقاوة من يدخل النار على التأبيد، ولا سعدوا سعادة من لم تمسه النار، هكذا روى ابن عباس والضحاك وقتادة، وهؤلاء هم فساق الموحدين، وقيل إن ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى سوى، والمعنى سوى ما شاء ربك، من الزيادة التي لا آخر لها على مدة بقاء السماوات والأرض، فالاستثناء راجع إما:\n١ - لنوع العذاب كما يرجع النعيم فيما سيأتي. فالمقصود أنهم ينقلون من عذاب إلى عذاب، كما أن أهل الجنة ينقلون من نعيم إلى نعيم.\n٢ - أو لنفس المعذبين، فمنهم من لا يخلد في أحدهما، كأهل المعاصي الموحدين.\n٣ - أو للمدة التي تزيد على زمن السماوات والأرض التي نشاهدها، وتكون (إلَّا) بمعنى غير.\n٤ - وهناك وجه رابع وهو مدة لبثهم في الدنيا والبرزخ، فليسوا في جهنم ما داموا فيها، والاستثناء إذن من أصل الحكم.\n٥ - وقيل الشهيق والزفير هما المقيدان بتلك المشيئة لا الخلود، فالزفير والشهيق دائمان إلا في أوقات يعلمها الله.","vol":"2","page":341},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ من غير اعتراض، لأنه على الحكمة العامة في العالم، وليس للناس ما يؤهلهم للوقوف على تلك الحقائق كاملة.\n﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، وقد تقدم أنهم موحدون عاصون، لا يدخلون الجنة إلا بعد العذاب إذا كانت (ما) بمعنى من، أو أنهم ينالون، ما هو أعظم من الجنة، وهو رؤية الله تعالى ورضوانه ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، غير مقطوع، فهذا الثواب لا ينقطع.\n﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ أي فلا تشك بعد ما أنزل عليك من هذه القصص، في سوء عاقبة عباداتهم، وأنهم آيلون إلى الهلاك، ومن تبعهم غير ناجين في الدنيا والآخرة، وهذا وعده بالانتقام منهم، ووعيد لهم، وتسلية للنبي - ﷺ -، ولكل من سار على قدمه من المؤمنين، وأن الله ناصره وناصرهم وخاذل أعدائه وأعدائهم، كما جربناه في هذه الحياة مرارًا، وهم ما يعبدون إلا كما عبد آباؤهم من قبل، وقد قصصنا عليك ما نزل بآبائهم فسيلحقهم مثله، فإن المشابهة في الأسباب تستدعي المشابهة في المسببات، وقوله ﴿إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ﴾ أي كما كان يعبد آباؤهم، وهذا قوله تعالى: ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ﴾ إلى قوله ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من العذاب ﴿غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾، حال من النصيب لتقييد التوفية، دفعًا لما يحتمل أن التوفية تكون للبعض مجازًا.\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فآمن قوم وكفر قوم، كما اختلف هؤلاء في القرآن ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي كلمة الإنظار إلى يوم القيامة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بين قوم موسى وقومك بالعذاب المستأصل، ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ وإن كفار قومك ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾، من القرآن ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع الريبة.\n﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ وإن كل المختلفين المؤمنين والكافرين، ﴿لَمَّا﴾ إلا والله ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالهُمْ﴾ (وقرئ) (لَمَا) بالتخفيف، فاللام إذن موطئة للقسم، والثانية للتأكيد، و(ما) زائدة للفصل بينهما، ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فلا يخفى عليه شيء.","vol":"2","page":342},{"text":"ولما أبان الله في هذه السورة، كيف كانت عاقبة العاصين، وخاتمة الصالحين، أمر نبيه -ﷺ- ومن اتبعه، قائلًا ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ أي استقم على دين ربك والعمل به، والدعاء إليه كما أمرك ربك، أي دم على ما أنت عليه من الاستقامة ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ من الشرك والكفر، وهو عطف على ضمير الرفع في استقم ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ ولا تخرجوا عما حد لكم، أو لا تغلوا في الدين، فتتجاوزوا ما أمرتكم به ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم عليه، وهذا في معنى التعليل للأمر والنهي، قال ابن عباس ما نزلت آية على رسول الله -ﷺ-، هي أشد عليه من هذه الآية، ولذلك قال: (شيبتني هود وأخواتها).\n﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، ولا تميلوا إليهم أدنى ميل، فإن الركون هو الميل اليسير، كالتزيي بزيهم، وتعظيم ذكرهم، والميل بالقلب إليهم، وطاعتهم ومداهنتهم، وتكثير سوادهم والرضا بأعمالهم، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ أي فتصيبكم النار بحرها، كما يحصل اليوم في الأقطار الإسلامية، من التشبه بالفرنجة، وتقليدهم ومداهنتهم، والتزي بزيهم واحترام تجارتهم وآرائهم وأخلاقهم، وفسوق الفاسقين منهم، فلذلك حكم الله على أكثر الأقطار الإسلامية، أن يصيبها نار الاستعباد في الدنيا، والذل والفقر والاحتلال والاختلال، والنذالة والضعف والجبن والخوف، وهذه مقدمة لعذاب جهنم ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢].\nوقد بينا في هذا التفسير، في مواضع كثيرة، أن الفرنجة ضحكوا على ذقون الشرقيين الغافلين، وألبسوهم ثوب المذلة والعار، ومزقوهم شر ممزق، وكل ذلك لأنهم ركنوا إليهم وصدقوهم، ولقد قدمت أنهم أشبه بالمسيح الدجال، فإنهم يظهرون جنة اللذات، ويخفون نار الاستعباد وقد ركن كثير من الأمراء إلى نار شهوات المال، الذي يعطونه لهم، أو الألقاب الحقيرة الكاذبة التي يسمونهم بها، أو الوسامات التي يعلقونها على صدورهم، فأوقعوهم في نار الاستعباد والمذلة","vol":"2","page":343},{"text":"والخزي المبين، هذا كله سر هذه الآية، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ من أنصار، يمنعون العذاب عنكم، والاستعباد والاختلال واستنزاف الثروة وحلول الفقر بكم في الدنيا، ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ أي ثم لا تجدون لكم من ينصركم ويخلصهم من عقاب الله، أي عذاب يوم القيامة، وفي الدنيا الذي هو مقدمة لعذاب الآخرة وفيه وعيد لمن ركن إلى الظلمة أو رضي بأعمالهم.\nومن عجيب الأمر أن النبي -ﷺ- يقول: (شيبتني هود وأخواتها) ولعمرك ما شيبته هود وأخواتها، إلا لما في هذه السورة من العذاب، الذي حاق بالأمة الإسلامية أسوة بالأمم الأخرى) (١).\nأفبعد هذا يمكننا أن ندّعي بأن تفسير الشيخ طنطاوي ليس فيه شيء من التفسير! إنه لإجحاف وظلم أن نقول مثل هذا، وقد رأيناه لا يهمل في كثير من الأحيان الأمور الاصطلاحية كإعراب بعض الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-503>٢ - هل أخضع القرآن للنظريات الحديثة:</span>\nأما السؤال الثاني، وهو هل فسّر الشيخ طنطاوي القرآن حسب النظريات الحديثة، مخضعًا إياه لهذه النظريات مهما تكلف لذلك؟ .\nإن من الخير أن نأتي بكلام الشيخ طنطاوي نفسه، للإجابة عن هذا السؤال، يقول ﵀: (حاشا لله أن أؤيد قديمًا أو حديثًا، وإنما القرآن طبقناه على المذهب القديم، ثم ظهر بطلان ذلك المذهب وجاء الحديث، فوجدناه أقرب إليه، وإلا فهو أعلى منهما وأعظم، وما يدرينا أن يكون هناك مذاهب ستحدث في المستقبل، فهل القرآن كرة طرحت تتلقفها رجل رجل! كلا، إنما هذا التطبيق الذي ذكرته، ليطمئن قلب المسلم، وليعلم أن عمل الله وصنعه لا ينافي كلامه، فالتطبيق للاطمئنان) (٢).\n_________\n(١) الجواهر جـ ٦ ص ١٩٠ - ١٩٢.\n(٢) الجراهر جـ ١ ص ٥٠.","vol":"2","page":344},{"text":"ولعل من الخير بعد هذا النص، أن ننظر في تفسير بعض الآيات التي يغلب الظن بأن الشيخ قد خرج فيها عن خطها الصحيح، وأخضعها لنظريات العلم، وأعني بها تلك الآيات التي يحلو للكثيرين، أن يستدلوا بها على أمور كونية خاصة:\n١ - فها هو في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠].\nيقول: (يقول الله ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي أو لم يعلموا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾، ذواتي رتق أو مرتوقتين، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، أي ملتحمتين متصلتين، ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ ففصلناهما وأزلنا اتحادهما، كما ثبت من أهل أوروبا في هذه العصور، إذ هم الذين قرروا هذا العلم، وقالوا إن الشمس كانت كرة تشبه بالنار، دائرة ملايين من السنين، والأرض والسيارات وتوابعها كانت معها، ثم إن أرضنا انفصلت كما انفصل غيرها من السيارات، انفصلن جميعًا من خط الاستواء الشمسي أثناء سرعة سير الشمس وجريها حول نفسها، فتباعدت أرضنا والأرضون الأخرى) ... إلى أن يقول: (وهذا هو القول المشهور الآن في العالم الأوروبي، الكافر بسيدنا محمد -ﷺ- جهلًا به، فقوله تعالى على سبيل الاستفهام (أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض، كانتا رتقا ففتقناهما ..). من المعجزات، لأن هذا العلم لم يعرف عند العرب، ولا عند الأمم المعاصرين لهم، إنما عرف في عصرنا الحاضر).\n٢ - يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾ [النور: ٤٣ - ٤٤].\n﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾ يقول ألم تر أن الله يسوق سحابًا، ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ","vol":"2","page":345},{"text":"بَيْنَهُ﴾ أي يضم بعضه إلى بعض، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ متراكبًا بعضه فوق بعض ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ من فتوقه، جمع خلل كجبال ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من الغمام، وكل ما علاك فهو سماء ﴿مِنْ جِبَالٍ فِيهَا﴾، من قطع عظام تشبه الجبال في عظمها وألوانها، ﴿مِنْ بَرَدٍ﴾ (من) للتبعيض، واللتان قبلهما للابتداء، أن أنه ينزل البرد من السماء من جبال فيها، وذلك أن الأبخرة إذا تصاعدت وبلغت الطبقة الباردة من الهواء، فقوي البرد هناك، اجتمعت وصارت سحابًا، فإن لم يشتد البرد تقاطر مطرًا، وإن اشتد فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها، نزل ثلجًا وإلا نزل بردًا، وقد يبرد الهواء بما فيه من البخار بردًا مفرطًا، فينقبض وينعقد بخاره سحابًا، وينزل منه المطر والثلج، وهذا المقام قد أوضحته في سورة الرعد، وسيتضح قريبًا ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ بالبرد ﴿مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ ضوء برقه ﴿يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ بأبصار الناظرين إليه من فرط الإضاءة، وذلك من العجائب أن السحاب الذي ضرب به المثل في تقوية الظلمة، يكون منه نور يكاد يذهب بالأبصار، فبهذا قد اشتق النور من الظلام، والهداية من الضلال، فالسحاب الذي ذكر مثلًا لظلمة أعمال الكافرين، أضاء الجو بنوره وأشرق في سائر الأقطار، وكاد يخطف الأبصار، ولذلك أعقبه بما هو من قبيله فقال: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ بالمعاقبة بينهما، وبأن ينقص من أحدهما ما زاد في الآخر، ويتغير أحوالهما نورًا وظلمة وحرًا وبردًا وغير ذلك، كما كان السحاب ظلمة واشتق منه نور البرق الذي يبهر الأبصار ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ لدلالة لأهل العقول والبصائر على قدرة الله وحكمته) (١).\n٣ - وكذلك يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُون﴾ [النمل: ٨٨].\n_________\n(١) الجواهر جـ ١٢ ص ١٩١.","vol":"2","page":346},{"text":"﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ قائمة واقفة، ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ تسير سير السحاب حتى تقع على الأرض فتسوى بها، وذلك لأن الأجرام الكبار إذا تحركت في سمت واحد، لا يكاد يتبين حركتها ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد لنفسه، وهو مضمون الجملة المتقدمة ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي أحكم خلقه وسواه ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ عليم ببواطن الأفعال وظواهرها وهو المجازي عليها) (١).\nهذا هو تفسيره لهذه الآية، وهو كما نرى ليس فيه خروج عن المألوف، ولا مخالفة لما هو معروف.\nولكننا حينما نعرض للطائفة التي يذكرها عقب التفسير اللفظي، والتي يبث فيها أفكاره وخواطره حينًا، وآلامه وآماله حينًا، وخيالاته ورمزيته حينًا آخر نجده يقول ضمن لطيفة خصصها لتلك الآية: (لأبين لك هذه اللطيفة العجيبة من عجائب القرآن، وهي أن هذه الآية بديعة الوضع محكمة الصنع، فإن التفسير المتقدم يناسب المتقدمين من الأمة الإسلامية، وإذا فسرت بأن الأرض دائرة حول الشمس، والجبال بالطبع سائرة معها، نراها الآن جامدة، وهي في الحقيقة جارية جريًا سريعًا جدًّا، فإن ذلك يناسب قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ فهذا هو الإتقان، وإلا فالقيامة تخريب للعالم، والإتقان يناسب هذا التفسير) (٢).\n(ثم يذكر ضمن حكاية طويلة بأن الآية تحتمل هذين المعنيين، فإذا نظرنا إلى ما تقدمها من النفخ والفزع، ناسب إيراد المعنى الأول، وإذا نظرنا إلى نهايتها، ناسب المعنى الثاني، ثم يقول: (وإني لأعجب من هذا الوضع المتقن في الآيات، وكيف ناسب صدرها صدر هذه الأمة، وعجزها متأخريها أي\n_________\n(١) الجواهر جـ ١٣ ص ٢٣٣.\n(٢) الجواهر جـ ١٣ ص ٢٣٥.","vol":"2","page":347},{"text":"العصريين ... ولعمري هذه الحكمة العجيبة، جعل نظام كلامه كنظام فعله، فما أتقن الفعل وما أحسن القول) (١).\nوهنا نجد الشيخ يرى هذا وأمثاله هو الإعجاز الذي هو بحاجة إلى أن يتبينه العلماء ويبينوه، يقول: (وعندي أن هذا وأمثاله هو الإعجاز، والحكم، لا التاكيد بإنَّ ولا الجناس والطباق ولا غيرها، ألا فليتق الله العلماء، وليبينوا للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (٢).\n٤ - وفي قوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١] يقول:\n١ - يوم شدة ومجاعة فتقل الأمطار وبقلتها يظلم الهواء ويكثر الغبار.\n٢ - أو يأتي شر غالب يعبر عنه العرب بلفظ دخان.\n٣ - أو أن الجائع يخيل له أن بينه وبين السماء دُخانًا، ولقد قحط العرب حتى أكلوا جوف الكلاب وعظامها.\n٤ - أو هو دخان يجيء قبل قيام الساعة ولم يأت سابقًا، وقد جاء في الحرب الكبرى التي بدأت سنة ١٩١٤ ميلادية، فإن الدخان كان فيها من أعظم الآلات الحربية) (٣).\nيتضح لنا من تفسير هذه الآيات الكريمة، أن المفسر الفاضل ليس شغوفًا بالخروج بظاهر القرآن عن صحيح المأثور ومقتضيات اللغة، وإنما كل حرصه أن يبين إعجاز القرآن العلمي، لمن خدعتهم المدنية الغربية، نعم ما ذكره في الآية الأولى ورد غيره عن ابن عباس ﵄، كما تقدم من قبل وسبق حديثنا\n_________\n(١) الجواهر جـ ١٣ ص ٢٣٦.\n(٢) الجواهر جـ ٢١ ص ١٢٣٦.\n(٣) الجواهر جـ ٢١ ص ١٣.","vol":"2","page":348},{"text":"عنه، أما الآية الثانية فنرى أنها على ظاهرها، وقد أبقاها كذلك، وجاء في تفسير الآية الثالثة بما قاله المفسرون، إلا أنه في لطائفه، ذكر وجها آخر تحتمله الآية كما يقول، وفي الآية الأخيرة أتى باقوال لا تخالف المأثور، اللهم إلا إذا اعتمدنا تفسير ابن مسعود للآية (١).\nوإذن فليس تفسير الشيخ طنطاوي في معظمه، كما ادعي عليه ووصم به، من أنه خروج بالقرآن عن الظاهر والمأثور، ولكنه كان مولعًا بمشاهد الكون البديع صنع الله فيه، مشغوفًا بالبحث عن الأسرار في هذا الكون والحياة والإنسان، وهذا الذي ملك عليه لبه كما يرى القارى، لتفسيره في مواضع كثيرة، فهو يقول مثلًا:\n(انظروا ما جاء في القرآن من الأدلة وأنواع التشبيهات، تروها تميل نحو المشاهدات وعلوم الطبيعة:\n١ - فإن أمر بالعبادة، قال: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: ٢٢].\n٢ - وإن استدل على التوحيد قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤].\n٣ - وإن طلب منا الشكر قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً﴾ [النحل: ١٤].\n٤ - وإن ذكر الإخلاص جعله كالجنات سقاها الغيث .. الخ الأمثال والدلالات فاعجب بعد ذلك أن ترى هذه الأمة نام علماؤها وقتلها وعاظها، أمة الإسلام هي الأمة التي أمرت أن تكون المزارع درسها، والحدائق علمها والشمس والقمر والنجوم والجال والأنهار آياتها، وما أصدق الشعراني إمام التصوف حيث قال: إن الإسلام في أول الزمان يكون شريعة، ثم في آخر الزمان يكون حقيقة -والحقيقة هي الأنفس والآفاق والنظر في هذه العجائب من شمس وقمر ونبات).\n_________\n(١) تقدم في الفصل الرابع في الباب الأول.","vol":"2","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-504>٣ - الربا ولحم الخنزير:</span>\nولنأت بعد هذا إلى السؤال الأخير حول ما رمي به الشيخ من إباحة للربا ولحم الخنزير، فقد كانت هذه المسألة مثار نقاش ومشادة عنيفة وجدل قوي، وكان الذي أثارها الشيخ مصطفى الحمامي على صفحات مجلة (الفتح)، التي كان يصدرها الأستاذ محب الدين الخطيب ﵀، فلقد نقل الشيخ مصطفى من تفسير الجواهر، ما يستدل به على أن الشيخ طنطاوي، قد أباح الربا ولحم الخنزير، ولنبدأ بالكلام عن مسألة الربا.\nيقول الشيخ طنطاوي في تفسير سورة الكهف: (وهنا ننظر ونقول: الربا حرام ولكن هذا الحرام جعل سببًا في تخريب بلاد الإسلام، ولو أن الربا أخذ لدولتنا، وسدت به ديون دولتنا للإفرنجة، الذين يحيطون بنا، لكان ذلك واجبًا لا جائزًا فقط، ولو أن الربا أخذ منهم وأعطي للفقراء والمساكين، والذين لا يجدون صناعة يعيشون بها، فيشترى بها آلات للزراعة مثلًا، لكان ذلك من باب الاضطرار في المسألتين، فهذا اضطرار يبيح المحظور مؤقتًا.\nويرد الشيخ مصطفى على هذا بقوله: (فهذا رجل مسلم مفسر، يرضى لنفسه أن يقرر أنَّ اجتناب هذا الربا الحرام، كان سببًا لخراب بلاد المسلمين، ويصرخ بأعلى صوته، بوجوب أخذه لا جوازه فقط لسد ديوننا، وهذا الكلام ككلام ذلك الأجنبي تمامًا، الذي فهم أن الإسلام حلل الربا، لأن الضرورات تبيح المحظورات).\nويبين الشيخ طنطاوي وجهة نظره في خطاب أرسله إلى الأستاذ محب الدين الخطيب، لينشره في مجلة (الفتح) يقول فيه - (لقد اطلعت على ما ذكره صديقنا الشيخ الحمامي، اعتراضًا علي في مجلتكم الغراء، وأقول- معلوم أن حكومتنا إسلامية، وأن الزكاة واجبة، وأن الناس يودعون أموالهم في مصارف أجنبية والأجانب يتولون ربحها في التجارة والمكاسب ... لذلك تألمت من ذلك كل","vol":"2","page":350},{"text":"الألم، ومعلوم أن هذا الربح محرّم على صاحب المال دينًا، وعلى صاحب المصرف قانونًا. فإذن هو حق للحكومة ... الخ) (١).\nومع أننا على يقين من أن الشيخ طنطاوي، لا يمكن أن يبيح الربا مطلقًا، إلا أن له وجهة نظر فيما يتعلق بالمصارف الأجنبية، ومع أنه ليس هناك مجال بحث هذه المسألة، إلا أن ما يقِفُنَا في هذه الأمور، هو ما نقوم به من عملية الترقيع في نظام. حياتنا من الإسلام تارة ومن غيره أخرى، مع أن الإسلام كل لا يمكن تجزئته.\nأما مسألة لحم الخنزير، فينقل الشيخ الحمامي عن تفسير الجواهر في سورة الأعلى (إن لحم الخنزير إذا طبخ وبولغ في نضجه، حتى ماتت الديدان التي به، يحل أكله). وهذه لو صحت عن الشيخ، فإنها لإحدى الكبر. ولنستمع إلى ما يقوله الشيخ في المجلة المذكورة: (... ومنها الحشرة التي في لحم الخنزير، فهي من عجائب صنع الله، وهناك كلام للفرنجي جاء عرضًا، إذ يقول: (إنهم يأكلون هذا اللحم، بعد طبخه طبخًا قويًّا وليس هناك (كلمة)، يحل التي ذكرها صديقنا الحمامي، بل لو قال الفرنجي (يحل) لم يكن ذلك منسوبًا إلينا فكيف وهو لم يقل ذلك ... على أني أقول بأوضح مما تقدم، إن الفاضل مدير مجلة الفتح وقرّاءَه، سيدهشون أشد الدهش إذا أعلمتهم، أن في نفس الصفحة التي رسمت فيها الدودة ما نصه: (ثم قال المؤلف (أي الفرنجي) إن في دراسة تاريخ الحشرة الشريطية، علمًا ونورًا مبينًا يوجب علينا أن نحترس كل الاحتراس، من أجل ما لا يوافق الصحة من لحم الخنزير -الحمد لله أن الإسلام حرمه علينا فلسنا بحاجة إلى هذه النصيحة- إذن صديقي قوّلني ما لم أقل، وقال فيما نصصت على تحريمه صريحًا، إنني حلّلته صريحًا).\nوعلى رغم هذا الرد الحاسم، فقد استمر الجدل الصاخب والعتاب العنيف على صفحات المجلة، والذي ظهر أن الشيخ الحمامي كان واهمًا في نقل كلمة\n_________\n(١) مجلة الفتح (مجلد ٨) عدد ٣٦٨ ص ٣٥٨.","vol":"2","page":351},{"text":"الإفرنجي، ونسبتها للشيخ طنطاوي، وإذًا فالشيخ سليم العقيدة ملتزم بحدود الشرع وآدابه خالٍ تفسيره من مثل هذه الأمور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-505>٦ - قيمة تفسير الجواهر:</span>\nبعد هذا الشوط الذي سرناه مع الشيخ في تفسيره، نرى لزامًا علينا أن نقوّم هذا التفسير.\nمما لا مرية فيه أنه ما من كتاب أعطي حظًّا من البحث، ووجهت له تلك العناية على مدى العصور كالقرآن الكريم، ومع ذلك فهو لا تنقضي عجائبه ولا يشبع منه العلماء، وعلم التفسير من العلوم التي لم تنضج بعد، ولم تحترق كما يقول العلماء، ومما لا مرية فيه كذلك، أن اتصال الأمة الإسلامية -وهي ضعيفة ممزقة- بالحضارة الغربية، جعلها تستحسن وتستملحُ كل حصادها، دون بحث أو تمحيص، فلقد أحس الكثيرون بهزيمة داخلية في أنفسهم، أمام الضغط عليهم من جهة، وتخطيط أعدائهم من جهة أخرى. ولقد نتج عن ذلك أن نفض هؤلاء أيديهم من كل ما يربطهم بتراثهم الخالد. فكانوا أشد عداء للإسلام، وأكثر خطرًا على هذه الأمة من أعدائها أنفسهم. ولكن فئة أخرى ممن حبب الله إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وكانوا راشدين، جندوا أنفسهم وأقلامهم وأفكارهم للذب عن حياض الإسلام، ولا سيما كتاب الله العزيز، الذي كان هدفًا لسهام المارقين مستغربين ومستشرقين، وكان كثير من هذه الفئة، يحاولون جاهدين التوفيق بين هذا القرآن وبين حصاد المدنية الأوروبية، وبدافع الإخلاص لعقيدتهم والذب عن كتابهم، ولقد كان مفسرنا ﵀ في طليعة تلك الفئة الخيرة، وكان موسوعة في علوم الحياة المختلفة، أخذ من كل علم حظًّا وافرًا، فانعكس ذلك كله على تفسيره، فجاء دائرة معارف، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد كان تعبيرًا صادقًا عما ذكرناه من محاولة التوفيق.","vol":"2","page":352},{"text":"وعلى رغم أننا لا نشك فيما ينطوي عليه قلب الشيخ طنطاوي ﵀، من عقيدة راسخة ونية صادقة وهدفٍ نبيلٍ وغاية شريفة، إلا أن ذلك لا يمنع من إبداء بعض الملاحظات على التفسير، مما نعتقد أنها كانت منزلقات خطيرة:\n١ - وأخطر هذه المنزلقات، ما بثه الشيخ في ثنايا تفسيره من حديث عن تحضير الأرواح، ويا ليته اكتفى بذلك، بل حاول أن يثبت صلة بين القرآن وبين هذا الذي يسميه علمًا، فلقد أسرف الشيخ في ذلك كثيرًا، وما كنا نظن أن مثل الشيخ ثقافة وعلمًا وإيمانًا، يمكن أن تنطلي عليه مثل هذه الخدع الباطلة.\n٢ - كذلك يؤخذ على الشيخ، ما يلمحه الإنسان في ثنايا تفسيره من إيمان ببعض أقوال رجال الفكر الغربيين، حتى إنه ليقرن ذكرهم مع القرآن، كما ذكرت في بعض شواهده من قبل.\n٣ - كما يؤخذ عليه إكثاره من بث الصور في تفسيره.\n٤ - ولقد دهشت كثيرًا وأنا أقرأ للشيخ في الجزء الحادي عشر (١)، بحثًا عن كيفية اتحاد المسلمين، يزعم فيه أن المسلمين على اختلاف بلادهم وفرقهم، إنما فرقهم انحصار عقولهم في علم التوحيد والعلوم الفقهية، وأنهم يمكن أن يتحدوا، إذا درسوا العلوم الحديثة، كعلم التشريح وعلم النفس والنبات والحيوان والكيمياء، وهذه العلوم يمكن أن توحد لا بين المسلمين فحسب، بل بينهم وبين غيرهم من الأمم كذلك، وذلك لأن ما بينهم من خلاف ديني، إنما هو يسير جدًّا، إذا قيس بالعلوم الأخرى التي ذكرها، والتي لا يختلف فيها الناس، ولا أدري كيف نسي المفسر الفاضل، أن هذه الأمة لا يوحد بينها إلا الإسلام، ولا تجمعها إلا العقيدة، ولقد توحدت في يوم لم يكن لديها فيه علم من هذه العلوم، وإنما كانت تملك الإسلام وحده، وكان الإسلام يملك عليها كل شيء، وأن هذه العلوم قد كانت في كثير من الأحيان، سببًا في شقاء\n_________\n(١) الجواهر جـ ١١ ص ١٤٢.","vol":"2","page":353},{"text":"الإنسان، وستبقى كذلك ما دامت بعيدة عن هدى السماء ومدنية القرآن. ورحمه الله شوقي:\nكانوا ذئابًا وكان الجهل داءهم ... واليوم علمهم الراقي هو الداء\n٥ - ومما يؤخذ على التفسير أيضًا، كثرة الاستطرادات والتفريعات التي من الممكن أن تحذف أو تختصر.\nولعل من المفيد أن نذكر بعض ملاحظات على التفسير سجلها الشيخ الحمامي في مجلة (الفتح).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>١ - التسابيح والتحميد في القرآن لغز الوجود </span>(١):\nمما يقوله الشيخ طنطاوي تحت هذا العنوان - (فإذا قيل لهم -أي المجوس- من صنع العقارب والحيات، ومن الذي يأتي بالأمراض والموت؟ فلا جواب لهم إلا أن يقولوا، إله الشر، وقد فروا بذلك من إله رحيم، يصبح فاعلًا للشر، وانتهى الأمر عندهم على ذلك، إن الناس قديمًا وحديثًا لا يعقلون إلهًا رحيمًا، ثم هو يخلق الشر، فهذه العقدة حلها دين المجرس بهذا الحل (فيعلق عليه بقوله) فهل ترضى أنت أن يقول هذا الكلام أحد إخوانك المسلمين، دون أن تتعقبه بكلمة واحدة تستهجنه، وتظهر بطلانه؟ ألست ترى أن هذه اللهجة لهجة الاستحسان، لما عليه المجوس والاعتراض على من يقول بالتوحيد، ويصف ربنا بالرحمة ثم يصفه بخلق الشر).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-507>٢ - تفصيل الكلام على الارتداد وعبادة الأصنام:</span>\nيقول الشيخ طنطاوي بعد أن ذكر قدم عبادة الأصنام، وعدد أمما تعبدها (هل يعقل أن أمرًا تأباه العقول، وينقضه العقل، وهو بديهي البطلان، يبقى مع طول الزمان وفناء الأجيال، ويعمر في الأرض، ويبقى هكذا إلى يوم العرض؟ هل يعقل\n_________\n(١) الجواهر جـ ٩ ص ٦٢.","vol":"2","page":354},{"text":"أن يكون هذا الإنسان قد بلغ من البلاهة حدًّا، بحيث لا يعرف أن هذا الحجر الذي نحت من الجبل، لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما، ولم يخلق أنفسنا، ونحن الذين أوجدناه وهندسناه وأبرزناه، إن العقل يأبى أن يصدق أن هذه الأمم العظيمة الكبيرة، الحكيم علماؤها، تبقى مخدوعة هكذا آلاف السنين، إذن لا بد أن يكون هناك أصول رجعت إليها، وعوامل عولت عليها وأحوال فقهتها، حتى بقيت تلك الديانات فيها، وهل يدوم ما لا أصل له، وهل للخداع ثبات؟ (١)، ثم ينقل كلامًا عن الرازي للجواب عن هذا التساؤل. فيعقب الشيخ الحمامي على ذلك ويسأل ما إذا كان القارئ سيفهم أن طنطاوي يدافع عن المشركين بهذا الكلام، ولوجه صحة إشراكهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-508>٣ - هل الأخلاق الفاسدة وإغواء الشياطين رحمة </span>(٢):\nيقول الشيخ طنطاوي (إن ما في الأرض من الأخلاق الفاسدة، وإغواء الشياطين الأرضية، كل ذلك رحمة، لأنه لولاه لم تحتمل العقول شموس المعارف العلمية، التي تستعد لها النفوس الأرضية بفطرتها). ويعقب الشيخ الحمامي على ذلك بقوله، (إن هذا يتنافى مع قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، ثم يذكر المفسر بقول الشافعي ﵁:\nشكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي\nوأخبرني بأنَّ العلمَ نورٌ ... ونورُ اللهِ لا يُهدَى لعاصي\nوهناك ملحوظات أخرى لا أريد التطرق لها خشية الإطالة، ولأنها إنما جاءت من استرسال الأسلوب، وعدم وضوح العبارة في بعض الأحيان.\nوأكتفي بما ذكرت عن الشيخ وتفسيره، ولعلي أكون قد أعطيت صورة واضحة الرؤية، غير مجانبة للإنصاف في تلك النبذ التي كتبتها، والتي حتم اختصارها\n_________\n(١) الجواهر جـ ١ ص ٣٨.\n(٢) الجواهر جـ ١٨ ص ١٨٥.","vol":"2","page":355},{"text":"المجال الذي أكتب فيه.\nومهما يكن من أمر، وعلى الرغم مما تعرض له تفسير الشيخ طنطاوي، من هزات وما أثير حوله من جدل، فإنه كان ولا يزال مدرسة جديدة ومفيدة، وبخاصة للشباب المسلم في هذا العصر، وكان لها روادها وتلاميذها الكثيرون، الذين أفادوا منها، كما ظهر ذلك في كتاباتهم ومؤلفاتهم.\nألا رحم الله الشيخ طنطاوي جوهري، وجزاه عن صنيعه كل خير، وجعل له من صدق نيته مقعد صدق عند مليك مقتدر، ونرجو الله تعالى أن يحقق آماله التي كان يترقبها لهذه الأمة.","vol":"2","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-509>الفصل الثالث المدرسة التربوية الوجدانية</span>\nكان سيّد قطب -﵀- أكثر المفسرين التزامًا بآراء جمهور العلماء فلم يسمح لنفسه ولا لقلمه أن يسير وراء النظريات العلمية في تفسيره بل كان يحكّم النص ويجعله الأساس الذي لا ينبغي أن يعدل عنه كما أنه ﵀ لم يرخِ العنان للعقل فيجعله قسيمًا للوحي ولكنه وقف موقف الناقد البصير من المدرسة العقلية والعلمية، فلقد كان للظلال مميزات (١) لا تتصل بالآراء العلمية والعقلية وإنما هي مميزات جوهرية تميزه عن جميع التفاسير، ذلك أن الطابع التربوي الوجداني والفقه الصحيح -أعني به الفقه الحركي للدعوة الإسلامية منذ نزول القرآن- من أهم ما قصده الرجل وهو يكتب، لذا أحببت أن أفرد له مدرسة خاصة به.\nكان ظلال القرآن نسيج وحده من حيث تناوله تفسير القرآن الكريم، فلقد كان (في ظلال القرآن) نفثات صدر، وخوالج نفس، وصرخة فؤاد يحس قارِئُه أنه عصارة قلب، جمعت بين الألم والأمل، وهو جهد بشري يعتريه ما يعتري جهود البشر، وكما كان (في ظلال القرآن) نسيج وحده من تلك الحيثية السابقة، كان نسيج وحده كذلك من حيث الأسلوب، وهناك حيثية غير هاتين، فلقد كان أكثر\n_________\n(١) مما تجدر الإشارة إليه أن كل ما ذكر في هذا الفصل فيما يتعلق بالظلال قد كتب عام ١٩٧١ م، إلا القليل جدًّا من الأمور التي كان يجب التنبيه عليها، وهي قضايا قالها ورددها بعض المعاصرين عرضوا فيها للظلال وصاحبه بالطعن والتجريح.\nولعل بعضًا ممن كتب عن الظلال قد اطلع على هذه الرسالة، وأفاد منها شيئا والذي يدعونا لهذا القول ما نجده من التوافق بين ما كتبه هؤلاء وما جاء في هذه الرسالة خصوصًا ما يتعلق بالخصائص التي ذكرتها للظلال. أو أن يكون ذلك موافقة بين الأفكار والآراء، فقد زاد بعضهم وفصّل كثيرًا، ونحن نشكر لكل من بذل جهدًا في الدفاع عن الظلال وصاحب الظلال ﵀.","vol":"2","page":357},{"text":"التفاسير التي تباينت منها مواقف النقّاد، فعلى حين رأى فيه الكثيرون بغيتهم، ومحط آمالهم، والضالة التي كانوا يبحثون عنها بكل لهفة، فوجدوها في (في ظلال القرآن)، وجدنا آخرين يوجهون إليه سهامهم المسمومة، ونقدهم اللاذع سواء أكان ذلك للتفسير نفسه أم لشخص كاتبه -﵀- ولن نستبق الحكم على ما ذهب إليه أولئك ولا هؤلاء، بل سأدع هذا الحكم فيما بعد أشرك فيه أنا وأنت أيها القارئ الكريم، لذا فسيكون حديثي عن هذه المدرسة التربوية الوجدانية، أو عن الظلال منتظمًا جانبين اثنين:\nالجانب الأول: الظلال من حيث مادته وأسلوبه، وما يتصل بذلك مما يكتب عن كل تفسير.\nوالجانب الثاني: آراء خصومه وشانئيه، أو من أظهر الاعتدال في نقده.\nومن الله وحده التوفيق وعليه سبحانه التوكل وما توفيق إلا بالله إليه أنيب. أما الجانب الأول فنتحدث فيه عمّا يلي:\nأولًا: التعريف بصاحب الظلال الأستاذ الشهيد سيد قطب.\nثانيًا: التعريف بالظلال وفهم صاحبه له.\nثالثًا: منهج سيد وطريقته في التفسير.\nرابعًا: أهم ما يجلي التفسير، ويندرج تحته موضوعات:\nالموضوع الأول: ما شارك فيه التفاسير الأخرى. ويظهر هذا في:\n١ - فواتح السور.\n٢ - الآيات العلمية.\n٣ - المبهمات في القرآن الكريم.\n٤ - آيات الأحكام.","vol":"2","page":358},{"text":"الموضوع الثاني: العقيدة في (في ظلال القرآن):\n١ - العقيدة في إطارها العام.\n٢ - العقيدة في إطارها الخاص.\n٣ - نماذج من تفسيرات العقيدة.\nخامسًا: سيد والمدرسية العقلية.\nسادسأ: تقويم التفسير:\n١ - خصائص عامة في الظلال.\n٢ - ميزات التفسير.\nأما الجانب الثاني فنتحدث فيه عن:\n١ - منهجه في التفسير الموضوعي.\n٢ - اتهامات ربيع المدخلي لسيد قطب وشهادة بكر أبي زيد.\n٣ - وقفة مع كتاب في (في ظلال القرآن) رؤية استشراقية فرنسية معاصرة.\nومن الله وحده التوفيق وعليه سبحانه التوكل وما توفيقي إلا بالله إليه أنيب.","vol":"2","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>سيد قطب/ صاحب الظلال</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-511>تعريف بصاحب الظلال </span>(١):\nهو سيد قطب بن الحاج قطب إبراهيم هاجر جده السادس (عبد الله) من الهند إلى مصر، ولد في إحدى قرى محافظة أسيوط عام ١٩٠٦ ميلادي.\nنشأ في أسرة متدينة كان لها أعظم الأثر في تربيته وتكوين شخصيته، يدلنا على هذا إهداؤه لكتابيه (التصوير الفني) و(المشاهد) حيث يقول في إهداء الكتاب الأول: -\n(إليك يا أماه أرفع هذا الكتاب فطالما تسمعت من وراء (الشيش) في القرية للقراء يرتلون في دارنا القرآن، طوال شهر رمضان، وأنا معك -أحاول أن ألغو كالأطفال- فتردني منك إشارة حازمة وهمسة حاسمة فأنصت معك إلى الترتيل وتشرب نفسي موسيقاه وإن لم أفهم بعد معناه).\nكما يقول في إهداء الثاني:\n(إلى روحك يا أبي أتوجه بهذا العمل/ لقد طبعت في حسي -وأنا طفل صغير-\n_________\n(١) لقد آثرنا الاختصار في ترجمتنا لحياة سيد قطب -﵀- وهناك كتب عديدة صدرت عن حياته ﵀ منها:\n١ - سيد قطب/ محمد توفيق بركات.\n٢ - سيد قطب وتراثه الأدبي والفكري/ إبراهيم البلهيني.\n٣ - العالم الرباني الشهيد سيد قطب/ للعشماوي أحمد سليمان.\n٤ - رائد الفكر الإسلامي المعاصر الشهيد سيد قطب/ يوسف العظم.\n٥ - سيد قطب الأديب الناقد/ د. عبد الله الخباص.\n٦ - سيد قطب الشهيد الحي/ د. صلاح الخالدي وكتابان آخران: سيد من الميلاد إلى الاستشهاد وسيد قطب الأديب الناقد والداعية المجاهد والمفكر المفسر الرائد.","vol":"2","page":360},{"text":"مخافة اليوم الآخر، لم تعظني ولم تزجرني، ولكنك كنت تعيش أمامي واليوم الآخر في حسابك، وذكراه في ضميرك وعلى لسانك ... إن صورتك مطبوعة في مخيلتي ونحن نفرغ كل مساء من طعام العشاء فتقرأ الفاتحة وتتوجه بها إلى روح أبيك في الدار الآخرة ونحن أطفالك الصغار نتمتم مثلك آيات منها متفرقات قبل أن نجيد حفظها كاملة).\nتلقى علومه الأولية في الكتاتيب وهناك حفظ القرآن، واستمر في دراسته إلى أن تخرج في دار العلوم سنة ١٩٣٣ م وشغل مناصب كثيرة، وكان للمعاهد العلمية التي دخلها ولكتب التفسير التي قرأها باعث الأسف في نفسه كما يقول في مقدمة كتابه (التصوير الفني). لم أجد فيما أقرأ أو أسمع ذلك القرآن اللذيذ الجميل الذي كنت أجده في الطفولة والصبا، لقد طمست كل معالم الجمال فيه، وخلا من اللذة والتشويق ترى أهما قرآنان؟ والقرآن الذي كان يجده في الطفولة والصبا هو الذي عاد يبحث عنه إذا عاد إلى القرآن يقرؤه في المصحف لا في كتب التفسير، وعاد يجد قرآنه اللذيذ الجميل، قرآنه الذي يجد فيه صوره المشوقة اللذيذة التي يقول عنها (إنها ليست في سذاجتها التي كانت هناك لقد تغير فهمي لها فعدت الآن أجد مراميها وأغراضها.\nولقد عرف سيد في الوسط الأدبي بنشاطه وأسلوبه ونتاجه ودفاعه عن مدرسته التي ارتضاها لنفسه لقد تأثر بالعقاد، ومساجلاته مع الرافعي ﵀ كانت مادة غزيرة للقراء في تلك الحقبة من الزمن، إلا أن هذا النشاط الأدبي لم يصرف حسّ سيد عن شعوره بجمال القرآن، وعدّه الأصل الأول للفن الأدبي والتصوير البياني.\nوقد سافر إلى أمريكا موفدًا مرتين، فكان لذلك أثر كبير في نفسه، فلقد عاد بانطباعات عن الحضارة الغربية ومسالك أهلها، والتي سحرت الكثيرين غيره من أبناء المسلمين، أما هو فلقد أحدثت عنده رد فعل عنيف لا بما هاجمهما به فحسب، وإنما بتصميمه على أن الإسلام لا بد أن يبعث من جديد في أمته، وذلك","vol":"2","page":361},{"text":"لحاجة العلم الماسة إليه فكان الظلال، يقول: (وانتهيت من فترة الحياة في ظلال القرآن إلى يقين جازم حاسم أنه لا صلاح لهذه الأرض ولا راحة لهذه البشرية ولا طمأنينة لهذا الإنسان ولا رفعة ولا بركة ولا طهارة ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة إلا بالرجوع إلى الله ... والرجوع لله له صورة واحدة وطريق واحد لا سواه إنه العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية ...) (١).\nومن ذلك الوقت بدأت المكتبة الإسلامية تستقبل بين كل حين وآخر كتابا جديدًا من كتب سيد فيه عمق الفكر وحرارة الدعوة والتركيز المستمر الدائم على أن الإسلام منهج كامل شامل يتناول مظاهر الحياة جميعها، وبدأ حينها حياة جديدة مع هذا الدين وهذا القرآن ومع الإخوان المسلمين، وبقي مدافعًا منافحًا عن الحق حتى استشهد، حيث حكم عليه بالإعدام جمال عبد الناصر وذلك عام ١٩٦٦ م.\nومن الكتب التي أخرجها للمكتبة الإسلامية:\nالإسلام ومشكلات الحضارة، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، هذا الدين، المستقبل لهذا الدين، مشاهدة القيامة في القرآن، التصوير الفني في القرآن، معالم في الطريق، دراسات إسلامية، معركة الإسلام والرأسمالية، السلام العالمي والإسلام، العدالة الاجتماعية في الإسلام، في ظلال القرآن ويقع في ثلاثين جزءًا وهو موضوعنا الذي ستتحدث عنه إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>التعريف بالظلال وفهم صاحبه له:</span>\nإذا كان صاحب المنار ذا نزعة عقلية قوية ظهرت في ثنايا تفسيره حينما أراد أن يثبت أن القرآن لا يتعارض مع ما يقرره العقل، وإذا كان الشيخ طنطاوي عاش مولعًا بعجائب الكون، محاولًا أن يعكس ما أولع به على تفسيره، فإن سيد قطب عاش في ظلال القرآن، ومن هنا فإن كتاب الظلال يمكن أن نعده مدرسة جديدة\n_________\n(١) في ظلال القرآن (١/ ١٥).","vol":"2","page":362},{"text":"بالإضافة إلى المدرستين السابقتين أعني مدرسة المنار ومدرسة الجواهر (١)، يقول صاحب الظلال في مقدمته:\n(الحياة في ظلال القرآن نعمة، نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها، نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه ... لقد عشت أسمع الله -سبحانه- يتحدث إلي بهذا القرآن، أنا العبد القليل الصغير ... أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجليل؟ أي رفعة للعمر يرفعها هذا التنزيل؟ أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم؟\nوعشت في ظلال القرآن أنظر من علو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة، انظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال وتصورات الأطفال ... وأعجب ما بال هذا الناس؟ ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة، ولا يسمعون النداء العلوي الجليل، النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه؟ يا حسرة على العباد.\nوعشت في ظلال القرآن -أرى الوجود أكبر بكثير من ظاهره المشهود ... إنه عالم الغيب والشهادة لا عام الشهادة وحده ... والموت ليس نهاية الرحلة إنما هو مرحلة في الطريق، وما يناله الإنسان من شيء في هذه الأرض ليس نصيبه كله ... وما يفوته هنا من الجزاء لا يفوته هناك فلا ظلم ولا بخس ولا ضياع ... وعشت في ظلال القرآن أرى الإنسان أكرم بكثير من كل تقدير عرفته البشرية من قبل\n_________\n(١) لقد بدأ سيد فكرته في تفسير القرآن الكريم عندما بدأ بنشر مقالاته في مجلة المسلمون، تحت عنوان (في ظلال القرآن)، وبعد إصداره سبع حلقات في هذه المجلة توقف عن ذلك ليبدأ بكتابة تفسير متكامل للقرآن الكريم في كتاب مستقل يحمل العنوان، وصدر عنه ستة عشر جزءًا ما بين العام ١٩٥٢ - ١٩٥٤ ودخل حينها سيد السجن، وأكمل بقية الأجزاء فيه، وانتهى من ذلك قبل نهاية الخمسينيات.\nثم بدأ بكتب الظلال من جديد وينقح فيه الكثير حتى وصل فيه إلى نهاية الجزء الثالث عشر، وقد انتهى فيه من تفسير سورة إبراهيم ﵇، ثم دخل السجن من جديد وبقي فيه إلى وقت إعدامه. وسيكون حديثنا ووقفاتنا مع الظلال من خلال الطبعات المنقحة.","vol":"2","page":363},{"text":"للإنسان ومن بعد، إنه إنسان بنفخة من روح الله ... فعقيدة المؤمن هي وطنه وهي قومه وهي أهله، ومن ثم يتجمع البشر عليها وحدها لا على أمثال ما تتجمع عليه البهائم من كلأ ومرعى وقطيع وسياج.\nوالمؤمن ذو نسب عريق ضارب في شعاب الزمان، إنه واحد من ذلك الموكب الكريم الذي يقود خطاه، ذلك الرهط الكريم: نوح وإبراهيم ... ومحمد عليهم الصلاة والسلام ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥٢].\nهذا الموكب الكريم ... يواجه مواقف متشابهة وأزمات متشابهة ... وفي ظلال القرآن تعلمت أنه لا مكان في هذا الوجود للمصادفة العمياء ولا للفلتة العارضة ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] ... إن الوجود ليس متروكًا لقوانين آلية صماء عمياء، فهناك دائمًا وراء السُّنن الإرادة المدبرة والمشيئة المطلقة، والله يخلق ما يشاء ويختار، كذلك تعلمت أن يد الله تعمل ولكنها تعمل بطريقتها الخاصة، وأنه ليس لنا أن نستعجلها ولا أن نقترح على الله شيئًا ... فإن المنهج الإلهي موضوع للمدى الطويل ومن ثم لم يكن متعسفًا ولا عجولًا في تحقيق غاياته ... كما يقع لأصحاب المذاهب الأرضية الذين يعتسفون الأمر كله في جيل واحد ويتخطون الفطرة المتزنة الخطى لأنهم لا يصبرون على الخطو المتزن ... فأما الإسلام فيسير هينًا لينًا مع الفطرة يدفعها من هنا ولردعها من هناك ويقومها حين تميل، ولكنه لا يكسرها ولا يحطِّمها، إنه يصبر عليها عبر العرف البصير الواثق من الغاية المرسومة، والذي لا يتم في الجولة الأولى يتم في الجولة الثانية أو الثالثة أو العاشرة أو الألف ...\nإن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس نافلة ولا تطوعًا ولا موضوع اختيار إنما هو الإيمان أو فلا إيمان ... ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: ١٨ - ١٩].","vol":"2","page":364},{"text":"والأمر إذن جدٌّ ... إنه أمر العقيدة من أساسها ... ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها ... إن هذه البشرية -وهي من صنع الله- لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده -سبحانه- وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق وشفاء كل دواء ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الاسراء: ٨٢] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الاسراء: ٩].\nولقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثًا هائلًا في تاريخها، ونكبة قاصمة في حياتها، نكبة لم تعرف لها البشرية نظيرًا في كل ما ألم بها من نكبات ...\nإن هناك عصابة من المضللين المخادعين أعداء البشرية، يضعون لها المنهج الإلهي في كفة، والإبداع الإنساني في عالم المادة في الكفة الأخرى ثم يقولون لها اختاري! ! .\nوهناك آخرون لا ينقصهم حسن النية ولكن ينقصهم الوعي الشامل والإدراك العميق ... إن شريعة الله للناس هي طرف من قانونه الكلي في الكون فإنفاذُ هذه الشريعة لا بد أن يكون له أثر إيجابي في التنسيق بين سيرة الناس وسيرة الكون ... والشريعة إن هي إلا ثمرة الإيمان لا تقوم وحدها بغير أصلها الكبير، فهي موضوعةٌ لتنفذ في مجتمع مسلم ... هذه بعض الخواطر والانطباعات من فترة الحياة في ظلال القرآن لعل الله ينفع بها ويهدي ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١).\nهذا قبس من تلك المقدمة لتفسير الظلال، ومنه ندرك أن الرجل ﵀ كانت\n_________\n(١) مقدمة الظلال بتصرف.\nوندرك من هذا كله ومما سبق غيرة علمائنا وأدبائنا -﵏ وجزاهم خيرًا على هذه الأمة، فقد ظهر لنا أن الإمام محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا، إمامي المدرسة العقلية، كان حرصهما شديدًا على إيقاظ هذه الأمة، كذلك عرفنا ورأينا ما كان للشيخ طنطاوي جوهري -﵀- من صرخات مشكورة في إيقاظ هذه الأمة، وها هو صاحب الظلال -﵀- فيما يكتب، بل قدم حياته ثمنا لهذه الصرخة وتلك الآمال، رحم الله المفسرين وجزاهم عن كتابه وعن المسلمين خيرًا.","vol":"2","page":365},{"text":"تسيطر عليه فكرة فهو يخرج هذه الكلمات من قلبه، بعد أن تفيأ هذه الظلال القرآنية المباركة، فارتفع علو نفس وعزة مسلم وكبرياء مؤمن بغير بغي أو طغيان، والتفت حوله فإذا بأمة انسلخت من القرآن لتتفيأ ظلًا غير ظليل، لا يغني من اللهب، فبثها خواطره ومشاعره وعصارات فكره ووجدانه، علها تخلص من شرودها في تيهها الرهيب، ومن هذا القبس ندرك أن هذا التفسير كان محاولةً جديدة لبناء العقيدة في النفوس وإحياء الإسلام في المشاعر وفي واقع الحياة كلها، فلا عجب أن يكون هذا التفسير مختلفًا اختلافًا كبيرًا عن منهج كثير من التفاسير وبخاصة التقليدية منها.\nإن صاحب الظلال ليس غرضه ملء كنابه بالاصطلاحات العلمية والفنية وليس غرضه أن يوفق بين القرآن وبين نظريات العلم الحديث ليرضي رغبات الكثيرين، وليس غرضه أن ياسر عواطف الناس بالقصص المشوقة والآثار الغريبة، وإنما هدفه من هذا التفسير أن يرتفع بالمسلمين من حماة الجاهلية وأوحال الرذائل التي ارتكسوا فيها، إلى القمة السامقة، حيث العزة والعلاء ورضوان الرحمن وسعادة الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-513>منهجه في التفسير:</span>\nيحدد سيد منهجه في التفسير بأنه يقصد فيه عرض القرآن من جديد مع بيان ما اشتمل عليه هذا القرآن من نظم اقتصادية واجتماعية وسياسية، وأن يستنقذه من ركام التفسيرات اللغوية والنحوية والفقهية والتاريخية والأسطورية أيضًا، وهو في عرضه للتفسير يسلك طريقة تكاد تكون خاصة به، فهو يأتي أولًا بمقدمة للسورة يستعرض فيها مقاصدها ويحلل موضوعاتها، وهو في ذلك لا يترك فرصة تمر إلا ويفرغ فيها عواطفه ويبث ما في نفسه من وجد، وما في فكره من مسائل وقضايا في نفس القارئ، هذه المقدمة لا يكاد الإنسان ينتهي من قراءتها إلا وقد كونت لديه فكرة تامة عن أبعاد السورة وغايتها، وغالبًا ما يكون في مقدمته ذا نفس طويل فقد تزيد المقدمة على خمسين صفحة، والذي دعاه لهذا تميز كل سورة من سور القرآن","vol":"2","page":366},{"text":"بشخصيتها الخاصة وطابعها ونسقها، يقول عن ذلك في مقدمة سورة البقرة: (ومن ثم يلحظ من يعيش في ظلال القرآن أن لكل سورة من سوره شخصية مميزة، شخصية لها روح يعيش معها القلب كما لو كان يعيش مع روح حي مميز الملامح والسمات والأنفاس، ولها موضوع رئيسي أو عدة موضوعات رئيسية مشدودة إلى محور خاص، ولها جو خاص يظلل موضوعاتها كلها، ويجعل سياقها يتناول هذه الموضوعات من جوانب معينة تحقق التناسق بينها وفق هذا الجو، ولها إيقاع موسيقي خاص إذا تغير في ثنايا السياق فإنما يتغير لمناسبة موضوعية خاصة، وهذا طابع عام في سور القرآن جميعًا، ولا يشذ عن هذه القاعدة طوال السور كهذه السورة (١).\nوبعد الانتهاء من المقدمة يقسم السورة إلى وحدات حسب موضوعاتها، وربما يأتي إلى الوحدة كذلك فيقدم لها، بمعنى أنه يعطي عنها فكرة إجمالية كما يقول ثم يبدأ بتفصيل التفسير.\nوعلى الرغم من اهتمام سيد بالموضوعات القرآنية، والتدرج في الأحكام، واستخلاص النتائج من مقدماتها، على الرغم من اهتمامه بذلك كله، فإنه قد سلك الجادة المثلى حينما جعل تفسيره حسب ترتيب المصحف، ولم يفسره حسب ترتيب النزول كما فعل بعض الكاتبين وهذا ما ستعرفه فيما بعد.\nويعلل ذلك بقوله:\n(ذلك أن الترتيب الزمني للنزول لا يمكن القطع فيه الأن بشيء -اللهم إلا من ناحية أن هذا قرآن مكي وهذا قرآن مدني على وجه الإجمال، على ما في هذا من خلافات قليلة- فأما الترتيب الزمني المقطوع به من ناحية زمن نزول كل آية أو كل مجموعة من الآيات أو كل سورة فيكاد يكون متعذرًا، ولا يكاد يجد الإنسان فيه اليوم شيئًا مستيقنًا، إلا في آيات معدودات تتواتر بشأنها الروايات أو تقطع بشأنها\n_________\n(١) (١/ ٢٣).","vol":"2","page":367},{"text":"بعض الروايات ... وعلى كل ما في محاولة تتبع آيات القرآن وسوره وفق الترتيب الزمني للنزول من قيمة ومن مساعدة على تصوير منهج الحركة الإسلامية ومراحلها وخطواتها فإن قلة اليقين في هذا الترتيب تجعل الأمر شاقًا، كما أنها تجعل النتائج التي يتوصل إليها تقريبية ظنية وليست نهائية يقينية ... وقد ترتب على هذه النتائج الظنية التقريبية نتائج أخرى خطيرة ... لذلك آثرت في هذه الظلال أن أعرض القرآن بترتيب سوره في المصحف العثماني مع محاولة الإلمام بالملابسات التاريخية لكل سورة -على وجه الإجمال والترجيح- والاستئناس بهذا في إيضاح الجو والملابسات المحيطة بالنص -على وجه الإجمال والترجيح أيضًا-.\nولكي نلم بفكرة تامة عما احتواه التفسير لا بدّ أن نقسم البحث عنه إلى موضوعين اثنين:\nأما الموضوع الأول -فهو ما شارك فيه التفاسير الأخرى كفواتح السور والآيات الكونية المتشابهة وآيات الأحكام وما شابه ذلك.\nأما الموضوع الثاني -فهو الموضوع الذي امتاز به هذا التفسير وهو تجلية العقيدة الإسلامية في هذا القرآن، والتركيز على منهجية هذا القرآن للبشرية كلها في نواحي حياتها المختلفة، ولقد حرص المفسر أن يبث هذه المعاني في مواضع كثيرة من تفسيره وأن يؤكدها، وإننا لنجده يبين للمسلمين هذا المنهج القديم الذي لا ينبغي أن يعدل عنه بحجة واضحة دافعة ومنطق سليم وأسلوب جذاب ... هذا القرآن هو كتاب هذه الدعوة، وهو روحها وباعثها، وهو قوامها وكيانها، وهو حارسها وراعيها وهو بيانها وترجمانها، وهو دستورها ومنهجها وهو في النهاية المرجع الذي تستمد منه الدعوة -كما يستمد منه الدعاة- وسائل العمل ومناهج الحركة. وزاد الطريق ... ومعجزة القرآن البارزة تكمن في أنه نزل لمواجهة واقع معين في حياة أمة معينة، في فترة من فترات التاريخ محددة وخاض بهذه الأمة معركة كبيرة حولت تاريخها وتاريخ البشرية كلها معها، ولكنه مع هذا يعاني ويواجه وعليه أن يوجه","vol":"2","page":368},{"text":"الحياة الحاضرة وكأنما هو يتنزل اللحظة لمواجهة الجماعة المسلمة في شؤونها الجارية وفي صراعها الراهن مع الجاهلية من حولها، وفي معركتها كذلك في داخل النفس وفي عالم الضمير بنفس الحيوية ونفس الواقعية التي كانت له هناك يومذاك ... وإذا كان من المضحك أن يقول قائل عن الشمس مثلًا: هذا نجم قديم (رجعي) يحسن أن يستبدل به نجم جديد (تقدمي) أو أن هذا الإنسان مخلوق قديم (رجعي) يحسن أن يستبدل به كائن آخر (تقدمي) لعمارة هذه الأرض. إذا كان من المضحك أن يقال هذا أو ذاك فأولى أن يكون هذا هو الشأن في القرآن خطاب الله الأخير للإنسان.\nولنأت إلى الموضوع الأول -وهو ما شارك فيه المفسرين- لنعرض بعض النماذج ونرى أين يقف سيد من المفسرين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-514>الموضوع الأول: ما شارك فيه سيد المفسرين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-515>١ - المفسر وفواتح السور</span>\nلم يخرج سيد وهو يتكلم عن فواتح السور عما قاله المفسرون، فهو يذكر أن في المسألة آراء كثيرة تخير واحدًا منها على سبيل الترجيح وهو أن هذه الحروف جاءت للإعجاز والتحدي، ولكن الذي يجلب الانتباه عند سيد ذلك المثل الذي يضربه ليقرب للقارئ هذا المعنى بتصوير بديع، ولنقتطف من كلامه شيئًا:\n(والشأن في هذا الإعجاز هو الشان في خلق الله جميعًا، وهو مثل صنع الله في كل شيء وصنع الناس، إن هذه التربة الأرضية مؤلفة من ذرات معلومة الصفات فإذا أخذ الناس هذه الذرات، فقصارى ما يصوغونه منها لبنة أو آجرة أو آنية أو أسطوانة أو هيكل أو جهازًا كائنًا في وقت ما يكون ... ولكن الله المبدع يجعل من تلك الذرات حياة، حياة نابضة تنطوي على ذلك السر الإلهي المعجز، سر الحياة ... ذلك السر الذي لا يستطيعه بشر ولا يعرف سره بشر وهكذا القرآن ...","vol":"2","page":369},{"text":"حروف وكلمات يصوغ منها البشر كلامًا وأوزانًا ويجعل منها الله قرآنًا، والفرق بين صنع البشر وصغ الله من هذه الحروف والكلمات هو الفرق ما بين الجسد الخامد والروح النابض ... هو الفرق ما بين صورة الحياة وحقيقة الحياة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-516>٢ - المفسر والآيات العلمية:</span>\nترى في أي اتجاه سيسير صاحب الظلال وهو يتحدث عن الإشارات الكونية في القرآن؟ أيسير مع هؤلاء الذين يرقصون طربًا، ويفرحون جذلًا، حينما يستشفون من قرب أو بعد اتفاق قضية علمية مع آية من كتاب الله، ولو كانت نظرية لا تزال، ليثبتوا أن القرآن كتاب الله ومن هنا جاء يقرر تلك المسائل العلمية قبل أزمنة بعيدة، أم مع أولئك الذين يرفضون كل الرفض، ويأبون كل الإباء أن تفسر آي القرآن بشيء من مسائل العلم، ولو كانت حقائق ثابتة، ولا يسمحون بأن يستشهد بآية من كتاب الله على مسألة ما، ولو كان ذلك دون المساس بالتفسير، بحجة أن القرآن لم يأت بشيء من هذا؟ !، يقينًا إنه لا يسير مع الفريق الأول الذين يلهثون وراء النظريات العلمية أيًا كانت؛ ذلك لأن إيمانه بأن القرآن كتاب الوجود الأكبر الذي ينظم شأن الإنسان ويسمو به، يجعله يحدد موقفه، من تلك القضية التي طالما تشعبت فيها الآراء، تحديدًا دقيقًا، فالقرآن الذي يسمو به الإنسان ليس كتابًا يتحدث عن الآلة الصماء لأن الله الذي خلق الإنسان تكفل أن يهديه ليطلع على أسرار هذا الكون بفكره، وإذا كان صاحب الظلال لم يسر مع هذا الفريق فهل تستطيع أن تجعله من الفريق الآخر الذين ينكرون على الذي يحوم حول المسائل العلمية وهو يفسر آي القرآن حتى لو كان ذلك استطرادًا أو إشارة دون أن يمس قدسية الآية أو أن ينال من لغتها أو مما ورد فيها من الآثار الصحيحة؟ الحق أننا ونحن نستعرض موقفه نجد أن الرجل الذي كان معتدلًا في نظرته لتلك الأمور غير متنكب لصراط الحق السوي لا يتجاوز نص الآية أو روحها، ولكنه لا يجمد كذلك على ما ذكره المتقدمون، دون أن يفيد من ظلال الآيات الممتدة في جذور الحياة وثنايا الكون، فهو لا يأبى أبدًا أن","vol":"2","page":370},{"text":"يتوسع في تفسير الآيات لتشمل ما قرره العلم من حقائق ثابتة، ما دام ذلك ليس فيه تكلف ممجوج، ولا تعارض محجوج، فالحقائق العلمية -كما يقول- إذا كنا سنتكلف لها بتحميل الآيات أكثر مما نحتمله- حري بنا أن لا نخلط بينها وبين القرآن فما بالك بالنظريات التي لم تثبت، يقول عند تفسيره لقول الله تعالى: (... يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج).\n(لقد كان القرآن بصدد إنشاء تصور خاص ونظام خاص ومجتمع خاص ... كان بصدد إنشاء أمة جديدة في الأرض ذات دور خاص في قيادة البشرية، لتنشيء نموذجًا معينًا من المجتمعات غير مسبوق، ولتعيش حياة نموذجية خاصة غير مسبوقة، وتحت قواعد هذه الحياة في الأرض تقود إليها الناس.\n... من هنا عدل عن الإجابة التي لم تتهيأ لها البشرية، ولا تفيدها كثيرًا في المهمة الأولى التي جاء القرآن من أجلها، وليس مجالها على أيّ حال هو القرآن، إذ القرآن قد جاء لما هو أكبر من تلك المعلومات الجزئية ولم يجيء ليكون كتاب علم فلكي أو كيماوي أو طبي، كما يحاول بعض المتحمسين له أن يلتمسوا في هذه العلوم.\nإن كلتا المحاولتين دليل على سوء الإدراك لطبيعة هذا الكتاب ووظيفة ومجال عمله، إن مجاله هو النفس الإنسانية والحياة الإنسانية، وإن وظيفته أن ينشيء تصورًا عامًا للوجود وارتباطه بخالقه، ولوضع الإنسان في هذا الوجود وارتباطه بربه، وأن يقيم على أساس هذا الصور نظامًا للحياة، يسمح للإنسان أن يستخدم كل طاقاته ... ومن بينها الطاقة العقلية، التي تقوم هي بعد تنشئتها على استقامة، وإطلاق المجال لها لتعمل -بالبحث العلمي- في الحدود التامة للإنسان وبالتجريب والتطبيق وتصل إلى ما تصل إليه من نتائج ليست نهائية ولا مطلقة بطبيعة الحال.\nإن مادة القرآن التي يعمل منها هي الإنسان ذاته، تصوره واعتقاده ومشاعره ومفهوماته وسلوكه وأعماله وروابطه وعلاقاته ... أما العلوم المادية والإبداع في","vol":"2","page":371},{"text":"عالم المادة بشتى وسائله وصنوفه فهي موكولة إلى عقل الإنسان وتجاربه وكشوفه وفروضه ونظرياته، بما أنها أساس خلافته في الأرض، وبما أنها مهيأ لها بطبيعة تكوينه ... والقرآن يصحح له فطرته كي لا تنحرف ولا تفسد ويصحح له النظام الذي يعيش فيه كي يسمح له باستخدام طاقاته الموهوبة له وليزوده بالتصور التام لطبيعة الكون وارتباطه بخالقه، وتناسق تكوينه وطبيعة العلاقة القائمة بين أجزائه -وهو أي الإنسان أحد أجزائه- ثم ييسّر له أن يعمل في إدراك الجزئيات والانتفاع بها في خلافته، ولا يعطيه تفصيلات؛ لأن معرفة هذه التفصيلات جزء من عمله الذاتي.\nوإني لأعجب لسذاجة المتحمسين لهذا القرآن الذين يحاولون أن يضيفوا إليه ما ليس منه وأن يحملوا عليه ما لم يقصد إليه وأن يستخرجوا منه جزئيات في علوم الطب والكيمياء والفلك وما إليها ... كأنما ليعظموه بهذا ويكبروه! ... كذلك لا يجوز أن نعلق الحقائق النهائية التي يذكرها القرآن أحيانًا عن الكون في طريقه لإنشاء التصور الصحيح لطبيعة الوجود وارتباطه بخالقه وطبيعة التناسق بين أجزائه، لا يجوز أن نعلق هذه الحقائق النهائية التي يذكرها القرآن بفروض العقل البشري ونظرياته ولا بما يسميه (حقائق علمية) مما ينتهي إليه بطريقة التجربة القاطعة في نظره.\nإن الحقائق القرآنية حقائق نهائية قاطعة مطلقة، أما ما يصل إليه البحث الإنساني أيًا كانت الأدوات المتاحة له -فهي حقائق غير نهائية ولا قاطعة وهي مقيدة بحدود تجاربه وظروف هذه التجارب وأدواتها ... فمن الخطأ المنهجي -بحكم المنهج العلمي الإنساني ذاته- أن تعلق الحقائق النهائية القرآنية بحقائق غير نهائية وهي كل ما يصل إليه العلم البشري.\nهذا بالقياس إلى (الحقائق العلمية) ... والأمر أوضح بالقياس إلى النظريات والفروض التي تسمى (علمية) ... ومن هذه النظريات والفروض كل النظريات","vol":"2","page":372},{"text":"الفلكية، وكل النظريات الخاصة بنشأة المجتمعات وأطوارها ... فهذه كلها ليست حقائق علمية بالقياس الإنساني، وإنما هي فروض ونظريات، كل قيمتها أنها تصلح لتفسير أكبر مقدار من الظواهر الكونية أو الحيوية أو النفسية أو الاجتماعية ... إلى أن يظهر فرض آخر يفسر قدرًا أكبر من الظواهر أو يفسر تلك الظواهر تفسيرًا أدق) (١).\nوبعد هذا يبين الأستاذ سيد أن مثل هذا العمل ليس صحيحًا من الناحية المنهجية، ثم يحاول أن يستجلي الأسباب التي دفعت مثل هؤلاء إلى محاولات التوفيق هذه ويركز فيما يركز على الناحية النفسيَّة التي يعانيها هؤلاء في داخلهم وبخاصة أمام هذا الواقع الذي بهر الكثيرين وهزم فيه الكثيرون، وهذا المعنى النفسي يكرره صاحب الظلال كأنما يريد بذلك أن يقتلع هذا التأثير لحضارة الغرب والتأثر بهذا الواقع والانهزام الذي يقاسيه ويعاني منه الكثيرون، أن يقتلع ذلك كله من جذوره وهو محق في ذلك، فنحن نرى في مجتمعنا الكثيرين من طيبي القلوب وحَسَني النيات يدأب أحدهم على البحث لإيجاد الصلة الوثيقة بين القرآن وبين تلك الحضارة، وهذا إنما يرجع للشعور بالنقص والضعف والتخلف ومن الصعب أن نتخلص من تلك الأخطاء المتراكمة ما لم نتخلص من تلك المشاعر، يقول صاحب الظلال: (وكل محاولة لتعليق الإشارات القرآنية العامة بما يصل إليه العلم من نظريات متجددة متغيرة -أو حتى بحقائق علمية ليست مطلقة كما أسلفنا تحتوي أولًا على خطأ منهجي أساسي كما أنها تنطوي على معانٍ ثلاثة كلها لا يليق بجلال القرآن الكريم ...\nالأولى: هي الهزيمة الداخلية التي تخيل لبعض الناس أن العلم هو المهيمن، والقرآن تابع ومن هنا يحاولون تثبيت القرآن بالعلم، أو الاستدلال له من العلم، على حين أن القرآن كتاب كامل في موضوعه ونهائي في حقائقه، والعلم ما يزال في موضوعه ينقضُ اليوم ما أثبته بالأمس وكل ما يصل إليه\n_________\n(١) (١/ ١٨٠ - ١٨٢) بتصرف.","vol":"2","page":373},{"text":"غير نهائي ولا مطلق ...\nالثانية: سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته، وهي أنه حقيقة نهائية مطلقة تعالج بناء الإنسان بناء يتفق -بقدر ما تسمح طبيعة الإنسان النسبية- مع طبيعة هذا الوجود وناموسه الإلهي ..\nالثالثة: هي التأويل المستمر -مع التحمل والتكلف- لنصوص القرآن كي نحلها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا تستقر، وكل يوم يجدّ فيها جديد).\nوهنا نرى الأستاذ سيد يؤكد ما قلناه عنه في أول البحث وهو أنه لا ينبغي أن يحول ما قرره بين الإنسان وبين الانتفاع بما يكشفه العلم من نظريات وحقائق في فهم القرآن (فهو يقول -ولكن هذا لا يعني ألا ننتفع بما يكشفه العلم من نظريات ومن حقائق) عن الكون وعن الحياة ... (كلا إن هذا ليس هو الذي عنينا بذلك البيان، ولقد قال الله سبحانه ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣] ومن مقتضى هذه الإشارة أن نظل نتدبر كل ما يكشفه العلم في الآفاق وفي الأنفس من آيات الله، وأن نوسع بما يكشفه مدى المدلولات القرآنية في تصورنا.\nفكيف؟ ودون أن نعلق النصوص القرآنية النهائية المطلقة بمدلولات ليست نهائية ولا مطلقة ثم يأتي بأمثلة على كلا المسلكين أعني مسلك تفسير القرآن حسب النظريات ومسلك الاستفادة مما كشفه العلم في فهم القرآن.\nيقول القرآن الكريم مثلًا ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] ثم تكشف الملاحظات العلمية أن هناك موافقات دقيقة وتناسقات ملحوظة بدقة في هذا الكون ... الأرض بهيئتها هذه وبعد الشمس عنها هذا البعد، وبعد القمر عنها هذا البعد، وحجم الشمس والقمر بالنسبة لحجمها، وبسرعة حركتها هذه وبميل محورها هذا وبتكوّن سطحها هذا ... وبالآلاف من الخصائص ... هي التي","vol":"2","page":374},{"text":"تصلح للحياة وتوائمها ... فليس شيء من هذا كله فلتة عارضة ولا مصادفة غير مقصودة ... هذه الملاحظات تفيدنا في توسيع مدلول ﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾ وتعميقه في تصورنا.\nهذا جائز ومطلوب ... ولكن الذي لا يجوز ولا يصح علميًّا هذه الأمثلة الأخرى.\nيقول القرآن الكريم ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ثم توجد نظرية في النشوء والارتقاء لوالاس وداروين تفترض أن الحياة بدأت خلية واحدة وأن هذه الخلية نشأت في الماء وأنها تطورت حتى انتهت إلى خلق الإنسان ... فنحمل نحن هذا النصَّ القرآني ونلهث وراء النظرية لنقول: هذا هو الذي عناه القرآن ...\nلا ... إن هذه النظرية أولًا ليست نهائية، فقد دخل عليها من التعديل في أقل من قرن من الزمان ما يكاد يغيرها نهائيًا ... وهي معرضة غدًا للنقض والبطلان بينما الحقيقة القرآنية نهائية وليس من الضروري أن يكون هذا معناها ...\nويقول القرآن الكريم ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ [الأنبياء: ٣٠] ثم تظهر نظرية تقول إن الأرض كانت قطعة من الشمس فانفصلت عنها فنحمل النص القرآني ونلهث لندرك هذه النظرية العلمية ونقول: هذا ما تعينه الآية القرآنية.\nلا ... ليس هذا هو الذي تعنيه، فهذه نظرية ليست نهائية، وهناك عدة نظريات عن نشأة الأرض في مثل مستواها من ناحية الإثبات العلمي، أمَّا الحقيقة القرآنية فهي نهائية ومطلقة وهي تحدد فقط أن الأرض فصلت عن السماء ... كيف؟ ما هي السماء التي فصلت عنها؟ هذا ما لم تتعرض له الآية ... ومن ثم لا يجوز أن يقال عن أي فرض من الفروض العلمية في هذا الموضوع -إنه المدلول النهائي المطابق للآية.","vol":"2","page":375},{"text":"وحسبنا هذا الاستطراد بهذه المناسبة فقد أردنا به إيضاح المهج الصحيح في الانتفاع بالكشوف العلمية في توسيع مدلول الآيات القرآنية وتعميقها دون تعليقها بنظرية خاصة أو بحقيقة علمية خاصة تعليقَ تطابقٍ وتصديقٍ ... وفرق بين هذا وذاك) (١)، ومن هنا يظهر لنا جليًّا الموقف المعتدل (٢) الذي يقفه سيد قطب ﵀ من التفسير العلمي، وقد سبق أن ذكرنا لك طرفًا من الإشارات العلمية التي سجلها في تفسيره الظلال، فلتراجع عند الحديث عن الاتجاه العلمي في تفسير القرآن الكريم في الجزء الأول \"التفسير اتجاهاته وأساسياته\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-517>٣ - المفسر ومبهمات القرآن:</span>\nليس بدعًا ما ذهب إليه صاحب الظلال في آيات الغيب والمبهمات، فهذا ينعكس عن رأيه في الآيات العلمية من ناحية، ومن ناحية ثانية فقد سبقه غيره إلى هذا، إلا أن سيدًا في الآيات الكونية لا مانع من أن يعيش مع ظلالها الممتد الواسع في الكون والإنسان والحياة، أما آيات الغيب ومبهمات القرآن فإن ظلالها في رأي سيد لا ينبغي أن يكون أسطورة أو خرافة، أو إسرائيلية ممجوجة، أو حديثًا موضوعًا، أو كلامًا فيه وعورة المسلك، أو حتمية المزلق، وإنما ينبغي أن تكون ظلال هذه الآيات متفيأً للقلب المؤمن، ظلالًا تنعكس على العقيدة آثارها فيأخذها المسلم أمورًا مسلمة تزيد في مساحة يقينه، فالشجرة التي نُهي آدم وزوجه أن يأكلا\n_________\n(١) الظلال جـ ١، ١٨٣ - ١٨٤ بتصرف.\n(٢) وأظنك ستعجب بعدما قرأت ما قرأت عن سيد وموقفه من التفسير العلمي -من كلام الدكتور فهد الرومي في كتابه (اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر)، إذ يدَّعي أن سيدًا يرفض التفسير العلمي وهو لم يجد في كلام سيد ما ينص على ذلك، ولهذا قال: من يستقري هذه الأسس عند سيد قطب -﵀- يقصد الأسى التي وصف بها منهج سيد -يظهر له أن سيدًا سيرفض التفسير العلمي، ولهذا فقد اعتبرته من الرافضين للتفسير العلمي) (٣/ ١٠٥٠).\nولا أدري كيف يسمح الدكتور فهد لنفسه أن يستنتج هذا الموقف لسيد، وأن يعده لذلك من الرافضين للتفسير العلمي، وقد قدما لك -أيها القارئ الذكي- ما تطمئن إليه نفسك في هذا الأمر.","vol":"2","page":376},{"text":"منها والجنة التي كانا فيها، وما شابه ذلك، ينبغي أن نقف فيه عندما وقفنا عنده القرآن، وكذلك فعل سيد، فقد التزم هذا المنهج وألزم نفسه به في جميع المواطن التي كان يمر بها من مثل هذه المغيبات، يقول في سورة البقرة عند قصة آدم ﵇ (وبعد ... مرة أخرى ... فأين هذا الذي كان؟ وما الجنة التي عاش فيها آدم وزوجه حينًا من الزمان؟ ومن هم الملائكة؟ ومن هو إبليس؟ كيف قال الله تعالى لهم؟ وكيف أجابوه ... هذا وأمثاله في القرآن الكريم غيب من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، وعلم بحكمته أن لا جدوى للبشر في معرفة كنهه بطبيعته، فلم يهب لهم القدرة على إدراكه والإحاطة به بالأداة التي وهبهم إياها لخلافة الأرض، وليس من مستلزمات الخلافة أن نطلع على هذا الغيب ... ومن ثم لم يعد للعقل البشري أن يخوض فيه؛ لأنه لا يملك الوسيلة للوصول إلى شيء من أمره، وكل جهد يبذل في هذه المحاولة هو جهد ضائع، ذاهب سدى بلا ثمرة أو جدوى (إن الاستسلام للوهم والخرافة شديد الضرر بالغ الخطورة، ولكن أضر منه وأخطر التنكر للمجهول كله وإنكاره واستبعاد الغيب لمجرد عدم القدرة على الإحاطة به ..) ... فلندع هذا الغيب إذًا لصاحبه وحسبُنا ما يقص لنا عنه بالقدر الذي يصلح لنا في حياتنا ويصلح سرائرنا ومعاشنا ...) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>٤ - المفسر وآيات الأحكام:</span>\nالمتتبع لهذه المجموعة التي سماها مؤلفها بهذه التسمية (في ظلال القرآن) يدرك أن هدف المؤلف كان التوجيه والاستشارة أكثر من تقرير معلومات وسرد خلافات وتفصيل مذاهب، إنه يريد أن يوجه المسلمين نحو هذا القرآن كتابًا إنسانيا تامًّا في أحكامه، كاملًا في هدايته، حيًّا في منهجه، حركيًا في هيمنته على النفوس، متناسقًا في مبانيه، متسقًا في معانيه، ويستثير عواطفهم ليعيشوا في ظلال التوجيهات الربانية، وإذا كان هذا هو الهدف المنشود للمؤلف، فإنه من البدهي أن ينأى بالقراء\n_________\n(١) الظلال جـ ١/ ٥٩ بتصرف.","vol":"2","page":377},{"text":"عن التفريعات والتشعيبات والخلافات الفقهية والتشاد المذهبي؛ لأن هذه جميعها لا يمكن أن تكون ظلالًا منعكسة عن النص القرآني، وإنما هي ظلال لمدارس نشأت فيما بعد، ولظروف أوجدتها عوامل مختلفة، لذا نرى سيدًا ﵀ لا يعرض لآيات الأحكام إلا بالقدر الذي يكفي لتوجيه القارئ واستثارة عواطفه الدينية، وربما يأتي بأسباب النزول في بعض الأحيان.\nوقد يأتي في تفسيره آية بالآثار التي وردت عن الرسول الكريم ﵌، والتي وردت عن الصحابة رضوان الله عليهم، وربما ينقل عن بعض المفسرين وبخاصة ابن كثير، ليستشهد أو يرد على رأي قالوه؟ وهو لا يرى أن تُعلَّل أحكام العبادات، ويحاول كثيرًا وهو يتحدث عن آيات الأحكام أن يصل القارئ بأصل الدين وهو العقيدة متنقلًا به بين الواقعية لهذه الآيات وواقع الحياة في شطريها أعني ماضي المسلمين وحاضرهم، ولا يفوته في كل هذه أن يشير إلى ما يثيره النص القرآني في النفوس، وما يشير إليه من روعة بيانية كاختيار كلمة أو صيغة معينة، ولأهمية هذا الأمر، والمكانة التي احتلها في الظلال، سوف نطيل النفس قليلًا، حتى يقف معنا القارئ على حقيقة هذا الأمر.\nاستمع إليه وهو يأتي بمقطع من سورة البقرة يشمل آيات القصاص والوصية والصوم والاعتكاف والأموال ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى قوله تعالى ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] ثم يقول في تقديمه لتفسير هذه الآيات:\n(يتضمن هذا الدرس جانبًا من التنظيمات الاجتماعية للمجتمع المسلم الذي كان ينشأ في المدينة نشأته الأولى، كما يتضمن جانبًا من العبادات المفروضة ... هذه وتلك مجموعة متجاورة في قطاع واحد من قطاعات السورة، وهذه وتلك مشدودة برباط واحد إلى تقوى الله وخشيته، حيث يتكرر ذكر التقوى في التعقيب على التنظيمات الاجتماعية والتكاليف التعبدية سواء بسواء ... وهو اطراد يوجه النظر","vol":"2","page":378},{"text":"إلى حقيقة هذا الدين إنه وحدة لا تتجزأ ... تنظيماته الاجتماعية وقواعده التشريعية، وشعائره التعبدية ... كلها منبثقة من العقيدة فيه، وكلها نابعة من التصور الكلي الذي تنشئه هذه العقيدة، وكلها مشدودة برباط واحد إلى الله، وكلها تنتهي إلى غاية واحدة هي العبادة: عبادة الله الواحد، الله الذي خلق ورزق واستخلف الناس في هذا الملك خلافة مشروطة بشرط أن يؤمنوا به وحده، وأن يتوجهوا بالعبادة إليه وحده، وأن يستمدوا تصورهم ونظمهم وشرائعهم منه وحده) (١).\nثم يقول عند تفسير الآية الأولى (وهذه الشريعة التي تبينها الآية أنه عند القصاص للقتلى -في حالة العمد يقتل الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى. ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] (وهذا العفو يكون بقبول الدية من أولياء الدم بدلًا من قتل الجاني، ومتى قبل ولي الدم هذا ورضيه، فيجب إذن أن يطلبه بالمعروف والرضى والمودة، ولجب على القاتل أو وليه أو يؤديه بإحسان وإجمال وإكمال، تحقيقًا لصفاء القلوب وشفاء لجراح النفوس وتقوية لأواصر الإخوة بين البقية الأحياء.\nوقد امتن الله على الذين آمنوا بشريعة الديّة هذه بما فيها من تخفيف ورحمة ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ولم يكن هذا التشريع مباحًا لبني إسرائيل في التوراة، إنما شرع للأمة المسلمة استبقاء للأرواح عند التواصي والصفاء. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤] ... وفوق العذاب الذي يتوعد به في الآخرة يتعين قتله ولا تقبل منه الدية، لأن الاعتداء بعد التراضي والقبول نكث للعهد وإهدار للتراضي وإثارة للشحناء بعد صفاء القلوب، ومتى قبل ولي الدم الديّة فلا يجوز له أن يعود فينتقم ويتعدى.\nومن ثم ندرك سعة آفاق الإسلام، وبصره بحوافز النفس البشرية عند التشريع لها ومعرفته بما فطرت عليه من النوازع ... أن الغضب للدم فطرة وطبيعة.\n_________\n(١) الظلال جـ ١ ص ١٦٣.","vol":"2","page":379},{"text":"فالإسلام يلبيها بتقرير شريعة القصاص، فالعدل الحازم هو الذي يكسر شِرَّة النفوس، ويفتأ حنق الصدور، ويردع الجاني كذلك عن التمادي، ولكن الإسلام في الوقت ذاته يحبب في العفو ويفتح له الطريق ويرسم له الحدود، فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص دعوة إلى التسامي إلى حدود التطوع، لا فرضًا يكبت فطرة الإنسان ويحملها ما لا تطيق.\nوتذكر بعض الروايات أن هذه الآية منسوخة، نسختها آية المائدة التي نزلت بعدها وجعلت النفس بالنفس إطلاقًا ... والذي يظهر لنا أن موضع هذه الآية غير موضع آية النفس بالنفس، وأن لكل منهما مجالًا غير مجال الأخرى، وأن آية النفس مجالها مجال الاعتداء الفردي من فرد معين على فرد معين، أو من أفراد معينين على فرد، أو أفراد معينين كذلك، فيؤخذ الجاني ما دام القتل عمدًا ... فأما الآية التي نحن بصددها فمجالها مجال الاعتداء الجماعي -كحالة ذينك الحيين من العرب- حيث تعدى أسرة على أسرة، أو قبيلة على قبيلة، أو جماعة على جماعة، فتصيب منها من الأحرار والعبيد والنساء، فإذا أقيم ميزان القصاص كان الحر من هذه بالحر من تلك، والعبد من هذه بالعبد من تلك، وإلا فكيف القصاص يكون في مثل هذه الحالة التي يشترك فيها جماعة في الاعتداء على جماعة.\nوإذا صح هذا النظر لا يكون هناك نسخ لهذه الآية ولا تعارض في آيات القصاص (١).\nويقول عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: ١٧٣] (فأما الخنزير فيجادل فيه الآن قوم ... والخنزير بذاته منفر للطبع النظيف القويم، ومع هذا فقد حرمه الله منذ ذلك الأمد الطويل، ليكشف علم الناس منذ قليل أن في لحمه ودمه وأمعائه دودة شديدة الخطورة\n_________\n(١) (١/ ١٦٥) قلت وكلام المفسر غير دقيق ونظر غير مسلم فليس هناك مجال لحصر مدلول الآية في مجال الاعتداء الجماعي ولم يقل أحد من الأئمة بهذا الفرق بل صرح كثيرون بعكس ذلك من أن الجماعة تقتل بالواحد، ثم إن قوله تعالى (فمن عُفي له من أخيه شيء) يأبى حصر الآية.","vol":"2","page":380},{"text":"(الدودة الشريطية وبويضاتها المتكيسة) ويقول الآن قوم إن وسائل الطهو الحديثة قد تقدمت فلم تعد هذه الديدان وبويضاتها مصدر خطر؛ لأن إبادتها مضمونة بالحرارة العالية التي توفرها وسائل الطهو الحديثة ... وينسى هؤلاء الناس أن علمهم قد احتاج إلى قرون طويلة ليكشف آفة واحدة، فمن ذا الذي يجزم بأن ليس هناك آفات أخرى في لحم الخنزير لم يكشف بعد عنها؟ أفلا تستحق الشريعة التي سبقت هذا العلم البشري بعشرات القرون أن نثق بها، وندع كلمة الفصل لها، ونحرم ما حرمت، ونحلل ما أحلت، وهي من لدن حكيم خبير؟ (١).\nوإذا رأيناه هنا يتجه إلى التعليل فإنا نراه في موضع آخر يكشف لنا عن رأيه واضحًا في أن هذا التعليل لا ينبغي أن يكون، وإنما لا بأس من الاستفادة مما يكشفه العلم البشري من آثار نافعة للاحكام والتوجيهات الإلهية، فهو يقول في تفسير آيات الصيام.\n(... ومع أنني لا أميل إلى تعليق الفرائض والتوجيهات الإلهية في العبادات -بصفة خاصة- بما يظهر للعين من فوائد حسية، إذ الحكم الأصلية فيها هي إعداد هذا الكائن البشري لدوره على الأرض وتهيئة الكمال المقدر له في الحياة الآخرة .. مع هذا فإني لا أحب أن أنفي ما تكشف عنه الملاحظة، أو يكشف عنه العلم من فوائد لهذه الفرائض والتوجيهات، ارتكازًا إلى الملحوظ والمفهوم من مراعاة التدبير الإلهي لكيان الإنسان جملة في كل ما يفرض عليه وما يوجه إليه، ولكن في غير تعليق لحكمة التكليف الإلهي بهذا الذي يكشف عنه العلم البشري، فمجال هذا العلم محدود لا يتسع ولا يرتقي إلى استيعاب حكمة الله في كل ما يروض به هذا الكائن البشري، أو كل ما يروض به هذا الكون بطبيعة الحال (٢).\nوهو لا ينسى أن يستجيش القلوب ويستثير الوجدان وهو يشير إلى الصبغة البيانية في آيات الأحكام مما يجعلها ذات أثر في النفس الإنسانية، فهو يقول مثلًا عند قوله\n_________\n(١) الظلال جـ ٢ ص ٥٧ الطبعة الخامسة.\n(٢) الظلال (١/ ١٦٩).","vol":"2","page":381},{"text":"تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].\n(... يتربصن بأنفسهن ... لقد وقفت أمام هذا التعبير اللطيف، التصوير لحالة نفسية دقيقة ... إن المعنى الذهني المقصود هو أن ينتظرن دون زواج جديد حتى تنقضي ثلاث حيضات ... أو حتى يطهرن منها ... ولكن التعبير القرآني يلقي ظلالًا أخرى بجانب ذلك المعنى الذهني ... إنه يلقي ظلال الرغبة الدافعة إلى استئناف حياة زوجية جديدة رغبة الأنفس التي يدعوهن إلى التربص بها والإمساك بزمامها، مع التحفز والتوفز الذي يصاحب صورة التربص وهي حالة طبيعية، ترفع إليها رغبة المرأة أن تثبت لنفسها ولغيرها أن إخفاقها في حياة الزوجية، لم يكن لعجز فيها أو نقص، وأنها قادرة على أن تجتذب رجلًا آخر وتنشيء حياة جديدة ... هذا الدافع لا يوجد بطبيعته في نفس الرجل؛ لأنه هو الذي طلق، بينما يوجد بعنف في نفس المرأة؛ لأنها هي التي وقع عليها الطلاق ... وهكذا يصور القرآن الحالة النفسية من خلال التعبير كما يلحظ هذه الحالة ولحسب لها حسابًا) (١).\nوكذلك يقول عند تفسير آية الدين (وإن الإنسان يقف في عجب وفي إعجاب أمام التعبير الشريعي في القرآن، حيث تتجلى الدقة العجيبة في الصياغة القانونية حتى ما يبدل لفظ بلفظ، ولا تقدم فقرة عن موضعها أو تؤخر، وحيث لا يربط التشريع بالوجدان الديني ربطًا لطيف المدخل عميق الإيحاء قوي التأثير دون الإخلال بترابط النص من ناحية الدلالة القانونية ... إن الإعجاز في صياغة آيات التشريع هنا لهو الإعجاز في صياغة آيات الإيحاء والتوجيه، بل هو أوضح وأقوى (٢)؛ لأن الغرض هنا دقيق يحرفه لفظ واحد، ولا ينوب فيه لفظ عن لفظ، ولولا الإعجاز ما حقق الدقة التشريعية المطلقة والجمال الفني المطلق على هذا النحو الفريد ...) (٣).\n_________\n(١) الظلال جـ ١ ص ٢٤٥.\n(٢) لسنا مع المؤلف في قوله (بل أوضح وأقوى) إذ إن الإعجاز واحد في وضوحه وقوته في جميع آيات القرآن الكريم، نقول هذا لأن عبارته تشير إلى التفاضل.\n(٣) (٣/ ٩٥).","vol":"2","page":382},{"text":"ومع أن الرجل لم يقحم نفسه في اختلافات الفقهاء وتشعب المفسرين إلا أننا نجده يدلي بدلوه لا انتصارًا لمذهب على مذهب أو قول، وإنما لتجلية النص القرآني حيال الآراء المختلفة. ونعتقد أن مثل هذا اللون من الترجيح قد يكون ضروريًا في بعض الحالات؛ وذلك إذا أريد للنص القرآني أن يحمل فوق ما يحمل، أو أن يخرج به عن مدلوله إلى ساحات التكلف والغرابة.\nنستمع إليه وهو يفسر آية القتل في سورة النساء فيقول عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].\nوالحالة الثالثة أن يقع القتل على مؤمن من قوم معاهدين -عهد هدنة أو عهد ذمة- ولم ينص على كون المقتول مؤمنًا في هذه الحالة، مما جعل بعض المفسرين والفقهاء يرى النص على إطلاقه، ويرى الحكم بتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله -المعاهدين- ولو لم يكن مؤمنًا؛ لأن عهدهم مع المؤمنين يجعل دماءهم مصونة كدماء المسلمين، ولكن الذي يظهر لنا أن الكلام ابتداء منصب على قتل المؤمنين. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] ثم بيان للحالات الممنوعة التي يكون فيها القتيل مؤمنًا، وإذا كان قد نص في الحالة الثانية فقال ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ٩٢]. فقد كان هذا الاحتراز مرة أخرى بسبب ملابسة أنه من قوم عدو، ويؤيد هذا الفهم النص على تحرير رقبة مؤمنة في هذه الحالة الثالثة. مما يوحي بأن القتيل مؤمن، فأعتقت رقبة تعويضًا عنه، وإلا لكفى عتق رقبة إطلاقًا دون شرط الإيمان.\nوقد ورد أن النبي -ﷺ- وَدَى بعض القتلى من المعاهدين، ولكن لم يرد عتق رقاب مؤمنة بعددهم، مما يدل على أن الواجب في هذه الحالة، هو الدية وأن هذا ثبت بعمل رسول الله -ﷺ- لا بهذه الآية ...) (١).\n_________\n(١) الظلال جـ ٢ ص ٧٣٦.","vol":"2","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-519>الموضوع الثاني: العقيدة في ظلال الآيات:</span>\nإن ما مر معنا في دراستنا حول الظلال يعطينا صورة واضحة عن المنهج الذي سار عليه الأستاذ سيد في تفسيره، وعن مقدار الصلة بينه وبين مناهج المفسرين، وستكون لنا عودة إن شاء الله لهذا الموضوع حينما نتكلم عن صلة سيد بمدرسة المنار وموقفه منها، ولكني أردت أن أفرد فصلًا خاصًّا للعقيدة في ثنايا الظلال، أو ما تلقيه الآيات من ظلال ينبغي أن يتفيأها المتدبرون للقرآن والراتعون في ربيعه الشاربون من نميره، وإذا كانت تفاسير القرآن لكل منها ميزاته الخاصة، فتفسير البحر المحيط يمتاز بمسائل الإعراب، ومفاتح الغيب يمتاز بالعقليات، والكشاف بجمال البيان القرآني، والمنار بإثبات صحة الوحي والرسالة وحكمة التشريع والمقارنة بين الهدي الإسلامي وواقع المسلمين، فإن الظلال يمتاز بالتركيز على معالم العقيدة ومنهجها وجلاء التصور الإسلامي مما تراكم عليه من رين، وبيان الحركة الدائبة في هذا الدين والمواقف المختلفة منه ولاء وعداءً، أو بين بين، وأسبابها قديمًا وحديثًا.\nوقد أسهب المؤلف في هذا كله إسهابًا يلمحه الدارس لكتابه مما يحتم عليه عدم التغافل أو التناسي لهذا الموضوع، وسأحاول إن شاء الله ما استطعت إبراز أهم النقاط التي قصد إلى بيانها المؤلف ملتقطًا ذلك من ثنايا التفسير، وسأقسم هذا البحث إلى قسمين:\n١ - الحديث عن العقيدة في إطارها العام، وأعني بهذا جذور العقيدة الممتدة في الماضي السحيق البعيد، منذ أن خلق الله الإنسان ومنذ أن كان الناس أمة واحدة.\n٢ - العقيدة في إطارها الخاص، وأعني به هذا الإسلام الذي امتن الله علينا بإكماله وإتمامه ورضيه لنا دينًا.","vol":"2","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>١ - العقيدة في إطارها العام:</span>\nيتناول سيد ﵀ موضوع العقيدة تناول فقه وفهم، مثبتًا تارة ورادًا ومعترضًا تارة أخرى، ولقد بحث علماء الأديان هذه المسألة وتبعهم كثير من الكتاب المسلمين، ووصلت بهم أبحاثهم إلى أن العقيدة رافق تطورها تطور هذا الإنسان، فمن عهد تعدد الآلهة إلى عهد التمييز والترجيح إلى عهد التوحيد الخالص، وكأن الأمر عند هؤلاء أن العقيدة تمامًا كالصناعة والعلوم المتعددة وهذا في الحقيقة يؤدي إلى نتيجة خطيرة كل الخطورة وهي أن هذا الأساس هو الذي لعب دورًا كبيرًا في تشذيب هذه العقيدة وتهذيبها، ولكن سيدًا ﵀ لم يمر على هذه المسألة دون أن يبين ما تنطوي عليه من مزالق، فها هو يترصد ويتحسس ما يكتبه الكاتبون ليفنده ويرده، حتى إن كان هؤلاء ممن كان له معهم ماض كثير الصلات متين الروابط، فهو يقول (١):\n(إن قوم نوح هؤلاء ... هم ذرية آدم ... وآدم ... قد هبط إلى الأرض ليقوم بمهمة الخلافة فيها، بعد أن علمه ربه كيف يتوب من الزلة التي زلها، وكيف تلقى من ربه كلمات فتاب عليه بها، وكيف أخذ عليه ربه العهد والميثاق -هو وزوجه وبنوه- أن يتبع ما يأتيه من هدي الله، ولا يتبع الشيطان وهو عدوه وعدو بنيه إلى يوم الدين.\nوإذن فقد هبط آدم إلى الأرض مسلمًا لله متبعًا هداه ... وما من شك أنه علم نبيه الإسلام جيلًا بعد جيل، وأن الإسلام كان هو أول عقيدة عرفتها البشرية في الأرض حيث لم تكن معها عقيدة أخرى، فإذا نحن رأينا قوم نوح -وهم من ذرية آدم بعد أجيالٍ لا يعلم عددها إلا الله- قد صاروا إلى هذه الجاهلية ... فلنا أن نجزم أن هذه الجاهلية طارئة على البشرية بوثنيتها وأساطيرها وخرافاتها وأصنامها\n_________\n(١) الظلال جـ ١٢ ص ٧٠ الطبعة الخامسة.","vol":"2","page":385},{"text":"وتصوراتها وتقاليدها جميعًا، وأنها انحرفت عن الإسلام إليها بفعل الشيطان المسلط على بني آدم، وبفعل الثغرات الطبيعية في النفس البشرية، تلك الثغرات التي ينفذ منها عدو الله وعدو الناس، كلما تراخوا عن الاستمساك بهدي الله واتباعه وحده وعدم اتباع غيره معه في كبيرة ولا صغيرة ...\nوهذه الحقيقة.، . حقيقة أن أول عقيدة عرفت في الأرض هي الإسلام القائم على توحيد الدينونة والربوبية والقوامة لله وحده ... تقودنا إلى رفض كل ما يَخْبِطُ فيه من يسمونهم (علماء الأديان المقارنة) وغيرهم من التطورين، الذين يتحدثون عن التوحيد بوصفه طورًا متأخرًا من أطوار العقيدة ... سبقته أطوار شتى من التعدد والتثنية للآلهة، ومن تأليه القوى الطبيعية، وتأليه الأرواح، وتأليه الشموس والكواكب ... إلى آخر ما تخبط فيه هذه (البحوث) والتي تقوم ابتداءً على منهج موجه بعوامل تاريخية ونفسية وسياسية معينة ... يهدف إلى تحطيم قاعدة الأديان السماوية والوحي الإلهي عند الله، وإثبات أن الأديان من صنع البشر، وأنها من ثم تطورت بتطور الفكر البشري على مدار الزمان.\nوينزلق بعض من يكتبون عن الإسلام مدافعين، فيتابعون تلك النظريات التي يقررها الباحثون في تاريخ الأديان -وفق ذلك المنهج الموجه- من حيث لا يشعرون، وبينما هم يدافعون عن الإسلام متحمسين يحطمون أصل الاعتقاد الإسلامي الذي يقرره القرآن الكريم في وضوح حاسم، حين يقرر أن آدم ﵇ هبط إلى الأرض بعقيدة الإسلام، وأن نوحًا ﵊ واجه ذراري آدم الذين اجتالهم الشيطان عن الإسلام إلى الجاهلية الوثنية بذلك الإسلام نفسه ... القائم على التوحيد المطلق ... وأن الدورة تجددت بعد نوح فخرج الناس من الإسلام إلى الجاهلية، وأن الرسل جميعًا أرسلوا بعد ذلك بالإسلام ... وأنه لم يكن قط تطور في العقيدة السماوية في أصل الاعتقاد -إنما كان الترقي والتركيب والتوسع في الشرائع المصاحبة للعقيدة الواحدة، وأن ملاحظة ذلك في","vol":"2","page":386},{"text":"العقائد الجاهلية لا يدل على أن الناس صاروا إلى التوحيد بناء على تطور في أصل العقيدة، إنما يدل على أن عقيدة التوحيد على يد كل رسول كانت تترك رواسب في الأجيال التالية -حتى بعد انحراف الأجيال عنها- ترقي عقائدهم الجاهلية حتى تصير أقرب إلى أصل التوحيد الرباني، أما عقيدة التوحيد في أصلها فهي أقدم في تاريخ البشرية من العقائد الوثنية جميعًا.\nوبعد هذا البيان والإيضاح ينقل صاحب الظلال فقرات من كلام الأستاذ العقاد في كتابه (الله): (ترقى الإنسان في العقائد، كما ترقى في العلوم والصناعات، فكانت عقائده الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الديانات والعبادات، وليست عناصر الحقيقة في واحد منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى ..\nوقد أسفر علم المقابلة بين الأديان عن كثير من الضلالات والأساطير التي آمن بها الإنسان الأول، ولا تزال لها بقية شائعة بين القبائل البدائية أو بين أمم الحضارة العريقة، ولم يكن من المنظور أن يسفر هذا العلم عن شيء غير ذلك، ولا أن تكون الديانات الأولى على غير ما كانت عليه من الضلالة والجهالة، فهذه هي وحدها النتيجة المعقولة التي لا يترقب العقل نتيجة غيرها، وليس في هذه النتيجة جديد يستغربه العلماء أو يبنون عليه جديدًا في الحكم على جوهر الدين فإن العالم الذي يخطر له أن يبحث في الأديان البدائية ليثبت أن الأولين قد عرفوا الحقيقة الكونية الكاملة منزهة من شوائب السخف والغباء إنما يبحث عن محال ..).\n(يعرف علماء المقابلة بين الأديان ثلاثة أطوار عامة مرت بها الأمم البدائية في اعتقادها الآلهة والأرباب، وهي دور التعدد ودور التمييز والترجيح ودور الوحدانية ... ولا تصل الأمة إلى هذه الوحدانية النافعة إلا بعد أطوار من الحضارة تشيع فيها المعرفة ويتعذر فيها على العقل قبول الخرافات التي كانت سائغة في عقول الهمج وقبائل الجاهلية، فيصف الله بما هو أقرب إلى الكمال والقداسة من","vol":"2","page":387},{"text":"صفات الآلهة المتعددة في أطوارها السابقة ... وكثيرًا ما ينفرد الإله الأكبر في هذه الأمم بالربوبية الحقة وتنزل الأرباب الأخرى إلى مرتبة الملائكة أو الأرباب المطرودين من الحضيرة السماوية ..).\nوواضح سواء من رأي الكاتب نفسه أو مما نقله ملخصًا من آراء علماء الدين المقارنة أن البشر هم الذين ينشئون عقائدهم بأنفسهم، ومن ثم تظهر فيها أطوارهم العقلية والعلمية والحضارية والسياسية ... وهذا واضح من الجملة الأولى في تقديم المؤلف لكتابه (موضوع هذا الكتاب نشأة العقيدة الإلهية منذ أن اتخذ الإنسان ربًا إلى أن عرف الله الأحد واهتدى إلى نزاهة التوحيد ...) وما من شك أنه حين يقرر الله سبحانه أمرًا يبينه في كتابه الكريم هذا البيان القاطع، ويقرر غيره أمرًا آخر مغايرًا له تمام المغايرة، فإن قول الله يكون أولى بالاتباع (١) وبخاصة ممن يدافعون عن الإسلام ... وأن هذا الدين لا يخدم بنقض قاعدته الاعتقادية في أن الدين جاء وحيًا من عند الله ولم يبتدئهُ البشر من عند أنفسهم وأنه، جاء بالتوحيد منذ أقدم العصور، ولم يجيء بغير التوحيد في أي فترة من فترات التاريخ، ولا في أي رسالة، كما أنه لا يخدم بترك تقريراته إلى تقريرات علماء الأديان المقارنة، وبخاصة حين يعلم أن هؤلاء دائمًا يعملون وفق منهج موجه لتدمير القاعدة الأساسية لدين الله كله، وهي أنه وحي من الله وليس من وحي الفكر البشري المترقي المتطور، وليس وقفًا على ترقي العقل البشري في العلم المادي والخبرة التجريبية ...).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-521>بيانه لأصل العقيدة الإسلامية وأنها الأساس لجميع البشر:</span>\nوبعد أن بين سيد أن عقيدة التوحيد هي الأساس والأصل الثابت للإنسان في مختلف أطواره وأدواره، وأنها شرع الله الذي أوحاه لجميع أنبيائه منذ أن خلق الله الإنسان، انتقل إلى موضوع متشعب ومتفرع من هذا الموضوع هو أن التجمع لا\n_________\n(١) بل هو وحده الحقيق بالاتباع.","vol":"2","page":388},{"text":"ينبغي أن يكون إلا على أساس هذه العقيدة الثابتة في أغوار التاريخ وجذور الزمن، وأن أي تجمع على شيء سوى تلك العقيدة إنما هو تجمع على أمر غير مسحقر، فسرعان ما يتداعى بنيانه من القواعد، ويخر سقفه، وبخاصة أن لهذا التجمع على العقيدة ميزات لا تتوفر لغيره أبدًا، يقول صاحب الظلال في ظلال حوار نوح في شأن ابنه ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥) قَال يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٥ - ٤٦].\nإن الوشيجة التي يتجمع عليها الناس في هذا الدين وشيجة فريدة تتميز بها طبيعة هذا الدين وتتعلق بآفاق وآماد وأبعاد وأهداف يختص بها ذلك المنهج الرباني الكريم، إن هذه الوشيجة ليست وشيجة الدم والنسب وليست وشيجة الأرض والطين وليست وشيجة القوم والعشيرة ... إن هذه الوشائج جميعها قد توجد ثم تنقطع العلاقة بين الفرد والفرد كما قال الله سبحانه لعبده نوح ﵇:\n﴿يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ ثم بين لماذا يكون ابنه ليس من أهله ... ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ إن وشيجة الإيمان قد انقطعت بينكما يا نوح ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فأنت تحسب أنه من أهلك ولكن هذا الحسبان خاطئ، أما المعلوم المستيقن فهو أنه ليس من أهلك ولو كان هو ابنك من صلبك! ! .\nوهذا هو المعلوم الواضح البارز على مفرق الطريق بين نظرة هذا الدين إلى الوشائج والروابط، وبين نظرات الجاهلية المتفرقة ... إن الجاهليات تجعل الرابطة آنًا هي الدم والنسب، وآنًا هي الأرض والوطن، وآنًا هي القوم والعشيرة، وآنًا هي اللون واللغة، وآنًا هي الجنس والعنصر، وآنًا هي الحرفة والطبقة، تجعلها آنًا هي المصالح المشتركة أو التاريخ المشترك أو المصير المشترك ... ولكنها تصورات جاهلية على تفرقها وتجمُّعِها- تخالف مخالفة أصلية عميقة أصل التصور الاسلامي)! ! .\nثم يأتي للتدليل على ذلك بأمثلة لشتى الوشائج والروابط الجاهلية الأخرى ليقرر من ورائها حقيقة الوشيجة الوحيدة التي يجب اعتبارها.","vol":"2","page":389},{"text":"من ذلك ما يكون بين الولد والوالد كإبراهيم وأبيه وبما يكون بينه وبين قومه كإبراهيم وغيره من الرسل ﵈ مع أقوامهم، وما يكون بين الزوج وزوجه كنوح ولوط وامرأة فرعون، وما يكون بين المؤمنين وأهليهم وقومهم ووطنهم وديارهم وأموالهم ومصالحهم وماضيهم وحاضرهم، كالذين آمنوا مع إبراهيم وأصحاب الكهف ويعقب على ذلك بقوله:\n(وبهذه الأمثلة التي ضربها الله للأمة المسلمة من سيرة الرهط الكريم من الأنبياء والمؤمنين الذين سبقوها في موكب الإيمان الضارب في شعاب الزمان وضحت معالم الطريق لهذه الأمة، وقام هذا المعلم البارز أمامها عن حقيقة الوشيجة التي يجب أن يقوم عليها المجتمع المسلم، ولا يقوم على سواها، وطالبها ربها بالاستقامة على الطريق في حسم ووضوح يتمثلان في مواقف كثيرة وفي توجيهات من القرآن كثيرة ... وهكذا تقررت تلك القاعدة الأصلية الحاسمة في علاقات المجتمع الإسلامي ... ولم يعد هناك مجال للجمع بين الإسلام وبين إقامة المجتمع على أي قاعدة أخرى غير القاعدة التي اختارها الله للأمة المختارة، والذين يدعون صفة الإسلام ثم يقيمون مجتمعاتهم على قاعدة أو أكثر من تلك العلاقات الجاهلية التي أحلّ الإسلام محلها قاعدة العقيدة، إما أنهم لا يعرفون الإسلام وإما أنهم يرفضونه، والإسلام في كلتا الحالتين لا يعترف لهم بتلك الصفة التي يدعونها لأنفسهم وهم لا يطبقونها بل يختارون غيرها من مقومات الجاهلية الحديثة فعلًا (١).\nثم ينتقل بعد ذلك لبيان مزايا هذا التجمع على العقيدة وخصائص تلك العقيدة فيذكر أولًا أن العقيدة تمثل أعلى خصائص الإنسان التي تفرقه من عالم البهيمة؛ لأنها تتعلق بالعنصر الزائد في تركيبه وكينونته عن تركيب البهيمة وكينونتها، وهو العنصر الروحي الذي به صار هذا المخلوق إنسانًا في هذه الصورة، وأنها تتعلق\n_________\n(١) الظلال جـ ١٢ ص ٧٩ - ٨٠ الطبعة الخامسة.","vol":"2","page":390},{"text":"ثانيًا بعنصر آخر يتميز به الإنسان ... هو عنصر الاختيار والإرادة، فأكل فرد على حدة يملك أن يختار عقيدته بمجرد أن يبلغ الرشد، وبذلك يقرر نوع المجتمع الذي يريد أن يعيش فيه مختارًا بينما ليس له اختيار في بقية الروابط الأخرى وثالثًا أن إنشاء مجتمع على آصرة العقيدة من شأنه أن يوجد مجتمعًا إنسانيًا عالميًا مفتوحًا بشتى الأجناس والألوان والأقوام واللغات، ويضرب مثلًا لذلك بالمجتمع المسلم الذي صهرت في بوتقته خصائص الأجناس البشرية وتمازجت وأنشأت حضارة ضخمة رائعة تحوي خلاصة الطاقة البشرية مجتمعة.\nثم يأتي بأمثلة للروابط التي قامت عليها المجتمعات قديمًا وحديثًا كالإمبراطورية الرومانية قديمًا، والإنجليزية والشيوعية حديثًا، ويذكر أن هذه التجمعات القائمة على مثل هذه الروابط قد أثمرت أسوأ ما في الكائن الإنساني.\nوإذا كان هذا شأن العقيدة في أصالتها وخصائصها وكونها منهجًا ربانيًا، فإن في القرآن الكريم مشاهد عديدة تبين لنا رعاية الله وعنايته لحملة هذه العقيدة مهما كانوا من قلة عدد وهذا ما ينبغي أن نتفياه من ظلال قصص الأنبياء ﵈. من ذلك ما يذكره الأستاذ سيد بعد استعراضه لقصة نوح ﵇ (١): (ثم نقف الوقفة الأخيرة مع قصة نوح لنرى قيمة الحفنة المسلمة في ميزان الله سبحانه، إن حفنة المسلمين من أتباع نوح ﵇ تذكر بعض الروايات أنهم اثنا عشر، هم كانوا حصيلة دعوة نوح في ألف سنة إلا خمسين عامًا، كما يقرر المصدر الوحيد المستيقن الصحيح في هذا الشأن ...\nإن هذه الحفنة -وهي ثمرة ذلك العمر الطويل والجهاد الطويل- قد استحقت أن يغير الله لها المألوف من ظواهر هذا الكون، وأن يجري لها ذلك الطوفان الذي يغمر كل شيء وكل حي في المعمور وقتها من الأرض، وأن يجعل هذه الحفنة\n_________\n(١) الظلال (٤/ ١٨٩٢ - ١٨٩٤).","vol":"2","page":391},{"text":"وحدها هي وارثة الأرض بعد ذلك ... إن وجود البذرة المسلمة في الأرض شيء عظيم في ميزان الله تعالى ... شيء يستحق منه سبحانه أن يدمر الجاهلية وأرضها وعمرانها ومنشآتها وقواها ومدخراتها جميعًا كما يستحق منه سبحانه أن يكلأ هذه البذرة ويرعاها حتى تسلم وتنجو وترث الأرض وتعمرها من جديد ... إنها تستحق أن يسخر الله لها القوى الكونية الهائلة ... وليس من الضروري أن تكون هي الطوفان ... فما الطوفان إلا صورة من صور تلك القوى! ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].\nوإنه ليس عليها إلا أن تثبت وتستمر في طريقها .. وإلا أن تثق أن وليها القدير لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وإنه لن يترك أولياءه إلى أعدائه إلا فترة الإعداد والابتلاء. إنه لا ينبغي لأحد يواجه الجاهلية بالإسلام أن يظن أن الله تاركه للجاهلية، وهو يدعو إلى إفراد الله سبحانه بالربوبية. إن الجاهلية تملك قواها، ولكن الداعي إلى الله يستند إلى قوة الله، والله يملك أن يسخر له بعض القوى الكونية- حينما يشاء وكيفما يشاء وأيسر هذه القوى أن يدمر على الجاهلية من حيث لا تحتسب! .\nإن عصر الخوارق لم يمض، فالخوارق تتم في كل لحظة وفق مشيئة الله الطليقة، ولكن الله يستبدل بأنماط من الخوارق أنماطًا أخرى تلائم واقع كل فترة ومقتضياتها، وقد تدق بعض الخوارق على بعض العقول فلا تدركها، ولكن الموصولين بالله يرون يد الله دائمًا، ويلامسون آثارها المبدعة.\nوالذين يسلكون السبيل إلى الله ليس عليهم إلا أن يؤدوا واجبهم كاملًا، بكل ما في طاقتهم من جهد ثم يدعوا الأمور لله في طمأنينة وثقة، وعندما يغلبون، عليهم أن يلجأوا إلى الناصر المعين، وأن يجأروا إليه كما جأر العبد الصالح نوح ... ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠].\nومرة أخرى نجد أن هذا القرآن لا يكشف أسراره إلا للذين يخوضون به","vol":"2","page":392},{"text":"المعركة، ويجاهدون به جهادًا كبيرًا .... إن هؤلاء وحدهم هم الذين يعيشون في مثل الجو الذي تنزل فيه القرآن، ومن ثم يتذوقونه ويدركونه لأنهم يجدون أنفسهم مخاطبين خطابًا مباشرًا به كما خوطبَتْ به الجماعة المسلمة الأولى فتذوقته وأدركته وتحركت به ... والحمد لله في الأولى والآخرة.\nولقد آثرت أن أنقل هذا الكلام مع ما فيه من طول، لأنه يلقي ضوءًا على منهج الرجل، وأحاسيسه التي يكتب بها، ونظرته إلى أبعاد النص القرآني وموضوعيته من جهة؛ لأنه يركز عليه في مواضع كثيرة تشغل حيزًا ضخمًا من كتابه من جهة أخرى، وبذلك أكتفي بما نقلته في هذا الموضع عن المواضع الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-522>٢ - العقيدة في إطارها الخاص:</span>\nالمتتبع لما كتبه سيد في ظلال القرآن سواء كان في تفسير الآيات أم في ما يقدمه لسور القرآن، يدرك طبيعة الواقع الذي كان يعيشه هذا الرجل، وطبيعة الفكر الذي كان يحمله، وطبيعة الدين الذي تفاعل معه، وهذا هو الذي يهمنا، إن الاهتمام بشأن العقيدة وما ينبغي أن يحوطها من سياج، وما يدبر لها من مكائد، وما ينبعي أن يكون لها من نتائج، وما هي الصورة التي يجب أن تعرض فيه، وما هو المنهج الذي ينبغي أن يسار عليه لبنائها وترسيخها، كل ذلك نجد له خطوطًا عريضة في ثنايا الظلال مما يجعلنا نوقن بأن غاية الغايات عند الكاتب كانت إبراز هذا المنهج القرآني، وبيان طبيعة الحركية للمسلمين، بيانًا فيه قوة اليقين وسلامة المنطق مع عوامل الدفع القيادية، وسأحاول هنا أن أُلمَّ ببعض نواحي هذا الموضوع موجزًا ما استطعت لعلي بذلك ألقي ضوءًا على الكتاب ومنهج الكاتب.\nلقد عالج الأستاذ سيد هذا الموضوع في أمكنة كثيرة من كتابه، فها هو في مقدمة سورة الأنعام يسهب وهو يتحدث عن ذلك فيقول:\n(لقد كان هذا القرآن المكي يفسر للإنسان سر وجود هذا الكون من حوله ...","vol":"2","page":393},{"text":"كان يقول له (من هو؟ ومن أين جاء؟ ولم جاء؟ وإلى أين يذهب في نهاية المطاف؟ من ذا الذي جاء به من العدم والمجهول؟ من ذا الذي يذهب به وما مصيره هناك؟ .، . من أنشأ هذا الوجود المليء بالأسرار؟ من ذا الذي يدبره ومن ذا يحوزه؟ ومن ذا يجدد فيه ويغير على النحو الذي يراه؟ وكان يقول له ذلك: كيف يتعامل مع خالق هذا الكون ومع الكون أيضًا وكيف يتعامل العباد مع خالق العباد .. ولم يتجاوز القرآن المكي هذه القضية الأساسية إلى شيء مما يقوم عليها من التفريعات المتعلقة بنظام الحياة إلا بعد أن علم الله أنها قد استوفت ما تستحقه من البيان ... وأصحاب الدعوة إلى دين الله ... خليقون أن يقفوا طويلًا أمام هذه الظاهرة الكبيرة .. لقد شاءت حكمة الله أن تكون قضية العقيدة هي القضية التي تتصدى الدعوةُ لها منذ اليوم الأول للرسالة، وأن يبدأ رسول الله -ﷺ- أولى خطواته في الدعوة بدعوة الناس إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن يمضي في دعوته يعرّفُ الناسَ بربهم الحق، ويعبدهم له دون سواه.\nولم تكن هذه في ظاهر الأمر وفي نظرة العقل البشري المحجوب- هي أيسر السبل إلى قلوب العَرب؟ فلقد كانوا يعرفون من لغتهم معنى إله ومعنى لا إله إلا الله ... كانوا يعرفون أن الألوهية تعني الحاكمية العليا وكانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله سبحانه بها معناه نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام ورده إلى الله ... ومن ثم استقبلوا هذه الدعوة- أو هذه الثورة- ذلك الاستقبال العنيف، وحاربوها تلك الحرب التي يعرفها الخاص والعام.\nفلم كانت هذه نقطة البدء في هذه الدعوة؟ ولم اقتضت حكمة الله أن تبدأ بكل هذا العناد ... وكان في استطاعة محمد -ﷺ- وهو الصادق الأمين ... كان في استطاعته أن يثيرها قومية عربية تستهدف تجميع قبائل العرب التي أكلتها الثارات ومزقتها النزاعات، وتوجيهها وجهة قومية لاستخلاص أرضها المغتصبة من الإمبراطوريات المستعمرة ... ولو دعا رسول الله -ﷺ- هذه الدعوة لاستجابت له","vol":"2","page":394},{"text":"العرب قاطبة -على الأرجح- بدلًا من أن يعاني ثلاثة عشر عامًا في اتجاه معارض لأهواء أصحاب السلطان في الجزيرة؟ ... وأن يستخدم هذا كله في إقرار عقيدة التوحيد .. ولكن الله سبحانه وهو العليم الحكيم لم يوجه رسوله -ﷺ- هذا التوجيه! إنما وجهه إلى أن يصدع بلا إله إلا الله ... لماذا؟ إن الله لا يريد أن يعنت رسوله والمؤمنين معه إنما هو سبحانه يعلم أن ليس هذا هو الطريق ... ليس الطريق أن تخلص الأرض من يد طاغوت روماني أو طاغوت فارسي ... إلى يد طاغوت عربي ... فالطاغوت كله طاغوت! ... إن الأرض لله ويجب أن تخلص لله، ولا تخلص لله إلا أن ترتفع عليها راية لا إله إلا الله. . .) (١).\nويمضي بعد ذلك صاحب الظلال فيبين عدم إمكان إثارة الدعوة على أسس اقتصادية تستهدف العدالة في توقيع الثروات وإنصاف الفقراء أو على أسس اجتماعية تحارب الدنس والمفاسد لأن الله سبحانه وهو العليم الحكيم يعلم أن ليس هذا هو الطريق وإنما العقيدة أولًا لا بد من أن تستقر في النفوس، وحينذاك تتحقق تلك الأهداف كلها وهذا الذي قد كان، ويتابع القول:\n(ولقد تم هذا كله لأنا الذين أقاموا هذا الدين في صورة دولة ونظام ... كانوا قد أقاموا هذا الدين (٢) من قبل في ضمائرهم وفي حياتهم في صورة عقيدة وخلق وعبادة وسلوك وكانوا قد وعدوا على إقامة هذا الدين وعدًا واحدًا لا يدخل فيه الغلب والسلطان ... ولا حتى نصرًا لهذا الدين على أيديهم (٣) ... وعدًا واحدًا\n_________\n(١) الظلال ٧/ ٧٨.\n(٢) ٢/ ١٠٠٨.\n(٣) لسنا مع الأستاذ سيد فيما ذهب إليه من أن المؤمنين الأولين لم يعدهم الله بالنصر والتمكين في الدنيا وإنما وعدوا الجنة فقط، وإن حديثه في ذلك تعوزه الدقة والموضوعية والنصوص الكثيرة تؤيد ما أقول ففي القرآن في سورة الروم ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] وفي سورة غافر ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] وهما سورتان مكيتان باتفاق والآيتان كذلك فيهما دون ريب، هذا في القرآن أما السنة المطهرة ففيها النصوص=","vol":"2","page":395},{"text":"هو الجنة ... فلما ابتلاهم الله فصبروا، ولما أن فرغت نفوسهم من حظ نفوسهم، ولما أن علم الله أنهم لا يحظرون جزاء في هذه الأرض كائنًا ما كان هذا الجزاء، ولو كان هو انتصار هذه الدعوة على أيديهم، وقيام هذا الدين في الأرض بجهدهم - ولما لم يعد في نفوسهم اعتزاز بجنس ولا قوم ولا اعتزاز بوطن ولا أرض لما أن علم الله منهم كله علم أنهم قد أصبحوا أمناء على هذه الأمانة الكبرى) (١).\nلأهمية تلك العقيدة فإن القرآن المكي ظلَّ طوال ثلاث عشرة سنة لا يقرر شيئًا من التشريعات والتنظيمات وإنما كان التركيز على مسائل العقيدة وحدها، يقول الأستاذ سيد:\n(إن طبيعة هذا الدين هي التي قضت بهذا ... فهو ديِن يقوم كلُّه على قاعدة الألوهية الواحدة ... كل تنظيماته وكل تشريعاته تنبثق من هذا الأصل الكبير ... وكما أن الشجرة الضخمة الباسقة الوارفة المديدة الظلال المتشابكة الأغصان الضاربة في الهواء ... لا بد أن تضرب بجذورها في التربة على أعماق بعيدة وفي مساحات واسعة تناسب خامتها وامتدادها ... فكذلك هذا الدين، إن نظامه يتناول الحياة كلها ... ولا بد له إذن من جذور عميقة بهذه السعة والخامة والعمق والانتشار أيضًا ... هذا جانب من سر هذا الدين وطبيعته يحدد منهجه في بناء\n_________\n= الكثيرة التي تؤيد ما ذهبنا إليه، وكذلك حينما اجتمع النفر من قريش مع الرسول -ﷺ- بوساطة أبي طالب، يقول الرسول -ﷺ-: أريد منكم كلمة واحدة، قالوا: نقول عشر كلمات، فيقول: قولوا كلمة واحدة، كلمة لا إله إلا الله فإذا قلتموها دانت لكم العرب وأدت لكم العجم الجزية أو كما قال. رواه الترمذي في باب التفسير، وهذا صهيب -كما أخرج الإمام أحمد وغيره واللفظ لأحمد في مسنده ص ١٠٩ - يقول: (أتينا رسول الله -ﷺ-، وهو في ظل الكبة متوسدًا بردة فقلنا يا رسول الله: ادع الله تعالى لنا واستنصره، قال: فاحمر لونه أو تغير فقال: لقد كان من قبلكم يحفر له حفرة ويجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق ما يصرفه عن دينه ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظم من لحم أو عصب ما يردّه عن دينه وليتمن الله ﵎ هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضر موت لا يخشى إلا الله تعالى والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون).\n(١) (٧/ ٨٠).","vol":"2","page":396},{"text":"نفسه وامتداده ويجعل بناء العقيدة وتمكينها ... ضرورة من ضروريات النشأة الصحيحة ... ومتى استقرت عقيدة لا إله إلا الله في أعماقها الغائرة البعيدة استقر معها في نفس الوقت النظام الذي تتمثل فيه لا إله إلا الله ... حتى قبل أن تعرض عليها تفصيلاته ..) (١).\nوهذه العقيدة ليست نظرية مجردة كنظريات الفلاسفة وإنما ينبغي أن تتفاعل مع واقع الحياة وحركتها، وأن يتفاعل معها المجتمع المسلم، ولهذا فهو ينعى على الذين يريدون أن يصوغوا الإسلام في قوالب من النظم والمواد؛ لأن هذا في رأيه لن يؤدي إلى نتائج مرضية بل فيه كبير خطأ وخطر، فلا بد قبل ذلك كله من إيجاد القاعدة لهذه العقيدة، وهذه القاعدة لن تكون سوى المجتمع المتأثر والمتكيف بما يلزمه به هذا الدين، وحين يقوم هذا المجتمع بالفعل يبدأ عرض أسس النظام الإسلامي، كما يأخذ هذا المجتمع نفسه في سن التشريعات التي تقتضيها حياته الواقعية وما يسهل له ذلك يسر العرض الذي عرضت به العقيدة، إذ إنها لم تعرض في صورة نظرية أو لاهوت أو جدل كلامي، وإنما خوطبت بها فطرة الإنسان مباشرة لاستنقاذها من الركام وتخليص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران وعطل وظائفها، ولقد كان القرآن وهو يبني العقيدة في ضمائر الجماعة المسلمة يحوز بهذه الجماعة معركة ضخمة مع الجاهلية من حولها كما يخوض معركة ضخمة مع رواسب الجاهلية في ضميرها وأخلاقها وواقعها ... ومن هذه الملابسات ظهر بناء العقيدة لا في صورة نظرية لاهوت ولا في صورة جدل كلامي، ولكن في صورة تكوين تنظيمي مباشر للحياة، ومما ساعد على تثبيت العقيدة في النفوس وترشيخها في قلوب المؤمنين أنهم لم يتلقوها دفعة واحدة، ولم يتم بناؤها في نفوسهم طفرة، وإنما كانت في التؤدة مما جعل نموها طبيعيًا يتمشى مع النمو الحركي والواقعي للمسلمين، يقول الأستاذ سيد: (وكل نمو نظري ليس النمو الحركي الواقعي ولا يتمثل من خلاله هو خطأ وخطر، كذلك بالقياس إلى طبيعة هذا الدين وغايته\n_________\n(١) (٢/ ١٠٠٩).","vol":"2","page":397},{"text":"وطريقة تركيبه الذاتي، والله سبحانه يقول: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] فالفرق مقصود والمكث مقصود كذلك، ليتم البناء التكويني المؤلف من عقيدة في صورة (منظمة حية) لا في صورة نظرية معرفية ...).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-523>نماذج من تفسيرات العقيدة:</span>\nولا بد لنا من أن نعرض هنا لبعض النماذج من تفسير سيد لآيات العقيدة لنقف على رأيه من قرب، وعلى كيفية عرضه لهذه الآيات سواء أكانت تتعلق بالألوهية والحاكمية أم الغيب أم الأنبياء أم الساعة وأشراطها.\n١ - ففي جانب التشريع والتحاكم إلى شريعة الله، يتحدث الأستاذ سيد قطب عن مسائل العقيدة في تفسيره لمقطع سورة المائدة، مؤكدًا أن مسألة التشريع والحكم من أخطر قضايا العقيدة، وهذه المسألة من أهم المسائل التي بنى سيد قطب فكره عليها في الظلال يبدأ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١] إلى قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] إنه يقول في تقديمه لهذه الآيات:\nيتناول هذا الدرس أخطر قضية من قضايا العقيدة الإسلامية والمنهج الإسلامي ونظام الحكم والحياة في الإسلام ... إنها قضية الحكم والشريعة والتقاضي -ومن ورائها قضية الألوهية، والتوحيد والإيمان والقضية في جوهرها تتلخص في الإجابة على هذا السؤال.\nأيكون الحكم والشريعة والتقاضي حسب مواثيق الله وعقوده وشرائعه التي ستحفظ عليها أصحاب الديانات السماوية واحدة بعد الأخرى وكتبها على الرسل وعلى من يتولون الأمر بعدهم ليسيروا على هداهم، أم يكون ذلك كله للأهواء المتقلبة والمصالح التي لا ترجع إلى أصل ثابت من شرع الله والعرف","vol":"2","page":398},{"text":"الذي يصطلح عليه جيل أو أجيال؟ وبتعبير آخر أتكون الألوهية والربوبية والقوامة لله في الأرض وفي حياة الناس؟ أم تكون كلها أو بعضها لأحد من خلقه يشرع للناس ما لم يأذن به الله؟ .\nالله سبحانه يقول: إنه هو الله لا إله إلا هو، وأن شرائعه التي سنّها للناس بمقتضى ألوهيته لهم وعبوديتهم له، وعاهدهم عليها وعلى القيام بها، هي التي يجب أن تحكم هذه الأرض، وهي التي يجب أن يتحاكم إليها الناس، وهي التي يجب أن يقضي بها الأنبياء ومن بعدهم من الحكام ... والله سبحانه يقول: إنه لا هوادة في هذا الأمر ولا ترخيص في شيء منه ولا انحراف عن جانب ولو صغيرًا، وإنه لا عبرة بما تواضع عليه جيل أو اصطلح عليه قبيل مما لم يأذن به الله في قليل ولا كثير.\nوالله سبحانه يقول: إن المسألة في هذا كله مسألة إيمان أو كفر، إسلام أو جاهلية، شرع أو هوى، وإنه لا وسط في هذا الأمر، ولا هدنة ولا صلح، فالمؤمنون هم الذين يحكمون بما أنزل الله، لا يحرفون منه حرفًا، ولا يبدلون منه شيئًا، والكافرون الظالمون الفاسقون هم الذين لا يحكمون بما أنزل، وأنه إما أن يكون الحكام قائمين على شريعة الله كاملة فهم في نطاق الإيمان، وإما أن يكونوا قائمين على شريعة أخرى مما لم يأذن به الله فهم الكافرون الظالمون الفاسقون، وأن الناس إما أن يقبلوا من الحكام والقضاة حكم الله وقضاءه في أمورهم فهم مؤمنون ... وإلا فما هم المؤمنين ... ولا وسط بين هذا الحكم أو ذاك ولا حجة ولا معذرة ولا احتجاج بمصلحة، فالله رب الناس يعلم ما يصلح للناس ويضع شرائعه، وليس لأحد من عباده أن يقول: إنني أرفض شريعة الله أو إنني أبصر بمصلحة الخلق من الله، فإن قال بلسانه أو بعقله فقد خرج من نطاق الإيمان ... إن أخص خصائص الألوهية هي الحاكمية والذي يشرع لمجموعة من الناس يأخذ فيهم الألوهية ويستخدم خصائصها فهم عبيده","vol":"2","page":399},{"text":"لا عبيد الله، وهم في دينه لا في دين الله، والإسلام يجعل الشريعة لله وحده ويخرج الناس من عبادة العباد إلى عباد الله وحده ..) (١).\n٢ - وفي جانب حديثه عن أشراط الساعة ومشاهد القيامة وأهوال الحشر، يتناول الأستاذ سيد المقطع الأخير من سورة النمل الذي يبدأ بقوله تعالى ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩] إلى نهاية السورة في تقديمه لهذا المقطع أو تفسيره الإجمالي كما يمكن أن يسمى.\nوهو يبدأ بالحمد لله والسلام على من اصطفاهم من عباده الأنبياء والرسل ومنهم الذين ورد قصصهم من قبل، يفتتح بذلك الحمد وهذا السلام جولة عن العقيدة، جولة في مشاهد الكون وأغوار النفس وأطواء الغيب في أشراط الساعة، ومشاهد القيامة وأهوال الحشر التي يفزع لها من في السماوات والأرض إلا من شاء الله.\nفي هذه الجولة يقفهم أمام مشاهدات في صفحة الكون، وفي أطواء النفس، لا يملكون إنكار وجودها، ولا يملكون تعليلها بغير التسليم بوجود الخالق الواحد المدبر القدير.\nويتولى عرض هذه المشاهدات في إيقاعات مؤثرة تأخذ عليهم أقطار الحجة وأقطار المشاعر، وهو يسألها أسئلة متلاحقة، من خلق السماوات والأرض؟ من أنزل من السماء ماء ...؟ من جعل الأرض قرارًا؟ ... وفي كل مرة يقرعهم، أءِله مع الله؟ وهم لا يملكون أن يدعوا هذه الدعوى ولا يملكون أن يقولوا إن إلهًا مع الله يفعل من هذا كله شيئًا وهم مع هذا يعبدون أربابًا من دون الله.\nوعقب هذه الإيقاعات القوية التي تقتحم القلوب لأنها إيقاعات كونية تملأ صفحة الوجود من حولهم أو إيقاعات وجدانية يحسونها في قلوبهم ...\n_________\n(١) الظلال (٢/ ٨٨٧ - ٨٩١) بتصرف.","vol":"2","page":400},{"text":"يستعرض تكذيبهم بالآخرة وتخبطهم في أمرها ويعقب عليه بتوجيه قلوبهم إلى مصارع الغابرين الذين كانوا مثلهم يكذبون ويتخبطون ...) وبعد الانتهاء من هذا التفسير الإجمالي يبدأ بالتفصيل في بيان ما اشتملت عليه هذه الآيات من آيات كونية لإيقاظ القلب والعقل للحياة.\nوفي تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢] ... يقول:\n(ورد ذكر خروج الدابة المذكورة هنا في أحاديث كثيرة بعضها صحيح، وليس في هذا الصحيح وصف للدابة، إنما جاء وصفها في روايات لم تبلغ حد الصحة؛ لذلك نضرب صفحًا عن أوصافها، فما يعني شيئًا أن يكون طولها ستين ذراعًا وأن تكون ذات زغب ... الخ هذه الأوصاف التي افتن فيها المفسرون، وحسبنا أن نقف عند النص القرآني والحديث الصحيح الذي يفيد التوبة وحق القول على الباقين، فلم تقبل منهم توبة بعد ذلك وإنما يقضي عليهم بما هم عليه ... عندئذ يخرج الله لهم الدابة تكلمهم، والدواب لا تتكلم ولا يفهم عنها الناس، ولكنهم يفهمون اليوم ويعلمون أنها الخارقة المنبئة باقتراب الساعة ... وقد كانوا لا يؤمنون بآيات الله ولا يصدقون باليوم الموعود.\nومما يلاحظ أن المشاهد في سورة النمل مشاهد حوار وأحاديث بين طائفة من الحشرات والطير وسليمان ﵇ ... فجاء ذكر الدابة وتكليمها الناس متناسقًا مع مشاهد السورة وجوها محققًا لتناسق التصوير في القرآن وتوحيد الجزئيات التي يتألف منها المشهد العام) (١).\n٣ - ويتناول الأستاذ سيد في تفسيره لمقطع من سورة التوبة موضوعين خطيرين هما:\n_________\n(١) (٥/ ٢٦٦٧).","vol":"2","page":401},{"text":"أ- سياج العقيدة.\nب- موقف المسلمين الحركي من أهل الكتاب:\nونحيل القارئ على ما ذكره سيد هناك، دون الحاجة إلى نقله هنا، فهو كلام طويل.\nوكلام قطب في تفسير هذا المقطع من الأمور التي يتجلى فيها رأيه، وربما يبدو عنيفًا شديدًا في تقريراته التي قررها هذا من جهة.\nومن جهة أخرى فإنه يبدو مناقضًا لكثير من المفسرين المحدثين، ومن جهة ثالثة فإن هذا المقطع يصور لنا بصدق تصويرًا ليس فيه أدنى ريب المنهج الذي يسير عليه سيد في فهم القرآن، كما يظهر لنا صراحته اللامتناهية وهو يطرق موضوعًا من الموضوعات المهمة التي لا تتعلق بعقيدة المسلمين فحسب، بل بما ينبغي أن يكونوا عليه في منهجهم الحركي، فهل كان هذا العنف -إن صحت تسميته- ملائمًا لما قرره القرآن من ناحية، ولظروف المسلمين التي يعيشونها من ناحية أخرى؟ ! !\nهذا ما سأتحدث عنه إن شاء الله عند تقويم التفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-524>سيد والمدرسة العقلية:</span>\nلا نستطيع أبدًا أن نتصور أن مفسرًا للقرآن بله متحدثًا عن هذا الدين جاء بعد الشيخ محمد عبده دون أن يأخذ عنه أو يقبس منه أو يتأثر به، فلقد كان للشيخ ومدرسته أثر عظيم في اتساعه وانتشاره كما مر معنا، ولكن هؤلاء متفاوتون في ما يأخذون ويستحسنون، أو يردون ويرفضون. والذي يهمنا هنا أن ندرك مدى تأثر صاحب الظلال بهذه المدرسة.\nمما لا شك فيه أن هناك أمورًا كثيرة يلتقي فيها الأستاذ مع هذه المدرسة فمحاربته الإسرائيليات والتركيز على وجوب صلة المسلمين بكتابهم، وعدم الخوض في مصطلحات العلوم، وإعادة كتابة التفسير بأسلوب سهلٌ، وعدم تحميل","vol":"2","page":402},{"text":"النص القرآني ما لا يحتمل، والابتعاد بالتفسير عن التعصب المذهبي، كل أولئك وغيرها مما يشترك فيه سيد مع هذه المدرسة، ولعله قد أفادها منها كذلك، ولكن ليس معنى هذا أن الرجل يؤمّن على كل ما قاله هؤلاء، كما أنه ليس معنى ذلك أن الرجل كان يقف لهؤلاء بالمرصاد، يترصد عباراتهم لينقضهما، ولكنه كان يقتبس حينًا مستحسِنًا ويردّ حينًا آخر؛ وذلك لأنه كان ذا منهج خاص به منبثق من فقهه لعقيدته (١) وهنا لا بد أن نعرض لنماذج من الظلال لنستشف من خلالها صلته بهذه المدرسة.\nإن من يقرأ في الظلال لا يجد صعوبة عليه أن يقع على بعض النقولات التي ينقلها سيد عن المنار مستحسنًا بعضها ومناقشًا بعضها الآخر.\nفها هو عند تفسيره لسورة البلد يقول: (وللأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في هذا الموضع من التفسير للسورة في جزء عم) لفتة لطيفة تتسق في روحها مع روح هذه (الظلال) فنستعيرها منه هنا ... قال ﵀ (ثم أقسم بوالد وما ولد ليلفت نظرنا إلى رفعة هذا الطور من أطوار الوجود، وهو طور التوالد، وإلى ما فيه من بالغ الحكمة وإتقان الصنع، وإلى ما يعانيه الوالد والمولود في إبداء النشء وتكميل الناشئ وإبلاغه حده من النمو المقدر له، فإذا تصورت في النبات ما تعاني البذرة في أطوار النمو، من مقاومة عوامل الجو ومحاولة امتصاص الغذاء مما حولها من العناصر إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان وتستعد، إلى أن تلد بذورًا أخرى تعمل معها وتزين الوجود بجمال نظرها -إذا أحضرت ذلك في ذهنك وارتقيت إلى ما فوق النبات من الحيوان والإنسان، حضر لك من أمر الوالد والمولود فيها ما هو أعظم ووجدت من المكابدة والعناء الذي يلاقيه كل منهما في سبيل حفظ الأنواع واستبقاء جمال الكون بصورها مما هو أشد وأجسم) (٢).\n_________\n(١) يتحدث سيد ﵀ عن التزام هذا المنهج في البحث في مقدمة سورة الأنعام وهو يلوم كثيرًا الذين يلزمون أنفسهم بمناهج في التفسير غريبة عن طبيعة هذا الدين.\n(٢) (٦/ ٣٩٠٩).","vol":"2","page":403},{"text":"ولكننا إذا تخطينا هذه المواضع، وكنا على صلة بما تقرره مدرسة الشيخ حول كثير من مسائل التفسير، نجد أن صاحب الظلال يقف من كثير من هذه المسائل على طرفي نقيض مع أعلام هذه المدرسة -مؤسسها ومن جاء بعده- ولكنه في بعض هذه المسائل لا يعرض لآراء هذه المدرسة، وإن كان يخالفها في الرأي، وذلك كحديثه عند تفسير الآيات التي تذكر الملائكة والسحر ومقام إبراهيم، فمن المعلوم أن للشيخ ومن سلك منهجه آراء خاصة في هذه الأمور لا داعي لذكرها، ولكن صاحب الظلال في مواضع كثيرة يعرض بصراحة لهذه المدرسة مبديًا عدم ارتياحه لمنهجها في البحث تارة، وللنتائج التي توصلت إليها تارة أخرى، يقول سيد معلقًا على عبارة (علماء أوروبا الأحرار) التي أوردها صاحب المنار: يجب أن ننبه في الظلال إلى دلالة مثل هذه العبارات (الأحرار) في مدرسة الشيخ محمد عبده وتلاميذها فقد كانت المدرسة بجملتها متأثرة بمناهج تفكير وأفكار غربية غريبة على منهج التفكير الإسلامي الخاص، وكان هذا التأثر يجعلها تنظر إلى كتاب أوروبا المناهضين للكنيسة بوصفهم أحرارًا، وكذلك الكتّاب الذين يكتبون عن الديمقراطية والحرية الغربية، وكذلك الأوضاع الأوروبية، نظرة استحسان، وكانت تدعو إلى الأخذ بما تسميه (الصالح من هذه الأفكار والأوضاع) بناء على ذلك التأثر ... وهذا مزلق خطر كان يعطف عليه لورد كرومر وأمثاله من الصليبيين، والأمر في حاجة إلى نظرة أعمق وأوسع، وإلى استقلال واستغناء بالمنهج الإسلامي.\nوها هو يعلق على ما قاله السيد رشيد رضا من أن الله أقام بناء الدعوة على أساس البراهين العقلية والعلمية المقنعة والملزمة يعلق سيد بقوله: (لا بد أن ننبه هنا إلى منهج مدرسة الأستاذ الشيخ محمد عبده المتأثرة بفلسفة غربية عن الإسلام وهي فلسفة ديكارت مما جعلها تركز تركيزًا شديدًا على العقل وتعطيه أكثر من مجاله في مسائل العقيدة، فلا بد أن نضيف إلى البراهين العقلية والعلمية البراهين الفطرية البديهية كذلك في هذا الدين، ومجاوبتها لكل الكينونة البشرية، بما فيها العقل والذهن (وعند قول السيد رشيد رضا بأن الرسول -ﷺ- عاهد المشركين في الحديبية","vol":"2","page":404},{"text":"على السلم والأمان حبًا للسلم ونشر دينه بالإقناع والحجة يقول سيد (هذا كلام صحيح إذا أريد به أن نشر العقيدة بالإقناع والحجة هو قاعدة هذه الحركة، ولكنه يتجاوز مداه المأمون حين يراد به أن الجهاد في الإسلام لا يكون إلا دفاعًا عن المسلمين، وأن السلم واجب في غير هذه الحالة كما يتجه المؤلف ﵀. (كما يذكر في أثناء حديثه عن الجهاد أن السيد رشيد رضا حاول أن يلم بحلقات سلسلة الأسباب التي أدت إلى الأحكام النهائية الواردة في سورة براءة، ولكنه لم يحاول أن يلم بأصل الاختلاف الجذري الدائم الذي ينشئ هذه السلسلة بحلقاتها (١) وهكذا يستمر معقبًا كلما سنحت له فرصة، فهو مثلًا لا يرضى بتفسير الشيخ محمد عبده (للنفاثات والحسد) ويقول إن هذا من ميل المدرسة العقلية لتضييق نطاق الغيبيات.\nولكننا إذا أردنا تفصيلًا شاملًا وبحثًا وافيًا، لرأي صاحب الظلال في المدرسة العقلية كما يسميها فإننا نجد ذلك كله عند تفسيره لسورة الفيل ويقول سيد ﵀ (٢):\n(ويرى الذين يميلون إلى تضييق نطاق الخوارق والغيبيات وإلى رؤية السنة الكونية المألوفة تعمل عملها، أن تفسير الحادث بوقوع وباء الجدري والخصبة أقرب وأولى، وأن الطير قد تكون هي الذباب والبعوض التي تحمل الميكروبات فالطير هو كل ما يطير (ثم يسوق ما قاله الشيخ محمد عبده في تفسيره للسورة والذي يختمه بقوله:\n(ونحن لا نرى أن هذه الصورة التي افترضها الشيخ الإمام ... أو تلك. التي جاءت بها بعض الروايات من أن الحجارة ذاتها كانت تخرق الرؤوس والأجسام .. لا نرى أن هذه الصورة أو تلك أدل على قدرة الله ولا أولى بتفسير الحادث ... إنّ\n_________\n(١) الظلال (٣/ ١٥٨٧، ١٥٨٨).\n(٢) (٦/ ٣٩٧٦ - ٣٩٧٩).","vol":"2","page":405},{"text":"سنة الله ليست فقط هي ما عهده البشر، وما تعرف البشرية من سنة الله إلا طرفًا يسيرًا يكشفه لهم بمقدار ما يطيقون ... فهذه الخوارق كما يسمونها- هي من سنة الله ولكنها خوارق بالقياس إلى ما عهدوه وما عرفوه.\nومن ثم فنحن لا نقف أمام الخارقة مترددين ولا مؤولين -متى صحت الرواية- أو كان في النصوص وفي ملابسات الحادث ما يوحي بأنها جرت خارقةً ولم تجر على مألوف الناس ومعهودهم. وفي الوقت ذاته لا نرى أن جريان الأمر على السنة المألوفة أقل وقعًا ولا دلالة من جريانه على السنة الخارقة للمألوف. فالسنة المألوفة هي في حقيقتها خارقة بالقياس إلى قدرة البشر ... فأما في هذا الحادث بالذات فنحن أميل إلى اعتبار أن الأمر قد جرى على أساس الخارقة غير المعهودة ... نحن أميل إلى هذا الاعتبار؛ لا لأنه أعظم دلالة، ولا أكبر حقيقة، ولكن لأن جو السورة وملابسات الحادث تجعل هذا الاعتبار هو الأقرب ... فما يتناسق مع جو هذه الملابسات كلها أن يجيء الحادث غير مألوف ولا معهود بكل مقوماته وبكل أجزائه، ولا داعي للمحاولة في تغليب صورة المألوف من الأمر في حادث هو في ذاته وبملابساته مفرد فذ ... إننا ندرك ونقدر دوافع المدرسة العقلية ... فلقد كانت هذه المدرسة تواجه النزعة الخرافية الشائعة التي تسيطر على العقلية العامة في تلك الفترة كما تواجه سيل الأساطير والإسرائيليات التي حشيت بها كتب التفسير والرواية، في الوقت الذي وصلت فيه الفتنة بالعلم الحديث إلى ذروتها، وموجة الشك في الدين إلى قمتها، فكانت هذه المدرسة تحاول أن ترد إلى الدين اعتباره على أساس أن كل ما جاء به موافق للعقل، ومن ثم تجتهد في تنقيته من الخرافات والأساطير، كما تحاول أن تنشئ عقلية دينية تفقه السنن الكونية وتدرك ثباتها وأطوارها ... ولكن مواجهة ضغط الخرافة من جهة، وضغط الفتنة بالعلم من جهة أخرى، تركت آثارها في تلك المدرسة ... من المبالغة في الاحتياط والميل إلى جعل مألوف السنن الكونية هو القاعدة الكلية لسنة الله، فشاع في تفسير الأستاذ الشيخ محمد عبده كما شاع في تفسير تلميذيه الأستاذ رشيد رضا والأستاذ الشيخ عبد القادر المغربي -﵏ جميعًا- شاع في هذا التفسير الرغبة","vol":"2","page":406},{"text":"الواضحة في رد الكثير من الخوارق إلى مألوف سنة الله، دون الخارق منها، وإلى تأويل بعضها، بحيث يلائم ما يسمونه (المعقول) وإلى الحذر والاحتراس الشديد في تقبل الغيبيات.\nومع إدراكنا وتقديرنا للعوامل البيئية الدافعة لمثل هذه الاتجاه، فإننا نلاحظ عنصر المبالغة فيه، وإغفال الجانب الآخر للتصور القرآني الكامل، وهو طلاقة مشيئة الله وقدرته من وراء السنن التي اختارها، سواء المألوف منها للبشر أو غير المألوف- هذه الطلاقة التي لا تجعل العقل البشري هو الحاكم الأخير ولا تجعل هذا العقل هو مرد كل أمر غيبٍ يتحتم تأويل ما لا يوافقه كما يتكرر هذا القول في تفسير أعلام هذه المدرسة ...\nإن هناك قاعدة مأمونة في مواجهة النصوص القرآنية لعل هنا مكان تقريرها ... إنه لا يجوز لنا أن نواجه النصوص القرآنية بمقررات عقلية سابقة ولا مقررات عامة، ولا مقررات في الموضوع الذي تعالجه النصوص، بل ينبغي أن نواجه هذه النصوص لنتلقى منها مقرراتنا الإيمانية ومنها نكون قواعد منطقنا وتصوراتنا جميعًا، فإذا قررت لنا أمرًا فهو المقرر كما قررته ... ومن ثم لا يصلح أن يقال إن مدلول هذا النص يصطدم مع العقل فلا بد من تأويله- كما يرد كثيرًا في مقررات أصحاب هذه المدرسة، وليس معنى هذا هو الاستسلام للخرافة، ولكن معناه أن العقل ليس هو الحكم في مقررات القرآن، ومتى كانت المدلولات التعبيرية مستقيمة واضحة فهي التي تقرر كيف تتلقاها عقولنا، وكيف تصوغ منها قواعد تصورها ومنطقها تجاه مدلولاتها وتجاه الحقائق الكونية الأخرى ..).\nولعل من المفيد هنا أن أختم هذا البحث بما أورده سيد في كتابه (خصائص التصور الإسلامي):\n(لما أراد الشيخ محمد عبده أن يواجه الجمود العقلي في الشرق والفتنة بالعقل في الغرب جعل العقل البشري ندًّا للوحي في هداية الإنسان، ولم يقف به عند أن","vol":"2","page":407},{"text":"يكون جهازًا من أجهزة الكائن البشري يتلقى الوحي، ومنع أن يقع خلاف ما بين مفهوم العقل وما يجيء به الوحي، ولم يقف بالعقل عند أن يدرك ما يدركه ويسلم بما هو فوق إدراكه .. قال ﵀ في رسالة التوحيد:\n(فالوحي بالرسالة الإلهية أثر من آثار الله تعالى، والعقل الإنساني أثر أيضًا من آثار الله في الوجود وآثار الله يجب أن ينسجم بعضها مع بعض ولا يعارض بعضها بعضًا).\nوهذا صحيح في عمومه ... ولكن يبقى أن الوحي والعقل ليسا ندَّين، فأحدهما أكبر من الآخر وأشمل وأحدهما جاء ليكون هو الأصل الذي يرجع إليه الآخر والميزان الذي يختبر الآخر عنده مقرراته ومفهوماته وتصوراته ويصحح به اختلالاته وانحرافاته، فبينهما ولا شك توافق وانسجام، ولكن على هذا الأساس لا على أساس أنهما ندّان متعادلان وكفءٌ أحدهما تماما للآخر، فضلًا على أن العقل المبرأ من النقص والهوى لا وجود له في دنيا الواقع، وإنما هو (مثال).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-525>تقويم التفسير:</span>\nوبعد تلك الجولة التي تفيأناها مع الظلال والتي استطعنا من خلالها أن نتعرف على أسلوب الرجل وآرائه في كتابه لا بد من أن نقف وقفة نذكر فيها بعض الملحوظات على التفسير لنعرف إسهامات المفسر في خدمة القرآن الكريم وإفادته المكتبة الإسلامية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>١ - خصائص عامة في الظلال:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-527>أولًا: إن أول ما يبدو للقارئ أن التفسير لم يعن صاحبه كثيرًا بالتحليل اللفظي </span>كما عودتنا كتب التفسير الكثيرة، ويكاد يكون فريدًا في هذه الطريقة وهذه الطريقة وإن كانت تفيد في إدراك مرامي القرآن ومقاصده، فإنها لا تغني عند كثير من الناس عن تحليل اللفظ، والوقوف عند بعض التراكيب، وربما يشفع للمفسر أنه أراد أن ينقل القارئ إلى ظلال القرآن دون الوقوف عند المصطلحات اللفظية، هذا من","vol":"2","page":408},{"text":"جهة ومن جهة أخرى في رأي أن المفسر كانت له اليد الطولى، والقدح المعلّى، والقدم الراسخة في الكتابات الأدبية والتحليل الفني، فلا مانع من أن يكون ذلك قد أثر في كتابة الرجل، وليس معنى هذا أن التفسير خالِ تمامًا من الوقوف عند العناية بالتراكيب اللغوية فلقد مر معنا بعض الصور التي استخرجها المؤلف وبين الدقة الفنية فيها وها هو زيادة على ما تقدم معنا يقول عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]، (ونقف لحظات أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه، فالأصل في تركيب الجملة إنه نعم ما يعظكم به ... لكن التعبير يقدم لفظة الجلالة فيجعله (اسم إن) ويجعل نعم ما (نعمّا) ومتعلّقاتها في مكان خبر إن بعد حذف الخبر ... إن ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله سبحانه وهذا الذي يعظهم به) ومع هذا فإن من الصعب على عشاق الدراسات التقريرية -الذين يريدون أن يقفوا عند كل لفظة ليقرروا أصلها وموقعها الإعرابي- أقول من الصعب أن يجدوا بغيتهم في الظلال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-528>ثانيًا: عدم اهتمامه بالخلافات الفقهية:</span>\nكذلك يلاحظ القارئ عدم اهتمام المفسر كثيرًا بالخلافات الفقهية حتى إن ذلك ليظهر في بيان آيات الأحكام التي مر معنا طرف منها، فهو يذكرها جملة بحيث يظهر حكمة التشريع، ولكن هذا لا يشفي غلة بعض الناس وبخاصة هؤلاء الذين يريدون أن يرتووا من المنهل القرآني في أحكام الفقه.\nإن للرجل فهمًا في معنى الفقه يرجع به إلى ما قبل وضْع المصطلحات العلمية، يظهر هذا حينما يتحدث عن الفقه وحينما يتحدث عن العبادة (فهو لا يرى الوقوف عند هذه المصطلحات ولا يرضى الجمود على ما ذكره المتأخرون، فهو مثلًا يرى أن هناك فرقًا بين فقه الدعوة وفقه الأوراق، كما لا يرى صحة الاصطلاح الشائع بتقسيم الفقه إلى عبادات ومعاملات وتخصيص العبادات بما خصص لها من صلاة وصيام. يقول في تفسير سورة هود (١): إن تقسيم النشاط الإنساني إلى (عبادات)\n_________\n(١) (٤/ ١٩٣٧).","vol":"2","page":409},{"text":"و(معاملات) مسألة جاءت متأخرة عن التأليف في مادة الفقه (ومع أنه كان المقصود به في أول الأمر مجرد التقسيم الفني الذي هو طابع التأليف العلمي، إلا أنه مع الأسف أنشأ فيما بعد آثارًا سيئة في التصوير تبعها -بعد فترة- آثار سيئة في الحياة الإسلامية كلها، إذ جعل يترسب في تصورات الناس أن صفة العبادة إنما هي خاصة بالنوع الأول من النشاط الذي يتناوله فقه العبادات، بينما أخذت هذه الصفة تبهت بالقياس إلى النوع الثاني من النشاط الذي تناوله فقه المعاملات، وهو انحراف بالتصور الإسلامي لا شك فيه، فلا جرم أن يتبعه انحراف في الحياة كلها في المجتمع الإسلامي- ليس في التصوير الإسلامي نشاط إنساني لا ينطق عليه معنى العبادة أو لا يطلب منه تحقيق هذا الوصف، والمنهج الإسلامي كله غايته تحقيق معنى العبادة أولًا وأخيرًا.\nوالذي نراه أنه مع صحة هذا الأمر في كثير من جوانبه وتصوراته، إلا أنه ليس السبب فيه هذه التقسيمات التي وضعها العلماء وقعدوا بها هذا العلم، وإنما السبب إدراكات الناس ووعيهم الضعيف على حقيقة هذا الدين وتطبيقاته، حتى وقعوا في مثل هذا الخلل وهذه الأخطاء، أما التقسيم الفني والمنهجي الذي وضعه العلماء فلا يحمل هذا العيب وقد أخذ (١) على سيد موقفه من الفقهاء والمشتغلين بالفقه، وقسوته عليهم في عباراته ودعوته إلى تأجيل الدعوة إلى النظام الإسلامي، والسخرية بفكرة تجديد الفقه وتطويره وبإحياء الاجتهاد ... وأنه يسعى إلى القضاء على الفقه، وإلى إهدار الجهود الكبيرة التي بذلها الفقهاء على مدار القرون، وأنه يدعو إلى ما يسميه بالفقه الحركي، ويسعى إلى القضاء على الفقه مسميًا إياه بفقه الأوراق.\nوالذي يقرأ الظلال ويفهم رسالة صاحبه من خلاله يدرك بجلاء ووضوح مدى إجحاف الكثيرين في النظر إلى آراء سيد ونقدها.\n_________\n(١) انظر أولويات الحركة الإسلامية أ. د. يوسف القرضاوي ص ١١٧، الاجتهاد في الإسلام للدكتور القرضاوي/ ص ١٠١ مقالة (المعتدون على الفقه الإسلامي) مجلة الوعي الإسلامي الكويتية، د. وهبة الزحيلي.","vol":"2","page":410},{"text":"إن دعوة سيد واضحة إلى وجوب الانشغال بالدعوة إلى الله تعالى، وتأسيس المجتمع الإسلامي، والانطلاق من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية في تأصيل قضايا المجتمع الإسلامي هذا، والنظر إلى الواقع وحاجاته وربط هذه القضايا الفقهية التي يبحثها بعض العلماء بحثًا فقهيًا نظريًا بعيدً عن الواقع- ربطها بروح هذا الدين وعقيدته، والعمل له بما يتناسب وتأسيس المجتمع الإسلامي الجديد، وأن يتم تأجيل الكثير من المباحث التحقيقية التفصيلية إلى حين إقامة هذا المجتمع.\nيقول ﵀ وهو يبين دور المنهج الرباني في بلوغه بالناس المستوى العالي والمتقدم ومستوى الكمال، يقول: وليس معنى هذا أن نلغي التنظيمات القضائية الجديدة، ولكن معناه أن نعرف أن القيمة ليست للتنظيمات، ولكن للروح التي وراءها أيًا كان شكلها وحجمها وزمانها ومكانها (١).\nويقول: والمنهج الإسلامي منهج واقعي لا يشتغل بقضايا ليست قائمة بالفعل، ومن ثم لا يشتغل أصلًا بأحكام تتعلق بهذه القضايا التي لا وجود لها من ناحية الواقع، إنه منهج أكثر جدية وواقعية من أن يشتعل بالأحكام، هذا ليس منهج هذا الدين، هذا منهج الفارغين الذين ينفقون أوقات الفراغ في البحوث النظرية وفي الأحكام الفقهية، حيث لا مقابل لها من الواقع أصلًا، بدلًا من أن ينفقوا هذه الجهود في إعادة إنشاء المجتمع المسلم وفق المنهج الحركي الواقعي لهذا الدين) (٢).\nونحن وإن كنا نوافق سيدًا في دعوته إلى ضرورة عدم الانشغال بكثير من القضايا اللازمة للمجتمع والدولة قبل تكوينها، فإننا لا نقره أبدًا في وصفه العلماء المشتغلين في قضايا الفقه بأنهم (فارغون) وأن منهجهم منهج الفارغين.\nهذا هو اجتهاده فيما يراه من ضرورة انشغال العلماء والفقهاء، لكننا نرى أيضًا\n_________\n(١) الظلال (٢/ ٧٧٧).\n(٢) الظلال (٣/ ١٥١٩).","vol":"2","page":411},{"text":"الحاجة ماسة إلى ضرورة البحث في القضايا الفقهية الكثيرة المستجدة وتوضيحها للناس، وبيان حكم الشرع فيها، سواء بسواء، مع ضرورة العمل لإنشاء المجتمع الإسلامي، وليس من الحق أن نتوقف عن بحث الكثير من هذه القضايا منتظرين نشوء هذا المجتمع، بل يجب أن يسير الأمران في ركب واحد.\nعلى أننا نقدر سيدًا في حماسه الشديد المندفع نحو توجيهه الجهود وتنظيميها، وعدم تشتيتها، ذلك كله من أجل هذا الهدف العظيم وهو إقامة المجتمع الإسلامي. يقول ﵀ مؤكدًا احترامه لجهود العلماء: (... إن هذه ليست دعوة لإهمال الفقه الإسلامي وإهدار الجهود الضخمة التي بذلها الأئمة الكبار) (١).\nونؤكد أخيرًا أن دعوة سيد هذه لا تنطبق عنده على الأحكام الفقهية الفردية، والممارسات العبادية، وإنما ترتبط بالأحكام اللازمة للدولة والمجتمع كما هو ظاهر من كلامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-529>ثالثًا: إسهاب المؤلف في كثير من الموضوعات:</span>\nومما يسترعي انتباه القارئ للظلال إسهاب المؤلف واستطراداته في كثير من الموضوعات، فربما يكرر المعنى فيه أو الألفاظ مرات كثيرة.\nحتى إنه وهو يستغرق في الحديث ربما تحتاج بعض الكلمات إلى دقة وموضوعية، ولقد مر معنا طرف من هذا، مثال هذا ما قاله عن عدم وعد المؤمنين بالنصر في أول الدعوة، وعند حديثه عن اليهود، يعدّهم مشركين تارة لقولهم: (عُزَير ابن الله)، وتارة لأنهم لم يحكموا شرع الله وأطاعوا أحبارهم.\nوإذا نظرنا إلى هذا الأمر -في الوقت الذي كان يعيب فيه على بعض المفسرين الكثير من المطولات التي بحثوها في كتبهم- فإننا نجده يخالف منهجه الذي وضعه في الاقتصار على (الظلال) للآيات القرآنية، وانظر مثال ذلك حديثه في مقدمة\n_________\n(١) الإسلام ومشكلات الحضارة سيد قطب ص ١٨٣.","vol":"2","page":412},{"text":"سورة الأنعام، وحديثه في مقدمة سورة الأنفال عن الجهاد ومتعلقاته، وكذلك المواطن التي تحدث فيها عن الغزوات وبعض أحداث السيرة.\nوإذا كنا نتحدث عن الأسلوب فلا ينبغي أن نهمل عناية الرجل بالصور الفنية والمشاهد القرآنية الكثيرة التي يحاول أن يظهرها كأنما هي صور متجسدة أمام القارى، والظلال كله يجسّد فكرة التصوير الفني التي سجلها قطب في كتابه (التصوير الفني في القرآن).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>رابعًا: الشدة والعنف في آرائه:</span>\nولا بد أن نشير هنا إلى أن بعض آرائه تظهر فيها الشدة والعنف وذلك فيما كتبه في مواضع كثيرة حول ما ينبغي أن يكون عليه موقف المسلمين من غيرهم، ولكننا إذا أدركنا ما يعانيه المسلمون اليوم، وعرفنا مقدار الكيد الذي يكاد لهم وما يدبر لهم بليل فإننا يمكن أن نعذر الرجل (١).\nوليس ذنبه أن يأتي بعده من الشباب من يتحمس لآرائه وأفكاره، فيبالغون في فهمها والتمحل في تطبيقها حتى غدت عندهم سيفًا مسلطًا على رقاب الأمة، فوجدنا من يتتسب إليها فيمن يسمون أنفسهم القطبيين) أو (جماعة التكفير والهجرة) أو غير ذلك.\n_________\n(١) يتفاوت هذا بتفاوت الأمكنة والأزمنة فنحن نرى في بلادنا مثلًا أعني بلاد الشام الهجوم السافر على الإسلام وأهله من أصحاب الأيديولوجيات المختلفة- ولقد صدر أخيرًا كتيب بعوان (رسالة القوميين العرب الأولى) يقول فيه صاحبه .... ينبغي أن نغير المفاهيم السائدة في مجتمعنا لنحول بين الابن وأبيه وأن نوجد سدًّا يحول بين الناس وما ألفوه من قيم ومثل، وينبغي أن نأتي بقرآن جديد لنصرف الناس عن القرآن الذي عرفوه من قبل، كذلك صدر لكاتب آخر كتاب (الأيديولوجية الانقلابية) وغاية هؤلاء جميعًا تحويل الناس عن عقيدتهم واقتلاع جذور هذه العقيدة من القلوب. هذا الكفر الصريح ربما لم يظهر في بعض البلاد لذلك كان الظلال المرجع الذي يجد فيه كثير من المسلمين وبخاصة من الناشئة المثقفة منهلًا عذبًا يشبع حاجاتهم الفكرية والعقدية أمام تيار الكفر الزاحف. كتبنا هذا التعليق في وقت إعداد رسالة الدكتواره في أول السبعينيات من القرن الماضي. والأمر اليوم أشدّ من ذلك وأنكى.","vol":"2","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-531>خامسًا: تأثير أسلوبه الأدبي عليه في بعض ألفاظه وعباراته:</span>\nونزيد هنا في حديثنا عن خصائص الظلال العامة تفصيل ما أجملناه في الخصيصة الأولى عندما ذكرنا أن سيدًا ﵀ لم يعن كثيرًا بالتحليل اللفظي، وذكرنا أن ذلك يمكن أن يكون لأنه أراد نقل القارئ إلى ظلال القرآن دون الوقوف عند المصطلحات اللفظية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إن المفسر كانت له اليد الطولى في الكتابات الأدبية والتحليل الفني.\nونزيد هنا أن عدم اهتمامه كثيرًا بالتحليل اللفظي، وعنايته الكبيرة بالأسلوب الأدبي -ومن المعلوم أن الغالب على عبارات الأدباء أن تكون فضفاضة- قد عرَّضَتْه -﵀- لبعض الانتقادات، ذلك أنه كان إذا تحدث عن الأمور المهمة التي تحتاج إلى دقة ولغة مضبوطة لا تحتمل التأويل -كما في قضايا العقيدة وما يتبعها- تحدث عن ذلك بأسلوبه الأدبي المعهود، فكانت عبارته الأدبية البليغة، وكان ذلك الأسلوب الساحر الأخاذ، مما جعل بعض لفظه محتملًا لأكثر من معنى وتفسير.\nفقد جاء بعد الظلال من طار فرحًا بمثل هذه العبارات وأخذها دليلًا للحكم من خلالها على عقيدة سيد أو فكره، ولم يكن ذلك من منطلق علمي موضوعي، وإنما من مواقف كيدية ومرتكزات سلبية في الذهن عند هؤلاء، جَعَلَتْهُم يبحثون ويتصيدون العبارات والأفكار ليصلوا من خلالها إلى اتهام سيد والحكم عليه وعلى عقيدته، على أن الرجل كان بريئًا مما ألصقوه به.\nونحن مع رفضنا التام لهذا الأسلوب، وهذا المنهج الذي ينطلق منه هؤلاء، إلا أننا لا نقر سيدًا ولا غيره أن يكون التعبير والحديث عن قضايا العقيدة وغيرها بلغة محتمِلة، ومن هنا كنا نتمنى أن يكون سيد قد قطع الطريق على كل من يقرأ عباراته أو كتاباته أن يتطرق إلى فكره أي تأويل غير مقبول لكلامه.","vol":"2","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-532>سادسًا: ميزات الظلال:</span>\nوإنصافًا للرجل -لابد من القول بأن للظلال ميزات تنعكس عن شخصية المفسر، وقبل أن نبين تلك الميزات لا بد أن نشير إلى شخصية المفسر نفسه، فلقد كانت كتابته عن القرآن كتابة من تفاعل مع القرآن بعد رحلة طويلة قضاها مع أفكار أرضية متباينة وثقافات متعددة كان أسيرها واستهوت فؤاده وملكت عليه لبه ولكنه بعد أن خبرها جميعها وجدها نخالات وعفارات فكان لا بد من أن يرجع إلى القرآن وثيقة السماء الوحيدة الخالدة رجوعًا فيه سلامة العقيدة وصفاء الفكر (١) يقول سيد ﵀ في كتابه (معالم في الطريق) (٢) (إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاقل يقرأ أربعين سنة كاملة، كان عمله الأول فيها هو القراءة والإطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية ... ما هو من تخصصه وما هو من هواياته ... ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره، فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلًا إلى جانب ذلك الرصيد الضخم -وما كان يمكن أن يكون إلا كذلك- وما هو بنادم على ما قضى فيه أربعين سنة من عمره، فإنما عرف الجاهلية على حقيقتها وعلى إغراقها وعلى ضآلتها وعلى جعجعتها وانتقائها وعلى غرورها وادعائها كذلك، وعلم علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي (ويقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ من سورة الحجرات .. ويختفي شعور كالشعور الذي عشته في فترة من فترات الضياع والقلق -قبل أن أحيا في ظلال القرآن وقبل أن يأخذ الله بيدي إلى عطفه الكريم- ذلك الشعور الذي خلعته روحي المتعبة على الكون كله فعبرت عنه أقول:\nوقف الكون حائرًا أين يمضي ... ولماذا وكيف -لو شاء- يمضي\nعبث ضائع وجهد غبين ... ومصير مقنع ليس يُرضي\n_________\n(١) وهكذا كل رجوع بعد اقتناع وفي مسلك الإمام الغزالي ﵀ خبر دليل على ذلك.\n(٢) ص ١٧٦ طبعة القاهرة.","vol":"2","page":415},{"text":"فأنا أعرف اليوم -ولله الحمد والمنة- أنه ليس هناك جهد غبين فكل جهد مَجزيّ، وليس هناك تعب ضائع فأكل تعب مثمر وإن المصير مُرضٍ، وإنه بين يدي عادل رحيم، وأنا أشعر اليوم -ولله الحمد والمنة- أن الكون لا يقف تلك الوقفة البائسة أبدًا، فروح الكون تؤمن بربها وتتجه إليه وتسبح بحمده، والكون يمضي وفق ناموسه الذي اختاره الله له في طاعة وفي رضى وفي تسليم، وهذا كسب ضخم في عالم الشعور وعالم التفكير كما أنه كسب ضخم في عالم الجسد والأعصاب فوق ما هو كسب ضخم في جمال العمل والنشاط والتأثر والتأثير ...) (١).\n\nهذا هو سيد وتلك شخصيته فما هي الانعكاسات التي انعكست على تفسيره التي يمكنني أن أسميها<span data-type=\"title\" id=toc-533> ميزات التفسير</span>.\nميزات التفسير:\n\nإن<span data-type=\"title\" id=toc-534> الميزة الأولى: في رأي هي الإيمان بالنص القرآني</span>، إيمانًا يجعل كل المسلمات العقلية والعلمية خاضعة وتابعة للتقريرات القرآنية فلم ينجرف وراء العقل كما انجرف غيره، ولم يغال في محاولة التوفيق بين النص ونظريات العلم أو حقائقه كما رأينا من بعض من تصدى للتفسير.\nيقول سيد ﵀ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] وتلمس موافقات من النظريات العلمية للنصوص القرآنية هو هزيمة لجدية الإيمان بهذا القرآن، واليقين بصحة ما فيه وأنه من لدن حكيم خبير، هزيمة ناشئة من الفتنة بالعلم وإعطائه أكثر من مجاله الطبيعي الذي لا يصدق ولا يوثق به إلا في دائرته، فلينتبه إلى دبيب الهزيمة في نفسه من يحسب أنه بتطبيق القرآن على العلم يخدم العقيدة ويثبت الإيمان! إن الإيمان الذي ينتظر كلمة العلم البشري المتقلبة ليثبت لهو إيمان يحتاج إلى إعادة النظر فيه) (٢).\n_________\n(١) الظلال (٦/ ٣٣٥٢، ٣٣٥٣).\n(٢) (٤/ ١٨٥٨).","vol":"2","page":416},{"text":"أما<span data-type=\"title\" id=toc-535> الميزة الثانية: فهي موقفه من الإسرائيليات فكتابه ليس خاليًا من الإسرائيليات </span>فحسب -فهناك كثير من المفسرين يحاولون أن تكون كتبهم كذلك، وسواء تم لهم هذا أم لم يتم وسيد ليس بدعًا منهم فذلك ليس موضوع بحثنا الآن- بل إن له موقفًا يكاد يكون خاصًّا به، هذا الموقف يتجلى واضحًا ويظهر جليًّا في أنه لا يجيز الاستشهاد على تفسير النص القرآني بشيء من العهد القديم والجديد، ولو كان ذلك من أجل الاستئناس، يقول عن الطوفان في تفسير سورة هود (وأساطير بني إسرائيل المدونة فيما يسمونه العهد القديم) تحوي كذلك ذكر طوفان نوح ... ولكن هذا كله شيء لا ينبغي أن يذكر في معرض الحديث القرآني عن الطوفان، ولا ينبغي أن يخلط الخبر الصادق بمثل هذه الروايات الغامضة وهذه الأساطير المجهولة المصدر والأسانيد .. وينبغي أن نذكر أن ما يسمى (بالكتاب المقدس) سواء في ذلك العهد القديم (المحتوي على كتب اليهود والجهد الجديد المحتوي على أناجيل النصارى ليس هذا هو الذي نزل من عند الله ... ومن ثم لا يجوز أن يطلب عند تلك الكتب جميعها يقين في أمر من الأمور) (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-536>الميزة الثالثة: خلو التفسير خلوًا تامًّا من المماحكات اللفظية والتشاد </span>كلاميًا كان أو غير ذلك، فلم نجد فيه ما نجده في غيره، كذلك التراشق العنيف بين المتصوفة والمتسلفة، ولم نجد فيه تلك الحملات العنيفة مثل تلك التي يحمل لواءها صاحب المنار، إن تفسير الظلال خال من تلك المعارك الجانبية بل يلمح القارئ فيه روحانية المتصوف وتمسك السلفي، ويظهر هذا واضحًا وهو يتحدث عن مدى تأثير القرآن في النفس الإنسانية وربط المشاعر والوجدانات بتقريرات القرآن كما يظهر هذا في تحريه للآثار الصحيحة وتقريره وجوب وقوف المسلم عند حدود السنّة المطهرة الشريفة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-537>الميزة الرابعة: هذه الدعوة الصريحة لتحكيم القرآن </span>في مناحي الحياة على\n_________\n(١) (٤/ ١٨٨١).","vol":"2","page":417},{"text":"اختلافها وطرح كل اللافتات والأقنعة التي تحول دون الانطلاق الإسلامي الكامل لمواجهة الجاهلية القابعة وراء تلك اللافتات والأقنعة، وهذه الميزة هي من أهم مميزات الظلال فلا نكاد نجد موضعًا من المواضع يجد الكاتب فيه فرصة إلا ويفرغ فيه ما يختلج في صدره وما يدور في خلده، مما يلمح فيه حرقة المؤمن ولوعته وهو يقارن بين واقع الأمة ومعطيات الإسلام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>الميزة الخامسة: عدم مخالفته للمفسرين:</span>\nعلى أن سيدًا لا تستهويه مخالفة المفسرين فليس من عشاق الإغراب في الرأي ويظهر هذا جليًّا في استشهاده بأقوال المفسرين، وليس معنى هذا أنه لا تظهر شخصيته في كتابته أو أنه يقف موقفًا سلبيًا إزاء بعض المسائل، بل نراه يدلي بدلوه ناقدًا مرجحًا مختارًا، أو مناقشًا داحضًا حينًا آخر، ولقد كان ذلك واضحًا في مناقشته لآراء السيد محمد عزة دروزة في الجهاد، وفي تعليقاته على المدرسة العقلية كما يسميها، كما نرى هذا في مواضع أخرى. يقول في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].\n(ولقد وردت روايات متعددة في تفسير هذه الآية وتحديد الفرقة التي تتفقه في الدين وتنذر قومها إذا رجعت إليهم ... والذي يستقيم عندنا في تفسير الآية أن المؤمنين لا ينفرون كافة -ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة- على التناوب بين من ينفرون ومن يبقون -لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم بما رأته وما فقهته من هذا الدين في أثناء الجهاد والحركة ... والوجه في هذا الذي ذهبنا إليه -وله أصل من تأويل ابن عباس ﵄- ومن تفسير الحسن البصري واختيار ابن جرير وقول لابن كثير -إن هذا الدين منهج حركي لا يفقهه إلا من يتحرك به فالذين يخرجون للجهاد به هم أولى الناس بفقهه بما يكتشف لهم من أسراره ومعانيه وبما","vol":"2","page":418},{"text":"يتجلى لهم من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به، أما الذين يقعدون فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممن تحركوا لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا ولا فقهوا فقههم ... وفي هذا يكون الجهد الجهاد المثمر اللائق، وغير هذا لا يكون إلا هزلًا ترفضه طبيعة هذا الدين، وإلا هروبًا من واجب الجهاد الحقيقي تحت التستر بستار (تجديد الفقه الإسلامي (أو تطويره) هروب خير منه الاعتراف بالضعف والتقصير وطلب المغفرة من الله على التخلف والقعود مع المتخلفين القاعدين) (١).\nكما يقول عند تفسير قول الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣].\nقال المفسرون القدامى (إن التحدي كان على الترتيب بالقرآن كله ثم بعشر سورٍ ثم بسورة واحدة ولكن هذا الترتيب ليس عليه دليل، بل الظاهر أن سورة يونس سابقة والتحدي فيها بسورة واحدة وسورة هود لاحقة والتحدي فيها بعشر سور، وحقيقة أن ترتيب الآيات في النزول ليس من الضروري أن يتبع ترتيب السور ... ولقد حاول السيد رشيد رضا في تفسير المنار أن يجد لهذا العدد (عشر سور) علة فأجهد نفسه طويلًا -رحمة الله عليه- ليقول: (إن المقصود بالتحدي هنا هو القصص القرآني وإنه بالاستقراء يظهر أن السور التي كان قد نزل بها قصص مطول إلى وقت نزول سورة هود كانت عشرًا فتحداهم بعشر (٢) ... ونحسب والله أعلم أن المسألة أيسر من كل هذا التعقيد وأن التحدي كان يلاحظ حالة القائلين وظروف القول ... فالتحدي كان بنوع هذا القرآن لا بمقداره. والعجز كان عن النوع لا عن المقدار، وعندئذ يستوي الكل والبعض والسورة، ولا يلزم ترتيب (٣).\n_________\n(١) الظلال (٣/ ١٧٣٤ - ١٧٣٥).\n(٢) المنار جـ ١٢ ص ٣٢ - ٤١.\n(٣) الظلال (٤/ ١٨٦١). لست مع المفسر فيما ذهب إليه ولا مع صاحب المنار كذلك وإنما الذي ارتئيه -والله أعلم- أن الترتيب كان مرادًا وإن صح أن سورة يونس نزلت قبل سورة هود بجملتها فلا يلزم منه أن آية هود نزلت قبل آية يونس. وهذا وإن نعلمه من جهة آثار صحيحة لكن السياق يحتمه ويقتضيه. انظر تفصيل ذلك في كتابنا (إعجاز القرآن الكريم).","vol":"2","page":419},{"text":"إن الظلال يحتاج إلى دراسة واعية عميقة، ولقد كانت المكتبة الإسلامية في أمسّ الحاجة لتتفيأ ظلال القرآن الوارفة، ولقد كان الظلال بحق مدرسة واضحة المعالم جديدة في طرازها جامعة لشعاب الثقافة الإسلامية غير متأثرة بصبغة خاصة أو نزعة من النزعات للعقل فيها مرتعه وللوجدان فيها غذاؤه ونماؤه، وللروح فيها حياتها وانطلاقها، وأخيرًا فإنه الظلال يتفيؤه هؤلاء الذين يتحركون بالإسلام عقيدة ومنهج وحياة، وهو بحق في حاجة إلى أكثر من هذا (١) ولا غرابة في ذلك فإنه ظلال القرآن، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>الجانب الثاني:</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-540> المتحدثون عن الظلال وصاحبه: </span>-\nلقد هيأ الله تعالى لسيد من يدافع عنه وينافح عن مواقفه، ويدفع عنه كل شبهة، ويعتذر له عن أخطائه التي قد وقع فيها -وما أقلها- موضحًا مراده ومقصوده في بعض عباراته التي توهم معنى غير مقبول، والتي طار بها بعضهم فرحًا، وجعلها دليلًا على رأيه في انحراف سيد في فكره وعقيدته ...\nولما لم يكن هدفنا في هذا الكتاب الحديث عن سيد وفكره وحياته إلا بقدر ما يتصل بالحديث عن الظلال، فإننا لن نعرض لكثير من الشبهات التي أثيرت حول سيد وفكره.\nولقد وفق الله تعالى كثيرًا من المنصفين، للتأليف والكتابة حول سيد قطب وحياته، ومناقشة كثير مما وجه إليه ..\nوليس غريبًا أن يصل عدد المؤلفات التي تحدثت عن سيد، سواء أكانت في نقد\n_________\n(١) قلنا هذا الكلام قبل ما يزيد عن ثلث قرن، ولا زلنا نكرره ونقوله ونؤكد أنه على الرغم مما لقيه الظلال من اهتمام عند الكثير من الدارسين، إلا أنها تبقى لراسات وصفية حول الظلال ويبقى الظلال محتاجًا إلى خدمة تقربه وتسهل على الكثيرين قراءته والإفادة منه.","vol":"2","page":420},{"text":"أفكاره أم الدفاع عنه إلى ما يقرب من الأربعين مؤلفًا، وذلك حسبما أعلمه يقينًا.\nوبعض هذه المؤلفات جمع الشبهات والاتهامات والانتقادات التي وجهت لسيد -﵀- وسجلها جميعها، ونسبها إلى قائليها وردّ عليها ... ولكننا وجدنا بعض القضايا مما لم يعرض له الكاتبون بحاجة إلى تجلية وتوضيح، ولذا سنتحدث هنا عن بعض هذه القضايا وهي:\nأولًا: اتهامات ربيع المدخلي والرد عليه.\nثانيًا: وقفة مع كتاب (في ظلال القرآن) للفرنسي أولفييه كاريه.\nثالثًا: موقف سيد من التفسير العلمي وكلام الدكتور فهد الرومي.\nرابعًا: منهجه في التفسير الموضوعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-541>أولًا: بعض اتهامات ربيع المدخلي لسيد قطب والرد عليها</span>.\nقلنا في بداية الحديث عن سيد قطب ومن تحدث عن الظلال إنه ليس من هدفنا الحديث عن سيد وفكره وحياته إلا بقدر ما يتصل بالحديث عن الظلال.\nومن هذا المنطلق فإننا لن نطيل النفس في حديثنا عن الاتهامات التي وجهها ربيع بن هادي المدخلي لفكر سيد وعقيدته، وبخاصة إذا علمنا أن حديث المدخلي كله منصب على شخص سيد، وليت دراسته كانت موضوعية، وليته تحدث عن أخطاء سيد في الظلال، أو عن الأخطاء التي في كتب سيد بشكل عام، بل إنك تلمس وكأن هم هذا الرجل الحديث عن سيد وشخص سيد كأن بينه وبين سيد عداوة أبدية.\nوإنك تلحظ هذا في كتابَيْه الأول والثاني في هذا الشأن وهما:\nالأول: مطاعن سيد قطب في أصحاب رسول الله -ﷺ-.\nوالثاني: أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره.\nوقد صدر الكتابان عن مكتبة الغرباء في السعودية عام ١٩٩٣ م.\nأما الكتاب الأول فقد كان للدفاع عن صحابة رسول الله -ﷺ-، وعن عثمان رضي","vol":"2","page":421},{"text":"الله عنه تحديدًا، ولو قرأت الكتاب لوجدته للطعن في سيد قطب، لا للدفاع عن الصحابة أو عثمان ﵃ جميعًا، يكفيك دليلًا على ذلك أن تقرأ مقدمة الكتاب وخاتمته لتعرف أن هدف المؤلف متجه إلى كشف عيوب من تصدى لتوجيه الشباب والتأثير فيهم، هذا في مقدمة الكتاب، وفي خاتمة الكتاب يقول: (لقد تبين للمؤمنين أولي الدين والعقول والنهى من هذا العرض مدى ما كان ينطوي عليه سيد قطب من حقد وكراهية لعثمان بن عفان الخليفة الراشد المظلوم، وما ظلم به هذا الخليفة الحمى الصالح الوقور العادل. ومدى التطاول والافتراءات والاتهامات التي جمع فيها بين حقد الروافض والاشتراكيين) (١).\nوقد ختمها بقوله عن سيد (والله حسيبه، والله يكافئه بما يستحق، ووقى شبابَ الأمة سوءُ أفكاره ومبادئه المنافية للمنهج الإسلامي الحق اللابسة لباس الإسلام ظلمًا وزورًا) (٢).\nبهذا التعميم، وهذا الأفق الضيق الجائر يحاكم المدخلي سيد قطب وأفكاره وعقيدته ونتاجه.\nوليته عدل في حكمه وعرض لآراء سيد وأقواله دون أن يكون الحقد على سيد وفكر سيد منطلقه في ذلك، ولو فعل لكان كغيره من المفكرين والعلماء الذين عرضوا لآراء سيد وأقواله وناقشوها نقاشًا علميًّا موضوعيًا بعيدًا عن التعصب والحقد، وبعيدًا عن عبارات الاتهام والتجني في الألفاظ، وذلك من منطلق أن لا أحد معصوم غير الأنبياء، وأنه لا قدسية لكلام أحد غير كلام الوحي.\nوفي الكتاب الآخر (أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره) تجد هذه العنوانات الاستفزازية الصارخة المثيرة التي يظهر فيها التحامل من أولها إلى آخرها:\nشذوذ سيد في تفسير (لا إله إلا الله) عن أهل العلم عدم وضوح الربوبية\n_________\n(١) مطاعن سيد قطب في أصحاب رسول -ﷺ- ص ٢٧٥.\n(٢) السابق ص ٢٧٦.","vol":"2","page":422},{"text":"والألوهية عند سيد وفي ذهنه الشك والتشكيك في أمور عقدية يجب الجزم بها قول سيد بخلق القرآن وأن كلام الله عبارة عن الإرادة قول سيد بعقيدة وحدة الوجود والحلول والجبر غُلوّ سيد في تعطيل صفات الله كما هو شأن الجهمية سيد لا يقبل أخبار الآحاد الصحيحة في العقائد بل ولا المتواترة سيد يجوز للبشر أن يشرعوا قوانين لتحقيق حياة إسلامية صحيحة إيمان سيد قطب بالاشتراكية المادية الغالية (١).\nولعله من حسن حظ الحقيقة وسوء حظ ربيع المدخلي أنه قبل أن يدفع بهذا الكتاب للطبع أرسله إلى الدكتور بكر بن عبد الله أبي زيد، ليقرأه ويسجل عليه بعض الملحوظات، فكان رأيه أن لا ينشر الكتاب وأرسل رسالة إلى المدخلي يدافع فيها عن سيد، فرد عليها بكتاب عنوانه (الحدّ الفاصل بين الحق والباطل- حوار مع الشيخ بكر أبي زيد) وهذا نص الرسالة التي أرسلها بكر أبو زيد للمدخلي:\nبسم الله الرحمن الرحيم\nفضيلة الأخ الشيخ: ربيع بن هادي مدخلي الموقر.\nالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد ...\nفأُشيرُ إلى رغبتكم قراءةَ الكتابِ المرفق: (أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره). هل من ملاحظات عليه؟ ثم هذه الملاحظات هل تَقضي على هذا المشروع، فيُطوى ولا يُروى؟ أمْ هي مما يمكن تعديلُها، فيترشحُ الكتاب بعدُ للطبع والنشر؟ ويكونُ ذخيرةً لكم في الآخرة، بصيرةً لمن شاء الله من عباده في الدنيا! .\nلهذا أبَدي ما يلي:\n١ - نظرْتُ في أَولِ صفحةٍ منه (فهرس الموضوعات) فوجدتُها عناوين قد جَمعَت\n_________\n(١) أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره، انظر الفهرس ص ٢٣٩.","vol":"2","page":423},{"text":"في سيد قطب- رحمه الله تعالى- أُصولَ الكفر، والإلحاد، والزندقة: القولُ بوحدة الوجود، القولُ بخلقِ القرآن، يُجَوِز لغيرِ الله أَنْ يُشَرِّع، غلوُّه في تعطيل صفاتِ الله تعالى، لا تقْبلُ الأحاديث المتواترة، يشكِّكُ في أُمورِ العقيدة التي يَجبُ الجزمُ بها، يُكَفِّرُ المجتمعات ..\nإلى آخرِ تلك العناوين، التي تقشعِرُّ منها جلودُ المؤمنين! ! .\nوأَسِفْتَ على أَحوالِ علماء المسلمين في الأقطار، الذين لم يُنَبِّهوا على هذه الموبقات! وكيفَ الجمعُ بين هذا وبين انتشارِ كتبه في الآفاقِ انتشارَ الشمس، وعامَّتُهم يستفيدونَ منها، حتى أَنتَ في بعض ما كتبت! .\nعند هذا أَخذتُ بالمطابقة بين العنوان والموضوع، فوجدتُ الخبرَ يكذبهُ الخبر! ونهايتُها بالجملة عناوينُ استفزازية، تجذبُ القارئ العاديَّ إلى الوقيعةِ في سيد -رحمه الله تعالى-.\nوأما القارئُ الذي عنده قدرٌ يسير من البصيرة، فإنه إذا قرأَ الموضوعَ داخل الكتاب، سيجدُ عنده ردةَ فعلٍ قوية نحو ما كتبت، وعودةَ الحنين إلى كتب سيد -رحمه الله تعالى-.\nوإني أكرهُ لي ولكم ولكل مسلم، مواطنَ الإثم والجُناح ... وإنَّ من الغبنِ الفاحِش إِهداءَ الإنسانِ حسناتهِ إلى مَن يعتقدُ بغضَه وعداوتَه! .\n٢ - نظرتُ، فوجدتُ هذا الكتاب يفتقدُ (أُصولَ البحثِ العلمي): الحيدةُ العلمية، منهجُ النقد، أَمانةُ النقل والعلم، عدمُ هضمِ الحق! .\nأما أدب الحوار، وسموُّ الأسلوب، ورصانةُ العرض، فلا تمتُّ إلى الكتاب بهاجس! ! وإليك التدليل:\nأولًا: رأيتُ الاعتمادَ في النقل من كتبِ سيد -رحمه الله تعالى- من طبعاتٍ سابقة، مثل (الظلال) و(العدالة الاجتماعية). مع علمِكم أنَّ لها طبعاتٍ معدَّلَة لاحقة! .","vol":"2","page":424},{"text":"والواجبُ حسبَ أُصولِ النقد والأمانة العلمية تسليطُ النقدِ -إنْ كان- على النصِّ من الطبعةِ الأخيرة لكلِّ كتاب، لأنَّ ما فيها من تعديل، ينسخُ ما في سابقتها! .\nوهذا غيرُ خافٍ -إن شاء الله تعالى- على معلوماتِكم الأوَّلية. لكن لعلَّها غلطةُ طالب، حَضَّرَ لكم المعلومات، ولَمَّا يَعْرِفْ هذا؟ .\nوغيرُ خافٍ أَيْضًا ما لهذا من نظائرَ لدى أَهل العلم! فمثلًا كتابُ (الروح) لابن القيم -رحمه الله تعالى- لَمّا رأى بعضهم فيه ما رأَى، قال: لعلَّه في أَوّلِ حياته! ... وهكذا في مواطنَ لغيره ..\nوكتاب (العدالة الاجتماعية) هو أولُ ما ألَّفَه في الإسلاميات والله المستعان! .\nثانيًا: لقد اقشعرَّ جلدي حينما قرأتُ في فهرس هذا الكتاب قولُكم: (سيد قطب يَجَوِّزُ لغيرِ الله أنْ يُشَرِّع)! ! فهرعْتُ إِليها قبلَ كل شيء، فرأيتُ الكلامَ بمجموعهِ نقلًا واحدًا لسطور معدودة من كتابه (العدالة الاجتماعية). وكلامُه لا يفيدُ هذا العنوان الاستفزازيَّ! ! .\nولنفرضْ أَنَّ فيه عبارةً موهمةً أو مطلقة، فكيفَ نُحَوِّلُها إلى مؤاخذةٍ مكَفِّرة؟ تنسفُ ما بنى عليه سيد -رحمه الله تعالى- حياتَه، ووظَّفَ له قلمه، من الدعوةِ إلى توحيدِ الله تعالى في (الحكم والتشريع) ورفض سَنَّ القوانين الوضعية، والوقوفِ في وجوهِ الفَعلة لذلك! ! .\nإنَّ اللهَ يحبُّ العدلَ والإنصافَ في كل شيء، ولا أَراك -إن شاء الله تعالى- إلّا في أَوبةٍ إلى العدلِ والإنصاف! ! .\nثالثًا: ومن العناوين الاستفزازية قولُكم: (قولُ سيد قطب بوحدة الوجود ...)! ! .\nإنَّ سيدًا -رحمه الله تعالى- قال كلامًا متشابهًا، حلَّقَ فيه بالأُسلوب، في تفسيرِ سورتي الحديد والإخلاص، وقد اعْتُمِدَ عليه بنسبةِ القولِ بوحدةِ الوجودِ إليه! .","vol":"2","page":425},{"text":"وأَحْسنتُم حينما نقلْتُم قولَه في تفسير سورة البقرة، من ردِّهِ الواضح الصريح لفكرةِ وحدةِ الوجود، ومنه قولُه: (ومن هنا تَنتفي من التفكير الإسلامي الصحيحِ فكرةُ وحدةِ الوجود).\nوأَزيدكم: إِنّ في كتابه (مقومات التصور الإسلامي) ردًّا شافيًا على القائلين بوحدة الوجود.\nلهذا فنحنُ نقول: غَفَرَ اللهُ لسيد كلامه المتشابه، الذي جَنَحَ فيه بأُسلوب وَسَعَّ فيه العبارة! والمتشابهُ لا يُقاوِم النَّصَّ الصريحَ القاطِعَ من كلامه! .\nلهذا أَرجو المبادرةَ إلى شطبِ هذا التكفير الضمنى لسيد -رحمه الله تعالى- وإني مشفقٌ عليكم! ! .\nرابعًا: وهنا أَقولُ لجنابكم الكريم بكلِّ وضوح: إِنكَ تحتَ هذه العناوين (مخالفتُه في تفسير لا إله إلا الله للعلماء وأهل اللغة) و(عدمُ وضوحِ الربوبية والألوهية عند سيد).\nأَقول: أَيها المحب الحبيب -لقد نَسَفْتَ بلا تثبُّت، جميعَ ما قرَّرَه سيد -رحمهُ الله تعالى- من معالمِ التوحيد، ومقتضياتِه ولوازِمِه التي تحتلُّ السمةَ البارزةَ في حياتِه الطويلة! .\nفجميعُ ما ذكرتمُ يلغيه واحدة، وهي: إنَّ توحيدَ اللهِ في الحكمِ والتشريعِ من مقتضيات كلمةِ التوحيد! .\nوشد -رحمهُ الله تعالى- ركّز على هذا كثيرًا، لِما رأَى من هذه الجرأة الفاجرةِ على إِلغاء شرع الله من القضاءِ وغيره، وإحلالِ القوانين الوضعية بدلًا عنها، ولا شكَّ أن هذه جرأةً عظيمة، ما عهدتهَا الأُمَّةُ الإسلاميةُ في مشوارها الطويل، قبلَ عام ١٣٤٢ هـ.","vol":"2","page":426},{"text":"خامسًا: ومن عناوين الفهرس (قولُ سيد بخلقِ القرآن، وأَنّ كلامَ الله عبارةُ عن الإرادة)! ! .\nولَمَّا رجعْتُ إلى الصفحات المذكورة، لم أَجدْ حرفًا واحدًا، يصرحُ فيه سيد -رحمه الله تعالى- بهذا اللفظ: القرآنُ مخلوَق!\nكيف يكونُ هذا الاسْتسِهال للرمي بهذه المكفِّرات؟\nإِنَّ نهايةَ ما رأَيتُ له تمدُّدٌ في الأسلوب، كقوله: (ولكنهم لا يملكونَ أَنْ يُؤَلِّفوا منها -أي الحروف المقطعة- مثل هذا الكتاب، لأنه من صنعِ الله، لا من صنع الناس)! .\nوهي عبارةٌ لا نشكُّ في خطئها! لكن: هل نحكُمُ من خلالِها أَنَّ سيدًا يقولُ بهذه المقولةِ الكفرية (خلق القرآن)؟ اللهمَّ إِني لا أَستطيعُ تَحَمُّلَ عهدةِ ذلك! ! .\nولقد ذكَّرَني قولُه هذا بقولِ نحوِه، للشيخ (محمد عبد الخالق عضيمة) -رحمه الله تعالى- في مقدمة كتابه: (دراسات في أُسلوبِ القرآن الكريم، الذي طبعتْه -مشكورة- جامعةُ الإمامِ محمد بن سعود الإسلامية! فهل نرمي الجميع بالقولِ بخلقِ القرآن؟ اللهم لا! ! .\nوأَكتفي بهذه من الناحية الموضوعية -وهي المهمَّة-.\nومن جهات أخرى أُبدي ما يلي:\n١ - مسودة هذا الكتاب تقعُ في (١٦١) صفحة بقلم اليد، وهي بخطوطٍ مختلفة! ولا أَعرفُ منه صفحةً واحدةً بقلمكم حسبَ المعتاد! ! إِلَّا أن يكونَ اخْتلَفَ خَطُّكم، أو اختلط عليّ! ! أم أَنه عُهِدَ بكتبِ سيد قطب -رحمه الله تعالى- لعددِ من الطلاب، فاستخرجَ كلُّ طالبٍ ما بدا له، تحتَ إِشرافِكم أو بإِملائِكم! ! ! .","vol":"2","page":427},{"text":"لهذا فلا أتحَقَّقُ عن نسبتِه إليكم، إلَّا أن نُصَّ ما كتبْتَه على طرَّته أنَّه من تأليفِكم! وهذا عندي كافٍ في التوثيقِ بالنسبةِ لشخصِكُم الكريم! ! .\n٢ - مع اختلافِ الخطوط، إلَّا أَنَّ الكتابَ من أَوَّلِهِ إِلى آخره يَجري على وتيرةٍ واحدة، وهي: أَنه بنفسٍ متوتِّرة، وتهيُّج مستمر، ووثبةٍ تضغطُ على النص، حتى يتولَّدَ منه الأخطاءُ الكبار، وتجعلُ محلَّ الاحتمال ومشتبهَ الكلام محلَّ قطع لا يقبلُ الجدال ... وهذا نكْثٌ لمنهجِ النقد: الحيدة العلمية! ! .\n٣ - من حيثُ الصياغة: إِنْ قارَنّا بينَه وبين أُسلوب سيد -رحمه الله تعالى- فهو في نُزولٍ، وسيدٌ قد سَما! ! .\nوإن اعتبرناه عن جانبكم الكريم، فهو أُسلوب (إعدادي)! ! لا يناسبُ إِبرازَه من طالبِ علمٍ حازَ العالميةَ العالية ..\nلا بدَّ من تكافؤ القُدرات في الذوق الأدبي، والقدرةِ على البلاغةِ والبيان، وحسنِ العرض ... وإِلّا فَلْيُكْسَر القلم! ! .\n٤ - لقد طغى أُسلوبُ التهيُّجِ والفزع العلمي على النقد! ولهذا افْتَقَدَ الرّدّ أَدبَ الحوار! ! .\n٥ - في الكتاب من أَوَّلِه إِلى آخره: تَهَجُّم، وضيقُ عَطَن، وتشنَجٌّ في العبارات، فلماذا هذا؟ .\n٦ - هذا الكتابُ يُنَشِّطُ الحزبيةَ الجديدة، التي أَنشأَتْ في نفوسِ الشبيبة جُنوحَ الفكر، بالتحريم تارة، والنقدِ تارة، وأَنَّ هذا بدعة، أو ذاكَ مبتدع، وهذا ضلال، وذاكَ ضالّ ... ولا بَيِّنَةَ كافيةَ للإِثبات! ! . وَوَلَّدَتْ غُرورُ التديّنِ والاستعلاء! حتى كأَنَّما الواحدُ عند فعلَتِه هذه يُلقي حِفلًا عن ظهره، قد استراحَ مِن عَناءِ حمله، وأَنَّه يأَخُذُ بحجزِ الأُمَّةِ عن الهاوية، وأَنه في اعتبارِ الآخرين قد حَلَّقَ في الورعِ والغيرة على حرماتِ الشرع المطهر! ! .","vol":"2","page":428},{"text":"وهذا من غير تحقيق هو في الحقيقةِ هَدْم! وإِنْ اعتبُرَ بناءً عاليَ الشرفات، فهو إلى التساقط، ثم التبردُ في أَدراجِ الرياح العاتية! .\nهذه سماتٌ ستّ، تَمَتَّعَ بها هذا الكتاب، فكانَ غيرَ مُمْتِع! ! .\nهذا ما بدا لي، حسبَ رغبتكم ...\nوأَعتذر عن تأخرِ الجواب، لأنني من قبلُ ليس لي عنايةَ بقراءةِ كتب هذا الرجل، وإِن تداولهَا الناس! ! .\nلكن هولَ ما ذكرتم، دَفَعني إلى قراءاتٍ متعددةٍ في عامَّةِ كتبه، فوجدْتُ في كتبهِ خيرًا كثيرًا، وإيمانًا مشرقًا، وحَقًّا أَبلج، وتَشريحًا فاضحًا لمخططات الأعداء للإسلام! على عثراتٍ في سياقاتهِ، واسترسالٍ بعباراته! ليتَهُ لم يَفُهْ بها! وكثيرٌ منها ينقضُها قولهُ الحق في مكانِ آخر! والكمال عزيز! ! ! .\nوالرجلُ كان أَديبًا نَقّادةَ، ثم اتّجَهَ إِلى خدمةِ الإسلام، من خلالِ القرآن العظيم، والسُّنَّةِ المشرفة، وسَخَّرَ قَلَمَه ووقْتَه ودَمَه في سبيلها، فَشَرِقَ بها طُغاةُ عصْرِه! ! .\nوأَصَرَّ على موقفِه في سبيل الله تعالى، وكَشَفَ عن سالفَتِه! ... وطُلِبَ منه أَنْ يسطُرَ بقلمه كلماتِ اعتذار! وقال كلمته الإيمانية المشهورة: إِنّ اصبعًا أَرْفَعُهُ للشهادة، لنْ أكتبَ به كلمةَ تضادُّها! أو كلمة نحو ذلك! .\nفالواجبُ على الجميع الدعاءُ له بالمغفرة! والاستفادةُ من علمه! وبيانُ ما تَحَقَّقْنا خَطَأَه فيه!\nوإِنّ خطأَه لا يوجبُ حرمانَنا من علمه، ولا هَجْرَ كتبِه!\nواعْتبِرْ -رعاك الله- حاله بحالِ أَسْلافٍ مَضَوْا، أمثال أبي إِسماعيل الهروي والجيلاني، كيف دافعَ عنهما شيخُ الإسلام ابن تيمية -﵀- مع ما لديهما من الطوامَّ! لأنَّ الأصلَ في مسلكهما نصرةُ الإسلام والسُّنَّة! .\nوانظرْ (منازل السائرين) للهروي -رحمه الله تعالى- تَرَ عجائبَ لا يُمكنُ قُبولُها!","vol":"2","page":429},{"text":"ومع ذلك فابنُ القيم -رحمه الله تعالى- يعتذرُ عنه أَشَدَّ الاعتذار، ولا يُجَرِّمُه فيها، وذلكَ في شرحه (مدارج السالكين).\nوقد بسطتُ في كتاب (تصنيف الناس بين الظّنِّ واليقين) ما تيسَّرَ لي من قواعدَ ضابطة في ذلك! .\nوفي الختام: فإِني أنصحُ فضيلةَ الأخ في الله، بالعدولِ عن طبعِ هذا الكتاب (أَضواء إسلامية ..).\nوإنه لا يجوزُ نشرُه، ولا طَبعُه، لما فيه من التَّحامُل الشديد، والتدريبُ القويُّ لشبابِ الأُمة على الوقيعةِ في العلماء، وتشذيبِهم، والحَطِّ من أَقدارهم، والانصرافِ عن فضائلهم! ! .\nواسْمَحْ لي -بارك الله فيك- إِنْ كنتُ قسوتُ في العبارة، فإنه بسببِ ما رأيتهُ من تحامُلِكم الشديد، وشَفَقَتِي عليكم، ورغبتِكم الملحةِ بمعرفةِ ما لديَّ نحوه، جرى القلمُ بما تقدَّمَ! ! .\nسَدَّدَ اللهُ خطى الجميع.\nوالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.\nأخوكم\nبكر بن عبد الله بن أبو زيد ٢٠/ ١/ ١٤١٤ هـ","vol":"2","page":430},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-542>ثانيًا: وقفة مع كتاب (في ظلال القرآن، رؤية استشراقية فرنسية) للمؤلف الفرنسي أوليفييه كاريه:</span>\nلن نقف مع المؤلف في حديثه في المقدمات التي ذكرها وتحدث فيها عن مولد قطب وحياته، وعن علاقته بالإخوان المسلمين، وما مرّ به في حياته من تحولات فكرية ودينية، وما كتبه في حياته وألفه.\nولا مع حديثه عن الحركات الإسلامية المعاصرة التي ظهرت بعد الظلال، ومن أسماهم بالقطبيين ...\nبل نقف مع ما يتصل بموضوع كتابنا، وأول ما نقف معه شخصية صاحب الكتاب وهي تظهر في قدرته على البحث والتنقيب والتدقيق والنقد.\nلكن كتابه هذا وما دسّه فيه يدل أيضًا على هدفه ومقصده، فهو يبادر دائمًا إلى الاتهام، يأخذ العبارات منقوصة غير كاملة، يفهم عبارات سيد كما يشاء، ويفسرها كيفما يهوى دون ضابط، وهو ينقل عبارات سيد بالمعنى، وسواء أكان ذلك من عمل المترجم أم أن المؤلف عند تأليفه للكتاب نقل هذه العبارات بالمعنى الذي ترجمه المؤلف، فإن ذلك أدى إلى تغيير كثير من العبارات ومؤداها ودلالاتها ...\nوالكتاب يحتاج حقيقة إلى قراءة متأنية وإلى أن يكتب حوله كتاب كامل يناقشه في جميع القضايا التي ذكرها ويبين فيها وجه الحق ...\nوالترجمة أيضًا تظهر فيها قوة العبارة وحسن الصياغة حتى إنك لا يمكن أن تشعر أن الكتاب مترجم عن لغة أخرى.\n* ويشير المؤلف ص ٤٠ إلى هدفه من تأليف هذا الكتاب، فيقول:\n(إن مهمتنا هي اكتشاف مبادئ ومنهاج (قراءة) القرآن التي تبناها سيد قطب وتلاميذه، ثم محاولة التعرف على المجتمع الإسلامي (المثالي) الذي يدعو إلى إقامته، والنظام السياسي (الإسلامي) الذي يجب أن يقود هذا المجتمع في عصرنا","vol":"2","page":431},{"text":"الحاضر، كذلك استطلاع (سياسات) الحرب والسلام التي يجب اتباعها في مواجهة (غير المسلمين) في عصر (الجاهلية الحديثة).\nوبصفة عامة علاقة المجتمع الإسلامي مع اليهود والمسيحيين، ومعرفة النظام الاقتصادي، ونظام الأسرة، والدور الاجتماعي للمرأة في هذا المجتمع).\nونلاحظ من هذه الفقرة ومن خلال قراءة الكتاب قراءة تفصيلية دقيقة أن المؤلف جعل الكتاب في خطين متوازيين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-543>الخط الأول: </span>ما قال عنه (اكتشاف مبادئ ومنهاج (قراءة) القرآن التي تبناها سيد قطب وتلاميذه).\nالخط الثاني: ما قال عنه (ثم محاولة التعرف على المجتمع ... الخ الفقرة).\nوستكون قراءتي الناقدة للكتاب من خلال هذين الخطين، ومن خلال الكثير من الملحوظات العلمية المنهجية التي تتعلق بمنهجية الكاتب والملحوظات التي سجلها في كتابه.\n\nالخط الأول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-544>أولًا: الأمور العامة التي أراد المؤلف تأكيدها وتقويم (الظلال) من خلالها:</span>\n١ - (إن كتاب (الظلال) لا يُعدّ كتاب تفسير وفق القواعد المعمول بها ... وسيكون من الظلم أن نتصفحه أو ندرسه ككتاب تفسير (تقليدي) أو أن نقارن بينه وبين الكتب الأخرى التي ظهرت سابقًا في مجال التفسير ... إذن فإن اهتمامنا لا ينصب على (الظلال) كأحد كتب التفسير) ص ٣٤.\nوهو يعدهُ (رؤية معاصرة متحمسة للنصوص القرآنية) ص ٣٥.\n(وهو كتاب عقيدة لإقامة دولة إسلامية أو للقيام (بثورة إسلامية) ص ٣٥.\nوإنه (يمكن مقارنته بكتاب الخميني (الدولة الإسلامية) ص ٣٥.","vol":"2","page":432},{"text":"(ويمكن مقارنته بما كتبه مؤسسا حزب البعث، الأرسوزي وعفلق) ص ٣٥.\nوهو يعده (النص الرمزي) للحركات الإسلامية المعاصرة. ص ٢٩.\nهذه هي النظرة التي ينطلق منها الكاتب في حديثه عن (الظلال) وهو يتعامل معه من خلال هذه الصورة ..\nولا شك في ظلم هذا التصور أو هذه النظرة عن الظلال .. ولا أدري ما هي القواعد المعمول بها التي يقصدها المؤلف، والتي أخرج (الظلال) من زمرة كتب التفسير بسبب عدم توفرها فيه.\n٢ - التشكيك في سلامة (جميع نص الظلال) لسيد قطب:\nيقول: (ولما كان العديد من الفقرات في كتاب الظلال قد تمّ تداوله كنصوص لتكوين وتربية (المناضلين) فإننا نجد أن المضمون الأصلي لبعض الصفحات قد تغير من سنة لأخرى) ص ٣٩.\nولا أدري من أين حكم هذا الحكم؟ ! ! .\nوقد أورد مثالين أراد بهما تأكيد ما يدعيه. ص ٣٩.\nالمثال الأول: ما فعلته زينب الغزالي، حيث طلبت تنقيح مقدمة تفسير سورة الأنعام.\nالمثال الثاني: ظهور بعض الكتيبات بصورة دورية تحتوي على مجموع تفسير الآيات التي تتناول موضوعات الزكاة والربا ...\nومرة أخرى لا أدري هل هذا الذي ذكره يدل على صدق ما ادعاه؟؟ وهو لم يذكر أين وجد ذلك ولم يذكر مصدره! .\nوإن ثبت أن زينب طلبت هذا التنقيح، فهل يُعدّ هذا تغييرًا، وهل يمكن لأحد أن يسمح بذلك، ولا يكون التنقيح إلا حسب الأصل، وهذا ليس تغييرًا، بل هو محاولة لإثبات الحق والأصل.","vol":"2","page":433},{"text":"وليت الأمر -هنا- وقف عند هذا الحد، بل المؤلف يشير في مكان آخر إلى أن محمد قطب قد أدخل بنفسه تعديلات على طبعة الظلال.\nيقول: (إننا يمكن أن نتساءل حول التعديلات التي أدخلها محمد قطب بنفسه على هذه الطبعة، فالإضافات والتصحيحات التي كتبها سيد قطب (بخط يده) في أيامه الأخيرة لم يشر إليها ولم تظهر في الطباعة) ص ٤٠.\nولا ندري أين هذه التي أدخلها محمد قطب كما يدعي هذا الكاتب الفرنسي وها هو يتهم محمد قطب بأنه إما أن يكون أدخل تعديلات سيد التي كتبها بيده، ولكنه لم ينص أو يشر إلى ذلك، أو أنه لم يدخلها ولم تظهر في الطباعة بل أخفاها وحرم الظلال منها ... وهذا ما يظهر من عبارته ... فكيف يسمح محمد قطب لنفسه بذلك إلا في عرف مؤلف الكتاب؟\nوهو بعد قليل يقول: (لكننا، في ذات الوقت لا نجد أسبابًا مقنعة تدعونا إلى الشك في إخلاص ووفاء محمد قطب ..).\nفهو يملك هذه الأسباب التي تدعوه للشك لكنه لا يجدها مقنعة بالشكل الكافي ...\n٣ - إن الظلال هو المسؤول عن حالات التطرف والعنف التي ظهرت في مصر تحت اسم (التكفير والهجرة) أو تحت اسم (الجهاد) وظهور ما يدعون أنفسهم (القطبيين) منذ عام ١٩٧٤ م ص ٤٠.\nوكذلك جعل الأمر في كتاب عفلق يقول (وربما يكون من الظاهر أيضًا أن كتاب عفلق (في سبيل البعث)، هو المسؤول عن (إرهاب الدولة) في كل من سوريا والعراق) ص ٣٦.\nويعمم ليجعل من المعتقدات والمثاليات مأساة، يقول: (وهذه هي مأساة المعتقدات والمثاليات إنها قد تتسبب في ظهور العنف) ص ٣٦.","vol":"2","page":434},{"text":"أقول: إنه ظلم واضح أن نحمّل الظلال مسؤولية حالات التطرف والعنف التي ظهرت في مصر أو غيرها تحت أي اسم كان.\nوالحق أن الذي قد يتسبب في العنف الفهم الخاطئ، أو التطبيق الضال، أو أعظم من هذا ما تعيشه الأمة من ظلم وحرمان وخرق للحريات واستبداد يحول بين الإنسان وبين حقه الذي منحه الله إياه، وهذا يعترف به القاصي والداني حتى من غير المسلمين، وما مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تريده أمريكا إلا أثر من آثار هذا الواقع المر.\n٤ - إن أهم أسباب نجاح وانتشار كتاب (الظلال) وازدياد الإقبال الشعبي على اقتنائه خارج الوطن العربي، هو أن قطبًا استند إلى فكر اثنين من المفكرين من القارة الهندية هما أبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي. ص ٢٩.\nوهو يؤكد في موقع آخر أنه قد كان لكتب أبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي أبلغ الأثر في تفكير سيد قطب.\nونحن لا ننكر تأثر قطب بهذين العالمين، وبما كتباه، ولكننا نعتقد أنه من الظلم وإنقاص قدر قطب وقدر الظلال أن يكون سبب اشتهار الكتاب وانتشاره هو تأثر قطب بهذين العالمين، ونحن نعلم أن للظلال شخصيته المستقلة المتفردة بقطع النظر عن تأثره بهذين العالمين الجليلين ونتاجهما الفكري.\n٥ - يضع الكاتب سيدًا مع مجموعة من الشخصيات المتناقضة في أفكارها وآرائها في مقارنة مع (محمد عبده ورشيد رضا، ومع محمد أركون، ومع الخميني، ومع عفلق والأرسوزي):\n* أما المقارنة مع محمد عبده ورشيد رضا فقد أمعن فيها كثيرًا وكان يعقد في كل فصل من فصول الكتاب وعددها ستة فصول مقارنة بين ما كتبه قطب وما ورد في المنار حول الموضوع نفسه.\nويقف المؤلف أولًا مع سيد ليشير إلى أن (منهج محمد عبده العقلي،","vol":"2","page":435},{"text":"ومدرسته في الدفاع عن الدين، كانت موضوع تشكيك صريح) وذكر على ذلك مثالين من موقف قطب من تفسير عبده لسورة العصر وسورة الفيل. ص ٥٢.\nوقد تحدثنا من قبل عن صلة سيد بالمدرسة العقليهّ وعرفنا أن الشيخ محمد عبده، والشيخ رشيد هما محل إجلال سيد ﵏ جميعًا.\nوالمؤلف كما هي عادته في إطلاق الحكم وتعميمه دون الإشارة إلى نص العبارة عند قطب لم يبين لنا أين صرح قطب بأن مدرسة محمد عبده موضع تشكيك عنده.\nوالمؤلف في جميع مقارناته بين قطب وعبده يركز على موقف المدرستين من القضية التي تناولها في كل فصل من الفصول الستة.\nوأسجل هنا ملاحظتين:\nالأولى: أنه حمل في مقارنته هذه على كل من سيد وعبده في منطلقاتهما في تفسير القرآن الكريم.\nففي المبحث الثاني من الفصل الأول وعند حديثه عن تعدد الزوجات والاسترقاق يقول (فإن قطبًا قد اتخذ موقفًا قاطعًا، معتمدًا على الإيمان القوي، أقل (عقلانية) وأكثر (عقائدية) مقارنة بمحمد عبده ورشيد رضا) ص ٦٥، وانظر ص ١٠٦ - ١٠٧.\nإذن ... فإن قطبًا قد اتخذ موقفًا قاطعًا معتمدًا على الإيمان القوي، أقل عقلانية وأكثر عقائدية مقارنة بمحمد عبده ورشيد رضا.\nوالحق أن هذا اتهام لقطب وعبده، ولمنهج التعامل مع القرآن وفهمه، فيظهر من كلامه أن قطبًا عاطفي يحكم عاطفته في فهم النص وترجيح معانيه أكثر من عقله.\nوأن رضا وعبده يحكمان عقلهما دون عاطفتهما الدينية، وليس الأمر كما زعم.","vol":"2","page":436},{"text":"الثانية: أنه في الإجمال يفضل تفسير الظلال على المنار، وهو قد أطلق على تفسير الظلال اسم (تفسير المجاهد) ص ١٠٦ وما بعدها.\nومن الملاحظ التباين في مقارنته وموقفه من اختلاف قطب وعبده في أي قضية من القضايا، وقد كان اعتماده في جميع هذه المقارنات على كتاب (تفسير المنار في القرآن، للمستشرق جاك جوميير).\n* وأما عن مقارنته سيدًا مع محمد أركون فقد أشار المؤلف إلى ذلك بقوله (إن (القراءة) المعاصرة للقرآن من خلال كتاب الظلال هي بالطبع، على النقيض من (القراءة) (العلمية واللغوية) التي يعرضها (محمد أركون) كمفكر إسلامي، الذي يعتبر (ثوريًا) بالرغم من أسلوبه (المسالم) حيث إن تناوله للقضايا الرئيسية لا يختلف تمامًا عما يقدمه قطب.\nلذلك فإننا عند بحثنا عن (مستقبل الإسلام) لا بد وأن نقارن بين قراءة قطب، وقراءة أركون للقرآن، إن ما يدفعنا إلى ذلك هو أن (معالجات) أركون للنص القرآني (متقدمة) بدرجة كافية، بعدما قدم لنا من بدايات منهجته حول (فعل القرآن) ص ٣٨.\nيبقى أن نسأل ما هي العناصر التي حكم بها على أن (قراءة) أركون للنص القرآني (علمية لغوية) وليست كذلك قراءة قطب، وكيف أن معالجات أركون للنص القرآني متقدمة بدرجة كافية عن معالجات قطب؟ ! ! .\nوالمؤلف -في الوقت نفسه- يعدّ (أركون) أكثر تقاربًا مع قطب من كل كتب التفسير التي ظهرت في عهد عبد الناصر، وخص بذلك كتابه (قراءات في القرآن). ص ١١٣.\nوالمؤلف (ص ١١٠ وما بعدها) يعقد مقارنة في جملة من القضايا بين سيد وأركون، مثل (القاعدة الأساسية للخطاب القرآني) ص ١١٠، النظرة إلى النص القرآني وقداسته، ومقارنته بالتوراة والإنجيل ... الخ. ونحن لا نعجب","vol":"2","page":437},{"text":"أن يكون مثل هذا الموقف من مستشرق، فهذا دينهم دومًا وأبدًا، ونقول: هناك فرق كبير بين سيد الذي يؤمن بالقرآن والنص وحقيقة الدين، وبين أركون الذي تنصر فاحتضنه الغرب، وأخذ ينظر إلى القرآن كأي كتاب بشري يصلح للرد والنقد ... ومن أراد المزيد في هذا الموضوع فليرجع إلى كتابنا (إتقان البرهان في علوم القرآن) في الفصل الذي تحدثنا فيه عن المستشرقين.\n* وهو في مقارنته سيدًا مع الخميني وعفلق والأرسوزي ينطلق من النظرة إلى أن أفكار هؤلاء أفكار ثورية انقلابية: (وإن كتاب الظلال كتاب عقيدة لإقامة دولة إسلامية، أو للقيام بثورة إسلامية، يمكن مقارنته بكتاب الخميني (الدولة الإسلامية) في مقاصده وأهدافه والظروف التي صاحبت نشره في فترة الستينات ..) ص ٣٥.\nثم قال (إن كتاب الظلال يمكن مقارنته أيضًا بما كتبه مؤسسا (حزب البعث) الأرسوزي وعفلق ... وعلى الرغم من أن الفكرتين استخدمتا نفس الكلمة: (البعث) التي وردت في القرآن، ولكنها عند قطب (البعث الإسلامي) بينما عند الأرسوزي وعفلق (البعث العربي) ص ٣٥.\nوفي اعتقادي إن مثل هذه المقارنة بعيدة كل البعد عن الحقيقة والواقع، وتلك قضية بدهية يدركها القاصي والداني.\nهذه هي جملة القضايا العامة التي أراد المؤلف تأكيدها حول الظلال، وهي لا شك تمثل تقييمه للظلال ونظرته إليه ... والملاحظ أنها أمور فيها تجنٍّ كبير على الظلال تجعل منه كتاب رجل ناقم على الأوضاع السياسية والاجتماعية وما يحس به من الظلم، واعتقد أن هذا الشيء هو الذي دفع المؤلف للقول (لقد أراد قطب أن يدخل التجديد الفعلي على الأفكار التي كانت موجودة بصورة (شفافة) مستوحاة من النص القرآني، وذلك لمواجهة الأفكار التي قال بها عبد الناصر) ص ١١٢.","vol":"2","page":438},{"text":"وهذا تقليل واضح من قيمة الظلال العلمية ومثل هذا التجني وغيره هو دأب جلّ المستشرقين وبخاصة الفرنسيين منهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>ثانيًا: رَسمَ المؤلف لمنهج سيد قطب في الظلال الخطوط التالية:</span>\n* جهات التفسير.\n* تعريف (فعل القرآن).\n* الظروف الاجتماعية في مكة والمدينة.\n* القرآن والتاريخ.\n* القرآن والعلوم الحديثة (قضايا منهجية).\nوقد عالج هذه الأمور جميعها في الفصل الأول تحت خمسة مباحث:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-546>المبحث الأول: جهات التفسير:</span>\nوقد حصرها المؤلف في جهتين هما:\n- المستشرقون.\n- كبار علماء التفسير المسلمين.\nومصطلح جهات ليس من المصطلحات المنهجية التي يتداولها العلماء في تقسيم مناهج المفسرين واتجاهات التفسير.\nوحصر هذه الجهات في جهتين لا يعد تقسيمًا علميًّا منهجيًا يتفق مع ما يذكره العلماء ....\nوفي هذا المبحث أراد المؤلف التأكيد على الأمور التالية:\n١ - إن الظلال قد اتخذ موقفًا عدائيًا من المستشرقين بصفة عامة، وإن ما يثير الدهشة عنده -أي المؤلف- موقف قطب من تفسير عبده ومدرسته حيث يعدهم ممن (ساروا على نفس نهج الاستشراق) ص ٤٩.","vol":"2","page":439},{"text":"٢ - إن سيد قطب قد هاجم ما يسمى (بمدرسة محمد عبده) ص ٥١.\nوقد سبق لي أن بينت موقف قطب من هذه المدرسة وأنه يحترم جهودها ويأخذ عنها وينقل في ظلاله، وإن كان يقف منها موقف الناقد البصير.\n٣ - إن المؤلف يأخذ على سيد قطب رفضه لبعض نتائج النقد التاريخي لبعض النصوص القرآنية، بينما قبل بعض الدراسات الأخرى وخاصة التي تناولت البيئة الاجتماعية في جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي ص ٥٣.\nوهو يقارن هذه الخطوة بالحركة الكاثوليكية: الرافضة لكل تحديث أو تجديد، والتي تقول وتتعصب لفكرة تمام الدين وكماله) ص ٥٤.\nونلاحظ كيف أن المؤلف يؤيد فكرة النقد التاريخي (للكتاب المنزل) ويعيب على سيد وغيره من المسلمين الاعتقاد بصحة النص القرآني وثبوته وينتقد التعصب لفكرة تمام الدين وكماله، وهو يعد عدم قبول هذا المنهج في النقد يشبه موقف المتدينين من النصارى في رفضهم لكل تحديث أو تجديد ... والأمر غير دقيق.\nفالنص عندنا ثابت لا شبهة في ثبوته، ونحن نقبل التطور والتجديد في فهمه وإدراك معانيه، أما الكاثوليكية فهي ترفض التجديد والتحديث متمسكةً بنصوص محرفة غير ثابتة وشتان بين الموقفين.\n٤ - ويبين المؤلف هنا من هم المؤلفون الذين تأثر بهم قطب ويذكر أبا الحسن الندوي وأبا الأعلى المودودي (ص ٥٤). والعقاد، وعبد الواحد وافي، ودروزة وأبا زهرة (ص ٥٥).\nونحن نعلم أنه رغم تاثر قطب بهؤلاء وغيرهم، فهو مدرسة وحده في الأسلوب والفكرة والحجة والعاطفة والرقة ...\nونحن لو قرأنا بدقة لوجدنا الفرق بينه وبين أيّ واحد من هؤلاء واضحًا في اللغة ومنهج الكتابة والتأليف.","vol":"2","page":440},{"text":"٥ - وقد أوضح المؤلف أخيرًا موقف قطب في ظلاله من الجهتين اللتين ذكرهما عند تأليفه للظلال ولخص بذلك منطلقات الظلال في تفسير القرآن:\nأ- فقد استفاد بما سبق أن كتبه بنفسه، ورجع إلى مؤلفات أخيه محمد وأحد معاصريه: عبد القادر عودة .. (ص ٥٦).\nب- تجنب قطب الاعتماد على كتب التفسير المعاصرة التي تميزت بالتقليدية، مثل تفسير طنطاوي، والقاسمي ... (ص ٥٦).\nج- ولكنه نقل عن رجال التفسير الكبار الأوائل: الطبري والحسن البصري وابن كثير والزمخشري والرازي (ص ٥٧). فيذكر المؤلف هنا أن قطب قد تأثر بتفسير الترمذي، كما وإنه نقل عن ابن إسحاق وعده مفسرًا، وإن كان قد نقل عنه بعض أحداث السيرة، وهذا تخليط لا يمت إلى العلم بصلة دقيقة بالتراث الإسلامي، وإنهم يتجاهلون ذلك.\nد- إن قطب قد رفض بصورة قاطعة المنطق الجدلي (لرجال التفسير)، وما قال به (رجال علم الكلام) (ص ٥٨).\nهـ- رفض أيضًا أفكار الفلاسفة الإغريقيين القدماء والغربيين المعاصرين (ص ٥٨).\nو- وقطب لا يقبل فهم وتفسير القرآن إلا بالقرآن ذاته (ص ٦٠).\nز- وإن الظلال قد ركز على (القرآن المكي) وإن التمييز بينه وبين (القرآن المدني) يعد أحد المحاور الرئيسة عنده (ص ٦٠).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-547>المبحث الثاني: فعل القرآن (ص ٦٢)</span>.\nيظهر أن المؤلف عقد هذا الفصل ليظهر من خلاله وجه إعجاز القرآن كما يراه سيد قطب، وإن لم يذكر المؤلف ذلك.\n* وهو يركز على أن الوجه الذي يراه سيد في ذلك أبعد من إعجاز نظم القرآن ومعانيه، ومع ذلك لم ينص المؤلف على هذا الوجه الذي يرتئيه سيد، وقد ظهر","vol":"2","page":441},{"text":"من طيات كلام المؤلف وما ساقه من الأمثلة أنه يقصد (الإعجاز التأثيري).\n* ثم ينتقل المؤلف ليعرض مباشرة -دون تمهيد أو تواصل مع ما قبل- إلى الترتيب الموضوعي الذي وضعه سيد قطب لسور القرآن، وإن كل سورة له شخصيتها الخاصة وملامحها المتميزة، ومحورها الذي تشير إليه موضوعاتها جميعًا ص ٦٣.\nويدعي (أوليفييه) أن قطبًا يرى أن محمدًا -ﷺ- هو الذي أمر بتجميع الآيات والسور على الشكل الذي نجده في القرآن الذي بين أيدينا، وإن قطبًا لم يتأثر أو يلتزم بالقضية التي أثارتها (التركيبة العثمانية) ص ٦٣، ٦٤.\nوالمؤلف لم يوثق هذا القول عن سيد قطب، وأين قال سيد قطب أن تجميع القرآن من أمر محمد ﵇ وليس من الوحي، وإنه يرى أن الترتيب العثماني ليس هو الذي أمر به سيدنا محمد -ﷺ-.\nوما ذكره المؤلف هنا ادعاء وافتراء ليس له وجه حق.\n* ووجه آخر يراه قطب في إعجاز القرآن -يشير إليه المؤلف- وهو عدم وجود التعارض أو التناقض بين القرآن في آياته وموضوعاته (ص ٦٤).\n* وفي هذا المبحث عرض المؤلف لموضوع تعدد الزوجات وموضوع الاسترقاق (ص ٦٥).\nوقارن فيه بين قطب ورضا بما ليس له علاقة مباشرة بموضوع المبحث. وقد سبق مناقشة الكاتب في مقارناته بين سيد ومدرسة المنار.\nكما فصل المؤلف كثيرًا في حادثة الغرانيق (ص ٦٥) وحادثة زينب بنت جحش (ص ٦٧) بما ليس له علاقة بموضوع المبحث، وبما أراد الكاتب من خلاله الطعن ليس في الظلال فحسب، وإنما في الدين وفي شخص الرسول -ﷺ-.\n* وأخيرًا عرض لموقف سيد في النظر إلى السور وكونها (مكية) أو (مدنية)","vol":"2","page":442},{"text":"ويرى أن سيدًا يخالف المفسرين في كثير من تقريراتهم حول هذا الأمر، وأنه يعتمد في تقرير ذلك على سياق السورة وموضوعها وأسلوبها ... (ص ٧٠).\nوالحقيقة أن هناك خلافًا بين العلماء في مثل هذه القضايا، وليس سيد بدعًا فيما ذهب إليه في اجتهاداته بهذا الصدد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-548>المبحث الثالث: الظروف الاجتماعية في مكة والمدينة:</span>\n* تحدث المؤلف في هذا المبحث عما يراه أنه الأمر الأساسي في منهج سيد ذلك هو (التركيز على (القرآن المكي) وتمييزه (ص ٧٢).\nودلل على ذلك بسعة حجم مقدمة سورة الأنعام، ولما تحدث عن هذا التركيز الذي يقصده جاء -في الحقيقة- بالأمور المتعلقة بسورة البقرة، وقضايا المجتمع التي عالجتها، وهذه سورة مدنية وليست مكية.\nوالمؤلف يدعي أن سيدًا قد طبق أسلوب (التفسير الحركي) على الآيات المدنية بصفة خاصة (ص ٧٣).\nوهذا فضلًا على أنه يخالف ما قرره سابقًا فهو غير صحيح.\n* وفي هذا المبحث تتبع المؤلف حديث سيد عن المجتمع المدني وحالته وظروفه ونشأته وعلاقته مع نفسه ومع الرسول ومع اليهود ... وهذه من الأمور التي ليست لها علاقة بتوضيح معالم منهج سيد الذي أراد بيانه .. وهي قد تنسجم مع القسم الآخر المتعلق ببيان بعض الموضوعات التي ناقشها الظلال.\n* واللافت للانتباه ما قرره المؤلف أخيرًا حيث يقول: (... هذه الرؤية كان يتجاوز فيها -إذا اقتضت الظروف- (المستندات التاريخية) التي يعتبرها صحيحة في ظروف معينة وغير صالحة في ظروف أخرى.\nوإنه من الصعب جدًّا حقًّا أن يكون الإنسان ذا إيمان وعقيدة قوية، وفي ذات الوقت يكون مؤرخًا لعقيدته ولمؤسساتها الدينية) ص ٨٤.","vol":"2","page":443},{"text":"وهذه عبارة فيها اتهام واضح لسيد وأنه غير موضوعي أو علمي في نقده التاريخي.\nومما يزيد الأمر غرابة أن يعمم صعوبة أن يكون الإنسان ذا إيمان وعقيدة قوية في الوقت الذي يكون فيه مؤرخًا لعقيدته ومؤسساتها الدينية ... فإما مؤرخ غير مؤمن وإما مؤمن غير مؤرخ ... وهذا من عادات المستشرقين ورأيهم في إسدال الستار على الحقائق دائمًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-549>المبحث الرابع: القرآن والتاريخ (ص ٨٥):</span>\nتحدث فيه المؤلف عن نظرة سيد للقضاء والقدر ... وموقفه من الأحداث التاريخية وقصص الأنبياء.\nوقد أكد الحقائق التالية عند سيد وهي تشير إلى منهجه في معالجة قضايا الظلال:\n١ - إن القاعدة الأساسية التي يرتكز عليها سيد في النظر إلى الأحداث والحقائق التاريخية هي التي تقول بوجود إرادة الله ومشيئته في أفعال البشر (ص ٨٥).\n٢ - إنه يعرض لفكرة القدر عند سيد وإنه يطرح مفهومًا محددًا للرؤية الإسلامية المتعلقة بالتاريخ الإنساني، وهذا المفهوم يقضي بأن القرآن هو الحقيقة الأكيدة للتحولات الجديدة في واقع التاريخ الإسلامي، حتى في الفترات التي يحدث فيها انحراف أجيال كاملة من المسلمين وأشار لذلك من خلال ذكره لأرقام ثلاث صفحات في الظلال هي (٢١٧/ ٢٨١/ ٥٨٤) ص ٨٦.\nوالذي يراجع كلام قطب في هذه المواقع وغيرها يجد الأمر مختلفًا تمامًا.\nفالكاتب يريد أن نعتقد أن سيدًا يحمّل القرآن مسؤولية انحراف أجيال كاملة من المسلمين، حتى يقنعنا عندما يقول إن الظلال هو المسؤول عن حالات التطرف الإسلامية التي ظهرت في مصر وغيرها.","vol":"2","page":444},{"text":"والواقع أن كلام سيد قطب -الذي استند إليه المؤلف- ينصبّ بالدرجة الأولى والمباشرة وبشكل واضح على اعتبار أن القرآن هو المصدر الوحيد الذي يجب التلقي عنه، وأن الإسلام يظل بريئًا من هذا الواقع التاريخي الذي ينحرف عن منهج القرآن ...\n٣ - وفي موضوع قصص القرآن يقرر ما يلي:\nأ- أن القرآن يبقى المصدر الوحيد الذي لم يحرف رواية القصص التاريخي القديم ... ص ٨٨.\nب- أن النص القرآني لا يعرض الحوادث عرضًا تاريخيًا مسلسلًا بقصد التسجيل، وإنما هو يعرضها للعبرة والتربية واستخلاص القيم ... ص ٨٨.\nج- أن القرآن يجرد هذه الروايات من طابعها الأسطوري الذي يخدع الجماهير ببريقه ... ص ٩٠.\n* بقي أن أقول: هناك قضايا متعددة مما ذكره المؤلف عن الظلال مما وثقه أو لم يوثقه تحتاج إلى نقاش وحوار وردّ ...\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>المبحث الخامس: القرآن والعلوم الحديثة - قضايا منهجية (ص ٩٤):</span>\n* عرض المؤلف في بداية هذا المبحث إلى الفطرة الإسلامية والخطاب القرآني المؤثر لهذه الفطرة الذي يتولى التوجيه التربوي لها في رغائب الإنسان ودوافعه ...\n* ويمكن تلخيص ما ذكره المؤلف عن منهج القرآن في حديثه عن الحقائق العلمية كما يعرضه سيد بما يلي:\n١ - إنه يخاطب الفطرة ولا يلجأ إلى الأسلوب الجدلي كما هو الحال عند الفلاسفة وعلماء الكهنوت (ص ٩٥).\n٢ - إن القرآن لا يفصّل كثيرًا في ماهية الظواهر الكونية وعللها. إنما يتخذ منها أداة لوصل القلب البشري بالوجود وخالق الوجود (ص ٩٦).","vol":"2","page":445},{"text":"٣ - القرآن يقرر أن الغيب علم، وكل ما يتعلق بالألوهية الذي هو من الغيب هو علم، لا كما يروج في البلاد الإسلامية من أن (الغيبيّة) لا مكان لها في الأنظمة العلمية (ص ٩٥).\n٤ - إن منهج الإسلام هو الذي يوجه العقل للمعرفة والانتفاع بكل إبداع مادي في نطاق منهجيّة للحياة (ص ٩٨).\n٥ - إن القرآن ليس كتاب نظريات علمية ولم يجئ ليكون علمًا تجريبيًا كذلك (ص ٩٨).\n٦ - إننا نتقبل النظريات الفلكية التي لا تخالف الحقائق المجملة التي قررها القرآن ... (ص ٩٨).\n* ثم ينقل عن سيد (الظلال/١٨٢) ما ذكره من الأخطاء المنهجية التي تتعلق بالمزالق العلمية التي يجب تجنبها عند قراءة القرآن:\n١ - تخيل البعض أن العلم هو المهيمن والقرآن تابع ...\n٢ - سوء فهم طبيعة القرآن ووظيفته، حيث إن البعض يحاول أن يبحث في القرآن عن أدلة أو معلومات علمية مادية كالتي يقدمها علم الإنسان.\n٣ - التأويل المستمر -مع التمحل والتكلف- لنصوص القرآن، كي نحملها ونلهث بها وراء الفروض والنظريات ...\n* وفي استكشافه لموقف القرآن من العلوم الحديثة ركز المؤلف على نقطتين هامتين عالجهما سيد في الظلال: (ص ١٠١):\nالأولى: أصل الكون وخلق الإنسان.\nالثانية: إعمال المعجزات وعالم الغيب.\nوفي النقطة الأولى عرض لموقف سيد في الأمور التالية:\n١ - تفسير حقيقة (الأيام الستة) لخلق الكون.","vol":"2","page":446},{"text":"٢ - استواء الله على العرش.\n٣ - بدء نشأة الخلية الحية الأولى في الأرض.\n٤ - وقد تعرض لنظرية (داروين) في نشأة الخلق وانبهار بعض الناس بها.\nوفي الثانية عرض لموضوعات مثل: الجنة والنار، الشياطين، الجنة الأرضية، الوحي، الإسراء والمعراج ...\nوكما هي عادة المؤلف فقد كانت طريقته في التوثيق غير دقيقة وغير واضحة، فهو يذكر أن سيدًا قد قال كذا ولا يشير إلى رقم الصفحة أو أنه ينقل العبارات بالمعنى ...\nوهكذا نكون قد جلينا بعض معالم منهج الظلال من خلال ما كتبه المؤلف، والصورة التي رسمها هذا الكاتب لهذا التفسير العظيم ..\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-551>الخط الثاني:</span>\nوقد عبر عنها المؤلف بقوله (ثم محاولة التعرف على المجتمع (المثالي) الذي يدعو إلى إقامته ..) ص ٤٠.\nوهذا الذي ذكره المؤلف هو الذي عالجه في الفصول الخمسة المتبقية من الكتاب.\nوموضوعات هذه الفصول هي:\nالفصل الثاني: المرأة والأسرة في الإسلام.\nالفصل الثالث: اليهود والمسيحيون في المجتمع الإسلامي.\nالفصل الرابع: الجهاد في سبيل الله.\nالفصل الخامس: المال والعدالة الاجتماعية في الإسلام.\nالفصل السادس: المجتمع الإسلامي وخصائصه الفريدة.\nوبعد قراءة هذه الفصول ومراجعتها يمكن تسجيل النقاط التالية:","vol":"2","page":447},{"text":"أولًا: إن منهج الكاتب في هذه الفصول كان يعتمد التجميع الموضوعي للموضوعات التي كان يتناولها، فيقتطف من الظلال حديثه في الموضوع المعين ويجمعه الكاتب ويؤلف بينه.\nثانيًا: كان في نهاية كل فصل يعقد مقارنة في الموضوع الذي تناوله بين سيد قطب والمنار، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.\nثالثًا: جلّ الدراسة يعتمد على الجانب التشخيصي وعلى النقل وقلت فيه جوانب النقد ..\nرابعًا: لم يكن الكاتب يوثق الصفحات التي كان ينقل منها إلا في القليل من ذلك دون الإشارة إلى رقم الصفحة بل يقتصر أحيانًا على ذكر رقم الآية، وهذا يجهد كثيرًا في التحقق من النقل.\nخامسًا: كان ينقل عبارة سيد دون تنصيص عليها ولا أدري أهذا من فعل المترجم أم المؤلف.\nوهو كثيرًا ما ينقل عبارة سيد بالمعنى مما سمح له بالتدخل في فهمها وتوجيهها كما شاء.\nسادسًا: بقي أن أقول إن هذه الفصول تحتاج إلى قراءة متأنية وتسجيل ما ورد فيها من قضايا ليناقش فيها الكاتب في فهمه ونقله وترجمته للمعاني وفي كل جزئية من جزئيات الكتاب.\nوآمل أن يلتفت بعض الكتاب المسلمين لقراءة هذا الكتاب وبيان ما فيه من خطل وتجنٍّ على الحقائق وأن تترجم هذه الدراسات إلى اللغة الفرنسية لغة الكاتب.","vol":"2","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-552>ثالثًا: حول منهجه في التفسير الموضوعي:</span>\nلقد سبق في حديثنا عن منهج سيد وطريقته في التفسير أن أشرنا إلى شيء من منهجه في التفسير الموضوعي وكيف يقسم السورة ويتحدث عنها وفق هذا التقسيم.\nونحن نؤكد هنا أن جهود سيد في هذا المجال كان لها أكبر الأثر في توجيه أنظار الدارسين من بعده للبحث في هذه القضايا الموضوعية في تفسير القرآن الكريم.\nوسيد لم يكن هو من ابتدع هذا الفنّ لكننا نجده أكثر من أجاد تطبيقه في القرآن كله.\nومع تأكيدنا أن استشراف القضايا المتعلقة بهذا النوع من التفسير مرجعه إلى الاجتهاد والتدبر وطول التأمل، فإننا نعلم حينها مدى ما يمكن أن تختلف وتتباين فيه أنظار الباحثين والعلماء في هذا المجال، وقد يفتح الله تعالى لبعض عباده في هذا المجال، وقد سار سيد قطب -﵀- في هذا المجال وفق اجتهاد وما يراه من خلال تدبره لآيات الكتاب العزيز.\nونرى المؤلف في عرضه لجهود سيد قطب في التفسير الموضوع يقول تارة أنه (قد حكمت النظرة السريعة تقريره -سيد- للوحدة الموضوعية في بعض السور) (ص ١٢٧). وتارة أخرى يقول (أن الذي قاله سيد في الوحدة الموضوعية ليس هو القول الفصل ... إلخ (ص ١٥٨).\nوأود هنا أن أسجل ملحوظات الدكتور زياد الدغامين على جهود سيد قطب في مجال حديثه عن الوحدة الموضوعية في السورة القرآنية ثم أناقش ما يحتاج إلى ذلك وقبل الوقوف مع هذه الملاحظات لا بد من تسجيل بعض القضايا المنهجية على كلام الدكتور الدغامين فيما وصف به جهود سيد قطب:","vol":"2","page":449},{"text":"١ - في مجال رده على كلام الدكتور صلاح الخالدي في حديثه عن أسباب نجاح سيد في القول بالوحدة الموضوعية حيث ذكر الخالدي من ذلك (حياة سيد الطويلة التي قضاها في ظلال القرآن) يرى الدكتور الدغامين أن هذا من الأسباب غير العلمية.\nيقول (هذا فضلًا عن كونها أسبابًا غير علمية، فهل الحياة الطويلة مع القرآن اقتصرت في تاريخنا الإسلامي على حياة سيد ﵀؟ فكم من عالم وعالم كان القرآن شغله الشاغل، لكن هذا لا يستلزم القول بالوحدة الموضوعية في سور القرآن، وهل جرد سيد حياته مع القرآن من أجل البحث عن الوحدة الموضوعية في سُوَرِه؟) ص ١٢٧.\nولا ندري على هذا -ما هي الأسباب العلمية التي تؤهل لاستكشاف الوحدة الموضوعية في سور القرآن الكريم والبحث عن مناسبة السور والآيات؟ ! ! .\nونحن نؤكد أن من الأسباب العلمية - في هذا المجال - التدبر لآيات الكتاب الكريم وطول التأمل مع ما يرافقه من أسباب أخرى، وتوفيق الله تعالى فوق ذلك كله.\n٢ - وإذا كان الدكتور الدغامين يرى أن سيد (قد حكمت النظرة السريعة تقريره للوحدة الموضوعية في بعض السور، وكان -أحيانًا- يفسر جزءًا من القرآن في شهرين، في حين كان البقاعي ينظر في مناسبة آية شهورًا) ص ١٢٧.\nفإن ذلك ليس مأخذًا على سيد، إذ القضية ليست قضية زمن طويل أو قصير.\n٣ - والدكتور الدغامين يرى (أن الذي قاله سيد في الوحدة الموضوعية ليس هو القول الفصل، وأن ما ذهب إليه في ذلك ليس هو المذهب الجزل في كثير من السور، مع أن له جهدًا عميقًا وكبيرًا لا يستهان به في هذا المضمار) ص ١٢٨.\nأقول: من الذي يدعي أن ما قاله سيد هو القول الفصل؟ وأظن أن سيدًا نفسه لا يمكن أن يدعي ذلك، إنما هذه أمور اجتهادية، ولا شيء يمنع أن تختلف فيها الأنظار وتتعدد.","vol":"2","page":450},{"text":"٤ - ثم يعلق الدكتور زياد على جهود سيد فيقول: (هذا الجهد يفتقر أحيانًا إلى المنهج الواضح، أو الالتزام بمنهج منضبط) ص ١٢٨.\nفهو يرى أن هذا الجهد يفتقر أحيانًا إلى المنهج الواضح، ونحن نريد أن نرى هذا المنهج الواضح الذي افتقر إليه جهد سيد، ولم نجد الدكتور زياد الدغامين قد حدد لنا معالم هذا المنهج الذي يجب أن يضبط جهود العلماء في تقرير الوحدة الموضوعية والقضايا الموضوعية للسور القرآنية.\nوما ذكره الدكتور الدغامين في آخر كتابه من خطوات عدها منهجية لتحديد الوحدة الموضوعية في سور القرآن لا نجد أبدًا أن سيدًا قد افتقر إليها.\nبل إن هذه الخطوات يمكن استقاؤها من خلال جهود سيد رحمه الله تعالى.\nبل إن ما ذكره الدكتور الدغامين في حديثه عن (الوحدة الموضوعية) والنقاط التي ذكرها، وكذلك النموذج التطبيقي الذي أتى به، كل ذلك يحتاج إلى نقاش، بل هو غير مسلم، بل فيه بعد، ويصعب على الدارس أن يتقبله، إن تقريره للوحدة الموضوعية في سورة الحجر، يصعب أن يتقبله الذي تشبع بالقرآن الكريم، وملك عليه القرآن مشاعره وأحاسيسه.\nوالدكتور يرى أيضًا أن هذه الجهود تفتقر إلى (الالتزام بمنهج منضبط)، ونحن لم نجد أي تناقض في آراء سيد حول الملامح الشخصية للسور القرآنية، ولم نجده يناقض أيضًا نفسه في تقرير هذه الملامح، بل هو ينظر في كل سورة بما يتناسب واسمها وآياتها وروابط آياتها، وقد سبق أن ذكرنا أن هذه من القضايا الاجتهادية فما كان يتوصل إليه، كان من خلال منهجه الذي قرره لنفسه في تحديد شخصية السورة -وليس وحدتها الموضوعية- والذي لم يصرح به لكنه يظهر جليًّا من خلال تفسيره.\nومما تجدر الإشارة إليه هنا أن العلماء لم يتفقوا على القول بالوحدة الموضوعية للسورة القرآنية، ففي الوقت الذي يثبت فيه بعضهم تلك القضية نجد من لا يلتفت إليها ولا ينص عليها.","vol":"2","page":451},{"text":"وسيد قطب نفسه ومن قبله الدكتور محمد عبد الله دراز لم يدَّع أحد منهما الوحدة الموضوعية للسورة، وإن كان قد تحدث كل واحد منهما عن ملامح وشخصية السورة القرآنية.\nنعود الآن إلى بعض الملاحظات التي سجلها الدكتور زياد على جهود سيد قطب في هذا المجال:\n١ - يقول الدكتور زياد إن سيدًا (واجه صعوبة ملحوظة في تحديده لموضوع السور المكية على الإطلاق، فكم من سورة ذكر أنها تعالج موضوعات القرآن المكي) ص ١٢٨.\nوهذا الكلام يحتاج إلى دليل أو تصريح من صاحب الشأن، وليس ذلك بممكن، ولا يجوز أن نعدّ الدليل على ذلك اختياره لموضوع واحد تحدده أكثر من سورة.\nفكونه يرى أن أكثر من سورة تعالج موضوعًا واحدًا أو موضوعات متقاربة لا يعني أبدًا أنه واجه صعوبة ملحوظة في تحديده لموضوع السور المكية على الإطلاق، ونحن نعلم -كما أسلفنا- أن هذه الأمور مردها إلى الاجتهاد، وكان هذا رأيه في ذلك.\nثم إن سيدًا كان يصرح بهذا الاتفاق في الموضوع أو التقارب في الموضوعات، مما يدل على أن هذا رأيه، وليس ذلك تابعًا عن صعوبة في تحديد الموضوع، وهو يقرر أيضًا أن الجديد هو أسلوب العرض في كل سورة، وهذا أمر لا يختلف فيه اثنان.\nوالدكتور الدغامين يعلق في هذا المجال ويبين أنه (على ذلك يصبح المميز للسورة هو أسلوبها وطريقة عرضها وليس موضوعها، ومن ثم لا يمكن الاعتداد بالوحدة الموضوعية في السورة) ص ١٢٩.\nوهذا كلام غريب، فما المانع أن يكون المميز للسورة هو أسلوبها وطريقة عرضها، وهل يمنع هذا أن يكون للسورة موضوع معين قد تتفق فيه مع سورة أخرى أو أكثر عن سورة في بعض، جوانبه.","vol":"2","page":452},{"text":"ونحن نعلم أن من أسلوب القرآن الكريم أن يعرض بعض الموضوعات المهمة كقضايا العقيدة أكثر من مرة، وكل مرة بأسلوب جديد لغاية جديدة.\nثم من قال إن اتفاق بعض السور في موضوع واحد يمنع من الاعتداد بالوحدة الموضوعية، وهل الوحدة الموضوعية -على ما قلناه في الوحدة الموضوعية من قبل- يحتمه الوحي ويفرضه الشرع ويمنع من مخالفته؟ .\nإن هذه القضايا يجب أن تجلى وتوضح في أذهان كثير من الدارسين حتى لا تزلّ أقدامهم عن طريق الحق في نظرتهم لجهود العلماء.\n٢ - ونرى أيضًا أن الدكتور الدغامين يلاحظ على سيد قطب في تحديده للوحدة الموضوعية لسور القرآن تشابه سور معدودة في موضوعها وطريقة عرضها وإيقاعها) ص ١٢٩.\nوأتساءل هنا: هل هذه قضية يعاب بها سيد وجهوده؟ إن اجتهاد سيد قد أوصله إلى هذا الرأي، وهو لا يرى مانعًا من هذا التشابه أو التقارب، والدكتور زياد لما كان يرى غير ذلك -وهو رأي اجتهادي، حيث يرى أن لكل سورة موضوعًا واحدا فليس له الحق أن يعيب على غيره اجتهاده، ثم إن نظرته فيما طبقه على سورة الحجر لايسلم له فيها كما قلنا.\n٣ - لكن الذي يحتاج إلى وقفة أطول ومراجعة أدق من كلام الدكتور زياد السابق هو حديثه عن أسلوب القرآن والاحتكام إليه:\nيقول: وأرى كذلك أن الاحتكام إلى الأسلوب بحيث يكون هو المميز للسورة أمر مشكل، إذ يلزم كل باحث في سورة ما أن يبين كيفية الاختلاف من سورة إلى سورة في تناولها لموضوع ما من حيث أسلوبها، فلو درسنا موضوع البعث -الذي تناولته سور كثيرة جدًّا- في سورة (ق) مثلًا، فهل يلزمنا أن نبين الفرق في الأسلوب بين (ق) وتلك السور الكثيرة الأخرى التي تناولت موضوع البعث والنشور؟\nوليعلم أنني لا أقلل بهذا من شان الذوق في فهم وإراك إعجاز القرآن. في نظمه ولغته وأسلوبه) ض ١٣٠.","vol":"2","page":453},{"text":"والدكتور زياد يدافع عن نفسه -في عبارته الأخيرة- من حيث يرى نفسه متهمًا فيما قاله.\nوهذا الكلام يحتاج من صاحبه إلى مراجعة وتوضيح، فنحن نعلم أن من أسرار إعجاز القرآن الكريم ما يعبر به عن الموضوع الواحد أو القضية الواحدة بأساليب متعددة في النظم القرآني.\nوما المانع أن ندرس اختلاف النظم بين موقع وآخر في القرآن الكريم، في الموضوع الواحد؟ بل إن هذا من أعظم ما يكشف أسرار الإعجاز القرآني.\nأقول: ونحن إذ نوافق الدكتور زيادًا في قوله عن جهود سيد في هذا الاتجاه إنها (كانت متقدمة إلى حد كبير) ص ١٣٤ إلا أننا لا نقره في كثير مما ذهب إليه في نظرته وتقييمه لهذه الجهود.\nومن الحق أن نقرر هنا أنه ليس سيّدٌ وحده الذي نال منه الدكتور زياد، بل إن هذا شأنه مع المفسرين جميعًا ابتداءً من ابن جرير إلى ما بعد سيد مثل ابن عاشور وغيره، ومع أن هذا لم أكن أعرفه من الدكتور زياد، فلقد درسته أكثر من مساق في المرحلة الجامعية الأولى وأشرفت على رسالته في المرحلة الجامعية الثانية -الماجستير- فكان المفسرون والعلماء موضع احترامه وتقديره وإجلاله، سامح الله الدكتور زيادًا، ونرجو له ولأمثاله الرفق بأئمتنا وعلمائنا.\nوبعد فأكتفي بما ذكرته عن الظلال وموقف الكاتبين منه، وما أجمل الموقف الوسط الخالي من الإفراط والتفريط رحم الله صاحب الظلال وأرجو أن يكرمه الله بمراتب العلماء ونزل الشهداء، فقد جاء في الحديث الصحيح (يشفع يوم القيامة الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء) ولقد كان سيد عالمًا شهيدًا، ﵀.","vol":"2","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-553>الفصل الرابع مدرسة الجمهور</span>\nونتحدث فيها عن:\n١ - تفسير القاسمي.\n٢ - التفسير الوسيط.\n٣ - تفسير الأستاذ محمد فريد وجدي.\n٤ - صفوة البيان لمعاني القرآن للشيخ حسنين مخلوف.\n٥ - تفسير الشيخ السعدي.\n٦ - تفسير ابن باديس.\n٧ - تفسير الشيخ حسن البنا.\n٨ - الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين.","vol":"2","page":455},{"text":"الفصل الرابع مدرسة الجمهور\n\nأولًا:<span data-type=\"title\" id=toc-554> محاسن التأويل للشيخ محمد جمال الدين القاسمي</span>\nكان لدعوة ابن تيمية أثر كبير في كثير من البلاد الإسلامية، وطبيعي أن يكون نصيب البلاد السورية من هذا الأثر وافيًا وافرًا، ومن هنا فليس عجيبًا أن نرى عناية خاصة بعلوم السنة، واهتمامًا بفقهها، وهرعًا إليها عند محاولة تفسير كتاب الله، على النهج الذي سار عليه ابن تيمية وتلميذاه ابن كثير وابن القيم، ومن بعدهما البرهان البقاعي. ومع ما لقيته آراء ابن تيمية من معارضة شديدة على مدى الأيام، إلا أنها كانت لا تعدم مدافعين عنها متحمسين لها يعملون ولو بالخفاء ولقد كان من هؤلاء في المتأخرين جمال الدين القاسمي (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-555>مولده ونشأته:</span>\nهو محمد جمال الدين أبو الفرج بن محمد بن سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن أبي بكر المعروف بالقاسمي، ولد سنة ١٢٨٣ هـ الموافق ١٨٦٦ م في مدينة دمشق، من بيت عرف بالتقوى والعلم وقد كان تشجيع أبيه، سببًا في نشأته نشأة صالحة.\nحفظ القرآن الكريم وتعلم الكتابة ومبادئ العلوم، ثم جود القرآن على شيخ\n_________\n(١) على أن كثيرًا من التفاسير التي ظهرت في بلاد الشام، كانت بعيدة عن صبغة التأثر بابن تيمية على الرغم من قرب العهد بين مؤلفيها وبينه، وذلك كتفسير ابن النقيب الحنفي المتوفى سنة ثمان وتسعين وستمائة، وعلاء الدين الخازن الشافعي المتوفى سنة خمس وعشرين وسبعمائة.","vol":"2","page":457},{"text":"القراء الشيخ أحمد الحلواني، ودرس على الشيخ سليم العطار، وسمع منه مجالس من البخاري دراية، وحضر دروسه في الموطأ والشفاء ومصابيح السنة والجامع الصغير والطريقة المحمدية وغيرها، وذكر من مشايخه كلًّا من الشيخ بكري العطار والشيخ محمد الخاني، وخال والده الشيخ حسن جبينه الشهير بالدسوقي. وأجازه كثير من علماء مصر.\nوقد جلس للتدريس وله من العمر أربعة عشر عامًا، ثم قام مقام أبيه في الدرس العام في جامع السنانية، بعد وفاته عام ١٣١٧ هـ، وفي أول درس له بعد وفاة أبيه حضر علماء الشام -وكانت عادة متبعة- وجلس الشيخ جمال الدين لإلقاء الدرس من رياض الصالحين، وبعد المقدمة قال: (قد جرت عادة أسلافنا وأشياخنا المحققين قدس الله أرواحهم أجمعين، أن يذكروا في مثل هذا المجلس سندهم إلى مقرئيهم، وأن يذكروا بعض مشايخهم والآخذين عنهم والمجازين منهم، تجديدًا لذكراهم وطلبًا للترضي عنهم والترحم عليهم، وإني مع قصر باعي وقلة بضاعتي، ووفور انكساري، أتأسى بهديهم وأقتدي بصنعهم تشبهًا بهم كما قيل:\nإن لم تكونوا مثلهم فتشبهوا ... إن التشبه بالكرام فلاح\nثم ذكر أنه تلقاه عن أبيه عن جده الشيخ قاسم، وأعلى إسناد له في هذا الكتاب وسائر مصنفات النووي، عن أستاذه السيد محمد الدسوقي عن الشيخ علي السليمي الصالح عن الشيخ عبد الغني النابلسي، عن الإمام نجم الدين عن والده بدر الدين الغزي، عن القاضي زكريا الأنصاري، عن الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، عن الحافظ زين الدين عبد الرحيم العراقي، عن علاء الدين العطار، عن شيخه الإمام النووي ﵁) وقد استمر في الإمامة والدرس العام في هذا المسجد حتى لقي وجه ربه عام ١٣٣٢ هـ/ ١٩١٤ م.","vol":"2","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-556>ثقافته:</span>\nولقد كانت الحياة الثقافية ضعيفة في عصره، فلا مدارس ولا معاهد ولا جامعات، والطباعة ضعيفة، وكان اعتماد القلة من الناس على الكتاتيب، وحلقات الجوامع والدروس الخاصة في البيوت، وكان حال الحياة الدينية نتيجة طبيعية للحياة الثقافية، ولكن الشيخ لم يقنع بما قنع به الكثيرون من أبناء عصره، فكان ينمي ثقافته دائمًا بمختلف العلوم وأنواع المعارف، ويدلنا على ذلك مكتبته التي تزيد على ألفي مجلد، وليست محتوياتها العلوم اللغوية والشرعية فحسب، بل تعدتها إلى كتب الفلسفة والقانون، وكتب الفرق الإسلامية والديانات والعلوم الحديثة، ووجود المكتبات وحده لا يدل على زياد علم، فنحن مبتلون اليوم بهذا الداء: كثرة الكتب مع قلة القراءة والاطلاع، ولكن القاسمي ﵀، قل أن يوجد كتاب في مكتبته إلا وله فيه تصحيح أو حاشية أو تعليق، ولقد ساعده على ذلك حبه الرحلة للاتصال بمشاهير العلماء في عهده، فرحل إلى مصر حيث التقى بالإمام محمد عبده، وكان من المعجبين به.\nيقول الشيخ محمد رشيد رضا في وصف القاسمي (كان من أكمل ما رأيت في آدابه وأخلاقه وشمائله ... وكان تقيًا ناسكًا واسع العلم، سليم القلب، نزيه النفس واللسان والقلم برًا بالأهل وفيًا للإخوان، يأخذ ما صفا ويدع ما كدر، عائلًا عفيفًا قانعًا ... ومن عظيم همته أنه شدّ الرحال إلى البلاد الحجازية في غير موسم الحج للاطلاع على كتاب المحلى لابن حزم لعدم وجوده في دمشق ...) (١).\nويقول الأمير شكيب أرسلان: ويمكنني أن أقول: إنه لم يعط أحد شطر الجمال المعنوي الذي يحبه الله تعالى، ويشغف به عباد الله سبحانه، بدرجة المرحوم جمال الدين القاسمي الدمشقي الذي كان في هذه الحقبة الأخيرة جمال دمشق، وجمال القطر الشامي في غزارة فضله وسعة علمه وشغوف حسه، وذكاء نفسه وكرم\n_________\n(١) المنار (جـ ٨ ص ٦٣٤، ٦٣٥).","vol":"2","page":459},{"text":"أخلاقه، وشرف منازعه وجمعه بين الشمائل الباهية والمعارف المتناهية، بحيث إن كل من كان يدخل دمشق ويتعرف إلى ذلك الحبر الفاضل والجهبذ الكامل، كان يرى أنه إن لم يكن فيها إلا ملك الذات البهية المتجلية بتلك الشمائل السرية والعلوم العبقرية، لكان ذلك كافيًا في إظهار تفوقها على سائر البلاد، وإثبات أن أحاديث مجدها موصولة الإسناد.\nأما جميل العظم فيقول: انفرد جمال الدين بفضائل أثيرة، ومناقب كثيرة، وصبر لصدمات المهاجمين من المتفقهية والقصاص والمخرفين، وله معهم مواقف، حافظ فيها على سكينته ووقاره، ولم يتجاوز فيهما حد المدافعة، فلم يسمع له فيها قعقعة مراء، ولا صليل جدل، فكان جمال الدين في خلقه كجمال الدين في فارس، وصديّق خان في الهند، والأستاذ الإمام في مصر، ولم أر في الرجال من استقام على الطريقة بعد أولئك الثلاثة مثل الجمال القاسمي إلا أن يكون صاحب المنار).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-557>أفكاره وآثاره:</span>\nهذا عن ثقافة الشيخ، أما أفكاره وآراؤه، فلعل مما يلقي ضوءًا عليها ما يذكره عن نفسه من أنه مثل أمام المحكمة، التي كان من أعضائها مفتي الشام وقاضيها، حيث وجهت إليه تهمة الاجتهاد، وعدم الاكتراث بآراء الفقهاء، وابتداع مذهب يسمى مذهب الجمالي، وأنه عاكف مع جماعة معه على قراءة كتب التفسير والحديث، ونبذ الكتب الفقهية، وكما وجهت إليه هذه التهمة، وجهت إلى عدد من العلماء لكن أحدًا منهم لم يوقف على ذمة التحقيق سواه، ولعل مما يزيدنا معرفة بشخصيته وآرائه العلمية التي تركها<span data-type=\"title\" id=toc-558> آثاره العلمية</span>.\nآثاره العلمية:\nوهب القاسمي القدرة على التأليف والجمع. منذ حداثة سنه، وقد كان ﵀ يكتب دون انقطاع، حتى في أيام المرض، وأكثر كتاباته في خدمة الشريعة","vol":"2","page":460},{"text":"المطهرة، جلى فيها حقائقها، وقد كتب في موضوعات أخرى متعددة إلا أنه قال: (كل مؤلف لي قبل ١٣٢٠ فلي فيه وقفه).\nوقد ترك آثارًا علمية كثيرة بعضها طبع في حياته وبعضها طبع بعد وفاته.\nوسأثبت هنا أهم هذه الكتب:\n١ - السفينة: وهي عبارة عن مجموعة من الحكم والنوادر والوصايا، والنصائح الأخلاقية والأحاديث النبوية جمعها وهو ابن ست عشرة سنة.\n٢ - الأنوار القدسية على متن الشمسية.\n٣ - المسند الأحمد على مسند الإمام أحمد.\n٤ - بديع المكنون في مسائل الفنون.\n٥ - الطالع المسعود على تفسير أبي المسعود.\n٦ - شمس الجمال على منتخب كنز العمال.\n٧ - تعطير الشام في مآثر دمشق الشام.\n٨ - قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث.\n٩ - الفضل المبين على عقد الجوهر الثمين (شرح الأربعين العجلونية).\n١٠ - غنية الهمة على كشف الغمة.\n١١ - رسالة في علم الأصول.\n١٢ - الأجوبة المرضية على ما أورده، كمال الدين بن الهمام، على المستدلين بثبوت سنة المغرب القبلية.\n١٣ - موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، وهو مختصر لكتاب الإحياء أشار عليه بكتابته محمد عبده.","vol":"2","page":461},{"text":"١٤ - إصلاح المساجد من البدع والعوائد في مجلد تبلغ عدد صفحاته ٢٨٠ صفحة تقريبًا.\n١٥ - تاريخ الجهمية والمعتزلة وهو مطبوع.\n١٦ - دلائل التوحيد وهو مطبوع.\n١٧ - الفتوى في الإسلام مطبوع.\n١٨ - مذاهب الأعراب وفلاسفة الإسلام في الجن مطبوع.\n١٩ - تنبيه الطالب إلى معرفة الفرض والواجب مطبوع.\n٢٠ - نقد النصائح الكافية.\n٢١ - قاموس الصناعات الشامية.\n٢٢ - شرح العقائد.\n٢٣ - المسح على الجوربين.\n\n٢٤ -<span data-type=\"title\" id=toc-559> محاسن التأويل: </span>وهو تفسير القرآن العظيم في سبعة عشر جزءًا وهو أشهر كتبه.\nمحاسن التأويل:\nابتدأ الأستاذ القاسمي تفسيره للقرآن عام ١٣١٧، وانتهى منه عام ١٣٢٩ هـ وهو تفسير ضخم يقع في سبعة عشر جزءًا، يحتوي الجزء الأول منه على مقدمات في أصول التفسير، ومباحث ذات اتصال بالقرآن الكريم، وقد طبع لأول مرة في مطبعة دار إحياء الكتب العربية عام ١٩٥٧، وتفسيره هذا كسائر كتبه، يغلب عليه فيها طابع الجمع، ولكنه والحق يقال أمين في نقله من جهة، وليس حاطب ليل من جهة أخرى، فهو لا ينقل إلا ما يرى فيه فائدة وحكمة وعبرة، لا يضيره أن ينقل عن أي أحد، أشعريًا أو معتزليًا، سنيًا أو زيديًا، سلفيًا أو متصوفيًا. كل ذلك نجده","vol":"2","page":462},{"text":"في كتابه، وسنوضحه بإيراد نماذج منه إن شاء الله تعالى، والنقل والجمع لا يعاب بهما الإنسان، فلقد عرف في تاريخنا أعلام تميزت كتبهم بهذه الميزة، وإن كانوا يتفاوتون في ذلك، كالسيوطي والآلوسي، وبعض هؤلاء لا تتلاشى شخصيتهم العلمية، بل تبرز واضحة المعالم، متميزة تتضاءل أمامها الجموع والنقول، فهل كانت شخصية القاسمي كذلك؟ ذلك ما سنتلمسه من أقوال النقاد، قبل أن نبدي رأينا فيه أو نصدر حكمنا عليه.\nيقول أمير البيان شكيب أرسلان في مقدمته لكاب قواعد التحديث: (وإني لأوصي جميع الناشئة الإسلامية، التي تريد أن تفهم الشرع فهمًا، ترتاح إليه ضمائرها، وتعقد عليه خناصرها، أن لا تقدم شيئًا على قراءة تصانيف المرحوم الشيخ جمال القاسمي. (ويقول السيد محمد رشيد رضا في مجلة المنار المجلد السابع عشر عن القاسمي: (هو علامة الشام ونادرة الأيام، والمجدد لعلوم الإسلام، محيي السنة بالعلم والعمل، والتعليم والتهذيب والتأليف، وأحد حلقات الاتصال بين هدى السلف والارتقاء المدني الذي يقتضيه الزمن).\nوإلى جانب هذين، نجد السيد محمد كرد علي، يرى أن الشيخ القاسمي ليس له شيء في مؤلفاته، سوى النقل والجمع، وكأنه يريد أن يقول إن شخصيتة غير بارزة في ثنايا كتبه.\nولكن الأستاذ ظافر القاسمي -نجل المؤلف- لا يعجبه هذا القول، ويسوغ الطريقة التي اتبعها أبوه، بأن العصر الذي عاش فيه، كان عصر جمود ولعل الكثيرين لا يرضيهم قوله هو، فكان ينقل عن العلماء الأقدمين ما يثبت به رأيه، لأن أحدًا لا يعترض عليهم، وإن نقل الإنسان قطعة من عقله، وبأن القاسمي كان ذا أسلوب جيد، يعرف هذا من قرأ مقدمة كتبه، فكان بإمكانه الاستغناء عن النقل والجمع لولا ما تقدم (١).\n_________\n(١) حياة جمال الدين القاسمي.","vol":"2","page":463},{"text":"ولن أبدي رأيًا أو أصدر حكمًا، إلا بعد أن أستعرض نماذج من تفسيره، وقد ذهبت إلى دمشق لألتقي أخص تلاميذه، وأكثرهم صلة به العلامة الفاضل الأستاذ محمد بهجت البيطار -﵀- وهو الذي أكمل تفسير سورة يوسف ﵇، الذي لم يتمه صاحب المنار، بسبب وفاته -﵀- ولقد كان الرجل كريمًا في مقابلته، أكرمه الله، وقدر دار حديث بيننا حول تفسير القرآن، وسألته عن تراثه في التفسير، فأخبرني أنه ليس له إلا ما تقدم من إكماله سورة يوسف ﵊، ثم سألته عن القاسمي وتفسيره -فأخذ الرجل يتحدث عن مناقب أستاذه مما زادني إجلالًا له. وكان مما قاله: (رحم الله شيخنا لقد كان علمًا حقًّا، ولقد خلف هذه الآثار العلمية الجمة، مع أن المنية قد أتته مبكرة، قبل أن يبلغ الخمسين بسنين، فقلت له: (أود أن تحدثني عن تفسيره) فلم يزد على نص هذه العبارة: (إن جل تفسيره من منقوله لا من قوله).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-560>منهجه في التفسير:</span>\nيبتدئ تفسيره بخطبة يقول فيها: (وإني كنت حركت الهمة، إلى تحصيل ما فيه من الفنون، والاكتحال بإثمد مطالبه لتنوير العيون، فأكببت على النظر فيه، وشغفت بتدبير لآلئ عقوده ودراريه، وتصفحت ما قدر لي من أقوال السابقين، وتعرفت حين درست ما تخلله من الغث والسمين. ورأيت كلًّا بقدر وسعه، حام جول مقاصده، وبمقدار طاقته في ميدان دلائله وشواهده. وبعد أن صرفت في الكشف عن حقائقه شطرًا من عمري، ووقفت على الفحص عن دقائقه قدرًا من دهري، أردت أن أنخرط في سلك مفسريه الأكابر، قبل أن تبلى السرائر وتفنى العناصر، وأكون بخدمته موسومًا، وفي حملته منظومًا. فشحذت كليل العزم، وأيقظت نائم الهمم، واستخرت الله تعالى، في تقرير قواعده وتفسير مقاصده، في كتاب اسمه بعون الله الجليل (محاسن التأويل) أودعه ما صفا من التحقيقات، وأوشحه بمباحث هي المبهمات، وأوضح فيه خزائن الأسرار، وأنقد فيه نتائج الأفكار، وأسوق إليه","vol":"2","page":464},{"text":"فوائد التقطتها من تفاسير السلف الغابر. وفرائد عثرت عليها في غضون الدفاتر، وزوائد استنبطتها بفكري القاصر، مما قادني الدليل إليه، وقوى اعتماده عليه. وسيحمد السابح في لججه، والسائح في حججه، ما أودعته من نفائسه القريبة البرهان، وأوردته من أحاديثه الصحاح والحسان، وبدائعه الباهرة للأذهان، فإنها لباب اللباب ومهتدى أولي الألباب. ولم أطل ذيول الأبحاث بغرائب التدقيقات، بل اخترت حسن الإيجاز في حل المشكلات، اللهم إلا إذا قابلت فرسان مضمار الحق جولة الباطلات، فهنالك أصوب ألسنة البراهين نحو نحور الشبهات ... هذا وقد حليت طليعته بتمهيد خطير في مصطلح التفسير، وهي قواعد فائقة وفوائد شائقة، جعلتها مفتاحًا لمغلق بابه ... فدونك أيها الباحث عن مطالب أعلى العلوم ... التائق لأسنى نتائج الفهوم، المتعطش إلى أحلى موارده، المنقب عن مصادر مقاصده، ينبوعًا لمعاني الفرقان، وعِقدًا ضم درر التبيان، وُقِفَ بك من الطريق السابلة على الظهر وخطب لك عرائس الحكم ثم وهب لك المهر، فقدِّم قدم عزمك، فإذا أنت بحول الله قد وصلت ... وفارق وهْدَ التقليد راقيًا إلى يفاع الاستبصار، وتسنّم أوج التحقيق في مطالع الأنظار، والبس التقوى شعارًا، والاتصاف بالإنصاف مثارًا، واجعل طلب الحق لك نحلة، والاعتراف لأهله ملة، ولا ترد مشرع العصبيّة، ولا تأنف من الإذعان إذا لاح وجه القضية أنفة ذوي النفوس العصيّة. فذلك مرعى لسُوّامها وبيل، وصدود عن سواء السبيل (١).\nثم يبدأ في تمهيده، الذي يبلغ ثلاثمائة وخمسين صفحة، يضمنه إحدى عشرة قاعدة في أول التفسير:\n١ - قاعدة في أمهات مآخذه.\n٢ - قاعدة في معرفة صحيح التفسير، وأصح التفسير عند الاختلاف.\n٣ - قاعدة أن غالب ما صح عن السلف من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.\n_________\n(١) تفسير القاسمي (١/ ٥، ٦).","vol":"2","page":465},{"text":"٤ - قاعدة في معرفة سبب النزول.\n٥ - قاعدة في الناسخ والمنسوخ.\n٦ - قاعدة في القراءة الشاذة والمدرج.\n٧ - قاعدة في قصص الأنبياء والاستشهاد بالإسرائيليات.\n٨ - قاعدة في أن كل معنى مستنبط من القرآن، غير جار على اللسان العربي، فليس من علوم القرآن في شيء.\n٩ - قاعدة في أن الشريعة أمية، وأنه لا بد في فهمها من اتباع معهود الأميين، وهم العرب الذين نزل بلسانهم.\n١٠ - قاعدة الترغيب والترهيب في التنزيل الكريم.\n١١ - قاعدة في أنه: هل في القرآن مجاز أم لا؟؟ .\nوالمتأمل لهذه القواعد، يجد أن جلها قد نقله القاسمي بنصه، فقد نقل عن الموافقات مثلًا ما يزيد على مائة وخمسين صفحة، كما نقل عن ابن تيمية ومحمد بن مرتضى اليماني والعز بن عبد السلام والسيوطي وابن خلدون وولى الله الدهلوي وابن الجزري وعن الإمام ابن العباس أحمد بن زروق وغيرهم، والمقدمة على الرغم من أنها نقول إلا أنها غنية بفوائدها.\nوبعد فلا بد أن نلم بفكرة عن هذا التفسير، في خطوط عريضة، نستعرض منها بعض النماذج، لتكون على بينة من الأمر، تعيننا على تقويمه وإبداء الرأي فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>نماذج من التفسير:</span>\n١ - يقول في تأويل قوله تعالى (١): ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n_________\n(١) محاسن التأويل جـ ٥ ص ١٠٩٤.","vol":"2","page":466},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ أي اخشوه أن تخالفوه فيما أمركم به أو نهاكم عنه، ثم نبههم على اتصافه بكمال القدرة الباهرة، لتأييد الأمر بالتقوى، وتأكيد إيجاب الامتثال به، على طريق الترغيب والترهيب، بقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي فرعكم من أصل واحد وهو نفس أبيكم آدم. وخلقه تعالى إياهم على هذا النحو البديع مما يدل على القدرة العظيمة، ومن قدر على نحوه كان قادرًا على كل شيء، ومنه عقابه على معاصيهم، فالنظر فيه يؤدي إلى الإتقاء من موجبات نقمته. وكذا جعله تعالى إياهم صنوانًا مفرعة من أرومة واحدة، من موجبات الاحتراز عن الإخلال بمراعاة ما بينهم من حقوق الأخوة، كما ينبئ عنه ما يأتي من الإرشاد إلى صلة الأرحام ورعاية حال الأيتام، والعدل في النكاح وغير ذلك.\nوقد ثبت في صحيح مسلم من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن رسول الله -ﷺ- حين قدم عليه أولئك النفر من مضر وهم مجتابو النمار (أي من عريهم وفقرهم) قام فخطب بالناس بعد صلاة الظهر، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] حتى ختم الآية. ثم قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، ثم حضهم على الصدقة فقال: (تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من صاع بره من صاع تمره). وذكر تمام الحديث (وهكذا رواه أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خطبة الحاجة، وفيها: ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾. الآية ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي من نفسها، يعني من جنسها، ليكون بينهما ما يوجب التآلف والنظام قإن الجنسية علّية الضم، وقد أوضح هذا بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١]. ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ أي نشر تلك النفس وزوجها المخلوقة منها، بطريق التوالد والتناسل ﴿رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ أي كثيرة، وترك التصريح بها للاكتفاء بالوصف المذكور.","vol":"2","page":467},{"text":"﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ تكوير للأمر، وتذكير لبعض آخر من موجبات الامتثال به، فإن سؤال بعضهم بعضًا بالله تعالى، بأن يقولوا: أسألك الله، وأنشدك الله على سبيل الاستعطاف يقتضي الاتقاء من مخالفة أوامره ونواهيه. وتعليق الاتقاء بالاسم الجليل لمزيد التأكيد والمبالغة في الحمل على الامتثال، بتربية المهابة وإدخال الروعة، ولوقوع التساؤل به، لا بغيره من أسمائه تعالى وصفاته. و﴿تَسَاءَلُونَ﴾ أصله تتساءلون، فطرحت إحدى التائين تخفيفًا. وقرئ بإدغام تاء التفاعل في السين لتقاربهما في الهمس، وقرئ تساءلون (من الثلاثي) أي تسألون به غيركم. وقد فسر به القراءة الأولى والثانية، وحمل صيغة التفاعل على اعتبار الجمع، كما في قولك رأيت الهلال وتراءيناه -أفاده أبو السعود- وقوله تعالى: (والأرحام) قرأ حمزة بالجر عطفًا على الضمير المجرور، والباقون بالنصب عطفًا على الاسم الجليل، أي اتقوا الله والأرحام أن تقطعوها ... فإن قطيعتها مما يجب أن يتقى، أو عطفًا على محل الجار والمجرور، كقولك مررت بزيد وعمرو. ونظيره قراءة ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ فإنهم كانوا يقرنونها في السؤال والمناشدة بالله ﷿. ويقولون أسألك بالله وبالرحم. ولقد نبه ﷾ حيث قرنها باسمه الجليل على أن صلتها بمكان منه، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [البقرة: ٨٣]. وقد روى الشيخان عن عائشة ﵂، عن النبي -ﷺ- قال: (الرحم معلقة بالعرض، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله). وروي أيضًا عن جبير بن مطعم رضي الله، أن رسول الله -ﷺ- قال: (لا يدخل الجنة قاطع، قال سفيان في رواية: (يعني قاطع الرحم)، وروى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﵌: (ليس الواصل بالمكافيء، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها). وروي عن أبي هريرة ﵁: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه). والأحاديث في الترغيب بصلة الرحم والترهيب من قطيعتها كثيرة ..).","vol":"2","page":468},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-563>٢ - وفي تفسير قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [</span>المائدة: ٣٥] يقول (١):\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا﴾ أي اطلبوا ﴿إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي القربة - كذا فسره ابن عباس ومجاهد وأبو وائل والحسن وزيد وعطاء والثوري وغير واحد. وقال قتادة: أي تقربوا إليه بطاعته والعمل بما يرضيه.\nوقرأ ابن زيد ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء: ٥٧] قال ابن كثير: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة لا خلاف بين المفسرين فيه، وفي (القاموس وشرحه)، الوسيلة والواسلة: المنزل عند الملك والدرجة والقربة والوصلة.\nوقال الجوهري: الوسيلة، ما يتقرب به إلى الغير، والتوسيل والتوسل واحد. يقال: وسل إلى الله تعالى توسيلًا، عمل عملًا تقرب به إليه كتوسل. (وإلى) يجوز أن يتعلق بـ (ابتغوا)، وأن يتعلق بـ (الوسيلة)، قدم عليها للاهتمام به، (وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون) أي سبب المجاهدة في سبيله، وقد بين كثير من الآيات أن المجاهدة بالأموال والأنفس.\nتنبيه: ما ذكرناه في تفسير (الوسيلة) هو المعوّل عليه، وقد أوضحه إيضاحًا لا مزيد عليه تقي الدين بن تيمية عليه الرحمة في (كتاب الوسيلة)، فرأينا نقل شذرة منه، إذ لا غنى للمحقق في علم التفسير عنه.\nثم نقل شرح ابن تيمية لمعاني ألفاظ التوسل والوسيلة، الواردة في الكتاب والسنة، وما كان يتكلم به الصحابة ويفعلونه، وتعريفه لما أحدثه المحدثون في هذا اللفظ ومعناه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>٣ - ويفسر المقسمات بها في سورة التين بقوله:</span>\n(اعلم أن المفسرين لم يختلفوا في أن البلد الأمين مكلة المشرفة، الآمن أهلها أن\n_________\n(١) محاسن التأويل جـ ٦ ص ١٩٦٨.","vol":"2","page":469},{"text":"يحاربوا، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] وأما المقسمات بها، ففيها أقوال للسلف لاحتمال موادها لكل منها، فعن مجاهد والحسن وغيرهما، أن (التين) الذي يؤكل، و(الزيتون) الذي يعصر، قالوا: (التين مسجد دمشق، و(الزيتون) بيت المقدس، وعن ابن عباس: (التين) مسجد نوح الذي بني على الجوديّ، و(الزيتون) بيت المقدس، فظهر أنهما إما الشجران المعلومان أو الجبلان أو المسجدان، وصوب ابن جرير الأول فنهما - وعبارته: والصواب من القول ذلك عندنا، قول من قال (التين) هو التين الذي يؤكل، و(الزيتون) هو الزيتون الذي يعصر منه الزيت، لأن ذلك هو المعروف عند العرب، ولا يعرف جبل يسمى تينًا، ولا جبل يقال له زيتون، إلا أن يقول قائل: أقسم جل ثناؤه بالتين والزيتون، والمراد من الكلام، القسم بمنابت التين ومنابت الزيتون، فيكون مذهبًا، وإن لم يكن على صحة، ذلك أنه كذلك دلالة على ظاهر التنزيل، ولا من قول من لا يجوز خلافه، لأن دمشق بها منابت التين، وبيت المقدس منابت الزيتون) انتهى كلامه، وفيه نظر لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، كيف وجبل الزيتون هو من جبال فلسطين، معروف ذلك عند علماء أهل الكتاب والمؤلفين في تقويم البلاد.\nقال صاحب (الذخيرة) في تعداد جبال فلسطين: ويتصل بجبال إسرائيل جبل الزيتون، قال: وقد دعي كذلك لكثرة الزيتون فيه، وهو قريب المسافة من أورشليم، وفيه صعد المسيح النبي ﵇ لكي يرتفع إلى السماء انتهى (١).\nويسمى أيضًا طور زيتا إلى الآن. على أن فيما صوبه ابن جرير، تبقى المناسبة بينهما وبين طور سينين والبلد الأمين، وحكمة جمعهما معهما في نسق واحد، غير مفهومة كما قاله الإمام. فالأرجح أنهما موضعان أو موضع واحد معظم، ويكون المقسم به ثلاثة مواضع مقدسة.\n_________\n(١) محاسن التأويل جـ ١٧ ص ٦١٩٥.","vol":"2","page":470},{"text":"فال ابن كثير: وقال بعض الأئمة: هذه محال ثلاثة، بعث الله من كل واحد منها نبيًّا مرسلًا من أولي العزم أصحاب الشراثع الكبار، فالأول محل التين والزيتون وهو بيت المقدس، الذي بعث الله فيه عيسى بن -صلوات الله وسلامه عليه﵉، والثاني طور سينين وهو طور سيناء الذي كلم الله عليه موسى بن عمران. والثالث: مكة وهو البلد الأمين، الذي من دخله كان آمنًا، وهو الذي أرسل فيه محمد -ﷺ-، وفي التوراة ذكر لهذه الأماكن الثلاثة: جاء الله من طور سيناء، يعني الذي كلم الله عليه موسى، وأشرق من ساعير، يعني جبل بيت المقدس الذي بعث الله منه عيسى، واستعلن من جبال فاران: يعني جبال مكة التي أرسل الله منها محمدًا -ﷺ-، فذكرهم مخبرًا عنهم على الترتيب الوجودي بحسب ترتيبهم في الزمان، ولهذا أقسم بالأشرف ثم الأشرف ومن ثم بالأشرف منهما ... انتهى كلام ابن كثير.\nومراده ببعض الأثمة شيخ الإسلام ابن تيمية عليه الرحمة والرضوان، فإنه ذكر ذلك في كتابه (الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)، ونحن ننقلها زيادة في إيضاح المقام واهتمامًا بتحقيقه) ثم نقل فصلًا من كلام ابن تيمية بعنوان (فصل شهادة الكتب المتقدمة بنبوته -ﷺ-)، يقول في أواخره:\n(واستظهر بعض المعاصرين، أن قوله تعالى (والتين) يعني به شجرة (بوذا) مؤسس الديانة البوذية، التي انحرفت كثيرًا عن أصلها الحقيقي، لأن تعاليم بوذا لم تكتب في زمنه، وإنما رويت كالأحاديث بالروايات الشفهية، ثم كتبت بعد ذلك حينما ارتقى أتباعها، والراجح عندنا بل المحقق، إذا صح تفسيرنا لهذه الآية، أنه كان نبيًّا صادقًا، ويسمى (سيكا موتى) أو (جوناما)، وكان في أمره يأوي إلى شجرة تين عظيمة، وتحتها نزل عليه الوحي، وأرسله الله رسولَا، فجاءه الشيطان ليفتنه هناك فلم ينجح معه، ولهذه الشجرة شهرة كبيرة عند البوذيين، وتسمى عندهم (التينة المقدسة) وبلغتهم (أجابالا).\nففي هذه الآية ذكر الله تعالى، أعظم أديان البشر الأربعة، الموحاة منه تعالى لهدايتهم، ونفعهم في دينهم ودنياهم. فالقسم فيها كالتمهيد لقوله تعالى بعده:","vol":"2","page":471},{"text":"﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] إلى آخر السورة.\nولا يزال أهل الأديان الأربعة هم أعظم أمم الأرض وأكثرهم عددًا وأرقاهم.\nوالترتيب في ذكرها في الآية هو باعتبار درجة صحتها بالنسبة لأصولها الأولى، فبدأ تعالى بالقسم بالبوذية، لأنها أقل درجة في الصحة، وأشد الأديان تحريفًا عن أصلها، كما يبدأ الإنسان بالقسم بالشيء الصغير، ثم يرتقي للتأكيد إلى ما هو أعلى. ثم النصرانية وهي أقل من البوذية تحريفًا. ثم اليهودية وهي أصح من النصرانية، ثم الإسلامية وهي أصحها جميعًا وأبعدها عن التحريف والتبديل، بل إن أصولها الكتاب والسنة العملية المتواترة، لم يقع فيها تحريف مطلقًا، ومن محاسن هذه الآية الشريفة غير ذلك، ذكر ديني الفضل (البوذية والمسيحية) أولًا، ثم ديني العدل (اليهودية والإسلامية) ثانيًا، للإشارة إلى الحكمة بتربية الفضل والمسامحة مع الناس أولًا، ثم تربية الشدة والعدل، وكذلك بدأ الإسلام باللين والعفو ثم بالشدة والعقاب، ولا يخفى على الباحثين التشابه العظيم بين بوذا وعيسى ودينيهما. وكذلك التشابه بين موسى ومحمد ودينيهما. فلذا جمع الأولان معًا والآخران كذلك، وقدم البوذية على المسيحية لقدم الأولى، كما قدم الموسوية على المحمدية لهذا السبب بعينه، ومن محاسن الآية أيضًا الرمز والإشارة إلى ديني الرحمة بالفاكهة والثمرة، وإلى ديني العدل بالجبل والبلدة الجبلية (مكة) وهي البلد الأمين، ومن التناسب البديع بين ألفاظ الآية، أن التين والزيتون ينبتان كثيرًا في أودية الجبال، كما في جبل الزيتون بالشام وطور سينا، فهما مشهوران بها، فهذه الآية قسم بأول مهابط الوحي، وأكرم أماكن التجلي الإلهي على أنبيائه الأربعة، الذين بقيت شرائعهم للآن، وأرسلهم الله لهداية الناس الذين خلقهم في أحسن تقويم) (١).\n_________\n(١) تفسير القاسمي (١٧/ ٦١٩٥ - ٦٢٠٠).\nقد يتوهم القارئ أن هذا القول لابن تيمية، وقد بحثنا كثيرًا في كتب ابن تيمية ولم نجده. ويظهر أن القاسمي قد نقله عن بعض المعاصرين. والحق إنه لقول أشد بعدًا من كثير من الإسرائيليات، وكنت أتمنى أن يعلق عليه صاحب التفسير، وهذه كلمة موجزة للعلامة الشيخ أبي الحسن الندوي =","vol":"2","page":472},{"text":"وبعد أن نقلنا لك بعض النماذج من تفسير الشيخ القاسمي، يتبين لنا<span data-type=\"title\" id=toc-565> منهجه ﵀</span>، فقد كانت له عناية بكثير من قضايا التفسير، ومن هذه القضايا:\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>أولًا: عنايته بالقضايا اللغوية:</span>\nومن الأمثلة على ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]: (الصمم: آفة مانعة من السماع، سمي به فقدان حاسة السمع لما أن سببه اكتناز باطن الصماخ، وانسداد منافذه بحيث لا يكاد يدخله هواء يحصل الصوت بتموجه.\nوالبكم: الخرس، والعمي: عدم البصر عما من شأنه أن يبصر، ووصفوا بذلك مع سلامة حواسهم المذكورة، لما أنهم سدوا عن الإصغاء إلى الحق مسامعهم، وأبوا أن ينطقوا به ألسنتهم، وأن ينظروا ويبصروا بعيونهم، فجعلوا كانما أصيبوا بآفةٍ في مشاعرهم، كقوله:\nصم إذا سمعوا خيرًا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا\nوكقوله:\nأصمَّ عن الشيء الذي لا أريده ... وأسمع خلق الله حين أريد\nوقوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنقال: ٥٧]: (قال في التاج: وقيل: معنى: (فشرد بهم) فسَمِّع بهم، وقيل فزِّع بهم، ولا يخفى أن هذه المعاني متقاربة، وأصل التشريد الطرد والتفريق، ويقال: شرد به تشريدًا، سمَّع الناس بعيوبه، قال:\nأطوِّف بالأباطح كل يوم ... مخافة أن يُشَرَّد بي حكيم\n_________\n= يقول: أما البوذية -الديانة المنتشرة في الهند وآسية الوسطي- فقد تحولت إلى وثنية تحمل معها الأصنام حيث سارت وتبني الهياكل، وتنصب تماثيل (بوذا) حيث حلّت ونزلت، ولم يزل العلماء يشكّون في إيمان هذه الديانة ومؤسسها بالإله الخالق للسماوات والأرض والإنسان ولا يجدون ذلك، ويحارون في قيام هذه الديانة العظيمة بغير الإيمان بالله فيها ([السيرة النبوية ص ٢٧].","vol":"2","page":473},{"text":"معناه أن يسمع بي، (وحكيم) رجل من بني سليم كانت قريش وَلَّته الأخذ على يد السفهاء).\nوقوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥]: (ومما يدل على أنه قد يكون مصعوقًا -وهي حي غير ميت- قول الله ﷿: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] يعني مغشيًا عليه، ومنه قول جرير:\nوهل كان الفرزدق غير قرد ... أصابته الصواعق فاستدارا\nومثال نقله عن الصحاح قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١]: (وفي الصحاح الشية: كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره، والهاء عوض من الواو الذاهبة من أوله، والجمع: شيات، يقال: ثور أشيه كما يقال فرس أبلق).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-567>ثانيًا: عنايته بالقضايا النحوية:</span>\nيعرض القاسمي رحمه الله تعالى في تفسيره لقضايا النحو ذات الصلة بالآيات القرآنية التي يفسرها، وهو إذ يتحدث عن ذلك يتحدث بشيء من الإيجاز من دون توسع، وقد يتوسع أحيانًا في إعراب بعض الألفاظ القرآنية فيذكر وجوه الإعراب المختلفة.\nومن الأمثلة على ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]: (وبعوضة) بدل من (مثلًا) أو هما مفعولا (يضرب) لتضمنه معنى الجعل والتصيير).\nوقوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، (صبغة الله مصدر مؤكد منتصب عن قوله: (آمنا به).\nوقوله عند تفسيره لآيات الصيام ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] نصب على الظرف أي: كتب عليكم الصيام في أيام معدودات).","vol":"2","page":474},{"text":"ومثال توسعه في ذكر الوجوه المختلفة في الإعراب قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]: (وفي رفع (شهر) وجهان: أحدهما: أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هي شهر، يعني الأيام المعدودات فعلى هذا يكون قوله (الذي أنزل) نعتًا للشهر أو لرمضان، والثاني: هو مبتدأ ثم في الخبر وجهان: أحدهما: (الذي أنزل)، والثاني: إن (الذي أنزل) صفة الخبر هو الجملة التي هي قوله (فمن شهد).\nفإن قيل: لو كان خبرًا لم يكن فيه الفاء، لأن شهر رمضان لا يشبه الشرط.\nقيل: الفاء -على قول الأخفش- زائدة، وعلى قول غيره ليست زائدة، وإنما دخلت لأنك وصفت الشهر بـ (الذي) فدخلت الفاء كما تدخل في خبر نفس (الذي)، ومثله ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨] فإن قيل: فأين الضمير العائد على المبتدأ من الجملة؟ قيل: وضع الظاهر موضعه تفخيمًا، أي: فمن شهده منكم).\nومن أمثلة توسعه كذلك ما نقله عن أبي السعود عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] حيث قال: (وفي إعرابها قال أبو السعود في صدر الآية: جملة (من) مبتدأ هو (حج البيت) وخبر هو الله) وقوله تعالى: (على الناس) متعلق بما تعلق به الخبر من الاستقرار أو بمحذوف هو حال من الضمير المستكن في الجار، ثم قال في قوله تعالى: (من استطاع إليه سبيلا) في محل الخبر على أنه بدل من (الناس) بدل البعض من الكل مخصص لعمومه، فالضمير العائد إلى المبدل منه محذوف، أي (من استطاع منهم)، وقيل بدل الكل على أن المراد بالناس هو البعض المستطيع، فلا حاجة إلى الضمير وقيل في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ مضمر، أي هم من استطاع، وقيل في حيز النصب بتقدير أعني).","vol":"2","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-568>ثالثًا: عنايته ببعض القضايا البلاغية:</span>\nيعرض القاسمي رحمه الله تعالى لبعض الجوانب البلاغية التي تتعلق ببعض الآيات الكريمات، وذلك ببيان سر التعبير القرآني في بعض الكلمات والعبارات، والسر في تقديم بعض الألفاظ في موضع وتأخيرها في موضع آخر وغير ذلك.\nفعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤] حيث قال: (واعلم أن مساق هذه الآية بخلاف ما سبقت له أول قصة المنافقين، فليس بتكرير؛ لأن تلك في بيان مذهبهم، والترجمة عن نفاقهم وهذه لبيان تباين أحوالهم، وتناقض أقوالهم في أثناء المعاملة والمخاطبة حسب تبيان المخاطبين) (١).\nوعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥] يقول:\n(وإنما علق النهي بالقربان منها مبالغة في تحريم الأكل، ووجوب اجتنابه، لأن القرب من الشيء يقتضي الألفة، والألفة داعية للمحبة، ومحبة الشيء تعمي وتصم فلا يرى قبيحًا، ولا يسمع نهيًا فيقع، والسبب الداعي إلى الشر منهي عنه، كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به) (٢).\nوقال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [البقرة: ٣٨]: (إنما كرر الأمر بالهبوط للتأكيد والإيذان بتحتم مقتضاه، وتحققه لا محالة، أو لاختلاف المقصود، فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بليةٍ يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف، فمن اتبع الهدى نجا، ومن ضل هلك) (٣).\n_________\n(١) تفسير القاسمي (٢/ ٤٩).\n(٢) تفسير القاسمي (٢/ ١٠٦).\n(٣) (٢/ ١١١).","vol":"2","page":476},{"text":"وهو ينقل عن الزمخشري، وأبي السعود وغيرهما، فما نقله عن الزمخشري عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦] حيث قال: (قال الزمخشري: فإن قبل: لم عطف بالواو عدم اهتدائهم على انتفاء ربح تجاربهم، ورُتبا معًا بالفاء على اشتراء الضلالة بالهدى؟ وما وجه الجمع بينهما -مع ذلك الترتيب- على أن عدم الاهتداء قد فُهم من استبدال الضلالة بالهدى، فيكون تكرارًا لما مضى؟ قلت: فالجواب أن رأس مال هم هو الهدى، فلما استبدلوا به ما يضادّه -ولا يجامعه أصلًا- انتفى رأس المال بالكلية، وحين لم يبق في أيديهم إلا ذلك الضدّ -أعني الضلالة- وصفوا بانتفاء الربح والخسارة؛ لأن الضالّ في دينه خاسر هالك -وإن أصاب فوائد دنيوية- ولأن من لم يسلم له رأس ماله لم يوصف بالربح، بل بانتفائه؛ فقد أضاعوا سلامة رأس المال بالاستبدال، وترتب على ذلك إضاعة الربح) (١).\nويقول عند قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ ﴿آل عمران: ٢٨]. قال: وليّ ومعانيه كثيرة منها المحب والصديق والنصير، قال الزمخشري: نهوا أن يوالوا الكافرين لقرابه بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يُتصادق بها ويُتعاشر ...\n﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ أي ومن يوال الكفرة فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية، يعني أنه منسلخ من ولاية الله رأسًا. وهذا أمر معقول؛ فإن موالاة الوليّ وموالاة عدوه متنافيان قال:\nتودّ عدّوي ثم تزعم أنني ... صديق. ليس النول عنك بعازب\nأفاده الزمخشري\" (٢)\n_________\n(١) تفسير القاسمي (٢/ ٥٣).\n(٢) تفسير القاسمي (٤/ ٨٢٢).","vol":"2","page":477},{"text":"وعند قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ٧٦] يقول: قال الزمخشري: فهذا عام، يخيل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخاينة لكسبوا محبة الله. قلت: أجل؛ لأنهم إذا وفوا بالعهود، وفوا أول شيء بالعهد الأعظم وهو ما أخذ عليهم في كتابهم من الإيمان برسولٍ مصدق لما معهم، ولو اتقوا الله في ترك الخيانة لاتقوه في ترك الكذب على الله وتحريف كلمة\" (١).\nوقوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ [آل عمران: ١٣] فإن قلت: فهذا مناقض لقوله في سورة الأنقال: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] قلت: قللوا أولًا في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين ... كذا في الكشاف، قلت: أو يجاب بأنهم كثروا أولًا في أعينهم ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع ثم لما حصل التصافُّ والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء ليقدم كل منهما على الآخر ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا) (٢).\nوالقاسمي رحمه الله تعالى ينبه على بعض الأمور الدقيقة واللطيفة التي تشتمل عليها الآية بعد تفسيرها، فيقول: فائدة أو تنبيهات أو لطيفة.\nمثال ذلك قوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]: (تنبيهات في وجوه فوائد من الآية) (٣).\nوقوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٤] (٤):\n_________\n(١) تفسير القاسمي (٤/ ٨٦٩).\n(٢) تفسير القاسمي (٤/ ٨٠٣).\n(٣) تفسير القاسمي (٢/ ٩٧)، وانظر (٢/ ١٠١)، (٢/ ١٠٧).\n(٤) (٤/ ٨٣٠).","vol":"2","page":478},{"text":"(لطيفة: الذرية مثلثة ولم تسمع إلا غير مهموزة اسم لنسل الثقلين ...).\nوقوله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦] ... فوائد الأولى قال القاشاني: لأن الزيادة والنقصان إنما يكون باعتبار العاقبة والنفع في الدارين ...) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-569>عنايته بالقضايا العلمية:</span>\nيظهر من خلال تفسير القاسمي رحمه الله تعالى اهتمامه بالمسائل العلمية وبالآيات ذات المضامين العلمية، ولكنه مع ذلك لم يتحدث عن جميع الآيات التي فيها إشارات إلى العلم، ويظهر اهتمامه من خلال نقله عن بعض علماء الفلك.\nمن ذلك نقله عنه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢] حيث قال: (قال بعض علماء الفلك في معنى الآية: أي كالبنيان يشد بعضه بعضًا فجميع السماوات أو الكواكب كالبناء المرتبط بعضه ببعض من كل جهة، المتماسك كأجزاء الجسم الواحد بالجاذبية التي تحفظ نظامها في مداراتها، وهو جذب الشمس لها).\nونقله كذلك عن بعض علماء الفلك بعد تفسيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩] قال (٢): (تنبيه: قال بعض علماء الفلك: السماوات السبع المذكورة كثيرًا في القرآن هي هذه السيارات السبع، وإنما خصت بالذكر - مع أن السيارات كثر من ذلك؛ لأنها أكبر السيارات وأعظمها، على أن القرآن الكريم لم\n_________\n(١) (٤/ ٧١٠).\n(٢) (٢/ ٩١). وسأقوم بنقل العبارة كلها كاملة كما هي في كتابه، وإن كانت طويلة، لما يترتب على ما فيها من أمور خطيرة تؤخذ على القاسمي ﵀.","vol":"2","page":479},{"text":"يذكرها في موضع واحد على سبيل الحصر فلا ينافي ذلك أنها أكثر من سبع.\nوقال بعض علماء اللغة: إن العرب تستعمل لفظ سبع، وسبعين، وسبعمائة للمبالغة في الكثرة: فالعدد إذن غير مراد، ومنه آية (سبع سنابل) وآية (والبحر يمده من بعده سبعة أبحر) وآية (سبعين مرة) والله أعلم.\nوذهب بعض علماء الفلك إلى أن الحصر في السبع حقيقي، وأن المراد به العالم الشمسي وحده دون غيره، وعبارته: إن قيل: إن كل ما يعلو الأرض من الشمس والقمر والكواكب هو سماء، فلماذا خصص تعالى عددًا هو سبع؟ فالجواب: لا شك أنه يشير إلى العالم الشمسي الذي أحطنا الآن به علما، وأن حصر العدد لا يدل على احتمال وجود زيادة عن سبع؛ لأن القول بذلك يخرج تطبيق القرآن على الفلك؛ لأن العلم أثبتها سبعا كالقرآن الذي لم يوجد فيه احتمال الزيادة؛ لأن الجمع لدخل فيه جميع العوالم التي لا نهاية لها حتى يمكن أن يقال: إن سبعًا للمبالغة كسبعين وسبعمائة، ولا يصح أن يكون العدد سبعة للمبالغة لأنه قليل جدًّا بالنسبة إلى العوالم التي تعد بالملايين مثل العالم الشمسي ويؤيد الحصر في هذا العدد آية ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح: ١٥ - ١٦] فأخرج الشمس؛ لأنها مركز، وأخرج القمر؛ لأنه تابع للأرض، ولم يبق بعد ذلك إلا سبع.\nقال: وبذلك تتجلى الآن معجزة واضحة جلية، لأنه في عصر التقدم والمدنية العربية، حينما كان العلم ساطعًا على الأرض بعلماء الإسلام، كان علماء الفلك لا يعرفون من السيارات إلا خمسًا بأسمائها العربية إلى اليوم وهي: عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل، وكانوا يفسرونها بانها هي السماوات المذكورة في القرآن، ولما لم يمكنهم التوفيق بين السبع والخمس، أضافوا الشمس والقمر لتمام العدد مع أن القرآن يصرح بأن السماوات السبع غير الشمس والقمر، وذلك في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ","vol":"2","page":480},{"text":"كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: ٢] فلفظ (وسخر) دليل يفصل تعداد الشمس والقمر عن السبع السماوات، ولذلك كان المفسرون الذين لا يعرفون الهيئة لا يرون أن تعد الشمس سماء، ولا القمر، لعلمهم أن السماوات السبع مسكونة، وأما الشمس فنار محرقة، فذهبوا في تفسير السماوات على تلك الظنون، ولما اكتشف بعد بالتلسكوب سيار لم يكن معلومًا دعوه (أرانوس) ثم سيار آخر سموه (نبتون) صارت مجاميع السيارات سبعًا. فهذا الاكتشاف الذي ظهر بعد النبي -ﷺ-، بألف ومائتي سنة دل على معجزة القرآن ونبوة المنزل عليه.\nثم قال: وأما كون السماوات هي السيارات السبع بدون توابعها، فلا يفهم من الآية، لأن الأقمار التي تثبتها، والنجوم الصغيرة التي مع المريخ، يلزم أن تكون تابعة للسماوات السبع؛ لأنها تعلونا، وهي في العالم الشمسي، وحينئذ فالسماوات السبع هي مجاميع السيارات السبع، بمعنى: أن مجموعة زحل بما فيها هو نفسه أي مع أقماره الثمانية تعد سماء، فكلها طبقة فوق طبقة، وكذلك مجموعة المشتري، ويدل على هذا التطبيق قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] يشير إلى أن السماء الدنيا أي السماء التي تلي الأرض فلك المريخ، فهو وما حوله من النجوم العديدة التي تسمى مصابيح، وتعتبر كلها سماء وليس السيار نفسه ... انتهى).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-570>ملاحظات حول التفسير:</span>\nهذه نقول من نقول القاسمي ﵀، وقد أحسن صنعًا حينما سماها محاسن التأويل، ولقد أحببت أن أنقل هذه النماذج على كثرتها، لتكون هناك صورة واضحة عن التفسير، إذ لا يتأتى هذا من أنموذج واحد أو اثنين، لأن أي كاتب قد يضطر في بعض المواضع أن ينقل عن غيره، ولقد اشتملت هذه النماذج على آيات مكية ومدنية.\nوالذي نلاحظه أن شخصيات من نقل عنهم هي البارزة في هذا التفسير، أما","vol":"2","page":481},{"text":"شخصيته فكل ما نجده لها من أثر، إنما هو حسن اختيار هذا النقل، ومن الإنصاف أن أقرر هنا إلى جانب أمانته، سعة إطلاعه أولًا، واهتمامه بإيراد المأثور ثانيًا، وتخلصه من وطأة التعصب ثالثًا.\nعلى أن الرجل كان يتدخل أحيانًا ليبدي رأيه في بعض المسائل، كما رأينا ذلك عند تفسيره قوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] من سورة الأنعام، في تحديد المثلية، حيث ينقل عن المفسرين أقوالًا في معنى المثلية، فمن قائل إن المثلية هنا إنما هي في هيمنة الله ورعايته وتدبيره، ومن قائل إنها في معرفة الله وتسبيحه، وقول ثالث إنها في الحشر بعد الموت، ويقول بعد إيراد هذه الأقوال: (لا شك في صحة الوجهين بذاتهما -يعني الثاني والثالث- وصدق المثلية فيهما، ولكن الحمل عليهما يبعده عدم ملاقاته للآية الأخرى، فالأمَسّ تأييد للنظائر ما ذكرناه أولًا - والله أعلم) (١).\nكما نرى ذلك عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢]، حيث يبدي رأيه في الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة، في إحباط الكبائر للأعمال فيقول: (ولا يخفى أن الإنصاف هو الوقوف مع ما أوضحه النص وأبانه، فكل موضع نص فيه على الإحباط، وجب قبوله بدون تأويل، وامتنع القياس عليه؛ لأنه مقام توعد وخسران، ولا مجال للرأي في مثل ذلك هذا ما أعتقده وأراه، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل) (٢).\nوللرجل بعض اللفتات أحيانًا، فنراه مثلًا عند تفسيره قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] يقول (٣):\n_________\n(١) محاسن التأويل جـ ٦ ص ٢٢٩٨.\n(٢) محاسن التأويل جـ ١٥ ص ٥٤٤٢.\n(٣) محاسن التأويل جـ ١٦ ص ٥٦٩٣.","vol":"2","page":482},{"text":"(فإن قيل الجمل المتعاطفة لا بد فيها من المناسبة، وأين هي في إنزال الحديد مع ما قبله؟ فالجواب أن بينهما مناسبة تامة، لأن المقصود ذكر ما يتم به انتظام أمور العالم في الدنيا، حتى ينالوا السعادة في الأخرى، ومن هداه الله من الخواص العقلاء، ينتظم حاله في الدارين بالكتب والشرائع المطهرة، ومن أطاعهم وقلدهم من العامة بإجراء أقوال الشرع العادلة بينهم، ومن تمرد وطغى وقسا، يضرب بالحديد الراد لكل مريد. وإلى الأولين أشار بقوله (وأنزلنا معه الكتاب والميزان)، فجمعهم واتباعهم في جملة واحدة، وإلى الثالث أشار بقوله (وأنزلنا الحديد)، فكأنه قال: أنزلنا ما يهتدي به الخواص، وما يهتدي به أتباعهم، وما يهتدي به من لم يتبعهم. فهي حينئذ معطوفه لا معترضة لتقوية الكلام كما توهم، إذ لا داعي له، وليس في الكلام ما يقتضيه بل فيه ما ينافيه).\nعلى أن من المآخذ التي نأخذها عليه، سكوته عن نقد بعض ما ينقل من آراء، وإيراده أقوالًا متناقضة. ففي النموذج الذي أوردناه في تفسير الآية الأولى من سورة النساء في معنى قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: ١]، تفهم عبارته أنه يذهب إلى ما ذهب إليه أبو مسلم، ولكنه في آخر العبارة يفهم منه الرأي الآخر. فلا ندري ما الذي يرتئيه الشيخ، وفي نفس الآية يورد أحاديث ظاهرها التعارض، مما يجعل القارئ في حيرة دون توضيح فأولى له أن يبين المراد، أوْ لا يوردها أصلًا.\nوعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قَال آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠] ينقل بحثًا عن إيمان فرعون، فيذكر ما قاله الشهاب، وما نسب للجلال الدواني، وأقوال غيرهما من العلماء، ثم يورد كلامًا لشيخه العطار من كتابه (الفتح المبين) في رد ما اعترض به على الشيخ محيي الدين) يرد ما قال فيه عن ابن عربي بأنه يقول بنجاة فرعون، لقبول توبته، ويقرر الشيخ العطار أن ابن عربي، إنما نظر في المسألة من حيث الدليل، فلا مانع عنده من صحة الدليل على إيمانه، وقبول توبته. ولست في صدد بحث هذه القضية، لكن الذي أقوله أن الشيخ","vol":"2","page":483},{"text":"القاسمي ﵀، ترك هذه المسألة بعد نقل كلام شيخه دون الإشارة بكلمة أو إبداء رأي.\nكذلك مما يؤخذ على الرجل استطراده في كثير من الأحيان، بحيث يخرج عن موضوع الآية وإيجازه في كثير من الأحيان، وهذا واضح في تفسيره. وقد يورد بعض الإسرائيليات في تفسيره، وهو ما كنا نتمنى أن لا يتورط فيه الشيخ، وهو كثيرًا ما ينقل عن التوراة والإنجيل وغيرهما، من ذلك ما نراه عند تفسيره عند قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [البقرة: ٢٤٦] الآيات من سورة البقرة، وعند تفسير قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] من سورة النساء وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤] من سورة الإسراء وفي غير هذه المواضع لا يجد الرجل بأسًا من نقل مثل هذه الأخبار، ولعل هذا يبين لنا سر دفاعه عن الثعالبي ﵀ في مقدمة تفسيره.\nومن أغرب ما نراه في هذا التفسير -وهو أمرٌ جدير بالبحث والمناقشة- أن شيخنا يردّ أحاديث صحيحة، في مواضع، بينما يحتج بأحاديث واهة في مواضع أخرى، مع أن الشيخ القاسمي من رجال المدرسة السلفية، وكل من يقرأ في تفسيره يدرك هذا بوضوح، فهو كثيرًا ما يذكر فصولًا يبين فيها حقيقة مذهب السلف، كما نرى ذلك عند حديثه عن آيات الصفات، وكذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] يعقد فصلًا يبين فيه مذهب السلف في كلام الله تعالى: وهذه أمثلة على ما ذكرت:\n١ - يظهر انتصاره لمذهب الحنابلة، عند تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] حيث يورد الرأي القائل بأن الله تعالى يجلس سيدنا محمدًا -ﷺ- يوم القيامة، معه على عرشه، وأن هذا هو المقام المحمود، وينقل الشيخ اعتراضات الرازي على هذا القول، ولكنه يردها واحدًا واحدًا ردًّا","vol":"2","page":484},{"text":"لا يخلو من تكلف. هذا مع نقله عن بعض الحفاظ توهين الحديث في هذه المسألة، وليته اكتفى بما أخرجه البخاري في صحيحه (١)، في تفسير هذه الآية من أحاديث مرفوعة، وهو أن المقام المحمود، هو مقام الشفاعة العظمى يوم القيامة، وهنا يحق لنا أن ندهش لمثل هذا الموقف من الشيخ وأمثاله، فمع أخذه بهذه الرواية الواهية، نراه يرد روايات ثبت صحتها وأقوالًا ذهب إليها الجمهور.\n٢ - ومما يستنكر ويدهش له كذلك مخالفته للجمهور، في قضية خطيرة وهي إتيان المرأة في دبرها، فبعد أن يورد الشيخ روايات وآثارًا تبيح ذلك وتجيزه، يتتقد ابن القيم ويقول عنه إنه أول في هذه المسألة، وأن الأحاديث التي استدل بها على التحريم ضعيفة، لا تقوى للاحتجاج بها، ويمكن أن يكون هناك حديث صحيح في هذا الباب (٢).\n٣ - يفهم من كلام الشيخ إنكاره لانشقاق القمر، ويخطئ الحافظ ابن كثير في قوله بتواتر حديث انشقاق القمر، ويأتي بكلام كثير حول منكر أحاديث الآحاد. وهكذا نرى الشيخ وأمثاله، يردون الحديث بحجة عدم التواتر، وإذا جاءت الآية صريحة عمدوا إلى تأويلها.\nوهنا يحق لنا أن نتساءل: هل تأثر القاسمي بالإمام محمد عبده رحمهما الله؟ . إذا عرفنا إعجاب القاسمي بالإمام، ورحلته لمصر ليلتقي به، ورأينا كثيرًا من نقوله عنه -فقد نقل فصلًا كاملًا في مقدمته، كما نقل فصولًا تامة من رسالة التوحيد في ثنايا التفسير. إذا عرفنا هذا نستطيع أن نجزم بتأثر القاسمي به إلى حد بعيد، ولعل\n_________\n(١) جـ ٩ ص ١٦١.\n(٢) إن هذا خطأ جسيم جدًّا من القاسمي ﵀، فما ذهب إليه لا ترده الأحاديث الصحيحة وحدها، بل وعبارة الآية كذلك (فأتوا حرثكم أنى شئتم)، على أن الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي ﵀، وهو الذي صحح هذا التفسير علق على تلك المسألة مثبتًا صحة الأحاديث التي وردت فيها.","vol":"2","page":485},{"text":"ما يؤكد ذلك تأويله لبعض الآيات، بما يتفق مع تأويل الإمام لها، وعلى سبيل المثال تأويله لقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] ولكن بعد الشقة، وعظم المسافة وصعوبة الاتصال في ذلك الوقت بينهما، لم يتح له أن يطلع على كل ما قاله الإمام، ولا ننسى الصلة الوثيقة بين القاسمي وبين الشيخ رشيد رضا أهم أعلام مدرسة محمد عبده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-571>تقويم التفسير:</span>\nوبعد، فهذه لمحات وقبسات وملاحظات من هذا التفسير وعليه، ولا بد من كلمة أخيرة نرجو أن نجانب فيها الهوى والزلل، ونتوخى فيها الإنصاف.\nإن تقويم كتاب ما، يعتمد أول ما يعتمد على أسلوب كاتبه وآرائه وعلى الموضوع الذي كتب شكلًا ومضمونًا. وقد ورد في (محاسن التأويل) مجموعة تبرز فيها شخصيات متعددة، ويظهر فيها أكثر من طابع واحد، ومن هنا، فتقويم الكتاب إنما هو بقدر ما فيه من تلاؤم بين الأقوال والنقول التي أودعت فيه، والحق أن (القاسمي) كان موفقًا في هذا، وكتابه دائرة معارف، نقرأ فيها أقوال المفسرين، ابتداء من (ابن جرير) إلى الشيخ محمد عبده، ونطلع على آرائهم، وعلى اختلاف اتجاهاتهم ونحلهم، فتتجلى لنا فيه أقوال المعتزلة والمتصوفة والزيدية والأشاعرة، إلى جانب آراء السلف، كما نقرأ فيه لعلماء الحديث واللغة وعلماء الفلك، ونبذة غير قليلة من كتب الديانات الأخرى، كل هذا استطاع (القاسمي) أن يضم بعضه دونما قلق أو تنافر إلى بعض، مع إظهار سلفيته في آيات العقيدة، وحريته في آيات الأحكام، دون التقيد بمذهب ما.\nوالحق أن هذا اللون من التفسير لون ممتع، قل أن يجد الإنسان في قراءته سآمة أو مللًا، و(القاسمي) ليس بدعًا في هذا، فنحن مثلًا لا ننسى (إتقان السيوطي)، وأقرب منه (حاشية العلامة الجمل) على تفسير الجلالين ﵏، ولم نبتعد","vol":"2","page":486},{"text":"كثيرًا فهذا هو العلامة (الآلوسي) إلا أن الآلوسي ﵀ كانت شخصيته تطغى على كل نقوله، فهو بحجته وغزير قوله وعلمه، ينقد ويرجح، ويضعف، ويصحح، ويناظر ويناقش، ومن هنا كان تفسيره المورد الذي يستغني به الظمآن. لكن (القاسمي) كما رأينا كان أقل خوضًا في المصطلحات العلمية والمناقشات الفنية ولن يعاب في هذا، كما لا يعاب في كثرة نقوله، فكم ترك الأوائل كلمة لقائل.\nوأخيرًا، فإن تفسير (القاسمي)، حافل بعظيم الفوائد، وكل قارئ ربما يجد فيه بغيته، وجزى الله الرجل خيرًا، فلقد وصلنا بأمانة علمية فائقة بما كتب العلماء الأعلام رحمه الله تعالى ورحمهم.","vol":"2","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-572>التفسير المنهجي التفسير الوسيط للقرآن الكريم</span>\nوالكتاب الذي سأتحدث عنه الآن هو (التفسير الوسيط للقرآن الكريم) للأستاذين الفاضلين الدكتور أحمد الكومي -﵀- رئيس قسم التفسير في كلية أصول الدين سابقًا. والدكتور محمد سيد طنطاوي الأستاذ المساعد في الكلية.\nلقد وضع هذا التفسير لطلاب كلية أصول الدين، وهي الكلية التي يدرس فيها التفسير دراسة شاملة واسعة، فالدراسة فيها للقرآن الكريم وعلومه تختلف عن الدراسة في أي كلية حتى من كليات الأزهر نفسه، ذلك لأن الكليات الأخرى، تعنى بدراسة جانب من جوانب التفسير، فكلية الشريعة مثلًا تعنى بالجانب الفقهي، وكلية اللغة تعنى بالجانب اللغوي، أما كلية أصول الدين، فإنها والحق يقال، كان لها الفضل والسبق في خدمة القرآن وعلومه، لا من ناحية واحدة فحسب، بل من كل ناحية تمت إلى الدراسات القرآنية بصلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-573>الأستاذ الدكتور أحمد الكومي</span>\nولد الأستاذ الدكتور أحمد السيد الكومي في محافظة البحيرة في مصر، وهي محافظة أنجبت كثيرًا من العلماء الذين ذاع صيتهم واشتهر ذكرهم، لا في مصر وحدها، بل في العالم الإسلامي والعالم كله، وكان الشيخ -﵀- يفخر بهذا، ونفخر دائمًا أن الشيخ محمد عبده -﵀- كان من مواليد هذه المحافظة.\nولد الشيخ سنة ١٩١٢ م، ودرس في الأزهر، وحصل على أرفع الشهادات وهي","vol":"2","page":488},{"text":"شهادة التخصص، وعين مدرسًا في كلية أصول الدين في أوائل الخمسينات من القرن الماضي، ثم صار رئيسًا لقسم التفسير في الكلية، وكما منَّ الله على الشيخ بالعلم وبخاصة علم كتابة العزيز منَّ كذلك عليه بالخلق الطيب، وألقى محبته في قلوب الذين عرفوه والذين لم يعرفوه ونستطيع أن نقول أن الشيخ ﵀ كان أستاذًا لأجيال متعددة، ولقد كان من القليل الذين أجمع طلاب العلم والمثقفون على محبتهم والإشادة بفضلهم، وإذا كان بعض الناس، قد منَّ الله عليهم بحافظة تميزهم من غيرهم، وبعض الناس قد منَّ عليهم بالتفكير والقدرة على الاستنباط، فلقد أكرم الله الشيخ بهاتين مجتمعتين، ولقد كانت هاتان الميزتان ظاهرتين في حياة الشيخ.\nولقد تعجب أيها القارئ الكريم كما عجب من قبلك الكثيرون مما أكرم الله به الشيخ وهو يناقش رسائل الدكتوراه، وقد تستمر المناقشة ثلاث ساعات أو أربع ساعات أو تزيد على هذا، وأذكر أنني قد شرفت بمناقشته رسالتي التي استمرت أربع ساعات ونصف ساعة. لقد كان حاسوبًا قبل أن يظهر الحاسوب، لقد كان الطلاب والأساتذة في جامعة الأزهر وغيرها من الجامعات يأتون ليستمعوا مناقشة الشيخ ... كان يبدأ المناقشة بتحديد السطر والصفحة تحديدًا دقيقًا، وقد تستمر المناقشة ساعات كثيرة - كما قلت من قبل - مع العلم بأن الشيخ -﵀- كان كفيفًا، وتلك نعم الله يختص بها من يشاء.\nولقد أكرم الشيخ بطلاب كثيرين هم أساتذة التفسير في الجامعات في البلاد الإسلامية، وكان التدريس ومراجعة الطلاب له، ولقاؤهم في بيته كان كل ذلك يشغله عن التأليف، ومع ذلك فللشيخ كتب مفيدة -﵀- ومن هذه الكتب:\n١ - التفسير الموضوعي.\n٢ - كتاب في علوم القرآن ورد الشبهات.\n٣ - تفسير سورة الفتح.","vol":"2","page":489},{"text":"٤ - أجزاء في تفسير القرآن الكريم الذي سماه التفسير الوسيط، والذي كتبه مع الشيخ محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، ثم خرج التفسير بعد ذلك، ليس فيه ذكر للشيخ الكوفي، حتى في مقدمة التفسير، وهذا مما يؤسف له.\nتوفي الشيخ -﵀- سنة ١٩٩١ عن ثمانين سنة، رحم الله الشيخ الكومي رحمة واسعة وجزاه عما قدم للعلم وللقرآن الكريم خير الجزاء، وأسكنه فسيح جنانه، ومنَّ الله على الأمة بأمثال الشيخ أو بما هو قريب منه، وما ذلك على الله بعزيز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>منهج هذا التفسير:</span>\nإن أي منهج لكي يكون ناجحًا، مؤديًا النتيجة التي أنيطت به، موصلًا للغاية التي وضع من أجلها، لا بد من أن يستجمع نواحي ثلاثًا:\n١ - حسن العرض مع يسر العبارة وسهولة الأسلوب.\n٢ - كون المادة التي عرضت صحيحة وافية منسجمة مع المستوى الذي وضعت به.\n٣ - أن تكون خالية من الاستطرادات التي يكون من نتائجها التشويش على القارئ، فتضطرب نفسه وتتشعب أفكاره.\nوسنتعرف إلى هذه الجوانب الثلاثة في هذا التفسير، كي نستطيع أن نحكم عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-575>١ - حسن العرض ويسر العبارة:</span>\nأما حسن العرض فيبدو واضحًا في هذا التفسير إذا استعرضنا فواتح السور التي جاءت فيه.\nفعند سورة الفاتحة، يذكر أمورًا خاصة في السورة قبل تفسيرها، كوقت نزولها وأسمائها وفضلها، ثم يبدأ في تفسيرها آية آية.\nوعند تفسير سورة البقرة، يذكر خلاصة للسورة، فيها إلمامه مفيدة عن","vol":"2","page":490},{"text":"الموضوعات التي ذكرت فيها.\nوعند تناوله للآيات يذكر المعنى الإجمالي للآية أو الآيات، ثم يبدأ التفسير التفصيلي بعرض لما اشتملت عليه الآية أو الآيات من مباحث لغوية، إفرادًا وتركيبًا، ومباحث فقهية بقدر ما تدعو الحاجة، وأقوال المفسرين، وما يستنبط من الآية من حكم ومواعظ، وعرض مثل هذا لا يجد فيه الطالب والقارئ عنتًا وعناء.\nإن حسن العرض من أعظم المشوقات، في كل ما يكتب ويقال بعامة، وفي كتابة التفسير بخاصة، ولقد كان الأستاذان الفاضلان، والحق يقال، موفقين كل التوفيق في عرضهما للمادة على تشعيب فنونها.\nأما يسر العبارة وسهولة الأسلوب، فهما أمران ظاهران في هذا التفسير، وسيبدو هذا واضحًا حينما نعرض لبعض النماذج من هذا التفسير إن شاء الله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-576>٢ - شمول المادة وصحتها:</span>\nإن القارئ لهذا التفسير، يدرك أن المادة التي عرضت فيه، امتازت بميزتين اثنتين، وهما الشمول والصحة.\nأما الشمول فلا يفوت الأستاذين أي مبحث، من المباحث الضرورية لفهم الآية وتفسيرها، فهذا مثلًا قول الله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧]، يعرض في تفسيره لمعنى الختم والقلب، وسر جمع القلوب والأبصار وإفراد السمع، ونكتة البدء بالجملة الفعلية أولًا والاسمية ثانيًا، هذا من الناحية اللغوية. وربما يحتاج الأمر إلى تحقيق تاريخي، كما نجد هذا عند قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١].\nوأما صحة المادة، وأعني بها عدم الخروج في تأويل الآية عن مدلولها إلى تأويلات بعيدة غريبة، يظهر هذا عند تفسيرهما للآيات، التي تتحدث عن معجزات الأنبياء، كفرق البحر، وبعث بني إسرائيل بعد موتهم، والحديث عن السحر والنسخ.","vol":"2","page":491},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-577>٣ - عدم الاستطراد:</span>\nإنّ عدم الاستطراد من أعظم ميزات هذا التفسير، فإن القارئ له لا يشعر أبدًا، أنه خرج من جو التفسير إلى جو آخر، كما نجد ذلك في كثير من التفاسير، وجميل للأستاذين يعترف به كل قارئ أنهما يحيلان إذا اقتضى الأمر، على العلوم الخاصة بالبحث المتحدث عنه، فعند تفسيرهما لـ (بسم الله الرحمن الرحيم) لا يستطردان في ذكر التفريعات الفقهية واختلاف المذاهب، بل يحيلان القارئ على كتب الفقه وكذلك عند معنى الختم على القلوب، يحيلان القارئ على كتب علم الكلام، وبهذا لا يخرجان عن صلب التفسير ودائرته.\nهذه أهم مميزات المنهج القويم، نجدها قد توفرت لهذا التفسير، ولا بد من استعراض بعض النماذج حتى نتبين هذه الخصائص عن كثب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-578>نماذج من التفسير:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>١ - من سورة الفاتحة:</span>\n(والمراد بقوله تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: ثبتنا عليه، واجعلنا من المداومين على السير في سبيله، فإن العبد مفتقر إلى الله في كل وقت لكي يثبته على الهداية، ويزيده منها ويعينه عليها، وقد أمر ﷾ المؤمنين أن يقولوا ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨] وجملة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ بدل من الصراط المستقيم.\nولم يقل (اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم) مستغنيًا عن ذكر الصراط المستقيم، ليدل على أن صراط هؤلاء المنعم عليهم هو الصراط المستقيم.\nوقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، ولم يقل صراط الأنبياء أو الصالحين؛ ليدل على أن الدين في ذاته نعمة عظيمة، ويكفي للدلالة على عظمتها إسنادها إليه تعالى في قوله ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، لأن المراد بالإنعام هنا - على الراجح - الإنعام","vol":"2","page":492},{"text":"الديني، فالمنعم عليهم هم من عرفوا الحق فتمسكوا به، وعرفوا الخير فعملوا به) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>٢ - تفسير قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [</span>البقرة: ٧]:\nبعد بيان معاني الكلمات قالا (٢): (فهذه الآية الكريمة تفيد عن طريق الاستعارة أو التمثيل، أي هناك حواجز حصينة وأقفالًا متينة وغشاوات مطبقة، قد ضربت على أسماعهم وعلى قلوبهم، حتى أصبحوا لا يخيفهم نذير ولا يرغبهم بشير.\nوعبر في جانب القلب والسمع بالختم، وفي جانب البصر بالغشاوة، لمعنى سام وحكمة رائعة، ذلك أن آفة البصر معروفة، إذ غشاوة العين معروفة لنا، فالتعبير في جانب العين بالغشاوة، مما يحدد لنا مدى عجزهم عن إدراك آيات الله بتلك الجارحة، وأما القلب والسمع فإنهما لما كانا لا تدرك آفتهما إلا بصعوبة، فقد صور لنا موانعهما عن الاستجابة للحق بصورة الختم.\nوعبر عن جانب القلب والسمع بجملة فعلية تفيد التجدد والحدوث، وفي جانب البصر بجملة اسمية تفيد الثبات والاستقرار، لأنهم قبل الرسالة ما كانوا يسمعون صوت نذير، ولا يواجهون بحجة، وإنما كان صوت النذير وصياغة البراهين بعد ظهور النبي -ﷺ-، وأما ما يدرك بدلائل البصر من دلائل وجود الله وآيات قدرته، فقد كان قائمًا في السماوات والأرض وفي الأنفس، ويصح أن يدرك قبل الرسالة النبوية، وأن يستدل به المتبصرون والمتدبرون على وجود ربهم وحكمته، فلم يكن عماهم عن آيات الله القائمة حادثًا متجددًا، بل هم قد صحبهم العمى من بدء وجودهم، فلما دعوا إلى التبصر والتدبر صمموا على ما كانوا عليه من عمى.\nوجمع القلوب والأبصار وأفرد السمع، لأن القلوب تختلف باختلاف مفاد ما تفهمه، مما يلقي إليها من إنذار أو تبشير، ومن حجة أو دليل، فكان عن ذلك تعدد\n_________\n(١) التفسير الوسيط ١/ ٢٠ - ٢١.\n(٢) ١/ ٥٧.","vol":"2","page":493},{"text":"القلوب بتعدد الناس على حسب استعدادهم وكذلك شأن الناس فيما تنتظمه أبصارهم من آيات الله في كونه، فإن أنظارهم تختلف في عمق تدبرها وضحولته، فكان من ذلكم تعدد المبصرين بتعدد مقادير ما يستنبطون من آيات الله في الآفاق، وأما المسموع فهو بالنسبة للناس جميعًا شيء واحد، هي الحجة يناديهم بها المرسلون، والدليل يوضحه لهم النبيون. لذلك كان الناس جميعًا كأنهم على سمع واحد، فكان إفراد السمع إيذانًا من الله بأن حجته واحدة، ودليله واحد لا يتعدد.\nونرى القرآن هنا قدم القلب في الذكر على السمع، بينما في سورة الجاثية قدم السمع في الذكر على القلب فقال ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الجاثية: ٢٣]، ذلك لأنه سبحانه في سورة الجاثية، قد ذكر الختم معطوفًا على قوله ﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ومن اتخذ إلهه هواه، يكون أول ما يبدو منه للناس ويعرف، هو إعراضه عن النصح ولى رأسه عن استماع الحجة، فكان مظهر عدم السماع منه أول ما يبدو للناظرين، فلذلك قدم السمع على القلب، وأما آيتنا هذه ... فقد جاءت إثر الآية المختومة بقوله ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، والإيمان تصديق يقوم على الحجة والبرهان، وإدراك الحجة والبرهان إنما هو في القلب، فكان التعليل المتصل الواضح لنفي الإيمان، أن قلوبهم مغلقة لا تنفذ إليها الحجة، ولا يترسب إليها نور البرهان، لذلك قدم القلب على السمع)، وهذا كلام لا يرتاب أيّ قارئ في أنّه للأستاذ الشيخ أحمد سيد الكومي -﵀- لأنه شذرات عن سمو في الفهم وقوة استنباط يكرم الله بهما من يشاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>٣ - الشفاعة:</span>\nوعند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] تحدثا عن الشفاعة فقالا: (الضمير في (منها) يعود إلى النفس المحاسبة في ذلك اليوم، والشفاعة: من الشفع ضد الوتر، وهي انضمام الغير إلى الشخص ليدفع عنه، أي","vol":"2","page":494},{"text":"لا يقبل منها أن تأتي بشفيع ليحصل لها نفعًا، أو يدفع عنها ضررًا، والآية الكريمة قد نفت قبول الشفاعة من أحد نفيًا مطلقًا، ولكن هناك آيات كريمة تنفي قبول الشفاعة إلا ممن أذن له الرحمن في ذلك من هذه الآيات قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩].\nوللجمع بين هذه الآيات تحمل الآيات التي تنفي الشفاعة نفيًا مطلقًا، على أنها واردة في شأن النفس الكافرة، وتحمل الآيات التي تبيح الشفاعة على أنها واردة في شأن المؤمنين، إذا أذن الله فيها للشافعين، وقد وردت أحاديث صحيحة بلغت مبلغ التواتر المعنوي، في أن النبي -ﷺ- ستكون له شفاعة، في دفع العذاب عن أقوام مؤمنين، وتخفيفه عن أهل الكبائر من المسلمين، من ذلك ما أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: (أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت أنا إلى الناس عامة).\nقال الإمام ابن جرير (وهذه الآية وإن كان مخرجها عامًا في التلاوة، فإن المراد بها خاص في التأويل، لتظاهر الأخبار عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي. وأنه قال ليس من نبي: إلا وقد أعطي دعوة، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة إن شاء الله منهم من لا يشرك بالله شيئًا. فقد تبين بذلك أن الله جل ثناؤه قد يصفح لعباده المؤمنين، بشفاعة نبينا محمد -ﷺ- لهم، عن كثير من عقوبة إجرامهم بينه وبينهم، وأن قوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، إنما هي لمن مات على كفره غير تائب إلى الله ﷿) (١).\n_________\n(١) ١/ ١٥٦ - ١٥٧.","vol":"2","page":495},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-582>٤ - حكمة التكرار في آيات القبلة:</span>\nوهنا سر بديع يبينانه في الحكمة من تكرار قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩]، حيث يقولان: (وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة وتشديده، لأن تحول القبلة كان أول نسخ في الإسلام - كما قال كثير من العلماء، فاقتضى الأمر تأكيده حتى يرسخ في نفوس المؤمنين، ويستقر في مشاعرهم، ويذهب ما يثار حولها من شبهات أدراج الرياح. ولأن الله تعالى، أناط بكل واحد من هذه الأوامر الثلاثة بالتحول ما لم ينط بالآخر، فاختلفت فوائدها فكأنّه سبحانه يقول لنبيه وللمؤمنين: (الزموا هذه القبلة لأنها هي التي ترضونها وترغبون فيها وطالما تمنيتموها، والزموها أيضًا لأنها هي القبلة التي تنسخ بعد ذلك، والزموها كذلك لأن لزومكم إياها يقطع حجة اليهود الجاحدين وغيرهم من المعاندين الخاسرين) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>٥ - قوله تعالى:</span>\n﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١) سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢) وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤١ - ٤٣] جاء في تفسيرها:\n_________\n(١) ١/ ٤٤٢.","vol":"2","page":496},{"text":"وردت أحاديث متعددة في سبب نزول هذه الآيات الكريمة، ومن ذلك: ما أخرجه البخاري عن ابن عمر -﵄-: أن اليهود جاءوا إلى رسول الله -ﷺ-: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون. فقال عبد الله بن سلام: كذبتم. إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فنشروها.\nفوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده فإذا آية الرجم. فقالوا: صدق يا محمد! فيها آية الرجم. فأمر بهما رسول الله -ﷺ- فرجما.\nفقال عبد الله بن عمر: فرأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة (١).\nوروى مسلم في صحيحه عن البراء بن عازب قال: مَرَّ رسول الله -ﷺ- على يهودي محمم مجلود - أي قد وضع الفحم الأسود على وجهه للتنكيل به -.\nفدعاهم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقالوا: نعم، فدعا رجلًا من علمائهم فقال: أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ فقال: لا والله. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجد حد الزاني في كتابنا الرجم. ولكنه كثر في أشرافنا. فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه.\nوإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد ... فقلنا: تعالوا حتى نجعل شيئًا نقيمه على الشريف والوضيع، فاجتمعنا على التحميم والجلد - مكان الرجم -.\nفقال النبي -ﷺ-: اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه قال: فأمر به فرجم. قال: فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ ...﴾ (٢).\nوأخرج الإمام أحمد عن ابن عباس قال: إن الله أنزل: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون. وأولئك هم الظالمون .. وأولئك هم الفاسقون).\nقال ابن عباس: أنزلها الله في الطائفتين من اليهود. وكانت إحداهما قد قهرت\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب الحدود جـ ٨ ص ٢١٣ طبعة مصطفى الحلبي سنة ١٣٤٥ هـ.\n(٢) صحيح مسلم - كتاب الحدود جـ ص ١٢٢ طبعة مصطفى الحلبي سنة ١٣٨٠ هـ.","vol":"2","page":497},{"text":"الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا واصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون وسقا. وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق. فكانوا على ذلك حتى قدم النبي -ﷺ-. فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلًا، فأرسلت العزيزة إلى الذليلة أن ابعثوا لنا بمائة وسق. فقالت الذليلة: وهل كان في حيين دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد، دية بعضهم نصف دية بعض؟ إنما أعطيناكم هذا خوفًا منكم، فأما إذ قدم محمد -ﷺ- فلا نعطيكم. فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله -ﷺ- حكمًا بينهم. ثم ذكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم. ولقد صدقوا. ما أعطونا هذا إلا خوفًا منا. فدسوا إلى محمد من يخبر لكم رأيه. إن أعطاكم ما تريدون حكمتموه، وإن لم يعطكم لا تحكموه. فدسّوا إلى رسول الله -ﷺ- ناسًا من المنافقين ليخبروا لهم رسول الله -ﷺ- فلما جاءوه أخبر الله رسوله بأمرهم كله وما أرادوا. فأنزل الله -تعالى-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ ..﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (١).\nقال ابن كثير - بعد أن ساق هذه الأحاديث وغيرها - فهذه الأحاديث دالة على أن رسول الله -ﷺ- حكم بما يوافق حكم التوراة. وليس هذا من باب الإكرام لهم بما يعتقدون صحته، لأنهم مأمورون باتباع الشرع المحمدي لا محالة، ولكن هذا بوحي خاص من الله -تعالى- إليه بذلك وسؤالهم إياه عن ذلك ليقررهم على ما بأيديهم مما تواطؤا على كتمانه وجحوده وعدم العمل به تلك الدهور الطويلة. فلما اعترفوا به مع عملهم على خلافه، ظهر زيفهم وعنادهم وتكذيبهم لما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، وعدولهم إلى تحكيم الرسول -ﷺ- إنما كان عن هوى منهم وشهوة لموافقة آرائهم، لا لاعتقادهم صحة ما يحكم به، ولهذا قالوا: (إن أوتيتم هذا فخذوه) أي: إن حكم بالجلد والتحميم فاقبلوا حكمه (وإن\n_________\n(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٦٠.","vol":"2","page":498},{"text":"لم تؤتوه فاحذروا، أي: وإن لم يحكم بذلك فاحذروا من قبوله واتباعه) (١).\nوبمطالعتنا لهذه الأحاديث التي وردت في سبب نزول هذه الآيات، نراها جميعها قد وردت بأسانيد صحيحة وفي كتب السنة المعتمدة، وأن بعضها قد حكى أن الآيات نزلت في شأن القضية التي تحاكم فيها اليهود إلى النبي -ﷺ- وبعضها قد حكى أنها نزلت في قضية دماء. ولا تعارض بين هذه الأحاديث، فقد يكون هذان السببان قد حصلا في وقت واحد، أو متقارب، فنزلت هذه الآيات فيهما معًا. وقد قرر العلماء أنه لا مانع من تعدد أسباب النزول للآية الواحدة أو للطائفة من الآيات.\nهذا، وقد افتتحت هذه الآيات الكريمة بنداء من الله -تعالى- لرسوله -ﷺ- فقال -سبحانه-: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا ...﴾ [المائدة: ٤١].\nقال القرطبي: قوله -تعالى- (لا يحزنك) قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الزاي. والحزن خلاف السرور. ويقال: حزن الرجل -بالكسر- فهو حزين وحزين ..) (٢).\nوالمعنى: يا أيها الرسول الكريم إن ربك يقول لك: لا تهتم ولا تبال بهؤلاء المنافقين، وبأولئك اليهود الذين يقعون في الكفر بسرعة ورغبة، ويقولون بأفواههم آمنا بك وصدقناك، مع أن قلوبهم خالية من الإيمان، ومليئة بالنفاق والفسوق والعصيان ... لا تهتم -أيها الرسول الكريم- بهؤلاء جميعًا فإني ناصرك عليهم، وكافيك شرهم.\nوفي ندائه -ﷺ- بعنوان الرسالة: (يا أيها الرسول ..) تشريف له وتكريم،\n_________\n(١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٥٩.\n(٢) تفسير القرطبي جـ ٦ جـ ١٨.","vol":"2","page":499},{"text":"وإشعار بأن وظيفته كرسول أن يبلغ رسالة الله، دون أن يصرفه عن ذلك عناد المعاندين، أو كفر الكافرين، فإن تكاليف الرسالة تحتم عليه الصبر على أذى أعدائه حتى يحكم الله بينه وبينهم.\nوالنهي عن الحزن - وهو أمر نفسي لا اختيار للإنسان فيه - المراد به هنا: النهي عن لوازمه، كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب، وتعظيم أمرها، وبذلك تتجدد الآلام، وتعز السلوى. وفي هذه الجملة الكريمة تسلية الرسول -ﷺ-، وتأنيس لقلبه، وإرشاد له إلى ما سيقع له من أعدائه من شرور حتى لا يتأثر بها عند وقوعها.\nوفي التعبير بقوله: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ..﴾ ذم لهم على انحدارهم في دركات الكفر بسرعة من غير أناة ولا تدبر ولا تفكر، فهم يتنقلون بحركات سريعة في ثنايا الكفر ومداخله دون أن يزعهم وازع من خلق أو دين.\nقال صاحب الكشاف: يقال: أسرع فيه الشيب، وأسرع فيه الفساد بمعنى: وقع فيه سريعًا. فكذلك مسارعتهم في الكفر عبارة عن إلقائهم أنفسهم فيه على أسرع الوجوه، بحيث إذا وجدوا فرصة لم يخطئوها) (١).\nوقال أبو السعود: والمسارعة في الشيء: الوقوع فيه بسرعة ورغبة. وإيثار كلمة (في) على كلمة (إلى) للإيماء إلى أنهم مستقرون في الكفر لا يبرحونه وإنما ينتقلون بالمسارعة عن بعض فنونه وأحكامه إلى بعض آخر منها، كإظهار موالاة المشركين، وإبراز آثار الكيد للإسلام ونحو ذلك ...) (٢).\nوقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾. بيان لأولئك المسارعين في الكفر، والمتنقلين في دركاته من دركة إلى دركة.\nوقوله: ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿قَالوا﴾. وقوله: ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾،\n_________\n(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٣٢ - بتصرف يسير-.\n(٢) تفسير أبو السعود جـ ٢ ص ٢٧.","vol":"2","page":500},{"text":"جملة حالية من ضمير ﴿قَالوا﴾.\nوقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ معطوف على قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ...﴾. وعليه فيكون الذين هادوا داخلين في الذين يسارعون في الكفر.\nأي إن المسارعين في الكفر فريقان: فريق المنافقين الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وفريق اليهود الذين تميزوا بهذا الاسم واشتركوا مع المنافقين في نفاقهم والمعنى: لا تهتم يا محمد بأولئك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين واليهود الذين من صفاتهم أنهم يظهرون الإيمان على أطراف ألسنتهم والحال أن قلوبهم خالية منه.\nوعلى هذا المعنى يكون الكلام قد تم عند قوله -تعالى- ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ويكون ما بعده وهو قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ... إلخ﴾ من أوصاف الفريقين معًا. لأنهم مشتركون في المسارعة في الكفر.\nومنهم من يرى أن قوله -تعالى-: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ جملة مستأنفة لبيان أحوال فريق آخر من الناس وهم اليهود، وأن قوله -تعالى- بعد ذلك ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ... إلخ﴾ من أوصاف هؤلاء اليهود، وأن الكلام قد تم عند قوله -تعالى-: ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾. وأن البيان بقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ ..﴾ لفريق المنافقين.\nقال الفخر الرازي قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ ذكر الفراء والزجاج ها هنا وجهين:\nالأول: أن الكلام إنما يتم عند قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ ثم يبدأ الكلام من قوله:\n﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ وتقدير الكلام لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من المنافقين ومن اليهود. ثم بعد ذلك وصف الكل بكونهم سماعين للكذب.","vol":"2","page":501},{"text":"الثاني: أن الكلام تم عند قوله -تعالى-: ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ ثم يبدأ من قوله: (ومن هادوا سماعون للكذب). وعلى هذا التقدير فقوله (سماعون) صفة محذوف. والتقدير: (ومن الذين هادوا قوم سماعون) (١).\nقال الجمل: الأولى والأحسن أن يكون قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ معطوفًا على البيان وهو قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ قَالوا آمَنَّا ..﴾ فيكون البيان بشيئين المنافقين واليهود. أما على القول الثاني فيكون البيان بشيء واحد وهو المنافقون) (٢).\nوقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ صفتان أخريان لأولئك الذين يقعون في الكفر بسرعة ورغبة.\nوقوله (سماعون) جمع سماع. وهو صيغة مبالغة جيء بها لإفادة أنهم كثيرو السماع للكذب، وأنهم لفساد نفوسهم يجدون لذة في الاستماع إليه من رؤسائهم وأحبارهم، ومن هم على شاكلتهم في العناد والضلال.\nواللام في قوله: (للكذب) للتقوية أي: أنهم يسمعون الكذب كثيرًا سماع قبول وتلذذ، ويأخذونه ممن يقوله من أعداء الإسلام على أنه حقائق ثابتة لا مجال للريب فيها.\nوقيل إن اللام للتعليل أي أنهم كثيرو السماع لكلام الرسول -ﷺ- ولأخباره من أجل الكذب عليه، عن طريق تغيير وتبديل ما سمعوه، على حسب ما تهواه نفوسهم المريضة.\nوقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ بيان لمسلك آخر من مسالكهم الخبيثة بعد بيان احتفالهم بالأخبار الكاذبة وتقبلها بفرح وسرور.\nأي: إن هؤلاء المسارعين في الكفر من المنافقين واليهود من صفاتهم أنهم\n_________\n(١) تفسير الرازي جـ ١١ ص ٢٣٢.\n(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ١ ص ٤٠٠.","vol":"2","page":502},{"text":"كثيرو السماع للأكاذيب التي يروجها أعداء الدعوة الإسلامية ضدها. وكثيرو السماع والقبول والاستجابة لما يقوله عنها قوم آخرون من أعدائها لم يحضروا مجالس الرسول -ﷺ- تكبرًا وعتوًا.\nويجوز أن يكون المعنى: أنهم كثيرو السماع للكذب عن محبة ورغبة، وأنهم كثيرو السماع لما يقوله الرسول -ﷺ- لينقلوه إلى قوم آخرين - من أشباههم في الكفر والعناد - ولم يحضروا مجالس الرسول -ﷺ- أنفة وبغضًا. فأنت ترى أن القرآن قد وصفهم بفساد بواطنهم، حيث استحبوا الكذب على الصدق، كما وصفهم بضعف نفوسهم، حيث صاروا مطايا لغيرهم يطيعون أمرهم، ويبلغونهم أخبار المسلمين، فهم عيون على المسلمين ليبلغوا أخبارهم إلى زعماء الكفر والنفاق.\nوإلى هذين المعنيين أشار صاحب الكشاف بقوله: ومعنى: (سماعون للكذب): قابلون لما يفتريه الأحبار ويفتعلونه من الكذب على الله وتحريف كتابه. من قولك: الملك يسمع كلام فلان، ومنه سمع الله لمن حمده.\nوقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ يعني اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول الله -ﷺ- وتجافوا عنه، لما فرط فيهم من شدة البغضاء، وتبالغ من العداوة. أي: قابلون من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة الذين لا يقدرون أن ينظروا إليك. وقيل: سماعون إلى رسول الله -ﷺ- لأجل أن يكذبوا عليه، بأن يمسخوا ما سمعوا منه بالزيادة والنقصان والتبديل والتغيير، سماعون من رسول الله لأجل قوم آخرين من اليهود وجهوهم عيونًا ليبلغوهم ما سمعوا منه) (١).\nوقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾. صفة أخرى للقوم الآخرين الذين لم يأتوا إلى مجالس الرسول -ﷺ- أنفة وبغضًا. أو للمسارعين في الكفر من الفريقين.\n_________\n(١) تفسير الكشاف جـ ١ ص ٦٣٣.","vol":"2","page":503},{"text":"وقوله: (يحرفون) من التحريف وأصله من الحرف، وهو طرف الشيء. ومعناه إمالة الكلام عن معناه، وإخراجه عن أطرافه وحدوده. والكلم: اسم جنس جمعي للفظ كلمة ومعناه الكلام.\nأي إن هؤلاء القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلسك نفورًا منك، أو هم والمسارعون في الكفر من المنافقين واليهود من صفاتهم ودأبهم تحريف جنس الكلم عن مواضعه، فهم يحرفون كلامك يا محمد، ويحرفون التوراة، ويحرفون معاني القرآن حسب أهوائهم وشهواتهم، ويحرفون الحق الذي جئت به تارة تحريفًا لفظيًا، وتارة تحريفًا معنويًا، وتارة بغير ذلك من وجوه التحريف والتبديل.\nوقوله: (من بعد مواضعه)، أي: يحرفون الكلم من بعد استقرار مواضعه وبيان حلالها وحرامها. وعبر هنا بقوله: (من بعد مواضعه)، وفي مواطن أخرى بقوله (عن مواضعه) لأن المقام هنا للحديث عن الأحكام المستقرة الثابتة التي حاول أولئك المسارعون في الكفر تغييرها وإحلال أحكام أخرى محلها تبعًا لأهوائهم - كما حدث في قضية الزنا وفي غيرها من القضايا التي تحاكموا فيها إلى رسول الله -ﷺ-، فكان من المناسب هنا التعبير بقوله: (من بعد مواضعه) أي: من بعد استقرار مواضعه وثبوتها ثبوتًا لا يقبل التحريف أو التغيير أو الإهمال.\nوقوله: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ بيان لما نطقت به أفواه أولئك الذين لم يحضروا مجالس رسول الله -ﷺ- من مكر وخداع وضلال ...\nأي: إن أولئك القوم الآخرين الذين لم يحضروا مجلس رسول الله -ﷺ- عنادًا وتكبرًا، لم يكتفوا بتحريف الكلم عن مواضعه هم وأشياعهم، بل كانوا إلى جانب ذلك يقولون لمطاياهم السامعين منهم أو السامعين لأجلهم: يقولون لهم عندما أرسلوهم إلى الرسول -ﷺ- ليحكم بينهم (إن أوتيتم هذا فخذوه) أي: إن أفتاكم محمد -ﷺ- بمثل هذا الذي نفتيكم به - كالجلد والتحميم بدل الرجم - فاقبلوا حكمه وخذوه واعملوا به (وإن لم تؤتوه فاحذروا) أي: وإن أفتاكم بغير ما أفتيناكم","vol":"2","page":504},{"text":"به فاحذروا قبول حكمه، وإياكم أن تستجيبوا له، أو تميلوا إلى ما قاله لكم.\nواسم الإشارة هذا في قوله: (يقولون إن أوتيتم هذا) يعود إلى القول المحرف الذي تواضع أحبار اليهود على الإفتاء به تبعًا لأهوائهم، كما حدث منهم في قضية الزنا حيث غيروا حكم الرجم بحكم آخر هو الجلد والتحميم ...\nوفي ترتيب الأمر بالحذر على مجرد عدم إيتاء المحرف، إشارة إلى تخوفهم الشديد من ميل أتباعهم إلى حكم رسول الله -ﷺ-، فهم يحذرونهم بشدة من الاستماع إلى ما يقوله لهم مما يخالف ما تواضعوا عليه من أباطيل.\nوقوله: (إن أوتيتم) مفعول لقوله: (يقولون). واسم الإشارة (هذا)، مفعول ثان لأوتيتم، والأول نائب الفاعل، وقوله: (فخذوه) جواب الشرط ثم بين -سبحانه- سوء عاقبتهم فقال: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nأي: ومن يقض الله بكفره وضلاله، فلن تملك له - أيها الرسول الكريم - شيئًا من الهداية لتدفع بها ضلاله وكفره. أولئك الموصوفون بما ذكر من الصفات الذميمة لم يرد الله -تعالى- أن يطهر قلوبهم من النفاق والضلال؛ لأنهم استحبوا العمى على الهدى، (لهم في الدنيا خزي) أي: فضيحة وهوان بسبب ظهور كذبهم، وفساد نفوسهم، وانتشار تعاليم الإسلام التي يحاربونها ويشيعون الأباطيل حولها وحول من جاء بها -ﷺ-.\n(ولهم في الآخرة عذاب عظيم) وهو خلودهم في النار بسبب اجتراحهم السيئات، ومحاربتهم لمن جاءهم بالحق والهدى والسعادة.\nثم كشف -سبحانه- عن رذيلة أخرى من رذائلهم المتعددة فقال -تعالى-: (سماعون للكذب أكالون للسحت ..).\nوالسحت: هو كل ما خبث كسبه، وقبح مصدره، كالتعامل بالربا، وأخذ","vol":"2","page":505},{"text":"الرشوة وما إلى ذلك من وجوه الكسب الحرام. وقد بسط الإمام القرطبي هذا المعنى فقال: والسحت في اللغة أصله الهلاك والشدة.\nقال -تعالى- (فيسحتكم بعذاب) أي: - فيهلككم ويستأصلكم بعذاب - ويقال للحالق: أسحت أي استأصل. وقال الفراء: أصل السحت كلب الجوع. يقال رجل مسحوت المعدة: أي أكول فكائن بالمسترشي وآكل الحرام من الشره إلى ما يعطي مثل الذي بالمسحوت المعدة من النهم.\nوعن النبي -ﷺ- أنه قال: (كل لحم نبت بالسحت فالنار أولى به (قالوا يا رسول الله وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم).\nوقال بعضهم: من السحت أن يأكل الرجل بجاهه. وذلك بأن يكون له جاه عند السلطان فيسأله إنسان حاجة فلا يقضيها إلا برشوة يأخذها (١).\nوالمعنى: أن هؤلاء المنافقين واليهود من صفاتهم -أيضًا- أنهم كثيرو السماع للكذب، وكثيرو الأكل للمال الحرام بجميع صوره وألوانه. ومن كان هذا شأنه فلا تنتظر منه خيرًا، ولا تؤمل فيه رشدًا.\nوقوله: (سماعون ...) خبر لمبتدأ محذوف أي: هم: سماعون. وكرر تأكيدًا لما قبله، وتمهيدًا لما بعده وهو قوله: (أكالون للسحت).\nوجاءت هاتان الصفتان - سماعون وأكالون - بصيغة المبالغة، للإيذان بأنهم محبون حبًا جمًا لما يأباه الدين والخلق الكريم، فهم يستمرئون سماع الباطل من القول، كما يستمرئون أكل أموال الناس بالباطل.\nوإن اليهود بصفة خاصة قد اشتهروا في كل زمان بتقبل السحت، وقد أرشد الله -تعالى- نبيه إلى ما يجب عليه نحوهم إذا ما تحاكموا إليه فقال: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢].\n_________\n(١) تفسير القرطبي جـ ٦ ص ٨٣ بتصرف وتلخيص.","vol":"2","page":506},{"text":"أي: فإن جاءوك هؤلاء اليهود متحاكمين إليك - يا محمد - في قضاياهم، فأنت مخير بين أن تحكم بما أراك الله، وبين أن تتركهم وتهملهم وتعرض عنهم (وإن تعرض عنهم) فيما احتكموا فيه إليك، فقدوا مضرتك، وإيذاءك فلا تبال بشيء من كيدهم؛ لأن الله حافظك وناصرك عليهم، وإن اخترت الحكم في قضاياهم، فليكن حكمك بالعدل الذي أشرت به؛ لأن الله - تعالى - يحب العادلين في أحكامهم.\nوالفاء في قوله: (فإن جاءوك ...) للإفصاح أي: إذا كان هذا حالهم وتلك صفاتهم، فإن جاءوك متحاكمين إليك فيما شجر بينهم من خصومات (فاحكم بينهم أو أعرض عنهم).\nوجاء التعبير بأن المفيدة للشك مع أنهم قد جاءوا إليه للإيذان بأنهم كانوا مترددين في التحاكم إليه -ﷺ-، وأنهم ما ذهبوا إليه إلا ظنًّا منهم بأنه سيحكم فيهم بما يتفق مع أهوائهم، فلما حكم فيهم بما هو الحق كبتوا وندموا على مجيئهم إليه.\nقال أبو السعود: وقوله: (وإن تعرض عنهم ...) بيان لحال الأمرين إثر تخييره -ﷺ- بينهما. وتقديم حال الإعراض للمسارعة إلى بيان أنه لا ضرر فيه، حيث كان مظنة الضرر، لما أنهم كانوا لا يتحاكمون إليه إلا لطلب الأيسر والأهون عليهم فإذا أعرض عنهم وأبى الحكومة بينهم شق ذلك عليهم، فتشتد عداوتهم ومضارتهم له، فأمنه الله بقوله: (فلن يضروك شيئًا)، من الضرر (١).\nوكان التعبير بإن أيضًا في قوله ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ ...﴾ للإشارة بأنه -ﷺ- ليس حريصًا على الحكم بينهم، بل هو زاهد فيه؛ لأنهم ليسوا طلاب حق وإنصاف، بل هم يريدون الحكم كما يهوون ويشتهون، والدليل على ذلك أن التوراة التي بين أيديهم فيها حكم الله، إلا أنهم جاءوا إلى رسول الله -ﷺ- مؤملين أن يقضي بينهم بغير ما أنزل الله، فيشيعوا ذلك بين الناس، ويعلنوا عدم صدقة في نبوته، فلما حكم بما أنزل الله خاب أملهم وانقلبوا صاغرين.\n_________\n(١) تفسير أبي السعود جـ ٢ ص ٢٩.","vol":"2","page":507},{"text":"وقوله: (إن الله يحب المقسطين) تذبيل مقرر لما قبله من وجوب الحكم بينهم بالعدل، إذا ما اختاروا أن يقضي بينهم.\nيقال: أقسط الحاكم في حكمه، إذا عدل وقضى بالحق، فهو مقسط أي عادل ومنه قوله -تعالى- (إن الله يحب المقسطين).\nروى مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله -ﷺ-: إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن. وكلتا يديه يمين. الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وُلوا) (١).\nهذا، ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية الكريمة ما يأتي:\n١ - أن أكل السحت حرام سواء أكان عن طريق الرشوة أم عن أي طريق محرم سواها.\nولقد كان السابقون من السلف الصالح يتحرون الحلال. وينفرون من الحرام، بل ومن الشبهات (وكانوا يرون أن تأييد الحق ودفع الباطل واجب عليهم، وأنه لا يصح أن يأخذوا عليه أجرًا ...\nقال ابن جرير: شفع مسروق لرجل في حاجة فأهدى إليه جارية فغضب مسروق غضبًا شديدًا وقال: لو علمت أنك تفعل هذا ما كلمت في حاجتك، ولا أكلمه فيما بقي من حاجتك. سمعت ابن مسعود يقول: من شفع شفاعة ليرد بها حقًّا، أو يرفع بها ظلمًا، فأهدى له، فقبل، فهو سحت ..).\nوعن عبد الله بن عمر أن رسول الله -ﷺ- قال: كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به. قيل يا رسول الله وما السحت؟ قال: الرشوة في الحكم).\nوعن الحكم بن عبد الله قال: قال لي أنس بن مالك: إذا انقلبت إلى أبيك فقل له: إياك والرشوة فإنها سحت. وكان أبوه على شرط المدينة) (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة جـ ٦ ص ٧.\n(٢) تفسير ابن جرير جـ ٦ ص ٢٤٠ - بتصرف يسير-.","vol":"2","page":508},{"text":"قال بعض العلماء: والرشوة قد تكون في الحكم وهي محرمة على الراشي والمرتشي. وقد روى أنه -ﷺ- لعن الراشي والمرتشي والذي يمشي بينهما لأن الحاكم حينئذ إن حكم له بما هو حقه كان فاسقًا من جهة أنه قبل الرشوة على أن يحكم بما يعرض عليه الحكم به. وإن حكم بالباطل كان فاسقًا من جهة أنه أخذ الرشوة. ومن جهة أنه حكم بالباطل.\nوقد تكون الرشوة في غير الحكم مثل أن يرشو الحاكم ليدفع ظلمه عنه. فهذه الرشوة محرمة على آخذها غير محرمة على معطيها. فقد روى عن الحسن أنه قال: لا بأس أن يدفع الرجل من ماله ما يصون به عرضه). وروى عن جابر بن زيد والشعبي أنهما قالا: (لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم).\nوقد ورد أنه -ﷺ- حين قسم غنائم بعض الغزوات وأعطى العطايا الجزيلة، أعطى العباس بن مرداس أقل من غيره، فلم يرق ذلك للعباس وقال شعرًا يتضمن التعجيب من هذا التصرف. فقال -ﷺ- (اقطعوا لسانه). فزادوه حتى رضي، فهذا نوع من الرشوة رخص فيه السلف لدفع الظلم عن نفسه يدفعه إلى ما يريد ظلمه أو انتهاك عرضه) (١).\n٢ - استدل بعض العلماء بقوله -تعالى- فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم، على أن الرسول -ﷺ- كان مخيرًا في الحكم بين أهل الكتاب أو الإعراض عنهم، وأن حكم التخيير غير منسوخ لأن ظاهر الآية يفيد ذلك.\nويرى فريق من العلماء ان هذا التخيير قد نسخ بقوله -تعالى- بعد ذلك (وأن احكم بينهم بما أنزل الله). قالوا: النبي -ﷺ- كان أولًا مخيرًا، ثم أمر بعد ذلك بإجراء الأحكام عليهم.\nوقد رد القائلون بثبوت التخيير على القائلين بالنسخ بأن التخيير ثابت بهذه الآية.\n_________\n(١) تفسير آيات الأحكام جـ ٢ ص ١٩٣ لفضيلة الأستاذ محمد علي السايس.","vol":"2","page":509},{"text":"أما قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فهو بيان لكيفية الحكم عند اختياره له ويرى فريق ثالث من العلماء: أن التخيير ورد في المعاهدين الذين ليسوا من أهل الذمة كبني النضير وبني قريظة، فهؤلاء كان الرسول -ﷺ- مخيرًا بين أن يحكم بينهم أو أن يعرض عنهم.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] ورد في أهل الذمة الذين لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وعلى هذا فلا نسخ في الآية.\nقال الآلوسي: قال أصحابنا: أهل الذمة محمولون على أحكام الإسلام في البيوع والمواريث وسائر العقود، إلا في بيع الخمر والخنزير، فإنهم يقرون عليه، ويمنعون من الزنا كالمسلمين، ولا يرجمون لأنهم غير محصنين ... واختلف في مناكحتهم. فقال أبو حنيفة: يقرون عليها وخالفه - في بعض ذلك - محمد وزفر. وليس لنا عليهم اعتراض قبل التراضي بأحكامنا، فمتى تراضوا بها وترافعوا إلينا وجب إجراء الأحكام عليهم. وتمام التفصيل في الفروع.\n٣ - أخذ العلماء من هذه الآية - أيضًا - أن الحاكم ينفذ حكمه فيما حكم فيه؛ لأن اليهود حكّموا رسول الله -ﷺ- في بعض قضاياهم، فحكم فيهم بما أنزل الله، ونفذ هذا الحكم عليهم.\n٤ - قال بعضهم: \"إنه -ﷺ- قد حكم بينهم بشريعة موسى -﵇- ولكن هذا الحكم كان قبل أن تنزل عليه الحدود. أما الآن وقد أكمل الله الدين، وتقررت الشريعة، فلا يجوز لأي حاكم أن يحكم بغير الأحكام الإسلامية لا فرق بين المسلمين وغيرهم\".\nهذا، وبعد أن وصف الله تعالى اليهود وأشباههم بجُملة من الصفات القبيحة، وخير رسوله -ﷺ- بين أن يحكم فيهم بشرع الله وبين أن يعرض عنهم ... بعد كل ذلك أنكر عليهم مسالكهم الخبيثة، وعجب كل عاقل من حالهم فقال تعالى:","vol":"2","page":510},{"text":"﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣].\nأي: إن أمر هؤلاء اليهود لمن أعجب العجب، لأنهم يحكمونك -يا محمد- في قضاياهم مع أنهم لم يتبعوا شريعتك. ومع أن كتابهم التوراة قد ذكر حكم الله صريحا واضحًا فيما يحكمونك فيه.\nفالاستفهام في قوله: \"وكيف يحكمونك\" للتعجب من أحوالهم، حيث حكّموا من لا يؤمنون به، في قضية حكمها بين أيديهم، ظنًّا منهم أنه سيحكم بينهم بما اتفقوا عليه، مما يرضي أهواءهم وشواتهم.\nوقوله: \"وعندهم التوراة\" جملة حالية من الواو في \"يحكمونك\" والعامل ما في الاستفهام من التعجيب.\nقال صاحب الكشاف: فإن قلت \"فيها حكم الله\" ما موضعه من الإعراب؟ قلت: إما أن ينتصب على أنه حال من التوراة. وهي مبتدأ والخبر (عندهم)، وإما أن يرتفع خبرًا عنها كقولك: وعندهم التوراة ناطقة بحكم الله. وإما أن لا يكون له محل وتكون جملة مبنية؛ لأن عندهم ما يغنيهم عن التحكيم كما تقول: عندك زيد ينصحك ويشير عليك بالصواب فما تصنع بغيره؟ (١)\nوقوله \"ثم يتولون من بعد ذلك\" معطوف على \"يحكمونك\".\nوجاء العطف بثم المفيدة للتراخي، للإشارة إلى التفاوت الكبير بين ما في التوراة من حق، وبين ما هم عليه من باطل ومخادعة.\nواسم الإشارة \"ذلك\" يعود إلى حكم الله الذي في التوارة، والذي حكم به النبي -ﷺ-.\nأي: كيف يحكّمونك يا محمد في قضاياهم والحال أنهم عندهم التوارة فيها\n_________\n(١) تفسير الكشاف ج ١ ص ٦٣٦.","vol":"2","page":511},{"text":"حكم الله واضحًا فيما تحاكموا إليك فيه، ثم هم يعرضون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما قضى الله به في كتابهم التوراة.\nوقوله: (وما أولئك بالمؤمنين)، تذييل مقرر لمضمون ما قبله. ونفى الإيمان عنهم مع حذف متعلقه لقصد التعميم.\nأي: وما أولئك الذين جاءوك يتحاكمون إليك من اليهود بالمؤمنين لا بكتابهم التوراة؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين به لنفذوا أحكامه، ولا بك يا محمد؛ لأنهم لو كانوا مؤمنين بك لاستجابوا لك فيما تأمرهم به وتنهاهم عنه.\nقال الفخر الرازي: قوله -تعالى-: (وكيف يحكمونك ... الخ): هذا تعجيب من الله لنبيه -﵊- بتحكيم اليهود إياه بعد علمهم بما في التوراة من حد الزاني، ثم تركهم قبول ذلك الحكم، فعدلوا عما يعتقدونه حكمًا حقًّا إلى ما يعتقدونه باطلًا، طلبًا للرخصة. فلا جرم ظهر جهلهم وعنادهم في هذه الواقعة من وجوه: أحدها: عدولهم عن حكم كتابهم. والثاني: رجوعهم إلى حكم من كانوا يعتقدون فيه أنه مبطل. والثالث: إعراضهم عن حكمه بعد أن حكموه. فبين الله حال جهلهم وعنادهم لئلا يغتر بهم مغتر أنهم أهل كتاب الله، ومن المحافظين على أمر الله) (١).\nواعذرني أيها القارئ أن أطلت النقل إذ إن الكلام متّصل بعضه ببعض، إذ الآيات لم تُفَسَّر نجمًا نجمًا، وهذا النجم قد يكون آيتين أو ثلاثًا أو أكثر من ذلك.\nوأنت ترى من خلال ما نقلته لك أن الشيخ كانت له عناية:\n١ - بأسباب النزول، حيث ذكرت بعض الروايات في نزول هذه الآيات، ورجح بينها.\n٢ - وبالمناسبات بين الآيات القرآنية.\n_________\n(١) تفسير الفخر الرازي جـ ١١ ص ٢٣٦.","vol":"2","page":512},{"text":"٣ - ببيان أسرار التعبير القرآني، رأينا ذلك عند قوله تعالى (يسارعون في الكفر) حيث ذكر المفسر سر التعبير بـ (في) بدلًا من (إلى)، وقوله هنا (يحرفون الكلم من بعد مواضعه) وفي موطن آخر (عن مواضعه) وسر التعبير بـ (إن) في أكثر من موضع (وإن تعرض عنهم) (وإن حكمت) وسر مجيء (سماعون وأكالون) بصيغة المبالغة.\n٤ - بذكر القراءات القرآنية وتوجيهها إن لزم الأمر.\n٥ - بالقضايا النحوية فقد تحدث المفسر عن موقع قوله (ومن الذين هادوا) ونقل أقوال المفسرين في ذلك، وما يترتب على هذا الاختلاف في المسارعين في الكفر أهم فريقان أم فريق واحد، ومن ذلك حديثه عن إعراب (إن أوتيتم هذا فخذوه).\n٦ - ببيان معاني الألفاظ القرآنية، وقد رأينا ذلك عند بيانه لمعنى معنى الحزن والمسارعة والتحريف والسحت.\n٧ - وهو -كما قلت من قبل- ينقل كثيرًا عن المفسرين، لكنه يتخير النقل بدقة، وعناية.\n٨ - وأخيرًا فإن المفسر يذكر بعض الأحكام التي أخذها العلماء من الآيات الكريمة فقد تحدث عن حكم الرشوة، ورأي العلماء فيه، وعرض لقوله تعالى ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ التي تدل على تخيير النبي -ﷺ- بين الحكم على أهل الكتاب وبين الإعراض عنهم، وهل هذا التخيير منسوخ بقوله تعالى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وينقل خلاف العلماء في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-584>٦ - تفسير سورة الطارق: جاء في تفسيرها:</span>\n١ - سورة (الطارق) من السور المكية، وعدد آياتها سبع عشرة آية، وكان نزولها بعد سورة (البلد) وقبل سورة (القمر) وهي السورة السادسة والثلاثون، في","vol":"2","page":513},{"text":"ترتيب النزول، أما في المصحف فهي السورة السادسة والثمانون.\nوكان النبي -ﷺ- يقرأ بها كثيرًا، فقد أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة، أن رسول الله -ﷺ- كان يقرأ في العشاء الآخرة، بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق).\nوأخرج -أيضًا - عن خالد بن أبي جبل العدواني: (أنه أبصر رسول الله -ﷺ- في مشرق - بضم الميم - ثقيف. - أي في سوق ثقيف - وهو قائم على قوس أو عصى. حين أتاهم يبتغي عندهم النصر. فسمعته يقول: (والسماء والطارق) حتى ختمها. قال: فوعيتها في الجاهلية ثم قرأتها في الإسلام. قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم. فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا. لو كنا نعلم أن ما يقول حقًّا لاتبعناه) (١).\n٢ - والسورة الكريمة من مقاصدها: إقامة الأدلة على وحدانية الله -تعالى-، وعلى كمال قدرته، وبليغ حكمته، وسعة علمه، وإثبات أن هذا القرآن من عنده -تعالى-، وأن العاقبة للمتقين.\nقال -تعالى-: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١ - ١٧].\nوالطارق: اسم فاعل من الطروق. والمراد به هنا: النجم الذي يظهر ليلًا في السماء.\nقال القرطبي ما ملخصه: الطارق: النجم، اسم جنس، سمى بذلك لأنه يطرق\n_________\n(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٩٥.","vol":"2","page":514},{"text":"ليلًا، ومنه الحديث: نهى النبي -ﷺ- أن يطرق المسافر أهله ليلًا ..) والعرب تسمي كل قاصد في الليل طارقًا. يقال: طرق فلان إذا جاء ليلًا ... وأصل الطرق: الدق، ومنه سميت المطرقة، فسمى قاصد الليل طارقًا، لاحتياجه في الوصول إلى الدق ...\nوفي الحديث: أعوذ بك من طوارق الليل والنهار، إلا طارقًا يطرق بخير يا رحمن ..) (١).\nوقوله -تعالى-: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾ تنويه بشأنه إثر تفخيمه بالإقسام به، فالاستفهام مستعمل في تعظيم أمره ...\nوقد جاء التعبير بقوله -تعالى- (وما أدراك ... ثلاث عشرة مرة في القرآن الكريم، كلها جاء الخبر بعدها -كما هنا- وكما في قوله -تعالى-: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ...﴾.\nوكما في قوله -سبحانه- ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا ...﴾ إلا واحدة لم يأت الخبر بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ...﴾.\nأما التعبير بقوله -تعالى-: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ ..﴾ فقد جاء ثلاث مرات، ولم يأت الخبر بعد واحدة من هذه المرات. قال -تعالى-: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾.\nقال القرطبي: قال سفيان: كل ما في القرآن وما أدراك فقد أخبر به، وكل شيء قال فيه: وما يدريك، لم يخبر به.\nوقوله (النجم الثاقب) بيان وتفسير للطارق، والثاقب: أي: المضيء الذي يثقب الظلام ويخرقه بنوره فينفذ فيه، ويبدده ...\n_________\n(١) راجع تفسير القرطبي جـ ٢٠ ص ٢.","vol":"2","page":515},{"text":"والجملة الكريمة مستأنفة، وهي جواب عن سؤال مقدر نشأ مما قبله، كأنه قيل وما هو الطارق؟ فكان الجواب: هو النجم الثاقب.\nوقوله -سبحانه-: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ جواب القسم وما بينهما كلام معترض لتفخيم شأن المقسم به. والحافظ: هو الذي يحفظ ما كلف بحفظه، لمقصد معين. أي: وحق السماء البديعة الصنع، وحق النجم الذي يطلع فيها فيبدد ظلام الليل، ما كل نفس من الأنفس، إلا وعليها من الملائكة من يحفظ عملها ويسجله سواء أكان هذا العمل خيرًا أم شرًّا.\nقال الإمام الشوكاني ما ملخصه: قرأ الجمهور بتخفيف الميم في قوله (لما) فتكون (إن) مخففة من الثقيلة، فيها ضمير الشأن المقدر، وهو اسمها، واللام هي الفارقة - بين (إن) النافية، و(إن) المخففة من الثقيلة - وما مزيدة: أي: إن الشأن كل نفس لعليها حافظ.\nوقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة بتشديد الميم في قوله (لما)، فتكون \"إن\" نافية ولما بمعنى إلا. أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ. والحافظ هم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها وفعلها ... وقيل: الحافظ هو الله -تعالى- وقيل: هو العقل يرشدهم إلى المصالح ...\nوالأول أولى، لقوله -تعالى-: (ويرسل عليكم حفظة) وقوله: (وإن عليكم لحافظين).\nوحفظ الملائكة إنما هو من حفظه -تعالى-، لأنهم لا يحفظون إلا بأمره -﷿-) (١).\nوالمقصود من الآية الكريمة: تحقيق تسجيل أعمال الإنسان عليه، وأنه سيحاسب عليها، وسيجازى عليها بما يستحقه من ثواب أو عقاب.\n_________\n(١) تفسير فتح القدير للشوكاني جـ ٥ ص ٤١٩.","vol":"2","page":516},{"text":"وبعد أن بين -سبحانه- أن كل نفس عليها حافظ يسجل عليها أعمالها ... أتبع ذلك بأمر الإنسان بالتفكر فيما ينفعه، بأن يعتبر بأول نشأته، وليعلم أن من خلقه من ماء مهين، قادر على إعادته إلى الحياة مرة أخرى، فقال -تعالى-: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ..﴾.\nوالفاء في قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ ...﴾ للتفريع على ما تقدم، وهي بمعنى الفصيحة، وقوله: (خلق من ماء دافق) جواب الاستفهام في قوله -سبحانه- ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ والمقصود بالاستفهام هنا: الحث والحض على التفكر والتدبر ...\nو(دافق) اسم فاعل من الدفق، وهو الصب للشيء بقوة وسرعة، يقال: تدفق الماء إذا سال باندفاع وسرعة، والمراد به هنا: الماء الذي يخرج من الرجل ويصب في رحم المرأة.\nوالصلب: يطلق على فقار الظهر بالنسبة للرجل، والترائب: جمع تريبة، وهي العظام التي تكون في أعلى صدر المرأة، ويعبرون عنها بقولهم موضع القلادة من المرأة.\nأي: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم -أيها الناس-، من أن كل نفس عليها حافظ يسجل عليها أقوالها وأفعالها ... فلينظر الإنسان منكم نظر تأمل وتدبر واعتبار، وليسأل نفسه من أي شيء خلق؟ لقد خلقه الله -تعالى- بقدرته، من ماء دافق، يخرج بقوة وسرعة من الرجل، ليصب في رحم الأنثى ...\nوهذا الماء الدافق من صفاته أنه يخرج من بين صلب الرجل، ومن بين ترائب المرأة، حيث يختلط الماءان، ويتكون منهما الإنسان في مراحلة المختلفة بقدرة الله -تعالى-.\nقال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما وجه اتصال قوله: (فلينظر) بما قبله؟\nقلت: وجه اتصاله به أنه لما ذكر أن على كل نفس حافظًا، أتبعه بتوصية الإنسان.","vol":"2","page":517},{"text":"بالنظر في أول أمره، ونشأته الأولى، حتى يعلم أن من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملي على حافظه إلا ما يسره في عاقبته.\nو﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ استفهام جوابه: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾. والدفق: صبّ فيه دفع. ومعنى (دافق) النسبة إلى الدفق الذي هو مصدر دفق، كاللّابِن والتامر. أو الإسناد المجازي. والدفق في الحقيقة لصاحبه.\nولم يقل ماءين لامتزاجهما في الرحم، واتحادهما حين ابتدأ في خلقه ..) (١).\nوقال بعض العلماء: قوله (خلق من ماء دافق) أي: من ماء ذي دفق.\nوكل من مني الرجل، ومني المرأة، اللذين يتخلق منهما الجنين، ذو دفق في الرحم.\n﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ أي: يخرج هذا الماء الدافق، من بين صلب كل واحد منهما، وترائب كل منهما. أي: أن أعضاء وقوى كل منهما، تتعاون في تكوين ما هو مبدأ لتوالد الإنسان: ماء الرجل وهو المني، وماء المرأة وهي البويضة المصحوبة بالسائل، المنصبان بدفع وسيلان سريع إلى الرحم عند الاتصال الجنسي. ويسمي الفقهاء هذه المادة منيًا وماء) (٢).\nوقال فضيلة الشيح ابن عاشور: وأطنب -سبحانه- في وصف هذا الماء الدافق: لادماج التعليم وللعبرة، بدقائق التكوين ليستيقظ الجاهل والكافر، ويزداد المؤمن علمًا ويقينًا.\nووصف بأنه (يخرج من بين الصلب والترائب)، لأن الناس لا يتفطنون لذلك ... وهذا من الإعجاز العلمي في القرآن، الذي لم يكن علم به للذين نزل بينهم، وهو إشارة مجملة، وقد بينها حديث مسلم عن أم سلمة وعائشة: أن رسول\n_________\n(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٣٥.\n(٢) صفوة البيان جـ ٢ ص ٥٣٠ لفضيلة الشيخ حسين مخلوف.","vol":"2","page":518},{"text":"الله -ﷺ- سئل عن احتلام المرأة فقال: تغتسل إذا أبصرت الماء. فقيل له: أترى المرأة ذلك؟ فقال: وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك، إذا علا ماء المرأة ماء الرجل، أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها، أشبه أعمامه) (١).\nوقال صاحب الظلال، ولقد كان هذا سرًّا مكنونًا في علم الله لا يعلامه البشر، حتى كان نصف القرن الأخير، حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة بطريقته، وعرف أنه في عظام الظهر الفقارية، يتكون ماء الرجل، حيث يلتقيان في قرار مكين، فينشأ منهما الإنسان) (٢).\nوقوله -سبحانه-: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾.\nبيان لكمال قدرته -تعالى-، وأنه كما أنشأ الإنسان من ماء مهين، قادر على إعادته إلى الحياة بعد موته.\nوالضمير في قوله: (إنه) يعود إلى الله -﷿- لأن الخالق للإنسان من ماء دافق هو الله -تعالى-.\nوالضمير في قوله (رجعه) يعود إلى الإنسان المخلوق.\nوقوله: (تبلى) من البلاء بمعنى الاختبار والامتحان، ومنه قوله -تعالى-: (إن هذا لهو البلاء المبين، والمراد بقوله (تبلى) هنا: الكشف والظهور.\nو(السرائر) جمع سريرة، وهي ما أسره الإنسان من أقوال وأفعال. والظرف (يوم) متعلق بقوله: (رجعه).\nأي: إن الله -تعالى- الذي قدر على خلق الإنسان من ماء دافق. يخرج من بين الصلب والترائب ... لقادر -أيضًا- على إعادة خلق هذا الإنسان بعد موته، وعلى بعثه من قبره للحساب والجزاء، يوم القيامة، يوم تكشف المكنونات، وتبدو ظاهرة\n_________\n(١) راجع تفسير التحرير والتنوير جـ ٣٠ ص ٢٦٣ للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور.\n(٢) تفسير في ظلال القرآن جـ ٣٠ ص ١١٧.","vol":"2","page":519},{"text":"للعيان، وترفع الحجب عما كان يخفيه الإنسان في دنياه من عقائد ونيات وغيرهما.\nوفي هذا اليوم لا يكون للإنسان من قوة تحميه من الحساب والجزاء، ولا يكون له من ناصر ينصره من بأس الله -تعالى- أو من مدافع يدافع عنه.\nثم أقسم -سبحانه- مرة أخرى بالسماء، على أن القرآن من عنده -تعالى- فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾.\nوالرجع: المطر، وسمى بذلك لأنه يجيء، ويرجع ويتكرر. وقيل: الرجع هنا: الشمس والقمر والنجوم، يرجعن في السماء، حيث تطلع من ناحية، وتغيب في أخرى.\nوقيل: المراد بالرجع: الملائكة، لأنهم يرجعون إليها حاملين أعمال العباد.\nوالصدع: الشق والانفطار، يقال تصدع الشيء، إذا تشقق ...\nوالمراد به هنا: ما تشقق عنه الأرض من نبات ... كما قال -تعالى-: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا ...﴾.\nأي: وحق السماء صاحبة المطر الذي ينزل من جهتها مرة فأخرى، لنفع العباد والحيوان والنبات ... وحق الأرض ذات النبات البازغ من شقوقها.\n(إنه) أي: هذا القرآن (لقول فصل) أي: لقول فاصل بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد ... وقد بلغ النهاية في ذلك، حتى لكأنه نفس الفصل.\n(وما هو بالهزل) أي: وأن هذا القرآن، ليس فيه شائبة من شوائب الهزل أو اللعب أو المزاح ... بل هو جد كله، فيجب على كل عاقل، أن يتبع هداه، وأن يستجيب لأمره ونهيه.\nوفي هذه الآيات الكريمة رد بليغ، على أولئك المشركين الجاهلين، الذين وصفوا القرآن بأنه نزل على الرسول -ﷺ- ليهزل به؛ لأنه يخبرهم بأن الأموات","vol":"2","page":520},{"text":"سيعادون إلى الحياة مرة أخرى، وذلك أمر تستبعده نفوسهم المطموسة.\nوفي قوله -تعالى-: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ مقابلة لطيفة، حيث وصف -سبحانه- السماء والأرض بما يناسبهما، وبما يشير إلى أن البعث حق؛ لأنه كما ينزل المطر من السماء فيحيي الأرض بعد موتها. كذلك يحيى الله -تعالى- بقدرته الأجساد بعد موتها.\nوعاد الضمير في قوله (إنه) إلى القرآن -مع أنه لم يسبق له ذكر- لأنه معلوم من المقام.\nثم ختم -سبحانه- السورة الكريمة، بتسلية الرسول -ﷺ- وبتبشيره بحسن العاقبة فقال -تعالى-: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾. وقوله (رويدا) تصغير (رود) -بزنة عود- من قولهم: فلان يمشي على رود، أي: على مهل، وأصله من رادت الريح رود، إذا تحركت حركة ضعيفة.\nوالكيد: العمل على إلحاق الضرر بالغير بطريقة خفية، فهو نوع من المكر.\nوالمراد به بالنسبة لهؤلاء المشركين: تكذيبهم للرسول -ﷺ-، ولماء جاء به من عند ربه، فكيدهم مستعمل في حقيقته.\nوالمراد به بالنسبة لله -تعالى-: إمهالهم واستدراجهم، حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، في الوقت الذي يختاره ويشاؤه.\nأي: إن هؤلاء المشركين يحيكون المكايد لإبطال أمرك -أيها الرسول الكريم-، وإني أقابل كيدهم ومكرهم بما يناسبه من استدراج، من حيث لا يعلمون، ثم آخذهم أخذ عزيز مقتدر، فتمهل -أيها الرسول الكريم- مع هؤلاء المشركين. ولا تستعجل عقابهم، وانتظر تدبيري فيهم، وأمهلهم وأنظرهم (رويدًا) أي: إمهالًا قريبًا أو قليلًا، فإن كل آت قريب، وقد حقق -سبحانه- لنبيه وعده بأن جعل العاقبة له ولأتباعه.\nوصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"2","page":521},{"text":"ويظهر لك من خلال تفسير الشيخ لسورة الطارق:\n١ - بيانه لمكية السورة، وترتيبها في النزول.\n٢ - ذكره مقاصد السورة الكريمة.\n٣ - عنايته بالمفردات القرآنية، حيث بين معنى الطارق، والنجم الثاقب وغيرها.\n٤ - عنايته ببيان القضايا اللغوية، حيث ذكر الغرض من الاستفهام في قوله (وما أدراك ما الطارق) والاستئناف البياني في قوله النجم الثاقب، والإطناب في وصف الماء الدافق، ومن ذلك بيانه لأسرار التعبير في قوله (وما أدراك).\nفقد ذكر المفسر أنها وردت في كتاب الله ثلاث عشرة مرة كلها جاء الخبر بعدها، عدا آية واحدة هي ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾.\nوورد التعبير بقوله (وما يدريك) ثلاث مرات وهذه لم يأت الخبر بعدها.\n٥ - بيانه للإعجاز العلمي في الآيات الكريمة.\n٦ - عنايته بالقراءات القرآنية وتوجيهها.\n٧ - بيانه للمناسبات بين الآيات، فها هو يبين مناسبة قوله ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ مع ما قبلها من الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>٧ - سورة الكوثر</span>\nقال: سورة الكوثر وتسمى أيضًا سورة النحر، تعتبر أقصر سورة في القرآن الكريم وهي من السور المكية عند الجمهور وقيل مدنية ...\nقال بعض العلماء: والأظهر أن هذه السورة مدنية، وعلى هذا سنسير في تفسير آياتها، وعلى القول بأنها مكية عددها الخامسة عشرة، في عداد نزول السور، نزلت بعد سورة العاديات، وقبل سورة التكاثر وعلى القول بأنها مدنية، فقد قيل إنها نزلت في الحديبية، وعدد آياتها ثلاث آيات بالاتفاق (١).\n_________\n(١) تفسير التحرير والتنوير (٣٠/ ٥٦١).","vol":"2","page":522},{"text":"والسورة الكريمة بشارة للنبي -ﷺ- بأن الله تعالى سيعطيه الخير الجزيل والذكر الخالد.\nوالكوثر: فوعل من الكثرة، مثل النوفل من النفل، ومعناه: الشيء البالغ في الكثرة حد الإفراط، والعرب تسمي كل شيء كثر عدده وعظم شأنه: كوثرًا، وقد قيل لأعرابية بعد رجوع ابنها من سفر، بم آب ابنك؟ قالت آب بكوثر أي بشيء كثير.\nقال الإمام القرطبي: ما ملخصه واختلف أهل التأويل في الكوثر الذي أعطيه النبي -ﷺ- على ستة عشر قولًا: الأول: أنه نهر في الجنة رواه البخاري عن أنس، ورواه الترمذي أيضًا عن ابن عمر. الثاني أنه حوض النبي -ﷺ- في الموقف، الثالث: إنه النبوة والكتاب، الرابع: أنه القرآن، الخامس: الإسلام.\nثم قال ﵀: قلت: أصح هذه الأقوال الأول والثاني، لأنه ثابت عن النبي -ﷺ- نص في الكوثر، وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه -ﷺ- زيادة على حوضه (١).\nوافتتح سبحانه الكلام بحرف التأكيد للاهتمام بالخبر، وللإشعار بأن المعطى شيء عظيم، أي: إنا أعطيناك بفضلنا وإحساننا أيها الرسول الكريم الكوثر، أي: الخير الكثير، الذي من جملته هذا النهر العظيم والحوض المطهر، فأبشر بذلك أنت وأمتك ولا تلتفت إلى ما يقوله أعداؤك في شأنك.\nوالفاء في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ لترتيب ما بعدها على ما قبلها، والمراد بالصلاة: المداومة عليها، أي ما دمنا قد أعطيناك هذه النعم الجزيلة فداوم على شكرك لنا بأن تواظب على أداء الصلاة أداء تامًّا، وبأن تجعلها خالصة لربك وخالقك، وبأن تواظب أيضًا على نحرك الإبل تقربًا إلى ربك كما قال سبحانه:\n_________\n(١) تفسير القرطبي (٢٠/ ٢١٨)، ابن كثير (٧/ ٥١٩).","vol":"2","page":523},{"text":"﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].\nثم بشره سبحانه ببشارة أخرى فقال: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ والشانئ: هو المبغض لغيره يقال: شنأ فلان فلانًا شنئًا إذا أبغضه وكرهه، والأبتر في الأصل: هو الحيوان المقطوع الذنب والمراد به هنا الإنسان الذي لا يبقى له ذكر، ولا يدوم له أثر.\nشبه بقاء الذكر الحسن بذنب الحيوان؛ لأنه تابع له، وهو زينته، وشبه الحرمان من ذلك ببتر الذيل وقطعه.\nوالمعنى: إن مبغضك وكارهك أيها الرسول الكريم هو المقطوع عن كل خير، والمحروم من كل ذكر حسن.\nقال الإمام ابن كثير: كان العاص بن وائل إذا ذكر رسول الله -ﷺ- قال: دعوه فإنه رجل أبتر لا عقب له، فإذا هلك انقطع ذكره فأنزل الله تعالى هذه السورة.\nوقال السدي: كانوا إذا مات ذكور الرجل قالوا: بتر، فلما مات أبناء النبي -ﷺ- قالوا: بتر محمد فأنزل الله هذه الآية.\nوهذا يرجع إلى ما قلناه من أن الأبتر إذا مات انقطع ذكره، فتوهموا لجهلهم أنه إذا مات بنوه ينقطع ذكره، وحاشا وكلا، بل أبقى الله ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رقاب العباد، مستمرًا على دوام الآباد، إلى يوم الحشر والمعاد، صلوات الله وسلامه عليه إلى يوم التناد (١).\nنسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل شفاعته يوم القيامة (٢).\nهذه النماذج السبعة تعطي صورة واضحة عما تحدثت عنه من قبل، ويظهر فيها جليًّا إعمال الفكر وإجالته، في تجلية النص وإظهار أسراره البلاغية، دون الوقوف\n_________\n(١) راجع تفسير ابن كثير (٧/ ٥٢٥).\n(٢) التفسير الوسيط (١٥/ ٧٣٤).","vol":"2","page":524},{"text":"على ما ذكر في الكتب، أو ترداد لما قاله العلماء، كما رأينا في الأنموذج الثاني، حينما تحدث عن سر إفراد السمع، مع جمع القلوب والأبصار، وتقديم السمع على القلوب تارة وتأخيره أخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-586>محاسن هذا التفسير:</span>\nمن خلال دراستي لهذا التفسير، تبين لي أن هنالك محاسن اجتمعت له، ومن الإنصاف أن أذكر أهم هذه المحاسن:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>١ - الإكثار من الاستشهاد بالحديث النبوي:</span>\nإن إبراز العنصر الأثري في التفسير من الأمور الضرورية، وبخاصة في الدراسة المنهجية، وفي وقت رأينا فيه بعض التفاسير لا تعطي هذا العنصر حقه، ولا تحله المكانة التي ينبغي أن يتبوأها، والتفسير الوسيط برز فيه هذا العنصر واضحًا. والحق أنني لم أر تفسيرًا من غير التفاسير بالمأثور، جمع من الأحاديث مثل ما جمع هذا التفسير، فكأنه تفسير بالدراية والرواية، ولقد امتاز هذا النقل باختيار ما ثبت من الأحاديث، مع الإشارة لمصادرها غالبًا.\nوعلى هذه الأحاديث يكون المعول في التفسير، دون النظر إلى ما قيل وأثير أو يقال ويثار، كما يرى ذلك واضحًا عند تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾، فلقد عول في تفسيرها على ما جاء في صحيح الإمام البخاري، هذا الحديث الذي رأينا من المفسرين من يرده ومنهم من يتناساه، كما يظهر هذا عند تفسيرهما لآية السحر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-588>٢ - بيانه لبعض القيم والأحكام التي تؤخذ من الآيات:</span>\nفهو لا يكتفي بذكر المعاني الأولية، بل يغوص على إظهار بعض الحكم المناسبة لها.\nفعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾","vol":"2","page":525},{"text":"[البقرة: ٥٥] يقولان: (وفي ندائهم لنبيهم باسمه (يا موسى)، سوء أدب منهم معه، لأنه كان من الواجب عليهم، أن يقولوا له: يا رسول الله أو يا نبي الله، من الصيغ التي تشعر بصفات التعظيم والتوقير، وقد تكررت مناداتهم باسمه مجردًا في كثير من المواطن.\nومن أدب الصحابة مع الرسول -ﷺ- أنهم كانوا يقولون له: يا رسول الله، استجابة لأمر الله تعالى في قوله: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] (١).\nوجاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: ٥٨]: (وقد أمرهم سبحانه أن يدخلوا باب المدينة التي فتحوها خاضعين، وأن يلتمسوا منه مغفرة خطاياهم، لأن تغلبهم على أعدائهم ودخولهم الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم، نعمة من أجلّ النعم، وهي تستدعي منهم أن يشكروا الله عليها بالقول والفعل؛ لكي يزيدهم من فضله، فشأن الأخيار أن يقابلوا نعم الله بالشكر.\nولهذا كان النبي -ﷺ-، يظهر أقصى درجات الخضوع لله تعالى، عند النصر والظفر وبلوغ المطلوب، فعندما تم له فتح مكة دخل إليها من الثنية العليا، وإنه لخاضع لربه، حتى إن رأسه الشريف يكاد يمس عنق ناقته، شكرًا لله على نعمة الفتح، وبعد دخوله مكة اغتسل وصلى ثماني ركعات سماها بعض الفقهاء صلاة الفتح. ومن هنا استحب العلماء للفاتحين المسلمين إذا فتحوا بلدة، أن يصلوا فيها ثماني ركعات عند أول دخولها شكرًا لله تعالى. وقد فعل ذلك سعد بن أبي وقاص -﵁- عندما دخل إيوان كسرى، فقد ثبت أنه صلى بداخله ثماني ركعات.\nولكن ماذا كان من بني إسرائيل بعد أن أتم الله لهم نعمة الفتح؟ إنهم لم يفعلوا ما أمروا بفعله، ولم يقولوا ما كلفوا بقوله، بل خالفوا ما أمروا به من قول وفعل، ولذا قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩]\n_________\n(١) ص ١٨٠ - ١٨١.","vol":"2","page":526},{"text":"أخرج البخاري عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: (قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة فبدلوا ودخلوا يزحفون على استاههم. وقالوا: حبة في شعيرة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>٣ - نقله أقوال المفسرين:</span>\nوهذه لعمر الحق من أهم ما يتطلبه التفسير المنهجي. ونحن في زمن كادت تندرس فيه آثار العلماء السابقين في كل علم، وصار يكتفي فيه بالمذكرات التي تحول بين الطالب وتراثه العلمي، هذا كله إلى جانب ما نراه من هجوم على المفسرين الأقدمين، لذا كان النقل من كتب التفسير في هذا الكتاب من أعظم المحاسن، فكأن الطالب الذي يدرسه، يجمع إلى الدراسة النصية. ولكن النقل في هذا الكتاب يمتاز عن غيره بميزتين اثنتين:\nأولاهما: النقل عن أئمة التفسير دون غيرهم. كابن جرير والزمخشري والرازي وأبي حيان والقرطبي وابن كثير والآلوسي والشيخ محمد الخضر حسين رحمهم الله تعالى، ويلاحظ في هذا النقل حسن الاختيار.\nثانيتهما: الترجيح بين أقوال المفسرين عند الحاجة، فلم يقفا موقفًا سلبيًا وإنما كانت تبرز شخصيتهما العلمية مرجحين موجهين ما اختاراه.\nيظهر هذا عند تفسير الصراط المستقيم، وعند تفسير قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]، فبعد أن أوردا أقوال المفسرين: ابن جرير وأبي حيان وابن كثير في المقصود من كلمة (مصر) قالا: (هذا والذي نرجحه في هذا المقام هو ما ذهب إليه الإمام ابن كثير لما يأتي:\n١ - إن القراءة بالتنوين متواترة: وابن جرير نفسه لم يجوز القراءة بغيرها، وهذه القراءة المتواترة، نص في أن المراد من مصر، أي بلد كان، لا مصر فرعون،\n_________\n(١) ج ١/ ص ١٨٧ - ١٨٨.","vol":"2","page":527},{"text":"ثم إذا كان المراد به ذلك فليس لنا أن نقول إنه يصدق على مصر فرعون، وذلك لأن الأمصار التي تنبت ما طلبوا من البقول والخضر أقرب إليهم من مصر، فليس المعقول أن يؤمروا بالذهاب إلى مصر فرعون وهي بعيدة عن مكانهم بعدًا شاسعًا، ويتركوا الأمصار الأقرب إليهم وفيها ما يريدون.\n٢ - لم ينقل أحد من المؤرخين أنهم رجعوا إلى مصر بعد خروجهم منها كما قال أبو حيان وغيره، بل الثابت أن بني إسرائيل خرجوا من مصر، وأمروا بعد خروجهم بدخول الأرض المقدسة لقتال الجبارين، ولكنهم أبوا طاعة نبيهم ﵇، فعذبوا بالتيه أربعين سنة؛ لتخلفهم عن قتال الجبارين؛ ولعصيانهم أمر نبيهم، وماتوا جميعًا في التيه، وبقي أبناؤهم،، فامتثلوا أمر الله تعالى وهبطوا إلى الشام، وقاتلوا الجبارين ودخلوا الأرض المقدسة بقيادة يوشع بن نون.\n٣ - ليس في الآية ما يشعر بأن موسى ﵇، طلب من ربه أن يجيبهم إلى رغبتهم، فكيف نقول بما لم يدل عليه القرآن الكريم ولو من طريق الإشارة؟ .\n٤ - دخولهم في التيه كان عقوبة لهم على نكوصهم عن قتال الجبارين، ليدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم، فالتيه والحالة هذه، كان بمثابة سجن لهم يعاقبون فيه، كما يشعر بذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٢٦] فكيف يخرج السجين من سجنه تلبية لبعض رغباته المنكرة، وبناء على ذلك يكون الأمر في قول موسى لهم ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ للتهديد والتوبيخ والتجهيل) (١).\nهذا هو التفسير الوسيط في منهجه وخصائصه ومميزاته، وإنه بحق وسط بين التفاسير. ولقد أدى الغرض الذي كتب من أجله، وأوصل إلى الغاية التي توخيت منه، وأرجو الله تعالى أن يكرم مؤلفيه بنعمة إتمام هذا التفسير.\n_________\n(١) ٤/ ص ٢٠٢ - ٢٠٣.","vol":"2","page":528},{"text":"هذا الكلام كنت كتبته في أول السبعينيات من القرن الماضي وبعد سنين صدر هذا التفسير للقرآن الكريم كاملًا في خمسة عشر مجلدًا، لكنه كان يحمل اسم الدكتور محمد سيد طنطاوي، وقد تفضل مشكورًا فأهداني هذا التفسير حينما جاء إلى عمان لحضور أحد المؤتمرات.\nولقد عجبت كل العجب عندما قرأت مقدمة هذا التفسير التي كتبها الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي فلم أجد فيها ذكرًا لأستاذنا الشيخ الكومي -﵀- وهذا أمر يدعو إلى الاستغراب، ويبعث في النفس ألمًا، وإذا كان الشيخ الكومي -﵀- ذا أثر طيب يقر به تلاميذه جميعهم، بل كلّ من عرفه، فإن الدكتور طنطاوي أولى الناس بأن يعترف للشيخ الكومي؛ لأن الذي أعرفه أنه كان من أخصّ تلاميذه، فحينما ذهبت مع الشيخ الذهبي -﵀- إلى الشيخ الكومي من أجل الإشراف على رسالتي، استدعى الدكتور الطنطاوي للإشراف على رسالتي، وخصه بهذا الإشراف من بين تلاميذه جميعًا.\nوإذا كان لا بد من كلمة أخيرة فإن التفسير الوسيط يفيد منه المتخصصون كما يفيد منه ذوو الثقافات العامة، وقد يغني عن قراءة كثير من التفاسير، فلقد جمع أقوال كثير من المفسرين وبخاصة أجلتهم جمعًا ليس عشوائيًا، بل هو جمع ناشئ عن فهم وذكاء، وإذا كان في الآية أكثر من رأي للمفسرين فهو يوازن بين هذه الآراء مرجحًا ما يبدو له، وغالبًا ما يكون موفقًا في هذا الترجيح، وإني أنصح لطلاب العلم قراءة هذا التفسير، رحم الله شيخنا الشيخ الكومي، وجزى الله الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي خيرًا على ما بذله من جهد في هذا الكتاب خدمة لكتاب الله ﵎.","vol":"2","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-590>من التفاسير التقليدية الموجزة تفسير الأستاذ محمد فريد وجدي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-591>ترجمة المفسر:</span>\n(١٢٩٥ - ١٣٧٣ هـ = ١٨٧٨ - ١٩٥٤ هـ).\nمحمد فريد بن مصطفى وجدي، مؤلف (دائرة المعارف)، من الكتاب الفضلاء، ولد ونشأ في الإسكندرية، وأقام في دمياط، ثم انتقل إلى السويس، وسكن القاهرة، عمل في وظيفة بديوان الأوقاف، أصدر مجلة (الحياة)، . نشر رسالة له سماها (الفلسفة الحقة في بدائع الأكوان)، وكتاب (تطبيق الديانة الإسلامية على نواميس المدنية)، كتبه أولًا بالفرنسية، ثم ترجمة إلى العربية، وغيّر اسمه في طبعة أخرى إلى (المدنية والإسلام)، ثم أنشأ مطبعة أصدر بها جريدة (الدستور) اليومية، ثم (الوجديات)، وهي شبه مجلة أسبوعية، ونشر كتابه (دائرة معارف القرن الرابع عشر، العشرين)، في أجزاء متتابعة اكتملت في عشرة مجلدات، ومن تصانيفه: (ما وراء المادة، جزأين)، (الحديقة الفكرية في إثبات وجود الله بالبراهين الطبيعية)، (المرأة المسلمة) في الرد على (المرأة الجديدة لقاسم أمين)، (الإسلام في عصر العلم - جزأين)، (كنز العلوم واللغة) وهو من أنفس كتبه، (على أطلال المذهب المادي)، (مجموعة الرسائل الفلسفية)، (نقد كتاب الشعر الجاهلي لطه حسين)، وتولى تحرير مجلة الأزهر نيفًا وعشر سنين، واعتزلها قبل وفاته بنحو عامين، وكان مترفعًا عن غشيان المجالس العامة، يأنس بزواره في بيته، وقلّ أن يزور أحدًا أو يجيب دعوة، توفي بالقاهرة (١).\n_________\n(١) الأعلام، الزركلي، (٦: ٣٢٩).","vol":"2","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-592>تفسيره:</span>\nكتب الأستاذ محمد فريد وجدي تفسيرين للقرآن الكريم، الأول: (صفوة العرفان في تفسير القرآن)، ١٣٢١ هـ، وبعد عامين أتبعه بتفسير آخر سماه: (المصحف المفسر)، وبينهما تشابه كبير، وكلاهما موجز، ووضع لكل تفسير مقدمة، كانت موجزة في (المصحف المفسر)، أما (صفوة العرفان في تفسير القرآن)، فجعل له مقدمة فلسفية كبيرة، امتازت بقوة التعبير ومتانته، وحسن السَّبْك والصياغة، ولِمَا تضمّنته من فوائد عظيمة، ومعاني عميقة، آثرتُ أن أوجزها هنا، حتى لا تفوت الفائدة على القارئ وبعد ذلك سنتحدث عن منهجه في التفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-593>أولًا: مقدمة (صفوة العرفان):</span>\nهذه المقدمة وضعها ليصل إلى مرمى وغاية، هي: دراسة الحوادث الجليلة التي قلبت شكل العقول والأفكار، وبدلت الأرض غير الأرض، والأمم غير الأمم.\nلذا بدأ بإيراد موجز عن فلسفة الأديان والأدوار التي يمر بها الإنسان من حيث الاستسلام للعقيدة أو التردد فيها، وعلاقة ذلك بالجهل والعلم والحضارة والبداوة، وغير ذلك من الأسباب الأدبية والمادية، ليستطيع أن يجلي مركز القرآن للأذهان، ويظهر مقامه العالي بين مؤثرات العمران.\nبدأ ببيان حال العرب حين نزل القرآن، فقد كانوا على أدنى الحالات الاجتماعية والعلمية والاقتصادية والسياسية، من تشتتٍ وتنازع واشتغال بالحروب والغارات، وخشونة الملبس والمسكن، وجهل بالمعارف الإنسانية، وكيف نهضت الأمة نهضة الأسد حين نزل القرآن، وصارت أمة الأمم، وحيل بين القرآن والمسلمين اليوم، فتقهقرت الأمة، ونزلت إلى الحضيض، وكيف جعل المسلمون اليوم قراءة القرآن لمحض التبرك في المنازل، وللتحزن في سهرات المآتم، والاهتزاز للنغمات دون السبح في معانيه العالية، والسبب في بعد المسلمين عن القرآن هو عدم فهم مراميه","vol":"2","page":531},{"text":"العالية ومغازيه السامية من جرّاء العجمة التي طرأت على لغتنا.\nهذه الحاجة الشديدة دفعته لوضع تفسير للقرآن الكريم مستمد من كتب التفاسير المعتبرة، لا باللفظ ولكن بالمعنى الحقيقي؛ ليتمكن من وضع المعنى في أبسط. وأرق القوالب العربية العصرية التي اعتادها الناس، كما يقول.\nجاء بموجز عن فلسفة الأديان، وما هو الدين، تحدث فيه عن مبدأ التدين والباعث الطبيعي على العقيدة، وهو ما يجيش في صدر الإنسان من شعور حين يجيل نظره في الكون وعظمته، وحين تتبين له حقارة شخصه، فيقر بعجزه واحتياجه المطلق لملجأ يلجأ إليه، وفقره لقوي يهبه قوته، ورحيم ينشر عليه من إفاضات رحمته.\nثم شرع في تعداد مظاهر عظمة خلق الكون وما فيه من عجائب، وأن الإنسان كلما ازداد بالكون علمًا، ازداد إحساسًا بجهله واحتياجه لمن يأخذ بيده، هذا هو الدين الفطري.\nبعد ذلك بيّن أن للإنسان مطالب روحانية لا تقل عن المطالب المادية، هذه المطالب الروحانية تتجاوز الكون المحسوس، والركون لمموهات هذه الأشياء الأرضية إلى إحساس سماوي ليس من طبيعة الجبلة الحيوانية، وكل حادثة من حوادث الحياة توقظ هذا الشعور، كالمرض والحزن والمصائب في النفس والأهل والمال التي تُشعِرُه بحاجته إلى ركن يعتصم به، وإلى ملاذ يلوذ إليه، ليجد أشفق المسلين له في مصائبه وأرأف المعزين له في نوائبه.\nوتحت عنوان (الإنسان تتمة الإبداع الإلهي) تحدث عن إدراك الإنسان لحقيقة ذاته، وهي ما يملكه من مواهب سامية وقدرات عالية، واستعداده لبلوغ كل ما يتصور من الكمال والرفعة في عالم الممكنات، ويلزم من إدراكه لهذه الحقيقة أن يرتدع عن الإيغال في سفاسف الأمور وأن يمتنع عن الاسترسال في الخسائر.\nثم ذكر أن الإنسانية مرّت من حيث الإيمان بأربعة أدوار مهمة، وذلك تحت","vol":"2","page":532},{"text":"عنوان (الإيمان في خلال القرون)، ولكل دور مميزات ولوازم خاصة، أما الدور فهو دور الفطرة الأولى، حيث كان الإنسان مؤمنًا إيمانًا فطريًا مسوقًا إلى الاخبات والخضوع للخالق بغير سائق، ويمتاز هذا الدور بتنزهه عن الشبهات والشكوك والتردد في أصل الإيمان، يبتدى هذا الدور من مبدأ الخليقة، إلى قبل بعثة المسيح بقرون، لا يمكن تحديدها بالضبط.\nأما الدور الثاني فهو دور الفلسفة والحكمة، وفيه فتقت أنوارُ العقل حجبَ الكثافات الطبيعية، وسبر مساتير المجاهيل الوجودية، ليحيط بما خبأته له يد القدر من عالم الشهادة وعوالم الغيوب، يُعرف هذا الدور بتولد الشكوك فيه، وسريان شياطين الشبهات إلى العقول من بعض الأفراد ضد بعض الأصول الاعتقادية، وكان ثوران تلك الشبه نتيجة طبيعية؛ لأن العقل الإنساني لما مال لأن يفتق تلك الحجب التي تمنعه من متابعة شهواته في النفوذ إلى سرائر الموجودات الكونية استلزم لتلك الدفعة أن يطوف من المدركات على ما يلائم درجته من الرقي، فكان الخيال قائده في تلك الرحل الفكرية، وناهيك بعقل يرشده الخيال، لا جرم أنه لا ينال من الحقيقة المطلقة إلا ما يناسب درجته المقيدة، فكان من الضروري أن يصيح به لأن يشرئب إلى ما فوق ذلك، ليعلم أن الحقيقة أبعد مما كان يتوهمه، لذلك بعث الله تعالى عليه روحًا دافعة ظهرت بمظهر الشبهات والشكوك، لتسوقه رغم أنفه إلى غاية ما يمكن إدراكه من معنى اللاهوت الأقدس، وما يتعلق به من شؤون الحضرة الإلهية. من هنا نشبت الحرب بين الفلاسفة ورؤساء الأديان.\nأما الدور الثالث فهو دور العلم الطبيعي والفلسفة الحسية، ويبتدى من حوالي القرن الخامس عشر لغاية النصف الأول من القرن التاسع عشر، في هذا الدور استطار لهب الحرب الدينية العلمية بين قادة العلوم الطبيعية وحملة النصوص الاعتقادية، وتحقق الفوز للحزب الأول، وكان ذلك رد فعل لما كان قد حصل من غلواء أنصار الحزب الثاني في الإبعاد عن العلم، ولقد بلغ عدم الاهتمام بالدين عند","vol":"2","page":533},{"text":"بني هذا الدور، بحيث عُدّت التعاليم الإلحادية من الأفكار الواجبة الاعتبار والاحترام.\nأما الدور الرابع فهو دور الفطرة، وهو الدور الذي نحن فيه، ويمتاز بمحاولة النوع الإنساني فيه الرجوع إلى دينه الفطري البعيد عن مظان الشبه.\nثم بدأ يفصّل هذه الأدوار دورًا دورًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-594>الدور الأول: دور الفطرة</span>\nبحث في أول معبود عبده الإنسان في أول نشأته، هل عبد الأصنام مباشرة على أدنى أشكالها، ثم ترقى فيها شيئًا فشيئًا على قدر رقيه العقلي والفكري، كما يقول الماديون، أم أنه عبد الخالق الأقدس على أكمل صورة من صور التنزيه والتوحيد، ثم عرض له عبادة الأوثان لمّا مال إلى عالم المحسوسات، كما قال الروحيون من الفلاسفة.\nناقش الماديين، ثم رجّح النظرية الثانية، وقال إن هذه النظرية هي السائدة اليوم،، لأنها ليست من باب الفروض الظنية، بل مما يمكن تحققه بالاختبار، ولا يعقل أن يعبد الإنسان شيئًا مجسمًا مثل أن تكون العبادة مسبوقة بفكرة دعت إليها، فأول عبادة عبدها الإنسان كانت روحية قلبية على صفتها الصحيحة، وموجهة للخالق الأقدس المنزه عن الحدود والقيود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-595>الدور الثاني: دور الفلسفة</span>\nكان الإنسان في دوره الأول مطبوعًا على الإيمان، ولكن لما ابتدأت خصيصة التعقل تسوق الإنسان إلى التملي بمجالي هذه الطبيعية الباهرة، أخذ يبحث في موضوع عبوديته، وانشغل بملهيات الظواهر عن حقائق البواطن، فهبّ يشخص إلهه على مقتضى حواسه الشخصية، فاصطنع الأصنام والتماثيل.\nفي هذا الدور دور التخيل والتعقل كان الله تعالى يرسل رسله تترى إلى الأمم","vol":"2","page":534},{"text":"بالعقيدة النقية، وفي هذا الدور كثر التجادل والتنابذ في أصول العقائد، وكان اختلاف الناس في المدارك وتباينهم في درجات التصور سببًا في انفراج مدى المذاهب بينهم، فأخذ كل فريق يجهد عقله ويعمل فكره على حقية الصفات التي يعزوها للخالق جل شأنه، ويكلف نفسه الإتيان بمزاعم خصمه، ويكر عليه بالحجج الداحضة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-596>الدور الثالث: دور العلم</span>\nلم يمر على حفظة العقاثد دورًا أشد هولًا من هذا الدور، على أن حدوثه جمع ما فيه من إفراط وتفريط وغلواء وسفسطة وعناد ومغالطة كان أمرًا منتظرًا، لا بل حادثًا طبيعيًا؛ لأن كل الرذائل التي شوهت وجه هذا الدور كان لها مقدمات تقتضيها في الدور الذي سبقه، فلم تكن لتوجد هذه لو لم تكن تلك.\nارتكب حملة بعض الكتب السماوية غلطات إفراطية، منها الضغط على حرية العقل والعلم، وزعمهم أن العقل عدو الدين، وكانوا كلما أوغلوا في الظلم انفجرت ينابيع مواهب الناس وملكاتهم، حتى تكافأت القوتان.\nأما أصحابنا نصراء الحرية العقلية، وزعماء العلوم الطبيعية والفلسفية فقد انتشوا بالانتصار، وازدهتهم تلك الحرية المطلقة، فجاوزوا تخوم الاعتدال، فمنهم من ترك المعتقداتِ وشأنها حقيقة كانت أو باطلة، وأكبّ على دراسة المادة وحدها، ومنهم من أطلق لنفسه عنان الحرية في الاعتقاد، وكون لنفسه دينًا خاصًّا بها، وبقيت العامة بين هذه المذاهب المتشاكسة، فأدتها تلك الحيرة الشديدة إلى مجافاتها كلها دفعة واحدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-597>الدور الرابع: رجوع الإنسان لدين الفطرة</span>\nعادت الطبيعة البشرية إلى تلمّس العقيدة النقية، وهذا يعدّ من أكبر مميزات القرن التاسع عشر، لم يجد الإنسان الحالي محيصًا أمامه إلا الرجوع إلى أصل الفطرة","vol":"2","page":535},{"text":"خصوصًا بعد ما أصبح من المقرر الثابت أن نزعات تلاعبت بالأديان، فأخرجتها عن أصولها، اللهم إلا تلك الفطرة الأولى التي لم تزل في كل دور من أدوار الإنسان تبرهن على استقلالها وثباتها.\nمن هنا انتقل إلى عنوان جديد، وهو (الإسلام هو دين الفطرة):\nالدين الفطري يمكن تعبيره باللسان العصري بالدين الطبيعي، وهو لا يدعو إلا لما يشعر به الإنسان في ذاته شعورًا ضروريًا طبيعيًا، هذا من جهة التدين، أما من جهة العلم بالكون وأشيائه، فأرانا أننا لم نعلم منه إلا قليلًا، وأمرنا بدوام طلب العلم، وكان الإسلام هو الدين الفطري أو الدين الطبيعي، لأنه لا يكلف الإنسان بما هو مطبوع على البحث فيه واعتقاده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>نظرة على الأدوار التي تنتاب العقائد:</span>\nمن أكبر الشبه التي يطعن بها فلاسفة هذا العصر صدور المليين، ويغض بها الماديون من أعين الاعتقاديين هي قولهم: إن الإنسان مرّ ويمرّ من عقائده على ثلاثة أدوار.\nالأول: دور الاحترام والإجلال، والاعتقاد بأنها نهاية الكمال.\nالثاني: دور الشك والارتياب عند يقظة الأفكار والألباب.\nالثالث: دور العلوم والمعارف، حيث يبلغ العقل أشده، فيعلم الإنسان أن الأديان أساطير الماضي، فيتركها ويتجه للعلوم.\nثم قال: إنْ صدقت هذه المقولة في نسف صروح العقائد التي أنس بها الإنسان في دور طفولته، فلا تصدق على الإسلام الذي أرسله الله عندما بلغ الإنسان رشده وسئم الوصاية عليه.\nوالإسلام ينزل الإنسان منزل الراشد لا القاصر، ولو شك الإنسان في شيء من عقائد الإسلام يعالجه بعلاج الشك وهو العلم لا بالضغط على فكره، أو حرق جسده، كما فعل غيره.","vol":"2","page":536},{"text":"ثم زاد الأمر بيانًا، تحت عنوان (ما هو الإسلام):\nالإسلام هو مطلوب كل روح ومرمى كل قابلية، وأنشودة كل استعداد، ومطمأن كل إحساس، ومنتهى كل عقل،، لذلك نجد أن الناس على أصنافهم (الجاهل والعالم والمتوسط بينهما) يجدون في الإسلام سلطة على نفوسهم وأرواحهم.\nثم أورد صورة موجزة من الآثار التي تحدثها عقيدة وجود الخالق على عواطف الإنسان لمعرفة كنه تسلطها عليها جميعا تمهيدًا للحديث عن الأدب الذي تهبه عقيدة التوحيد والتنزيه لنفس الإنسان.\nوتحدث عن مفهوم التوحيد ومعنى التنزيه، وأن لهاتين العقيدتين أثرًا على نفس معتقدهما من جهة التأديب النفساني، والموحدون يشعرون بعاطفة الاستقلال والحرية، بحكم عقيدتهم، فلا رازق إلا الله ولا نافع ولا ضار إلا الله، قال في هذا المعنى: تخيل أمة يكثر في آحادها الموحدون الصادقون، ثم انظر كيف تعدم فيها تانك السلطتان الضارتان، سلطة الملوك المطلقتين، وسلطة الرؤساء الدينيين، وما نشأ عن التوحيد من عواطف أخرى، فمما لا يستقل باستيفائه كتاب، فعقيدة التوحيد تهب على الروح الإنسانية بأدب إلهي لا يقتصر على تأدية الإنسان لأرقى مظاهر الكمال الدنيوي فقط، بل يؤديه لأسمى منصات الرقي الروحاني أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-599>الرقي المادي والشكوك في الدين:</span>\nما هذا التلازم بين الرقي المادي والشكوك في الدين؟ (ملاحظة: لا يعني بالرقي المادي والكمالات الصورية تلوين الأواني وتزويق الألبسة وإقامة المراقص والملاعب، وإنما المتاع بالمزايا العظيمة التي خلقها الله في الطبيعة، وتحسين الحياة الجسدية بما لا يفتن العقل والنفس).\nحتى يجيب على هذا السؤال، بيّن أن الناس أمام هذه العقيدة على أصناف:\n١ - معتقد بها، مصدق لها بالبرهان، وعامل بما يقتضيه.","vol":"2","page":537},{"text":"٢ - غير معتقد بها.\n٣ - معتقد بها بالوراثة.\nوكلٌّ من هذه الأصناف له دستور خاص في الحياة، يلائم مكانه من هذه العقيدة.\nوبعد التحليلات الفلسفية قرر أن لكل من المعتقد وغير المعتقد دافعًا يدفعه إلى الرقي والتقدم، وأن رقي الأول يشمل الرقي الروحي والجسدي، أما الثاني فرقته محدود في عالم المادة فقط، والمعتقد بالوراثة لا حظ له من أحد هذين الدافعين، ولا يليق به إلا أن يكون تبعا لأحد هذين الصنفين.\nإن الدافع الذي يدفع المعتقد للتقدم للأمام هو (طلب الكمال) بمعناه الحقيقي الذي ينال به كمال الروح وكمال الجسد، أما غير المعتقد الذي يرى نفسه مدفوعًا لتكميل بدنه وإشباع حواسه فمبدأه (تنازع الحياة)، فلا ينال إلا كمال الجسد، وهو لا يرى سعادته إلا في نيل أقصى ما يستطيعه من المال والجاه، فتراه يتنازع الناس فيهما منازعة اليائس المستميت بما يراه أحسن الوسائل.\nوهذا دافع عظيم للحياة ودستور كبير للبقاء.\nمن هنا ترى أنه ليس بعجيب أن ينال غير المعتقدين مدنية زاهرة وحضارة باهرة، ولكن لا ترى فيها نصيبًا للروح، فترى أن الحق فيها مع القوة والحكم للسيف والفتوة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-600>كيف كان العالم قبل بعثة النبي -ﷺ</span>-:\nتحدث عن الاضطرابات والفتن والحروب التي كانت سائدة في العالم كله، وكانت شبه الجزيرة العربية جغرافيا بعيدة عن هذه الفتن، وعن الديانات التي كانت سائدة قبل بعثة النبي -ﷺ-: اليهودية والنصرانية والوثنية، وأن الوثنيين كانوا هم السواد الأعظم.","vol":"2","page":538},{"text":"هذه هى الأحوال العمومية التي أرسل فيها النبي -ﷺ-، وتنحصر أعمال النبي - ﷺ- في أربع حوادث مهمة:\n١ - إبداله الوثنية بالتوحيد\n٢ - تهيبه لأخلاقهم\n٣ - ربط قبائلهم برباط الإخاء، وجعلهم أمة وثيقة العرى\n٤ - تكوينه لقانون كامل أداهم للمدينة الفاضلة.\nهذه حوادث اجتماعية تحتاج إلى تعليل مقبول تطمئن إليه النفس، وليس أمامنا إلا أحد فرضين، وهما إما التسليم بأن محمدًا -ﷺ- رسول الله حقيقة، وإما فرض أنه ليس رسولًا، وأنه وصل إلى ما وصل إليه بالتدبير وحسن السياسة.\nثم ناقش هذا القول الثاني وما ينبني عليه من أمور، وأثبت بطلانها، ثم قال: هذه فروض يقتضيها زعم من يتجاسر فيزعم أن محمدًا -ﷺ- ليس برسول، وقد أريناك مكانها من العلم، فلم يبقَ أمامنا إلا الفرض الأول، وهو أنه رسول رب العالمين.\nثم عرض للمقصد السامي الذي أنزل القرآن من أجله، وهو تربية الإنسان تربية صحيحة، حاصلًا على كمال طبيعته الجسدية والروحية، ومن أجل إيصال الإنسان لهذه المكانة اتبع معه مختلف الوسائل، وأتبع ذلك بالحديث عن كل شعبة من شعب الأدب الإلهي أودعه زبدة ما يرمي إليه العلم العمري، ثم بما قرره فيه الكلام الإلهي.\nثم ذكر أن الإنسان فُطِر على أن يبحث في أمرين: أمر دينه وأمر دنياه، وقد سمى الأوروبيون اليوم الأمر الأول بالفلسفة، لأن الأديان بنظرهم لا توصل إلى حقيقة، ولأن الفلسفة يجب أن تكون حسية عملية، وسموا الأمر الثاني بالعلم الطبيعي، وقالوا إن كل نظرية لا تعد من العلم إلا إذا أسعفتها التجربة وقوّاها الاختبار.","vol":"2","page":539},{"text":"على هذين الأصلين قام الفكر العصري، فسقطت أمامه كل مدركات الأديان المحرفة، فتوهمت الفلسفة العصرية بالنظر لهذه الأصول أنها أول من خلص العالم من أسر التقاليد والظنون، ولم تدرِ أن هذا القرآن قد سبقها بثلاثة عشر قرنًا في تقرير تلك المبادئ.\nتحدث عن مسألة اللاهوت في نظر الفلسفة العصرية المعتدلة، فهي تقدر أن مسألة وجود الخالق من المسائل التي لا تحتمل كثرة الأخذ والرد، لكلنها وقفت موقف التحفظ خشية إحداث التفريق بين الأمم؛ لأن لكل أمة عقلًا يخصها، وقد قرر القرآن الكريم كثيرًا من المعاني التي أثبتتها الفلسفة للخالق، ولكنا قبلها بقرون.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>الرسل في نظر القرآن:</span>\nعقد بابًا في تاريخ علوم ما وراء المادة، ومجموع ما حصله العالم من المشاهدات الروحانية الخارقة للعادة، ليخلص أنها أمر لا يُستهان به يوجب على أعصى الناس على العقائد أن يعترف بوجود العالم الروحاني، وقد اعترف بهذا أئمة الشكوك في أوروبا وأمريكا، ومجرد الاعتراف بهذا العالم الروحاني يكفي لإعداد الفؤاد لقبول العقيدة بالرسل، فإن الرسول وجد بينه وبين ذلك العالم اتصال على نحو أرقى مما يجربه المجربون في أوروبا، فقد انكشف لهم هذا العالم باستعداد فطرتهم وبتخصيص الله تعالى إياهم للرسالة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>الإسلام:</span>\nهو الدين الذي اتحد جميع الرسل على نشره، وتخليصه من شوائب ما وضعه الواضعون فيه، فلم يرسل رسول الله -ﷺ-، ليؤسس دينًا جديدًا في أمة معينة، ولكن ليصلح سائر الأديان مما طرأ عليها بهداية الأمم للدين الأصلي الذي أرسل الله به المرسلين، وأن الديانة الحقة أن يؤمن الإنسان بجميع رسل الله من أولهم إلى آخرهم، وهذا ما بُني عليه دين الإسلام، وهذا الدين سيكون في يوم من الأيام الديانة العامة اضطرارًا لا اخيارًا؛ لأنه لماذا يكون الإنسان يهوديا ولا يكون بوذيًا؟","vol":"2","page":540},{"text":"أو لماذا يكون مسيحيًا ولا يكون برهميًا؟ وبأي مرجح يعتقد الإنسان برسول دون غيره، وها نحن في زمان أخذت فيه الأمم تتعارف، وأخذت نواميس الحياة تسوقها سوقًا إلى وحدة العقائد، من هنا حدث شعور عام بضرورة وجود دين عام.\nالإسلام هو الدين الحق العادل العام الصالح لأن يجمع كافة الشعوب والأمم، ويؤاخي بينهم ويرضيهم جميعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-603>الأديان في نظر القرآن:</span>\nالأديان كما هي عليه اليوم بكتبها وأساطيرها هي مجموع أقوال رؤساء المعابد، علقوها شرحًا على الوحي الإلهي، أو كتبوها بأيديهم، وزعموا أنها وحي من عند الله، ولو كانت وحيًا كما يقولون لاتحدت جميع الأديان في أصولها وفروعها؛ لأن إله الكل واحد، ولا يعقل أنه يوحي إلى أمة ما يوحيه إلى الأخرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>الناس في نظر القرآن:</span>\nالناس في نظر القرآن ثلاثة أقسام:\nمسلمون، وهم المؤمنون بجميع رسل الله وكتبه، وقائمون من الدين على طريق الفطرة والاعتدال، وأهل الكتاب، كاليهود والنصارى، وهم الذين لهم كتاب سماوي، والمشركون وهم الوثنيون، وقد جاء القرآن بأحكام عامة تشمل كل هذه الأقسام مثل العدل، وأنه تعالى رب العالمين كلهم، أي مربيهم، وأحكام خاصة تخص كل منهم على حدة، فمثلًا حتم القرآن على المسلمين أن يكونوا إخوانًا تجمعهم وحدة الدين، وخولهم حق تأديب العالم وإرجاعه عن غيّه، أما الكافرون، فإن كان بيننا وبينهم ذمة فلهم حق الحماية، وإن كانوا محاربين، فنعطيهم السيف مراعين تقوى الله.\nثم تحدث عن الإنسان في نظر القرآن أنه أكرم الكائنات، وأن القرآن الكريم أكسب الإنسان فكرة صحيحة، عن عظمة الوجود، وبيّن له موقفه من الدنيا، وماذا","vol":"2","page":541},{"text":"يجب عليه أن يعمل فيها، وبيّن نظرة القرآن للحكومة بأنه أتى عليها بقوانين عامة، وترك للأمة الخيار في الشكل الذي تختاره.\nوعرّج على الجهاد وأهميته، ونظرة القرآن له حيث أوجبه في بعض الأحيان، ولكنه أحاطه بقوانين بما لا يوجد مثله في العالم الوضعي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-605>النسخ في القرآن:</span>\nتحدث عن النسخ في القرآن، وأنه جاء مراعاة لتغير الأمة من حال إلى حال، وبما يتناسب مع أن رسالة سيدنا محمد -ﷺ- خاتمة الرسالات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>الولاية والكرامة:</span>\nعرض لمفهوم الولاية والكرامة، وبيّن أن الولي يُطلق على كل مؤمن تقي، أما الكرامة التي يكرم الله بها أولياءه، فلا يشترط أن تكون من الأمور الخارقة للعادة، فإن من الكرامة أن يوفقه للطاعات، ولهديه للكمالات.\nوما يشاهد لدى بعضهم من كشف المغيبات أو تخلف بعض الكائنات عن طبائعها في بعض الأحوال على يديه فذلك من الكرامات أيضًا، وهي أحوال تلازم بعض المتفرغين للعبادات والرياضيات من أهل الفطر السليمة.\n... وقد تحدثُ على يد ذلك الصالح أمور خارقة للعادة، لا يريدها، وربما تستر من أجلها.\nهذا ما يقال من أمر الولاية والكرامة على مذهب القرآن، أما ما وراء ذلك من دفن الصالحين في مدافن خاصة ورفع القباب عليهم، وتقريب القرابين إليهم، والاستغاثة في الملمات بهم، فمن أشد مناهي الشرع، وهي من أفظع البدع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>الشفاعة والتوسل في القرآن:</span>\nذكر الله تعالى في كتابه مسألة الشفاعة مرارًا، وقد ورد أن رسول الله -ﷺ- يشفع للمسلمين، فإن صدق هذا الحديث، فلن يشفع إلا لمن يأذن الله له بالشفاعة لهم","vol":"2","page":542},{"text":"ممن يستحقون العفو على مقتضى العفو الإلهي.\nأما التوسل، فلم يرد فيه حديث إلا من طريق الآحاد، ولا أثر لهذا الأمر في القرآن ولا في السنة المتواترة، ولم يرد على ألسنة الصحابة كما تدل عليه الأدعية المأثورة عنهم من طريق صحيح.\nوالذي نراه اجتناب الأمور المشكوك فيها احتياطًا للدين.\nأقول: لقد صحت الأحاديث التي تثبت شفاعة الرسول -ﷺ-، أما التوسل فقد وردت فيه أحاديث آحاد،، لذلك اختلف الناس فيه اختلافا كبيرًا، فمنهم المفرِط ومنهم المفرِّط، منهم من يعدّ أن التوسل نوع من أنواع الشرك الأكبر، ومنهم من يفتح فيه الباب على مصراعيه، ولكلٍّ من هذين الفريقين ما ينبغي أن ينُاقش فيه، ولقد ذكر العلامة الألوسي في تفسيره الفذ روح المعاني عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥] كلامًا كثيرًا ناقش فيه الآراء المتعددة، وخلص إلى القول بأن التوسل لا يجوز بأحد من الخلق إلا للرسول عليه وآله الصلاة والسلام، ومن قبل الألوسي ﵀ ذكر العلامة المناوي في كتابه كثير الفوائد (فيض القدير شرح الجامع الصغير) عند شرحه لحديث الأعمى الذي طلب من الرسول أن يدعو الله ليعيد له بصره، ذكر ﵀ أن التوسل بالرسول -ﷺ- كان أمرًا مجمعًا عليه لم يخالف فيه أحد من العلماء، حتى جاء شيخ الإسلام ابن تيمية رحم الله الجميع، فهو أول من حرم التوسل بالرسول -ﷺ-، ولست بصدد مناقشة هذه القضية لكني أحببت أن أعلق على ما ذكره الأستاذ محمد فريد وجدي ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-608>القضاء والقدر في نظر القرآن:</span>\nالنظر المجرد في الكون يدلنا على أنه قائم على نظام ثابت والبحث في هذا يدلنا على أن له قوانين ونواميس تمسكه وتحفظه، فلا تحدث في الهواء حركة ولا تسقط من شجرة ورقة إلا تبعًا لقانون ثابت، وفاعل مؤثر، هذا الأثر مشاهد في عوالم","vol":"2","page":543},{"text":"الجمادات والنباتات أتم مشاهدة، وهو في عالم الحيوانات أقل ظهورًا لما متعت به من الحس والحركة، وهو في العالم الإنساني يحتاج لتأمل ونظر، فلو قلت للمتوحش: إن كل حركة وسكنة فيك تابعة لقانون ثابت شك في قولك إنْ لم يكن أخذه من طريق الدين بالتسليم.\nاتحد الدين والعلم الطبيعي على أن الإنسان مجبر على أفعاله حتى إن أحد رؤوس الماديين العصريين بوشنر الألماني قال إن الحرية الإنسانية التي اعتبرها الروحيون مبدأ للاختيار والإرادة وهمٌ باطل، فإن الإنسان في ذاته حادث طبيعي محكوم بالطبيعة التي كونته والمناخ الذي ربّاه، والوسط الذي يقله، والجنس الذي نشأ منه، والتربية التي غرست فيه من صغره.\nيتصدق الرجل منا مثلًا، فإن سألته عن السبب الذي حمله على التصدق قال لك: إرادتي، فإن سألته: وما الذي حمل إرادتك؟ قال: شفقتي، فإن قلت: وما الذي أوجد لك الشفقة دون جارك، قال: ورثتها عن أبي وجدي، أو من طبيعة مزاجي.\nفإن سألته: ومن الذي أوجد لك هذا المزاج وصوّر أباك شفيقًا؟ قال: الله تعالى بما أوجده من عوامل، إذن فقد حكمتما بأن الباعث للصدقة في الواقع هو الله، وهكذا تستطيع أن تصعد بسائر أعمالك إلى موجدها الله ﷾.\nهذا معنى القضاء والقدر، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، وبعد أن أثبت الله تعالى علمه بالجزئيات قرر في آية أخرى بأن كل الحوادث هو فاعلها، فقال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].","vol":"2","page":544},{"text":"إذا تقرر هذا قال لنا قائل: إذا كانت أعمال الإنسان مقدرة عليه تقديرًا، فكيف يصحّ أن يعاقبه في الآخرة على فعل ليس هو فاعله في الحقيقة؟ .\nحل هذه المسألة يقتضي أن ندرك كنه علاقة الإنسان بالخالق، وكيفية ترتب الأحوال في العالم الأخروي على أعمال الإنسان في هذا العالم، وحكمة خلق الشر في الدنيا، وحقيقة النظام الكوني من حيث عوامله وكائتاته، وغاية كل منها، والخلاصة أن حل هذه المسألة العويصة يستدعي تمام الإلمام بمسائل ليس للإنسان منها إلا علم سطحي لا يغني عن الكنه شيئًا، ولو سمحنا لأنفسنا بالخوض في هذه المسألة مع جهلنا لمقدماتها كنا كالجهال يرون الترامواي سائرًا، فيعللون حركته تعليلًا طفليًا يضحك العاقل، ويضل الجاهل، فوقوفنا أمام هذه المسألة سببه جهلنا بمقدماتها، فإذا انتظرنا حتى يفتح الله علينا بالمقدمات، كان كلامنا فيها عن بصيرة وبيّنة.\nإنا نستطيع أن نذكر في هذه الموضوع كلامًا ننفي به عن أنفسنا أمام البسطاء صفة الجهل، ولكنا نعلم أن ما من حل لهذه المسألة إلا وهو قابل للانتقاد والرد، فليجعل كل منا هذه المسألة مما يسأل الله هدايته إلى حله، وليتق الله في الطلب، وهو يفتح عليه من العلم والطمأنينة ما لا يجد بعضه بالجدال والخصومة، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nأقول: إن أمر القدر من الأمور التي تاهت فيه كثير من العقول وقد عرضت لشيء من هذا في الكتاب الأول عند حديثي عن الدكتور مصطفى محمود، حيث عرض إلى قضية القدر، وكان لا بد من مناقشته هناك، على أن الأستاذ محمد فريد وجدي ﵀ قد يكون أصاب كبد الحقيقة حينما قرر أن هذه القضية من القضايا التي سيظل الإنسان فيها محتاجًا إلى تعليم الله وهدايته، ولعل من سلامة العقيدة أن تدرس هذه القضية على ضوء الهدي الرباني في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية، وللعلامة الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام في دار الخلافة عرض مبسط، فقد","vol":"2","page":545},{"text":"تحدث عن هذه القضية في كتابه (موقف العقل)، وهو كتاب مكون من أربعة أجزاء، كما تحدث عنها في كتاب خاص بالقدر وما يتصل به، ونحن راضون بكل ما هو من الله ﵎، لأن عبوديتنا لته لا تتم إلا بأمرين، أولًا: أن نفعل ما يرضيه، وثانيًا: أن نرضى بما يفعله، وأن ذلك كله من الحكم الإلهية، وما أجمل قول القائل:\nيا حاكمي وحكيمي ... أفعالك الكل حكمة\nوقول الآخر:\nإذا ما رأيت الله في الكل فاعلًا ... وجدت جميع الكائنات ملاحا\nوقول الآخر: لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع، وصدق الله ﵎:\n﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>النعيم والعذاب الأخرويان:</span>\nناقش مفهوم النعيم الأخروي، وأثبت بالبرهان أنه مادي حسي، وأنه على المثال الذي حكاه الله تعالى لنا، لأنه لا موجب لتأويل كلام الله مع تكرر نصوصه في ذلك، ونفى أن يكون الله قد أورد النعيم الأخروي وصوره للتأثير على أفكار العرب بما يحبون كما زعم ذلك بعض الأوروبيين ومن قلدهم من المسلمين، وأثبت بالبرهان العقلي أن البعث بالروح والجسد.\nأما العذاب الأخروي، فللناس فيه مذاهب، فحمل جمهور المسلمين الآيات الواردة فيه على ظاهرها، وقالوا إنها نار متأججة لها شرور ووقود ودخان، إلخ، وقالت طائفة قليلة من الصوفية والمعتزلة: بل هي نار معنوية، وما ورد فيها من الآيات فهو من قبيل المجاز لا الحقيقة، كما هو أسلوب اللغة العربية في مواطن الترغيب والترهيب وما شاكلها، ويذهب بعض العصريين من أصحاب البصر في","vol":"2","page":546},{"text":"الدين إلى هذا القول الأخير لمناسبته لعقولهم وموافقته لفلسفتهم، فإنهم يشبهون حال الإنسان الذي عاش عمره في هذه الأرض غير مفكر إلا في شهواته وأطماعه المادية، ولم يقدم لنفسه عملًا روحانيًا، فلا جرم سيعيش في العالم الأخروي كما يعيش من لا رأس مال له في الدنيا، أي فقيرًا عاملًا يتعب وينصب طول عمره.\nفأصحاب المال في الدنيا كأنهم في نعيم والفقراء في الدنيا كأنهم في جحيم، فتنقلب الحال في العالم الأخروي، وهذا تشبيه مع الفارق، لأن لهذا العالم شؤونًا غير شؤون العالم الأخروي.\nهذا فكر بعض العصريين، والمؤمن يجب عليه أن يبرأ إلى الله من كل ظن لا يحققه بعلم يقين، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [لإسراء: ٣٦] والأحوط أن يعتقد بالثواب والعقاب، ويكل تحقيق ذلك إلى مولاه، فهو ولي الكفاية.\nرحم الله الأستاذ محمد فريد وجدي، حيث ثبت ولم ينزلق، وحوَّم ولكنه وقع على الحقيقة، فهو لم يذهب كما شطح غيره إلى إنكار النعيم المادي وغيره، ولقد عرضت لهذه القضية في الكتاب الأول عند حديثي عن الأستاذ عبد القادر المغربي ﵀، وهو من رجال مدرسة المنار، حيث ادعى بكل ما عنده من قوة عارضة وجزالة أسلوب بأن ما في القرآن الكريم من أخبار النعيم وما يتصل به ليس إلا تقريبًا للعقول، وسامح الله الشيخ المغربي ومن سار سيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>جمع القرآن:</span>\nبيّن مراحل جمع القرآن الكريم في عهد النبي -ﷺ- وأبي بكر، وعثمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-611>القراءات:</span>\nختم المقدمة بكلام موجز عن القراءات، فقال: لما نزل القرآن وحفظه الناس في صدورهم كانوا يقرأونه على وجوه مختلفة بحسب لغاتهم، وللعرب لغات","vol":"2","page":547},{"text":"متعددة، أفصحها سبعة، وأرجحها كلها لغة قريش، ورخص للناس أن يقرأوا القرآن بلغاتهم، فوقع الخلاف بين الصحابة في بعض الآيات باختلاف وجوه القراءة، فقال النبي -ﷺ-: \"إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف\"، فصارت وجوه القراءة في الأمصار مختلفة باختلاف لغاتهم مع اختلاف مأخذهم، [ذكر مأخذ أهل كل مِصر]، ثم قال: وكان كل قطر يدعي أنه أهدى سبيلًا في قراءته، فخشي عثمان هذا الاختلاف، فجعل القراءة بلغة قريش دون غيرها.\nولكن لم يمض على أمره هذا غير زمن قصير حتى عادوا إلى ما كانوا عليه قبل الاختلاف في القراءة، يتبع كل قطر قارئًا، ويثق به، ثم استقر أمر الناس على سبع قرأءات معينة تواتر نقلها من القراء.\nثم ذكر أصحابَ القراءات، ثم قال: على أن القراءات السبع قد أُصعدت إلى عشر، وعُدَّت كلها أصولًا للمَراءة، وهي كلها جائزة يصلى بها على السواء بخلاف الشاذة.\nواختلاف القراءات العشر منحصرة في اختلاف الألفاظ في الحروف أو في كيفيتها من تخفيفه أو تشديد وغيرها، وذكر أمثلة، وختم بتعريف القراءة الشاذة بأنها تكون بتغيير ذات الألفاظ في بعض المواطن مما يغير معنى الآية، ولا تجوز بها الصلاة.\nأقوله: إن حديث الأستاذ عن الأحرف والقراءات ينقصه شيء من التحرير والدقة رحم الله الأستاذ محمد فريد وجدي عما قدم لهذا الدين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-612>ثانيًا: منهجه في التفسير:</span>\nأقدم الأستاذ على وضع تفسير موجز للقرآن الكريم بهدف تقريب معانيه للناس؛ وبخاصة الذين لا يملكون الوقت للإطلاع على كتب التفسير المطولة، أو أولئك الذين لا يقدرون على إدراك أغراض المؤلفين السابقين، وتتميمًا للفائدة جعله على شكل المصاحف العادية، وجعل تفسير كل صفحة في هامشها.","vol":"2","page":548},{"text":"وقد استخلص هذا التفسير بشكل واضح من الآراء المجمع عليها لدى أئمة المفسرين، وأقطاب أهل السنة، وكان يشرح اللفظ حيث صادفه، ولا يحيل، يقول في المقدمة: \"والتزمنا أن نشرح اللفظ حيث وجدناه، ولو صادفنا في كل صفحة من صفحات المصحف، وهذا ما لم يعمله مفسر من المتقدمين؛ فإنه متى أتى على شرح اللفظ في سورة من السور، ثم صادفه في سورة أخرى أهمله من الشرح اعتمادًا على سبق الكلام فيه\".\nيقسم تفسير الآيات قسمين، تفسير الألفاظ، وتفسير المعاني، يبين فيه المعنى الإجمالي للآية، وأفرد قسمًا ثالثًا في (صفوة العرفان) لبيان القراءات، ويبدأ مباشرة ببيان معنى السورة دون أن يقدم للسورة بمقدمة، ولا يعطي فكرة عن مكيتها ومدنيتها، أو موضوعها.\nيمتاز أسلوبه بالسهولة واليسر، عباراته واضحة، يفسر الآية حسب ما يبدو ظاهرًا منها، ولا يحاول الغوص وراء الألفاظ، واستخراج ما ترشد إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-613>الجانب اللغوي في التفسير:</span>\nاهتمام الشيخ بجوانب اللغة في التفسير ملحوظ، حيث شرح المفردات، وجاء بأصولها اللغوية، وقد يأتي بأكثر من معنى للفظ الواحد، وهذا الجانب من أهم الجوانب في هذا التفسير.\n- يقول عند قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣].: العقب مؤخر القدم، يقال: جاء فلان بعَقب فلان أو بعُقبه، أي جاء بعده، ومعناه: جاء يطأ عقبه، ثم كثر حتى قيل: جاء عقبه.\n- ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]: أي معلَّمين، من التسويم الذي هو إظهار سيما الشيء، أو مرسلين، من التسويم بمعني الإسامة وهو الإرسال.\n- ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]: يمحق: ينقصه ويذهب بركته، ومنه المحاق","vol":"2","page":549},{"text":"لآخر الشهر إذا انمحق الهلال.\n- ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠٣]: الشفا حرف كل شيء وحدّه، تثنيته شفوان، وجمعه أشفاء، ويقال: ما بقي منه إلا شفا، أي قليل.\n- ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام: ٢١]: افترى، أي اختلق، وأصله الفري، وهو قطع الجلد لخرزه وإصلاحه، والإفراء لإفساده، والافتراء يستعمل فيهما وأكثر استعماله في الإفساد، وقد استعمل في القرآن الكريم بمعنى الكذب والشرك والظلم.\n- ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [لأنبياء: ١١]: أي وكم أهلكنا من قرية، والقصم كسر يبطل تلاؤمها وحركتها، فعله قصمه يقصمه قصمًا.\n- ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [لفرقان: ٣٢]: أي وقرأناه عليك شيئًا فشيئًا على تؤدة، وأصل الترتيل تفليج الأسنان، أي جعل بعضها متباعدًا عن بعض، شبه بها نزول القرآن مفرقًا.\n* وظهر اهتمامه الشديد والملحوظ باشتقاقات الألفاظ من أول التفسير إلى آخره:\n- يقول عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥]: يصرفون، أفكه يأفكه إفكًا، صرفه وقلب رأيه، فهو أفيك ومأفوك.\n- وقوله ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا﴾ [النساء: ١١٢]: أي ظلمًا وباطلًا، يقال: بهته يبهته بهتًا وبهتانًا، قذفه بالباطل.\n- وقوله ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ [القيامة: ٣٣]: يتمطى: يتبختر، مشتق من المط وهو المد، فإن المتبختر يمد خطاه، أو من المطا، وهو الظهر، فإن المتبختر يلويه.\n* وتخلل بيان المفردات فوائد لغوية تتعلق باللفظ الذي يتناوله:\n- يقول عند قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١]: وهو من الأفعال التي لها معنيان متضادان: بقي وذهب.","vol":"2","page":550},{"text":"- وعند قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨]: (بلى) تستعمل ردًّا لنفي، وتستعمل أيضًا جوابًا لاستفهام مقترن بنفي، نحو: (ألست بربكم؟ قالوا: بلى).\n- ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]: طفق مختص بالإثبات، فلا يقال ما طفق.\n- ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٢٠]: الكيد ضرب من الاحتيال، وقد يكون مذموما وممدوحًا، وأكثر استعماله في المذموم.\n- ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]: خير: الأفصح حذف الألف منها ومن أشر، فيقال: هذه خير أمة وتلك شر أمة.\n* في كثير من الأحيان كان الشيخ يعرض للمباحث البلاغية في الآيات الكريمة، ولكن بإيجاز، انسجامًا مع أسلوبه المختصر والسهل الذي نهجه في تفسيره:\n- يقول عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٦]: الريح مستعارة للدولة من حيث إنها في سريان أمرها ونفوذ سلطانها تشبه الريح في هبوبها وامتدادها.\n- ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٠]: كأنه ضمّن (عجل) معنى (سبق) فعدّى تعديته.\n- ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]: نكر (آيات) للتفخيم.\n- ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠]: استعير التوفي من الموت للنوم لما بينهما من المشاركة في زوال الإحساس بتمامه.\n- ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]: استفهام إنكار للنفي، مبالغة في الإثبات.\n- ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه: ١٣١]: (زهرة) منصوب بمحذوف، دلَّ عليه متعنا على تضمينه معنى أعطينا.","vol":"2","page":551},{"text":"- ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]: أي لا تقدموا أمرًا، فحذف المفعول ليذهب الوهم إلى كل ما يمكن.\n- ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]: هذا وعد من الله لرسوله بفتح مكة، وعبّر بالماضي لتحققه.\n- ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: ٦٤]: وهو أبلغ من الحياة، لما في بناء فعَلان من الحركة والاضطراب اللازم للحياة.\n- ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤]: وإنما خصّ التوفي بالذكر للتهديد.\n* كان على عناية بذكر معاني الحروف:\n- ومن ذلك عند قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾ [البقرة: ١٣٣]: قيل (أم) هنا منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار، أي ما كنتم حاضرين إذ حضر يعقوب الموت، وقيل: هي متصلة بمحذوف، تقديره: أكنتم غائبين أم كنتم شهداء.\n- ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤]: (لمّا) مثل (لم) للنفي، إلا أن منفيها مستمر النفي إلى وقت التكلم.\n- ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]: الهمزة للتوبيخ.\n- ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾ [لأنعام: ١٩]: الهمزة للإنكار.\n*كان حريصًا على بيان وجه الإعراب، وخصوصًا ما له تعلّق بتوضيح المعنى ومما ورد في تفسيره:\n- عند قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]: وإنما نصب (أياما) بفعل مضمر تقديره صوموا.","vol":"2","page":552},{"text":"- ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]: متعلق بمحذوف، تقديره: اجعلوا ما تنفقون للفقراء.\n- ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٧]: اللام للقسم، وإنْ حرف شرط جازم.\n- ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٤]: (رسلا) نصب على المدح، أو بإضمار (وأرسلنا) أو على الحال.\n- ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾ [المائدة: ٢٧]: (بالحق): صفة مصدر محذوف، أي تلاوة ملتبسة بالحق.\n- ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾ [لأنعام: ١٤٥]: (فسقًا) معطوف على لحم خنزير.\n- ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ [الزخرف: ٥]: أي أفنضرب عنكلم الذكر ضربًا، وهو مصدر من غير لفظه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>مسائل علوم القرآن في التفسير:</span>\n* يذكر أسباب النزول، بدون سند، وبدون تخريج، فيأتي بالمقبول وغير المقبول، ولا يحكم على الرواية، فلا يذكر درجتها من الصحة، ولا يعقِّب:\n- يقول عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]: نزلت هذه الآية في بني قريظة وبني النضير وكانوا من اليهود، فكان كلما تقاتل هؤلاء نصرهم حلفاؤهم، فكان اليهود بسبب ذلك يقاتل بعضهم بعضًا.\n- ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النساء: ٥١ - ٥٢]: نزلت هاتان الآيتان وما بعدهما في بعض اليهود، وقد قدموا إلى مكة ليحالفوا أهلها على قتال رسول الله، فقال لهم المشركون: أنتم أهل كتاب ولا نأمنكم، فاسجدوا لآلهتنا، ففعلوا.","vol":"2","page":553},{"text":"- ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]: سبب نزول هذه الآية اختلاف المسلمين في غنائم بدر: كيف تقسم؟ ومن يقسمها ... إلخ.\n- ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَاليْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨]: سبب نزول هذه الآية أن نساء النبي طلبن إليه أن يسمح لهن بالتزين، وأن يزيد لهن النفقة، فأمره الله أن يخيرهن بين الإصرار على طلبهن وبين البقاء مع رسوله، فاخترن كلهن البقاء مع رسوله وأقلعن عن طلبهن.\n- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]: سبب نزول هذه الآية أن أرسل رجلًا إلى بني المصطلق ليتعرف أحوالهم، وكان بينه وبينهم عداء، فاستقبلوه فظنهم مقاتليه، فعاد وأخبر بأنهم ارتدوا، فبعث إليهم خالد بن الوليد، فوجدهم مقيمين على الإسلام.\n* يشير إلى الآيات الناسخة والمنسوخة: ومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى:\n- ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]: نقول إن النسخ ضروري في الأحكام بسبب تطور الأمم وترقيها وتدليها، وإن الإسلام دين عملي فلا مناص له من مسايرة المجتمع الإنساني في تقلباته حتى يبلغ به كمالًا، أليس هذا أولى من بقاء الأحكام على حالة واحدة، فيضطر الآخذون بالدين لتركها واللجوء إلى تشريع أجنبي؟ .\n- ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]: فرضي الله إذا أوشك أحدكم على الموت، وكان ذا مال أن يوصي بثلثه لوالديه وأقربائه بالعدل والمساواة، وكان هذا الحكم ساريًا في أول الإسلام قبل تعيين المواريث، فلما نزلت آيات المواريث نسخ هذا الحكم.\n- ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ [... إلخ الآية]﴾ [المائدة: ٢]: هذا منسوخ بآية براءة.","vol":"2","page":554},{"text":"- ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠]: أي أن المتوفى يوصي قبل موته أن تمتع امرأته حولًا كاملّا بالسكنى والنفقة غير مخرجة من بيت زوجها مدة الحول، وقد كان هذا في أول الإسلام قبل أن تورّث المرأة، فلما ورّثها الشرع نسخت هذه المدة، وأبدلت مدة العدة بها أي أربعة أشهر وعشرة أيام.\n* كان حريصًا على بيان وجوه القراءات في الآيات، دون تمييز المتواتر من الشاذ، ودون تعقيب، وغالبًا يبين وجهها، وقليلًا ما ينسب القراءة إلى قارئها:\nومن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى:\n- ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١]: الإبكار بكسر الهمزة، وقرى بفتح الهمزة، جمع بَكَر، كأسحار جمع سحر.\n- ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف: ٤٤]: قرى الوِلاية بمعنى السلطان والملك.\n- ﴿وَقَال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥]: قرأها ابن عامر وأبو بكر مودة بينكم.\n- ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]: وقرئ: لا مستقر لها، أي لا سكون لها.\n- ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس: ٦٢]: قرى جَبْلًا وجُبْلًا، وكلها لغات بمعنى الخلق.\n- ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]: أي ليعلموا ولا زائدة، ويؤيده أنه قرئ: ليعلم ولكي يعلم، ولأن يعلم.\n- ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال﴾ [إبراهيم: ٤٦]: قرأ الكسائي لتزولُ منه الجبال، على أن (إنْ) مخففة واللام فاصلة، ويكون معناها تعظيم مكرهم.","vol":"2","page":555},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-615> موقفه من الإسرائيليات:</span>\nوقع الشيخ في الإسرائيليات وتعيين المبهمات، وفي ذكر ما لا فائدة منه، دون التنبيه عليها:\n- عند قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٥٦]: إدريس هو حفيد شيث وجد أبي نوح واسمه اخنوخ، روي أن الله أنزل عليه ثلاثين صحيفة، وأنه أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب.\n- ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ [النمل: ٢٣]: هي بلقيس بنت شراحبيلا، وقد أوتيت من كل شيء يحتاج إليه الملوك في ترفهم، ولها سرير ملك عظيم، قيل: كان ثلاثين ذراعًا في ثلاثين أو ثمانين في ثمانين من ذهب وفضة ومرصعًا بالأحجار الكريمة.\n- ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]: التابوت الصندوق وهو الصندوق المحفوظ فيه التوراة، وكان من خشب الشمشاد مموهًا بالذهب.\n- ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١]: وسخرنا لسليمان الريح شديدة الهبوب تحمل بساطه، وتجري به إلى الأرض التي باركنا فيها.\n- ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]: لقمان هو الحكيم لقمان ابن باعورا من أولاد آزر ابن أخت أيوب أو خالته، أدرك أيوب وأخذ منه العلم.\n- ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَال يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠]: قيل إن المرسلين هما يوحنا وبولس من حوالي عيسى، وثالثهم هو شمعون، وإن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى هو حبيب النجار من الحواريين أيضًا.\n- ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ [ص: ٢١]: قيل إن داود هوى امرأة، فاستنزل زوجها عنها وتزوجها، وكان له تسع وتسعون زوجة، وقيل أخذ يكثر من إرسال","vol":"2","page":556},{"text":"زوجها إلى الحروب ويقدمه فيها حتى قتل، فأرسل الله إليه ملكين يتحاكمان إليه على هذا النحو ليتنبه إلى ما صنع (١).\n- ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١]: فقد عرضت عليه الخيول الجياد فألهته عن صلاة العصر حتى غربت الشمس، فتألم لذلك، وقال ردوها على فأخذ يضرب أعناقها وسيقانها بالسيف على حبه لها؛ لأنها سببت إلهاءه عن الصلاة؛ وقيل أخذ يمسح أعناقها وسيقانها محبة لها، ولقد امتحنا سليمان بمولود فشغفه حبًا، فأخذ يهتم ويتغالى في العناية به فقتلته الشياطين، وألقته على كرسيه جسدًا لا حراك يه، فأدرك سليمان أن الله امتحنه به فرجع إلى الله (٢).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-616> موقفه من التفسير الأثري:</span>\nلم يفسر القرآن بالقرآن ولا بالحديث، والآثار الواردة في تفسيره مقتصرة على أسباب النزول، ومن النادر جدًّا العثور على حديث يتعلق بتفسير آية، وإذا ذكره يأتي بحديث بدون سند ولا تخريج، ولا يلتزم بالصحيح من الآثار:\n- يقول عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]: وقد نزلت هذه الآية لما أظهرت زينب بنت جحش ابنة عمته وأظهر أخوها إباءهما لما قرره رسول الله من تزويجها بزيد بن حارثة معتوقه، قال الله ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا، ثم إن النبي ﵊ رآها فوقعت في نفسه، فقال سبحان الله مقلب القلوب، فذكرت زينب هذا لزوجها زيد، فكلم النبي في طلاقها محتجًا بأنها تتكبر عليه لشرف نسبها، فنهاه عن تطليقها.\n_________\n(١) ص ٥٩٩.\n(٢) ص ٦٠١.","vol":"2","page":557},{"text":"- ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]: سئل رسول الله عن القوم الذين يقيمهم الله مقام العرب، وكان سلمان الفارسي بجانبه، فضرب فخذه، وقال: هذا وقومه.\n- ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]: ما كذب القلب البصر بما حكاه له، فإن العلويات تدرك أولًا بالقلب، ثم تنتقل منه إلى البصر، وقيل: معناه ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك،، لأنه عرفه بقلبه كما رآه بصره، ويؤيده أن النبي -ﷺ- سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: رأيته بفؤادي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-617> نقله عمن سبق من المفسرين:</span>\nذكر في مقدمة تفسيره أنه مستمد من أقوال المفسرين، ولكن بالمعنى لا باللفظ، لذلك فإن تفسيره يخلو من نسبة الآراء إلى مفسرين، وحين يذكر أكثر من قول، يسردها سردًا، ولا يرجح، فلا يظهر للقارى رأيه في المسألة:\n- فمن ذلك عند حديثه عن: (الأحرف المقطعة في أوائل السور: هذه الأحرف وغيرها مما افتتحت به بعض السور قيل إنها من الأسرار المحجوبة، وقيل هي أسماء الله تعالى، وقيل هي أيمان الله ﷿، وقيل هي إشارة لابتداء كلام وانتهاء كلام، وذهب الأكثرون إلى أنها أسماء للسور.\n- وقوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]: أي سبع آيات وهي الفاتحة، وقيل: سبع سور وهي الطوال، وسابعها الأنفال والتوبة.\n- ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦]: أبي أمرنا متنعميها بالطاعة فخرجوا عن الطاعة وتمردوا، وقيل أمرنا مترفيها بالفسق من طريق القضاء والقدر عليهم، وقيل: أمرنا بمعنى كثرنا.\n- ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]: أي ما جعلنا الرؤيا التي أريناكها ليلة المعراج إلا اختبارًا للناس، وقد استدل القائلون بأن الإسراء","vol":"2","page":558},{"text":"والمعراج كانا منامًا بهذه الآية على صحة ما ذهبوا إليه، وذهب القائلون بأنهما كانا في اليقظة إلى أن المراد بهذه الرؤيا رؤيا رآها في وقعة بدر، لقوله: إذ يريكهم الله في منامك قليلًا، وقيل: بل هي رؤيا عام الحديبية حين رأى أنه دخل مكة.\n- ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]: أي يوم شدة ومجاعة، فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من ضعف بصره، أو لأن الهواء يظلم عام القحط لقلة الأمطار وكثرة الغبار، أو لأن العرب تسمي الشر المتفاقم دخانًا، أو يوم ظهور الدخان المعدود من علامات القيامة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-618> موقفه من آيات الأحكام:</span>\nليس للشيخ عناية بالناحية الفقهية، فهو لا يخوض في خلافات الفقهاء، ولا يبدو في تفسيره مذهبًا فقهيًّا معينًا يتبعه، بل يفسر آيات الأحكلام كما يبدو من ظاهرها.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-619> موقفه من القضايا العقيدة:</span>\nيبدو من تفسيره لآيات الصفات أنه يسلك مسلك المؤولين، وهو لا يدخل في مشادات وخلافات كلامية.\n- يقول: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١]: واسع يسع جوده كل وجوه الفضل والإحسان.\n- ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]: برفع عيسى، ومعنى المكر الاحتيال على الغير للإضرار به، وهو بهذا المعنى لا يصح إسناده إلى الله إلا للمقابلة والازدواج.\n- ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٤٢]: إذ لا يؤبه بمكر دون مكره، والمكر مستحيل على الله، والمراد بالمكر هنا التدبير.","vol":"2","page":559},{"text":"- ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: ٧٦]: أي احتلنا ليوسف، والاحتيال مستحيل على الله، فيكون المعنى ألهمناه هذا التدبير الذي حصل به على أخيه.\n- ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]: مبسوطتان أي مفتوحتان، وهو كناية عن الكرم والإحسان.\n- ﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]: أي هم في قبضته.\n- ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [هود: ٣٧]: أي تحت رعايتنا.\n- ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]: أي ولتربى وأنا راعيك وراقبك.\n- ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [لطور: ٤٨]: أي في حفظنا، بحيث نراك ونكلأك، وإضافة جمع العين لجمع الضمير للمبالغة بكثرة أسباب الحفظ.\n- ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]: أي إلا ذاته، لأنه ليس لله وجه، إذ لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء.\n- ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥]: يومئذٍ يوفيهم الله جزاءهم المستحق، ويعلمون أن الله هو الواجب الوجود الظاهر عدله.\n- ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [لقمان: ٣٠]: أي بسبب أن الله هو الثابت الواجب الوجود.\n- ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد:] ٣،: هو الأول السابق على سائر الموجودات، من حيث إنه موجدها، والآخر الذي لا يبقى بعده شيء، وهو الظاهر بقدرته،، إذ لا قدرة إلا وهي مفاضة منه، وهو الباطن؛ لأنه أجل وأكبر من أن يوى بالعين المادية، وهو بكل شيء عليم.\nليت الأستاذ فسر الآية بالأثر، وهو: \"اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء؛ اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر\".","vol":"2","page":560},{"text":"* أما الاستواء على العرش، فقد اضطرب في بيان معناه:\n- ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: أي ثم جلس على سرير الملك، وبما أن الله ليس بجسم، ولا عرض، فلا يجوز أن يؤخذ هذا الكلام على ظاهره، بل يجب تأويله، وقد سلك علماء السنة هذا المسلك، فقالوا: إن الاستواء على العرش صفة لله بلا كيف، أي أن له تعالى استواء على العرش على الوجه الذي عناه منزهًا عن الاستقرار والتمكن، وقالوا: العرش هو الجسم المحيط بسائر الأجسام.\n- ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]: أي ثم جلس على العرش، وهذا محال على الله لأنه ليس بجسم، وعليه فهو كناية عن التمكن في السلطان والاستيلاء على ناصية كل شيء.\n- ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]: أي بالله البليغ الرحمة، مشتق من رحم يرحم رحمة، أي رق قلبه وعطف.\nكان حقه هنا أن يبين أن هذا محال على الله، والرحمة كما قال العلماء إما أن تكون صفة فعل، وهذا ما ذهب إليه المتأخرون، وإما أن تكون صفة ذات، وهذا ما ذهب إليه المتقدمون، وآثرت كلمتي (متقدمين، ومتأخرين) على كلمتي (السلف والخلف).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-620>مآخذ على التفسير:</span>\n١ - أكثر من القول بالزوائد:\nفمن ذلك عند قوله:\n- ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: ٧١]: لا هنا زائدة.\n- ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص: ١١]: ما مزيدة للتقليل.\n- ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]: أي وهم قليل، وما مزيدة، للإبهام والتعجب من قلتهم.","vol":"2","page":561},{"text":"- ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: ٧٥]: وترى الملائكة محدقين بالعرش، من هنا مزيدة، ينزهون الله عن النقص.\n- ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ﴾ [فصلت: ٣٦]: أي وإن ينزغنك، وما زائدة.\n- ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: ٢٩]: أي ليعلموا، ولا زائدة.\n- ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]: اللام في كلمة لمن زائدة، والمعنى ولا تصدقوا إلا من اتبع دينكم.\nوالأمثلة على هذا كثيرة جدًّا.\n٢ - وقع في القول بالتكرار:\n- حين فسر آيات تحويل القبلة: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٩] قال: ثم كرر هذا القول تأكيدًا وزيادة بيان.\n- ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٧٧]: تكرير للتأكيد أو تعميم للفكرة بعد تخصيص من نافق من المتخلفين أو ارتد من العرب.\n- ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]: كررها للتأكيد.\n- ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٣]: لقد تكرر ذكر موسى وفرعون في القرآن على وجوه شتى؛ لأن في تاريخهما عبرة للعرب، وزجرًا لهم عن التمادي في إهمال الدعوة الإسلامية.\nوقد نفاه في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٩]: الصلاة ذكرت أول السورة وفي الآية التاسعة، وليى هذا تكرارًا ينافي البلاغة كما قد يتوهم، فإنه ذكر الصلاة أولًا مقترنة بالخشوع، والخشوع فيها غير المحافظة عليها.","vol":"2","page":562},{"text":"٣ - أحيانًا كان يفسر الآيات بتعسّف:\n- ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]: أي كبروه في أدبار الصلوات، وعند ذبح القرابين ورمي الجمار.\n- ﴿هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢]: اسما ملكين هبطا من السماء إلى الأرض لتعليم الناس السحر ابتلاء من الله للناس، وتمييزًا بينه وبين المعجزة، وهذا بعيد عن العقل، وأحسن منه ما قيل من أنه عنى بالملكين رجلين صالحين سماهما ملكين لصلاحهما.\n- ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ... [إلى قوله تعالى] ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]: إن إشارة الكتاب الكريم إلى معجزة إبراهيم هذه تشير إلى أن في الإنسان قوى إلهية في إمكانها بتوفيق الله أن تبعث الحياة في الجمادات، وقد دلت الأبحاث في المغناطيس الحيواني في هذا العصر على ما يجعل هذه المعجزة معقولة علميًّا. وهذا تكلف في تفسير الآية الكريمة.\n- ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] ويخلق لكم ما لا تعلمون من تسخير قوى البخار والكهرباء وغيرهما، وهذه من أغرب معجزات القرآن، فإنه فيه تنبوأ صريحًا بما اخترع في القرنين التاسع عشر والعشرين.\n- ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ﴾ إلى آخر قصة خلق آدم ﵇، ورفض إبليس السجود [الحجر: ٢٨ - ٤٢]: نقول: ولا يصح أن يؤخذ هذا الكلام على ظاهره، فإن الله لا يُرى للملائكة ولا لإبليس، ولا يستطيع كائن من كان أن يجادله، وإنما أراد الله تصوير ما فعله الملائكة والشيطان حيال آدم، وما جاش بصدورهم عنه، فأتى بما رأيت، وهو أبلغ ما يقال في هذا المقام.\nأقول: لعل هذه نزعة مستوحاة مما ذكره الشيخ محمد عبده في تفسير الآية الكريمة في سورة البقرة، وليت الأستاذ بقي على منهجه الذي عُرف به وعرفناه عنه.","vol":"2","page":563},{"text":"- ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الكهف: ٩٩] أي ونفخ في البوق، قيل: إذا جاء يوم القيامة نفخ إسرافيل في بوق فحييت الخلائق وخرجت من قبورها للمحشر، ونرى نحن أن النفخ في البوق كناية عن الإيذان بحلول ساعة الحشر، واللغة العربية ملأى بالكنايات والاستعارات، وقال بعض المفسرين الصور جمع صورة، ويكون معنى (ونفخ في الصور) أي بُعثت الأرواح إلى أجسادها.\n- ﴿طه﴾: قيل معناه: يا رجل على لغة بني عك، وقيل: أصله طأها، على أنه أمر لرسول الله بأن يطأ الأرض بقدميه، فإنه كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه، وقد أبدلت الألف من الهمزة، والهاء كناية عن الأرض، لكن يرد ذلك رسمها.\n- ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] أي في ستة أوقات وأدوار، لأنه لم يكن قد خلق اليوم قبل خلقها.\n- ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء: ٦٢]: أي لأستأصلنهم بالإغواء، من احتنك الجراد الأرض، إذا استأصل ما عليها.\nونكتفي بهذه النماذج التي أعطتنا صورة واضحة عن تفسيره الموجز.","vol":"2","page":564},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-621>الشيخ حسنين مخلوف وتفسيره صفوة البيان لمعاني القرآن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>ترجمة موجزة للشيخ حسنين محمد مخلوف </span>(١)\n١٨٩٠ م-١٩٩٠ م- ١٣٠٨ هـ-١٤١٠ هـ\nهو الشيخ حسنين بن محمد بن مخلوف العدوي المالكي، مفتي مصر، فقيه، محدث، أصولي، ولد بالقاهرة، والتحق بالأزهر، وقرأ على كبار الشيوخ ومنهم والده والشيخ العلامة الأنبابي والشيخ المطيعي وغيرهم.\nالتحق بمدرسة القضاء الشرعي وحصل على الشهادة العالمية، وهو دون الرابعة والعشرين، فسلك بالتدريس بالأزهر، ثم عُين قاضيًا بالمحكمة الشرعية، وتدرج في وظائف القضاء، حتى صار رئيسًا لمحكمة الإسكندرية الكلية، ثم رئيسًا لتفتيش القضاء الشرعي بوزارة العدل، وشارك حينئذ في إعداد مشروعات إصلاحية لبعض القوانين، ثم انتدب للتدريس في قسم التخصص بالمدرسة المشار إليها ثلاث سنوات، عين بعدها نائبًا لرئيس المحكمة الشرعية العليا، كما عين عضوًا بجماعة كبار العلماء بالأزهر، وعضوًا بمجمع البحوث الإسلامية منذ إنشائه، واختير عضوًا برابطة العالم الإسلامي وشارك بتأسيس الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n_________\n(١) تنظر مصادر ترجمته في الكتب التالية:\n١ - النهضة الإسلامية في سير أعلام المعاصرين للدكتور محمد رجب البيومي، الجزء الخامس ص ٨٤ - ٩٧ الطبعة الأولى سنة ١٩٩٩ م.\n٢ - إتمام الإعلام للدكتور نزار أباظة ومحمد رياض المالح دار صادر الطبعة الأولى سنة ١٩٩٩ م صفحة ٧٩.\n٣ - ذيل الأعلام لأحمد العلاونة دار المنارة- جدة، ط ١٩٩٨١ م صفحة ٧١.\n٤ - تتمة الأعلام لمحمد خير رمضان يوسف دار ابن حزم الطبعة الأولى ١٩٩٨ ج ١/ ١٤١.","vol":"2","page":565},{"text":"شغل منصب مفتي الجمهورلة المصرية مرتين من ١٩٤٦ م-١٩٥٠ م ومن ١٩٥٢ م -١٩٥٤ م.\nثم عين رئيسًا للجنة الفتوى بالأزهر مدة طويلة. حاز جائزة الدولة التقديرية للعلوم الاجتماعية عام ١٩٨٢ وجائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام ١٩٨٣ ومنح كسوة التشريف العلمية مرتين.\nوتولى رئاسة جمعية البحوث الإسلامية بالأزهر، وكذا رئاسة جمعية النهوض بالدعوة الإسلامية.\nتوفي في رمضان عام ١٩٩٠ م.\nوكان له ﵀ مواقف في غاية القوة والرجولة، إذ وقف مدافعًا عن الحق دون هوادة. وقد أوذي في سبيل الله أيما إيذاء ولكنه ﵀ ودع الدنيا وهو من الصابرين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-623>من مؤلفات الشيخ:</span>\n١ - أسماء الله الحسنى والآيات الكريمة الواردة فيها.\n٢ - أضواء من القرآن الكريم في فضل الطاعات وثمراتها وخطر المعاصي وعقوباتها.\n٣ - أضواء من القرآن والسنة في وجوب مجاهدة جميع الأعداء.\n٤ - بلوغ السؤل السؤل في مدخل علم الأصول (تحقيق).\n٥ - تفسير سورة يس.\n٦ - جزء عم وبهامشه كلمات القرآن تفسير وبيان.\n٧ - الحديقة الأنيقة في شرح العروة الوثقى في علم الشريعة والطريقة والحقيقة لبحرق اليمني (تحقيق وتعليق).\n٨ - حكم الشريعة في مأتم ليلة الأربعين وفيما يعمله الأحياء للأموات من الطاعات.","vol":"2","page":566},{"text":"٩ - الدعوة التامة والتذكرة العامة لعلوي الحداد (تحقيق).\n١٠ - الرفق بالحيوان في الشريعة.\n١١ - شرح الشفا لعلي القاري (تحقيق).\n١٢ - صفوة البيان لمعاني القرآن.\n١٣ - عدة الحصن الحصين من كلام سيد المرسلين لمحمد الجزري (شرح).\n١٤ - فضائل نصف شعبان.\n١٥ - فضائل القرآن العظيم وتلاوته.\n١٦ - فتاوى شرعية وبحوث إسلامية.\n١٧ - كلمات القرآن تفسير وبيان.\n١٨ - المواريث في الشريعة الإسلامية.\n١٩ - النصائح الدينية والوصايا الإيمانية لعبد الله الحداد (تحقيق وتعليق).\n٢٠ - هداية الراغب بشرح عمدة الطالب لعثمان بن أحمد النجدي (تحقيق).\n٢١ - أخطار المعاصي والآثام ووجوب التوبة منها إلى الملك العلام.\n٢٢ - دعاء يوم عرفة.\n٢٣ - رسالة في ختم القرآن الكريم ووجوب بر الوالدين.\n٢٤ - تفسير آية الكرسي وسورة الإخلاص وسورة الضحى.\n٢٥ - تفسير سورة القدر.\n٢٦ - أدعية من وحي القرآن الكريم والسنة.\n٢٧ - نفحات زكية من السيرة النبوية.\n٢٨ - شرح الوصايا النبوية.\n٢٩ - شرح وصايا الإمام علي بن أبي طالب.","vol":"2","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-624>منهجه في تفسيره:</span>\nويحدثنا الشيخ عن هذا التفسير، بعد كلمة عن القرآن ومكانته وهيمنته وعناية الأمة به، فيقول: (وقد رغب إلى كثير من طلاب العلم: أن أضع تفسيرًا للقرآن الكريم، واضح العبارة، داني المجتنى، مقتصرًا على ما لا بد من تفسيره من الآيات والمفردات، يستغنى به عن استيعاب المطولات، وفيها من تشعب المباحث وكثرة الأقوال، ما قد يعسر معه استخلاص المعاني القرآنية على من لم يألف أساليبها واصطلاحاتها، كما يستغنى به عن المختصرات التي يدق على الأذهان فهمها، وتنبو عن إشاراتها ... وبدأت بشرح مفردات القرآن شرحًا وافيًا على ترتيب النظم الكريم، لا على ترتيب المعاجم اللغوية، يوقف منه على المعنى بسهولة أثناء التلاوة أو السماع، مع بيان معنى بعض الآيات التي انتظمت هذه المفردات.\nولدى إعادة النظر فيه، وجدت الحاجة ماسة إلى تفسير آيات أخرى على النحو الذي قصدت، وإن لم تشتمل على غريب القرآن، فضممت تفسيرها إلى ما بدأت به، واكتمل من الجميع هذا التفسير الذي سميته: (صفوة البيان لمعاني القرآن) (١).\nوقد كتب مقدمة، قبل بدئه بالتفسير، ضمنها الأمور التالية:\nالمكي والمدني، معنى السورة، ترتيب الآيات والسور وتسميتها، المحكم والمتشابه، وأقسام القرآن.\nويلمح القارئ لهذه الأمور، ما قلناه عن الرجل من قبل، من اعتدال في الرأي والتزام بخط جمهرة العلماء كرأيه بأن ترتيب السور توقيفي، واستشهاده بأقوال كثير من العلماء كالبغوي وابن الأنباري وابن الحصار.\n_________\n(١) ١/ ٦.","vol":"2","page":568},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-625>خصائص هذا التفسير</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-626>١ - سلفيته في تفسير آيات العقيدة:</span>\nإن المتتبع لهذا التفسير، يدرك لزوم المفسر لمذهب السلف، وثباته عليه واختياره له، ولا بد من أن نمثل ونأتي بنماذج من كلام الرجل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-627>أ- موقفه من آيات الصفات:</span>\nعند تفسير قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة:] ٢٩ يقول:\n(علا إليها وارتفع، من غير تكييف ولا تحديد ولا تشبيه، مع كمال التنزيه عن سمات المحدثات. وقد سئل مالك -﵁- عن الاستواء على العرش فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، الإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (١).\nويقول:\nومن المتشابه آيات الصفات -كما قدمنا- ومذهب السلف فيها أنها صفات ثابتة لله تعالى وراء العقل، جاء بها السمع، فيجب الإيمان بها كما وردت مع وجوب اعتقاد تنزيهه تعالى من التجسيم والتشبيه، لئلا يضادّ النقل والعقل، وأن ظاهرها غير مراد قطعًا لاستحالته عليه تعالى، فإن ذاته وصفاته مخالفة لذوات المحدثات وصفاتهم، قال الإمام الشعراني وغيره: إن مذهب السلف أسلم وأحكم، وقد درج عليه صدر الأمة وساداتها، واختاره أئمة الفقه والحديث، حتى قال الإمام محمد بن الحسن: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه (٢).\n_________\n(١) ١/ ٢٢.\n(٢) ١/ ٩٨.","vol":"2","page":569},{"text":"ويقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ...﴾ [البقرة: ٢٦].\n(وفي الآية إشعار بصحة نسبة الحياء إليه تعالى، ومذهب السلف إمرار هذا وأمثاله على ما ورد، وتفويض علم كنهه وكيفيته إلى الله تعالى، مع وجوب تنزيهه عما لا يليق بجلاله من صفات المحدثات) (١).\nويقول في تفسيره لآية الكرسي (٢): (الكرسي غير العرش، وهما مخلوقان لله تعالى، كالسماوات والأرض، ومن المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، فنفوض علم حقيقتهما إليه تعالى).\nوعند قوله ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] يقول: قال الزمخشري: الغرض من هذا الكلام إذا أخذته بمجموعه، تصوير عظمته تعالى والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة واليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز، فهو تمثيل لحال عظمته تعالى، ونفاذ قدرته، بحال من يكون له قبضة فيها الأرض جميعًا، ويمين بها يطوي السماوات، وقيل: هو تنبيه على مزيد جلالته وعظمته تعالى، بإفادة أن الأرض كلها مع عظمها وكثافتها في مقدوره كالشيء الذي يقبض عليه القابض بكفه، فالقبضة مجاز عن الملك أو التصرف، كما يقال: هو في يد فلان وفي قبضته للشيء الذي يهون عليه التصرف فيه، وإن لم يقبض عليه، واليمين مجاز عن القدرة التامة، والسلف -كما ذكره الألوسي- يذهبون إلى أن الكلام تنبيه على مزيد جلالته وعظمته، ورمز إلى آلهتهم -أرضية أم سماوية- مقهُورة لله تعالى، إلا أنهم لا يقولون بالتجوز بالقبضة عن الملك أو التصرف، ولا باليمين عن القدرة، بل ينزهونه تعالى عن الجوارح والأعضاء ويؤمنون بما نسبه تعالى إلى ذاته بالمعنى اللائق به الذي أراده سبحانه، قال الخطابي: ليس عندنا\n_________\n(١) ١/ ٢١.\n(٢) ١/ ٨٣.","vol":"2","page":570},{"text":"معنى اليد الجارحة، إنما هي صفة جاء بها التوقيف، فنحن نطلقها على ما جاءت لا نكيفها، وننتهي إلى حيث انتهى بنا الكتاب والأخبار المأثورة، وقال سفيان بن عيينة: كل ما وصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره، تلاوته والسكوت عليه (١).\nإلا أن الشيخ يحمل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] على المجاز، قال: \"أذكر لهم يوم يشتد الأمر ويعظم الخطب، وهو يوم القيامة، وكشف الساق والتشمير عنها مثل في ذلك، وأصله في الروع والهزيمة وتشمير المخدرات عن سوقهن، وإبداء حزامهن عند الهرب، واشتداد الخطب، فكنى به عما ذكر، فلا ساق ولا كشف ثمة، وهو كما يقال للأقطع الشحيح: يده مغلولة، ولا يد ثمة، ولا غل، وإنما هو كناية عن البخل (٢).\nوهذا هو الأنسب في فهم الآية الكريمة، لأنه الموافق لأساليب العرب، وهذا الرأي ذهب إليه محققو العلماء سلفًا وخلفًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-628>ب- رأيه في الإسراء والمعراج:</span>\nيقول في سورة الإسراء (٣): (وكان الإسراء يقظة بالجسد والروح ... وكان عروجه بالجسد والروح أيضًا، وذلك من المعجزات والله على كل شيء قدير).\nأما في سورة النجم فيقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾: رأى النبي -ﷺ- جبريل في صورته التي خلق عليها نازلًا من السماء نزلة أخرى (عند سدرة المنتهى) ليلة المعراج) (٤).\n_________\n(١) ٢/ ٢٦٠.\n(٢) ٢/ ٤٥٥.\n(٣) ص ٤٤٩.\n(٤) ص ٣٦٧.","vol":"2","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-629>ج- يثبت رؤية الله للمؤمنين يوم القيامة:</span>\nفهو يقول في تفسيره لسورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] حسنة مشرقة، جميلة في النعيم والغبطة، وهي وجوه المؤمنين المخلصين من النضرة والحسن، ناظرة إلى ربها يوم القيامة، تراه كما يليق بذاته سبحانه وكما يريد أن تكون الرؤية له ﷿، بلا كيفية ولا جهة ولا ثبوت مسافة)، ويقول عند قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] لا تحيط بعظمته وجلاله على ما هو عليه أبصار الخلائق في الدنيا والآخرة أو لا تدركه الأبصار إدراك إحاطة بكنهه وحقيقته، فإن ذلك محال، والإدراك بهذا المعنى أخصّ عن الرؤية التي هي مجرد المعاينة، فنفيه لا يقتضي نفي الرؤية؛ إذ نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فأنت ترى القمر ولا تدرك حقيقته، ولذلك أثبت أهل السنة رؤية المؤمنين له تعالى في الآخرة كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢] وذهب بعض السلف إلى أن الآية مخصوصة بالدنيا. ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ أي وهو يدرك القوة التي تدرك بها المبصرات ويحيط بها إذ هو فالق القوى والحواس (١).\nد- ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ...﴾ [الأعراف: ١٧٢].\nأي أخرج من ظهر آدم ذريته كهيئة الذر، ثم أخرج من هذا الذر ذريته كذلك، ثم أخرج من الذر الآخر ذريته كذلك. وهكذا إلى آخر النوع الإنساني. وأشهدهم على أنفسهم أقررهم جميعًا بربوبيته لهم، والشهادة على النفس إقرار. (قالوا بلى). أي قالوا أنت ربنا. (شهدنا). أقررنا: على أنفسنا بربوبيتك. (أن تقولوا) أي لئلا تقولوا أو كراهة أن تقولوا.\nوالمعني على ما ذهب إليه جمع من المفسرين: أنه تعالى نصب للناس في كل شيء من مخلوقاته ومنها أنفسهم دلائل توحيده وربوبيته، وركز فيهم عقولًا وبصائر\n_________\n(١) ٢/ ٢٣٥.","vol":"2","page":572},{"text":"يتمكنون بها تمكنًا تامًّا من معرفتها والاستدلال بها على التوحيد والربوبية، حتى صاروا بمنزلة من إذا دعي إلى الاعتراف بها سارع دون شك أو تردد. فالكلام على سبيل المجاز التمثيلي، لكونهم في مبدأ الفطرة مستعدين جميعًا للنظر إلى التوحيد، ولا إخراج للذرية ولا قول ولا إشهاد بالفعل.\nوذهب جمع من السلف: إلى أن الله تعالى أخرج من ظهر آدم ذريته كالذر وأحياهم وجعل لهم العقل والنطق، وألهمهم ذلك الإقرار، لحديث رواه عمر ﵁، وقد أفاض العلامة الآلوسي في هذا المقام، فارجع إليه إن شئت (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>هـ- رأيه في معجزة انشقاق القمر:</span>\nيقول في تفسيره لسورة القمر (٢): (انفلق القمر فلقتين معجزة له -ﷺ-، وهو بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، حين سأله أهل مكة أن يريهم آية تدل على صدقه، فأراهم القمر فلقتين، حتى رأوا جبل حراء بينهما، فقال -ﷺ-: (اشهدوا)! وقد رآه كثير من الناس، والأحاديث الصحيحة في هذه المعجزة كثيرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-631>و- عدم تأويله للآيات التي تتحدث عن استماع الجن والرجم بالشهب:</span>\nيقول في تفسيره لسورة الجن (٣): ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٩] مواضع في السماء نقعد فيها لاستراق السمع، ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ﴾ بعد نزول القرآن الذي بعث به الرسول -ﷺ ﴿يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ مُوصَدًا: أي معدًا ومهيأ له، ينقض عليه فيصيبه، فمنع الاستراق بعد المبعث ونزول القرآن، والصحيح أن الرجم كان موجودًا قبل المبعث، فلما بعث الرسول -ﷺ- كثر وازداد، كما ملئت السماء\n_________\n(١) (١/ ٢٨٧).\n(٢) ١/ ٣٧٤.\n(٣) ١/ ٤٧٢.","vol":"2","page":573},{"text":"بالحراس وليس في الآية دلالة على أن كل ما يحدث من الشهب إنما هو للرجم، بل إنهم إذا حاولوا استراق السمع رجموا بالشهب، وإلا فالشهب الآن وفيما مضى، قد تكون ظواهر طبيعية ولأسباب كونية).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-632>ز- عقيدته في رفع عيسى ﵇ ونزوله:</span>\nإن ما كتبه الأستاذ الفاضل في ما يتعلق بخوارق العادات، كمعجزات الأنبياء ﵈ ومنها معجزة سيدنا عيسى ﵇، دون تكلف وتمحل بإخراج اللفظ عن ظاهره، ليعطي خير صورة عن التزامه بما جاءت به النصوص، وهو بالتالي يصور لنا عدم تأثر الشيخ بتلك الآراء البعيدة، كتلك التي مرت معنا في أثناء الحديث عن المدرسة العقلية، ولقد رأينا ذلك واضحًا في ما مر من أمثلة، ولنستمع للشيخ يحدثنا عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] (١). ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ يرمون سهامهم في الماء الجاري للاقتراع على من يكفل مريم، فمن وقف قلمه عن الجري مع الماء فهو أحق بها، فجرت كلها مع الماء إلا قلم زكريا فإنه ثبت، فكفلها الله له).\nهذه صورة عن عدم تضييق الشيخ لنطاق الخوارق، على العكس مما رأيناه عند آخرين، أما عند قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] فقد أبدع وأجاد، ويشعر القارئ بأن كلامه يحمل حججه معه، يقول الشيخ (٢):\n﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ أي آخذك وافيًا بروحك وجسمك، ورافعك إلى محل كرامتي، فالعطف للتفسير. يقال: وفيت فلانًا حقه، أي أعطيته إياه وافيًا فاستوفاه وتوفاه. أي أخذه وافيًا. أو قابضك ومستوفي شخصك من الأرض- من توفى المال بمعنى استوفاه وقبضه ... والجمهور على أنه رفع حيًّا من غير موت ولا غفوة، بجسده وروحه إلى السماء؛ والخصوصية له ﵇ هي في رفعه\n_________\n(١) ١/ ١٠٧.\n(٢) ١/ ١٠٩.","vol":"2","page":574},{"text":"بجسده وبقائه فيها إلى الأمد المقدر له، وأما التوفي المذكور في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] فالمراد منه ما ذكرنا على الرواية الصحيحة عن ابن عباس والصحيح من الأقوال، كما قال القرطبي، وهو اختيار الطبري وغيره، وكما كان ﵇ في مبدء خلقه آية للناس ومعجزة ظاهرة، كان في نهاية أمره آية ومعجزة باهرة، والمعجزات بأسرها فوق قدرة البشر ومدارك العقول، وهي من متعلقات القدرة الإلهية ومن الأدلة على صدق الرسل ﵈) (١).\nأما عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] فيقول (٢): (ما أحد من أهل الكتاب الموجودين عند نزول عيسى ﵇ آخر الزمان، إلا ليؤمنن بأنه عبد الله ورسوله وكلمته، قبل أن يموت عيسى، وتكون الأديان كلها دينًا واحدًا وهو دين الإسلام الحنيف، دين إبراهيم ﵇، ونزول عيسى ﵇ ثابت في الصحيحين، وهو من أشراط الساعة).\nهذا تفسير الشيخ لبعض آيات العقيدة، وقد اتضح لنا من خلال تلك الأمثلة، الفروق الهائلة بين الشيخ وبين كثير من المفسرين، فلم نر ذلك التأويل المتكلف لآيات الشهب، كما رأيناه عند المراغي، أو لانشقاق القمر والدابة كما رأيناه، في تفسير المراغي وتيسير التفسير (٣)، ولا تأويلًا لأحاديث نزول عيسى أوردها كما رأينا عند الشيخ محمد عبده والشيخ شلتوت، والحق أن منهج الشيخ في تفسير آيات العقيدة، مع كونه منسجمًا مع النصوص، هو منسجم كذلك مع المنطق السوي الذي لا يجد القارئ صعوبة في استيعابه، وهو بعد ذلك كله، بعيد عن المنزلقات، التي ربما تؤدي إلى نتائج ذات خطر على الدين كله.\n_________\n(١) ص ١١٠\n(٢) ص ١٧٨.\n(٣) مفسرنا يعتقد أن الدابة من علامات الساعة الكبرى.","vol":"2","page":575},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-633>٢ - اعتداله في تفسير آيات الأحكام:</span>\nإذا كان المفسر سلفيًا في آيات العقيدة، فإنه كذلك جمهوري في تفسير آيات الأحكام، وليس معنى هذا أنه يتعصب لمذهب معين أو رأي معين، وإنما لا يخرج الشيخ عن آراء الجمهور وأقوال الأئمة في تلك المسائل، ولذا فلن يقابلنا في تفسير الشيخ، اتهام العلماء بالتقليد، وتشديد النكير عليهم والنيل منهم، وخير ما يعطينا صورة واضحة نماذج نختارها من تفسيره لنزداد إجلالًا له وإعجابه به.\nيقول عند تفسيره لآية النسخ (١): (والنسخ: الرفع والإزالة. يقال: نسخت الشمس الظل تنسخه، إذا أذهبته وأبطلته، ونسخ الآية تارة برفع حكمها مع بقاء تلاوتها، وتارة برفع تلاوتها مع بقاء حكمها، وتارة برفعهما معًا، وتارة يكون النسخ ببدل، وتارة يكون بغير بدل، كما تقرر في الأصول، والمراد به في الآية نسخ الحكم ببدل).\nوهو يذهب إلى نسخ آية الوصية في سورة البقرة فيقول (٢):\n(فرض الإيصاء في بدء الإسلام للوالدين والأقربين -وارثين أو غير وارثين- على من حضره الموت وله مال، ثم نسخ بآية المواريث وبحديث إلا وصية لوارث)، وهو مذهب جمهور الأئمة. وذهب ابن عباس إلى أن المنسوخ وجوب الوصية للوارثين منهم، وبقي الوجوب في حق من لم يرث منهم، وهو قول الحسن ومسروق وطاوس والضحاك ومسلم بن يسار والعلاء بن زياد\".\nومفسرنا لا يذهب لإباحة التيمم (٣) للمسافر مع وجود الماء، كما ذهب إليه بعض المفسرين المحدثين.\n_________\n(١) ص ٤٢.\n(٢) ١/ ٦٠.\n(٣) ص ١٥٢.","vol":"2","page":576},{"text":"وعند قوله تعالى ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] يقول في تفسير (القروء): جمع قرء بالفتح والضم، وهو الحيض أو الطهر الفاصل بين الحيضتين، وإلى الأول ذهب أبو حنيفة وأحمد وإلى الثاني ذهب مالك والشافعي\" (١).\nوعند قوله ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ من آية الدين قال: \"أمر استحباب، وقيل: للوجوب وعن ابن عباس: أن المراد بالدين في الآية السلم\" (٢).\nوهو كذلك لا يرد الأحاديث الصحيحة، أو يؤولها كما رأينا عند صاحب المنار ومن سلك مسلكه. يظهر ذلك جليًّا عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥] فهو يقول (٣) (والحصر حقيقي بالنسبة لما نزل تحريمه، وقد وردت السنة بعد نزول هذه الآية، بتحريم لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير، وقيل: الحصر إضافي بالنسبة لما زعموه من تحريم البحائر والسوائب، أي إنما حرم هذه الأربعة دون ما يزعمون من ذلك، فلا ينافي تحريم غيرها مما ذكر).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-634>٣ - اهتمامه بالتحقيقات اللغوية:</span>\nإن من أهم ما يمتاز به تفسيره التحقيقات اللغوية، وإننا لا نجد تلك التحقيقات في تفسير بحجمه، حتى في ما هو أوسع منه، وتظهر عنايته هذه في بيان معاني الكلمات، وأصل اشتقاقها، أو في سر الفرق بين كلمة وكلمة، أو تجلية استعارة في جملة، كل ذلك وغيره واضح في هذا التفسير.\n_________\n(١) ١/ ٧٥.\n(٢) ١/ ٩٢.\n(٣) ص ٢٤٥ - ٢٤٦.","vol":"2","page":577},{"text":"فها هو يبين لنا أصل كلمة (كتاب) وكلمة (ريب)، والتقوى وكلمة (يوقنون) وكلمة (المفلحون) في أوائل سورة البقرة بقو له (١):\nالكتاب: مصدر كتب كالكتاب، وأصل الكتب ضم أديم إلى أديم الخياطة. واستعمل عرفًا في ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط، وأريد به هنا المنظوم عبارة، قبل أن تنظم حروفه التي يتألف منها الخط، تسمية للشيء باسم ما يؤول إليه.\nالريب: الشك والظنة والتهمة. مصدر رابه الأمر إذا حصل عنده فيه ريبة، وقال ابن الأثير: والشك مع التهمة.\nهدى للمتقين: جمع متق اسم فاعل من اتقى، وأصله اوتقي بوزن افتعل من وقى الشيء وقاية أي أصانه وحفظه مما يضره ويؤذيه، فإذا بنيت منه افتعل قلبت الواو تاء، وأدغمت في التاء الآخرة فصارت اتقى.\nيوقنون: من الإيقان وهو التحقق. يقال: يقن الماء، إذ سكن وظهر ما تحته، واليقين: العلم وزوال الشك، يقال يقنت -بالكسر- يقنا، وأيقنت وتيقنت واستيقنت بمعنى واحد. وهو درجة من العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتهما، يصحبهما ثبات الحكم وسكون النفس وطمأنينتها).\nوالمفلحون: من الفلاح وهو الفوز والظفر بدرك البغية، وأصله من الفلح بسكون اللام وهو الشق والقطع، ومنه فلاحة الأرض وهو شقها للحرث واستعمل منه الفلاح في الفوز كما أن الفائز شق طريقه وفلحه للوصول إلى البغية أو انفتحت له طريق الظفر وانشقت\".\nوفي معنى السفهاء يقول: السفه: الخفة والرقة والتحرك والاضطراب يقال ثوب سفيه، إذا كان رديء النسج خفيفه، أو كان باليًا رقيقا، وتسفهت الريح الشجر، مالت به. وزمام سفيه كثير الاضطراب لمنازعة الناقة إياه وشاع في خفة العقل وضعف الرأي.\n_________\n(١) ص ١٤ - ١٥.","vol":"2","page":578},{"text":"ويفصل لنا معنى (الهيم) و(المماراة) و(الأسر) فيقول في تفسير قوله تعالى (١) ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] من سورة الواقعة: (الإبل العطاش التي لا تروى بالماء، لداء يصيبها يشبه الاستسقاء يسمى الهيم، فلا تزال تشرب حتى تهلك، أو تسقم سقمًا شديدًا ... جمع أهيم للمذكر وهيماء للمؤنث).\nويقول في تفسير قوله تعالى ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ [النجم: ١٢] من سورة النجم: (يقال: ما راه يماريه مماراة ومراء، جادله، مشتق من مري الناقة يمريها، إذا مسح ضرعها ليخرج لبنها وتدربه، فشبه به الجدال، لأن كلا من المتجادلين يمرى ما عند صاحبه، أي يسعى لاستخراجه ليلزمه الحجة. وعدّي الفعل بـ (على) لتضمنه معنى المغالبة).\nأما عند قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢٨] من سورة الدهر فيقول: (يقال: أسره الله، خلقه، وبابه ضرب، وفرس شديد الأسر: أي الخلق- والأسر: القوة، مشتق من الإسار -بالكسر- وهو القِدُّ الذي تشد به الأقتاب. يقال: أسرت القتب أسرًا، شددته وربطته، ومنه الأسير لأنه يكتف بالأسار).\nوهذا موضع آخر، طالما اختلفت فيه كلمة العلماء، وشنع فيه على بعضهم، وتطاول بعضهم فيه على الشافعي، يحققه الشيخ، وأعني به قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣] (٢): (والعول في الأصل: الميل المحسوس. يقال: عال الميزان عَوْلًا إذ مال، ثم نقل إلى الميل المعنوي وهو الجور، ومنه: عال الحكم إذا جار وقيل ﴿أَلَّا تَعُولُوا﴾ أي لا تكثر عيالكم. يقال: عال يعول، إذا كثر عياله).\nأما عن دقة التعبير القرآني، والتغاير بين الأساليب، فلم يفت المفسر التنبيه عليه في كثير من الأحيان، فمن ذلك ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى\n_________\n(١) ص ٣٩٤.\n(٢) ص ١٣٩.","vol":"2","page":579},{"text":"يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] (١) يبين لنا سر استعمال هاتين الكلمتين. يقول: العفو ترك العقوبة على الذنب، والصفح ترك اللوم والعتاب عليه. وهو أبلغ من العفو، إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح).\nكما يبين اختيار كلمة مرضعة بدلًا من مرضع، في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [لحج: ٢] في سورة الحج: (المرضعة: المباشرة للإرضاع بالفعل، تقول: أرضعت المرأة فهي مرضع، إذا كان لها ولد ترضعه، فإن وصفتها بإرضاع ولدها بالفعل، قلت مرضعة «٢).\nويقول في معنى سلقوكم من قوله تعالى ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] أي: بسطوا فيكم ألسنتهم الذّربة بالأذى والسبّ والتنقيص. يقال: سلق البيض وغيره يسْلقه، أغلاه بالنار إغلاءة خفيفة. وسلقه بالكلام آذاه به، وأصل السلق: بسط العضو ومدّه للقهر، يدًا كان أو لسانًا (٣).\nويبين معنى مليم في قوله تعالى ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢]: أي مكتسب ما يلام عليه مفارقه قومه بغير إذن ربه، يقال: ألام الرجل، إذا أتى ما يلام عليه من الأمر وإن لم يُلم. وأما الملوم: فهو الذي يلام سواء أتى بما يستحق أن يلام عليه أم لا\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-635>٤ - اهتمام الشيخ بالقضايا البلاغية:</span>\nلم يفت الشيخ الحديث عن الاصطلاحات البلاغية، كالاستعارة والمجاز، إذا كانت الحال تدعو إلى ذلك، فها هو يبين العلاقة بين (أرأيتكم) وأخبروني عند تفسيره لقوله تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] فيقول: \"وفي استعمال\n_________\n(١) ص ٤٢.\n(٢) جـ ٢ ص ٤٦.\n(٣) (٢/ ١٧٩).\n(٤) (٢/ ٢٣٤).","vol":"2","page":580},{"text":"(أرأيت) بمعنى أخبرني تجوزان، إطلاق الرؤية وإرادة الإخبار، لأن الرؤية سبب له، وجعل الاستفهام بمعنى الأمر، بجامع الطلب في كل منهما\" (١).\nويقول عند قوله تعالى: ﴿عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]: هي التكاليف والفرائض.\nونقل القرطبي عن القفال وغيره: إن العرض في الآية ضرب مثل، أي أن هذه الأجرام على عظمها لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من العقاب، والثواب، أي أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السماوات والأرض والجبال، وقد حمله الإنسان وهو ظلوم جهول لو عقل، وفي القرآن من ضرب الأمثال كثير.\nوقيل: الآية من المجاز، أي أنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت، فعبر عن هذا بعرض الأمانة، كما تقول: عرضت الحِمْل على البعير فأباه، وأنت تريد قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه (٢).\nويذهب الشيخ إلى القول بالتضمين فعند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] يقول الباء صلة للإيمان لتضمنه معنى الاعتراف (٣).\nوعند قوله تعالى: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾، يقول: أي إلا قليلًا منهم لم يذيعوه، أي لم يفشوه يقال أذاع الخبر وأذاع به، إذا أشاعه وأفشاه، وقيل عدي بالباء لتضمنه معنى التحديث (٤).\nوعند قوله تعالى: ﴿أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، أفرطوا في المعاصي جانين على\n_________\n(١) (٢/ ٥٨).\n(٢) (٢/ ١٩٢).\n(٣) (١/ ١٥).\n(٤) (١/ ١٦٠).","vol":"2","page":581},{"text":"أنفسهم بارتكابها ... ولتضمنه معنى الجناية عدّي بـ (على) (١).\nومع أن الشيخ يقول بالتضمين، إلا أنه يذهب إلى القول بالزيادة في بعض الحروف في كتاب الله تعالى فعند قوله تعالى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، يقول: واللام في (لك) زائدة لتأكيد التخصيص (٢).\nويقول في (لا) من قوله ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ﴾ ولا مزيدة لتأكيد النفي وهو شائع في الاستعمال (٣).\n﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقيل إنها -لا- زائدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في قوله ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾، لتأكيد وجوب العلم (٤).\nويذهب كذلك الشيخ إلى القول بتناوب الحروف بعضها مكان بعض، فعند قوله: ﴿حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾، يقول: يحفظن في غيبة أزواجهن ما يجب حفظه في النفس والمال، فاللام بمعنى (في) والغيب بمعنى الغيبة (٥).\nوعند قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، أي: اغسلوا أيديكم مع المرافق وأرجلكم مع الكعبين، فـ (إلى) بمعنى (مع) كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢].\n﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [لفرقان: ٢٥] ... فالباء بمعنى (عن) كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ﴾ [ق: ٤٤] وهو مثل: انشقت الأرض عن النبات، أي: ارتفعت تربتها عنه عند طلوعه (٦).\n_________\n(١) (٢/ ٢٥٨).\n(٢) (١/ ٢٣).\n(٣) (١/ ١١٤).\n(٤) (١/ ١٥٦).\n(٥) (١/ ١٥٠).\n(٦) (٢/ ٩٧).","vol":"2","page":582},{"text":"ومن القضايا البلاغية التي يعرض لها الشيخ تكرار عبارة ما وإعادتها يقول: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ﴾ [البقرة: ١٤٩] أعاد سبحانه هذا الأمر ثلاث مرات، وفي كل مرة فائدة زائدة، فعلل الأمر الأول بإكرامه تعالى لرسوله والمؤمنين بالقبلة التي يحبونها ويرضونها، وهي قبلة أبيهم إبراهيم، وعلل الثاني: بما جرت به العادة الإلهية من أن يؤتي أهل كل ملة قبلة، وقد شرع للمؤمن أشرف الجهات التي يعلم أنها حق، وهي بيته المعظم قبلة لهم.\nوعلل الثالث بدفع شبه الطاعنين الجاحدين، كأنه تعالى يقول لهم: إلزم هذه القبلة فإنها التي كنت تهواها، ثم يقول: إلزم هذه القبلة، فإنه قبلة الحق لا قبلة الهوى، ثم يقول: إلزم هذه القبلة فإن في ذلك انقطاع حجج الطاعنين (١).\nويتحدث الشيخ عن سر تغاير الأسلوب، ولنستمع إليه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] حيث عدل بها من الرفع إلى النصب فيقول: (والصابرين منصوب على المدح بتقدير أخص، وغير سبكه عما قبله، تنبيهًا على فضيلة الصبر وميزته على سائر الأعمال، حتى كأنه ليس من جنس ما قبله، وهذا الضرب من الأسلوب يسمى القطع، وهو أبلغ من الإتباع) (٢).\nأما مسائل الإعراب، فعلى الرغم من أن المفسر -﵀- لم يجعلها شغله الشاغل إلا أنه والحق يقال، نبه على كثير مما فيه لبس وخفاء، من ذلك مثلًا ما يقوله في قوله ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٥]: (والهمزة للاستفهام، ورأى بمعنى علم، وتتعدى إلى مفعولين. والتاء ضمير الفاعل، وما بعده حرف خطاب، يدل على اختلاف المخاطب، أتى به للتأكيد. والمفعول الأول المحذوف، تقديره: أغيرَ الله تدعونه لكشفه؟ ! .\nومن ذلك ما قاله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا\n_________\n(١) (١/ ٥١).\n(٢) (٢/ ٥٨).","vol":"2","page":583},{"text":"يُؤْمِنُونَ﴾ [لزخرف: ٨٨]. (وقيله) بجر اللام أي وقوله، مصدر قال، معطوف على لفظ الساعة، أي وعنده علم الساعة، وعلم قول الرسول -ﷺ-: يا رب، أو الواو للقسم، أي وأقسم بقول محمد: يا رب، وجواب القسم قوله تعالى. ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقرئ بالنصب عطفًا علي محل الساعة، إذ هي في محل نصب بالمصدر المضاف إليها، على أنها مقول له، فكأنه قيل: يعلم الساعة، ويعلم قيله: يا رب) (١).\nوعند قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ ...﴾ [البقرة: ٦] قال: سواء: اسم مصدر بمعنى الاستواء، خبر إن، والجملة الاستفهامية بعده مرفوعة به على الفاعلية لتأويلها بمفرد (٢).\nويقول عند قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾: (ولا عاد) اسم فاعل بمعنى متعد، تقول عدا طوره إذا تجاوز حده وتعداه إلى غيره، فهو عاد، ومنه بل أنتم قوم عادون. وغير منصوب على الحال من الضمير المستقر في اضطر (٣).\nوعند قوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] ... فالاستفهام في معنى النفي وهو إخبار عنهم بعدم العلم لا إنكار عليهم، وقيل (أنّ) بالفتح بمعنى لعل، أي وما يدريكم حالهم عند مجيء الآيات، لعلها إذا جاءت لا يؤمنون فما لكم تتمنون مجيئها (٤).\n﴿لَعَمْرُكَ﴾ قسم من الله تعالى بحياة محمد -ﷺ- أو من الملائكة بحياة لوط ﵇، والعمر بفتح العين لغة في العمر بضمها، ومعناها مدة حياة الإنسان وبقائه، والتُزم الفتح في القسم، وعمر مبدأ خبره محذوف وجوبًا، تقديره: قسمي أو يميني\n_________\n(١) (٢/ ٣٠٥).\n(٢) (١٦/ ١).\n(٣) (١/ ٥٧).\n(٤) (١/ ٢٣٧).","vol":"2","page":584},{"text":"أو نحوه (١).\nوعند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ [المؤمنون:] ٤٤، قال: تترى متواترين أي متتابعين واحد إثر واحد مع فصل ومهلة، مصدر كدَعْوى، وألفه للتأنيث، وأصله وَتْرَى فقلبت الواو تاء، من المواترة وهي التتابع مع تراخٍ وفترة. وهو منصوب على الحال من رسلنا (٢).\nهذه بعض المسائل اللغوية وما أكثرها في تفسير الشيخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-636>٤ - استشهاده بالأحاديث النبوية:</span>\nإن بعض المفسرين وبخاصة المحدثين، يندر أن يجد القارئ في تفاسيرهم، حديثا واحدًا، وهذا لعمرُ الحق من أعظم عيوب من يتصدى لتفسير كتاب الله الكريم ذلك لأن السنة هي المبينة للكتاب، المفصلة لما فيه من إجمال، ولكن مفسرنا لم يكن من هؤلاء ولله الحمد، بل رأيناه يتوج تفسيره، على ما فيه من إيجاز، بكثير من الأحاديث من ذلك مثلًا، استشهاده في قوله تعالى ﴿وَقَالوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَه﴾ [البقرة: ١١٦] من سورة البقرة، بحديث رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام (لا أحدَ أصبرُ على أذىً سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولدًا وهو يرزقهم ويكافئهم).\nوكذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] (٣) من سورة الأنفال، يورد قول الرسول الكريم -ﷺ- (إذا ظهر السوء في الأرض أنزل الله بأهل الأرض بأسه). فقالت: عائشة ﵂: (وفيهم أهل طاعة الله؟) قال: (نعم ثم يصيرون إلى رحمة الله).\n_________\n(١) (١/ ٤٢٤).\n(٢) (٢/ ٦٦).\n(٣) جـ ١ ص ٢٩٨.","vol":"2","page":585},{"text":"وهكذا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١] يذكر قول الرسول الكريم (إذا دخل الرجل الجنة، سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال له: إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك. فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤثر بإلحاقهم به) (١).\nوقد مر معنا غير هذه في النماذج التي أوردناها من قبل، وإن كان لنا من مأخذ هنا، فإنما هو ذكره لبعض الأحاديث، التي أجمع الحفاظ على ضعفها، كحديث (أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه) الذي ذكره في مقدمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-637>٦ - إكثاره النقل عن المفسرين:</span>\nوهذه منقبة للشيخ أن يجل من سبقه، ومع أنه ينقل عن أئمة التفسير كالطبري والرازي، إلا أنه يكثر النقل عن الراغب والآلوسي. ولقد أحسن الشيخ الاختيار، فكلا الرجلين ثقة عميق في بحثه.\nفهو ينقل مثلًا عن الألوسي في تفسير جعل الأرض فراشًا في سورة البقرة (٢)، وعن معنى حياة الشهداء عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [البقرة: ١٥٤] في السورة نفسها (٣). وكثيرًا ما يرجّح معنى بقوله: (واختاره الألوسي).\nأما الراغب فيكثر عنه في نقل معاني المفردات.\nهذه أهم خصائص تفسير الشيخ، وهناك أمور أخرى لا بد أن نحمد للشيخ صنيعه فيها.\nمن ذلك توضيحه لمعنى المحكم والمتشابه حيث يقول:\n(المحكمات ... من الإحكام بمعنى الإتقان ... وذلك لإحكام عباراتها عن\n_________\n(١) جـ ٢ ص ٣٦١.\n(٢) جـ ١ ص ٢٠.\n(٣) جـ ١ ص ٥٢.","vol":"2","page":586},{"text":"احتمال التأويل والاشتباه، ولمنع الخلق من التصرف فيها لظهورها. ووضح معانيها وإقامتها حجة من الله على عباده، وعصمة لهم من الزيغ ... والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، كوقت الساعة والروح والحروف المقطعة في أوائل السور، وإليه ذهب الحنفية. أو ما لا يتضح معناه إلا بالنظر الدقيق، وهو يشمل المجمل ونحوه. وإليه ذهب الشافعية. أو ما يدل الدليل القاطع على أن ظاهره غير مراد، ولم يقم دليل على تعيين المراد منه، كآيات الصفات مثل: الاستواء واليد والقدم والتعجب والضحك والفوقية والنزول والرحمة والغضب ونحو ذلك) (١).\nومنها بيانه لبعض الأمكنة والأزمنة، التي تحدث عنها القرآن.\nومنها وقوفه في المبهمات عند ما أخبر عنه القرآن، كما يظهر من تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]، إذ يستشهد بقول الجبائي: (إنه تعالى لم يبين ذلك، فلا يقطع فيه بخبر) (٢).\nومنها ذلك الأدب الرفيع والموقف الرائع، الذي يتجلى عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]، فهو ينعى كثيرًا على أولئك الذين يذكرون الرسول - ﷺ - باسمه فحسب، دون الصلاة عليه، أو ما يشير إلى تعظيمه بأي إشارة، أو الذين يكتبون كلمة (صلعم) وهو يرى أنه لا بد من إجلال الرسول الكريم بما يتناسب مع مقامه أولًا، وبما ترشد إليه الآية الكريمة ثانيًا.\nعلى أن لنا عليه مأخذًا، وهو عدم تحرّيه في المسائل التاريخية، كذكره عند تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]، يقول أنهم من بقايا قوم عاد، استولوا على الأرض المقدسة التي كان يحكمها اليهود زمن يعقوب (٣). فأين أهل فلسطين من قوم عاد الذين كانوا في الأحقاف أي بين حضرموت وعُمان.\n_________\n(١) جـ ١ ص ٩.\n(٢) جـ ١ ص ٤٥٠.\n(٣) جـ ١ ص ١٨٩.","vol":"2","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-638>تقويم التفسير:</span>\nمما تقدم ندرك أن هذا التفسير، جاء صورة صحيحة وتعبيرًا صادقًا لتلك التسمية التي سمى بها، إنه صفوة البيان حقًّا، وإن مؤلفه يعدّ من طليعة العلماء، الذين ساروا وراء النص القرآني في طريقه السوي، ولم يسيّروا النص حسب مقتضيات الظروف ومقررات عقولهم ومعطيات الحضارة الحديثة.\nولقد كنا نود من كل قلوبنا، أن يتسع هذا التفسير ليشمل آيات القرآن جميعها. لكنه وإن غلب عليه طابع الإيجاز، سوى بعض المسائل النادرة، تفسير قيم جمع بين محاسن القديم ومميزات الحديث. رحم الله الشيخ رحمة واسعة، وجزاه خيرًا على ما قدّم لهذا الدين كنابًا وسنةً، ومن الله على المسلمين بأمثاله من العلماء العاملين.","vol":"2","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-639>الشيخ السعدي وتفسيره</span>\n* صاحب التفسير: هو الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله آل سعدي الناصري التميمي الحنبلي. ولد في مدينة عُنيزة بالقصيم سنة ١٣٠٧ هـ. توفيت والدته وهو في الرابعة، ثم والده وهو في الثانية عشرة، فكفلته زوجة والده، وأدخلته مدرسة تحفيظ القرآن، فحفظه وهو في الرابعة عشر من عمره، ثم اشتغل بطلب علم التوحيد والتفسير والحديث والفقه وأصوله والنحو، فقرأ الكتب وحفظ المتون إلى أن بلغ الثالثة والعشرين من عمره، فجلس للتدريس، فكان يعلم ويتعلم، توفي الشيخ السعدي ﵀ سنة ١٣٧٦ هـ.\n* التفسير: سمّى الشيخ السعدي تفسيره (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان). وقد طُبع هذا التفسير عدة مرات في سبعة مجلدات، وصدرت طبعتهُ الأولى سنة ١٣٦٥ هـ ثم طُبع مؤخرًا في مجلد واحد بخط صغير على هامش (المصحف الشريف). وقد بدأ الشيخ ﵀ تأليفه لهذا التفسير في عام ١٣٢٢ هـ وله من العمر خمسة وثلاثون عامًا، وفرغ من تأليفه سنة ١٣٤٤ هـ (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-640> طريقة الشيخ السعدي في تفسيره:</span>\nكان قصد الشيخ السعدي ﵀ في تفسيره تقريب معاني القرآن الكريم لعموم القراء على اختلاف ثقافاتهم ومستو تهم، لذلك جاء تفسيره سهل العبارة، واضح الإشارة، بعبارات قريبة لا خفاء فيها ولا غموض، وكان المفسِّر يعتني بإيضاح المعنى المقصود بكلام مختصر مفيد، ليس فيه إطالة ولا استطراد، ولهذا في تفسير السعدي وإن طبع طبعات كثيرة في مجلدات سبعة إلا أنه أقرب إلى التفاسير المختصرة منه إلى التفاسير المطوَّلة.\n_________\n(١) انظر التعريف بالشيخ والتفسير عند الرومي (فيها النفسير ١/ ١٤٨، وفي مقدمة المحقق للطباعة الأخيرة من التفسير ١/ ٨.","vol":"2","page":589},{"text":"وقد عبَّر الشيخ في مقدمة تفسيره عن قصد الاختصار مع الوفاء بالمعنى فقال: \"ولما منَّ الباري عليَّ وعلى إخواني بالاشتغال بكتابه العزيز بحسب الحال اللائقة بنا، أحببتُ أن أرسم من تفسير كتاب الله ما تيسَّر، وما منَّ به الله علينا، ليكون تذكرة للموصلين، وآلة المستبصرين، ومعونة للسالكين، ولأقيِّدهُ خوف الضياع، ولم يكن قصدي في ذلك إلا أن يكون المعنى هو المقصود، ولم أشتغل في حلِّ الألفاظ والعقود، للمعنى الذي ذكرتُ، ولأن المفسرين قد كَفَوا من بعدهم، فجزاهم الله عن المسلمين خيرًا\" (١).\nوكان في طريقة السعدي ﵀ عدمُ الإحالة إلى مواضع أخرى من تفسيره في الآيات المتشابهة في المعاني، بل كان يُعيد عند كل آية ما يحضره من معانيها، ولو كانت مثل هذه المعاني قد ذكرت فيما قبل من الآيات والسور، وقد نبَّه ﵀ في بداية تفسيره إلى هذه الطريقة فقال تحت عنوان (تنبيه): \"اعلم أن طريقتي في هذا التفسير أني أذكر عند كل آية ما يحضرني من معانيها، ولا أكتفي بذكر ما يتعلق بالمواضع السابقة عن ذكر ما تعفَق في المواضع اللاحقة؛ لأن الله وصف هذا الكتاب أنه (مثاني) تثنى فيه الأخبار والقصص والأحكام، وجميع المواضيع النافعة لحكم عظيمة، وأمر بتدبره جميعه، لما في ذلك من زيادة العلوم والمعارف وإصلاح الظاهر والباطن، وإصلاح الأمور كلِّها\" (٢).\nوقد صدَّر الشيخ تفسيره بفوائد مهمة تتعلق بتفسير القرآن، نقلها عن كتاب (بدائع الفوائد) لابن القيم ﵀.\nوكما تجنب السعدي الاستطرادات، فقد تجنب كذلك الإسرائيليات في أغلب تفسيره، بل أنكر عن الذين يذكرونها في التفسير، فقال عند تفسيره لمطلع سورة يوسف: \"واعلم أن الله ذكر أنه يقصُّ على رسوله - ﷺ - أحسن القصص في هذا\n_________\n(١) تيسير الكريم الرحمن ص ١٨.\n(٢) تيسير الكريم الرحمن ص ١٧.","vol":"2","page":590},{"text":"الكتاب، ثم ذكر هذه القصة وبسطها، وذكر ما جرى فيها، فعلم بذلك أنها قصة تامة كاملة حسنة، فمن أراد أن يكملها أو يحسِّنها بما يُذكر في الإسرائيليات التي لا يعرف سند ولا ناقل، وأغلبها كذب، فهو مستدرك على الله، ومستكمل لشيء يزعم أنه ناقص، وحسبُك بأمر ينتهي إلى هذا الحدِّ قبحًا، فإن تضاعيف هذه السورة قد مُلئت في كثير من التفاسير من الأكاذيب والأمور الشنيعة المناقضة لما قصَّه الله تعالى بشيء كثير. فعلى العبد أن يفهم عن الله ما قصَّه، ويدع ما سوى ذلك مما ليس عن النبي - ﷺ - يُنقل\" (١).\nوهذا كلام بديع وجميل من المفسِّر السعدي ﵀، ولكن ليته التزم به في تفسيره كلِّه، فالواقع أنه قد أنسيه في بعض المواضع إلى هذه الإسرائيليات التي حذَّر ونفَّر منها في كلامه السابق، فقد فسَّر النعجة في قصة داود بالزوجة، فقال: ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] أي زوجة، وذلك خير كثير، يوجب عليه القناعة بما أتاه الله، ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ فطمع فيها، ﴿فَقَال أَكْفِلْنِيهَا﴾ أي دعها لي، وخلِّها في كفالتي، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي غلبني في القول، فلم يزل بي حتى أدركها أو كاد (٢).\nوعند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ [ص: ٣٤] قال السعدي: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ أي ابتليناه واختبرناه بذهاب ملكه وانفصاله عنه، بسبب خلل اقتضته الطبيعة البشرية، ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ أي شيطانًا قضى الله وقدَّر أن يجلس على كرسي ملكه ويتصرف في الملك في مدة فتنة سليمان ﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ سليمان إلى الله تعالى وتاب\" (٣).\nوأما في أغلب التفسير فقد اجتنب السعدي ذكر الإسرائيليات خصوصًا عند\n_________\n(١) تفسير السعدي ص ٣٦٩.\n(٢) تفسير السعدي ص ٦٧٨.\n(٣) تفسير السعدي ص ٦٧٩.","vol":"2","page":591},{"text":"الآيات التي نُسجت حولها كثير من الآيات والخرافات كآية السحر في سورة البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فقد فسَّرها الشيخ ﵀ على ما يقتضيه ظاهرها دون الاعتماد على شيء من تلك الروايات (١).\nوأما في الآيات التي تتصل بالعقيدة وأسماء الله تعالى وصفاته، فقد فسَّرها السعدي على المذهب السلفي، وحذا فيها حذو ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى، والسعدي متأثر بهذين العالمين كما يظهر في أسلوبه وبما رأيته في تفسيره كلِّه.\nفعند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] قال: \"استواء استواءً يليق بجلاله وعظمته وسلطانه (٢)، وقال في موضع آخر: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] استواءً يليق بجلاله فوق جميع خلقه (٣).\nوعند قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] قال الشيخ الهم (الحسنى) وهي الجنة الكاملة في حسنها، (وزيادة) وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، والفوز برضاه، والبهجة بقربه\" (٤).\nوعند قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]، قال السعدي: \"وقد احتج بها الخوارج على كفر صاحب المعصية، وهي حجة عليهم كما نرى، فإنها ظاهرة في الشرك. وهكذا كل مبطل يحتج بآية أو حديث صحيح على قوله الباطل، فلا بدَّ أن يكون فيما احتج به حجة عليه\" (٥).\n_________\n(١) انظر تفسير السعدي ص ٤٦.\n(٢) تفسير السعدي ص ٢٦٩.\n(٣) تفسير السعدي ص ٨٠١.\n(٤) تفسير السعدي ص ٣٣٩.\n(٥) تفسير السعدي ص ٤٢.","vol":"2","page":592},{"text":"وعند قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] قال الشيخ: \"وفي هذه الآية وأمثالها ردُّ على فرقتي القدرية النفاة والقدرية المجبرة\".\nوهكذا سار الشيخ السعدي في آيات العقيدة، يفسِّرها تفسيرًا سلفيًا مجملًا دون إطالة ولا استطراد.\nوالسعدي ﵀ يحرص في تفسيره على تجلية الآداب والأخلاق التي تعرض لها الآيات الكريمة، ويحاول في إيجاز واختصار استنباط الفوائد الدعوية والتربوية التي من شأنها أن تفيد القارى، وتزيده استمساكًا بالفضيلة، وتجنبًا للرذيلة.\nفعند تفسيره للآيات التي تذكر أن اليهود نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا ما تتلو الشياطين من السحر قال الشيخ منبهًا على اشتغال النفس بالباطل حين لا تشتغل بالحق: \"ولما كان من الفوائد القدرية والحكمة الإلهية أن من ترك ما ينفعه، وأمكنه الانتفاع به فلم ينتفع، ابُتلي بالاشتغال بما يضره. فمن ترك عبادة الرحمن، ابُتلي بعبادة الأوثان، ومن ترك محبة الله وخوفه ورجاءه، ابتلي بمحبة غير الله وخوفه ورجائه، ومن لم ينفق ماله في طاعة الله، أنفقه في طاعة الشيطان، ومن ترك الذكَ لربه ابتُلي بالذل للعبيد، ومن ترك الحق ابتلي بالباطل\" (١).\nوعند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨] قال السعدي ﵀: \"وإذا أردت أن تعرف نموذجًا يبين لك الفرق بين صبغة الله وبين غيرها من الصِّبغ، فقس الشيء بهذه، فكيف ترى في عبد آمن بربه إيمانًا صحيحًا، أثر معه خضوع القلب وانقياد الجوارح، فلم يزل يتجلى بكل وصف حسن، وفعل جميل، وخلق كامل، ونعت جليل. ويتخلى عن كل وصف قبيح، ورذيلة وعيب، فوصفه الصدق في قوله وفعله، والصبر والحلم، والعفة والشجاعة، والإحسان القولي والفعلي، ومحبة الله وخشيته، وخوفه ورجاؤه، فحاله الإخلاص للمعبود،\n_________\n(١) تفسير السعدي ص ٤٦.","vol":"2","page":593},{"text":"والإحسان لعبيده. فقسه بعبد كفر بربه، وشرد عنه، وأقبل على غيرة من المخلوقين، فاتصف بالصفات القبيحة: من الكفر، والشرك والكذب، والخيانة، والمكر، والخداع، وعدم الفقه، والإساءة إلى الخلق، في أقواله وأفعاله، فلا إخلاص للمعبود، ولا إحسان إلى عبيده، فإنه يظهر لك الفرق العظيم بينهما، ويتبين لك أنه لا أحسن صبغة من صبغة الله، وفي ضمنه أنه لا أقبح صبغة من انصبغ بغير دينه\" (١).\nوقد يذكر الشيخ السعدي ﵀ شيئًا من الحكم والعبر والفوائد المستنبطة في القصص القرآني، كما فعل في خاتمة قصة يوسف ﵇، وقصة موسى مع الخضر ﵉، وقصة داوود وسليمان ﵉.\nوفي الجملة فإن تفسير السعدي تفسير وعظي موجز، يشتمل على وجازته على ترسيخ العقيدة، وتهذيب الأخلاق، وصقل النفوس، ويعين القارئ العادي على تدبر القرآن وتفهمه، والعمل بمقتضى ما فيه من الهدى والنور.\n_________\n(١) تفسير السعدي ص ٥٤.","vol":"2","page":594},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-641>التفاسير الدعوية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>ابن باديس ومنهجه في التفسير</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-643>حياته:</span>\nولد عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس في سنة ١٣٠٨ هـ، في ليلة الجمعة الموافق للرابع من شهر ديسمبر سنة ١٨٨٩ م في مدينة قسنطينة، ولد من أسرة شهيرة بالعلم والمال والسلطة، فقد كان والده من حملة القرآن الكريم، ومن أعيان مدينة قسنطينة، حيث كان عضوًا بالمجلس الجزائري الأعلى، والمجلس العمالي لعمالة قسنطينة نائبًا عن المدينة.\nوأمه زهيرة بنت علي بن جلول من أسرة مشهورة كذلك بالعلم والجاه والثراء، وشهرة أسرته لم تكن على مستوى الجزائر فحسب، بل امتدت لتشمل المغرب العربي، حيث لعبت دورًا كبيرًا في تاريخ المغرب سياسيًا وعلميًا ودينيًا، منذ القرن الرابع الهجري وتولى أفراد منها السلطة (١).\nحفظ القرآن الكريم في صغره على يد الشيخ محمد المداسي، ولم يتجاوز الثالثة عشرة، وقد نال إعجاب أستاذه لسيرته الطيبة وفطنته، وقدمه ليصلي بالناس صلاة التراويح ثلاث سنوات متتابعة في الجامع الكبير.\nوتعلم مباديء العربية والعلوم الإسلامية على يد الشيخ حمدان لونيس عام ١٩٠٣ م، وزوجه والده عام ١٩٠٤، حيث أنجب ولدًا سماه عبده إسماعيل، ولهذا التسمية دلالة على تأثره منذ تعلمه بالإمام محمد عبده.\nوفي عام ١٩٠٨ انتقل إلى تونس ليتلقى تعليمه العالي في جامع الزيتونة وحصل\n_________\n(١) ابن باديس حياته وآثاره/ د. عمار الطالبي - دار الغرب الإسلامي بيروت ص ٧٢.","vol":"2","page":595},{"text":"على شهادة التطويع أي العالمية سنة ١٩١٢ م.\nتلقى العلم على يد مشايخ وعلماء كثيرين منهم الشيخ محمد المداسي، والشيخ أحمد أبو حمدان لونيس، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور الذي كان له تأثير كبير في تكوين شخصيته العلمية، والأستاذ بشير صفر السياسي المؤرخ التونسي. وقد تأثر بمشايخ لم يتلق عنهم مباشرة منهم: الطاهر الجزائري حيث كتب عنه \"هو الذي ربّى عقلي، وهو الذي حبب لي هذا الاتجاه الفكري\"، والشيخ محمد عبده الذي تأثر بأفكاره وآرائه الإصلاحية عن طريق مجلة المنار، حيث كانت له مراسلات مع صاحبها الشيخ رشيد رضا، ومنهم الإمام أبو بكر بن العربي حيث قام الشيخ ابن باديس بطبع كتابه \"العواصم من القواصم\" بعد عودته إلى الجزائر، وقدم له بمقدمة هامة.\nومن العوامل التي أثرت في تكوين شخصيته:\n١ - أساتذته الذين غرسوا فيه خلق العلماء، وتواضع الحلماء، وصفات القادة والمصلحين.\n٢ - أسرته وبيئته.\n٣ - تأثره بالحركة الإصلاحية للأفغاني ومحمد عبده، حيث اقتفى أثرهما وسلك طريق الشيخ محمد عبده في التربية والتعليم والإصلاح الديني واللغوي، وأعجب بحركة المنار والشيخ رشيد رضا.\n٤ - تأثر بابن تيمية وسلفيته، وعده المجدد الوحيد والمصلح في شيخوخة الفكر الإسلامي.\n٥ - تأثر وأثر في زملائه المخلصين العاملين معه أمثال: الشيخ البشير الإبراهيمي، والشيخ الطيب العقبي، والشيخ العربي التبسي والشيخ مبارك الميلي وغيرهم.\n٦ - فضلًا على أن نفسه كانت خيره وهمته عالية، وعقله مستنير، وقلمه سيال،","vol":"2","page":596},{"text":"ومعلوماته وفيرة ومنظمة، وبديهته حاضرة وذكاؤه وقاد (١).\nوقد كان كما يقول الأستاذ توفيق عنه عاصفة في الحق لا تهدأ، إلا إذا انتصر العدل، وفي الخير نغمة لا تسكن، إلا إذا تنفس الإحسان، وهو مدرس ماهر لا يكل ولا يمل، حيث كان يقضي يومه في إعطاء الدروس، وهو كاتب ممتع، وسلفي النزعة في كنابته، ومؤدب في كتاباته، قليل السخرية بالأعداء والممالين. ولكن قلمه فهيم أمضى من السنان، أسلوبه من السهل الممتنع.\nله بصر بالأدب وباع في اللغة وفقهها، محب للأدب القديم والحديث، يرتجل الشعر على البديهة، ولكن شعره أقل جودة بكثير من نثره (٢).\nوهو فقيه من الطراز الأول خبير بمذهب مالك، ومتفقه على غيره من المذاهب، ويمقت التعصب لمذهب واحد، وهو محدث بصير، شرح موطأ مالك ﵁ كله، ولم يبق من هذا الشرح إلا ما جمعناه في كتاب بعنوان \"من هدي النبوة\" (٣).\nسافر إلى المدينة المنورة حيث ألقى بعض الدروس في المسجد النبوي، والتقى هناك بكثير من العلماء والمفكرين، وتعرف على الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، وقد ربطت بينه وبين الشيخ الإبراهيمي روابط متينة كانت بركة على الجزائر وحركة الإصلاح فيها.\nالتقى بالشيخ بخيت زميل الشيخ محمد عبده الذي منحه إجازة بخط يده.\nيقول عنه الدكتور عمار طالبي: إن شخصية الأستاذ عبد الحميد بن باديس غنية ومعبرة عن أزمة المجتمع الإسلامي، لا تماثلها إلا شخصية جمال الدين الأفغاني في إثرائها وشمولها وجرأتها وتعبيرها عن جميع جوانب المشكلات الاجتماعية\n_________\n(١) كتبه الأستاذ توفيق محمد شاهين/ مطبوع آخر تفسير ابن باديس، ص ٧٠٧.\n(٢) ص ٧٠٨.\n(٣) ص ٧٠٩.","vol":"2","page":597},{"text":"والأخلاقية والدينية والعلمية والسياسية التي يتخبط فيها العالم الإسلامي (١).\nكان الشيخ - ﵀ - يقضي يومه بإلقاء الدروس من بعد صلاة الفجر حتى صلاة العشاء، وأكثر ما اشتهر به درس التفسير الذي كان يلقيه بعد صلاة المغرب حتى صلاة العشاء، وبعد صلاة العشاء يدخل حجرته في المسجد ليأتيه الناس للفتوى ولحل بعض مشكلاتهم.\nاستمر في دروس التفسير إلى أن ختم القرآن تفسيرًا ودراسة في خمس وعشرين سنة، يقول الشيخ الإبراهيمي: \"أتم الله نعمته على القطر الجزائري بختم الأستاذ عبد الحميد بن باديس لتفسير الكتاب الكريم درسًا على الطريقة السلفية، وكان إكماله إياه على هذه الطريقة في خمس وعشرين سنة متواليات مفخرة لهذا القطر\" وقد احتلفت قسنطينة احتفالًا عظيمًا بهذه المناسبة، وأقبلت الوفود من كل جهات القطر لتحضر درس ختم التفسير وحفل التكريم.\nومع أن الشيخ قد ختم تفسير القرآن العظيم تدريسًا، إلا أنه لم ينشر له إلا القليل من التفسير، فقد كان يفسر في مجلة الشهاب عام ١٩٢٥ على شكل افتتاحيات تحت عنوان \"مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير\"، \"ثم أعيد نشر هذا التفسير مع إضافات من قبل محمد الصالح رمضان، وتوفيق محمد شاهين عام ١٩٦٤، ثم طبع مرة أخرى سنة ١٩٧١ م بعد أن زيدت عليه شروحات وتعليقات تتعلق بحياته ونشأته وآراء بعض الباحثين فيه.\nيقول الدكتور عماد محمود عبد الكريم \"كان ﵀ يعطي أكثر من عشرة دروس يومية، وفي أغلب الأحيان كان ينتقل بين البلدان مفتشًا في مدارس الجمعية مشرفًا على نظام السير فيها، وحضر مرة الشيخ ابن باديس افتتاح مدرسة في نواحي بسكرا، في جنوب الجزائر، وقامت طفلة تدعى \"ثومة\"، ترحب به، فقالت: \"أحييك يا ابن باديس بلغة القرآن، وبلغة الأدباء والأجداد، وأعاهدك باسم كل\n_________\n(١) ابن باديس حياته وآثاره ١/ ٩٠.","vol":"2","page":598},{"text":"زميلاتي وزملائي على استعمالها وتعليمها حتى تعود العربية لغة البلاد\" فتأثر الشيخ تأثرًا واضحًا وقام قائلًا: \"إني دخلت هذه البلاد ولم يكن فيها من يحترم هذه اللغة، دخلت الجزائر واللغة العربية فيها مجهولة مهجورة، فكافحت طويلًا وتألمت كثيرًا لأعيد اللغة العربية إلى الجزائر العربية، ولو لم يكن من جزاء لي إلا ما قالته ثومة لكفى\" (١).\nويقول كذلك صديقه العلامة محمد البشير الإبراهيمي: \"كان للأخ الصديق عبد الحميد بن باديس - ﵀ - ذوقًا خاصًّا في فهم القرآن، كأنه حاسة زائدة خُصّ بها، يرفُده بعد الذكاء المشرف، والقريحة الوقادة، والبصيرة النافذة، بيان ناصح وإطلاع واسع، وذرع فسيح في العلوم النفسية والكونية، وباع مديد في علم الاجتماع، ورأي سديد في عوارضه وأمراضه.\nيمدّ ذلك كله شجاعة في الرأي، وشجاعة في القول، لم يُرزقها إلا الأفذاد المعدودون في البشر.\nوله في القرآن رأي بنى عليه كل أعماله في العلم، والإصلاح والتربية والتعليم، وهو أنه لا فلاح للمسلمين إلا بالرجوع إلى هدايته، والاستقامة على طريقته، وهو رأي الهداة المصلحين فيه.\nوكان يرى - حين تصدى لتفسير القرآن - أن تدوين التفسير بالكتابة مشغلة عن العمل المقدم، لذلك آثر البدء بتفسيره درسًا تسمعه الجماهير، فتتعجل من الاهتداء به ما يتعجّله المريض المنهك من الدواء وما يتعجله المسافر من الزاد.\nوكان - ﵀ - يستطيع أن يجمع بين الجنسين، لولا أنه كان مشغولًا مع ذلك بتعليم جيل، وتربية أمة، ومكافحة أمية، ومعالجة أمراض اجتماعية، ومصارعة استعمار يؤيدها.\n_________\n(١) حسن البنا ومنهجه في تفسير القرآن الكريم ص ٨١.","vol":"2","page":599},{"text":"فاقتصر على تفسير القرآن درسًا ينهل منه الصادي، ويتزود منه الرائح والغادي وعكف عليه إلى أن ختمه في خمس وعشرين سنة، ولم يختم التفسير درسًا ودراية بهذا البلد غيره منذ ختمه أبو عبد الله الشريف التلمساني في المائة الثامنة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>وفاة الشيخ:</span>\nاغتنم العدو الفرنسي فرصة عطلة المولد النبوي، وكان الشيخ في عُزلة فدسّ له العدو السمّ، وزاره بعض الأصدقاء في الصباح الباكر، فوقف فجأة، ووقفوا لوقوفه، وإذا به يمسك بكتفي شخصين، ويصرخ \"إني قضيت حياتي كلها عليكم قائمًا، لن أموت راقدًا، لن أموت راقدًا، لن أموت راقدًا، ربِّ إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، ومات ابن باديس واقفًا\" (٢).\nوكانت وفاته يوم الثلاثاء في ٨ ربيع الأول ١٣٥٩ هـ، ١٦ من إبريل سنة ١٩٤٠ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-645>آثاره العلمية:</span>\nذكر الأستاذ توفيق محمد شاهين أنه قد ضاعت كتابات كثيرة لابن باديس، وذلك أن المستعمر كان يحرق كل مجلة يعثر عليها، غير أن بعض الغيورين والمحبين دفن بعض هذه المجلات في التراب، وبعد سبع سنوات ونصف كشف عنها فبقي بعضها، وأكلت الأرصفة والأتربة بعضها الآخر، غير أن المجلات الباقية وفيها آثاره الباقية أمكن أن نستخلص عنها ما يلي:\n١ - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير.\n٢ - من الهدي النبوي.\n_________\n(١) من مقدمة الإبراهيمي ص ١٩ - ٢١.\n(٢) حسن البنا ومنهجه في التفسير ص ٨٢ عن مجلة الشهاب للإمام حسن البنا/ السنة الأول العدد ١/ ٨٤.","vol":"2","page":600},{"text":"٣ - من رجال السلف ونساؤه.\n٤ - عقيدة التوحيد من القرآن والسنة.\n٥ - أحسن القصص.\n٦ - رسالة في الأصول.\n٧ - مجموعة كبيرة من المقالات السياسية والاجتماعية.\n٨ - مجموعة خطب ومقالات ابن باديس (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>منهج ابن باديس في التفسير:</span>\nيقول ابن باديس: كنت متبرمًا بأساليب المفسرين وإدخالهم لتأويلاتهم الجدلية، وإصطلاحاتهم المذهبية، في كلام الله، ضيِّق الصدر من اختلافاتهم فيما لا اختلاف فيه من القرآن، وكانت على ذهني بقيَّةُ غشاوة من التقليد، واحترام آراء الرجال، حتى في دين الله، فذاكرت يومًا الشيخ النخلي فيما أجده في نفسي من التبرم والقلق فقال لي: \"اجعل ذهنك مصفاة لهذه الأساليب المعقدة وهذه الآراء المضطربة، يسقط الساقط، ويبقى الصحيح، وتستريح، فوالله لقد فتح بهذه الكلمة عن ذهني آفاقًا واسعة لا عهد له بها\" (٢).\nلقد اختار الشيخ بعض الآيات القرآنية التي تتجلى فيها قدرة الله تعالى ومظاهر عظمته، وما يظهر فيه هداية للناس وصلاحهم، وما فيه عظة وعبرة يقول ابن باديس: \"نفسر في هذا الباب من مجلة الشهاب ما فيه تبصرة للعقول أو تهذيب للنفوس من تفسير القرآن الكريم.\nويقول الدكتور محمد البهي: \"إن عبد الحميد بن باديس حلقة في سلسلة ابتدأت بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في القرن التاسع عشر، وثنت برشيد رضا في\n_________\n(١) تعريف بالإمام ابن باديس/ مطبوع مع تفسير ابن باديس ص ٧١٦.\n(٢) ابن باديس حياته وآثاره/ د. عمار الطالبي ١/ ١٤٠.","vol":"2","page":601},{"text":"القرآن العشرين.\nإنه واحد من أولئك الذين رأوا الإسلام نظامًا لحياة الإنسان، لأنه إنسان في أي وقت وفي أي مكان، ورأوا الإيمان بالله غاية الحياة الدنيا، ورأوا القرآن وحدة لها اكتفاؤها الذاتي في التوجيه، واكتفاؤها الذاتي في التفسير واكتفاؤها الذاتي في تحديد معالم البشرية وتاريخها وقوانين تطورها ... وعبد الحميد بن باديس في تفسيره في مجال الذكر اتخذ هذا الرأي قاعدة فيما شرح، ودستورًا لقوله ومنطقه فيما دعا وتحدث، وسنة للعمل فيما طبق\" (١).\n١ - فقد كان يكتب النص من السورة القرآنية، ثم يبين مناسبة الآية لما قبلها، أو يذكر قضية لها صلة بموضوعِ الآيات، ومن ذلك مثلًا ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ ... إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٦ - ٣٠] حيث ذكر تمهيدا تحدث فيه عنه الإنسان وأنه مدني بالطبع وعن المجتمع السعيد، ثم تحدث عن وجه ارتباط الآية بما قبلها، وتحدث عن حق القريب (٢).\n٢ - يتحدث الشيخ بعد ذلك عن معاني المفردات القرآنية والتراكيب اللغوية والنحوية، ويلاحظ القارئ مقدرة ابن باديس اللغوية التي تظهر في ثنايا التفسير، والشيخ لا يدخل في متاهات اللغويين. يقول الشيخ: \"فقد عدنا والحمد لله إلى مجالس التذكير في دروس التفسير نقتطف أزهارها ونجني ثمارها بيسر من الله تعالى وتيسيره، على عادتنا في تفسير الألفاظ بأرجح معانيها اللغوية، وحمل التراكيب على أبلغ أساليبها البيانية وربط الآيات بوجوه المناسبات (٣).\n_________\n(١) مقدمة التفسير ص ٨.\n(٢) ص ١١٦.\n(٣) مقدمته في التفسير ص ٥٠.","vol":"2","page":602},{"text":"٣ - وبعد التمهيد وشرح المفردات وتحليل التراكيب يبين المعنى الذي يمثل موضوع التفسير بإيجاز غير مخل، وفي بضعة أسطر، يوضح فيها المعنى المراد دون أن يدخل في تفصيلات، وقد يذكر أكثر من معنى، وقد يرجح بينها.\n٤ - يستخرج بعد ذلك ما في الآية أو الآيات من حقائق كونية واجتماعية وخلقية ونفسية وسياسية واقتصادية وتاريخية وتشريعية، مبينًا ومفصلًا ما يحتاج إلى تفصيل.\nأما مصادر الشيخ التي اعتمد عليها في تفسيره فهو يقول: \"وعمدتنا فيما نرجع إليه من كتب الأئمة:\n١ - تفسير ابن جرير الطبري الذي يمتاز بالتفاسير النقلية السلفية، وبأسلوبه الترسلي البليغ في بيانه معنى الآيات القرآنية وبترجيحاته لأولى الأقوال عنده بالصواب.\n٢ - وتفسير الكشاف الذي يمتاز بذوقه البياني في الأسلوب القرآني وتطبيقه فنون البلاغة على آيات الكتاب، والتنظير لها بكلام العرب واستعمالها في أفانين الكلام.\n٣ - وتفسير أبي حيان الأندلسي الذي يمتاز بتحقيقاته النحوية واللغوية وتوجيهه للقراءات.\n٤ - وتفسير الرازي الذي يمتاز ببحوثه في العلوم الكونية، مما يتعلق بالجماد والنبات والحيوان والإنسان، وفي العلوم الكلامية ومقالات الفرق والمناظرة والحجاج في ذلك.\nإلى غير هذا مما لا بد لنا من مراجعته من كتب التفسير والأحكام وغيرها مما يقتضيه المقام.\nنقول هذا ليعرف الطلبة مصادر درسنا، ومآخذ مما يسمعونه منا ونحن نعم إننا - والله - كما قال أخو العرب:\nلعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم\nولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوّح نبتها رُعِي الهشيم","vol":"2","page":603},{"text":"وكما نقول في المقل: \"إنما نكحل في موضع العينين\" (١).\nومن خلال مصادره يتبين لك عظم فائدة تفسيره، وسأنقل لك كما وعدتك بعض النماذج من التفسير التي يتبين لك من خلالها عنايته بالقضايا اللغوية مفردات وتراكيب، وعنايته بالقضايا البلاغية والنحوية والعقدية وغيرها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-647>نماذج من تفسيره:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-648>١ - صلاح النفوس وإصلاحها</span>\n﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥].\nالشرح والمعنى:\nصلاح الشيء: هو كونه على حالة اعتدال في ذاته وصفاته، بحيث تصدر عنه أو به أعماله المرادة منه على وجه الكمال.\nوفساد الشيء هو كونه على حالة اختلال في ذاته وصفاته، بحيث تصدر عنه أو به تلك الأعمال على وجه النقصان.\nمثال الصلاح والفساد:\nاعتبر هذا في البدن، فإن له حالتين: حالة صحة، وحالة مرض:\nوالأولى هي حالة صحته باعتدال مزاجه، فتقوم أعضاؤه بوظائفها وينهض هو بأعماله.\nوالثانية هي حالة فساده باختلال مزاجه، فتتعطل أعضاؤه أو تضعف كلها أو بعضها عن القيام بوظائفه، ويقعد هو أو يثقل عن أعماله.\n_________\n(١) مقدمة في تفسيره ص ٥١.\n(٢) التعليقات على كلام ابن باديس، الموجودة في حواشي هذه الصفحات، هي تعليقات لناشري التفسير وهما الأستاذ محمد الصالح رمضان، والأستاذ توفيق محمد شاهين.","vol":"2","page":604},{"text":"هذا الذي تجده في البدن هو نفسه تجده في النفس: فلها صحة، ولها مرض، حالة صلاح وحالة فساد.\nالإصلاح والفساد:\n(والإصلاح) هو إرجاع الشيء إلى حالة اعتداله، بإزاء ما طرأ عليه من فساد.\n(والإفساد) هو إخراج الشيء عن حالة اعتداله بإحداث اختلال فيه.\nإصلاح البدن والنفس:\nفإصلاح البدن بمعالجته بالحمية (١) والدواء، وإصلاح النفس بمعالجتها بالتوبة الصادقة.\nوإفساد البدن بتناول ما يحدث به الضرر، وإفساد النفس بمقارفة المعاصي والذنوب. وهكذا تعتبر النفوس بالأبدان في باب الصلاح والفساد، في كثير من الأحوال، غير أن الاعتناء بالنفوس أهم وألزم، لأن خطرها أكبر وأعظم.\nالعناية الشرعية بالنفس:\nإن المكلف المخاطب من الإنسان هو نفسه، وما البدن إلا آلة لها ومظهر تصرفاتها، وإن صلاح الإنسان وفساده إنما يقاسان بصلاح نفسه وفسادها. وإنما رقيه وانحطاطه باعتبار رقي نفسه وانحطاطها، وما فلاحه إلا بزكائها، وما خيبته إلا بخبثها. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠].\nوفي الصحيح: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب\".\nما هو القلب؟\nوليس المقصود من القلب مادته وصورته، وإنما المقصود النفس الإنسانية\n_________\n(١) الاعتدال والمحافظة في المأكل والمشرب. وبالصوم أحيانًا.","vol":"2","page":605},{"text":"المرتبطة به (١).\nوللنفس ارتباط بالبدن كله، ولكن القلب عضو رئيسي في البدن، ومبعث دورته الدموية، وعلى قيامه بوظيفته تتوقف صلوحية البدن، لارتباط النفس به. فكان حقيقًا لأن يعبر به عن النفس على طريق المجاز.\nوصلاح القلب - بمعنى النفس - بالعقائد الحقة، والأخلاق الفاضلة، وإنما يكونان بصحة العلم، وصحة الإرادة، فإذا صلحت النفس هذا الصلاح صلح البدن كله، بجريان الأعضاء كلها في الأعمال المستقيمة. وإذا فسدت النفس من ناحية العقل، أو ناحية الخلق، أو ناحية العلم، أو ناحية الإرادة ... فسد البدن، وجرت أعمال الجوارح على غير وجه السداد.\nمقصود الأديان:\nفصلاح النفس هو صلاح الفرد، وصلاح الفرد هو صلاح المجموع والعناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس: إما مباشرة وإما بواسطة.\nفما من شيء مما شرعه الله تعالى لعباده من الحق والخير والعدل والإحسان إلا وهو راجع عليها بالصلاح.\nوما من شيء نهى الله تعالى عنه من الباطل والشر والظلم والسوء إلا وهو عائد عليها بالفساد.\nفتكميل النفس الإنسانية، هو أعظم المقصود من إنزال الكتب، وإرسال الرسل، وشرع الشرائع.\nوهذه الآيات الثمان عشرة قد جمعت من أصول الهداية ما تبلغ به النفوس - إذا تمسكت به - غاية الكمال.\n_________\n(١) أو منطقة ما وراء الحس والشعور كما يعبر علماء النفس.","vol":"2","page":606},{"text":"وجه الارتباط:\nقد أمر تعالى في الآيات المتقدمة بعبادته والإخلاص له.\nوأمر ببر الوالدين، والإحسان إليهما في الظاهر والباطن.\nكما أمر بغير ذلك في الآيات اللاحقة. ووضع هذه الآية أثناء ذلك، وهي متعلقة بالنفس وصلاحها ... لينبه الخلق على أصل الصلاح الذي منه يكون، ومنشؤه الذي منه يبتدى. فإذا صلحت النفس قامت بالتكاليف التي تضمنتها هذه الآيات الجامعة لأصول الهداية، وهذا هو وجه ارتباط هذه الآية بما قبلها وما بعدها، الذي يكون قبل التدبر خفيًا (١).\nونظير هذه الآية في موقعها ودلالتها على ما به يسهل القيام بأعباء التكاليف - قوله تعالى:\n﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].\nفلقد جاءت أثناء آيات أحكام الزوجية آمرة بالمحافظة على الصلوات، تنبيهًا للعباد على أن المحافظة عليها على وجهها، تسهل القيام بأعباء تكاليف تلك الآيات، لأنها تزكي النفس بما فيها من ذكر وخشوع وحضور وانقطاع إلى الله تعالى، وتوجه إليه، ومناجاة له.\nوهذا كله تعرج به النفس في درجات الكمال.\nاللذة في الطاعة:\nوالنفوس الزكية الكاملة تجد في طاعة خالقها لذة وأنسًا تهون معهما أعباء التكليف.\n_________\n(١) هذا رأي عظيم من الإمام في وجه الارتباط. وبعض المفسرين يقولون أيضًا في وجه الارتباط: بأن العباد بما جُبلوا عليه من سهو ونقصان، ربما يبدر منهم ما يخالف الشرع ويغضب الوالدين عن خطأ وغلط، لا عن قصد وعمد، إذ كل بني آدم خطاء، وخيرهم المستغفر، وهنا ينظر الله إلى قلوبهم فإن كانت صالحة وبدر منها هذا الخطأ، فإنه يغفر لهم ما بدر منهم، متى رجعوا إليه.","vol":"2","page":607},{"text":"ثم إن العباد بنقص الخلقة وغلبة الطبع .. معرضون للتقصير في ظاهرهم وباطنهم في صور أعمالهم ودخائل أنفسهم - وخصوصا في باب الإخلاص - فذكروا بعلم ربهم بما في نفوسهم في قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ ليبالغوا في المراقبة فيتقنوا أعمالهم في صورها ويخلصوا بها له. وهذه المراقبة هي الإحسان الذي هو عبادتك الله كأنك تراه.\nوذكر اسم الرب لأنه المناسب لإثبات صفة العلم، فهو الرب الذي خلق النفوس وصورها ودبرها. ولا يكون ذلك إلا بعلمه بها في جميع تفاصيلها وكيف يخفى عليه شيء وهو خلقها؟ .\n﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].\nوالصالحون في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾، هم الذين صلحت أنفسهم فصلحت أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-649>ميزان الصلاح:</span>\nوصلاح النفس وهو صفة لها .. خفي كخفائها، وكما أننا نستدل على وجود النفس وارتباطها بالبدن بظهور أعمالها في البدن، كذلك نستدل على اتصافها بالصلاح وضده بما نشاهده من أعمالها.\nفمن شاهدنا منه الأعمال الصالحة - وهي الجارية على سنن الشرع، وآثار النبي ﵌ - حكمنا بصلاح نفسه، وأنه من الصالحين.\nومن شاهدنا منه خلاف ذلك حكمنا بفساد نفسه، وأنه ليس منهم.\nولا طريق لنا في معرفة صلاح النفوس وفسادها إلا هذا الطريق. وقد دلنا الله تعالى عليه في قوله تعالى:\n﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤].","vol":"2","page":608},{"text":"فذكر الأعمال، ثم حكم لأهلها بأنهم من الصالحين. فأفادنا: أن الأعمال هي دلائل الصلاح، وأن الصلاح لا يكون إلا بها، ولا يستحقه إلا أهلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>تفاوت الصلاح:</span>\nثم إن العباد يتفاوتون في درجات الصلاح على حسب تفاوتهم في الأعمال. ويكون لنا أن نقضي بتفاوتهم في الظاهر بحسب ما نشاهد. ولكن ليس لنا أن نقضي بين أهل الأعمال الصالحة في تفاوتهم عند الله في الباطن؛ فندعي أن هذا أعلى درجة في صلاحه عند الله تعالى من هذا؛ لأن الأعمال قسمان:\nأعمال الجوارح، وأعمال القلوب، وهذه أصل لأعمال الجوارح.\nوقد قال النبي ﵌: \"التقوى ههنا\"، ويشير إلى صدره ثلاث مرات. فمنازل الصالحين عند ربهم لا يعلمها إلا الله.\n(والأوابون) في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. هم الكثيرو الرجوع إلى الله تعالى.\nوالأوبة في كلام العرب هي الرجوع، قال عبيد (١):\nوكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-651>التوبة وشروطها:</span>\nوالتوبة، هي الرجوع عن الذنب ولا يكون إلا بالإقلاع عنه، واعتبر فيها الشرع الندم على ما فات، والعزم على عدم العود، وتدارك ما يمكن تداركه. فيظهر أن الأوبة أعم من التوبة: فتشمل من رجع إلى ربه تائبًا من ذنبه، ومن رجع إليه يسأله ويتضرع إليه أن يرزقه التوبة من الذنوب.\n_________\n(١) هو عبيد بن الأبرص الأسدي شاعر جاهلي فحل. قال أيضًا في هذه البائية:\nمن يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب\nساعد بأرض إن كنت فيها ... ولا تقل: إنني غريب","vol":"2","page":609},{"text":"فائدة:\nفنستفيد من الآية الكريمة: سعة باب الرجوع إلى الله تعالى. فإن تاب العبد، فذاك هو الواجب عليه، والمخلِّص له - بفضل الله - من ذنبه. وإن لم يتب فليدم الرجوع إلى الله تعالى بالسؤال والتضرع، والتعرض لمظان الإجابة وخصوصًا في سجود الصلاة، فقمين - إن شاء الله تعالى - أن يستجاب له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-652>شر العصاة:</span>\nوشر العصاة هو الذي ينهمك في المعصية، مصرًا عليها، غير مشمئز منها، ولا سائل من ربه - بصدق وعزم - التوبة منها، ويبقى معرضًا عنه ربه كما أعرض هو عنه، ويصر على الذنب حتى يموت قلبه. ونعوذ بالله من موت القلب فهو الداء العضال الذي لا دواء له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-653>دواء النفوس في التوبة:</span>\nوجاء لفظ \"الأوابين\" لأواب، وهو فعّال من أمثلة المبالغة، فدل على كثرة رجوعهم إلى الله. وأفاد هذا طريقة إصلاح النفوس بدوام علاجها بالرجوع إلى الله؛ ذلك أن النفوس - بما ركب فيها من شهوة، وبما فُطرت عليه من غفلة، وبما عرضت له من شؤون الحياة، وبما سلط عليها من قرناء السوء من شياطين الإنس والجن، لا تزال - إلا من عصم الله - في مقارفة ذنب، ومواقعة معصية صغيرة أو كبيرة، من حيث تدري ومن حيث لا تدري. وكل ذلك فساد يطرأ عليها، فيجب إصلاحها بإزالة نقصه، وإبعاد ضرره عنها. وهذا الإصلاح لا يكون إلا بالتوبة والرجوع إلى الله تعالى.\nولما كان طروء الفساد متكررًا فالإصلاح بما ذكره يكون دائما متكررًا.\nوالمداومة على المبادرة إلى إصلاح النفس من فسادها. والقيام في ذلك، والجد فيه، والتصميم عليه، هو من جهاد النفس الذي هو أعظم الجهاد.","vol":"2","page":610},{"text":"ومن معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. وهم الذين كلما أذنبوا تابوا، والتوبة طهارة للنفس من درن المعاصي.\n(والغفور) في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾. وهو الكثير المغفرة، لأنه على وزن فعول، وهو من أمثلة المبالغة الدالة على الكثرة. والمغفرة سترة للذنب وعدم مؤاخذته به.\nولما ذكر من وصف الصالحين كثرة رجوعهم إليه، ذكر من أسمائه الحسنى ما يدل على كثرة مغفرته ليقع التناسب في الكثرة من الجانبين، ومغفرته أكبر. وليعلم أن كثرة الرجوع إليه يقابله كثرة المغفرة منه، فلا يفتأ العبد راجعًا راجيًا للمغفرة، ولا تقعده كثرة ما يذنب عن تجديد الرجوع، ولا يضعف رجاءه في نيل مغفرة الغفور كثرةُ الرجوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-654>نكتة نحوية:</span>\nوقد أكد الكلام (بإن) لتقوية الرجاء في المغفرة. وجيءَ بلفظة كان، لتفيد أن ذلك هو شأنه مع خلقه من سابق، وهذا مما يقوي الرجاء فيه في اللاحق،، فقد كان عباده يذنبون ويتوبون إليه، ويغفر لهم، ولا يزالون كذلك، ولا يزال ﵎ لهم غفورًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-655>تطلب التوبة مهما عظمت الذنوب:</span>\nوإنما احتيج إلى هذا التأكيد كله في تقوية رجاء المذنب في المغفرة، ليبادر الرجوع على كل حال، لأن العبد مأخوذ بأمرين يضعفان رجاءه في المغفرة:\nأحدهما كثرة ذنوبه التي يشاهدها، فتحجبها كثرتها عن رؤية مغفرة الله تعالى، التي هي أكبر وأكثر.\nوالآخر رؤيته لطبعه البشري، وطبع بني آدم من المنع عند كثرة السؤال، كما","vol":"2","page":611},{"text":"قال شاعرهم - أي البشر لأن الشاعر العربي (١) عبر عن طبع بشري:\nسألنا فأعطيتم، وعدنا فعدتُمُ ... وَمَنْ أكْثَرَ التَسْآلَ يوما سيحرمُ\nفيقوده القياس - وهو من طباع البشر أيضًا - الفاسد: إلى ترك الرجوع والسؤال، من الرب الكريم العظيم النوال.\nفهذان الأمران يقعدانه عن الرجوع والتوبة، فيستمر في حمأة المعصية، وذلك هو الهلاك المبين. فكان حاله مقتضيًا لأن يؤكد حصول المغفرة عند رجوعه بتلك المؤكدات.\nونكتة بلاغية:\nوقد كان مقتضى الظاهر في تركيب الآية أن يقال: إن تكونوا صالحين فإنه كان لكم غفورًا، لأن المقام للإضمار. لكنه عدل عن الضمير إلى الظاهر فقيل: ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ لينص على شرط المغفرة وهو الأوبة والرجوع.\nوعلم من ذلك أن الصالح عندما تقع منه الذنوب مطالب - كغيره - بالأوبة، لتحصيل المغفرة، لأن فرض الأوبة إلى الله من المعاصي عام على الجميع.\nوقد اشتملت الآية من فعل الشرط، وهو ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾، وجواب الشرط، وهو ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ - على الحالتين اللازمتين للإنسان لتكميل نفسه، وهما الصلاح المستفاد من الأول، والإصلاح بالأوبة المستفاد من الثاني.\nوما دام الإنسان مجاهدًا في تزكية نفسه بهذين الأصلين فإنه بالغ أملًا ورجاءً - بإذن الله - درجة الكمال.\n_________\n(١) هو زهير بن أبي سُلمى ربيعة بن رباح المزني، أحد فحول الجاهلية الأربعة. وهو أعف الشعراء قولًا وأكثرهم تهذيبًا لشعره، وجرت أبيات كثيرة له مجرى المثل. وكثير من أصوله وفروعه شعراء لا يشق لهم غبار.","vol":"2","page":612},{"text":"ثبتنا الله والمسلمين عليهما، وحشرنا في زمرة الكاملين، المكملين إنه المولى الغفور الكريم (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-656>٢ - القَول الحسَنُ:</span>\n﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٣ - ٥٤].\nتمهيد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-657>اللسان وخطره:</span>\nاللسان أداة البيان، وترجمان القلب والوجدان.\nوالكلام به يتعارف الناس ويتقاربون، وبه يتحاجون ويتفاضلون، ولولاه لما ظهرت ثمرات العقول والمدارك، ولما تلاحقت الأفكار والمشاعر، ولما تزايدت العلوم والمعارف، ولما ترقى الإنسان في درجات أنواع الكمالات، ولما امتاز على بقية الحيوانات.\nفهو رابطة أفراد النوع الإنساني وعشائره وأممه. وبريد عقله وواسطة تفاهمه.\nفإذا حسن قويت روابط الإلفة، وتمكنت أسباب المحبة، وامتد رواق السلام بين الأفراد والعشائر والأمم. وتقاربت العقول والقلوب بالتفاهم، وتشابكت الأيدي في التعاون والتآزر.\nويعني العالم من وراء ذلك تقرر الأمن واطراد العمران.\nوإذا قبح كان الحال على ضد ذلك:\n_________\n(١) تفسير ابن باديس (١٠٥ - ١١٤).","vol":"2","page":613},{"text":"فالكلام السيء قاطع لأواصر الأخوة، باعث على البغضاء والنفرة، يبعد بين العقول فتحرم الاسترشاد والاستعداد والتعاون، وبين القلوب فتفقد عواطف المحبة وحنان الرحمة، وهما أشرف ما تتحلى به القلوب، وإذا بطلت الرحمة والمحبة بطلت الألفة والتعاون، وحلت القساوة والعداوة، وتبعهما التخاصم والتقاتل.\nوفي ذلك كل الشر لأبناء الشر.\nالقول الحسن:\nفالمحصل للناس سعادتهم وسلامتهم، والمبعد لهم عن شقاوتهم وهلاكهم - هو القول الحسن:\nولهذا أمر الله تعالى نبيه - ﵌ - أن يرشد العباد إلى قول التي هي أحسن، فقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.\n(والعباد المأمورون هنا هم المؤمنون لوجهين:\nالأول: أنهم أُضيفوا إليه وهذه إضافة شرف لا يكون إلا للمؤمنين به.\nالثاني: أن الذين يخاطبون بهذا الإرشاد ويكون منهم الامتثال إنما هم من حصلوا أصل الإيمان.\nالتي هي أحسن ومواطنها:\n(والتي هي أحسن) هي الكلمة الطيبة، والمقالة التي هي أحسن من غيرها.\nفيعم ذلك.\nما يكون من الكلام في التخاطب العادي بين الناس، حتى ينادي بعضهم بعضا بأحب الأسماء إليه (١).\nوما يكون من البيان العلمي فيختار أسهل العبارات وأقربها للفهم حتى لا يحدث\n_________\n(١) وكما أوصى المصطفى ﵌، ليكون أدعى إلى المحبة والمودة.","vol":"2","page":614},{"text":"الناس بما لا يفهمون، فيكون عليهم حديثه فتنة وبلاء.\nوما يكون من الكلام في مقام التنازع والخصام فيقتصر على ما يوصله إلى حقه في حدود الموضوع المتنازع فيه، دون إذاية لخصمه، ولا تعرض لشأن من شؤونه الخاصة به (١).\nوما يكون من باب إقامة الحجة وعرض الأدلة، فيسوقها بأجلى عبارة وأوقعها في النفس، خالية من السب والقدح، ومن الغمز والتعريض، ومن أدنى تلميح إلى شيء قبيح.\nعموم الأمر:\nوهذا يطالب به المؤمنون سواء كان ذلك فيما بينهم، أو بينهم وبين غيرهم.\nوقد جاء في الصحيح: \"أن رهطًا من اليهود دخلوا على النبي - ﵌ - فقالوا: السام عليكما (٢) ففهمتها عائشة -﵂ - فقالت: وعليكم السام واللعنة. فقال لها رسول الله - ﵌ -: مهلًا يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله. فقالت: ألم تسمع ما قالوا؟ فقال: قد قلت: وعليكم\".\nفكان الرد عليهم بمثل قولهم بأسلوب العطف على كلامهم، وهو قوله وعليكم، أحسن من الرد عليهم باللعنة. فقال - ﵌ - القولة التي هي أحسن، وهذا أدب الإسلام للمسلمين مع جميع الناس.\nوأفاد قوله تعالى: (أحسن) بصيغة اسم التفضيل أن علينا أن نتخير في العبارات الحسنة، فننتقي أحسنها في جميع ما تقدم من أنواع مواقع الكلام.\n_________\n(١) والرسول ﵌ دعا بالرحمة لرجل سهل إذا باع أو اشترى أو قضى أو اقتضى.\n(٢) والسام، هو الموت.","vol":"2","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-658>خطر الكلمة:</span>\nفحاصل هذا التأديب الرباني هو اجتناب الكلام السيء جملة، والاقتصار على الحسن، وانتقاء واختيار الأحسن من بين ذلك الحسن. وهذا يستلزم استعمال العقل والروية عند كل كلمة تقال (١)، ولو كلمة واحدة:\nفرب كلمة واحدة أوقدت حربًا، وأهلكت شعبًا، أو شعوبًا.\nورب كلمة واحدة أنزلت أمنا وأنقذت أمة أو أممًا.\nوقد بين لنا النبي - ﵌ - مكانة الكلمة الواحدة من الأثر في قوله: \"الكلمة الطيبة صدقة، واتقوا النار ولو بكلمة طيبة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-659>ضرورة الأدب الإسلامي:</span>\nوهذا الأدب الإسلامي - وهو التروي عند القول، واجتناب السيء واختيار الأحسن - ضروري لسعادة العباد وهنائهم. وما كثرت الخلافات وتشعبت الخصومات وتنافرت المشارب، وتباعدت المذاهب حتى صار المسلم عدو المسلم، والنبي ﵌ يقول -: \"المسلم أخو المسلم\" - إلا بتركهم هذا الأدب، وتركهم للتروي عند القول والتعمد السيء، بل للأسوأ في بعض الأحيان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-660>التحذير من كيد العدو الفتان:</span>\n﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.\n(نزغ الشيطان) وسوسته ليهيج الشر والفساد. وعداوته باعتقاده البغيض، وسعيه في جلب الشر والضر. وإبانته لعداوته بإعلانه لها كما علمنا القرآن.\n_________\n(١) ورب كلمة حق يرفع الله بها الدرجات، ورب كلمة سوء تهوي بصاحبها في الدركات.","vol":"2","page":616},{"text":"كيف ينزغ الشيطان:\nوهو يلقي للإنسان كلمة الشر والسوء، ويهيج غضبه ليقولها، ويهيج السامع ليقول مثلها، وهكذا حتى يشتد المراء ويقع الشر والفساد.\nولون آخر من نزغه، وهو أنه يحسن للمرء قول الكلمة التي يكون فيها احتمال السوء، ويلح عليه في قولها، ويبالغ في تحسين الوجه السالم منه، وفي تهوين أمر وجهها القبيح - حتى يقولها. فإذا قالها عاد لسامعه بالنزغ يطمس عنه الوجه السالم منها، ويكبر له الوجه القبيح، ولا يزال به يثير نخوته، ولهيج غضبه، حتى يثور فيقع الشر والفساد بينه وبين صاحبه.\nفحذر الله تعالى عباده من كيده حتى يحترسوا منه إذا تكلموا، وإذا سمعوا فيتباعدون عما فيه احتمال السوء، فضلًا عن صريحة ويحملون الكلام على وجهه الحسن عند احتماله له، ويتجاوزون عن سيئه الصريح ما أمكن التجاوز.\nالمحاسنة على الحال والظاهر والتفويض إلى الله تعالى في العواقب والسرائر: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾.\nوجادلهم بالتي هي أحسن:\nأقوى الأحوال مظنة لكلمة السوء هي حالة المناظرة والمجادلة.\nوأقرب ما تكون إلى ذلك إذا كان الجدال في أمر الدين والعقيدة، فما أكثر ما يضلل بعض بعضًا أو يفسقه أو يكفره، فيكون ذلك سببًا لزيادة شقة الخلاف اتساعا، وتمسك كل برأيه ونفوره من قول خصمة. دع ما يكون عن ذلك من البغض والشر.\nفذكر الله تعالى عباده بأنه هو العالم ببواطن خلقه وسرائرهم وعواقب أمرهم، فيرحم من يشاء، ويعذب من يشاء، بحكمته وعدله:\nفلا يقطع لأحد بأنه من أهل النار لجهل العاقبة سواء كان من أهل الكفر، أو كان","vol":"2","page":617},{"text":"من أهل الفسق، أو كان من أهل الابتداع (١).\nكما لا يقطع لأحد بالجنة كذلك، إلا من جاء النص بهم (٢).\nمن أدب الجدال:\nفلا يقال للكافر عند دعوته أو مجادلته: إنك من أهل النار، ولكن تذكر الأدلة على بطلان الكفر، وسوء عاقبته.\nولا يقال للمبتدع: يا ضال (٣)، وإنما تبين البدعة وقبحها.\nولا يقال لمرتكب الكبيرة (٤): يا فاسق، ولكن يبين قبح تلك الكبيرة وضررها وعظم إثمها.\nفتقبح القبائح والرذائل في نفسها، وتجتنب أشخاص مرتكبها (٥).\nإذ رب شخص هو اليوم من أهل الكفر والضلال، تكون عاقبته إلى الخير والكمال. ورب شخص هو اليوم من أهل الإيمان، ينقلب - والعياذ بالله تعالى - على عقبه في هاوية الوبال.\nوإن عليك إلا البلاغ:\nوخاطب الله تعالى نبيه ﵌: إنه لم يرسله وكيلًا على الخلق، حفيظًا عليهم، كفيلًا بأعمالهم.\n_________\n(١) فقد يعمل الرجل بعمل أهل الجنة حتى يكون بينه وبين الجنة ذراع، ثم يعمل بعمل أهل النار، فيكون من أهل النار.\nوقد يعمل الرجل بعمل أهل النار حتى يكون بينه وبينها ذراع فيعمل بعمل أهل الجنة فيكون من أهل الجنة ... كما حكى حديث الرسول - ﷺ -، فسبحان مقلب القلوب، وهو الغفور الرحيم.\n(٢) كالمبشرين بالجنة أو أهل بدر، والشهداء في سبيل الله.\n(٣) إذ ربما أهاجه ذلك فيزداد في طغيانه وكفره.\n(٤) وذلك من أدب الدعوة.\n(٥) كما ذكر في هامش ١.","vol":"2","page":618},{"text":"فما عليه إلا تبليغ الدعوة، ونصرة الحق بالحق. والهداية والدلالة، إلى دين الله، وصراطه المستقيم.\nخاطبه بهذا ليؤكد لخلقه ما أمرهم به، من قول التي هي أحسن للموافق والمخالف.\nفلا يحملنّهم بغض الكفر والمعصية على السوء في القول لأهلهما؟ فإنما عليهم تبليغ الحق كما بلغه نبيهم ﵌.\nولن يكن أحد أحرص منه على تبليغه، فحسبهم أن يكونوا على سنته وهديه.\nأحيانا الله عليهما، وأماتنا عليهما، وحشرنا في زمرة أهلهما. آمين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-661>٣ - الطور الأخير لكل أمة وعاقبته</span>\n﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨].\nتمهيد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>أطوار الأمم:</span>\nالأمم كالأفراد، تمر عليها ثلاثة أطور: طور الشباب، وطور الكهولة، وطور الهرم.\nفيشمل الطور الأول.\nنشأتها إلى استجماعها قوتها ونشاطها، مستعدة للكفاح والتقدم في ميدان الحياة.\nويشمل الطور الثاني.\nابتداء أخذها في التقدم والانتشار، وسعة النفوذ، وقوة السلطان إلى استكمالها قوتها، وبلوغها غاية ما كان لها أن تبلغه من ذلك،، بما كان فيها من مواهب، وما كان لها من استعداد، وما لديها من أسباب.\n_________\n(١) تفسير ابن باديس (١٧١ - ١٧٨).","vol":"2","page":619},{"text":"ويشمل الطور الثالث.\nإبداءها في التقهقر والضعف والانحلال، إلى أن يحل بها الفناء والاضمحلال، إما بانقراضها من عالم الوجود، وإما باندراسها في عالم السيادة والاستقلال.\nوما من أمة إلا ويجري عليها هذا القانون العام، وإن اختلفت أطوارها في الطول والقصر، كما تختلف الأعمار.\nمن معجزات القرآن:\nهذه السنة الكونية التي أجرى الله عليها حياة الأمم في هذه الدنيا، أشار إليها في كتابه العزيز في غير ما آية:\nفذكر أعمار الأمم، مقدرة محددة بآجلها في مثل قوله تعالى:\n﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤].\nوذكر إنشاء الأمم على إثر الهالكين في مثل قوله تعالى:\n﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الأنبياء: ١١].\nوذكر طور شباب الأمة ودخولها معترك الحياة في مثل قوله تعالى:\n﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩].\nأطوار بني إسرائيل:\nفإن بني إسرائيل ما استخلفوا في الأرض حتى قووا، واشتدوا وتكونت فيهم أخلاق الشجاعة، والنجدة والحمية والأنفة بعد خروجهم من التيه.\nوذلك هو الطور الأول طور الشباب للأمة الإسرائيلية.\nوذكر الطور الثاني وهو طور الكهولة واستكمال القوة، وحسن الحال، ورغد العيش في مثل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا","vol":"2","page":620},{"text":"رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [النحل: ١١٢].\nوذكر الطور الثالث طور الضعف والانحلال في مثل قوله تعالى:\n﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩].\nسبب الهلاك:\nوإهلاكهم يكون بعد إسباغ النعمة وإقامة الحجة عليهم، وتمكن الفساد فيهم وتكاثر الظلم منهم. فإهلاكهم هو نهاية الطور الثالث من أطوار الأمم الثلاث.\nوإلى خاتمة الطور الثالث وعاقبته، جاء البيان في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨].\nالألفاظ:\n(القرية) المساكن المجتمعة، ومادة (ق ر ى) تدل على الجمع، فتصدق على القرية الصغيرة والمدينة الكبرى. وتطلق القرية مجازًا على السكان إطلاقًا لاسم المحل على الحال ومنه هذا.\nو(الإهلاك) الإبادة والإفناء بالاستئصال كما فعل بعاد وثمود.\nو(قبل يوم القيامة) أي في الدنيا.\nو(العذاب الشديد) كأمراض الأبدان وفساد القلوب، وانحطاط الأخلاق، وافتراق الكلمة، وتسليط الطلام: كما أرسل على بني إسرائيل عبادًا أولى بأس شديد، فساءوا وجوههم، وجاسوا خلال ديارهم. وكتسليط أهل الحق على أهل الباطل، وكالجدب والقحط وجوائح الأرض، وجوائح السماء.\nو(في الكتاب) أي اللوح المحفوظ (١). و(مسطورا) أي مكتوبا أسطارًا مبينا.\n_________\n(١) اللوح المحفوظ والعرش والكرسي والقلم ... كل ذلك من العالم الغيبي أخبرنا به القرآن الكريم والسنة النبوية، أما ماهيته وتحديدة ... فيفوض إلى علم الله تعالى، ونصدق به فقط.","vol":"2","page":621},{"text":"التراكيب:\n(إن) نافية. و\"من\" زيدت لاستغراق الجنس وتأكيد العموم.\nو(إلا) أفادت مع إن النافية حصر كل قرية في أحد الأمرين من الهلاك والعذاب الشديد، ليعلم أن لا نجاة لكل قرية من أحدهما قطعًا.\nو(أو) تفيد أحد الشيئين المذكورين على الإبهام وعدم التعيين.\nو(ذلك) إشارة المذكور من الهلاك والتعذيب.\nالمعنى:\nيقول تعالى: ما من قرية على وجه الأرض إلا ولا بد أن يحل بها منا هلاك وفناء بما يبيدها ويفنيها، أو عذاب شديد لا يفنيها، ولكنه يذيقها أنواع الآلام وشديد النكال.\nكان هذا قضاء سابقًا في علمنا، ماضيًا في إرادتنا، مكتوبًا أسطارًا في اللوح المحفوظ.\nالأحكام:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-663>الأحكام الشرعية والقدرية:</span>\nأحكام الله تعالى قسمان:\nأحكام شرعية: وهي التي فيها بيان ما شرعه لخلقه مما فيه انتظام أمرهم وحصول سعادتهم إذا ساروا عليه.\nوأحكام قدرية وهي التي فيها بيان تصرفه في خلقه على وفق ما سبق في علمه وما سبق في إرادته.\nوالأحكام الشرعية تقع من العباد مخالفتها، فيتخلف مقتضاها من الفحل أو الترك.\nوالأحكام القدرية لا تتخلف أصلًا، ولا يخرج المخلوقات عن مقتضاها قطعًا.","vol":"2","page":622},{"text":"وفي هذه الآية حكم من أحكامه القدرية، وهو أن كل قرية لا بد أن يصيبها أحد الأمرين المذكورين بما سبق من علمه، وما مضى من إرادته، فلا يتخلف هذا الحكم، ولا تخرج عنه قرية.\nإيضاح وتعليل:\nالله حكم عدل، حكيم خبير،، فما من حكم من أحكامه الشرعية إلا وله حكمته، وما من حكم من أحكامه القدرية (١) إلا وله سببه وعلته.\nلا لوجوب أو إيجاب عليه، بل بمحض مشيئته، ومقتضى عدله وحكمته (٢).\nسبب الهلاك:\nوقد قضى على كل قرية بهذه العاقبة من الهلاك والعذاب الشديد في هذه الآية، وبيِّن في غيرها سبب استحقاقها لهما فقال تعالى:\n﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ [الكهف: ٥٩].\n﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧].\n﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩].\n﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤].\n﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الطلاق: ٨].\n﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].\n_________\n(١) أي بقضائه وقدره.\n(٢) ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾.","vol":"2","page":623},{"text":"فأفادت هذه الآيات أن سبب الهلاك والعذاب هو الظلم، والفساد، والعتو، والتمرد، عن أمر الله ورسله، والكفر بأنعم الله.\n﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].\nتوجيه:\nسر العناية بالطور الأخير:\nالطور الأخير للأمم هو الذي ذكر في الآيات كثيرًا دون الطور الأول والثاني.\nووجه ذلك:\nأنه هو الطور الذي ينتشر فيه الفساد، ويعظم فيه الظلم، وينتهي فيه الإعذار للأمة، ويحل فيه أجلها، فينزل بها ما تستحقه من هلاك أو عذاب، فكرر ذكر هذا الطور لزيادة التحذير منه، والتخويف من سوء عاقبته، والحث على تدارك الأمر فيه بالإقلاع عن الظلم والفساد، والرجوع إلى طاعة الله وإعمال يد الإصلاح في جميع الشؤون فيرتفع العذاب بزوال ما كان بنزوله من أسباب.\nاستنتاج وتطبيق:\nالعلاج ممكن:\nالقرى التي قضى عليها بالهلاك والاستئصال هذه، قد انتهى أمرها بالموت، وفاتت عن العلاج مثل عاد وثمود من الأمم البائدة.\nوأما القرى التي قضى عليها بالعذاب الشديد، فهذه لا تزال بقيد الحياة فتداركها ممكن، وعلاجها متيسر:\nمثل الأمم الإسلامية الحاضرة: فمما لا شك فيه أن فينا ظلمًا، وعتوًا وفسادًا وكفرا بأنعم الله، وإننا من جراء ذلك لفي عذاب شديد.\nولا نعني بهذا أن الأمم الإسلامية مخصوصة بهذا، بل مثلها وأقوى منها في أسباب العذاب والهلاك غيرها من أمم الأرض. وإن لهم لقسطهم من العذاب","vol":"2","page":624},{"text":"الشديد. وإذا لم يأت المقدار المماثل من الهلاك أو العذاب لما عندهم من أسبابهما،، فلأنه لكل أمة أجل، ولما يأت ذلك الأجل بعد،، فإذا جاء لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.\nإرشاد واستنهاض:\nعلاجنا اليوم:\nقد ربط الله بين الأسباب ومسبباتها خلقًا وقدرًا بمشيئته وحكمته، لنهتدي بالأسباب إلى مسبباتها، ونجتنبها باجتناب أسبابها.\nوقد عرفنا في الآيات المتقدمة باسباب الهلاك والعذاب لنتقي تلك الأسباب فنسلم، أو نقلع عنها فننجو، فإن بطلان السبب يقتضي بطلان المسبب.\nوقد ذكر لنا في كنابه أمة أقلعت عن سبب العذاب فارتفع عنها بعد ما كان ينزل بها، ليؤكد لنا أن الإقلاع عن السبب ينجي من المسبب، فقال تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ (١) [يونس: ٩٨].\nفبمبادرتهم للإيمان، وإقلاعهم عن الكفر. كشف عنهم العذاب.\nوأرشدنا في ضمن هذا العلاج الناجع في كشف العذاب، وإبطال أسبابه، وهو الإيمان.\nكما أرشدنا إليه أيضا في قوله تعالى قبل هذا:\n﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨] أي نجاها من العذاب. وذكر قوم يونس دليلًا على ذلك.\n_________\n(١) فأمة محمد وأمة يونس عيهما السلام أخر عذاب العاصين منهم إلى يوم القيامة. وفي شأن المسلمين أيضًا يقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]. وقد مات النبي ﵌ ولم يبق بيننا بجسده، فلم يبق لنا إلا الاستغفار.","vol":"2","page":625},{"text":"وأرشدنا إليها أيضًا في قوله تعالى:\n﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، فالإيمان والتقوى هما العلاج الوحيد لنا من حالتنا لأننا إذا التزمناهما نكون قد أقلعنا عن أسباب العذاب.\nواجب الإفراد والجماعة:\nولا ننهض بهذا العلاج العظيم إلا إذا قمنا متعاونين أفرادًا وجماعات، فجعل كل واحد ذلك نصب عينيه، وبدأ به في نفسه، ثم فيمن يليه ثم فيمن يليه من عشيرته وقومه، ثم جمع أهل ملته.\nفمن جعل هذا من همّه، وأعطاه ما قدر عليه من سعيه، كان خليقًا أن يصل إلى غايته أو يقرب منها (١).\nصفحة جديدة:\nولنبدأ من الإيمان بتطهير عقائدنا من الشرك، وأخلاقنا من الفساد، وأعمالنا من المخالفات.\nولنستشعر أخوة الإيمان التي تجعلنا كجسد واحد ولنشرع في ذلك، غير محتقرين لأنفسنا، ولا قانطين من رحمة ربنا (٢). ولا مستقلين لما نزيله كل يوم من فسادنا، فبدوام السعي واستمراره، يأتي ذلك القليل من الإصلاح على صرح الفساد العظيم من أصله.\nدليل بدئنا:\nوليكن دليلنا في ذلك وإمامنا كتاب ربنا، وسنة نبينا، وسيرة صالح سلفنا. ففي ذلك كله ما يعرفنا بالحق، ويبصرنا في العلم، ويفقهنا في الدين، ويهدينا إلى\n_________\n(١) قال الشاعر: أحرى بذي الصبر أن يحظى بحاجته ... ومدمن القرع للأبواب أن يلجا\n(٢) إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.","vol":"2","page":626},{"text":"الأخذ بأسباب القوة والعز والسيادة العادلة في الدنيا، ونيل السعادة الكبرى في الأخرى. وليس هذا عن العاملين ببعيد، وما هو على الله بعزيز.\nرجاء وتفاؤل:\nإن المطلع على أحوال الأمم الإسلامية يعلم أنها قد شعرت بالداء، وأحست بالعذاب، وأخذت في العلاج، وإن ذلك، وإن كان يبدو - اليوم - قليلًا، لكنه - بما يحوطه من عناية الله، وما يبذل فيه من جهود المصلحين - سيكون بإذن الله كثيرا.\nوعسى أن يكون في ذلك خير لأمم الأرض أجمعين، حقق الله الآمال وسدد الأعمال، بلطف منه وتيسير، إنه نعم المولى ونعم النصير (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-664>٤ - الفرقان</span>\n﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ١ - ٢].\nالمفردات والتراكيب:\n(تبارك) مادة (ب ر ك) كلها ترجع إلى معنى الثبوت، منها: بروك الإبل، استناختها، والبركة كالقربة مثل الحوض يثبت فيها الماء. والبراكاء الثبات في الحرب، ومنها البركة بمعنى النماء والزيادة، ولا ينمو ويزيد إلا ما كان ثابت الأصل، وشأن ثابت الأصل أن ينمو ويزيد، فلم تخرج عن معنى الثبوت وتبارك من البركة فمعناه تزايد خيره.\nوالله تعالى له الكمال، ومنة الإنعام، فتبارك: أي تزايد كماله وإنعامه، فلا تُحصى إنعاماته، ولا تحد كمالاته.\n_________\n(١) التفسير ص ١٨٩ - ١٩٧.","vol":"2","page":627},{"text":"وثبوت الكمال ينافي وينفي ضده؛ فيقتضي التنزه عن النقص.\nفانتظم اللفظ ثلاثة معاني:\nالتنزه عن النقص، والاتصاف بالكمال، والإفاضة للإنعام. (فتبارك تقدس وتعاظم) الفعل الأول مفيد للأول والفعل الثاني مفيد للثاني والثالث.\n(نزل) مادة (ن ز ل) كلها ترجع إلى معنى الهبوط من عل، والحلول في أسفل.\nونزل المضاعف أبلغ في المعنى من أنزل، وقد يفيد كثرة النزول كما هنا؛ لأنه نزله مفرقًا على نيف وعشرين سنة. وقد يفيد القوة في نزول واحد، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢]؛ لأن تنزيل أقوى من إنزال التفصيل.\n(الفرقان) أصله مصدر فرق بمعنى فصل. وهو أبلغ في الدلالة على المعنى من فرق المصدر المجرد، بما فيه من زيادة الألف والنون، كما كان القرآن أبلغ من القراءة لذلك.\nوهو هنا اسم من أسماء هذا الكتاب الكريم.\n(نذير) مادة (ن ذ ر) كلها ترجع إلى الإعلام والتحتيم، فمنها: نذر على نفسه الصوم أوجبه وحتمه وأعلم به، ونذر بالعدو كفرح علم به، وأنذره أعلمه، ولا يستعمل إلا في إبلاغ ما فيه تخويف، فهو إعلام بتأكيد وتحتيم. ونذير هنا بمعنى منذر من فعيل بمعنى مفعل.\n(الذي نزل) عرف المسند إليه بالموصولية لزيادة تقرير الغرض الذي إليه سيق الكلام (١) لأن الغرض بيان كمالات الله تعالى، وإنعاماته، وتنزيل الفرقان منها، فهو من أعظم نعم الله على البشر، ومن آيات الله الدالة على قدرته وعلمه وحكمته.\n_________\n(١) وذلك لأن الموصول يقتضي صلة توضحه وتشرحه.","vol":"2","page":628},{"text":"(عبده) إضافة تشريف لأنه أكمل العباد (١).\nالمعنى:\nتقدس وتعاظم الرب الذي نزل الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل، والهدى والضلال وحزبيهما من الناس. مفصلًا آيات آيات على محمد - ﵌ - أكمل عباده؛ ليكون بذلك الكتاب - لجميع الإنس والجن - منذرًا لهم يعلمهم بعذابه، ويخوفهم بشديد عقابه إن لم يعبدوه وحده، ويخلعوا غيره من آلهتهم الباطلة، ويدخلوا في الدين الذي جاءهم به وهو الإسلام.\nتوحيد:\nهذا الفعل وهو (تبارك) لا يسند إلا إلى الله تعالى؛ (٢) ذلك لأن العظمة الحقيقة بالكمال والإنعام والتقديس بالتنزه التام ليسا إلا له. وما من كامل من مخلوقاته إلا وهو - ﷻ - الذي كمله. وما من منعم عليه منهم إلا وهو تعالى الذي أنعم عليه، وما من زكي منهم إلا وهو - سبحانه - الذي زكاه.\nسلوك:\nهذا الرب الكامل المكمل، المنعم المتفضل القدوس، هو الذي أنزل هذا الفرقان. فإذا أردت أن ترقى في درجات الكمال، وتظفر بأنواع الإنعام وتزكي نفسك الزكاء التام، فعليك بهدى هذا الفرقان، فهو بساط القدس، ومعراج الكمال، ومائدة الإكرام.\n_________\n(١) للإمام بحث شاف واف كاف في \"من هدى النبوة\" في بيان معنى العبد والعبودية، فارجع إليه إن شئت ص ٣٥ وما بعدها. وخلاصته: أن العبد في اللغة هو خلاف الحر. والعبودية هي طاعته مع الخصوع والتذلل والمملوكية التي هي أصل المعنى مستلزمة لها، وحقيقة العبودية لله أنها وصف ثابت عام في كل مخلوق في دائرة خلقه وقبضة أمره: العبودية لله طاعته والخضوع له، وبذلك يحصل الكمال للفرد الطائع الخاضع، وبذا يحصل السعادتين في الدنيا والآخرة، ولذا وصف نبيا بالعبودية في التقريب والتكريم.\n(٢) أي لا يقال لمخلوق ﵎.","vol":"2","page":629},{"text":"وقد سئلت عائشة -رضي الله تعالى عنها - عن خلق النبي - ﵌ - فقالت: \"كان خلقه القرآن\".\nفقه واستنباط:\nتحكيم القرآن في كل شيء:\nلما سمى الله كتابه الفرقان، علمنا أنه به يفرق بين الحق والباطل، وأهل هذا وذاك. فهو الحكم العدل، والقول الفصل بين كل متنازعين يدعي كل منهما أنه على الحق، فيما هو عليه من عقد، أو قول، أو عمل.\nفما تقابل حق وباطل، وما تعالجت حجة وشبهة إلا وفي هذا الكتاب الحكيم ما يفرق ما بينهما (١). وإنما يتفاوت الناس في إدراك ذلك منه على حسب ما عندهم من قوة علم، وصدق بصيرة، وحسن إخلاص.\nفعلينا - إذن - أن يكون أول فزعنا في الفرق والفصل إليه.\nوأن يكون أول جهدنا في استجلاء ذلك من نصوصه ومراميه، مستعينين بالسنة القولية والعملية على استخراج لآليه.\nفإذا حكم قبلنا وسلمنا وكنا مع ما حكم له، وفارقنا ما حكم عليه؛ فالله سماه الفرقان، لنعلم أنه فارق بنفسه، ولنعمل بالفرق به، ولا يكمل إيماننا بأنه الفرقان، إلا بالعلم والعمل.\nالإنذار بالقرآن:\nولما جعل - تعالى - غاية تنزيل الفرقان أن يكون عبده نذيرًا اقتضى ذلك أن نذارته تكون بالقرآن؛ لتقوم الحجة، وتتم الحكمة، وتحصل الفائدة وتشمل النعمة.\n_________\n(١) ما فرطنا في الكتاب من شيء.","vol":"2","page":630},{"text":"وقد صرح بهذا في قوله تعالى:\n﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ [الأعراف: ٢].\n﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩].\n﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٩١ - ٩٢].\n﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥].\n﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].\nفعلينا - إذن - أن نعلم أن القرآن هو كتاب النذارة والهداية، فنستخرج أصولها وفنونها من آياته، وهذا حظ العلم. وأن يكون اهتداؤنا في أقسنا وهدينا لغيرنا به وهذا حظ العمل وهما ركنا الإيمان.\nتطبيق وتحاكم:\nتنازع ورده إلى القرآن:\nفي العالم الإسلامي كله اليوم طائفتان من المؤمنين (١)، يتنازعان خطة الهداية والنذارة والتذكير.\nولكل منهما - في سلوكها للقيام بتلك الخطة - سبيل.\nوكل منهما تدعي أنها على الصواب، وأنها الأحق والأولى بنفع العباد.\nفرأينا أن نطبق فصل الفرقان عليهما، وننظر: كيف يفرق ما بينهما ومن هي المصيبة أو المخطئة. وفي ضمن ذلك تحاكمهما إليه وفصل النزاع بينهما بحكمه.\nوإنما اخترناهما للتطبيق والتمثيل، لخطر الخطة التي تنازعا عليها، وعظيم النفع والضرر الذي يحصل من خطأ المخطئ، وصواب المصيب بها. ولأن الهداية والنذارة والتذكير أمور لها أنزل القرآن، فتنازعهما عليها تنازع عليه.\n_________\n(١) يشير إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وعلى شاكلتها، وإلى الطرفية.","vol":"2","page":631},{"text":"فأحق فصل أن نمثل به لنعلمه هو فصله بين المتنازعين فيه.\nوها نحن نعرض بعض حال كل طائفة في قيامها بالخطة، ثم نسوق آيات القرآن، وننظر من أسعد الطائفتين بها:\nالطائفة الأولى:\nيذكرون من يدعونهم بغير القرآن بأحزاب وأورد من وضعهم، لا مما ثبت عن النبي - ﵌ - إلا قليلًا.\nولهم عليهم في أموالهم حق في أوقات من السنة معلومة.\nوالطائفة الثانية:\nيذكرون الناس بالقرآن فيأمرونهم بقراءته وتدبره، ويبينون لهم معانيه، ويحثونهم على التمسك به والرجوع إليه.\nويدعونهم إلى الأذكار النبوية الثابتة في الكتب الصحاح، لرجوعها إلى القرآن لحكم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧].\nولا يطلبون عليهم في ذلك أجرًا.\nحكم الله:\nوالله تعالى يقول في الحال الأول ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ [ق: ٤٥] وغيرها من الآيات المتقدمة في هذا المجلس.\nويقول - تعالى - في الحال الثاني لنبيه ﵌:\n﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٥٧].\n﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣].\nويقول في آية صريحة صراحة تامة في بيان من يجب أن يتبع من الدعاة:\n﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١].","vol":"2","page":632},{"text":"ومن هم المهتدون؟ هم المتبعون للنبي - ﵌ - لقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]. واتباعه بالنسبة لموضوعنا هو اتباعه في طريق دعوته الخلق إلى الله.\nوقد ثبت بالقرآن أنه كان يدعو بالقرآن، ويذكر به، وأنه لا يسئل على ذلك أجرًا.\nبأن - والحمد لله - بما ذكرنا حكم القرآن بين الطائفتين، واتضح طريق الحق في الدعوة والإرشاد لمن يريد سلوكه منهما.\nوالله نسأل لنا ولهم قبول الحق والتعاون عليه والقوة والإخلاص في الصدع به والثبات عليه.\n﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧].\nشكوى النبي وتسليته وتثبيته\n﴿وَقَال الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]\nالمناسبة:\nلما ذكر تعالى ما قاله المشركون من الباطل في معارضة القرآن، والإعراض والصد عنه. وما قالوه من عبارات الحسرة والندامة يوم القيامة، على ما كان منهم من ذلك في الدنيا - ذكر ما قاله النبي - ﵌ - من الشكوى لربه بهم من تركهم للقرآن العظيم وهجره.\nالمفردات والتراكيب:\n(مهجورا): متروكًا مقاطعًا مرفوعًا عنه.\n(الرسول): محمد ﵌، (وقومه) قريش.","vol":"2","page":633},{"text":"في قوله: (يا رب): إظهار لعظيم التجائه، وشدة اعتماده. وتمام تفويضه لمالكه ومدبر أمره، وموالي الإنعام عليه.\nوفي التعبير عنهم بقومه وإضافتهم إليه، وفي التعبير عن القرآن باسم الإشارة القريب - بيان لعظيم جرمهم بتركهم للقرآن، وهو قريب منهم في متناولهم (١)، وقد أتاهم به واحد منهم، أقرب الناس إليهم، فصدوا، وأبعدوا في الصد عمن هو إليهم قريب من قريب، وهذا أقبح الصد وأظلمه.\nوفي قوله: (اتخذوا) إلخ ... بيان أنهم جعلوا الهجر ملازمًا له ووصفًا من أوصافه عندهم. وذلك أعظم من أن يقال: هجروه، الذي يفيد وقوع الهجران منهم، دون دلالة على الثبوت والملازمة.\nالمعنى:\nقال الرسول شاكيًا لربه: إن قومي الذين أرسلتني إليهم بالقرآن لأتلوه عليهم، قد صدوا عنه وتركوه، وثبتوا على تركه وهجره.\nاستنتاج واعتبار:\nفي شكوى النبي - ﵌ - من هجرة القرآن دليل على أن ذلك من أصعب الأمور وأبغضها لديه.\nوفي حكاية القرآن لهذه الشكوى وعيد كبير للهاجرين بإنزال العقاب بهم إجابة لشكوى نبيه.\nولما كان الهجر طبقات أعلاها عدم الإيمان به ... فلكل هاجر حظه من هذه الشكوى وهذا الوعيد.\n_________\n(١) ولا مانع أن تكون الإشارة بالقرب للعظمة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، خاصة وقائلها الرسول.","vol":"2","page":634},{"text":"تنزيل:\nهجر المسلمين للقرآن:\nونحن - معشر المسلمين - قد كان منا للقرآن العظيم هجر كثير في الزمان الطويل، وإن كنا به مؤمنين:\n١ - بسط القرآن عقائد الإيمان كلها بأدلتها العقلية القريبة القاطعة فهجرناها، وقلنا: تلك أدلة سمعية لا تحصل اليقين، وأخذنا في الطرائق الكلامية المعقدة، وإشكالاتها المتعددة، واصطلاحاتها المحدثة، مما يصعب أمره على الطلبة فضلًا عن العامة.\n٢ - وبين القرآن أصول الأحكام، وأمهات مسائل الحلال والحرام، ووجوه النظر والاعتبار، مع بيان حكم الأحكام وفوائدها في الصالح الخاص والعام، فهجرنا، واقتصرنا على قراءة الفروع الفقهية مجردة بلا نظر، جافة بلا حكمة، محجبة وراء أسوار من الألفاظ المختصرة، تفنى الأعمار قبل الوصول إليها.\nغلو وتنطع\n٣ - وبين القرآن مكارم الأخلاق ومنافعها، ومساويء الأخلاق ومضارها وبيَّن السبيل للتخلي عن هذه والتحلي بتلك، مما يحصل به الفلاح بتزكية النفس والسلامة من الخيبة بتدسيتها.\nفهجرنا ذلك كله، ووضعنا أوضاعًا من عند أنفسنا، واصطلاحات من اختراعاتنا، خرجنا في كثرها عن الحنيفية السمحة إلى الغلو والتنطع.\nوعن السنة البيضاء إلى الأحداث والبدع، وأدخلنا فيها من النسك الأعجمي، والتخيل الفلسفي ما أبعدها غاية البعد عن روح الإسلام، وألقى بين أهلها بذور الشقاق والخصام، وآل الحال بهم إلى الخروج من أثقال أغلالها، والاقتصار على بقية رسومها للانتفاع منها، ومعارضة هداية القرآن بها.","vol":"2","page":635},{"text":"٤ - وعرض القرآن علينا هذا الكون وعجائبه ونبهنا على ما فيه من عجائب الحكمة ومصادر النعمة، لننظر ونستفيد ونعمل.\nفهجرنا ذلك كله إلى خريدة العجائب، وبدائع الزهور، والحوت والصخرة، وقرن الثور! .\n٥ - ودعانا القرآن إلى تدبره وتفهمه، والتفكر في آياته ولا يتم ذلك إلا بتفسيره وتبيينه، فأعرضنا عن ذلك وهجرنا تفسيره وتبيينه.\nفترى الطالب يفني حصة كبيرة من عمره في العلوم الآلية، دون أن يكون طالع ختمة واحدة في أصغر تفسير كتفسير الجلالين مثلًا، بل ويصير مدرسًا متصدرًا ولم يفعل ذلك!\nوفي جامع الزيتونة - عمره الله تعالى - إذا حضر الطالب بعد تحصيل التطويع في درس تفسير، فإنه ويا للمصيبة يقع في خصومات لفظية، بين الشيخ عبد الحكيم وأصحابه، في القواعد التي كان يحسب أنه فرغ منها. من قبل، فيقضي في خصومة من الخصومات أيامًا أو شهورًا؛ فتنتهي السنة وهو لا يزال حيث ابتدأ أو ما تجاوزه إلا قليلًا دون أن يحصل على شيء من حقيقة التفسير. وإنما قضى سنته في المماحكات بدعوى أنها تطبيقات للقواعد على الآيات. كأن التفسير إنما يقرأ لأجل تطبيق القواعد الآلية، لا لأجل فهم الشرائع والأحكام الإلهية.\nفهذا هجر آخر للقرآن، مع أن أصحابه يحسبون أنفسهم أنهم في خدمة القرآن! .\nوعلمنا القرآن أن النبي - ﵌ - هو المبين للناس ما نزل إليهم من ربهم، وأن عليهم أن يأخذوا ما أتاهم، وينتهوا عما نهاهم عنه، فكانت سنته العملية والقولية تالية للقرآن. فهجرناها كما هجرناه، وعاملناها بما عاملناه، حتى إنه ليقل في المتصدرين للتدريس - من كبار العلماء في أكبر المعاهد - من يكون قد ختم كتب الحديث المشهورة كالموطأ والبخاري ومسلم ونحوها، مطالعة، فضلًا عن غيرهم من أهل العلم، وفضلًا عن غيرها من كتب السنة (١).\n_________\n(١) وخرج الإمام بعد هذه التبعة بأن أتم القرآن الكريم تفسيرًا، وأتم موطأ مالك شرحًا وجمعنا منه =","vol":"2","page":636},{"text":"وكم وكم وكم بيّن القرآن! ! ! وكم وكم وكم قابلناه بالصد والهجران! ! !\nبيان واستشهاد:\nشر الهاجرين للقرآن هم الذين يضعون من عند أنفسهم ما يعارضونه به، ويصرفون وجوه الناس إليهم، وإلى ما وضعوه عنه، لأنهم جمعوا بين صدهم وهجرهم في أنفسهم وصد غيرهم، فكان شرهم متعديًا، وبلاؤهم متجاوزًا وشر الشر وأعظم البلاء ما كان كذلك.\nوفي هؤلاء جاء ما ذكره الإمام ابن القيم، في كتاب (أعلام الموقعين) عن حماد بن سلمة، ثنا أيوب السختياني عن أبي قلابة عن يزيد بن أبي عميرة، عن معاذ بن جبل، قال:\nفتن وبدع:\n\"تكون فتن، فيكثر المال، ويفتح القرآن، حتى يقرأه الرجل والمرأة والصغير والكبير، والمنافق والمؤمن\".\nفيقرؤه الرجل فلا يتبع، فيقول: والله لأقرأنه علانية، فيقرؤه علانية فلا يتبع. فيتخذ مسجدًا ويبتدع كلامًا ليس من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله، ﵌. فإياكم وإياه، فإنه بدعة وضلالة\".\nقال معاذ ثلاث مرات. أهـ.\nفانظر في قطرنا وفي غير قطرنا، كم تجد ممن بنى موضعًا للصلاة، ووضع كتبًا من عنده، أو مما وضعه أسلافه من قبله، وروّجها بين أتباعه، فأقبلوا عليها وهجروا القرآن (١).\n_________\n= أيضًا مجالس التذكير في \"من هدى النبوة\".\n(١) يشير إلى ما ابتدعه بعض الطرقيين.","vol":"2","page":637},{"text":"وربما يكون بعضهم قصد بما وضع النفع فأخطأ وجهه، إذ لا نفع بما صرف عباده عن كتاب الله. وإنما يدعى لله بكتاب الله؛ ولذلك سمى صنيع هذا الوضع بدعة وضلالة، وحذر معاذ منه وأكد في التحذير بالتكرير.\nوهذا الحديث وإن كان موقوفًا على معاذ، فهو في حكم المرفوع، لأنه بمغيب مستقبل، وهذا ما كان يعلمه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، إلا بتوقيف من النبي ﵌.\nوقد تحقق مضمونه في المسلمين منذ أزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nسبيل النجاة:\nلا نجاة لنا من هذا التيه الذي نحن فيه والعذاب المنوع الذي نذوقه ونقاسيه.\nإلا بالرجوع إلى القرآن: إلى علمه وهديه.\nوبناء العقائد والأحكام والآداب عليه.\nوالتفقه فيه وفي السنة النبوية شرحه وبيانه.\nوالاستعانة على ذلك بإخلاص القصد، وصحة الفهم، والاعتضاد بأنظار العلماء الراسخين، والاهتداء بهديهم في الفهم عن رب العالمين.\nوهذا أمر قريب على من قرَّبه الله عليه، ميسر على من توكل على الله فيه.\nوقد بدت طلائعه - والحمد لله - وهي آخذة في الزيادة إن شاء الله، وسبحانه من يحيي العظام وهي رميم (١).\n* * *\n_________\n(١) التفسير ص ٢٤٥ - ٢٨٦.","vol":"2","page":638},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-665>٥ - تفسير المعوذتين</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-666>سورة الفلق </span>(١)\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤) وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾.\nاستهلال:\nأعوذ بالله من الشيطان الرجيم.\nبسم الله الرحمن الرحيم.\nالحمد لله إن الحمد لله. نحمده ونشكره، ونستعينه ونستغفره.\nونتوب إليه من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يضلل الله فلا هادي له ومن يهد فما له من مضل.\nونشهد أن لا إله إلا الله، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد:\nفإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﵌، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.\nتمهيد:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-667>الأعمال الكسبية بين الخير والشر:</span>\nبني هذا الكون الدنيوي على أن يقترن فيه الخير بالشر، وأن يتصلا، وأن يشتبها،\n_________\n(١) ختم الإمام تفسير القرآن الكريم بهاتين السورتين الكريمتين في احتفال الختم، وكان العلامة الأستاذ الإبراهيمي حاضرًا، وهو من هو سرعة الحفظ بما يدهش، فسجلت حافظته الواعية، وقلمه السريع تفسير هاتين السورتين، ونشرا \"في الشهاب\"، وتصرف في الألفاظ بما لا يخرج عن المعاني وعرض ذلك على الإمام - ﵀ - فأقره.","vol":"2","page":639},{"text":"وأن يحيطا بالإنسان من جميع جهاته، فتكون أعماله الكسبية في الحياة مكتنفة بهما، دائرة بينهما، موصوفة بأحدهما. ولا بد في ذلك من قدر الله، ومن سننه العامة في هذا العالم الإنساني.\nوحكمته المبينة في وحيه: هي ابتلاء خلقه، ليجازوا على ما يكون من كسبهم وسلوكهم، بعد أن وهبهم العقل والتمييز، وأكمل عليهم نعمته بهداية الدين عدلا منه تعالى ورحمة.\nوحكمة أخرى: وهي تمرين هذا الإنسان في حياته، العلمية والعملية، وتدريب فكره على اختيار الأنفع على النافع، والنافع على الضار، ثم سوق الجوارح إلى العمل على ذلك الترتيب وترويضها عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-668>مسؤولية الإنسان:</span>\nوالإنسان يكتسب القوة والدربة بتمرسه على ما يلقاه من الخير والشر بعمله وبفكره.\nوللفكر الإنساني عمل سابق لأعمال الجوارح المجترحة، وسائق لها ومهيء لما يظهر أنه من بدواتها (١).\nوهذا العمل الفكري تظهر قوته في نواح منها - وهو أهمها:\nالتمييز بين الخير والشر، وأدق منه التمييز بين الخيرين، وشر الشرين، فإن الخير درجات وأنواع؛ والشر كذلك دركات وأنواع.\nوالإنسان في هذا الخضم الذي تلاطمت أمواجه، وفي هذا الفضاء الذي تشابهت أفواجه، محتاج إلى معونة إلهية في تمييز الخير من الشر. وقد أمده الله بهذه المعونة من دينه الحق. ومحتاج إلى تأييد إلهي يعصمه من الشر ويقيه من الوقوع فيه عن جهالة أو عمد.\n_________\n(١) فالإنسان حر مختار، لا مقهور مسير كيشة في مهب الرياح.","vol":"2","page":640},{"text":"وقد هداه الله إلى أسبابه ووسائله بما شرع له من المنبهات عند طروق الغفلة، والمبصرات عند عروض الشبهة، والمعوذات المحصنات عند إلمام لمة الشيطان، وطواف طائفة (١).\nومن هذه المعوذات:\nعقائد تدفع عن صاحبها الشكوك، وهي شر.\nوحقائق تقي صاحبها الوهم، وهو شر.\nوعبادات تربي مقيمها على الخير، وتنهاه عن الفحشاء والمنكر.\nوأعمال تثبت فاعلها على الحق.\nوأقوال يمليها القلب - العامر بتقوى الله والخوف من مقامه - على الألسنة لتكون شهادة لها، أو عنوانًا عليها، والألسنة تراجمة القلوب.\nفكان مما شرع الله لنا في كتابه وعلى لسان نبيه التعوذ باللسان من الشر والباطل.\nوأنزل الله عليه هاتين السورتين وفيهما الاستعاذة بالله من أنواع من الشرور هن أمهات لما عداهن.\nوكان نبينا ﵇ يكثر التعوذ باسم الله وكلماته من أنواع أخرى من الشرور مفصلة في صحاح السنة.\nفضل المعوذتين:\nأما السورتان فيكفي في فضلهما ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر الجهني، قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n\"ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير خير منهن قط: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس\".\n_________\n(١) فتدخل الإسلام في حياة الإنسان وتنظيمها، لم يكن عبثًا، وإنما كان لرعاية الإنسان، والأخذ بيده نحو الرشد والكمال الإنساني.","vol":"2","page":641},{"text":"وفي رواية أخرى في مسلم عنه تسميتها بالمعوذتين، وفي رواية أبي أسامة في مسلم أيضًا وصف عقبة بن عامر، بأنه كان من رفعاء أصحاب محمد - ﷺ -؛، فتسمية هاتين السورتين بالمعوذتين تسمية نبوية مأثورة، كأسماء جميع سور القرآن.\nوقد يقال: المعوذات ويراد بها ما يشمل سورة الإخلاص.\nوكفى بما فيها من أصول العقائد معاذًا من الشرك، وهو أصل الشرور كلها.\nدفع توهم:\nوحديث مسلم هو أصح ما ورد في نزولهما.\nوأما ما يذكر في نزولهما في قصة سحر النبي - ﵌ - فإن ذلك لم يصح سببًا لنزولها. وإن كان لقصة السحر وصاحبها لبيد بن الأعصم أصل ثابت في الصحيح. وقد تساهل كثير من المفسرين في حشر هذا السبب في تفسيرهما وفي حشر كثير مما لم يصح في فضائلهما، ولنا فيما صح غنية عما لم يصح.\nخيريتهما:\nوهذه الخيرية التي أثبتها لهما حديث عقبة عند مسلم، هي خيرية نسبية في ناحية مخصوصة. وهي ناحية التعوذ بهما من الشرور العامة والخاصة المذكورة فيها.\nودليل هذه النسبية ما أخرجه النسائي في سننه عن ابن عباس الجهني أن رسول الله - ﵌ - قال له:\n\"يا ابن عباس، ألا أدلك (أو ألا أخبرك) بأفضل ما يتعوذ به المتعوذون؟ .\nقال: بلى يا رسول الله.\nقال: قل: أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس هاتين السورتين\".\nفبين - ﵌ - أن خيريتهما وأفضليتهما من جهة ما تشتملان عليه من معنى التعوذ، وهو من المعاني الداخلة في دائرة ما كلفنا الله به.","vol":"2","page":642},{"text":"سر الختم بهما:\nولهاتين السورتين خصوصية غير المناسبات التي يذكرونها في ارتباط بعض السور بالبعض، ويستخرجون منها بالتدبر ما لا يحصى من الأنواع، وهذه الخصوصية هي ختم القرآن بهما؟ وترتيب السور توقيفي، ليس من صنيع جامعي المصحف كما ذكره السيوطي في الإتقان وجماعة؟ .\nيستطيع ممارس القرآن ومتدبره ومتقلبه، بالذهن المشرق والقريحة الصافية، أن يستخرج من الحكم في هذا الختم بهما أنواعًا.\nولكن أجلاها وأوضحها:\nأنهما ختم على كنوز القرآن في نفس المؤمن، وتحصين لهذه النعم المنشأة له من القرآن عليه - أن يكدرها عليه كيد كائد، أو حسد حاسد، فإن من أوتي الشيء الكريم، ورزق النعمة الهنية، هو الذي تمتد إليه أيدي الأشرار وألسنتهم بالسوء، وتقذفه عيونهم بالشرر، وتتطلع إليه نفوسهم بالحسد والبغضاء، ويشتد عليه تكالبهم، سعيًا في سلبه منه، أو تكديره عليه.\nوبقدر النعمة يكون الحسد، وعلى مقدار نفسه ما تملك، تكون هدفًا لمكائد الكائدين، وتأتيك البلايا من حيث تدري ولا تدري (١).\nومن أوتي القرآن فقد طوى الوحي بين جنبيه، وأتى الخير الكثير، فهو لذلك مرمى أعين الحاسدين، ومهوى أفئدة الكائدين فكان حقيقًا، وقد ختم القرآن حفظًا أو مدارسة أو تلاوة، أن يلجتيء إلى الله طالبًا منه الحفظ والتحصين، ومن شر كل كيد وحسد يصيبه على هذا الخير العظيم، الذي كمل له هذه النعمة الشاملة التي تمت عليه.\nهذه حكمة.\n_________\n(١) وكل ذي نعمة محسود.","vol":"2","page":643},{"text":"ب- والأخرى: هي أن من أوتي القرآن وتفقه فيه، فقد أوتي الحكمة وفصل الخطاب، وأحاط بالعلم من أطرافه، وملك كنزه الذي لا ينفد.\nوأن من آفات العلم اغترار صاحبه به، وقد يتمادى به الغرور حتى يسول له أن ما أوتيه من العلم كافٍ في وقايته من الأضرار، ونجاته من الأشرار، فكان من رحمة الله بصاحب القرآن، ولطف تأديبه له، وحسن عنايته به، أن ختم بهاتين السورتين كتابه؛ لتكونا آخر ما يستوقف القارى المتفقه، وينبهه إلى أن في العلم والحكمة مسألة لم يتعلماه إلى الآن، وهي: أنه مهما اعتد في العلم باعه، واشتد بالحكمة إطلاعه، فإنه لا يستغني عن الله، ولا بد له من الالتجاء إليه، والاعتصام به: يستدفع به شر الأشرار، وحسد الحاسد وكفى بهذه التربية قامعًا للغرور، وانه لشر الشرور.\nهذه هي المناسبة العامة بين جميع القرآن مرتبًا ترتيبه التوقيفي، وبين هاتين السورتين في اتحاد موضعها.\nوجه الارتباط بما قبلهما:\nوأما المناسبة الخاصة بين السورتين وبين سورة الإخلاص، فهي:\nأن سورة الإخلاص قد عرفت الخلق بخالقهم بما فيها من التوحيد والتنزيه والتمجيد؛ فإذا قرأت القرآن وتدبرته على ترتيبه، ووجدت توحيد الله منبثًا في آياته وسوره. متجليًا ذلك التجلي الباهر بما عرضه وصوره، سادًا ببراهينه على النفوس كل ثنية وكل مطلع - كانت آخر مرحلة يقطعها فكرك من مراحل التوحيد في القرآن، هذه السورة المعجزة على قصرها، فكأنها توكيد لما امتلأت به نفسك من معاني التوحيد، وكأنها وصة مودع مشفق بمهم يخشى عليك نسيانه؛ فيعمد فيها من الكلام إلى ما قل ودل ولم يمل.\nومن صدقك في توحيدك لله في ربوبيته وإلهيته ... أن تنقطع عن هذا الكون","vol":"2","page":644},{"text":"وتكون منه، وكأنك لست منه بصدق معاملتك لله، وإخلاص توحيدك إياه، فأنت وقد آمنت وصدقت، وخرجت من سورة الإخلاص متشبعًا بمعانيها، ومنها معنى الصمد - تستشعر أن العالم كله عجز وقصور، وأن خيراته مكدرة بالشرور، وأن لا ملجأ إلا ذلك الفرد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، فتجيء المعوذتان بعد الإخلاص مبينتين لذلك الالتجاء الذي هو من تمام التوحيد.\nتسمية واحدة:\nولأجل هذه المناسبة والارتباط بين السور الثلاث جمع بينهن في التسمية: ففي الصحيح عن عائشة -﵂ - \"أن النبي - ﷺ - كان ينفث عن نفسه بالمعوذات\".\nوسياق النسائي لحديث عقبة بن عامر المتقدم: \"أن رسول الله (- ﷺ -) قرأ وقرأت معه الإخلاص، ثم: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس. فلما ختمهن، قال: ما تعوذ بمثلهن أحد.\nوكما جمع - ﷺ - بينهن في التسمية والتعوذ، جمع بينهن عمليًا في قراءة الوتر.\nهذا إجمال المناسبة الخاصة بين السور الثلاث.\nرب الفلق:\nقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾.\nالألفاظ والتراكيب:\nالأمر المفرد للنبي ﵇.\nومن حسن الأدب في مقدرات القرآن، أن تقدر في مثل هذا الأمر: أيها الرسول، أو أيها النبي؛ لأنهما الوصفان اللذان نطق بهما القرآن في نداء النبي ﵊، وأن لا نقدر يا محمد كما هو جار على الألسنة، وفي التصانيف؛ فإن القرآن لم يخاطبه باسمه.","vol":"2","page":645},{"text":"والأمر لنبينا أمر لنا، لأننا المقصودون بالتكليف، ولا دليل على الخصوصية، فهو في قوة: قل أنت، وقل لأمتك يقولون.\n(وأعوذ) أستجير وألتجى، ويتعدى هو وجميع تصاريفه بالباء كأستجير. والعوذ والعياذ مصدران منه كالصوم والصيام. وفي القرآن مما جاء على المعنى اللغوي: \"يعوذون برجال من الجن\". ومن كلام العرب: قد استعذت بمعاذ.\n(والرب) الخالق المكون المربي، ومواقع استعمال هذه الكلمة في القرآن هي التي تكشف كل الكشف عن معناها الكامل.\nلطائف لغوية:\n(والفلق) الفجر المفلوق المفرى.\nومن لطائف هذه اللغة الشريفة: أن الفتح، والفلح، والفجر، والفلق، والفرق، والفتق، والفرى وألفأ، والفقأ والفقه ... كلها ذات دلالات واحدة، وتخصيصها بمتعلقاتها باب من فقه اللغة عظيم (١).\nومما وصف به ربنا نفسه في القرآن (فالق الإصياح)، وفالق الحب والنوى)، فهما من أسمائه تعالى.\nومواقع هذه الألفاظ التي تضاف إلى كلمة رب في القرآن، كمواقع أسماء المخلوقات التي أقسم بها الله: كلاهما عجيب معجز.\nفكل لفظة تستعمل في المقام الذي يناسبها وتناسبه، وكل لفظة تبعث في الأسلوب الذي وقعت فيه متانة وقوة، وفي معناه وضوحًا وجلاءً.\nوسر إضافة الفلق إلى رب هنا: أن الفجر بمعناه العرفي هو تشقق الظلمة عن النور، فإن الليل يكون مجتمع الظلمات مسدول الأرواق، فإذا جاء الصبح حصل الانفلاق، والذي يبقى بعد ذلك الانفلاق هو النور الذي نفى الظلمة، ولا ينف\n_________\n(١) في صلة اللفظ بالمعنى، وإمساس الألفاظ أشباه المعاني.","vol":"2","page":646},{"text":"ظلمات الشر والضلال والباطل إلا أنوار الخير والهدى والحق من خالقها، وفالق أنوارها.\nوكما أضيف الفلق بمعنى الفجر إلى كلمة رب هنا، أقسم به في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ﴾.\nالشر:\n﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾\nمن كل مخلوق فيه شر، فلا يدخل في عمومه إلا كل شرير من أي العوالم كان، كما يدخل في عموم المناطق كل ذي نطق، أو من شر كل مخلوق.\nومن مخلوقات الله ما هو خير محض كالأنبياء والملائكة.\nومعلوم أن المخلوقات كلها خلقت بحق والحكمة، فهي في نفسها خير. فإن كان لا ينشأ من أعمالها أو آثارها إلا الخير فهي الخير المحض، وإن كان ينشأ عنها الشر أحيانًا أو دائمًا، فعملها هو الشر، وهو المستعاذ منه.\nلا تكليف بالشر:\nوتصبح نسبة هذا القسم إلى الله من حيث الخلق والحكمة، ونسبة أعماله إليه من حيث التقدير والتكوين؛ لا من حيث الرضا والتكليف؛ فالله لا يرضى بالشر ولا يكلف به.\nوقصارى إبليس وهو مادة الشر في هذا الوجود، أن يزين الشر ويلبسه بالخير. فالشر بيد الله خلقه وحكمة، لا رضا وتكليفًا. والخير بيد الله خلقة وحكمة ونعمة وأمرًا.\nالشر ذاتي ونسبي:\nوقد يكون الشر ذاتيًا لا ينفك، وقد يكون نسبيًا: باعتبار حالة تعرض واتجاه يقصد.","vol":"2","page":647},{"text":"ونعم الله على عباده قد تنقلب عليهم شرًّا وبلاء بسبب سوء تصرفهم فيها:\nكالمال الذي سماه الله خيرًا في القرآن - يكسبه صاحبه من الوجوه المشروعة، ويتحرى رضا الله في جمعه وتفريقه؛ فيكون خيرًا بذاته وبعمل صاحبه.\nويتصرف فيه بعكس ذلك فيكون شرًّا لا من ذاته، بل من عمل صاحبه.\nلم عيب الشر؟\nوهذا العالم الإنساني المكلف، هو الذي يتجلى الخير والشر في أعماله، ويتصلان بحياته اتصالًا وثيقًا.\nوإنما عيب عليه وقبح منه، لأنه قادر على تمييزه واجتنابه، ومكلف بذلك. وقد وضح له الدين قوانين ثابتة للخير والشر، وأوضح له أن الخير ما نفع، وأن الشر ما أضر. ولكنه وإن أوتي قوة التمييز لم يؤت قوة الاستعصام، ابتداء من الله: فأما المخذول فيأتي الشر عامدًا متعمدًا وهو يعلم أنه شر. وأما الموفق فيواقع الشر في مواقف يشتبه عليه فيها الخير بالشر ويعسر التمييز (١).\nوالخير والشر لا يوازنان بميزان حسي يستوي الناس كلهم في إدراكه، وقد تدق الفوارق بينهما حتى تخفى.\nوفي هذه المواقف يجب الالتجاء إلى الله ليرينا الخير خيرًا، ويكشف لبصائرنا عن حقائق الشر فلا يلتبس علينا شيء بشيء.\nوبعد أن يوجه الاضطرار نفوسنا هذا التوجيه الصحيح، تندفع ألسنتنا وتقول: ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ وبهذا تظهر المناسبة الدقيقة بين (رب والفلق).\nالمناسبة بين الرب والفلق:\n١ - فإن رب الناس ومربيهم وسائقهم إلى ما يكمل وجودهم، هو الذي تنكشف\n_________\n(١) ولعل في هذا كفاية لبعض المتنطعين، الذين يقولون: مقدر ومكتوب ونحن مجورون مقهورون.","vol":"2","page":648},{"text":"له سرائرهم، والفلق نور يكشف للعيان كل المبصرات فترى على حقائقها ومقاديرها، لا يزيع البصر في شيء منها ولا يطغى، والإنسان مهما يكن عالمًا فقد تخفى عليه حقائق من المعقولات فيزيغ فكره ويطغى.\n٢ - ومناسبة أخرى، وهي أن الشر ظلام، وقد أجرى الله في فطر البشر تصور الشر كالظلام، وأجرى على ألسنتهم تشبيه الشر بالظلام: ذلك أن ما يلابس إحساسهم من الأنس بالنور والبشاشة له، هو عين ما يلابسه من الأنس والبشاشة للخير، وأن ما يضايقهم من وحشة الظلام وتوقع الهلاك فيه: هو عين ما يضايقهم من ذلك الشر.\nتخصيص أنواع خطرة من الشر:\nهذا كله في الشر على عمومه، ثم خصص تعالى من هذا العموم ثلاثة أنواع من الشر، لشدة تعلقها بحياة الإنسان وكثرة عروضها له، ويجيء أكثرها من أخيه الإنسان، ورتبها ترتيبًا بديعًا لا يستغرب في جنب بلاغة القرآن، ودقته في رعاية المراتب وتنسيقها في عرض الأذهان.\nهذه هي الثلاثة:\nالغاسق إذا وقب.\nوالنفاثات في العقد.\nوالحاسد إذا حسد.\nمفردات:\n(والغاسق) الليل المظلم، والمراد هنا المصيبة تطرق ليلًا وعلى غرة (ووقب) دخل في الوقب وهو النقرة في الشيء.\n(والنفاثات) السواحر ينفش الريق، واللفظ جمع نفاثة كثيرة النفث.\n(والعقد) جمع عقدة بيان لعادة السواحر المعروفة، من عقد الخيوط ونفث الريق عليها.","vol":"2","page":649},{"text":"جامع الثلاثة:\nوالجامع بين الثلاثة هو اشتراكها في الخفاء: فإن الغاسق ظلام تخفى فيه الشرور، والنفاثات مبني أمرهن على الإخفاء تخييلًا وإيهامًا، والحسد داء دفين.\nفالثلاثة كما ترون شرها خفي، وكل شر يخفى عمله أو يخفى أثره يجل خطبه، ويعظم خطره، فيعسر التوقي منه والاحتياط له، لأنك نتقي ما يظهر ويستعلن، لا ما يخفى ويستتر، لا جرم (١) كانت الثلاثة جديرة بالتخصيص.\nترتيب الثلاثة:\nأما نكتة الترتيب: فإن الليل ليس شرًّا في نفسه، ولا الشر من عمله، وإنما هو ظرف للشرور، والعلاقة بين الشيء وظرفه مكينة في النفوس قوية في الاعتبار، مسببة للحكم على أحدهما بحكم الآخر.\nبخلاف النفاثات والحساد، فإن الشر من عملهما ومن وصفهما، ولانطباعهما عليه صار ذاتيًا لهما، ولا شك أن الشر الذاتي أمكن من العرضي.\nكما أن بين الاثنين تفاوتًا في ذاتيه الشر وقوته، وعسر التوقي منه:\nفالنفاثات وإن كن يتحرين إخفاء عملهن، ولكنه مما يمكن ظهوره وافتضاحه - بخلاف الحاسد فإنه يخفي شره ويبالغ، فيظهر بمظهر الخير فشره أشد، والتوقي منه أعسر، ففي الترتيب بين الثلاثة ترق من الأخف إلى الأشد.\nومن جهة أخرى نجد التناسب ظاهرًا بين الثلاثة: الغاسق والنفاثات والحاسد: فإن الجميع ظلام: ظلام الزمن، وظلام السحر، وظلام الحسد.\nوفي تقييد الغاسق بالوقوب احتمالان كلاهما صحيح مفيد المراد:\nالتقييد بالوقوب زمانيًا ومكانيًا:\nالأول: أن وقوب الغاسق عبارة عن اعتكار الظلم وتكاثفها، فكأن بعض أجزائها\n_________\n(١) حقًّا.","vol":"2","page":650},{"text":"يدخل بعضًا. والظلام يبدأ خفيفًا مشوبًا بأسفار من الشفق، أو من طبيعة الأرض، ثم يشتد ويحلولك حتى يغطي على كل شيء، فتلك التغطية هي الوقوب.\nوالوقوب على هذا الاحتمال منظور فيه إلى ظرفه الزماني.\nوفائدة القيد حينئذ، أن تلك الحالة المصورة بهذه الجملة، هي التي يقع فيها الشرور من الآدميين وغيرهم، فالطارق يطرق، والسارق يسرق، والحيات تنهش، والضواري تفترس، وظلام الليل يستر ذلك كله، ويعين عليه، ويعوق عن الاستصراخ والاستنجاد.\nوالعرب تقول فيما يشير إلى هذا: (الليل أخفى للويل).\nفالمستعاذ منه على هذا الاحتمال: شر يقع في زمان.\nوالاحتمال الثاني: أن الوقوب في حقيقته هو دخول شيء في شيء دخولًا حسيًا، فيقتضي ظرفًا مكانيًا، وما هذا الظرف إلا الأبنية والمساكن، والظلام حين يهجم يدخل المساكن فيملأها، ويكون دخوله فيها أبين من دخوله في الفضاء، وملؤه إياها أشد.\nفالوقوب على هذا منظور فيه إلى ظرفه المكاني، لأن الشرور التي ترتكب في البيوت حين يغمرها الظلام أكثر مما يرتكب منها في الفضاء، خصوصًا من الآدميين، والمستعاذ منه على هذا الاحتمال شر يقع في مكان.\nوعلى الاحتمالين لما كان الليل معوانًا لذوي الشر على شرهم، أضيف الشر إليه واستعيذ بالله منه.\nالنفاثات:\n(والنفاثات) صفة إما للنفوس فتشمل الرجال والنساء، وتكون الاستعاذة من شر كل من يتعاطى هذا الفعل رجلًا كان أو امرأة، وإما للنساء. وخصصن بذلك لأن وقوع هذا الفعل منهن أكثر، وهن به أشهر.","vol":"2","page":651},{"text":"النفث والمنفوث:\nوالنفث إخراج الهواء من الفم مدفوعًا بالنفس بدون بصاق، أو مع قليل منه تتطاير ذراته وهو دون التفل.\nوالنفث وإن كان عامًّا لكنه اشتهر فيما يفعله السحرة، يعقدون خيطًا ويتمتمون عليه برقى معروفة عندهم، وينفثون على عقدة منه بقصد إيصال الشر من نفوسهم الخبيثة إلى نفس المسحور، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله.\nوما أمرنا الله بالاستعاذة من شره إلا لأنه يؤثر في بعض النفوس القابلة للتأثر به حاشا النفوس المعصومة، كنفوس الأنبياء فإن شرور الدنيا وأسواءها لا تعدو أبدانهم إلى أرواحهم.\nسحر الرسول:\nولا يتعاصى على هذه القاعدة ما ورد في سحر لبيد بن الأعصم اليهودي، لرسول الله ﵌، وما يوهمه لفظ الرواية، فإن ذلك كله لا يخرج عن التأثر البدني (١).\nالاعتقاد الصحيح:\nنفث الشر والخير:\nونحن نعتقد دينا أن تأثير المؤثرات هو من وضع الله وحده.\nونقطع علمًا وتجربة أن للقوى النفسية تأثيرًا أعظم من تأثير القوى الجسمانية.\nوأن من مظاهر هذا التأثير النفساني تأثير العين في المعيون، وتأثير التنويم في المنوم.\nوأن التأثير والتأثر النفسانيين، يختلفان باختلاف النفوس الفاعلة والمنفعلة قوة وضعفًا.\n_________\n(١) والقول بالتأثير البدني قول حسن في التوفيق بين القائلين بجواز تأثير السحر على الأنبياء: أولًا.","vol":"2","page":652},{"text":"وأن تأثير العين ليس من ذاتها. وإنما هو من النفس التي من وراء العين ولو كان التأثير من ذات العين لكانت كل عين ناظرة تحدث ذلك الأثر، وأن هذا التأثير لون من ألوان النفس: فإن كانت خيرة كان تأثيرها خيرًا، وإن كانت شريرة كان شرًّا.\nفالنفث المذكور في الآية إن أثر فإنما يؤثر بالقوة النفسية التي من ورائه. والساحر لا ينفث من نفسه الخبيثة إلا نفث الشر؛ لأن الشر هو صفته الطبيعية، كالحية لا تنفث الترياق، وإنما تنفث السم، وكالعدو يلقاك بطعن الأسل لا بطعم العسل؛، إذ كان ذلك من طبيعة العداوة.\nهذا نفث الشر من النفوس الشريرة كنفوس السحرة.\nنفث المؤمن:\nوأما النفوس الخيرة الطيبة، كنفوس المؤمنين فإنها تنفث الخير للخير.\nوفي الصحيح عن عائشة -﵂ - أن النبي ﵌ -.\nنفث الرسول:\nكان إذا آوى إلى فراشه جمع بين كفيه ثم نفث فيهما، وهو يقرأ المعوذتين ثم مسح بهما ما استطاع من بدنه يبدأ برأسه ووجهه يفعل ذلك ثلاث مرات\" فهذا نفث الخير من خير نفس خلقها الله.\nثم قالت في تمامه: \"فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك\".\nوفي رواية: \"كان يقرأ بالمعوذات فلما ثقل كنت أنفث عليه بهذا، وأمسح بيد نفسه رجاء بركتها\".\nوفي رواية مسلم عنه: \"أنه كان يفعل ذلك إذا مرض أحد أهله\" (١).\nفهذه الأحاديث - ثابتة صحيحة - تثبت أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ المعوذات، وينفث حين القراءة نفث الخير قطعًا.\n_________\n(١) وما أجملها من رقية تقوي الأثر النفسي عند المريض. وتساعد الدواء المادي على عاجل الشفاء.","vol":"2","page":653},{"text":"حقيقة النفث إذن:\nوتبين لنا أن كل نفس تنفث ما وقر فيها.\nوأن النفث إيصال للقوة الروحانية إلى ما يراد وصول الأثر إليه، وهي دليلنا على ما أسلفنا من أن في النفث خيرًا وشرًا، ولولاها لما كان النفث إلا من فعل السحرة.\nوالنفوس إذا استفزها شيء من ملابستها، تتفشى فيها الروحانية وتضطرب، فكأنها بذلك النفث تنفض جزءًا من روحانيتها على نفس أخرى، أو على بدن.\nوكأن تحريك اللسان بقراءة أو غيرها إثارة لتلك الروحانية، واستدعاء لها، حتى تتصل بالريق الذي ينفث، كما يتصل السيال الكهربائي بشيء مادي.\nوقد علمنا أن السحرة لا ينفثون نفثًا مجردًا، بل يغمغمون برقى شيطانية وأسماء أرواح خبيثة.\nشاهد آخر للنفث:\nومن الشواهد لنفث الريق، ما أخرجه مسلم من حديث عائشة ﵂:\n\"أن رسول الله - ﵌ - كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة، أو جرح، قال النبي بإصبعه هكذا: (تعني وضعها على الأرض كما فسرها سفيان بالعمل) ثم رفعها، وقال:\nبسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى به سقيمنا بإذن ربنا\".\n(بعد رواية الأستاذ لهذا الحديث، سكت لحظة كمن يستجمع خواطره، ثم اندفع فقال ما معناه بتوسع) (١):\nتفسير القرآن:\nإن القرآن كتاب الدهر ومعجزته الخالدة، فلا يستقل بتفسيره إلا الزمن. وكذلك\n_________\n(١) ما بين القوسين من كلام العلامة البشير الإبراهيمي.","vol":"2","page":654},{"text":"كلام نبينا - ﵌ - المبين له، فكثير من متون الكتاب والسنة الواردة في معضلات الكون ومشكلات الاجتماع، لم تفهم أسرارها ومغازيها إلا بتعاقب الأزمنة، وظهور ما يصدقها من سنن الله في الكون. وكم فسرت لنا حوادث الزمن واكتشافات العلم من غرائب آيات القرآن، ومتون الحديث، وأظهرت منها للمتأخرين ما لم يظهر للمتقدمين، وأرتنا مصداق قوله - ﵌ - في وصف القرآن: \"لا تنقضي عجائبه\".\nالحوادث والمكتشفات كاشفة عنه:\nوالعلماء القوامون على كتاب الله وسنة رسوله لا يتلقونها بالفكر الخامد، والفهم الجامد. إنما يترقبون من سنن الله في الكون وتدبيره في الاجتماع ما يكشف لهم عن حقائقهما، ويكلون إلى الزمن وأطواره تفسير ما عجزت عنه أفهامهم.\nوقد أثر عن جماعة من فقهاء الصحابة بالقرآن قولهم في بعض هذه الآيات: لم يأت مصداقها أو تأويلها بعد: يعنون أنه آت، وأن الآتي به حوادث الزمان، ووقائع الأكوان، وكل عالم بعدهم، فإنما يعطي صورة زمنه بعد أن يكيف بها نفسه.\nهذا الخبر عند الناس:\nولو أننا عرضنا حديث التربة والريقة على طائفة من الناس مختلفة الأذواق متقسمة الحظوظ في العلم وسألناهم:\nأية علاقة بين الشفاء وبين ما تعاطاه النبي - ﵌ - من أسبابه في هذا الحديث؟ .\nفماذا تراهم يقولون؟\n١ - يقول المتخلف القاصر:\nتربة المدينة بريق النبي - ﵌ - شفاء ما بعده من شفاء.\n٢ - ويقول الطبيب المستغرب:","vol":"2","page":655},{"text":"هذا محال، في التراب مكروب، وفي الريق مكروب، فأنى يشفيان مريضًا؟ أو ينفسان عن مكروب؟ ! .\nويقول الكيماوي:\nهاهنا تفاعل بين عنصرين، ودعوا التعليل، فالقول ما يقول التحليل.\n٤ - ويقول ذوو المنازع القومية والوطنية، ولو كانوا يدينون بالوثنية:\nآمنا بأن محمدًا رسول الله، فقد علم الناس من قبل أربعة عشر قرنًا أن تربة الوطن معجونة بريق أبنائه، تشفي من القروح والجروح، ليربط بين تربته وبين قلوبهم عقدًا من المحبة والإخلاص له، وليؤكد فيها معنى الحفاظ له والاحتفاظ به، وليقرر لهم من منن الوطن منه كانوا عنها غافلين، فقد كانوا يعلمون من علم الفطرة أن تربة الوطن تغذي وتروي، فجاءهم من علم النبوة أنها تشفي فليس هذا الحديث إرشادًا لمعنى طبي، ولكنه درس في الوطنية عظيم.\nولو أنصف المحدثون لما وضعوه في باب الرقي والطب، فإنه بباب \"حب الوطن\" أشبه.\nوما نرى رافع العقيرة بقوله (١):\nألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي أذخر وجليل\nوهل أردن يومًا مياه مجنة ... وهل تبدون لي شامة وطفيل\nإلا سائرًا على شعاعه:\nوما ترى ذلك الغريب المريض الذي سئل فيم شفاؤك؟ .\nفقال: شمة من تربة اصطخر. وشربة من ماء نهاوند، إلا من تلامذة هذا الدرس (٢).\n_________\n(١) تمثل أبو بكر الصديق ﵁ بهذين البيتين بعد الهجرة يحن إلى هذه الأماكن التي ذكرها ويتمنى أن يبيت بها ولو ليلة. والإذخر والجليل بنتان ومجنة موضع سوق للعرب في الجاهلية وبها مياه، وشامة وطفيل موضعان.\n(٢) أي أن أصحاب المنازع الوطنية يستشهدون به أيضًا.","vol":"2","page":656},{"text":"ولقد زادنا إيمانًا به بعد إيمان (١) أنه يقول:\nتربة أرضنا، بريقة بعضنا. ولم يقل: تربة الأرض بريق بني آدم، فليس السر في تربة وريق ومرض. ولكن السر في أرضنا وبعضنا ومريضنا - فهذه - والله ربنا - صخرة الأساس في بناء الوحدة الوطنية والقومية، لا ما يتبجح به المفتونون.\n٥ - ويقول الروحانيون:\nإن هناك روحًا طاهرة تتصل بتربة الأرض التي خلق المريض منها، وتغذي بنباتها ومائها، وتنفس كبده في جوها وهوائها، من ريقة منفوثة نفث الخير، من نفس مؤمنة قوية الروحانية طيبتها، فيكمل التكوين بين الريق والتربة مع اسم الله الذي قامت به السماوات والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، فيحصل الشفاء بهذا العمل النفساني. وإذا تحلت النفس بعجائبها لم يبق في الوجود عجيب.\n٦ - ويقول غير هؤلاء ما يقول، وهذه المتون كاسمها متون، وهذا الأصول كاسمها أصول.\nوهكذا، تأتي بعض المتون من كلام الله، وكلام رسوله، معجزة للعقول فتتطاير من حولها الفهوم والآراء تطاير الشعراء، ويظن كل عقل أن حرفته آلة لتفسير تلك المتون - والعلوم حرف العقول (٢).\nالكلمة للزمان:\nوالزمان من وراء الكل يصيح: أن انتظروا ...\nالحاسد والحسد:\n﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾.\n_________\n(١) الكلام للوطنيين والقوميين أيضًا.\n(٢) أي تأتي تفسيرات أخرى بالرمز، والحرف، والإشارة، واللامعقول والمعقول إلى آخر أمور الضعف العقلي والترف العقلي.","vol":"2","page":657},{"text":"الحاسد، الذي قامت به صفة الحسد، وهو الذي يحب أن تسلب النعم من غيره. وقد تلح به هذه الصفة الذميمة فتزين له سلب النعم حتى من نفسه، إذا توقف على ذلك سلبها من غيره (١) فهو لا يحب الخير لأحد، ويتمنى ألا يبقى على وجه الأرض منعم عليه.\nمنشأ الحسد:\nوإنما ينشأ الحسد من العجب وحب الذات، فتسول له نفسه أن غيره ليس أهلًا لنعم الله، وكفى بهذا معاداة للمنعم (٢).\nكل الشرور في إبليس:\nوالحسد شر تلازمه شرور: العجب، والاحتقار، والكبر. وقد جمع إبليس هذه الشرور كلها:\nحسد آدم عجبًا بنفسه فقال: \"أنا خير منه\".\nورآه لا يستحق السجود احتقارًا له، فقال: \"أهذا الذي كرمت علي؟ ! ثم تكبر ولم يسجد ورضى باللعنة والخزي.\nولا أشنع من صفة يكون إبليس فيها إمامًا! ! .\nوالحسد شر على صاحبه قبل غيره، لأنه يأكل قلبه، ويورق جفنه، ويقض مضجعه (٣) ولا يكون شرًّا على غيره، إلا إذا ظهرت آثاره بأن كان قادرًا على الإضرار، أو ساعيًا فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿إِذَا حَسَدَ﴾ والمتمني للشيء لا يمنعه\n_________\n(١) علي وعلى أعدائي.\n(٢) معاداة واعتراض عليه سبحانه.\n(٣) ولله در الشاعر أبي تمام:\nاصبر على كيد الحسود ... فإن صبرك قاتله\nالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله","vol":"2","page":658},{"text":"من إتيانه إلا العجز ...\nوأعظم ما ينمي الحسد ويغذيه امتداد العين إلى ما متع الله به عباده من متاع المال والبنين؛ ونعمة العافية والعلم والجاه والحكم.\nوقد نهى الله نبيه عن مد العين إلى ما عند الغير فقال:\n﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١].\nعلاج الحسد:\nوفي هذه الآية مع النهي إرشاد إلى علاج الحسد (١)، فإن الحسد مرض نفساني معضل، ولكنه كغيره من الأمراض النفسية يعالج.\nوقد وصف الحكماء له أنواعًا من العلاج، فصلتها كتب السنة، وكتب الفقه النفسي (٢) ككتاب الأحياء للغزالي.\n* * *\n_________\n(١) وأولى بالتمني الغبطة، أي أن تتمنى أن يأتيك من الله مثل ما للغير، ولا تتمنى زوال ما عنده.\n(٢) تسمية لطيفة من ابن باديس.","vol":"2","page":659},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-669>سورة الناس</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾.\nتمهيد:\nقال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ قد علمنا أن الصفة الجامعة بين هذه السورة وبين التي قبلها (هي المعوذتان). وعلمنا أنها تسمية نبوية، وقد جرت هذه الصفة مجرى الاسم لهما.\nأما الاسم الخاص بهذه السورة فهو (الناس) كما أن الاسم الخاص بالسورة الأولى: (الفلق).\nوالمناسبة بين السورتين يرشد إليها اشتراكهما في الوصف، وهو التعوذ بهما من الشرور المذكورة فيهما، وفي السورة الأولى الاستعاذة من الشر العام، ومن ثلاثة أنواع منه ذكرنا الحكمة في تخصيصها بالذكر (١). وفي هذه السورة الاستعاذة من شر واحد لكنه سبب في شرور كثيرة.\nالنفوس الشريرة:\nالمناسبة:\nوالمناسبة القريبة بين السورتين هي أن النفوس الشريرة ثلاثة أقسام:\n١ - قسم يصدر عنه الضرر ويعمله.\n٢ - وقسم لا يريد الخير فيسعى في سلبه وانتزاعه، وهو شر من الأول.\n_________\n(١) أي شر ما خلق، وشر الغاسق، والنفث، والحسد.","vol":"2","page":660},{"text":"٣ - وقسم يعمل إلى إيصال الشر إلى سلطان الجوارح، ومالك هديها (١)، وهو المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله.\nفهو يحسن له الأشياء القبيحة ويأتيه من جميع النواحي على وجه النصح، وإرادة الخير.\nويزين للإنسان كل ما يرد به من القبائح، ويأتيه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله قريبًا منه متصلًا بهواه، وهذا القسم الأخير هو الذي يوسوس بكلمة السوء مزينة الظاهر مغطاة القبح، حتى تستنزل صاحبها إلى الهلاك.\nولما كان هذا القسم الثالث أعظم خطرًا، وأكثر شرًّا، وأخسر عاقبة، خصص التعوذ منه بسورة كاملة.\nالمفردات والتراكيب:\n(رب الناس) هو مربيهم ومعطيهم في كل مرتبة من مراتب الوجود وما يحتاجون إليه لحفظها، وهاديهم لاستعمال ما من به عليهم فيما ينفعهم: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠].\nوأصله من ربه يربه ربا إذا قام على نشأته، وتعهده في جميع أطواره إلى التمام والكمال، ولفظه لفظ المصدر، ولكن معناه اسم الفاعل: كالعدل يراد به العادل.\n(ومالك الناس) هو الذي يملك أمر موتهم وحياتهم، ويشرع لهم من الدين ومن الأحكام ما يوافق حياتهم الدنيوية والأخروية.\n(وإله الناس) هو الذي يدينون له بالعبادة والعبودية.\nوبلاغة الترتيب، إنما تظهر جلية عند استعراض أطوار الوجود الإنساني.\nفالأول: طور التربية، والإعداد وهما من مظاهر الربوبية.\nوالثاني: طور القوة والتدبير وهما من مظاهر الملك.\n_________\n(١) من لطائف الإمام في التسمية والوصف للقلب.","vol":"2","page":661},{"text":"والثالث: طور الكمال والقيام بوظائف العبودية، وهو من مظاهر الألوهية (١).\nالمستعاذ منه:\nالمستعاذ منه تارة يوسوس للإنسان بما يفسد عليه صلته بربه، وتارة بما يفسد عليه تدبيره وما شرع له لمنفعته وصلاحه. وتارة بما يفسد عليه عبوديته له وهي أشرف علائقه به وأقوى صلاته.\nوجماع ذلك أن يبعده عن الله بالوسوسة بواحدة من هذه أو بكلها، وبما يتفرع عنها مما تضمنته الآيات المبينة لأفعال أصل هذه القوة الموسوسة.\nمثل قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨].\nأو لذلك الشأن الجاري مجرى الحوار بين إبليس وبين خالقه، كقوله تعالى: ﴿قَال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢].\nوكقوله تعالى: ﴿قَال أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢].\nوكقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٩].\nفهو جاهد في أن يبعد الناس عن الله؛ بإفساد العقيدة الصحيحة فيه أو بالصرف عن شرع الله، أو بالحمل على عبادة غيره، فلذلك كله جاء الترتيب على هذا النمط المذكور بتلك العلائق القوية التي يريد الشيطان أن يقطعها.\nتخصيص الناس بالذكر:\n(والرب) رب الناس وغيرهم، بل رب العالمين وإنما خص الناس بالذكر:\n_________\n(١) فالإنسان في طوره محتاج لتربية، وفي حياته لمشرع، ولدين يهديه الطريق، ولعل في هذا كفاية في الرد على من ادعى أن في تكرير لفظ الناس ركاكة في الأسلوب، ألا ساء ما يزعمون.","vol":"2","page":662},{"text":"١ - لأنهم هم هدفه ومرمى وسوسته، ولأنهم هم المأمورون بالاستعاذة منه، ولأن عالم التكليف أشرف، فإليهم يوجه الخطاب، وإليهم يساق التحذير.\nوهذه الوسوسة نتيجة للعداوة بين أصليهما؛ فأمر الله بالاستعاذة منها هو تسليح إلهي لبني آدم، لتثبيت سنة التعمير التي هي حكمة الله من وجودهم.\n٢ - ونكتة أخرى في تخصيص الناس بالذكر دون بقية أفراد المربوبين، وهي أنهم هم الذين ينطبق عليهم ناموس الهداية والضلال.\nوقد ضلوا بالفعل في ربوبية الله وفي ألوهيته:\nضلوا في الربوبية باتخاذ المشرعين، ليشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ويصدونهم بذلك عما شرع الله.\nوضلوا في الألوهية بعبادة غير الله بما لا يعبد به أحد غيره كالدعاء.\nاختيار لفظ الناس:\nواختير لفظ الناس، من بين الألفاظ المشاركة له في الدلالة كالبشر والبرية، لأنه ينوس ويضطرب وينساق. وهي صفات يلزمها التوجه، ويسهل التوجيه، فلا غنى لصاحبها عن توفيق الله للوجهة الصالحة، والتسديد فيها، ما دام لا يملك لنفسه ذلك، وما دام محاسبًا عليه، وما دامت هناك قوة مسلطة تنزع به إلى الشر.\nففي تخصيص الناس بالذكر، تنبيه إلى أنهم أحوج المربوبين إلى تأييد الله وأحقهم بطلب ذلك منه - وقد أرشدهم إلى ذلك وله الحمد.\nفي اللفظ ضعفهم:\nولو تفقه الناس في معنى اسمهم واشتقاقه، لعلموا بفطرتهم أنهم مخلوقات ضعيفة لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًا، ولأيقنوا أنه لا بد لهم من رب يربيهم ويحميهم، ومالك يدبر أمورهم، وإله يعبدونه ويتخذون العبودية له جنة من استعباد الأقوياء.","vol":"2","page":663},{"text":"ويجوز - إذا راعينا الأدب وكمال التنزيه في حمل الألفاظ التي تضاف إلى كلمة رب على أشرف معانيها - أن تحمل كلمة (الناس) على معنى أخص مما يتناوله عموم الجنس، وهو الأماثل، والأخيار، منهم الجامعون لمعاني الإنسانية الفاضلة، وهذا المعنى تعرفه العرب: فإنهم كثيرًا ما يطلقون اسم الجنس على الفرد، أو الأفراد الكاملين في حقيقته. وإن كان هذا من المجاز في كلامهم وقد حملوا على هذا المعنى، قوله تعالى: ﴿آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ﴾.\nتكرير اللفظ:\nونكتة الإعادة والإظهار للفظ الناس توضيح المعنى، وإلفات النفس إليه، وإيقاظ شعورها به، والتسجيل على الناس بأن لهم ربًا هو مالكهم وإلههم.\nمن شر الوسواس:\n﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾.\n(الوسواس) هنا صفة الموسوس، وإن خالف المعهود في أبنية الصفات أو هو اسم بمعنى الوسوسة كالزالزال والزلزلة.\nوأصل هذه الكلمة دائر على معنى الخفاء (١) والعرب تسمي حركة الحلى وسواسًا وهذا المعنى واضح في المراد هنا: فإن الموسوس من الجن في نهاية الخفاء هو وعمله، والموسوس من الأنس يتحرى الإخفاء ما استطاع ويحكم الحيلة في ذلك، ولا يرمي رميته إلا في الخلوات.\nوإن الناس ليعرفون عرفانًا ضروريًا من الفرق بين المصلحين والمفسدين: أن الأولين يصدعون بكلمة الحق مجلجلة، ويرسلون صيحته داوية، ويعملون أعمالهم في وضح النهار ومحافل الخلق.\n_________\n(١) من دوران اللفظ حول المعنى، والشيخ خصّ \"بفقه اللغة\" وهو علم جدير بالاعتناء والدراسة لأصول اللغة العربية.","vol":"2","page":664},{"text":"وأن الآخرين يتهامسون إذا قالوا، ويستترون إذا فعلوا، ويعمدون إلى الغمز والإشارة والتعمية، ولو وجدوا السبيل لكانت لهم لغة غير اللغات، ولكان الزمن كله ظلمات، والأرض كلها مغارات.\nالخناس:\n(الخناس) وصف مبالغة في الخانس من الخنوس، وهو التأخر بعد التقدم، ومن ملابسات هذا المعنى ومكملاته في المحسوس: أنه يذهب ويجيء ويظهر ويختفي إغراقًا في الكيد، وتقصيًا في التطور، حتى يبلغ مراده.\nفالله تعالى يرشدنا بوصفه بهذه الصفة إلى أن له في عمله كرًا وفرًا، وهجومًا وانتهازًا. واستطرادًا على التصوير الذي صوره إبليس في ما حكى الله عنه:\n﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧].\nيرشدنا بذلك لنعد لكل حالة من حالاته عدتها، ولنضيق عليه المسالك التي يسلكها.\nكما أن وصفه بهذه الصفة يشعر بأنه ضعيف الكيد، لأن الخنوس ليس من صفات الشجاع المقدام، وإنما هو كالذباب: تذبه بذكر الله من ناحية فيأتيك من ناحية، ثم دواليك حتى تمل أو يمل.\nالخناس ضعيف:\nوأما التهويل في وصفه بما يأتي بعد، فهو مبالغة في التحذير منه؛ لأن وصفه بالضعف مظنة لاحتقاره والتساهل في أمره.\nالوسوسة ومحلها:\n﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾.\nقال: يوسوس بالمضارع إشعارًا بعد إشعار بتجدد الوسوسة منه وعدم انقطاعها.","vol":"2","page":665},{"text":"وقال: (في صدور الناس). والصدر ملتقى حنايا الأضلع ومستودع القوى التي كان الإنسان إنسانًا بها، ومجموع المضغ التي تحمل تلك القوى، والقلب واحد منها، فالقلب غير الصدر، وإنما هو فيه، ولذلك قال:\n﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].\nالصدر ليس ماديًا فقط:\nومواقع استعمال القرآن لكلمة الصدر مفردًا وجمعًا والحكم عليها بالشرح، والحرج، والضيق، والشفاء، والإخفاء، والإكنان - ترشدنا إلى أنه ليس المراد منه الصورة المادية، ولا أجزاءها المادية، وإنما المراد القوى النفسية المستودعة فيه، وأن الوسواس الخناس، يوجه كيده ووسوسته دائمًا إلى هذه القلعة التي هي الصدر؛ لأنها مجمع القوى.\nوقال: (في صدور الناس)، ولم يقل في قلوب الناس؛ لأن القلب مجلى العقل، ومقر الإيمان (١) وقد يكون محصنًا بالإيمان، فلا يستطيع الوسواس أن يظهره ولا يستطيع له نقبًا.\n﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾:\nالجن:\n(الجنة) جماعة الجن وهم خلاف الإنس، والمراد هنا أشرار ذلك الجنس، لأن منهم المسلمين ومنهم القاسطين (٢).\nواستعمل لفظ الجنة في القرآن بمعنى المصدر الذي هو الجنون، في قوله\n_________\n(١) وليس المراد بالقلب أيضًا هذه المضغة المادية، وإنما ما يسميه علماء النفس بمنطقة ما وراء الحس والشعور.\n(٢) لقوله تعالى في سورة الجن: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ﴾ [الآية: ١٤] أي العادلون عن الإسلام إلى غيره.","vol":"2","page":666},{"text":"تعالى: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾.\nولما كان الموسوسون فريقين (١) متعاونين على الشر، ذكرهما الله تعالى في مقام الاستعاذ من شر الوسوسة، ليلتئم طرفا الكلام، ويحصل التقصي الوصفي المستعاذ به والمستعاذ منه.\nأقسام الشياطين:\nوقد قسم القرآن الشياطين، وهم القائمون بوظيفة الوسوسة إلى قسمين:\nشياطين الإنس، وشياطين الجن. وذكر بعضهم يوحي إلى بعض زخرف القول. وشيطان الجن ميسر للشر. فكل من يعمل عمله من الإنس فهو مثله. ومن شياطين الإنس بطانة السوء، وقرين السوء.\nالقرين:\nوورد في الآثار أن لكل إنسان قرينًا من الجن. وقال تعالى:\n﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦].\n﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: ٢٥]. وهو من باب توزيع الجمع على الجمع: أي لكل واحد قرين.\nالنجاة من القرناء:\nفهذا الإنسان الضعيف يلازمه قرين من الجن، ثم لا يخلو من قرين أو قرناء من الإنس، يزينون له ما بين يديه وما خلفه، ويصدونه عن ذكر الله.\nفماذا يصنع؟\nما عليه إلا أن يلجتيء إلى الله، ويستعيذ به ويتذكر، فإنه لا يؤخذ وهو ذاكر مستيقظ، وإنما يؤخذ إذا كان غافلًا، قال تعالى:\n_________\n(١) الجنة والناس.","vol":"2","page":667},{"text":"﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١].\nدقائق بلاغية:\nومن دقائق القرآن ولطائفه في البلاغة، أنه يقدم أحد الاسمين المتلازمين في آية، لسر من أسرار البلاغة يقتضيها ذلك المقام، ثم يؤخر ذلك المقدم في آية أخرى، لسر آخر: فيقدم السماء على الأرض في مقام، ويؤخرها عليها في مقام آخر.\nومن هذا الباب تقديم الإنس على الجن، في آية الأنعام، لأن معرض الكلام في عداوتهم للأنبياء، وهي من الإنس أظهر، ودواعيها من التكذيب والإيذاء أوضح.\nشياطين الإنس أخطر:\nوفي آية \"الناس\" قدم الجنة على الناس، لأن الحديث عن الوسوسة، وهي من شياطين الجن أخفى وأدق، وإن كانت من شياطين الإنس أعظم وأخطر وأدهى وأمر: فشيطان الجن يستخدم شيطان الإنس للشر والإفساد، فيربى عليه ويكون شرًّا منه، لأنه بمثابة السلاح الذي يفتك به؛ ورب كلمة واحدة صغيرة يوحيها جني لإنسي، ويوسوس إليه بتنفيذها، فتتولد منها فتن، ويتمادى شرها من قرن إلى قرن ومن جيل إلى جيل.\nالإنسان يعلو أو يتسفل:\nوهذا النوع الإنساني المهيأ لقابلية الخير وقابلية الشر، إذا انحط وتسفل كان شرًّا محضًا، وإذا ترقى وتعالى شارف أفق الملأ الأعلى، وأوشك أن يكون خيرًا محضًا، لولا أن العصمة لم تكتب إلا لطائفة منه، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.","vol":"2","page":668},{"text":"فالإنسان إذا انحط يكون شرًّا من الشيطان، وإذا ارتقى يكون أفضل من الملك - أعني جنس الإنسان - ومن هذا الجنس، كان محمد - ﵌ - أكمل الخلق الذي ليس لمخلوق رتبة مثله في الكمال (١).\nوأخيرًا \"سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين\".\nوقد ضمن تفسيره محاضرة قيمة بعنوان العرب في القرآن الكريم، ارتجلها الشيخ في نادي الترقي بالعاصمة الجزائرية سنة ١٣٥٨ هـ - ١٩٣٩ م، ونشرت في مجلة السهاب في المجلد الخامس عشر، تضمنت المحاضرة الحديث عن واجب المسلمين في العناية بتاريخهم ومدينتهم، وخصائص الطبيعة العربية، والسر في اختيار العرب للرسالة، وتحدث عن معلومات مغلوطة عن العرب، وتحدث من خصائص إرم ذات العلماء، وعن ثمود، وقصة ملكة سبأ والعبرة منها (٢).\nهذه نماذج مضيئة لتفسير الشيخ ابن باديس نوّر الله قبره وجزاه عما قدّم خيرًا، وما كل ما يتمنى المرء يدركه، وكم كنا نتمنى أن يكون للشيخ وأمثاله نصيب أكبر في تفسير كتاب الله ﵎ ولكن ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. رحم الله الشيخ ابن باديس رحمة واسعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-670>تقويم التفسير:</span>\nهذا هو تفسير الشيخ ابن باديس، الذي كان يعد تفسير المنار منارة له، ولذا نجده مّد تأثر به بأفكاره وآرائه الإصلاحية ... كان أسلوبه في تفسره سهلًا ميسرًا، يعالج الواقع الذي يعيشه المسلمون في شتى مجالات الحياة الاجتماعة والأخلاقية والدينية والعلمية والسياسيّة، لقد كان يعبر عن أزمة المجتمع الإسلامي في\n_________\n(١) من ذوق الإمام ﵀ رحمة واسعة - في البدء والختام. \"خاتمة مسك\".\n(٢) ص ٦٥٧ - ٦٤٨.","vol":"2","page":669},{"text":"تفسيره ... كان يركز في تفسيره - كما هو الحال بالنسبة لمدرسة المنار - على هداية القرآن الكريم، فلا نجاة للمسلمين من هذا التيه الذي يعيشونه إلا بالرجوع إلى القرآن، إلى علمه وهديه، وبناء العقائد والأحكام والآداب عليه، والتفقه فيه وفي سنة نبينا محمد - ﷺ - والاستعانة على ذلك كله بإخلاص القصد وصحة الفهم.\nلقد كان الشيخ يصدر في تفسيره عن بيان ناصع، واطلاع واسع في العلوم النفسية والكونية، وعلم الاجتماع. رحم الله الشيخ رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه.\n* * *","vol":"2","page":670},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-671>الشيخ حسن البنا ومنهجه في التفسير</span>\nولد الشيخ بمدينة المحمودية بمحافظة البحيرة صباح الأحد ٢٥ من شعبان عام ١٣٢٤ هـ، ١٤ من أكتوبر سنة ١٩٠٦ م.\nكان باكورة الأبناء للشيخ أحمد عبد الرحمن الساعاتي أحد علماء السنة، وصاحب كتاب (الفتح الرباني). أنهى دراسته في دار المعلمين في دمنهور، والتحق بدار العلوم وتخرج فيها عام ١٩٢٧ وكان ترتيبه الأول، وقد عيِّن مدرسًا في مدينة الإسماعيلية في سبتمبر سنة ١٩٢٧ م. وفي سنة ١٩٢٨ كوّن مع ستة من أهل الإسماعيلية أول شعبة للإخوان المسلمين.\nانتقل إلى القاهرة في أكتوبر سنة ١٩٣٢ م، وقد نجح في مجال الدعوة نجاحًا منقطع النظير ... أصدر العديد من الصحف والمجلات لخدمة الدعوة، وتربى على يديه شباب كان حربًا على الاستعمار الأجنبي في مصر وفلسطين.\nنال الشهادة عندما أطلق عليه الرصاص في الخامسة مساء يوم السبت ١٢ من فبراير سنة ١٩٤٩ م، وكان عمر آنذاك ٤٢ عام (١).\nمن ذكرياتي:\nلا يُذكر الأستاذ حسن البنا -﵁ ورحمه الله رحمةً واسعة - في مجلسٍ، ولا أذكره في مجلس إلا وعيناي تذرفان الدموع، وأنا مؤمن - ولله الحمد - بقدر الله، ولكن كنت أتمنى أن تطول معرفتي بالأستاذ الكريم، والرجل الذي أسأل الله أن يكرمه بأجر الشهداء، لكن لله إرادة - والحمد لله على ما حكم به وأراد -.\nترددت على دروس الأستاذ في حديث الثلاثاء في الحليمية في القاهرة، ولم يطل هذا التردد، فلقد بدأ أول سنة ١٩٤٨ حينما ذهبت إلى القاهرة بالقطار من\n_________\n(١) مقدمة كتاب حسن البنا ومنهجه في التفسير.","vol":"2","page":671},{"text":"حيفا، - ورحم الله تلك الأيام - حيث كنت أسمع ما لم أسمعه من قبل، مع أنني كنت سمعت اثنين من نوابه، نواب المرشد العام وأنا طالب في المدرسة الأحمدية - مدرسة أحمد باشا الجزار في عكا - سنة ١٩٤٥ م - ١٩٤٦ م، وهما الأستاذ عبد المعز عبد الستار أكرمه الله، وأظنه لا زال حيًّا، والأستاذ سعيد رمضان - ﵀ -. ولقد هيمن كل منهما على العاطفة والعقل، مع أنني كنت في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من العمر، لكنّ الذي سمعته من الأستاذ البنا كان نقلةً عجيبة عظيمة في حياتي، لذا لا يذكر أمامي إلا وعيناني تذرفان الدموع، لما فاتني من خير كثير من الاستماع إليه ﵀.\nوأبكي كذلك لأني حينما أذكره ويذكر أمامي يدور في خلدي هذا الجحود من الأمة، التي تحاول تخليد ذكرى كثيرٍ من العابثين واللاعين، ومن لم يكن لهم في حياتهم إلا تلك المنزلقات التي كانت وبالًا وكان فيها البوار على الأمة.\nوأبكيه ثالثًا حيث كان له ذلكم الأثر الكبير، وانتقل إلى الدار الآخرة - إن شاء الله - راضيًا مرضيًا، وهو في السنين الأولى من العقد الخاص، وكذلك شأن كثير من هؤلاء الأفذاذ الذين كان لهم هذا الأثر على قصر أعمارهم في هذه الدنيا، أذكر منهم الإمام الشافعي، والإمام النووي - رحمهما الله تعالى - وكثيرون غيرهم في القديم والحديث.\nلقد كان بيت الأستاذ البنا وأسرته بدعا من كثير من البيوت، ولقد كان الأستاذ البنا من النَدَرة، بل كان الإخاذ الذي يروي كل من ورد عليه. وأحبّ أن أسجل تلكم الأخبار القصيرة، والتي هي مع قصرها عظيمة الأثر، ورب كلمة واحدة تحدث كلْما لا نجده لمقالات، بل لكتب كثيرة متعددة:\n١ - سمعت من الشيخ صالح السوداني ﵀ ونحسبه والله حسيبه من الصالحين ولا نزكي على الله أحدًا - وكانت لنا صلة به ونحن طلاب يزورنا ونستمع إلى دروسه، ونحضر معه بعض المجالس العلمية قال: لما توفي الأستاذ البنا، لما","vol":"2","page":672},{"text":"أطلق عليه النار ظلما وعدوانا، رغبت أن أفتح المصحف الشريف لأرى الآية التي يقع نظري عليها، لأني أحببت أن أعرف شيئًا عن منزلة الشيخ حسن البنا عند ربه، رغبت يقول الشيخ صالح - ﵀ - وكانت الآية التي شاء الله أن أفتح المصحف لأقرأها قول الله ﵎: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٠].\nويقيني - إن شاء الله - إنها بشرى، رحم الله الإمام البنا، ورحم الله الشيخ صالح السوداني.\n٢ - ذكر العلامة الشيخ أحمد عبد الرحمن البنا (الساعاتي) والد الأستاذ حسن البنا - رحمهما الله تعالى - في مقدمة الجزء الرابع عشر من كاتبه الفذّ الجليل الطيب القيم، (الفتح الرباني)، وهو يتحدث ويبث ما في نفسه عما لاقاه من صعوبة وجهد في طباعة كتابه الذي قضى فيه أكثر من ثلثي حياته، أي ما يزيد على خمس وأربعين سنة، ومع ذلك أوصدت كل الأبواب في وجه طباعة هذا الكتاب، وهذا الكتاب رتب فيه الأستاذ أحمد الساعاتي - ﵀ - مسند الإمام أحمد ترتيبًا موضوعيًا، كما نجده في صحيحي الإمامين البخاري ومسلم - رحمهما الله تعالى - ثم شرحه شرحًا وافيًا، وذكر الزوائد فكان كتابًا جامعًا ميسرًا، جزى الله الشيخ أحمد البنا خير الجزاء.\nأقول يقول الشيخ في مقدمة الجزء الرابع عشر، وقد كتبها بعد استشهاد الشيخ الأستاذ حسن البنا: وكنت طلبت من ابني حسن أن يطبع هذا الكتاب بعد موتي لعلمي أنه حريص على نشر العلم وبخاصة ما يتصل بالكتاب والسنة، فكان جوابه - ﵀ - يا والدي سيطبع في حياتك لا في حياتي \"وهكذا كان ... أليس ذلك إلهامًا ربانيًا يجريه الله على ألسنة هؤلاء الذين رضي عنهم ورضوا عنه. رحم الله الوالد ومن ولد.","vol":"2","page":673},{"text":"٣ - في سنة (١٩٥٢ م) وقبل الثورة المصرية بأيام أرسلني خالي - ﵀ - الشيخ يوسف عبد الرزاق لأحضر له كتاب الفتح الرباني من مؤلفه الشيخ أحمد البنا، وكان من المعجبين بهذا الكتاب، بل إنه كان يرى أن هذا الكتاب لا بد من طباعته والعناية به، وكان قد اشتراه، فذهبت إلى بيت الشيخ لأحضر الكتاب، وجلست مع الشيخ لأسمع منه وأفيد من حديثه، وسألني الشيخ من أين أنت؟ لأني كنت ألبس العمامة الشامية، وهي تختلف عن العمامة التي يلبسها إخواننا المصريون. قلت: من فلسطين. وهنا كان عجبي، إذ بمجرد ما نطقت بهذه الكلمة، وإذ بي أسمع من يجهش بالبكاء في جانب البيت، فقدّرت أن الذي يبكي إنما هي زوج الشيخ، وأثرّت فيّ تلك الحادثة، ولا تزال، بمجرد أن تسمع كلمة فلسطين يكون البكاء والحزن ... أي تربية هذه؟ ! وأين نجدها؟ ! عند من؟ أنجدها عند كثير من أهل فلسطين؟ ! أم نجدها عند كثير من العرب والمسلمين؟ وبقيت هذه الحادثة تتفاعل معها نفسي.\nوبعد ما يزيد على ثلث قرن، ضمني لقاء مع أحمد سيف الإسلام ابن الأستاذ البنا في جمع طيب، وحدثتهم تلك الحادثة التي لا زالت وستبقى أنموذجًا حيًّا ما دمت حيا، فازداد عجبي حينما أخبرني أن هذه امرأة جده، وكان عجبي أكثر حينما أخبرني أنها تركية الأصل، وقلت في نفسي وسأقول وأظل أقول: ما أحوج المسلمين إلى هذه النماذج الحيّة التي تُربى الأجيال المسلمة على مثلها.\n٤ - حينما لبّى الإخوان المسلمون دعوة الجهاد سنة ١٩٤٨ وأبلوا بلاء حسنًا في الجهاد في فلسطين يشبه المعجزات، صدرت الأوامر من الإنجليز إلى حكام مصر، وكان الملك فاروق في ذلك الوقت، وكان رئيس وزرائه محمود فهمي النقراشي باشا، صدرت الأوامر بحل جماعة الإخوان المسلمين، وإدخالهم السجون، والتضييق على المجاهدين منهم في فلسطين، وبقي الأمر كذلك إلى","vol":"2","page":674},{"text":"سنة ١٩٥٠ م، حيث كانت الانتخابات في مصر، ونجح فيها الوفديون بزعامة أحمد مصطفى النحاس باشا، وانهزم السعديون الذين كان منهم النقراشي، وكان أول ما عمله النحاس إلغاء قانون حل الجماعة، والسماح لها بالعودة، وعادت أحاديث الثلاثاء إلى ما كانت عليه من قبل، وكان الحديث الأول بعد غياب يقرب من ثلاث سنين أو يزيد عليها، كان الحديث الأول الذي جاء إليه الآلاف، بل الألوف، كان للشيخ أحمد حسن الباقوري - ﵀ - وكان من أعضاء الجماعة، ولا زلت أذكر أنه بدأ حديثه بقوله: لقد كان هناك رجل واحد يمكن أن يلبي رغبة الجماهير عواطف وعقولًا ومشاعر، وما أظن أن غيره يستطيع أن يقنع هذه الجماهير كلها ويمتعها، نعم، ليس هناك إلا رجل واحد، هو الأستاذ الشيخ حسن البنا ﵀. وهنا انطلقت أصوات البكاء، بما لا يمكن لأحد أن يصفه وصفًا دقيقًا.\nتلك أحداث شهدتها، لا أود أن أسترسل، مع أني والله أحب الاسترسال، ذلكم هو الأستاذ البنا جزاه الله خيرًا على بنائه هذه الأسرة الطيبة التي كان لها أعظم الفضل في هذه الصحوة الإسلامية، وسيبقى هذا الأثر، وسيشهد المسلمون بإذن الله النتائج والعواقب الطيبة.\nلقد كان الأستاذ البنا إمامًا أراد أن يجمع المسلمين على كلمة واحدة، وكان يقول: ما أحوج المسلمين في بقاع الأرض أن يجتمعوا على ما اتفقوا عليه، وهو كثير، وأن يعذر بعضهم بعضًا فيما اختلفوا عليه، وهو قليل، كان يذكر المسلمين وإنما في أخوتهم في كل كلمة يتكلمها، مبنيًا لهم أن هذه الاخوة واجب، لا تقل عن وجوب الصلاة والصيام والزكاة والحج، كان يبين لهم أن الواجبات أكثر من الأوقات.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-672> كلام بعض العلماء في الشيخ حسن البنا:</span>\n١ - يقول الداعية الإسلامي الكبير أبو الحسن الندوي - ﵀ - عن شخصية البنا بأنها: \"العقل الهائل النير، والفهم المشرق الواسع، والعاطفة القوية","vol":"2","page":675},{"text":"الجياشة، والقلب المبارك الفياض، والروح المشبوبة النضرة، واللسان الذرب البليغ، والزهد والقناعة - دون عنت - في الحياة الفردية، والحرص وبعد الهمة - دونما كلل - في سبيل نشر الدعوة والمبدأ، والنفس الولوعة الطَّموح، والهمة الساطعة الوثَّابة، والنظر النافذ البعيد، والإباء والغيرة على الدعوة، والتواضحُ في كلِّ ما يخصُّ النفس، تواضعًا يكاد يجمع على الشهادة عارفوه، حتى لكأنَّه - كما حدثنا كثير منهم - مثل رفيق الضياء: لا ثقل ولا ظل ولا غشاوةً [من مقدمة الندوي لكتاب البنا (مذكرات الدعوة والداعية).\n٢ - ويقول الأستاذ خالد محمد خالد: \"كان إعجابي بالأستاذ البنا يتنافس دومًا، فكلُّ ما فيه يدعو للإعجاب به وبالمودة له، علمه، وخُلُقه، وسمْتُهُ، وزهده، وتبتُّله، وجهاده، ومثابرتُه، وتفانيه، وسحرُ حديثه، ورُواء بيانه، وشخصيتهُ كلُّها الآسرة ... المضيئة، وهذا الرجل المتصوِّف الأواب، كان أستاذًا في فن \"الزعامة\"، والزعماء السياسيون تتقاصر هاماتُهم عن هامته في الزعامة التي كان يتناولها بيد أستاذ حاذق وقدير ... كلُّ ذكاء الزعامة ويقظتها وشمولها، كان للأستاذ البنا منه أوفى نصيب ... ولقد كان في الصدارة في الذين يألفون ويؤلفون ... وكانت شمائلُه تفتحُ له القلوب الغلف، والآذان الصُم ... ولا يقترب منه أحد إلا أحبَّه، ولا يُحبُّه إلا هابه [عن كتاب (قصتي مع الحياة) - خالد محمد خالد ٧١ - ٧٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-673> طريقته في التفسير:</span>\nإن المتأمِّل فيما نقل عن الشيخ البنا ﵀ في تفسير القرآن الكريم، يُدرك أنه كان له في التفسير طريقتان مختلفتان، الطريقة الأولى: هي طريقة التفسير الوعظي التربوي المجمل. والطريقة الثانية: هي طريقة التفسير العلمي المُسهب. والطريقة الأولى هي الغالبة على ما نقل من تفسيره، وأما الطريقة الثانية فيمثِّلها تفسيره للآيات السبع الأولى من سورة الرَّعد، التي فسَّرها على صفحات مجلة المنار،","vol":"2","page":676},{"text":"ونهج في تفسيرها نهج الشيخ رشيد رضا ﵀، ونسج على منواله.\nونختار فيما يلي نماذج من تفسير الشيخ البنا على كلتا الطريقتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-674>أولًا: نماذج من تفسيره الوعظي الدَّعوي:</span>\n١ - فسَّر الشيخ البنا ﵀ قوله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١] وقال بعنوان (من وظائف القائد)، فقال: [من ص ١١٣ - ص ١١٥].\nتسير البشرية قُدُمًا نحو الكمال الذي كتبه الله لها يوم شاء أن يستخلف الإنسان في الكون وسخَّر له ما في السماوات، وما في الأرض جميعًا. والبشرية في محاولتها هذه أحيانًا تستوحي الشحر والخيال وتستلهم منه صورًا رائعة جميلة وإن كانت بين الخطأ والصواب، وأحيانًا تستوحي الفكر والعقل، فيرشدها إلى تجارب في تكوين الأمم، وتربية الشعوب كثيرًا ما تكون طويلة المدى، وكثيرًا ما تنزع بها المماكسات العاطفية ونحوها إلى جهة الخطأ، فتصبح عقيمة النتائج فاسدة الآثار.\nلهذا اقتضت حكمة الله - ﵎ - ورحمته بالناس وهو ربهم البر الرحيم أن يشد أزر العقل والقلب بنواميس. ونظم إلهية تقرب على الإنسانية المدى وترشد البشرية إلى مدارج الكمال الذي كتب لها.\nوجاء الرسل الكرام بهذه النواميس وتلك النظم، فكان كل منهم الزعيم الرباني لأمته الذي يصلها بأسباب السماء ويصف لها نظم الحياة في الأرض، تسمع عن زعماء الشعر وقادة العواطف، وتسمع عن أساطين العلم والأدمغة الكبيرة، وتسمع عن زعماء الأمم في السياسة والاجتماع والثورات الفكرية أو العملية، وتسمع عن قادة الحروب وبناة الدول، فتصف أولئك جميعًا بالزعامة وترى فيهم رؤوسًا تنهض بالإنسانية نحو الكمال.","vol":"2","page":677},{"text":"فاعلم أن النبي - ﷺ - في أمته زعيم رباني جمع الله له مظاهر الزعامة جميعًا، فهو يخاطب القلوب والعقول، ويختط سبل الإصلاح الاجتماعي والسياسي، ويحدث في أمته وبها ثورة فكرية عملية تدفع الإنسانية إلى الأمام عدة مراحل.\nوالفرق بين الزعامتين: الزعامة المسممدة من قوى البشر، والزعامة المستمدة من إمداد الله، أن الثانية صواب كلها لا خطأ فيها، وأنها أدوم أثرًا وأبقى على الزمن، وأنها أعم وأشمل في نواحي الحياة كلها.\nوالفرق بين الزعماء الربانيين وهم الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - في القديم، وبين الزعيم الأخير سيدنا محمد - ﷺ - أن أحد أولئك - صلوات الله وسلامه عليهم - إنما كان يأتي للأمة الواحدة أو الأمم المتجاورة، وهو - ﷺ - إنما بعث للناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وأن الشرائع السابقة كانت عرضة للتبدل أو التغير، أما الشريعة الختامية فقد كفلت بالحراسة الإلهية، وبقيت في كنف قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].\nإذا تقرر هذا علمنا أية نعمة على البشر ينعمها الله ﵎ بالأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - وعلمنا الارتباط بين الآية الكريمة: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ وبين ما قبلها من قول الله ﵎: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.\nأما وظائف الرسول - ﷺ - فقد أجملتها الآية الكريمة في هذه العناصر المباركة:\n* ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ يصلكم بالحق ويبلغكم دستور السماء، ويتلو عليكم نظام الله الذي إن تمسكتم به سعدتم، وإن هديتم بهديه رشدتم، فوظيفة الرسول - ﷺ - الأولى تبليغ دستور الله لعباد الله.\n* ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ يطهر أخلاقكم ويصفي نفوسكم ويطبعها على الخير، ويغسلها من أدران الرذائل، حتى تستعد لفقه هذا الدستور وتنشط للعمل به وتحرص على حمايته. فإذا كانت الوظيفة الأولى إيصال الدستور من السماء إلى","vol":"2","page":678},{"text":"الأرض، فإن الوظيفة الثانية إمداد النفوس وتقوية الأخلاق وتدعيم القلوب لتحفظ هذا الدستور وتحرسه.\n* ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ فإذا تطهرت النفس وصفا القلب واستعدت الفطرة جاء دَور العلم وتلاه دَور الحكمة، والعلم تلقي المعلومات ودراستها، والحكمة إلقاء المعلومات وفيضانها وانتزاعها من النفس والروح، فأنت في مركز العَالم منفعل وفي مركز الحكيم فاعل وشتان ما بينهما وأولاهما من وسائل الثانية، فإذا فقه الإنسان المعلومات الحاضيرة وقويت ملكته العلمية، استدل بهذا الذوق العلمي على الكشف والتحقيق، فعلم ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيمًا.\nأرأيت التدرج في هذا النسق البديع؟ يوضع النظام من السماء فتصقل النفوس لتلقيه، فتفقهه وتتعلمه، فتتذوقه وتفيض به، فتكشف المساتير وتبني المستقبل على أساسه، إن هذا لهو الفضل العظيم.\nأو رأيتَ بعد ذلك كيف يجدد الزعيم الرباني أمته تجديدًا قويًّا ثابتًا؟ وكيف يسير هذا التجديد في خطوات متناسقة مأمونة العثار؟ إذا عرفت هذا فإن القائد لا يزال وسيظل قائمًا والخطوات مرسومة وما بقى إلا وظيفة الأمة وذلك ما سنتحدث عنه إن شاء الله (١).\n٢ - وتحت عنوان (من وظائف الأمة الناهضة) فسّر الشيخ قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ... بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٢ - ١٥٤] يقول:\nقد علمت في الكلمة الأولى الإشارة في الآية الكريمة إلى وظيفة القائد وهنا ترى الإشارة إلى واجب الأمة.\n_________\n(١) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية - السنة الرابعة - العدد ٩ في ١٩ ربيع أول ١٣٥٥ هـ/ ٩ يونيه ١٩٣٦ م.","vol":"2","page":679},{"text":"تحتاج الأمة المجاهدة إلى قوانين لا بد منها، لتنجح في مهمتها وتنتصر في جهادها. تحتاج إلى الإيمان القوي المتين المرتكز على قواعد ثابتة من روحها وفطرتها المستند إلى نبع فياض من قلبها ووجدانها، وتحتاج إلى قوة مادية يتشكل بها هذا الإيمان فيعرب للناس عن وجوده ويبرهن للخصوم على قوته وثباته.\nومن الناس من ينصرف إلى القوة الروحية في الأمة ويراها كل شيء، ومن الناس من ينصرف إلى المادة وحدها ويرى أنه لا حاجة إلى ما سواها. وكلا النظرتين يرى النهضة من جانب واحد، والمصلح إنما ينظر إليها من كل ناحية: لا بد من الجانب الروحي الذي يستند إلى الإيمان والخلق وهو أول وأولى بالعناية، وهو الدعامة التي تستند عليها القوة المادية. فإذا قويت روح الأمة وأخلاقها. تبع ذلك حتمًا دوام التفكير في وسائل القوة المادية وتلا ذلك التفكير القوة نفسها، فها أنت تسمع قول الله تبارك في نظامه الحكيم الذي وضع لحياة الأمم ونهوضها، فها أنت تسمع قول الله ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، إلى جانب قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].\nوأساس القوة الروحية كما علمت الإيمان بالمثل الأعلى والتفاني في سبيل الوصول إليه، وكلما سما هذا المثل سمت نهضة الأمة، وتوفرت لها وسائل القوة، وأي مثل أسمى من (سبيل الله) الذي تفنى أمامه الماديات والأهواء والمطامع والمنافع الشخصية ولا يجد النفعي ولا الوصولي ولا الدسَّاس ولا المغرض إليه سبيلًا، لهذا كان المثل الذي وضعه القرآن الكريم لأمته وجعله أساس نهضتها الإيمان بالله أولًا، ومن هذا الإيمان:\nتستمد الأمة سيادتها في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].","vol":"2","page":680},{"text":"وتستمد عزتها في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].\nوتستمد التأييد والهداية في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].\nوتستمد القوة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].\nوتستمد في النهاية النصر في قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، وهذا معنى خاص تنفرد به النهضة المستندة إلى جانب الله والإيمان به وسلوك سبيله لا يكون في غيرها من النهضات أبدًا، وتأمل قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤].\nوعلى ضوء هذا البيان نتفهم الآية الكريمة ونعرف منها وظائف الأمة وواجباتها في النهضة:\n* ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فالواجب الأول أن تستذكر الأمة دائمًا مثلها الأعلى وتجعله القائد في نهضتها والهادي في حيرتها، فيكون جزاء ذلك تأييد الله وتسديد الخطط ونجاح الغايات.\n* ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ والواجب الثاني أن تتعرف الأمة خطواتها ومدى نجاحها. وإذا كانت حقيقة الشكر استخدام النعمة فيما خُلقت له، فعلى الأمة أن تجعل النصر سبيلًا إلى نصر آخر؛ ولا تقف عند حد النصر الأول فإن مهمة المسلم أن يسير بالدنيا إلى منتهى الكمال الممكن لها، لا يلهيه نصر عن نصر ولا يشغله واجب عن واجب، وبذلك تنجو الأمة من دور الاستغلال والانتفاع الذي يلي غالبًا دور النصر والنعمة، وما تزال الأمة بخير ما دامت مجاهدة، فإذا انقلبت مستغلة فتلك أولى بوادر الانهزام.","vol":"2","page":681},{"text":"* ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ والواجب الثالث من واجبات الأمة أن تحتمل التضحيات وتصبر على المشاق في كفاحها ونضالها وأن تستروح روح النصر بالصلاة لما فيها من الصلة بالله - ﵎ - واستمداد فيضه واستعادة ما فقدته الروح من مضائها وقوتها بهذا النضال.\nفالصلاة امتلاء الروح بالقوة المعنوية، والصبر هو المحافظة على هذه القوة واستخدامها بأكبر قدر مستطاع، حتى إذا أضناها الجهد وأمضَّها الجلاد، تجددت مرة أخرى بالصلاة، وهذا تلازم غريب بينهما يدركه من صفت نفسه وقويت روحه.\nوفي الصبر وحقيقته وآثاره ومعناه كلام واسع لعلنا نعرض له في كلمة أخرى إن شاء الله، فإذا استعانت الأمة في جهادها بالصبر والصلاة كان الله معها وأدركها نصره وتأييده وظلت في كنفه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.\n* ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وهنا نرى الواجب الرابع من واجبات الأمة وهو واجب هام إن أدته الأمة لم تسقط راية الجهاد من يدها أبدًا، ولم يتطرق إليها الضعف يومًا من الأيام. ذلك الواجب أن تعتبر الأمة التضحية والفداء مغنمًا، لا مغرمًا، ونصرًا لا هزيمة، وتجارة رابحة لن تبور، وأن تعتقد أن الموت في ميدان الشرف هو حياة الخلود، وأن الفناء في سبيل الواجب هو عين البقاء. وهذا المعنى إن تشبعت به الأمة فهي لا شك منصورة مهما كان في سبيلها من عقبات، وانظر إلى الكتيبة الأولى كيف استولت عليها هذه العقيدة فكانت سر نجاحها.\nأو لست تَشِمُ بوارق النصر من قول عمير بن الحمام في بدر:\nركضا إلى الله بغير زاد ... إلا التقى وعمل المعاد\nأو من رجز الأنصار بين الصفوف:\nنحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما حيينا أبدًا","vol":"2","page":682},{"text":"ألا إن أعذب الأناشيد في أذن المجاهد المؤمن وأحلاها على قلبه ذلك الهتاف العالي المجيد: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤].\nولقد جمعت هذه الآية الكريمة في نسق واحد أركان النهضة، وهي المثل الأعلى في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.\nوالقوة المعنوية في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.\nوالقوة المادية في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾.\nواعلم أنهما سبيلان لا ثالث لهما أولهما ما علمت وما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ وهو سبيل البقاء والمجد وثانيهما ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وهو سبيل الفناء والتدهور فأي سبيل من السبيلين تختار أمتنا؟ (١).\n٣ - وبعد أن فسر الشيخ البنا فاتحة الكتاب على صفحات مجلة الشهاب قال تحت عنوان (تناسب وإنعام):\n﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]، ولا شك أن من تدبر الفاتحة الكريمة - وكل مؤمن مطالب بتدبرها في تلاوته عامة وفي صلاته خاصة - رأى من غزارة المعاني وجمالها، وروعة التناسب وجلاله، ما يأخذ بلبه، ويضيء جوانب قلبه. فهو يبتدى ذاكرًا تاليًا متيمنًا باسم الله الموصوف بالرحمة التي تظهر آثار رحمته متجددة في كل شيء، مستشعرًا أن أساس الصلة بينه وبين خالقه العظيم هو هذه الرحمة التي وسعت كل شيء. فإذا استشعر هذا المعنى ووقر في نفسه\n_________\n(١) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية - السنة الرابعة - العدد ١٠ في ٣٦ ربيع أول ١٣٥٥ هـ/ ١٦ يونيه ١٩٣٦ م.","vol":"2","page":683},{"text":"انطلق لسانه بحمد هذا الإله الرحمن الرحيم، وذكَّره الحمد بعظيم نعمه وكريم فضله وعظيم آلائه البادية في تربيته للعوالم جميعًا، فأجال بصيرته في هذا المحيط الذي لا ساحل له، ثم تذكر من جديد أن هذه النعم الجزيلة والتربية الجليلة ليست عن رغبة ولا رهبة ولكنها عن تفضل ورحمة فنطق لسانه مرة ثانية بالرحمن الرحيم، ولكن من كمال هذا الإله العظيم أن يقرن الرحمة بالعدل، ويذكر بالحساب بعد الفضل فهو مع رحمته السابغة المتجددة سَيَدِينُ عباده، ويحاسب خلقه يوم الدين: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩]. فتربيته لخلقه قائمة على الترغيب بالرحمة، والترهيب بالعدالة والحساب، وإذا كان الأمر كذلك فقد أصبح العبد مُكلَّفًا بتحري الخير والبحث عن وسائل النجاة، وهو في هذا أشد ما يكون حاجة إلى من يهديه سواء السبيل، ويرشده إلى الصراط المستقيم، وليس أولى به في ذلك من خالقه ومولاه، فليلجأ إليه وليعتمد عليه وليخاطبه بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وليسأله الهداية من فضله إلى الصراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم بمعرفة الحق واتباعه، غير المغضوب عليهم بالسلي بعد العطاء والنكوص بعد الاهتداء، وغير الضالين التائهين الذين يضلون عن الحق أو يريدون الوصول إليه فلا يوفقون للعثور عليه آمين.\nفهل رأيت تناسبًا أدق أو ارتباطًا أوثق مما تراه بين معاني هذه الآيات الكريمات؟ .\nوتذكر وأنت تهيم في أودية هذا الجمال ما يرويه رسول الله - ﷺ - عن ربه في الحديث القدسي، الذي أوردناه آنفًا: \"قَسَّمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي\". وأَدِمْ هذا التدبر والإنعام. واجتهد أن تقرأ في الصلاة أو غيرها على مكث وتمهل وخشوع وتذلل، وأن تقف على رؤوس الآيات، وتعطي التلاوة حقها من التجويد والنغمات من غير تكلف ولا تطريب، أو اشتغال بالألفاظ عن المعاني، مع رفع الصوت المعتدل في التلاوة العادية أو الصلاة الجهرية، فإن ذلك يعين على الفهم ويثير ما","vol":"2","page":684},{"text":"غاض من شآبيب الدمع، وما نفع القلب شيء أفضل من تلاوة في تدبر وخشوع (١).\n٤ - وفي مقالة بعنوان (من سنن الله في تربية الأمم) فسَّر الشيخ البنا ﵀ قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤] وقال بعد أن عرض لسبب نزول الآية والروايات فيه: \"وأيًّا ما كان سبب النزول فإن الآية الكريمة تقرر سنَّة من سنن الله في حياة الأمم، ذلك أن كل أمة بين طورين لا ثالث لهما، يخلف كل منهما الآخر متى توفرَّت دواعيه وأسبابه، هذا الطوران هما: طور القوة وطور الضعف.\nفالأمة تقوى إذا حدَّدت غايتها، وعزمت مثلها الأعلى، ورسمت منهاجها، وصَمَّمت على الوصول إلى الغاية وتنفيذ المنهاج، والمحاكاة للمثل مهما كلَّفها ذلك من تضحيات إذا صدقت عزيمة الأمة، وقويت إرادتها في ذلك، فقد قويت قوة مطردة لا تزال تزداد حتى تتسلَّم غوارب المجد، ولا يمكن لأية قوة في الأرض أن تُضعف هذه القوة أو تنال من تلك الأمة وهي على هذا الحال.\n\"ولا تزال الأمة بخير حتى تنسى الغاية، وتجهل المثل وتضل المنهاج، وتؤثر المنفعة والمتعة على الجهاد والتضحية، وتهن العزائم، وتضعف الإرادات، وتنحلَّ الأخلاق، ويكون مظهر ذلك الإغراق في الترف والقعود عن الواجب، وحينئذٍ تأخذ الأمة في الضعف، ويدبُّ إليها دبيبُ السَّقم الاجتماعي، ولا تزال تضعف حتى تتجدد أو تبيد: وسبيل التجدد أن يتُيح الله لها الطبيب الماهر، فيهتدي إلى الدواء الناجح، وتتبعُه الأمة في تناول هذا الدواء، فتموتُ جراثيم المرض وتعود إليها القوة ... وتملك مهمة المصلحين والقادة مصابيح الهدى، وشموسُ النهضات، بِهِم تنجلي كل فتنة عمياء ... وسبيل الإباءة أن تسدر الأمة في غيِّها،\n_________\n(١) مجلة الشهاب - السنة الأولى - العدد ٢ في غزة صفر ١٣٦٧ هـ / ١٤ ديسمبر ١٩٤٧ م.","vol":"2","page":685},{"text":"وتظلَّ هائمة على وجهها لا تُصِيخ لناجح، ولا تسمعُ لمرشد، حتى تحين فيها ساعة الفناء\" [مقاصد القرآن الكريم ص ١٣٢ - ١٣٣].\n٥ - وكتب الشيخ البنا ﵀ مقالة بديعة جملة في تفسير قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، فقال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٥٤] تعال معي - أيها الأخ القاريء - لنَقفَ برهة أمام هذه الآية الكريمة فَنسْتَجلى ما فيها من روائع الجمال اللفظي وبدائع التفضل المعنوي ثم نقول بعد ذلك ... ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء:\n١ - أرأيت كيف عبَّر القرآنُ الكريمُ عن محمد - ﷺ - (بالنبي) وهل تذوقْتَ ما في هذا اللفظ الكريم من معاني التعظيم والتكريم والشرف العالي والمنحة الخاصة والمقام السامي الرفيع الذي نَبَا عن تقدير الناس وسَمَا عن مقاييسهم وموازينهم.\n٢ - وأَرأيتَ كيف عبَّر القرآن الكريم عن الاستحقاق بالولاية فوقعت كلمة (أولى) موقع كلمة (أحق) لما في الأولى من الشعور بأن ذلك الاستحقاق إنما كان عن الحب والولاء والرغبة والرجاء لا عن خوف ولا إرهاب ولا إلزام ولا إكراه.\n٣ - وأرأيت كيف عبَّر القرآنُ بكلمة (المؤمنين) ولم يقل الناس أو المسلمين لما في هذه الكلمة من الإشارة إلى أن هذه الأولوية ثمرة التصديق ونتيجة الإيمان واليقين كما قال - ﷺ -: \"تالله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ومن نفسه التي بين جنبيه\".\nوهناك لطيفة أخرى هي أن هذه الفضيلة فضيلة موالاة النبي - ﷺ - إنما كتبها الله لأشرف طبقات الخلق وهم المؤمنون تعظيمًا لقدر نبيه - ﷺ - وتقديرًا لتصديق عباده المؤمنين.\n٤ - وأرأيت كيف عبَّر (بالأنفس) ليُدخِلَ في هذه الأولوية كلَّ ما دونها وهو كل شيء من مباهج الحياة ومظاهرها ... فالأهلُ دون النفس ... والمالُ دون النفس ... والمسكنُ دون النفس ... والزوجُ دون النفس ... والعشيرةُ دون","vol":"2","page":686},{"text":"النفس ... وإنما يكون حب الإنسان لهذه العوارض نتيجةَ حُبِّه لنفسه وثمرة حرصه على إسعادها.\nألا كلُّنا يبغى الحياةَ لنفسه ... حريصًا عليها مُستهامًا بها صَبّا\nفحبُّ الجبان النفسَ أورده التقى ... وحبُّ الشجاع النفسَ أورده الحربا\nفإذا جاد الإنسان بنفسه وسخا بروحه، فقد جاد بكل شيء والجود بالنفس أقصى غاية الجود.\nوبعد أيها الأخ: فهذه لوامع بروق تسطع في قلوب المؤمنين حين تهطل عليهم سحائب فيض الحب النبوي من سماء الحقيقة المحمدية فتهتف بها ألسنتهم وتجري بها أقلامهم، وإن في القول بعد ذلك لسعة، وإن ما يبدو في مرآة قلوب العارفين لا حد له، فسل الله يعطك، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.\nوبعد أن ملأت سمعك وقلبك من روائع هذا الجمال هلمَّ نتفهم الآية الكريمة: إن ربك يقول لك: النبي أحق بك من نفسك، فنفسُك وكل ما تملك فداء لنبيك وملْك لرسولك - ﷺ - وَوَقف على مناصرة الدعوة وحماية شريعته، ليس لك أن ترغب بنفسك عن نفسه أو تحتجز روحَك أو مالك أو كل ما تملك عن مناصرته، وفي هذا المعنى وردت الآية الكريمة: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]، والآية الكريمة: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠].\nوالحديث الصحيح: \"تالله لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به\". وإذا كان النبي - ﷺ - قد اختار الرفيقَ الأعلى وفارق الحياة الدنيا، فإن هذا المعنى ثابتٌ لسنته من بعده ولشريعته الباقية الخالدة، فهي أولى بكل مؤمن من نفسه وأحق به من أهله وأرضه ومسكنه وقومه وعشيرته والناس أجمعين. فَهمَ المسلمون","vol":"2","page":687},{"text":"الأولونَ ﵃ هذا المعنى فسمعنا حسانًا ﵁ يقول:\nفإن أبي ووالده وعرْضي ... لعرْض محمد منكم وقاءُ\nوسمعنا أبا بكر ﵁ يبكي حين سمع قول النبي - ﷺ -: \"إن من أَمنِّ الناس على في نفسه وماله أبا بكر بن أبي قحافة\" يقول: بأبي أنت وأمي يا رسول الله وهل أنفسنا وأموالنا إلا ملك يمينك.\nفهل يفهم المسلمون الآن هذا ... فيعلموا أن دينهم أولى بهم من أنفسهم وأموالهم، فيعملوا على مناصرته وإنقاذه ... أم هم في غمرة ساهون ...؟ اللَّهم فقهنا في دينك ... وعلمنا من أسرار كتابك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-675>ثانيًا: نماذجُ من تفسيره العلمي المُسهَب:</span>\nذكرتُ آنفًا أن هذا القسم من تفسير الشيخ البنا ﵀ يتمثل فيما كتبه على صفحات مجلة المنار، حين فسَّر فواتح سورة الرعد، ونهج نهجَ الشيخ رشيد رضا، وسار على منواله، فبدأ الاختلاف واضحًا بين هذه الطريقة والطريقة التي قبلها. فإذا كانت النماذج السابقة تُجمل تفسير الآية، وتستطرد في دلالات فكرية وتربوية مستوحاة من معناها ومغزاها، فإن هذه النماذج يظهر فيها اللون العلمي لتفسير الشيخ البنا، وتبرز فيها شخصيتُه التفسيرية، كما برزت في النماذج السابقة شخصيتُه الدعوية التربوية.\nوأختارُ هنا تفسير الشيخ ﵀ للآية الأولى من سورة الرعد مع المقدمة التي أوردما بين يدي السورة، وتفسيره للآية السادسة من السورة نفسها.\n١ - قال الشيخ ﵀ في بداية تفسيره لسورة الرعد:\nيرى بعض العلماء أن من حرمة القرآن وتوقيره ألّا يقال سورة النحل وسورة\n_________\n(١) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية - السنة الرابعة- العدد ٨ في ٩ ربيع أول ١٣٥٣ هـ/ ٢١ يونيه ١٩٣٤ م.","vol":"2","page":688},{"text":"الرعد وسورة البقرة ... إلخ، ولكن يقال السورة التي يذكر فيها النحل والسورة التي يذكر فيها الرعد وهكذا. ولقد جرى على ذلك شيخ المفسرين الطبري فعنون لهذه السورة في تفسيره بقوله: \"أول السورة التي يذكر فيها الرعد\" وقد رد القرطبي على من قال بهذا الرأي فقال: هذا يعارضه قوله - ﷺ -: \"الآيتان من آخر سورة البقرة من قرأ بهما في كل ليلة كفتاه\". (أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود) ولعل هذا هو الأقرب إلى سماحة الإِسلام وابتعاده عن التعقيد الشكلي وفي اللغة والمجاز مَنْدُوَحة.\n* مكان النزول:\nقال ابن الجوزي: اختلفوا في نزولها على قولين:\nأحدهما: أنها مكية رواه أبو طلحة عن ابن عباس وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وعطاء وقتادة، وروى أبو صالح عن ابن عباس أنها مكية إلا آيتين إحداهما قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَال الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ [الرعد: ٣١]، والأخرى قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣].\nوالقول الثاني: أنها مدنية رواه عطاء الخراساني عن ابن عباس وبه قال جابر بن زيد، وروى عن ابن عباس أنها مدنية إلا آيتين نزلتا بمكة وهما قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَال﴾ [الرعد: ٣١]، وقال آخرون المدني منها قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٢ - ١٤] وقال آخرون: نزلت آية منها بالجُحْفَة وهي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي﴾ [الرعد: ٣٠]، وتكاد الطبعات في المصاحف تُجْمع على أنها مدنية نزلت بعد سورة محمد - ﷺ -.\nويلاحظ اضطراب الروايات عن ابن عباس -﵄ - في تحديد المكي والمدني منها، ولعل ذلك من اشتباه الأمر على الرواة.","vol":"2","page":689},{"text":"والذي يتفق مع القواعد العامة في تعريف المكي والمدني أن معظم هذه السورة الكريمة مكي.\nفقد جعل العلماء من علامات المكي غالبًا أنه يعرض للعقائد وأدلتها من النظر في الكون واستجلاء عجائب طبع الله فيه مع الزجر والوعيد وبيانا جزاء المخالفين والمؤمنين؛ لأن ذلك هو الموافق لحال المخاطبين من الكفار والمشركين.\nأما المدني فغالبه تقص فيه الأحكام التفصيلية من عبادات ومعاملات وغيرها. وأيضًا فمن علامات المكي أن يغلب فيه الخطاب والتعبير بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ ونحوها من ألفاظ العموم، على حين أن الخطاب والتعبير يغلب في المدني أن يكون بـ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ونحوها. والناظر في مقاصد السورة الكريمة يراها بحال المكيين وموقفه أَخْلَقُ فنحن نرجح القول بمكية معظمها ... والله أعلم.\nوعدد آياتها ثلاث وأربعون عند الكوفيين. وخمس وأربعون عند الشاميين، والسبب في ذلك اختلافهم في أن الآية الأولى هي: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ أو إن ﴿المر﴾ وحدها آية و﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ آية ثانية وما بقى بعدها ذلك آية ثالثة، فعلى الأول هي ثلاثة وأربعون، وعلى الثاني هي خمسة وأربعون، مع الاتفاق على جواز الوقف بل على استحسانه في كل موضع من هذه المواضع.\n* المقاصد العامة في السورة:\nعرضت السورة الكريمة لتقرير عظمة الخالق وإثبات المعاد والرد على منكريه مع التقديم لذلك بعرض الأدلة من ظواهر هذا الكون العجيب، والتقفية بضرب الأمثلة الرائعة لكل من الحق والباطل.\nثم عرضت بعد ذلك لقسمي المؤمنين والمخالفين وأوصاف كل منهما والأخلاق التي تنبتها في نفسه العقيدة وتنميها، وجزاء كل من الفريقين في الدنيا","vol":"2","page":690},{"text":"والآخرة ثم تثبيت الرسول - ﷺ - وارتقاب يوم الفصل الذي يعلم فيه الجاحدون لمن عقبى الدار.\nوتستطيع أن تجمل هذه المقاصد السامية في أنها إثبات التوحيد والمعاد، وبيان ما ينتج من الإيمان بهما من أخلاق فاضلة وجزاء حسن كريم، والمقابلة بين ذلك وضده كما هي عادة القرآن.\n* المناسبة بين هذه السورة الكريمة وما قبلها:\nوتستطيع من ذلك أن تلمس المناسبة بين هذه السورة وبين السورة التي قبلها، ففي السورة التي قبلها أجمل يوسف ﵇ عقيدة التوحيد في قوله: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ [يوسف: ٣٩] وفي هذه السورة أفاض في بيان هذه العقيدة وتدعيمها بالأمثلة الواضحة والبراهين والأدلة.\nوفي السورة التي قبلها تناول بالتحليل نفوس إخوة يوسف وما استولى عليها من أخلاق إذ ذاك دفعتهم إلى ما فعلوا بأخيهم ثم ما كان بعد ذلك من توبتهم ومسامحته إياهم واستغفار أبيهم لهم، وفي هذه بسط لأخلاق المؤمنين كالتأكيد لما ذكر هنالك والتبين له.\nوفي سورة يوسف أجمل الإشارة إلى ما في الكون من روائع الآيات وإن أعرض الناس عنها ولم يكلفوا أنفسهم عناء النظر فيها فذلك قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ [يوسف: ١٠٥]. وفي هذه السورة الكريمة تناول هذا الإجمال بالتفصيل المبين، فذكر من آيات الله في السماء والأرض والشمس والقمر والليل والنهار والماء والنبات والرعد والبرق ... إلخ ما يلفت الأبصار الزائغة، ويسترعى الأفئدة الغافلة المعرضة.\nولما كانت سورة يوسف قد تناولت بالبيان والتفصيل ما كان من جدود اليهود والنصارى وهم أبناء يعقوب بالنسبة لأخيهم، ثم ختمت بأن في قصص هؤلاء","vol":"2","page":691},{"text":"وغيرهم من أنبياء الله الذين قصَّ الله من نبئهم على رسوله - ﷺ - عبرة لأولى الباب، وكان ذلك مظنة اعتراض من اليهود على عادتهم في التحريف والعناد، جاءت فاتحة سورة الرعد مؤكدة لكل هذه المعاني فذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وبذلك ينقطع عليهم سبيل الاعتراض ويتقرر المعنى في نفس القاري والسامع.\nولما كان ختام سورة يوسف قد عرض لحقيقة الدعوة القرآنية وسبيلها في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨]، مع بيان أن هذه الدعوة ليست بدعًا من دعوات المرسلين، ولا مخالفة لما جاءوا به، وكانت المناسبة تامة بين السورتين، فقد جاء كذلك في ختام سورة الرعد عرض لهذه الدعوة الكريمة في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ [الرعد: ٣٦]، ثم ذكر بعدها طرفًا آخر من شؤون المرسلين من قبل لبيان أن محمدًا - ﷺ - لم يكن في أحواله بدعًا منهم فقال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الرعد: ٣٨].\nوإذا نظرنا إلى أن سورة يوسف كلها جاءت تفصيلًا لما وقع من ذرية يعقوب وأبنائه ﵇، رأينا أن ورود هذه الآية الكريمة في سورة الرعد إجمال في الدليل يتكئ على ذلك، وسيأتي التفصيل، فالمناسبة تامة ولا شك.\nوثَمَّ وجوه أخرى من المناسبات يطول بنا الأمر إذا أردنا أن نتقصاها، وسيأتي بعضها خلال التفسير إن شاء الله.\n﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.\n﴿المر﴾ الكلام في فواتح السور بهذه الحروف الكريمة تقدم مسهبا، واختار صاحب المنار في ذلك أنها أسماء للسور، وقد يُعتَرض على هذا القول بأن ذلك يتجه لو لم يكن لهذه السور أسماء، أما وقد سميت بعد ذلك فما الحكمة في تعدد التسمية؟ .","vol":"2","page":692},{"text":"وقد أشار الحافظ ابن كثير إلى أن كل سورة تفتتح بمثل هذه الحروف ففيها الانتصار للقرآن وبيان أحقيته، مما يدل على أن المقصود بها لفت النظر إلى اختصاصه بالإعجاز، مع أنه مركب من جنس هذه الحروف التي تفتتح بها السور، ومن طرائفه في ذلك أنه نقل عن بعضهم: أن مجموع حروف الفواتح في القرآن أربعة عشر حرفًا يجمعها قولك: (نص حكيم قاطع له سر)، ولا شك أنه استئناس طريف ولكن غير مقصود طبعًا.\nوقد قيل في تأكيد هذا المعنى -وهو أن هذه الحروف في فواتح السور للإشارة إلى الإعجاز- أنك لو أمعنت النظر في حروف كل سورة من السور التي تفتتح بالحروف المقطعة، لوجدت حروف الافتتاح أكثر الحروف دورانًا فيها، وعلى هذا القول نستطيع أن نفهم حكمة اختلاف هذه الفواتح فهي أحيانا: ﴿الَم﴾ فقط، وأحيانا ﴿المص﴾ وأحيانًا ﴿الَر﴾ وأحيانا ﴿المر﴾ وتتضح لك بهذا حكمة زيادة الميم في فاتحة الرعد بخلاف ما قبلها وما بعدها. ونُقل عن ابن عباس أن الحكمة في زيادة الميم في هذه الفاتحة أن معنى الفواتح السابقة في ﴿الَرَ﴾ فقط: أنا الله أرى، وأما في هذه فمعناها: أنا الله أعلم وأرى بزيادة أعلم، على ما نقل عن ابن عباس في أن هذه الحروف أجزاء كلمات، والقول الأول أوضح وأبين.\nومما يعجبني في حكمة افتتاح السور بهذه الحروف ما أشار إليه الحافظ ابن كثير أن المراد التحدي بنفس هذه الحروف، وبيان ذلك أن المعلوم لدى قريش ومن جاورها -بل لدى كل من عرف النبي - ﷺ - واتصل به- أنه أميّ لم يقرأ ولم يكتب فحين يفجأ الناس باستفتاح كهذا في أول تلاوته للقرآن، فهو بلا شك سيسترعي التفاتهم لما يقرأ من جهة، وسيحملهم على التفكير في مصدر هذا العلم الجديد الذي طلع عليهم به من جهة أخرى، والتفكير سلم الهداية وأول خطوات الإيمان الصحيح، ثم نقول بعد هذا: والله أعلم بمراده بذلك، كما كان يقول سلفنا رضوان الله عليهم.","vol":"2","page":693},{"text":"﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ إشارة إلى آيات القرآن الكريم وتأكيد لمعنى أحقيته ونزوله من عند الله ﵎، وأنه لا شك فيه ولا مرية: إنه ﵎ لما أشار في سورة يوسف إلى القرآن الكريم وبيَّن أنه سيقص على نبيه فيه أحسن القصص، ثم ختم السورة بأن هذه القصص القرآنية عبرة لأولى الألباب وتصديق لما بين يديها من الكتب السماوية السابقة والشرائع الإلهية الماضية، وهي بعد ذلك كله تفصيل كل شيء ينفع الناس في دينهم ودنياهم، وهي كذلك هدى ورحمة لقوم يؤمنون بها ويصدقون، لما تقدم ذلك في فاتحة السورة وختامها، أكَّد ذلك المعنى في فاتحة هذه السورة فقال: تلك آيات الكتاب بخصائصها وروعتها وصفاتها النافعة الجليلة التي تقدمت، وهي حق من عند الله لا شك فيه ولا مرية.\n﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لما ذكر في الآية السابقة صفات هذه الآيات وأنها عبرة وتصديق وتفصيل وهداية ورحمة ختم ذلك بأن الذي يستفيد هذه الفوائد جميعًا إنما هم المؤمنون المصدقون، وقد ورد: أنه ما جلس أحد إلى القرآن إلا زاد أو نقص، فإن كان مؤمنًا زاد إيمانًا وهدى، وإن كان غير ذلك نقص: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].\nلما ذكر ذلك قرر في هذه الآية ناموسًا اجتماعيًا، وهو أن أكثر الناس لا يؤمنون، وقد تكرر هذا المعنى كثيرًا في القرآن الكريم، وقلما تذكر الكثرة إلا ومعها الضلالة والإعراض، وقلما تذكر القلة إلا ومعها الهداية والنور والإنتاج. وتأملْ ذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ [يوسف: ١٠٣]، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]، ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٣] ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: ٢٥]، إلى جانب قوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]،","vol":"2","page":694},{"text":"﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [ص: ٢٤]، ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ... إلخ، تجدْ ذلك يكاد يكون مطردًا، وأنت إذا طالعت مصداق ذلك في شؤون الناس وأحوال الدعوات، وجدته صحيحًا مطردًا. فما من دعوة حق إلا كان أهلها قليلًا بالنسبة لمن يناوؤها من أهل الباطل والدهماء، ولكنك إلى جانب هذا تجد أن الغلبة دائمًا للقلة المحقة والنصر دائمًا إلى جانبها. وبذلك يتضح لك وجه الجمع بين ما سبق من وعد الله لدينه أن يظهره على الدين كله، مع تقرير أن أكثر الناس لا يؤمنون الإيمان الكامل الحق، ولو مع الحرص على ذلك، ومن ذلك تعلم أن قول ذلك العربي: (وإنما العزة للكاثر) لا يتمشى إلا إذا تساوت الفئتان في غير العدد من وسائل القوة وزادت إحداهما الكثرة، أما إذا يتميز أهل الحق من أهل الباطل فقد كتب الله الغلبة للمحقين مهما كان عدد خصومهم كثيرًا: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].\nوالسر في انصراف أكثر الناس عن الإيمان أن الإنسان تتجاذبه قوتان تحاول كل منهما أن تتغلب عليه وأن توجهه وجهتها: قوة الخير التي يؤازرها العقل ويرشدها الوحي ويقويها العمل الصالح، وقوة الشر التي تمدها الشهوات ويزينها الشيطان ويقود إليها الهوى، وتغري بها زخارف المادة وأعراض الحياة الدنيا ولذائذها، وتزداد ضراوة بالمعاصي والمخالفات.\nولما كان العقل والوحي وما إليهما من عالم النفس السامية الفاضلة، وكانت الشهوات والأهواء والزخارف المادية من عالم هذا الحس، وكان الإنسان ما دام في حياته الدنيا فهو إلى الحس أقرب وبه ألصق، ولا يقوى على مقاومة هذه الدوافع إلى الشر إلا بتوفيق رباني وإرادة قوية ومجاهدة دائمة وعزيمة صادقة، وهو ما يشق على أكثر النفوس، من هنا كان أكثر النوع الإنساني ماديًا دنيويًا إلا القليل الذي بلك عنان نفسه، وقوي على التصرف في عوالم حسه، واستعان بطاعة الله على تثبيت","vol":"2","page":695},{"text":"هذا الإيمان الكريم وسلوك هذا المسلك القويم. وتأمل الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ [المعارج: ٢٣]. وتأمل دوران هذا المعنى في كثير من الآيات التي ورد فيها ذكر الإنسان.\nوانظر كيف أن صوارف الحس ونوازع النفس وتعلق الروح بالمادة، لا تزال تحاول أن تصرف الإنسان عن إيمانه لأقل المناسبات حتى بعد أن تثبت العقيدة وترسخ، وانظر مصداق ذلك في الآية الكريمة: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٣٩]، وإلى ما كان من بعض أصحاب النبي - ﷺ - في غزوة حُنَين حينما مروا بشجرة للمشركين كانوا يعلقون عليها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فقالوا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله - ﷺ -: \"سبحان الله! ! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لَتركبن سَنَنَ من قبلكم\". (رواه الترمذي عن أبي واقد الليثي ﵁).\nتأمل ذلك كله لتعلم صدق هذا الناموس الخالد: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وليس معنى أنهم (لا يؤمنون) أن يكونوا جميعًا كفارًا ولا شك، بل يدخل في معنى الآية أن من الناس من لا يؤمنون ظاهرًا ولا باطنًا، وهم الكفار على اختلاف أنواعهم من وثنيين وكتابيين وملاحدة وزنادقة ... إلخ، ومنهم من يؤمن ظاهرًا ولا يؤمن قلبه كالمنافقين، ومنهم من يؤمن قلبًا ولا يؤمن عملًا كعصاة المسلمين، ومنهم من لا يتحقق بصفات أهل الإيمان الباطنة مع قيامه بأعمالهم الظاهرة فيكون ناقص الإيمان، ومنهم من يتردد بين الشك والإيمان وهكذا.\nوالحكمة في تقرير هذا الناموس في كتاب الله ﵎ أمور:\nمنها: تعزية المصلحين الذين يقضون الزمن الطويل في الجهاد العنيف والكفاح","vol":"2","page":696},{"text":"المُمِضِّ ثم يرون أنهم بعد ذلك كله لم يظفروا إلا بالعدد القليل من المؤمنين، وفيه إلى جانب هذه التعزية إرشاد لأصحاب الدعوات أن تكون وجهتهم في التكوين أولًا الكيف لا الكم، والإيمان الصادق بالمبدأ والعقيدة، لا العدد الكثير الذي لا يغني شيئًا، ولهذا قضى رسول الله - ﷺ - شطر مدة الدعوة في مكة يتخير لها الأكفاء حتى مكث مدة طويلة ولمّا يبلغ أصحابه الأربعين ولكن الرجل منهم كان أمة وحده.\nومنها: إرشاد المؤمنين إلى وجوب حياطة إيمانهم بصلاح العمل ومجاهد النفس وسد الذرائع والبعد عن الشبهات واتباع سبيل الله حتى لا ينتكسوا ويعودوا بعد الإيمان الكامل إلى مرتبة دون هذه المرتبة، وأكثر ما يكون ذلك إذا قلدوا غيرهم من الأمم وسلكوا سبيل سواهم ممن لا يدين دينهم ولا يعتقد عقيدتهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١].\nوفي الآية الكريمة إشارة إلى أن الإيمان لا يكون كاملًا حقيقيًّا إلا إذا اعتقد المؤمن أن هذا القرآن حق نزل من عند الله ثم عمل على إنفاذه وجعله حكمًا على نفسه والله أعلم (١).\n٢ - وفي تفسير قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾ [الرعد: ٦] قال الشيخ البنا ﵀: \"بعد أن فصلت الآيات السابقة مظاهر قدرة الله ﵎ وأدلة عظمته وعجائب صنعه في الكون، ذكرت الشبهات التي يتذرع بها الجاحدون في إنكار نبوة الأنبياء، ويبررون بها انصرافهم عما جاء به الرسل الكرام من الهدى والنور. ومن هذه الشبهات استبعاد أمر البعث والخلق الجديد بعد\n_________\n(١) مجلة المنار -مجلد ٣٥ - جزء (٥) في غرة جمادى الثانية سنة ١٣٥٨ هـ - ١٨ يوليو سنة ١٩٣٩.","vol":"2","page":697},{"text":"الموت والفناء، ومنها استبطاء العقوبة على التكذيب واستعجالها لتكون دليلًا على صدق المبلِّغ عن الله ﵎ في دعواه، ومنها اقتراح الآيات والمعجزات. فأما الشبهة الأولى فقد فصلتها الآية الكريمة وردتها في قوله ﵎: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَال فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ [الرعد: ٥]، وأما الشبهتان الباقيتان فقد أشير إليهما في الآيتين الكريمتين كما عرض لهما القرآن الكريم في سور كثير ماضية وتالية.\n﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ ويطلبون إليك أن يوقع الله بهم العذاب والعقوبة قبل النعمة والعافية، وهذا خُلُقٌ من أخلاق الجاحدين المعاندين في كل زمان ومكان استكبارًا في الأرض وتعاليًا بالباطل وبَطَرًا على الحق، ولقد حكى الله عن قوم هود ﵇ في سورة الأعراف: ﴿قَالوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾ [الأعراف: ٧٠]، كما حكى عن قوم نوح في سورة هود ﵇: ﴿قَالوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢) قَال إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [هود: ٣٣]، كما حكى ذلك عن كفار قريش في كثير من الآيات ففي سورة الأنفال: ﴿وَإِذْ قَالوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢]، وفي سورة العنكبوت: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ [العنكبوت: ٥٤]، وفي سورة يونس: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾ [يونس: ٤٨].\nوهذا الخُلُقُ غريب حقًّا في الإنسان، فإن مقتضى العقل السليم الذي يتحلّى به هذا الجنس البشري أن يطلب الهداية والعافية بدلًا من العذاب والنقمة، وما أظرف رد هذا السبأي الذي خاطبه معاويةُ بقوله: ما أجهلَ قومك حين ملَّكوا عليهم امرأةً، فقال: أجهلُ من قومي قومُك حين قالوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء، ولم يقولوا: فاهدنا له.","vol":"2","page":698},{"text":"ولعل السر في ذلك أن الإنسان مفطور على نوع من التعالي والكبرياء يجعل قبوله للحق أمرًا شديدًا على نفسه لا يستطيعه إلا من ألهمه الله الرشد وهداه سواء السبيل.\nوقد سبق في الجزء الأول من هذا التفسير إشارة لطيفة إلى هذا المعنى فقد جاء هنالك ما نصه: (إن كُلَّ قوة من قوى هذه الأرض وكُلَّ ناموس من نواميس الطبيعة فيها خُلِقَ خاضعًا للإنسان. وخُلِقَ الإنسان مستعدًا لتسخيره لمنفعته إلا قوة الإغراء بالشر وناموس الوسوسة بالإغواء الذي يجذب الإنسان دائمًا إلى شر طباع الحيوان ويعيقه عن بلوغ كماله الإنساني، فالظاهر من الآيات أن الإنسان لا يَغلب هذه القوة ولا يُخْضِعُها مهما ارتقى وكَمُلَ، وقُصارى ما يصل إليه الكاملون هو الحذرُ من دسائس الوسوسة، والسلامة من سوء عاقبتها بألا يكون لها سلطان على نفس الكامل تجعله مسخرًا لها وتستعمله بالشرور كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]، وقال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف: ٢٠١]، قال صاحب التفسير (١) -ثم زاد الأستاذ (٢) هنا قوله-: أما سلطان تلك القوة في الفناء، ؤقطع حركة الوجود إلى الصعود، فلا يستطيع إخضاعه لقدرته من البشر كامل ولا يقاوم نفوذه عامل، وإنما ذلك لله وحده وهذا حكمها في الكائنات إلى أن تبدل الأرض غير الأرض والسماوات). أهـ.\nوالمراد بهذا الكلام -كما ترى-: بيان قوة الشر ونزعاته ووضوح أثرها في الوجود وسهولة انجذاب النفوس إليها وسرعة التصاقها بها، وليس المراد استحالة التخلص منها، فإن من عصمه الله ﵎ وحفظه ويسَّره لمغالبة الشرور وأعانه على مقاومة النزعات الفاسدة والوساوس المضلة كان منها بمنجاة -ولا شك- كما تشير إليه الآية الكريمة.\n_________\n(١) المقصود بصاحب التفسير هو الأستاذ/ رشيد رضا.\n(٢) المقصود بالأستاذ هو الإِمام/ محمد عبده.","vol":"2","page":699},{"text":"ووجه العبرة فيما تقدم أن يَتنبَّه الإنسان لقوة هذه الناحية في نفسه وفي ناموس الخليقة، وأن يراقب نفسه مراقبة دقيقة، وأن يَخضد فيها دائمًا شوكة الكبرياء الكاذب والتأبِّي على الحق، وأن يلح على الله في الدعاء أن يجعله من أهل الهداية والتوفيق الذين لا يجد الشيطان إلى نفوسهم سبيلا.\n﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ خلت: مضت وذهبت، والمثلات جمع مَثُلَة قال الراغب: والمَثُلَة نقمةٌ تنزل بالإنسان فيُجعل مثالًا يرتدع به غيرُه وذلك كالنَّكال وجمعه مُثُلات ومَثُلات، وقد أمثلَ السلطانُ فلانًا إذا نكَّلَ به. وقال ابن جرير يقول تعالى ذكره: (ويستعجلونك يا محمد مشركو قومك بالبلاء والعقوبة قبل الرخاء والعافية فيقولون ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢] وهم يعلمون ما حل بمن خلا قبلهم من الأمم التي عَصَت ربها وكَذَّبت رسلها من عقوبات الله وعظيم بلائه، فمن بين أُمة مُسخت قرَدَة وأخرى خنازير، ومن بين أُمة أُهلكت بالرجفة وأخرى بالخسف، وذلك هو المَثلات التي قال الله جل ثناؤه: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ والمَثلات: العقوبات المنكِّلات، والواحدة منها مَثُلَة بفتح الميم وضم الثاء ثم تجمع مَثُلات كما واحدةُ الصدقات صدقة ثم تجمع صدقات، وذُكر أن تميما من بين العرب تضم الميم والثاء جميعًا من المُثُلات، فالواحدة على لغتهم منها مثلة ثم تجمع مثل غرفة وغرفات، والفعل منه مثلت به أمثل مثلا بفتح الميم وتسكين الثاء، فإذا أردت أنك أقصصته من غيره قلت أمثلته من صاحبه أمثلة مثلا وذلك إذا أقصصته منه وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل). أهـ.\nوفي الآية تبكيت لهم على هذه الغفلة التي تجعلهم يتناسون الاتعاظ بغيرهم وتجاهلِ ما حل بسواهم من السابقين، وفي المثل: (السعيد من وُعظَ بغيره والشقي من وُعظ بنفسه). وبهذا تقرر الآية الكريمة ناموس العبرة والعظة وتلفت إليه الأمم والشعوب.","vol":"2","page":700},{"text":"واعلم أن العبرة والعظة لا تنحصر في الفرد ولا في الجماعة على الاعتبار بحال غيرهما وعاقبته، بل تكون كذلك في الفرد وفي الجماعة بها بما يقع لهما من الحوادث، فالفرد الذي يحرص على الاستفادة من تجاربه ونتائج أعماله يزيد صوابه دائمًا فتزيد سعادته، ويقل خطؤه فيزول شقاؤه، وكذلك الأمة والفرد الذي لا يعتبر ولا يستفيد من تجاربه ونتائج أعماله يظل على خطئه وضلاله فلا يلقى إلا الخسارة والوبال، وإلى هذا يشير حديث أبي هريرة ﵁: \"لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين\". (رواه أحمد في مسنده والبخاري ومسلم وأبو داود وابن ماجه). ولا يُعرض عن الانتفاع بالآيات والنذر إلا الجاحدون الذين لم يتمكن الإيمان من قلوبهم والله ﵎ يقول: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].\nولو أن المسلمين راجعوا تاريخهم وتاريخ الأمم السابقة والمعاصرة وأنعموا في ذلك النظر لخلصوا بكير من العبر ولاستطاعوا أن يجدوا في صفحات هذا التاريخ دروسًا وافية تدفعهم إلى العمل وتجنبهم الأخطاء والزلل ولو ذهب الباحث يستقصي ذلك لأعجزه حصره، ولقد علم الناس لو يتعلمون.\nولا نريد أن نفيض في ذكر حوادث التاريخ وعبره فذلك ما لا يُستطاع، ولكنا نلفت أنظار المسلمين إلى عبرتين واضحتين في التاريخ الحديث: واحدة تتصل بتاريخهم وحياتهم، والثانية تتصل بتاريخ غيرهم وحياته.\n* قامت الحرب العالمية الماضية سنة ١٩١٤ - ١٩١٨ وللمسلمين حكومة جامعة، ودولة واسعة، ووحدة قائمة، وإن كان قد دب في ذلك كله الضعف والوهن، ولكنهم زادوا هذا الضعف ضعفًا بتفرقهم وتباغضهم وتحاقدهم ونسيانهم الأخوة الإِسلامية ورابطة الدين والعقيدة التي هي أقدس الروابط وأوثق الوشائج والصلات، ودب فيهم دبيب الفكرة العنصرية، فالأتراك يحاولون تتريك عناصر الدولة وإظهار الشعائر الطورانية، والعرب يحلمون بالاستقلال على أساس من","vol":"2","page":701},{"text":"الوحدة العربية، وبذلك دب إلى النفوس الإِسلامية داء الأمم من قبل: البغضاءُ وفسادُ ذات البَين التي تفسد أمر الدنيا والدين، وهبت عواصف الحرب فزادت دسائسها ومكائدها النفوس جفوةً وتباعدًا، وكان أن ثار العرب على الحكومة التركية وصار المسلمون قسمين كلُ قسم إلى صف عدو من أعداء دينهم وقوتهم وجامعتهم، وانتهت الحرب بتفريق جامعتهم وضياع الرسم الباقي من خلافتهم وانحلال حكومتهم، وكان ذلك جزاء وفاقًا بما كسبت أيديهم ومثلة منذرة بعاقبة المقصرين المفرطين .. هذه عبرة من تاريخنا يجب أن نطيل إليها النظر في هذا العصر الذي لا يعيش فيه إلا الأمم القوية بعددها وعدتها ورابطتها وإيمانها، ونعمل جاهدين لإحياء الجامعة الإِسلامية والوحدة المحمدية، ولا ننخدع أبدًا ... أبدًا بهذه الوعود الكافرة الجاحدة، بل نعتمد على أنفسنا ونستمد النصر والتأييد من الله وحده وبذلك تعود إمامة المسلمين وتتجدد دولتهم.\nوقامت هذه الحرب الحاضرة (١) بين قوتين عظيمتين في أوروبا بين الدولة الألمانية ومن شايعها من جانب وبين فرنسا وإنجلترا ومن شايعهما من جانب آخر، وما كان الناس يظنون أو يخطر ببالهم أن دولة غنية مجهزة مستعدة كفرنسا تُهزم شر هزيمة في أيام قلائل ويقضي على استقلالها وجيشها وسلطانها ويحتل عدوها أرضها ويتحكم في كل مقدراتها، هذا أمر لم يكن يخطر ببال أحد بمثل هذه السرعة العجيبة ولكن رئيس وزرائها (المسيو بيتان) قد أماط اللثام عن سر ذلك بكلمته المشهورة: (لقد أتت الهزيمة من الانحلال، ودمرت روح الملذات ما شيدته روح التضحية) وكان ذلك مصداقًا للناموس الإلهي الخالد في حياة الأمم والشعوب: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنفال: ٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ [الإسراء: ١٦] ومع هذا فما زال كثير من المسلمين يُعجَبون\n_________\n(١) المقصود بالحرب الحاضرة هي الحرب العالمية الثانية من ١٩٣٩ - ١٩٤٦ م.","vol":"2","page":702},{"text":"بحياة فرنسا الزائلة ويتغنون بآدابها وفنونها ومفاتنها التي صرفت شعبها عن الجد والتضحية إلى اللهو والملذات فحق عليها القول وصارت مَثُلَةً بين الدول في هذا المصير ... (١) وهذه عبرة أخرى من تاريخ غيرنا ممن يعاصروننا ويتصلون بنا أوثق اتصال يجب كذلك أن نطيل النظر فيها، ونعمل جاهدين على بناء نهضتنا على دعائم قوية صحيحة من الجد والعمل والخلق والإيمان والتضحية والكفاح، فإن البقاء دائمًا للأصلح. ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾.\n﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إن الله ﵎ لم يخلق الخلق عبثًا ولم يتركهم سدى، وإنما خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، وليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، وفي الإنسان الاستعداد القابل للخير والشر: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠]، وإنما تجئ الأديان لِتُقَوِّيَ في النفوس البشرية معاني الخير، وتبين لها طرق المقاومة لنوازع الشر، وبذلك تهتدي إلى الصراط المستقيم: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦]، والنفس الإنسانية إنما تقاد إلى الخير وتُوزَعُ عن الشر بأحد عاملين: إما الخوف، وإما الرَّجاء بالرغبة أو بالرهبة، ولا بد من تعادل هذين العاملين في التأثير في النفس وإلا كانت عرضة للانحراف، فإذا غلبها الخوف بغير رجاء أدَّاها ذلك إلى اليأس، وإذا غلبها الرَّجاء بدون خوف أَدَّاها ذلك إلى التحلل والإباحة، ومن هنا كان ناموس المؤاخذة من الله لخلقه دائرًا بين هذين العاملين، فهو ﷾ يطمعهم في رحمته ومغفرته وفاقًا لقانون الفضل الرباني ثم يحذرهم سطوته وعقوبته وجبروته إحقاقًا للعدل الإلهي.\n_________\n(١) كُتب هذا المقال وفرنسا ترزح تحت الاحتلال الألماني بعد هزيمتها عسكريًا واحتلال أراضيها.","vol":"2","page":703},{"text":"قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذا الشطر من الآية الكريمة: أي أنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار، ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ليعتدل الرَّجاء والخوف كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ [الأنعام: ١٤٧] وقال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠] إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرَّجاء والخوف.\nوقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن علي بن زيد بن سعيد بن المسيب قال لما نزلت الآية: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ قال رسول الله - ﷺ -: \"لولا عفو الله وتجاوزه ما هنا أحدًا العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتَّكَل كلُّ أحد\". وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد\". (رواه مسلم).\nوذهب ابن جرير إلى أن المغفرة المذكورة هنا خاصة بالمؤمنين التائبين والعقوبة للكافرين والعاصين، وأن الكلام إن كان خبرًا في ظاهره فإنه وعيد وتهديد للمشركين من أهل مكة إن لم يتوبوا وينيبوا إلى الله ﵎ قبل أن يحل عليهم غضبه وعقوبته ونقمته، ولا ينافي هذا ما ذكرناه من تقرير الناموس العام في حكمة ذكر الثواب والعقاب والعدل والرحمة مقترنين دائمًا في كتاب الله.\nواستدل الأشاعرة بقوله تعالى: ﴿عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ بعد ذكر المغفرة، على مذهبهم من جواز العفو عن صاحب الكبيرة قبل التوبة، وقد أطال النيسابوري في توجيه هذا الاستدلال وكأنهم يريدون أن يجعلوا الظلم المذكور في الآية إنما يراد به التلبس بالإثم والعصيان ... والذي تطمئن إليه النفس أن المراد بالظلم هنا ما عرف من قوة ميل النفس الإنسانية إلى الشر أكثر مما تميل إلى الخير حتى صار ذلك وصفًا ملازمًا","vol":"2","page":704},{"text":"لها لاصقًا بها، وقد تردد هذا المعنى في كثير من آيات القرآن الكريم، وجاء ذكر الإنسان والنفس الإنسانية مقرونًا بالظلم تارة، وبالجحود تارة أخرى، وهكذا قال ﵎: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّار﴾ [إبراهيم: ٣٤]، وقال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]، ويكون المراد على ذلك والله أعلم: أن الله ﵎ يغفر للناس تفضلا منه وكرما وإن كانت طبائعهم إلى الشر والظلم أقرب.\nومن ذلك تعلم أن الإنسان في أشد الحاجة إلى محاسبة نفسه ومراقبتها أدق المراقبة ومقاومة غرائز السوء فيها، وتقوية عوامل الصلاح والخير التي تحيط بها حتى يسلس له قيادها ويسير في الطريق المستقيم، وذلك بإشعارها الخوف تارة وأخذها بالشدة والقسوة، وإشعارها الرَّجاء تارة أخرى وأخذها باللين والأمل.\nقال الإِمام النووي في رياض الصالحين: (اعلم أن المختار للعبد في حال صحته أن يكون خائفًا راجيًا ويكون خوفه ورجاؤه سواء، وفي حال المرض بمحض الرَّجاء، وقواعد الشرع من نصوص الكتاب والسنة متظاهرةٌ على ذلك ... فيجتمع الخوف والرجاء في آيتين مقترنتين أو آيات أو آية واحدة). أهـ.\nوكأن ﵀ أشار بتغليب الرَّجاء في حال المرض إلى قوله - ﷺ - في حديث جابر بن عبد الله -﵄ - أنه سمع النبي - ﷺ - قبل موته بثلاثة أيام يقول: \"لا يموتَنَّ أحدكُم إلا وهو يُحسنُ الظن بالله ﷿\". (رواه مسلم).\nوالقاعدة التي يجب أن يسير عليها الإنسان دائمًا الفرار إلى الخوف إذا استنام إلى الرَّجاء، والفرار إلى الرَّجاء إذا استبد به الخوف، وهكذا لا يزال يكسر حدَّةَ أحدهما بالآخر بحسب حاله في مجاهدة نفسه.\nوفي التعبير بالربوبية في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ إشارة إلى عظيم لطف الله ﵎ بعباده ووعده إياهم بفضله وبره، وأن المراد بالثواب والعقاب إنما هو كمال تربية النوع الإنساني حتى يصل إلى كماله المنشود.","vol":"2","page":705},{"text":"ووجه الارتباط بين أجزاء الآية الكريمة واضح، فإنهم لما استعجلوا السيئة قبل الحسنة ذكَّرهم القرآن الكريم بما وقع للأمم من قبلهم وأحالهم على ما عرفوا من أحوال المكذبين السابقين الذين حقت عليهم الكلمة ووقعت بهم المَثُلات وبيَن لهم بعد ذلك أن الله قادر على المغفرة كما أنه قادر على العقوبة الشديدة، ولكنه يغفر لمن يشاء ويعاقب من يشاء، لا تتوقف عقوبته ولا مغفرته على اقتراح أحد أو تحكم مخلوق، وفقنا الله وإياكم إلى الخير وهدانا سواء السبيل ... (١)\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-676> معالم منهج البنا في التفسير:</span>\nقبل أن نتحدث عن معالم منهج الشيخ البنا في التفسير، نذكر أنه ﵀ كتب على صفحات مجلة الشهاب عام ١٣٦٧ هـ - ١٩٤٧ م مقدمة ضافية في التفسير أراد أن تكون مدخلًا لمشروع تفسير له يكون عنوانه (مقاصد القرآن الكريم). ونورد فيما يلي خلاصة هذه المقدمة؛ لأنها توقفنا على طرف كبير من منهج الشيخ في التفسير.\nعنون البنا ﵀ لمقدمته بهذا العنوان: (مقدمات في علم التفسير)، ثم تحدَّث عن القرآن الكريم مبينًا أن بركته الكبرى إنما هي في تدبره وتفهم معانيه ومقاصده، ثم تحقيقها في الأعمال الدينية والدنيوية على الهواء، ثم تحدَّث عن الحاجة إلى التفسير، ونشأة علم التفسير، وعناية السلف به. ثم عرض لقضيته (التفسير بالرأي) وبيَّن أن المذموم منه ما كان بغير علم أو اتباعًا للهوى.\nوذكر الشيخ ﵀ أن أسلوب التفسير قد تأثر بالتطورات الاجتماعية والثقافية في العصور الإِسلامية المختلفة، فنشأ عن ذلك اتجاهات في التفسير، ومناهج المفسرين. ثم قال الشيخ: \"وهكذا نجد أن أسلوب التفسير يتجدد مع كلِّ مفسَّر، ومع كل عصر بحسبه، وذلك أمر طبيعي كما قدمنا، فإنما يصور المفسرون ما\n_________\n(١) مجلة المنار -مجلد ٣٥ - جزء ٩ جمادى الآخرة ١٣٥٩ هـ/ أغسطس ١٩٤٠ م.","vol":"2","page":706},{"text":"فهموا من كتاب الله، وأداة فهمهم عقولُهم، ومادة علمهم بيئتهُم ومعارف عصرهم، فكان لزامًا أن يظهر ذلك جليًّا في نفثات أقلامهم، ومعرض آلائهم\" [مقاصد القرآن الكريم ص ٢].\nثم تحدَّث الشيخَ البنا ﵀ عن مزالق بعض الكاتبين في التفسير، وبُعدِهم عن جادة الصواب، وشططهم في الآراء التي تنافي مقاصد القرآن الكريم، كزعم بعضهم أن قصص القرآن لا يعدو أن يكون سردًا فنيًا لا يستلزم صدق الرواية ولا صحة الواقعة! وكغُلُوِّ بعضهم في التفسير العلمي للقرآن تكلفًا وتعسفًا، وآخذًا بنظريات وفروض علمية لم ترق إلى مستوى الحقائق! ! وكغُلُوِّ آخرين في تأويل بعض السمعيات والغيبيات كالجن والملائكة وأحوال الموت والقبر والبعث ... ! .\nثم ختم البنا ﵀ مقدمته بنصيحة تُرشد القاري إلى أسلوب عملي محدد يمرن عليه، ويلجأ إليه لفهم القرآن الكريتم، فقال تحت عنوان: (أفضل التفاسير وأقرب طرائق الفهم\":\n\"وبعد فقد سألني أحد الإخوان عن: أفضل التفاسير وأقرب طرائق الفهم لكتاب الله ﵎؟ .\nفكان جوابي على سؤاله بهذه الكلمة: (قلبك) فقلب المؤمن ولا شك هو أفضل التفاسير لكتاب الله ﵎، وأقرب طرائق الفهم أن يقرأ القاري بتدبر وخشوع وأن يستلهم الله الرشد والسداد، ويجمع شوارد فكره حين التلاوة، وإن يُلم مع ذلك بالسيرة النبوية المطهرة، ويعني بنوع خاص بأسباب النزول وارتباطها بمواضعها من هذه السيرة، فسيجد في ذلك أكبر العون على اللهم الصحيح السليم، وإذا قرأ في كتب التفسير بعد ذلك فللوقوف على معنى لفظ دَقَّ عليه، أو تركيب خَفي أمامه معناه، أو استزادة من ثقافة تُعينه على الفهم لكتاب الله، فهي مساعدات على الفهم، والفهم بعد ذلك إشراق ينقدح ضوؤه في صميم القلب.\nومن وصايا الأستاذ الإِمام الشيخ محمد عبده - ﵀ - لبعض تلامذته:","vol":"2","page":707},{"text":"(وأدمْ قراءة القرآن، وفهم أوامره ونواهيه، ومواعظه وعبره كما كان يُتلى على المؤمنين أيام الوحي، وحاذرْ النظر إلى وجوه التفاسير إلا لفهم لفظ غاب عنك مراد العرب منه أو ارتباط مفرد بآخر خَفَي عليك متصله، ثم اذهب إلى ما يشخصك القرآن إليه، واحمل نفسك على ما يحمل عليه) انتهى.\nولا شك أن من أخذ بهذه الطريقة سيجد أثرها بعد حين في نفسه مَلَكَةً تجعل الفهم من سجيته، ونورًا يستضيء به في دنياه وآخرته إن شاء الله تعالى (١).\nوبعد الحديث عن مقدمة الشيخ البنا ﵀، وما تضمنته من إشارة إلى منهجه في التفسير، نورد فيما يلي أهم معالم منهجه مشفوعة بنماذج وأمثلة من تفسيره ﵀:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>١ - حرصُه على ربط الآيات القرآنية بالواقع المعاش: </span>ويتجلَّى هذا المعلم في تفسير الشيخ كلِّه رحمة الله عليه؛ لأنه تفسير رجل نذر نفسه لهذا الدين، ووهب له كلَّ جهده ووقته دعوة وإرشادًا، وتربية وتوجيهًا، فلا جرم أن يكون تفسيره نابعًا من واقع نفسه، وواقع مجتمعه الذي يعيش فيه، وأن يستلهم من القرآن كلَّ دواء وعلاج للمشكلات والآفات النفسية والاجتماعية والسياسية والثقافية، التي يواجهها مواجهة حقيقية، وينفعل معها انفعالًا واقعيًا. ولذلك كان تفسير الشيخ البنا ﵀ تفسيرًا مميزًا يحمل طابعه الإيماني، وهمته الوثَّابة إلى إرشاد الناس، وروحه التواقة إلى استنقاذهم من مهاوي الرَّدى! .\nوقد يُدرك القاري لما تَقَدَّم من تفسير الشيخ هذه الصفة في منهجه، ونزيده مع ذلك نماذج أخرى ممتعة ومقنعة:\n١ - فسَّر الشيخ البنا ﵀ قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ ...﴾ إلى قوله ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] تفسيرًا بديعًا جميلًا.\n_________\n(١) مجلة الشهاب - السنة الأولى - العدد ١ في غرة المحرم ١٣٦٧ هـ / ١٤ نوفمبر ١٩٤٧ م.","vol":"2","page":708},{"text":"فقال: يقول المربُّون إن أعظم مظاهر القوة في الإنسان أن يتغلب على ما يحيط به وأن يُخضع الصعاب لإرادته، وإذا وصلت الأمة إلى هذا الحد فلم تتأثر بالحوادث ولم تبال بالعقبات وكان عندها من المناعة الطبيعية ما يحول بينها وبين تسرب الوهن إليها، كانت خليقة بأن ترث الأرض وتسود الدنيا وتُحسن الخلافة في الكون.\nوالآية الكريمة تشير إلى (التدريبات) الربانية التي تُنشى في الأمة هذه المناعة وتطبعها بطابع القوة الحقيقية وتجعلها أسمى من ظروفها وأقوى مما يحيط بها، ويجمع هذه التمرينات الابتلاء أو الاختبار الذي يبتلي الله به الناس لتصفو به نفوسهم وتتطهر من الأدران أرواحهم ويعتادوا مقاومة الصعاب وتحمل الصدمات، فإنْ صَبَرَ العبد على اختبار الله إياه وشغلته الغاية عن ألم الوسيلة، كانت العاقبة خيرًا وأبدله الله بهذا الصبر قوة في الدنيا وثوابًا في الآخرة وكان مثله كمثل من يصبر على مرارة الدواء أملًا في الشفاء، وإن جزع وتألم أفسد على نفسه العلاج وكان الاختبار وبالًا عليه.\nوأساس الصبر على الابتلاء الإيمان بالله والاشتغال بمراقبة عظمته والتسليم لحكمة تصرفه ولهذا ورد في الأثر: (الصبر شطر الإيمان) وفي قول الله ﵎: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]، ومن ذلك ترى أن الاختبار كما يكون تدريبًا على المقاومة يكون دليلًا على الإيمان والتسليم، فإذا صبر العبد وسلَّم كان ذلك دليلًا إيمانه فيرفع الله درجته ويعلي منزلته، وكان الابتلاء وسيلة إلى رفع الدرجات وإعلاء الرتب ونوال الفضل، وربما منعك فأعطاك فمنعك: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].\nوالتمرينات التي ذكرتها الآية الكريمة أنواع منها:\n* الخَوف وإنما بدأ القرآن به لأنه غريزة مستقرة في النفس لاصقة بالفؤاد تُولد مع المرء منذ ولد وتتحرك لأدنى مؤثر وتتولد عنها الأوهام والخرافات. فإذا","vol":"2","page":709},{"text":"استطاع الإنسان أن يكبح جماحها وألا يتأثر بمثيراتها خمدت وسكنت وذهب من نفسه ما تولد عنها من الجبن والوهم والخرافة وصار شجاعًا قوى النفس بعد أن كان رعديدًا خائر العزيمة، وبذلك يحسن استعداده النفسي وتكون الصدمات التي تلي هذه الصدمة أقل منها أثرًا وأضعف خطرًا.\n* يلي ذلك الجُوع وإنما ثنى به القرآن لأنه أَلَم الجسم فإذا تعود الإنسان مقاومة دواعيه والصبر على حرارته فقد قوى جسمه وصلب عوده وانضمت قوة جسمه بمقاومة الجوع إلى قوة روحه بمقاومة الخوف فكان إنسانًا كاملًا جسمًا وروحًا.\n* يأتي بعد هذين التدريب الثالث في قوله تعالى: ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ وهو الصبر على مفارقة المألوفات من مظاهر البيئة القريبة إلى الشخص، الحبيبة إلى النفس، وللألفة على القلب سلطان ولها في النفس منزلة، ورحم الله أبا الطيب إذ يقول:\nخلقت ألوفًا لو رحلت إلى الصبا ... لفارقت شيبي موجع القلب باكيًا\nهذه المألوفات التي تعُوق الإنسان عن العظائم وتحول بينه وبين الجد في المطالب، يريد القرآن أن يعوِّد الأمة الصبر على مفارقتها وعدم الركون إليها حتى يتحرر الإنسان حرية كاملة وحتى لا يقف شيء من دون وصوله إلى الغاية.\nفإذا دَرَبت نفسه الصبر، وقويت روحه بمقاومة الخوف، وقوى جسمه بمقاومة الجوع، وتحرر من أغلال البيئة وقيود المألوفات، تحقق له قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ يبشرهم بحسن الأجر وجزيل الثواب في الدنيا بالمناعة التي تخفف وقع المصائب، وفي الآخرة بالنعيم المقيم.\nولما كان أعظم شيء يساعد على الصبر ويتقوى به الإنسان على مرارة هذه التدريبات اللجوء إلى الله ﵎ وتذكر الغاية السابقة وتمثل المثل الأعلى: (وقد يهون على المستنجح العمل) لهذا كان أحسن شعار للمبتلى عند الابتلاء أن","vol":"2","page":710},{"text":"يضع مراقبة الله نصب عينيه وأن يهتف من أعماق قلبه مسترجعًا وأن يحقق معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البقرة: ١٥٦] وفي هذا التركيب العجيب من لطائف اللطائف وعوارف المعارف ما يدِق ويرِقْ وما هو بهذا النظام أليق وأخلق. وحسب الإنسان أن يذكر في صحيح أن لله بدؤه ولله نهايته ليكون لله ما بينهما: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤].\nأما البشرى فقد أشارت إلى مضمونها الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧] سمعها عمر ﵁ فقال: نعم العدلان ونعمت العلاوة.\nوالصلاة من الله على عبد: الثناء والتشريف والتكريم والرحمة والعفو وإغداق النعم ظاهرة وباطنة.\nفالأولى إشارة إلى اللطائف الروحية ولهذا عبر عنها بلفظ الصلاة.\nوالثانية إشارة إلى اللطائف الحسية ولهذا عبَّر عنها بلفظ الرحمة، ومن جمع الله له هذه الصفات في الدنيا وهذه المنح في الآخرة فقد هدي إلى صراط مستقيم، ولنا في الصبر وثوابه والدوافع إليه كلمات أخرى إن شاء الله (١).\nب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٤، ١٥] قال الشيخ تحت عنوان (حقيقة الإيمان وآثاره).\n\"فاعلم -يا أخي- أن الإيمانَ عقيدةٌ قلبيةٌ تخالط القلبَ وتستولي على النفس وتتملكَ الفؤاد فترى المؤمنَ ذاكرًا لعقيدته فانيًا فيها مضحيًا في سبيلها يراها في\n_________\n(١) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية -السنة الرابعة - العدد ١٣ في ١٨ ربيع الثاني ١٣٥٥ هـ/ ٧ يوليو ١٩٣٦ م.","vol":"2","page":711},{"text":"حلمه ويقظته وغُدُوه ورَواحه لأنها مَلَكتْ عليه نفسَه واستولت عليه. والناسُ في الإيمان متفاوتون مختلفون، درجات بعضُها فوق بعض، فأنت مُصَدِّقٌ بشيء وسمعت عنه فإذا قرأت عنه بعد ذلك زاد إيمانك به وتصديقك فيه، فإذا رأيت صورته ثبت هذا الإيمان في قلبك، فإذا رأيته رأي العين وفتَّشَت فيه وعرفت ظاهره وخافيه انتهيت إلى درجة من الإيمان لا تقبل شَكًّا ولا يتطرق إليها وَهَنٌ، كذلك إيمان المؤمن بالله ﵎ تتفاوت درجاته وتتباين منازله.\nفمن الناس من يدَّعون الإيمان وهم في هذه الدعوى كاذبون كالذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [البقرة: ٩].\nومنه من يؤمن في الرخاء حتى إذا عَضَّته الشدة بأنيابها انقلب على عقبه وكفر بنعمة ربه كالذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].\nومنهم من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمانُ قلبَه فهو يُظهر كلمة الإيمان وقلبُه منها خواء كأولئك الأعراب الذين عرضت لهم الآية الكريمة.\nومن المؤمنين قوم اطمأنت بالإيمان قلوبهم، وأخبتت له أرواحهم، فهم به سعداء وعليه حريصون أولئك الذين قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].\nوإذا وصل الإيمان إلى مثل هذه الدرجة السامية واحتل من القلب مكانًا رفيعًا أنتج أروع الآثار ولم يكن عاطفة خامدة بل يثور في النفس ثائرةً، فتبدو على الجوارح آثاره أوضح من الصبح وأضوأ من النور وأجلى من غرة النهار، وشرح ذلك يطول وإنما نُلِمُّ من ذلك بطرف ليكون تبصرةً للمؤمن، وتذكرةً للمخدوعين، وحسرةً على المجرمين.","vol":"2","page":712},{"text":"* من آثار الإيمان حُبٌّ يستروح معه المؤمن السعادة الكاملة والنعيم المقيم والله ﵎ يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].\n* ومن آثار الإيمان سعادة دائمة وراحة قلبية واطمئنان نفسي لا يجد المؤمن معه مَسَّ الشقاء ولو عُذِّب بجميع ما عرف الناس من أنواع العذاب ما سَلمَت له عقيدته واطمأن قلبه ... كالذي حَدَّثُوا أن بعضهم خاصم زوجته المؤمنة فكان فيما قال لها: والله لأُشقيَنَّك، فابتسمت وقالت: إنك لا تستطيع ذلك، فقال: وَلِمَ؟ فقالت: لأن سعادتي في إيماني، وإيماني في قلبي، وقلبي لا سلطان لأحد عليه، فُسُرِّيَ عنه وَهشَّ لها وابتسم. وهم يقولون إن ذلك مما وقع لعمر بن الخطاب ﵁ مع زوجه أم كلثوم بنت عليّ ﵃ أجمعين، والله أعلم حيث يجعل رسالته ..\nوقد علمت نبأ ذلك الشيخ الذي طال به السجن في سبيل إيمانه، فأخذ تلامذته يُعَزُّونَه ويتلمسون له سبيل النجاة فكان فيما قال لهم: (إن حبسي خلوةٌ، وقتلي شهادةٌ، ونفيي سياحةٌ، وكل ذلُ بأجره، ولو ملأتُ لهم قلعتهم هذه ذهبًا ما كأفاتُهم على ما سَاقُوا إليّ من ثواب الله، وإن جَنَّتي وبُستَاني في صدري).\nالله أكبر .. أرأيت يا أخي كيف يُحيلُ الإيمان المصائبَ والنكبات نعمًا سابغات وكيف يُصّيِّرُ الهمومَ الراسيات لذائذَ مُفرحات، وصدق رسول الله - ﷺ - الذي يقول ما معناه: \"عجبت لأمر المؤمن إن أمره كلَّه خيرٌ إن أصابته النَّعماءُ شكر وإن مسته الضراءُ صبر\" ... وهذا أبو القاسم الجُنَيد يقول: نحن من إيماننا بالله ومعرفتنا إياه في لذة لو عرفها ملوك الدنيا لقاتلونا عليها بالسيوف.\n* ومن آثار الإيمان عزةٌ سابغةٌ تجعل المؤمنَ عزيزًا بربه عظيمًا في نفسه لا يرى أحدًا أعز منه إذ يستمد عزته من الله لا من أحد من خلقه وإذ يدوي في نفسه صدى الآية الكريمة: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]،","vol":"2","page":713},{"text":"إلى جانب الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ [النساء: ١٣٩]، إلى جانب قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].\n* ومن آثار الإيمان شجاعة تتضاءل أمامها الجحافل وتنطوى أمام قوتها الجبابرة وتذل لها النكبات والمشاق والصعاب والعقبات: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٧٤].\n* وبعد، فمن آثار الإيمان بعد ما علمت جهادٌ في سبيل الله بالنفس إلى آخر قطرة من دمها وبالمال إلى آخر درهم منه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].\nولما كان هذا الأثر الأخير يعتبر النتيجة الطبيعية والعملية للآثار السابقة من الحب والسعادة والعزة والشجاعة ذكره الله ﵎ ونَوّه به واكتفى بذكره في الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].\nوأمامك آيات القرآن وأحاديث الرسول العظيم - ﷺ - تجد فيها ما تدهش له من تحصيل حقيقة الإيمان وبيان آثاره وتربية النفوس عليه، فروض نفسك بها حتى تكون من الصادقين.\nج - وفي سياق تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ١٣٥] قال الشيخ ﵀: \"أيتها الأمة المجاهدة: اختاري الرجال للقيادة، واجعلي الأساس المواهب والرجولة، ودَعَي ما سوى ذلك من المقاييس، واعلمي أنَّ أساس النهضات قوة وعلم أو عقل وجسم يمدُّهما إيمان ثابت، ويقين راسخ، وشعور فيَّاض، فهل أنتم سامعونا؟ \". [مقاصد القرآن الكريم ص ١٣٨].","vol":"2","page":714},{"text":"د - وها هو الشيخ ﵀ يَعُدُّ ما يكتبه من التفسير الواقعي الذي يكون عماده إدامة التدبر، وإطالة التفكر مدارسة قرآنية تثمر الفهم السليم ثم العمل المستقيم، فيقول في تفسير الآية الأولى من سورة الحجرات: \"فلنتدارس هذه الآية الكريمة معًا، اقرأها كما قرأتها بتدبر وإنعام، وسَلْ نفسك بعد ذلك هذه الأسئلة كما سألت نفسي من قبلك، وسأجيبُك عنها. فإن طابَقَتْ إجابتي ما وصلتَ إليه فيها، وإن فتح الله عليك بخيرٍ لما فتح به عليَّ فاحمد الله، وإن شئت أن تفيدني إياه فافعل، وأنت في حل إن لم تشأ ذلك، وسأمُدك في هذه الإجابة بما عرفتُ من أسباب النزول والمأثور في الآية الكريمة. وأظنك بعد هذا عرفت أنَّ ما أكتبُه إلى مدارسة القرآن أقربُ منه إلى التفسير، ولم لا نتدارس القرآن؟ ولم لا تكونُ هذه المدارسة نوعًا آخر من أنواع التفسير ومسلكًا مبتكرًا من مسالكه؟ \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-678>٢ - تأثُّره بالأستاذ الإِمام وبمدرسة المنار:</span>\nوهذا أمر واضح في تفسير البنا ﵀، فهو يُكثر النقل عن الأستاذ الإِمام، ويتبنَّى كثيرًا من آرائه الفكرية والتربوية والتفسيرية، بل يُعجب ببعضها ويُظهر ارتياحه لها، وميله إليها، فتراه يقول مثلًا في تفسير قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥]: \"والعبادة غير العبودية، ولا بدَّ من تفريق بينهما، يشعر بذلك الذوق السليم والطبع المستقيم. وقد ألمَّ الأستاذ الشيخ محمد عبده في تفسيره بهذا المعنى إلمامًا جميلًا، وصوَّر معنى العبادة تصويرًا بديعًا يطمئنُّ به القلب ... \" ثم نقل عن الأستاذ الإمام كلامًا طويلًا (٢).\nوالشيخ البنا ينقل عن الأستاذ الإِمام من تفسير المنار أحيانًا، ومن كتبه الأخرى كرسالة التوحيد أحيانًا أخرى.\nوأما تأثره بالشيخ رشيد رضا ﵀ فيظهر جليًّا حين شرع في إكمال تفسير\n_________\n(١) مقاصد القرآن ص ٣٦٣.\n(٢) ص ٥٩.","vol":"2","page":715},{"text":"المنار، فنهج نهج الشيخ رشيد، ونسج على منواله، كما تقدم ذكر ذلك، ولكنَّ الشيخ رشيد يتوسَّعُ في القضايا اللغوية والآثار النبوية أكثر من الشيخ حسن البنا، ﵀ الجميع.\nوهكذا نرى أن مدرسة المنار تشكل طرفًا كبيرًا في منهج الشيخ البنا في التفسير، وهذا أمر طبيعي كما يرى الشيخ الغزالي الذي يقول: \"والذي أراه أن مدرسة المنار هي المهاد الأوحد للصحوة الإِسلامية الحاضرة، وعلى الذين يرفعون القواعد من هذا المهاد أن يجتنبوا بعض الهفوات التي فات فيها الصواب إمامنا الكبير، فما نزعم عصمة له أو لغيره. قال لي الأستاذ حسن البنا عليه الرضوان: إنه تناقش مع الشيخ رشيد في إحدى القضايا الفقهية، واتَّسعت مسافة الخُلف بينهما، ولم يصلا إلى وفاق، ثم رأيتُ الأستاذ البنا يُصدر صحيفة المنار، ويبدأ فيها باب التفسير، فإذا هو يستفتح بسورة الرعد، قلتُ له: لم هذا البدء؟ قال: من حيث انتهى الشيخ الكبير محمد رشيد رضا، قلتُ في نفسي: لا يعرف الرجال إلا الرجال\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-679>٣ - شخصيتهُ البارزة في مناقشة أقوال المفسرين والترجيح بينها: </span>أذكر لذلك بعض الأمثلة والنماذج على سبيل المثال لا الحصر:\nأ - قال الشيخ البنا عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [التوبة: ٣٦]: \"والتقسيم إلى اثني عشر شهرًا إنما جاء بطبيعة البروج والمنازل، فبروج الشمس اثنا عشر، ومنازل القمر اثنا عشر كذلك، وذلك التقسيم قائم منذ تمَّ تكوين هذه المجموعة، فهو في كتاب الله بحكم التكوين منذ خلق السماوات والأرض، ومعنى (الكتاب) على هذا الفهم التقدير الإلهي التكويني، ويرى بعض المفسرين أن هذا التقسيم بحكم الشرع، فمعنى (الكتاب) إذن التقييد الإلهي التشريعي السابق في علم الله ﵎، ولعل الأول أولى وأدق وأوفى\n_________\n(١) علل وأدوية للشيخ الغزالي ص ١٠٣.","vol":"2","page":716},{"text":"بالغاية من تأكيد هذا التقسيم، وأنه لا يمكن أن يخالف بحال\" (١).\nب - وعند قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ في الأربعة الحرم باستحلال القتال فيها بعد أن أكَّد الإِسلام حرمتها، وحرَّم فيها القتال، أو في الشهور كلِّها بأن يستخدم الوقت في العبث أو العصيان فيظلم الإنسان نفسه بصرف وقته في غير ما خلق له وبطاعة الله وأداء حقوقه، وقد خلق الله الموت والحياة، وجُعل العُمر بينهما ابتلاءً وامتحانًا للناس: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] قولان، ولعلَّ النافي أشمل وأفضل، والله أعلم.\nوفي حكمة تسمية سورة البقرة بهذا الاسم يقول الشيخ البنا ﵀:\n\"قال المفسرون: سميت بهذا الاسم لما ورد فيها من ذكر قصة البقرة ويبدو لي أن الحكمة في هذه التسمية أعمق من هذا الذي ذُكر، ولعلها لفت النظر إلى هدم هذه العقيدة في نفوس الناس: عقيدة تقديس البقرة وعبادتها من دون الله، والمقصد الأول من الأديان وبالتالي من إنزال القرآن تقرير وحدانية الله ﵎ وصرف وجوه عباده وقلوبهم إليه، وتنزيهه عن كل ما لا يليق بجلاله، ولقد كانت البقرة أوفر أنواع الحيوان حظًّا من عبادة البشر وتقديسهم، فالتاريح يحدثنا. عن قدماء المصريين وكيف كانوا يبالغون في تقديس هذا الحيوان وعبادته، ويعنون أشد العناية باختيار العجل (أبيس) بشروط خاصة وكيفيات خاصة حتى سرت منهم هذه العادة إلى الإسرائيليين رغم ما كان فيهم في أنبياء وما أنزل الله عليهم من كتب.\nولقد عرفت عبادة البقر في معظم القارة الآسيوية كذلك بين الأشوريين والبابليين والإيرانيين والهنود، ولا زالت إلى اليوم معبود الهندوس الأعظم، وسرى إلى العرب شيء من هذه العقيدة فكان منها السائبة والبحيرة والوصيلة والحامي وما يصل بها من شعائر. ولقد استمر ظل هذه العقائد الفاسدة ممتدًا حتى وصل إلى بعض المجتمعات الإِسلامية، وكنا نسمع إلى وقت قريب عن (عجل السيد)\n_________\n(١) مقاصد القرآن الكريم ص ٢١٨.","vol":"2","page":717},{"text":"ونظرائه في كثير من البلاد.\nولهذا كان من اللازم أن تُحارب هذه العقيدة، وأن تُجتث من أصولها، وأن تسمى أطول سورة في القرآن باسم الجزء الذي تعرض للبقرة منها، وفيه الأمر بذبحها بأيدي الذين سرى إلى نفوسهم تقديسها، وتكريمها من بني إسرائيل تقليدًا للمصريين ونقلًا عن شرائعهم حينذاك ... والله أعلم.\nوعند قوله تعالى: ﴿الم﴾\nقال الشيخ ﵀:\n\"الحروف المفردة في أوائل السور:\n﴿الم﴾ وما شابهها في أوائل السور القرآنية كثرت فيها أقوال المفسرين وأحقها بالنظر والتقدير آراء ثلاثة:\nأنها للفت النظر للاستماع للقرآن حين يتلى، فهي أداة تنبيه وخاصة للمشركين الذين كانوا يعلمون تمام العلم أن محمدًا ﵊ أميّ لم يقرأ ولم يكتب قبل أن يوحى إليه هذا القرآن، فنطقُه بهذه الحروف على الهيئة التي لا يحذقها إلا القراء والكاتبون أمرٌ يستدعي الانتباه ويستلفت النظر.\nأو أنها إشارة إلى الإعجاز، كأنه يقول لهم إن هذه الألفاظ والجمل والعبارات والآيات قد ركبت من هذه الحروف البسيطة التي تعرفونها جميعًا، ومع ذلك فقد عجزتهم عن الإتيان بمثل هذا التركيب مع أن هذه هي مادته الأولية بين أيديكم، فلا مندوحة لكم بعد هذا من الإقرار بأن هذا الكتاب المركب هذا التركيب من عند الله لا من صنع البشر.\nأو أنها إشارة إلى فضل الكتابة وسمو منزلتها والتفاؤل بأنه كما كانت معرفة البشر للكتابة إيذانًا بانتقالهم من طور إلى طور في مدارج الرقي والكمال، فكذلك الاهتداء بهذه الرسالة سيكون انتقالًا جديدًا إلى درجة أعلى وأكمل في مدارج","vol":"2","page":718},{"text":"الحضارة الإنسانية والترقي الاجتماعي، وقد جاء القرآن حريصًا على إبراز هذا المعنى حتى كانت أول سورة أنزلت منه في أرجح الأقوال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥].\nوكل ما عدا هذه الآراء الثلاثة من أقوال المفسرين ظن لا يغني من الحق شيئًا. ومن طرائق ما ذهب إليه بعضهم في ذلك استخلاصه هذا التركيب من هذه الحروف في أوائل السور بعد حذف المكرر منها: (نص حكيم قاطع له سر) كأنه يريد أن يقول: إنها وصف للقرآن ولا دليل على هذا القول ولا سند له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-680>٤ - رده على الآراء المنحرفة في التفسير: </span>نشر الشيخ البنا ﵀ مقالًا في جريدة الإخوان المسلمين ردَّ فيه على كاتب ومؤرح يزعم أن (وادي النمل) وادي المستضعفين من سكان فلسطين وما إليها، وأن (النملة) التي أمرت قومها بدخول مساكنهم لا يحطمنكم سليمان وجنوده رجلٌ من هؤلاء القوم! ! ! ثم قال الشيخ الإِمام البنا طيب الله ثراه: \"هؤلاء من شيوخ الباحثين في هذه الأمة، وكبار كتابها، ضل بهم الفكر، وزاغ بهم البحث، فتركوا الجادة، وتنكبوا الطريق، وطلعوا على الناس بما لا يتفق مع أحكام الإِسلام وقواعده، وقوانين تفسير القرآن الكريم وتفهُّمه، وكأن الله ﵎ لم يقل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢]، وقد سبقهم غيرهم بمئل قولهم تشابهت قلوبهم! ! وما أُتي القوم إلا من ناحية، هي أنهم أرادوا أن يحصروا قدرة الله وتصرفاته في دوائر عقولهم، وفي حدود هذه النواميس العادية التي جهلنا فيها أضعاف ما علمنا، والله ﵎ أكبر من ذلك وأجل، ولو سَمَتْ المدارك، وحَفَت الأرواح، لعلموا أن في آحاد الناس من استطاع أن يقهر هذه النواميس المتعارفة، فكيف بالرسل والأنبياء، فكيف بالحق ﵎؟ ! . اللهم مناشرة الحجاب، وتنكُّب الصواب، هي فتنة بلا شك، وفي الأمة كثير من هذا الصِّنف، وما انتدبنا للكتابة في هذا الموضوع إلا","vol":"2","page":719},{"text":"لنكشف للأمة النقاب عما يُشاعُ فيها من هذه الآراء المنحرفة، حتى تتخذ الحيطة، وتتمسك بالكتاب، ولا تغتر بشخصيات الكاتبين وما لهم من شهرة واسعة في عالم الكتابة والتأليف، فقد أصبحنا في زمن كلُّه فتنٌ تتجارى بأصحابها كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرقُ ولا منصلُ إلا دخله، ولا نجاة إلا بالاعتصام بحبل الله المتين، وكتابه المبين، وسنة رسوله - ﷺ -، وأن نتفهَّمها كما كان يفهمها النبي - ﷺ - وأصحابه في سهولة وبساطة، بغير نظر إلى وجوه التأويل، ونواحي الخلاف، ثم نتوجَّه إلى ما يوجِّهنا الدين إليه، مستعصمين بالإيمان وصالح الأعمال، وإن أكبر ما أتمناه لهذه الأمة أن يرزقها الله حسنَ فراسة، تميز بها بين العدو والصديق، والمبطل والمحق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>٥ - عنايتُه بدقائق البلاغة وأسرار التعبير القرآني:</span>\nوالأمثلة على ذلك كثيرة نذكر منها بعض النماذج:\nأ - عند تفسير قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ ذكر الشيخ البنا ﵀ أنه ورد التعبير عن خلق الأرض في القرآن الكريم بألفاظ كثيرة منها المدُّ المذكور هنا، ومنها الفرش، ومنها البسط، ومنها الدحوُ أو الدحي، وأن المراد من ذلك كلِّه: خلقها وسوَّاها وجعلها ممهدة لمعايش الخلق ومصالحهم. ثم قال ﵀: \"وفي هذا التنويع في التعبير إشارة إلى تصرف القرآن في أساليب البلاغة اللفظية وبلوغه من ذلك المبلغ الذي لا يُسامى. وفيه كذلك فائدة معنوية، وهي الإشارة بهذه التعبيرات المختلفة إلى فوائد الأرض ومنافعها للناس: ففي المد إشارة إلى السعة والامتداد لمن شاء الغدوَّ والرواح، والتقلب في مناكبها والاضطراب في مذاهبها وفي البسط إشارة إلى السعة والتذليل لمن شاء اجتناء منافعها، وتحصيل خيراتها. وفي الفرش إشارة إلى الراحة والإيواء والاستقرار على ظهرها لمن شاء أن يتذكر نعمة الله في ذلك، فيقوم بشكرها، وفي الدَّحو إشارة إلى عجائب","vol":"2","page":720},{"text":"صنع الله ﵎ في خلقها وتسويتها وهكذا\" (١).\nب - وعند قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، قال الشيخ ﵀: \"عبَّر القرآن الكريم عن الاستحقاق بالولاية، فوقعت كلمة (أولى) موقع كلمة (أحق) لما في الأولى من الشعور بأن ذلك الاستحقاق إنما كان عن الحب والولاء، والرغبة والرجاء، لا عن خوف ولا إرهاب، ولا إلزام ولا إكراه (٢).\nج - وفي تفسيره لأوائل سورة التوبة قال الشيخ البنا ﵀: تحت عنوان (تكرير للتقرير).\nوإن القارئ ليلمح في هذه الآيات الكريمة الإسهاب والإطناب وتكرير المعاني والألفاظ، وقد يقال: إن الإطالة ليست من الإعجاز، والتكرار ليس من البلاغة، وهذا خطأ في الحكم عظيم، فإن البلاغة مراعاة مقتضى الحال، والإعجاز نفاذ المعاني إلى النفس واستقرارها فيها بصورة لا يصل إليها أسلوب آخر.\nوالمقام هنا مقام تكوين وتأسيس وإنشاء للأمة الإِسلامية الجديدة التي أذن لها أن تحمل إلى الإنسانية بأجمعها رسالته الشاملة الخالدة الباقية، وتكوين خير أمة أخرجت للناس، وذلك لا يتم إلا بتخليصها من كل عناصر الفتنة والضعف والشغب والفساد والتهدم مهما كانت التضحيات في هذه الوسائل، حتى تصير نقية قوية خالصة صالحة، فاقتضى المقام الإطناب في صفات المشركين والمنافقين، والتطويل في واجبات المؤمنين والمجاهدين. ليهلك من هلك عن بيِّنة ويَحْيى من حيَّ عن بَيِّنة والله سميع عليم، فهو\n_________\n(١) مقاصد القرآن ص ٣٠١.\n(٢) ص ٣٥٥.","vol":"2","page":721},{"text":"تكرير للتقرير، والمكرر في هذا المقام أحلى وحكمة الله أجل وأعلى\" (١).\nد - وبعد أن فسَّر أوائل سورة الرعد قال الشيخ ﵀: (ومن دقائق البلاغة في الآيات الكريمة الإشارة إلى مراتب الاعتقاد في تدرج وتلطف: فإن النظر في عوالم السماوات والعرش والشمس والقمر كما هو في الآية الثانية من السورة يؤدي إلى اطمئنان القلب وحسن اليقين، ولذلك ختمها بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ ... والتأمل في عوالم الأرض ومدها، وما فيها من جبال وأنهار وصلتها بغيرها من العوالم، تلك الصلة التي تظهر في تعاقب الليل والنهار يؤدي إلى يقظة الفكر وجودة النظر، ولذلك ختمها بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ ... والبحثُ في عوالم النبات وعجائب حياته بعد حياة القلب باليقين، وصحة الفكر يؤدي إلى كمال العقل وتمام المعرفة، ولذلك كان ختامُ الآيات: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، فاليقين شعور يلتئم مع الفكرة فينتج العقل الكامل: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] (٢).\nهـ - وعند قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد: ٧] ذكر الشيخ الآيات المشابهة لهذه الآية في المعنى والموضوع، ثم قال: \"وإنما آثر وصف الإنذار للرسل في هذه الآيات الكريمة، مع أنهم - صلوات الله عليهم - مبشرون ومنذرون كما جاء في سورة النساء: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء: ١٦٥]؛ لأن هذا الوصف هو الأليق والأخلق بهذه النفوس العنيدة، والرؤوس الصُلبة التي تأبى الإيمان إلا أن تُقْسَرَ عليه قَسْرًا، فالمقام يقتضي هذا الوصف، ولهذا أفرد بالذكر دون الوصف الثاني وهو التبشير؛ لأنه مقتضى المقام، وهذا\n_________\n(١) ص ١٧٩.\n(٢) مقاصد القرآن الكريم ص ٣١ - ٣١٥.","vol":"2","page":722},{"text":"المعنى هو الغالب على النفوس البشرية أن تقاد بالقهر والتخويف أكثر مما تُقاد بالحب والتبشير) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-682>٦ - عنايتُه بالمناسبات القرآنية: </span>ومن أمثلة ذلك:\nأ - عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦ - ٣٧]، قال الشيخ البنا تحت عنوان (مناسبة): بعد أن بَيَّن القرآنُ طرَفًا من أحوال المشركين في أول السورة وطرفًا من أحوال أهل الكتاب، وكان ختام هذا البيان ذكر ما تشترك فيه الأمم جميعًا في كثير من الأحيان -بدافع حب المال- من أكل أموال الناس بالباطل وكنز الذهب والفضة وعدم إنفاقها في سبيل الله، ناسَبَ أن يذكر بعد ذلك تقدير الوحدة الشرعية في عرف القرآن وهي (العام) وبيان أقسامها ووجوب تحرى العمل الصالح فيها، ثم ما عرض عليها من تغيير وتبديل للأغراض الدنيوية الزائلة، ووجوب التزام نظام ثابت في ذلك تتحرى فيه مصالح الدنيا والآخرة. فذكر عدة الشهور والقاعدة فيها، وتحريم أربعة منها وما يترتب على ذلك من أحكام، وعرض لعادة المشركين التي جروا عليها في جاهليتهم من العيير والتبديل اتباعًا للعرب ورغبة في القتال والمغانم الحرام، وعابها عليهم ونهى عنها المؤمنين أشد النهي، وهي عادة النسيء الذي وصفته الآية الكريمة بأنه: زيادة في الكفر.\nب - وعند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ...﴾ [الرعد: ٥]، قال البنا ﵀: \"بعد ذكر العقيدة الأولى وهي عقيدة التوحيد ومعرفة الصانع جلَّ وعلا، وإفاضة العقول فيها، وذكر الدلائل الكونية لذوي اليقين والفكر والتعقل على وجود الباري سبحانه، تناولت الآيات العقيدة الثانية من أصول العقائد، وهي عقيدة المعاد والبعث بعد الموت، فذكرت الآية أن هؤلاء\n_________\n(١) مقاصد القرآن الكريم ص ٣٣٨.","vol":"2","page":723},{"text":"الذين أُرسل إليهم رسولُ الله - ﷺ - يستغربون هذه الإعادة بعد التحلل، ويرونها أمرًا عجبًا، مع أن العجيب حقًّا هو اعتقادهم هذا مع وجود الدلائل عليه، ونهوض البراهين المثبتة له\" (١).\nج- وبيَّن الشيخ البنا ﵀ في سورة التوبة مناسبة آية الصدقات لما قبلها فقال: \"وحين عرضت الآيات الكريمة لهذا الخلق من أخلاق المنافقين، وهو الطعنُ في القادة، والتشكيك في نزاهتهم، وانتهاز فرصة تقسيم الأموال؛ لأن ذلك عند الناس هو نقطة الخيانة والطمع، وخصوصًا إذا لم ينالوا من هذه الأُعطيات مطامعهم، ناسب بعد ذلك أن تُقرَّر أحكام الصدقات وتبين مصارفها حتى يكون في هذا التقرير قطع ألسنتهم، وتسجيل براءة من يتهمونهم بالباطل، فجاءت هذه الآية الكريمة تقرر مصارف الصدقات\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-683>٧ - عنايتُه بالتفسير الموضوعي للآيات والسُّور: </span>وقد كانت هذه العناية جلية واضحة في تفسير البنا ﵀، وإن لم يكن يذكر هذا المصطلح (التفسير الموضوعي)، وكان يعبر عنه أحيانًا بالمقاصد، كما فعل حين استعرض المقاصد الكلية لسورة البقرة (٣)، وحين عرض لمقاصد سورة الرعد، قال: \"وتستطيع أن تُجمل هذه المقاصد السامية في أنها إثبات التوحيد والمعاد، وبيان ما ينتج من الإيمان بهما من أخلاق فاضلة، وجزاء حسن كريم، والمقابلة بين ذلك وضده كما هي عادة القرآن\" (٤).\nوأما التفسير الموضوعي للآيات، فيظهر عند الشيخ في حرصه على جمع الآيات في الموضوع الواحد، ومن أمثلة ذلك:\n_________\n(١) مقاصد القرآن الكريم ص ٣١٧.\n(٢) ص ٢٣٤.\n(٣) انظر مقاصد القرآن الكريم ص ٨٧.\n(٤) مقاصد القرآن الكريم ص ٢٧٣.","vol":"2","page":724},{"text":"أ - عند قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] جمع الشيخ البنا طائفة كبيرة من آيات الإنفاق، وتناولهما تناولًا موضوعيًا شرح به (سياسة القرآن في الإنفاق)، قال (١):\nوتدور سياسة القرآن الكريم في الإنفاق على هذه القواعد:\n١ - الترغيب في الإنفاق في سبيل الله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].\n٢ - الترهيب والتخويف من البخل وكنز المال: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥].\n٣ - التحذير من الإسراف والتنبيه إلى التوسط: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾ [الإسراء: ٢٧]. ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩]. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ [الفرقان: ٦٧].\n٤ - إيثار الأقرب فالأقرب والأحوج فالأحوج: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]. ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٥].\n٥ - اللين في الرد عند الاعتذار: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾ [الإسراء: ٢٨].\n_________\n(١) م ن ص ١٠٢ - ١٠٥.","vol":"2","page":725},{"text":"٦ - التنزه عن المنِّ والأذى عند العطاء: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٦٤].\n٧ - ابتغاء وجه الله ﵎ وطيب النفس بالنفقة: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)﴾ [البقرة: ٢٦٥]. ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٤].\n٨ - افتراض الزكاة على القادرين لتنفق في وجوه من ضروريات الإصلاح الاجتماعي: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].\n٩ - الإشادة بفضل الإيثار والتطهر من الشح: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾ [الحشر: ٩]. ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩].\n١٠ - تفضيل السر على العلانية إلا لحكمة: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)﴾ [البقرة: ٢٧١].","vol":"2","page":726},{"text":"ولا شك أن لهذه السياسة أثرها البالغ في صلاح المجتمع الإنساني وتحقيق معنى التكافل والعدالة واستقامة الأوضاع فيه، ولا شك أن من لاحظها وأنفق مما رزقه الله في حدود قواعدها مع إقامة الصلاة والإيمان بالغيب فهو من خيار المتقين المهتدين بهداية القرآن الكريم.\n\n* أفضل نظام اقتصادي:\nولا شك أن القرآن بسياسته هذه في الإنفاق قد أقام الاقتصاد الاجتماعي على المزج بين أصلين أساسيين أولهما: الاعتراف بمواهب الفرد وحقه في ثمرات كسبه وعدم الحد من جهوده في هذه السبيل ما دام يكتسب من حلال طيب لا إثم فيه ولا عدوان، وهذا هو الأساس الذي قام عليه النظام الذي يسمونه في هذا العصر (بالرأسمالية) وهو وحده لا يؤدي إلى صلاح المجتمع أو استقرار الأمور بين الناس على وفاق وصفاء فكان لا بد من المزج بينه وبين الأصل الثاني وهو: تقرير حق المجتمع في كسب الفرد ووجوب التكافل بين أبناء الأمة الواحدة وهو الأساس الذي قام عليه النظام الذي يسمونه في هذا العصر (بالشيوعية) وهو وحده لا يؤدي كذلك إلى صلاح المجتمع أو استقرار الأمور فيه بين الناس على وفاق وصفاء فكان من المزج بينه وبين الأصل الأول.\nفجاء نظام القرآن بهذا المزج بين أفضل ما في النظامين وقدمه للناس سائغًا في صورة (اشتراكية معقولة) عمادها تقديس الأخوة، وروحانية العاطفة، وحب الخير، والإيمان بالجزاء في الدنيا والآخرة، وليس ذلك فحسب -فإن من النفوس من لا تهزه هذه النواحي وحدها- بل لاحظ أيضًا وجوب تدخل الدولة وحماية هذا السمو بالتشريع بل بالقتال -إذا احتاج الأمر عند اللزوم- ومن هنا قال الخليفة الأول ﵁: والله لو منعوني عَناقا كانوا يؤدونها لرسول الله - ﷺ - لقاتلهم على منعها.","vol":"2","page":727},{"text":"* تقريب:\nكما لاحظ الإِسلام بأوضاعه الاقتصادية الدقيقة في الكسب والإنفاق التقريب بين الطبقات بحيث ضاقت الشُقَّةُ بين الثروة والفقر إلى أقصى حد.\nفمن حيث الأغنياء: حدد أمامه أبواب الكسب، وفتح لهم أبواب الإنفاق، وفرض عليهم الزكاة وحرم الربا وحيل بينهم وبين مظاهر الترف ولم تعتبر ثروتهم في عرف المجتمع الإِسلامي مظهرًا من مظاهر التميز والاستعلاء، وأنذروا بأشد الوعيد في الدنيا والآخرة إذا لم يؤدوها حق الله والناس في المال.\nومن حيث الفقراء: رفع عنهم معنى النقص الاجتماعي بسبب الفقر وفرض عليهم العمل وفتح أمامهم أبوابه، وجُعِلُوا عند العجز في ضمان الأقرباء أولًا والأغنياء من الأمة ثانيًا، وبيت مال الدولة ثالثًا، وتقرر بالتشريع حقهم المعلوم في أموال الأثرياء، ثم أُلزمت الدولة بعد ذلك بملاحظة هذا التوازن والمبادرة إلى المحافظة عليه كلما عرضت له عوارض الاختلال، ووضعت في يدها كل السلطات التشريعية والتنفيذية اللائقة لإصلاح الحال، وليس بعد ذلك زيادة لمستزيد، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا (١).\nب - وعند قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ [الرعد: ٧] ذكر الشيخ البنا ﵀ الآيات الأخرى التي تتفق في المعنى مع هذه الآية، وشرح الآيات كلها شرحًا موضوعيًا جمليًا، فقال:\nتشير الآية الكريمة إلى صفة من صفات الكفار وحجة من حججهم الواهية التي يتعللون بها في تكذيب الرسل -صلوات الله عليهم وسلامه- ويحاولون بها التشكيك في صدقهم ويعترضون بها رسالاتهم، وفي الآيتين السابقتين عرض لبعض هذه الحجج فهم يستبعدون البعث بعد الموت وهم يستعجلون العذاب\n_________\n(١) مجلة الشهاب - السنة الأولى - العدد ٤ في غرة ربيع آخر ١٣٦٧ هـ/ ١٢ فبراير ١٩٤٨ م.","vol":"2","page":728},{"text":"الدنيوي ويستبطئون نزوله بالمخالفين، ويريدون أن يتخذوا من هذا وذاك حجة لهم على أن الرسول - ﷺ - ليس بصادق، وقد علمت ما في ذلك من المغالطة والضعف.\nوهذه الآية تقرر أن هؤلاء أخذوا يقترحون على الرسول - ﷺ - أن ينزِّل عليهم آية يستدلون على صدقه، وقد تكرر هذا المعنى في كثير من آيات القرآن الكريم، بل ورد في هذه السورة نفسها في موضع آخر قول الله ﵎: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧)﴾ [الرعد: ٢٧].\nوفي سورة الأنعام ورد في لك في موضعين، ففي الأول منهما اقترحوا آية معينة: ﴿وَقَالوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]، وفي الثاني اقترحوا آية مبهمة: ﴿وَقَالوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾ [الأنعام: ٣٧].\nوفي سورة طه: ﴿وَقَالوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ [طه: ١٣٣].\nوفي سورة يونس: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾ [يونس: ٢٠].\nوفي سورة الإسراء ذكر لآيات مفصلة اقترحوها: ﴿وَقَالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ [الإسراء: ٩٣].\nوقد تكرر طلبهم نزول الملك بدلًا من الرسول البشري في آيات كثيرة غير سورة الأنعام ففي سورة الحجر: ﴿وَقَالوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا","vol":"2","page":729},{"text":"مُنْظَرِينَ (٨)﴾ [الحجر: ٨].\nوفي سورة هود: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾ [هود: ١٢].\nوفي سورة الفرقان: ﴿وَقَالوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَال الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ (وقالوا مسحورا) [الفرقان: ٨].\nوجاء في سورة العنكبوت أنهم اقترحوا آيات لا آية واحدة، فذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١].\nوقد بيَّن القرآن الكريم أن تلك كانت سنة الأمم السابقة أن يقترحوا على أنبيائهم الآيات المعجزات، وأن يستعجلوهم بالعذاب، فلقد قالت ثمود من قبل لصالح ﵇: ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤)﴾ [الشعراء: ١٥٤].\nوقال أصحاب الأيكة لشعيب ﵇: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾ [الشعراء: ١٨٧] وقال فرعون لموسى ﵇: ﴿قَال إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾ [الأعراف: ١٠٨].\nوقد تضمنت هذه الآيات الكريمة جميعًا الرد على مقترحاتهم هذه بما يفحمهم ويلجمهم، وبينت أن السبب في عدم إجابتهم ليس العجز عنها، فإن الله على كل شيء قدير، وإنما السبب في ذلك اعتبارات جليلة وحكم سامية وردت منثورة في هذه الآيات، وهذه هي حكمة تكرارها وورودها في سور كثيرة ومن هذه","vol":"2","page":730},{"text":"الاعتبارات والحكم التي تقتضي عدم إجابتهم إلى ما سألوا:\n١ - بيان أن ذلك ليس من مهمة الرسول عليهم الصلاة والسلام فهم دعاة هداية وأساتذة إرشاد يبينون للناس الحق ويدعونهم إليه، فمن اهتدى فقد فاز ومن أبى فقد خسر، وليس من مهمة الرسل ولا من وظائفهم التصرف في نواميس الكون ونظمه، فذلك لله وحده إن شاء ذلك فهو على كل شيء قدير، وإن لم يرده فلا قدرة لأحد عليه، وقد أُشير إلى هذا في الجواب عليهم في كثير من الآيات السابقة مثل قوله تعالى: ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠]، ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد؛ ٧]، ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧]، ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠] ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧].\nوإنما آثر وصف الإنذار للرسل في هذه الآيات الكريمة مع أنهم -صلوات الله عليهم- مبشرون ومنذرون كما جاء في سورة النساء: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ ...﴾ [النساء: ١٦٥]، لأن هذا الوصف هو الأليق والأخلق بهذه النفوس العنيدة والرؤوس الصلبة التي تأبى الإيمان إلا أن تُقْسَر عليه قَسْرًا، فالمقام يقتضي هذا الوصف، ولهذا أُفرد بالذكر دون الوصف الثاني وهو التبشير لأنه مقتضى المقام، وهذا المعنى هو الغالب على النفوس البشرية أن تقاد بالقهر والتخويف أكثر مما تقاد بالحب والتبشير.\n٢ - بيان أن حكمة الله تعالى قد اقتضت أن الأمة التي تقترح الآيات ثم تكذب بها لا بد أن تُعَذَّبَ عذابَ استئصال ويأخذها الله تعالى أخذ عزيز مقتدر. فثمود حين كذبت صالحًا أخذتها الصيحة والرجفة، وفرعون حين كذب موسى أخذه الله هو وجنوده فنبذهم جميعًا في اليم وهكذا .. ولما كانت نبوة محمد - ﷺ - نبوة خالدة أبد الدهر، وكانت أمته هي الوارثة إلى يوم القيامة، وقد علم الله من عناد هؤلاء الكفار وصلابة رؤوسهم أنهم لن يؤمنوا حتى ولو جاءتهم هذه","vol":"2","page":731},{"text":"الآيات كما قال ﵎ في سورة الأنعام: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ [الأنعام: ١٠٩] وكما قال ﵎ في هذه السورة نفسها: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨] لما علم الله منهم ذلك لم يجبهم إلى ما طلبوا، إذ لو أجابهم فكذبوا كما فعلت الأمم السابقة لاستأصلهم وأبادهم وذلك مخالف لمقتضى بقائهم ووراثتهم، وإلى هذا أشارت الآية الكريمة: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]، وقد صرحت به سورة الحجر في قوله ﵎: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ [الحجر: ٨]. وقد يقال إن هذه القاعدة قاعدة الاستئصال لا تطبق على الأمة المحمدية فقد أمَّنها الله برسوله وبالاستغفار، فقال ﵎: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال: ٣٣] وهو قول محتمل.\n٣ - بيان أن أفضلَ الإيمان ما كان عن طواعيه واختيار لا عن إلجاء واضطرار، وما كان عن نظر سليم وفكر ثاقب حكيم وتدبر لآيات الله وتقديمس لقدرته وعظمته في مخلوقاته والمتجلية في إبقاء آيات كتابه الكريم. فالمعجزة الكبرى والآية الخالدة لنبينا - ﷺ - هي القرآن الكريم وفيه الكفاية كل الكفاية من تدبير وتذكر، وقد ورد ذلك صريحًا في سورة العنكبوت في قوله تعالى جوابًا لهم على اقتراح الآيات: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت: ٥١] وقد روى الشيخان والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"ما من نبي من الأنبياء إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\".\nوقد سبق في هذا التفسير في سورة العنكبوت عند قوله تعالى: ﴿وَقَالوا لَوْلَا","vol":"2","page":732},{"text":"أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّه﴾ [الآية: ٥٠]، ذكر اعتراض وجوابه قال: (هذا وإن بعض الكفار وبعض الشاكِّين والمتشككين في الإِسلام يقولون لو أن محمدًا - ﷺ - أوتي آية بينة ومعجزة واضحة تدل على نبوته ورسالته لما طلب قومه الآية، وأن هذا الجواب بقدرة الله على تنزيل الآية ومعنى العلم عن أكثرهم لا تقوم به الحجة عليهم المبطلة لحق طلبهم). ثم أجاب عن هذا بما خلاصته ما قدمناه من: أن القرآن هو المعجزة القطعية الباقية الخالدة لرسول الله - ﷺ - على أن الجواب لم يقتصر على ما ذكر بل قد علمت أن الإجابات تعددت تلفت أنظارهم إلى حكمة الامتناع عن الإرسال بالآيات الخارقة.\nويقال أيضًا: إنه لما كانت أسئلتهم أسئلة تعنت وإحراج، لا أسئلة تثبت واسترشاد ناسب أن يجابوا بمثل هذه الإجابات: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣].\n﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أكَثْرَ المفسرون في بيان المعنى المراد بالهادي في هذه الآية، فذهب بعضهم إلى أن المراد به: الله ﵎، وذهب آخرون إلى أنه: محمد - ﷺ - أو النبي أيا كان أو قائد يقودهم أو داع يدعوهم إلى الخير. كل ذلك مروي بأسانيده، وقال ابن جرير بعد أن أورد كثيرًا من هذا: (وقد بينت معنى الهداية، وأنه الإِمام المتبع الذي يقدم القوم، فإذا كان ذلك كذلك، فجائز أن يكون ذلك هو الله الذي يهدي خلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-684>٨ - تناولُه للقضايا العلمية التي تشير إليها الآيات:</span>\nوقد كان تناول الشيخ البنا لهذه القضايا في اعتدال ودون إسراف ولا تكلف، وذلك وفق المنهج الذي ذكره في المقدمة التي كتبها، وأشرنا إليها سابقًا، إذ عدَّ من مزالق المفسرين في القديم والحديث الغُلُو في تطبيق آيات القرآن على العلوم الكونية، وذكر أنه تكلف يخرج بالقرآن عن مقصده من الهداية والإصلاح.\nوفي سورة الرعد عند قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢] عرض الشيخ لحكمة ذكر المظاهر الكونية في القرآن، وحد ما وصل","vol":"2","page":733},{"text":"إليه العقل الإنساني في معرفة هذه الظواهر، ثم قال:\nونستطيع بعد ذلك أن نلخص موقف القرآن من العلوم الكونية العصرية وغير العصرية مما سبقها أو مما سيلحقها أو موقف هذه العلوم من القرآن الكريم في هذه النقاط:\n١ - ليست مهمة القرآن شرح بحوث هذه العلوم تفصيليًا، وإنما تَركَ ذلك للعقل الإنساني يكشف في كل طور من أطوار رقيه وكماله جزاء منه يتناسب مع مقدرته وما أتيح له من وسائل البحث والإدراك السليم.\n٢ - إنما عرض القرآن لما عرض له من هذه البحوث تنبيهًا لما فيها من دقة الصنع وجمال الإبداع ليكون ذلك حافزًا إلى معرفة الله وصدق الإيمان به كما يكون حافزًا إلى دوام البحث والنظر كذلك.\n٣ - إن هذا لم يمنع القرآن الكريم من أن يتعرض لكثير من النواميس الدقيقة في هذه العلوم إرشادًا للخاصة من الناس وإثباتًا لنسبة هذا الكتاب الكريم إلى العليم الحكيم.\n٤ - كان أسلوب القرآن في التكلم عن هذه المظاهر الكونية أسلوبًا معجزًا حقًّا ... فيه إجمال وفيه دقة وفيه وضوح إلى جانبهما فهو يرضي النفس الفطرية كما يشبع نهمة الفكرة العلمية كما لا يمكن أبدًا أن يصطدم في مرونته وسعة معاني ألفاظه بنتائج البحث العلمي أيأ كان في أي عصر من العصور وهذا من أبلغ وجوه إعجاز القرآن.\n٥ - إن القرآن بهذا الأسلوب فارق ما في أيدي الناس مما يزعمونه التوراة والإنجيل، فقد امتلأت بالتفريعات الدقيقة لهذه العلوم.\nومن الإشارات العلمية التي ذكرها البنا في تفسيره، ما ذكره عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ [الرعد: ٣] \"ولا تنافي بين ما جاء في القرآن الكريم من التعبير بهذه الألفاظ.","vol":"2","page":734},{"text":"يعني ألفاظ المد والبسط والفرش - وما يقوله علماء الفلك من كروية الأرض، فإن كل جزء من أجزاء سطح الأرض يبدو في رأي العين ممتدًا مبسوطًا، وحقيقة وضعه تكاد تكون كذلك، إذ لا يتوفر فيها معنى التكوير والتقوس لسعة المحيط، والقرآن لا يريد تنبيه الناس إلى المعنى العلمي البحت في شأن الأرض، ولكنه يريد تنبيهم إلى الاعتبار والتفكر فيما يقع تحت حواسِّهم منها، وهذا الذي يقع تحت حواسهم منها هو ما يستخدمونه فعلًا، ويعيشون عليه فعلًا، وهذا الجزء لا مظهر فيه ولا حقيقة ولا حِسَّ لمعنى التقوس الذي لا يكاد يُدرك، فلهذا أثر التعبير بالمد والبسط والفرش ونحوها (١).\nوعند قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الرعد: ٣] قال الشيخ: \"وأنت إذا عرفت ما قرره النباتيون من أنَّ الأثمار في كل أصناف النبات لا يكون إلا بعد الإخصاب الذي يكون بعد التلقيح، وأن الأزهار النباتية منها ما هو ذكر، ومنها ما هو أنثى، ومنها ما هو مزدوج، ففيه أعضاء الذكورة والأنوثة معًا، علمت مبلغ الإعجاز في هذه الآية الكريمة، وأنها تشيرُ إلى قانون نباتي لم يكتشف إلا في الأعصار الحديثة) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>٩ - عنايتُه بالقضايا الفقهية مع استطراد أحيانًا: </span>ومن أمثلة ذلك استطراده في أحكام الصلاة عند قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣] إذ قال: \"وهناك بحوثُ طريفة لطيفة نلم بها في اختصارَ وإيجاز لما فيها من فائدة وتنبيه على دقائق الآيات التي ستمر بنا بعد ذلك متصلة بأحكام الصلاة\" (٣).\nثم تحدث عن الصلاة في القرآن والسنة، وحكم ترك الصلاة في الفقه الإِسلامي، وكيف فرضت الصلاة ومتى فرضت؟ وعن آثار الصلاة الروحية والاجتماعية، وعن\n_________\n(١) مقاصد القرآن الكريم ص ٣٠٨ وما بعدها.\n(٢) المقاصد ص ٣١١.\n(٣) ص ٩٥.","vol":"2","page":735},{"text":"كمال الخشوع في الصلاة، وعن علاج الوسوسة في الصلاة (١).\nوعند قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] استطرد الشيخ البخاري ذكر طائفة من أحكام الجزية وفلسفتها التشريعية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-686>١٠ - موقف الشيخ البنا من الخوارق والمعجزات</span>، عرض الشيخ الشيخ البنا ﵀ لموقف الناس من الخوارق والمعجزات، ما بين مُفرط ومفرِّط، ثم بيَّن المنهج السديد في ذلك، فقال تحت عنوان (موقف الناس من المعجزات):\nأ. أنكر كثير من المرتابين المعجزات قليلها وكثيرها ما تقدم منها وما تأخر بحجة أنها تخالف النواميس الكونية، ولا تتفق مع نتائج البحوث العلمية، وقد يحتج بعضهم يقول الله تبارك: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]، وقد يلجأ بعضهم إلى تأويل ما ورد من النصوص القرآنية مشيرًا ومصرحًا بهذه المعجزات والخوارق. وهؤلاء جاحدون جامدون متعسفون متكلفون ولا دليل لهم فيما ذكروا، فإن نواميس الكون التي علمها الناس ليست هي كل شيء، ولا زالت هناك نواميس لم تعرف بعد، ولعلها أكثر مما عرفوا، بل إنها لكذلك، ونتائج العلم الحديث لا تزال تترقى وتتغير وتتبدل بحكم ترقي الفكر الإنساني وتقدمه، والآية الكريمة حجة عليهم لا لهم، فقد علمنا بحكم الواقع أن من نواميس الله خرق النواميس الكونية لتأييد رسله وأنبيائه، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا، وكثير من أمثال هذه العجائب تقع بين ظَهْرانينا ولا يقال إنها خرق لنواميس الكون، والآيات الواردة بهذه المعجزات في صراحتها ووضوحها لا تحتمل التأويل إلا من متلاعب باللفظ صارف له عن مدلوله صرفًا تامًّا، فضلًا عن أن هذا التأويل لا موجب له بعد ما بيناه.\n_________\n(١) ص ٩٥ وما بعدها.\n(٢) ص ٢٠١ وما بعدها.","vol":"2","page":736},{"text":"ب - وفريق ثان سلم بالمعجزة من حيث هي وبوقوعها في الأمم السابقة على يد الأنبياء السابقين -صلوات الله وسلامه عليهم- كما ورد ذكر ذلك في القرآن، ولكنه نفاها فيما يتعلق بأمة محمد - ﷺ - ورسالته نفيًا تامًّا، واحتج لذلك بأنها لم ترد في القرآن، وبتصريح القرآن برد الكفار عن مقترحاتهم هذه مع عدم إجابتهم إليها، حتى ورد ذلك صريحًا في نحو الآية الكريمة: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، وجرَّحوا ما جاء في ذلك من الأخبار الصحيحة وأوَّلوا ما رأوا أنه يحتمل التأويل منها، وقالوا إن المعجزة الكبرى لنبينا - ﷺ - هي القرآن الكريم، واستدلوا لذلك بما قدمت من حديث الشيخين والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"ما من نبي من الأنبياء إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\". قالوا فهذا الحديث الصحيح والآيات الكريمة تنطق بأن آية النبي - ﷺ - هي القرآن الكريم ولا نعدل عن ذلك لآثار مهما صحت فهي لا تنهض لمعارضة هذه الأدلة.\nوهؤلاء قوم غالون قد ورَّطوا أنفسهم فيما لا موجب له من تجريح كثير من الأحاديث والأخبار الصحيحة التي لا مغمز فيها سندًا ولا متنًا وكلها تنطق بغرائب المعجزات التي وقعت على يد سيدنا محمد - ﷺ - كما ورد في حديث نبع الماء من بين أصابعه - ﷺ - وقد أخرجه الستة إلا أبا داود، وكما في حديث تكثير الطعام وقد رواه الشيخان من طرق عدة، وكما في الأحاديث الكثيرة التي استجاب الله فيها دعاء نبيه - ﷺ - أو كف عنه الأذى أو أخبر فيها بما سيقع لأمته من بعده، وكلها صحاح لا مطعن عليها ولا داعي لتأويلنا أو إنكارها من عقل أو نقل.\nج - وفريق ثالث سلَّم بالمعجزة من حيث هي وبوقوعها للأنبياء السابقين -صلوات الله وسلامه عليهم- وبوقوعها في هذه الأمة على يد رسول الله - ﷺ -","vol":"2","page":737},{"text":"متى صح بذلك الخبر، ولكنه نفى أن يكون ذلك لإثبات الرسالة، ولكنه لكشف الأذى أو لإجابة الدعاء أو لتثبيت أهل الإيمان ... إلخ، ولم يقع شيء فيها إجابة لمقترحات المشركين أو إقناعًا لهم بصدق الرسول - ﷺ - إذ إن دعامة الإيمان في هذا الدين الإسلامي الحنيف الاستدلال العقلي السليم: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقالوا إن في ذلك جمعًا بين الأدلة التي نفت والتي أثبتت فيكون المراد بالنفي نفي الإقناع والاستدلال، ولكون المراد بالإثبات إثبات الوقوع من حيث هو، وهو مذهب حسن ورأي معقول لا حرج على قائله ولا الأخذ به، إذ كل ما هنالك تنزيه الإسلام عن أن يستخدم هذه الخوارق كنوع من أنواع الأدلة الإقناعية، وهو كذلك.\nوقد أكثر جماعةٌ من إيراد المعجزات وتلمس الخوارق والتسليم بكل ما ورد من ذلك من طريق واه أو ضعيف بل موضوع، يريدون بذلك أن يستدلوا لعظمة هذا الدين وعظمة النبي الذي جاء به - ﷺ - فأساءوا من حيث أرادوا الإحسان ودفعوا غيرهم إلى إنكار الخوارق جملة وللقَدْح فيها ولا لزوم لشيء من هذا، فإن هذا الدين عظيم متين بوضوح حجته واستقامة طريقه، والرسول - ﷺ - كريم أمين بما اختصه الله به من عظيم الفضائل وجميل الصفات وعموم البعثة وخلود الأثر:\n﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] (١).\n\nونختم الحديث عن الشيخ البنا ﵀ بكلام بديع جميل كتبه في تحليل نفسية النبي - ﷺ - فقال تحت عنوان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-687>بحث تحليلي لنفس المصلح أو حال النبي - ﷺ - قبل البعثة:</span>\nأرأيت رجلًا سليم الفطرة طيب النفس ذكي الفؤاد خُلق لغيره لا لنفسه وأُعدَّ ليكون مصلحًا كريمًا زعيمًا فهو دقيق الحس دقيق الشعور ثائر العاطفة يقظ العقل\n_________\n(١) ص ٣٤٣ - ٣٤٥.","vol":"2","page":738},{"text":"بعيد الآمال كبير المطامع في الإصلاح طموح إلى المجد، كل همه أن يكون نافعًا لغيره أو أن يدفع الضر عن سواه. مثِّلْ لنفسك هذا الرجل بعواطفه الحية ونفسه الكبيرة ثم ضَعْهُ في أمة فَسد أمرها واختل نظامها وقبحت عاداتها رغم ما فيها من استعداد للخير وتقبل الصلاح وانطباع على مكارم الأخلاق، فهو يرى بعيني رأسه انتهاك الحرمات وارتكاب الموبقات وقبح العادات وانتشار الظلم ومخالفة الحق وفُشُوّ الفظائع والتدابر، ولاحظ مع هذا أن هذا الرجل الذي يشعر بكل ما حوله شعورًا قويًّا حادًّا ويدركه إدراكًا جليًّا واضحًا وينكره إنكارًا شديدًا، ويود أن يغير هذا الحال إن استطاع إلى ذلك سبيلًا، لم يدرس وسائل إصلاح المجتمعات، ولم يتعلم طريق قيادة الجماعات ولم يتلق فلسفة النفسيات.\nثم قل لي بربك، ماذا يكون شعور هذا الرجل أمام ما يحيط به؟ وهو يعلم كما قلت لك ما يحيط به ولا يرضى عنه؛ لأنه لا يتفق مع فطرته وإدراكه ويود أن يغيِّره ويأخذ الناس بالإقلاع عنه؛ لأنه يلمس فساده ولا يجد وسيلة إلى ذلك ولا يعلمها، فكلما حاول الإرشاد افترقت أمامه السبل وتَشَعَّبَت بين يديه الطرق، لا شك أنك معي في أن هذا الرجل يحمل عبئًا من الضيق النفسي والحيرة الفكرية تنوء بحمله الجبال.\nإذا عرفت هذا فاعلم أنه صورة مصغرة تقريبية لحال النبي - ﷺ - قبل بعثته فقد كان - ﷺ - أزكى الناس فطرة وأقواهم حسًّا وشعورًا وعقلًا وتفكيرًا.\nفهو أشدهم إدراكًا لما عليه فساد المجامع والأمم في عصره فطرةً لا تعليمًا، ثم هو يَوَدُّ من صميم فؤاده أن يصل إلى طريق لهدايتهم أو يعلم سبيلًا لإرشادهم، ثم هو أمي لم يقرأ ولم يكتب ولم يدرس فلسفة الإصلاح على أستاذ أو معلم، فأي ضيق نفسي كان ينتابه - ﷺ - قبل أن يَتَنبَّأ؟ ! وأي حيرة فكرية كانت تتوزع عقله الشريف قبل أن يُرسل؟ ! حتى أراد الله ﵎ أن يُريحه من عناء هذا العبء وأن يُرشده إلى أقوم طرق الإصلاح، فأنزل عليه وحيه وأرشده بقرآنه وألهمه السداد","vol":"2","page":739},{"text":"في كل خطواته: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢].\nولو عرفت هذا أيضًا سهل عليك أن تعلم أن سورة (الضحى) وسورة (ألم نشرح لك صدرك)، لم تكونا إلا تصويرًا لحالته النفسية - ﷺ - قبل البعثة وذكْرًا لمنة الله عليه - ﷺ - بعدها، وذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٦ - ٧]، أي: حائر الفكر في طريق إصلاح قومك وإرشادهم فهداك بوحيه إلى أفضل هذه الطرق وأنجعها وهو معنى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، بالهداية إلى طريق الإصلاح بعد انقباضه حينًا من الدهر لعدم معرفة هذا الطريق: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣)﴾ [الشرح: ٢ - ٣] ووضعنا عنك حمل التألم لما عليه قومك مع عجزك عن علاجهم أولًا، ووضعنا عنك ما كنت تشعر به من الضيق الشديد الذي تنوء به الجبال فأرشدناك إلى طريق الهداية والإرشاد ورفعنا لك ذكرك.\nهذا هو المقصود والله أعلم وكل ما يتقوله الذين في قلوبهم زيغ من أغرار الملاحدة والمبشرين يريدون انتقاص المصطفى - ﷺ - فكل ما يتقولونه عَفَنٌ في العقول وزَيغٌ في العقائد.\nوهذا المعنى إنما يُدْركَه مَنْ صَفت نفسه، وخَلُصَ من رق الغايات عمله، وشعر بما عليه قومه وَرَدَّ إصلاحه من صميم قلبه ..\nفاللَّهم أرشدنا إلى أقوم السبل لا يُرشدُ إلى أقومها إلا أنت (١).\n_________\n(١) جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية -السنة الأولى- العدد ٥ في ٣٠ ربيع الأول ١٣٥٢ هـ/ ١٣ يوليو ١٩٣٣ م.","vol":"2","page":740},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-688>الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين ﵀</span>\n\" هو الأستاذ محمد الخضر بن الحسين بن علي بن عمر الحسني التونسي: عالم إسلامي أديب باحث، يقول الشعر، من أعضاء المجمعين العربيين بدمشق والقاهرة، وممن تولوا مشيخة الأزهر ولد في نقطة (من بلاد تونس) وانتقل إلى تونس مع أبيه سنة (١٣٠٦) وتخرج بجامع الزيتونة ودرس فيه، وأنشأ مجلة (السعادة العظمى) سنة (١٣٢١ - ١٣٢٣) وولي قضاء بنزرت (١٣٢٣) واستعفى وعاد إلى التدريس بالزيتونة (سنة ٢٤) وعمل في لجنة تنظيم المكتبتين العبدلية والزيتونة. وزار الجزائر ثلاث مرات ويقال أصله منها، ورحل إلى دمشق (سنة ٣٠) ومنها إلى الأستانة، وعاد إلى تونس (سنة ٣١) فكان من أعضاء (لجنة التاريخ التونسي) وانتقل إلى المشرق فاستقر في دمشق مدرسًا في المدرسة السلطانية قبل الحرب العالمية الأولى.\nوانتدبته الحكومة العثمانية في خلال تلك الحرب للسفر إلى برلين، مع الشيخ عبد العزيز جاويش وآخرين، فنشر بعد عودته إلى دمشق سلسلة من أخبار رحلته في جريدة المقتبس الدمشقية.\nولما احتل الفرنسيون سورية انتقل إلى القاهرة (١٩٢٢) وعمل مصححًا في دار الكتب خمس سنوات، وتقدم لامتحان العالمية الأزهرية فنال شهادتها. ودرس في الأزهر وأنشأ جمعية الهداية الإسلامية وتولى رئاستها وتحرير مجلتها. وترأس تحرير مجلة (نور الإسلام) الأزهرية ومجلة (لواء الإسلام) ثم كان من هيأة كبار العلماء، وعين شيخًا للأزهر أواخر (١٣٧١) واستقال سنة (٧٣) وتوفي بالقاهرة ودفن بوصية منه في تربة صديقه أحمد تيمور باشا، وكان هادى الطبع وقورا، خص قسمًا كبيرًا من وقته لمقاومة الاستعمار وانتخب رئيسًا لجبهة الدفاع عن شمال أفريقيا (١).\nإن من أعظم نعم الله تعالى على هذه الأمة، أن يهيئ لها رجالًا، أقوياء الإيمان أشداء في الحق، يبنون لها دينها، ويقفون بالمرصاد لكل مارق وماكر. ولقد كان\n_________\n(١) الأعلام (٦/ ١١٣).","vol":"2","page":741},{"text":"شيخنا ﵀ من هؤلاء فكانت حياته كلها وقفًا على هذه الأمة، وذلك بما منحه الله من قلم سيال، وأسلوب بليغ، وفكر ثاقب، يمد هذا كله عقيدة راسخة.\nتلقى الشيخ علومه -كما قلت- في تونس، ومن شيوخه الشيخ سالم أبو حاجب، والشيخ إبراهيم الرياحي ﵏.\nولقد كان في جهاد مستمر، لم تغره الدنيا بمغرياتها المختلفة من منصب وجاه ومال، فتحول بينه وبين أن يصدع بالحق.\nفقد تعرض لحكم الإعدام مرتين، بسبب استمساكه بحق الإسلام والوطن الإسلامي عليه، فكان له المقام الأوّل بين المجاهدين للاحتلال الفرنسي في تونس، ثم هاجر إلى سوريا، ولما أن حدثت الطامة بسقوط الخلافة واحتلال الفرنسيين لبلاد الشام، رحل إلى مصر محتسبًا النية في الهجرة، ولمصر طبيعة تحمد في إكرام من يفد إليها، وبخاصة إذا كان من هؤلاء الأعلام، فتضمه حنانًا وعطفًا فلا يشعر بغربة.\nعمل الشيخ -كما مر- مدرسًا في كلية أصول الدين، ثم عين شيخًا للأزهر.\nوهو من الشيوخ القلائل الذين تركوا هذا المنصب قبل وفاتهم.\nولقد آمن الرجل بالقرآن، وثيقة خالدة وكتاب حياة للأحياء، فكان يرمي بسهامه الصائبة، كل من أراد أن يحوم حوله، بشبهة تشكيك أو تأويل فاسد بعيد. فمواقفه وكتاباته في الرد على فريد وجدي، الذي عد معظم محكم القرآن متشابهًا (١)، وردوده على الشيخ حامد محيسن ﵀، في تأويل آيات قصة أيوب ﵇ في سورة (ص) وغيرها، ورده على صاحب الفن القصصي في القرآن، ودحضه لأباطيل المستشرقين أمثال جولد تسهير، كل هذا ينبغي أن نسجله بكل إكبار للشيخ (٢) ﵀.\n_________\n(١) وذلك قبل أن يرجع عن بعض آرائه التي لا تتفق مع جوهر القرآن الكريم.\n(٢) انظر مقالاته في مجلات الفتح والهداية الإسلامية ولواء الإسلام، وقد جمعها الأستاذ علي رضا التونسي في كتاب سماه (بلاغة القرآن).","vol":"2","page":742},{"text":"إن ميزات العالم من جرأة، وعمق في البحث، وسعة في الإطلاع، ودأب على النهل من العلم، كل ذلك اجتمعت له، ولو لم يكن له إلا ذلك التراث الهائل من المقالات المتعددة، في كثير من الصحف والمجلات، لكان ذلك شيئًا عظيمًا، يذكر في ميزان العلم وأهله.\nذكر له صاحب الأعلام (١) من التآليف:\n١ - حياة اللغة العربية.\n٢ - الخيال في الشعر العربي.\n٣ - مناهج الشرف.\n٤ - الدعوى إلى الإصلاح.\n٥ - طائفة القاديانية.\n٦ - مدارك الشريعة الإسلامية.\n٧ - الحرية في الإسلام.\n٨ - نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم.\n٩ - نقض كتاب في الشعر الجاهلي.\n١٠ - خواطر الحياة.\n١١ - بلاغة القرآن.\n١٢ - السعادة العظمي.\nومن مؤلفاته كذلك:\n١٣ - رسالة في السيرة النبوية.\n١٤ - القياس في اللغة العربية.\n١٥ - محمد رسول الله - ﷺ -.\nوغيرها.\n_________\n(١) (٦/ ١١٣).","vol":"2","page":743},{"text":"يقول الأستاذ عبد الله عقيل سليمان العقيل في كتابه \"من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة\" عن الأستاذ محمد الخضر حسين:\n\"وكان تمكن الشيخ محمد الخضر حسين في الدفاع عن الإسلام ومبادئه وقيمه مدعاة للتقدير، فتقدم لامتحان العالمية بالأزهر وكان رئيس اللجنة عبد الحميد اللبان، وقد أبدى الشيخ الخضر حسين من الرسوخ والتمكن في العلوم ما لا حدود له، حتى إن الشيخ اللبان قال عنه: إن هذا بحر لا ساحل له\" وبهذا نال الشهادة العالمية الأزهرية وصار أستاذًا في الأزهر، ومدرسًا في كلية أصول الدين ...\n\" ... تولى مشيخة الأزهر أواخر عام ١٣٧١ هـ، غير أنه ترك المشيخة محتسبًا في سنة (١٣٧٣ هـ - ١٩٥٣ م)، لأنه رأى القوم لا يسمعون النصح، ولا يلتزمون الأدب مع أهل العلم، فآثر البعد وترك المشيخة لمن يتزاحمون على المنصب في ظل الخضوع للحاكم الظالم والديكتاتور المستبد.\nسعدت بمعرفة أستاذنا الجليل وشيخنا الكبير، والتقيته مرات ومرات، وشرفنا بتوليه الأزهر، فهو أهل له، لكنه حين رأى تصرفات الضباط العسكريين من رجال الثورة وتسلطهم على البلاد والعباد، وانتشار الظلم والفساد، ومحاربة الدعاة إلى الله، وإلغاء الشورى، وفرض حكم الفرد الديكتاتوري المستبد، آثر ترك المشيخة، فهو أكرم وأكبر من أن يكون لعبة بأيدي هؤلاء الضباط الذين شرعوا بتطوير الأزهر بمسخ هويته، وإلغاء دوره العلمي الإسلامي، وإبعاد العلماء الصالحين وتقريب المرتزقة والمنتفعين من وعاظ السلاطين، وسدنة الظلمة من المنافقين والمتزلفين، الذين يسوغون للظلم ويباركون تسلطه على رقاب الناس ...\n... لقد كان الشيخ محمد الخضر حسين من الذين يؤلفون لأخلاقهم، ويُحترقون لعلمهم، ويقدرون لمكانتهم، وكان التواضع زينته، وبذل العلم لطالبيه ديدنه، ومقارعة خصوم الإسلام والردّ على أباطيلهم من أولى مهماته ...\n... إن أستاذنا الشيخ محمد الخضر حسين كان في القمة من علماء العصر","vol":"2","page":744},{"text":"الذين قدموا القدوة وضربوا المثل لما يجب أن يكون عليه العالم المسلم، أمام التحديات التي يواجهها من خصوم الإسلام في الداخل والخارج، فلم يضعف أمام المغريات ولم يهب التهديدات، بل وقف موقفًا صلبًا رافع الرأس يقول كلمة الحق، ويقدم النصح للراعي والرعية، وينتصب أمام الطواغيت من عبيد الدنيا والذين يأكلون الفتات من موائد الأعداء، ويتسلطون على أبناء جلدتهم من الضعفاء والمساكين الذين لا حول لهم ولا طول، ولا يملكون من الأمر شيئًا ... إن العلامة محمد الخضر حسين قد استعلى بإيمانه على كل أولئك ولم تلن له قناة أو يتهالك على منصب، بل ركل المنصب بقدمه، حين رأى أنه صورة لا حقيقة، وألعوبة بيد الحكم المتسلط يملي عليه ما يشاء\" (١).\nولقد كان حريًّا بأن تقدره هذه الأمة، وخاصة علماؤها، فتخلد ذكره. ولكننا أمة أعظم مصائبها أنها تنسى. رحم الله الشيخ، وجزاه عن جهاده خير الجزاء، وسامح أمته في ما قصرت فيه من أجله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-689>تفسيره:</span>\nإذا أردنا أن نحصي تراث الشيخ في التفسير، فإننا نخرج بحصيلة كثيرة غير قليلة. ولقد كان من حقه أن تجمع هذه التفسيرات من مظانها، وتطبع في كتاب مستقل، ليفيد منه كل من أراد أن ينهل من هذا المنهل العذب.\nإن ما كتبه الشيخ عن القرآن وتفسيره، يمكن أن يكون منه عدة أجزاء، ونسأل الله أن يقيض لهذا التراث (٢)، من يجمعه ليسهل إطلاع الناس عليه، وله بذلك\n_________\n(١) من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية (٦٤١ - ٦٤٧).\n(٢) لقد قام بهذا العمل -ولله الحمد- الأستاذ المحامي علي رضا التونسي جزاه الله خيرًا، فجمع جل ما فسره الشيخ في كتاب (أسرار التنزيل) تفسير آيات قرآنية كريمة، وبعض مقالاته التي تتعلق ببلاغة القرآن ونقل معاني القرآن إلى اللغات الأجنبية، ورأيه في تفسير القرآن، والمحكم والمتشابه في كتاب (بلاغة القرآن) وغبرها الكثير من الكتب.","vol":"2","page":745},{"text":"ثواب الله وشكر الناس، وقبل أن نعرض لطريقته في التفسير ولنماذج منه ولآرائه في بعض المسائل، نود أن نتبين رأيه في تفسير القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-690>١ - رأيه في تفسير القرآن:</span>\nليس الشيخ من هؤلاء، الذين يريدون أن يحولوا بين الناس وبين إرادة الفهم لكتاب الله، فيضع الحواجز والعراقيل. وليس من أولئك، الذين يريدون أن يجعلوا من تفسير القرآن، متنًا يركبه كل واحد دون خبرة. كما أنه لا يرضى عن الذين يريدون التوسع في تأويل آيات القرآن، لتوافق ما يستجد من نظريات العلم. وإنما يقف الشيخ وقفة المعتدل المتبصر. فألفاظ القرآن ومعانيه يمكن أن يفسرها من يملك العدة لذلك. وإذا تحدثت بعض الآيات الكريمة عن حقائق الكون والحياة، فلا ينبغي أن نضرب صفحًا عما تحدث عنه، بل يجب أن نؤمن بأنه الحق.\nيقول الشيخ في ذلك (١):\nوإذا كان الباطنية، يخرجون بألفاظ القرآن، عن مقتضى أوضاعها ومجازاتها المألوفة، فهناك طائفة أخرى تحمل ألفاظه على حقائقها اللغوية، وقد يكون حملها على المجاز أو التمثيل، هو الذي تقضي به البلاغة، ويستدعيه المقام الذي سيقت فيه الآية. ومن هنا كان من شرائط المفسر للقرآن، أن يكون ملمًّا بفنون البيان، ذا ألمعية مهذبة، تساعده على أن يعرف المواضع التي تفهم فيها الألفاظ على حقائقها. والمواضع التي يليق ببلاغة القرآن أن تفهم فيها على المجاز أو التمثيل.\nوحدث في هذا العصر آراء في التفسير، يذيعها نفر لا يرقبون في القرآن حكمة ولا بلاغة، كمن ينكر المعجزات الكونية بإطلاق، فيؤول آيات المعجزات على وجوه تجعلها من الحوادث العادية، وإن كان تأويلها لا يجرى على استعمال الألفاظ المعروف في اللغة، ولا تحتمله أساليب بلاغتها.\n_________\n(١) بلاغة القرآن ص ٢٢.","vol":"2","page":746},{"text":"هذه هي الطريقة الموصلة إلى التفسير الحق فيما نرى، وننظر بعد هذا في الأهداف التي يتجه إليها المفسر، فنقول: أنزل القرآن لمقصدين ساميين:\n١ - هداية البشر إلى سبل السعادة في الحياتين الدنيا والآخرة.\n٢ - دلالته على صدق الرسول - ﷺ -، فيما ادعاه من الرسالة، التي هي مطلع تلك الهداية العامة، فكان أعظم معجزة وأخلدها على وجه الأرض.\nفمن أراد تفسير القرآن، فليتجه إلى وجوه الهداية التي أرشد إليها من نحو العقائد والعبادات والأخلاق والآداب، وأحكام المعاملات، ويتجه مع هذا إلى الوجوه التي كان بها المعجزة الخالدة.\nوقد تفاوت آراء المفسرين، في البحث عن وجوه هدايته، ووجوه إعجازه، على قدر تفاوتهم في العلم والفهم.\nوتجاوز قوم حدود هذين الهدفين، وأطلقوا لأقلامهم العنان، فاستطردوا في التفسير مباحث لا يتوقف عليها فهم القرآن من حيث إنه هداية، أو مباحث لا يحتاج إليها في تقرير وجه من وجوه إعجازه، وإنما هي المسائل ترجع إلى علوم أخرى مستقلة بنفسها.\nكنت يومًا في مجلس حافل، فقال أحد الحاضرين: إن القرآن نزل للوعظ والإرشاد، ولا يضره أن يوجد فيه ما يكون مخالفًا لقضايا بعض العلوم القطعية. فقلت: نحن نعلم أن القرآن الكريم لم ينزل لبيان الحقائق العلمية، التي يبحث عنها في مثل العلوم الطبيعية والرياضية، ولكنه إذا عرج في طريق هدايته، على شيء مما يبحث عنه أرباب هاتيك العلوم، عرفنا حق اليقين أنه لا يقول إلا حقًّا، ولا أرى هذا الرأي الذي أبديته إلا أنك فرضته فرضًا، إذ لا تستطيع أن تأتينا بمثال يرينا، كيف قرر القرآن شيئًا يخالف ما ثبت في العلوم اليقينية. وهنا انقطعت المحاورة بيني وبينه من ناحية المباحث العلمية\" (١).\n_________\n(١) بلاغة القرآن ص ٢٢ - ٢٥.","vol":"2","page":747},{"text":"وما قرره الأستاذ هنا نظريًّا، نجده ينعكس على فهمه للقرآن عمليًّا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-691>٢ - عمق فهمه لكتاب الله:</span>\nهو ليس من هؤلاء، الذين لا حظ لهم إلا نقل الأقوال وجمعها. وإنما يظهر فهم الرجل ويبدو عمقه، وهو يعلق على أقوال المفسرين، مبينًا أن من واجب المفسر، أن يكون مدركًا لأساليب القرآن الكريم في الإطلاق والتقييد والعموم والخصوص.\nيقول وهو يتكلم عن أسلوب القرآن (١): \"إنه قد يرد تعبير في القرآن الكريم مطلق غير مقيد، ومحتمل لوجوه، والقرآن يقصد هذا الإطلاق وذلك التعميم، ويهدف إلى تلك الأوجه المختلفة لأنّها هي التي تناسب المقام، بل ربما أعطى ذلك الإطلاق في الآية حيوية وقوة في صلاحيتها لكل عصر، وبذلك لا يحتاج القرآن إلى قرآن آخر يعدله أو يبدله، أو يصيغه صياغة تساير تطور الحياة الإنسانية، وهذا ضرب من إعجاز القرآن وسر من أسرار خلوده. ثم يمثل لذلك بآيات ثلاث:\nالأولى: قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾. فيذكر أقوال المفسرين التي تتلخص في أن (فوق) زائدة، أو أنها بمعنى (على) أو أنها بمعنى (دون) أو أنها على بابها وأراد الرؤوس التي فوق الأعناق. ثم يعقب على ذلك كله بقوله: \"ونحن نقول: إن التعبير صالح لكل هذه الاتجاهات والمعاني، وهو الذي يناسب حال الحرب، فإن الضرب في القتال والحرب يكون كيفما اتفق، فالمراد الضرب في الأعالي، سواء أكان فوق الأعناق نفسها، أم على الرؤوس، أم في أي مقتل من المقاتل التي تبدأ من الأعناق فما فوق. وهذا أنسب بحال القتال، فإن المقاتل عسير عليه أن يتحرى فوق الأعناق أو الرؤوس، فإن الالتحام في القتال لا يتأتى فيه هذا التحري، ولا يناسبه التريث، حتى يصيب هدفًا بعينه، ولا سيما إذا كان الجيشان مختلفين عددًا وعدة\".\n_________\n(١) مجلة لواء الإسلام العدد الأول السنة الرابعة ص ٥٨ - ٦٠.","vol":"2","page":748},{"text":"الثانية: قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] حيث يقول فيها: \"فكلمة (شفاء) في هذه الآية عامة، تشمل شفاء النفوس من أدوائها، وشفاء المجتمع من أمراضه، وشفاء الأسر من كل ما يكدر حياتها ويودي بكيانها. فالقرآن فيه شفاء للفرد وللجماعة، في كل شؤون حياتهما، في ظاهرهما وباطنهما، في علاقاتهما الداخلية وسياستهما الخارجية\".\nالثالثة: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]. فيذكر أقوال المفسرين التي تتلخص في ما يلي:\n١ - أمرناهم بالطاعة فخرجوا عنها وتمردوا.\n٢ - (أمرنا) بمعنى كثرنا أو أكثرنا.\n٣ - (أمرنا) بمعنى جعلناهم أمراء ووليناهم السلطان.\nثم يعقب عليها بقوله: \"والرأي عندي هو أن كل هذه المعاني جائزة ومقصودة وهي تتحقق باختلاف الأمم، وباختلاف العصور، وباختلاف الأحوال الاجتماعية. فكل معنى يصدق ويطبق في حال وزمان وأمة غير الحال والزمان والأمة. فيكون الغرض إذًا من الآية، تنبيه الأذهان إلى أسباب الدمار وهلاك الأمم، ففي مخالفة مترفيها بأوامر الله والتمادي في العصيان، وأن سبب هلاك الأمم إنما يكون من المترفين، سواء أكثروا أم أمروا أم جاهروا بالمعصية وعدم الطاعة. فهي آية اجتماعية، تصلح عنوان فصل من فصول كتاب في تدهور الأمم ودمارها، وانحلالها وفنائها، وكذلك يحدثنا التاريخ، وهو أبو العبر، وسجل السنن، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>٣ - طريقته في التفسير:</span>\nالطريقة التي سلكها الأستاذ في تفسيره، وإن لم تكن جديدة مبتكرة، لكن ما قام به من حسن العرض وجودة السبك وروعة الأسلوب يضفي عليها الخبرة","vol":"2","page":749},{"text":"والجمال، فيجد الخاصة بها إبداعًا لهم، وإرضاء لنهمهم العلمي، ولا يحرم العامة من الإفادة منها. وتلك هي الحكمة ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].\nتقوم طريقة الأستاذ في التفسير على ما يلي:\n١ - يأتي بوحدة من الآيات الكريمة، فيبين أولًا معاني المفردات، غير مهمل ما تدعو له الحاجة من مسائل لغوية في النحو أو البلاغة.\n٢ - بعد انتهائه من ذلك، يفسر الآيات تفسيرًا مبسطًا يجلي فيه مواطن الهداية، كما يبين فيه آراء المفسرين معقبًا عليها إن رأى ذلك ضروريًّا.\n٣ - يحرص في تفسيره على أمرين هامين: أحدهما: بيان المأثور مما ورد في تلك الآيات أو كان له تعلقًا بها، والآخر التنبيه على قول بعيد، أو تأويل غريب أو رأي شاذ، بكل أدب رفيع.\n٤ - لا يستطرد إلا إذا دعت الحاجة واقتضى المقام، فيذكر ذلك بقدر.\nتلك هي طريقة الشيخ، والأسس التي تقوم عليها أسس سليمة في أصلها من الناحية العلمية والتربوية وخير ما يبين لنا ذلك نماذج نختارها من تفسيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-693>٤ - نماذج من تفسير الشيخ:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-694>١ - تفسير آيات الصوم:</span>\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ","vol":"2","page":750},{"text":"وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥].\nتضمنت الآيات السابقة إيجاب القصاص ثم إيجاب الوصية، وجاءت هذه الآيات عقبها بإيجاب عبادة هي من أعظم أركان الإسلام، وهي الصيام، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.\nوردت هذه الآيات في صيغة الخطاب مفتتحة بالنداء ووصْف المخاطبين بأكمل خصلة تقوم عليها السعادة في الدارين، وهي الإيمان، ليقبل الناس على ما يلقى إليهم من أمر هذه العبادة، ويضعوه موضع العناية بقدر ما يقتضيه إيمانهم وتقديرهم الشرف الذي اكتسبوه من خطاب رب العالمين. قال الحسن: إذا سمعت الله تعالى يقول ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأرعِ لها سمعك، فإنها لأمر تؤمر به، أو نهي تنهى عنه.\nوالصيام في أصل اللغة كالصوم: الإمساك عن الفعل من نحو الأكل والمشي والكلام، وخصه بعض المفسرين بالإمساك عما تنازع إليه النفس. وحقيقته شرعًا: الإمساك بنية عن الأكل والشرب ومباشرة النساء من طلوع الفجر إلى مغرب الشمس. ومعنى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾: فرض عليكم. وقد دل القرآن على بعض أحكامه، ودلت السنّة على سائرها.\n﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.\nمعنى الجملة: أن الصيام كتب على من قبلنا من الأنبياء وأممهم، والتشبيه في قوله (كما كتب) يرجع إلى الوجوب، أي أن الله فرض عليكم الصيام مثل ما فرضه على من تقدمكم من الأمم. وحكمة التذكير بأن الصيام قد فرض على الأمم السابقة، تخفيف وقعه على النفوس، حيث إن الصائم يكفُّ نفسه عن كثير من الشهوات التي اعتاد التمتع بها، فإذا قيل له إن هذه العبادة قد فرضت على أمم من قبلنا. وأفهم السياق أنهم لم يهملوها. خف عليه أمرها، وأقبل على أدائها بنفس مطمئنة.","vol":"2","page":751},{"text":"﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.\nهذه الجملة واقعة موقع التعليل لقوله تعالى: (كتب عليكم الصيام)، والمعنى: فرض عليكم الصيام لتدخلوا في زمرة أهل التقوى، ذلك أن الصيام يكف النفوس عن كثير مما تنزع إليه النفس من خواطر السوء، ويربي فيها ملكة الصبر ومغالبة طغيان الشهوات، ويروضها إلى عمل الخير مقبلة عليه راغبة فيه، وبهذه السيرة يبلغ العاملون أسنى منازل البر والتقوى.\n﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.\nوصف الأيام المفروض صيامها بكونها معدودات، يكنى بذلك عن قلتها ليخفف أمر صيامها متتابعات على المكلف، فيقبل عليه محتملًا مشقته التي لا تزيد على مشاق اعتدا الناس احتمالها للحصول على مآرب من متاع هذه الحياة وزينتها.\n﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nالعدة: من العد بمعنى معدود. ولم تقدر الآية المرض الذي يؤذن لصاحبه بالفطر، ولكن المحققين في فهم مقاصد الشريعة حملوه على المرض الذي يلحق صاحبه بالصوم مشقة فوق ما يجده وهو سليم البنية، كمن يخشى تزيّد المرض أو تأخر برئه.\nوظاهر الآية أيضًا أن كل ما ينطلق عليه اسم سفر، يبيح الفطر. والذين ينظرون عند تقرير الأحكام إلى حكمة التشريع يرون أن الفطر إنما أبيح للمسافر نظرًا إلى ما يلحقه من المشقة. ولما كانت لا توجد في كل مسافة يتنقل بها الشخص من موضع إقامته إلى مكان آخر، كان مناط الرخصة هو السفر الذي شأنه أن توجد فيه مشقة. وقد اختلف الفقهاء في تقديره، فقدره طائفة من الأئمة بمسير ثلاثة أيام، وقدره آخرون بمسير يوم السير الوسط، فمن أخذ في سفر يقدر بمسير يوم على الدواب السير المعتاد، يباح له الفطر وإن قطع تلك المسافة في زمن أقل من يوم كراكب سيارة أو طائرة. ومعنى الآية: فمن كان منكم مريضًا أو مسافرًا فأفطر فالواجب","vol":"2","page":752},{"text":"عليه متى برئ من مرضه أو انقطع سفره، صيام أيام بعدد ما أفطر فيه من أيام رمضان.\n﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.\nذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه الآية نزلت عند ابتداء فرض الصيام على وجه الرخصة، فكان الناس مخيّرين بين الصيام والفدية، ثم نسخ التخيير بقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ورويت آثار صحيحة عن السلف في هذا المعنى. ولعل وجه القول بنسخ هذه الآية هو أن الشارع لم يرد إرغام العباد على الصوم وهم يستكبرون مشقته، ويستصعبون القيام به، فخيرهم بينه وبين الفدية، ولما استبان لهم أن مشقته على المؤمن بحق غير فادحة، وتتابعوا على الصيام مؤثرين له على الفدية، نسخ التخيير الذي تضمنته الآية، وبقيت الآية تتلى ليعرف منها أن الشريعة تأخذ في تشريعها مأخذ الحكمة، وتسلك مسلك التدريج في تقرير الأحكام التي يحتاج المكلف في احتمال مشقتها إلى عزيمة نافذة.\nوأنكر آخرون من أهل العلم أن تكون الآية منسوخة وقالوا: الإطاقة في قوله تعالى: (يطيقونه) بمعنى القدرة على الصيام بتكليف شديد، وحملوا قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ على أصحاء يستطيعون الصوم ولكنهم يلاقون فيه مشقة شديدة، وهم الشيوخ والعجائز. وأضاف بعض الأئمة إلى هؤلاء الحامل والمرضع إذا خافتا أن يلحق ولديهما ضرر من الصيام. وقد بينت الآية الفدية بطعام مسكين. ويكفي في تحقيق طعام المسكين المقدار الذي يشبعه في اليوم الواحد.\n﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾.\nالتطوع: فعل الشيء على وجه التبرع، والمعنى فمن تطوع فاعلًا خيرًا بأن زاد على القدر المقرر للفدية، فأعطى لمسكين واحد ما يكفيه الجوع أكثر من يوم، أو أطعم مسكينين فأكثر، فما تطوع به معدود عند الله في أعمال الخير التي يجازى صاحبها الجزاء الأوفى.","vol":"2","page":753},{"text":"﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾.\nهذا خطاب لمطيقي الصيام من الذين خيروا بين الصوم والفدية، فهي من متممات قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. والمعنى: أن الصوم أفضل من الفدية، ذلك أن الفوائد الروحية والاجتماعية التي تحصل بالصوم أرجح من الفوائد التي تحصل بالفدية. ويصح أن تكون هذه الجملة موصولة بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ فيكون المراد منها، فرض عليكم الصيام الخ، ثم قال ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي أن الصوم من الأعمال التي تورثكم خيرًا عظيمًا.\n﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nهذا أسلوب معروف في بلاغة اللغة العربية، يقصد منه التحريض على فعل ما هو خير كما ورد في هذه الآية، أو الزجر عما فيه شر، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] فقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بمعنى: إن كنتم من أهل العلم. والمعنى: وصومكم خير لكم فصوموا إن كنتم من أهل العلم، لأن شأن أهل العلم المبادرة إلى الفعل متى عرفوا وجه الخير منه.\n﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾.\nهذا بيان للأيام المعدودات المفروض على الناس صيامها، ومعنى إنزال القرآن في شهر رمضان: ابتداء نزوله فيه، فقد أنزل في ليلة القدر، وكانت وقتئذ في رمضان، وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدخان: ٣ - ٤] وفي قوله: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ تنبيه لمزية في هْذا الشهر اقتضت تخصيصه بأن يكون مظهرًا لركن من أهم أركان الإسلام وهو الصيام، تلك المزية هي: جملة مبدأ لإنزال الكتاب الذي استضاء الناس بما فيه من هدى وبينات من الهدى والفرقان. ومعنى كون القرآن","vol":"2","page":754},{"text":"هدى للناس: أنه يرشدهم إلى سبيل الحق، ويدعوهم إلى مراقي الفلاح في الدنيا، ومعارج السعادة في الأخرى.\nوقوله (بينات) وصف لآيات المقدرة في نظم الآية. والفرقان: ما يفرق بين الحق والباطل أي يفصل بينهما، والمعنى: أن القرآن أنزل هدى وآيات بينات، أي واضحات، من جملة ما أنزل الله به كتبه، وبعث به أنبياءه من الهدى والفرقان.\n﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.\nأمر بصيام شهر رمضان بعد أن وصف الشهر بكونه مطلع هداية القرآن. ليجد الأمر بالصوم من نفوس السامعين إقبالًا زائدًا وعناية. وشهد: من الشهود بمعنى الحضور، فمعنى شهد الشهر: حضر فيه. أي كان مقيمًا وقت دخوله.\n﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nأعيد في هذه الجملة ذكر الرخصة للمريض والمسافر، تأكيدًا لمشروعيتها، وتنبيهًا على أنها صادرة عن عناية من شارعها، حتى لا يقع في نفوس المتقين أدنى حرج من الأخذ بها.\n﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.\nهذه جملة مستأنفة لبيان حكمة الإذن للمريض والمسافر في الفطر. وهي أن الله تعالى بنى تشريعه على اليسر والرفق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].\nومن مثل هاتين الآيتين تقررت في الشريعة قاعدة من القواعد التي تشهد بسماحتها، وهي: المشقة تجلب التيسير.\nوإرادة الله في التشريع تنبئ بعدم إرادته للعسر. فقوله تعالى: ﴿وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ تصريح بما فهم من الجملة قبلها لتوكيد معناها، وتقوية يقين المكلفين بأنهم لا يلاقون فيما شرع الله عسرًا في حال.","vol":"2","page":755},{"text":"﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾.\nروعي في هذا التعليل قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ والمعنى: أوجب عليكم إذا أفطرتم لمرض أو سفر عدة أيام أخر، لتكملوا عدة الأيام المفروض عليكم صيامها، فلا يفوتكم الأجر العظيم الذي يعده الله لصائمي الشهر كله.\n﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾.\nتكبير الله: تعظيمه، وهذا التعليل مراعى فيه الإذن للمريض والمسافر في الفطر على وجه الرخصة، ثم بيان كيفية قضائهما للأيام التي أفطرا فيها، والمعنى: أرشدكم إلى التخلص من مشقة الصيام في حال مرض أو سفر، وإلى كيفية القضاء. فجمع لكم على التيسير والحصول على أجر الصيام كاملًا لتعظموه على هذه الهداية.\n﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nهذه الجملة واردة موردة التعليل للترخيص وللتيسير بالإذن في الفطر والقضاء من بعد. والشكر في الأصل: تصور النعمة وإظهارها. ويطلق بمعنى الثناء على المحسن بذكر إحسانه، فشكر العبد لله أن يثني عليه بذكر النعمة التي أنعم بها عليه. ومعنى الجملة: يسر لكم أمر الصوم فرخص لكم في الفطر عند توقع مشقة زائدة على العادة. وجعل القضاء عندما ينقطع المرض أو السفر محصلًا للثواب الذي وعده به الصائمون، الذين لم يعرض لهم عذر يبيح لهم الفطر، شرع ذلك لتتلقوه بالشكر الذي هو معدود في أفضل ما تتقربون به إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>٢ - يقول في تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ </span>من سورة المائدة، يفصل في معنى العقود والتوفية فيقول:\n\"العقد معناه في اللغة العربية ضم طرف إلى طرف، وربطهما ربطًا محكمًا. يقال عقد الرجل طرفي الحبل أو الحبلين، إذا ربط أحدهما بالآخر. وضده الحل","vol":"2","page":756},{"text":"أي فك هذا الربط. وسمى الإيجاب والقبول عقدًا لأنهما يضمان إرادة المتعاقدين، ويربطان أحدهما بالآخر.\nوالعقد معناه في استعمال القرآن الارتباط والعقود والعهود والمواثيق والمعاهدات والمحالفات والتعهدات والاتفاقات. والالتزامات، كلها في استعمال القرآن والاصطلاح الشرعي ألفاظ متقاربة المعنى المراد بها الارتباطات سواء أكانت ارتباطات أفراد أو حكومات أو جماعات، وسواء أكانت ارتباطات على عمل أو على غير عمل. والفروق التي يقررها علماء القانون الدولي لهذه الألفاظ لا تعرف في الاصطلاح الشرعي.\nوالإيفاء بالعقد معناه تنفيذ ما يقتضيه والقيام بما يوجبه وافيًا تامًّا غير منقوص والإيفاء بالعقد والوفاء به والتوفية به ألفاظ مترادفة معناها واحد\" (١).\nثم يذكر أنواع العقود فيقول: \"قال المحققون من المفسرين: العقود التي أمر الله المؤمنين أن يوفوا بها تشمل أربعة أنواع:\nالأول: العقود التي عقدها المؤمن مع ربه بسبب إيمانه. فكل من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فقد التزم لله أن يطيعه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وإحلال ما أحله وتحريم ما حرمه. فهذا عقد بين المؤمن وربه، وسبب الالتزام فيه إيمانه. وإلى هذا أشار سبحانه بقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [المائدة: ٧] وبقوله: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾.\nالثالث: العقود التي يعقدها الأفراد بعضهم من بعض.\nالرابع: العقود التي تعقدها الحكومة الإسلامية مع غيرها ... (٢).\nويتكلم عن الوفاء بالعقود في ثنايا التفسير فيقول: \"وإذا تعارض الإيفاء بعقد من\n_________\n(١) لواء الإسلام العدد الثاني السنة الخامسة ص ٧٧.\n(٢) المرجع السابق ص ٧٨.","vol":"2","page":757},{"text":"هذه الأنواع الأربعة مع الإيفاء بعقد آخر منها، وجب على المؤمن أن يوفي بعقده مع ربه، ولا يجب عليه أن يوفي بعقده مع نفسه أو مع غيره إذا كان إيفاؤه. بعقد منهما يخل بإيفائه بعقد ربه. فإذا حلف على ما فيه مخالفة أمر ربه فليحنث في يمينه، وليوف عقده مع ربه ولا يوف بما حلف عليه، ولهذا ورد في الحديث (من حلف على شيء ورأى غيره خيرًا منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه). وإذا عقد عقدًا أو شرط شرطًا يقضي بتحليل محرم أو تحريم حلال أو التزام بباطل شرعًا فعليه أن يوفي بعقده مع ربه ولا يوفي بما يخالفه من عقود وشروط. ولهذا ورد في الحديث \"المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا\".\nوقد خاطب الله المخاطبين في أمرهم بالإيفاء بالعقود بوصف الإيمان، يشير إلى أن الإيفاء بالعهود مما يقتضيه الإيمان. وفي هذا حدث على امتثال الأمر والإيفاء بالعقد.\nوهذا الذي أشار إليه القرآن، صرح به رسول الله - ﷺ - في سنته إذ عد الوفاء بالعهود من شعائر الإيمان وآيات المؤمن، ففي الحديث (آية المؤمن ثلاث، إذا حدث صدق، وإذا أؤتمن أدى، وإذا وعد وفى) وكما ذكرهم بإيمانهم في بدء هذه السورة إذ أمرهم بالإيفاء بالعقود جملة، ذكرهم بإيمانهم في أمرهم بكل عقد فصله فيها.\nففي تفصيل ما حرمه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ ...﴾ وفي تفصيل التطهير لأداء الصلاة وهي عماد الدين قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٦] وفي تفصيل عماد الدنيا وهو الشهادة بالقسط في إقامة حقوق الله قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ﴾. فالمقصود بهذا إشعار المؤمنين بأن إيفائهم بالعقود جملة وتفصيلًا هو من مقتضى الإيمان، وأن نكت العهود والإخلال بما تقتضيه العقود لا يتفق والإيمان. فالمؤمن حقًّا يوفي بالتزاماته لربه ولنفسه ولغيره.","vol":"2","page":758},{"text":"ومن هنا نفهم معنى الحديث (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-696>٣ - وأحيانًا يكون الغرض من العلم المضاف إلى الله تعالى تذكير المؤمنين بعلم الله</span>، وبعث الثقة في نفوسهم والاطمئنان في قلوبهم، والحث على المراقبة من غير أن يكون هناك قصد إلى التهديد أو الوعيد ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦].\n<span data-type=\"title\" id=toc-697>٤ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [</span>البقرة: ٥٠] يقول (٢): \"الفرق: الفصل بين الشيئين، يقال فرق كذا أي فصل بعضه عن بعض والبحر: الماء الكثير مجتمعًا بمكان ملحًا كان أم عذبًا. والواقعة تقتضي أنه بحر يصل مصر بالأرض المقدسة. وقال المفسرون: هو بحر القلزم (البحر الأحمر).\nوقد انفلق البحر عند انتقال موسى ﵇ ببني إسرائيل إلى الأرض المقدسة، فمروا في طريق يبس والأمن محيط بهم من كل جانب حتى بلغوا شاطئ النجاة. ومعنى ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾. فصلنا بعضه عن بعض من أجلكم، أي من أجل مروركم فيه. وهذا معنى قولهم: إن الباء في قوله ﴿بِكُمُ﴾ السببية.\nوإذا نظرنا إلى ما جاء في آية أخرى، من أن موسى ﵇ ضرب البحر بعصاه فانفلق، ثم إن القوم بعد انفلاق البحر بعصا موسى توسطوه بسيرهم بين جنبيه، ومن توسط شيئًا صح أن يقال: إنه فرق بعضه عن بعض، فيقال إن القوم فرقوا البحر على معنى أنهم فصلوه بعضه عن بعض بسيرهم في وسطه. ونسب الله فرق البحر بهذا المعنى إلى نفسه، فقال ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾، ليدل على أن القوم فرقوا البحر وقد طاعوه وعبروه، وهو معهم برعايته وعونه، فيؤول معنى ﴿فَرَقْنَا\n_________\n(١) المرجع السابق ص ٧٨ - ٧٩.\n(٢) لواء الإسلام العدد الثالث السنة الثانية ص ٧ - ٨.","vol":"2","page":759},{"text":"بِكُمُ الْبَحْرَ﴾، إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾: في الآية جملة ملاحظة في النظم، استغني عن ذكرها بدلالة المعنى عليها، وتقديرها مع الملفوظ به: وإذ فرقنا بكم البحر وتبعكم فرعون وجنوده، فأنجيناكم من الغرق، أو من إدراك فرعون وآله لكم. وذكر الله تعالى في هذه الآية إغراق آل فرعون دون فرعون، وذكر في آية أخرى إغراقه، فقال تعالى: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ [الإسراء: ١٠٣]، ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾: النظر: الإبصار. والمعنى أغرقنا آل فرعون وأنتم تبصرون إهلاك عدوكم بالإغراق، وتشاهدونه بأعينكم، وهذا أدعى لليقين بهلاكه، وأبلغ في الشماته به.\nوالعقيدة السليمة تقضي بأن نفهم واقعة انفلاق البحر لموسى وقومه، على أنها معجزة كونية، لا أنها حادثة طبيعية منشؤها المد والجزر، كما يزعم بعض من لا يبالي أن يظهر برأي يدفعه صريح القرآن\".\nتلك النماذج التي نقلناها لك نماذج من سور مكية، ولنعرض لنموذج من سور مدنية.\n٣ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤) وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٣ - ٣٥]، يقدم للآيات بكلمة موجزةٍ، ثم يعقب ذلك بتفسير غريب المفردات ... فيقول:\n\"ليحزنك: الحزن ألم نفساني يعرض لفقد محبوب أو فوت مطلوب. وحزن الرسول صلوات الله عليه كان على نوعين:\nالنوع الأول: حزنه على قومه لضلالهم ولحرصه على إيمانهم ونجاتهم، شأن المصلح الطيب القلب الصافي السريرة المحب لخير الجميع ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا","vol":"2","page":760},{"text":"يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: ٦].\nوالنوع الثاني: هو حزنه صلوات الله عليه لأقوالهم واتهاماتهم ولما كان يلقاه منهم من الإيذاء ويقابلونه به من المقاومة والاستهزاء ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾.\nوالآيات التي نحن بصدد تفسيرها، تشمل النوعين من الحزن، فهي تتصدى لتبديد الضربين، وإزالة النوعين.\nالظالمين: أصل الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه المختص به إما بزيادة أو بنقصان، وإما بعدول عنه وقته أو مكانه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾ أي لا يسلب الناس ولا ينقصهم.\nويقال ظلمت الناقة: أي نحرت من غير علة وكل ما أعجلته عن أوانه فقد ظلمته.\nثم انتقل معنى الظلم إلى مجاوزة الحق حتى إذا بلغ الظلم أقبح صورة وأبشع مثل، كان هو الشرك وهو المراد في الآية.\nبآيات الله: الآية في أصل اللغة: الأمارة والدليل والعلامة، وقد استعملت في\nالقرآن الكريم بهذا المعنى، فقال تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٨] وتكون أيضًا بمعنى العبرة والأمر العجيب ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠] أي عبرة.\nثم أطلقت في اصطلاح علوم القرآن على طائفة من حروف القرآن، أو على جمل من القرآن ذات مبدأ ومقطع مندرجة في سورة. وسميت بذلك لأنها علامة على صدقة من أتى بها، أو لأنها دلائل لفظية على ربوبية الله وأحكامه.\nوتطلق أيضًا في القرآن على كل ما يدل على وجود الخالق تعالى وقدرته","vol":"2","page":761},{"text":"وصفات كماله، وتطلق على المعجزات لأنها تدل على صدق من جاء بها وهذا المعنى الأخير هو المراد في آيتنا.\nيجحدون: الجحد والجحود: نقيض الإقرار كما في القاموس الإنكار نقيض المعرفة.\nلكلمات الله: الكلمات جمع كلمة، وقد وردت في القرآن الكريم مفردة وجمعًا فهي في إفرادها تطلق تارة على القرآن ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾.\nوعلى الوعد بالنصر ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾.\nوتطلق كذلك على الوعيد الذي جعله الله للكافرين ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٦].\nوتطلق على سنته وأحكامه التي قررها ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩].\nوأما الكلمات فقد جاءت منكرة في قصة إبراهيم أو قصة آدم. ففي قصة إبراهيم ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] فالمراد بها التكاليف التي كلف الله بها إبراهيم ﵇. وجعل التكليف كلمات لأن الكلمات تدل عليها وتعرف بها عادة.\nوأما الكلمات في قصة آدم: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧] فهي كلمات التوبة التي جاءت مفصلة في سورة الأعراف: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].\nوأما (كلمات الله) فتأتي بمعنى وعوده وأخباره بالنصر، كما في الآية التي نحن بصددها ﴿وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣٤]. ويجوز أن يراد بالكلمات سننه وقوانينه.\nوأما الكلمات في قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].","vol":"2","page":762},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧]. فالمراد بكلمات الله في الموضعين عجائب صنع الله الدالة على قدرته، أو كلمات علمه سبحانه وحكمته جل شأنه، الدالة على عظمته وجلاله ... \" (١) وبعد ذلك يفسر المعنى الكلي للآيات آية آية. فيذكر في سياق تفسير الآية الأولى، معاني العلم المضاف إلى الله تعالى فيقول (٢): \"والعلم المضاف إلى الله تعالى يؤتى به في القرآن الكريم -فضلًا عن اتصاف الله تعالى به- لأغراض وراء ذلك، وهي أمور يكون العلم دليلًا عليها ورمزًا لمعناها.\n١ - في المعاني التي يكنى عنها بالعلم المضاف إلى الله تعالى: التحذير من الجزاء والتخويف من العقاب، للترغيب في عمل ما يجب عمله، والتنفير مما يجب التنفير منه كما في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ أي والله يعلم متقلبكم في الدنيا ومثواكم في الآخرة. والمراد من علمه تعالى بذلك تحذيرهم من جزائه وعقابه.\n٢ - ومن المعاني التهديد والوعيد، كما في الآيات الموجهة للمنافقين والمشركين ويستلزم ذلك اطمئنان المؤمنين وتهدئة خواطرهم وخاطر الرسول صلوات الله عليه ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٢ - ٦٣]. ومن ذلك الآية التي بين أيدينا ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] فيقول الله مسليًا لرسوله قد أحطنا بتكذيبهم لك وحزنك وتأسفك عليهم، فاطمئن ولا تكدر خاطرك فسينالهم من العقاب ما يستحقونه، وستكون عاقبتك\n_________\n(١) لواء الإسلام العدد الأول السنة الخامسة ص ٦ - ٧.\n(٢) لواء الإسلام العدد الأول السنة الخامسة ص ٧ - ٨.","vol":"2","page":763},{"text":"النصر عليهم. التعبير في الآية في صورة الخبر ولكن المقصود النهي وذلك تلطف من الله تعالى.\nومن خلال هذه النماذج التي ذكرتها لك، تجد أن الشيخ كانت له عناية كبيرة بالقضايا اللغوية والبلاغية، وقد رأيت ذلك عند حديثه عن معنى الصيام والعقد، والحزن، وترى هذا مبثوثًا في تفسيره فمن ذلك:\nأ - ١ - عند قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦] قال: الفاسقون جمع فاسق من الفسق وهو في أصل اللغة الخروج، يقال: فسقت الرطبة من قشرها، أي خرجت منه.\nوشرعًا: الخروج من طاعة الله فيشمل الخروج من حدود الإيمان وهو الكفر، ثم ما دون الكفر من الكبائر والصغائر، ولكنه اختص في العرف من بعد بارتكاب الكبيرة ولم يسمع الفسق في كلام الجاهلية بمعنى الخروج عن الطاعة، فهو بهذا المعنى من الألفاظ الإسلامية.\n٢ - ومن ذلك تعريف التلقي في قوله ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ قال: التلقي في الأصل التعرض للقاء، ثم استعمل في معنى آخذ الشيء وقبوله، تقول: تلقيت رسالة من فلان، أي أخذتها منه وقبلتها.\n٣ - ومعنى الوسط في قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾. قال: الوسط في الأصل: ما بين طرفين أو أطراف، ويستعمل بمعنى العدل، والخير، ويوصف به المفرد والجمع والمذكر والمؤنث، وهو في الآية بمعنى خيار عدول، وقيل: للخيار وسط، لسلامة الوسط مما يسارع إلى الأطراف من الخلل والفساد ومسالك الوسط من الطريق محفوظ من الانحراف إلى غير طريق\".\nب - أما القضايا البلاغية فبالإضافة إلى ما مر نستمع إليه عند تفسيره قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢].","vol":"2","page":764},{"text":"هذا تكذيب لهم في دعوى أنهم مصلحون، ووصف لهم بالإفساد على أبلغ وجه: فقد افتتحت الجملة بكلمة (ألا) وهي إنما تستعمل لتنبيه المخاطب وإحضار ذهنه لما يرد بعدها من الحديث حتى لا يلقى إليه وهو غير متهيء لسماعه، ووصل (ألا) بإن الدالة على تأكيد الخبر وتحقيقه. وأورد الخبر بعدهما مؤكدًا بوجه من أقوى وجوه التوكيد، وهو تعريف المسند (المفسدون). وتوسط ضمير الفصل (هم) بينه وبين المسند إليه، إذا قال إنهم هم المفسدون ولم يقل إنهم مفسدون، ثم وصفهم بالجهل الفاحش فنفى عنهم الشعور بما يصدر عنهم من الفساد ومن أفظع الجهل أن يكون الرجل مفسدًا ولا يشعر بذلك، مع أن أثر فساده ظاهر في العيان، مرئي لكل ذي حس، فعدم شعورهم بالفساد الواقع منهم منبى باختلال آلات إدراكهم. حتى صاروا يحسبون الفساد صلاحًا، والشر خيرًا.\n٢ - ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨].\nبعد أن عدد مساوئ أولئك الكافرين، وبيّن ما يصيرون إليه من الخسران في حياتهم العاجلة والآجلة، وجّه إليهم الإنكار والتوبيخ على الوجه المعروف في علم البلاغة باسم \"الالتفات\" حيث نقل الحديث عنهم من طريق الغيبة إلى طريق الخطاب، فقال: (كيف تكفرون) الخ ..\nقوله: (كيف تكفرون) استفهام لا يراد منه استعلام المخاطبين عن حال كفرهم، وإنما يراد منه معنى تكثر تأديته في صورة الاستفهام. وهو الإنكار والتوبيخ، كما تقول لشخص: كيف تؤذي أباك وقد رباك، لا تقصد إلا أن تنكر عليه أذيته لأبيه، وتوبخه عليها.\n٣ - وعند قوله ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠] قال:\nقوله (مفسدين) حال مؤكدة، والتأكيد يرجع إلى النهي عن العثي، ووجه فصاحة هذا الأسلوب أن المتكلم قد تشتد عنايته بأن يجعل الخبر أو الأمر أو النهي قارًّا في نفس السامع، واقعًا موقعًا لا يحوم به لبس، ومن مظاهر هذه العناية التوكيد،","vol":"2","page":765},{"text":"وللتوكيد في العربية طرق مألوفة، منها اتباع الفعل بالمصدر، نحو قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾، ومنها اشتقاق وصف من الفعل وإيراده في صورة الحال، نحو ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾. أو من فعل موافق له في المعنى، نحو ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾. ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾. فقوله (مفسدين) يكسو النهي عن الفساد قوة، ويجعله بعيدًا من أن يغفل عنه أو ينسى.\n٤ - وعند قوله: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ﴾ [البقرة: ٨٥].\nمن أساليب البيان عندما يراد إعطاء الخبر جانبًا من العناية والتأكيد. أن يصدر المتكلم الجملة بضمير المفرد الغائب \"هو\" ثم يأتي بعده بالخبر، ويكون هذا الخبر هو معنى ذلك الضمير الذي وقع صدرًا في الجملة. ويسمونه ضمير الشأن. والضمير في قوله تعالى ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ من هذا القبيل.\nج - ومن القضايا النحوية التي ذكرها الشيخ، إضافة لما مر.\n١ - ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨].\nالحطّة: من حط بمعنى وضع، وقد وردت هذه الكلمة وهي مفردة في معرض الحكاية بالقول (وقولوا حطة) والمعروف أن القول لا يحكى به إلا الجمل، ولا يحكى به المفردات إلا أن يكون المفرد في معنى الجملة نحو: شعر وخطبة، وهذا ما دعا المفسرين إلى فهم الآية على وجه يجري به القول على أصله من حكاية الجمل. ومن أقرب ما تفسر به الجملة أن يكون (حطة) مصدرًا مرادًا منه طلب حط الذنوب. وقد يجيء المصدر المراد منه الطلب مرفوعًا نحو \"سلام عليكم\" ويحمل من جهة صناعة الإعراب على أنه خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: مسألتنا حطة، أي أن تحط عنا ذنوبنا. والاقتصار في لفظ الجملة على الخبر وحدة عند قيام قرينة تدل على المبتدأ، من أساليب الإيجاز المعدود في أبدع فنون البيان.","vol":"2","page":766},{"text":"٢ - قوله ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨].\nمدخل القرية. و(سجدًا): جمع ساجد، من السجود وهو وضع الجبهة على الأرض. ويستقيم هذا التفسير بجعل قوله (سجدًا) من قبيل الحال المسماة \"الحال المقدّرة\"\" وهي التي تقع بعد وقوع العامل لا معه، والعامل في الآية الدخول. والسجود إنما يتيسر بعد انتهاء الدخول. وهذا الضرب من الحال وارد في الكلام البليغ. كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] فإن الحلق والتقصير إنما يكون بعد الدخول، ومعنى الآية: ادخلوا باب القرية ناوين السجود شكرًا لله على ما أنعم به عليكم، من إخراجكم من التيه، والمُقام ببلدة تعيشون فيها عيشة ناعمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-698>٥ - موقفه من بعض المسائل في التفسير</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-699>أ - المحكم والمتشابه في القرآن </span>(١)\nلكل من المحكم والمتشابه معنى في أصل اللغة، ومعنى في عرف الشرع، أما المحكم لغة، فإن مادة \"حكم\" تدور على معنى الصرف والمنع، ومنه حكمة اللجام للحديدة التي تمنع الفرس من الاضطراب والجموح، ومنه حكم الحاكم لأنه منع للظالم من وضع يده على حق غيره، ومنه الحكيم لأنه يمنع نفسه من اتباع هواها وارتكاب ما لا يليق.\nويرجع إلى هذا المعنى قولهم: أحكمته إحكامًا إذا أخذت على يده، قال جرير:\nأبني حنيفة أحكموا سفهاءكم ... إني أخاف عليكم أن أغضبا\nومنه الإحكام بمعنى الإتقان، لأنه منع للشيء من الخلل والخطأ، يقال: بناء محكم أي متين لا وهن فيه ولا خلل.\n_________\n(١) مجلة الهداية الإسلامية - الجزء الحادي والثاني عشر من المجلد الثامن عشر، الجمادان ١٣٦٥ هـ. وهي محاضر ألقاها لطلاب السنة الثالثة (تخصص المادة) بكلية أصول الدين بجامع الأزهر.","vol":"2","page":767},{"text":"وأما المتشابه فمعناه في أصل اللغة أن يكون أحد الشيئين مشابهًا للآخر، ولما كان من شأن المتشابهين تعذر التمييز بنيهما، أطلق هذا الاسم على كل ما لا يهتدي الإنسان إلى حقيقة المراد منه، من باب إطلاق اسم السبب على المسبب، ومما جاء فيه التشابه بمعنى تعذر التمييز قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: ٧٠]. ومما جرى على هذا الوجه قولهم: اشتبه عليَّ الأمر.\nوأما معنى المحكم والمتشابه في عرف الشريعة، فقد اختلفت فيه آراء أهل العلم، ولا نطيل البحث بإيراد الأقوال الضعيفة ومناقشتها وإنما نعمد إلى قولين مشهورين بين أهل العلم، وننظر في أدلتهما فنعلم أيهما أوفق لحكمة الشريعة، وأقرب إلى فهم قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧].\nوأول القولين أن المحكم: ما اتضحت دلالته، والمتشابه: ما استأثر الله بعلمه، وهذا مذهب من يؤمنون بالمتشابه، ويفوضون العلم به إلى الله تعالى، وبهذا سمُّوا \"مفوضة\" وينسب هذا المذهب إلى جمهور السلف. والمفوضة يتفقون على صرف الألفاظ في المتشابه عن معانيها المعروفة عند العرب، وهم بعد هذا فريقان: فريق لا يتعرضون إلى المعنى المراد ولو بوجه مجمل، وفريق قد يعينون نوع المجاز كأن يحملوا الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ والوجه في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ على أنه صفة من صفات الله، ولكنهم يفوضون معنى هذه الصفة إلى الله تعالى، وهذا ما ينسب إلى الأشعري وأكثر السلف.\nوثاني القولين المشهورين أن المحكم ما اتضحت دلالته، والمتشابه ما كان خفيَّ الدلالة، وهؤلاء يؤولون المتشابه على ما ترتضيه أفهامهم من المعاني، فيخرج من الخفاء إلى وضوح، ولهذا سمُّوا \"مؤولة\" والتأويل أما بحمل الألفاظ على الحذف أو المجاز المفرد، وأما بحملها على طريقة التمثيل.","vol":"2","page":768},{"text":"واختلاف الجمهور في معنى المتشابه بهذين القولين، اقتضاه اختلافهم في معنى قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.\nفالمفوضة يقولون: إن قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ خبر عنه، ومفاد هذا الوجه من الإعراب أن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل المتشابه من الآيات، والمؤولة يقولون: إن قوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ معطوف على اسم الجلالة عطف المفرد على المفرد، وقوله ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ استئناف مبين لحال الراسخين في العلم، ومقتضى هذا الوجه من الإعراب أن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه ويقولون مع التأويل له: آمنا به كل من المحكم والمتشابه من عند ربنا.\nولننظر في هذين المذهبين من جهة دلالة الآية أولًا، ثم من جهة الأدلة الخارجة عن الآية ثانيًا.\nأما من جهة ما تدل عليه الآية، فقد قال أصحاب مذهب التفويض: الظاهر أن قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وقع معادلًا لحال الزائغين المشار إليه بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ ويكون معنى الآية: وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به، ولم يأت في الآية على هذا الوجه الظاهر في المعادلة، مبالغة في رفع شأن الراسخين في العلم حيث لم يسلك بهم مسلك المعادلة اللفظية لأولئك الزائغين.\nوأجاب المؤولة بأن المعادل لا يلزم أن يكون مذكورًا في النظم، بل قد يكون محذوفًا اكتفاء بما يدل عليه من القرائن اللفظية أو الحالية، فيصح أن يقال: إن المعادل لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ محذوف. وتقديره وأما الذين في قلوبهم هدى وطمأنينة، فلا يتبعون ما تشابه منه ليفتنوا به الناس، ويؤولوه على حسب أهوائهم.\nوقال المفوضة أيضًا: إن قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ينبئ أن الراسخين لا يعلمون تأويله، إذ لو كانوا ممن يعلم تأويله لم يكن لهذا القول فائدة، إذ لا غرابة","vol":"2","page":769},{"text":"في الإيمان بما ظهر معناه، وإنما تكون له فائدة حيث يكون إخبارًا عن إيمانهم بالمتشابه مع عدم فهمهم للمراد منه.\nويجاب عن هذا بأن قولهم آمنا به، إيحاء إلى أن إيمانهم به هو الذي دعاهم إلى أن يسلكوا في تأويله الطريقة اللائقة به، وفي ذلك تعريض بأن من اتبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة، وتأولوه على ما يوافق أهواءهم ليسوا بمؤمنين (١).\nوقال المؤولة: إن وصف أهل العلم في الآية بالرسوخ يقتضي أن يكون الحكم المسند إليهم مما يحصل بطريق الرسوخ في العلم، فيكون الحكم المثبت لهم هو العلم بالمتشابه، لا مجرد قولهم آمنا به، فإن هذا القول لا يمتاز به الراسخون في العلم، بل يستوي فيه الراسخون في العلم وغير الراسخين، قال ابن عطية: \"تسميتهم راسخين تقتضي أنهم يعلمون أكثر من الحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلمه الجميع، وما الرسوخ في العلم إلا المعرفة بتصاريف الكلام بقريحة معدة\".\nوأجاب أنصار مذهب المفوضة بأن فائدة وصفهم بالرسوخ في العلم المبالغة في قصر علم تأويل المتشابه على الله تعالى، لأنه إذا قيل: إن الراسخين في العلم لا يعلمونه، وذلك مفاد قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ كان عدم علم غيرهم بتأويله مفهومًا بالأولى.\nوأما الاستدلال بأمور خارجة عن مدلول الآية فيرجع إلى ثلاثة وجوه: القراءات والآثار وحكمة التشريع.\nأما القراءات فقد استدل المفوضة بما رواه الحاكم في مستدركه أن ابن عباس كان يقرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ويقول الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ آمَنَّا بِهِ﴾ وهذه القراءة تدل على أن الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ للاستئناف لا لعطف الراسخين\n_________\n(١) والفرق بين التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، والتأويل الذي يبتغيه الزائغون أن الأول يقوم على الدليل، والثاني يقوم على الهوى، ابتغاء الفتنة.","vol":"2","page":770},{"text":"على اسم الجلالة، ويجيب المؤولة بأن هذه الرواية لا تثبت بها القراءة، وإن أنزلناها منزلة خبر الآحاد، فهي لا تزيد على إفادة أن ابن عباس يرى أن المتشابه مما استأثر الله بعلمه، وقد اختلفت الرواية في هذا عن ابن عباس، ومما حكي عنه أنه قال بعد تلاوة الآية: \"أنا ممن يعلم تأويله\".\nوتمسك أنصار مذهب المفوضة بقراءة الوقف على اسم الجلالة، ثم استئناف القراءة بقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، والوقف على اسم الجلالة شاهد بأن العلم بالمتشابه مما استأثر الله به وليس لمخلوق عليه من سبيل.\nوحمل بعض أنصار مذهب التأويل قراءة الوقف على أن المراد من المتشابه ألفاظ استعملت في معان ليس للبشر قابلية لفهمها بالكنه، ويراد إفهامها لهم بوجه مجمل، كالنصوص الواردة في بعض أحوال يوم القيامة.\nوأما الاستدلال من جهة الآثار، فقد روى أن صَبيغ بن عسيل جاء من البصرة إلى المدينة في زمن عمر بن الخطاب ﵁، وأخذ يسأل الناس عن متشابه القرآن وعن أشياء، فأحضره عمر وضربه ضربًا موجعًا، ثم أرجعه إلى البصرة، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يمنع الناس من مخالطته. ولو كان المتشابه مما يعلمه الراسخون في العلم، ولا أرسخ في علم الشريعة من الصحابة، لترك صبيغ لمن يجيبه عن تأويل ما يسأل عنه من المتشابه.\nوقد يجاب عن هذا بأن صبيغًا لم يكن يسأل عن المتشابه استرشادًا، بل كان يورد المتشابهات تعنتًا، فإنما عاقبه عمر لسوء قصده، ومنع الناس من مخالطته حذرًا من أن يفتن بأسئلته قلوب العامة.\nوأما الاستدلال من جهة حكمة التشريع، فقد قال أصحاب طريقة التأويل: يبعد أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته، وأجاب المفوضة بأن ورود مثل هذا الخطاب يكفي في حكمته ابتلاء العبد تلقي كلمات من الشارع لا يعلم المراد منها، ليظهر فضله في الإيمان بها وتفويض أمرها إلى الله مقرًّا بالعجز عن الوصول إلى المراد منها.","vol":"2","page":771},{"text":"ويختلف المفوضة في ضبط أنواع المتشابه، فابن حزم وهو من أصحاب هذا المذهب يخص المتشابه بالحروف والأقسام الواردة في أوائل السور، فقال في كتاب الأحكام: \"والمتشابه لا يوجد في شيء من الشرائع إلا بالإضافة إلى من جهل دون من علم، وهو في القرآن، وهو الذي نهينا عن اتباع تأويله وعن طلبه وأمرنا بالإيمان به جملة وليس هو في القرآن إلا للأقسام التي في السور، كقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١ - ٢] وقوله: ﴿وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١ - ٢] والحروف المقطعة في أوائل السور، وكل ما عدا هذا من القرآن، فهو محكم\".\nوالمعروف بين أهل العلم، أن السلف يعدون في المتشابه ألفاظًا واردة في الآيات والأحاديث تدل بمقتضى استعمالها العربي على صفات أو أفعال يستحيل إضافتها إليه تعالى، نحو قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.\nومن المفوضة أبو إسحاق الشاطبي غير أنه قسَّم المتشابه إلى حقيقي وإضافي، وأراد من الحقيقي ما لا سبيل إلى فهم المراد منه، وأراد من الإضافي ما اشتبه معناه لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر، وقال: \"فإذا تقصى المجتهد أدلة الشريعة، وجد فيها ما يبين معناه، والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدًّا، وبالمعنى الإضافي كثير\". وليس من شك في أن هناك آيات كثيرة وأحاديث قد يعدُّها بعضهم من قبيل المتشابه، وينبغي إخراجها من دائرة الاختلاف، حيث إنه يمكن فهمها على وجه صحيح لا كلفة فيه، ونضرب المثل لهذا آيات أو أحاديث تشتمل على ألفاظ عرف في كلام العرب استعمالها في معان على وجه الكناية أو المجاز، وصح حملها على هذه المعاني المعروفة في الاستعمال كقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] فإن حمل الآية على معنى الجود واضح لا شبهة فيه.\nويخرج عن موضع الاختلاف آيات الأحكام، إذ ليس لأحد أن يقول في آية أو حديث يرجع إلى التشريع إن هذا من قبيل ما استأثر الله بعلمه.","vol":"2","page":772},{"text":"ونختار بعد هذا أن في القرآن آيات متشابهات أي غير واضحة الدلالة، فإما أن تصل إليها أفهام الراسخين في العلم بعد النظر، وإما أن تصل إليها أفهام بعض منهم دون بعض، وفهمها إما أن يكون على وجه مفصل، وإما أن يكون على وجه مجمل تحصل به فائدة للمخاطب وإن لم يصل إلى كنه المراد منه، كالآيات والأحاديث الواردة في بعض أحوال يوم القيامة، أما أن يخاطب الله عباده بكلام يستأثر بعلمه، ولا يفهم منه أحد ماذا أريد منه ولو بطريق الإجمال، فذلك ما نراه بعيدًا، ولم تقم أدلة تلجئنا إلى اعتقاد وجوده.\nلا يظهر للمتشابه على مذهب المفوضة فائدة سوى ابتلاء العبد بتلاوة كلمات تعلو من فهمه، ولكنه يتيقن أنها حق، ويفوض أمرها إلى الله، مقرًّا بالعجز عن الوصول إلى معناها، وذلك دليل قوة الإيمان.\nوأما على مذهب المؤولة فله فوائد متعددة، منها أن وجود المتشابه في الشريعة يجعل في الوصول إلى المراد صعوبة ومشقة، وذلك موجب لزيادة الثواب عند الله، ومنها أن وجود المتشابه يدعو الإنسان إلى الرجوع إلى الأدلة النظرية، فيصل إلى الحقائق من طرق الاستدلال، ويتخلص من أسر التقليد، ومنها أن البحث عن المراد من المتشابه يعلم الإنسان طرق التأويل ووجوه ترجيح بعض هذه الطرق على بعض، قال الطيبي مشيرًا إلى هذا الوجه: \"إنما كان المتشابه في القرآن لأنه باعث على تعلم علم الاستدلال، ذلك أن معرفة المتشابه متوقفة على معرفة الاستدلال، فتتوجه الرغبات إليه\".\nويذكرون في فوائد ورود المتشابه أن القرآن دعوة للخواص والعوام، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، كإثبات موجود ليس بجسم ولا متحيز ولا مشار إليه، وقد يسبق إلى ذهنه أن هذا عدم ونفي، فيقع في التعطيل، فكان من الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ يتبادر إلى أذهانهم منها ما يتخيلونه، وذلك هو المتشابه، ويوضع بجانب هذا ما هو حق صريح يدل على أن المراد غير ما سبق إلى","vol":"2","page":773},{"text":"أذهانهم، وهذا الوجه من حكمة ورود المتشابه ظاهر فيما كان من قبيل الصفات ونحوها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-700>ب - مسائل العقيدة:</span>\nمن خلال دراساتنا للتفاسير السابقة، رأينا أن بعضها قد تطرق في تأويل الآيات التي تمس العقيدة، كما فعلت المدرسة العقلية. وأراد بعضها الآخر أن يخضع بعض العقائد الغيبية لمجريات العلم وخداع الخرافة كما فعل الشيخ طنطاوي ﵀ ومن سار على نهجه في تحضير الأرواح. ولكن الأستاذ الأكبر ﵀ لم يجر مع هؤلاء، الذين خرجوا بالنص عن دائرة سياقة ولفظه. ولم يجر مع أولئك الذين ساروا وراء سراب الخرافة. ولم يكن الرجل سلبيًّا في موقفه هذا وإنما كان إيجابيًّا، لذا رأيناه يرد على كلا الفريقين منتصرًا لسلف هذه الأمة وأئمتها.\n١ - فها هو يرد على القائلين باب رؤية الله يوم القيامة بالعين الباصرة مستحيلة. يقول عند قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥].\nوقد يخطر على البال أن هذه الآية تصلح لأن تكون دليلًا على عدم صحة رؤية الله بالعين الباصرة يوم القيامة، فإن الذين طلبوها سلط الله عليهم الصاعقة كما سلط على عبَدة العجل القتل. ويُدفع هذا الخاطر بأن موسى ﵇ قد علم أن رؤية الله ممكنة، فطلبها كما جاء في سورة الأعراف ﴿قَال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وأعلمه الله أن رؤيته في الدنيا بالأبصار لا تقع، وصار هذا أصلًا معروفًا عنده وعند قومه، ولكن بني إسرائيل سألوا الرؤية بالأبصار بعد علمهم بذلك تعنتًا، أو لشك خالجهم، فأخذهم الله بالصاعقة وهم ينظرون، عقوبة لهم على ما سألوا. وورد في الكتاب المجيد آيات تدل على أنه تعالى يُرى يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. وورد أيضًا من الآيات ما يدل بظاهره على نفيها، ولكن الآيات المثبتة تأيدت بأحاديث صحيحة، فوجب المصير إليها، وفهمُ الآيات الأخرى على وجه يوافق الآيات المؤيَّدة","vol":"2","page":774},{"text":"بالأحاديث الصحيحة الصريحة.\n٢ - وعند قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ يقول:\n\"والإيمان بالله: التصديق بما لا تتم معرفته إلا به، وهي الصفات الواجبة له تعالى من نحو الوحدانية والقدم والبقاء والعلم والغنى المطلق. ومن اعتقد أن الله حلّ في غيره أو اتحد به، فقد عمي عن سبيل النجاة، واستبدل بالإيمان جحودًا\" (١).\n٣ - وها هو يرد على الذين قالوا بالتمثيل في قصة آدم بقوله (٢): \"ويجدر بنا أن ننبه لرأي أبداه بعض من كتب في التفسير منذ عهد قريب، وهو أن هذه القصة واردة على وجه التمثيل، لا أنها إخبار عن حقائق واقعة، وبسط القول في تقرير كونها تمثيلًا بما لا يسع المقام حكايته. والحقيقة أن القصة سيقت على وجهٍ ظاهر في أنها واقعة. وتأويل آيات القصص على أنها من قبيل التمثيل، لا يلجأ إليه إلا أن يكون حملها على المعنى الظاهر متعذرًا، ولم يقم دليل شرعي أو عقلي يقتضي العدول في تفسير هذه القصة عن الظاهر من سياقها، حتى يسهل صرف ألفاظها عن حقائقها، وتقبل دعوى أنها خارجة مخرج التمثيل والقصة مع كونها حقيقة واقعة، تنطوي على حكم شائقة وعبر لامعة، يجدها المتدبر لكتاب الله قريبة المنال، غزيرة المثال\".\n٤ - كما يقول عن إبليس (٣): \"وإبليس: اسم للشيطان أعجمي، وهو كائن حي. وقد أخطأ وجه الحق من حمله على معنى داعي الشر الذي يخطر بالنفوس. وليس من المعقول أن تحمل عليه الآيات وهي صريحة في أنه كان يقول ويقال له، ويرى الناس ولا يرونه ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧].\n_________\n(١) أسرار التنزيل ص ٢٧٦.\n(٢) أسرار التنزيل ص ٩٣.\n(٣) لواء الإسلام العدد العاشر السنة الأولى ص ٦ - ٧.","vol":"2","page":775},{"text":"٥ - أما مسألة الأرواح التي كثر الحديث عنها، ومع كل أسف في كتب التفسير، كما رأينا في الجواهر وتفسير المراغي، وتفسير الأستاذ أحمد مظهر العظمة - الذي سنتحدث عنه فيما بعد إن شاء الله، فإن الشيخ الخضر ﵀ يكتب عنها، من أجل تثبيت عقيدة المسلم، مفندًا رادًّا كل دعوى من هذا القبيل.\nيقول (١): \"فلا نتوقف في الإيمان بالأرواح والجن على أن يثبتهما العلم البحت، ويكفينا أنه لا يستطيع نفيهما بدليل منطقي يسلمه العقل إذا خلا ونفسه. فدعوى أن روح فلان أو فلان الميت بعينها، يقتادها فلان من مستقرها، ويضعها بين أيدي المتجمعين حوله للتسلية، وتحدثهم عن حالها أو حال غيرها في الدنيا أو بعد الموت، لم تجئنا مصحوبة بدليل سوى أن فلانًا الأوروبي قال أو جرب أو ألف. وهذا النوع من الاستدلال لا يغني في مسألة كمسألة الأرواح فتيلًا. ولماذا لا تكون هذه الأرواح التي تستحضر من قبيل الأرواح الخفية التي هي الجن؟ وهذه الأرواح ليست مبرأة من أن تضلل أو تقول باطلًا.\nوكيف يكون حال المسلم إذا قال له \"محضر الأرواح\": هذه روح فلان الذي مات على عقيدة الوثنية أو غيرها من الأديان الباطلة، ويسمع من هذه الروح أن صاحبها في نعيم وسعادة؟ ! أيرتاب في دينه، أم يكذب أن هذه روح فلان الكافر بحكم دينه! ! والحق أن الله لم يجعل للعلم بأحوال الموتى من سبيل، غير ما دل عليه كتابه العزيز، أو أخبر عنه النبي المعصوم\".\nوالشيخ بعد ذلك كله سلفي في عقيدته، ولكنه ليس من أولئك المتزمتين، الذين لا هم لهم إلا غمز الأئمة والنيل من الصالحين. وها هو في كل ما فسر يتبع هذا النهج. يظهر هذا في تفسيره للرحمة والغضب في سورة الفاتحة والاستواء في سورة البقرة.\n_________\n(١) لواء الإسلام العدد الأول السنة الرابعة ص ٦٣ - ٦٤.","vol":"2","page":776},{"text":"يقول عند قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هما صفتان مشتقتان من الرحمة، والرحمة في أصل اللغة: رقة في القلب تقتضي الإحسان، وهذا المعنى لا يليق أن يكون وصفًا لله تعالى، ففسرها بعض العلماء بإرادة الإحسان، وفسرها آخرون بالإحسان نفسه، والموافق لمذهب السلف أن يقال: هي صفة قائمة بذاته تعالى لا نعرف حقيقتهما، وإنما نعرف أثرها الذي هو الإحسان.\nوليست الصفتان، أعني الرحمن الرحيم بمعنى واحد بل روعي في كل منهما معنى، ولم يراع في الآخر، فالرحمن بمعنى عظيم الرحمة، لأن فَعلان صيغة مبالغة في كثرة الشيء وعظمته، ولا يلزم منه الدوام كغضبان وسكران، والرحيم بمعنى دائم الرحمة؛ لأن صيغة فعيل تستعمل في الصفات الدائمة ككريم وظريف، فكأنه قيل العظيم الرحمة الدائمها. وذهب ابن قيم الجوزية في الفرق بين الصفتين إلى أن الرحمن دالة على الصفة القائمة به تعالى، والرحيم دالٌّ على تعلقها بالمرحوم، فيكون الرحمن من صفات الذات، والرحيم من صفات الأفعال\" (١).\nويقول في صفة الغضب: \"والغضب ضد الرضا، وهو في أصل اللغة حركة في النفس تنزع بها إلى طلب الانتقام، وإذا أسند إلى الله فسروه بمعنى إرادة الانتقام أو بمعنى الانتقام نفسه، والموافق لمذهب السلف أن يقال: هو صفة له تعالى لائقة بجلاله، لا نعلم حقيقتها وإنما نعرف أثرها وهو الانتقام من العصاة، وإنزال العقوبة بهم) (٢).\nويقول في صفة الاستواء: \"استوى أقبل وعمد إليها بإرادته، وتسويتها تعديل خلقها وتقويمه\" (٣).\n_________\n(١) أسرار التنزيل ص ٧، ٨.\n(٢) ص ١١.\n(٣) ص ٥٢.","vol":"2","page":777},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-701>جـ - الشيخ والقصة القرآنية:</span>\nيقف الشيخ على قاعدة صلبة، وهو يقرر أننا يجب أن نفهم القصص القرآني على حقيقته. وقد مر معنا رده على القائلين بالتمثيل كالشيخ محمد عبده. أما القائلون بالتخيل كصاحب الفن القصصي، فلقد رد عليهم الشيخ ردًّا مشبعًا مقنعًا.\nوالذي يهمنا الآن، وما ينبغي أن نقدره للشيخ ونسجل إعجابنا به، ليس حمله القصة على حقيقتها فحسب، وإنما فهمه الدقيق للقصة كذلك. فهو يرى أنه لا تكرار في القصص القرآني، وإنما كل قصة في سورة، فيها من المعاني والحكم ما لا يوجد في سورة أخرى، وسياق السورة وظرفها يحددان موضع العبرة من القصة. فليس من السهل أن يقال: في قصة موسى وفرعون، بل الواجب أن ندرس القصة في كل سورة، ليتبين السياق الذي جاءت من أجله، والعبرة التي هدفت لها والحكمة التي قصدت منها.\nويمثل الشيخ بقصة آدم، ويقول إنها وردت في ست سور في البقرة والأعراف والحجر والإسراء والكهف وطه (١). ففي سورة البقرة وردت القصة في سياق تذكير الناس بنعمة الله، والعجب من أنهم يكفرون به، فكانت القصة تدور على هذا التذكير من جعل آدم خليفة، وتعليمه الأسماء كلها.\nوفي سورة الأعراف، وردت هذه القصة في سياق أن الناس قليلًا ما يشكرون الله الذي مكنهم في الأرض، وجعل لهم فيها معايش، ولذلك أسهبت القصة في موقف إبليس من الإنسان.\nوفي سورة الحجر وردت القصة في سياق خلق الإنسان من طين والجن من نار، فليست مادة أفضل من مادة، وهذا ما ركزت عليه القصة (٢).\n_________\n(١) لم يذكر الشيخ سورة ص.\n(٢) لواء الإسلام العدد السابع السنة الرابعة ص ٣٥٧ - ٥٤٠.","vol":"2","page":778},{"text":"أما سورة الإسراء، فقد وردت قصة آدم في سياق فتنة الناس، ولذلك كان الإسهاب فيها، وفي واقعة حسد إبليس وعدائه لآدم ولذريته.\nوهكذا يستمر الشيخ في إلقاء تلك الدرر. والحق أن الحاجة ماسة لغواص يخرج هذه الدرر من الآيات الكريمة، لنتبين مواطن العبرة ورفعة الأسلوب وعظمة المنهج القرآني في تربية النفوس.\n٢ - وها هو يرد على أولئك الذين يفسرون القصة بعيدًا عن أسلوب القرآن وبلاغته، يقول عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ... كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾.\nوقد تعاطى تفسير الآية شيخان معاصران، أحدهما كتب في التفسير، والآخر كتب في قصص الأنبياء، وقد ذهبا مذهب التعسف في التأويل.\nأما الكاتب في التفسير: فقد جعل آيات (وإذا قتلتم نفسا) من تتمة القصة المبتدأة بالأمر بذبح البقرة كما يقول أهل العلم من السلف، ولكنه يرى أن ذبح البقرة وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في أمر القتل، لتعرّف الجاني، وقال: \"فمن غسل يده وفعل ما رسم لذلك في الشريعة -أي شريعتهم- برى من الدم، ومن لم يفعل تثبت عليه الجناية، ومعنى إحياء الموتى على تفسيره حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس التي يحييها بمثل هذه الأحكام، وهذا الإحياء على حدّ قوله ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ فالإحياء هنا معناه الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين (١).\nوالمؤلف في قصص الأنبياء قد جعل آيات ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ قصة مستقلة عن قصة ذبح البقرة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ وزعم أن قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ بمعنى اضربوا المتهم ببعض\n_________\n(١) ولقد مر معنا هذا القول عند حديثنا عن تفسير الشيخ محمد عبده.","vol":"2","page":779},{"text":"النفس وهي القتيل، فإن كان قاتلًا ظهر عليه انفعال نفسي ورعدة يعلم بسببها أنه القاتل دون سواه، أو هو على اتصال به. وجرى في تأويل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ على ما جرى عليه سلفه في التفسير.\nوكل من هذين الرأيين مخالف لما ورد عن السلف وبعيد عن أسلوب القرآن وبلاغته، ولو كان المراد من قوله: ﴿يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ معنى الآيتين، لقال مثلًا: كذلك يحيي الله الناس، أو قال: ولكن في هذا الحكم حياة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-702>د - الشيخ وآيات الأحكام:</span>\nرأينا من المفسرين المحدثين أناسًا يريدون أن يلزموا الناس بما يرتؤون ويعتقدون، وإلا وصفوهم بأوصاف لا تليق. ولكن مفسرنا ﵀ لم يقف هذا الموقف، فهو لم يجرح أحدًا ولم يصفه بالتقليد، لمجرد التزامه بمذهب معين، بل رأيناه على العكس من ذلك، يجل الأئمة ويثني على العلماء ما دام اجتهادهم في الحد الذي يرضي الله، ولا يخرج عن قواعد الدين.\nيقول عند تفسيره هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]: \"وقد يخطر على بالك أن تقرير الأئمة المجتهدين لبعض الوقائع أحكامًا من طريق الاستنباط، قد يستندون في ذلك إلى دليل يفيد الظن بالحكم، ولا يصل إلى أن يفيد العلم به، فيكون افتاؤه في مثل هذه الوقائع من قبيل القول على الله بغير علم.\nويزاح هذا الخاطر بأنه قد انضم إلى ذلك الدليل الظني، أصل انعقد عليه الإجماع وأصبح مقطوعًا به، وهو أن كل مجتهد بحق يكون حكم الشرع في حقه أو حق من يتابعه، وهو الحكم الذي أداه إليه اجتهاده، وبمراعاة هذا الأصل المقطوع به، لم يكن المجتهد المشهود له بالرسوخ في العلم قائلًا على الله ما لا يعلم\" (٢).\n_________\n(١) أسرار التنزيل ص ١١٩، ١٢٠.\n(٢) لواء الإسلام العدد السادس السنة الرابعة ص ٤١٠.","vol":"2","page":780},{"text":"والشيخ مع ذلك يعز عليه أن يخرج عن إجماع الأمة وجمهور السلف، وهذا يظهر عند تفسيره لآيتي النسخ والوصية. فعند تفسيره لآية الوصية يذكر مذاهب العلماء، غير مشنع على أحد كما شنع غيره، مرجحًا ما ذهب إليه الجمهور (١). أما عند آية النسخ فإنه يرفض صراحة أن يكون المراد من كلمة (آية) في آية النسخ المعجزة، كما ذهب إليه بعض المفسرين، ويقول إن السلف أجمعوا على غير هذا (٢).\nأما منهجه في تفسير تلك الآيات، فهو منهج متناسب مع الخطة التي سار عليها في تفسيره كله، إذ يعني ببيان حكمة التشريع ومواطن الهداية، أكثر من عنايته بالتفريعات المذهبية، التي قد لا يعرض لها في كثير من الآيات. وهذا يتمشى مع الأهداف التي كتب من أجلها هذا التفسير. يظهر هذا من تناوله لآيات القصاص والصيام وغيرهما.\nهذه بعض الجوانب من تفسير الشيخ ﵀. وإذا كان لا بد من كلمة أخيرة في تقويم هذا التفسير، فإنه والحق يقال، كان من خير ما قرأت اعتدالًا وعمقًا، وسلامة عقيدة وصفاء فكر. رحم الله الأستاذ الأكبر وهيأ للأمة من يسد فراغه.\n_________\n(١) لواء الإسلام العدد العاشر السنة الرابعة ص ٧٣٤.\n(٢) لواء الإسلام العدد الرابع السنة الثالثة ص ٨.","vol":"2","page":781},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-703>المراجع</span>\n١ - الأعمال الكاملة للإمام، الطبعة الثانية، سنة ١٩٨٠.\n٢ - تاريخ الأستاذ الإمام.\n٣ - زعماء الإصلاح، د. أحمد أمين.\n٤ - موقف العقل والعلم والدين، الأستاذ مصطفى صبري، دار إحياء الكتب العربية.\n٥ - رسالة الواردات وحاشيته على الجلال الدواني.\n٦ - دروس من القرآن الكريم، الشيخ محمد عبده، تقديم طاهر الطناحي، مطبعة دار الهلال، القاهرة.\n٧ - تفسير القرآن الحكيم الشهير بالمنار، الشيخ محمد رشاد رضا، دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، ط ٢.\n٨ - محمد عبده رائد الفكر المصري، الأستاذ عثمان أمين، ط ٢، سنة ١٩٦٥ م.\n٩ - تفسير جزء عم، الشيخ محمد عبده، مطبعة دار الشعب.\n١٠ - تفسير سورة الفاتحة وست سور أخرى، السيد محمد رشيد رضا، الطبعة الثانية، مصر، ١٣٦٧ هـ.\n١١ - الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، د. محمد محمد حسين، ط ٢.\n١٢ - ما أنا عليه وأصحابي، أحمد سلام.\n١٣ - الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، مطابع دار الصفوة، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ/ ١٩٩٥ م.\n١٤ - صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، ضبط: د. مصطفى ديب البغا، الطبعة الأولى، دار القلم.\n١٥ - سنن الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، مطبعة البابي الحلبي، مصر.","vol":"2","page":783},{"text":"١٦ - مسند أحمد بن حنبل، المكتب الإسلامي، بيروت.\n١٧ - دلائل النبوة، البيهقي.\n١٨ - قضايا قرآنية في الموسوعة البريطانية، نقد مطاعن ورد شبهات، الأستاذ الدكتور فضل حسن عباس، دار الفتح، عمان - الأردن، ط ١، ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠٠ م.\n١٩ - تفسير جزء تبارك، الشيخ عبد القادر المغربي، المطبعة الأميرية، القاهرة، ١٣٦٦ هـ/ ١٩٤٧ م.\n٢٠ - صحيح ابن حبان.\n٢١ - مسند الطيالسي.\n٢٢ - جامع البيان في تفسير القرآن، محمد بن جرير الطبري، القاهرة، مطبعة بولاق، سنة ١٣٢٥ هـ.\n٢٣ - مفاتيح الغيب، فخر الدين محمد بن عمر الرازي، القاهرة.\n٢٤ - صحيح مسلم بشرح النووي، مطبعة محمد عبد اللطيف.\n٢٥ - الإسلام والعقل، د. عبد الحليم محمود، دار الكتب الحديثة.\n٢٦ - إلى أين يتجه الإسلام، المستشرق جب.\n٢٧ - الاتجاهات الحديثة في التفسير.\n٢٨ - منهج المدرسة العقلية، فهد الرومي.\n٢٩ - الأعلام، خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين.\n٣٠ - النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين، محمد رجب البيومي، دار القلم.\n٣١ - السيد رشيد رضا أو إخاء أربعين سنة، أمير البيان شكيب أرسلان.\n٣٢ - فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي.\n٣٣ - سنن ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة البابي الحلبي.\n٣٤ - الأم، الإمام محمد بن إدريس الشافعي، طبعة دار الشعب.\n٣٥ - الرسالة، الإمام المطلبي محمد بن إدريس الشافعي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط ١٣٠٩ هـ.","vol":"2","page":784},{"text":"٣٦ - حاشية ابن عابدين، شركة مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، ط ٢، ١٣٨٦ هـ/ ١٩٦٦ م.\n٣٧ - المدخل الفقيه، الأستاذ مصطفى الزرقا.\n٣٨ - سير أعلام النبلاء.\n٣٩ - المحلي، ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد، إدارة الطباعة المنيرية، القاهرة.\n٤٠ - المغني لابن قدامة المقدسي، مطبعة الإمام.\n٤١ - نيل الأوطار في شرح منتقى الأخبار في حديث سيد الأبرار محمد بن علي الشوكاني، المطبعة المنيرية.\n٤٢ - أعلام الأدب والفن، أدهم الجندي.\n٤٣ - على هامش التفسير، عبد القادر المغربي، دار المعارف، القاهرة.\n٤٤ - تفسير جزء تبارك، عبد القادر المغربي، مطبعة المعارف.\n٤٥ - روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، أبو الفضل شهاب الدين محمد الآلوسي، إدارة الطباعة المنيرية مصر.\n٤٦ - القرآن العظيم، الأستاذ الشيخ محمد مصطفى المراغي، مطبعة مصطفى البابي الحلبي.\n٤٧ - الإمام المرغي، أنور الجندي.\n٤٨ - ترجمة القرآن الكريم، الشيخ أحمد المراغي، مطبعة الرغائب.\n٤٩ - تفسير المراغي، الشيخ أحمد المراغي، مطبعة البابي الحلبي.\n٥٠ - التفسير الحديث، محمد عزة دروزة، القاهرة، مطبعة البابي الحلبي.\n٥١ - تفسير القرآن الكريم، الشيخ محمود شلتوت، دار القلم.\n٥٢ - تيسير القرآن الكريم للقراءة والفهم المستقيم، الشيخ عبد الجليل عيسى.\n٥٣ - الجواهر في تفسير القرآن، الشيخ طنطاوي جوهري.\n٥٤ - محمد عبد الجواد، تقويم دار العلوم، طبعة دار المعارف، ١٩٤٧.\n٥٥ - حصوننا مهددة من داخلها، د. محمد محمد حسين.\n٥٦ - مجلة الفتح، مجلد ٨، العدد ٣٦٨.\n٥٧ - في ظلال القرآن، سيد قطب، الطبعة الخامسة، دار الشروق، ١٣٨٦ هـ / ١٩٦٧ م.","vol":"2","page":785},{"text":"٥٨ - اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، فهد بن عبد الرحمن بن سليمان الرومي، ط ١، ١٤٠٧ هـ / ١٩٨٦ م.\n٥٩ - أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة، أ. د. يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة، ط ٢، ١٤١١ هـ/ ١٩٩١ م.\n٦٠ - الاجتهاد في الإسلام، د. يوسف القرضاوي.\n٦١ - مجلة الوعي الإسلامي الكويتية، مقالة (المعتدون على الفقه الإسلامي)، د. وهبة الزحيلي.\n٦٢ - الإسلام ومشكلات الحضارة، سيد قطب.\n٦٣ - معالم في الطريق، سيد قطب.\n٦٤ - مطاعن سيد قطب في أصحاب رسول الله - ﷺ -، الأستاذ ربيع المدخلي.\n٦٥ - أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره، الأستاذ ربيع المدخلي.\n٦٦ - في ظلال القرآن، رؤية استشراقية فرنسية، أوليفييه كاريه، ترجمة: محمد رضا عجاج، الزهراء للإعلام العربي، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ / ١٩٩٣ م.\n٦٧ - منهجية البحث في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم، د. زياد الدغامين، دار البشير، الطبعة الأولى، ١٤١٦ هـ / ١٩٩٥ م.\n٦٨ - محاسن التأويل، الشيخ محمد جمال الدين القاسمي، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي وشركاه، ط ١، ١٣٧٩ هـ / ١٩٦٠ م.\n٦٩ - السيرة النبوية، الشيخ أبو الحسن الندوي.\n٧٠ - التفسير الوسيط للقرآن الكريم، الدكتور محمد سيد طنطاوي، دار السعادة، ١٤٠٥ هـ/ ١٩٨٥ م.\n٧١ - تفسير القرآن العظيم، أبو الفداء إسماعيل بن كثير، عيسى الحلبي، القاهرة.\n٧٢ - الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، القاهرة، دار الكتب.\n٧٣ - الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل، جار الله محمود بن عمر الزمخشري، مطبع الاستقامة سنة ١٩٤٦.\n٧٤ - إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم في تفسير القرآن العظيم، أبو السعود بن محمد العمادي، مطبعة محمد عبد اللطيف.","vol":"2","page":786},{"text":"٧٥ - الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين للدقائق الخفية، سليمان بن عمر العجيلي الحلبي الشافعي، طبعة عيسى البابي الحلبي.\n٧٦ - تفسير آيات الأحكام، محمد علي السايس.\n٧٧ - صفوة البيان، الشيخ حسنين مخلوف، دار الكتب.\n٧٨ - التحرير والتنوير، الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، الدار التونسية، ١٩٨٤ م.\n٧٩ - صفوة العرفان في تفسير القرآن، محمد فريد وجدي، مطبعة الشعب، مصر، ١٣٢١ هـ.\n٨٠ - المصحف المفسر، محمد فريد وجدي، مطابع الشعب.\n٨١ - النهضة الإسلامية في سير أعلام المعاصرين، د. محمد رجب البيومي، الطبعة الأولى سنة ١٩٩٩.\n٨٢ - إتمام الأعلام للدكتور نزار أباظة ومحمد رياض المالح، دار صادر، الطبعة الأولى، سنة ١٩٩٩ م.\n٨٣ - ذيل الأعلام، أحمد العلاونة، دار المنارة، جدة، الطبعة الأولى، سنة ١٩٩٨ م.\n٨٤ - تتمة الأعلام، محمد خير رمضان يوسف، دار ابن حزم، الطبعة الأولى سنة ١٩٩٨ م.\n٨٥ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، حققه محمد زهري النجار، المؤسسة السعيدية في الرياض.\n٨٦ - حسن البنا ومنهجه في تفسير القرآن الكريم.\n٨٧ - ابن باديس حياته وآثاره، د. عمار الطالبي، دار الغرب الإسلامي، بيروت.\n٨٨ - تفسير ابن باديس في مجالس التذكير، عبد الحميد بن باديس، دار الفكر، بيروت.\n٨٩ - قصتي مع الحياة، خالد محمد خالد.\n٩٠ - جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية، السنة الرابعة، العدد ٨/ ٩ ربيع أول سنة ١٣٥٣ هـ / ١٩٣٤ م.\n٩١ - مجلة المنار، المجلد ٣٥، جزء ٩، جمادى الآخرة سنة ١٣٥٩ هـ/ ١٩٤٠ م.\n٩٢ - مجلة الشهاب، السنة الأولى، العدد الأول، محرم سنة ١٣٦٧ هـ / ١٩٤٧ م.\n٩٣ - مقاصد القرآن الكريم، حسن البنا، دار الوثيقة، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٢٥ هـ /٢٠٠٤ م.","vol":"2","page":787},{"text":"٩٤ - علل وأدوية، الشيخ الغزالي.\n٩٥ - مجلة الشهاب، السنة الأولى العدد ٤، ربيع الآخرة سنة ١٣٦٧ هـ/ ١٩٤٨ م.\n٩٦ - بلاغة القرآن، محمد الخضر حسين، جمع وتحقيق: علي الرضا التونسي، ١٣٩١ هـ / ١٩١٨ م.\n٩٧ - أسرار التنزيل، محمد الخضر حسين، جمع وتحقيق: علي رضا التونسي، ١٣٩٦ هـ/ ١٩٧٦ م.\n٩٨ - من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية، عبد الله عقيل سليمان العقيل.\n٩٩ - مجلة لواء الإسلام، العدد الأول، السنة الرابعة.\n١٠٠ - مجلة لواء الإسلام، العدد السابع، السنة الرابعة.\n١٠١ - مجلة لواء الإسلام، العدد السادس، السنة الرابعة.\n١٠٢ - تفسير القرآن الكريم، الشيخ محمود شلتوت، دار القلم.\n١٠٣ - الجانب الإلهي من التفكير الإسلامي، د. محمد البهي.\n١٠٤ - القرآن العظيم، هدايته وإعجازه في أقوال المفسرين، محمد الصادق عرجون، مكتبة الكليات الأزهرية، ١٣٨٦ هـ / ١٩٦٦ م.","vol":"2","page":788},{"text":"التَّفْسِير والمُفَسِّرُونَ\nأَسَاسيَّاتُه واتجاهاتُه ومَنَاهِجُهُ في العَصْرِ الحَدِيث\nالمفسّرون\nمَدَارِسُهُم ومَنَاهِجُهم\nالجُزءُ الثَّالِثُ\nالأستَاذ الدكتور فَضْل حَسَن عَبَّاس\nدار النفائس\nللنشر والتوزيع","vol":"3","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"3","page":2},{"text":"التَّفسِير والمُفَسِّرون أساسيَّاتُه واتجاهاته وَمَنَاهجُهُ في العصْرِ الحَدِيث (٣)","vol":"3","page":3},{"text":"حقوق الطبع محفوظة\n١٤٣٧ هـ -٢٠١٦ م\nالطبعة الأولى\nرقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية\n١٤٨٨/ ٤ / ٢٠١٥\n٢٢٢\nعباس، فضل حسن\nالتفسير والمفسرون أساسياته واتجاهاته ومناهجه في العصر الحديث/ فضل حسن عباس. طـ ١ - عمان- دار النفائس للنشر والتوزيع-٢٠١٥\n() ص.\nالواصفات: التفسير// المفسرون// القرآن الكريم/\nتنويه مهم\nتحت طائلة المسائلة القانونية يمنع تصوير هذا الكتاب أو استخدامه بأنواع النشر كافة.\nدار النفائس\nللنشر والتوزيع -الأردن\nالعبدلي -مقابل مركز جوهرة القدس\nص. ب ٩٢٧٥١١ عمان ١١١٩٠ الأردن\nهاتف: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤٠\nفاكس: ٠٠٩٦٢٦٥٦٩٣٩٤١\nEmail: alnafaes@hotmail.com\nwww.al-nafaes.com","vol":"3","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، حمدًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ... وبعد:\nفي الجزء الثالث والأخير من هذا الكتاب الذي بين أيدينا يتحدث المؤلف -﵀- عن مناهج المفسرين على أمل أن يكتب في مناهج مفسرين آخرين والمفسرون الذين كتب عنهم في هذا الجزء هم:\n١ - الشيخ أبو الأعلى المودودي.\n٢ - الأستاذ سعيد حوى وتفسيره الأساس.\n٣ - الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان.\n٤ - الأستاذ محمد عزت دروزة والتفسير الحديث.\n٥ - الشيخ عبد القادر ملا حويش وبيان المعاني.\nوكان قد طلب مني الكتابة في منهج الشيخ محمد أبو زهرة إضافة لما كان قد كتبه في رسالة الدكتوراه، وكذلك طلب الرجوع إلى رسالة الدكتور جمال أبو حسان -حفظه الله- التي كتبها في منهج الشيخ محمد الطاهر بن عاشور للأخذ منها وضمه إلى كتابه. وكذلك كان قد طلب من الدكتور جهاد النصيرات -حفظه الله- أن يكتب في منهج الشيخ عبد الكريم الخطيب.\nومن هنا فقد أضفت إلى هذه السلسلة منهج الشيخ محمد أبو زهرة -﵀- وما اقتطعته من كتاب الدكتور جمال أبي حسان في منهج الشيخ محمد الطاهر","vol":"3","page":5},{"text":"ابن عاشور وما كتبه الدكتور جهاد في منهج الشيخ عبد الكريم الخطيب، وأبين هنا أنه -﵀- لم يقرأ ما كُتب في هذه الفصول الثلاثة.\nومن هنا رأينا أن نطبع ما كان كتبه ونضم إليه ما كان طلبه كذلك.\nرحم الله والدي الدكتور فضل حسن عباس وجزاه خيرًا على جهوده العظيمة التي بذلها في خدمة هذا الكتاب، ورحم الله علماء هذه الأمة، ورحم الله المسلمين أحياءً وأمواتًا.\nد. سناء فضل عباس","vol":"3","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-706>منهج الأستاذ أبي الأعلى المودودي (ت ١٣٩٩ هـ / ١٩٧٩) في التفسير</span>","vol":"3","page":7},{"text":"تفهيم القرآن\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-707>الجزء الأول: من الفاتحة إلى آل عمران</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-708>حياته:</span>\nأبو الأعلى المودودي: (١٣٢١ - ١٣٩٩ هـ / ١٩٠٣ - ١٩٧٩ م)، وُلد بمدينة أورنك أباد في ولاية حيدر أباد بالهند، من أسرة فاضلة اشتهرت بالدين والفضل والعلم، تُعرف بالأسرة الودودية، نسبةً إلى الشيخ قطب الدين مودودي جشتي -﵀-، مؤسسة الطريقة الجشتية في الهند المتوفى سنة ٥٢٧ هـ.\nلم يعلّمه أبوه في المدارس الإنكليزية، واكتفى بتعليمه في البيت، وكان أبوه هو معلمه الأول، وقد حرص على تنشئته تنشئة دينية، فتعلم اللغة العربية والقرآن والحديث والفقه واللغة الفارسية، ويقول المودودي عن أبيه: \"إن والدي شملني بالتربية السليمة والتوجيه الشديد، وكان يلقي عليّ في الليالي حكايات الأنبياء، وأحداث تاريخ الإسلام، والوقائع الشهيرة في تاريخ الهند، ما أزال أشعر بفائدة تلك التربية حتى اليوم\"، وكان يصحبه إلى مجالس أصحابه من العلماء، فتفتَّحت ملكاته، وظهر نبوغه وذكاؤه منذ حداثة سنِّه.\nعمل بالصحافة، بعد وفاة والده، وتولى منصب رئاسة تحرير جريدة \"تاج\" الصادرة في جبل بور، وجريدة \"مسلم\"، وجريدة \"الجمعية\" الصادرة في دلهي، ومجلته الخاصة \"ترجمان القرآن\" التي بدأ صدورها سنة ١٩٢٣ م، وهي تعدّ من أكبر المجلات الإسلامية في العالم.","vol":"3","page":9},{"text":"بدأ المودودي حركته الإسلامية التي تهدف إلى تعميق الإسلام لدى طبقة المفكرين المسلمين والدعوة إلى الإسلام، حتى أسس الجماعة الإسلامية في لاهور، وتم انتخابه أميرًا لها في (٣ من شعبان ١٣٦٠ هـ/ ٢٦ أغسطس ١٩٤١ م).\nومع إعلان قيام دولة باكستان في (١٣٦٦ هـ/ ١٩٤٧ م)، انتقل المودودي مع زملائه إلى لاهور؛ حيث أسس مقرّ الجماعة الإسلامية بهها، وبعد قيام باكستان بنحو خمسة أشهر، ألقى المودودي أول خطاب له في كلية الحقوق، وطالب بجعل القانون الأساسي لباكستان قائمًا على الشريعة الإسلامية، وأن تقوم الحكومة الباكستانية بتحديد سلطتها طبقًا لحدود الشريعة، وظلّ المودودي يلح على الحكومة بهذه المطالب، التي كانت سببًا في اعتقاله هو وبقية أعضاء الجماعة الإسلامية مرات عديدة، إلا أن ذلك لم يصرف المودودي وبقية أعضاء الحركة عن الاستمرار في المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية.\nإلى أن حُكم عليه بالإعدام، وهو ما أدى إلى حدوث ثورة من الغضب الشديد في معظم أنحاء العالم الإسلامي، وتوالت البرقيات من كل مكان تشجب هذا الحكم، حتى اضطرت الحكومة إلى تخفيف حكم الإعدام إلى السجن مدى الحياة، ولكن ردود الفعل الرافضة لهذا الحكم أدت إلى إصدار حكم بالعفو عن المودودي في (١٣٧٤ هـ/ ١٩٥٥ م).\nوقد كان المودودي -﵀- يقضي فترات سجنه ومرضه بالتأليف، فكان له من المؤلفات ما يقرب المئة، بين رسائل وكتب في السياسة والقانون والدستور والتربية والاقتصاد والاجتماع والأخلاق والتاريخ وما إلى ذلك من مشكلات اليوم والقضايا العصرية المعقدة.\nومن أشهر كتبه كتاب \"تفهيم القرآن\"، وهو تفسير للقرآن الكريم صدرت منه أربعة مجلدات من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة الفتح، ومنها كتاب \"الجهاد في الإسلام\"، وقد فصّل فيه موضوع الجهاد، بحيث لا يبقى لقارئه أي شبهة حول","vol":"3","page":10},{"text":"قضية الجهاد في الإسلام، وهذا الكتاب يقع في أكثر من ٥٠٠ صفحة، ومما يذكر عن أسباب تأليفه المباشرة، أنه ألّفه للردّ على قول الزعيم الهندي المعروف \"المهاتما غاندي\" في تصريحاته العديدة بأن الإسلام لم ينتشر إلا بقوة السيف، ولا شك أن هذا الكتاب قد جعل له مكانة عظمى في صفوف العلماء، وكان موقع تقدير نبيل من أقطاب العلماء والمثقفين والمفكرين.\nومن الجدير بالذكر أن بعض مؤلفاته الشهيرة نقلت إلى اللغات العالمية العربية والإنكليزية والفرنسية والتركية والألمانية وغيرها من اللغات المحلية، مثل البنغالية والتاملية والمراتية والكندية والمليالمية والهندية والتلنكية، وأعجب من هذا أن بعض مؤلفاته نقلت إلى سبع عشرة لغة، وقد نقلت من كتبه إلى اللغة العربية أكثر من ٤٥ كتابًا، ومن أشهر مؤلفاته التي ظهرت في اللغة العربية:\n١ - المصطلحات الأربعة في القرآن.\n٢ - الحجاب.\n٣ - تفسير سورة النور.\n٤ - الإسلام والجاهلية.\n٥ - نظرية الإسلام وهديه في السياسة والدستور والقانون.\n٦ - القانون الإسلامي.\n٧ - نحن والحضارة الغربية.\n٨ - المسألة القاديانية.\n٩ - مبادئ أساسية لفهم القرآن.\n١٠ - حركة تحديد النسل في ميزان النقد.\n١١ - مسألة ملكية الأرض في الإسلام.\n١٢ - أسس الاقتصاد بين الإسلام والنُّظُم المعاصرة.\n١٣ - الربا.","vol":"3","page":11},{"text":"١٤ - شهادة الحق.\n١٥ - نظرية الإسلام السياسية.\n١٦ - منهاج الانقلاب الإسلامي.\n١٧ - معضلات الاقتصاد الإسلامي وحلها في الإسلام.\nرحم الله العالِم المجاهد أبا الأعلى المودودي، وأسكنه فسيح جناته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-709>مقدمة:</span>\nلم يضع المؤلف في حسابه وهو يكتب هذا الكتاب: \"تفهيم القرآن\" أنه يكتبه للعلماء والباحثين، ولا من درسوا العلوم العربية والدينية ويريدون دراسة القرآن دراسة عميقة، إنما أراد أن يقدّمه للمثقفين غير المتخصصين الذين لا يستطيعون الإفادة من كنوز العلوم القرآنية الضخمة، كذلك أراد للقارئ العادي أن يفهم معاني الآيات الكريمة فهما جيدًا.\nهذا ما أشار إليه المؤلف في تعريفه للكتاب.\nوقد استمرت محاولاته في التأليف بتفسير القرآن على هذا النحو مدة خمس سنوات، وصل فيها إلى نهاية سورة يوسف، ثم سُجن بعدها، فكانت فترة سجنه فرصة استطاع فيها إعداد هذا الكتاب.\nافتتح المؤلف كتابه هذا بمقدمة من ثلاثين صفحة، بيّن فيها أن هذا الكتاب ليس تفسيرًا تقليديًا، وإنما هو تعريف للقارئ ببعض الأشياء التي تعينه على فهم الآيات الكريمة، وهذا ما يفهم من عنوان الكتاب، كما أنه أجاب على بعض الأسئلة التي تثور في ذهن الدارس لكتاب الله.\nوتحدث عن طبيعة القرآن الكريم، وأنه كتاب مغاير لترتيب الكتب الأخرى، فهو كتاب فريد، وهذه الحقيقة يجب على القارئ أن يضعها في ذهنه حين يبدأ دراسة القرآن، حتى لا يصاب بالحيرة من أسلوب القرآن الذي يختلف عن التقسيم","vol":"3","page":12},{"text":"المألوف، فليس مقسمًا إلى أبواب وفصول، بل يمزج بين الموضوعات على اختلافها دون عنوان لباب أو علامة لفصل، وهذا يثير خصوم القرآن فيثيرون شكوكًا حوله، لذلك فإن القارئ للقرآن الكريم عليه أن يقرأ بعد أن يحرر عقله من التصورات السابقة، ويعرف أنه يقرأ كتابًا فريدًا وحيدًا من نوعه.\nثم بيّن أن القرآن يحوي دعوة الناس إلى اتباع الصراط المستقيم، وأن موضوعه هو الإنسان، حيث يناقش أنماط حياته التي تقوده إلى النجاح أو إلى دار البوار، وبين أن بحث القرآن الرئيس هو توضيح الحقيقة، وهي بعينها التي أوحاها الله إلى آدم عند تنصيبه خليفة، وأن كل النظريات التي تخالف هذه الحقيقة إنما هي نظريات فاسدة، ومعرفة هذه الأشياء -كما يقول أبو الأعلى- واستحضارها في ذهن القارئ للقرآن تبعده عن نظرة التنافر والانفصام في الأسلوب، أو النقص في ارتباط موضوعات القرآن العديدة، فأي موضوع فيه سيجده مرتبطًا ببحثه الأساس وهدفه.\nثم تحدث عن نزول القرآن على مدى ثلاث وعشرين سنة، وأن لكل مرحلة ما يناسبها من الموضوعات، وأسلوب القرآن فيها يختلف عن أسلوبه في مراحل أخرى، فكان من المُحال أن يحوي تشاكلًا واتساقًا على نحو يناظر ما هو متبوع في كتب الديانات المماثلة له، ومرور الحركة الإسلامية بمراحل مختلفة يفسر لنا تكرار الأشياء مرارًا في القرآن، فأيّ مهمة وحركة يلزم لها بسط ما تتطلبه في مرحلة من مراحلها مع ضرورة التزام الصمت إزاء ما تحتاجه في المرحلة المقبلة، لهذا فإن احتياجات الحركة ما تفتأ تتكرر ما دامت الحركة لم تدخل في مرحلة أخرى سواء استمرت شهورًا أم أعوامًا، وطبيعي أن تكرار هذه الأمور يتخذ ألفاظًا وأساليب متنوعة لتجنب الرتابة، كما أنها تصاغ في لغة جميلة جليلة لتكون ذات تأثير فعال، كما أن القرآن يكرر عقيدته ومبادئه الأساسية في مواضع مناسبة ليحفظ الحركة قوية في كل مرحلة ودور.","vol":"3","page":13},{"text":"ثم أجاب على من يسأل: لماذا لم تُرتَّب سور القرآن حسب ترتيب نزولها؟ وأن هذا الأمر قد يستغله أعداء الإسلام للطعن في القرآن، فهم يرون أن أتباع سيدنا محمد -ﷺ- رتبوا القرآن دون أي ترتيب يسهل إدراكه وأنهم راعوا حجم السور، فقدموا السور الكبيرة على الصغيرة.\nقال: هذه الشكوك مبنية على جهل الحكمة الكامنة في ترتيب القرآن الحالي، فبالرغم من حتمية أن يكون القرآن كتابًا لكل عصر وأوان كان تنزيله لا بد وأن يكون تدرَّج على فترة ظلت ثلاثًا وعشرين سنة، ووفق مستلزمات الأدوار المختلفة التي كانت تمر بها الجماعة المسلمة، ومن الواضح أن تسلسل الوحي الذي كان يناسب التطور التدريجي للحركة الإسلامية لم يعد له وجه مناسب بعد اكتمال القرآن، وهذا استلزام الأمر ترتيبًا آخر يتفق مع الظروف التي تبدلت ويناسبها، فلقد كان القرآن في دور المرحلة الأولى للحركة يخاطب من كانوا على جهل تام بالإسلام، فكان عليه بالطبع أن يعلمهم أسس الإيمان، أما بعد نضوجها واكتمالها اهتم القرآن في المقام الأول بمن أقبلوا على الإسلام، وكونوا جماعة لتنفيذ المهمة التي كلّفهم بها الرسول -ﷺ-، وواضح من هذا أن ترتيب الكتاب الكامل كان لا بد من اختلافه عن ترتيب نزول آياته الزمني حتى يناسب مستلزمات الأمة الإسلامية في كل العصور والدهور، فكان على القرآن أولًا أن يقف المسلمين على واجباتهم بشأن تنظيم حياتهم، وعلى هذا كان لزامًا أن تكون سورة البقرة ونظيراتها الدنية وليست سورة العلق ومثيلاتها في مستهل القرآن وبدايته.\nوثَمَّة أمر آخر ينبغي أن يؤخذ بعين الاعتبار، وهو أن ليس مما يناسب هدف القرآن وغرضه أن تجمع كافة السور التي تعالج موضوعات متجانسة، ويُصنف بعضها مع بعضها الآخر، ولتفادي النزعة الواحدية في دراسته، كان لا بد -كأمر أساس وجوهري- أن تتخلل السور المكية أخواتها المدنيات، وأن تتبع السورة المدنية قريناتها المكيات، وحتى تظل صورة الإسلام كاملة منشورة أمام القارئ عبر","vol":"3","page":14},{"text":"صفحات الكتاب، كان لا بد وأن تتناثر الدرر التي نزلت في المراحل المتأخرة، وهذه هي حكمة الترتيب الحالي.\nوجدير بالإشارة أن ترتيب السور القرآنية الحالي لم يقم به الصحابة كما يزعم البعض، ولكن الرسول -ﷺ- هو الذي رتبه جهدي من الله وتحت إشرافه ومباشرته (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-710>جمع القرآن:</span>\nتحدث عن مراحل جمع القرآن الكريم في عهد النبي -ﷺ- إلى عهد سيدنا عثمان -﵁-، وأن زيدًا -﵁- نهج في ترتيب السور عين الترتيب الذي أقرّه الرسول -ﷺ- بنفسه، واستدلّ على ذلك بحرص زيد -﵁- على اتباع النبي -ﷺ- في كل أمر، وأنه حضر التلاوة الثانية مع النبي -ﷺ- على جبريل -﵇-، وبحفظ الصحابة الذين حفظوه مرتبًا على النحو الذي علَّمه لهم النبي -ﷺ- (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-711>اختلاف اللهجات:</span>\nاستشار الخليفة عثمان بن عفان الصحابة باستخدام النُّسخ المعتمدة التي جمعت بأمر سيدنا أبي بكر -﵁- في العالم الإسلامي دون غيرها، وحظر كافة النسخ الأخرى المكتوبة بلهجات مغايرة، وأحرق كافة النسخ الأخرى، من ضمنها نسخ الصحابة الشخصية التي كتبوا عليها بعض الكلمات التفسيرية والتعليقات.\nوكان هذا عملًا سديدًا صادرًا عن ذي نظر بعيد ثاقب، ولا يرتاب أحد بأن القرآن الذي معنا الآن هو بعينه الذي أتى به محمد -ﷺ- إلى العالم.\n_________\n(١) ينظر: تفهيم القرآن، الجزء الأول من الفاتحة إلى آل عمران، أبو الأعلى المودودي، تعريب: أحمد إدريس، ص ٧ - ١٨، الكويت، دار القلم.\n(٢) ينظر: المرجع السابق، ص ١٩ - ٢٠.","vol":"3","page":15},{"text":"ثم شرع الأستاذ أبو الأعلى في دراسة موضوع القراءات واختلافها، لما وُجد بسببها كثير من الظن والالتباس والزعم بأن القرآن لم يبقَ سليمًا، وسرد حقائق تساعد على فهم طبيعة القراءات ومداها:\n١ - لم يكن الخط العربي الذي كتب به كُتّاب الرسول -ﷺ- أثناء حياته منقطًا أو مشتملًا على حركات صوتية، وكذا الحال في النسخة التي جمعها زيد بن ثابت في عهد أبي بكر، وكذلك النسخ التي وزعها عثمان بن عفان -﵃-.\n٢ - مع أن صحة النص القرآني قد تأكدت في الرسم المكتوب، إلا أن انتشاره كان مشافهة، وذلك لانتشار الأمية بين الناس وندرة الورق.\n٣ - عثمان -﵁- حين أرسل إلى كل مراكز الإسلام نسخًا صحيحة من القرآن لم يكتفِ بذلك، بل أرسل مع كل نسخة قارئًا.\n٤ - على كر الأيام رؤي ضرورة وجود حركات صوتية للمحافظة على قراءة القرآن الصحيحة.\nيتضح من الحقائق التاريخية السالفة أن قراءة القرآن (باختلافات طفيفة جدًّا) هي القراءة نفسها التي قرأها الرسول -ﷺ-.\nويجمع العلماء على تأكيد القراءة الصحيحة بأنها:\n١ - تطابق نصّ النسخة التي وزعها عثمان -﵁-.\n٢ - تخضع لمعجم اللغة العربية واستخدامات ألفاظها وقواعدها.\n٣ - القراءة المأثورة عن النبي -ﷺ- نفسه والواردة بحلقات متصلة وأسانيد مربوطة في روايتها.\nهذا هو سبب وجود اختلافات طفيفة في قراءة القرآن، وهي اختلافات لا تتعارض مع معانيه، بل تُوسِّعها وتجعلها أكثر فهمًا، وبهذا لا يوجد أدنى شكّ في أن الرسول -ﷺ- نفسه قد مارس هذه القراءات على اختلافها ورسمها الموجود الآن، ثم","vol":"3","page":16},{"text":"أتى بمثالين، قوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤] وقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-712>الشمولية:</span>\nيعرف كل إنسان أن القرآن يقول بتقديمه الهداية للإنسانية كلها، لكن ما إنْ يقرأه يجده موجّهًا في أساسه إلى العرب الذين كانوا يعاصرون نزوله، فهو يناقش الأشياء التي يألفها ذوق العرب، وهذا يجعل المرء يتساءل: إذا كان القرآن الكريم موجّهًا للبشرية فلماذا يضم بين سوره عديدًا من العناصر المحلية والقومية المرتبطة بوقت نزوله؟\nعلينا أن نتفحص المسألة عن كثب، وببصيرة متقدة، ثم نقرر ما إذا كانت دعوة القرآن مقصورة على كفار الجزيرة وحدهم أم لا؟ وما إذا كانت دعوته تشكل حقيقة تنطبق وكل زمان ومكان أم لا؟ فإن جاءت الإجابة بالقبول والإيجاب فليس هناك ما يدعو لضرورة وصف هذا الوحي العام والتنزيل الشامل بأنه محلي مؤقت بحجة واهية هي أنه يخاطب مجتمعًا خاصًّا في فترة خاصة.\nونحن لا نعرف فلسفة ولا منهج حياة قط في العالم تفسر وتشرح كل شيء من مبدئه إلى منتهاه بالنظر والتجريد دون أن تشير إلى حالات خاصة أو تستدل بأمثلة وشواهد، إذ من المستحيل -بداهة- أن يتأسس نموذج للحياة على أساس النظر وحده.\nوفوق هذا، فإن من المجدي لبدء أي حركة فكرية -جعلت لتكون عالية- أن تحقق مبادئ حركتها وتبرهن على صلاحيتها وكفاءتها، وهذا بالطبع سوف يجذب أممًا أخرى فتدرس مبادئ هذه الحركة ليشرعوا من بعد في تطبيقها بينهم (٢).\n_________\n(١) ينظر: المرجع السابق، ص ٢٠ - ٢٣.\n(٢) ينظر: المرجع السابق، ص ٢٣ - ٢٤.","vol":"3","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-713>دستور كامل:</span>\nوثَمَّة شبهة أخرى يثير بعض الناس فيها لغطًا، وهي الادعاء بأن القرآن دستور كامل للحياة، ولكنه يخلو من قواعد ولوائح تفصيلية عن المشكلات الاجتماعية والاقتصادية ... حتى الصلاة والزكاة وهما من الفروض الهامة التي يؤكدها القرآن الكريم، لذا فالقارئ العادي لا يستطيع أن يفهم كيف يمكن تسمية هذا الكتاب دستورًا كاملًا.\nومردّ هذا الخلط أن صاحب الاعتراض يُغفل جانبًا هامًّا من الحقيقة، وهو أن الله تعالى لم ينزل الكتاب فحسب، بل أرسل معه رسوله -ﷺ- ليشرح للناس مبادئه بممارساتها في الواقع العملي، فوظيفة القرآن الكريم أن يخط الحدود الرئيسة لكل شعبة في الحياة، دون إعطاء لوائح وقواعد، وقد أسند البناء العملي للطريق الإسلامي للحياة حسب التعاليم التي يوحيها الكتاب إلى الرسول -ﷺ-.\nوهكذا فالقرآن دستور كامل بمعنى أنه يُؤْخَذ جنبًا إلى جنب مع السنّة النبوية العطرة.\nثم عرض مسألة أخرى تحير الألباب وترهق العقول -كما يقول- وهي اختلافات تفسير القرآن، فالقرآن الكريم نهى الناس أن يختلفوا فيه، وتوعد من يختلفون فيه سوء العذاب، ومع ذلك فإننا نجد أقوالًا مختلفة في تفسير القرآن الكريم؟\nوأجاب عن هذه المسألة بأن تفسير القرآن الكريم لا بد له من ضوابط، بيّنها العلماء، فإذا تحققت هذه الضوابط فقد يكون الاختلاف اجتهادًا تحتمله آيات القرآن الكريم، ومن هنا اختلف المفسرون، وقد تكون أقوالهم كلها محتملة في فهم الآية الكريمة (١).\n_________\n(١) ينظر: المرجع السابق، ص ٢٥ - ٢٥.","vol":"3","page":18},{"text":"ولذلك فقد أنكر العلماء الاختلافات التي ترجع إلى هوى في النفس أو رأي شاذ يتعارض مع اللغة أو ما صحّ عن الرسول -ﷺ- (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-714>مقترحات حول الدراسة:</span>\nأورد الأستاذ أبو الأعلى في ختام المقدمة بعض الاقتراحات بشأن دراسة القرآن لمن أراد أن يبحث في القرآن عن هدي لحل مشكلات الإنسانية:\n• الشرط الأساس لفهم القرآن أن يتناوله الدارس بعقل متفتح مستقل غير متحيز إليه أو عليه.\n• ينبغي التنويه إلى أن من أراد دراسة القرآن بإمعان لا بد له من قراءته مرارًا ومن وجهات نظر متعددة، فالمرة الواحدة قد تكفي للإلمام السريع بمحتويات القرآن.\n• إذا عَنَّتْ للمرء أسئلة، عليه أن يدوّنها ويواصل دراسته، فقد يَجِد لأسئلته إجابات في موضع آخر.\n• كما ينبغي على المرء أن يدوّن ملاحظات حول تصورات تعاليم القرآن المختلفة، ولا يمكن للإنسان أن يدرك بسهولة الحقائق المتضمنة في القرآن بمجرد تلاوة ألفاظه، بل يجب عليه أن يطبق ما فيه تطبيقًا عمليًا، وينزل إلى ميدان معركة الحياة (٢).\n_________\n(١) راجع كتابنا: التفسير أساسياته واتجاهاته، ص ٢٠٧.\n(٢) ينظر: المرجع السابق، ص ٢٧ - ٣٠.","vol":"3","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-715>منهجه في التفسير</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-716>تقديمه بين يدي السورة:</span>\nفي هذا الكتاب فسر الأستاذ أبو الأعلى السور الثلاث الأُوَل من القرآن الكريم، وقبل البدء بالتفسير يعطي فكرة مجملة عن السورة: اسمها، فترة نزولها، موضوعاتها، حيث يقسم آيات السورة الكريمة إلى مجموعات، ويذكر المعنى الإجمالي بإيجاز لكل مجموعة، ولا ينسى أن يبين البحث الرئيس للسورة، فالبحث الرئيس لسورة البقرة كما يرى، هو الهداية، فهذه السورة دعوة لقبول الهداية الإلهية، وكل القصص والحوادث التي وردت فيها تدور حول هذه الفكرة المركزية.\nوفي سورتي البقرة، وآل عمران ربط بين فهم معاني السورة بالخلفية التاريخية التي أحاطت بنزول الآيات الكريمة، فمثلًا قال في الخلفية التاريخية لسورة آل عمران: \"اتّقدت نار الانتقام في قلوب قريش بعد هزيمتهم في بدر، وأجّج اليهود هذه النيران وزكّوها، فكانت النتيجة أن وقعت حرب أُحُد، وهزيمة المسلمين في أُحُد كشفت عن نقاط ضعف المسلمين وأخطائهم، وهو أمر طبيعي أن تظهر بعض نقاط الضعف في جماعة تكونت منذ وقت وشيك، ولما تكتمل تربية أفرادها بعد، فباتَ ضروريًا أن يصدر تعليق كامل على الحرب بعد انتهائها بُيِّنَت فيه نقاط الضعف، وأعطيت الإرشادات والتعليمات اللازمة لإصلاحها وتقويمها\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-717>إبرازه هداية القرآن:</span>\nوبعد هذه المقدمات الموجزة يبدأ بتفسير الآيات، وتفسيره سهل ميسر واضح التراكيب، لغته عصرية، وألفاظه مستمدة من الواقع، يمكن وصف كتابه بأنه وقوف في ظلال الآيات، وليس تفسيرًا حرفيًا، فهو قد يمرّ بكثير من الآيات دون بيان معناها، بل إن ما يبرز في كتابه هو محاولة إظهار الغرض الأساسي للقرآن\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٩٧.","vol":"3","page":20},{"text":"الكريم وهو هداية القرآن، فكان دائمًا يربط بين هذا الغرض وبين تفسير الآيات، ولهذا نجده لا يُعنى كثيرًا ببيان معنى الآيات بشكل تفصيلي، أو بيان المفردات الغريبة إلا قليلًا، ولا يقف كثيرًا على أوجه البلاغة والنحو، بل همّه الأكبر هو إنزال الآيات على الواقع، وبث المواعظ واستنباط ما يمكن استنباطه منها مما يَفيد الناسُ منه في حياتهم.\nمثلًا عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ [البقرة: ٢٩]، قال: \"هنا تحذير للناس من عصيان الله؛ لأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولا يغيب عن علمه مثقال ذرة في السموات أو في الأرض، أو في الألباب أو في القلوب، وليس في مكنة أحد من خلقه أن يحجب عنه شيئًا، أو يداري عن علمه أمرًا.\nكذلك تحوي هذه الآية حثًا للناس على اتباع هدى الله والخضوع له، لأنه تعالى أعلم با يناسب خلقه، ومن يحول وجهه عن هدايته، ويعرض عن طريقه، فسوف يضل إلى الجهل لا محالة، لأنه ﷿ نبع المعرفة الحقيقية ومصدر العلم الأصيل، ولا خير يرجى إذا نأى الإنسان عنه، إذ ليس للإنسان نبع آخر غير الله يستقي منه معرفة الحقيقة، ونوره سبحانه وحده هو الذي يأخذ بيد الإنسان وجهديه في الدياجير الحالكة التي تكتنفه من كل جانب\" (١).\nوعند قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ [البقرة: ١٣٤]، قال -بعد أن فسرها تفسيرًا إجماليًا-: \"إن أعمالنا وأفعالنا ليست في عين القرآن إلا كسب أيدينا؛ لأن كل فعل وعمل سواء أسفر عن نتيجة خير أم عاقبة سوء، إن خيرًا فسيجزينا ربنا عنه خيرًا، وإن شرًّا فسيعاقبنا به الله\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ٥٨.","vol":"3","page":21},{"text":"شرًّا، والقرآن إنما يشير إلى الأعمال والأفعال كمكتسبات لكي ينبهنا على النتائج الخطيرة التي تسوق إليها\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-718>موقفه من القضايا اللغوية:</span>\nومع إقلاله في بيان المسائل البلاغية إلا أنه لم يهملها تمامًا، وحين ينبه على بعضها فبأسلوب جميل غير جاف، فعند قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٢]، قال: \"من خواصّ الإنسان أنه إذا عَظُم في نظره شيء بيّنه في صيغ المبالغة، ثم إذا به يشعر أنه لم يوفِه حقه وقدره، فيورد لفظ مبالغة آخر ليكتمل النقص الذي يراه فيما أورده من مبالغة، وعلى هذا مع أن الكلمة العربية ﴿الرَّحْمَنِ﴾ صيغة مبالغة، وأنها تعبر عن صفات الإحسان والرحمة، وتظهرها في أرقى وأعلى مراتبها، فإنها تعجز عن التعبير عن كمال صفات الله غير المحدود، ولذا أضيفت كلمة أخرى من الأصل نفسه ﴿الرَّحِيمِ﴾ لسدّ هذا النقص\" (٢).\nوعند قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] بيّن الفائدة من تنكير كلمة ﴿حَيَاةٍ﴾، حيث قال: \"كلمة ﴿حَيَاةٍ﴾ المستخدمة هنا تنكيرًا تعني أنهم يعشقون الحياة دون اكتراث بنوعها، فلا يعنيهم إن كانت تقوم على الفضل والشرف أم على الخزي والعار\" (٣).\nوفي تخصيص ذكر كلمة معينة في النظم القرآني بيّن سبب اختيار ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]: \"لم يقل ﷾ لا تتعدوها، بل قال: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، ومعنى هذا أنه خطر على المرء أن\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٠٣.\n(٢) المرجع السابق، ص ٣٤.\n(٣) المرجع السابق، ص ٨٨.","vol":"3","page":22},{"text":"يحوم عند المقام الذي يبدأ عنده حد المعصية، والسلامة في أن يبقى المرء بعيدًا عن الحدود كي لا تنزلق قدمه وتتخطاها سهوًا ونسيانًا\" (١).\nولم يغفل كذلك بيان الأصل اللغوي لبعض المفردات قبل بيان معناها في الاستخدام القرآني، مثلًا عند قوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، قال: \"كلمة ﴿رَبِّ﴾ في اللغة العربية تطلق على السيد والمالك والرئيس والكفيل والمربي والحارس والرقيب والحاكم والعاهل والمدير والمنشئ والمؤسس، والله وحده رب العالمين بكل هذه المعاني جملةً وتفصيلًا\" (٢).\nوقال في تفسير لفظة \"الصبر\" الواردة في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]: \"الصبر في اللغة يعني الحبس والضبط، لكنه في الاستخدام يعني الحِلْم والأناة والثبات والجلَد، والقرآن يستخدم هذا اللفظ ليعبر به عن ضبط الإرادة وقوة العزم، وحبس رغبات النفس، والمثابرة والاحتمال والتصميم، والالتزام الخلقي الذي يمكن المرء من مواجهة الآلام والمصاعب والحرمان والعوز والفاقة والمغريات التي يتعرض لها في اجتيازه للطريق الذي يختاره بما يمليه عليه ضميره في شجاعة وإقدام وثبات\" (٣).\nوحين يمرّ بمَثَل قرآني يشرحه بطريقة سهلة ميسرة، ويبيّن العلاقة بين الألفاظ المشبَّه بها الواردة في المَثَل والعنى المشبَّه، مثلًا: قال عند تفسيره للآية الكريمة: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٧]: \"المراد بالحرث في هذا المثال زرع الحياة الذي يجني الإنسان ثمره ومحاصيله في الآخرة، والريح يقصد به عاطفة الخير\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٣٠.\n(٢) المرجع السابق، ص ٣٤.\n(٣) المرجع السابق، ص ٧٠.","vol":"3","page":23},{"text":"الظاهرية التي ينفق الكفار على أساسها المال في سبيل الخيرات، والنفع والضر في هذا المثال يقصد به فقدان الإيمان الصحيح وعدم اتباع قانون الله وشرعته، وهو ما جعل حياتهم كلها تتجه وجهة خاطئة. فالله ﷾ يريد أن يقول بهذا المثل مع أن الهواء مفيد للزرع، إلا أنه لو حمل معه صقيعًا وبردًا قارصًا فإنه يفسده بدلًا من أن يفيده وينميه، وكذلك الخيرات أيضًا فمع أنها تنمي مزرعة الإنسان في آخرته إلا أن هذه الخيرات إذا صادفت في داخله سموم الكفر صارت مهلكة له لا منعشة لزرعه مكثرة لحصاده ... \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-719>موقفه من المسائل العقدية:</span>\nوانسجامًا مع تركيزه على مقاصد القرآن وهداية الناس، لم يكن له كبير عناية ببيان الخلافات العقدية، ولكن ظهرت سمات اعتقاده من بعض المواضع على ندرتها، فهو ضد عقيدة الجبر، وقد ظهر هذا من تعقيبه على قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، حيث قال: \"هذا لا يعني أن رفضهم للحقّ سببه صدور قرارات تعسفية ضدهم من الله -تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا- دون ذنب اقترفوه، فأعرضوا عن الحق؛ لأن الله ختم على قلوبهم، ولم يسمعوا للحق، لأن الله أصمَّ آذانهم، ولم يروا الحق لأن الله طمس على أعينهم، وإنما الحقيقة أن طمس الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم كان حصاد رفضهم وإعراضهم عن الحق في إصرار وعناد، وليس سببه وعلته\" (٢).\nونفى الجهة والحد عن الله تعالى وكل صفات النقص، فقد قال في تفسيره آيةَ الكرسي: \"هذا يدمغ تصورًا عن الله أساسه أنه تعالى -جلَّت ذاته وتقدّست صفاته- تعتريه النقوص وتحده الحدود، مثله مثل المخلوقات البشرية الناقصة المتناهية، خذ\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ٢٣٧.\n(٢) المرجع السابق، ص ٥١.","vol":"3","page":24},{"text":"لذلك مثلًا ما تقوله التوراة: (وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل) [التكوين: ٤٢: ٢] ... حاشا لله أن تناله هذه النقائص والعيوب\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-720>موقفه من الخلافات الفقهية:</span>\nوكذلك نجده لا يتوسع في سرد خلافات الفقهاء -على خلاف فعله في تفسيره لسورة النور، على ما سيأتي بيانه-، وإن لم يخلُ كتابه منها في بعض الأحيان، كبيانه خلاف الفقهاء في الفترة التي يحقّ فيها للزوج إعادة زوجته بعد الطلاق الرجعي (٢)، وكحديثه عن بعض أحكام الخلع (٣)، لكنه يعدّ مقلًا في هذا الجانب بشكل عام.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>مقدمات تاريخية للآية:</span>\nومما يُمدح به المؤلف أنه كان يتطرق لبيان ظروف وأحوال العرب، وشرح مقدمات تاريخية تُسهم في توضيح معنى الآية، عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ [البقرة: ٤٢]، قال: \"لكي نفهم هذه الآي علينا أن نأخذ في الاعتبار أن العرب وقتذاك كانوا أميين غير متعلمين في معظمهم، على حين كان التعليم منتشرًا بين اليهود الذين كان منهم علماء كبار يعيشون بين العرب ووصلت شهرتهم إلى ما وراء الجزيرة العربية، فكان ذلك سببًا في انبهار مشركي العرب بثقافة اليهود، لأن علماءهم وأحبارهم كانوا يستعرضون عليهم عضلاتهم في ميدان التعليم والثقافة والتقوى والتدين، مدعّمين ذلك باستخدامهم السحر والتعاويذ والتمائم، وكان أهل المدينة خاصة مبهورين بثقافة اليهود وتعليمهم نظرًا\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٦٦.\n(٢) انظر: تفسيره لآية ٢٢٨، سورة البقرة، ص ١٥١.\n(٣) وذلك عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ص ١٥٣.","vol":"3","page":25},{"text":"لتوشيج العلاقات بينهم ليل نهار، فنتج عن هذا أن تأثروا بهم كثيرًا كما يتأثر الشعب الجاهل المتخلف عادة بجيرانه الذين يفوقونه ثقافةً وتحضرًا وتدينًا\" (١).\nثم بيّن أبو الأعلى أن العرب حين أُخبِرت بنبوة سيدنا محمد -ﷺ- توجهوا لسؤال اليهود، غير أن علماء اليهود لم يجيبوهم إجابة شافية صحيحة، بل جنحوا إلى اختلاق الشبهة تلو الشبهة حول الرسول وصحابته، وراحوا يلفقون الأكاذيب والأقاويل، ولهذا السبب صدر الأمر إليهم من الله ألا يكتموا الحق بإخفائه في ثوب الباطل، ونشر الشكوك والريب حوله، وإثارة الاعتراضات السخيفة ضده، وخلطه بالضلال والبهتان.\nوهذه السمة بارزة في كتابه ﵀، وهو في بعض المواضع يتوسع كثيرًا في الحديث عما يحيط الآيات من ظروف تعين على الوقوف على معناها بشكل أفضل مما لو أن القارئ لم يطلع عليها، انظر مثلًا ما قاله عند قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ١٢٢] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-722>عنايته بأسباب النزول:</span>\nولم يُغفل بالطبع أسباب النزول، لما لمعرفتها من إسهام في فهم الآية، فقد كان يذكر بعضها، لكن دون التصريح بأن ما ذكره سبب نزول للآية، ودون الاستعانة بروايات السنّة، فعند قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ...﴾ [البقرة: ١٤٢]، قال: \"حين تحولت القبلة إلى المسجد الحرام راح السفهاء الذين لم تكن لديهم البصيرة التي يفهمون بها المعنى الحقيقي لهذا التحويل، يثيرون اعتراضات ومزاعم يبلبلون بها فكر المؤمنين، وظنّوا -لحُمقهم وغبائهم- أن الله قد تحدد مكانه في اتجاه معين (هو بيت المقدس)، وأن\n_________\n(١) المرجع السابق، ٦٩.\n(٢) ينظر: المرجع السابق، ص ٩٧ - ٩٩.","vol":"3","page":26},{"text":"تغيير القبلة إلى الكعبة لا يعني سوى التحويل عن ذات الله، فأبطل الله زعمهم هذا بإعلانه للناس أن المشارق والمغارب والجهات جميعًا لله رب العالمين\" (١).\nوعند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، قال: \"كان السعي بين الصفا والمروة من بين شعائر الحج التي علمها الله لإبراهيم -﵇-، لكن الناس حين بدؤوا يشركون بالله آلهة باطلة بنوا على الصفا والمروة معابد، ووقفوها على اثنين من أصنامهم هما (آساف) و(نائلة)، وكانوا يطوفون بهما تقديسًا وإجلالًا، فلما اعتنق العرب الإسلام تساءلوا هل كان السعي بين الصفا والمروة من شعائر الحج أصلًا أم أنه من بدع الوثنيين؟ وهل هذا السعي شرك بالله أم لا؟\nويظهر من رواية للسيدة عائشة -﵂- أن أهل المدينة كانوا يكرهون السعي بين الصفا والمروة قبل إسلامهم، أما وقد جعلت الكعبة قبلة المسلمين فقد أذهب الله عن أذهانهم ما أساؤوا فهمه حول السعي بين الصفا والمروة، وأنبأهم أن هذه الشعيرة هي من شعائر الحج منذ عهد إبراهيم -﵇-، وليست من ابتداع الجاهلية من بعده\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-723>إقلاله من الاستشهاد بالأحاديث:</span>\nبشكل عام يُلحظ أن استشهاده بالأحاديث النبوية الشريفة أمر نادر، وإنْ ذكر حديثًا فلا يذكر سنده وأحيانًا قليلة يشير إلى المصدر، ولا يبين درجة الحديث من حيث الصحة والضعف.\nوأحيانًا يروي الحديث بالمعنى، من ذلك أنه قال عند تفسيره للآية الكريمة: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠]، \"هناك حديث عن النبي -ﷺ- مروي\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٠٧.\n(٢) المرجع السابق، ص ١١٤.","vol":"3","page":27},{"text":"في مسند الإمام أحمد معناه أن من ذهب من هذه الدنيا، وقد عمل صالحًا آتاه الله نعيمًا لا يتمنى بعده أن يعود إلى الدنيا، إلا الشهيد فهو يتمنى أن يرسل إلى الدنيا لينعم بنعيم وحلاوة ما يراه حين تفيض روحه في سبيل الله\" (١).\nوفي الحاشية أشار المترجم إلى أصل الحديث، حيث قال: \"لعله الحديث الذي قال فيه: (والذي نفسي بيده ما من مؤمن يفارق الدنيا يحب أن يرجع إليها ساعة من نهار، وأن له من الدنيا وما فيها إلا الشهيد، فإنه يحب أن يرد إلى الدنيا فيقاتل في سبيل الله فيقتل مرة أخرى) \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-724>رده على بني إسرائيل:</span>\nويبدو أن الأستاذ أبا الأعلى كان على اهتمام كبير بأحوال بني إسرائيل وتاريخهم، فكان كثيرًا ما يُسهب في بيان نفسياتهم، وكشف حقيقتهم، وكان هذا خيطًا بارزًا في كتابه، يظهر كلما ورد ذكرهم في الآيات الكريمة، ها هو ذا يحدثنا عن ألاعيب اليهود وتحريفهم لكتابهم، فيقول معلّقًا على الآية الكريمة: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]: \"هذه الآية تشير إلى ما كان يفعله علماء اليهود، فهم لم يكتفوا بتحريف كتابهم المقدس ليلائم أمزجتهم وأهواءهم، بل خلطوا متنه الأصلي بتفاسيرهم الخاصة، وتاريخهم القومي وخرافاتهم وفلسفاتهم وقوانينهم ونظرياتهم التي صاغوها بأنفسهم، ثم قدموا هذا المزيج كله في الشكل الحالي للكتاب المقدس، على أنه من عند الله، بحيث إن كل قصة تاريخية، وكل أسطورة، وكل تفسير، وكل عقيدة مبتدعة، وكل قانون محلي دوّن في الكتاب\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ٢٥١.\n(٢) والحديث في مسند الإمام أحمد، طبعة مؤسسة الرسالة، ١٩/ ٢٩٢، برقم ١٢٢٧٣ عن أنس، أن رسول الله -ﷺ- قال: \"ما من نفس تموت لها عند الله خير، يسرها أن ترجع إلى الدنيا، إلا الشهيد، فإنه يسره أن يرجع إلى الدنيا، فيُقتل مرة أخرى، لما يرى من فضل الشهادة\". وانظر: صحيح مسلم، ١٨٧٧.","vol":"3","page":28},{"text":"المقدس وحشر فيه حشرًا، أصبح عندهم من صلب كلام الله، فرض على كل يهودي أن يؤمن به كذلك، وإلا رموه بالردة أو الهرطقة والخروج\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>رده الشبهات:</span>\nونجده يردّ كثيرًا من شبهات اليهود والنصارى، من ذلك ما أورده في رد قولهم: ﴿وَقَالوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥]، قال: \"لكي يتضح المعنى الحقيقي لرد الله على قولهم ينبغي أن نضع في أذهاننا أمرين:\n١ - أن اليهودية والنصرانية قد ولدتا بعد موت إبراهيم -﵇- بردح طويل، فظهرت اليهودية بطقوسها وشعائرها ولوائحها وقوانينها وتعاليمها الخاصة، وتسمَّتْ بهذا الاسم قبل الميلاد بقرابة أربعة قرون، أما المسيحية فتسمت بهذا الاسم، وتبنت عقيدتها الخاصة وشكلها المميز بعد المسيح -﵇-.\nوبذا يتضح أن ادعاءهم ضرورة أن يكون المرء يهوديًّا أو نصرانيًّا لينال هداية الله ادعاء يتعذر الدفاع عنه تاريخيًا؛ لأنه يعني أن إبراهيم وعيسى وموسى وسائر الأنبياء الآخرين الذين مضوا منذ أزمان سحيقة قبل ابتداع اليهودية والنصرانية لا يمكن عدّهم من زمرة المهتدين، لسبب يسير هو أن هذه الأديان المزعومة (اليهودية والنصرانية) لم يكن لها وجود حين كان هؤلاء الأنبياء يعيشون في بقاع العالم، ولهذا اتضح أن اهتداء الإنسان لا يعتمد في أساسه على الخصائص الدينية التي بسببها انقسم اليهود والنصارى وغيرهم على فِرَق نحتلفة، وإنما يعتمد على اختياره ذلك الصراط المستقيم الشامل الذي يستمد الإنسان منه الهداية في كل حين.\n٢ - أن هذا الرد يعني كذلك تعريف اليهود والنصارى بأن كليهما مشرك بالله، وبذا فقد حادوا عن سبيل إبراهيم -﵇- الذي لم يشرك مع الله أحدًا في العبادة\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ٨٣.","vol":"3","page":29},{"text":"أو التبجيل والتقديس أو التسليم والخضوع والطاعة، ولم يستطع أحد منهم إنكار هذا لأن كتابهم نفسه يشهد به\" (١).\nوتصدى الأستاذ أبو الأعلى لشبهات وردت من غير بني إسرائيل كذلك، كردّه على من وجّه اعتراضًا على قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، قال بعد أن بيّن أن ما جاء في الآية هو معيار زمني يناسب الناس في كل عصر ومصر: \"أما الذين لا يفهمون فلسفته فيثيرون اعتراضات خرقاء وأسئلة حمقاء يقولون -مثلًا-: إن العمل بهذا الميقات الإلهي محال عند قطبي الكرة الأرضية، حيث يدوم الليل أو النهار إلى شهور، وينسون أنه حتى في الأقاليم القطبية تظهر علامات الصباح والمساء والظهر وغيره بانتظام كما في المناطق الأخرى، وأن القاطنين هناك ينظمون أوقات عملهم ولعبهم وراحتهم ونومهم ونحوه، وفق ظهور هذه العلامات، وحين لم تكن ثم آلات لضبط الوقت كان سكان المنطقة الشمالية يحددون أوقاتهم بهذه العلامات\" (٢).\nوردَّ على من ادعى أن البشرية مرّت بمراحل تطور تدريجي في الدين مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، قال: \"في هذه الآية تنهار عمد نظرية التطور التدريجي في الدين والتي يزعم فيها مَنْ سُمّوا بالعلماء أن الإنسان بدأ حياته الدينية في ظلام وجهالة، فبدأ يعبد الطبيعة والآلهة المتعددة، ثم ما لبث تدرُّجًا أن عَبَدَ اللهَ، لكنه أشرك معه آلهة آخرين، واستمر على هذه الحال قرونًا طويلة إلى أن اكتشف أخيرًا وحدانية الله.\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٠٤.\n(٢) المرجع السابق، ص ١٢٩.","vol":"3","page":30},{"text":"والقرآن يقول -مناقضًا هذا- إن الحياة الإنسانية بدأت في نور من الله كامل، وأنه تعالى حين خلق الإنسان الأول -آدم- أنزل إليه الحقيقة وأراه الصراط السوي، فاتبعت ذرية آدم طريقه ردحًا طويلًا، وكانوا جميعًا أمة واحدة، ثم شرعوا بعد ذلك في اتباع طرق أخرى، وابتداع أديان جديدة مع أن الحقيقة كانت قد بينت لهم تمامًا، إلا أنهم أرادوا أن يخولوا أنفسهم قدرًا أكبر من الحقوق والقدرات التي قررتها لهم الحقيقة، فأرسل ﷾ رسله لمنع الضالين الباغين من سلوكهم هذا، ودعوتهم إلى دين الله الحقيقي وطريقه الأصلي ... \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-726>وقوعه في الإسرائيليات:</span>\nمع أن الأستاذ أبا الأعلى ردّ الشبهات التي أثارها بنو إسرائيل، إلا أنه وقع في الإسرائيليات، وانزلق بإيراده نصوصًا من التوراة والإنجيل، مستشهدًا بها لا منكرًا، فحين فسر قوله تعالى: ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧]، قال: \"تقول التوراة: وكان رجل من بنيامين اسمه قيس، وكان له ابن اسمه شاول شاب وحسن، ولم يكن رجل في بني إسرائيل أحسن منه من كتفه فما فوق، كان أطول من كل الشعب، فضلت أتن قيس أبي شاول فقال قيس لشاول ابنه: خذ معك واحدًا من الغلمان وقم اذهب فتش عن الأتن، وفيما هما آتيان في وسط المدينة إذا بصموئيل خارج للقائهما ... فلما رأى صموئيل شاول أجابه الرب هو ذا الرجل الذي كلمتك عنه، هذا يضبط شعبي، ... فأخذ صموئيل شاول وغلامه وأدخلهما إلى المنسك وأعطاهما مكانًا في رأس المدعويين، وهم نحو ثلاثين رجلًا ... فأخذ صموئيل قنينة الدهن وصب على رأسه ... وقال أليس لأن الرب قد مسحك على ميراثه رئيسًا ... فقال صموئيل لجميع الشعب: أرأيتم الذي اختاره الرب ... [صموئيل الأول: ٩ - ١٠].\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٤٢.","vol":"3","page":31},{"text":"ثم عقب قائلًا: لقد مسح شاؤول على بني إسرائيل زعيمًا بأمر الله، مثل هارون وداود وعيسى -﵈-، لكن القرآن لم يذكر صراحة هل جعل شاؤول نبيًّا كذلك أم لا، لأن تنصيبه ملكًا بإذن الله لا يعني بالضرورة أنه قد جعل نبيًّا أيضًا\" (١).\nكما أنه استعان بما جاء في التوراة في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَال لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، قال: \"مع أن ذكر التابوت في التوراة يختلف عن ذكره في القرآن اختلافًا يسيرًا، إلا أننا نستطيع أن نقف منه على كثير من التفاصيل. فقد كان بنو إسرائيل يقدسون التابوت أيّما تقديس، فهو (تابوت العهد)، وكانوا يؤمنون أن (بواسطته يدخل الله في وسطنا ويخلصنا من أعدائنا) من أجل هذا كانت لهم في عودته (سكينة).\nوكان التابوت يحوي بقية من آثار آل موسى وهارون المقدسة، هي شظايا من الألواح التي أعطيت لموسى فوق جبل سيناء إلى جانب النسخة الأصلية من التوراة والتي دونت تحت إمرة موسى وإشرافه، وأُودِعت عند اللاويين (سبط لاوي)، كما كان يضم قارورة من المن كي تقدس الأجيال القادمة اللهَ وتحمده، وتثني عليه على ما أنعم به على أجدادهم حين كانوا في الصحراء، ويجوز أن كانت فيه عصا موسى -﵇- التي كانت آية من الله كبرى.\n﴿تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وقد تكون هذه إشارة من القرآن إلى الحوادث المسطورة في الإصحاحات الرابع والخامس والسادس من سفر صموئيل الثاني، والتي تروي أن تابوت الرب قد استولى عليه الفلسطينيون في معركة لقي بنو إسرائيل فيها هزيمة نكراء، فحزنوا عليه كثيرًا وبكوا أن (قد زال المجد من إسرائيل لأن تابوت الله قد أُخِذَ)، وبقي التابوت في أرض فلسطين أشهرًا سبعة، لكن ذعرًا وهلعًا وفرقًا شديدًا\n_________\n(١) المرجع السابق، ١٦١.","vol":"3","page":32},{"text":"كان يحل في كل مدينة دخلها (لأن يد الرب كانت ثقيلة جدًّا هناك) حتى إن أهل فلسطين بدؤوا يصيحون (لا يمكث تابوت إله إسرائيل عندنا لأن يده قد قست علينا)، وقرروا إرساله إلى إسرائيل، فأخذوا بقرتين مرضعتين وربطوهما في عجلة فاستقامت البقرتان في الطريق إلى طريق (بيتشمس). وحيث إن العربة كانت تتوجه بدون سائق إذن فكانت تجرها الملائكة إلى بني إسرائيل بتوجيه من الله\" (١).\nوقام بالإحالة إلى أسفار بني إسرائيل في غير موضع، وهذه الإحالات تتعارض مع سلامة بناء العقلية المسلمة، فما ورد في القرآن الكريم والسنّة النبوية المطهرة يكفي ولا حاجة للخوض فيما لم يرد في مصادرنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-727>منهجية مضطربة:</span>\nعلى أننا نجده يحارب ما جاء في العهد القديم في مواضع أخرى من كتابه، فبعد أن مرّ على قصة خلق آدم -﵇- في سورة البقرة قال: \"والأفضل مطالعة قصة الخلق كما وردت في العهد القديم في سفر التكوين، الإصحاح ١ - ٣ ومقارنتها بما يرويه القرآن، ومما لا شك فيه أن المقارنة بين الروايتين تسفر عن القطع بأن القرآن بقي سليمًا في نقائه وشكله الأصلي، وبالصورة نفسها التي أوحاه عليها رب العالمين، وأن الكتاب المقدس قد امتدت إليه الأيدي، وتلاعبت بنصوصه الأقلام.\nكما أنه من الطريف أيضًا أن نقابل بين حوار الله مع الملائكة كما جاء في كل من القرآن والتلمود لنرى أن حدثحما التلمود يخلو تمامًا من القيم الروحية، ليس هذا فحسب، بل إنه مثير للضحك والسخرية.\nفحين سأل الملائكة ربَّ العالم -هكذا يقول التلمود- عن السبب الذي من أجله سيخلق الإنسان، أجابهم بأن الصالحين لا بد وأن يخلقوا على الأرض، ولم\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٦٢.","vol":"3","page":33},{"text":"يذكر شيئًا أمام الملائكة عن خلق الأشرار على الأرض كيلا يمتنع الملائكة عن التصريح له بخلق الإنسان\" (١).\nوهذا ينبئ عن اضطراب في منهجية الأستاذ ﵀ فيما يتعلق بالإسرائيليات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-728>ملاحظة السياق:</span>\nوتفسير أبي الأعلى فيه العديد من المزايا، من ذلك أنه التفت إلى استحضار السياق الذي وردت فيه الآية للوصول إلى مزيد من البيان والوضوح، كما جاء في بيان مناسبة قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]: \"بعد القول بأن الله رحمن رحيم أضيف إليها على الفور أنه مالك يوم الدين، كي لا يغتر أحد من الناس في رحمته وشفقته، وينسى أنه تعالى سوف يأتي ببني آدم زمرًا من أولهم إلى آخرهم، ويحاسب كلًّا منهم على ما اقترفت يداه، فعلى المسلم إذن أن يضع في ذهنه أن الله ليس رحيمًا فحسب، لكنه عادل أيضًا وذو سلطان مطلق في أن يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، لأن قوته اللامحدودة تعلو كل شيء، ومن هنا ينبغي أن نؤمن تمام الإيمان بأنه تعالى قادر بإطلاق على أن يجعل نهايتنا سعيدة أو تعيسة، وأن يحسن ختامنا أو يسيئه\" (٢).\nوعند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، بيّن الأستاذ أبو الأعلى مناسبة هذه الآية لما قبلها وما بعدها: \"بعد أن أعلن القرآن فيما سبق أن الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور، وأن الذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، وها هو يسرد في الآيات التالية ثلاث واقعات لإثبات ذلك، الأولى: قصة امرئ بينت له الحقيقة بأدلة دامغة،\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ٦٦.\n(٢) المرجع السابق، ص ٣٥.","vol":"3","page":34},{"text":"حتى إنه ما استطاع لها ردًّا، ومع هذا رفضها؛ لأن الطاغوت كان يضله، فظل سادرًا في الغواية تائهًا في لجج الظلمات، أما الثانية والثالثة فهي قصص من يؤمنون بالله إيمانا عميقًا، فلم يخرجوا من الظلمات إلى النور فحسب، بل أراهم الحقيقة المستترة، وجعلهم يشاهدونها عيانًا، ليمكنهم من الشهادة بها\" (١).\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٦٩.","vol":"3","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-729>تفسير سورة النور</span>\nوعلى كثرة الفوائد المتناثرة في كتاب \"تفهيم القرآن\"، وعلى قيمته العلمية الكبيرة إلا أن (تفسير سورة النور للأستاذ المودودي لا يقل عن سابقه من حيث القيمة والأهمية، غير أن اختلافًا واضحًا في المنهج يظهر عند المقارنة بين الكتابين، فتفسير سورة النور أكثر تحليلًا للآيات من (تفهيم القرآن)، لذلك فنحن نلاحظ أن تفسير سورة النور وحدَها قد شغل حيزًا يقارب ذلك الذي شغله تفسير السور الثلاث مجتمعة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-730>توسعه في المسائل الفقهية:</span>\nاعتنى المؤلف بشكل واضح في المسائل الفقهية في هذا الكتاب، فهو يتوسع فيها ويستطرد، فيعرض جميع المسائل والفروع التي لها علاقة بموضوع الآية ويفصِّل في الخلافات الفقهية، حتى إنه بالإمكان تصنيف هذا التفسير ضمن التفاسير الفقهية، فقد عالج كل ما يتعلق بزينة المرأة ومخالطتها للرجال، وأحكام الأسرة، وكان يرجح -في الغالب- ويبدي رأيه، وكما يتوسع تأصيل بعض المسائل تشريعيًا، كذلك يؤصلها تاريخيًا وفكريًا، للإعانة على فهم الآيات، ففي الآية الثانية من السورة، وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ...﴾ [النور: ٢] قبل أن يشرع بتفسيرها شرع بتفصيل بعض المسائل التي لا بد من معرفتها لفهم الآية الكريمة، وجعلها في خمس وعشرين مسألة في ما يقارب الخمسين صفحة (٢)، بدأ ببيان إجماع الشرائع القديمة والحديثة على حرمة الزنا، واختلافها في اعتبار الزنا جريمة مستلزمة للعقوبة، وختم ببيان عقوبة الزاني بمحرماته، وما ورد فيه من خلاف بين\n_________\n(١) أي: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران.\n(٢) ينظر: تفسير سورة النور، أبو الأعلى المودودي، تعريب: محمد عاصم الحداد، ص ٣٢ - ٨١، مؤسسة الرسالة.","vol":"3","page":36},{"text":"الفقهاء، فمنهم من يقول إن عقوبته القتل ومصادرة الأموال، ومنهم من قال: يقام عليه حد الزنا، وبين هاتين المسألتين تحدث عن التدابير الإصلاحية والوقائية في الإسلام لحفظ المجتمع من مفاسد الزنا، وبيّن عقوبة الفاحشة فيما كان دون الزنا، ووضح الشروط اللازمة لاعتبار الزنا جريمة مستلزمة للحد، وحكم الشهادة في قضية الزنا، وحكم سؤال الزاني عن المرأة التي زنى بها، وغيرها من المسائل كثير، حتى إنه تطرق إلى نوعية السوط وكيفية الضرب في حد الزنا، وفي كل مسألة كان يأتي بأقوال الفقهاء ويستشهد بقصص من السيرة النبوية الشريفة.\nومن استطراداته في المسائل الفقهية تفصيله في أحكام القذف واللعان، فمثلًا: هل يُقتل الرجل إنْ قتل رجلًا آخر وجده مع امرأته؟ وما هي الشروط التي تجيز اللعان بين الرجل وزوجته؟ وهل يمكن الاجتماع بينهما بعد الفرقة باللعان؟\nكما فصل ﵀ في الاستئذان في قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ [النور: ٢٧]، وذكر أن حكم السمع كحكم النظر، فكلاهما تدخُّل غير مشروع، وأن الاستئذان ليس مقتصرًا على دخول المرء في دار غيره، بل في الدار التي فيها أمه وأخواته كذلك، وأن الاستئذان لا يجب في حال عروض أمر مفاجئ، وذكر أن الاستئذان لم يكن معروفًا في بدء الأمر، فعلَّمه الرسولُ -ﷺ- الصحابةَ، وأنه يكون ثلاثًا يفصل بينهما زمن، وإن لم يجد الإذن يرجع، وأن العبرة بإذن صاحب البيت لا غيره، واستشهد بأحاديث شريفة تدل على هذا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-731>رأيه في حجاب المرأة:</span>\nكان قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] هو أول موضع تعرّض فيه الأستاذ أبو الأعلى لمسألة حجاب المرأة حيث نبّه على أن هذه الآية لا يجوز الاستدلال بها على أن النساء كان لهن الإذن في المشي في الطريق\n_________\n(١) ينظر: المرجع السابق، ص ١٤٢ - ١٤٧.","vol":"3","page":37},{"text":"سافرات الوجوه، وأنه لذلك أمر الرجال بالغض من أبصارهم، فإنه لو كان حجاب الوجه مأمورًا به وجاريًا معروفًا في عهد النبي -ﷺ- فما معنى الأمر بالغضّ من الأبصار؟\nقال: \"إن هذا الاستدلال خاطئ من حيث العقل ومن حيث الواقع، فهو خاطئ من حيث العقل؛ لأنه من الممكن مع رواج حجاب الوجه في المجتمع أن تَعْرِض مواقع يتواجه فيه رجل وامرأة فجأة بدون قصد منهما، كما قد تعرض لامرأة محتجبة من الضرورات ما يدعوها إلى الكشف عن وجهها، وبعد، فإنه لا بد أن تبقى النساء غير المسلمات في المجتمع غير محتجبات على رواج الحجاب بين النساء المسلمات، فليس مجرد الأمر بغض البصر دليلًا على أنه يستلزم عدم حجاب النساء.\nوأما من حيث الواقع، فهذا الاستدلال خاطئ؛ لأن الحجاب الذي كان رائجًا معروفًا في المجتمع الإسلامي بعد نزول أحكام الحجاب في سورة الأحزاب كان شاملًا للوجه، وإن رواجه في عهد النبي -ﷺ- ثابت بروايات متعددة\" (١)، ثم ذكر هذه الروايات.\nفهو يرى أن حجاب المرأة على الرجال الأجانب غير المحارم يشمل الوجه، فلا يجوز لها أن تخرج سافرة الوجه.\nثم فرق الأستاذ أبو الأعلى بين الحجاب والعورة، فذهب إلى أن الحجاب شيء، والعورة شيء آخر، فعورة المرأة على الرجال جميعًا بما فيهم محارمها -حاشا زوجها- هي جميع جسدها ما عدا وجهها وكفيها، والنتيجة أن المرأة لا تكشف شيئًا من جسدها أمام محارمها غير وجهها وكفيها، وما تشتد الحاجة إلى كشفه عند الاشتغال بأعمال البيت، وذلك مثل أن تكشف عن ذراعيها عند عجن الدقيق أو عن بعض ساقيها عند كنس فرش البيت وغسله.\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٤٩ - ١٥٠.","vol":"3","page":38},{"text":"وتزيد على هذا بتغطية وجهها وكفيّها، وهو ما يسمى بالحجاب أمام الرجال الأجانب، يقول: \"الفرق كبير جدًّا بين الحجاب وستر العورة، فالعورة ما لا يجوز كشفه حتى للمحارم من الرجال، وأما الحجاب فهو شيء فوق ستر العورة، وهو ما حيل به بين النساء والأجانب من الرجال\" (١).\nويجعل للرجال الأقارب الذين لا يحرم عليهم نكاح المرأة تحريمًا مؤبدًا حكمًا آخر، بين حكم المحارم وحكم الأجانب، وأن حدوده تختلف باختلاف أحوال المرأة وأحوال ذلك الرجل من حيث السنّ ودرجة القرابة.\nوالذي نراه أن هذه المسائل قد كثُر فيها الخلاف بين العلماء، وكل مسألة فيها تفصيلات ودقائق، لا مجال لبسط الكلام فيها هنا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-732>موقفه من الاستشهاد بالأحاديث:</span>\nبشكل عام، نجد أن استشهاده بالأحاديث في هذا الكتاب أكثر من الكتاب الأول، لكنه لم يحكم عليها بصحة أو ضعف، إلا ما ورد في الصحيحين، وأحيانًا لا يردّ الأحاديث إلى مصادرها الأصلية، فقد استشهد بقول النبي -ﷺ-: \"يؤتى بوالٍ نقص من الحد سوطًا فيقال له: لِمَ فعلتَ ذاك؟ فيقول: رحمة لعبادك. فيقال له: أنت أرحم بهم مني؟ فيؤمر به إلى النار، ويؤتى بمن زاد سوطًا ... \" [إلى آخر الحديث]، ثم ردّ القارئ إلى تفسير الرازي (٢)، والصحيح أن يردّ الأحاديث إلى مظانها الأصلية.\nوفي الغالب كان يذكر الصحابي راوي الحديث، على خلافِ فِعْلِه في الكتاب الأول (تفهيم القرآن)، حيث لم يكن يذكر أي جزء من السند.\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٥٨.\n(٢) ينظر: المرجع السابق، ص ٨٢.\nوالحديث أورده الزمخشري في تفسيره، ٣/ ٢١٣ في تفسير سورة النور، وقال الزيلعي في \"تخريج أحاديث الكشاف\"، ٢/ ٤١٤: حديث غريب. اهـ. ولم يذكر من رواه.","vol":"3","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-733>تحليل الألفاظ:</span>\nوكما أنه استعان بالأحاديث النبوية الشريفة لإظهار الآراء الفقهية، فقد قام بتحليل الألفاظ والتراكيب، وبيان معاني المفردات لغةً واصطلاحًا، ولا سيما تلك التي ترتبت عليها أحكام فقهية، فيستخرج الأحكام بتحليل النص القرآني، يقول ﵀ حين فسّر قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾: \"إن معنى الغضّ (لغةً) النقص والخفض والوضع، فيقال: غضّ الشيء، أي: خفضه واحتمل المكروه، ومنه نقص ووضع من قدره، وغضّ الغصن، أي: كسره، فمعنى غض البصر بهذا الاعتبار أن لا ينظر إلى شيء بملء العين، وأن يكفّ النظر عما لا يحلّ إليه بخفضه إلى الأرض، أو بصرفه إلى جهة أخرى، وكلمة (من) في ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ للتبعيض، أي أن الله تعالى لا يأمركم بصرف كل نظر من أنظاركم، وإنما يأمركم بصرف بعضها، أو بكلمات أخرى: إن الله تعالى لا يريد أن لا تنظروا بملء عيونكم إلى أي شيء، وإنما يريد أن يقيد نظركم في دائرة مخصوصة، وها نحن أولاء نعرف من سياق العبارة ما هو الشيء الذي يأمر الله تعالى بكفّ العين عن النظر إليه، وهو نظر الرجال إلى النساء أو إلى عورات غيرهم، ولو من الرجال أو إلى المناظر الفاحشة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-734>الوعظ والإرشاد:</span>\nوتجدر الإشارة إلى أنه لم يكن يسرد الأحكام الفقهية بشكل جاف، بل كان يخللها بشيء من التذكير والحثّ على التزام هذه الأحكام، من هذا ما قاله معقّبًا على الآية التي تبين حدود زينة المرأة، قال: \"ولعمر الحق إن الإنسان المؤمن لا يبقى أمامه بعد علمه بهذه الأحكام والتعاليم الواضحة من الله ورسوله إلا أن يختار إحدى الصورتين: إما أن يتبعها ويطهر حياته الشخصية وحياة أهل بيته وحياة المجتمع\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٤٧.","vol":"3","page":40},{"text":"الذي يعيش فيه من المفاسد الأخلاقية، التي لاستئصالها وإغلاق بابها أنزل الله تعالى هذه الأحكام التفصيلية المحكمة في كتابه، وأكدها الرسول -ﷺ- في السنّة بمثل ما بيناه آنفًا، أو يخالفها -إن كان لا يستطيع الارتداع عن مخالفة كلها أو بعضها لضعف في نفسه- معترفًا بذنبه على الأقل، وبدون أن يأتي بالتأويلات الفاسدة لإثبات الذنب ثوابًا. أما الذين يعدلون عن هاتين الصورتين، ولا يكتفون باختيار طرق الحياة الاجتماعية الغربية مخالفين في ذلك أحكام الكتاب والسنّة الواضحة الصريحة، بل يبذلون جهودهم المستطاعة لإثباتها من صميم الإسلام، ويدّعون علنًا أن الإسلام ليس فيه حكم لحجاب المرأة أصلًا، فإنهم يضيفون الجهل والتمادي في الضلال إلى مخالفتهم الشريعة ومعصيتهم أحكامها، مما لا يكاد ينظر إليه أحد بنظر التقدير والاستحسان في الدنيا، ولا يرجى ذلك من الله تعالى الآخرة ... \" (١) إلخ كلامه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>موقفه من المسائل البيانية:</span>\nوكان للأستاذ أبي الأعلى بعضُ اهتمامٍ بالإشارة إلى النكت البيانية، وقد بدأ تفسيره بها، ببيان حسن الاستهلال في السورة الكريمة، حيث قال عند أول آية: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ...﴾: \"إن من الجدير بالملاحظة بصفة خاصة في جملة ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ من هذه الآية توكيد الله تعالى لكلمة (نا)، وهو مما يشير إلى أن ليس مُنزل هذه السورة بناصح ضعيف لا حيلة له، ولا قوة، بل هو الذي بيده نفوسكم ومقاديركم، وليس لكم أن تعجؤوه وتفلتوا من مؤاخذته في الحياة ولا بعد الممات، فلا تحسبوا هذه السورة كلامًا هينًا ككلام أحد منكم\" (٢).\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٧٧.\n(٢) المرجع السابق، ص ٣١.","vol":"3","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-736>عنايته بالمناسبة:</span>\nولم يغفل ﵀ التنبيه على مناسبة الآيات بعضها لبعض حين تخفى، فقد بيّن مناسبة الآيات العشر الأولى من سورة النور لما جاء بعد ذلك من حديث عن الإفك، وأن تلك الآيات كان فيها تنبيه للمسلمين بأن الرمي بالزنا ليس أمرًا هينًا، يتلاعب به الناس.\nووضّح وجه المناسبة بين قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا ...﴾ وما قبلها، قال: \"لقد كان الغرض من الأحكام المذكورة في بدء السورة، أن يُتدارك ما يظهر في المجتمع من المفاسد، وههنا الله تعالى يبدأ من هذه الآيات سرد الأحكام التي يُقصد من ورائها الحيلولة دون نشوء المفاسد في المجتمع أصلًا، واستئصال الأسباب التي تظهر لأجلها مثل هذه المفاسد، وذلك بإصلاح طرق المدنية والحياة الاجتماعية\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>عقيدة التنزيه:</span>\nمن الجميل أن نقف مع الأستاذ أبي الأعلى عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ﴾ [النور: ٣٥]؛ لنتعرف على جانبٍ من عقيدة التنزيه التي يعتقدها، وقد ظهرت في كلامه هذا بعضُ ملامح منهجه، كربطه الآية بالسياق، وعنايته بالألفاظ.\nبدأ الأستاذ أبو الأعلى الكلام في هذه الآية ببيان مناسبتها للسياق بأن جعل مضمونها متوجهًا إلى المنافقين الذين كانوا يثيرون الفتن في المجتمع الإسلامي، والسبب الحقيقي في عدم إفادتهم من النور الذي كان قد بزغ في العالم بالقرآن والرسول -ﷺ- هو ولوعهم بالدنيا وتكالبهم على حطامها، ثم شرع بتفسير الآية الكريمة، فبيّن أن القرآن يستعمل كلمة ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عامة بمعنى الكون،\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٤٠.","vol":"3","page":42},{"text":"فمعنى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: أنه ﷾ نور هذا الكون كله.\nووضح أن كلمة ﴿نُورُ﴾ حين تستعمل في حق الله ﵎ تستعمل باعتبار مفهومها الأساس، وهو ما تظهر به الأشياء، أي ما كان ظاهرًا بنفسه ومُظهرًا لغيره، ولا يجوز استعمال هذه الكلمة بالمعنى الذي أوجده الذهن الإنساني، وهو الشعاع الذي ينعكس على شبكية العين ويؤثر في مركز البصر في الدماغ، وفسّر صفات الله تعالى بما يتفق مع مذهب أهل السنّة والجماعة، وهي أن كل كلمة من كلمات اللسان الإنساني تستعمل لله ﵎ إنما تستعمل باعتبار مفهومها الأساس، لا باعتبار مدلولها المادي، وجاء بأمثلة توضح هذه القاعدة، قال: \"فنحن نستعمل لله تعالى كلمة (البصر) مثلًا، فليس معناها أن له عضوًا يسمى العين، ويرى به كالإنسان والحيوان، وكذلك نستعمل له كلمة (السمع)، فليس معناها أنه يسمع بأذنيه كما يسمع الإنسان، وكذلك نستعمل له كلمة (البطش والأخذ)، فليس معناها أن له آلة تُعرف باليد، فيأخذ بها كما يأخذ الإنسان بيده، فأكل هذه الكلمات إنما تُستعمل لله ﵎ على وجه الإطلاق لا بمعنى من المعاني المحدودة، ولا نكاد نظن بالنسبة لرجل له مسكة من العقل أن يقول باستحالة أن يوجد للسمع والبصر والبطش شكل غير الشكل المحدود المخصوص الذي نعرفه لها في هذه الدنيا، وعلى هذا إذا قيل عن (النور) إنه لا يوجد المصداق لمعناه إلا في صورة ذلك الشعاع الذي يخرج من جرم لامع، وينعكس على غطاء العين، فإن هذا القول لا يكون إلا من خطأ الفهم وضيقه\" (١).\nكما أضاف استعمالًا آخر لكلمة (النور)، وهو العلم، فمعنى الآية أن الله ﷾ نور الكون، بمعنى أنه لا يمكن أن تُعرف الحقائق معرف مباشرة في هذا الكون إلا به ﷾.\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٩٦ - ١٩٧.","vol":"3","page":43},{"text":"ثم بدأ بشرح التمثيل الذي ورد في الآية الكريمة: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ...﴾، حيث بيّن معنى المفردات الواردة في المثل وفصّل في أركان التشبيه، قال: \"فالله ﷾ قد شبه نفسه في هذا المثال بالمصباح، وشبه الكون بالمشكاة، وأراد بالزجاجة ذلك الستر الذي قد وارى فيه الحق تعالى نفسه عن نظر الخلائق، كأن ليس هذا الستر في حقيقة الأمر بستر الخفاء، بل هو ستر شدة الظهور، فإن كانت أبصار الخلائق لا تدركه، فما السبب في ذلك أن الظلمة حائلة بينه وبينها، بل السبب الحقيقي في ذلك أن الستر الذي بينهما شفاف رائق قد عجزت الأبصار ذات القوى المحدودة عن إدراك النور الذي يصل إليها بعد عبوره، وذلك لشدة لمعان هذا النور وسعته، شموله وإحاطته\" (١).\nوكانت له وقفة عند قوله تعالى: ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾، حيث أشار إلى أن شجرة الزيتون التي لا يواريها شيء من الشمس منذ طلوعها في الشرق صباحًا إلى غروبها في الغرب مساء، يكون زيتها أصفى الزيوت وألطفها، على خلاف الشجرة التي لا تصيبها الشمس إلا في طرفي النهار، فإن زيتها يكون أغلظ وأضعف نورًا. ونبّه على أن الهدف من هذا الوصف هو جعل الناس يتصورون كمال نور المصباح وشدته، وليس المقصود أن الله ﷾ الذي قد شبه نفسه بالمصباح يستمد قوته من شيء آخر، بل المقصود تنبيه الناس أن يتصوروا في المثال مصباحًا حقيرًا، ودعوتهم إلى تصور أقوى المصابيح التي يشاهدونها (٢).\nووقفة أخرى عند قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾، حيث يرى أن هذه العبارة تزيل ما قد ينشأ في الذهن من سوء الفهم بألفاظ قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، \"فالذي يستفاد من ذلك أن ليس معنى كون الله ﷾ نور السموات\n_________\n(١) المرجع السابق، ص ١٩٨.\n(٢) ينظر: المرجع السابق، ص ١٩٩.","vol":"3","page":44},{"text":"والأرض، أنه ليس في حقيقته -ومعاذ الله- إلا (النور)، بل الله ﷿ كامل لا كمال بعد كماله، وهو صاحب النور مع كونه صاحب العلم وصاحب القدرة وصاحب الحكمة، ولكن قيل له: (النور) لكمال نورانيته، كما يقال لكاملٍ في الكرم: الكَرَم، ولكاملٍ في الحُسْن: الحُسْن\" (١).\nهذا موضع من مواضع كثيرة في الكتاب تظهر فيه سلامة عقيدة الأستاذ أبي الأعلى، وهي عقيدة التنزيه، التي يعتقدها أهل السنّة والجماعة.\nكان جهد الأستاذ المودودي -﵀- واضحًا في تفسيره، ولم يألُ جهدًا في إنزال النص القرآني على الواقع، وأستنباط الدروس والعِبَر، والعمل على تقريب كلام الله للأذهان، لا سيما باستخدامه لغة العصر، ومحاولاته حل المشكلات بالوقوف على الأغراض والمقاصد من وراء التشريعات لا الوقوف على ظواهرها.\n_________\n(١) المرجع السابق، ٢٠٠.","vol":"3","page":45},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-738>منهج الشيخ سعيد حوى (ت ١٩٨٩) في تفسيره</span>","vol":"3","page":47},{"text":"الأساس في التفسير\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-739>حياته </span>(١):\nوُلد الشيخ في حماة عام ١٩٣٥ م، وتتضافر الروايات التي يرويها كبار الأسرة على أنهم من آل بيت الرسول - ﷺ -.\nعاش في صغره ظروفًا معيشية صعبة، حتى إنه اضطر للخروج من المدرسة، والعمل مع والده، ثم عاد ليتابع دراسته في مدرسة ليلية بعد ثلاث سنين، وكان مولعًا بالمطالعة بشكل كبير، ومن أهم القراءات التي أثرت في حياة الشيخ قراءته كتاب \"إحياء علوم الدين\"، وكانت قراءته فيه تدعوه إلى نوع من التقشف الشديد، لكن كان أهم المؤثرات في تدينه أن الشيخ محمد الحامد - أحد مشايخ الطريقة النقشبندية - كان مدرِّسًا في المدرسة الثانوية التي درس فيها سعيد حوى، وهذا ما أوصله إلى حلقته العلمية في جامع السلطان، وكانت ابتداءً حلقة صغيرة يحضرها كبار السن وبعض الشباب، وكان واحدًا منهم، وكان لهذه التلمذة أكبر الأثر في حياته.\nكما كان انضمامه إلى جماعة \"الإخوان المسلمين\" وهو في المرحلة الثانوية أضخم مَعْلَم في حياته، حيث كان انقلابًا هائلًا في بناء شخصيته، فهو - كما وصفه - نوع من العثور على \"الأنا الجماعي\" لنفسه.\n_________\n(١) هذه الترجمة من كتاب الشيخ: \"هذه تجربتي وهذه شهادتي\"، وهو مذكرات كتبها عن حياته، وذكر أهم الأحداث التي مرّ بها.","vol":"3","page":49},{"text":"في عام ١٩٥٦ انتسب الشيخ لكلية الشريعة، وأتمّ حفظ القرآن في السنة الجامعية الأولى، وبعد تخرّجه عمل بالتدريس، حيث درّس في دار المعلمين، وفي ثانوية الحسكة، ثم نُقل إلى القامشلي على أثر بعض الخطب التي ألقاها في المسجد الجامع.\n\nفي عام ١٩٦٤ شارك في ثورة حماة مشاركة فعالة، بعدها بعامين سافر إلى المملكة السعودية على أثر مضايقات من الحكومة، ودرّس خمس سنوات هناك، ثم عاد إلى سوريا عام ١٩٧٢، وفي العام التالي اعتُقل بسبب موقفه من الدستور العلماني، ولقى في السجن أنواعًا من العذاب، وبعد خمس سنوات خرج من السجن، وكان قد أنجز في السجن مؤلفات عدة، وأتيحت له في السجن فرصة التأمل الواسع في القرآن، فتيقن من نظرية الوحدة القرآنية التي بنى عليها<span data-type=\"title\" id=toc-740> تفسيره </span>فيما بعد، وعكف على كتابة التفسير \"الأساس في التفسير\" فأنجزه في أقل من سنتين.\nبعد خروجه من السجن غادر إلى عمان، وبدأ بتبييض تفسيره، واستغرق هذا سنتين، إلى أن أخرجه عام ١٩٨٥، وله مؤلفات عدة، منها: كتابه: الله ﷻ، الرسول - ﷺ -، الإسلام، تربيتنا الروحية، المستخلص في تزكية الأنفس، جند الله ثقافة وأخلاقًا، وغيرها.\nوفي سنة ١٩٨٧ اضطر إلى اعتزال التأليف، والابتعاد عن العمل العام بسبب ما ألمّ به من الأمراض، إلى أن توفي سنة ١٩٨٩ في عمان، ﵀ وأسكنه فسيح جنانه.\n\nتفسيره:\n\" الأساس في التفسير\" جزء من سلسلة \"الأساس في المنهج\"، وهو الجزء الأول، والجزء الثاني: \"الأساس في السنّة وفقهها\"، أما الجزء الثالث: \"الأساس في قواعد المعرفة وضوابط الفهم للنصوص\"، ويقع تفسير الأساس في أحد عشر مجلدًا، وبلغت صفحاته ٦٧٩٩ صفحة.","vol":"3","page":50},{"text":"لتفسير الأساس -كغيره من التفاسير- ملامح بارزة، وطابع معين يميّزه عن التفاسير الأخرى، فقد اعتنى الشيخ سعيد - ﵀ - ببعض الجوانب التي غدت سمة غالبة على تفسيره، والمطّلع على التفسير يلمح ذلك بوضوح.\nامتاز هذا التفسير بطريقة دراسته للقرآن الكريم وتقسيمه للسور والآيات، كما نرى أن صاحب هذا التفسير قد أفرغ وسعه في إظهار القرآن وحدة واحدة، وأخذ هذا الأمر جُلَّ اهتمامه، سنبدأ بتوضيح هاتين المسألتين، ثم نُتبع ذلك بيان مسائل أخرى في منهجه مع بعض الأمثلة للتوضيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>تقسيمه القرآن والسور:</span>\nجرى الشيخ سعيد في تفسيره على ما جرى عليه أكثر المفسرين، حيث فسر الآيات القرآنية في سورها مرتبة حسب ترتيب المصحف لا ترتيب النزول.\nوهو يقسم القرآن أربعة أقسام: قسم الطوال، وينتهي بانتهاء سورة (براءة) وقسم المئين، وينتهي بانتهاء سورة (القصص)، وقسم المثاني، وينتهي بانتهاء سورة (ق)، وأخيرًا قسم المفصّل، ينتهي بانتهاء القرآن الكريم، وقد اعتمد لهذا التقسيم حديث النبي - ﷺ -: \"أُعطيت السبع الطوال مكان التوراة، وأُعطيت المئين مكان الإنجيل، وأُعطيت المثاني مكان الزبور، وفُضِّلتُ بالمفصل\" (١)، ونقل عن الشيخ الغماري قوله بأن هذا الحديث حسن، وذكر بعد ذلك آثارًا أخرى تقوي هذا التقسيم.\nونقول: إن تقسيم السور إلى هذه الأقسام مستند إلى آثار لا تخلو من مقال، وقد بينّا رأينا فيه بالتفصيل في كتابنا \"إتقان البرهان في علوم القرآن\"، فليراجع (٢).\n_________\n(١) انظر: \"فضائل القرآن\" لأبي عبيد القاسم بن سلام، باب فضائل السبع الطوال، ص ٢٢٥ - ٢٢٦. ومسند الإمام أحمد، ٢٨/ ١٨٨، الحديث رقم ١٦٩٨٢. وفضائل القرآن لابن الضريس ص ٧٤، رقم ١٢٧، ص ٨٢ رقم ١٥٧، ص ١٢٧ رقم ٢٩٩.\n(٢) إتقان البرهان، ١/ ٤٤٧.","vol":"3","page":51},{"text":"وبعد هذا التقسيم، يجعل في كل قسم مجموعات، كل مجموعة تشكل وحدة في قسمها، أي إنّ كل مجموعة تضم عدة سور، هذه السور يجمع بينها شيء وأحد، فقد تتشابه في مواضيعها، أو في فواتحها، أو في أمر آخر.\nإذن هناك أربعة أقسام، كل قسم يضم مجموعات، وكل مجموعة تضم سورًا، وهو يقدّم لكل قسم من الأقسام بمقدمة، يجمعها تحت عنوان: \"كلمة في قسم كذا\"، يتحدث في هذه المقدمة عن القسم بشكل عام، وعن مجموعاته وما بينها من معان مشتركة.\nكما يبدأ كل مجموعة بكلمة، تحت عنوان: \"كلمة في المجموعة - كذا - من قسم - كذا -\"، ويعطي فيها فكرة عن المعاني التي جمعت السور في هذه المجموعة، وعن وجه الربط بينها وبين سورة البقرة، كما سيأتي.\nثم يبدأ بتفسير السور، سورة سورة، ويفتتح كل سورة بمقدمة يجعلها بعنوان: \"بين يدي السورة\"، ويذكر فيها مكية السورة أو مدنيتها، ويتحدث عن علاقة السورة بسورة البقرة، وأحيانًا يذكر فضلها مستشهدًا على ذلك بالأحاديث.\nويتبع هذه المقدمة بـ \"كلمة في السورة ومحورها\"، ويعرف فيها موضوع السورة بشكل عام، ومحورها الرئيس، وما تناولته من موضوعات، ويتحدث هنا كذلك عن علاقة السورة بسورة البقرة.\nوأحيانًا يثير في هذه (الكلمة) تساؤلات عن سرّ التشابه بين السورة التي يتناولها وسورة أخرى مشابهة لها، ثم يجيب عن هذه التساؤلات.\nوكما أنه يقسم القرآن أقسامًا، والأقسام مجموعات، والمجموعات سورًا، فهو كذلك يقسم السورة أقسامًا فمقاطع ففقرات، فمجموعات.\nوكل كلمة من هذه الكلمات الأربع (القسم، المقطع، الفقرة، المجموعة)، أوسع من التي تليها، فالقسم يشتمل على مقاطع، والمقطع يشتمل على فقرات، والفقرة على مجموعات.","vol":"3","page":52},{"text":"وهذه التقسيمات تعتمد على حجم السورة، فالسور الطوال تكون فيها التقسيمات الأربعة كلها، وكلما قصرت السورة كان التقسيمات أقلّ، فقد يقسم بعض السور (مقاطع) متجاوزًا مَرحلة (الأقسام)، وقد يجعل بعض السور في (فقرات)، وهكذا ...\nومردّ الأمر في هذا إلى حجم السورة كما مر، والمعوّل عليه في هذا كله هو المعاني.\nوقد وصف منهجه في مقدمة تفسيره، قائلًا: \"فكلمة (قسم) أوسع مما بعدها، ولا نستعملها إلا في السور الطويلة، حيث يكون عندنا عدة مقاطع يجمعها جامع، كلمة (مقطع) أوسع من كلمة (فقرة)، ونستعملها حيث تكون الآيات ذات الموضوع الواحد كثيرة، وكلمة (فقرة) أوسع من كلمة (مجموعة)، ونستعملها عندما يكون عندنا مقطع ذو موضوع واحد، ولكنه يتألف من مجموعة معانٍ رئيسة، فنستعمل لكل معنى رئيسي في المقطع كلمة (فقرة)، وكلمة (مجموعة) أضيق من كلمة (فقرة)، ونستعملها إذا كان في الفقرة داخل المقطع أكثر من معنى يحسن أن نشرحه مفصلًا عما قبله وعما بعده\" (١).\nولا ينسى الشيخ أن يحدد القسم والمقطع والفقرة والمجموعة، فيقول - مثلًا -: يبدأ هذا القسم بآية (كذا)، وينتهي بآية (كذا).\nوبعد أن يقسم السورة إلى (أقسام) - وإن كانت من السور الطوال - يبدأ بمقدمة كذلك، بعنوان: \"كلمة بين يدي القسم\"، يبين موقع القسم من السورة، ويُثنِّي \"بالمعنى العام\" للقسم، يتحدث فيه عن المعنى الذي تضمّنه القسم، ويُظهر الصلة بين آيات القسم ومقاطعه، ثم يتبع ذلك بـ \"كلمة في السياق\"، يتحدث عن سياق الآيات، ومناسبته لآيات من سورة البقرة.\n_________\n(١) الأساس في التفسير، ١/ ٣١.","vol":"3","page":53},{"text":"ثم يبدأ بالمقطع الأول من القسم، وطريقة دراسته للمقطع شبيهة بطريقته في القسم، حيث يبدأ بـ \"كلمة بين يدي المقطع\" يصف فيها الآيات التي ضمّها المقطع، وعن ماذا تتحدث، وموقع المقطع من السورة، وقد يربطه بسورة البقرة.\nثم يتناول \"المعنى العام\" للمقطع، وهو بمثابة المعنى الإجمالي لآيات المقطع، وما تناولته، من موضوعات، وبعد ذلك يبحث في \"المعنى الحرفي\"، وهو بيان وشرح لمفردات الآيات.\nويتبع ذلك بـ \"فوائد\" اشتملت عليها الآيات، ويذكر في \"الفوائد\" تفصيل بعض القضايا التي رأى أن المقام في \"المعنى الحرفي\" لا يتسع لها، فقد يذكر خلافًا للعلماء في أمر اشتملت عليه الآيات، وقد يذكر أحاديث وآثارًا وردت في معنى الآيات، وقد يذكر سبب النزول، وقد يورد شبهة ويرد عليها، أو يفترض سؤالًا ويجيب عليه. فتعدّ هذه \"الفوائد\" توسّعًا في توضيح الآيات.\nهذه العنوانات (كلمة في السياق، المعنى العام، المعنى الحرفي، فوائد) هي أبرز العنوانات الواردة في التفسير، قد يزيد عليها، وقد يحذف شيئًا منها، حسبما يقتضيه المقام.\nويختم السورة بخاتمة يجعله بعنوان \"كلمة أخيرة في السورة\"، يذكر فيها بإيجاز القضايا التي عالجتها السورة، أو يذكر الصلة مع سورة البقرة مرة أخرى (١)، أو الصلة بين فاتحة السورة وخاتمتها، وقد يذكر أبرز الفوائد من السورة بإيجاز شديد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-742>القرآن وحدة واحدة:</span>\nتحدث العلماء - مفسرون وغيرهم - قديمًا وحديثًا عن ترابط الآيات في السورة الواحدة، وترابط السور في القرآن الكريم، وكونه وحدة واحدة، ومع كثرة\n_________\n(١) وهو كثير التكرار لهذا الأمر، لرغبته في إبرازه وإثبات نظريته.","vol":"3","page":54},{"text":"موضوعاته نجد نسقًا واحدًا في غاية الإحكام، وفي منتهى السبك والرصف، وهذا من مظاهر إعجازه.\nوفي هذا المعنى يقول الإمام الباقلاني: \"إن القرآن على اختلاف ما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف، والمتباين كالمتناسب ... وهذا أمر عجيب تتبين فيه الفصاحة، وتظهر به البلاغة، ويخرج به الكلام عن حد العادة، ويتجاوز العُرف\" (١).\nوقد اهتم الشيخ سعيد بهذا الجانب اهتمامًا بالغًا، بحيث إننا نستطيع أن نقول: إن هذا التفسير جاء تطبيقًا عمليًا لما تحدث عنه العلماء، فقد التزم ببيان نظرية الوحدة القرآنية التي أَلَّفَ تفسيره لأجل إبرازها، وقد كان دائم التفكير منذ الصغر بأسرار الصلة بين الآيات والسور كما يقول.\nولعل السبب في اهتمامه هذا هو ما قاله في مقدمة تفسيره بأن أحدًا لم يستوعب هذه القضية بما يغطيها تغطية كاملة، وبأن الكثير من الناس في عصرنا يتساءلون عن الصلة بين آيات القرآن الكريم وسوره، وعن السرّ في تسلسل سور القرآن على هذه الشاكلة المعروفة.\nوفي هذا يقول: \"لئن عرّج بعض المفسرين على هذا الموضوع، فإن أحدًا منهم لم يستوعب القرآن كله بذكر الربط والمناسبة بين الآيات في السورة الواحدة، وبين سور القرآن بعضها مع بعض على ضوء نظرية شاملة، وقد بُذل حتى الآن الجهد الأكبر في الربط بين الآيات في السورة الوحدة، ولكن النقطة الثانية - يقصد الربط بين الآيات - لم يُبذل فيها جهد إلا ضمن حدود ضيقة، وكلا الجهدين فاتته إلى حد\n_________\n(١) إعجاز القرآن، الباقلاني، ص ٥٦.","vol":"3","page":55},{"text":"كبير بعض أسرار الوحدة الشاملة، ولقد حاولت في هذا التفسير أن أسدّ هذه الثغرة لاعتقادي أن أسرار الوحدة القرآنية لا يُحاط بها\" (١).\nوجدير بالذكر أن تفسير البقاعي \"نَظْم الدرر في تناسب الآيات والسور\" كان في طور الطباعة حين كتب الشيخ تفسيره، ولم يكن قد اطلع عليه بعد.\nكما كثرت الشبهات حول القرآن، ومن آخرها وأعجبها ما تثيره الآن أكثر دوائر الكفر بشكل مهذب أو وقح حول الوحدة القرآنية، وأن القرآن بشريّ الصدر كونه نزل منجمًا، حيث لا ترابط بين أجزائه، فرأى - ﵀ - أن هذا الأمر، وإنْ كان من أعظم مظاهر الإعجاز إلا أنه يحتاج إلى بيان، ويرى أن الله منَّ عليه فسدّ هذه الثغرة مصحِّحًا الكثير من الغلط في هذا الشأن ومضيفًا أشياء كثيرة لم يسبق إليها، فلم يطرقها أحد قبله (٢).\nوبناءً على اعتقاد الشيخ بقصور المحاولات السابقة قدّم نظرية شاملة تربط أجزاء القرآن بعضها مع بعض، فربط بين آيات السورة الواحدة، وبين سور القرآن على ضوء هذه النظرية الشاملة، فلم يكتفِ ببيان مناسبة كل سورة للتي قبلها، وإنما حاول الربط بين السور غير المتتالية كذلك، فكان يبين علاقة السورة بمجموعتها وعلاقة السورة بقسمها وبمحورها من سورة البقرة، ويشير إلى التناسب بين الفقرة والفقرة، وبين المجموعات، وبين الفقرة ومجموعتها.\nويرى الشيخ أن تغطيته لهذا الموضوع لها فوائد عدة، ذكرها متفرقة في مقدمة التفسير، نجملها بما يلي:\n• تلبي مطلبًا من مطالب عصرنا.\n• تروي ظمأ طلاب العلم والباحثين عن دقائق أسرار هذا القرآن.\n_________\n(١) مقدمة التفسير، ١/ ٢٤.\n(٢) انظر: مقدمة \"الأساس\"، ١/ ١٨.","vol":"3","page":56},{"text":"• كما أنها تضع لبنة في صرح الحديث عن إعجاز القرآن ومعجزاته.\n• ومن خلالها يزداد ترجيح بعض الجوانب التي وقع فيها خلاف كقضية: إن ترتيب سور القرآن توقيفي وليس اجتهاديًا، فمع أن جماهير الأمة ذهبت إلى هذا، فإن هذا التفسير سيبرهن على هذا الموضوع بشكل علمي.\n• كما أنه بإبراز الوحدة القرآنية ببيان الصلة بين سور القرآن، والصلة بين الآيات في السورة الواحدة، سيتم الجواب على السؤال: لماذا لم تكن المعاني ذات المضمون الواحد موجودًا بعضها بجانب بعضها الآخر.\n• كما أن القارئ لهذا التفسير سيرى أن هذا الترتيب يبن سور القرآن على هذه الشاكلة التي رتبها الله ﷿ في كتابه، شيء به وحده تقوم الحجة على كل من يتصور أن هذا القرآن يمكن أن يكون بشري المصدر.\n• وتردّ هذه النظرية على شبهة أن هناك افتراقًا بين القرآن المكي والمدني (١).\n• وتخدم هذه النظرية في معرفة بعض أسرار القرآن.\n• وتخدم قضية الفهم للكثير من المعاني التي يدل عليها السياق (٢).\nهذه أهم القضايا التي يرى الشيخ سعيد أن نظريته ستجلّيها وتوضّحها، وعلى ضوء هذه النظرية نجده يربط جميع سور البقرة، بسورة البقرة، فيرى أن هناك معانيَ مشتركة بين كل سورة وسورة البقرة، فقد قسم القرآن بعد سورة البقرة إلى أربع وعشرين مجموعة، كل مجموعة تفصل معاني سورة البقرة بالترتيب الوارد فيها، قال في نهاية تفسيره: \"رأينا أن سورة الفاتحة ذكرت كل المعاني القرآنية بإجمال، وجاءت سورة البقرة لتفصّل في الطريقين: طريق المنعَم عليهم، وطريق المغضوب عليهم والضالين، وجاءت الآيات التسعة والثلاثون من سورة البقرة للتحدث عن المعاني الرئيسة في الهدى والضلال.\n_________\n(١) لعله يشير بهذا إلى ما أثاره بعض المحدثين، من أن القرآن المكي أبلغ من المدني.\n(٢) انظر مقدمة التفسير، ١/ ٢٥، ٢٧.","vol":"3","page":57},{"text":"ثم جاءت بقية السورة لتخدم معنى من المعاني الآتية في هذه التسعة والثلاثين آية، ثم جاءت بعد ذلك أربع وعشرون مجموعة قرآنية، كل مجموعة فصلت في معاني سورة البقرة على ترتيب ورود هذه المعاني في سورة البقرة بشكل رأينا حكمه وتفصيلاته فيما مرّ معنا، ورأينا أن في كل تفصيل جديدًا، وفي كل سورة جديدًا\" (١).\nومن الأمثلة على ذلك ربطه سورة يونس بأول آية من سورة البقرة، حيث قال: \"محور هذه السورة - يونس - أول آية من سورة البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ [البقرة: ١ - ٢] فهي تفصيل لهذه الآية\" (٢).\nومن ذلك ربطه سورة المعارج بمقدمة سورة البقرة، حيث قال: \"قلنا من قبل إن سورة المعارج تفصّل في مقدمة سورة البقرة، وبالتحديد فإنها تفصّل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٦ - ٧]، فبداية السورة: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢)﴾ [المعارج: ١ - ٢]، ثم بعد آيات يأتي قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٧]، ثم بعد آيات يأتي قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾ [المعارج ٣٦]، ثم بعد آيات يأتي قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾ [المعارج ٤٢]، فأنت ترى مما نقلناه أن الكلام في السورة ينصبّ انصبابًا رئيسيًا على الكافرين وعذابهم وأحوالهم\" (٣). ويشترك مع سورة المعارج في المحور نفسه من سورة البقرة السور التالية: الأنبياء، ص، غافر، القمر، نوح، الجن، النبأ، عبس، الهمزة، الفيل، وقريش، وأجاب عن سبب ارتباط أكثر من سورة بالآيات\n_________\n(١) الأساس، ١١/ ٦٧٧٠.\n(٢) الأساس، ٥/ ٢٤٢٤.\n(٣) الأساس، ١١/ ٦١٢٩.","vol":"3","page":58},{"text":"الأولى من سورة البقرة، فقال: \"إن هذه المعاني التي ذكرتها الآيات الأولى من سورة البقرة عليها مدار الإسلام كله، فبقدر ما تتعمق معانيها في النفس البشرية وتتضح، يكون الإسلام قائمًا والأمر مستقيمًا\" (١).\nوالسبب الذي من أجله جعل الشيخ سورة البقرة هي الأساس والمرجع مجموعُ الأحاديث النبوية التي وردت في بيان فضل السورة، منها قول النبي - ﷺ -: \"اقرؤوا القرآن؛ فإنه شافع لأهله يوم القيامة، اقرؤوا الزهراوين، البقرة، وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فِرقان من طير صوافّ يحاجان، عن أهلهما، ثم قال: اقرؤوا البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة\"، ومنها: \"إن لكل شيء سنامًا، وإن سنام القرآن البقرة، وإن من قرأها في بيته ليلًا لم يدخله الشيطان ثلاث ليال، ومن قرأها في بيته نهارًا لم يدخله الشيطان ثلاثة أيام\"، وغيرها من الأحاديث الشريفة.\nولكن ... ومع فضل سورة البقرة إلا أن رجعَ كلِّ سورة قرآنية إلى محور منها فيه تكلف ظاهر، إذ إن آيات القرآن الكريم كلها مترابطة ومتشابهة من حيث المضمون والمعنى، فالوعد والوعيد، وقصص السابقين، والتذكير بنِعَم الله، والعبادات والعقائد كلها معانٍ مشتركة بين سور القرآن الكريم، فلا وجه لجعل سورة البقرة بالذات هي الأساس التي ترجع إليها بقية السور، وإن كان لا بد من جعل سورة هي الأم والمرجع، فسورة الفاتحة هي أم الكتاب، وقد تحدث العلماء عنها قديمًا، وبيّنوا اشتمال آياتها للمقاصد الأساسية في القرآن الكريم.\nوهو يربط كذلك بين السور، من ذلك ما قاله حين ربط بين سورتي الحاقة والواقعة: \" ... يبقى أن نتساءل عن سر التشابه بين سورة الحاقة وسورة الواقعة؟ أقول: إن اليوم الآخر يدفع للعمل كما يدفع للإيمان، وقد جاءت سورة الواقعة تفصّل في ما بعد مقدمة سورة البقرة، وجاءت سورة الحاقة تفصّل في مقدمة سورة\n_________\n(١) الأساس، ١٠/ ٥٨٤٣.","vol":"3","page":59},{"text":"البقرة وبين المقامين تداخل، فالكلام عن اليوم الآخر داع للتحلي، كما هو دافع للتخلي ودافع للإيمان، كما أنه دافع للعمل، ومن ثم تقدم الحديث عن اليوم الآخر في السورتين للوصول إلى ما ينبغي أن يبنى عليه، على أن كلًّا من السورتين تخدم محورها بشكل رئيسي\" (١).\nومن الأمثلة على ربطه بين الآيات في السورة الواحدة قولُه محاولًا الربط بين فقرات سورة الطلاق: \"بانتهاء الفقرة الثالثة (الآيتين ٦، ٧) ينتهي الكلام عن أحكام العدة، وتأتي الآن الفقرة الرابعة (الآيات: ٨ - ١١) تعطي وعظًا عامًّا، مهددة ومنذرة أن تخالف أوامر الله ورسوله، ومبشرة الذين يلتزمون بأحكام الله، ويلاحظ أن الوعظ في ابتداء الفقرة انصبّ مخاطبًا القرى دون الأفراد، وكأن في ذلك إنذارًا للأمم التي تعتمد قوانين تخالف شرع الله\" (٢).\nهذه بعض الأمثلة التي تعطينا فكرة عن اهتمام الشيخ بإظهار ترابط أجزاء القرآن الكريم.\nومعلوم أن إيجاد علائق وروابط بين أجزاء القرآن الكريم أمر اجتهادي قابل للصواب والخطأ، وقد يؤدي أحيانًا إلى التعسف، لذلك نرى بعض العلماء رفضوا القول بالوحدة القرآنية، كالإمام عز الدين بن عبد السلام قديمًا (٣). والدكتور محمد رجب البيومي حديثًا (٤)، والأفضل أن يتخذ المفسر طريقًا وسطًا بين هذين المذهبين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-743>موقفه من التفسير المأثور:</span>\nأجمع العلماء على أن من أراد تفسير الكتاب العزيز فليرجع أولًا إلى القرآن، فما أُجمل منه في مكان فقد فُسِّر في موضع آخر، وما اختُصر في مكان فقد بُسط في موضع\n_________\n(١) الأساس، ١١/ ٦١٠٦.\n(٢) الأساس، ١٠/ ٥٩٨٠.\n(٣) الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز، ص ٢٢١، نسخة دار البشائر.\n(٤) مجلة الأزهر، ١٣٩٠ هـ / ١٩٧٠ م، ٦/ ٥٧٢.","vol":"3","page":60},{"text":"آخر، فإنْ أعياه ذلك طلبه من السنّة، فإنها شارحة للقرآن موضحة له، فإن لم يجده من السنة رجع إلى أقوال الصحابة، فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله، وكذلك الآثار الواردة عن التابعين، وإن كان العلماء قد اختلفوا في وجوب الأخذ بها.\nاهتم الشيخ سعيد - ﵀ - بهذا الجانب، فالأحاديث والآثار تشغل مساحة كبيرة في تفسيره الأساس، فهو دائم الاستشهاد بها، ودائم الاستعانة بها للتوضيح والبيان.\nومن الملاحظ أنه غالبًا ما يحذف السند، فنراه عندما يستشهد بحديث مرفوع إلى النبي - ﷺ - لا يذكر إلا الصحابي راوي الحديث، كما يذكر من أخرجه من أصْحاب كتب السنّة، فمثلًا يقول في تفسير آية القصاص: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]: \"روى الإمام أحمد عن أبي شريح الخزاعي أن النبي - ﷺ - قال: \"من أصيب بقتل أخيه، فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدًا فيها\"، وعن سمرة قال: قال رسول الله - ﷺ - \"الا أُعافي رجلًا قتل بعد أخذ الدية\"\" (١).\nوكذلك عندما يستشهد بأقوال الصحابة والتابعين، نجده ينسب القول إليهم مباشرة، وغالبًا يذكر من أخرجه، من ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨] حيث ذكر قولين لمعنى الحشر، القول الأول: ما أخرجه ابن أبي حاتم، وابن جرير عن ابن عباس قال: \"موت البهائم حشرها\" (٢).\n_________\n(١) الأساس، ١/ ٣٩٩.\n(٢) الأساس، ٣/ ١٦٢٥.","vol":"3","page":61},{"text":"هذا مثال ما جاء عن الصحابي، أما ما جاء عن التابعي، فمثاله ما أورده عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، قال: قال أبو العالية في تفسير الإيمان بالغيب: \"الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وجنته وناره ولقائه، ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث\" (١).\nوهو حين يورد هذه الأحاديث والآثار نجده أحيانًا يعقب عليها ويذكر درجتها من الصحة، وأحيانًا يغفل ذلك، ومن الأول قوله: روى الإمام أحمد ... عن عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري، قال: سمعت أبا حميد وأبا أسيد يقولون عنه - ﷺ - أنه قال: \"إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم، وتلين له أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم قريب فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم وتنفر منه أشعاركم وأبشاركم، وترون أنه منكم بعيد، فأنا أبعدكم منه\"، ثم عقب على ذلك بقوله: إسناده صحيح (٢).\nومن الثاني: ما روي عن عثمان -﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة\" (٣)، ولقد ذكر هذا الحديث عند تفسيره للآية (٣٨) من سورة الأنعام، ولم يعقب عليه بتصحيح أو تضعيف، في حين نجده يردّ بعض الروايات الضعيفة والموضوعة، من ذلك ردّه رواية الغرانيق، قال عند قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]: \"يذكر المفسرون قصة الغرانيق، ثم يحاولون تعليلها أو توجيهها، مع أن المحدثين يردونها من أساسها، حتى ألّف بعضهم رسائل مستقلة في إبطالها ومن ثم فإننا لن نذكرها، ولن نتكلف للرد عليها ما دام أصلها غير ثابت، ولعلنا نتعرض لها في كتاب \"الأساس في السنّة\"، ولعل من\n_________\n(١) الأساس، ١/ ٨٤.\n(٢) الأساس، ٥/ ٢٥٩٦.\n(٣) ٣/ ١٦٢٥، والجماء هي التي لا قرن لها.","vol":"3","page":62},{"text":"جملة ما جعل للقصة رواجًا هو عجز بعض المفسرين عن فهم الآيات، فرأوا في القصة توجيهًا سهلًا للآيات فساروا عليه\" (١).\nوعلى كل حال فإن العناية بالتفسير المأثور واضحة في تفسير الأساس، حتى إن الشيخ أحيانًا يفرد عنوانًا خاصًّا لها، فيقول: \"أحاديث وآثار\"، وهذا يدل على حرصه على ذكره ولفت النظر إليها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-744>موقفه من أسباب النزول:</span>\nوهذه المسألة مرتبطة بما قبلها ارتباطًا وثيقًا، لكنّا أحببنا أن نُفردها لإظهار اهتمامه بهذا لأمر، فهو غالبًا ما يفرده بعنوان مستقل، فيقول: \"سبب نزول الآية\"، وقد لا يفرده بعنوان مستقل فيذكره ضمن الفوائد التي تعقب تفسير الآيات، وأحيانًا نجده يذكر أكثر من سبب نزول للآية الواحدة - إنْ وُجد -، وجدير بالذكر هنا أنه كثيرًا ما يستعين بتفسير ابن كثير في روايات أسباب النزول؛ إذ كان تفسير ابن كثير من مصادره الرئيسة التي استعان بها.\nمن ذلك ما جاء في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١]، قال: \"في سبب نزول هذه الآية قال ابن كثير: روى الإمام أحمد عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾، قال: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا أحدًا منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله إنه يغضب من هذا، فنزلت ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [رواه أبو داود] (٢).\n_________\n(١) الأساس، ٧/ ٣٥٩٦.\n(٢) الأساس، ٩/ ٥٤٢٩.","vol":"3","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>موقفه من الإسرائيليات:</span>\nجرى جمهور العلماء على أن الأخبار الإسرائيلية تنقسم أقسامًا ثلاثة: ما يُعلم صحته، ما يُعلم كذبه، ما هو مسكوت عنه.\nومنهج الشيخ سعيد في هذه المسألة أنه يرفض الإسرائيليات بشكل عام، فنراه عند تفسير قصة داود من سورة (ص) ينقل رواية عن اليهود، ويرفضها ويصفها بأنها من رجاسات اليهود: \"في الإصحاح الحادي عشر والثاني عشر من سفر صموئيل الثاني تذكر قصة فيها بعض كلمات القصة القرآنية، وفيها رجاسات اليهود، إذ يذكر الإصحاح الحادي عشر أن داود زنى بامرأة \"أوريا\" قائده، ودفع بـ \"أوريا\" ليُقتل، ثم يذكر الإصحاح الثاني عشر ضم داود زوجة \"أوريا\" إليه، وعتاب \"ناثان\" النبي له على ذلك.\nويذكر الإصحاح هنا فكرة النعجة الواحدة والنعاج الكثيرة، وكثير مما ذكر في كتب العهد القديم أو الجديد كلام لا قيمة له من الناحية العلمية، إذ يخالف الحق الذي أنزله الله في القرآن، ويكفي لرفضه ومعرفة قيمته الخسيسة ذكر أن داود - ﵇ - زنى بامرأة \"أوريا\" في حياة زوجها، وزوجها يقاتل في سبيل الله، مما لا يفعله أخس الناس- فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين - بما يفترون على رسل الله\" (١).\nففي هذا المثال وجدنا الشيخ يرفض ما جاء عن اليهود، لأنه يخالف الحق الذي نعلمه، ولكنه يرى جواز الاستئناس بشيء منها إذا وافق الحق الذي نعلمه، ويقول في هذا: \"لا نجد في أسفار العهد القديم شيئًا يشير إلى موضوع استعراض الخيل من قِبَل سليمان - ﵇ - حتى نستأنس بشيء إذا وافق الحق الذي نعلمه، وهيهات أن تجد فيها الكثير، بل إنك لتجد فيها الكذب الكثير ... وأما سكوت أسفار العهد القديم فليس أمامنا إلا الفهم من ألفاظ النص القرآني ضمن القواعد العامة\" (٢).\n_________\n(١) الأساس، ٨/ ٤٧٩١.\n(٢) الأساس، ٨/ ٤٧٩٤.","vol":"3","page":64},{"text":"وفي تفسيره آية الكرسي بيّن الشيخ منهجه في التعامل مع الإسرائيليات، قال: \"إن الروايات عن بني إسرائيل فيها من سوء الأدب مع الله ورسله الكثير، وفيها من الجهل بالله ورسله الكثير، فإذا ما أردنا أن ننقل، فلننقل مع البيان الناصع والرد القاطع، أو فلننقل ما يتفق مع الحق، مع عزو إلى<span data-type=\"title\" id=toc-746> مصادره</span>، دون أن نحمّل أنفسنا مسؤوليته\" (١).\nفيُحمل رفضه الإسرائيليات على أنه رفضٌ لما عُلم كذبه منها، وناقَضَ ما عرفناه من شرعنا، ويُحمل تجويزه الاستئناسَ بشيء منها على أنه تجويز لرواية ما وافق ديننا، ولكن يؤخذ عليه - ﵀ - اعتماده على ما جاء في التوراة في الاستشهاد على بعض القضايا، وكان حريًا به أن يقتدي بابن عباس -﵁ - حين قال: \"يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزله الله على نبيه - ﷺ - أحدثُ الأخبار بالله؟ تقرؤونه لم يُشَبْ، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدّلوا ما كتب الله، وغيّروا بأيديهم الكتاب، فقالوا: هذا من عند الله ليشتروا به ثمنًا قليلًا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟ ولا والله ما رأينا رجلًا منهم قط يسألكم عن الذي أنزل إليكم\" (٢).\nوسننقل بعض ما ورد في هذا التفسير مما أُخذ من التوراة عند حديثنا عن استطرادات الشيخ.\n\nمصادره:\nلا بد للمفسر - أي مفسر - أن يستأنس بأقوال من قبله من المفسرين المشهورين، فلا يصح إهمال ما وصلوا إليه، وإنما ينبغي أن تذكر أقوالهم، وتُناقش،\n_________\n(١) الأساس، ١/ ٥٩٩.\n(٢) صحيح البخاري، كتاب \"الاعتصام بالكتاب والسنّة\"، باب قول النبي - ﷺ -: \"لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء\"، رقم ٦٩٢٩.","vol":"3","page":65},{"text":"ويُعتمد على ما يصح منها، ويُزاد عليه، إنْ كان هناك زيادة فاتتهم، أو حاجة يقتضيها العصر.\nوالشيخ سعيد - ﵀ - لم يُغفل هذا الجانب، بل نراه يعتمد كثيرًا على من سبقه، وينقل عنهم بكل أمانة، فغالبًا ما يسند الأقوال إلى أصحابها، إلا أن طول النصوص المنقولة مما يؤخذ عليه، ويُضعف من ظهور شخصيته في التفسير.\nومن أكثر التفاسير التي استعان بها، تفسيرا: ابن كثير، والنسفي، والسبب في ذلك - كما قال في المقدمة - أنه لم يتوافر له في فترة سجنه في المرحلة التي ابتدأ فيها تأليف تفسيره إلا هذا التفسيران، فأقبل عليهما محاولًا من خلالهما أن يغطي المعاني الحرفية لكتاب الله تعالى، وأحيانًا المعاني الإجمالية، ويقول: إنه حاول أن يُضَمِّن هذا التفسير خلاصة التفسيرين ومجمل الفوائد الموجودة فيهما تاركًا ما لا يتفق وأهداف تفسيره، وهذا واضح في تفسيره بشكل بارز، حيث إنه كثيرُ النقل عنهما.\nوفي تفسيره آيات الأحكام يكثر النقل عن القرطبي، ومن مصادره تفسير الظلال لسيد قطب، ذلك أن \"الظلال\" تفسير عصري اجتماعي يتماشى مع أهداف الشيخ التي يريد أن يحققها من تفسيره، وهي تلبية حاجات العصر والمجتمع.\nوتفسير الطبري والزمخشري والرازي والآلوسي من مصادره كذلك، وغيرها، ولكن هذه أهمها.\nوقد قال في خاتمة تفسيره عن مصادره الرئيسة: \"وقد اعتمدتُ أربعة تفاسير كأساس: تفسير ابن كثير، وتفسير النسفي، وتفسير الآلوسي، وتفسير الظلال، واعتقدت أن فوائد هذه التفاسير هي أقصى ما يحتاجه القارئ العادي، فابن كثير يفسر القرآن بالقرآن وبالمأثور في الغالب، والنسفي يعطي للمعنى الحرفيّ أهمية، وقد كاد هذان التفسيران أن يستوعبا فوائد التفاسير التي سبقتهما، وتفسير الآلوسي وسيد قطب تفسيران متأخران، الأول منهما استوعب التفسير التقليدي، والثاني","vol":"3","page":66},{"text":"منهما فسر القرآن بلغة العصر، وقد رأيت أنه باعتمادي هذه التفاسير الأربعة أكون قد استوعبت - إلى حد ما - الفائدة من كتب التفاسير على مر العصور\" (١).\nوالذي يظهر بالقراءة المتأنية لتفسير الأساس أن هذه التفاسير التي ذكرها الشيخ كانت فعلًا معتمده، ويظهر كذلك أن رجوعه إلى تفسير الظلال كان أكثر من رجوعه إلى تفسير الآلوسي، ﵏ جميعًا.\nويلاحظ أن الشيخ أحيانًا ينقل الأقوال دون أن يناقشها، أو يعقب عليها، من ذلك ما قاله عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨]، قال: \"في تفسير الحشر هنا اتجاهان للمفسرين: الاتجاه الأول: اتجاه من يفسر حشر البهائم بأنه موتها، والاتجاه الثاني يفسر حشرها ببعثها وإقامة العدل فيما بينها، ثم إفنائها\" (٢).\nولعل الشيخ في عدم تعليقه على بعض الأقوال، يرى أنه متساوية في قوة أدلتها، وأن النص يحتملها جميعًا، ولكن كان الأولى به ﵀ أن يُظهر رأيه بشكل واضح، مناقشًا، أو رادًّا، أو مؤيدًا، ... إلخ، لا ناقلًا فقط.\nوأحيانًا نجده يوجّه الأقوال، ويناقش أصحابها، من ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾ [ص: ٣٣]، حيث نقل رأي ابن جرير الطبري في تفسيرها وأنه أخذ بقول ابن عباس -﵄ -، وهو: \"جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبًا لها، ثم ذكر سبب ترجيح الطبري لهذا، وهو أن سليمان - ﵇ - لم يكن ليعذب حيوانًا بالعرقبة، ويهلك مالًا من ماله بلا سبب، سوى أنه اشتغل عن صلاته بالنظر إليها، ولا ذنب لها\". ثم قال الشيخ سعيد: وهذا الذي رجّحه الطبري فيه نظر؛ لأنه قد يكون في شرعه جواز مثل هذا، ولا سيما إذا كان\n_________\n(١) الأساس، ١١/ ٦٧٧٣.\n(٢) الأساس، ٣/ ١٦٢١.","vol":"3","page":67},{"text":"غضبًا لله تعالى بسبب أنه اشتغل بها حتى خرج وقت الصلاة، ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوّضه الله ﷿ ما هو خير منها، وهو الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب، غدوّها شهر ورواحها شهر، فهذا أسرع وخير من الخيل (١).\nوعندي أن ما ذهب إليه الشيخ سعيد بعيد، وقد استبعده الإمام الرازي مستدلًا بوجوهٍ: \"الأول: أنه لو كان معنى مسح السوق والأعناق قطعها لكان معنى قوله: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، قطعها، وهذا مما لا يقوله عاقل، بل لو قيل: \"مسح رأسه بالسيف\"، فربما فُهم منه ضرب العنق، أما إذا لم يذكر لفظ السيف لم يفهم البتة من المسح العقر والذبح.\nالثاني القائلون لهذا القول جمعوا على سليمان - ﵇ - أنواعًا من الأفعال المذمومة، فأولها: ترك الصلاة، وثانيها: أنه استولى عليه الاشتغال بحب الدنيا إلى حيث نسي الصلاة، وقال - ﷺ -: \"حب الدنيا رأس كل خطيئة\"، وثالثها: أنه بعد الإتيان بهذا الذنب العظيم لم يشتغل بالتوبة والإنابة البتة، ورابعها: أنه خاطب رب العالمين بقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾، وهذه كلمة لا يذكرها الرجل الحصيف إلا مع الخادم الخسيس، خامسها: أنه أتبع هذه المعاصي بعقر الخيل في سوقها وأعناقها، وروي عن النبي - ﷺ - \"نهى عن ذبح الحيوان إلا لمأكلة\"، فهذه أنواع من الكبائر نسبوها إلى سليمان - ﵇ -، مع أن لفظ القرآن لم يدل على شيء منها ... \" (٢) إلى آخر ما قاله ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-747>عنايته بالقضايا الفقهية:</span>\nمن يقرأ تفسير الشيخ سعيد لآيات الأحكام يلمس أنه حنفي المذهب، فنراه كثيرًا ما يقدمه في الذكر على المذاهب الأخرى، وإنْ رجَّح بين المذاهب فغالبًا ما يرجحه، وأحيانًا لا يذكر غيره.\n_________\n(١) انظر: الأساس، ٨/ ٤٧٩٥.\n(٢) تفسير الرازي، ١٣/ ١٩١.","vol":"3","page":68},{"text":"وهو حين يمرّ بآيات تضم أحكامًا فقهية، نجده يقف عندها ذاكرًا آراء الأئمة الأربعة وأدلتهم باختصار، وقد يزيد على ذلك بآراء غيرهم، وتارة نجده يعقّب على الآراء، وتارة أخرى لا يفعل.\nومن الأمثلة على إفراده مذهب الحنفية بالذكر قوله في تفسير الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ [البقرة: ١٧٣]: \"قال الحنفية: يرخص شرب الخمر للعطشان، وأكل الميتة في المجاعة إذا تحقق الهلاك، وقال الحنفية: ويحرم الذبح لمخلوق ولو ذكر اسم الله تعالى، لأنه أُهِّل به لغير الله تعالى، أما لو نوى إكرامه فإنه يحل، ويظهر ذلك فيما لو ضافه أمير مثلًا فذُبح عند قدومه شاة، فإن قُصد التعظيم فلا تحل، وإنْ أضافه بها، وإنْ قصد الإكرام فتحل\" (١).\nكما أن الشيخ سعيدًا يتلمس الحِكَم التي وراء الأحكام، فمثلًا نجده يقول في حكمة الصوم: \"إن الحكمة من فرض الصوم علينا هي الوصول إلى التقوى، فمن صام رمضان ثم لم يحصّل التقوى فقد فرّط، إن الإيمان بالغيب وإن التوحيد هما البذرة التي تتفرع عنهما شجرة الإسلام لتؤتي ثمارها، والصلاة هي الغذاء اليومي لهذه الثمرة، والإنفاق هو الذي يجتث الحشائش الضارة من أرض القلب، كالشح والبخل والحرص.\nويأتي الصوم ليضبط الانفعالات النفسية الخاطئة في أخطر مظاهرها، شهوة الفرج، وشهوة البطن، إذ يعوِّد المسلم على ضبط ذلك ... \" (٢).\n_________\n(١) الأساس، ١/ ٣٧٧.\n(٢) الأساس، ١/ ٤١٢.","vol":"3","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-748>قضايا العقيدة في التفسير:</span>\nالتزم الشيخ - ﵀ - مذهب أهل السنّة والجماعة، فكان يفسر الآيات على ضوئه، ونجده أحيانًا يفنّد آراء المعتزلة والمرجئة، وغيرهم من المذاهب المخالفة لمذاهب أهل السنّة، وقد قال في هذا الشأن: \"يقول - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"إن الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ... \"، إن كل مناقشات أئمة أهل السنّة والجماعة مع بعضهم إنما تدور حول أمور مشتبهات، وكل منهم على بصيرة حاول أن يعطي حكم الله في هذه الأمور، ومن ثم فالأمر واسع، فمهما كان الواحد منا على مذهب إمام في مثل هذه الشؤون فإنه لا حرج عليه، ولكن الخلاف بين أهل السنّة والجماعة، وبين الفِرَق المنشقّة عن جسم الأمة الإسلامية، كالمعتزلة وأنواع المرجئة وطوائف من الشيعة والخوارج ليس فيما ذكرنا، وإنما هو خلاف حيث لا ينبغي أن يكون خلاف لكثرة النصوص ووضوحها، ولذلك في قسم التفسير قد لا نعتني بعرض أدلة الأئمة في اختلافاتهم، ولكننا نعتني بعرض الأدلة في أي خلاف بين أهل السنّة والجماعة ومن خالفهم\" (١).\nونرى أنه كان الأوْلَى بالشيخ أن يعتني بالمخالفين الذين ظهروا في هذا العصر، كالحداثيين، والوجوديين، والبابيين، والبهائيين، والقاديانيين، فهؤلاء خطرهم أشدّ في هذه الأيام.\nومن المواضع التي يظهر فيها أن الشيخ على مذهب أهل السنّة ما قاله عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨] إلى آخر الآية، يقول: \"دلّت هذه الآيات على أن مرتكب الكبيرة\n_________\n(١) الأساس، ١/ ٤٨.","vol":"3","page":70},{"text":"- حتى ولو كانت القتل العمد - مؤمن، للوصف بالإيمان بعد وجود القتل، ولبقاء الأخوة الثابتة بالإيمان، ولاستحقاق التخفيف والرحمة\" (١).\nووضّح هذا في موضع آخر، حيث قال: \"وفي موضوع القتل العمد، وتفسير الخلود في النار- الذي هُدِّد به صاحبه - قضايا كثيرة، ضل بها من ضلّ، وخلاصة الحق في هذا الموضوع، أن من قتل مؤمنًا قاصدًا لأنه مؤمن، أو قتل مؤمنًا مستحلًا قتله بلا شبهة معتبرة شرعًا، فهو كافر، وجزاؤه الخلود الأبدي في النار، أما من قتل مؤمنًا عمدًا غير مستحل، فهو مؤمن، ويستحق المقام الطويل في جهنم إلا أن يعفوَ الله، وقد قال العلماء: إن في القتل ثلاثة حقوق: حق الله، وحق القتيل، وحق أوليائه، فحق أوليائه الدية أو القصاص، وحق الله يسقط بالتوبة إن قبلها الله، ويبقى حق القتيل يوم القيامة، فإن شاء الله أن يرضي القتيل أرضاه عن قاتله، وإن شاء عذّب القاتل بحق القتيل، وإذا أدخله الله في النار فذلك إليه - سبحانه - ولكن لا يخلّد فيها أبدًا، كالكافرين لقوله - ﷺ -: \"يخرج من النار من كان في قلبه ذرة من إيمان\"، والخلود في اللغة يطلق على المكث الطويل، وفي آية القتل العمد يدور كلام كثير، وما قلناه مدار كلام أهل الحق\" (٢). كلامه هذا كما هو معلوم موافق لما جاء في كتب أهل السنّة والجماعة.\nوبتتبع تفسير الشيخ آيات الصفات نجد أنه كثيرًا ما ينقل عن ابن كثير في هذا المجال، وغالبًا لا يعقب، فيُعلم أنه يقبل ما ينقل، قال: \"وقد ألزمت نفسي في آيات الصفات أن أبقى ضمن الحدود التي ذكرها ابن كثير، لإيماني بأن هذا الموضوع لا يستطيع أحد أن يعرف أبعاد ما يقال فيه إلا إذا كان من الراسخين في العلم، فالكلام\n_________\n(١) الأساس، ١/ ٣٩٨.\n(٢) الأساس، ٢/ ١١٤٧.","vol":"3","page":71},{"text":"بتوسع فيه في مثل هذا التفسير قد يُساء فهمه عند أنواع من القراء، فاقتصرت فيه على ما قاله ابن كثير، وكلامه يسع الجميع ويكفي الجميع\" (١).\nومن الأمثلة التي وردت في تفسيره، والتي تظهر مذهبه العقدي، قوله في تفسير الاستواء في الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: \"قال ابن كثير: وأما قوله تعالى: ﴿أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فللناس فيه هذا مقالات كثيرة جدًّا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح، مالك والأوزاعي والثوري والليث بن سعد والشافعي وأحمد وإسحاق بن راهويه وغيرهم، من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، بل الأمر كما قال الأئمة، منهم نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري، قال: من شبّه الله بخلقه كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة على الوجه الذي يليق بجلال الله، ونفى عن الله تعالى النقائص فقد سلك سبيل الهدى\" (٢). وبعد أن نقل هذا الكلام عن ابن كثير لم يعقب عليه، وهذا دليل قبوله.\nوفي تفسير اليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠]، أيضًا نقل ما قاله ابن كثير دون تعقيب، حيث قال: \"قال ابن كثير: أي هو حاضر معهم يسمع أقوالهم ويرى مكانهم ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، فهو تعالى هو المبايع بواسطة رسول الله - ﷺ - (٣).\n_________\n(١) الأساس، ١١/ ٦٧٧٣.\n(٢) الأساس، ٤/ ١٩١٤.\n(٣) الأساس، ٩/ ٥٣٦٠.","vol":"3","page":72},{"text":"ونجده يفسر الآية الكريمة: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، قال: \"أي بلا واسطة، أي ما منعك عن السجود امتثالًا لأمري، وإعظامًا لخطابي لمن خلقته بلا واسطة، وفي ذلك دليل على بطلان نظرية التطور في شأن خلق آدم - علية السلام -\" (١).\nوهو ينكر على المذاهب المخالفة لذهب أهل السنّة والجماعة، فهو يردّ على المعتزلة في قولهم بخلق القرآن، فيقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]: \"مما استدل به المعتزلة على حدوث القرآن هذه الآية، ولا يصح لهم هذا الاستدلال، لأن المراد بالمحدث أنه محدث إتيانه، قريب عهده باستماعهم، مبتدأة تلاوته\" (٢).\nوكذلك يثبت رؤية الله ﷿ يوم القيامة، فعند قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، يحشد الأحاديث الواردة عن الرسول - ﷺ - التي تثبت رؤية الله ﷿ يوم القيامة، منها ما رواه البخاري ﵀ في صحيحه: \"إنكم سترون ربكم عيانًا\"، وغيرها كثير من الأحاديث، كذلك استدل بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وأن الزيادة التي وردت في الآية هي النظر إلى وجه الله تعالى كما جاء في الحديث الشريف.\nثم قال: وهذا بحمد الله مُجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة كما هو متفق عليه بين أئمة المسلمين، وهداة الأنام.\nثم ردّ على من أوّل الآية تأويلًا يجعل الرؤية غير مرادة، فقال: ومن تأوّل ذلك المراد بـ (إلى) - مفرد الآلاء - وهي النعم كما قال الثوري عن منصور عن\n_________\n(١) الأساس، ٨/ ٤٨٠٦.\n(٢) الأساس، ٧/ ٣٤٢٨.","vol":"3","page":73},{"text":"مجاهد ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ قال: تنتظر الثواب من ربها - فقد أبعد هذا الناظر النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، قال الشافعي: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه ﷿ .... (١).\nهذه نماذج من تفسير الشيخ ﵀ لآيات الصفات، وآيات أخرى، تدل على نهجه ومذهبه، نرجو أن يكون فيها كفاية وبيان.\nوقد بيّن الشيخ ﵀ في مقدمة تفسيره السبب الذي حمله على الاهتمام بالخلافات المذهبية سواء منها العقدية أم الفقهية، وهو أن في عصرنا قضايا إسلامية ومناقشات تدور بين المسلمين أنفسهم، وبعض هذه القضايا استمرار لمناقشات قديمة، سببها الاختلاف المذهبي والخلاف الاعتقادي، وبعضها وليد عصرنا، وهو يرى أن هذا الموضوع لا بد من الاستقرار فيه على شيء، وقد حاول هو أن يغطي هذا الموضوع في كل مناسبة ذات صلة بشيء من ذلك (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>موقفه من القضايا اللغوية:</span>\nلم يولِ الشيخ هذه القضايا عناية كبيرة، فلا نجده يهتم بالمسائل النحوية، ولا يعتني بها، أما القضايا البلاغية فاهتمامه بها أكثر قليلًا من الأمر السابق، وإذا ما قسناه مع غيره من التفاسير نصنفه في فئة المقلّين في عرض هذا الجانب.\nوقد يكون السبب وراء هذا هو ما أراده الشيخ من تفسيره، وما هدف إليه من جعل هذا التفسير يخدم قضية الإصلاح، إصلاح الاعتقاد والعمل.\n_________\n(١) انظر: الأساس، ١١/ ٦٢٧٦، ٦٢٧٧.\n(٢) انظر: مقدمة التفسير، ١/ ١٠.","vol":"3","page":74},{"text":"ويقول ﵀ في هذا الشأن: \"إن كثيرًا من التفاسير يفترض سلامة الإيمان وكماله، ومن ثم ركّز على النكت والشروح والفوائد ومناقشة الخصوم، وكل ذلك له فوائده، ولكن هذا التفسير يريد صاحبه أن يكون أداة لرفع درجات اليقين، بحيث لا يخلص القارئ من صفحة إلى صفحة إلا وقد ارتقى يقينه، هذا مع تصحيح التصورات وزيادة العلم، إن من أهداف هذه السلسلة خدمة قضية زيادة الإيمان، وإصلاح الاعتقاد والعمل\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-750>موقفه من القراءت:</span>\nلم يهتم الشيخ كثيرًا بعرض القراءات المختلفة، بل اكتفى برواية حفص عن عاصم، وبنى تفسيره عليها، وحجته في ذلك أنه لا يريد تشتيت القارئ (٢)، لكنه لم يهملها تمامًا، فقد ذكرها أحيانًا دون أن يبين صاحب القراءة، كما في قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٥]، قال: \"فيه ثلاث قراءات متواترة: دَرَسْتَ، ودارَسْتَ، ودَرَسَتْ، وكل واحدة تعطي معنى يقوله الكافرون، أما الأولى: فواضحة، وأما الثانية: فهي من المدارسة وهي واضحة، وأما الثالثة فمعناها: أي مضت هذه الآيات، وانتهت وانمحت وتقادمت، وهي من باب الأساطير، وكل من الأقوال الثلاثة تسمعه من الكافرين في عصرنا، الأول والثاني يقوله أهل الكتاب، والثالث يقوله الملاحدة: إن الدين كله مرحلة من مراحل الحياة البشرية انتهت وانقضت، وفي هذا مظهر من مظاهر الإعجاز في القرآن، إن في عرضه لاتجاهات الناس بأخصر الأقوال، أو لاختياره الكلمة التي لا يحل غيرها محلها، ومما ذكرناه نفهم الحكمة في تعدد القراءات المتواترة عن رسول - ﷺ -؛ إذ في ذلك توسعة على الأمة بما يسع لهجات العرب، وفي ذلك معانٍ جديدة، وإنما اقتصرنا في هذا\n_________\n(١) الأساس، ١/ ١٣.\n(٢) انظر: المقدمة، ١/ ٣١.","vol":"3","page":75},{"text":"التفسير على رواية حفص ذكرًا، وشرحًا، لأنها القراءة الأكثر انتشارًا في العالم الإسلامي\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-751>استطراداته:</span>\nيقول الشيخ سعيد في مقدمة تفسيره: \"ومن مميزات التفسير أنه ليس فيه حشو، وليس فيه إلا ما له علاقة بصلب التفسير، وقد استبعدتُ منه كل قضية لم أعتبرها علمية\" (٢).\nوعند استعراض تفسيره يمكن القول بعدم دقة هذا الكلام، حيث نجد أنه كثيرًا ما يستطرد ويذكر ما ليس له علاقة مباشرة بصلب التفسير، وإنْ كان أحيانًا مما له علاقة من طرف بعيد، كاستطراداته في بعض مباحث الآيات، فمثلًا عند آيات الصيام في سورة البقرة يعقد فصلًا في (الصوم عند الأمم)، ثم يفصل: الصوم عند اليهود [بعنوان منفصل]، و(الصوم في الديانات السابقة) وهكذا ...... (٣).\nصحيح أن هذا كلام علمي، إلا أنه لا علاقة مباشرة له بصلب التفسير.\nومن استطراداته بحثه في بعض مسائل العلوم الحديثة، فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ [المؤمنون: ١٨]، يستطرد بعد تفسيره الآية، فيتحدث عن دورة الماء في الكون من الناحية العلمية، وأنها دليل على أن هذا القرآن من عند الله (٤).\nومن استطراداته غير العلمية ما كان ينقله عن التوراة، مما لا داعي له البتة، من ذلك ما جاء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ\n_________\n(١) الأساس، ٣/ ١٧٤٢.\n(٢) انظر: ١/ ٤٢٨، ٤٣٠.\n(٣) انظر: ١/ ٤٢٨، ٤٣٠.\n(٤) انظر: ٧/ ٣٦٣٤.","vol":"3","page":76},{"text":"عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقَال مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ [إبراهيم: ٦ - ٨].\nقال الشيخ: قول موسى -﵇- لقومه في هذه الآيات الأربع نجدها في الإصحاحات التاسع والعشرين، والثلاثين من سفر التثنية، مع سطر من نهاية الإصحاح الثامن والعشرين، ننقلها هنا لنرى كيف أن هذا القرآن إعجازاته لا تنتهي، فما تحويه آيات ثلاث منه تحتاج إلى الصفحات من غيره، كما ننقله استئناسًا لنرى كيف خاطب موسى -﵇- قومه، فنرى تفصيل ما أجمله القرآن (١).\nوبعد هذا نقل ما جاء في الإصحاحات التي ذكرها بالنص، واستغرق هذا منه ثلاث صفحات مع أنه كان بإمكانه أن يكتفي بما جاء في القرآن الكريم، دون الرجوع إلى التفاصيل الواردة عند أهل الكتاب، ذلك لو أن في هذه التفاصيل خيرًا لذكرها القرآن، والأوْلى بنا أن نُعرض عما أعرض عنه القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-752>أثر ثقافته وتجاربه على تفسيره:</span>\nعلمنا من خلال الاطلاع على حياة الشيخ ﵀ أنه قد مرّ بمراحل مختلفة في حياته، وأنه قد تعرض لتجارب عديدة، واطّلع على ثقافات متنوعة مما كان له أثر كبير في بلوغه أوج نضجه العقلي، وذروة استعداده الفكري. ونلمس في تفسير الأساس آثارًا واضحة للثقافات المتنوعة والتجارب العديدة التي مرّ بها الشيخ سعيد.\nومن أهم الأمور التي كان له أثر في تفكيره تتلمذه على أيدي بعض مشايخ الصوفية، فقد أفاد الشيخ من هذا، واستعان ببعض أقوال الصوفية من ذلك ما قاله\n_________\n(١) انظر: ٥/ ٢٧٨١ - ٢٧٨٤.","vol":"3","page":77},{"text":"عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ [إبراهيم: ١٩ - ٢٠]، قال: \"ذكر الشيخ أحمد زروق في كتابه \"قواعد التصوف\" أن مما يذهب بالشك أن يكرر الإنسان هذه الآية، وكنت أتساءل عن دليل هذا القول حتى اشتغلت بتفسير سورة إبراهيم، فلاحظت أن مجيء هاتين الآيتين آتٍ في سياق دعوة الرسل، وشك أقوامهم فيما يدعونهم إليه، ومن ثم فالآيتان دواء للشك، ودواء من الوسوسة، ثم هما آيتان في الوسط بين مشهدين من مشاهد يوم القيامة، يصفان مآل الكافرين الشاكين المستجيبين للشيطان\" (١).\nوهذا القول اجتهاد يحتمل الخطأ والصواب، فلا دليل عليه من الأدلة المعتبرة، وإنما هو مجرد قول لا يستند إلى دليل.\nولم يقع الشيخ في شطحات الصوفية خلال تفسيره، فلم يفسر الآيات بالتفسير الإشاري مثلًا، وإنما كان تفسيره مما يحتمله ظاهر النص، فظهر أن تصوفه معتدل مقبول.\nومن الأمور كذلك التي كان لها أثر في فكر الشيخ اطلاعه على الثقافات المختلفة، وقراءته الواسعة، وقد أفاد من هذا أنه كان يورد شبهًا تدور في الفكر العالمي، ثم يردها، ومن أمثلة ذلك ما قاله عند تفسيره لفاتحة سورة يونس: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ [يونس: ٢]، إلى آخر الآية، قال: \"رأينا أن السورة بعد مقدمتها عرضت لشبهة وردّتها، ولنتساءل الآن عن مظنة وجود هذه الشبهة في الفكر العالمي؟ نقول - الكلام للشيخ سعيد -: إن من درس تاريخ الفلسفة يجد أن هذه الشبهة تكاد تكون أحد أركان الفكر الفلسفي في العالم، فمنذ أرسطو - بل من قبله حتى الآن - تجد الفكر الفلسفي - بما في ذلك الفكر الذي يثبت وجود الله -\n_________\n(١) الأساس، ٥/ ٢٧٩٨.","vol":"3","page":78},{"text":"يعتقد أن الله لا يتدخل في شؤون خلقه، بل كان أرسطو يتصور أن الله منصرف عن خلقه أصلًا، ولا يعنيه من أمورهم شيئًا، فهو مشغول بكونه سعيدًا - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا - ومن درس وضع العالم المعاصر يجد أن أكثر الخلق هذا شأنهم، فأكثر المجتمعات، وأكثر المفكرين لا ينكرون وجود الله، ولكن إيمانهم بوجوده يرافقه عدم استعداد للتلقي عنه، أو على الأصح استغراب أن ينزل وحيه، وأن يكون وحيه ملزِمًا وموجّهًا\" (١).\nومن هنا نرى ضرورة اطلاع المسلم على الثقافات المختلفة، حتى يستطيع أن يردّ ما يجده معارضًا لدينه وعقيدته.\nولعل من أبرز الثمرات في فكر الشيخ، التي ظهرت بصماتها بوضوح في تفسيره انتماءه لحركة \"الإخوان المسلمين\" التي تشبع فكره من تعاليمها، فيرى أن الأصل في المسلم أن يكون جزءًا في جماعة، ويقول في هذا الشأن عند تفسير سورة الفاتحة: \"رأينا من خلال سورة الفاتحة أن الأصل في المسلم أن يكون جزءًا من كل هو الجماعة، وأن الأصل في التربية الإسلامية أنها تقوم على التربية الجماعية\" (٢).\nوالشيخ سعيد يحاول أن يعالج القضايا المعاصرة التي يمرّ بها المسلمون من خلال منهج الحركة الإسلامية، قال: \"وإني لأرجو أن أكون بهذه السلاسل قد أجبت على كل شبهة، وأعطيت جواب الحركة الإسلامية على كل المسائل المعاصرة، ومن ثم فإني أرجو أن تكون نقاط أعلام مضيئة على طريق طويل، وضع النقاط الأولى فيه حسن البنا، ووضع النقاط التالية فيه حسن الهضيبي، ووضع نقاطًا مضيئة كثيرة فيه سيد قطب، وغيره من أبناء الحركة في الشرق الإسلامي، وعلى امتداد هذا العالم، فإن الكثيرين قد وضعوا من هذه النقاط على هذا الطريق\" (٣).\n_________\n(١) الأساس، ٥/ ٢٤٢٥.\n(٢) الأساس، ١/ ٣٩.\n(٣) الأساس، ١/ ١٩.","vol":"3","page":79},{"text":"وقال في موضع آخر: \"من مميزات هذا التفسير أنه كتاب علم ودعوة وتربية وجهاد في آنٍ واحد، فهو كتاب تبصير للمسلم في هذه الدوائر كلها، وكيف ينبغي أن يتصرف في كل دائرة منها على بصيرة، بما لا يطغى فيه حق العلم على حق المعركة، أو حق المعركة على حق العلم، أو حق العلم والمعركة على حقوق الدعوة وطرائق التربية\" (١).\nونراه التزم بما ألزم به نفسَه إلى حدّ بعيد، من ذلك ما قاله عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]: \"وههنا أسئلة: إذ كان الراهب، أو المرأة، أو الشيخ يشارك في المعركة برأيه، أو بفعله، فما حكم قتله؟ الفتوى على جواز القتل.\nبعض العمليات الفدائية المعاصرة قد يقتل فيها النساء والشيوخ والأطفال تبعًا بسبب أنها تكون عن طريق التسلل والخفاء، لعدم التكافؤ بين المسلمين وعدوّهم، فما حكم ذلك؟ الفتوى على الجواز إذا تعيّن ذلك طريقًا للصراع مع الكفر وأهله.\nفي الحرب الحديثة نرمي العدو من بُعد، فنرمي مدنه، ومستعمراته وقراه، فما حكم ذلك؟ الفتوى على الجواز إنْ كان هو يفعل بنا ذلك أو يستحلّه ويعمل له\" (٢).\nهذه أهم المعالم التي تحدد منهج الشيخ سعيد حوى في تفسير \"الأساس في التفسير\" وطريقته في تناوله الآيات، نرجو أن نكون قد وفقنا في بيانها ودراستها، والله الموفق.\n_________\n(١) الأساس، ١/ ٣٠.\n(٢) الأساس، ١/ ٤٤٣.","vol":"3","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-753>منهج الإمام الشنقيطي (ت ١٣٩٣ هـ/١٩٧٣ م) تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن</span>","vol":"3","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-754>القسم الأول</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-755>أولا: ترجمة الإمام الشنقيطي </span>(١):\nهو \"محمد الأمين\" بن محمد المختار بن عبد القادر بن محمد ينتهي نسبه إلى جاكن الأبر جد القبيلة المشهورة المعروفة بالجكنيين، ويرجع نسب قبيلته إلى قبيلة حمير القبيلة المعروفة بأصالة العروبة ومميزاتها.\nوُلد - ﵀ - في عام ١٣٢٥ هـ الموافق ١٩٠٧ م في مدينة \"كيفا\" من القطر المسمى بشنقيط وهي دولة موريتانيا الإسلامية الآن، وقد نشأ - ﵀ - في بيئة ضمن قبيلةٍ قد جمعت بين طلب العلم وفروسية القتال، مع عفة عن أموال الناس، فحفظ القرآن الكريم وعمره عشر سنين، وأخذ سندًا ينتهي إلى النبي - ﷺ - بقراءة نافع برواية ورش من طريق أبي يعقوب الأزرق وقالون من رواية أبي نشيط.\nدرس في صغره رسم المصحف العثماني وبعض المختصرات في فقه الإمام مالك، ومبادئ النحو وأنساب العرب وأيامهم والسيرة النبوية، أما المنطق وآداب البحث والمناظرة فقد حصلها بالمطالعة ومن أهم أساتذته من علماء \"الجكنيين\": الشيخ محمد بن صالح المشهور بابن أحمد الأقرم، والشيخ أحمد الأقرم بن محمد المختار، والشيخ العلّامة أحمد بن عمر وغيرهم.\nوكان ذا شاعرية رقراقة وقريحة شفافة فيما نقل عنه من أشعاره، ومع هذا فقد كان يتباعد عن قول الشعر مع وفرة حفظه إياه تورعًا منه - ﵀ -. وقد عمل في الدرس والفتيا، واشتهر عنه الفراسة في القضاء في الخصومات. وقد كان في لجنة القضاء بالدماء في بلده. ثم سافر إلى المملكة العربية السعودية لأداء فريضة الحج،\n_________\n(١) انظر ترجمته عند تلميذه الشيخ عطية محمد سالم - رحمهما الله - في الجزء التاسع من \"أضواء البيان\"، ص ٤٧٩ - ٥٠٤.","vol":"3","page":83},{"text":"وهناك طابَ له البقاء بعد أن وجد ترحيبًا، فدرس بقية المذاهب إلا المالكي، وبدأ يدرِّس في المسجد النبوي دروسًا في التفسير يعرض فيها للمفردات والإعراب والتصريف والبلاغة، والأحكام الفقهية وأدلتها وما يتعلق بها، والعلوم الأخرى اللازمة وهكذا، ثم درَّس في معهد الرياض وكليتي الشريعة واللغة مدة عشر سنوات قبل إنشاء الجامعة الإسلامية التي عمل مدرِّسًا فيها وعضوًا في مجلسها، وكان - ﵀ - أحد أعضاء هيئة كبار العلماء في السعودية، وعضوًا في رابطة العالم الإسلامي، كان له مواقف طيبة في أثناء عمله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-756>مؤلفاته:</span>\nللشيخ - ﵀ - تآليف عديدة مخطوطة ومطبوعة، فمن المخطوطة:\n١ - في أنساب العرب نظمًا.\n٢ - رجز في فروع مذهب مالك يختص بالعقود في البيوع والرهون.\n٣ - ألفية في المنطق.\n٤ - نظم في الفرائض.\nوأما المطبوعة:\n١ - منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز، يبطل فيه إجراء المجاز في القرآن.\n٢ - دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. والكتابان موجودان في نهاية الأضواء في الجزء التاسع.\n٣ - مذكرة أصول الفقه على روضة الناظر.\n٤ - آداب البحث والمناظرة\n٥ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن.","vol":"3","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-757>عقيدته:</span>\nإنّ المتأمل في كلام الشيخ - ﵀ - وهو يفسر بعض الآيات التي عرضت لبعض الأمور العقدية يدرك إدراكًا تامًّا، بحيث تتكون لديه قناعة تامة، بأن الشيخ - ﵀ - كان ملمًا إلمامًا تامًّا بمذهب الأشاعرة لا في القضايا الكلية فحسب، بل في القضايا الجزئية والفرعية، وعلى سبيل المثال تدرك هذا وأنت تقرأ تفسير الشيخ - ﵀ - في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأعراف: ٥٤] (١). ومعنى هذا أن الشيخ - ﵀ - إما أن يكون قد درس مذهب الأشاعرة دراسة جيدة، وإما أن يكون أشعريًا قبل مجيئه إلى بلاد الحجاز، هذه قضية يسميها علماء المنطق \"مانعة الخلو\" وليست \"مانعة الجمع\" بمعنى أن حال الشيخ - ﵀ - لا يخلو عن واحدة منهما، ولكن يمكن أن يكون جامعًا بينهما. ولقد حدثني أحد الطلاب الذين أثق بهم أنه سمع أحد ابني الشيخ - حفظهما الله - في إحدى المحطات الفضائية وأظنها (الشارقة) يقول: إن والده - ﵀ - لم يتّلمذ لأحد في بلاد الحرمين، ولم يغيّر عقيدته. ونحن إذ نسلم القضية الأولى: وهي أن الشيخ لم يجلس على كرسي التلمذة، لكننا يجب أن نناقش القضية الثانية.\nونعتمد في هذا النقاش على ما ذكره تلميذه البار الوفي الذي كان وهو يتحدث عن شيخه الذى لا يذكره إلا بعنوان (الوالد)، وأعني به الشيخ عطية محمد سالم - ﵀ - ففي حديثه عن حياة شيخه يقول: \"كان خروجه من بلاده لأداء فريضة الحج وعلى نية العودة، وكان سفره برًا، ... وبعد وصوله إلى هذه البلاد تجددت نية بقائه، ولعل من الخير ذكر سبب بقائه؛ لقد كان في الصدف أن ينزل - ﵀ - في بعض منازل الحج بجوار خيمة الأمير، خالد السديري، دون أن يعرف أحدهما الآخر، وكان الأمير خالد يبحث مع جلسائه بيتًا في الأدب - وهو ذوّاقة أديب - وامتد الحديث إلى أن سألوا الشيخ لعله يشاركهم فوجدوا بحرًا لا\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان، ٢/ ١٨ - ٣١.","vol":"3","page":85},{"text":"ساحل له، ومن تلك الجلسة وذاك المنزل، تعدلت الفكرة، بل كانت تلك الخيمة بداية منطلق لفكرة جديدة، وأوصاه الأمير إن هو قِدَم المدينة أن يلتقي الشيخين: الشيخ عبد الله الزاحم - ﵀ - والشيخ عبد العزيز بن صالح - حفظه الله - وفي المدينة التقى بهما وكان صريحًا معهما فيما يسمع عن البلاد، وكانا حكيمين فيما يعرضان عليه ما عليه أهل هذه البلاد من مذهب في الفقه ومنهج في العقيدة، وكان أكثرهما مباحثة معه فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح، وأخيرًا قدم للشيخ كتاب \"المغني\" كأصل للمذهب، وبعض كتب الشيخ ابن تيمية كمنهج للعقيدة، فقرأها الشيخ وتعددت اللقاءات وطالت الجلسات، فوجد الشيخ مذهبًا معلومًا لإمام جليل من أئمة أهل السنّة وسلف الأمة، أحمد بن حنبل - ﵀ - كما وجد مذهبًا سليمًا لعقيدة السلف، تعتمد الكتاب والسنّة، وما كان عليه سلف الأمة، فذهب زيف الدعايات الباطلة، وظهر معدن الحقيقة الصحيحة، وتوطدت العلاقة بين الطرفين، وتجددت رغبة متبادلة في بقائه لإفادة المسلمين\" (١).\nعُرِف - ﵀ - بقوته وصلابته في الحق، يزين ذلك لين ودماثة خلق مع تواضع وإنصاف مع زهد وتعفف عما في أيدي الناس، وقد كان جلُّ وقته للدرس والبحث والتعليم وقد كان بيته ملاذًا لطلاب العلم والباحثين عن الحقيقة، وقد عرف بطيبه وكرمه وقناعته فيما بين يديه.\nتوفي - ﵀ - بعد أدائه لفريضة الحج يوم الخمس ١٧/ ١٢/ ١٣٩٣ هـ الموافق ١٩٧٣ م بمكة المكرمة وصلى عليه آنذاك الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمهما الله - بالمسجد الحرام، ودُفن بمقبرة المعلاة بمكة، ثم بعد ذلك أقيمت عليه صلاة الغائب في المسجد النبوي الشريف.\n_________\n(١) المصدر السابق، ٩/ ٤٨٩ - ٤٩٠.","vol":"3","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-758>ثانيا: التعريف بالتفسير:</span>\nالمطلع على هذا التفسير يجد لزامًا عليه قبل أن يتحدث في الأمور التفصيلية، أن يعطي القارئ صورةً عن هيكلة هذا التفسير.\nطبع هذا التفسير أكثر من مرة، وجلُّ الطبعات خرجت في تسعة أجزاء، فسَّر الشيخ - ﵀ - منها سبعة أجزاء ابتداءً من سورة الفاتحة إلى آخر سورة المجادلة، وأتمّ تلميذه الوفي الشيخ: عطية محمد سالم - ﵀ - تفسير القرآن الكريم ابتداءً من سورة الحشر إلى سورة الناس في الجزءين الثامن والتاسع.\nوسيكون حديثنا أولًا - إن شاء الله - عن تفسير أضواء البيان، ثم نتحدث بعد ذلك عن التتمة.\nويحسن بنا كي تكون الصورة واضحةً أن نبين للقارئ هيكلية هذه الأجزاء السبعة، لأنّ هذه الهيكلية قد تكون مما انفرد بها هذا التفسير.\nفالجزء الأول وعدد صفحاته خمسمائة وخمسين صفحة اشتمل على تفسير الربع الأول من القرآن الكريم ابتداءً من سورة الفاتحة حتى سورة الأنعام:\nالجزء الثاني وعدد صفحاته أربعمائة وثمانون صفحة فقد اشتمل على تفسير ما يزيد عن ستة أجزاء من القرآن الكريم حيث ابتدأ بسورة الأعراف وانتهى بسورة النحل.\nالجزء الثالث: وعدد صفحاته خمسمائة وثلاثون صفحة، وفيه تفسير ثلاث سور هي: الإسراء والكهف ومريم، وهذه السور أقل من جزءين من أجزاء القرآن الكريم الثلاثين.\nالجزء الرابع: وعدد صفحاته حوالي خمسمائة صفحة وفيه تفسير لسورتي طه والأنبياء -﵈- وسبع وعشرين آية من سورة الحج، حيث أخذت آيات سورة الحج نصف هذا الجزء، فتكون سورتا طه والأنبياء قد أخذتا النصف الأول من","vol":"3","page":87},{"text":"الجزء الرابع. والآيات السبع والعشرين من سورة الحج قد أخذت النصف الثاني من هذا الجزء.\nالجزء الخامس: وعدد صفحاته خمسمائة وسبعون صفحة تقريبًا. أكمل فيه سورة الحج وفسر سورتي (المؤمنون) و(النور)، حيث أخذت تتمة سورة الحج ثلاثمائة صفحة، وبهذا تكون سورة الحج قد أخذت من التفسير خمسمائة وخمسين صفحة، وهي المساحة نفسها التي فسَّر بها الشيخ - ﵀ - ربع القرآن الكريم من الفاتحة إلى آخر الأنعام.\nالجزء السادس وعدد صفحاته أربعمائة صفحة تقريبًا، ابتدأ بسورة (الفرقان) حتى نهاية سورة (غافر).\nالجزء السابع وعدد صفحاته خمسمائة وسبعون صفحة تقريبًا، وقد ابتدأ بسورة (فصلت) وختم بتفسير سورة (المجادلة) وهذه ثلاثة أجزاء من القرآن.\nهذه الهيكلية لتفسير الشيخ - ﵀ - ولعلك أيها القارئ تدرك أن هذه الهيكلية غير منسجمة مع مساحة السور الكريمة، كما نرى في جلِّ التفاسير، فلقد اعتاد جلُّ المفسرين أن يطيلوا النفس في الأجزاء الأولى من القرآن الكريم كما نعلم.\nولعل القارئ بعد هذا الوصف لهيكلية التفسير يتساءل عن السبب في ذلك ويظهر - والله أعلم - وقد منَّ الله علينا بقراءة هذا التفسير من أوله إلى آخره أن هناك ملحوظات ثلاث جدير بنا أن نتحدث عنها، ليكون القارئ على بيِّنة، ويكون تصوره تامًّا لما في هذا التفسير الكثير الفوائد:\nالملحوظة الأولى: أن الشيخ ﵀ لم يفسر القرآن الكريم كله، فإن هناك في كثير من السور القرآنية آيات كثيرة لم يفسرها الشيخ كما ستعرفه إن شاء الله.\nوالملحوظة الثانية: الاستطرادات الكثيرة التي كان يذكرها الشيخ في أثناء التفسير، وقد تكون فقهية أو عقدية أو لغوية، وقد تكون استطرادات تتصل بقضايا أخرى.","vol":"3","page":88},{"text":"وأما الملحوظة الثالثة: فلقد كان الشيخ ﵀ عند تفسير آية من الآيات الكريمات يذكر آيات كثيرة، يرى أنها جاءت متفقة من حيث المعنى مع الآية التي يفسرها.\nوهذه الملحوظات الثلاث أرى أنها كان لها أثر كبير ذو شأن في مجيء التفسير على ما هو عليه الآن، وإليك أخي القارئ بيانًا مفصلًا عن كل ملحوظة من هذه الملحوظات الثلاث:\nالملحوظة الأولى: وهي أن الشيخ ترك كثيرًا من الآيات فلم يعرض لتفسير كثير منها.\nففي سورة البقرة مثلًا، لم يعرض - ﵀ - لتفسير الآيات (١٤٥ - ١٦٣) والآيات (٢٠٠ - ٢١١) كما أنه لم يفسر آية الكرسي والآيات (٢٦٥ - ٢٧٤) المتعلقة بالإنفاق.\nوفي سورة آل عمران لم يعرض للحديث عن الآيات (١٥ - ٣٠) وما يتعلق فيها عن النهي عن موالاة الكافرين وقضية التَّقِيَّة. ولم يعرض للحديث عن الآيات (٣٩ - ٣٢) من آل عمران. ولا للآيات (٦٦ - ٨٩) وما فيها من خطاب لأهل الكتاب. ولم يتحدث عن الآيات (١٢٠ - ١٣٢) وما يتعلق بمعركة أُحد إلا في بعض الجزئيات. وفي سورة النساء لم يفسر قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وما فيها من آراء للعلماء وإلى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤] وما فيها من قضايا، وإلى قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النساء: ٧٥] لم يتحدث عن المستضعفين وما يتعلق بهم. وإلى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] وما فيها، وإلى قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] وما يتعلق بها. وفي المائدة، لم يعرض للولاية بين المسلمين وبين اليهود والنصارى وما فيها من قضايا في الآيات (٥١ -","vol":"3","page":89},{"text":"٥٧) إلا في جزئيات قليلة. وإلى قول اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وما فيها.\nوإلى قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].\nالأعراف لم يعرض للحديث عن أصحاب الأعراف.\nوفي الأنفال لم يتحدث عن الآيات (١١ - ١٩) و(٣٥ - ٤١) و(٤٢ - ٤٥) و(٤٨ - ٥٣) و(٦٥ - ٧٤).\nوفي الرعد لم يعرض لقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ [الرعد: ٣ - ٤]، وإلى صفات المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٢٠ - ٢٢]، ولقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩] وما فيها من قضايا.\nوفي الحجر لم يعرض لقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ [الحجر: ٢٤] وما فيها.\nوفي الكهف لم يعرض لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤] وما فيها من آراء، وإلى قوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف: ٨٢] ولم يتعرض لتفصيلات عن ذي القرنين.\nوفي مريم لم يعرض لقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ [مريم: ١٨].\nوفي النخل لم يعرض لقصة ملكة سبأ.\nوفي الدخان ترك قضية الدخان ولم يتحدث عنها.\nوفي النجم لم يتحدث عن قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨)﴾ [النجم: ٨].\nوفي القمر لم يتحدث عن انشقاق القمر.\nهذا بعض ما استطعت أن أحصيه لك من الآيات التي لم يفسرها الشيخ في هذا التفسير القيم.","vol":"3","page":90},{"text":"أما الملحوظة الثانية فهي كثرة الاستطرادات.\nأما الاستطرادات فهي من الأمور التي يطول فيها الحديث، حيث زادت هذه الاستطرادات الفقهية والعقدية واللغوية وقضايا المنطق والاستدلال عن ألف وثلاثمائة صفحة، وهذا يعني أن ثلاثة مجلدات من أصل سبعة كتبها المؤلف - ﵀ - كان في هذه الاستطرادات.\nوالجدول التالي يبين هذه الاستطرادات:\n\nاسم السورة - رقم الآية - الاستطراد - الجزء - الصفحات\nالبقرة ... ٣٠ ... الإمامة والخلافة وما يتعلق بها ... ١ ... ٢١ - ٣٢\nالبقرة ... ١٧٣ ... في أحكام الميتة ... ١ ... ٤٩ - ٧٢\nالبقرة ... ١٩٦ ... في أحكام الإحصار ... ١ ... ٧٥ - ٨٩\nالبقرة ... ٢٢٩ ... في أحكام الطلاق والخلعر ١ ... ١٠٥ - ١٤٩\nالبقرة ... ٢٧٦ ... مبحث في الربار ١ ... ١٦٠ - ١٨٣\nالنساء ... ١٠١ ... في صلاة القصر والخوف ... ١ ... ٢٤٨ - ٢٧٩\nالنساء ... ١٠٣ ... في أوقات الصلاة وبيان الجمع ... ١ ... ٢٧٩ - ٣٠٥\nالمائدة ... ٦ ... مسائل تتعلق بالمسح على الخفين والتيمم ... ١ ... ٣٣٨ - ٣٧٠\nالمائدة ... ٣٢ ... أحكام القصاص بالقتل وأحكام المرتدين ... ١ ... ٣٧٢ - ٤٠٢\nالمائدة ... ٨٩ ... مسائل في أحكام الإيمان ... ١ ... ٤٢١ - ٤٢٦\nالمائدة ... ٩٥ ... مسائل تتعلق بالاصطياد في الإحرام أو في الحرم ... ١ ... ٤٢٩ - ٤٥٩\nالمائدة ... ١٠٥ ... مسائل تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... ١ ... ٤٦٢ - ٤٦٧\nالأنعام ... ١٤١ ... أحكام تتعلق بالصدقة والزكاة ... ١ ... ٤٩٥ - ٥١٩\nالأنعام ... ١٤١ ... أحكام تتعلق بالأطعمة ... ١ ... ٥٢٠ - ٥٤٣\nالأعراف ... ٥٤ ... آيات الصفات ... ٢ ... ١٧ - ٣١\nالأنفال ... ٤١ ... حكم الغنائم ... ٢ ... ٥٦ - ٨٧\nالأنفال ... ٤١ ... حكم سلب القاتل ... ٢ ... ٨٧ - ١٠١\nالأنفال ... ٧٥ ... العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض ... ٢ ... ١٠٥","vol":"3","page":91},{"text":"التوبة ... ٣٤ ... في أحكام نصاب الزكاة ... ٢ ... ١١٨ - ١٤٤\nالرعد ... ٨ ... في الدم الذي تراه الحامل ... ٢ ... ٢٢٦ - ٢٣٦\nالحجر ... ١٨ ... ذكر أصحاب الأقمار الصناعية ... ٢ ... ٢٥٩ - ٢٦٥\nالحجر ... ٥٤ ... حالات نون الرفع ... ٢ ... ٢٨٢ - ٢٨٣\nالحجر ... ٨٠ ... حكم الحجر والصلاة في معاطن البقر والإبل ... ٢ ... ٢٩٠ - ٣١٠\nالنحل ... ٥ ... اختلاف العلماء في (إذا) الفجائية ... ٢ ... ٣٣٢\nالنحل ... ١٤ ... مسائل تتعلق بالآية القرآنية الكريمة ... ٢ ... ٢٤٤ - ٣٥٩\nالنحل ... ٦٦ ... مسائل تعلق بالآية القرآنية الكريمة ... ٢ ... ٣٩٧ - ٤٠٣\nالنحل ... ٧٩ ... صيغة (الفَعْل) وكونها من جموع التكسير ... ٢ ... ٤١٩ - ٤٢٠\nالإسراء ... ٩ ... أحكام المساواة بين الرجل والمرأة ... ٣ ... ٤١ - ٥٤\nالإسراء ... ٣٣ ... في مسائل في الآية ... ٣ ... ٨٨ - ١٤٥\nالكهف ... ٢ ... اختلاف العلماء في إعراب (قيما) ... ٣ ... ١٩٣ - ١٩٤\nالكهف ... ١٢ ... اختلاف العلماء في (أحصى) هل هي فعل ماضٍ أم صيغة تفضيل ... ٣ ... ٢١٠ - ٢١٢\nالكهف ... ١٩ ... في مسائل الشركة والوكالة ... ٣ ... ٢٢٩ - ٢٥٠\nالكهف ... ٢٧ ... أصل (الملتحد) مكان الالتحاد لأنه تقرر في علة الصرف ... ٢ ... ٢٦٢\nالكهف ... ٢٩ ... الظلم في لغة العرب ... ٣ ... ٢٦٧\nالكهف ... ٤٦ ... اختلاف العلماء في الحرف المحذوف من (فئة) ... ٣ ... ٢٧٠\nالكهف ... ٥٧ ... الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية والارتباط بين طرفي الشرطية ... ٣ ... ٣١٤ - ٣١٦\nالكهف ... ٥٨ ... (موئلًا) أصلها في فن الصرف ... ٣ ... ٣١٧\nالكهف ... ٥٩ ... جمع التكسير على (فُعَل) (القُرى) ... ٣ ... ٣١٨\nالكهف ... ٥٩ ... (لمهلكهم) وما يتعلق بصرفها ... ٣ ... ٣١٩\nالكهف ... ٥٩ ... أنواع (لما) في القرآن وفي كلام العرب ... ٣ ... ٣١٩ - ٣٢١\nالكهف ... ٦٥ ... الحديث عن الخضر - ﵇ - ... ٣ ... ٣٢٦ - ٣٣٨\nالكهف ... ٩٨ ... القياس الاستثنائي الشرطي ... ٣ ... ٣٤٤ - ٣٤٥\nمريم ... ١١ ... مشروعية ارتفاع الإمام عن المأمومين ... ٣ ... ٣٧٣ - ٣٧٧","vol":"3","page":92},{"text":"مريم ... ١٤ ... أصل (عصيًا) في الصرف ... ٣ ... ٣٨١\nمريم ... ١٥ ... أحوال بناء وإعراب ما قبل الفعل الماضي ... ٣ ... ٣٨٢ - ٣٨٣\nمريم ... ٢٠ ... أصل (البغي) في الصرف ... ٣ ... ٣٨٨\nمريم ... ٢٣ ... أصل (مُتَّ) و(مِتّ) من حيث علم الصرف ... ٣ ... ٣٩٢\nمريم ... ٢٦ ... الإشارة نوع من الكلام ... ٣ ... ٤٠١ - ٤١٢\nمريم ... ٦٠ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٣ ... ٤٤٥ - ٤٦٤\nمريم ... ٦١ ... الاختلاف في نوع البدل في قوله: (جنات عدن) ... ٣ ... ٤٦٥ - ٤٦٦\nمريم ... ٦٢ ... تحقيق الفرق يبن الاستثناء المتصل والمنقطع ... ٣ ... ٤٦٧ - ٤٧٠\nمريم ... ٧٩ ... مسائل تتعلق بالسبر والتقسيم ... ٣ ... ٤٩٣ - ٥٠٦\nطه ... ٦٩ ... مسائل تتعلق بالسحر ... ٤ ... ٤١ - ٦٢\nطه ... ١٢٣ ... مسائل في الحيات ... ٤ ... ١٢٠ - ١٢٤\nالأنبياء ... ٧٩ ... مسائل تعلق بالآية الكريمة (أصول فقه) ... ٤ ... ١٧٠ - ٢٣١\nالحج ... ٢٧ ... مسائل تتعلق بالحج ... ٤ ... ٣٠٢ - ٥/ ١١٠\nالحج ... ٢٨ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٥ ... ١١٥ - ٢٥٣\nالنور ... ٢ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٥ ... ٣٦٨ - ٤١٨\nالنور ... ٥ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٥ ... ٤٣١ - ٤٦٣\nالنور ... ٨ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٥ ... ٤٦٦ - ٤٨٤\nالنور ... ٢٧ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٥ ... ٤٩٣ - ٥٠٦\nالنور ... ٣٧ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٥ ... ٥٣٩ - ٥٤٨\nالفرقان ... ٣ ... الخلاف في (الكف) هل هو فعل أو لا؟ ... ٦ ... ٤٨ - ٥٠\nالنمل ... ٨٠ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٦ ... ١٢٨ - ١٤٢\nالأحزاب ... ٤ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٦ ... ١٨٩ - ٢٣٢\nص ... ٢٧ ... أنواع الفعل الحقيقي والصناعي وما يتعلق بذلك ... ٦ ... ٣٤٢ - ٣٤٣\nالزخرف ... ٨١ ... الصدق والكذب في الجمل الشرطية والربط بين الشرطية وجوابها ... ٧ ... ١٥١ - ١٦٦\nمحمد ... ٢٤ ... مسائل تتعلق بالآية الكريمة ... ٧ ... ٢٥٨ - ٣٧٨","vol":"3","page":93},{"text":"وهذه الاستطرادات نجد أنها عامة في الفقه وأصوله في النحو والصرف، في التوحيد، والعقيدة، في المنطق، وفي الجدل، في اللغة وفي علوم كثيرة، وهذا دليل على ما للشيخ من فضل وتبحر في هذه العلوم جميعها.\nأما الملحوظة الثالثة، وهي أن الشيخ عند تفسيره لآية من الآيات الكريمة، يذكر آيات كثيرة، يرى أنها جاءت متفقة من حيث المعنى مع الآية التي يفسرها.\nوهذه تكاد تكون ظاهرة في التفسير كله، وسنكتفي بمثال واحد. قال ﵀ عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].\nأشار في هذه الآية إلى ثلاثة براهين من براهين البعث بعد الموت، وبينها مفصلة في آيات أُخر.\nالأول: خلق الإنسان، وذكر عشر آيات.\nالبرهان الثاني: خلق السموات والأرض وذكر خمس آيات.\nالبرهان الثالث: إحياء الأرض بعد موتها وذكر أربع آيات (١).\nويا ليت الشيخ - ﵀ - اختصر من استطراداته، مع ما لها من فوائد كثيرة، واختصر كذلك من ذكر الآيات الكثيرة التي يريدها عند تفسير آية معينة، وفسر الآيات التي لم تُذْكَر في هذا التفسير، وهي كثيرة كما عرفت من قبل.\nوهناك أمر آخر كنا نودّ أن لا يكون في هذا التفسير، وهو أن الشيخ ﵀ قد يذكر بعض الأمور في غير موضعها الذي يجب أن تكون فيه.\n_________\n(١) أضواء البيان، ١/ ١٧.","vol":"3","page":94},{"text":"ومن أمثلة ذلك أنه:\n١ - تحدث في سورة المائدة عن أحكام القصاص بالقتل عند الآية (٣٢) في ١/ ٣٩٤ - ٣٧٣ وكان الأوْلى به أن يتحدث عن ذلك عند موضع وروده الأول في سورة البقرة عند قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨].\n٢ - ولم يتحدث عن الحروف المقطعة عند ورودها الأول في سورة البقرة وإنما تحدث عنها في بداية سورة هود وقدم عذرًا ضعيفًا هناك وهو أن \"الحروف المقطعة في القرآن المكي غالبًا، والبقرة وآل عمران مدنيتان، والغالب له الحكم، واخترنا لبيان ذلك سورة هود لأن دلالتها على المعنى المقصود في غاية الظهور والإيضاح\" (١).\n٣ - وعرض للفرق بين ﴿ضَيِّقًا﴾ [الأنعام: ١٢٥] ﴿وَضَائِقٌ﴾ [هود: ١٢] عرض لذلك في الفرقان (٢)، ولم يعرض لها عند ورودها الأول في سورة الأنعام.\n٤ - وعرض لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ في سورة الرحمن (٣)، عند قوله تعالى: ﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾ [الرحمن: ١٢]. ولم يعرض لتفسيرها عند أول ورود لها في سورة النساء في آيتي سورة النساء (٢٢ و٢٣).\nوهذا وصفٌ دقيق التزمنا فيه الوضوعية لهذا التفسير وأرجو أن يعطيَ القارئَ فكرة جيدة عن هذا التفسير الكبير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-759>ثالثا: ملاحظات على القضايا المنهجية في التفسير:</span>\n١ - موقفه من الأحاديث النبوية الشريفة: يفسر الآيات أحيانًا أو يرجح رأيًا على رأي من خلال الاستشهاد بالأحاديث النبوية الشريفة، ومنهجه في ذلك ليس\n_________\n(١) أضواء البيان، ٢/ ١٦٨.\n(٢) المرجع السابق، ٦/ ٢٨.\n(٣) أضواء البيان، ٧/ ٤٩٨.","vol":"3","page":95},{"text":"واحدًا، فأحيانًا يطيل في التخريج والحكم على الأحاديث بما ليس له ضرورة، وأحيانًا لا يخرج هذه الأحاديث، وقد يستدل بها أحيانًا مع عدم صحتها.\nفمثلًا: عند قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف: ٢٦]، قال: \"إن الشاهد هو صبي - مستدلًا بحديث ابن عباس الذي يرفعه للنبي - ﷺ - تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم\" (١) لكن الرواية الصحيحة في الصحيحين لم يُذكر فيها شاهد يوسف (٢)، والحديث الذي ذكره رواه أحمد (٣) في مسنده والحاكم في المستدرك والطبراني في المعجم الكبير وابن حبان في صحيحه والبيهقي في الدلائل والبزار في كشف الأستار من قول ابن عباس وليس مرفوعًا للنبي - ﷺ -. والشاهد في الآية الكريمة ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ هو هو رجل عاقل تدل شهادته على رجاحة عقله، ولو كان طفلًا ما احتاج إلى هذا التفضيل في شهادته، على أن الحديث في صحيح الإمام مسلم الذي ذكر فيه من تكلموا في المهد (٤)، لم يعرض للشاهد ببراءة يوسف -﵇-، وحديث مسلم مقدم على الحديث الذي ذكره الشيخ.\nوعند قوله تعالى في السورة نفسها ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف: ٢٨]، قال: \"إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان - مستدلًا بحديث نقله عن القرطبي - عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنَّ كيد النساء أعظم من كيد الشيطان\" (٥)، والحديث لم يروه أحد إلا القرطبي، ويحيى بن أبي كثير لم يسمع من أبي هريرة كما قال أبو حاتم وغيره (٦). ومقاتل لم أتبين من هو هل هو ابن سليمان أو ابن حيان وأظنه\n_________\n(١) أضواء البيان، ٢/ ٢١٧.\n(٢) البخاري ٣٤٣٦، ومسلم ٢٥٥٠ (٨).\n(٣) مسند الإمام أحمد، ٥/ ٣٠، رقم ٢٨٢١، طبعة مؤسسة الرسالة.\n(٤) صحيح مسلم ٢٥٥٠ (٨).\n(٥) المصدر السابق، ٢/ ٢١٧. وانظر: تفسير القرطبي، ٩/ ١٥٠.\n(٦) انظر: العلائي، جامع التحصيل، ص ٢٩٩.","vol":"3","page":96},{"text":"ابن سليمان المفسر الذي رمي بالتجسيم، كذبوه وهجروه كما في التقريب (١)، ثم إن يحيى بن أبي كثير لا يروي عن الصحابة.\nوعند قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨]، استدل على أن ﴿صَفًّا﴾ هي بمعنى (صفوفًا) بحديث نقله عن القرطبي: \"إن الله تعالى ينادي يوم القيامة بصوت رفيع غير فظيع ... \" (٢). والحديث عند التحقيق إن لم يكن موضوعًا فهو ضعيف لا يصح (٣).\nوعند قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ [مريم: ٦٢]، يستدل بحديث أنه ليس في الجنة ليل، يرويه عن الترمذي الحكيم، وليس هو الترمذي صاحب السنن في نوادر الأصول، والحديث: \"ليس هناك ليل إنما هو ضوء ونور، يَرُدُّ الغدوَّ على الرواح، والرواحَ على الغدوِّ\" (٤). والحديث عزاه صاحب كنز العمال للحكيم الترمذي مرسلًا (٥).\n٢ - استشهاده بالشعر: ومن منهجه في التفسير أيضًا أن يستعين بالشواهد الشعرية في تفسيره للمفردات القرآنية (٦)، حتى زادت الأبيات التي اسشهد بها في الأجزاء التي نشرها على ألفي بيت شعر. وأحيانًا يستدل ببعض الأبيات التي فيها ما يخدش الحياء، ويكون الأوْلى للكاتب أن يتجنبها ومن الأمثلة على ذلك:\n_________\n(١) ابن حجر، تقريب التهذيب، ص ٥٤٥.\n(٢) أضواء البيان، ٣/ ٢٨٤.\n(٣) انظر: الذهبي، العلو للعلي الغفار، ص ٦٨.\n(٤) أضواء البيان، ٣/ ٤٧٠.\n(٥) كنز العمال، ١٤/ ٥٧٦.\n(٦) انظر: تفسيره مثلًا لـ: (أزكى) ٣/ ٢٢٧، (رجمًا بالغيب) ٣/ ٢٥٢، (الظلم) ٣/ ٢٧٦، (سرادق) ٣/ ٢٦٨، (نغادر) ٣/ ٢٨٤، (الضلال) ٣/ ٣١٥، (حنانًا (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠، (سريًا) ٣/ ٣٩٥، (ركزًا) ٣/ ٥١٩.","vol":"3","page":97},{"text":"استدلاله على أن من أساليب اللغة العربية: خطاب إنسان والمراد بالخطاب غيره، كقول سهل به مالك الفزاري حين زار حارثة بن لأم الطائي فوجده غائبًا، وأنزلته أخته وأكرمته وكانت جميلة فأعجبه جمالها، فقال مخاطبًا لأخرى غيرها ليُسمِعها هي:\nيا أختَ خيرِ البدْوِ والحضارهْ ... كيف تَرَيْنَ في فتَى فزارهْ\nأصبح يهوَى حُرَّةً معطارهْ ... إياك أعني واسمعي يا جارهْ\nففهمت المرأة مراده، وأجابته بقولها:\nإني أقول يا فتَى فزارهْ ... لا أبتغي الزوجَ ولا الدَّعارهْ\nولا فراقَ أهلِ هذي الحارهْ ... فارحل إلى أهلك باستِحارَهْ (١)\nوالظاهر أن قولها: \"باستحاره\" أن أصله استفعال من المحاورة، أي: ارحل إلى أهلك بالمحاورة التي وقعت بيني وبينك.\nومن الأمثلة على ذلك أيضًا، استدلاله على أن معنى (تقعد) في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾ [الإسراء: ٢٩] بأن معناها: تصير (٢).\nواستدلاله على معنى (والجلود) في قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ [الحج: ٢٠]، أي: وتصهر به الجلود. واستدلاله على ذلك بشعر لا ينبغي أن يذكر في مثل هذا السياق (٣).\nويستدل أحيانًا بمنظومات كثيرة على تفسيره للآيات وبيانه للقضايا اللغوية والإعرابية والأصولية والفقهية والعقدية وهكذا، مثل: مراقي السعود وهو من تآليف الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن عطاء العلوي، وهو نَظْم لمتن \"جمع الجوامع\"\n_________\n(١) أضواء البيان، ٣/ ٨٤.\n(٢) المصدر السابق، ٣/ ٨٤.\n(٣) المصدر السابق، ٤/ ٢٩٠.","vol":"3","page":98},{"text":"للسبكي. والخلاصة وهي المشهورة بالألفية والكافية واللامية وثلاثتها للعلّامة أبي عبد الله بن مالك (٦٧٢ هـ).\nويستدل بمنظومة الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في قصيدة نظمها لمغازي النبي - ﷺ - (١).\nوبعد هذه الملحوظات على هيكلية التفسير نعرض إن شاء الله لقضايا جوهرية حول منهج الشيخ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-760>منهح الشيخ في تفسيره:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-761>أولا: القراءات القرآنية:</span>\nعند حديث الشيخ -﵀- عن القراءات القرآنية، نجده -﵀- كثيرًا ما يوجه هذه القراءات، وقد يكون هذا التفسير لغويًا يتصل بمعنى الكلمة، وقد يكون نحويًا يتصل بالإعراب، وقد يكون توجيهًا صرفيًا، يتصل بأصل الكلمة وبنيتها.\nفمثال التوجيه اللغوي والنحوي حديثه عند قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف: ٤٤] فقد قال: \"قرأ السبعة ما عدا حمزة والكسائي (الوَلاية) بفتح الواو، وقرأ حمزة والكسائي بكسر الواو. وقوله (الحق) قرأه السبعة ما عدا أبا عمرو والكسائي بالخفض نعتًا (لله)، وقرأه أبو عمرو والكسائي بالرفع نعتًا لـ (الولاية) فعلى قراءة من قرأ (الوَلاية) بفتح الواو، فإن معناها: الموالاة والصلة، وعلى هذه القراءة ففي معنى هذه الآية وجهان:\nالأول: أن معنى ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ أي في ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية من كل أحد لله، لأن الكافر إذا رأى العذاب رجع إلى الله.\nالثاني: أن الولاية في مثل ذلك المقام وتلك الحال لله وحده فيوالي فيه المسلمين ولاية رحمة كما في قوله تعالى ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧].\n_________\n(١) انظر مثلًا: ٢/ ٥٤ - ٥٥.","vol":"3","page":99},{"text":"وعلى قراءة حمزة والكسائي فالوِلاية بالكسر بمعنى الملك والسلطان، والآية على هذه القراءة كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ [غافر: ١٦].\nوعلى قراءة (الحقِّ) بالجر نعتًا (لله) فالآية كقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٠].\nوعلى قراءة (الحقُّ) بالرفع نعتًا لـ (الولاية) على أن الولاية بمعنى الملك، فهو كقوله تعالى ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] \" (١).\nوعند قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: ١١٢]، يقول: \"قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حفص (قُلْ) بصيغة الأمر. وقرأه حفص وحده (قال) بصيغة الماضي، وقراءة الجمهور تدل على أنه - ﷺ - أُمِر أن يقولَ ذلك، وقراءة حفص تدل على أنه امتثل الأمر بالفعل\" (٢).\nومثال التوجيه الصرفي للقراءات: عند قوله تعالى على لسان مريم: ﴿يَاليْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ [مريم: ٢٣]، حيث جاءت فيها قراءتان صحيحتان (مُتُّ) و(مِتُّ) بضم الميم وكسرها، يذكر الشيخ -﵀- تنبيهًا بعد تفسير الآية يقول فيه: \"قراءة (مِتُّ) بكسر الميم كثيرًا ما يخفى على طلبة العلم وجهها، لأن لغة: ماتَ يموتُ لا يصح منها (مِتُّ) بكسر الميم.\nووجه القراءة بكسر الميم أنه من ماتَ يماتُ كخافَ يخافُ لا من: ماتَ يموتُ، فلفظ (مات) فيها لغتان عربيتان فصحيتان، الأولى منهما: مَوَتَ بفتح الواو، فأبدلت الواو ألفًا على القاعدة التصريفية المعروف، ومضارع هذه المفتوحة: يموتُ بالضم، وفي هذه ونحوها إن أُسند الفعل إلى تاء الفاعل أو نونه سقطت العين بالاعتلال، وحركت الفاء بحركة تناسب العين، والحركة المناسبة للواو هي الضمة\n_________\n(١) أضواء البيان، ٣/ ١٢٧٨ - ٢٧٩ بتصرف.\n(٢) المصدر السابق، ٤/ ٢٥٢.","vol":"3","page":100},{"text":"فنقول: (مُتُّ) بضم الميم. واللغة الثانية: أنها (مَوِتَ) بكسر الواو، أبدلت الواو ألفًا للقاعدة المعروفة السابقة ومضارعها: يماتُ (بالفتح) والمقرر في فن الصرف أن كل فعل ثلاثي أجوف إذا كان على وزن (فَعِلَ) بكسر العين، فإنه إذا أسند إلى تاء الفاعل أو نونه تسقط عينه بالاعتلال، وتنقل حركة عينه الساقطة بالاعتلال إلى الفاء فتكسر فاؤه فتقول: (مِتُّ) بكسر الميم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-762>ثانيا: موقفه من المبهمات:</span>\nوهي التي سكت عنها القرآن الكريم:\nيتعرض لتفسير المبهمات أيضًا، مثل تعرضه لتفسير (الأيمن) و(الشجرة) في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-763>ثالثا: الإسرائيليات:</span>\nيذكر الإسرائيليات أحيانًا ويتعقبها ويذكرها أحيانًا ولا يتعقبها. فمثلًا: عن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢] ذكر بعض قصص زواج الجن من الإنس، وتعقبها بأنه لا يصح منها شيء، إلا أنه أطال النفس في ذكرها، وفرّع عليها مسألة في اختلاف العلماء في جواز المناكحة بين بني آدم والجن، وذهب إلى عدم جواز ذلك (٣)، وهو محق فيما ذهب إليه.\nوعند قوله تعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ [طه: ٣٩]، ذكر قصة أم موسى ﵇، وكيف وضعت وليدها في التابوت، ولم يعلق عليها (٤).\n_________\n(١) المصدر السابق، ٣/ ٣٩٢ بتصرف.\n(٢) المصدر السابق، ٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣.\n(٣) المصدر السابق، ٢/ ٤١٣ - ٤١٦.\n(٤) المصدر السابق، ٤/ ٩.","vol":"3","page":101},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-764>رابعا: ذكره أقوال العلماء:</span>\nومن منهجه أن يذكر الآراء التفسيرية في الآية ويناقشها ويستدل لها، ويرجح أحيانًا كثيرة رأيًا لدليل يستدل به أو لقرينة من القرائن المعتمدة في الترجيح، كإعمال دلالة السياق، أو مراعاة المكي والمدني وغير ذلك، فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، قال: \"واختلف العلماء في المراد بالحياة الطيبة في هذه الآية فقال قوم: لا تطيب الحياة إلا في الجنة، فهذه الحياة الطيبة في الجنة ... -ويذكر الأدلة على ذلك- وقال بعض العلماء: الحياة الطيبة في هذه الآية الكريمة الدنيا وذلك ... - ويذكر أدلتهم في ذلك- ثم يقول: قال مُقَيِّدُه عفا الله عنه: وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية حياته في الدنيا حياة طيبة ... - ويذكر القرينة ويستدل على ذلك بالأحاديث وبما تقرر في الأصول\" (١).\nوقد أحسن فيما رجحه.\nوعند قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤]. قال: \"وفي معنى إتيان الله الأرضَ ينقصها من أطرافها أقوال معروفة للعلماء، وبعضها تدل له قرينة قرآنية، قال بعض العلماء: ننقصها من أطرافها: موت العلماء، وجاء ذلك في حديث مرفوع عن أبي هريرة، وبُعْدُ هذا القول عن ظاهر القرآن بحسب دلالة السياق ظاهر كما ترى\" (٢). فهو يَرُدُّ القولَ هنا بدلالة السياق للآية.\nوعند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ [المؤمنون: ٤]، يقول: \"في المراد بالزكاة هنا وجهان من التفسير معروفان عند أهل العلم:\n_________\n(١) المصدر السابق، ٢/ ٤٤٠ - ٤٤٣. وانظر مزيدًا من الأمثلة لهذا المنهج: ٣/ ٣٨٥ و٣/ ٣٩٣ - ٣٩٧ و٧/ ٤٤٤ - ٤٤٧٦.\n(٢) أضواء البيان، ٤/ ١٥٧.","vol":"3","page":102},{"text":"أحدهما: أن المراد بها زكاة الأموال، الثاني: أن المراد بالزكاة هنا زكاة النفس، أي: تطهيرها من الشرك والمعاصي بالإيمان بالله تعالى وطاعته وطاعة رسله ﵈، وقد يستدل لهذا القول الأخير بثلاث قرائن:\nالأولى: أن هذه السورة مكية بلا خلاف، والزكاة إنما فرضت بالمدينة كما هو معلوم.\nالثانية: أن المعروف في زكاة الأموال أن يعبر عن أدائها بالإيتاء، وهنا لم يعبر عنها بالإيتاء فدل على أن هذه الزكاة أفعال المؤمنين المفلحين.\nالثالثة: أن زكاة الأموال تكون في القرآن عادةً مقرونةً بالصلاة من غير فصلٍ بينهما\" (١).\nوعلى هذا فهو يراعي قرائن: السياق والمكي والمدني، واللغة، والموضوع في ترجيحاته.\nوقد يذكر الشيخ -﵀- الآراء المختلفة في الآية ولا يرجح بينها، كما فعل عند قوله تعالى ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢]. في الجمع بين نفيه تعالى النفع والضر معًا عن ذلك المعبود من دون الله مع إثباتهما في قوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ [الحج: ١٣]، حيث يذكر الآراء في ذلك ولا يرجح (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>خامسا: منهجه في التوثيق:</span>\nيؤخذ عليه أحيانًا أنه قد ينقل بعض المعلومات عن مصادر ثانوية دون أخذها من مصدرها الأصلي. وهذا أسلوب قد يوقعه في الخطأ، كما حصل معه حين\n_________\n(١) المصدر السابق، ٥/ ٣٠٧ - ٣٠٨.\n(٢) المصدر السابق، ٤/ ٢٨٤ - ٢٨٥.","vol":"3","page":103},{"text":"نقل رأيًا نسبه للإمام الطبري في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣].\nبأن الوقف تام على قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وأن قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ يتعلق بما بعده، أي: يعلم سركم وجهركم في الأرض ... وهذا الوقف ذكره في الآية نقلًا عن الإمام القرطبي منسوبًا لابن جرير الطبري (١).\nوعند الرجوع إلى \"جامع البيان\" لشيخ المفسرين الطبري لم نقف على هذا الوجه، ولذلك ما كان للشيخ أن ينسب هذا القول إلى الطبري نقلًا عن تفسير القرطبي، وتفسير الطبري مطبوع متداول، ولكن يظهر أن الشيخ أعجبه هذا الرأي لاعتبارات عقدية، مع أن هذا المنهج غير مقبول من العلماء أمثاله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-766>سادسا: تفسيره للآيات العلمية من خلال مشاهداته:</span>\nيلاحظ عليه أحيانًا أنه قد يفسر الآيات العلمية بناءً على مشاهداته في رحلاته، كما فعل عند قوله تعالى: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣] حيث فسّر ذلك بما شاهده في مدينة سان لويس عام ١٣٦٦ هـ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-767>سابعا: قلة عنايته بالقضايا البيانية:</span>\nمع عناية الشيخ -﵀- بالقضايا اللغوية والنحوية والصرفية إلا أنه لا يُعنى بالقضايا البيانية، ويلاحظ عليه أنه وإن أنكر المجاز في كتاب الله وخصّه بكتاب لذلك، إلا أنه يعلل القضايا البلاغية بقضايا نحوية أحيانًا في تفسيره.\nفمثلًا عند قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]، و﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦)﴾ [الشعراء: ١٦] يعلل التثنية في (طه) والإفراد في (الشعراء) نظرًا لأن أصل\n_________\n(١) المصدر السابق، ١/ ٤٧١.\n(٢) المصدر السابق، ٦/ ٦٥.","vol":"3","page":104},{"text":"(الرسول) مصدر، والتثنية في (طه) باعتبار الوصفية العارضة ... ويستدل على ذلك بالشعر (١).\nومع هذا المنهج إلا أنه أشار إلى بعض القضايا البيانية في مواضع متفرقة، فعند قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣]، يقول: \"وهذا الالتفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم في هذه الآيات كلها في إنبات النبات يدل على تعظيم شأن إنبات النبات؛ لأنه لو لم ينزل الماء ولم ينبت شيئًا لهلك الناس جوعًا وعطشًا\" (٢).\nوعند قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] يتحدث عن الأغراض البيانية لتنكير (ليلًا) ويذكر آراء العلماء في ذلك (٣).\nويتحدث عن الإظهار في موضع الإضمار عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ [الكهف: ٥١] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-768>ثامنا: موقفه من المخالفين:</span>\nيلاحظ عليه أنه يرد على أصحاب الآراء والمذاهب والمعتقدات التي يخالفها ويستدل لذلك ويتوسع في الرد:\nفمثلًا: يرد على المعتزلة بتسمية اللاشيء شيء عند قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم: ٩] (٥).\n_________\n(١) المصدر السابق، ٤/ ١٧.\n(٢) المصدر السابق، ٤/ ٢٢.\n(٣) المصدر السابق، ٣/ ٨.\n(٤) المصدر السابق، ٣/ ٢٩٤ - ٢٩٥.\n(٥) المصدر السابق، ٣/ ٣٧٠ - ٣٧١.","vol":"3","page":105},{"text":"ويخالف ابن تيمية في قوله: ليس على تارك الصلاة عمدًا قضاء، ويذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩] (١).\nويخالف الإمام أحمد الذي يقول بعدم صحة وقوع الاستثناء المنقطع. ويقول الشيخ بصحة وقوعه وذلك عند قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ [مريم: ٦٢] (٢).\nويخالف الظاهرية وابن حزم ويناقشهم في منعهم الاجتهاد في الشرع ومنع التقليد عند قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] (٣).\nويرد على أصحاب المذهب الاشتراكي (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-769>تاسعا: ملاحظات على القضايا العلمية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-770>أ- قضايا اللغة:</span>\nمع أنّ الشيخ -﵀- يعد موسوعيًا في قضايا اللغة متنًا ونحوًا وصرفًا ولكن يظهر أنّ طريقة دراسته لهذه العلوم، هي الطريقة القديمة التي كانت تدرَّس عند المشايخ -﵏- قبل أن تكون هناك معاهد وكليات، لذا نجده ينفرد فيقرر ما يخالف به جمهور المحققين من العلماء، وهذا أمر كنا نستمع إليه من بعض الشيوخ، ولا زلت أذكر ما حدثنيه بعضهم -﵏- من أن شيخه وهو يدرِّس له المبتدأ والخبر من ألفية ابن مالك يقول: وقد قال ابن مالك:\nمبتدأٌ زيدٌ وعاذرٌ خَبَرْ ... إنْ قلتَ: زيدٌ عاذرٌ مَنِ اعْتَذَرْ\n_________\n(١) المصدر السابق، ٣/ ٤٦٣ - ٤٦٤.\n(٢) المصدر السابق، ٣/ ٤٦٧.\n(٣) المصدر السابق، ٣/ ١٤٦ - ١٤٧.\n(٤) المصدر السابق، ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٥.","vol":"3","page":106},{"text":"يقول الشيخ في تدريسه: كان الأولى أن يقول ابن مالك:\nإن قلتَ: زيدٌ عاذرٌ من اعتذر ... فالمبتدأ زيدٌ وعاذرٌ خبر\nوحينما سمعتُ هذا القول من محدثي -﵀- كدتُ أقبَلُهُ، وبعدَ أيام وجدتُ أن ابن مالك لم يَعْدُ الصوابَ فيما قال، فلو كان ابن مالك يريدُ إعراب هذه الجملة، أعني: زيدٌ عاذرٌ من اعتذر، لكان قول الشيخ مقبولًا، لكن ابن مالك أراد أن يبين المبتدأ والخبر في هذه الجملة.\nوذكرتُ هذه الحادثة لأخلُصَ إلى أن هناك بعضَ الناس قد تكون لهم آراء خاصة يخالفون فيها المحققين من ذلك ما ذهب إليه صاحب (الأضواء) -﵀- عند بعض الآيات. منها:\n- قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧]. يذكر أن للعلماء قولين في هذه الواو، وهو خلافٌ معروف، فالذين يرون أنّ الراسخين يعلمون يقولون: إنّ الواو عاطفة، والذين يرون أن الراسخين لا يعلمون المتشابه يقولون: إنها استئنافية. وهذا هو رأي الشيخ -﵀- ولا أود أن أعرض لهذه القضية فهي معروفة لدى العلماء، لكن الذي يعنينا هنا أن الشيخ يذهب مذهبًا في إعراب قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾. فالمحققون من العلماء يرون أنّ الجملة حالية، أي في محل نصب على الحال، أو مستأنفة استئنافًا بيانيًا. يقول الزمخشري -﵀-: \"قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله وعبادُه الراسخون في العلم، أي: ثبتوا فيه وتمكنوا، وعضوا فيه بضرسٍ قاطع ... و﴿يَقُولُونَ﴾ كلام مستأنف موضح لحال الراسخين بمعنى هؤلاء العالمون بالتأويل ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ... \" (١).\n_________\n(١) الكشاف، ١/ ٣٣٨.","vol":"3","page":107},{"text":"ويقول صاحب \"الدر المصون\" السمين الحلبي -﵀-: \"وقوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ يجوز فيه وجهان:\nأحدهما: أنه مبتدأ، والوقف على الجلالة المعظمة، وعلى هذا فالجملة من قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ خبر المبتدأ.\nالثاني: أنهم منسوقون (معطوفون) على الجلالة المعظمة، فيكونون داخلين في علم التأويل.\nوعلى هذا فيجوز في الجملة القولية ﴿يَقُولُونَ﴾ وجهان: أحدهما: أنها حال. أي: يعلمون تأويله حال كونهم قائلين ذلك. والثاني: أن تكون خبر مبتدأ مضمر، أي هم يقولون\" (١).\nلكن الشيخ -﵀- لم يرتضِ ما قاله هؤلاء، ويرجح أنّ جملة ﴿يَقُولُونَ﴾ معطوفة بحرف محذوف، ويستدل لذلك بأن: \"حذف الحرف المعطوف أجازه ابن مالك وجماعة من علماء العربية، والتحقيق على جوازه، وأنه ليس مختصًا بضرورة الشعر -كما زعمه بعض علماء العربية- والدليل على جواز وقوعه في القرآن قوله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾ [الغاشية: ٨]، فإنه معطوف بلا شك على قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢)﴾ [الغاشية: ٢] بالحرف المحذوف الذي هو الواو، ويدلُّ له إثبات الواو في نظيره في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ [عبس: ٣٨ - ٤٠]. وجعل بعضَ العلماء منه قوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ﴾ [التوبة: ٩٢]. يعني: وقلت، بالعطف بواو محذوفة، وهو\n_________\n(١) الدر المصون، ٣/ ٢٩.","vol":"3","page":108},{"text":"أحد احتمالات ذكرها ابن هشام في المغني\" (١). وما قاله الشيخ -﵀- حري به أن يناقش من جهتين: من جهة المعنى ومن جهة الصناعة:\nأما من حيثُ المعنى: فلا فائدة لقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ أي أن تعطف على ما قبلها، فإذا كان الراسخون في العلم يعلمون تأويله، أفليس من البدهي أن يكونوا ممن آمن به؟ ونحن نعلم أن العطف يقتضي التغاير، ولا تغاير هنا.\nوأما من حيث الصناعة: فإن المحققين من العلماء لا يجيزون حذف حروف المعاني، لأن الحذف إنما يذكر اختصارًا، فإذا قلت: قام زيد وعمرو، فإن الحرف هنا يغني عن جملة هي: قام عمرو. وإذا قلت: تقدمت الأمم إلا المسلمين، فإن حرف الاستثناء يغني عن جملة وهي قولنا: أستثني المسلمين، وهذا ما ذهب إليه ابن جني وغيره من المحققين (٢).\nأما ما استشهد به الشيخ من الآيات القرآنية، من حذف حرف العطف في سورة (الغاشية) قياسًا على ما جاء في سورتي (القيامة) و(عبس) فليس الأمر كما ذكر -﵀- وإلا فما المانع من ذكر حرف العطف في سورة (الغاشية) كما ذكر في السورتين الكريمتين (٣).\nوقضية الحذف هذه لها أثر سلبي في فهم معاني القرآن الكريم، فقد ذهب بعضهم إلى أن قوله سبحانه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ...﴾ [البقرة: ١٨٠] معطوفة على قوله سبحانه في الآية التي قبلها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. وهو غير مقبول، فللقرآن الكريم أسراره البيانية فيما\n_________\n(١) أضواء البيان، ١/ ١٩٥ - ١٩٦.\n(٢) راجع كتابي: لطائف المنان في دعوى الزيادة والحذف في القرآن. في الحديث عن هذه الآية الكريمة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾ [الغاشية: ٨].\n(٣) انظر المرجع السابق.","vol":"3","page":109},{"text":"يتصل بالمعنى فيما يذكر وفيما يحذف، وإذا سرنا على هذا المنهج فسنلغي موضوعًا من أهم الموضوعات في كتاب الله والسنّة النبوية واللغة العربية، وهو موضوع (الفصل والوصل) الذي هو أنف البلاغة الذي تعطس منه، جاء في سورة (ق) قوله: ﴿وَقَال قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)﴾ [ق: ٢٣] ثم بعدها: ﴿قَال قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧)﴾ [ق: ٢٧]. أفيمكن أن يُقال: إن في الآية الثانية حرفًا محذوفًا، هذا ما لم يجزه أحد (١). وهناك مواضع كثيرة من الآيات القرآنية المتشابهة ذكرت فيها الواو تارةً وحذفت أخرى مثل قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣]، وقوله: ﴿قَالوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَال هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ [الشعراء: ١٥٣ - ١٥٥]. وقوله: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦)﴾ [الشعراء: ١٨٠ - ١٨٦]. وهكذا في هذه الآيات وغيرها أغراض تتصل بالمعنى والبيان والتاريخ وغير ذلك. وليت الشيخ اكتفى بما ذكره المحققون العلماء وارتضاه كما ارتضوه.\n- وعند قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾ يغلظ الشيخ غلظةً ما كنا نريدها، ويقسو الشيخُ قسوة كنا نربأ به عنها على إمام من أئمة البيان شَهِدَ له حتى خصومُه، يقول صاحب \"أضواء البيان\" بعد أن نقل كلام صاحب \"الكشاف\" الزمخشري في أن العطف بالفاء يفيد ترتيبًا لها في\n_________\n(١) الكشاف، ٤/ ٣٩٠ - ٣٩١.","vol":"3","page":110},{"text":"الفضل، إما أن يكون الفضل للصف ثم للزجر ثم للتلاوة وإما على العكس (١)، أي: إما ان يكون الترتيب تصاعديًا أو تنازليًا، وكلٌّ له سره وغرضه، يعقب الشيخ -﵀- على ذلك فيقول \" ... وكلام صاحب الكشاف هذا نقله عنه أبو حيان والقرطبي وغيرهما ولم يتعقبوه، والظاهر أنه كلامٌ لا تحقيق فيه، ويوضح ذلك اعتراف الزمخشري نفسه بأنه لا يدري ما ذكره، هل هو كذا أو على العكس، وذلك صريح في أنه ليس على علم مما يقوله، لأن من جزم بشيء ثم جوّز فيه النقيضين دلَّ ذلك على أنه ليس على علم مما جزم به\" (٢).\nوإذا كان كلام الزمخشري لا تحقيق فيه، وليس على علمٍ بما قال، فهذا ينسحب كذلك على من نقل عن الزمخشري دون تحقيق وهم كثرٌ. وسامح الله صاحب أضواء البيان ورحمه رحمة واسعة، فما كنا نريد منه مثل هذه الغلظة التي لا تليق بأئمتنا، والحق أن ما ذكره الزمخشري ليس فيه تناقض، فهناك آيات كثيرة في كتاب الله يمكن أن يكون الترتيب فيها تصاعديًا أو تنازليًا، لأن هناك أكثر من جهة في فهم الآية القرآنية، وذلك لا يعد تناقضًا، فإن هنالك اعتبارات واجتهادات تختلف فيها وجهات نظر العلماء. وإذا كان مثل أولئك الأئمة لا يفهمون ما يقولون، وهم النجوم في الظلماء فلمن نُهرع يا ترى؟ !\nوما قاله الزمخشري لا غبار عليه من حيث الصناعة ومن حيث المعنى وقد يكون له في القرآن الكريم أمثلة كثيرة. ومن هذه الأمثلة:\nففي سورة النحل يقول تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾ [النحل: ١٢٠، ١٢١].\n_________\n(١) المصدر السابق، ٤/ ٢٥.\n(٢) أضواء البيان، ٦/ ٣٠٣ - ٣٠٤.","vol":"3","page":111},{"text":"ثم يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ [النحل: ١٢٣].\nففي هذه الآيات الكريمات ذكر الله لخليله ﵇ أوصافًا كثيرة وفضائل متعددة كان آخرها قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ فهذا ترتيب تصاعدي. فإن الصفات الطيبة التي ذكرت لأبي الأنبياء وشيخ الحنفاء ﵇ من كونه أمة قانتًا كان أفضلها وخيرها وأشرفها وأدلها على الفضل قول الله ﵎: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ فالوحي إلى سيدنا محمد -ﷺ- أن يتبع ملة إبراهيم أعظم شرفًا من كل ما تقدم، فيكفي الخليل فخرًا بعدما ذكره الله من صفاته الشخصية أن يوحي إلى نبيه محمدًا -ﷺ- أن يتبع ملة إبراهيم. وقد يكون الترتيب صالحًا للأمرين معًا، وأمثل لذلك بما جاء في سورة الفجر في قوله سبحانه: ﴿كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (١٨) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (١٩) وَتُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا (٢٠)﴾ [الفجر: ١٧ - ٢٠]، فهذه صفاتهم التي روعوا من أجلها في قوله بعد ذلك ﴿كَلَّا﴾ يمكن أن يكون الترتيب فيها تنازليًا أو تصاعديًا ولا تناقض في هذا. إذا اعتبرنا القلة والكثرة كان تصاعديًا، فإن عدم الحض على طعام المسكين لا شك أعم وأكثر من عدم إكرام اليتيم، فإن المساكين أكثر من اليتامى ثم إن أكل التراث أكثر شيوعًا، ثم إن حب المال لا يكاد يخلو منه أحد.\nويمكن أن يكون الترتيب غير هذا من حيث بشاعة الفعل، فإن أسوأ هذه الصفات إيذاء اليتامى وهكذا حتى تنتهي هذه الصفات. ونرجو الله أن يغفر لصاحب أضواء البيان وأن يجمعه مع الزمخشري في جنات الرضوان، وأن يجمعنا وأحبابنا وقراء هذا الكتاب معهم إن شاء الله.\n- وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَالوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا﴾ [فصلت: ٥] ينقل صاحب \"الأضواء\" -﵀- كلام الزمخشري وهو: \"فإن قلت: هل لزيادة (من)","vol":"3","page":112},{"text":"في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] فائدة؟ قلت: نعم، لأنه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب، لكان المعنى: أن حجابًا حاصلٌ وسط الجهتين، وأما بزيادة (من) فالمعنى: أن حجابًا ابتدأ منا وابتدأ منك، فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها\" (١).\nيقول الشيخ بعد أن نقل كلام الزمخشري: \"واستحسنَ كلامَه هذا الفخرُ الرازي وتعقبه ابن المنير فأوضح سقوطه، والحق معه في تعقبه عليه\" (٢).\nوإتمامًا للفائدة هنا، أنقل ما قاله ابن المنير تعقيبًا على كلام الزمخشري: \"ولا ينفك المعنى بدخول (من) عما كان عليه قبل، ولو كان الأمر كما ذكر لكانت (من) مقدرة مع (بين) الثانية، لأنه جعلها مفيدة للابتداء في الثانية كما هي مفيدة للابتداء في الأولى، فيكون التقدير إذًا ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ وهذا يخل بمعنى (بين) إخلالًا بينًا، فإنها تأبى تكرار العامل معها، حتى لو قال قائل: جلستُ بين زيد وجلست بين عمرو لم يكن مستقيمًا، لأن تكرار العامل يصيرها داخلة على مفرد فقط، ويقطعه من قرينة المتقدم، ومن شأنها الدخول على متعدد، لأنها في ضمن معناها التوسط، وزاد الزمخشري على هذا فجعل (بين) الثانية غير الأولى، لأنه جعل الأولى بجهتهم والثانية بجهته، وليس الأمر كما ظنه، بل (بين) الأولى هي الثانية بعينها، وهي عبارة عن الجهة المتوسطة بين المضافين، وتكرارها إنما كان لأن المعطوف مضمر محفوظ، فوجب تكرار حافظه، وهو (بين) والدليل على هذا: أنه لا تفاوت باتفاق بين أن تقول: جلست بين زيد وعمرو وبين أن تقول: جلستُ بين زيد وبين عمرو، وإنما كان ذكرها مع الظاهر جوازًا ومع المضمر وجوبًا لما بيناه. فالظاهر والله أعلم أن موقع (من) ههنا كموقعها في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ\n_________\n(١) الكشاف، ٤/ ١٤٥.\n(٢) أضواء البيان، ٧/ ٩.","vol":"3","page":113},{"text":"﴿سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩]، وذلك للإشعار بأن الجهة المتوسطة بينهم وبين النبي -ﷺ- مبدأ الحجاب لا غير، ووجود (من) قريب من عدمها\" (١).\nيعلق د. عبدالفتاح لاشين على كلام ابن المنير فيقول: \"الزمخشري قال بأن الحرف (من) في الآية يفيد بأن المسافة المتوسطة بين الجهتين حجاب، فالحجاب مبدؤه من الكفار كما كان مبدؤه من النبي -ﷺ-، وفي ذلك مبالغة في تكثيف الحجاب الذي يمنع السماع ويحجب الهداية، لكن ابن المنير وجد في كلام الزمخشري مخالفة لغوية، ولما كان أي حرف في القرآن الكريم لا بد أن يكون لمعنى، جعل ابن المنير حرف (من) في الآية يدل على أن الجهة المتوسطة بينهم وبين النبي -ﷺ- مبدأ الحجاب ثم يتردد في هذا المعنى ويقول: وجود (من) قريب من عدمها، وابن المنير في هذا خطأ الزمخشري دون أن يجد لحرف (من) معنى في الآية إلا زيادتها، ونحن نستبعد أن يوجد هذا الحرف بدون معنى وننزه القرآن عنه، ووقوف العلماء عن إيجاد معنى لحرف (من) هو من إعجاز القرآن الكريم وسر بلاغته، فالذهن قد قصُر، والعقل نضُب دون الوصول إلى سر هذا، ونحن وهذا الحرف كقول القائل:\nنعيبُ زماننا والعيب فينا ... وما لزماننا عيبٌ سوانا\" (٢)\nوبعد هذا التطواف على ما ذكره هؤلاء العلماء أقدمين ومحدثين ومع أنني لست ممن يحسنون الدلاء، لكن العون من الله وحده، أقول ومن الله وحده التوفيق: إني لا أرتاب في أن ما قاله الزمخشري -﵀- كلام لا يسقط عليه إلا خبير، ذلكم أن أي حرف ذُكر في كتاب الله لا بد له من سر كما يقول د. لاشين، وما استدل به ابن المنير من أن هناك آية في كتاب الله ليس فيها (من) وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾\n_________\n(١) انظر: حاشية ابن المنير على الكشاف، ٤/ ١٤٥.\n(٢) انظر: د. عبد الفتاح لاشين، بلاغة القرآن في تعقبات ابن المنير على الزمخشري، ص ٢٣٣.","vol":"3","page":114},{"text":"[الإسراء: ٤٥]. لا يصلح دليلًا لأن كل آية من كتاب الله جاءت مقدّرًا فيها المعنى المراد بكل دقة وموضوعية، فخلو آية الإسراء من حرف (من) لا يسمح لنا أن نقيس آية (فصلت) على آية (الإسراء) وإليكم بيان هذا:\nوقبل أن تستمعوا مني أرجو أن نتدبر الآيتين مرة أخرى. ففي آية الإسراء الله ﵎ هو الذي جعل بين رسوله -ﷺ- وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا مستورًا، وذكر بعد هذا قوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الإسراء: ٤٦] أما آية فصلت فإن القوم لشدة جحودهم وفظاعة كفرهم وإنكارهم، هم الذين اعترفوا بأن هذه الأمور التي تحول بينهم وبين الإيمان هي منهم، وهم مجبولون عليها، ولذلك قدمت الأكنة والوقر على الحجاب، ثم إن هذا الحجاب الذي قالوا فيه: ﴿مِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ يريدون منه أنه يستحيل اللقاء بيننا وبينك، والقرآن الكريم الذي قدّر الله فيه الألفاظ والمعاني كما قدّر أمر هذا الكون سماءه وأرضه شمسه وقمره، جاءت فيه كلمة (من) على لسان أولئك الجاحدين المعاندين، ولا يمكن أن يكون هذا الحرف في آية الإسراء، لأن الله ﵎ إنما بعث نبيه -ﷺ- ليؤمن به الناس، وصدق الله ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].\nوخلاصة القول: أن (من) في آية (فصلت) تكشفُ عن الروعة البيانية ومظهر الإعجاز في كتاب الله تعالى الخالد، حيث جاءت كلمة (من) على لسان أولئك الخصوم، أما ما كان حديثًا من الله تعالى في آية الإسراء فلم تذكر فيه كلمة (من) فتبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا.\n-لقد أكد الشيخ -﵀- في أكثر من موضع قضية الحروف الزوائد في كتاب الله فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]. يقول: \"الباء مزيدة للتوكيد، ويستدل على صحة الزيادة من الآيات ومن الشعر\" (١). والأمر ليس\n_________\n(١) أضواء البيان، ٣/ ٣٩٩ - ٤٠٠.","vol":"3","page":115},{"text":"كذلك، وكذلك عند قوله: ﴿قَال يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه: ٩٢، ٩٣]. قال: \"وزيادة لفظة (لا) في الكلام الذي فيه معنى الجحد لتوكيده مُطَّرِدَةٌ ... ويستدل ذلك بالآيات والشعر\" (١).\nوالحقيقة أن لكل حرف في كتاب الله رسالته وغايته، وقد جاء كل حرف في الآيتين في مكانه الأليق به الذي لو نزع من مكانه لذهب الرونق وفسد المعنى (٢).\nوفضلًا على القول بالزيادة فإنه يقول بصحة تناوب حروف الجر، فعند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] يقول: \"اللام بمعنى (على) أي فعليها، بدليل قوله: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦، الجاثية ١٥]، ومن إتيان اللام بمعنى (على) قوله: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٩] ... ويستدل على ذلك بالشعر\" (٣). وكذلك فعل عند قوله: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾ [الكهف: ١٠٠]، يقول: \"اللام في قوله ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ بمعنى (على) ويستشهد على ذلك (٤). والحق أن كل حرف قد جيء به قصدًا ولا يسدُّ غيره مسنده\" (٥).\nونكتفي بهذا الطرف من ذكر القضايا اللغوية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-771>ب - قضايا أخرى:</span>\nهنالك قضايا لا تتصل باللغة لا بد من مناقشتها ومنها:\n- عند قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]. قال: \"وقد ضرب الله في هذه الآية مثلًا لما جاء به محمد -ﷺ- من الهدى والعلم بالمطر، لأن بالعلم والهدى\n_________\n(١) المصدر السابق، ٤/ ٨٩ - ٩٠.\n(٢) انظر: كتابنا لطائف المنان وروائع البيان في دعوى الزيادة والحذف في القرآن.\n(٣) أضواء البيان، ٣/ ١٤.\n(٤) المصدر السابق، ٣/ ٣٤٦ - ٣٤٧.\n(٥) انظر: كتابنا: لطائف المنان، وبحث: سلامة الحرف من الزيادة والحذف.","vol":"3","page":116},{"text":"حياة الأرواح، كما أن بالمطر حياة الأجسام، أشار إلى وجه ضرب هذا المثل بقوله جلّ وعلا: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: ٥٨]. وقد أوضح -ﷺ- هذا المثل المشار إليه في الآيتين في حديث أبي موسى المتفق عليه: \"إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم ... \" الحديث (١).\nمع أن هذا المثل ضرب في المنافقين كما أجمع المفسرون المحققون وليس في الحديث ما يتفق معه، ففي مطلع سورة البقرة نجد هذين المثلين ثلهم ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨) أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [البقرة: ١٧ - ٢٠]، يتحدثان عن أحوال المنافقين بدليل قوله تعالى بعد الآية الأولى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ وقوله بعد الآية الثانية: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ ولا أعلم خلافًا بين من يُعتدّ بقوله في هذا الأمر.\n- عند قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]، يربط بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾ [الإسراء: ٤]. فيقول: \"ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن بني إسرائيل عموا وصموا مرتين تتخللهما توبة من الله عليهم، وبيّن تفصيل ذلك في قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤]. فبين جزاء عماهم وصممهم في المرة الأولى بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَال الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾ [الإسراء: ٥] وبين جزاء عماهم وصممهم في المرة الآخرة بقوله: ﴿إن\n_________\n(١) أضواء البيان، ١/ ١٣ - ١٤.","vol":"3","page":117},{"text":"أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ [الإسراء: ٧] وبيَّن التوبة التي بينهما بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾ [الإسراء: ٦]. ثم بيّن أنهم إن عادوا إلى الإفساد عاد إلى الانتقام منهم بقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ [الإسراء: ٨]، فعادوا إلى الإفساد بتكذيبه -ﷺ- وكتم صفاته التي في التوراة، فعاد الله إلى الانتقام منهم فسلّط عليهم نبيه -ﷺ-\" (١).\nومع أن هذا القول ذكره كثيرٌ من المفسرين منهم صاحب \"روح المعاني\" وصاحب \"المنار\" وهذا القول قد نقله الفخر الرازي عن القفال، وهو أحد أقوال أربعة ذكرها الرازي. ويبدو لي -والله تعالى أعلم- أن الأمر يحتاج إلى تدبر، حيث لا يظهر صلة هذه الآية المدنية بآية سورة الإسراء المكية، مع أن المفسرين اختلفوا كثيرًا في سورة الإسراء، وليس هناك قول يُعول عليه كما ذكر الجبائي ونقله عنه صاحب \"صفوة البيان\" الشيخ حسنين محمد مخلوف -﵀- مفتي الديار المصرية الأسبق، والذي أرجحه -والله أعلم- في تفسير المرتين أن المرة الأولى كانت في عهد رسول الله -ﷺ- أما الثانية فهي ما نعيشه الآن راجين أن يتحقق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي المرة الأخيرة ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ [الإسراء: ٧]. فالضمائر الثلاثة عائدة إلى العباد الذين ذكرهم الله تعالى، وهذا يرشد إليه قول الرسول الأكرم - ﷺ -: \"لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا\n_________\n(١) المصدر السابق، ١/ ٤١٧ - ٤١٨.","vol":"3","page":118},{"text":"يهودي ورائي فاقتله\" (١). فنسأله تعالى أن يكون هذا قريبًا (٢)، وعلى كل حال فقول الشيخ -كما قلت- سبقه إليه كثيرون والذين ذكروه جميعًا نقلوه عن القفال.\n- عند قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، قال: بأن التطيب بالكولونيا نجس لا تصح الصلاة به (٣). وهذا رأي أكثر علماء المملكة العربية السعودية. والراجح عند العلماء يختلف عما ذكره الشيخ، لأن الكحول التي في الكولونيا ليست هي التي في الخمر، وعلى كل فهي قضية خلافية بين العلماء.\n- في أول سورة التوبة يقول: \"إن سبب سقوط البسملة في السورة هو ما ورد في قصة عثمان مع ابن عباس -﵄-، قال: قلت لعثمان: ما حملكم إلى أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم. ووضعتموها في السبع الطُّوَل ... \" الحديث (٤). وسامح الله الشيخ فالحديث هذا يمكن أن يناقش من جهة إسناده ومتنه مناقشة علمية جادة (٥)، وبذلك لا ينهض ولا يصلح الحديث للاستدلال به لما ذهب إليه الشيخ.\n- عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ ...﴾ [النحل: ٦٧]، يقول: فإن هذه الآية منسوخة بآية المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ ...﴾ [المائدة: ٩٠]. ويخالف رأي صاحب (مراقي السعود) من أن تحريم الخمر ليس نسخًا لإباحتها الأولى (٦)،\n_________\n(١) رواه البخاري.\n(٢) راجع كتابنا: المنهاج نفحات من الإسراء والمعراج.\n(٣) المصدر السابق، ١/ ٤٢٨.\n(٤) المصدر السابق، ٢/ ١١٢ - ١١٣.\n(٥) انظر: كتابنا: إتقان البرهان في علوم القرآن، ١/ ٤٥٧ - ٤٦١.\n(٦) أضواء البيان، ٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧.","vol":"3","page":119},{"text":"والحقيقة أنه بهذا يخالف رأي جمهور العلماء المحققين من أنه ليس نسخًا، وأن ما كان من باب التدرج في الأحكام لا يسمى نسخًا (١).\n- يقول عن إبراهيم ﵇: \"وقد هاجر من سواد العراق إلى دمشق\" (٢)، والصواب إلى فلسطين أو بلاد الشام.\n- يقول بمراعاة الفواصل، فعند قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ [طه: ٧٠]، يقول: \"والظاهر أن تقديم هارون على موسى في هذه الآية لمراعاة الفواصل في الآيات\" (٣). وهو بذلك يخالف المحققين من العلماء في أن الفاصلة تابعة للمعنى وليس المعنى هو التابع للفاصلة (٤).\n- يقول بنسخ التلاوة مع بقاء الحكم وذلك عند قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] (٥). وهذا رأي قد خالفه كثير من المحققين (٦).\nويستدل على ثبوت الرجم في الآية السابقة بآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ...﴾ [آل عمران: ٢٣] على اعتبار أنها نزلت في رجم اليهوديين الزانيين بعد الإحصان كما في سبب نزولها (٧).\nوهذا استدلال بعيد جدًّا لأنّ الآية ليست نصًّا في هذا، وإنما استدل العلماء بفعل النبي -ﷺ-، أما ما استدل به بعضهم بأن حد الرجم قد ثبت بالآية المنسوخة:\n_________\n(١) انظر: كتابنا: إتقان البرهان، ٢/ ١١.\n(٢) أضواء البيان، ٣/ ٤٢٥.\n(٣) المصدر السابق، ٤/ ٦٣.\n(٤) انظر كتابنا: إعجاز القرآن الكريم، ص ٢١٩.\n(٥) أضواء البيان، ٥/ ٣٦٦ - ٣٦٧.\n(٦) انظر كتابنا: إتقان البرهان، ٢/ ٤٥ - ٥٢.\n(٧) أضواء البيان، ٥/ ٣٧٢.","vol":"3","page":120},{"text":"(الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة) على اعتبار أنها آية من القرآن فهذه قضية للعلماء فيها كلام ليس محله هنا (١).\n- يتكلف أحيانًا في تفسير القرآن بالقرآن: فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ [الجاثية: ٦]، يقول: \"وما ذكره تعالى في آية الجاثية هذه ذكره في آيات أُخر بلفظه كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ [البقرة: ٢٥١، ٢٥٢]، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ (١٠٨)﴾ [آل عمران: ١٠٧، ١٠٨] \" (٢). ويظهر أن ذلك كان من الشيخ سهوًا، وأنه أراد من البقرة ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ [البقرة: ٢٥٢]، ولا يظهر معنى لذكره آية آل عمران.\n\n- عند قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾ [الرحمن: ٦] قال: \"والذي يظهر لي صوابه أن المراد بالنجم هو نجوم السماء، والدليل على ذلك أن الله ﷾ في سورة الحج صرح بسجود نجوم السماء والشجر، ولم يذكر في آية من كتابه سجود ما ليس له ساق من النبات بخصوصه، وهي قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَال وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾ [الحج: ١٨]. ثم أخذ يضرب الأدلة على ذلك\" (٣).\n_________\n(١) انظر كتابنا: إتقان البرهان، ٢/ ٤٥ - ٥٢.\n(٢) أضواء البيان، ٧/ ١٨٦.\n(٣) المصدر السابق، ٧/ ٤٩١ - ٤٩٢.","vol":"3","page":121},{"text":"وهو بذلك يخالف جمهور المفسرين في هذا المعنى الذي ذهب إليه، حيث ذكر في آية الرحمن النجم والشجر معًا، لذلك فسّر العلماء النجم بما ليس له ساق، وهو معنىً معروف في اللغة، أما آية الحج فمع أنه ذكر فيها النجم والشجر إلا أنهما غير مقترنين، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ ...﴾ [الحج: ١٨]. وقد ذكر في الآية أشياء ستة منها ثلاثة سماوية وهي: الشمس والقمر والنجوم، ومنها ثلاثة أرضية وهي: الجبال والشجر والدواب، والله أعلم.\n\n- يلاحظ عليه أنه ينكر النزول على القمر، ويصف أصحاب الأقمار الصناعية بأنهم شياطين، وأنهم سيرجعون داخرين صاغرين عاجزين عن الوصول إلى القمر والوصول إلى السماء. فعند تفسير قوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨] يذكر حوالي عشر صفحات في إنكار النزول على القمر، وأن الشياطين المذكورين في قوله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ [الحجر: ١٧]، هم شياطين الإنس والجن، فيقول: \"ويؤخذ من هذه الآيات التي ذكرنا أن كل ما يتشدق به أصحاب الأقمار الصناعية من أنهم سيصلون إلى السماء ويبنون على القمر، كله كذب وشقشقة لا طائل تحتها، ومن اليقين الذي لا شك فيه أنهم سيقفون عند حدهم، ويرجعون خاسئين أذلاء عاجزين ... ولا شك أن مِن أشدِّ الكفار تمردًا وعتوًا الذين يحاولون بلوغ السماء، فدخولهم في اسم الشيطان لغةً لا شك فيه، وإذا كان لفظ الشيطان يعم كل متمرد عاتٍ فقوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ [الحجر: ١٧] صريحٌ في حفظ السماء من كل متمردٍ عاتٍ كائنًا من كان\" (١).\n_________\n(١) المصدر السابق، ٢/ ٢٥٩ - ٢٦٦.","vol":"3","page":122},{"text":"وقد وقفت على بعض التقارير العلمية لبعض العلماء الغربيين المحدثين (١) ينكرون فيه وصول الأمريكان إلى القمر عام ١٩٦٩ م من خلال استخدام براهين الرياضيات والفيزياء والحسابات الفلكية، وأن ما أعلنته (ناسا) هو محض خيال ومشاهد مزيفة ومجرد تسجيل انتصار للغربيين على الاتحاد السوفييتي آنذاك، حيث كانت الحرب الباردة بينهما على أشدها، والذي يبدو لي أن القمر ليس في السموات السبع، وأن كنه السموات السبع لم يستطع الناس حتى في هذا العصر أن يصلوا إليه، وما روي في بعض كتب التفسير أن السموات السبع هي منازل الكواكب قول غير مقبول، والله أعلم بما ينزل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-772>عاشرا: نماذج من تفسير الشيخ ﵀ من أضواء البيان:</span>\nعند قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩] يقول الشيخ -﵀-: \"اختلف العلماء في معنى هذه الآية الكريمة: فقال بعض العلماء: معناها أن أولئك الكفار جعلوا أيدي أنفسهم في أفواههم؛ ليعضوا عليها غيظًا وحَنقًا لما جاءت به الرسل، إذ كان فيه تسفيه أحلامهم، وشتم أصنامهم، وممن قال بهذا القول: عبدالله بن مسعود وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم واختاره ابن جرير، واستدل له بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: ١١٩]. وهذا المعنى معروف في كلام العرب ومنه قول الشاعر:\nتَرُدُّونَ في فيهِ غِشَّ الحسودِ ... حتَّى يَعَضَّ عَلَيَّ الأكُفَّا\nيعني أنهم يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه وكفيه، قال القرطبي: ومنه قول الآخر أيضًا:\n_________\n(١) انظر:\n١ - moon Gate: suppressed finding of the us space program by billiam L. Brain.\n٢ - the Anti - Gravit Hand Book، by David Thatcher childress.","vol":"3","page":123},{"text":"قد أفنَى أناملَهُ أَزْمُهُ ... فأضحَى يَعَضُّ عَليَّ الوَظِيفا\nأي أفنَى أنامله عضًا، وقال الراجز:\nلو أنّ سَلْمَى أبصرَتْ تَخَدُّدِي ... ودِقَّةً بِعَظْمِ ساقي ويَدِي\nوَبُعْدَ أهلي وجَفَاءَ عُودِي ... عَضَّتْ مِن الوَجْدِ بأطرافِ اليدِ\nوفي الآية الكريمة أقوال غير هذا، منها: أنهم لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم من العجب، ويروى عن ابن عباس.\nومنها: أنهم كانوا إذا قال لهم نبيُّهم: أنا رسول الله إليكم، أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم، أن اسكت تكذيبًا له وردًا لقوله، ويروى هذا عن أبي صالح.\nومنها: أن معنى الآية أنهم ردّوا على الرسل قولهم وكذبوهم بأفواههم، فالضمير الأول للرسل والثاني للكفار، وعلى هذا القول فإن (في) بمعنى الباء، ويروى هذا القول عن مجاهد وقتادة ومحمد بن كعب. قال ابن جرير: وتوجيهه أن (في) بمعنى (الباء). قال: وقد سمع من العرب أدخلك الله بالجنة يعنون في الجنة، وقال الشاعر:\nوأرغبُ فيها عن لقيطٍ وَرَهْطِهِ ... ولكِنَّنِي عن سُنْبُسٍ لَسْتُ أَرْغَبُ\nيريد: وأرغب بها، قال ابن كثير: ويؤيد هذا القول تفسير ذلك بتمام الكلام وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾ [إبراهيم: ٩].\nقال مُقَيِّدُهُ عفا الله عنه: الظاهر عندي خلاف ما استظهره ابن كثير -﵀- لأن العطف بالواو يقتضي مغايرة ما بعده لما قبله، فيدل على أن المراد بقوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية غيرُ التصريحِ بالتكذيب بالأفواه، والعلم عند الله.\nوقيل: المعنى أن الكفار جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردًّا لقولهم، وعليه فالضمير الأول للكفار، والثاني للرسل، ويروى هذا عن الحسن.","vol":"3","page":124},{"text":"وقيل: جعل الكفارُ أيدي الرسلِ على أفواه الرسُلِ لِيُسْكِتُوهم ويقطَعوا كلامهم ويروى هذا عن مقاتل.\nوقيل: رَدَّ الرسلُ أيديَ الكفارِ في أفواههم، وقيل غير ذلك.\nوقد رأيت الأقوال وما يشهد له القرآنُ منها، والعلم عند الله\" (١).\nعند قوله تعالى في السورة نفسها السابقة: ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢] قال: \"بيَّن في هذه الآية الكريمة أن مِن حِكَمِ إنزال القرآن العظيم العِلْمَ بأنه تعالى إله واحد، وأنّ مِن حِكَمِهِ أن يتعظَ أصحابُ العقول، وبيّن هذا في مواضع أُخر فذكر الحكمة الأولى في أول سورة هود في قوله: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾، كما تقدم إيضاحه. وذكر الحكمة الثانية في قوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص: ٢٩]، وهم أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، واحِدُ الألبابِ: لبٌّ بالضم، والعلم عند الله\" (٢).\nوعند قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾ [مريم: ٩٨] يقول: ﴿وَكَمْ﴾ في هذه الآية الكريم هي الخبرية، وهي في محل نصب، لأنها مفعول ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و(من) هي المبيّنة لـ (كم) كما تقدم إيضاحه.\nوقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي: هل ترى أحدًا منهم، أو تشعر به، أو تحدُه ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾ أي: صوتًا. وأصل الركز: الصوت الخفي. ومنه رَكَّزَ الرمح: إذا غَيَّبَ طرفَه وأخفاه في الأرض. ومنه: الركاز: وهو دَفْنٌ جاهلي مُغَيَّبٌ بالدفن في الأرض، ومن إطلاق الرِّكز على الصوت، قول لبيد في معلقته:\n_________\n(١) أضواء البيان، ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٢) المصدر السابق، ٢/ ٢٥٠ - ٢٥١.","vol":"3","page":125},{"text":"وتَوَجَّسَت رِزَّ الأنيس فراعَها ... عن ظَهْرِ غيبٍ والأنيسُ سَقامُها\nوقول طرفه في معلقته:\nوصادِقَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ للسُّرَى ... لهجي خَفِيٍّ أو لصَوْتٍ مُنَدِّدِ\nوقول ذي الرمة:\nإذا تَوَجَّسَ رِكْزًا مُقْفِرٌ نَدَسٌ ... بِنَبأَةِ الصَّوْتِ ما في سَمْعِهِ كَذِبُ\nوالاستفهام في قوله (هل) يزاد به النفي، والمعنى: أهلكنا كثيرًا من الأمم الماضية فما ترَى منهم أحدًا، ولا تسمع لهم صوتًا، وما ذكره في هذه الآية من عدم رؤية أشخاصهم، وعدم سماع أصواتهم، ذَكَرَ بعضه في غير هذا الموضع، كقوله في عاد: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ [الحاقة: ٨]، وقوله فيهم: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، وقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ [الحج: ٤٥] إلى غير ذلك من الآيات\" (١).\nهذا هو تفسير الشيخ الشنقيطي -﵀- أرجو أن أكون قد أعطيتُ فكرةً تامة للقارئ عنه، وأعتذر أن كتابي لا يتسع لأكثر من هذا، راجيًا أن يكون فيما ذكرت الغنية والكفاية، وتتحدث الآن عن تتمة تلميذه الشيخ عطية محمد سالم ﵀.\n_________\n(١) المصدر السابق، ٣/ ٥١٨ - ٥١٩.","vol":"3","page":126},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-773>القسم الثاني تتمة الشيخ عطية محمد سالم ﵀</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-774>أولا: ترجمة الشيخ عطية محمد سالم </span>(١):\nالشيخ عطية محمد سالم هو أحد علماء المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، ولد عام ١٣٤٦ هـ بقرية المهدية إحدى قرى محافظة الشرقية بمصر، وكانت بدايته كأبناء الريف في كتاتيب القرية. انتقل بعدها إلى المدرسة الأوليّة، وكانت مدة الدراسة بها خمسة سنوات، ثم واصل دراسته الدينية بعد مجيئه إلى المدينة المنورة عام ١٣٦٤ هـ في حلقات المسجد النبوي الشريف، فدرس فيها موطأ الإمام مالك، نيل الأوطار، سبل السلام، رياض الصالحين، البيقونية في مصطلح الحديث. وكلها على فضيلة الشيخ عبد الرحمن الإفريقي ﵀ حتى عام ١٣٧٠ هـ.\nودرس الرحبية في علم الفرائض، الآجرومية في النحو، وهذه على فضيلة الشيخ حماد الأنصاري.\nوشرح منتهى الإرادات، صحيح البخاري، على فضيلة الشيخ محمد بن تركي ﵀.\n_________\n(١) انظر ترجمته على موقع الشيخ عطية -﵀- على الموقع:\nwww.daralansar.com/atia.asp","vol":"3","page":127},{"text":"ومن مشايخه الشيخ محمد الحركان في صحيح البخاري، والشيخ عمار في سنن أبي داود، والشيخ العرنوس والشيخ أحمد ياسين الخياري، والشيخ محمد أمين.\nوفي عام ١٣٧٠ هـ، افتتحت المعاهد العلمية والكليات، وانتقل الشيخ إلى الرياض حيث التحق بالمعهد العلمي الثانوي، ثم كلية الشريعة، وكلية اللغة العربية حيث حصل على الشهادتين من كلتا الكليتين وتخرج منهما معًا. وفي هذه الفترة توطدت علاقة الشيخ بعلماء هذا العصر، ومنهم فضيلة الشيخ عبد الرازق عفيفي، والشيخ يوسف عمر رئيس البعثة الأزهرية، والشيخ الظواهري وكيل الأزهر، والأستاذ محمد سرحان وإخوانه عبد اللطيف وعبدالسلام، والشيخ يوسف الضبع، والشيخ النمر الذي تولى وزارة الأوقاف في مصر، والشيخ الهراس، وكان هؤلاء من علماء البعثة الأزهرية. أما من علماء المملكة السعودية، فالشيخ عبد العزيز بن عبد الله، والشيخ عبد العزيز بن رشيد ﵀، والشيخ عبد الرازق حمزة وغيرهم.\nوفي هذه الفترة كذلك توطدت العلاقة بفضيلة الوالد الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -﵀- حيث صحبه طالبًا وتلميذًا في حلقاته، وفي رحلاته، علاقة الولد والتلميذ مع شيخه، حيث منّ الله عليه بعد ذلك أن أكمل تفسير \"أضواء البيان\" بعد أن توفي الشيخ ﵀.\nأما في المجال الوظيفي، فقد تدرج الشيخ في الحياة الوظيفية؛ حيث كلف بالتدريس في المعهد العلمي بالإحساء لمدة أربع سنوات، وذلك في أثناء دراسته في كلية الشريعة وكلية اللغة، وكذلك كلف بعد التخرج بالتدريس في معهد الرياض، ثم في الكليتين معًا حيث كان يدرس \"بلوغ المرام\" للطلبة في كلية الشريعة، و\"الأدب في صدر الإسلام\" للطلبة في كلية اللغة.\nوفي عام ١٣٨١ تم تشكيل مجلس خاص بقرار من فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة لوضع الترتيبات اللازمة لافتتاح الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة من برامج ومناهج وإدارات. وكان هذا المجلس برئاسة فضيلة الشيخ","vol":"3","page":128},{"text":"عبد العزيز بن باز وعضوية كل من الشيخ عبد الرازق عفيفي، والشيخ مناع القطان، والأستاذ محمد العبودي، والشيخ عطية محمد سالم، ثم أسندت إلى فضيلة الشيخ عمادة شؤون التعليم في الجامعة الإسلامية، بالإضافة إلى تدريس \"بداية المجتهد لابن رشد\"، و\"أصول الفقه\" عن الشيخ الأمين ﵀ في حال غيابه.\nانتقل الشيخ بعد ذلك إلى العمل بالقضاء بتكليف من سماحة المفتي، وكان رئيسًا للقضاء والمحاكم، وتدرج في مراتب القضاء حتى وصل إلى مرتبة \"قاضي تمييز\" حيث أحيل للتقاعد في ١/ ٧/ ١٤١٤ هـ.\nولما افتتحت الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة تم وضع كرسي باسم الجامعة في المسجد النبوي، وكان يتناوب عليه كل من فضيلة الشيخ الأمين والشيخ عبد العزيز بن باز نائب رئيس الجامعة آنذاك. ولظروف صحية ألمت بالشيخ محمد الأمين حل محله الشيخ عبد القادر شيبة الحمد، ولكثرة أعمال وارتباطات الشيخ عبد العزيز بن باز حل محله الشيخ عطية محمد سالم، ثم انتقل الشيخ عبد القادر شيبة الحمد إلى الرياض، وانفرد الشيخ عطية بالتدريس في كرسي الجامعة في المسجد النبوي الشريف إلى الآن، ثم شاركه في الفترة الأخيرة الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي.\nومما درسه الشيخ عطية لتلاميذه في حلقته في المسجد النبوي الآتي:\n• \"موطأ الإمام مالك بن أنس\" مرتين، وسجلت الأخيرة على أشرطة كاسيت تعدت ٧٠٠ شريط موجودة في المكتبة الصوتية في المسجد النبوي الشريف.\n• \"الأربعين النووية\"، وسجلت في أكثر من سبعين شريط كاسيت.\n• \"شرح البيقونية\" في المصطلح.\n• \"شرح الرحبية في الفرائض\".\n• \"شرح الورقات في الأصول\".\n• دروس في التفسير \"سورة الحجرات، أوائل سورة البقرة - آيات من سورة آل عمران\" وغيره.","vol":"3","page":129},{"text":"• دروس متفرقة في السيرة النبوية والغزوات.\n• كتاب \"بلوغ المرام\".\n• كتاب \"البلاغة الواضحة\".\nوجميع هذه الدروس مسجلة على أشرطة كاست بالمكتبة الصوتية في المسجد النبوي، كما أن للشيخ عطية مشاركات في الإذاعة والتلفزيون والدورات والندوات والأمسيات في النادي الأدبي في المدينة المنورة. وقد شارك الشيخ عطية في عدد من المؤتمرات منها:\n• مؤتمر إعداد الدعاة بالجامعة الإسلامية.\n• مؤتمر مكافحة الجريمة في وزارة الداخلية بالرياض.\n• مؤتمر مكافحة المخدرات في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة.\n• مؤتمر أهل الحديث في إسلام أباد باكستان.\n• المؤتمر الفقهي الإسلامي في ماليزيا.\n• مؤتمر الدعوة في بغداد أثناء القتال مع إيران للمصالحة بينهما.\n• أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.\nولا يوجد زائر للمدينة المنورة إلا واستوقفته حلقة الشيخ الكبير في المسجد النبوي الشريف، ذلك العلم الذي يتدفق من الداعية الفقيه آية في البناء الأدبي والبلاغي والحكمة، لا تملك إلا أن تلقي ببالك وجميع مداركك إلى هذا العلم وهذا العالم الذي يعيد إليك صورة الرعيل الأول من علماء هذه الأمة ممزوجة بعصرنا الحاضر بوعي وإدراك لعلم السلف ومعايشة روح العصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-775>مؤلفات الشيخ عطية:</span>\n• تتمة تفسير \"أضواء البيان\" لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي من أول سورة الحشر إلى آخر سورة الناس طبع عدة مرات مع الكتاب.","vol":"3","page":130},{"text":"• \"تسهيل الوصول إلى علم الأصول\" بالاشتراك مع آخرين.\n• \"الأدب في صدر الإسلام\" بالاشتراك مع آخرين، وكان مقررًا في جامعة الإمام الإسلامية.\n• \"تعريف عام بعمومات الإسلام\"، وكان مقررًا في الجامعة الإسلامية ترجم إلى اللغة الإنكليزية.\n• \"أصل الخطابة وأصولها\" وكان أيضًا مقررًا في الجامعة.\n• \"السؤال والجواب في كتاب الله\"، وأصله حلقات بالإذاعة ثم جمعت وطبعت وقررت على طلاب التربية وجامعة الملك عبد العزيز.\n• \"وصايا الرسول -ﷺ-\"، وكان أيضًا حلقات بالإذاعة وجمعت وطبعت وقررت على طلاب كلية التربية في جامعة الملك عبد العزيز.\n• \"في ظل عرش الرحمن\"، وموضوعه حديث سبعة يظلهم الله.\n• \"عمل أهل المدينة\"، تأصيل لحجية عمل أهل المدينة عند الإمام مالك ردًّا على كتاب محمد بن الحسن في نقده لعمل أهل المدينة (الحجة على أهل المدينة).\n• \"موقف الأمة من اختلاف الأئمة\".\n• \"آيات الهداية والاستقامة في كتاب الله تعالى\" (في مجلدين).\n• \"مجموعة الرسائل المدنية\" وتشتمل على ستة عشر رسالة مستقلة هي:\n- صلاة التراويح أكثر من ألف عام في مسجد النبي -ﷺ-.\n- مع الرسول في رمضان.\n- نكاح المتعة في الإسلام.\n- زكاة الحلي.\n- تعريف عام بعموميات الإسلام.\n- منهج الإسلام في كيفية المؤاخاة والتحكيم بين المسلمين.\n- أصول الخطابة والإنشاء.\n- معالم على طريق الهجرة.","vol":"3","page":131},{"text":"- حكمة التشريع في تعداد الزوجات وتحديد النسل.\n- رمضانيات.\n- آداب زيارة المسجد النبوي والسلام على رسول الله.\n- مع الرسول في حجة الوداع.\n- الإسراء والمعراج من الكتاب والسنّة.\n- سجود التلاوة.\n- مع المرضى.\n- العين والرقية والاستشفاء من القرآن والسنّة.\n• \"هداية المستفيد من كتابة التمهيد\" (١٢ مجلد)، وهو إعادة لترتيب كتاب التمهيد لابن عبد البر على أبواب الفقه بدلًا من الأسانيد.\n• \"الرق في الإسلام\"، كتيب بالمشاركة مع الشيخ الأمين.\n• كتاب \"الدماء في الإسلام\".\nوللشيخ عطية رسائل وأبحاث بعضها تحت الطبع وبعضها الآخر أوراق بحث في الندوات والمشاركات، وبالإضافة إلى الإشراف على العديد من الرسائل العلمية في الجامعة وعضو لجان المناقشة لبعضها الآخر، رحم الله الشيخ عطية، ونفعنا بعلمه، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-776>ثانيًا: ملاحظات على تفسير الشيخ عطية محمد سالم</span>\nإن القسم الثاني من تفسير الأضواء هو تفسير الشيخ الوفي عطية محمد سالم -﵀- حيث أتم هذا التفسير ابتداءً من سورة الحشر حتى سورة الناس، في نحو مجلد ونصف من مجلدات الكتاب، وقد حاول الشيخ أن يسير على نهج شيخه -رحمهما الله- في التفسير للسور الباقية، فوافقه في كثير من الآراء وخالفه في بعضها، حيث كان يعتمد كثيرًا كلام شيخه في محاضراته وإملاءاته على تلاميذه، ويتأثر بها.","vol":"3","page":132},{"text":"فمثلًا عند قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الحشر: ٧]، يقول: \"وللشيخ -رحمه الله تعالى- كلام مقنع على هذه المسألة (المشاركة في الأموال) في سورة الزخرف على قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: ٣٢]، نسوق نصه لأهميته، قال ﵀: مسألة ... \" (١).\nوعند قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، يقول: \"قال الشيخ -رحمه الله تعالى- في المقدمة: إن السنّة كلها مندرجة تحت هذه الآية الكريمة، أي أنها ملزمةٌ للمسلمين العملَ بالسنّة النبوية ... \" (٢).\nوعند قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة: ٢]. يقول الشيخ عطية -﵀-: \"بيّن الشيخ -رحمةُ الله تعالى علينا وعليه- معنى الأميين في مذكرة الدراسة بقوله: الأميين: أي العرب. والأمي: هو الذي لا يقرأ ولا يكتب، وكذلك كان كثير من العرب\" (٣).\nوعند قوله: ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦]، يقول: \"قال الشيخ -رحمه الله تعالى علينا وعليه-: أي: إن كنتم صادقين في زعمكم أنكم أولياء لله، وأبناء الله وأحباؤه دون غيركم من الناس، فتمنوا الموت؛ لأن وليَّ الله حقًّا يتمنى لقاءه، والإسراع إلى ما أعدّ له من النعيم المقيم\" (٤).\nوقد تأثر أيضًا برأي شيخه -رحمهما الله- بالقول في تناوب حروف الجر في القرآن، فعند قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ [المرسلات: ٦]، يقول: \"و(أو) في قوله:\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان، ٨/ ٣٥ - ٣٦.\n(٢) المصدر السابق، ٨/ ٣٧.\n(٣) المصدر السابق، ٨/ ١١٥.\n(٤) المصدر السابق، ٨/ ١١٩.","vol":"3","page":133},{"text":"﴿أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ بمعنى الواو، أي: لأجل الإعذار والإنذار، ومجيء (أو) بمعنى الواو، كمجيء ذلك في قول عمرو بن معدي كرب:\nقومٌ إذا سمعوا الصريخَ رأيتَهُم ... ما بين مُلْجِيمٍ مُهْرَهُ أو سافِعِ\nأي: وسافع\" (١).\nومع ذلك نجد الشيخ -﵀- يخالف شيخه -﵀- في بعض القضايا:\nفمثلًا في قضية (المشاقة) في سور الحشر ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٤] يخالف شيخه في بعض القضايا المنطقية مثل: تخلف الحكم عن العلة لسبب من الأسباب، مثل هذه الآية، فالعلة هي مشاقة الله ورسوله، وقد توجد في قوم يشاقون الله ورسوله مع تخلف حُكْمِها عنها، وهو التخريب، ويرى الشيخ عطية أن تخلف الحكم عن العلة في غير اليهود، وإنما هو لتخلفِ جزء منها، وأن العلة ومُرَكَّبَةٌ، أي: هي في اليهود مُشَاقَّةٌ وزيادة، تلك الزيادة لم توجد في غير اليهود، فوقع الفرق (٢).\nكما خالفه في (لا) في قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (١)﴾ [القيامة: ١] حيث ذكر توجيهات شيخه لهذه الـ (لا) حيث رجح شيخه أنها لام الابتداء، أشبعت فتحتها، ومثّل لهذا الرأي بأدلته، ثم رجَّح الشيخ عطية أنها لتوكيد القسم، وبذلك خالف شيخه في توجيهه لها (٣).\nويخالف شيخه أيضًا في التوجيهات البلاغية، فقد رأينا أن الشيخ الإمام الشنقيطي قد أنكر المجاز في القرآن الكريم، وربما سمّاه بغير اسمه، كأن يقول: من أساليب العربية، إلا أننا نجد الشيخ عطية يأخذ بها ويذكرها في مواضعها، فمثلًا\n_________\n(١) المصدر السابق، ٨/ ٤٠٠ - ٤٠١.\n(٢) انظر: المصدر السابق، ٨/ ٢٣ - ٢٤.\n(٣) انظر: المصدر السابق، ٨/ ٣٦٩ - ٣٧٢.","vol":"3","page":134},{"text":"عند قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الحشر: ٢١]. يقول: \"وأكثر ما في القرآن من أمثلة إنما هو من قبيل التشبيه التمثيلي وهي تشبيه صورة بصورة، وهو من أوضح أساليب البيان\" (١). وعند قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ [الجمعة: ٥]. يقول: \"والذي يظهر والله تعالى أعلم، أنه من قبيل التشبيه التمثيلي، لأن وجه الشبه مركب من مجموع كون المحمول كتبًا نافعة، والحاملِ حمارًا لا علاقة له بها\" (٢). وهو يوافق برأيه رأي الشيخ عبد القاهر الجرجاني -رحمهما الله-. وتحدث عن رأي البلاغيين في تقسيم الكلام إلى خبر وإنشاء، ويذكر رأي السعد في التلخيص (٣).\nفالشيخ لا ينكر الاستعارة والمجاز، وقد سمعت له درسًا عبر (المذياع) من مسجد رسول الله -ﷺ- وهو يتحدث عن (ضالة الإبل) وما جاء من خبرها في حديث رسول الله -ﷺ- الذي يرويه زيد بن خالد الجهني، قال: جاء أعرابي إلى النبي -ﷺ- فسأله عما يلتقطه، فقال: \"عَرِّفها سنةً، ثم اعرف عفاصها ووكاءها، فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها\"، قال: يا رسول الله! فضالّةُ الغنم؟ قال: \"لك أو لأخيك أو للذئب\"، قال: ضالَّةُ الإبل؟ فتمعَّر وجه النبي -ﷺ- فقال: \"ما لَكَ ولها معها حذاؤها وسقاؤها، تَرِدُ الماء وتأكل الشجر\" (٤). فقال الشيخ -﵀- عند قوله: \"وحذاؤها\" ذكرُ الحذاء وهو للإنسان من باب الاستعارة.\nويمكن أنْ تضاف بعض الميزات لمنهج الشيخ عطية عن منهج شيخه -رحمهما الله- بالإضافة لما سبق ذكره، ومن هذه الميزات:\n_________\n(١) المصدر السابق، ٨/ ٦٦.\n(٢) المصدر السابق، ٨/ ١١٨.\n(٣) انظر: ٨/ ١٨٩.\n(٤) البخاري، الصحيح، كتاب اللقطة، باب ضالة الإبل، الحديث رقم ٢٤٢٧.","vol":"3","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-777>ميزات تفسير الشيخ عطية:</span>\n١ - يعد تفسيره أقرب إلى روح الموضوعية من شيخه، ويظهر ذلك من خلال الحس التفسيري الجيد للشيخ -﵀- من خلال مراعاة: التناسب بين السور مثلا، فنجده مثلًا يربط بين سورتي الطلاق والتغابن فيقول: \"لو أخذنا بعين الاعتبار النسق الكريم بين السورتين، حيث كان آخرَ ما قَبْلَها موضوعُ الأولادِ والزوجاتِ من فتنةٍ وعداءِ، والإشارةُ إلى علاج ما بين الزوجين من إنفاق وتسامح على ما أشرنا إليه سابقًا هناك، فإنْ صَلُح ما بينهما بذاك فبها ونعمت، وإن تعذَّر ما بينهما وكانت الفُرقة مُحَتَّمَةً، فجاءت هذه السورة على إثرها تبين طريقةَ الفُرقة السليمة في الطلاق وتشريعه وما يتبعه مِن عِدَدٍ وإنفاق ونحو لك\" (١). وكذلك فعل بين سورتي البروج والانشقاق، يقول: \"وبمناسبة ارتباط السور بعضها ببعض، فإن بعض المفسرين يقول: لمّا ذَكَرَ مآل الفريقين، وتطايُرَ الصحف في السورة الأولى، ذَكَرَ هنا عملًا من أشد أعمال الكفار مع المؤمنين في قصة الأخدود. والذي يظهرُ أقوى من هذا، هو -والله تعالى أعلم- أنه لما ذكر سابقًا انفطار السماء، وتناثر النجوم، وانشقاق السماء، وإذنها لربها وحُقَّ لها ذلك، جاء هنا بيانُ كُنْهِ هذه السماء، أنها عظيمة البنية بأبراجها الضخمة، أو بروجها الكبيرة، فهي مع ذلك تأذن لربها وتطيع، وتنشق لهول ذلك اليوم وتنفطر، فأولى بك أيها الإنسان، والله تعالى أعلم\" (٢). وكذلك فعل بين سورتي الضحى مع الليل، حيث قال: \"والواقع أن مناسبات السور القصار، أظهرُ من مناسبات الآي في السورة الواحدة، كما بين هاتين السورتين ﴿وَاللَّيْلِ﴾ مع ﴿وَالضُّحَى﴾ ثم ما بين ﴿وَالضُّحَى﴾ و﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ إنها تتمة النعم التي يعدد الله بها على رسوله\" (٣).\n_________\n(١) المصدر السابق، ٨/ ٢٠٨.\n(٢) المصدر السابق، ٨/ ٤٧٦.\n(٣) المصدر السابق، ٨/ ٥٧١.","vol":"3","page":136},{"text":"وكذلك يوجه فواصل الآيات أحيانًا حسب السياق ولا يقول بمراعاة فواصل الآي. فعند قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾ [البروج: ١٩]. نقل رأي الكرماني في المقارنة بين آية الانشقاق ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢)﴾ [الانشقاق: ٢٢] بأن المغايرة بين الفاصلتين لمراعاة رؤوس الآي والفواصل ثم قال: \"ولكن الظاهر من السياق في الموضعين مراعاة السياق لا فواصل الآي، لأن في سورة الانشقاق الحديث مع المشركين ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢)﴾ [الانشقاق: ١٩ - ٢٢]، وفي سورة البروج هنا ذكر الأمم من فرعون، وثمود، وأصحاب الأخدود، والمشركين في مكة، ثم قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (١٩)﴾ فناسب هذا هنا، وناسب ذاك هناك، والله أعلم\" (١).\nوكذلك فهو يحاول أن يربط بين القسم والمقسم به وهو السورة، فيقول: \"وبعد التأمل ظهر -والله تعالى أعلم- أنه سبحانه لا يقسم بشيء في موضع دون غيره، إلا لغرض يتعلق بهذا الموضع، يكون بين المقسم به، والمقسم عليه مناسبة وارتباطٌ، وقد يظهر ذلك جليًّا وقد يكون خفيًا، وهذا فعلًا ما تقتضيه الحكمة والإعجاز في القرآن، وإن كنت لم أقف على بحث فيه\" (٢).\nوعند تفسير سورة العصر يقول مثلًا: \"فإن المقسم عليه هو حالة الإنسان الغاليةُ عليه مِن خُسْرٍ، إلا من استثنى الله تعالى، فكان المقسم به، والعصر المعاصرُ للإنسان طيلة حياته وهو محلُّ عمله، الذي به يخسر ويربح، وهو معاصرٌ له وأصدقُ شاهد عليه، فكان القسم في العصر على الربح والخسران أنسبُ ما يكون بينهما، إذ جُعِلَت حياة الإنسان كسوق قائمة، والسلعةُ فيه العمل، والعامل هو الإنسان. كما\n_________\n(١) المصدر السابق، ٨/ ٤٨٩.\n(٢) المصدر السابق، ٨/ ٤٤٣.","vol":"3","page":137},{"text":"قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾ [الصف: ١٠، ١١] \" (١) وهي محاولة قيمة تدل على دراية هذا الشيخ -﵀- بعلوم التفسير فضلًا على الحس التفسيري السليم لديه.\n٢ - ومما امتاز به هذا التفسير من تفسير شيخه أنه يربط الآيات القرآنية بالواقع الذي نعيشه، وهذا ملحظ هام وميزة تسجل للشيخ -﵀- فعند قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ [الجن: ١٦] يقول: \"وما أشبه الليلة بالبارحة فيما يعيشه العالم الإسلامي اليوم بين الاتجاهين المتناقضين الشيوعي والرأسمالي، وما أثبته الواقع من أن المعسكر الشيوعي الذي أنكر وجود الله، وكفر بالذي خلقه من تراب ... فإنه مفتقر لكافة الأمم الأخرى في استيراد القمح\" (٢).\nوعند قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨، ٩] يتحدث عن الوأد الحديث المتمثل في منع الحمل وأن منشأ الدعوة من اليهود (٣).\nوعند الآيات الأولى من سورة المطففين يربط بين التطفيف وبين أكل أموال الناس بغير حق أيا كان هو وبأي وجه يكون ذلك (٤).\nوعند قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [البينة: ٥] يربط الآية في الرد على أولئك الذين يقولون بوحدة الأديان، وبأن في هذه الدعوة حقًّا وباطلًا (٥). وهكذا نجد الشيخ ﵀ يربط بين هذه الآيات وبين الواقع الذي تعيشه الأمة (٦).\n_________\n(١) المصدر السابق، ٨/ ٤٤٥.\n(٢) المصدر السابق، ٨/ ٣١٩ - ٣٤٠.\n(٣) انظر: المصدر السابق، ٨/ ٤٣٩ - ٤٤١.\n(٤) انظر: المصدر السابق: ٨/ ٤٥٩.\n(٥) المصدر السابق، ٩/ ٤٨.\n(٦) انظر: أيضًا: ٨/ ١١، ٢٢، ٢٣٩ - ٢٤٠.","vol":"3","page":138},{"text":"ويشارك الشيخ عطية شيخه الشنقيطي -رحمهما الله- في منهجه في التفسير حيث يترك تفسير بعض الآيات، ويستطرد في أحكام وتفصيلات عند بعض الآيات.\nفمثلًا في سورة الحشر لم يفسر الآيات (٩ - ١٧) من سورة الحشر، ولكنه يستطرد في مواقع أخرى منها.\nفي الآية الأولى من سورة الحشر يستطرد في الحديث عن قضية التسبيح وإثبات أنها كانت بدلالة المقال فضلًا عن الحال (١).\nوكذلك في الحديث عن أقسام سنّة النبي - ﷺ - (٢).\nوكذلك في الحديث عن أحكام الزكاة والشهادة (٣).\nوكذلك في المساجد وأحكامها (٤).\nومسألة الاحتفال بالمناسبات الدينية (٥).\nوكروية الأرض (٦). ومباحث تتعلق بالعلم (٧).\nوأحكام الرياء والعارية (٨) وأحكام السحر والحسد (٩).\n_________\n(١) المصدر السابق، ٨/ ١٢٠٣.\n(٢) المصدر السابق، ٨/ ٣٨ - ٤٢.\n(٣) المصدر السابق، ٨/ ٢٧٠ - ٣٠٣.\n(٤) المصدر السابق، ٨/ ٣٢٠ - ٣٥٦.\n(٥) المصدر السابق، ٨/ ٣٨٢ - ٣٩٢.\n(٦) المصدر السابق، ٨/ ٤٢٣ - ٤٢٨.\n(٧) المصدر السابق، ٩/ ١٨ - ٢٦.\n(٨) المصدر السابق، ٩/ ١١٨ - ١٢٤.\n(٩) المصدر السابق، ٩/ ١٦١ - ١٧٠.","vol":"3","page":139},{"text":"ومما يؤخذ على الشيخ -﵀- في تفسيره:\n- يقول إن قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] نسخ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] (١).\nولا نسخ على الإطلاق كما يقول جمهور العلماء فالآية محكمة، وقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ هو ما نستطيع. وعليه فلا تعارض (٢).\n- ويؤخذ على الشيخ أنه قد يذكر القراءات دون أن يميز بين المتواتر منها والشاذ: فعند قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢]، قال: \"وقُرِئ بكسر (همزة أيمانهم) من الإيمان ضد الكفر، أي: ما أظهروه من أمور الإسلام\" (٣). وهذه القراءة غير متواترة. وكذلك فعل عند قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١]. قال: \"قرئ يهدأ بالهمز من الهدوء، وقلبُه بالرفع وهي بمعنى يسكن قلبه\" (٤). وهي ليست متواترة أيضًا.\nويظهر أن الشيخ لم يكن كشيخه -رحمهما الله- ذا باعٍ عريض في القراءات.\n- لم يخرج حديث: إذا ذكر القضاء فأمسكوا (٥).\n- يتكلف أحيانًا في عرض بعض القضايا المنطقية كما فعل في الربط بين حديث: \"الدين حسن الخلق\" والآية الكريمة: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾\n_________\n(١) المصدر السابق، ٨/ ٥٣٠.\n(٢) انظر: كتابنا: إتقان البرهان، ٢/ ٣٢.\n(٣) أضواء البيان، ٨/ ١٩٠.\n(٤) المصدر السابق، ٨/ ٣٠٢.\n(٥) المصدر السابق، ٨/ ١٩٩.","vol":"3","page":140},{"text":"[البقرة: ١٧٧]، فيتحدث عن (الماصدق) و(القياس الاقتراني) ويربطهما بالاية والحديث (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-778>ثالثا: نماذج من تفسير الشيخ عطية محمد سالم ﵀:</span>\nعند قوله تعالى في آخر سورة الحشر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٤] يقول: \"لقد استوقفني طويلًا مجيء هذه الآيات في نهاية هذه السورة تذييلًا لها وختامًا، وبأسلوب الإجمال والتفصيل لقضايا التوحيد وإقامة الدليل، وإلزام أهل الإلحاد والتعطيل، فمكثتُ طويلًا أتطلب ربطها بما قبلها، فلم أجد في كل ما عثرت عليه من التفسير أكثرَ من شرح المفردات، وإيراد بعض التنبيهات، مما لا ينفذُ إلى أعماق الموضوع، ولا يشفي غليلًا في مجتمعاتنا الحديثة، أو يُذْهِبُ شُبَهَ المدنية المادية، فرجعت إلى السورة بكاملها أتأمل موضوعها، فإذا بها تبدأ أولًا بتسبيح العوالم كلها لله العزيز الحكيم، وهو أمرٌ فوق مستوى الإدراك الإنساني، ثم تسوق أعظم حدث تشهدُهُ المدينة بعد الهجرة من إخراج اليهود، ولم يكن مظنونًا إخراجهم، فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، فكانوا موضع العبرة والعظة، ثم تأتي لموقف فريقين متقابلين، فريق المؤمنين والكافرين، يتمثل الفريق الأول في المهاجرين والأنصار، وما كانوا عليه من أُخوَّة ومودة، ورحمة، وعطاء، وإيثار على النفس، ويتمثل الفريق الآخر في المنافقين واليهود، وما كان بينهم من مواعدةٍ وإغراءٍ وتحريض ثم تَخَلٍّ عنهم وخذلانٍ لهم.\nفكان في ذلك تصوير لحزبين متقابلين متناقضين، حزب الرحمن، وحزب الشيطان، ثم تأتي إلى مقارنة أخرى بين نتائج هذين الجزءين ومنتهاهما وعدم\n_________\n(١) المصدر السابق، ٨/ ٢٥٠ - ٢٥١.","vol":"3","page":141},{"text":"استوائهما وفي ذلك تقرير المصير ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾ [الحشر: ٢٠].\nوهنا وقفة لتأمل اجتماع تلك الصفات معًا (عالم الغيب الشهادة، والملك القدوس، والسلام المهيمن) فنجدها مترابطة متلازمة، لأن العالم إذا لم يملك التصرف ولم يهيمن على شيء فلا فعالية لعلمه ... فإذا اجتمع كل ذلك وتلك الصفات: العلم والملك والتقديس والهيمنة، حصل الكمال والجلال، ولا يكون ذلك إلا لله وحده العزيز الجبار المتكبر، ولا يُشْرِكُه أحدٌ في شيء من ذلك سبحانه وتعالى عما يشركون ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، وهنا وفي نهاية هذا السياق يقف المؤمن وقفة إجلال وتعظيم لله، فالخالق هو المقدر قبل الإيجاد، والبارئ: الموجِد من العدم على مقتضى الخلق والتقدير، والمصور: المشكل لكل موجود على الصورة التي أوجده عليها، والمهيمن: يُسَيِّرُ ما يوجِدُه على مقتضى ما يقدره، والمتكبر: الذي لا يتطاول لكبريائه مخلوق.\nوفي نهاية السياق إقامة البرهان الملزم، وانتزاع الاعتراف والتسليم ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ وهو أعظم دليل كما تقدم ... وهنا عودٌ على بدء يختم السورة بما بدأت به مع بيان موجباته واستحقاقه وآيات وحدانيته، سبحانه لا إله إلا هو العزيز الحكيم\" (١).\nوعند قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] يقول: \"قال الشيخ -رحمةُ الله تعالى علينا وعليه- في إملائه: (وهذا مثلٌ ضربه الله لليهود، وهو أنّه شبههم بحمار، وشبّه التوراة التي كلفوا العملَ بما فيها بأسفار، أي: كُتُبٍ جامعة للعلوم النافعة. وشبّه تكليفهم بالتوراة بحمل ذلك الحمار لتلك الأسفار، فكما أن الحمار لا ينتفع بتلك العلوم النافعة التي\n_________\n(١) أضواء البيان، بتصرف، ٨/ ٧٥ - ٧٨.","vol":"3","page":142},{"text":"في تلك الكتب المحمولة على ظهره، كذلك اليهود لم ينتفعوا بما في التوراة من العلوم النافعة، لأنهم كلفوا باتباع محمد -ﷺ- وإظهار صفاته للناس فخانوا، وحرّفوا وبدّلوا فلم ينفعهم ما في كتابهم من العلوم) والذي ينبغي التنبيه عليه هو أن أكثر المفسرين يجعله من قبيل التشبيه المفرد، وأن وجه الشبه فيه مفرد، وهو عدم الانتفاع بالمحمول كالبيت الذي فيه:\nكالعيسِ في البيداء يقتلُها الظَّمَا ... والماءُ فوقَ ظهورِها محمولُ\nوالذي يظهر -والله أعلم- أنه من قبل التشبيه التمثيلي، لأن وجه الشبه مركب من مجموع كون المحمول كتبًا نافعة، والحاملِ حمارًا لا علاقة له بها بخلاف ما في البيت، لأن العيس يمكن أن تنتفع بالماء لو حصلت عليه، والحمار لا ينتفع بالأسفار ولو نشرت بين عينه، وفيه إشارة إلى أن من موجبات نقل النبوة عن بني إسرائيل كُلِّيَّةً أنهم وصلوا إلما حدّ الإلباس من انتفاعهم بأمانة التبليغ والعمل، فنقلها الله إلى قوم أحقَّ بها، وبالقيام بها\" (١).\nورحم الله الشيخ عطية رحمةً واسع فجلُّ المفسرين الذين لهم عناية بالقضايا البيانية عَدُّوا التشبيه في هذه الآية الكريمة تشبيه تمثيل، وكذلك البيت الذي ذكره الشيخ -﵀- وقال إنه من قبيل التشبيه المفرد وهو في الحقيقة تشبيه تمثيل كذلك.\nوعند قوله تعالى في سورة الشرح ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ يقول: \"ذكر تعالى هنا ثلاث مسائل: شرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع الذكر. وهي وإن كانت مُصَدَّرَةٌ بالاستفهام فهو استفهام تقريري لتقرير الإثبات، فقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بمعنى: شرحنا على المبدأ المعروف من أن نفي النفي إثبات، وذلك لأن همزة الاستفهام\n_________\n(١) المصدر السابق، ٨/ ١١٧ - ١١٨.","vol":"3","page":143},{"text":"وهي في معنى النفي دخلت على (لم) وهي للنفي، فترافعا فبقي الفعل مثبتًا، قالوا: ومثله قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦]. وقوله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] وعليه قول الشاعر:\nألستُم خيرَ مَن ركبَ المطايا ... وأَنْدَى العالمينَ بطونَ راحِ\nفتقرر بذلك أنه تعالى يُعَدِّد عليه نعمه العظمَى، وقد ذكرنا سابقًا ارتباط هذه السورة بالتي قبلها (الضحى) في تتمة نِعَم الله تعالى على رسوله\" (١).\nذلكم هو تتمة تفسير الشيخ عطية -﵀- وقد وجدنا أنه مع إجلاله لشيخه وبرّه به في زمن قد قل فيه الوفاء من التلميذ لشيخه، وهو أمرٌ يحمدُ الشيخ عليه، أقول: مع ذلك كله إلا أننا نجد للشيخ ميزات في تفسيره تختلف عما في تفسير شيخه، وهذه قضية تربوية تدل على أصالة التفكير عندنا. فإجلال التلميذ لشيخه لا يمنع من أن يخالفه في بعض القضايا، وأن يكون له اتجاه فيما كتب.\nفرحم الله الشيخين رحمةً واسعة وجعل عملهما المبارك في ميزان أعمالهما إنه سميع مجيب.\n_________\n(١) المصدر السابق، ٨/ ٥٧٢.","vol":"3","page":144},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-779>منهج الأستاذ محمد عزة دروزة ﵀ (ت ١٩٨٤ م) في التفسير الحديث</span>","vol":"3","page":145},{"text":"التفسير الحديث\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-780>التعريف بالمؤلف:</span>\nمحمد عزة بن عبد الهادي دروزة (٢١ حزيران ١٨٨٧/ ٢٦ تموز ١٩٨٤).\nمفكر وكاتب ومناضل قومي عربي فلسطيني، وُلد في نابلس وتوفي في دمشق. إضافة إلى نضاله السياسي، كان أديبًا ومؤرخًا وصحفيًا ومترجمًا ومفسرًا للقرآن. هو أحد مؤسسي الفكر القومي العربي إلى جانب ساطع الحصري وزكي الأرسوزي. اتخذ نضاله شكلًا وحدويًا تجاوز ظروف التجزئة والحدود المصطنعة، فشارك في تأسيس ونشاط الجمعيات والأحزاب الاستقلالية العربية الوحدوية النضالية في سورية الكبرى (قبل تقسيمها من قِبَل الاستعمار عام ١٩٢٠)، مثل جمعية الفتاة العربية وحزب الاستقلال العربي. هو أحد أعضاء المؤتمر السوري العام (١٩١٩ م) وسكرتير الجمعية التأسيسية، وأحد واضعي الدستور السوري الأول. عارض سياسة التتريك وقاد العديد من النشاطات المناهضة للانتداب البريطاني على فلسطين وسياسة تقسيم الأراضي العربية، وتوقع توحيد سوريا ومصر في خمسينيات القرن العشرين. تعتبر سيرته الذاتية تأريخًا لمسيرة الحركة الوطنية النضالية والاستقلالية والوحدوية خلال القرن العشرين.\nترك دروزة أكثر من خمسين كتابًا في علوم شتى تتعلق بالعروبة والإسلام والتاريخ العام، ومنها سلسلة كتب في تاريخ الحركة العربية وأصول القومية العربية والوحدة العربية. تعد مؤلفاته وبالذات كتاب \"الوحدة العربية\" من أهم ما كتب عن القومية العربية وعن طرق تحقيق الوحدة العربية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>المولد والنشأة:</span>\nفي مدينة نابلس بفلسطين كان مولد محمد عزة دروزة في (١١ من شوال ١٣٠٥ هـ / ٢١ من يونيو ١٨٨٧ م) ونشأ في أسرة كريمة من قبيلة \"الفريحات\" التي","vol":"3","page":147},{"text":"كانت تسكن الأردن وانحدرت إلى فلسطين واستوطنت نابلس، وكان والده يعمل في تجارة الأقمشة في نابلس، وتلقى دروزة تعليمه في المدارس الابتدائية، وحصل على الشهادة الابتدائية في سنة ١٣١٨ هـ/ ١٩٠٠ م، ثم التحق بالمدرسة الرشيدية في نابلس، وهي مدرسة ثانوية متوسطة، وتخرج فيها بعد ثلاث سنوات، حاصلًا على شهادتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-782>في ميدان العمل:</span>\nولم تمكنه ظروف أسرته المادية من استكمال دراسته، فاكتفى بهذا القدر من الدراسة النظامية، والتحق بالعمل الحكومي موظفًا في دائرة البرق والبريد بنابلس (١٣٢٤ هـ/ ١٩٠٦ م)، ثم انتقل إلى بيروت للعمل في مديرية البرق والبريد سنة (١٣٣٣ هـ / ١٩١٤ م) ثم أصبح مديرًا لها، ثم رُقِّي مفتشًا لمراكز البرق والبريد المدنية في صحراء سيناء وبئر السبع، وظل يترقى في وظائفه حتى أصبح في سنة (١٣٤١ هـ/ ١٩٢١ م) سكرتيرًا لديوان رئيس الأمير عبد الله أمير شرقي الأردن، لكنه تركه بعد شهر، واتجه إلى ميدان التعليم.\nوقد حفزه عدم إتمام الدراسة على إكمال ثقافته، وتغطية جوانب النقص بها بالقراءة والاطلاع الدؤوب، قرأ ما وقع تحت يديه من كتب مختلفة في مجالات الأدب والتاريخ والاجتماع والحقوق سواء ما كان فيها باللغة العربية أو بالتركية التي كان يجيدها، ويسّرت له وظيفته في مصلحة البريد أن يطلع على الدوريات المصرية المتداولة في ذلك الوقت كالأهرام والهلال والمؤيد والمقطم والمقتطف، وكان البريد يقوم بتوزيع هذه الصحف على المشتركين بها، وهذه الدوريات كانت تحمل زادًا ثقافيًا متنوعًا، ففتحت آفاق الفكر أمام عقل الشاب النابه، ووسعت مداركه، وصقلت مواهبه، وأوقفته على ما يجري في أنحاء الدولة العثمانية من أحداث.\nوفي أثناء هذه الفترة التي عملها بدائرة البرق والبريد اتصل بالصحافة، وبدأت محاولاته الأولى في الكتابة، فشارك في تحرير جريدة \"الإخاء العثماني\" التي كان يصدرها في بيروت أحمد شاكر الطيبي، وكان يترجم لها فصولًا مما ينشر في","vol":"3","page":148},{"text":"الصحف التركية عن أخبار الدولة العثمانية وأحوال الحركة العربية، وكان يخص جريدة \"الحقيقة\" البيروتية، التي كان يصدرها كمال بن الشيخ عباس بمقال أسبوعي يتناول موضوعًا اجتماعيًا أو وطنيًا، وشارك أيضًا بالكتابة في جريدة فلسطين التي كان يصدرها عيسى العيسى في يافا، وجريدة الكرمل التي كان يصدرها نجيب نصار في حيفا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-783>في ميدان التربية والتعليم:</span>\nانتقل دروزة مع فرض الانتداب البريطاني في فلسطين سنة ١٣٤٢ هـ / ١٩٢٢ م إلى ميدان التربية والتعليم، فتولى إدارة مدرسة النجاح الوطنية في نابلس، وتحولت المدرسة على يديه إلى مركز من مراكز الوطنية إلى جانب رسالتها التعليمية والتربوية، فكانت تلقن طلابها حب العرب والعروبة، وتشعل في قلوبهم جذوة الوطنية، وتضع البرامج التي تغذي فيها الاعتزاز بالأمجاد العربية والإسلامية.\nوكانت لدروزة خلال إدارته المدرسة محاضرة أسبوعية في الأخلاق والاجتماع، يلقيها على طلاب الصفوف الثانوية، وظل ملتزمًا بهذا العمل خمس سنوات متصلة، ولم تشغله أعباء المدرسة عن كتابة المقالات الاجتماعية والتربوية، التي كان يمد بها مجلات \"الكشاف\" في بيروت، و\"المرأة الجديدة\" في القاهرة، ونشر مقالات سياسية في جريدتي \"الجامعة العربية\" و\"القدس\" في فلسطين.\nوأدت جهوده في السنوات الخمس التي تولى فيها إدارة المدرسة إلى تحسين نظمها وارتقاء مناهجها حتى أصبحت ذات مكانة كبيرة وتجلى أثره في توجيهها الوطني حيث تخرج في عهد رئاسته، وتتلمذ على يديه كثير من شباب فلسطين الذين كان لهم دور بارز في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-784>الحفاظ على الأوقاف الفلسطينية:</span>\nانتقل دروزة في سنة ١٣٤٧ هـ / ١٩٢٨ م إلى العمل في إدارة الأوقاف الإسلامية، حيث عُيِّن مأمورًا للأوقاف في نابلس، ثم رُقَي في سنة ١٣٥١ هـ/","vol":"3","page":149},{"text":"١٩٣٢ م مديرًا عامًا للأوقاف الإسلامية في فلسطين، وظل يشغل هذا المنصب حتى اندلاع المرحلة الثانية من الثورة الفلسطينية التي كانت قد شبّت في سنة ١٣٥٥ هـ/ ١٩٣٦ م، ولما كان دروزة من القائمين عليها أصدرت إدارة الانتداب البريطاني قرارًا بعزله عن منصبه في سنة ١٣٥٦ هـ / ١٩٣٧ م، وقرارًا آخر بمنعه من العودة إلى فلسطين حيث كان خارجها عند استئناف الثورة، ومن ذلك التاريخ ابتعد دروزة عن تولي الوظائف الحكومية والأهلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>مشاركته في الحركة القومية:</span>\nبدأ نشاط محمد عزة دروزة في ميدان الحركة الوطنية مبكرًا في سنة ١٣٢٧ هـ / ١٩٠٩ م، وشارك في إنشاء الجمعيات الوطنية والأحزاب السياسية، وشارك بتأليف الروايات القومية والمسرحيات التي تمجد العروبة، وتعبّر عن المطامح القومية والرغبة في النهوض، وتبوأ المكانة اللائقة، مثل رواية \"وفود النعمان على كسرى أنوشروان سنة ١٣٣٣ هـ/ ١٩١١ م، و\"السمسار وصاحب الأرض\" سنة ١٣٣٣ هـ / ١٩١٣ م.\nوأتاح له عمله المتجول الاتصال بكثير من الشخصيات الوطنية والقومية البارزة وتشكيل الجمعيات الوطنية، التي أصبحت قاعدة الحركة الوطنية في فلسطين مثل \"الجمعية الإسلامية المسيحية\" وتولى سكرتيريتها، حتى يشعر العالم بأن المعارضة للمطامع الصهيونية من المسلمين والمسيحيين على السواء، وأن دروزة من الداعين إلى توحيد الجمعيات الوطنية التي تعمل في أنحاء فلسطين والتنسيق بين جهودها؛ فعقد المؤتمر الفلسطيني الأول في القدس في ربيع الأول ١٣٣٧ هـ/ يناير ١٩١٩ م برئاسة عارف الدجاني، وكان أهم ما صدر عن المؤتمر التأكيد على المطالب القومية في الاستقلال والوحدة واعتبار فلسطين جزءًا من سورية، ورفض المطامع الفرنسية وتجديد العلاقات مع بريطانيا على أساس التعاون فقط، وعدم قبول أي وعد أو معاهدة جرت بحق البلاد ومستقبلها، وتولى دروزة","vol":"3","page":150},{"text":"مع زميل له إعداد مذكرة بخصوص هذا الشأن وتقديمها إلى الحاكم العسكري للبلاد لإرسالها إلى الحكومة في بريطانيا، وإلى مؤتمر السلم المنعقد في باريس، وانغمس دروزة في النشاط الوطني الفلسطيني منذ أن استقر في نابلس، فشارك بجهود مشكورة في انعقاد المؤتمرات السياسية التي كانت تخطط للحركة الوطنية وتتابع نشاطها، وكان على رأس المقاومين للسياسة البريطانية ومشروعاتها المختلفة، فقام مع رفاقه بحركة مقاطعة الدستور وانتخاب مجلس تشريعي مغلول اليد؛ الأمر الذي ترتب عليه وأد الفكرة وقتلها في مهدها، وقاد مظاهرات مختلفة ضد السياسة البريطانية، وأدى هذا إلى اعتقاله، وتقديمه للمحاكمة، والحكم عليه بالسجن، مثلما حدث له في سنة ١٣٥٣ هـ / ١٩٣٤ م، وكان دروزة أحد قادة ثورة فلسطين في سنة ١٣٥٥ هـ / ١٩٣٦ م حيث دعت إلى الإضراب العام، وتحول الإضراب إلى ثورة شعبية كاسحة.\nومالَ دروزة إلى اتخاذ إجراءات متصاعدة ضد السلطة البريطانية ما لم تستجب لمطالب البلاد، ولم تجد بريطانيا لمواجهة هذه الثورة بُدًّا من اعتقاله هو وزملائه، ولما تجددت الثورة سنة ١٣٥٦ هـ / ١٩٣٧ م كان المسؤول عن التخطيط السياسي للثورة الفلسطينية، وكانت تتلقى أوامرها من دمشق حيث كان يقيم دروزة، وغيره من القيادات الفلسطينية اللاجئين بها، وظل هناك قائما على أمر الثورة الفلسطينية حتى اعتقله الفرنسيون بتحريض من الإنكليز في ١٣٥٨ هـ/ ١٩٣٩ م، وحوكم أمام محكمة عسكرية فأصدرت عليه حكمًا بالسجن، ثم أُفرج عنه سنة ١٣٦٠ هـ/ ١٩٤١ م فذهب إلى تركيا لاجئًا، وقضى هناك أربع سنوات عاد بعدها إلى فلسطين، واستمر دروزة يقوم بدوره السياسي في خدمة القضية الفلسطينية حتى اشتد عليه المرض في سنة ١٣٦٧ هـ / ١٩٤٨ م، فاستقال من عضوية الهيئة العربية العليا لفلسطين وتفرغ للكتابة والتأليف، وقد سجل مذكراته في ستة مجلدات ضخمة، حوت مسيرة الحركة العربية والقضية الفلسطينية خلال قرن من الزمان.","vol":"3","page":151},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-786>إنتاجه الفكري:</span>\nلم يحل انشغال دروزة بالحركة الوطنية الفلسطينية والمشاركة في قيادتها عن الكتابة والتأليف، فبدأ يؤلف خدمةً للحركة الوطنية والنهوض بطلاب العلم في المدارس، فكتب رواياته الوطنية التي تشعل الحماس في نفوس الناشئة، وألّف مختصرًا في تاريخ العرب، بعنوان \"دروس التاريخ العربي\" من أقدم الأزمنة حتى الآن\"، وهو كتاب مدرسي للصفوف الابتدائية، وظل معتمدًا في جميع المدارس العربية والوطنية الخاصة في فلسطين، ثم اتجه إلى التأليف العام، وهو يدور في ثلاث دوائر يكمل بعضها بعضًا ويكمل كلّ منها رسالة الآخر.\nأما الدائرة الأولى فهي الدائرة الفلسطينية، وقد أسهم فيها بعدد من المؤلفات يأتي على قمتها مذكراته الضخمة التي تُعد أضخم عمل في هذا الباب من كتابه \"المذكرات الشخصية\"، كشفت جوانب غامضة، وأعانت على تفسير بعض القضايا المبهمة في مسيرة العمل الوطني الفلسطيني، وإلى جانب هذا العمل الكبير ألَّف كتبًا كثيرة تخدم القضية الفلسطينية، مثل: \"القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها\" و\"مأساة فلسطين\"، و\"فلسطين\" و\"جهاد الفلسطينيين عبرة من تاريخ فلسطين\"، \"قضية الغزو الصهيوني\"، \"في سبيل فلسطين\"، \"فلسطين والوحدة العربية\" و\"من وحي النكبة صحفات مغلوطة\" و\"مهملة من تاريخ القضية الفلسطينية\".\nأما الدائرة الثانية فهي الدائرة العربية، وأسهم فيها بمؤلفات متعددة منها:\n* تاريخ الجنس العربي في مختلف الأطوار والأدوار والأقطار من أقدم الأزمنة، وصدر في ثمانية أجزاء نحو ثلاثة آلاف صفحة.\n* العرب والعروبة في حقبة التغلب التركي، وصدر في تسعة أجزاء.\n* الوحدة العربية، في مجلد كبير، وقد نال عنه جائزة من المجلس الأعلى والفنون والآداب بمصر في سنة ١٩٠١ م.\n* حول الحركة العربية الحديثة، في ستة أجزاء.","vol":"3","page":152},{"text":"* نشأة الحركة العربية الحديثة، في مجلد واحد، تناول فيه أحوال العرب وتاريخ الدولة العثمانية، والجمعيات العربية التي كانت تطالب بالانفصال عن الدولة العثمانية.\nأما الدائرة الثالثة: فهي الدائرة الإسلامية، وشارك فيها بمؤلفات متعددة، يتصدرها عمله الكبير \"الدستور القرآني والسنّة النبوية في شؤون الحياة\"، وطُبع في مجلدين كبيرين، أوضح فيه ما احتواه القرآن والسنّة النبوية من نظم لمختلف شؤون الحياة، ويمثل هذا المؤلف تحولًا كبيرًا في حياة مؤلفه بعد أن استوفى دراسات التاريخ القومي وقضايا المجتمع العربي، حيث اتسعت نظرته أنه لا نجاح للأمة العربية في تحقيق أهدافها دون التماس منهج القرآن والالتزام به.\nوله أيضًا \"التفسير الحديث\"، التزم فيه تفسير القرآن الكريم حسب ترتيب نزول السور، وبدأ في تأليفه عندما كان لاجئًا في تركيا، وصدر في ١٢ جزءًا، وشارك في كتابة السيرة النبوية بكتابه المعروف \"سيرة الرسول - ﷺ - صورة مقتبسة من القرآن\"، وصدر في مجلدين.\nوإلى جانب هذه الكتب الثلاثة الكبيرة له مؤلفات إسلامية متنوعة تواجه الاستشراق والتبشير مثل: \"القرآن والمرأة\"، \"القرآن والضمان الاجتماعي\"، \"القرآن والمبشرون اليهود في القرآن الكريم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-787>وفاته:</span>\nوبعد هذه الحياة العريضة التي عاشها \"محمد عزة دروزة\" مناضلًا وكاتبًا، وافته المنية في دمشق بحي الروضة في يوم الخميس الموافق (٢٨ من شوال ١٤٠٤ هـ/ ٢٦ من يوليو ١٩٨٤ م).\nومن هذه النبذة عن تاريخ حياته، ندرك أن الرجل كان ذا حيوية ونشاط هذا من جهة، ومن جهة أخرى لم يدخل معاهد علمية تتيح له الدراسة التخصصية، ولا","vol":"3","page":153},{"text":"ندري أيكون لهذا أثر على كتاباته العلمية، وذلك ما لا نريد أن نستعجل في الحكم عليه الآن.\n\nونرى لزامًا علينا قبل أن نتحدث عن تفسيره، أن نتحدث عن كتابه<span data-type=\"title\" id=toc-788> القرآن المجيد</span>؛ لأنه في رأيي يلقي الضوء على كثير من آرائه في علوم القرآن وقضايا التفسير.\nالقرآن المجيد:\nولقد سافرت إلى دمشق لزيارة الرجل والتحدث معه، فكان حسن المقابلة كريم اللقاء. ودار الحديث حول التفسير والمفسرين، وعن طريقه وبعض آرائه، ولما كان هذا النقاش العملي لا تكفيه هذه الجلسة مع طولها، اقترح عليّ أن أقرأ كتابه، القرآن المجيد، قبل البدء بدراسة تفسيره؛ لأنه مقدمة لتفسيره - كما يقول - ضمنه آراءه وانتقاداته واعتراضاته. ولذلك لا بد من التحدث عن هذا الكتاب قبل البدء بالحديث عن التفسير.\nيشتمل هذا الكتاب الذي تربو صفحاته عن الثلاثمائة، على أربعة فصول:\nالأول: في أسلوب القرآن ووحيه وأثره.\nالثاني: في جمع القرآن وتدوينه وقراءاته ورسم المصحف وتنظيماته.\nالثالث: في الخطة المثلى لفهم القرآن وتفسيره.\nالرابع: في نظرات وتعليقات على كتب المفسرين ومناهجهم.\nوالذي يهمنا بالطبع الفصلان الأخيران، وقد شغلا أكثر من نصف صفحات الكتاب. ولا بأس قبل ذلك أن نشير إلى ما ذكره في الفصلين الأول والثاني.\nفقد تحدث في الفصل الأول عن أسلوب القرآن الكريم وأثره، وقد عرض في هذا الفصل لما ذكره المستشرقون والمبشرون من أن السيرة في العهد المدني قد تطورت، فقد انقلب النبي - ﷺ - من نبي إلى حاكم أو صار سلطانًا، وأن النبي قد نقض المبادئ التي بشر بها ودعا إليها في مكة وخالفها، وهو يقول إن السيرة قد","vol":"3","page":154},{"text":"تطورت بالفعل، ولكن هذا لا يقتضي أن يكون قد انقلب إلى حاكم أكثر منه نبيًّا، والقول بأنه قد خالف المبادئ التي بشّر بها في مكة خطأ فاحش لا يستند إلى حق أو شبهة من حق. ويقول: \"إن ما كان من تطور في السيرة النبوية المدنية في المرامي القرآنية المدنية، ليس هو تطورًا في معنى الانحراف عن الأصل المكي سيرةً وقرآنًا، وإنما هو في حدود هذا الأصل ونطاقه. فالقرآن، وإن كان دعا إلى ما دعا إليه ونهى عن ما نهى عنه بأسلوب الحث والتحريض والترغيب والترهيب ... فإنه انطوى على نواة الأمر والنهي والتشريع، ويأتي بأمثلة لذلك من القرآن الكريم\" (١).\nوفي الفصل الثاني يذكر أن هناك روايات عديدة في تدوين القرآن:\nالأول: أنَّ النبي - ﷺ - توفي ولم يكن القرآن قد جُمع في شيء، وأن جمعه وترتيبه إنما كان بعد وفاة النبي - ﷺ -، وأن ما دُوِّن في زمنه - ﷺ - إنما دُوِّن على وسائل بدائية كأكتاف العظام، ويذكر بعض الروايات في ذلك، منها ما يشير إلى أن ترتيب سور القرآن قد تم زمن الصحابة\".\nالثاني: أن هناك روايات كثيرة عن وجود اختلاف في ترتيب مصاحف بعض الصحابة وعن كلمات زائدة كتبت في بعض المصاحف، وتُكتب في المصحف المتداول، وعن آيات كانت تُقرأ ولم تُكتب، وهذا يفيد أن القرآن الكريم لم يُجمع ويُرتَّب إلا بعد وفاة النبي - ﷺ -، وينقل روايات أوردها السيوطي، ومن هذه الروايات ما يدل على أن مصحف أبيّ بن كعب كان فيه سورتان هما سورة الخلع والحفد، وهناك روايات عديدة تفيد أن بعض الصحابة كانوا يقرؤون كلمات بدل كلمات، مثل (أيمانهما) بدل (أيدجهما) في آية السرقة.\n_________\n(١) ص ٤١.","vol":"3","page":155},{"text":"ويورد أحاديث نسخ المصاحف في عهد عثمان بن عفان؛ لأن فيها ما يفيد أن المسلمين كانوا يختلفون في قراءة القرآن، حتى أفزع اختلافهم عثمان وغيره من كبار الصحابة، وبالتالي هذا يفيد أن القرآن لم يكن في كتابته ومصاحفه وصحفه المتداولة وفي قراءته محررًا بحيث يؤمن معه ذلك الخلاف، ويورد بعض الروايات التي تتحدث عن النسخ زمن عثمان، منها ما رواه البخاري ومنها ما رواه غيره.\nالثالث: هناك روايات وأقوال يستفاد منها أن القرآن الكريم كان يُدوَّن ويُرتَّب آياته وسوره في حياة النبي - ﷺ - وبأمره، وأن ترتيب المصحف العثماني متصل بعهد النبي وتوقيفه. ويذكر روايات تدل لذلك.\nثم يعلق على تلك الأقوال والروايات التي ذكرها، ويرجح أن تدوين وترتيب القرآن الكريم، إنما كان في عهد النبي - ﷺ -. ويذكر أن السورتين اللتين ورد ذكرهما في مصحف أبيّ (الحفد والخلع) هما دعاءا قنوت، وقد ورد أن عمر قنت بهما بعد قيامه من الركوع، وقد يكون أبيّ وَهَم - وهو يشك في ذلك - وظن أنهما من القرآن ثم رجع بعد ذلك لما ثبت له أنهما ليستا من القرآن الكريم.\nويرد كذلك رواية مصحف علي ومخالفته لترتيب المصحف، ويقول لو ثبت هذا القول لعضّ عليه الشيعة بالنواجذ.\nوأورد بعد ذلك بعض المباحث الموجزة التي تتصل بالموضوع، منها ما يتعلق بأسماء السور، حيث يرى أنه كان للسور كلها أو كثير منها منذ عهد النبي أسماء تُذكر، وتُعرف بها (١) وتحدث عن الأسلوب المكي، والأسلوب المدني، وشكل المصاحف ونقطها وعلامات الوقف والوصل، ورسم المصحف العثماني والقراءات المشهورة (٢).\n_________\n(١) وقد ذكر في كتابنا (إتقان البرهان) أن أسماء السور توقيفية.\n(٢) ص ١١٦ - ١٤٠.","vol":"3","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-789>أولا: الخطة المثلى لفهم القرآن:</span>\nفي الفصل الثالث يرسم المؤلف خطة مثلى في نظره لفهم القرآن وتفسيره، وكأنما جعلها شروطًا للتفسير، كما يعبر عنها العلماء، وهي تتضمن الأمور التالية مجتمعة:\n١ - السيرة النبوية.\n٢ - البيئة النبوية.\n٣ - اللغة القرآنية.\n٤ - الأسس والوسائل في القرآن.\n٥ - القصص القرآني.\n٦ - الملائكة والجن في القرآن.\n٧ - مشاهد الكون ونواميسه في القرآن.\n٨ - الحياة الأخروية في القرآن.\n٩ - ذات الله في القرآن.\n١٠ - تسلسل الفصول القرآنية وسياقها.\n١١ - فهم القرآن من القرآن.\nوقد أطال المؤلف الكلام عن هذه النقاط الإحدى عشرة، ولا بد من قراءة هذا الكتاب قراءة متأنية ومناقشة فيه، ومن الله العون، ونسأل الله ﵎ أن يلهمنا السداد، وأن يجنبنا الحيف والزلل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-790>١ - القرآن والسيرة النبوية:</span>\nيقول: \"إن القرآن سلسلة تامة للسيرة النبوية وتطورها منذ البدء إلى النهاية متصل بعضها ببعض ومفسر بعضها لبعض\" وهذا كلام لا غبار عليه.\nولكنه تشعب في الحديث في ما لا علاقة له بهذا الموضوع أصلًا، بل في ما يشكك القارئ في فهم ما قرره القرآن، ولا يجعله يخرج بأية نتيجة. فهو يقول: \"وفيه","vol":"3","page":157},{"text":"- أي القرآن - تقريرات شديدة ومؤيسة بالنسبة للكفار والمنافقين، كما جاء فيه آيات ... فيها جزم بمصيرهم المحتوم الرهيب من عدم الإيمان، واستحقاق الخلود في النار، مع أن كثيرًا منهم بل أكثرهم، قد آمنوا وحَسُنَ إيمانهم، وتبدل مصيرهم إلى الثواب والنعيم، واستحقوا التوبة والثناء، وقد كانت هذه الأمور وما تزال، مثار جدل وحيرة حول ما إذا كان يصح على الله المحيط بما كان ويكون، والأزلي العلم والإرادة البداء ... \" (١).\nوهذا كلام من الأستاذ دروزة - ﵀ - حري أن نقف عنده وقفة متأملة لنرى ما له وما عليه، فإذا قررت آية البقرة ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦]، وآية يس ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ [يس: ١٠] وآية الكافرون ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ [الكافرون: ١ - ٥]، كان معنى هذا أن هؤلاء أناس بأعينهم، ثبتوا على كفرهم وعلم الله ذلك منهم، فلا يمكن أن يؤمنوا ويستحقوا الثواب، ولا نعلم أن هذه المسألة كانت مثار جدل بين العلماء، وأن من نتائجها أن يصح البداء على الله، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. ولا ندري لِمَ أقحم المؤلف هذه المسألة في حديثه عن خطة التفسير، كما لا ندري كيف فهم المؤلف هذا الفهم من مثل هذه الآيات، مع أن أبسط كتب التفسير لم يفتها التعرض لمثل هذه الأمور! !\nوواقع الأمر أن هذه القضية التي أثارها الأستاذ لم تثر جدلًا ولا حيرة، فالبداء محال على الله تعالى عقلًا وشرعًا، وجَلَّ الله عن ذلك.\nولقد تحدث العلماء عن تلكم الآيات الكريمات التي تبين عدم إيمان بعض الكافرين، وعن الآيات التي تفتح لهم باب الرجاء.\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ١٤٣.","vol":"3","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-791>٢ - البيئة النبوية:</span>\nوعندما يتحدث المؤلف - ﵀ - عن البند الثاني من خطته، البيئة النبوية، يقرر أن في القرآن آيات تظهر ما كان في تلك البيئة من عبادة للأوثان، واعتقاد بشفاعتها مع إبطالها، وهذا أمر مسلَّم به.\nولكنه ينتقل بعد ذلك ليقرر أن طقوس الحج - كما يقول - جاء القرآن ليبين صراحة أو ضمنًا بأنها كلها أو جُلّها، كانت معروفة عند العرب فأقرها القرآن بعد تنقيتها من شوائب الشرك، مع أنَّها غير واضحة الحكمة، وإنما أقرها القرآن محافظة على وحدة العرب، وتأنيسًا لهم بالدعوة الإسلامية. وهذه عبارته:\n\"إن آيات القرآن الواردة في طقوس الحج (١)، تفيد صراحةً حينًا وضمنًا حينًا آخر، أنَّها كلها أو جُلّها كانت ممارَسة قبل البعثة النبوية، فأُقِرَّت في الإسلام بعد تنقيتها من شوائب الشرك والوثنية، مع أن فيها ما لا يمكن فهم حكمة إقراره الآن مثل الطواف حول الكعبة، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار واستلام الحجر الأسود وتقبيله ... إلخ. وفيها مظهر ما لوحدة العرب على اختلاف منازلهم ونِحَلهم، حيث كانوا جميعهم يشتركون في الحج ومواسمه وتقاليده، وحرماته وأشهره الحرم، وحكمة إقرارها في الإسلام منطوية على ذلك الرسوخ من جهة، وما كان له من فائدة وأثر في الوحدة المذكورة، التي كان القرآن يدعو إليها من جهة ثانية، ولعل قصد تأنيس العرب بالدعوة الإسلامية مما ينطوي في تلك الحكمة أيضًا\" (٢).\nوليت شعري ما هي تلك الآيات التي تفيد صراحة بأن أعمال الحج كانت كلها أو جُلّها، ممارَسة قبل البعثة النبوية؟ ألم يكن الحج شريعة الله لإبراهيم - ﵇ -؟\n_________\n(١) هذا اللفظ غريب على حس الإسلام فلسنا نوافق المؤلف على استعمال هذا اللفظ وخير لنا أن نلتزم بالألفاظ القرآنية والنبوية مثل شعائر ومناسك.\n(٢) القرآن المجيد، ص ١٤٦.","vol":"3","page":159},{"text":"ألم يتحرّج المسلمون من السعي بين الصفا والمروة لأنه كان من أعمال الجاهلية، فينزل القرآن الكريم مبينًا أن ذلك من شعائر الله؟ وهل كانت كذلك لأن العرب قد تعوَّدوها؟ وإذا أردنا أن نسلِّم أن أعمال الحج أمور لا تعقل حكمتها، أفليس هناك أمور كثيرة غير أعمال الحج، مما لم يعرفها العرب، كذلك وهي التي يسميها العلماء أمورًا تعبدية؟ وليت شعري هل كان إقرار الإسلام لأعمال الحج محافظةً على الوحدة العربية، وذلك لرسوخ هذه الأعمال فيهم؟ وهل كان يقصد من ذلك تأنيسهم بالدعوة الإسلامية؟\nالحق أن الحج شريعة الله التي شوّهها العرب وحرّفوها قبل الإسلام، وجاء الإسلام ليرجع لها قدسيتها وحقيقتها، وما كان ليقرها لو لم تكن كذلك، نعم إن القرآن أراد وحدة هذه الأمة، ولكن لا يمكن أن تكون على حساب تشريعاته ومبادئه، ولهذا نراه يقوض أركانًا ويهدم بنيانًا، ليثبت تشريعاته ومبادئه وأحكامه، ألم ينكر القرآن الكريم على قريش حينما كانوا يخالفون قبائل العرب جميعها، فلا يفيضون من عرفات، ويسمون أنفسهم (الحُمس) فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)﴾ [البقرة: ١٩٩] فجعل إفاضتهم من غير عرفات ذنبًا يستحق الغفران. ولو أن القرآن أراد تأنيسهم من هذا الباب الذي ذكره المؤلف - أعني كما كان راسخًا فيهم من أمور تعوَّدوها - ما كان لينعى عليهم تقليد الآباء، ووأد البنات، وقتل الأولاد، وظلم النساء، ونخوة الجاهلية، والاستسقام بالأزلام، إلى ما هنالك من أمور كثيرة لا محل لذكرها الآن. الحق أن القرآن شرع ما شرع، دون نظر إلى ما تعوَّده القوم وألفوه أو أبغضوه وكرهوه، فلقد كرهوا مثلًا أن تُعطى المرأة نصيبًا من التركة، وإنما شرع ما شرع لتكون العدالة والأمن والعبودية لله وحده. ولقد كانت تشريعاته للناس جميعًا وليست للعرب خاصة، فإذا كان العرب قد تعودوا أعمال الحج، في بالنا نلزم غيرهم من المسلمين بها، ثم لا أدري ما صلة هذا كله بفهم القرآن وتفسيره؟","vol":"3","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-792>٣ - اللغة القرآنية:</span>\nعندما يتحدث عن اللغة القرآنية كبند من خطة التفسير يقول: \"إن لغة القرآن في مفرداتها وتراكيبها واصطلاحاتها ... هي لغة البيئة النبوية، وإنها مألوفة ومفهومة من أهلها\".\nويتدارك المؤلف بأن هذا قد يبدو بديهيًا، ولكن الذي يريد أن يشير إليه أن يلاحظ المفسر هذه الناحية، ثم يقول: \"إن العرب وصلوا إلى النفوذ إلى المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية والدينية والعلمية والأدبية، إلى درجة غير يسيرة من الرقي متناسبة مع ما عبرت عنه، وأشارت إليه وتضمنته لغة القرآن، مما هو نتيجة لازمة لكون القرآن إنما أُنزل بلسانهم\" (١).\nولا أدري ما هذه المفاهيم التي يعنيها المؤلف؟ ثم إن كانوا كذلك فلِمَ أنكروا كثيرًا من أحكامه التي قررها، الم يكن مثار عجبهم واستغرابهم أن جعل الآلهة إلهًا واحدًا؟؟ إن هذا أساس خطير لدعاة القومية، ليظهروا أن هذا القرآن لم يكن ذا فضل كبير على هذه الأمة. ولكن القرآن يقول: ﴿وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ﴾ [الأنعام: ٩١].\nويتحدث المؤلف عن اللغة القرآنية أداة لفهم القرآن، بأن القرآن ما قصد به، أن يكون أبعد من متناول مفاهيم العرب، ولا أن تكون مفرداته غير مألوفة \"- وهذا مكرر بالطبع - ولا أن يكون قد قصد به أن يكون معجزًا في بلاغته اللغوية والنظمية والفنية\"؟ ثم يقول: \"إن التحدي وتقرير عدم إمكان الإتيان بمثله إنما هو للقرآن\". ونلاحظ أن التكرار وعدم وضوح العبارة أمران جليان عند المؤلف الفاضل، هذه واحدة، أما الثانية فلقد جانب الصواب كلّ الصواب، وهو يقرر أنه لم يقصد بالقرآن أن يكون معجزًا، مع أن العرب، حتى الذين لم يؤمنوا منهم، بهرهم إعجازه في الآية والسورة قصيرة أو طويلة.\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ١٤٨.","vol":"3","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-793>٤ - القرآن أسس ووسائل:</span>\nتسيطر على المؤلف هذه الفكرة، حتى لا يخلو موضع في كتابه من ذكرها، وهي كون القرآن قسمين متمايزين، أسسًا ووسائل، فالأسس كما يقول، هي الأمور الجوهرية في القرآن، كوحدانية الله والعبادات والأوامر والنواهي والتشريعات والأحكام وما عدا ذلك فهي وسائل تدعيمية، كأنها ليست أمورًا جوهرية، كما يقول. وهذه عبارته: \"محتويات القرآن نوعان متميزان وهما الأسس والوسائل، وإن الجوهري فيه هو الأسس .. مثل وحدة الله ... ومثل المبادئ والأوامر والنواهي ... أما عدا ذلك مما احتواه القرآن من مواضيع، مثل القصص والأمثال والوعد والوعيد، والترهيب والترغيب والتنديد، والجدال والحجاج، والأخذ والرد، والتذكير والبرهنة، والإلزام، ولفت النظر إلى نواميس الكون، ومشاهد عظمة الله وقدرته ومخلوقاته الخفية والعلنية، فهي وسائل تدعيمية وتأيدية إلى تلك الأسس والأهداف\" (١).\nوهذا التقسيم لا نراه مسلَّمًا للأستاذ ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-794>تقسيم ليس فيه دقة ولا موضوعية:</span>\nففضلًا على أنه لا يمت إلى خطة التفسير من جهة، فإنه تبرز فيه الخطورة من جهة أخرى. فالوعد والوعيد والترهيب والترغيب وإنعام الله ومثوباته وعقابه وعذابه ليست من الأسس الجوهرية - بزعمه - مع أنَّها من الغايات التي جاء يقررها القرآن، والمخلوقات الخفية كالملائكة ليست من الأسس، مع أنَّها ركن من أركان الإيمان بصريح الكتاب والسنّة.\nونواميس الكون التي ذكرها المؤلف إنما جاءت أدلة وبراهين على عظمة الخالق ووحدانيته، بالإضافة إلى ما تقرر من حقائق كونية ثابتة.\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ١٥٩ - ١٦٠.","vol":"3","page":162},{"text":"والأغرب من ذلك كله أن المؤلف - ﵀ - يرجع في بيان هذه الأقسام إلى الآية الكريمة ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] فالمحكمات عنده هي الأسس، والمتشابهات هي الوسائل، ومعنى هذا أن القصص القرآني والأمثال وآيات الثواب والعقاب كلها من المتشابه. ومع كثرة الأقوال في المتشابه، فإن أحدًا من العلماء لم يدع ذلك أبدًا، مع أن المؤلف يزعم بأن غيره قرر هذا مع اختلاف في التسمية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-795>٥ - القصص القرآني:</span>\nيهدف المؤلف في هذا الفصل، الذي هو خطة مثلى لفهم القرآن وتفسيره - في رأيه - إلى أمرين اثنين:\nالأول: أنَّ القصص القرآني لم يكن مجهولًا لدى العرب، بل كان معروفًا لهم قبل أن ينزل به القرآن.\nالثاني: أنَّ الرسول - ﷺ -، كان يعرف هذه القصص والأخبار والوقائع قبل نزول الوحي عليه، ويطيل الكلام في ذلك لإثبات ما يقول.\nوقبل أن نستعرض أقواله لا يفوتنا أن نشير إلى أن القصص عنده من قسم الوسائل التدعيمية، وليست من الأسس التي هي أمور جوهرية، ولهذا لم ترد القصة لذاتها بل جاءت للعبرة فحسب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-796>ادعاؤه معرفة العرب للقصص القرآني ومناقشة أدلته:</span>\nويستدل المؤلف على ما ذهب إليه بأدلة متعددة:\n_________\n(١) يستشهد المؤلف بالسيد رشيد رضا، ولقد رجعت إلى ما كتبه صاحب المنار فلم أجد نصًّا من قريب أو بعيد، يدل على ما ذهب إليه المؤلف.","vol":"3","page":163},{"text":"١ - يقول إن آيتين إحداهما في (الأنبياء) وأخرى في (القصص)، تدلان على ما ادعاه، من أن العرب كانوا على علم بالقصص قبل نزولها. والآية الأولى قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ [الأنبياء: ٥].\nوالآية الثانية قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ [القصص: ٤٨].\nوالعجيب من المؤلف، كيف جعل من هاتين الآيتين حجة له ودليلًا. الآية الأولى يظهر فيها اضطراب القوم، وسرعة تحولهم وتشتت أفكارهم، والذي أشارت إليه الآية، أنهم طلبوا آية كما أرسل الأولون، وليس في هذا دليل على معرفة القصص والوقائع.\nوأما الآية الثانية فإنهم طلبوا فيها مثلما أوتي موسى، ولقد كان أمر موسى - ﵇ - من الشهرة بحيث لا يجهله أحد من العرب أو من غيرهم، على أن هذه الآية ليست أول آية تحدثت عن سيدنا موسى - ﵇ - في القرآن. هذا مع أن كثيرًا من المفسرين ذهب إلى أنَّها نزلت في شأن اليهود، بدليل قوله تعالى بعد طلبهم هذا ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾. وأيأ ما كان الأمر فليس في الآية من قريب أو بعيد ما يشير إلى ما ذهب إليه المؤلف الفاضل ﵀.\n٢ - وما يستدل به المؤلف لرأيه أن هذا القصص، لو لم تكن معروفة عند العرب، ما كان لها هذا التأثير في نفوسهم، وما كان لها الموقع الذي وقعته في قلوبهم، لأن الأمر إذا كان معلومًا لدى المرء، وقع موقع الرضا والاستحسان، أما إذا كان مجهولًا فليس له هذا الأثر. أفلا يكون الأمر على العكس من ذلك تمامًا؟ !\n٢ - ومما يؤيد به المؤلف رأيه، أن أعلامًا ذكرت في القرآن كإبراهيم وطالوت وجالوت وهاروت وماروت وقارون، وهي معربة، مما يعني أنهم كانوا يعرفون هذه","vol":"3","page":164},{"text":"الأعلام وقد عرّبوها قبل نزول القرآن، ولا يمكن أن يكون القرآن قد نزل بها معربة دون معرفتهم بها.\nولا نعتقد أن في هذا حجة للمؤلف، فلقد استعمل القرآن كلمات لم تكن معروفة عند العرب من قبل، كجهنم وإبليس وغيرهما من الكلمات، ومن المعلوم أن الأعلام لا تختلف باختلاف اللغات، وعلى التسليم بمعرفة العرب لبعض هذه الأعلام، فإن ذلك لا يدل على معرفة تفصيلية بقصصهم ووقائعهم.\nويدعي المؤلف أن العرب قد عرفوا بعض هذه القصص عن طرق اليهود وبعضها عن طريق غيرهم، \"مع احتمال أن اسمي إبراهيم وإسماعيل، قد اقتبسا من اليهود، لأن التوراة هي أول ما جاء يحمل هذين الاسمين مدونين\" (١) وهذا يدعو إلى الغرابة بحق لأن صلة العرب بإبراهيم وإسماعيل أقوى من أن تقتبس من التوراة.\n٤ - يقول المؤلف إن العرب جادلوا في الحياة الأخروبة، ولم يجادلوا في القصص لجهلهم بالأولى ومعرفتهم بالثانية.\nوالذي نراه أن جدال العرب في الحياة الأخروية، إنما كان ذلك يصطدم ويتعارض مع معتقدهم، والقرآن يبين أن منهم المنكر والشاك، وليس كذلك القصص فإنه لا يصطدم مع عقيدة.\nويرد المؤلف على ما يمكن أن يوجه إليه، بأن العرب جادلت في القصص وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿قَالوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ [النحل: ٢٤]، يرد بأن الأساطير إنما هي المدونات من المسطور، وليست الخرافات والأكاذيب! ! وما نظن أحدًا تبنى هذا الرأي قبل اللهم إلا من جاء بعده مثل محمد أحمد خلف الله.\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ١٧٥.","vol":"3","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-797>زعم معرفة الرسول الكريم بهذا القصص قبل الوحي:</span>\nأما معرفة الرسول - ﷺ - بالقصص القرآني، قبل نزول الوحي فيستدل لها المؤلف بما يلي:\nأ - مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣].\nب - من سورة الفرقان: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: ٤].\nوقد رَدَّ القرآن الكريم عليهم فيما زعموه فقال ردًّا على الشبهة الأولى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل: ١٠٣] وردًا على الثانية بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾ [الفرقان: ٤]. وفي هذه الردود دليل واضح على افتراء هؤلاء إنكارهم للقضية من أساسها، فليس هناك تعليم أو تعلّم ولا إعانة ولا افتراء، وليس الأمر كما ذكر الأستاذ - ﵀ - بل إن هاتين الآيتين الكريمتين دلالة على اضطرابهم وعنادهم.\nومن الغريب أن الأستاذ - ﵀ - فَهِم من هذه الشهبات اتصال النبي بأهل الكتاب، مع أن أصحاب الشبهة أنفسهم يعلمون بطلانها، ثم ألم يقولوا: إنه شاعر وساحر، ووصفوه بأوصاف غير هذه؟ في يقول أستاذنا في هذه الأوصاف إذا كانت الشبهة لها صلة بالواقع في رأيه؟ ألم يقولوا: ساحر كذاب؟ مع أنهم كانوا يسمونه الصادق؟ ! ! ومع دحض القرآن لهذه الشبهة فإنها ليس مقصودًا بها القصص القرآني.\n٢ - ومما يستدل به المؤلف أن النبي - ﷺ - كان دائم الاتصال بأهل الكتاب، وبخاصة هؤلاء الذين كانوا في مكة من أصحاب الصناعات، ولا نعرف سندًا صحيحًا لذلك، اللهم إلا ما استند إليه المشركون في شبهاتهم، وهم يعلمون كذبها. ثم لم يسمع عن الرسول - ﷺ -، أنه حدّث قومه بشيء من هذه القصص قبل البعثة","vol":"3","page":166},{"text":"ونراه يلزمهم الحجة بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ [يونس: ١٦].\nومن الطريف ما ذهب إليه المؤلف ليدلل على رأيه، وهو أن الرسول - ﷺ - كما جاء في صحيح البخاري - ذهب إلى ورقة بن نوفل الذي كان قد تنصّر في الجاهلية، حينما أخذته إليه السيدة خديجة -﵂ -، بعد نزول الوحي، ونستغرب هذا الاستنتاج من المؤلف! ! فذهاب الرسول - ﷺ - كان أول البعثة، والسيدة خديجة -﵂ - هي التي أشارت عليه من أجل طمأنينتها على الرسول - ﷺ -.\n٣ - ومما يستدل به المؤلف أن البيئة الاجتماعية بما فيها من أحداث ومعلومات، كان لها أثر ظاهر في معرفة الرسول الكريم، بما كان منتشرًا ومعروفًا بين هؤلاء الناس؟ يقول: \"هذا هو المعقول الذي لا يصح في العقل غيره\" (١)، ونحن ننكر أصلًا أن هذه البيئة الاجتماعية، كان لها معرفة بالقصص كما ذكرها القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-798>النصوص الصريحة تشكُل على المؤلف وتحيِّره:</span>\nولقد شعر المؤلف، بأن هناك آيات في القرآن تناقض ما ذهب إليه، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩]، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾ [يوسف: ١٠٢]. ومع صراحة هذه الآيات، نجد الأستاذ - ﵀ - يقول حرفيًا: \"إن في الآيات الثلاث المذكورة إشكالًا يدعو إلى الحيرة، ولا يستطاع النفوذ إلى الحكمة الربانية فيه نفوذًا تامًّا، وليس من مناص إزاء الواقع ومداه من أن قصص نوح ويوسف ومريم من\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ١٨٥.","vol":"3","page":167},{"text":"القصص المشهورة، إلا بتأويل هذه الآيات وتخريجها بما يزيل الإشكال ويتسق مع الواقع\" (١).\nوالحق أنه لا إشكال ولا حيرة، ولا داعي لتأويل الآيات، وصرفها عن حقيقتها، فإن نظرة واحدة في الآيات، وأدنى تأمل لما قررته يدلان على ذلك. فآية آل عمران، وآية يوسف وضحتا الدلالة على أن هذا من أنباء الغيب أولًا، وعلى أن الرسول الكريم - ﷺ -، لم يكن له علم بهذا الغيب، لا اطلاع عليه، وآية هود تنفي بصراحة ووضوح صفة العلم عن النبي - ﷺ - وعن قومه لتلك القصه. ولعل هذا هو السر في تقديم جملة ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-799>صحة القصص القرآني وعدم تناقضه:</span>\nبقي في القصص القرآني مسألتان يتساءل عنهما المؤلف:\nأولاهما: هل ما احتواه القرآن من قصص، كانت صحيحة في جزئياتها؟\nوثانيهما: ما في بعض القصص والأخبار من خلاف، كوصف عصا موسى بالثعبان تارة والحية تارة أخرى، وكتقتيل فرعون لبني إسرائيل قَبْلَ بعثة موسى في آية وبَعْدَها في آية أخرى.\nويجيب على الأولى بقوله: \"نحن كمسلمين نقول إن كلّ ما احتواه القرآن حقٌّ وواجب الإيمان به، كما أن القرآن استهدف العظة والتذكير في قصصه فحسب، وهما لا يتحققان إلا فيما هو معروف ومسلَّم به من السامع\" (٣).\nونحن لا نسلِّم للمؤلف بهذا، حيث لا داعي لكون العظة ينبغي أن تكون معروفة ومعلومة لدى السامع، وهذا ما أجاب به أيضًا عن المسألة الثانية. علمًا بأنه\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ١٧١.\n(٢) روح المعاني، ج ١٢، ص ٧٥.\n(٣) القرآن المجيد ص ١٨٤.","vol":"3","page":168},{"text":"لا خلاف أبدًا بين وصف العصا بالحية أو الثعبان، وبين تقتيل فرعون لقوم موسى قبل بعثته أو بعدها، فوصف العصا بالحية كان في بدء رسالته الكليم - ﵇ - ووصفها بالثعبان كانت آية لفرعون ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧)﴾ [الأعراف: ١٠٧] وتقتيل فرعون لبني سرائيل كان قبل ميلاد سيدنا موسى، حينما تواطَأَ بنو إسرائيل مع أعداء الأسرة الحاكمة في مصر حينذاك، وهذا ما نطق به القرآن. ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧].\nهذه هي القصص القرآنية التي استغرقت من المؤلف قرابة عشرين صفحة من الخطة المثلى لفهم القرآن وتفسيره، وهنا نتساءل ما علاقة هذا كله بمفسر القرآن ومقدار فهمه وتدبره؟ وهل يتغير التفسير والفهم لآية من الآيات أو قصة من القصص، إذا كان العرب يعرفونها أو لا يعرفونها؟ أو إذا كان لدى الرسول - ﷺ - قبل نزول الوحي معرفة بها أو لا؟\nعلى أن من المؤكد أن القرآن الكريم، تحدث عن بعض قصص الأنبياء، التي لم يعرفها أهل الكتاب أنفسهم وذلك كقصة البقرة وقصة المائدة، بالنسبة لسيدنا موسى وعيسى - ﵉ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-800>٦ - الملائكة والجن في القرآن:</span>\nهذا بند آخر من الخطة المثلى لفهم القرآن وتفسيره عند الأستاذ دروزة، فها هو يقول: \"إن ما ورد من أخبار الملائكة والجن، لم يكن هو الآخر غريبًا عن السامعين جزئيًا أو كليًا، وأنه من وسائل التدعيم للدعوة وأهدافها وليس مقصودًا بذاته\" (١).\nومعنى هذا أنه ليس في ذكرها جديد على العرب أولًا، وليست من الأمور الجوهرية ثانيًا. على أن المتمعن يجد أن هذه المسألة مقصودة بذاتها؛ لأنه أمر من أمور\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ١٨٥.","vol":"3","page":169},{"text":"العقيدة الهامة، التي جاء القرآن يصحح تصورات الناس عنها. لما لها من ارتباط وثيق بعقيدة التوحيد، ويقرر أن الإيمان بالملائكة ركن من أركان الإيمان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن فيها معلومات لم تكن معروفة عند العرب من قبل فلقد كانت الصورة في أذهانهم صورة مشوهة ناقصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>٧ - مشاهد الكون ونواميسه:</span>\nوهذا أيضًا من الخطة المثلى لتفسير القرآن كما يحددها الأستاذ دروزة، ولكنه في هذه كسابقتها أيضًا، كلّ همه أن يبين أن هذه النواميس وتلك المشاهد، لم تكن مجهولة لدى العرب قبل نزول القرآن، بل كانت صورها في أذهانهم كاملة كما أخبر عنها القرآن.\nيقول المؤلف: \"وإنه ليصح أن يقال بالإضافة إلى ما تقدم - وبناءً عليه: إن المضامين القرآنية في هذه المواضيع متسقة مع ما في أذهان سامعي القرآن عن مظاهر الكون ومشاهده ونواميسه، وتجلّي عظمة الله وقدرته فيها. وهذه النقطة متصلة بالمبدأ العام الذي ما فتئنا نقرره، من أن القرآن خاطب الناس بما يتسق مع ما في أذهانهم إجمالًا من صور ومعارف، لما يكون من قوة أثر في الخطاب فيهم بمثل هذا الأسلوب\" (١).\nوهذا قد يكون صحيحًا في بعض الجزئيات، مثل قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠] إلا أن هناك آيات تذكر بعض المشاهد والنواميس الكونية، التي ما كان يعرفها العرب ولا غيرهم، وذلك مثل ما ورد في القرآن من أن السموات والأرض كانتا رتقًا، ومثل خلق الأرض في يومين، والسموات في يومين، وتزيين السماء الدنيا بمصابيح، وجعلها رجومًا للشياطين، وأطوار خلق الانسان.\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ١٩١.","vol":"3","page":170},{"text":"قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].\n﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت: ٩ - ١٢].\n﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: ٥].\n﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ [المؤمنون: ١٢ - ١٤].\nبقي أن يقال بأنه ليس من الدقة في التعبير، بأن الإنسان إنما يتأثر عندما يخاطَب بما يعرفه من الصور. فلا علاقة بين التأثير على المخاطَب وبين المعلومات المختزنة لديه عن هذا الخطاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-802>٨ - الحياة الأخروية في القرآن:</span>\n\" إن ما ورد في القرآن عن الحياة الأخروية، وأعلامها ومشاهدها وصورها وأهوالها، وعذابها ونعيمها، قد ورد بأسلوب منسجم مع مفهومات السامعين ومألوفاتهم، ومتناول إدراكهم وحسهم، وخاصة العرب الذين كانوا أول المخاطبين به، وأنه ورد بالأسلوب الذي ورد به على سبيل التقريب\" (١). بهذا يبتدئ المؤلف حديثه عن الآخرة، ونحن نرى أنه لم ياتِ بجديد مما تعوّدنا أن نستمعه منه، وهذا\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ١٩٣.","vol":"3","page":171},{"text":"منسجم مع ما قرره من قبل من أن العرب كانوا يعرفون كلّ شيء. فالحديث عن الآخرة كغيرها من القصص والمشاهدات والجن، أمور معلومة عند العرب ومعروفة لديهم. ويزيد هنا بأنها جاءت على سبيل التقريب والتشبيه، والأغرب من هذا أنه يعدّها من الوسائل التدعيمية، وذلك لأنه يقسم القرآن كما علمنا إلى أسس ووسائل، مع أن الحياة الآخرة من أهم الأسس التي جاء القرآن، ليثبت في القلوب الإيمان بها، وأن الدنيا بكل ما فيها ليست شيئًا يذكر بالنسبة للَاخرة، بقي أن يقال إن أخبار القرآن عن الآخرة، إنما هي حقائق، لا على سبيل التقريب والتشبيه كما توهّم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-803>٩ - ذات الله في القرآن:</span>\nيرى المؤلف أن ما ورد في القرآن من حديث عن الله وصفاته، منه ما جاء على سبيل التقريب، كاليد والنفخ والاستواء والقبض والطي، ومنه ما جاء ضوابط لمنع إرادة المماثلة، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وملاحظة هذا بالنسبة للمفسر، وبالنسبة لكون هذه من خطة التفسير، مهمة كما يقول: \"وتجعله يقف - أي المفسر - من هذه التعابير والأسماء والصفات، عند الحد الذي وقف عنده القرآن، ويفهم منها الأهداف التي استهدف تقريرها بها دون تزيد ولا تكلف ولا تمحّل\" (١) وسنعلق على هذا حينما نتعرض للتفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-804>١٠ - تسلسل الفصول القرآنية وسياقها:</span>\nيقول: \"إن أكثر الفصول والمجموعات في السور القرآنية، متصلة بالسياق ترتيبًا أو موضوعًا، أو سبكًا أو نزولًا وأن فهم مداها ومعانيها وظروفها الزمنية والموضوعية وخصوصيتها وعموميتها وتلقينها وتوجيهها وأحكامها، فهمًا صحيحًا\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ١٩٨.","vol":"3","page":172},{"text":"لا يتيسر إلا بملاحظة تسلسل السياق والتناسب ... \" (١). ويحاول المؤلف هنا أن يطبق هذا تطبيقًا عمليًا من نواحٍ ثلاث:\nتفسير الآيات القرآنية - روايات أسباب النزول - ومسائل الهداية والإضلال.\nأ - تفسير الآيات القرآنية:\nإن بتر الآية في رأيه لا يجوز، ويمثل ذلك بآيات كثيرة نورد منها ثلاثًا:\n١ - ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٦].\n٢ - ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦].\n٣ - ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣].\n\"أما الآية الأولى، فقد استدل بها مذهب كلامي معين على خلق الأفعال، (٢) ولو أن الآية أخذت كمفصل متصل بالسياق، ما كانت لتحصل تلك المشادة الكلامية في تفسير تلك الآية، فالآية واضحة في النهي عن عبادة الأصنام التي ينحتونها ويعملونها كما يبينه السياق، ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤) قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾ [الصافات: ٩٤ - ٩٦].\nوأما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، فإنه يقول فيها: \"إن أكثر المفسرين قالوا إنها آية السيف، ونسخوا بها آيات محكمات، وبتروها عما بعدها، فنظروا إلى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾، دون النظر إلى قوله: ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾. ولا أعلم أن أكثر المفسرين - كما\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ١٩٩.\n(٢) يعني الأشاعرة.","vol":"3","page":173},{"text":"ذكر المؤلف - قالوا: إنها آية السيف، أو نسخوا بها محكمًا، كما لا أعرف مفسرًا واحدًا بتر هذه الجملة القرآنية وحدها، دون النظر إلى ما بعدها، والعجيب من المؤلف كيف ينقل هذا القول متهمًا المفسرين بعدم الدقة والموضوعية وفهم السياق القرآني.\nوفي الآية الثالثة: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، يقول المؤلف: \"فكثير من المفسرين ينظرون إلى هذه الآية مستقلة عن سابقتها، ويحارون في تأويل جملة ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالوا﴾ حتى قال غير واحد منهم: إن الجملة من مشكلات القرآن، واضطروا إلى اعتبار (لما) بمعنى (عن ما)، وقالوا إن الجملة تعني: ثم يرجعون عما قالوا عنه ويرغبون في معاشرة أزواجهم، أو إلى تأويلات أخرى، هذا مع أن الآية متصلة كلّ الاتصال بسابقتها، فلو لوحظ ذلك لما كان هناك محل لهذه الحيرة والإشكال والتأويل.\nفالآية الأولى نددت بالمظاهرين والظهار، عَدَّته عملًا منكرًا، ثم انتهت بمقطع ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ [المجادلة: ٢]. فكأنما تقدمت باستنكار الظهار من حيث المبدأ، وتقرير أن الله يعفو ويغفر للمظاهرين، قبل نزول هذا الاستنكار، وبالتالي قبل نزول الآيتين على اعتبار أنه لم يكن مستنكرًا ومنهيًا عنه.\nثم أعقبتها الثانية لتقرر الحكم الإسلامي، فالذين يعودون إلى ما نهوا عنه واستنكروا، أي: الظهار، بعد ذلك الاستنكار والوصف، تجب عليهم الكفارة قبل معاشرة أزواجهم؛ لأنهم يكونون قد أتوا بعمل عده القرآن منكرًا وزورًا\" (١).\nوهذا القول لا يحل الإشكال الذي نقله المؤلف عن كثير من المفسرين، بل لقد زاد المسألة تعقيدًا، فإن هذا القول لا يتفق مع السياق ولا مع المأثور، أما أنه لا\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ٢٠١.","vol":"3","page":174},{"text":"يتفق مع السياق فذلك أمر ظاهر، وأما أنه لا يتفق مع المأثور فلأن السنّة الصحيحة طلبت من زوج خولة الكفّارة مع أنه ظاهَرَ قبل نزول الآيات (١).\nب - روايات أسباب النزول:\nومما يتعلق بهذا الموضوع، ومن المآخذ التي يأخذها المؤلف على المفسرين، رواياتهم لأسباب النزول، وتعدد هذه الروايات حينًا، ومخالفتها للسياق حينًا آخر، ونكتفي بذكر مثالين مما ذكر المؤلف:\nالأول: ما روي عن أبي مسعود البدري -﵁ - قال: لما أمر رسول الله - ﷺ - بالصدقة كنا نتحامل، فجاء أبو عقيل بنصف صاع، وجاء إنسان بأكثر منه، فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا، وما فعل هذا الآخر إلا رياء فنزلت: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾ [التوبة: ٧٩].\nالثاني: روى البخاري عن ابن مسعود -﵁ -، أن رجلين من قريش وختنًا لهما من ثقيف، كانوا في بيت، فقال بعضهم لبعض: أترون أن الله يسمع حديثنا؟ قال بعضهم: يسمع بعضه، وقال بعضهم: لئن كان يسمع بعضه، لقد يسمع كله. فنزلت الآية: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾ [فصلت: ٢٢] (٢).\n_________\n(١) رأينا المفسر عند تفسيره لهذه الآيات، يفسر اللام بمعنى (عن) ويقول: إنه مضطر لهذا التفسير وإن كان قلقًا مضطربًا، مستدلًا بما ورد في آية النجوى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: ٨]، فإن اللام هنا لا يمكن أن تكون بمعنى (عن) فلا يمكن أن تكون في آية الظهار كذلك - كما يقول - مع أن أدنى معرفة بأساليب اللغة وفن التعبير، تمكن القارئ أو الدارس من إدراك الفرق من حيث المعنى بين الموضوعين.\n(٢) صحيح البخاري، ٤٨١٦. مسلم، ٢٧٧٥.","vol":"3","page":175},{"text":"ومنشأ الخطأ كما يصوره المؤلف أن الآية الأولى نزلت في سياق غزوة تبوك، فكيف تأتي تلك الرواية التي تمزق السياق، وتقطع الصلة بين الآيات، وتوهم أن الآية نزلت منفردة.\nوالحق الذي يجب تقريره أن سورة براءة نزل جلّ آياتها في غزوة تبوك، وقد جاءت هذه الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ ....﴾ في أثناء الحديث عن غزوة تبوك، فليس هناك تمزيق للسياق، وقطع للصلة، ولا إبهام أنَّها نزلت منفردة، والمتأمل لسورة براءة يجد حديثها عن أقسام المنافقين في مواضع متعددة ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ [التوبة: ٦١]، ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ٦٤]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥]، ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ [التوبة: ٧٩]، إلى آخر السورة تقريبًا.\nومنشأ الخطأ في الرواية الثانية أن الآيات جاءت في مشهد من مشاهد يوم القيامة، لكن الرواية أفهمت غير ذلك.\nوقد أوافق الأستاذ - ﵀ - فيما ذهب إليه، وقد تكون الآية استُشهد بها على ما ذهب إليه هؤلاء، وليست سببًا للنزول (١).\n٣ - مسائل الهداية والضلال:\nوملاحظة السياق وتسلسل الفصول القرآنية كما يقول المؤلف، يزيل وهم التعارض والتناقض بين الآيات، وبخاصة تلك التي تتعلق بمجمل الهداية والإضلال والكفر والإيمان. ويأتي بأمثلة كثيرة لذلك، ليبين هذا الإشكال، مع أنه لا إشكال ولا لبس.\n_________\n(١) راجع كتابنا: إتقان البرهان في علوم القرآن، فضل أسباب النزول.","vol":"3","page":176},{"text":"يقول المؤلف: \"فأنت إذا أخذت قول الله ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ [الكهف: ٥٧]، لحدتها (١)، وجدت نفسك أمام مشكلة محيرة؛ لأنَّها توهِم أن الله قد صرف الكفار عن فهم القرآن والتأثر به، وحتّم عليهم عدم الإجابة والاهتداء. ولكنك إذا قرأت أول الآية التي وردت فيها، ظهر لك قصد وصف مكابرة الكفار وعنادهم، والتسرية عن النبي إزاء هذه المكابرة والعناد\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-805>١١ - فهم القرآن من القرآن:</span>\nوهذه آخر البنود التي يذكرها المؤلف في خطته. يقول المؤلف: \"إن الأوثق والأوكد والوسيلة الفُضلى، لفهم مدى القرآن ودلالاته وتلقيناته ... تفسير بعض القرآن ببعض\" (٢) ويطيل الكلام في ذلك، ويأتي في طيات هذا البحث بأمثلة كثيرة، اقتصر منها على ثلاث:\n١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] يقول: \"إن بعض المفسرين اعتبروها أخبارًا غيبية، عن ما حدث من الفتن بعد الرسول - ﷺ -\". ولكن المؤلف لا يرضى هذا ويقول: \"ينبغي إذا أردنا أن نفهمها فهمًا صحيحًا، أن نضمها إلى آية الروم وهي قول الله ﷿: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾ [الروم: ٣١، ٣٢] وبذلك نتبين أن المقصود بآية الأنعام هم المشركون\".\n_________\n(١) الصحيح وحدها.\n(٢) القرآن المجيد، ص ٢٠٩.","vol":"3","page":177},{"text":"٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] فإذا قال بعض المفسرين: إن إبليس من الملائكة، وإن الجن في الآية فريق من الملائكة، رددنا عليهم من القرآن نفسه، بأن إبليس خُلق من نار وأن الجان خُلقوا من نار.\n٣ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] يقول: \"فإذا فسر بعض الشيعة أو غيرهم الآية، بأن الرسول يطلب أجرًا وهو أن نَوَدَّ قرابته، رددنا عليه بآيات القرآن الأخرى التي تنفي طلب الرسول - ﷺ - أجرًا على دعوته\".\nويختتم هذه الخطة بقوله: \"ولا أدعي بأن هذه الملاحظات جديدة وغير مسبوقة، ففي \"الإتقان\" للسيوطي، لنفسه ولغيره من العلماء والمؤلفين، نبذ عديدة في شروط التفسير وأصوله، احتوت غير واحدة من هذه الملاحظات\" إلى أن يقول: \"غير أني لم أر في ما تيسر لي من الاطلاع عليه من كتب التفسير العديدة القديمة والحديثة، أن هذه الملاحظات قد لوحظت جميعها معًا في تفسير واحد، وإن صح أنَّها لوحظت متفرقة وبسعة أو بإيجاز\" (١).\nجزى الله الأستاذ دروزة خيرًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-806>ثانيًا: تعليقاته ومآخذه على المفسرين ومناهجهم:</span>\nوبعد أن رسم لنا الخطة في التفسير، بدأ يبين لنا تعليقاته على كتب المفسرين ومناهجهم، وذلك ما تكفل به الفصل الرابع من كتابه القرآن المجيد. يقول المؤلف: \"ومع ما ذكرناه في صدد كتب المفسرين، فإن الناظر في كثير منها، يلحظ ثغرات عديدة، تنقص من قيمة تلك الفوائد التي احتوتها، والجهود التي بذلت فيها قليلًا أو\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ٢١٥.","vol":"3","page":178},{"text":"كثيرًا، وتجعلها غير شافية للنفس شفاء تامًّا\" فيذكر من هذه الثغرات إحدى عشرة ثغرة:\nروايات أسباب النزول، روايات التفسير، تعليقات المفسرين على القصص، تعليقات المفسرين على مشاهد الكون والملائكة والجن، التشاد المذهبي في سياق التفسير، الولع بأسرار القرآن ورموزه ومنطوياته، الولع بالتفريع والاستطراد، روايات نزول القرآن جملة واحدة وأثرها، روايات نزول القرآن بالمعنى وأثرها، الخلاف على خلق القرآن وأثره، والنهي عن التفسير بالرأي وأثره.\nوهذا الذي ذكره يستدعي التعليق عليه، لأن كثيرًا منه لا نعتقد أنه حالفه فيه التوفيق\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-807>تعليقه على روايات أسباب النزول:</span>\nففي روايات أسباب النزول مثلًا، يذكر عند آية الحجاب أربع روايات، ويخلص إلى القول بأنها روايات متناقضة ليقول: \"فهذه أربعة أحاديث بخارية حول الحجاب، وثلاثة منها في مناسبة نزول آية الحجاب في سورة الأحزاب، وفيها مما فيها من التغاير في هذه المناسبة. وكل هذا في حين أن الحجاب المذكور في الآية، يعني الستر على باب البيت\" (١).\nوإن مَنْ له أدنى معرفة في علم الحديث وعلم أسباب النزول، يدرك لأول وهلة أن لا تناقض ولا اختلاف (٢)، ونذكر هنا ما أورده العلماء فيما يتعلق بأسباب النزول.\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ٢٢٢.\n(٢) يراجع فتح الباري، ص ١٤٦، ج ١، طبعة الحلبي.","vol":"3","page":179},{"text":"قال ابن تيمية: \"قولهم أنزلت هذه الآية في كذا، يراد به تارة سبب النزول، ويراد به تارة أن ذلك داخل في الآية وإن لم يكن السبب، كما نقول عنى بهذه الآية كذا\" (١).\nوقال الزركشي: \"قد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: نزلت هذه الآية في كذا، فإنه يريد بذلك أنَّها تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها ...، فهو من جنس الاستدلال على الحكم بالآية، لا من جنس النقل إذا وقع\" (٢).\nوهذا يصدق أيضًا على ما أورده المؤلف، بخصوص قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، حيث جزم بأن الروايات متناقضة غير معقولة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-808>ثغرات حذر منها العلماء:</span>\nوأما في روايات التفسير، وهي الثغرة الثانية عنده، فإنه يأتينا بحشد من الروايات التي نبه العلماء إلى زيفها وكذب روايتها، والتي نقل أكثرها الخازن في تفسيره عن الكلبي ومن شابهه (٣). ولا أود أن أستطرد في الأمثلة التي ذكرها لأن ذلك عمل لا طائل تحته (٤).\n_________\n(١) مقدمة التفسير لابن تيمية.\n(٢) البرهان، ج ١، ص ٣٢ طبعة عيسى الحلبي.\n(٣) وهو التفسير الذي يرجع إليه المؤلف كثيرًا، بل ويحيل القراء عليه عند تفسيره لأكثر الآيات.\n(٤) وذلك مثل تفسير نون بأنها السمكة التي تحمل الأرضين على أرضها، وهي في الماء وتحتها الثور، وتحت الثور صخرة وتحث الصخرة الثري ... إلخ.","vol":"3","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-809>ثغرات مزعومة:</span>\nوفي تعليقه على القصص يأتي بحشد هائل من الإسرائيليات، وبخاصة تلك التي ذكرها الخازن، والتي ما فتئ العلماء قديمًا وحديثًا يحذرون الناس منها، وألفت في ذلك كتب ووضعت أبحاث (١).\nثم يذكر المؤلف ثغرة أخرى من الثغرات في رأيه، وهي تعليقات المفسرين على مشاهد الكون ونواميسه، والجن والملائكة، وهو كعادته يورد الكثير من الإسرائيليات التي وردت في بعض الكتب، مما هو مشهود له بالزيف.\nوالغريب أنه حينما يذكر من ضمن هذه الثغرات الولع بالأسرار والرموز، يمثل لذلك بما ذكره الزمخشري في كشافه، عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الم﴾ وغيرها من الحروف التي وردت من فواتح السور، أن هذه الحروف تحتوي نصف الحروف المهموسة، ونصف الحروف المجهورة والمستعلية مع أن الزمخشري كان بعيدًا عن مسألة الرمز، وإنما ذكر ذلك ليبين الناحية البلاغية والفنية في القرآن الكريم، وهذه عبارته بعد أن ذكر ما ذكر \"ثم إذا استقريت الكلم وتراكيبها، رأيت الحروف التي ألغى الله ذكرها من هذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها، فسبحان الذي دقت في كلّ شيء حكمته، وقد علمت أن معظم الشيء وجُلّه ينزل منزلة كله، وهو المطابق للطائف التنزيل واختصاراته فكأن الله عز اسمه عَدَّد على العرب الألفاظ، التي منها تراكيب كلامهم، إشارة إلى ما ذكرت من التبكيت لهم وإلزام الحجة إياهم\" (٢).\nومن الغريب كذلك أن يعد المؤلف من هذا القبيل، أو مما له صلة به. روايات نزول القرآن على سبعة أحرف، مع أنه لا علاقة لذلك مطلقًا بقضية الأسرار والرموز.\n_________\n(١) من هذه الكتب \"الإسرائيليات في التفسير والحديث\" للعلّامة الدكتور محمد السيد حسين الذهبي ﵀.\n(٢) الكشاف، ج ١، ص ٣٠، مطبعة الاستقامة، القاهرة، ١٩٤٦.","vol":"3","page":181},{"text":"أما عدُّ المفسرِ من هذه الثغرات، الروايات التي تشير إلى نزول القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا، فإنني أرى أن هذا لا صلة له بموضوع التفسير، لأن الذين يقولون هذا، مجمعون على أن القرآن نزل منجمًا على قلبه - ﷺ -.\nوإنه لمن المستهجن أن يذكر المؤلف روايات نزول القرآن بالمعنى، كثغرة من ثغرات المفسرين، مع أن هذا أمر مجمع على بطلانه.\nوأما الخلاف على خلق القرآن فيرجع في رأينا إلى التشاد المذهبي. بقيت مسألة النهي عن التفسير بالرأي. وهذا النهي لا يشكل ثغرة كما ذكر المؤلف، ذلك أن أكثر كتب التفسير الموجودة بين أيدينا هي من قبيل التفسير بالرأي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-810>التفسير المثالي كما يراه المؤلف:</span>\nوبعد، فهذا ما ذكره المؤلف من خطة مثلى للتفسير، ونقد للثغرات التي وردت في كتب التفسير، فالتفسير المثالي إذن، هو ما روعي فيه هذا الذي ذكره، وأكثر التفاسير قديمها وحديثها، لم تلتزم بهذه الخطة كاملة، ولم تخل من تلك الثغرات كما يذكر المؤلف، وكما أوردناه من قبل.\nويختم المؤلف بقوله: \"ذلك اليقين بالخطة المثلى لفهم القرآن وخدمته، التي شرحناها في الفصل الثالث، وهذه الثغرات العديدة التي نبهنا عليها في الفصل الرابع، جعلنا نعتقد أن الحاجة ما تزال ماسة إلى تفسير وافٍ بالغرض، غير مطول ممل ولا موجز مخل، تجتمع فيه الملاحظات، وتتحاشى فيه الثغرات، ويسار فيه وفق هذا المنهج\" (١).\nولكن أسَارَ المؤلف في تفسيره، الذي سنتحدث عنه إن شاء الله، وفق هذه الخطة التي رسمها، وتجنب تلك الثغرات التي بيَّنها، وتحدث عنها، أم خرج عن\n_________\n(١) القرآن المجيد، ص ٣٠٣.","vol":"3","page":182},{"text":"ذلك المخطط، ووقع في ما هو أشد وأكثر بُعدًا مما حذر منه؛ ولا أود أن أذكر هنا الكثير مما وقع فيه المؤلف، وإنما أدع ذلك لموضعه في التفسير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-811>منهجه في التفسير:</span>\nطبع هذا التفسير في القاهرة، في مطبعة عيسى البابي الحلبي، ويقع في اثني عشر جزءًا في أربعة مجلدات يحدثنا المؤلف عن نهجه في تفسيره بالبيان التالي:\n١ - تجزئة المجموعات والفصول إلى جمل تامة، يصح الوقوف عندها من حيث المعنى والنظم والسياق، وقد تكون الجملة آية واحدة أو آيات قليلة، أو سلسلة طويلة من الآيات.\n٢ - شرح الكلمات والتعابير الغريبة، وغير الدارجة كثيرًا، بإيجاز ودون تعمق لغوي ونحوي وبلاغي، إذا لم تكن هناك ضرورة ماسة.\n٣ - شرح مدلول الجملة شرحًا إجماليًا، حسب المقتضى المتبادر، بأداء بياني واضح، ودون تعمق كذلك في الشروح اللغوية والنظمية، مع الاستغناء عن هذا الشرح والاكتفاء بعرض الهدف والمدلول، إذا كانت عبارة الجملة واضحة نظمًا ولغة.\n٤ - إشارة موجزة إلى ما روي من مناسبة نزول الآيات أو في صددها، وما قيل في مدلولها وأحكامها، وإيراد ما تقتضي إيراده من الروايات والأقوال والتعليق على ما يقتضي التعليق عليه منه بإيجاز.\n٥ - تجلية ما تحتويه الجملة، من أحكام ومبادئ وأهداف وتلقينات وتوجيهات تشريعية وأخلاقية واجتماعية وروحية، والاعتماد في ذلك على النظر في الدرجة الأولى، وملاحظة مقتضيات تطور مفاهيم الحياة والمفاهيم البشرية وهذه نقطة أساسية وجوهرية في تفسيرنا. وهي كذلك في تفسير القرآن والدعوية القرآنية كما هو المتبادر.","vol":"3","page":183},{"text":"٦ - تجلية ما تحتويه الجملة من صور ومشاهد عن السيرة النبوية، والبيئة النبوية، لأن هذا يساعد على تفهم ظروف الدعوة وسيرها وأطوارها، وجلاء جو نزول القرآن، الذي ينجلي به كثير من المقاصد القرآنية.\n٧ - التنبيه على الجمل والفصول الوسائيلية والتدعيمية (١)، وما يكون فيها من مقاصد أسلوبية، كالتعقيب والتعليل والتطمين والتثبيت والتدعيم والترغيب والترهيب والتقريب والتمثيل والتنديد والتذكير والتنويه، مع إبقاء ذلك ضمن النطاق الذي جاء من أجله، وعدم التطويل فيه، والتنبيه بإيجاز إلى ما ورد بصدده، إذا اقتضى السياق بما لا يخرج به عن ذلك النطاق.\n٨ - الاهتمام ببيان ما بين آيات وفصول السور من رابط، وعطف الجمل القرآنية على بعضها سياقًا أو موضوعًا، كلما كان ذلك مفهوم الدلالة، لتجلية النظم القرآني، والترابط الموضوعي فيه، لأن هناك من يتوهم أن آيات السور وفصولها مجموعة إلى بعضها بدون ارتباط وانسجام، في حين أن إمعاننا فيها جعلنا على يقين تام بأن أكثرها مترابط ومنسجم (٢).\n٩ - الاستعانة بالألفاظ والتراكيب والجمل القرآنية، في صدد التفسير والشرح والسياق، والتأويل والدلالات والهدف والتدعيم والصور والمشاهد، كلما كان ذلك ممكنًا. وهذا ممكن في الأعم الأغلب، حيث يوجد كثير من الآيات مطلقة في مكان، مقيدة في مكان آخر، وعامة في مكان مخصصة في مكان آخر، كما يوجد كثير من الجمل المختلفة في الألفاظ المتفقة في المعاني والمقاصد (٣). ثم بعد ذلك\n_________\n(١) ما أريد به تدعيم الرسالة القرآنية ومبادئها المحكمة، مثل القصص ومشاهد الحياة الأخروية والجن والملائكة.\n(٢) لا يوجد من أعطى أدنى حظ من العلم، من يتوهم ما ذكره المؤلف، لكن المؤلف لم يكن دقيقًا في تعبيره هذا، لأن الانسجام في القرآن كله لا في أكثره كما توهم.\n(٣) لسنا معه في ما ذهب إليه، من اختلاف في اللفظ مع اتفاق في المعنى، وإنما كلّ لفظة قرآنية تؤدي معنًى مستقلًا.","vol":"3","page":184},{"text":"بالروايات إذا ما كانت متسقة مع المفهوم والسياق، ثم بأقوال المفسرين إذا كانت كذلك.\n١٠ - العطف على ما جاء في كتاب \"القرآن المجيد\" من بحوث، حيث تفسير الجملة ومقاصدها تفاديًا من التكرار والتطويل.\n١١ - عرض المعاني بأسلوب قريب المأخذ، سهل التناول والاستساغة، واجتناب الألفاظ الحوشية والخشنة والغريبة والعويصة.\n١٢ - شرح الكلمات والمدلولات والموضوعات المهمة المتكررة شرحًا وافيًا، وخاليًا من الحشو عند أول مرّة ترد فيها، والعطف على الشرح الأول في المرات التالية، دون تكرار شرحها في مواطن تكرارها.\nوقد رأينا بالإضافة إلى هذا من الفيد وضع مقدمة، أو تعريف موجز للسور قبل البدء بتفسيرها، يتضمن وصفها ومحتوياتها، وأهم ما امتازت به، وما يتبادر من فحواها، من صحة ترتيبها في النزول وفي المصحف (١)، وما في السور المكية من آيات مدنية، وفي السور المدنية من آيات مكية (٢)، حسب الروايات والتعليق على ذلك حسب المقتضى. وكذلك وضع عناوين للموضوعات والتعليقات الهامة، التي تناولناها بالبحث والشرح والبيان، ليسهل على من ينظر في التفسير مراجعة ما يريد منها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-812>ترتيب يشذ به عن المفسرين:</span>\nهذا هو المنهج الذي رسمه المؤلف. وهو كما نرى تعوزه الدقة في اللفظ والموضوعية في التقسيم. ولكن ربما يكون هذا هو أسلوب المؤلف الذي تعود،\n_________\n(١) عبارته غير دقيقة لأنَّها تُوهِم خلافًا في ترتيب المصحف.\n(٢) راجع كتابنا: إتقان البرهان في علوم القرآن وقد حققنا فيه أن السور المكية يمكن أن يكون فيها آيات مدنية، أما السور المدنية فلا يمكن أن يكون فيها آيات مكية.\n(٣) التفسير الحديث، ص ٦.","vol":"3","page":185},{"text":"ولكل امرئ من دهره ما تعودا، إلا أن الذي ينبغي أن نقف عنده وقفة غير قصيرة، هو الترتيب الذي سلكه المؤلف في تفسيره، فلقد كان بدعًا من المفسرين، ولا نعلم أن أحدأ قبله سلك هذا المسلك. وهذا هو المؤلف يبين سبب هذا المسلك بقوله: \"ولقد رأينا أنْ نجعلَ ترتيب التفسير، وفق ترتيب نزول السورة، بحيث تكون أولى السور المفسرة العلق ... لأننا رأينا هذا يتسق مع المنهج الذي اعتقدنا أنه الأفضل لفهم القرآن وخدمته، إذ بذلك يمكن متابعة أطوار التنزيل ومراحله بشكل أدق وأوضح، وبهذا وذاك يندمج القارئ في جو نزول القرآن، وجو ظروفه ومناسباته ومداه ومفهوماته، وتتجلى له حكمة التنزيل\" (١).\nوهذا على فرض التسليم به، يصح لو أن كلّ سورة نزلت دفعة واحدة، غير مفصول بين آياتها بآيات أخرى من سور أُخر أو بسور كاملة، مع أننا نعرف أن الأمر ليس كذلك، والمؤلف الفاضل يعرف هذا ويقرره. فسورة البقرة مثلًا نزلت في قرابة عشر سنين، ففيها آيات تحويل القبلة، وهي في السنة الثانية للهجرة، وفيها آيات الربا وهي من أواخر الآيات نزولًا، بل فيها آية نزلت قبل انتقاله - ﷺ - إلى الرفيق الأعلى، بثمان ليال، وهي قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١]، ومعنى هذا أن سورة البقرة استوعبت العهد المدني كله، فتكون السور المدنية جميعها قد نزلت في أثناء نزول سورة البقرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-813>الأدلة التي اعتمدها ومناقشتها:</span>\nولقد حاول المؤلف أنْ يستند في ما ذهب إليه إلى أدلة وفتاوى من بعض العلماء، فترتيب السور ليس توقيفيًا كما يقول، ولقد كان لعلي مصحف حسب ترتيب النزول كذلك، ولبعض العلماء تفسيرات لم يراعوا فيها ترتيب المصحف،\n_________\n(١) التفسير الحديث، ص ٨.","vol":"3","page":186},{"text":"كهشام الكلبي الذي ألّف تفسيرًا في آيات أنزلت في أقوام بأعيانهم، وشيخ الإسلام ابن تيمية الذي ألف تفسيرًا لسورة الإخلاص ولبعض السور، وكذلك الفتاوى التي استند إليها المؤلف، ومنها فتوى لمفتي سورية السابق، الدكتور الطبيب الشيخ أبو اليسر عابدين، ومنها فتوى للشيخ عبد الفتاح أبي غدة من علماء حلب. ويقول هذا الأخير في فتواه إنه لا مانع من ذلك، ويستدل بما فعله ابن قتيبة في كتابه تأويل مشكل القرآن - وبكتاب المؤلف \"القرآن دستور الحياة\".\nهذا باختصار ما استند إليه المؤلف، وهو لا ينهض دليلًا على ما اتبعه في تفسيره، أما كون ترتيب المصحف ليس توقيفيًا، فهو مع أنه مسلَّم له، إلا أنه حجة عليه، لا حجة له. وأما مصحف علي كرم الله وجهه، فمع أنَّها رواية، إلا أن مصحف عثمان -﵁ - قد أجمع عليه الصحابة، ولو كان لعلي رأي في مخالفته لظهر في وقته. وأما استناد المؤلف لعمل بعض العلماء، فإن من الواضح أنه لا حجية فيه أبدًا، وذلك لأن هؤلاء العلماء الفوا في موضوعات خاصة، أو تفسيرًا لسورة بعينها وأما ما ذهب إليه عالم الشهباء، واستدلاله بابن قتيبة فإنه استدلال بعيد لأن ابن قتيبة لم يؤلف تفسيرًا، وخير دليل على ذلك كتاب ابن قتيبة نفسه، وهذه موضوعات هذا الكتاب نذكرها، لندرك منهج ابن قتيبة في كتابه.\n• باب العرب وما خصهم الله به.\n• باب ما ادعي على القرآن.\n• باب اللفظ الواحد للمعاني.\n• باب تفسير حروف المعاني وما شاكلها من الأفعال التي لا تنصرف.\n• باب دخول بعض حروف الصفات مكان بعض.\nهذا هو كتاب ابن قتيبة، فهل يصلح أن يستشهد به على تفسير القرآن؛ لكل سوره وآياته حسب ترتيب النزول؛ وهذا الإمام البخاري -﵁ -، يذكر في باب تفسير السور كما يعرفها المسلمون جميعًا، وهو الترتيب الذي سار عليه المفسرون من بعده، ومن قبله كذلك.","vol":"3","page":187},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-814>محاذير هذه الطريقة:</span>\nوالحق أن صنيع مفسرنا الفاضل انفرد به هو، دون أن يجد أحدًا من قبله يستأنس به على ما فعله. وليس معنى هذا أنني أحكم بحرمة هذا العمل وعدم جوازه، فأنا الآن لست في مجال الفتيا، لكن الذي أود أن أشير إليه وأقرره، أن هذا الصنيع لم يسبق إليه أولًا من جهة، وهو باب ذو خطر عظيم على القرآن من جهة ثانية، ولن يؤدي للنتائج التي توخاها المؤلف من جهة ثالثة.\nأما أنه لم يسبق إليه، فذلك ظاهر كما تقدم، وأما أنه يفتح باب الخطر على القرآن، فلأننا رأينا في السنين الأخيرة مقالات كتبت بأقلام مسمومة، وسمعنا أصواتًا منكرة تنادي بإعادة ترتيب المصحف على غير ما هو عليه الآن. ويتظاهر المنادون بالغيرة الشديدة على الإسلام (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-815>عدم تأديتها للنتائج التي قصدها المؤلف وأمثلة ذلك:</span>\nوأما أنه لن يؤدي النتائج التي أرادها المؤلف، فلأن سور القرآن كما قلت من قبل، لم تنزل كلّ سورة منها دفعة واحدة. فهناك الآيات المدنية في السور المكية وليس العكس (٢)، وهناك السور التي نزلت متداخلة، أو التي نزلت في أثناء نزول سورة واحدة، فضلًا على أن ترتيب النزول غير مقطوع به، باعتراف المؤلف نفسه ولقد تضاربت فيه الأقوال وتباينت الآراء، وكل هذا في اعتقادي لأن الترتيب الأخير للمصحف، هو الترتيب الذي اهتم به المسلمون فلم يبالوا بغيره، نعم قد نتبع هذا الترتيب، أعني ترتيب النزول حسب أشهر الروايات في موضوعات خاصة، كتدرج الأحكام، أو دراسة القصص القرآني، ولقد سرت على هذا في كتابي\n_________\n(١) وليس معنى هذا أننا نتهم الأستاذ دروزة، فأنا لا أشك في صدقه وحسن نيته لكن صنيعه هذا باب يدخل منه أمثال هؤلاء.\n(٢) وذلك أن المؤلف الدكتور فضل - ﵀ - يرى أن السور المدنية لا يصلح أن يكون فيها آيات [مكية]. [ما بين المعقوفين كان خطأ بالمطبوع فصححته (مُعِدُّه للشاملة)]","vol":"3","page":188},{"text":"القصص القرآني إيحاؤه ونفحاته، وقصص القرآن الكريم: صدق حدث، وسمو هدف، تهذيب نفس وإرهاف حس.\nوأحب هنا أن آتي بمثال لتوضيح ما قلته، من أن هذه الطريقة لم تؤدِّ النتيجة التي قصدها المؤلف:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-816>١ - آيات التحدي:</span>\nحينما صدع الرسول - ﷺ - بالحق، آذاه المشركون واتهموه، فتحداهم بالقرآن، والذي يهمني من هذا آيتان من آيات التحدي. إحداهما في سورة يونس وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس: ٣٨] والثانية في سورة هود وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود: ١٣]. وسورة يونس في تفسير الأستاذ دروزة قبل سورة هود، فهل يتنبه لهذه المسألة ليبين لنا - وهو الذي يفسر حسب ترتيب النزول - كيف تحداهم القرآن بسورة واحدة أولًا، ثم عاد ليتحداهم بعشر سور منه؟ هل جاؤوا بهذه السورة فلما رآهم جاؤوا بها، قال أريد عشر سور؟ يقينًا أن ذلك لم يكن، ولم يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا، لكن كيف تحداهم بعشر إذن؟ وهل يجوز أن يطلب من أحد من الناس قصيدة من ثلاثين بيتًا من الشعر، فإذا عجز عن ذلك قيل له: ائتنا بستين بيتًا إذن؟ أو أن يقال لأحد الناس: ارفع بيديك خمسين رطلًا، فإذا عجز نقول له: ارفع مئة رطل؟ إن الذي يفسر حسب ترتيب النزول - لأنه في رأيه التفسير الذي يفهم به القرآن فهما صحيحًا - لا بد أن يبين مثل هذه الأمور، فهل بين هذا الأستاذ عزت دروزة في تفسيره؟\nيقول في تعليقه على آية يونس عند الحديث عن كلمة \"سورة\": \"ومهما يكن من أصل اشتقاقها اللغوي وأصل معناها، فإن السياق الذي وردت فيه هذه الكلمة في القرآن، يدل دلالة لا ريب فيها، على أنَّها تعني مجموعة مستقل وكاملة من","vol":"3","page":189},{"text":"الآيات والفصول القرآنية. وأن هذا المعنى كان مفهومًا ومألوفًا في الوسط العربي، الذي خوطب بالقرآن لأول مرّة، وأن تقسيم القرآن إلى المجموعات التي سميت سورًا، كانت نتيجة لذلك أيضًا. ولما كانت هذه الكلمة قد وردت بعد نزول طائفة كبيرة من القرآن المكي، فمن الممكن أن يقال إن كثيرًا من السور القرآنية، كان في هذا العهد قائم الشخصية، وفي سورة هود التي يجيء ترتيبها في روايات النزول، بعد سورة يونس تحدٍّ للكفار بعشر سور مما فيه تأييد لما نقول\" (١).\nويقول في تفسير آية هود: \"تضمنت الآية الثانية ترديدًا لما كانوا ينسبونه إلى النبي - ﷺ - من افتراء القرآن، وأمرًا يتجسد جهم بالمقابلة فليأتوا بعشر سور مثله إذا كانوا صادقين في زعمهم بأنه مفترى، وليستعينوا بمن يستطيعون على ذلك\" (٢).\nويعلق على دلالة تكرار تحدي الكفار بالقرآن بقوله: \"هذا، ويلحظ أن تحدي القرآن للكفار بالإتيان بشيء مثل القرآن، وتقريره الصريح والضمني بعجزهم عن ذلك. فقد توالى في السور الثلاث المتتابعة في النزول، أي الإسراء ويونس وهود، وهذا يعني أن موضوع الوحي القرآني، كان من أهم مواضيع الجدل والمكابرة من قبل الكفار. وهذا مؤيد بكثرة ما حكاه القرآن من مواقف جدلهم ومكابرتهم إزاء القرآن مما مرت منه أمثلة عديدة\" (٣).\nفنحن نرى من هذين النصين أن المفسر الفاضل، لم يتعرض من قريب أو بعيد لهذه النقطة الهامة، مع أن لها صلة تاريخية بأمر هام من الأمور التي قصدها القرآن وهو التحدي.\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ٤، ص ٣٨.\n(٢) التفسير الحديث، ج ٤، ص ٦١\n(٣) التفسير الحديث، ج ٤، ص ٦٢.","vol":"3","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-817>٢ - آيات الإسراء والمعراج:</span>\nيجمع المفسرون على أن آيات سورة النجم ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٣ - ١٨] تحدثت عما كان للرسول - ﷺ - من كرامة عند ربه ليلة المعراج لكن مفسرنا الكريم يأبى هذا، معللًا ذلك بأن هذه السورة كانت من أوائل سور القرآن نزولًا، وأن المعراج كان متأخرًا، ولهذا فهو ينكر أن تكون هذه الآيات تعني تلك الحادثة، ويرى أن المعراج كان رؤيا منامية. ولعل من الخير أن ننقل ما قاله في هذا الموضوع. يقول معلقًا على هذه الآيات التي ذكرناها؟ \"في الآيات إشارة إلى مشهد روحاني آخر، شاهده النبي - ﷺ -، فشاهد فيه ما شاء الله أن يشاهده من آيات الله الكبرى\" (١).\nويعلق على حادثة الإسراء والمعراج، بقوله: \"ولقد ذكر معظم المفسرين أن هذه الآيات تشير إلى حادث العروج النبوي إلى السماء، وأوردوا في ذلك أحاديث وروايات كثيرة، فيها شيء غير يسير من التقارب، فهل كان ذلك يقظة أو منامًا وإذا كان يقظة كان مشهدًا روحيًا أو وحيًا؛ هذا أولًا.\nوثانيًا: إن معظم الروايات تقرن الإسراء والمعراج معًا، مع أن حادث الإسراء ذكر في القرآن في سورة الإسراء غير مقترن بشيء آخر. ومن الروايات ما يذكر الإسراء وحده دون المعراج، ومنها ما يجعل الإسراء والمعراج أكثر من مرّة.\nوثالثًا: إن في الروايات تضاربًا من حيث وصف الإسراء والمعراج، فمنها ما يذكر أن هذه الحادثة كانت بعد البعثة بخمسة عشر شهرًا، وهذا ما يطابق نزول سورة النجم، ولا يطابق نزول سورة الإسراء التي نزلت متأخرة. ومنها ما يذكر أنهما وقعا بعد البعثة بخمس سنين، وهذا يطابق سورة الإسراء دون النجم، وهناك روايات تذكر أنهما قبل الهجرة بخمس سنين أو بسنة واحدة وهذا لا يطابق نزول\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ١، ص ٢١٨.","vol":"3","page":191},{"text":"أي من السورتين، وهناك رواية غريبة جدًّا تَذكر أنهما وقعا قبل البعث بسنة واحدة. وفي الروايات والأحاديث التي ذكرت الحادثين، روايات فيها أشياء عجيبة غريبة، مثل رواية العجوز التي دعت النبي إليها في طريقه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ومثل جمع الله جميع الأنبياء في المسجد الأقصى، وصلاة النبي بهم إمامًا، ومثل المعراج الذي صعد درجاته إلى السماء، وفتح أبواب السماء مما فيه تقرير عادية السماء ولقائه بالأنبياء أحياءً عَلى أشكالهم الدنيوية في السموات. ومثل وصف العرش واللوح المحفوظ والأقلام والجنة والنار، ومثل طريقة فرض الصلاة ومثل شق بطن النبي - ﷺ -. هذا يوحي بالتحفظ في ربط آيات النجم التي نحن بصددها، والتي هي بسبيل وصف مشهد روحاني رباني لحادثي الإسراء والمعراج، أو قرن الحادثين في سياق واحد، ويجعلنا نرجح ما قلناه في سياق الآيات السابقة، وهو أن تلك الآيات هي في صدد المشهد الذي ذكرناه في سورة التكوير، وأن هذه الآيات هي في صدد مشهد روحاني مماثل وقع بعد ذلك، ولا نستطيع أن ندرك كنهه، وليس عندنا دليل قطعي يساعد على توضيح مداه، وبخاصة المقصود من سدرة المنتهى وجنة المأوى\" (١).\nولقد اضطررت أن أنقل هذا الكلام مع طوله، لما فيه من عجب واستغراب ومع أنني لست الآن بصدد مناقشة المفسر حول آرائه في التفسير إلا أن ذلك كان أمرًا لا بد منه لتعلقه بما نحن بصدده.\nلقد خلط المفسر الفاضل بين غث الروايات وسمينها وصحيحها وضعيفها، هذه من ناحية، وحاول من ناحية ثانية تحديد نزول الآيات وسنيها. وذلك إنما هو منه تخمين، لا يستند على أمر قطعي، فهل من الضروري أن تنزل سورة كسورة النجم دفعة وحدة؟ ألم ينزل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ [الأنفال: ٣٠] في سورة الأنفال وهي مدنية، تحدثت عن غزوة بدر، مع أن الآية تشير إلى ما كان من المشركين في مكة قبل الهجرة، وعلى فرض التسليم بنزول آية النجم مبكرة، فلم\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ١، ص ٢١٩ - ٢٢٠.","vol":"3","page":192},{"text":"تكون هذه الآيات قد نزلت بعد حادثة المعراج، مع أنه ليس هناك ما يثبت المسافة الزمنية، بين نزول هذه الآيات وبين حادثة المعراج، ومن ناحية ثالثة يعد المفسر المعراج مشهدًا روحانيًا فقط، مع صراحة قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ [النجم: ١٧]. من ناحية رابعة يستغرب ويعجب مما ورد في الأحاديث الصحيحة، التي أجمعت الأمة على صحتها، ولا أظن أن المؤلف يخرج عن هذا الإجماع.\nوخلاصة القول أن الترتيب الذي سار عليه المؤلف، ظنًّا منه بأنه يؤدي إلى الفهم الصحيح للقرآن، أكثر من غيره، رأيناه لا يحل كثيرًا من الأمور التي تشتبه على الناس، بل ربما يدخل في متاهات، تبعد بالمرء عما أجمع عليه الأئمة في مختلف العصور.\nوبعد، فأكتفي بما ذكرته من تعليق على طريقة المفسر ومنهجه، لننتقل لدراسة تفسيره، والوقوف على ما بثه من أقوال وآراء، راجيًا الله ﵎ أن يجنبني الزلل، وأن يجعلني من الذين لا يبخسون الناس أشياءهم، وأن يوفقني لجلاء الحقيقة دون تأثر أو تهيب، والله من وراء القصد والله ولي التوفيق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-818>نماذج من تفسير المؤلف:</span>\nوقبل أن نتعرض لبعض جزئيات التفسير، لا بد من إعطاء صورة واضحة مقتبسة من تفسيره لبعض الآيات، فهو يقسم السورة إلى مقاطع وفصول حسب ما تحتويه من موضوعات، في رأيه، بعد أن يقدم لها. وبعد أن يذكر مقطعًا من المقاطع يتبعه بتفسير معاني المفردات، ثم يذكر معنىً إجماليًا لهذا المقطع، ثم يعلق على بعض الآيات التي يجد أنَّها بحاجة إلى هذا التعليق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-819>تعبير غير دقيق:</span>\nوهو في كثير من المواضع يترك هذا المعنى الإجمالي، معللًا ذلك بقوله: \"الآيات لا تحتاج إلى أداء آخر، مع أن هذا التعبير لا نعتقد أنه يناسب آيات القرآن، فإن كلمة (أداء) إنما تفهم إيراد الجمل بصيغة غير الصيغة التي وردت فيها\".","vol":"3","page":193},{"text":"وهذا غير صحيح بالنسبة للقرآن الكريم، لأن ذلك غير ممكن بالطبع فهناك فرق كبير بين أداء وتفسير، وهذا يصدق حتى بالنسبة لكلام الناس. فإن نثر أبيات من الشعر لا يعني شرحها، وتجلية صورها المختلفة.\nفها هو عند تفسيره لسورة نوح - ﵇ - مثلًا، بعد أن يأتي بجميع آياتها ويفسر مفرداتها، يقول: \"عبارة آيات السورة واضحة، لا تحتاح إلى أداء آخر\". ومثل ذلك في سورة طه، عندما يفسر المقطع من قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ [طه: ٤٣ - ٤٨]. فإنه يقول: \"وعباراتها واضحة لا تحتاج أيضًا إلى أداء آخر\" وهذا كثير جدًّا في تفسيره.\nوهو كثيرًا ما يحيل القارئ في أكثر الآيات على كتب التفسير، وبخاصة الطبري والطبرسي والخازن والبغوي، وربما يرجح رأيًا مع أن الكتب التي أحال إليها ترجح رأيًا آخر. يظهر هذا مثلًا في تفسيره قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]، فإنه يرجح أن (من) معطوف على لفظ الجلالة، مستدلًا بالآية التي قبلها، وهي قول الله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ [الأنفال: ٦٢] مع أن المفسرين الذين أحال عليهم رجحوا غير هذا، وكذلك الآية الكريمة، تدل على أن الحسبية لله وحده، وهذا نص الآية: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾ (١). وهذا ما جاء في الآيات الكثيرة مثل ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ [الزمر: ٣٨]، ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ [التوبة: ١٢٩].\nوهذا أنموذج من تفسيره.\n_________\n(١) الطبري، ح ١٠.","vol":"3","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-820>سورة التكوير:</span>\nيقول: \"السورة فصلان: الأول في صدد يوم القيامة، وهول أعلامه وحساب الناس فيه ومصائرهم، والثاني في صدد توكيد صدق ما أخبر به النبي - ﷺ - من صلته بوحي الله وملكه، ونفي الجنون عنه وصلة الشيطان به. والفصلان على اختلاف موضوعيهما غير منفصلين عن بعضهما، والمرجح أنَّها نزلا متتابعين فوضع الواحد بعد الآخر\" (١).\nوبعد بيان معاني مفردات الفصل الأول، يقول: \"تشير الآيات إلى قيام القيامة أو اليوم الآخر، وما يكون حينذاك من انقلاب وتبدل في نواميس الكون كانمحاق ضوء الشمس وانطفاء النجوم وتسيير الجبال ... إلخ\"، ثم يقول تحت عنوان (تعليق على جملة \"إذا الصحف نُشِرَتْ\"): وبمناسبة آية ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (١٠)﴾ [التكوير: ١٠] نقول: إن هذا المعنى قد تكرر بأساليب متنوعة في القرآن، وقد ذكر في بعض الآيات أن لله على الناس مراقبين يكتبون ما يفعلونه، وأن ما يكتبونه هو صحف أعمال الناس، التي تنشر يوم القيامة وتوزع على أصحابها، وتعطى للناجين بأيمانهم وللخاسرين بشمالهم ... ولما كان الله ﷿ غنيًّا عن كلّ ذلك، لا يعزب عنه شيء، فالذي يتبادر منه - مع ما ينطوي فيه من حقيقة إيمانية، ومع دخول ذلك في نطاق قدرة الله - أنه بسبيل الإنذار والترهيب والوعيد بأسلوب من الأساليب، التي اعتادها الناس في الدنيا، من تسجيل الأحداث وإبراز التسجيلات في مقام الإثبات والإفحام ... وأن هذه الآيات وأمثالها من الوسائل التدعيمية التي يجب أن لا تتجاوز غايتها (٢).\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ١، ١٢٥.\n(٢) التفسير الحديث، ج ١، ص ١٢٥. ونحن لسنا مع المؤلف فيما ذهب إليه من أن هذه جاءت على أسلوب مما الله الناس في دنياهم، كما أنَّها ليست من الوسائل التدعيمية كما ذهب إليه.","vol":"3","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-821>رأيه في بعض مسائل التفسير:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-822>١ - فواتح السور:</span>\nيرجح السيد دروزة في تفسيره لفواتح السور - الحروف المقطعة - أنَّها جاءت للتنبيه واستدعاء السماع والأذهان لما يأتي بعدها، ويرى أن هذا القول أوجه ما قيل فيها، ومما يؤيد ذلك الترجيح والتوجيه عنده، هو اتباع بعض تلك الحروف بجمل قسمية. ولا يرى وجاهة في القول بأن تلك الحروف تنطوي على أسرار، أو أنَّها رمز إلى عدد آيات السور، بحجة أن ذلك ليس مما تحمله طبيعة مهمة النبي - ﷺ -، فضلًا على أن أمرًا بهذه الخطورة، لا يثبت إلا بدليل نقلي متواتر عن رسول الله - ﷺ -، حتى يفيدنا في ذلك العلم واليقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-823>رده القول برمزية الحروف:</span>\nويرد السيد دروزة على السيد نصوح الطاهر حول موضع \"أوائل السور في القرآن\"، من أنَّها تحمل سرًّا يرمز إلى عدد آيات السور. فيقول: \"ومن ينعم النظر فيها يرى تجوزًا وتلفيقًا بارزين في الحساب، وتسليمًا بروايات مدنية الآيات في السور المكية، ومكية الآيات في السور المدنية بدون سند وثيق، وعدم التسليم ببعضها بدون سند وثيق كذلك، لأجل الحساب والتطبيق. وهذا فضلًا عما يثيره هذا المذهب من إشكالات متنوعة، بعضها ذو خطورة شديدة. ومما يقوله السيد الطاهر أن الحروف في بعض السور، بل في معظمها، كانت ترمز إلى عدد آيات السور في مرحلة من المراحل، وقبل ترتيب آياتها نهائيًا، ثم أُضيف بعد هذه المرحلة إليها آيات أخرى، ومن السور المكية أضيف له آيات مدنية، ومن السور المدنية ما أضيف له آيات مكية، وأن من السور ما كان متداخلًا بعضه في بعض، فلما رتبت آيات السور اختل العدد الذي ترمز إليه الحروف في الحساب الأبجدي\" (١).\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ١، ٤١.","vol":"3","page":196},{"text":"ويرى السيد دروزة أن لا معنى للرمزية وقتئذٍ، بمجرد إضافة آيات أو فصول إلى سورة ما، وأن هذا الأمر لا يخلو من أحد أمرين خطيرين:\nأولهما: نسبة المخالفة إلى الرسول - ﷺ -، لكونه قد أخلّ بحكمة الرمزية الربانية، وحاشاه أن يفعل، أو لأنه لم يبين بعض ما أنزله الله عليه، وحاشاه أن يفعل.\nوالثاني: نسبة المخالفة إلى صحابته، والإخلال بالحكمة الرمزية الربانية وحاشاهم أن يفعلوا.\nيقول السيد دروزة: \"وهذا يعني أن إضافة آيات أو فصول إلى سورة ما مرموز فيها إلى عدد آياتها، في مرحلة من المراحل، قد أخلت بالرمزية وبالتالي قد أفقدتها حكمتها التي علمها الله، فإذا فرضنا أن ترتيب السور في صورتها النهائية، قد تم في حياة النبي - ﷺ - وأمره، وهو ما رجحناه في كتابنا \"القرآن المجيد\" استنادًا إلى دلائل وقرائن عديدة، فيكون النبي قد أخلّ بحكمة الرمزية الربانية، وحاشاه أن يفعل ... وإذا كان الترتيب قد تم بعد وفاته، على ما يقول به بعض العلماء، فيرد حينئذٍ سؤال عما إذا كان النبي، قد أخبر أصحابه بمفهوم الرمز؟ فإذا لم يكن قد أخبرهم به، فيكون قد خالف أمر الله، فلم يبين بعض ما أنزله الله عليه، وحاشاه أن يفعل. وإذا كان قد أخبرهم به فيكونون قد خالفوه، وأخلوا بحكمة الرمزية الربانية معًا، وحاشاهم أن يفعلوا. بقي هنا أمر وهو أن النبي لم يعرف مفهوم ورمزية الحروف، وظل هذا خفيًا على جميع الناس، إلى أن كشف عنه السيد الطاهر، ولا نظن أن هذا السيد يدعي ذلك\" اهـ (١).\nرحم الله الأستاذ دروزة وجزاه خيرًا فهو عن فيما ذهب إليه، وللأستاذ نصوح الطاهر - ﵀ - كبوات كثيرة في تفسيره الذي نحمد الله على أنه لم ينتشر بين القراء وقد أهدى منه نسخة إلى مجمع اللغة العربية الأردني.\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج، ص ٤١.","vol":"3","page":197},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-824>إيراده أقوالًا غير معتبرة في تفسير هذه الحروف:</span>\nويورد السيد دروزة أحيانًا أقوالًا لبعض المفسرين، حول تفسير بعض تلك الحروف، إلا أنه ينوه إلى الرأي الذي رجحه بخصوصها، ومثال ذلك قوله عند تفسير (ق): \"قال بعض المفسرين، إن (ق) اسم جبل. ومنهم من قال: إنه جبل أخضر محدق في الدنيا، ومنهم من قال: إنه اسم السورة، أو من أسماء الله، ومنهم من قال: إنه حرف مثل الحروف المفردة، التي بدئ بها كثير من السور للتنبيه والاسترعاء. ونحن نرجِّح هذا لأن القسم بالقرآن، أعقب حرف (ق) وهذا الأسلوب قد تكرر كثيرًا في هذه السور، بل هو الأغلب\" اهـ (١).\nويقول عند تفسيره لـ (ص): \"قال بعض المفسرين في حرف (ص): إنه بسبيل وصف صدق النبي. وقال بعضهم: إنه من أسماء الله الحسنى، وقال بعضهم: إنه حرف من أنواع الحروف المنفردة، التي بدئت بها السور الأخرى للاسترعاء، وهو ما نراه الأوجه. فقد أعقبه قسم بالقرآن، وهو الأسلوب الذي جرى عليه النظم القرآني في معظم مطالع السور المماثلة\" اهـ (٢).\nويقول عند تفسير (طس) النمل (٣): \"بدأت السورة بحرفي الطاء والسين، استرعاء للسمع، لما يأتي بعدهما على ما ذكرناه في أمثالها\" ويقول عند تفسير (الم) البقرة (٤): \"بدأت السورة بحروف الألف واللام والميم للاسترعاء والتنبيه. وقد أعقبت الحروف إشارة تنبيه وتنويه إلى القرآن، جريًا على الأسلوب القرآني في معظم السور المبدوءة بالحروف المقطعة\".\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ٢، ص ٢٧١. وهذه الروايات التي أوردها مع تهافتها يذكرها هو مع أنه يعيبها على المفسرين.\n(٢) التفسير الحديث، ج ٢، ص ٧١.\n(٣) التفسير الحديث، ج ٣، ص ١٥٢.\n(٤) التفسير الحديث، ج ٧، ص ١٥٧.","vol":"3","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-825>تعليله لكثرة الحروف أو قلتها:</span>\nويلاحظ في تفسير السيد دروزة لفواتح السور، أن تعدد هذه الحروف لا يقتضي تأويلًا جديدًا. ويعلل هذا التعدد أحيانًا تعليلًا طريفًا، كاتصاله بطول السور أو بقصد التنبيه إلى خطورة موضوعها. وهذا ما نراه عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿المص﴾ (١) الأعراف. حيث يقول: \" (المص) هذه السورة أولى السور التي تعددت حروف مطلعها المنفردة، حيث كانت السور التي قبلها من ذوات الحروف المنفردة، تبدأ بحرف واحد وهي: (ن) و(ق) و(ص) وتعدد الحروف لا يقتضي تأويلًا حديثًا لمثل هذا المطلع، الذي رجحناه أنه لاسترعاء الأسماع والأذهان في سياق سورة القلم. ولعل حكمة هذا التعدد متصلة بطول السورة، حيث هي أول السور الطويلة المكية نزولًا بل أطولها\" اهـ. وعند تفسيره لقوله تعالى: (كهيعص) يقول: \"بدأت السورة بأحرف خمسة مقطعة، وتعددت الأقوال فيها، ونختار منها قصد الاسترعاء والتنبيه. وقد يكون تعدد الحروف بقصد التنبيه إلى خطورة الموضوع\" اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-826>رد هذا التأويل:</span>\nوهكذا لا يخرج الأستاذ دروزة عن أقوال المفسرين في هذه الحروف. ونحن معه في رده على السيد نصوح الطاهر حول دعوى الرمزية الربانية، ولكنا نخالفه فيما ذهب إليه من أن حكمة تعدد الحروف المقطعة، يعود إلى طول السورة أو خطورة موضوعها. فهناك سورة البقرة التي هي أطول سور القرآن، بدأت بثلاثة أحرف (الم)، وهي ليست أقل خطورة في موضوعها من سورة مريم، التي بدأت بخمسة أحرف (كهيعص) وكذلك سورة الرعد بدأت بأربعة أحرف (المر)، وهي أقصر من غيرها من السور التي بدأت بثلاثة أحرف فحسب، فمثلها يونس وهود ويوسف التي بدأت بـ (الر). وهناك سورة غافر التي بدأت بحرفين (حم)، بينما بدأت سورة الشورى التي هي أقصر منها، وموضوعهما يكاد يكون واحدًا، بخمسة أحرف (حم عسق).\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ٢، ص ١١٤.","vol":"3","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-827>٢ - المفسر والآيات الكونية:</span>\nيشرح لنا السيد دروزة نهجه في تفسير الآيات الكونية، مبينًا أن الإسهاب فيما أوجز فيه القرآن، لا يدخل في غرض التفسير، فواجبنا أن نقف عند ما وقف عنده القرآن، أو الآثار النبوية الثابتة، بدون توسع وتزيد، لا طائل من ورائهما ويرى أن موضوعات بعض هذه الآيات، من المغيبات التي لا تصح إلا بأحاديث قطعية، متواترة تفيد العلم واليقين، ويعيب على الذين يميلون إلى استنباط الأسرار والفنون من القرآن، والتوفيق بينه وبين النظريات العلمية والفنية، ويرى في مذهبهم إغراقًا في التكلف والتزيد، بل والغلو، أكثر منه في نطاق الحقيقة، ويرى في مثل هذه المحاولات إخراجًا للقرآن الكريم، عن هدفه الوعظي والتذكيري، وتعريضًا له للتعديل والجرح، اللذين يرافقان عادة الأبحاث العلمية، على غير طائل ولا ضرورة، ويبين أن كتب التفسير احتوت بيانات وأقوالًا، حول ماهية بعض المغيبات وأن هذه البيانات والأقوال ترجع إلى أسفار غير وثيقة، أو أخبار مقطوعة، لم تصل في سندها إلى رسول اللهﷺ -، فيستأنس بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>نماذج من هذا التفسير:</span>\nوالشاهد على تفصيل هذا المنهج من تفسيره، يبدو جليًّا عند تناوله لسورة اللَّيل حيث يقول: \"أما ماهية الطير والحجارة، فقد ذكر المفسرون القدماء في صددها أقوالًا، تجعل الحادث في نطاق الخوارق والمعجزات، ورووا فيما رووه أن مرضي الحصبة والجدري، ظهرا لأول مرة في الحجاز عقب الحادث، كأنما يريدون أن يقولوا بأن الطير رماهم بحجارة أصيبوا منها بأحد المرضين ... وقد أوَّل الإمام محمد عبده، بأن الحجارة كانت ملقحة بجرثومة الجدري، ولسنا نرى كبير طائل في تحقيق ماهية الحادث لذاته، لأنه خارج عن نطاق الهدف القرآني، ولكنا نقول: إن حرفية آيات السورة وظاهرها على كل حال، في جانب كون الحادث بلاءً ربانيًا خارقًا\".\nوعند تناوله لآيات سورة النور، يعلق على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ","vol":"3","page":200},{"text":"(٤١) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾ [النور: ٤١ - ٤٣]، فيقول (١): \"والمتبادر كذلك، أن ما احتوته الآيات من نواميس كونية وتكوينية، هو ما يقع تحت مشاهدات الناس ومداركهم، وأن القصد من ذلك هو إثارة الاعتبار فيهم وجعلهم يعترفون بعظمة الله وقدرته ويخضعون له، وليس بسبيل شرح تلك النواميس شرحًا فنيًا إن صح التعبير. ومن الواجب أن يبقى هدف الآيات في هذا النطاق، على ما نبهنا عليه في المناسبات المماثلة الكثيرة\" اهـ.\nويعيب ما اعتاده بعضهم، من محاولة استنباط النظريات العلمية من آيات القرآن، في معرض حديثه عن آية (٢) ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾ [يس: ٣٣] والآيات التالية لها، فيقول: \"ولقد جرى بعض المفسرين والباحثين قديمًا وحديثًا، على الوقوف عند هذه الآيات وأمثالها، لاستنباط قواعد فنية كونية منها، أو تطبيق نظريات علمية عليها، وبخاصة في صدد حركات الشمس والقمر، وتعاقب الليل والنهار، والإدلاء بآراء متنوعة، هي أدخل في نطاق التكلف والتزيد بل والغلو أكثر منها في نطاق الحقيقة، في حين أن الآيات في مجموعها وأسلوبها وروحها، تحمل الدليل على أن القصد منها هو لفت نظر الناس جميعًا، بأسلوب يفهمونه، على ما يشاهدونه من مظاهر قدرة الله، وكونه كما هو الشأن في جميع الآيات المماثلة، بقطع النظر عما أقام الله سبحانه الكون عليه من نواميس ونسب، وقواعد دقيقة محكمة النظام مطردة السير والجريان، ونحن نرى في مثل هذه الحاولات إخراجًا للقرآن الكريم عن هدفه الوعظي والتذكيري،\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ١٠، ص ٦٣.\n(٢) التفسير الحديث، ج ٢، ص ٢٢٢.","vol":"3","page":201},{"text":"وتعريضًا له للتعديل والجرح، اللذين يرافقان عادة الأبحاث العلمية على غير طائل ولا ضرورة\".\nوفي معرض تعليقه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢]، وما بعده من سورة المؤمنون (١)، على ما أورده المفسرون من بيانات، نسبوها إلى بعض الصحابة والتابعين، عن كيفية استلال قطعة الطين، وإرسال جبريل ثم ميكائيل ثم عزرائيل إلى الأرض لهذه المهمة يقول: \"فيها الغريب والعجيب وليس لما أوردوه سند وثيق، الموضوع من المغيبات التي لا تصح إلا بمثل ذلك\".\nويعود بعدها للتعليق على الذين يميلون إلى استنباط الأسرار والفنون من القرآن، والتوفيق بينه وبين النظريات العلمية والفنية والذين يحاولون أن يستدلوا من هذه الآيات، على كون الإنسان إنما صار إنسانًا، بعد سلسلة طويلة جدًّا من التحولات، بدأت من نشوء الحياة من الماء والطين فيقول: \"ونرى في هذا تكلفًا وتحميلًا للعبارة غير ما تحتمل\" (٢) ثم يؤكد أولوية الوقوف عند ما وقف عنده القرآن، فيقول: \"وإن الأولى الوقوف منها عند ما وقف عنده القرآن مع ملاحظة هذا الهدف البارز فيها، وأنه لا طائل من التزيد والتخمين وتحميل العبارة غير ما تحتمل، ونرى ذلك إخراجًا للقرآن من نطاق قدسيته وأهدافه كما رأينا في كل الشؤون المماثلة\".\nوفي معرض تعليقه على موضوع خلق السموات والأرض يقول (٣): \"هذا ولقد احتوت كتب التفسير بيانات، في سياق تفسير هذه السورة والسور الأخرى التي ورد فيها موضوع خلق السموات والأرض، في صدد ماهية الأرض والسموات، وصلة بعضهن ببعض، والمسافات التي تفصل بين كل سماء وأخرى،\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ٦، ص ١٩٣.\n(٢) التفسير الحديث، ج ٦، ص ١٩٣.\n(٣) التفسير الحديث، ج ٢، ص ٤٥.","vol":"3","page":202},{"text":"فيها كثير من التزيد، ومعظمها غير مستند إلى أسفار وثيقة، ويفيد ما لا ينطبق على ما هو معروف علميًّا\".\nوكذلك قوله عند تعليقه على آية ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ [السجدة: ٥] (١): \"يمكن أن يتبادر منها، أنها قد جاءت للتقريب إلى الأذهان، التي اعتادت أن تقيس الأمور بالحركات والأبعاد والأيام\".\nويعلق على موضوع خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام في آية ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾ [ق: ٣٨] فيقول (٢): \"إن الإشارات القرآنية، تلهم أن من مقاصدها، التذكير بقدرة الله وعظمته، أكثر من قصد تقرير المدة والكيفيات لذاتها. وفي الآية التي نحن بصددها، وفي آيات سورة فصلت التي أوردناها دليل قوي على ذلك\".\nوهو يرى من كل ما تقدم، أن ما ورد في آيات كان بسبيل التقريب والتمثيل (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-829>تعليقنا على هذا المنهج:</span>\nمن استعراض تلك النماذج، ندرك أن المفسر قد وقع في أخطاء ومنزلقات لا تقل عن تلك التي عاب بها، فإنه يكتب وهناك فكرة تسيطر عليه وهي: أن القرآن، لم يأتِ بفهم جديد على أفهام العرب ومدركاتها. وإذن فكل ما قرره القرآن إنما هو على سبيل الوعظ أولًا، وليس لتقرير الحقائق الكونية وبيان نواميسها، ثانيًا. وأنه جاء على سبيل التقريب والتمثيل ثالثًا. وتلك أمور تحمل في طياتها أخطارًا جسيمة وأغلاطًا منهجية. ذلك لأن المنهج القرآني في تقرير الحقائق إنما هو منهج سماوي،\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ١١، ص ٢٢٢.\n(٢) التفسير الحديث، ج ٢، ص ٤٤.\n(٣) التفسير الحديث، ج ٥، ص ٣٧.","vol":"3","page":203},{"text":"يقوم على ركائز الحق والصدق والواقعية ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)﴾ [الإسراء: ١٠٥].\nوكونه كتاب موعظة، مبينًا فيه عظمة الله وقدرته، وأنه تعالى مستحق للعبادة، كل هذا لا يعني أنه ليس بصدد تقرير الحقائق الثابتة بل إنه يستلزم أن تكون مقرراته حقائق ثابتة، ذلك أنه كتاب الله للإنسان ما دامت الحياة، وليس كتابًا يناسب أفهام الذين نزل في عصرهم فحسب، كما ادعى مفسرنا، وهذا من أبواب إعجازه.\nثم لا أدري كيف طاوعته يده، أن يكتب تلك الكلمات، واصفًا ما جاءت به الآيات، بأنه على سبيل التقريب والتمثيل والتذكير بقدرته تعالى وعظمته، أكثر من قصد تقرير المدة والكيفيات لذاتها. لأن ما قاله لا يشترط لسرد هذه الأعداد، وتلك الكيفيات، وهذه الاحتمالات، كان السيد دروزة في غنى عنها، ما دام يقدم عليها أو يتبعها بوجوب الإيمان بكل ما جاء في القرآن مما فهمنا كنهه أو لم نفهم، وهذا هو صميم منهجه كما يدعي.\nإذن فما معنى هذه التقريرات والاحتمالات، إلا أنها ضرب من التزيد، الذي كان صاحبنا في غنى عنه! ! هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن في هذه الكلمات، فقدانًا للحكمة فيما جاء به النص القرآني، من صور وأعداد وحقائق، مثل ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] و﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] و﴿سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤] وغيرها كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-830>٣ - رأيه في السحر:</span>\nأما رأيه في السحر، فهو يذكر أن سورة الفلق، قد قررت شرًّا للنفاثات أو الحاسد، فيقول (١): \"وننبه على أن السورة، ليست بسبيل تقرير قدرة النفاثات في العقد، على إرادة النفع والضرر، ولا تأثير الحاسد في المال والنفس والولد\". ويحاول أن يدفع القول بمدنية هذه السورة، ويقول في الأحاديث الواردة في صدد سحر\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ٢، ص ١٩٨.","vol":"3","page":204},{"text":"صنعه يهودي في المدينة، للنبي - ﷺ -، وما كان من أثره فيه \"أثارت هذه الأحاديث جدلًا، فيما إذا كان للسحر تأثير حقيقي في النبي - ﷺ -، وفيما إذا كان هذا يتفق مع العصمة النبوية، حيث يكون إمكان لصدور شيء من النبي - ﷺ -، لا يكون وحيًا ولا صوابًا\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-831>٤ - المفسر والمتشابه:</span>\nعرفنا مما سبق أن السيد دروزة، يرى في كلمة ﴿مُحْكَمَاتٌ﴾، أنها تعني الآيات التي فيها أهداف الدعوة وأسسها ومبادؤها المحكمة التي لا مجال فيها للتأويل والتمحل والاشتباه والأخذ والرد، كالآيات التي تقرر وحدانية الله وشمول ربوبيته وكمال صفاته وتنزهه عن آية شائبة، وتسفه الشرك وما لا يليق بالله من ولد ومعين ومساعد، وكالآيات التي تبين الحلال والحرام، وما يجب التخلق به من فاضل الأخلاق الاجتماعية والشخصية، وما يجب اجتنابه من رذيل الأخلاق وسيئها، وتشرع ما يقتضي تشريعه من أمور الدين والدنيا (١).\nويرى أن كلمة ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ تعني \"ما يمكن أن يشتبه في لفظه أو مدلوله على الأفهام ويكون فيه مجال للتحمل والجدل\" (٢). ويقيس على هذا كثيرًا مما جاء في القرآن، \"من تشبيهات وتمثيلات وتعبيرات أسلوبية في صدد صفات الله وحركاته وأعضائه ولوحه وكرسيه وعرشه وكونه، وفي صدد صفات الجنة والنار ومشاهد الآخرة والملائكة والقصص والمعجزات والجان والشياطين ... إلخ\". ويرى في هذا وسائل لتدعيم المحكم في القرآن على مختلف أنواعه وحدوده.\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ٨، ص ٧٧، عند تعليقه على آية ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧].\n(٢) التفسير الحديث، ج ٨، ص ٧٨.","vol":"3","page":205},{"text":"فالذي نلاحظه من تحديد مفهوم كلمتي ﴿مُحْكَمَاتٌ﴾ و﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ عند السيد دروزة، أنه يحاول أن لا يقف فيهما عندما ورد من أقوال العلماء، بل تجده جمع بين أكثر هذه الأقوال، وأضاف إليها من عنده، ورد بعضها الآخر الذي لا يجد فيه وجاهة رأي، كما يزعم ويعرف القرآن بعد ذلك بأنه \"محتوٍ نوعين من المجموعات والفصول، واحد محكم أساسًا وجوهرًا، وآخر بمثابة الوسائل والتدعيم، يحتمل أن يكون بأساليب تشبيهية وتمثيلية وترغيبية وقصصية وتذكيرية وحجاجية وتنويهية وتأنيبية وما في نطاق الغيبيات، ويحتمل أن تتعدد وجوه تأويله\" (١).\nوالذي يلفت الانتباه أن الأستاذ دروزة -﵀- الذي يعتمد في تفسيره على ما وجده في خزانة الآستانة من كتب التفسير، لم يحط علمًا بجميع أقوال العلماء، ويزعم أنه لم يجد من أقوالهم موافقًا لهذا التقسيم للمحتوى القرآني، فنجده يقول: \"وفي هذا فيما نعتقد قول حاسم يجب الوقوف عنده، وفيه بسبيل التعريف بالقرآن ما فيه، من قوة وروعة وحكمة وتلقين، ونسأل الله أن يكون فيما نقرره الصواب والسداد ونستغفره إن كنا مخطئين\" (٢).\nهذا وعند تناوله لآيات المتشابه، نجده ينوه بجدارة الأخذ برأي السلف من أهل السنّة \"وهو عدم البحث والجدل في الماهية والكيفية، مع تنزيه الله سبحانه عن الجسمانية والجهة والحدود، والحاجة إلى أي شيء، والمماثلة لخلقه في أي شيء، عملًا بالضابط القرآني المحكم، هو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] \" (٣). ويذكر أن الألفاظ والصفات التي تنسب إلى الله سبحانه: الأعضاء الجارحة والحواس ووظائفها، من المواضيع الجدلية بين علماء الكلام. ويرى في إثبات بعضهم الجارحة لله سبحانه، تزيدًا في التأويل لا يحتمله سياق الآيات القرآنية وروح التعبير فيها،\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ٨، ص ٧٨.\n(٢) التفسير الحديث، ج ٨، ص ٧٨.\n(٣) التفسير الحديث، ج ١، ص ٥٦.","vol":"3","page":206},{"text":"ويرى أنه أريد بكل هذه الألفاظ \"اتصاف الله بكل الصفات الكاملة، التي تفيد القدرة والإحاطة\" (١). ويقول بأنها استعملت \"في معرض الدلالة على ذلك، لأنها تخاطب الناس حسب مألوفاتهم، مما اعتادوه أو تصوروه من صور وأشكال، بقصد التقريب للأذهان\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>نماذج من التفسير:</span>\nعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢] يقول: \"كناية عن وقت اشتداد الخطب، حيث كان من عادة العرب، إذا اشتدت معركة الحرب، أن يكشفوا عن سيقانهم. وهنا يعني يوم القيمة واشتداد الخطب فيه\" (٣).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: ٢٢ - ٢٣]. يقول: \"يقف الله لمحاسبة الناس والملائكة من حوله صفوفًا، وتهيأ جهنم لمستحقيها\"ـ. ويقول كذلك: \"الله منزه عن مفهوم المجيء والرواح والوقوف والجلوس، وغير ذلك من أفعال الخلق وصفاتهم\" (٤). ويقول عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] ولقد كان تعبير ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ موضوع أقوال، تتصل بعلم الكلام وصفات الله، من حيث نسبة الجوارح إلى الله تعالى، ولسنا نرى التعبير والسياق يتحملان ذلك، فقد قصد به كما هو المتبادر، شدة التوكيد على خطورة العهد والبيعة، وكون الله تعالى شاهدًا عليهما، استهدافًا لقوة التلقين، الذي أريد بثه في نفوس المسلمين (٥).\n_________\n(١) المرجع السابق.\n(٢) وليس هذا هو رأي السلف الذي يدعو إليه الأستاذ دروزة ﵀.\n(٣) التفسير الحديث، ج ١، ص ٥٦.\n(٤) التفسير الحديث، ج ١، ١٥٥ - ١٥٦.\n(٥) التفسير الحديث، ج ١٠، ص ١٩٣ - ١٩٤.","vol":"3","page":207},{"text":"ويجدر بنا أن نقف عند تفسيره لتعبير -وجه الله- في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وفي قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. يقول في تفسير سورة القصص \"روح التعبير هنا يفيد أن المقصود به ذات الله تعالى، ولا يتحمل جدلًا فيما نعتقد\" (١)، وفي سورة الرحمن يقول \"وتعبير، وجه ربك بمعنى ذات الله ﷿، وهو تعبير أسلوبي مألوف في المخاطبات البشرية التي نزل القرآن بأسلوبها\" (٢).\nومما يقوله في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥]: \"ولقد تعددت الأقوال في صدد الكرسي، كما هو الأمر في صدد العرش واللوح والقلم، ومنها ما جاء فيه أوصاف مادية، لا تخلو من غرابة، ولا تنسجم مع صفات الله وتنزهه، وليست متصلة بحديث نبوي وثيق السند. وأظهر الأقوال وأكثرها انسجامًا مع صفات الله، أن الكلمة مستعملة على سبيل المجاز، وأن المقصود منها بيان عظمة ملك الله وسلطانه والله أعلم\" (٣).\nوعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:]، يقول في صدد الاستواء: \"إن أصل معناه تساوي الشيء واستقامته واعتداله، وقد تطلق الجملة من قبيل المجاز، فتكون بمعنى التملك بالنسبة للملك، أكثر منها بمعنى الجلوس على العرش أو الكرسي\" (٤).\nويورد قول ابن كثير في وجوب السير في طريق السلف الصالح، بالمرور بالجملة من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، وملاحظة كون الله لا يشبهه شيء من خلقه،\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ٣، ص ٢١٢.\n(٢) التفسير الحديث، ج ٧، ص ١٣٥.\n(٣) التفسير الحديث، ج ٧، ص ٣٨٢. ويقصد بالأقوال الواردة في الخازن وابن كثير والزمخشري والطبري والطبرسي.\n(٤) التفسير الحديث، ج ٢، ص ١٣٨.","vol":"3","page":208},{"text":"وقول البغوي بأن المعتزلة أولت الاستواء بالاستيلاء، وأهل السنّة فسروه بأنه صفة وصف الله بها نفسه، فتؤخذ بالإيمان بلا كيف ولا تشبيه، كما يورد قول السيد رشيد رضا بعدم اشتباه معنى -استواء الرب تعالى على العرش- على أذهان الصحابة، مع علمهم تنزيهه سبحانه عن صفات البشر وغيرهم من الخلق، وأنهم كانوا يفهمون استواء الله تعالى على عرشه، عبارة عن استقامة أمر ملك السموات والأرض له وانفراده هو بتدبيره، ثم تجد بعد كل هذا الأستاذ دروزة يعود إلى القول بأن \"هذا من الأمور المغيبة التي أخبر الله تعالى عنها بالعبارة التي اقتضتها حكمة التنزيل، ومن الواجب الإيمان بما جاء في القرآن، مع تنزيه الله ﷿، عن الحدود والجسمانية والمشابهة، التي يقتضيها تأويل العرش بالمادية والجلوس الجسماني عليه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-833>رأينا في هذا المنهج:</span>\nمن خلال العرض، يظهر لنا أن المفسر، لم يستطع إقناع القارئ، أو إطلاعه على الفرق بين مذهب السلف والخلف، فهو سلفي تارة، مؤول تارة فأحيانًا نجده يدعي مجازية الكلمات، وأحيانًا يقول بوجوب الوقوف عند ظاهر النص.\nوإن ما يدعو للدهشة والاستغراب أكثر من هذا كله، ذلك التفسير المعوج للمحكم والمتشابه بالأسس والوسائل، وهو التفسير الذي يرتضيه، ولم يجد أحدًا قال به بينما ادعاه فيما تقدم لصاحب المنار.\nونرى في تحديده لمعنى الوجه بأنه الذات، خروجًا على مذهب السلف الذين يقولون \"الوجه صفة نثبتها لله تعالى، ولا نسأل عن كيفيتها ولا تأويلها بعد تنزيهه ﷿ عن الجارحة\". فهو يبني هنا على مذهب الخلف القائلين بالتأويل وتعيين المراد في مثل ذلك، ونحن نستغرب من الأستاذ دروزة الذي يصرح بتبني قول السلف أن يقول: \"بأنه لا يصح أن يكون في كتاب الله ما لا يعرف تأويله وما لا يفهمه أحد\"،\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ٧، ص ١٣٩.","vol":"3","page":209},{"text":"وهو رأي الإمام ابن تيمية، كما يقول الأستاذ دروزة، ولذلك نجده يفسر قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ٧] بأن \"الواو واو عطف وأن التعبير يفيد أن الراسخين في العلم هم الذين يعرفون تأويله أيضًا\" (١).\nوإن كان لنا مأخذ على الشيخ ﵀، فهو عدم التزامه بمذهب معين فتارة يؤول وتارة يعدها من قبيل المجاز، وتارة يقول بمذهب السلف، وقد يرجع هذا إلى عدم تضلع الشيخ ﵀ في القضايا الكلامية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-834>٥ - آيات الأحكام:</span>\nيتناول الأستاذ محمد عزة دروزة آيات الأحكام بالتفسير، فيبسط معناها أحيانًا، وأحيانًا لا يرى ذلك، إذا ما وجدها لا تحتاج إلى أداء آخر حسب تعبيره، وهو في تناوله للآيات نراه -كغيره من المفسرين- يراعي التدرج الزمني في التشريع، ومكان آية كذا من تشريع كذا، وهل هي سابقة لآية كذا، أم لاحقة لها في بيان الأحكام. فمثلًا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] يقول: \"ولقد ورد في سورة النساء خطوة أولى في صدد الزناة على ما مر شرحه. والمتبادر أن حكمة التنزيل اقتضت أن تكون الخطوة الأولى ما ورد في تلك السورة، وأن الوقت قد حان للخطوة الثانية التي احتوتها الآية الثانية، ولعل أحداثًا وقعت فكان ذلك المناسبة ولقد كان النساء اللاتي يأتين الفاحشة يُحبَسن في بيوتهن وفقًا للخطوة الأولى إلى أن يتوفاهن الموت، أو يجعل الله لهن سبيلًا بناءً على ما جاء في آيتي النساء (١٥ و١٦)، ومن المحتمل أنه صار شيء من الحرج في صدد ذلك، وقد روى حديث نبوي سنورد نصه جاء فيه\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ٨، ص ٧٩ - ٨٠.","vol":"3","page":210},{"text":"\"خذوها عني خذوها عني قد جعل الله لهن سبيلًا ... \" (١) مما قد يكون فيه تفسير أو تأييد لما نقول\" (٢).\nونراه أحيانًا يورد الأحاديث والآثار التي تشرح النص القرآني، وتوضح متضمناته من الأحكام. فمثلًا عند تفسيره لآيات الزنا في أول سورة النور، يورد أكثر من عشرة أحاديث وردت عن رسول الله - ﷺ - ليعود بعد ذلك إلى التوفيق بين هذه الأحاديث ومتضمن النص القرآني. وهنا نرى العجب والغرابة من الأستاذ المفسر، حيث يقرر أن قوله - ﷺ -: \"خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم \"قد صدر قبل نزول آية النور، بإلهام رباني، للإجابة على سؤال، أو رفع الحرج وإنهائه عن إمساك النساء اللاتي يأتين الفاحشة في البيوت، حتى يتوفاهن الموت، إذ لا حكمة -كما يقول الأستاذ دروزة- في صدور هذا الحديث، في الوقت نفسه الذي نزلت فيه الآية، لأنها احتوت الحكم الموعود، فلا تفهم حكمة الزيادة على ما احتوته، ولا تفهم حكمة صدوره بعبارته المروية بعد نزول الآية، لأن ما أريد التنبيه عليه قد نزل قرآنًا. لسنا مع الأستاذ ﵀، فهذا مخالف للفظ الحديث \"خذوا عني\" فمعنى هذا أن هذا الحديث قد ورد بعد نزول سورة النور وهذا ما أجمع عليه المفسرون.\nويقول بعد ذلك \"فإذا صح ما نقول، تكون الآية قد نسخت من التشريع النبوي السابق عليها، ما زاد على ما احتوته من تشريع عام للزناة إطلاقًا، بدون تفريق بين محصنين وأبكار وهو جلد مائة\" ولكنه يستدرك مقررًا أن حكم الرجم للمُحصنين، قد سنّه رسول الله - ﷺ -، وأمر بتنفيذه، بعد نزول سورة النور، ومات دون أن ينسخ ذلك الحكم، وهذا الذي جعل صحابته -﵃ - يرجمون من بعده، كما\n_________\n(١) الصواب: خذوا عني خذوا عني ...\n(٢) التفسير الحديث، ج ١٠، ص ٦ - ١٠.","vol":"3","page":211},{"text":"جاء في حديث عمر الذي رواه الخمسة \"رجم رسول الله ورجمنا بعده\". وأجمع بذلك أئمة الفقه على أن الرجم حكم الزناة المحصنين.\nوعند تفسيره لآيات السرقة (١)، كذلك يورد أحاديث تدلل على تشدد النبي - ﷺ - في موضوع السرقة وإقامة حدّها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-835>ذكره تفريعات في تفسير آيات الأحكام وادعاؤه أن العلماء لم يتطرقوا إليها:</span>\nوتجد الأستاذ دروزة يذكر الخلافات الفقهية في كثير من المسائل، التي تعرض أصولها في آيات الأحكام، ويذكر حالات محتملة الوقوع، وتفريعات أخرى لكثير من المسائل، كما هو الحال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ يقول الأستاذ دروزة (٢): \"وهناك حالات محتملة الوقوع لم نقع على قول فيها فيما اطلعنا عليه، منها زنا المتزوج بالبكر أوالثيب غير المتزوجة، كأن تكون أرملة أو مطلقة، ومنها زنا المتزوج بامرأة متزوجة\" (٣). ويذكر كذلك لواط المتزوج وغير المتزوج بالذكر، وحالة الإكراه وإتيان البهيمة.\nوكذلك الحال عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ...﴾ [المجادلة: ١] نجده (٤) يذكر بعض التعليقات والتفريعات حول مسألة الظهار، مما ينسب إلى ابن عباس وإلى بعض التابعين وإلى الأئمة أبي حنيفة\n_________\n(١) ج ١١، ص ٩٩.\n(٢) ج ١٠، ص ١٢.\n(٣) مع أن كتب الحديث والتفسير لم تغفل الحالات التي لم يطلع الأستاذ دروزة على قول فيها، فحديث أنيس الذي أخرجه البخاري، يبين بعض هذه المسائل، وحكم الثيب ذكره الفقهاء وذكره صاحب المنار.\n(٤) ج ١٠، ص ٩٧.","vol":"3","page":212},{"text":"والشافعي والحنبلي (١) والمالكي وأبي يوسف، فيوجز تسع تعليقات وتفريعات، مما يتصل بفحوى الآيات.\nوكذلك الحال عند تفسيره لآيات السرقة (٢)، يوجز بعض البيانات المتنوعة، التي وردت في كتب التفسير، كالطبري والبغوي والخازن وابن كثير وغيرهم، ثم هو لا يترك هذه البيانات والتفريعات، من غير تعليق عليها، بما يعن له على البال، أو توجيه لما يراه مناسبًا، من غير أن يلتزم مذهبًا معينًا (حسب عبارته).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>ضعفه في أدوات التفسير:</span>\nإلا أننا نقول: إن الأستاذ دروزة في تفريعاته واختصاراته، ونقله عن المفسرين والفقهاء، يزيد في مساحة نقله للعنصر الأثري دون تمييزه، الأمر الذي يدلل على أنه يفقد عنصرين أساسيين وهما: معرفته بفنون الحديث، والملكة الفقهية الذاتية، وهما من مستلزمات المفسر للقرآن الكريم.\nفها هو يذكر لنا حديثين متناقضين في صدد إتيان البهيمة، وهي من الحالات المحتملة الوقوع، التي يقول: إنه لم يقع على قول فيها فيما اطلع عليه، يقول الأستاذ دروزة (٣): \"ومن قبيل الاستطراد نذكر أن هناك حديثين متناقضين في صدد إتيان البهيمة رواهما أبو داود والترمذي عن ابن عباس. جاء في أحدهما: (أن النبي - ﷺ - قال: من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه\" وسأل الراوي ابن عباس ما شأن البهيمة؟ فقال له: \"ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يؤكل لحمها، وقد عمل بها هذا العمل\".\nوفي ثانيهما: أن ابن عباس قال: \"ليس على الذي يأتي البهيمة حد\".\n_________\n(١) هذا مع كل أسف تعبيره.\n(٢) ج ١١، ص ٩٩.\n(٣) ج ١٠، ص ١٢.","vol":"3","page":213},{"text":"ويقف الأستاذ دروزة عند هذا الحد، الذي يدع فيه القارئ في دوامة النصوص والآثار، دون أن يرجح القوي ويكشف عن الضعيف، فهو لم يكلف نفسه عناء البحث عنها كغيرها في مظان الحديث الشريف، لينقل للقارئ ما يقوله أبو داود والترمذي عن هذين الحديثين، ولو نقل للقارئ ذلك، لكان أدى أمانة البحث العلمي.\nوقد قال أبو داود عن الحديث الأول \"ليس هذا بالقوي\" (١)، وقال عنه أبو عيسى الترمذي: \"هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -\" (٢). ويقول أبو عيسى عن الحديث الثاني: \"وهذا أصح من الحديث الأول، والعمل على هذا عند أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق\" (٣). وقال أبو داود في صدد الحديث الثاني، الذي يرويه عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس: \"حديثُ عاصم يُضَعِّفُ حديثَ عَمرو بن أبي عمرو\" (٤).\nهذا ومن الانزلاقات الفقهية التي يجدر بنا أن ننبه عليها، هو ما وقع فيه الأستاذ دروزة عند بيانه لآيات ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ...﴾ [النساء: ١١] والآيات الثلاث التالية لها (٥)، حيث يقول: \"الفقرة الخامسة: إذا كان للميت والدان، وليس له أولاد وله إخوة، فلوالده الثلثان ولأمه السدس ولإخوته السدس\". ولا ندري كيف بدأ الأستاذ دروزة يستنتج ذلك، والنص القرآني واضح العبارة، إذ يقول ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١]. فمفهوم هذه المسألة التي عدَّد الأستاذ دروزة أفرادها، أن الإخوة محجوبون بالأب، والسدس يعود على أبيهم. وهذا هو رأي\n_________\n(١) سنن أبي داود، ج ٢، ص ٤٦٨ - ٤٦٩، الحديث ٤٤٦٤.\n(٢) سنن الترمذي، ج ٥، ص ١٥١ - ٢٥٢، الحديث ١٤٥٥.\n(٣) المرجع السابق.\n(٤) سنن أبي داود، ج ٢، ص ٤٦٨ - ٤٦٩، الحديث ٤٤٦٥.\n(٥) ج ٩، ص ٢٥.","vol":"3","page":214},{"text":"الجمهور، إلا أن ما ذكره هو خلاف لابن عباس -﵂ -، مع أن المؤلف لم يشر إلى ذلك مطلقًا.\nوأحيانًا نراه يورد الأحاديث والآثار، ويعقب عليها بألفاظ احتمالية كقوله: \"ومما ذكره الخازن أن لا قطع على سرقة مال للسارق فيه شبهة حق، كالولد يسرق مال أبيه، أو الوالد من مال ابنه، أو العبد من مال سيده أوالشريك من مال شريكه\". ولم يذكر المفسر سندًا لقوله، ولم نرَ مفسرًا آخر ذكر ذلك، ويجوز أن يكون هذا عملًا بالقاعدة الشرعية المشهورة (ادرؤوا الحدود بالشبهات)، أو كون العمل لا يتصف بوصف السرقة المشهورة، وقد لا يخلو القول من وجاهة ذلك ... وقوله (١) في الفقرة الثانية عشرة \"واختلف في ما إذا كان القطع يسقط الغرامة عن السارق، فقال بعضهم: إنه يسقطها، آخذًا بظاهر الآية وإطلاقها، وقال بعضهم: إنه لا يسقطها. وفي الفقرة السابعة حديث نبوي، يقرر الغرامة على من أخذ من ثمر البستان، في إزار أو وعاء فوق ما أكله، ويقررها على من سرق دون ثمن المجن، وقد يكون في هذا الحديث ما يدعم القول الثاني، حيث يبدو أن قائليه عدّوا القطع عقوبة على الجناية، وعدوا المسروق حقًّا لصاحبه يجب رده إليه، عينًا إذا وجده أو قيمة، وهناك من توسط بين القولين فقال: إذا وجد عين المسروق أو شيء منه، وجب أخذه ورده إلى صاحبه. ونرى القول الثاني هو الأوجه، إذا كان هناك إمكان لتنفيذه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-837>اضطراب يشوش على القراء:</span>\nومثل ذلك نراه يترك القارئ في تيه وحيرة واضطراب، دون أن يعرف أي الأقوال أوجه من غيرها، ففي الفقرة الحادية عشرة نجده يورد اختلاف العلماء في تكرر القطع، بتكرر الجرم، على ثلاثة أقوال:\n_________\n(١) ج ١١، ص ١٠٣.","vol":"3","page":215},{"text":"القول الأول: من قال بقطع اليد اليمنى في المرة الأولى، والرجل اليسرى في الثانية، واليد اليسرى في الثالثة، والرجل اليمنى في الرابعة، ثم يعزر ويحبس. مستدلين بحديث رواه البغوي جاء فيه \"إن سرق فاقطعوا يده، ثم سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله\".\nالقول الثاني: هو قطع اليد اليمنى في المرة الأولى، والرجل اليسرى في المرة الثانية، فإذا تكرر حبس وعزر، ولم يورد قائلو هذا القول سندًا.\nالقول الثالث: الاكتفاء بقطع اليد اليمنى في المرة الأولى، فإذا تكرر حبس وعزر.\nفيقول بعد أن يورد هذه الأقوال ما نصه: \"ويبدو من هذا أن أصحاب القولين الأولين، لم يثبت عندهم الذي رواه البغوي، وأن أصحاب القول الثالث أخذوا بالآية التي تأمر بقطع يد السارق. ويلحظ أن قطع الأيدي والأرجل من خلاف، إنما جعل عقوبة للمحاربين المفسدين، وأن تعيين عقوبة خاصة للسارق، هو بسبيل إبراز الفرق بين عقوبته وعقوبة المحارب المفسد، بحيث يمكن أن يقال: إنه لا يصح أن يقاس السارق العادي بالحارب المفسد، وإن القول الثالث هو الأوجه، إلا أن يقال: إن تكرار إقدام السارق على السرقة يجعله في حكم المحارب المفسد، ثم يؤخذ بحديث البغوي، والله أعلم\".\nفهو كما نراه قد ترك القارئ دون أن يبين له عن وجه الصواب. هذا إلى جانب أن الأستاذ دروزة يفقد عنصر الدقة في التعبير أحيانًا، وهذا قد يصل معه إلى حد يجعله، يتلبس بانزلاقات فقهية، ما كانت لتصدر عن عالم مفسر جليل، فنراه عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية (١)، يدعي اتفاق العلماء إجماعًا بأن وجه المرأة ويديها ليس عورة، ثم ينفيه عند تفسيره لقول الله تعالى:\n_________\n(١) ج ١٠، ص ٤٥.","vol":"3","page":216},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] حيث يقول: \"وقد اختلف القول في الجلباب، ومفهوم إدنائه، وأوجه الأقوال في الجلباب هو الملاءة أو العباءة، التي تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، أما الإدناء فمن المفسرين من قال: إنه تغطية الرأس والوجه، ومنهم من قال: إنه ليس تغطية تامة للوجه ... \" فهو يدعي الإجماع أولًا، ثم ينقضه بتفصيل الخلاف ثانيًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-838>استطراد:</span>\nوما دام البحث قد ساقنا إلى الحديث عن الجلباب، والنقاب، وآيات الحجاب، فيحسن بنا أن نشير إلى ما يراه الأستاذ دروزة، بخصوص حقوق المرأة وأهليتها للمشاركة في الحقوق العامة والنيابية خاصة. ومعروف عن الأستاذ دروزة أنه قصد بتفسيره، عرض القرآن الكريم بكامله بعد أن عرض فصولًا حسب موضوعاته في كتبه الثلاثة عصر النبي - ﷺ -، وسيرة الرسول - ﷺ -، والدستور القرآني في شؤون الحياة. وقصد إظهار حكمة التنزيل ومبادئ القرآن ومتناولاته عامة، متجاوبًا مع الرغبة الشديدة الملموسة عند كثير من الشباب، الذين يتذمرون من الأسلوب التقليدي ويعرضون عنه، الأمر الذي بت الصلة بينهم وبين كتاب دينهم المقدس، وهذا ما يقرر الأستاذ دروة في مقدمة الجزء الأول من التفسير. وكأني به يعاني ضغوط الشباب الذي انبهر بكل ما جاءت به الحضارات المستوردة من أفكار ومبادئ ومفاهيم، فهو وبوازع الحرص على سلامة عقيدة هؤلاء الشباب، نجده يتنازل عن أشياء كثيرة، ويتخذ سبيلًا معينًا للاستطراد، الذي يعيبه هو نفسه على غيره من المفسرين، فنجده يقرر \"بأن قوامة الرجل على المرأة إنما هو في الحياة الزوجية\" ويقول (١): \"ونستطرد إلى ما يقال ويثار حول اشتر اك المرأة في الانتخابات والمجالس النيابية، وما يدخل في بابها. إن هذا مما يختص مع ما ذكرناه من أهليتها\n_________\n(١) ج ١٠، ص ٤٦.","vol":"3","page":217},{"text":"وحقوقها السياسية والاجتماعية التي قررها لها القرآن\" ... ويقول (١) عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ الآية ما نصه \"وواضح مما تقدم أنه ليس في هذه الآية، كما أنه ليس في القرآن ولا في السنّة الثابتة، مما يمنع خروج المرأة من بيتها سافرة الوجه واليدين، لقضاء حاجاتها وممارسة شؤونها على اختلاف أنواعها، مما يدخل فيه تلقي العلم وغشيان المدارس والمساجد وشهود الاجتماعات العامة، والاتجار والتكسب والعمل، والمشاركة في الأعمال والواجبات الرسمية، والاستمتاع بنِعَم الطبيعة. وهو ما قرره لها القرآن حين قرر لها الأهلية السياسية والشخصية والحقوقية الاقتصادية والاجتماعية، والمشاركة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الخير والتكافل والتضامن، وخاطبها بكل ما خاطب به الرجل من تفكر وتعقل، وتدبر في كتاب الله وآياته وكونه، وكلفها بكل ما كلف به الرجل، من واجبات وتكاليف إيمانية وتعبدية واقتصادية وسياسية واجتماعية وشخصية، ورتب لها وعليها كما رتب للرجل وعليه من النتائج الدنيوية والأخروية، على قدم المساواة، مما مرت مؤيداته وشروطه في مناسبات كثيرة سابقة\".\nهذا وفي الوقت الذي نجد فيه السيد دروزة، يقول بسكوت القرآن عن حرية المرأة في النشاط الاجتماعي والسياسي. يقول بعد ذلك: \"فلا يعني -أي سكوت القرآن- ذلك أنها محرومة من حقها في ذلك، بدون قوامة الرجل أيضًا، بدليل أن القرآن خاطبها بكل ما خاطب به الرجل، ورتب عليها كل ما رتب على الرجل\" (٢).\nوبعد كل هذا يعود الأستاذ دروزة، ليستدرك قوله فيشترط شروطًا، يعود فيها إلى رأي الجمهور، وكأنه ينفض عنه كل ما بثه ونشره في المساحات المختلفة من التفسير، من مثل تلك الآراء الشخصية. ويحسن بنا أن نسجل للأستاذ دروزة هذه الاستدراكات:\n_________\n(١) ج ١، ص ٤٥.\n(٢) التفسير الحديث ج ٩، ص ٧١.","vol":"3","page":218},{"text":"١ - أن تكون مباشرة المرأة المسلمة وممارستها وشهودها لكل تلك الأعمال والاجتماعات في نطاق الاحتشام الذي أمرت به، وأن لا يطغى ذلك على طبيعة المرأة الأسرية والاجتماعية، ولا على طبيعة المجتمع المسلم.\n٢ - يقرر القرآن كما تقرر السنّة الشريفة صراحة وضمنًا، أن مكان المرأة وعملها الطبيعيين والرئيسيين هما البيت والزوجية والأمومة ومشاغلها، فكل عمل يمكن أن يخل إخلالًا جوهريًا بذلك يخرج عن صفة المشروع، ولو كان في حد ذاته مشروعًا.\n٣ - المرأة التي يصح لها أن تمارس العمل (المشروع)، الذي لا تمنع الشريعة الإسلامية ممارسته، هي المرأة التي تسمح لها مشاغل البيت والزوجية والأمومة، أو المرأة التي لم يتيسر لها أن تشتغل بهذه المشاغل.\n٤ - أن لا تندفع المرأة نحو الأعمال التكسبية من وظائف ومهن اندفاعًا واسعًا، فيه احتمال مزاحمة الرجل وتضييق مجال وفرص تكسبه، مكانًا أو مقدارًا أو قيمة، وإلا أصبح ذلك غير مشروع، لأن في ذلك تعطيلًا لواجب الرجل، الذي أناطت به الشريعة الإسلامية الإنفاق، على جانب كون ذلك قلبًا للأوضاع الطبيعية والجنسية والشرعية، وأن الحق والحالة هذه، هو أن يكون اضطلاع المرأة بالأعمال التكسبية في نطاق ضيق من جهة، ومنوطًا بالدرجة الأولى بالحاجة والضرورة من جهة أخرى.\n٥ - مراعاة وجوب انطباق الأعمال التكسبية، التي تضطلع بها المرأة في النطاق المذكور، على طبيعتها الجنسية، وأن لا تكون مما يرهقها ويذهب بأنوثتها، سواء أكان ذلك مما تؤهلها له ثقافتها ودراستها، أم بنيتها وخبرتها ومرانها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-839>بيانه لحكمة التشريع:</span>\nولا يفوتنا قبل ختام حديثنا عن منهج الأستاذ دروزة في تفسير آيات الأحكام، أن ننوه تعقيبه على كثير من تلك الآيات، ببيان حكمة التشريع الرباني فيها.","vol":"3","page":219},{"text":"فعند تفسيره لآيات السرقة، نجده يعقب عليها فيقول (١): \"هذا، ومن الناس من ينتقد عقوبة قطع يد السارق، غير أن من المشاهَد المجرَّب، أن كثيرًا من اللصوص يقدمون على السرقة، كأسهل وسيلة إلى حيازة المال. والاستمتاع، أكثر من أن تدفعهم الحاجة الشديدة. وقد أصبحوا بسبب ما يلقونه من خفة العقوبات الحديثة محترفين، لا يمتنعون عن معاوية مهنتهم المرة بعد المرة، مستهترين بأمن الناس وأموالهم، وغير مفكرين في البحث عن الكسب الحلال، وكثير منهم قادرون على ذلك، فقطع أيدي أمثال هؤلاء قد يكون أقوى رادع لهم، وفيه عبرة قوية لغيرهم من دون ريب\".\nوكذلك ينوه عند تفسيره لآيات الزنا يقول (٢): \"هذا ومن الجدير بالتنويه أن التشريع القرآني والنبوي معًا، قد سوّى بين الرجل والمرأة، وفي هذا ما فيه من عدل وحق من جهة، ومن تقرير مساواة الرجل والمرأة، في تبعة العمل الواحد والتكاليف المتشابهة من جهة ثانية. ومما لا ريب فيه أن التشديد على المرأة دون الرجل، في جريمة الزنا واعتباراتها، مما هو جارٍ في الأوساط الإسلامية اليوم، غير متمشٍ مع قاعدة القرآن الكريم القائمة على الحق والعدل والمساواة.\nواستثناء (٣) الأَمَةِ ليس من شأنه أن يخل بهذه المساواة، فالأحرار هم الأكثرية العظمى في المجتمع الإسلامي، وعليهم يقوم بنيان هذا المجتمع، وهذا استثناء هو بسبب اعتبارات وجيهة، ولم يشمل المماليك الذكور، ومع ذلك فإنه استثناء تخفيفي وليس تشديديًا\".\n_________\n(١) ج ١١، ص ١٠٤.\n(٢) ج ١٠، ص ١٤.\n(٣) يعني به المفسر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].","vol":"3","page":220},{"text":"وفي كل هذه التعقيبات والتنويهات، يدلل السيد دروزة على أن التشريع القرآني، تشريع عملي عادل متمشٍ مع فطرة الإنسان وطبائع الأمور والأشياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>رأينا في هذا المنهج:</span>\nبعد هذا العرض الذي أَتْهَمَ فيه المؤلف وأَنْجَدَ، وأوجز وأسهب، أجد لزامًا علي أن أقرر ما يلي:\nكنا نود أن يكون الأستاذ دروزة ﵀ أكثر دقة في عرضه لتفسير آيات الأحكام، سواء أكان ذلك من حيث الأسلوب والدقة في التعبير، أم من حيث عرض الأفكار وتسلسلها في فصول كما يقول، أم من حيث تقرير الحقائق العلمية، كما بينها الأئمة. هذا كله فضلًا على ما فيه من اضطراب وتناقض، وعدم دراية تامة في هذه المسائل. ولقد مر معنا طرف من هذا كادعائه الإجماع تارة، ونقضه أخرى، وكتعبيره عن الحديث الصحيح بعبارة توهم التمريض والتضعيف، مثل قوله: \"رُوِي حديثٌ نبوي\"، وكتقريره لمسائل يزعم أنه لم يرَ فيه رأيًا لأحد -وقد تكون من البدهيات- كما رأينا في حديث أنس السابق. ومثل هذه نسبته أحاديث لمتأخرين، مع أنها وردت في كتب المتقدمين، كحديث السرقة الذي نسبه للبغوي، مع أنه في كتب السنن وغيرها. وأخطر من هذا كله عدم تمييزه بين الأحاديث، وعدم دقته في مسائل الإرث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-841>٦ - الأستاذ دروزة وآيات الجهاد:</span>\nكنت أود أن أجعل هذا الفصل مندرجًا في آيات الأحكام، إلا أن أهميته وخطورة البحث فيه، والتركيز الشديد الذي يلفت النظر من المفسر، كل ذلك جعلني أفرد هذا الموضوع عن موضوع آيات الأحكام الأخر. فالمفسر الفاضل لا يدع مناسبة من المناسبات، إلا ويطنب فيها، مبينًا رأيه في الجهاد، مخطئًا أعلام المفسرين، وقد لا تكون المناسبة صالحة للحديث عن الجهاد، قد تكون الآية مكية","vol":"3","page":221},{"text":"مثلًا. كما رأينا ذلك عند قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ [الكافرون: ٦] حيث أسهب في الحديث عن حرية التدين، وانتقل بعد ذلك فبيّن أن الجهاد في الإسلام ضرورة دفاعية فحسب. ولعل من الإنصاف أن نقتطف أولًا عبارات من تفسيره لتوضيح ما ذهب إليه:\n١ - يدعي أن هناك آيات مكية كثيرة، غير سورة (الكافرون) قررت مبدأ حرية التدين. فهو يقول: \"ومن الجدير بالذكر، أن هذا المبدأ لم يقرر في هذه السورة فحسب، أو في العهد المكي الذي كان فيه النبي - ﷺ - ضعيفًا\" (١) والمسلمون قلة مستضعفة، بل قررته آيات القرآن المكي في مختلف أدوار التنزيل مرات كثيرة وبأساليب متنوعة. ويستشهد بآيات كثيرة منها ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ [يونس: ٤١]، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ [يونس: ١٠٨].\n﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥)﴾ [سبأ: ٢٤ - ٢٥] ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾ [النمل: ٩٢] مع أن المتدبر لهذه الآيات والمتتبع لسياقها، يدرك لأول وهلة أنها لا تمت بصلة لما قرره الأستاذ، بل إن كثيرًا منها جاء بأسلوب التهديد على العكس مما ذهب إليه المؤلف.\nكما استشهد كذلك بآيات مدنية، كآيات آل عمران والمائدة في مخاطبة أهل الكتاب ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ\n_________\n(١) الرسول - ﷺ - لم يكن في دور من أدوار حياته ضعيفًا.","vol":"3","page":222},{"text":"بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤] ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾ [آل عمران: ٢٠]، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [المائدة: ١٩]. كما يستدل بالاستثناءات في آيات القتال، في سورتي، النساء وبراءة، وبآيات الممتحنة وغيرها، مع أن لكل منها سياقها الخاص ومناسبتها الخاصة وظرفها الذي نزلت فيه.\n٢ - وبعد أن انتهى من تقريره هذا، أخذ يتكلم عن الجهاد ويدفع ما يرد من اعتراضات، على ما قرره من هذا المبدأ. فهو يقول: \"ونحن نعرف أنه يورد على هذا أقوال من جانب المسلمين وغير المسلمين على السواء. فإن كثيرًا من علماء المسلمين ومفسري القرآن، قالوا إن التحفظ الوارد في آية سورة البقرة ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠] قد نسخ بآيات سورة التوبة: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ... فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ١ - ٥]، التي تأمر بقتال المشركين بدون هوادة، إلى أن يسلموا ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، ثم بآيات سورة التوبة التي جاء فيها ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] والتي يصفها بعض العلماء والمفسرين بآية السيف، وقد فسر كثير من مفسري القرآن وعلمائهم، كلمة الفتنة في آية سورة البقرة: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ...﴾ [البقرة: ١٩٣] بمعنى الشرك، وقالوا إنها توجب قتال المشركين حتى لا يبقى شرك ومشركون ويسود دين الإسلام\". ثم أورد شبهات المستشرقين، التي تتلخص في أن الرسول - ﷺ -، لم يقف عند مبدأ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ حسب اصطلاح المؤلف.\nوانتهى إلى الرد على هؤلاء وأولئك بقوله: \"إن القتال في الإسلام إنما شرع للدفاع عن حرية الدعوة والمسلمين، ومقابلة الأذى والعدوان والصد، إلى أن","vol":"3","page":223},{"text":"تضمن الحرية والسلامة للمسلمين، والحرية والانطلاق للدعوة، ويمتنع الأذى والعدوان على المسلمين والإسلام، وظل هذا المبدأ محكمًا إلى النهاية\".\n٣ - ويخلص إلى القول بعد إيراده لآيات القتال في سورتي الحج والبقرة، بأن المسلمين لا يحق لهم أن يقاتلوا إلا من اعتدى عليهم وظلمهم، وأن الفتنة في آيات البقرة، يقصد منها إرغام المسلمين على الارتداد عن الإسلام. أما آيات سورة براءة فإن الاستثناءات الواردة فيها، حصر القتال في المشركين المعتدين والناكثين فقط، وليس كما ادعى المفسرون بأنها عامة في جميع المشركين. أما قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ ...﴾ [التوبة: ٥] فليس هو المخرج الوحيد لعدم قتالهم كما يتوهم، بل هناك مخارج أخرى، كعدم اعتدائهم علينا أوانتهائهم عن العدوان بعد قتالهم. ويذكر المفسر مسألتين عند تفسيره لهذه الآية الكريمة:\n١ - إن الاستثناء الوارد في الآية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤] محدود بانقضاء مدة العهد. فهل يكون المعاهدون من المشركين، حين انقضاء هذه المدة، موضع براءة الله ورسوله ويجب قتالهم؟ ويقول بأن المفسرين أجابوا على هذا السؤال بالإيجاب، أما هو فلم يطلع على أثر نبوي وثيق في هذا الصدد، مما يجعله يتوقف فيما قاله المفسرون، بل ربما يرجح غير ما ذهبوا إليه. فهو يقسم هؤلاء المعاهدين إلى أعداء قبل المعاهدة، وغير أعداء، وأنه ليس في آيات القتال ما يمنع تجديد العهد مع كلا الفريقين إذا رغبوا، ولم يكن ظهر منهم نقض ولا غدر، وليس للمسلمين أن يرفضوا ذلك، لأنهم أمروا بقتال من يقتلهم ويعتدي عليهم.\nب- ويذكر في المسألة الثانية، أنه ليس هناك ما يمنع من تجديد العهد مع الناكثين بعد الحرب ثانية، إذا كانت مصلحة المسلمين تقتضي ذلك. ثم يذكر أن آيتي سورة النساء والممتحنة، نص صريح حاسم على أن الله لم يجعل للمسلمين سبيلًا على من يسالمهم، فالله يقول: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ","vol":"3","page":224},{"text":"عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾ [النساء: ٩٠]، ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].\nويؤيد ما ذهب إليه بما حدث مع أسامة بن زيد -﵂ -، حينما قتل رجلًا بعد أن نطق بالشهادة، ظنًّا منه بأنه قالها خوفًا من القتل، وبآية الأنفال: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] وبآيات سورة محمد - ﷺ -، وبأن الرسول - ﷺ - لم يرفض يومًا، طلب صلح أو عهد أمان من أعداء محاربين.\nوينتهي المطاف بمفسرنا الفاضل إلى قول الله ﷿: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩] فيقرر أنها حصرت أمر القتال، في الفئات التي لا تدين دين الحق، ولا تحرم ما حرم الله ورسوله من الكتابيين دون سائرهم. فهو إذن يقسم أهل الكتاب إلى قسمين: من يدينون دين الحق، ومن ليسوا كذلك، ومن هنا فهو يرد ويأبى ما قاله المفسرون، من أن المقصود بكلمة (ورسوله): الرسول - ﷺ -، وأن المقصود بقوله: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ أي الإسلام، يرد هذا التفسير بحجة أنه لا ينسجم مع المبدأ المحكم الذي قرره.\nوالأغرب من هذا أن مفسرنا يستدل على مذهبه، بكلمة (مِنْ) في الآية بأنها للتبعيض، وبقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ مع أن أناسًا منهم لا ينطبق عليه هذا الوصف كما يدعي، ويستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة.٣٢] معللًا ذلك، بأنهم ليسوا جميعًا قاصدين هذا الإطفاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-842>مناقشة تلك الآراء:</span>\nهذه خلاصة لآراء الأستاذ دروزة، بثها في أثناء تفسيره، جمعها من هنا وهناك، وهي آراء يستدعي الكثير منهما التوقف ويقتضي المناقشة والرد، ولعله من المستحسن أن أورد -قبل تفنيذ هذه الآراء- مقتطفات من كلام الأئمة.","vol":"3","page":225},{"text":"فهذا ابن قيم الجوزية يعقد فصلًا عن ترتيب سياق هديه هو مع الكفار والمنافقين. يقول فيه: \"ثم أذن الله له بالهجرة، وأذن له في القتال، ثم أمره أن يقاتل من قاتله، ويكف عمن اعتزله ولم يقاتله، ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون الدين كله لله، ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلحٍ وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة. فأُمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد، وأمر أن يقاتل من نقض عهده، ولما نزلت سورة براءة ببيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمر فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب، حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان. وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار، ونبذ عهودهم إليهم. وجعل أهل العهد في ذلك ثلاثة أقسام: قسمًا أمره بقتالهم، وهم الذين نقضوا عهده، ولم يستقيموا له، فحاربهم وظهر عليهم، وقسمًا لهم عهد مؤقت لم ينقضوه، ولم يظاهروا عليه، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم، وقسمًا لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه، أو كان لهم عهد مطلق، فأُمِر أن يؤجلهم أربعة أشهر، فإذا انسلخت قاتلهم\" (١).\nوقد ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره عن ابن عباس -﵄ - ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾ براءة من المشركين الذين كان لهم عهد يوم نزلت براءة، فجعل مدة من كان له عهد قبل أن تنزل براءة أربعة أشهر، وأمرهم أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر. وجعل مدة المشركين الذين لم يكن لهم عهد قبل أن تنزل براءة، انسلاخ الأشهر الحرم (٢).\n_________\n(١) زاد المعاد، ج ٢، ص ٨١، طبعة الحلبي.\n(٢) الطبري، ج ١٠، ص ٤٣.","vol":"3","page":226},{"text":"وكم كنا نود أن يلتزم الأستاذ دروزة، بالمنهج الذي أراد أن يسير عليه والذي خالف طرائق المفسرين جميعًا من أجله، وهو السير مع سياق الآيات وظروفها التي نزلت فيها. وهو الذي فسر السور حسب ترتيب نزولها لتمشي مع هذا المنهج ولكنه لسبب أو لآخر لم يلزم نفسه بشيء من هذا. ومنشأ اللبس عنده ناتج من مزج الآيات جميعها، مع قطع النظر إلى متقدمها ومتأخرها، والظرف الذي نزلت فيه الآية أو المجموعة من الآيات، فهو يأتي بآية البقرة ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] فيجعلها الأصل المحكم، الذي ينبغي أن ترد إليه آيات الجهاد جميعها مع أنه يعترف بأنها أول آية نزلت في القتال ومن تلك الآيات آيات سورة براءة، مع أنها آخر آيات أنزلت.\nويحاول الأستاذ أن ينتصر لرأيه هذا، بحجج كثيرة يخالف بها المفسرين تارة، والفقهاء واللغويين تارة أخرى. فهو مثلًا ينكر أن يكون معنى (الفتنة) (الشرك) في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] مع أن كثيرًا من المفسرين، قال به، واستدل له، كما فعل العلّامة الآلوسي. والغريب أنه قد تكلف كل التكلف في تفسير آيات براءة، وفي تأويل قوله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ... \".\nوالمتدبر لآيات الجهاد في القرآن، يدرك لأول وهلة أنها نزلت في ظروف مرحلية خاصة، ومناسبات متعددة الأسباب. والمستعرض لأقوال العلماء يجد أنهم أدركوا هذا المعنى إدراكًا تامًّا. فإن جمهورهم لم يقل بدخول النسخ في آيات القتال، فلم يقل أحد ممن يعول عليه ويشار إليه، بأن قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ منسوخ، أو بأن آية الممتحنة وآية النساء، اللتين مر ذكرهما. منسوختان ومع أن كثيرًا من الآيات التي ذكرها محل نظر، إلا أنه لم يورد هذه الآيات أبدًا. وهذا مذهب المحققين من العلماء كما ذكرت، وكما دل عليه الكلام الذي نقلناه آنفًا.","vol":"3","page":227},{"text":"فكل نص من هذه النصوص القرآنية إذن، محكم غير منسوخ، حتمته ظروف خاصة، أما الأحكام النهائية، فهي الواردة في سورة البراءة، ومعنى هذا أن نصًّا ما، يمكن أن يصلح في حالة من حالات المسلمين شبيهة بالحالة التي نزل فيها، وهذا بالطبع لا يفقد سورة براءة أحكامها النهائية.\nهذا ما فهمه المسلمون الأول، حينما انطلقوا في الآفاق مجاهدين في سبيل الله لكن واقع المسلمين الآن، والحملات التي تركز عليهم وعلى دينهم، جعلت الكثيرين من المحدثين، يتراجعون أمام هذه الضغوط، متلمسين الأسباب للدفاع عن مبدأ الجهاد، راكبين متن كل تأويل بعيد، لا لشيء إلا ليثبتوا أن الإسلام دين الإسلام، همه أن يرد عنه سهام الاعتداء فحسب.\nالعجيب أن المنادين بهذا الرأي المتحمسين له، لم يقولوه في زمن سارت فيه جحافل المسلمين في آفاق الأرض، وداسوا بسنابك خيلهم عروش الطواغيت وحطموا أسوار الباطل، وإنما جاء رأيهم هذا في زمن انتهكت فيه حرماتهم، وديست المقدسات، ولم يستح عدوهم والعالم من ورائه أن يطردهم مغتصبًا، دون حجة أو حكمة أو مداراة.\nإن الجهاد الإسلامي لم يشرع من أجل الإكراه في الدين، ولا من أجل استعباد الآخرين وامتصاص دمائهم، وإنما شرعه الله لتحرير الإنسان الذي كرمه من كل ما يحول بينه وبين تلك الحرية والكرامة، وذلك بإخراجه من عبودية العباد حتى لا يكون لأحد سلطان عليه، وبعد هذا الإخراج، لا يرغمه على اعتناق عقيدته حيث لا إكراه في الدين، ولقد كان هذا المعنى واضحًا لدى الفاتحين الأولين. فهم حينما يخرجون، يدركون أنهم ما خرجوا من أجل غارة يغيرونها، بل من أجل نفوس يغيرونها. يقول أحدهم حينما مسألة رستم \"ما الذي جاء بكم؟ \" فيجيب \"الله ابتعثنا لنخرج من شاء كان عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة\".","vol":"3","page":228},{"text":"ولقد تفرع عن رأي الأستاذ دروزة في الجهاد، جزئيات ومسائل كان تكلفه ظاهرًا فيها. ومن هذه المسائل تقريره بأن المشركين إذا انتهى عهدهم، لا يكونون محل براءة من الله ورسوله. وهذا ما يخالف فيه المفسرين كما يقول، ومنها أن التوبة وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ليست المخرج الوحيد لعدم قتال المشركين، بل هناك مخارج أخرى، مع أن النص القرآني واضح في الرد على هذا، ومنها أن الرسول - ﷺ - لم يرفض يومًا ما طلب صلح أو عهد أمان من أعداء محتربين، ولا أدري كيف يفسر الأستاذ دروزة رفض الرسول - ﷺ - تجديد عهد قريش حينما ذهب أبو سفيان لذلك.\nومما أغرب فيه تقسيمه أهل الكتاب إلى قسمين: قسم يدين دين الحق، وقسم ليس كذلك، مستدلًا لهذا بأن حرف الجر (مِنْ) هنا للتبعيض مع أنه لا سياق الآية، ولا أحد المفسرين -حسب ما اطلعت عليه- يؤيد هذا القول، بل صرح بعض المفسرين بأن (من للبيان وليست للتبعيض)، كما فعل النيسابوري. والذين لم يصرحوا منهم اعتمدوا على بدهية هذه المسألة. ومستدلًا أيضًا بقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] وذلك أنهم ليسوا سواء هكذا، بل منهم المؤمنون بالله واليوم الآخر، مع أنه وهو يفسر سورة (الكافرون)، قرر هناك أن العرب وإن اعترفوا بأن الله خلق السموات والأرض وخلقهم، لأنهم أشركوا به لا يسمون مؤمنين، بينما رأيناه هنا يتناقض مع قوله هناك.\nومن أجل ذلك كله، ومن أجل تدعيم رأيه في الجهاد، يرفض أن تكون كلمة (ورسوله) في الآية مقصودًا بها الرسول - ﷺ -، وأن يكون (دين الحق) فيها هو دين الإسلام، بحجة أن هذا يتنافى مع المبدأ المحكم الذي قررته آية ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)﴾ [البقرة: ١٩٠]، ولا أدري من أين أتت تلك المنافاة؟\nاللهم يا حكيم نسألك أن تؤتينا الحكمة في فهم كتابك ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٩٦].","vol":"3","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-843>ملاحظات على التفسير:</span>\nنلاحظ أن المفسر يتجنب ذكر الاصطلاحات، بل لا يتعرض لبعض الصور البيانية التي لا بد منها في فهم القرآن، مما يجعل تفسيره لبعض الآيات غير واضح وضوحًا تامًّا.\nفهذه سورة (الكافرون)، التي تحدث العلماء في تفسيرها عن ذكر بعض آياتها أكثر من مرة، مما يجعل القارئ لهذه السورة، يسأل عن سبب ذلك، إلا أن المؤلف لم يتعرض لشيء من هذا أبدًا. فهو يقول في تقديمه لهذه السورة: \"في السورة أمر للنبي - ﷺ -، بإعلام الكفار أنه لا يعبد ما يعبدون، ولهم إذا شاؤوا أن يظلوا على ما هم عليه، فلا يعبدون ما يعبد، ولكل من الفريقين دينه، وقد تضنمت مبدأ حرية التدين الذي ظلت الآيات القرآنية، تقرره في المكي والمدني منها\" (١). وهو في تفسيره السورة لا يزيد عما ذكره في هذه المقدمة.\nأما من هم هؤلاء الكافرون الذين خوطبوا: هل هم جميع الكافرين أم أناس مخصوصون؟ وأما ذكر الجمل القرآنية أكثر من مرة، فإن المفسر لم يتعرض لشيء من ذلك أبدًا مع أنه يذكر صفحات عديدة عن مبدأ حرية التدين، ناسيًا أن الزمن الذي نزلت فيه السورة وظرفها، والروايات التي وردت في نزولها، لا تتفق مع شيء مما ذكره. فالمفهوم أنها تدل على المفاصلة، واستحالة الاجتماع بين الإسلام وبين الشرك. ولكن مفسرنا أراد أن يثبت في هذه السورة نظريته في الجهاد، وهو أنه دفاعي، مع أن السورة مكية قطعًا، بل كانت مما نزل مبكرًا كذلك، فكان هذا استطرادًا منه في غير محله، وما ذكره غير مسلم به، وليس هنا محل لبيانه، وهو الذي يعيب على المفسرين استطرادهم، ويعد هذا من الثغرات.\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ١، ص ١٨٤.","vol":"3","page":230},{"text":"وفي تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ [غافر: ٥٦] يقول: \"في الآية تنديد بالذين يجادلون في آيات الله ويكابرون فيها، بغير برهان وعلم وتقرير لواقع امرهم من حيث إنهم يكونون مندفعين في ذلك بمسائق الغرور، وتطمين وتثبيت للنبي حيث تأمره بالاعتصام بالله والاستعاذة به، فهو السميع الذي يسمع كل شيء والبصير الذي يرى كل شيء، وليكون على ثقة أنهم لن يصلوا إلى ما يرمون إليه، من تعطيل آيات الله ودحضها\" (١).\nإن القارئ العادي لا يمكن أن يفهم التحليل اللفظي لهذه الآية، وبخاصة قول الله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾. ومع أن المفسر لم يبين هذا، إلا أنه بدأ ينقل روايات تفهم مدنية الآية، وأنها نزلت في الدجال ويحيل القارئ إلى تفسير الخازن والبغوي، ويعجب من عدم إيراد الطبري لها -مع أن ذلك منه هو العجب- ويصل إلى القول بأن ظهور الدجال، ونزول المسيح ﵇، ربما كان منتشرًا عند النصارى في زمنه - ﷺ -، لما كان بينهم وبين اليهود من مشادة. ويستدل على هذا الاحتمال كما يقول، بالحديث الذي ورد عن تميم الداري، وبالإصحاح الثاني من رسالة القديس يوحنا الأول من أسفار العهد القديم. مع أن الآية مكية بلا نزاع من حيث أسلوبها وسياقها.\nويقول في تفسير قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ [الأنفال: ١٥]: \" ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ أي: لا تقلبوا ظهوركم للعدو وتفروا أمامه ... وفي هذه الآية والتي بعدها خطاب موجه للمسلمين، شدد فيه التنبيه والإنذار بعدم الفرار من أمام العدو، حينما يتزاحفون على بعضهم للقتال، ومن يفعل ذلك بدون قصد حربي مشروع، كاستهداف\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ٥، ص ١١٩.","vol":"3","page":231},{"text":"أسلوب من أساليب القتال أو الانحياز إلى فئة مقاتلة أخرى من جماعته، فقد جاء بغضب من الله، واستحق النار وبئس ذلك من مصير له ولأمثاله\" (١).\nإن المفسر هنا، هو الذي يكثر من الكلمات المترادفة في كثير من الأحيان، نراه لا يعرض للصور البيانية في هذه الآية، مع أن فيها من التشنيع على هؤلاء الفارين ما فيها، والتي تدل بحق على الروعة القرآنية في الأوامر والنواهي، بل ليس في تفسيره الحرارة المناسبة للمواقف، التي عدّ خلو بعض التفاسير منها من المثالب.\nوعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ...﴾ [النور: ٤٣] فضلًا على أنه لم يوضح معنى الآية كما ينبغي فإنه يقول: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] أوجه تأويلات الجملة هو \"ينزل من السماء بردًا قدر الجبال\"، مع أن هذا القول لا يقنع به قارئ، ولا يتفق مع نظم الآية الكريمة.\nوفي سورة النمل، لم يتعرض لكثير من وقائع قصة سليمان وملكة سبأ من قريب أو بعيد، معللًا ذلك بوضوحها وتداولها بين العرب، منحيًا باللائمة على المفسرين الذين تعرضوا لتفسيرها (٢).\nاستنتاج ليس له دليل:\nيرى المفسر عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ [القلم: ٣٥] أن هذه الآية لا تدل على تسمية أتباع الرسول - ﷺ - بالمسلمين، ولا أن الإسلام كان علمًا لهذا الدين. وإنما الذي يدل على ذلك آية الحج ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨] ويرجح أنها ربما كانت مكية. فيكون الإسلام عُرف لهذه الأمة في أواخر العهد المكي.\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ٨، ص ١٦.\n(٢) التفسير الحديث، ج ٣، ص ١٦١.","vol":"3","page":232},{"text":"والآية مدنية قطعًا وليست مكية؛ لأن الآية التي قبلها مدنية قطعًا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧] وهذه عطفت عليها بالواو ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج: ٧٨] فلا يعقل أن تكون الآية مدنية والآية التي عطفت بحرف الواو مكية؛ لأن هذه الأوامر كلها نزلت مجتمعة \"اركعوا، اسجدوا، افعلوا الخير، جاهدوا في الله\" وهل يعقل أن المسلمين لم يعرفوا بهذه التسمية إلا آخر العهد المكي، والأحداث كلها دالة على غير ما قال الشيخ هذا من جهة ومن جهة أخرى، فإن بعض الآيات ترده، مثل آية الأنعام: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وآية النحل: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩]. و﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)﴾ [النحل: ٨١].\nحتى آية سورة القلم نفسها، إذا نظرنا إلى بعض الروايات التي نزلت فيها، فإنها تدل على هذه التسمية.\nونورد هنا ما ذكره المؤلف: \"أما علمية كلمة (المسلمين) عليهم، فقد تقررت فيما نعتقد، بعد نزول آية الحج هذه ... وهذه السور، مختلف في مكيتها ومدينتها، ولكن مضامينها تلهم بقوة أنها مكية، أضيف إليها آيات مدنية، اقتضت إضافتها المناسبات على ما سوف نشرحه عند تفسيرها. وهذه الآية من الآيات المكية على ما يلهم سياقها. وهذا يعني إذا صح أن العلمية تقررت في العهد المكي\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-844>٧ - المفسر يعتمد على الإسرائيليات في مواضع متعددة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-845>أ - القصص:</span>\nينعى المفسر كثيرًا كما رأينا في مقدمة تفسيره -أعني (القرآن المجيد) والذي تحدثنا عنه من قبل، على المفسرين الذين يطلقون لأقلامهم العنان في ذكر القصص\n_________\n(١) ١/ ٦١.","vol":"3","page":233},{"text":"والروايات، وبخاصة تلك التي لا تعتمد على دليل، أوالتي تتعارض مع المنطق والواقع والسياق كما يقول. وكنت أظن أن مفسرنا سوف لا يسمح لنفسه بذكر شيء مما يعيب به غيره، ومما يعده من الثغرات التي ينبغي تجنبها. ويا ليته ذكر من القصص والروايات الكثير الكثير، دون تعرض وتعارض مع أصل من أصول العقيدة، ودون أن يمس عصمة الأنبياء ﵈، إلا أن التمني شيء والواقع شيء آخر.\nفعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص: ٢١] يذكر المؤلف ما ورد في سفر صموئيل الثاني، من أن داود ﵇ رأى زوجة أحد رجال جيشه عارية، على سطح بيتها المجاور لبيته فأعجبته فأحضرها واضطجع معها، وكان زوجها في جبهة حربية. فلما عاد وشعر بذلك امتنع عنها، فأرسله إلى الجبهة ثانية، فلما قُتل تزوج داود بامرأته ...، إلى آخر ما ورد في هذه القصة. ولو أنه سكت عن هذه الرواية فحسب لهانَ الأمر -مع أنه ليس بهين لأن عصمة الأنبياء ﵈ أمر لا يجهله أحد من عوام المسلمين- ولكن المستغرب والمستنكر أنه جاء يقرر بعد هذه القصة، أن ما ذكر في هذا السفر، يتسق مع ما جاء في الآيات (١).\nوأحب أن أورد عبارته لتكون خير شاهد على ما أقول \"والأيات وإن كانت خلت من هذه التفاصيل، فإن فيها إشارات خاطفة متسقة معها، حيث ذكرت أن داود قد أدرك أن الله امتحنه بسبب خطيئة له، فاستغفر ربه وخرّ راكعًا وأناب، فغفر الله له. حيث جرى القرآن بصورة عامة، على ذكر الأنبياء السابقين بأسلوب تكريمي وتنويهي أو عتابي، ولم يحتوِ ما احتوته بعض الأسفار عن بعض الأنبياء من تهم وقصص فاحشة\" (٢).\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ٢، ص ٨٥.\n(٢) التفسير الحديث، ٢/ ٨٥.","vol":"3","page":234},{"text":"والحق أنه لمن المحير والمستهجن، أن يذكر مثل هذه القصص والأخبار، وكنت أود أن يطلع على بعض التفاسير، التي يقول إنها لم تخل من الثغرات.\nولم يغرب في هذه القصة فحسب، بل نرى ذلك منه كذلك في قصص كثير من الأنبياء ﵈، فها هو ينقل في قصة سليمان في سورة (ص)، ما جاء في بعض الأسفار، من أن سليمان تزوج نساء كثيرات كابنة فرعون ومن نساء صيدونيات وعمونيات وأدوميات وحثيات فأَمَلْنَ قلبه إلى آلهتهن، وبنى لهذه الآلهة مذابح وقرّب لها قرابين، وعمل الشر في عين الرب، فكان ذلك سببًا لنقمة الله عليه (١).\nويكثر مفسرنا من النقل عن هذه الكتب، دون أن يشير بكلمة واحدة، إلى ما ينبغي أن يكون للأنبياء ﵈ من العصمة، ولكن همه كله أن يثبت أن العرب كانوا يعرفون هذه القصص قبل نزولها، مستدلًا على ذلك بأن ما ورد في بعض كتب المفسرين جاء مطابقًا لهذه الأسفار.\nولعمر الحق لا أدري ما وجه الاستدلال؟ ذلك لأن الذي ذكر في هذه الكتب من الإسرائيليات دون ريب، ولم يكن منتشرًا في زمن الصحابة أنفسهم، فضلًا على أن يكون معروفًا قبل نزول القرآن عند هؤلاء العرب (٢).\nوإذا تركنا الحديث عن قصص الأنبياء، وجدنا المفسر يحدثنا عن بعض مبهمات القصص التي أبهمها القرآن، مع أنه يعيب على المفسرين التزيد والتمحل، فها هو مثلًا في قصة أهل الكهف، يذكر لنا قصتهم وأسماءهم وبلدهم، مع أن ذلك لم يرد منه شيء في القرآن.\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ٢، ص ٨٥.\n(٢) سبق الكلام عند الحديث عن \"القرآن المجيد\".","vol":"3","page":235},{"text":"وكنا نود أن يلتزم بمبدئه، الذي رسمه في خطته المثلى، وهي الوقوف عند حدود ما وقف عنده القرآن، ولكن هذا يهون حقًّا، أمام اتهام الأنبياء ﵈، وعدم رد ما ينافي عصمتهم، عفا الله عنه، وأرجو أن يكون له من حُسْن نيته ما يوجب مغفرة الله له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>ب- مشاهد الكون ونواميسه:</span>\nمن خطة التفسير عند الأستاذ الوقوف عند مشاهد الكون ونواميسه كما بينها القرآن، لذلك نجده ينحى باللائمة على المفسرين الذين خرجوا عن هذه الخطة، وتعدوا هذه الحدود، حتى على هؤلاء المحدثين الذين يريدون أن يبينوا عظمة القرآن وإعجازه في الحديث عن تلك النواميس. وإذن، فينبغي ألا يكون في \"التفسير الحديث\" شيء من هذا أو ذاك. لكن القارئ يفاجأ حينما يجد أنه لم يفعل كما فعل المحدثون، بل كانت تعليقاته منقولة عن تلك الكتب القديمة فيما يتعلق بمشاهد الكون ونواميسه.\nفها هو في سورة (ق) عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [ق: ٣٨] يأتي بحديث عن أبي ريرة، وهو أن الله خلق التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد إلى آخر الأيام (١). ثم يأتي ببعض الإصحاحات التي تذكر أن الله استراح يوم السبت ليثبت موافقته للحديث. والغريب أنه يذكر أن الإمام المفسر ابن كثير شك في الحديث (٢)، لكنه كما تفهم عبارته نصًّا وروحًا، يريد أن يثبت الحديث بأنه روي في أكثر من كتاب، ولكن لِمَ؟ لا لشيء إلا ليوافق ما جاء في الإصحاحات، ثم يقول: \"ولقد ورد في بعض الإصحاحات أن روح الله ترف فوق الماء، وهذا مطابق لآية سورة هود\n_________\n(١) انظر: مسند الإمام أحمد، ١٤/ ٨٢، الحديث ٨٣٤١، وفيه تمام تخريجه وتنقيده. قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: الأصح أن هذا الحديث موقوف على كعب الأحبار، وليس من قول النبي - ﷺ -.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير، تفسير الآية ٥٤، من سورة الأعراف.","vol":"3","page":236},{"text":"﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾. الروح والعرش إذن شيء واحد في رأي الأستاذ دروزة. سبحان الله لا بد من تصحيح الروايات التي شك فيها بعض الحفاظ ولا بد من قلب مفاهيم اللغة، لا لشيء ولكن من أجل موافقة الإصحاحات فحسب! ! والحديث الذي ذكره أخرجه الإمام مسلم، ولكن الإمام البخاري وكثيرًا من المحدثين أنكروا هذا الحديث، لأنه يتعارض مع أي القرآن الكريم (١).\nلم يتعرض المفسر لكثير من مبهمات القرآن، ولعل سبب ذلك يرجع إلى اعتماده على أسفار أهل الكتاب، فإذا وجد في هذه الأسفار ما يفسر تلك المبهمات ذكر ذلك، وإن لم يجد، فإنه يترك هذه المبهمات دون التعرض لها.\nيظهر هذا عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَال الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل: . ٤٠]، فمع أنه لم يذكر شيئًا عن تفسير الآيات إلا أنه بيَّن أن هذه لم ترد في الكتب السابقة.\nلكن الذي يلفت الانتباه، ما ذكره عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾ [النمل: ٨٢] فمع أنه يذكر أولًا بأن هذا سيكون بين يدي الساعة، إلا أنه يخلص إلى القول بأن ذكر الدابة يحتمل أن يكون مما عرف في بيئة النبي - ﷺ -، أي مما كان متداولًا بين العرب قبل القرآن، ولعل هذا إنما عُرف من اليهود الذين نقله العرب عنهم.\nوليت الأستاذ دروزة وقف عند هذا الحد، لكنه ناقض ما قاله أولًا، من أن هذا سيكون بين يدي الساعة، فيقرر أن الضمير في قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هو في الآية يرجع إلى كفار العرب في عهده - ﷺ -، وأن كثيرين منهم قد أسلموا، وأن الذين لم يسلموا قد ماتوا، فإذا لا يمكن أن يحييهم الله لتكلمهم هذه الدابة.\n_________\n(١) انظر: مسند الإمام أحمد، ١٤/ ٨٣، وما ذكره الشيخ شعيب حول نقد الحديث الذي رواه مسلم، ٢٧٨٩ (٢٧) عن أبي هريرة. و\"مجمع الفتاوى\" لشيخ الإسلام ابن تيمية، ١٧/ ٢٣٦. و\"صحيح مسلم\"، طبعة مؤسسة الرسالة ناشرون، ص ١١٥٢، والتعليق على حديث مسلم.","vol":"3","page":237},{"text":"ما أعجب هذا الرأي الذي لا يعوزه إلا إلمام بمبادئ الصنعة اللفظية، وأحب هنا أن أقتطف أجزاء من عبارته: \"ومع أننا نرى الوقوف عندما وقف عنده القرآن من أمر الدابة، ونقول: آمنا به كل من عند ربنا، فإن الذي يتبادر من روح الآيات، أنها بسبيل إثارة الرعب في نفوس الكفار وجاحدي الساعة، السامعين من الهوان والخزي الذي سوف يلقونه، حينما يأزف موعد قيامها ثم حين يتحقق قيامها ... وإن من المحتمل أن يكون ظهور هذه الدابة بين يدي الساعة، مما كان يتحدث عنه في بيئة النبي - ﷺ -، ومما كان يرويه اليهود .. ومن الجدير بالتنبيه إليه أن الضمير في جملة ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ في الآية الأولى. عائد كما هوالمتبادر، إلى الكفار العرب السامعين للقرآن الذين وصفوا في الآيات التي قبل هذه الآية، بالموتى والصم والعمي، وهذا يقتضي أن يكون الضمير في ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ راجعًا إليهم أيضًا، وأن يكون التقريع والإنذار والترهيب موجهًا إليهم في الدرجة الأولى، وكثير من هؤلاء قد أسلموا، والذين ظلوا على كفرهم هلكوا، وسيمضي على هلاكهم إلى قيام الساعة آلاف لا تُحصى من السنين، ولم تذكر الروايات والأحاديث المسندة إلى النبي - ﷺ - وأصحابه أن الله يحيي الكفار الجاحدين لتكلمهم الدابة ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-847>الأستاذ دروزة يرد على حملات المستشرقين:</span>\nالناظر في تفسير الأستاذ دروزة، يجد نفسه أمام مواقف، بعضها يستدعي الدهشة والاستغراب، وبعضها الثناء والإعجاب، ومن هذه الأخيرة ما عقب به المفسر الفاضل على المستشرقين في كثير من أباطيلهم ومكائدهم فمن ذلك:\n١ - تفسيره لسورة القلم يقول: \"ولقد حاول الأغيار أن يجدوا في جنات القرآن مغمزًا بالدين الإسلامي، بزعم أن ذلك يثير الأنانية والطمع في المسلمين، ويجعلهم لا يفعلون الصالحات إلا رغبةً في الأجر الشخصي. ويخرج صفة الحياة الأخروية من نطاقها الروحاني التجريدي، أما إثارة الطمع والأنانية. فالبداهة تقضي بأن تكون الحياة الأخروية وجناتها قاضية عليها، لأن الإنسان الذي يؤمن بأنه إذا","vol":"3","page":238},{"text":"آمن واتقى وعمل الصالحات، وصل إلى أعلى ما تصبو إليه نفسه من لذة ونعيم في الحياة الأخرى، يستطيع أن يوطن النفس على التضحيات المتنوعة في المال والنفس، وعلى القناعة والخيرية وأعمال البر ... \" (١). ومن ذلك ما جاء في السورة نفسها من تعليقه، على نعت المستشرقين والمبشرين، للرسول الأعظم - ﷺ - نعوتًا تنبع من حقدهم.\n٢ - وفي تفسير سورة (ص) يعلق على أباطيل بعض المستشرقين، من أن الرسول - ﷺ - لم يعلم ببنوة إسماعيل لإبراهيم إلا في العهد المدني، حيث خلت الآيات المكية من ذلك، فيرد عليهم بإثبات هذا في الآيات المكية، وبأنه أمر ما كان يجهله أحد من العرب.\n٣ - وفي تفسيره لسورة البقرة، يرد على زعم بعض المستشرقين بمكية الآيات التي تبدأ من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة: ٢١] إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٩] بحجة أن مضمونها يشابه مضمون الآيات المكية.\n٤ - وفي تفسير سورة مريم، يقول: \"ونذكر أن بعض المستشرقين والمبشرين، قد سخفوا في الغمز حين أشاروا إلى بُعد المسافة بين مريم وهارون، بمناسبة نعت مريم بأخت هارون. وقد استغربنا هذا منهم، لأننا نحسب أنهم أكثر إدراكًا لكون النبي - ﷺونقول هذا مساجلة- لا يجهل هذه المسافة.\nوهكذا فإننا نجد المفسر الفاضل يتعقب المستشرقين في بعض دسائسهم وترهاتهم، ولا يدع فرصة يمكنه أن ينوه فيها دفاعًا عن القرآن، ودفعًا لتقولات المبطلين وأهل الأهواء -كالفرق التي تفسر القرآن لتأييد عقائدهم- إلا وينتهزها\".\n_________\n(١) التفسير الحديث، ج ١، ص ٥٨.","vol":"3","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-848>تقييم التفسير:</span>\nإن كل من يقرأ ما كتبه المفسر في مقدمة تفسيره -القرآن المجيد- وهو يلوم على المفسرين، ويبحث عن الثغرات في تفاسيرهم، حتى إنه لم يبرئ تفسيرًا قديمًا أو حديثًا من هذه الثغرات. أقول كل من يقرأ ذلك، ترتسم في ذهنه ومخيلته صورة حياة مشرقة عن التفسير الحديث.\nولكن الحقيقة أن هذا التفسير -الذي أراد له صاحبه أن يكون جامعًا لمحاسن التفسير، بريئًا في ثغراتها، حسبما رسم في خطته المثلى للتفسير- كان بدعًا من التفاسير، لا من حيث ترتيبه فحسب، ولا من حيث منهجه كذلك، ولا من حيث ما ورد فيه من أفكار وآراء وإنما من هذه الحيثيات جميعها.\nلقد تكلم الأستاذ عن القصص القرآني، فكان التطبيق العملي الذي جاءنا به، كثرة الاستشهاد بالإسرائيليات دون تمييز، بين ما يخالف العقيدة الإسلامية وإجماع الأمة على عصمة الأنبياء ﵈، وهو الذي كان يعيب على المفسرين أقلّ مما ذكره.\nوحينما تكلم عن الآيات الكونية جردها من حقائقها، وحصرها في نطاق وعظي فحسب، وكان حريًا به أن يفعل بالقصص مثل هذا.\nأما في آيات الأحكام، فلقد رأينا الرجل ينزلق انزلاقات خطيرة، لا من حيث التناقض والخطأ في بعض المسائل، وإنما من حيث الاضطراب والتشويش اللذان ينعكسان على القاري.\nولقد خلا التفسير بعد ذلك كله، من الاصطلاحات العلمية الضرورية، ومن مواطن الإشارة لبيان أسرار الإعجاز، من عرض الهدايات القرآنية عرضًا شيقًا سليمًا، اللهم إلا بعض لفتات سجلناها له.\nوبهذا يكون التفسير على ما فيه من فوائد وعلى ما له من مزايا خلا من كثير من خصائص التفسير قديمها وحديثها.","vol":"3","page":240},{"text":"إن التفسير الحديث في رأيي حسناته وإيجابياته، ولكنه لا يخلو من سلبيات، ولقد كان الرجل، ذا حس مشكور في دفاعه عن الإسلام، وكان ذا ثقافة عامة، وتظهر في أثناء تفسيره غيرته على دينه، والعمل الإنساني معرَّض دائمًا للخطأ، فرحم الله صاحب التفسير الحديث، وأجزل له المثوبة وجزاه خيرًا عما قدم.","vol":"3","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-849>منهج الشيخ عبد القادر ملا حويش العاني (ت ١٣٩٨ هـ/١٩٧٨ م) في بيان المعاني</span>","vol":"3","page":243},{"text":"بيان المعاني\nكاتب هذا التفسير هو الشيخ عبد القادر ملا حويش العاني، نسبةً إلى \"عانة\" مدينة في العراق. وقبل أن نتعرض لهذا التفسير، لا بد أن نلم بنبذة عن حياة كاتبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>١. نبذة عن حياة المؤلف:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-851>اسمه ونسبه:</span>\nالسيد عبد القادر بن السيد محمد حويش، بن السيد محمود بن السيد حديد بن السيد فهد بن السيد جاسم بن السيد محمد بن السيد عبيد بن السيد حسين بن السيد جلال الدين بن السيد عيسى المغربي آل غازي، المنتهي نسبه إلى السيد موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين بن أمير المؤمنين الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁ - (١)، وذكر لي ولده أنه ينتهي نسبه من جهة الأم إلى الحسن بن علي بن أبي طالب، سبط النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-852>مولده ونشأته:</span>\nوُلد الشيخ عبد القادر في مدينة \"عانة\" سنة خمسة وثمانين وثمانمائة وألف (٢)، وكان والده قاضيًا شرعيًا، وكان يدرس الأولاد في حوش بيته (٣)، فلقب لأجل\n_________\n(١) ملا حويش، عبد القادر، تفسير القرآن العظيم المسمى بيان المعاني على ترتيب النزول، القسم المدني، الجزء الثالث، ٥٢٤ - ٥٢٥.\n(٢) هذا التاريخ زودني به ولده عبد المعين، وهو الثابت لديهم، في حين ذكر مكتب الدراسات السورية والعربية أنه وُلد عام ١٨٨٠ م، وأن مولده في دير الزور وكذا تعليمه (مكتب الدراسات السورية والعربية، من هو في سورية، مطبعة العلوم والآداب، هاشمي إخوان بدمشق، ص ٧٣٠)، وفي ذيل الأعلام مولده سنة ١٨٨٨ م (العلاونة، أحمد، ذيل الأعلام، دار المنار، جدة، ط ١، ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠٢، ٢/ ١١٣.\n(٣) ذكر لي ولده أن اسم السيد الذي كان يعلم الأبناء في الحوش \"محمود\"، وأنه والد والده، وكذا هو في كتاب \"من هو في سورية\" آنف الذكر، في حين أن شجرة النسب التي أثبتت في نهاية التفسير=","vol":"3","page":245},{"text":"ذلك بالحويش، أما لقب \"ملا\" فهو يعني: الأستاذ أو المعلم، وجاء لفظ \"السيد\" في النسب، لأجل العُرف تلك الديار، فيمن ينسب إلى النبي - ﷺ -، وما يزال هذا النسب يطلق عليهم -كما ذكر ولده لي- حتى يومنا هذا، من دير الزور حتى بغداد، موطن أكثر آل حويش.\nتعلم بدايات العلوم في مدينة عانة، ثم انتقل إلى بغدد، ودرس هناك العلوم الشرعية في مسجد أبي حنيفة ﵀، وقد لبس العمامة وهو في من الحادية عشرة من عمره، وبعد أن أتقن العلوم الشرعية والفقهية، وأخذ شهادة \"الرشدية\" التي كانت تخول حاملها -زمن الخلافة العثمانية- العمل في المحاكم الشرعية، انتقل إلى العمل في محكمة دير الزور الشرعية، لقربها من موطنه الأصلي \"عانة\"، وحاجة تلك البلاد إلى الذين يحملون المؤهل الشرعي، من أمثال الشيخ عبد القادر، ولم يقف عند هذا الحد، بل تدرج في المحاكم الشرعية، حتى أخذ شهادة \"عالي العُلا\"، وهي شهادة إدارية تخول صاحبها أن يكون قاضيًا، آنذاك.\nولم يقف عند هذا الحد، بل \"درس العلوم الشرعية والآلية في المدرسة الشرعية بدير الزور، وعلى أساتذة خصوصيين، ونال شهادة في العلوم العقلية والنقلية، ومصدقة من المجلس العلمي، كانال شهادة أخرى في علم المدنية من المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسيني بدمشق، وشهادة محاماة\" (١)، وفي هذه الأثناء كان قد التقى بدير الزور بالشيخ حسين الغزاوي الأزهري، والذي كان عائدًا من مصر -بعد أن نال الشهادة الأزهرية- إلى بغداد، فلما رأى ما في دير الزور من البُعد عن الدين مكث فيها، ولازمه الشيخ عبد القادر وتتلمذ على يديه.\nهكذا كان الشيخ، كالنحلة، لا يقع إلا على طيب، ويعطي العسل المصفى.\n_________\n= والتي نقلت منها اسمه، تذكر أن والد الشيخ عبد القادر اسمه محمد، وأن محمودًا جده، والله أعلم بالصواب.\n(١) مكتب الدراسات السورية، من هو في سورية، ص ٧٣٠.","vol":"3","page":246},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-853>المناصب الإدارية التي تقلدها:</span>\n• شغل من عام ١٩١٠ إلى عام ١٩١٩ وظيفة كاتب محكمة وقاضي شرعي ومدرس وواعظ وخطيب، وعضو بداية في قضائي البوكمال والميادين.\n• ومن عام ١٩٢٠ إلى عام ١٩٢٧ شغل وظيفة رئيس كُتّاب محكمة شرعية ومحكمة استئناف (١).\n• ومن عام ١٩٢٧ إلى عام ١٩٣٥ كان حاكم صلح وقاضي شرعي وعضو محكمة جناية في الميادين ومحافظة الجزيرة.\n• ومن عام ١٩٣٥ إلى ١٩٤٠ قاضي شرعي وحاكم صلح في الجولان والزوية.\n• ومن عام ١٩٤٠ إلى -قال المؤلف: حتى الآن، وهذا التاريخ قطعًا قبل عام ١٩٥٢ م الذي تقاعد فيه الشيخ- قاضي محافظة الفرات، وخلال هذه المدة قام بوظيفة مدير ناحية وقائمقام ومحافظ وكالة (٢).\n• وعمل معاونًا لمحافظ دير الزور حتى تقاعد منه سنة اثنتين وخمسين وتسعمائة ألف، وهي السنة التي وُلد فيه أصغر أبنائه: عبد المعين، الذي التقيته في حمص، وأفادني بمجمل سيرة والده (٣).\n_________\n(١) انظر: وثائق المحكمة الشرعية بدير الزور، سجل رقم (١)، عام ١٣٤٢ هـ/ ١٩٢٤ م، حيث ورد للشيخ قسمة تركة المتوفى حسن المحمد الجاسم، وجاء وصف الشيخ بـ \"المأذون، رأس الكلية السيد عبد القادر الملا حويش\"، الضللي، رامي وحيد الدين، الحياة الإدارية والاجتماعية والاقتصادية في متصرفية دير الزور في الفترة ما بين ١٢٩٩ هـ / ١٨٨١ م-١٣٢٧ هـ / ١٩٠٩ م، رسالة ماجستير، جامعة دمشق، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم التاريخ، ٢٠٠٣/ ٢٠٠٤ م، إشراف أ. د. محمود عامر.\n(٢) المرجع السابق، ٧٣٠.\n(٣) وُلد في دير الزور، سنة ١٩٥٢ م، ودرس فيها الابتدائية حتى الثانوية، وهو الابن الوحيد الذي بقي ملازمًا والده، إذ ذهب كل من أبنائه في حال سبيله في طلبه الرزق والوظيفة، التحق بكلية التجارة في جامعة المستنصرية- بغداد، وتخرج منها سنة ١٩٧٧ م، وهو يعمل في وزارة التربية والتعليم السورية- دير الزور، وحين التقيته كان يشرف على تصحيح امتحان شهادة البكالوريا- الثانوية العامة، في مركز الحاسوب في مدينة حمص، ليلة الجمعة، السابع من جمادى الأولى سنة ستة وعشرين وأربعمائة وألف هجرية، الموافق الرابع عشر من شهر تموز سنة خمسة وألفين ميلادية.","vol":"3","page":247},{"text":"• عمل بعدها بالمحاماة عدة أشهر، لكنه شعر بحرمتها فابتعد عنها وانشغل بالتدريس، فقد كان يجلس للدرس بعد صلاة العصر إلى صلاة المغرب، بين المغرب والعشاء، فيدرس الفقه والتفسير وغيرها، هكذا نذر نفسه، وكان يخطب الجمعة في مسجد السرايا، حتى عام ١٩٧٠، وهذه الخطب كانت مكتوبة، ويقوم ابن أخيه بطباعتها على شكل ديوان خطب في مدينة بغداد.\nقال عنه نظمي الخمراوي: \"الأستاذ الشيخ عبد القادر ملا حويش قاضي القنيطرة، الفضل والعلم والأخلاق الرفيعة ممثلة في شخصه الكريم؛ وهو من الأساتذة الغيارى على الشريعة الطاهرة؛ يعمل بما أوتيه من قوة القضاء العادل بتطبيق الدين والعلم في أحكامه الصادرة عن بصيرة واقتناع\" (١).\nمن خلال تفسيره، تبين للباحث كم كان هذا الشيح يعيش هموم أمته، وكم كان يقلقه حالها الذي آلت إليه جراء الحملات الهدامة التي كانت تحاول غرس الفتن والضلال والفرقة في جسم الأمة الواحدة، ولقد كان همه الأكبر كيف يقاوم محاولات البريطان غرس اليهود في فلسطين، وكان يكثر الابتهال إلى الله تعالى أن يرد كيدهم إلى نحورهم، وكان يحذر المسلمين من شر وجودهم، وشر من أوجدهم، وكان يحاول بما أوتيه من قوة بيان أن يعيد المسلمين إلى مجدهم المسلوب، وعزهم الغائب، وما محاولته تفسير كتاب الله تعالى على طريقة ترتيب النزول إلا وجهًا من وجوه الدعوة إلى الله، ومحاولة للنهوض بالأمة من سباتها من خلالها تفهيمها كلام ربها، وبالطريقة نفسها التي نهض بها النبي - ﷺ - بأمة العرب يوم لم تكن شيئًا مذكورًا، ولكل مجتهد نصيب.\n_________\n(١) الخمراوي، نظمي، أعلام الشرق العربي مطبعة ألف با، دمشق، د. ط، ١/ ٧٩.","vol":"3","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-854>أوصافه:</span>\nكان ﵀ متوسط القامة، حنطي اللون، أبيض الوجنتين، كث اللحية، مستدير الوجه، فيه طول قليلًا، أزج الحاجبين مفرق ما بينهما، أقنى الأنف، طويل الصمت، جميل السمت، قليل الكلام، ولا يتحدث إلا بما يعنيه، وكان مرتبًا في حياته كلها.\nكان منتظم الأكل والشرب، حيث كان يباعد بين الوجبتين، وبين الوجبة وشرب الماء، فكان يجعل بين الوجبة والأخرى ست ساعات، ولا يشرب الماء إلا بعد مرور ساعتين، لا يجمع على المائدة أكثر من صنف من الطعام، وإن كان، لا يأكل إلا من صنف واحد، وإذا كان الأكل من ذوات العدد كالتمر والزيتون وما شابه ذلك، كان أكله وترًا، وهو في ذلك يحاول اقتفاء أثر الرسول -ﷺ-.\nقال لي ولده: لم يمرض في حياته قط.\nأما اللباس، فكان يلبس لكل فصل لونًا من اللباس؛ فللصيف اللون الأبيض، وللخريف اللون البني، وللشتاء اللون الأسود، وللربيع اللون الرمادي.\nلقد ورث الشيخ العلم والتقوى خلفه، ولم يمنعه ذلك من أن يورث لأولاده ما يكفيهم، حيث ورَّث لكل ولد وبنت (١) بيتًا يسكنه، وبيتًا يؤجره، فكان رمز الإنصاف والوسطية في حياته كلها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-855>حوار مع ولده:</span>\nسئل ولده: هل صحيح ما ادعاه بعضهم: أن الوالد كان صوفيًا؟ قال: لقد لازمته حياتي كلها، فلم أره يعمل شيئًا مما يعمله المتصوفة يومها، لكنه كان يذهب إلى شيخ الطريقة النقشبندية، وكان يستضيفه في بيتنا، فلأجل هذه العلاقة قيل\n_________\n(١) وهم ست بنين وسبع بنات، من زوجتين، في حين زوجته الثالثة توفاها الله حين ولدت، مع وليدها، وقد رأى الشيخ جميع أحفاده في حياته، إلا أبناء ولده عبد المعين.","vol":"3","page":249},{"text":"ذلك، ولكنه لم يفتأ ينكر على الصوفية ما يقومون به من شعوذة وبدع؛ كضرب الشيش وغيرها.\nولما سئل عن سلفية والده في التفسير، قال: لا تستطيع أن تصفه بأنه سلفي مطلقًا، ولا أشعري مطلقًا، لقد كان صاحب فكر حر، إلا أنه كان يغلب عليه الطبع السلفي.\nكان ﵀ حنفي المذهب.\nأما عن سبب تأثره بالآلوسي، وكثرة نقله عنه، فقال: إن الآلوسي من بلدة آلوس، وهي محاذية لبلدة عانة مسقط رأس الشيخ، وهي تبعد عن بكمان -موطن الشيخ- ما يقرب من مائة وخمسين كيلومترًا.\nوحول أقاربه في دير الزور، وعلاقتهم بآل حويش في العراق، قال: بحكم الوظيفة بقي الشيخ عبد القادر وأخوه سعيد في دير الزور، في حين انتقل إخوته الثلاث: عبد المجيد (١)، وأحمد (٢)، ومحمد رشيد (٣)، إلى بغداد، وآل حويش هناك يعرفهم القاصي والداني.\nأما شأنه، فكان لا يفتر عن القراءة في التفاسير والقرآن الكريم، ولما سألت ولده: هل كان يحفظ القرآن؟ قال: لم أجرؤ على سؤاله عن هذا، إلا أنه كان يؤم الناس، ولم يستعجم عليه القرآن مرة، وبقي يقرأ القرآن من المصحف حتى بعد أن ضعف بصره ولبس النظارة في آخر حياته، وقد شارف على الثامنة والتسعين.\n_________\n(١) والد الشيخ نوري، الذي بنى مسجدًا يسمى باسمه في حي الجامعة ببغداد، كان خطيبًا لجامع الكرخ إلى أن توفاه الله في بداية الثمانينات، وله من الأبناء غير الشيخ نوري: إسماعيل وإبراهيم.\n(٢) والد الشيخ حامد، وثابت، وعبد الله -والد عبد التواب-، ولعبد الله هذا مسجد بجانب المستنصرية ببغداد، بناه على نفقته الخاصة واسمه \"جامع عبد الله ملا حويش\".\n(٣) والد عبد الوهاب، وياسين، وطه.","vol":"3","page":250},{"text":"الشيخ ﵀ كان لا يحب الظهور، وكان يحب خدمة دين الله تعالى بكل ما أوتي من قوة، لكن لم يكن في باله أن يؤلف شيئًا، فالوريقات التي كانت تحوي علم الفرائض، كان يستعين بها أيام القضاء على استحضار المسائل المتعلقة بالمواريث، إلا أن صديقه أحمد مظهر بيك العظم (١) حين لمس من الشيخ صدقه وورعه وخشي على علمه من الضياع بعد موته نصحه بالتأليف ووعده بالمساعدة، فوقع الكلام من الشيخ عبد القادر موقعه وبدأ بتأليف التفسير، وكان أحمد مظهر يشرف على طباعته في دمشق، كون مقر المجلة التي كان يديرها قريب من مكتبة الترقي التي طبع فيها تفسير بيان المعاني.\nوحول تلاميذ الشيخ وأصدقائه، قال: لم يبقَ من أصدقاء الشيخ أحد على قيد الحياة إلا تلميذه \"مهيد الشرمان أبو الهادي\"، وهو طاعن في السن، إذ يزيد عمره على الثمانين سنة.\nتوفي ﵀ في شباط، سنة ١٩٧٨ م، وقد بلغ الثامنة والتسعين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-856>مؤلفاته:</span>\n١ - \" بيان المعاني.\n٢ - علم الفرائض.\n٣ - حسن القول.\n٤ - التشريع الإسلامي.\n٥ - قواعد اللغة العربية.\n_________\n(١) صاحب مجلة التمدن الإسلامي.","vol":"3","page":251},{"text":"٦ - القول في علم التوحيد\" (١).\n٧ - \"ديوان خطب ومواعظ.\n٨ - أحسن البيان في القرآن.\n٩ - أحسن السنن في الأذكار والسنن\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-857>قصة كتابة التفسير:</span>\nلقد قرأ الشيخ عبد القادر ﵀ جميع الكتب التي أشار إليها في مقدمة التفسير، والتي بلغت سبعة وعشرين مؤلفًا من أمهات كتب التفسير وغيرها، وطالع فيما يقاربها من الكتب، كل هذا الجهد قد صب في هذا التفسير، الذي انقطع لتأليفه ست سنوات متتالية، فكان بيته من طابقين، الطابق الأول فيه غرفة الضيافة والمكتبة، وفيه كان تأليف التفسير، حيث كان يجلس بين الكتب، بحيث لا يراه الداخل من خلفها؛ لكثرة ما كان يضع أمامه منها لحظة التأليف، وكان ينقطع في مكتبته، فلا يدخل عليه أحد إلا بإذنه وفي أوقات محدودة، فإذا احتاج شيئًا صفق بيده فيأتيه من في البيت ليلبي له حاجته، وإلى الآن يحتفظ أولاده، في بيته، في دير الزور بأدوات الكتابه: القلم والمبراة والمحبرة.\nكان ولده الكبير، ﵀، يجيد الطباعة على الآلة الكاتبة، فكان الشيخ، كلما أنهى شيئًا من التأليف دفعه له، فيطبعه، ثم يرسل المطبوع على الآلة الكاتبة إلى مطبعة الترقي في دمشق لتقوم بطباعة التفسير آليًا، ولبُعد المسافة بين دير الزور ودمشق -ما يقارب ٥٠٠ كم- كان أحمد بيك مظهر، صاحب مجلة التمدن الإسلامي يتولى العناية والمتابعة لهذا التفسير، فخرج المجلد الأول سنة ١٣٨٢ هـ/ ١٩٦٢ م، والمجلد الثاني سنة ١٣٨٢ هـ / ١٩٦٢ م، والثالث سنة ١٣٨٢ هـ/\n_________\n(١) العلاونة، ذيل الأعلام، ٢/ ١١٣.\n(٢) مكتب الدراسات السورية، من هو في سورية، ص ٧٣٠.","vol":"3","page":252},{"text":"١٩٦٣ م، والرابع سنة ١٣٨٣ هـ / ١٩٦٤ م، والخامس سنة ١٣٨٤ هـ / ١٩٦٥ م، والسادس سنة ١٣٨٥ هـ / ١٩٦٥ م.\nأما مخطوطة التفسير بخط المفسر الجميل، فهي محفوظة الآن لدى \"دار البلخي\"، عند صاحب الدار: أسامة البلخي -دمشق الحلبوني-، حيث تقوم هذه الدار على طباعته طباعة محققة، من قبل عدد من الشباب، حيث قاموا بالتعليق على الإسرائيليات والقصص والأحاديث الضعيفة، وبينوا درجتها من القبول، وأخذوا بإشارة ولده عبدالمعين، الذي رغب إليهم أن يفردوا ترجيحات والده في التفسير، فأفردوها بمجلد تزيد صفحاته على الخمسمائة صفحة، وأطلقوا عليه اسم \"الموجز في بيان المعاني\"، وسيلحق بالتفسير الذي سيرى النور بطبعته الجديدة في غضون أربعة أشهر، إن شاء الله تعالى، كما أخبرني بذلك ولده، الذي يشرف على هذه الطبعة، التي ستوزع مجانًا كسابقتها، حيث طُبعت ووُزِّعت لوجه الله تعالى من قِبَل والده ﵀.\nبدأ تأليف كتابه كما يقول سنة ١٣٥٥ هـ / ١٩٣٦ م. وكان ذا نزعة صوفية، تظهر دائمًا في أثناء كتابه، كما يظهر مغالاة في حبه لآل البيت، حتى إن المتصفح لكتابه لأول وهلة يحسبه شيعيًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>٢. التعريف بكتابه:</span>\nيقع هذا الكتاب في سبعة مجلدات كبيرة، وقد طبع في مطبعة الترقي سنة ١٣٨٢ هـ/ ١٩٦٢ م، ولصاحبه اصطلاح خاص في تقسيمه، حيث جعله أجزاء ثلاثة: اثنين للقسم المكي، وواحد للقسم المدني، وقسم الجزء إلى مجلدات: فالقسم المكي يقع في أربعة مجلدات، أي لكل جزء مجلدان، أما الجزء الثالث وهو المدني فيقع في مجلدات ثلاثة، وهو تقسيم غريب. وقد رتبه وفق نزول السور لا كما هو في المصحف، وهذه هي الطريقة نفسها التي سلكها الأستاذ دروزة، على اختلاف بينهما في ترتيب بعض السور.","vol":"3","page":253},{"text":"وهنا يحق لنا أن نتساءل، أي التفسيرين كان أسبق إلى الوجود؟ وهل تأثر اللاحق بالسابق؟ وهذه مسألة معقدة لأنهما طبعا في أوقات متقاربة، هذا من جهة. ومن جهة أخرى فإن كلًّا منهما يدعي أنه لم يسبق إلى طريقته هذه. إلا أننا من مطالعتنا لمقدمتي الكتابين، ندرك أن \"بيان المعاني\" كان أسبق، لأن مؤلفه بدأه كما يقول سنة ١٣٥٥ هـ / ١٩٣٦ م. ولعله تأخر كثيرًا في إتمامه، لأنه في تفسير سورة الطارق -وهي من أوائل السور عنده حيث جاءت في الجزء الأول- يحيل القارئ إلى مقال نشرته مجلة التمدن الإسلامي سنة ١٣٧٤ هـ. وهذا معناه أن تفسير سورة الطارق قد كتب بعد عشرين سنة من بدئه بالتفسير ومع هذه التعقيدات كلها فإنني أرى أنه كان سابقًا في فكرته لصاحب التفسير الحديث، كما لا أظن أن الأستاذ دروزة قد تأثر به أو نقل عنه فكرته، وأغلب الظن أن هذه الفكرة كانت تسيطر على كلا الرجلين، دون اتصال أحدهما بالآخر. ومع أن الأستاذ دروزة حاول أن يسوغ عمله مستشهدًا بغيره، فإنه لم يشر إلى صاحب بيان المعاني. وحينما اتصلت به أخبرني بأنه كان مرتاحًا لهذه الطريقة، وأنه لم يسبق إليها، ولم يشر من قريب ولا من بعيد إلى بيان المعاني مع سؤالي له عنه.\nومع مخالفتي للرجلين في طريقهما، إلا أنني لا أود هنا أن أناقش صاحب بيان المعاني في طريقته التي اتبعها، مكتفيًا بما ذكرته عند كتابتي عن الأستاذ دروزة فالرد على أحدهما، رد على الآخر ولا داعي للتكرار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-859>٣. منهجه في التفسير:</span>\nالحاجة إلى تفسير جامع مانع:\nيشرح الشيخ عبد القادر منهجه في مقدمته \" ... أما بعد فإن القرآن العظيم، جمع ورتبت سوره وآياته في المصاحف التي بأيدينا، طبق مراد الله تعالى، بأمر من رسوله الأعظم، ودلالة من الأمين جبريل المكرم، وحينما تشاور الأصحاب -﵃- على نسخه على الوجه المذكور، أراد الإمام علي كرم الله وجهه، ترتيب آيه وسوره","vol":"3","page":254},{"text":"بحسب النزول، لا لأنه لم ير صحة ما أجمعوا عليه، ولا لأنه حاشاه لم يعلم أن ذلك توقيفي لا محل للاجتهاد فيه، بل أراد أن تعلم العامة تاريخ نزوله، ومكانه وزمانه وكيفية إنزاله، وأسباب تنزيله، ووقائعه وحوادثه، ومقدمه ومؤخره، وعامه وخاصه، ومطلقه ... بادئ الرأي دون تكلف لمراجعة، أو سؤال، ولمقاصد أخرى ستظهر للقارئ إن شاء الله ... واعلم أن الخليفة عثمان -﵁- ومن معه من الأصحاب، إنما لم يأخذ برأيه؛ لأن السور والآيات كانت مرتبة ومجموعة على ما هو في المصاحف الآن. وهو أمر توقيفي لا مجال للرأي فيه، وليعلم أن تفسيره على رأي الإمام علي كرم الله وجهه، لا يشك أحد بأنه كثير الفائدة عام النفع، لأن ترتيب النزول غير التلاوة، ولأن العلماء ﵏ لما فسروه على نمط المصاحف، اضطروا لأن يشيروا لتلك الأسباب بعبارات مكررة، إذ بيَّن ترتيبه في المصاحف وترتيبه بحسب نزوله بعد، يرمي للزوم التكرار مما أدى لضخامة تفاسيرهم، ومن هذا نشأ الاختلاف بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ، والأخذ والرد فيما يتعلق فيهما، وقد علمت بالاستقراء، أن أحدًا لم يقدم تفسيره بمقتضى ما أشار إليه الإمام -﵁-.\nويكفي القارئ مؤنة تلك الاختلافات وتدوينها، ويُعرِّفه كيفية نزوله، ويوقفه على أسباب تنزيله، ويذيقه لذة معانيه، وطعم اختصار مبانيه بلغة سهلة يسرة موجزة خالية عن الرد والبدل، سالمة من الطعن والعلل، مصونة من الخطأ والزلل فعنَّ لي القيام بذلك، إذ لا مانع شرعي يحول دون ما هنالك، وأراني بهذا متبعًا لا مبتدعًا، مؤملًا أن يكون عملي هذا سنّة حسنة ... مبينًا أوَّل ما نزل إلى الفترة والفترة، وسببها ومدتها وأول ما نزل بعدها، وسبب وتاريخ كل منها، ومكانه وزمانه وقصصه وأخباره وأمثاله وأحكامه، والآيات المكررة وسبب التكرار، ونظائرها مما يناسبها باللفظ والمعنى، والكلمات التي لم تكرر فيه، (عدا ما كان بين سورة (ق) إلى (الحديد) وجزْءَي (تبارك) و(عم) لأن كثيرًا من كلماتها، لم تكرر لما هي عليه من السجع العجيب واللفظ الغريب). وما هو موافق لشرع من قبلنا منه ... وخلاصة القصص المعقولة والغزوات المرموقة.","vol":"3","page":255},{"text":"وتتميمًا للفائدة أوردت فيها ما يناسب الآيات من الأحاديث والأخبار والأمثال بما يكفي الواعظ عن كتب كثيرة، وجعلته في ثلاثة أجزاء: اثنين لما نزل في مكة المكرمة، وواحد لما نزل في المدينة المنورة وبدأته بمقدمة تحتوي على اثني عشر مطلبًا، تشير إلى ما أودعته فيه من المآخذ والأصول والرموز، وختمته بخاتمة ترمي إلى ما كان فيه من الوقائع والحوادث. وحقًّا إن أهل هذا العصر بحاجة ماسة إلى تفسير كهذا، جامع مانع على أسلوب حسن بسيط محتصر. غزير كافٍ، يطلعهم على حقائق كتاب الله، بصورة قد يستوي فيها الخاص والعام، وهذا غاية ما أقصده من المجيب السميع ومنه المعونة والتوفيق إلى سواء الطريق. وسميته \"بيان المعاني\" وأنا الفقير إليه عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-860>ركاكة وتناقض:</span>\nهذا مقتطف مما قدَّم به الشيخ عبد القادر، وهو كما ترى (١) تبدو عليه الركاكة والضعف أسلوبًا، كما أنه لم يسلم من المغالطات والشطحات موضوعًا. وإلا فكيف يفسر لنا الشيخ عبد القادر -ما دام ترتيب القرآن مراد الله، ومأمورًا به من رسول الله -ﷺ- وبدلالة من جبريل الأمين- مخالفةَ الإمام علي كرم الله وجهه، وكيف يريد ترتيب الآيات الذي لا يشك أحد من المسلمين بأنه توقيفى لا تجوز مخالفته؟ ! حقًّا إن الشيخ قد تأثر بآراء بعض الشيعة.\nوإذا كان المفسرون قد جاءت تفاسيرهم ضخمة كما يقول، لأنهم فسروا القرآن حسب ترتيبه في المصحف، ولأنهم ذكروا أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، فما يقول لنا هو عن تفسيره الجامع المانع، الذي جاء في هذه المجلدات الضخام؟ وهل استغنى بطريقته هذه عن ذكر ما أورده المفسرون؟ إنه لم يكن شيء من هذا ولكن ليت شعري! ! .\n_________\n(١) رحم الله صاحب روح المعاني، الذي يستعمل عند كل قول لا يعجبه، عبارة \"كما ترى\".","vol":"3","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-861>اثنا عشر مطلبا يذكرها المؤلف:</span>\nأما المطالب الاثنا عشر التي ذكرها، فقد تضمنت مبادئ التفسير، وما يحتاج إليه المفسر والحاجة إلى التفسير وأحوال المفسرين، ومأخذ تفسيره، وأصوله التي اتبعها في تفسيره، والتفسير والتأويل، والنهي عن القول بالرأي، وتشريع القرآن ومقاصده، والنزول وكيفيته، وترتيب سوره وآياته، وجمع القرآن، والناسخ والمنسوخ، والقراءات ونزول القرآن على سبعة أحرف، وخلق القرآن والوحي.\nوفي خلال هذه المطالب يرى القارئ العجيب والمستظرف والمستطرد والمستغرب. فهو ينقل مثلًا أنه ما من كتاب من كتب الله، إلا ونزل بالعربية، كما يتبنى القول بعدم النسخ. والذي يهمنا من هذه المطالب ما جاء في المطلب الرابع، حيث يقسم المفسرين إلى من اكتفى بالمنقول، أو جرى على المعقول، أو جمع بينهما، وهو من هذا الصنف الأخير كما يقول.\nأما مراجعه فهي كتب التفسير التي قرأها كالخازن والنسفي وغيرهما، والتي لم يقرأها كابن جرير والمنار وغيرهما، وكتب الحديث كالصحاح الست، كما يقول، وموطأ مالك وبعض الأحاديث الشائعة المتداولة، التي لم يُطعَن فيها، وكتب التصوف كعوارف المعارف والرسالة القشيرية والإحياء والإنسان الكامل لعبد الكريم الجيلاني، والبهجة السنية للشيخ الخاني، ونور الهداية والعرفان للصاحب، وكتب الفقه (كالمبسوط، وحاشية الباجوري) وغير ذلك من كتب المنطق والتوحيد كالجوهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>الأصول التي اتبعها:</span>\nأما أصوله المتبعة في التفسير كما يسميها فيشير إليها بقوله:\n\"واعلم حفظك الله أني إذا أردفت كلمة بغير أي التفسيرية أو الواو، كالعطوف البيانية، فهي معنى الكلمة التي قبلها، وقد أقدم بعض الكلمات المفسرة،","vol":"3","page":257},{"text":"وأترك ما لا يحتاج للتفسير مما هو معلوم بداهة ... وكل جملة ختمتها بالأصح أو الصحيح أو المعتمد أو الأوْلى، فهي في مقابلة أقوال لم تثبت لدي صحتها وأرجحيتها، وما قرنته بقيل، أو قالوا، أو ذكروا، أو رأوا، فهو دليل على ضعفها وعدم الاعتماد عليها. وما بدأته بلا بأس فهو خلاف الأوْلى، وما تركه أحسن من فعله، وما بدر مني في لفظ أقول أو نقول أو شبهه، في كل ما يدل على التعظيم، فهو لتعظيم العالمِ المنقول عنه، أو لتعظيم العلم نفسه لا لنفسي، وقد يكون من قبيل التحدث بالنعمة والامتنان. قال -ﷺ-: \"ليس منا من لم يتعظم بالعلم\" (١) وما ذكرت من (أرى هذا) أو (هو الأصوب) أو (الأحوط أن يؤخذ به)، فهو عبارة عن قول استحسنته من أقوال كثيرة\". ثم يذكر أن ما قدمه هو الأصح، إلا إذا صرح بخلافه. ويستمر في ذكر بقية مصطلحاته. وهكذا أخرج سفره العجيب كما يسميه. وحقًّا إنه لعجيب! بل وأي عجيب! ولهذا العجيب سوف يكون حديثي عن هذا التفسير، مباينًا لما تناولت به التفاسير السابقة، من تحليلات لما ورد فيها من موضوعات، وبيان آراء أصحابها حول بعض المسائل، وذكر المميزات التي يمتاز بها كل تفسير. بل سأكتفي بنقل نماذج من هذا التفسير ففي كل نموذج منها العجب العجاب. وقد لا أعلق على كثير منها، لأن الأمر من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى تعليق. وسنرى الاستطراد والإغراب والقصص العجيبة والآثار الواهية بل والموضوعة والحكايات الغريبة، وسنرى ما هو أعظم من ذلك وأشد خطرًا على الدين وأهله. كل هذا سنطالعه في هذا التفسير الجامع المانع وهذا السفر العجيب!\n_________\n(١) هذا الحديث الذي أورده الكاتب هكذا، لا ندري كيف يجوز له أن يأتي بهذا الإطلاق، دون بيان سنده ورتبته! .","vol":"3","page":258},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-863>نماذج من التفسير:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-864>١ - تفسيره للحروف المقطعة:</span>\nيقول في تفسيره لفاتحة سورة الشعراء (١):\n\"طسم: القول في معناه، كالقول في معنى ﴿الم﴾ وبقية الحروف المقطعة. وعلى القول بأن هذه اللفظة قَسَم من الله تعالى، فقال إنه أقسم بطَوْله وسنائه وملكه. وعلى القول بأنها مفاتيح بعض أسمائه تعالى، فهي مفتاح اسمه السلام والمالك والمحيي وشبهها، والصحيح أنه رمز بين الله ورسوله ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-865>٢ - مخالفته لصريح القرآن وصحيح الحديث:</span>\nويقول عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]:\n\"هذا وقد وردت أخبار وأحاديث بإسلام أبي طالب عند الموت عن ابن عباس وغيره. وأخبار أخرى بأن الله تعالى، أحيا لحضرة الرسول -ﷺ- أبويه وعمه أبا طالب وآمنوا به، وأن أقوال أبي طالب تدل صراحة على تصديقه لحضرة الرسول -ﷺ- وإيمانه به، أما أبواه فهما من أهل الفترة ... ولهذا فالأحسن أن يميل العاقل إلى إسلامه -يعني أبا طالب- وإسلام أبوي النبي -ﷺ- لأن القول بخلافه يؤذي حضرة الرسول -ﷺ- في قبره الشريف. وما على الله بعزيز أن يحييهم حتى يؤمنوا به، وصدق من قال: ولأجل عين ألف عين تكرم ... واعلم أن وفاته محققة بالتاريخ المذكور أعلاه (نصف شوال من السنة العاشرة للبعثة) وإذا كان كذلك وهو كذلك، فإن هذه الآية لم تنزل بحقه ... على أن جمهور المفسرين قالوا بنزولها في أبي طالب وهذا لا يتجه إلا أن تكون هذه الآية مؤخرة في النزول عن سورتها ... \". وهذا القول فضلًا على ما فيه من مغالطات تاريخية، فإنه يخالف الأحاديث الصحيحة التي لا يجوز\n_________\n(١) ج ٢، القسم المكي، ص ٢٥٦.","vol":"3","page":259},{"text":"لمسلم أن يماري فيها. لكن الشيخ لا يماري فحسب بل وينكر والعياذ بالله. والرأي الذي جاء به، إنما هو رأي الشيعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-866>٣ - إخراج النصوص عن دلالاتها:</span>\nويقول عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] (١):\n\" ... وفي هذه الآية إعلام بأن الأصل في الأشياء الحل، وعليه فإن جميع ما في هذه الأرض هو حلال للبشر، لأن الله تعالى قال: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾، وإذا كان ما خلق فيها هو للبشر، فلا يحرم عليهم منها شيء، إلا ما ورد النص بتحريمه فيكون تناوله حرامًا، وإلا فحلال كله. وعليه فإن التبغ والتنباك وما شابههما مما لم يرد نص بتحريمه حلال ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-867>٤ - يستشهد بافتراءات بني إسرائيل على أنبيائهم:</span>\nوهو يرى في قصة داود -﵇- الواردة في سورة (ص)، رأيًا يصفه بأن لا غبار عليه، وهو خير ما قيل في هذه القصة. في أن داود -﵇- رأى زوجة أوريا فأعجبته، فطلب من زوجها أن يتنازل عنها فتنازل له، وهذا شيء مألوف كما يقول في ذلك الزمان! ! .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-868>٥ - حديث خرافة:</span>\nأما في سورة النجم فيقول عند قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢]، تحت هذا العنوان في مطلب الكرامة ومصدرها: \" ... والقاعدة أن كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي، جاز أن يكون كرامة لولي ... \" ثم يأتي بقصة: \"وقد أخبر عمرَ رجلٌ بأن رأى رجلًا يعلم الغيب، فقال له: لا يعلم الغيب إلا الله. وقال له:\n_________\n(١) جـ ٣، ص ٢١ - ٢٢.","vol":"3","page":260},{"text":"اقبض قبضةً من شيء لا تعلم عدده، واسأله عنها ليظهر لك كذِبُه، فذهب إليه وفعل ما أمره به عمر. وسأله فلم يعرف عدده ولا نوعه، فرجع إلى عمر وأخبره الخبر. فقال له: إذا كنت تعرف شيئًا هو راسخ في قلبك، فيمكن أن يعرفه أمثال هؤلاء. إذ يوشك أن ينقله وسواسك إلى وسواسه في قلبه فيحزرُه ... \" سبحان الله! هذا هو التفسر الجامع المانع! !\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-869>٦ - اعتقاده بصحة قصة الغرانيق:</span>\nوفي السورة نفسها يعقد مطلبًا بعنوان \"مطلب في السجود وقصة الغرانيق\" وبعد كلام طويل يقول: \"والسبب في سجود المشركين، أن النبي -ﷺ- كان إذا قرأ يرتل القرآن ويفصل الآي: أي يسكت سكتة خفيفة بين الآيتين. ولما قرأ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾\n[النجم: ١٩] بمحضر المسلمين وقريش، ترصد الشيطان تلك السكتة، فدس فيها ما اختلقه، وهو جملة (تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهن لترتجى)، محاكيًا بها صوت النبي -ﷺ-. فسمعه ممن دنا من الكفار فظنوها من الرسول -ﷺ-، ورأوه قد سجد هو ومن معه من المؤمنين فسجدوا معه سرورًا بذكر آلهتهم، وشاع الخبر في الآفاق، حتى إن المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة أوائل سنة خمس من البعثة، سنة نزول هذه السورة، عادوا فرأوا الأمر على خلاف ما سمعوا ... ولما عرف رسول الله -ﷺ- ذلك حزن وضاق، فأنزل الله عليه مساء ذلك اليوم تسلية له، وتعزية عما لحقه من الأسف قوله جل قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] ولما تحقق عند حضرة الرسول -ﷺ- ذلك، أخبر المسلمين وقريشًا بأن تلك الكلمات من الشيطان ... \". وهنا نتساءل إذا كانت هذه القصة لم تثبت من طريق صحيح فلِمَ يشغل الشيخ نفسه بها بتسويغ الأسباب لها، ليت شعري كيف يتسنى للشيطان أن يحاكي صوت الرسول -ﷺ- أثناء قراءته؟؟ وإذا كان شيخنا يؤمن بأن الشيطان لا يتمثل بالرسول، ويؤمن كذلك بأن للرسول الكريم نورًا قويًّا لا يستطيع الشيطان أن يقرب منها، كيف يقول ما قال؟","vol":"3","page":261},{"text":"ثم كيف لم يسمع الرسول -ﷺ- والمسلمون ذلك؟ كنا نود من الشيخ المفسر أن يمحص هذه الروايات، وكنا نريد منه أن يكون متصوفًا تسري فيه روحانية القرآن، التي تأثر بها المشركون فسجدوا. وكنا نريد من الشيخ محبًا للرسول -ﷺ-، أن يدرك قدسية الرسول -ﷺ- التي لا يمكن للشيطان أن يحوم حولها حتى في الرؤيا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-870>٧ - إيراده للخرافات وجهله بالسنّة:</span>\nوعند كلامه عن قصة خلق آدم -﵇-، في سورة البقرة يأتي بالعجيب العجاب. يقول: \"فقال ﷿: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، بدلًا منكم، ورافعكم إليّ. وذلك لما ظهر الفساد والإفساد من الجن، بعضهم على بعض حينما كانوا يسكنونها وعاثوا فيها فسادًا، يقتل بعضهم بعضًا، بعث الله فريقًا من الملائكة وعلى رأسهم إبليس، الذي لجأ إلى الله بذلك متبرئًا من بغيهم وطغيان بعضهم على بعض وقد ظاهر بالصلاح والإصلاح فطرد الجن إلى الجزائر والبحار والجبال والشعاب، وأهلكوا. ثم حل محلهم ذرية إبليس لأنه أبو الجن الثاني ... ثم إن الله تعالى أعطى إبليس ملك الأرض وسماء الدنيا وخزانة الجنة ... وبعث الله جبريل -﵇- إلى الأرض، ليقبض قبضة من أنواعها ويأتيه بها ليكون الخلق منها كلها، فلما أراد أن يأخذ منها، قالت: أعوذ بعزة الله منك، فترك ورجع ... ثم أرسل عزرائيل فاستعاذت منه فقال لها: إني أعوذ بعزته أن أعصي له أمرًا فقبض من عذبها ومالحها .... ثم قال الله له وعزتي وجلالي لأخلقن خلقًا أسلطنك على قبض أرواحهم لقلة رحمتك\" ثم بعد أن سوى آدم من طين وأمر الروح بالدخول فيه يقول المؤلف: \"فقالت الروح يا رب كيف أدخل؟ فقال: كرهًا تدخلين وستخرجين منه كرهًا، فدخلت يافوخه، فلما وصلت منخريه عطس، فعندما وصلت لسانه قال الحمد لله رب العالمين. فقال الله: رحمك الله ربك، لهذا خلقتك. وقد صارت سنّة في الخلق على كل من يعطس، وعلى كل من يسمعه التشميت بقوله: يرحمك الله ويرد عليه: يرحمنا ويرحمكم الله\". ثم يستمر في سرد القصة أثناء تفسيره للآيات، فيحدثنا","vol":"3","page":262},{"text":"كيف خلق حواء، ولِمَ سميت كذلك، وعن قصة إغواء آدم، وكيف أن إبليس أتى صديقته الحية، لمساعدته في ذلك، ثم يستمر هكذا في تفسيره، الذي قال إن أهل هذا العصر بأمس الحاجة إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-871>٨ - قصة بلقيس:</span>\nوفي تفسيره لسورة النمل، عقد مطلبًا بعنوان: \"مطلب ملك بلقيس وسلاطين آل عثمان\" يذكر فيها أن أبا بلقيس كان لا يرى أحدًا كفؤًا له، وأنه رأى حيتين تقتتلان، فقتل السوداء ورش الماء على البيضاء، فانقلبت هذه شابًا وكان ملك الجن، فكافأ أبا بلقيس بتزويجه ابنته ريحانه بنت السكن، فولدت له بلقيس. ويذكر أن هناك روايات أخرى لم يعتمد صحتها، وأنه شاك في هذه أيضًا، ولكنه أوردها لورود أخبار عن النبي -ﷺ-، بأن أحد أبوي بلقيس جني (١). وبعد أن ينتهي من قصة بلقيس وكيف وصلت إلى الملك، يذكر لنا عن مناسبة قول الهدهد لسليمان، إن السلطان عبد الحميد ﵀، كان إذا خرج إلى المسجد، يوقف ثلة على طريقه، وعند وصوله إليهم يقولون له بصوت عال بلغتهم التركية، يسمعه من معه من الملأ \"بادشاهم مغرور له سندن بيوك الله وار\" يعني \"يا سلطاننا لا تغتر الله أكبر منك\" ... إلخ! وهكذا لا نكاد نجد قصة من قصص القرآن إلا ويبتدع الشيخ فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-872>٩ - غرائبه في الإسراء والمعراج:</span>\nوإذا تركنا القصص جانبًا لنأتي إلى غيره -لعل الشيخ يتجنب إغرابه واستطراده، فربما يكون له في القصص عذره -من مسائل العقيدة ولنبدأ بسورة الإسراء نجده عند تفسيره للآية الأولى منها، يعقد فصلًا للمعجزات التي وقعت في حادثة الإسراء والمعراج، يذكر فيه سبعين معجزة ويقول إنه بالإمكان أن تصل إلى تسعين. ونحن سوف لا نذكرها جميعها، بل نكتفي بذكر بعضها مكرهين مرغمين،\n_________\n(١) لا أدري لم اختار الشيخ أن تكون أمها جنية، وأنا عَجِب والله كيف يقول عاقل مثل هذا.","vol":"3","page":263},{"text":"منزهين ساحة الرسول -ﷺ-، من كل ما لم يقله ولم يفعله، معتذرين إليه من أن يسند إليه ما هو منه بريء ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-873>أ- المعجزات بين يدي الإسراء:</span>\nوقبل هذه المعجزات يذكر الشيخ، أن أم هانئ فقدت الرسول الكريم من بيتها، فأخبرت بني المطلب، فتفرقوا للبحث عنه، ووصل العباس إلى ذي طوى وهو يقول: يا محمد يا محمد. وأول المعجزات التي يذكرها بأن أرسل الله من الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل، نزلوا على الرسول -ﷺ-، فأيقظه جبريل وقال له: قم إن ربك بعثني إليك وأمرني أن آتيه بك ... فتكلم ربك وتنظر إليه. ثم شق صدره، وهذه هي المرة الثالثة لشق الصدر، فالأولى في صغره، والثانية عند بعثته، أما المعجزة الرابعة فهي خاتم النور الذي ختم به جبريل على قلبه وبين كتفيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-874>ب- المعجزات في أثناء الإسراء:</span>\nوأما الخامسة فهي صفة البراق فخده خد إنسان، وقوائمه قوائم بعير، وعُرفه عُرف فرس، لا ذكر ولا أنثى، فهو حقيقة أخرى كالملائكة فإنهم خارجون عن فحوى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] أما المعجزة السابعة، فإنه رأى عفريتًا في طريقه يطلبه بشعلة من نار فعلّمه جبريل كلمات يدعو بها، فخرّ العفريت صريعًا وانطفأت شعلته، وفي المعجزات التاسعة والعاشرة والحادية عشرة والثانية عشر يرى داعيًا يدعوه عن يمينه، وآخر عن يساره وامرأة حاسرة عن ذراعيها وعجوزًا كل يدعو الرسول ليلتفت إليه، ويعرض عنهم -ﷺ-، ويبين له جبريل أن هؤلاء هم داعي اليهود وداعي النصارى وداعي الدنيا ... إلخ، ولو أجبتهم لتهودت أمتك أو تنصرت أو مالت إلى الدنيا -وكأنها لم تمل بعد! ! - وعند كلامه عن المعجزة الثالثة عشرة يقول: \"قالوا اتق حروف الشوك أي الكلمات المبدوءة بالواو، كالوكالة والوصاية والولاية والوزارة والوديعة والكلمات المبدوءة بالشين كالشر والشره والشبع والشركة، والكلمات المبدوءة بالكاف كالكيد والكفر","vol":"3","page":264},{"text":"والكفالة وكلام الفضول والكذب\" (١)، ونستمر مع الشيخ فيما يذكره من معجزات وأحاديث موضوعة، لنأتي إلى المعجزة الخامسة والعشرين حيث يقول: \"ورأى محمد -ﷺ- موسى -﵇- يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر ويقول: \"أكرمته وفضلته\" ويرفع صوته فقال من هذا يا جبريل؟ قال: \"موسى بن عمران\" قال: ومن يعاتب؟ قال يعاتب ربه فيك ... \" وفي المعجزة الحادية والثلاثين يذكر أن الله أحيا له جميع الأنبياء من قصّ عليه ومن لم يقصص، إلا عيسى وإدريس والخضر وإلياس فإنه رآهم بأجسادهم الحقيقية، لأنهم أحياء، ومع أن الخضر لم يُجمَع على نبوته، إلا أنه جاء مع الأنبياء هنا لإجماع الكلمة على حياته -سبحانك هذا بهتان عظيم! وإذا كان الإمام البخاري -﵁- وغيره من أئمة التفسير والحديث، لا يرون لحياة الخضر أصلًا، فكيف يدعي صاحبنا الإجماع حتى الصوفية أنفسهم لا يرى الكثير منهم هذا- وفي المعجزة الثالثة والثلاثين يخلط كلامًا سقيمًا، مع قول صحيح في إنائي اللبن والخمر، فيذكر أن جبريل قال للرسول -ﷺ-: لو شربت اللبن كله، ما ضل أحد من أمتك بعدك، فطلبه الرسول ليتم شربه، فقال جبريل \"قضي الأمر\" ثم تلا ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤] ونسي الشيخ أن الآية مدنية! .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-875>ج- المعجزات في أثناء المعراج:</span>\nوفي العجزة الرابعة والثلاثين يذكر أن الرسول -ﷺ-، وضع له سلم من ذهب، أسفل صخرة بيت المقدس، ورأسه في السماء وهو المعراج، الذي تعرج عليه أرواح الأنبياء وسائر بني آدم. ثم يقول: \"وقد ذكرنا في الآية (٨٥) من سورة الواقعة أن المحتضر يشخص بصره إلى السماء، فتخرج روحه وهو على هذه الحالة، وذلك لأنه يرى هذا المعراج، الذي تصعد عليه روحه فيعجب من حُسْنه فيتبعه بصره حتى إن أكثر الأموات تبقى عيونهم مفتوحة وعليهم بسمة ... \". ثم يعقد مطلبًا عند المعجزة الخامسة والثلاثين بعنوان \"مطلب الورد الأحمر والأصفر\n_________\n(١) ولا أدري لِمَ لم يعمل شيخنا بتلك النصائح فيترك كلام الفضول.","vol":"3","page":265},{"text":"والمواليد الثلاثة والحركة القسرية\" يقول: فيه: \"قال -ﷺ- لما عرج بي إلى السماء، بكت الأرض من بعدي، فنبت الأصفر (أي الزهر الأصفر) فلما رجعت قطر عرقي على الأرض، فنبت الورد الأحمر، ألا من أراد أن يشم رائحتي فليشم الورد الأحمر\" [رواه أنس مرفوعًا]. قال أبو الفرج النهرواني: هذا قليل من كثير مما أكرم الله نبيه .. ولهذا جرت العادة أن من يشم وردًا له رائحة طيبة، يصلي على محمد -ﷺ- أخذًا من هذا. ونظيره على ما قيل: إن حواء -﵍- لما هبطت إلى الأرض بكت فما وقع من قطرها في البحر صار لؤلؤًا، وما وقع في الأرض صار زهرًا ... ومنه أن إبراهيم -﵇-، ذرى كفًا من كافور الجنة، فما وقع منه ذرة في الأرض إلا صارت سبخة ... أَبَعْدَ هذا الذي أعطاه الله عباده مؤمنهم وكافرهم، يستغرب أن يمنح من خلق الكون لأجله ما قرأته وسمعته؟ \".\nونحن نجلّ الرسول -ﷺ- عن مثل هذه الترهات، كما نرفض أن تكون رائحة الورد الأحمر والأصفر والأخضر، وأن تكون رائحة المسك والفل والعنبر -لا أقول شبيهة بل قريبة- من رائحته الزكية وشذاه الطيب -ﷺ-، كما أستنكر أن يسكت العلماء عن هذه وأمثالها. فيسمح لكل واحد أن يخوض فيما يسميه \"تفسير كتاب الله\". والحق أقول: إن العلماء مقصرون، إن هم غضوا طرفًا عن مثل هذه الأمور، وأسأل الله العفو عنا.\nوفي المعجزة السابعة والثلاثين، يذكر \"أن النبي -ﷺ- رأى في معراجه بحرًا أخضر، فسأل جبريل عنه فأجابه بأنه بحر في الهواء، لا شيء فوقه ولا شئ تحته، ولولاه لأحرقت الشمس الدنيا وما فيها. ويعلق بأنه إن ثبت عن الرسول -ﷺ- وهو لا ينطق عن الهوى، ينبغي أن نصدق به، وإلا فإن تصديق ما لا مضرة له في الدين أحسن من تكذيبه\"! ! وهذا كلام ساقط عند أهل العلم، وذلك لأننا في مسائل العقيدة والدين، ينبغي أن نقف عند حدود كتاب الله وصحيح سنّة رسوله -ﷺ-. وهنا أراني مضطرًا أن أكتفي بما ذكرت، لا لأنه أغرب مما سكت عنه، فهناك ما هو أكثر غرابة من هذا! ! ولكني لا أود أن أضيع الحبر سدًى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"3","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-876>١٠ - تناقضه في إثبات رؤية الله ﷿ في الدنيا:</span>\nوعند تفسيره لقوله الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] يقول: \" ... ولرؤيته -ﷺ- لربه ﷿ في الدنيا من خصوصياته أيضًا، وهي حق ثابت لا مرية فيه. ولم يره في الدنيا بعيني رأسه غيره، ولم يكلمه أحد مشافهة مع الرؤية غيره أيضًا. وقد ثبت لموسى -﵇- تكليم الله فقط من غير رؤية ... \" (١)، بينما يثبت هذه الرؤية لموسى عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣] (٢). وهذا أنموذج من التناقض وما أكثره عنده! .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-877>١١ - تضعيفه للأحاديث الصحيحة واستشهاده بالموضوعات:</span>\nوعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾ [ص: ٣٢]، يثبت بحماس رد الشمس أكثر من مرة للرسول -ﷺ-، ولسيدنا علي كرم الله وجهه مستدلًا بآثار يدعي صحتها، ويندد وينعى على ابن تيمية وابن الجوزي، لأنهما نبها على وضعها، ويقول هذا ديدنهما لأنهما يردان كل خارق للعادة، ونسى الشيخ أن خرق العادة شيء، وعدم ثبوت الخبر شيء آخر. فإذا كان الأثر صحيحًا قبلناه، خرقت العادة أم لم تخرق، فضلًا على أن ما جاء به يخالف الآثار الصحيحة. ورحم الله يحيى بن سعيد القطان حين قال: \"لم نرَ الصالحين في شيء أكذب منهم في الحديث\" قال الإمام النووي في شرحه لمقدمة صحيح الإمام مسلم في شرح هذه العبارة: \"لكونهم لا يعانون صناعة أهل الحديث، فيقع الخطأ في روايتهم ولا يعرفونه، ويروون الكذب ولا يعلمون أنه كذب\" (٣).\n_________\n(١) تتمة الجزء الثاني من القسم المكي، ص ٥٨.\n(٢) الجزء الأول من القسم المكي، ص ٤٢١، ٤٢٢.\n(٣) صحيح مسلم شرح النووي، ج ١، ص ٩٤.","vol":"3","page":267},{"text":"ويا ليت شيخنا كان من هؤلاء! إذن لقبلنا منه وعذرناه، لكنه حشا كتابه الذي أسماه تفسيرًا بكثير من الآثار الواهية، التي ليست عليها مسحة الحديث، ولا نور النبوة، ولا تسري فيها روحانية الرسول -ﷺ-، \"وليس والله أخطر من أن يقول قائل، قال -ﷺ- كذا، دون أن يعرف الصلة بين القول وقائله. فهذا الشيخ عند تفسير قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾ [القمر: ١٩]، بعد أن يطوف ما يطوف: يقول: \"فقد جاء عنه -ﷺ-: اقتلوا العنكبوت فإنه شيطان\" (١). كما يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ [الزخرف: ٦١] (٢)، وما جاء في الخبر (ألا لا وحي بعدي) باطل لا أصل له، وكذلك ما اشتهر أن جبريل -﵇-، لا ينزل إلى الأرض بعد وفاة النبي -ﷺ-، باطل لا أصل له أيضًا. ويرده خبر الطبراني: ما أحب أن يرقد الجنب حتى يتوضأ، فإني أخاف أن يتوفى وما يحضره جبريل -﵇-\".\nقال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: \"فيه عثمان بن عبد الرحمن هو الحراني قال ابن عدي: لا بأس به يروي عن مجهولين. وقال البخاري وأبو أحمد والحاكم: يروي عن قوم ضعاف، وقال أبو حاتم: يشبه بقية في روايته عن الضعفاء\"، مع أن الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن أم سلمة، أن الرسول -ﷺ- كان يجنب، ثم ينام ثم ينتبه ثم ينام. ورجاله رجال الصحيح (٣). وإنما أحببت أن أخرج هذا الحديث الذي جاء به الشيخ لأنه ذكر مصدره وهو الطبراني. ويا ليته يفعل في كل حديث ذلك! .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>١٢ - إمعانه في الخرافات:</span>\nوعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾ الكهف: ١٩]، يقول: \"وفي حملهم هذه النقود عند فرارهم، دليل على جواز حمل النفقة وما يصلح للمسافر لئلا يكون عالة على غيره ... وهذا رأي المتوكلين على الله. قال -ﷺ-:\n_________\n(١) الجزء الأول، ص ٢٨٩.\n(٢) تتمة الجزء الثاني، القسم المكي، ص ٨٢.\n(٣) مجمع الزوائد، ج ١، ص ٢٧٥.","vol":"3","page":268},{"text":"\"اعقلها وتوكل\". وقال بعض الأجلة: إن توكل الخواص ترك الأسباب بالكلية، مستدلًا بما روى عن خالد بن الوليد، أنه شرب السم فلم يصبه شيء، وأن سعد ابن أبي وقاص وأبا مسلم الخولاني، مشيا بالجيوش على متن البحر، وكذلك البراء الحضرمي خاض بقومه البحر\" وأرى أنه لا داعي للتعليق على هذا، فإنه باطل في أكثر من وجهه من ناحية هذه الأخبار أولًا، ومن ناحية معارضة الحديث الصحيح بأقوال الناس من وجه آخر.\nويقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا. . .﴾ [الكهف: ٦٥]: \"مَنْ كَتَبَ: علي -﵇- ولد في ١٠ رجب سنة ٣٠ من عام الفيل دخل الجنة، والله يرزق من يشاء بغير حساب\".\nاللهم أعمِ أعين المستشرقين وتلاميذهم والناشئة المسلمة، عن هذا الكتاب وبصِّر اللهم به العلماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-879>١٣ - تخبطه في التفسير:</span>\nوإذا تركنا الآثار الواهية والأقاويل، وجئنا إلى موضوع آخر وهو ما أتقنه الشيخ كما يقول في مقدمته، أعني \"المكي والمدني\" نرى ونسمع ما لا ينبغي أن يرى أو يسمع. يقول عند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]. \"والفرق بين هذه الآية وآية البقرة عدد ٢٣ في ج ٣ واضح، لأن المراد هنا بسورة مثل القرآن. والمراد بآية البقرة: فأتوا بسورة من رجل مثل محمد -ﷺ- ... كما أن الفرق بين هاتين الآيتين وآية هود الآتية بيِّن، لأن تلك تحداهم بها للإتيان بعشر سور منه، والإتيان من المخاطبين جميعهم أميهم وقارئهم ... فظهر من هذا أن كل آية مختصة بشيء لا تشمله الآية الأخرى. . .\" (١). ومع أنه لم يظهر من كلامه شيء، إلا أن\n_________\n(١) ج ٢، ص ٤٠.","vol":"3","page":269},{"text":"ما يزيد الطين بلة أنه يقول في سورة هود (١): \"وأول الآيتين المدنيتين ١٢/ ١٣ في هذه السورة، هو قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾: اختلق محمد هذا القرآن ونسبه إلى الله \"قل يا سيد الرسل لهؤلاء المفترين\"، فائتوا بعشر سور مثله مفتريات: \"أي تحداهم يا محمد بذلك، لأنهم عرب مثلك، والقرآن باللغة العربية فقل: إذا كنتم تزعمون أني افتريته، فافتروا عشر سور مثله\". وكان نزل من القرآن عند هذه الحادثة جميع السور المكية، وهي ست وثمانون سورة وقسم من المدني، لأن هذه الحادثة وقعت في المدينة. وهاتان الآيتان نزلتا فيها متأخرتين عن سورتهما المكية، التي عددها بحسب النزول اثنتان وخمسون سورة، وقد ذكرنا في سورة يونس المارة عند قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ أن معناها هناك مثل جميع ما نزل ... ولهذا لا دليل لمن قال بأن هود نزلت قبل يونس، لأنه تحداهم بعشر سور، فلما عجزوا تحداهم في يونس بسورة واحدة .. وإن آية هود نزلت بعد اية يونس بسنين وأشهر وأيام\". هذا التناقض العجيب الغريب، الذي يدل أول ما يدل، على عدم التمحيص العلمي فقط، بل وعدم الروية في الأمور والتفكير المنطقي السوي. ويا ليته قال أن آية يونس مدنية لكان أمره أسهل وأهون، ولكنه التأليف الذي لا توجد عليه رقابة العلماء! ! .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-880>١٤ - جهله ببدهيات اللغة والتاريخ:</span>\nوأحب هنا أن آتي لموضوع آخر، لا يتعلق بالآثار، ولا بالقسم المكي والمدني وإنما يتعلق بمسائل أخرى كاللغة والتاريخ لندرك بضاعة الرجل وتذوقه اللغوي وتمييزه بين عصور التاريخ الإنساني. هذا الرجل الذي يقول إنه درس كتب المستشرقين، وأتقن العلوم اللغوية والعقلية! ! ! وسأقتصر على أنموذج واحد - فالنماذج كثيرة لمن أراد أن يطلع.\n_________\n(١) ص ١٠٢.","vol":"3","page":270},{"text":"يقول عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ [الأعراف: ١٠٢]:\n\"مطلب في تفاوت حروف الجر ... وألقاب الملوك: وجيء بمن هنا للتأكيد والإحكام\" ... وانظر لهذا الجناس التام المماثل، بين قوله: ﴿وَمَا وَجَدْنَا﴾ وبين قوله: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ ... و(إن) في صدر هذه الآية مخففة من الثقيلة، وخبرها ضمير الشأن. واللام في ﴿لَفَاسِقِينَ﴾ اللام الفارقة بين (إن) النافية والمخففة حيث أوجبوا وجود اللام بعد (إن) المخففة، لئلا تلتبس بالنافية التي لا يأتي اللام بعدها، والمعنى أنه أي الحال والشأن وجدنا أكثرَهم فاسقين. راجع الآية ٤٥ والمارة (١). وقال بعض المفسرين: إنَّ (إنْ) بمعنى (ما)، واللام بمعنى (إلا) أي: ما وجدنا أكثرهم إلا فاسقين، وهو وجيه، وفيه من البلاغة ما لا يوجد في التفسير الأول، وسياق صدر هذه الآية يوافق المعنى، إلا أنَّ مجيء اللام بمعنى إلا شاذ. لهذا قدمنا الاختيار الأول، مع اختيارنا للثاني لولا ذلك المانع\".\n_________\n(١) الصواب الآية ٤٤، يعني قوله تعالى: ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾ [الأعراف: ٤٥] حيث قال: \"واعلم أنّ ﴿أَنْ﴾ هذه والتي قبلها يعني (أن) الواردة في قوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الأعراف: ٤٣] مخففتان من الثقيلة\" أو مفسرة لكيفية المناداة وهو الأصوب. لأن المخففة يعقبها اللام وهو مفقود هنا، راجع آخر سورة القلم [الآية: ٥١] المارة\" يقيني ويقين كل عاقل، أن صاحبنا لم يدرك الفرق بين (إن) و(أن) المخففتين من (إنَّ) و(أنَّ) ولهذا فهو يخلط بينهما، فيجعل لـ (أن) [الأعراف: ٤٤] اسمًا وخبرًا. ويريد لـ (أن) اللام الفارقة بينها وبين (إنّ) النافية. ولهذا فـ (أن) في سورة الأعراف [٤٤] تفسيرية، لأنها لم تأتِ اللام الفارقة بجانبها. والآية التي أرشد إلها في سورة القلم هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ. . .﴾ [٥١]، فالواو استئنافية، و(إنْ) مخففة من (إنَّ) الثقيلة مهملة، حيث أجرى حكمًا واحدًا على (إن) في سورة القلم و(أن) في سورة الأعراف [٤٤]، وكان بإمكانه أن يريح غيره ويريح نفسه، ويجري على ما جرى عليه الكثيرون، من عدم التعرض لهذه الاصطلاحات مع إتقانهم لها.","vol":"3","page":271},{"text":"ولا مانع من أن أشير إلى تلك اللفتات العلمية في كلام الشيخ عند قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾ [الأعراف: ١٠٢]: \"فمن للتأكيد والإحكام ...، وانظر إلى الجناس التام المماثل في (ما وجدنا) و(إن وجدنا)، و(إن) مخففة من الثقيلة وخبرها ضمير الشأن، وكون اللام بمعنى (إلّا)، و(إنْ) بمعنى (ما) أبلغ من غيره، وهو المختار عنده، لولا أن ورود (اللام) بمعنى (إلا) فيه شذوذ! \" رحم الله سيبويه وعبد القاهر وسامح الله الشيخ عبد القادر! ! .\nثم يتابع الشيخ تفسيره -فيتفنن في التاريخ كما تفنن في اللغة: \"ثم بعثنا من بعدهم موسى بن عمران، بآياتنا التسع الآتية بعد في هذه السورة ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ الوليد بن مصعب بن الريان ملك مصر المبالغ في الكبرياء والجبروت والإفراط، حتى ادعى الإلهية، وكلمة فرعون علم لكل من يملك القبط، كما أن النجاشي لمن يملك الحبشة ... والخليفة للمسلمين، والعزيز لمصر، وحمير لتبع، وحمى للهند، وجالوت للبربر، ونمرود للصابئة، ومقوقس للإسكندرية ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-881>١٥ - إغرابه في كل شيء:</span>\nأما عن آيات الأحكام فإن صاحبنا لم يأت بجديد، ونحن لا نكلفه ذلك. بل نكتفي منه بألا يغرب في القول، ولكنه حتى في تفسير هذه الآيات، لم يترك ما تعوده.\nفهو يقول عند تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]: \"أيها الصائمون بعد غياب الشمس، من المحل الذي أنتم فيه، لأنها تكون طالعة في غيره، بسبب ارتفاع حدبة الأرض، فهي دائمًا طالعة عند أناس، غائبة عند آخرين. وما جاء أن الأرض مفروشة أو مبسوطة أو ممهدة أو ممدودة مِن كل ما يدل على استوائها من الآيات، فهو بالنظر لما نراه، لا بالنسبة لما هي عليه في التكوين الإلهي، فالنملة ترى البيضة مستوية مبسوطة بالنسبة لصغرها وعظم البيضة، فنحن أصغر من النملة بالنسبة للأرض بملايين الكرات ... \".","vol":"3","page":272},{"text":"وهكذا ديدن الشيخ في كل تفسيره، لا فرق بين آيات الأحكام وغيرها. فهو حينما يتكلم عن آيات الصفات، يطلب أن يصار على مذهب السلف، ثم نجده يفسر الاستواء بالاستيلاء، وهذا ليس غريبًا عليه، كما نجده في تفسيره لسورة الهمزة يقول: \"إن أشعة رونتجن يمكن أن يدل عليها قول الله: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)﴾ [الهمزة: ٧]، فهي تطلع على الأفئدة لتصورها وتقرأ الأفكار\".\nهذا وأمثاله كثير عند الشيخ، إلا أن الذي يثير الدهشة أن الشيخ يحاول أن يرد على غيره، فهو مثلًا يقول في سورة الفيل: \"وما قيل أن الله سلط عليهم الجدري، أو رماهم بما يشبه التسمم (الميكروب)، ينافي صراحة الآية وحقيقتها، اللهم إلا أن يقال إن ذلك نشأ عن رميهم والله أعلم! \" وكأني بالشيخ لا يدري ماذا قال غيره، حتى يرد عليه ويقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]: \"هذا والعجب كل العجب من أن سماحة الأستاذ المراغي بمصر العظيمة، اعتبر هذا المسخ عند تفسير قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ البقرة: ٦٥] معنويًا، مستدلًا بما رواه ابن جرير عن مجاهد، بأنه ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم، وهو يعلم أن ابن جرير ينقل الأقوال ثم يعلق عليها ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-882>١٦ - رده للسنّة والإجماع:</span>\nويا ليت الشيخ يرد على أشخاص وأفراد فإن هذه حرية ممنوحة له، ولكننا رأيناه في أكثر من موضع يرد ما أجمعت عليه الأمة، فهو عند تفسيره لسورة المسد ينكر ما جاء في الحديث الصحيح، من أن سبب نزول السورة كان كما أورده البخاري ومسلم، يقول: \"وقد جاء في التأويلات النجمية، أن أبا لهب كان في بداية أمر النبي -ﷺ- يحسن إليه ويكرمه ويقول إلى قريش: \"إن كان الأمر إلى محمد فلي عنده يد، وإن كان لقريش فلي عندها يد أيضًا\"، لأنه كان يحسن إليها. وبعد أن ظهر أمر الرسول -ﷺ- أظهر له العداوة وصار يهينه ويؤذيه، فأنزل الله فيه هذه السورة إعلامًا بخسران يده عنده لتكذيبه إياه، وخسران يده عند قريش أيضًا لعدم بقاء يد لهم عند","vol":"3","page":273},{"text":"الرسول، وإذلالهم لعدم الإيمان به، وهذا أحسن ما قيل في أسباب نزول هذه السورة. أما ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤]، صعد النبي -ﷺ- على الصفا ونادى ... فقال أبو لهب: تبًا لك سائر اليوم ألِهذا جمعتنا! فنزلت السورة ونقله أكثر المفسرين، فلا يصح هذا أن يكون سببًا لنزولها، لأن هذه الآية لم تنزل بعد، ولا يصح أن يكون المؤخر سببًا للمقدم، ولا يبعد أن يكون قول أبي لهب لحضرة الرسول (تبًا لك سائر اليوم)، ردًّا على ما جاء في هذه السورة المتقدمة على هذه الحادثة. الأجدر أن يكون كذلك ... \".\nوإذا كان من السهل على الشيخ أن يرد إجماعًا ليس فيه ضير في العقيدة فإنه يصعب على كل مسلم أن يرد إجماعًا في رده هدم للعقيدة من أساسها، وتقويض لبنيانها من قواعده، ولقد كنا نأخذ ما قاله الشيخ على أنه غث وضعيف وقصص وحكايات، لكننا وجدنا أنفسنا أمام أمرٍ عظيم، يذهب بأكثر نصوص هذا الدين، وذلك نراه جليًّا عند تفسير الشيخ لسورة الناس: يقول: \"إن بعض الأولياء سأل الله تعالى أن يريه كيف يأتي الشيطان ويوسوس، فأراه الله تعالى هيكل الإنسان، في صورة بلور وبين كتفيه شامة سوداء كالعشّ والوكر. فجاء الخناس يتجسس من جميع جوانبه، وهو في صورة الخنزير، له خرطوم كالفيل، فأدخل خرطومه من بين الكتفين من قبل قلبه فوسوس إليه، فذكر الله فخنس وراءه. لذلك سمى الخناس لأن نور الذكر ينكصه على عقبه، ولهذا السر الإلهي كان خاتم النبوية في هذا المحل، إشارة إلى عصمته -ﷺ- منه ... وكان -ﷺ- يحتجم من بين الكتفين ويأمر بذلك لتضعيف مادة الشيطان وتضييق مرصده .. وقال بعض العارفين أراد (برب الناس) الأطفال ... وبـ (ملك الناس) الشباب، و(إله الناس) من الشيوخ\".\nولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن الشيخ تجاوزه كثيرًا وتجرأ على قدسية الإسلام، وطعن الأمة في معتقداتها طعنة نجلاء، فها هو يقول عن الإمامين العظيمين وعن السفرين الخالدين، أعني الجامع الصحيح للإمام البخاري وصحيح","vol":"3","page":274},{"text":"الإمام مسلم، ونعوذ بالله مما يقول في أثناء تفسيره لهذه السورة: \" ... ولعمري ليس كل شيء ما في الصحيحين صحيحًا قطعًا، فإن فيهما الضعيف والمنكر. وإن البخاري ومسلمًا رحمهما الله وإن كانا من أحسن الناس نقلًا، لكنهما نقلا عن أناس قد يطعن فيهم، أو أنه دس هذا فيما نقلاه ... \".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-883>إشفاقنا على المفسر وتحذيرنا من تفسيره:</span>\nهذا ما قاله الشيخ في سفره العجيب، وأنا أشهد الله أني أنكر قوله هذا، ولا أدري أَعَرَفَ الشيخ معنى المنكر! لا أعتقد ذلك! وأتساءل كيف يدعي أنه تلميذ للشيخ بدر الدين العلّامة المحدث والصالح الورع. لقد نشر أحد الناس مقالًا في مجلة قبل سنتين يعرض فيها بصحيح الإمام البخاري، فثارت ثائرة العلماء والغيورين على هذا الدين. وما كنت أعلم أن الشيخ عبد القادر، قد سطر هذا قبل سنين في تفسيره. وظنّي بعد هذا، لست بحاجة لأستزيد نقلًا من هذا الكتاب -تلك المجلدات السبعة الضخمة ذات الورق الجيد الناصع، التي احتوت على الكثير الكثير، مما هو بعيد عن معنى الجودة.\nإن هذا التفسير الجامع المانع كما وصفه صاحبه! ! والذي كان أبناء عصرنا في أمس الحاجة إليه! من الحق أنه جامع فعلًا، ولكن لكل ما هو غريب وضار ومنكر وموضوع، وأنه لمانع كذلك، لكن من كل ما فيه لأهل هذا العصر من خير في دينهم ودنياهم. وأنه ينبغي أن يحال بين هذا الكتاب وأهل هذا العصر، الذي يطعن صاحبه في أصح الكتب بعد كتاب الله، ومع ذلك يملأ كتابه بما هو بعيد عن روح كتاب الله.\nوبعد فلا أرى داعيًا لتقييم هذا التفسير كما هي طريقتي فإن نصوصه خير مقيّم له. وإذا كان الخازن كما يسميه بعضهم خازنًا للإسرائيليات، فأنه والحق يقال من التفاسير التي لا يستغني عنها الواعظ، وإنه بحق كذلك لا يجمع بين الغث والسمين وبخاصة في أحاديث الرسول -ﷺ-، أقول: إذا كان الخازن خازنًا للإسرائيليات كما قيل، فإن مفسرنا خزان لا للإسرائليات فحسب، بل وللأحاديث الموضوعة","vol":"3","page":275},{"text":"والمنكرة التي يتورع عن ذكر مثلها الخازن وغيره. وإذا كان الثعالبي حاطب ليل كما يقول ابن تيمية، فإن مفسرنا حطاب في ليل دامس، وأخيرًا فإن مثل هذا التفسير يستدعي من العلماء الرقابة والعناية لكل ما يكتب حول كتاب الله، هذا ونسأل الله أن يجنبنا الزلل في القول، والخطل في الرأي، والخطأ في العمل، وأن يجعلنا من اليقظين لهذا وأمثاله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.","vol":"3","page":276},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-884>تفسير الأستاذ أحمد مظهر العظمة (١٣٢٧ - ١٤٠٣ هـ/١٩٠٩ - ١٩٨٢ م)</span>","vol":"3","page":277},{"text":"تفسير الأستاذ أحمد مظهر العظمة\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-885>١. منهجه في التفسير:</span>\nالأجزاء (١) التي فسرها الأستاذ العظمة، جاءت في مراحل زمنية مختلفة، ومن هنا، رأينا منهجه لم يتخذ طابعًا واحدًا، وإنما يختلف باختلاف الأجزاء التي فسرها، وأول ما فسره مما هو بين أيدينا، جزء تبارك المطبوع سنة ١٣٧٤ هـ ويقول في مقدمة تفسيره هذا:\n\"وبعد، فقد بنى القرآن عقائد المؤمنين بناءً قويًّا لا يتزعزع، وصرف الأقوال الكريمة تصريفًا لا يتضعضع، ونوع الحجج الدامغة -كما في سور جزءي تبارك وعم- التي تستقر في أفكار الخاصة منهم والعامة، وهذا تفسير سورة جزء تبارك وأقدمه من وحي القرآن ونوره إلى الشباب المثقف تفسيرًا لغويًا دينيًا وعلميًا وأدبيًا يجدون فيه قبسات تكشف عن جوانب من تاريخ دعوة القرآن، وجهاد نبينا الصابر الظافر، وومضات من برهانها القوي الباهر، ولفتات من أدبها المعجز. ولقد أوجزت ما استطعت، وأرجو ألّا أكون قد أخللت، إذ لم أستجر الحديث من أباعد أطرافه، ولم أحمله غير صادق أوصافه، والقرآن يبرق عن وجهه الباسم الناضر. وكلما زدته نظرًا زادك عبرًا، وبه تستبصر أفئدة المستهدين، وفيه تستبق ألسن المادحين. فتقبله اللهم خالصًا في سبيلك ونورك، وانفع به عبادك المؤمنين، الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه\".\nوحينما نستعرض [*] التفسير نجد أن المفسر قد وفى بما ألزم نفسه به من ناحية الإيجاز أولًا، ومن ناحية ما تعرض له من لفتة علمية، أو قضية لغوية، أو صورة أدبية. إلا أنه في بعض الأجزاء قسم السورة إلى مقاطع، وفي بعضها تناولها جملة\n_________\n(١) الأجزاء التي فسرها الأستاذ هي: ٢٧ - ٢٨ - ٢٩ وسورة لقمان.\n\n[*] بالمطبوع (نسترضع)، وأظنه خطأ [مُعِدُّه للشاملة]","vol":"3","page":279},{"text":"واحدة. وقد يأتي أحيانًا بمقدمة للسورة، يذكر فيها تاريخها ومقاصدها، ويأتي بالمفردات، وقد يعقب ذلك بإجمال لمعاني الآيات أو السورة، يفصله فيما بعد. وكثيرًا ما يأتي بالصورة الأدبية والنسق الفني، والإشارات البيانية التي تتضمنها السورة.\nوها هو بين منهجه عند تفسيره لسورة لقمان:\n\"شرح معاني الألفاظ اللغوية حسب مواضعها في التنزيل. بيان المعاني المجملة ثم المعاني المفصلة للآية أو الآيتين فأكثر. إيثار تفسير القرآن بالقرآن كلما أمكن ذلك، فما أجمل منه في موضع، فكثيرًا ما يكون قد فُسِّر في آخر. ثم بالسنّة ثم بما يعتد به من الأقوال، ثم بروح التشريع. وذلك في ظل أسباب النزول إن وجدت، والروابط العامة والخاصة بين الآيات الكريمة، دون التعويل على الرأي المجرد. بيان الأحكام والقيم التي تؤخذ من الآية، دينية كانت أو اجتماعية أو خلقية أو تاريخية أو أدبية أو فنية، دون استطراد مخل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>٢. نماذج من التفسير:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-887>أ- من سورة الملك:</span>\nيقول بعد تفسير المفردات: \"بدأ الله هذه السورة بتمجيده سبحانه وتنزيهه فقد تنزه الله تعالى عن كل ما لا يليق به، كمشابهته خلقه، جلت عظمته، فهو مالك الملك المطلق التصرف الذي لا يعجزه شيء، وأي ملك كملكه؟ وأي عظمة كعظمته؟\nثم أورد جملة من أدلة تصرفه الشامل، وسلطانه المطلق، وقدرته العظيمة، إذا تدبرها مشركو مكة وغيرهم أفردوه -جل وعلا- بالعبادة، وهجروا ما اعتادوه من عبادة الأصنام، وتلك الأدلة يدركها العالم والجاهل، لأنها من الأدلة المحسة غالبًا، الناطقة بقدرة الله تعالى، ومع تلك الأدلة من التوجيه والعِبَر ما فيه مزدجر.\nفهو الذي خلق الموت والحياة. خلق العدم (الموت)، وإن شئت قلت أنشأ عناصر الوجود الحيوي، ثم خلق الحياة العجيبة البشرية وغيرها، لتكون مدارًا","vol":"3","page":280},{"text":"لاختيار البشر، أو لإعذارهم في طاعة الله تعالى، بإحسان أعمالهم التي دعا إليها، وذلك هنا مثل قوله تعالى في سورة أخرى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، فوصف ما سبق الحياة بالموت، وما أشبهه به! وما أحسن هنا صفتي (العزيز) و(الغفور)، فالله سبحانه العزيز الغالب، الذي لا يعجزه أمر من عصاه، فأساء عملًا، وهو العلي العظيم الغفران، لمن تاب وأناب.\nوهو ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣]، يعلو بعضها بعضًا، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، أثرًا للاختلاف والخلل، فالانسجام في الخلقة، والتصرف التام يشمل خلقه الظاهر لنا والخفي، كذلك السموات الطباق بالاستدلال القياسي إذ الإتقان في الظاهر، دليل الإتقان في الباطن، الصادر عن الحكيم القادر. وهذه السماء ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾ [الملك: ٣]، هل ترى من شقوق أو صدوع تدل فيما نراه على اختلاف وتفاوت؟ كلا إذ لا ترى إلا الإحسان والإتقان ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] بل كرات، فالمراد كثرة النظر والتأمل والتدبر ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٤]، يرجع النظر إليه -سواء كان نظرك مجردًا أو مستعينًا بمنظار- ذليلًا، ومن لا يذل لعظمة الله تعبًا كليلًا؟\nأما حقيقة هذه السموات السبع هنا، فقد قصر علمنا الضعيف الآن عنها، فقد تكون كواكب معينة من السيارات أو غيرها، تساوت في شروطها الحيوية، أو تشابهت وقد تكون أفلاكًا، وقد تكون أجواء لها. وفي لسان العرب \"السموات السبع أطباق الأرضين\". وقد روى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] أنه قال: \"لو حدثتكم بتفسيرها لكفرتم، وكفركم تكذيبكم بها\"، وما عسى أن يحدثهم مما علمه رسول الله -ﷺ-، فقد يبين لهم أنها كالأرض خلقًا، وأنها تبعد كذا وكذا، وأن فيها كيت وكيت، فيفسد عليهم دينهم، بتعريضهم للغيب والظنون، وإنما يخاطب الناس بما يعقلون، وإنما القصد من","vol":"3","page":281},{"text":"الإعلام بخلق السموات، الإعلام بخلق إلهي عظيم، خفى بعضه كما ظهر غيره. ويحدثنا علم الفلك اليوم بعجائب عن الكواكب السيارة، فهي باردة مظلمة كالأرض، وإذا كانت الأرض تبعد عن الشمس (٩٣ مليون ميل)، فإن الكوكب السيار أفلوطون الذي كشف سنة ١٩٣٠، يبعد ٣٩٠٨ مرة، فلنتأمل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-888>ب- النسق الفني في سورة المرسلات:</span>\nيتكلم في ختام تفسيره للسورة تحت عنوان، النسق الفني \"لا شك أنه استهواك وصف الملائكة في مطلع السورة الرائع، ووروده قسمًا، وأدهشك هذا الأسلوب الخطابي الحق، وما فيه من قصر الآيات، وتساؤل فيها، وتكرار يثبت الحجة، وسخرية حينًا، كالانطلاق إلى ظل ذي ثلاث شعب ... وأعجبتك هذه التشبيهات والاستعارات، كتشبيه الشرر الجهنمي بقلوس السفن (في الغلظة والطول والصفرة)، والاستعارة في (يغني) و(ترمي) ... وأدهشتك هذه المشاهد المتحركة بأخبارها، والمناظر المتجسمة بأسرارها، والازدواج البارع بين عالمي الدنيا والآخرة\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-889>ج- آيات من سورة لقمان:</span>\nوعند تفسيره لسورة لقمان، يرى أن فواتح السور إنما جيء بها للتحدي، كما يرى أنه ليس عبثًا ابتدئت كل سورة بحروف معينة (١).\nيقول الأستاذ العظمة: \"إن بدايات ثمان وعشرين سورة من السور المكية (٢) كانت بحرف أو حرفين أو أكثر، لتكون طريقة من طرق التحدي الإلهي للعرب، الذين أبت عليه عصبيتهم العمياء وجاهليتهم الجهلاء حينئذ، إلا البقاء على الشرك والوثنية وما إليهما، تلقاء معجزة القرآن الذي كانوا يشعرون بإعجازه البياني والمعنوي، وهم أتم الألسن بيانًا، وتمييزًا للمعاني جمعًا وفرقًا ... فكانت بدايات هذه السور ضربًا من\n_________\n(١) وهذا يذكرنا بما أشار إليه ابن القيم، من أن كل حرف من فواتح السور، له سببه من سر وحكمة.\n(٢) لا أدري لم اقتصر الأستاذ على السور المكية.","vol":"3","page":282},{"text":"التحدي، فكأنه قال لهم بإيجاز بارع فهموه، بل بإشارة مانعة أدركوها: أيها العرب إنه القرآن الإلهي لا غير ... أرأيت كيف أغنت هذه الأحرف، التي بدأ المولى سبحانه بها سورة لقمان، عن خطبة كاملة في معنى التحدي وما إليه\" (١).\nويقول في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ [لقمان: ٢ - ٣] (٢): \"والقرآن نبع فياض من حكمة الله، خالق الحكماء، ومعلم العلماء لذلك كان غاية الكمال بفضيلته، وغاية الحق بفلسفته، وغاية التوفيق بعاقبته، ولذلك كان ولا يزال كتاب الإنقاذ الأعظم والتوجيه الأقوم. ومن حكمته مراعاته في تشريعه، اليُسْرَ وقلة التكاليف والتدريج، ومن أسراره أدبه الذي لا يبارى ولا يجارى ... ثم جاءت الآية الرابعة تصور حال هذا الكتاب ومتبعيه المحسنين بكلمتين، أي: كلمتي (هدى ورحمة)، ووراء كل منهما بينات مشرقات، وما لا يحصى من مآثر ومكرمات.\nأ- حسبنا الآن أن نذكر عملية ما في القرآن العظيم، من أحكام اعتقادية راسخة الأسس وتعبدية واضحة الآثار: من إيمان قوي موجه، وعبادات خاشعة متلألئة. وأحكام خلقية في الأدب النفسي، والسلوك الفردي والاجتماعي. وأحكام دستورية من أمر بالشورى والعدل والمساواة ... وأحكام تعاملية ... وأحكام اقتصادية واجتماعية وأحكام جزائية .. وأحكام حربية .. وقد أثبت التاريخ أن تطبيق هذه الأحكام، كفيل بتحقيق ثمراتها الطيبة الوافرة.\nب- ولا جرم أن في القرآن، وفيه ما أجملناه، رحمة لذويه تظلهم بأجنحتها وتحنو عليهم برعايتها، وما كان الرسول -ﷺ-، الذي نزل عليه هذا القرآن إلا رحمةً للعالمين، فمن اهتدى بهديه كان محسنًا، ونال نصيبه جزيلًا في دنياه وآخرته، ومن\n_________\n(١) التفسير، ص ١٢ - ١٤ سورة لقمان.\n(٢) التفسير، ص ١٦ - ١٨.","vol":"3","page":283},{"text":"أعرض ونأى بجانبه ناله في دنياه نفع ما من هداية القرآن ورحمته تعليمًا وحضارة ومعاملة ... شَعَرَ وأقر بذلك أو كان من الجاهلين العاقلين، ولكنه في الآخرة من الخاسرين لكفرانه وإشراكه ... وتبدو الرحمة في طبيعة أحكام القرآن وفي تطبيقها وفي عواقبها ... ولنستطرد قليلًا فنتساءل، لماذا لم يهتد الغربيون بالإسلام، فيحسنوا لأنفسهم وللإنسانية جمعاء، ويستحقوا مزيدًا من الرحمة في الدنيا والنعيم المقيم في الآخرة. . . (١) إن المصباح المنير الذي يحول الجاهلون بالحجب الكثيفة، دون إشعاع أنواره، يبقى مصباحًا منيرًا بنفسه، ولكن ظهور آثاره رهين بكشف ما بينه وبين أبصار الناس\"، ثم يستشهد بآيات وأحاديث كثيرة على هذا الوضوع.\nولا ينسى مفسرنا الفاضل، أن ينبِّه على أن الزكاة المذكورة في الآيات، ليست هي الزكاة المفروضة بتفاصيلها المعروفة، لأن ذلك كان في المدينة المنورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-890>الصور البيانية:</span>\nوبعد أن ينتهي من تفسير هذه الآيات، يعرج على ما فيها من صور بيانية مشرقة، ليلفت إليها القارئ، فها هو يلفت إلى ضمير الفصل في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ وَهُم [لقمان: ٤]، ويبين السر في ترك العطف بين هذه الجمل القرآنية منوهًا بهذا الإيجاز، \"لنعد النظر في الآية الكريمة ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾ نجد فيها هذا الائتلاف القوي والضمير المكرر المؤكد ... تلك آيات خمس استقلت كل منها بمعانيها، واشتركت الأربع الأول منها في أداء معاني زمرة الآيات لمناسبة بينها، فكانت متناسقة من غير عطف، لاستغنائها عنه بتآخيها وتعانقها. ثم جاءت الآية الخامسة موضحة متممة، فأشرقت بها المعاني إشراقًا، تأمل في مثل هذا الإيجاز الذي رأيت، وفي فصاحة كلماته وبلاغة جمله، وما تضمنته من دقة التعبير والتصوير\n_________\n(١) التفسير، ص ٢٠ - ٢١.","vol":"3","page":284},{"text":"واستيفاء الغرض، مع سهولة مترقرقة، تر من ذلك شرفًا صاعدًا لا يبلغه بيان البلغاء\" (١).\nوعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦]، يطيل الكلام محذرًا أبناء المسلمين، ما يغزوهم به عدوهم، مبينًا أن هذا اللهو يمكن أن يكون شفهيًا أو كتابيًا، وبعد انتهائه من تفسير هاتين الآيتين يعرج على ما فيهما من صور بيانية (٢). \"ويلاحظ أن الآيتين طالتا قليلًا بالنسبة إلى الآيات الخمس سابقًا، تبعًا لموضوعهما مع فصاحة الكلمات وبلاغة الكلام، وانسجام بعضه مع بعض، والتصوير الفني في الصورة الشاملة وأجزائها. ﴿يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ بدلًا من يلهى. ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بدلًا من، ليصرف بعض الناس عن القرآن والرسول ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ بدلًا من يستهزئ بها ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾ بدلًا من، الذين هم كذلك سيعذبون ويهانون ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان: ٧]، بدلًا من هو متغافل.\nهذا فضلًا عن دقائق انتشرت في الكلام، كإطلاق الوصف والحكم، بدلًا من تقييده بذكر شخص معين، ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾، وكمعترضة ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، فقد جهلت المضلين وفضحتهم ... واستعمال مصدر بدلًا من اسم مفعول ﴿هُزُوًا﴾ مبالغة في الهزء، واستعمال اسم الفاعل ﴿مُهِينٌ﴾ بدلًا من المبني للمجهول يهانون به، فقويت صورة التعذيب بأن تولى أمر العذاب بنفسه، والتزيين المعنوي بالطباق بين ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ و﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وبالإيغال بذكر\n_________\n(١) التفسير، ص ٤٧.\n(٢) التفسير، ص ٤٧.","vol":"3","page":285},{"text":"عذاب مهين بعد عذاب أليم. انظر إلى التزيين اللفظي وموسيقاه، انظر إلى السجع وتنوعه وزنًا وحرفًا .. انظر إلى الجناس بين ﴿تُتْلَى﴾ و﴿وَلَّى﴾ (١).\nوكما أن المفسر يذكر ما في الآيات من صور بيانية، تجذب النفوس والوجدانات إليها، وتمس القلوب بروعتها، فإنه يلتفت كثيرًا إلى المسائل العلمية والظواهر الكونية، التي تخاطب بها العقول آيات القرآن، فيكون بذلك قد جمع للتأثر بهذا القرآن، بين العقل والعاطفة، وبين الفكر والوجدان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-891>٣. الإشارات العلمية في الآيات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-892>١ - الشمس والقمر بحسبان:</span>\nولنستمع إليه عند تفسيره قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ [الرحمن: ٥]:\n\"وانتقل البيان الإلهي من الإنسان، إلى بعض ما في الكون، سمائه وأرضه ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾، إنه حسبان لا ميل له في عظمة خلقهما، ودقة الحكمة في سير كل منهما في بروجهما ومنازلهما، وفي بُعدهما عن الأرض وعن الكواكب الأخرى ومنافعهما .. وإليك يسيرًا من الملاحظات المتعلقة بذلك:\nأ- بدأ المولى سبحانه -بعد ما تقدم من آلاء خلقه- بالشمس، وهي أهم نجم بالنسبة للحياة الأرضية، التي لا غنى لأهلها عن حرارتها وضوئها وجاذبيتها. إن الشمس تبعد عن الأرض (١٤٩٠٠٠٠٠٠) كيلومترًا أو اثنين وتسعين ونصف مليون من الأميال، قدروا ذلك اعتمادًا على سرعة النور. وتقدر حرارة شمسنا المركزية بأربعين مليون درجة مئوية، فلو اختلف البُعد أو اختلفت الحرارة اختلافًا بيِّنًا، لتعطلت الحياة على وجه الأرض.\n_________\n(١) التفسير، ص ٤٧.","vol":"3","page":286},{"text":"يضرب الأستاذ العابري مثلًا فيقول: الشعرى اليمانية تفوق القدرة الشمعية لشمسنا ٢٦ مرة، وكذلك قدرته على إشعاع الحرارة، فلو حلت الشعرى اليمانية محل شمسنا فجأة، فسرعان ما تحمي بالغليان أنهارنا ومحيطاتنا وقاراتنا الجليدية حول القطبين، وإذن تنتهي الحياة على سطح الأرض، وهذه الظاهرية الفلكية من قدرة النجوم الإشعاعية، ودرجة حرارتها لم تعرف علميًّا و﴿رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩)﴾ إلا عن طريق مواقع النجوم ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ [الوا قعة: ٧٥ - ٧٦].\nب- واتبع المولى سبحانه القمر للشمس، وللقمر ما للشمس حسبان دقيق. قال الأستاذ العابري \"إن الجاذبية تتناسب مع الكتلة طرديًا .. فلو كانت كتلة القمر أكثر مما هي عليه الآن، لازدادت جاذبيته وهو على بُعده الحالي، ولطغت الموجة المدية، ولغمرت حتى المرتفعات في كل يوم مرتين. ولو قَلَّتْ كتلة القمر عما هي عليه الآن، لما حصل المد والجزر، اللذان لهما الأثر البليغ في حياة الإنسان ... \".\nعلى هذا الحسبان الإلهي الهين عليه سبحانه، تتوقف حياتنا وفصولنا وكثير من مصالحنا. فسبحان الخلاق العليم الحكيم، الذي خلق كل شيء بمقدار، حكمة منه ورحمة بعباده\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>٢ - والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون:</span>\nوكذلك عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾، [الذاريات: ٤٧] يقول: \"والسماء بنيناها بقدرة، وأي قدرة، تدل على ذلك عظمتها عظمة ما فيها من الأجرام والآيات والسنن ... يالله ما أعظم السماء، فكر مثلًا في عناقيدها أو قنوانها (تشبيهًا بقنوان النخل) النجمية التي تتكاثر فيها النجوم، واذكر أن من نجومها الكثيرة، ما تراه بالعين المجردة كالثريا والدبران، ومنها ما يحلله المنظار إلى نجوم مفردة ... أجملها العنقود الكروي، في صورة (الجاثي). وقد سبق أن عد","vol":"3","page":287},{"text":"مرصد ولسون فيه خمسين ألف نجم، كل نجم في كثير منها يفوق شمسنا ألوفًا من المرات لمعانًا وإشراقًا. وسبق أن قاس الفلكي شبلي، أبعاد تسعة وستين عنقودًا من هذه العناقيد الكروية، فوجد أن أبعادها يتفاوت بين ٢٣ ألف سنة من سني النور، وعشرين ومائتي ألف سنة. وإذا كان النور يقطع في الثانية ١٨٦٠٠٠ ميل، فكم تبلغ هذه الأبعاد؟ !\nثم قال سبحانه ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾: وإنا لقادرون على هذا البناء السماوي العظيم، لا نجد فيه شيئًا من عناء، فسبحان من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-894>٤. بيانه للقيم الدينية والاجتماعية والخلقية:</span>\nولا يفوت المفسر بعد بيان الروعة الأدبية والنسق الفني والإشارات العلمية، أن يذكر ما يؤخذ من هذه الآيات من الأحكام والقيم الدينية والاجتماعية والخلقية. فمثلًا بعد أن فسر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، إلى آخر وصية لقمان يذكر عنوانًا خاصًّا: (الأحكام والقيم)، يبين فيه ما يؤخذ من الآيات بيانًا مجملًا غير تارك شاردة ولا واردة - \" ... تتبع موعظة لقمان ابنه، ألا يشرك بالله، تبيانها علم الله اللطيف الخبير، مع مثل دقيق شامل، وذلك يكون بناء عقيدة ابنه قويًّا راسخًا عميقًا لا ظاهريًا فحسب. وتتبع ذلك أيضًا، الأمر بإقامة الصلاة إذ ينبغي أن تثمر العقيدة العبادة. والأمر بالمعروف والنهي عن النكر، فهما ملاك سلامة الأفراد والمجتمعات مما يتهددهما من آفات .. والتواضع دون إعراض عن الناس ولايته عليهم، فإن ذلك من الأدب الاجتماعي الواجب، فالله سبحانه لا يحب كل من ساء أدبه، فتبختر في مشيه فخورًا على الناس ... تعلم الآيات المؤمنين العقيدة والعبادة والدعوة، وبعض الآداب الضرورية بأسلوب قوي حكيم\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-895>٣ - المفسر وآيات التشريع:</span>\nيتناول المفسر آيات التشريع تناولًا سهلًا، لا أثر فيه للتعقيد والغموض، ولا الخلاف المذهبي، في أكثر الأحيان، مبينًا مقاصد التشريع، محاولًا عقد مقارنات بين","vol":"3","page":288},{"text":"ما يهدف إليه الإسلام في تشريعاته، وبين ما تتخبط فيه أمتنا اليوم من واقع سيئ، جرها إليه انحرافها عن مبدئها، أو استبدالها الذي هو أدنى بالذي هو خير، وهو يجلي في آيات التشريع كغيرها من الآيات، هداية القرآن واضحة تامة يظهر هذا وهو يتكلم عن أحكام الظهار والمناجاة، في سورة المجادلة وعن أحكام الفيء وموالاة غير المسلمين في سورتي الحشر والممتحنة. كما يتكلم عن أحكام الجمعة وحكمتها في سورتها.\nونقتبس هنا جزءًا من تفسيره لسورة الطلاق. فبعد أن أتى بتاريخ نزول السورة وعدد آياتها، والقصد منها، والروايات الواردة في الطلاق بعبارة واضحة وتفسير مقبول، قال: \"والمتأمل في أدب القرآن في هذا الموضوع يلمس حرصه على بقاء الحياة الزوجية ما أمكن، لأن الطلاق أبغض الحلال إلى الله، فهو كالعقاقير السمية التي لا ينبغي أن تُستعمل إلا بتحفظ شديد وبمقدار جد يسير. ثم أمر تعالى بإحصاء العدة بمعرفة ابتدائها وانتهائها، لتكون الزوجة على بيِّنة من أمرها، إذا طلبها من طلبها، ومعلوم أن المرأة المدخول بها إذا طلقت طلاقًا واحدًا أو اثنين كان لزوجها أن يراجعها في العدة، فإن فاءت كانت خطبته من جديد إذا أراد، أما إذا طلقها ثلاثًا، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، ويطلقها هنا دون اللجوء إلى التواطؤ المعيب، الذي يلجأ إليها الجاهلون وينسبونه إلى الإسلام، والإسلام منه بريء، وهو طلاق المحلل أو التيس المستعار، كما نعته رسول الله -ﷺ-\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>٤ - رأينا في التفسير:</span>\nبعد هذا الاستعراض لنهج المفسر، والاستشهاد ببعض النماذج، فإنني لا أعْدُو الحقيقة، ولا أشتط في الحكم، إذا قلت: إن هذا التفسير من خير التفاسير، وأنفعها وأكثرها ملاءمة لهذا العصر، لما فيه من اتجاهات مفيدة متعددة ... وإن المسلمين وبخاصة الشباب الناشئ، بحاجة إلى فهم القرآن فهمًا صحيحًا، وإدراك مقاصده إدراكًا يلبي ما في أنفسهم من رغبات، ويزيل ما فيها من شبهات، فتتبختر حجة القرآن في عقولهم وقلوبهم اتضاحًا، وتتلاشى شبهات الباطل في نفوسهم افتضاحًا، كل ذلك في تفسير غير موجز مخل، ولا مطول ممل.","vol":"3","page":289},{"text":"وإن تفسيرنا الذي نحن بصدده، اجتمع له من المميزات الكثير، الذي قل أن يجتمع لغيره.\n١ - سهولة عرض التفسير ويسر تناوله، بأسلوب بديع أخّاذ، بحيث لا يمله القارئ، ولا يكل منه المستمع، خالٍ من التعقيد، مع وضوح في الفكرة، وعمق في المعنى، وليس فيه عقم ولا تكلف.\n٢ - جمعه بين اتجاهين قلّ أن يجمع بينهما في تفسير واحد، وهما العلمي والأدبي، فهو يرضي العقل ويغذي العاطفة، وبعبارة أخرى، أراد الأستاذ أن يجلي القرآن للشباب المثقف معجزة لغوية علمية. وهذا لا يحول بين مفسرنا الفاضل وبين إبراز الهداية القرآنية، واضحة جلية، بل إبراز هذه الهداية، هو المقصود الأول من التفسير، والذي جند له المفسر المعلومات الكثيرة المتفرقة.\n٣ - من أهم ميزات هذا التفسير أنه يخرج الأحاديث التي يستشهد بها، وهو مكثر من ذكر هذه الأحاديث، لتكون معينة على فهم القرآن، فلا تكاد تجد حديثًا، إلا وذكر مصدره، كما أنه ينقل عن المفسرين وبخاصة ابن كثير.\n٤ - لا يجد فرصة تمر إلا ويرد فيها مطعنًا ومغمزًا لأعداء الله، كرده على الشيوعيين، عند قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] ومناقشته لنظرية دارون، عند قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ [الرحمن: ١٤].\n٥ - لا يخرج بالقارئ عن رأي الجمهور، وعقيدة أهل السنّة، وصحيح المأثور مع أنه لم يلتزم بمذهب فقهي معين، ولم يكب كبوات كتلك التي رأيتها عند كثير من المفسرين. نلمس هذا عند تفسير سورة النجم حيث يقرر أن الرؤية هي رؤية جبريل، وأن هذه الرؤية كانت حسية لا روحانية فحسب، وكانت في الأرض وعند سدرة المنتهى. وفي تفسير قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ حيث يقرر أن انشقاق القمر كان حدثًا واقعيًا، مستدلًا لذلك بالأحاديث الصحيحة، وأخبار","vol":"3","page":290},{"text":"من التاريخ كما يعتقد عقيدة أهل السنّة في رؤية الله ﷿ في الآخرة، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].\nمما تقدم يتبين لنا أن هذا التفسير من أجلّ التفاسير، إن كان لنا من مأخذ على المفسر، فهو ذكره لعلماء الأرواح والمندل عند استحضار الجن، مع أن هذه الأمور أدت الشعبذة فيها دورًا كبيرًا، وهو متأثر في هذا بالشيخ طنطاوي الذي ينقل عنه كثيرًا.\nوالذي نصبو إليه، أن يوفق الله المؤلف لإتمام هذا التفسير كي تعم الفائدة (١).\n_________\n(١) كتب هذا الفصل قبل أربعين سنة، وكان الأستاذ أحمد مظهر العظمة على قيد الحياة وكان رئيس تحرير مجلة التمدن الإسلامي منذ إصدارها في ربيع الأول من عام ١٣٥٤ هـ/ نيسان ١٩٣٥، حتى وفاته سنة ١٤٠٣ هـ / ٩٨٢ م. وليس كل ما يتمنى المرء يدركه.","vol":"3","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-897>منهج العلامة محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣ هـ/١٩٧٣ م) في تفسير التحرير والتنوير</span>","vol":"3","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nتفسير التحرير والتنوير (١) للشيخ محمد الطاهر بن عاشور\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-898>حياته:</span>\nهو الشيخ الإمام العَلَم العلّامة محمد الطاهر بن محمد بن عاشور من بيت آل عاشور الأشراف الأندلسيين.\nفمحمد بن عاشور الجد، وُلد بالمغرب الأقصى بعد خروج والده من الأندلس فارًا بدينه من القهر والتنصير، وقد وصل إلى تونس سنة ١٠٦٠ هـ/ ١٦٥٠ م، وُلد مترجمنا بتونس لسنة ١٢٩٦ هـ / ١٨٧٩ م بضاحية المرسي من أحواز تونس الشمالية في جمادى الأولى/ سبتمبر، للأب الشيخ محمد بن عاشور (١٢٣٥/ ١٨١٥ - ١٢٨٤ هـ / ١٨٦٨ م) قاضي الحضرة التونسية وصاحب المؤلفات القيِّمة، وجده للأم العلّامة الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتور.\nومنذ ولادته كفله جده للأم الشيخ العزيز بوعتور وبدأ بتعلّم القراءة وحفظ القرآن في السادسة من عمره في المنزل (٢) وفي الكُتّاب (٣) وشبّ على تعلُّم القرآن حتى أتقنه حفظًا، ونشأ في وسط علمي، وتعلم الفرنسية ما تيسر له ذلك، والتحق بجامع الزيتونة عام ١٣١٠ هـ / ١٨٩٢ م.\nوقد ظهرت عليه علامات الذكاء وزادت هذه العلامات والمواهب إبان التحاقه بالزيتونة، وبقي مثابرًا في الدراسة، حتى نال شهادة التطويع سنة ١٣١٧ هـ/ ١٨٩٩ م.\n_________\n(١) اقتطع هذا المبحث من كتاب \"تفسير التحرير والتنوير\" للعلّامة محمد الطاهر بن عاشور، دراسة منهجية ونقدية، تأليف الدكتور جمال محمد أبو حسان حفظه الله.\n(٢) منهج الإمام ابن عاشور للصحبي بن مسعود، ص ٦.\n(٣) تراجم المؤلفين التونسيين لمحمد محفوظ، ٣/ ٣٠٤.","vol":"3","page":295},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-899>قراءاته وأهم شيوخه حتى عام ١٨٩٩ م:</span>\nذكر الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة الكتب التي قرأها ابن عاشور في حياته الدراسية، قبل أن يصير إلى التدريس، وهي كما ذكرها:\nفي النحو: سيدي خالد (١) والقطر (٢) والمقدمة (٣) والمكودي (٤) ولامية الأفعال (٥) والأشموني (٦) والمغني بشرح الدماميني.\nوفي البلاغة: قرأ الدمنهوري على السمرقندية (٧) والسعد على التلخيص والمطول (٨).\n_________\n(١) لعله يعني خالد بن عبد الله الأزهري، المتوفى سنة ٩٠٥ هـ، الأعلام للزركلي، ١/ ٢٩٧، وكتابه في علم اللغة يسمى المقدمة الأزهرية. ويمكن أن يكون الكتاب المعني هو: موصل الطلاب إلى قواعد الإعراب.\n(٢) قطر الندى وبل الصدى لابن هشام، (تمت القراءة على الشيخ أحمد جمال الدين والشيخ محمد العزيز بوعتور).\n(٣) المقدمة الآجُرّومية لمحمد بن محمد بن داود الصنهاجي الشهير بابن آجُرّوم ت ٧٢٣ هـ. انظر: الكواكب الدرية على متممة الآجرومية للأهدل، ١/ ٥. (تمت القراءة على الشيخ محمد النخلي).\n(٤) هو الشيخ عبد الرحمن بن علي المكودي نسبةً إلى بني مكود، وهي قبيلة قرب فاس توفي سنة ٨٠٧ هـ، كما في: الأعلام الزركلي، ج ٣، ص ٣١٨، وكتابه هو شرح الألفية. (تمت القراءة على الشيخ محمد بن عثمان النجار).\n(٥) هي لابن مالك في الصرف. (تمت القراءة على الشيخ عمر بن عاشور).\n(٦) هو الشيخ نور الدين أبو الحسن علي بن محمد الأشموني الشافعي المتوفى نحو سنة ٩٠٠ هـ، كما في الأعلام، ٥/ ١٠. والكتاب هو شرح ألفية ابن مالك، واسمه منهج السالك إلى ألفية ابن مالك.\n(تمت القراءة على الشيخ محمد النخلي).\n(٧) هو متن في الاستعارات طبع ضمن مجموعة المتون، ص ٢٨٩. (هذا ضمن قراءاته على الشيوخ عمر بن عاشور والشيخ محمد النجار والشيخ محمد النخلي).\n(٨) سعد الدين التفتازاني والكتابان (يعني المختصر -اختصر به شرح تلخيص المفتاح- والمطول) شرحان للسعد على التلخيص وستأتي هذه الكتب في مصادره اللغوية في التفسير. (هذا ضمن قراءاته على الشيخ عمر بن عاشور والشيخ محمد النجار والشيخ محمد النخلي).","vol":"3","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوفي المنطق: قرأ السُّلَم (١) والتهذيب (٢).\nوفي الكلام: قرأ الوسطي (٣) والعقائد النسفية (٤) والمواقف (٥).\nوفي الفقه: درس الدردير (٦) ومياره على المرشد (٧) والكفاية على الرسالة (٨) والتاودي على التحفة (٩).\n_________\n(١) السُّلَّم المُنوْرَق أو المرونق كما في الكشف، ٢/ ٩٩٨، وهو أرجوزة في المنطق لصاحبها الشيخ عبد الرحمن بن محمد الأخضري المتوفى سنة ٩٨٣ هـ. وانظر: الأعلام، ٣/ ٣٣١. (تمت القراءة على الشيخ محمد صالح الشريف).\n(٢) والتهذيب (تهذيب المنطق والكلام) للسعد التفتازاني، انظر الكشف، ١/ ٥١٥. (تمت القراءة على الشيخ محمد النخلي).\n(٣) هو كتاب يسمى العقيدة الوسطى للسنوسي محمد بن يوسف المتوفى سنة ٨٩٥ هـ. انظر: الأعلام، ٧/ ١٥٤. (تمت القراءة على الشيخ محمد النخلي).\n(٤) متن مشهور في الكلام لعمر بن محمد بن محمد النسفي المتوفى سنة ٥٣٧ هـ. (تمت القراءة على الشيخ محمد صالح الشريف).\n(٥) هو كتاب مشهور في علم الكلام لعضد الدين الإيجي المتوفى سنة ٧٥٩ هـ. (تمت القراءة على الشيخ عمر ابن الشيخ والشيخ محمد النجار).\n(٦) هو الشيخ أحمد بن محمد الدردير من فقهاء المالكية توفي سنة ١٢٠١ هـ. وكتابه منهج القدير في شرح مختصر خليل.\n(٧) هو كتاب المرشد المعين على الضروري من علوم الدين لعبد الواحد بن أحمد بن علي بن عاشر الفاسي المتوفى سنة ١٠٤٠ هـ. كما في إيضاح المكنون، ٤/ ٤٦٧، وشرحه لأبي عبد الله محمد بن أحمد ميّارة الفاسي المتوفى سنة ١٠٧٢ هـ. كما في الأعلام، ٦/ ١١، وله شرحان أحدهما يسمى الدر الثمين في شرح منظومة المرشد المعين ويعرف بميارة الكبير، والثاني مختصره ويسمى ميّارة الصغير.\n(٨) كفاية الطالب الرباني لرسالة أبي زيد القيرواني المتوفى سنة ٣٨٦ هـ، لأبي الحسن علي بن ناصر الدين المتوفى سنة ٩٣٩ هـ. كما في: إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون لإسماعيل باشا البغدادي، ٣/ ٥٥٧. والكتاب مطبوع مع حاشية العدوي عليه. (تمت القراءة على الشيخ محمد النخلي والشيخ محمد العربي الدرعي).\n(٩) التحفة أرجوزة لأبي بكر بن عاصم المالكي، ذكر في كشف الظنون أنه فرغ من نظمها عام ٨٣٥ هـ. وفي شجرة النور، ص ٢٤٧: أن وفاته في ٨٢٩ هـ. وقد شرحها أبو عبد الله محمد بن الطالب ابن سوده المري الفاسي التاودي المالكي، المتوفى سنة ١٢٠٧ هـ.\nوسماه حَلْي المعاصم لبنت فكر ابن عاصم، كما في إيضاح الكنون، ٣/ ٤١٩. (تمت القراءة على الشيخ محمد صالح الشريف).","vol":"3","page":297},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوفي الفرائض: قرأ كتاب الدرة (١).\nوفي الأصول: قرأ الحطاب على الورقات (٢) والتنقيح للقرافي (٣) والمحلي على السبكي (٤).\nوفي الحديث: شرح غرامي صحيح (٥).\nوفي السيرة: الشفاء بشرح الشهاب الخفاجي (٦).\nوقد درس هذه الكتب على نخبة من العلماء الزيتونيين، كان آخرهم الشيخ سالم بو حاجب الذي درس عليه في المرحلة العالية كتب الحديث والسنّة مثل القسطلاني على البخاري، والزرقاني على الموطأ.\n_________\n(١) هو أرجوزة في الحساب والفرائض، لعبد الرحمن بن محمد الأخضري المغربي، فرغ منها عام ٩٤٦ هـ. كما في كشف الظنون، ١/ ٧٣٨. (تمت القراءة على الشيخ عمر بن عاشور).\n(٢) الورقات في أصول الفقه لإمام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني المتوفى سنة ٤٧٨ هـ. كما في الكشف، ٢/ ٢٠٠٥ وشرحها المسمى قرة العين بشرح ورقات إمام الحرمين لمحمد بن محمد بن عبد الرحمن الحطاب المتوفى سنة ٩٥٤ هـ. كما في الأعلام، ٧/ ٥٨. (تمت القراءة على الشيخ محمد النخلي).\n(٣) تنقيح الفصول في الأصول لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس القرافي المتوفى سنة ٦٨٤ هـ. كما في الكشف، ١/ ٤٩٩. (تمت القراءة على الشيخ محمد النخلي).\n(٤) كتاب جمع الجوامع في الأصول لتاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ. كما في الكشف، ١/ ٥٩٥، وشرحه لجلال الدين محمد بن أحمد المحلي المتوفى سنة ٨٦٤ هـ. (تمت القراءة على الشيخ محمد طاهر جعفر).\n(٥) هو منظومة صغيرة في أنواع الحديث من تأليف الشيخ شهاب الدين أحمد بن فرح الإشبيلي المتوفى سنة ٦٩٩ هـ. انظر الأعلام، ١/ ١٩٤. (تمت القراءة على الشيخ محمد النجار).\n(٦) هو كتاب (نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض)، لشهاب الدين أحمد الخفاجي المتوفى سنة ١٠٦٩ هـ.","vol":"3","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوقد أجازه هذا الإجازة التامة المطلقة، كتبها له في دفتر دروسه في الخامس والعشرين من رمضان عام ١٣٢٣ هـ (١).\nتلقى العلم عن كثير من الشيوخ منهم الشيخ محمد العزيز بن محمد الحبيب بن محمد الطيب ابن الوزير محمد بن محمد بوعتور (ت ١٣٢٥ هـ/١٩٠٧ م). والشيخ عمر بن أحمد بن عليّ بن حسن بن علي بن قاسم المعروف بابن الشيخ (ت ١٣٢٩ هـ). درس عليه الشرح المطول على التلخيص وشرح الأشموني ومغني اللبيب، وشرح السعد على العقائد النسفية وشرح الزرقاني على مختصر خليل وتفسير البيضاوي، ومنهم أبو عبد الله محمد بن عثمان بن النجار (ت ١٣٣١ هـ) وهو من كبار علماء الزيتونة وغيرهم.\nولقد كان لهؤلاء الشيوخ أبرز الأثر في موسوعية ابن عاشور، وسعة ثقافته وعلمه. ومع سعة العلم وموسوعيته، كان الشيخ جم النشاط، غزير الإنتاج، تزينه أخلاق رصينة فلم يكن على سعة اطلاعه وغزارة معارفه مغرورًا كشأن بعض الأدعياء ممن لم يبلغ مستواه (٢).\nيقول الشيخ محمد الخضر حسين عنه: وللأستاذ فصاحة منطق وبراعة بيان، ويضيف إلى غزارة العلم وقوة النظر، صفاء الذوق وسعة الاطلاع في آداب اللغة ... انعقدت بيني وبينه سنة ١٣١٧ هـ صداقة بلغت في صفائها ومتانتها الغاية التي ليس بعدها غاية، وصداقة بهذه المنزلة تقتضي أن نلتقي كثيرًا، وأن يكون كل منا يعرف من سريرة صاحبه ما يعرفه من سريرته، فكنت أرى لسانًا لهجته الصدق، وسريرة نقية من كل خاطر سيِّئ، وهمّة طماعة إلى المعالي، وجِدًّا في العمل لا يمسه كلل،\n_________\n(١) انظر: شيخ الإسلام وشيخ الجامع الأعظم لمحمد الحبيب بن الخوجة، ص ١٠ - ١٢ منشور ضمن مجلة جوهر الإسلام، عدد ٣ - ٤، سنة ١٠/ ١٩٧٨ م.\n(٢) تراجم المؤلفين، ٣/ ٣٠٦.","vol":"3","page":299},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nومحافظة على واجبات الدين وآدابه، وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم (١).\nويقول الشيخ محمد محفوظ عنه: اشتهر بالصبر وقوة الاحتمال، وعلو الهمة، واعتزاز بالنفس، والصمود أمام الكوارث، والترفع عن الدنايا (٢).\nويقول الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: لقيته بمصر وهو يعد في جملة شيوخي ...، أحد أئمة القرن الرابع عشر، غير مدافع: علمًا وحلمًا ومكانة وفصاحة وزكانة، وسيادة وقيادة، فهو يذكرنا بالإمام القاضي ابن خلدون في إمامته في العلم والقلم والفكر وسعة النظر، والتفنن في جملة من العلوم بمتانة وضلاعة، وحُسْن عرض ورفد، فهو جدير بأن تكتب عنه دراسة خاصة بذاته وصفاته، وعلومه ومكانته، وسمو شأن بيته العلمي الرفيع، وقد عمَّر طويلًا، فعمَّر من العلم أكثر، وأعطَى من آثاره أوفر، فرحمات الله عليه، وجعل الجنة مأواه في مستقر الأئمة الأبرار آمين (٣).\nتوفي عليه الرحمة يوم الأحد ٢٦ رجب ١٣٩٣ هـ / ١٢ آب ١٩٧٣ عن ٩٤ سنة.\nوأما في حياته العامة: فقد تبوأ ابن عاشور مناصب عديدة، وتقلب في وظائف متنوعة، ولا شك أن الرجل كان أهلًا لمثل ذلك، ولكننا لا يمكن أن نقبل مثل هذا التقلب المتنوع دون أن نضع إشارات استفهامية حوله، ولا سيما إذا علمنا أن هناك كثيرًا من العلماء على شاكلة ابن عاشور علمًا ولكنهم لم ينالوا ما نال، بل لم يصلوا إلى شيء، وإليك هذه الوظائف التي تقلب فيها على ضوء ما أفاده تلميذه محمد بن الخوجة في مقال شيخ الإسلام وشيخ الجامع الأعظم (٤):\n_________\n(١) تونس وجامع الزيتونة، ص ١٣٥ - ١٣٦.\n(٢) تراجم المؤلفين، ٣/ ٣٠٧.\n(٣) قصاصات ورق تفضل الأستاذ بإرسالها في ١١/ ٤/ ١٤١١ هـ فشكر الله له.\n(٤) ص ١٢. وسوف نجمع بين ما قاله وبين ما ذكره الباحث خميس زهمول في بحثه بعنوان المصادر المعرفية لابن عاشور من خلال تفسير سورة آل عمران في ص ٦. وكذلك ما ذكر الصبحي بن مسعود العتيق في بحثه بعنوان منهج الإمام ابن عاشور في التفسير، ص ٨ وما بعدها. وتراجم المؤلفين التونسيين، ٣/ ٣٠٤ وما بعدها. وتونس وجامع الزيتونة، ص ١٢٣ وما بعدها.","vol":"3","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n١ - شرع في الإقراء في جامع الزيتونة الأعظم بوصفه متطوعًا في جمادى الثانية ١٣١٧ هـ أكتوبر ١٨٩٩ م.\n٢ - ولي خطة التدريس من الطبقة الثانية على إثر مناظرة فاز بها في ذي القعدة ١٣٢٠ هـ شباط ١٩٠٣ م.\n٣ - وفي سنة ١٩٠٤ م بدأ التدريس بالمدرسة الصادقية.\n٤ - وفي سنة ١٩٠٥ م نجح في مناظرة التدريس من الطبقة الأولى.\n٥ - وفي هذه السنة نفسها سُمي عضوًا باللجنة التي تشكلت لتحرير فهرس الكتب الموقوفة على المكتبة الصادقية.\n٦ - وفي شباط من عام ١٩٠٧ م سمي نائبًا عن الدولة لدى النظارة العلمية بالجامع الأعظم.\n٧ - وفي سنة ١٩٠٩ م عُيِّن عضوًا بمجلس إدارة المدرسة الصادقية.\n٨ - وفي السنة السابقة نفسها عُيِّن عضوًا بمجلس المدارس بعموم.\n٩ - وفي سنة ١٩١٠ م عُيِّن عضوًا بلجنة إصلاح التعليم الأولى.\n١٠ - وفيها عُيِّن عضوًا بلجنة ترتيب الكتب الموجودة بالجامع الأعظم مكلفًا بتدوين الفهارس.\n١١ - وفي سنة ١٩١١ م عُيِّن عضوًا بمجلس الأوقاف الأعلى.\n١٢ - وفي السنة نفسها عُيِّن حاكمًا بالمحكمة العقارية.\n١٣ - وفي سنة ١٩١٣ م سُمي قاضيًا مالكيًا للجماعة وبقي كذلك ١٠ سنوات.\n١٤ - وفي سنة ١٩٢٣ م عُيِّن مفتيًا مالكيًا (وفيها عاد للتدريس بالزيتونة والصادقية) (١).\n_________\n(١) تراجم المؤلفين، ٣/ ٣٠٤.","vol":"3","page":301},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n١٥ - وفي سنة ١٩٢٤ م عُيِّن مفتيًا ثانيًا مكلفًا بخطة باش مفتي، وفيها عُيِّن بلجنة الإصلاح الثانية.\n١٦ - وفي سنة ١٩٢٧ م أصبح كبير أهل الشورى المالكية، وهو أعلى منصب يتولاه السادة المالكية قبل إحداث مشيخة الإسلام المالكية.\n١٧ - وفي ٢٣ محرم ١٣٥١ هـ/ ٢٨ أيار ١٩٣٢ م سمي شيخ الإسلام المالكي، وهو أول من تولى هذا المنصب من المالكية.\n١٨ - وفي هذه السنة أيضًا سُلِّمت إليه مقاليد إدارة جامع الزيتونة، وبقي سنة على ذلك ثم استقال منها، وقيل: إنه أُقيل بسبب إضراب الطلبة لما نُسب إليه من فتوى التجنيس (١).\n١٩ - وفي سنة ١٩٤٥ م أُعيد إلى مشيخة جامع الزيتونة، وبقي فيها إلى أن اعتزل ذلك خلال سنة ١٩٥١ م ويقال: إن اعتزاله بسبب عودة قضية التجنيس والحديث عنها (٢).\n٢٠ - ولما جاء الاستقلال سمي عميدًا للجامعة الزيتونية في سنة ١٩٥٦ م.\n٢١ - وكان الشيخ من عام ١٩٥٥ م عضوًا مراسلًا بمجمعي اللغة العربية في القاهرة ودمشق (٣).\n٢٢ - بقي الشيخ كذلك إلى سنة ١٩٦٢ م حين ألغيت الجامعة الزيتونية، وأصبحت كلية ضمن الجامعة التونسية، وتسمى الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين، وعُيِّن ابنه الفاضل عميدًا لها، ثم تفرغ إلى الكتابة والتأليف (٤).\n_________\n(١) الريس، ص ٢١٥.\n(٢) المصدر السابق، ٢١٦.\n(٣) منهج الإمام ابن عاشور في التفسير، ص ٨.\n(٤) الريس، ص ٢١٦ وما بعدها.","vol":"3","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n٢٣ - أحرز الجائزة التقديرية للرئيس بورقيبة سنة ١٩٦٨ م (١).\nهذه هي المناصب التي تولاها الشيخ. آثرت أن أذكرها من هذه المصادر تبعًا بالتسلسل الزمني، فإنه فيما يبدو لي أعون على مواكبة حياة الشيخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-900>مؤلفاته وكتاباته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-901>أولًا: مؤلفاته المطبوعة </span>(٢):\n١ - أصول الإنشاء والخطابة، طُبع سنة ١٩٢٨ م (٣).\n٢ - أليس الصبح بقريب، طُبع في تونس عن الشركة التونسية للتوزيع، سنة ١٩٦٧ م ثم أصدرته ثانيًا عام ١٩٨٨ م (٤).\n٣ - التحرير والتنوير، وسماه ابن عاشور في مقدمته بـ (تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد) واختصره بالاسم الأول، وهذا الكتاب أشهر كتب ابن عاشور وأكبرها، وهو يعد من الموسوعات الضخمة في تفسير القرآن الكريم، صدر عن الدار التونسية للنشر، سنة ١٩٨٤ م.\n٤ - حاشية على التنقيح للقرافي في أصول الفقه سماها التوضيح والتصحيح، طُبع الكتاب بمطبعة النهضة بتونس سنة ١٣٤١ هـ (٥).\n_________\n(١) تراجم المؤلفين التونسيين، ٣/ ٣٠٤.\n(٢) نعتمد في هذا على كتاب تراجم المؤلفين التونسيين وإن وجدنا في غيره شيئًا ذكرنا مصدره.\n(٣) شيخ الإسلام الإمام الأكبر، ١/ ٥١٢.\n(٤) محمد الطاهر بن عاشور، إياد الطباع، ص ١٣١.\n(٥) المصدر السابق، ص ١١٤.","vol":"3","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n٥ - شرح وتعليق على قصيدة الأعشى الأكبر في مدح المحلق، طبع بدار العرب بتونس سنة ١٩٢٩ م (١).\n٦ - قصة المولد النبوي الشريف، طبع بتونس سنة ١٩٧٢ م (٢).\n٧ - كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ. طُبع الكتاب في تونس.\n٨ - مقاصد الشريعة الإسلامية، طُبع عدة طبعات أولاها في سنة ١٩٤٦ م عن دار الاستقامة بتونس وآخرها عن دار القلم بدمشق بتحقيق الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة (٣).\n٩ - موجز البلاغة. طُبع سنة ١٩٣٢ م (٤).\n١٠ - النظر الفسيح عند مضائق الأنظار في الجامع الصحيح. صدر عن الدار العربية للكتاب بتونس سنة ١٩٧٩ م.\n١١ - أصول النظام الاجتماعي في الإسلام. طُبع عدة طبعات أولاها عن الشركة التونسية سنة ١٩٨٥ م (٥)، وآخرها عن دار النفائس بعمان- الأردن بعناية محمد الطاهر الميساوي.\n١٢ - الوقف وأثره في الإسلام. نشر في مجلة الهداية الإسلامية بالقاهرة في المجلد التاسع، الجزء الرابع، ص ٢٤١ - ٢٥٦، وطُبعت بتونس مجموعة بعناية علي الرضا الحسيني (٦).\n_________\n(١) شيخ الإسلام الإمام الأكبر، ١/ ٥٣٠.\n(٢) محمد الطاهر بن عاشور، ص ١٥٢.\n(٣) محمد الطاهر بن عاشور، ص ١١٩. وطُبع أخيرًا بعناية محمد الطاهر الميساوي، وصدرت هذه الطبعة عن دار النفائس بعمان- الأردن، ط ٢، ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠١ م.\n(٤) شيخ الإسلام الإمام الأكبر، ١/ ٥١٤.\n(٥) محمد الطاهر بن عاشور، ص ١٢٨.\n(٦) المصدر السابق، ص ١٢٠.","vol":"3","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n١٣ - ديوان بشار، جمع وتحقيق وشرح. نشر الشركة التونسية، سنة ١٩٧٦ م في أربعة أجزاء (١).\n١٤ - الواضح في مشكلات شعر المتنبي لأبي القاسم الأصفهاني، تحقيق وتعليق. طبع الدار التونسية للنشر (٢).\n١٥ - سرقات المتنبي ومشكل معانيه لابن السراج. تحقيق، طبع الدار التونسية للنشر سنة ١٩٧٠ م (٣).\n١٦ - ديوان النابغة، جمع وشرح وتعليق. طبع الشركة التونسية للتوزيع، سنة ١٩٧٦ م (٤).\n١٧ - نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم. صدر عن المطبعة السلفية بمصر سنة ١٣٤٤ هـ (٥).\n١٨ - شرح وتعليق على قلائد العقيان لفتح بن خاقان وعلى شرح ابن زكور له. طبع الدار التونسية سنة ١٩٨٩ م (٦).\n١٩ - اللفظ المشترك، نُشر بمجلة الهداية بالقاهرة المجلد السادس (٧).\n_________\n(١) شيخ الإسلام الإمام الأكبر، ١/ ٥٣١. وقد قام الأستاذ الدكتور شاكر الفحام بتعقب ابن عاشور في تحقيقه هذا الديوان في كتاب سماه نظرات في ديوان بشار، طبع بمجمع اللغة العربية بدمشق، عام ١٩٧٨ م.\n(٢) شيخ الإسلام الإمام الأكبر، ١/ ٥٣٢.\n(٣) شيخ الإسلام الإمام الأكبر، ١/ ٥٣٢. وفي كتاب إياد الطباع أن اسمه سرقات المتنبي ومشكل معانيه لابن بسام النحوي طبع في تونس سنة ١٩٧٠ م، وذلك في ص ١٤٥ وما بعدها من كتاب محمد الطاهر بن عاشور.\n(٤) شيخ الإسلام الإمام الأكبر، ١/ ٥٣١.\n(٥) ابن عاشور ومنهجه في التفسير، ص ١٩٠. محمد الطاهر بن عاشور، ص ١٣٣ - ١٣٤.\n(٦) شيخ الإسلام الإمام الأكبر، ١/ ٥٣٢.\n(٧) المصدر السابق، ١/ ٤٩٦.","vol":"3","page":305},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n٢٠ - أخطاء الكُتّاب في العربية. وهي رد على مقال بعنوان: إصلاح اللسان لأبي يعلى الزواوي، نشرته جريدة البصائر في العدد ٨٤، ص ٦. ومقال ابن عاشور هذا نُشر في المجلة الزيتونية، المجلد ٣، عدد ٢، ص ١٣٤ - ١٣٦ (١).\n٢١ - طريقة من شعر العرب في توجيه الخطاب إلى المرأة. نُشرت في المجلة الزيتونية، المجلد ٤، العدد ٩، ص ٢٠٧ - ٢١٣ (٢).\n٢٢ - الجزالة. نشرت في المجلة الزيتونية، المجلد ٦، العدد ٩، ص ٣٤٤ - ٣٤٥ (٣).\n٢٣ - تحقيقات وأنظار في القرآن والسنّة، جمع ونشر ابنه عبد الملك. طبع الكتاب في تونس.\n٢٤ - شرح المقدمة الأدبية من شرح المرزوقي على الحماسة، طُبع في تونس سنة ١٩٥٨ م، وفي تونس/ ليبيا سنة ١٩٧٨ م (٤).\n٢٥ - صوغ (مفعلة) من أسماء الأعيان الثلاثية مما وسطه حرف علة، نشر في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق سنة ١٩٦١ م، مجلد ٣٦، ص ٣٦ - ٤٢ وما بعدها.\n٢٦ - تحفة المجد الصريح في شرح كتب الفصيح تأليف أحمد بن يوسف اللبلي نشر في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق سنة ١٩٦٢ م، مجلد ٣٧، ص ١٩٩ وما بعدها.\n٢٧ - نظرة في كتاب الجامع الكبير لابن الأثير، نشر بمجلة مجمع اللغة العربية بدمشق سنة ١٩٦١ م، مجلد ٣٦، ص ٦٧٢ وما بعدها.\n_________\n(١) المصدر السابق، ١/ ٥٠١.\n(٢) المصدر السابق، ١/ ٥٢٠.\n(٣) شيخ الإسلام الإمام الأكبر، ١/ ٥٣٠.\n(٤) المصدر السابق، ١/ ٥٣٢.","vol":"3","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n٢٨ - تكملة وتقفية للتعريف بكتاب تحفة المجد الصريح، نشر بمجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، مجلد ٣٧، ص ٦٩٢ وما بعدها.\n٢٩ - المترادف في اللغة، نشر في الجزء الرابع من المجلد ٣٧، سنة ١٩٦٢ م، ص ٢٤١ وما بعدها.\n٣٠ - نظرة في الكتاب المعنون بعنوان: \"مقدمة في النحو المنسوب للإمام خلف الأحمر\" نُشر في عددين من مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، مجلد ٣٨، ص ٥٧٦ وما بعدها. وفي المجلد ٣٩، ص ١٥٣ وما بعدها.\n٣١ - كلمة (كل) حقيقة في الكثرة أيضًا مثل الشمول، نشر بمجمع اللغة بالقاهرة ج ٨، سنة ١٩٥٥ م، ص ١٩٣ وما بعدها.\n٣٢ - الصوت المجسد نشر في مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة، ٨/ ١٩٥٥، ص ١٩٦ وما بعدها.\n٣٣ - قولهم: \"كان يفعل كذا\" نشر في مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة، مجلد ٩، ص ١١٦.\n٣٤ - فرق لغوي مغفول عنه (الضُّر والضَّر) نُشر في مجلة مجمع اللغة العربية في القاهرة، مجلد ٨، سنة ١٩٥٥ م، ص ٤٨٤ وما بعدها.\n٣٥ - تصحيح أخطاء وتحاريف في طبعة جمهرة الأنساب لابن حزم نشر في المجلة الزيتونية، الأعداد: ٣٧، ٥٧، ٦٠ على التوالي (١).\n٣٦ - تحقيق مسمى الحديث القدسي، نشر بالمجلة العلمية للكلية الزيتونية في ثوبها الجديد العدد الأول من السنة الأولى عام ١٩٧١ م، ص ٤٣ وما بعدها.\n_________\n(١) شيخ الإسلام الإمام الأكبر، ج ١، ص ٥٠٥.","vol":"3","page":307},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-902>ثانيًا: ومن كتبه المخطوطة:</span>\n١ - أصول التقدم في الإسلام.\n٢ - أمالي على دلائل الإعجاز (١).\n٣ - أمالي على مختصر خليل.\n٤ - آراء اجتهادية (٢).\n٥ - تراجم بعض الأعلام.\n٦ - تحقيق وتصحيح وتعليق على كتاب الاقتضاب لابن السيد البطليوسي مع شرح أدب الكتاب.\n٧ - تحقيق وتعليق على كتاب خلف الأحمر المعروف بالمقدمة في النحو.\n٨ - تعليقات وتحقيق على حديث أم زرع.\n٩ - تعاليق على المطول، وحاشية السيالكوتي.\n١٠ - شرح معلقة امرئ القيس.\n١١ - تحقيق لشرح القرشي على ديوان المتنبي (٣).\n١٢ - شرح ديوان الحماسة (٤).\n_________\n(١) ذكرها ابن عاشور في تفسيره باسم الإيجاز على دلائل الإعجاز، ج ٣، ص ٩٢.\n(٢) أصدر مركز جمعة الماجد كتابًا بعنوان فتاوى الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور، جمع وتحقيق: د. محمد بن إبراهيم بوزغيبة، الطبعة الأولى، سنة ٢٠٠٤ م.\n(٣) محمد الطاهر بن عاشور، ص ١٣٧.\n(٤) ذكر السيد عبد الله الريس أن اسمه: فوائد الأمالي التونسية على فرائد اللآلي الحماسية، ويقع في أربعة مجلدات.\nانظر: ابن عاشور ومنهجه في التفسير، ص ٢٠٥.","vol":"3","page":308},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n١٣ - تصحيح وتعليق على كتاب الانتصار لجالينوس للطبيب ابن زُهر.\n١٤ - كتاب تاريخ العرب.\n١٥ - جمع وشرح ديوان سحيم.\n١٦ - الفتاوى. ولعلها هي التي صدرت عن مركز جمعة الماجد وقد أشرت إليها سابقًا.\n١٧ - قضايا وأحكام شرعية.\n١٨ - غرائب الاستعمال.\n١٩ - مراجعات تتعلق بكتابي معجز أحمد واللامع للعزيزي.\n٢٠ - مسائل فقهية وعلمية تكثر الحاجة إليها ويعول في الأحكام عليها.\n٢١ - رسالة القدرة والتقدير أو (رسالة القضاء والقدر) ذكرها ابن عاشور في تفسيره، ولم أجد من أشار إليها، ولا أدري هل طبعت أم لا تزال نحطوطة أم أنها لم تؤلف أصلًا (١).\n٢٢ - كتاب المعجزات. ذكره ابن عاشور في تفسيره (٢) ولم يذكره أحد ولا أعلم عنه شيئًا.\n٢٣ - الحكمة الإلهية من رياضة الرسول - ﷺ - نفسه بتقليل الطعام، ذكره ابن عاشور في التفسير (٣) ولم يذكره أحد، ولا أعلم عنه شيئًا.\n_________\n(١) التحرير والتنوير، طبع الشركة التونسية للنشر، سنة ١٩٨٤ م، ج ١، ص ٢٥٧، وج ٢٢، ص ٢٦٥، وج ٢٨، ص ٢٦٢.\n(٢) ٢٣/ ٢١٨.\n(٣) ٢١/ ٣١٤.","vol":"3","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n٢٤ - رسالة في النسب النبوي. وذكرها ابن عاشور في التفسير (١) ولم يذكرها أحد ولا أعلم عنها شيئًا.\nهذا ما يتعلق بالمكتوبات التي وصلني خبرها، أو اطلعت عليها، وقد كان الشيخ يكتب في عدة مجلات، سواء أكان ذلك في القطر التونسي أم خارجه، ذكر عدة منها السيد عبد الله الريس وهي: مجلة السعادة العظمى في تونس، ومصباح الشرق، والمنار، والهداية الإسلامية، وهدي الإسلام، ونور الإسلام، في مصر والهداية الإسلامية في بغداد، ومجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، ومجلة الراديو والسينما، والثريا، والزيتونة، ونشرة الجمعية الخلدونية، وجريدة الزهور وجريدة حبيب الأمة، ولسان الشعب، والنهضة، والزمان، والأسبوعية، وكلها تونسية. وجريدة النجاح الجزائرية (٢).\nوذكر السويسي جريدة الوزير، وجريدة العمل، وجريدة الصباح (٣).\nهذا وقد توفي الشيخ ﵀ يوم الأحد ١٣ رجب سنة ١٣٩٣ هـ الموافق ١٩٧٣ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-903>المنهج العام لابن عاشور في تفسيره</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>القسم الأول: مقدمات التفسير:</span>\nعمد كثير من المفسرين إلى وضع مقدمات بين يدي تفاسيرهم، ومن هؤلاء شيخ المفسرين ابن جرير الطبري في تفسيره، والقرطبي في تفسيره، وأبو حيان في البحر، وابن جزي في تفسيره، والآلوسي والقاسمي وغيرهم كثير.\n_________\n(١) ١٦/ ٣٣٠.\n(٢) ابن عاشور ومنهجه في التفسير، ص ٢١٢ - ٢١٣. وانظر كذلك: محمد الطاهر بن عاشور، ص ١٥٤.\n(٣) محمد الطاهر بن عاشور مفتي تونس الأشهر، ص ١٤.","vol":"3","page":310},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوقد نحا ابن عاشور نحوهم في وضع مقدمة لتفسيره، فصّل فيه تفصيلًا جيدًا بعض الأبحاث الخاصة، وقد قسم ابن عاشور هذه المقدمة إلى عشرة أقسام، جعل كل قسم منها مقدمة، فكان تفسيره يشتمل على مقدمات عشر، اهتم فيها بإبراز مسائل من علوم القرآن الكريم. ولأهمية هذه المقدمات، لا بد من ذكر أهم ما اشتملت عليه:\nالمقدمة الأولى: جعلها في التفسير والتأويل، وكون التفسير علمًا، وبيَّن فيها معنى التفسير والتأويل في اللغة والاصطلاح، وموضوع التفسير، وعدّ التفسير علمًا مستقلًا.\nالمقدمة الثانية: جعلها في استمداد علم التفسير، وبيَّن فيها العلوم التي تكون مددًا لعلم التفسير ومصادر له، وهي مجملة: علوم العربية، وعلم الآثار (١) والقراءات، وعلم أصول الفقه، وعلم الكلام.\nالمقدمة الثالثة: جعلها في صحة التفسير بغير المأثور وبالرأي ونحوه، حيث ذكر ما قيل من آثار تنهى عن التفسير بالرأي وأجاب عنها.\nوبيَّن معنى التفسير بالرأي، وتحدث عن المقبول منه والمذموم، وعرض للتفسير الإشاري، ذكر في خاتمتها أنه لا ينبغي لأحد أن يقدم على التفسير دون مستند من نقل صحيح عن المفسرين، أو دون أن يكون صاحب التفسير ضليعًا في العلوم التي يحتاجها الفسر.\nالمقدمة الرابعة: جعلها فيما يحق أن يكون غرض المفسر، حيث بين فيها أغراض القرآن الكريم من إصلاح الاعتقاد، والتشريع وسياسة الأمة بصلاحها\n_________\n(١) يراد بها عنده المرويات عن النبي - ﷺ - في بيان المراد من بعض القرآن في مواضع الإشكال والإجمال، وما نقل عن الصحابة في ذلك، ١/ ٢٣ - ٢٤. وليس منه الأحاديث الواردة في تفسير الآيات، وكذلك الآثار لأنها من التفسير لا من مدده، ١/ ٢٧.","vol":"3","page":311},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوحفظ نظامها. وذكر قصص السابقين للتأسي بصالح أحوالهم، والتعليم بما يناسب عصر المخاطبين، والمواعظ والإنذار والتحذير والتبشير، والإعجاز ليكون آية دالة على صدق الرسول، وبيَّن أن غرض المفسر بيان ما يصل إليه، أو ما يقصد من مراد الله تعالى في كتابه بأتم بيان يحتمله المعنى، ولا يأباه اللفظ، وبيَّن أن طرائق المفسرين للقرآن على ثلاثة أنحاء، إما وقوف عند ظاهر اللفظ، وإما استنباط معانٍ من وراء هذا الظاهر، وإما جلب المسائل وبسطها لمناسبة بينها وبين المعنى، وعرض لآراء المفسرين في التفسير العلمي.\nالمقدمة الخامسة: جعلها في أسباب النزول، حيث بيَّن فيها ولع كثير من المفسرين بتطلب أسباب لنزول الآيات القرآنية، وتكلفوا في ذلك، وبيَّن أهمية أسباب النزول للتفسير، وأقسام أسباب النزول وفوائدها.\nالمقدمة السادسة: جعلها في القراءات، حيث بيَّن اعتلاق علم القراءات بالتفسير، وذكر شروط القراءة الصحيحة، وذكر حديث الأحرف السبعة، والاختلاف في معناه، وتحدث عن مراتب القراءات الصحيحة، والترجيح بينها، وذكر أن ابتناء تفسيره على قراءة قالون عن نافع.\nالمقدمة السابعة: جعلها في قصص القرآن الكريم، حيث بيَّن فيها معنى القصة وميزاتها وفوائدها في القرآن الكريم، وذكر فوائد التكرار في القصص القرآني (١).\nالمقدمة الثامنة: جعلها في أسماء القرآن وآياته وسوره وترتيبها وأسمائها، حيث عرض لأسماء القرآن، وبيَّن معانيها، وعرَّف الآية ومقدارها، وعرض للفواصل القرآنية، وذكر أن ترتيب الآيات توقيفي، وذكر الخلاف في عدد الآيات، وعرض\n_________\n(١) على أن الصواب أنه لا تكرار في القصص القرآني كما أوضحه شيخ شيوخنا وأستاذنا رحمة الله تعالى عليه في كتابه القصص القرآني وجعل ذلك غايته وقد أبدع.","vol":"3","page":312},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nللوقوف في القرآن الكريم، وعرض للسورة القرآنية معناها، وأن التسوير سنّة من النبي - ﷺ -، وعرض للخلاف في ترتيب السور، وأسمائها.\nالمقدمة التاسعة: في أن المعاني التي تتحملها جمل القرآن تعتبر مرادة، حيث ذكر أن مختلف المحامل التي تسمح بها كلمات القرآن وتراكيبه وإعرابه ودلالته من اشتراك وحقيقة ومجاز، وصريح وكناية، وبديع، ووصل، ووقف، إذا لم تفض إلى خلاف المقصود من السياق، يجب حمل الكلام على جميعها، وعرض للخلاف في مسألة استعمال اللفظ المشترك في معنييه أو معانيه دفعة.\nالمقدمة العاشرة: جعلها في إعجاز القرآن الكريم، حيث بيَّن فيها كيف كان القرآن معجزًا، وذكر الخلاف في ذلك، وذكر جهات الإعجاز، وهي عنده ثلاث: بلوغ الغاية القصوى في مراتب الكلام البليغ، وما أبدعه القرآن من أفانين التصرف في الكلام (١)، ما أودع فيه من المعاني الحكيمة، والإشارات إلى الحقائق العقلية والعلمية مما لا تصل إليه عقول البشر، وأشار إلى بلاغة القرآن ولطائف تعبيره، وعرض لعادات القرآن الكريم.\nبهذه المقدمات العشر بدأ ابن عاشور تفسيره، وهي مقدمات اشتملت على لطائف ونتف من الفوائد العلمية التي بثت في أثنائها. وقد دارت محاور هذه المقدمات على أمور في غاية الأهمية، وَفّى ابن عاشور بعضها حق الإيفاء، وبعضها يحتاج إلى مزيد، وقد أظهرت هذه المقدمات ضلوع ابن عاشور في مسائل علم التفسير.\n_________\n(١) هذه يمكن أن ترجع إلى الأولى.","vol":"3","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-905>القسم الثاني: مدخل إلى تفسير السورة الكريمة:</span>\nيدخل ابن عاشور إلى تفسير السورة الكريمة ببعض المعلومات المتعلقة بها، وهذه المعلومات المقدمة هي من الأهمية بمكان، بل لا غرابة إذا قلت إن هذه المعلومات هي من أدق وأمتع ما كتب في هذا التفسير من التحقيق العلمي.\nوهذه المعلومات في غالبها من مباحث علوم القرآن، أفردتها هنا لأنها جزء من المنهج الذي سلكه في تفسير السورة، وليس ثمة تداخل بين هذا المبحث والفصل المتعلق بعلوم القرآن؛ لأن الأبحاث هناك لن تذكر هنا، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن هذه الأبحاث هي ما كان يسوقه الشيخ في أوائل تفسيره للسور الكريمة مدخلًا لذلك.\nفأول ما يذكره ابن عاشور ما يتصل باسم السورة أو أسمائها إن تعددت، ووجه تسمية السورة بذلك، مستندًا في ذلك إلى الآثار المروية، إن وجدت، وإلى أمهات كتب التفسير والمصاحف العتيقة، وإلى ما اشتهر بين القراء في ذلك.\nومن أمثلة ما ذكره في هذا الشأن ما كان منه عند تفسيره سورة التوبة، حيث قال: سميت هذه السورة في أكثر المصاحف، وفي كلام السلف: سورة براءة. ففي الصحيح عن أبي هريرة، في قصة حج أبي بكر بالناس قال أبو هريرة: \"فأذّن معنا علي بن أبي طالب في أهل منى ببراءة\" (١).\nوفي صحيح البخاري عن زيد بن ثابت، قال: آخر سورة نزلت سورة براءة (٢).\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، ٨/ ٣١٧، الباب الثاني حديث رقم ٤٦٥٥، ولفظه: \"فأذّن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة\".\n(٢) قلت الذي في البخاري، ٤٣٦٤ و٤٦٠٥ عن البراء بن عازب وليس عن زيد، وقال في الفتح: والمراد بآخرية نزول هذه السورة معظمها أو بعضها، ٨/ ٣١٦.","vol":"3","page":314},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوبذلك ترجمها البخاري في كتاب التفسير من صحيحه (١)، وهي تسمية لها بأول كلمة منها، وتسمى سورة التوبة في كلام بعض السلف في مصاحف كثيرة، فعن ابن عباس: سورة التوبة هي الفاضحة (٢)، وترجم لها الترمذي في جامعه باسم التوبة (٣)، ووقع هذان الاسمان معًا في حديث زيد بن ثابت، في صحيح البخاري في باب جمع القرآن، قال زيد: فتتبعت القرآن، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]، حتى خاتمة سورة براءة (٤)، وهذا الاسمان هما الموجودان في المصاحف التي رأيناها. ولهذه السورة أسماء أُخر، وقعت في كلام السلف، من الصحابة والتابعين، فروي عن ابن عمر، عن ابن عباس (٥): كنا ندعوها المقشقشة (بصيغة اسم الفاعل، وتاء التأنيث من قشقشه، إذا أبرأه من المرض) (٦). كان هذا لقبًا لها ولسورة (الكافرون) لأنهما تخلصان من آمن بما فيهما من النفاق والشرك، لما فيهما من الدعاء إلى الإخلاص، ولما فيهما (٧) من وصف أحوال المنافقين.\nوكان ابن عباس يدعوها الفاضحة (٨)، وعن حذيفة أنه سماها سورة العذاب (٩)، لأنها نزلت بعذاب الكفار، وعن عبيد الله بن عمير أنه سماها المنقرة\n_________\n(١) البخاري مع الفتح، ٨/ ٣١٣.\n(٢) أخرجه البخاري عن سعيد بن جبير عنه في ٨/ ٦٢٩، تفسير سورة الحشر.\n(٣) ٨/ ٤٧٧ مع التحفة.\n(٤) البخاري مع الفتح، ٩/ ١١، حديث رقم ٤٩٨٦.\n(٥) هكذا هي، والصواب: وعن ابن عباس.\n(٦) عن ابن عمر رواه أبو الشيخ، كما في الإتقان، ١/ ٥٥.\n(٧) وتسمى سورة الإخلاص بهذا الاسم أيضًا، وينبغي أن يقال كذلك ولما في براءة؛ لأن (الكافرون) ليس فيها ما ذُكر.\n(٨) البخاري، ٨/ ٦٢٩، وذكره في الإتقان عن قتادة، ١/ ٥٦.\n(٩) انظر الإتقان، ١/ ٥٥. والمستدرك، ٢/ ٣٣١.","vol":"3","page":315},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n(بكسر القاف مشددة) لأنها نقرت عما في قلوب المشركين (١)، وعن المقداد بن الأسود وأبي أيوب الأنصاري تسميتها البحوث بباء موحدة مفتوحة في أوله، وبمثلثة في آخره بوزن فعول، بمعنى الباحثة (٢).\nوعن الحسن البصري أنه دعاها الحافرة (٣)، كأنها حفرت عما في قلوب المنافقين من النفاق، وعن قتادة أنه سماها المثيرة، لأنها أثارت عورات المنافقين وأظهرتها (٤).\nوعن ابن عباس أنه سماها المبعثرة؛ لأنها بعثرت عن أسرار المنافقين، أي: أخرجتها من مكامنها (٥)، وفي الإتقان أنها تسمى المخزية بالخاء والزاي المعجمة وتحتية بعد الزاي (٦)، وأحسب أن ذلك لقوله تعالى فيها: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ [التوبة: ٢]، وفي الإتقان أنها تسمى المنكّلة، أي: بتشديد الكاف، وفيه أنها تسمى المشددة (٧).\n_________\n(١) أخرجه أبو الشيخ عن عبيد بن عمير كما في الإتقان، ١/ ٥٥. ويبدو والله أعلم أن الرجل اسمه عبيد بن عمير وليس عبيد الله كما هنا ولم يتبين لي كلاهما، وراجع التهذيب، ٧/ ٦٥ وما بعدها.\nاستدراك: أخرجه أبو الشيخ ابن حيان عن عبد الله بن عمير [عن أبيه عبيد بن عمير] كما في الدر المنثور، ٣/ ٣٧٦، وما بين الحاصرتين سقط من الدر المنثور. وعبيد بن عمير بن قتادة الليثي ولد في زمان النبي - ﷺ - ورأى النبي - ﷺ -، وروى عنه ابنه عبد الله بن عمير. انظر: تهذيب الكمال، ١٩/ ٢٢٣.\n(٢) الإتقان، ١/ ٥٥.\n(٣) هو في جمال القراء غير معزو، ١/ ٣٦. وفي الإتقان عن المقداد، ١/ ٥٥ - ٥٦.\n(٤) الإتقان، ١/ ٥٦.\n(٥) عزاه في الإتقان إلى ابن الفرس، ١/ ٥٦، وانظر: أحكام القرآن لابن الفرس، ٣/ ١١٣. وهو في جمال القراء غير معزو.\n(٦) ١/ ٥٦. وانظر جمال القراء، ١/ ٣٦.\n(٧) هكذا ورد في تفسير التحرير والتنوير، والصواب: المُشَرِّدة. انظر: الإتقان، ١/ ٥٦. جمال القراء، ١/ ٣٦.","vol":"3","page":316},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوعن سفيان أنها تسمى المدمدمة، بصيغة اسم الفاعل من دمدم، إذا أهلك؛ لأنها كانت سبب هلاك المشركين (١)، فهذه أربعة عشر اسمًا (٢).\nفأنت تراه وقد ذكر هذه الأسماء معتمدًا على ما ذكر في المرويات والآثار، وعما عند أساطين المفسرين وأهل القرآن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-906>رأي الشيخ في ترتيب سور القرآن الكريم:</span>\nيقول: وأما ترتيب السور بعضها إثر بعض، فقال أبو بكر الباقلاني: يحتمل أن النبي - ﷺ - هو الذي أمر بترتيبها كذلك، ويحتمل أن يكون ذلك من اجتهاد الصحابة ... ونقل ابن عطية عن الباقلاني الجزم بأن ترتيب السور بعضها إثر بعض هو من وضع زيد بن ثابت بمشاركة عثمان، قال ابن عطية: وظاهر الأثر أن السبع الطوال، والحواميم، والمفصل، كانت مرتبة في زمن النبي - ﷺ - وكان من السور ما لم يرتب، فذلك هو الذي رتب وقت كتابة المصحف. أقول (٣): لا شك أن طوائف من سور القرآن (٤) كانت مرتبة في زمن النبي - ﷺ - على ترتيبها في المصحف الذي بأيدينا اليوم ... وأن طائفة السور الطولى الأوأئل في المصحف كانت مرتبة في زمن النبي - ﷺ - أول القرآن، والاحتمال فيما عدا ذلك (٥).\nقلت: ومما يؤيد هذا الاحتمال عند ابن عاشور أنه لا يرى أن البحث عن المناسبة بين السور القرآنية، هو من غرض المفسر، وليس هو حقًّا عليه (٦)، ومما يؤيد\n_________\n(١) انظر: جمال القراء، ١/ ٣٦. والآلوسي، ١٠/ ٤٠.\n(٢) ابن عاشور، ١٠/ ٩٥ - ٩٧.\n(٣) القائل هو: ابن عاشور.\n(٤) في الأصل: \"من سور القرآن\"، والصواب ما أثبته.\n(٥) ١/ ٨٦ - ٨٧.\n(٦) ١/ ٨.","vol":"3","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nرأيه وأنه هو المختار عنده ما ذكره في تفسيره سورة الكهف (١٥/ ٢٤٤)، والقصص (٢٠/ ٦١)، حيث ذكر عبارات تفضي إلى أن الترتيب كان اجتهادًا.\nوالذي ذهب إليه الشيخ من أمر المناسبة بين السور، وجعله أمرًا ثانويًا وليس من غرض المفسر هو قول غير مقبول منه، ولا يليق صدوره من مفسر مثله.\nبهذا يتبين لك أن الشيخ قد سار مع القائلين بأن بعض سور القرآن كان مرتبًا على عهد النبي - ﷺ -، وبعضها الآخر كان اجتهادًا ومن فعل الصحابة -﵃ -، ولهذا لم يتعرض ابن عاشور لذكر المناسبة بين السور إلا مرتين، وذلك في فاتحة تفسيره لسورة المائدة (١)، وكذلك في أثناء تفسيره لسورة القدر (٢).\nوقد عرض الدكتور فضل حسن عباس لهذه القضية في كتابه: \"إتقان البرهان في علوم القرآن\" وبيَّن أن ما يرجحه العلماء أن ترتيب السور ترتيب توقيفي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-907>الثاني: ترتيب السور حسب النزول:</span>\nوقد أفاض الشيخ في ذلك وتحدث عن كل سورة من القرآن الكريم في مقدمة تفسيره لها، وقد اعتمد ابن عاشور في حديثه عن ذلك على رواية جابر بن زيد، عن ابن عباس، وهي معتمد الجعبري في منظومته (تقريب المأمول في ترتيب النزول) (٣).\nواعلم أن السيوطي بعد أن ذكر رواية جابر بن زيد هذه في كتابه الإتقان، قال: هذا سياق غريب، وفي هذا الترتيب نظر (٤).\n_________\n(١) ٦/ ٧٢.\n(٢) ٣٠/ ٤٥٦.\n(٣) التحرير، ١/ ٩٠. وجابر بن زيد تابعي ثقة من رجال الستة. انظر: التهذيب، ٢/ ٣٤ وقد اختلف في وفاته. فقيل: سنة ٩٣ وقيل: ١٠٣ وقيل: ١٠٤.\n(٤) الإتقان، ١/ ٢٦.","vol":"3","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوينبغي أن يعلم أن هذه الرواية قد أسقطت منها سورة إبراهيم من المكي، وسورة النساء، والزلزلة، والحديد، والقتال، والرعد، والرحمن، والإنسان، والطلاق، والبينة، والحشر من المدني (١).\nومع تصريح الشيخ ابن عاشور بالاعتماد على هذه الرواية إلا أنه قد خالفها في بعض المواضع، فجاء ترتيبه بعض السور مخالفًا لما في تلك الرواية.\nمن الأمثلة ما ذكره عند فاتحة تفسيره سورة سبأ، حيث قال: وهي السورة الثامنة والخمسون في عداد نزول السور، نزلت بعد سورة لقمان، وقبل سورة الزمر، كما في المروي عن جابر بن زيد، واعتمد عليه الجعبري كما في الإتقان (٢)، وقد تقدم في سورة الإسراء أن قوله تعالى فيها: ﴿وَقَالوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ [الإسراء: ٩٠]، إلى قوله: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢] (٣)، إنهم عنوا قوله تعالى في هذه السورة: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: ٩]، فاقتضى أن سورة سبأ نزلت قبل سورة الإسراء، وهو خلاف ترتيب جابر بن زيد الذي يعد الإسراء متممة الخمسين، وليس يتعين أن يكون قوله: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ معنيًا به هذه الآية؛ لجواز أن يكون النبي - ﷺ - هددهم بذلك في موعظة أخرى (٤).\n_________\n(١) انظر: الإتقان، ١/ ٢٦. وقد بقي السقط كذلك في الطبعة المحققة، ١/ ٧٣، طبع المكتبة العصرية بيروت.\n(٢) لقمان رقمها ٥٧، والزمر ٥٨.\n(٣) انظر: ١٥/ ٢٠٩ من التفسير.\n(٤) ٢٢/ ١٣٣ - ١٣٤.","vol":"3","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nومن ذلك ما ذكره عند فاتحة تفسيره سورة الحديد، حيث قال: وقد عدت السورة الخامسة والتسعين في ترتيب نزول السور. جريًا على قول الجمهور إنها مدنية، فقالوا: نزلت بعد سورة الزلزال، وقبل سورة القتال (١).\nوإذا روعي قول ابن مسعود إنها نزلت بعد البعثة بأربع سنين (٢)، وما روي من أن سبب إسلام عمر بن الخطاب أنه قرأ صحيفة لأخته فاطمة فيها صدر سورة الحديد (٣)، لم يستقم هذا العد لأن العبرة بمكان نزول صدر السورة، لا نزول آخرها فيشكل موضعها في عد نزول السورة، وعلى قول ابن مسعود: يكون ابتداء نزولها\n_________\n(١) هذه السور ساقطة من رواية جابر بن زيد في الإتقان، والذي في منظومة الجعبري أن الحديد رقمها ٩٤ وأن الزلزلة رقمها ٩٣ والقتال ٩٥. الإتقان: ١/ ٢٦، قلت: وليس بين يدي من الروايات ما يفضي إلى أن ترتيبها الخامسة والتسعين بل إن رواية ابن الضريس كما في فضائل القرآن رقمها ٩٣. انظر: ص ٣٤، وكذلك ما اعتمده الزركشي في البرهان، ١/ ١٩٤. وكذلك ما ذكره صاحب كتاب المباني من رواية عثمان بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس انظر مقدمتان ص ١٢. وأما رواية أبي صالح عن ابن عباس وسعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب فعدها الثانية والتسعين. انظر: مقدمة كتاب المباني في مقدمتان، ص ٨ - ١٠، ١٤. وكذلك ما ذكره السيوطي عن البيهقي في الدلائل من رواية مجاهد عن ابن عباس كما في الإتقان، ١/ ١٠. وكل هذه الروايات على إسقاط الفاتحة، فأما بإضافتها فيصبح رقم هذه السورة ما بين الثالث والتسعين والرابع والتسعين.\n(٢) قال ابن عاشور روى مسلم في صحيحه والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود أنه قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ [الحديد: ١٦]، إلا أربع سنين. عبد الله من أول الناس إسلامًا فتكون هذ الآية مكية، التحرير، ٢٧/ ٣٥٣. والحديث في مسلم مع النووي، ١٨/ ١٦١ - ١٦٢. وقال في تحفة الأشراف: رواه النسائي في التفسير في الكبرى. انظر: ٧/ ٧٠، ولم أجده في ابن ماجه.\n(٣) هذه الرواية ذكرها السهيلي في الروض الأنف دون إسناد، ٢/ ١٠٠. وذكرها السيد أحمد زيني دحلان في السيرة، ١/ ٢٥٧، بهامش السيرة الحلبية. وانظر: السيرة الحلبية، ١/ ٣٢٩، والذي فيها أن الصحيفة التي كانت عند أخت عمر لما أسلم متعددة: قسم منها فيه الحديد والآخر فيه طه، ١/ ٣٣٤. وانظر: الآلوسي، ٢٧/ ١٦٤. قال شيخنا: إن هذا لا ينهض لإخراج السورة من المدني فالمسبحات كلها مدنية ولا اعتبار لمثل هذه الرواية لا سيما وأنها تعارض المشهور.","vol":"3","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nأواخر سنة أربع من البعثة، فتكون من أقدم السور نزولًا، فتكون قبل سورة الحجر وطه وبعد غافر، فالوجه أن معظم آياتها نزل بعد سورة الزلزال (١).\nويعرض الشيخ بعد ذلك لذكر عدد آيات السور والخلاف فيه يقول في طالعة تفسيره لسورة هود: وقد عدت آياتها مئة وإحدى وعشرين في العدد المدني الأخير، وكانت آياتها معدودة في المدني الأول مئة واثنتين وعشرين. وهي كذلك في عدد أهل الشام وفي عدد أهل البصرة، وأهل الكوفة مئة وثلاث وعشرون (٢).\nويعرض بعد ذلك لأغراض السورة الكريمة، ويقصد بذلك محتويات السورة أو مشتملاتها، ثم يذكر سبب نزول السورة الكريمة إن كان لها سبب. يقول عند تفسيره لسورة الطلاق:\n\"وسبب نزولها ما رواه مسلم عن طريق ابن جريج، عن أبي الزبير أنه سمع عبد الرحمن بن أيمن يسأل ابن عمر: كيف ترى في الرجل طلق امرأته حائضًا، فقال: طلق ابن عمر امرأته حائضًا على عهد رسول الله - ﷺ -، فقال له: ليراجعها، فردّها وقال: إذا طهرت فليطلق أو ليمسك. قال ابن عمر: وقرأ النبي - ﷺ -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] \" (٣).\nفظاهر قوله: \"وقرأ النبي - ﷺ - ... إلخ، أنها أنزلت عليه ساعتئذ، ويحتمل أن تكون نزلت قبل هذه الحادثة\" (٤).\nوقال ابن عاشور أيضًا: وقال الواحدي، عن السدي: إنها نزلت في قضية طلاق ابن عمر (٥)، وعن قتادة أنها نزلت بسبب أن النبي - ﷺ -، طلق حفصة، ولم\n_________\n(١) ٢٧/ ٣٥٤.\n(٢) ١١/ ٣١٢.\n(٣) في صحيح مسلم \"فطلقوهن في قبل عدتهن\"، ١٠/ ٦٩ مع المنهاج.\n(٤) الحديث هذا اللفظ رواه مسلم في كتاب الطلاق، ١٠/ ٦٩. وأبو داود في سننه، كتاب الطلاق، ٢/ ٢٢٢، طبع الهند مع كتاب عون المعبود.\n(٥) أسباب النزول، ٤٦٣.","vol":"3","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nيصح (١)، وجزم أبو بكر بن العربي بأن شيئًا من ذلك لم يصح، وأن الأصح أن الآية نزلت بيانًا لشرع مبتدأ (٢).\nقلت: ولعل رأي ابن العربي هو الأرجح لتعاور الاحتمالين لحديث مسلم.\nثم يذكر الشيخ أحاديث في فضائل السور ومن ذلك ما ذكره في طالعة سورة يس، قال: \"وورد في فضلها ما رواه الترمذي عن أنس، قال: قال النبي - ﷺ -: إن لكل شيء قَلْبًا وقلب القرآن يس. ومن قرأ يس، كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وفيه هارون أبو محمد شيخ مجهول، قال أبو بكر بن العربي: حديثها ضعيف\" (٣).\nوبعد هذه المقدمات ينتقل الشيخ إلى تفسير السورة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>طريقة ابن عاشور في تفسير السورة:</span>\nمن خلال قراءتي لتفسير ابن عاشور، رأيته يقوم على عشرة أسس:\nأولًا: يسير ابن عاشور مع السورة القرآنية مقسمًا إياها إلى مقاطع، وتتفاوت هذه المقاطع كمًّا من سورة إلى أخرى، بل وفي السورة نفسها، والغالب أن تكون هذه المقاطع متحدة الفكرة الخاصة وذات إطار موضوعي واحد، غير أن هذا لا يكون دائمًا متيسرًا بسبب أن الموضوع قد تكون آياته كثيرة، أو قصيرة، لكنها طويلة (٤)، فيكون التقطيع بحسبه.\n_________\n(١) حديث قتادة ذكره الواحدي ص ٣٦٤، والطبري في ٢٨/ ٨٥.\n(٢) التحرير: ٢٨/ ٢٩٣. وانظر: أحكام القرآن، ٤/ ١٨٢٣.\n(٣) ٢٣/ ٣٤٢.\n(٤) راجع ايضًا ابن عاشور ومنهجه في التفسير للريس، ص ٢٩٩. وتفسير ابن عاشور هدفه ومصادره ص ١٧ وما بعدها.","vol":"3","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nثانيًا: يبتدئ باللفظة القرآنية، أو الجملة القرآنية، فيعرض لمعانيها واشتقاقها وما يتعلق بها من أمور لغوية، من حيث ورودها في أساليب الفصحاء، والاستشهاد على ذلك بأشعار العرب وأمثالهم، إلى غير ذلك مما ستطلع على تفاصيله في القسم الخاص بذلك من المباحث اللغوية في التفسير.\nثالثًا: يذكر ابن عاشور نظائر الآية القرآنية أو الآيات، وهو ما يسمى بتفسير القرآن بالقرآن.\nرابعًا: يستشهد على ما يقول بالأحاديث الشريفة، والآثار المروية عن السلف لتوضيح المعنى المقصود، وهو في ذلك مختار مناقش مرجح.\nخامسًا: يعرض لبيان المناسبة بين المقطع المختار أو الآية لما قبلها.\nسادسًا: يقوم بدفع الإشكالات التي يمكن أن تبدو من ظاهر النظم في الآيات الكريمة إن وجدت، وقد يبتدِئُها، وعلى أسلوب (فإن قلت) أحيانًا.\nسابعًا: إذا تحدثت الآيات القرآنية ذات المقطع الواحد عن موضوع معين، أو كان ثمة موضوع كثر فيه الكلام من المتقدمين، فإن ابن عاشور يتابعهم فيعرض لتفاصيل تتعلق بذلك.\nثامنًا: عند مروره بآيات الأحكام، وآيات العقيدة، أو الآيات التي اتخذت لها مواضع خاصة في علوم القرآن وغيرها من المباحث، يعرض ابن عاشور لذكر خلاف العلماء في تلك الآيات، ويفصل في تلك القضايا بما هو مناسب عنده.\nتاسعًا: عرض إلى إشارات علمية عند تفسيره لبعض الآيات القرآنية الكريمة.\nعاشرًا: استخدم الحاشية لأغراض متعددة في تفسيره.\nهذه هي طريقته التي سار عليها في تفسيره سور القرآن الكريم، غير أنه لا يلتزم ترتيبًا معينًا لهذه الأسس العشرة المتقدمة، فكثيرًا ما يكون هناك تقديم وتأخير فيها، وذلك بحسب المقطع المفسر.","vol":"3","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-909>قضايا علوم القرآن في تفسيره:</span>\nاهتم ابن عاشور بإبراز بعض قضايا علوم القرآن الكريم في أثناء تفسيره، وقد نقرأ هذه القضايا عنده فنجدها غير محررة كثيرًا، وقد يكون ذلك لأنه لم يهتم بإبرازها وحدات موضوعية خاصة، وإنما جاء الحديث عنها في أثناء التفسير.\nمن القضايا التي برزت في تفسير ابن عاشور مثلًا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-910>١. الحديث عن الحروف المقطعة في أوائل السور:</span>\nفقد ذكر أقوال العلماء فيها وخلص إلى ثلاثة منها:\nالأول: كون هذه الحروف لتبكيت المعاندين، وتسجيلًا لعجزهم عن المعارضة.\nالثاني: كونها أسماء للسور الواقعة هي فيها.\nالثالث: كونها أقسامًا، أقسم الله بها لتشريف قَدْرِ الكتابة وتنبيه العرب الأميين إلى فوائد الكتابة لإخراجهم من حالة الأمية. وأرجح هذه الثلاثة أولها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>٢. الأحرف السبعة:</span>\nاختلفت أقوال العلماء في المقصود من الأحرف السبعة اختلافًا شديدًا، وكان لابن عاشور رأيه في المسألة، فبعد أن ذكر طرفًا من الخلاف في معنى الحديث قال: \" ... وذهب جماعة أن المراد من الأحرف لهجات العرب في كيفيات النطق؛ كالفتح، والإمالة، والمدِّ، والقصر، والهمز، والتخفيف، على أن معنى ذلك رخصة للعرب مع المحافظة على كلمات القرآن، وهذا أحسن الأجوبة لمن تقدّمنا، وهنالك أجوبة أخرى ضعيفة لا ينبغي للعالِم التعريجُ عليها، وقد أنهى بعضهم جملة الأجوبة إلى خمسة وثلاثين جوابًا\" (٢).\n_________\n(١) ١/ ٢١٥ - ٢١٦.\n(٢) ١/ ٥٨.","vol":"3","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوبعد ذلك قال ابن عاشور: \"وعندي أنه إن كان حديث عمر وهشام بن حكيم قد حَسُن إفصاحُ راويه عن مقصد عمر فيما حدّث به، بأن لا يكون مرويًّا بالمعنى مع إخلالٍ بالمقصود -أنه يحتمل أن يرجع إلى ترتيب آي السور، بأن يكون هشام قرأ سورة الفرقان، على غير الترتيب الذي قرأ به عمر فتكون تلك رخصة لهم في أن يحفظوا سور القرآن بدون تعيين ترتيب الآيات من السورة، وقد ذكر الباقلاني احتمال أن يكون ترتيب السور من اجتهاد الصحابة، كما يأتي في المقدمة الثامنة، فعلى رأينا هذا تكون هذه رخصة. ثم لم يزل الناس يتوخّون بقراءتهم موافقة قرإءة رسول الله - ﷺ - حتى كان ترتيب المصحف في زمن أبي بكر على نحو العَرْضة الأخيرة التي عرضها رسول الله - ﷺ -، فأجمع الصحابة في عهد أبي بكر على ذلك؛ لعلمهم بزوال موجب الرخصة\" (١).\nواعلم أن هذا التفسير من ابن عاشور لم يقل به أحد من المتقدمين، ولا أظن أن يقول به أحد من المتأخرين، وهو بعيد عن تفسير هذا الحديث بُعدًا عظيمًا؛ إذ كيف يمكن أن يكون دالًا على ذلك، وقد سبق أن ابن عاشور قال: إن ترتيب الآيات توقيفيّ من زمن النبي - ﷺ - (٢)، وهذا كلام يذهب برونق الإعجاز وبهاء النظم، وما دَخْلُ الترتيب في قوله في الحديث ... (الكبير والشيخ والهرم) ونحو ذلك؟ !\nثم كيف تكون الرخصة بسبعة أحرف على هذا التأويل؟ إنّ هذا التأويل للحديث لم يحُمْ حول التحقيق، ولا كان لصاحبه فيه فضل ولا توفيق. وقد تناقض تفسيره في ١/ ٦٣ حيث قال: \"على أنه يجوز أن تكون إحدى القراءات نشأت عن ترخيص النبي - ﷺ - للقارئ أن يقرأ بالمرادف تيسيرًا على الناس كما يُشعِر به حديث تنازع عمر مع هشام\" ومع هذا التناقض بين القولين إلا أن هذا يوهم أن القراءات\n_________\n(١) التحرير والتنوير، ١/ ٥٩.\n(٢) التحرير والتنوير، ١/ ٧٩. وكذلك ابن عاشور ومنهجه في التفسير للريس، ص ٤٧٥.","vol":"3","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nبالتشهّي، وهذا لا يقول به أحد، وإنما المرادف المسموح به هو الثابت عن النبي - ﷺ - تواترًا لا غير\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-912>٣. منسوخ التلاوة:</span>\nوقد اضطربت عبارة ابن عاشور في هذا النوع بين القبول والرفض، حيث قال بادئ بدء عند قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، قال: \"ومما يَقِف منه الشعر ولا ينبغي أن يوجّه إليه النظر ما قاله بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿نُنْسِهَا﴾ إنه إنساء الله تعالى للمسلمين للآية أو السورة، أي: إذهابها عن قلوبهم، أو إنساؤه النبي - ﷺ - إياها، فيكون نسيان الناس كلِّهم لها في وقت واحد دليلًا على النسخ، واستدلوا لذلك بحديث أخرجه الطبراني بسنده إلى ابن عمر قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما إياها رسولُ الله - ﷺ -، فقاما ذات ليلة يصلِّيان، لم يَقْدِرا منها على حرف، فغديا على رسول الله - ﷺ -، فذكرا ذلك له، فقال لهما: \"إنها مما نُسخ وأُنسي، فالْهُوَا عنها\" (٢). قال ابن كثير: هذا الحديث في سنده سليمان بن أرقم، وهو ضعيف (٣). وقال ابن عطية: هذا الحديث منكر، أغرب به الطبراني، وكيف خفي مثله على أئمة الحديث! والصحيح أن نسيان النبي - ﷺ - ما أراد الله نَسْخه ولم يُرد أن يثبته قرآنًا جائز. أي: لكنه لم يقع\" (٤).\nثم قال: \"وأما ما ورد في \"صحيح\" مسلم عن أنس قال: كنا نقرأ سورة نشبّهها في الطول ببراءة فأُنْسِيتُها غير أني حفظت منها: \"لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثًا، وما يملأ جوف ابنِ آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب\". اهـ.\n_________\n(١) وقد عرض الدكتور فضل حسن عباس لهذه القضية في كتاب إتقان البرهان في علوم القرآن وناقشها ورجح فيها.\n(٢) حديث الطبراني في ١٢/ ٢٨٨ رقم ١٣١٤١. وذكره في مجمع الزوائد، ٦/ ٣١٥، وفيه سليمان بن أرقم، وهو متروك.\n(٣) التفسير، ١/ ١٤٩.\n(٤) التحرير، ١/ ٦٦٢.","vol":"3","page":326},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nفهو غريب، وتأويله: أن هناك سورة نُسِخت قراءتها وأحكامُها، ونسيان المسلمين لما نُسخ لفظُه من القرآن غيرُ عجيب، على أنه حديث غريب\"، ثم قال بعد تبيان أنواع النسخ في القرآن: \" .. وعندي أن نسخ التلاوة وبقاء الحكم لا فائدة فيه\" (١).\nوكلامه هنا -كما هو ظاهر- صريح في إنكار هذا النوع من النسخ. غير أن الشيخ قال عند تفسيره قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾ [الأعلى: ٦ - ٧]. قال: \"والمقصود بهذا أن بعض القرآن ينساه، النبي - ﷺ - إذا شاء الله أن ينساه، وذلك نوعان:\nأحدهما، وهو أظهرها: أن الله إذا شاء نسْخَ تلاوة بعض ما أُنزل على النبي - ﷺ - أمَره بأن يترك قراءته. فأمر النبيَّ - ﷺ - بأن لا يقرأه حتى ينساه النبي - ﷺ - والمسلمون. وهذا مثل ما روي عن عمر أنه قال: كان فيما أنزل: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما\". قال عمر: لقد قرأناها (٢). وأنه كان فيما أنزل: \"لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم\" (٣). وهذا ما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِهَا﴾ هو في قراءة من قرأ ﴿نُنْسِهَا﴾ في سورة البقرة [١٠٦].\nالنوع الثاني: ما يعرض نسيانُه للنبي - ﷺ - نسيانًا مؤقتًا كشأن عوارض الحافظة البشرية، ثم يقيّض الله له ما يذكّره به. ففي \"صحيح\" البخاري عن عائشة قالت: سمع النبي - ﷺ - رجلًا يقرأ من الليل بالمسجد فقال: \"يرحمه الله قد أذكرني كذا\n_________\n(١) ١/ ٦٦٢ - ٦٦٣. والحديث أخرجه مسلم (١٠٥٠) في الزكاة عن أبي موسى الأشعري، وليس عن أنس ٧/ ١٣٩. وأخرج قريبًا من هذه القصة البخاري في الرقاق، ١١/ ٢٥٣.\n(٢) الحديث في الموطأ، ٢/ ٨٢٤. وابن ماجه، ٢/ ٨٥٣، رقم ٢٥٥٣. وعند الإمام أحمد، ٥/ ١٨٣.\n(٣) رواه البخاري في الحدود من حديث طويل لعمر، ١٢/ ١٤٤، حديث رقم ٦٨٣٠.","vol":"3","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوكذا آية أسقطْتُهُنَّ، أو كنتُ أُنسيتُها من سورة كذا وكذا\"، وفيه أن رسول الله - ﷺ - أسقط آيةً في قراءته في الصلاة، فسأله أبي بن كعب: أَنُسِخَت؟ فقال: \"نُسيّتها (١) \".\nفأنت تراه مرة وقد قال: \"إن هذا مما يقف منه الشعر ولا ينبغي أن يوجه إليه النظر\"، وتارة قال: \"مثل هذا النسخ لا فائدة منه\"، وأخيرًا أثبته، وهذا الاضطراب غير لائق، كما تراه.\nوالشيخ وإن أثبت النسخ في بعض المواضع إلا أنه لا يراه واقعًا بمكة، قال: \"وأمّا نسخ التلاوة فلم يَرِدْ من الآثار ما يقتضي وقوعه في مكة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-913>اهتمام الشيخ باللغة:</span>\nتنوعت اهتمامات الشيخ وعنايته اللغوية بتنوع مفردات علم اللغة، فمن ذلك: بيانه لاشتقاق الكلمات، وبيان معاني المفردات وذكره وجوه الأعاريب، وتنوع طرائق الاستشهاد في تفسيره، فقد يكثر من الشواهد الشعرية، والاسشهاد بأقوال الحريري، والاستشهاد بالأمثال.\nمن الأمثلة على ما ذكرناه من تفسير الشيخ -﵀- ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، حيث قال: \"والتحيز: طلب الحيز -فَيْعِلٌ من الحَوْز، فأصلُ إحدى ياءيه الواو، فلما اجتمعت الواو والياء وكانت السابقة ساكنةً قُلبت الواو ياءً وأُدغمت الياء في الياء، ثم اشتقوا منه تَحَيُّزٌ، فوزنُه تَفَيْعُلٌ، وهو مختار صاحب \"الكشاف\" جريًا\n_________\n(١) الحديث الأول في البخاري، ٥٠٣٧، كتاب فضائل القرآن، باب نسيان القرآن ٩/ ٨٤ - ٨٥. والثاني أخرجه البخاري في \"القراءة خلف الإمام\"، حديث رقم ١٢٣، والنص هذا في ابن عاشور، ٣٠/ ٢٨٠ - ٢٨١. وانظر: ١٨/ ١٤٩.\n(٢) ١٤/ ٢٨١. وقد ناقش الدكتور فضل حسن عباس هذه القضية في إتقان علوم القرآن وخلص إلى رَدّ هذا النوع، وذلك لأن هذه روايات آحاد لا يثبت بها القرآن المتواتر، ومن حيث البلاغة هي مردودة كذلك، لأنها بعيدة عن بلاغة ونظم القرآن الكريم.","vol":"3","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nعلى القياس بقدر الإمكان، وجوز التفتازاني أن يكون وزنه تَفَعُّلٌ بناءً على اعتباره مشتقًا من الكلمة الواقع فيها الإبدال والإدغام وهي الحَيِّزُ، ونَظَّرَه بقولهم: (تَدَيُّرٌ) بمعنى الإقامة في الدار، فإن الدار مشتقة من الدوران؛ ولذلك جُمعت على دُور، إلا أنه لما كثر في جمعها ديار ودِيرة عُوملت معاملة ما عينه ياء، فقالوا من ذلك: تَدَيَّرَ، بمعنى أقام في الدار، وهو تَفَعَّلَ من الدار، واحتجّ بكلام ابن جني والمرزوقي في \"شرح الحماسة\". يعني ما قاله ابن جني في \"شرح الحماسة\" عند قول جابر بن حريش (١):\nإذ لا تخافُ حُدُوجُنا قَذْفَ النَّوَى ... قَبْلَ الفسادِ إقامةً وتَدَيُّرا\n(التَّدَيُّرُ: تَفَعُّلٌ من الدار، وقياسه تَدَوُّرٌ، [لأن عينه واو بدلالة قولهم: دور] إلا أنه لما كَثُر استعمالهم ديارَ أنِسوا بالياء ووجدوا جانبها أوطأ حسًّا، وألين مسًا، فاجترَؤوا عليها فقالوا: تَدَيَّرنا دارًا. اهـ، وما قال المرزوقي: (الأصل في تدير الواو، ولكنهم بنوه على ديارٍ لإلفهم له بكثرة تردده في كلامهم) (٢) \".\nومنه ما ذكره من الخلاف عند تفسيره قوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، حيث قال: \"واختُلف في اشتقاقه؛ فقيل: مشتق من (أمن) الداخل عليه همزة التعدية فصار آمن، وأن وزن الوصف مُؤَيْمِن، قُلبت همزته هاءً، ولعل موجب القلب إرادة نقله من الوصف إلى الاسمية بقطع النظر عن معنى الأمن، بحيث صار كالاسم الجامد، وصار معناه رقب: (ألا ترى أنه لم يبق فيه معنى الأمن الذي في\n_________\n(١) هو من شعراء الحماسة، وانظر: خبر أبياته في شرح التبريزي على الحماسة، ٢/ ٧٣.\nوأما قول ابن جني الآتي فقد ورد في كتابه \"التنبيه على شرح مشكلات الحماسة\"، تحقيق: أ. د. حسن محمود هنداوي، نشرته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، ط ١، ١٤٣٠ هـ/ ٢٠٠٩ م، ص ٢٣٧، الحماسية، رقم ١٢٠.\n(٢) ٩/ ٢٩٠، والفرق بين الرأيين: أن الزمخشري نظر إلى الأصل، والتفتازاني جعل النظر إلى الكلمة بعد وقوع الإبدال فيها. انتهى. شيخنا.\nوانظر: \"التنبيه على شرح مشكلات الحماسة\" لابن جني، ص ٢٣٧، الحماسية رقم ١٢٠. و\"حاشية الشهاب الخفاجي على تفسير البيضاوي\"، ٢/ ٢٧٥. و\"شرح ديوان الحماسة\" للمزوقي، ص ٤٢٤.","vol":"3","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nالمؤمن (١) لما صار اسمًا للرقيب والشاهد)، وهو قلب نادر، مثل قلب همزة أراق إلى الهاء فقالوا: هراق، وقد وضعه الجوهري في فصل الهمزة من باب النون، ووزنه مُفَعْلِلٌ اسم فاعل من آمن مثل مُدَحْرج، فتصريفه مُؤَأْمِنٌ بهمزتين بعد الميم الأولى المزيدة، فأُبدلت الهمزة الأولى هاءً كما أبدلت همزة أراق فقالوا: هراق.\nوقيل: أصله هَيْمن، بمعنى: رَقَبَ، كذا في \"لسان العرب\"، وعليه فالهاء أصلية ووزنه مُفَيْعِل، وذكره صاحب \"القاموس\" في فصل الهاء من باب النون، ولم يذكره في فصل الهمزة منه، وذكره الجوهري في فصل الهمزة وفصل الهاء من باب النون مصرحًا بأن هاءه أصلها همزة، وعَدَلَ الراغب وصاحب \"الأساس\" عن ذكره، وذلك يُشعر بأنهما يريان هاءه مبدلة من الهمزة، وأنه مندرج في معاني الأمن\" (٢).\nقلت: وقد ذكره الزمخشري في \"الكشاف\" مشتقًا من الأمن (٣).\nهذا طرف من ذكره للاشتقاق واختلاف العلماء فيه، وقد يَذكر الخلاف في الوزن الصرفي للكلمة فقط دون تعريج على الاشتقاق، وهو نادر الوقوع جدًّا، ومثاله: ما وقع عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، حيث قال: \"ووزن أيامى عند الزمخشري أفاعِلُ؛ لأنه جمع أيِّم بوزن فَيْعِل، وفيعِلُ لا يجمع على فَعَالى. فأصل أيامى أيائِم، فوقع فيه قلب مكاني قدَّمت الميم للتخلص من ثقل الياء بعد حرف المد، وفُتحت الميم للتخفيف فقُلبت الياء ألفًا، وعند ابن مالك وجماعة وزنه فَعَالى على غير قياس، وهو ظاهر كلام سيبويه\" (٤).\nوقد يَذكر مصادره في الاشتقاق مصَرّحًا بأسمائها، ومن ذلك: ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦]، حيث قال: \"وفي اشتقاق الباخع\n_________\n(١) في الأصل: \"معنى إلا من الذي في المؤمن! \" وهي هكذا ليست واضحة.\n(٢) ٢٨/ ١٢١ وما بعدها.\n(٣) ٤/ ٨٧.\n(٤) ١٨/ ٢١٥. وانظر: الكشاف، ٣/ ٦٣. انظر: كذلك ذكر الخلاف دون التصريح بأسماء المختلفين ١١/ ٣٥، ٢٣/ ١١٣، ٣٠/ ٢٩١، ٣٥٤.","vol":"3","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nخلاف؛ فقيل: مشتق من البِخاع بالباء الموحدة (بوزن كِتاب)، وهو عِرْق مستبطن في القفا، فإذا بلغ الذابحُ البِخَاع، فذلك أعمقُ الذبح، قاله الزمخشري في قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣]، وانفرد الزمخشري بذكر هذا الاشتقاق في \"الكشاف\" و\"الفائق\" و\"الأساس\". قال ابن الأثير في \"النهاية\": \"بحثت في كتب اللغة والطب فلم أجد البِخاع بالموحّدة\"، يعني أن الزمخشري انفرد بهذا الاشتقاق، وبإثبات البِخاع اسمًا لهذا العرق.\nقلت: كفى بالزمخشري حُجَّةً فيما أثبته، وقد تبعه عليه المطرزي في \"المُغْرب\" وصاحب \"القاموس\"\" (١).\nوالشيخ ابن عاشور حين يسوق هذه المعلومات الصرفية، لا يسوقها دائمًا سياق المسلِّم بها المعجب بها، وإنما يبدي رأيه فيما لا يعجبه منها، وقد يلوح له أحيانًا عدم قناعة باشتقاقٍ ما، أو عدم معرفة به، فيذكر ذلك في أثناء تفسيره.\nومن الأمثلة على ذلك: ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، حيث قال: \"والقِبلة في أصل الصيغة اسم على زِنَة فِعْلةِ بكسر الفاء وسكون العين، وهي زنة المصدر الدال على هيئة فعلِ الاستقبال، أي: التوجه، اشتق على غير قياس بحذف السين والتاء، ثم أُطلقت على الشيء الذي يستقبله المُستقبِل مجازًا، وهو المراد هنا؛ لأن الانصراف لا يكون عن الهيئة، قال حسان في رثاء أبي بكر -﵁ -:\nأليسَ أولُ من صَلَّى لقبلتِكُمْ\nوالأظهر عندي أن تكون القبلة اسم مفعول على وزن فِعْلٍ كالذِّبح والطِّحن، وتأنيثه باعتبار الجهة كما قالوا: ما له في هذا الأمر قِبْلة ولا دِبْرة، أي: وجهة. اهـ\".\nقلت: وهذا يخالف ما كان عليه الواقع، فهل كانت القِبلة مرغوبة لديهم؟\n_________\n(١) ١٥/ ٢٥٤.","vol":"3","page":331},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-914>تناوب حروف الجر:</span>\nالشيخ ابن عاشور لم يتابع المفسرين واللغويين في كل ما ذكروه، فهو في مواضع من تفسيره لا يرى بأسًا بتعاقب حروف الجر، وفي مواضع أخرى يرفض القول بإنابة الحروف، فقد ذكر أن اللام بمعنى (إلى) في قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر: ١٣] (١).\nولكنه رفض أن تكون (إلى) بمعنى اللام في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]. وقال: \"إن جعل (إلى) بمعنى اللام بُعْدٌ عن بلاغة هذا النظم وخَلْطٌ للاعتبارات البلاغية\" (٢).\nومن ذلك: ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾ [المعارج: ١] حيث قال: \"ومن بلاغة القرآن تعدية (سأل) بالباء؛ ليصلح الفعل لمعنى الاستفهام، والدعاء، والاستعجال؛ لأن الباء تأتي بمعنى (عن) وهو من معاني الباء الواقعة بعد فعل السؤال، نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقول عَلْقَمَة:\nفإنْ تسألوني بالنساءِ فإنني ... خبيرٌ بأدواءِ النساءِ طبيبُ\nأي: إن تسألوني عن النساء، وقال الجوهري عن الأخفش: يقال: خرجنا نسأل عن فلان وبفلان. وجعل في \"الكشاف\" تعدية فعل (سأل) بالباء لتضمينه معنى عُني واهتمّ، وقد علمت احتمال أن يكون (سأل) بمعنى استعجل؛ فتكون تعديته بالباء كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج: ٤٧] \" (٣).\n_________\n(١) ٢٢/ ٢٨١.\n(٢) ١١/ ١١٢.\n(٣) ٢٩/ ١٥٥.","vol":"3","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوعلى كلٍّ فليس في هذه الآية ما يؤيد أن (الباء) بمعنى (عن)، قال شيخ شيوخنا الدكتور فضل حسن عباس -رحمه الله تعالى- موضحًا ذلك: ونحن نعلم أن السؤال يتعدى بـ (عن)، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [النازعات: ٤٢]، فلماذا عُدل عن هذا الحرف ولم يقل: سأل سائل عن عذاب واقع؟\nومعرفة السياق تطلعنا على ذلك السر، وتلك الروعة؛ إن السؤال عن الساعة كان عن زمانها، وهكذا السؤال عن الأهلّة كان عن سبب صغرها وكبرها، أما السؤال في الآية التي معنا فلم يكن سؤالًا عن نوع العذاب، ولا عن زمانه، وإنما كان طلبًا لهذا العذاب ودعاءً لإتيانه، وسبب النزول يؤيد هذا، فالسائل هو النضر بن الحارث كما روى النسائي وجماعة، وصححه الحاكم عن ابن عباس، وروي ذلك عن ابن جريج، والسُّدّي والجمهور حيث قال إنكارًا واستهزاءً: ﴿وَإِذْ قَالوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال: ٣٢].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-915>عناية الشيخ بالقضايا البلاغية:</span>\nعرض الشيخ لكثير من مسائل علم المعاني وعلم البيان، وسنقتصر على ذكر بعض الأمثلة مما عني به الشيخ.\nفقد تحدث عن اختيار الكلمة في القرآن الكريم، وذلك لصلاحيتها لأكثر من معنى يتأدى بها.\nفمن ذلك اختيار لفظة الصريم في قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ [القلم: ٢٠]، قال: \"والصريم قيل: هو الليل، والصريم من أسماء الليل، ومن أسماء النهار؛ لأن كل واحد منهما ينصرم عن الآخر، كما سمي كل من الليل والنهار مَلْوًا، فيقال: المَلَوَان، وعلى هذا ففي الجمع بين (أصبحت) و(الصريم) مُحَسِّنُ الطباق، وقيل الصريم: الرماد الأسود بلغة جَذِيمة أو خُزَيمة، وقيل الصريم: اسم رَمْلَة","vol":"3","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nمعروفة باليمن لا تُنبِت شيئًا، والإتيان بكلمة الصريم هنا لكثرة معانيها وصلاحية جميع تلك المعاني لأن تراد في الآية\" (١).\nوقد يختار القرآن الفعل على غيره؛ لأن هذا الفعل أوعب، ويحتمل ما لا يحتمل غيره من المعاني، ومتعلقاتها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ﴾ [فصلت: ٢٥]، قال: \"وقيض: (أتاح وهيأ شيئًا للعمل في شيء) ومعنى تقييضنا لهم، تقديرنا لهم، أي: خلق المناسبات التي يتسبب عليها تَقارُنُ بعضهم مع بعض لتناسب أفكارِ الدعاة والقابلين، كما يقول الحكماء: (استفادَةُ القابل من المبدأ تتوقف على المناسبة بينهما)، فالتقييض بمعنى التقدير عبارة جامعة لمختلف المؤثرات والتجمعات التي توجب التآلف والتحابَّ بين الجماعات، ولمختلف الطبائع المكوَّنة في نفوس بعض الناس، فيقتضي بعضها جاذبيةَ الشياطين إليها، وحدوث الخواطر السيئة فيها، وللإحاطة بهذا المقصود أوثر التعبير هنا بـ (قيضنا) دون غيره من نحو: بعثنا وأرسلنا\" (٢).\nوقد يُختار في القرآن الحرف لدواعٍ معينة وقد يُختار في القرآن التعبير بالفعل دون المصدر، كما في قوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ﴾. بعد قوله: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس: ٤١]، قال: \"وإنما عدل عن الإتيان بالعمل مصدرًا كما أُتي به في قوله: ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ إلى الإتيان به فعلًا صلة لـ (ما) الموصولة للدَّلالةِ على البراءة من كل عمل يحدث في الحال والاستقبال، وأما العمل الماضي فلكونه قد انقضى، لا يتعلق بالغرض بذكر البراءة منه، ولو عُبِّر بالعمل لربما تُوُهِّمَ أن المراد عمل خاص، لأن المصدر المضاف لا يَعُمُّ، ولتجنب إعادة اللفظ بعينه في الكلام الواحد، لأن جملةَ البيان من تمام المُبَيَّن، ولأن هذا اللفظ أنسبُ بسلاسة النظم، لأن\n_________\n(١) ٢٩/ ٨٢. وانظر: ٢٩/ ١١٧، ٢٩/ ٢٦٢.\n(٢) ٢٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥. وانظر: ٢٢/ ٣٢٨.","vol":"3","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nفي (ما) في قوله: ﴿مِمَّا أَعْمَلُ﴾ من المد ما يجعله أسعدَ بمد النَّفَسِ في آخر الآية، والتهيئة للوقف على قوله: ﴿مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾، ولما في ﴿تَعْمَلُونَ﴾ من المد أيضًا، ولأنه يراعي الفاصلة، وهذا من دقائق فصاحة القرآن الخارجة عن الفصاحة المتعارفة بين الفصحاء (١).\nوقد تأتي الكلمة في القرآن مفردة أو مجموعة، وذلك بحسب الدواعي البلاغية المقتضية لذلك (٢)، والشيخ رحمه الله تعالى في كثير من الوقفات عند هذا الجانب يفسره لك (بالتفنن) وهو يعني لئلا ينحصر القرآن في نمط واحد من أنماط الكلام، والتعليل بمثل هذا لا ينبغي الوقوف عنده (٣)، وقد يقف وقفات يعلل بها بغير ذلك، ولكن في تعليله قصور واضح، وهناك بعض الأمثلة لتدرك سر الروعة القرآنية في اختيار الكلمات في مواقعها المناسبة:\nخذ مثلًا (السمع والبصر) فإن لفظ (السمع) لم يأت في القرآن مجموعًا البتة بخلاف (البصر) فإنه جاء في القرآن بلفظ الجمع دائمًا (٤) ولا بد لهذا من داع يقتضيه، وقد وقف الشيخ عند بعض الآيات القرآنية في ذلك فعلل سِرَّ الجمع والإفراد بخفة أحد اللفظين مفردًا والآخر مجموعًا وذلك عند قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦]، قال: \"والأبصار جمع بصر، وهو في اللغة العين على التحقيق، وقيل: يُطلَق البصر على حاسة الإبصار، ولذلك جمع ليَعُمَّ بالإضافة جميع أبصار المخاطبين، ولعل إفراد السمع وجمع الأبصار جَرَى على ما يقتضيه تمام\n_________\n(١) ١١/ ١٧٦. انظر: ١١/ ٧٢.\n(٢) انظر: أسباب الإفراد والجمع للأستاذ فضل عباس، ص ٧٩، من بحثه بعنوان المفردات القرآنية مظهر من مظاهر الإعجاز.\n(٣) سيأتي لهذا مبحثه الخاص به.\n(٤) انظر: صفاء الكلمة، ص ١٣٧، سوى أن الأبصار جاءت مفردة في موضع واحد وذلك في الإسراء الآية ٣٦. انتهى منه.","vol":"3","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nالفصاحة من خفةِ أحدِ اللفظين مفردًا والآخر مجموعًا عند اقترانهما، فإن في انتظام الحروف والحركات والسكنات في تَنَقُّل اللسان سرًّا عجيبًا من فصاحة كلام القرآن المعبر عنها بالنظم، وكذلك نرى مواقعها في القرآن\" (١).\nواقتصر في سورة يونس (الآية ٣١) على تعليل ذلك بأن إفراد (السمع) لأنه مصدر دال على الجنس الموجود في جميع حواس الناس، وأما (الأبصار) فجيء به جمعًا؛ لأنه اسم فليس نصًّا في إفادة العموم لاحتمال توهم بصر مخصوص فكان الجمع أدل على قصد العموم، وأنفى لاحتمال العهد ونحوه (٢)، وذكر عند تفسيره سورة السجدة (الآية ٩) أن إفراد (السمع) لأنه مصدر لا يُجْمَع، وجمع (الأبصار والأفئدة) باعتبار تعدد الناس (٣).\nوقال في تعليل ذلك في سورة الملك (آية ٢٣) إن إفراد السمع لأن أصله مصدر، أي: جعل لكم حاسة السمع، وأما الإبصار فهو جمع بصر بمعنى العين (٤).\nوهذه الملاحظ اللفظية غير كافية في الوقوف على هذا السر البياني الرائع والعجيب، يقول الدكتور عبد الفتاح لاشين: يقال في أسباب ذلك أن استقبال الأذن للمسموع لا خيار للإنسان فيه، فلا يمكن أن يمنع أذنه أن تسمع شيئًا وصل إليها، أو وقع عليها، أما العين فلها الخيار في ذلك لها أن ترى المنظر الذي أمامها فتحملق فيه، ولها أن تغمض فلا ترى مما أمامها شيئًا، بخلاف الأذن، فما صدر من صوت ووقع على الأذن فلا بد أن تسمعه، فإذا جاء إنسان وصرخ في جمع من الناس سمعه الناس جميعًا، فلا خيار للإنسان في قبول المسموع إذا كان المسموع في الجماعة واحدًا، إذن فالسمع واحد لكن الأبصار قد تتعد مرائيها، هذا يبصر ذلك، وذلك لا يبصر؛\n_________\n(١) ٧/ ٢٣٤.\n(٢) ١١/ ١٥٦.\n(٣) ٢١/ ٢١٧.\n(٤) ٢٩/ ٤٧.","vol":"3","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nلأن هناك تحكم في العضو بحيث يرى أو لا يرى، أما السمع فلا خيار لأحد فيه، لذلك جاء (السمع) مفردًا دائمًا و(الإبصار) مجموعة دائمًا (١).\nوأما إفراد (البصر) في قوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ﴾ [الإسراء: ٣٦]، فذلك لأن الكلام عن المسؤولية الذاتية وهي مسؤولية الفرد، فكل إنسان مسؤول عن نفسه، وليس مسؤولًا عن إبصار غيره، ولهذا أفرد لفظ البصر هنا (٢).\nوعرض الشيخ للاستفهام، وذكر أن الاستفهام يخرج من معناه الحقيقي إلى معانٍ جديدة متنوعة، وهذه المعاني التي خرج إليها الاستفهام قد تكون حقيقة وقد تكون مجازًا.\nوالظاهر أن الشيخ يرى أن المعاني المفادة من أحرف الاستفهام في جملها، هي معانٍ مجازية، وهي على التحديد من قبيل المجاز المرسل، ومثل هذه المسألة لم يطرقها مدونو البلاغة من مثل عبد القاهر والزمخشري -رحمهما الله- وإنما هي من صنيع أصحاب الحواشي والمتأخرين.\nونقف عند مثال واحد للشيخ ﵀، وهو ما ذكره الشيخ عند تفسيره قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [الماندة: ٩١]، ولابد من ذكر النص الذي قاله كاملًا حتى يحسن توضيح ما فيه، قال الشيخ: \"الفاء تفريع عن قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ الآية، فإن ما ظهر من مفاسد الخمر والميسر كافٍ في أنتهاء الناس عنهما فلَمْ يبق حاجة لإعادة نهيهم عنهما، ولكن يستغنى عن ذلك باستفهامهم عن مبلغ أثر هذا البيان في نفوسهم ترفيعًا بهم إلى مقام الفَطِنِ الخبير، ولو كان بعد هذا البيان كلِّه نهاهم عن تعاطيها لكان قد أنزلهم منزلة الغبيِّ، ففي هذا الاستفهام من بديع لطف الخطاب ما بلغ به حدَّ الإعجاز، ولذلك اختير الاستفهام بـ ﴿هَلْ﴾ التي أصل معناها\n_________\n(١) صفاء الكلمة، ص ١٣٧. وانظر: المفردات القرآنية، ص ٨٩. وانظر: البرهان، ٤/ ١٩.\n(٢) صفاء الكلمة للدكتور لاشين، ص ١٣٨.","vol":"3","page":337},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n(قد)، وكَثُر وقوعها في حيز الاستفهام، فاستغنوا بـ ﴿هَلْ﴾ عن ذكر الهمزة، فهي لاستفهام مُضَمَّنٍ تحقيقَ الإسنادِ المستفهَمِ عنه وهو ﴿أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾، دون الهمزة، إذ لم يقل: أتنتهون، بخلاف مقام قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠]، وجعلت الجملة بعد ﴿هَلْ﴾ اسمية لدلالتها على ثبات الخبر زيادة في تحقيق حصول المستفهم عنه، فالاستفهام هنا مستعمل في حقيقته، وأُريد معها معناه الكنائيُّ، وهو التحذير من انتفاء وقوع المستفهم عنه ... ومن المعلوم للسامعين من أهل البلاغة أن الاستفهام في مثل هذا المقام ليس مجردًا عن الكناية\" (١).\nوكلامه هنا ينحصر في أمرين اثنين الأول منهما: هو استعمال ﴿هَلْ﴾ بدلًا من (الهمزة)، والثاني: هل وقع الاستفهام الحقيقي في القرآن الكريم، فأما الأمر الأول، فلا يبدو واضحًا تمام الوضوح هنا، والبلاغيون فعلًا يتساءلون عن سر وضع ﴿هَلْ﴾ مكان (الهمزة)، إذ من البيِّن لديهم أن الهمزة دخولها على الجملة الفعلية والاسمية سواء، وأما (هل) فيكاد دخولها يقتصر على الجمل الفعلية (٢)، وفي الآية توجد ﴿هَلْ﴾ وجملة اسمية، ومن المعلوم أيضًا أن الجملة الاسمية يؤتى بها لإفادة الثبوت والاستقرار والدوام من غير تقييد بزمن، وعلى هذا الكلام يمكننا أن نفهم السر البلاغي في الآية الكريمة على أنه أراد منهم فورية الانتهاء عن الخمر والميسر، ثم الثبات على ذلك وعدم الرجوع إليه مرة أخرى، ولا يمكن لهذا الملحظ أن يكون لو لم يؤت بـ ﴿هَلْ﴾ والجملة الاسمية (٣).\nوالأمر الثاني في هذه الآية والذي يجدر بنا أن نتوقف عنده هو وقوع الاستفهام الحقيقي في القرآن الكريم ولا شك أن عبارة الشيخ في هذا الموضع مفضية إلى\n_________\n(١) ٧/ ٢٨.\n(٢) البلاغة فنونها، وأفنانها، ١/ ١٨٥ بتصرف.\n(٣) المصدر السابق، ص ١٨٦ بتصرف.","vol":"3","page":338},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوقوعه، وإن حاول إخراج الأمر إلى المعنى الكنائي، لكنه لم ينفِ المعنى الحقيقي، بدليل جعله المعنى الكنائي ليس أصلًا وإنما مضافًا إلى الحقيقة كما مر ذكره.\nومن الواضح جدًّا أن الاستفهام بمعناه الأصلي -الحقيقي- لا يقع في كلام رب العالمين لأن إحاطة علمه شاملة، ولكن قد يقع ذلك في القرآن حين يحكي مواقف أو يفصل مقاولات (١).\nوقد عرض في تفسيره لأحرف العطف، وللحذف والذكر، والفصل والوصل، والفاصلة القرآنية والتفنن، ويعرف التفنن بقوله:\n\"ومن أساليبه -أي: القرآن- ما أُسميه بالتفنن وهو بداعة تنقلاته من فن إلى فن بطرائق الاعتراض والتنظير والتذييل والإتيان بالمترادفات عند التكرير تجنبًا لثقل تكرير الكَلِم، وكذلك الإكثار من أسلوب الالتفات المعدود من أعظم أساليب التفنن، عند بلغاء العربية، فهو في القرآن كثير، ثم الرجوع إلى المقصود، فيكون السامعون في نشاط متجدد بسماعه وإقبالهم عليه ... وفي هذا التفنن والتنقل مناسبات بين المُنْتَقَلِ منه والمُنْتَقَلِ إليه في منتهى الرقة والبداعة بحيث لا يشعر سامعه وقارئه بانتقاله إلا عند حصوله، وذلك التفنن مما يعين على استماع السامعين، ويدفع سآمة الإطالة عنهم، فإن من أغراض القرآن استكثار أزمان قراءته، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، فقوله: (ما تيسر) يقتضي الاستكثار بقدر التَّيَسُّرِ وفي تناسب أقواله، وتفنن أغراضه مَجْلَبَةٌ لذلك التيسير وعونٌ على ذلك التكثير\" (٢).\nوهو ناحية لفظية بحتة كما ترى، وهذا الذي يقوله لا ينكره أحد، ولكن لما طبق ابن عاشور هذا الكلام على آيات القرآن تجده مثلًا يقول: إن الفرق بين أنزل\n_________\n(١) البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري، ص ٢٩٤ بتصرف.\n(٢) ١/ ١١٦.","vol":"3","page":339},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nإليه وأنزل عليه أن المعدّى بـ (إلى) يفيد الغاية، والمعدى بـ (على) يفيد التمكن والاستقرار، وإن القرآن يُختار فيه إحدى التعديتين تفننًا\" (١). فأين هي بداعة الأسلوب بمثل هذا التعليل.\nومن ذلك ما ذكره في تقديم (هارون على موسى) في سورة طه وحدها من بين السور التي تحدثت عن قصة موسى وهارون -﵉- مع فرعون، ولعل هذا الموضع في سورة [طه: ٧٠]، كان تكأة لمثبتي السجع في القرآن الكريم (٢)، هذا الموضع لا يكاد يختلف فيه المتقدمون على أن سبب التقديم فيه إنما هو للرعي على الفاصلة (٣).\nوقال ابن عاشور في تفسيره: \"وتقديم هارون على موسى هنا، وتقديم موسى على هارون في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف: ١٢١ - ١٢٢] لا دلالة فيه على تفضيل ولا غيره؛ لأن الواو العاطفة لا تفيد أكثر من مطلق الجمع في الحكم المعطوف فيه، فهم عرفوا الله بأنه ربُّ هذين الرجلين، فحُكِي كلامُهم بما يدل على ذلك، ألا ترى أنه حُكِي في سورة الأعراف قولُ السحرة: ﴿قَالوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٢١)﴾ [الأعراف: ١٢١]، ولم يحك ذلك هنا؛ لأن حكاية الأخبار لا تقتضي الإحاطة بجميع المحكِيِّ، وإنما المقصود موضع العبرة في ذلك المقام بحسب الحاجة. ووجه تقديم هارون هنا الرعايةُ على الفاصلة، فالتقديم في الحكاية لا في المحكِيِّ ... ويجوز أيضًا أن يكون هذا من كلام السحرة وأنه وقع منهم قولان، قدموا هارون في أحدها باعتبار كبر سنه، وقدموا موسى في الثاني اعتبارًا بفضله\" (٤).\n_________\n(١) ١/ ٢٣٩.\n(٢) المفردات القرآنية مظهر من مظاهر الإعجاز، د. فضل حسن عباس، ص ٤٥. الفاصلة القرآنية للحسناوي، ص ١٣٧ - ١٤٠.\n(٣) البحر، ٦/ ٢٦١.\n(٤) ١٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣.","vol":"3","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوعلى كل حال فهذا القول الثاني الذي شفع به ابن عاشور القول الأول لا يغني في فتيل ولا قطمير، والأرجح في هذه الآية ما ذكره شيخ شيوخنا الدكتور فضل حسن عباس -﵀- في تفسيرها حيث قال سورة طه هي السورة الوحيدة التي حدثتنا عما حصل لموسى -﵇- من خوف، وكان حريًا به أن لا يكون منه ذلك، فهارون أولى به منه، لأنه لم يشاهد ما شاهده موسى، ولم يشرف بمناجاة الحق قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧)﴾ [طه: ٦٧]، فكان حريًا به أن يكون رابط الجأش، ثابت الجنان، من أجل ذلك يلوح لي أن هارون -﵇- قُدِّم في هذه السورة، وهي قيمة قرآنية عظيمة حري بنا أن نقف عندها ونتدبرها، وهي تقدير كل عامل بعمله (١).\nوإذ وقع الإغراب في تأويل هذه الآية بما سمعت قبلًا، فلا أعجب من احتفال السيد الحسناوي برأي ظنه راجحًا وهو قوله: إن هناك وجهًا بيانيًا بعيدًا، يصور الحال النفسية التي كان عليه السحرة، لما ظهرت معجزة موسى فألقوا سجدًا يتلعثمون بالشهادة كحال العبد الذي فرح بلقاء راحلته بعد ضياعها ... وذكر الحديث (٢).\nوهذا التأويل غريب كل الغرابة، وهو يناقض الآيات بعد، التي ذكرت أن السحرة ثبتوا على إيمانهم مع تهديد فرعون لهم بالصلب فكيف يكون حال المتلعثم بالكلام لا يدري ما يقول؟ هل يثبت بإيمان يزلزل كيان فرعون أم حين يحس بالخطر يتراجع؟ !\nومما عرض له الشيخ ما سماه بمبتكرات القرآن الكريم، ويعني بها ما جاء في الألفاظ والأساليب التي لم تكن معهودة لدى العرب قبل نزوله، وقد عرض الشيخ لهذه المبتكرات في المقدمة العاشرة؛ ومن هذه المبتكرات: أنه جاء على أسلوب يخالف\n_________\n(١) المفردات القرآنية، ص ٤٥.\n(٢) المصدر السابق، ص ١٤٠.","vol":"3","page":341},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nالشعر لا محالة، وأنه جاء بالجمل الدالة على معانٍ مفيدة محررة، ومنها أنه جاء على أسلوب التقسيم والتسوير، وجاء بأسلوب التمثيل وإيضاح الأمثال، ومنها أن القرآن الكريم لم يلتزم أسلوبًا واحدًا وغير ذلك.\nوأما مسائل علم البيان، فقد أكثر منها في تفسيره.\nوقد عرض الشيخ إلى الاستعارة التبعية في الحرف مبينًا معناها وموضحًا صورتها فقال عند تفسيره قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]: \"واللام في ﴿لِيَكُونَ﴾ لام التعليل وهي المعروفة عند النحاة بلام كي، وهي لام جارة مثل كي، وهي هنا متعلقة بـ ﴿فَالْتَقَطَهُ﴾.\nوحق لام كي أن تكون جارَّةً لمصدر منسبك من (أنْ) المقدرة بعد اللام ومن الفعل المنصوب بها، فذلك المصدر هو العلة الباعثة على صدور ذلك الفعل من فاعله. وقد استعملت في الآية استعمالًا واردًا على طريقة الاستعارة دون الحقيقة؛ لظهور أنهم لم يكن داعيهم إلى التقاطه أن يكون لهم عدوًا وحزنًا، ولكنهم التقطوه رأفةً به وحبًا له، لما أُلقي في نفوسهم من شفقة عليه، ولكن لما كانت عاقبة التقاطهم إياه أن كان لهم عدوًا في الله، وموجبَ حزن لهم، شُبِّهَت العاقبة بالعلة في كونها نتيجة للفعل كشأن العلة غالبًا، فاستعير لترتب العاقبة المشبهة الحرف الذي يدل على ترتب العلة تبعًا لاستعارة معنى الحرف إلى معنى آخرَ استعارةً تبعية، أي استعير الحرف تبعًا لاستعارة معناه؛ لأن الحروف بمعزل عن الاستعارة؛ لأن الحرف لا يقع موصوفًا، فالاستعارة تكون في معناه ثم تسري من المعنى إلى الحرف فلذلك سميت استعارة تبعية عند جمهور علماء المعاني خلافًا للسكاكي\" (١).\nومن الاستعارة التصريحية وهي التي صرح فيها بلفظ المشبه به ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥]، حيث قال:\n_________\n(١) ٢٠/ ٧٥ - ٧٦.","vol":"3","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\" فاستعير الذلول للأرض في تذليل الانتفاع بها مع صلابة خلقتها، تشبيهًا بالدابة المسوسة المرتاضة بعد الصعوبة على طريقة المصرحة\" (١).\nومن الاستعارة المكنية وهي التي طُوِيَ فيها ذكر المشبه به ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، حيث قال: \"إن القصر هنا ادعائي بتنزيل الإيمان الذي عُدِمَ الواجبات العظيمة منزلة العدم، وهو قصر مجازي لابتنائه على التشبيه، فهو استعارة مكنية، شبه الجانب المنفي في صيغة القصر بمن ليس بمؤمن. وطُوِيَ ذكرُ المشبه به ورُمِزَ إليه بذكر لازمه وهو حَصْرُ الإيمان فيمن اتصف بالصفات التي لم يتصف بها المشبه به، ويؤول هذا إلى معنى: إنما المؤمنون الكاملو الإيمان\" (٢).\nوهذا تحليل ظاهر عليه التكلف كما هو واضح، وليست هذه الاستعارة بلازمة هنا.\nوقد يجد الباحث في أثناء هذا التفسير، بعضًا من الأمور اللغوية والبلاغية التي ذكر ابن عاشور أنه لم يسبق إليها، تجد الشيخ ينص على ذلك صراحة، وأحيانًا تجد الكلام ظاهرًا بدون تصريح. ومن الأمثلة على ذلك:\nقال الشيخ عند تفسيره قوله تعالى: ﴿قَالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]: \"هذا جواب الملائكة عن قول الله لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فالتقدير فقالوا على وزان قوله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾\n_________\n(١) ٢٩/ ٣٢. وهذا عجيب عند الشيخ فإن هذا التحليل للتشبيه وليس للاستعارة إذ إن الطرفين هنا موجودان.\n(٢) ٩/ ٢٥٥. وانظر لمزيد من الأمثلة: ١١/ ١٤٣، ١٢/ ٥٧، ١٤/ ١٥٤، ١٥/ ٧٠، ١٦/ ٧١، ١٨/ ١٧٨، ٢٣/ ٢١٦.","vol":"3","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n[البقرة: ٣٤]. وفُصِل الجواب ولم يُعطَف بالفاء أو الواو جريًا على طريقة مُتَّبعةٍ في القرآن في حكاية المحاورات هي طريقة عربية، قال زهير:\nقيل لهم ألا اركبوا ألا تا ... قالوا جميعًا كلهم ألا فا (١)\nأي فاركبوا ولم يقل فقالوا. وقال رؤبة بن العجاج:\nقالتْ بناتُ العَمِّ يا سَلْمَى وإنْ ... كان فقيرًا مُعدمًا قالتْ وإنْ (٢)\nوإنما حذفوا العاطف في أمثاله كراهية تكرير العاطف بتكرير أفعال القول. فإن المحاورة تقتضي الإعادةَ في الغالب، فطردوا الباب، فحذفوا العاطف في الجميع، وهو كثير في التنزيل، وربما عطفوا ذلك بالفاء لنكتة تقتضي مخالفة الاستعمال. وإن كان العطف بالفاء هو الظاهر والأصل، وهذا مما لم أُسبق إلى كشفه من أساليب الاستعمال العربي (٣).\nقلت: وهذا الذي ذكره ابن عاشور أحد وجهين في مثل هذا الأسلوب، فأما الذي عليه جمهور المفسرين فهو أن هذا من قبيل الاستئناف البياني الناشئ عن سؤال مقدّر تقرره أساليب المحاورة في الكلام، وقد قرر الشيخ عبد القاهر الجرجاني هذا القول في كتابه الدلائل أحسن تقرير، فقال عليه الرحمة: \"واعلم أن الذي تراه\n_________\n(١) الشاهد نسبه ابن عاشور لزهير، وقد أعياني البحث عنه في ديوانه.\nوقد ورد البيت في \"معاني القرآن وإعرابه\" للزجاج، ١/ ٦٢:\nنادَوْهُمو أن ألجموا، ألا تا ... قالوا جميعًا كلهم: ألا فا\nوتفسيره: نادوهموا أن ألجموا، ألا تركبون، قالوا جميعأ: ألا فاركبوا، وعزاه محقق الكتاب للقيم بن أوس كما في شرح شواهد الشافية، ٤/ ٢٦٤، ولكن ما ورد للقيم بن أوس هو البيت التالي:\nبالخير خيرات وإن شرًّا فا ... ولا أريد الشر إلا أنْ تا\nوليس البيت المذكور أعلاه، الذي ورد في لسان العرب ١/ ١١ بدون نسبة.\n(٢) هو من شواهد النحو على حذف الشرط والجزاء معًا لضرورة الشعر، انظر: الخزانة: ٩/ ١٥، وهو من شواهد المغني، ٢/ ٧٢٤.\n(٣) ١/ ٤٠١.","vol":"3","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nفي التنزيل من لفظ (قال) مفصولًا غير معطوف، هذا هو التقدير فيه، والله أعلم.\nأعني مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالوا سَلَامًا قَال سَلَامٌ ...﴾ [الذاربات: ٢٤ - ٢٨]. جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال. فلما كان في العُرف والعادة فيما بين المخلوقين إذا قيل لهم: \"دخل قوم على فلان فقالوا كذا\"، أن يقولوا: \"فما قال هو؟ \" ويقول المجيب: \"قال كذا\" أُخرج الكلام ذلك المُخْرَج، لأن الناس خوطبوا بما يتعارفونه، وسُلِك باللفظ معهم المسلك الذي يسلكونه ... وذلك، والله أعلم المعنى في جميع ما يجيء منه على كثرته كالذي يحبيء في قصة فرعون عليه اللعنة، وفي رد موسى -﵇- عليه كقوله: ﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣) قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ...﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤] جاء ذلك كله -والله أعلم- على تقدير السؤال والجواب كالذي جرت به العادة فيما بين المخلوقين، فلما كان السامع منا إذا سمع الخبر عن فرعون بأنه قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣)﴾ وقع في نفسه أن يقول: فما قال موسى له؟ أتى قوله: ﴿قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مأتى الجواب مبتدأ مفصولًا غير معطوف، وهكذا التقدير والتفسير أبدًا في كل ما جاء فيه لفظ ﴿قَال﴾ هذا المجيء وقد يكون الأمر في بعض ذلك أشد وضوحًا ... \" (١).\nوصحيح أن علماء المعاني لم يذكروا هذا النوع، لأنه غير موجود، والقصر الحقيقي المقيد هو نوع من القصر الإضافي، وليس مغايرًا كما ذهب إليه الشيخ، ولذلك فإن في تقسيم علماء المعاني للقصر من هذه الناحية بالقصر الحقيقي والقصر الإضافي غنية عن هذا.\n_________\n(١) دلائل الإعجاز، ٢٤٠ - ٢٤١.","vol":"3","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-916>عناية الشيخ بالقضايا العقدية:</span>\nوابن عاشور أشعري المذهب، صرح هذا في تفسيره؛ ولذا فهو يرجح رأي الأشاعرة ويرد على خصومهم في أثناء تفسيره. ومن الأمثلة التي وردت في تفسيره عن ذلك قضية الإسلام والإيمان:\nعرض الشيخ للفرق بين الإسلام والإيمان، وكون الإيمان يزيد وينقص في غير ما موضع من التفسير، ولعل أوسع هذه المواضع ما كان في الجزء الأول وذلك عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨] حيث قال: \" ... ونفي الإيمان عنهم مع قولهم آمنا دليل صريح على أن مسمى الإيمان التصديقُ، وأن النطق بما يدل على الإيمان قد يكون كاذبًا فلا يكون ذلك النطق إيمانًا ... وقد اختلف علماء الأمة في ماهية الإيمان ما هو؟ وتطرقوا أيضًا إلى حقيقة الإسلام، ونحن نجمع متناثر المنقول عنهم مع ما للمحققين من تحقيق مذاهبهم في جملة مختصرة. وقد أرجعنا متفرق أقوالهم في ذلك إلى خمسة أقوال:\nالقول الأول: قول جمهور المحققين من علماء الأمة قالوا: إن الإيمان هو التصديق لا مسمى له غير ذلك، وهو مسماه اللغوي فينبغي أن لا ينقل من معناه لأن الأصل عدم النقل إلا أنه أطلق على تصديق خاص بأشياء بيَّنها الدين ...\nالقول الثاني: أن الإيمان هو الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان بالشهادتين للإقرار بذلك الاعتقاد، ونسبه إلى أبي حنيفة، ونقل عن النووي نسبته إلى جمهور الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ونقل عن الفخر نسبته إلى الأشعري وبشر المريسي (١) ونقل عن الخفاجي بنسبته إلى محققي الأشاعرة، وذكر أن ابن العربي اختاره.\n_________\n(١) هو بشر بن غياث المريسي من فقهاء المعتزلة، وتنسب له الطائفة المريسية توفي عام ٢١٩ هـ.\nوالمَرِيْسِيّ بفتح الميم وكسر الراء وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها سين مهملة، نسبةٌ إلى مَرِيس قرية بمصر، وقيل: إلى درب المريس ببغداد، كما في الوفيات، ١/ ٢٧٧ - ٢٧٨.","vol":"3","page":346},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nويرى ابن عاشور أنه لا فرق بين القولين؛ لأن أصحاب كل قول نظروا إلى جانب. فالأول نظر إلى جانب المفهوم والثاني نظر إلى جانب الاعتداد، ولم يعتنوا بضبط عباراتهم حتى يرتفع الخلاف بينهم، وإن كان قد وقع الخلاف بينهم في أن الاقتصار على الاعتقاد هل هو فيما بين المرء وبين ربه أو لابد من الإقرار؟ (١).\nالقول الثالث: قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين أن الإيمان اعتقاد وقول وعمل، ذلك أنهم لكمال حالهم ومجيئهم في فاتحة انبثاق أنوار الدين لم يكونوا يفرضون في الإيمان أحوالًا تقصر في الامتثال. وعزاه لطائفة من السلف وابن حزم من الظاهرية. وقال: وتمسك به أهل الحديث لأخذهم بظاهر ألفاظ الأحاديث وبذلك أثبتوا الزيادة والنقص في الإيمان بزيادة الأعمال ونقصها.\nالقول الرابع: قول الخوارج والمعتزلة: إن الإيمان اعتقاد ونطق وعمل، وبيَّن أنهم نحوا فيه منحى غير ما عند السلف، أنهم أرادوا أن الإيمان يتركب من مجموع الثلاثة بحيث إذا اختل واحد منها بطل الإيمان وأخذ بعد ذلك في رد أقوالهم؟\nالقول الخامس: قول الكَرّامية الإيمان هو الإقرار باللسان إذا لم يخالف الاعتقادُ القولَ فلا يشترط في مسمى الإيمان شيء من المعرفة والتصديق، فأما إذا كان يعتقد خلافَ مقاله بطل إيمانه، وهذا يرجع إلى الاعتداد بإيمان مَنْ نطق الشهادتين، وإن لم يشغل عقلَه باعتقاد مدلولهما، بل يكتفي منه بأنه لا يضمر خلاف مدلولهما، وهذه أحوال نادرة لا ينبغي الخوض فيها.\nهذه هي جوامع أقوال الفِرَق الإسلامية في مسمى الإيمان (٢).\n_________\n(١) قلت: قد فصل الباجوري هذا الأمر في شرحه على الجوهرة ولعل الشيخ لم ينظره. انظر: ص ٤٢ من شرح الجوهرة.\n(٢) ١/ ٢٦٦ - ٢٧٠ بتصرف شديد.","vol":"3","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوبعد ذلك قال الشيخ: وأنا أقول كلمة أربأ بها عن الانحياز إلى نصرة: وهي أن اختلاف المسلمين في أول خطوات مسيرهم وأول موقف من مواقف أنظارهم، وقد مضت عليه الأيام بعد الأيام، وتعاقبت الأقوام بعد الأقوام، يعد نقصًا علميًّا لا ينبغي البقاء عليه، ولا أعرفني بعد هذا اليوم ملتفتًا إليه ... ثم ذكر رأيه وحاول أن يجمع بين الأقوال الخمسة ليجعلها ثلاثة وكلها مطولة وحاصلها:\nأ- الإيمان والإسلام هما الأصلان اللذان تنبعث عنهما الخيرات، وهما الحد الفاصل بين أهل الشقاء وأهل الخير حدًّا لا يقبل تفاوتًا ولا تشككًا ... ولا يدّعي أحد أن مفهوم الإيمان هو مفهوم الإسلام فيكابر لغةً تتلى عليه، كيف وقد فسّره الرسول - ﷺ - لذلك الجالس عند ركبتيه (١).\nفما الذين ادعوه إلا قوم قد ضاقت عليهم العبارة فأرادوا أن الاعتداد في هذا الذي لا يكون إلا بالأمرين، وبذلك يتضح وجه الاكتفاء في كثير من مواد الكتاب والسنّة بأحد اللفظين. انتهى. وبهذا يجمع بين القول الأول والثاني.\n٢ - إن حاصل معنى الإيمان حصول الاعتقاد بما يجب اعتقاده، وحاصل معنى الإسلام إظهار المرء أنه أسلم لاتباع الدين ودعوة الرسول. انتهى -وبيَّن بعد ذلك موقع الأعمال فخلص إلى أن لها المرتبة الثانية بعد الإيمان والإسلام لأنها مكملة المقصد لا ينازع في هذين- أعني كونها في الدرجة الثانية وكونها مقصودة إلا مكابر. انتهى. وهذا يصير مع الأول قولان.\n٣ - وعرض إلا استحقاق الثواب العقاب وأن المسلمين لا يخلو جلّهم من معصية لانعدام العصمة، وذكر أنه ينبغي التفريق بين مؤمن وقع بزلة المعصية وبين الكافر الذي لم يؤمن أصلًا، وبذلك يُجمع بين القول الرابع والخامس. انتهى (٢).\n_________\n(١) إشارة إلى حديث جبريل المشهور في الإيمان والإسلام والإحسان الذي رواه البخاري في الإيمان حديث رقم ٥٠ باب ٣٧.انظر: الفتح، ١/ ١١٤.\n(٢) ١/ ٢٧٠ - ٢٧٣ بتصرف.","vol":"3","page":348},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nهذا هو حاصل ما ذكره الشيخ في تعريف الإيمان والإسلام والفرق بينهما وهو لا يخلو من الجمع بين الأقوال المتخالفة، ولكني أرى أن لابن حجر قولًا ألخص من هذا وأغوص فقد قال عند حديث جبريل: والذي يظهر أن لكل منهما -الإيمان والإسلام- حقيقة شرعية، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر بمعنى التكميل له، فكما أن العامل لا يكون مسلمًا كاملًا إلا إذا اعتقد، فكذلك المعتقد لا يكون مؤمنًا كاملًا إلا إذا عمل، حيث يطلق الإيمان في موضع الإسلام أو العكس، أو يطلق أحدهما على إرادتهما معًا فهو على سبيل المجاز، ويتبين المراد بالسياق، فإن وردا معًا في مقام السؤال حملا على الحقيقة، وإن لم يردا معًا أو لم يكن في مقام سؤال أمكن الحمل على الحقيقة أو المجاز بحسب ما يظهر من القرائن (١).\nوأما مسألة زيادة الإيمان ونقصانه فيتحصل من مجموع ما ذكره الشيخ من تأويل قول السلف بأن الإيمان يزيد وينقص أن ذلك هو في عوارض الإيمان لا في أصله وحقيقته (٢).\nوهذا مبني على أن الإيمان هو التصديق وأنه لا يتفاوت وعليه طائفة كبيرة من أهل العلم (٣).\nوذهب النووي ﵀ إلى أن التصديق يتفاوت فقال:\n_________\n(١) الفتح، ١/ ١١٥.\n(٢) انظر: مثلًا: ٤/ ١٦٩، ٩/ ٢٥٨، ٨/ ١٩٢، ٢١/ ٣٠٦، ٢٢/ ١٩٣، ٢٩/ ٣٠٦.\n(٣) انظر: الإنصاف للباقلاني، ص ٢٢/ ٥٥ وما بعدها في تفصيل حَسَن، وانظر: شرح الطحاوية للغنيمي الميداني، ص ١١٩. وانظر: غاية المرام، ص ٣٠٩ وما بعدها. وانظر: الإرشاد للجويني، ص ٣٩٦ وما بعدها. والعقيدة النظامية، ص ٨٥ وما بعدها، وانظر: النبراس في شرح النسفية، ص ٢٤٩. وانظر: أصول الدين للرازي، ص ١٢٧ وما بعدها.","vol":"3","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوقال المحققون من أصحابنا المتكلمين: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته وهي الأعمال ونقصانها، قالوا وفي هذا توفيق بين ظواهر النصوص التي جاءت بالزيادة وأقاويل السلف، وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون.\nوهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرًا حسنًا فالأظهر والله أعلم أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ولا يتزلزل إيمانهم بعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال، وأما غيرهم من المؤلفة قلوبهم ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك فهذا مما لا يمكن إنكاره، ولا يتشكك عاقل في أن نفس تصديق أبي بكر الصديق -﵁- لا يساويه تصديق آحاد الناس ... (١).\nومن ذلك ما ذكره في إضافة الوجه إلى الله تعالى، فقد تعددت إضافة هذه اللفظة في غير ما موضع في القرآن الكريم وبعض هذه المواضع إنما المراد منها ما أريد به وجه الله تعالى، وإنما نريد الوقوف القليل عند قوله تعالى في موضعين:\nالأول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨].\nالثاني: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧].\nقال الشيخ ابن عاشور في تفسير الآية الأولى: \"والوجه مستعمل في معنى الذات والمعنى كل موجود هالك إلا الله تعالى\" (٢).\n_________\n(١) المنهاج، ١/ ١٤٨، ١٤٩.\n(٢) ٢٠/ ١٩٧.","vol":"3","page":350},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوقال الشيخ عند تفسير الموضع الثاني: ﴿وَجْهُ رَبِّكَ﴾: ذاته، فذكر الوجه هنا جاء على عرف كلام العرب، قال في الكشاف: والوجه يعبر به عن الجملة والذات انتهى.\nوقد أضيف إلى اسمه تعالى لفظ الوجه بمعانٍ مختلفة منها ما هنا ومنها قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، وقوله: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٩].\nوقد علم السامعون أن الله تعالى يستحيل أن يكون له وجه بالمعنى الحقيقي، وهو الجزء الذي في الرأس. وقد اصطلح علماء العقائد على تسمية مثل هذا بالمتشابه، وكان السلف يحجمون عن الخوض في ذلك مع اليقين باستحالة ظاهره على الله تعالى، ثم تناوله علماء التابعين ومن بعدهم بالتأويل تدريجًا إلى أن اتضح وجه التأويل بالجري على قواعد علم المعاني فزال الخفاء، واندفع الجفاء وكلا الفريقين خيرة الحنفاء ... ولما كان الوجه هنا بمعنى الذات وصف بـ (ذو الجلال) أي العظمة. و(الإكرام) أي المنعم على عباده، وإلا فإن الوجه الحقيقي لا يضاف للإكرام في عُرف اللغة، وإنما يضاف للإكرام اليد، أي فهو لا يفقد عبيده جلاله وإكرامه. وقد دخل في الجلال جميع الصفات الراجعة إلى التنزيه عن النقص، وفي الإكرام جميع صفات الكمال الوجودية، وصفات الجمال كالإحسان (١).\nقلت: وهذا الكلام لا أعلم له مخالفًا عند متكلمي الأشاعرة إلا من نحا إلى عدم التأويل كالباقلاني والبيهقي (٢) وقد جاء في المواقف أن الأشعري والباقلاني نحيا به إلى المذهب الآخر، أي: فسراه بأنه الوجود (٣). ونكتفي هنا بإيراد ما ذكره الطبري وابن كثير.\n_________\n(١) ٢٧/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(٢) راجع: المصادر المذكورة في الحديث عن اليد.\n(٣) انظر: حاشية السيد على المواقف، ص ٥٠١.","vol":"3","page":351},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nقال الطبري ﵀ في تفسير الآية الأولى: يقول الله تعالى ذكره ولا تعبد يا محمد مع معبودك الذي له عبادة كل شيء معبودًا آخر سواه وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣]، يقول: لا معبود تصلح له العبادة إلا الله الذي كل شيء هالك إلا وجهه، واختلف في معنى قوله: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، فقال بعضهم: معناه كل شيء هالك إلا هو، وقال آخرون: معنى ذلك إلا ما أُريد به وجهه، واستشهدوا لتأويلهم ذلك كذلك بقول الشاعر:\nأستغفرُ اللهَ ذنبًا لستُ مُحصِيَهُ ... ربُّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ (١)\nوذكر ابن كثير تفسير الوجه بالذات في هذين الموضعين هنا، وعزا القول الثاني المار ذكره عن الطبري إلى مجاهد والثوري، ثم قال: وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له (٢).\nونحا الطبري في تفسير آية الرحمن إلى عدم التفسير، غير أنه ذكر أن \"ذو الجلال والإكرام\" من نعت الوجه (٣) وأحال ابن كثير إلى الموضع السابق نقله عنه (٤) وقد ذكر الدكتور إسماعيل عبد العال في بحثه عن ابن كثير أن هذا الموضع هو من مواضع مخالفة ابن كثير لشيخه ابن تيمية في منحاه العقدي (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-917>عنايته بآيات الأحكام:</span>\nوابن عاشور مالكي المذهب، وذلك أن مذهب الإمام مالك هو المنتشر في الأوساط الرسمية والشعبية في المغرب العربي. وقد بيَّن في تفسيره بعض قواعد\n_________\n(١) الطبري، ٢٠/ ٨١ - ٨٢، والشاهد قال فيه البغدادي هو من أبيات سيبويه الخمسين التي لا يعرف قائلها. انظر: الخزانة: ٣/ ١١١.\n(٢) تفسير ابن كثير، ٣/ ٤٠٣.\n(٣) الطبري، ٢٧/ ٧٨.\n(٤) ٤/ ٢٧٣.\n(٥) ابن كثير ومنهجه في التفسير، ص ١٠٧ - ١٠٨.","vol":"3","page":352},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nأصول الفقه، وعرض لآراء الأئمة الأربعة في كثير من قضايا الفقه، مع ذكره آراء الصحابة والتابعين، وكان يعرض لبيان الحكمة من التشريع.\nوالشيخ في عرضه لمذاهب الفقهاء، قد يرجح متبعًا الدليل، أو معللًا ولا يتعصب لمذهب المالكية. فمما رد فيه قول الإمام مالك ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، حيث قال بعد تفسيرها:\nوقد اختلف الفقهاء في أن الصيد رخصة، أو صفة من صفات الذكاة. فالجمهور ألحقوه بالذكاة وهو الراجح. ولذلك أجازوا أكل صيد الكتابي دون المجوسي. وقال مالك: هو رخصة للمسلمين فلا يؤكل صيد الكتابي ولا المجوسي وتلا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، وهو دليل ضعيف، لأنه وارد في غير بيان الصيد ولكن في حرمة الحرم. وخالفه أشهب وابن وهب من أصحابه، ولا خلاف في عدم أكل صيد المجوسي إلا رواية عن أبي ثور إذ ألحقهم بأهل الكتاب فهو اختلاف في الأصل لا في الفرع (١).\nوقد يرجح رأي الشافعي، فمن ذلك ما ذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]، حيث قال: وحمل بعض علمائنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ (٣٣)﴾ على معنى النهي عن قطع العمل المتقرب به إلى الله تعالى، وإطلاق الإبطال على القطع وعدم الإتمام يشبه أنه مجاز، أي: لا تتركوا العمل الصالح بعد الشروع فيه، فأخذوا منه أن النفل يجب بالشروع لأنه من الأعمال، وهو قول أبي حنيفة في النوافل مطلقًا، ونسب ابن العربي في الأحكام مثله إلى مالك. ومثله القرطبي وابن الفرس، ونقل الشيخ الجد في حاشيته على المحلي عن القرافي في شرح المحصول، ونقل حلولو في شرح جمع الجوامع عن القرافي في الذخيرة، أنَّ مالكًا قال بوجوب سبع نافل بالشروع وهي\n_________\n(١) ٦/ ١١٨.","vol":"3","page":353},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nالصلاة والصيام والحج والعمرة والاعتكاف والائتمام وطواف التطوع دون غيرها نحو الوضوء والصدقة والسفر للجهاد، وزاد حلولو إلحاق الضحية بالنوافل التي تجب بالشروع، ولم أقف على ما أخذ القرافي ذلك ولا على مأخذ حلولو في الأخير.\nولم يرَ الشافعي وجوبًا بالشروع في شيء من النوافل وهو الظاهر (١).\nومن أمثلة تنبيهه على قواعد الأصول واختلاف العلماء أحيانًا في تقرير تلك القواعد ما ذكره عند تفسيره قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].\nحيث قال الشيخ: أخذوا منها أن أصل استعمال الأشياء فيما يراد له من أنواع الاستعال هو الإباحة حتى يدل دليل على عدمها؛ لأنه جعل ما في الأرض مخلوقًا لأجلنا وامتنَّ بذلك علينا، وبذلك قال الإمام الرازي والبيضاوي وصاحب الكشاف ونسب إلى المعتزلة وجماعة من الشافعية والحنفية منهم الكرخي (٢) ونسب إلى الشافعي، وذهب المالكية وجمهور الحنفية والمعتزلة في نقل ابن عرفة إلى أن الأصل في الأشياء الوقف ولم يروا الآية دليلًا (٣)، قال ابن العربي في أحكامه: \"إنما ذكر الله تعالى هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه على طريق العلم والقدرة وتصريف المخلوقات بمقتضى التقرير والإتقان بالعلم ... \" إلخ.\nوالحق أن الآية مجملة قصد منها التنبيه على قدرة الخالق بخلق ما في الأرض وأنه خُلق لأجلنا، إلا أنَّ خلقه لأجلنا لا يستلزم إباحة استعماله في كل ما يقصد منه بل خُلق لنا في الجملة، على أن الامتنان يصدق إذا كان لكل من الناس بعض مما في العالم، بمعنى أن الآية ذكرت أن المجموع للمجموع لا كل واحد لكل واحد كما\n_________\n(١) ٢٦/ ١٢٩.\n(٢) هو عبيد الله بن الحسين الكرخي إمام الحنفية في زمانه في العراق، (ت ٣٤٠ هـ). انظر: الفوائد البهية، ص ١٠٨.\n(٣) قال ابن عرفة في التفسير: والقول بالوقف هو مذهب المعتزلة، والمختار عند أهل السنة، ١/ ٢٣٠.","vol":"3","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nأشار إليه البيضاوي (١) لا سيما وقد خاطب الله بها قومًا كافرين منكرًا عليهم كفرهم فكيف يعلمون إباحة أو منعًا، وإنما محل الموعظة هو ما خلقه الله من الأشياء التي لم يزل الناس ينتفعون بها من وجوه متعددة. وذهب جماعة إلى أن أصل الأشياء الحظر، ونقل عن بعض أهل الحديث وبعض المعتزلة، فللمعتزلة الأقوال الثلاثة كما قال القرطبي. قال الحموي في شرح كتاب الأشباه لابن نجيم نقلًا عن الإمام الرازي: وإنما تظهر ثمرة المسألة في حكم الأشياء أيام الفترة قبل النبوة، أي فيما ارتكبه الناس من تناول الشهوات ونحوها، ولذلك كان الأصح أن الأمر موقوف، وأنه لا وصف للأشياء يترتب من أجلها عليه الثواب والعقاب. وعندي أن هذا لا يحتاج العلماء إلى فرضه لأن أهل الفترة لا شرع لهم وليس لأفعالهم أحكام إلا في وجوب التوحيد عند قوم. وأما بعد ورود الشرع فقد أغنى الشرع عن ذلك فإن وُجِدَ معنى لم يدل عليه دليل من نص أو قياس أو استدلال صحيح؛ فالصحيح أن أصل المضار التحريم والمنافع الحل، وهذا الذي اختاره الإمام في المحصول فتصير للمسألة ثمرة باعتبار هذا النوع من الحوادث في الإسلام (٢).\nوقد خالف ابن عاشور جمهور العلماء في بعض القضايا الفقهية، من ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-918>نكاح المتعة:</span>\nيرى ابن عاشور أنه يجوز رخصة لمسافر ونحوه من أحوال الضرورات، وهاك تفصيل كلامه، قال: ونكاح المتعة: هو الذي تعاقد الزوجان على أن تكون العصمة بينهما مؤجلة بزمان أو بحالة، فإذا انقضى ذلك الأجل ارتفعت العصمة، وهو نكاح قد أبيح في الإسلام لا محالة، ووقع النهيُ عنه يوم خبير أو يوم حنين على الأصح. والذين قالوا: حُرِّم يوم خبير، قالوا: ثم أبيح في غزوة الفتح، ثم نُهي عنه في\n_________\n(١) انظر تفسيره: ١/ ١٣١ مع الكازروني.\n(٢) ١/ ٣٨١ - ٣٨٢. وانظر: ٢/ ١٠٢.","vol":"3","page":355},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nاليوم الثالث من يوم الفتح، وقيل: نُهي عنه في حجة الوداع، قال أبو داود: وهو أصح. والذي استخلصناه أن الروايات فيها مضطربة اضطرابًا كبيرًا.\nوقد اختلف العلماء في الأخير من شأنه: فذهب الجمهور إلى أن الأمر استقر على تحريمه، فمنهم من قال: نسخته آية المواريث؛ لأن فيها ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]، فجعل للأزواج حظًّا من الميراث، وقد كانت المتعة لا ميراث فيها، وقيل: نسخها ما رواه مسلم عن سبرة الجهني أنه رأى رسول الله -ﷺ- مسندًا ظهره إلى الكعبة ثالث يوم من الفتح يقول: أيها الناس إني قد كنت أذنت في الاستمتاع من النساء وإن الله حرم ذلك إلى يوم القيامة (١).\nوانفراد سبرة في مثل ذلك اليوم مغمز في روايته. على أنه ثبت أن الناس استمتعوا. وعن علي بن أبي طالب وعمران بن الحصين، وابن عباس وجماعة من التابعين والصحابة أنهم قالوا بجوازه. قيل مطلقًا وهو قول الإمامية، وقيل: في حال الضرورة عند أصحاب ابن عباس من أهل مكة واليمن.\nوروي عن ابن عباس أنه قال: لولا عمر نهي عن المتعة ما زنَى إلا شفىً (٢).\nوعن عمران بن حصين في الصحيح أنه قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله ولم ينزل بعدها آية تنسخها، وأمرنا بها رسول الله -ﷺ-. ثم قال رجل برأيه ما شاء، يعني عمر بن الخطاب حين نهى عنها في زمن خلافته بعد أن عملوا بها في معظم خلافته،\n_________\n(١) الحديث رواه الإمام مسلم في الصحيح، ٩/ ١٨٦، الحديث رقم ١٤٠٦ (٢١) مع النووي. وأبو داود في السنن، ٢/ ١٨٦. وابن ماجه في النكاح، ١/ ٦٣١، حديث رقم ١٩٦٢.\n(٢) قال ابن عاشور: بفاء بعد الشين، أي إلا قليل، وأصله من قولهم: شفيت الشمس إذا غربت، وفي بعض الكتب شقي.","vol":"3","page":356},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوكان ابن عباس يفتي بها فلما قال له سعيد بن جبير: أتدري ما صنعت بفتواك فقد سارت بها الركبان حتى قال القائل:\nقد قلت للركب إذ طال الثواء بنا ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس\nفي بضة رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى مرجع الناس (١)\nأمسك عن الفتوى وقال: إنما أحللت مثل ما أحل الله الميتة والدم، يريد عند الضرورة.\nواختلف العلماء في ثبات علي على إباحتها، وفي رجوعه. والذي عليه علماؤنا أنه رجع عن إباحتها، أما عمران بن حصين فثبت على الإباحة، وكذلك ابن عباس على الصحيح. وقال مالك: يفسخ نكاح المتعة قبل البناء وبعد البناء، وفسخه بغير طلاق، وقيل بطلاق ولا حدّ فيه على الصحيح من المذهب، وأرجح الأقوال أنها رخصة للمسافر ونحوه من أحوال الضرورات، ووجه مخالفتها للمقصد من النكاح ما فيها من التأجيل.\nوالذي يستخلص من مختلف الأخبار أن المتعة أذن فيها النبي -ﷺ- مرتين، ونهى عنها مرتين، والذي يفهم من ذلك أن ليس ذلك بنسخ مكرر، ولكنه إناطة إباحتها بحال الاضطرار، فاشتبه على الرواة تحقيق عذر الرخصة بأنه نسخ، وقد ثبت أن الناس استمتعوا في زمن أبي بكر وعمر ثم نهى عنها عمر في آخر خلافته. والذي استخلصناه في حكم نكاح المتعة أنه جائز عند الضرورة الداعية إلى تأجيل مدة العصمة. مثل الغربة في سفر أو غزو إذا لم تكن مع الرجل زوجه. ويشترط فيه ما يشترط في النكاح من صداق وإشهاد وولي حيث يشترط، وأنها تبين منه عند انتهاء الأجل، وأنها لا ميراث فيها بين الرجل والمرأة إذا مات أحدهما في مدة الاستمتاع، وأن عدتها حيضة واحدة، وأن الأولاد لاحقون بأبيهم المستمتع. وشذ\n_________\n(١) هذه الأبيات مذكورة في كتب التفسير والأحكام دون تعيين قائلها.","vol":"3","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nالنحاس فزعم أنه لا يلحق الولد بأبيه في نكاح المتعة. ونحن نرى أن هذه الآية بمعزل عن أن تكون نازلة في نكاح المتعة، وليس سياقها سامحًا بذلك. ولكنها صالحة لاندراج المتعة في عموم (ما استمتعتم) فيُرجع في مشروعية نكاح المتعة إلى ما سمعت آنفًا (١).\nهذا هو رأي الشيخ في هذا الأمر وهو متابعٌ فيه بعضًا ممن يرى جواز مثل هذا النكاح من علماء المالكية كما نص على ذلك الونشريسي، وأن ناكح المتعة لا يرجم؛ لأن نكاح المتعة ليس بحرام في رواية عن مالك (٢)، ونقل مثل ذلك الباجي في المنتقي (٣) غفير أن أبا بكر بن العربي شدد النكير على إباحته كما في كتابه الأحكام، وقال: إنه من غرائب الشريعة (٤).\nونقل الونشريسي عنه في القبس التشديد في ذلك أيضًا (٥) وذهب ابن عبد البر في الكافي إلى أنه نكاح باطل (٦).\nونقل الإمام النووي في المنهاج الإجماع على تحريم نكاح المتعة عن القاضي عياض (٧) ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح الإجماع على تحريم نكاح المتعة عن ابن المنذر والقاضي عياض وابن بطال (٨) وذهب القرطبي إلى تحريم هذا النكاح كما في تفسيره (٩) وذهب الكوثري إلى أن ما يُنسب إلى مالك في ذلك هو خطأ (١٠).\n_________\n(١) ٥/ ١٠ - ١١.\n(٢) المعيار، ٣/ ٣٩٥.\n(٣) ٣/ ٣٣٥.\n(٤) ١/ ٣٨٩.\n(٥) المعيار، ٣/ ٣٩٥.\n(٦) ٢/ ٥٣٣.\n(٧) شرح مسلم، ٩/ ١٨١.\n(٨) الفتح، ٩/ ١٧٣\n(٩) ٥/ ١٣٠ - ١٣٣.\n(١٠) المقالات، ص ٢٥٧.","vol":"3","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nبقي عندنا مسألتان، الأولى: رجوع ابن عباس عن فتواه تلك.\nالثانية: حديث سبرة الجهني، فأما ابن عباس فقد قال القاضي أبو بكر بن العربي: إن القول بإباحة المتعة لم يصح عنه (١).\nوقال الحافظ في الفتح: وأما ابن عباس فروي عنه أنه أباحها وروي عنه أنه رجع عن ذلك، قال ابن بطال: روى أهل مكة واليمن عن ابن عباس إباحة المتعة، وروي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة، وإجازة المتعة عنه أصح (٢). وقال الكوثري: وقد صح رجوع ابن عباس -﵁- إلى قول الجماعة بعد أن حدثه علي كرم الله وجهه بحديث التحريم (٣)، وقال الشيخ رشيد ﵀ في شأن فتوى ابن عباس ما نصه: ... فالإنصاف أن مجموع الروايات تدل على إصرار ابن عباس -﵁- على فتواه بالمتعة لكن على سبيل الضرورة، وهو اجتهاد منه معارض بالنصوص، ويقابله اجتهاد السواد الأعظم من الصحابة والتابعين وسائر المسلمين (٤).\nوأما قول ابن عاشور بشأن حديث سبرة أن انفراده بروايته مغمز إذ هو مما تتوافر الدواعي على نقله، فنقول: لو صح حصر السنّة والاطلاع على جميعها وأن سبرة هو منفرد بالرواية في الواقع ونفس الأمر لكان الاعتراض سائغًا ومقبولًا، ولكن أين لنا هذا، وكثير من دواوين السنّة لم يطبع، وليس يصح الادعاء بأن ما جاوز الصحيحين ينظر فيه، فإن الأحاديث الصحيحة خارج الصحيحين كثيرة جدًّا، وعلى هذا نقول: إن رد الرواية لانفراد الراوي بها إذا كان غير مجروح ليس من مذهب أهل السنّة ولا من أصول أهل الحق (٥).\n_________\n(١) انظر: الأحكام، ١/ ٣٨٩.\n(٢) الفتح، ٩/ ١٧٣.\n(٣) المقالات، ص ٢٥٧.\n(٤) تفسير المنار، ٥/ ١٣.\n(٥) راجع: مقالات الكوثري، ص ٦١.","vol":"3","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوبعد فإن فتح باب الجواز لنكاح المتعة لا شك هو فتح باب شر عظيم على المسلمين وأمة الإسلام، ولا شك أنه بعد أن وقع الإجماع أو كاد يتم على حرمة هذا النكاح، فلا مجال للالتفات لقول ابن عاشور، ولا لقول غيره من الشواذ إذا قيس بالسواد الأعظم من أجلة علماء الأمة، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-919>نكاح الربيبة:</span>\nقال الشيخ عند تفسيره قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] وظاهر الآية أن الربيبة لا تحرم على زوج أمها إلا إذا كانت في كفالته؛ لأن قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ وصف والأصل فيه إرادة التقييد كما أريد من قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ فظاهر هذا أنها لو كانت بعيدة عن حضانته لم تحرم. ونسب الأخذ بهذا الظاهر إلى علي بن أبي طالب، رواه ابن عطية، وأنكر ابن المنذر والطحاوي صحة سند النقل عن علي، وقال ابن العربي: إنه نقل باطل، وجزم ابن حزم في المحلى بصحة نسبة ذلك إلى علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب، وقال بذلك الظاهرية، وكأنهم نظروا إلى علة تحريمها مركبة من كونها ربيبة، وما حدث من الوقار بينها وبين حاجرها إذا كانت في حجره، وأما جمهور أهل العلم، فجعلوا هذا الوصف بيانًا للواقع خارجًا مخرج الغالب، وجعلوا الربيبة حرامًا على زوج أمها، ولو لم تكن هي في حجره، وكأن الذي دعاهم إلى ذلك هو النظر إلى علة تحريم المحرمات بالصهر ... وعندي أن الأظهر أن يكون الوصف هنا خرج مخرج التعليل أي: لأنهن في حجوركم، وهو تعليل بالمظنة، فلا يقتضي اطراد العلة في جميع مواقع الحكم. انتهى (١).\nورأيه هذا موافق لرأي الظاهرية كما هو ظاهر، وهذا الذي نحاه الشيخ هو من شذوذ بعض المتقدمين كما نص على ذلك القرطبي، وأن الفقهاء اتفقوا على أن\n_________\n(١) ٤/ ٢٩٩.","vol":"3","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nالربيبة تحرم سواء أكانت في حجره أم ليست كذلك (١) ورأي الجمهور هو الذي لا ينبغي القول بخلافه، ويفهم من كلام ابن حجر في الفتح وقوع تحريم نكاح الربيبة بإطلاق (٢) والله أعلم.\nهذا ما يسره الله تعالى في بيان منهج الشيخ ابن عاشور، والله الموفق، والله الهادي إلى سواء السبيل، وجزى الله الدكتور جمال أبو حسان، الذي كتب ما جاء هنا ضمن جزءين في منهج الشيخ ابن عاشور، أقول: جزاه الله خير الجزاء عن الإسلام والمسلمين، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.\n_________\n(١) تفسير القرطبي، ٥/ ١١٢. وانظر تفسير آيات الأحكام للسايس، ٢/ ٧٠.\n(٢) الفتح، ٩/ ١٥٨. ومن الأمور التي خالف فيها جمهور العلماء، في ربا الفضل، فهو يرى أن ربا الفضل ما لم يكن نسيئة فهو حلال وليس بحرام، ٣/ ٨٦ - ٩٠.","vol":"3","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-920>الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة (ت ١٩٧٤ م) في زهرة التفاسير</span>","vol":"3","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nزهرة التفاسير\nحينما أكتب عن العلامة أبي زهرة، بل حينما أذكره ينهمر الدمع من عيني وأنا والحمد لله من المؤمنين بقدر الله ﵎، وبقول الله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، لكنني حينما أذكر الشيخ، وأتصور هذا الجمّ الغفير ممن ينتسبون إلى العلم، قد يكون بعضهم -وهم قليل- ممن يساوونه علمًا أو يزيدون عليه، لكن العلم الحق لا بد له من دعائم ترتفع به، ويرتفع بها، حينما أذكر الشيخ وأتصور غيره -وهم كثير- أشعر عند ذكر الشيخ والحديث عنه، أو الكتابة عن آثاره، أنني أمام روضة غنّاء، تحيط بها فيافي مقفرة. ولقد كثر المحبون فكتبوا عنه ما يستحق أكثر مما كتبوا، لكنني أود أن أذكر حادثتين قلّ من يعرفهما ولم يكتبهما أحد من الناس.\nالحادثة الأولى: في منتصف الستينات، وبعد أن أُعدِم الأستاذ سيد قطب، -نرجو أن يكون له منزلة الشهداء- كان الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة﵀- يناقش رسالة دكتوراه لأحد الطلاب، وفي أثناء المناقشة كانت قضية من القضايا استدعت ذكر الشيخ حسن البنا -رحمه الله تعالى- وذكر الأستاذ سيد قطب، والقاعة ممتلئة مزدحمة بجموع الناس، وكان ذكر هذين يكاد يكون محرّمًا، بل قد يجاهر المتعاطون للمخدرات بما يريدون بلا حرج، ولكن الذي كان من الشيخ، كان له أثر في نفوس الحاضرين، وكانوا يتصورون أن ذلك لا يمكن أن يحدث؛ لأنهم يعرفون الظرف الذي كان يسود في تلك الأيام ... وإذ بالشيخ أبي زهرة ﵀، يقول بصوت مرتفع جهوري: \"هذا ما قاله الشيخ حسن البنا -﵁- هكذا شددها ورفع صوته بها، \"وهذا ما أشار إليه صاحب الظلال سيد قطب -رحمه الله تعالى-\" وكانت الأطروحة في تفسير القرآن الكريم.\nتلكم الحادثة تظهر منها جراءة الشيخ في الحق، وصلابته في قول ما يعتقده وما نظنّ، بل نوقن أن أحدًا غير الشيخ لن يستطيع أن يقول ما قاله الشيخ، تلكم هي الجرأة والشجاعة في الحق.","vol":"3","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nأما الحادثة الثانية: فلقد حدثني -وهو صادق- الدكتور علي الجفال -﵀- وكان يحمل جنسية دولة الإمارات، قال: حينما جاء الشيخ محمد أبو زهرة زائرًا لدولة الإمارات: ذهبت بمعيته إلى ديوان الشيخ زايد، وقبل أن نودع رئيس الدولة أراد سمو الشيخ زايد أن يكرم الشيخ -﵀- بأن يقدم له مبلغًا كبيرًا من المال، وقد كان الشيخ زايد -﵀- سخيًا في عطائه، قال لي الدكتور علي الجفال: أتعرف ما الذي حدث؟ قلت: لا، قال: لقد اعتذر الشيخ اعتذارًا فيه كل الذوق والأدب، وقال للشيخ زايد: يا سمو الشيخ، جوزيت خيرًا، أما أنا فلست بحاجة إلى المال، وما مددت يدي لأحد، لقد منّ الله عليّ فبنيت مسجدًا، أرجو من الله المثوبة والأجر. وتنهد مخاطبي، وبكيت، وتساءلت: أليس هذا الشيخ ﵀- يذكرنا بأولئك الصفوة المختارة من أئمتنا، حينما كانوا يجلسون مع الخلفاء والأمراء ... وأين نجد مثل الشيخ؟ !\nوإذا كانت الحادثة الأولى تدل على الصلابة والجرأة في الحق، فإن هذه تدل على العفة والعزة، وهل هناك سياج للعلم وأهله خير من الصلابة في الحق والعفة، وخير من الجرأة والعزة، رحم الله الشيخ محمدًا أبا زهرة وجزاه خير ما يجزي العلماء العاملين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-921>تعريف بالشيخ محمد أبو زهرة:</span>\nهذا التعريف مأخوذ أساسًا مما كتبه فضيلته بنفسه بناءً على طلب أحد طلاب العلم من باكستان متقدمًا برسالة لنيل درجة الدكتوراه عن الإمام أبو زهرة (١).\nوُلد الإمام محمد أحمد مصطفى أبو زهرة في مارس (آذار) سنة ١٨٩٨ م في مدينة المحلة الكبرى إحدى مدن محافظة الغربية.\nحفظ القرآن الكريم في صدر حياته في الكُتّاب، إذ هو من أسرة دينية تنتسب إلى ولي من أولياء الله هو الشيخ مصطفى أبو زهرة الشهير بالششتاوي الذي يزار\n_________\n(١) مقدمة التفسير.","vol":"3","page":366},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nضريحه بمسجده ببلدة شيشتا في مدينة المحلة الكبرى، ووالده هو الشيخ أحمد مصطفى أبو زهرة مشهور بالصلاح والالتزام بالدين الحنيف ومكارم الأخلاق، ووالدته حافظة للقرآن الكريم، وكانت تراجع معه ما حفظ قبل الذهاب إلى الشيخ في الكتاب، وتميز عن إخوته وأخواته بحفظ القرآن الكريم ولم يتجاوز التاسعة من العمر، ولأنه كان ذا حافظة قوية، سريع البديهة فلم ينل من قسوة أستاذه بالكُتّاب إلا قليلًا.\nكانت الأسرة من متوسطي الحال، يظنها الناس من الأثرياء اشتهرت بالعلم والذكاء، وقد نبغ منها شقيقه الأستاذ الدكتور مصطفى أحمد أبو زهرة منشئ ورئيس قسم هندسة الطيران بكلية الهندسة جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا) وأيضًا الأستاذ بكلية الهندسة بجامعة لندن بإنكلترا.\nبعد حفظ القرآن الكريم تعلم مبادئ العلوم المدنية كالرياضيات، التي كان شديد الولع بها، والجغرافية والفلسفة مع العلوم العربية.\nالتحق في سنة ١٩١٣ م بالجامع الأحمدي بطنطا ومكث فيه ثلاث سنين، وفي هذه الفترة ابتدأ نبوغه وتفوقه يظهر، حتى إن شيخ الجامع وهو الشيخ الأحمدي الظواهري الذي صار شيخًا للأزهر، اقترح أن يمنح مكافآت خاصة لامتيازه، كما اقترح بألا يمكث في طلب العلم الأزهري خمسة عشر عامًا، كما كانت المدة المقررة، بل إن مثله يصح أن يتجاوز سنين عدة في سنة واحدة، ولم يتم تنفيذ هذا القرار لصعوبته قانونيًا، ولانتقاله إلى مدرسة القضاء الشرعي.\nالتحق في سنة ١٩١٦ بمدرسة القضاء الشرعي بعد امتحان مسابقة كان فيها من الأوائل. وتكوينه العلمي الحقيقي كان في هذه المدرسة التي أنشأها سعد باشا زغلول في وزارة المعارف على أن تكون عالميتها من درجة أستاذ، وعهد بإدارتها إلى رجل عظيم هو عاطف باشا بركات. ومن وقت أن دخل المدرسة كان ينظر إليه ناظرها عاطف باشا بركات نظرة اهتمام وتشجيع، وقد مكث فيها تسع سنين، أربعة","vol":"3","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nفي القسم الثانوي وخمسة في القسم العالي، وفيها اتسعت آفاقه الفكرية، ولما تخرج منها ونال شهادة العالمية من درجة أستاذ عام ١٩٢٥ كون لنفسه منهجًا فكريًا في فهم الشريعة وتفسيرها، وكلما تعمق فيها ازداد إيمانًا بها.\nفي ذلك الحين كان قيام ثورة ١٩١٩، فوقف على الكثير من دقائق أحداثها ووقائعها، وأحب سعد باشا زغلول وتعلق به وكان حريصًا على حفظ خطبه وترديدها.\nأخذ دبلوم دار العلوم من الخارج سنة ١٩٢٧ وفي هذه السنة عُيِّن مدرِّسًا للشريعة واللغة العربية بتجهيزية دار العلوم والقضاء الشرعي لمدة ثلاث سنين ثم انتقل بعد ذلك إلى التدريس في المدارس الثانوية العامة لمدة سنتين ونصف.\nانتقل في أول يناير سنة ١٩٣٣ م إلى كلية أصول الدين مدرسًا للجدل والخطابة فيها ثم تاريخ الديانات والملل والنِّحَل، وفيها أخرج أول مؤلفاته كتاب \"الخطابة\" وكتاب \"تاريخ الجدل\" ثم كتاب \"تاريخ الديانات القديمة\" ثم كتاب \"محاضرات في النصرانية\" الذي ترجم إلى عدة لغات.\nفي ٢ نوفمبر ١٩٣٤ نقل مدرسًا للخطابة بكلية الحقوق جامعة القاهرة (فؤاد الأول) مع بقائه بالانتداب في كلية أصول الدين التي استمر بها إلى يونيو (حزيران) سنة ١٩٤٢ وارتدى الزي الأزهري.\nفي سبتمبر سنة ١٩٣٥ انتقل من تدريس اللغة العربية إلى تدريس الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة القاهرة (فؤاد الأول) متدرجًا في مراتبها من مدرِّس إلى أستاذ مساعد إلى أستاذ كرسي إلى رئيس قسم الشريعة ووكيلًا لكلية الحقوق جامعة القاهرة لمدة خمس سنوات انتهت ببلوغه سن التقاعد سنة ١٩٥٨ واستمر في التدريس بكلية الحقوق كأستاذ غير متفرغ وفي غيرها حتى توفاه الله عام ١٩٧٤.\nوقد تولى التدريس في كلية المعاملات والإدارة بجامعة الأزهر سنة ١٩٦٣ وكذلك معهد الخدمة الاجتماعية وغيره من المعاهد.","vol":"3","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوقد اشترك في إنشاء وتولي التدريس ورئيسًا لقسمِ الشريعة الإسلامية بمعهد الدراسات الإسلامية ومعهد الدراسات العربية العالي التابع لجامعة الدول العربية. واشترك في إنشاء جميعة الدراسات الإسلامية.\nاختير عضوًا لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر في سنة ١٩٦١ ومقررًا للجنة بحوث القرآن ولجنة المتابعة ولجنة السنّة المطهرة وشيخًا في لجان التقنين للمذهبين الحنفي والشافعي.\nكان أيضًا عضوًا بمجلس جامعة الأزهر، والمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ومعهد البحوث الجنائية والاجتماعية، والمجلس الأعلى للفنون والآداب، ومجلس محافظة القاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-922>صفاته- سعة علمه ومبدؤه:</span>\nكان ﵀، أبيض اللون، جهير الصوت، شديد الذكاء، سريع البديهة، منظمًا وحر الفكر، راجح العقل، شديد الإيمان بما يقول، مستقل الرأي لا يخشى في قول الحق لومة لائم، ويمزج في محاضراته العلم الجاد الوقور بالدعابة الحلوة الخفيفة.\nكان ﵀ عالِمًا متبحرًا في الفقه وأصوله وفي علوم القرآن وتفسيره، وخطيبًا مفوهًا، وأصوليًا متعمقًا، ومجتهدًا يقرع الحجة بالحجة والمنطق بالمنطق لا يشق له غبار، يسعى دائمًا لتقديم الجديد والفريد للمكتبة العربية والإسلامية رافضًا أن تكون كتاباته تردادًا لأقوال الآخرين، لما عرف عنه من اعتزازه بنفسه وبغضه لسيطرة الآخرين بغير حق.\nكان ﵀ يعيش للمبادئ ويكافح من أجلها، يناضل لعقيدة يحيا فيها ويعيش لها، يعلن رأيه ويجمع الناس عليه، فقد كان فقيهًا في مقدمة الفقهاء، ورائدًا تقدم القافلة، وقد تشابهت أمامها السبل المتباينة. وقد عرض عليه البقاء والعمل بالخارج فقال: \"إن وجودي في مصر هنا يؤدي واجبًا أرى أنه أصبح بالنسبة لي أشبه","vol":"3","page":369},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nبفرض العين؛ فأنا على ثغر من ثغور الإسلام يتأثر بها أي بلد عربي وأي بلد إسلامي، فمصر هي العقل وهي القلب وهي الأزهر\". فكان ﵀ بحرًا زاخرًا، وفيضًا فياضًا، ورائدًا عاش حياته حاملًا اللواء يمزج بين العلم والشجاعة، ومن هنا كثر رواده وعظم قصاده. وقيمة العالم بما خَرَّج من تلامذة علماء أوفياء في جميع أنحاء العالم وبما أثرى المكتبة العربية والإسلامية من مراجع علمية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-923>المؤلفات والبحوث:</span>\nبجانب أشهر المؤلفات والموسوعات الإسلامية التي تزيد عن الأربعين فقد كانت له الكثير من البحوث في العديد من المجلات العلمية والاجتماعية: مجلة القانون والاقتصاد، ومجلة المسلمون، ومجلة حضارة الإسلام، ومجلة القانون الدولي، وكتاب أسبوع الفقه الإسلامي، وكتاب أسبوع القانون والعلوم السياسية، ومجلة الأزهر، ومجلة العربي والعديد من المجلات بمختلف الدول العربية. وكذلك عدد لا يحصي من الأحاديث الصحفية كان يرد بها على المهاجمين للإسلام وللدفاع عن قوانين الأحوال الشخصية.\nأما في مجلة لواء الإسلام الشهيرة لصاحبها أحمد باشا حمزة فكان للإمام أبو زهرة أربعة أبواب ثابتة هي: تفسير القرآن الكريم، ومقال اجتماعي، وندوة لواء الإسلام، وباب الفتاوى للرد على أسئلة القراء. هذا على مدى ما يقرب من الأربعين عامًا فيما لا يقل عن أربعة آلاف صحيفة.\nكان لفضيلة الإمام نشاط واسع في محاضرات وندوات عامة في مختلف الجمعيات الاجتماعية والإسلامية العامة والخاصة داخل مصر وخارجها. لفضيلة الإمام العديد من الأبحاث ألقيت في المؤتمرات والندوات الدولية التي حضرها\n_________\n(١) ورحم الله الشيخ الدكتور فضل حسن عباس الذي تخرج على يديه الكثير الكثير من الطلاب والطالبات الأوفياء، وأثرى المكتبة العربية الإسلامية بما تركه من علم.","vol":"3","page":370},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nمثل: حلقة الدراسات الاجتماعية التي انعقدت في دمشق ١٩٥٢ - مؤتمر الندوة الإسلامية الذي عقد في لاهور (باكستان) في الفترة من ٢٩/ ١٩٥٧/١٢ إلى ١٣/ ١٩٥٨/١ - مؤتمر الخبراء الاجتماعيين الذين انعقد عدة مرات بالقاهرة وانعقد بالكويت عام ١٩٥٨ - مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية المنعقد بالجزائر عام ١٩٦٩ ثم بالمغرب عام ١٩٧١ ثم بالقاهرة عام ١٩٧٣.\nهذا بخلاف المحاضرات والندوات خلال زيارات فضيلة الإمام لدول السودان، والكويت، وليبيا، والجزائر، وسوريا، وغيرها.\nقام العديد من الباحثين بعمل رسائل ماجستير ودكتوراه عن الإمام محمد أبو زهرة في باكستان والهند وسائر البلاد الإسلامية كما ترجمت له العديد من المؤلفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-924>أشهر مؤلفاته وكتبه:</span>\n١ - الخطابة.\n٢ - تاريخ الجدل.\n٣ - تاريخ الديانات القديمة.\n٤ - محاضرات في النصرانية.\n٥ - محاضرات في الوقف.\n٦ - محاضرات في عقد الزواج وآثاره، مقارنة بين المذاهب الفقهية والقوانين العربية.\n٧ - أصول الفقه.\n٨ - أحكام التركات والمواريث.\n٩ - الجريمة في الفقه الإسلامي.\n١٠ - العقوبة في الفقه الإسلامي.\n١١ - الميراث عند الجعفرية.\n١٢ - أصول الفقه الجعفري.\n١٣ - الأحوال الشخصية.","vol":"3","page":371},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n١٤ - الإمام زيد: حياته عصره- آراؤه وفقهه.\n١٥ - الإمام الصادق: حياته وعصره- آراؤه وفقهه.\n١٦ - الإمام أبو حنيفة: حياته وعصره- آراؤه وفقهه.\n١٧ - الإمام مالك: حياته وعصره- آراؤه وفقهه.\n١٨ - الإمام الشافعي: حياته وعصره- آراؤه وفقهه.\n١٩ - الإمام أحمد بن حنبل: حياته وعصره- آراؤه وفقهه.\n٢٠ - الإمام ابن حزم الأندلسي: حياته وعصره- آراؤه وفقهه.\n٢١ - الإمام ابن تيمية حياته وعصره- آراؤه وفقهه.\n٢٢ - تاريخ المذاهب الإسلامية جزءان في مجلد واحد.\n٢٣ - المعجزة الكبرى (القرآن).\n٢٤ - خاتم النبيين- ثلاثة أجزاء في ثلاثة مجلدات.\n٢٥ - الملكية ونظرية العقد.\n٢٦ - شرح قانون الوصية.\n٢٧ - الدعوة للإسلام.\n٢٨ - الولاية على النفس.\n٢٩ - العقيدة الإسلامية.\n٣٠ - المجتمع الإنساني في ظل الإسلام.\n٣١ - التكافل الاجتماعي في الإسلام.\n٣٢ - العلاقات الدولية في ظل الإسلام.\n٣٣ - تنظيم الإسلام للمجتمع.\n٣٤ - تنظيم الأسرة وتنظيم النسل.\n٣٥ - بحوث في الربا.\n٣٦ - الوحدة الإسلامية.\n٣٧ - نظرية الحرب في الإسلام.","vol":"3","page":372},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n٣٨ - مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني.\n٣٩ - بحث في قانون الأسرة -نشر بكتاب عن الفقه الإسلامي بنشرة معهد واشنطن للقوانين الدولية.\n٤٠ - بحث في السياسة الإسلامية- نشر في مجلة القانون الدولي المصرية.\n٤١ - نظرات في العبادات الإسلامية.\n٤٢ - تفسير القرآن الكريم (زهرة التفاسير) حتى الآية ٧٣ من سورة النمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-925>وفاته:</span>\nعقد الإمام محمد أبو زهرة في أواخر عام ١٩٧٣ وأوائل عام ١٩٧٤ العديد من الندوات والاجتماعات بجامعة القاهرة والإسكندرية وفي جمعية الشبان المسلمين لمحاربة التعدي على الشريعة الإسلامية، وكانت له صولات وجولات في مجمع البحوث الإسلامية والأزهر بخصوص تحديد النسل وتقييد تعدد الزوجات والطلاق في مشروع قانون الأحوال الشخصية لوزارة الشؤون الاجتماعية، وقرر فضيلة الإمام ﵀ إقامة مؤتمر شعبي لمناقشة هذا الأمر في سرادق كبير في شارع العزيز بالله أمام منزله بضاحية الزيتون، أقامه الإمام ﵀ على نفقته الخاصة وقام فضيلته بمعاينة المكان وإنشاء السرادق مبكرًا في صباح يوم الجمعة ١٢/ ٤/ ١٩٧٤ ثم عاد إلى حجرة المكتب بالدور العلوي وشرع في إكمال تفسير سورة النمل حتى أذان الظهر، وأثناء نزول فضيلته حاملًا القلم والمصحف مفتوحًا على آخر ما وصل إليه في التفسير وأيضًا الورق الذي به ما كتب من التفسير، تعثر رحمة الله عليه وسقط ساجدًا على المصحف وعلى أوراق التفسير، ثم فاضت روحه الكريمة إلى بارئها أثناء أذان المغرب. وهكذا شاءت إرادة الله العظيم أن يكون هذا السرادق الذي أشرف فضيلته على إقامته لمؤتمر شعبي هو سرادق العزاء للإمام.\nرضي الله عن شيخ مشايخ عصره، الإمام محمد أبو زهرة وأرضاه، وأسكنه فسيح جناته وأجمل فرادسيه وجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقًا.","vol":"3","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-926>المنهاج الذي اتبعه الشيخ:</span>\nنحن ممن يتبعون إلى حدٍّ ما؛ ما كان يقوله الأستاذ العظيم العبقري عاطف بركات في أن القرآن كتاب مبين لا يحتاج إلى تفسير، فإنه لا إبهام فيه يحتاج إلى توضيح، وكل من يحاول توضيحه لا يصل إليه، فمن ذا الذي يصل إلى آفاقه، وممن كتب في تفسيره من الماضين، من حجب معانيه بكثرة الأقوال المتعارضة والآراء المتباينة، حتى أثار غبارًا حجب عن الباحث نوره.\nولكن القرآن الكريم فيه فقه هذا الدين، وفيه خبر من مضى، وعلم الآخرين، وفيه علم الكون والوجود الإنساني، وفيه توجيه إلى مناحي الحياة، وفيه القصص الحكيم، وفيه أسماء الأماكن وإشارات إلى وقائع، وفي الجملة فيه الكون والإنسان، وهو فوق ذلك حمَّال للمعاني السليمة، وفيه علوم الدولة والآحاد، فلا بد من أن يتصدى لذلك أهل الخبرة في العلوم، والفقه، واللغة والبيان، وإن كانوا لا يبلغون الغاية، ولا ينالون مما يبغون الكفاية.\nفلا بد أن يكون للقرآن تفسير تتولاه جماعة علمية، من أولى العَصَبة من العلماء، ولكن لا نجد التعاون العلمي الجماعي، في الحاضر، وقد حاولناه مع غيرنا، ولم نجد ذلك التعاون في الماضي، وإن وجدنا مخلصين لله وكتابه، مستبحرين في علوم الآثار واللغة، ويا حبذا لو أن هؤلاء اجتمعت آراؤهم، وأضيف إليها ما يراه علماء الكون في آيات الله الكونية، على ألا نطوع القرآن لنظرية مفروضة، ولا أن نرهق ألفاظه لتحتمل نظرية لم يتحقق صدقها، ولكن ليستعان به لتأييدها، لا كأولئك الذين يرون صحة الفروض التي تقول بالنشوء والارتقاء ويريدون أن يؤيدوها من القرآن، أو يحملوا ألفاظ القرآن لها ليروجوها!\nاتجهنا إلى كتابة معاني القرآن، كما ظهرت لنا، وكما أدركت عقولنا، وكما بلغته طاقتنا، غفير محمِّلين وضعًا ما لا يحتمل، أو نطوعه لتفكير سيق إلينا، ولسنا منكرين","vol":"3","page":374},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nلما بذله العلماء الذين خصوا معاني القرآن بأكبر عناية، بل إننا نجد فيما كتبوا أو نقل عنهم ذخيرتنا التي ندَّرع بها غير مفتاتين عليهم في قول، ولا متهجمين عليهم في رأي، ومنهم من قام على الحق البين، أو يستمد قوته من أثر عن النبي محمد -ﷺ-، ولا يتجافى عن النص القرآني في ظاهره ونصه، فإن جافاه حذفناه، ونظرُنا في ذلك هو نظر شيخ الفقهاء أبي حنيفة النعمان فهو لا يقدم أثرًا على نص قرآني ظاهر الدلالة أو هو نص فيه.\nولا نتهجم بذلك على حديث لرسول الله -ﷺ-، فهو الحكمة كلها كما قال ذلك الإمام الشافعي، فقد فسر الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَة﴾ [البقرة: ١٥١] بأن الحكمة هي سُنّة رسول الله -ﷺ- فإذا رددنا منها ما يخالف القرآن فنحن نرد ما يجعلها فوق القرآن، وبالأحرى يكون ذلك تمحيصًا للسنّة، وتبيينًا لصحيحها من سقيمها، إن عبارات القرآن التي هي نص في دلالتها، ومعانيها، فيها تنزيه لرسالة محمد -ﷺ-، وتنزيه للبعث المحمدي، فإنما ندفع الريب عن الرسول -ﷺ-، ولا نتهجم عليه ولا على حكمته، كتلك الآثار التي توهم أن النبي -ﷺ- سُحِرَ، وكتلك الأخبار الكاذبة التي تقول إن محمدًا -ﷺ- قال عن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى. إنا نرد هذا وأشباهه تنزيهًا للرسالة المحمدية الإلهية، مهما يكن راويها من الثقة، ونعدها عليه، وليس بمنزه عن الخطأ والنسيان، ودخول الغلط عليه، وأخشى أن أقول إن من يعتقد ذلك يكون كأهل الجاهلية الذين قالوا: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾ [الإسراء: ٤٧]، فليبحثوا عن موقفهم كمسلمين مؤمنين، وذلك لأنهم آثروا راويًا على القرآن وعلى الرسالة المحمدية كلها، إذ جعلوا الشك يرِد على بيانها، ولا حول ولا قولة إلا بالله.\nوإذا كنا قد رددنا بعض ما ينسب لرسول -ﷺ- فنحن نعد المفسر الأول للقرآن هو الرسول -ﷺ-، فهو المفسر لأحكامه المبين لحقائقه، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ","vol":"3","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nالذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤]، ولا نتصور أن نجد بيانًا يفوق بيان النبي -ﷺ-؛ لأنه يفصل مجمله، ويبين ما يعلو على مدارك الناس، وإن كان في ذاته مبينًا، ولا يصح أن نفتات على الإسلام فنرد قولًا صح عن رسول الله محمد -ﷺ- ما دام القرآن يتسع لمدلوله، ولا نقدم عليه احتمالًا آخر مهما تكن مكانة قائله من الفقه البيان، فإنه مهما يكن لا يناهد مقامه مقام مبلِّغ الرسالة في الأحكام، ولا مقامه في البيان، وإدراك معاني القرآن؛ ولذا نعد السنّة النبوية هي المفسر الأول\".\nالشيخ -إذن- يرجع في تفسير القرآن الكريم إلى صحيح ما ورد عن رسول الله -ﷺ-.\nثانيًا: ويلي ذلك تفسير الصحابة الذي صحت نسبته إليهم، وخصوصًا علماءهم، والسابقين الأولين الذين قال تعالى عنهم في بيعة الرضوان: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح: ١٨].\nونأخذ بأقوال هؤلاء على أساس ألا تخالف نصًّا قرآنيًا، أو تناهضه، أو تحمله ما لا يحتمل، وعلمُهم بالقرآن أعظم من علمنا به؛ إذ كانوا كما أشرنا من قبل أهل بيعة الرضوان لا الذين جاؤوا بعد الحديبية، وكان بعض أولئك من الذين لهم جهاد مذكور مشهور، لا يغض من مقامهم، ولكن ليسوا حجَّة في فهم القرآن إلا من ناحية اللغة والبيان؛ فإن ذوقهم العربي ربما يجعل لقولهم مكانًا، ولم يعن أحد من هؤلاء بالتفسير رواية أو دراية؛ لأنهم شغلوا بغيره، إلا ما كان من ابن عباس، وأشباهه من شباب الصحابة الذين وَعَوا أفاويقه في آخر حياة الرسول، ومنهم بعض من التزموا الرسول -ﷺ-.\nفقد كان ابن عباس ترجمان القرآن كما عبر بعض علماء الصحابة، وقد أخذ من علم كثير من الصحابة، وخصوصًا ابن عمه عليًّا، الذي قال فيه ابن عباس: ما","vol":"3","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nانتفعت بكلام بعد كلام محمد -ﷺ- كما انتفعت بكلام علي كرم الله وجهه. فقد كان عليٌّ أستاذه بعد المرشد الأكبر محمد -ﷺ-.\nثالثًا: ما ورد عن التابعين فإن الصحابة قد علَّموا التابعين، ولذا فهو يأخذ ما صح عن التابعين الذين لازموا الصحابة -﵃-، ويبتعد عن الأقوال المنسوبة إليهم. ويذكر أنه قد حدث في عهد التابعين أمران كانا السبب في دخول كلام في تفسير القرآن الكريم وهو ليس منه:\nالأول: دخول الإسرائيليات إلى علم التفسير، هذه الإسرائيليات التي لا زال العلماء يعانون الكثير منها.\nالثاني: في عهد الأمويين وهو عهد التابعين، حاول النصارى بَثَّ الروايات الكاذبة حول القرآن الكريم ونسبوها للتابعين، ويمثل لذلك بقصة زواج النبي -ﷺ- من السيدة زينب بنت جحش، حيث ادَّعوا أن النبي -ﷺ- رأى زينب في حال أثارت عشقه، فأمر زيدًا أن يطلقها، ويرد الشيخ هذه الرواية، ويقول: إن بعض المفسرين تلقوا هذه الرواية وتكلف وخَرَّجَ عليها تفسير الآيات، وتلقاها الذين لا يوقرون محمدًا -ﷺ-، ولا دينه، فكتب أحدهم كتابًا سماه (محمد العاشق).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-927>التفسير بالرواية (المأثور):</span>\nيقول إن التفسير بالرواية عن النبي -ﷺ- أمر مقرر ثابت، ولكن يجب تحري السنّة الصحيحة، ويذكر أن هناك روايات عن الرسول -ﷺ- تخالف ما نحسُّه ونعانيه، مثال ذلك ما رُوِي من أن بعض الأنهار تنبع من الجنة وأنها تفيض منها، مع أنه ثبت بالمعاينة أنها تفيض من سيول في جبال، أو تنبع من بحيرات، ويذكر أن المقرر أن حديث الآحاد إذا جاء مناقضًا لما أثبته العلم ثبوتًا قطعيًا نرده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-928>هل النبي -ﷺ- فسر القرآن الكريم كله</span>؟\nيذكر رأي ابن تيمية أن النبي -ﷺ- بيَّن القرآن الكريم كله، ولم يترك فيه جزءًا يحتاج إلى بيان ولم يبينه ولا جزءًا يحتاج إلى تفصيل ولم يفصله، ولا مطلقًا يحتاج إلى","vol":"3","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nتقييد ولم يقيده، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] (١).\nويقول: إن الصحابة - ﵃ - تلقوا تفسير النبي -ﷺ-، ومن هنا يتعين علينا أن نقول: إن تفسير الصحابة عن رسول الله -ﷺ- هو تفسير الرسول -ﷺ- إلا ما ثبت عن الرسول -ﷺ- من قول يخالفه، وتلقى التابعون التفسير من الصحابة، فابن عباس له تلاميذ تلقوا منه كمجاهد، وعكرمة ونافع وغيرهم. ولكن ما ينسب إلى التابعين يجب تمحيصه. ويرى أن أعلى مراتب التفسير هي تفسير القرآن بالقرآن الكريم، ثم بالسنّة والمرتبة الثالثة تفسيره بأقوال الصحابة، والرابعة بأقوال التابعين.\nويجب التنبيه إلى أن الواجب إبعاد اسرائيليات عن تفسير القرآن الكريم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>تفسير القرآن بالراي:</span>\nيذكر آراء العلماء في التفسير بالرأي وأدلتهم، ويخلص إلى القول بأن التفسير بالرأي جائز، ويذكر أن الغزالي أجازه بشرطين:\nأولًا: أن لا نهمل السنّة ولا آثار الصحابة وأقوالهم، ويقرر أن ما أثر عن النبي -ﷺ- والصحابة بسند صحيح لا تصح مخالفته ويجب الأخذ به.\nثانيًا: لا يفتح الباب على مصراعيه لكلِّ من يرى رأيًا، فيفسر القرآن برأيه، بل يجب أن يكون عنده علم اللغة، وعلم القرآن، وعلم السنّة، لكيلا يقول على الله تعالى بغير علم. ويستدل لذلك بأدلة من الكتاب والسنّة. وينقل عن الغزالي ما يتعلق بالتفسير بالرأي المحمود. وما يتعلق بالرأي المذموم كتفسيرات الباطنية الذين أنزلوا آيات القرآن الكريم على وفق رأيهم ومذهبهم.\n_________\n(١) وقد ناقشنا هذه القضية في الجزء الأول من الكتاب وبيّنا أن النبي -ﷺ- لم يفسر من القرآن إلا ما احتاجه الصحابة وسألوا عنه.","vol":"3","page":378},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-930>الطريقة المثلى:</span>\nوإن الطريقة المثلى التي تُوصِل إلى الغاية في فهم القرآن، وتعرف معانيه، وإدراك دلائل إعجازه، هي الاعتماد على النقل والعقل، فلا يصح الاقتصار على النقل وحده، ولا العقل وحده، وإنما النظر الأمثل هو أن يعتمد على العقل والرأي، وعلى السماع من أقوال رسول الله -ﷺ- في فهم القرآن، فظواهر القرآن من الألفاظ، والآثار التي تعاضد الظاهر، لا تكفي وحدها بل تساعد العقل، وتفتح له السبل لاستخراج معاني القرآن المتسعة الأفق، البعيدة المدى، التي توجه الفكر إلى أعمق الحقائق العلمية والكونية والنفسية، وكلما تفتح العقل في ظل إدراك الألفاظ وظواهر اللغة، أدرك إدراكًا صحيحًا ما تشير إليه الحقائق الكونية، وما يشير إليه القرآن.\nوإنه كلما اتسع أفق العقل البشري في فهم الكون والحقائق والشرائع اتسع فهمه للقرآن الكريم، ولعل هذا هو الحقيقة التي أشار إليها بعض الصحابة، إذ رُوِيَ عن أبي الدرداء أنه قال: \"لا يفقه الرجل كل الفقه، حتى يجعل للقرآن وجوهًا\" أي اتجاهات متلاقية، ولكن بعضها أعمق من بعض، وكله حق.\nوروى عن ابن مسعود أن رسول الله -ﷺ- قال: \"إن للقرآن ظاهرا وباطنًا\" (١). وليس هو الباطن الذي يقوله الباطنية، إنما الباطن الذي أشار إليه النبي -ﷺ- هو الباطن الذي تدل عليه إشارات العبارات القرآنية، من أسرار الإعجاز البياني، وإلى ما تشير إليه من حقائق كونية ونفسية وخلقية وأحكام عملية، وغير ذلك من المعاني التي يدركها العالم المتعمق ذو البصيرة النيرة الذي آتاه الله تعالى نفاذ بصيرة، واستقامة فكر، كالذي يدركه علماء الأكوان في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه وذكره العراقي في تخريج أحاديث الإحياء، ج ١، ص ٩٩.\nولفظه عند ابن حبان: عن ابن مسعود -﵃-، قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"أُنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر وبطن\"، صحيح ابن حبان، ١/ ٢٧٦، الحديث رقم ٧٥، تحقيق: الشيخ شعيب الأرنؤوط. وانظر: تمام تخريجه وتنقيده ومعناه فيه. وقد مرت هذه القضية في الجزء الأول.","vol":"3","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠] فالمعنى الظاهر لكل مُلمٍّ باللغة العربية هو أن السموات والأرض كانتا متصلتين، وهذا معنى سليم هو الظاهر، والعالم المدرك للأكوان الباحث فيها يعرف كيف كانت السماء الأرض كتلة واحدة، وكيف انفصلت الأرض وتكونت عليها القشرة الأرضية، وكيف كان الماء العذب، والملح الأجاج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-931>تفسير القرآن بالعلوم:</span>\nيذهب الشيخ مذهب الإمام الغزالي الذي سار عليه المفسرون حتى مفسرو الرواية، فإنهم لا يردونه، حتى شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري، فاختياره من أقوال التابعين فيه عمق، واتجاه إلى تعرف الأسرار في الألفاظ القرآنية، والعبارات، واستقصاء المعاني. وقد يقول قائل: إن الغزالي يشجع تفسير القرآن بالعلوم الكونية، فهل نشجعه كما شجع؟\nللإجابة على هذا السؤال نقول: إن ما يكون من آيات القرآن دالًا على حقيقة علمية كما تلونا في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠] فإنه بلا ريب أن بيان الحقيقة العلمية يكون من بيان القرآن، ويعتمد فيه على كلام أهل الخبرة، وذلك كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَال لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت: ١١ - ١١].\nفهذه الآيات وأمثالها كثير، ولا بد فيه من الاستعانة بأهل الخبرة، ويقررون في ظلها الحقائق العلمية، ويجب أن يلاحَظ أمران:\nأولهما: ألا تفسَّر الآيات الكريمات بنظريات وفروض لم يقم الدليل القاطع عليها، وقد تتغير العلوم الكونية بتغير النظريات حولها وقتًا بعد آخر، ولا يصح أن","vol":"3","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nيفسر القرآن بنظريات قابلة للنقض والتغير. إنه كتاب الله تعالى لا تبديل لكلماته، وهو العزيز الحكيم، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.\nثانيهما: ألا يكون الاتجاه إلى تحميل الألفاظ فوق ما تحتمل، فلا تجهد الآيات إجهادًا ليطبقوها على الحقائق أو ليطبقوا الحقائق عليها، بل لا يفكر أهل الخبرة في أسرار الآيات إلا ما يكون ظاهرًا واضحًا كما رأينا في الآيات التي تُلِيَتْ، ويكون عمل الخبير العلمي تصويرها من غير إجهاد لألفاظها، أو تحميلها ما لا تحتمل، إن الأخذ بهذا المنهاج السليم فيه بيان للقرآن الكريم، وصيانة له، وبعد به عن مواطن الشبهات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-932>علم الكلام وأراء الفقهاء:</span>\nكثر القول في تفسير القرآن الكريم في الكتب التي تصدت للتفسير كتفسير الزمخشري، وفخر الدين الرازي وغيرهما من أمهات كتب التفسير في أمور هي من علم الكلام؛ كتعلق إرادة الله تعالى بأفعال العباد، وكذلك الآيات القرآنية التي تتعرض للمشيئة والإرادة، وهداية العبد وضلاله، وللصفات أهي غير الذات، أم هي والذات شيء واحد، وغير ذلك من مسائل علم الكلام. والزمخشري مع مقامه في البيان، وإثباته إعجاز القرآن من تفسير القرآن، يذكر مذهبه الاعتزالي، ويخرج تفسيره على هذا المذهب، وتعقبه من جاء بعده في إثبات صحة مذهب الأشاعرة (١) أو الماتريدية، حتى يغلب القولُ التفسير والبيانَ، وتختفي معاني القرآن الكريم في لجاجة التعصب المذهبي، وهذا النوع من التفسير هو أحد القسمين اللذين ينطبق عليهما النهي عن الرأي؛ لأن المفسرين سبقت آراؤهم تفسيرهم، فحمَّلوا معاني القرآن على\n_________\n(١) الأشاعرة: أو الأشعرية نسبةً إلى أبي الحسن إسماعيل بن إسحاق. ينتهي نسبه إلى أبي موسى الأشعري. وُلد بالبصرة ٢٦٠ هـ والماتريدية نسبة إلى أبي منصور محمد بن محمد الماتريدي المتوفى سنة ٣٣٢ هـ.","vol":"3","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nما يوافق مذهبهم، والقرآن الكريم فوق آرائهم، ومعاني القرآن فوق كل رأي ومذهب، وتحمل الآراء المذاهب على معاني القرآن لأنه الأعلى، وهو الشرع الحكيم.\nفليست معاني القرآن أشعرية ولا ماتريدية، ولا اعتزالية، وإن تخريج الآراء على مقتضى مذهب من المذاهب يجعل القرآن مفرقًا، ويجعله عضين (١)، وذلك حرام؛ لذلك لا نفتح -بعون الله تعالى وتوفيقه- مجالًا لهذه المجادلة في ذكر معاني القرآن، بل نتجه -إن شاء الله تعالى- إلى المعاني الواضحة البيِّنة، من غير أن ننزلها من مقامها السامي إلى مضطرب المذاهب والآراء.\nوبالنسبة للآراء الفقهية نلاحظ أمرين:\nأولهما: أن اختلاف الآراء الفقيهة حول ما ثبت من الأحكام بالنصوص القرآنية قليل، فلا اختلاف لأنظار الفقهاء في آيات الأحكام بالنسبة للزواج وشروطه، والمحرمات، وغيرها، والاختلاف أساسه اختلاف الروايات، وهو في الأحكام الفقهية نادر، ولا يعلو إلى درجة الاختلاف الذي يورث عداوة، أو يوجد تراميًا بالكفر والخروج عن الربقة عند العلماء -﵃- وأرضاهم.\nثانيهما: وليس ثمة خلاف جوهري في أمر يتعلق بالأحكام الثابتة بالقرآن إلا الاختلاف بين جماهير المسلمين وطائفة الإمامية في الميراث، وهذا الاختلاف لا يخرج عن دائرة الثابت بالقرآن، وهو في تقديم بعض الورثة على بعض، فليس ثمة خلاف في أن للذكر مثل حظ الأنثيين، ولا في أن الميراث يكون للأقرب فالأقرب، ولكن الاختلاف في معنى القرابة أحيانًا، وأحيانًا نجد النص القرآني يقرب، ولا يبعد.\nومسلكنا في آيات الأحكام أن نذكر الأحكام الثابتة بالقرآن بإجمال مستعينين بالسنّة القولية والعملية في العبادات، وفي الأنكحة، غيرها.\n_________\n(١) عِضُون: جمع عِضة وهي القطعة الوجيز (عضي).","vol":"3","page":382},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nنذكر الأحكام بإجمال تفسير الآيات القرآنية مبينين ما يحتاج إلى بيان بالسنّة النبوية، مرجحين ما يتفق مع السنة، أو ما نراه أقرب إلى النص، كمعنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإنا في هذا نأخذ بما يُفهم من السنّة.\nوهكذا لا نتعرض للخلاف الفقهي إلا في أضيق دائرة، وما يوجبه علينا ذكر معاني القرآن واضحة نيرة كشأنها دائمًا، ولا نخضع هذه المعاني لآراء الفقهاء، إنما نخضع آراء الفقهاء لها؛ لأنها الحكَمُ الذي لا ترد حكومته، والقرآن هو الحاكم بالصحة لآراء الفقهاء وليس محكومًا بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-933>النسخ في القرآن الكريم:</span>\nيقول العلّامة أبو زهرة: \"لا بد قبل أن نبدي رأينا في النسخ في القرآن الكريم أن نقرر حقائق ثلاثًا لا بد من بيانها أو الإشارة إليها، نكتفي هنا بالإشارة إليها:\nالحقيقة الأولى: أن القرآن الكريم نسخ من الشرائع السابقة التي أتى بها الوحي وهي الشرائع السماوية، فما بقي منها أبقاه القرآن الكريم، ونص على بقائها كبعض أحكام القصاص، وكتحريم الربا، وكتحريم المحرمات وغير ذلك، وكان النص عليه في القرآن الكريم دليلًا على بقائه من غير نسخ.\nالحقيقة الثانية: أن النسخ جرى في السنّة، ذلك أن السنّة كما تتولى بيان الأحكام تتولى علاج المسائل الوقتية، ويختلف الحكم الوقتي في بعض الأوقات عنه في بعضها؛ ولذا جرى النسخ في السنّة.\nالحقيقة الثالثة: أن القرآن الكريم سجل هذه الشريعة الخالدة، بل سجل الشرائع السماوية، ومعجزات النبيين جميعًا، وما نسخ منها أشار إلى نسخه، وما بقي منها صرح ببقائه، كالقصاص، وخصوصًا في الأطراف، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ","vol":"3","page":383},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nبِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥].\nولذا نحن نرى ما راه من قبل أبو مسلم الأصفهاني، وهو أنه لا نسخ في القرآن قط؛ لأنه شريعة الله تعالى الباقية إلى يوم القيامة؛ ولأن النسخ لم يثبت بنص عن النبي -ﷺ-، وأنه لم يصرح النبي -ﷺ- بنسخ آية من القرآن، وما جاء من عبارات النسخ في القرآن إنما في نسخ المعجزات الحسية بالقرآن الكريم، وقد بينا ذلك في موضعه من معاني الذكر الحكيم.\nولأن النسخ يقتضي أن تكون آيتان في القرآن موضعهما واحد، وإحداهما مُثْبِتَة والأخرى نافية، ولا يمكن الجمع بين النفي الإثبات، وما ادُّعِيَ النسخ فيه التوفيق بينهما سهل ممكن، وما أمكن التوفيق فلا نسخ، وقد اشتركنا في كتابة التفسير مع بعض العلماء، ولم نجد آيتين متعارضتين لم يمكن التوفيق بينهما، وقد طبع ذلك التفسير وسمي بـ \"المنتخب\" طبعته إحدى الجامعات الإسلامية، والله الهادي إلى سواء السبيل.\nلقد عرض الشيخ أبو زهرة لموضوع النسخ في القرآن، وانتهى إلى أنه لا يوجد نسخ في القرآن قط.\nوعند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] ذكر أن المقصود بالآية هنا إما:\nأ- الآية القرآنية.\nب- المعجزة\nوقال: \"إن الآية الكريمة كما في بيان الشرط وجوابه، وتدل على الإمكان لا على الوقوع فعلًا، وإن هذا على أساس تفسير الآية بمعنى الآية القرآنية المشتملة على","vol":"3","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nحكم تكليفي، ولكن كلمة الآية تدل معانيها على الآية الكونية، والمعجزات الكونية والحسية التي يجيء بها الرسل\" (١).\nورجح أبو زهرة -موافقًا بذلك صاحب المنار وابن عاشور- في أنّ معنى الآية هنا هو المعجزة واستدل عليها بأمور:\nأ- تعقيب النسخ والتغيير بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦] فإن ذلك يتناسب مع الآية بمعنى المعجزة القاهرة ولا تظهر مناسبتها مع آية التكليف.\nب- قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٠٧]، فذكر هذا النص السامي يدل قياسًا أن النسخ أو الترك يكون لآية كونية بخير منه، تكون أبقى وأعظم أثرًا.\nج- أن النسخ يقتضي ألا يمكن الجمع بين الناسخ والمنسوخ، وليس في القرآن آيات تتعارض، ولا يمكن التوفيق بينها.\nد- أنه كان لوم على طلب آية أخرى، فقد قال تعالى ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨] هذه الآيات كلها جاءت تالية لآية النسخ وهي في تواليها تناسب أن تكون الآية المنسوخة معجزة من معجزات الرسالة الإلهية، ومعجزات النبيين (٢).\nوأبو زهرة -﵀- يأتي إلى كل آية قيل إنها منسوخة فيناقشها ويبين عدم نسخها، كما فعل عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً\n_________\n(١) أبو زهرة، ١/ ٣٥٤.\n(٢) أبو زهرة، ١/ ٣٥٥.","vol":"3","page":385},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nلِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠)﴾ [البقرة: ٢٤٠].\nفبيَّن أن هذه الآية ليست منسوخة، لأنها لا تعارض الآية السابقة عليها، فكلّ من الآيتين يحكي حالة مخصوصة.\nوأيَّد ما ذهب إليه بما نقل عن الطبري عن مجاهد بأن الآية محكمة وبما نقله الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني.\nوبقوله بعدم النسخ في هذه الآية الكريمة كان موافقًا لصاحب المنار ﵀ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-934>المحكم والمتشابه:</span>\nيرى الأستاذ أبو زهرة أن المتشابه يحتملُ معنيين:\nأ- الغيب الذي لا يستطيع الإنسان معرفته، كمعرفة الوحي، وحقيقة الجنّ والملائكة ... وهكذا مما غيبه الله تعالى علينا ... وعلينا أن نؤمن بما أخبرنا القرآن الكريم، وما جاءت به السُّنّة الصحيحة.\nب- المتشابه هو الذي يدق معناه إلا على طائفة خاصة من أهل العلم كبعض العبارات الخاصة بالكون وتكوين السماء والأرض، ونحو ذلك من الحقائق التي لا يخوض فيها إلا أهل الذكر (٢).\nثم بيَّن أن هذين الوجهين مما تحتملهما الآية الكريمة وهما مرادان منها وهو الذي اختاره في تفسيره (٣).\n_________\n(١) أبو زهرة، ٢/ ٨٥٠ - ٨٥٥.\n(٢) أبو زهرة، ٢/ ١١١٠.\n(٣) أبو زهرة، ٢/ ١١١١.","vol":"3","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوقد استدل على ما ذهب إليه بجمعه بين القراءتين اللتين اختلفتا بالوقف والوصل على لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، فقال: \"وإذا كانت قراءاتُ القرآن سنّة متبعة وكل قراءة هي بذاتها قرآن متلو مبين، فمجموع القراءتين يشير إلى أن التأويل قسمان؛ أحدهما: علم بالمآل والغاية، وهذا لا يعلمه إلا الله، كما أشارت القراءة الأولى، والقسم الثاني من التأويل علم بالتفسير والمراد من الألفاظ، وهذا يعلمه الله، وقد يعرفه الراسخون في العلم، وهم في الحالين يقولون آمنا ... \" (١).\nوهذا الذي ذهب إليه الشيخ أبو زهرة هو ما ذهب إليه السيد رشيد رضا وجمهرة من العلماء المحققين (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-935>القراءات القرآنية:</span>\nذكر الشيخ في مقدمته \"أن من تفسير القرآن بالقرآن حمل بعض القراءات على غيرها، فإن كل قراءة هي في حقيقتها قرآن يتوجب على المفسر عدم إهمالها عندما تمس الحاجة\" (٣).\nوذكر في كتابه \"المعجزة الكبرى\" أنه \"لا عبرة إلا بالقراءات المتواترة؛ لأنها هي التي تتناسب مع تواتر القرآن الكريم، وحفظه في الأجيال إلى يوم القيامة\" (٤).\nوالشيخ في تفسيره لم يلتزم بذكر جميع القراءات المتواترة، فعند قوله تعالى ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧] يقول: \"وفي هذا النص الكريم قراءات نذكر منها قراءتين ... \" (٥)، بل إنه لم يعن عناية كبيرة بالقراءات.\n_________\n(١) أبو زهرة، ٢/ ١١١٣.\n(٢) انظر الدكتور فضل، إتقان البرهان، ١/ ٤٩٦. وانظر: المنار، ٣/ ١٧٢ - ١٧٥.\n(٣) مقدمة التفسير، ص ٩٤.\n(٤) المعجزة الكبرى، ص ٥٢.\n(٥) زهرة التفاسير، ص ١١٥.","vol":"3","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوإن ذكر قراءة لم يعزها إلى أصحابها، كما أنه -﵀- لم يكن يميز بين متواترها وشاذها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-936>الشيخ لا يبين القراءة المتواترة من الشاذة:</span>\nمثال ذلك: يذكر في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]، قراءتين:\nالأولى: وهي الرفع ﴿الْحَمْدُ﴾ والثانية: (الحمدَ).\nفيقول: \"وتقرأ كلمة ﴿الْحَمْدُ﴾ برفع الدّال، والمعنى: الحمدُ الثابت الكامل المستغرق لكل صنوف الحمد هو لله وحده ...\nوهناك قراءة بفتح الدال علي أنه مصدر، ومنصوب بفعل محذوف، ويكون المؤدَّى للقول: أحمدِ الحمدَ كلّه لله تعالى، فلا تحمدْ سواه .. وهذه القراءة تفيد تجدد الحمد آنًا بعد آنِ بالتذكير بنِعَم الله تعالى وآلائه، والقراءة السابقة تفيد دوام الحمد، كما تدل على ذلك الجملة الاسمية لأنها تفيد الاستمرار\" (١).\nولم يكتف الشيخ بما ذكره، ولكنه عَدَّ قراءة (الحمدَ) بالنصب قراءة متواترة مع أنها قراءة شاذة كما ذكر علماء القراءات.\nقال الإمام القرطبي -﵀-: \"وأجمع القرّاء السبعة وجمهور الناس علي رفع الدال في ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وروي عن سفيان بن عيينة ورؤبة بن العجّاج: (الحمدَ لله) بنصب الدال\" (٢).\n_________\n(١) أبو زهرة، ١/ ٥٧.\n(٢) القرطبي، ١/ ٩٥.","vol":"3","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nيقول أبو زهرة في الجمع بين القراءتين في (الحمد): \"وإني أرى أنّ القراءات المتواترة كلها لا تتباين، ولا تتضارب، بل تتلاقى، وتكمل واحدة معنى في الأخرى، فبالجمع بين القراءتين يكون معنى النص السامي: اجعل الحمدَ دائمًا مستمرًا ومتجددًا، ليكون القلب دائمًا عامرًا بذكر الله تعالى\" (١).\nومن الأمثلة أيضًا: القراءات في ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٤]:\nقال أبو زهرة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾: فيه قراءات تختلف في أشكالها، ولا تختلف في مضمونها فقرئ هكذا: مالِك يوم الدين، وقرئ: مليكِ يوم الدين وقرئ: مَلكِ يوم الدين.\nوقرأ أبو حنيفة -﵁- مَلَكَ يومَ الدين، وقرئ: مالكًا يوم الدين، وقرئ: مالكٌ.\nوالقراءات كلها تنتهي إلى معنى واحد، وإن كانت تختلف في أعاريبها، والنص العثماني يشملها جميعًا، ولا تخالف في النسخ المتواتر ... \" (٢).\nثم أخذ يذكر إعراب كل قراءة ويبين معناها وخلص إلى النتيجة التالية:\nقال: \"ورأينا أنّ كل قراءة متواترة قرآن، وأن القرآن لا يخالف بعضه بعضًا، بل قد يُتِمُّ بعضُه بعضًا، وليس لنا أن نراجح بين قراءة وقراءة، لأن كلتيهما تتمم الأخرى\" (٣).\nوما ذكره حق فيما يتعلق بالقراءات المتواترة، فهي لا تتعارض أولًا، ولا ينبغي الترجيح بينها ثانيًا.\n_________\n(١) أبو زهرة، ١/ ٥٧.\n(٢) أبو زهرة ١٤/ ٦٠.\n(٣) أبو زهرة، ١/ ٦٠ - ٦١.","vol":"3","page":389},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nأما القراءات التي ذكرها في (مالك) فإن قراءتين اثنتين منها متواترة وهي قراءة (مَلِكِ) و(مالكِ) وما عداهما شاذ، وقد عرض الدكتور فضل -﵀- لهاتين القراءتين من حيث معناهما والفرق بينهما وعدم جواز الترجيح بينهما كما فعل الطبري وصاحب المنار (١).\nوإذا كان الشيخ غالبًا لا يرد قراءة متواترة، كما ذكر عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، قال: \"والأرحام قُرئت بفتح الميم، ويكون المعنى: اتقوا الله والأرحامَ أن تقطعوها، ويصح أن يكون المعنى: اتقوا الله الذي تساءلون به وبالأرحام، وتكون الواو واو المعية، وتتلاقى هذه مع قراءة الكسر، وقراءة الكسر قد تتعارض مع قواعد النحاة الذين قد يقولون: إن العطف أن لا يكون على ضمير موصول مجرور، لكن قراءات القرآن المتواترة فوق قواعد النحاة، وهي أصدق في الفصحى\" (٢).\nأقول إذا كان الشيخ لا يرد قراءة متواترة، فهل يمكن أن يرجح قراءة على أخرى، دون ردّ للقراءة المرجوحة، وأقول: إن الشيخ لم يختر قراءة على أخرى، وإنما كان ينبِّه على أن كل قراءة هي من عند الله سبحانه وكلها حق، ولكننا وجدناه ينقل عن الطبري اختياره لقراءة دون أن يعلق على ذلك.\nعند قوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ [الأنعام: ١٦]، قال: \"وهناك قراءة أخرى بالبناء للفاعل (يَصْرِف)، ويكون المعنى على هذه القراءة من يصرف الله تعالى عنه العذاب العظيم في ذلك اليوم فقد رحمه، وعلى أي حال فالضمير في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ يعود على الله، ولهذا يختار ابن جرير الطبري\n_________\n(١) انظر: كتاب القراءات القرآنية وما يتعلق بها، للدكتور فضل حسن عباس.\n(٢) زهرة التفاسير، سورة النساء، ص ٩.","vol":"3","page":390},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nقراءة البناء للفاعل، إذ يكون الصارف الدافع للعذاب هو الرحمة، فالنسق يكون واضحًا\" (١).\nوعند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ [الأنعام: ٢٣] يذكر أن في النص الكريم قراءتان: إحداهما بضم التاء (فتنتُهم) من الفتنة الاختبار الشديد بهول ما رأوا، والقراءة الثانية بفتح التاء والياء في (تكن)، ويصير اسم (يكن) هو (أن قالوا)، ويقول إن الطبري (٢) قد رجح هذه القراءة الثانية (٣).\nومع أن الشيخ بنسب هذا الاختيار إلى الطبري، إلا أننا كنا نود منه أن يعلق على فعل الطبري رحمهما الله تعالى.\nومع عدم عناية الشيخ كثيرًا بالقراءات، إلا أننا نجده يوجه تلك القراءات التي ذكرها. من ذلك ما جاء عند قوله تعالى: ﴿قَال اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١٥] \"هناك قراءتان في (منزّلها): الأولى بتشديد الزاي، والثانية بتخفيفها، وعلى القراءة الأولى يكون المراد من تشديد النزول تكراره، كما تقول: تقتيل، المراد كثرة القتل والتكرار، والثانية تحمل على معنى الكثرة التي دلت عليها القراءة الأولى\". ثم قال: \"والتكثير في الحالين يفيد أنها نزلت عليهم من وقت لآخر، وفي تكرار نزولها تكرار لأسباب اطمئنانهم وشدة تصديقهم وإدخال السرور عليهم، وتأكيد معنى العيد لهم، وإرزاقهم رزقًا حسنًا لم يرزقه أحد من العالمين\" (٤).\n_________\n(١) ص ١٦.\n(٢) تفسير الطبري، ١١/ ٢٩٨.\n(٣) زهرة التفاسير: ص ٢٤.\n(٤) ص ٢٠٦.","vol":"3","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-937>مناسبة معجزة كل نبي لقومه:</span>\nيرى الشيخ أبو زهرة أن معجزة عيسى -﵇كانت قاطعة في إبطال الأسباب العادية والمسببات ولوازمها، فتعالى الله، وأبطل القول الذي يذهب إلى أن معجزة عيسى جاءت متناسبة مع عصره الذي كان عصر طبٍّ كما يقولون.\nيقول أبو زهرة: \"وما يُدَّعى من أن عصر عيسى -﵇- كان عصر علم الطب لا يؤيده التاريخ، بل كان اليهود الذين بعث فيهم عيسى وخاطبهم برسالته ومعجزاته كانوا أجهل الناس بالطب كما حكى عنهم الفيلسوف المسيحي رنيان في كتابه\" (١).\nوالذي ذهب إليه أبو زهرة وافقه عليه الشيخ فضل عباس -حفظه الله- في كتابه الإعجاز حيث بين أن معجزة كل نبي تكون منسجمة مع أحوال الناس الذين ظهرت فيهم، جارية مع تفكيرهم ومع طبيعة بيئتهم، وبين أيضًا أن معجزة عيسى -﵇- جاءت متناسبة مع أحوال قومه الذين طغت عليهم المادة، وقطعوا كل صلة بينهم وبين شريعة موسى، فكانت معجزته -﵇- تقويضًا للمادة رأسًا على عقب وصفعة للماديين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-938>نزول الفاتحة:</span>\nيرى أبو زهرة -﵀- أنّ الفاتحة ليست أوّل ما نزل من القرآن، ويرى أنها نزلت عندما فُرضت الصلاة في الإسراء والمعراج (٢).\nكما ينفي أبو زهرة أن تكون الفاتحة قد تكرر نزولها في المدينة، يقول: \"وكونها نزلت بعد ذلك بالمدينة تكرار للنزول، ولا نحسب ثمة حاجة للتكرار فإنها متى نزلت كانت واجبة التلاوة على أنها جزءٌ من القرآن ولا حاجة إلى تكرار نزولها\" (٣).\n_________\n(١) أبو زهرة، ١/ ٣٠٤.\n(٢) أبو زهرة، ١/ ٥٥.\n(٣) أبو زهرة، ١/ ٤٨.","vol":"3","page":392},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nنحن نتفق مع أبي زهرة في قضيتين ونخالفه في واحدة مما ذكر. أما القضيتان اللتان نتفق معه فيهما فهما:\nأ- اعتباره أن الفاتحة ليست أول ما نزل من القرآن، وهذا حقٌّ فقد ثبت بالأدلة الصحيحة عند العلماء المحققين أن مطلع سورة العلق هو أول ما نزل من القرآن (١).\nب- قوله بعدم تكرار نزول الفاتحة في المدينة بعد نزولها في مكة، وهذا أيضًا حقّ، فإن القول بتكرار النزول قول لا يقوم أمام النظر الصحيح لا عقلًا ولا نقلًا، خاصة في الفاتحة (٢).\nأما القضية التي لا نتفق معه فيها قوله: بأن الفاتحة نزلت عندما فُرضت الصلاة في الإسراء والمعراج.\nفنقول: إن هذا القول لا يُقبَل لعدم وجود نقل صحيح يؤيد هذا الرأي من جهة، ومن جهة أخرى فإن بعض العلماء جعل الفاتحة هي أول ما نزل من القرآن الكريم، وهي وإن لم تكن أول ما نزل فإن بعض العلماء جعلها من أول القرآن نزولًا وهي أول سورة نزلت كاملة تامة، ويكاد يجمع العلماء على أن الفاتحة قد تقدم نزولها.\nأما القول بأنها تأخرت إلى السنة العاشرة من البعثة فقول لا يُقبَل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-939>سورة الرعد مدنية:</span>\nيرى الشيخ أبو زهرة أن سورة الرعد مدنية (٣)، دون أن يشير إلى أن السورة فيها خلاف في مكيتها ومدنيتها (٤).\n_________\n(١) انظر: إتقان البرهان، ١/ ١٦٧ - ١٧٥. وقد ناقش الدكتور فضل القائلين بأنها أول ما نزل على نبينا محمد -ﷺ-.\n(٢) انظر: إتقان البرهان، ١/ ٣٠٥. وقد ناقش الدكتور فضل القول بتكرار نزول الآية أو السورة.\n(٣) أبو زهرة، ١/ ٩٤.\n(٤) انظر: الشوكاني، ص ٨٧٥. والقرطبي، ٩/ ١٨٣.","vol":"3","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوالذي نأخذ به أن سورة الرعد مكية كلها، قال صاحب الظلال: \"السورة مكية بخلاف ما ورد في المصحف الأميري وبعض المصاحف -اعتمادًا على بعض الروايات- أنها مدنية. ومكية السورة شديدة الوضوح، سواءً في طبيعة موضوعها، أو طريقة أدائها أو في جوّها العام، الذي لا يخطئ تنسمه من يعيش فترة في ظلال القرآن\" (١).\nنزول قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ يوم النحر في حجة الوداع:\nيرى الأستاذ أبو زهرة أن هذه الآية نزلت يوم النحر، في حجة الوداع، ونقل هذا القول عن الإمام القرطبي -﵀- وكذا نقله الشوكاني في تفسيره (٢).\nومن المعروف عند العلماء المحققين أن هذه الآية الكريمة هي آخر القرآن نزولًا، ومن المعروف أيضًا أن الآية التي نزلت في حجة الوداع هي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وليست آية الربا، ولم أرَ أحدًا من العلماء ذكر أن آية الربا نزلت في حجة الوداع إلا ما ذكره الإمام القرطبي، ونقله عنه أبو زهرة. لذا فنحن لسنا مع الأستاذ أبي زهرة في هذا القول (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-940>رأيه في بعض مسائل التفسير:</span>\nإن عد الشيخ من مدرسة الجمهور، لا يعني التزامه بكل جزئية من الجزئيات مما للجمهور فيه رأي، وإنما تقضي طبيعة الفكر والاستقلال في البحث، أن يكون لكل باحث بعض الآراء، التي يوصله إليها تفكيره وبحثه.\nوالشيخ أبو زهرة يحارب التعصب في الرأي، ويظهر هذا من خلال كتاباته وأبحاثه. فهو لا يرضى مثلًا من هؤلاء الذين يسمون بالسلفيين، وينكر أن يكون ما\n_________\n(١) الظلال، ٤/ هامش ص ٢٠٣٩. وانظر: إتقان البرهان، ١/ ٣٨٥.\n(٢) انظر: القرطبي، ١/ ١٠٧. الشوكاني، ٥٠. أبو زهرة، ١/ ٧٦.\n(٣) انظر: المنار، ٣/ ١٠٥. إتقان البرهان، ١/ ١٧٧ - ١٧٨.","vol":"3","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nينادون به هو قول الصحابة، أو حتى مذهب الإمام أحمد -﵁- ويستشهد بأقوال إمام من أئمة الحنابلة هو العلّامة ابن الجوزي (١).\nوالشيخ من المعجبين بالإمام الشيخ محمد عبده، وكثيرًا ما يستشهد بآرائه ولا تكاد تمر مسألة من مسائل التفسير، للإمام فيها رأي إلا ونجد الشيخ يذكره، وقد يرتضيه وقد يسكت عنه. إلا أنه لم يطلق لعقله العنان متجاوزًا ما للنص من سلطة كما فعلت المدرسة العقلية. ولم يسر في ركاب الذين يحاولون تحميل النص، ليقبسوا منه النظريات كما فعلت المدرسة العلمية، لذا آثرنا عده في مدرسة الجمهور.\nعلى أن هناك بعض المسائل، رأى الشيخُ فيها رأيًا غير ما ارتآه السابقون ولا بد أن نعرض لبعض تلك المسائل، التي ندرك منها رأي الشيخ، نقف معه مناقشين وإن كنا لا ندانيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-941>رأيه في القتال:</span>\nيقول: \"أما مسالمة المسلمين لغير المسلمين، فقد أثار القول حولها من فهم ظواهر الأمور، ولم يتغلغل في بواطنها، إذ قال إن الإسلام قد أباح القتال. والقتال والسلام نقيضان لا يجتمعان، والكثرة الكبرى من فقهاء المسلمين تقرر أن الأصل في العلاقة الدولية بين المسلمين وغيرهم الحرب، حتى يتقدموا بعهد أو موادعة كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١].ذلك قول الذين فهموا الأمور بظواهرها. الحقيقة أن الإسلام دعا إلى السلام وحثّ عليه، ومبدؤه العام التعارف بين بني الإنسان لا التنابذ بينهم. ولذا قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. فما جاء الإسلام للحرب والخصام، بل جاء بالهدى والسلام، لكن سلام الإسلام سلام عزيز قوي، وليس بسلام ذليل خانع، أباح الإسلامُ القتال،\n_________\n(١) لواء الإسلام، العدد التاسع، السنة الثامنة، وبحث عن العقيدة في القرآن، كتبه لمجمع البحوث.","vol":"3","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوقال سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ...﴾ [الحج: ٣٩] ولقد قرر الفقهاء أن الأصل الحرب حتى يكون عهد، لأن الأصل بين الدول في وقت استنباطهم، كان الاعتداء حتى يتعاهدوا، فما كان الإسلام ليسالم وهم يحاربون\" (١).\nهذا ما قرره الأستاذ، ولسنا معه في بعض ما أورده، فدعواه أن الكثرة الكبرى من فقهاء المسلمين، وقفت عند ظواهر الأمور دون الغوص في بواطنها، فيها من التجني ما لا يخفى. ودعوى أن المقصود من الحرب العهد والموادعة، لا تؤيدها نصوص القرآن وواقع المسلمين الأول، وهذه سورة براءة خير شاهد على ذلك.\nثم إن استشهاده بالآيات التي أوردها استشهاد لم يراع فيه الناحية المرحلية لنزول الآيات، ولا الدقة والموضوعية.\nوأعجب من هذا كله قوله: \"إن الفقهاء قرروا أن الحرب هي الأصل، لأن الحرب كانت الأصل بين الدول، حينما استنبطوا هذه الأحكام\" هذا في زمنهم أما في زماننا فما هو الأصل يا ترى؟ ! أليس هو الحرب الفاحشة المدمرة؟ أليست أرضنا ومقدساتنا وأهلونا في قبضة عدو مارق [*] لا يرعى إلًّا ولا ذمة؟ ! أليس عدونا يطالب بمزيد من السلاح المدمر من أجل المحافظة على السلام كما يدعي؟ !\nالحق أن الفقهاء حينما قرروا أن الحرب هي الأصل، كانوا أكثر فهمًا لطبيعة الدين وواقع الحياة، ولم يقفوا عند ظواهر الأمور، كما يدعي الأستاذ أبو زهرة ﵀.\nويستدل الشيخ لما ذهب إليه من أن الأصل في العلاقة هي السلم بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨]، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠]، وقوله: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١].\n_________\n(١) لواء الإسلام، العدد السابع، السنة الخامسة، ص ٣٩٩. وزهرة التفاسير، ٢/ ٦٥٢.\n\n[*] في المطبوع: (مارك) [مُعِدُّه للشاملة]","vol":"3","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوما ذكره الشيخ يخالف فيه العلماء، يقول الطبري عند قوله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾: \"يعني به الإسلام، لا الصلح، لأن الله ﷿ إنما أمر عباده بالإيمان به وبنبيه محمد -ﷺ- وما جاء به، وإلى ذلك دعاهم دون المسالمة والمصالحة، بل نهى نبيه -ﷺ- في بعض الأحوال عن دعاء أهل الكفر إلى الصلح، فقال: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] وإنما أباح له -ﷺ- في بعض الأحوال إذا دعوه إلى الصلح ابتداء المصالحة فقال له جل ثناؤه: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، فأما دعاؤهم إلى الصلح ابتداء فغير موجود في القرآن\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-942>رأيه في ترتيب نزول آيات الخمر:</span>\nيقول (٢): \"والأكثرون على أن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، سبقت في النزول آية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]. ولكن يميل بعض المتأخرين -ذكر ذلك الأستاذ الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا -﵄- إلى أن آية ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ مقدمة على آية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ لأن هذه فيها إشارة إلى التحريم المطلق ... فإذا كانت آية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ﴾ قد صرحت بعلة التحريم، فقد أومأت إلى التحريم المطلق. أما آية ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فهي لم تصرح بالتحريم المطلق، بل أومأت إلى التحريم المؤقت أو المعلل بكونه لأجل الصلاة. وإذا كان الترتيب في النزول لأجل التدرج في المنع، فالمنطق يوجب أن يكون ما فيه إشارة إلى\n_________\n(١) تفسير الطبري، ٤/ ٢٥٤. وانظر: منهج الشيخ محمد أبو زهرة في التفسير، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في التفسير، فهد بن عبد الله بن فريح الناصر، إشراف: الدكتور زيد بن عمر العيص، ص ٤٧٠، جامعة الملك سعود.\n(٢) لواء الإسلام، العدد الحادي عشر، السنة الخامسة، ص ٦٦٣. زهرة التفاسير، ٢/ ٦٩٨.","vol":"3","page":397},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nالتحريم المطلق، مُؤخَّرًا عن ما فيه إشارة إلى التحريم المؤقت، والمعلل بكونه لأجل الصلاة\" (١).\nوهذا القول مردود لأنه يخالف الرأي والمأثور، وأما الرأي، فإن المتبادر للذهن، أن أول آيات الخمر نزولًا، إنما هي تلك الآية التي أنزلت ردًّا على سؤال هذا أولًا. وأما ثانيًا فإن المنافع التي في الخمر، إنما هي -والله أعلم- منافع اقتصادية، كما هو الحال في شأن الرقيق، فكانت الحكمة أن يتدرج في تحريمها، وهذا ما حدث بالفعل. وأما المأثور، فما رواه أصحاب السنن وغيرهم وصححه ابن المديني والترمذي (٢) \"عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت الآية التي في البقرة ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ -فقرئت عليه- فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت التي في النساء ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]-إلى قوله- ﴿مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩١] فقال عمر: انتهينا انتهينا\".\nتفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة: ٢٢١] (٣):\nوهنا يعرض لمسألتين خطيرتين:\nأ- تحديد معنى الشرك:\nيرى الشيخ أن كلمة الشرك المستعملة في القرآن، لا تطلق إلا على الوثنيين أما أهل الكتاب، فلم يوصفوا بهذا العنوان وإنما وصفوا بألقاب أخرى كالكفر.\n_________\n(١) زهرة التفاسير، ٢/ ٦٩٨ - ٦٩٩.\n(٢) فتح الباري، ٩/ ٣٤٩.\n(٣) زهرة التفاسير، ٢/ ٧١٣.","vol":"3","page":398},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nيقول: \"فكلمة مشرك ومشركين ومشركات، كلها إذا ذكرت في القرآن انصرفت إلى عبدة الأوثان من غير آية قرينة دالة على ذلك؛ لأنَّها صارت في الإسلام حقيقة عرفية عليهم، ولا تطلق على اليهود والنصارى وإن قال الله سبحانه عن النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وعن اليهود: ﴿وَقَالتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، إذ صار لفظ المشركين اسمًا لجنس معين، ولذا كان يذكر النصارى واليهود بعنوان أهل الكتاب، وعبدة الأوثان باسم المشركين، فقد قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١)﴾ [البينة: ١] فذكر في هذه الآية الكريمة الجميع بعنوان الكفر\" (١).\nونحن إذا استعرضنا آي القرآن الكريم، لا يسعنا إلا أن نعجب من أقوال الشيخ، فهذه آيات من سورة النساء تتحدث عن أهل الكتاب. تبدأ بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾ [النساء: ٤٤]، وتنادي أهل الكتاب بنداء خاص بهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ جاء في سياقها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨] ولقد تنبه العلماء إلى سر ختم هذه الآية بهذه الخاتمة الكريمة، وسر ختم الآية التي تشابهها في السورة نفسها بقوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ [النساء: ١١٦] فقرروا أن الآية الأولى تحدثت عن أهل الكتاب، والآية الثانية عن الوثنيين.\nوهذه آيات سورة براءة التي استشهد الشيخ بجزء منها، ترد ما ذهب إليه الشيخ بسياقها فحسب، بل ترده بنصها في أكثر من موضع، قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا\n_________\n(١) لواء الإسلام، العدد الثاني عشر، السنة الخامسة، ص ٧٢٧.","vol":"3","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nإِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ [التوبة: ٣١ - ٣٣].\nوآيات سورة الصف التي ختمت بمثل هذه الخاتمة، إنما كانت تتحدث عن اليهود والنصارى.\nأفبعد هذا كلّه يمكن أن يقصر لفظ الشرك على عبدة الأوثان وهذا ما فهمه الصحابة - ﵃ - فمن بعدهم. وقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عمر - ﵄ - قوله: \"إن الله حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول المرأة: ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله\" (١).\nأما من الناحية اللغوية، فإن أهل الكتاب قمينون بتلك التسمية، وهي حرية بهم، وما استدل به الكاتب من إطلاقات القرآن كمطلع سورة البينة، فليس فيه حجة. ذلك أن القرآن، ذكر فريقين اثنين، فلا بد لكل فريق من عنوان يميزه عن الآخر. والمسألة شبيهة تمامًا بما قاله العلماء عن لفظي الإيمان والإسلام \"إذا اجتمعا تفرقا، وإذا تفرقا اجتمعا\". وكذلك لفظ الشرك إذا ورد منفردًا، فإنه لا شك يشمل أهل الكتاب، وإذا ورد مع الكفر أو اليهود والنصارى خص بالوثنيين.\nب - رأيه في نكاح المشركين:\nوبناءً على ما ذهب إليه شيخنا في معنى الشرك، قرر أن الآية الكريمة لا تشمل غير الوثنيين، وأن من ذهب غير هذا المذهب، فعدّها منسوخة أو مخصصة بآية المائدة، لا يستقيم فهمه لأسلوب القرآن الكريم (٢). واضطرب كلامه على غير\n_________\n(١) فتح الباري، ج ١١، ص ٣٣٧.\n(٢) لواء الإسلام، العدد السابق، ص ٧٢٨.","vol":"3","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nعادته، فتارة يدعي إجماع الصحابة على إباحة الكتابيات، ويعود لينقضه بما روي عن عمر وابنه عبد الله - ﵄ -، ثم يرجح أن ما نقل عن ابن عمر إنما هو الكراهة ولكن الحافظ ابن حجر رد هذه الرواية عنه وجزم بالتحريم كما أوردناه سابقًا.\nبقي هنا مسألتان:\nأولاهما: نكاح غير المسلم للمسلمة، والشيخ يرى أن هذه الآية لا يؤخذ منها تحريم تزوج الكتابي بالمسلمة، وإنما يؤخذ من قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، مع أن آية البقرة أكثر صراحة.\nثانيتهما: ما استشعره الشيخ مما قد يوجه إليه، في معنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٢١] فحاول أن يرد على هذا الاعتراض بالنسبة لأهل الكتاب، فقال عن الكتابية: \"أما الكتابية، فإن مجموع الفضائل الإنسانية من الصدق والأمانة ومنع الخيانة، وحُسْن المعاملة وحُسْن العشرة، وغيرهما من المبادئ الفاضلة، لا تزال باقية في تعاليم دينها، فيمكن الاحتكام إليها، كما يمكن الاطمئنان إلى أن الزوجة تستمسك بالفضيلة في الجملة، إن أحسن الاختيار\" (١).\nثم يذهب الشيخ أبعد من ذلك فيقول: \"وإن القرآن الكريم في جدله مع أهل الكتاب، كان يلاحظ إمكانَ التفاهُم معهم على قواعد يمكن حملهم على الإقرار بها\".\nورأي أنه قد تكلف كثيرًا في أكثر ما ذهب إليه، وليته سار مع الجمهور فكان خيرًا له وأقوم قيلًا.\n_________\n(١) لواء الإسلام، العدد الثاني عشر، السنة الخامسة، ص ٧٣٥.","vol":"3","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-943>قصة البقرة:</span>\nيقرر علماء التفسير أنّ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ...﴾ [البقرة: ٦٧] الآية مرتبط ارتباطًا وثيقًا بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] فطلب ذبح البقرة إنما كان من أجل الكشف عن القاتل، لذا قال العلماء عند قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾ \"هذا الكلام مقدّم على أوّل القصة التقدير: وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها. فقال موسى: إن الله يأمركم بكذا\" (١).\nفهما قصة واحدة هذا ما قرره علماء التفسير ومنهم صاحب المنار ﵀ (٢).\nمع ما سبق ذكره إلا أننا نجد الشيخ أبو زهرة يذهب مذهبًا آخر في هذه القصة ويرى أن قصة البقرة تنتهي عند قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ [البقرة: ٧١] ثم تبتدأ قصة جديدة، وهي ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ فهما قصتان متعاقبتان لا قصة واحدة.\nيقول الأستاذ أبو زهرة: \"المفسرون على أن هذه الآيات جزءٌ من قصة البقرة إلا ما يتعلق بقسوة قلوبهم ... فهم يقولون: إن الأمر بذبح البقرة كان ليضربوه بها، أي: ليضربوا المقتول بها فيحيا ...\nونحن لا نردّ ذلك ولا نكذبه فأخبار بني إسرائيل فيها العجائب الكثيرة التي ساقها الله ليؤمنوا ويذعنوا ...\nولكن في العصر الحديث قرر المرحوم الأستاذ الكبير الشيخ عبد الوهاب النجار، أنهما قصتان سيقتا لغرضين مختلفين:\n_________\n(١) القرطبي، ١/ ٣٠٩.\n(٢) انظر: المنار، ص ٣٤٥ - ٣٥٠.","vol":"3","page":402},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nأما الأولى: فهي قصة البقرة، وهي قائمة بذاتها سيقت لبيان آثار العقائد المصرية في نفوس بني إسرائيل، ولجاجتهم في الامتناع عن ذبح البقرة متأثرين بتقديس المصريين للبقر.\nوالثانية: سيقت لبيان أثر رؤية المقتول في نفس القاتل، وتأثره بذلك، وأنه يحمله على الاعتراف بالجريمة عندما يرى المقتول ويمس جسده\" (١).\nفالضمير على رأي جهور المفسرين في (بعضها) يعود على البقرة. وعلى رأي الأستاذ النجار يعود على جثة المقتول.\nولقد أخذ الشيخ أبو زهرة برأي الشيخ النجار في هذا الأمر، واستشهد على صحته بجملة أمور:\n١ - بما ذكره الزمخشري من حكمة تأخير قوله: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ﴾ ويقول الزمخشري: فإن قلت: في للقصة لم تقص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها وأن يقال:\nوإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها فقلنا اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟\nقلت: كلّ ما قص من قصص بني إسرائيل إنما قص تعديدًا لما وجد منهم من الخطايا وتقريعًا لهم عليها، ولما جُدِّدَ فيهم من الآيات العِظام، وهاتان قصتان كلّ واحدة منهما خُصَّت بنوع من التقريع، وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء، وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك.\nوالثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة، وما يتبعه من الآية العظيمة. وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل؛ لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع، ولقد روعيت نكتة بعدما استؤنفت\n_________\n(١) أبو زهرة، ١/ ٢٦٩.","vol":"3","page":403},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nالثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى، دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣] حتى يتبيَّن أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته باخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة (١).\nيقول الأستاذ أبو زهرة: \"إن القصة الثانية وهي قصة القتل ابتدأت بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ ولذلك لم يَسَعِ الزمخشريَّ وهو الذواق للبيان القرآني إلا أن يذكر أنهما قصتان، وإن كان قد حاول أن يصل بينهما بأن الضمير في قوله تعالى: ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ يعود على البقرة، مع البُعد بينهما بطائفة من القول، وعدم ظهور ذلك العود على البقرة (٢).\n٢ - أن الضمير في ﴿اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ لأبي إذا عاد إلى النفس المقتولة يعود إلى أقرب مذكور، وعودة الضمير إلى أقرب مذكور هي القاعدة العامة إلا إذا أدَّى فيها الأمر إلى شذوذ غير معقول أو كان ذلك مستحيلًا.\n٣ - أن عود الضمير على النفس المقتولة يؤدي علمًا نفسيًا اجتماعيًا هاديًا مرشدًا فيكون في ذلك فائدة جديدة لم تكن في قصة البقرة.\n٤ - ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وهو يدل على أن الموضوع يحتاج إلى تدبر وفكر رشيد وإدراك لمرمى التكليف\" (٣).\nثم عقب بقوله:\n_________\n(١) الكشاف، ١/ ١٥٥ - ١٥٦.\n(٢) أبو زهرة، ١/ ٢٧٢.\n(٣) أبو زهرة، ١/ ٢٧٢.","vol":"3","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nإن اتجاه المفسرين يتمثل في جعل قصة البقرة معجزة وأمرًا خارقًا للعادة لتكون دليلًا حسيًا على إثبات البعث.\nواتجاه الأستاذ النجار يتمثل في جعل القصة تكليفًا اجتماعيًا ينبه العقول إلى أمر مقرر ثابت في الدراسات النفسية والاجتماعية.\nويميل أبو زهرة إلى رأي النجار معللًا ذلك بقوله: \"ونحن نميل إلى رأي الأستاذ النجار لأنه لو كانت الحياة من الضرب ببعضها، لأدى ذلك إلى إشباع ما في نفوسهم من أوهام حول تقديس البقر كما يتوهم المصريون، والرأي الأخير ليس فيه ذلك\" (١).\nيقول الدكتور فضل عباس تعقيبًا على هذين الرأيين: \"وسواءً أكنت أنا وأنت أيها القارئ الكريم مع الجمهور فيما ذهبوا إليه، أم مع الفضلاء أصحاب الرأي الآخر. فليس في الأمر حرج. وكتاب الله ﵎ يتسع للفكر البشري إذا تهيأ للناظر حُسْن النية، والعلم وصفاء القريحة، ويقيني أن هذه الثلاثة أعني حُسْن النية والعلم وصفاء القريحة، هي مما أكرم الله به أئمتنا قديمًا وحديثًا، فجزى الله الجميع عن كتابه ودينه ونبيه خير الجزاء\" (٢).\nوهذا المنهج يلتزمه الأستاذ في غير آيات الأحكام كما قلت. فمثلًا عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: ٢٤٣] يبين آراء المفسرين ثم يختار احتمالين، أحدهما: رأي الإمام الشيخ محمد عبده، وقد تقدم معنا من قبل، والآخر ملخصه أن الموت على حقيقته لأكثرهم، وأن الحياة حياة الآخرة ثم يرجح بعد ذلك رأي الإمام (٣).\n_________\n(١) أبو زهرة، ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣ بتصرف.\n(٢) قصص القرآن الكريم صدق حدث وسمو هدف، د. فضل عباس، ص ٥٧٧.\n(٣) لواء الإسلام العدد الثاني عشر السنة السادسة، ص ٧٣٥.","vol":"3","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] يذكر الآراء المختلفة في معنى التوفي والرفع، محاولًا أن يوفق بين الأحاديث والآيات ولا يلمح القارئ من كلامه مخالفة الجمهور، فلم يرد أحاديث النزول كما ردها غيره (١).\nوعند تفسيره لقول الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] يعرض آراء العلماء في المقصود من (أهل الكتاب): هل هم الذين آمنوا به - ﷺ -؟ أم هم الذين كانوا قبل بعثته أو بعدها، ولم يحرفوا كتابًا؟ وهذا الرأي الثاني هو رأي الإمام الشيخ محمد عبده. ثم عقب على هذين الرأيين بقوله (٢): \"وعندي أن الآية الكريمة في أهل الكتاب الماضين الذين استقاموا على الحق، ولم يدركوا عصر النبي - ﷺ -\".\nعلى أن للشيخ لفتات يقبسها من روح الآية، لا يدركها كثير، من ذلك مثلًا قوله عند تفسير الآية السابقة: \"هذا من إنصاف القرآن فهو لا يعمم حكمه إلا حيث يكون التعميم هو الحق الذي لا شك فيه، وإن كان في قوم من هم جديرون بالثناء ذكرهم، وكذلك كان الشأن في ذكر أهل الكتاب، فيقول: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥] ويقول سبحانه: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف: ١٥٩] وفي هذه الآية يذكر بالخير العظيم طائفة من هؤلاء، فيقول الحكم العدل تعالت كلماته: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: ١١٣] \".\n_________\n(١) لواء الإسلام، العدد الأول، السنة العاشرة.\n(٢) لواء الإسلام العدد السابع السنة الحادية عشرة، ص ٤٠٧.","vol":"3","page":406},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-944> رأيه في قتال الملائكة يوم بدر:</span>\nأما رأي الشيخ في قتال الملائكة يوم بدر، فلقد حاكى فيه رأي الإمام، الذي أخذ به صاحب المنار، فالإمداد بالملائكة إنما هو إمداد روحي كما يقول الشيخ، ويزيد هنا فينسب هذا الرأي لشيخ المفسرين ابن جرير مستدلًا ببعض عباراته.\nوهذه المسألة من الأمور التي كثر حولها الحديث في أيامنا هذه، وصارت من علامات التجديد والعصرية عند كثير من علمائنا، كأن صلاح الأمة وانتفاضتها يتوقفان على تلك القضية. والحق أن مثل هذه الأمور، لا ينبغي أن نخضعها للعقول التي تختلف في الحكم على الأشياء، وإذا كان الله قد أمدَّ المؤمنين بالملائكة كما هو مجمع عليه، وهو من الأمور الخارقة للعادة، الخارجة عن مألوف البشر، في المانع من أن تشترك الملائكة في تلك المعركة، التي قررت مصير هذه الأمة، والتي لو هلك لا سمح الله من جالد فيها من جند الله، ما عبد الله في الأرض. وعلى هذا يكون للملائكة أثرهم الروحي والمادي.\n- تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ [البقرة: ٦٥]:\nاختار الأستاذ أبو زهرة أن المسخ هنا مسخٌ معنوي، فهو ليس مسخًا في الصور والأجساد وإنما هو مسخ في النفوس حتى تلتحق بعجماوات الحيوان وينحط عن رتبة الإنسان.\nوهو بذلك يختار قول الإمام مجاهد ويتفق مع صاحب المنار ويعزز هذا الرأي بقوله: \"وإنه يزكي ذلك المعنى أنه شبه حالهم في آية أخرى بالقردة والخنازير لا بالقردة وحدهم، وذلك في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] \" (١).\n_________\n(١) انظر: أبو زهرة، ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣. المنار، ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥.","vol":"3","page":407},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nولرد هذا القول أنقل كلام شيخ المفسرين الطبري ففيه الكفاية، يقول: \"وهذا القول الذي قاله مجاهد، قولٌ لظاهرِ ما دلّ عليه كتابُ الله مُخالفٌ، وذلك أن الله أخبر في كتابه أنه جعل منهم القردة والخنازير وعَبَدَ الطاغوت، كما أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] وأن الله تعالى ذكره، أصعقهم عند مسألتهم ذلك ربَّهم، وأنهم عبدوا العجل فجعل توبتهم قتل أنفسهم، وأنهم أُمِروا بدخول الأرض المقدسة فقالوا لنبيهم: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤)﴾ [المائدة: ٢٤] فابتلاهم بالتيه، فسواءٌ قائلٌ قال: هم لم يمسخهم قردة. وقد أخبر جل ذكره أنه جعل منهم قردة وخنازير - وآخر قال: لم يكن شيء مما أخبر الله عن بني إسرائيل أنه كان منهم - من الخلاف على أنبيائهم، والنكال والعقوبات التي أحلها الله بهم، ومن أنكر شيئًا من ذلك وأقرّ بآخر منه، سُئل البرهان على قوله، وعُورض - فيما أنكر من ذلك - بما أقرّ به، ثم يُسأل الفرقَ مِن خبر مستفيض أو أثر صحيح.\nهذا مع خلاف قول مجاهد قولَ جميع الحجة التي لا يجوز عليها الخطأ والكذب فيما نقلته مجمعة عليه، وكفى دليلًا على فساد قولٍ، إجماعُها على تخطئته\" (١).\n- تفسيره لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.\nيذهب الأستاذ أبو زهرة في تفسير هذه الآية إلى ما ذهب إليه الأستاذ الإمام - ﵀ - فهو يفسّر المغضوب عليهم بالكافرين سواءً أكانوا وثنيين أم كانوا من أهل الكتاب كاليهود والنصارى وفسّر ﴿الضَّالِّينَ﴾ وبالتائهين الواقعين في حيرة من أمر اعتقادهم كالنصارى والمنافقين.\nويبين أن النصارى مع انطباق وصف الضلال عليهم فهم داخلون تحت غضب الله ﷾ وكذلك المنافقون (٢).\n_________\n(١) تفسير الطبري، ٢/ ١٧٣، دار المعارف.\n(٢) انظر أبو زهرة، ١/ ٧٠ - ٧١. وانظر: المنار، ١/ ٦٦ - ٧٢، و١/ ٩٧ - ٨٠.","vol":"3","page":408},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوإذا كان صاحب المنار قد استدرك على تفسيره بجملة من الأحاديث ثم بيّن أنَّها لا تعارض مع ما ذهب إليه الإمام فإن الشيخ أبا زهرة لم يشر ولو بلمحة إلى أن هناك حديثًا مرويًا عن النبي - ﷺ - في تفسير المغضوب عليهم ولا الضالين بل إنه عزا تفسير ﴿الضَّالِّينَ﴾ إلى قول بعض العلماء فقال: \"والضالون قال بعض العلماء: إنهم النصارى\" (١).\nولقد ردّ الشيخ فضل عباس على هذا المسلك عند الإمام محمد عبده في رسالته \"اتجاهات التفسير\" بما لا مزيد عليه.\n- تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾:\nقال: \"والطريق الذي بيَّنه موسى هو قوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: فابخعوها واجعلوها مطية ذلولًا للعقل والإرادة، واقطعوا شهواتها، والتعبير عن ذلك بقتل النفس، لأن النفس الفاجرة الضالة إذا فُطِمت عن الشهوات كأنها قُتِلت، وحلّمت محلها النفس الطاهرة اللوامة التي تقهر الشهوات قهرًا، والشرور دائمًا من الأهواء والشهوات، وقد جاء في الأمثال عند أهل المعرفة \"من لم يعذب نفسه لم ينفعها، ومن لم يقتلها لم يحفظها\" وتعذيب النفاس الذي يريده أهل المعرفة هو فطمها عن الشهوات.\nوقد أخذت الكثرة من المفسرين بظاهر اللفظ وهو القتل، ورووا في ذلك روايات عن بعض الصحابة لم يصحّ سندها، وبالأولى لم يصح كلام في نسبته إلى الرسول - ﷺ - واستعمال القتل والبخع بالنسبة للنفوس، وإرادة غير الظاهر كثير في كلام العرب، وفي القرآن كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ٣] (٢).\n_________\n(١) أبو زهرة، ١/ ٧٠.\n(٢) أبو زهرة، ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥.","vol":"3","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوهذا الذي ذهب إليه الشيخ أبو زهرة لا يقبل لأمور:\nأولها: لأنّ المتبادر من القتلِ القتلُ المعروف من إزهاق الروح، وعليه جمع من المفسرين (١).\nثانيها: لأن فيها بُعدًا عن اللفظ بل مخالفة لغرض الامتنان، لأن تذليل النفس وقهرها شريعة غير منسوخة (٢).\n- تفسيره للذبح في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾:\nجعل الشيخ أبو زهرة الذبح هنا: \"كناية عن العمل على إفنائهم وتخضيد شوكتهم، وإبعادهم عن مواطن السلطان، وذلك بذبحهم أحيانًا، ووضعهم في مواضع الذل والمهانة، والغاية ألا يكون لهم وجود قائم بذاته، فقد حكي عنهم أن فرعون كان يذبح منهم، وكان يتخذ منهم عمالًا مسخرين في الأبنية التي يشيدها، وكان يسخرهم لحرث الأرض، والثمرة لغيرهم ليذلهم، وكان يتخذ منهم خدمًا في البيوت وهم الأرذلون\" (٣).\nوفسَّر ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ أي: أبقوهن أحياءً لم يذبحوهن، وكانوا راغبين في ذلك، ولذلك كانت السين والتاء اللتان تدلان على الطلب والمعنى: طلبوا حياة نسائهم لغايات في نفوسهم، وليشبعوا بهنّ شهواتهم (٤).\nوتأويل الإمام أبي زهرة هذا لا يقبل، لأن الذبح هو المتبادر إلى الذهن من إزهاق الروح، ويدلّ عليه مقابلته بالاستحياء المأخوذ من الحياة. فعلى قول أبي زهرة\n_________\n(١) قاله الألوسي، ١/ ٢٦٠.\n(٢) التحرير والتنوير، ١/ ٥٠٣.\n(٣) أبو زهرة، ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦.\n(٤) أبو زهرة، ١/ ٢٢٦.","vol":"3","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nأنّ الرجال والنساء بقوا أحياءً، وما الفرق في حياة النساء القائمة على الذلة والمهانة والاعتداء عليهن وبين ذبح الرجال بالعمل والإهانة والمشاق.\nوالذي يظهر لي أن التفسير الذي ذكره أبو زهرة هو معنى قوله: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ كما ذكر ذلك الفسرون (١).\n- تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾:\nاتفق أبو زهرة - ﵀ - مع غيره من الفسرين بتفسير السجود على حقيقته من الانحناء، كما فسّر قوله: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي: حطّ عنا ذنوبنا، وتغمدنا برحمتك والتوبة إليك.\nوفسّر قوله: \" ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] بأنهم بدّلوا هذه الكلمة الضارعة الخاشعة إلى كلمة قريبة اللفظ، ولكن فيها معنى مغاير، فقالوا: \"حنطة\" أي أنهم بدل أن يتوجهوا إلى الله تعالى بالضراعة توجهوا إليه بطلب المادة، والحنطة هي القمح، يتركون الضراعة التي هي نعمة التقوى إلى طلب القوت، وفي ذلك عدول عن إرضاء الله تعالى إلى طلب ما يرضي أهواءهم (٢).\nوبتفسيره هذا يتفق مع ما روي في الصحيح بشأن تبديل هذه الكلمة، وإنه بهذا يخالف ما ذهب إليه الأستاذ الإمام في تفسيره، إذ عدّ مثل هذه الأقوال من قبيل الإسرائيليات (٣).\n_________\n(١) انظر: البحر المحيط، ١/ ٣٥٢. المنار، ١/ ٣٠٩. وابن عاشور، ١/ ٤٩٢.\n(٢) أبو زهرة، ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٣) المنار، ١/ ٣٢٤ - ٣٢٥.","vol":"3","page":411},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n- تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾:\nيقول الشيخ أبو زهرة: \"والأزواج جمع زوج ذكرًا كان أو أنثى، فهي تطلق على المرأة المتزوجة، كما تطلق على الرجل المتزوج، وإلحاق التاء بها بالنسبة للمرأة قليل، نادر، لكنه صحيح ...\nوقد يقول قائل: إن المرأة متعة الرجل في الآخرة، ونقول: إن الجزاء لهما معًا، فلها كلّ الثمرات التي للرجل، والأزواج متعة للرجل والمرأة، فهو متعتها وهي متعته، إن صحَّ هذا التعبير، ولذلك صرّح القرآن الكريم بأن الجزاء لهما ... \" (١).\nنفهم من كلام أبي زهرة - ﵀ - أن كلمة الأزواج هنا تطلق على الرجل والمرأة على حد سواء، وهذا لا يقبل، لأن الأزواج هنا مراد بها المرأة بدليل ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ وإنْ كان يصح إطلاق (الزوج) على الرجل والمرأة في أصل اللغة. كما أنه لم يثبت في القرآن والسنّة أن المرأة لها زوج في الجَنَّة بشكل صريح، فالاستدلال عليه من هذه الآية لا يقبل - والله أعلم.\n- تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]:\nفصل الشيخ أبو زهرة بين قوله: ﴿سَمِعْنَا﴾ وبين قوله: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ في تفسيره. إذ يقول: \"وإنّ ما حكى الله تعالى عنهم من أنهم قالوا: ﴿سَمِعْنَا﴾ تُفسَّر على ظاهرها فإنه كان النداء قويًّا والجبل مرتفع عليهم ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ أي ما شرعناه لكم من شرائع بجد وعزم ... \".\nأما ما حكاه سبحانه من أنه قالوا: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ فيصح أن تخرج على أنهم قالوها بألسنتهم، وذلك بعيد يتنافى مع قوة الميثاق وتأكده، ومع طلب الأخذ بقوة، أي: بجد وعزم على التنفيذ، ولذا نستبعد ذلك الاحتمال لقيام القرائن ضده. وما\n_________\n(١) أبو زهرة، ١/ ١٧٢.","vol":"3","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nنحسب أنهم وصلوا إلى هذه الحال أن ينكثوا بالعهد وقت توثيقه، وأن يجاهروا بعصيانه، والعهد بينهم وبين المنقذ لهم، والعهد قريب، ولذلك قرر المفسرون أن كلمة ﴿وَعَصَيْنَا﴾ مجاز عن أفعالهم، أي أن عصياهم كان بلسان الفعال لا بلسان المقال، فهم قالوا سمعنا بالقول، وقالوا عصينا بأفعالهم (١).\nوما ذكره الشيخ أبو زهرة وافق فيه ما نقله الإمام الرازي عن أبي مسلم (٢). وقد جاء عند الزمخشري في كشافه (٣).\nوذهب صاحب المنار إلى قول آخر في تفسيرها فقال: \"وليس المراد أنهم نطقوا بهاتين الكلمتين (سمعنا وأطعنا) بل المراد أنهم بمثابة من قال ذلك، ومثل هذا التجوز معروف في عهد العرب - وفي هذا العهد يعبرون عن حال الإنسان وغيره بقول يحكيه عن نفسه، حتى حُكِيَ مثل ذلك عن الحيوانات والطيور وعن الجمادات أيضًا، وهو أسلوب أظنُّ أنه يوجد في كلّ لغة أو في اللغات الراقية فقط\" (٤).\nوأبو زهرة يوافق المنار في قوله: ﴿وَعَصَيْنَا﴾ ويخالفه في ﴿سَمِعْنَا﴾. وقال أبو حيان في البحر (٥): ظاهره أن كلتا الجملتين مقولة ونطقوا بذلك مبالغة في التعنت والعصيان، ويؤيده قول ابن عباس: كانوا إذا نظروا إلى الجبل قالوا: سمعنا وأطعنا، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا: سمعنا وعصينا .. ثم ساق الأقوال الأخرى.\nوذكر الرازي (٦): بأن الأكثر من المفسرين اعترفوا بأنهم قالوا هذا القول. ورجحه بحجة أن صَرْف اللفظ أو الكلام عن ظاهره بغير دليل لا يجوز، ونحن نتفق مع ما رجحه الإمام الرازي - ﵀ -.\n_________\n(١) أبو زهرة، ١/ ٣١٨.\n(٢) انظر: الرازي، ٢/ ٢٠٢.\n(٣) ١/ ١٦٦. وانظر: التحرير والتنوير: ١/ ٦١٠.\n(٤) المنار، ١/ ٣٨٧.\n(٥) ١/ ٤٧٦.\n(٦) ٢/ ٢٠٢.","vol":"3","page":413},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-945>ترجيحات الشيخ:</span>\nوأشير هنا إلى أن الشيخ قد يذكر آراء بعض المفسرين، ويخالفهم فيما ذهبوا إليه، فعند قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾ [المائدة: ٥٣] بعد أن بيَّن أن جملة ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالهُمْ﴾ من كلام الله تعالى، وهو حكم الله عليهم بثمرة ما كان من فساد قلوبهم ... قال: \"ولقد قال الزمخشري: إن الجملة في معنى التعجب، أي ما أعجب حبوط أعمالهم وما أعجب أن أصبحوا خاسرين\". وهذا الكلام على أساس أن الجملة محكية عن المؤمنين، ونميل أنَّها حكم الله تعالى وهو العلي الحكيم، اللهم أعزنا بعزة الإسلام، وامنع عن قلوبنا الولاء لأهل الكفر والطغيان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-946>عناية الشيخ بالقضايا اللغوية:</span>\n- عنايته بالمفردات القرآنية:\nللشيخ عناية بالمفردات القرآنية، وقد ذكر أن الذين يقرؤون القرآن ليسوا جميعًا في مستوى العربي الذي يدرك معاني الألفاظ بمجرد سماعها، وبعض الألفاظ القرآنية فيه بعض الغرابة حتى على بعض العرب، ومن الأمثلة على عنايته بالمفردات القرآنية:\nعند قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] قال: \"الجناح هنا الإثم، وأصله من جنح إذا مال، يقال جنحت السفينة إذا مالت، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٦١]. ولما كان الإثم ميلًا متطرفًا نحو الباطل، صارت كلمة الجناح تطلق على الإثم لما فيه من معنى الانحراف المائل عن الحق، والابتغاء: الطلب الشديد، والفضل: أصل معناه\n_________\n(١) ٥/ ٢٢٤٧. وانظر: ص ٢٢٥٣ عند قوله: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].","vol":"3","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nالزيادة، وهي تكون في الخير وفي الشر، ولكن يعبر عن الزيادة القبيحة بأنها فضول، وعن الزيادة في الخير أنَّها فضل\" (١).\nوعند قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٧] قال: الجدال في أصل معناه اللغوي مشتق من الجَدْل بمعنى الفَتْل، أي: تقوية الحجة، ويكون المجادل كمن يفتل الحبل ويقويه، وقيل: إنه مأخوذ من الجدالة، والجدالة هي الأرض، فكل واحد من الخصمين يكون كالمصارع يريد أن يلقي صاحبه على الأرض، وإطلاق الجدالة على الأرض منه قولهم: تركته مجَدَّلًا، أي مطروحًا على الأرض.\nوالاختيان الذي هو مصدر (يختانون) يعرفه الأصفهاني في مفرداته بأنه \"تحرك شهوة الإنسان لتحري الخيانة\" وتحرك الشهوة لتحري الخيانة قصدٌ إليها وتعمّد لها، وعمل على إحكامها. والخيانة والنفاق باب واحد، موضعهما من النفس واحد (٢).\nوعند قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، يقول: \"فالميسرة بفتح السين وضمها كمقبَرة ومقبُرة هي حال من اليسر، فليست الميسرة هي مجرد اليسار، بل هي اليسار المستقر الثابت الذي يتمكن فيه المدين من وفاء دَيْنه كله مقدمًا القوي على الضعيف، أي أن المدائن ينتظر المدين حتى يقف من عثرة العسرة، ويستقيم أمره، لا أن يترقب أي مال حتى يأخذه كما يأخذ الصائد قنيصته\" (٣).\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-947> عنايته بالقضايا البلاغية:</span>\nيتحدث الشيخ عن سر التعبير بالفعل المضارع في قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، بين أنه سبحانه لم يقل (كن فكان)؛\n_________\n(١) زهرة التفاسير، ٢/ ٦١٨.\n(٢) ٤/ ١٨٤٢.\n(٣) ٢/ ١٠٦١.","vol":"3","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nلأن التعبير بالمضارع دائمًا فيه تصوير وإحضار للصورة الواقعة كما وقعت، ومن جهة أخرى فصيغة المضارع في هذا المقام تنبئ عما كان، وتومئ إلى ما يكون بالنسبة لخلق الله تعالى المستمر في المستقبل كما كان الماضي (١).\nويتحدث عن بلاغة التنكير في القرآن الكريم، من ذلك: ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]. يقول: والتنكير في بشير ونذير للتصغير لا للتكبير، وإنما كان للتصغير لأن النفي بعمومه شامل، والمعنى ما جاءنا أيُّ بشير ولو صغيرًا، ولا نذير ولو كان ضئيلًا (٢). والتنكير في كلمة (أنبياء) من قوله: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ [المائدة: ٢٠] للكثرة، أي: جعل فيكم أنبياء كثيرين (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-948>رأيه في التكرار:</span>\nيرى الشيخ أن لا تكرار في كتاب الله تعالى، يقول عند ذكر قصة آدم - ﵇ - في سورة الأعراف: \"يبدو بادي النظر وظاهره، أن القصة هنا هي بحذافيرها المذكورة أولًا في البقرة، وأن ذلك تكرار في القرآن ...\nثم يذكر بعض وجوه الاختلاف بين القصتين في السورتين وقال: فذكر في إحداهما ما لم يذكر في الأخرى ومجموعهما يأتي بالقصة متكاملة الأجزاء. وقال: الثمرة من ذكر القصة مختلف في كلّ واحدة عن الأخرى. ثم ذكر بعض هذه الثمار ووجوه الاختلاف بين القصتين بما يوضح عدم التكرار ثم قال: وإنه بهذه الموازنة بين ما اشتملت عليه القصة في السورتين يتبين أمران:\n_________\n(١) ٣/ ١٢٥٠.\n(٢) ٤/ ٢١٠٥.\n(٣) ٤/ ٢١٠٨. ويتحدث عن سر التعيبر بـ (إن) و(إذا).","vol":"3","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nأولهما: أنَّه لا تكرار، بل كلّ قصة تكمل الأخرى، وتتكون قصة كاملة لا تتضارب الأجزاء فيها.\nثانيهما: أنَّ الثمرة في كلّ جزء مختلفة، وأن القرآن مَعِينُ المعرفة لا يغيضُ أبدًا\" (١).\nهذا بالنسبة للقصص القرآني، أما فيما يتعلق بالألفاظ والمعاني، فهو يرى أن كلّ جملة لها معناها في كتاب الله.\nيقول عند قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧]: \"وقد يسأل سائل: لماذا ذكر نفي الصلب بعد نفي القتل مع أن نفي القتل يقتضي ألا يكون صلب، لأن الصلب لا يكون إلا لمقتول؟ والجواب عن ذلك أن هذا تأكيد في النفي؛ لأن النصارى واليهود يدعون أنه صلب. فلا بد من النص على نفي الصلب، ليكون ردًّا على هذه الدعوى، ولو اقتصر على نفي القتل ما كان التصريح برد الدعوى، ورد الدعاوى لا يُكتفَى فيه ما تضمن عند التصريح، ولو نفى الصلب فقط ما اقتضى نفي القتل، فكان النسق البليغ مقتضيًا نفيهما معًا\" (٢).\nومما ادعوا أنه حشو في كتاب الله تعالى، وهو أساس فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢١)﴾ [آل عمران: ٢١].\nيقول: \"لماذا ذكر ﷾ ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ مع أن قتل الأنبياء لا يمكن أن يكون بحقٍّ أبدًا؟ والجواب عن ذلك: أنَّ هذا تصريح بموضع الاستنكار، فموضع الاستنكار اعتداؤهم على الحق بالاعتداء على النبيين، وللإشارة إلى أنهم لمّا\n_________\n(١) ٦/ ٢٨٠١.\n(٢) ٤/ ١٩٠١.","vol":"3","page":417},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nطمس الله على بصائرهم صاروا أعداء للحق لا يألفونه، ولا يريدونه ولا يخلصون في طلبه.\nوذكر سبحانه كلمة الحق بصيغة التنكير فقال: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ لعموم النفي، بحيث يشمل الحق الثابت، والحق المزعوم، والحق الموهوم، أي: لم يكونوا معذورين بأي نوع من أنواع العذر في هذا الاعتداء فلم يعتقدوا أنه الحق ولم يزعموه، ولم يتوهموه، بل فعلوا ما فعلوا وهم يعلمون أنهم على الباطل، فكان فعلهم إجرامًا في باعثه وإجرامًا في حقيقته، وأبلغ الإجرام في موضوعه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>رده القول بالزيادة:</span>\nوالشيخ لا يرتضي أن يكون فيه حرف زائد. يقول عند قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ [مريم: ٣٧]: \" (من) في قوله: ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ قال كثير من المفسرين زائدة، ونحن لا نرى في القرآن حرفا زائدًا، بل نقول: إن (من) تؤدي معنى سليمًا فليس قولك: \"فاختلف الأحزاب بينهم\" كقول الله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ إن (من) تدل على أن اختلاف الأحزاب صادر عنهم هم، ومن بينهم، فإن التناحر بين الأهواء والأوهام الضالة هو الذي صدر عنه الاختلاف من بينهم ومن مضطربهم\" (٢).\nوعند قولِه: ﴿قَال يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه: ٩٢، ٩٣] قال: \"قالوا: لا زائدة، ونحن لا نرى في القرآن حرفًا زائدًا، فهو كلام الله تعالى المنزه عن الزيادة، بل كلّ كلمة في موضعها، ونقول: إن المنع بمعنى الحماية، ومنه مكان منيع وحصن منيع، وفلان ذا منعة أي حماية، وبتخريج النص السامي على هذا المعنى يكون كلام موسى لأخيه: ما منعك ألا تتبعني، ما الذي جعلك ذا منعة وحماية على\n_________\n(١) ٣/ ١١٥٧.\n(٢) ٩/ ٤٦٤١.","vol":"3","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nألا تتبعني، ويكون المعنى العام للنص: ما النصير لك جعلك منيعًا على ألا تتبعني، كأنه يقول له: إنك معاوني وناصري فلماذا لا تتبعني؟ أصرت ذا قوة تحميك وتمنعك وتجعلك منفصلًا عني وأنت لي ردء ومعاون غير ممانع\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-950>القول بتناوب الحروف:</span>\nيرى الشيخ أن الحروف تتناوب في كتاب الله فهو تفسير (في) في قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] يفسرهاب (على) وعبر بـ (في) لبيان تمكن الصلب واستقرارهم على جذوع النخل (٢).\nويرى أن (على) بمعنى (عند) في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾ [طه: ١٠]. وأذكر فيما يلي بعض الأمور التي وردت في تفسير الشيخ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-951>معنى الباء في بسم الله:</span>\nيرى الشيخ أبو زهرة - ﵀ - أن معنى الباء في (بسم الله) هو السببية فيقول: \"الباء هنا حرف جرٍ يدل على السببية، وهي مبنية على الكسر كـ (الام) الأمر، والمعنى: بسبب اسم الله الذي لا يعبد سواه وأنه الرحمن الرحيم ابتدئ\" (٣).\nوذهب جلُّ المفسرين إلى أن الباء هنا لها معنيان: الاستعانة والتلبُّس كما نص على ذلك إمام المفسرين الزمخشري ﵀ في كشافه (٤).\nكما أن معنى السببية للباء هنا لا يستقيم، لأن اسم الله ليس هو السبب الدافع إلى الفعل والقيام به، فالدافع شيء آخر، وما دام الدافع شيئًا آخر فالأنسب أن أقول مستعينًا أو متلبسًا باسم الله أقدم على هذا الفعل أو ابتدئه.\n_________\n(١) ٩/ ٤٧٧٥.\n(٢) ٩/ ٤٧٥٣.\n(٣) أبو زهرة، ١/ ٤٩.\n(٤) ١/ ١٣ - ١٤.","vol":"3","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-952>الفعل المحذوف بعد (بسم الله):</span>\nيذكر الشيخ أبو زهرة - ﵀ - كما ذكر غيره من المفسرين - أن يُقَدَّر - فعل محذوف بعد بسم الله لإفادة لاختصاص، وهذا الفعل المقدّر إما أن يكون متناسبًا مع الفعل الذي أود القيام به كالقراءة أو الأكل. ويرى بعض المفسرين أن يقدّر الفعل (ابتدئ) مطلقًا في كلّ فعل (١).\nوهذا الذي ذكر آنفًا لا شيء عليه، وإنما الإشكال في القول الذي أضافه أبو زهرة - ﵀ - فيقول: \"وبعض العلماء قال: إنها في القرآن الكريم في معنى القسم، بأن القرآن حقٌّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وتكون على هذا للقسم، ويقدر الفعل بـ (أقسم) والمعنى على ذلك في أول كلّ سورة اجعل قسمك بالله الرحمن الرحيم أن ما تتلو هو الحق الذي لا ريب فيه، فهو الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين\" (٢).\nوهذا الرأي الذي ذكره أبو زهرة لم أجد له سلفًا فيه - فيما وقفت عليه - إلا ما ذكره الإمام القرطبي - ﵀ - في تفسيره إذ يقول: \"قال العلماء: (بسم الله الرحمن الرحيم) قسم من ربنا أنزله عند رأس كلّ سورة، يقسم لعباده أن هذا الذي وضعت لكم يا عبادي في هذه السورة حق، وأني أفي لكم بجميع ما ضمنت في هذه السورة من وعدي ولطفي وبري\".\nأقول: لكن هناك فرق بين ما ذكره القرطبي، وبين ما ذكره أبو زهرة. فالقرطبي يجعل القسم صادرًا من الله - ﷾ - لعباده، وأما الشيخ أبو زهرة فيجعل القسم صادرًا من العبد، أي إن العبد يقول: أقسمُ باسم الله أن ما أقوله حق.\n_________\n(١) أبو زهرة، ١/ ٤٩.\n(٢) أبو زهرة، ١/ ٥٠.","vol":"3","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوالتوجيهان في تقديري لا يُقبلان، لمخالفتهما لما عند جمهور المفسرين من جهة، ولأن هذا يتنافى مع خصيصة البسملة في أنَّها تكون في أول كلّ عمل يبدأ به، فليس من المقبول أن كلّ عمل يقوم به الإنسان ويبتدئه يقول فيه: بسم الله، أي: أقسم أن عملي هذا حق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-953>حروف النداء:</span>\nمن المقرر المعروف عند علماء النحو أن حروف النداء هي (يا) للبعيد والهمزة و(أي) للقريب أو للمتوسط، وإذا وقع النداء بواحدة، فإنها لا تجتمع معها أخرى في منادى واحد، بحيث يكون للبعيد والقريب معًا.\nوالشيخ أبو زهرة خالف هذا الكلام فهو عند قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يقول: \"قالوا: إن النداء بـ (يا) يكون للبعيد، والنداء بـ (أي) يكون للقريب، وهنا النداء بـ (يا) و(أي) معًا، ثم يزاد عليها (ها) التي تفيد التنبيه، وينادى للبعيد حسًا بـ (يا) وللبعيد معنويًا بها أيضًا، والنداء من الله تعالى لعبيده نداء من أعلى من في الوجود إلى خلقه، ولذا كان النداء بأداتي نداء، وهما (يا) و(أي) ... \" (١).\nونلحظ أن الشيخ أبا زهرة قد وقع في خطأين علميين:\nالأول: عَدّه (أيُّ) التي هي اسم أداة نداء التي هي (أي).\nالثاني: وهو مبني على الأول، إذ قرر اجتماع أداتي نداء في مكان واحد إحداهما للبعيد والأخرى للقريب.\nقال ابن هشام في المغني: (أَيْ) بالفتح والسكون على وجهين:\nحرف لنداء البعيد أو القريب أو المتوسط على خلاف في ذلك.\n_________\n(١) أبو زهرة، ١/ ١٥٤.","vol":"3","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nكقوله: (أيْ ربِّ).\nوحرف تفسير: تقول: عندي عسجد، أي: ذهبٌ.\nوأما (أيُّ) بفتح الهمزة وتشديد الياء اسم يأتي على خمسة أوجه: شرطًا واستفهامًا وموصولًا، وأن تكون دالة على معنى الكمال، وأن تكون وصلة إلى نداء ما فيه أل نحو (يا أيها الرجل) (١).\n(فأيُّ) ليست هي (أيْ) كما هو مقرر، وما دام قد انتقض هذا - وما أظن إلا قد ألبس على الشيخ فيه، أو هو من سبق قلمه وخاطره - فإن تعليله لوجود أداتي نداء منقوض أيضًا.\nتفسيره لـ (ألا) في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾:\nيقول الشيخ أبو زهرة: \"وقد أكدت السفاهة بقوله (ألا) التي هي استفهام داخل على النفي، فكان تأكيدًا للنفي مع التنبيه\" (٢).\nفالشيخ أبو زهرة يرى أن (ألا) مركبة وليست بسيطة، فهي مركبة من الهمزة و(لا)، وهذا المعنى ذكره أيضًا صاحب المغني فقال: \"ويقول المعربون فيها - أي في ألا - حرف استفتاح فيبينون مكانها ويعملون معناها. وإفادتها التحقيق من جهة تركيبها من الهمزة و(لا)، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق\" (٣).\nوردّ أبو حيان هذا الرأي فقال: \" (ألا) حرف تنبيه، وزعموا أنه مركب من همزة الاستفهام و(لا) النافية للدلالة على تحقق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقًا كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ [القيامة: ٤٠]، ولكونها من المُنْصَبِّ في\n_________\n(١) المغني، ابن هشام، ص ١٠٨ - ١٠٩ بتصرف.\n(٢) أبو زهرة، ١/ ١٣٣.\n(٣) المغني، ص ٩٦.","vol":"3","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nهذه لا تكاد تقع الجملة بعدها إلا مصدرة بنحو ما يُتَلَقَّى به القسم، وقال ذلك الزمخشري\" (١).\nوالذي نختاره أن (ألا) التنبيهية حرف بسيط، لأن دعوى التركيب على خلاف الأصل، ولأن ما زعموا من أن همزة الاستفهام دخلت على لا النافية دلالة على تحقق ما بعدها إلى آخره خطأ، لأن مواقع (ألا) تدل على أن (لا) ليست للنفي فيتم ما ادعوه، ألا ترى أنك تقول: \"ألا إنّ زيدًا منطلق\"، ليس أصله، لا أن زيدًا منطلق. إذ ليس من تراكيب العرب، بخلاف ما نظر به من قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ﴾ لصحة تركيب ليس زيدٌ بقادر، ولوجودها قبل ربّ وقبل ليت، وقبل النداء وغيرها مما لا يعقل فيه أن (لا) نافية، فتكون الهمزة للاستفهام دخلت على (لا) النافية فأفادت التحقيق.\nوعلامة (ألا) هذه التي هي تنبيه واستفتاح صحة الكلام بدونها (٢).\nونحن نتفق مع ما ذهب إليه أبو حيان - ﵀ - من أن (ألا) حرف بسيط غير مركب يدل على الاستفتاح والتنبيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-954>معنى الباء في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾:</span>\nيرى الأستاذ أبو زهرة أن معنى الباء هنا هو (الملابسة) (٣).\nوذهب جلُّ المفسرين إلى أن الباء هنا للتعدية، وهي مرادفة للهمزة في التعدية، على مذهب الجمهور، وفرق بينهما أبو العباس المبرد (٤).\n_________\n(١) الكشاف، ١/ ٦٢.\n(٢) البحر المحيط، ١/ ١٩١ - ١٩٢. انظر: الدر المصون، ١/ ١٣٩.\n(٣) أبو زهرة، ١/ ٤٣.\n(٤) الدر المصون، ١/ ١٦٢.","vol":"3","page":423},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nورد عليه الجمهور (١).\nفالباء هنا للتعدية، هذا ما قرره جميع المفسرين، وأما ما ذهب إليه الأستاذ أبو زهرة فهو - في تقديري - نظر إلى المعنى الأصلي للباء الذي لا يفارقها بتاتًا وهو الإلصاق والتلبس كما قرر ذلك سيبويه (٢).\nونحن إذ نقرر هذا فإننا نقرر فَرْقًا في التعبير بين قولنا: (أذهب الله نورهم)، و﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ على ما ذكره الزمخشري في تفسيره فقال: \"والفرق بين أذهبه وذهب به أن معنى أذهبه أزاله وجعله ذاهبًا، ويقال: ذَهَبَ به إذا استصحبه ومضى به معه، وذهب السلطان بماله: أخذه، ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥]، ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، ومنه ذهبت به الخيلاء، والمعنى: أخذ الله نورهم وأمسكه وما يمسك الله فلا مرسل له، فهو أبلغ من الإذهاب\" (٣).\nويبدو أن أبا زهرة قد تأثر بعبارة الزمخشري (استصحبه) فقال بالملابسة، على عادته في الإكثار من النقل عن الزمخشري - ﵀ -.\n(لن):\nذكر الشيخ أبو زهرة معنى (لن) ودلالتها في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]، فقال: \"نفى الله ﷾ عنهم ذلك التمني نفيًا مؤبدًا، وأكد ذلك النفي بـ (لن) الدالة على النفي المؤبد، وبقوله ﷾ ﴿أَبَدًا﴾ \" (٤).\n_________\n(١) انظر: المغني، ١/ ١٣٨.\n(٢) المغني، ١/ ١٣٧.\n(٣) الكشاف، ١/ ٢٠٠، دار الفكر معه الحاشية.\n(٤) أبو زهرة، ١/ ٣٢٢.","vol":"3","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\" ولا تفيد (لن) توكيد النفي خلافًا للزمخشري في كشافه، ولا تأبيده خلافًا له في (أنموذجه) وكلاهما دعوى بلا دليل، قيل: ولو كانت للتأبيد لم يقيد منفيها باليوم في ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ٢٦]، ولكان ذكر الأبد في ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ تكرارًا، والأصل عدمه\" (١).\nفـ (لن) حرف نفي مصدري للاستقبال ولا يفيد التأبيد، ويبدو أن هذا القول قد تسرب إلى الشيخ أبي زهرة من الإمام الزمخشري فنقله عنه دون تمحيص، خاصة أنه ينقل عنه كثيرًا.\nقوله في ﴿فَويَلٌ﴾:\nقال أبو زهرة في تفسير هذه الكلمة وبيان أصلها: \"والويل الدعوة بالهلاك، وترفع عندما لا تضاف، كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ [المطففين: ١] وتنصب إذا أضيفت فتقول: ويلك وويل نفسي على أخها بمعنى المصدر، وتستعمل (ويْ) منها في معنى التعجب كقوله تعالى: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾ [القصص: ٨٢] \" (٢).\nوهذا الذي ذكره من أن (ويْ) جزء من (وْيل) تستعمل في التعجب هو قول الفراء ﵀، وهو قول غريب جدًّا كما قال السمين الحلبي وهذه عبارته: \"وزعم الفراء أن أصل وَيْل: ويْ، أي: حُزْن، كما تقول: ويْ لفلان، أي: حزن له، فوصلته العربُ باللام، وقدّرت أنها منه فأعربوها. وهذا غريب جدًّا\" (٣).\n_________\n(١) المغني، ١/ ٣٧٤. والأنموذج: كتاب في النحو اختصر فيه (المفصل).\n(٢) أبو زهرة، ١/ ٢٨٣.\n(٣) السمين الحلبي، ١/ ٤٥٠. وانظر: التحرير والتنوير، ١/ ٥٧٦.","vol":"3","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-955>تأثره بالعلم الحديث:</span>\nظهر تأثر الشيخ أبي زهرة - ﵀ - بالعلم الحديث في مواضع متعددة من تفسيره، وفيما يلي مثالان يظهر فيهما تأثر الشيخ بالعلم الحديث:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-956>١ - تفسيره للرعد:</span>\nيقول الأستاذ أبو زهرة: \"والرعد على ما هو مقرر الآن مظهر من مظاهر الكهرباء التي أودعها الله تعالى في الأجسام، فبعض السحاب يحتوي على كهرباء تسمى موجبة، وأخرى تحتوي على كهرباء تسمى في اصطلاحهم سالبة، وإذا اصطدم السحاب الموجب بالسحاب السالب حدث صوت شديد هو الرعد، وصحب الاصطدام نور هو البرق، وقد تنزل نار محرقة من جراء ذلك هي الصواعق\" (١).\nثم أخذ يعرض آراء المفسرين حول الرعد فذكر رواية الترمذي عن ابن عباس أنه قال: سألتْ اليهود النبي - ﷺ - عن الرعد، فقال: ملك من الملائكة بيده مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله، فقالوا: في هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: زجره السحاب إذا زجره حتى ينتهي إلى حيث أمر. قالوا: صدقت (٢).\nثم ذكر تعريف الفلاسفة للرعد والبرق، وما ذكره الزمخشري كذلك، وانتهى إلى القول:\n\"وهنا يجب أن نتكلم في الرواية التي تقرر أن ملكًا هو الذي يكوّن الرعد والبرق، فالخبر لم تروه الصحاح، ولم يروه إلا الترمذي، ومن المقرر أن الأخبار إذا خالفت العلم الضروري القاطع أُوّلت، أو كان ذلك دليلًا على ضعفها لضعف متنها، فقد قال الغزالي: إذ خالفت النصوص ما قرره علماء الكون الطبيعة على أنه حقيقة مقررة تؤول النصوص إذا خالفتها، وإذا كانت حديث آحاد ردت نسبته إلى النبي - ﷺ -.\n_________\n(١) أبو زهرة، ١/ ١٤٨.\n(٢) سنن الترمذي، ٣١١٧.","vol":"3","page":426},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوعلى ذلك فنحن نفسر القرآن الكريم في قضية الرعد والبرق والصواعق بما تقرر في العلم، ولا نحسب أن حديثًا ثابت السند، ولو حديث آحاد خالف ذلك\" (١).\nوالشيخ أبو زهرة في هذا الموقف موافق تمام الموافقة لما جاء عند صاحب المنار (٢).\nونقول: لسنا مع الشيخ أبي زهرة - ﵀ - في ردّه للأحاديث الصحيحة إذا تعارضت مع ما يقرره علماء الكون والطبيعة، فإن فتح هذا الباب سيؤدي إلى هدم شيء من السنّة الصحيحة وهذا ما لا نقبله.\nوأما موقفنا من حديث الرعد، فهو حديث ضعيف، لذا فنحن معه في التفسير الذي ذهب إليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>٢ - تفسيره لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾:</span>\nقال أبو زهرة - ﵀ -: \"والمراد من السموات السبع التي سَواهن الله تعالى، أي: خلقهن ... مجموعات النجوم المتطابقة طبقة بعد طبقة الواحدة أعلى من الدنيا وهكذا ...\nوكان الشائع بين علماء الفلك خمسًا، لا سبعًا، ولكن بعد عصر القرآن بنحو أربعة عشر قرنًا إلا قليلًا كشفوا بآلات الكشف الحديثة نجمين كوكبين دَلّا على أنَّها سبع، وهي عطارد، والزهرة، والمريخ، والمشتري، وزحل، وكشف أورانوس، ثم نبتون، وكل كوكب في طبقة من السماء، والشمس والقمر ليسا من السبع، وهذا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ [نوح: ١٥، ١٦].\n_________\n(١) أبو زهرة، ١/ ١٤٨.\n(٢) انظر: المنار، ١/ ١٧٧.","vol":"3","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nفبمقتضى هذا النص تكون الشمس والقمر ليسا من السموات السبع اللائي عدّهن القرآن الكريم، وإن كانتا في السماء، وتسمَّى السبع المجموعة الشمسية، والشمس في طبقة أعلى منهن\" (١).\nهذا ما ذكره الشيخ - ﵀ - ولا نوافقه عليه، فكما كان معروفًا عند علماء الفلك أن الكواكب خمسة ثم اكتشف العلم أنَّها سبعة فإن العلم أيضًا بعد الشيخ أبي زهرة اكتشف أنَّها عشرة.\nفعلى هذا فتفسيره لها بالكواكب السبعة لا يصح، وكان ممن أخذ بهذا التفسير أيضًا الشيخ عبد القادر المغربي - ﵀ - في تفسيره لجزء تبارك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-958>ملاحظات حول التفسير:</span>\nوأكتفي بما ذكرته عن تفسير الأستاذ الكبير الشيخ محمد أبي زهرة، وقبل أن أترك الكتابة عنه لا بد لي من إبداء بعض الملاحظات، وأول هذه الملاحظات، ذكر الأستاذ - وهو من هو - أحاديث غير مخرجة، وقد تكون مما أجمع على ضعفه كحديث \"إياكم وخضراءَ الدّمِن\" (٢) وثانيهما، حديث الأستاذ عمّن خالف رأيه بعبارات، كالتي مرت معنا، لا نرضاها منه.\nأما الملاحظة الثالثة، فهي أن هذا التفسير القيم، حري به أن يكون لأصحاب الثقافة التخصصية؛ لأنه والحق يقال يجمع بين الطريقتين التحليلة والموضوعية، فهو لهؤلاء أكثر مناسبة. أما القراء المختلفو الثقافة، فينبغي أن يكون لهم نمط آخر، كما رأينا في تفسير أستاذنا الجليل الشيخ محمد الخضر حسين ﵀.\n_________\n(١) أبو زهرة، ١/ ١٨٩.\n(٢) انظر: كشف الخفا ومزيل الإلباس، ج ١، ص ٢٧٢. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعية للألباني، ج ١، ص ٢٤ - ٢٥.","vol":"3","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-959>منهج الشيخ عبد الكريم الخطيب (ت ١٩٨٥ م) في التفسير القرآني للقرآن</span>","vol":"3","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nالتفسير القرآني للقرآن الكريم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-960>أولًا: تعريف بالمفسر عبد الكريم الخطيب:</span>\nوُلد عبد الكريم محمود يونس أحمد الخطيب في ١٧ مايو سنة ١٩١٠ في بلدة الصوامعة غرب، التابعة لمركز طهطا بمديرية جرجا محافظة سوهاج، وهو ينحدر من أسرة عربية تعتز بعروبتها، وأنها فرع من فروع القبائل العريبة التي قدمت مصر مع الفتح الإسلامي.\nحفظ القرآن الكريم في \"كُتّاب القرية\" وأتم دراسته الأولية فيها ثم التحق بمدرسة المعلمين في سوهاج وتخرج فيها ليعمل مدرسًا، ثم التحق بدار العلوم وتخرج فيها سنة ١٩٣٧، واشتغل مدرسًا بالتعليم الحر، وتنقل بعدة مدارس ثم عين سكرتيرًا برلمانيًا، وبقي في وزارة الأوقاف مديرًا لمكتب الوزير للشؤون العامة حتى أحيل إلى المعاش بقرار جمهوري بعد اعتقاله في السجن الحربي لمدة ثمانية أشهر بسبب رفضه شهادة زور ضد أحد وزراء الأوقاف.\nأثرى المكتبة الإسلامية بمجموعة من الكتب الدينية، هذا إلى جانب المئات من المقالات في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وإلى مئات الأحاديث الدينية في الإذاعة والتلفاز في مصر والمملكة العربية السعودية، حيث عمل أستاذًا للدراسات العليا بكلية الشريعة في الرياض في عام (١٩٧٤ - ١٩٧٦) (١).\nوقد كان الخطيب متزوجًا وله بنت واحدة، وقد أشار لهذا في آخر تفسيره في دعوة خص بها زوجته وابنته لمشاركتها له عناء القراءة والكتابة.\nوقد شارك في إخراج مجموعة من المؤلفات ومنها:\n_________\n(١) التفسير القرآني للقرآن، ج ١٤، ص ٦٦٢.","vol":"3","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n١ - إعجاز القرآن.\n٢ - القصص القرآني في منطوقه ومفهومه.\n٣ - من قضايا القرآن.\n٤ - النبي محمد إنسان الإنسانية ونبي الأنيباء.\n٥ - المسيح في القرآن والتوراة والإنجيل.\n٦ - اليهود في القرآن.\n٧ - قضية فلسطين، رأي الإسلام فيها وموقف المسلمين منها.\n٨ - مسلمون وكفى (١).\nتوفي في شهر صفر الخير ١٤٠٦ هـ/ ١٩٨٥ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>ثانيا: التعريف العام بتفسير الخطيب:</span>\nيقع هذا التفسير في ستة عشر مجلدًا فسر فيه الخطيب القرآن الكريم كما يفهمه من النص القرآني، غير ملتفت إلى أسباب النزول وما يدور حول النص القرآني من روايات وقد جاء تفسيره تفسيرًا أدبيًا سهل العبارة مفهوم الكلمة خاليًا من المصطلحات الغامضة (٢).\nوقد فرغ من تأليفه صباح الخميس لتسعة عشر يومًا خلت من جمادى الأولى، سنة تسعين وثلاث مئة وألف من هجرة رسول الله - ﷺ -، الموافق لليوم الثالث والعشرين من شهر يوليو (تموز) سنة ألف وتسع مئة وسبعين ميلادية.\nبدأ الخطيب بمقدمة أشار فيها إلى الجفوة الغليظة المستحكمة بين المسلمين وبين القرآن الكريم في هذا الزمن ويذكر السبب - وراء صرف الأمة عن قرآنها،\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، رسالة ماجستير، ص ١١ - ١٤.\n(٢) عبد الكريم الخطيب والثقافة الإسلامية، ص ٥٠.","vol":"3","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nويدعو إلى الفهم الصحيح لكتاب الله عن طريق إطالة التأمل والتدبر لآياته والتذوق لأساليبه وروعة بيانه ويبين كيف السبيل إلى تحقيق هذا الأمر.\nواتبع أسلوبًا فريدًا حيث إنه لم يكن يتجاوز النص القرآني لفهمه وتفسيره، يقول الأستاذ: \"من أجل هذا كانت صحبتنا لكتاب الله على هذا الوجه الذي لا ننظر فيه إلى غير كتاب الله، وإلى تدبر آياته بعيدًا عن طنين المقولات الكثيرة التي جاءت إلى القرآن من كلّ صوب، وكادت تخفت صوته، وتغيم على الأضواء السماوية المنبعثة منه، إننا في صحبتنا هذه للقرآن لا نقيم نظرنا على غير كلماته وآياته، ولا نخط على هذه الصفحات غير ما يسمح لنا به النظر في كلماته وآياته\" (١).\nوقد نهج الخطيب في تفسيره نهجًا واضحًا، يبين فيه في مقدمة السورة مكان نزولها أهي مكية أم مدنية، ويبين عدد آياتها وعدد كلماتها وعدد حروفها، ويبين كذلك أسماءها وقد التزم هذا المنهج في تفسير جميع سور القرآن الكريم، ففي بداية سورة الفاتحة يقول: نزولها: مكية، وقيل: إنها نزلت بمكة، ثم نزلت مرّة أخرى بالمدينة ولا وجه لهذا القول، عدد آياتها سبع، وعدد كلماتها خمس وعشرون كلمة، وعدد حروفها مائة وثلاث وعشرون حرفًا، وقد سميت بأسماء كثيرة جاوزت المئة (٢).\nوقد برز في تفسير الخطيب أسلوب المحافظة على الوحدة الموضوعية للسورة ففي ختام السورة يأتي على موضوعاتها، تلك الموضوعات التي تتسق بعضها مع بعض حيث يلتقي بدء السورة مع ختامها، وكان الخطيب يذكر وجه ارتباط السورة بالتي قبلها، ويربط بداية السورة بنهاية السورة التي قبلها، والموضوعات التي تناولتها السورة، يقول الخطيب معلقًا في آخر سورة المؤمنون: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧]،\n_________\n(١) التفسير القرآني للقرآن، ج ١، ص ١١.\n(٢) التفسير القرآني للقرآن، ج ١ ن ص ١٧.","vol":"3","page":433},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nيقول: بهذه الآية والآية التي بعدها تختم السورة الكريمة حيث يلتقي ختامها مع بدئها، فقد بدئت السورة بهذا الإعلان العام ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] ثم جاءت الآيات بعد ذلك تعرض صفات المؤمنين، وما أعد الله لهم في الآخرة من نعيم، حيث يورثهم الجَنَّة، ويطلق أيديهم فيها ينعمون بما يشاؤون منها (١).\nومما ميز تفسير الخطيب أنه كان صاحب دعوة تخاطب العقل والوجدان معًا، فكان كثيرًا ما يفرض التساؤلات ويجيب عليها، وكل تلك التساؤلات التي كان يثيرها إنما يقصد من ورائها تدعيم رأيه وإثبات حجة ما ذهب إليه، كان الخطيب في تفسيره كثيرًا ما يطنب في الرد على الشبه التي تعرض له. فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (٦٦)﴾ [غافر: ٦٦] يقول: وهنا سؤال كيف ينهى النبي عن عبادة ما يعبد المشركون وهو - صلوات الله وسلامه عليه - لم يسجد لصنم؟ ..\nويجيب عن هذا التساؤل من وجهين:\n١ - ليس النهي عن الشيء بالذي يلزم منه أن يكون الموجّه إليه النهي مواقعًا له أو متلبسًا به بل يكون أشبه بلافتة تنبه إلى الخطر الكامن فيه، وتحذر الوقوع فيه.\n٢ - إن هذا النهي وإن كان موجهًا إلى النبي - ﷺ - فهو موجه في حقيقته إلى كلّ من يؤمن بالله تعالى، فمن يريد الدخول في حظيرة الإيمان عليه أن يخلع ثوب الشرك أولًا ثم يدخل إلى ساحة الإيمان (٢).\nومما ميز تفسيره أيضًا ذكره لمناسبة الآيات، وكيف أن هذه الآية قد جاءت في سياق آية أو آيات قبلها مستمدًا من ذلك بعض أسرار القرآن الكريم، كما أنه يربط\n_________\n(١) التفسير القرآني للقرآن، ج ٩، ص ١١٩٤.\n(٢) التفسير القرآني للقرآن، ج ١٢، ص ١٢٦٢ - ١٢٦٣.","vol":"3","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nسياق الآيات ببعضها فيجعل من مجموع الآيات كيانًا واحدًا متصلًا، فالآية عند الخطيب ليست مستقلة إنما هي بما تؤديه من معنى، وتحويه من ألفاظ مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالآيات السابقة والآيات اللاحقة، حتى السور فإنه يربط بين استهلال هذه السورة واستهلال السورة السابقة أو اللاحقة، مع أنه كان يفسر القرآن بمواجهة النص، إلا أنه أحيانًا كان يفسر القرآن بالقرآن، وقد كان هذا المنهج ليساعده على ترجيح بعض الأقوال على غيرها.\nوفي بعض المواطن كان يعتمد في تفسيره على أقوال الصحابة الكرام - ﵃ -، وفي عرض الخطيب لتفسير السورة بمجمل يتكلم فيه عن أبرز موضوعات السورة، وأبرز الأحكام والقضايا التي عرضت لها السورة، كما أنه عند الانتهاء من السورة كان يأتي بملخص لأبرز أحداثها وقضاياها، حتى يربط بين بدئها وختامها.\nوكان الخطيب يلحق المواقف المتشابهة بعضها ببعض يدعي لنفسه التفرد في مثل تلك القضايا، ولم يخل تفسيره من التفسير الإشاري، فقد كان يفسر الآيات أحيانًا تفسيرًا إشاريًا بعيدًا كلّ البُعد عن مدلول الألفاظ، فيخرج بها عن مدلولها في أصلها اللغوي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-962>ثالثا: المعالم الأساسية في منهج الخطيب في تفسيره:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-963>١ - اهتمامه بعلوم القرآن:</span>\nيظهر في تفسير الخطيب اهتمامه بعلوم القرآن، وذلك من خلال إظهار آرائه في بعض القضايا، ومن أمثلة تلك القضايا نرى اهتمامه بقضية النسخ ويذكر رأيه به، إذ يرى الخطيب عدم وجود نسخ في كتاب الله، ويعد الخلاف في النسخ منشؤه اختلاف العلماء في فهم الآية القرآنية ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ...﴾ [البقرة: ١٠٦] ولكن الله ﷿ قد تولى حفظ كتابه حين قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩] فلم يستطع أعداء الإسلام أن يغيروا أو","vol":"3","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nيبدلوا حرفًا واحدًا من كتاب الله فضلًا أن يطعنوا بآية من آياته، وعلى هذا فإن الذين قالوا بوجود النسخ أخذوا يبحثون عن آيات في كتاب الله تؤيد ما ذهبوا إليه، بعضها عدوه ناسخًا وبعضها الآخر منسوخًا، ويرى الخطيب أنه قد ذهب عدد غير قليل إلى عدم وجود النسخ في القرآن، وأن النسخ في القرآن ليس نسخًا بمعنى إزالة الحكم، وإنما هو نسأ وتأخير، أو مجمل أُخِّرَ بيانُه، أو خطاب قد حال بينه وبين أوله خطاب غيره، أو مخصوص من عموم، أو حكم عام لخاص، أو لمداخلة معنى في معنى، وأنواع الخطاب كثيرة، فظن القائلون بالنسخ أن هذا نسخًا وليس به، وإذا طبقنا هذا الرأي نجد أنه لا تعارض ولا تناسخ بين الآيات التي تختلف أحكامها في الأمر الواحد، إذ إن كلّ حكم محكوم بحالٍ خاصة به، مقدرة له، وعلة تدور معه وجودًا وَعدمًا.\nويرى الخطيب أن الآية ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا ...﴾ تتكلم عن مشروط لا يجب وقوعه، فهو بالتالي يرى أن النسخ الذي أشارت إليه الآية الكريمة ليس لازمًا أن يقع، وإنما وقوعه أمر احتمالي يشهد له الواقع أو لا يشهد، فإن شهد له اعتبر وإلا فلا، ويناقش الذين يقولون بالنسخ في بعض الآيات التي عدوها منسوخة وهي كما يَرَى من الآيات المحكمة (١).\nوبالإضافة إلى رأيه في قضية النسخ يذكر الخطيب رأيه في المحكم والمتشابه، وفي أسباب النزول (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-964>٢ - اهتمامه بمسائل العقيدة:</span>\nظهرت بعض الآراء للخطيب والتي يظهر من خلالها اهتمامه ببعض قضايا العقيدة، ومن هذه الآراء ما وافقت رأي السلف ومنها ما خالفتهم، ومن الآراء التي وافق فيها الخطيب أهل السنّة والجماعة:\n_________\n(١) وقد ناقش الدكتور فضل حسن عباس هذه القضية في كتابه \"إتقان البرهان في علوم القرآن\".\n(٢) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٣٣ - ٤٤.","vol":"3","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-965>موقفه من المشيئة:</span>\nيسير الخطيب في عقيدته حول مشيئة العبد مع مذهب أهل السنة والجماعة فهو يرى أن للإنسان مشيئة يجدها في في كيانه فيما يأخذ أو يدع من أمور، وفيما يقبل أو يرفض من أعمال، ومع هذا فإن هذه الشيئة مرتهنة بمشيئة الله، جارية مع القدر الذي أرادته مشيئة الله، فهي مشيئة مطلقة داخل الإنسان، مقيدة خارجة بالمشيئة الإلهية العامة الشاملة، ولم يهمل الخطيب في تفسيره آراء العلمَاء في بعض المسائل العقدية بل كان يعرض هذه الآراء عرضًا دون ترجيح رأي على آخر.\nولعل الخطيب في هذا الرأي يسير مع الجاحظ في رأيه، فالإنسان عنده مجبر في صورة، مختار في أخرى، أو مختار في حال، مقيد في أحوال، ويذكر الخطيب آراء الفلاسفة في هذه القضية، وقد كانت ضربًا من السفسظة الكلامية التي لا يستطيع الإنسان أن يفهم رأيهم من خلالها، ولكنه أعجب برأي الفيلسوف المسلم محمد إقبال الذي ذهب إلى أن لله ثقة بالإنسان، وعلى الإنسان أن يبرهن أنه أهل لهذه الثقة، ثم يقول الخطيب: وهمذا في رأينا أعدل رأي قي هذه القضية (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-966>موقفه من عقيدة تناسخ الأرواح:</span>\nيناقش الخطيب الماديين الذين أنكروا فكرة تأجيل الحساب والجزاء إلى حياة بعد هذه الحياة الدنيا، فقالوا بمذهب تناسخ الأرواح الذي يجعل الجزاء موصولًا بهذه الحياة الدنيا، وقد هاجم الخطيب هذه العقيدة، ووصفها بأنها ضرب من ضروب الخداع للنفس، وهيم عببارة عن وسيلة لملء الفراغ الذي يجده أولئك الناس عند وقوفهم على حدود هذه الدنيا دون النظر إلى حياة أخرى بعدها، ويرى أن عقيدة التناسخ ليس لها في الواقع وجود، ولا دليل لأصحابها عليها، وهي عقيدة تصادم العقل؛ لأن الإيمان بها يستلزم الإيمان بمدة أمور كلها منافيه للعلم والعقل.\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٨٢ - ٨٨.","vol":"3","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-967>موقفه من الستة أيام:</span>\nيسير الخطيب في هذه المسألة مع جمهور المفسرين والمحققين حيث يرى أن هذه الأيام ليست كالأيام التي لها صباح ومساء، وإنما هي كناية عن العمر الذي نضج في بوتقته خلق السموات والأرض، ويرد ما جاءت به التوراة من أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع، ولم يخرج الخطيب عن رأي العلماء المحققين في تصوره للستة أيام التي خلق الله ﷿ فيها الكون ولم يخرج عن رأي العلماء المحققين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-968>دفاع الخطيب عن عصمة الأنبياء:</span>\nلا ننسى للخطيب موقفه في دفاعه عن العصمة الثابتة للأنبياء، وهو يسير في هذا مع جمهور المفسرين وعلماء الأمة وأئمتها المحققين الذين دفعوا الشبهة التي تدور حول حمى النبوة، لأن النبوة مقام عالٍ لا يليق بصاحبها فعل المعاصي والمنكرات (٢).\nومن آراء الخطيب التي خالف فيها رأي أهل السنّة والجماعة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>موقفه من الاستواء:</span>\nيفسر الخطيب الاستواء تفسيرًا لا كما يفسره السلف بأن استواءه سبحانه بلا كيف على الوجه الذي يليق به، فهو يرى أن الاستواء هو القيام على هذا الوجود، والاستيلاء على مركز القوة والسلطان فيه، فلا تخرج ذرة من ذرات هذا الوجود عن سلطان الله وعن علمه.\nوالخطيب في تفسيره هذا للاستواء بأنه مركز الوجود قد خالف عقيدة السلف، وخالف صريح الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، فقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٨٩ - ٩١.\n(٢) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ١٠٩.","vol":"3","page":438},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nيَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ ....﴾ [غافر: ٧] يصرح بأن العرش شيء يحمل، فالذي يفسر العرش على أنه كناية عن الملك والسلطان، كيف يصنع بقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] والملك لا يحمل.\nولم يكن الخطيب مستقرًا على رأي واحد في مسألة الاستواء، فأحيانًا يتبع عقيدة السلف في الاستواء، وأحيانًا يصرح بما يفهم منه أنه يؤيد رأي المعتزلة، ثم يذهب إلى أنه يرتضي من بين هذه الآراء برأي السلف، ثم يذهب إلى تقرير رأي الإمام مالك في الاستواء مثبتًا الصفة دون تعطيل أو تأويل (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-970>موقفه من الرؤية:</span>\nينكر الخطيب رؤية الله ﷿، وينتقد الخوض في هذه القضية، ويميل مع الرأي الذي يقول: إن النظر المقصود به هو النظر إلى رحمة الله، والطمع في رضوانه، والتعلق بالرجاء فيه في ذلك، وهو في تأويله هذا يسير مع مذهب المعتزلة الذين ينكرون الرؤية في الدنيا وفي الآخرة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-971>تصوره ليوم القيامة:</span>\nيرى الخطيب أن الانقلاب الشامل الذي يحدث يوم القيامة لا يقع على الموجودات من أرض وجبال وبحار وسماء ونجوم وشموس وأقمار، وإنما يحدث هذا الانقلاب في الإنسان نفسه، حيث تتغير طبيعته بعد البعث، ويصبح له من القوى في حواسه أضعاف أضعاف ما كان له في حياته.\nوهذا الكلام خطير وغير مقبول؛ لأنه يصادم ويناقض بعض النصوص التي تصرح بخراب هذا الكون، وتصرح كذلك بأن الإنسان يبعث بجسده (٣).\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٧٧ - ٨١.\n(٢) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٨٦ - ٨٧.\n(٣) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٩٢.","vol":"3","page":439},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-972>٣ - المنهج الفقهي عند الخطيب:</span>\nالخطيب صاحب بضاعة قليلة في الفقه، فقد كان أحيانًا يذكر آراء الفقهاء في بعض المسائل الفقهية مجردة عن الأدلة، ولا يرجح رأي أحدهم على الآخر، ودون أن يدلي هو بدلوه في بعض هذه المسائل، فعند مسألة الطلاق السُّنِّي والبدعي نراه يستجمع آراء الفقهاء المعتمدين دون أن يبين رأيه في هذه المسألة، ودون أن يبين لنا الرأي الراجح، وما هو القول الذي يرتضيه، فقد كان ضعيفًا في مسائل الفقه المقارن.\nوللخطيب بعض الآراء الفقهية التي خالف فيها الجمهور كما في رأيه في القصاص، فالجمهور ذهبوا إلى أن القصاص إنما يقع بين متماثلين الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فلا يقتل الحر بالعبد ولا الرجل بالمرأة، أما الخطيب فيذهب إلى قتل النفس بالنفس أيًا كان جنسها أو مكانها الاجتماعي، وبناءً على ذلك يكون الأستاذ الخطيب مؤيدًا لرأي الحنفية في عدم اشتراط التكافؤ في الحرية فقط، أما التكافؤ في الدين فالذي يفهم من كلامه أنه يشترطه موافقًا ذلك لجمهور الفقهاء (١).\n\nويمكننا ملاحظة بعض الآراء التي اجتهد فيها الخطيب، ومنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>إحياء فن النحت وصنع التماثيل:</span>\nدعا الخطيب إلى إحياء فن النحت والتماثيل، ووصف انقطاع الأمة الإسلامية عن فن النحت والتمثيل بالجفوة لهذه الفنون، ويعلل نهي الإسلام عن النحت والتصوير في بداية الدعو الإسلامية أن الناس كانوا حديثي عهد بالإسلام، وقريبي عهد بالجاهلية التي اعتادت نحت الأصنام وعبادتها، ويذهب إلى أبعد من هذا حيث عدّ هذه الصناعة من النعم على الإنسان باعتبارها كانت من نعم الله على سلمان - ﵇ - (٢).\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ١٣٥ - ١٣٨.\n(٢) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ١٤٠.","vol":"3","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-974>مسألة مس المحدث للمصحف:</span>\nذهب الأستاذ الخطيب إلى أنه يجوز للمحدث مسّ المصحف، فهو هنا لم يشترط الطهارة من الحدث الأصغر لمس المصحف، ويرى أن المقصود بالمس في الآية ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩] هو التلبس بالقرآن، والمباشرة له، والإفادة منه، فمن مسَّ هذا القرآن وطاف بحماه ملتمسًا الهدى منه، عليه أن يكون على صفة تناسب هذا القرآن من الطهارة والنقاء، والخطيب بذلك يخالف جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة الذين يوجبون اشتراط الطهارة لمس المصحف، خلافًا للإمام ابن حزم الظاهري الذي يرى جواز مس المصحف للمحدث (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-975>تفسير الخطيب لمصارف الزكاة:</span>\nتكلم الخطيب في تفسيره للآية التي تتحدث عن مصارف الزكاة بكلام لطيف تحت عنوان: الزكاة والتكافل الاجتماعي، وفسر المقصود بمصارف الزكاة الثمانية، ولكنه سلك طريقًا مختلفًا عما اتفق عليه الفقهاء وذلك في بعض مصارف الزكاة:، وهي: الفقراء والمساكين، الغارمون، المؤلفة قلوبهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-976>رأي الخطيب في الخمر:</span>\nيذكر الخطيب المادة التي يُصنع منها الخمر، ويبين اختلاف الفقهاء فيها، فبعضهم قصرها على التمر والعنب، وآخرون على العنب وحده، وهو يرى أن كلّ مادة يصنع منها ما يسكر ويذهب بالعقل فهي خمر، وحمل الحديث الذي حصر الخمر في العنب والتمر على أنه لم يكن أمام النبي - ﷺ - سوى هاتين الشجرتين في ذلك الوقت.\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ١٤٤.\n(٢) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ١٥٠.","vol":"3","page":441},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوعلى هذا فمادة الخمر لا معتبر لها في تحريم، إنما المعتبر في أنَّها تسكر من يتعاطاها، وينال منها، فكل ما أسكر فهو خمر؛ لأنه يخامر العقل ويستره، وعلى هذا فإن الخطيب يكون قد أيد رأي الجمهور، المالكية والشافعية والحنابلة، وخالف الحنفية الذين قصروا الخمر على ما يستخرج من العنب والتمر وما ينتج من هاتين الثمرتين، ورأي الخطيب في هذه المسألة وجيه تؤيده الأدلة وروح الشريعة ومقاصدها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-977>٤ - الاتجاه الاجتماعي في تفسير الخطيب:</span>\nظهر في تفسير الخطيب اهتمامه بالقضايا الاجتماعية؛ قضايا الأسرة والزواج، وقد كان يحمل لواء الدعوة إلى الزواج من أجل إعفاف النفس، ومن أجل إقامة مجتمع نظيف خال من الفاحشة، كما يرى أن هذا الزواج وسيلة إلى الرزق وإلى سعة العيش، حيث إن الذي يتزوج يريح نفسه من السعي وراء الشهوات وقضاء اللذة، ويتجه بنفسه نحو العمل الجاد المثمر، وهذا يبين لنا أن الخطيب كان صاحب نظرة إصلاحية اجتماعية في تفسيره.\nويثني الأستاذ الخطيب على المجتمع الإسلامي الذي أقيم على الفضيلة والكرامة، فأضفى على أتباعه سترًا جميلًا من التصون والتعفف والحياء، وهو يدعو إلى إقامة مجتمع خالٍ من البلبلة والأفكار الفاسدة، وخالٍ من إشاعة الفوضى وتوسيع مساحة الرذيلة، فالمجتمع المسلم من طبيعته تنمية جانب الخير ومحاولة سد باب الشر.\nويرى الخطيب أن المجتمع الإسلامي مجتمع نظيف متكامل متكافل، منتشرة فيه الأخلاق الفاضلة، يحافظ على الفضيلة، ويحارب الرذيلة، فالخمر والميسر مثلًا بالإضافة إلى أنهما يؤديان إلى وقوع صاحبهما بالإثم المعصية اللذين يؤديان به إلى\n_________\n(١) ص ١٥٧ - ١٥٨.","vol":"3","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nالنار، فإنهما كذلك يؤديان إلى إصابة صاحبهما بالضر في نفسه وفي مجتمعه، كما أنه يدعو إلى سد باب كلّ ذريعة قد توصل إلى الوقوع في الحرام والمخالفات الشرعية، ويعد الأستاذ الخطيب هذا الباب أمرًا من أوامر الإسلام، وشريعة من شرائعه، ولهذا فإننا نرى أن الخطيب يحاول اجتثاث الفاحشة من المجتمع من جذورها، وذلك بالدعوة إلى إغلاق الأبواب التي يدخل منها الإنسان إلى هذه الفاحشة.\nوقد عرض لموضوع زواج المتعة، وهو يسير مع أهل السنّة في تحريمه، خلافًا للشيعة الذين يبيحونه. ونجده يذكر رأي الشيعة وأدلتهم، ويرد عليهم بكل ما أوتي من قوة بيان، مستندًا إلى الأدلة الصحيحة من القرآن الكريم والحديث الصحيح وأقوال المفسرين.\nوتكلم عن إنهاء الحياة الزوجية بالطلاق، وذكر مسوغات هذا الحل، ثم رد على من اتهموا الشريعة الإسلامية بالتخلف، وأنكروا هذا التدبير الحكيم زورًا وبهتانًا، واتهموها بأنها تفرض على المرأة في القرن العشرين أسلوب حياة البادية في عصر الجاهلية الأولى، إذ تعطي الرجل الحق في أن يتحكم في حياة المرأة بكلمة واحدة يرسلها من فمه، فإذا هي بالعراء منبذوة نبذ النواة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-978>٥ - اهتمامه بالقضايا السياسية:</span>\nكان الخطيب كلما عرض له موقف يستطيع أن يدخل من خلاله إلى الحياة السياسية، وإلى نقد رجال السياسة وتصرفاتهم، فإنه يُعرِّض بهم بكلمات لاذعة دون التصريح بأسمائهم، فقد كان يتحدث عن هذه الأمور من خلال كلامه عن الأدوار التي كان يقوم بها رجال السياسة في القرآن الكريم، ومن خلال عرضه للقصة القرآنية.\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ١٥٩ - ١٦٧.","vol":"3","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nويدافع الخطيب في تفسيره عن الشبهة القائمة في نفوس أعداء هذا الدين، وهي أن الإسلام دين قام على السيف والقتل وسفك الدماء، فالإسلام في حربه لأعدائه كان مقصوده الأسمى هو دخول الناس في هذا الدين، ولم يكن هدفه من حروبه قتل الكافرين، ولم يكن الإسلام متشهيًا لإراقة الدماء.\nإن غاية الإسلام من حرب أعدائه هو دفع شرّهم، ووقاية المسلمين من الخطر الذي يتهددهم من جهة عدوّهم، فإذا لم يكن ثمة خطر فلا حرب ولا قتل، فإذا كان الخطر، على مسيرة الدعوة كان الحرب والقتال، فإذا زال الخطر أغمدت السيوف وأطفئت نار الحرب.\nويقرر الأستاذ الخطيب في تفسيره حقيقة، وهي أن الإسلام دين قام في دعوته على السلم، وأن كلمة الإسلام هي من السلام، وأن تحية المسلمين بين بعضهم هي السلام، مما يؤكد لنا أن هذا الدين قد قام في دعوته على السلام وحده دون اعتبار للقوة.\nويهاجم تلك الدعوة التي تقول إن الإسلام دين قام على السيف، ويرى أنَّها دعوى كاذبة يقصد من ورائها تشويه الصورة الحقيقية لهذا الدين، وتصويرها بأنها شريعة غاب يحكم مجتمعها التناطح والتقاتل، وأن هذه الدعوة من شأنها أن تدفع المسلمين إلى التخلي عن أسباب القوة فيصبحوا فريسة لهؤلاء الطامعين من أعداء هذا الدين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-979>٦ - الإعجاز القرآني عند الخطيب:</span>\nومن وجوه الإعجاز التي تعرض لها الخطيب في تفسيره:\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ١٧١ - ١٧٣.","vol":"3","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-980>الإعجاز في النظم:</span>\nلقد عرض الخطيب في تفسيره قضية الإعجاز في النظم، كما كان يتعرض للفظة القرآنية، وكيف أن هذه اللفظة مختارة منتقاة، كما عرض لمسألة عود الضمائر.\nلقد كان صاحب قدرة في استنباط وجوه الإعجاز في كتاب الله، فهو يرى أن القرآن الكريم معجز في ألفاظه ومبانيه، كما هو معجز في نظمه ومعانيه، وقد عقد في تفسيره فصلًا بعنوان السمع والبصر ومكانهما في الإنسان، وبعد أن استقصى الخطيب الآيات التي ورد فيها ذكر السمع والأبصار، تكلم عن السر في إفراد السمع وجمع الأبصار.\nيرى الخطيب من وجوه إعجاز القرآن الكريم في نظمه قدرته على تصوير المعاني، وإبراز ما يختلج في النفس البشرية من عواطف وانفعالات، كما أن القرآن الكريم يبرز ويصور مسارب النفس البشرية ومجرى الخواطر، ويوضح ما يجري في هذه النفس من هواجس، وأخذ ورد، وتقديم وتأخير، كلّ هذه الأمور كان يبرزها القرآن الكريم وكأنها أمور محسة، ولعل الأستاذ الخطيب في هذه الناحية قد تأثر بالأستاذ سيد قطب في تفسيره، حيث كان يبرز الأستاذ سيد قطب هذه النواحي في تفسيره.\nومن نواحي إعجاز القرآن الكريم القدرة على تجسيد المعاني وبعث الحياة والحركة في الجمادات والساكنات (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>الإعجاز في الكلمة القرآنية:</span>\nإن الكلمة القرآنية مختارة منتقاة من بين عدة كلمات قد تكون مرادفة لها، وذلك من أجل أن تؤدي غرضًا من الأغراض، أو سرًّا من الأسرار القرآنية، وقد يستعمل القرآن الكريم كلمة في موضع للدلالة على أمر خلافًا لما هو شائع في استعمالها،\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ١٩٣ - ١٩٨.","vol":"3","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nكما أن الكلمة القرآنية في بيانها وتركيبها تغني عن تفسيرها، مثال ذلك كلمة (ضيزى) في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم: ٢٢] فإن تركيب هذه الكلمة من هذه الحروف الثقيلة المتنافرة المتباعدة في المخارج، تحكي لنا صورة الخلط والتخبط والجمع بين المتضادات والمتنافرات مما لا يقع إلا من المجانين والصرعى.\nإن من وجوه الإعجاز في الكلمة القرآنية اختيار الكلمة القرآنية التي تعبر عن المعنى أجمل تعبير، فاللغة العربية لغة المترادفات، ولكن القرآن الكريم في اختياره للكلمة يراعي أن تكون هذه الكلمة مؤدية للمعنى الذي جيء بها من أجله (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-982>الإعجاز الموسيقي في القرآن الكريم:</span>\nيعد الأستاذ الخطيب الجرس الموسيقي في القرآن الكريم من إعجاز الصياغة في النظم القرآني، كما يحاول إخضاع بعض آيات الله للموسيقى، فهو يشبه مطلع سورة الرحمن بالمقدمة الموسيقية، ولكن هذه المقدمة علوية اللحن، قدسية النغم، إلى أن يقول عن كلمة (الرحمن) التي بدأت بها السورة هي الميزان الذي تجري أحكامه على آيات السورة كلها، وتنضبط عليها أنغامها، وتتألف منه وحدة اللحن كله، فيكون أشبه بـ \"الرتم\" الذي يمسك باللحن الموسيقي من مطلعه إلى نهايته (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-983>الإعجاز العلمي عند الخطيب:</span>\nلم يفت الخطيب في تفسيره أن يتحدث عن بعض القضايا العلمية، ولكنه لم يكن عميقًا في بحثه لتلك القضايا، وقد لفت في تفسيره الأذهان إلى قضية مهمة وهي أن لا يعرض القرآن الكريم على المخترعات العلمية والنظريات المختلفة والآيات الكونية التي تنكشف للناس زمنًا بعد زمن، إذ ليس كتاب الله كتابًا للعلوم التجريبية يشرح للناس قضايا العلوم المختلفة من طب وهندسة وفلك وغيرها، إنما\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ١٩٩ - ٢٠٠.\n(٢) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٢٠٢.","vol":"3","page":446},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nهو كتاب عقيدة وشريعة يتجه إلى ضمير الإنسان ليصحح صلته بخالقه، ثم يقيم لهذه الصلة من التشريع ما يمسك بها سليمة قوية في كيانه، فإذا تم ذلك، صحح صلة الإنسان بالإنسانية، ووضع لذلك من التشريعات ما يقيم هذه الصلة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-984>٧ - مخالفته آراء العلماء والمفسرين:</span>\nيذهب الخطيب في كثير من آرائه إلى اتخاذ منحى مخالف لجمهور المفسرين وجمهور العلماء، وقد عد بعضهم هذا عيبًا في تفسيره، وذلك ربما لكثرة مخالفته للجمهور، ومن هذه الآراء:\n* ذهب الخطيب إلى أن اللفظ القرآني كان يسمعه النبي - ﷺ - من جبريل، ولكن المعنى كان يسمعه من الله ﷿.\n* للخطيب رأي مختلف بالنسبة لبيعة الرضوان التي ذكرت في الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] فالمقصود من البيعة البيعة العامة فيدخل فيها البيعة على الإسلام، فكل من دخل في دين الله واستجاب للرسول - ﷺ - فقد شملته الآية.\n* الفدية للمترفه الحاج: يرى الأستاذ الخطيب أن تحديد الفدية بصيام ثلاثة أيام أو الصدقة بإطعام ستة مساكين أو النسك بإهداء شاة غير وارد في الآية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولا يرى الخطيب هذا القيد في الفدية.\nيخالف الخطيب جماعة المفسرين في طبيعة الجَنَّة التي كان فيها آدم، فبعد أن يصف رأيهم بما يشبه الإجماع على أن هذه الجَنَّة كانت وراء الحس، وأنها من تلك الجنات السماوية، ويرى الخطيب أن جنة آدم - ﵇ - هي جنة أرضية، ويستند في رأيه هذا إلى آراء المفسرين القدماء كأبي مسلم الأصفهاني، ومحمد\n_________\n(١) منهج التفسير القرآن للقرآن، ص ٢١٢ - ٢١٤.","vol":"3","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nإقبال، وهو متأثر في تفسير المنار لصاحبه محمد رشيد رضا، فلهذا فهو يرى أن جنة آدم هي بستان من البساتين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-985>٨ - ظهور التناقض في بعض آرائه:</span>\nيظهر للخطيب بعض الآراء المتناقضة تنوَّعت في تفسيره منها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-986>رأيه في المحكم والمتشابه:</span>\nيرى الخطيب أن المتشابه هو الآيات التي تكشف عن أمور غامضة تختفي وراء ستر أو أستار، فالمحكم هو الآيات التي تعطي دلالة واضحة لأول نظرة فيها، أما المتشابه فهو المغلق الذي لا ينكشف للنظر بل يتراءى لمعطيات الحدس والرجم بالغيب، ويحتمل وجوهًا من التأويل، وعلى هذا فإن الخطيب يرى أن الراسخين في العلم لا يعلمون المتشابه من القرآن الكريم، ويرى أن الوقوف عند لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] وقوف لازم. ولكن ظهر للخطيب رأي آخر نحالف لهذا الرأي، ويظهر رأيه في بحث كتبه عن المحكم والمتشابه نشره في مجلة أضواء الشريعة، وقد عرض في هذا البحث لأقوال العلماء في المحكم والمتشابه سلفًا وخلفًا، وخلص إلى أن القرآن الكريم يحوي من الآيات المحكم كما يحوي من الآيات المتشابهة، وعرض رأي ابن تيمية في الحكم والمتشابه، وعقب على هذه الآراء بتعقيب يذهب فيه إلى أن المتشابه مما يعلمه الراسخون في العلم.\nوربما الذي دفع الخطيب لأن يغير رأيه الذي ذهب إليه في تفسيره عن المحكم والمتشابه أنه عندما كتب تفسيره لم يكن مطلعًا على آراء العلماء، وربما كان متأثرًا\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٢٢٧ - ٢٤٤. وهذا الذي يرجحه والدي الدكتور فضل حسن عباس - ﵀ -، عرض لهذه القضية في كتابه \"القصص القرآني\"، صدق حدث وسمو هدف.","vol":"3","page":448},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nبفكر العلماء أثناء إقامته في السعودية عندما عمل مدرسًا في جامعة الرياض إذ إن جل علمائهم يركنون إلى مذهب ابن تيمية ويأخذون بآرائه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-987>نفقة العدة للمطلقة طلاقًا بائنًا:</span>\nيرى الخطيب أن المطلقة طلاقًا بائنًا لها -إلى أن تنقضي عدتها- السكنى خارج بيت الزوجية، ولا نفقة لها ولا كسوة ولا يتوارثان، وأما إن كانت حاملًا فلها النفقة والكسوة والمسكن حتى تضع حملها، وهو بذلك يكون قد خالف رأي الحنفية الذين يوجبون للمعتدة من طلاق بائن النفقة بأنواعها دون تفريق بين الحامل وغير الحامل، هذا رأي الخطيب مع أنه في البداية كان قد خالفهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-988>موقف الخطيب من الحروف المقطعة:</span>\nكان للخطيب عدة آراء في الموضوع:\n١ - الحروف المقطعة حروف هجاء مما بنيت منه كلمات القرآن الكريم وآياته وسوره، وأنها حين يبدأ بها في التلاوة حرفًا حرفًا آخذًا كل حرف نغمًا مستقلًا على لسان القارئ، فإنها ترسم لمرتل القرآن أسلوبًا خاصًّا في التلاوة، ويرى كذلك أن الحروف المقطعة أشبه بالوحدة التي تسبق المقطع الموسيقي.\n٢ - الحروف المقطعة هي من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه ولم يعلمه أحدًا من خلقه، وأن مجيئها في بداية بعض السور إنما تمثل دعوة صريحة لهذه الأمة إلى التعلم والتحضر وخلع لباس الأمية الذي كان يكسوها ... ويرى الأستاذ الخطيب كذلك أن هذه الحروف من المحكم والمتشابه في آنٍ واحد، فهي إذا كانت مقطعة من المحكم لأنها حروف لها دلالتها، وهي من المتشابه إذا كانت مركبة، فهي مما استأثر الله بعلمه، وخص به الراسخين في العلم.\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٥٩ - ٦٣.\n(٢) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ١٣٤ - ١٣٥.","vol":"3","page":449},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n٣ - يرى الأستاذ الخطيب كغيره من المفسرين أن هذه الحروف المقطعة في فواتح السور هي نوع من التحدي لأولئك الذين يقولون إن هذا القرآن هو من صنع محمد.\n٤ - السور التي بدأت بحرف واحد أو حرفين جعلت هذه الأحرف علمًا على أسماء السور التي بدأت بها، أما السور التي بدأت بثلاثة أحرف فأكثر لم تعرف سورها بهذه الحروف، مما يدل على أن هذا الحرف ليس هو من الحروف الهجائية بالمعنى المفهوم لها في النحو، وإنما هي ذات شأن ودلالة خاصة فلعلها اسم من أسماء الله أو صفة من صفاته.\n٥ - الحروف المقطعة مما استأثر النبي -ﷺ- بعلمه.\n٦ - الحروف المقطعة وحي من نوع خاص.\n٧ - هي ليست فواصل بين السور، ولا لضبط عدد آياتها، فهي مقصودة في ذاتها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-989>٩ - ظهور بعض الآراء الخطيرة:</span>\nظهرت للخطيب بعض الآراء الخطيرة والتي لها آثارها السلبية، ومن هذه الآراء:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-990>القول بنظرية النشوء والارتقاء:</span>\nهناك مسألة خطيرة عرض لها الخطيب في تفسيره وهي القول بنظرية النشوء والارتقاء، وهي ما تُعرف بنظرية دارون، وقد هاجم الخطيب المفسرين وأقوالهم في خلق آدم، ووصف مقولاتهم بأنها مقولات خرافية أسطورية، وكانت فكرته حول الموضوع أن مقولات دارون التي أنكرها العلماء إنما تقوم على علم وتجربة، وقد\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٢٣٠٧ - ٢١١.","vol":"3","page":450},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nيكون فيها قليل أو كثير من الخطأ في الاستنتاج، ولكن الذي ينبغي أن يكون عليه موقف العقل إزاءها هو الاحترام لها، والتقدير للجهد الذي بذل فيها، وما دامت ترجع إلى التجربة وتحتكم إلى العقل فإن كل عقل مدعو إلى الوقوف عندها والنظر فيها، وأخذ ما يطمئن إليه منها.\nثم يمضي الخطيب مؤيدًا ما ذهب إليه، مؤكدًا بأن علم الأحياء يعطي دلالة قاطعة على أن الإنسان هو من طينة الأسرة الحيوانية، وما يؤكده هذا التشابه الكبير في شكل الأعضاء والحواس وعملية الهضم والتنفس ومجرى الدم في العروق، ثم في عملية التناسل في مراحلها المختلفة، كل هذا التشابه يقطع بأن الإنسان حيوان قبل أن يكون إنسانًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-991>جرأة الخطيب على آيات كتاب الله:</span>\nلقد بالغ الخطيب في الجرأة على كتاب الله، وذلك بحذف آية تتلى من كتاب الله تعالى مستندًا إلى فهم سقيم مخالف في ذلك إثباتها في المصحف الشريف وإجماع الصحابة الكرام والمسلمون قاطبة على مر العصور، تلك الآية هي فاتحة سورة النور وهي قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ...﴾ [النور: ١] فقد عد الأستاذ بداية السورة قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ...﴾ [النور: ٢] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-992>الدعوة إلى وحدة الأديان:</span>\nلقد كان الخطيب صاحب دعوة إلى وحدة الأديان، ويدعو كذلك إلى ما يسمى بالإخاء الإنساني، وهذه دعوة خطيرة، فالناس إخوة إذا كان يجمعهم معتقد واحد صحيح، فهذه الدعوة تصادم نصوصًا صريحة تدعو إلى إقامة حاجز منيع بين المسلم الذي يدين بدين الإسلام وبين غيره ممن ينكرون هذا الدين، ويعتقدون\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٢١٧ - ٢١٨.\n(٢) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٢٣٢.","vol":"3","page":451},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nبمعتقدات فاسدة، وما كان الدافع وراء هذه الدعوة إلا لأن الخطيب ينكر النسخ كما مضى فهو لا يرى تناسخ الأديان (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-993>١٠ - تعامله مع الروايات:</span>\nلقد برز منهج الخطيب في التعامل مع الروايات من خلال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-994>رد الأحاديث الصحيحة:</span>\nوقد رد الخطيب بعض الأحاديث الصحيحة، وما ذلك إلا لأنها تخالف المعقول عنده، فقد رد الروايات الواردة في شأن تخيير أزواج النبي -ﷺ-، ظنًّا منه أن هذا الأمر لا يصدر عن أمهات المؤمنين، وهن اللاتي نشأن في بيت النبوة متنزل الوحي، إضافة إلى ما عُرف عنهن من الرضا بالحياة البسيطة تأسيًا واقتداءً برسول الله -ﷺ-، والذي دفع الخطيب لأن يقول مثل هذا الكلام ضاربًا بالأحاديث الصحيحة عرض الحائط، هو إرضاء مدعي الحضارة والمدنية الذين يقولون: إن الإسلام ظلم المرأة وهضمها حقها بتبعيتها للرجل، فكان لسان حال الخطيب يقول لهم: ها هو الإسلام قد أعطى المرأة حقها، وجعلها تنعم بحريتها فأجاز لها أن تطلب التسريح إذا وجدت نفسها تعيش في حياة تكرهها (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-995>إهماله أسباب النزول:</span>\nلم يكن الخطيب في تفسيره مهتمًا بأسباب النزول، فقد كان لا يذكر سبب نزول الآية أو مناسبة نزولها، اللهم إلا إذا أراد تأييد ما ذهب إليه من رأي. إنه لم يُعن بأسباب النزول لا من حيث الرواية ولا من حيث الدراية، فقد يذكر سبب النزول ليردّه من غير أن يبني هذا الرد على أسس صحيحة، بل لأن سبب النزول يخالف ما ذهب إليه من معنى، ولو كانت رواية سبب النزول واردة في كتب السنّة\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٢٣ - ٢٣٤.\n(٢) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٢٣١.","vol":"3","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nالصحاح، وهي الكتب التي اتفقت الأمة على تلقي أحاديثها ومروياتها بالقبول كالبخاري ومسلم.\nيرى الخطيب أن دعوة ترتيب القرآن حسب النزول هي دعوة خطيرة كان القصد من ورائها إخراج القرآن الكريم عن الهدف الذي أنزل القرآن الكريم من أجل تحقيقه، ولأن نزول القرآن آية آية أو مجموعة من الآيات كان مما يناسب الدعوة وسيرتها من بدئها إلى ختامها، أما بعد أن تم نزول القرآن فقد رتب القرآن هذا الترتيب الذي نراه عليه الآن حتى يعيش في ظله المجتمع المسلم الذي آمن بالله ربًا وبالإسلام دينًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-996>موقفه من الإسرائيليات:</span>\nلقد كان الخطيب في تفسيره شديد الهجمة على الإسرائيليات ومن نقلها، ويتحين الفرصة المواتية للنيل من كل من ينقلها، ويرد تلك الروايات بأسلوب ساخر مرير، ولكنه إذ نفى الإسرائيليات من تفسيره وقع بما هو أفحش من هذا، وهو أنه بث في تفسيره نقولًا كثيرة من كتب أهل الكتاب كالتوراة والإنجيل، وهذا تناقض واضح (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>١١ - دفاعه عن الإسلام والقرآن:</span>\nلقد كانت للخطيب مواقفه في الدفاع عن كثير من قضايا الإسلام، ومن تلك القضايا:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-998>تعدد الزوجات:</span>\nيدافع عن هذه القضية ويدرسها من جانب المرأة ومن جانب الرجل ومن جانبهما معًا، ويخلص إلى نتيجة وهي أن التعدد كالدواء يستعمل لأدواء مختلفة\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٧٢.\n(٢) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٢٣٧.","vol":"3","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوليس أمرًا لازمًا حتميًا، وهو محكوم بحكم الحاجة، وليس كما يدعيه أعداء الإسلام أنه من الموروثات التي ورثها الإنسان عن الحيوان، فهو شفاء لبعض العلل التي قد تصاب بها الحياة الزوجية في بعض الأحيان، وهذا موقف يجب أن يسجل للخطيب في تفسيره، إذ وقف مدافعًا عن هذه القضايا التي تعد من المداخل التي يدخل منها أعداء هذا الدين للطعن فيه (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-999>الإسلام والجنس:</span>\nيدافع الخطيب بشدة عن الإسلام وآدابه التي يتهمها أعداء الإسلام أنها تقوم أساسًا على استرضاء الغرائز البهيمية في الإنسان، وخاصة ما يتصل بالعلاقة بين الرجل والمرأة التي وقف بها الإسلام كما يزعمون عند حد إشباع الشهوة الجنسية، وإطلاق العنان لها بلا حدود ولا قيود، بحيث يستطيع الرجل دائمًا أن يضم في بيت الزوجية أربع نسوة يتبدل بهن كل يوم إن شاء أربعًا، حتى الجنة التي وعد الإسلام بها أتباعها هي جنة حور وولدان إلى غير ذلك من الترهات التي يرمي بها أعداء هذا الدين دون هوادة ودون وازع من ضمير.\nإن الإسلام في بنيانه للعلاقات الزوجية جعل لها حرمة حتى في مواقع الحلال فلا تمتهن ولا تبتذل ولا تسترخص ولا تستباح كاستباحة فروج البهائم في غير ستر من الحياء والتصون. إنها أكرم من أن ينظر إليها كما ينظر إلى المتاع، هذا هو أدب الإسلام وتلك هي تربيته العالية الارتفاع بإنسانية إلى هذا المستوى الكريم من التصون والتعفف (٢).\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ١٦١.\n(٢) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ١٦٢.","vol":"3","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1000>شبهة انتشار الإسلام بالسيف:</span>\nيدافع الخطيب في تفسيره عن الشبهة القائمة في نفوس أعداء هذا الدين، وهي أن الإسلام دين قام على السيف والقتل وسفك الدماء، فالإسلام في حربه لأعدائه كان مقصوده الأسمى هو دخول الناس في هذا الدين، ولم يكن هدفه من حروبه قتل الكافرين، ولم يكن الإسلام متشهيًا لإراقة الدماء.\nإن غاية الإسلام من حرب أعدائه هو دفع شرهم ووقاية المسلمين من الخطر الذي يتهددهم من جهة عدوهم، فإذا لم يكن ثمة خطر فلا حرب ولا قتل، فإذا كان الخطر على مسيرة الدعوة كان الحرب والقتال، فإذا زال الخطر أغمدت السيوف وأطفئت نار الحرب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1001>موقف الخطيب من الحروف الزائدة والأقسام المنفية:</span>\nالحرف القرآني يؤدي رسالة، وينبئ عن أسرار لا تنضب، والأستاذ الخطيب لا يرى في القرآن حرفًا زائدًا، وأن التخريجات النحوية التي تخرج عليها هذه الحروف التي يصفها بعضهم بأنها زائدة، ينبغي أن لا تكون في القرآن الكريم، لأن هذه التخريجات تزري بمقام الإعجاز القرآني الذي لا يحكم بالضرورات، فكلام البشر هو الذي يحكم بالضرورات، وأن من يحاول أن يخضع كلام الله المعجز للضرورات ولميزان النحو كمن يريد أن يزن الذهب بميزان الحصى، ويصف الأستاذ الخطيب القول بزيادة الحروف بأنه ضرب من التكلف البعيد، وركوب لضرورات كثيرة لا يلجأ إليها إلا عند العجز وضيق مجال الكلام، وهذا مما يتنزه عنه كلام الله، وجريًا مع هذا المبدأ فإن الخطيب يحاول تخريج الأقسام المنفية، فالقسم عادة إنما يَرِدُ لإثبات أمر من الأمور التي يستبعد المخاطب وقوعها، أو لتقرير حقيقة من الحقائق، وإنه لمن الاستخفاف بقدر المقسم به، بل والامتهان له، أن يستدعى عند كل أمر وإن صغر وأن يسوغ بالقسم كل شأن وإن حقر أو ظهر.\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ١٧١.","vol":"3","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\">[قال مُعِدُّه للشاملة: لم يكتب المؤلف (د فضل عباس) ﵀، هذا الفصل، ولم يقرأه، كما هو مبين في المقدمة جـ٣/ ٥]</span>\n\nوقد جرى الأستاذ الخطيب في تفسيره على مبدأ إنكار الحروف الزائدة في القرآن الكريم، وقد كان موقفه إيجابيًّا فهو يرى أن الزيادة لغير غرض بلاغي هي حشو يدعو إليه الاضطرار الذي لا يكون إلا عن عجز متحكم. تعالى الله وتعالت كلماته عن هذا علوًا كبيرًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1002>ظاهرة التكرار في القصة القرآنية:</span>\nيهاجم الخطيب الذين يقولون بدعوى التكرار في القرآن الكريم والذين دخلوا من خلال هذه الدعوى إلى القول إن تكرار القول ووروده مقطعًا أحيانًا كان نتيجة الأحوال النفسية التي كانت تنتاب محمدًا فتخرج به عن وعيه.\nويورد الخطيب في تفسيره رأي الإمام الباقلاني في التكرار، والذي كان مفاده أن التكرار في القصة القرآنية إنما جيء به من أجل إظهار عجز العرب، وأنهم عاجزون عن الإتيان بمثل هذا القرآن مبتدأ أو مكررًا، كذلك يورد رأي الزركشي في البرهان، وهو الرأي الذي يعتمده، والذي يفيد أن القرآن كلما كرر قصة جاء فيها بجديد لم يكن موجودًا في العرض الأول أو الثاني، ويرى الأستاذ الخطيب أن داعية التكرار في القصة القرآنية هي أن هذه الصورة المكررة يكمل بعضها بعضًا، وأنها في مجموعها تعطي صورة واضحة كاملة مجسمة أو شبه مجسمة للحدث، وأن ما يبدو أنه اختلاف بين المقولات في الواقعة الواحدة، والحدث الواحد، ليس إلا تجميعًا لمتناثر الأقوال من هذه الواقعة، أو ليس إلا التقاطًا لظاهر القول، وما يكمن وراءه من خواطر وخلجات، لا يستطيع أن يمسك بها إلا النظم القرآني وحده ... فالتكرار في القصة القرآنية إنما جيء به من أجل إبراز جوانب لا يمكن إبرازها على وجه واحد من وجوه النظم (٢).\n_________\n(١) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٢٠٣ - ٢٠٥.\n(٢) منهج التفسير القرآني للقرآن، ص ٢٤٦ - ٢٤٧.","vol":"3","page":456}]}