{"ً":{"ٌ":14616,"ٍ":"الأشاعرة في ميزان أهل السنة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الفرق والردود/الأشاعرة في ميزان أهل السنة - الجاسم - ط المبرة","files":["84762.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الأشاعرة في ميزان أهل السنة\nنقدٌ لكتاب (أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم)\nالمؤلف: أبو عثمان فيصل بن قزار الجاسم\nالناشر: المبرة الخيرية لعلوم القرآن والسنة، الكويت\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م\nعدد الأجزاء: ١\n(تم إعداد الكتاب عن ملف وورد، وبه نقص واختصار عن المطبوع)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2554,"ٕ":2,"ٖ":1770155968,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقريظ","level":1,"page":2},{"title":"تقريظ الشيخ / د. محمد بن عبد الرحمن المغراوي (المغرب)","level":2,"page":2},{"title":"تقريظ الشيخ / أ. د. سعود بن عبد العزيز الخلف","level":2,"page":5},{"title":"تقريظ الشيخ / أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان (الأردن)","level":2,"page":12},{"title":"تقريظ الشيخ / أ. د. محمد أحمد لوح (السنغال)","level":2,"page":15},{"title":"تقريظ الشيخ / د. أحمد شاكر الجنيدي (مصر)","level":2,"page":19},{"title":"تقريظ الشيخ / أ. د. أبو عمر عبد العزيز النورستاني (باكستان)","level":2,"page":24},{"title":"مقدمة","level":1,"page":27},{"title":"الباب الأول ذكر أصول أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته وبيان مخالفة الأشاعرة لها","level":1,"page":37},{"title":"تمهيد","level":2,"page":38},{"title":"[تعريف أهل السنة والجماعة وبيان أوصافهم]","level":3,"page":38},{"title":"[مخالفة الأشاعرة لأهل السنة في مصدر التلقي]","level":3,"page":41},{"title":"الفصل الأول في إثبات أن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة لا على المجاز","level":2,"page":50},{"title":"*","level":3,"page":50},{"title":"[أساس دعوة الرسل: التعريف بالمعبود]","level":4,"page":50},{"title":"الأصل في الكلام: الحقيقة","level":4,"page":52},{"title":"الخطاب نوعان","level":4,"page":52},{"title":"الطرق التي يعرف بها مراد المتكلم","level":4,"page":52},{"title":"عدم تنازع الصحابة في الصفات","level":4,"page":52},{"title":"المبحث الأول دلالة الكتاب والسنة على أن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة","level":3,"page":54},{"title":"المبحث الثاني الآثار الواردة عن السلف في كون صفات الله محمولة على الحقيقة","level":3,"page":62},{"title":"فرع: في تقرير هذا الأصل من كلام أبي الحسن الأشعري","level":4,"page":117},{"title":"المبحث الثالث بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه","level":3,"page":119},{"title":"[بطلان إنكار حقائق الصفات لله]","level":4,"page":120},{"title":"[صحة إطلاق لفظ \"بذاته\" و\"حقيقة\" والجواب على من استنكرها]","level":4,"page":120},{"title":"فرع في إبطال شبهتهما في هذا الباب","level":4,"page":128},{"title":"[إثبات لوازم الصفة مع نفي حقيقتها تناقض]","level":4,"page":134},{"title":"الفصل الثاني في إثبات علم السلف بمعاني صفات الله تعالى، وجهلهم بكيفيتها وحقيقة ما هي عليه وبيان معنى قولهم في الصفات: (بلا كيف) وقولهم: (لا تفسر)","level":2,"page":136},{"title":"تمهيد","level":3,"page":136},{"title":"المبحث الأول آثار السلف الدالة على أن صفات الله معلومة المعنى مجهولة الكيفية","level":3,"page":140},{"title":"[معنى إمرار الصفات بلا تكييف]","level":4,"page":141},{"title":"[معنى قول الإمام مالك \"الاستواء معلوم\"]","level":4,"page":148},{"title":"[نعت الجهمية لأهل السنة بالمشبهة: دليل على إثبات معاني الصفات]","level":4,"page":181},{"title":"المبحث الثاني بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه","level":3,"page":203},{"title":"[بطلان دعوى التفويض عن السلف وأنه يعود إلى التأويل]","level":4,"page":203},{"title":"[بيان معنى قول بعض السلف عن الصفات: \"بلا معنى\"]","level":4,"page":205},{"title":"[معنى قول السلف عن أخبار الصفات \"أمروها كما جاءت بلا كيف\"]","level":4,"page":209},{"title":"[بطلان دعوى أن نفي الكيفية هو نفي للمعنى]","level":4,"page":209},{"title":"[الجهل بكيفية الصفة لا يستلزم الجهل بمعناها]","level":4,"page":213},{"title":"[بطلان استدلالهم بحديث \"عبدي مرضت فلم تعدني\"]","level":4,"page":216},{"title":"[قاعدة السلف فيما ينفى عن الله]","level":4,"page":217},{"title":"[معنى المكر والاستهزاء والنسيان في حق الله تعالى]","level":4,"page":218},{"title":"فرع في منشأ ضلال الأشاعرة في هذا الباب","level":4,"page":227},{"title":"[لا يعلم عن أحد من السلف أنه جعل آيات الصفات من المتشابهات]","level":4,"page":227},{"title":"الفصل الثالث في تقرير أن السلف كانوا يجرون نصوص صفات الله على ظاهرها","level":2,"page":233},{"title":"تمهيد","level":3,"page":233},{"title":"المبحث الأول آثار السلف الدالة على وجوب إجراء نصوص الصفات على ظاهرها","level":3,"page":235},{"title":"فرع: في تقرير كون صفات الله على ظاهرها من كلام أبي الحسن الأشعري","level":4,"page":259},{"title":"المبحث الثاني بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب","level":3,"page":261},{"title":"الفصل الرابع في تقرير أن السلف مجمعون على تحريم تأويل الصفات وإخراجها عن ظاهرها، وعلى وجوب الكف عن ذلك","level":2,"page":263},{"title":"تمهيد","level":3,"page":263},{"title":"المبحث الأول نصوص أئمة السنة الدالة على تحريم التأويل بإخراج نصوص الصفات على ظاهرها","level":3,"page":265},{"title":"المبحث الثاني بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب","level":3,"page":297},{"title":"الفصل الخامس في بيان اطراد قاعدة السلف في الصفات في وجوب إمرار الجميع على الظاهر بلا تأويل، لا يفرقون بين صفة وأخرى","level":2,"page":300},{"title":"تمهيد","level":3,"page":300},{"title":"المبحث الأول نصوص السلف الدالة على إطراد قاعدتهم في الإثبات في جميع الصفات","level":3,"page":302},{"title":"المبحث الثاني بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه","level":3,"page":319},{"title":"[بطلان تفريق الأشاعرة في الإثبات بين الصفات العقلية السبعة وبين غيرها]","level":4,"page":319},{"title":"الفصل السادس في بيان أن إثبات الصفات لله تعالى لا يستلزم التشبيه بخلقه وأنه لا يلزم في حق الخالق ما يلزم في حق المخلوق","level":2,"page":329},{"title":"تمهيد","level":3,"page":329},{"title":"المبحث الأول آثار السلف الدالة على أنه لا يلزم من صفات الله ما يلزم من صفات المخلوق","level":3,"page":331},{"title":"المبحث الثاني بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه","level":3,"page":358},{"title":"[بطلان دعوى استلزام الجسمية في إثبات الصفات]","level":4,"page":359},{"title":"[تحرير معنى الجسم]","level":4,"page":362},{"title":"[الكلام حول العقيدة المنسوبة للإمام أحمد لأبي الفضل التميمي]","level":4,"page":367},{"title":"[المصادر التي تمكن من خلالها معرفة عقيدة الإمام أحمد]","level":4,"page":369},{"title":"[مخالفة الأشاعرة لعقيدة التميمي المنسوبة للإمام أحمد]","level":4,"page":371},{"title":"الفصل السابع في بيان حقيقة التشبيه المنفي في صفات الله عند السلف","level":2,"page":379},{"title":"تمهيد","level":3,"page":379},{"title":"المبحث الأول نصوص أئمة السنة في بيان حقيقة التشبيه المنفي عن الله","level":3,"page":381},{"title":"المبحث الثاني بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب","level":3,"page":385},{"title":"الباب الثاني ذكر الأدلة على إثبات بعض الصفات التي خاض فيها الأشعريان بالتحريف والتعطيل","level":1,"page":387},{"title":"تمهيد","level":2,"page":388},{"title":"الفصل الأول في ذكر الإجماع على علو الله تعالى على خلقه بنفسه وأنه تعالى فوق العرش بذاته","level":2,"page":390},{"title":"المبحث الأول تنوع دلالات الكتاب والسنة في إثبات علو الله تعالى بذاته على خلقه","level":3,"page":391},{"title":"المبحث الثاني نصوص السلف في حكاية الإجماع المتيقن على إثبات علو الله تعالى بذاته على خلقه","level":3,"page":395},{"title":"المبحث الثالث بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب","level":3,"page":418},{"title":"[بيان نفي الأشاعرة لعلو الله تعالى وقولهم في هذا الباب بما يمتنع بداهة]","level":4,"page":419},{"title":"الفصل الثاني في جواز السؤال عن الله تعالى بـ أين؟ والرد على من أنكر ذلك","level":2,"page":422},{"title":"المبحث الأول دلالة السنة على جواز السؤال عن الله تعالى بأين؟","level":3,"page":422},{"title":"المبحث الثاني نصوص السلف الدالة على جواز السؤال عن الله بـ: أين؟","level":3,"page":424},{"title":"المبحث الثالث بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب","level":3,"page":431},{"title":"الفصل الثالث إثبات أن الله تبارك تعالى يتكلم بحرف وصوت مسموع وأن كلامه لا يشبه كلام المخلوقين","level":2,"page":432},{"title":"المبحث الأول الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات الحرف والصوت في كلام الله تعالى","level":3,"page":433},{"title":"المبحث الثاني نصوص السلف الدالة على إثبات الحرف والصوت في كلام الله تعالى","level":3,"page":438},{"title":"المبحث الثالث بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه","level":3,"page":450},{"title":"[موافقة الأشاعرة للجهمية في إنكار الحرف والصوت]","level":4,"page":450},{"title":"الفصل الرابع إثبات صفة اليدين لله تعالى على الحقيقة لا على المجاز","level":2,"page":463},{"title":"المبحث الأول تنوع دلالات الكتاب والسنة على إثبات صفة اليدين لله تعالى","level":3,"page":463},{"title":"المبحث الثاني نصوص السلف في إثبات صفة اليدين لله تعالى حقيقة","level":3,"page":471},{"title":"المبحث الثالث بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب","level":3,"page":474},{"title":"الفصل الخامس إثبات صفة النزول لله تعالى على الوجه اللائق به من غير تشبيه ولا تكييف","level":2,"page":478},{"title":"المبحث الأول تنوع دلالات السنة في إثبات صفة النزول لله تعالى","level":3,"page":479},{"title":"المبحث الثاني نصوص السلف في إثبات صفة النزول لله تعالى على الحقيقة","level":3,"page":484},{"title":"المبحث الثالث بيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب","level":3,"page":505},{"title":"الباب الثالث بطلان ورود التأويل في صفات الله عن أحد من السلف","level":1,"page":507},{"title":"تمهيد","level":2,"page":508},{"title":"دعاوى التأويل الوارد عن السلف والجواب عليها","level":2,"page":512},{"title":"أولا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - للكرسي","level":3,"page":512},{"title":"ثانيا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - لمجيء الرب ﷿","level":3,"page":517},{"title":"ثالثا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - للفظ (الأعين)","level":3,"page":518},{"title":"رابعا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - للفظ (الأيد)","level":3,"page":520},{"title":"خامسا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - لقوله تعالى ﴿الله نور السموات والأرض﴾","level":3,"page":523},{"title":"سادسا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - لنصوص (الوجه)","level":3,"page":526},{"title":"سابعا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - للفظ (الساق)","level":3,"page":527},{"title":"ثامنا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - للفظ (الجنب)","level":3,"page":528},{"title":"تاسعا: دعوى تأويل مجاهد والضحاك والشافعي والبخاري للفظ (الوجه)","level":3,"page":532},{"title":"عاشرا: دعوى تأويل الثوري للاستواء","level":3,"page":538},{"title":"الحادي عشر: دعوى تأويل الإمام مالك لصفة النزول","level":3,"page":538},{"title":"الثاني عشر: دعوى تأويل الإمام أحمد مجيء الله تعالى","level":3,"page":543},{"title":"الثالث عشر: دعوى تأويل البخاري لصفة الضحك","level":3,"page":549},{"title":"خلاصة الفصل","level":2,"page":550},{"title":"الباب الرابع تبرئة أئمة السنة من فرية الانتساب إلى الأشعرية والكلابية","level":1,"page":552},{"title":"تمهيد","level":2,"page":553},{"title":"فصل ذكر بعض من نسبوا إلى الأشعرية وبيان براءتهم منها","level":2,"page":555},{"title":"خلاصة الفصل","level":2,"page":599},{"title":"الباب الخامس بيان أن الكلابية والأشعرية فرقتان مباينتان لأهل السنة والجماعة","level":1,"page":601},{"title":"الفصل الأول في بيان كون الكلابية ليسوا من أهل السنة والجماعة","level":2,"page":603},{"title":"المبحث الأول: بيان حقيقة الخلاف بين الإمام أحمد وابن كلاب وأنه كان جوهريا حقيقيا","level":3,"page":603},{"title":"[بيان أن خلاف الكرابيسي مع الإمام أحمد يختلف عن اختلاف ابن كلاب معه]","level":4,"page":607},{"title":"[الكلام حول الكرابيسي وحقيقة خلافه مع الإمام أحمد]","level":4,"page":610},{"title":"المبحث الثاني نصوص العلماء في مخالفة الكلابية والأشعرية لأهل السنة ولطريق السلف","level":2,"page":615},{"title":"[بطلان دعوى أن جميع المالكية والشافعية والحنفية أشاعرة أو ماتريدية]","level":3,"page":638},{"title":"الفصل الثاني في إثبات صحة كتاب الإبانة المطبوع للأشعري وبيان بطلان كونه قد تلاعبت به الأيدي","level":2,"page":641},{"title":"تمهيد","level":3,"page":641},{"title":"المبحث الأول الجواب على الأمر الأول الذي استدلا به على دخول التحريف في كتاب \"الإبانة\"","level":3,"page":643},{"title":"المبحث الثاني الجواب على الأمر الثاني الذي استدلا به على دخول التحريف في كتاب \"الإبانة\"","level":3,"page":646},{"title":"[إجماع السلف على أن لله عينين]","level":4,"page":647},{"title":"المبحث الثالث الجواب على الأمر الثالث الذي استدلا به على دخول التحريف في كتاب \"الإبانة\"","level":3,"page":652},{"title":"المبحث الرابع افتراءات وطعون محمد زاهد الكوثري في الصحابة والأئمة","level":3,"page":655},{"title":"الفصل الثالث في إثبات المرحلة الأخيرة لأبي الحسن الأشعري وهي مرحلة العودة إلى السنة","level":2,"page":667},{"title":"تمهيد","level":3,"page":667},{"title":"المبحث الأول سياق الأدلة على إثبات المرحلة الثالثة الأخيرة للأشعري","level":3,"page":669},{"title":"المبحث الثاني الرد على ما أورده نفاة المرحلة الأخيرة","level":3,"page":677},{"title":"[الجواب على عدم إيراد كثير ممن ترجم له من أصحابه وغيرهم المرحلة الأخيرة]","level":4,"page":677},{"title":"المبحث الثالث أسباب انتقال الأشعري لمذهب أهل السنة وتركه للطريقة الكلابية","level":3,"page":679},{"title":"الفصل الرابع بيان مخالفة متأخري الأشاعري للأشعري ولكبار أصحابه","level":2,"page":681},{"title":"تمهيد","level":3,"page":681},{"title":"المبحث الأول نصوص أئمة أصحاب الأشعري في إثبات الصفات لله تعالى والمنع من تأويلها","level":3,"page":683},{"title":"المبحث الثاني بيان بطلان أن يكون للأشعري قولان في الصفات وبيان خطأ من حكى عنه ذلك","level":3,"page":690},{"title":"[قيام أهل الحديث بمن فيهم الخليفة ضد الأشعرية في القرنين الرابع والخامس]","level":4,"page":698},{"title":"[أسباب انتشار المذهب الأشعري في القرنين السادس والسابع]","level":4,"page":700},{"title":"[بطلان تقسيم أهل السنة لثلاثة طوائف]","level":4,"page":707},{"title":"[أكثر تأويلات متأخري الأشاعرة هي عين تأويلات قدماء الجهمية]","level":4,"page":708},{"title":"[التهويل بادعاء أن تضليل الأشعرية يستلزم تضليل الأمة]","level":4,"page":708}],"ٛ":{"1,16":2,"1,17":3,"1,18":4,"1,19":5,"1,20":6,"1,21":7,"1,22":8,"1,23":9,"1,24":10,"1,25":11,"1,26":12,"1,27":13,"1,28":14,"1,29":15,"1,30":16,"1,31":17,"1,32":18,"1,33":19,"1,34":20,"1,35":21,"1,36":22,"1,37":23,"1,38":24,"1,39":25,"1,40":26,"1,49":27,"1,50":28,"1,51":29,"1,52":30,"1,53":31,"1,54":32,"1,55":33,"1,56":34,"1,57":35,"1,58":36,"1,59":37,"1,61":38,"1,63":39,"1,64":40,"1,65":41,"1,66":42,"1,69":43,"1,70":44,"1,71":45,"1,72":46,"1,73":47,"1,74":48,"1,75":49,"1,77":50,"1,78":51,"1,79":52,"1,80":53,"1,81":54,"1,82":55,"1,83":56,"1,84":57,"1,85":58,"1,86":59,"1,87":60,"1,88":61,"1,89":62,"1,90":63,"1,91":64,"1,92":65,"1,93":66,"1,94":67,"1,95":68,"1,96":69,"1,97":70,"1,98":71,"1,99":72,"1,100":73,"1,101":74,"1,102":75,"1,103":76,"1,104":77,"1,105":78,"1,106":79,"1,107":80,"1,108":81,"1,109":82,"1,110":83,"1,111":84,"1,112":85,"1,113":86,"1,114":87,"1,115":88,"1,116":89,"1,117":90,"1,118":91,"1,119":92,"1,120":93,"1,121":94,"1,122":95,"1,123":96,"1,124":97,"1,125":98,"1,126":99,"1,127":100,"1,128":101,"1,129":102,"1,130":103,"1,131":104,"1,132":105,"1,133":106,"1,134":107,"1,135":108,"1,136":109,"1,137":110,"1,138":111,"1,139":112,"1,140":113,"1,141":114,"1,142":115,"1,143":116,"1,144":117,"1,145":118,"1,146":119,"1,147":120,"1,148":121,"1,149":122,"1,150":123,"1,151":124,"1,152":125,"1,153":126,"1,154":127,"1,155":128,"1,156":129,"1,157":130,"1,158":131,"1,159":132,"1,160":133,"1,161":134,"1,162":135,"1,163":136,"1,164":137,"1,165":138,"1,166":139,"1,167":140,"1,168":141,"1,169":142,"1,170":143,"1,171":144,"1,172":145,"1,173":146,"1,174":147,"1,175":148,"1,176":149,"1,177":150,"1,178":151,"1,179":152,"1,180":153,"1,181":154,"1,182":155,"1,183":156,"1,184":157,"1,185":158,"1,186":159,"1,187":160,"1,188":161,"1,189":162,"1,190":163,"1,191":164,"1,192":165,"1,193":166,"1,194":167,"1,195":168,"1,196":169,"1,197":170,"1,198":171,"1,199":172,"1,200":173,"1,201":174,"1,202":175,"1,203":176,"1,204":177,"1,205":178,"1,206":179,"1,207":180,"1,208":181,"1,209":182,"1,210":183,"1,211":184,"1,212":185,"1,213":186,"1,214":187,"1,215":188,"1,216":189,"1,217":190,"1,218":191,"1,219":192,"1,220":193,"1,221":194,"1,222":195,"1,223":196,"1,224":197,"1,225":198,"1,226":199,"1,227":200,"1,228":201,"1,229":202,"1,230":203,"1,231":204,"1,232":205,"1,233":206,"1,234":207,"1,235":208,"1,236":209,"1,237":210,"1,238":211,"1,239":212,"1,240":213,"1,241":214,"1,242":215,"1,243":216,"1,244":217,"1,245":218,"1,246":219,"1,247":220,"1,248":221,"1,249":222,"1,250":223,"1,251":224,"1,252":225,"1,253":226,"1,254":227,"1,255":228,"1,256":229,"1,257":230,"1,258":231,"1,259":232,"1,261":233,"1,262":234,"1,263":235,"1,264":236,"1,265":237,"1,266":238,"1,267":239,"1,268":240,"1,269":241,"1,270":242,"1,271":243,"1,272":244,"1,273":245,"1,274":246,"1,275":247,"1,276":248,"1,277":249,"1,278":250,"1,279":251,"1,280":252,"1,281":253,"1,282":254,"1,283":255,"1,284":256,"1,285":257,"1,286":258,"1,287":259,"1,288":260,"1,289":261,"1,290":262,"1,291":263,"1,292":264,"1,293":265,"1,294":266,"1,295":267,"1,296":268,"1,297":269,"1,298":270,"1,299":271,"1,300":272,"1,301":273,"1,302":274,"1,303":275,"1,304":276,"1,305":277,"1,306":278,"1,307":279,"1,308":280,"1,309":281,"1,310":282,"1,311":283,"1,312":284,"1,313":285,"1,314":286,"1,315":287,"1,316":288,"1,317":289,"1,318":290,"1,319":291,"1,320":292,"1,321":293,"1,322":294,"1,323":295,"1,324":296,"1,325":297,"1,326":298,"1,327":299,"1,329":300,"1,330":301,"1,331":302,"1,332":303,"1,333":304,"1,334":305,"1,335":306,"1,336":307,"1,337":308,"1,338":309,"1,339":310,"1,340":311,"1,341":312,"1,342":313,"1,343":314,"1,344":315,"1,345":316,"1,346":317,"1,347":318,"1,348":319,"1,349":320,"1,350":321,"1,351":322,"1,352":323,"1,353":324,"1,354":325,"1,355":326,"1,356":327,"1,357":328,"1,359":329,"1,360":330,"1,361":331,"1,362":332,"1,363":333,"1,364":334,"1,365":335,"1,366":336,"1,367":337,"1,368":338,"1,369":339,"1,370":340,"1,371":341,"1,372":342,"1,373":343,"1,374":344,"1,375":345,"1,376":346,"1,377":347,"1,378":348,"1,379":349,"1,380":350,"1,381":351,"1,382":352,"1,383":353,"1,384":354,"1,386":355,"1,387":356,"1,388":357,"1,389":358,"1,390":359,"1,391":360,"1,392":361,"1,393":362,"1,394":363,"1,395":364,"1,396":365,"1,397":366,"1,398":367,"1,399":368,"1,400":369,"1,401":370,"1,402":371,"1,403":372,"1,404":373,"1,405":374,"1,406":375,"1,407":376,"1,408":377,"1,409":378,"1,411":379,"1,412":380,"1,413":381,"1,414":382,"1,415":383,"1,416":384,"1,419":385,"1,420":386,"1,421":387,"1,423":388,"1,424":389,"1,425":390,"1,426":391,"1,427":392,"1,428":393,"1,429":394,"1,430":395,"1,431":396,"1,432":397,"1,433":398,"1,434":399,"1,435":400,"1,436":401,"1,437":402,"1,438":403,"1,439":404,"1,440":405,"1,441":406,"1,442":407,"1,443":408,"1,444":409,"1,445":410,"1,446":411,"1,447":412,"1,448":413,"1,449":414,"1,450":415,"1,451":416,"1,452":417,"1,453":418,"1,454":419,"1,455":420,"1,456":421,"1,457":422,"1,458":423,"1,459":424,"1,460":425,"1,461":426,"1,462":427,"1,463":428,"1,464":429,"1,465":430,"1,466":431,"1,467":432,"1,468":433,"1,469":434,"1,470":435,"1,471":436,"1,472":437,"1,473":438,"1,474":439,"1,475":440,"1,476":441,"1,477":442,"1,478":443,"1,479":444,"1,480":445,"1,481":446,"1,482":447,"1,483":448,"1,484":449,"1,485":450,"1,486":451,"1,487":452,"1,488":453,"1,489":454,"1,490":455,"1,491":456,"1,492":457,"1,493":458,"1,494":459,"1,495":460,"1,496":461,"1,497":462,"1,501":463,"1,502":464,"1,503":465,"1,504":466,"1,505":467,"1,506":468,"1,507":469,"1,508":470,"1,509":471,"1,510":472,"1,511":473,"1,512":474,"1,513":475,"1,514":476,"1,515":477,"1,517":478,"1,518":479,"1,519":480,"1,520":481,"1,521":482,"1,522":483,"1,523":484,"1,524":485,"1,525":486,"1,526":487,"1,527":488,"1,528":489,"1,529":490,"1,530":491,"1,531":492,"1,532":493,"1,533":494,"1,534":495,"1,535":496,"1,536":497,"1,537":498,"1,538":499,"1,539":500,"1,540":501,"1,541":502,"1,542":503,"1,543":504,"1,544":505,"1,545":506,"1,547":507,"1,549":508,"1,550":509,"1,551":510,"1,552":511,"1,553":512,"1,554":513,"1,555":514,"1,556":515,"1,557":516,"1,558":517,"1,559":518,"1,560":519,"1,561":520,"1,562":521,"1,563":522,"1,564":523,"1,565":524,"1,566":525,"1,567":526,"1,568":527,"1,569":528,"1,570":529,"1,571":530,"1,572":531,"1,573":532,"1,574":533,"1,575":534,"1,576":535,"1,577":536,"1,578":537,"1,579":538,"1,580":539,"1,581":540,"1,582":541,"1,583":542,"1,584":543,"1,585":544,"1,586":545,"1,587":546,"1,588":547,"1,589":548,"1,590":549,"1,591":550,"1,592":551,"1,593":552,"1,595":553,"1,596":554,"1,597":555,"1,598":556,"1,599":557,"1,600":558,"1,601":559,"1,602":560,"1,603":561,"1,604":562,"1,605":563,"1,606":564,"1,607":565,"1,608":566,"1,609":567,"1,610":568,"1,611":569,"1,612":570,"1,613":571,"1,614":572,"1,615":573,"1,616":574,"1,617":575,"1,618":576,"1,619":577,"1,620":578,"1,621":579,"1,622":580,"1,623":581,"1,624":582,"1,625":583,"1,626":584,"1,627":585,"1,628":586,"1,629":587,"1,630":588,"1,631":589,"1,632":590,"1,633":591,"1,634":592,"1,635":593,"1,636":594,"1,637":595,"1,638":596,"1,639":597,"1,640":598,"1,641":599,"1,642":600,"1,643":601,"1,645":602,"1,647":603,"1,648":604,"1,649":605,"1,650":606,"1,651":607,"1,652":608,"1,653":609,"1,654":610,"1,655":611,"1,656":612,"1,657":613,"1,658":614,"1,659":615,"1,660":616,"1,661":617,"1,662":618,"1,663":619,"1,664":620,"1,665":621,"1,666":622,"1,667":623,"1,668":624,"1,669":625,"1,670":626,"1,671":627,"1,672":628,"1,673":629,"1,674":630,"1,675":631,"1,676":632,"1,677":633,"1,678":634,"1,679":635,"1,680":636,"1,681":637,"1,683":638,"1,684":639,"1,685":640,"1,687":641,"1,688":642,"1,689":643,"1,690":644,"1,691":645,"1,692":646,"1,693":647,"1,694":648,"1,695":649,"1,696":650,"1,697":651,"1,698":652,"1,699":653,"1,700":654,"1,701":655,"1,702":656,"1,703":657,"1,704":658,"1,705":659,"1,706":660,"1,707":661,"1,708":662,"1,709":663,"1,710":664,"1,711":665,"1,712":666,"1,713":667,"1,714":668,"1,715":669,"1,716":670,"1,717":671,"1,718":672,"1,719":673,"1,720":674,"1,721":675,"1,722":676,"1,723":677,"1,724":678,"1,725":679,"1,726":680,"1,727":681,"1,728":682,"1,730":683,"1,731":684,"1,732":685,"1,733":686,"1,734":687,"1,735":688,"1,736":689,"1,737":690,"1,738":691,"1,739":692,"1,741":693,"1,742":694,"1,743":695,"1,744":696,"1,745":697,"1,746":698,"1,748":699,"1,749":700,"1,753":701,"1,754":702,"1,755":703,"1,756":704,"1,757":705,"1,758":706,"1,759":707,"1,760":708,"1,761":709,"1,762":710,"1,763":711},"ٜ":{"1":[16,763]},"ٝ":[null,"1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,61","1,63","1,64","1,65","1,66","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,419","1,420","1,421","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,547","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,645","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,683","1,684","1,685","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,741","1,742","1,743","1,744","1,745","1,746","1,748","1,749","1,753","1,754","1,755","1,756","1,757","1,758","1,759","1,760","1,761","1,762","1,763",null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,null,null],"ٞ":{"2":[1,2],"5":[3],"12":[4],"15":[5],"19":[6],"24":[7],"27":[8],"37":[9],"38":[10,11],"41":[12],"50":[13,14,15],"52":[16,17,18,19],"54":[20],"62":[21],"117":[22],"119":[23],"120":[24,25],"128":[26],"134":[27],"136":[28,29],"140":[30],"141":[31],"148":[32],"181":[33],"203":[34,35],"205":[36],"209":[37,38],"213":[39],"216":[40],"217":[41],"218":[42],"227":[43,44],"233":[45,46],"235":[47],"259":[48],"261":[49],"263":[50,51],"265":[52],"297":[53],"300":[54,55],"302":[56],"319":[57,58],"329":[59,60],"331":[61],"358":[62],"359":[63],"362":[64],"367":[65],"369":[66],"371":[67],"379":[68,69],"381":[70],"385":[71],"387":[72],"388":[73],"390":[74],"391":[75],"395":[76],"418":[77],"419":[78],"422":[79,80],"424":[81],"431":[82],"432":[83],"433":[84],"438":[85],"450":[86,87],"463":[88,89],"471":[90],"474":[91],"478":[92],"479":[93],"484":[94],"505":[95],"507":[96],"508":[97],"512":[98,99],"517":[100],"518":[101],"520":[102],"523":[103],"526":[104],"527":[105],"528":[106],"532":[107],"538":[108,109],"543":[110],"549":[111],"550":[112],"552":[113],"553":[114],"555":[115],"599":[116],"601":[117],"603":[118,119],"607":[120],"610":[121],"615":[122],"638":[123],"641":[124,125],"643":[126],"646":[127],"647":[128],"652":[129],"655":[130],"667":[131,132],"669":[133],"677":[134,135],"679":[136],"681":[137,138],"683":[139],"690":[140],"698":[141],"700":[142],"707":[143],"708":[144,145]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الأشاعرة\nفي ميزان أهل السنة\nنقدٌ لكتاب (أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم)\n\nتأليف\nفيصل بن قزار الجاسم","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>تقريظ </span>الشيخ / د. محمد بن عبد الرحمن المغراوي (المغرب)\nأستاذ الدراسات العليا بجامعة القرويين، وعضو مجلس الجامعة سابقًا\nورئيس جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة بالمغرب\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nوبعد،\nفلقد قرأت كتاب الأستاذ/ فيصل بن قزار أبو عثمان، فوجدته كتابًا عظيمًا في بابه، فقد أتى على شبهة المشبّهين وبيّن وهنها وضعفها، وأنها مجرد دعاوى لا تقوم على حجة ولا على بينة، وهي كما قال القائل:\nوالدعاوى ما لم تقيموا عليها بينات أبناؤها أدعياء\nوالحقيقة أن الذي ساعد الكاتب في هذا البحث هو اطلاعه على ما كتبه السلف الصالح رضوان الله عليهم، فإن من نعمة الله وفضله على هذه الأمة أن حفظ لها تراثها كاملًا، ولا سيما في باب","vol":"1","page":16},{"text":"المعتقد، فإن هذا الباب ولله الحمد جنّد الله له جنودًا كثيرة في مختلف العصور والأزمان، وفي مختلف الأقاليم والأمصار، فهذا التراث العظيم الذي ظهر ولله الحمد وانتشر فضح كل دعيٍّ يدّعي أنه على مذهب السلف الصالح. فإن هذه المصادر العلمية التي قامت بالدفاع عن العقيدة السلفية أصبحت ولله الحمد في يد كل طالب علم يزن بها كل مدّع.\nوما كان يُظنّ في مثل هذا الزمان الذي طفحت فيه المكتبات بمصادر السلف ومؤلفاتهم أن يتعلق متعلّق بخيوط العنكبوت، ويجري وراء تقليد المقلدين ويحكي شبههم التي نفثوها في مصنفاتهم ومؤلفاتهم، وهم يستكثرون بكل غث وسمين، وينزل مستواهم إلى الاستدلال بنقول لا تعتبر في الميزان العلمي حتى عند المبتدئين، كالنقل عن النسفي والقرطبي من المتأخرين، والذين لا يُسندون ولا يوثّقون معلوماتهم، ولا سيما في باب المعتقد.\nفهذا البحث القيم الطيب ندعو لصاحبه بالتوفيق والثبات، ونتمنى من الله ﵎ أن يزيده علمًا نافعًا، وأن يبارك فيه، وأن يجزيه خير الجزاء، فإنه قد قام بالدفاع عن عقيدة السلف وبيان الحق. والحمد لله الذي يجعل في أبناء الأمة الإسلامية من يرفع راية","vol":"1","page":17},{"text":"الحق، ويدفع راية الباطل ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾ الإسراء ٨١.\nكاتبه/ محمد بن عبد الرحمن المغراوي\nأستاذ الدراسات العليا بجامعة القرويين وعضو مجلس الجامعة سابقًا\nورئيس جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة بالمغرب\n٢٨/ ١١/١٤٢٧هـ","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>تقريظ الشيخ / أ. د. سعود بن عبد العزيز الخلف</span>\nرئيس قسم العقيدة في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nورئيس جمعية العقيدة في المملكة العربية السعودية\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ... وبعد،،،\nفقد اطلعت على كتاب \" الأشاعرة في ميزان أهل السنة نقدٌ لكتاب (أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم) \" تأليف الأخ الفاضل: فيصل بن قزار الجاسم.\n\nوقد استعرضته وتصفحته من أوله إلى آخره، وقرأت منه في مواطن عديدة وكنت أحب أن أقرأه كاملًا الاأن انشغالي وضيق الوقت حال دون ذلك، وقد ألفيته كتابا قيمًا، أبان فيه صاحبه وفقه الله وجزاه الله خيرا عن موضوعه المتعلق بالأشاعرة، وما ادعاه بعض الأشاعرة من دعاوى عريضة تتعلق بما يعتقدان ويقولان به","vol":"1","page":19},{"text":"ويثنيان به على المذهب الذي ارتضياه لنفسيهما، واعتقدا ما يعتقد الأشاعرة في الله تعالى، أعني الكلام في صفات الله تعالى، وادعيا أن الأشاعرة هم أهل السنة.\nوحقيقة الأمر أن الأشاعرة خالفوا أهل السنة وخاصة المتأخرون منهم مخالفة جذرية في مسألة الصفات، وذلك لأنهم بنوا قولهم فيها على قول المعتزلة، لايغادرون من قولهم شيئًا في الأصول، فقرروا ما قرره المعتزلة من أن معرفة الله عقلية، واستدلوا لإثبات وجود الله تعالى بدليل الحدوث أو الامكان، ولما كانوا أتعبوا أنفسهم في إثباته، أعني تقرير وجود الله تعالى ظنوا أنهم فازوا بفرس السبق في هذا المسلك، فراحوا يحافظون على هذا المسلك بكل وسيلة، لأنه عندهم الطريق الوحيد لإثبات وجود الله تعالى، وهو الدليل الذي يقيمون به الحجة على ملاحدة بني آدم المنكرين لوجود الله تعالى، مع أنه دليل فاسد ومسلك كاسد لم يستدل به الأنبياء ولا أهل العلم والدين من الصحابة ومن سلك منهجهم.\nأقول لما وصلوا إلى هذه النتيجة - على ضلع- بهذا الدليل راحوا يبطلون كل ما يتعارض معه ويردونه ولا يقبلونه، بل يذمون من قبله أو أخذ به لأنه في الحقيقة على زعمهم سيهدم أصلهم الذي أثبتوا به وجود الله تعالى، فبناءً عليه قرروا أن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بصفة تدل على الحدوث أو الجسمية، فأبطلوا جميع الصفات الاختيارية الفعلية كالاستواء والنزول والكلام والرحمة والغضب","vol":"1","page":20},{"text":"والمجئ والاتيان وغير ذلك، ثم أبطلوا جميع الصفات التي تدل في زعمهم على الجسمية لأن الجسمية دليل على الحدوث أيضًا، فأبطلوا وصفه جل وعلا بالوجه واليد والقدم والعين والاصبع وسائر ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله - ﷺ - متذرعين مرة بالتأويل، ومرة بالتفويض، والأدهى من ذلك والأمر أنهم تجرأوا فقعدوا القواعد لإبطال الاستدلال بشئ من النصوص الشرعية على الصفات التي ينكرونها كما فعل الرازي في كتابه تأسيس التقديس فصاروا بذلك من غلاة النفاة المعطلة لصفات الله تعالى، لهذا صار الأشاعرة على قولين ظاهرين:\nقول متقدميهم كالحارث المحاسبي وابن كلاب والأشعري في مذهبه المتوسط والباقلاني، الذين يثبتون الصفات الذاتية، وبعض الصفات الفعلية.\nوقول متأخريهم الذين ينفون سائر الصفات الفعلية وسائر الصفات الذاتية إلا ما يسمونه الصفات العقلية: وهي: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والكلام والسمع والبصر، على تفصيلات عديدة عندهم في مسألة السمع والبصر، حيث يرجعها بعضهم إلى العلم، أما الكلام فهم متفقون على نفي الحرف والصوت، مما يجعل إثباتهم لصفة الكلام دعوى لامعنى لها، بل ويصبح من لوازمها التي لا مفر لهم منها هو القول بخلق القرآن.","vol":"1","page":21},{"text":"ومن هنا فإن الأشاعرة لا يمكن أن يكونوا من أهل السنة في باب الصفات، كما أنهم في الإيمان مرجئة، وفي أفعال العباد قاربوا مذهب الجبرية، ومع ذلك فهم أقرب الفرق إلى أهل السنة فهم أقرب من المعتزلة والجهمية ومن الرافضة والزيدية وغيرهم.\nوقد انبرى لكشف تلبيس من يلبس منهم على من لايعرف حقيقتهم بدعوى أنهم من اهل السنة أخونا الشيخ فيصل بن قزاز الجاسم، في هذا الكتاب القيم، وأبطل دعواهم من جميع الوجوه، وقد استند في ذلك إلى الأدلة الدامغة من كلام الله تعالى، ومن أحاديث النبي - ﷺ - والتي ثبت أن الأشاعرة لايثبتون مدلولها.\nكما نقل عن أئمة أهل السنة وعلمائها إثباتهم للصفات كما وردت في الكتاب والسنة وأنها على الحقيقة تثبت لله تعالى من غير تحريف ولا تأويل ولا تشبيه ولا تكييف.\nكما أثبت بما لايدع مجالًا للشك أن السلف ليسوا مؤولة وليسوا مفوضة.\nونقل عن أئمة السنة باستفاضة ما يؤيد ذلك، بل ذكر عنهم ما يدل على أنهم يحرمون التأويل ويرفضونه ويعتبرونه من باب تحريف كلام الله تعالى، كما يرفضون التجهيل المسمى التفويض، لأنه إبطال لدلالة كلام الله تعالى وكلام رسوله - ﷺ - في أعظم عقيدة وأخطر مسائل الدين ألا وهي صفات الله تعالى، المرتبط بها يقينًا","vol":"1","page":22},{"text":"معرفة الله تعالى المعرفة الصحيحة، والتي ينبني عليها عبادته جل وعلا والإيمان به.\nكما بين فضيلة الشيخ فيصل بما لايدع مجالًا للشك ما يلبس به بعض المتحذلقين من الأشاعرة ممن يحاولون أن يدعموا دعوى الأشاعرة في التأويل ببعض النقول الشاذة المعزوة إلى بعض السلف يزعمون أن فيها تأويلًا.\nفسبحان الله ما أعجب الهوى كيف يفعل بأصحابه - يترك ذاك الكم الهائل من النصوص والتصريحات المثبتة للصفات على منطوق الكتاب والسنة إلى كليمات أكثرها لايصح، أو يكون لها معنى غير ما زعم المستدل بها على التأويل، وصدق الله إذ يقول ﴿فأما الذين فى قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منهم ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾.\nكما جعل خاتمة الأبواب نقوله عن أئمة السنة في ذمهم للأشعرية وأنهم ليسوا من أهل السنة، وذلك لما ثبت عنهم من الابتداع في باب الصفات، وأنهم أرادوا تنزيه الله تعالى بالطريقة التي ينزه بها الجهمية الله تعالى، فوقعوا في شر مما فروا منه، فبدل أن يثبتوا إلهًا وربًا وخالقًا له صفات الجلال والكمال جعلوه ﵎ أبكم لا يتكلم وجمادًا لايتحرك ليس له وجود، لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا يحب مؤمنًا ولا يرضى","vol":"1","page":23},{"text":"عنه ولا يغضب على كافر ولا يكرهه، ليس موصوفا بالرحمة، مع أن كل ما يرى من آثار رحمته ﵎، فأين هذا الكلام الهراء الذي ليس فيه توقير للرب جل وعلا، ولا يوصل إلى ذلك مما يثبته السلف له جل وعلا من صفات الكمال والجلال وفق ما أخبر الله تعالى، وأخبر به نبيه - ﷺ -.\nفلأخينا الشيخ فيصل الجاسم الدعوات أن الله ﵎ يبارك في جهوده، ويجزيه خيرًا عن أهل السنة، حيث انتصر للحق وأبان عن تلبيسات الملبسين وتقريرات المفسدين وتجهيلات الجاهلين، وقوم ما اعوج من كلامهم، وثقف ما مال من دعواهم في مسألة الصفات، متأسيًا في ذلك بمن تقدم من أهل العلم الكبار، الذين ردوا على المبتدعة من الجهمية والمعتزلة في مسألة الصفات، وكذلك من خص من أهل العلم الأشاعرة بالرد كالسجزي ﵀ في إثبات الحرف والصوت، وكالقاضي أبي يعلى ﵀ في إبطال التأويلات، وكشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في إبطال قاعدة المتكلمين العقلية في كتابه درء تعارض العقل والنقل، وكذلك نسفه لقواعد الرازي الكلامية الفاسدة في كتابه نقض تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية، وغيرهم كثير.\nوعليه فأقول: إن أخانا الشيخ فيصل الجاسم قد أجاد وأفاد في كتابه هذا، ونسأل الله أن يسلك بنا وبه سبيل العلماء الصالحين،","vol":"1","page":24},{"text":"المدافعين والذابين عن سنة سيد المرسلين، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناته وأن يوفقه لكل خير وفلاح، إنه ولي ذلك والقادر عليه.\nوصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم\nوكتبه\nسعود بن عبد العزيز الخلف\nأستاذ العقيدة في كلية الدعوة وأصول الدين\nبالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\n١٨/ ١/١٤٢٨هـ","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>تقريظ الشيخ / أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان (الأردن)</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nإن الحمد لله نحمده، نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:\nفقد أطلعني أخي الباحث فضيلة الشيخ / فيصل بن قزار الجاسم -حفظه الله ورعاه، وسدده، ونفع به- على كتابه القيم (الأشاعرة في ميزان أهل السنة)، فقرأته، فوجدته نافعًا، نصر فيه مذهب السلف الصالح في الأسماء والصفات بأسلوب سهل، وعرض جيد، وحشد فيه نقولات تنبئ عن صبر في البحث، وإدمان نظر، وحسن اختيار، وشدة تتبع لتلكم الدرر والشذرات من كلام الأئمة الأعلام، فنظمها في هذا العقد المحكم المتين، وزيّنه بتلكم الفوائد الأصيلة، وجاءت بصياغة محررة، وبتوثيق من مصادر معتبرة عن أعلام، أجمع -أو كاد- جميع الباحثين على فضلهم، وضرورة","vol":"1","page":26},{"text":"الانصياع إلى تقريراتهم، والعض على تأصيلاتهم، ونبذ الدخيل مما قيل عنه -زورًا وبهتانًا- أنه مذهب أهل السنة والجماعة.\nوهذه الدراسة الجادة القيمة هي في أصلها نقد -بل نقض- بكتاب (أهل السنة الأشاعرة، شهادة علماء الأمة وأدلتهم) قام الأخ الباحث فيصل -جعله الله فيصلًا بين الحق والباطل- بردّ ترهات تدور على الألسنة، وذلك من خلال الجمع والحشد لكلام أئمة في سائر الفنون، على اختلاف الأمصار والأعصار، وتجنب -عن عمد وقصد- كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه الأئمة العظام من أمثال: ابن القيم، ومن تأثر بدعوتهم من الأعلام المتأخرين، ﵃ أجمعين، وألحقنا بهم في الصالحين.\nوقد ازدان هذا الرد -بحق- بالمقارنة القوية بين الأصيل والدخيل، والجيد والرديء، والسنة والبدعة، وجمع بين الحشد المتقن المختار، والتحليل والتعليق بأسلوب سهل، ونَفَس علمي رصين، بيّن الباحث من خلاله الفرق الكبير، والبون الشاسع بين مذهب السلف الصالح ومذهب الأشاعرة، وزيّف فيه المؤلف تلكم الدعوة الظالمة أن \"الأشاعرة\" هم \"أهل السنة والجماعة\"!\nولا أكتم القارئ الكريم إني وجدت فيما قرأت من تقريرات -جاءت في معرض الرد-: أدبًا في المناقشة، وترفعًا عن المهاترة، وتمالكًا وقوة نَفَس، تنبئ عن دقة فهم، ودماثة خلق، وحسن قصد، والله حسيبه، ولا أزكي على الله أحدًا.","vol":"1","page":27},{"text":"وأخيرًا، فقد قام الأخ الباحث -أحسن الله إليه- بواجب كفائي، كفّى فيه ووفّى، جامعًا ماتعًا نافعًا، على ما عهدناه منه، وقد أحسن وأجاد فيه، وينح في بالي، وخطر في خيالي -أكثر من مرة- أثناء قراءتي له ذلك المثل العربي: (أعط القوس باريها)، فهو أهل لمثل هذه المنازلة، وكفيل برد نلكم المشاغبة، التي لا تثبت أمام الحقائق العلمية، القائمة على البراهين القوية، والحجج الدامغة، فإنه (لا أمير في العلم إلا العلم)، ولا بقاء -في المآل- إلا للحق والعدل (الخير)، فإن الحق ثقيل، ولكنه مريء، بينما الباطل خفيف -ولذا قد ينتشر- ولكنه وبيء.\nأجزل الله لمؤلف هذا الكتاب المثوبة والعطاء، ونفع الله به دينه، ونصر به الحق، وجعل لكتابه هذا الرضى والقبول، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nوكتبه\nأبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان\n٩ محرم ١٤٢٨هـ\n٢٧/ ١/٢٠٠٧","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>تقريظ الشيخ / أ. د. محمد أحمد لوح (السنغال)</span>\nعميد الكلية الإفريقية للدراسات الإسلامية في السنغال.\n\nالحمد لله الذي جعل لدين الإسلام من كل خلفٍ عدولًا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وزيف المتعالمين، والصلاة والسلام على من بشَّر أمته بأنه لا يزال طائفة منهم ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم أو ناوأهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك، اللهم صل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبع هديهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:\nفإن طوائف المتكلمين الذين حادوا عن سبيل السلف في دين الله قد عرفهم علماء السنة -منذ بزوغ قرنهم- وأحصوهم عددا، وبينوا للناس خطورة ما سلكوه من طرائق قددا، ونادوا عليهم","vol":"1","page":29},{"text":"بالزيغ والضلال في كل ناد، حتى عرفهم عامة أهل السنة فضلا عن علمائهم.\nفكما أقر الجميع بانحراف الجهمية والمعتزلة والخوارج والروافض عن المنهج الحق لظهور شأنهم، وانكشاف أمرهم، فكذلك أدركوا -منذ وقت مبكر- زيغ أهل التبعيض في الصفات الإلهية من الماتريدية والأشعرية الكلابية: فهذا أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الهروي يقول: «سمعت أحمد بن نصر الماليني ت٤١٢هـ يقول: «دخلت جامع عمرو بن العاص بمصر في نفر من أصحابي، فلما جلسنا جاء شيخ فقال: أنتم أهل خراسان أهل السنة، وهذا موضع الأشعرية فقوموا» (١)\nهكذا كان الناس -عامتهم وخاصتهم- يفرقون بين الأشعرية الكلابية وبين أهل السنة في هذا الوقت المبكر، فيا ترى كيف انقلبت الموازين لدى هؤلاء الناس، واختلطت الأمور على من يحسبون أنفسهم كتابا ومفكرين حتى فقدوا التمييز فحكموا بأن منهج وعقيدة أهل السنة هو منهج وعقيدة الأشعرية الكلابية؟ إنه لزعمٌ ما أبعده عن الواقع، ودعوى ما أفقرها إلى برهان، ولكن -ولله الحمد- الحق أبلج، والباطل لجلج، وأقلام أهل الحق لا زالت توضح المنهج، وتكشف البهرج.\n_________\n(١) ذم الكلام وأهله للهروي ٤/ ٤١٨ رقم الأثر:١٣٣٢ طبعة مكتبة الغرباء.","vol":"1","page":30},{"text":"فها هو أخونا الشيخ / أبو عثمان فيصل بن قزار الجاسم- وفقه الله - قد أطلعني على حرره ردًا على من صنف الأشاعرة الكلابية مع أهل السنة في صف واحد عقيدة وديانة، فألفيته قد رتب الكتاب ترتيبًا حسنًا، وقسمه تقسيمًا يشوق المطالع، وكتبه بأسلوب لا يملّ منه قارئ ولا سامع، وأودعه من الفوائد العلمية، والجواهر السلفية ما يكفل لكل طالب حق بطلبته، ويجذب كل منصف لمطالعته وإقراره.\nولقد أعجبني ما اكتسى به هذا الكتاب من لباس الرفق والهدوء، والخلق الكريم، والأدب العظيم، والترفع عن سفاسف الأمور، وعن التعريج على القضايا الشخصية، والأحكام الجزافية التي اعتاد أهل الأهواء أن يتخذوها أسلوبا للرد، وهو في الحقيقة حالة من العجز قد قُمِّصت بلفافة من الشدة والعنف والقذائف الاستباقية.\nإن من يقرأ هذا الكتب متأملًا أسلوبه السلفي المحكم ليشعر أنه يقرأ لكاتب يصنف مؤصلا، وخبير يكن الشفقة ويبذل النصح لمن يكتب له، وليس أسلوب كاتب يتصدى لمجادلة من خالف الحق صريحا في مقرراته العقدية، وتوجهاته المنهجية.\nومع هذا كله فالكتاب من حيث الحجة والبرهان المستقى من الكتاب والسنة والآثار السلفية قذيفةٌ من قذائف الحق أصابت باطل هؤلاء فدمغته فإذا هو زاهق.","vol":"1","page":31},{"text":"وما أحسب منصفًا- وإن كان مخالفًا- يقف عليه متأملًا إلا ويسلم بصحة ما قرره، ويدرك خطأ مخالفه.\nوالله المسئول أن يوفق مؤلفه وجميع المسلمين لخدمة هذا الدين والذب عن حياضه.\n\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.\nكتبه/ أ. د. محمد أحمد لوح\nعميد الكلية الإفريقية للدراسات الإسلامية في السنغال.\nmodlo@maktoob.com","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>تقريظ الشيخ / د. أحمد شاكر الجنيدي (مصر)</span>\nأستاذ العقيدة الإسلامية\nونائب الرئيس العام لجماعة أنصار السنة المحمدية\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\nالحمد لله الكبير المتعال، والصلاة والسلام على المصطفى المبعوث من ولد عدنان، وعلى آل بيته الطيبين الأطهار، وصحبه البررة الأخيار، ومن تبعهم بإحسان.\nوبعد:\nفإنه لمن دواعي سروري وغبطتي أن أشاهد وأقرأ بين الحين والآخر كتابًا علميًا يؤصل منهج أهل السنة والجماعة، ويدافع وينافح عن عقيدة سلف الأمة الصالحين، وذلك أن أهل الأهواء لا يكفّون عن نشر بدعهم على الناس بطرق ملتوية غريبة، فيها تحريف للنصوص، واستدلال بما لا يصح، والنقل عن أمثالهم ممن انحرفت بهم السبل، ولقد وجد هؤلاء في حياة أبي الحسن الأشعري مجالًا خصبًا للترويج لبدعهم بسبب أن أبا الحسن الأشعري -﵀- نشأ","vol":"1","page":33},{"text":"على مذهب الاعتزال في بداية عهده، ثم انتقل إلى مذهب عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان الذي كان يثبت بعض الصفات ويؤول الآخ، ثم ختم الله لأبي الحسن بالخير فانتقل إلى مذهب أهل السنة والجماعة، ومحّص طريقته بالرجوع إلى مذهب السلف الصالح، وقال بما قاله إمام أهل السنة من قبله العالم الرباني أبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، وقد ذكر كثير من أهل العلم أطوار أبي الحسن الأشعري، ومنهم الإمام الحافظ ابن كثير -﵀- حيث قال: (ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أطوار: أولها: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة، والحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبع وهي: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، وتأويل الخبرية كالوجه، واليدين، والقدم، والساق، ونحو ذلك، والحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جريًا على منوال السلف، وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرًا).\nومع هذا التصريح والتوضيح لأطوار الأشعري إلا أن أصحابه والمنتسبين إليه لم يلتزموا بمنهجه الأخير الذي رجع فيه إلى مذهب السلف، وألف الكتب النافعة فيه كالإبانة، ورسالة إلى أهل الثغر، وغير ذلك، بل أنكر الكثير منهم ما كتبه في معتقده الأخير، وهو ثابت يقينًا له، وثبتوا وتبنوا المرحلة الثانية للأشعري التي فيها تأويلٌ لكثير من الصفات، وغيرها من المخالفات،","vol":"1","page":34},{"text":"يقول الشيخ محب الدين الخطيب -﵀-: (أما الأشعرية: أي المذهب الذي المنسوب إليه في علم الكلام فكما أنه لا يمثل الأشعري في طور اعتزاله، فإنه ليس من الإنصاف أيضًا أن يلصق به فيما أراد أن يلقى الله عليه، بل هو مستمد من أقواله التي كان عليها في الطور الثاني، ثم عدل عن كثير منها في آخرته التي أتمها الله عليه بالحسنى) (١).\nوإن عجبي لا ينتهي بعد ذلك من قوم يزعمون أن الصحابة - ﵃ - كانوا أشاعرة، فلا أدري هل يظن هؤلاء أن الأشعري سابق على الصحابة وتلقوا منه، أم أن الصحابة تأخروا إلى عصره وأخذوا عنه المعتقد؟!! إنني أترك القارئ الكريم أن يعرف بنفسه فساد هذا الكلام الذي لا يستحق أن يرد عليه إنسان.\nوهذا الكتاب الذي كتبه الأخ الفاضل الباحث الأستاذ / فيصل بن قزار الجاسم من الكتب النافعة المفيدة التي تساهم مساهمة فعالة في بيان مذهب السلف الصالح في أسماء الله وصفاته، وبيان المعتقد الذي رجع إليه الإمام أبو الحسن الأشعري -﵀- كل ذلك بالأدلة الواضحة، والنقول النافعة عن أئمة السلف الصالح، وما كتبه الأشعري نفسه،\n_________\n(١) انظر تعليقه على المنتقى من منهاج الاعتدال (ص٤٣).","vol":"1","page":35},{"text":"وقد تمكن الباحث بتوفيق الله من توضيح ذلك وبيانه بسبب فهمه لمعتقد السلف الصالح، ووقوفه على كتبهم الكثيرة في مسائل العقيدة، وهي مبنية على الاستدلال بكتاب الله وصحيح سنة رسول الله - ﷺ -، وما ورد عن الصحابة والتابعين من أهل القرون الفاضلة، كما تناول الباحث في هذا الكتاب مناقشة بعض المتعصبين للمذهب الأشعري في طوره الثاني، وقد نسبوا ذلك ظلمًا وعدوانًا إلى الصحابة والتابعين، وهذا أمر خطير، وفيه من الافتراء على الصحابة والسلف ما هو معلوم، وقد رد المؤلف عليهم ردًا علميًا معتمدًا -بعد فضل الله- على الأصول العلمية عند السلف، ولهذا كان موفقًاَ غاية التوفيق، مصيبًا كل الإصابة، وقد كفى برده هذا كل منصف باحث عن الحقيقة محب للحق، وإنني أدعو كل أشعري بعد ذلك إلى الوقوف على معتقد الأشعري بعد رجوعه إلى مذهب السلف، لأنه ليس من الإنصاف أن ننسب إليه شيئًا رجع عنه وقال بغيره.\nوقد سبق أن قرأت للمؤلف بعض الكتب الأخرى ككتاب (حقيقة الخوارج في الشرع وعبر التاريخ) وكتاب (كشف الشبهات في مسائل العهد والجهاد)، وهي كتب نافعة في بابها، مهمة في العصضر الحاضر الذي كثر فيه الخارجون وافترى المفترون، فجزاه الله خير الجزاء،","vol":"1","page":36},{"text":"وأسأل الله ﷿ أن يجعل ما كتبه في ميزان حسناته يوم الدين، وأن ينفع به المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\nكتبه\nأ. د./ عبد الله شاكر الجنيدي\nأستاذ العقيدة الإسلامية\nونائب الرئيس العام لجماعة أنصار السنة المحمدية","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>تقريظ الشيخ / أ. د. أبو عمر عبد العزيز النورستاني (باكستان)</span>\nمدير الجامعة الأثرية (بيشاور) باكستان\nاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، حمدًا يملأ السموات والأرض، ويملأ ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد، والصلاة والسلام على من قال: هو الأول فليس قبله شيء، وهو الآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فليس فوقه شيء، وهو الباطن فليس دونه شيء، وعلى آله وصحبه الذين أثبتوا صفات الله تعالى العلى، وأسمائه الحسنى بلا تأويل، ولا تفويض، ولا تعطيل، ولا تجسيم، ولا تمثيل، ولا تشبيه، ولا تكييف.\nأما بعد: فإن هذه الآونة الأخيرة آونة تجميع المسلمين وتوحيد صفوفهم، لأن أعداءهم محيطون من ورائهم، ولا نجاح لهم إلا بحول الله وقوته، ثم بتوحيد صفوفهم وكلمتهم فيما بينهم، ولكن لله في عباده شئون، وبعض الناس لهم فكرة وقادة يفكرون دائمًا في","vol":"1","page":38},{"text":"شيء يمزق توحيد المسلمين ويثير الخلاف بينهم بإلقاء الشبهات والوساوس في عقيدة أهل السنة والجماعة بالانتساب إليهم وليسوا منهم، بدعاوى باطلة لا أساس لها، ثم لا يأتون على دعواهم بحجة بل ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم، وقد ثبت من حديث ابن عباس - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (لو يُعطى الناس بدعواهم لذهب دماء قوم أموالهم). [البخاري (٤٥٥٢)، ومسلم (١٧١١)]\nولكن الله حافظ دينه وناصر عباده المخلصين الذين رفعوا علم أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، فيقيّض جندًا من جنوده، وعبدًا منة عباده لإزالة هذه الشبهات، والوساوس، والانتسابات العارية عن الدليل.\nفقد اطلعت على كتاب ألفه الشيخ الفاضل فيصل بن قزار الجاسم حفظه الله ردًا على كتاب (أهل السنة الأشاعرة) ألفه الشيخان حمد السنان، وفوزي العنجري.\nفوجدته شاملًا بموضوعه، كاملًا في معانيه، كافٍ في مراده، مع عفة اللسان والدعوة الصادقة إلى توحيد الله في أسمائه الحسنى وصفاته العلى، غير ذام ولا قادح ولا جارح، بل ملتزم بالمنهج العملي الأصيل من حيث الألفاظ والمعاني، يحيل النصوص لأربابها مع العزو والتثبت، بعبارة سليمة صحيحة رد فيها تلك الشبهات والوساوس والدعاوى التي ادعاها المؤلفان في كتابهما، وكشف كل","vol":"1","page":39},{"text":"دعي يدعي الانتساب إلى مذهب السلف الصالح أهل السنة والجماعة.\nوأرى أن هذا الكتاب كسهم مرمي في الدفاع عن ساحة أهل السنة والجماعة، وهو شاهد حق في رد تلك الشبهات والوساوس والدعاوى التي ادعاها المؤلفان.\nفجزى الله الأخ الفاضل فيصل خير الجزاء، وأن يزيده علمًا نافعًا، وأن يبارك في علمه، وشكر الله له هذا العمل لأنه قام بالدفاع عن عقيدة أهل السنة والسلف الصالح رحمهم الله تعالى، وبيان الحق وإعطاء كل ذي حق حقه.\nإنه سميع قريب مجيب.\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين\n\nوكتبه أبو عمر عبد العزيز النورستاني\nمدير الجامعة الأثرية (بيشاور) باكستان","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته واقتفى أثره إلى يوم الدين وبعد،،\nفقد وقع في يدي كتاب بعنوان \"أهل السنة الأشاعرة شهادة علماء الأمة وأدلتهم\" لاثنين من الأشاعرة. فوجدت مؤلفيه قد حاولا فيه إثبات كون الأشاعرة المنسوبين لأبي الحسن الأشعري هم أهل السنة والجماعة، وتكلفا ذلك حتى خرجا بالكتاب عن البحث العلمي الموضوعي، فقررا بغير دليل، وادعيا بغير برهان ولا حجة، وملآ كتابهما بأقوال الأشاعرة أنفسهم على كونهم أهل الحق والصواب في باب أسماء الله وصفاته.\nومما يظهر للمتأمل أن كثيرًا من بحوثه، إن لم تكن أكثرها، لا تخرج عما كتبه محمد زاهد الكوثري في مقالاته، وحواشيه، ومقدماته، وما كتبه أيضًا وهبي سليمان غاوجي كذلك، كما أن بعضها مأخوذ مما كتبه حسن السقاف وهو المعروف بالافتراء والتلفيق مع عدم الأمانة في النقل والتحقيق، وهو لا يختلف كثيرًا عن الكوثري، فهما إمامان في هذا!\nوالكتاب إجمالًا مليء بالمغالطات والمؤاخذات، حتى صار إلى الحشو والتلفيق أقرب منه إلى البحث والتحقيق. وذلك لأمور كثيرة:","vol":"1","page":49},{"text":"الأمر الأول: أن مؤلفيه لم يذكرا على ما يدعيانه من صحة طريقة الأشاعرة في أسماء الله وصفاته أدلة: لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من أقوال سلف الأمة. وإنما ملئاه بدعاوى مجردة بلا بينة ولا برهان. والغريب أنهما ذكرا في عنوانه \"وأدلتهم\" فصار اسمًا على غير مسمى.\nالأمر الثاني: أنهما قد ادعيا مرارًا وتكرارًا موافقة الأشاعرة في معتقدهم لمعتقد السلف والأئمة من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ومع ذلك لم يستدلا بكلام واحد من السلف، ولم ينقلا من كتب أئمة السلف في المعتقد البتة، ككتاب \"أصول السنة\" للإمام أحمد، و\"السنة\" لابنه عبد الله، و\"السنة\" للخلال، ولابن أبي عاصم، وكتب الدارمي كـ\"الرد على الجهمية\"، و\"الرد على المريسي\"، وكتاب \"خلق أفعال العباد\" للبخاري، و\"التوحيد\" لابن خزيمة، ولابن منده، وكتب الطبري كـ \"التبصير\" و\"صريح السنة\"، و\"شرح أصول اعتقاد أهل السنة\" لللالكائي، و\"الإبانة\" لابن بطة، وغيرها كثير من كتب السنة والردود على المخالفين (١). وإنما اكتفيا بالنقل من كلام أئمة الأشاعرة ما يزعمون أنه معتقد سلف الأمة. ولا ريب أن هذا خلل كبير، وقصور عظيم في نقل المذاهب والمعتقدات، وهو يدل على جهلهما بأقوال أئمة السنة، وعدم اطلاعهما عليها،\n_________\n(١) للمزيد في معرفة مؤلفات السلف في الاعتقاد انظر \"تاريخ تدوين العقيدة السلفية\" للشيخ عبد السلام بن برجس العبد الكريم.","vol":"1","page":50},{"text":"وهذا خطأ جوهري يفقد الكتاب قيمته، ويسقطه عن درجة البحث الموضوعي إلى درجة الحشو والتلفيق والدعاوى المجردة.\nوصدق أبو نصر السجزي إذ يقول في رسالته إلى أهل زبيد (ص١٠١): (فكل مدع للسنة يجب أن يُطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك عُلم صدقه، وقُبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف عُلم أنه مُحدِث زائغ، وأنه لا يستحق أن يُصغا إليه أو يُناظر في قوله، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به، بل تمحينهم لأهله ظاهر، ونفورهم عنه بيّن، وكتبهم عارية عن إسناد، بل يقولون: قال الأشعري، وقال ابن كلاب، وقال القلانسي ...) (١) اهـ.\nوقال المِبرَد في رده على من امتدح الأشاعرة: (وهذا الذي قال لا يُقبل قوله، لأنه من جملة أتباع الأشعري، ومن يمدح العروس غير أمها وأختها) (٢).\nالأمر الثالث: أن غاية ما استدلا به وحصلاه في إثبات كون الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة، وأنهم أهل الطريقة المثلى، هو شهادة الأشاعرة أنفسهم لأنفسهم، وهذا عبث لا طائل من ورائه، وحال هذين كحال الرافضي الذي يستشهد على كون الرافضة هم أهل الحق بشهادة أئمة الرافضة.\nومن بدهيات البحث والتحقيق العلمي أن تقرير صحة الطرق والمناهج لا يكون بشهادة أصحابها لأنفسهم، وإنما بالدليل والحجة والبرهان من الكتاب والسنة وأقوال السلف وأئمة السنة.\nوصدق أبو نصر السجزي إذ يقول في مثل هذا: (ويتعلق قوم\n_________\n(١) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص١٠١).\n(٢) جمع الجيوش والدساكر على ابن عساكر (ص١٣١).","vol":"1","page":51},{"text":"من المغاربة علينا بأن أبا محمد بن أبي زيد وأبا الحسن القابسي قالا: \"إن الأشعري إمام\" وإذا بان صحة حكايتهم عن هذين فلا يخلو حالهما من أحد وجهين: أن يدعى أنهما كانا على مذهبه فلا يحكم بقولهما بإمامته، وإن كانت لهم منزلة كبيرة، كما لم يحكم بما يقول ابن الباقلاني وأشكاله) (١) اهـ.\nالأمر الرابع: أنهما ينسبان لأئمة السنة من الأقوال ما لم يتثبتا من صحة نسبتها إليهم، فتراهما ينقلان عن بعض الصحابة والتابعين ما لم يطلعا على إسناده، ولم يخرجاه من مظانه، كأن ينسبا مثلًا قولًا لابن عباس - ﵁ -، أو مجاهد، وينقلاه عن القرطبي أو غيره بلا إسناد ولا تمحيص، ويجعلاه حجة لهما على ما ادعيا، وهما لا يعرفان ثبوته من عدمه. وهذا يدل على جهل وقلة علم.\nالأمر الخامس: أن كل ما لا يعجبهما من أقوال من يعظمونه كالأشعري وغيره، مما فيه إبطال لدعواهما يجعلانه مدسوسًا. كما تكلفا إنكار ثبوت كتاب الإبانة المطبوع المتداول للأشعري، وزعما أن أيدي العابثين طالته.\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٢٢٧).","vol":"1","page":52},{"text":"الأمر السادس: أنهما يقرران المسائل اللغوية بغير مستند من أهل اللغة ولا رجوع إلى كتبها، ولكن بما تهواه أنفسهما، كما زعما: أن معنى الشيء هو كيفيته، وأن السؤال عن الكيفية: سؤال عن المعنى، ونفي الكيفية نفي للمعنى. كل هذا هروبًا مما يلزمهما من الحجة.\nالأمر السابع: أنهما أكثرا من الدعاوى العريضة، خاصة فيما يتعلق بنقل الإجماع على ما يدّعون، كقولهما: إن جميع المالكية والشافعية والحنفية والسمعانية أشاعرة أو ماتريدية. وقد أكثرا جدًا من مقولة \"هذا مذهب العلماء قاطبة\"!!. مع أن دعوى إجماع السلف أو اتفاقهم على نقيض ما ادعوه أقرب وأظهر.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في النبوات: (ولأهل الكلام والرأي من دعوى الإجماعات التي ليست صحيحة، بل قد يكون فيها نزاع معروف، وقد يكون إجماع السلف على خلاف ما ادعوا فيه الاجماع ما يطول ذكره) (١).\nوقال في منهاج السنة: (ثم إن غالب كتب أهل الكلام والناقلين للمقالات ينقلون في أصول الملل والنحل من المقالات ما يطول وصفه، ونفس ما بعث الله به رسوله وما يقوله أصحابه والتابعون لهم في ذلك الأصل الذي حكوا فيه أقوال الناس لا ينقلونه، لا تعمدًا\n_________\n(١) النبوات (ص١٠٨).","vol":"1","page":53},{"text":"منهم لتركه، بل لأنهم لم يعرفوه، بل ولا سمعوه، لقلة خبرتهم بنصوص الرسول وأصحابه والتابعين) (١).\nولقد خاض الأشعريان في أمور خطيرة، كان الأجدر بهما أن يتأصلا قبل أن يقررا، وأن يتثبتا قبل أن يقلدا. والمؤاخذات عليهما عند التدقيق كثيرة جدًا، قد يطول المقام في تفنيد كل واحدة منها، ولكن إيثارًا للاختصار، ورغبة في بيان الحق بأسهل طريق وأقربه، فسأجمل ما على الكتاب من مؤاخذات على النحو التالي:\nلقد قررا أن الأشاعرة هم أكثر الأمة.\nثم أنكرا رجوع الأشعري عن معتقده الكلابي وطعنا في صحة نسبة كتاب الإبانة له رجمًا بالغيب.\nثم تكلما حول عقيدة ابن كلاب وزعما أن عقيدته هي عقيدة السلف، وأنه موافق لمعتقد إمام أهل السنة أحمد بن حنبل، وادعيا أن ما نُقل من الخلاف بينهما كان خلافًا لفظيًا لا حقيقيًا.\nثم افتريا على كثير من الأئمة بنسبتهم إلى الأشاعرة كالبخاري والطبري وكثيرين.\nثم ادعيا أن مذهب السلف في أسماء الله وصفاته هو التفويض الذي هو الجهل بالمعنى، وزعما أن مذهب التأويل والتحريف مذهبٌ لبعض السلف، وأن التفويض الذي عليه عامة السلف -كما زعما- هو في حقيقته يعود إلى التأويل، فإن كلا الطريقتين:\n_________\n(١) (٦/ ٣٠٣)","vol":"1","page":54},{"text":"التفويض، والتأويل في زعمهما قد اتفقا على أن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة ليست على حقيقتها، كصفة اليد، والنزول، والاستواء، والوجه، والضحك، والمحبة، ونحوها، وإنما هي على المجاز، وإنما الفرق بين التفويض والتأويل هو تحديد المعنى المجازي، فالمفوضة لا يحددون والمؤولة يحددون، وكلاهما فيما زعما مذهبان معروفان للسلف، وما سواهما فتشبيه وتعطيل.\nثم خاضا في تحريف بعض صفات الله كصفة الكلام لله تعالى، وإنكرا أن يكون الله يتكلم بحرف وصوت، وأنكرا كذلك أن يكون الله عاليًا على خلقه بنفسه بائنًا منهم، وحرّفا صفة الاستواء، والرؤية، والعين، واليد، وغيرها من الصفات الثابتة لله تعالى.\nثم خاضا في مسألة الجسم وأن الله منزه عنه، وادعيا أن اثبات الصفات لله يستلزم الجسمية.\nثم تكلفا التفريق بين الصفات السبع التي يثبتها الأشاعرة وهي: صفة العلم، والحياة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، وبين سائر الصفات التي لا يثبتون حقيقتها بل يتأولونها.\nوقد خاضا في كثير من التأويلات بنسبتها إلى السلف بغير بينة ولا برهان، ولم يكتفيا بذلك حتى عدا الصحابة من المتكلمين وخاضا في أحاديث الآحاد.\nهذه جملة مختصرة مما خاض فيه الأشعريان بالباطل.","vol":"1","page":55},{"text":"ولما كان من الواجب رد الباطل وبيان زيفه حتى لا يلتبس على الناس، جاء هذا الرد والبيان المختصر على بعض ما ادعاه الأشعريان في كتابهما، وخاضا فيه بغير الحق.\nولما كان المقصود أيضًا من الرد هو بيان حقيقة معتقد سلف الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، والوقوف على أصوله التي يُبنى عليها في باب أسماء الله وصفاته، وبيان مخالفة طريقة الأشاعرة لهذه الأصول، فسيكون الرد عبر أبواب خمسة، يندرج تحت كل منها فصول تبين أصول معتقد السلف بالأدلة من كتاب الله، وسنة نبيه - ﷺ -، وكلام أئمة السنة.\nولم أنو استيعاب جميع ما قرره أهل السنة والجماعة في أبواب المعتقد، ولا أن أتعقب جميع أصول الأشاعرة التي خالفوا فيها السلف، فقد أُلّفت في ذلك كتب كثيرة، ولكني اهتممت بهدم ما بنى عليه الأشعريان كتابهما، واكتفيت بما يتحصل به المقصود، ويظهر به الحق، ويتبين به بطلان ما ادعاه الأشعريان من أن الأشاعرة هم أهل السنة والجماعة.\nولم أنقل في تقرير المعتقد إلا عمن كان من أئمة السنة","vol":"1","page":56},{"text":"المعروفين، ومن سار على دربهم من المتأخرين، ممن قد علم القاصي والداني فضلهم وإمامتهم.\nوربما نقلت عن بعض من يُنسبون إلى شيء من التأويل من المتأخرين، أو بعض من عُرف عنهم شيء من المخالفات في بعض أبواب الاعتقاد أو العمل: ما وافقوا فيه الحق مما يبطل دعوى الأشعريين ويبين خطأها.\nوقد أكرر بعض النقولات، لما تقتضيه من الدلالة في كل موضع بحسبه.\nوقد تجنبت عن قصد النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلمكيذه ابن القيم في تقرير مسائل الاعتقاد، كما تجنبت النقل عن أئمة الدعوة النجدية كشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وتلامذته، والعلماء المعاصرين، وغرضي في ذلك التدليل على أن ما قرره هؤلاء العلماء في كتبهم لم يكن أمرًا مبتدعًا قد انفردوا به كما يزعم بعض الجهلة، ولكنه كلام السلف والأئمة فيما سطروه في كتبهم، وما نقله الثقات عنهم، فلم يأت شيخ الإسلام ابن تيمية بشيء جديد ولكنه أبان ما خفي على كثير ممن انطبع في قلوبهم التقليد، وترك البحث والتنقيب.\nولا أخفي أنني استفدت كثيرًا مما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في الرد على شبهات المبطلين، واقتبست بعض","vol":"1","page":57},{"text":"كلامهما مع شيء من التصرف من غير أن أشير إلى ذلك، إذ أن الغرض هو رد الشبهة وإبطال البدعة.\nوربما نقلت عنهما شيئًا من كلامهما في الأمور التاريخية، والاستقرائية، والمنهجية، ونحو ذلك.\nوقسمت الرد إلى خمسة أبواب، أدرجت تحت كل باب عدة فصول، وتحت كل فصل فروع، على النحو التالي:\n(الباب الأول) ذكر أصول أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته وبيان مخالفة الأشاعرة لها.\nوأدرجت تحته سبعة فصول.\n(الباب الثاني) ذكر الأدلة على إثبات بعض صفات الله تعالى التي خاض فيها الأشاعرة بالباطل.\nوأدرجت تحته خمسة فصول.\n(الباب الثالث) الرد على ما نسبه الأشعريان للسلف من تأويل.\nوأدرجت تحته اثني عشر فصلًا.\n(الباب الرابع) تبرئة أئمة السنة من الأشعرية.\nوأدرجت تحته سبعة فصول.\n(الباب الخامس) بيان أن الكلابية والأشعرية فرقتان مباينتان لأهل السنة والجماعة. وأدرجت تحته أربعة فصول.","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الباب الأول\nذكر أصول أهل السنة والجماعة في باب أسماء الله وصفاته وبيان مخالفة الأشاعرة لها</span>","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>تمهيد</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>[تعريف أهل السنة والجماعة وبيان أوصافهم]</span>\nأهل السنة والجماعة هم أخص الناس بالسنة والجماعة، وأكثرهم تمسكًا بها، واتباعًا لها: قولًا وعملًا واعتقادًا.\nوقد قال قوام السنة أبو القاسم التيمي الأصبهاني: (قولهم: فلان على السنة، ومن أهل السنة، أي: هو موافق للتنزيل والأثر في الفعل والقول، لأن السنة لا تكون مع مخالفة الله ومخالفة رسوله) (١) اهـ.\nوعرف الحافظ ابن رجب السنة بقوله: (والسنة هي: الطريق المسلوك، فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون اسم \"السنة\" إلا على ما يشمل ذلك كله، وروي معنى ذلك عن الحسن والأوزاعي والفضيل بن عياض، وكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم \"السنة\" بما يتعلق بالاعتقاد إلا أنها أصل الدين والمخالف فيها على خطر عظيم) (٢) اهـ.\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥).\n(٢) جامع العلوم والحكم (١/ ٢٦٣).","vol":"1","page":61},{"text":"وقال إمام السنة في عصره أبو محمد البربهاري: (ولا يحل لرجل مسلم أن يقول: فلان صاحب سنة، حتى يعلم أنه اجتمعت فيه خصال السنة، لا يُقال له: صاحب سنة، حتى تجتمع فيه السنة كلها) (١) اهـ.\n_________\n(١) شرح السنة (ص١٢٨).","vol":"1","page":63},{"text":"وأصول أهل السنة والجماعة التي يبنون عليها معتقداتهم وأعمالهم، ترتكز على الاتباع لا الابتداع، فكما أنهم لا يتعبدون الله تعالى بما يهوونه، بل بما صح به الأثر، فكذلك لا يعتقدون في الله تعالى ودينه إلا بما صح به الأثر، بل هم لهذا الأمر أشد اتباعًا، وأعظم حرصًا، وأغلظ نكيرًا لمن خالف.","vol":"1","page":64},{"text":"فاعتقادهم في ربهم ﵎ مستند إلى ما في كتاب الله تعالى، وسنة نبيه - ﷺ -، لا يتجاوزنهما. مقتفين بذلك هدي سلف الأمة ونقلة الدين والشريعة أصحاب النبي - ﷺ -، الذبن هم أبرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، فهم القوم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه.\nقال تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾ التوبة ١٠٠.\nوقال تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ النساء ١١٥.\nفتراهم يستدلون على ما يجب من الاعتقاد بالكتاب، ثم بالسنة، ثم بأقوال الصحابة، ثم التابعين لهم بإحسان، ثم أتباعهم، ثم بأقوال الأئمة بعدهم.\nوهذه هي طريقتهم في جميع كتب المعتقد، لا يذكرون شيئًا مما يُعرف بأصول الكلام، ولا يخوضون في باب أسماء الله وصفاته بعقولهم القاصرة. وسيأتي مزيد بيان لذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>[مخالفة الأشاعرة لأهل السنة في مصدر التلقي]</span>\nفطريقة البخاري في صحيحه في \"كتاب التوحيد\"، وكذا في كتاب \"خلق أفعال العباد\" في تقرير المعتقد، ظاهرة في كونه على منهج السلف وطريقهم، الذين يجعلون الكتاب والسنة أصلًا، ثم يتبعونه بكلام السلف من الصحابة والتابعين والأئمة.\nوهذا هو ما يُعرف بمصدر التلقي، وهو أهم ما يميز أهل السنة والجماعة من غيرهم، من حيث تحديدهم لمصدر تلقّي الاعتقاد والأحكام بالوحي المتمثل في الكتاب والسنة.","vol":"1","page":65},{"text":"قال إما السنة أبو محمد الحسن البربهاري: (واعلم رحمك الله، أن الدين إنما جاء من قِبَل الله ﵎، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، وعلمه عند الله ورسوله، فلا تتبع شيئًا بهواك فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام ...) (١) اهـ.\n_________\n(١) شرح السنة (ص٦٦).","vol":"1","page":66},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفرقان بين أهل السنة وأهل البدعة: (فهكذا كان الصحابة ومن سلك سبيلهم من التابعين لهم باحسان وأئمة المسلمين، فلهذا لم يكن أحد منهم يعارض النصوص بمعقوله، ولا يؤسس دينًا غير ما جاء به الرسول، وإذا أراد معرفة شىء من الدين والكلام فيه: نظر فيما قاله الله والرسول، فمنه يتعلم، وبه يتكلم، وفيه ينظر ويتفكر، وبه يستدل، فهذا أصل أهل السنة.\nوأهل البدع لا يجعلون اعتمادهم فى الباطن ونفس الأمر على ما تلقوه عن الرسول، بل على ما رأوه أو ذاقوه، ثم إن وجدوا السنة توافقه، والا لم يبالوا بذلك، فإذا وجدوها تخالفه أعرضوا عنها تفويضًا أو حرفوها تأويلًا.\nفهذا هو الفرقان بين أهل الايمان والسنة وأهل النفاق والبدعة ..) (١) اهـ.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٦٢ - ٦٣).","vol":"1","page":69},{"text":"والعقل عند أهل السنة والجماعة وسيلة لفهم النصوص، وهو مناط للتكليف.\nوأما المتكلمون من الأشاعرة والكلابية وغيرهم فقد انحرفوا في مصدر التلقّي، وخالفوا ما أمر الله به ورسوله وما كان عليه سلف الأمة، وهم مع ذلك مختلفون في تحديده، إلا إنه يجمعهم الاعتماد على العقل، فيجعلونه الأساس في تقرير مسائل المعتقد، ويقدمونه على النقل.\nولذا فهم يقسمون مباحث العقيدة إلى (عقليات) تشمل أكثر (الإلهيات) كالتوحيد والنبوات ونحو ذلك، وإلى (سمعيات) تشمل أمور الآخرة ولواحقها، وقرروا أن الأصل في العقليات هو العقل، بينما في السمعيات النقل (١).\nقال أبو المعالي الجويني: (اعلموا وفقكم الله: أن أصول\n_________\n(١) للمزيد انظر: درء التعارض والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية، والصواعق المرسلة لابن القيم، و(منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى) (ص٥٥٩ - ٥٨٧) لخالد بن عبد اللطيف بن محمد نور، و(مواقف التفتازاني الاعتقادية في كتابه \"شرح العقائد النسفية\") (ص٢٧٥ - ٢٩٧) للدكتور محمد محمدي النورستاني.","vol":"1","page":70},{"text":"العقائد تنقسم إلى ما يُدرك عقلًا، ولا يسوغ تقدير إدراكه سمعًا، وإلى ما يُدرك سمعًا، ولا يتقدر إدراكه عقلًا، وإلى ما يجوز إدراكه سمعًا وعقلًا.\nفأما ما لا يُدرك إلا عقلًا، فكل قاعدة في الدين تتقدم العلم بكلام الله تعالى ووجوب اتصافه بكونه صدقًا، إذ السمعيات تستند إلى كلام الله تعالى، وما يسبق ثبوته في الترتيب ثبوت الكلام وجوبًا، فيستحيل أن يكون مدركه السمع.\nوأما ما لا يُدرك إلا سمعًا، فهو القضاء بوقوع ما يجوز في العقل وقوعه، ولا يجب أن يتقرر الحكم بثبوت الجائز ثبوته فيما غاب عنا إلا بسمع. ويتصل بهذا القسم عندنا جملة أحكام التكليف، وقضاياها من التقبيح والتحسين، والإيجاب والحظر، والندب والإباحة.\nوأما ما يجوز إدراكه عقلًا وسمعًا، فهو الذي تدل عليه شواهد العقول، ويُتصور ثبوت العلم بكلام الله تعالى متقدمًا عليه. فهذا القسم يُتوصل إلى دركه بالسمع والعقل. ونظير هذا القسم إثبات جواز الرؤية، وإثبات استبداد الباري تعالى بالخلق والاختراع، وما ضاهاهما مما يندرج تحت الضبط الذي ذكرناه. ....\nفإذا ثبتت هذه المقدمة، فيتعين بعدها على كل معتن بالدين واثق بعقله أن ينظر فيما تعلقت به الأدلة السمعية، فإن صادفه غير","vol":"1","page":71},{"text":"مستحيل في العقل، وكانت الأدلة السمعية قاطعة في طرقها، لا مجال للاحتمال في ثبوت أصولها ولا في تأويلها - فما هذا سبيله - فلا وجه إلا القطع به.\nوإن لم تثبت الأدلة السمعية بطرق قاطعة، ولم يكن مضمونها مستحيلًا في العقل، وثبتت أصولها قطعًا، ولكن طريق التأويل يجول فيها، فلا سبيل إلى القطع، ولكن المتدين يغلب على ظنه ثبوت ما دل الدليل السمعي على ثبوته، وإن لم يكن قاطعًا، وإن كان مضمون الشرع المتصل بنا مخالفًا لقضية العقل، فهو مردود قطعًا بأن الشرع لا يخالف العقل، ولا يُتصور في هذا القسم ثبوت سمع قاطع، ولا خفاء به.) (١) اهـ.\nوتأمل قوله عمن يحق له الخوض في نصوص السمع بعقله: (كل معتنٍ بالدين واثق بعقله؟!!!).\nوخلاصة هذا التقسيم أن العقل هو الأصل في العقائد، وعليه تُعرض السمعيات كالأحاديث والآثار، فما وافق منها عقل المتكلم من الأشاعرة وغيرهم قَبِلَه، وما خالفه حرّفه تأويلًا، أو عطله تفويضًا.\nوقال الغزالي في الاقتصاد: (الحمد لله الذي اجتبى من صفوة عباده عصابة الحق وأهل السنة ... وتحققوا أن لا معاندة بين الشرع\n_________\n(١) الإرشاد (ص٣٥٨ - ٣٦٠).","vol":"1","page":72},{"text":"المنقول والحق المعقول. وعرفوا أن من ظن من الحشوية (١)\nوجوب الجمود على التقليد، واتباع الظواهر ما أتوا به إلا من ضعف العقول وقلة البصائر .... وأنى يستتب الرشاد لمن يقنع بتقليد الأثر والخبر، وينكر مناهج البحث والنظر، أو لا يعلم أنه لا مستند للشرع إلا قول\n_________\n(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٥ - ١٨٦) عن لفظ \"الحشوية\": (هذا اللفظ أول من ابتدعه المعتزلة، فإنهم يسمون الجماعة والسواد الأعظم الحشو، كما تسميهم الرافضة الجمهور، وحشو الناس هم عموم الناس وجمهورهم، وهم غير الأعيان المتميزين، يقولون: هذا من حشو الناس، كما يُقال: هذا من جمهورهم. وأول من تكلم بهذا عمرو بن عبيد وقال: \"كان عبد الله بن عمر - ﵁ - حشويًا\"، فالمعتزلة سموا الجماعة حشوًا كما تسميهم الرافضة الجمهور) اهـ.\n\nوقال في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٤٢): (قلت: مسمى الحشوية في لغة الناطقين به ليس اسمًا لطائفة معينة لها رئيس قال مقالة فاتبعته، كالجهمية والكلابية والأشعرية، ولا اسمًا لقول معين من قاله كان كذلك، والطائفة إنما تتميز بذكر قولها أو بذكر رئيسها، ولهذا كان المؤمنون متميزون بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، فالقول الذي يدعون إليه هو كتاب الله، والإمام الذي يوجبون اتباعه هو رسول الله - ﷺ -) اهـ.\nوقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (ص٧٧) عن وصف أهل البدع لأهل الحديث: (وقد لقبوهم بالحشوية، والنابتة، والمجبرة، وربما قالوا: الجبرية. وسموهم الغثاء والغثر، وهذه كلها أنباز لم يأت بها خبر عن رسول الله - ﷺ -) اهـ.\nوقال عبد القادر الجيلاني كما في جلاء العينين (ص٤٣٧): (إن الباطنية تسمي أهل الحديث: حشوية، لقولهم بالأخبار وتعلقهم بالآثار) اهـ.","vol":"1","page":73},{"text":"سيد البشر - ﷺ -، وبرهان العقل هو الذي عرف به صدقه فيما أخبر ...) (١) اهـ.\nوصدق الإمام البربهاري وهو يصف حال هؤلاء فيقول: (ووضعوا القياس - أي في صفة الرب - وحملوا قدرة الرب، وآياته، وأحكامه، وأمره، ونهيه على عقولهم وآرائهم، فما وافق عقولهم قبلوه، وما لم يوافق عقولهم ردوه ..) (٢) اهـ.\nوصرح بعضهم بأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة أصل من أصول الضلالة (٣).\nبل وصل الأمر ببعضهم إلى أن قال: إن ذلك من أصول الكفر!!\nقال السنوسي في \"شرح الكبرى\": (وأما من زعم أن الطريق إلى معرفة الحق الكتاب والسنة، ويحرم ما سواهما، فالرد عليه: أن حجيتهما لا تُعرف إلا بالنظر العقلي، وأيضًا: فقد وقعت فيهما ظواهر من اعتقدها على ظاهرها كفر عند جماعة أو ابتدع) (٤) اهـ.\nوقال فيه أيضًا: (أصول الكفر ستة ... إلى أن ذكر في السادس: والتمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب والسنة ... والتمسك في أصول العقائد بمجرد ظواهر الكتاب\n_________\n(١) الاقتصاد في الاعتقاد (ص٢٧ - ٢٨).\n(٢) شرح السنة (ص٩٦).\n(٣) انظر حاشية الصاوي الأشعري على تفسير الجلالين (٣/ ١٠).\n(٤) شرح الكبرى (ص٨٢ - ٨٣) طبعة (حواش على شرح الكبرى للشيخ إسماعيل الحامدي).","vol":"1","page":74},{"text":"والسنة من غير بصيرة في العقل هو أصل ضلال الحشوية، فقالوا بالتشبيه والتجسيم والجهة عملًا بظاهر قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، ﴿أأمنتم من في السماء﴾، ﴿لما خلقت بيدي﴾، ونحو ذلك) (١) اهـ.\nوترتب على ذلك اعتقاد أن نصوص الكتاب والسنة ظنية الدلالة، ولا تفيد اليقين. كما صرح بذلك الرازي في \"أساس التقديس\" وتبعه التفتازاني في \"شرح العقائد النسفية\".\nوعلى هذا الدرب سار الأشاعرة، فتراهم يقررون مسائل المعتقد بالحجج التي يسمونها عقلية ويجعلونها أصلًا، وليس الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة، حتى لا تكاد تجدهم يذكرون من الآيات والأحاديث إلا على سبيل تأييد أصولهم العقلية، وكثيرًا ما يقولون: \"وهذا يستحيل على الله\"، \"وهذا يوجب الحد\"، ويوجب كذا وكذا.\nبل حتى الذين ألفوا منهم في المعتقد على الآيات والأحاديث كالبيهقي في كتابه \"الأسماء والصفات\" تراه يذكر الباب ويعقبه بالآيات والأحاديث، ثم يتبعه بالتأويل والخوض فيه بأصول أهل الكلام.\nوإليك أهم أصولهم في ذلك:\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٣٨٠ - ٣٨٣) - طبعة الدسوقي -.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14></span><span data-type=\"title\" id=toc-13>الفصل الأول\nفي إثبات أن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة لا على المجاز</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>[أساس دعوة الرسل: التعريف بالمعبود]</span>\nإن أساس دعوة الرسل هو التعريف بالمعبود سبحانه، ومعرفته ﵎ إنما تكون بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، التي تنبني عليها جميع المطالب الشرعية والمقامات السنية من حب المعبود ورجائه وتعظيمه وتمجيده، ولذلك فقد تنوعت الأدلة في بيان ما اتصف به المعبود سبحانه من جميل النعوت والصفات، وعظيم الفعال.\nولما كان هذا الأمر هو محور دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، صار أظهر شيء في كتاب الله، وأعظمه بيانًا، وأحسنه كلامًا هو ما يتعلق بهذا الباب العظيم.\nوالله ﷿ قد امتن على عباده بما أنزله عليهم من القرآن العظيم الذي جعله حجة على عباده، وآية على صدق دعوة نبيه، وهدى للناس في كل زمان ومكان، فأوضحه الله ﷿ أعظم توضيح ويسره للتدبر والتذكر، وتعرف به إلى عباده.","vol":"1","page":77},{"text":"قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ القمر١٧\nوقال جل وعلا واصفًا كتابه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الزخرف٣.\nوبين الله ﷿ أنه أنزل كتابه باللسان العربي الواضح، ليُفهم عنه فقال ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. َنزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ الشعراء١٩٥.\nوبين ربنا ﵎ أنه أرسل الرسل ليبينوا للناس، لا ليُلغزوا ويوهموا.\nفقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ النساء٢٦\nوقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ إبراهيم٤\nوقال: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ النحل٤٤\nومن المحال أن يكون القرآن موصوفًا بكونه مُبينًا، ثم يكون أعظم ما فيه وهو صفة الله ﷿ ونعته سبحانه خافيًا لا يُهتدى إليه إلا بالتكلفات والتأويلات المخرجة له عن حقيقته. بل لا بد أن يكون واضحًا بينًا يسهل الاهتداء إليه، وفهم معناه.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>[الأصل في الكلام: الحقيقة]</span>\nولا ريب أن الأصل في كلام الناس أن يُحمل على الحقيقة لا على المجاز، وهذا مع اختلاف نواياهم ومقاصدهم، فكيف بكلام الرب ﵎ الذي أراد به التعريف بنفسه، وبيان عظيم وصفه لتألهه القلوب وتتعلق به ربًا وإلهًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>[الخطاب نوعان]</span>\nوالخطاب لا يخرج عن نوعين:\nخطاب يُقصد به التعمية على السامع والإلغاز. وهذا ينزه عنه كلام الله تعالى.\nوخطاب يُقصد به البيان والهدى والإرشاد. وهذا الذي وصف الله به كتابه وكلامه كما مر معنا في الآيات السابقة. فإذا أطلق الله لفظًا أو أطلق رسوله - ﷺ - لفظًا له معنى ظاهر بوضع اللغة، ولم يقرن به ما يدل على خلاف ظاهره وعدم إرادة ذلك المعنى، كان ذلك دالًا على أن المراد به حقيقته، وإلا لم يكن كلام الله مبيّنًا، ولا مُبينًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>[الطرق التي يُعرف بها مراد المتكلم]</span>\nوهذا هو أحد الطرق التي يُعرف بها مراد المتكلم. والطريق الآخر أن يُصرّح بإرادة ذلك المعنى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>[عدم تنازع الصحابة في الصفات]</span>\nولذلك لم تختلف كلمة الصحابة قط في صفة من صفات الله ﷿ ولا في فعل من أفعاله، ولم يتنازعوا في تأويل آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، فكانت كلمتهم وكلمة من بعدهم من التابعين متفقة على إقرارها كما جاءت وإثبات حقائقها لله","vol":"1","page":79},{"text":"تعالى على الوجه اللائق به من غير تمثيل لها بصفات المخلوقين، مع كونهم قد اختلفوا في بعض آيات الأحكام.\nولم يرد عن النبي - ﷺ - ولا عن أصحابه ولا عن التابعين ولا أتباعهم حرف واحد في أن صفات الله ﷿ لا يراد بها الحقيقة. بل كلامهم إما نص، وإما ظاهر: في أن صفات الله على الحقيقة، مع نفي التمثيل والتكييف.\nولهذا، عجز الأشعريان أن ينقلا حرفًا واحدًا عن السلف في أن المراد بالصفات أو بعضها المجاز لا الحقيقة.\nوإليك بعض الأدلة من الكتاب والسنة ومن أقوال سلف الأمة الدالة على كون صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة هي على الحقيقة لا على المجاز:","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المبحث الأول\nدلالة الكتاب والسنة على أن صفات الله الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة</span>\nأما الكتاب فمع ما سبق ذكره في أول الفصل.\nقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الزخرف٣\n\nوأما من السنة:\n(١) فعن أبي يونس سليم بن جبير مولى أبي هريرة قال: سمعت أبا هريرة - ﵁ - يقرأ هذه الآية ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾ إلى قوله تعالى ﴿سميعا بصيرا﴾ النساء٨٥، قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - يضع إبهامه على أذنه، والتي تليها على عينه. قال أبو هريرة - ﵁ -: رأيت رسول الله - ﷺ - يقرؤها ويضع إصبعيه) (١).\n_________\n(١) رواه أبو داود (٣/ ٢٨٧) وابن خزيمة في التوحيد (ص٤٢) وابن حبان (١/ ٢٤١) والطبراني في الأوسط (٩/ ١٣٢) وابن منده في التوحيد (٣/ ٤٤) والحاكم (٢/ ٢٥٧) واللالكائي (٣/ ٤١٠) والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" (ص٢٣٣).","vol":"1","page":81},{"text":"قال ابن يونس: قال المقرئ: يعني إن الله سميع بصير، يعني أن لله سمعًا وبصرًا. قال أبو داود: وهذا رد على الجهمية.\nوفي هذا الحديث تحقيق لصفتي السمع والبصر لله ﷿، وأن الصفة الواردة في الآية إنما هي على الحقيقة، التي هي في الإنسان في العين والأذن، وليس المراد بهذا تشبيه صفة الله بصفة المخلوق، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا. فقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السميع البصير﴾ الشورى١١. فأثبت لنفسه السمع والبصر، ونفى مماثلته للمخلوقات.\n(٢) وعن عبيد الله بن مقسم: أنه نظر إلى عبد الله بن عمر - ﵁ - كيف يحكي رسول الله - ﷺ - قال: (يأخذ الله ﷿ سماواته وأرضيه بيديه، فيقول: أنا الله، ويقبض أصابعه ويبسطها، أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه، حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله - ﷺ -) (١).\nوفيه تحقيق القبض والبسط من صفة الله تعالى، وأنها على حقيقتها من غير مماثلة لصفة المخلوق.\n(٣) وفي الحديث الطويل في ذكر آخر أهل الجنة دخولًا عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال في آخره:\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٧٨٨)","vol":"1","page":82},{"text":"(فيقول -أي العبد-: يا رب أدخلني الجنة، قال: فيقول ﷿ ما يصريني (١) منك أي عبدي، أيرضيك أن أعطيك من الجنة الدنيا ومثلها معها، قال: فيقول أتهزأ بي وأنت رب العزة، قال -الراوي-: فضحك عبد الله حتى بدت نواجذه، ثم قال: ألا تسألوني لم ضحكت؟ قالوا له: لم ضحكت؟ قال: لضحك رسول الله - ﷺ -، ثم قال لنا رسول الله - ﷺ -: ألا تسألوني لم ضحكت؟ قالوا: لم ضحكت يا رسول الله؟ قال: لضحك الرب حين قال أتهزأ بي وأنت رب العزة) (٢).\nوفيه تحقيق الضحك لله تعالى.\n(٤) وعن جابر - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك»، فقال له بعض الصحابة: أتخاف علينا وقد آمنا بك وبما جئت به؟ فقال: «إن القلب بين إصبعين من أصابع الرحمن ﷿ يقول بهما هكذا»\n_________\n(١) قال أبو عبيد في\" غريب الحديث\" (٣/ ٨٣): (قوله: يَصريك: يقطع مسألتك مني، وكل شيء قطعته ومنعته فقد صريته. وقال الشاعر هو ذو الرمة الطويل:\nفودعهن مشتاقًا أصبن فؤاده ... هواهن إن لم يصره الله قاتله\nيقول إن لم يقطع الله هواه لهن ويمنعه الله من ذلك قتله).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٣٩١) وأبو عوانة في مسنده (١/ ١٤٢) وأبو يعلى (٩/ ١٩٣) والشاشي في مسنده (١/ ٣٠٧) والطبراني في الكبير (٩/ ٣٥٧) (١٠/ ٩) والحاكم (٢/ ٤٠٨) (٤/ ٦٣٤).","vol":"1","page":83},{"text":"وحرك أبو أحمد إصبعه (١).\nقلت: وأبو أحمد: هو الإمام الثقة الثبت محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي الزبيري الكوفي (ت ٢٠٣هـ). وهو راو الحديث عن سفيان الثوري.\nوفيه تحقيق الأصابع لله تعالى.\n(٥) وعن حماد بن سلمة قال: ثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾ الأعراف ١٤٣، قال: قال هكذا، يعني أنه أخرج طرف الخنصر، قال أبي: أرانا معاذ قال: فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد -أي ثابت البناني-؟ قال: فضرب صدره\n_________\n(١) رواه أبو يعلى (٤/ ٢٠٧) والطبري في تفسيره (٣/ ١٨٨) والدارقطني في الصفات (ص١٢٤) وابن منده في \"الرد على الجهمية\" (ص٨٧) وقال: (وهذا حديث ثابت باتفاق) وفي التوحيد (٣/ ١١٢)، وقال: (اختلف على الأعمش في إسناد هذا الحديث، فرواه أبو معاوية وغيره عن الأعمش عن أبي سفيان ويزيد الرقاشي عن أنس بن مالك، ورواه جرير بن عبد الحميد وغيره عن الأعمش عن يزيد الرقاشي عن أنس، وكذلك رواه عتبة بن أبي حكيم وغيره عن يزيد عن أنس، ورواه منصور بن أبي نويرة وغيره عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن غنيم بن قيس عن أنس بن مالك، وقال إسماعيل بن عمرو بن قيس بن الربيع عن الأعمش عن ثابت البناني عن أنس بن مالك، وكلها معلولة إلا رواية الثوري وفضيل. - أي من مسند جابر -. وروي هذا الحديث عن عائشة وأم سلمة وأسماء بنت يزيد وعن أبي ذر وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة وغيرهم من طرق فيها مقال) اهـ.","vol":"1","page":84},{"text":"ضربة شديدة، وقال: من أنت يا حميد؟ وما أنت يا حميد؟ يحدثني به أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - فتقول: أنت ما تريد إليه (١).\n(٦) وعن ابن عباس - ﵁ - قال: مر يهودي بالنبي - ﷺ - فقال له النبي - ﷺ -: يا يهودي حدثنا. فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه، والأرض على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه، وأشار أبو جعفر محمد بن الصلت بخنصره أولًا، ثم تابع حتى بلغ الإبهام فأنزل الله: ﴿وما قدروا الله حق قدره﴾ الزمر ٦٧ (٢). قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح.\n_________\n(١) رواه أحمد (٣/ ١٢٥،٢٠٩) والترمذي (٥/ ٢٦٥) وقال: (حديث حسن غريب صحيح) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢١٠) وعبد الله في السنة (١/ ٢٦٩) وابن خزيمة (ص١١٣) وابن جرير في تفسيره (٩/ ٥٣) وابن أبي حاتم في تفسيره (٥/ ١٥٥٩ - ١٥٦٠) والطبراني في الأوسط (٢/ ٢٣٢) وابن عدي في الكامل (٢/ ٢٦٠) وابن منده في الرد على الجهمية (ص٨٨) وقال: (وهذا حديث مشهور). والحاكم (١/ ٧٧) (٢/ ٣٥١) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) وابن الأعرابي في معجمه (١/ ٢٢٦) والضياء في المختارة (٥/ ٥٤) وصححه الألباني في ظلال الجنة (السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢١٠).\n(٢) رواه أحمد (١/ ٢٥١،٣٢٤) والترمذي (٥/ ٣٧١) وقال: (حديث حسن غريب صحيح) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٤١) وابن خزيمة في التوحيد (ص٧٨) والطبري في تفسيره (٢٤/ ٢٦) والطبراني في الأوسط (٥/ ٦٧) وابن منده في الرد على الجهمية (ص٨٥).","vol":"1","page":85},{"text":"وقال عبد الله في \"السنة\": سمعت أبي ﵀ يقول: ثنا يحيى بن سعيد بحديث سفيان عن الأعمش عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله عن النبي - ﷺ -: «أن الله يمسك السماوات على أصبع» قال أبي ﵀: جعل يحيى يشير بأصابعه وأراني أبي كيف جعل يشير بأصبعه يضع أصبعًا أصبعًا حتى أتى على آخرها (١).\nوفيهما تحقيق الأصابع لله تعالى، وأنها على الحقيقة، مع مباينتها لأصابع المخلوق.\n(٧) وعن الحارث بن سويد قال: دخلت على عبد الله أعوده وهو مريض فحدثنا بحديثين حديثًا عن نفسه، وحديثًا عن رسول الله - ﷺ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه فنام، فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى أموت، فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته) (٢).\nوفيه تحقيق صفة الفرح لله تعالى، وأنه على الحقيقة.\n_________\n(١) (١/ ٢٦٤) والحديث رواه البخاري (٤/ ١٨١٢) ومسلم (٢٧٨٦).\n(٢) رواه البخاري (٥/ ٢٣٢٤) ومسلم (٢٧٤٤)","vol":"1","page":86},{"text":"(٨) وعن أبي رزين - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِه (١).\nقال: قلت: يا رسول الله أويضحك الرب؟ قال: نعم. قلت: لن نُعدم من رب يضحك خيرًا) (٢).\nوفيه أن الصحابي فهم صفة الضحك لله تعالى على الحقيقة، وأنها تستلزم الخير والرحمة.\n(٩) وعن جابر - ﵁ - في حديث حجة النبي - ﷺ - الطويل وفيه أن النبي - ﷺ - قال في خطبة عرفة: (وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت، فقال\n_________\n(١) قال أمام اللغة أبو عمر الزاهد غلام ثعلب كما في الإبانة لابن بطة (٣/ ١١٢): (فأما قوله \"وقرب غِيَره\" فسرعة رحمته بكم، وتغيير ما بكم من ضر).\n\nوقال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٤٩٠) في بيان معنى قوله \"وقرب غِيَرِه\": (وقد اقترب وقت فرجه ورحمته بعباده، بإنزال الغيث عليهم، وتغييره لحالهم وهم لا يشعرون) اهـ.\n(٢) رواه أحمد (٤/ ١١) والطيالسي (ص١٤٧) وابن ماجه (١/ ٦٤) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٤٤) وعبد الله في السنة (١/ ٢٤٦) والطبراني في الكبير (١٩/ ٢٠٧،٢١٢) والآجري في الشريعة (ص٢٩٤) والدارقطني في الصفات (ص٩٣) والحاكم (٤/ ٦٠٥) واللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (٣/ ٤٢٦) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٥٩٦) وصححه الألباني في الصحيحة (٦/ ٧٣٢) رقم (٢٨١٠).","vol":"1","page":87},{"text":"بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات) (١).\nوفي الحديث تحقيق علو الله تعالى بالإشارة إليه في السماء.\n_________\n(١) رواه مسلم (١٢١٨)","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الثاني\nالآثار الواردة عن السلف في كون صفات الله محمولة على الحقيقة:</span>\nهذه بعض أقوال أئمة السنة على أن صفات الله تعالى على الحقيقة لا على المجاز، وكلامهم هنا ما بين نصٍّ وظاهر:\n\n- الفاروق عمر بن الخطاب - ﵁ -\nقال قيس بن أبي حازم: (لما قدم عمر - ﵁ - الشام استقبله الناس وهو على بعيره، فقالوا: يا أمير المؤمنين لو ركبت برذونًا تلقاك عظماء الناس ووجوههم، فقال عمر: لا أراكم ههنا، إنما الأمر من ههنا وأشار بيده إلى السماء، خلوا سبيل جملي) (١).\nوفيه تحقيق علو الله تعالى وأنه في السماء، وفيه جواز الإشارة إليه في السماء.\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة (٧/ ٩)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ٤٧) وابن قدامة في العلو (ص١١١) كلاهما من طريق ابن أبي شيبة، وأورده الذهبي في العلو بإسناده إلى ابن أبي شيبة (ص٧٧) وقال: إسناده كالشمس.","vol":"1","page":89},{"text":"- ترجمان القرآن عبد الله بن عباس - ﵁ -\nعن عطاء: عن ابن عباس - ﵁ - في قوله ﷿ ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤، قال: أشار بيده إلى عينيه (١).\nوهذا تحقيق لصفة العين لله تعالى.\n\n- الإمام التابعي ربيعة بن عمرو الخرشي (٦٤هـ)\nقال في قول الله تعالى: ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، قال: (ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء) (٢).\nوهذا ظاهر في إثبات حقيقة اليد لله، وأنها ليست النعمة أو القدرة.\n\n- الإمام التابعي حكيم بن جابر بن طارق بن عوف الأحمسي (٨٢ هـ)\nقال: (إن الله ﵎ لم يمس بيده من خلقه غير ثلاثة أشياء خلق الجنة بيده ثم جعل ترابها الورس والزعفران وجبالها المسك وخلق آدم بيده وكتب التوراة لموسى) (٣).\n_________\n(١) رواه اللالكائي (٣/ ٤١١).\n(٢) رواه ابن جرير (٢٤/ ٢٥) وعبد الله في السنة (٢/ ٥٠١).\n(٣) رواه ابن أبي شيبة (١٣/ ٩٦) وهناد بن السري في الزهد (٤٦) وعبد الله في السنة (١/ ٢٧٥) والآجري في الشريعة (ص٣٤٠) وأورده الذهبي في العلو (ص١٢٥).","vol":"1","page":90},{"text":"وفيه تحقيق صفة اليد التي من شأنها المسيس.\n\n- زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٩٣ هـ)\nقال مستقيم: قال كنا عند علي بن حسين، قال: فكان يأتيه السائل، قال: فيقوم حتى يناوله، ويقول: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، قال: وأومأ بكفيه) (١).\nوفيه تحقيق صفة اليد لله تعالى.\n\n- التابعي العابد خالد بن معدان الكلاعي الحمصي (١٠٣ هـ)\nقال: (إن الله ﷿ لم يمس بيده إلا آدم صلوات الله عليه خلقه بيده، والجنة، والتوراة كتبها بيده) (٢).\n\n- عكرمة أبو عبد الله مولى بن عباس (١٠٤ هـ)\nقال: (إن الله ﷿ لم يمس بيده شيئا إلا ثلاثا: خلق آدم بيده، وغرس الجنة بيده، وكتب التوراة بيده) (٣).\n_________\n(١) رواه ابن سعد في الطبقات (٥/ ١٦٦).\n(٢) رواه عبد الله في السنة (١/ ٢٩٧).\n(٣) رواه عبد الله في السنة (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":91},{"text":"- الإمام التابعي عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة (١١٧ هـ)\nقال نافع بن عمر الجمحي: (سألت ابن أبي مليكة عن يد الله: أواحدة أو اثنتان؟ قال: بل اثنتان) (١).\nوفيه إثبات حقيقة اليد لله ﷿، وإبطال حملها على المجاز والقول بأنها النعمة أو القدرة.\n\n- الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (١٥٠ هـ)\nقال: (لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه. ونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، حي قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه) (٢) اهـ.\nوقال أيضًا: (وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن، من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال) (٣) اهـ.\n_________\n(١) رواه الدارمي في رده على المريسي (١/ ٢٨٦).\n(٢) الفقه الأبسط ص٥٦. نقلًا من أصول الدين عند أبي حنيفة (ص٢٩٨).\n(٣) الفقه الأكبر مع شرحه للدكتور محمد الخميس ص٣٧.","vol":"1","page":92},{"text":"وقال أيضًا في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف) (١) اهـ.\nوفيه إثبات أن الرضى والوجه واليد ونحوها صفات لله تعالى غير مؤولة.\n\n- عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (١٦٤ هـ)\nقال بعدما ذكر جملة من صفات الله تعالى: (إلى أشباه هذا مما لا نحصيه، وقال تعالى ﴿وهو السميع البصير﴾ الشورى١١، و﴿اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ الطور ٤٨، وقال تعالى ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه ٣٩، وقال تعالى ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وقال تعالى ﴿والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ الزمر٦٧، فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم) (٢) اهـ.\nفقوله \"فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم\" صريح في أن ما أثبته الله\n_________\n(١) رواه الصابوني في اعتقاد أهل الحديث (ص٦٠) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٥٧٢).\n(٢) رواه ابن بطة في الإبانة (٣/ ٦٣) واللالكائي (٣/ ٥٠٢) والذهبي في السير بإسناده من طريق الأثرم (٧/ ٣١٢) وأورده في العلو (ص١٤١) وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاوى ابن تيمية (٥/ ٤٤) وفي تلبيس الجهمية (٢/ ١٨٦) وعزاه للأثرم في السنة ولأبي عمرو الطلمنكي.","vol":"1","page":93},{"text":"تعالى لنفسه من الصفات حق على حقيقته، وأن أصل ما وُصف به ربنا من الصفات هو نظير ما وصف به المخلوق في أصل معنى الصفة لا في الحقيقة.\n\n- الإمام حماد بن زيد (١٧٩ هـ)\nسأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء: \"ينزل الله ﷿ إلى السماء الدنيا\" قال: (حق، كل ذلك كيف شاء الله) (١) اهـ.\nوقوله \"حق\" ظاهر في إثبات حقيقته، لأنه سؤال عن إمرار ما دل عليه ظاهره وإثباته صفة لله، لا عن ثبوته في نفس الأمر، وإلا لكان الجواب: هو صحيح، ونحو ذلك. كما أن قوله \"كيف شاء الله\" دال أيضًا على أن نزول الرب على حقيقته لغة، إلا أننا لا نعلم كيفيته. ولو لم يكن على حقيقته لما قال \"كيف شاء الله\". بل يقول: هو نزول أمره، أو رحمته.\nوقال أيضًا: (مثل الجهمية مثل رجل قيل له: في دارك نخلة؟ قال: نعم. قيل: فلها خوص؟ قال: لا. قيل: فلها سعف؟ قال: لا. قيل: فلها كرب؟ قال: لا. قيل: فلها جذع؟ قال: لا. قيل: فلها أصل؟ قل: لا. قيل: فلا نخلة في دارك.\n_________\n(١) رواه ابن بطة في الإبانة (٣/ ٣٠٢). وعزاه ابن تيمية للخلال في السنة وساقه بإسناده كما في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٧٦).","vol":"1","page":94},{"text":"هؤلاء الجهمية قيل لهم: لكم رب يتكلم؟ قالوا: لا. قيل: فله يد؟ قالوا: لا. قيل: فيرضى ويغضب؟ قالوا: لا. قيل: فلا رب لكم) (١) اهـ.\n\n- الفضيل بن عياض (١٨٧هـ)\nقال الفضيل بن عياض: (وكل هذا النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فاذا قال الجهمى: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء) (٢) اهـ.\nوفيه أن النزول على حقيقته في اللغة، إذ لو كان مجازًا ولم يكن صفة لله تعالى على الحقيقة، لما اعترض الجهمي على إثباته بكونه يستلزم الزوال الذي هو من لوازم حقيقة المخلوق، وهذا بظنهم الفاسد، وإلا فإنه لا يلزم في حق الخالق ما يلزم في حق المخلوق. وسيأتي تقرير هذا الأصل في الفصل السادس.\n_________\n(١) رواه ابن شاهين في شرح مذاهب أهل السنة (ص٩١) وأبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٥٥) وأبو القاسم التيمي في الحجة (١/ ٤٤١) وأورده الذهبي في العلو (ص٢٥٠).\n(٢) رواه البخاري في خلق أفعال العباد (ص١٧) وابن بطة في الإبانة (٣/ ٢٠٣) واللالكائي (٣/ ٤٥٢) وعزاه شيخ الإسلام اين تيمية للخلال في السنة كما في مجموع الفتاوى (٥/ ٦١) وفي درء التعارض (٢/ ٢٣).","vol":"1","page":95},{"text":"- الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشى (٢٠٤ هـ)\nقال يونس بن عبد الأعلى المصري: سمعت أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي يقول وقد سئل عن صفات الله وما ينبغي أن يؤمن به فقال: (لله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه وأخبر بها نبيه - ﷺ - .... - إلى أن قال: ونحو ذلك أخبار الله ﷾ إيانا أنه سميع، وأن له يدين بقوله ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، وأن له يمينًا بقوله ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، وأن له وجهًا ... - ثم ذكر صفة القدم، والضحك، والنزول، والعينين، والرؤية، والأصابع، ثم قال:\nفإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله - ﷺ - مما لا يُدرك حقيقته بالفكر والروية، فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبرًا يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته، والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله - ﷺ -، ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١) (١) اهـ.\n_________\n(١) طبقات الحنابلة في ترجمة الشافعي (١/ ٢٨٣)، وذكر طرفًا منه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤٠٧) وعزاه إلى ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي.","vol":"1","page":96},{"text":"فتأمل قوله: \"وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته\" أي حقيقة اتصاف الله به.\n\n- الإمام الحافظ يحيى بن معين (٢٣٣ هـ)\nقال يحيى بن معين: (إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل. فقل: أن أؤمن برب يفعل ما يريد) (١) اهـ.\nفبين أن النزول فعل الرب، لا فعل ملك، ولا غيره.\n\n- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)\nقال حنبل بن إسحاق: (قلت لأبي عبد الله: ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم. قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ قال: فقال لي: اسكت عن هذا، وغضب غضبًا شديدًا، وقال: مالك ولهذا؟ أمض الحديث كما روي بلا كيف) (٢) اهـ.\nوقال حنبل: (سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تُروى أن الله سبحانه ينزل إلى سماء الدنيا، وأن الله يُرى، وأن الله يضع قدمه، وما أشبه هذه الأحاديث.\nفقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف ولا معنى، ولا نرد منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به رسول الله حق\n_________\n(١) رواه ابن بطة في الإبانة (٣/ ٢٠٦) واللالكائي (٣/ ٤٥٣).\n(٢) رواه ابن بطة في الإبانة (٣/ ٢٤٢) واللالكائي (٣/ ٤٥٣) والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٢٦٠).","vol":"1","page":97},{"text":"إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.\nوقال حنبل في موضع آخر عن أحمد: ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف نفسه، قد أجمل الله الصفة فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، وصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه. قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نتعدى ذلك، ولا يبلغ صفته الواصفون، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته بشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه فهذا كله يدل على أن الله ﷾ يرى في الآخرة) (١) اهـ.\nومراد الإمام أحمد بشناعة من شنع: الجهمية ومن شاكلهم من أصناف المعطلة الذي ينكرون حقائق الصفات لله تعالى، ويفهمون منها ما يُعلم من حقيقة صفة المخلوق، ويُلزمون صفة الله تعالى ما يَلزم من صفة المخلوق، وينسبون من أثبتها إلى التشبيه، فبين\n_________\n(١) عزاه ابن قدامة للخلال في السنة (ذم التأويل ص٢١) وابن تيمية في درء التعارض (١/ ٢٥٤) وفي بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٣١) وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص٢١١).","vol":"1","page":98},{"text":"﵀ أن تشنيعهم هذا لا يمنع من إثباتها على حقيقتها اللائقة بالله تعالى، مع نفي مماثلتها لصفة المخلوق.\nواستدلاله أيضًا ﵀ بهذه الصفات على إثبات رؤية الله تعالى دال على أن الصفات حقيقة على ظاهرها، وإلا لو كانت مجازات لم يكن فيها دلالة على رؤية الله.\nوقال أيضًا في إنكاره على من تأول الضحك لله بضحك الزرع: (قال المروذي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق وقد كتبت عنه من الرقائق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع، وهذا كلام الجهمية) (١) اهـ.\nوهذا صريح منه كما ترى في أن تأويل الصفات على هذا النحو هو قول الجهمية، وأن الصفة على حقيقتها، لا تطلب لها المعاني المجازية.\nوقال يوسف بن موسى: (قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم) (٢) اهـ.\n_________\n(١) رواه ابن بطة في الإبانة (٣/ ١١١) والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٧٥).\n(٢) رواه أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٢٦٠) وذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٦).","vol":"1","page":99},{"text":"وهذا صريح أيضًا في إثبات النزول الحقيقي لله لا المجازي، كالقول بأنه نزول ملك أو نزول أمره. ولذلك قال عن نزوله (كيف شاء).\nوقال في كتابه \"الرد على الجهمية والزنادقة\" في \"باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى\": (قال أحمد ﵁ فلما خنقته الحجج قال: إن الله كلم موسى، إلا أن كلامه غيره. فقلنا: وغيره مخلوق؟ قال: نعم. فقلنا: هذا مثل قولكم الأول، إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون. وحديث الزهري قال: \"لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، إنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت.\nقال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك؟ قال: سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم. قالوا: فشبِّهه؟ قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله\n(١)\n_________\n(١) الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد (ص١٣٢). وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع من كتبه منها: مجموع الفتاوى (٦/ ١٥٤) ودر التعارض (١/ ٣٧٧). اهـ.\nوهذا لفظ حديث جابر - ﵁ -: رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤/ ١١١٩) والبزار كما في مجمع الزوائد (٨/ ٢٠٤) وابن بطة في الإبانة (٢/ ٣١٠) وأبو نعيم في الحلية (٦/ ٢١٠) والآجري في الشريعة (ص٣١٦) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٣٤٨) وعزاه ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٨٩) إلى ابن مردويه، وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، قال عنه ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٨٩): (ضعيف بمرة).\n\nوأما حديث الزهري: فقد رواه عبد الرزاق في تفسيره (٢/ ٢٣٨) وابن أبي حاتم في تفسيره من طريقه (٤/ ١١١٩) وعبد الله في السنة (١/ ٢٨٣) وابن جرير (٦/ ٢٩) وابن بطة في الإبانة (٣١١) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص٣٥)، كلهم من طريق الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال أخبرني جرير بن جابر الخثعمي أنه سمع كعب الأحبار يقول: (لما كلم الله موسى كلمه بالألسنة كلها قبل لسانه، فطفق موسى يقول: والله يا رب ما أفقه هذا، حتى كلمه آخر ذلك بلسانه بمثل صوته، فقال موسى: هذا يارب كلامك؟ قال الله تعالى: لو كلمتك كلامي لم تكن شيئًا، أو قال: لم تستقم له، قال: أي رب هل من خلقك شيء يشبه كلامك؟ قال: لا، وأقرب خلقي شبه كلامي أشد ما يسمع الناس من الصواعق). قال ابن كثير في تفسيره (١/ ٥٨٩): (هذا موقوف على كعب الأحبار وهو يحكي عن الكتب المتقدمة المشتملة على أخبار بني إسرائيل وفيها الغث والسمين).\nقلت: وليست الحجة في هذا الحديث الضعيف، وإنما في استشهاد الإمام أحمد به، وقبوله لما دل عليه من صفة كلام الله تعالى وأنه بصوت مسموع حقيقة.","vol":"1","page":100},{"text":"وليس أبْيَنَ من هذا في أن الله يتكلم حقيقة بصوت عظيم لائق به لا يشبه أصوات الخلق.","vol":"1","page":101},{"text":"- الإمام إسماعيل بن يحيى المزني المصري الشافعي (٢٦٤ هـ)\nقال في \"شرح السنة\" له: (عالٍ على عرشه في مجده بذاته، وهو دانٍ بعلمه من خلقه .... إلى أن قال حاكيًا الإجماع على هذا: هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضى ....) (١).\nفتأمل حكايته الإجماع على أن الله ﷿ قد علا عرشه بذاته ونفسه، وهذا تحقيق لصفة الاستواء على العرش، وهو علوه عليه وارتفاعه.\n\n- الإمام الحافظ محمد بن عيسى الترمذي أبو عيسى (٢٧٩ هـ)\nقال في سننه في الصفات: (وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويُؤمن بها، ولا يُتوهم، ولا يُقال كيف؟ هكذا رُوي عن مالك، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه) (٢) اهـ.\n_________\n(١) شرح السنة للمزني (ص٧٥،٨٩).\n(٢) سنن الترمذي (٣/ ٥٠).","vol":"1","page":102},{"text":"ومعلوم أنه لو لم يُثبت السلف الصفات كالنزول وغيرها على الحقيقة، وأنها صفات الله، لم يكن لاتهام الجهمية لهم بالتشبيه معنى.\n\n- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)\nقال في \"الرد على المريسي\" في تحقيق نزول الله بنفسه: (فادعى المعارض أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته ... إلى أن قال: وهذا أيضًا من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان) (١) اهـ.\nوقال في تحقيق صفة اليد لله ﷿: (وإلا فمن ادعى أن الله لم يَلِ خلق شيء صغير أو كبير فقد كفر. غير أنه ولي خلق الأشياء بأمره، وقوله، وإرادته. وولي خلق آدم بيده مسيسًا) (٢) اهـ.\nوهذا صريح في إثبات حقيقة اليد لله تعالى.\nوقال في تحقيق إتيان الله بنفسه يوم القيامة: (وادعيت أيها المريسي في قول الله تعالى ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك﴾ الأنعام١٥٨، وفي قوله ﴿إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ البقرة٢١٠، فادعيت أن هذا ليس منه بإتيان لما أنه غير\n_________\n(١) الرد على المريسي (١/ ٢١٤).\n(٢) المرجع السابق (١/ ٢٣٠).","vol":"1","page":103},{"text":"متحرك عندك، ولكن يأتي يوم القيامة بزعمك، وقوله ﴿يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ البقرة٢١٠، ولا يأتي هو بنفسه) (١) اهـ.\nوقال في الرد على تأويلات المريسي: (فيقال لك أيها المريسي المدعي في الظاهر لما أنت منتف في الباطن: قد قرأنا القرآن كما قرأت، وعقلنا عن الله أنه ليس كمثله شيء، وقد نفينا عن الله ما نفى عن نفسه، ووصفناه بما وصف به نفسه فلم نعده، وأبيت أن تصفه بما وصف به نفسه، ووصفته بخلاف ما وصف به نفسه.\nأخبرنا الله في كتابه أنه ذو سمع، وبصر، ويدين، ووجه، ونفس، وكلام، وأنه فوق عرشه فوق سماواته، فآمنا بجميع ما وصف به نفسه كما وصفه بلا كيف. ونفيتها أنت عنه كلها أجمع بعمايات من الحجج، وتكييف، فادعيت أن وجهه: كله، وأنه لا يوصف بنفس، وأن سمعه: إدراك الصوت إياه، وأن بصره: مشاهدة الألوان كالجبال والحجارة والأصنام التي تنظر إليك بعيون لا تبصر، وأن يديه: رزقاه موسعه ومقتوره، وأن علمه وكلامه مخلوقان محدثان. وأن أسماءه مستعارة مخلوقة محدثة، وأن فوق العرش منه مثل ما هو أسفل سافلين، وأنه في صفاته كقول الناس في كذا وكقول العرب في كذا، تضرب له الأمثال تشبيهًا بغير شكلها، وتمثيلًا بغير مثلها، فأي تكييف أوحش من هذا إذا نفيت هذه الصفات وغيرها عن الله تعالى\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ٣٣٩).","vol":"1","page":104},{"text":"بهذه الأمثال والضلالات المضلات؟) (١) اهـ.\nما أروعه من كلام وأبينه من حجة في إثبات السلف للصفات حقيقة لا مجازًا.\nوقال في تحقيق صفة الإتيان لله تعالى: (وأما ما ادعيت من انتقال مكان إلى مكان أن ذلك صفة المخلوقين، فإنا لا نكيف مجيئه وإتيانه أكثر مما وصف الناطق من كتابه، ثم ما وصف رسوله - ﷺ -) (٢) اهـ.\nوقال في تحقيق صفتي السمع والبصر: (وادعى المعارض أيضا أن المقري حدث عن حرملة بن عمران عن أبي موسى يونس عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قرأ ﴿سميعا بصيرا﴾ النساء٨٥، فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه، وقد عرفنا هذا من رواية المقري وغيره كما روى المعارض، غير أنه ادعى أن بعض كتبة الحديث ثبتوا به بصرًا بعين كعين وسمعًا كسمع، جارحًا مركبًا. فيقال لهذا المعارض: أما دعواك عليهم أنهم ثبتوا له سمعًا وبصرًا فقد صدقت، وأما دعواك عليهم أنه كعين وكسمع، فإنه كذب ادعيت عليهم لأنه ليس كمثله شيء ولا كصفاته صفة، وأما دعواك\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ٤٢٨).\n(٢) المرجع السابق (٢/ ٦٨٠).","vol":"1","page":105},{"text":"أنهم يقولون جارح مركب، فهذا كفر لا يقوله أحد من المسلمين، ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف، كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه، وأثبته له الرسول، وهذا الذي تكرره مرة بعد مرة جارح، وعضو، وما أشبهه، حشو وخرافات وتشنيع لا يقوله أحد من العالمين، وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاب بأسانيدها وألفاظها عن رسول الله - ﷺ - فنقول كما قال، ونعني بها كما عنى، والتكييف عنا مرفوع، وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع) (١) اهـ.\nوما أروع هذا البيان من هذا الإمام، وفيه أن ما يذكره المتكلمون من الألفاظ (كالجارح، والعضو، وغيرها) كلها حشو وخرافات أتت من ظنونهم الفاسدة ومنهجهم الباطل.\nوقال في تحقيق صفة الضحك لله: (باب إثبات الضحك: ثم أنشأ المعارض أيضًا منكرًا أن الله يضحك إلى شيء ضحكًا هو الضحك، طاعنًا على الروايات التي نقلت عن رسول الله - ﷺ - يفسرها أقبح التفسير ويتأولها أقبح التأويل .. إلى أن قال: فالدليل من فعل الله أنه يضحك إلى قوم ويصرفه عن قوم أن ضحك الزرع مثل على المجاز، وضحك الله أصل وحقيقة للضحك، ويضحك كما يشاء، والزرع أبدًا نضارته وخضرته التي سميته ضحكًا قائم أبدًا حتى\n_________\n(١) المرجع السابق (٢/ ٦٨٨).","vol":"1","page":106},{"text":"يستحصد، ....... إلى أن قال: ثم لم تأنف من هذا التأويل حتى ادعيت على قوم من أهل السنة أنهم يفسرون ضحك الله، على ما يعقلون من أنفسهم، وهذا كذب تدعيه عليهم، لأنا لم نسمع أحدًا منهم يشبه شيئًا من أفعال الله تعالى بشيء من أفعال المخلوقين، ولكنا نقول هو نفس الضحك، يضحك كما يشاء وكما يليق به وتفسيرك هذا منبوذ في حشك) (١) اهـ.\nوقال ناصًا على أن الصفات محمولة على الحقيقة لا المجاز: (ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال، تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات، غير أنا نقول لا يحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان أنه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب، لا أن تعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر فنصرف معانيها بعلة المجازات ..) (٢) اهـ.\nوبين أن الصفات على ظاهرها، وأنه لا يُحتاج معها إلى تفسير يخالفه، فقال بعد أن روى آيات وصف الله بالمحبة والرضا والسخط والكراهية: (فهذا الناطق من كتاب الله يُستغنى فيه بظاهر التنزيل عن\n_________\n(١) المرجع السابق (٢/ ٧٦٩ - ٧٨٠).\n(٢) المرجع السابق (٢/ ٧٥٥).","vol":"1","page":107},{"text":"التفسير وتعرفه العامة والخاصة غير هؤلاء الملحدين ..) (١) اهـ.\nوقال في الرد على الجهمية: (والآثار التي جاءت عن رسول الله - ﷺ - في نزول الرب ﵎ تدل على أن الله ﷿ فوق السماوات على عرشه بائن من خلقه) (٢) اهـ.\nوهذا تحقيق لصفة النزول والعلو، إذ استدل بصفة النزول على علوه تعالى، ولا يصح هذا الاستدلال إلا إذا كان النزول حقيقة وهو ما كان من علو. فتأمل.\n\n- الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)\nقال بعد ذكره لجملة من صفات الله تعالى: (فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله عز جل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله - ﷺ -. قيل: الصواب من هذا القول عندنا: أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١،. ..) إلى أن قال: (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه فنقول:\n_________\n(١) المرجع السابق (٢/ ٨٦٦)\n(٢) الرد على الجهمية (ص٧٣).","vol":"1","page":108},{"text":"يسمع جل ثناؤه الأصوات، لا بخرق في أذن، ولا جارحة كجوارح بني آدم. وكذلك يبصر الأشخاص ببصر لا يشبه أبصار بني آدم التي هي جوارح لهم.\nوله يدان ويمين وأصابع، وليست جارحة، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق، لا مقبوضتان عن الخير. ووجه لا كجوارح بني آدم التي من لحم ودم.\nونقول: يضحك إلى من شاء من خلقه. لا تقول: إن ذلك كشر عن أنياب.\nويهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا.) (١) اهـ.\nوقال بعد أن أبطل تفسير المعطلة لمجيء الله: بمجيء أمره: (فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟\nقيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا ﷻ يوم القيامة والملك صفًا صفًا، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره، بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة. ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتًا دون وقت، ما دامت موجودة باقية.\n_________\n(١) التبصير في معالم الدين (١٤١ - ١٤٥).","vol":"1","page":109},{"text":"وكالذي قلنا في هذه المعاني من القول: الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله ﷿ وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه) (١) اهـ.\n- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ)\nقال في \"كتاب التوحيد\" في إثبات حقيقة الوجه لله: (ولما كان الوجه في تلك الآية مرفوعة، التي كانت صفة الوجه مرفوعة، فقال: ﴿ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، فتفهموا يا ذوي الحجا هذا البيان، الذي هو مفهومٌ في خطاب العرب، ولا تغالطوا فتتركوا سواء السبيل، وفي هاتين الآيتين دلالة أن وجه الله صفة من صفات الله، صفات الذات، لا أن وجه الله: هو الله، ولا أن وجهه غيره، كما زعمت المعطلة الجهمية، ...) (٢) اهـ.\nوقال في بيان حقيقة صفة اليدين: (الجهمية المعطلة جاهلون بالتشبيه نحن نقول: لله جل وعلا يدان كما أعلمنا الخالق البارئ في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه المصطفى - ﷺ -، ونقول: كلتا يدي ربنا ﷿ يمين، على ما أخبر النبي - ﷺ -،\n_________\n(١) المرجع السابق (١٤٨ - ١٤٩).\n(٢) التوحيد (٢٢ - ٢٣).","vol":"1","page":110},{"text":"ونقول: إن الله ﷿ يقبض الأرض جميعًا بإحدى يديه، ويطوي السماء بيده الأخرى، وكلتا يديه يمين، لا شمال فيهما، ونقول: من كان من بني آدم سليم الأعضاء والأركان، مستوي التركيب، لا نقص في يديه، أقوى بني آدم، وأشدهم بطشًا له يدان عاجز عن أن يقبض على قدر أقل من شعرة واحدة، من جزء من أجزاء كثيرة، على أرض واحدة من سبع أرضين .... - إلى أن قال: فكيف يكون - يا ذوي الحجا - من وصف يد خالقه بما بينا من القوة والأيدي، ووصف يد المخلوقين بالضعف والعجز مشبهًا يد الخالق بيد المخلوقين؟ ... - إلى أن قال: نقول: لله يدان مبسوطتان، ينفق كيف يشاء، بهما خلق الله آدم ﵇، وبيده كتب التوراة لموسى ﵇، ويداه قديمتان لم تزالا باقيتين، وأيدي المخلوقين محدثة غير قديمة، فانية غير باقية، بالية تصير ميتة، ثم رميمًا، ثم ينشئه الله خلقًا آخر تبارك الله أحسن الخالقين، فأي تشبيه يلزم أصحابنا - أيها العقلاء - إذا أثبتوا للخالق ما أثبته الخالق لنفسه، وأثبته له نبيه المصطفى - ﷺ -، ..) (١) اهـ.\nفتأمل ذكره لما اتصفت به يد الله تعالى من الكمال والعظمة، مما تعجز عنه يد المخلوق، الأمر الذي ينبؤك أن صفة اليدين لله تعالى على الحقيقة لا على المجاز، كما هي في المخلوق حقيقة لا مجاز.\nوقال في تحقيق صفة النزول لله بعد أن ذكر الأدلة من السنة:\n_________\n(١) المرجع السابق (٨٣ - ٨٥).","vol":"1","page":111},{"text":"(وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح: أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا - ﷺ - أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل) (١) اهـ.\nوقال في تحقيق صفة الضحك: (باب ذكر إثبات ضحك ربنا ﷿ بلا صفة تصف ضحكه جل ثناؤه، لا ولا يُشبّه ضحكه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك، كما أعلم النبي - ﷺ - ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا، إذ الله ﷿ استأثر بصفة ضحكه، لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي - ﷺ - مصدقون بذلك، بقلوبنا منصتون عما لم يبين لنا، مما استأثر الله بعلمه) (٢) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (١٢٥ - ١٢٦).\n(٢) المرجع السابق (٢٣٠ - ٢٣١).","vol":"1","page":112},{"text":"- أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (٣٦٠هـ)\nقال في الاعتقاد القادري الذي كتبه لأمير المؤمنين القادر بأمر الله سنة ٤٣٣ هـ ووقع على التصديق عليه علماء ذلك الوقت كالقاضي أبي يعلى وأبي الحسن القزويني وغيرهما من العلماء، وأرسلت هذه الرسالة القادرية إلى البلدان.\nقال: (لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه، أو وصفه بها نبيه، فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفسرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بيّن) (١) اهـ.\nوقال ابن أبي يعلى في سياق معتقد والده في طبقات الحنابلة: (وما ذكرناه من الإيمان بأخبار الصفات من غير تعطيل، ولا تشبيه، ولا تفسير، ولا تأويل، هو قول السلف بدءًا وعودًا، وهو الذي ذكره أمير المؤمنين القادر رضوان الله عليه في الرسالة القادرية قال فيها:\n_________\n(١) نقله ابن الجوزي في المنتظم في حوادث سنة ٤٣٣هـ بتمامه، وشيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (٦/ ٢٥٤) وفي نقض التأسيس (ص١١٣)، وابن القيم في الصواعق المرسلة (٤/ ١٢٨٨)، والذهبي في السير (١٦/ ٢١٣).","vol":"1","page":113},{"text":"\"وما وصف الله سبحانه به نفسه أو وصفه به رسول الله - ﷺ -: فهو صفات الله ﷿ على حقيقته لا على سبيل المجاز\".\nوعلى هذا الاعتقاد: جمع أمير المؤمنين القائم بأمر الله رضوان الله عليه من حضره مع الوالد السعيد -أي القاضي أبي يعلى- من علماء الوقت وزاهدهم: أبو الحسن القزويني سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة وأخذ خطوطهم باعتقاده) (١) اهـ.\nفانظر إلى هذه العقيدة التي انتشرت في الآفاق، ووقع عليها العلماء، وقُرئت في المساجد والمدارس. وفيها التصريح بأن صفات الله تعالى على الحقيقة لا المجاز.\n\n- إمام أهل اللغة أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري الهروي (٣٧٠ هـ)\nقال عند قوله تعالى ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ البقرة٢١٠: (فالغمام معروف في كلام العرب، إلا أنا لا ندري كيف الغمام الذي يأتي الله ﷿ يوم القيامة في ظلل منه، فنحن نؤمن به ولا نكيّف صفته، وكذلك سائر صفات الله ﷿) (٢) اهـ.\nوهذا ظاهر في إثبات الإتيان لله تعالى على الحقيقة، ولأجل ذلك عرّف الغمام، ونفى كيفية الإتيان.\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢١٠).\n(٢) تهذيب اللغة (٣/ ٢٤٦).","vol":"1","page":114},{"text":"- الإمام أبو عبد الله محمد بن خفيف (٣٧١ هـ)\nقال في كتابه \"اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات\": (والخلة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما، ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه، وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليها الكيف، فأما صفاته تعالى فمعلومة في العلم، وموجودة في التعريف قد انتفى عنهما التشبيه، فالايمان به واجب، واسم الكيفية عن ذلك ساقط) (١) اهـ.\n\n- أبو نصر أحمد بن محمد بن الحسين الكلاباذي (ت ٣٨٠هـ)\nقال: (الباب السادس: شرح قولهم في الصفات: أجمعوا على لله صفات على الحقيقة هو موصوف بها: ... - ثم ذكر جملة من الصفات، ثم قال: وأن له سمعًا وبصرًا، ووجهًا، ويدًا على الحقيقة، ليس كالأسماع والأبصار والأيدي والوجوه. وأجمعوا أنها صفات لله وليست بجوارح، ولا أعضاء ولا أجزاء) (٢) اهـ.\nوهذا ظاهر في إن إثبات حقيقة وجه لله تعالى ليس كالوجوه، ويد ليست كالأيدي، لا يستلزم التجسيم الذي يدعونه، ولا التمثيل.\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٨٠).\n(٢) التعرف لمذهب أهل التصوف (ص٤٧ - ٤٨).","vol":"1","page":115},{"text":"- أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (٣٨٤ هـ)\nقال: (فنقول كما قال: \"ينزل ربنا ﷿\" ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله) (١) اهـ.\n\n- الإمام العلامة حافظ المغرب أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني (٣٨٦ هـ)\nقال في أول كتابه المشهور \"الرسالة\" في باب \"ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجبات أمور الديانات\": (وأنه فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه) (٢) اهـ.\nوهو تصريح بفوقية الله تعالى على الحقيقة، وهي فوقية الذات، كما أنها فوقية القهر والقَدْر والسلطان.\n\n- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (٣٩٥ هـ)\nقال في إثبات صفة اليدين لله تعالى: (باب ذكر قول الله ﷿ ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، ذكر\n_________\n(١) الإبانة (٣/ ٢٤٠).\n(٢) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني (١/ ٧٣).","vol":"1","page":116},{"text":"ما يُستدل به من كلام النبي - ﷺ - على أن الله جل وعز خلق آدم ﵇ بيدين حقيقة) (١) اهـ.\nوقال أيضًا في إثبات حقيقة الوجه لله تعالى: (باب قول الله جل وعز ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، وقال الله ﷿ ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال﴾ الرحمن٢٧، وذكر ما ثبت عن النبي - ﷺ - مما يدل على حقيقة ذلك) (٢) اهـ.\nوقال في بيان إثبات حقيقة الوجه لله وأن الوجه قد يَرِد ويراد به الثواب، وكلاهما حق: (ومعنى وجه الله ﷿ ها هنا على وجهين: أحدهما وجه حقيقة. والآخر: بمعنى الثواب. فأما الذي هو بمعنى الوجه في الحقيقة، ما جاء عن النبي - ﷺ - في حديث أبي موسى، وصهيب، وغيرهم، مما ذكروا فيه الوجه، ... - ثم ساق جملة من الأدلة، ثم قال:\nوأما الذي هو بمعنى الثواب فكقول الله ﷿: ﴿إنما نطعمكم لوجه الله﴾ الإنسان٩. ...\n_________\n(١) الرد على الجهمية (ص٦٨).\n(٢) المرجع السابق (ص٩٤).","vol":"1","page":117},{"text":"وما أشبه ذلك مما جاء عن النبي - ﷺ - فهو على معنى الثواب) (١) اهـ.\n\n- الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (٣٩٩ هـ)\nقال في \"باب الإيمان بالنزول\": (ومن قول أهل السنة: أن الله ينزل إلى سماء الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حدًا، ... -وذكر الحديث من طريق مالك وغيره، وذكر آثار السلف، ثم قال:\nوهذا الحديث يبين أن الله ﷿ على العرش في السماء دون الأرض، وهو أيضا بيّن في كتاب الله وفى غير حديث عن رسول الله - ﷺ -) (٢) اهـ.\nقلت: إثباتهم للنزول، وامتناعهم عن أن يحدوه، صريح في أن النزول على حقيقته بما دل عليه ظاهر الحديث، إلا أنهم لا يكيفونه، ولا يمثلونه بشيء من صفات المخلوقين. كما أن استدلاله على العلو بحديث النزول صريح في إثبات النزول على حقيقته، وهو ما كان من علو.\n\n- الإمام أبو بكر محمد بن موهب التجيبي الحصار المعروف بالقبري القرطبي المالكي (ت٤٠٦هـ)\nقال في شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني في بيان أن صفات الله على الحقيقة لا على المجاز: (وقوله \"على العرش استوى\" فإنما معناه عند أهل السنة على غير الاستيلاء والقهر،\n_________\n(١) المرجع السابق (ص١٠٢).\n(٢) أصول السنة (ص١١٠ - ١١٣) ونقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٥٦) وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص١٦٤).","vol":"1","page":118},{"text":"والغلبة، والملك، الذي ظنته المعتزلة ومن قال بقولهم إنه بمعنى الاستيلاء، وبعضهم يقول إنه على المجاز دون الحقيقة، ... إلى أن قال: وكذلك بيّن أيضًا أنه على الحقيقة بقوله ﷿: ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾ النساء١٢٢، فلما رأى المنصفون إفراد ذكره بالاستواء على عرشه بعد خلق سمواته وأرضه، وتخصيصه بصفة الاستواء، علموا أن الاستواء هنا غير الاستيلاء ونحوه، فأقروا بصفة الاستواء على عرشه، وأنه على الحقيقة لا على المجاز، لأنه الصادق في قيله، ووقفوا عن تكييف ذلك وتمثيله إذ ليس كمثله شيء من الأشياء) (١) اهـ.\n\n- الإمام أبو زكريا يحيى بن عمار السجستاني (٤٢٢ هـ)\nقال في رسالته في \"السنة\": (لا نقول كما قالت الجهمية: إنه تعالى مداخل للأمكنة وممازج بكل شيء، ولا نعلم أين هو؟ بل نقول: هو بذاته على العرش، وعلمه محيط بكل شيء، وعلمه وسمعه وبصره وقدرته مدركة لكل شيء. وذلك معنى قوله ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ الحديد٤، فهذا الذي قلناه هو كما قال الله وقاله رسوله) (٢) اهـ.\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض التأسيس (ص١١١)، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص١٥٦).\n(٢) نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٥٢٩) وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص١٣١) والذهبي في العلو (ص٢٧٩).","vol":"1","page":119},{"text":"- القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي (٤٢٢ هـ)\nقال في شرح قول ابن أبي زيد القيرواني \"وأن الله يجيء يوم القيامة والملك صفًا صفا\": (وهذا لقوله ﷿ ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفا﴾ الفجر٢٢، فأثبت نفسه جائيًا، ولا معنى لقول من يقول: إن المراد به: جاء أمر ربك، ... إلى أن قال: ولكن ليس إذا استحال عليه ذلك وجب صرف الكلام عن حقيقته، لأجل أن القضاء على الغائب بمجرد الشاهد لا يجب عندنا، ولا عند مسلم، فبطل ما قالوه) (١) اهـ.\nوفيه إثبات صفة المجيء لله، وأنها صفة له على الحقيقة لظاهر الآية، ولا يستلزم أن تكون كصفات المخلوقات.\n\n- الإمام المقرئ المحدث أبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي (٤٢٩ هـ)\nقال في كتابه \"الوصول إلى معرفة الأصول\": (وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ الحديد٤، ونحو ذلك من القرآن، أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته، مستوٍ على عرشه كيف شاء).\nوقال أيضًا: (قال أهل السنة في قول الله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، أن الاستواء من الله على عرشه المجيد على\n_________\n(١) شرح عقيدة ابن أبي زيد القيرواني في كتابه \"الرسالة\" (ص٣١٩ - ٣٢٠).","vol":"1","page":120},{"text":"الحقيقة لا على المجاز. فقد قال قوم من المعتزلة والجهمية لا يجوز أن يسمى الله ﷿ بهذه الأسماء على الحقيقة، ويسمى بها المخلوق، فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه وأثبتوها لخلقه، فإذا سئلوا ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الاجتماع في التسمية يوجب التشبيه) (١) اهـ.\n\n- الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (٤٤٤ هـ)\nقال في بيان أن صفات الله على حقيقة ما عهد من كلام العرب: (الواجب أن يُعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم ولم يبيّن سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي - ﷺ - لمّا أداها بتفسير يخالف الظاهر، فهي على ما يعقلونه ويتعارفونه.) (٢) اهـ.\nوقال أيضًا: (وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفًا، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف. فقول المتكلمين في نفي الصفات، أو إثباتها بمجرد العقل، أو حملها على تأويل مخالف\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (٥/ ٢٥١) وفي بيان تأسيس الجهمية (٢/ ٣٨) وفي نقض التأسيس (ص١١٥) وفي مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩)، وابن القيم في الصواعق المرسلة (٤/ ١٢٨٤)، والذهبي في العلو (ص٢٤٦).\n(٢) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص١٥٢ - ١٥٣).","vol":"1","page":121},{"text":"للظاهر ضلال. ولا يجوز أن يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله - ﷺ -، وذاك إذا ثبت الحديث ولم يبق شبهة في صحته. فأما ما عدا ذلك من الروايات المعلولة والطرق الواهية، فلا يجوز أن يعتقد في ذات الله سبحانه ولا في صفاته ما يوجد فيها باتفاق العلماء للأثر) (١) اهـ.\nوقال أيضًا: (ومن ذلك الغضب والرضى وغير ذلك وقد نطق القرآن بأكثرها. وعند أهل الأثر أنها صفات ذاته لا يفسر منها إلا ما فسره النبي - ﷺ -، أو الصحابي، بل نمر هذه الأحاديث على ما جاءت بعد قبولها والإيمان بها، والاعتقاد بما فيها بلا كيفية) (٢) اهـ.\n\n- شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٤٤٩ هـ)\nقال في بيان معتقد السلف وأصحاب الحديث: (ويثبتون له ﷻ ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله - ﷺ -، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله- عز من قائل: ﴿يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة، خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف، ومن عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله ﷿: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١.\nوكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها\n_________\n(١) المرجع السابق (ص١٢١).\n(٢) المرجع السابق (ص١٧٥).","vol":"1","page":122},{"text":"القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقول والكلام، والرضا، والسخط، والحياة، واليقظة، والفرح، والضحك، وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله - ﷺ - من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله) (١) اهـ.\nفقد أوضح أن آيات الصفات تُجرى على الظاهر مما تعرفه العرب بلا تأويل ولا تحريف، ولذلك فقوله (ويكلون علمه إلى الله تعالى) المراد به علم الكيفية وحقيقة ما عليه الصفة، بدليل إنكاره على من أول اليد بالنعمة أو القوة، وقرر وجوب إجراءها على ظاهرها اللائق بالله المتبادر للذهن بوضع اللغة، وأنه يُعرف معناه بوضع اللغة. وإلا لو لم يكن له معنى معروف لم يكن لقوله \"ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر\" معنى.\n_________\n(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص٣٩ - ٤٠).","vol":"1","page":123},{"text":"وقال ﵀ في إثبات حقيقة النزول، والرد على من تأولها أو كيفها: (فمجيئه وإتيانه ونزوله على حساب ما يليق بصفاته، من غير تشبيه وكيف ...) إلى أن قال: (فلما صح خبر النزول عن الرسول - ﷺ - أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله - ﷺ -، ولم يعتقدوا تشبيهًا له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا، ولعنهم لعنًا كثيرًا.\nوقرأت لأبى عبد الله ابن أبي جعفر البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، قال أبو عبد الله:- أعني ابن أبى حفص هذا- سمعت عبد الله بن عثمان وهو عبدان شيخ مرو يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله ﷿ ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢، قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفًا صفًا، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه، فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف مجيئه، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفًا صفًا ما هو عندكم؟","vol":"1","page":124},{"text":"قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب) (١) اهـ.\nوما ذكره عن حماد بن أبي حنيفة صريح في أن مجيء الله ﷿ المذكور في الآية هو المجيء المعروف في اللغة الذي من أصل معناه المجئ المضاف إلى الملائكة، مع التباين في الحقيقة والكيفية، إذ ليس كمثل مجيئه سبحانه مجيء شيء.\n\n- القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (٤٥٨ هـ)\nذكر صفات كثيرة لله تعالى من الكتاب والسنة كالكلام والوجه واليدين والضحك ونحوها ثم قال: (فإن اعتقد معتقد في هذه الصفات ونظائرها مما وردت به الآثار الصحيحة التشبيه في الجسم والنوع والشكل والطول فهو كافر. وإن تأولها على مقتضى اللغة وعلى المجاز فهو جهمي. وإن أمرّها كما جاءت، من غير تأويل، ولا تفسير، ولا تجسيم، ولا تشبيه، كما فعلت الصحابة والتابعون فهو الواجب عليه) (٢) اهـ.\nوقال في: (أن من حمل اللفظ على ظاهره حمله على حقيقته، ومن تأوله عدل به عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفاته) (٣) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٦٠ - ٦٣).\n(٢) الاعتقاد (ص١٦).\n(٣) إبطال التأويلات لأخبار الصفات (١/ ٧٤).","vol":"1","page":125},{"text":"وقال في إثبات حقيقة المجيء والنزول: (وقد قال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ﷿ ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يخلو منه العرش.\nفقد صرح أحمد بالقول بأن العرش لا يخلو منه، وهكذا القول عندنا في قوله ﴿وجاء ربك والملك﴾ الفجر٢٢، ..) (١) اهـ.\nوقال نقلًا عن أبي بكر بن عبد العزيز جامع علم الإمام أحمد: (وقد حمل أبو بكر عبد العزيز قوله تعالى ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، على ظاهره وأن ذلك راجع إلى ذاته، ذكر ذلك في كتاب \"التفسير\" في الكلام على قوله ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة﴾ الزمر٦٧، فقال: قد قال بعض أهل العربية في قوله ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، يقول: في قدرته، واستشهد على ذلك بقوله ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ النساء٣. وليس المراد بالملك اليمين دون سائر الجسد، ولأنك تقول: هذا الشيء في قبضتك، أي في قدرتك. ثم أجاب عن ذلك بأن قال: ما روي عن رسول الله - ﷺ - وعن الصحابة والتابعين يشهد على بطلان هذا القول، وهو يؤول إلى قول جهم. وذلك قوله تعالى ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥،\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ٢٦١).","vol":"1","page":126},{"text":"وقول النبي - ﷺ - (فوضع يده بين كتفي) وقال - ﷺ -: \"فأقوم عن يمين ربي مقامًا لا يقومه غيري\") (١) اهـ\nفتأمل حكمه بالجهمية على من تأول الصفة وقال: لا يُراد بها الحقيقة، ثم تأمل قول الأشاعرة!\n\n- الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (٤٦٣ هـ)\nقال في بيان كون الصفات على الحقيقة لا على المجاز: (ومن حق الكلام أن يُحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله ﷿ إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله ﷿ عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه) (٢) اهـ.\nوقال ناقلًا إجماع السلف على ذلك: (أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها\n_________\n(١) المرجع السابق (٢/ ٢٣٠).\n(٢) التمهيد (٧/ ١٣١).","vol":"1","page":127},{"text":"وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله) (١) اهـ.\nوحسبك حكاية هذا الإجماع من هذا الإمام على أن مذهب السلف: وجوب حمل صفات الله على الحقيقة، وأن تأويلها من شأن أهل البدع.\n\n- الإمام أبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي القيرواني (٤٨٩ هـ)\nقال في رسالته التي سماها \"رسالة الإيماء إلى مسألة الاستواء\" لما ذكر اختلاف المتأخرين في الاستواء: (قول الطبري -يعني أبا جعفر صاحب التفسير الكبير-، ومحمد بن أبي زيد، والقاضي عبد الوهاب، وجماعة من شيوخ الحديث والفقه، وهو ظاهر بعض كتب القاضي أبي بكر، وأبي الحسن -يعني الأشعري- وحكاه عنه أعني القاضي عبد الوهاب نصًا، وهو أنه سبحانه مستو على العرش بذاته،\n_________\n(١) المرجع السابق (٧/ ١٤٥).","vol":"1","page":128},{"text":"وأطلقوا في بعض الأماكن فوق العرش) (١) اهـ\n\n- شيخ الحنفية أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين البزدوي (٤٩٣ هـ)\nقال: (إثبات اليد والوجه حق عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولا يجوز إبطال الأصل بالعجز عن إدراك الوصف بالكيف، وإنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة) (٢) اهـ.\n\n- شمس الأئمة أبو العباس الفضل بن عبد الواحد السرخسي الحنفي (٤٩٤ هـ)\nقال: (وأهل السنة والجماعة أثبتوا ما هو الأصل معلوم المعنى بالنص -أي بالآيات القطعية والدلالات اليقينية- وتوقفوا فيما هو المتشابه وهو الكيفية، ولم يجوزوا الاشتغال في طلب ذلك) (٣) اهـ.\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض التأسيس (ص١٠٥)، والذهبي في العلو (ص٢٦١)، وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص١٩٠).\n(٢) شرح الفقه الأكبر ملا علي القاري (ص٩٣)، ونقله محمد الخميس في أصول الدين عند الإمام أبي حنيفة (ص٢٩١).\n(٣) شرح الفقه الأكبر لملا علي لقاري (ص٩٣).","vol":"1","page":129},{"text":"- الإمام العلامة شيخ الحنابلة أبو الحسن علي بن عبيد الله بن سهل بن الزاغوني البغدادي (٥٢٧هـ)\nقال في كتابه \"الإيضاح في أصول الدين\" في بيان قاعدة مهمة: (فإذا ورد القرآن وصحيح السنة في حقه بوصف تُلقّي في التسمية بالقبول، ووجب إثباته له على ما يستحقه، ولا يُعدل به عن حقيقة الوصف، إذ ذاته تعالى قابلة للصفات، وهذا واضح بيّن لمن تأمله) (١).\nوقال أيضًا: (فصل: وقد وصف الباري نفسه في القرآن باليدين بقوله تعالى ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وقال تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ المائدة٦٤، قال: وهذه الآية تقتضي إثبات صفتين ذاتيتين تسميان يدين، قال: وذهب المعتزلة وطائفة من الأشعرية إلى أن المراد باليدين النعمتين، وذهبت طائفة إلى أن المراد باليدين ها هنا القدرة.\nوالدلالة على كونهما ذاتيتين تزيدان على النعمة وعلى القدرة أنا نقول: القرآن نزل بلغة العرب واليد المطلقة في لغة العرب وفي معارفهم وعاداتهم المراد بها إثبات صفة ذاتية للموصوف لها خصائص فيما يقصد به، وهي حقيقة في ذلك، كما ثبت في معارفهم\n_________\n(١) الإيضاح في أصول الدين (ص٢٨٣).","vol":"1","page":130},{"text":"الصفة التي هي القدرة، والصفة التي هي العلم، كذلك سائر الصفات من الوجه والسمع والبصر والحياة وغير ذلك، وهذا هو الأصل في هذه الصفة، وأنهم لا ينتقلون عن هذه الحقيقة إلى غيرها مما يقال على سبيل المجاز إلا بقرينة تدل على ذلك، فأما مع الإطلاق فلا ..) (١) اهـ.\nوقال أيضًا: (أنا قد بينا أن إضافة الفعل إلى اليد على الإطلاق لا يكون إلا والمراد به يد الصفة، وهذا توكيد لإثبات الصفة الحقيقية، ومحال أن يجتمع مؤكد للحقيقة مع قرينة ناقلة عن الحقيقة) (٢) اهـ.\nوقال أيضًا في قصيدة له:\n(إني سأذكر عقد ديني صادقًا نهج ابن حنبل الإمام الأوحد)\nومنها:\n(عالٍ على العرش الرفيع بذاته سبحانه عن قول غالٍ ملحد) (٣) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٢٨٤ - ٢٨٥) وقد نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٩ - ٤٠).\n(٢) المرجع السابق (ص٢٨٧).\n(٣) نقله الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٩/ ٦٠٦).","vol":"1","page":131},{"text":"- الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ)\nقال: (مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه: إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره) ثم قال: (أي: هو هو على ظاهره، لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل) (١) اهـ.\nوقال: (قال علماء السلف: جاءت الأخبار عن النبي - ﷺ - متواترة في صفات الله تعالى، موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها السلف على سبيل الإثبات والمعرفة والإيمان به والتسليم، وترك التمثيل والتكييف، وأنه ﷿ أزلي بصفاته وأسمائه التي وصف بها نفسه، أو وصفه الرسول - ﷺ - بها، فمن جحد صفة من صفاته بعد الثبوت كان بذلك جاحدًا، ومن زعم أنها محدثة لم تكن ثم كانت دخل في حكم التشبيه في الصفات التي هي محدثة في المخلوق،\n_________\n(١) أورده الذهبي في العلو (ص٢٦٣).","vol":"1","page":132},{"text":"زائلة بفنائه غير باقية، وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى - ﷺ -، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته وكان ذلك مفهومًا عند العرب غير محتاج إلى تأويله) (١) اهـ.\nوقال في إبطال المجاز في صفات الله: (ودليل آخر: أن من حمل اللفظ على ظاهره، وعلى مقتضى اللغة حمله على حقيقته، ومن تأوله عدل به عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفات الله تعالى) (٢) اهـ.\nوقال في كلام له نفيس وهو يقرر أن الصفات على حقيقتها من غير تأويل: (قال أهل السنة: الإيمان بقوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، واجب، والخوض فيه بالتأويل بدعة. ..) إلى أن قال: (والاستواء في كلام العرب تأتي لمعان ...) ثم ذكر معاني الاستواء في اللغة وهي التقويم والمماثلة والقصد والعلو، ثم قال: (قال أهل السنة: الاستواء هو العلو. قال الله تعالى: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ المؤمنون٢٨، وليس للاستواء في كلام العرب معنى إلا ما ذكرنا، وإذا لم يجز الأوجه الثلاثة\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٧٠).\n(٢) المرجع السابق (١/ ٤٤٦).","vol":"1","page":133},{"text":"-أي التقويم والمماثلة والقصد- لم يبق إلا الاستواء الذي هو معلوم كونه -أي العلو- مجهول كيفيته، واستواء نوح على السفينة معلوم كونه، معلوم كيفيته لأنه صفة له، وصفات المخلوقين معلومة كيفيتها. واستواء الله على العرش غير معلوم كيفيته لأن المخلوق لا يعلم كيفية صفات الخالق لأنه غيب ولا يعلم الغيب إلا الله، ولأن الخالق لم يشبه ذاته ذات المخلوق لم يشبه صفاته صفات المخلوق، فثبت أن الاستواء معلوم، والعلم بكيفيته معدوم، فعلمه موكول إلى الله تعالى كما قال: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ آل عمران٧.\nوكذلك القول فيما يضارع هذه الصفات كقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وقوله: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، وقوله: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ الرحمن٢٧، وقول النبي - ﷺ -: (حتى يضع الجبار فيها قدمه). (إن أحدكم يأتي بصدقته فيضعها في كف الرحمن). وقوله: (يضع السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع). فإذا تدبره متدبر، ولم يتعصب بان له صحة ذلك وأن الإيمان به واجب، وأن البحث عن كيفية ذلك باطل. وهذا لأن اليد في كلام العرب تأتي بمعنى القوة .....) ثم ذكر معانيها في اللغة فذكر النعمة، والنصرة، والملك، والتصرف، وبين امتناع إرادة هذه المعاني في حق ما ورد من آيات","vol":"1","page":134},{"text":"ذكر اليد لله تعالى ثم قال: (ومنها اليد التي هي معروفة، فإذا لم تحتمل الأوجه التي ذكرنا لم يبق إلا اليد المعلوم كونها، المجهولة كيفيتها، ونحن نعلم يد المخلوق وكيفيتها لأنا نشاهدها ونعاينها فنعرفها، ونعلم أحوالها، ولا نعلم كيفية يد الله تعالى، لأنها لا تشبه يد المخلوق، وعلم كيفيتها علم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، بل نعلم كونها معلومة لقوله تعالى، وذكره لها فقط، ولا نعلم كيفية ذلك وتأويلها. وهكذا قوله: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ الرحمن٢٧، للوجه في كلام العرب معان ..) ثم ذكر منها الجاه، والقدر، وأول الشيء، والجهة، وبين امتناعها في حق ما ورد من ذكر الوجه لله تعالى في القرآن، ثم قال: (ومنه الوجه المعروف، فإذا لم يجز حمل الوجه على الأوجه التي ذكرناها بقي أن يقال: هو الوجه الذي تعرفه العرب، كونه معلومًا بقوله تعالى، وكيفيته مجهولة.\nوكذلك قوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) وقوله: (حتى يضعه في كف الرحمن). وللقدم معان، وللكف معان، وليس يحتمل الحديث شيئًا من ذلك إلا ما هو المعروف في كلام العرب فهو معلوم بالحديث، مجهول بالكيفية.\nوكذلك القول في الإصبع، الإصبع في كلام العرب تقع على النعمة والأثر الحسن وهذا المعنى لا يجوز في هذا الحديث، فكون","vol":"1","page":135},{"text":"الإصبع معلومًا بقوله - ﷺ -، وكيفيته مجهولة، وكذلك القول في جميع الصفات يجب الإيمان به، ويترك الخوض في تأويله، وإدراك كيفيته) (١) اهـ.\nوهذا كلام بيّن واضح جلي في إثبات أن الصفات على حقيقتها المعروفة من لغة العرب، مع النفي التشبيه، والجهل بالكيفية.\n\n- أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (٥٦١ هـ)\nقال في كتاب \"الغنية\": (والماء فوق الأرض السابعة، وعرش الرحمن فوق الماء، والله تعالى على العرش، ودونه سبعون ألف حجاب من نور وظلمة، وما هو أعلم به .... وهو سبحانه منزه عن مشابهة خلقه، ولا يخلو من علمه مكان، ولا يجوز وصفه بأنه في كل مكان، بل يقال إنه في السماء على العرش كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، - وذكر آيات وأحاديث، إلى أن قال: وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش، لا على معنى العلو والرفعة كما قالت الأشعرية،\n_________\n(١) المرجع السابق (٢/ ٢٥٧ - ٢٦٢).","vol":"1","page":136},{"text":"ولا على معنى الاستيلاء والغلبة كما قالت المعتزلة، إلى أن قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف، فالاستواء من صفات الذات ...\nوأنه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، كيف شاء وكما شاء، فيغفر لمن أذنب، لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه كما ادعته المعتزلة والأشعرية للأحاديث الصحيحة في ذلك ... ثم ذكر آثار السلف) (١) اهـ.\nوقال في كتابه \"تحفة المتقين وسبيل العارفين\" في باب اختلاف المذاهب في صفات الله ﷿، وفي ذكر اختلاف الناس في الوقف عند قوله ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم﴾ آل عمران٧، قال: (والله تعالى بذاته على العرش وعلمه محيط بكل مكان، ... لأن الله تعالى استوى على العرش بذاته) (٢) اهـ.\n\n- تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (٦٠٠ هـ)\nقال: (وتواترت الأخبار وصحت الآثار بان الله ﷿ ينزل\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٨٦) وابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص٢٧٦) وابن الألوسي في جلاء العينين (ص٤٥٨ - ٤٦١).\n(٢) نقله ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص٢٧٦ - ٢٧٧).","vol":"1","page":137},{"text":"كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيجب الإيمان والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي عنه حقيقة النزول) (١) اهـ.\nوفيه: أن طريقة السلف في الصفات: إثبات حقيقة بلا تمثيل، وتنزيه مماثلة بلا تعطيل.\n- أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (٦٧١هـ)\nقال في إثبات حقيقة الاستواء لله في تفسير قوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ الأعراف ٥٤: (وقد كان السلف الأُوَل - ﵃ - لا يقولون بنفي الجهة، ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله. ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته.\nقال مالك ﵀: الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة ﵂. وهذا القدر كاف) (٢) اهـ.\n_________\n(١) عقائد أئمة السلف (ص٨٠).\n(٢) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧/ ١٤٠).","vol":"1","page":138},{"text":"- الإمام أبو العباس عماد الدين إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطي الحزّامي المعروف بـ (ابن شيخ الحزّاميين) (٧١١ هـ)\nقال في وصف عقيدة أهل السنة والجماعة المتبعين للصحابة والتابعين: (وأمرّوا الصفات كما جاءت بلا تأويل، ولا تعطيل، ولا تشبيه، وأثبتوا حقائقها لله كما يليق به من الاستواء أو النزول وجميع الصفات ..) (١).\n\n- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ)\nنقل في \"العلو\" عن أبي الطيب قوله: \"حضرت عند أبي جعفر الترمذي فسأله سائل عن حديث نزول الرب: فالنزول كيف هو؟ يبقى فوقه علو؟ فقال: النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\".\nفقال معلقًا: (... فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر) (٢) اهـ.\n_________\n(١) رحلة الإمام ابن شيخ الحزّاميين (ص٤٥).\n(٢) العلو (ص٢١٤).","vol":"1","page":139},{"text":"ونقل أيضًا قول أبي أحمد القصاب في عقيدته: \"لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز\" ثم قال: (... ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز، لبطل أن يكون صفات الله، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فهو موجود حقيقة لا مجازًا، وصفاته ليست مجازًا، فإذا كان لا مثل له ولا نظير لزم أن تكون لا مثل لها) (١) اهـ.\nوقال أيضًا في تعليقه على قول ابن عبد البر \"أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة في الكتاب والسنة وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئًا من ذلك ... \": (صدق والله، فإن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب، وأن يشابه المعدوم، كم نقل عن حماد بن زيد أنه قال: مثل الجهمية كقوم قالوا: في دارنا نخلة. قيل: لها سعف؟ قالوا: لا. قيل: فلها كرب؟ قالوا: لا. قيل: لها رطب وقنو؟ قالوا: لا. قيل: فلها ساق؟ قالوا: لا. قيل: فما في داركم نخلة) (٢) اهـ.\nوقال ابن رجب في ترجمة الحافظ عبد الغني المقدسي: (قرأت بخط الإمام الحافظ الذهبي ردًا على من نقل الإجماع على\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٢٣٩).\n(٢) المرجع السابق (ص٢٥٠).","vol":"1","page":140},{"text":"تكفيره: أما قوله \"أجمعوا\" فما أجمعوا، بل أفتى بذلك بعض أئمة الأشاعرة ممن كفروه، وكفرهم هو، ولم يبد من الرجل أكثر مما يقوله خلق من العلماء الحنابلة والمحدثين من أن الصفات الثابتة محمولة على الحقيقة لا على المجاز، أعني أنها تجري على مواردها لا يعبر عنها بعبارات أخرى كما فعلته المعتزلة أو المتأخرون من الأشعرية، هذا مع أن صفاته تعالى لا يماثلها شئ) (١) اهـ.\n\n- الإمام الحافظ المفسر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير (٧٧٤ هـ)\nله ﵀ رسالة باسم (الاعتقاد) أبان فيها عن معتقده فقال ما لفظه: (فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضا والسخط والحب والبغض والفرح والضحك، وجب اعتقاد حقيقة ذلك من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله ﷾ ورسوله - ﷺ - من غير إضافة، ولا زيادة عليه، ولا تكييف، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة لفظ عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك) (٢) اهـ.\n_________\n(١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤).\n(٢) مخطوط (ق ٤/ ٢) نقلًا من كتاب \"علاقة الإثبات والتفويض\" لرضا بن نعسان بن معطي (ص٨٢).","vol":"1","page":141},{"text":"- الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ)\nقال: (وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث النزول ثلث الليل الآخر، وقال ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين. ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض. وأن الرسول - ﷺ - أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين.) (١) اهـ.\nوهذا ظاهر في أن النزول الثابت لله في الثلث الأخير من الليل هو على حقيقته اللائقة بالله، وهو ما كان من علو، ولذلك أورد المعترضون من أهل البدع على إثبات حقيقته من كونه يلزم منه أن يكون الله نازلًا على الدوام لما انقدح في أذهانهم من التشبيه، وهو غير لازم إذ ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى ١١.\nوقال تعليقًا على من شنّع من الأشاعرة على الحافظ عبد الغني المقدسي قوله \"ولا أنزهه تنزيهًا ينفي عنه حقيقة النزول\" وأغروا على ذلك السلطان: (وأما قوله \"ولا أنزهه تنزيهًا ينفي عنه حقيقة النزول\" فإن صح هذا عنه، فهو حق، وهو كقول القائل: لا أنزهه تنزيهًا ينفي حقيقة وجوده، أو حقيقة كلامه، أو حقيقة\n_________\n(١) فضل علم السلف على الخلف (ص٤٨).","vol":"1","page":142},{"text":"علمه، أو سمعه وبصره، ونحو ذلك) (١) اهـ.\n\n- الملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي (١٠١٤ هـ)\nقال في شرح الفقه الأكبر: (إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة ... فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ..) (٢) اهـ.\n_________\n(١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٣).\n(٢) شرح الفقه الأكبر (ص٩٦).","vol":"1","page":143},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>فرع: في تقرير هذا الأصل من كلام أبي الحسن الأشعري</span>\nقال في رسالته إلى أهل الثغر: (الإجماع الخامس: وأجمعوا على أن صفته ﷿ لا تشبه صفات المحدثين، كما أن نفسه لا تشبه أنفس المخلوقين، واستدلوا على ذلك بأنه لو لم يكن له ﷿ هذه الصفات لم يكن موصوفا بشيء منها في الحقيقة، من قِبَل أن من ليس له حياة لا يكون حيًا، ومن لم يكن له علم لا يكون عالمًا في الحقيقة، ومن لم يكن له قدرة فليس بقادر في الحقيقة، وكذلك الحال في سائر الصفات، ألا ترى من لم يكن له فعل لم يكن فاعلًا في الحقيقة، ومن لم يكن له إحسان لم يكن محسنًا، ومن لم يكن له كلام لم يكن متكلمًا في الحقيقة، ومن لم يكن له إرادة لم يكن في الحقيقة مريدًا، وأن من وُصف بشيء من ذلك مع عدم الصفات التي توجب هذه الأوصاف له لا يكون مستحقًا لذلك في الحقيقة، وإنما يكون وصفه مجازًا أو كذبًا، ..... إلى أن قال: وذلك أن هذه الأوصاف مشتقة من أخص أسماء هذه الصفات ودالة عليها، فمتى لم توجد هذه الصفات التي وصف بها كان وصفه بذلك تلقيبًا أو كذبًا، فإذا كان الله ﷿ موصوفًا بجميع هذه الأوصاف في صفة الحقيقة وجب إثبات الصفات التي أوجبت هذه الأوصاف له في الحقيقة وإلا كان وصفه بذلك مجازا) (١) اهـ.\n_________\n(١) رسالة إلى أهل الثغر (ص٢١٦).","vol":"1","page":144},{"text":"وقال في \"الإبانة\": (مسألة: فإن قال قائل: ما أنكرتم أن يكون قوله تعالى: ﴿مما عملت أيدينا﴾ يس٧١، وقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، على المجاز؟\nقيل له: حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة، ... كذلك قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يُعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة، ... بل واجب أن يكون قوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي وهو يعني النعمتين) (١) اهـ.\nوقال في \"مقالات الإسلاميين\" في إثبات حقيقة اليدين لله تعالى، وبيان انحراف معتقد المعتزلة: (وكان - أي عباد بن سليمان المعتزلي - يُنكر قول من قال أن لله ﷿ وجهًا، وينكر القول: وجه الله، ونفس الله، وينكر القول: ذات الله، وينكر أن يكون الله ذا عين، وأن يكون له يدان هما يداه.) (٢) اهـ.\n_________\n(١) الإبانة للأشعري (ص١١٢).\n(٢) مقالات الإسلاميين (٢/ ١٨٦).","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث الثالث\nبيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه</span>\nخلاصة الفصل:\nأولًا: بهذه الأدلة من الكتاب والسنة والنقولات عن أئمة السنة، يتبين لكل ذي عقل أن أهل السنة والجماعة يثبتون جميع صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة على الحقيقة لا على المجاز، إثباتًا منزهًا عن التمثيل والتكييف، وتنزيهًا بلا تأويل وتحريف وتعطيل.\nوبهذا يفارقون طائفتين: المعطلة الذين ينفون حقائق الصفات ويدعون فيها المجاز بحجة التنزيه، والمشبهة الذين الذين يجعلون حقيقة صفات الله كحقيقة صفات خلقه، بحجة الإثبات.\nثانيًا: موافقة أبي الحسن الأشعري للسلف في هذا الأصل العظيم، مما يستلزم أن يوافقه كل من انتسب إليه، وإلا كان انتسابهم إليه دعوى مجردة.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>[بطلان إنكار حقائق الصفات لله]</span>\nثالثًا: بطلان ما ادعاه الأشعريان من إنكار نسبة حقائق الصفات لله تعالى حيث قالا (ص ٧٤): (أما الذي يأباه العقل والنقل فهو نسبة حقائق هذه الألفاظ اللغوية لله تعالى) اهـ.\nفليت شعري أي عقل هذا الذي يزعمونه وأي نقل هذا الذي يأثرونه!!!\nوقالا (ص٢٤٢): (إن أريد بإثبات الصفات إثباتها على ما جاءت دون تفسير، ولا تعيين معنى، وإنما يُكتفى بتلاوتها والسكوت عليها، وذلك -قطعًا- بعد صرفها عن ظاهرها المحال في حق الله تعالى، ولا يقال بالذات أو حقيقة، فذلك حق لا ريب فيه) اهـ.\nوالأعجب منه ادعاؤهما: أن هذا هو مذهب السلف قاطبة، ولم ينقلا حرفًا واحدًا عن أحد من السلف قط.\nكيف؟ ونصوص السلف صريحة في إبطال هذه الدعوى، وبيان وجوب حمل كلام الله على حقيقته التي تقتضيها اللغة التي أنزل الله بها كتابه، وتعرّف بها إلى عباده.\nوبه يتبين جهل هذين الأشعريّيْن بمذهب السلف، وبعدهما عن طريقتهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>[صحة إطلاق لفظ \"بذاته\" و\"حقيقة\" والجواب على من استنكرها]</span>\nرابعًا: صحة تأكيد الإثبات في صفات الله تعالى بقول: \"حقيقة\"،","vol":"1","page":147},{"text":"أو \"بذاته\"، وأنه وارد عن السلف الأئمة، وهو الأمر الذي أعظما فيه النكير، جهلًا منهما بكلام السلف وأصولهم.\nفقالا (ص١٢٣): (أن لفظة \"بذاته\" لم ترد في كتاب ولا سنة ولا على لسان أحد من الصحابة أو التابعين .... فإن لفظة \"بذاته\" إذا ذُكرت مع هذه الألفاظ أو ما شاكلها حصرت معانيها في المعنى الحسي الجسماني، فلا يقال مثلًا \"استوى بذاته\"، و\"ينزل بذاته\"، و\"يجيء بذاته\"، ثم يقال: لا كاستوائنا، ولا كنزولنا، ولا كمجيئنا، لأن هذا تناقض صريح) اهـ.\nوقالا (ص١٣٨): (نخلص من هذا إلى أن القول بأن الله ساكن السماء، أو أنه على العرش بذاته، أو ينزل بذاته، أو استوى بذاته، أو على الحقيقة .... كل ذلك وصف لله بما يستحيل في حقه تعالى عقلًا ونقلًا ..) اهـ.\nفيقال لهما:\nأولًا: قد سبق نقل كلام كثير من أئمة السلف بزيادة \"حقيقة\"، وزيادة \"بذاته\"، بل قد نقل أبو نصر السجزي الإجماع على ذلك.\nفقال في كتاب \"الإبانة\": (وأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي،","vol":"1","page":148},{"text":"متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان) (١) اهـ.\nوسبقه المزني حيث قال في شرح أصول السنة: (عالٍ على عرشه في مجده بذاته) (٢). ثم حكى الإجماع عليه كما سبق نقله.\nونقل الطلمنكي وابن عبد البر الإجماع على ذلك أيضًا كما سبق.\nوقال الذهبي في \"العلو\": (قال الإمام أبو محمد بن أبي زيد المغربي شيخ المالكية في أول رسالته المشهورة في مذهب مالك الإمام: \"وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه\".\nقال الذهبي: وقد تقدم مثل هذه العبارة عن أبي جعفر بن أبي شيبة، وعثمان بن سعيد الدارمي، وكذلك أطلقها يحيى بن عمار واعظ سجستان في رسالته، والحافظ أبو نصر الوائلي السجزي\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (٦/ ٢٥٠) وفي بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٨) وفي مجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٢)، وابن القيم في الصواعق المرسلة (٤/ ١٢٨٤)، وأورده الذهبي في العلو (ص٢٣٥).\n(٢) شرح أصول السنة (ص٧٥).","vol":"1","page":149},{"text":"في كتاب الإبانة له، فإنه قال: \"وأئمتنا كالثوري، ومالك، والحماد، وابن عيينة، وابن المبارك، والفضيل، وأحمد، وإسحاق متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان\"، وكذلك أطلقها ابن عبد البر كما سيأتي، وكذا عبارة شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري، فإنه قال: \"وفي أخبار شتى أن الله في السماء السابعة على العرش بنفسه\"، وكذا قال أبو الحسن الكرجي الشافعي في تلك القصيدة:\nعقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب\nوعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين بن الصلاح هذه عقيدة أهل السنة وأصحاب الحديث.\nوكذا أطلق هذه اللفظة أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ، والشيخ عبد القادر الجيلي والمفتي عبد العزيز القحيطي وطائفة.\nوالله تعالى خالق كل شيء بذاته، ومدبر الخلائق بذاته، بلا معين ولا مؤازر، وإنما أراد ابن أبي زيد وغيره التفرقة بين كونه تعالى معنا، وبين كونه تعالى فوق العرش، فهو كما قال، ومعنا بالعلم، وأنه على العرش كما أعلمنا حيث يقول ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء كما قدمناه ..) (١) اهـ.\n_________\n(١) العلو (ص٢٣٥).","vol":"1","page":150},{"text":"ثانيًا: أن قولهما عن لفظة \"بذاته\": (لم ترد في كتاب ولا سنة ولا على لسان أحد من الصحابة أو التابعين): عجب منهما، وتناقض صريح، فلا أدري هل يأثران هما شيئًا من كلامهما في الصفات، وتأويلها، عن أحد من الصحابة أو التابعين أو الأئمة؟!!\nوصدق القائل: \"رمتني بدائها وانسلت\".\nثالثًا: أن قول من قال من السلف \"بذاته\" هو من باب التأكيد والتنصيص، والرد على المعطلة الذين يفسرون صفات الله تعالى بما قام بغيره، وينكرون أن يقوم بذات الله تعالى صفة متعلقة بمشيئته، فيقولون: نزوله: نزول أمره، ومجيئه: مجيء ثوابه، وهكذا.\nوكذا قولهم \"حقيقة\" تأكيد لحقيقة الصفة، ورد على من جعلها مجازًا.\nومعلوم أن الخبر وقع عن نفس ذات الله تعالى لا عن غيره، كما في قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،، وقول النبي - ﷺ -: \"إن الله ينزل إلى سماء الدنيا\"، وهذا خبر عن مسمى هذا الاسم العظيم.","vol":"1","page":151},{"text":"ومثاله ما لو قلت: عمرو عندك، وزيد قائم، فإنما أخبرت عن الذات لا عن الاسم، فقوله تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾ الزمر٦٢، هو خبر عن ذات الرب تعالى، فلا يحتاج المخبر أن يقول: خالق كل شيء بذاته، وكذلك جميع ما أخبر الله به عن نفسه فإنما هو خبر عن ذاته.\nلكن لما ظهر من أهل البدع والمعطلة من يحعل صفات الله تعالى مجازات، نص السلف على كونها حقيقة، ولما ظهر منهم من يجعل ما وصف الله تعالى به نفسه هو ما قام بغيره، كمن يقول: نزول أمره، ومجيء ملائكته، نص السلف على كونها صفة ذاته.\nوكيف يعيبان ذلك وقد قالا مدافعين عمن قال \"لفظي بالقرآن مخلوق\" - مع كونه قول متأخري الجهمية- كالكرابيسي وابن كلاب وغيرهما (ص٥٧): (وإننا متيقنون بأنهم ﵏ لم يقولوا هذا القول دون أن تدعو له حاجة، كلا، وحاشاهم أن يتكلموا بشيء سكت عنه الصحابة والتابعون، لكنهم لمّا رأوا الناس تقحموا هذا الباب، وخاضوا في هذا المر، وحملوه على غير وجهه، اضطروا إلى الكلام فيه تبيانًا للحق، وكفًّا للناس عن ذلك) اهـ.\nفهذا اعتذاركم عن مقولة باطلة، فهلا عذرتم من قال بالحق وأكده!!!\nقال الذهبي معلقًا على كلام القصاب: (وكان أيضًا يسعه","vol":"1","page":152},{"text":"السكوت عن \"صفة حقيقة\" فإننا إذا أثبتنا نعوت الباري وقلنا تُمر كما جاءت، فقد آمنا بأنها صفات، فإذا قلنا بعد ذلك: صفة حقيقة وليست بمجاز، كان هذا كلامًا ركيكًا نبطيًا مغلثًا للنفوس فليهدر، مع أن هذه العبارة وردت عن جماعة، ومقصودهم بها أن هذه الصفات تمر ولا يُتعرض لها بتحريف ولا تأويل، كما يُتعرض لمجاز الكلام والله أعلم. وقد أغنى الله تعالى عن العبارات المبتدعة، فإن النصوص في الصفات واضحة، ولو كانت الصفات ترد إلى المجاز، لبطل أن يكون صفات الله، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فهو موجود حقيقة لا مجازًا، وصفاته ليست مجازًا، فإذا كان لا مثل له ولا نظير لزم أن تكون لا مثل لها) (١) اهـ.\nوهذا من الذهبي صريح بأن معنى: كون الصفات حقيقة، أو أنه متصف بها بذاته، حق، ولكن لا يُحتاج إلى زيادة \"حقيقة\" أو \"بذاته\"، لا لكون المعنى باطلًا، بل لكونه ظاهرًا بلا حاجة للزيادة.\nإذ من المعلوم في لغة العرب أنه إذا قيل: سمع زيد، وكلام زيد، ونزول زيد، فهو حقيقة لا مجاز، إلا أن يقترن باللفظ ما يدل على كونه مجازًا. إذ أن قاعدة اللغة: أن الأصل في الكلام الحقيقة والإفراد، لا المجاز والاشتراك.\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٢٣٩).","vol":"1","page":153},{"text":"ويقال لهؤلاء: كيف سوغتم لأنفسكم هذه الزيادات في النفي كنفي الجهة والحيز ونحو ذلك، والتقصير في الإثبات على ما أوجبه الكتاب والسنة، وأنكرتم على أئمة الدين ردهم لبدعة ابتدعها أهل التعطيل والتجهيم مضمونها إنكار حقائق صفات الله تعالى، وعبروا عن ذلك بعبارة كقولهم \"حقيقة\" و\"بذاته\"، فأثبتوا تلك العبارة ليبينوا ثبوت المعنى الذين نفاه أولئك؟! وأين في الكتاب والسنة أنه يحرم رد الباطل بعبارة مطابقة له، فإن هذه الألفاظ لم تثبت صفة زائدة على ما في الكتاب والسنة، بل بينت ما عطله المبطلون من حقيقة اتصافه بصفات الكمال.\nرابعًا: أن ما أنكراه من قول: \"أن الله ساكن السماء\"، قد قاله إمامهم أبو الحسن الأشعري نفسه، مستدلًا به على علو الله تعالى، وذكر أنه قول جميع المسلمين!!\nفقال: (ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعًا: يا ساكن السماء) (١) اهـ.\nوهذا أمر مثير للاستغراب والحيرة، ألا وهو كثرة إنكارهما لأمور قد نص عليها أبو الحسن الأشعري نفسه في كتبه، حتى ليظن الناظر أنهما ألفا كتابهما ردًا على أبي الحسن الأشعري، لا انتصارًا له؟!!\n_________\n(١) الإبانة للأشعري (ص٧٩ - ١٠٣).","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>فرع في إبطال شبهتهما في هذا الباب:</span>\nيقال للأشعريّيْن: سبحان الله!! وهل كان صراع السلف مع الجهمية والمعتزلة إلا على إثبات حقائق صفات الله تعالى، فإن السلف كانوا يثبتون صفاته تعالى على الحقيقة، ويأبى ذلك الجهمية والمعتزلة بدعوى التشبيه، وإلا فلو كان الجميع متفقين على كونها من مجازات الكلام لما صار بين السلف والمعطلة خصومة، ولدامت بينهما المودة والألفة.\nولأجل هذا أكد السلف هذا الأمر فأثبتوا صفات الله تعالى على الحقيقة، ولم يعبأوا بتشنيع الجهمية والمعتزلة، بل حذروا من أن يُخدع المسلم بذلك، وألفوا الكتب والرسائل ردًا عليهم وإبطالًا لدعواهم.","vol":"1","page":155},{"text":"ومن ظن أن حقيقة الصفة الثابتة لله هي حقيقة صفة المخلوق فقد زل وضل، فإن هذا لا يقره عقل ولا نقل ولا تقتضيه لغة، إذ الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان لله تعالى ذات حقيقة، وللمخلوق ذات حقيقة، لم يلزم أن تكون حقيقة ذات الله تعالى هي حقيقة ذات المخلوق، كما لا يلزم من حقيقة وجود الله أن تكون هي حقيقة وجود المخلوق. فالله ليس كمثله شيء، وليس له سمي، ولا كفؤ، ولا نظير. والصفات فرع عن الذات، فإذا تباينت الذوات تباينت الصفات، فلا يلزم من إثبات صفات الله تعالى على الحقيقة، أن تكون هي حقيقة صفة المخلوق.\nقال ابن الزاغوني في كتابه \"الإيضاح\":","vol":"1","page":156},{"text":"(فإن قالوا: إن إثبات اليد الحقيقة التي هي صفة لله تعالى ممتنع لعارض يمنع، فليس بصحيح، من جهة أن الباري تعالى ذات قابلة للصفات المساوية لها في الإثبات، فإن الباري تعالى في نفسه ذات ليست بجوهر ولا جسم ولا عرض ولا ماهية له تعرف وتدرك وتثبت في شاهد العقل، ولا ورد ذكرها في نقل، وإذا ارتفع عنه إثبات الماهية، وإذا كان الكل مرتفعًا، والمثل بذلك ممتنعًا: فالنفار من قولنا يد مع هذه الحال كالنفار من قولنا ذات، ومهما دفعوا به إثبات ذات مما وصفنا فهو سبيل إلى دفع يد، لأنه لا فرق عندنا بينهما في الإثبات، وإن عجزوا عن ذلك لثبوت الدليل القاطع للإقرار بالذات على ما هي عليه مما ذكرنا فذاك هو الطريق إلى تعجيزهم عن نفي يد هي صفة تناسب الذات فيما ثبت لها من ذلك، وهذا ظاهر لازم لا محيد عنه) (١) اهـ.\nوقال الذهبي: (وما أحسن قول نعيم بن حماد الذي سمعناه بأصح إسناد عن محمد ابن إسماعيل الترمذي أنه سمعه\n_________\n(١) الإيضاح في أصول الدين (ص٢٨٦ - ٢٨٧) وقد نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٢).","vol":"1","page":157},{"text":"يقول: \"من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيهًا\".\nقلت: أراد أن الصفات تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ في ذاته المقدسة، فكذلك صفاته لا مثل لها، إذ لا فرق بين القول في الذات والقول في الصفات، وهذا هو مذهب السلف) (١) اهـ.\nوقال العلامة الألوسي: (قيل: هو مراد مالك وغيره من قولهم: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول\" أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول، لأن الصفات تنسب إلى كل ذات بما يليق بتلك الذات، وذات الحق ليس كمثله شيء، فنسبة الصفات المتشابهة إليه تعالى ليست كنسبتها إلى غيره ﷿، لأن كنه ذات الحق ليس من مدركات العقول لتكون صفته من مدركاتها) (٢) اهـ.\nومن المعلوم أن حقائق صفات المخلوقات متباينة مع اشتراكهم في الخلق، فكيف بالتباين بين الخالق والمخلوق.\nفإذا قيل: يد الإنسان، ويد النملة، لم يلزم لغة أن تكون حقيقة يد الإنسان هي حقيقة يد النملة، بل لو قيل يد الباب، ويد الليل، لم\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠).\n(٢) غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟).","vol":"1","page":158},{"text":"يلزم تماثلهما في الحقائق. ومثل ذلك رأس الإنسان، ورأس الجبل، ورأس الأمر، ووجه الإنسان، ووجه الماء، ووجه الأمر، وهكذا، فكيف لا يلزم من إثبات حقائق الصفات للمخلوقات تماثلها، ويلزم في حق الله تعالى، سبحانك هذا بهتان عظيم.\nومن قال أن صفة اليد والوجه مثلًا عند الإطلاق لا يُفهم منها إلا وجه المخلوق، أو الجارحة، فإن هذا يأباه العقل والشرع واللغة، وهو مبني على دعوى باطلة وهي تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية، والنطق به وحده، وحينئذ فيتبادر منه الحقيقة عند التجرد، وهذا هو الذي أوقع القوم فيما وقعوا فيه، فإن اللفظ بدون القيد والتركيب بمنزلة الأصوات التي يُنعق بها، لا تفيد فائدة، وهذه الصفات لا توجد مطلقة مجردة، بل لا توجد إلى مضافة لموصوف، فليست هناك يد مطلقة، ولا وجه مطلق، وإنما يُتصور هذا في الأذهان، وليس له حقيقة في الأعيان، فليس في الوجود إلا يد مضافة إلى ذي يد، ووجه مضاف إلى ذي وجه، فإذا أضيفت اليد أو الوجه علم معناها وحقيقتها.\nفإذا قال القائل: ضربت الخادم بيدي، فُهم منه يد الإنسان الجارحة، وإذا قيل: خطت الثوب بيدي، فُهم من اليد آلة الخياطة، وإذا قيل: لفلان يد عندي لم أجزه بها، فُهم منها النعمة والإحسان. فهذه \"يدٌ\" اختلفت معانيها بحسب تركيبها وإضافتها، وفُهم من كل تركيب ما لم يُفهم في التركيب الآخر.","vol":"1","page":159},{"text":"ومما يبطل هذه الدعوى أن يُقال: لو كانت صفات الله مجازًا لا حقيقة لها، لكان صدق نفيها أصح من صدق إطلاقها، ألا ترى أن صحة نفي اسم الأسد عن الرجل الشجاع أظهر وأصدق من إطلاق ذلك الاسم، لكون المجاز يصح نفيه. وبناءًا عليه يكون قول القائل: ليس لله يد، ولا وجه، ولا ينزل، ولا يضحك، ولا يرضى، ولا يجيء، أصح من قوله: لله يد، ووجه، وأنه ينزل، ويضحك، ويرضى، ويجيء. ولا ريب أن هذا عين المحادة لله تعالى، بل هو تكذيب صريح لله ولرسوله. تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا.\nوأما من فرق بين صفة وصفة، فادعى في بعض الصفات أنها حقيقة، وفي الأخرى أنها مجاز، فتحكم محض، فإن هناك ألفاظًا تطلق على الخالق والمخلوق: أفعالها، ومصادرها، وأسماء الفاعلين، والصفات المشتقة منها:\nفإن كانت حقائقها ما يُفهم من صفات المخلوقين وخصائصهم، - ولا ريب في انتفاء هذا في حق الله قطعًا - لزم أن تكون جمعيها مجازات في حقه لا حقيقة، فلا يوصف بشيء من صفات الكمال حقيقة، وتكون أسماؤه الحسنى كلها مجازات. وكفى بأصحاب هذه المقالة كفرًا.\nوإن فرق بين صفة وصفة، طولب بالطريق الذي اهتدى إليه، واستند عليه في التفريق بين النفي والإثبات؟ بالشرع أم بالعقل أم","vol":"1","page":160},{"text":"باللغة؟ فأي شرع أو عقل أو لغة يدل على أن المجيء، والاستواء، والضحك، والرضى، والوجه، واليدين، والعينين، والنزول، ونحوها من الصفات، حقيقة فيما يُفهم من خصائص المخلوقين، والعلم، والإرادة، والسمع، والبصر، والحياة، حقيقة فيما لا يختص به المخلوق!!!\nوسيأتي مزيد من البيان في الفصل الخامس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>[إثبات لوازم الصفة مع نفي حقيقتها تناقض]</span>\nومن غرائب الأشعريّيْن أنهما ينفيان حقيقة الصفة، ويثبتان لوازمها، وهذا لعمر الله من الممتنعات، إذ يمتنع ثبوت لازم الحقيقة مع انتفائها، فالحقيقة لا توجد منفكة عن لوازمها، فإن الإحسان والثواب من لوازم الرحمة، فثبوت إرادة الثواب والإحسان لله مع انتفاء حقيقة الرحمة ممتنع، فإذا انتفت حقيقة الرحمة انتفى لازمها ولذلك قال تعالى\n﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ﴾ التوبة ٢١.\nففرق سبحانه بين رحمته ورضوانه وثوابه المنفصل، فالرحمة والرضوان صفته، والجنة ثوابه، وهذا يبطل قول الأشعريّيْن، بانتفاء صفة الرحمة لله، وإثبات لازمها من إرادة الثواب.\nقال عثمان الدارمي في رده على المريسي: (وأما قولك: إن ضحكه رضاه ورحمته، فقد صدقت في بعض، لأنه لا يضحك إلى أحد إلا عن رضى، فيجتمع منه الضحك والرضا. ولا يصرفه إلا عن","vol":"1","page":161},{"text":"عدو، وأنت تنفي الضحك عن الله تعالى، وتثبت له الرضا وحده.) (١) اهـ.\nومثل ذلك لفظ اللعنة، والغضب، والمقت، هي أمور مستلزمة للعقوبة، فإذا انتفت حقيقتها انتفى لازمها. فتدبر!!\nولعل في الفصول القادمة تقرير لهذه المسائل، وتأصيل لها من الكتاب والسنة والإجماع، والعقل.\n_________\n(١) الرد على المريسي (٢/ ٧٧٣).","vol":"1","page":162},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الفصل الثاني\nفي إثبات علم السلف بمعاني صفات الله تعالى، وجهلهم بكيفيتها وحقيقة ما هي عليه\nوبيان معنى قولهم في الصفات: (بلا كيف) وقولهم: (لا تُفسّر)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>تمهيد</span>\nلقد أمر الله تعالى عباده بتدبر كتابه فقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ص ٢٩، ولم يقل بعض آياته.\nورغّب في ذلك فقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ محمد ٢٤.\nوعاب على اليهود الذين لا يتدبرون التوراة، ولا يعرفون منها إلا التلاوة المجردة من غير فهم ولا فقه، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ البقرة ٧٨.\nوقد بين النبي - ﷺ - لأصحابه القرآن لفظه ومعناه، فبلغهم معانيه كما بلغهم ألفاظه.\nقال أبو عبد الرحمن السلمي: (حدثنا من كان يقرئنا من","vol":"1","page":163},{"text":"أصحاب رسول الله - ﷺ -: أنهم كانوا يأخذون من رسول الله - ﷺ - عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قال: فتعلمنا العلم والعمل) (١).\nومن المعلوم أنه لا يحصل البيان والبلاغ المقصود من إرسال الله تعالى له إلا بذلك.\nقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ النحل ٤٤\nوقال: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ﴾ آل عمران ١٣٨\nوقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ الدخان ٥٨\nوقال: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فصلت ٣، أي بُيّنت وأزيل عنها الإجمال، فلو كانت آياته مجملة مبهمة لم تكن فُصّلت.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ النور ٥٤، وهذا البلاغ يتضمن بلاغ المعنى، وأنه مبين أي: في أعلى درجات البيان والتوضيح.\n_________\n(١) رواه أحمد (٥/ ٤١٠) وابن أبي شيبة (٦/ ١١٧) وابن سعد في الطبقات (٦/ ١٧٢) والطحاوي في مشكل الآثار (رقم ١٤٥١ - ١٤٥٢) والحاكم في المستدرك (١/ ٥٥٧) وعنه البيهقي في الكبرى (٣/ ١١٩).","vol":"1","page":164},{"text":"وقال علي - ﵁ -: (ما من شيء إلا وعلمه في القرآن، ولكن رأي الرجل يعجز عنه) (١).\nوقال مجاهد: (عرضت المصحف على ابن عباس - ﵁ - من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عنها) (٢).\nفمن زعم أن النبي - ﷺ - لم يبلغ الأمة معاني كلام ربه بلاغًا مبينًا، لا سيما في أشرف ما في كتابه من ذكر صفاته تعالى ونعوته، بل يظن أنه بلغهم ألفاظه وأحالهم في فهم معانيه على ما يذكره أهل التحريف والتأويل، لم يكن شهد له بالبلاغ، وهذه حقيقة زعم الأشعريّيْن.\nولا ريب أن الصحابة - ﵃ - كانوا أحرص الناس على الخير وأحبهم له، وأعظمهم إيمانًا وأكملهم صلاحًا، وأشدهم حبًا لله تعالى بعد الأنبياء والرسل. ومن أعظم ما تطمح إليه نفوسهم، وتصبو إليه قلوبهم معرفة خالقهم وإلههم الذي ألهته قلوبهم، حبًا له وتعظيمًا وخوفًا ورجاءًا، وهذا يستلزم حتمًا أن يكونوا أعرف الناس بالله تعالى وبصفاته وأسمائه. فإذا كانوا أحرص الناس على معرفة أحكامه وحلاله وحرامه، فهم لمعرفة صفاته وآلائه وعظمته أشد حرصًا وأعظم طلبًا، ومن الممتنع أن تكون صفات الله تعالى التي\n_________\n(١) عزاه السيوطي في مفتاح الجنة (ص٦٦) لنصر المقدسي في كتاب الحجة على تارك المحجة.\n(٢) رواه ابن جرير في تفسيره (٢/ ٣٩٥) والطبراني في الكبير (١١/ ٧٧)","vol":"1","page":165},{"text":"نوّعها في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ - خافية عليهم، لا يعرفون معانيها، وهم القمة في العلم والهدى.\nوهل الهدى والصلاح والتقى إلا فرع وأثر لمعرفة الله تعالى بجميع نعوته وصفاته. وهم بذلك عاملون بما أمرهم ربهم ﵎ من تدبر كتابه، والتفكر فيه، متنكبين طريق الذين ذمهم الله تعالى بعدم فقههم لكلامه، وتَرْك تدبر كتابه.\nقال تعالى: ﴿فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ النساء ٧٨.\nوقال تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ الأنعام ٩٨\nوقال: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ الأنعام ٢٥\nفمن ادعى أن الصحابة لا يعرفون معاني صفات الله ونعوته، ونسب إليهم الجهل بها وترك البحث عن معانيها، فقد أعظم عليهم الفرية. بل كان الصحابة - ﵃ - ومن بعدهم من أئمة الهدى يعرفون معاني صفات الله تعالى التي تعرّف بها إلى عباده في كتابه، وعلى لسان رسوله - ﷺ -، ونصوصهم في هذا الباب كثيرة جدًا، سبق أن ذُكر شيء منها في الفصل السابق، وأنا أسوق هنا بعض ما يدل على ذلك، ويؤكده.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الأول\nآثار السلف الدالة على أن صفات الله معلومة المعنى مجهولة الكيفية</span>\n- عبد الله بن مسعود - ﵁ -\nقال عبد الله بن أبي الهذيل العنزي: قلت لعبد الله بن مسعود - ﵁ -: (أبلغك أن الله ﷿ يعجب ممن يذكره؟ فقال: لا، بل يضحك.) (١) اهـ.\nوهذا ظاهر في أن معنى العجب غير معنى الضحك، وأن الله تعالى يضحك ممن يذكره.\n\n- أبو العالية رفيع بن مهران الرياحى البصرى (٩٠ هـ)\nقال أبو العالية: ﴿استوى إلى السماء﴾ البقرة٢٩: ارتفع. (٢)\n_________\n(١) رواه ابن بطة في الإبانة (٣/ ١١١).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (١/ ٧٥) والبخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم (٦/ ٢٦٩٨)","vol":"1","page":167},{"text":"- أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي (١٠١ هـ)\nقال: ﴿استوى﴾: علا على العرش (١).\nوهذا بيان منهما لمعنى ما وصف الله به نفسه في سبعة مواضع من كتابه من استواءه تعالى على عرشه، ففسراه بالعلو والارتفاع على العرش.\n- الإمامان محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (١٢٥ هـ)\n- مكحول الشامي أبو عبد الله إمام أهل الشام (١١٢ هـ)\nقال الأوزاعي: (كان الزهري ومكحول يقولان: أمروا الأحاديث كما جاءت) (٢) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>[معنى إمرار الصفات بلا تكييف]</span>\nوالإمرار إنما هو إبقاء دلالتها على ما دل عليه لفظها، من غير تعرض لها بتغيير أو تأويل. ولا يكون إمرار إلا مع فهمٍ للمعنى، وإلا كان لغوًا.\nوهذه العبارة ترد كثيرًا عن السلف، في كثير من المسائل، كالكبائر ونحوها.\n_________\n(١) رواه البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم (٦/ ٢٦٩٨)، وقال الحافظ (الفتح ١٣/ ٤٠٥): وصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه. اهـ\n(٢) رواه اللالكائي (٣/ ٤٣١)","vol":"1","page":168},{"text":"فقد روى الزهري حديث \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن\" الحديث، فقال الأوزاعي: قلت للزهري: إن لم يكن مؤمنًا فمه؟ قال: فنفر من ذلك، وقال: (أمروا الأحاديث كما أمَرّها من كان قبلكم، فإن أصحاب رسول الله - ﷺ - أمرّوها) (١).\nوقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها الاصطخري: (ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها، إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء، على ما رُوي، فنصدقه ونعلم أنه كما جاء، ولا ننص الشهادة، ولا نشهد على أحد أنه في الجنة بصالح عمله، ولا بخير أتاه، إلا أن يكون في ذلك حديث، كما جاء على ما روي ولا ننص الشهادة. .... - إلى أن قال: والكف عن أهل القبلة، ولا تكفر أحدًا منهم بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، إلا أن يكون في ذلك حديث فيُروى الحديث كما جاء، وكما رُوي، وتصدقه وتقبله، وتعلم أنه كما روي، نحو ترك الصلاة، وشرب الخمر، وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام، فاتبع الأثر في ذلك ولا تجاوزه.) (٢) اهـ.\nفهذه أحاديث جاءت في بعض الكبائر كترك الصلاة، وشرب الخمر، ونحو ذلك، فيها التغليظ إما الحكم بالكفر، أو بعدم\n_________\n(١) رواه ابن الأعرابي في معجمه (١/ ٩٥،٢٩٢) وتمام في فوائده (١/ ٧٢).\n(٢) طبقات الحنابلة (١/ ٢٦).","vol":"1","page":169},{"text":"دخول الجنة، ونحو ذلك، فأمر الإمام أحمد بإمرارها كما جاءت، وترك التعرض لها، ومعلوم قطعًا أنها أحاديث مفهومة المعنى، معلومة الدلالة، مما يدل على أن المراد بإمرار النصوص كما جاءت: إنما هو التصديق بها، وإبقاء دلالتها على ما دلت عليه ظاهر ألفاظها.\nوقال الإمام أحمد في مسألة الرؤية في رسالة \"أصول السنة\" برواية عبدوس: (والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما روي عن النبي - ﷺ - من الأحاديث الصحاح، وأن النبي قد رأى ربه، فإنه مأثور عن رسول الله - ﷺ - صحيح، ... والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبي - ﷺ -، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحدًا ..) (١) اهـ.\nوهذه أحاديث مفهومة المعنى، وكلامه هنا يفسر معنى إمرار الحديث كما جاء، وأنه إثباته وحمل معناه على ظاهره.\nوقال أيضًا في الرسالة ذاتها: (\"ثلاث من كن فيه فهو منافق\" على التغليظ نرويها كما جاءت، ولا نقيسها ..) (٢) اهـ.\nومثله ما رواه الخلال في \"السنة\" بإسناده أن أبا طالب حدثهم، أنه سأل أبا عبد الله عن قول النبي - ﷺ - لعلي: «من كنت\n_________\n(١) أصول السنة للإمام أحمد (ص٢٤ - ٢٥) ورواها اللالكائي (١/ ١٥٦).\n(٢) المرجع السابق (ص٥٦ - ٥٩).","vol":"1","page":170},{"text":"مولاه فعلي مولاه»، ما وجهه؟ قال: «لا تكلم في هذا، دع الحديث كما جاء».\nوقال الخلال أيضًا: أخبرنا أبو بكر المروذي، قال: سألت أبا عبد الله عن قول النبي - ﷺ - لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، أيش تفسيره؟ قال: «اسكت عن هذا، لا تسأل عن ذا الخبر، كما جاء» (١) اهـ.\nوقال البخاري في جزء \"رفع اليدين\": (ولقد قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوي هواه فهو صاحب بدعة.\nقال البخاري: يعني أن الإنسان ينبغي أن يلقي رأيه لحديث النبي - ﷺ - حيث ثبت الحديث، ولا يعتل بعلل لا تصح ليقوي هواه) (٢) اهـ.\n\n- الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (١٥٠ هـ)\nوقال أيضًا: (وله يد ووجه ونفس كما ذكره الله تعالى في القرآن، فما ذكره الله تعالى في القرآن من ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف، ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال) (٣) اهـ.\n_________\n(١) السنة للخلال (١/ ٣٤٧).\n(٢) جزء رفع اليدين للبخاري (ص٣٨).\n(٣) سبق تخريجه حاشية ٢٣.","vol":"1","page":171},{"text":"فتأمل قوله: (ولا يقال: يده قدرته أو نعمته، لأن فيه إبطال الصفة، وهو قول أهل القدر والاعتزال)، فإنه يدل على أن صفة اليد معلومة المعنى لديهم، وأن تأويلها بإخراجها إلى المعاني المجازية إبطال لحقيقة معناها، وهو قول المعطلة!!.\nوقال أيضًا في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف) (١) اهـ.\nوقوله هنا موافق للمشهور عن أئمة السلف من قولهم عن الصفات: (أمروها كما جاءت بلا كيف)، فإنه نفى الكيفية، ولم ينف حقيقة الصفة.\n\n- عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (١٦٤ هـ)\nسُئل عبد العزيز بن الماجشون: عما جحدت به الجهمية؟\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٢٤.","vol":"1","page":172},{"text":"فقال بعد كلام طويل: (والدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها من تحقيق صفة أصغر خلقه لا يكاد يراه صغرًا، يحول ويزول ولا يرى له بصر ولا سمع، فاعرف غناك عن تكليف صفة ما لم يصف الرب من نفسه، بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها، ... وذكر فصلًا طويلا في إقرار الصفات وإمرارها وترك التعرض لها.) (١) اهـ.\nوقيل: (إنه نظر مرة في شيء من سلب الصفات لبعضهم فقال هذا الكلام هدم بلا بناء، وصفة بلا معنى) (٢) اهـ.\nفقوله في كلام المعطلة في صفات الله أنه صفة بلا معنى، يدل على أن صفة الله عن السلف صفة ذات معنى.\nوأما قوله بعجز العقول عن تحقيق صفته تعالى، فالمراد به معرفة حقيقة ما عليه الصفة وكيفيتها، بدليل أنه بيّن عجز العقول في إدراك صفة أصغر خلق الله مع كون صفة هذا المخلوق الصغير معلومة المعنى، لكن لا تدرك كيفيتها وحقيقة ما هي عليه لصغره. فأما الرب ﵎ فلا تدرك كيفية وحقيقة ما عليه صفته لعظمته سبحانه.\n_________\n(١) رواه ابن بطة في الإبانة (٣/ ٦٣) واللالكائي (٣/ ٥٠٢) والذهبي بإسناده من طريق الأثرم (السير ٧/ ٣١٢) وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية إلى الأثرم في السنة وإبي عمرو الطلمنكي كما في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٢ - ٤٦) وأورده الذهبي في العلو (ص١٤١).\n(٢) السير (٧/ ٣١٢).","vol":"1","page":173},{"text":"- إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمر أبو عمرو الأوزاعي (١٥٧ هـ)\n- إمام أهل الكوفة سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (١٦١ هـ)\n- إمام أهل مصر أبو الحارث الليث بن سعد (١٧٥ هـ)\n- إمام دار الهجرة مالك بن أنس بن مالك الأصبحي (١٧٩ هـ)\nقال الوليد بن مسلم: (سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية، فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف) (١) اهـ.\nوقال يحيى بن يحيى: (كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه، ثم علاه الرحضاء، ثم قال:\n_________\n(١) رواه الآجري في الشريعة (ص٣٢٧) وابن بطة في الإبانة (٣/ ٢٤١) والدارقطني في الصفات (ص١٧٢) والصابوني في اعتقاد أهل الحديث (ص٦٨) واللالكائي (٣/ ٥٢٧) وابن عبد البر في الاستذكار (٢/ ٥١٣) والبيهقي في سننه (٣/ ٤) وفي الأسماء والصفات (ص٥٦٩) وفي الاعتقاد (ص١٢٣) وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية للخلال في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩).","vol":"1","page":174},{"text":"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعا، فأمر به أن يخرج) (١) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>[معنى قول الإمام مالك \"الاستواء معلوم</span>\"]\nوهذا الأثر مشهور مستفيض عن الإمام مالك، لا يكاد يخلو منه كتاب من كتب أهل السنة في المعتقد. وهو صريح في أن معنى الاستواء معلوم، وأن الكيفية مجهولة. وأما من ظن أن معنى قول الإمام مالك \"الاستواء معلوم\": أي ثابت في القرآن، فلا شك أنه خطأ، إذ السائل لا يجهل ذلك، كيف وقد تلا الآية سائلًا عن الكيفية.\nقال أبو عبد الله القرطبي مفسرًا قول الإمام مالك: (قال مالك ﵀: الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة ﵂.) (٢) اهـ.\nوقال الذهبي: (أن الظاهر يعني به أمران:\nأحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها،\n_________\n(١) رواه البيهقي في الأسماء والصفات (ص٥١٥) وفي الاعتقاد (ص١١٩) وابن المقرئ في معجمه (ص٣١١) والصابوني في اعتقاد أهل الحديث (ص٤٥) وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية لأبي الشيخ الأصبهاني في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٠).\n(٢) سبق تخريجه حاشية ٩٣.","vol":"1","page":175},{"text":"يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته) (١) اهـ.\nونقل الملا علي القاري كلامًا لابن القيم في شرح منازل السائرين (٢) يقول فيه: (يشير بذلك -أي شيخ الإسلام الأنصاري صاحب منازل السائرين- إلى أن حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها، وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى إفهام العامة، ولا نعني بالعامة الجهال، بل عامة الأمة، كما قال مالك ﵀ وقد سئل عن قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،، كيف استوى؟ فأطرق مالك رأسه حتى علاه الرحضاء، ثم قال: \"الاستواء معلوم، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\".\nفرّق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وهذا الجواب من مالك ﵀ شاف عام في جميع مسائل الصفات، من السمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، والإرادة، والنزول، والغضب، والرحمة، والضحك، فمعانيها كلها معلومة، وأما كيفيتها فغير معقولة، إذ تعقل الكيف فرع العلم بكيفية\n_________\n(١) العلو (ص٢٥١).\n(٢) مدارج السالكين (٢/ ٨٤).","vol":"1","page":176},{"text":"الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معلوم، فكيف يعقل لهم كيفية الصفات اهـ.\nثم قال الملا علي القاري معلقًا: انتهى كلامه -أي ابن القيم- وتبين مرامه، وظهر أن معتقده موافق لأهل الحق من السلف وجمهور الخلف، فالطعن والتشنيع والتقبيح الفظيع غير موجه عليه، ولا متوجه إليه، فإن كلامه بعينه مطابق لما قاله الإمام الأعظم، والمجتهد الأقدم في فقهه الأكبر ...) (١) اهـ.\nوقال العلامة الألوسي: (هو مراد مالك وغيره من قولهم \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول\" أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول ...) (٢) اهـ.\n\n- وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسى (١٦٩ هـ)\nقال أحمد بن إبراهيم: سمعت وكيعًا يقول: «نسلم هذه الأحاديث، ولا نقول فيها: مثل كذا، ولا كيف كذا؟» يعني حديث ابن مسعود: «ويجعل السماوات على إصبع، والجبال على إصبع»، و«قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن» ونحوها من الأحاديث) (٣) اهـ.\n_________\n(١) مرقاة المفاتيح (٨/ ٢١٧).\n(٢) غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟).\n(٣) رواه عبد الله في السنة (١/ ٢٦٧) وابن بطة في الإبانة (٣/ ٢٧٨) والدارقطني في الصفات (ص١٦٧).","vol":"1","page":177},{"text":"وأمْرُه ﵀ بوجوب التسليم لأحاديث الصفات دال على إيمان السلف بحقيقة الصفات ومعرفتهم لمعانيها، إذ كان من المعلوم أن التسليم إنما يكون إلى ما دلت عليه الأحاديث، وهذا هو الإيمان بحقيقتها.\nيوضحه: منعه من إيراد السؤال عن الكيفية، وعن تمثيلها بصفات المخلوقين، وإلا لو كان المعنى مجهولًا، لقال: ولا يقال ما كذا؟ أو ما معنى كذا؟.\n\n- أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي (١٧٣ هـ)\nقال أبو تميلة: (سمعت أبا عصمة وسئل: كيف كلم الله ﷿ موسى تكليما؟ قال: «مشافهة» (١).\n\n- وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي (الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين)\nقال في قول الله ﷿: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤، قال: «مشافهة مرارًا» (٢).\nوهذا تفسير للكلام بالمشافهة، مما يقتضى كونه معلومًا.\nوقد قال الجوهري: (المشافهة الكلام من فيك إلى فيه) (٣).\n_________\n(١) رواه عبد الله في السنة (١/ ٢٨٦) وابن أبي حاتم في التفسير (٤/ ١١٢٠) وابن جرير في تفسيره (٦/ ٢٩) وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص٣٧).\n(٢) رواه عبد الله في السنة (١/ ٢٨٥) وأبو بكر النجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص٣٧).\n(٣) لسان العرب/مادة \"شفه\".","vol":"1","page":178},{"text":"- الفضيل بن عياض (١٨٧هـ)\nقال الفضيل بن عياض: (ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؟ لأن الله تعالى وصف نفسه فأبلغ، فقال ﴿قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد﴾ الإخلاص، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه. وكل هذا: النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء) (١) اهـ.\nوقوله وقول السلف: \"كيف شاء\"، \"كما شاء\"، صريح في فهمهم لمعنى الصفة وجهلهم بكيفيتها، وإلا لم يكن لقولهم عما لا يعلمون معناه \"كيف شاء\" أو \"كما شاء\": معنى.\n\n- عبد الرحمن بن القاسم العتقى أبو عبد الله المصرى المالكي (١٩١ هـ)\nقال ابن عبد البر: (وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأسًا برواية الحديث \"أن الله ضحك\"، وذلك لأن الضحك من الله،\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٢٨.","vol":"1","page":179},{"text":"والتنزل، والملالة، والتعجب منه، ليس على جهة ما يكون من عباده) (١) اهـ.\nففي هذا الكلام إثبات كون صفات الله تعالى معلومة المعنى، مفهومة للسلف، مع نفي مماثلتها لصفة المخلوق، ولو لم يكن بين صفات الله تعالى وبين صفات خلقه قدر مشترك من حيث أصلها، مع الاختلاف في وصفها وحقيقتها، لم يؤكد هذا المعنى.\n\n- الإمام الحافظ الحجة سفيان بن عيينة المكي (١٩٨ هـ)\nقال: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» (٢) اهـ.\nقال الذهبي: (وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها: يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف) (٣) اهـ.\nوهذا يبين مراد السلف بقولهم عن الصفات \"لا تُفسّر\" أي: بغير ظاهرها، وهو حملها على المجازات ونحو ذلك، أما تفسيرها\n_________\n(١) التمهيد (٧/ ١٥٢).\n(٢) رواه ابن بطه في الإبانة (٣/ ١٦٦) والدارقطني في الصفات (ص١٦٦) والصابوني في عقيدة السلف وأهل الحديث (ص٦٨) واللالكائي (٣/ ٤٣١) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٣٩٧) وفي الاعتقاد (ص١٢٣) ..\n(٣) العلو ٢٥١.","vol":"1","page":180},{"text":"بما يدل عليه ظاهرها، فهو الحق، وهو الإمرار الذي أطبق عليه السلف في الصفات.\n- الإمام محمد بن إدريس الشافعي القرشى (٢٠٤ هـ)\nقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول -وقد ذكر كثيرًا من صفات الله كالوجه واليدين والضحك ونحو ذلك-: (فإن هذه المعاني التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله - ﷺ - مما لا يُدرك حقيقته بالفكر والروية، فلا يكفر بالجهل بها أحد إلا بعد انتهاء الخبر إليه بها، فإن كان الوارد بذلك خبرًا يقوم في الفهم مقام المشاهدة في السماع وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته، والشهادة عليه كما عاين وسمع من رسول الله - ﷺ -، ولكن يثبت هذه الصفات وينفي التشبيه، كما نفى ذلك عن نفسه تعالى ذكره فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١) (١) اهـ.\nومراده بقوله \"فإن هذه المعاني\" أي معاني صفات الله تعالى، فدل على أنها ألفاظ ذات معنى، ليست كالحروف المعجمة. وقوله بوجوب الدينونة على سماعها بحقيقتها، تأكيد لعلمهم بمعانيها، وما دلت عليه، ولأجل ذلك حذر من أمرين: التشبيه في الإثبات، والتعطيل في التنزيه.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٣٢.","vol":"1","page":181},{"text":"- يزيد بن هارون أبو خالد الواسطي (٢٠٦ هـ)\nوحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: (من زعم أن ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،: على خلاف ما يَقِر في قلوب العامة فهو جهمي) (١) اهـ.\nقال الذهبي: (\"يَقِر\" مخفف، والعامة مراده بهم جمهور الأمة وأهل العلم، والذي وقر في قلوبهم من الآية هو ما دل عليه الخطاب، مع يقينهم بأن المستوي ليس كمثله شيء. وهذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة، ولو كان له معنى وراء ذلك لتفوهوا به ولما أهملوه، ولو تأول أحد منهم الاستواء لتوفرت الهمم لنقله، ولو نقل لاشتهر، فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصًا أو قياسًا للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زُجر وعُلم، وما أظن أن أحدًا من العامة يقر في نفسه ذلك، والله أعلم) (٢) اهـ.\nوهذا دليل على كون العامي من المسلمين يفهم معاني الصفات، بما علمه من اللغة العربية التي تعرف إلينا بها.\n_________\n(١) رواه عبد الله في السنة (١/ ١٢٣) وابن بطة في الإبانة (٣/ ١٦٤) وذكره البخاري في خلق أفعال العباد (ص١٨) وجود الألباني إسناده في مختصر العلو (ص٧٥).\n(٢) العلو (ص١٥٧).","vol":"1","page":182},{"text":"- بشر بن عمر بن الحكم الزهراني أبو محمد البصري (٢٠٧ هـ)\nقال: (سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، قال: على العرش استوى: ارتفع) (١) اهـ.\n\n- الإمام المشهور أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادى الهروى (٢٢٤ هـ)\nقال العباس بن محمد الدوري: (سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذكر الباب الذي يروي فيه الرؤية، والكرسي، وموضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك ﷿ قدمه فيها فتقول: قط قط، وأشباه هذه الأحاديث، فقال: هذه الأحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا لا يفسر هذا ولا سمعنا أحدًا يفسره) (٢) اهـ.\n_________\n(١) رواه اللالكائي (٣/ ٣٩٧).\n(٢) رواه الآجري في الشريعة (ص٢٦٩) الدارقطني في الصفات (ص١٦٠) واللالكائي (٣/ ٥٢٦).","vol":"1","page":183},{"text":"وهذا ظاهر في أن الذي جهله السلف من صفات الله تعالى هو الكيفية لا المعنى، إذ كان مفهومًا لديهم بما يعرفون من لغة العرب التي خوطبوا بها.\nوقول أبي عبيد: \"ولكن إذا قيل: كيف يضحك؟ وكيف وضع قدمه؟ قلنا: لا نفسر هذا ولا سمعنا أحدًا يفسره\" يوضح معنى قول السلف ﵏ عن آيات الصفات \"لا تُفسّر\"، وأن المراد بالتفسير المنهي عنه هو السؤال والبحث عن الكيفية، لا السؤال عن المعنى، إذ المعنى معلوم بمقتضى اللغة العربية التي أنزل الله بها كتابه تبيانًا لكل شيء، وجعله هدىً ورحمة، وهذا أحد نوعي التفسير المنهي عنه في صفات الله.\nوأما الثاني فهو تفسير المعطلة والمؤولة الذين يصرفون الكلام عن ظاهره إلى مجازات الكلام.\nقال الذهبي معلقًا على كلام إبي عبيد: (قد فسر علماء السلف المهم من الألفاظ وغير المهم وما أبقوا ممكنًا، وآيات الصفات وأحاديثها لم يتعرضوا لتأويلها أصلا -أي صرفها عن ظاهرها-، وهي أهم الدين، فلو كان تأويلها سائغًا أو حتمًا لبادروا إليه، فعلم قطعًا أن قراءتها وإمرارها على ما جاءت هو الحق، لا تفسير لها غير ذلك، فنؤمن بذلك ونسكت اقتداءًا بالسلف، معتقدين أنها صفات لله تعالى استأثر الله بعلم حقائقها -أي حقيقة","vol":"1","page":184},{"text":"ما هي عليه-، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذاته المقدسة لا تماثل ذوات المخلوقين، فالكتاب والسنة نطق بها والرسول - ﷺ - بلّغ وما تعرض لتأويل مع كون الباري قال ﴿لتبين للناس ما نزل إليهم﴾ النحل٤٤، فعلينا الإيمان والتسليم للنصوص والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (١) اهـ.\n\n- عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني (٢٣٠ هـ)\nقال في مناظرته الشهير المعروفة بـ\"الحيدة\": (فقال الجهمي: أخبرني كيف استوى على العرش؟ أهو كما تقول العرب \"استوى فلان على السرير\" فيكون السرير حوى فلانًا وحده إذا كان عليه، فيلزمك أن تقول إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه، لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا.\nباب من البيان لذلك: يقال له: أما قولك كيف استوى؟ فإن الله لا يجري عليه كيف، وقد أخبرنا أنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى، فوجب على المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش، وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى، لأنه لم يخبرهم كيف كذلك، ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون، فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله) (٢) اهـ.\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٠٥).\n(٢) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٤٣) وفي نقض التأسيس (ص١٦).","vol":"1","page":185},{"text":"فانظر يا رعاك الله كيف بيّن الكناني ﵀ أن الاستواء معلوم من كتاب الله، يجب الإيمان باتصاف الله به، وأن المجهول هو الكيف، إذ لا يُعلم كيفية الشي حتى يُرى أو يُرى مثيله. فلم ينكر الكناني دعوى الجهمي في إثبات الاستواء المعلوم معناه لله تعالى، والذي هو في حق المخلوق كما وصف الجهمي، وإنما أنكر ما ظن الجهمي أنه لازم لذلك وهو أن يكون استواؤه كاستواء المخلوق.\n\n- الإمام الحافظ يحيى بن معين (٢٣٣ هـ)\nروى ابن عبد البر بسنده عن ابن وضاح قال: سألت يحيى بن معين عن التنزل. فقال: أقر به ولا تحد فيه بقول. كل من لقيت من أهل السنة يصدق بحديث التنزل. قال: وقال لي ابن معين: صدق به ولا تصفه) (١) اهـ.\nوقال: (إذا سمعت الجهمي يقول: أنا كفرت برب ينزل. فقل: أن أؤمن برب يفعل ما يريد) (٢) اهـ.\n_________\n(١) التمهيد (٧/ ١٥٠) وابن قدامة في ذم التأويل (ص٢٣).\n(٢) سبق تخريجه حاشية ٣٠.","vol":"1","page":186},{"text":"- مصعب بن عبد الله بن مصعب أبو عبد الله الزبيرى المدنى (٢٣٦ هـ)\nقال: (إن الله يتكلم بغير مخلوق، وإنه يسمع بغير ما يبصر، ويبصر بغير ما يسمع، ويتكلم بغير ما يسمع، وإن كل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع غيره، ولست أقول إن كلام الله وحده غير مخلوق. أنا أقول أفعال الله كلها غير مخلوقة، وإن وجه الله غير يديه، وإن يديه غير وجهه. فإن قالوا: كيف؟ قلنا: لا ندري كيف هو؟ غير أن الله ﷿ أخبرنا أن له وجهًا، ويدين، ونفسًا، وأنه سميع بصير. وكل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع عليه الاسم الآخر) (١) اهـ.\nأي: أن كل اسم دل على معنى لا يدل عليه الاسم الآخر، وفي هذا إثبات لمعاني الصفات.\n\n- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)\nقال القاضي أبو يعلى في \"إبطال التأويلات\":\n(قال أحمد في رواية أبي طالب: من قال إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه) (٢) اهـ.\nوقال أيضًا: (وقال يوسف بن موسى: قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم.\nوقال حنبل: قلت لأبي عبد الله: ينزل الله ﷿ إلى\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (١/ ٣٩٢).\n(٢) إبطال التأويلات (١/ ٧٥).","vol":"1","page":187},{"text":"السماء الدنيا؟ قال: نعم، قلت: نزوله بعلمه أم ماذا؟ فقال: اسكت عن هذا وغضب وقال: مالك ولهذا! امض الحديث على ما روي) (١) اهـ.\nوقوله عن النزول: \"كيف شاء من غير وصف\"، دليل على أنهم علموا المعنى بمقتضى اللغة، وجهلوا الكيفية ومنعوا من الخوض فيها.\nوإنكاره على تأويل النزول بالعلم وغضبه من ذلك دليل على بطلان التأويل، وأن المعنى ظاهر بوضع اللغة، وهو يفسر معنى إمرار الصفات على ما جاءت، وأنه حملها على ما دل عليه ظاهر لفظها، فإن ظاهر قوله \"ينزل ربنا\" نزوله بنفسه، لا بعلمه أو نزول أمره، ولذلك غضب منه، وأمر أن يُمر الحديث كما جاء.\nوقال الإمام أحمد: (يضحك الله تعالى، ولا يُعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول، وتثبيت القرآن.\nوقال المروزي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي، قال: هو صدوق، وقد كتبت عنه شيئا من الرقائق، ولكن حُكي عنه أنه ذكر حديث الضحك، فقال: مثل الزرع إذا ضحك، وهذا كلام الجهمية) (٢) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ٢٦٠).\n(٢) سبق تخريجه حاشية ٣٠.","vol":"1","page":188},{"text":"وإثبات الإمام أحمد صفة الضحك لله، مع نفي الكيفية يدل على أن الضحك معلوم لديه، وأن الكيفية مجهولة، ولذلك أنكر على من فسر الضحك بخلاف ظاهره وقال: كضحك الزرع، وجعل هذا كلام الجهمية، وهذا هو التفسير الذي كان ينهى عنه السلف، وهو تفسير اللفظ بخلاف ظاهره، وإخراجه عن حقيقته، فوازن بين تفسير الجهمية هذا، وبين تفسير الأشاعرة لضحك الله ستجدهما سواء.\nوقال الأثرم: (قلت لأبي عبد الله: حرب محدِّث، وأنا عنده بحديث: «يضع الرحمن فيها قدمه»، وعنده غلام، فأقبل عليَّ الغلام فقال: إن لهذا تفسيرًا؟ فقال أبو عبد الله: انظر كما تقول الجهمية سواء) (١) اهـ.\nوقال المروذي: (سألت أبا عبد الله: يضع قدمه؟ فقال: نمرها كما جاءت) (٢) اهـ.\nوهذا يؤكد ما سبق ذكره من أن المراد بقول السلف في الصفات \"لا تُفسر\"، التفسير المخالف لظاهر اللفظ وهو تفسير الجهمية والمعطلة. وأن قولهم \"تمر كما جاءت\" أي على ظاهرها المعروف في اللغة من غير تحريف لمعنى آخر.\n_________\n(١) رواه ابن بطة في الإبانة (١/ ٣٣١) والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٧٥).\n(٢) رواه ابن بطة في الإبانة (٣/ ٣٣١) وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٦٥).","vol":"1","page":189},{"text":"لأن الإمام أحمد بين أن قول الغلام: إن لصفة القدم لله تفسيرًا، أنه قول الجهمية، ومعلوم أن الجهمية إنما كانت تتأول هذه الصفة وتصرفها عن ظاهرها، ولا يثبتونها صفة لله تعالى في ذاته، مما يدل على أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية، وهو إخراج اللفظ عن ظاهره إلى التأويلات المتكلفة.\nوقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها عبدوس بن مالك العطار: (وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى، ومن السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يقلها ويؤمن بها لم يكن من أهلها: الإيمان بالقدر خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها، لا يقال لم؟ ولا كيف؟ إنما هو التصديق بها والإيمان بها، ومن لم يعرف تفسير الحديث ويبلغه عقله فقد كُفي ذلك وأُحكم له، فعليه الإيمان به والتسليم له، مثل حديث الصادق والمصدوق، وما كان مثله في القدر، ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها جزءًا واحدًا، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات ...) ثم قال بعد حديث رؤية النبي - ﷺ - ربه: (ولكن نؤمن به كما","vol":"1","page":190},{"text":"جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحدًا) (١) اهـ.\nوقال أبو بكر المروزي: (سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ عن الأحاديث التي يردها الجهمية في الصفات، والإسراء، والرؤية، وقمة العرش؟ فصححها وقال: «قد تلقتها العلماء بالقبول، تسلم الأخبار كما جاءت».\nقال أبو بكر المروزي: وأرسل أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة إلى أبي عبد الله يستأذنانه أن يحدثا بهذه الأحاديث التي تردها الجهمية، فقال أبو عبد الله: \"حدثوا بها، قد تلقتها العلماء بالقبول\".\nوقال أبو عبد الله: \"تسلم الأخبار كما جاءت\") (٢) اهـ.\n\n- عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الدينوري (٢٧٦ هـ)\nقال في \"الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية\" فيما يتعلق بأحاديث الصفات: (وعدْل القول في هذه الأخبار: أن نؤمن بما صح منها بنقل الثقات لها، فنؤمن بالرؤية وبالتجلي، وأنه يعجب، وينزل إلى السماء، وأنه على العرش استوى، وبالنفس، واليدين، من غير\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ١١٧.\n(٢) رواه الآجري في الشريعة (ص٣٢٩). وقال بعده: (قال محمد بن الحسين ﵀: سمعت أبا عبد الله الزبيري ﵀ وقد سئل عن معنى هذا الحديث، فذكر مثل ما قيل فيه، ثم قال أبو عبد الله: نؤمن بهذه الأخبار التي جاءت، كما جاءت، ونؤمن بها إيمانًا، ولا نقول: كيف؟ ولكن ننتهي في ذلك إلى حيث انتهي لنا، فنقول من ذلك ما جاءت به الأخبار كما جاءت).","vol":"1","page":191},{"text":"أن نقول في ذلك بكيفية أو بحد، أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت. فنرجو أن نكون في ذلك القول والعقد على سبيل النجاة غدًا إن شاء الله) (١) اهـ\nوقال أيضًا في \"تأويل مختلف الحديث\" في الرد على من أنكر على السلف إثبات الأصابع لله على الحقيقة اللائقة به: (قالوا: حديثٌ في التشبيه يكذبه القرآن وحجة العقل، قالوا: رويتم أن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله ﷿، فإن كنت أردتم بالأصابع ههنا النعم، وكان الحديث صحيحًا فهو مذهب، وإن كنتم أردتم الأصابع بعينها، فإن ذلك يستحيل لأن الله تعالى لا يوصف بالأعضاء ولا يشبه بالمخلوقين وذهبوا في تأويل الأصابع إلى أنه النعم ..) إلى أن قال: قال أبو محمد: (ونحن نقول إن هذا الحديث صحيح، وأن الذي ذهبوا إليه في تأويل الإصبع لا يشبه الحديث، .. -ثم بين امتناع أن يكون مجازًا ثم قال: فإن قال لنا: ما الإصبع عندك ههنا؟ قلنا: هو مثل قوله في الحديث الآخر \"يحمل الأرض على أصبع وكذا على أصبعين\"، ولا يجوز أن تكون الإصبع ههنا نعمة، وكقوله تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، ولم يجز ذلك. ولا نقول أصبع كأصابعنا\n_________\n(١) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة (ص٤١).","vol":"1","page":192},{"text":"ولا يد كأيدينا ولا قبضة كقبضاتنا لأن كل شيء منه ﷿ لا يشبه شيئًا منا) (١) اهـ.\nوهذا كما ترى صريحٌ في إثبات السلف حقائق صفات الله، وفهمهم لمعناها، وهو الأمر الذي خالفهم فيه الجهمية والمعطلة فأنكروا بجهلهم على السلف إثبات الأصابع بعينها، كما نقل عنهم قولهم \"وإن كنتم أردتم الأصابع بعينها فإن ذلك يستحيل\".\nوقال في بيان معنى الاستواء: (﴿الرحمن على العرش استوى﴾: أي استقر، كما قال تعالى ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾: أي استقررت) (٢) اهـ.\nوهذا نص في معنى صفة الاستواء لله تعالى.\n\n- الإمام الحافظ محمد بن عيسى الترمذي أبو عيسى (٢٧٩ هـ)\nقال في سننه في الصفات: (وقد ذكر الله ﷿ في غير موضع من كتابه اليد والسمع، والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا إن معنى اليد ها هنا القوة) (٣) اهـ.\n_________\n(١) تأويل مختلف الحديث (ص١٩٥ - ١٦٩).\n(٢) المرجع السابق (ص٢٥١).\n(٣) سنن الترمذي (٣/ ٥٠).","vol":"1","page":193},{"text":"وفيه أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية وهو تحريفهم للصفات عن ظاهرها، وهو خلاف تفسير السلف على مقتضى اللغة العربية.\n\n- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)\nقال الدارمي أيضًا في بيان فهم السلف لمعنى المجيء والإتيان لله: (وأما ما ادعيت من انتقال مكان إلى مكان أن ذلك صفة المخلوق، فإنا لا نكيف مجيئه وإتيانه أكثر مما وصف الناطق من كتابه، ثم ما وصف رسوله - ﷺ -. وقد روى ابن عباس - ﵁ - في تفسيرها: أن السماء تشقق لمجيئه يوم القيامة، تتنزل ملائكة السماوات، فيقول الناس: أفيكم ربنا؟ فبقولون: لا، وهو آت حتى يأتي الله في أهل السماء السابعة وهم أكثر ممن دونهم، وقد ذكرنا هذا الحديث بإسناده في صدر الكتاب، وهو مكذب لدعواك انه إتيان الملائكة بأمره دون مجيئه، لكنه فيهم مدبِّر، ويلك! لو كانت الملائكة هي التي تجيء وتأتي دونه ما قالت الملائكة: \"لم يأت ربنا وهو آت\" والملائكة آتية نازلة، حين يقولون ذلك) (١) اهـ.\nوهذا بيان واضح لفهم معنى مجيء الله تعالى، وأنه مجيئه بنفسه.\n_________\n(١) الرد على المريسي (٢/ ٦٨٠).","vol":"1","page":194},{"text":"وقال في رده على المريسي بعد سياقه الأدلة على إثبات صفة العينين لله تعالى من الكتاب والسنة: (فكما نحن لا نكيف هذه الصفات ونكذب بها كتكذيبكم، ولا نفسرها كباطل تفسيركم) (١) اهـ.\nوهذا صريح في أن التفسير المنهي عنه هو تفسير الجهمية والمعطلة الذين يمنعون اتصاف الله بهذه الصفات في ذاته.\n\n- الامام العلامة أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني (٢٨٠ هـ)\nقال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن الإمام أحمد وإسحاق وغيرهما في الجامع: (باب القول في المذهب:\nهذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم ...)\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ٢٢٢).","vol":"1","page":195},{"text":"وذكر الكلام في الإيمان، والقدر، والوعيد، والإمامة، وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة، وغير ذلك، إلى أن قال: (وهو سبحانه بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده، والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم، ويتحرك، ويسمع، ويبصر، وينظر، ويقبض، ويبسط، ويفرح، ويحب، ويكره، ويبغض، ويرضى، ويسخط، ويغضب، ويرحم، ويعفو، ويغفر، ويعطي، ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، وكما شاء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ..) إلى أن قال: (ولم يزل الله متكلمًا عالمًا فتبارك الله أحسن الخالقين) (١) اهـ.\n\n- سهل بن عبد الله أبو محمد التستري الزاهد (٢٨٣ هـ)\nقال إسماعيل بن علي الأبلي: سمعت سهل بن عبد الله بالبصرة في سنة ثمانين ومئتين يقول: (العقل وحده لا يدل على قديم أزلي فوق عرش محدث نصبه الحق دلالةً وعَلَمًا لنا لتهتدي القلوب به إليه ولا تتجاوزه، ولم يُكلِّف القلوب علم ماهية هويته، فلا كيف\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (٢/ ٢٣ - ٢٥) وفي شرح العقيدة الأصفهانية (ص٦٤).","vol":"1","page":196},{"text":"لاستوائه عليه، ولا يجوز أن يُقال: كيف الاستواء لمن أوجد الاستواء، وإنما على المؤمن الرضى والتسليم لقول النبي - ﷺ -: إنه على عرشه) (١) اهـ.\nوهذا منه صريح في إثبات الاستواء وأنه معلوم معناه وهو: الفوقية والعلو، ولذا فسره بقوله \"إنه على عرشه\"، وأن الذي يُجهل من ذلك إنما هو الكيفية والماهية.\n\n- الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)\nقال بعد أن ذكر جملة من الصفات كالوجه واليد والقدم والضحك ونحوها: (فإن هذه المعاني التي وصفت، ونظائرها مما وصف الله ﷿ بها نفسه، أو وصفه بها رسوله - ﷺ - مما لا تُدرك حقيقة علمه بالفكر والروية. ولا نكفِّر بالجهل بها أحدًا إلا بعد انتهائها إليه. فإن كان الخبر الوارد بذلك خبرًا تقوم به الحجة مقام المشاهدة والسماع، وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته في الشهادة عليه بأن ذلك جاء به الخبر، نحو شهادته على حقيقة ما عاين وسمع ...) (٢) اهـ.\nفانظر كيف ذكر الصفات ثم قال: \"هذه المعاني\"، ثم بأوجب الدينونة لله بحقيقتها، أي المعاني.\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٣١).\n(٢) التبصير في معالم الدين (ص١٣٤ - ١٤١).","vol":"1","page":197},{"text":"وتأمل حكمه بالكفر على من بلغته أخبار الصفات ولم يدن بحقيقتها ويشهد بها، وإعذاره من لم تبلغه، ومعلوم أن الجهمية وأصناف المعطلة ما كانوا ينكرون ثبوت ما ورد من صفات الله تعالى في القرآن والأحاديث المتواترة، وإنما يتأولونها ولا يقرون بحقيقتها، وهذا هو محل النزاع بينهم وبين السلف، وهو معاني هذه الصفات وإثبات حقيقة اتصاف الله بها على الوجه اللائق به، وإلا لو كانت المسألة مجرد إقرارٍ بثبوت ألفاظ ونصوص لا تدل على معانٍ، لم ينكره أحد، ولَما طال النزاع بين السلف والمعطلة من الجهمية وغيرهم.\nفالنزاع إذًا كان على حقائق هذه النصوص وإثبات معانيها لله تعالى، وليس نزاعًا على إثبات النصوص وصحتها. وهذا وجه مهم جدًا فتأمله!\nقال ابن جرير مؤكدًا هذا الأمر: (فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله عز جل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله - ﷺ -؟\nقيل: الصواب من هذا القول عندنا، أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١. فيقال: الله سميع بصير، له سمع وبصر، إذ لا يعقل مسمى سميعًا","vol":"1","page":198},{"text":"بصيرًا في لغة ولا عقل في النشوء والعادة والمتعارف إلا من له سمع وبصر ..) إلى أن قال: (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه النشبيه) (١) اهـ.\nفرحمه الله تعالى ما أحسنه وأضحه من مقال. فوازن بين هذا الكلام الفائق الرائق في تقرير معتقد السلف، وبين كلام الأشعريّيْن الذين عدا الطبري ﵀ من جملة الأشاعرة!!!\n\n- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ)\nقال في بيان فهم السلف لصفة النزول لله بعد ذكره للأحاديث: (وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا - ﷺ - أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل) (٢) اهـ.\nوهذا كلام واضح بين في بيان فهم السلف لمعنى صفة النزول لله، وأن معناه ما دل عليهم ظاهر اللغة من كونه من أعلى إلى\n_________\n(١) التبصير في معالم الدين (ص١٤١).\n(٢) التوحيد (ص١٢٥).","vol":"1","page":199},{"text":"أسفل، ولذا استدل به أهل السنة على علو الله تعالى على خلقه، كما استدل به أبو الحسن الأشعري على الشيء نفسه، وأن السلف إنما كانو ينفون العلم بالكيفية.\nوقال في صفة الضحك لله: (باب ذكر إثبات ضحك ربنا ﷿ بلا صفة تصف ضحكه جل ثناؤه، لا ولا يشبه ضحكه بضحك المخلوقين، وضحكهم كذلك، بل نؤمن بأنه يضحك كما أعلم النبي - ﷺ - ونسكت عن صفة ضحكه جل وعلا، إذ الله ﷿ استأثر بصفة ضحكه، لم يطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال النبي - ﷺ - مصدقون بذلك بقلوبنا، منصتون عما لم يبين لنا مما استأثر الله بعلمه) (١) اهـ.\nقوله \"ونسكت عن صفة ضحكه\" صريح في أن الذي جهلوه من صفات الله هو الكيفية وصفتها، وليس المعنى.\n- أبو أحمد بن أبي أسامة القرشي الهروي (من طبقة ابن خزيمة)\nقال أبو أحمد بن أبي أسامة القرشي الهروي من أفاضل من بخراسان من العلماء والفقهاء وقد أملى اعتقادًا له فقال: (وأن مذهبنا ومذهب أئمتنا من أهل الأثر: أن الله ﷿ احد لا شريك له ..)\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٢٣٠).","vol":"1","page":200},{"text":"إلى أن قال: (ونؤمن بصفاته أنه كما وصف نفسه في كتابه المنزل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ونؤمن بما ثبت عن رسول الله - ﷺ - من صفاته جل وعلا بنقل العدول، والأسانيد المتصلة التي اجتمع عليها أهل المعرفة بالنقل أنها صحيحة ثابتة عن نبي الله - ﷺ -، ونطلقها بألفاظها كما أطلقها، وتعتقد عليها ضمائرنا بصدق وإخلاص أنها كما قال - ﷺ -، ولا نكيف صفات الله ﷿، ولا نفسرها تفسير أهل التكييف والتشبيه، ولا نضرب لها الأمثال، بل نتلقاها بحسن القبول تصديقًا، ونطلق ألفاظها تصريحًا كما قال الله ﷿ في كتابه، وكما قال رسول الله - ﷺ -، ونقول: إن صفات الله ﷿ كلها غير مخلوقة، ليس من كلامه وعلمه وصفاته شيء مخلوق، جل الله تعالى عن صفات المخلوقين، والكيف عن صفات الله مرفوع.\nونقول كما قال السلف من أهل العلم الزهري وغيره: على الله البيان وعلى رسول الله البلاغ، وعلينا التسليم، ونؤدي أحاديث رسول الله - ﷺ - كما سمعنا، ولا نقول في صفات الله كما قالت الجهمية والمعطلة، بل نثبت صفات الله تعالى بإيمان وتصديق.\nقال الأوزاعي: أقروا بأحاديث رسول الله - ﷺ -، وأمروها كما جاءت) (١) اهـ.\n_________\n(١) ذكره أبو القاسم التيمي في الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٧٦ - ٤٧٧).","vol":"1","page":201},{"text":"وهذا يبين لنا معنى التفسير الذي نهى عنه السلف في صفات الله، وهو تفسير أهل التكييف، وتفسير أهل التعطيل. وأما تفسير الكلام على ما تعرفه العرب من لغتها فهذا مذهب السلف.\n\n- أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (٣٦٠هـ)\nقال في عقيدته التي ألفها فكتبها الخليفة القادر بالله وجمع الناس عليها وأمر وذلك في صدر المائة الخامسة وفي آخر أيام الإمام أبي حامد الاسفرائيني شيخ الشافعية ببغداد وأمر باستتابة من خرج عنها من معتزلي ورافضي وخارجي فمما قال فيها: (وهو السميع بسمع، والبصير ببصر، يعرف صفتهما من نفسه، ولا يبلغ كنههما أحد من خلقه، متكلم بكلام يخرج منه لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز) (١) اهـ.\n\n- إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (٣٦٩ هـ)\nقال في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي الذي كان على مذهب ابن كلاب: (ثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٥٥.","vol":"1","page":202},{"text":"العلماء بالقبول -أي أحاديث الصفات كالوجه والأصابع ونحوها- فليس لأحد أن يمنعها ولا يتأولها ولا يسقطها، لأن الرسول - ﷺ - لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه، ولكان الصحابة حين سمعوا ذلك من رسول الله - ﷺ - سألوه عن معنى غير ظاهرها، فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا ونقبل طوعًا ما قبلوا.) (١) اهـ.\nوهذا صريح أيضًا في كون الصحابة فهموا معنى الصفات، وهو ما دل عليه ظاهرها، وأن سكوت العلماء عن السؤال عن معانيها دال على فهمهم لمعانيها.\n\n- الامام الحافظ شيخ الاسلام أبو بكر احمد بن إبراهيم الاسماعيلي الشافعي (٣٧١ هـ)\nقال في \"اعتقاد السنة\": (اعلموا رحمكم الله أن مذاهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله، وما صحت به الرواية عن رسول الله، لا معدل عما وردا به، ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى، موصوف بصفاته التي وصف بها نفسه ووصفه بها نبيه، خلق آدم بيده، ويداه مبسوطتان بلا اعتقاد كيف، استوى على العرش بلا كيف، فإنه\n_________\n(١) رواه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٥).","vol":"1","page":203},{"text":"انتهى إلى أنه استوى على العرش، ولم يذكر كيف كان استواؤه) (١) اهـ.\n- أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (٣٨٤ هـ)\nقال: (فمن علامات المؤمنين أن يصفوا الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله - ﷺ - مما نقلته العلماء، ورواه الثقات من أهل النقل، الذين هم الحجة فيما رووه من الحلال والحرام والسنن والآثار، ولا يقال فيما صح عن رسول الله - ﷺ -: كيف؟ ولا لم؟ بل يتبعون ولا يبتدعون، ويسلمون ولا يعارضون، ويتيقنون ولا يشكون ولا يرتابون، فكان مما صح عن النبي - ﷺ - رواه أهل العدالة ومن يلزم المؤمنين قبول روايته وترك مخالفته: أن الله تعالى يضحك، فلا ينكر ذلك ولا يجحده إلا مبتدع مذموم الحال عند العلماء، داخل في الفرق المذمومة وأهل المذاهب المهجورة، عصمنا الله وإياكم من كل بدعة وضلالة برحمته) (٢) اهـ.\n\n- أبو الحسن علي بن عمر الحربي السكري (٣٨٦ هـ)\nقال في كتاب \"السنة\": (أن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء\n_________\n(١) اعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلى وأورده الذهبي في العلو (ص٢٣٠).\n(٢) الإبانة (٣/ ٩١).","vol":"1","page":204},{"text":"الدنيا كما قال النبي - ﷺ -، من غير أن يقال: كيف؟. فإن قيل: يَنزِل أو يُنزِل؟ قيل: يَنزل بفتح الياء وكسر الزاي. ومن قال: يُنزل بضم الياء فقد ابتدع. ومن قال: يُنزل ضياءًا ونورًا فهذا أيضًا بدعة، وردّ على النبي - ﷺ -.\nقال: ومما نعتقد أن لله ﷿ عرشًا، وهو على العرش، والعرش مخلوق من ياقوتة حمراء، وعلمه تعالى محيط بكل مكان، ما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، ومن قال: العرش ملك، أو الكرسي ليس بالكرسي الذي يعرف الناس فهو مبتدع، قال الله تعالى: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ البقرة٢٥٥، والعرش فوق السماء السابعة، والله تعالى على العرش، قال الله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر١٠، وقال: ﴿إني متوفيك ورافعك إلي﴾ آل عمران٥٥، وقال: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ المعارج٤، وقال: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ الملك١٦، وللعرش حملة يحملونه على ما شاء الله من غير تكييف والاستواء معلوم والكيف مجهول) (١) اهـ.\n_________\n(١) ذكره أبو القاسم التيمي في الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٤٨).","vol":"1","page":205},{"text":"- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (٣٩٥ هـ)\nقال في \"التوحيد\": (أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى - ﷺ -، وبين مراد الله ﷿ فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهومًا عند العرب غير محتاج إلى تأويلها ....\nفمن الصفات التي وصف بها نفسه ومنح خلقه (الكلام) فالله ﷿ تكلم كلامًا أزليًا غير معلم ولا منقطع، فيه يخلق الأشياء، وبكلامه دل على صفاته التي لا يُستدرك كيفيتها مخلوق ولا يبلغ وصفها واصف. والعبد يتكلم بكلام محدث معلم مختلف فان بفنائه ... - ثم ذكر صفة الوجه، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والرحمة، ثم قال: فوافقت الأسماء وباينت المعاني من كل الجهات، ...\nففيما ذكرناه دليل على جميع الأسماء والصفات التي لم نذكرها، وإنما يَنفي التمثيل والتشبيه النية والعلم بمباينة الصفات والمعاني، والفرق بين الخالق والمخلوق، وفي جميع الأشياء فيما","vol":"1","page":206},{"text":"يؤدي إلى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل والزيغ، ووجوب الإيمان بالله ﷿ بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه وأخبر عنه رسوله - ﷺ -، وأن أسامي الخلق وصفاتهم وافقتها في الاسم وباينتها في جميع المعاني، بحدوث خلقه وفنائهم، وأزلية الخالق وبقائه، وبما أظهر من صفاته، ومنع استدراك كيفيتها، فقال الله ﷿: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١.) (١) اهـ.\nولا أظن كلامه يحتاج إلى توضيح، فهو أوضح من أن يُوضح.\n\n- الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (٤٤٤ هـ)\nقال في رسالته إلى أهل زبيد: (الفصل الثامن: في بيان أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات.\nوقد زعموا أن أصحاب الحديث يعتقدون ما في الأحاديث من ذكر الصفات على ظاهرها ويثبتون لله سبحانه الكف والأصابع والضحك والنزول وأنه في السماء فوق العرش وهذه من صفات الأجسام حتى قال بعض سقاطهم \"ما بين شيوخ الحنابلة، وبين اليهود إلا خصلة واحدة\".\n_________\n(١) التوحيد (٣/ ٧ - ٩).","vol":"1","page":207},{"text":"ولعمري إن بين الطائفتين خصلة واحدة لكنها بخلاف ما تصوره الساقط وتلك الخصلة أن الحنابلة على الإسلام والسنة واليهود على الكفر والضلالة) (١) اهـ.\nوفيه أن السلف يثبتون الصفات لله تعالى على الحقيقة ويعلمون معانيها، مع نفي التشبيه والتكييف، وأن هذا هو الذي نقمه عليهم المعطلة، فألزمهم في إثباتهم لذات الله مثل ما يلزمون أهل السنة في إثبات الصفات. فإذا كان إثبات الذات لله تعالى لا يستلزم تشبيهًا بذات المخلوق، فكذلك إثبات الصفات لله تعالى لا يستلزم تشبيهًا بصفات المخلوق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>[نعت الجهمية لأهل السنة بالمشبهة: دليل على إثبات معاني الصفات]</span>\nومن الوجوه المهمة الدالة على علم السلف لمعاني الصفات، وإثباتهم حقيقة ذلك لله تعالى: هو تسمية الجهمية لهم بالمشبهة، فلو لم يُثبت السلف معاني الصفات لله تعالى لم يكن لتسمية الجهمية لهم بذلك معنى. إذ كان السلف لا يثبتون حقائق الصفات ومعانيها لله تعالى، لم يكن بينهم وبين الجهمية فرق، فالجهمية تزعم أن نزول الله: نزول أمره، وأن وجهه: ذاته، وأن يده: نعمته، ونحو ذلك.\nقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها الاصطخري: (وقد رأيت لأهل الأهواء والبدع والخلاف أسماء شنيعة قبيحة يسمون بها أهل السنة يريدون بذلك عيبهم والطعن عليهم والوقيعة\n_________\n(١) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص١٨٥).","vol":"1","page":208},{"text":"فيهم والإزراء بهم عند السفهاء والجهال: ... - إلى أن قال: وأما الجهمية فإنهم يسمون أهل السنة المشبهة) (١) اهـ.\nوقال إسحاق بن راهويه: (علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة وما أولعوا به من الكذب أنهم مشبهة) (٢) اهـ.\nوقال أبو حاتم الرازي: (وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة) (٣) اهـ.\nوقال أبو زرعة: (المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله ﷿ التي وصف بها نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه - ﷺ -، ويكذبون بالأخبار الصحاح التي جاءت عن رسول الله - ﷺ - في الصفات، ويتأولونها بآرائهم المنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة، وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسب الواصفين ربهم ﵎ بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه - ﷺ - من غير تمثيل ولا تشبيه إلى التشبيه فهو معطل نافٍ، ويستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية، كذلك كان أهل العلم يقولون منهم: عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح) (٤) اهـ.\n_________\n(١) رواها ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٢٥).\n(٢) رواه اللالكائي (٣/ ٥٣٢).\n(٣) المرجع السابق (١/ ١٨٢).\n(٤) ذكره أبو القاسم التيمي في الحجة في بيان المحجة (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":209},{"text":"وقال البربهاري: (وإن سمعت الرجل يقول: فلان مشبه، وفلان يتكلم في التشبيه، فاتهمه واعلم أنه جهمي ..) (١) اهـ.\n\n- شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٤٤٩ هـ)\nقال في \"عقيدة السلف وأصحاب الحديث\": (قلت وبالله التوفيق: أصحاب الحديث، حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم، يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول - ﷺ - بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم ﷿ بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله - ﷺ - على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له ﷻ ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله - ﷺ -، ولا يعتقدون تشبيهًا لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله- عز من قائل: ﴿يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما\n_________\n(١) شرح السنة (ص١١٥).","vol":"1","page":210},{"text":"بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين تشبيه المشبهة، خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف، ومن عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله ﷿: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١.\nوكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة، والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا والسخط والحياة، واليقظة والفرح والضحك وغرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله - ﷺ - من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا. وما يذكر إلا أولو الألباب﴾ آل عمران٧) (١) اهـ.\n_________\n(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (٣٥ - ٣٩).","vol":"1","page":211},{"text":"وقوله (ويكلون علمه إلى الله) المراد به كنه الصفات وحقيقة ما هي عليه، بدليل إنكاره تأويل اليدين، وقوله (ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه بتأويل منكر). فدل على أن اللفظ يحمل على ظاهره المعروف في اللغة، وعلى حقيقته اللائقة بالله تعالى.\nوقوله (ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية) يفسر معنى نهي السلف عن تفسير الصفات، ألا وهو تفسير أهل البدع والمعطلة الذي يخرج اللفظ عن ظاهره.\nوقال في تأكيده لحقيقة معنى النزول لله تعالى، وأنه النزول المعروف في اللغة من غير تشبيه له بنزول خلقه، فقال بعد أن روى أحاديث النزول الإلهي: (سمعت الأستاذ أبا منصور على إثر هذا الحديث الذي أملاه علينا يقول سئل أبو حنيفة عنه فقال: \"ينزل بلا كيف \" وقال بعضهم: \"ينزل نزولا يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق، بل بالتخلي والتملي، لأنه ﷻ منزه أن تكون صفاته مثل صفات الخلق، كما كان منزهًا أن تكون ذاته مثل ذوات الخلق، فمجيئه وإتيانه ونزوله على حساب ما يليق بصفاته، من غير تشبيه وكيف ...) إلى أن قال: (قلت: فلما صح خبر النزول عن الرسول - ﷺ - أقر به أهل السنة، وقبلوا","vol":"1","page":212},{"text":"الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله - ﷺ -، ولم يعتقدوا تشبيهًا له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوًا كبيرًا، ولعنهم لعنًا كثيرًا ...) ثم أكد هذا المعنى للنزول بما نقله عن حماد بن أبي حنيفة فقال: (وقرأت لأبى عبد الله ابن أبي جعفر البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، قال أبو عبد الله:- أعني ابن أبى حفص هذا- سمعت عبد الله بن عثمان وهو عبدان شيخ مرو يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله ﷿ ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢؟ قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفًا صفًا، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه، فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف مجيئه، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفًا صفًا ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب.) (١) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (٦٠ - ٦٣).","vol":"1","page":213},{"text":"فما أروعه من كلام، وأعظمه من تقعيد وتأصيل. وهذا صريح في فهم السلف لمعنى النزول وأنه نزول حقيقي لائق بالله تعالى لا يشبه نزول المخلوقين، وإنما جهلوا كيفيته.\nومما يطول التعجب منه: عد الأشعريّيْن الصابوني ﵀ من جملة الأشاعرة!!!\n\n- الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (٤٦٣ هـ)\nقال: (وقول رسول الله - ﷺ - \"ينزل ربنا إلى السماء الدنيا\" عندهم مثل قول الله ﷿: ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾ الأعراف١٤٣، ومثل قوله: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر ٢٢، كلهم يقول: ينزل، ويتجلى، ويجيء بلا كيف، لا يقولون كيف يجيء؟ وكيف يتجلى؟ وكيف ينزل؟ ولا من أين جاء؟ ولا من أين تجلى؟ ولا من أين ينزل؟ لأنه ليس كشيء من خلقه وتعالى عن الأشياء ولا شريك له) (١) اهـ.\nوقال في إثبات حقيقة الاستواء وأنه معلوم المعنى مجهول الكيف: (فإن قال إنه لا يكون مستويًا على مكان إلا مقرونًا بالتكييف، قيل قد يكون الاستواء واجبًا والتكييف مرتفع، وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل،\n_________\n(١) التمهيد (٧/ ١٣٥).","vol":"1","page":214},{"text":"لأنه لا يكون كائن في لا مكان إلا مقرونًا بالتكييف، وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحًا في أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفية على عرشه يوجب أنه ليس على عرشه) (١) اهـ.\nوهذا يؤكد أن السلف علموا معنى الصفات، وإنما جهلوا الكيفية، وأن إثبات حقيقة الصفة لله تعالى كاليد، والوجه، والاستواء، والضحك، لا يستلزم العلم بالكيفية. إذ الكيفية أخص من العلم بالمعنى والحقيقة، ومثّل ﵀ بالروح التي بين جنبي الإنسان، فإننا نقر جميعًا بحقيقتها، ونعلم بعض صفاتها، مع كوننا لا ندرك حقيقة ما هي عليه ولا كيفيتها، وهي مخلوقة، فكيف بالخالق سبحانه!\n\n- شيخ الحنفية أبو اليسر محمد بن محمد بن الحسين البزدوي (٤٩٣ هـ)\nقال: (إثبات اليد والوجه حق عندنا معلوم بأصله، متشابه بوصفه، ولا يجوز إبطال الأصل بالعجز عن إدراك الوصف بالكيف، وإنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة) (٢) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (٧/ ١٣٧).\n(٢) أصول الدين عند أبي حنيفة (ص٢٩١).","vol":"1","page":215},{"text":"- شمس الأئمة أبو العباس الفضل بن عبد الواحد السرخسي الحنفي (٤٩٤ هـ)\nقال: (وأهل السنة والجماعة أثبتوا ما هو الأصل معلوم المعنى بالنص -أي بالآيات القطعية والدلالات اليقينية- وتوقفوا فيما هو المتشابه وهو الكيفية، ولم يجوزا الاشتغال في طلب ذلك) (١) اهـ.\nوهذا لا يحتاج إلى توضيح.\n\n- الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ)\nقال وقد سئل عن صفات الرب فقال: (مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد ابن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره. ثم قال: أي هو هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٨٣.","vol":"1","page":216},{"text":"المجاز بنوع من التأويل) (١) اهـ.\nوقال: (قال علماء السلف: ... وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى - ﷺ -، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته وكان ذلك مفهومًا عند العرب غير محتاج إلى تأويله) (٢) اهـ.\nوقال في كلام له نفيس وهو يقرر أن الصفات على حقيقتها من غير تأويل: (قال أهل السنة: الإيمان بقوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، واجب، والخوض فيه بالتأويل بدعة ....) إلى أن قال: (والاستواء في كلام العرب تأتي لمعان ...) ثم ذكر معاني الاستواء في اللغة وهي التقويم والمماثلة والقصد والعلو، ثم قال: (قال أهل السنة: الاستواء هو العلو. قال الله تعالى ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ المؤمنون٢٨، وليس للاستواء في كلام العرب معنى إلا ما ذكرنا، وإذا لم يجز الأوجه الثلاثة -أي التقويم والمماثلة والقصد- لم يبق إلا الاستواء الذي هو معلوم كونه -أي العلو- مجهول كيفيته، واستواء نوح على السفينة معلوم كونه،\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٨٧.\n(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٧٠).","vol":"1","page":217},{"text":"معلوم كيفيته لأنه صفة له، وصفات المخلوقين معلومة كيفيتها. واستواء الله على العرش غير معلوم كيفيته لأن المخلوق لا يعلم كيفية صفات الخالق لأنه غيب ولا يعلم الغيب إلا الله، ولأن الخالق لم يشبه ذاته ذات المخلوق لم يشبه صفاته صفات المخلوق، فثبت أن الاستواء معلوم، والعلم بكيفيته معدوم، فعلمه موكول إلى الله تعالى كما قال: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ آل عمران٧.\nوكذلك القول فيما يضارع هذه الصفات كقوله تعالى ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وقوله ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، وقوله ﴿ويبقى وجه ربك﴾ الرحمن٢٧. وقول النبي - ﷺ -: (حتى يضع الجبار فيها قدمه). (إن أحدكم يأتي بصدقته فيضعها في كف الرحمن). وقوله: (يضع السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع). فإذا تدبره متدبر، ولم يتعصب بان له صحة ذلك وأن الإيمان به واجب، وأن البحث عن كيفية ذلك باطل. وهذا لأن اليد في كلام العرب تأتي بمعنى القوة .....) ثم ذكر معانيها في اللغة فذكر النعمة والنصرة والملك والتصرف، وبين امتناع إرادة هذه المعاني في حق ما ورد من آيات ذكر اليد لله تعالى ثم قال: (ومنها اليد التي هي معروفة، فإذا لم تحتمل الأوجه التي ذكرنا لم يبق إلا اليد المعلوم كونها، المجهولة كيفيتها، ونحن نعلم يد المخلوق وكيفيتها لأنا نشاهدها ونعاينها فنعرفها، ونعلم أحوالها، ولا نعلم كيفية يد الله تعالى، لأنها لا تشبه","vol":"1","page":218},{"text":"يد المخلوق، وعلم كيفيتها علم الغيب ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، بل نعلم كونها معلومة لقوله تعالى، وذكره لها فقط، ولا نعلم كيفية ذلك وتأويلها. وهكذا قوله ﴿ويبقى وجه ربك﴾ الرحمن٢٧، للوجه في كلام العرب معان ..) ثم ذكر منها الجاه والقدر وأول الشيء والجهة وبين امتناع إرادتها فيما ورد من ذكر الوجه لله تعالى في القرآن، ثم قال: (ومنه الوجه المعروف، فإذا لم يجز حمل الوجه على الأوجه التي ذكرناها بقي أن يقال: هو الوجه الذي تعرفه العرب، كونه معلومًا بقوله تعالى، وكيفيته مجهولة.\nوكذلك قوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) وقوله: (حتى يضعه في كف الرحمن). وللقدم معان، وللكف معان، وليس يحتمل الحديث شيئًا من ذلك إلا ما هو المعروف في كلام العرب فهو معلوم بالحديث مجهول بالكيفية.\nوكذلك القول في الإصبع، الإصبع في كلام العرب تقع على النعمة والأثر الحسن وهذا المعنى لا يجوز في هذا الحديث، فكون الإصبع معلومًا بقوله - ﷺ -، وكيفيته مجهولة، وكذلك القول في جميع الصفات يجب الإيمان به، ويترك الخوض في تأويله، وإدراك كيفيته) (١) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (٢/ ٢٥٧ - ٢٦٢).","vol":"1","page":219},{"text":"وقال أيضًا: (قال بعض العلماء: من أنكر الضحك فقد جهل جهلًا شديدًا، ومن نسب الحديث إلى الضعف وقال: لو كان قويًا لوجب رده. وهذا عظيم من القول أن يرد قول رسول الله - ﷺ -، والحق أن الحديث إذا صح عن النبي - ﷺ - وجب الإيمان به، ولا توصف صفته بكيفية، ولكن نسلم إثباتًا له، وتصديقًا به) (١) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (٢/ ٤٥٨).","vol":"1","page":220},{"text":"- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ)\nقال في \"العلو\": (المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة ما علمت أحدا سبقهم بها، قالوا: هذه الصفات تمر كما جاءت، ولا تأول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد، فتفرع من هذا أن الظاهر يعني به أمران:\nأحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته.\nالثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة كما يتشكل في الذهن من وصف البشر فهذا غير مراد) (١) اهـ.\nوقال بعد نقل كلامًا للخطيب البغدادي: (وقال نحو هذا القول قبل الخطيب الخطابي أحد الأعلام، وهذا الذي علمت من مذهب السلف، والمراد بظاهرها أي: لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له، كما قال مالك وغيره الاستواء معلوم، وكذلك القول في السمع والبصر والعلم والكلام والإرادة والوجه ونحو ذلك، هذه\n_________\n(١) العلو (ص٢٥٠ - ٢٥٢).","vol":"1","page":221},{"text":"الأشياء معلومة فلا نحتاج إلى بيان وتفسير، لكن الكيف في جميعها مجهول عندنا والله أعلم) (١) اهـ.\n\n- الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ)\nقال: (وأما وصف النبي - ﷺ - لربه ﷿ بما وصفه به فكل ما وصف النبي - ﷺ - به ربه ﷿ فهو حق وصدق يجب الإيمان والتصديق به كما وصف الله ﷿ به نفسه مع نهي التمثيل عنه، ومن أشكل عليه فهم شيء من ذلك واشتبه عليه فليقل كما مدح الله تعالى به الراسخين في العلم وأخبر عنهم أنه يقولون عند المتشابه: ﴿آمنّا به كُلٌّ من عند ربِّنا﴾ آل عمران٧، وكما قال النبي - ﷺ - في القرآن: (وما جهلتهم منه فكلوه إلى عالمه). خرجه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما، ولا يتكلف ما لا علم له فإنه يُخشى عليه من ذلك الهلكة) (٢) اهـ.\nوقال: (وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث النزول ثلث الليل الآخر، وقال: ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين. ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض، وأن الرسول - ﷺ -\n_________\n(١) المرجع السابق (٢٥٤).\n(٢) اختيار الأولى في شرح اختصام الملأ الأعلى (ص٢٧).","vol":"1","page":222},{"text":"أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين.) (١) اهـ.\nقلت: واعتراض من ذكرهم، إنما هو اعتراض على إثبات حقيقة النزول، فلذلك أوردوا عليه ما ذكره، وهذا من جهلهم، لأنهم قاسوا الخالق بالمخلوق عياذًا بالله.\n\n- تقي الدين أبو العباس أحمد بن علي العبيدي المقريزي (٨٤٥ هـ)\nقال: (اعلم أن الله تعالى لما بعث من العرب نبيه - ﷺ - رسولًا إلى الناس جميعًا، وصف لهم ربهم ﷾ بما وصف به نفسه الكريمة في كتابه العزيز، الذي نزل به على قلبه - ﷺ - الروح الأمين، وبما أوحى إليه ربه تعالى.\n_________\n(١) المرجع السابق (ص١٣٤).","vol":"1","page":223},{"text":"فلم يسأله - ﷺ - أحد من العرب بأسرهم قرويهم وبدويهم عن معنى شيء من ذلك، كما كانوا يسألونه - ﷺ - عن أمر الصلاة والزكاة والصيام والحج، وغير ذلك مما لله فيه سبحانه أمر وتهي، وكما سألوه - ﷺ - عن أحوال القيامة والجنة والنار، إذ لو سأله إنسان منهم عن شيء من الصفات الإلهية لنُقل، كما نُقلت الأحاديث الواردة عنه - ﷺ - في أحكام الحلال والحرام، وفي الترغيب والترهيب، وأحوال القيامة، والملاحم والفتن، ونحو ذلك، مما تضمنته كتب الحديث، معاجمها ومسانيدها وجوامعها.\nومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبوي ووقف على الآثار السلفية علم أنه يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة - ﵃ - على اختلاف طبقاتهم، كثرة عددهم أنه سأل رسول الله - ﷺ - عن معنى شيء مما وصف الرب سبحانه نفسه الكريمة في القرآن الكريم وعلى لسان نبيه - ﷺ -، بل كلهم فهموا معنى ذلك وسكتوا عن الكلام في الصفات.\nنعم، ولا فرّق أحد منهم بين كونها صفة ذات أو صفة فعل، وإنما أثبتوا له تعالى صفات أزلية، من العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود والإنعام والعز والعظمة، وساقوا الكلام سوقًا واحدًا، وهكذا أثبتوا - ﵃ - ما أطلقه سبحانه على نفسه الكريمة من الوجه واليد ونحو ذلك، مع نفي مماثلة المخلوقين.","vol":"1","page":224},{"text":"فأثبتوا - ﵃ - بلا تشبيه، ونزهوا من غير تعطيل، ولم يتعرض مع ذلك أحد منهم إلى تأويل شيء من هذا، ورأوا بأجمعهم إجراء الصفات كما وردت، ولم يكن عند أحد منهم ما يستدل على وحدانية الله تعالى، وعلى إثبات نبوة محمد - ﷺ - سوى كتاب الله، ولا عرف أحد منهم شيئًا من الطرق الكلامية ولا مسائل الفلسفة، فمضى عصر الصحابة - ﵃ - على هذا) (١) اهـ.\nوقال أيضًا: (فلذلك وصف الله تعالى نفسه الكريمة بها في كتابه، ووصفه رسول الله أيضًا بما صح عنه وثبت، فدل على أن المؤمن إذا اعتقد أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وأنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، كان ذكره لهذه الأحاديث تمكين الإثبات، وشجًا في حلوق المعطلة، وقد قال الشافعيّ ﵀ \"الإثبات أمكن\" نقله الخطابيّ، ولم يبلغنا عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم أنهم أوّلوا هذه الأحاديث، والذي يمنع من تأويلها إجلال الله تعالى عن أن تضرب له الأمثال، وأنه إذا نزل القرآن بصفة من صفات الله تعالى، كقوله سبحانه:\"الله فوق أيديهم \" فإن نفس تلاوة هذا يفهم منها السامع المعنى المراد به، وكذا قوله تعالى:\"بل يداه مبسوطتان\"، عند حكايته تعالى عن اليهود نسبتهم إياه\n_________\n(١) خطط المقريزي (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار) (٤/ ١٨٨).","vol":"1","page":225},{"text":"إلى البخل فقال تعالى:\"بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء\"، فإن نفس تلاوة هذا مبينة للمعنى المقصود) (١) اهـ.\n\n- الملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي (١٠١٤ هـ)\nقال في شرح الفقه الأكبر: (إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة ... فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ... فما سمّى به الرب نفسه، وسمّى به مخلوقاته مثل: الحي، والقيوم، والعليم، والقدير، أو سمّى به بعض صفات عباده فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أيضًا معاني هذه الأسماء في حق المخلوق، ونعقل بين المعنيين قدرًا مشتركًا، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركًا إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معينًا مختصًا، فيثبت في كلم منهما ما يليق به) (٢) اهـ.\n\nفرع في تقرير هذا الأصل من كلام أبي الحسن الأشعري\n_________\n(١) المرجع السابق (٤/ ١٩٧).\n(٢) شرح الفقه الأكبر (ص٩٦).","vol":"1","page":226},{"text":"قال: (مسألة: ويقال لأهل البدع: ولم زعمتم أن معنى قوله: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، نعمتي أزعمتم ذلك إجماعًا أو لغة؟\nفلا يجدون ذلك إجماعًا ولا في اللغة.\nوإن قالوا: قلنا ذلك من القياس.\nقيل لهم: ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، لا يكون معناه إلا نعمتي؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا، مع أنا رأينا الله ﷿ قد قال في كتابه العزيز الناطق على لسان نبيه الصادق: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ إبراهيم٤، وقال تعالى: ﴿لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾ النحل ١٠٣، وقال تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ الزخرف ٣، وقال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله﴾ النساء ٨٢،ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه لأنه بلسانهم نزل وليس في لسانهم ما ادعوه) (١) اهـ.\n_________\n(١) الإبانة لأبي الحسن الأشعري (ص١٠٧).","vol":"1","page":227},{"text":"وقال: (مسألة: قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟\nقيل: نقول ذلك بلا كيف وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ الفتح١٠، وقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف ..) إلى قوله: (وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله ﷿ إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهومًا في كلامها ومعقولًا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة، بطل أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافَعَنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة، إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قِبَلها، لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي، يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه ولن","vol":"1","page":228},{"text":"يجد له سبيلا) (١) اهـ.\nوقال: (الإجماع العاشر: وأجمعوا على وصف الله تعالى بجميع ما وصف به نفسه ووصفه به نبيه من غير اعتراض فيه ولا تكيف له، وأن الإيمان به واجب وترك التكييف له لازم) (٢) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (ص١٠٦).\n(٢) رسالة إلى أهل الثغر (ص٢١٨).","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الثاني\nبيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه</span>\nخلاصة الفصل\nأولًا: بعد تقرير هذا الأصل المهم من كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - وكلام سلف الأمة وأئمتها، تبين لنا أن السلف ﵏ لم يجهلوا معاني صفات الله تعالى، بل كانوا يعلمون معانيها ويثبتونها لله تعالى على الوجه اللائق به، من غير أن يمثلوها بصفات المخلوقين، ولا يحرفوها تحريف المعطلين.\nثانيًا: موافقة أبي الحسن الأشعري للسلف في هذا الأصل العظيم، مما يستلزم أن يوافقه كل من انتسب إليه، وإلا كان انتسابهم إليه دعوى مجردة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>[بطلان دعوى التفويض عن السلف وأنه يعود إلى التأويل]</span>\nثالثًا: وتبين لنا كذلك بطلان دعوى الأشعريّيْن في أن التفويض هو مذهب السلف في الصفات، ويعنيان به تفويض المعنى لا الكيفية.","vol":"1","page":230},{"text":"قال الأشعريان بعد تعريفهما للتفويض والتأويل (ص١٤٤ - ١٤٥): (وهذان المذهبان كما أسلفنا هما المذهبان المعتبران المأثوران عن أهل السنة والجماعة في أبواب المتشابه، ولا اعتبار لمن جنح إلى التعطيل أو التشبيه من المذاهب الأخرى التي رفضتها الأمة ولفظتها ...) إلى أن قالا: (حمل الكلام على الظاهر والحقيقة يفضي قطعًا إلى التشبيه، لأن حقائق وظواهر هذه الألفاظ أجسام وكيفيات مخلوقة ...) إلى أن قالا: (بقي القسم الأخير وهو صرف الكلام عن الحقيقة والظاهر، ثم بعد صرفه عن الظاهر إما أن يُتوقف عن التماس معنى له ويوكل العلم به إلى الله، وهذا هو التفويض الذي عليه جماهير السلف الصالح، أو يلتمس له معنى لائق بالله تعالى حسب مناحي الكلام عند العرب وما تسيغه لغتهم، وهذا هو التأويل الذي عليه خلف الأمة وجماعات من سلفها الصالح) اهـ.\nوبناءًا عليه فإن مذهب التفويض الذي ينسبه الأشعريان إلى السلف يعود إلى التأويل، بمعنى أن الفريقين -أهل التفويض وأهل التأويل- قد اتفقا على أن هذا الآيات والأحاديث لم تدل على صفات الله تعالى، وأنه ليست على ظاهرها، ولا يراد به الحقيقة، ولكن السلف أمسكوا عن تأويلها ولم يحددوا المعنى المجازي المراد منها، والخلف رأوا المصلحة في تأويلها والتصريح بالمعنى المجازي لمسيس الحاجة إلى ذلك، وأن الفرق بين الطريقين أن أهل","vol":"1","page":231},{"text":"التأويل قد يعينون المراد بالتأويل، وأهل التفويض لا يعينون لجواز أن يُراد به غيره.\nولا ريب أن هذا الكلام افتراء عظيم على السلف، وجهل كبير بمذهبهم:\nأمّا في كثير من الصفات فقطعًا: مثل أن الله تعالى فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم، والذي سنأتي على بعضه في الفصل الأول من الباب الثاني، علم بالاضطرار أن السلف كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما اعتقدوا خلاف ذلك قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك كما نقلنا شيئًا منه فيما سبق. ولا يُعرف لأحد من السلف كلام يدل على نفي الصفات الخبرية لله تعالى أو غيرها، لا نصًا، ولا ظاهرا، ً ولا بالقرائن، بل كثير من كلامهم يدل إما نصًا، أو ظاهرًا، على تقرير جنس الصفات لله تعالى، وأنها على الحقيقة، وأنها معلومة المعنى بما تعرفه العرب من ظاهر لغتها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>[بيان معنى قول بعض السلف عن الصفات: \"بلا معنى</span>\"]\nوإنما ينكر السلف التشبيه، وينكرون على المشبهة الذين يشبهون الله بخلقه، ولذلك تراهم يعقبون إثباتهم للصفات بقولهم \"بلا كيف\"، مع إنكارهم أيضًا على من ينفي الصفات، أو يحرفها عن ظاهرها إلى مجازات الكلام فيخرجها عن حقيقتها، فربما قالوا \"ويكلون علمها إلى قائلها\" أو \"بلا معنى\" أي: المعاني الباطلة التي","vol":"1","page":232},{"text":"يصرف بها المعطلة صفات الله عن ظواهرها، فيعطلون المعنى الصحيح ويستبدلونه بالمعاني المجازية.\nوالسلف أثبتوا الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه فكانوا فيها وسط بين فريقين: المشبهة من جهة، فلذلك قالوا \"بلا كيف\"، والمعطلة من جهة فلذلك قال بعضهم \"بلا معنى\" أو \"من غير تفسير\".\nقال أبو بكر الخلال: أخبرني علي بن عيسى أن حنبلًا حدثهم قال: (سألت أبا عبد الله -أي الإمام أحمد- عن الأحاديث التي تُروى \"إن الله ﵎ ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا\" و\"أن الله يرى\" و\"إن الله يضع قدمه\" وما أشبهه؟ فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها، ولا كيف، ولا معنى، ولا نرد منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كانت بأسانيد صحاح، ولا نرد على رسول الله - ﷺ - قوله، ولا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله بلا حد ولا غاية ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعث) (١) اهـ.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٣٢.","vol":"1","page":233},{"text":"فقول الإمام أحمد: \"ولا كيف\"، رد على المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه، أو يكيفونها في أذهانهم.\nوقوله: \"ولا معنى\"، رد على المعطلة الذين ينفون عن الله تعالى حقائق الصفات، ويحرفونها عن معانيها إلى معان مجازية باطلة.\nفصار كلامه موافقًا للسلف جامعًا بين الإثبات بلا تشبيه، والتنزيه بلا تعطيل.\nويؤكد ذلك تتمة كلامه الذي قرر فيه إثبات الصفات لله تعالى ونفي التشبيه والتعطيل.\nوقوله: \"ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعث\" ظاهر في إثبات معنى الصفات لله تعالى، وأنها ثابتة لله لا تُزال عنه لأجل شناعة المعطلة الذين يلزمونها لوازم صفات المخلوق، ويزعمون أن إثباتها يستلزم التشبيه.\nبل كل كلام الإمام أحمد المنقول عنه في هذا الباب مما نقلنا بعضه صريح في إثبات معاني الصفات، وإبطال التفويض المزعوم، وقد كان يرد وينكر تأويلات المعطلة الذين يتأولون صفات الله تعالى ويصرفونها عن ظاهرها إلى معان باطلة، وصنف كتابه \"الرد على الجهمية والزنادقة فيما أنكرته من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله\" فأنكر عليهم تأويل القرآن على غير مراد الله ورسوله، وهم إذا تأولوه يقولون: معنى هذه الآية كذا.","vol":"1","page":234},{"text":"وأهل التكييف يثبتون لصفاته تعالى كيفية معينة. فنفى الإمام أحمد قول هؤلاء، وقول هؤلاء. قول المكيفة الذين يدعون أنهم علموا الكيفية، وقول المحرفة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، ويقولون: معناه كذا وكذا.\nوقول الإمام مالك: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول\" وفي لفظ \"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول\" موافق لقول الباقين من الأئمة والمعروف عن السلف من قولهم عن آيات الصفات (أمروها كما جاءت بلا كيف). فإنهم إنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة، ولو كانوا قد آمنوا باللفظ المجرد فقط من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قال الإمام مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فان الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم.\nومن المعلوم أيضًا أنه لا يُحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا لم يُفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفى علم الكيفية إذا أثبتت الصفات، فإن نفي الأخص يستلزم إثبات الأعم، فلو قال قائل: ما فهمت كلام زيد، لفُهم منه أن القائل قد سمع كلامًا لزيد، لكنه لم يفهمه، فإن الفهم أخص من السمع، فلما نُفي الأخص، دل على ثبوت الأعم. والكيفية أخص من المعنى، فلما نفى السلف الكيفية، دل ذلك على علمهم بالمعنى. وإلا فإن من ينفى الصفات الخبرية","vol":"1","page":235},{"text":"أو الصفات مطلقًا لا يحتاج إلى أن يقول \"بلا كيف\"، فمن يقول: إن الله لا ينزل، أو أن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفى الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>[معنى قول السلف عن أخبار الصفات \"أمروها كما جاءت بلا كيف</span>\"]\nوقولهم \"أمروها كما جاءت\" يقتضى إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال \"أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد\" أو \"أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة\" وحينئذ فلا تكون قد أُمِرَّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ \"بلا كيف\" إذ نفى الكيف عما ليس بثابت لغوٌ من القول.\nوقد سبق أن بينا أن الأمر بإمرار الأحاديث كما جاءت، قد قاله السلف في كثير من الأحاديث المعلومة المعنى في غير الصفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>[بطلان دعوى أن نفي الكيفية هو نفي للمعنى]</span>\nوبهذا يتبين خطأ الأشعريين حين ذكرا أن مراد السلف بقولهم في الصفات \"بلا كيف\"، نفي المعنى، وأن الكيفية يعبر بها عن المعنى.\nفقالا (ص١٤٨): (وقوله -أي الترمذي- \"ولا يقال كيف\" أي: بلا استفسار عن معانيها، أو تعيين المراد منها، وبه يفارقون أهل التشبيه) اهـ.","vol":"1","page":236},{"text":"وقالا أيضًا (ص١٥١): (\"بلا كيف\" عبارة المقصود منها زجر السائل عن البحث والتقصي، لا إثبات المعنى الحقيقي وتفويض الكيف!!) اهـ.\nوقالا (ص١٥٢): (من هنا يتبين مراد السلف بقولهم \"بلا كيف\"، ومنه تعلم أن من ينسب إلى السلف إثبات المعاني الحقيقية لهذه الألفاظ والتفويض في كيفياتها ينسب إليهم التشبيه من حيث لا يدري) اهـ.\nفالذي استنكراه هنا واستبعداه هو عين مذهب السلف كما قررناه في هذا الفصل، وهو إثباتهم لمعاني الصفات وتفويضهم لكيفياتها، وأما على ما ذكراه فيكون جميع السلف مشبهة في حكم الأشعريّيْن ابتداءًا من الصحابة وإلى يومنا هذا!!\nوليت الأشعريّيْن وقفا عند هذا الحد، ولكنهما تجاوزاه إلى أمر لا ينقضي منه العجب، فزعما أن السؤال عن الكيف لغةً: هو السؤال عن المعنى.\nقالا (ص١٥٢): (فيقول أنهم -أي السلف- يثبتون المعنى الحقيقي ويفوضون الكيف، وقائل هذا لا يدري ما يقول، فإن حقائق هذه الألفاظ كيفيات، فكيف يزعم إثبات معانيها وتفويض كيفياتها؟! ....) إلى أن قالا: (فعندما يقال في جواب السائل \"بلا كيف\" يفهم منه أنه \"بلا معنى\" لأن لفظ الـ\"كيف\" هنا مستفهم به عن المعنى) اهـ.","vol":"1","page":237},{"text":"ولا ريب أن هذا كذب على اللغة والشرع والعقل:\nأما كونه كذبًا على اللغة: فلأن الاستفهام بـ \"كيف\" استفهام عن الحال والكيفية والماهية.\nقال في مختار الصحاح في معنى \"كيف\": (وهو للاستفهام عن الأَحوال، وقد يقع بمعنى التعجب) (١).\nوأما الاستفهام عن المعنى فيكون بـ \"ما\" فيقال: ما معنى كذا؟ أو ما المراد بكذا؟ ونحو ذلك.\nفليت شعري بأي لغة وجدوا أن الاستفهام بـ \"كيف\" استفهام عن المعنى.\nأما كونه كذبًا على الشرع فلأمور:\nأولها: أن نصوص الكتاب والسنة وعبارات السلف صريحة في إثبات معاني الصفات، وأنها مفهومة معلومة كما سبق نقل بعض كلامهم في هذا. ومن أشهرها تفسيرهم لمعنى الاستواء لله تعالى، وتصريحهم بفوقية الله تعالى على خلقه.\nالأمر الثاني: أن هذا القول يستلزم استجهال النبي - ﷺ - واستجهال سلف الأمة، وكونهم لا يعلمون معاني ما أنزل الله ﷿ عليهم، وأمرهم بتدبره وتعقله، وتعرّف إليهم به، وحينئذ\n_________\n(١) مختار الصحاح/ مادة \"كيف\".","vol":"1","page":238},{"text":"يكون ما وصف الله به نفسه في القرآن، أو كثير مما وصف الله به نفسه، لا يعلم النبي - ﷺ - معناه، ولا الصحابة، ولا من بعدهم.\nولا ريب أن هذا قدح في القرآن أولًا حيث لم يكن تبيانًا لكل شيء، ولم يكن هدىً للناس، ولا بلاغًا مبينًا. وقد قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم﴾ إبراهيم٤.\nوقدح في الرسول - ﷺ - ثانيًا حيث لم يكن عالمًا بأشرف ما في كتاب الله تعالى من الإخبار عن الرب وعن صفاته وأفعاله.\nوبناءًا عليه فيكون الهدى في هذا الباب لا يؤخذ لا من الكتاب، ولا من السنة، ولا من الصحابة وسلف الأمة، ولكنه يؤخذ من أفواه المتأخرين الحيارى المتناقضين في أسماء الله وصفاته. سبحانك هذا بهتان عظيم.\nولما رأى الأشعريان أن هذا لازم لقولهما لا محالة، راما الخروج منه بطرق ملتوية عادت بهم إلى نفس الطريق الذين ابتدأوا منه.\nفقالا في الجمع بين النقيضين (ص١٥٣): (يبدو للوهلة الأولى أن ثمة تعارضًا بين إدراك معاني هذه النصوص، وبين إمرارها الذي هو عدم العلم بالمراد منها، وفي الحقيقة ليس ثمة أي تعارض بين الأمرين، فالمقصود بعدم العلم بالمراد الذي فُسّر به الإمرار هو عدم العلم بالمراد تفصيلًا وعلى سبيل القطع والتحديد، وهذا","vol":"1","page":239},{"text":"لا يقتضي عدم علمهم بالمراد إجمالًا) ثم ذكرا مثالًا فقالا: (مثال على هذا قوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، المائدة٦٤،يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود ... أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية فبعد استبعاد المعنى الظاهر المتبادر من إطلاقه ... احتمل اللفظ عدة معان مجازية، ولهذا الاحتمال توقف جمهور السلف عن التعيين والقطع بأحدها، وهذا هو معنى عدم علمهم بالمراد) اهـ.\nوهذا الجمع المزعوم لا يرفع الإشكال والتناقض، إذ كان من المعلوم أن هذه المعاني المجازية، كما لليد مثلًا، متباينة في نفسها، ومختلفة في معانيها وحقائقها، فقد يراد باليد النعمة، وقد يراد بها القدرة، وقد يراد بها النصرة، وقد يراد بها الملك، وقد يراد بها التصرف، فإذا توقف السلف عن تحديد مراد الله منها مع تباينها، رجع الأمر إلى الجهل بالمعنى على الحقيقة، وعدم الفهم لكلام الله تعالى، وهو عين ما أرادا التنصل منه، والتبرء من لزومه. فتأمل!!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>[الجهل بكيفية الصفة لا يستلزم الجهل بمعناها]</span>\nوأما كونه كذبًا على العقل: فلأن إثبات معنى الصفة لا يستلزم العلم بكيفيتها وحقيقة ما هي عليه في الخارج. كما أن الجهل بكيفيتها لا يستلزم الجهل بالمعنى. إذ لا تلازم بين الأمرين.\nوالعقل يميز بين المعاني المجردة وبين الصور والهيئات الحسية.","vol":"1","page":240},{"text":"فنحن نثبت لله تعالى ذاتًا حقيقة، ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، فكذلك كلامه، واستواؤه، ونزوله، وضحكه، ومقته، ثابت في نفس الأمر على الحقيقة، ولا تعلم كيفيته، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف.\nومعلوم أن المخلوق قد تُدرك معاني صفاته، ويوصف بها حقيقة، مع الجهل بكيفيته.\nفالروح التي فينا قد وُصفت بصفات ثبوتية وسلبية، فأخبرت النصوص أنها تعرج وتصعد إلى السماء، وأنها تُقبض من البدن، وتُسل منه كما تُسل الشعرة من العجين، ويتبعها بصر الميت، وهذه أوصاف مفهومة معلومة المعنى، ومع ذلك فنحن لا ندرك كيفية الروح وحقيقة ماهيتها. وجهلنا بالكيفية والماهية لا يستلزم أن لا يكون لها حقيقة، وأن لا تفهم معاني صفاتها، كما لا يستلزم علمنا بحقيقتها ومعاني ما اتصفت به، أن نعلم كيفيتها. إذ المعنى المجرد شيء، والهيئات المحسوسة المرئية شيء آخر.\nومثال ذلك أيضًا ما أخبرنا الله ﷿ به عما في الجنة من المخلوقات من أصناف المآكل، والمشارب، والملابس، والمناكح، والمساكن، وما فيها من أنهار اللبن، والخمر، والماء، والعسل، وغير ذلك من نعيمها وحورها وقصورها. ونحن ندرك هذه المعاني ونفهمها، ومع ذلك فقد قال ابن عباس - ﵁ -:","vol":"1","page":241},{"text":"(ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء) (١).\nوفي لفظ: (لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء).\nفجهلنا بكيفيات ما في الجنة لا يستلزم جهلنا بمعاني ما وصفت به وإثبات حقيقتها. فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فالخالق ﷾ أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق.\nقال ابن عبد البر مؤكدًا هذا المعنى: (فإن قال: إنه لا يكون مستويًا على مكان إلا مقرونًا بالتكييف، قيل: قد يكون الاستواء واجبًا والتكييف مرتفع، وليس رفع التكييف يوجب رفع الاستواء، ولو لزم هذا لزم التكييف في الأزل، لأنه لا يكون كائن في لا مكان إلا مقرونًا بالتكييف، وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحًا في\n_________\n(١) رواه هناد بن السري في الزهد (١/ ٥١) وابن جرير في التفسير (١/ ١٧٢).","vol":"1","page":242},{"text":"أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفية على عرشه يوجب أنه ليس على عرشه) (١) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>[بطلان استدلالهم بحديث \"عبدي مرضت فلم تعدني</span>\"]\nومن غرائب الأشعريّيْن أنهما استدلا بما هو رد عليهما فقالا (ص١٥٢): (وفي حديث فضل عيادة المريض الذي أخرجه مسلم ما يدل على هذا، وذلك حين يقول الله تعالى لعبده: \"مرضت فلم تعدني ... استطعمتك فلم تطعمني ... استسقيتك فلم تسقني ... \" كل ذلك والعبد يقول: \"رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟! .. رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! .. رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟! \" فهو لم يفهم المعنى المراد من اللفظ بعد أن استحالت حقيقته في عقله، فسأل بـ \"كيف؟ \" عن المعنى المراد، لا أنه أثبت حقيقة المرض والاستطعام والاستسقاء لله تعالى لكنه لم يعلم كيفيتها) اهـ.\nوهذا المثال عليهما لا لهما لأمور:\nأولها: أن العبد فهم معاني ما خاطبه الله به، ولو لم يفهم الكلام على حقيقته لما استشكله، وهذا يدل على أن الأصل فيما أضافه الله لنفسه أنه على حقيقته، ولكن لما كان نقصًا في حق الرب ﵎ كالمرض، والجوع، والعطش، كان مشكلًا.\n_________\n(١) التمهيد (٧/ ١٣٧).","vol":"1","page":243},{"text":"فلما كانت هذه الأمور نقصًا وعيبًا في ذاتها، لكونها من أمور الضعف والحاجة، وهي نقص في المخلوق، وجب أن يكون الخالق أولى أن يُنزه عنها.\nوأما اليد، والوجه، والعين، والحب، والإتيان، والمجيء، والضحك، والفعل، ونحو ذلك، فهي من صفات الكمال مطلقًا، ويكمل بها المخلوق، وهذا يوجب أن يكون الخالق أولى بالاتصاف بها، فهو سبحانه واهب الكمال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>[قاعدة السلف فيما يُنفى عن الله]</span>\nمن قواعد السلف: أن كل كمال ثبت للمخلوق ليس فيه نقص بوجه من الوجوه فالخالق أولى به.\nويقال أيضًا: أن القاعدة أننا في الإثبات نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه لا نتجاوز ذلك، وأما النفي فإننا ننفي عنه سبحانه ثلاثة أمور:\nأولًا: ما نفاه عن نفسه.\nثانيًا: ننفي عنه التشبيه ومماثلة شيء من خلقه.\nثالثًا: ننفي عنه كل صفة نقص وعيب، كالمرض والعور والعرج والضعف، ونحو ذلك مما يُعلم كونه عيبًا على كل حال وجهة.\nوالقاعدة في هذا: أن النقائص يجب نفيها عن الله مطلقًا، وهي منتفية مع قطع النظر عن التمثيل والتشبيه، وأما صفات الكمال فيجب نفي التمثيل والتشبيه عنها.","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>[معنى المكر والاستهزاء والنسيان في حق الله تعالى]</span>\nوليس من ذلك ما ذكره الله عن نفسه من نسيانه لمن نسي أمره، ومن استهزائه بمن يستهزء بأوليائه، ومن مكره بمن مكر بهم.\nقال تعالى ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ التوبة٦٧.\nوقال تعالى: ﴿الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾ البقرة١٥.","vol":"1","page":245},{"text":"وقال تعالى: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ الأنفال٣٠.\nفليس المراد بالنسيان في الآية الجهل بالشيء الذي هو ضد الذكر والحفظ، بل هو الترك.\nقال في مختار الصحاح: (والنِسْيانُ بكسر النون وسكون السين ضد الذُّكر والحفظ، ورجل نَسْيَانُ بفتح النون كثير النِسيان للشيء، وقد نَسِيَ الشيء بالكسر نِسْيَانا وأَنْسَاهُ الله الشيء وتَنَاسَاهُ أرى من نفسه أنه نسِيه، والنِّسْيَانُ أيضا الترك قال الله تعالى ﴿نسُوا الله فنسِيهم﴾ التوبة٦٧، وقال ﴿ولا تنسَوُا الفضل بينكم﴾ البقرة٢٣٧) (١) اهـ.\nوالآية ظاهرة في هذا المعنى، إذ أن النسيان الذي توعدهم الله عليه في قوله ﴿نسوا الله﴾ التوبة٦٧، ليس المراد به ضد الذكر، وإلا لم يؤاخذوا عليه، وإنما هو تركهم لما أمرهم الله عمدًا، فصار جزاؤهم أن يترك الله تعالى رحمتهم وحفظهم.\nوأما الاستهزاء والمكر فليس مذمومًا إلا في حال الأمن، وأما إذا كان في مقابل من يمكر ويستهزئ فإنه يكون ممدوحًا، فالله تعالى إنما يستهزئ ويمكر ويكيد بمن يكيد بدينه وأوليائه.\nقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا\n_________\n(١) مختار الصحاح/ مادة \"نسو\".","vol":"1","page":246},{"text":"قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنما نحن مستهزئين. الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون﴾ البقرة١٥ - وهو من يزعم الأشعريان أنه أشعري-: (اختلف في صفة استهزاء الله ﷻ الذي ذكر أنه فاعله بالمنافقين الذين وصف صفتهم.\nفقال بعضهم: استهزاؤه بهم كالذي أخبرنا تبارك اسمه أنه فاعل بهم يوم القيامة في قوله تعالى ﴿يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم. قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا. فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى﴾ الآية الحديد١٣، وكالذي أخبرنا أنه فعل بالكفار بقوله ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما﴾ آل عمران١٧٨، فهذا وما أشبهه من استهزاء الله جل وعز وسخريته ومكره وخديعته للمنافقين وأهل الشرك به عند قائلي هذا القول ومتأولي هذا التأويل.\nوقال آخرون: بل استهزاؤه بهم توبيخه إياهم ولومه لهم على ما ركبوا من معاصي الله والكفر به، كما يقال إن فلانًا ليهزأ منه اليوم ويسخر منه، يراد به توبيخ الناس إياه ولومهم له أو إهلاكه إياهم وتدميره بهم .... فكذلك استهزاء الله جل ثناؤه بمن استهزأ به من أهل النفاق والكفر به، إما إهلاكه إياهم وتدميره بهم، وإما إملاؤه لهم ليأخذهم في حال أمنهم عند أنفسهم بغتة، أو توبيخه لهم ولأئمته إياهم. قالوا: وكذلك معنى المكر منه والخديعة والسخرية.","vol":"1","page":247},{"text":"وقال آخرون: قوله ﴿يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم﴾ البقرة٩، على الجواب، كقول الرجل لمن كان يخدعه إذا ظفر به أنا الذي خدعتك ولم تكن منه خديعة، ولكن قال ذلك إذ صار الأمر إليه. قالوا: وكذلك قوله ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾ آل عمران٥٤، ﴿والله يستهزئ بهم﴾ البقرة١٥، على الجواب، والله لا يكون منه المكر ولا الهزء، والمعنى أن المكر والهزء حاق بهم.\nوقال آخرون: قوله ﴿إنما نحن مستهزؤون. الله يستهزئ بهم﴾ البقرة١٥، وقوله ﴿يخادعون الله وهو خادعهم﴾ البقرة٩، وقوله ﴿فيسخرون منهم سخر الله منهم﴾ التوبة٧٩، و﴿نسوا الله فنسيهم﴾ التوبة٦٧، وما أشبه ذلك إخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج خبره عن جزائه إياهم وعقابه لهم مخرج خبره عن فعلهم الذي عليه استحقوا العقاب في اللفظ وإن اختلف المعنيان، كما قال جل ثناؤه ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ الشورى٤٠، ومعلوم أن الأولى من صاحبها سيئة إذ كانت منه لله ﵎ معصية، وأن الأخرى عدل لأنها من الله جزاء للعاصي على المعصية، فهما وإن اتفق لفظاهما مختلفًا المعنى، وكذلك قوله ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه﴾ البقرة١٩٤، فالعدوان الأول ظلم والثاني جزاء لا ظلم بل هو عدل لأنه عقوبة للظالم على ظلمه وإن وافق لفظه لفظ الأول،","vol":"1","page":248},{"text":"وإلى هذا المعنى وجهوا كل ما في القرآن من نظائر ذلك مما هو خبر عن مكر الله جل وعز بقوم وما أشبه ذلك.\nوقال آخرون: إن معنى ذلك أن الله جل وعز أخبر عن المنافقين أنهم إذا خلوا إلى مردتهم قالوا إنا معكم على دينكم في تكذيب محمد - ﷺ - وما جاء به، وإنما نحن بما نظهر لهم من قولنا لهم صدقنا بمحمد ﵊ وما جاء به مستهزءون،\nيعنون إنا نظهر لهم ما هو عندنا باطل لا حق ولا هدى. قالوا: وذلك هو معنى من معاني الاستهزاء، فأخبر الله أنه يستهزئ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا خلاف الذي لهم عنده في الآخرة كما أظهروا للنبي - ﷺ - والمؤمنين في الدين ما هم على خلافه في سرائرهم.\nوالصواب في ذلك من القول والتأويل عندنا: أن معنى الاستهزاء في كلام العرب إظهار المستهزئ للمستهزيء به من القول والفعل ما يرضيه ويوافقه ظاهرًا وهو بذلك من قيله وفعله به مورثه مساءة باطنًا، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر،\nوإذ كان ذلك كذلك وكان الله جل ثناؤه قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار بالله وبرسوله وبما جاء به من عند الله المدخل لهم في عداد من يشمله اسم الإسلام وإن كانوا لغير ذلك مستبطنين من أحكام المسلمين المصدقين إقرارهم بألسنتهم بذلك بضمائر قلوبهم وصحائح","vol":"1","page":249},{"text":"عزائمهم وحميد أفعالهم المحققة لهم صحة إيمانهم مع علم الله ﷿ بكذبهم واطلاعه على خبث اعتقادهم وشكهم فيما ادعوا بألسنتهم أنهم مصدقون حتى ظنوا في الآخرة إذ حشروا في عداد من كانوا في عدادهم في الدنيا أنهم واردون موردهم وداخلون مدخلهم، والله ﷻ مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام الملحقتهم في عاجل الدنيا وآجل الآخرة إلى حال تمييزه بينهم وبين أوليائه وتفريقه بينهم وبينهم معد لهم من أليم عقابه ونكال عذابه ما أعد منه لأعدى أعدائه وأشر عباده حتى ميز بينهم وبين أوليائه فألحقهم من طبقات جحيمه بالدرك الأسفل\nكان معلومًا أنه جل ثناؤه بذلك من فعله بهم وإن كان جزاء لهم على أفعالهم وعدلًا ما فعل من ذلك بهم لاستحقاقهم إياه منه بعصيانهم له كان بهم بما أظهر لهم من الأمور التي أظهرها لهم من إلحاقه أحكامهم في الدنيا بأحكام أوليائه وهم له أعداء وحشره إياهم في الآخرة مع المؤمنين وهم به من المكذبين إلى أن ميز بينهم وبينهم مستهزئًا وساخرًا ولهم خادعًا، وبهم ماكرًا، إذ كان معنى الاستهزاء والسخرية والمكر والخديعة ما وصفنا قبل دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، بل ذلك معناه في كل أحواله إذا وجدت الصفات التي قدمنا ذكرها في معنى الاستهزاء وما أشبهه من نظائره.","vol":"1","page":250},{"text":"وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس - ﵁ - حدثنا أبو كريب قال حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا بشر بن عمار عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس - ﵁ - في قوله ﴿الله يستهزئ بهم﴾ قال: يسخر بهم للنقمة منهم.\nوأما الذين زعموا أن قول الله تعالى ذكره ﴿الله يستهزئ بهم﴾ إنما هو على وجه الجواب، وأنه لم يكن من الله استهزاء ولا مكر ولا خديعة فنافون على الله ﷿ ما قد أثبته الله ﷿ لنفسه وأوجبه لها، وسواء قال قائل لم يكن من الله جل ذكره استهزاء ولا مكر ولا خديعة ولا سخرية بمن أخبر أنه يستهزئ ويسخر ويمكر به، أو قال لم يخسف الله بمن أخبر أنه خسف به من الأمم، ولم يغرق من أخبر أنه أغرقه منهم.\nويقال لقائل ذلك: إن الله جل ثناؤه أخبرنا أنه مكر بقوم مضوا قبلنا لم نرهم، وأخبر عن آخرين أنه خسف بهم، وعن آخرين أنه أغرقهم، فصدقنا الله تعالى ذكره فيما أخبرنا به من ذلك، ولم نفرق بين شيء منه، فما برهانك على تفريقك ما فرقت بينه بزعمك أنه قد أغرق وخسف بمن أخبر أنه أغرق وخسف به، ولم يمكر به أخبر أنه قد مكر به.\nثم نعكس القول عليه في ذلك، فلن يقول في أحدهما شيئًا إلا ألزم في الآخر مثله،","vol":"1","page":251},{"text":"فإن لجأ إلى أن يقول: إن الاستهزاء عبث ولعب، وذلك عن الله ﷿ منفي.\nقيل له: إن كان الأمر عندك على ما وصفت من معنى الاستهزاء، أفلست تقول: الله يستهزئ بهم، وسخر الله منهم، ومكر الله بهم، وإن لم يكن من الله عندك هزء ولا سخرية، فإن قال: لا، كذب بالقرآن وخرج عن ملة الإسلام، وإن قال: بلى، قيل له: أفتقول من الوجه الذي قلت الله يستهزئ بهم، وسخر الله منهم، يلعب الله بهم، ويعبث، ولا لعب من الله ولا عبث، فإن قال: نعم، وصف الله بما قد أجمع المسلمون على نفيه عنه، وعلى تخطئة واصفه به وأضاف إليه ما قد قامت الحجة من العقول على ضلال مضيفه إليه، وإن قال: لا أقول يلعب الله به، ولا يعبث، وقد أقول: يستهزئ بهم، ويسخر منهم، قيل: فقد فرقت بين معنى اللعب والعبث والهزء والسخرية والمكر والخديعة،\nومن الوجه الذي جاز قيل هذا، ولم يجز قيل هذا، افترق معنياهما، فعلم أن لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.\nوللكلام في هذا النوع موضع غير هذا كرهنا إطالة الكتاب باستقصائه وفيما ذكرنا كفاية لمن وفق لفهمه ..) (١) اهـ.\nفتأمل كيف أثبت ابن جرير ﵀ صفة المكر والاستهزاء لله\n_________\n(١) تفسير ابن جرير (١/ ١٣٢ - ١٣٤).","vol":"1","page":252},{"text":"تعالى على الوجه اللائق به، وأبطل قول جميع من تأولها وأخرجها عن ظاهرها.\nوبهذا يتبين جهل الأشعريين حيث جمعا بين نفي المرض ونفي المكر والنسيان والاستهزاء.\nفقالا (ص٢٤٢): (أتراهم يثبتون ظواهرها .... فيقولون: نثبت لله نسيانًا حقيقيًا ومكرًا حقيقيًا وخداعًا حقيقيًا واستهزاءًا حقيقيًا ومرضًا حقيقة ... كل ذلك على الحقيقة وكما يعهده البشر من لغاتهم. معاذ الله؟!!) اهـ.\nفالجواب: إي لعمري، نثبت لله ما أثبته لنفسه، فنثبت أنه يستهزئ بالمستهزئين، ويمكر بالماكرين، ويخادع الخادعين، وينسى التاركين لدينه، وأما المرض فالله ﵎ منزه عنه، فأين ما أثبته الله لنفسه مما لم يثبته، وأين صفة الكمال من صفة النقص.!!\nالأمر الثاني: أن قول العبد \"كيف أعودك؟ \" ونحوها، إنما هو استفسار عن كيفية أمر من فعل العبد نفسه، وهو عيادته لربه وإطعامه ونحوه، ولم يكن سؤاله عن صفة ربه تعالى.\nفأين هذا المثال؟ من صفة الرب ﵎ التي تعرّف بها إلى عباده كحبه، وضحكه، واستوائه، ونزوله، ويديه، ووجهه، ونحو ذلك من كمالاته، وعظيم فعاله، وجميل نعوته وصفاته ﵎.","vol":"1","page":253},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>فرع في منشأ ضلال الأشاعرة في هذا الباب</span>\nومنشأ فتنة الأشاعرة في هذا الباب وضلالهم بما ادعوه من التفويض، ظنهم أن آيات الصفات من المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله، وأنه لا يُفهم معناه.\nمستندين إلى قوله تعالى: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾.\nوقد ترتب على إدخال آيات الصفات في المتشابه عند الأشاعرة، أن يكون بيان معانيها هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، للآية. وهذا منهم مبني على تعيّن الوقف التام عند قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾.\nوبهاتين المقدمتين الباطلتين تبلور مذهب التفويض، وهو الذي يسمونه طريقة السلف: فصار عبارةً عن مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب الا أمانى﴾، أي لا يفقهون من الكتاب إلا التلاوة المجردة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>[لا يُعلم عن أحد من السلف أنه جعل آيات الصفات من المتشابهات]</span>\nولا يُعلم عن أحد من السلف، ولا من الأئمة أنه جعل","vol":"1","page":254},{"text":"أسماء الله وصفاته من المتشابه الداخل في هذه الآية، ونفى أن يعلم أحد معناه كالكلام الأعجمي، وكالحروف المقطعة في أوائل السور، بل نصوصهم صريحة في أنهم يقرون النصوص على ما دلت عليه، ويفهمون المراد منها، وينكرون تأويلات الجهمية والمعطلة، ويبطلونها. هذا هو المعروف عن السلف.\nوقد ذكر ابن جرير في تفسيره اختلاف السلف في تحديد الآيات المتشابهات على خمسة أقوال، ليس منها آيات الصفات:\nفقال: (وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات﴾ آل عمران٧، وما المحكم من آي الكتاب وما المتشابه منه؟\nفقال بعضهم: المحكمات من آي القرآن المعمول بهن وهن الناسخات أو المثبتات الأحكام، والمتشابهات من آيه المتروك العمل بهن المنسوخات ...\nوقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما أحكم الله فيه بيان حلاله وحرامه، والمتشابه منها: ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلفت ألفاظه ...\nوقال آخرون: المحكمات من آي الكتاب: ما لم يحتمل من التأويل غير وجه واحد، والمتشابه منها: ما احتمل من التأويل أوجهًا ...","vol":"1","page":255},{"text":"وقال آخرون: معنى المحكم: ما أحكم الله فيه من آي القرآن وقصص الأمم ورسلهم الذين أرسلوا إليهم، ففصله ببيان ذلك لمحمد وأمته، والمتشابه: هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور بقصه باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني، وبقصه باختلاف الألفاظ واتفاق المعاني ...\nوقال آخرون: بل المحكم من آي القرآن: ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، مما استأثر الله بعلمه دون خلقه، وذلك نحو الخبر عن وقت مخرج عيسى ابن مريم، ووقت طلوع الشمس من مغربها، وقيام الساعة، وفناء الدنيا، وما أشبه ذلك فإن ذلك لا يعلمه أحد ...\nفإذا كان المتشابه هو ما وصفنا فكل ما عداه فمحكم ..\n- ثم قال مرجحًا القول الأخير: وهذا القول ... أشبه بتأويل الآية، وذلك أن جميع ما أنزل الله ﷿ من آي القرآن على رسول الله فإنما أنزله عليه بيانًا له ولأمته وهدى للعالمين، وغير جائز أن يكون فيه ما لا حاجة بهم إليه، ولا أن يكون فيه ما بهم إليه الحاجة ثم لا يكون لهم إلى علم تأويله سبيل .. ..) (١) اهـ.\nوساق أيضًا في تفسيره كثيرًا من الآثار عن السلف، ولم يذكر أن أحدًا منهم قال: أن من المتشابه أسماء الله وصفاته.\n_________\n(١) تفسير ابن جرير (٣/ ١٧٢ - ١٧٥).","vol":"1","page":256},{"text":"وقال ابن الجوزي في تفسير هذه الآية: (وفي المتشابه سبعة أقوال:\nأحدها: أنه المنسوخ، قاله ابن مسعود وابن عباس وقتادة والسدي في آخرين.\nوالثاني: أنه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل، كقيام الساعة، روي عن جابر بن عبد الله.\nوالثالث: أنه الحروف المقطعة، كقوله ﴿ألم﴾ ونحو ذلك، قاله ابن عباس.\nوالرابع: أنه ما اشتبهت معانيه، قاله مجاهد.\nوالخامس: أنه ما تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد.\nوالسادس: أنه ما احتمل من التأويل وجوهًا، وقال ابن الأنباري: المحكم ما لا يحتمل التأويلات، ولا يخفى على مميز، والمتشابه الذي تعتوره تأويلات.\nوالسابع: أنه القصص والأمثال ذكره القاضي أبو يعلى) (١) اهـ.\nبل وعقد أبو الحسن الأشعري فصلًا في حكاية أقاويل الناس في المحكم والمتشابه، ولم يذكر في أي منها أنها آيات الصفات (٢).\n_________\n(١) زاد المسير (١/ ٣٥١).\n(٢) مقالات الإسلاميين (١/ ٢٩٣).","vol":"1","page":257},{"text":"وجميع كتب السنة التي نقلت آثار السلف في المعتقد، كالسنة للخلال ولابن أبي عاصم ولعبد الله، والرد على الجهمية للإمام أحمد وللدارمي ولابن منده، وغيرها كثير، لم يُنقل في أي منها أن أحدًا من السلف جعل آيات الصفات من المتشابه.\nوعلى هذا فإطلاق القول بأن معاني صفات الله تعالى من المتشابه، باطلٌ، لم يقل به أحد من السلف.\nقال ابن قتيبة: (ولسنا ممن يزعم أن المتشابه في القرآن لا يعلمه إلا الراسخون في العلم، وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى، ولم ينزل الله شيئًا من القرآن إلا لينفع به عباده ويدل به على معنى أراده، فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال، وتعلق علينا بعلة، وهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول الله - ﷺ - لم يكن يعرف المتشابه؟ ...\nوبعد، فإنا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، بل أمرّوه كله على التفسير، حتى فسروا الحروف المقطعة في أوائل السور ..) (١) اهـ.\n_________\n(١) تأويل مشكل القرآن (ص٩٨ - ١٠٠).","vol":"1","page":258},{"text":"وقال الألوسي: (ثم اعلم أن كثيرًا من الناس جعل الصفات النقلية من الاستواء واليد والقدم والنزول إلى السماء الدنيا والضحك والتعجب وأمثالها من المتشابه، ومذهب السلف والأشعرى رحمه الله تعالى من أعيانهم، كما أبانت عن حاله الإبانة - أي أبان عن قوله في كتاب الإبانة -، أنها صفات ثابتة وراء العقل، ما كلفنا إلا اعتقاد ثبوتها مع اعتقاد عدم التجسيم والتشبيه) (١) اهـ.\n\nوبعد هذا التقرير والتقعيد كان من المناسب أن نلحق هذا الفصل بما يؤكده ويزيده قوة ووضوحًا، ونبين ما يدل على أن السلف كانوا يجرون نصوص الصفات على ظاهرها المفهوم في لغة العرب، وأنها ثابتة على الوجه اللائق بالله تعالى من غير أن تستلزم التشبيه والتمثيل.\n_________\n(١) روح المعاني (٢/ ٨٥).","vol":"1","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الفصل الثالث\nفي تقرير أن السلف كانوا يجرون نصوص صفات الله على ظاهرها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>تمهيد</span>\nكل ما سبق تقريره ونقله عن السلف من أن الصفات الواردة لله تعالى في الكتاب والسنة إنما هي على الحقيقة، من غير تكييف ولا تشبيه له بصفة خلقه، لدليل بيّنٌ على كون السلف أجروا آيات الصفات على ظاهرها، ولم يتعرضوا لها بتأويل ولا غيره.\nوهم يعلمون شرعًا وعقلًا أن إثباتها لله تعالى لا يستلزم التشبيه ولا التكييف، لما هو معلوم من الفرق بين الخالق والمخلوق، ولما هو معلوم من مقتضى اللغة التي خوطبوا بها: أن الإضافة تقطع التشبيه.\nومع وضوح هذا الأمر فإني أذكر هنا ما يزيده وضوحًا وتأكيدًا في أن السلف كانوا يجرون الصفات على ظاهرها اللائق بالله تعالى.","vol":"1","page":261},{"text":"ومن أشهر النصوص الواردة عن السلف ما سبق نقله من قولهم عن نصوص الصفات: (أمروها كما جاءت)، وقولهم (قراءتها تفسيرها) ونحو ذلك.\nوقولهم (أمروها كما جاءت) يقتضى إبقاء دلالتها على ما دل عليه ظاهرها، فإنها جاءت ألفاظًا دالةً على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال (أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد) أو (أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة) وحينئذ فلا تكون قد أُمِرَّت كما جاءت.\nقال القاضي أبو يعلى: (لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين) (١) اهـ.\n_________\n(١) إبطال التأويلات (١/ ٤٣).","vol":"1","page":262},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المبحث الأول\nآثار السلف الدالة على وجوب إجراء نصوص الصفات على ظاهرها</span>\n- الإمام الحافظ الحجة سفيان بن عيينة المكي (١٩٨ هـ)\nقال: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» (١)\nقال الذهبي: (وكما قال سفيان وغيره قراءتها تفسيرها: يعني أنها بينة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف) (٢) اهـ.\n\n- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)\nقال في رسالة \"السنة\" التي رواها عبدوس بن مالك العطار: (وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ١٣٨.\n(٢) العلو (ص٢٥١).","vol":"1","page":263},{"text":"ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى ... -إلى أن قال: ومثل أحاديث الرؤية كلها، وإن نبت عن الأسماع واستوحش منها المستمع فإنما عليه الإيمان بها، وأن لا يرد منها جزءًا واحدًا، وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثقات ...) ثم قال: (ولكن نؤمن به كما جاء على ظاهره، ولا نناظر فيه أحدًا) (١) اهـ.\nونقل القاضي أبو يعلى ما يؤكد هذا من كلام الإمام أحمد فقال في إثبات صفة القدم والرجل لله تعالى: (وقد ذكر البخاري ومسلم \"القدم\" في الصحيحين جميعًا. اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن المراد به \"قدم\" هو صفة لله تعالى وكذلك \"الرجل\".\nوقد نص أحمد على ذلك في رواية المروزي وقد سأله عن الأحاديث \"يضع قدمه\" وغيرها قال: نمرها كما جاءت.\nوقال ابن منصور: قلت لأبي عبد الله: \"اشتكت النار إلى ربها حتى يضع قدمه فيها\" فقال أحمد: صحيح.\nوقال أبو بكر الأثرم: قلت لأبي عبد الله: حدث محدث وأنا عنده بحديث \"يضع الرب ﷿ قدمه\" وعنده غلام فأقبل على الغلام فقال: نعم إن لهذا تفسيرًا، فقال أبو عبد الله: انظر إليه كما تقول الجهمية سواء.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ١١٧.","vol":"1","page":264},{"text":"وقال في رواية حنبل: قال النبي - ﷺ -: \"يضع قدمه\" نؤمن به ولا نرد على رسول الله - ﷺ -.\nفقد نص على الأخذ بظاهر ذلك لأنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه) (١) اهـ.\nونقل عن الإمام أحمد أيضًا مثل ذلك في صفة الضحك لله فقال: (قال في رواية حنبل: يضحك الله، ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديقها الرسول - ﷺ -. . . القرآن. [هكذا في المطبوع]\nوقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن عبد الله التيمي فقال: صدوق، وقد كتبت عنه من الرقايق، ولكن حكي عنه أنه ذكر حديث الضحك فقال: مثل الزرع الضحك، وهذا كلام الجهمية. قلت: ما تقول في حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر \"فضحك حتى بدت\"؟ قال: هذا يشنع به، قلت: فقد حدثت به، قال: ما أعلم أني حدثت به إلا داود بن محمد يعني المصيصي وذلك أنه طلب إلي فيه، قلت: أفليس العلماء تلقته بالقبول؟ قال: بلى ....\nإلى أن قال القاضي معلقًا: فقد نص على صحة هذه الأحاديث والأخذ بظاهرها والإنكار على من فسرها، وذلك أنه ليس في حمله على ظاهره ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه) (٢) اهـ.\n_________\n(١) إبطال التأويلات (١/ ٢٦٠).\n(٢) المرجع السابق (١/ ٢١٨).","vol":"1","page":265},{"text":"- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)\nقال في إثباته لنزول الله ومجيئه ورده على من تأوله: (والقرآن عربي مبين، تصرف معانيه إلى أشهر ما تعرفه العرب في لغاتها، وأعمها عندهم. فإن تأول متأول مثلك جاهل في شيء منه خصوصًا، أو صرفه إلى معنى بعيد عن العموم بلا أثر، فعليه البينة على دعواه وإلا فهو على العموم أبدًا كما قال الله تعالى.) (١) اهـ.\nوقال في رده على تأويلات المريسي لصفات الله وإخراجها عن ظاهرها: (فيقال لك أيها المريسي ... فادعيت أن وجهه: كله، وأنه لا يوصف بنفس، وأن سمعه: إدراك الصوت إياه، وأن بصره: مشاهدة الألوان كالجبال والحجارة والأصنام التي تنظر إليك بعيون لا تبصر، وأن يديه: رزقاه موسعه ومقتوره، وأن علمه وكلامه مخلوقان محدثان. وأن أسماءه مستعارة مخلوقة محدثة، وأن فوق\n_________\n(١) الرد على المريسي (١/ ٣٤٥).","vol":"1","page":266},{"text":"العرش منه مثل ما هو أسفل سافلين، وأنه في صفاته كقول الناس في كذا، وكقول العرب في كذا، تضرب له الأمثال تشبيهًا بغير شكلها، وتمثيلًا بغير مثلها، فأي تكييف أوحش من هذا إذا نفيت هذه الصفات وغيرها عن الله تعالى بهذه الأمثال والضلالات المضلات؟) (١) اهـ.\nوقال: (ونحن قد عرفنا بحمد الله تعالى من لغات العرب هذه المجازات التي اتخذتموها دلسة وأغلوطة على الجهال تنفون بها عن الله حقائق الصفات بعلل المجازات، غير أنا نقول لا يُحكم للأغرب من كلام العرب على الأغلب، ولكن نصرف معانيها إلى الأغلب حتى تأتوا ببرهان أنه عنى بها الأغرب، وهذا هو المذهب الذي إلى العدل والإنصاف أقرب، لا أن تعترض صفات الله المعروفة المقبولة عند أهل البصر فتصرف معانيها بعلة المجازات إلى ما هو أنكر، ونرد على الله بداحض الحجج وبالتي هي أعوج، وكذلك ظاهر القرآن وجميع ألفاظ الروايات تصرف معانيها إلى العموم حتى يأتي متأول ببرهان بين أنه أريد بها الخصوص، لأن الله تعالى قال ﴿بلسان عربي مبين﴾ الشعراء١٩٥،فأثبته عند العلماء أعمه وأشده استفاضة عند العرب فمن أدخل منها الخاص على العام كان من الذين يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله فهو يريد أن يتبع فيها غير سبيل المؤمنين) (٢) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ٤٢٨).\n(٢) المرجع السابق (٢/ ٨٥٥).","vol":"1","page":267},{"text":"- سهل بن عبد الله أبو محمد التستري الزاهد (٢٨٣ هـ)\nقال: (احتفظوا بالسواد على البياض، فما أحد ترك الظاهر إلا خرج إلى الزندقة) (١) اهـ.\n\n- الإمام الحافظ أبو بكر عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (٢٨٧هـ)\nقال الذهبي: (قال الحافظ الإمام قاضي أصبهان وصاحب التصانيف أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني: \"جميع ما في كتابنا -كتاب السنة الكبير الذي فيه الأبواب- من الأخبار التي ذكرنا أنها توجب العلم، فنحن نؤمن بها لصحتها وعدالة ناقليها، ويجب التسليم لها على ظاهرها، وترك تكلف الكلام في كيفيتها\" .. فذكر من ذلك النزول إلى السماء الدنيا، والإستواء على العرش.\nسمعت عاتكة بنت أبي بكر هذا الكلام من أبيها، وكانت فقيهة عالمة ..) (٢) اهـ.\n\n- الإمام أبو العباس أحمد بن عمر ابن سريج البغدادي الشافعي (٣٠٣ هـ)\n_________\n(١) رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٤/ ٣٧٨).\n(٢) العلو (ص١٩٧).","vol":"1","page":268},{"text":"قال: (حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الألباب أن تصف إلا ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله، وقد صح عن جميع أهل الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع الآي والأخبار الصادقة عن رسول الله يجب على المسلمين الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وأن السؤال عن معانيها بدعة، والجواب كفر وزندقة، مثل قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ البقرة٢١٠، وقوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، و﴿جاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ الفجر٢٢، ونظائرها مما نطق به القرآن كالفوقية، والنفس، واليدين، والسمع، والبصر، وصعود الكلم الطيب إليه، والضحك، والتعجب، والنزول ..) إلى أن قال: (اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن أن نقبلها، ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية، ونسلم الخبر الظاهر والآية الظاهر تنزيلها) (١) اهـ.\nوحكمه بالبدعة على السؤال عن معاني الصفات، المراد به السؤال عن كيفيتها وحقيقة ما هي عليه، أو حملها على خلاف ظاهرها من مجازات الكلام، ولذلك جعل الجواب عليها كفرًا وزندقةً، ومعلوم أن السلف قد تكلموا في معاني الصفات كالاستواء، والنزول، والوجه، ونحوها، كما سبق بيانه في الفصل السابق، وكلام السلف يفسر بعضه بعضًا، ويؤيد بعضه بعضًا، ولا يقتطع منه من شاء ما شاء، ليستدل به على باطل.\n\n- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ)\nقال: (باب ذكر صورة ربنا جل وعلا: وصفة سبحات وجهه\n_________\n(١) نقله الذهبي عنه في العلو (ص٢٠٧).","vol":"1","page":269},{"text":"﷿، تعالى ربنا عن أن يكون وجه ربنا كوجه بعض خلقه، وعن أن لا يكون له وجه، إذ الله قد أعلمنا في محكم تنزيله أن له وجهًا ذواه بالجلال والإكرام ونفى الهلاك عنه) (١) اهـ.\nوهذا ظاهر في إثبات الآية التي فيها ذكر وجهه سبحانه على ظاهرها. ولذلك أكد هذا المعنى بقوله: (نحن نقول: وعلماؤنا جميعا في جميع الأقطار: إن لمعبودنا ﷿ وجهًا كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا ﷿ من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية ونقول: إن وجه ربنا القديم لا يزال باقيًا، فنفى عنه الهلاك والفناء) (٢) اهـ.\nوتأمل وصفه لوجه الله تعالى بما يخالف وجه المخلوق، مما يعني أن وجه الله تعالى هو الوجه المعروف لغة، مع التباين في الصفة ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١.\nوقال مثل ذلك في باقي الصفات.\n_________\n(١) التوحيد (ص١٩).\n(٢) المرجع السابق (ص٢٢).","vol":"1","page":270},{"text":"- الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)\nقال: (فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟\nقيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا ﷻ يوم القيامة والملك صفًا صفًا، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره، بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة. ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتًا دون وقت، ما دامت موجودة باقية.\nوكالذي قلنا في هذه المعاني من القول: الصواب من القيل في كل ما ورد به الخبر في صفات الله ﷿ وأسمائه تعالى ذكره بنحو ما ذكرناه) (١) اهـ.\n_________\n(١) التبصير في معالم الدين (ص١٤٨ - ١٤٩).","vol":"1","page":271},{"text":"- أبو أحمد محمد بن علي بن محمد الكرجي المعروف بالقصاب (٣٦٠هـ)\nقال: (لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها نبيه فهي صفة حقيقية لا صفة مجاز، ولو كانت صفة مجاز لتحتم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ولفُسّرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إقرارها بلا تأويل علم أنها غير محمولة على المجاز، وإنما هي حق بين) (١) اهـ.\n\n- عبد العزيز بن جعفر، أبو بكر غلام الخلال حافظ علم الإمام أحمد (٣٦٣ هـ)\nقال القاضي أبو يعلى: (وقد حمل أبو بكر عبد العزيز قوله تعالى ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، على ظاهره وان ذلك راجع إلى ذاته، ذكر ذلك في كتاب \"التفسير\" في الكلام على قوله ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة﴾ الزمر٦٧ ..) (٢).\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٥٥.\n(٢) إبطال التأويلات (٢/ ٣٣٠).","vol":"1","page":272},{"text":"- إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (٣٦٩ هـ)\nقال في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي الذي كان على مذهب ابن كلاب: (ثم قلت له: هذه الأحاديث تلقاها العلماء بالقبول -أي أحاديث الصفات كالوجه والأصابع ونحوها- فليس لأحد أن يمنعها ولا يتأولها ولا يسقطها لأن الرسول - ﷺ - لو كان لها معنى عنده غير ظاهرها لبينه، ولكان الصحابة حين سمعوا ذلك من رسول الله - ﷺ - سألوه عن معنى غير ظاهرها، فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا ونقبل طوعًا ما قبلوا.) (١) اهـ.\n\n- أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي (٣٨٨ هـ)\nقال فى رسالته المشهورة في \"الغنية عن الكلام وأهله\": (فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة، فان مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفى الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، وإنما القصد في\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٥).","vol":"1","page":273},{"text":"سلوك الطريقة المستقيمة بين الأمرين ودين الله تعالى بين الغالي فيه والجافي والمقصر عنه) (١) اهـ.\nوقوله \"وحققها قوم\" أي أثبتوا لها حقائق صفات المخلوقين، وهم المشبهة الذين يشبهون صفات الله بصفات خلقه.\n\n- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (٣٩٥ هـ)\nقال في التوحيد: (وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى - ﷺ -، وبين مراد الله ﷿ فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهومًا عند العرب غير محتاج إلى تأويلها) (٢) اهـ.\n\n- القاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي المالكي (٤٢٢ هـ)\nقال في شرح قول ابن أبي زيد القيرواني \"وأن الله يجيء يوم القيامة والملك صفًا صفا\": (وهذا لقوله ﷿ ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفا﴾ الفجر٢٢، فأثبت نفسه جائيًا، ولا معنى لقول من يقول: إن المراد به: جاء أمر ربك، لأن ذلك إضمار في\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٥٨) والذهبي في العلو (ص٢٣٦).\n(٢) التوحيد (٣/ ٧).","vol":"1","page":274},{"text":"الخطاب يزيله عن مفهومه، ويحيله عن ظاهره، لا حاجة بنا إليه ..) (١) اهـ.\n\n- الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (٤٤٤ هـ)\nقال في رسالته إلى أهل زبيد: (الواجب أن يعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم، ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي - ﷺ - لما أداها بتفسير يخالف الظاهر فهي على ما يعقلونه ويتعارفونه) (٢) اهـ.\nوقال أيضًا: (وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفًا، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف. فقول المتكلمين في نفي الصفات، أو إثباتها بمجرد العقل، أو حملها على تأويل مخالف للظاهر ضلال ...) (٣) اهـ.\n_________\n(١) شرح عقيدة ابن أبي زيد القيرواني في كتابه \"الرسالة\" (ص٣١٩ - ٣٢٠).\n(٢) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص١٥٢).\n(٣) المرجع السابق (ص١٢١).","vol":"1","page":275},{"text":"- شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٤٤٩ هـ)\nقال: (وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقول، والكلام، والرضا، والسخط، والحياة، واليقظة، والفرح، والضحك، وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله - ﷺ - من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله) (١) اهـ.\nوقال في إثبات علو الله تعالى واستواءه على عرشه بعد أن ساق الأدلة: (وعلماء الأمة وأعيان السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته، يثبتون من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به ويصدقون الرب ﷻ في خبره، ويطلقون ما أطلقه ﷾ من استوائه على العرش، ويمرونه على\n_________\n(١) عقيدة السلف وأهل الحديث (ص٣٩ - ٤٠).","vol":"1","page":276},{"text":"ظاهره، ويكلون علمه إلى الله) (١) اهـ.\nوقال في إثبات صفة النزول لله تعالى: (ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله) (٢) اهـ.\nوقد سبق بيان معنى قوله \"ويكلون علمه إلى الله\" أن المراد به كنه الصفات وحقيقة ما هي عليه، بدليل قوله (ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه، بتأويل منكر) فدل على أن اللفظ يحمل على ظاهره المعروف في اللغة، وعلى حقيقته اللائقة بالله تعالى.\n- القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (٤٥٨ هـ)\nقال في \"إبطال التأويلات\": (واعلم أنه لا يجوز رد الأخبار على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٤٤).\n(٢) المرجع السابق (ص٥٠).","vol":"1","page":277},{"text":"فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين) (١) اهـ.\nوقال في موضع آخر في سياق أدلة بطلان تأويل الصفات: (دليل آخر على إبطال التأويل: أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها) (٢) اهـ.\n\n- الحافظ أحمد بن علي بن ثابت أبو بكر الخطيب البغدادي (٤٦٣ هـ)\nقال: (أما الكلام في الصفات فأما ما روي منها في السنن الصحاح فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها ونفي الكيفية والتشبيه عنها) (٣) اهـ.\n\n- الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (٤٦٣ هـ)\nقال: (ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة\n_________\n(١) إبطال التأويلات (١/ ٤٣).\n(٢) المرجع السابق (١/ ٧١).\n(٣) ذكره الذهبي في العلو (ص٢٥٣) وفي السير (١٣/ ٢٨٣ - ٢٨٤).","vol":"1","page":278},{"text":"أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله ﷿ إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله ﷿ عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه) (١) اهـ.\n\n- شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (٤٨١ هـ)\nقال في \"منازل السائرين\" في منزلة \"تعظيم حرمات الله\": (الدرجة الثانية: إجراء الخبر على ظاهره. وهو أن تبقى أعلام توحيد العامة الخبرية على ظواهرها. ولا يتحمل البحث عنها تعسفًا،\n_________\n(١) التمهيد (٧/ ١٣١).","vol":"1","page":279},{"text":"ولا يتكلف لها تأويلًا، ولا يتجاوز ظاهرها تمثيلًا، ولا يدّعي عليها إدراكًا أو توهمًا) (١) اهـ.\n\n- الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (٥١٦ هـ)\nقال في \"شرح السنة\" بعد أن ساق أحاديث الأصابع لله ﷿: (والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله ﷿، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، واليدين، والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح -ثم ساق الأدلة عليها ثم قال: فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضًا عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري ﷾ لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله ﷾: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١، وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعًا بالقبول والتسليم، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله ﷿ - ثم ساق آثار السلف) (٢) اهـ.\n_________\n(١) مدارج السالكين شرح منازل السائرين (٢/ ٨٤).\n(٢) شرح السنة (١/ ١٦٣ - ١٧١).","vol":"1","page":280},{"text":"- الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ)\nقال: (مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وأحمد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع والبصر والوجه واليدين وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره) ثم قال: (أي هو هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل) (١) اهـ.\nوقال أيضًا: (الكلام في صفات الله ﷿ ما جاء منها في كتاب الله، أو روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله - ﷺ -، فمذهب السلف رحمة الله عليهم أجمعين إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها) (٢) اهـ.\nوقال نقلًا عن بعض السلف: (قال بعض علماء أهل السنة: ويجب الإيمان بصفات الله تعالى كقوله ﷿ ﴿الرحمن على\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٨٧.\n(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٧٤).","vol":"1","page":281},{"text":"العرش استوى﴾ طه٥، وقوله ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وقوله ﴿تجري بأعيينا﴾ القمر١٤، وقوله ﴿أن غضب الله عليه﴾ النور٩، وقوله ﴿﵃﴾ المائدة١١٩.\nوقول النبي - ﷺ -:\"ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا\" رواه ثلاثة وعشرون من الصحابة، سبعة عشر رجلًا وست نساء.\nفهذا وأمثاله مما صح نقله عن رسول الله - ﷺ -، فإن مذهبنا فيه ومذهب السلف إثباته وإجراؤه على ظاهره، ونفي الكيفية والتشبيه عنه، وقد نفى قوم الصفات فأبطلوا ما أثبته الله تعالى، وتأولها قوم على خلاف الظاهر فخرجوا من ذلك إلى ضرب من التعطيل والتشبيه، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، لأن دين الله تعالى بين الغالي والمقصر فيه) (١) اهـ.\n\n- أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ)\nذكر في \"لمعة الاعتقاد\" جملة من صفات الله الواردة في الكتاب والسنة مثل الوجه، والنفس، والإتيان، والرضى، والمحبة، والغضب، والنزول، والضحك، ثم قال: (فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ٢٨٧).","vol":"1","page":282},{"text":"بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله ﷾ لا شبيه له ولا نظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى١١، وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه) (١) اهـ.\nوقال في \"ذم التأويل\": (ومذهب السلف رحمة الله عليهم: الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها، ولا تجاوز لها ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين، بل أمرُّوها كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها) (٢) اهـ.\nوقوله برد علمها إلى قائلها، المراد به حقيقة ما هي عليه وكيفيتها، يبينه كلامه في مواضع كثيرة من إثبات الصفات، وتأليفه كتاب العلو الذي بين فيه أن استواء الله على عرشه هو علوه عليه وارتفاعه، كما أن منعه من تأويلها بخلاف ظاهرها يدل على التأويل المقبول فيها هو ما وافق ظاهرها.\n_________\n(١) لمعة الاعتقاد (ص١٧٦).\n(٢) ذم التأويل (ص١١).","vol":"1","page":283},{"text":"- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ)\nقال: (السؤال عن النزول ما هو؟ عي، لأنه إنما يكون السؤال عن كلمة غريبة في اللغة، وإلا فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر) (١) اهـ.\nوقال: (المتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة ما علمت أحدا سبقهم بها قالوا هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تأول مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد فتفرع من هذا أن الظاهر يعني به أمران:\nأحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره: قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف، مع اتفاقهم أيضًا أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له لا في ذاته، ولا في صفاته.\nالثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة، كما يتشكل في الذهن من وصف البشر، فهذا غير مراد، فإن الله تعالى فرد\n_________\n(١) العلو (ص٢١٤).","vol":"1","page":284},{"text":"صمد، ليس له نظير، وإن تعددت صفاته فإنها حق، ولكن ما لها مثل ولا نظير) (١) اهـ.\nوقال في السير في ترجمة ابن عقيل: (قد صار الظاهر اليوم ظاهرين: أحدهما حق، والثاني باطل:\nفالحق: أن يقول إنه سميع بصير مريد متكلم حي، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلم موسى تكليمًا، واتخذ إبراهيم عليم خليلًا، وأمثال ذلك، فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول له تأويل يخالف ذلك.\nوالظاهر الآخر: وهو الباطل والضلال أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل البارئ بخلقه تعالى الله عن ذلك، بل صفاته كذاته، فلا عدل له ولا ضد له ولا نظير له ولا مثل له ولا شبيه له، وليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي والله أعلم) (٢) اهـ.\nوقوله عن أحاديث الصفات \"فنمره على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى\"، يفسر لنا مراد السلف بقولهم عن أحاديث الصفات: \"أمروها كما جاءت\"، كما سبق أن قررناه، وهو إثبات معناه على ما دل عليه ظاهر لفظه، من غير تعرض له بتأويل ولا تمثيل.\n_________\n(١) العلو (ص٢٥٠ - ٢٥٢).\n(٢) سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٨).","vol":"1","page":285},{"text":"- الملا علي بن سلطان محمد القاري الحنفي (١٠١٤ هـ)\nقال في شرح الفقه الأكبر: (إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة ... فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام ...) (١) اهـ.\n\n- العلامة أبو الفضل شهاب الدين محمود الألوسي (١٢٠٧ هـ)\nقال في \"غرائب الاغتراب\": (فقلت: يا مولاي يشهد لحقية مذهب السلف في المتشابهات، وهو إجراؤها على ظواهرها مع التنزيه ﴿ليس كمثله شيء﴾: إجماع القرون الثلاثة الذين شهد بخيرتهم خير البشر - ﷺ - ... - إلى أن قال: أن في المتشابهات ثلاثة مذاهب: ... فذكر الأول والثاني ثم قال:\n_________\n(١) شرح الفقه الأكبر (ص٩٦).","vol":"1","page":286},{"text":"الثالث: الإبقاء على الظاهر مع نفي اللوازم، وهو معنى قول بعضهم: القول بالظاهر مع اعتقاد التنزيه، وأن ليس كمثله ﷿ شيء، فيقال في ذاك المراد ظاهره مع نفي لوازمه الدالة على الجسمية، ويرجع ذلك إلى دعوى أنها لوازم لاستواء الخلق لا لاستواء الخالق أيضًا، وهو نظير قول الأشاعرة والماتريدية في رؤية الله تعالى في الآخرة، فإنها تكون مع نفي لوازمها من المقالة والجسمية ونحوهما مما هو من لوازم الرؤية في الشاهد ..) (١) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>فرع: في تقرير كون صفات الله على ظاهرها من كلام أبي الحسن الأشعري</span>\nقال: (مسألة:\nفإن قالوا إذا أثبتم لله ﷿ يدين لقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، فلم لا أثبتم له أيدي لقوله تعالى: ﴿مما عملت أيدينا﴾ يس٧١؟\nقيل لهم: قد أجمعوا على بطلان قول من أثبت لله أيدي فلما أجمعوا على بطلان قول من قال ذلك وجب أن يكون الله تعالى ذكر أيدي ورجع إلى إثبات يدين لأن الدليل عنده دل على صحة الإجماع وإذا كان الإجماع صحيحًا وجب أن يرجع من قوله أيدي إلى يدين\n_________\n(١) غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟).","vol":"1","page":287},{"text":"لأن القرآن على ظاهره ولا يزول عن ظاهره إلا بحجة فوجدنا حجة أزلنا بها ذكر الأيدي عن الظاهر إلى ظاهر آخر ووجب أن يكون الظاهر الآخر على حقيقته لا يزول عنها إلا بحجة) ... إلى قوله: (حكم كلام الله تعالى أن يكون على ظاهره وحقيقته ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا بحجة) (١) اهـ.\n_________\n(١) الإبانة لأبي الحسن الأشعري (ص١١١ - ١١٢).","vol":"1","page":288},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث الثاني\nبيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب</span>\nخلاصة الفصل:\nأولًا: بهذا يتبين أن مذهب السلف هو إجراء النصوص على ظواهرها، وإمرارها كما جاءت، وأنها ألفاظ دالة على معان.\nثانيًا: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في هذا الأصل العظيم، ويلزم من هذا أن يوافقه المنتسبون له فيه، وإلا كان انتسابهم إليه مجرد دعوى.\nثالثًا: ويتبين أيضًا جهل الأشعريّيْن بمذهب السلف، حيث حكما على السلف بأنهم مشبهة.\nفقالا (ص١١٨): (وبهذا يُعلم أن من قال بظواهر هذه النصوص قد خالف السلف والخلف، وأتى بقول مبتدع ليس له نصيب من الحق، إذ ليس في هذه المسألة إلا التفويض والتأويل) اهـ.\nوقالا (ص١٩٧): (فنهاهم علماء السلف عن الاستفسار عن معانيها بقولهم \"بلا كيف\" وألزموهم تنزيه الله عن ظاهرها ثم السكوت) اهـ.","vol":"1","page":289},{"text":"وقالا (ص٢٠٣): (ونحن نتساءل بعجب .... ونقول: وهل بين التكييف والقول بظواهر هذه النصوص فرق؟!!) اهـ.\nولعل من الأسباب التي جعلتهما يقولان مثل هذا الكلام أمران:\nالأول: جهلهما بكلام السلف، وعدم اطلاعهما عليه.\nالثاني: ظنهما أن المراد بظاهر النصوص، هو ما يفهم من صفة المخلوق، وهذا جهل عظيم، وخطأ محض. ويكفينا ما قاله الذهبي في حق من يفهم من ظاهر النصوص مثل هذا.\nقال: (فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصًا أو قياسًا للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زُجر وعُلم، وما أظن أن أحدًا من العامة يقر في نفسه ذلك، والله أعلم) (١) اهـ.\nوانظر ما سبق نقله في هذا الفصل من كلامه أيضًا في معنى الظاهر، فإنه كاف شاف.\nومما يؤكد هذا الأمر ويزيده وضوحًا إجماعهم على تحريم التأويل، وصرف الكلام عن حقيقته وظاهره وهو الفصل الرابع.\n_________\n(١) العلو (ص١٥٧).","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>الفصل الرابع\nفي تقرير أن السلف مجمعون على تحريم تأويل الصفات وإخراجها عن ظاهرها، وعلى وجوب الكف عن ذلك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>تمهيد</span>\nقد اتفقت كلمة السلف على إمرار الصفات على ظاهرها، والمنع من تأويلها بما يخالفه، والنكير على المؤولة الذين يصرفون آيات الصفات أو بعضها عن ظاهرها إلى مجازات الكلام، وقد صنف كثير من أهل العلم الكتب في إبطال تأويل المؤولة، والرد على شبههم، وبيان خروجهم عن طريق الحق، وتنكبهم عن درب السلف الماضين، ككتاب \"الرد على الجهمية والزنادقة\" للإمام أحمد، وكتاب \"الرد على تأويلات المريسي\" للدارمي، وكتاب \"الرد على الجهمية\" للدارمي وابن منده، وغيرها من الكتب الكثيرة في هذا الباب. وبوب أبو داود في سننه \"باب الرد على الجهمية\"، وصنف ابن قدامة كتاب \"ذم التأويل\"، وغيرها من الكتب والمؤلفات التي","vol":"1","page":291},{"text":"تُعظم النكير على من تأول الصفات وأخرجها عن حقائقها، ومَنَع من حملها على ما يعهده العرب في لغتهم ولسانهم على النحو اللائق بالله تعالى.\nوإليك بعض نصوص أئمة السنة الدالة على ذلك:","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المبحث الأول\nنصوص أئمة السنة الدالة على تحريم التأويل بإخراج نصوص الصفات على ظاهرها</span>\n- الإمام أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيباني فقيه العراق (١٨٩ هـ)\nقال عبد الله بن أبي حنيفة الدوسي: سمعت محمد بن الحسن يقول: (اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديث التي جاء بها الثقات عن رسول الله - ﷺ - في صفة الرب ﷿ من غير تغيير، ولا وصف، ولا تشبيه، فمن فسر اليوم شيئًا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي - ﷺ -، وفارق الجماعة، فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا، ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا، فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة، لأنه قد وصفه بصفة لا شيء) (١) اهـ.\nفدونك هذا الإجماع من هذا الإمام على المنع من التأويل، الذي هو التفسير في اصطلاح السلف كما سبق بيانه.\n_________\n(١) رواه اللالكائي (٣/ ٤٣٢).","vol":"1","page":293},{"text":"- الإمام المشهور أبو عبيد القاسم بن سلام البغدادى الهروى (٢٢٤ هـ)\nقال العباس بن محمد الدوري: (سمعت أبا عبيد القاسم بن سلام، وذكر الباب الذي يروي فيه الرؤية، والكرسي، وموضع القدمين، وضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، وأين كان ربنا قبل أن يخلق السماء، وأن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك ﷿ قدمه فيها فتقول: قط قط، وأشباه هذه الأحاديث، فقال: هذه الأحاديث صحاح، حملها أصحاب الحديث والفقهاء بعضهم عن بعض، وهي عندنا حق لا نشك فيها، ولكن إذا قيل كيف وضع قدمه؟ وكيف ضحك؟ قلنا لا يفسر هذا ولا سمعنا أحدًا يفسره) (١) اهـ.\nوأورد الذهبي هذا الأثر في السير ثم قال معلقًا: (قد صنف أبو عبيد كتاب \"غريب الحديث\" وما تعرض لأخبار الصفات الإلهية بتأويل أبدًا، ولا فسر منها شيئًا، وقد أخبر بأنه ما لحق أحدًا يفسرها، فلو كان والله تفسيرها سائغًا أو حتمًا لأوشك أن يكون اهتمامهم بذلك فوق اهتمامهم بأحاديث الفروع والآداب، فلما لم يتعرضوا لها بتأويل، وأقروها على ما وردت عليه، علم أن ذلك هو الحق الذي لا حيدة عنه) (٢) اهـ.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ١٤٤.\n(٢) سير أعلام النبلاء (٨/ ١٦٢).","vol":"1","page":294},{"text":"- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)\nقال في بيان بطلان دعوى أن آيات الصفات تحتمل وجوهًا: (فكيف تخوض فيه -أي التوحيد- بما لا تدري؟ أمصيبٌ أنت أم مخطئ؟ لأن أكثر ما نراك تفسر التوحيد بالظن، والظن يخطئ ويصيب، وهو قولك: يحتمل في تفسيره كذا، ويحتمل كذا تفسيرًا، ويحتمل في صفاته كذا، ويحتمل خلاف ذلك، ويحتمل في كلامه كذا وكذا. والاحتمال ظن عند الناس غير يقين، ورأي غير مبين، حتى تدعي لله في صفاته ألوانًا كثيرة ووجوهًا كثيرة أنه يحتملها، لا تقف على الصواب من ذلك فتختاره، فكيف تندب الناس إلى صواب التوحيد، وأنت داءب تجهل صفاته، وأنت تقيسها بما ليس عندك بيقين؟) (١) اهـ.\nوقال الذهبي: (قال محمد بن إبراهيم الصرام: سمعت عثمان بن سعيد يقول: لا نكيف هذه الصفات، ولا نكذب بها، ولا نفسرها) (٢) اهـ.\nوالمراد بالتفسير كما سبق بيانه هو إخراجها عن ظاهرها، أو تشبيهها بصفة المخلوق.\n_________\n(١) الرد على المريسي (٢/ ٧٨٩).\n(٢) رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٤/ ٣٤٣).","vol":"1","page":295},{"text":"- الإمام أبو العباس أحمد بن عمر ابن سريج البغدادي الشافعي (٣٠٣ هـ)\nقال بعد ذكر جملة من الصفات: (اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن أن نقبلها، ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نترجم عن صفاته بلغة غير العربية، ونسلم الخبر الظاهر والآية الظاهر تنزيلها) (١) اهـ.\n\n- إمام أهل السنة والجماعة في عصره أبو محمد الحسن بن علي البربهاري (٣٢٩هـ)\nقال: (واعلم رحمك الله: أن من قال في دين الله برأيه وقياسه، وتأويله من غير حجة من السنة والجماعة، فقد قال على الله ما لا يعلم. ومن قال على الله ما لا يعلم، فهو من المتكلفين.\n_________\n(١) أورده الذهبي في العلو (ص٢٠٨).","vol":"1","page":296},{"text":"والخق ما جاء من عند الله ﷿، والسنة: سنة رسول الله - ﷺ -، والجماعة: ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله - ﷺ - في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان) (١) اهـ.\nوهذا فيه إبطال التأويل من غير حجة من كتاب أو سنة أو إجماع.\n\n- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (٣٩٥ هـ)\nقال: (إن الأخبار في صفات الله ﷿ جاءت متواترة عن النبي - ﷺ - موافقة لكتاب الله ﷿ نقلها الخلف عن السلف قرنًا بعد قرن من لدن الصحابة والتابعين إلى عصرنا هذا على سبيل إثبات الصفات لله ﷿، والمعرفة والإيمان به، والتسليم لما أخبر الله ﷿ به في تنزيله، وبينه الرسول - ﷺ - عن كتابه، مع اجتناب التأويل والجحود، وترك التمثيل والتكييف ...) إلى أن قال: (وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته تعالى، ودعا عباده إلى مدحه بذلك وصدق به المصطفى - ﷺ -، وبين مراد الله ﷿ فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهومًا عند العرب غير محتاج إلى تأويلها ....) إلى أن قال: (وإنما صدرنا بهذا الفصل لئلا يتعلق الضالون عن الهداية الزائغون عن كتاب الله ﷿، وكلام\n_________\n(١) شرح السنة (ص١٠٢ - ١٠٣).","vol":"1","page":297},{"text":"رسوله - ﷺ - بالظاهر، فيتأولوا الصفات والأسماء التي في كتابه ونقلها الخلف الصادق عن السلف الطاهر عن الله ﷿ وعن رسوله - ﷺ -) (١) اهـ.\nوقال أيضًا: (وسئل -أي أبو زرعة الرازي- عن حديث ابن عباس (الكرسي موضع القدمين)؟\nفقال: صحيح، ولا نفسر، نقول كما جاء وكما هو في الحديث ..).\nثم أسند عن الحميدي أنه ذكر حديث: (إن الله خلق آدم يعني بيديه) فقال: لا نقول غير هذا على التسليم والرضا بما جاء به القرآن والحديث، ولا نستوحش أن نقول كما قال القرآن والحديث.\nقلنا: وكذلك نقول فيما تقدم من هذه الأخبار في الصفات في كتابنا هذا نرويها من غير تمثيل، ولا تشبيه، ولا تكييف، ولا قياس، ولا تأويل، على ما نقلها السلف الصادق عن الصحابة الطاهرة عن المصطفى - ﷺ -، أو خبر صحابي حضر التنزيل والبيان، ونتبرأ إلى الله ﷿ مما يخالف القرآن وكلام الرسول - ﷺ - والله ﷿ الموفق للصواب برحمته إن شاء الله تعالى) (٢) اهـ.\n_________\n(١) التوحيد (٣/ ٧ - ٩).\n(٢) التوحيد (٣/ ٣٠٩).","vol":"1","page":298},{"text":"- الإمام العارف أبو منصور معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني (٤١٨ هـ)\nقال: (أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل التصوف والمعرفة ...) فذكر أشياء إلى أن قال: (وأن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، فلا حلول ولا ممازجة ولا ملاصقة، وأنه سميع بصير عليم خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويعجب، ويضحك، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا بلا كيف ولا تأويل، كيف شاء، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال) (١) اهـ.\n\n- الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (٤٤٤ هـ)\nقال في رسالته إلى أهل زبيد: (وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفًا، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف. فقول المتكلمين في نفي الصفات أو إثباتها بمجرد العقل، أو حملها\n_________\n(١) نقله عنه أبو القاسم التيمي في الحجة (١/ ٢٣١ - ٢٤٤) في كلام طويل، وشيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٤/ ٦١) وأورده الذهبي في العلو (ص٢٤٤).","vol":"1","page":299},{"text":"على تأويل مخالف للظاهر ضلال) (١) اهـ.\n\n- شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٤٤٩ هـ)\nقال حاكيًا مذهب السلف في الصفات: (بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله - ﷺ - من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه، بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله) (٢) اهـ.\nوقال أيضًا مبينًا أن التأويل في صفات الله من سمات أهل البدع: (والفرق بين أهل السنة وبين أهل البدعة: أنهم إذا سمعوا خبرًا في صفات الرب ردوه أصلًا، ولم يقبلوه أو يسلموا للظاهر، ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله، وإعمال حيل عقولهم وآرائهم فيه) (٣) اهـ.\n\n- القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (٤٥٨ هـ)\nقال \"إبطال التأويلات\": (واعلم أنه لا يجوز رد الأخبار\n_________\n(١) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص١٢١).\n(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص٣٩).\n(٣) المرجع السابق (ص٤٨ - ٤٩).","vol":"1","page":300},{"text":"على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل وغيره من أئمة أصحاب الحديث أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين) (١) اهـ.\nوقال: (ويدل على إبطال التأويل أن الصحابة ومن بعدهم حملوها على ظاهرها، ولم يتعرضوا لتأويلها، ولا صرفها عن ظاهرها، فلو كان التأويل سائغًا لكانوا إليه أسبق، لما فيه من إزالة التشبيه، يعني: على زعم من قال إن ظاهرها تشبيه) (٢) اهـ.\n\n- الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (٥١٦ هـ)\nقال في \"شرح السنة\" بعد أن ساق أحاديث الأصابع لله ﷿، ثم ذكر صفات: النفس، والوجه، واليدين، والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا،\n_________\n(١) إبطال التأويلات (١/ ٤٣).\n(٢) المرجع السابق (٢/ ٧١).","vol":"1","page":301},{"text":"والاستواء على العرش، والضحك والفرح ثم قال: (فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضًا عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري ﷾ لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله ﷾: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١، وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعًا بالقبول والتسليم، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله ﷿ - ثم ساق آثار السلف) (١) اهـ.\n\n- الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ)\nقال بعد ما قرر صفة الوجه واليد والاستواء وغيرها لله تعالى: (وكذلك القول في الإصبع، الإصبع في كلام العرب تقع على النعمة والأثر الحسن، وهذا المعنى لا يجوز في هذا الحديث، فكون الإصبع معلومًا بقوله - ﷺ -، وكيفيته مجهولة، وكذلك القول في جميع الصفات يجب الإيمان به، ويترك الخوض في تأويله، وإدراك كيفيته) (٢) اهـ.\n_________\n(١) شرح السنة (١/ ٦٣ - ١٧١).\n(٢) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٥٧ - ٢٦٢).","vol":"1","page":302},{"text":"- تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (٦٠٠ هـ)\nقال: (فلا نقول: يد كيد، ولا نكيف، ولا نشبه، ولا نتأول اليدين على القدرتين، كما يقول أهل التعطيل والتأويل، بل نؤمن بذلك، ونثبت الصفة من غير تحديد ولا تشبيه) إلى أن قال: (وكل ما قال الله ﷿ في كتابه، وصح عن رسول الله - ﷺ - بنقل العدل عن العدل - أي لا نشبه ولا نكيف ولا نتأول -، مثل: المحبة، والمشيئة، والإرادة، والضحك، والفرح، والعجب، والبغض، والسخط، والكره، والرضى، وسائر ما صح من الله ورسوله، وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين، واستوحشت منها نفوس المعطلين) (١) اهـ.\nثم قال في كلام جامع: (واعلم رحمك الله: أن الإسلام وأهله أتوا من طرائق ثلاث:\nفطائفة: روت أحاديث الصفات وكذبوا رواتها، فهؤلاء أشد ضررًا على الإسلام وأهله من الكفار.\nوأخرى: قالوا بصحتها وقبلوها ثم تأولوها، فهؤلاء أعظم ضررًا من الطائفة الأخرى.\n_________\n(١) عقائد أئمة السلف (٨٥).","vol":"1","page":303},{"text":"والثالثة: جانبوا القولين، وأخذوا بزعمهم ينزهون، وهم يكذبون، فأداهم ذلك إلى القولين الأولين، وكانوا أعظم ضررًا من الطائفتين الأولتين) (١) اهـ.\n\n- أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ)\nقال في \"لمعة الاعتقاد\": (وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله ....) اهـ.\nثم قال بعد أن ساق جملة من صفات الله: (ومن السنة، قول النبي - ﷺ -: «ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا» وقوله: «يعجب ربك من الشاب ليست له صبوة» وقوله: «يضحك الله إلى رجلين قتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة»، فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله ﷾ لا شبيه له ولا نظير ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ الشورى١١، وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه ....).\n_________\n(١) المرجع السابق (ص١٣١ - ١٣٢).","vol":"1","page":304},{"text":"إلى أن قال: (فهذا وما أشبهه مما أجمع السلف ﵏ على نقله وقبوله، ولم يتعرضوا لرده ولا تأويله، ولا تشبيهه ولا تمثيله) (١) اهـ.\nوقال أيضًا في \"ذم التأويل\": (ومذهب السلف رحمة الله عليهم: الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها، ولا تفسير لها، ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين ولا سمات المحدثين، بل أمروها كما جاءت، وردوا علمها إلى قائلها ومعناها إلى المتكلم بها ...) (٢) اهـ.\nإلى أن قال مبينًا الإجماع على ترك التأويل: (وأما الإجماع: فإن الصحابة ﵃ أجمعوا على ترك التأويل بما ذكرنا عنهم، وكذلك أهل كل عصر بعدهم، ولم يُنقل التأويل إلا عن مبتدع أو منسوب إلى بدعة. والإجماع حجة قاطعة، فإن الله لا يجمع أمة محمد ﵇ على ضلالة، ومن بعدهم من الأئمة قد صرحوا بالنهي عن التفسير والتأويل، أمروا بإمرار هذه الأخبار كما جاءت، وقد نقلنا إجماعهم عليه فيجب اتباعه ويحرم خلافه، ولأن تأويل هذه الصفات لا يخلوا إما أن يكون علمه النبي - ﷺ - وخلفاؤه الراشدون وعلماء أصحابه أو لم يعلموا، فإن لم يعلموه فكيف يجوز أن يعلمه\n_________\n(١) لمعة الاعتقاد (ص١٧٤ - ١٧٨).\n(٢) ذم التأويل (ص١١).","vol":"1","page":305},{"text":"غيرهم، وهل يجوز أن يكون قد خبأ عنهم علمًا وخبأ للمتكلمين لفضل عندهم) (١) اهـ.\n- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ)\nقال معقبًا على الأثر المشهور عن الإمام مالك \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول\": (هذا ثابت عن مالك وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًا ولا إثباتًا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينًا مع ذلك أن الله ﷻ لا مثل له في\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٤٠ - ٤١).","vol":"1","page":306},{"text":"صفاته، ولا في استوائه، ولا في نزوله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا) (١) اهـ.\nوقال في ترجمة إسحاق بن راهويه: (وورد عن إسحاق أن بعض المتكلمين قال له: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء، فقال: آمنت برب يفعل ما يشاء.\nقلت: هذه الصفات من الاستواء، والإتيان، والنزول، قد صحت بها النصوص، ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل، بل أنكروا على من تأولها، مع إصفاقهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله ليس كمثله شيء، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها، فإن في ذلك مخولة للرد على الله ورسوله، أو حومًا على التكييف أو التعطيل) (٢) اهـ.\n\n- الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ)\nقال: (والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل، ولا يصح من أحد منهم خلاف ذلك البتة خصوصًا الإمام أحمد، ولا خوض في معانيها، ولا ضرب مثل من الأمثال لها،\n_________\n(١) العلو (ص١٣٩).\n(٢) سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٧٦).","vol":"1","page":307},{"text":"وإن كان بعض من كان قريبًا من زمن الإمام أحمد فيهم من فعل شيئًا من ذلك اتباعًا لطريقة مقاتل، فلا يقتدى به في ذلك، إنما الاقتداء بأئمة الإسلام كابن المبارك، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحق، وأبي عبيد، ونحوهم، وكل هؤلاء لا يوجد في كلامهم شيء من جنس كلام المتكلمين فضلًا عن كلام الفلاسفة) (١) اهـ.\n_________\n(١) فضل علم السلف على الخلف (ص٥٥ - ٥٦).","vol":"1","page":308},{"text":"- العلامة أبو الفضل شهاب الدين محمود الألوسي (١٢٠٧ هـ)\nقال في \"غرائب الاغتراب\": (فقلت: يا مولاي يشهد لحقية مذهب السلف في المتشابهات، وهو إجراؤها على ظواهرها مع التنزيه ﴿ليس كمثله شيء﴾: إجماع القرون الثلاثة الذين شهد بخيرتهم خير البشر - ﷺ - ..) (١) اهـ.\n_________\n(١) غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟).","vol":"1","page":309},{"text":"فرع: في موافقة إبي الحسن الأشعري للسلف في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى كالوجه واليدين والعينين وإبطال تأويلها\n\nلم يختلف قول أبي الحسن الأشعري في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى التي في القرآن، وقد ذكر ذلك في مواضع كثيرة من كتبه:\nفقال في \"مقالات الإسلاميين\": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال ﷿: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف.\nوأنه نور كما قال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ النور٣٥.\nوأن له وجهًا كما قال الله: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ الرحمن٢٧.\nوأن له يدين كما قال: ﴿خلقت بيدي﴾ ص٧٥.\nوأن له عينين كما قال: ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤.\nوأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ الفجر٢٢.\nوأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث.","vol":"1","page":310},{"text":"ولم يقولوا شيئًا إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله - ﷺ -) (١) اهـ.\nوقال في موضع آخر في سياق الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها: (وقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قال الله ﷿، أو جاءت به الرواية عن رسول الله - ﷺ -، فنقول: وجه بلا كيف، ويدان وعينان بلا كيف) (٢) اهـ.\nوقال أيضًا: (هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة\nجملة ما عليه أهل الحديث والسنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله - ﷺ -، لا يردون من ذلك شيئًا .... - إلى أن قال: وأن الله سبحانه على عرشه كما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥.\nوأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وكما قال: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤.\nوأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤.\n_________\n(١) مقالات الإسلاميين (١/ ٢٨٤).\n(٢) المرجع السابق (١/ ٢٩٠).","vol":"1","page":311},{"text":"وأن له وجهًا كما قال: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧) (١) اهـ.\nوقال في \"الإبانة\": (فصل في إبانة قول أهل الحق والسنة: فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافعة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون.\nقيل له: قولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا ﷿، وبسنة نبينا محمد - ﷺ -، وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيع الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم.\nوجملة قولنا: ...) ثم ذكر أمورًا إلى أن قال: (وأن له سبحانه وجهًا بلا كيف، كما قال: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧.\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ٣٤٥).","vol":"1","page":312},{"text":"وأن له سبحانه يدين بلا كيف، كما قال سبحانه: ﴿خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وكما قال: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤\nوأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤) (١) اهـ.\nوقال أيضًا: (الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين:\nقال الله ﵎: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨،، وقال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، فأخبر أن له سبحانه وجهًا لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك.\nوقال تعالى: ﴿تجرى بأعيننا﴾ القمر١٤، وقال تعالى: ﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا﴾ هود٣٧، فأخبر تعالى أن له وجهًا وعينًا، ولا تكيَّف ولا تحد.\nوقال تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، وقال تعالى: ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾ النساء٨٥،، وقال لموسى وهارون عليهما\n_________\n(١) الإبانة للأشعري (ص٤٣ - ٤٤).","vol":"1","page":313},{"text":"أفضل الصلاة والسلام: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ طه٤٦. فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته ...) إلى أن قال: (مسألة: فمن سألنا فقال: أتقولون إن لله سبحانه وجهًا؟\nقيل له: نقول ذلك، خلافا لما قاله المبتدعون، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧.\nمسألة:\nقد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟\nقيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ الفتح١٠،، وقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥.\nوروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف) (١) اهـ.\nوقال في إثبات صفتي الرضا والغضب لله تعالى: (وإذا كنا متى أثبتناه غضبانًا على الكافرين فلا بد من إثبات غضب، وكذلك إذا أثبتناه راضيًا عن المؤمنين فلا بد من إثبات رضى، وكذلك إذا أثبتناه حيًا سميعًا بصيرًا فلا بد من إثبات حياة وسمع وبصر) (٢) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (١٠٤ - ١٠٦).\n(٢) المرجع السابق (ص١١٧).","vol":"1","page":314},{"text":"كما أنه أبطل تأويل الصفات الخبرية ورد على أهلها في مواضع كثيرة، وبين أن تأويل الصفات الخبرية هو قول المعتزلة وأهل الضلال:\nفقال في \"مقالات الإسلاميين\": (باب قول المعتزلة في \"وجه الله\": واختلفوا هل يقال لله وجه أم لا وهم ثلاث فرق: فالفرقة الأولى منهم يزعمون أن لله وجهًا هو هو والقائل بهذا القول أبو الهذيل. والفرقة الثانية منهم يزعمون أنا نقول وجه توسعًا ونرجع إلى إثبات الله لأنا نثبت وجهًا هو هو ... والفرقة الثالثة منهم ينكرون ذكر الوجه أن يقولوا لله وجه) (١) اهـ.\nوقال في موضع آخر: (قولهم في العين واليد: وأجمعت المعتزلة بأسرها على إنكار العين واليد وافترقوا في ذلك على مقالتين: فمنهم من أنكر أن يقال: لله يدان وأنكر أن يقال أنه ذو عين وأن له عينين، ومنهم من زعم أن لله يدًا وأن له يدين، وذهب في معنى ذلك إلى أن اليد نعمة، وذهب في معنى العين إلى أنه أراد العلم وأنه عالم، وتأول قول الله ﷿: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، أي بعلمي.) (٢) اهـ.\nوقال: (الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها: واختلفوا\n_________\n(١) مقالات الإسلاميين (١/ ٢٦٥).\n(٢) المرجع السابق (١/ ٢٧١).","vol":"1","page":315},{"text":"في العين واليد والوجه على أربع مقالات: فقالت المجسمة: له يدان ورجلان ووجه وعينان وجنب يذهبون إلى الجوارح والأعضاء.\nوقال أصحاب الحديث: لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله ﷿ أو جاءت به الرواية من رسول الله - ﷺ - فنقول: وجه بلا كيف ويدان وعينان بلا كيف ....\nوقالت المعتزلة بإنكار ذلك إلا الوجه، وتأولت اليد بمعنى النعمة، وقوله: ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤، أي بعلمنا) (١) اهـ.\nوقال في سياق أقوال المعتزلة: (وكان غيره من المعتزلة يقول أن وجه الله سبحانه هو الله، ويقول أن نفس الله سبحانه هي الله، وأن الله غير لا كالأغيار، وأن له يدين وأيديًا بمعنى نعم، وقوله تعالى أعين وأن الأشياء بعين الله أي بعلمه، ومعنى ذلك أنه يعلمها، ويتأولون قولهم أن الأشياء في قبضة الله سبحانه أي في ملكه، ويتأولون قول الله ﷿: ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ الحاقة٤٥، أي بالقدرة. وكان سليمان بن جرير يقول أن وجه الله هو الله.) (٢) اهـ.\nوقال في \"الإبانة\": (الباب الأول: في إبانة قول أهل الزيغ والبدعة ..) ثم ساق كثيرًا من أقوالهم إلى أن قال: (ودفعوا أن يكون لله وجه مع قوله ﷿: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ٢٩٠).\n(٢) المرجع السابق (٢/ ٢٠٥).","vol":"1","page":316},{"text":"والإكرام﴾ الرحمن٢٧، وأنكروا أن له يدان مع قوله سبحانه: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥،، وأنكروا أن يكون له عينان مع قوله سبحانه: ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤، وقوله: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩) (١) اهـ.\nوقال في موضع آخر: (ونفى الجهمية أن يكون لله تعالى وجه كما قال، وأبطلوا أن يكون له سمع وبصر وعين) (٢) اهـ.\nوليس المنفي عند المعتزلة هو الوجه المجازي، بل الوجه الحقيقي، إذ جميع المعتزلة يثبتون الوجه المضاف إلى الله تعالى في كتابه ولا ينكرونه، إذًا لكفروا إجماعًا، وإنما ينفون أن يكون وجهًا حقيقة، وإلا لم يكن خلاف بين أهل الحديث والمعتزلة إذا كان الجميع يثبتون وجهًا مضافًا إلى الله، وليس وجهًا حقيقة، بل مجاز!!!\nوكل الصفات التي يحكي الأشعري نفيها عن المعتزلة فعلى هذا المنوال.\nوهذا كما ترى ظاهر في أن إنكار أن تكون صفات الله تعالى كالوجه واليد والنزول ونحوها حقيقة، إنما هو قول المعتزلة، لا قول أهل السنة كما يزعمه الأشعريان.\n_________\n(١) الإبانة للأشعري (ص٤١).\n(٢) المرجع السابق (ص١٠٤).","vol":"1","page":317},{"text":"وقال الأشعري أيضًا في رد تأويل الصفات: (مسألة: قد سئلنا أتقولون إن لله يدين؟\nقيل: نقول ذلك بلا كيف، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ الفتح١٠،، وقوله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥،.\nوروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذريته) فثبتت اليد بلا كيف.\nوجاء في الخبر المأثور عن النبي - ﷺ -: (أن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده)، أي بيد قدرته سبحانه. وقال تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، وجاء عن النبي - ﷺ - أنه قال: (كلتا يديه يمين). وقال تعالى: ﴿لأخذنا منه باليمين﴾ الحاقة٤٥.\nوليس يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله ﷿ إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهوما في كلامها، ومعقولًا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة؛ بطل أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافعنا عن استعمال اللغة","vol":"1","page":318},{"text":"ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة؛ إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قبلها؛ لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه، ولن يجد له سبيلا.\nمسألة:\nويقال لأهل البدع: ولِم زعمتم أن معنى قوله: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، نعمتي أزعمتم ذلك إجماعا أو لغة؟\nفلا يجدون ذلك إجماعًا ولا في اللغة.\nوإن قالوا: قلنا ذلك من القياس.\nقيل لهم: ومن أين وجدتم في القياس أن قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، لا يكون معناه إلا نعمتي؟ ومن أين يمكن أن يعلم بالعقل أن تفسير كذا وكذا مع أنا رأينا الله ﷿ قد قال في كتابه العزيز، الناطق على لسان نبيه الصادق: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه﴾ إبراهيم٤،، وقال تعالى: ﴿لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾ النحل ١٠٣،، وقال تعالى: ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ الزخرف ٣،،","vol":"1","page":319},{"text":"وقال تعالى: ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله﴾ النساء٨٢، ولو كان القرآن بلسان غير العرب لما أمكن أن نتدبره، ولا أن نعرف معانيه إذا سمعناه، فلما كان من لا يحسن لسان العرب لا يحسنه، وإنما يعرفه العرب إذا سمعوه على أنهم إنما علموه؛ لأنه بلسانهم نزل، وليس في لسانهم ما ادعوه.) (١) اهـ.\nوقال الذهبي في السير: (قلت رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول وبه أدين ولا تؤول) (٢) اهـ.\n\nفرع في بيان معنى التأويل عند السلف ومعناه عند الأشاعرة\nالتأويل عند الأشاعرة كما عرفه الأشعريان (ص١٤٤): (هو صرف اللفظ عن الظاهر بقرينة تقتضي ذلك) اهـ.\nوهذا اصطلاح متأخر للمتكلمين، وهو خلاف التأويل في اللغة، وفي كلام السلف.\n_________\n(١) المرجع السابق (ص١٠٦ - ١٠٨).\n(٢) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٨٦).","vol":"1","page":320},{"text":"قال في مختار الصحاح: (التَأْويلُ تفسير ما يؤول إليه الشيء) (١) اهـ.\nوقال في اللسان: (الأَوْلُ: الرجوع. آل الشيءُ يَؤُول أَولًا ومآلًا: رَجَعَ .... التهذيب: وأَما التأْويل فهو تفعيل من أَوَّل يُؤَوِّل تَأْويلًا وثُلاثِيُّه آل يَؤُول أَي رجع وعاد ..) (٢) اهـ.\nفتلخص من هذا أن التأويل في لغة العرب يراد به أمران:\nالأول: مآل الشيء، وهو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام. وإذا كان الكلام إما خبر وإما طلب:\nفتأويل الخبر: حقيقته ووقوعه، كما قال تعالى: ﴿هذا تأويل رؤياي من قبل﴾ يوسف١٠٠، أي: هذا هو نفس رؤياي، أي وقوعها وحقيقتها. وقوله: ﴿هل ينظرون إلا تأويله. يوم يأتي تأويله لا يقول الذين نسوه من قبل﴾ الآية الأعراف٥٣. أي هل ينتظرون إلا نفس وقوع ما أخبر الله به من الوعيد والعذاب.\nوتأويل الطلب الذي هو أمر ونهي: هو نفس فعل المأمور بامتثاله والعمل به، ونفس ترك المنهي، كما في قول عائشة ﵂: (كان النبي - ﷺ - يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن) (٣). تعني: يمتثل ويعمل\n_________\n(١) مختار الصحاح/ مادة \"أول\".\n(٢) لسان العرب/ مادة \"أول\".\n(٣) رواه البخاري (١/ ٢٨١) ومسلم (٤٨٤).","vol":"1","page":321},{"text":"بقوله تعالى: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾ النصر٣.\nوالمعنى الثاني: التأويل بمعنى التفسير، وهو الكلام الذي يُفسَّر به اللفظ حتى يُفهم معناه، وهو المقصود في قول المفسرين \"تأويل قوله تعالى\"، وقد سمى ابن جرير تفسيره الكبير \"جامع البيان عن تأويل آي القرآن\". ومنه قول الإمام أحمد في كتابه \"الرد على الجهمية والزنادقة فيما تأولته من القرآن على غير تأويله\".\nفعلى المعنى الأول: يكون تأويل ما أخبر الله تعالى به من صفاته وأفعاله، هو نفس الحقيقة التي أخبر عنها، وذلك في حق الله تعالى كنه ذاته وصفاته التي لا يعلمها غيره، ولا سبيل لأحد إلى العلم به وإحاطته.\nوعلى هذا المعنى ورد الوقف عند قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ آل عمران٧.\nوعلى المعنى الثاني: يكون تأويل ما أخبر الله به عن نفسه بما له من الصفاته العلية، هو تفسير وفهم معنى ما وصف الله به نفسه من الصفات العظيمة الجليلة، وهذا يُعرف من اللغة التي خاطبنا الله تعالى بها، وتعرَّف إلينا بواسطتها، مع العلم بأنه لا يشبهه شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.\nوعلى هذا المعنى ورد الوقف عند قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم﴾ آل عمران٧، كما هو مذهب كثير من السلف.","vol":"1","page":322},{"text":"قال ابن جرير: (واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، وهل الراسخون معطوف على اسم الله، بمعنى إيجاب العلم لهم بتأويل المتشابه، أو هم مستأنف ذكرهم بمعنى الخبر عنهم أنهم يقولون آمنا بالمتشابه وصدقنا أن علم ذلك لا يعلمه إلا الله.\nفقال بعضهم: معنى ذلك وما يعلم تأويل ذلك إلا الله وحده منفردًا بعلمه،\nوأما الراسخون في العلم فإنهم ابتدئ الخبر عنهم بأنهم يقولون آمنا بالمتشابه والمحكم، وأن جميع ذلك من عند الله. ذكر من قال ذلك .... - فذكر: عائشة وابن عباس وعروة وأبي نهيك وغيرهم -\nوقال آخرون: بل معنى ذلك: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا. ذكر من قال ذلك ... - فذكر ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس ومحمد بن جعفر بن الزبير) (١) اهـ.\nوأما ما اصطلح عليه المتأخرون من أصناف المعطلة على اختلاف فرقهم من أن التأويل: هو صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره بقرينة. فهو اصطلاح حادث.\nوهم يجعلون من القرائن على صرف دلالة الصفات عن\n_________\n(١) تفسير ابن جرير (٣/ ١٨٢ - ١٨٣).","vol":"1","page":323},{"text":"ظاهرها وحقيقتها ما دلت عليه عقولهم، لا ما دل عليه الأثر وما اجتمع عليه السلف، فيجعلون عقولهم حاكمة على ما يوصف الله تعالى به على الحقيقة، وما لا يوصف به على الحقيقة، دون الأدلة النقلية من الآيات والأحاديث وأقوال السلف.\nوهذا النوع من التأويل هو الذي صنف فيه منهم جماعة كما صنف أبو بكر بن فورك كتابه \"تأويل مشكل القرآن\"، ورد عليه آخرون كالقاضي أبي يعلى في كتابه \"إبطال التأويلات في أخبار الصفات\" وكذلك ابن قدامة في كتابه \"ذم التأويل\".","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>المبحث الثاني\n\nبيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب</span>\nخلاصة الفصل:\nأولًا: أن السلف مجمعون على تحريم تأويل صفات الله تعالى الواردة في الكتاب أو السنة، كما نقله غير واحد ممن ذكرنا كلامهم.\nثانيًا: أن تأويل الصفات بدعة وهو شعار المعطلة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وكل من وافقهم.\nثالثًا: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في هذا الأصل العظيم، ويلزم من هذا أن يوافقه المنتسبون إليه فيه، وإلا كان انتسابهم إليه مجرد دعوى.\nرابعًا: جهل الأشعريين بمذهب السلف حيث قالا (ص٧٤): (وكلا الطريقين التفويض والتأويل بشرطه ثابت عن سلف الأمة) اهـ.\nوقالا (ص١٠٢): (وينسى هؤلاء أن جل الأمة على مذهب التأويل، وأن جماعات من السلف قالوا به) اهـ.","vol":"1","page":325},{"text":"وقالا (ص١٤٣): (قضية التأويل ... منقولة عن الصحابة والسلف الطيب) اهـ.\nوقالا عن التأويل (ص١٥٧): (ومذهب ثابت عن جماعات من السلف) اهـ.\nوقالا في كون التأويل لا يستلزم تبديعًا ولا تفسيقًا (ص١٤١ - ١٤٣): (فإن الخلاف في هذا النوع -أي تأويل الصفات- من القضايا لا يترتب عليه شيء قطعًا، إذ لم يُنقل عن الصحابة والسلف أنهم ضللوا بعضهم بعضًا بسبب شيء من ذلك ..... وأنها من المسائل التي لا يترتب على الخلاف فيها ضلال ولا بدعة) اهـ.\nوقالا مُقَرِّرَيْن جواز التأويل وإن لم يرد عن السلف (ص١٦١): (ونحن نقول: لنفترض أنه لم يُنقل عن أحد من السلف التصريح بتأويل شيء من ذلك، فأي حرج على من سلك سنن العرب في فهم الكلام العربي، وحمل هذه النصوص على ما تجيزه لغتهم ...) اهـ.\nولا ريب أن هذا مخالف لما ذكرناه من إجماع السلف على تبديع التأويل والمنع منه، ومصادم لنصوصهم الصريحة في تبديع المتأولة في صفات الله والإنكار عليهم، والتحذير منهم.\nأما قولهما أن الصحابة لم يضللوا بعضهم بعضًا بسبب شيء من ذلك، فلأنه لم يثبت عن أحد من السلف قط تأويل صفة ثابتة لله تعالى.","vol":"1","page":326},{"text":"وأما ما ذكراه مما استدلا به على ثبوت التأويل عن السلف فسنجيب عليه في الباب الثالث.\nومعلوم أيضًا أن الذين حكوا إجماع السلف على ترك التأويل ممن نقلنا بعض كلامهم هم من أعلم الناس بالخلاف، وبالحديث والآثار، وبعضهم من أئمة السلف كمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وأبي عبيد القاسم بن سلام، وغيرهم، ويستحيل أن يحكي جميعهم الإجماع على ترك التأويل، ويكون ثابتًا عن السلف في نفس الأمر. وسيأتي مزيد من التقرير لهذا الأمر في الباب الثالث.","vol":"1","page":327},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>الفصل الخامس\nفي بيان اطراد قاعدة السلف في الصفات في وجوب إمرار الجميع على الظاهر بلا تأويل، لا يفرقون بين صفة وأخرى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>تمهيد</span>\nسلك أهل السنة والجماعة في جميع صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة مسلكًا واحدًا وهو إثباتها وإمرارها على ظاهرها اللائق بالله تعالى من غير تكييف ولا تشبيه، لا يفرقون في ذلك بين صفة وأخرى. فلا فرق عندهم بين الصفات الذاتية والفعلية، ولا بين العقلية والخبرية، ولا بين صفات المعاني وغيرها. ونصوصهم في هذا كثيرة جدًا يصعب حصرها.\nقال تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١، وهذه آية جامعة عامة في أن الله تعالى لا يماثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.\nوقال تعالى ﴿هل تعلم له سميًا﴾ مريم٦٥.","vol":"1","page":329},{"text":"وقد كان النبي - ﷺ - يخاطب أصحابه جميعهم: المتعلم منهم والجاهل، الصغير والكبير، الذكر والأنثى، ويذكر صفات ربه، لا يفرق بين صفة وصفة، ولم يقل في بعضها: الظاهر غير مراد، أو لا تفهموا منها الحقيقة، ونحو ذلك. ولم يكن يقرن عند ذكر بعض صفاته ما يدل على كونها مجازًا، فكان يذكر صفة النزول مثلًا، ويكررها في مواضع كثيرة، ولا يقرن بالكلام ما يدل على أن المراد خلاف ظاهرها.","vol":"1","page":330},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الأول\nنصوص السلف الدالة على إطراد قاعدتهم في الإثبات في جميع الصفات</span>\nوأنا أذكر هنا شيئًا يسيرًا من كلام السلف حيث يسوقون فيه الصفات سوقًا واحدًا بلا تفريق بين صفة وصفة، فلا يفرقون بين السمع واليد، ولا بين البصر والوجه، ولا بين القدرة والنزول، ولا بين الإرادة والضحك، ولا بين العلم والمحبة، ولا بين الحياة والمقت، ولا بين الكلام والعلو.\n\n- الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (١٥٠ هـ)\nقال: (لا يوصف الله تعالى بصفات المخلوقين، وغضبه ورضاه صفتان من صفاته بلا كيف، وهو قول أهل السنة والجماعة، وهو يغضب ويرضى ولا يقال: غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه. ونصفه كما وصف نفسه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، حي قادر سميع بصير عالم، يد الله فوق أيديهم، ليست كأيدي خلقه، ووجهه ليس كوجوه خلقه) (١) اهـ.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٢٢.","vol":"1","page":331},{"text":"- الإمام عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (١٦٤ هـ)\nقال في بيان معتقد السلف في أسماء الله وصفاته، فذكر بعض ما ورد منها في الكتاب والسنة ثم قال: (وقال رسول الله - ﷺ -: \"لا تمتلىء النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض\"، وقال لثابت بن قيس: \"لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة\"، وقال فيما بلغنا: \"أن الله تعالى ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم، فقال له رجل من العرب: إن ربنا ليضحك؟ قال: نعم. قال: لا نعدم من رب يضحك خيرًا\"، إلى أشباه هذا مما لا نحصيه، وقال تعالى: ﴿وهو السميع البصير﴾ الشورى١١، و﴿اصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، وقال تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وقال تعالى: ﴿والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ الزمر٦٧، فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه، وما تحيط به قبضته، إلا صغر نظيرها منهم عندهم، إن ذلك الذي ألقي في روعهم، وخلق على معرفة قلوبهم، فما وصف الله من نفسه وسماه","vol":"1","page":332},{"text":"على لسان رسوله سميناه كما سماه، ولم نتكلف منه صفة ما سواه، لا هذا ولا هذا، لا نجحد ما وصف، ولا نتكلف معرفة ما لم يصف) (١) اهـ.\n\n- الإمام سلام بن أبي مطيع أبو سعيد الخزاعي (١٦٤ هـ)\nقال هدبة: قال سلام بن أبي مطيع: (متى ينكرون من هذه الأحاديث شيئًا، فإنهم لا ينكرون شيئًا إلا في القرآن أبين منه، إنه ﴿سميع بصير﴾ الأعراف٢٠٠، وإنه ﴿السميع العليم﴾ الأنعام١٣، ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾ الأعراف١٤٣، ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤،، وقال ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥،، فما زال يقول حتى غربت الشمس) (٢) اهـ.\n\n- الإمام إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر الهذلى (٢٣٦ هـ)\nقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبا معمر إسماعيل بن إبراهيم الهذلي يقول: (من زعم إن الله لا يتكلم، ولا يسمع، ولا يبصر، ولا يغضب، ولا يرضى، وذكر الأشياء من هذه الصفات، فهو كافر بالله بهذا ندين الله ﷿) (٣) اهـ.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٢٥.\n(٢) رواه ابن منده في التوحيد (٣/ ٣٠٨).\n(٣) رواه عبد الله في السنة (١/ ٢٨١) وابن منده في التوحيد (٣/ ٣٠٩) والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٥٤).","vol":"1","page":333},{"text":"- مصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيري المدني (٢٣٦ هـ)\nقال: (إن الله يتكلم بغير مخلوق، وإنه يسمع بغير ما يبصر، ويبصر بغير ما يسمع، ويتكلم بغير ما يسمع، وإن كل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع غيره، ولست أقول إن كلام الله وحده غير مخلوق. أنا أقول أفعال الله كلها غير مخلوقة، وإن وجه الله غير يديه، وإن يديه غير وجهه. فإن قالوا: كيف؟ قلنا: لا ندري كيف هو؟ غير أن الله ﷿ أخبرنا أن له وجهًا ويدين ونفسًا، وأنه سميع بصير. وكل اسم من هذه يقع في موضع لا يقع عليه الاسم الآخر.) (١) اهـ.\n\n- الإمام العلامة أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني (٢٨٠ هـ)\nقال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن احمد وإسحاق وغيرهما في الجامع: (باب القول في المذهب:\nهذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق\n_________\n(١) ذكره أبو القاسم التيمي في الحجة (١/ ٣٩٢).","vol":"1","page":334},{"text":"والحجاز والشام وغيرهم عليها، فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم ...) وذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة وغير ذلك إلى أن قال: (وهو سبحانه بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده، والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره، والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم ويتحرك، ويسمع، ويبصر، وينظر، ويقبض، ويبسط، ويفرح، ويحب، ويكره، ويبغض، ويرضى، ويسخط، ويغضب، ويرحم، ويعفو، ويغفر، ويعطي، ويمنع، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء، وكما شاء، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ..) إلى أن قال: (ولم يزل الله متكلمًا عالمًا فتبارك الله أحسن الخالقين) (١) اهـ.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ١٦٢.","vol":"1","page":335},{"text":"- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)\nقال: (أخبرنا الله في كتابه أنه ذو سمع، وبصر، ويدين، ووجه، ونفس، وعلم، وكلام، وأنه فوق عرشه فوق سماواته، فآمنا بجميع ما وصف به نفسه كما وصفه بلا كيف) (١) اهـ.\n\n- الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)\nقال: (ولله تعالى ذكره أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه - ﷺ - أمته ..) إلى أن قال: (وذلك نحو إخبار الله تعالى\n_________\n(١) الرد على المريسي (١/ ٤٢٨).","vol":"1","page":336},{"text":"ذكره إيانا أنه سميع بصير، وأن له يدين لقوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، وأن له يمينًا لقوله: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، وأن له وجهًا لقوله: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، وقوله: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧. وأن له قدمًا لقول رسول الله - ﷺ -: \"حتى يضع الرب قدمه فيها\" يعني جهنم. وأنه يضحك إلى عبده المؤمن لقول النبي - ﷺ - للذي قُتل في سبيل الله: \"إنه لقي الله ﷿ وهو يضحك إليه\". وانه يهبط كل ليلة وينزل إلى السماء الدنيا، لخبر رسول الله - ﷺ -. وأنه ليس بأعور لقول النبي - ﷺ -، إذ ذكر الدجال فقال: \"إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور\".\nوأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، كما يرون الشمس ليس دونها غياية، وكما يرون القمر ليلة البدر، لقول النبي - ﷺ -.\nوأن له أصابع، لقول النبي - ﷺ -: \"ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن\".\nفإن هذه المعاني التي وصفت، ونظائرها مما وصف الله ﷿ بها نفسه، أو وصفه بها رسوله - ﷺ - مما لا تُدرك حقيقة علمه","vol":"1","page":337},{"text":"بالفكر والروية) (١) اهـ.\nوقال: (فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله عز جل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله - ﷺ -. قيل: الصواب من هذا القول عندنا، أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١،. فيقال: الله سميع بصير، له سمع وبصر، إذ لا يعقل مسمى سميعًا بصيرًا في لغة ولا عقل في النشوء والعادة والمتعارف إلا من له سمع وبصر.) إلى أن قال: (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه فنقول: يسمع جل ثناؤه الأصوات، لا بخرق في أذن، ولا جارحة كجوارح بني آدم. وكذلك يبصر الأشخاص ببصر لا يشبه أبصار بني آدم التي هي جوارح لهم.\nوله يدان ويمين وأصابع، وليست جارحة، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق، لا مقبوضتان عن الخير. ووجه لا كجوارح بني آدم التي من لحم ودم.\n_________\n(١) التبصير (ص١٣٤ - ١٣٥).","vol":"1","page":338},{"text":"ونقول: يضحك إلى من شاء من خلقه. لا تقول: إن ذلك كشر عن أنياب.\nويهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا) (١) اهـ.\n- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (٣٩٥ هـ)\nقال: (فمن الصفات التي وصف بها نفسه ومنح خلقه (الكلام) فالله ﷿ تكلم كلامًا أزليًا غير معلم ولا منقطع، فيه يخلق الأشياء، وبكلامه دل على صفاته التي لا يُستدرك كيفيتها مخلوق ولا يبلغ وصفها واصف. والعبد يتكلم بكلام محدث معلم مختلف فان بفنائه. ووصف وجهه فقال: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، الآية. فأخبر عن فناء الوجوه وبقاء وجهه، ووصف نفسه بالسميع والبصير فقال: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١،، فأخبر أنه سميع من كل الجهات، لكل الأصوات، بصير بكل الأشياء من كل الجهات، لم يزل يسمع ويبصر، ولا يزال كذلك، ووصف عباده بالسمع والبصر المحدث المخلوق الفاني بفنائه التي تكل وتعجز عن جميع حقيقة المسموع والمبصر.\n_________\n(١) المرجع السابق (ص١٤١ - ١٤٥).","vol":"1","page":339},{"text":"ووصف نفسه بالعلم والقدرة والرحمة، ومنحها عباده للمعرفة عند الوجود فيهم، والنكرة عند وجود المضاد فيهم، فجعل ضد العلم في خلقه الجهل، وضد القدرة العجز، وضد الرحمة القسوة، فهي موجودة في الخلق غير جائزة على الخالق، فوافقت الأسماء وباينت المعاني من كل الجهات، ووصف الله ﷿ نفسه بالعلم، وأنه يعلم كل شيء من كل الجهات، لم يزل ولا يزال موصوفًا بالعلم غير معلم، باق غير فان، والعبد مضطر إلى أن يتعلم مالم يعلم، ثم ينسى ثم يموت ويذهب علمه، والله موصوف بالعلم بجميع الأشياء من كل الجهات دائمًا باقيًا.\nففيما ذكرناه دليل على جميع الأسماء والصفات التي لم نذكرها، وإنما يَنفي التمثيل والتشبيه النية والعلم بمباينة الصفات والمعاني، والفرق بين الخالق والمخلوق، وفي جميع الأشياء فيما يؤدي إلى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل والزيغ، ووجوب الإيمان بالله ﷿ بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه وأخبر عنه رسوله - ﷺ -، وأن أسامي الخلق وصفاتهم وافقتها في الاسم وباينتها في جميع المعاني، بحدوث خلقه وفنائهم، وأزلية الخالق وبقائه، وبما أظهر من صفاته، ومنع استدراك كيفيتها، فقال الله ﷿: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١) (١) اهـ.\n_________\n(١) التوحيد (٣/ ٧ - ٩).","vol":"1","page":340},{"text":"وقال أيضًا: (ذكر بيان النهي عن تقدير كيفية صفات الله ﷿، والدليل على إثبات صفاته وأن الله وصف نفسه بالسمع، والبصر، واليمين، بترك التشبيه والتمثيل) (١) اهـ.\n\n- الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (٣٩٩ هـ)\nقال: (وقد قال وهو أصدق القائلين: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، وقال: ﴿قل أي شىء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم﴾ الأنعام١٩، وقال: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران٢٨، وقال: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾ الحجر٢٩، وقال: ﴿فإنك بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، وقال: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، وقال: ﴿والأرض جميعا قبضته يوم القيامة﴾ الآية الزمر٦٧، وقال: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ طه٤٦، وقال: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤،، وقال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ النور٣٥الآية، وقال: ﴿الله لا اله إلا هو الحي القيوم﴾ الآية البقرة٢٥٥، وقال: ﴿هو الأول والآخر والظاهر والباطن﴾ الحديد٣،\n_________\n(١) التوحيد (٣/ ٢١).","vol":"1","page":341},{"text":"ومثل هذا في القرآن كثير، فهو ﵎ نور السماوات والأرض كما أخبر عن نفسه، وله وجه ونفس وغير ذلك مما وصف به نفسه، ويسمع، ويرى، ويتكلم، هو الأول لا شيء قبله، والآخر الباقي إلى غير نهاية ولا شيء بعده، والظاهر العالي فوق كل شيء، والباطن بطن علمه بخلقه، فقال ﴿وهو بكل شيء عليم﴾ الحديد٣، قيوم حي لا تأخذه سنة ولا نوم) (١) اهـ.\n\n- الإمام العارف أبو منصور معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني (٤١٨ هـ)\nقال: (أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل التصوف والمعرفة ...) فذكر أشياء إلى أن قال: (وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، فلا حلول ولا ممازجة ولا ملاصقة، وأنه سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويعجب، ويضحك، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا بلا كيف ولا تأويل، كيف شاء، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال وسائر الصفوة من العارفين على هذا) (٢) اهـ.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٦٤.\n(٢) سبق تخريجه في حاشية ٢٥٨.","vol":"1","page":342},{"text":"- شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٤٤٩ هـ)\nقال: (وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع، والبصر، والعين، والوجه، والعلم، والقوة، والقدرة، والعزة، والعظمة، والإرادة، والمشيئة، والقول، والكلام، والرضا، والسخط، والحياة، واليقظة، والفرح، والضحك، وغيرها، من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله - ﷺ - من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله) (١) اهـ.\n\n- الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ)\nقال الإمام الحافظ أبو القاسم اسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني: (مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن\n_________\n(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص٣٩ - ٤٠).","vol":"1","page":343},{"text":"سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل، قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره) ثم قال: (أي هو هو على ظاهره لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل) (١) اهـ.\nوقال: (أن الله ﷿ سميع بصير، عليم خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء، فيقول: هل من داعٍ فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر، ويرون الرب ﷿ يوم القيامة عيانًا لا يشكون في رؤيته، ولا يختلفون ولا يمارون كذلك) (٢) اهـ.\n\n- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ)\nقال: (.. فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم،\n_________\n(١) سبق تخريجه في حاشية ٨٧.\n(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٣٣).","vol":"1","page":344},{"text":"والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر) (١) اهـ.\n\nفرع: في تقرير ذلك من كلام أبي الحسن الأشعري\nقد سبق نقل كثير من كلام أبي الحسن الأشعري في الصفات، وأنه كان يثبتها لله تعالى على ظاهرها، من غير تأويل، ولا تفريق بين صفة وأخرى. وأنا أذكر بعضها:\nفقال في \"مقالات الإسلاميين\": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال ﷿: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول استوى بلا كيف.\nوأنه نور كما قال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ النور٣٥.\nوأن له وجهًا كما قال الله: ﴿ويبقى وجه ربك﴾ الرحمن٢٧.\n_________\n(١) العلو (ص٢١٤).","vol":"1","page":345},{"text":"وأن له يدين كما قال: ﴿خلقت بيدي﴾ ص٧٥.\nوأن له عينين كما قال: ﴿تجري بأعيينا﴾ القمر١٤.\nوأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ الفجر٢٢.\nوأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث.\nولم يقولوا شيئًا إلا ما وجدوه في الكتاب، أو جاءت به الرواية عن رسول الله - ﷺ -) (١) اهـ.\nوقال في \"الإبانة\": (الباب السادس الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين:\nقال الله ﵎: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، وقال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، فأخبر أن له سبحانه وجهًا لا يفنى، ولا يلحقه الهلاك.\nوقال تعالى: ﴿تجرى بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال تعالى: ﴿واصنع الفلك بأعيننا ووحينا﴾ هود٣٧، فأخبر تعالى أن له وجهًا وعينًا، ولا تكيَّف ولا تحد.\n_________\n(١) مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٨).","vol":"1","page":346},{"text":"وقال تعالى: ﴿واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا﴾ الطور٤٨، وقال تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، وقال تعالى: ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾ النساء٨٥،، وقال لموسى وهارون عليهما أفضل الصلاة والسلام: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ طه٣٩. فأخبر تعالى عن سمعه وبصره ورؤيته ...) (١) اهـ.\n_________\n(١) الإبانة للأشعري (ص١٠٤).","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الثاني\nبيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه</span>\nخلاصة الفصل:\nالأمر الأول: أن السلف ﵏ يثبتون جميع الصفات الواردة لله تعالى على ظاهرها، من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف، ولا يفرقون بين صفة وأخرى، فالسمع واليد عندهم سواء في الإثبات، والبصر والنزول عندهم سواء. وهكذا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>[بطلان تفريق الأشاعرة في الإثبات بين الصفات العقلية السبعة وبين غيرها]</span>\nالأمر الثاني: بطلان ما ادعاه الأشعريان والأشاعرة من التفريق بين الصفات في الإثبات، حيث فرقوا بين صفات المعاني السبع وهي: السمع، والبصر، والعلم، والكلام، والإرادة، والقدرة، والحياة، فأثبتوها على ظاهرها وحقيقتها، وبين باقي الصفات كاليد، والوجه، والنزول، والمحبة، والرضا، ونحوها من الصفات، فسلطوا عليها سهام التأويل، ومنعوا من حملها على ظاهرها وحقيقتها.","vol":"1","page":348},{"text":"قال الأشعريان في علة التفريق (ص١٩٣ - ١٩٤): (فالأولى منها - أي ما سوى الصفات السبع - أول ما يتبادر إلى الذهن عند سماعها العضو والجسم الذي وضعت للدلالة عليه، فإذا أضيف ذلك اللفظ إلى الله تعالى قطع العارف بالله أن ذلك المعنى المتبادر والظاهر من اللفظ محال هنا ومنفي عن الله تعالى وإنما سيق الكلام على سبيل الاستعارة والمجاز، وذلك كلفظ (اليد، والأصبع، والقدم، والساق، والوجه، والضحك، والاستواء، والنزول) ونحوها من الألفاظ التي ترجع حقائقها المتبادرة منها إلى الحس.\nأما الثانية منها وهي التي ترجع إلى المعنى مثل القدرة والإرادة السمع والبصر ونحوها فلا يلزم من حملها على ظاهرها وحقيقتها مشابهة، لأنها معان مجردة وحقائقها واسعة، فإذا أضيفت للخالق كان لها حقيقة لائقة به تعالى، وإذا أضيفت للمخلوق كانت لها حقيقة لائقة به، ولهذا لم يضطر العلماء إلى صرفها عن ظاهرها) اهـ.\nوهذا كلام متناقض وباطل لأمور:\nأولها: أنه يلزمهم فيما أثبتوه من الصفات مثل ما يلزمهم فيما نفوه منها، فالسمع مثلًا: لا يُعرف في المخلوق إلى بجارحة الأذن، فيلزم بناءًا على أصلهم وقاعدتهم أن إثبات السمع لله تعالى يلزم منه الجارحة، وكذلك إثبات البصر يلزم منه العين والحدقة والأجفان","vol":"1","page":349},{"text":"ونحو ذلك من الجوارح، وإثبات الكلام يلزم منه الفم واللسان واللهاة، وهي جوارح، وهكذا في كل الصفات السبع.\nوقد نقل الأشعريان عن ابن خلدون ما يؤكد هذا.\nفقالا (ص١٩٨): (وقال العلامة ابن خلدون: ... وكان من مذهبهم إثبات الكلام والسمع والبصر، لأنها وإن أوهم ظاهرها النقص بالصوت والحرف الجسمانيين، فقد وجد للكلام عند العرب مدلول آخر غير الحروف والأصوات .... وأما السمع والبصر وإن كان يوهم إدراك الجارحة ...) اهـ.\nفها هو ابن خلدون يقرر أن إثبات الصفات السبع يستلزم الجارحة، مما يبين بطلان ما ادعوه من الفرق!.","vol":"1","page":350},{"text":"بل نقول أنه لا يوجد في الشاهد ما هو متصف بالسمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، إلا ما هو جسم - على حسب تعريفهما للجسم -، فهلا استلزم إثبات هذه الصفات الجسمية لله تعالى.\nفإن قالوا: لا يلزم فيما أثبتناه لله تعالى من الصفات ما يلزم من صفات المخلوق، بل نثبتها على حقيقتها اللائقة بالله مع نفي المماثلة.\nقلنا: قولوا إذًا فيما نفيتموه مثل ما قلتم فيما أثبتموه، فأثبتوا وجهًا لله تعالى صفة له لا يشبه وجوه المخلوقين، وأثبتوا ضحكًا له تعالى لائقًا به لا يشبه ضحك المخلوق. وإلا كنتم متناقضين!!","vol":"1","page":351},{"text":"قال الملا على القاري الحنفي في إبطال التفريق بين الصفات في الإثبات: (ويقال لمن تأول الغضب ويقال لمن تأول الغضب بإرادة الانتقام، والرضى بإرادة الإنعام والإكرام، لم تأولت ذلك الكلام؟\nفلا بد أن يقول: لأن الغضب غليان دم القلب، والرضى الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى.\nفيقال له: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا هي ميل الحي إلى الحي، أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فإن الحي منا مائل إلى ما يجلب له منفعة، أو يدفع عنه مضرة، وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر إليه يزداد بوجوده وينقص بعدمه، فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفت عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذلك.\nفإن قال: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد، وإن كان كل منهما حقيقة.\nقيل له: إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة، فإن كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يُقال في هذه الصفات لم يتعين التأويل، بل يجب تركه، لأنك تسلم من التناقض، وتسلم أيضًا من تعطيل معنى","vol":"1","page":352},{"text":"أسماء الله تعالى وصفاته بلا موجب، فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام.\nوهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله لامتناع مسمى ذلك في المخلوق، فإنه لا بد أن يُثبت شيئًا على خلاف ما يعهده حتى في صفى الوجود، فإن وجود العبد كما يليق به، ووجود الباري كما يليق به، فوجوده تعالى يستحيل عليه العدم، ووجود المخلوق لا يستحيل عليه العدم، فما سمّى به الرب نفسه، وسمّى به مخلوقاته مثل: الحي، والقيوم، والعليم، والقدير، أو سمّى به بعض صفات عباده فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أيضًا معاني هذه الأسماء في حق المخلوق، ونعقل بين المعنيين قدرًا مشتركًا، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركًا إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معينًا مختصًا، فيثبت في كلم منهما ما يليق به) (١) اهـ.\nالأمر الثاني: أن كثيرًا مما تأوله الأشاعرة والأشعريان من الصفات وصرفوه عن ظاهره راجع إلى المعنى: كالمحبة، والرضا، والمقت، والفرح، وقد زعموا أنهم إنما أثبتوا الصفات السبع لكونها راجعة إلى المعنى.\n_________\n(١) شرح الفقه الأكبر (ص٩٥ - ٩٦).","vol":"1","page":353},{"text":"فيقال لهم: فهلا أثبتم هذه الصفات وحملتموها على ظاهرها وحقيقتها اللائقة بالله تعالى من غير تشبيه.\nفإن امتنعوا تناقضوا، وبطل ما زعموه من الفرق بين ما أثبتوه من الصفات وما نفوه، وصار تفريقهم بين الصفات في الإثبات تحكمًا محضًا!!\nالأمر الثالث: أنهم يثبتون ذاتًا لله تعالى حقيقة لا تشبه ذوات المخلوقين، ولا يلزم من إثباتها عندهم ما يلزم من ذوات المخلوقين، ومعلوم أن الذات ليست من الأمور التي ترجع إلى المعاني، بل إلى ما يتعلق بالحس.\nفيلزمهم بناءًا على قاعدتهم في التفريق بين الصفات أن يكون وصف الله بالذات مستلزمًا للتشبيه والنقص.\nفإن قالوا: بل نثبت ذاتًا لا تشبه ذوات المخلوقين، ولو كانت مما يتعلق بالحس.\nقلنا: أثبتوا إذا يدًا، ووجهًا، ونزولًا، لا يشبه صفة المخلوق، وإلا كنتم متناقضين.\nالأمر الرابع: أن ما سبق ذكره من الأدلة، ومن كلام السلف الصريح كافٍ بحمد الله في إبطال هذا التفريق المزعوم، وعدم اعتباره.","vol":"1","page":354},{"text":"ثم قال الأشعريان مؤكدين لما ذكراه من التفريق (ص١٩٤): (ومما يعضد هذا القول -أي التفريق بين الصفات السبع وغيرها- أنه لم ينقل عن أحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم أنه قال في شيء من صفات المعاني: أمروها بلا كيف، أو لا تُفسر ولا تُكيف .. الخ وما هذا إلا لفطنتهم لهذا الفارق بين النوعين من الألفاظ) اهـ\nوهذا من جهلهما بكلام السلف، وعدم اطلاعهما عليه، فإن قاعدة السلف في جميع الصفات واحدة، لا يقال كيف؟ ولا لم؟.\nقال ابن عيينة: «كل شيء وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره، لا كيف ولا مثل» (١) اهـ.\nوقال عثمان الدارمي: (أخبرنا الله في كتابه أنه ذو سمع، وبصر، ويدين، ووجه، ونفس، وكلام، وأنه فوق عرشه فوق سماواته، فآمنا بجميع ما وصف به نفسه كما وصفه بلا كيف) (٢) اهـ.\nوقال أيضًا: (ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف) (٣) اهـ\nوقال الأزهري صاحب اللغة: (فهو سميع: ذو سمع بلا تكييف، ولا تشبيه بالسميع من خلقه، ولا سمعه كسمع خلقه، ونحن نصفه بما وصف به نفسه بلا تحديد ولا تكييف) (٤) اهـ.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ١٣٨.\n(٢) الرد على المريسي (١/ ٤٢٨).\n(٣) المرجع السابق (٢/ ٦٨٨).\n(٤) تهذيب اللغة (٢/ ١٤٢).","vol":"1","page":355},{"text":"وقال السجزي: (مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وأحمد، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وإسحاق بن راهويه: أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع، والبصر، والوجه، واليدين، وسائر أوصافه: إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور، من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل) (١) اهـ.\nوقال الذهبي: (وهذا الذي علمت من مذهب السلف، والمراد بظاهرها أي: لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وضعت له، كما قال مالك وغيره الاستواء معلوم، وكذلك القول في السمع، والبصر، والعلم، والكلام، والإرادة، والوجه ونحو ذلك، هذه الأشياء معلومة فلا نحتاج إلى بيان وتفسير، لكن الكيف في جميعها مجهول عندنا والله أعلم) (٢) اهـ.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٨٧.\n(٢) العلو (ص٢٥٣).","vol":"1","page":356},{"text":"وانظر أيضًا كلام ابن جرير، والخطابي، ومعمر الأصبهاني، وغيرهم.\nوهذا يدل على مجازفة الأشعريَّيْن في إطلاق الدعاوى العريضة دون أن يكونا على بينة من أمرهما، وهذا دأب أهل البدع عمومًا.","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>الفصل السادس\nفي بيان أن إثبات الصفات لله تعالى لا يستلزم التشبيه بخلقه\nوأنه لا يلزم في حق الخالق ما يلزم في حق المخلوق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>تمهيد</span>\nإن مما أوقع الأشعريّيْن في تحريفهم للصفات باسم التأويل، وإخراجها عن ظاهرها، وادعاء أن ظاهرها غير مراد، أنهما فهما من إثبات الصفات لله تعالى لوازم صفات المخلوق الضعيف الفقير العاجز الممكن، فقالوا: لو أثبتنا كذا وكذا للزم كذا وكذا، جهلًا منهما بالشرع والعقل واللغة.\nقال تعالى ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١.\nفأثبت لنفسه السمع والبصر وهما مما يتصف بهما المخلوق، ونفى عن نفسه مماثلة شيء من خلقه.\nوقال تعالى ﴿هل تعلم سميا﴾ مريم٦٥.\nوقال ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾ الإخلاص٤.","vol":"1","page":359},{"text":"وقال ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ النحل٧٤.\nوقال ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون﴾ البقرة٢٢، أنه لا ند له ولا نظير.\nومن المعلوم أن لله ذاتًا لا تشبه ذوات المخلوقين، وأنه لا يلزم من إثبات الذات له ما يلزم من ذات المخلوق، فالذي صرف التشبيه عن إثبات الذات لله، هو نفسه الذي يصرف التشبيه عن إثبات جميع صفاته. فلما عُلم قطعًا مباينة الخالق للمخلوق في الذات والوجود، علم مباينته لخلقه في الصفات، إذ الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، والله ﷿ ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كانت له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات.\nفلا يلزم من صفات الله تعالى ما يلزم من صفات المخلوق، إذ المخلوق تلزمه أمور من النقص لنقص أصله وفقره وذله وضعفه، ولا يلزم هذا في صفة جبار السماوات والأرض، ومبدع كل شيء وخالقه، الذي لا تحيط بكنه ذاته وصفاته العقول، ولا تدركه الأوهام والظنون.\nوأنا أنقل هنا بعض كلام الأئمة في أن إثبات الصفات لله تعالى لا يلزم منه ما يلزم من صفة المخلوق، وأن الذين يلزمون صفات الله ما يلزم من صفة المخلوق إنما هم المعطلة بأصنافهم وأنواعهم.","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الأول\nآثار السلف الدالة على أنه لا يلزم من صفات الله ما يلزم من صفات المخلوق</span>\n- عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون (١٦٤ هـ)\nقال: (فأما الذى جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقًا وتكلفًا، فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال: لابد أن كان له كذا من أن يكون له كذا، فعَمِى عن البين بالخفى، فجحد ما سمى الرب من نفسه لصمت الرب عما لم يسم منها) (١) اهـ.\n\n- الإمام أبو يوسف القاضي يعقوب بن إبراهيم الكوفي (١٨٢ هـ)\nقال: (فلذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف إلا بأسمائه ولا يوصف إلا بصفاته) إلى أن قال: (فقد أمرنا أن\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ١٢٤.","vol":"1","page":361},{"text":"نوحده وليس التوحيد بالقياس، لأن القياس يكون في شيء له شبه ومثل، فالله تعالى وتقدس لا شبه له ولا مثل له تبارك الله أحسن الخالقين. ثم قال: وكيف يدرك التوحيد بالقياس وهو خالق الخلق بخلاف الخلق ليس كمثله شيء ﵎) (١) اهـ.\n- عبد الرحمن بن القاسم العتقى أبو عبد الله المصرى المالكي (١٩١ هـ)\nقال ابن عبد البر: (وقد بلغني عن ابن القاسم أنه لم ير بأسًا برواية الحديث \"أن الله ضحك\"، وذلك لأن الضحك من الله والتنزّل والملالة والتعجب منه ليس على جهة ما يكون من عباده) (٢) اهـ.\n_________\n(١) رواه ابن منده في التوحيد (٣/ ٣٠٥) وأبو القاسم التيمي في الحجة (١/ ١١).\n(٢) التمهيد (٧/ ١٥٢).","vol":"1","page":362},{"text":"- الحافظ نعيم بن حماد بن معاوية الخزاعي (٢٢٨ هـ)\nقال: (من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، فليس ما وصف الله به نفسه ورسوله تشبيه) (١) اهـ.\n- عبد العزيز بن يحيى بن عبد العزيز الكناني (٢٣٠ هـ)\nقال في مناظرته للجهمي: (فقال الجهمي: أخبرني كيف استوى على العرش؟ أهو كما تقول العرب استوى فلان على السرير فيكون السرير حوى فلانًا وحده إذا كان عليه، فيلزمك أن تقول إن العرش قد حوى الله وحده إذا كان عليه، لأنا لا نعقل الشيء على الشيء إلا هكذا.\nباب من البيان لذلك يقال له: أما قولك كيف استوى؟ فإن الله لا يجري عليه كيف، وقد أخبرنا أنه استوى على العرش ولم يخبرنا كيف استوى، فوجب على المؤمنين أن يصدقوا ربهم باستوائه على العرش، وحرم عليهم أن يصفوا كيف استوى، لأنه لم يخبرهم كيف كذلك، ولم تره العيون في الدنيا فتصفه بما رأت، وحرم عليهم أن يقولوا عليه من حيث لا يعلمون، فآمنوا بخبره عن الاستواء، ثم ردوا علم كيف استوى إلى الله) (٢) اهـ.\n_________\n(١) رواه اللالكائي (٣/ ٥٣٢) وأبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٤/ ٢٦٣).\n(٢) سبق تخريجه حاشية ١٤٦.","vol":"1","page":363},{"text":"- الإمام الحافظ ابن راهويه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (٢٣٨ هـ)\nقال: (لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين، لقول الله تعالى: ﴿لا يُسأل عما يفعل وهم يُسئلون﴾ الأنبياء٢٣، ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الله بصفاته وفعاله بفهم كما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين، وذلك أنه يمكن أن يكون الله ﷿ موصوفًا بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما يشاء، ولا يُسأل كيف نزوله، لأن الخالق يصنع ما شاء كما يشاء) (١) اهـ.\n- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)\nقال في كتابه \"الرد على الجهمية\": (فقلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى. قالوا: لم يتكلم ولا يكلم، لأن الكلام لا يكون إلا بجارحة، والجوارح عن الله منفية. فإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد\n_________\n(١) رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٤/ ٣٢٥).","vol":"1","page":364},{"text":"الناس تعظيمًا لله، ولا يعلم أنهم إنما يعود قولهم إلى ضلالة وكفر، ولا يشعر أنهم لا يقولون قولهم إلا فرية في الله) (١) اهـ.\nوقال في \"باب ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى\": (فقلنا: لم أنكرتم ذلك؟ قالوا: إن الله لم يتكلم ولا يتكلم، إنما كوّن شيئًا فعبر عن الله، وخلق صوتًا فأسمع، وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف ولسان وشفتين. فقلنا: هل يجوز لمكوِّن أو غير الله أن يقول: ﴿يا موسى إني أنا ربك﴾ طه١٢؟ ...) إلى أن قال: (وأما قولهم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم وشفتين ولسان، أليس الله قال للسماوات والأرض ﴿ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين﴾ فصلت١١، أتراها أنها قالت بجوف وفم وشفتين ولسان وأدوات؟ وقال: ﴿وسخرنا مع داود الجبال يسبحن﴾ الأنبياء٧٩، أتراها سبحت بجوف وفم ولسان وشفتين؟ والجوارح إذ شهدت على الكافر ﴿فقالوا لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء﴾ فصلت٢١، أتراها أنها نطقت بجوف وفم ولسان؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء، وكذلك الله تكلم كيف شاء من غير أن يقول بجوف ولا فم ولا شفتين ولا لسان) (٢) اهـ.\n_________\n(١) الرد على الجهمية والزنادقة (ص١٠٦)\n(٢) المرجع السابق (ص١٣٠ - ١٣١).","vol":"1","page":365},{"text":"وقال الإمام أحمد في رسالة السنة التي رواها عبدوس بن مالك العطار: (وليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هي الاتباع وترك الهوى) (١) اهـ.\nوهذا منه ﵀ إبطال قياس الخالق على المخلوق فيما وصف الله به نفسه، وأن الواجب هو التسليم من غير قياس لصفاته بصفات خلقه.\n\n- أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم القرشى المخزومى (٢٦٤ هـ)\nقال: (المعطلة النافية الذين ينكرون صفات الله ﷿ التي وصف بها نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه - ﷺ -، ويكذبون بالأخبار الصحاح التي جاءت عن رسول الله - ﷺ - في الصفات، ويتأولونها بآرائهم المنكوسة على موافقة ما اعتقدوا من الضلالة، وينسبون رواتها إلى التشبيه، فمن نسب الواصفين ربهم ﵎ بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه - ﷺ - من غير تمثيل ولا تشبيه إلى التشبيه فهو معطل نافٍ، ويستدل عليهم بنسبتهم إياهم إلى التشبيه أنهم معطلة نافية، كذلك كان أهل العلم يقولون منهم: عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح) (٢) اهـ.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ١١٧.\n(٢) ذكره أبو القاسم التيمي في الحجة (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":366},{"text":"وقد سبق أن ذكرنا أن من علامة الجهمية المعطلة، تسميتهم المثبتة مشبهة، ونقلنا قول الإمام أحمد، وإسحاق، وإبي حاتم، وغيرهم (١).\n\n- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)\nقال: (أما قولك: إن كيفية هذه الصفات وتشبيهها بما هو موجود في الخلق خطأ، فإنا لا نقول: إنه خطأ كما قلت بل هو عندنا كفر. ونحن لكيفيتها وتشبيهها بما هو موجود في الخلق أشد أنفًا منكم، غير أنا كما لا نشبهها، ولا نكيفها، لا نكفر بها، ولا نكذب، ولا نبطلها بتأويل الضلال، .....)\n_________\n(١) انظر ص؟؟","vol":"1","page":367},{"text":"إلى أن قال: (فإنا لا نجيز اجتهاد الرأي في كثير من الفرائض والأحكام التي نراها بأعيننا وتسمع في آذاننا، فكيف في صفات الله تعالى التي لم تر العيون، وقصرت عنها الظنون) (١) اهـ.\nوقال: (أما هؤلاء الذين سميتهم مشبهة: أن وصفوه بما وصف به نفسه بلا تشبيه؟ فلولا أنها كلمة هي محنة الجهمية التي بها ينبزون المؤمنين بها ما سمينا مشبهًا غيرك لسماجة ما شبهت ومثلت. ويلك! إنما نصفه بالأسماء، لا بالتكييف ولا بالتشبيه، كما يقال: إنه ملك كريم عليم حكيم حليم رحيم لطيف مؤمن عزيز جبار متكبر.\nوقد يجوز أن يدعى البشر ببعض هذه الأسماء، وإن كانت مخالفة لصفاتهم. فالأسماء فيها متفقة، والتشبيه والكيفية مفترقة، كما يقال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، يعني في الشبه والطعم والذوق، والمنظر، واللون. فإذا كان كذلك فالله أبعد من الشبه وأبعد. فإن كنا مشبهة عندك أن وحدنا الله إلهًا واحدًا بصفات أخذناها عنه وعن كتابه، فوصفناه بما وصف به نفسه في كتابه، فالله في دعواكم أول المشبهين بنفسه ثم رسوله الذي أنبأنا ذلك عنه. فلا تظلموا أنفسكم ولا تكابروا العلم، إذ جهلتموه فإن التسمية من التشبيه بعيدة.) (٢) اهـ.\n_________\n(١) الرد على المريسي (١/ ٢١٩ - ٢٢٠).\n(٢) المرجع السابق (١/ ٣٠٢ - ٣٠٣).","vol":"1","page":368},{"text":"وقال: (وأما تشنيعك على هؤلاء المقرين بصفات الله ﷿ المؤمنين بما قال الله: أنهم يتوهمون فيها جوارح وأعضاء، فقد ادعيت عليهم في ذلك زورًا باطلًا، وأنت من أعلم الناس بما يريدون بها، إنما يثبتون منها ما أنت له معطل وبه مكذب، ولا يتوهمون فيها إلا ما عنى الله تعالى ورسوله - ﷺ -، ولا يدّعون جوارح ولا أعضاء كما تقولت عليهم، غير أنك لا تألو في التشنيع عليهم بالكذب، ليكون أروج لضلالتك عند الجهال) (١) اهـ.\nوقال: (وأما ما ادعيت من انتقال مكان إلى مكان أن ذلك صفة المخلوقين، فإنا لا نكيف مجيئه وإتيانه أكثر مما وصف الناطق من كتابه، ثم ما وصف رسوله - ﷺ -.) (٢) اهـ.\nوقال: (وادعى المعارض أيضًا أن المقري حدث عن حرملة بن عمران عن أبي موسى يونس عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: \"أنه قرأ ﴿سميعا بصيرا﴾ النساء٨٥، فوضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه\".\nوقد عرفنا هذا من رواية المقري وغيره، كما روى المعارض غير أنه ادعى أن بعض كتبة الحديث ثبتوا به بصرًا بعين كعين، وسمعًا كسمع جارحًا مركبًا.\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ٣٧٤ - ٣٧٥).\n(٢) المرجع السابق (٢/ ٦٨٠).","vol":"1","page":369},{"text":"فيقال لهذا المعارض: أما دعواك عليهم أنهم ثبتوا له سمعًا وبصرًا فقد صدقت.\nوأما دعواك عليهم أنه كعين وكسمع، فإنه كذب ادعيت عليهم، لأنه ليس كمثله شيء، ولا كصفاته صفة.\nوأما دعواك أنهم يقولون: جارح مركب فهذا كفر لا يقوله أحد من المسلمين، ولكنا نثبت له السمع والبصر والعين بلا تكييف، كما أثبته لنفسه فيما أنزل من كتابه، وأثبته له الرسول - ﷺ -، وهذا الذي تكرره مرة بعد مرة جارح وعضو وما أشبهه، حشو وخرافات، وتشنيع لا يقوله أحد من العالمين، وقد روينا روايات السمع والبصر والعين في صدر هذا الكتاب بأسانيدها وألفاظها عن رسول الله - ﷺ -، فنقول كما قال، ونعني بها كما عنى والتكييف عنا مرفوع، وذكر الجوارح والأعضاء تكلف منك وتشنيع.) (١) اهـ.\nوقال: (ثم لم تأنف من هذا التأويل حتى ادعيت على قوم من أهل السنة أنهم يفسرون ضحك الله على ما يعقلون من أنفسهم، وهذا كذب تدعيه عليهم لأنا لم نسمع أحدا منهم يشبه شيئًا من أفعال الله تعالى بشيء من أفعال المخلوقين، ولكنا نقول هو نفس الضحك، يضحك كما يشاء كما يليق به، وتفسيرك هذا منبوذ في حشك) (٢) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (٢/ ٦٨٨ - ٦٨٩).\n(٢) المرجع السابق (٢/ ٧٨٠).","vol":"1","page":370},{"text":"- الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)\nقال: (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه فنقول: يسمع جل ثناؤه الأصوات، لا بخرق في أذن، ولا جارحة كجوارح بني آدم. وكذلك يبصر الأشخاص ببصر لا يشبه أبصار بني آدم التي هي جوارح لهم.\nوله يدان ويمين وأصابع، وليست جارحة، ولكن يدان مبسوطتان بالنعم على الخلق، لا مقبوضتان عن الخير. ووجه لا كجوارح بني آدم التي من لحم ودم.\nونقول: يضحك إلى من شاء من خلقه. لا تقول: إن ذلك كشر عن أنياب.\nويهبط كل ليلة إلى سماء الدنيا.) (١) اهـ.\n\n- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ)\nقال في كلام طويل نفيس: (فاسمعوا الآن أيها العقلاء، ما نذكر من جنس اللغة السائرة بين العرب، هل يقع اسم المشبهة على أهل الآثار ومتبعي السنن؟ نحن نقول وعلماؤنا جميعا في جميع الأقطار: إن لمعبودنا\n_________\n(١) التبصير (ص١٤١ - ١٤٥).","vol":"1","page":371},{"text":"﷿ وجهًا كما أعلمنا الله في محكم تنزيله، فذواه بالجلال والإكرام، وحكم له بالبقاء، ونفى عنه الهلاك، ونقول: إن لوجه ربنا ﷿ من النور والضياء والبهاء ما لو كشف حجابه لأحرقت سبحات وجهه كل شيء أدركه بصره، محجوب عن أبصار أهل الدنيا، لا يراه بشر ما دام في الدنيا الفانية ونقول: إن وجه ربنا القديم لا يزال باقيًا، فنفى عنه الهلاك والفناء، ونقول: إن لبني آدم وجوهًا كتب الله عليها الهلاك، ونفى عنها الجلال والإكرام، غير موصوفة بالنور والضياء والبهاء التي وصف الله بها وجهه، تدرك وجوه بني آدم أبصار أهل الدنيا، لا تحرق لأحد شعرة فما فوقها، لنفي السبحات عنها، التي بينها نبينا المصطفى - ﷺ - لوجه خالقنا ونقول: إن وجوه بني آدم محدثة مخلوقة، لم تكن فكونها الله بعد أن لم تكن مخلوقة، أوجدها بعد ما كانت عدمًا، وإن جميع وجوه بني آدم فانية غير باقية، تصير جميعًا ميتًا، ثم تصير رميمًا، ثم ينشئها الله بعد ما قد صارت رميمًا، فتلقى من النشور والحشر والوقوف بين يدي خالقها في القيامة، ومن المحاسبة بما قدمت يداه وكسبه في الدنيا ما لا يعلم صفته غير الخالق البارئ، ثم تصير إما إلى جنة منعمة فيها، أو إلى النار معذبة فيها،","vol":"1","page":372},{"text":"فهل يخطر يا ذوي الحجا ببال عاقل مركب فيه العقل، يفهم لغة العرب، ويعرف خطابها، ويعلم التشبيه، أن هذا الوجه شبيه بذاك الوجه؟ وهل ها هنا أيها العقلاء تشبيه وجه ربنا جل ثناؤه الذي هو كما وصفنا وبينا صفته من الكتاب والسنة بتشبيه وجوه بني آدم، التي ذكرناها ووصفناها؟ غير اتفاق اسم الوجه، وإيقاع اسم الوجه على وجه بني آدم، كما سمى الله وجهه وجهًا، .... نحن نثبت لخالقنا جل وعلا صفاته التي وصف الله ﷿ بها نفسه في محكم تنزيله، أو على لسان نبيه المصطفى - ﷺ - مما ثبت بنقل العدل عن العدل موصولًا إليه، ونقول كلامًا مفهومًا موزونًا يفهمه كل عاقل.\nنقول: ليس إيقاع اسم الوجه للخالق البارئ بموجب عند ذوي الحجا والنهى أنه يشبه وجه الخالق بوجوه بني آدم، قد أعلمنا الله جل وعلا في الآي التي تلوناها قبل أن الله وجهًا ذواه بالجلال والإكرام، ونفى الهلاك عنه ....) ثم ذكر صفات كثيرة مما تسمى الله بها وسمى خلقه بها ثم قال: (ولو لزم -يا ذوي الحجا- أهل السنة والآثار إذا أثبتوا لمعبودهم يدين كما ثبتهما الله لنفسه وثبتوا له نفسا عز ربنا وجل، وإنه سميع بصير، يسمع ويرى، ما ادعى هؤلاء الجهلة عليهم أنهم مشبهة، للزم كل من سمى الله ملكًا أو عظيمًا ورءوفًا ورحيمًا وجبارًا","vol":"1","page":373},{"text":"ومتكبرًا، أنه قد شبه خالقه ﷿ بخلقه، حاشا لله أن يكون من وصف الله عز وعلا بما وصف الله به نفسه في كتابه، أو على لسان نبيه المصطفى - ﷺ - مشبهًا خالقه بخلقه. ...) (١) اهـ.\nوقال مثله في صفة اليد، والأصابع، ونحوها.\n\n- عمرو بن عثمان أبو عبد الله المكي الزاهد (توفي بعد ٣٠٠ هـ)\nقال في كتابه \"التعرف بأحوال العباد والمتعبدين\" في باب ما يجيء الشيطان للتائبين: (فإن اعتصمت بها وامتنعت منه، أتاك من قبل التعطيل لصفات الرب تعالى وتقدس في كتابه وسنة رسوله محمد - ﷺ - فقال لك: إذا كان موصوفًا بكذا، أو وصفته، أوجب له التشبيه. فأكذبه لأنه اللعين إنما يريد أن يستزلك ويغويك ويدخلك في صفات الملحدين الزائغين الجاحدين لصفة الرب تعالى) (٢) اهـ.\n\n- أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (٣٨٤ هـ)\nقال في الرد على مؤولة صفة النزول لله تعالى: (فيقول -أي المعطل-: إن قلنا ينزل، فقد قلنا إنه يزول، والله لا يزول، ولو كان ينزل لزال لأن كل نازل زائل.\n_________\n(١) التوحيد (ص٢٢ - ٢٥).\n(٢) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٦٣).","vol":"1","page":374},{"text":"فقلنا: أو لستم تزعمون أنكم تنفون التشبيه عن رب العالمين؟ فقد صرتم بهذه المقالة إلى أقبح التشبيه، وأشد الخلاف، لأنكم إن جحدتم الآثار وكذبتم بالحديث رددتم على رسول الله - ﷺ - قوله، وكذبتم خبره.\nوإن قلتم لا ينزل إلا بزوال، فقد شبهتموه بخلقه، وزعمتم أنه لا يقدر أن ينزل إلا بزواله على وصف المخلوق الذي إذا كان بمكان خلا منه مكان.\nلكن نصدق نبينا كما قال: (ينزل ربنا ﷿) ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله) (١) اهـ. [الإبانة ٣/ ٢٣٩]\nوقال أيضًا: (وقالوا: لا نقبل ولا يجوز أن نصف الله إلا بما قبله المعقول.\nوقالوا: لا نقول إن لله يدين، لأن اليدين لا تكون إلا بالأصابع وكف وساعدين وراحة ومفاصل، ففروا بزعمهم من التشبيه، ففيه وقعوا، وإليه صاروا.\nوكل ما زعموا من ذلك، فإنما هو من صفات المخلوقين، وتعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، لأن يد الله بلا كيف، وقد أكذبهم الله ﷿ وأكذبهم الرسول.) اهـ.\n_________\n(١) الإبانة (٣/ ٣١٤).","vol":"1","page":375},{"text":"- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (٣٩٥ هـ)\nقال: (فقال ﷿ ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ الأنعام١٢، وقال النبي - ﷺ -: (قال الله تعالى وتقدس: إني حرمت الظلم على نفسي) وقال النبي - ﷺ - بيانًا لقوله: (إن الله كتب كتابًا على نفسه فهو عنده: إن رحمتي سبقت غضبي) فبين مراد الله فيما أخبر عن نفسه، وبين أن نفسه قديم غير فان بفناء الخلق، وأن ذاته لا توصف إلا بما وصف، ووصفه النبي - ﷺ -، لأن المجاوز وصفهما يوجب المماثلة، والتمثيل والتشبيه لا يكون إلا بالتحقيق، ولا يكون باتفاق الأسماء، وإنما وافق الاسم النفس اسم نفس الإنسان الذي سماه الله نفسًا منفوسة، وكذلك سائر الأسماء التي سمى بها خلقه، إنما هي مستعارة لخلقه منحها عباده للمعرفة. ... - ثم ذكر جملة من الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصف بها خلقه، فذكر الكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والقدرة، والرحمة، ثم قال: فوافقت الأسماء وباينت المعاني من كل الجهات، ....\nففيما ذكرناه دليل على جميع الأسماء والصفات التي لم نذكرها، وإنما يَنفي التمثيل والتشبيه النية والعلم بمباينة الصفات والمعاني، والفرق بين الخالق والمخلوق، وفي جميع الأشياء فيما يؤدي إلى التمثيل والتشبيه عند أهل الجهل والزيغ، ووجوب الإيمان بالله ﷿ بأسمائه وصفاته التي وصف بها نفسه وأخبر عنه","vol":"1","page":376},{"text":"رسوله - ﷺ -، وأن أسامي الخلق وصفاتهم وافقتها في الاسم وباينتها في جميع المعاني، بحدوث خلقه وفنائهم، وأزلية الخالق وبقائه، وبما أظهر من صفاته، ومنع استدراك كيفيتها، فقال الله ﷿: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١) (١) اهـ.\n\n- الإمام المقرئ المحدث أبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي (٤٢٩ هـ)\nقال الذهبي: (وقال أهل السنة في قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،: إن الاستواء من الله على عرشه على الحقيقة لا على المجاز.\n_________\n(١) التوحيد (٣/ ٧ - ٩).","vol":"1","page":377},{"text":"فقد قال قوم من المعتزلة والجهمية لا يجوز أن يسمى الله ﷿ بهذه الأسماء على الحقيقة، ويسمى بها المخلوق، فنفوا عن الله الحقائق من أسمائه وأثبتوها لخلقه، فإذا سئلوا ما حملهم على هذا الزيغ؟ قالوا: الاجتماع في التسمية يوجب التشبيه.\nقلنا: هذا خروج عن اللغة التي خوطبنا بها، لأن المعقول في اللغة أن الاشتباه في اللغة لا تحصل بالتسمية، وإنما تشبيه الأشياء بأنفسها أو بهيئات فيها كالبياض بالبياض، والسواد بالسواد، والطويل بالطويل، والقصير بالقصير، ولو كانت الأسماء توجب اشتباهًا لاشتبهت الأشياء كلها لشمول اسم الشيء لها، وعموم تسمية الأشياء به، فنسألهم أتقولون إن الله موجود؟ فإن قالوا: نعم. قيل لهم: يلزمكم على دعواكم أن يكون مشبهًا للموجودين، وإن قالوا: موجود ولا يوجب وجوده الاشتباه بينه وبين الموجودات، قلنا: فكذلك هو حي عالم قادر مريد سميع بصير متكلم، يعني ولا يلزم اشتباهه بمن اتصف بهذه الصفات) (١) اهـ.\n\n- الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (٤٤٤ هـ)\nقال في كتاب \"الإبانة\": (والأصل الذي يجب أن يُعلم:\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٦٧.","vol":"1","page":378},{"text":"أن اتفاق التسميات لا يوجب اتفاق المسمّين بها، فنحن إذا قلنا: إن الله موجود رؤوف واحد حي عليم سميع بصير متكلم، وقلنا: إن النبي - ﷺ - كان موجودًا حيًا عالمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا لم يكن ذلك تشبيهًا ولا خالفنا به أحدًا من السلف والأئمة، بل الله موجود لم يزل واحد حي قديم قيوم عالم سميع بصير متكلم فيما لم يزل، ولا يجوز أن يوصف بأضداد هذه الصفات، والموجود منا إنما وجد عن عدم، وحَيِيَ بمعنىً حلّه، ثم يصير ميتًا بزوال ذلك المعنى، وعَلِم بعد أن لم يعلم، وقد ينسى ما علم وسمع وأبصر وتكلم بجوارح قد تلحقها الآفات، فلم يكن فيما أطلق للخلق تشبيه بما أطلق للخالق ﷾، وإن اتفقت مسميات هذه الصفات) (١) اهـ.\n\n- القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (٤٥٨ هـ)\nقال ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة في الكلام حول اعتقاد والده: (وذكر ﵀ عليه كلامًا معناه: أن التشبيه إنما يلزم الحنبلية أن لو وجد منهم أحد أمرين:\nإما أن يكونوا هم الذين ابتدأوا الصفة لله ﷿ واخترعوها.\nأو يكونوا قد صرحوا باعتقاد التشبيه في الأحاديث التي هم ناقلوها.\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (٢/ ٩٠ - ٩٢).","vol":"1","page":379},{"text":"فأما أن يكون صاحب الشريعة - ﷺ - هو المبتدىء بهذه الأحاديث، وقوله - ﷺ - حجة يسقط بها ما يعارضها وهم تبع له، ثم يكون الحنبلية قد صرحوا بأنهم يعتقدون إثبات الصفات ونفي التشبيه، فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟.\nوعلى أنه قد ثبت أن الحنبلية إنما يعتمدون في أصول الدين على كتاب الله ﷿ وسنة نبيه - ﷺ -، ونحن نجد في كتاب الله وسنة رسوله ذكر الصفات ولا نجد فيهما ذكر التشبيه، فكيف يجوز أن يضاف إليهم ما يعتقدون نفيه؟) (١) اهـ.\n\n- الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (٤٦٣ هـ)\nقال بعد أن روى حديث الجارية التي سألها النبي - ﷺ -: \"أين الله؟ فقالت: في السماء. فقال: اعتقها فإنها مؤمنة\": (وأما احتجاجهم لو كان في مكان لأشبه المخلوقات، لأن ما أحاطت به الأمكنة واحتوته مخلوق، فشيء لا يلزم ولا معنى له، لأنه ﷿ ليس كمثله شيء من خلقه، ولا يقاس بشيء من بريته، لا يدرك بقياس، ولا يقاس بالناس، لا إله إلا هو، كان قبل كل شيء، ثم خلق الأمكنة والسموات والأرض وما بينهما، وهو الباقي بعد كل شيء، وخالق كل شيء لا شريك له،\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢١١).","vol":"1","page":380},{"text":"وقد قال المسلمون وكل ذي عقل أنه لا يعقل كائن لا في مكان منا، وما ليس في مكان فهو عدم، وقد صح في المعقول وثبت بالواضح من الدليل أنه كان في الأزل لا في مكان وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه، أو يجري بينه وبينهم تمثيل أو تشبيه تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، الذي لا يبلغ من وصفه إلا إلى ما وصف به نفسه، أو وصفه به نبيه ورسوله، أو اجتمعت عليه الأمة الحنيفية عنه) (١) اهـ.\n\n- الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ)\nقال: (فصل: في الرد على الجهمية الذين أنكروا صفات الله ﷿، وسموا أهل السنة مشبهة، وليس قول أهل السنة أن لله وجهًا ويدين وسائر ما أخبر الله تعالى به عن نفسه موجبًا تشبيهه بخلقه، وليس روايتهم حديث النبي - ﷺ -: \"خلق الله آدم على صورته\" بموجبة نسبة التشبيه إليهم، بل كل ما أخبر الله به عن نفسه، وأخبر به رسوله - ﷺ - فهو حق، قول الله حق، وقول رسوله حق، والله أعلم بما يقول ورسوله - ﷺ - أعلم بما قال، وإنما علينا الإيمان والتسليم وحسبنا الله ونعم الوكيل) (٢) اهـ.\n_________\n(١) التمهيد (٧/ ١٣٥).\n(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٨٥ - ٢٨٧).","vol":"1","page":381},{"text":"وقال ناقلًا عن بعض أهل السنة: (إنما يلزم العباد الاستسلام، ولا يعرف ملك مقرب، ولا نبي مرسل تلك الصفات، إلا بالأسماء التي عرّفهم الرب ﷿، ولا يدرك بالعقول والمقاييس منتهى صفات الله ﷿، فسبيل ذلك إثبات معرفة صفاته بالاتباع والاستسلام، فإن طعن أهل الأهواء على أهل السنة ونسبوهم إلى التشبيه إذا وافقوا بين الأسماء. يقال: ليس الأمر كما يتوهمون لأن الشيئين لا يشتبهان لاشتباه أسمائها في اللفظ، وإنما يشتبهان بأنفسهما أو بمعان مشتبهة فهمًا، ولو كان الأمر كما قالوا وتوهموا لاشتبهت الأشياء كلها لأنه يقع على كل واحد منهم اسم شيء) (١) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (٢/ ٤٥٢).","vol":"1","page":382},{"text":"- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ)\nقال: (قال عبد الله بن الإمام أحمد في السنة حدثني عباس العنبري حدثنا شاذ بن يحيى سمعت يزيد بن هارون وقيل له: من الجهمية؟ فقال: «من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يَقِر في قلوب العامة فهو جهمي».\nقال الذهبي: (\"يقر\" مخفف، والعامة مراده بهم جمهور الأمة وأهل العلم، والذي وقر في قلوبهم من الآية هو ما دل عليه الخطاب، مع يقينهم بأن المستوي ليس كمثله شيء. وهذا الذي وقر في فطرهم السليمة وأذهانهم الصحيحة، ولو كان له معنى وراء ذلك لتفوهوا به ولما أهملوه، ولو تأول أحد منهم الاستواء لتوفرت الهمم لنقله، ولو نقل لاشتهر، فإن كان في بعض جهلة الأغبياء من يفهم من الاستواء ما يوجب نقصًا أو قياسًا للشاهد على الغائب، وللمخلوق على الخالق، فهذا نادر، فمن نطق بذلك زُجر وعُلم، وما أظن أن أحدًا من العامة يقر في نفسه ذلك، والله أعلم) (١) اهـ.\nوقال: (فالنزول، والكلام، والسمع، والبصر، والعلم، والاستواء، عبارات جلية واضحة للسامع، فإذا اتصف بها من ليس\n_________\n(١) العلو (ص١٥٧).","vol":"1","page":383},{"text":"كمثله شيء فالصفة تابعة للموصوف، وكيفية ذلك مجهولة عند البشر) (١) اهـ.\n\n- الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ)\nقال بعد جواز التسمي ببعض أسماء الله كالسميع والبصير: (فأما ما يتسمى به المخلوقون من أسمائه كالسميع، والبصير، والقدير، والعليم، والرحيم، فإن الإضافة قاطعة الشركة. وكذلك الوصفية.\nفقولنا: زيد سميع بصير، لا يفيد إلا صفة المخلوق، وقولنا: الله سميع بصير، يفيد صفته اللائقة به، فانقطعت المشابهة بوجه من الوجوه، ولهذا قال تعالى: ﴿هل تعلم له سميا﴾ مريم٦٥) (٢) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٢١٤).\n(٢) نقلًا من كتاب منهج الحافظ ابن رجب الحنبلي في العقيدة (ص٣٥٦).","vol":"1","page":384},{"text":"فرع: في تقرير هذا الأصل من كلام إبي الحسن الأشعري وكبار أصحابه في أنه لا يلزم من صفات الله ما يلزم من صفات المخلوق\n\nقال: (ولا يجب إذا أثبتنا هذه الصفات له ﷿ على ما دلت العقول واللغة والقرآن والإجماع عليها أن تكون محدثة، .. فلذلك لا يجوز على صفاته ما يجوز على صفاتنا) (١) اهـ.\nوقال: (مسألة: ويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله تعالى عنى بقوله: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، يدين ليستا نعمتين؟\nفإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة.\nقيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟ وإن رجعونا إلى شاهدنا، أو إلى ما نجده فيما بيننا من الخلق فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة.\nقيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله تعالى فكذلك لم نجد حيًا من الخلق إلا جسمًا لحمًا ودمًا، فاقضوا بذلك على الله - تعالى عن ذلك - وإلا كنتم لقولكم تاركين ولاعتلالكم ناقضين.\n_________\n(١) رسالة إلى أهل الثغر (ص٢١٨).","vol":"1","page":386},{"text":"وإن أثبتم حيًا لا كالأحياء منا، فلم أنكرتم أن تكون اليدان اللتان أخبر الله تعالى عنهما يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين، ولا كالأيدي؟\nوكذلك يقال لهم: لم تجدوا مدبرًا حكيمًا إلا إنسانًا، ثم أثبتم أن للدنيا مدبرًا حكيمًا ليس كالإنسان، وخالفتم الشاهد ونقضتم اعتلالكم فلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين من أجل أن ذلك خلاف الشاهد) (١) اهـ.\n\n- القاضى ابو بكر محمد بن الطيب الباقلانى (٤٠٣ هـ)\nقال في كتابه \"الإبانة\": (فان قال قائل فما الدليل على أن لله وجهًا ويدًا؟ قيل له: قوله: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، وقوله تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا.\nفإن قال: فلم أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إن كنتم لا تعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحة؟.\nقلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب إذا لم نعقل حيًا عالمًا قادرًا إلا جسمًا أن نقضى نحن وأنتم بذلك على الله ﷾، وكما\n_________\n(١) الإبانة للأشعري (ص١١٠).","vol":"1","page":387},{"text":"لا يجب في كل شيء كان قائمًا بذاته أن يكون جوهرًا، لأنا وإياكم لم نجد قائمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك، وكذلك الجواب لهم أن قالوا: يجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضًا واعتلوا بالوجود) (١) اهـ.\n_________\n(١) نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٩٨) وفي بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٦٤) وأورده الذهبي في العلو (ص٢٣٧).","vol":"1","page":388},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>المبحث الثاني\n\nبيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه</span>\nخلاصة الفصل:\nأولًا: أن من أصول معتقد السلف: أن صفات الله تعالى التي جاءت في الكتاب والسنة، سواء الصفات الخبرية كالوجه واليد والعين، أو الفعلية كالنزول والإتيان والضحك، أو الذاتية كالسمع والبصر والعلم، لا يستلزم إثبات شيء منها لله تعالى تشبيهًا له بخلقه ولو اتصف بأصل معناها المخلوق، لأن الله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله. والصفة تابعة للموصوف، فإذا كانت له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فكذلك صفات ذاته لا تماثل الصفات.\nثانيًا: أن الذين يُلزمون صفات الله تعالى أو بعضها ما يلزم من صفات المخلوق، ويتخذون هذا ذريعة إلى صرفها عن ظاهرها وحقيقتها هم المعطلة من الجهمية والمعتزلة، ويدخل فيهم كل من","vol":"1","page":389},{"text":"مشى على أصلهم في هذا ولو في بعض الصفات.\nثالثًا: مخالفة الأشعريّيْن لمذهب السلف في هذا، وسلوكهما طريق المعطلة الذين اشتد نكير السلف عليهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>[بطلان دعوى استلزام الجسمية في إثبات الصفات]</span>\nفقد قالا عمن يثبت صفات الله على ظاهرها من غير أن يُلزموها لوازم صفات المخلوق (ص١٩٢): (وكونهم لا يُقرّون بهذه اللوازم أمرٌ لا يُقضى منه العجب، لأن إثبات الملزوم وهو المعنى الظاهر هنا ثم نفي اللازم وهو الجسمية ونحوها لا يُعقل لأنه لازم لا ينفك) اهـ.\nوهذا كلام ظاهر البطلان والفساد شرعًا وعقلًا ولغةً لأمور كثيرة:\nأولها: ما سبق تقريره من كلام السلف في بطلان هذا الأمر، وأنه لا يلزم من صفة الله تعالى ما يلزم من صفة المخلوق، وأن الإضافة تقطع التشبيه والاشتراك. وهو كاف في بطلان دعواهما.\nالأمر الثاني: أن هذا تأباه اللغة، لأن الصفة تابعة للموصوف، فإذا قلنا: وجه زيد، ووجه عمرو، لم يكن الوجهان متماثلين بوضع اللغة، وإنما عُلم التماثل والتقارب بالمعاينة والمشاهدة، لأن الصفة للموصوف ولا اشتراك في ذلك، وإنما يقع الاشتراك في أصل الصفة، وهو أمر موجود في الأذهان لا في الأعيان، ولذلك لا يُفهم من قول القائل: وجه زيد، ووجه الماء، تماثلٌ ولا تشابهٌ، لأن","vol":"1","page":390},{"text":"الإضافة قاطعة للاشتراك، مع كون زيدٍ والماء مخلوقين، فالتباين بين وجه الخالق ووجه المخلوق أعظم وأعظم.\nقال ابن الزاغوني في \"الإيضاح\" في تقرير قاعدة مهمة: (فأما قولهم: إذا ثبت أنها صفة إذا نسبت إلى الحي ولم يُعبر بها عن الذات وجب أن تكون عضوًا وجارحة ذات كمية وكيفية، فهذا لا يلزم: من جهة أن ما ذكروه ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث لا من خصيصة صفة الوجه ولكن من جهة نسبة الوجوه إلى جملة الذات فيما يثبت للذات من الماهية المركبة بكمياتها وكيفياتها وصورها، وذلك أمر أدركناه بالحس من جملة الذات، فكانت الصفة مساوية للذات في موضعها بطريق أنها منها ومنتسبة إليها نسبة الجزء إلى الكل، فأما الوجه المضاف إلى الباري تعالى فإنا ننسبه إليه في نفسه نسبة الذات إليه، وقد ثبت أن الذات في حق الباري لا توصف بأنها جسم مركب من جملة الكمية، وتتسلط عليه الكيفية، ولا يعلم له ماهية، فالظاهر في صفته التي هي الوجه أنها كذلك لا يوصل لها إلى ماهية ولا يوقف لها على كيفية، ولا تدخلها التجزئة المأخوذة من الكمية، لأن هذه إنما هي صفات الجواهر المركبة أجسامًا، والله يتنزه عن ذلك، ولو جاز لقائل أن يقول ذلك في السمع والوجه والبصر","vol":"1","page":391},{"text":"وأمثال ذلك في صفات الذات لينتقل بذلك عن ظاهر الصفة منها إلى ما سواها بمثل هذه الأحوال الثابتة في المشاهدات لكان في الحياة والعلم والقدرة أيضًا كذلك، فإن العلم في الشاهد عرض قائم يقدر نفيه بطريق ضرورة أو اكتساب، وذلك غير لازم مثله في حق الباري لأنه مخالف للشاهد في الذاتية غير مشارك في إثبات ماهية، ولا مشارك لها في كمية ولا كيفية، وهذا الكلام واضح جلي) (١) اهـ.\nوقال العلامة الألوسي: (قيل: هو مراد مالك وغيره من قولهم: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول\" أي: الاستواء معلوم المعنى، ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول، لأن الصفات تنسب إلى كل ذات بما يليق بتلك الذات، وذات الحق ليس كمثله شيء، فنسبة الصفات المتشابهة إليه تعالى ليست كنسبتها إلى غيره ﷿، لأن كنه ذات الحق ليس من مدركات العقول لتكون صفته من مدركاتها) (٢) اهـ.\n\nالأمر الثالث: أن الصفات التي يزعم الأشعريان أنه يلزم منها الجسمية والحد كالنزول، والمجيء، والوجه، واليد، ونحوها، يتصف بها ما ليس بجسم.\n_________\n(١) الإيضاح في أصول الدين (ص٢٨٢) وقد نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٧ - ٣٨).\n(٢) غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟).","vol":"1","page":392},{"text":"فيقال: وجه الأمر، ووجه الماء -والماء ليس جسمًا لغة وسيأتي الكلام على معنى الجسم والجسمية-، ويقال: نزول البائع بالثمن، ومجيء الشتاء، ويد الليل، ونحو ذلك، وهذه الأمور ليست أجسامًا لا لغةً ولا في اصطلاح أهل الكلام والأشاعرة، ومع ذلك صح وصفها بالمجيء، والنزول، والوجه، واليد، وهذا يبطل دعوى لزوم الجسمية لمن اتصف بهذه الصفات.\nالأمر الرابع: أن دعوى الجسمية، وتنزيه الله عنها يحتاج إلى<span data-type=\"title\" id=toc-64> تحرير معنى الجسم</span>، وهل هذا اللفظ مما يصح إثباته أو نفيه عن الله تعالى؟\n\n[تحرير معنى الجسم]\nفنقول:\nإن مسمى الجسم في اصطلاح المتفلسفة وأهل الكلام أعم من مسماه في لغة العرب. فأهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن.\nقال ابن منظور في اللسان (١): (الجِسْمُ: جماعة البَدَنِ أَو الأَعضاء من الناس والإِبل والدواب وغيرهم من الأَنواع العظيمة الخَلْق .... أَبو زيد: الجِسْمُ الجَسَدُ، وكذلك الجُسْمانُ، والجُثْمانُ الشخص. وقد جَسُمَ الشيءُ أَي عَظُمَ، فهو جَسِيمٌ وجُسام، بالضم)\nفأهل اللغة لم يستعملوا الجسم إلا فيما كان غليظًا كثيفًا،\n_________\n(١) لسان العرب/مادة \"جسم\".","vol":"1","page":393},{"text":"فلا يسمون الهواء جسمًا ولا جسدًا، ويسمون بدن الإنسان جسمًا. كما قال تعالى: ﴿وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم﴾ المنافقون٤، وقال: ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ البقرة٢٤٧.\nوأما المتفلسفة وأهل الكلام فهم مختلفون في مسمى الجسم: فمنهم من يقول الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر الفردة، ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة، ومن هؤلاء من يقول: إنه مشار إليه إشارة حسية، ومنهم من يقول: ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا، بل هو ما يشار إليه (١).\nوقد ذكر الأشعري في مقالاته اختلاف أهل الكلام في مسمى الجسم على اثنتي عشرة مقالة (٢).\nوما عرّفه به أهل الكلام والمتفلسفة لا يُعرف في لغة العرب البتة، لا في أشعارهم، ولا في كتبهم. فالروح مع كونها يشار إليها وتنزل وتصعد، وهي قائمة بنفسها ومع ذلك لا يسميها أهل اللغة جسمًا، ولذلك يفرقون بينهما فيقولون: جسم وروح، وهذا يعني أن الجسم في اللغة أخص من المشار إليه.\n_________\n(١) انظر مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ٣٢ - ٣٣).\n(٢) مقالات الإسلاميين (٢/ ٤).","vol":"1","page":394},{"text":"والهواء والسحاب يعلو الأرض ويصعد وينزل ويجيء ولا يسميه أهل اللغة جسمًا.\nوبناءًا عليه فإن ادعاءهم أن اتصاف الله تعالى بالنزول والمجيء ونحوها من الصفات الفعلية أو الخبرية يستلزم الجسمية باطل، لأنها أمور يتصف بها الجسم وغير الجسم.\nوالأشاعرة يثبتون لله تعالى ذاتًا حقيقة متصفة بالصفات قائمة بنفسها، ولا يلزم عندهم أن تكون جسمًا، وأما إثبات اليد، والوجه، والقَدَم، والنزول، والضحك، ونحوها من صفات الذات فإنها تستلزم التجسيم عندهم، وهذا تناقض منهم!!.\nقال ابن أبي يعلى وهو يحكي اعتقاد والده: (ومما يدل على أن تسليم الحنبلية لأخبار الصفات من غير تأويل، ولا حمل على ما يقتضيه الشاهد، وأنه لا يلزمهم في ذلك التشبيه: إجماع الطوائف من بين موافق للسنة ومخالف أن الباري سبحانه ذات وشيء وموجود، ثم لم يلزمنا وإياهم إثبات جسم ولا جوهر ولا عرض، وإن كانت الذات في الشاهد لا تنفك عن هذه السمات، وهكذا لا يلزم الحنبلية ما يقتضيه العرف في الشاهد في أخبار الصفات.\nيبين صحة هذا: أن البارىء سبحانه موصوف بأنه: حي عالم قادر مريد، والخلق موصوفون بهذه الصفات، ولم يدل الاتفاق في هذه التسمية على الاتفاق في حقائقها ومعانيها، هكذا القول في","vol":"1","page":395},{"text":"أخبار الصفات، ولا يلزم عند تسليمها من غير تأويل إثبات ما يقتضيه الحد والشاهد في معانيها.) (١) اهـ.\nوقد ذكرنا رد أبي الحسن الأشعري نفسه على هذه الدعوى آنفًا.\nوأما أهل السنة والسلف فلا يتكلمون في نفي الجسم عن الله أو إثباته، ولا في غيره من الألفاظ التي لم ترد في كتاب ولا سنة كالجهة والتحيز ونحوها، وإنما يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه وما وصفه رسوله - ﷺ - لا يتجاوزون القرآن والحديث.\nكما قال الإمام أحمد: (ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نتعدى ذلك) (٢) اهـ.\nونقل أبو يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: (لا ينبغي لأحد أن ينطق في الله بشيء من ذاته، بليصفه بما وصف به نفسه، ولا يقول فيه برأيه شيئًا، تبارك الله رب العالمين) (٣) اهـ.\nوقال البربهاري: (ولا يُتكلم في الرب، إلا بما وصف به نفسه ﷿ في القرآن، وما بيّن رسول الله - ﷺ - لأصحابه ..) (٤) اهـ.\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢١١).\n(٢) سبق تخريجه حاشية ٣٢.\n(٣) كتاب الاعتقاد لأبي العلاء صاعد بن محمد (ص١٢٣ - ١٢٤).\n(٤) شرح السنة (ص٦٩).","vol":"1","page":396},{"text":"وبين ﵀ أن هذه الألفاظ المحدثة هي أساس ظهور البدع فقال: (واعلم رحمك الله لو أن الناس وقفوا عند محدثات الأمور، ولم يتجاوزوها بشيء، ولم يولّدوا كلامًا مما لم يجيء فيه أثر عن رسول الله - ﷺ -، ولا عن أصحابه: لم تكن بدعة) (١) اهـ.\nوقال الحافظ عبد الغني المقدسي ﵀ في تقرير هذه القاعدة: (فمن السنن اللازمة: السكوت عما لم يرد فيه نص عن رسوله، أو يتفق المسلمون على إطلاقه، وترك التعرض له بنفي أو إثبات، وكما لا يُثبت إلا بنص شرعي، كذلك لا يُنفى إلا بدليل سمعي) (٢) اهـ.\nبل بَدَّع السلف أهل الكلام بهذه الألفاظ وذموهم غاية الذم لما فيها من الاشتباه ولبس الحق.\nكما قال الإمام أحمد: (يتكلمون بالمتشابه من الكلام، ويخدعون جهال الناس بما يلبِّسون عليهم) (٣).\nوقال نوح بن الجامع: (قلت لأبي حنيفة: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة) (٤).\n_________\n(١) المرجع السابق (ص١٠٥).\n(٢) عقائد أئمة السلف (ص١٣٢).\n(٣) الرد على الزنادقة والجهمية (ص٨٥).\n(٤) رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٤/ ٢١٣).","vol":"1","page":397},{"text":"ولم يذم أحدٌ من السلف أحدًا بأنه مجسم، ولا ورد عنهم ذم المجسمة، وإنما ذموا الجهمية المعطلة الذين ينفون حقائق الصفات، وذموا أيضًا المشبهة الذين يقولون: صفاته تعالى كصفات خلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>[الكلام حول العقيدة المنسوبة للإمام أحمد لأبي الفضل التميمي]</span>\nوأما ما نقله الأشعريان (ص١٩٤) عن الإمام أحمد من قوله: (إن لله تعالى يدين، وهما صفة له في ذاته، ليستا بجارحتين وليستا بمركبتين ولا جسم، ولا من جنس الأجسام ... الخ)\nففيه أمور مهمة:\nالأمر الأول: أن هذا ليس من كلام الإمام أحمد، بل هو مما ذكره أبو الفضل","vol":"1","page":398},{"text":"عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي في مصنفه في اعتقاد الإمام أحمد بما فهمه من اعتقاده بلفظ نفسه، فجعل يقول: كان أبو عبد الله، ويذكر من اعتقاد الإمام أحمد بما فهمه ورآه، لا بما نص عليه الإمام أحمد، فصار بمنزلة من يصنف كتابًا في الفقه على رأي بعض الأئمة، ويذكر مذهبه بحسب ما فهمه ورآه، وإن كان غيره بمذهب ذلك الإمام أعلم منه بألفاظه وأفهم لمقاصده، فإن الناس في نقل مذاهب الأئمة قد يكونون بمنزلتهم في نقل الشريعة، ومن المعلوم أن أحدهم يقول: حكم الله كذا أو حكم الشريعة كذا بحسب ما اعتقده عن صاحب الشريعة، بحسب ما بلغه وفهمه، وإن كان غيره أعلم بأقوال صاحب الشريعة وأعماله وأفهم لمراده.\nوكان التميميون أبو الحسن التميمي وابنه وابن ابنه ونحوهم مائلين إلي الأشاعرة، وكان بين أبي الحسن التميمي وبين القاضي أبي بكر بن الباقلاني من المودة والصحبة ما هو معروف مشهور، ولهذا اعتمد الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الذي صنفه في مناقب الإمام أحمد لما ذكر اعتقاده، اعتمد على ما نقله من كلام أبي الفضل عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي في اعتقاد الإمام أحمد، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.","vol":"1","page":399},{"text":"وكثيرٌ مما ذكره أبو الفضل التميمي مخالف لمعتقد الإمام أحمد الثابت عنه، كما نقل عنه نفي الجسم والجوارح والتركيب ونحو هذه الألفاظ، وقد كانت طريقة الإمام أحمد وأمثاله من الأئمة أنهم لا يطلقون هذه الألفاظ لا نفيًا ولا إثباتًا، بل يقولون إثباتها بدعة كما أن نفيها بدعة، وإنما يلتزمون ما جاء في الكتاب والسنة من صفة الله تعالى.\nقال الإمام أحمد: (ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نتعدى ذلك) (١) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>[المصادر التي تمكن من خلالها معرفة عقيدة الإمام أحمد]</span>\nومن المعلوم أن عقيدة الإمام أحمد إنما تؤخذ مما ذكره بلفظه، لا مما فُهم من كلامه، ومصادرها متنوعة:\nالمصدر الأول: ما كتبه وسطره بنفسه ككتاب \"الرد على الجهمية والزنادقة\"، وكرسائله إلى أصحابه كرسالته إلى مسدد، ورسالته إلى عبدوس بن مالك العطار، ورسالته إلى الحسن بن إسماعيل الربعي، ورسالته إلى محمد بن يونس السرخسي، وغيرها من رسائله المنقولة عنه بالإسناد الثابت.\nالمصدر الثاني: مما صح عنه من كلامه وألفاظه المنقولة عنه، كما عند الخلال في \"السنة\" وفي \"الأمر بالمعروف والنهي عن\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٣٢.","vol":"1","page":400},{"text":"المنكر\" وفي غيرها من كتبه، وكذلك ما نقله ابنه عبد الله في كتاب \"السنة\" وفي مسائله عن والده، وما نقل في مرويات \"مسائل الإمام أحمد\" كرواية أبي داود، ورواية ابن هانئ، ورواية صالح بن الإمام أحمد، وكذلك \"مسائل الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه\" برواية الكوسج، وككتاب \"الورع\" للمروذي، وكذلك ما نُقل عنه في الكتب المسندة في السنة ككتاب \"خلق أفعال العباد\" للبخاري، وكتاب \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة\" للالكائي، وكتب ابن منده، وكتب ابن بطة، و\"الشريعة\" للآجري، و\"إبطال التأويلات\" للقاضي أبي يعلى وغيرها من كتبه.\nالأمر الثاني: أنه ليس في شيء من الكتب الذي ذكرناها شيء من هذه الألفاظ لا نفيًا ولا إثباتًا.\nبل الثابت عن الإمام أحمد إنكاره على الجهمية نفي لفظ الجسم، وامتنع من الموافقة على نفيه، كما هو ممتنع عن إطلاق إثباته، كما جرى في مناظرته لأبي عيسى برغوث وغيره من نفاة الصفات في مسألة القرآن في محنته المشهورة لما ألزمه بأن القول بأن القرآن غير مخلوق مستلزم أن يكون الله جسمًا، فأجابه الإمام أحمد بأنه لا يدري ما يريد القائل بهذا القول، فلا يوافقه عليه، بل يعلم أنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>[مخالفة الأشاعرة لعقيدة التميمي المنسوبة للإمام أحمد]</span>\nالأمر الثالث: أن في هذه العقيدة المنسوبة للإمام أحمد والتي اعتمد عليها الأشعريان في بيان معتقده، مسائل كثيرة مخالفة لمعتقد الأشاعرة الذي يزعم الأشعريان أنه معتقد أهل السنة، ومعتقد الإمام أحمد، وأذكر منها بعض الأمثلة:\nالمثال الأول: قال أبو الفضل التميمي في اعتقاد الإمام أحمد لما ذكر الوجه لله تعالى: (وذلك عنده وجه في الحقيقة دون المجاز، ووجه الله باق لا يبلى، وصفة له لا تفنى، ومن ادعى أن وجهه نفسه فقد ألحد، ومن غير معناه كفر) (١) اهـ.\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٩٤).","vol":"1","page":402},{"text":"وليس وجه الله عند الأشاعرة على الحقيقة، فمنهم من يقول وجهه: ذاته، ومنهم من يفوض المعنى.\nقال عبد القاهر البغدادي في \"أصول الدين\" في صفة الوجه لله تعالى: (والصحيح عندنا أن وجهه: ذاته، وعينه رؤيته للأشياء) (١) اهـ.\nوقال أبو المعالي الجويني في \"الإرشاد\" في فصل \"اليدان والعينان والوجه\": (والذي يصح عندنا: حمل اليدين على القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود.) (٢) اهـ\nبل ذكر الأشعريان في كتابهما أن إثبات الوجه لله يستلزم التجسيم، فقالا (ص١٩٣): (إن الفرق بين الألفاظ التي تدل على الأجسام وما إليها وبين الألفاظ التي تدل على المعاني كبير وشاسع .... فالأولى ما يتبادر عند سماعها العضو والجسم ..... وإنما سيق الكلام على سبيل الاستعارة والمجاز كلفظ (اليد، والأصبع، ...، والوجه، ...» اهـ.\nفهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!!\n_________\n(١) أصول الدين (ص١١٠).\n(٢) الإرشاد للجويني (ص١٥٥).","vol":"1","page":403},{"text":"المثال الثاني: قال التميمي في اعتقاد الإمام أحمد: (إن لله تعالى يدين، وهما صفة في ذاته، .... ويفسد أن تكون يد القوة والنعمة والتفضل. لأن جمع يد: أيدٍ، وجمع تلك أياد) (١) اهـ.\nوعند الأشعريّيْن أن اليد لله تستلزم التجسيم، وليست صفة له في ذاته، بل إما التفويض مع امتناع أن تكون صفة له على الحقيقة، وإما تأويلها بالنعمة أو القدرة.\nفقالا (ص١٥٣): (مثال على هذا -أي التفويض- قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، يفهم منه على سبيل الإجمال معنى الكرم والجود ... أما لفظ اليدين المضاف لله تعالى في الآية فبعد استبعاد المعنى الظاهر المتبادر من إطلاقه ... احتمل اللفظ عدة معان مجازية، ولهذا الاحتمال توقف جمهور السلف عن التعيين والقطع بأحدها، وهذا هو معنى عدم علمهم بالمراد) اهـ.\nفهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!!\nالمثال الثالث: قال التميمي في اعتقاد الإمام أحمد: (وكان يقول: إن القرآن كيف تصرف غير مخلوق، وأن الله تعالى تكلم بالصوت والحرف) (٢) اهـ.\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٩٤).\n(٢) المرجع السابق (٢/ ٢٩٦).","vol":"1","page":404},{"text":"وعند الأشعريّيْن والأشاعرة أن الله لا يتكلم بمشيئته، وأن كلامه ليس بحرف ولا صوت، وأن من قال بالحرف والصوت فقد شبه الله بخلقه وضل وابتدع.\nقالا (ص٧٦): (ومن يطالع النظامية يعلم موافقتها لاعتقاد أهل السنة الأشاعرة، فمن أمثلة ذلك تنزيه الإمام الجويني لله تعالى عن الجهة والمكان والحيز والحرف والصوت وظواهر المتشابه ..... وكذلك الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فكتابه \"إلجام العوام\" .... هو في حقيقة الأمر تأصيل لمسلك السادة الأشاعرة من حيث تنزيه الله تعالى عن سمات الحوادث مثل الجهة والمكان والحروف والأصوات وظواهر المتشابه ...) اهـ.\nوسيأتي مزيد بيان لهذه الصفة في الفصل الثالث من الباب الثاني.\nفهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!!\nالمثال الرابع: قال التميمي في اعتقاد الإمام أحمد: (وكان يبطل الحكاية -أي القول بأن القرآن حكاية عن كلام الله وليس هو نفس كلام الله- ويضلل القائل بذلك. وعلى مذهبه: أن من قال: إن القرآن عبارة عن كلام الله ﷿، فقد جهل وغلط .... ولم يُنقل عن أحد من أئمة المسلمين","vol":"1","page":405},{"text":"من المتقدمين من أصحاب رسول الله - ﷺ - والتابعين ﵈ القول بالحكاية والعبارة، فدل على أن ذلك من البدع المحدثة) (١) اهـ.\nومن المعلوم أن الذي يقول: أن القرآن حكاية أو عبارة عن كلام الله هما عبد الله بن كلاب والكلابية، وأبو الحسن الأشعري والأشعرية.\nقال أبو الحسن الأشعري في مقالاته: (قال عبد الله بن كلاب: أن الله سبحانه لم يزل متكلمًا ... وأن الكلام ليس بحروف ولا صوت ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتغاير، وأنه معنى واحد بالله ﷿ ... وزعم عبد الله بن كلاب أن ما نسمع التالين يتلونه هو عبارة عن كلام الله ﷿، وأن موسى ﵇ سمع الله متكلمًا بكلامه، وأن معنى قوله: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ التوبة٦، معناه حتى يفهم كلام الله ..) (٢) اهـ.\nوقال الشهرستاني في \"الملل والنحل\": (وكلامه واحد هو: أمر، ونهي، وخبر، واستخبار، ووعد، ووعيد؛ وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه، لا إلى عدد في نفس الكلام والعبارات .......\n_________\n(١) المرجع السابق (٢/ ٢٩٦).\n(٢) مقالات الإسلاميين (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).","vol":"1","page":406},{"text":"والكلام عند الأشعري: معنى قائم بالنفس سوى العبارة، والعبارة دلالة عليه من الإنسان؛ فالمتكلم عنده من قام بالكلام، وعند المعتزلة من فعل الكلام؛ غير أن العبارة تسمى كلامًا: إما بالمجاز، وإما باشتراك اللفظ) (١) اهـ.\nفها هو الإمام أحمد كما في عقيدته التي يستند إليها الأشعريان يضلل ويبدع من قال بالحكاية أو العبارة.\nوقد قال الأشعريان (ص٤٧ - ٥٨): (الإمام الأشعري بعد تركه للاعتزال كان على طريق عبد الله بن سعيد بن كلاب .... أن طريق ابن كلاب وطريق السلف هما في حقيقة الأمر طريق واحد، لأن ابن كلاب كان من أئمة أهل السنة والجماعة السائرين على طريق السلف الصالح .... أن الإمام ابن كلاب ... لم يبتدع أو يخالف منهج السلف والسنة ..)\nفهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!!\nالمثال الخامس: قال التميمي في اعتقاد الإمام أحمد: (وكان يقول في معنى \"الاستواء\": هو العلو والارتفاع ... فهو فوق كل شيء، والعالي على كل شيء) (٢) اهـ.\n_________\n(١) الملل والنحل للشهرستاني (١/ ٨٣).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٩٦).","vol":"1","page":407},{"text":"وعند الأشاعرة: أن الاستواء نثبته ولا نعلم معناه بل نفوضه، أو نأوله بالاستيلاء، وأنه من المستحيل اعتقاد علو الله تعالى وفوقيته على خلقه لأنه يستلزم التحيز والجهة والمكان، وأن فوقية الله إنما هي فوقية قهر وسلطان، لا فوقية علو وارتفاع. والله عندهم ليس في داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا مباين له ولا محايث.\nقال البيجوري في شرحه لجوهرة التوحيد: (إذا ورد في القرآن أو السنة ما يشعر بإثبات الجهة أو الجسمية أو الصورة أو الجوارح اتفق أهل الحق وغيرهم عدا المجسمة والمشبهة على تأويل ذلك ....) ثم ذكر أمثلة منها: (﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، فالسلف يقولون: استواء لا نعلمه، والخلف يقولون: المراد به الاستيلاء والملك) (١) اهـ.\nوقال الأشعريان (ص١٣٩): (ولا يُفهم من قول أهل الحق: أن الله تعالى لا يوصف بأنه داخل العالم ولا أنه خارجه، بأنهم يصفونه بالعدم ... وإنما مرادهم كما مر أن إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى لا يجوز وهو منزه عنه -أي علو الله تعالى على خلقه علوًا بمعنى الفوقية والارتفاع- .... أما ما جاء في الكتاب والسنة من الألفاظ التي ظاهرها إثبات الجهة والمكان لله تعالى\n_________\n(١) شرح جوهرة التوحيد (ص١٥٧).","vol":"1","page":408},{"text":"فهي - قطعًا وباتفاق علماء السلف والخلف - مصروفة عن ظاهرها وحقائقها ..) اهـ.\nفهل يا ترى هم موافقون لما يزعمون أنه معتقد الإمام أحمد؟!!!\nهذه بعض الأمثلة التي تبين مخالفة الأشاعرة لما ذكره التميمي من معتقد الإمام أحمد، والتي يستندون عليها في بيان معتقده، فأما مخالفتهم للثابت من معتقد الإمام أحمد فأكثر وأكثر.","vol":"1","page":409},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>الفصل السابع\nفي بيان حقيقة التشبيه المنفي في صفات الله عند السلف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>تمهيد</span>\nإثبات الصفات لله تعالى التي جاءت بها الكتاب والسنة على ما يليق بالله جل وعلا، ليس تشبيهًا ولا تكييفًا ولا يستلزم شيئًا من ذلك، كما سبق تقريره في الفصل السابق، وإنما التشبيه عند السلف: هو إثبات الصفات لله وادعاء مماثلتها لصفة المخلوق، وهذا هو قول المشبهة الذين يجعلون صفات الله كصفات خلقه، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.\nقال تعالى: ﴿وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء﴾ المائدة٦٤.\nفبين الله في هذه الآية أن اليهود شبهوا صفة الله بصفة خلقه، فوصفوا يده بالنقص والعيب الذي تتصف به يد المخلوق، ثم نزه","vol":"1","page":411},{"text":"نفسه عن ذلك، وبين كماله جل وعلا وأن يديه مبسوطتان بالعطاء والخير. ولم ينف الله جل وعلا عن نفسه صفة اليد، وإنما بين كمال صفته في مقابل نقص صفة المخلوق.","vol":"1","page":412},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المبحث الأول\nنصوص أئمة السنة في بيان حقيقة التشبيه المنفي عن الله</span>\nوإليك بعض نصوص أئمة السنة في بيان حقيقة التشبيه المنفي عن الله:\n\n- الإمام الحافظ ابن راهويه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (٢٣٨ هـ)\nروى الترمذي في سننه حديث النبي - ﷺ -: \"إن الله يقبل الصدقة ويأخذها بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم مهره حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد وتصديق ذلك في كتاب الله ﷿: ﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات﴾ التوبة١٠٤، و﴿يمحق الله الربا ويربي الصدقات﴾ البقرة٢٧٦\".\nثم قال: (هذا حديث حسن صحيح، وقد رُوي عن عائشة عن النبي - ﷺ - نحو هذا. وقد قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما يشبه هذا من الروايات من الصفات، ونزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا، قالوا: قد تثبت الروايات في هذا ويُؤمن بها، ولا يتوهم، ولا يقال كيف؟","vol":"1","page":413},{"text":"هكذا رُوي عن مالك وسفيان بن عيينة وعبد الله بن المبارك أنهم قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف، وهكذا قول أهل العلم من أهل السنة والجماعة، وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات، وقالوا: هذا تشبيه، وقد ذكر الله ﷿ في غير موضع من كتابه اليد والسمع والبصر، فتأولت الجهمية هذه الآيات ففسروها على غير ما فسر أهل العلم، وقالوا إن الله لم يخلق آدم بيده، وقالوا إن معنى اليد ها هنا القوة، وقال إسحاق بن إبراهيم: إنما يكون التشبيه إذا قال يد كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال سمع كسمع أو مثل سمع فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى يد وسمع وبصر، ولا يقول كيف؟ ولا يقول مثل سمع ولا كسمع فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١) (١) اهـ.\n\n- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)\nقال حنبل: سمعت أبا عبد الله يقول: (نعبد الله بصفاته كما وصف به نفسه، قد أجمل الصفة لنفسه، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك.\n_________\n(١) سنن الترمذي (٣/ ٥٠).","vol":"1","page":414},{"text":"نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه تعالى ذكره صفة من صفاته شناعة شنعت، ولا نزيل ما وصف به نفسه من كلام، ونزول، وخلوه بعبده يوم القيامة، ووضع كنفه عليه، هذا كله يدل على أن الله يُرى في الآخرة، والتحديد في هذا بدعة، والتسليم لله بأمره، ولم يزل الله متكلمًا عالمًا غفورًا، عالم الغيب والشهادة، عالم الغيوب، فهذه صفات الله وصف بها نفسه لا تُدفع ولا تُرد.\nوقال: ﴿لا إله إلا هو الحي والقيوم﴾ البقرة٢٥٥، ﴿لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر﴾ الحشر٢٣، هذه صفات الله وأسماؤه، وهو على العرش بلا حد.\nوقال: ﴿ثم استوى على العرش﴾ الأعراف٥٤، كيف شاء، المشيئة إليه والاستطاعة.\n﴿ليس كمثله شيء﴾ كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير.\nقلت لأبي عبد الله: والمشبهة ما يقولون؟\nقال: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، فقد شبه الله بخلقه، وهذا كلام سوء، والكلام في هذا لا أحبه.) (١) اهـ.\nوهذا كما ترى صريح في أن إثبات الصفات لله ليس تشبيهًا، وإنما التشبيه قياسها بالمخلوق. وفيه إثبات أيضًا إثبات اتصاف الله تعالى بالقَدَم واليد، وأن هذا لا يستلزم تشبيهًا.\n\n- أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم القرشى المخزومى (٢٦٤ هـ)\nسئل أبو زرعة الرازي عن قول الله ﷿: ﴿تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك﴾ المائدة١١٦؟\nقال: (لا يقال نفس كنفس لأنه كفر، وقال: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، أن الله ﷿ خلق آدم بيده، ولا يقال: يد مثل يد ولا يد كيد لأنه كفر، ولكن نؤمن بهذا كله. وسئل أبو زرعة: أيجوز أن يقال للرب ﷿ يدين ورجلين، قال: يقال كما جاء في الخبر وهكذا ما جاء في الأخبار مثل هذا. وسئل عن حديث ابن عباس (الكرسي موضع القدمين) فقال: صحيح، ولا نفسر، نقول كما جاء وكما هو في الحديث ..) (٢) اهـ.\n_________\n(١) الإبانة لابن بطة (٣/ ٣٢٦).\n(٢) التوحيد (٣/ ٣٠٩).","vol":"1","page":415},{"text":"- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ)\nقال في بيان جهل المعطلة بمعنى التشبيه: (الجهمية المعطلة جاهلون بالتشبيه نحن نقول: لله جل وعلا يدان كما أعلمنا الخالق البارئ في محكم تنزيله، وعلى لسان نبيه المصطفى - ﷺ -، ونقول: كلتا يدي ربنا ﷿ يمين، على ما أخبر النبي - ﷺ -، ونقول: إن الله ﷿ يقبض الأرض جميعًا بإحدى يديه، ويطوي السماء بيده الأخرى، وكلتا يديه يمين، لا شمال فيهما، ونقول: من كان من بني آدم سليم الأعضاء والأركان، مستوي التركيب، لا نقص في يديه، أقوى بني آدم، وأشدهم بطشًا له يدان عاجز عن أن يقبض على قدر أقل من شعرة واحدة، من جزء من أجزاء كثيرة، على أرض واحدة من سبع أرضين .... - إلى أن قال: فكيف يكون - يا ذوي الحجا - من وصف يد خالقه بما بينا من القوة والأيدي، ووصف يد المخلوقين بالضعف والعجز مشبهًا يد الخالق بيد المخلوقين؟ ..) (١) اهـ.\n\n- إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (٣٦٩ هـ)\nقال في مناظرته في مسائل الصفات مع أبي سليمان الدمشقي الذي كان على مذهب ابن كلاب: (فقال لي: أنتم المشبهة. فقلت: حاشا لله، المشبه الذي يقول: وجه كوجهي، ويد كيدي، فأما نحن فنقول: له وجه كما أثبت لنفسه وجهًا، وله يد كما أثبت لنفسه يدًا، وليس كمثله شئ وهو السميع البصير ومن قال هذا فقد سلم.) (٢) اهـ.\n_________\n(١) كتاب التوحيد (٨٣ - ٨٥).\n(٢) طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٥).","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث الثاني\nبيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب</span>\nخلاصة الفصل:\nأولًا: أن إثبات الصفات على ظاهرها ليس تشبيهًا عند السلف، وإنما التشبيه أن تُجعل صفة الله كصفة المخلوق، فيُقال: وجه الله كوجه المخلوق، أو على صفة كذا، ونزول الله كنزول المخلوق، أو على صفة كذا وكذا، ونحو ذلك.\nثانيًا: أن من علامات المعطلة والمعتزلة ومن نحا نحوهم تسمية كل من أثبت الصفات لله تعالى على ظاهرها مع نفي مماثلتها لصفة المخلوق، أنهم مشبهة.\nثالثًا: تبين جهل الأشعريّيْن بمذهب السلف، وبطلان ما ادعياه وافترياه حيث زعما: أن من أثبت الصفات لله تعالى مع نفي التشبيه والمماثلة، هو في حقيقته مشبه ولكنه يدلس.\nفقد قالا مستدلين بكلام أبي القاسم القشيري (ص١٧٤): (وقال الإمام أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى: ..... وسر الأمر","vol":"1","page":419},{"text":"أن هؤلاء الذين يمتنعون عن التأويل - أي تأويل صفات الله - معتقدون حقيقة التشبيه غير أنهم يدلسون ويقولون: له يد لا كالأيدي، وقدم لا كالأقدام، واستواء بالذات لا كما نعقل فيما بيننا ....) اهـ.\nوهذا كلام غاية في الخطورة والمجازفة، إذ أنه يستلزم أن جميع السلف مشبهة في الحقيقة، ولكنهم يدلسون!!! نعوذ بالله من الخذلان.\nوقالا (ص١٩٢): (إلا أنهم يجهلون أن إثبات الحقائق اللغوية المعهودة والظاهر المتبادرة من المتشابه يستلزم إثبات ما قد نفوه وأجمعت الأمة على نفيه وعلى تنزيه الله تعالى عنه وهو الحد والتحيز والجسمية ونحوها، وكونهم لا يقرون بهذه اللوازم أمرٌ لا يُقضى منه العجب، لأن إثبات الملزوم وهو المعنى الظاهر هنا ثم نفي اللازم وهو الجسمية ونحوها لا يُعقل لأنه لازم لا ينفك) اهـ.","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>الباب الثاني\nذكر الأدلة على إثبات بعض الصفات التي خاض فيها الأشعريان بالتحريف والتعطيل</span>","vol":"1","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>تمهيد</span>\nلقد خاض الأشعريان في كثير من صفات الله تعالى بالباطل، وسلطا عليها معاول التحريف والتعطيل زاعمين تنزيه الله تعالى واتباع طريقة السلف، وإن أدنى اطلاع على كتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ - وكلام السلف وأئمة السنة المسطر في كتبهم والمنقول عنهم بالإسناد الثابت لكفيل في إبطال جميع ما ادعوه من التحريف والتعطيل الذي سموه تنزيهًا وتأويلًا، لكن التقليد وقلة العلم بالسنة والآثار يُعمي عن الحق، ويزين الباطل.\nوما سبق تقريره في الباب الأول من قواعد السلف في أسماء الله وصفاته كافٍ في إبطال جميع مزاعمهما فيما حرفاه وتأولاه من صفات الله تعالى، ولكن رغبة في الإيضاح لمعتقد السلف، وتأكيدًا لجهل الأشعريّيْن به، فسأبين الأدلة على إثبات بعض الصفات التي خاضا فيها بغير الحق. ولن أستوعب ذكر الأدلة في كل صفة إيثارًا في الاختصار وبعدًا عن التطويل.","vol":"1","page":423},{"text":"وسأذكر من كل نوع من الصفات مثالًا يقاس عليه غيره:\nفاليدان مثالٌ عن الصفات الخبرية كالوجه، والعينين، والقدم، والساق، ونحوها.\nوالنزول مثالٌ عن الصفات الفعلية الاختيارية كالمجيء، والاستواء، والضحك، ونحوها.\nوأفردت لصفة العلو لله تعالى فصلًا مستقلًا، ولمسألة الحرف والصوت فصلًا مستقلًا.","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الفصل الأول\nفي ذكر الإجماع على علو الله تعالى على خلقه بنفسه\nوأنه تعالى فوق العرش بذاته</span>\nإن من أظهر صفات الله تعالى في الكتاب والسنة وأقوال الأئمة كثرةً في الأدلة وتنويعًا لها، مما يُقطع معها بحقيقة اتصاف الله تعالى بها، مع ما ركزه الله في الفطر السوية، وأقر به العقل الصحيح، هي صفة الفوقية لله تعالى، وأنه جل وعلا عالٍ على خلقه بذاته محيط بهم، لا يخفى عليه شيء من شئونهم وأحوالهم، وأنه يُشار إليه في السماء، وترفع إليه الأيدي في الدعاء.","vol":"1","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المبحث الأول\nتنوع دلالات الكتاب والسنة في إثبات علو الله تعالى بذاته على خلقه</span>\nوقد تنوعت الدلالات في كتاب الله تعالى على علو الله جل وعلا إلى أكثر من عشرين نوعًا أذكر بعضها:\nأحدها: التصريح بالفوقية مقرونة بأداة (من) المعيّنة لفوقية الذات، نحو: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ النحل٥٠.\nالثاني: ذكر الفوقية مجردة عن الأداة كقوله: ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ الأنعام١٨.\nالثالث: التصريح بالعروج إليه نحو: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ المعارج٤.\nالرابع: التصريح بالصعود إليه كقوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر١٠.\nالخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه كقوله: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ النساء١٥٨.","vol":"1","page":426},{"text":"السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتًا وقدرًا وشرفًا كقوله: ﴿وهو العلي العظيم﴾ البقرة٢٥٥، ﴿وهو العلي الكبير﴾ سبأ٢٣، ﴿إنه علي حكيم﴾ الشورى٥١.\nالسابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم﴾ الزمر١، ولم يقيد الله تبارك نزول شيء بأنه منه إلا القرآن. والنزول لا يكون إلا من علو.\nالثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿إن الذين عند ربك﴾ الأعراف٢٠٦.\nالتاسع: التصريح بأنه سبحانه في السماء كقوله: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ الملك١٦، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون في بمعنى \"على\"، وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك.\nالعاشر: التصريح بالاستواء مقرونًا بأداة \"على\"، مختصًا بالعرش الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحبًا في الأكثر لأداة ثم الدالة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المُخاطبون منه غير العلو والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتة. كقوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ الأعراف٥٤.","vol":"1","page":427},{"text":"الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله سبحانه، كقوله - ﷺ -: \"إن الله يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا\".\nالثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو.\nالثالث عشر: الإشارة إليه حسًا إلى العلو، كما أشار إليه من هو أعلم به وما يجب له ويمتنع عليه من جميع المعطلة في أعظم مجمع على وجه الأرض يرفع أصبعه إلى السماء ويقول: \"اللهم اشهد\" ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه.\nالرابع عشر: التصريح بلفظ الأين، كما في سؤاله للجارية: (أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) (١).\n_________\n(١) رواه مسلم (٥٣٧)","vol":"1","page":428},{"text":"إلى غير ذلك من أنواع الأدلة الصريحة على علو الله تعالى على خلقه بذاته، وقهره، وسلطانه، وقَدْره، بحيث يمتنع تأويلها البتة، وليست هناك من صفات الله تعالى أظهر في كتابه من صفة العلو، حتى قال بعض العلماء: في القرآن أكثر من ثلاثمائة آية دالة على علوه تعالى بنفسه على خلقه، وقال بعضهم بل ألف دليل.\nوقد أفردت في إثباتها لله تعالى المصنفات، وأفردت لها الرسائل والأبواب، فمن ذلك كتاب \"العلو للعلي الغفار\" للذهبي، وكتاب \"إثبات صفة العلو\" لابن قدامة، وكتاب \"اجتماع الجيوش الإسلامية\" لابن القيم، وكتاب \"الكلمات الحسان في علو الرحمن\" لعبد الهادي وهبي وغيرها من المصنفات.","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المبحث الثاني\n\nنصوص السلف في حكاية الإجماع المتيقن على إثبات علو الله تعالى بذاته على خلقه</span>\nولما كانت نصوص السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كثيرة جدًا قد ذكرها من صنف في هذا الباب ممن سبق ذكرهم، أحببت أن أنقل فقط نصوص من حكى الإجماع المتيقن على إثبات صفة العلو لله تعالى علوًا حقيقيًا، بمعنى أن الله تعالى فوق خلقه بذاته، وأنه مع علوه لا يخفى عليه شيء من أمر بني آدم، وأنها فطرة فطر الله الخلق عليها.\n- إمام أهل الشام عبد الرحمن بن عمر أبو عمرو الأوزاعي (١٥٧ هـ)\nقال: (كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته) (١) اهـ.\n_________\n(١) رواه البيهقي في الأسماء والصفات (ص٥١٥).","vol":"1","page":430},{"text":"- سعيد بن عامر الضبعى أبو محمد البصرى (٢٠٨ هـ)\nذُكر عنده الجهمية فقال: (هم شر قولًا من اليهود والنصارى، قد اجتمع اليهود والنصارى وأهل الأديان مع المسلمين على أن الله فوق العرش، وقالوا: هو ليس عليه شيء) (١) اهـ.\n\n- الإمام الحافظ ابن راهويه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (٢٣٨ هـ)\nقال الذهبي: (قال أبو بكر الخلال أنبأنا المروذي حدثنا محمد بن الصباح النيسابوري حدثنا أبو داود الخفاف سليمان بن داود قال: قال إسحاق بن راهويه: \"قال الله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة\"\nقال الذهبي: اسمع ويحك إلى هذا الإمام كيف نقل الإجماع على هذه المسألة كما نقله في زمانه قتيبة المذكور) (٢) اهـ.\n\n- قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف الثقفى (٢٤٠ هـ)\nقال الذهبي: (قال أبو أحمد الحاكم وأبو بكر النقاش\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢) وفي درء التعارض (٢/ ٢٦١) وعزاه لابن أبي حاتم في الرد على الجهمية، وأورده الذهبي في العلو (ص١٥٨).\n(٢) أورده الذهبي في العلو (ص١٧٩) وعزاه للخلال.","vol":"1","page":431},{"text":"المفسر واللفظ له حدثنا أبو العباس السراج قال سمعت قتيبة بن سعيد يقول: \"هذا قول الأئمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال ﷻ: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥\".\nقال الذهبي: وكذا نقل موسى بن هارون عن قتيبة أنه قال: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه.\nفهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة، وقد لقي مالكًا، والليث، وحماد بن زيد، والكبار، وعمّر دهرًا، وازدحم الحفاظ على بابه، قال لرجل أقم عندنا هذه الشتوة حتى أخرج لك عن خمسة أناسى مائة ألف حديث) (١) اهـ.\n\n- أبو زرعة الرازي عبيد الله بن عبد الكريم القرشى المخزومى (٢٦٤ هـ)\n- الحافظ أبو حاتم الرازى محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلى (٢٧٧ هـ)\nقال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم: (سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؟\n_________\n(١) العلو (ص١٧٤).","vol":"1","page":432},{"text":"فقالا: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا، وعراقًا، وشامًا، ويمنًا، فكان من مذهبهم: ... فذكرا أمورًا إلى أن قالا: وأن الله ﷿ على عرشه بائنٌ من خلقه كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله - ﷺ - بلا كيف، أحاط بكل شيء علما ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١) (١) اهـ.\n\n- عبد الله بن مسلم بن قتيبة أبو محمد الدينوري (٢٧٦ هـ)\nقال: (والأمم كلها عربيها وعجميها تقول: إن الله تعالى في السماء ما تُركت على فطرها ولم تُنقل عن ذلك بالتعليم.\nوفي الحديث إن رجلا أتى رسول الله - ﷺ - بأمة أعجمية للعتق، فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"أين الله تعالى؟ فقالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله - ﷺ -، فقال ﵊: هي مؤمنة، وأمره بعتقها -هذا أو نحوه) (٢) اهـ.\n\n- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)\nقال: (وقد اتفقت كلمة المسلمين أن الله تعالى فوق عرشه، فوق سماواته) (٣) اهـ.\n_________\n(١) رواه اللالكائي (١/ ١٧٦ - ١٧٧).\n(٢) تأويل مختلف الحديث (ص٢٥٢ - ٢٥٣).\n(٣) الرد على المريسي (١/ ٣٤٠).","vol":"1","page":433},{"text":"وقال: (وقد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله في السماء، وحدوه بذلك إلا المريسي الضال وأصحابه) (١) اهـ.\n\n- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ)\nقال: (باب ذكر البيان أن الله ﷿ في السماء كما أخبرنا في محكم تنزيله وعلى لسان نبيه ﵇، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين، علمائهم وجهالهم، أحرارهم ومماليكهم، ذكرانهم وإناثهم، بالغيهم وأطفالهم، كل من دعا الله جل وعلا: فإنما يرفع رأسه إلى السماء ويمد يديه إلى الله) (٢) اهـ.\n\n- الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الشافعي (٣٦٠ هـ)\nقال: (والذي يذهب إليه أهل العلم: أن الله ﷿ سبحانه على عرشه فوق سماواته، وعلمه محيط بكل شيء .....) إلى أن قال: (فإن قال قائل: فإيش معنى قوله: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم الآية التي بها يحتجون؟ قيل له: علمه ﷿، والله على عرشه وعلمه محيط بهم وبكل شيء من خلقه، كذا فسره أهل العلم والآية يدل أولها وآخرها على أنه العلم ...) إلى أن قال: (باب ذكر السنن التي دلت العقلاء\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ٢٢٨).\n(٢) التوحيد (ص١١٠).","vol":"1","page":434},{"text":"على أن الله ﷿ على عرشه فوق سبع سماواته وعلمه محيط بكل شيء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء) (١) اهـ.\n\n- أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (٣٨٤ هـ)\nقال: (وأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله ﵎ على عرشه، فوق سماواته، بائن من خلقه، وعلمه محيط بجميع خلقه، لا يأبى ذلك، ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية.) (٢) اهـ.\n\n- الإمام المقرئ المحدث أبو عمر أحمد بن محمد الطلمنكي (٤٢٩ هـ)\nقال: (وأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ الحديد٤، ونحو ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء) اهـ.\nوقال أيضا: (قال أهل السنة في قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،: أن الاستواء من الله على عرشه المجيد على الحقيقة لا على المجاز) (٣) اهـ.\n_________\n(١) الشريعة (ص٣٠٠).\n(٢) الإبانة (٣/ ١٣٦).\n(٣) سبق تخريجه حاشية ٦٧.","vol":"1","page":435},{"text":"- الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٤٣٠ هـ)\nقال الحافظ أبو نعيم فى كتابه \"محجة الواثقين ومدرجة الوامقين\": (وأجمعوا أن الله فوق سمواته، عالٍ على عرشه، مستوٍ عليه لا مستول عليه كما تقول الجهمية) (١) اهـ.\nوقال الذهبي: (قال الحافظ الكبير أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني مصنف حلية الأولياء في كتاب الاعتقاد له: \"طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة ومما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملا بجميع صفاته القديمة .... إلى أن قال: وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل، وأن الله بائن من خلقه والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائة من دون أرضه.\nقال الذهبي: فقد نقل هذا الإمام الإجماع على هذا القول ولله الحمد وكان حافظ العجم في زمانه بلا نزاع جمع بين علو الرواية وتحقيق الدراية) (٢) اهـ.\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٦٠).\n(٢) العلو (ص٢٤٣).","vol":"1","page":436},{"text":"- الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (٤٤٤ هـ)\nقال في كتاب \"الإبانة\": (وأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان) (١) اهـ.\n\n- شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٤٤٩ هـ)\nقال: (ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله ﷿ فوق سبع سماواته، على عرشه، كما نطق به كتابه ..) إلى أن قال: (وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته) (٢) اهـ.\n\n- الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (٤٦٣ هـ)\nقال: (وفيه دليل على أن الله ﷿ في السماء على العرش\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ١٠٢.\n(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص٤٤).","vol":"1","page":437},{"text":"من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة، وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم إن الله ﷿ في كل مكان وليس على العرش ... -ثم سرد الأدلة) (١) اهـ.\nوقال: (ومن الحجة أيضا في أنه ﷿ على العرش فوق السموات السبع: أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته، لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم) (٢) اهـ.\nوقال: (معاني هذا الحديث -أي حديث الجارية- واضحة يستغنى عن الكلام فيها، وأما قوله: أين الله؟ فقالت: في السماء، فعلى هذا أهل الحق لقول الله ﷿ لتأويل قول الله ﷿ ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، ولم يزل المسلمون في كل زمان إذا دهمهم أمر وكربهم غم يرفعون وجوههم وأيديهم إلى السماء رغبة إلى الله ﷿ في الكف عنهم) (٣) اهـ.\n_________\n(١) التمهيد (٧/ ١٢٩ - ١٣١).\n(٢) المرجع السابق (٧/ ١٣٤).\n(٣) المرجع السابق (٨/ ٨٠).","vol":"1","page":438},{"text":"- الإمام الحافظ أبو جعفر محمد بن أبي علي الحسن الهمذاني (٥٣١ هـ)\nقال الذهبي: (قال محمد بن طاهر: حضر المحدث أبو جعفر الهمذاني في مجلس وعظ أبي المعالي فقال: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه، فقال أبو جعفر: أخبرنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التي نجدها: ما قال عارف قط يا الله إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو، ولا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا، أو قال: فهل عندك دواء لدفع هذه الضرورة التي نجدها، فقال: يا حبيبي ما ثم إلا الحيرة، ولطم على رأسه ونزل، وبقي وقت عجيب، وقال فيما بعد: حيرني الهمذاني) (١) اهـ.\n\n- الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ)\nقال: (وزعم هؤلاء -أي منكروا العلو الحسي-: أنه لا يجوز الإشارة إلى الله سبحانه بالرؤوس والأصابع إلى فوق، فإن ذلك يوجب التحديد.\n_________\n(١) نقلها شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض التأسيس وساق أسانيدها (ص٣٠) وأوردها الذهبي في العلو (ص٢٥٩) وفي السير (١٨/ ٤٧٤).","vol":"1","page":439},{"text":"وقد أجمع المسلمون أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن في قوله: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ الأعلى١.\nوزعموا: أن ذلك بمعنى علو الغلبة لا علو الذات. وعند المسلمين أن لله ﷿ علو الغلبة، والعلو من سائر وجوه العلو، لأن العلو صفة مدح، فثبت لله تعالى علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر، والغلبة.) (١) اهـ.\n\n- أبو الوليد محمد بن أبي القاسم أحمد بن رشد الحفيد القرطبي (٦٠٥ هـ)\nقال في كتاب \"مناهج الأدلة في الرد على الأصوليين\": (القول في الجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخروا الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع تقتضي إثبات الجهة ..... إلى أن قال: وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله تعالى والملائكة في السماء كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك) (٢) اهـ.\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ١١٤).\n(٢) نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (٦/ ٢١٣) وفي نقض التأسيس (ص٩٧)","vol":"1","page":440},{"text":"- أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ)\nقال: (إن الله وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك رسوله خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزًا في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب يلحظون السماء بأعينهم ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينظرون مجيء الفرج من ربهم، وينطقون بذلك بألسنتهم، ولا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته) (١) اهـ.\n\n- أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي (٦٧١هـ)\nقال في شرح أسماء الله الحسنى: (وأظهر الأقوال ما تظاهرت عليه الآي والأخبار والفضلاء الأخيار: أن الله على عرشه كما أخبر في كتابه وعلى لسان نبيه بلا كيف، بائن من جميع خلقه، هذا مذهب السلف الصالح فيما نقل عنهم الثقات) (٢) اهـ.\n_________\n(١) إثبات صفة العلو (ص٤٣).\n(٢) نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عنه في درء التعارض (٦/ ٢٥٨) وفي بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٣) وفي مجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٤) وفي نقض التأسيس (ص١٠٦) ونقله ابن القيم عنه أيضًا في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص٢٦٣).","vol":"1","page":441},{"text":"وقال: (والأكثر من المتقدمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه ﵎ عن الجهة، فليس بجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز، والتغير والحدوث. هذا قول المتكلمين.\nوقد كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة. وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته.\nقال مالك ﵀: الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول، والسؤال عن هذا بدعة. وكذا قالت أم سلمة ﵂. وهذا القدر كاف، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء.) (١) اهـ.\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٧/ ١٤٠).","vol":"1","page":442},{"text":"- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ)\nقال: (قال عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي الحافظ في كتاب الرد على الجهمية: حدثنا أبي حدثنا سليمان بن حرب سمعت حماد بن زيد يقول: \"إنما يدورون على أن يقولوا ليس في السماء إله\" يعني الجهمية.\nقلت: مقالة السلف وأئمة السنة بل والصحابة والله ورسوله والمؤمنون أن الله ﷿ في السماء، وأن الله على العرش، وأن الله فوق سماواته، وأنه ينزل إلى السماء الدنيا،\nوحجتهم على ذلك النصوص والآثار.\nومقالة الجهمية أن الله ﵎ في جميع الأمكنة تعالى الله عن قولهم بل هو معنا أينما كنا بعلمه.\nومقال متأخري المتكلمين: أن الله تعالى ليس في السماء، ولا على العرش، ولا على السموات ولا في الأرض، ولا داخل العالم ولا خارج العالم، ولا هو بائن عن خلقه ولا متصل بهم، وقالوا: جميع هذه الأشياء صفات الأجسام والله تعالى منزه عن الجسم.\nقال لهم أهل السنة والأثر: نحن لا نخوض في ذلك ونقول ما ذكرناه اتباعًا للنصوص وإن زعمتم، ولا نقول بقولكم، فإن هذه","vol":"1","page":443},{"text":"السلوب نعوت المعدوم تعالى الله ﷻ عن العدم، بل هو موجود متميز عن خلقه، موصوف بما وصف به نفسه من أنه فوق العرش بلا كيف) (١) اهـ.\nوقال بعد نقله لكلام القرطبي: (وقال القرطبي أيضا في الأسنى \"الأكثر من المتقدمين والمتأخرين يعني المتكلمين يقولون إذا وجب تنزيه الباري ﷻ عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عند عامة العلماء المتقدمين وقادتهم المتأخرين تنزيه الباري عن الجهة فليس لجهة فوق عندهم، لأنه يلزم من ذلك عندهم أنه متى اختص بجهة أن يكون في مكان وحيز، ويلزم على المكان والحيز والحركة والسكون للتحيز والتغير والحدوث. \"هذا قول المتكلمين\"\nقال الذهبي: نعم هذا ما اعتمده نفاة علو الرب ﷿، وأعرضوا عن مقتضى الكتاب والسنة وأقوال السلف وفطر الخلائق، ويلزم ما ذكروه في حق الأجسام، والله تعالى لا مثل له، ولازم صرائح النصوص حق ولكنا لا نطلق عبارة إلا بأثر، ثم نقول لا نسلم كون الباري على عرشه فوق السموات يلزم منه أنه في حيز وجهة إذ ما دون العرش يقال فيه حيز وجهات، وما فوقه فليس هو كذلك، والله فوق عرشه كما أجمع عليه الصدر\n_________\n(١) العلو (ص١٤٣).","vol":"1","page":444},{"text":"الأول، ونقله عنهم الأئمة، وقالوا ذلك رادين على الجهمية القائلين بأنه في كل مكان محتجين بقوله: ﴿وهو معكم﴾ الحديد٤، فهذان القولان هما اللذان كانا في زمن التابعين وتابعيهم وهما قولان معقولان في الجملة.\nفأما القول الثالث المتولد أخيرًا من أنه تعالى ليس في الأمكنة ولا خارجًا عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات ولا خارجًا عن الجهات، ولا ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار، ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين، وآمن بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وفوض أمرك إلى الله ولا حول ولا قوة إلا بالله) (١) اهـ.\nفرع: في تقرير أبي الحسن الأشعري لعلو الله تعالى على خلقه بذاته، وإبطال كونه لا داخل العالم ولا خارجه ولا حال فيه ولا محايث له\nقال في كتابه الإبانة في فصل \"ذكر الاستواء على العرش\" بعد ذكر الآيات الدالة على علو الله تعالى على جميع خلقه: (وقال تعالى حاكيًا عن فرعون: ﴿يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ الأسباب. أسباب السموات فأطلع إلى\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٢٦٨)","vol":"1","page":445},{"text":"إله موسى وإني لأظنه كاذبا﴾ غافر٣٦، فكذب فرعون نبي الله موسى ﵊ في قوله إن الله ﷿ فوق السماوات. وقال ﷿: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ الملك١٦، فالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات ..) إلى أن قال: (ورأينا المسلمين جميعًا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء؛ لأن الله تعالى مستو على العرش الذي هو فوق السماوات، فلولا أن الله ﷿ على العرش لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحطّونها إذا دعوا إلى الأرض.\nفصل: وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن معنى قول الله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، أنه استولى وملك وقهر، وأن الله تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله ﷿ مستويًا على عرشه، كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة.\nولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة) ..","vol":"1","page":446},{"text":"ثم ساق الأدلة وأجاب عن شبهات المعتزلة وغيرهم ثم قال: (دليل آخر: قال الله تعالى: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ النحل٥٠، وقال تعالى: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ المعارج٤، وقال تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان﴾ فصلت١١، وقال تعالى: ﴿ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا﴾ الفرقان٥٩، وقال تعالى: ﴿ثم استوى على العرش ما لكم من ولي ولا شفيع﴾ السجدة٤، فكل ذلك يدل على أنه تعالى في السماء مستو على عرشه، والسماء بإجماع الناس ليست الأرض، فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته، مستو على عرشه استواء منزهًا عن الحلول والاتحاد.\nدليل آخر:\nقال الله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢، وقال تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ البقرة٢١٠، وقال: ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى﴾ إلى قوله: ﴿لقد رأى من آيات ربه الكبرى﴾ النجم (٨ - ١٨)، وقال تعالى لعيسى ابن مريم ﵇: ﴿إني متوفيك ورافعك إليّ﴾ آل عمران٥٥، وقال تعالى: ﴿وما قتلوه يقينا","vol":"1","page":447},{"text":"بل رفعه الله إليه﴾ النساء١٥٨، وأجمعت الأمة على أن الله سبحانه رفع عيسى - ﷺ - إلى السماء، ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا إذا هم رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم يقولون جميعًا: يا ساكن السماء، ومن حلفهم جميعًا: لا والذي احتجب بسبع سماوات.) (١) اهـ.\nوقال في \"مقالات الإسلاميين\" في ذكر من ضل في علو الله تعالى فذكر منهم من قال أن الله لا داخل العالم ولا خارجه ونحو ذلك: (وقال قائلون: .. ثم قال: وأنه ليس في الأشياء ولا على العرش إلا على معنى أنه فوقه غير مماس له، وأنه فوق الأشياء وفوق العرش ليس بينه وبين الأشياء أكثر من أنه فوقها ...) إلى أن قال: (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم ولا يشبه الأشياء وأنه على العرش كما قال ﷿: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول: استوى بلا كيف ...) إلى أن قال: (وقالت المعتزلة أن الله استوى على عرشه بمعنى استولى.) (٢) اهـ.\n_________\n(١) الإبانة للأشعري (ص٩٧ - ١٠٣).\n(٢) مقالات الإسلاميين (١/ ٢٨٤).","vol":"1","page":448},{"text":"وقال في \"رسالة إلى أهل الثغر\" في الإجماع التاسع عشر في إثبات علو الله تعالى وأنه لا ينافي معيته لخلقه بالعلم: (وأنه تعالى فوق سماواته على عرشه دون أرضه، وقد دل على ذلك بقوله: ﴿أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ الملك١٦، وقال: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ فاطر١٠. وقال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، وليس استواءه على العرش استيلاء كما قال أهل القدر، لأنه ﷿ لم يزل مستوليًا على كل شيء. وأنه يعلم السر وأخفى من السر، ولا يغيب عنه شيء في السماوات والأرض حتى كأنه حاضر مع كل شيء، وقد دل الله ﷿ على ذلك بقوله: ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ الحديد٤، وفسر ذلك أهل العلم بالتأويل أن علمه محيط بهم حيث كانوا. وأنه له ﷿ كرسيًا دون العرش، وقد دل الله سبحانه على ذلك بقوله: ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ البقرة٢٥٥، وقد جاءت الأحاديث عن النبي - ﷺ - أن الله تعالى يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده) (١) اهـ.\n_________\n(١) رسالة إلى أهل الثغر (ص٢٣٢ - ٢٣٦).","vol":"1","page":449},{"text":"فرع: في تقرير عبد الله بن سعيد بن كلاب لعلو الله تعالى على عرشه، وإبطال من زعم أنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا حال فيه ولا محايث له\nقال: (ويقال لهم أهو فوق ما خلق؟ فإن قالوا: نعم، قيل: ما تعنون بقولكم إنه فوق ما خلق؟ فإن قالوا: بالقدرة والعزة، قيل لهم: ليس عن هذا سألناكم، وإن قالوا: المسألة خطأ، قيل: فليس هو فوق، فإن قالوا: نعم ليس هو فوق، قيل لهم: وليس هو تحت، فإن قالوا: ولا تحت أعدموه، لأن ما كان لا تحت ولا فوق فعدم، وإن قالوا: هو فوق وهو تحت، قيل لهم: فوق تحت وتحت فوق .... وقال أيضًا: (يقال لهم إذا قلنا الإنسان لا مماس ولا مباين للمكان فهذا محال، فلا بد من نعم، قيل لهم: فهو لا مماس ولا مباين، فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فهو بصفة المحال من المخلوقين الذي لا يكون ولا يثبت في الوهم، فإذا قالوا: نعم، قيل: فينبغي أن يكون بصفة المحال من هذه الجهة، وقيل لهم: أليس لا يقال لما ليس بثابت في الإنسان مماس ولا مباين؟","vol":"1","page":450},{"text":"فإذا قالوا: نعم، قيل: فأخبرونا عن معبودكم مماس هو أو مباين؟ فإذا قالوا: لا يوصف بهما، قيل لهم: فصفة إثبات الخالق كصفة عدم المخلوق، فلم لا تقولون عدم كما تقولون للإنسان عدم إذا وصفتموه بصفة العدم، وقيل لهم: إذا كان عدم المخلوق وجودًا له فإذا كان العدم وجودًا كان الجهل علمًا والعجز قوة) (١) اهـ.\nوقال الذهبي في ترجمته: (وصنف في التوحيد وإثبات الصفات، وأن علو الباري على خلقه معلوم بالفطرة والعقل على وفق النص) (٢) اهـ.\n\nفرع في تقرير علو الله بذاته على خلقه من كلام الحاث المحاسبي\nقال في كتابه \"فهم القرآن\": (وأن قوله: ﴿على العرش استوى﴾ طه٥، ﴿وهو القاهر فوق عباده﴾ الآية الأنعام١٨، ﴿أأمنتم من فى السماء﴾ الملك١٦،\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (٦/ ١٢٠) وفي مجموع الفتاوى (٥/ ٣١٨)\n(٢) سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٥)","vol":"1","page":451},{"text":"﴿إذا لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا﴾ الإسراء٤٢، فهذا وغيره مثل قوله: ﴿تعرج الملائكة والروح إليه﴾ المعارج٤، ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر١٠، هذا منقطع يوجب أنه فوق العرش، فوق الأشياء كلها، منزه عن الدخول فى خلقه، لا يخفى عليه منهم خافية، لأنه أبان فى هذه الآيات أنه أراد أنه بنفسه فوق عباده، لأنه قال: ﴿أأمنتم من فى السماء أن يخسف بكم الأرض﴾ الملك١٦، يعنى فوق العرش، والعرش على السماء، لأن من قد كان فوق كل شىء على السماء فى السماء، ..) إلى أن قال: (﴿وقال فرعون يا هامان ابن لى صرحا لعلى أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى﴾ غافر٣٦، ثم استأنف الكلام فقال ﴿وإنى لأظنه كاذبا﴾ فيما قال لى أن إلهه فوق ..) (١) اهـ.\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (٥/ ٦٥ - ٧٠).","vol":"1","page":452},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المبحث الثالث\nبيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب</span>\nخلاصة الفصل:\nأولًا: أن الله ﵎ متصف بالعلو المطلق، علو الذات، وعلو القهر، وعلو القَدْر، وأن الأدلة متضافرة على تقرير هذا الأمر، فقد دل على علوه تعالى على خلقه بذاته: الكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة، والعقل.","vol":"1","page":453},{"text":"ثانيًا: أن أبا الحسن الأشعري وعبد الله بن سعيد بن كلاب والحارث المحاسبي يثبتون علو الله ﵎ على خلقه، وأنه علو الذات والقهر والغلبة والقدر، ويبطلون ما خالف ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>[بيان نفي الأشاعرة لعلو الله تعالى وقولهم في هذا الباب بما يمتنع بداهة]</span>\nثالثًا: بطلان قول الأشاعرة في إنكار علو الله تعالى بذاته على عرشه، وتأويلهم له بعلو القهر والغلبة والقدر، وأنهم في ذلك مخالفون للكتاب والسنة والإجماع، موافقون للجهمية والمعتزلة.\nقال البيجوري في شرح الجوهرة في شرح قول الناظم \"ويستحيل ضد ذي الصفات ... في حقه كالكون في الجهات\": (فليس -أي الله ﵎- فوق العرش ولا تحته، ولا عن يمينه ولا عن شماله ... فليس له فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال ..) (١) اهـ.\nوقال الغزالي في \"الاقتصاد في الاعتقاد\": (ندعي - أي\n_________\n(١) شرح جوهرة التوحيد (ص١٦٣).","vol":"1","page":454},{"text":"الأشاعرة - أنه ليس في جهة مخصوصة من الجهات الست .... فإن قيل: فنفي الجهة يؤدي إلى المحال وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات الست، ويكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه وذلك محال ....) ثم أجاب عن هذا مؤكدًا عدم امتناع اتصاف الله بما ذُكر (١).\nوقال الشهرستاني في \"نهاية الإقدام في علم الكلام\": (فإنا نقول: ليس بداخل العالم ولا خارج) (٢) اهـ.\nوقال التفتازاني: (وإذا لم يكن -أي الله تعالى- في مكان: لم يكن في جهة، لا علو، ولا سفل، ولا غيرهما ..) (٣) اهـ.\nوقال الأشعريان (ص١٣٩): (ولا يُفهم من قول أهل الحق: أن الله تعالى لا يوصف بأنه داخل العالم ولا أنه خارجه، بأنهم يصفونه بالعدم ... وإنما مرادهم كما مر أن إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى لا يجوز وهو منزه عنه - أي علو الله تعالى على خلقه علوًا بمعنى الفوقية والارتفاع - .... أما ما جاء في الكتاب والسنة من الألفاظ التي ظاهرها إثبات الجهة والمكان لله تعالى فهي - قطعًا وباتفاق علماء السلف والخلف - مصروفة عن ظاهرها وحقائقها ..) اهـ.\n_________\n(١) الاقتصاد في الاعتقاد (ص٧٤ - ٨١).\n(٢) نهاية الإقدام على علم الكلام (ص٦٧).\n(٣) شرح العقائد النسفية (ص٣٢ - ٣٣).","vol":"1","page":455},{"text":"هذا معتقد القوم في الله ﵎ عما زعموه علوًا كبيرًا، وصدق الذهبي إذا يقول عن هذه المقالة: (فأما القول الثالث المتولد أخيرًا من أنه تعالى ليس في الأمكنة ولا خارجًا عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متحيزة ولا بائنة عن مخلوقاته، ولا في الجهات ولا خارجًا عن الجهات، ولا ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم مع ما فيه من مخالفة الآيات والأخبار، ففر بدينك وإياك وآراء المتكلمين) (١) اهـ.\nوهكذا يتبين لكل ذي لب مخالفة الأشاعرة والأشعريّيْن للكتاب، والسنة، والإجماع، والفطرة، والعقل، بل ومخالفتهم لأبي الحسن الأشعري نفسه الذي يزعمون الانتساب إليه.\nولعله من المناسب أن نلحق هذا الفصل لما يؤكده وهو:\n_________\n(١) العلو (ص٢٦٨).","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>الفصل الثاني\nفي جواز السؤال عن الله تعالى بـ أين؟ والرد على من أنكر ذلك</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المبحث الأول\nدلالة السنة على جواز السؤال عن الله تعالى بأين</span>؟\nمن أدلة أهل السنة والجماعة على إثبات علو الله تعالى بذاته على خلقه، التصريح في السؤال عن الله تعالى بلفظ (الأين).\nفقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن معاوية بن الحكم السلمي - ﵁ - قال: (وكانت لي جارية ترعى غنمًا لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بنى آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله - ﷺ - فعظم ذلك علي، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها، فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة) (١).\n_________\n(١) رواه مسلم (٥٣٧).","vol":"1","page":457},{"text":"وهذا صريح في جواز السؤال عن الله تعالى بـ \"أين\" والجواب عنه بالقول بأنه في السماء، وأنه علامة على صحة الإيمان بالله، لما فيه من معرفة الله تعالى بإثبات علوه على خلقه، وأنه في السماء.\nوقد أجمع السلف على صحة السؤال عن الله تعالى به، وعلى وجوب الجواب الجواب بكونه ﵎ في السماء، وأنكروا على من منع ذلك، بل اعتبروا المنع منه ردًا على رسول الله - ﷺ -، وإنكارًا لعلو الله ﵎.\nوفي حديث النبي - ﷺ - كفاية وغنية بحمد الله، وفيه حجة دامغة على من أبطل ذلك ومنعه، ولكن أكثرهم لا يفقهون.","vol":"1","page":458},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث الثاني\nنصوص السلف الدالة على جواز السؤال عن الله بـ: أين</span>؟\nومع ذلك فأنا أذكر هنا بعض نصوص السلف الدالة على ذلك، والمؤكدة لما جاء في الحديث:\n\n- سليمان بن طرخان التيمى أبو المعتمر البصرى (١٤٣ هـ)\nقال صدقة: (سمعت التيمي يقول: لو سُئلت أين الله ﵎؟\nقلت: في السماء.\nفإن قال: فأين عرشه قبل أن يخلق السماء؟\nقلت: على الماء.\nفإن قال لي: أين كان عرشه قبل أن يخلق الماء؟\nقلت: لا أدري) (١) اهـ.\n\n- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)\nقال في الرد على قول المعارض بالمنع من السؤال عن الله\n_________\n(١) رواه اللالكائي (٣/ ٤٠١) وأورده الذهبي في العلو (ص١٣٠).","vol":"1","page":459},{"text":"بـ\"أين\": (وصرحت أيضًا بمذهب كبير فاحش من قول الجهمية. فقلت: إذا قالوا لنا: أين الله؟ فإنا لا نقول بالأينية بحلول المكان. إذا قيل: أين هو؟ قيل: هو على العرش وفي السماء.\nفيقال لك أيها المعارض: ما أبقيت غاية في نفي استواء الله على العرش واستوائه إلى السماء، إذ قلت: لا نقول: إنه على العرش وفي السماء بالأينية. ومن لم يعرف أن إلهه فوق عرشه، فوق سماواته، فإنما يعبد غير الله، ويقصد بعبادته إلى إله في الأرض، ومن قصد بعبادته إلى إله في الأرض كان كعابد وثن، لأن الرحمن على العرش، والأوثان في الأرض، كما قال لجبريل: ﴿عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين﴾ التكوير٢٠، ففي قوله دليل على البينونة والحد بقوله ﴿ثم﴾ لا ها هنا في الكنف والمراحيض كما ادعيتم.\nوإن أبيت أيها المعارض أن تؤين الله تعالى وتقر به أنه فوق عرشه، دون ما سواه، فلا ضير على من أينه، إذ رسوله ونبيه - ﷺ - قد أينه فقال للأمة السوداء: \"أين الله؟ قالت: في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة\" وكذلك أينه رسول الله - ﷺ - وخليله إبراهيم أنه في السماء) .... إلى أن قال: (وأما قولك: لا يوصف بأين. فهذا أصل كلام جهم) (١) اهـ.\n_________\n(١) الرد على المريسي (١/ ٤٨٩).","vol":"1","page":460},{"text":"فتأمل قوله في أن المنع عن السؤال بأين، هو أصل الجهمية!!\n- القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (٤٥٨ هـ)\nقال بعد روايته لحديث الجارية: (اعلم أن الكلام في هذا الخبر في فصلين:\nأحدهما: في جواز السؤال عنه سبحانه بأين هو؟ وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء.\nوالثاني: قوله \"اعتقها فإنها مؤمنة\".\nأما الفصل الأول فظاهر الخبر يقتضي جواز السؤال عنه، وجواز الإخبار عنه بأنه في السماء، لأن النبي - ﷺ - قال لها \"أين الله؟ \"، فلولا أن السؤال عنه جائز لم يسأل، وأجابته بأنه في السماء وأقرها على ذلك، فلولا أنه يجوز الإخبار عنه سبحانه بذلك لم يقرها عليه ...) إلى أن قال: (وقد أطلق أحمد القول بذلك فيما خرجه في \"الرد على الجهمية\" ..) (١) اهـ.\n\n- شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (٤٨١ هـ)\nقال في بيان موافقة الأشاعرة للجهمية: (فاسمعوا يا أولي الألباب، وانظروا ما فضل هؤلاء -أي الأشاعرة- على أولئك\n_________\n(١) إبطال التأويلات (١/ ٢٣٢).","vol":"1","page":461},{"text":"-أي الجهمية-، أولئك قالوا: -قبح الله مقالتهم- إن الله موجود بكل مكان، وهؤلاء يقولون: ليس هو في مكان ولا يوصف بأين.\nوقد قال المبلغ عن الله ﷿ لجارية معاوية بن الحكم - ﵁ -: \"أين الله\".) (١) اهـ.\n\n- تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (٦٠٠ هـ)\nقال بعد روايته لحديث الجارية: (ومن أجهل جهلًا، وأسخف عقلًا، وأضل سبيلًا، ممن يقول: إنه لا يجوز أن يُقال: أين الله؟ بعد تصريح صاحب الشريعة بقوله: أين الله؟) (٢) اهـ.\n- الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (٧٤٨ هـ)\nقال بعد ذكر حديث الجارية: (وهكذا رأينا كل من يُسأل: أين الله؟ يبادر بفطرته ويقول: في السماء. ففي الخبر مسألتان:\nإحداهما: شرعية، قول المسلم أين الله.\nوثانيهما: قول المسؤول: في السماء.\n_________\n(١) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٣٥).\n(٢) عقائد أئمة السلف (ص٧٥).","vol":"1","page":462},{"text":"فمن أنكر هاتين المسألتين فإنما ينكر على المصطفى - ﷺ -) (١) اهـ.\n\nفرع: في تقرير هذا الأصل من كلام أبي الحسن الأشعري\nقال في \"الإبانة\" في باب ذكر الاستواء على العرش: (دليل آخر:\nوروت العلماء ﵏ عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إن العبد لا تزول قدماه من بين يدي الله ﷿ حتى يسأله عن عمله).\nوروت العلماء أن رجلا أتى النبي - ﷺ - بأمة سوداء فقال: يا رسول الله، إني أريد أن أعتقها في كفارة، فهل يجوز عتقها؟\nفقال لها النبي - ﷺ -: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: فمن أنا؟ قالت: أنت رسول الله، فقال النبي - ﷺ -: أعتقها فإنها مؤمنة.\nوهذا يدل على أن الله تعالى على عرشه فوق السماء ..) (٢) اهـ.\n_________\n(١) العلو (ص٢٨).\n(٢) الإبانة للأشعري (ص١٠٣).","vol":"1","page":463},{"text":"فرع: تقرير هذا الأصل من قول عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان\nقال فى كتاب \"الصفات\" فى باب القول فى الاستواء فيما نقله عن ابن فورك: (فرسول الله وهو صفوة الله من خلقه وخيرته من بريته وأعلمهم جميعًا به يجيز السؤال بأين، ويقوله يستصوب قول القائل إنه في السماء، ويشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون الأين زعموا، ويحيلون القول به، ولو كان خطأ كان رسول الله أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها لا تقولي ذلك فتوهمين أن الله ﷿ محدود وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي إنه في كل مكان دون مكان، لأنه الصواب دون ما قلت، كلا لقد أجازه رسول الله مع علمه بما فيه وأنه أصوب الأقاويل، والأمر الذي يجب الإيمان لقائله، ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، فكيف يكون الحق في خلاف ذلك والكتاب ناطق به وشاهد له.\nقال: ولو لم يشهد لصحة مذهب الجماعة في هذا الفن خاصة إلا ما ذكرنا من هذه الأمور لكان فيه ما يكفي، كيف وقد غرس في بنية الفطرة ومعارف الآدميين من ذلك ما لا شيء أبين منه ولا أوكد لأنك لا تسأل أحدًا من الناس عنه عربيًا ولا عجميًا ولا مؤمنًا ولا كافرًا فتقول: أين ربك؟ إلا قال: في السماء إن أفصح، أو أوما","vol":"1","page":464},{"text":"بيده أو أشار بطرفه إن كان لا يفصح، لا يشير إلى غير ذلك من أرض ولا سهل ولا جبل، ولا رأينا أحدًا داعيًا له إلا رافعًا يديه إلى السماء، ولا وجدنا أحدًا غير الجهمية يسأل عن ربه فيقول في كل مكان كما يقولون، وهم يدعون أنهم أفضل الناس كلهم، فتاهت العقول وسقطت الأخبار واهتدى جهم وحده وخمسون رجلًا معه نعوذ بالله من مضلات الفتن) اهـ.\nثم قال ابن فورك: فقد حقق ﵀ في هذا الفصل شيئًا من مذاهبه، أحدها: إجازة القول بأين الله؟ في السؤال عنه، والثاني: صحة الجواب عنه بأن يقال: في السماء، والثالث: أن ذلك يرجع فيه إلى الإجماع من الخاصة والعامة) (١) اهـ.\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (٦/ ١٩٣) وفي نقض التأسيس (ص٥١ - ٥٣) وفي مجموع الفتاوى (٥/ ٣١٩) ونقله ابن القيم في الصواعق المرسلة (٤/ ١٢٣٨) وفي اجتماع الجيوش الإسلامية (ص٢٨٢).","vol":"1","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المبحث الثالث\nبيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب</span>\nخلاصة الفصل:\nأولًا: جواز السؤال عن الله تعالى بـ: أين الله؟، والجواب عنه: بأنه في السماء، ولا يستلزم هذا تحديدًا، ولا تكييفًا، ولا شيئًا من لوازم صفات المخلوقين، وأنه مذهب السلف بلا خلاف بينهم اتباعًا للنبي - ﷺ -.\nثانيًا: أن أبا الحسن الأشعري وعبد الله بن سعيد بن كلاب موافقان للسلف في هذه المسألة، ومنكران على من منع السؤال بأين، وعليه فإن كل من يزعم الانتساب إليهما مع مخالفته لهما فدعواه باطلة.\nثالثًا: أن الذي ينكر السؤال عن الله تعالى بأين، إنما هم المعطلة كالجهمية والمعتزلة وكل من وافقهم على هذا.\nرابعًا: موافقة الأشاعرة للجهمية والمعتزلة في إنكار السؤال عن الله تعالى بأين، وبه يتبين بطلان ما ادعاه الأشعريان من موافقة الأشاعرة للسلف.","vol":"1","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>الفصل الثالث\nإثبات أن الله تبارك تعالى يتكلم بحرف وصوت مسموع\nوأن كلامه لا يشبه كلام المخلوقين</span>\nاتفق أهل السنة والجماعة على ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الله ﵎ موصوف بالكلام، وأنه يتكلم متى شاء كيف شاء بحرف وصوت مسموع، لا يشبه كلام المخلوقين، بل كلامه لائق به سبحانه، وكلامه صفة له كذاته نؤمن به ونثبته ولا نعلم كيفيته، ولا نمثله بشيء من صفات خلقه، ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، وهو السميع البصير المتكلم.","vol":"1","page":467},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>المبحث الأول\nالأدلة من الكتاب والسنة على إثبات الحرف والصوت في كلام الله تعالى</span>\nالله ﵎ يتكلم بكلام مسموع بحرف وصوت لا يشبه أصوات المخلوقين، وقد دل على إثبات كون الله ﵎ يتكلم بحرف وصوت: الكتاب والسنة والإجماع واللغة.\nفمن الكتاب قوله ﵎: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤.\nوقال: ﴿فلما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه﴾ الأعراف١٤٣. وغير ذلك من الآيات.\nوالكلام لغةً لا يكون إلا بحرف وصوت. فلما أثبت الله لنفسه الكلام دل على أنه حرف وصوت. لأن الله تعالى وصف كتابه بأنه: ﴿بلسان عربي مبين﴾ الشعراء١٩٥.\nقال أبو نصر السجزي: (الكلام لا يكون إلا حرفًا وصوتًا ذا تأليف واتساق، وإن اختلفت بهم اللغات.","vol":"1","page":468},{"text":"وعبر عن هذا المعنى الأوائل الذين تكلموا في العقليات وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات متقطعة. وقالت العرب: الكلام: اسم وفعل وحرف جاء لمعنى، فالاسم مثل: زيد، وحامد، والفعل مثل: جاء، وذهب، وقام، وقعد، والحرف الذي يجئ لمعنى مثل: هل، وبل، وما شاكل ذلك. فالإجماع منعقد بين العقلاء على كون الكلام حرفًا وصوتًا) (١) اهـ.\nوقال قوام السنة أبو القاسم التيمي الأصبهاني: (وقد أجمع أهل العربية أن ما عدا الحروف والأصوات ليس بكلام حقيقة) (٢) اهـ.\nوقال تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ التوبة٦. ومعلوم أن السامع إنما يسمع حرفًا وصوتًا.\nوالقرآن كلام الله ﵎، وقد بين النبي - ﷺ - أنه سور وآي وحروف فقال: (من قرأ سورة الإخلاص ..) الحديث، (ومن قرأ آية الكرسي) الحديث، و(من قرأ حرفًا من القرآن) الحديث.\nوقد وصف الله ﵎ نفسه بالنداء فقال: ﴿وإذ نادى ربك موسى﴾ الشعراء١٠.\n_________\n(١) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص٨١).\n(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ٣٩٩).","vol":"1","page":469},{"text":"وقال تعالى: ﴿هل أتاك حديث موسى إذ ناداه ربه﴾ النازعات١٦.\nقال السجزي: (والنداء عند العرب صوت لا غير، ولم يرد عن الله تعالى ولا عن رسوله - ﷺ - أنه من الله غير صوت) (١) اهـ.\nوقال ابن منظور في اللسان: (النداء: الصوت) (٢) اهـ.\n\nأما الأدلة من السنة:\n(١) فعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: (يقول الله ﷿ يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف أراه قال تسعمائة وتسعة وتسعين ...) الحديث (٣).\n(٢) عن عبد الله بن أنيس - ﵁ - قال: (قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: يحشر الناس يوم القيامة أو قال العباد عراة غرلًا بُهمًا، قال: قلنا: وما بُهمًا؟ قال: ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان، ولا ينبغي لأحد من\n_________\n(١) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص١٦٦).\n(٢) لسان العرب/ مادة \"ندى\".\n(٣) رواه البخاري (٤/ ١٧٦٧).","vol":"1","page":470},{"text":"أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة، قال: قلنا: كيف وإنا إنما نأتي الله ﷿ عراة غرلًا بُهمًا؟ قال: بالحسنات والسيئات) (١).\n(٣) وعن عبد الله - ﵁ - قال: (إذا تكلم الله ﷿ بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجدًا، حتى إذا فزع عن قلوبهم، قال سكن عن قلوبهم، نادى أهل\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند (٣/ ٤٩٥) والبخاري في خلق أفعال العباد (ص١٣٧) وفي الأدب المفرد (رقم ٩٧٠/فضل الله الصمد ٢/ ٤٢٣) واستشهد به في صحيحه معلقًا (٦/ ٢٧١٩) ورواه الحارث في مسنده (زوائد الهيثمي ١/ ١٨٨) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٢٥) وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٤/ ٩٧) والروياني في مسنده (٢/ ٣١٥) وأبو الحسين في معجم الصحابة (٢/ ١٣٥) والحاكم (٢/ ٤٧٥) وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (ص٣٤٦) والخطيب في الرحلة في طلب الحديث (ص١١٠) وأبو ذر الهروي في فوائده (ص٤٢) وابن عبد البر في التمهيد (٢٣/ ٢٣٢) والضياء في المختارة (٩/ ٢٦) وقال الحافظ في تغليق التعليق (٥/ ٣٥٦): (قال الطبراني في مسند الشاميين ..) ثم ساقه بإسناده، وقال الحاكم: (صحيح الإسناد). ووافقه الذهبي، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: (رواه أحمد بإسناد حسن). وصححه الألباني في ظلال الجنة (السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٢٥).","vol":"1","page":471},{"text":"السماء: ماذا قال ربكم؟ قال - ﷺ -: الحق، قال كذا وكذا) (١).\n\nوغيرها أحاديث كثيرة رواها أهل العلم وتلقوها بالقبول غير منكرين لمعناها، ولا طاعنين في دلالتها.\n_________\n(١) علقه البخاري في صحيحه (٦/ ٢٧١٩) ووصله في خلق أفعال العباد (ص١٣٨) ورواه أبو داود (٣/ ٢٤٠) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (١/ ٢٣٧) والدارمي في الرد على الجهمية (ص١٧٢) وعبد الله في السنة (١/ ٢٨١) واللفظ له، وابن خزيمة في التوحيد (ص١٤٥) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص٣٢) وابن بطة في الإبانة (١/ ٢٣٨) واللالكائي (٢/ ٣٣٤) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٢٦٢). وصحح الألباني في السلسلة الصحيحة (٣/ ٢٨٢، رقم ١٢٩٣).","vol":"1","page":472},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-85>المبحث الثاني\nنصوص السلف الدالة على إثبات الحرف والصوت في كلام الله تعالى</span>\nوأما أقوال الأئمة فكثيرة منها:\n\n- محمد بن كعب القرظى (١٢٠ هـ)\nقال: (قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: بما شبهت صوت ربك ﷿ حين كلمك من هذا الخلق؟ قال: شبهت صوته بصوت الرعد حين لا يترجع) (١) اهـ.\n\n- أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي (١٧٣ هـ)\nقال أبو تميلة: (سمعت أبا عصمة وسئل: كيف كلم الله ﷿ موسى تكليمًا؟ قال: مشافهة) (٢) اهـ.\n\n- وائل بن داود التيمي أبو بكر الكوفي (الطبقة السادسة من الذين عاصروا صغار التابعين)\nقال في قول الله ﷿: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤، قال: «مشافهة مرارًا» (٣).\nقلت: وقد قال الجوهري: (المشافهة الكلام من فيك إلى فيه).\n\n- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)\nقال عبد الله: (سألت أبي ﵀ عن قوم، يقولون: لما كلم الله ﷿ موسى لم يتكلم بصوت؟ فقال أبي: بلى إن ربك\n_________\n(١) رواه عبد الله في السنة (١/ ٢٨٤) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص٣٥) والآجري في الشريعة (ص٣١٧).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم في التفسير (٤/ ١١٢٠) وابن جرير (٦/ ٢٩) وعبد الله في السنة (١/ ٢٨٦) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص٣٧) وابن بطة في الإبانة (٢/ ٣١٧ - ٣١٨).\n(٣) رواه ابن أبي حاتم في التفسير (٤/ ١١٢٠) والنجاد في الرد على من يقول القرآن مخلوق (ص٣٧) وعبد الله في السنة (١/ ٢٨٥).","vol":"1","page":473},{"text":"﷿ تكلم بصوت هذه الأحاديث نرويها كما جاءت.\nوقال أبي ﵀: حديث ابن مسعود - ﵁ - \"إذا تكلم الله ﷿ سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان\"، قال أبي: وهذا الجهمية تنكره.\nوقال أبي: هؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله ﷿ لم يتكلم فهو كافر، ألا إنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت) (١) اهـ\nوقال أبو بكر الخلال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا يعقوب بن بختان قال: (سئل أبو عبد الله عمن زعم أن الله ﷿ لم يتكلم بصوت؟\nقال: بلى يتكلم سبحانه بصوت) (٢) اهـ.\nوأخرج أبو بكر الخلال عن المروذي قال: (سمعت أبا عبد الله وقيل له: أن عبد الوهاب قد تكلم وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام، فتبسم أبو عبد الله وقال: ما أحسن ما قال عافاه الله) (٣) اهـ.\n_________\n(١) رواه عبد الله في السنة (١/ ٢٨٠ - ٢٨١).\n(٢) طبقات الحنابلة (١/ ٤١٥).\n(٣) نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح الأصفهانية (٦٤) وفي درء التعارض (٢/ ٣٩) وفي الفتاوى الكبرى (٥/ ١٦٥) وعزاه إلى حرب الكرماني في مسائل أحمد وإسحاق.","vol":"1","page":474},{"text":"وقال أبو يعلى: (وقد نص أحمد في رواية الجماعة على إثبات الصوت) (١) اهـ.\nوقال في كتابه \"الرد على الجهمية والزنادقة\" في باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى: (قال أحمد ﵁ فلما خنقته الحجج قال: إن الله كلم موسى، إلا أن كلامه غيره. فقلنا: وغيره مخلوق؟ قال: نعم. فقلنا: هذا مثل قولكم الأول، إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون. وحديث الزهري قال: \"لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، إنما كلمتك بقوة عشر آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت.\nقال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك؟ قال: سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم. قالوا: فشبِّهه؟ قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله) (٢) اهـ.\n_________\n(١) المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة (١/ ٣٠٣).\n(٢) الرد على الجهمية والزنادقة (ص١٣٢).","vol":"1","page":475},{"text":"وقال أبو الفضل التميمي في اعتقاد الإمام أحمد -وهو الذي يعتمد عليه الأشعريان في نقل معتقده-: (وكان يقول: إن القرآن كيف تصرف غير مخلوق، وأن الله تعالى تكلم بالصوت والحرف) (١) اهـ.\n\n- الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل البخاري (٢٥٦ هـ)\nقال: (وإن الله ﷿ ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله ﷿ ذكره.\nقال أبو عبد الله: وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله جل ذكره يُسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا.\nوقال ﷿: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾ البقرة٢٢، فليس لصفة الله ند، ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين) (٢) اهـ.\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ٢٩٦).\n(٢) خلق أفعال العباد (ص١٣٧).","vol":"1","page":476},{"text":"- إمام أهل السنة والجماعة في عصره أبو محمد الحسن بن علي البربهاري (٣٢٩هـ)\nقال: (والإيمان بأن الله ﵎ هو الذي كلم موسى بن عمران يوم الطور، وموسى يسمع من الله الكلام بصوت وقع في مسامعه منه لا من غيره، فمن قال غير هذا، فقد كفر بالله العظيم) (١) اهـ.\n\n- شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (٤٨١ هـ)\nقال منكرًا على الأشاعرة نفيهم للحرف والصوت: (ثم قالوا: ليس له صوت ولا حروف ..) (٢) اهـ.\n\n- الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الطلحي الأصبهاني (٥٣٥ هـ)\nقال في كتابه الحجة: (فصل: الدليل على أن القرآن منزل، وهو ما يقرأه القارئ خلافًا لمن يقول: كلام الله ليس بمنزل ولا حرف ولا صوت:\n_________\n(١) شرح السنة (ص٩٠).\n(٢) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٣٦).","vol":"1","page":477},{"text":"فإن قيل: المتكلم بحرف وصوت يحتاج إلى أدوات الكلام، فقل: عدم أداة الكلام لا يمنع من ثبوت الكلام، كما أن عدم آلة العلم لا يمنع من ثبوت العلم.\nدليل أهل السنة: قوله تعالى: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ التوبة٦، والمسموع إنما هو الحرف والصوت، لأن المعنى لا يُسمع ولا يُفهم. يقال في اللغة: سمعت الكلام وفهمت المعنى، فلما قال: حتى يسمع: دل على أنه حرف وصوت. ....) (١) اهـ.\n\n- الشيخ أبو البيان محمد بن محفوظ السلمي الدمشقي الشافعي اللغوي (٥٥١ هـ)\nقال أبو المعالي أسعد بن المنجا: (كنت يوما عند الشيخ أبي البيان رحمه الله تعالى فجاءه ابن تميم الذي يدعى الشيخ الأمين، فقال له الشيخ بعد كلام جرى بينهما: ويحك الحنابلة إذا قيل لهم ما الدليل على أن القرآن بحرف وصوت، قالوا: قال الله كذا، وقال رسوله كذا، وسرد الشيخ الآيات والأخبار، وأنتم إذا قيل لكم: ما الدليل على أن القرآن معنى في النفس؟ قلتم: قال الأخطل: إن الكلام لفي الفؤاد، إيش هذا الأخطل نصراني خبيث بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله وتركتم الكتاب والسنة) (٢) اهـ.\n_________\n(١) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٧٩).\n(٢) أورده الذهبي في العلو (ص٢٦٠).","vol":"1","page":478},{"text":"- أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (٥٦١ هـ)\nقال في كتابه \"الغنية\" في القرآن: (هو كلام الله تعالى في صدور الحافظين وألسن الناطقين، في أكف الكاتبين وملاحظة الناظرين، ومصاحف أهل الإسلام، وألواح الصبيان، حيثما رؤي ووجد. فمن زعم أنه مخلوق أو عبارته، أو التلاوة غير المتلو، أو قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو كافر بالله العظيم، ولا يؤاكل، ولا يُناكح، ولا يُجاور، بل يُهجر ويُهان ...\n- ثم ساق الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة ثم قال:\nفصل: ونعتقد أن القرآن حروف مفهومة، وأصوات مسموعة، لأن بها يصير الأخرس ةالساكت متكلمًا ناطقًا، وكلام الله ﷿ لا ينفك عن ذلك، فمن جحد ذلك فقد كابر حسه وعميت بصيرته - ثم ساق الأدلة ثم قال: وهذه الآيات والأخبار تدل على أن كلام الله ﷿ صوت لا كصوت الآدميين، كما أن علمه وقدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوته. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على إثبات الصوت في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين خلاف ما قالت الأشعرية من أن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه، والله","vol":"1","page":479},{"text":"حسيب كل مبتدع ضال مضل ...) (١) اهـ.\n\n- تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (٦٠٠ هـ)\n(ونعتقد أن الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة: عين كلام الله ﷿ لاحكاية ولا عبارة ..... ومن أنكر أن يكون حروفًا فقد كابر العيان وأتى بالبهتان. وروى الترمذي من طريق عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن\n_________\n(١) نقله عنه ابن الألوسي في جلاء العينين (ص٣٥٢ - ٣٥٦).","vol":"1","page":480},{"text":"رسول الله - ﷺ - أنه قال: (من قرأ حرفًا من كتاب الله ﷿ فله عشر حسنات) ... ثم ساق الأدلة إلى أن قال: (وقول القائل: بأن الحرف والصوت لا يكون إلا من مخارج: باطل ومحال. قال الله ﷿: ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد﴾ ق٣٠. وكذلك قوله تعالى إخبارًا عن السماء والأرض أنهما قالتا: ﴿أتينا طائعين﴾ فصلت١١. فحصل القول من غير مخارج ولا أدوات) (١) اهـ.\n\n- الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ)\nقال في رده على من أنكر على الحافظ عبد الغني المقدسي إثباته الصوت لله تعالى، وأن هذا مخالف لمعتقد الإمام أحمد: (وأما إنكار إثبات الصوت عن الإمام الذي ينتمي إليه الحافظ، فمن أعجب العجب، وكلامه -أي الإمام أحمد- في إثبات الصوت كثير جدًا ... -ثم ذكر الآثار عن الإمام أحمد-) (٢) اهـ.\nومع هذه النصوص الصريحة من هؤلاء الأئمة، فإنه لم يُنقل عن أحد من السلف أنه قال: إن الله يتكلم بلا صوت، أو بلا حرف، ولا أنه أنكر أن يتكلم الله بصوت أو بحرف، كما لم يقل أحد منهم أن الصوت الذى سمعه موسى قديم، ولا أن ذلك النداء قديم، ولا قال أحد منهم: أن هذه الأصوات المسموعة من القراء هي الصوت الذى تكلم الله به، بل الآثار مستفيضة عنهم بالفرق بين الصوت الذى يتكلم الله به وبين أصوات العباد.\n- الإمام القاضي علي بن علي بن محمد بن أبي العز الحنفي الدمشقي (٧٩٢ هـ)\nذكر افتراق الناس في مسألة الكلام على تسعة أقوال فقال:\n_________\n(١) عقائد أئمة السلف (٩٨ - ١٠٤).\n(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤).","vol":"1","page":481},{"text":"(وتاسعها: أنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء، ومتى شاء، وكيف شاء، وهو متكلم به بصوت يُسمع، وإن نوع الكلام قديم وإن لم تكن صورة المعين قديمًا، وهو المأثور عن أئمة الحديث والسنة.) (١) اهـ.\nوقد نقله ملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر (٢) بحرفه، ولم يتعقبه بشيء.\n_________\n(١) شرح العقيدة الطحاوية (١/؟؟؟).\n(٢) شرح الفقه الأكبر (ص٨٣ - ٨٤).","vol":"1","page":482},{"text":"فرع: في تقرير أن الله تعالى يتكلم متى شاء وأن كلامه يسمع من ذاته تعالى، من كلام أبي الحسن الأشعري\nقال في الإبانة في الباب الرابع \"الكلام في أن القرآن كلام الله غير مخلوق\": (دليل آخر: وقد قال الله ﷿: ﴿وكلم الله موسى تكليما﴾ النساء١٦٤، والتكليم هو المشافهة بالكلام) (١) اهـ.\nقال الجوهري: (المشافهة: المخاطبة من فيك إلى فيه).\nوهذا ظاهر في أن أبا الحسن الأشعري يثبت أن الله تعالى شافه موسى ﵇، فخاطبه تعالى من ذاته، وأن موسى سمع كلام الله تعالى حينئذ، ولا يكون هذا إلا إذا حرفًا وصوتًا مسموعًا.\n_________\n(١) الإبانة للأشعري (ص٧٧).","vol":"1","page":483},{"text":"فرع في تقرير أن الله يتكلم بحرف وصوت من كلام الحارث المحاسبي\nأبو عبد الله الحارث بن أسد البغدادي المحاسبي (٢٤٣ هـ)\nقال الكلاباذي في الباب العاشر \"اختلافهم في الكلام ما هو؟ \": (وقالت طائفة منهم: كلام الله حرف وصوت، وزعموا أنه لا يُعرف كلامه إلا ذلك، مع إقرارهم أنه صفة الله تعالى في ذاته غير مخلوق، وهذا قول حارث المحاسبي، ومن المتأخرين ابن سالم) (١) اهـ.\nوهذا القول هو الذي رجع إليه في آخر حياته، بعد أن هجره الإمام أحمد وحذر منه بسبب دخوله في الكلام، ومشيه على طريقة ابن كلاب.\n_________\n(١) التعرف لمذهب أهل التصوف (ص٥٣).","vol":"1","page":484},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المبحث الثالث\nبيان مخالفة\nالأشاعرة للسلف في هذا الباب والرد على شبهاتهم فيه</span>\nخلاصة الفصل:\nأولًا: اتفاق السلف على ما دل عليه الكتاب والسنة من أن الله تعالى موصوف بالكلام حقيقة، وأنه يتكلم بحرف وصوت مسموع لا يشبه أصوات المخلوقين، وهو الذي.\nثانيًا: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في هذا فيما استقر عليه مذهبه.\nثالثًا: أن أئمة السنة كانوا يعدون من أنكر تكلم الله تعالى بصوت من الجهمية، كما نص عليه أحمد وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>[موافقة الأشاعرة للجهمية في إنكار الحرف والصوت]</span>\nرابعًا: موافقة الأشاعرة للجهمية في إنكار الحرف والصوت لله، وهذا يبطل دعوى الأشعريّيْن في كون الأشاعرة من أهل السنة، وأنهم موافقون للسلف.","vol":"1","page":485},{"text":"قال الأشعريان (ص٧٦): (ومن يطالع النظامية يعلم موافقتها لاعتقاد أهل السنة الأشاعرة، فمن أمثلة ذلك تنزيه الإمام الجويني لله تعالى عن الجهة، والمكان، والحيز، والحرف، والصوت، وظواهر المتشابه، ..... وكذلك الإمام الغزالي رحمه الله تعالى فكتابه \"إلجام العوام\" .... هو في حقيقة الأمر تأصيل لمسلك السادة الأشاعرة من حيث تنزيه الله تعالى عن سمات الحوادث مثل الجهة، والمكان، والحروف، والأصوات، وظواهر المتشابه، ...) اهـ.\nوقال القاضي أبو بكر الباقلاني: (ولا يجوز أن يطلق على كلامه شيء من أمارات الحدث من حرف ولا صوت) (١) اهـ.\nوقال الغزالي في صفة الكلام لله: (فإنا معترفون باستحالة قيام الأصوات بذاته وباستحالة كونه متكلمًا بهذا الاعتبار .... وأما الحروف فهي حادثة .... وهو صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى ليس بحرف ولا صوت) (٢) اهـ.\nوقال البيجوري في شرح الجوهرة عن صفة الكلام لله: (صفة أزلية قائمة بذاته تعالى ليست بحرف ولا صوت) (٣) اهـ.\n_________\n(١) الإنصاف (ص١١١).\n(٢) الاقتصاد في الاعتقاد (ص١٤٢ - ١٧٤).\n(٣) شرح جوهرة التوحيد (ص١٢٩).","vol":"1","page":486},{"text":"فرع في أصل ضلال الأشاعرة في هذا الباب\nأصل ضلال الأشاعرة في هذا الباب هو ابتداعهم القول في الكلام النفسي: وهو أن حقيقة الكلام عندهم هو ما قام بالنفس، واللفظ غير داخل في حقيقته، وهذا قول لم يُسبقوا إليه البتة.\nإذ الكلام لغة: هو اللفظ والمعنى، أو لفظ جاء لمعنى، ولا يُعرف الكلام في لغة العرب إلا هذا.\nوكان ابن كلاب أول من ابتدع الكلام النفسي، وأن الله لا يتكلم بمشيئته، وأن كلامه بلا بحرف ولا صوت، وتبعه عليه الأشعري.\nقال أبو نصر السجزي: (اعلموا أرشدنا الله وإياكم أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب، والقلانسي، والصالحي، والأشعري، .... في أن الكلام لا يكون إلا حرفًا وصوتًا ذا تأليف واتساق وإن اختلفت اللغات ..... فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه حاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يخبرون أصول السنة ولا ما كان عليه السلف ..... فالتزموا ما قالته المعتزلة وركبوا مكابرة العيان وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة المسلم والكافر، وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة الكلام، وإنما يسمى ذلك","vol":"1","page":487},{"text":"كلامًا في المجاز لكونه حكاية أو عبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم ... فألجأهم الضيق مما يدخل عليهم مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت والنائم .... وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها من غير رد عليه. ومن عُلم منه خرق إجماع الكافة، ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله، لم يُناظر بل يجانب ويقمع ..) (١) اهـ.\nوقال ابن الجوزي: (وهذا أمر مستقر -أي القول بأن القرآن كلام الله غير مخلوق- لم يختلف فيه أحد من القدماء في زمن الرسول - ﷺ - والصحابة - ﵃ -، ثم دس الشيطان دسائس البدع، فقال قوم: هذا المشار إليه مخلوق، فثبت الإمام أحمد رحمة الله ثبوتًا لم يثبته غيره على دفع هذا القول لئلا يتطرق إلى القرآن ما يمحو بعض تعظيمه في النفوس، ويخرجه عن الإضافة إلى الله ﷿.\nورأى أن ابتداع ما لم يقل فيه لا يجوز استعماله فقال: كيف أقول ما لم يقل.\nثم لم يختلف الناس في غير ذلك، إلى أن نشأ علي بن إسماعيل الأشعري. فقال مرة بقول المعتزلة، ثم عَنَّ له فادعى أن الكلام صفة قائمة بالنفس. فأوجبت دعواه هذه أن ما عندنا مخلوق.\n_________\n(١) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (٨٠ - ٨٤).","vol":"1","page":488},{"text":"وزادت فخبطت العقائد، فما زال أهل البدع يجوبون في تيارها إلى اليوم) (١) اهـ.\nوقال الذهبي في ترجمة ابن كلاب: (وكان يقول بأن القرآن قائم بالذات بلا قدرة ولا مشيئة، وهذا ما سبق إليه أبدًا) (٢) اهـ.\n\nموافقة الأشاعرة للمعتزلة في أن القرآن الذين بين أيدينا مخلوق:\nوتفرع عما سبق من ابتداع الكلام النفسي عند الأشاعرة القول بأن القرآن الذي بين دفتي المصحف مخلوق، فوافقوا بذلك الجهمية والمعتزلة.\nفالمعتزلة لا يثبتون كلامًا لله تعالى إلا ما قام بغيره، ويقولون عن القرآن أنه كلام الله، باعتبار أنه خلقه في غيره، ولا يقوم بذاته لا كلام ولا غيره.\nوأما الأشاعرة فالكلام عندهم هو ما قام بذات الله تعالى، وهو كلام له حقيقة وليس بحرف ولا صوت، وأما ما بين دفتي المصحف فهو عبارة عن كلام الله تعالى، وليس هو حقيقة كلام الله.\n_________\n(١) صيد الخاطر (ص٢٦٥).\n(٢) سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٥).","vol":"1","page":489},{"text":"قال البيجوري في جوهرة التوحيد: (واعلم أن كلام الله يطلق على الكلام النفسي القديم بمعنى أنه صفة قائمة بذاته تعالى، وعلى الكلام اللفظي بمعنى أنه خلقه .... ومع كون اللفظ الذي نقرأه حادثًا لا يجوز أن يقال: القرآن حادث إلا في مقام التعليم .... وقد أضيف له تعالى كلام لفظي كالقرآن، فإنه كلام الله قطعًا بمعنى أنه خلقه في اللوح المحفوظ، فدل التزامًا على أن له تعالى كلامًا نفسيًا، وهذا هو المراد بقولهم: القرآن حادث ومدلوله قديم .... ومذهب أهل السنة -يقصد الأشاعرة- أن القرآن بمعنى الكلام النفسي ليس بمخلوق، وأما القرآن بمعنى اللفظ الذي نقرأه","vol":"1","page":490},{"text":"فهو مخلوق، لكن يمتنع أن يقال: القرآن مخلوق يراد به اللفظ الذي نقرأه إلا في مقام التعليم، لأنه ربما أوهم أن القرآن بمعنى كلامه تعالى مخلوق، ولذلك امتنعت الأئمة من القول بخلق القرآن .... فالقرآن يطلق على كل من النفسي واللفظي، والأكثر إطلاقه على اللفظي .... والراجح أن المنزل اللفظ والمعنى، وقيل المنزل: المعنى وعبر عنه جبريل بألفاظ من عنده، وقيل: المنزل المعنى وعبر عنه النبي - ﷺ - بألفاظ من عنده، لكن التحقيق الأول، لأن الله خلقه أولًا في اللوح المحفوظ، ثم أنزله في صحائف إلى سماء الدنيا ..) (١) اهـ.\nوهذا يعني اتفاق الأشاعرة والمعتزلة في أن القرآن العربي المقروء، والموجود بين دفتي المصحف مخلوق، وأن الخلاف الوحيد بين الأشاعرة والمعتزلة هو في إثبات الكلام النفسي أو نفيه، فلو اعترف المعتزلة به لانتهى الخلاف!!\nوقد نص على هذه الحقيقة أئمة الأشعرية:\nقال الجويني في خلاف الأشاعرة والمعتزلة في مسألة الكلام: (واعلموا بعدها أن الكلام مع المعتزلة، وسائر المخالفين في هذه المسألة يتعلق بالنفي والإثبات، فإن أثبتوه وقدروه كلامًا، فهو في نفسه ثابت، وقولهم -أي المعتزلة-: إنه -أي القرآن\n_________\n(١) شرح جوهرة التوحيد (١٣٠ - ١٦٢).","vol":"1","page":491},{"text":"المقروء- كلام الله، إذا رُد إلى التحصيل آل الكلام إلى اللغات والمسميات، فإن معنى قولهم -أي المعتزلة- \"هذه العبارات كلام الله\" أنها خلقه، ونحن لا ننكر أنها خلق الله، ولكن نمتنع من تسمية خالق الكلام متكلمًا به، فقد أطبقنا على المعنى، وتنازعنا بعد الاتفاق في تسميته.) (١) اهـ.\nوقال الشهرستاني: (وخصومنا -أي المعتزلة- لو وافقونا على أن الكلام في الشاهد معنى في النفس سوى العبارات القائمة باللسان، وأن الكلام في الغائب معنى قائم بذات الباري تعالى سوى العبارات التي نقرؤها باللسان ونكتبها في المصاحف، لوافقونا على اتحاد المعنى، لكن لما كان الكلام لفظًا مشتركًا في الإطلاق لم يتوارد على محل واحد، فإن ما يثبته الخصم كلامًا -أي القرآن- فالأشعرية تثبته وتوافقه على أنه كثير وأنه محدث مخلوق، وما يثبته الأشعري كلامًا -أي النفسي- فالخصم ينكره أصلًا ..) (٢) اهـ.\nوقال التفتازاني (٣) في شرح العقائد النسفية: (وتحقيق الخلاف\n_________\n(١) الإرشاد (ص١١٦ - ١١٧).\n(٢) نهاية الإقدام (ص١٦٤ - ١٦٥).\n(٣) وقد اختلف الباحثون في عقيدة التفتازاني بين الأشعرية والماتريدية، ولا فرق بينهما عند الأشعريّيْن، والتحقيق أنه أشعري العقيدة كما حققه الدكتور محمد محمدي النورستاني في كتابه \"مواقف التفتازاني الاعتقادية في كتابه شرح العقائد النسفية\" (ص١٧٦ - ١٩١).","vol":"1","page":492},{"text":"بيننا وبينهم - أي المعتزلة - يرجع إلى إثبات الكلام النفسي ونفيه، وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف، وهم لا يقولون بحدوث الكلام النفسي. ... وأما استدلالهم بأن القرآن متصف بما هو من صفات المخلوق وسمات الحدوث، من: التأليف، والتنظيم، والإنزال، وكونه عربيًاَ، مسموعًا، فصيحًا، معجِزًا، إلى غير ذلك: فإنما يقوم حجة على الحنابلة - أي الذين يرون أن القرآن الموجود بين دفتي المصحف كلام الله على الحقيقة - لا علينا، لأنا قائلون بحدوث النظم، وإنما الكلام في المعنى القديم) (١) اهـ.\nوقال محمد زاهد الكوثري: (لأن القرآن يطلق على ما قام بالله من الألفاظ العلمية الغيبية وهو غير مخلوق وغير حال في مخلوق، وعلى المكتوب بين الدفتين، وعلى المحفوظ في القلوب من الألفاظ الذهنية، وعلى الملفوظ بالألسن على سبيل الاشتراك اللفظي عنده -أي الباقلاني-، والقرينة هي التي تعين المراد منها في كل موضع، وما سوى الأول مخلوق، وهذا البحث أنضج عند المتأخرين من أئمة الأشاعرة.) (٢) اهـ.\nوقال البوطي في \"كبرى اليقينيات الكونية\" في باب \"جوهر الخلاف بين المعتزلة وأهل السنة والجماعة\": (ثم المعتزلة فسروا\n_________\n(١) ص٤٦ - ٤٧.\n(٢) حاشية الإنصاف للباقلاني (ص٢٦).","vol":"1","page":493},{"text":"هذا الذي أجمع السلمون على إثباته لله تعالى -أي صفة الكلام- بأنه أصوات وحروف يخلقها الله في غيره كاللوح المحفوظ وجبريل، ومن المعلوم أنه حادث وليس بقديم. ثم إنهم لم يثبتوا لله تعالى شيئًا آخر من وراء هذه الأصوات والحروف، تحت اسم: الكلام.\nأما جماهير المسلمين، أهل السنة والجماعة، فقالوا: إننا لا ننكر هذا الذي تقوله المعتزلة -أي أن القرآن المقروء والموجود بين دفتي المصحف مخلوق حادث-، بل نقول به، ونسميه كلامًا لفظيًا ونحن جميعًا متفقون على حدوثه وأنه غير قائم بذاته تعالى، من أجل أنه حادث، ولكننا نثبت أمرًا وراء ذلك وهو الصفة القائمة بالنفس والتي يُعبّر عنها بالألفاظ .... وهذا المقصود بإسناد الكلام إلى الله تعالى، وبه يفسر ما أجمع عليه المسلمون) (١) اهـ.\nوقال وهبي سليمان غاوجي: (قال علماء أصول الدين: أن الكلام ينقسم إلى قسمين: الأول: الكلام اللفظي، والثاني: الكلام النفسي.\nفأما اللفظي: فهو ذلك القرآن الكريم المنزل على سيدنا محمد، وكذا سائر الكتب المنزلة على الرسل ﵈، ولا ريب في أن الكلام اللفظي مخلوق له تعالى.\n_________\n(١) كبرى اليقينيات الكونية (ص١٢٥).","vol":"1","page":494},{"text":"وأما النفسي: فهو صفة قديمة زائدة على ذاته تعالى، ليست بحرف ولا صوت، ويدل عليها الكلام اللفظي ..) (١) اهـ.\nوقد صرح بذلك الآمدي في \"غاية المرام\"، والإيجي في \"المواقف\".\nفتأمل يا رعاك الله هذه التصريحات بأن القرآن الذي نقرأه ونتلوه ونكتبه في المصاحف مخلوق، ليس هو عين كلام الله.\nوهل هذا في حقيقته إلا قول الجهمية والمعتزلة!!!\nوقال العلامة الملا جلال الدواني في شرحه للعقائد الضدية في بيان لوازم هذا القول الشنيع: (والأشاعرة قالوا: كلامه تعالى معنى واحد بسيط، قائم بذاته تعالى قديم، فهم منعوا أن كلامه تعالى مؤلف من الحروف والأصوات. ولا نزاع بين الشيخ -أي: الأشعري- والمعتزلة في حدوث الكلام اللفظي، وإنما نزاعهم في إثبات الكلام النفسي وعدمه .... فالشيخ لما قال: هو المعنى النفسي فهم الأصحاب منه أن مراده به مدلول اللفظ وهو القديم عنده، وأم العبارات فإنما سميت كلامًا مجازًا لدلالتها على ما هو الكلام الحقيقي، حتى صرحوا بأن الألفاظ حادثة على مذهبه، ولكنها ليست كلامًا له تعالى حقيقة.\n_________\n(١) أركان الإيمان (ص٢٠١).","vol":"1","page":495},{"text":"وهذا الذي فهموه له لوازم كثيرة فاسدة، كعدم تكفير من أنكر كلامية ما بين دفتي المصحف، مع أنه عُلم من الدين ضرورة كونه كلام الله تعالى حقيقة، وكعدم كون المقروء والمحفوظ كلامه تعالى حقيقة، إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتفطنين في الأحكام الدينية ..) (١) اهـ.\nولذلك لما كانوا في حقيقة الأمر موافقين للجهمية والمعتزلة في القول بخلق القرآن الموجود بين دفتي المصحف، وخشية من الافتضاح، تراهم يدلسون فيطلقون القول المستفيض عن السلف: بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق فهو كافر، ومرادهم بالقرآن: ما قام بذات الله تعالى من غير أن يكون مسموعًا مقروءًا، وأما القرآن المكتوب والمسطر فهو عبارة عن كلام الله لا أنه عين كلام الله، وهو مخلوق محدث.\nوانظر إلى تلبيس الأشعريّيْن في هذا الأمر وتمويههما أنهما موافقان للسلف في كون القرآن كلام الله غير مخلوق.\nفقالا (ص٥٤): (فإن القرآن كلام الله غير مخلوق، وهو صفة من صفات ذاته العلية) اهـ.\nوبالطبع أن مرادهما بالقرآن هنا: الكلام النفسي، لا القرآن المعهود الذي بين دفتي المصحف والذي نقرأه آناء الليل وأطراف النهار.\n_________\n(١) نقله عنه ابن الألوسي في جلاء العينين (ص٣٠٤ - ٣٠٥).","vol":"1","page":496},{"text":"فإذا سمع السني هذا الكلام ظن أنهما موافقان للسلف في هذا الباب، وإذا استفصل منهما علم موافقتهما للمعتزلة والجهمية.\nوقد كشف عن حقيقة هذا التلبيس شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري فقال في سياق حقيقة موافقة الأشاعرة للجهمية في كثير من الأصول ومنها القول بخلق القرآن:\n(وقال أولئك -يعني: الجهمية- ليس له كلام، إنما خلق كلامًا.\nوهؤلاء -يعني الأشاعرة- يقولون: تكلم مرة، فهو متكلم به منذ تكلم، لم ينقطع الكلام، ولا يوجد كلامه في موضع ليس هو به.\nثم يقولون: ليس هو في مكان، ثم قالوا: ليس له صوت ولا حروف. وقالوا: هذا زاج وورق، وذها صوف وخشب، وهذا إنما قصد به النقش وأريد به التفسير.\nوهذا صوت القاري، أما ترى أنه منه حسن وغير حسن؟! وهذا لفظه، أوما تراه يجازى به حتى قال رأس من رؤوسهم: أويكون قرآن من لبد؟! وقال آخر: من خشب؟! فراوغوا فقالوا: هذا حكاية عبر بها عن القرآن والله تكلم مرة، ولا يتكلم بعد ذلك. ثم قالوا: غير مخلوق، ومن قال: مخلوق كافر.\nوهذا من فخوخهم، يصطادون به قلوب عوام أهل السنة، وإنما اعتقادهم في القرآت غير موجود لفظته الجهمية الذكور بمرة والأشعرية الإناث بعشر مرات) (١) اهـ.\n_________\n(١) ذم الكلام وأهله (٥/ ١٣٦ - ١٣٧).","vol":"1","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>الفصل الرابع\nإثبات صفة اليدين لله تعالى على الحقيقة لا على المجاز</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>المبحث الأول\nتنوع دلالات الكتاب والسنة على إثبات صفة اليدين لله تعالى</span>\nلقد تنوعت دلالات الكتاب والسنة على إثبات صفة اليدين لله تعالى، بما يمتنع معها حمل اليدين على المجاز، وقد أطبقت كلمة السلف ﵏ على إثبات اليدين لله تعالى صفة له في ذاته، ليستا بنعمتين ولا قدرتين، بل يدان ثابتتان لله تعالى على الحقيقة، بلا كيف ولا تشبيه.\nوأنا أذكر نماذج من تنوع الأدلة على إثبات صفة اليد لله تعالى:\n\nالتثنية:\nقال تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤.","vol":"1","page":501},{"text":"تثنية اليد المضافة إليه سبحانه تمنع من حملها على النعمة أو القدرة.\n\nنسبة الفعل إليه سبحانه وتعديته إلى اليد بحرف الباء:\nقال: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥.\nنسب الفعل -وهو الخلق- إلى نفسه، ثم عدى الفعل إلى اليد، ثم ثناها، ثم أدخل عليها الباء التي تدخل على قول القائل\" كتبت بالقلم\" و\"ضربت بيدي\"، ومثل هذا نص صريح لا يحتمل المجاز بوجه من الوجوه، إذا لا يكون هذا التركيب إلا ما باشرته اليد.\nقال أبو الحسن الزاغوني في \"الإيضاح\": (أنه أضاف \"الخلق\" وهو فعل يده سبحانه، والفعل متى أضيف إلى اليد فإنه لا يقتضي إضافة إلا إلى ما يختص بالفعل وليس إلا اليد كما ذكرنا، وهذا جلي واضح) (١) اهـ.\nوقال أبو الحسن الأشعري: (وليس يجوز في لسان العرب ولا في عادة أهل الخطاب أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة، وإذا كان الله ﷿ إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري مفهومًا في كلامها ومعقولًا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني النعمة،\n_________\n(١) الإيضاح في أصول الدين (ص٢٨٦).","vol":"1","page":502},{"text":"بطل أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، النعمة، وذلك أنه لا يجوز أن يقول القائل: لي عليه يدي، بمعنى لي عليه نعمتي، ومن دافَعَنا عن استعمال اللغة ولم يرجع إلى أهل اللسان فيها دوفع عن أن تكون اليد بمعنى النعمة، إذ كان لا يمكنه أن يتعلق في أن اليد النعمة إلا من جهة اللغة، فإذا دفع اللغة لزمه أن لا يفسر القرآن من جهتها، وأن لا يثبت اليد نعمة من قِبَلها، لأنه إن روجع في تفسير قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، نعمتي فليس المسلمون على ما ادعى متفقين، وإن روجع إلى اللغة فليس في اللغة أن يقول القائل: بيدي، يعني نعمتي، وإن لجأ إلى وجه ثالث سألناه عنه ولن يجد له سبيلا) (١) اهـ.\n\nاستعمال لفظ اليمين ووصفها بالطي\nقال تعالى: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧.\nوعن عبد الله بن عمرو - ﵁ - قال: قال - ﷺ -: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن ﷿، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) (٢).\n_________\n(١) الإبانة للأشعري (ص١٠٦).\n(٢) رواه مسلم (ذ٨٢٧).","vol":"1","page":503},{"text":"وصفها بالقبض والهز\nقال تعالى: ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة﴾ الزمر٦٧.\nوعن أبي هريرة - ﵁ - سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض) (١).\nفها هنا: هز، وقبض، وطي، وذكر يدين.\n\nوصفها بالبسط\nقال تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤.\nوعن أبي موسى - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها) (٢).\nوصفها بالكف والأخذ\nعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (ما تصدق أحد بصدقة من طيّب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون\n_________\n(١) رواه البخاري (٤/ ١٨١٢) ومسلم (٢٧٨٧).\n(٢) رواه مسلم (٢٧٥٩).","vol":"1","page":504},{"text":"أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فَلُوّه أو فصيله). وفي لفظ (من كسب طيب) (١).\nفها هنا: أخذ، وذكر كف ويمين.\n\nوصفها بالنضح\nعن لقيط بن عامر - ﵁ - في الحديث الطويل عن النبي - ﷺ - وفيه: (فيأخذ ربك بيده غرفة من الماء فينضح بها قبلكم، فلعمر إلهك ما تخطي وجه واحد منكم قطرة، فأما المؤمن فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر فتخطمه بمثل الحمم الأسود) (٢).\n\nوصفها بالشمال\nعن عبد الله بن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (يطوي الله ﷿ السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) (٣).\n_________\n(١) رواه مسلم (١٠١٤).\n(٢) أخرجه بهذا اللفظ: أحمد (٤/ ١٣) وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٨٦) وعبد الله في السنة (٢/ ٤٨٥) وابن خزيمة في التوحيد (ص١٨٦) والطبراني في الكبير (١٩/ ٢١١) والحاكم (٤/ ٦٠٦) وقال: صحيح الإسناد.\n(٣) رواه مسلم (٢٧٨٨).","vol":"1","page":505},{"text":"وصفها بالأصابع\nعن عبد الله - ﵁ - قال: (جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك النبي - ﷺ - حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله - ﷺ - ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون﴾ الزمر٦٧) (١).\n\nوصفها بأنها ملئى، وبأنها أخرى\nعن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: (يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، وقال: أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يده، وقال: وكان عرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع) (٢).\nفها هنا: وصف بأنها ملئى، وسحاء، وأنها أخرى.\n\nومن المعلوم أن لفظ: الطي، والقبض، والهز، والبسط، والإمساك، والنضح، وكونها ملئى، وسحاء، إذا اقترنت باليد صار\n_________\n(١) رواه البخاري (٤/ ١٨١٢) ومسلم (٢٧٨٦).\n(٢) رواه البخاري (٦/ ٢٦٩٧) ومسلم (٩٩٣).","vol":"1","page":506},{"text":"المجموع حقيقة، وامتنع من أن يكون مجازًا، إذ أن اليد المجازية لا يقترن بها ما يدل على اليد حقيقة كهذه الألفاظ. فإذا انضاف إلى ذلك أن ذُكر لها: أصابع، وكف، ويمين، وشمال، وأخرى، فهذا مما يُقطع معه أن اليد حقيقة، لأن اليد المجازية لا يُتجاوز فيها لفظ اليد، ولا يُتصرف فيها بما يُتصرف في اليد الحقيقية. فلا يقال: كف، لا للنعمة ولا للقدرة، ولا أصبع وأصبعان، ولا يمين، ولا شمال، وهذا كله ينفي أن يكون اليد يد النعمة، أو يد القدرة، أو يد التصرف.\nفمن ادعى بعد هذا أن اليد المضافة إلى الله تعالى مجاز، فلا حقيقة في الوجود!!!\nوبهذا يتبين أن صفة اليد لله تعالى حقيقة لا مجاز، ولا يأبى ذلك إلا مكابر.\nومما يؤكد هذا أن يُقال: أن اليد لغة لا تضاف إلا لذي يد، فيد القدرة والنعمة لا يُعرف استعمالها البتة إلا في حق من له يد حقيقة، وموارد استعمالها مطردة في ذلك، ولا يعرف العرب خلاف ذلك. فحيث ذكرت اليد وأضيفت إلى حي متصف بصفات الأحياء وأريد بها النعمة أو القدرة، فإن هذا مستلزم ثبوت أصل اليد له حقيقة حتى يصح استعمالها في مجازاتها، فإذا امتنعت حقيقة اليد امتنع استعمالها فيها، فثبوت المعنى المجازي دليل على ثبوت حقيقة اليد.","vol":"1","page":507},{"text":"قال عثمان بن سعيد الدارمي: (فإن لم يكن المضاف إلى يده من ذوي الأيدي، يستحيل أن يُقال: بيده شيء من الأشياء .... فيجوز أن يُقال: بين يدي كذا وكذا كذا كذا، لما هو من ذوي الأيدي، وممن ليس من ذوي الأيدي. ولا يجوز أن يُقال: بيده، إلا لمن هو من ذوي الأيدي ..) (١) اهـ.\nولا يَرِد على هذا قول العرب: \"يد الليل\" و\"يدي الرحمة\"، لأنا قلنا: متى أضيفت اليد المجازية إلى الحي دون غيره، استلزمت اليد الحقيقية.\nعلى أنه يُقال: أن المضاف من جنس المضاف إليه، فإذا أضيفت اليد إلى الحيوان كانت من جنسه، وإذا أضيفت إلى الحائط أو الليل كانت من جنسهما. فإذا كان المضاف إليه لا يماثل غيره لزم أن يكون المضاف كذلك ضرورة، فإذا قيل يد الله كان ذلك حقيقة غير مستلزم للتشبيه.\n_________\n(١) الرد على المريسي (٢٢٣٦).","vol":"1","page":508},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المبحث الثاني\n\nنصوص السلف في إثبات صفة اليدين لله تعالى حقيقة</span>\nوأما نصوص السلف فقد سبق ذكر بعضها:\n\n- الإمام التابعي حكيم بن جابر بن طارق بن عوف الأحمسي (٨٢ هـ)\nقال: (إن الله ﵎ لم يمس بيده من خلقه غير ثلاثة أشياء خلق الجنة بيده ثم جعل ترابها الورس والزعفران وجبالها المسك وخلق آدم بيده وكتب التوراة لموسى) (١) اهـ.\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة (٧/ ٢٨) وهناد بن السري في الزهد (١/ ٦٦) وعبد الله في السنة (١/ ٢٩٥) والآجري في الشريعة (ص٣٤٠).","vol":"1","page":509},{"text":"وهذا صريح في إثبات حقيقة اليد لله تعالى.\n\n- زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (٩٣ هـ)\nقال مستقيم: قال كنا عند علي بن حسين، قال: فكان يأتيه السائل، قال: فيقوم حتى يناوله، ويقول: إن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، قال: وأومأ بكفيه) (١) اهـ.\n\n- التابعي العابد خالد بن معدان الكلاعي الحمصي (١٠٣ هـ)\nقال: «إن الله ﷿ لم يمس بيده إلا آدم صلوات الله عليه خلقه بيده، والجنة، والتوراة كتبها بيده» (٢) اهـ.\n\n- عكرمة أبو عبد الله مولى بن عباس (١٠٤ هـ)\nقال: «إن الله ﷿ لم يمس بيده شيئا إلا ثلاثًا: خلق آدم بيده، وغرس الجنة بيده، وكتب التوراة بيده» (٣) اهـ.\nوقال أيضًا: (قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤: يعني اليدين) (٤) اهـ.\n_________\n(١) رواه ابن سعد في الطبقات (٥/ ١٦٦).\n(٢) رواه عبد الله في السنة (١/ ٢٩٧).\n(٣) رواه عبد الله في السنة (١/ ٢٩٦).\n(٤) رواه الدارمي في الرد على المريسي (١/ ٢٨٦).","vol":"1","page":510},{"text":"- الإمام التابعي ربيعة الخرشي\nقال في قول الله تعالى: ﴿والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، قال: (ويده الأخرى خلو ليس فيها شيء) (١) اهـ.\nوهذا صريح في إثبات حقيقة اليد لله، وأنها ليست النعمة أو القدرة.\n- الإمام التابعي عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة (١١٧ هـ)\nقال نافع بن عمر الجمحي: (سألت ابن أبي مليكة عن يد الله: أواحدة أو اثنتان؟ قال: بل اثنتان.) (٢) اهـ.\n\nوهذا أيضًا بيّن في إثبات حقيقة اليد لله ﷿، وإبطال حملها على المجاز والقول بأنها النعمة أو القدرة.\n\nفرع: تقرير إثبات صفة اليد لله على الحقيقة من كلام أبي الحسن الأشعري\nقد سبق نقل كلام أبي الحسن الأشعري في إثبات صفة اليدين لله تعالى، والمنع من تأويلها بالقدرة أو النعمة، وإبطال ذلك. فقد عقد فصلًا كاملًا في إثباتها والرد على من تأولها في كتابه \"الإبانة\".\n_________\n(١) رواه عبد الله في السنة (٢/ ٥٠١) وابن جرير (٢٤/ ٢٥).\n(٢) رواه الدارمي في الرد على المريسي (٢/ ٢٨٦).","vol":"1","page":511},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>المبحث الثالث\n\nبيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب</span>\nخلاصة الفصل:\nأولًا: إثبات صفة اليد لله تعالى حقيقة، وأنها موصوفة بالقبض، والبسط، والهز، والطي، والنضح، والأخذ، وهي ملئى سحاء الليل والنهار، ولها كف وأصابع، ويمين وشمال. وأنهما يدان اثنتان. وعلى هذا إجماع السلف وصالح الخلف.\nثانيًا: أن طريقة السلف في إثبات صفة اليد لله تعالى هي طريقتهم في باقي الصفات الخبرية: كالوجه، والعينين، والقدم، والساق، والكف، ونحوها، يثبتونها على ظاهرها من غير تشبيه ولا تكييف، ويمنعون من تأويلها وإخراجها عن حقيقتها.\nثالثًا: موافقة أبي الحسن الأشعري للسلف في إثبات صفة اليدين لله تعالى على الحقيقة، والمنع من تأويلها، بل وكل الصفات الخبرية لله تعالى، كما سبق نقل كلامه.\nرابعًا: أن الذين عُرف عنهم تأويل صفة اليدين وإخراجهما عن","vol":"1","page":512},{"text":"حقيقتهما هم المعطلة من الجهمية والمعتزلة، وهذه طريقتهم في كل الصفات الخبرية لله تعالى كالوجه وغيره.\nخامسًا: موافقة الأشاعرة للجهمية في نفي حقيقة اليد عن الله تعالى، وتأويلها وإخراجها عن ظاهرها، وأنهم جهمية في هذا الباب من الصفات:\nقال أبو منصور عبد القاهر البغدادي الأشعري في \"أصول الدين\": (وقد تأول بعض أصحابنا هذا التأويل -أي: تأويل اليد بالقدرة- وذلك صحيح على المذهب) (١) اهـ.\nوقال في صفة الوجه والعينين لله تعالى: (والصحيح عندنا أن وجهه: ذاته، وعينه: رؤيته للأشياء) (٢) اهـ.\nوقال أبو المعالي الجويني في \"الإرشاد\" في فصل \"اليدان والعينان والوجه\": (والذي يصح عندنا: حمل اليدين على القدرة، وحمل العينين على البصر، وحمل الوجه على الوجود) (٣) اهـ.\nوقال الأشعريان (ص١٩٦): (فترى جمهور السلف لاحتمال اللفظ أكثر من معنى لديهم -أي: المعاني المجازية لا حقيقة الصفة- يتوقفون عن تعيين أحدها مكتفين بالفهم الإجمالي ......\n_________\n(١) أصول الدين (ص١١١).\n(٢) المرجع السابق (ص١١٠).\n(٣) الإرشاد (ص١٥٥).","vol":"1","page":513},{"text":"﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، أن الله تعالى جواد كريم .... ويفهمون من قوله تعالى: ﴿يد الله فوق أيديهم﴾ الفتح١٠، النصرة والثواب، وهكذا، ..... بيد أن هذا لا يمنع البعض منهم ﵃ من التصريح ببعض هذه المعاني -أي المجازية- ...) اهـ.\nونقول: إذا كان السلف يتوقفون كما زعمتم فما بالكم تجاسرتم!!\nوقد سبق الرد على هذه الأغلوطات في خلاصة الفصل الأول من الباب الأول، وبينا أن حقيقة هذا القول الذي نسبوه إلى السلف هو الجهل بالمعنى.\nونقل الأشعريان عن ابن خلدون قوله (ص١٩٩ - ٢٠١): (وأما لفظ الاستواء، والمجيء، والنزول، والوجه، واليدين، والعينين، وأمثال ذلك، فعدلوا عن حقائقها اللغوية لما فيها من إيهام النقص بالتشبيه إلى مجازاتها على طريقة العرب حين تتعذر حقائق الألفاظ، فيرجعون إلى المجاز ..) ثم قالا: (وهذا الذي قرره وحرره العلامة ابن خلدون هو ما أطبقت عليه الأمة) اهـ.\nفيا لله العجب، أي أمة هذه التي أطبقت على مثل هذا!!!\nوفي أي كتاب وجدتم قول واحد من السلف فضلًا عن جميعهم!!","vol":"1","page":514},{"text":"وبعد كل هذا: يتبين بطلان ما زعمه الأشعريان من موافقة الأشاعرة للسلف، وفساد هذه الدعاوى العريضة التي لا مستند لها إلا الأوهام والخيالات.\nويكفي في إبطال قولهم ورده ما قاله إمامهم الذين ينتسبون إليه وهو أبو الحسن الأشعري في كتاب \"الإبانة\"، حيث أبطل جميع هذه المجازات في صفة اليد لله، وأنكر على أهلها، وجعلهم من المعطلة المخالفين للكتاب والسنة والإجماع واللغة.\nفوازن بين أقوال الجهمية، وبين أقوال الأشاعرة في هذا الباب من الصفات، فإنك لا تجد بينهما فرقًا، فالفريقان قد اتفقا على نفي حقائقها عن الله تعالى، وتعيّن حملها على المجاز!. فلا أدري أيهما أحق بانتساب الأشاعرة إليهم: السلف أم الجهمية!!","vol":"1","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>الفصل الخامس\nإثبات صفة النزول لله تعالى على الوجه اللائق به من غير تشبيه ولا تكييف</span>\nاتفق أهل السنة والجماعة على إثبات صفة النزول لله تعالى، وأنه ينزل متى شاء، كيف شاء، نزولًا يليق بجلاله، لا يشبه نزول المخلوق، وأن نزوله صفة فعل له سبحانه.\nوقد تواترت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - في ذكر نزول الله تعالى إلى سماء الدنيا، ورواه نحو ثمانية وعشرين نفسًا من الصحابة، وأفرد فيها العلماء مؤلفات مستقلة وجمعوا طرق أحاديثها، منهم الحافظ الدارقطني، وأبو بكر الصابوني، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والحافظ الذهبي وغيرهم.\nولم يخل مصنف في السنة من تبويب إثبات صفة النزول لله تعالى، كالسنة لابن أبي عاصم، ولعبد الله بن الإمام أحمد، والتوحيد لابن خزيمة، وكتب الرد على الجهمية، للدارمي، وابن مندة، وابن أبي حاتم، وغيرها كثير.","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث الأول\nتنوع دلالات السنة في إثبات صفة النزول لله تعالى</span>\nوقد تنوعت الدلالات في إثبات صفة النزول لله تعالى مما يمنع حملها على المجاز، وتتعين بها حقيقة النزول المعروف لغة: وهو ما كان من أعلى. وإليك بعض دلالاتها:\n\nلفظ النزول\nعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: (ينزل ربنا ﵎ إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك، أنا الملك، من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟ فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر) (١).\nها هنا خمسة ألفاظ تنفي المجاز وتؤكد الحقيقة:\nالأول: نسبة النزول إليه سبحانه (ينزل الله).\n_________\n(١) رواه البخاري (١/ ٣٨٤) ومسلم واللفظ له (٧٥٨).","vol":"1","page":518},{"text":"الثاني: نسبة القول إليه (فيقول).\nالثالث: وصفه لنفسه بقوله: (أنا الملك، أنا الملك).\nالرابع: أمره العباد بما لا يجوز إلا له: (من ذا يدعوني، يسألني، يستغفرني؟).\nالخامس: ذكر أفعاله التي ليست لأحد غيره: (فأستجيب له، فأعطيه، فأغفر له).\n\nلفظ الهبوط\nعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: (إذا كان ثلث الليل الباقي يهبط الله ﷿ إلى السماء الدنيا ثم تفتح أبواب السماء ثم يبسط يده فيقول: هل من سائل يعطى سؤله؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر) (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا ذهب ثلث الليل الأول هبط الله إلى السماء الدنيا، فلا يزال بها حتى يطلع الفجر، يقول: قائل ألا من داع فيستجاب له، ألا من مريض\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ٣٨٨) وأبو يعلى (٩/ ٢١٩) والدارمي في الرد على الجهمية (ص٧٧) وابن خزيمة في التوحيد (ص١٣٤) والآجري في الشريعة (ص٣٢٥) وابن بطة في الإبانة (٣/ ٢٠٨) والدارقطني في النزول (ص٦٩) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ١٥٣): (رواه أحمد وأبو يعلى ورجالهما رجال الصحيح). وصححه الألباني في إرواء الغليل (٢/ ١٩٩)","vol":"1","page":519},{"text":"يستشفي فيشفى، ألا من مذنب يستغفر فيغفر له) (١).\n\nالتصريح بأنه تعالى هو السائل لا غيره\nعن رفاعة بن عرابة الجهني - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (إذا مضى من اليل نصفه، أو ثلثاه، هبط الله إلى السماء الدنيا، ثم يقول: لا أسأل عن عبادي غيري، من ذا الذي يستغفرني أغفر له، من ذا الذي يدعوني استجب له، من ذا الذي يسألني أعطيه، حتى يطلع الفجر) (٢).\n\nالتصريح بالصعود بعد الهبوط\nعن الأغر أبي مسلم قال: أشهد على أبي سعيد وأبي هريرة\n_________\n(١) رواه أحمد (١/ ١٢٠) وأبو محمد الدارمي في سننه (١/ ٤١٤) وعثمان الدارمي في الرد على الجهمية (ص٧٤،٧٨) والنسائي في الكبرى (٦/ ١٢٥) وأبو يعلى (١١/ ٤٤٧) والآجري في الشريعة (ص٣٢٣) والدارقطني في النزول (ص١٣٣ - ١٣٨) وابن المظفر في غرائب مالك (ص١٣٣) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/ ١٢٥).\n(٢) رواه أحمد (٤/ ١٦) والطيالسي (ص١٨٢) والنسائي في الكبرى (٦/ ١٢٢) والدارمي في سننه (١/ ٤١٣) وابن ماجه (١/ ٤٣٥) وابن خزيمة في التوحيد (ص١٣٢) وأبو عوانة في مسنده (٢/ ٢٨٩) والطبراني في الكبير (٥/ ٤٩) وابن بطة في الإبانة (٣/ ٢١٤ - ٢١٥) والآجري في الشريعة (ص٣٢٥) والدارقطني في النزول (١٦٨ - ١٧٥) وابن حبان في صحيحه (١/ ٢١٧) واللالكائي (٣/ ٤٤١) والصابوني في عقيدة السلف (ص٥٨) وأبو إسماعيل الهروي في الأربعين في دلائل التوحيد (ص٨٠).","vol":"1","page":520},{"text":"﵄: يشهدان لي على رسول الله - ﷺ - أنه قال: (إذا ذهب ثلث الليل الأوسط، هبط الرب تعالى إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من داع؟ هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ حتى يطلع الفجر، ثم يصعد إلى السماء) (١).\n\nوقد وصف الله تعالى نفسه بما يؤكد حقيقة النزول وينفي المجاز:\n\nوصف نفسه بالإتيان\nقال تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك﴾ الأنعام١٥٨.\nففرّق بين إتيان الملائكة، وإتيان أمره، وإتيان نفسه.\nوقال: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ البقرة٢١٠.\nففرّق بين إتيان الملائكة، وإتيان نفسه.\nوصف نفسه بالمجيء\nقال تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ الفجر٢٢.\nففرّق بين مجيئه وبين مجيء الملائكة.\n_________\n(١) رواه بهذا اللفظ: أبو عوانة في مسنده (٢/ ٢٨٨) والدارقطني في الرؤية (ص١٤٩) وقال بعده: (زاد فيه يونس بن أبي إسحاق زيادة حسنة) أي: ثم يصعد إلى السماء. والحديث رواه مسلم (٧٥٨).","vol":"1","page":521},{"text":"وصفه تعالى بالدنو\nعن أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ - في حديثه الطويل في ذكر الإسراء والمعراج وفيه: (ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة) (١).\n\nومعلوم أن تنوع الدلالات لمعنى النزول يمنع حمله على المجاز، ويؤكد إرادة الحقيقة. فنزول، وهبوط، وصعود، وإتيان، ومجيء، وتدلٍّ، ونداء العباد بـ: أنا الملك، ولا أسأل عن عبادي غيري. وترغيب بـ: من يدعوني، من يستغفرني، من يسألني، ومجازاة بـ: فأستجيب له، فأغفر له، فأعطيه.\nأفمع كل هذا التنوع والتصرف في الألفاظ والدلالات، يمكن أن يكون النزول مجازًا، سبحانك هذا بهتان عظيم!!\n_________\n(١) رواه البخاري (٦/ ٢٧٣٠).","vol":"1","page":522},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>المبحث الثاني\nنصوص السلف في إثبات صفة النزول لله تعالى على الحقيقة</span>\nوقد أطبقت كلمة السلف والأئمة على إثبات صفة النزول لله تعالى على الحقيقة لا على المجاز:\n\n- الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت (١٥٠ هـ)\nقال في إثبات النزول لله: (ينزل بلا كيف) (١) اهـ.\n\n- الإمام الحافظ الحجة حماد بن سلمة بن دينار البصرى أبو سلمة (١٦٧ هـ)\nروى عبد العزيز بن المغيرة عن حماد بن سلمة: أنه حدثهم بحديث نزول الرب ﷿ فقال: (من رأيتموه ينكر هذا فاتهموه) (٢) اهـ.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٢٤.\n(٢) ذكره الذهبي في السير (٧/ ٤٥١).","vol":"1","page":523},{"text":"- الإمام الحافظ حماد بن زيد (١٧٩ هـ)\nسأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل، الحديث الذي جاء «ينزل الله ﷿ إلى السماء الدنيا»، قال: (حق، كل ذلك كيف شاء الله) (١) اهـ.\n\n- الفضيل بن عياض (١٨٧هـ)\nقال الفضيل بن عياض: (وكل هذا: النزول، والضحك، وهذه المباهاة، وهذا الإطلاع، كما يشاء أن ينزل، وكما يشاء أن يباهي، وكما يشاء أن يضحك، وكما يشاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فاذا قال الجهمى: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: بل أومن برب يفعل ما يشاء) (٢) اهـ.\nوهذا ظاهر في إثبات النزول الحقيقي لله، الذي يلزم من إثباته عند الجهمية زوال الله عن مكانه، ولذلك أجاب بهذا الجواب، فإن الله ليس كمثله شيء، ولا كنزوله نزول شيء.\n\n- الإمام الحافظ يحيى بن معين (٢٣٣ هـ)\nقال جعفر بن أبي عثمان الطيالسي: (قال يحيى بن معين: إذا قال لك الجهمي: كيف ينزل؟ فقل: كيف صعد) (٣) اهـ.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٢٦.\n(٢) سبق تخريجه حاشية ٢٨.\n(٣) رواه ابن بطة في الإبانة (٣/ ٢٠٣ - ٢٠٦).","vol":"1","page":524},{"text":"وقال ابن وضاح: (سألت يحيى بن معين عن التنزل؟ فقال: أقر به ولا تحد فيه بقول. قال: وقال لي ابن معين: صدق به ولا تصفه.) (١) اهـ.\nوجعله الصعود مقابلًا للنزول صريح في إثبات حقيقة النزول لله تعالى.\n\n- الإمام الحافظ ابن راهويه إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (٢٣٨ هـ)\nروى الحاكم بإسناده عن أحمد بن سعيد بن إبراهيم بن عبد الله الرباطي قال: (حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم، وحضر إسحاق ابن إبراهيم، يعني ابن راهويه، فسئل عن حديث النزول: أصحيح هو؟. قال: نعم. فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال: نعم. قال: كيف ينزل؟.\nفقال له إسحاق: أثبته فوق حتى أصف لك النزول.\nفقال الرجل: أُثبته فوق.\nفقال إسحاق: قال الله ﷿: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ١٣٨.","vol":"1","page":525},{"text":"فقال الأمير عبد الله: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة.\nفقال إسحاق: أعز الله الأمير، ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟) (١) اهـ.\nوهذا صريح في إثبات النزول لله تعالى على الحقيقة، ولذلك قال لمن أنكر النزول: \"أثبته فوق\". لأن من لا يؤمن بعلو الله تعالى، لا يقر بنزوله. وهذا يدل على أن النزول الذي وصف الله نفسه به هو على حقيقته، وهو ما كان من أعلى.\nوقال الذهبي: (وقال أبو العباس السراج سمعت إسحاق الحنظلي يقول: (دخلت على طاهر بن عبد الله بن طاهر، وعنده منصور بن طلحة، فقال لي منصور يا أبا يعقوب تقول أن الله ينزل كل ليله؟.\nقلت: نؤمن به، إذا أنت لا تؤمن أن لك في السماء ربًا لا تحتاج أن تسألني عن هذا. فقال له طاهر الأمير: ألم أنهك عن هذا الشيخ.) (٢) اهـ.\nوقال الذهبي: (وورد عن إسحاق أن بعض المتكلمين قال له: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء. فقال: آمنت برب يفعل ما يشاء اهـ.\n_________\n(١) رواه الصابوني في عقيدة السلف وأهل الحديث (ص٥١) وأورده الذهبي في العلو (ص١٧٩).\n(٢) رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٤/ ٣٢٦).","vol":"1","page":526},{"text":"ثم قال الذهبي معلقًا: قلت هذه الصفات من الاستواء، والإتيان، والنزول، قد صحت بها النصوص ونقلها الخلف عن السلف، ولم يتعرضوا لها برد ولا تأويل، بل أنكروا على من تأولها مع إصفاقهم على أنها لا تشبه نعوت المخلوقين، وأن الله ليس كمثله شيء، ولا تنبغي المناظرة ولا التنازع فيها، فإن في ذلك مخولة للرد على الله ورسوله، أو حومًا على التكييف أو التعطيل.) (١) اهـ.\nوقال أحمد بن علي الآبار: (إن عبد الله بن طاهر قال لإسحاق بن راهويه: ما هذه الأحاديث التي يحدث بها أن الله ﷿ ينزل إلى سماء الدنيا والله يصعد وينزل؟!\nقال فقال له إسحاق: تقول إن الله يقدر على أن ينزل ويصعد ولا يتحرك؟\nقال: نعم.\nقال: فلم تنكر؟!) (٢) اهـ.\nوجَعْلُ إسحاق الصعود مقابلًا للنزول ظاهرٌ في أن نزول الله تعالى حقيقة لا مجاز.\nوقال إسحاق مؤصلًا: (لا يجوز الخوض في أمر الله كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين، لقول الله تعالى: ﴿لا يُسأل عما يفعل وهم\n_________\n(١) ذكره الذهبي في السير (١١/ ٣٦٧).\n(٢) رواه اللالكائي (٣/ ٤٥٢).","vol":"1","page":527},{"text":"يُسئلون﴾ الأنبياء٢٣، ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الله بصفاته وفعاله بفهم كما يجوز التفكر والنظر في أمر المخلوقين، وذلك أنه يمكن أن يكون الله ﷿ موصوفًا بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما يشاء، ولا يُسأل كيف نزوله، لأن الخالق يصنع ما شاء كما يشاء) (١) اهـ.\n\n- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)\nقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد: (ينزل ربنا وجل كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا\" أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح.\nوقال إسحاق: قال إسحاق بن راهويه: ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي) (٢) اهـ.\nوقال أحمد بن الحسين بن حسان: (قيل لأبي عبد الله: \"إن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة\"؟ قال: نعم، قيل له: وفي شعبان كما جاء الأثر؟ قال: نعم.\nوقال يوسف بن موسى: قيل أبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم.) (٣) اهـ.\n_________\n(١) رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٤/ ٣٢٥).\n(٢) رواه ابن بطة في الإبانة (٣/ ٢٠٥) والقاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (١/ ٢٦٠).\n(٣) إبطال التأويلات (١/ ٢٦٠).","vol":"1","page":528},{"text":"وقال القاضي أبو يعلى: (وقال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ﷿ ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يخلو منه العرش.\nقال القاضي معلقًا: فقد صرح أحمد أن العرش لا يخلو منه، وهكذا القول عندنا في قوله ﴿وجاء ربك والملك﴾ الفجر٢٢، والمراد به مجيء ذاته لا على وجه الانتقال.) (١) اهـ.\nوقول الإمام أحمد أنه ينزل ولا يخلو منه العرش ظاهر في أن النزول حقيقة، وأنه نزول الله تعالى لا نزول أمره، ولا نزول ملك. ومعلوم أن من لا يعتقد أن الله فوق العرش فهو لا يعتقد نزوله، لا بخلو، ولا بغير خلو.\nقال حنبل بن إسحاق: (سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عن الأحاديث التي تروى عن النبي - ﷺ -: «إن الله ينزل إلى السماء الدنيا»، فقال أبو عبد الله: (نؤمن بها ونصدق بها ولا نرد شيئا منها إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على رسول الله قوله، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق.\nحتى قلت لأبي عبد الله: «ينزل الله إلى سماء الدنيا» قال: قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟\nفقال لي: اسكت عن هذا، مالك ولهذا، أمض الحديث على\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ٢٦١).","vol":"1","page":529},{"text":"ما روي بلا كيف ولا حد، إنما جاءت به الآثار، وبما جاء به الكتاب قال الله ﷿: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ النحل٧٤، ينزل كيف يشاء، بعلمه، وقدرته، وعظمته، أحاط بكل شيء علمًا، لا يبلغ قدره واصف ولا ينأى عنه هرب هارب) (١) اهـ.\n\n- الإمام العلامة الحافظ الناقد عثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ)\nقال في \"الرد على المريسي\" في تحقيق نزول الله بنفسه: (فادعى المعارض أن الله لا ينزل بنفسه إنما ينزل أمره ورحمته ... إلى أن قال: وهذا أيضًا من حجج النساء والصبيان ومن ليس عنده بيان) (٢) اهـ.\nومعلوم أن السلف لو لم يكونوا يعتقدون نزوله تعالى بنفسه، لكانوا هم والجهمية سواء.\nوقال في \"الرد على الجهمية\": (فهذه الأحاديث قد جاءت كلها وأكثر منها في نزول الرب ﵎ في هذه المواطن، وعلى تصديقها والإيمان بها أدركنا أهل الفقه والبصر من مشايخنا، لا ينكرها منهم أحد ولا يمتنع من روايتها، حتى ظهرت هذه العصابة فعارضت آثار رسول الله - ﷺ - برد، وتشمروا لدفعها بجد، فقالوا: كيف نزوله هذا؟\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٣١.\n(٢) الرد على المريسي (١/ ٢١٤).","vol":"1","page":530},{"text":"قلنا: لم نكلف معرفة كيفية نزوله في ديننا، ولا تعقله قلوبنا، وليس كمثله شيء من خلقه فنشبه منه فعلًا أو صفة بفعالهم وصفتهم، ولكن ينزل بقدرته ولطف ربوبيته كيف يشاء، فالكيف منه غير معقول، والإيمان بقول رسول الله - ﷺ - في نزوله واجب، ولا يسأل الرب عما يفعل كيف يفعل وهم يسألون، لأنه القادر على ما يشاء أن يفعله كيف يشاء، وإنما يقال لفعل المخلوق الضعيف الذي لا قدرة له إلا ما أقدره الله تعالى عليه: كيف يصنع؟ وكيف قدر؟.\nولو قد آمنتم باستواء الرب على عرشه، وارتفاعه فوق السماء السابعة بدءًا إذ خلقها، كإيمان المصلين به، لقلنا لكم: ليس نزوله من سماء إلى سماء بأشد عليه، ولا بأعجب من استوائه عليها إذ خلقها بدءًا، فكما قدر على الأولى منهما كيف يشاء، فكذلك يقدر على الأخرى كيف يشاء.\nوليس قول رسول الله - ﷺ - في نزوله بأعجب من قول الله ﵎: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ البقرة٢١٠. ومن قوله: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢. فكما يقدر على هذا يقدر على ذاك.\nفهذا الناطق من قول الله ﷿، وذاك المحفوظ من قول رسول الله - ﷺ - بأخبار ليس عليها غبار، فإن كنتم من عباد الله","vol":"1","page":531},{"text":"المؤمنين، لزمكم الإيمان بها، كما آمن بها المؤمنون، وإلا فصرحوا بما تضمرون، ودعوا هذه الأغلوطات التي تلوون بها ألسنتكم، فلئن كان أهل الجهل في شك من أمركم، إن أهل العلم من أمركم لعلى يقين) (١) اهـ.\nوقال بعد ذلك كلامًا مهمًا يمثل قاعدة من قواعد أهل السنة وهو قوله: (قد علمتم ذلك ورويتموها -أي أحاديث النزول وآثار الصحابة والتابعين- كما رويناها إن شاء الله، فائتوا ببعضها أنه لا ينزل منصوصًا كما روينا عنهم النزول منصوصًا حتى يكون بعض ما تأتون به ضدًا لبعض ما أتيناكم به، وإلا لم يُدفع إجماع الأمة ةما ثبت عنهم في النزول منصوصًا بلا ضدٍ منصوصٍ من قولهم، أو من قول نظرائهم، ولم يُدفع شيء بلا شيء، لأن أقاويلهم ورواياتهم شيء لازمٌ وأصل منيع، وأقاويلكم ريح ليست بشيء. ولا يلزم أحدًا منها شيء إلا أن تأتوا فيها بأثر ثابت مستفيض في الأمة كاستفاضة ما روينا عنهم، ولن تأتوا به أبدًا ..) (٢) اهـ.\nفدونك هذا الأصل العظيم، عض عليه بالنواجذ، واعمل به في كل ما يدعيه أهل التأويل والتحريف في صفات الله تعالى.\n_________\n(١) الرد على الجهمية (ص٩٣).\n(٢) المرجع السابق (ص٩٧).","vol":"1","page":532},{"text":"- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن وضاح المرواني (٢٨٧ هـ)\nقال: (كل من لقيت من أهل السنة يصدق بها، لحديث التنزل.) (١) اهـ.\nومعلوم قطعًا أن النزاع لم يكن في إثبات أحاديث النزول، وإنما في إثبات حقيقتها لله تعالى، وهو الأمر الذي تنكره الجهمية وتتأوله.\n- أبو جعفر محمد بن أحمد بن نصر الترمذي (٢٩٥ هـ)\nقال والد أبي حفص بن شاهين: حضرت أبا جعفر، فسئل عن حديث النزول، فقال: (النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) (٢) اهـ.\n\n- الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)\nقال: (قيل له -أي للمعطل-: فما أنكرت من الخبر الذي روي عن النبي - ﷺ -: \"أنه يهبط إلى السماء الدني فينزل إليها\"؟\nفإن قال: أنكرت ذلك، أَنَّ الهبوط نقلة، وأنه لا يجوز عليه الانتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك من صفات الأجسام المخلوقة.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ١٤٧.\n(٢) ذكره الذهبي في السير (١٣/ ٥٤٧).","vol":"1","page":533},{"text":"قيل له: فقد قال جل ثناؤه ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢، فهل يجوز عليه المجيء؟ فإن قال: لا يجوز ذلك عليه، وإنما معنى هذا القول: وجاء أمر ربك.\nقيل: قد أخبرنا ﵎ أنه يجيء هو والملَك، فزعمت أنه يجيء أمره لا هو، فكذلك تقول: أن الملك لا يجيء، إنما يجيء أمر الملَك لا الملَك، كما كان معنى مجيء الرب ﵎ مجيء أمره.\nفإن قال: لا أقول ذلك في الملَك، ولكني أقول في الرب.\nقيل له: فإن الخبر عن مجيء الرب ﵎ والملَك خبر واحد، فزعمت في الخبر عن الرب تعالى ذكره أنه يجيء أمره لا هو، فزعمت في الملك أنه يجيء بنفسه لا أمره، فما الفرق بينك وبين من خالفك في ذلك فقال: بل الرب هو الذي يجيء، فأما الملك فإنما يجيء أمره لا هو بنفسه؟!\nفإن زعم أن الفرق بينه وبينه: أن الملك خلق لله جائز عليه الزوال والانتقال، وليس ذلك على الله جائزًا.\nقيل له: وما برهانك على أن معنى المجيء والهبوط والنزول هو النقلة والزوال، ولا سيما على من يزعم منكم ان الله تقدست أسماؤه لا يخلو منه مكان. وكيف لم يجز عندكم أن يكون معنى المجيء والهبوط والنزول","vol":"1","page":534},{"text":"بخلاف ما عقلتم من النقلة والزوال من القديم الصانع، وقد جاز عندكم أن يكون معنى العالم والقادر منه بخلاف ما عقلتم ممن سواه، بأنه عالم لا علم له، وقادر لا قدرة له؟ .... إلى أن قال: فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟\nقيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا ﷻ يوم القيامة والملك صفًا صفًا، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره، بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة. ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتًا دون وقت، ما دامت موجودة باقية.) (١) اهـ.\n\n- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ)\nقال في تحقيق صفة النزول لله: (باب ذكر أخبار ثابتة السند صحيحة القوام رواها علماء الحجاز والعراق عن النبي - ﷺ - في نزول الرب جل وعلا إلى السماء الدنيا كل ليلة، نشهد شهادة مقر بلسانه، مصدق بقلبه، مستيقن بما في هذه الأخبار من ذكر نزول الرب من غير أن نصف الكيفية، لأن نبينا المصطفى لم يصف لنا كيفية نزول خالقنا إلى سماء الدنيا، أعلمنا أنه ينزل والله جل وعلا لم يترك ولا نبيه عليه\n_________\n(١) التبصير (ص١٤٨ - ١٤٩).","vol":"1","page":535},{"text":"السلام بيان ما بالمسلمين الحاجة إليه، من أمر دينهم فنحن قائلون مصدقون بما في هذه الأخبار من ذكر النزول غير متكلفين القول بصفته أو بصفة الكيفية، إذ النبي - ﷺ - لم يصف لنا كيفية النزول وفي هذه الأخبار ما بان وثبت وصح: أن الله جل وعلا فوق سماء الدنيا، الذي أخبرنا نبينا - ﷺ - أنه ينزل إليه، إذ محال في لغة العرب أن يقول: نزل من أسفل إلى أعلى، ومفهوم في الخطاب أن النزول من أعلى إلى أسفل) (١) اهـ.\n\n- الإمام أبو بكر محمد بن الحسين الآجري الشافعي (٣٦٠ هـ)\nقال: (باب الإيمان والتصديق بأن الله ﷿ ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة قال محمد بن الحسين ﵀: الإيمان بهذا واجب، ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ولا يرد هذا إلا المعتزلة، وأما أهل الحق فيقولون: الإيمان به واجب بلا كيف، لأن الأخبار قد صحت عن رسول الله - ﷺ -: «أن الله ﷿ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة» والذين نقلوا إلينا هذه الأخبار هم الذين نقلوا إلينا الأحكام من الحلال والحرام، وعلم الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، فكما قبل العلماء عنهم ذلك كذلك قبلوا منهم هذه السنن، وقالوا: من ردها فهو ضال خبيث، يحذرونه\n_________\n(١) التوحيد (ص١٢٥ - ١٢٦).","vol":"1","page":536},{"text":"ويحذرون منه) (١) اهـ.\n\n- أبو الحسن علي بن عمر الحربي السكري (٣٨٦ هـ)\nقال في كتاب \"السنة\": (أن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا، قال النبي - ﷺ -، من غير أن يقال: كيف؟. فإن قيل: يَنزِل أو يُنزِل؟ قيل: يَنزل بفتح الياء وكسر الزاي. ومن قال: يُنزل بضم الياء فقد ابتدع. ومن قال: يُنزل ضياءًا ونورًا فهذا أيضًا بدعة، وردّ على النبي - ﷺ -) (٢) اهـ.\n\n- أبو عبد الله عبيد الله بن محمد العكبري الحنبلي ابن بطة (٣٨٤ هـ)\nقال: (فنقول كما قال: \"ينزل ربنا ﷿\" ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحده، ولا نقول: إن نزوله زواله) (٣) اهـ.\n\n- الإمام أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين (٣٩٩ هـ)\nقال فى باب \"الإيمان بالنزول\" قال: (ومن قول أهل السنة: أن الله ينزل الى سماء الدنيا، ويؤمنون بذلك، من غير أن يحدوا فيه حدًا،) -وذكر الحديث من طريق مالك وغيره الى أن قال: (وأخبرنى\n_________\n(١) الشريعة (ص٣١٩).\n(٢) نقله عنه أبو القاسم التيمي في المحجة (١/ ٢٤٨).\n(٣) الإبانة (٣/ ٢٤٠).","vol":"1","page":537},{"text":"وهب عن ابن وضاح عن الزهرى عن ابن عباد قال: ومن أدركت من المشائخ: مالك، وسفيان، وفضيل بن عياض، وعيسى بن المبارك، ووكيع، كانوا يقولون: إن النزول حق. قال ابن وضاح: وسألت يوسف بن عدى عن النزول؟ قال: نعم أومن به، ولا أحدّ فيه حدًا. وسألت عنه ابن معين؟ فقال: نعم أقر به ولا أحد فيه حدًا.\nقال محمد: وهذا الحديث يبين أن الله ﷿ على العرش فى السماء دون الأرض، وهو أيضًا بيّن فى كتاب الله، وفى غير حديث عن رسول الله) (١) اهـ.\nواستدلاله بحديث النزول على على الله تعالى وأنه فوق عرشه، صريح في إثبات النزول حقيقة، وهو ما كان من أعلى.\n\n- شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٤٤٩ هـ)\nقال ﵀ في إثبات حقيقة النزول والرد على من تأولها أو كيفها: (وقال بعضهم- أي السلف-: \"ينزل نزولا يليق بالربوبية بلا كيف، من غير أن يكون نزوله مثل نزول الخلق، بل بالتجلي والتملي، لأنه ﷻ منزه أن تكون صفاته مثل صفات\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٦٤.","vol":"1","page":538},{"text":"الخلق، كما كان منزهًا أن تكون ذاته مثل ذوات الخلق، فمجيئه وإتيانه ونزوله على حساب ما يليق بصفاته، من غير تشبيه وكيف ...) إلى أن قال: (فلما صح خبر النزول عن الرسول - ﷺ - أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله - ﷺ -، ولم يعتقدوا تشبيهًا له بنزول خلقه، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا، ولعنهم لعنًا كثيرًا.\nوقرأت لأبى عبد الله ابن أبي جعفر البخاري، وكان شيخ بخارى في عصره بلا مدافعة، وأبو حفص كان من كبار أصحاب محمد بن الحسن الشيباني، قال أبو عبد الله:- أعني ابن أبى حفص هذا- سمعت عبد الله بن عثمان وهو عبدان شيخ مرو يقول: سمعت محمد بن الحسن الشيباني يقول: قال حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله ﷿ ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢، قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفًا صفًا، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه،","vol":"1","page":539},{"text":"فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف مجيئه، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفًا صفًا ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب) (١) اهـ.\nوما ذكره عن حماد بن أبي حنيفة صريح في أن مجيء الله ﷿ المذكور في الآية هو المجيء المعروف في اللغة الذي من أصل معناه المجئ المضاف إلى الملائكة، مع التباين في الحقيقة والكيفية، إذ ليس كمثل مجيئه سبحانه مجيء شيء.\n\n- الإمام الحافظ أبو مسعود عبد الجليل بن محمد الأصبهاني كوتاه (٥٥٣ هـ)\nقال الذهبي: (قال السمعاني: لما وردت أصبهان، كان ما يخرج من داره إلا لحاجة مهمة، كان شيخه إسماعيل الحافظ هجره ومنعه من حضور مجلسه لمسألة جرت في النزول، وكان كوتاه يقول: النزول بالذات، فأنكر إسماعيل هذا وأمره بالرجوع عنه فما فعل.)\nقال -الذهبي معلقًا-: ومسألة النزول، فالإيمان به\n_________\n(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص٦٠ - ٦٣).","vol":"1","page":540},{"text":"واجب، وترك الخوض في لوازمه أولى، وهو سبيل السلف، فما قال هذا: نزوله بذاته إلا إرغامًا لمن تأوله وقال: نزوله إلى السماء بالعلم فقط، نعوذ بالله من المراء في الدين) (١) اهـ.\n\n- أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (٥٦١ هـ)\nقال في كتابه \"الغنية\": (وأنه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، كيف شاء وكما شاء، فيغفر لمن أذنب، لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه كما ادعته المعتزلة والأشعرية للأحاديث الصحيحة في ذلك ... ثم ذكر آثار السلف) (٢) اهـ.\n\n- تقي الدين أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي (٦٠٠ هـ)\nقال: (وتواترت الأخبار وصحت الآثار بأن الله ﷿ ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيجب الإيمان والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي عنه حقيقة النزول) (٣) اهـ.\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٣٣٠).\n(٢) نقله عنه ابن الألوسي في جلاء العينين (ص٤٦١).\n(٣) عقائد أئمة السلف (ص٨٠).","vol":"1","page":541},{"text":"- الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي (٧٩٥ هـ)\nقال: (وقد اعترض بعض من كان يعرف هذا على حديث النزول ثلث الليل الآخر، وقال ثلث الليل يختلف باختلاف البلدان، فلا يمكن أن يكون النزول في وقت معين. ومعلوم بالضرورة من دين الإسلام قبح هذا الاعتراض. وأن الرسول - ﷺ - أو خلفاءه الراشدين لو سمعوا من يعترض به لما ناظروه بل بادروا إلى عقوبته وإلحاقه بزمرة المخالفين المنافقين المكذبين.) (١) اهـ.\nوهذا ظاهر في أن النزول الثابت لله في الثلث الأخير من الليل هو على حقيقته اللائقة بالله، وهو ما كان من علو، ولذلك أورد المعترضون من أهل البدع على إثبات حقيقته من أنه يلزم منه أن يكون الله نازلًا على الدوام، لما انقدح في أذهانهم من التشبيه، وهو غير لازم إذ ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١.\n\nفمن ادعى بعد هذه النصوص المستفيضة: أن السلف متفقون على تأويل النزول، وأنه لا يراد به الحقيقة، وأن منهم من يسكت، ومنهم من يصرح بالمعنى المجازي، فلا ريب أنه قال بالكذب والبهتان، وحاله كحال من ينكر الشمس في رابعة النهار\nوهل يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلى دليل\n_________\n(١) فضل علم السلف على الخلف (ص٤٨).","vol":"1","page":542},{"text":"فرع: إثبات صفة النزول الحقيقي لله من كلام أبي الحسن الأشعري\n\nقال في سياق معتقده الموافق لأهل الحديث: (ونصدق جميع الروايات التي التي يثبتها أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب ﷿ يقول: (هل من سائل، هل من مستغفر) وسائر ما نقلوه وأثبتوه خلافًا لما قاله أهل الزيغ والتضليل) (١) اهـ.\nومعلوم أن أهل الزيغ في هذه الصفة هم من يتأولون النزول ولا يجعلون الله متصفًا به على الحقيقة، ولذلك أكد اتصاف الله به بكونه سبحانه هو الذي ينزل فينادي عباده، لا ملك ولا غيره فقال \"وأن الرب ﷿ يقول\".\nثم قال ﵀ مستدلًا بنزوله تعالى على إثبات علوه: (ومما يؤكد أن الله ﷿ مستو على عرشه دون الأشياء كلها، ما نقله أهل الرواية عن رسول الله - ﷺ - ..) ثم ذكر أحاديث النزول (٢).\nوقال في سياق معتقد أهل الحديث: (وأنه يجيء يوم القيامة هو وملائكته كما قال: \"وجاء ربك والملك صفًا صفًا\" وأنه ينزل إلى السماء الدنيا كما جاء في الحديث) (٣) اهـ.\n_________\n(١) الإبانة للأشعري (ص٥١).\n(٢) المرجع السابق (ص٩٩).\n(٣) مقالات الإسلاميين (١/ ٢٨٥).","vol":"1","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>المبحث الثالث\nبيان مخالفة الأشاعرة للسلف في هذا الباب</span>\nخلاصة الفصل:\nأولًا: أن السلف مجمعون على إثبات النزول لله تعالى، كما ثبت في السنة المتواترة، بلا تشبيه ولا تمثيل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول، بل يثبتون نزولًا لائقًا به سبحانه، لا يماثل نزول المخلوقين. وأن السلف يقولون بمثل ذلك في كل الصفات الاختيارية الفعلية لله تعالى كالمجيء، والإتيان، والدنو، ونحو ذلك من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة.\nثانيًا: أن أبا الحسن الأشعري موافق للسلف في إثبات حقيقة النزول لله تعالى، من غير تأويل، ولا تحريف.\nثالثًا: أن الجهمية كانت تنكر أن ينزل الله بنفسه، وتتأول ذلك بنزول أمره، أو نزول ملك ونحوه، وأن هذا هو الذي أنكره السلف عليهم.","vol":"1","page":544},{"text":"رابعًا: موافقة الأشاعرة للجهمية في تأويل النزول، وأنه لا يراد به الحقيقة، بل هو من مجازات الكلام.\nقال أبو المعالي الجويني في \"الإرشاد\": (والوجه: حمل النزول، وإن كان مضافًا إلى الله تعالى، على نزول ملائكته المقربين .... إلى أن قال: ومما يتجه في تأويل الحديث أن يُحمل النزول على إسباغ الله نعماءه على عباده ..) (١) اهـ.\nوقال أيضًا في صفة المجيء: (بل المعني بقوله: ﴿وجاء ربك﴾ الفجر٢٢: أي جاء أمر ربك وقضاؤه الفصل وحكمه العدل) (٢) اهـ.\nخامسًا: بطلان دعوى الأشعريين في أن الأشاعرة متبعون للسلف، سائرون على نهجهم، وأنهم من أهل السنة.\n_________\n(١) الإرشاد (ص١٦١).\n(٢) المرجع السابق (ص١٥٩).","vol":"1","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>الباب الثالث\nبطلان ورود التأويل في صفات الله عن أحد من السلف</span>","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-97>تمهيد</span>\nلما كانت دعوى الأشعريين في جواز تأويل الصفات، بل وتحتُّمه، عريضة، لم يكن بد من الاستدلال عليها من كلام السلف، فإن كلام المتأخرين إن لم يكن له أثارة من السلف الماضين، فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع.\nوقد حاول الأشعريان جمع ما أمكن من أقوال الصحابة والسلف من التابعين وأتباعهم، ليستدلوا به على أن تأويل الصفات ثابت عن السلف، فوقعا في أخطاء جسيمة، هي كالتالي:\nالخطأ الأول: أنهما لم ينقلا عن السلف من الكتب المسندة في الآثار، وإنما نقلا من كتب المتأخرين، بلا إسناد، ولا عزو لمصادرها.\nالخطأ الثاني: أنهما لم يتحققا من صحة وثبوت ما نسباه عن السلف، واكتفيا بالدعاوى المجردة.\nالخطأ الثالث: أنهما ينقلان ما يوافق هواهما من كلام بعض السلف، من غير أن يجمعا كل كلامه في المسألة ليتبين معنى كلامه","vol":"1","page":549},{"text":"ومراده. ومن المعلوم أنه لا بد من جمع كلام الإمام أو الصاحب في الباب حتى يمكن التحقق من رأيه، كما يفعله أتباع الأئمة الفقهاء من جمع كلام أئمتهم كله في كل باب.\nالخطأ الرابع: أنهما ربما نقلا كلامًا لبعض السلف في غير موضعه، كأن ينقلا بعض كلامهم في غير آيات الصفات، أو في آية مختلف على كونها من آيات الصفات.\nوهذه الأخطاء تفقد الباب قيمته، بل تجعله كلا شيء، وتبين بعد كاتبه عن أصول التحقيق والبحث العلمي.\nوأما طريقة أهل العلم في مثل هذه المسائل، فعلى خطوات:\nالخطوة الأولى: التحقق من كون الآية المستدل على كلام السلف فيها، أنها مما اتُّفق على كونها من آيات الصفات، وكذا الأحاديث.\nالخطوة الثانية: جمع كلام السلف في الآية أو الحديث من الكتب المسندة، حتى يُتحقق من وجود أصل لها.\nالخطوة الثالثة: جمع قول كل إمام على حدة.\nالخطوة الرابعة: نخل هذه الآثار، وتمييز الصحيح والثابت منها، من الضعيف.\nالخطوة الخامسة: محاولة الجمع بين ما صح عن كل إمام إن كان ثمة شيء من التعارض.","vol":"1","page":550},{"text":"الخطوة السادسة: التوصل إلى الصحيح من قول كل إمام، والجمع بينه وبين كلام غيره من الأئمة.\nوبهذه الخطوات يمكن الوصول إلى نتيجة علمية صحيحة في كل دعوى، وإلا كان الجدال عبثًا وسفهًا.\nوبالنظر إلى ما استدل به الأشعريان من كلام السلف مما زعما أنه يدل على صحة ورود التأويل عن السلف، يتبين أنه لا يخرج عن أحد أمرين:\nالأول: عدم ثبوته عمن نقلا عنه، إما لكونه لا أصل له، أو لضعف سنده، أو لمعارضته لما هو أصح وأشهر من كلامه.\nالثاني: أنه في غير موضعه، كأن يكون في غير آيات الصفات، أو مختلفًا فيه.\nوقد سبق أن عقدنا فصلًا في إجماع السلف وإطباقهم على منع تأويل الصفات، ومعلوم قطعًا أن الذين حكوا إجماع السلف على ترك التأويل ممن نقلنا بعض كلامهم هم من أعلم الناس بالخلاف، ومن أعلمهم بالحديث والآثار، وبعضهم من كبار أئمة السلف كمحمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهم، ويستحيل في العادة أن يحكي جميعهم الإجماع على ترك التأويل، ويكون ثابتًا عن السلف في نفس الأمر. بل هذا ضرب من المحال.","vol":"1","page":551},{"text":"وهذا رد إجمالًا.\nأما تفصيلًا فأنا أذكر هنا جميع ما استدلا به من كلام السلف في التأويل المزعوم، ليتبين لنا بطلان ما ادعياه.\nومن الأهمية بمكان أن يلحظ القارئ فيما سيأتي، أن جميع ما استدلا به هو عين استدلالات الجهمية!!","vol":"1","page":552},{"text":"المبحث الأول\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>دعاوى التأويل الوارد عن السلف والجواب عليها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>أولًا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - للكرسي:</span>\nاستدلا عليه بما رواه الطبري من طريق جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير عن عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: (﴿وسع كرسيه﴾ البقرة٢٥٥، كرسيه: علمه) (١) اهـ.\nوهذا لا يصح عن ابن عباس - ﵁ - لأمور:\nأولًا: أن مداره على جعفر بن أبي المغيرة، وفيه لين، فقد لخص الحافظ ابن حجر الحكم فيه فقال: (صدوق يهم) (٢). ومثل هذا لا يُقبل تفرده بمثل هذا عند المحدثين، لا سيما عن المكثرين كسعيد بن جبير، ما لم يكن له به اختصاص، فإذا أضيف إلى ذلك\n_________\n(١) رواه ابن جرير (٣/ ٩) وابن منده في الرد على الجهمية (ص٤٥) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص١٥١).\n(٢) تقريب التهذيب (ص٢٠١).","vol":"1","page":553},{"text":"مخالفته للثقات المكثرين من أصحاب سعيد بن جبير، فلا شك أنه يتعين الحكم بخطئه وشذوذه، كما هو الحال هنا، وتفصيله على النحو التالي:\nثانيًا: فقد خالف جعفر بن أبي المغيرة فيه من هو أوثق منه في سعيد بن جبير.\nفقد رواه مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال: (كرسيه موضع قدميه، والعرش لا يقدر قدره) (١) اهـ.\nومسلم البطين من أوثق الناس في سعيد بن جبير، وقد أخرج له البخاري ومسلم عنه.\nوقال ابن منده عن جعفر بن أبي المغيرة: (ولم يتابع عليه\n_________\n(١) رواه عبد الرزاق في تفسيره (٣/ ٢٥١) والدارمي في الرد على المريسي (١/ ٤١٢) وابن أبي حاتم في التفسير (٢/ ٤٩١) وعبد الله في السنة (٢/ ٥٨٦) وابن خزيمة في التوحيد (ص١٠٧) وابن أبي شيبة في العرش (ص٧٩) وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٨٢) وابن منده في الرد على الجهمية (ص٤٤) وابن بطة في الإبانة (٣/ ٣٣٧) والدارقطني في الصفات (ص١١١) والحاكم (٢/ ٣١٠) وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٤٧٤) وأبو ذر الهروي في الأربعين في التوحيد (ص٥٧) والخطيب في تاريخ بغداد (٩/ ٢٥١). وأورده الذهبي في العلو (ص٧٦) وقال الألباني في مختصر العلو (ص٧٥): صحيح.","vol":"1","page":554},{"text":"جعفر، وليس هو بالقوي في سعيد بن جبير) (١) اهـ.\nثالثًا: أن المحدثين والأئمة قد صححوا رواية القدمين، وضعفوا رواية المغيرة في \"العلم\":\n- فقد صححها أبو زرعة، فقال فيما روى عنه ابن منده في التوحيد قال: (وسئل أبو زرعة عن حديث ابن عباس: موضع القدمين، فقال: صحيح) (٢) اهـ.\n- وروى الدارقطني في الصفات بإسناده: عن العباس بن محمد الدوري قال: سمعت يحيى بن معين يقول: (شهدت زكريا بن عدي يسأل وكيعًا؟ فقال: يا أبا سفيان، هذه الأحاديث يعني: مثل الكرسي موضع القدمين، ونحو هذا؟.\nفقال وكيع: أدركنا إسماعيل بن أبي خالد، وسفيان، ومسعرًا، يحدثون بهذه الأحاديث ولا يفسرون شيئًا) (٣). اهـ.\n- وقال الدارمي في \"الرد على المريسي\": (فيقال لهذا المريسي: أما ما رويت عن ابن عباس فإنه من رواية جعفر الأحمر، وليس جعفر الأحمر ممن يعتمد على روايته، إذ قد خالفه الرواة\n_________\n(١) الرد على الجهمية (ص٤٥).\n(٢) التوحيد (٣/ ٣٠٩).\n(٣) رواه الدارقطني في الصفات (ص١٦٣) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٤٧٤) وهو في تاريخ ابن معين برواية الدوري (٣/ ٥٢٠).","vol":"1","page":555},{"text":"الثقات المتقنون. وقد روى مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الكرسي خلاف ما ادعيت على ابن عباس. - ثم أسنده عن مسلم البطين به، ثم قال: فأقر المريسي بهذا الحديث وصححه.) (١) اهـ.\n- وروى البيهقي الطريقين في \"الأسماء والصفات\" وقال: (وقال ﵎: ﴿وسع كرسيه السماوات والأرض﴾ البقرة٢٥٥. وروينا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: علمه.\nوسائر الروايات عن ابن عباس وغيره تدل على أن المراد به الكرسي المشهور المذكور مع العرش) (٢). اهـ.\n- وقال الذهبي في العلو: (وقال ابن عباس: كرسيه: علمه. فهذا جاء من طريق جعفر الأحمر، لين، وقال ابن الأنباري: إنما يروى هذا بإسناد مطعون فيه) (٣). اهـ.\n- وقال أبو منصور الأزهري في تهذيب اللغة: (والصحيح عن ابن عباس في الكرسي ما رواه الثوري وغيره عن عمار الدهني عن مسلم البطين -وذكره- ثم قال: وهذه رواية اتفق أهل العلم على\n_________\n(١) الرد على المريسي (١/ ٤١١).\n(٢) الأسماء والصفات (ص٤٩٧).\n(٣) العلو (ص١١٧).","vol":"1","page":556},{"text":"صحتها، والذي يُروى عن ابن عباس في الكرسي أنه العلم فليس مما يثبته أهل المعرفة بالأخبار) (١) اهـ.\nرابعًا: أن تفسير الكرسي بموضع القدمين، هو الموافق لما صح عن النبي - ﷺ -، ولأقاويل الصحابة - ﵃ -:\nفعن أبي ذر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة، وفضل العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة) (٢).\nوقال عبد الله بن مسعود - ﵁ -: (ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمسمائة عام، ثم ما بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، وغلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، ثم ما بين السماء السابعة وبين الكرسي خمسمائة عام، وما بين الكرسي وبين الماء خمسمائة عام، والكرسي فوق الماء، والله تعالى فوق العرش، ولا يخفى عليه من أعمالكم شيء) (٣).\n_________\n(١) تهذيب اللغة للأزهري (١٠/ ٥٤).\n(٢) رواه ابن جرير (٣/ ١٠) وابن أبي شيبة في العرش (ص٧٧) وابن بطة في الإبانة (٣/ ١٨١) وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٧٠،٦٤٩) وابن حبان في صحيحه (١/ ٢٨٧) وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٦٦) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٥١٠). وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١/ ١٧٤، رقم ١٠٩).\n(٣) رواه الدارمي في الرد على الجهمية (ص٥٥) وابن خزيمة في التوحيد (ص١٠٥ - ١٠٦) والطبراني في الكبير (٩/ ٢٠٢) وأبو الشيخ في العظمة (٢/ ٥٦٥، ٦٨٩) وابن بطة في الإبانة (٣/ ١٧١) واللالكائي (٣/ ٣٩٥) وابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٣٩) البيهقي في الأسماء والصفات (ص٥٠٧). وأورده الذهبي في العلو (ص٧٩) وعزاه لعبد الله بن الإمام أحمد في السنة وأبي بكر بن المنذر وأبي أحمد العسال وأبي عمر الطلمنكي، وقال: إسناده صحيح. وصححه الألباني في مختصر العلو (ص٧٥).","vol":"1","page":557},{"text":"وعن أبي موسى - ﵁ - قال: (الكرسي: موضع القدمين، وله أطيط كأطيط الرحل) (١).\nوالآثار في هذا الباب كثيرة.\nوبهذا يتبين عدم صحة هذا الأثر عن ابن عباس - ﵁ - وشذوذه، وخطأ من استدل به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>ثانيًا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - لمجيء الرب ﷿:</span>\nزعم الأشعريان أن ابن عباس - ﵁ - تأول مجيء الرب ﷿، معتمدين على ما ذكره النسفي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وجاء ربك والملك﴾ الفجر ٢٢، ما نصه: (وعن ابن عباس: أمره وقضاؤه) اهـ. ومثله ما نقلاه عن الحسن.\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة في العرش (ص٧٨) وعبد الله في السنة (١/ ٣٠٢) وابن جرير (٣/ ٩) وأبي الشيخ في العظمة (٢/ ٦٢٧) وابن منده في الرد على الجهمية (ص٤٦) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٥٠٩) وأورده الذهبي في العلو (ص١٠٧) وصححه الألباني في مختصر العلو.","vol":"1","page":558},{"text":"وليس لهذا أصل ولا إسناد، لا عن ابن عباس ولا عن الحسن البصري، ولا ذكره أحد من المصنفين من أهل الرواية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>ثالثًا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - للفظ (الأعين)</span>\nزعم الأشعريان أن ابن عباس - ﵁ - تأول العين لله تعالى، فقالا: (قال تعالى: ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ الطور ٤٨، قال ابن عباس - ﵁ -: بمرأى منا ...).\nوالجواب أن يقال:\nأولًا: أن هذا الأثر ليس بثابت عن ابن عباس - ﵁ -، فإن البغوي ذكره بغير إسناد، والثابت عن ابن عباس - ﵁ - أنه قال في قوله: ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ هود٣٧: بعين الله (١).\nوقال عطاء: عن ابن عباس - ﵁ - في قوله ﷿ ﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤، قال: أشار بيده إلى عينيه (٢).\nوهذا صريح منه في إثبات العينين لله تعالى.\nوهذا هو المعروف عن السلف، فقد صح مثله عن أبي عمران الجوني، وقتادة، ومطرف، وخالد بن معدان، وأبو نهيك، وغيرهم.\n_________\n(١) رواه ابن أبي حاتم (٦/ ٢٠٢٦) وابن جرير (١٢/ ٣٤) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص٣٩٦).\n(٢) سبق تخريجه حاشية ١٥.","vol":"1","page":559},{"text":"ثانيًا: أن هذا الأثر - على فرض ثبوته - ليس من التأويل في شيء، وإنما هو من التفسير باللازم، إذ أنه من المعلوم أن الله ﵎ يبصر ويرى ما يصنعه نوح ﵇، وما يكيده به قومه، فقال له مسليًا: إنك تحت نظرنا، وبمرأى منا، فلا تخف، وليس هذا من تأويل العينين في شيء، ولا من صرف اللفظ عن ظاهره.\nإنما يصح التأويل الذي يزعمانه إذا لم يُثبت لله تعالى عين.\nومعلوم لكل عاقل أن نوحًا ﵇ لم يكن في نفس عين الله تعالى، فذات الله ليست محلًا للمخلوقات، تعالى الله عن ذلك، وإنما المراد الحفظ والكلاءة.\nبل ثبوت اللازم ثبوت الملزوم. كما لو قال قائل في قوله تعالى: ﴿إنني معكما أسمع وأرى﴾ طه٤٦، أي: أنتما في حفظي ورعايتي، لكان صحيحًا، وليس هذا تأويلٌ للرؤية أو السماع، بل هو إثبات لهما لثبوت لازمهما.\nقال الدارمي في رده على المريسي: (وأما تفسيرك عن ابن عباس في قوله: ﴿فإنك بأعيننا﴾ الطور ٤٨، أنه قال: بحفظنا وكلاءتنا، فإن صح عن ابن عباس في قوله: ﴿فإنك بأعيننا﴾ الطور ٤٨، أنه قال: بحفظنا وكلاءتنا، فإن صح قولك عن ابن عباس فمعناه الذي ادعيناه، لا ما ادعيت أنت، يقول: بحفظنا وكلاءتنا بأعيننا، لأنه لا يجوز في كلام العرب أن يوصف أحد بكلاية إلا","vol":"1","page":560},{"text":"وذالك الكالي من ذوي الأعين، فإن جهلت فسم شيئًا من غير ذوي الأعين يوصف بالكلاية. وإنما أصل الكلاية من أجل النظر، وقد يكون الرجل كاليًا من غير النظر، ولكنه لا يخلو أن يكون من ذوي الأعين، وكذلك معنى قولك: عين الله، فافهم) (١) اهـ.\nوقد نقل أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين، والإبانة، إجماع أهل السنة على إثبات العينين لله تعالى، كما سيأتي بيانه في الفصل الثاني من الباب الخامس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>رابعًا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - للفظ (الأيد):</span>\nزعم الأشعريان أن ابن عباس - ﵁ - تأول اليد لله تعالى، فقالا: (قال تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ الذاريات٤٧، قال - ﵁ -: بقوة وقدرة. (القرطبي» اهـ.\n_________\n(١) الرد على المريسي (٢/ ٨٣١).","vol":"1","page":561},{"text":"والجواب: أن لفظ \"الأيد\" هنا ليس جمع اليد، بل أصله \"أيد\".\nقال ابن منظور في اللسان باب \"أيد\": (أيد: الأَيْدُو الآدُ جميعًا: القوة، قال العجاج: من أَن تبدّلت بآدِي آدا يعني قوّة الشباب. وفي خطبة علي كرم الله وجهه: وأَمسكها من أَن تمور بأَيدِه أَي بقوّته، وقوله ﷿: ﴿واذكر عبدنا داود ذا الأَيْد﴾ ص١٧، أَي: ذا القوة .... وقد أَيَّدَه على الأَمر. أَبو زيد: آد يَئِيد أَيْدًا إِذا اشتد وقوي. والتأْييد: مصدر أَيَّدته أَي قوّيته، قال الله تعالى: ﴿إِذ أَيدتك بروح القدس﴾ المائدة١١٠، وقرىء: ﴿إِذ آيَدْتُك﴾ أَي قوّيتك) (١) اهـ.\nوقال صاحب مختار الصحاح في باب \"يدي\": (وقال الله تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأَيْدٍ﴾ الذاريات٤٧، قلت: قوله تعالى ﴿بِأَيْد﴾ أي: بقوة، وهو مصدر آد يئيد إذا قوي، وليس جمعًا ليد ليذكر هنا، بل موضعه باب الدال، وقد نص الأزهري على هذه الآية في الأيد بمعنى المصدر، ولا أعرف أحدًا من أئمة اللغة أو التفسير ذهب إلى ما ذهب إليه الجوهري من أنها جمع يد) (٢) اهـ.\n_________\n(١) لسان العرب / مادة \"أيد\"\n(٢) مختار الصحاح / باب \"يدي\".","vol":"1","page":562},{"text":"وقد أجاب عن استدلالهما هذا إمامهم أبو الحسن الأشعري حيث قال في \"الإبانة\" في رده على الجهمية والمعتزلة الذين تأولوا صفة اليد لله تعالى: (مسألة: وقد اعتل معتل بقول الله تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ الذاريات٤٧، قالوا: الأيد القوة، فوجب أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، بقدرتي، قيل لهم: هذا التأويل فاسد من وجوه:\nأحدها: أن \"الأيد\" ليس بجمع لليد؛ لأن جمع \"يد\" أيدي، وجمع \"اليد\" التي هي نعمة أيادي، وإنما قال تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، فبطل بذلك أن يكون معنى قوله: ﴿بيدي﴾ ص٧٥، معنى قوله: ﴿بنيناها بأيد﴾) (١) اهـ.\nوقال ابن خزيمة في التوحيد: (وزعم بعض الجهمية: أن معنى قوله: «خلق الله آدم بيديه» أي بقوته، فزعم أن اليد هي القوة، وهذا من التبديل أيضا، وهو جهل بلغة العرب، والقوة إنما تسمى الأيد بلغة العرب، لا اليد، فمن لا يفرق بين اليد والأيد فهو إلى التعليم والتسليم إلى الكتاتيب أحوج منه إلى الترؤس والمناظرة.) (٢) ا. هـ.\n_________\n(١) الإبانة للأشعري (ص١٠٨).\n(٢) التوحيد (ص٨٧).","vol":"1","page":563},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>خامسًا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - لقوله تعالى ﴿الله نور السموات والأرض﴾:</span>\nزعم الأشعريان أن ابن عباس - ﵁ - تأول وصف الله تعالى بالنور.\nفقالا (ص ٢٣٤): (جاء في تفسير الطبري ما نصه: عن ابن عباس قوله ﴿الله نور السموات والأرض﴾ النور٣٥، يقول: الله سبحانه هادي أهل السموات والأرض) اهـ.\nوالجواب: أن يقال:\nأولًا: أن هذا الأثر مداره على علي بن أبي طلحة.\nفقد رواه ابن أبي حاتم (٨/ ٢٥٩٣) وابن جرير (١٨/ ١٣٥) وابن المنذر والبيهقي في الأسماء والصفات (ص١٠٢) واللالكائي (٢/ ٢٠١) في شرح أصول أهل السنة كلهم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس - ﵁ - به.\nوهذا إسناد منقطع، لأن علي ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس.\nقال دحيم: لم يسمع التفسير من ابن عباس، وقال ابن حبان: روى عن ابن عباس ولم يره.\nوقد اختلف أيضًا في حاله، فقواه بعضهم كأبي داود والنسائي وابن حبان، وضعفه آخرون، فقال يعقوب بن سفيان: ضعيف","vol":"1","page":564},{"text":"الحديث، منكر ليس محمود المذهب (١). ولخص ابن حجر القول فيه فقال في التقريب: صدوق قد يخطئ، وقال الذهبي في الكاشف: قال أحمد: له أشياء منكرات.\nثانيًا: إن صح هذا الأثر فإنه ليس من التأويل الذي يزعمانه، لأن تفسيره بالهادي لا يمنع من كون الله ﵎ نورًا، فإن من معاني كونه ﵎ نورًا هدايته لخلقه، فهما إذًا متلازمان. وابن عباس وغيره لم ينفوا ما سوى ذلك.\nولذلك قال تعالى بعده: ﴿مثل نوره﴾ أي في قلب العبد المؤمن.\nومن عادة السلف أن يذكروا بعض صفات اللفظ المُفسّر، أو بعض أنواعه، ولا ينافي ذلك ثبوت بقية أنواعه وأوصافه، بل قد يكونان متلازمين.\nومثال ذلك قول بعضهم في: ﴿الصراط المستقيم﴾ الفاتحة٦، أنه: الإسلام، وقال آخرون: إنه القرآن، وقال آخرون: إنه السنة والجماعة، وقال بعضهم: إنه طريق العبودية،\n_________\n(١) انظر تهذيب التهذيب (٧/ ٣٩٣ - ٣٤١)","vol":"1","page":565},{"text":"وهذه كلها صفات متلازمة للصراط المستقيم، ليست متباينة.\nثالثًا: أنه قد ثبت وصف الله ﵎ بالنور.\nقال تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾ الزمر٦٩.\nوروى مسلم في صحيحه عن أبي موسى - ﵁ - قال: (قام فينا رسول الله - ﷺ - بخمس كلمات، فقال: (إن الله ﷿ لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -وفي رواية أبي بكر النار- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) (١).\nوروى أيضًا عن أبي ذر - ﵁ - في حديث المعراج أنه قال: سألت رسول الله - ﷺ -: هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه) (٢).\nوفي دعاء النبي - ﷺ - حين عودته من الطائف بعد دعوته لهم إلى الإسلام: (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ..) (٣) الحديث.\n_________\n(١) مسلم (١٧٩).\n(٢) مسلم (١٧٨)\n(٣) رواه اابن عدي في الكامل (٦/ ٢١٢٤) والطبراني في الدعاء (ص٣١٥) والخطيب في الجامع (٢/ ٢٧٥).","vol":"1","page":566},{"text":"وقوله: (وصلح عليه أمرالدنيا والآخرة) كقول ابن عباس في تفسير نوره تعالى: (هادي أهل السماوات والأرض).\nوقد ذكر أبو الحسن الأشعري وصف الله ﵎ بالنور، فقال في \"مقالات الإسلاميين\": (وقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ... وأنه نور كما قال تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ النور٣٥) (١) ا. هـ.\nفالنور صفة من صفات ربنا ﵎، ومنه اشتق اسم (النور) الذي هو أحد الأسماء الحسنى لله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>سادسًا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - لنصوص (الوجه):</span>\nزعم الأشعريان أن ابن عباس - ﵁ - تأول صفة الوجه لله.\n_________\n(١) مقالات الإسلاميين (١/ ٢٨٥).","vol":"1","page":567},{"text":"فقالا (٢٣٤): (قال تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، قال - ﵁ -: الوجه عبارة عنه) ا. هـ.\nفالجواب: أن هذا الذي ذكره القرطبي ليس له أصل عن ابن عباس - ﵁ -.\nوالثابت عن ابن عباس - ﵁ - إثبات الوجه لله تعالى:\nفقد قال - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ يونس٢٦: (الزيادة: النظر إلى وجه الله) (١).\nوقال - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿إلى ربها ناظرة﴾ القيامة٢٣: (نظرت إلى خالقها) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>سابعًا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - للفظ (الساق):</span>\nزعم الأشعريان أن ابن عباس - ﵁ - تأول صفة الساق لله تعالى.\nفقالا (٢٣٤): (قال تعالى: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ القلم٤٢، قال - ﵁ -: عن كرب شديد) اهـ.\nوالجواب أن يُقال:\nأولًا: أن الصحابة متنازعون في هذه الآية، فابن عباس وطائفة يفسرون الآية بالشدة، وأبو سعيد وابن مسعود وطائفة يعدونها من الصفات، وليس هذا تنازعًا في إثبات الصفة، وإنما تنازع في كونها من آيات الصفات؟\n_________\n(١) اللالكائي (٣/ ٤٥٩) والبيهقي في الأسماء والصفات (ص١٣٣).\n(٢) وروى الآجري في الشريعة (ص٢٧٠) وعزاه السيوطي في الدر المنثور لابن المنذر.","vol":"1","page":568},{"text":"ولا ريب أن ظاهر الآية لا يدل على أنها من الصفات، لأن الساق فيها جاءت نكرة في سياق الإثبات، لم يضفها سبحانه لنفسه، فلم يقل (ساقه)، فلما لم يعرّفها بالإضافة، لم تكن دالة على صفة لله، ولذلك لم يعدها ابن عباس من آيات الصفات.\nوالذين جعلوها من آيات الصفات، إنما عدوها للحديث الذي في الصحيحين، لا لظاهر الآية. ومثل هذا ليس بتأويل، إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف.\nوعلى هذا فلا يصح أن يقال أن ابن عباس تأول الآية!\nثانيًا: أن صفة الساق لله تعالى ثابتة في السنة:\nفعن أبي سعيد - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى كل من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>ثامنًا: دعوى تأويل ابن عباس - ﵁ - للفظ (الجنب):</span>\nزعم الأشعريان أن ابن عباس - ﵁ - تأول قوله تعالى: ﴿أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ الزمر٥٦، فقال: تركت من طاعة الله وأمر الله وثوابه.\n_________\n(١) رواه البخاري (٤/ ١٨٧١) واللفظ له، ومسلم (١٨٣).","vol":"1","page":569},{"text":"وكذلك ورد مثله عن مجاهد والسدي والحسن.\nوالجواب أن يقال: أن هذا الكلام يدل على جهل كبير، إذ لا يمكن دعوى التأويل هنا حتى يثبت عن السلف أنهم جعلوا (الجنب) صفة لله تعالى، فعندها يمكن دعوى تأويل ابن عباس ومن وافقه.\nولم يقل أحد من السلف قط أن الجنب في الآية صفة لله تعالى.\nوهذا من الخطأ الذي يقع فيه الناس، فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية.\nقال الدارمي في رده على المريسي: (وادعى المعارض زورًا على قوم أنهم يقولون في تفسير قول الله: ﴿يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ الزمر٥٦، قال: يعنون بذلك الجنب الذي هو العضو، وليس ذلك على ما يتوهمونه.\nفيقال لهذا المعارض: ما أرخص الكذب عندك، وأخفه على لسانك. فإن كنت صادقًا في دعواك فأشر بها إلى أحد من بني آدم قاله، وإلا فَلِمَ تشّنع بالكذب على قوم هم أعلم بهذا التفسير منك، وأبصر بتأويل كتاب الله منك، ومن إمامك؟ إنما تفسيرها عندهم، تحسر الكفار على ما فرطوا في الإيمان والفضائل التي تدعو إلى ذات الله، واختاروا عليها الكفر والسخرية","vol":"1","page":570},{"text":"بأولياء الله، فسماهم الساخرين، فهذا تفسير الجنب عندهم. فمن أنبأك أنهم قالوا: جنب من الجنوب؟ فإنه لا يجهل هذا المعنى كثير من عوام المسلمين، فضلًا عن علمائهم، وقد قال أبو بكر الصديق - ﵁ - \"الكذب مجانب للإيمان\" وقال ابن مسعود: \"لا يجوز من الكذب جد ولا هزل\" وقال الشعبي \"من كان كذابا فهو منافق\") (١) ا. هـ.\nوالآية يقول الله تعالى فيها: ﴿أن تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين. بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين﴾ الزمر (٥٦ - ٥٩).\nوهذا إخبار عما تقوله هذه النفس الظالمة لنفسها، ومعلوم أن عامة هذه النفوس لا تعلم أن لله جنبًا، ولا تقر بذلك، كما هو الموجود منها في الدنيا، فكيف يكون ظاهر القرآن أن الله أخبر عنهم بذلك.\nوقوله تعالى: ﴿يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ إخبار عن تحسرهم على التفريط في جنب الله، والتفريط إما فعل أو ترك فعل، وهذا لا يكون قائمًا بذات الله، لا في جنب ولا في غيره، بل يكون\n_________\n(١) الرد على المريسي (٢/ ٨٠٧).","vol":"1","page":571},{"text":"منفصلًا عن الله، وهذا معلوم بالحس والمشاهدة، فظاهر االآية لا يدل على أن قول القائل: ﴿يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله﴾ أنه جعل فعله أو تركه في جنب يكون من صفات الله وذاته.\nوإنما المراد بجنب الله، طاعة الله، وأمر الله، وحق الله، كما يقال (سبيل الله). ومنه ما ورد من قوله - ﷺ -: (من قتل دون ماله مظلوما فهو شهيد، ومن قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون جاره فهو شهيد، ومن قتل في جنب الله فهو شهيد) (١).\nوكما في قول إبي الدرداء - ﵁ -: (إنك لن تتفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في جنب الله، ثم ترجع إلى نفسك فتجدها أمقت من سائر الناس) (٢).\nوفي قول خالد بن معدان: (لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يرى الناس في جنب الله أمثال الأباعر، ثم يرجع إلى نفسه فتكون هي أحقر حاقر) (٣).\nقال ابن منظور في اللسان (مادة جنب): (قال الفراء: الجنب القرب، وقوله ﷿: ﴿على ما فرطت في جنب الله﴾ أي: في\n_________\n(١) رواه الحارث في مسنده كما في المطالب العالية لابن حجر (٩/ ٢٠٠).\n(٢) رواه أحمد في الزهد (ص١٣٤) وابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ١١٠) والخطابي في العزلة (ص٦١).\n(٣) رواه ابن المبارك في الزهد (ص٩٩)","vol":"1","page":572},{"text":"قرب الله وجواره، والجنب معظم الشيء وأكثره، ومنه قولهم: هذا قليل في جنب مودتك. وقال ابن الأعرابي في قوله ﷿: ﴿في جنب الله﴾ في قرب الله من الجنة. وقال الزجاج: معناه على ما فرطت في الطريق الذي هو طريق الله الذي دعاني إليه، وهو توحيد الله والإقرار بنبوة رسوله، وهو محمد وقولهم: اتق الله في جنب أخيك ولا تقدح في ساقه، معناه: لا تقتله ولا تفتنه) (١) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>تاسعًا: دعوى تأويل مجاهد والضحاك والشافعي والبخاري للفظ (الوجه):</span>\nزعم الأشعريان أن مجاهدًا والضحاك والشافعي أولوا صفة الوجه لله تعالى. فقالوا في قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ البقرة١١٥، قال مجاهد: قبلة الله، وقال الشافعي: فثم الوجه الذي وجهكم الله إليه.\nوالجواب: أن هذه الآية مما اختلف السلف في كونها من آيات الصفات؟.\nوأكثر السلف على أنها ليست من آيات الصفات، ففسروها بما ذُكر.\n_________\n(١) لسان العرب / مادة \"جنب\".","vol":"1","page":573},{"text":"لأن الوجه قد يراد به الجهة في لغة العرب، وهذا كثير مشهور، وظاهر الآية يدل على أن المراد بالوجه الجهة لا الصفة. ومثل هذا ليس بتأويل، إنما التأويل صرف الآية عن مدلولها ومفهومها ومعناها المعروف.\nوجميع من نُقل عنهم تفسير هذه الآية بغير الصفة، كمجاهد وغيره، فإنهم لم يقولوا ذلك إلا في هذا الموضع فقط دون غيره من المواضع التي فيها ذكر الوجه لله تعالى كقوله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، ونحوها من الآيات. ولم ينف أحد منهم أن يكون الله متصفًا بالوجه حقيقة.\nوقد روى الدارقطني في الرؤية (رقم ٢٤٣/ص١٦٢) عن الضحاك قال: (الزيادة النظر إلى وجه الله ﷿) (١).\nوقال اللالكائي في شرح أصول أهل السنة (٣/ ٤٥٤): (سياق ما فسر من الآيات في كتاب الله عزوجل على أن المؤمنين يرون الله عزوجل يوم القيامة بأبصارهم:\nقال الله عزوجل للذين أحسنوا الحسنى وزيادة روى عن النبي - ﷺ - فيما صح عنه من تفسيره أنه النظر إلى الله عزوجل.\nوروى ذلك من الصحابة: عن أبي بكر الصديق وحذيفة بن\n_________\n(١) الرؤية للدارقطني (ص١٦٢)","vol":"1","page":574},{"text":"اليمان وأبي موسى الأشعري وابن مسعود وابن عباس.\nومن التابعين: عبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن المسبب والحسن وعكرمة وعامر بن سعد البجلي وأبي اسحاق السبيعي ومجاهد وعبد الرحمن بن سابط وقتادة والضحاك وأبو سنان ... -ثم ساقها بأسانيدها،\nثم أسند عن مجاهد من طريق ابن أبي حاتم أنه قال: (﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ يونس٢٦، قال: الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى الرب) (١) اهـ.\nوعن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، قال: (إلا ما أريد به وجهه) (٢).\nوالآثار في إثبات وجه الله تعالى عن النبي - ﷺ - والصحابة والتابعين متواترة. ولا يخلو كتاب من كتب السنة من باب في إثبات الوجه لله تعالى. وصنف الدارقطني كتاب \"الرؤية\".\nوأما ما ذكراه عن الضحاك وأبي عبيدة والبخاري في قوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، فقالا: قال الضحاك وأبو عبيدة: إي إلا هو. وقال البخاري: إلا ما أريد به وجهه.\n_________\n(١) اللالكائي (٣/ ٤٥٤ - ٤٦٣).\n(٢) رواه ابن أبي حاتم (٩/ ٣٠٢٨).","vol":"1","page":575},{"text":"فهذا ليس من التأويل في شيء، لأن الشيء قد يعبر عنه ببعض صفاته، فقوله ﴿إلا وجهه﴾ المراد به ذاته تعالى المتصفة بالصفات ومنها الوجه، وهذا ظاهر لا خفاء فيه، إذ لا يفنى منه شيء تعالى الله عن ذلك، وإنما عبر الله عن ذلك بذكر صفة من صفاته وهي وجهه تعالى.\nفتفسير الضحاك وأبو عبيدة ليس نفيًا لصفة الوجه بل إثبات لها، لأن الوجه المذكور في الآية لو لم يكن صفة له سبحانه، لما دل على بقاءه، ولَكان داخلًا في قوله ﴿كل شيء هالك﴾ تعالى الله عن ذلك.\nويؤكد هذا أن البخاري ﵀ قد عقد بابًا في صحيحه في إثبات الوجه لله تعالى مستدلًا بهذه الآية، فقال في كتاب التوحيد:\n(باب قول الله تعالى ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨:\nحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حماد بن زيد عن عمرو عن جابر بن عبد الله قال لما نزلت هذه الآية ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾ الأنعام٦٥، قال النبي - ﷺ -: أعوذ بوجهك، فقال: ﴿أو من تحت أرجلكم﴾ فقال النبي - ﷺ -: أعوذ بوجهك، قال: ﴿أو يلبسكم شيعا﴾ فقال النبي - ﷺ -: هذا أيسر) ا. هـ","vol":"1","page":576},{"text":"فجعل قوله - ﷺ -: (أعوذ بوجهك) تفسيرًا لقوله تعالى: ﴿إلا وجهه﴾، وكلاهما دليل على إثبات صفة الوجه لله تعالى.\nوبهذا يتبين بأن ما ذكره البخاري في تفسيرها، لا ينافي إثبات صفة الوجه لله تعالى، بل يثبته، ولذلك استدل بها.\nقال ابن كثير في تفسيره: (وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وجهه﴾ القصص٨٨، إخبار بأنه الدائم الباقي الحي القيوم، الذي تموت الخلائق ولا يموت، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ فعبر بالوجه عن الذات، وهكذا قوله ها هنا: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا إياه.\nوقد ثبت في الصحيح، من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أصدق كلمة قالها شاعر: كلمة لبيد: ألا كلُّ شَيْء مَا خَلا اللهَ بَاطِلُ\".\nوقال مجاهد والثوري في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا ما أريد به وجهه، وحكاه البخاري في صحيحه كالمقرر له. قال ابن جرير: ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر: أسْتَغْفِرُ اللهَ ذنبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبّ العبَاد، إلَيه الوَجْهُ والعَمَلُ ...\nوهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة إلا ما أريد بها وجه الله ﷿ من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة. والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات","vol":"1","page":577},{"text":"فانية وهالكة وزائلة إلا ذاته تعالى، فإنه الأول الآخر الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء.) (١) ا. هـ\nويحسن هنا ذكر قاعدة مفيدة ذكرها ابن القيم قائلًا: (وها هنا قاعدة يجب التنبيه عليها، وهي: أنه إذا ثبت عن مالك وأحمد وغيرهما شيء في موارد النزاع، لم يكن فيه أكثر من أنه وقع بينهم نزاع في معنى الآية، أو الحديث، وهو نظير اختلافهم في تفسير آيات وأحاديث، مثل تنازع ابن عباس وعائشة في قوله تعالى: ﴿ولقد رآه نزلة أخرى﴾ النجم١٣، فقال ابن عباس: رأى ربه، وقالت عائشة: بل رأى جبرائيل، وكتنازع ابن مسعود وابن عباس في قوله تعالى: ﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾ الدخان١٠، فقال ابن مسعود: هو ما أصاب قريشًا من الجوع، حتى كان أحدهم يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان، وقال ابن عباس: هو دخان يجيء يوم القيامة، وهذا هو الصحيح، ونظائر ذلك، فالحجة هي التي تفصل بين الناس) (٢) اهـ\nوقال ابن تيمية: (تأويل السلف إن صدر من الصحابة فهو مقبول، لأنهم سمعوه من الرسول، وإن صدر من غيرهم وتابعهم\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٠٤).\n(٢) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٦٢).","vol":"1","page":578},{"text":"عليه الأئمة قبلناه، وإن تفرد نبذناه وأعرضنا عنه إعراضنا عن تأويل الخلف) (١) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>عاشرًا: دعوى تأويل الثوري للاستواء:</span>\nقال الأشعريان (ص٢٣٦): (وأول سفيان الثوري الاستواء على العرش: بقصد أمره، والاستواء إلى السماء: بالقصد إليها (مرقاة المفاتيح ٢/ ١٣٧» اهـ.\nوهذا الأثر ذكره ملا على القاري في \"المرقاة\" جزافًا بلا إسناد ولا عزو، ولا يُعرف هذا التأويل عن الثوري. بل المعروف المتواتر عنه قوله في جميع الصفات: (أمرّوها كما جاءت بلا كيف). وقد سبق تخريجه والكلام عليه.\nولا يُعرف عن أحد من السلف قط أنه أوّل الاستواء لله تعالى بغير العلو، سواء ما عُدّي بـ على (استوى على) أو ما عُدّي بـ إلى (استوى إلى).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>الحادي عشر: دعوى تأويل الإمام مالك لصفة النزول:</span>\nزعم الأشعريان أن الإمام مالكًا قد أول صفة النزول لله تعالى فقالا: (سئل الإمام مالك ﵀ عن نزول الرب ﷿، فقال:\n_________\n(١) نقض التأسيس (مخطوط ٢/ ٢٢٠) نقلًا عن الآثار الواردة عن أئمة السنة في أبواب الاعتقاد (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":579},{"text":"\"ينزل أمره كل سحر، فأما هو ﷿ فإنه دائم لا يزول ولا ينتقل سبحانه لا إله إلا هو) ا. هـ\nفالجواب: أن هذا الأثر لا يصح عن الإمام مالك لأمور:\nأولها: أنه من رواية حبيب كاتب مالك، وهو كذاب\nقال أبو داود: (كان من أكذب الناس)، وقال: (أحاديثه كلها موضوعة)، وقال ابن حبان: (يروي الموضوعات عن الثقات) (١).\nوقال ابن عدي: (وعامة حديث حبيب موضوع المتن مقلوب الإسناد، ولا يحتشم حبيب في وضع الحديث على الثقات، وأمره بيّن في الكذابين) (٢) اهـ.\nوللأثر طريق آخر ذكره ابن عبد البر في التمهيد من طريق محمد بن علي الجبلي عن جامع بن سوادة عن مطرف عن مالك أنه سئل عن حديث التنزل فقال: (يتنزل أمره) (٣).\nوهذا إسناد مظلم، فإن محمد بن علي الجبُّلي قال عنه الخطيب: (قيل إن كان رافضيًا شديد الرفض) (٤) اهـ.\n_________\n(١) ميزان الاعتدال (١/ ٤٥٢).\n(٢) الكامل في ضعفاء الرجال (٢/ ٤١٤).\n(٣) التمهيد (٧/ ١٤٣).\n(٤) تاريخ بغداد (٣/ ١٠١) وميزان الاعتدال (٣/ ٦٧٥) ولسان الميزان (٥/ ٣٠٣).","vol":"1","page":580},{"text":"وأما جامع بن سوادة فمجهول، وقد روى له الدارقطني في غرائب مالك حديثًا ثم قال: (الحديث باطل، وجامع ضعيف) (١) اهـ.\nوقال عنه ابن الجوزي في الموضوعات بعد أن روى له حديث الجمع بين الزوجين: (هذا موضوع وجامع مجهول) (٢) اهـ.\nالثاني: أن هذا الأثر مخالف للمعروف المستفيض عن الإمام مالك من إمرار الصفات على ظاهرها، وعدم التعرض لها بتأويل ولا غيره.\nكما في رواية الوليد بن مسلم عنه حيث قال: (سألت الأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والليث بن سعد، عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف) (٣) اهـ.\nوكما في الأثر المشهور المستفيض عنه لما سئل عن كيفية الاستواء فقال: (الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول ..) (٤).\nوكذا ما رواه ابن أبي زمنين في \"أصول السنة\" حيث قال في \"باب الإيمان بالنزول\": (ومن قول أهل السنة أن الله ينزل إلى سماء\n_________\n(١) ميزان الاعتدال (١/ ٣٨٧) ولسان الميزان (٢/ ٩٣).\n(٢) الكشف الحثيث لابن سبط ابن العجمي (ص٨٣).\n(٣) سبق تخريجه حاشية ١١٧.\n(٤) سبق تخريجه حاشية ١٢٧.","vol":"1","page":581},{"text":"الدنيا، ويؤمنون بذلك من غير أن يحدوا فيه حدًا، وذكر الحديث من طريق مالك وغيره إلى أن قال: وأخبرني وهب عن ابن وضاح عن الزهري عن ابن عباد قال: ومن أدركت من المشائخ مالك، وسفيان، وفضيل بن عياض، وعيسى بن المبارك، ووكيع، كانوا يقولون: إن النزول حق) (١) اهـ. فهذا هو المعروف المشهور المستفيض عن الإمام مالك.\nأما قول الأشعريّيْن عن هذا الأثر مدافعين عن ضعفه وعدم ثبوته (حاشية ص١٣٠): (إلا أن أصحاب المذهب أعرف بأقوال إمامهم من غيرهم، لا سيما إذا كان القول مشهورًا عندهم شهرة مستفيضة) اهـ.\nولا أدري هل يعرف الأشعريان معنى الشهرة المستفيضة أم لا؟\nفإن القول المستفيض المشهور عن الإمام هو الذي يُروى عنه بطرق متعددة، وينقله كبار أصحابه ومعاصريه، أما ما رواه المتأخرون عنه بسند موضوع، ولا يعرف له أصل صحيح عنه، ولا ذكره أحد من ثقات أصحابه الذين لازموه، ولا سطروه في كتبهم مما نقلوه عن إمامهم، فكيف يكون هذا مشهورًا شهرة مستفيضة!!!\nوهذا الأثر لا يثبت عن الإمام مالك، فضلًا عن شهرته عنه، وإنما ينقله من يعتقد تأويل الصفات، وأنها ليست على حقيقتها،\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٦٤.","vol":"1","page":582},{"text":"فيفرح بمثله معرضًا عما في الكتاب والسنة وما تواتر عن سلف الأمة، ومعرضًا عما هو المعروف عن إمامهم.\nوحسبك بهذا الأثر نكارةً أنه لم يُذكر في شيء من كتب السنة التي تنقل معتقد السلف وأقوالهم قط، ولا في شيء من كتب أصحاب الإمام مالك التي تنقل أقواله واختياراته كالمدونة وغيرها، ولم يُسطر في كتاب يحكي عقيدة الإمام مالك، كالرسالة لابن أبي زيد القيرواني. فكيف بمكن بعد هذا أن يكون مشهورًا مستفيضًا عن الإمام مالك!!!\nوأظهر منه في البطلان والكذب ما حكياه عن الإمام مالك فقالا (ص١٢٩): (ذكر الإمام ناصر الدين بن المنير الإسكندري المالكي في كتابه \"المنتقى في شرف المصطفى\" لما تكلم عن الجهة وقرر نفيها قال: \"ولهذا أشار مالك رحمه الله تعالى في قوله \"لا تفضلوني على يونس بن متى\" فقال مالك: إنما خص يونس للتنبيه على التنزيه لأنه رفع إلى العرش، ويونس ﵇ هبط إلى قاموس البحر ونسبتهما مع ذلك من حيث الجهة إلى الحق ﷻ نسبة واحدة، ولو كان الفضل بالمكان لكان ﵇ أقرب من يونس بن متى وأفضل، ولَمَا نهى عن ذلك) ا. هـ) اهـ.\nوهذا كذب على الإمام مالك بلا ريب، وافتراء عليه وبهتان، فأين وجدتم هذا القول عن مالك؟، وفي أي كتاب مسند أثرتموه؟!!!","vol":"1","page":583},{"text":"وهذا إنما قاله أبو المعالي الجويني، منكرًا علو الله تعالى على خلقه، وارتفاعه بذاته على عرشه.\nوهذا الحديث المذكور ليس له أصل\nقال الزيلعي في تخريج الأحاديث والآثار: (غريب جدًا) (١).\nوالزيلعي كثيرًا ما يطلق هذا اللفظ على ما كان موضوعًا. ذكر ذلك الشيخ ثناء الله الزاهدي في \"توجيه القاري\" (٢).\nوإنما المعروف ما رواه أبو هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) (٣).\nوفي الصحيحين عن ابن عباس وابن مسعود ﵄ نحوه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>الثاني عشر: دعوى تأويل الإمام أحمد مجيء الله تعالى:</span>\nزعم الأشعريان أن الإمام أحمد قد تأول صفة المجيء لله تعالى فقالا: (جاء في البداية والنهاية للإمام الحافظ ابن كثير ما نصه: \"روى البيهقي عن الحاكم عن عمرو بن السماك عن حنبل: أن أحمد بن حنبل تأول قول الله تعالى: ﴿وجاء ربك﴾ الفجر٢٢، أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه) اهـ.\n_________\n(١) تخريج الأحاديث والآثار (١/ ٢٦٤) وقال المحقق في الحاشية: (قال ابن حجر: لم أجده).\n(٢)؟؟؟\n(٣) رواه البخاري (٤/ ١٦٩٤) ومسلم (٢٣٧٦).","vol":"1","page":584},{"text":"ثم قالا: (ونقل ابن الجوزي عن القاضي أبي يعلى عن الإمام أحمد في قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام﴾ البقرة٢١٠،أنه قال: المراد به قدرته وأمره.) اهـ.\nوالجواب أن يقال:\nأولًا: أن هذه الرواية التي رواها حنبل، إنما قالها الإمام أحمد -على فرض ثبوتها- في مناظرته للجهمية في القرآن.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية لما ذكر كلام ابن الجوزي وما نقله عن القاضي أبي يعلى: (قلت: هذا الذي ذكره القاضى وغيره أن حنبلًا نقله عن أحمد فى كتاب المحنة، أنه قال ذلك فى المناظرة لهم يوم المحنة لما احتجوا عليه بقوله \"تجيء البقرة وآل عمران\" قالوا\": والمجيء لا يكون إلا لمخلوق، فعارضهم أحمد بقوله: ﴿وجاء ربك﴾ الفجر٢٢، أو ﴿يأتى ربك﴾ الأنعام١٥٨، وقال: المراد بقوله تجيء البقرة وآل عمران ثوابهما، كما فى قوله ﴿وجاء ربك﴾ أمره وقدرته) (١) اهـ.\nوهذا يدل على أن الإمام أحمد إنما قاله على سبيل المعارضة وإبطال حجة الخصم من كلامه وما يعتقده، وهذا من باب التنزل، فإن الجهمية كانت تتأول مجيئه سبحانه وإتيانه بمجيء وإتيان أمره، لا أنه يجيء بنفسه، ولم يكن هذا دالًا عندهم على أن من نُسب إليه\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٠٥).","vol":"1","page":585},{"text":"المجيء والإتيان مخلوقًا، فعارضهم بهذا الأصل، فقال: فكذلك وصف الله سبحانه كلامه وهو القرآن بالمجيء في حديث \"تجيء البقرة وآل عمران كأنهما غيايتان\" هو مثل وصف نفسه بذلك، فلا يدل على أن كلامه مخلوق، بل يحمل مجيء القرآن على مجيء ثوابه، كما حملتم مجيئه سبحانه وإتيانه على مجيء أمره وقدرته.\nفالإمام أحمد ذكر ذلك على وجه المعارضة والإلزام لخصومه بما يعتقدونه في نظير ما احتجوا به عليه، لا أنه يعتقد ذلك، والمعارضة لا تستلزم اعتقاد المعارض صحة ما عارض به.\nثانيًا: أن هذا مخالف للمتواتر المشهور عن الإمام أحمد في هذا الباب من وجوب إمرار الصفات على ظاهرها، ومنع التعرض لها بتأويل أو غيره. بل إن حنبلًا نفسه نقل عنه ترك التأويل والمنع منه مطلقًا:\nفقال حنبل بن إسحاق: (قلت لأبي عبد الله: ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا؟ قال: نعم. قلت: نزوله بعلمه أم بماذا؟ قال: فقال لي: اسكت عن هذا، وغضب غضبًا شديدًا، وقال: مالك ولهذا؟ أمض الحديث كما روي بلا كيف) (١) اهـ.\nوقال حنبل: (سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى أن الله سبحانه ينزل إلى سماء الدنيا، وأن الله يُرى، وأن الله يضع قدمه، وما أشبه هذه الأحاديث.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٣١.","vol":"1","page":586},{"text":"فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها ولا نرد منها شيئًا، ونعلم أن ما جاء به رسول الله حق إذا كانت أسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد: ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف نفسه، قد أجمل الله الصفة فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، وصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه. قال: فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه بما وصف به نفسه، ولا نتعدى ذلك، ولا يبلغ صفته الواصفون، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته بشناعة شنعت، وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوة بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه فهذا كله يدل على أن الله ﷾ يرى في الآخرة) (١) اهـ.\nوقال القاضي أبو يعلى في \"إبطال التأويلات\": (وقال يوسف بن موسى قيل لأبي عبد الله: إن الله ينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء من غير وصف؟ قال: نعم) (٢) اهـ.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٣٢.\n(٢) إبطال التأويلات (١/ ٢٦٠).","vol":"1","page":587},{"text":"وقال إسحاق بن منصور: (قلت لأحمد: \"ينزل ربنا وجل كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا\" أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح.) (١) اهـ.\nوقال أحمد بن الحسين بن حسان: قيل لأبي عبد الله: \"إن الله ﵎ ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة\"؟ قال: نعم، قيل له: وفي شعبان كما جاء الأثر؟ قال: نعم.\nوقال القاضي أبو يعلى: (وقال أحمد في رسالته إلى مسدد: إن الله ﷿ ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا ولا يخلو منه العرش.\nقال القاضي معلقًا: فقد صرح أحمد أن العرش لا يخلو منه، وهكذا القول عندنا في قوله ﴿وجاء ربك والملك﴾ الفجر٢٢، والمراد به مجيء ذاته لا على وجه الانتقال.) (٢) اهـ.\nوقول الإمام أحمد أنه ينزل ولا يخلو منه العرش ظاهر في أن النزول حقيقة، وأنه نزول الله تعالى لا نزول أمره، ولا نزول ملك. ومعلوم أن من لا يعتقد أن الله فوق العرش فهو لا يعتقد نزوله، لا بخلو، ولا بغير خلو.\nوهذا يؤكد أن هذه الرواية شاذة، وإنما هي وهم من حنبل.\n_________\n(١) سبق تخريجه حاشية ٤٩٣.\n(٢) إبطال التأويلات (١/ ٢٦١).","vol":"1","page":588},{"text":"قال ابن القيم عن حنبل: (وهو كثير المفاريد المخالفة للمشهور من مذهبه، وإذا تفرد بما يخالف المشهور عنه فالخلال وصاحبه عبد العزيز لا يثبتون ذلك رواية) (١) اهـ.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هكذا نقل حنبل، ولم ينقل هذا غيره ممن نقل مناظرته فى المحنة، كعبد الله بن أحمد، وصالح بن أحمد، والمروذى وغيره) (٢) اهـ.\nبل لم يذكره الإمام أحمد في كتابه \"الرد على الجهمية والزنادقة\" لما تكلم عن احتجاجهم على خلق القرآن بالحديث.\nوقد قال الأشعريان تعليقًا على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتقريرًا لثبوت الرواية: (أما كون المشهور عن الإمام أحمد عدم التأويل، فإنه لا يناقض هذه الرواية، وقد يكون المشهور المتواتر عن إمام شيء ويثبت عنه شيء آخر على سبيل الندور، لا سيما إذا لم يتعارض الأمران ويتناقضا كما هو في ما نحن فيه، وقد نقل عن السلف تجنبهم للتأويل وبغضهم للخوض في ذلك، كما أيضًا كلمات لهم في تأويل بعض الألفاظ، وكلا الأمرين لا بأس به ..) اهـ.\nولا شك أن هذا الكلام يأباه التحقيق العلمي والعقلي، إذ أن الإمام أحمد والسلف لم ينهوا عن تأويل الصفات نهيًا مجردًا، بل كان نهيًا مقرونًا بالتغليظ، والحكم بالبدعة على من فعله، والأمر\n_________\n(١) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ٢٦٠).\n(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩٩).","vol":"1","page":589},{"text":"بهجره والتحذير منه، وحكاية الإجماع على بطلانه، كما سبق أن نقلنا بعض كلامهم في هذا في الفصل الرابع من الباب الأول.\nفكيف يستقيم أن يقع الإمام أحمد والسلف فيه!!!\nأم كيف يستقيم أن يُقال: ليس هذا بتعارض ولا تناقض، أو الأمر يسير. بل الخطب عظيم. وإذا لم يكن تناقضًا، فلا ندري ما التناقض؟!!!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>الثالث عشر: دعوى تأويل البخاري لصفة الضحك:</span>\nزعم الأشعريان أن البخاري قد تأول صفة الضحك لله تعالى فنقلا عن البيهقي في الأسماء والصفات أنه قال: (قال البخاري: معنى الضحك الرحمة ....) اهـ.\nوالجواب: أن هذا لا يثبت عن البخاري لعدة أمور:\nأولًا: أن البيهقي علقه عن البخاري ولم يسنده فقال: (أما الضحك المذكور في الخبر فقد روى الفربري عن محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ أنه قال: \"معنى الضحك فيه الرحمة\").\nولعله أخذه عن الخطابي في أعلام السنن حيث قال بعد حديث الأنصاري وامرأته وفيه: \"لقد عجب الله أو ضحك من فلان وفلانة .. \": (قال أبو عبد الله: معنى الضحك: الرحمة، وهذا من رواية الفربري، ليس عن ابن معقل) (١) اهـ.\n_________\n(١) أعلام السنن (٢/ ١٣٦٧).","vol":"1","page":590},{"text":"قال ابن حجر في الفتح معلقًا: (قلت: ولم أر ذلك في النسخ التي وقعت لنا من البخاري) (١) اهـ.\nثانيًا: أن هذا معارض للمعروف من عقيدة البخاري، من كونه على طريق شيوخه كالإمام أحمد وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم من أئمة السلف، يثبت الصفات لله تعالى كما جاءت على ظاهرها، لا يتعرض لها بتأويل ولا غيره.\nوسيأتي تقرير معتقد البخاري في الباب الرابع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>خلاصة الفصل:</span>\nيتبين لنا مما سبق أمور:\nالأمر الأول: أنه لم يثبت حرف واحد من التأويل عن السلف ﵏، وهذا يؤكد ما سبق تقريره من أن السلف مجمعون على بطلان التأويل والمنع منه في صفات الله تعالى، وأن الواجب فيها إجراؤها على ظاهرها، مع نفي التشبيه والتكييف عنها.\nالأمر الثاني: بطلان دعوى الأشعريين في ثبوت التأويل عن السلف، وبه ينهدم الأصل والركن الثاني من الأركان التي قام عليها كتابهما، حيث زعما أن السلف دائرون في صفات الله تعالى بين التفويض والتأويل، فإذا بطل ما زعموه من التفويض كما سبق تقريره في الفصل الثاني من الباب الأول، ثم بطل ما زعموه من التأويل هنا،\n_________\n(١) فتح الباري (٨/ ٥٠١).","vol":"1","page":591},{"text":"صار الكتاب مبنيًا على أساس من الباطل.\nالأمر الثالث: يتبين أيضًا ضعف ما لدى الأشعريين من الحجة، حيث أنهما أُلجئا إلى مثل هذه الروايات المنكرة أو التي لا أصل عن الصحابة والسلف، فلم يجدا فيما صح عن السلف ما يؤيد دعواهما.\nفأي عقيدة هذه التي لا نجد لتقريرها -بعد طول البحث والتنقيب- إلا المنكرات والبواطيل؟!!\nوصدق الدارمي إذ يقول في أمثال هؤلاء: (فقلت: إن أفلس الناس من الحديث وأفقرهم فيه الذي لا يجد من الحديث ما يدفع به تلك الأحاديث الصحيحة المشهورة في تلك الأبواب إلا هذا الحديث -لحديث باطل استدل به الجهمية على إنكار نزوله تعالى-، وهو أيضًا من الحديث أفلس، لأن هذا الحديث لو صح كان عليه لا له، فالحمد لله إذ ألجأتهم الضرورة إلى هذا وما أشبهه، لأنهم لو وجدوا حديثا منصوصًا في دعواهم لاحتجوا به لا بهذا، ولكن حين أيسوا من ذلك وأعياهم طلبه تعلقوا بهذا الحديث المشتبه على جهال الناس ليروجوا بسببه عليهم أغلوطة) (١) اهـ.\n_________\n(١) الرد على الجهمية (ص٩٩).","vol":"1","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>الباب الرابع\nتبرئة أئمة السنة من فرية الانتساب إلى الأشعرية والكلابية</span>","vol":"1","page":593},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>تمهيد</span>\nحاول الأشعريان تأكيد دعوى سلفية الأشاعرة بالاسكثار من الأتباع ممن لهم قدم صدق في الأمة، فأدخلوا في الأشاعرة كثيرًا ممن عُرفوا بمنهج السلف واشتهروا به.\nبل بلغ الحال بهما أن عدا الصحابة ضمن المتكلمين.\nوقد وقعا في هذا الباب في أمور يُخشى أن تدخل في البهتان والافتراء على الأئمة، فإنهما يقرران ويدخلان من شاءا في جملة الأشاعرة من غير تمحيص ولا تحقيق، بل استنادًا على الظنون والأوهام والحكايات ونحو ذلك مما يتعارض والتحقيق العلمي والتثبت الشرعي الذي أمرنا به ربنا ﷾.\nومن المعلوم، بل من البديهي أن من أهم المصادر التي يمكن عن طريقها معرفة منهج عالم معين أو معتقده، هو ما سطره في كتبه، وما نُقل عنه منصوصًا.\nفإذا كان للعالم كتب موجودة متداولة قد قرر فيها مسائل الاعتقاد، وأبان فيها عن منهجه وطريقته، فلا بد عند حكاية معتقده","vol":"1","page":595},{"text":"أن تكون هي المصدر الأول الذي يمكن الاستدلال به على عقيدته.\nومع بداهة هذا الأمر، فإننا نجد الأشعريّيْن يعرضان تمامًا عما سطره العالم في كتبه وأبانه وأظهره ونص عليه، ويستندان في بيان معتقده إلى حكاية، وقصة، وسلام وحفاوة بشخص معين، ونحو ذلك من الأمور التي لا يمكن أن تقدم بأي حال من الأحوال على ما نص عليه وأوضحه وكتب فيه. وسنرى خلال جولتنا هذه بعض هذه النماذج البعيدة كل البعد عن أبسط درجات البحث العلمي الموضوعي.","vol":"1","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-115>فصل\nذكر بعض من نسبوا إلى الأشعرية وبيان براءتهم منها</span>\nوأنا أذكر بعض من نُسبوا إليهم الطريقة الأشعرية، وأبين عقيدتهم المخالفة تمامًا لما عليه الأشاعرة، ولم أستوعب جميع من وسموا بالأشعرية وهم منها براء، رغبة في الاختصار.\n- الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل البخاري (٢٥٦ هـ)\nزعم الأشعريان أن البخاري كان موافقًا لابن كلاب في معتقده، وهي دعوى مجردة، يأباها التحقيق العلمي، والاستقراء التاريخي.\nفإن البخاري ﵀ رأس في الحديث، بل هو إمام الدنيا في عصره وحامل لواء أهل الحديث، وليس هذا بعجب منه، إذ أنه كان تلميذ أئمة السنة، وعلى رأسهم إمام أهل السنة بلا منازع أحمد بن حنبل، وكذا إسحاق بن راهوية، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وغيرهم من أكابر أئمة السنة وبقية السلف.","vol":"1","page":597},{"text":"ومن تأمل ما سطره في صحيحه، وفي غيرها من كتبه يعلم تمام العلم، أنه كان على عقيدة أهل الأثر، لا أهل الكلام، وأنه يثبت صفات الله تعالى على الوجه اللائق به، بلا تشبيه ولا تكييف، وبلا تنزيه ينفي حقائقها.\nوقد عقد كتابًا في صحيحه أسماه كتاب التوحيد، أثبت فيه الصفات لله تعالى على منوال السلف والأئمة، لا على منوال أهل الكلام، فعقد فيه ثمانية وخمسين بابًا في إثبات صفات الله، منها:\n- باب: (قول الله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ آل عمران٢٨)، لإثبات النفس لله تعالى.\n- وباب: (قول الله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨)، لإثبات الوجه لله تعالى.\n- وباب: (قول الله تعالى: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩)، لإثبات العين لله تعالى.\n- وباب: (قول الله تعالى: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥)، لإثبات اليد لله تعالى.\n- وباب: (قول النبي - ﷺ - \"لا شخص أغير من الله\")، لإثبات الشخص لله تعالى.\n- وباب: (﴿قل أي شيء أكبر شهادة﴾ الأنعام١٩، فسمى الله تعالى نفسه شيئًا. وسمى النبي - ﷺ - القرآن شيئًا. وهو صفة من","vol":"1","page":598},{"text":"صفات الله. وقال ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨) لإثبات أن الله تعالى يُسمى شيئًا.\n- وباب: (﴿وكان عرشه على الماء﴾ هود٧. ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ التوبة١٢٩)، لإثبات علو لله تعالى على خلقه، واستوائه وارتفاعه على عرشه، وأورد فيه قول أبي العالية ومجاهد: استوى: علا وارتفع، ثم ساق الأحاديث الدالة على علو الله تعالى، وأنه في السماء فوق كل شيء.\n- وباب: (قول الله تعالى: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ الرحمن٢٩) .. وقوله تعالى: ﴿لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا﴾ الطلاق١، وأن حدثه لا يشبه حدث المخلوقين، ففيه إثبات أن الله يوصف بأنه يحدث ما شاء.\n- وأبوابًا في إثبات كلام الله تعالى، منها باب لإثبات الحرف والصوت لله تعالى فقال: باب كلام الرب مع جبريل، ونداء الله الملائكة.\n- وباب: (ما جاء في تخليق السماوات والأرض وغيرها من الخلائق، وهو فعل الرب ﵎ وأمره، فالرب بصفاته وفعله وأمره، وهو الخالق المكون غير مخلوق، وما كان بفعله وأمره وتخليقه وتكوينه فهو مفعول مخلوق مكون).","vol":"1","page":599},{"text":"قال ابن القيم: (وهذه الترجمة فصل في مسألة الفعل والمفعول، وقيام أفعال الرب ﷿ به وأنها غير مخلوقة، وأن المخلوق هو المنفصل عنه الكائن بفعله وأمره وتكوينه، ففصل النزاع بهذه الترجمة أحسن فصل، وأبينه، وأوضحه، إذ فرق بين الفعل والمفعول، وما يقوم بالرب سبحانه، وما لا يقوم به، وبيّن أن أفعاله تعالى كصفاته، داخلة في مسمى اسمه، ليست منفصلة خارجة مكونة، بل بها يقع التكوين) (١) اهـ.\nوهذا التقرير يخالف ما عليه الأشعرية من امتناع قيام الأفعال الاختيارية بذات الله تعالى لأنها حوادث، والحوادث عندهم لا تقوم إلا بحادث، فيمنعون ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال، فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجىء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وُصف بأنه مريد له قادر عليه.\nوزاد البخاري هذا تأكيدًا في \"خلق أفعال العباد\" في باب: الرد على الجهمية وأصحاب التعطيل فقال: (ولقد بين نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل فمن كان له فعل فهو حي ومن لم يكن له فعل فهو ميت\n_________\n(١) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص٢٣٨).","vol":"1","page":600},{"text":"وأن أفعال العباد مخلوقة فضيق عليه حتى مضى لسبيله وتوجع أهل العلم لما نزل به وفي اتفاق المسليمن دليل على أن نعيما ومن نحا نحوه ليس بمفارق ولا مبتدع بل البدع والرئيس بالجهل بغيرهم أولى إذ يفتون بالآراء المختلفة مما لم يأذن به الله) (١) اهـ.\nوقال في موضع آخر: (ففعل الله صفة الله، والمفعول غيره من الخلق) (٢) اهـ.\nوبوب في مسائل الإيمان:\n- باب: (وسمى النبي - ﷺ - الصلاة عملًا)، لإثبات أن العمل من الإيمان.\n- وقال في باب: (قول الله تعالى ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ الصافات٩٦: (وسمى النبي - ﷺ - الإيمان عملًا).\nوهو القائل: (كتبت عن ألف وثمانين رجلًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث، كانوا يقولون: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص) (٣) اهـ.\nومعلوم أن هذا مخالف لعقيدة الأشاعرة الذين يرون أن الإيمان هو التصديق، وأن العمل لا يسمى إيمانًا.\n_________\n(١) خلق أفعال العباد (ص١٠٧).\n(٢) المرجع السابق (ص١٧٣).\n(٣) سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٩٥).","vol":"1","page":601},{"text":"وعقد في كتاب التوحيد من صحيحه غير ذلك من الأبواب الكثيرة التي يقرر فيه الصفات لله تعالى كما جاءت في الكتاب والسنة من غير تعرض لها بتأويل ولا تحريف.\nقال الذهبي في العلو: (قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل في آخر الجامع الصحيح في كتاب \"الرد على الجهمية\": باب قوله تعالى ﴿وكان عرشه على الماء﴾ هود٧، قال أبو العالية: استوى إلى السماء، ارتفع. وقال مجاهد في ﴿استوى﴾: علا على العرش. وقالت زينب أم المؤمنين ﵂: \"زوجني الله من فوق سبع سموات\".\nثم إنه بوب على أكثر ما تنكره الجهمية، من العلو، والكلام، واليدين، والعينين، محتجًا بالآيات والأحاديث، فمن ذلك قوله: \"باب قوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر١٠، و\"باب قوله: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، \"باب قوله: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩، \"باب كلام الرب ﷿ مع الأنبياء\"، ونحو ذلك مما إذا تعقله اللبيب عرف من تبويبه أن الجهمية ترد ذلك وتحرف الكلم عن مواضعه، وله مصنف مفرد سماه \"كتاب أفعال العباد\" في مسألة القرآن) (١) اهـ.\nوكتب البخاري أيضًا في تقرير بعض مسائل المعتقد كتاب\n_________\n(١) العلو (ص١٨٦).","vol":"1","page":602},{"text":"\"خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وأصحاب التعطيل\" والذي قرر فيه معتقد أهل السنة والجماعة، ونقل كثيرًا من نصوص السلف والأئمة في الصفات، والتي سبق أن ذكرنا بعضها في ثنايا كتابنا هذا، ككلامهم في علو الله تعالى على خلقه، وفي كلام الله تعالى، وقرر أنه بصوت كما سبق نقل كلامه.\nفقال: (وإن الله ﷿ ينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، فليس هذا لغير الله ﷿ ذكره. قال أبو عبد الله: وفي هذا دليل أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله جل ذكره يسمع من بعد كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذا تنادى الملائكة لم يصعقوا، وقال ﷿: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا﴾ البقرة٢٢، فليس لصفة الله ند، ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين) (١) اهـ.\nوهذه الصفة مما اتفق الأشاعرة على إنكارها، وتنزيه الله عن الاتصاف بها، بدعوى أنها تستلزم التشبيه، بناءًا على أصلهم في الكلام النفسي.\nفإثبات البخاري لكلام الله تعالى وأنه بحرف وصوت، يبطل دعوى انتسابه أو تأثره بابن كلاب، لأن مسألة الكلام النفسي هي من\n_________\n(١) خلق أفعال العباد (ص١٣٧).","vol":"1","page":603},{"text":"أشهر المسائل التي خالف فيها ابن كلاب السلف، ولذلك اشتد نكير الإمام أحمد عليه كما سيأتي بيانه، وأمر بهجر الحارث المحاسبي بسببه.\nوعلى هذا: فطريقة البخاري في تبويبه لمسائل المعتقد تدل بشكل واضح على عدم كونه من المتكلمين، بل هو مباين لهم غاية التباين.\nومما يؤكد كون البخاري لم يكن موافقًا لابن كلاب، أنه لم يذكره في شيء من كتبه البتة، ولا عرج على كلامه، ولا على كلام أصحابه، كالحارث المحاسبي، والقلانسي، والكرابيسي، وغيرهم. لا في صحيحه، ولا في تواريخه، كالتاريخ الكبير، والأوسط، والصغير، ولا في كتبه الأخرى ككتاب \"خلق أفعال العباد\".\n\n- الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (٣١٠ هـ)\nهو إمام المفسرين ومقدمهم محمد بن جرير ابن يزيد بن كثير الإمام العلم المجتهد عالم العصر أبو جعفر الطبري صاحب التصانيف البديعة من أهل آمل طبرستان.","vol":"1","page":604},{"text":"ولابن جرير كتابان في المعتقد، هما \"التبصير في معالم الدين\" و\"صريح السنة\"، قد قرر فيهما المعتقد وأبان عن منهجه وطريقته، فضلًا عما سطره في ثنايا تفسيره العظيم. ومع وجود هذين الكتابين، فإن الأشعريين لم ينقلا حرفًاَ واحدًا منهما، ولم يشيرا إليهما البتة، ويزعمان مع ذلك أن الطبري أشعري المعتقد!!!\nوقد سبق أن نقلنا كثيرًا من تقريراته في مسائل المعتقد في ثنايا الكتاب، ونؤكد هنا ما نقلنا ونزيد عليه:\nعلو الله تعالى بنفسه على خلقه:\nقال الذهبي في العلو: (قال أبو سعيد الدينوري مستملي محمد ابن جرير قال: قريء على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وأنا أسمع في عقيدته، فقال: \"وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن تجاوز ذلك فقد خاب وخسر\".\nقال الذهبي: تفسير ابن جرير مشحون بأقوال السلف على الإثبات، فنقل في قوله تعالى ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ البقرة٢٩، عن الربيع بن أنس: أنه بمعنى ارتفع. ونقل في تفسير ﴿ثم استوى على العرش﴾ الأعراف٥٤، في المواضع كلها أي: علا وارتفع. وقد روى قول مجاهد، ثم قال: ليس في","vol":"1","page":605},{"text":"فرق الإسلام من ينكر هذا، لا من يقر أن الله فوق العرش، ولا من ينكره من الجهمية وغيرهم.) (١) اهـ.\nإثبات اليدين لله تعالى:\nقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾ الآية المجادلة٧: (وعني بقوله: ﴿هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، بمعنى: أنه مشاهدهم بعلمه، وهو على عرشه. كما حدثني عبد الله بن أبي زياد، قال: ثني نصر بن ميمون المضروب، قال: ثنا بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن الضحاك، في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ﴾ .... إلى قوله: ﴿هُوَ مَعَهُمْ﴾ قال: هو فوق العرش وعلمه معهم ﴿أَيْنَمَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾) (٢) اهـ.\nوقال في تفسير قوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤: (اختلف أهل الجدل في تأويل قوله: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ فقال بعضهم: عنى بذلك: نِعمتاه، .... وقال آخرون منهم: عنى بذلك القوة .... وقال آخرون منهم: بل\"يده\"، ملكه .....\nوقال آخرون منهم: بل\"يد الله\" صفة من صفاته، هي يد، غير أنها ليست بجارحة كجوارح بني آدم.\n_________\n(١) العلو (ص٢٠٥).\n(٢) تفسير الطبري (٢٨/ ١٢)","vol":"1","page":606},{"text":"قالوا: وذلك أنّ الله تعالى ذكره أخبرَ عن خصوصه آدم بما خصّه به من خلقه إياه بيده قالوا: ولو كان معنى\"اليد\"، النعمة، أو القوة، أو الملك، ما كان لخصوصِه آدم بذلك وجه مفهوم، إذ كان جميع خلقه مخلوقين بقدرته، ومشيئتُه في خلقه تعمةٌ، وهو لجميعهم مالك. ...) إلى أن قال: (قالوا: ففي قول الله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، مع إعلامه عبادَه أن نعمه لا تحصى، مع ما وصفنا من أنه غير معقول في كلام العرب أن اثنين يؤدّيان عن الجميع ما ينبئ عن خطأ قول من قال: معنى\"اليد\"، في هذا الموضع، النعمة، وصحةِ قول من قال: إن\"يد الله\"، هي له صفة.\nقالوا: وبذلك تظاهرت الأخبار عن رسول الله - ﷺ -، وقال به العلماء وأهل التأويل.) (١) اهـ.\nإثبات صفة الإتيان لله تعالى:\nقال في تفسير قوله تعالى ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض لآيات ربك﴾ الأنعام١٥٨: (يقول جل ثناؤه: هل ينتظر هؤلاء العادلون بربهم الأوثان والأصنام إلا أن تأتيهم الملائكة بالموت فتقبض أرواحهم،\n_________\n(١) المرجع السابق (٦/ ٣٠١ - ٣٠٢).","vol":"1","page":607},{"text":"أو أن يأتيهم ربك يا محمد بين خلقه في موقف القيامة، أو يأتي بعض آيات ربك، يقول: أو أن يأتيهم بعض آيات ربك، وذلك فيما قال أهل التأويل طلوع الشمس من مغربها .. ثم ذكر آثار السلف على ذلك) (١) اهـ.\n\nإثبات الصفات على الحقيقة بلا تشبيه:\nوقال في \"التبصير في معالم الدين\": (ولله تعالى ذكره أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه - ﷺ - أمته، لا يسع أحدًا من خلق الله قامت عليه الحجة بأن القرآن نزل به، وصح عنده قول رسول الله - ﷺ - فيما روي عنه به الخبر منه خلافه، فإن خالف ذلك بعد ثبوت الحجة عليه به من جهة الخبر على ما بينت فيما لا سبيل إلى إدراك حقيقة علمه إلا حسًا، فمعذور بالجهل به الجاهل. لأن علم ذلك لا يُدرك بالعقل، ولا بالروية والفكر.\nوذلك نحو إخبار الله تعالى ذكره إيانا أنه سميع بصير، وأن له يدين لقوله تعالى: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، وأن له يمينًا لقوله: ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ الزمر٦٧، وأن له وجهًا لقوله: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨،\n_________\n(١) المرجع السابق (٨/ ٩٦).","vol":"1","page":608},{"text":"وقوله: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧. وأن له قدمًا لقول رسول الله - ﷺ -: \"حتى يضع الرب قدمه فيها\" يعني جهنم. وأنه يضحك إلى عبده المؤمن لقول النبي - ﷺ - للذي قُتل في سبيل الله: \"إنه لقي الله ﷿ وهو يضحك إليه\". وانه يهبط كل ليلة وينزل إلى السماء الدنيا، لخبر رسول الله - ﷺ -. وأنه ليس بأعور لقول النبي - ﷺ -، إذ ذكر الدجال فقال: \"إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور\".\nوأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم، كما يرون الشمس ليس دونها غياية، وكما يرون القمر ليلة البدر، لقول النبي - ﷺ -.\nوأن له أصابع، لقول النبي - ﷺ -: \"ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن\" ......) إلى أن قال: (فإن كان الخبر الوارد بذلك خبرًا تقوم به الحجة مقام المشاهدة والسماع، وجبت الدينونة على سامعه بحقيقته في الشهادة عليه بأن ذلك جاء به الخبر، نحو شهادته على حقيقة ما عاين وسمع ...) إلى أن قال: (فإن قال لنا قائل: فما الصواب في معاني هذه","vol":"1","page":609},{"text":"الصفات التي ذكرت، وجاء ببعضها كتاب الله عز جل ووحيه، وجاء ببعضها رسول الله - ﷺ -. قيل: الصواب من هذا القول عندنا: أن نثبت حقائقها على ما نعرف من جهة الإثبات ونفي التشبيه، كما نفى عن نفسه جل ثناؤه فقال ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١،. ..) إلى أن قال: (فنثبت كل هذه المعاني التي ذكرنا أنها جاءت بها الأخبار والكتاب والتنزيل على ما يُعقل من حقيقة الإثبات، وننفي عنه التشبيه ..) (١)\nإثبات النزول لله تعالى:\nقال في \"التبصير\": (قيل له -أي للمعطل-: فما أنكرت من الخبر الذي روي عن النبي - ﷺ -: \"أنه يهبط إلى السماء الدني فينزل إليها\"؟\nفإن قال: أنكرت ذلك، أَنَّ الهبوط نقلة، وأنه لا يجوز عليه الانتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك من صفات الأجسام المخلوقة.\nقيل له: فقد قال جل ثناؤه ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢، فهل يجوز عليه المجيء؟ فإن قال: لا يجوز ذلك عليه، وإنما معنى هذا القول: وجاء أمر ربك.\n_________\n(١) التبصير (١٣٤ - ١٤٢).","vol":"1","page":610},{"text":"قيل: قد أخبرنا ﵎ أنه يجيء هو والملَك، فزعمت أنه يجيء أمره لا هو، فكذلك تقول: أن الملك لا يجيء، إنما يجيء أمر الملَك لا الملَك، كما كان معنى مجيء الرب ﵎ مجيء أمره.\nفإن قال: لا أقول ذلك في الملَك، ولكني أقول في الرب.\nقيل له: فإن الخبر عن مجيء الرب ﵎ والملَك خبر واحد، فزعمت في الخبر عن الرب تعالى ذكره أنه يجيء أمره لا هو، فزعمت في الملك أنه يجيء بنفسه لا أمره، فما الفرق بينك وبين من خالفك في ذلك فقال: بل الرب هو الذي يجيء، فأما الملك فإنما يجيء أمره لا هو بنفسه؟! ....) إلى أن قال: (فإن قال لنا منهم قائل: فما أنت قائل في معنى ذلك؟\nقيل له: معنى ذلك ما دل عليه ظاهر الخبر، وليس عندنا للخبر إلا التسليم والإيمان به، فنقول: يجيء ربنا ﷻ يوم القيامة والملك صفًا صفًا، ويهبط إلى السماء الدنيا وينزل إليها في كل ليلة، ولا نقول: معنى ذلك ينزل أمره، بل نقول: أمره نازل إليها في كل لحظة وساعة، وإلى غيرها من جميع خلقه الموجودين ما دامت موجودة. ولا تخلو ساعة من أمره فلا وجه لخصوص نزول أمره إليها وقتًا دون وقت، ما دامت موجودة باقية.) (١)\n_________\n(١) المرجع السابق (١٤٦ - ١٤٩).","vol":"1","page":611},{"text":"القرآن كلام الله غير مخلوق\nقال في \"صريح السنة\" في إثبات أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وإبطال معتقد الأشاعرة فيه: (فمن قال غير ذلك، أو ادعى أن قرآنًا في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا، ونكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد غير ذلك بقلبه، أو أضمره في نفسه، أو قاله بلسانه دائنًا به فهو بالله كافر حلال الدم، بريء من الله، والله منه بريء بقول الله ﷿: ﴿بل هو قرآن مجيد. في لوح محفوظ﴾ البروج (٢١ - ٢٢)، وقال وقوله الحق: ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ التوبة٦.\nفأخبر جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب، وأنه من لسان محمد - ﷺ - مسموع، وهو قرآن واحد، من محمد - ﷺ -، وفي اللوح المحفوظ مكتوب، وكذلك هو في الصدور محفوظ، وبألسن الشيوخ والشباب متلو) (١) اهـ.\nوهذا يبطل معتقد الأشاعرة الذين يزعمون أن هناك قرآنين أحدهما: كلام الله غير مخلوق وهو ما قام بذات الله، والآخر مخلوق: وهو الملفوظ المتلو المكتوب، كما سبق بيان قولهم في الفصل الثالث من الباب الثاني.\nوقال في اللفظية: (وأما القول في ألفاظ العباد بالقرآن فلا أثر\n_________\n(١) صريح السنة (ص٢٤)","vol":"1","page":612},{"text":"فيه نعلمه عن صحابي مضى، ولا تابعي قضى، إلا عمن في قوله الغناء والشفاء رحمة الله عليه ورضوانه، وفي اتباعه الرشد والهدى، ومن يقوم مقام قول الأئمة الأولى، أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - ﵁ -.\nفإن أبا إسماعيل الترمذي حدثني قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: اللفظية جهمية لقول الله جل اسمه: ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ التوبة٦، فممّن يسمع.\nثم سمعت جماعة من أصحابنا لا أحفظ أسماءهم يذكرون عنه أنه كان يقول: من قال \"لفظي بالقرآن مخلوق\" فهو جهمي، ومن قال \"هو غير مخلوق\" فهو مبتدع) (١) اهـ\nوقال أيضًا في تعريف الإيمان: (فإن الصواب فيه قول من قال: هو قول وعمل، يزيد وينقص، وبه جاء الخبر عن جماعة من أصحاب النبي - ﷺ -، وعليه مضى أهل الدين والفضل) (٢) اهـ.\nوهذا مخالف لمعتقد الأشاعرة الذين يرون أن الإيمان هو التصديق، وأن الأعمال ليست داخلة في حقيقة الإيمان.\nهذه نتف من كلام ابن جرير ﵀ في تقرير الاعتقاد تبين موافقته للسلف، ومخالفته للأشاعرة.\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٣٧).\n(٢) المرجع السابق (ص٣٥).","vol":"1","page":613},{"text":"وكيف لا يكون كذلك وهو صاحب إمام الأئمة ابن خزيمة، ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم من أئمة السنة.\n\n- الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (٣٨٥ هـ)\nكان الحافظ الدارقطني من ضمن من حاول الأشعريان ضمه إلى ركب الأشاعرة استكثارًا للأتباع، وتشبعًا بما لم يعطوا.\nوالحافظ الدارقطني علم من الأعلام، وإمام من الأئمة الذين ألفوا وكتبوا في فنون كثيرة، ومنها المعتقد، فللدارقطني ثلاثة كتب معروفة مشهورة مطبوعة متداولة في معتقد أهل السنة والجماعة، وهي: \"كتاب الصفات\"، و\"كتاب الرؤية\"، وكتاب \"أحاديث النزول\"، ومع توفر هذه الكتب في المكتبة الإسلامية، فإننا نجد الأشعريين لم يعرجا على شيء منها البتة، وأعرضا عنها تمامًا، واستندا في دعواهما بأشعريته على قصة ذُكر فيها أن الدارقطني قبل رأس أبي بكر الباقلاني الأشعري، وأثنى عليه.\nومن المعلوم أن هذه الطريقة لا يمكن الاعتماد عليها في استخلاص معتقد إمام معروف بكتبه كالحافظ الدارقطني، وغاية ما فيها ثناء الدارقطني على بعض الأشاعرة،","vol":"1","page":614},{"text":"وهذا على فرض ثبوته يحتمل أمورًا كثيرة:\nمنها: أن الثناء عليه قد يكون قبل أن يعلم حاله، وقبل أن يظهر ما ظهر من معتقداته.\nومنها: أن الثناء قد يكون نسبيًا، كأن يثني عليه لجهوده في الرد على المعتزلة والجهمية ونحوهم، وقد كان الباقلاني معروفًا بهذا. لا لكونه موافقًا للحق في كل معتقده.\nوأنا أبين هنا ما سطره الدارقطني في كتبه حتى يتبين لكل عاقل، بطلان هذه الدعوى، وأن الدارقطني كان إمامًا في السنة، رأسًا فيها، ناهجًا نهج السلف والأئمة، لم يكن أشعريًا ولا كلابيًا ولم يدخل في الكلام البتة.\nفكتاب الصفات قد ألفه في إثبات صفات الله تعالى التي كان يتأولها المعطلة من الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشعرية، فعقد بابًا لإثبات القدم لله عزجل، وبابًا لإثبات اليدين، وبابًا لإثبات الضحك، وبابًا لإثبات الأصابع، وبابًا في ما جاء في الكرسي، وبابًا في ما جاء في صورة الرحمن، وبابًا في ما جاء في حثيات الرب","vol":"1","page":615},{"text":"﷿، وبابًا في ما جاء في يمين الله ﷿، وبابًا في ما جاء في كف الرحمن.\nثم أعقب هذه الأبواب بباب في بيان منهج السلف في هذه الصفات، وهو إمرارها على ظاهرها، وعدم التعرض لها بتأويل، ولا تشبيه، ونقل فيها كثيرًا من نصوص السلف والتي قد ذكرنا كثيرًا منها في الباب الأول.\nوأما كتاب أحاديث النزول فقد أثبت فيه صفة النزول لله تعالى، وأنه حق على حقيقته من غير تشبيه ولا تحريف ولا تأويل، وأنه نزول الله تعالى لا نزول ملك ولا نزول أمره ونحو ذلك مما يتأوله الأشاعرة وجميع المعطلة، وجمع فيه أحاديث النزول في الثلث الأخير من الليل، وفي شعبان، وعشية عرفة، وقال في أوله: (ذكر الرواية عن النبي - ﷺ - أن الله ﵎ ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا، فيغفر للمستغفرين ويعطي السائلين) (١) اهـ.\nوأما كتاب الرؤية فقد قرر فيه معتقد السلف في أن الله ﵎ يُرى يوم القيامة، يراه المؤمنون في العرصات، وبعد دخول الجنة، وجمع فيها الأحاديث المتواترة الدالة على ذلك، ونقل فيه كلام الصحابة والتابعين والأئمة في إثبات ذلك، وأن ألذ نعيم أهل الجنة النظر إلى وجه الله ﵎.\n_________\n(١) النزول (ص١).","vol":"1","page":616},{"text":"فهل ترى يمكن بعد ذلك أن يُجعل الدارقطني في جملة الأشعرية!!!\nوكتبه كلها قد نسجها على منوال السلف في تقرير المعتقد، فيستدل من كتاب الله وسنة روسوله - ﷺ -، ثم من كلام السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ولم يعرج قط على المسائل الكلامية، ولا الدلائل التي يسميها أصحابها عقلية، بل كان مبغضًا لهذه الطرق.\nقال الذهبي في العلو: (كان العلامة الحافظ أبو الحسن علي بن عمر نادرة العصر، وفرد الجهابذة، ختم به هذا الشأن، فمما صنف كتاب الرؤية، وكتاب الصفات، وكان إليه المنتهى في السنة ومذاهب السلف.\nوهو القائل ما أنبأني أحمد بن سلامة عن يحيى بن يونس أنبأنا ابن كادش أنشدنا أبو طالب العشاري أنشدنا الدارقطني رحمه الله تعالى:\nحديث الشفاعة في أحمد ... إلى أحمد المصطفى نسنده\nوأما حديث بإقعاده ... على العرش أيضا فلا نجحده\nأمروا الحديث على وجهه ... ولا تدخلوا فيه ما يفسده) (١) اهـ.\nوقال الذهبي في السير: (وصح عن الدارقطني أنه قال: ما شيء أبغض إلىّ من علم الكلام.\n_________\n(١) العلو (ص٢٣٤)","vol":"1","page":617},{"text":"قلت: لم يدخل الرجل أبدًا في علم الكلام، ولا الجدال، ولا خاض في ذلك، بل كان سلفيًا. سمع هذا القول منه أبو عبد الرحمن السلمي.) (١) اهـ.\n\n- الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني (٤٣٠ هـ)\nوهو ممن عده الأشعريان من الأشاعرة، وأنا أذكر بعض ما نُقل عنه في المعتقد ليتبين لنا حقيقة هذه الدعوى:\nقال فى كتابه \"محجة الواثقين ومدرجة الوامقين\" فيما نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأجمعوا أن الله فوق سمواته، عالٍ على عرشه، مستوٍ عليه، لا مستول عليه كما تقول الجهمية: أنه بكل مكان خلافًا لما نزل فى كتابه ﴿أأمنتم من فى السماء﴾ الملك١٦، ﴿اليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطرفاطر١٠، ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥،. له العرش المستوى عليه، والكرسى الذى وسع السموات والأرض، وهو قوله:\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١٦/ ٤٥٧).","vol":"1","page":618},{"text":"﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ البقرة٢٥٥، وكرسيه جسم، والأرضون السبع والسموات السبع عند الكرسى كحلقة فى أرض فلاة، وليس كرسيه علمه كما قالت الجهمية، بل يوضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه، كما قاله النبي - ﷺ -، وأنه تعالى وتقدس يجىء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده والملائكة صفًا صفًا كما قال تعالى: ﴿وجاء ربك والملك صفا صفا﴾ الفجر٢٢، وزاد النبى - ﷺ -: وأنه تعالى وتقدس يجىء يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده فيغفر لمن يشاء من مذنبى الموحدين، ويعذب من يشاء، كما قال تعالى: ﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء﴾ آل عمران١٢٩) (١) اهـ.\nوقال الذهبي في العلو: (قال الحافظ الكبير أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني مصنف \"حلية الأولياء\" في كتاب \"الاعتقاد\" له: (طريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة. ومما اعتقدوه أن الله لم يزل كاملًا بجميع صفاته القديمة، لا يزول ولا يحول، لم يزل عالمًا بعلم بصيرًا ببصر سميعًا بسمع متكلمًا بكلام، ثم أحدث الأشياء من غير شيء، وأن القرآن كلام الله، وكذلك سائر كتبه المنزلة كلامه غير مخلوق، وأن القرآن في جميع الجهات مقروءًا ومتلوًا ومحفوظًا ومسموعًا ومكتوبًا\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٦٠).","vol":"1","page":619},{"text":"وملفوظًا كلام الله حقيقة، لا حكاية ولا ترجمة، وأنه بألفاظنا كلام الله غير مخلوق، وأن الواقفة واللفظية من الجهمية، وأن من قصد القرآن بوجه من الوجوه يريد به خلق كلام الله فهو عندهم من الجهمية، وأن الجهمي عندهم كافر - إلى أن قال: وأن الأحاديث التي ثبتت في العرش واستواء الله عليه يقولون بها ويثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه من دون أرضه» (١) اهـ.\nونقل ابن القيم عنه: (قال في عقيدته: وإن الله سميع، بصير، عليم، خبير، يتكلم، ويرضى، ويسخط، ويضحك، ويعجب، ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكًا، وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء، فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر. ونزول الرب تعالى إلى سماء الدنيا بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة العارفين على هذا. - ثم قال: وإن الله استوى على عرشه بلا كيف، ولا تشبيه، ولا تأويل، فالاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه سبحانه بائن من خلقه، وخلقه بائنون منه، بلا حلول، ولا ممازجة، ولا اختلاط، ولا ملاصقة، لأنه البائن الفرد من الخلق، والواحد\n_________\n(١) العلو (ص٢٤٣).","vol":"1","page":620},{"text":"الغني عن الخلق، -وقال أيضًا: طريقنا طريق السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة، -وساق ذكر اعتقادهم ثم قال: ومما اعتقدوه أن الله في سمائه دون أرضه وساق بقيته) (١) اهـ.\nفتأمل رحمك الله هذا التقرير من الحافظ أبي نعيم لمعتقد السلف، وفيه إثبات جميع الصفات لله تعالى بلا تفريق بين صفة وغيرها، بل الكل ثابت لله تعالى بلا تشبيه ولا تأويل.\nوتأمل إثباته لصفة النزول لله تعالى على حقيقته، وأنه موصوف بذلك، وأن من تأوله أو أنكره فهو مبتدع ضال.\nفهل يا ترى الأشاعرة يقرون بما قرره الحافظ أبو نعيم في هذا المعتقد؟!!\n\n- شيخ الإسلام الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني (٤٤٩ هـ)\nزعم الأشعريان أن شيخ الإسلام الصابوني أشعري مستندين إلى ما ذكره ابن عساكر في تبيين كذب المفتري حيث قال: (وسمعت الشيخ أبا بكر احمد بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن بشار البوشنجي المعروف بالخركردي الفقيه الزاهد يحكي عن بعض شيوخه: أن الإمام أبا عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الصابوني النيسابوري، قال: ما كان يخرج إلى مجلس درسه إلا\n_________\n(١) اجتماع الجيوش الإسلامية (ص٢٧٩).","vol":"1","page":621},{"text":"وبيده كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري، ويظهر الإعجاب به، ويقول: ماذا الذي يُنكر على من هذا الكتاب شرح مذهبه. فهذا قول الإمام أبي عثمان وهو من أعيان اهل الأثر بخراسان) (١) اهـ.\nوالاستدلال بمثل هذه الحكاية على أشعريته الصابوني خطأ كبير لأمور:\nالأول: أن المخبر بها غير مسمى، فلا يُعرف من هو، فكيف يمكن الاعتماد على مثل هذه الحكاية.\nالثاني: أنه أمر غير مستغرب، لأن الإبانة الذي ألفه الأشعري في آخر عمره، قد مشى فيه على طريقة السلف، ورجع عما كان عليه من طريقة ابن كلاب، وهو ما سيأتي تقريره في الفصل الثالث من الباب الخامس.\nفلذلك نقول: إن كانت الأشعرية هي على ما عليه الأشعري في الإبانة فحيهلا، وأما إن كانت على ما عليه الأشاعرة المتأخرون فلا وألف لا.\nالأمر الثالث: أن الإمام الصابوني قد كتب في بيان المعتقد كتابًا عظيمًا أسماه \"عقيدة السلف وأصحاب الحديث\"، وهو مشهور متداول، فهلا نقل منه الأشعريان ليثبتا أشعريته وموافقته لهما؟!.\n_________\n(١) تبيين كذب المفتري (ص٣٦٣).","vol":"1","page":622},{"text":"فإن كتابه هذا قد أبان فيه المعتقد الصحيح لأهل الحديث أهل السنة والجماعة، وهو الموافق لما في كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعري، فلا عجب بعد ذلك أن يثني الإمام الصابوني على الإبانة.\nوأنا أنقل هنا بعض ما ذكره في كتابه حتى تتبين عقيدة الإمام الصابوني:\nقال يحكي عقيدة أهل الحديث: (ويثبتون له ﷻ ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسم، ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله- عز من قائل: (يا إبليس ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي) ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما بكيف أو تشبيههما بأيدي المخلوقين، تشبيه المشبهة، خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف، ومن عليهم بالتعريف والتفهيم،","vol":"1","page":623},{"text":"حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله ﷿: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١.\nوكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة، والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا والسخط والحياة، واليقظة والفرح والضحك وغرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله ﵌ من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله، كما أخبر الله عن الراسخين في العلم أنهم يقولونه في قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب﴾ آل عمران٧) (١) اهـ.\nفانظر كيف حكى معتقد أهل السنة في الصفات، وأنهم يسلكون فيها الإثبات من غير تشبيه، ولا تحريف وتأويل. وأن هذا\n_________\n(١) عقيدة السلف وأهل الحديث (ص٣٦ - ٣٩).","vol":"1","page":624},{"text":"هو سبيلهم في جميع الصفات، لا يفرقون بين صفات المعاني، ولا غيرها من الصفات، كالوجه، واليدين، والفرح، والضحك.\nوقد سبق أن بينت أن قوله: \"ويكلون علمه إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله\" يريد به حقيقة ما عليه الصفة، وكيفيتها، بدليل إثباته لها على ظاهرها، ومنعه من التعرض لها بتأويل وغيره، فلو كان اللفظ غير مفهوم، لم يكن إمراره على ظاهره معنى، كيف وقد بين وجوب إمراره بلا تشبيه، ولا تكييف، ونقل إجماع الأمة على علو الله تعالى واستواءه على عرشه بمعنى العلو.\nفقال في الاستواء والعلو: (ويعتقد أهل الحديث ويشهدون أن الله ﷾ فوق سبع سموات على عرشه كما نطق به كتابه .... وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته ...) إلى أن قال: (وسمعت الحاكم أبا عبد الله في كتابه (التاريخ) الذي جمعه لأهل نيسابور، وفي كتابه (معرفة الحديث) اللذين جمعهما ولم يسبق إلى مثلهما يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانئ يقول: سمعت أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: من لم يقل بأن الله ﷿ على عرشه، فوق سبع سمواته، فهو كافر بربه، حلال الدم، يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على بعض المزابل حتى لا يتأذى المسلمون ولا المعاهدون","vol":"1","page":625},{"text":"بنتن رائحة جيفته، وكان ماله فيئا لا يرثه أحد من المسلمين، إذ المسلم لا يرث الكافر، كما قال الني ﷺ \" لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم \" رواه البخاري ......) -ثم ذكر حديث الجارية \"أين الله؟ \" ثم قال: (فحكم رسول الله - ﷺ - بإسلامها وإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية) (١) اهـ.\nوقال (ص٤٨): (والفرق بين أهل السنة وبين أهل البدعة أنهم إذا سمعوا خبرًا في صفات الرب ردوه أصلًا، ولم يقبلوه أو يسلموا للظاهر، ثم تأولوه بتأويل يقصدون به رفع الخبر من أصله، وإعمال حيل عقولهم وآرائهم فيه، ويعلمون حقًا يقينًا أن ما قاله رسول الله - ﷺ - فعلى ما قاله ..) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٤٤ - ٤٧).","vol":"1","page":626},{"text":"وقال في إثبات النزول لله تعالى (ص٥٠): (ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب ﷾ كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنزول المخلوقين، ولا تمثيل ولا تكييف بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله ...) اهـ.\nوقال في إثبات الرؤية: (ويشهد أهل السنة أن المؤمنين يرون ربهم ﵎ بأبصارهم، وينظرون إليه على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ في قوله: \" إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر\" والتشبيه وقع للرؤية بالرؤية، لا للمرئي ..) (١) اهـ.\nوقال في الإيمان: (ومن مذهب أهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل ومعرفة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.) (٢) اهـ.\nوقال في علامات أهل البدع: (وعلامات البدع على أهلها بادية ظاهرة، وأظهر آياتهم وعلاماتهم شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي - ﷺ -، واحتقارهم لهم وتسميتهم إياهم حشوية وجهلة وظاهرية) (٣) اهـ.\nفهذه بعض تقريراته في المعتقد، والتي تدل على اتباعه لمذهب السلف فيها، واجتنابه مذهب الخلف كالأشعرية وغيرهم.\nوقد نقل الصابوني كثيرًا عن إمام الأئمة ابن خزيمة في أبواب الاعتقاد، ومعلوم مخالفة ابن خزيمة للكلابية والأشعرية، والتحذير منهم.\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٧٦).\n(٢) المرجع السابق (ص٧٨).\n(٣) المرجعه السابق (ص١٠٩).","vol":"1","page":627},{"text":"فهل يا ترى بعد هذا يصح نسبة هذا الإمام للأشعرية؟!!\nأم هل يرتضي الأشعريان عقيدته هذه؟!!\n\n- الإمام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الشافعي (٥١٦ هـ)\nعد الأشعريان الإمام البغوي من الأشاعرة، بلا تمحيص ولا تحقيق، ولا نقل من كتبه ومؤلفاته كعادتهم. وهي دعوى يكذبها ما سطره الإمام البغوي في كتبه، كتفسيره المسمى بـ\"معالم التنزيل\"، وكتابه الماتع العظيم \"شرح السنة\" والذي قرر فيه معتقد أهل السنة والجماعة، حيث عقد فيه فصلًا للرد على الجهمية الذين يتأولون الصفات.\nوأنا أنقل بعض كلامه في المعتقد لتتبين لنا حقيقة دعوى أشعريته:\nقال في \"شرح السنة\": (باب: بيان أن الأعمال من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، والرد على المرجئة -ثم ساق الآيات والأحاديث الدالة على ذلك ثم قال: اتفقت الصحابة","vol":"1","page":628},{"text":"والتابعون فمن بعدهم من علماء السنة على أن الأعمال من الإيمان .. - ثم قال: وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية على ما نطق به القرآن في الزيادة، وجاء الحديث بالنقصان في وصف النساء ... - إلى أن قال: واتفقوا على تفاضل أهل الإيمان في الإيمان وتباينهم في درجاته ..) (١) اهـ.\nوهذا يخالف كما هو معلوم معتقد الأشاعرة من أن الإيمان هو التصديق، وأنه لا يزيد ولا ينقص.\nوساق أحاديث الأصابع لله ﷿ ثم قال: (والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله ﷿، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله تعالى، كالنفس، والوجه، واليدين، والعين، والرجل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك والفرح -ثم ساق الأدلة عليها ثم قال: فهذه ونظائرها صفات لله تعالى، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضًا عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري ﷾ لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله ﷾:\n_________\n(١) شرح السنة (١/ ٣٣).","vol":"1","page":629},{"text":"﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾ الشورى١١، وعلى هذا مضى سلف الأمة، وعلماء السنة، تلقوها جميعًا بالقبول والتسليم، وتجنبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلم فيها إلى الله ﷿ - ثم ساق آثار السلف) (١) اهـ.\nوفي باب الرد على الجهمية: ذكر حديث \"إنه لفوق سماواته على عرشه، وإنه عليه لهكذا -وأشار وهب بيده- مثل القبة عليه، وأشار أبو الأزهر أيضًا \"إنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب\" ثم نقل كلام الخطابي وتأويله للحديث والصفة، ثم قال معلقًا: (والواجب فيه وفي أمثاله: الإيمان بما جاء في الحديث، والتسليم، وترك التصرف فيه بالعقل، والله الموفق) (٢) اهـ.\nفتأمل إثباته لصفات الله تعالى، وأن الواجب إجراؤها على ظاهرها، مع نفي التشبيه عنها، ومنع التأويل فيها، وتقريره أن إثباتها لله لا يستلزم التشبيه، كإثبات الذات.\nوتأمل منعه من الخوض فيها بالعقول تأويلًا، وتحريفًا، بعد أن نقل كلام الخطابي.\nوأما قوله: \"ووكلوا العلم فيها إلى الله ﷿\" فالمراد به علم حقيقة ما هي عليه، وكنهها، وكيفيتها، وإلا لم يكن لقوله\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ١٦٣ - ١٧١)\n(٢) المرجع السابق (١/ ١٧٧).","vol":"1","page":630},{"text":"\"وإمرارها على ظاهرها\" معنى، فإن الإمرار على الظاهر، هو حملها على ما دل عليه لفظها من المعنى المعروف لغة مع نفي التشبيه، وليس المراد بالظاهر: تنزيلها وكونها في القرآن، إذ لا ينكر هذا أحد ولا يمتري فيه.\nويقال أيضًا: لو كان كذلك لم يقل \"إمرارها على ظاهرها\" إذ يكون ظاهرها مجهولًا غير معلوم، فكيف يأمر بإمراره.\nوقال في تفسيره \"معالم التنزيل\" في قوله تعالى ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ البقرة٢٩: (﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء) (١) اهـ.\nوقال في قوله تعالى ﴿هل ينظرون إلا ان يأتيهم الله﴾ البقرة٢١٠: (والأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها، ويكل علمها إلى الله تعالى، ويعتقد أن الله عز اسمه منزه عن سمات الحدث، على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة.) (٢) اهـ.\nوقال في قوله تعالى ﴿ثم استوى على العرش﴾ الأعراف٥٤: (قال الكلبي ومقاتل: استقر. وقال أبو عبيدة: صعد. وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء، وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء\n_________\n(١) معالم التنزيل (١/ ٥٩).\n(٢) المرجع السابق (١/ ١٧٤).","vol":"1","page":631},{"text":"على العرش صفة لله تعالى، بلا كيف، يجب على الرجل الإيمان به، ويكل العلم فيه إلى الله ﷿. وسأل رجل مالك بن أنس عن قوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، كيف استوى؟ فأطرق رأسه مليًّا، وعلاه الرحضاء، ثم قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أظنك إلا ضالا ثم أمر به فأخرج.\nوروي عن سفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وغيرهم من علماء السنة في هذه الآيات التي جاءت في الصفات المتشابهة: أمِرّوها كما جاءت بلا كيف ..) (١) اهـ.\nوقال في قوله تعالى ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك﴾ الأنعام١٥٨: (﴿أو يأتي ربك﴾ بلا كيف، لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة) (٢) اهـ.\nوقال في قوله تعالى ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤: (ويد الله صفة من صفاته كالسمع، والبصر، والوجه، وقال جل ذكره: ﴿لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وقال النبي - ﷺ -: \"كلتا يديه يمين\" والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم. وقال\n_________\n(١) المرجع السابق (٢/ ١٦٤ - ١٦٥).\n(٢) المرجع السابق (٢/ ١٤٤).","vol":"1","page":632},{"text":"أئمة السلف من أهل السنة في هذه الصفات: \"أمرُّوها كما جاءت بلا كيف\") (١) اهـ.\nهذا بعض كلامه في تقرير المعتقد، فوازن بينه وبين معتقد الأشاعرة، لترى البون الشاسع بينهما.\n\n- الإمام الحافظ المفسر عماد الدين أبو الفداء إسماعيل بن كثير (٧٧٤ هـ)\nادعى الأشعريان أن الحافظ ابن كثير كان أشعريًا، واستدلا على ذلك بما ورد في الدرر الكامنة في ترجمة ابراهيم ابن محمد ابن قيم الجوزية ما نصه: (ومن نوادره أنه وقع بينه وبين عماد الدين ابن كثير منازعة في تدريس الناس، فقال له ابن كثير: أنت تكرهني لأنني أشعري، فقال له: لو كان من رأسك إلى قدمك شعر ما صدقك الناس في قولك أنك أشعري وشيخك ابن تيمية) (٢) اهـ.\nوهذه الحكاية لم يذكر ابن حجر من حدثه بها، هذا أولًا.\nوثانيًا: إنه على فرض صحتها فإن ظاهرها يبطل هذه الدعوى، لأن إبراهيم بن قيم الجوزية لم يصدقه فيما ذكر من الدعوى، مستدلًا بأن شيخه هو ابن تيمية، وهو المعروف عنه الرد على الأشاعرة وإبطال معتقداتهم التي خالفوا فيها الكتاب والسنة وما كان عليه سلف\n_________\n(١) المرجع السابق (٢/ ٥٠).\n(٢) الدرر الكامنة (١/ ٦٠).","vol":"1","page":633},{"text":"الأمة، وهذا أمر ظاهر، فكيف يكون تلميذ من طال كلامه في الانتصار لمذهب السلف، وأوذي في ذلك حتى اجتمع عليه الأشاعرة وسجنوه مرات عدة، كيف يكون تلميذ هذا أشعريًا، هذا تأباه العادة.\nوكان ابن كثير لا يذكر شيئًا من كلام ووقائع ابن تيمية في البداية والنهاية إلا ويقول: قال شيخنا العلامة، وكان شيخنا العلامة، وربما قال: جهبذ الوقت شيخ الاسلام أبو العباس ابن تيمية، وقال مرة: \"سمعت شيخنا تقي الدين ابن تيمية وشيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول كل منهما للآخر: هذا الرجل قرأ مسند الامام أحمد وهما يسمعان فلم يضبط عليه لحنة متفقا عليها، وناهيك بهذين ثناء على هذا وهما هما\". ونحو ذلك مما يدل على تعظيمه له. ومن المستبعد جدًا، أن يصفه بهذا الوصف، وهو مخالف له في أعظم الأمور، كأمور المعتقد.\nوقد ساق ابن كثير في تاريخه كثيرًا من وقائع شيخ الإسلام ابن تيمية مع مخالفيه من الأشاعرة، ومن أشهر ذلك المناظرات التي جرت بينه وبينهم في عقيدته المسماة بالواسطية، وانتصر ابن كثير له في ذلك في تاريخه.\nقال: (أول المجالس الثلاثة لشيخ الاسلام ابن تيمية: وفي يوم الاثنين ثامن رجب حضر القضاة والعلماء وفيهم الشيخ تقي الدين بن تيمية عند نائب السلطنة","vol":"1","page":634},{"text":"بالقصر وقرئت عقيدة الشيخ تقي الدين الواسطية، وحصل بحث في أماكن منها، وأخرت مواضع إلى المجلس الثاني، فاجتمعوا يوم الجمعة بعد الصلاة ثاني عشر الشهر المذكور وحضر الشيخ صفي الدين الهندي، وتكلم مع الشيخ تقي الدين كلاما كثيرًا، ولكن ساقيته لاطمت بحرًا، .... ثم انفصل الحال على قبول العقيدة، وعاد الشيخ إلى منزله معظمًا مكرمًا ..... وكان الحامل على هذه الاجتماعات كتاب ورد من السلطان في ذلك، كان الباعث على إرساله قاضي المالكية ابن مخلوف، والشيخ نصر المنبجي شيخ الجاشنكير وغيرهما من أعدائه ..... وكان للشيخ تقي الدين من الفقهاء جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، وانفراده بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له ومحبتهم له وكثرة أتباعه وقيامه في الحق، وعلمه وعمله .... ثم عقد المجلس الثالث في يوم سابع شعبان بالقصر واجتمع جماعة على الرضى بالعقيدة المذكورة ..... ثم جاء كتاب السلطان في السادس والعشرين من شعبان ..... وفي الكتاب إنا كنا سمعنا بعقد مجلس للشيخ تقي الدين بن تيمية، وقد بلغنا ما عقد له من المجالس، وأنه على مذهب السلف وإنما أردنا بذلك براءة ساحته مما نسب إليه ..) (١) اهـ.\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٤/ ٣٤ - ٣٦).","vol":"1","page":635},{"text":"وقد أطال ابن كثير في ذكر هذه الأحداث منتصرًا لشيخه ابن تيمية.\nومعلوم ما في العقيدة الواسطية مما يخالف مذهب الأشاعرة في الصفات، والقدر، والقرآن، والإيمان، والنبوات، والكرامات، وغير ذلك من مخالفات الأشاعرة لأهل السنة في الاعتقاد.\nأما التحقيق العلمي في معتقدات الأئمة، فليس بالقصص والحكايات، كما سبق أن ذكرنا، وإنما بالنصوص البينة التي سطروها في كتبهم. ومن المعلوم أن من أشهر مؤلفات ابن كثير هو تفسيره، وقد سطر فيه معتقده واضحًا جليًا، ولذلك أعرض الأشعريان عن ذكره إلا في موضع واحد، ولعل ذلك لما علما من إبطاله لدعواهما في أشعريته.\nوله ﵀ رسالة باسم (الاعتقاد) أبان فيها عن معتقده فقال ما لفظه: (فإذا نطق الكتاب العزيز ووردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضا والسخط والحب والبغض والفرح والضحك، وجب اعتقاد حقيقة ذلك من غير تشبيه بشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله ﷾ ورسوله - ﷺ - من غير إضافة، ولا زيادة عليه، ولا تكييف،","vol":"1","page":636},{"text":"ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة لفظ عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك) (١) اهـ.\nوهذا كلام صريح في إثباته لصفات الله تعالى على الحقيقة، ومنعه من تأويلها، أو تغييرها، أو تشبيهها بصفات خلقه. ولم يفرق بين صفة وأخرى.\nوأنا أسوق بعض نصوصه في تقرير المعتقد، ليُعلم أنه مباين للأشاعرة:\nقال في تفسير قوله تعالى ﴿ثم استوى على العرش﴾ الأعراف٥٤: (وأما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فللناس في هذا المقام مقالات كثيرة جدًا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما يُسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وغيرهم، من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل. والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه، و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السميع البصير﴾ الشورى١١، بل الأمر كما قال الأئمة -منهم نُعَيْم بن حماد الخزاعي شيخ\n_________\n(١) مخطوط، نقلًا من كتاب \"علاقة الإثبات والتفويض\" لرضا بن نعسان بن معطي (ص٨٢).","vol":"1","page":637},{"text":"البخاري -: \"من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه\"، فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله تعالى النقائص، فقد سلك سبيل الهدى.) (١) اهـ.\nوهذا ظاهر في أنه موافق للسلف في إمرار الصفات كما جاءت من غير تعرض لها بتأويل، ولا تحريف، ومن غير اعتقاد تشبيه ولا تمثيل، وأن إثباتها على ظاهرها لا يستلزم التشبيه، كما نقله عن نعيم بن حماد.\nوقال في آخر كلامه أن سبيل الهدى هو وصف الله بها على الوجه اللائق به. وهذا صريح في بطلان دعوى أشعريته، إذ أن الأشاعرة يتسلطون عليها بالتأويل، ولا يثبتون ظاهرها اللائق بالله، بل يدّعون أن ظاهرها يستلزم التشبيه. وقد بين أنها لا تستلزم التشبيه، وأن من فهم منها تشبيه الله بخلقه، وأنها كصفة المخلوق فهو مشبه، ولذلك قال: (والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه). فخص هذا الفهم السقيم بأنه لا يقع إلى من المشبهين، وهم الذين يفهمون من صفة الله، ما هو صفة المخلوق.\n_________\n(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٢١).","vol":"1","page":638},{"text":"ولمّا ذكر أئمة السنة والقدوة في مسائل الاعتقاد، لم يذكر منهم ابن كلاب والقلانسي والكرابيسي والحارث المحاسبي، ولا الأشعري، ولا أحدًا من أصحابه. ويستحيل أن يكون أشعريًا ثم لا يعرج على أبي الحسن الأشعري فيمن يُقتدى بهم.\nوقال في قوله تعالى ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩: (قال أبو عمران الجوني: تربى بعين الله. وقال قتادة: تغذى على عيني. وقال معمر بن المثنى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ بحيث أرى.) (١) اهـ.\nوهذا إثبات العين لله تعالى، ولم يتعرض لها بتأويل ولا تعطيل.\nوقال في قوله تعالى ﴿ويقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧: (وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلا وجهه﴾ القصص٨٨، وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ﴿ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ﴾ أي: هو أهل أن يجل فلا يعصى، وأن يطاع فلا يخالف) (٢) اهـ.\nفتأمل إثباته لوجه الله تعالى، وأنه موصوف بالجلال والإكرام.\nوقال في قوله تعالى ﴿وجاء ربك والملك صفًا صفًا﴾ الفجر٢٢: (﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ يعني: لفصل القضاء بين خلقه، ....\n_________\n(١) المرجع السابق (٣/ ١٤٨).\n(٢) المرجع السابق (٤/ ٢٧٤).","vol":"1","page":639},{"text":"فيجيء الرب تعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفًا صفوفًا.) (١) اهـ.\nفأثبت المجيء لله تعالى كما يشاء، ولم يقل مجيء ملك، ولا مجيء أمره، ولا عقابه ونحو ذلك. وتفسيره مملوء بمثل هذا. فأين أشعريته؟!!!\nوإن مما يُستغرب منه حقًا أن الأشعريّيْن قد نقلا عن ابن كثير إثباته بأن أبا الحسن الأشعري قد مر بمراحل ثلاثة، آخرها مرحلة العودة إلى السنة وإثبات كل الصفات لله تعالى بلا تفريق بين صفة وأخرى، وترك الطريقة الكلابية الأشعرية (٢)، ثم اجتهدا في إبطال هذ القول، ثم هم بعد ذلك يجعلون ابن كثير محسوبًا على الأشاعرة.\nفإن لم يكن هذا هو عين التناقض، فلا ندري ما التناقض؟!!!\n_________\n(١) المرجع السابق (٤/ ٥١١).\n(٢) انظر ص٣٣٢.","vol":"1","page":640},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>خلاصة الفصل:</span>\nيتبين مما سبق براءة من ذكرنا من فرية الأشعرية، وبيان أنهم سائرون على طريق السلف، من إثبات الصفات لله تعالى على الحقيقة، بلا تكييف ولا تشبيه.\nولم أستوعب من نسبه الأشعريان إلى الأشعرية ممن هو برئ منها خشية الإطالة، وإنما ذكرت نماذج يستدل بها المنصف على بعد الأشعريين عن التحقيق العلمي، وعلى تشبعهما بما لم يعطيا.\nبل إن الأشعريين وللأسف قد ذهبا إلى أبعد من هذا، فحكما بأن الصحابة والتابعين كانوا من المتكلمين.\nفقد نقلا عن عبد القادر البغدادي (ص٢٧٠) على وجه الإقرار له قوله: (فأول متكلميهم من الصحابة: علي بن أبي طالب كرم الله وجهه .... ثم عبد الله بن عمر ... وأول متكلمي أهل السنة من التابعين: عمر بن عبد العزيز، وله رسالة بليغة في الرد على القدرية.","vol":"1","page":641},{"text":"ثم زيد بن علي زين العابدين ... ثم الحسن البصري ... ثم الشعبي ... ثم الزهري ...) اهـ.\nولا أدري كيف يجتمع هذا مع ظهور علم الكلام في أوائل القرن الثاني؟\nأم كيف يجتمع هذا مع إطباق السلف على ذم علم الكلام والنهي عنه، والتحذير من أهله؟ والآثار في ذلك كثيرة جدًا، أفردت فيها مصنفات، ولا يكاد كتاب في السنة يخلو من باب في ذم الكلام.","vol":"1","page":642},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>الباب الخامس\nبيان أن الكلابية والأشعرية فرقتان مباينتان لأهل السنة والجماعة</span>","vol":"1","page":643},{"text":"الكلابية هم أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان، والأشعرية أتباع أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وأبو الحسن الأشعري كان معتزليًا ثم ترك الاعتزال وسار على طريق ابن كلاب، ثم رجع عن هذا الطريق في آخر حياته وانتسب إلى أهل السنة، وإلى طريق الإمام أحمد.\nوسأذكر في هذا الباب ما يؤكد خروج الكلابية والأشعرية عن طريق السنة وهدي السلف، وأنهما لا يُعدان من أهل السنة والجماعة، كما سأبين براءة أبي الحسن الأشعري مما عليه الأشاعرة، وأنه رجع في آخر حياته إلى مذهب أهل السنة والجماعة، وألف كتاب الإبانة الذي يبين بوضوح معتقده ومنهجه، كما سأبين صحة كتاب الإبانة المطبوع، وأنه لم تنله أيدي المحرفين.","vol":"1","page":645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>الفصل الأول\nفي بيان كون الكلابية ليسوا من أهل السنة والجماعة </span>وأن خلاف ابن كلاب مع الإمام أحمد كان خلافًا حقيقيًا لا لفظيًا\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>المبحث الأول: بيان حقيقة الخلاف بين الإمام أحمد وابن كلاب وأنه كان جوهريا حقيقيا</span>\nلقد استمات الأشعريان في ادعاء أن عبد الله بن سعيد بن كلاب كان من أئمة السنة، وأنه على عقيدة الإمام أحمد والسلف، وأن ما ثبت من الخلاف بينهما كان خلافًا لفظيًا لا حقيقيًا، كل ذلك لإثبات أن الأشاعرة من أهل السنة، لكون الأشاعرة من الكلابية في الجملة، لأن أبا الحسن الأشعري الذي تنتسب إليه الأشعرية سار على طريق ابن كلاب بعد تركه لطريق المعتزلة.\nقال الأشعريان (ص٤٧): (نسلم أولًا أن الإمام الأشعري بعد","vol":"1","page":647},{"text":"تركه الاعتزال كان على طريق عبد الله بن سعيد بن كلاب، وهذا أمر يوافقنا عليه أصحاب الدعوى -أي من ينكرون كون الأشاعرة من أهل السنة والجماعة- ولكنهم يخالفوننا في أن طريق ابن كلاب وطريق السلف هما في حقيقة الأمر طريق واحد، لأن ابن كلاب كان من أئمة أهل السنة والجماعة السائرين على طريق السلف الصالح) اهـ.\nولقد صور الأشعريان أن الخلاف بين الإمام أحمد وبين ابن كلاب وأصحابه كالمحاسبي والأشعري، إنما كان يدور حول مسألة اللفظ، وهي مقولة (القرآن كلام الله غير مخلوق، ولفظي به مخلوق). وأن الإمام أحمد بدّع من قال بذلك لئلا يُتذرع بها إلى القول بأن القرآن مخلوق، وأن ابن كلاب وأصحابه صرحوا باللفظ وميزوا بين القرآن وأنه كلام الله، وبين أفعال التالين للقرآن وأنها مخلوقة.\nولم يكتفيا بذلك حتى جمعا مع ابن كلاب فيما زعماه: البخاري ومسلم والطبري، فنقلا عن ابن عبد البر قوله: (وكان الكرابيسي وعبد الله بن كلاب وأبو ثور وداود بن علي وطبقاتهم يقولون: إن القرآن الذي تكلم الله به صفة من صفاته .... وأنه حكاية عن كلام الله ...) ثم زادا على من ذكرهم ابن عبد البر ولبّسا.\nفقالا (٥٢ - ٥٣): (وعلى أية حال هذا القول الذي بُدّع عبد الله بن كلاب بسببه لا يقتضي وصفه بالبدعة أو أنه على غير طريق السلف،","vol":"1","page":648},{"text":"لا سيما أن مسألة اللفظ بالقرآن كان يقول بها ثلة من أكابر أمة الإسلام مثل الذين ذكرهم ابن عبد البر، وممن كان يقول بذلك أيضًا الإمام البخاري والإمام مسلم والحارث المحاسبي ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم ..) اهـ.\nولا ريب أن هذا تلبيس على القارئ إن لم يكن كذبًا صريحًا، فإن الذي اخترعه ابن كلاب والمحاسبي والأشعري وداود بن علي في القرآن لم يكن مسألة اللفظ بالقرآن، مع اعتقاد أن القرآن كلام الله تعالى لفظه ومعناه غير مخلوق، وأنه كلام الله حروفه ومعانيه، ليس هو المعنى دون اللفظ ولا اللفظ دون المعنى، وأنه حرف وصوت، وهو نفس كلام الله الذي تكلم به فسمعه منه جبريل ﵇، فبلغه جبريل إلى النبي - ﷺ -.\nإذ أن ابن كلاب اخترع الكلام النفسي، وأنكر أن يكون الله تعالى يتكلم بحرف وصوت مسموع، أو أنه تعالى يتكلم بمشيئته.\nقال أبو الحسن الأشعري في مقالاته: (قال عبد الله بن كلاب: إن الله سبحانه لم يزل متكلمًا ... وأن الكلام ليس بحروف ولا صوت ولا ينقسم ولا يتجزأ ولا يتبعض ولا يتغاير، وأنه معنى واحد بالله ﷿ ... وزعم عبد الله بن كلاب أن ما نسمع التالين يتلونه هو عبارة عن كلام الله ﷿، وأن موسى ﵇","vol":"1","page":649},{"text":"سمع الله متكلمًا بكلامه، وأن معنى قوله: \" فأجره حتى يسمع كلام الله \" معناه حتى يفهم كلام الله ..) (١) اهـ.\nوقال الشهرستاني في \"الملل والنحل\": (وكلامه واحد هو: أمر، ونهي، وخبر، واستخبار، ووعد، ووعيد؛ وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه، لا إلى عدد في نفس الكلام والعبارات ....... والكلام عند الأشعري: معنى قائم بالنفس سوى العبارة، والعبارة دلالة عليه من الإنسان؛ فالمتكلم عنده من قام بالكلام، وعند المعتزلة من فعل الكلام؛ غير أن العبارة تسمى كلامًا: إما بالمجاز، وإما باشتراك اللفظ) (٢) اهـ.\nوهذا الذي اخترعاه وابتدعاه لم يسبقا إليه، ولم يقل به أحد من الخلق قبلهما. قال الذهبي في ترجمة ابن كلاب: (وكان يقول بأن القرآن قائم بالذات بلا قدرة ولا مشيئة، وهذا ما سبق إليه أبدًا) (٣) اهـ.\n_________\n(١) مقالات الإسلاميين (٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\n(٢) الملل والنحل (١/ ٨٣)\n(٣) سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٥).","vol":"1","page":650},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>[بيان أن خلاف الكرابيسي مع الإمام أحمد يختلف عن اختلاف ابن كلاب معه]</span>\nوقال الذهبي أيضًا في بيان المسألة وذكر الفرق بين ما نسب إلى البخاري وما قاله ابن كلاب: (والذي ظهر من محمد -أي: البخاري- أمر خفيف من المسائل التي اختلف فيها الأئمة في القول في القرآن، وتسمى مسألة أفعال التالين، فجمهور الأئمة والسلف على أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وبهذا ندين الله تعالى، وبدّعوا من خالف ذلك.\nوذهبت الجهمية والمعتزلة والمأمون وأحمد بن أبي داود القاضي وخلق من المتكلمين والرافضة إلى أن القرآن كلام الله المنزل مخلوق، وقالوا: الله خالق كل شيء والقرآن شيء، وقالوا: تعالى الله أن يوصف بأنه متكلم، وجرت محنة القرآن، وعظم البلاء، وضُرب أحمد بن حنبل بالسياط ليقول ذلك، نسأل الله السلامة في الدين.\nثم نشأت طائفة فقالوا: كلام الله تعالى منزل غير مخلوق، ولكن ألفاظنا به مخلوقة، يعنون تلفظهم وأصواتهم به وكتابتهم له، ونحو ذلك وهو حسين الكرابيسي ومن تبعه، فأنكر ذلك الإمام أحمد وأئمة الحديث، وبالغ الإمام أحمد في الحط عليهم، وثبت عنه أن قال: اللفظية جهمية، وقال: من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال لفظي بالقرآن غير مخلوق فهو مبتدع، وسد باب الخوض في هذا، وقال أيضًا: من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو جهمي.","vol":"1","page":651},{"text":"وقالت طائفة: القرآن محدث، كداود الظاهري ومن تبعه، فبدعهم الإمام أحمد، وأنكر ذلك، وثبت على الجزم بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنه من علم الله، وكفّر من قال بخلقه، وبدع من قال بحدوثه، وبدّع من قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، ولم يأت عنه ولا عن السلف القول: بأن القرآن قديم، ما تفوه أحد منهم بهذا، فقولنا \"قديم\" من العبارات المحدثة المبتدعة، كما أن قولنا: هو محدث بدعة.\nوأما البخاري فكان من كبار الأئمة الأذكياء، فقال: ما قلت ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وإنما حركاتهم وأصواتهم وأفعالهم مخلوقة، والقرآن المسموع المتلو الملفوظ المكتوب في المصاحف كلام الله غير مخلوق، وصنف في ذلك كتاب \"أفعال العباد\" مجلد فأنكر عليه طائفة وما فهموا مرامه، كالذهلي وأبي زرعة وأبي حاتم وأبي بكر الأعين وغيرهم.\nثم ظهر بعد ذلك مقالة الكلابية والأشعرية، وقالوا: القرآن معنى قائم بالنفس، وإنما هذا المنزل حكايته وعبارته، ودال عليه، وقالوا: هذا المتلو معدود متعاقب، وكلام الله تعالى لا يجوز عليه التعاقب، ولا التعدد، بل هو شيء واحد قائم بالذات المقدسة، واتسع المقال في ذلك، ولزم منه أمور وألوان، تركها والله من حسن الإيمان وبالله نتأيد) (١) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (١١/ ٥١٠).","vol":"1","page":652},{"text":"وقد سبق نقل كلام السجزي في أن ما قاله ابن كلاب ومن تبعه في الكلام النفسي مخالف لإجماع الأمة بل وكل العقلاء.\nوأما قول داود بن علي الأصبهاني فقد روى اللالكائي في شرح أصول أهل السنة عن أبي عبد الله الوارق جوازا قال: (كنت أورّق على داود الأصبهاني، فكنت عنده يومًا في دهليزه مع جماعة من الغرباء، فسئل عن القرآن فقال: القرآن الذي قاله الله ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ الواقعة٧٩، وقال: ﴿في كتاب مكنون﴾ غير مخلوق. وأما ما بين أظهرنا يمسه الجنب والحائض فهو مخلوق. قال القاضي أحمد بن كامل: وهذا مذهب الناشئ، وهو كفر بالله العظيم) (١) اهـ.\nوقال الأشعري في المقالات: (وبلغني عن بعض المتفقهة أنه كان يقول: أن الله لم يزل متكلمًا، بمعنى أنه لم يزل قادرًا على الكلام، ويقول: أن كلام الله محدث غير مخلوق، وهذا قول داود الأصبهاني) (٢) اهـ.\nوبهذا يتبين بأن خلاف ابن كلاب للإمام أحمد مغايرٌ تمامًا لخلاف الكرابيسي معه في مسألة اللفظ.\n_________\n(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (٢/ ٣٦٠).\n(٢) مقالات الإسلاميين (٢/ ٢٥٦).","vol":"1","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>[الكلام حول الكرابيسي وحقيقة خلافه مع الإمام أحمد]</span>\nمع أن الكرابيسي قد اختُلف في قوله في هذه المسألة، فذكر الذهبي وابن كثير أنه يقول: أن القرآن كلام الله غير مخلوق من كل الجهات وأن لفظي بالقرآن مخلوق. ومراده باللفظ أفعال التالين للقرآن، لا الملفوظ المقروء. وهذا هو الذي حمل الذهبي وابن كثير ومن نقل عنهم الأشعريان على القول بأن الخلاف بين الإمام أحمد والكرابيسي كان خلافًا لفظيًا، وأن الإمام أحمد أنكر مقولته وعدها من أقوال الجهمية، وأن الكرابيسي لم يرد ما أراده الجهمية من القول بخلق القرآن والتذرع بمقولة: (لفظي بالقرآن مخلوق) ويعنون به المقروء وهو القرآن لا أفعال التالين.\nوخالفهما ابن عبد البر فذكر أن الكرابيسي كان يقول بأن القرآن حكاية عن كلام الله، وأنه موافق لابن كلاب والمحاسبي وداود في هذا.\nفقال: (وكان الكرابيسي وعبد الله بن كلاب وأبو ثور وداود بن علي وطبقاتهم يقولون: إن القرآن الذي تكلم الله به صفة من صفاته لا يجوز عليه الخلق، وأن تلاوة التالي وكلامه بالقرآن كسب له وفعل له وذلك مخلوق، وأنه حكاية عن كلام الله، وليس هو القرآن الذي تكلم الله به) (١) اهـ.\nوهذا الذي ذكره ابن عبد البر عن الكرابيسي هو الذي ذكره أبو حاتم الرازي عنه حيث عده ممن يقول بالحكاية.\nفقال: (من كلام\n_________\n(١) الانتقاء (ص١٦٥).","vol":"1","page":654},{"text":"جهم بن صفوان، وحسين الكرابيسي، وداود بن علي: أن لفظهم بالقرآن مخلوق، وأن القرآن المنزل على نبينا - ﷺ - مما جاء به جبريل الأمين حكاية القرآن، فجهمهم أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، وتابعه على تجهيمهم علماء الأمصار طرًّا أجمعون، لا خلاف بين أهل الأثر في ذلك) (١) اهـ.\nوسيأتي مزيد من كلام أبي حاتم مما يؤكد هذا.\nوهذا يبين لنا تلبيس الأشعريين في هذه المسألة، وأن ما قالاه دعوى مجردة مجانبة للحقيقة والواقع، فإن خلاف ابن كلاب مع الإمام أحمد وأئمة أهل السنة والجماعة كان خلافًا جوهريًا عقديًا حقيقيًا، لا صوريًا لفظيًا، ولذلك اشتد نكير الإمام أحمد على الكلابية وعلى الحارث المحاسبي الذي كان متبعًا لابن كلاب، وكذلك أئمة السنة في وقت الإمام أحمد وبعد وقته ينكرون على الكلابية مجانبتهم لطريق أهل السنة، ويبينون مخالفتهم لهم، وقد كثرت الردود على ما خالفوا به الكتاب والسنة، مبينة انحراف معتقدهم، وخروجهم بما ابتدعوه عن أهل السنة والجماعة.\nوقد بين الأشعري في مقالات الإسلاميين أن الكلابية فرقة مباينة لأهل الحديث، إلا أنهم أقرب إلى أهل الحديث من سائر\n_________\n(١) رواه أبو القاسم التيمي في الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٩٢).","vol":"1","page":655},{"text":"الفرق كالمعتزلة والجهمية وغيرهم.\nفقال في بيان انقسام المسلمين: (اختلف المسلمون عشرة أصناف: الشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة والجهمية والضرارية والحسينية والبكرية والعامة وأصحاب الحديث والكلابية أصحاب عبد الله بن كلاب القطان) (١) اهـ.\nفبين أنهم فرقة مباينة لأهل الحديث.\nولما عقد فصلًا في اعتقاد أهل الحديث قال: (فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل وبه نستعين وعليه نتوكل وإليه المصير.\nفأما أصحاب عبد الله بن سعيد القطان فإنهم يقولون بأكثر ما ذكرناه عن أهل السنة) (٢) اهـ.\nوهذا يؤكد كون الكلابية ليسوا من أهل الحديث، وإن كانوا أقرب إليهم من غيرهم. وتأمل قوله عن الكلابية \"أنهم يقولون بأكثر ما يقول به أهل السنة\"، لا بكله.\nوخلاف الكلابية والأشعرية لأهل السنة والجماعة وللإمام أحمد لم يكن فقط في مسألة الكلام النفسي، بل في كثير من\n_________\n(١) مقالات الإسلاميين (١/ ٦٥).\n(٢) المرجع السابق (١/ ٣٤٥ - ٣٥٠).","vol":"1","page":656},{"text":"الصفات مثل الصفات الفعلية الاختيارية كالنزول والمجيء ونحوها، إذ أن ابن كلاب كان يؤول الصفات الاختيارية لله تعالى ويحملها على المجاز، لامتناع وصف الله بها في أصل مقالته، لكونها تستلزم الحدوث عنده، ويسميها حوادث، ويزعم أن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، ويجعل هذا الأصل هو الطريق الذي يثبت به وجود الله ﵎، وهي مسألة محدثة مشهورة عند المتكلمين، لم تُعرف عن الأنبياء ولا عن السلف والأئمة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولم يقل أحد منهم: أن القرآن قديم، وأول من شهر عنه أنه قال ذلك هو ابن كلاب، وكان الإمام أحمد يحذر من الكلابية، وأمر بهجر الحارث المحاسبي لكونه كان منهم، وقد قيل عن الحارث أنه رجع في القرآن عن قول ابن كلاب، وأنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت، وممن ذكر ذلك عنه الكلاباذي في كتاب التعرف لمذهب التصوف) (١) اهـ.\nوقال أيضًا: (والإمام أحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة كانوا يحذرون عن هذا الأصل الذي أحدثه ابن كلاب -وهو الفرق بين الصفات اللازمة كالحياة والصفات الاختيارية كالنزول والاستواء، وأن الرب يقوم به الأول دون الثانى- ويحذرون عن\n_________\n(١) مجموع فتاوى ابن تيمية (٥/ ٥٣٣).،","vol":"1","page":657},{"text":"أصحابه، وهذا هو سبب تحذير الإمام أحمد عن الحارث المحاسبي ونحوه من الكلابية، ... ولما ظهر هؤلاء، ظهر حينئذ من المنتسبين إلى إثبات الصفات من يقول: إن الله لم يتكلم بصوت، فأنكر أحمد ذلك، وجهّم من يقوله، وقال: هؤلاء الزنادقة إنما يدورون على التعطيل، وروى الآثار في أن الله يتكلم بصوت) (١) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (١٢/ ٣٦٧).","vol":"1","page":658},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-122>المبحث الثاني\nنصوص العلماء في مخالفة الكلابية والأشعرية لأهل السنة ولطريق السلف</span>\nوإليك بعض كلام العلماء في مخالفة الكلابية والأشعرية لأهل السنة ولطريق السلف:\n\n- إمام أهل السنة أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ)\nقال المروذي: (قلت لأبي عبد الله: إن الكرابيسي يقول: من لم يقل لفظه بالقرآن مخلوق فهو كافر. فقال: بل هو الكافر.\nوقال: ثار بشر المريسي وخَلَفَه حسين الكرابيسي.\nوقال لي: هذا قد تجهم وأظهر الجهمية، ينبغي أن يحذر عنه وعن كل من اتبعه.\nوقال الخلال أخبرنا المروذي: أن أبا عبد الله ذكر حارثًا المحاسبي فقال: حارث أصل البلية، -يعني حوادث كلام جهم-، ما الآفة إلا حارث، عامة من صحبه انهتك إلا ابن العلاف فإنه مات مستورًا. حذروا عن حارث أشد التحذير.\nقلت: إن قومًا يختلفون إليه؟ قال: نتقدم إليهم لعلهم","vol":"1","page":659},{"text":"لا يعرفون بدعته، فإن قبلوا وإلا هُجروا. ليس للحارث توبة، يُشهد عليه ويَجْحَد، إنما التوبة لمن اعترف) (١) اهـ.\nوقال علي بن أبي خالد: (قلت لأحمد: إن هذا الشيخ -لشيخٍ حضر معنا- هو جاري، وقد نهيته عن رجل، ويحب أن يسمع قولك فيه: حرث القصير -يعني حارثًا المحاسبي- كنت رأيتني معه منذ سنين كثيرة، فقلت لي: لا تجالسه، ولا تكلمه، فلم أكلمه حتى الساعة. وهذا الشيخ يجالسه، فما تقول فيه؟ فرأيت أحمد قد احمر لونه، وانتفخت أوداجه وعيناه، وما رأيته هكذا قط، ثم جعل ينتفض ويقول: ذاك فعل الله به وفعل، ليس يَعرِف ذاك إلا من خبره وعرفه، أوّيه، أوّيه، أوّيه. ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره وعرفه. ذاك جالسه المغازلي ويعقوب وفلان فأخرجهم إلى رأي جهم. هلكوا بسببه.\nفقال له الشيخ: يا أبا عبد الله يروى الحديث ساكن خاشع، من قصته ومن قصته؟ فغضب أبو عبد الله وجعل يقول: لا يغرك خشوعه ولينه، ويقول: لا تغتر بتنكيس رأسه، فإنه رجل سوء، ذاك لا يعرفه إلا من قد خبره. لا تكلمه ولا كرامة له. كل من حدث بأحاديث\n_________\n(١) رواه ابن بطة في الإبانة (١/ ٣٤٤،٣٤٢) وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٦٢ - ٦٣).","vol":"1","page":660},{"text":"رسول الله - ﷺ - وكان مبتدعًا تجلس إليه؟ لا ولا كرامة، ولا نُعمى عين، وجعل يقول: ذاك. ذاك.) (١) اهـ.\nوقال أبو الحارث أحمد بن محمد: (سمعت أبا عبد الله يقول: من أحب الكلام لم يخرج من قلبه.\nقال: وسمعته وسئل عن قول الحسين الكرابيسي. فقيل له: إنه يقول لفظي بالقرآن مخلوق. فقال: هذا قول جهم قال: الله ﷿ ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله﴾ التوبة٦، فممن يسمع كلام الله أهلكهم الله.) (٢) اهـ.\nوقال إبراهيم بن سعيد الجوهري للإمام أحمد: (يا أبا عبد الله، إن الكرابيسي وابن الثلجي قد تكلما. فقال أحمد: فيم؟ قلت: في اللفظ. فقال أحمد: اللفظ بالقرآن غير مخلوق، ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي.) (٣) اهـ.\nوقال حنبل: (سمعت أبي يسأل أبا عبد الله عن كلام الكرابيسي وما أحدث؟ فقال أبو عبد الله لأبي: هذا كلام الجهمية، صاحب هذه المقالة يدعو إلى كلام جهم، إذا قال: إن لفظه بالقرآن مخلوق، فأي شيء بقي؟) (٤) اهـ.\n_________\n(١) رواه ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٢٣٣ - ٢٣٤).\n(٢) المرجع السابق (١/ ٧٥).\n(٣) المرجع السابق (١/ ٩٤).\n(٤) المرجع السابق (١/ ١١١).","vol":"1","page":661},{"text":"وقال ابن أبي يعلى: أنبأنا أبو الحسين بن المهتدي بالله عن أبي الحسين بن أخي ميمي قال: أخبرنا علي بن محمد الموصلي حدثنا موسى بن محمد الغساني حدثنا شاهين بن السميذع قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يقول: (الحسين الكرابيسي عندنا كافر) (١) اهـ.\nوقال أبو جعفر محمد بن الحسن بن هارون بن بدينا: (سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل ﵁ فقلت: له يا أبا عبد الله، أنا رجل من أهل الموصل والغالب على أهل بلدنا الجهمية، ومنهم أهل سنة نفر يسير يحبونك، وقد وقعت مسألة الكرابيسي ففتنهم قول الكرابيسي: لفظي بالقرآن مخلوق. فقال لي أبو عبد الله: إياك، وإياك وهذا الكرابيسي، لا تكلمه ولا تكلم من يكلمه -أربع مرار أو خمسًا-، فقلت: يا أبا عبد الله، فهذا القول عندك، وما شاعت منه، يرجع إلى قول جهم؟ قال: هذا كله من قول جهم) (٢) اهـ.\nوقال عبد الله: (قلت لأبي: إن الكرابيسي يقول: لفظي بالقرآن مخلوق. فقال: هذا كلام سوء رديء، هذا كلام الجهمية، كذب الكرابيسي هتكه الله، الخبيث. وقال: قد خلف هذا بشرًا المريسي) (٣) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ١٧٢).\n(٢) رواه الخلال في السنة (٧/ ٧٥) وابن بطة في الإبانة (١/ ٣٢٩ - ٣٣٠) وابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٢٨٨).\n(٣) رواه ابن بطة في الإبانة (١/ ٣٤٢).","vol":"1","page":662},{"text":"- الحافظ أبو حاتم الرازى محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلى (٢٧٧ هـ)\nقال: (مذهبنا واختيارنا اتباع رسول الله - ﷺ - وأصحابه والتابعين ومن بعدهم بإحسان، وترك النظر في موضع بدعهم، والتمسك بمذهب أهل الأثر مثل أبي عبد الله أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وأبي عبيد القاسم بن سلام، والشافعي. ولزوم الكتاب والسنة، والذب عن الأئمة المتبعة لآثار السلف، واختيار ما اختاره أهل السنة من الأئمة في الأمصار مثل: مالك بن أنس في المدينة، والأوزاعي بالشام، والليث بن سعد بمصر، وسفيان الثوري، وحماد بن زياد بالعراق من الحوادث مما لا يوجد فيه رواية عن النبي - ﷺ - والصحابة والتابعين.\nوترك رأي الملبسين المموهين المزخرفين الممخرقين الكذابين، وترك النظر في كتب الكرابيسي، ومجانبة من يناضل عنه من أصحابه وشاجر فيه مثل داود الأصبهاني وأشكاله ومتبعيه. والقرآن كلام الله وعلمه وأسماؤه وصفاته وأمره ونهيه، ليس بمخلوق بجهة من الجهات. ومن زعم أنه مخلوق مجعول فهو كافر بالله كفرًا ينقل عن الملة، ومن شك في كفره ممن يفهم ولا يجهل فهو كافر. والواقفة واللفظية جهمية، جهمهم أبو عبد الله أحمد بن حنبل) (١) اهـ.\n_________\n(١) رواه اللالكائي (١/ ١٨٠).","vol":"1","page":663},{"text":"وقال أيضًا: (من كلام جهم بن صفوان، وحسين الكرابيسي، وداود بن علي: أن لفظهم بالقرآن مخلوق، وأن القرآن المنزل على نبينا - ﷺ - مما جاء به جبريل الأمين حكاية القرآن، فجهمهم أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، وتابعه على تجهيمهم علماء الأمصار طرًّا أجمعون، لا خلاف بين أهل الأثر في ذلك) (١) اهـ.\nوهذا يؤكد ما ذكره ابن عبد البر من أن الكرابيسي موافق لابن كلاب وداود الأصبهاني في القول بالحكاية.\n\n- جملة من السلف لا يحصون كثرة\nقال قوام السنة أبو القاسم التيمي الأصبهاني: (وأول من قال باللفظ، وقال: ألفاظنا بالقرآن مخلوقة: حسين الكرابيسي، فبدعه أحمد بن حنبل، ووافقه على تبديعه علماء الأمصار: إسحاق بن راهويه، وأبو مصعب، ومحمد بن سليمان لوين، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ومصعب بن عبد الله الزبيري، وهارون بن موسى الفروي، وأبو موسى محمد بن المثنى، وداود بن رشيد، والحارث بن مسكين المصري، وأحمد بن صالح المصري، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، ويعقوب وأحمد ابنا إبراهيم\n_________\n(١) رواه أبو القاسم التيمي في الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٩٢).","vol":"1","page":664},{"text":"الدورقي، وأبو همام الوليد بن شجاع، وعلي بن خشرم، ومحمد بن قدامة المصيصي، ومحمد بن داود بن صبيح المصيصي، وكان من أهل العلم والأدب، ومحمد بن آدم المصيصي، وسعيد بن رحمة، وعقبة بن مكرم، والعباس بن عبد العظيم، ومحمد بن أسلم الطوسي، وحميد بن زنجويه النسوي، ومحمد بن سهل بن عسكر البخاري، وأحمد بن منيع، وهارون بن عبد الله الحمال، وابنه موسى بن هارون، ومحمد بن يحيى الذهلي النيسابوري، ومحمد بن أحمد بن حفص أبو عبد الله البخاري فقيه أهل خراسان، وأبو بكر الأثرم، وأبو بكر المروذي، صاحبا أحمد بن حنبل، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والحسن بن محمد الزعفراني، وحرب بن إسماعيل السيرجاني، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة. ومن أهل أصبهان: أبو مسعود الرازي، ومحمد بن عيسى الطرسوسي، وأحمد بن مهدي، وإسماعيل بن أسيد، ومحمد بن العباس بن خالد، ومحمد بن عباس بن أيوب الأخرم، ومحمد بن يحيى بن مندة، جد إبي عبد الله، وأبو أحمد العسال، وأبو علي أحمد بن عثمان الأبهري، وأبو عبد الله محمد بن إسحاق بن مندة، فمذهبهم ومذهب أهل السنة جميعًا أن القرآن كلام الله آية آية، وكلمة كلمة، وحرفًا حرفًا في جميع أحواله، حيث قُرئ وكتب وسمع) (١) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ٣٤٠ - ٣٤٤).","vol":"1","page":665},{"text":"- الإمام أبو العباس أحمد بن عمر ابن سريج البغدادي الشافعي (٣٠٣ هـ)\nقال: (لا نقول بتأويل المعتزلة، والأشعرية، والجهمية، والملحدة، والمجسمة، والمشبهة، والكرامية، والمكيفة، بل نقبلها بلا تأويل، ونؤمن بها بلا تمثيل، ونقول الإيمان بها واجب، والقول بها سنة، وابتغاء تأويلها بدعة) (١) اهـ.\n\n- إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١ هـ)\nقال أبو سعيد عبد الرحمن بن أحمد المقرئ، سمعت ابن خزيمة يقول: القرآن كلام الله ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال: شيء منه مخلوق، أو يقول: إن القرآن محدث فهو جهمي، ومن نظر في كتبي بان له أن الكلابية لعنهم الله كذبة فيما يحكون عني بما هو خلاف أصلي وديانتي، قد عرف أهل الشرق والغرب أنه لم يصنف أحد في التوحيد والقدر وأصول العلم مثل تصنيفي ...).\nوقال الذهبي في السير: (قال الحاكم سمعت أبا بكر أحمد بن إسحاق يقول: ... فقال له -أي لابن خزيمة- أبو علي الثقفي: ما الذي أنكرت أيها الأستاذ من مذاهبنا حتى نرجع عنه؟\n_________\n(١) نقله عنه ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص١٧٤).","vol":"1","page":666},{"text":"قال: ميلكم إلى مذهب الكلابية فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد بن كلاب وعلى أصحابه مثل الحارث وغيره) (١) اهـ.\n\n- الإمام الحافظ شيخ الإسلام محمد بن إسحاق السراج محدث خراسان (٣١٣ هـ)\nقال الذهبي في ترجمته: (قال الحاكم: وسمعت أبا سعيد بن أبي بكر يقول: لما وقع من أمر الكلابية ما وقع بنيسابور، كان أبو العباس السراج يمتحن أولاد الناس، فلا يحدث أولاد الكلابية، فأقامني في المجلس مرة فقال: قل أنا أبرأ إلى الله تعالى من الكلابية، فقلت: إن قلت هذا لا يطعمني أبي الخبز، فضحك وقال دعوا هذا) (٢) اهـ.\n- العلامة الحافظ أبو حامد احمد بن محمد بن شارك الهروي الشافعي المفسر مفتي هراة وشيخها (٣٥٥ هـ)\nقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري: سمعت الثقة [وأشار أحد النساخ بالهامش فقال: بخط الدقاق: قال لي شيخ الإسلام: هو أبو عبد الله بن أبي ذهل] وهو لي عن أبي حامد أحمد بن حمدان إجازة: (أن جده\n_________\n(١) رواه أبو إسماعيل الهروي في ذم الكلام وأهله (٤/ ٣٨٨) وذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠).\n(٢) سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٩٥).","vol":"1","page":667},{"text":"أبا حامد الشاركي في علته التي توفي فيها دخل عليه أبو عبد الله الفياضي وعنده أبو سعد الزاهد، فلما دخل، قام إليه الناس يعظمونه، ولم ينظر إليه أبو سعد، فقال أبو حامد: أسندوني، فأسندوه، فرفع صوته وكان منه من الشدة على الكلابية شأن) (١).\n\n- محمد بن أحمد بن إسحاق بن خواز منداد المصري المالكي (توفي في أواخر المائة الرابعة)\nروى ابن عبد البر بسنده قال: (حدثنا إسماعيل بن عبد الرحمن ثنا إبراهيم بن بكر قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن أحمد بن إسحاق بن خواز منداد المصري المالكي .... وقال في كتاب الشهادات في تأويل قول مالك: \"لا تجوز شهادة أهل البدع وأهل الأهواء\" قال: (أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعريًا كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام، ويهجر ويؤدب على بدعته، فإن تمادى عليها استتيب منها) اهـ.\nقال أبو عمر مقرًا له: (ليس في الاعتقاد كله في صفات الله وأسمائه إلا ما جاء منصوصًا في كتاب الله، أو صح عن رسول - ﷺ -، أو أجمعت عليه الأمة، وما جاء من أخبار الآحاد في ذلك كله\n_________\n(١) رواه أبو إسماعيل الهروي الأنصاري في ذم الكلام وأهله (٤/ ٣٩٦).","vol":"1","page":668},{"text":"أو نحوه يُسلم له ولا يناظر فيه) (١) اهـ.\n\n- الإمام المحدث الواعظ الكبير أبو علي حامد بن محمد الهروي الرفاء (٣٥٦هـ)\nقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري: سمعت محمد بن العباس بن محمد يقول: كان أبو علي الرفاء يقول: (لعن الله الكلابية -وكان يشير بيده إلى دار فلان-. قال: ورأيته على المنبر طرف ردائه على رأسه) (٢).\n\n- إبراهيم بن أحمد بن عمر أبو إسحاق بن شاقلا الحنبلي (٣٦٩ هـ)\nله مناظرة مع أبي سليمان الدمشقي في مسائل الصفات تبين أن ابن كلاب لم يكن على طريقة الإمام أحمد ولا على منهج السلف.\nقال ابن شاقلا: (فقال لي جوابًا عن حديث أنس: \"إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبها\" إنما هما نعمتان.\nفقلت له: هذا الخبر يقول: \"إن الأصبعين نعمتان؟ \" -أي: هل قال الخبر: إن الإصبعين نعمتان؟ استنكارًا لتأويله- واليدين صفة للذات. ولم يتقدمك بهذا أحد إلا عبد الله بن كلاب القطان الذي انتحلت مذهبه، ولا عبرة في التسليم للأصابع والتأويل لها على ما ذكرت: إن القلوب بين نعمتين من نعم الله ﷿ ......) إلى أن قال:\n(ثم قلت له: أنت مذهبك أن كلام الله ﷿ ليس بأمر ولا نهي، ولا متشابه ولا ناسخ ولا منسوخ، ولا كلامه مسموع، لأن عندك الله ﷿ لا يتكلم بصوت، وأن موسى لم يسمع كلام الله ﷿ بسمعه، وإنما خلق الله ﷿ في موسى فهمًا فهم به.\n_________\n(١) نقله عنه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٣).\n(٢) رواه أبو إسماعيل الهروي الأنصاري في ذم الكلام وأهله (٤/ ٣٩٦).","vol":"1","page":669},{"text":"فلما رأى ما عليه في هذا من الشناعة قال: فلعلي أخالف ابن الكلاب القطان في هذه المسألة من سائر مذهبه.) (١) اهـ.\n\n- الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (٣٩٥ هـ)\nقال أحمد بن محمد بن الطاهر المعافري أبو العباس: سمعت أبا عبد الله محمد بن منده الحافظ بأصبهان ﵀ يقول: (ليتق الله امرؤ وليعتبر عن تقدم ممن كان القول باللفظ مذهبه ومقالته، كيف خرج من الدنيا مهجورًا مذمومًا مطرودًا من المجالس والبلدان لاعتقاده القبيح؟! وقوله الشنيع المخالف لدين الله مثل:\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٣ - ١٣٥).","vol":"1","page":670},{"text":"الكرابيسي، والشواط، وابن كلاب، وابن الأشعري، وأمثالهم ممن كان الجدال والكلام طريقه في دين الله ﷿) (١).\n\n- العلامة أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفرائيني شيخ الشافعية ببغداد (٤٠٦ هـ)\nقال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي في كتابه الذي سماه \"الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول\": (وكان الشيخ أبو حامد الإسفرائيني شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام ....)\nوقال: (ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري، ويتبرؤن مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة، منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد بن على الساجي يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا: كان الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفرائيني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علمًا وأصحابًا إذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرج إلى جامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع، ويقبل على من حضر ويقول: اشهدوا عليّ بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما قاله الإمام ابن حنبل، لا كما يقوله الباقلاني،\n_________\n(١) المرجع السابق (٤/ ٤٢٤).","vol":"1","page":671},{"text":"وتكرر ذلك منه جمعات. فقيل له في ذلك، فقال: حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلاح ويشيع الخبر في أهل البلاد أني بريء مما هم عليه -يعني الأشعرية-، وبريء من مذهب أبي بكر بن الباقلاني، فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرؤون عليه فيفتنون بمذهبه، فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة فيظن ظان أنهم منى تعلموه قبله وأنا ما قلته وأنا بريء من مذهب البلاقلاني وعقيدته).\nوقال: (ومعروف شدة الشيخ أبي حامد على أهل الكلام، حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري، وعلقه عنه أبو بكر الزاذاقان. وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو اسحاق الشيرازي في كتابيه \"اللمع\" و\"التبصرة\" حتى لو وافق قول الأشعري وجها لأصحابنا ميّزه، وقال: هو قول بعض أصحابنا، وبه قالت الأشعرية، ولم يعدّهم من أصحاب الشافعي، استنكفوا منهم ومن مذهبهم في أصول الفقه، فضلًا عن أصول الدين) (١) اهـ.\n\n- شيخ الشافعية قاضي نيسابور الإمام أبو عمر محمد بن الحسين بن الهيثم البسطامي الشافعي الواعظ (٤٠٨هـ)\nقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري: سمعت الحاكم عدنان بن عبدة النميري يقول: سمعت أبا عمر البسطامي\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في درء التعارض (٢/ ٩٥ - ٩٨).","vol":"1","page":672},{"text":"يقول: (كان أبو الحسن الأشعري أولًا ينتحل الاعتزال، ثم رجع فتكلم عليهم، وإنما مذهبه التعطيل، إلا أنه رجع من التصريح إلى التمويه) (١).\n\n- أبو العباس أحمد بن محمد النهاوندي\nقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري: سمعت أحمد بن حمزة وأبو علي الحداد يقولان: (وجدنا أبا العباس أحمد بن محمد النهاوندي على الإنكار على أهل الكلام وتكفير الأشعرية. وذكرا عظم شأنه في الإنكار على أبي الفوارس القرماسيني وهجرانه إياه لحرف واحد).\nوسمعت أحمد بن حمزة يقول: (لما اشتد الهجران بين النهاوندي وأبي الفوارس سألوا أبا علي الدينوري، فقال: لقيت ألف شيخ على ما عليه النهاوندي) (٢).\n\n- الإمام المحدث الزاهد أبو سعد أحمد بن محمد بن الخليل الأنصاري الهروي الماليني (٤١٢هـ)\nقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري: سمعت الشيخ أبا الحسن الماليني طاهر بن محمد يقول: (قيل لأبي سعد الزاهد: إنا أبا الحسن الديناري ناضل عنك عند سبكتكين، فقال: وإياه فلعن الله لأنه كلابي) (٣).\n\n- الإمام الحافظ المحدث شيخ خراسان أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين بن محمد الأزدي السلمي النيسابوري (٤١٢هـ)\nقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري: سمعت أحمد بن أبي نصر يقول: (رأينا محمد بن الحسين السلمي يلعن الكلابية) (٤).\n\n- الإمام أبو زكريا يحيى بن عمار السجستاني (٤٢٢ هـ)\nقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري: (رأيت يحي بن عمار ما لا أحصي من مرة على منبره يكفرهم -أي الأشعرية- ويلعنهم، ويشهد على أبي الحسن الأشعري بالزندقة، وكذلك رأيت عمر بن إبراهيم ومشائخنا) (٥).\n\n- الحافظ القدوة عمر بن إبراهيم ابن إسماعيل أبو الفضل بن أبي سعيد الهروي (٤٢٥هـ)\nقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري: سمعت بلال بن أبي منصور يقول: سمعت عمر بن إبراهيم يقول: (لا تحل ذبائح الأشعرية، لأنهم ليسوا بمسلمين، ولا بأهل كتاب، ولا يثبتون في الأرض كتاب الله) (٦).\nوهذا من الحكم عليهم بلازم قولهم في أن القرآن اللفظي مخلوق، وليس بصحيح، لأن لازم المذهب ليس بلازم ما لم يلتزمه، إذ قد يكون القائل غافلًا عن هذه اللوازم غير مقر لها. والمسألة فيها تفصيل ليس هذا موضعه.\n\n- عبد الرحمن بن علي بن أبي منصور أبو سعيد الطالقاني\nقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري: سمعت أبي يقول: (سمعت أبا سعيد الطالقاني غير مرة في مجلسه يلعن الكلابية، ويصرح باسم رئيس فيهم، وينسب أبا سعد إلى المداهنة) (٧).\nوهذا اللعن للكلابية أو الأشعرية مبالغة في الذم، ومجاوزة في الحد، لا يُقرّ عليه.\n\n- الإمام المحدث الحافظ أبو حاتم أحمد بن الحسن بن محمد الرازي الملقب بخاموش\nقال شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي الأنصاري: (سمعت أحمد بن الحسن الخاموشي الفقيه الرازي في داره بالري في محفل يلعن الأشعرية، ويطري الحنابلة، وذلك سنة خرجنا مع الحاج) (٨).\n\n- الشيخ الإمام الحافظ أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي (٤٤٤ هـ)\nقال: (وينبغي أن يتأمل قول الكلابية والأشعرية في الصفات، ليعلم أنهم غير مثبتين إلهًا في الحقيقة، وأنهم يتخيرون من النصوص ما أرادوه، ويتركون سائرها ويخالفونه) (٩) اهـ.\nوقال أيضًا: (قد صنف غير واحد من المتكلمين من المعتزلة\n_________\n(١) رواه أبو إسماعيل الهروي الأنصاري في ذم الكلام وأهله (٤/ ٤٠٨).\n(٢) المرجع السابق (٤/ ٤٠٤).\n(٣) المرجع السابق (٤/ ٤٠٥).\n(٤) المرجع السابق (٤/ ٤٠٩).\n(٥) المرجع السابق (٤/ ٤١١).\n(٦) المرجع السابق (٤/ ٤١٣).\n(٧) المرجع السابق (٤/ ٤١٩).\n(٨) المرجع السابق (٤/ ٤٢٠).\n(٩) رسالة السجزي إلى أهل زبيد (ص١٧٣).","vol":"1","page":673},{"text":"والكرامية في فضائح الأشعرية والكلابية، كما صنف هؤلاء في فضائح الآخرين. ولكل مخالف للسنة وطريقة أهل الأثر ما يفتضح به عند التأمل. وأهل الأثر لا فضيحة عليهم عند محصل) (١) اهـ.\nوقال: (ثم بُلي أهل السنة بعد هؤلاء -أي المعتزلة - بقوم يدعون أنهم من أهل الاتباع. وضررهم أكثر من ضرر المعتزلة وغيرهم، وهم\" أبو محمد بن كلاب، وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري ...) إلى قوله: (وكلهم أئمة ضلال يدعون الناس إلى مخالفة السنة وترك الحديث) (٢) اهـ.\n\n- الإمام أبو محمد علي ابن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (٤٥٦ هـ)\nذكر ابن حزم قول الأشعري في أحد قوليه، والذي تابعه عليه الباقلاني وجمهور أصحابه \"أن علم الله هو غير الله وخلاف الله، وأنه مع ذلك غير مخلوق لم يزل\" ثم قال: (قال أبو محمد: هذا قول لا يحتاج في رده إلى أكثر من أنه شرك مجرد وإبطال للتوحيد، لأنه إذا كان مع الله تعالى شيء غيره لم يزل معه فقد بطل أن يكون الله تعالى كان وحده، بل قد صار له شريك في أنه لم يزل، وهذا كفر مجرد ونصرانية محضة، مع أنها دعوى ساقطة بلا دليل أصلًا، وما قال بهذا أحد قط من أهل الإسلام قبل هذه الفرقة المحدثة بعد الثلاث ماية عام -أي الأشاعرة-، فهو خروج عن الإسلام وترك للإجماع المتيقن ..) (٣) اهـ.\n_________\n(١) المرجع السابق (ص١٩٥).\n(٢) المرجع السابق (ص٢٢٢).\n(٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٢/ ١٣٥).","vol":"1","page":674},{"text":"وقال أيضًا: (قال أبو محمد: غلاة المرجئية طائفتان:\nإحداهما: الطائفة القائلة بأن الإيمان قول باللسان، وإن اعتقد الكفر بقلبه فهو مؤمن عند الله ﷿، وليّ له ﷿ من أهل الجنة، وهذا قول محمد ابن كرام السجستاني وأصحابه وهو بخراسان وبيت المقدس.\nوالثانية: الطائفة القائلة أن الإيمان عقد بالقلب وإن أعلن الكفر بلسانه بلا تقية، وعبد الأوثان، أو لزم اليهودية أو النصرانية في دار الإسلام، وعبد الصليب، وأعلن التثليث في دار الإسلام، ومات على ذلك، فهو مؤمن كامل الإيمان عند الله ﷿، وليّ لله ﷿ من أهل الجنة، وهذا قول أبي محرز جهم بن صفوان السمرقندي مولى بني راسب كاتب الحارث بن سريج التميمي أيام قيامه على نصر بن سيار بخراسان، وقول أبي الحسن علي بن إسماعيل بن أبي اليسر الأشعري البصري وأصحابهما.\nفأما الجهمية فبخراسان، وأما الأشعرية فكانوا ببغداد والبصرة ثم قامت له سوق بصقلية والقيروان والأندلس، ثم رق أمرهم والحمد لله رب العالمين ..) (١) اهـ.\nوقال في رده على ابتداع الأشاعرة القول بالكلام النفسي، وأن القرآن ليس هو نفس كلام بل عبارة عنه: (وقالوا كلهم -أي الأشعرية-: إن القرآن لم ينزل به قط جبريل على قلب محمد ﵊، وإنما نزل عليه بشيء آخر هو العبارة عن كلام الله، وأن القرآن ليس عندنا البتة إلا على هذا المجاز، وإن الذي نرى في المصاحف ونسمع من القراء ونقرأ في الصلاة ونحفظ في الصدور ليس هو القرآن البتة، ولا شيء منه كلام الله البتة، بل شيء آخر، وإن كلام الله تعالى لا يفارق ذات الله ﷿.\nقال أبو محمد: وهذا من أعظم الكفر، لأن الله تعالى قال: ﴿بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ﴾، وقال تعالى: ﴿نزل به الروح الأمين على قلبك﴾، وقال تعالى: ﴿فأجره حتى يسمع كلام الله﴾، وقال تعالى: ﴿بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ وقال رسول الله - ﷺ -: \"إني أحب أن أسمعه من غيري\" يعني: القرآن. . . .\nإلى أن قال: وقال السمناني أيضًا: أن الباقلاني وشيوخه قالوا: إن النبي - ﷺ - إنما أطلق القول بأن ما أنزل الله هو القرآن وهو كلام الله تعالى إنما هو على معنى أنه عبارة عن كلام الله تعالى، وأنه يُفهم منه أمره ونهيه فقط. .\nإلى أن قال: ولقد أخبرني علي بن حمزة المراوي الصقلي الصوفي: أنه رأى بعض الأشعرية يبطح المصحف برجله، قال: فأكبرت ذلك، وقلت له: ويحك هكذا تصنع بالمصحف؟ وفيه كلام الله تعالى، فقال لي: ويلك، والله ما فيه إلا السخام والسواد، وأما كلام الله فلا، ونحو هذا من القول الذي هذا معناه.\nوكتب إلي أبو المرحي بن رزوار المصري: أن بعض ثقاة أهل مصر أخبره من طلاب السنن: أن رجلًا من الأشعرية قال له مشافهة: على من يقول أن الله قال ﴿قل هو أحد الله الصمد ألف لعنة﴾.\nقال أبو محمد: بل على من يقول: إن الله ﷿ لم يقلها ألف ألف لعنة تترى، وعلى من ينكر أننا نسمع كلام الله، ونقرأ كلام الله، ونحفظ كلام الله، ونكتب كلام الله، ألف ألف لعنة تترى من الله ﷿. فإن قول هذه الفرقة في هذه المسألة نهاية الكفر بالله ﷿، ومخالفة للقرآن والنبي - ﷺ -، ومخالفة جميع أهل الإسلام قبل حدوث هذه الطائفة الملعونة ..) (٢) اهـ.\nوقد تعقب في كتابه \"الفصل في الملل والأهواء والنحل\" كثيرًا\n_________\n(١) المرجع السابق (٤/ ٢٠٤).\n(٢) المرجع السابق (٤/ ٢١١ - ٢١٢).","vol":"1","page":675},{"text":"من أقوال الأشاعرة في أبواب الاعتقاد، وبيّن مخالفتهم للسنة، وخروجهم عنها.\n\n- الإمام العلامة حافظ المغرب أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي القرطبي المالكي (٤٦٣ هـ)\nقال: (أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم) (١) اهـ.\nولا ريب أن الكلابية والأشعرية من أهل الكلام. ومما يؤكد كون ابن عبد البر يرى دخول الأشاعرة والكلابية في المقصودين بأهل الكلام هنا أنه ساق بعده كلام ابن خويز منداد المالكي في عدّ الأشاعرة من أهل البدع الذين لا تقبل شهادتهم عند الإمام مالك، مقرًا له.\n\n- القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين الفراء (٤٥٨ هـ)\nقال الذهبي: (وقال السلفي: كان أبو الحسين متعصبًا في مذهبه، وكان كثيرًا ما يتكلم في الأشاعرة ويُسمعهم، لا تأخذه في الله لومة لائم) (٢) اهـ.\n\n- شيخ الإسلام الحافظ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الهروي (٤٨١ هـ)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي صاحب كتاب \"ذم الكلام\"، فإنه من المبالغين في ذم الجهمية لنفيهم الصفات، وله كتاب \"تكفير الجهمية\"، ويبالغ في ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة والحديث،\n_________\n(١) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٤٢).\n(٢) سير أعلام النبلاء (١٩/ ٢٠٦).","vol":"1","page":676},{"text":"وربما كان يلعنهم، وقد قال له بعض الناس بحضرة نظام الملك: أتلعن الأشعرية؟ فقال: ألعن من يقول ليس في السموات إله، ولا في المصحف قرآن، ولا في القبر نبي، وقام من عنده مغضبًا) (١) اهـ.\nوقد نقل آثارًا كثيرة في كتابه \"ذم الكلام وأهله\" في ذم الكلابية والأشعرية سبق نقل بعضها.\n\n- أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلاني (٥٦١ هـ)\nقال في كتابه \"الغنية\" في إثبات الصوت والحرف لله تعالى: (وهذه الآيات والأخبار تدل على أن كلام الله ﷿ صوت لا كصوت الآدميين، كما أن علمه وقدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوته. وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٤/ ٣٥٤).","vol":"1","page":677},{"text":"على إثبات الصوت في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين خلاف ما قالت الأشعرية من أن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه، والله حسيب كل مبتدع ضال مضل ...) (١) اهـ.\n\n- أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي (٦٢٠ هـ)\nقال في \"لمعة الاعتقاد\": (ومن السنة: هجران أهل البدع ومباينتهم، وترك الجدال والخصومات في الدين، وترك النظر في كتب المبتدعة، والإصغاء إلى كلامهم، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل متسم بغير الإسلام والسنة مبتدع: كالرافضة، والجهمية، والخوارج، والقدرية، والمرجئة، والمعتزلة، والكرامية،\n_________\n(١) نقله عنه ابن الألوسي في جلاء العينين (ص٣٥٦).","vol":"1","page":678},{"text":"والكلابية، ونظائرهم، فهذه فرق الضلال، وطوائف البدع، أعاذنا الله منها) (١) اهـ.\nوقال: (ولا نعرف في أهل البدع طائفة يكتمون مقالتهم ولا يتجاسرون على إظهارها إلا الزنادقة والأشعرية) (٢) اهـ.\nوقال: (وقال أحمد بن إسحاق المالكي -أي ابن خويز منداد-: أهل الأهواء والبدع عند أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم من أهل الأهواء والبدع أشعريًا كان أو غير أشعري لا تقبل له شهادة ويهجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى عليها استتيب منها) (٣) اهـ.\n_________\n(١) لمعة الاعتقاد (ص٢٠٠).\n(٢) كتاب المناظرة في القرآن (ص٣٥).\n(٣) كتاب تحريم النظر في كتب الكلام (ص٤٢).","vol":"1","page":679},{"text":"قلت: وكلام العلماء في ذم الأشاعرة والكلابية، والرد على ما ابتدعوه من الأصول المخالفة لاعتقاد السلف كثير جدًا، أما الحنابلة فيصعب حصره واستقصائه لكثرته، وقد عُلم ما كان بين الحنابلة والأشاعرة من النفرة والتنازع، ومن تأمل تراجم الحنابلة في طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى، والذيل عليها للحافظ ابن رجب، فضلًا عن غيرها من كتب التواريخ ككتاب تاريخ الإسلام للذهبي، والبداية والنهاية لابن كثير، وغيرها كثير، كما كان من شرف الإسلام ابن الحنبلي عبد الوهاب بن عبد الواحد، والوزير يحيى ابن هبيرة، وتقي الدين عبد الساتر بن عبد الحميد المقدسي، وأبي الحسن بن الزاغوني، والقاضي أبي الحسن بن الفياء الحنبلي، وغيرهم.","vol":"1","page":680},{"text":"مع العلم أنني لم أنقل عن أحد بعد ٦٢٠ هـ شيئًا، مع كثرته، خشية التطويل، وتأكيدًا على أن تحذير العلماء من الأشاعرة، وبيان خروجهم عن السنة قديم، قدم ظهور ابن كلاب والأشعري.\nوقد كان أهل المغرب عامة على منافرة الأشاعرة والمتكلمين، حتى أتى ابن تومرت فنشر الأشعرية، وفرضها على الناس، وقد حصل بخروجه شر كثير.\nقال المراكشي في \"المعجب\" في كلامه على ابن تومرت وخروجه على المرابطين: (فخرج قاصدًا مدينة فاس، فلما وصل إليها أظهر ما كان يظهره، وتحدث فيما كان يتحدث فيه من العلم، وكان جُلّ ما يدعو إليه علم الاعتقاد على طريق الأشعرية، وكان أهل المغرب - على ما ذكرنا - ينافرون هذه العلوم ويعادون من ظهرت عليه، شديدًا أمرهم في ذلك ..) اهـ.\nوسيأتي في الفصل الخامس مزيد بيان.","vol":"1","page":681},{"text":"خلاصة الفصل:\nأولًا: أن ابن كلاب والأشعري لم يكونا على طريق السلف، وأن الخلاف بين السلف وبينهما حقيقي لا لفظي.\nثانيًا: تبين زيف ما ادعاه الأشعريان ولبّسا فيه من جعل ابن كلاب من أئمة السنة، وأنه في حقيقته موافق للإمام أحمد، فضلًا عن أبي الحسن الأشعري الذي هو أبعد عن السنة من ابن كلاب. وهذا قبل رجوعه إلى مذهب السلف في مرحلته الأخيرة، وسيأتي تقريرها قريبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>[بطلان دعوى أن جميع المالكية والشافعية والحنفية أشاعرة أو ماتريدية]</span>\nثالثًا: بطلان الدعوى العريضة والباطلة في أن جميع المالكية والشافعية والحنفية من الأشاعرة.\nقال محمد حسن هيتو في تقريظه لكتاب الأشعريّيْن (ص٧): (فالمالكية كلهم أشاعرة، والشافعية كلهم أشاعرة، والحنفية كلهم أشاعرة أو ماتريدية ولا خلاف بينهم ..) اهـ.\nفما أعرضها من دعوى، بل ما أقبحه من كذب وبهتان.","vol":"1","page":683},{"text":"وتأمل بطلانها وزيفها فيما سبق نقله من كلام أئمة المالكية: كابن خويز منداد، وابن عبد البر، وغيرهم.\nومن كلام أئمة الشافعية: كأبي العباس بن سريج، ومحمد بن إسحاق السراج، وابن شارك الهروي الشافعي، وشيخ الشافعية أبي حامد الإسفرائيني، وأبي عمر البسطامي، وغيرهم.\nومن كلام أئمة الحنبلية، والحنفية، كلهم في تبديع الأشاعرة، وإخراجهم من أهل السنة.\nويقال أيضًا: أن هذه الدعوى تستلزم أن يكون الأئمة الأربعة أشاعرة، أو على معتقد الأشاعرة وأصولهم، وإلا كانت باطلة:\nفهلا نقل لنا الأشعريان ولو حرفًا عن أحد الأئمة الأربعة في الكلام حول نفي الجهة عن الله، والمنع من الإشارة إليه وكونه في السماء، أو نفي المكان ونحو ذلك من الألفاظ التي تطفح بها كتب الأشاعرة!.\nوهلا نقلا لنا عن أحد منهم بإسناد ثابت تأويل شيء من الصفات كالاستواء، والضحك، والمجيء، والإتيان، والرضى، والغضب!.\nوهل يمكنهما ادعاء أن الأئمة الأربعة كانوا يعتقدون أن القرآن","vol":"1","page":684},{"text":"عبارة عن كلام الله تعالى، وأن كلامه تعالى هو ما قام بذاته، بلا حرف ولا صوت؟. وهو الذي لم يُعرف لأحد في الإسلام قبل ابن كلاب والأشعري!!\nفإن عجزوا عن ذلك خُصموا وتبين بطلان دعواهم.\nوإن ادعوا ذلك بلا برهان ولا بينة -كما هو واقعهم- تبين كذبهم وافتراؤهم!!.","vol":"1","page":685},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-124>الفصل الثاني\nفي إثبات صحة كتاب الإبانة المطبوع للأشعري وبيان بطلان كونه قد تلاعبت به الأيدي</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>تمهيد</span>\nحاول الأشعريان أن يشككا في صحة المطبوع من كتاب الإبانة للأشعري، بعد أن أثبتاه من حيث أصله، لكنهما زعما أن أيدي المحرفين والمتلاعبين قد طالته، لعلمهما أنه يبطل عليهما ما ادعياه من صحة الطريقة الأشعرية، وأنه مخالف لما استقر عليه مذهب الأشاعرة الذي يدندنون حول صحته وأنه مذهب السلف. وقد تكلفا ذلك فأتيا بما تمجه الآذان، ويأباه المنهج العلمي في ذلك، وأتيا فيه ببدع من الطرق والبينات، وليس لهما من الأدلة على ذلك إلا الدعاوى المجردة، وقد اعتمدا في ذلك على أمور:\nمنها: الدعاوى العريضة لبعض المشككين كدعوى الكوثري ومن تبعه بلا بينة ولا برهان.","vol":"1","page":687},{"text":"ومنها: وجود اختلاف يسير في الألفاظ بين النسخ، لا يدل على كونه محرفًا.\nومنها: ما أسنده أبو الحسن الأشعري فيه عن أبي حنيفة في أنه كان يرى القول بخلق القرآن.\nوالجواب عليها كالتالي:","vol":"1","page":688},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-126>المبحث الأول\n\nالجواب على الأمر الأول الذي استدلا به على دخول التحريف في كتاب \"الإبانة</span>\"\nأما دعاوى التحريف والتبديل بغير بينة ولا برهان فهذا لا يعجز عنه كل مبطل، ولو جاز ذلك لأمكن ادعاء من شاء ما شاء.\nثم أن هذا يأباه التحقيق العلمي لأمور:\nالأمر الأول: أن النسخ المخطوطة الموجودة لكتاب الإبانة قد اتفقت من غير اختلاف بينها حاشى اختلافًا يسيرًا في بعض الألفاظ التي لا يسلم منه أي كتاب. وسنأتي على ذكر بعض الاختلافات اليسيرة التي لا تدل بوجه من الوجوه على وقوع التحريف فيه.\nالأمر الثاني: أنه بمقارنة ما هو موجود في النسخ الموجودة مع ما نقله بعض العلماء من كتاب الإبانة في كتبهم نجد الاتفاق بينها.\nفقد نقل الحافظ البيهقي فصلًا من كتاب الإبانة في كتابه \"الاعتقاد\" (ص: ١١٤)، فوجد مطابقًا لما هو مطبوع.","vol":"1","page":689},{"text":"وكذلك نقل ابن عساكر فصولًا منه في كتابه \"تبيين كذب المفتري\" (ص١٥٣ - ١٦٤) فوجدت مطابقة لما هو موجود.\nكما نقل شيخ الإسلام ابن تيمية فصولًا منه أيضًا في غير ما موضع من كتبه ككتاب نقض التأسيس (ص: ٦٣ - ٨٥)، وفي مجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، (٥/ ٩٣ - ٩٨، ١٦٨ - ١٧٨)، وفي بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٢٠ - ٤٢٦) (٢/ ١٥ - ٢٦، ٣٤٨ - ٣٤٩) حيث نقل فصولًا كثيرة مطابقة لما هو مطبوع من كتاب الإبانة.\nوكذلك ابن القيم كما في حاشيته على تهذيب السنن (١٣/ ٣٥ - ٣٦)، وفي مختصر الصواعق (٢/ ١٦٩) حيث نقل فصولًا عنه في إثبات اليدين لله تعالى، وفي اجتماع الجيوش الإسلامية (١٨٢ - ١٩٠)، فوجدت جميعها مطابقة لما هو موجود.\nونقل أيضًا الحافظ الذهبي فصولًا منه في كتابيه العلو (ص٢١٨)، والعرش (٢٩١ - ٣٠٣)، فوجدت مطابقة للنسخ الموجودة.\nالأمر الثالث: يؤكد ذلك أيضًا اتفاق كتب الأشعري المتأخرة مع ما في الإبانة من حيث المسائل والتقريرات، فقد قرر في كتاب مقالات الإسلاميين في معتقد","vol":"1","page":690},{"text":"أهل الحديث بمثل ما هو موجود في الإبانة، وكذا في رسالته إلى أهل الثغر. كما أن تقرير المسائل وسياق الحجج لها مطابق لما هو موجود في كتابيه \"مقالات الإسلاميين\" و\"رسالة إلى أهل الثغر\" [انظر ما في الإبانة ص ١١٨ مع ما في \"رسالة إلى أهل الثغر\"].","vol":"1","page":691},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>المبحث الثاني\nالجواب على الأمر الثاني الذي استدلا به على دخول التحريف في كتاب \"الإبانة</span>\"\nوأما ادعاء التحريف لوجود اختلاف لا يضر في بعض الألفاظ فهذا باطل لأمور:\nمنها: أن الألفاظ المذكورة لا تغير من المعنى، ولا تبطله، وقد ذكر الأشعريان مثالين لهذا التحريف المزعوم:\nأولهما:\nاختلاف النسخ في إثبات العين لله تعالى، هل هو بلفظ التثنية \"عينان\" أم بلفظ الإفراد \"عين\".","vol":"1","page":692},{"text":"ثم اجتهدا في إثبات لفظ الإفراد زاعمين أنه الموافق للكتاب والسنة وأقوال السلف رجمًا بالغيب وجهلًا بمنهج السلف، وإلا فإن السلف يثبتون عينين لله تعالى لائقتين به كما سيأتي، ولكن مرادنا هنا إثبات أن لفظ العينين هو الصحيح من كلام أبي الحسن الأشعري لأمور:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>[إجماع السلف على أن لله عينين]</span>\nأولًا: لأنه اللفظ الموافق لمعتقد السلف.\nقال عثمان بن سعيد الدارمي في رده على المريسي: (ففي تأويل قول رسول الله - ﷺ -: \"أن الله ليس بأعور\" بيان أنه بصير ذو عينين خلاف الأعور) (١) اهـ.\nوقال ابن خزيمة في التوحيد في \"باب ذكر إثبات العين لله ﷿\": (... فبين النبي - ﷺ - أن لله عينين، فكان بيانه موافقًا لبيان محكم التنزيل) (٢) اهـ.\nثانيًا: أنه اللفظ الذي ذكره في كتبه الأخرى ككتاب مقالات الإسلاميين ورسالة إلى أهل الثغر.\nفقد قال في مقالات الإسلاميين في بيان معتقد أهل الحديث: (وإن له عينين كما قال تعالى ﴿تجري بأعيينا﴾ القمر١٤) (٣) اهـ.\n_________\n(١) الرد على المريسي (١/ ٣٢٧).\n(٢) التوحيد (ص٤٢).\n(٣) مقالات الإسلاميين (١/ ٢٨٥).","vol":"1","page":693},{"text":"وقال في فصل \"الاختلاف في العين والوجه واليد ونحوها\": (وقال \"أصحاب الحديث\": لسنا نقول في ذلك إلا ما قاله الله ﷿ أو جاءت به الرواية عن رسول الله - ﷺ -، فنقول: وجه بلا كيف، ويدان وعينان بلا كيف) (١) اهـ.\nوقال في فصل \"هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة\": (وأن له عينين بلا كيف كما قال ﴿تجري بأعيينا﴾ القمر١٤) (٢) اهـ.\nكما أنه عد إنكار العينين لله من أقوال المعتزلة التي خالفوا بها أهل السنة فقال في سياق أقوال المعتزلة في \"قصل قولهم في العين واليد\": (فمنهم من أنكر أن يقال: لله يدان، وأنكر أن يقال: إنه ذو عين، وأن له عينيين) (٣) اهـ.\nوهذا بيّن في أن أبا الحسن الأشعري يثبت العينين لله تعالى.\nإلا أن يدعي الأشعريان أن مقالات الإسلاميين أيضًا قد نالته أيدي المحرفين، كما هي حجة كل مبطل، وليس هذا عنهما ببعيد!!!\n_________\n(١) المرجع السابق (١/ ٢٩٠).\n(٢) المرجع السابق (١/ ٣٤٥).\n(٣) المرجع السابق (١/ ٢٧١).","vol":"1","page":694},{"text":"ثالثًا: أن إثبات العينين لله تعالى هو قول أئمة أصحاب الأشعري، ومن أشهرهم وأمثلهم أبو بكر بن الطيب الباقلاني.\nفقد قال في كتاب الإنصاف في بيان صفات الله تعالى: (فنص تعالى على إثبات أسمائه وصفات ذاته ..) ثم ذكر جملة من الصفات إلى أن قال: (والعينين اللتين أفصح بإثباتهما من صفاته القرآن وتواترت بذلك أخبار الرسول ﵇، فقال ﷿ ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩) (١) اهـ.\nفهذا قول أجل أصحابه يثبت العينين لله تعالى، وأنهما عينان لا عين واحدة.\nيا سبحان الله إذا كان هذا هو جهل الأشعريين بقول كبار أئمة الأشاعرة الذين ينتسبون إليهم، فكيف جهلهم بقول أئمة السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. لا ريب أنه أعظم وأكبر.\nرابعًا: أن هذا الاختلاف ليس في النسخ الموجودة الآن، بل هو في النسخ القديمة التي نقل منها العلماء، فإن ابن عساكر ذكر لفظ الإفراد في العين في \"تبيين كذب المفتري\".\nونقل شيخ الإسلام ابن تيمية عنه لفظ التثنية في كتبه كما في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٢٢) وفي مجموع الفتاوى (٥/ ٩٤) وفي الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٣٧).\n_________\n(١) الإنصاف (ص٢٤).","vol":"1","page":695},{"text":"وكذا بن القيم نقل عنه لفظ التثنية كما في الصواعق المرسلة (١/ ٢٦٥)، وفي اجتماع الجيوش الإسلامية (ص٢٨٩).\nفدل على أن هذا من جنس الاختلاف الموجود بين نسخ أي كتاب.\nبل إن شيخ الإسلام ابن تيمية قد نقل عن ابن عساكر ما حكاه من قول الأشعري في الإبانة في تبيين كذب المفتري بلفظ التثنية، كما في الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٣٧).\nوكذا ان القيم نقل عن تبيين كذب المفتري لفظ التثنية كما في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص١٨٢).\nخامسًا: أنه ليس هناك تعارض بين لفظ التثنية ولفظ الإفراد. إذ أن لفظ الإفراد يراد به الجنس، أي أن الله متصف بالعين، كما يقال \"لله يد\" أي جنس اليد.\n\nالمثال الثاني:\nما وجد في بعض النسخ من زيادة لفظ \"منزهًا عن الحلول والاتحاد\" في إثبات صفة الاستواء لله تعالى. فقال في بعض النسخ: (فدل على أنه تعالى منفرد بوحدانيته مستوٍ على عرشه [استواءًا منزهًا عن الحلول والاتحاد]).","vol":"1","page":696},{"text":"وهذه الزيادة توضح حقيقة صفة الاستواء لله تعالى وأنه استواءٌ لا يلزم منه حلول الله في العرش ولا اتحاده به، فليس فيها منافاة، وإنما هي تأكيد. فكيف يُدّعى أنها تدل على التحريف، إذ أن التحريف هو في زيادة ما يبطل المعنى أو يغيره، وليست هذه منها.\nوهذان هما أمثل مثالين وجدهما الأشعريان ليثبتا التحريف المزعوم، إذ لو وجدا ما هو أمثل وأوضح منهما لذكراه، وحسب القارئ أن يرى في هذين المثالين حجم الأمانة العلمية، ورصانة البحث العلمي والتحقيق الموضوعي لدى صاحبينا الأشعريين!!!.","vol":"1","page":697},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>المبحث الثالث\nالجواب على الأمر الثالث الذي استدلا به على دخول التحريف في كتاب \"الإبانة</span>\"\nوأما ما استدلالهم على تحريف \"الإبانة\" بما هو مسند فيه عن أبي حنيفة في القول بخلق القرآن. فهذا إلى العبث أقرب من إلى التحقيق.\nإذ أن هذه القصة المذكورة عن أبي حنيفة ﵀، قد رواها جمع من الأئمة، فقد رواها البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ١٢٧)، وفي \"خلق أفعال العباد\" (ص٧)، ووراها عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه \"السنة\" (١/ ١٨٤)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ٢٨٠)، واللالكائي في \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة\" (٢/ ٢٣٩) وابن الجعد في مسنده (ص٦٦) والخطيب في تاريخ بغدد (١٣/ ٣٨٨).\nفهل يُفهم من هذا أن هذه الكتب قد نالتها أيدي المحرفين أيضًا؟؟؟.","vol":"1","page":698},{"text":"بل إن عبد الله بن الإمام أحمد قد عقد فصلًا فيما ورد في أبي حنيفة ﵀ من الذم.\nفقال: (باب: ما حفظت عن أبي وغيره من المشايخ في أبي حنيفة)، ثم ساق آثارًا كثيرة (١).\nولا يعني هذا أن يكون كل ما نسب إلى أبي حنيفة صحيحًا كالقول بخلق القرآن، بل الصحيح الثابت عنه هو: أن القرآن كلام الله غير مخلوق، كما في الفقه الأكبر له وكتاب \"العقيدة\" لابن صاعد، وغير ذلك من الكتب. إلا أن المقصد هنا أن ما هو منسوب عن أبي حنيفة من القول بخلق القرآن مذكور في كتب أهل السنة. فكون الأشعري قد ذكره أيضًا فهذا أمر غير مستغرب ولا مستنكر. فكيف يكون دليلًا على دخول التحريف في كتاب \"الإبانة\".\nوالذي أوقع الأشعريّيْن في هذا المنزلق من الجهالة، وهذا الهذيان العلمي، هو اتباعهما لإمام المتعصبين لأبي حنيفة، وهو محمد زاهد الكوثري، الذي كان يسفه كل أحد ولو كان إمامًا من أئمة السنة في سبيل الانتصار لأبي حنيفة، إذ أنه كان حنفيًا متعصبًا محترقًا. بينما نجد الأشعريّيْن يصفانه بالعلامة.\n_________\n(١) السنة (١/ ١٨٠).","vol":"1","page":699},{"text":"وحتى نعرف حقيقة هذا العلامة الذي هو إمام متبع لدى الأشعريين، سأكتفي بنقل بعض عباراته في حق الأئمة الأعلام، والسلف الكرام.","vol":"1","page":700},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-130>المبحث الرابع\nافتراءات وطعون محمد زاهد الكوثري في الصحابة والأئمة</span>\nقال أحمد بن صديق الغماري عنه في \"بيان تلبيس المفتري محمد زاهد الكوثري\": (فأول ما نذكر به الأستاذ - أي الكوثري - مما أساء به إلى نفسه، وحاد به عن سبيل أهل العلم، ونطق به خلفًا، واتبع غير سبيل المؤمنين، قذفه لكبار الأئمة، وأساطين العلماء وحفاظ الشريعة، وحملة السنة، والغض من منصبهم، والحط من قدرهم، وكشف سترهم، وتتبع عوراتهم مع جلالة قدرهم، ورفعة مكانتهم، واحترامهم بين المسلمين ..) (١) اهـ.\nوقال العلامة محمد بهجت البيطار في رسالته \"الكوثري وتعليقاته\" (ص٢٦): (وجملة القول: أن هذا الرجل لا يعتد بعقله، ولا بنقله، ولا بعلمه، ولا بدينه، ومن يراجع تعليقاته يتحقق صدق ما قلناه) (٢) اهـ.\n_________\n(١) بيان تلبيس المفتري (ص٤٤).\n(٢) نقلًا عن براءة أهل أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة (الردود ص٢٧٤).","vol":"1","page":701},{"text":"وأما من طعن فيهم فكثير، أذكر منهم طائفة:\n\n(١) أنس بن مالك - ﵁ -:\nفقد قال في نكته لما ذكر تحديث أنس للحجاج بحديث العرنيين عائبًا عليه: (فلو كان متحفظًا بقوة يقظته لما ساعد ذلك الظالم بما يتخذه حجة في الظلم البالغ، ولذا يجعل أبو حنيفة انفراد مثله في مثل ذلك الحدث الجلل موضع وقفة)\nقال الغماري معلقًا: (أي لأنه كذب على النبي - ﷺ - وأخبر عنه بما لا أصل له! ... فقبحك الله ما أوقحك، وأقل حياءك وخوفك من الله ...) (١) اهـ.\n\n(٢) عبد الله بن عباس - ﵁ -:\nقال الغماري: (فقال في (ص١٩٧) من \"النكت\" عن الحديث الذي خرجه ابن أبي شيبة عن عطاء، قال: أوتر معاوية بركعة، فأنكر ذلك عليه، فسئل عنه ابن عباس فقال: أصاب السنة، ما نصه:\n\"فلو صح عن ابن عباس هذا لحُمل على التقية!، لأنه كان حاربه تحت راية علي -كرم الله وجهه- فلا مانع من أن يحسب حسابه في مجالسه العامة دون مجلسه الخاص\"\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٥٤ - ٥٥).","vol":"1","page":702},{"text":"أي: فيكذب على رسول الله - ﷺ -، وعلى شريعته ودينه، ويقول: إن معاوية أصاب السنة، وهو لا يعتقد ذلك، بل يعتقد ان السنة خلاف ذلك، وهي ما رآه أبو حنيفة من الإيتار بثلاث .... فانظر إلى هذا المجرم القليل الدين، كيف يستهين بصاحب رسول الله - ﷺ - وابن عمه ..) (١) اهـ.\n\n(٣) الإمام مالك:\nقال الغماري: (وقال عن الإمام مالك: \"إنه مجرم، والمجرم لا يُقلد في إجرامه، وإنه كاد الدين بأمور\"، فقال في (ص١١٦) من \"تأنيبه\" (٢) عقب إسناد الخطيب من وجوه عن مالك أنه قال: \"إن أبا حنيفة كاد الدين\" ما نصه:\n\"ولست أدري كيف يرميه من يرميه بكيد الدين؟، مع أنه لم يكن متساهلًا في أمر الطهور، ولا متبرئًا من المسح على الخفين في رواية من الروايات، ولا منقطعًا عن الجمعة والجماعات، ولا قائلًا بتحليل لحم الكلاب، ولا مبيحًا للأثفار، ولا محكمًا لعمل أهل المدينة بلده على الأدلة الشرعية، ولا متوسعًا في سد الذرائع بالرأي، ولا مسترسلًا في المصلحة\"\nأي: فيكون مالك صاحب هذه الأقوال هو الكائد للدين!\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٦٢).\n(٢) أي \"تأنيب الخطيب\" للكوثري (ص١٨٤ - ١٨٥).","vol":"1","page":703},{"text":"ثم قال: \"ولكبار قدماء المالكية في أمثال تلك الكلمات المروية عن مالك ثلاثة آراء\" فذكرها، ثم قال: \"فظهر من ذلك أن تلك الأقوال -على فرض ثبوتها، ممن نسبت إليهم- يكون القائل مجرمًا، فأنى يُقلد المجرم في إجرامه! \".) (١) اهـ.\n\n(٤) الإمام الشافعي:\nقال الغماري: (وطعن في نسب الإمام الشافعي المتفق عليه، وجعله من الموالي لا من قريش، وقال: إنه جاهل بالعربية والحديث، ضعيف فيه، جاهل بأحكام الفقه، وإنه خالف الإجماع في أربع مائة مسألة، وابتدع رد الاحتجاج بالمرسل، وإنه لذلك يصح أن يقول فيه المنتقد ما شاء، وإنه ليس بأوثق رواة الموطأ عن مالك .. في كثير من هذا وأشباهه، مما يدل على احتقار تام، وازدراء كامل لذلك الإمام العظيم المخصوص بين الأئمة باتباع السنة .. -ثم نقل أقواله بنصوصها) (٢) اهـ.\n\n(٥) الإمام أحمد:\nقال الغماري: (وقال عن أحمد بن حنبل في (ص١٤١) من \"تأنيبه\" (٣)، ما نصه:\n_________\n(١) تلبيس المفتري (ص٦٦).\n(٢) المرجع السابق (ص٧٢).\n(٣) تأنيب الخطيب (ص٢٢٢).","vol":"1","page":704},{"text":"\"وليس بقليل بين الفقهاء من لم يرض بتدوين أقوال أحمد في عداد أقوال الفقهاء باعتبار أنه محدث غير فقيه عنده، وأنى لغير الفقيه إبداءٌ لرأي متزن في فقه الفقهاء! \"\nوقال عنه أيضًا في (ص١٤٣) (١) عند تعرضه لذكر ما رواه الخطيب عن أحمد قال: \"ما قول أبي حنيفة والبعر عندي إلا سواء\"، ما نصه:\n\"والمصدر المضاف من ألفاظ العموم عند الفقهاء، فيكون لذلك اللفظ خطورة بالغة، لأن أبا حنيفة يعتقد في الله تعالى ما يكون خلافه كفرًا، أو بدعة شنيعة عند من ألقى السمع وهو شهيد، ومسائله في الفقه: غالبها مسائل إجماعية بين الأئمة المتبوعين، سبقهم أبو حنيفة في تدوينها، والقسم الجاري فيه التنازع منها قليل، فيكون امتهان قوله في المسائل الاعتقادية، والمسائل الفقهية التي ما نازعه فيها أحد من أئمة المسلمين محض كفر لا يصدر ممن له دين، فيكون هذا طعنًا في أحمد لا في أبي حنيفة ..) (٢) اهـ.\nوطعونه كثيرة، يطول المجال لذكرها، لكني أكتفي بذكرها مختصرة مع الإشارة إلى مواضعها:\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٢٢٥).\n(٢) تلبيس المفتري (ص٧٩).","vol":"1","page":705},{"text":"(٦) نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري:\nقال فيه: (ونعيم بن حماد معروف - قال الغماري: عند الكوثري - باختلاق مثالب أبي حنيفة، وكلام أهل الجرح والتعديل فيه واسع الذيل، وذكره غير واحد من كبار علماء أصول الدين في عداد المجسمة، بل القائلين باللحم والدم ..) (١) اهـ.\nقلت: فوازن بين كلام الكوثري في نعيم بن حماد، وبين كلام تلميذه البخاري حيث قال: (قال أبو عبد الله: ولقد بيّن نعيم بن حماد أن كلام الرب ليس بخلق، وأن العرب لا تعرف الحي من الميت إلا بالفعل، فمن كان له فعل فهو حي، ومن لم يكن له فعل فهو ميت، وأن أفعال العباد مخلوقة، فضُيَّق عليه حتى مضى لسبيله، وتوجّع أهل العلم لما نزل به.\nوفي اتفاق المسلمين دليل على أن نعيمًا ومن نحا نحوه ليس بمفارق ولا مبتدع، بل البدع والرئيس بالجهل بغيرهم أولى إذ يفتون بالآراء المختلفة مما لم يأذن به الله) (٢) اهـ.\n\n(٧) عثمان بن سعيد الدارمي:\nقال فيه: (وعثمان بن سعيد في السند هو صاحب \"النقض\" مجسم، مكشوف الأمر يعادي أئمة التنزيه - قال الغماري:\n_________\n(١) المرجع السابق (ص؟؟؟).\n(٢) خلق أفعال العباد (ص١٠٧).","vol":"1","page":706},{"text":"أي: تكذيب القرآن والسنة - ويصرح بإثبات القيام، والقعود، والحركة، والاستقرار المكاني، والحد - قال الغماري: أي: يروي ذلك بأسانيده إلى النبي - ﷺ -، ونحو ذلك له تعالى، ومثله يكون جاهلًا بالله سبحانه، بعيدًا عن أن تُقبل روايته.\nقال الغماري: جزاءً له على رواية أحاديث رسول الله - ﷺ -.) (١).\n(٨) عبد الله بن الإمام أحمد:\nقال فيه: (ليس بحجة، بل روايته مردودة، وخبره غير مقبول، لأنه كذاب) (٢).\n_________\n(١) تلبيس المفتري (ص٣٤٥).\n(٢) المرجع السابق (ص٣٥٥).","vol":"1","page":707},{"text":"(٩) محمد بن إسحاق بن خزيمة:\nقال عنه: (ومع هذا الجهل ألف كتاب التوحيد فأساء إلى نفسه. ومن أهل العلم من قال عنه إنه كتاب الشرك. ومن جملة مخازيه ...) (١).\nوقال: (ابن خزيمة افتضح بخوضه فيما لا يعنيه، وجعل نفسه عرضة لسخرية الساخرين من أهل الكلام) (٢).\nوقال: (مثير الأخطاء في باقي الأبواب ... أغلاطه الخطرة) (٣).\nوقال: (ابن خزيمة وابن حامد شيخ أبي يعلى جد مسكين في هذه المباحث - أي الصفات -). (٤)\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٤٠).\n(٢) حاشية الأسماء والصفات للبيهقي (ص٣٤٢).\n(٣) المرجع السابق (ص٣٧١).\n(٤) المرجع السابق (ص٣٩٦).","vol":"1","page":708},{"text":"وقال: (إلا من يميل إلى مذهبه في الضلال) (١).\nوقال: (يقضى بمحوه من ديوان العلماء .... ولابن خزيمة كلام في الوجه والمماثلة لا يدع له وجهًا يواجه به أهل العلم، ومثله لا يُلتفت إليه في باب الاعتقاد) (٢).\n\n(١٠) ابن قتيبة:\nقال عنه: (مخلّط) (٣).\n\n(١١) شيخ الإسلام ابن تيمية:\nقال عنه: (وقد سئمت من تتبع مخازي هذا الرجل المسكين، الذي ضاعت مواهبه في شتى البدع، وفي تكملتنا على \"السيف الصقيل\" ما يشفي غلة كل غليل، في تعقب مخازي ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم) (٤).\nوقال: (بل هو وارث علوم صابئة حران حقًا، والمستلف من السلف ما يكسوها كسوة الخيانة والتلبيس ..).\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٤٢٦).\n(٢) المرجع السابق (ص٤٤٤).\n(٣) المرجع السابق (ص٣٧٥).\n(٤) نقلًا عن براءة أهل السنة من الوقيعة في عماء الأمة (مطبوعة في مجلد الردود ص٢٨٣).","vol":"1","page":709},{"text":"(١٢) ابن القيم:\nفقد اتهمه بعظائم كما في رسالته \"تبديد الظلام المخيم من نونية ابن القيم: فقد رماه بـ: (الكفر، والزندقة، وأنه ضال مضل، ووزائغ، ومبتدع، ووقح، وكذاب، وحشوي، وبليد، وغبي، وجاهل، ومهاتر، وخارجي، وتيس حمار، وملعون، ومن إخوان اليهود والنصارى، ومنحل من الدين والعقل، ...) (١).\n\n(١٣) الحافظ الذهبي:\nقال عنه: (ولا تغتر بالذهبي وأذياله) (٢).\nوقال: (فتجعل كلام هؤلاء من قبيل العلو الحسي الذي يتخيله أمثال الذهبي من المغفلين) (٣).\n\n(١٤) الشوكاني:\nنقل في المقالات (ص٤١٨) كلمة ابن حريوة اليمني في الشوكاني إذ قال: (إنه يهودي مندس بين المسلمين لإفساد دينهم). فأيدها الكوثري فرحًا بها بقوله: (وليس ذلك ببعيد لمناصبته العداء لعامة المسلمين وخاصتهم على تعاقب القرون) (٤).\n_________\n(١) المرجع السابق (ص٢٨٠ - ٢٨١).\n(٢) حاشية الأسماء والصفات للبيهقي (ص١٠٠).\n(٣) المرجع السابق (ص٥١٨).\n(٤) نقلًا عن براءة أهل السنة من الوقيعة في عماء الأمة (مطبوعة في مجلد الردود ص٢٨٥ - ٢٨٦).","vol":"1","page":710},{"text":"وقد تكلم في كثيرين يطول الكلام في نقل أقواله فيهم منهم: الاصطخري (١)، وابن أبي حاتم (٢)، وابن رشد (٣)، وابن حامد (٤)، وابن الزاغوني (٥)، والقاضي أبو يعلى (٦).\nواتهم الخطيب باللواط (٧)، والحافظ ابن حجر بالزنا (٨).\nوقد تعقبه كثيرون منهم الحافظ المعلمي اليماني في كتابه \"التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل\"، وأحمد صديق الغماري في \"تلبيس كذب المفتري محمد زاهد الكوثري\" والشيخ بكر أبو زيد في \"براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة\". وغيرهم.\n_________\n(١) حاشية الأسماء والصفات للبيهقي (ص٢٤٥).\n(٢) المرجع السابق (ص٣٤٢).\n(٣) المرجع السابق (ص٣٧٣).\n(٤) المرجع السابق (ص٣٩٦).\n(٥) المرجع السابق (ص٤٤٣).\n(٦) المرجع السابق (ص٤٤٣).\n(٧) تلبيس المفتري (ص٤٨ - ٤٩).\n(٨) المرجع السابق (ص٥١ - ٥٢).","vol":"1","page":711},{"text":"ومثل هذا لا يعد في جملة العلماء فضلا أن يقال عنه: علامة؟!!! بل هو إلى ديوان المفترين أليق به من ديوان العامة، فضلًا عن الخاصة.","vol":"1","page":712},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>الفصل الثالث\nفي إثبات المرحلة الأخيرة لأبي الحسن الأشعري وهي مرحلة العودة إلى السنة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>تمهيد</span>\nلقد مرت الأشعرية بمراحل قبل أن تستقر إلى ما هي عليه الآن، فقد كان أبو الحسن الأشعري على طريق المعتزلة، ثم تركهم وسلك طريق ابن كلاب، ثم في آخر حياته سلك سبيل السنة، واقتفى أثر الإمام أحمد فألف \"الإبانة\" وعليها اعتمد الحافظ ابن عساكر في إثبات عقيدته في كتابه \"تبيين كذب المفتري\". واعتمده الحافظ أبو بكر السمعاني في كتابه \"الاعتقاد\"، وحكى عنه في مواضع منه، ولم يذكر من تواليفه سواه (١).\n_________\n(١) انظر نقض التأسيس لشيخ الإسلام ابن تيمية ص٨٥","vol":"1","page":713},{"text":"وهذا المذهب الذي استقر عليه أخيرًا قد بينه أيضًا في أواخر ما ألف مثل \"مقالات الإسلاميين\" و\"رسالة إلى أهل الثغر\" وهي مطبوعة متداولة.","vol":"1","page":714},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>المبحث الأول\n\nسياق الأدلة على إثبات المرحلة الثالثة الأخيرة للأشعري</span>\nوهذه المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة العودة إلى السنة وترك الكلابية، يدل على ثبوتها أمور:\nأولًا: أنها مرحلة قد أثبتها المؤرخون وعلى رأسهم الحافظ ابن كثير وهو من هو في التاريخ وسعة الاطلاع.\nفقال: (ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ثلاثة أحوال:\nأولها: حال الاعتزال التي رجع عنها لا محالة.\nالحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبع وهي: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام. وتأويل الخبرية كالوجه واليدين والقدم والساق ونحو ذلك.\nالحال الثالث: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه جريًا","vol":"1","page":715},{"text":"على منوال السلف، وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرًا.) (١) اهـ.\nوأشار إليها الذهبي في السير فقال: (قلت: رأيت لأبي الحسن أربعة تواليف في الأصول، يذكر فيها قواعد مذهب السلف في الصفات، وقال فيها: تمر كما جاءت، ثم قال: وبذلك أقول وبه أدين ولا تؤول) (٢) اهـ.\nبل ونص عليها في كتابه العرش قائلًا: (ولد الأشعري سنة ستين ومائتين، ومات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة بالبصرة ﵀، وكان معتزليًا ثم تاب، ووافق أصحاب الحديث في أشياء يخالفون فيها المعتزلة، ثم وافق أصحاب الحديث في أكثر ما يقولونه، وهو ما ذكرناه عنه من أنه نقل إجماعهم على ذلك، وأنه موافق لهم في جميع ذلك، فله ثلاثة أحوال: حال كان معتزليًا، وحال كان سنيًا في بعض دون البعض، وكان في غالب الأصول سنيًا، وهو الذي علمناه من حاله ..) (٣).\nوأشار إلى هذا قبلهما شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: (إن الأشعرى وإن كان من تلامذة المعتزلة ثم تاب، فإنه تلميذ الجبائى،\n_________\n(١) طبقات الفقهاء الشافعيين (١/ ٢١٠) ونقله عنه المرتضى الزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٢/ ٤) ولم يتعقبه.\n(٢) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٨٦).\n(٣) كتاب العرش للذهبي (ص٣٠٢ - ٣٠٣).","vol":"1","page":716},{"text":"ومال إلى طريقة ابن كلاب، وأخذ عن زكريا الساجى أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورًا أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه فى كتبهم) (١) اهـ.\nوقال العلامة الآلوسي: (فقلت: يا مولاي يشهد لحقية مذهب السلف في المتشابهات، وهو إجراؤها على ظواهرها مع التنزيه ﴿ليس كمثله شيء﴾: إجماع القرون الثلاثة الذين شهد بخيرتهم خير البشر - ﷺ - ... ولجلالة شأن ذلك المذهب ذهب إليه غير واحد عن أجلة الخلف ...\nومنهم: الإمام أبو الحسن الأشعري، فإن آخر أمره الرجوع إلى ذلك المذهب الجليل، بل الرجوع إلى ما عليه السلف في جميع المعتقدات.\nقال في كتابه \"الإبانة\" الذي هو آخر مؤلفاته بعد كلام طويل: \"الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه - ﷺ -، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل نصر الله تعالى وجهه قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون\" انتهى.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٨).","vol":"1","page":717},{"text":"وهو ظاهر في أنه سلفي العقيدة. وكيف لا والإمام أحمد علم في ذلك، ولهذا نغص لميه من بين أئمة الحديث. ويُعلم من هذا أن ما عليه الأشاعرة غير ما رجع إليه إمامهم في آخر أمره من اتباع السلف الصالح، فليتهم رجعوا كما رجع، واتبعوا ما اتبع ..) (١) اهـ.\nثانيًا: أن ما قرره أبو الحسن الأشعري في \"الإبانة\" و\"مقالات الإسلاميين\" و\"رسالة إلى أهل الثغر\" من مسائل المعتقد ومنه صفات الله تعالى موافق لمعتقد السلف، ومخالف لما عليه الأشاعرة.\nإذ أنه قد أثبت الصفات لله تعالى على ظاهرها، ومنع من تأويلها، وعد من تأولها مبتدعة وجهمية، كما سبق نقل كثيرٍ من كلامه في ثنايا الكتاب، وهذا يمنع تمامًا أن يكون قد قرر فيه التفويض الذي يزعمه الأشاعرة، بل إنه صرح بأن الصفات حقيقة، وأوجب الأخذ بالظاهر، وبين أن آيات الصفات مفهومة معلومة، ورد على من تأولها وأخرجها عن حقيقتها. وهذا يؤكد أنها تمثل مرحلة مغايرة عن مرحلته الكلابية.\nومما يؤكد ذلك قول بعض الطاعنين في أبي الحسن الأشعري أنه إنما ألف الإبانة وقاية لأهل السنة.\n_________\n(١) غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب (ص؟؟؟).","vol":"1","page":718},{"text":"فقد قال أبو علي الأهوازي: (وللأشعري كتاب في السنة قد جعله أصحابه وقاية لهم من أهل السنة، يتولون به العوام من أصحابنا، سماه كتاب الإبانة، صنفه ببغداد لما دخلها، فلم يقبل ذلك منه الحنابلة وهجروه.\nوسمعت أبا عبد الله الحمراني يقول: لما دخل الأشعري إلى بغداد جاء إلى البربهاري، فجعل يقول: رددت على الجبائي، وعلى أبي هاشم ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى وعلى المجوس، فقلت وقالوا، وأكثر الكلام في ذلك، فلما سكت، قال البربهاري: \"ما أدري مما قلت قليلًا ولا كثيرًا، ما نعرف إلا ما قال أبو عبد الله أحمد بن حنبل.\nفخرج من عنده وصنف كتاب الإبانة، فلم يقبلوه منه، ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها) (١) اهـ.\nوظاهر هذا يدل على أن كتاب الإبانة ليس على طريقة الأشاعرة، ولذلك ظن بعض الطاعنين فيه أنه إنما ألفه إرضاءًا لهم، ووقاية لنفسه من إنكارهم عليه، وهذا الظن وإن لم يكن صحيحًا، إلا أنه يثبت أن منهج الأشعري في الإبانة موافق لأهل السنة، ومخالف للكلابية والأشعرية، وهو بيت القصيد.\n_________\n(١) نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى (٥/ ٣٤١).","vol":"1","page":719},{"text":"وقال الإمام القاضي كمال الدين أبو حامد محمد بن درباس المصري الشافعي (٦٥٩ هـ) في رسالته \"الذب عن أبي الحسن الأشعري\": (فاعلموا معشر الإخوان ... بأن كتاب \"الإبانة عن أصول الديانة\" الذي ألفه الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، هو الذي استقر عليه أمره فيما كان يعتقده، وبما كان يدين الله ﷾ بعد رجوعه عن الاعتزال بمن الله ولطفه. وكل مقالة تنسب إليه الآن مما يخالف ما فيه، فقد رجع عنها، وتبرأ إلى الله ﷾ منها. كيف وقد نص فيه على أنه ديانته التي يدين الله سبحانه بها،","vol":"1","page":720},{"text":"وروى وأثبت ديانة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث الماضين، وقول أحمد بن حنبل ﵃ أجمعين، وأنه ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله. فهل يسوغ أن يُقال: أنه رجع إلى غيره؟ فإلى ماذا يرجع تراه!. يرجع عن كتاب الله وسنة نبي الله، خلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون، وأئمة الحديث الماضين، وقد علم أنه مذهبهم ورواه عنهم. هذا لعمري ما لا يليق نسبته إلى عوام المسلمين، كيف بأئمة الدين .. -إلى أن قال: (وقد ذكر هذا الكتاب، واعتمد عليه وأثبته عن الإمام أبي الحسن ﵀، وأثنى عليه لما ذكره فيه، وبرأه من كل بدعة نسبت إليه، ونقل منه إلى تصنيفه: جماعة من الأئمة الأعلام من فقهاء الإسلام، وأئمة القراء، وحفاظ الحديث وغيرهم -ثم ذكر جماعة منهم) (١) اهـ.\nثالثًا: أنه قد بيّن في \"مقالات الإسلاميين\" أن الكلابية فرقة مباينة لأهل الحديث، ونقل أقوالهم، في كثير من المسائل، ولم يجعلهم في جملة أهل الحديث، وقد سبق نقل أقواله، ولو كان كلابيًا لم يفرق بينهم وبين أهل الحديث، ولجمعهم في مصطلح واحد، إما أن يدخلهم تحت مصطلح أهل الحديث، أو تحت الكلابية.\n_________\n(١) رسالة الذب عن أبي الحسن الأشعري لابن درباس (ص١٠٧).","vol":"1","page":721},{"text":"رابعًا: مما يؤكد هذا أن الأشاعرة لا ينقلون في كتبهم شيئًا مما ذكره الأشعري في كتبه الموجودة وهي \"مقالات الإسلاميين\" و\"رسالة إلى أهل الثغر\" و\"الإبانة\"، وحاولوا عبثًا أن ينكروا نسبة كتاب الإبانة المطبوع المتداول إليه، وما ذاك إلا لعلمهم أنه ينقض عليهم أصولهم، وقد سبق إثبات كونه كلامه غير محرف ولا معبوث به.\nبل يكفي في إبطال دعواهم ما سطره في \"مقالات الإسلاميين\" و\"رسالة إلى أهل الثغر\"، وما نقله ابن عساكر في \"تبيين كذب المفتري\" والبيهقي في \"الأسماء والصفات\"، والذهبي في \"العلو\" من كتاب الإبانة، فضلًا عما نقله ابن تيمية وابن القيم منه في كتبهما التي سبق الإشارة إليها.\nخامسًا: أن أبا الحسن الأشعري ذكر في أول كتاب الإبانة: أنه سائر على درب الإمام أحمد ووصفه بأنه إمام أهل السنة، ولم ينتسب قط لابن كلاب ولا اعتزى إليه في شيء من كتبه الموجودة. ومعلوم أن ابن كلاب كان مباينًا لطريق الإمام أحمد، وأن الإمام أحمد كان ينهى عن الكلابية وكبارهم كالحارث المحاسبي وأصحابه، ويصفهم بالجهمية، كما سبق تقريره، وهذا مشهور مستفيض عنه، فلو كان الأشعري على طريق ابن كلاب لما انتسب إلى الإمام أحمد، مع علمه بنهيه عن ابن كلاب وتحذيره من طريقته.","vol":"1","page":722},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>المبحث الثاني\nالرد على ما أورده نفاة المرحلة الأخيرة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>[الجواب على عدم إيراد كثير ممن ترجم له من أصحابه وغيرهم المرحلة الأخيرة]</span>\nأما ما أورد الأشعريان على هذا من أن كثيرًا ممن ترجم لأبي الحسن لم يذكروا المرحلة الأخيرة، فالجواب أن يقال:\nلعله بسبب جهلهم بذلك، والقاعدة تقول: أن المُثبت مقدم على النافي، ومن علم حجة على من لم يعلم.\nوقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا: (فإن قيل إن ابن فورك وأتباعه لم يذكروا هذا، قيل: له سببان:\nأحدهما: أن هذا الكتاب -أي الإبانة للأشعري- ونحوه صنفه ببغداد في آخر عمره لما زاد استبصاره بالسنة، ولعله لم يفصح في بعض الكتب القديمة بما أفصح فيه وفي أمثاله، وإن كان لم ينف فيها ما ذكره هنا في الكتب المتأخرة، ففرق بين عدم القول، وبين القول بالعدم. وابن فورك قد ذكر فيما صنفه من أخبار الأشعري تصانيفه قبل ذلك، فقال -أي ابن فورك:","vol":"1","page":723},{"text":"\" ..... وبقي إلى سنة أربع وعشرين وثلاثمائة\"، قال: \"فاما أسامي كتبه إلى سنة عشرين وثلاثمائة، فإنه ذكر في كتابه الذي سماه العمد في الرؤية أسامي أكثر كتبه\" ... ثم قال: \"وقد عاش بعد ذلك إلى سنة أربع وعشرين وصنف فيها كتبًا\" ذكر منها أشياء. قال ابن عساكر بعد أن ذكر كلام ابن فورك: \"هذا آخر ما ذكره ابن فورك من تصانيفه، وقد وقع إلي أشياء لم يذكرها في تسمية تواليفه، فمنها .... \") (١) اهـ.\n_________\n(١) نقض التأسيس (ص٩٠ - ٩١).","vol":"1","page":724},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>المبحث الثالث\nأسباب انتقال الأشعري لمذهب أهل السنة وتركه للطريقة الكلابية</span>\nوكان من أسباب انتقاله إلى السنة، وتركه للمذهب الكلابي، التقاؤه بمحدث البصرة الحافظ زكريا الساجي، وهو الذي أخذ عنه معتقد أهل السنة.\nقال الذهبي في ترجمة الساجي: (وكان من أئمة الحديث، أخذ عنه أبو الحسن الأشعري مقالة السلف في الصفات، واعتمد عليها أبو الحسن في عدة تآليف) (١) اهـ.\nوقال في العلو: (وكان الساجي شيخ البصرة وحافظها، وعنه أخذ أبو الحسن الأشعري الحديث ومقالات أهل السنة) (٢) اهـ.\nوقد سبق نقل كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وقوله: (وأخذ عن\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (١٤/ ١٩٨)\n(٢) العلو (ص٢٠٥).","vol":"1","page":725},{"text":"زكريا الساجى أصول الحديث بالبصرة، ثم لما قدم بغداد أخذ عن حنبلية بغداد أمورًا أخرى، وذلك آخر أمره كما ذكره هو وأصحابه فى كتبهم) (١) اهـ.\nوقال أيضًا في موضع آخر: (ومذهب أهل السنة الذي يحكيه الأشعري في مقالاته عن أهل السنة والحديث أخذ جملته عن زكريا بن يحيى الساجي الإمام الفقيه عالم البصرة في وقته، وهو أخذ عن أصحاب حماد وغيرهم، فيه ألفاظ معروفة من ألفاظ حماد بن زيد كقوله: \"يدنو من خلقه كيف شاء\"، ثم أخذ الأشعري تمام ذلك عن أصحاب الإمام أحمد لما قدم بغداد، وإن كان زكريا بن يحيى وطبقته هم أيضًا من أصحاب أحمد كذلك، وقد ذكر أبو عبد الله بن بطة في إبانته الكبرى عن زكريا بن يحيى الساجي جمل مقالات أهل السنة، وهي تشبه ما ذكره الأشعري في مقالاته، وكان الساجي شيخ الأشعري الذي أخذ عنه الفقه والحديث والسنة، وكذلك ذكر أصحابه) (٢) اهـ.\nوسبق نقل كلام أبي علي الأهوازي أن الأشعري ألفه ببغداد بعدما خرج من عند الإمام البربهاري.\n_________\n(١) حاشية ٧١٤.\n(٢) نقض التأسيس (ص١٢٣).","vol":"1","page":726},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>الفصل الرابع\nبيان مخالفة متأخري الأشاعري للأشعري ولكبار أصحابه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>تمهيد</span>\nمع كل ما سبق بيانه وتقريره، فلا بد أن يُعلم أيضًا أن ابن كلاب، والأشعري، وكبار أصحابه كأبي الحسن الطبري، وأبي عبد الله بن مجاهد الباهلي، ثم من بعدهم كأبي بكر الباقلاني وأبي إسحاق الإسفرائيني، لم يختلف قولهم في إثبات الصفات الخبرية لله تعالى التي في القرآن كالوجه، واليدين، والعينين، والاستواء، ونحوها، وإبطال قول من نفاها وتأولها، ولم يُنقل عنهم غير ذلك، وليس لهم فيها قولان، وهذه كتبهم موجودة، ليس فيها حرف من تأويلها أو ذكر القولين، ومن قال غير ذلك فقد وهم، وإنما أدخل هذا في مذهبه متأخروا الأشاعرة كأبي المعالي الجويني والرازي وأبي حامد ونحوهم.\nقال أبو العباس أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ صاحب كتاب \"اللوامع في الجمع بين الصحاح والجوامع\" في بيان مسألة الاستواء","vol":"1","page":727},{"text":"من تأليفه: (ورأيت هؤلاء الجهمية -يشير إلى متأخري الأشاعرة- ينتمون في نفي العرش، وتعطيل الاستواء إلى أبي الحسن الأشعري، وما هذا بأول باطل ادعوه، وكذب تعاطوه، فقد قرأت في كتابه الموسوم بـ\"الإبانة عن أصول الديانة\" أدلة من جملة ما ذكر على إثبات الاستواء، وقال في جملة ذلك: ومن دعاء أهل الإسلام جميعًا إذا رغبوا إلى الله تعالى في الأمر النازل بهم، يقولون جميعًا: يا ساكن العرش) ثم قال: (ومن حَلِفِهم جميعًا قولهم: لا والذي احتجب بسبع سماوات) (١) اهـ.\nوسبق أيضًا قول ابن درباس، والآلوسي في ذلك.\nبل وسبق نقل نصوص الأشعري، وابن كلاب في إثبات هذه الصفات لله تعالى، وإبطال تأويلها، وأنا أنقل هنا بعض نصوص أئمة أصحابه في إثباتها، والمنع من تأويلها:\n_________\n(١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض التأسيس (ص٨٧ - ٨٨) وابن درباس في \"رسالة الذب عن أبي الحسن الأشعري\" (ص١١١).","vol":"1","page":728},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-139>المبحث الأول\nنصوص أئمة أصحاب الأشعري في إثبات الصفات لله تعالى والمنع من تأويلها</span>\nوأنا أنقل هنا بعض نصوص أئمة أصحابه في إثباتها، والمنع من تأويلها\n- أبو الحسن علي بن مهدي الطبري\nقال الذهبي في \"العلو\" نقلًا عنه: قال الإمام أبو الحسن علي بن مهدي الطبري تلميذ الأشعري في كتاب \"مشكل الآيات\" له في باب قوله ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥: (اعلم أن الله في السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه، بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي، بمعنى علا في الجو فوجد فوق رأسي، فالقديم ﷻ عالٍ على عرشه، يدلك على أنه في السماء عال على عرشه قوله ﴿أأمنتم من في السماء﴾ الملك١٦،","vol":"1","page":730},{"text":"وقوله ﴿يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي﴾ آل عمران٥٥، وقوله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر١٠، وقوله ﴿ثم يعرج إليه﴾ السجدة٥.\nوزعم البلخي أن استواء الله على العرش هو الاستيلاء عليه، مأخوذ من قول العرب: استوى بشر على العراق، أي استولى عليها، وقال: إن العرش يكون الملك، فيقال له: ما أنكرت أن يكون عرش الرحمن جسمًا خلقه، وأمر ملائكته بحمله؟ قال ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ الحاقة١٧، وأمية يقول:\nمجدوا الله فهو للمجد أهل ... ربنا في السماء أمسى كبيرا\nبالبناء الأعلى الذي سبق الناس ... وسوى فوق السماء سريرا\nقال: مما يدل على أن الاستواء ههنا ليس بالاستيلاء أنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه، إذ هو مستول على العرش، وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته، فبان بذلك فساد قوله.\nثم يقال له أيضًا: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان على كذا، أي استولى، إذا تمكن منه بعد أن لم يكن متمكنًا، فلما كان الباري ﷿ لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكنًا لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء. ثم ذكر ما حدثه نفطويه عن داود بن علي عن ابن الأعرابي","vol":"1","page":731},{"text":"-وقد مر- ثم قال: فإن قيل: ما تقولون في قوله ﴿أأمنتم من في السماء﴾ الملك١٦؟ قيل له: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش، كما قال ﴿فسيحوا في الأرض﴾ التوبة٢، بمعنى: على الأرض، وقال ﴿لأصلبنكم في جذوع النخل﴾ طه٧١، فكذلك ﴿أأمنتم من في السماء﴾ الملك١٦. فإن قيل: فما تقولون في قوله ﴿وهو الله في السموات وفي الأرض﴾ الأنعام٣؟ قيل له: إن بعض القراء يجعل الوقف في ﴿السموات﴾، ثم يبتدىء ﴿وفي الأرض يعلم﴾ وكيفما كان فلو أن قائلًا قال: فلان بالشام والعراق ملك، لدل على أن ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما) إلى أن قال: (وإنما أمرنا الله برفع أيدينا قاصدين إليه برفعها نحو العرش الذي هو مستو عليه) (١) اهـ.\nقلت: فانظر إلى حكايته عن المعتزلة القول بأن العرش: الملك، ثم انظر إلى ما قاله عبد القاهر البغدادي في الاستواء: (والصحيح عندنا تأويل العرش في هذه الآية على معنى الملك) (٢) اهـ.\nوانظر أيضًا إبطاله لتفسير الملك بالاستيلاء والقهر، وجعل هذا من أقوال الجهمية، ثم انظر إلى ما قال أبو المعالي الجويني:\n_________\n(١) أورده الذهبي في العلو (ص٢٣١) ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٣٥).\n(٢) أصول الدين (ص١١٣).","vol":"1","page":732},{"text":"(لم يمتنع منا حمل الاستواء على القهر والغلبة) (١) اهـ.\n\n- القاضي أبو بكر محمد بن الطيب البصري الباقلاني\nقال في كتاب \"الإنصاف\": (فنص تعالى على إثبات أسمائه وصفات ذاته، وأخبر أنه ذو الوجه الباقي بعد تقضي الماضيات، كما قال ﷿: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ القصص٨٨، وقال: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ الرحمن٢٧، واليدين اللتين نطق بإثباتهما له القرآن في قوله ﷿: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة٦٤، المائدة٦٤،وقوله: ﴿ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، وأنهما ليستا جارحتين، ولا ذوي صورة وهيئة، والعينين اللتين أفصح بإثباتهما من صفاته القرآن، وتواترت بذلك أخبار الرسول ﵇، فقال ﷿: ﴿ولتصنع على عيني﴾ طه٣٩ و﴿تجري بأعيننا﴾ القمر١٤، وأن عينه ليست بحاسة من الحواس، ولا تشبه الجوارح والأجناس) (٢) اهـ.\nوقال الذهبي في \"العلو\": (قال القاضي أبو بكر محمد بن الطيب البصري الباقلاني الذي ليس في المتكلمين الأشعرية أفضل منه مطلقًا في كتاب \"الإبانة\" من تأليفه: فإن قيل فما الدليل\n_________\n(١) االإرشاد (ص٤٠).\n(٢) الإنصاف (ص٢٤).","vol":"1","page":733},{"text":"على أن لله وجهًا؟ قيل: قوله ﴿ويبقى وجه ربك﴾ الرحمن٢٧، وقوله ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ص٧٥، فأثبت لنفسه وجهًا ويدًا.\nفإن قيل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إذ كنتم لا تعقلون وجهًا ويدًا إلا جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا، كما لا يجب في كل شيء كان قديمًا بذاته أن يكون جوهرًا، لأنا وإياكم لم نجد قديمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك.\nوكذلك الجواب لهم إن قالوا: فيجب أن يكون علمه وحياته وكلامه وسمعه وبصره وسائر صفات ذاته عرضًا واعتلوا بالوجود. فإن قيل: فهل تقولون إنه في كل مكان؟ قيل: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه، كما أخبر في كتابه فقال ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه٥، وقال ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر١٠، وقال ﴿أأمنتم من في السماء﴾ الملك١٦.\nقال: ولو كان في كل مكان لكان في بطن الإنسان وفمه وفي الحشوش، ولوجب أن يزيد بزيادة الأمكنة إذا خلق منها ما لم يكن، ويصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض، وإلى خلفنا ويميننا وشمالنا، وهذا قد أجمع المسلمون على خلافه، وتخطئة قائله. إلى أن قال: وصفات ذاته التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها: الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإرادة والوجه واليدان والعينان والغضب والرضا.","vol":"1","page":734},{"text":"وقال مثل هذا القول في كتاب \"التمهيد\" له.\nوقال في كتاب \"الذب عن أبي الحسن الأشعري\" كذلك: قولنا في جميع المروي عن رسول الله في صفات الله إذا صح من إثبات اليدين والوجه والعينين، ونقول: إنه يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام، وإنه ينزل إلى السماء الدنيا كما في الحديث، وإنه مستو على عرشه). إلى أن قال: (وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف، ولا تحديد، ولا تجنيس، ولا تصوير، كما روي عن الزهري وعن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا فقد تعدى وابتدع وضل.\nقلت -أي الذهبي معلقًا-: فهذا النفس نفس هذا الإمام، وأين مثله في تبحره وذكائه وبصره بالملل والنحل، فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف، ولا يعرفون إلا السلب، ونفي الصفات وردها، صم بكم غتم عجم، يدعون إلى العقل ولا يكونون على النقل) (١) اهـ.\nوقد قال الذهبي في بيان التغير الذي طرأ على الأشعرية لما\n_________\n(١) العلو (ص٢٣٧) والسير (١٧/ ٥٥٨) ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٩٨ - ٩٩).","vol":"1","page":735},{"text":"نقل كلام أبي الحسن الأشعري في الإبانة: (فلو انتهى أصحابنا المتكلمون إلى مقالة أبي الحسن هذه، ولزموها، لأحسنوا، ولكنهم خاضوا كخوض حكماء الأوائل في الأشياء، ومشوا خلف المنطق فلا قوة إلا بالله) (١) اهـ.\n_________\n(١) العلو (ص٢٢٢).","vol":"1","page":736},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-140>المبحث الثاني\nبيان بطلان أن يكون للأشعري قولان في الصفات وبيان خطأ من حكى عنه ذلك</span>","vol":"1","page":737},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أبو المعالي الجويني ونحوه ممن انتسب إلى الأشعري، ذكروا في كتبهم من الحجج العقليات النافية للصفات الخبرية ما لم يذكره ابن كلاب والأشعري وأئمة أصحابهما، كالقاضي أبي بكر بن الطيب وأمثاله، فإن هؤلاء متفقون على إثبات الصفات الخبرية، كالوجه واليد والاستواء، وليس للأشعري في ذلك قولان، بل لم يتنازع الناقلون لمذهبه نفسه في أنه يثبت الصفات الخبرية التي في القرآن، وليس في كتبه المعروفة إلا إثبات هذه الصفات، وإبطال قول من نفاها وتأول النصوص، وقد رد في كتبه على المعتزلة الذين ينفون صفة اليد والوجه والاستواء، ويتأولون ذلك بالاستيلاء، ما هو معروف في كتبه لمن يتبعه، ولم ينقل عنه أحد نقيض ذلك، ولا نقل أحد عنه في تأويل هذه الصفات قولين.\nولكن لأتباعه فيها قولان، فأما هو وأئمة أصحابه فمذهبهم إثبات هذه الصفات الخبرية، وإبطال ما ينفيها من الحجج العقلية، وإبطال تأويل نصوصها.\nوأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات موافقة للمعتزلة والجهمية، ثم لهم قولان: أحدهما تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي كما ذكره في الإرشاد، والثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي، كما ذكره في الرسالة النظامية، وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن","vol":"1","page":738},{"text":"التأويل ليس بسائغ ولا واجب، ثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات، ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي لا على إثباتها، ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي.\nوأبو حامد تارة يثبت الصفات العقلية متابعة للأشعري وأصحابه، وتارة ينفيها أو يردها إلى العلم، موافقة للمتفلسفة، وتارة يقف، وهو آخر أحواله، ثم يعتصم بالسنة ويشتغل بالحديث وعلى ذلك مات) (١) اهـ.\n_________\n(١) درء التعارض (٥/ ٢٤٨).","vol":"1","page":739},{"text":"الفصل الخامس\nإبطال دعوى الأشاعرة أنهم أكثر الأمة\n\nلقد تكررت دعوى الأشاعرة بأنهم أكثر الأمة، وأصبح يتناقلها الكثير منهم في كتبهم ومحاضراتهم، يغرون بها الجهال ممن لا علم لهم بحقيقة الأمر.\nقال الأشعريان (ص٢٤٨): (ومذهب الأشاعرة ومن وافقهم من أهل السنة الذي عليه سواد الأمة، وأكابر أهل الفضل فيها) اهـ.\nوقالا (ص٣١): (هذا المذهب الذي يدين به تسعة أعشار أمة الإسلام، وسوادها الأعظم وعلماؤها ودهماؤها) اهـ.\nولا ريب أنها دعوى مجردة عن الدليل، ويكذبها الواقع التاريخي، ويكفي في إبطالها ما سبق تفصيله في بيان مذهب السلف وطريقهم وبيان مخالفة الأشعرية له، وخروجهم عنه.\nوجميع من نقلنا نصوصهم في هذا الكتاب بدءًا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة ﵃، ومن لم ننقل عنهم من السلف، جميعهم مخالفون للأشاعرة في أصول الاعتقاد،","vol":"1","page":741},{"text":"ومبطلون لأقوالهم ومذهبهم، فضلًا عمن نقلنا عنهم الطعن في الأشاعرة، والتتصيص على خروجهم عن السنة والطريق.\nوحسبك من ذكرهم ابن القيم في \"اجتماع الجيوش الإسلامية\"، والذهبي في \"العلو\" من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة والعلماء، ممن نصوا في مسألة علو الله تعالى بنفسه على خلقه بما يخالف مذهب الأشاعرة، وهي واحدة من مسائل الاعتقاد، فكيف إذا أضيف لهم من نصوا في بقية مسائل الاعتقاد بما يخالف مذهب الأشاعرة؟.","vol":"1","page":742},{"text":"فهل يمكن بعد ذلك أن يُدّعى أن الأشاعرة هم أكثر الأمة، وهم مخالفون للقرون المفضلة الأولى؟!!\nوإذا كان أبو الحسن الأشعري إنما ولد سنة ٢٦٠هـ، وقيل: ٢٧٠هـ، فما الذي كانت عليه الأمة قبله؟ أفتراها كانت على عقيدة الأشعري الذي لم يكن شيئًا مذكورا كما يزعم هؤلاء؟!!\nأم أن العقيدة كانت خافية عليهم، حتى ظهر أبو الحسن الأشعري فأيقظ الأمة من سباتها؟","vol":"1","page":743},{"text":"فإن قال قائل: إن الأشعري لم يأت بشيء جديد، ولكنه أبان أمورًا وأوضحها في رده على المعتزلة حتى كشف عوارهم، وهذا سبب الانتساب إليه، لكونه صار علمًا على السنة في مقابل المعتزلة.\nفالجواب أن هذا بلا ريب بعيد عن التحقيق، فضلًا عن الواقع والتاريخ، إذ أن ظهور المعتزلة كان متقدمًا على ظهور الأشعري بأكثر من قرن ونصف من الزمان، فضلًا عن الجهمية التي كانت أسبق ظهورًا من المعتزلة. ومن المعلوم أن ظهور هاتين الفرقتين قد جوبه برد عنيف من السلف والأئمة، الذين أنكروا عليهم أعظم النكير، وحكموا بضلالهم، بل وكفر الجهمية منهم، فقام أئمة السنة ابتداءًا من الحسن البصري وإلى عصر الأشعري بالرد على شبهاتهم، وكشف عوارهم. وكتب السنة طافحة بآثار السلف في النكير على الجهمية والمعتزلة والرد على ما ابتدعوه، فانظر كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، وأصول اعتقاد السنة لللالكائي، والإبانة لابن بطة وغيرها كثير. وقد نقلنا في ثنايا هذا الكتاب كثيرًا من كلامهم.\nولم يكتف السلف بمقولة أو مقولتين، بل إنهم قد كتبوا الكتب وصنفوا المصنفات في الرد عليهم، ككتب \"الرد على الجهمية\" للإمام أحمد، وابنه عبد الله، وابن أبي حاتم، وابن قتيبة، والدارمي، والكناني، وابن منده، وأبي العباس السراج وغيرهم كثير، فضلًا عما تضمنته كتب السنة من أبواب الرد على الجهمية، كما فعله البخاري في صحيحه، وأبو داود في سننه، وغيرهما.","vol":"1","page":744},{"text":"ناهيك عن كتب السنة الأخرى، والتي أُلّفت لبيان معتقد السلف والرد على أهل البدع والمخالفين من أصناف المعطلة والمشبهة (١).\nوالمعلوم أن المعتزلة والجهمية قد قويت شوكتهم في أواخر القرن الثاني، لما تأثر بهم الخليفة المأمون، حتى حصلت تلك الفتنة العظيمة، التي امتُحن فيها العلماء، وأوذي فيها الإمام أحمد أذى عظيمًا، وهي فتنة القول بخلق القرآن، وقد تتابع على هذه الفتنة ثلاثة خلفاء: المأمون، والواثق، والمعتصم، وهذا قد ساهم كثيرًا في دفع عجلة السلف لكشف أباطيل هاتين الفرقتين، والجواب عن شبهاتهم، خشيةً من التباسها على الناس.\nومع كل هذه الردود من السلف والأئمة على الجهمية والمعتزلة، وما حصل من الفتنة بهم، فإننا لم نجد أحدًا من السلف قط يقرر ما قرره الأشعري في الاعتقاد، لا من حيث التأصيل والتقعيد، ولا من حيث الرد على المعتزلة والنكير، بل على العكس من ذلك: وجدنا نصوصهم صريحة في نقض أصوله الاعتقادية في أسماء الله وصفاته، كما سبق بيانه في الباب الأول، فضلًا عن سائر أبواب الاعتقاد كالإيمان والقدر والنبوات وغيرها من أبواب الاعتقاد التي لم نعرّج عليها في كتابنا هذا.\n_________\n(١) للمزيد في معرفة كتب السلف في الردود على الجهمية والمعتزلة انظر رسالة \"تاريخ تدوين العقيدة السلفية\" لعبد السلام بن برجس.","vol":"1","page":745},{"text":"ومن ظن أن السلف كانوا عاجزين عن البيان والتوضيح لأصول المعتقد، والرد على المخالفين كالجهمية والمعتزلة، وكشف عوارهم، والجواب على شبهاتهم، ونقض أصولهم، حتى أتى الأشعري فأبان عما لم يعلموه، ورد على المعتزلة بما لم يستطيعوه؟! فقد ظن بهم ظن السّوْء، ونسبهم إلى الجهل والعجز. وكفى به ضلالًا وخسرانًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>[قيام أهل الحديث بمن فيهم الخليفة ضد الأشعرية في القرنين الرابع والخامس]</span>\nومن المعلوم أن المسلمين كانوا على جادة السنة والطريق حتى ظهرت الفرق الكلامية، وحصلت الفتن وابتُلي المسلمون، فلما جاء أواخر القرن الرابع وأوائل الخامس وقويت شوكة","vol":"1","page":746},{"text":"الأشاعرة وغيرهم من أهل الكلام، انتهض السلفيون لدحر هذه الفتنة، وكشف زيفها وأباطيلها، حتى كتب الخليفة العباسي القادر بالله تلك العقيدة المعروفة بالقادرية والتي سبق أن ذكرنا طرفًا منها، وأمر أن يُرسل بها إلى أنحاء الدولة العباسية وأطراف الأمة الإسلامية.\nقال ابن كثير في أحداث سنة ٤٣٣هـ: (وفيها قرئ الاعتقاد القادري الذي جمعه الخليفة القادر، وأخذت خطوط العلماء والزهاد عليه بأنه اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فسق وكفر، وكان أول من كتب عليه الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني ثم كتب بعده العلماء، وقد سرده الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي بتمامه في منتظمه، وفيه جملة جيدة من اعتقاد السلف) (١) اهـ.\nوكان ممن وقّع عليه القاضي أبو يعلى كما سبق نقل كلام ابنه في الطبقات.\nوممن عمل بهذا الأمر من نشر العقيدة ودعوة الناس إليها أعظم ملوك الدولة الغزنوية وفاتح الهند العظيم محمود بن سبكتكين (٢)، وكان يحكم أكثر المشرق الإسلامي إلى الهند، فقد أمر بالسنة واتباعها، وأمر بلعن أهل البدع بأصنافهم على المنابر.\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٢/ ٤٩).\n(٢) أعظم سلاطين الدولة الغزنوية، حكم ما بين (٣٨٨ - ٤١٢هـ).","vol":"1","page":748},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (اعتمد محمود بن سبكتكين نحو هذا - من فعل القادر من نشر السنة وقمع البدعة - في مملكته، وزاد عليه بأن أمر بلعنة أهل البدع على المنابر، فلعنت الجهمية والرافضة والحلولية والمعتزلة والقدرية، ولعنت أيضًا الأشعرية ..) (١) اهـ.\nوقال أيضًا: (ولهذا اهتم كثير من الملوك والعلماء بأمر الإسلام وجهاد أعدائه حتى صاروا يلعنون الرافضة والجهمية وغيرهم على المنابر، حتى لعنوا كل طائفة رأوا فيها بدعة، فلعنوا الكلابية والأشعرية كما كان في مملكة الأمير محمود بن سبكتكين ..) (٢) اهـ.\nوقال الذهبي: (وامتثل ابن سبكتكين أمر القادر فبث السنة بممالكه، وتهدد بقتل الرافضة والإسماعيلية والقرامطة والمشبهة والجهمية والمعتزلة ولُعنوا على المنابر) (٣) اهـ.\nفانظر إلى هذه الانتهاضة في الإنكار على أهل البدع ومنهم الأشاعرة، ثم انظر إلى ما قاله الأشعريان (ص٢٥٢) عاكسَيْن للحال: (بل نزيد ونقول إنه لا يبعد أن يكون -أي ابن جرير- انتسب إليه - أي الأشعري - فيما لم يصلنا من كتبه، فقد ذكرت كتب التاريخ أنه انتهض لنصرة طريقة الإمام أبي الحسن والإمام أبي منصور جميع أهل السنة في العالم الإسلامي) اهـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>[أسباب انتشار المذهب الأشعري في القرنين السادس والسابع]</span>\nوأما أسباب انتشار العقيدة الأشعرية في القرون المتأخرة، فهو ما ذكره المقريزي في خططه حيث قال ما نصه:\n_________\n(١) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٣١ - ٣٣٢).\n(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٥).\n(٣) سير أعلام النبلاء (١٥/ ١٣٥).","vol":"1","page":749},{"text":"(فانتشر مذهب أبي الحسن الأشعريّ في العراق من نحو سنة ثمانين وثلاثمائة وانتقل منه إلى الشام، فلما ملك السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ديار مصر، كان هو وقاضيه صدر الدين عبد الملك بن عيسى بن درباس المارانيّ على هذا المذهب، قد نشآ عليه منذ كانا في خدمة السلطان الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي بدمشق، وحفظ صلاح الدين في صباه عقيدة ألفها له قطب الدين أبو المعالي مسعود بن محمد بن مسعود النيسابوري، وصار يحفظها صغار أولاده، فلذلك عقدوا الخناصر وشدّوا البنان على مذهب الأشعري، وحملوا في أيام مواليهم كافة الناس على التزامه، فتمادى الحال على ذلك جميع أيام الملوك من بني أيوب، ثم في أيام مواليهم الملوك من الأتراك، واتفق مع ذلك توجه أبي عبد الله محمد بن تومرت أحد رجالات المغرب إلى العراق، وأخذ عن أبي حامد الغزاليّ مذهب الأشعريّ، فلما عاد إلى بلاد المغرب وقّام في المصامدة يفقههم ويعلمهم، وضع لهم عقيدة لقفها عنه عامّتهم، ثم مات فخلفه بعد موته عبد المؤمن بن عليّ الميسيّ، وتلقب بأمير المؤمنين، وغلب على ممالك المغرب هو وأولاده من بعد مدّة سنين، وتسموا بالموحدين، فلذلك صارتّ دولة الموحدين ببلاد المغرب تستبيح دماء من خالف عقيدة ابن تومرت، إذ هو عندهم الإمام المعلوم، المهديّ المعصوم، فكم أراقوا بسبب ذلك من دماء","vol":"1","page":753},{"text":"خلائق لا يحصيها إلاّ الله خالقها ﷾، كما هو معروف في كتب التاريخ، فكان هذا هو السبب في اشتهار مذهب الأشعريّ وانتشاره في أمصار الإسلام، بحيث نُسي غيره من المذاهب، وجُهل حتى لم يبق اليوم مذهب يخالفه، إلاّ أن يكون مذهب الحنابلة أتباع الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل ﵁، فإنهم كانوا على ماكان عليه السلف، لايرون تأويل ماورد من الصفات، إلى أن كان بعد السبعمائة من سني الهجرة، اشتهر بدمشق وأعمالها تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحكم بن عبد السلام بن تيمية الحرّانيّ، فتصدّى للانتصار لمذهب السلف وبالغ في الردّ على مذهب الأشاعرة، وصدع بالنكير عليهم\nوعلى الرافضة، وعلى الصوفية ..) (١) اهـ.\nوكلام المقريزي هنا يبين وقت وسبب انتشار المذهب الأشعري، وأنه كان بسبب فرضه على الناس، إلى حد قد يصل في بعض الأحايين إلى القوة والقتل كما حصل من ابن تومرت لما حكم المغرب والأندلس. وحصل مثله لشيخ الإسلام ابن تيمية، فقد أوذي وسجن بسبب تبيينه لمنهج أهل السنة والرد على المخالفين.\n_________\n(١) الخطط (٤/ ١٩٢).","vol":"1","page":754},{"text":"وأما ما يتعلق بعوام المسلمين، فلا ريب أنهم إن تُركوا من غير تلقين فإنهم على الفطرة السليمة، وعلى اعتقاد السلف وأهل الحديث، لا يعرفون أصول الكلام، ولا تأويل الصفات، ولا شيئًا من ذلك. ولا يمكن لأحد أن يدّعي خلاف ذلك إلا مكابرةً.\nفلا يعرف العامي إلا أن الله في السماء على عرشه فوق خلقه، لا يعرف ما يقوله الأشاعرة من أنه ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق ولا تحت.\nولا يعرف العامي إلا أن الله يتكلم، وأنه كلم موسى فسمع موسى كلام الله، لا يعرف الكلام النفسي الذي هو: أمر ونهي وخبر واستخبار.\nولا يعرف العامي إلا أن الله يحب التوابين، ويبغض الكافرين، ويرضى عن الطائعين، ويسخط على العاصين، لا يعرف أن هذه الصفات كلها راجعة إلى الإرادة.\nولا يعرف العامي إلا أن الله أقدر العبد على الفعل، وجعل له إرادة لها تأثير فيه، لا يعرف الكسب الذي هو اقتران القدرة الحادثة بالقدرة القديمة، وأن الحادثة لا تأثير لها في الفعل البتة.\nوسل إن شأت جماعات المسلمين يخبروك بحقيقة الحال.","vol":"1","page":755},{"text":"فدعوى أن الأشعرية هو المذهب الذي يدين به عامة الأمة ودهماؤها، دعوى باطلة جملة وتفصيلًا.","vol":"1","page":756},{"text":"خلاصة الفصل:\nأولًا: أن أبا الحسن الأشعري قد رجع في آخر حياته إلى طريق أهل السنة، وترك ما كان عليه من مذهب ابن كلاب، وسطّر ذلك في كتبه الأخيرة.\nثانيًا: أن ابن كلاب والأشعري وكبار أصحابهما متفقون جميعًا على إثبات الصفات الخبرية التي في القرآن كالوجه واليدين والعينين والاستواء، فضلًا عن علو الله تعالى، وعلى إبطال تأويلها وإخراجها عن حقائقها، وأنه لم يُنقل عنهم فيها قولان البتة، ونصوصهم في كتبهم صريحة في هذا.\nثالثًا: مخالفة الأشاعرة المتأخرين لطريق ابن كلاب وللأشعري قبل رجوعه إلى أهل السنة، ومخالفون أيضًا لكبار أئمة الأشاعرة من أصحاب الأشعري، وأن المتأخرين قد أدخلوا على طريق ابن كلاب والأشعري بعض أصول المعتزلة ووافقوهم عليها، كتأويل الصفات الخبرية، وإنكار علو الله تعالى على خلقه واستواءه على عرشه.","vol":"1","page":757},{"text":"رابعًا: بطلان دعوى الأشعريين بأنهما متبعان للأشعري، وموافقان للسلف.\nخامسًا: بطلان كون الأشاعرة هم أكثر الأمة.","vol":"1","page":758},{"text":"خاتمة:\nبعد هذا البيان والتوضيح لمنهج أهل السنة والجماعة، ولمعتقد السلف الكرام، بات من الواضح لكل ذي عينين مخالفة الأشاعرة لمنهج أهل السنة والجماعة وتنكبهم عن طريقهم إلى طرق أهل الكلام، وطرق أهل الخوض في أسماء الله وصفاته بالعقول القاصرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>[بطلان تقسيم أهل السنة لثلاثة طوائف]</span>\nواتضح لنا الخطأ الذي يتكرر على ألسنة بعض الباحثين، بل وبعض المنتسبين إلى العلم من عد الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة، حتى قال بعضهم أن مصطلح أهل السنة والجماعة يشمل ثلاثة طوائف: أهل الحديث، والأشاعرة، والماتريدية.\nوهذا لعمري من الجمع بين النقيضين، إذ أن تقرير أهل الحديث لمسائل المعتقد، ومصادرهم تختلف عن مصادر المتكلمين وتقريرهم.\nفكيف يجتمع نكير السلف على أصحاب التأويل للصفات","vol":"1","page":759},{"text":"والمخرجين لنصوصها عن ظواهرها اللائقة بالله تعالى، مع تجويزه، بل مع وجوبه كما هو قول الأشاعرة في كثير من الصفات.\nأم كيف يجتمع سعي السلف في تأليف الكتب والمؤلفات التي تبطل التأويل وترد على أصحابه، مع تلك التي تدعو إلى التأويل وتجعله أصلًا في العقيدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>[أكثر تأويلات متأخري الأشاعرة هي عين تأويلات قدماء الجهمية]</span>\nوقد تبين لنا أيضًا مما سبق نقله أن كثيرًا من تأويلات الأشاعرة لكثير من صفات الله تعالى هي عين تأويلات الجهمية والمعتزلة التي تواتر عن السلف الإنكار على أصحابها والنهي عنهم والتحذير منهم. كتأويلهم للوجه واليدين والعينين والنزول والمجيء والضحك ونحوها من الصفات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>[التهويل بادعاء أن تضليل الأشعرية يستلزم تضليل الأمة]</span>\nوأما ما يمارسه بعض الناس من تهويلٍ يريد به إسكات أهل الحق عن رد الباطل وإنكاره، فتراه يقول: إن الحكم على الأشعرية بالضلال يستلزم تضليل الأمة وتسفيه علمائها الذين سلكوا هذه الطريقة عبر كثير من القرون، وما إلى ذلك من التهويلات. فهذا مردود عليه من وجوه:\nأولها: أن هذا الإلزام إن صح، فإنما يتوجه ابتداءًا على السلف والأئمة قبل أن يتوجه علينا، لأنهم أول من أنكر على من تأول الصفات، بل واشتد نكيرهم وتغليظهم في ذلك، حتى عدّوا كل من تأول صفة لله وصرفها عن ظاهرها من الجهمية، وقد مر معنا في ثنايا","vol":"1","page":760},{"text":"هذا الكتاب كثيرٌ من كلامهم، ومنها وصف الإمام أحمد لمن أنكر الحرف والصوت لله بالتجهم، وكذلك من تأول صفة الضحك لله، وغيرها كثير.\nفكيف نُلام على ما نحن متبعون فيه، ولا يلام غيرنا على ما هم مبتدعون فيه؟!!\nالوجه الثاني: أن الحكم على الأوصاف بالبدعة والضلالة لا يستلزم الحكم على الأشخاص، فقد يقع العبد في معصية، أو بدعة ونحو ذلك، ولا يكون في نفس الأمر عاصيًا، ولا مبتدعًا، وذلك إما لوجود مانع من إكراه وشبهة ونحو ذلك، أو لفقد شرط كعلم ونحوه.\nقال تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ الإسراء١٥.\nوقال عمرو بن العاص - ﵁ - سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) (١).\nفمن اجتهد في الوصول إلى الحق، وبذل وسعه متجردًا لله تعالى، مؤثرًا للحق على غيره، فلم يُصب، فهو مأجور على اجتهاده في طلب الحق.\n_________\n(١) رواه البخاري (٦/ ٢٦٧٦) ومسلم (١٧١٦).","vol":"1","page":761},{"text":"ولكنّ هذا لا يعني السكوت على خطئه، وترك الإنكار عليه. فالإنكار على المنكر واجب لعموم قوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ آل عمران١١٠.\nوقول النبي - ﷺ -: (من رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (١).\nوالمنكر: هو كل ما خالف الكتاب والسنة وهدي السلف. ومنه: تسليط سهام التأويل على صفات الله تعالى التي بيّنها لعباده، وأوضحها في كتابه، وسنة نبيه - ﷺ -.\nوليس مسلك التأويل في صفات الله تعالى من المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف، ولا يتوجه فيها الإنكار، إذ أنه مخالفٌ لإجماع الصحابة والسلف، الذين لم يصح عنهم حرف واحد في التأويل. وفي مقابله صحت آلاف النصوص التي تنهى عنه، وتحذر منه ومن أهله.\nوبهذا يتبين أن الواجب على أهل العلم بيان الواجب في صفات الله تعالى، والأمر باتباع نهج الصحابة والسلف الكرام، والنهي عن كل ما خالف ذلك، والإنكار على فاعله مهما كانت منزلته\n_________\n(١) رواه مسلم (٤٩).","vol":"1","page":762},{"text":"ومكانته، مع أنه قد يكون في نفس الأمر مجتهدًا لم يتبين له الحق، فيكون عذرًا له عند الله، بل مأجورًا عليه.\n\nولا يسعني في ختام هذه الرسالة إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل لكل من قام بمرجعتها والتقديم لها. كما أني أدعو مؤلفي كتاب (أهل السنة الأشاعرة) إلى الرجوع عما سطرته أيديهم فيه، والعكوف على كتب السلف قراءة ودراسة ليتبين لهما كثيرًا مما كان خافيًا عليهما.\nوالله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n\nكتبه/ أبو عثمان فيصل بن قزار الجاسم\nوتم الفراغ منه: في ٢٣ ذي القعدة ١٤٢٧هـ\nالموافق لـ ١٤ ديسمبر ٢٠٠٦م","vol":"1","page":763},{"text":"المراجع\n١ - رسالة السجزي إلى أهل زبيد. دار الراية/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٤هـ. ت: محمد باكريم.\n٢ - سنن أبي داود. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٦هـ. ت: محمد الخالدي.\n٣ - التوحيد لابن خزيمة. دار الكتب العلمية/ بيروت. ١٤١٢هـ. ت: محمد خليل هراس.\n٤ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ. ت: كمال الحوت.\n٥ - المعجم الأوسط للطبراني. دار الحرمين/ القاهرة. ط ١٤١٥ هـ. ت: طارق بن عوض الله الحسيني.\n٦ - التوحيد لابن منده. مكتبة العلوم والحكم/ المدينة. الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ. ت: د/ على بن ناصر الفقيهي.\n٧ - المستدرك للحاكم. دار الكتب العلمية العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى١٤١١هـ. ت: مصطفى عبد القادر عطا.\n٨ - الأسماء والصفات للبيهقي. دار الكتب العلمية/ بيروت.\n٩ - صحيح الإمام مسلم. دار ابن حزم ومكتبة المعارف/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٦هـ.\n١٠ - مسند الإمام أحمد. مؤسسة قرطبة/ مصر.\n١١ - مسند أبي عوانة. دار المعرفة/بيروت.\n١٢ - مسند أبي يعلى. دار المأمون للتراث/ دمشق. الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ. ت: حسين سليم أسد.\n١٣ - مسند الشاشي. مكتبة العلوم والحكم/ المدينة النبوية. الطبعة الأولى ١٤١٠هـ. ت: د/محفوظ الرحمن زين الله.\n١٤ - معجم الطبراني الكبير. مكتبة العلوم والحكم/ الموصل. الطبعة الثانية ١٤٠٤هـ. ت: حمدي السلفي.\n١٥ - تفسير ابن جرير الطبري. دار الفكر/ بيروت. ١٤٠٥هـ.\n١٦ - الصفات للدارقطني ويليه أحاديث النزول. مكتبة ابن تيمية/ القاهرة. الطبعة الأولى ١٤٢٥هـ. ت: نشأت المصري.\n١٧ - الرد على الجهمية لابن منده. مكتبة الغرباء الأثرية/ المدينة. الطبعة الثالثة ١٤١٤هـ. ت: د/ على بن ناصر الفقيهي.\n١٨ - سنن الترمذي. دار إحياء التراث/ بيروت. ط ١٤١٥هـ. ت: أحمد شاكر\n١٩ - السنة لابن أبي عاصم. المكتب الإسلامي/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤٠٠هـ. ت: محمد ناصر الدين الألباني.","vol":"1","page":null},{"text":"٢٠ - السنة لعبد الله بن الإمام أحمد. رمادي للنشر/ الرياض. الطبعة الرابعة ١٤١٦هـ. ت: د/محمد بن سعيد القحطاني.\n٢١ - تفسير ابن أبي حاتم. مكتبة نزار مصطفى الباز. الطبعة الثانية ١٤١٩هـ. ت: أسعد الطيب.\n٢٢ - الكامل لابن عدي. دار الفكر/ بيروت. الطبعة الثالثة ١٤٠٩هـ. ت: يحيى غزاوي.\n٢٣ - معجم ابن الأعرابي. دار ابن الجوزي/ الدمام. الطبعة الأولى ١٤١٨هـ. ت: عبد المحسن الحسيني.\n٢٤ - الأحاديث المختارة للضياء المقدسي. مكتبة النهضة الحديثة/ مكة المكرمة. الطبعة الأولى ١٤١٠هـ. ت: عبد الملك بن عبد الله الدهيش.\n٢٥ - صحيح الإمام البخاري. دار ابن كثير. اليمامة/ بيروت. الطبعة الثالثة ١٤٠٧هـ. ت: د/مصطفى ديب البغا.\n٢٦ - ظلال الجنة للألباني. موجود مع السنة لابن أبي عاصم (انظر السنة).\n٢٧ - مسند الطيالسي. دار المعرفة/ بيروت.\n٢٨ - سنن ابن ماجه. دار إحياء التراث العربي/ بيروت. ١٣٩٥هـ. ت: محمد فؤاد عبد الباقي.\n٢٩ - الشريعة للآجري. جمعية إحياء التراث الإسلامي ومؤسسة الريان. الطبعة الأولى ١٤٢١هـ. ت: مكتب التحقيق بمؤسسة الريان.\n٣٠ - أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي. دار طيبة/ الرياض. الطبعة الثانية ١٤١١هـ. ت: د/أحمد سعد حمدان.\n٣١ - السلسلة الصحيحة للألباني. المكتب الأسلامي/ بيروت. الطبعة الرابعة ١٤٠٥هـ.\n٣٢ - مصنف ابن أبي شيبة. مكتبة الرشد/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ. ت: كما يوسف الحوت.\n٣٣ - الزهد لهناد بن السري. دار الخلفاء للكتاب الإسلامي/ الكويت. الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ. ت: عبد الرحمن الفريوائي.\n٣٤ - العلو للذهبي. مكتبة أضواء السلف/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٦هـ. ت: أشرف عبد المقصود.\n٣٥ - الطبقات الكبرى لابن سعد. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٠هـ. ت: محمد عبد القادر عطا.\n٣٦ - الرد على المريسي لعثمان بن سعيد الدارمي. مكتبة الرشد/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٨هـ. ت: د/ رشيد الألمعي.","vol":"1","page":null},{"text":"٣٩ - عقيدة السلف وأهل الحديث للصابوني. دار المنهاج/ القاهرة. الطبعة الأولى ١٤٢٣هـ. ت: أبي اليمين المنصوري.\n٤٠ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية.\n٤١ - بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية. مطبعة حكومة المملكة. الطبعة الأولى ١٣٩١هـ. ت: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم.\n٤٢ - الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية ومجانبة الفرق المذمومة لابن بطة. دار الراية/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٨هـ. ت: الوليد سيف النصر.\n٤٣ - إبطال التأويلات لأخبار الصفات للقاضي أبي يعلى الفراء. مكتبة دار الذهبي/ الكويت. الطبعة الولى ١٤١٠هـ. ت: محمد الحمود النجدي.\n٤٤ - الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم التيمي. دار الراية/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١١هـ. ت: محمد بن ربيع المدخلي.\n٤٥ - خلق أفعال العباد للبخاري. مكتبة التراث الإسلامي/ القاهرة. ت: أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني.\n٤٦ - درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية. الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ. ت: محمد رشاد سالم.\n٤٧ - طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى. دار المعرفة/ بيروت.\n٤٨ - ذم التأويل. الدار السلفية/ الكويت. الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ. ت: بدر البدر.\n٤٩ - اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم. مكتبة الرشد/ الرياض. الطبعة الرابعة ١٤٢٦هـ. ت: د/عبد الله عواد المعتق.\n٥٠ - نقض أساس التقديس لشيخ الإسلام ابن تيمية. مكتبة العلوم والحكم/ المدينة. الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ. ت: موسى الدويش.\n٥١ - الصواعق المرسلة. دار العاصمة/ الرياض. الطبعة الثالثة ١٤١٨هـ. ت: د/ علي الدخيل الله.\n٥٢ - سير أعلام النبلاء للذهبي. مؤسسة الرسالة/ بيروت. الطبعة التاسعة ١٤١٣هـ. ت: شعيب الأرنؤوط ومحمد العرقسوسي.\n٥٣ - التعرف لمذهب أهل التصوف. المكتبة الأزهرية للتراث/ القاهرة. الطبعة الثالثة ١٤١٢هـ. ت: محمود أمين النواوي.\n٥٤ - الاعتقاد للقاضي أبي يعلى.؟؟؟","vol":"1","page":null},{"text":"٥٥ - التمهيد لابن عبد البر. وزارة عموم الأوقاف/ المغرب. ط ١٣٨٧هـ. ت: مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري.\n٥٦ - عقائد أئمة السلف. دار الكتاب العربي/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٥هـ. ت: فواز زمرلي.\n٥٧ - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الخامسة ١٤١٧هـ.\n٥٨ - رسالة إلى أهل الثغر. مكتبة العلوم والحكم/ المدينة. الطبعة الثانية ١٤٢٢هـ. ت: عبد الله الجنيدي.\n٥٩ - مرقاة المفاتيح شرح المصابيح. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ. ت: جمال عيتاني.\n٦٠ - الإبانة لأبي الحسن الأشعري. مكتبة المؤيد/ الرياض. الطبعة الرابعة ١٤١٣هـ. ت: بشير محمد عيون.\n٦١ - مقالات الإسلاميين للأشعري. المكتبة العصرية/ بيروت. ١٤١٩هـ. ت: محمد محيي الدين عبد الحميد.\n٦٢ - مفتاح الجنة للسيوطي. الجامعة الإسلامية/ المدينة النبوية. الطبعة الثالثة ١٣٩٩هـ.\n٦٣ - الفوائد لتمام الرازي. مكتبة الرشد/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٢هـ. ت: حمدي السلفي.\n٦٥ - أصول السنة للإمام أحمد. دار المنار/ الخرج. الطبعة الأولى ١٤١١هـ.\n٦٧ - جزء رفع اليدين للبخاري (قرة العينين برفع اليدين في الصلاة). دار الأرقم/ الكويت. الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ. ت: أحمد الشريف\n٦٨ - السنن الكبرى للبيهقي. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٤هـ. ت: محمد عبد القادر عطا.\n٦٨ - الاستذكار لابن عبد البر. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ٢٠٠٠. ت: سالم محمد عطا وعلى محمد معوض.\n٦٩ - الاعتقاد للبيهقي. دار الفضيلة/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ. ت: أحمد أبو العينين.\n٧٠ - المعجم لابن المقرئ. مكتبة الرشد/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٩هـ. ت: عادل بن سعد.\n٧١ - مدارج السالكين شرح منازل السائرين لابن القيم. دار الكتاب العربي/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٠هـ. ت: محمد المعتصم بالله البغدادي.","vol":"1","page":null},{"text":"٧٢ - لسان العرب لابن منظور. دار صادر/ بيروت. الطبعة الثالثة ١٤١٤هـ.\n٧٣ - الرد على من يقول القرآن مخلوق لأبي بكر النجاد. مكتبة الصحابة/ الكويت. ط ١٤٠٠هـ. ت: رضا الله محمد إدريس.\n٧٥ - مختصر العلو للألباني. المكتب الإسلامي/ بيروت. الطبعة الثانية ١٤١٢هـ.\n٧٦ - الرد على الجهمية للدارمي. دار ابن الأثير/ الكويت. الطبعة الثانية ١٤١٦هـ. ت: بدر البدر.\n٧٧ - تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.\n٧٨ - شرح العقيدة الأصفهانية. مكتبة الرشد/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ. ت: سعيد بن نصر بن محمد.\n٧٩ - اعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلي؟؟؟؟\n٨٠ - خطط المقريزي (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار). مكتبة الثقافة الدينية/ القاهرة.\n٨١ - الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني لابن مهنا النفراوي المالكي. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٨هـ. ت: عبد الوارث محمد علي.\n٨٢ - أصول الدين عند أبي حنيفة للدكتور/محمد الخميس. دار الصميعي/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٦هـ.\n٨٣ - شرح الفقه الأكبر لملا على القاري. دار النفائس/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٧هـ. ت: مروان محمد الشعار.\n٨٤ - فضل علم السلف على علم الخلف. دار البشاير الإسلامية/ الكويت. الطبعة الثانية ١٤٢٤هـ. ت: محمد بن ناصر العجمي.\n٨٥ - الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة لابن قتيبة. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ.\n٨٦ - مختار الصحاح للرازي. مكتبة لبنان ناشرون/بيروت. ١٤١٥هـ. ت: محمود خاطر.\n٨٧ - لمعة الاعتقاد لابن قدامة في مجموع (إثبات صفة العلو ولمعة الاعتقاد وذم التأويل). دار ابن الأثير/ الكويت. الطبعة الثانية ١٤١٦هـ. ت: بدر البدر.\n٨٨ - إثبات صفة العلو لابن قدامة في مجموع (إثبات صفة العلو ولمعة الاعتقاد وذم التأويل). دار ابن الأثير/ الكويت. الطبعة الثانية ١٤١٦هـ. ت: بدر البدر.","vol":"1","page":null},{"text":"٨٩ - الرسالة النظامية لأبي المعالي الجويني. دار سبيل الرشاد ودار النفائس. الطبعة الأوى ١٤٢٤هـ. ت: د/ محمد الزبيدي.\n٩٠ - أصول الدين لعبد القاهرالبغدادي. دار الكتب العلمية/ بيروت. طبعة مصورة عن الطبعة الأولى في مطبعة الحكومة/ استانبول ١٣٦٤هـ.\n٩١ - الإرشاد لأبي المعالي الجويني. مكتبة الخانجي/ القاهرة. الطبعة الثالثة ١٤٢٢هـ. ت: د/ محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد.\n٩٢ - الملل والنحل للشهرستاني. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الثانية ١٤١٣هـ. ت: أحمد فهمي محمد.\n٩٣ - شرح جوهرة التوحيد للبيجوري. دار السلام/ القاهرة. الطبعة الثالثة ١٤٢٧هـ. ت: علي جمعة.\n٩٤ - الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي. دار ومكتبة الهلال/ بيروت. الطبعة الأولى ١٩٩٣. ت: د/ علي بو ملحم.\n٩٥ - نهاية الإقدام على علم الكلام للشهرستاني. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤٢٥هـ. ت: محمد حسن إسماعيل.\n٩٦ - اختيار الأولى في شرح اختصام الملأ الأعلى لابن رجب، ضمن \"الجامع المنتخب من رسائل الحافظ ابن رجب\". الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ. ت: محمد العمري.\n٩٧ - شرح الفقه الأكبر للدكتور محمد الخميس. دار المسلم/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٤هـ.\n٩٨ - الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم. دار الراية/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١١هـ. ت: د/باسم الجوابرة.\n٩٩ - مسند الحارث (زوائد الهيثمي). مركز خدمة السنة/ المدينة النبوية. الطبعة الأولى ١٤١٣هـ. ت: د/حسين الباكري.\n١٠٠ - مسند الروياني. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٧هـ. ت: صلاح عويضة.\n١٠١ - فضل الله الصمد شرح الأدب المفرد لفضل الله الجيلاني. الصف ببلشرز/ باكستان. ١٣٧٨هـ.\n١٠٢ - الترغيب والترهيب للمنذري. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٧هـ. ت: إبراهيم شمس الدين.\n١٠٣ - فوائد أبي ذر الهروي. مكتبة الرشد/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٨هـ.","vol":"1","page":null},{"text":"١٠٤ - معجم الصحابة لأبي الحسين. مكتبة الغرباء الأثرية/ المدينة. الطبعة الأولى ١٤١٨هـ. ت: صلاح المصراتي.\n١٠٥ - الرحلة في طلب الحديث للخطيب. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٣٩٥هـ. ت: نور الدين عتر.\n١٠٦ - تعظيم قدر الصلاة للمروزي. مكتبة الدار/ المدينة. الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ. ت: د/ عبد الرحمن الفريوائي.\n١٠٧ - تغليق التعليق لابن حجر. المكتب الإسلامي/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤٠٥هـ. ت: سعيد القزقي.\n١٠٨ - الإنصاف للباقلاني. مكتبة الخانجي/ القاهرة. الطبعة الرابعة ١٤٢١هـ. ت: محمد زاهد الكوثري.\n١٠٩ - كبرى اليقينيات الكونية للبوطي. دار الفكر المعاصر/ بيروت. الطبعة الخامسة والعشرين ١٤٢٦هـ.\n١١٠ - سنن الدارمي. دار الكتاب العربي/ بيروت الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ. ت: فواز زمرلي وخالد السبع.\n١١١ - عمل اليوم والليلة للنسائي. مؤسسة الرسالة/ بيروت. الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ. ت: د/فاروق حمادة.\n١١٢ - السنن الكبرى للنسائي. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤١١هـ. ت: د/ عبد الغفار البذاري وسيد الكسروي\n١١٣ - مجمع الزوائد. دار الكتب العلمية/ بيروت. ١٤٠٨هـ.\n١١٤ - غرائب مالك لابن المظفر. دار الغرب الإسلامي/ المغرب. الطبعة الأولى ١٩٩٨م. ت: طه بن علي بن سريح.\n١١٥ - مسند الطيالسي. دار المعرفة/ بيروت.\n١١٦ - الأربعين في دلائل التوحيد لأبي إسماعيل الهروي. لا يوجد اسم دار النشر. الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ. ت: د/ علي بن ناصر الفقيهي.\n١١٧ - إرواء الغليل للألباني. المكتب الإسلامي/ بيروت. الطبعة الثانية ١٤٠٥هـ.\n١١٨ - تقريب التهذيب لابن حجر. دار العاصمة/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٦هـ. ت: أبو الأشبال الباكستاني.\n١١٩ - تفسير عبد الرزاق. مكتبة الرشد/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٠هـ. ت: د/مصطفى مسلم.\n١٢٠ - العظمة لأبي الشيخ. دار العاصمة/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ. ت: رضا الله المباركفوري.","vol":"1","page":null},{"text":"١٢١ - العرش لمحمد بن عثمان بن أبي شيبة. مكتبة المعلا/ الكويت. الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ. ت: محمد بن حمد الحمود.\n١٢٢ - تاريخ بغداد للخطيب. دار الكتب العلمية/ بيروت.\n١٢٣ - تاريخ ابن معين برواية الدوري. مركز البحث العلمي/ مكة المكرمة. الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ. ت: د/ أحمد محمد نور سيف.\n١٢٤ - تهذيب اللغة للأزهري. الدار المصرية للتأليف والترجمة. ١٣٨٤هـ.\n١٢٥ - حلية الأولياء لأبي نعيم الأصفهاني. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة\n١٢٦ - تهذيب التهذيب لابن حجر. دار صادر/ بيروت. ١٣٢٥هـ.\n١٢٧ - الدعاء للطبراني. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٣هـ. ت: مصطفى عبد القادر عطا.\n١٢٨ - الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع للخطيب. مكتبة المعارف/ الرياض. ١٤٠٣هـ. ت: د/ محمود الطحان.\n١٢٩ - المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة لعبد الإله الأحمدي. دار طيبة/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٢هـ.\n١٣٠ - المطالب العالية لابن حجر. دار العاصمة/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٩هـ. ت: د/ سعد الشثري.\n١٣١ - الزهد لأحمد بن حنبل. دار الريان/ القاهرة. الطبعة الثانية ١٤٠٨هـ. ت: عبد العلي حامد.\n١٣٢ - العزلة للخطابي. المطبعة السلفية/ القاهرة. الطبعة الثانية ١٣٩٩هـ. ت:\n١٣٣ - الزهد لابن المبارك. دار الكتب العلمية/ بيروت. ت: حبيب الرحمن الأعظمي.\n١٣٤ - تفسير ابن كثير. دار الفكر/ بيروت. ١٤٠١هـ.\n١٣٥ - مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم. مكتبة الرياض الحديثة.\n١٣٦ - الآثار الواردة عن أئمة السنة في أبواب الاعتقاد لجمال بشير بادي. دار الوطن/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٦هـ.\n١٣٧ - ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي. دار المعرفة/ بيروت. ت: علي محمد البجاوي.\n١٣٨ - لسان الميزان لابن حجر. مكتبة العلوم والحكم/ المدينة. الطبعة الأولى.","vol":"1","page":null},{"text":"١٣٩ - الكشف الحثيث لابن سبط ابن العجمي. مكتبة عالم الكتب/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ. ت: صبحي السامرائي.\n١٤٠ - تخريج الأحاديث والآثار للزيلعي. دار ابن خزيمة/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٤هـ. ت: سلطان بن فهد الطبيشي.\n١٤١ - أعلام السنن للخطابي. جامعة أم القرى/ مكة المكرمة. الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ. ت: د/ محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود.\n١٤٢ - فتح الباري لابن حجر. دار الريان للتراث/ القاهرة. الطبعة الثانية ١٤٠٩هـ. ت: محب الدين الخطيب.\n١٤٣ - صريح السنة للطبري. مكتبة أهل الأثر/ الكويت. الطبعة الثانية ١٤٢٦هـ. ت: بدر المعتوق.\n١٤٤ - تبيين كذب المفتري لابن عساكر. دار الجيل/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٦هـ. ت: د/أحمد السقا.\n١٤٥ - شرح السنة للبغوي. المكتب الإسلامي/ بيروت. الطبعة الثانية ١٤٠٣هـ. ت: زهير الشاويش وشعيب الأرنؤوط.\n١٤٦ - معالم التنزيل للبغوي (تفسير البغوي). دار المعرفة/ بيروت. الطبعة الثانية ١٤٠٧هـ. ت: خالد العك ومروان سوار.\n١٤٧ - البداية والنهاية لابن كثير. مكتبة المعارف/ بيروت. الطبعة الثانية ١٩٧٧.\n١٤٨ - الانتقاء في فضائل الإئمة الثلاثة لابن عبد البر. مكتب المطبوعات الإسلامية/ حلب. الطبعة الأولى ١٤١٧هـ. ت: عبد الفتاح أبو غدة.\n١٤٩ - جامع بيان العلم وفضله. دار ابن الجوزي/ الدمام. الطبعة الثالثة ١٤١٨هـ. ت: أبو الأشبال الزهيري.\n١٥٠ - حاشية ابن القيم على تهذيب السنن. مكتبة السنة وابن تيمية/ القاهرة. ت: محمد حامد الفقي.\n١٥١ - الضعفاء للعقيلي. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ. ت: د/ عبد المعطي أمين قلعجي.\n١٥٢ - الفتاوى الكبرى لابن تيمية. دار المعرفة/ لبنان.\n١٥٤ - رسالة الذب عن أبي الحسن الأشعري لابن درباس (مطبوعة مع الأربعين في دلائل التوحيد لأبي إسماعيل الهروي). الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ. ت: د/ على بن ناصر الفقيهي.","vol":"1","page":null},{"text":"١٥٥ - إتحاف السادة المتقين للمرتضى الزبيدي. دار الفكر/ بيروت.\n١٥٦ - مسند الجعد. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الثانية ١٤١٧هـ. ت: عامر أحمد حيدر.\n١٥٧ - السنة للخلال. دار الراية/ الرياض. الطبعة الثانية ١٤١٥هـ. ت: د/ عطية الزهراني.\n١٥٨ - شرح مذاهب أهل السنة (الكتاب اللطيف في شرح مذاهب أهل السنة) لابن شاهين. مكتبة الغرباء الأثرية/ المدينة. الطبعة الأولى ١٤١٦هـ. ت: عبد الله البصيري.\n١٥٩ - زاد المسير لابن الجوزي. المكتب الإسلامي/ بيروت. الطبعة الرابعة ١٤٠٧هـ.\n١٦٠ - روح المعاني للألوسي. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤١٥هـ.\n١٦١ - تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة. دار الكتب العلمية/بيروت. الطبعة الثالثة ١٤٠١هـ.\n١٦٢ - بيان تلبيس المفتري محمد زاهد الكوثري لأحمد بن الصديق الغماري. دار الصميعي/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٣هـ. ت: على حسن عبد الحميد.\n١٦٣ - براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة (مطبوعة ضمن مجلد الردود) للشيخ بكر أبو زيد. دار العاصمة/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤١٤هـ.\n١٦٤ - ذم الكلام وأهله لشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي الأنصاري. مكتبة الغرباء الأثرية/ المدينة. الطبعة الأولى ١٤١٩هـ. ت: عبد الله بن محمد الأنصاري.\n١٦٥ - كتاب العرش للذهبي. دار أضواء السلف/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤٢٠هـ. ت: د/محمد بن خليفة التميمي.\n١٦٦ - منهج الحافظ ابن رجب في العقيدة لعلي الشبل. دار الصميعي/الرياض.\n١٦٧ - علاقة الإثبات والتفويض لرضا بن نعسان معطي. دار الهجرة/ الرياض. الطبعة السادسة ١٤١٦هـ.\n١٦٨ - غريب الحديث لأبي عبيد. دار الكتاب العربي/ بيروت. الطبعة الأولى ١٣٩٦هـ. ت: د/محمد خان.\n١٦٩ - جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب. مؤسسة الرسالة/ بيروت. الطبعة الثالثة ١٤١٢هـ. ت: شعيب الأرنؤوط وإبراهيم باجس.","vol":"1","page":null},{"text":"١٧٠ - مواقف التفتازاني الاعتقادية في كتابه \"شرح العقائد النسفية\" دراسة وتعليقًا على ضوء عقيدة السلف الصالح. رسالة دكتوراة لمحمد محمدي النورستاني [مطبوع على الآلة الكاتبة].\n١٧١ - منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد بن عبد اللطيف بن محمد نور. مكتبة الغرباء الأثرية/ المدينة. الطبعة الأولى ١٤١٦هـ.\n١٧٢ - تفسير الجلالين لجلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي. دار السلام. الطبعة الثانية ١٤٢٢هـ. تعليق: صفي الرحمن المباركفوري.\n١٧٣ - حاشية الدسوقي على أم البراهين للسنوسي. دار إحياء التراث العربية.\n١٧٤ - شرح مشكل الآثار للطحاوي. مؤسسة الرسالة. الطبعة الأولى ١٤١٥هـ. ت: شعيب الأرنؤوط.\n١٧٥ - شرح العقائد النسفية للتفتازاني.؟؟؟\n١٧٦ - شرح السنة للبربهاري. دار السلف/ الرياض. الطبعة الثانية ١٤١٨هـ. ت: خالد الردادي.\n١٧٧ - تاريخ تدوين العقيدة السلفية لعبد السلام بن برجس. دار الصميعي/ الرياض. الطبعة الأولى ١٤٢٦هـ.\n١٧٨ - شرح عقيدة ابن أبي زيد القيرواني في كتبه الرسالة للقاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي. دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث/ الإمارات. الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ. ت: د/أحمد محمد نور سيف.\n١٧٩ - كتاب الاعتقاد (عقيدة مروية عن الإمام أبي حنيفة) لأبي العلاء صاعد بن محمد. دار الكتب العلمية/ بيروت. الطبعة الأولى ١٤٢٦هـ. ت: د/سيد باغجوان.\n١٨٠ - جلاء العينين في محاكمة الأحمدين لابن الألوسي البغدادي. مطبعة المدني/ القاهرة.\n١٨١ - الإيضاح في أصول الدين لأبي الحسن بن الزاغوني. نشر مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. الطبعة الأولى ١٤٢٤هـ. ت: عصام السيد محمود.\n١٨٢ - الفِصَل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم الظاهري. دار المعرفة/ بيروت. الطبعة الثانية ١٣٩٥هـ.","vol":"1","page":null},{"text":"١٨٣ - طبقات الفقهاء الشافعيين لابن كثير. مكتبة الثقافة الدينية/ القاهرة. ط ١٤١٣هـ. ت: د/أحمد عمر هاشم ود/ محمد زينهم.\n١٨٤ - الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة للحافظ ابن حجر. أم القرى للطباعة والنشر/ القاهرة. ت: محمد سيد جاد الحق.\n١٨٥ - صيد الخاطر لابن الجوزي. دار اليقين للنشر والتوزيع/ المنصورة. الطبعة الثالثة ١٤١٩هـ. ت: د/ عبد الرحمن البر.\n١٨٦ - غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب للألوسي.","vol":"1","page":null}]}