{"ً":{"ٌ":147,"ٍ":"من شرح بلوغ المرام للطريفي","َ":6,"ُ":3,"ّ":"الكتاب: قطعة من شرح الشيخ عبد العزيز الطريفي لبلوغ المرام فرغها بعض المهتمين\nالمؤلف: عبد العزيز بن مرزوق الطّريفي\nعدد الصفحات: ٨٤\n[الكتاب مرقم آليا]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":494,"ٕ":7,"ٖ":1780758455,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"هو الطهور الماؤه، الحل ميتته","level":1,"page":16},{"title":"إن الماء طهور لا ينجسه شيء","level":1,"page":27},{"title":"إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه، ولونه","level":1,"page":29},{"title":"الماء طاهر إلا إن تغير ريحه، أو طعمه، أو لونه؛ بنجاسة تحدث فيه","level":1,"page":33},{"title":"إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث","level":1,"page":33},{"title":"لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب","level":1,"page":39},{"title":"أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة","level":1,"page":44},{"title":"كان يغتسل بفضل ميمونة ﵂","level":1,"page":51},{"title":"إن الماء لا يجنب","level":1,"page":54},{"title":"طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب","level":1,"page":55},{"title":"إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم","level":1,"page":65},{"title":"جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد","level":1,"page":72},{"title":"أحلت لنا ميتتان ودمان","level":1,"page":75},{"title":"إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء","level":1,"page":79},{"title":"ما قطع من البهيمة وهي حيه فهو ميت","level":1,"page":83}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,28":28,"1,29":29,"1,30":30,"1,31":31,"1,32":32,"1,33":33,"1,34":34,"1,35":35,"1,36":36,"1,37":37,"1,38":38,"1,39":39,"1,40":40,"1,41":41,"1,42":42,"1,43":43,"1,44":44,"1,45":45,"1,46":46,"1,47":47,"1,48":48,"1,49":49,"1,50":50,"1,51":51,"1,52":52,"1,53":53,"1,54":54,"1,55":55,"1,56":56,"1,57":57,"1,58":58,"1,59":59,"1,60":60,"1,61":61,"1,62":62,"1,63":63,"1,64":64,"1,65":65,"1,66":66,"1,67":67,"1,68":68,"1,69":69,"1,70":70,"1,71":71,"1,72":72,"1,73":73,"1,74":74,"1,75":75,"1,76":76,"1,77":77,"1,78":78,"1,79":79,"1,80":80,"1,81":81,"1,82":82,"1,83":83,"1,84":84},"ٜ":{"1":[1,84]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84"],"ٞ":{"1":[1],"16":[2],"27":[3],"29":[4],"33":[5,6],"39":[7],"44":[8],"51":[9],"54":[10],"55":[11],"65":[12],"72":[13],"75":[14],"79":[15],"83":[16]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح\nبلوغ المرام\nاشرف على تفريغه وإخراجه\nحمود المطيري وفقه الله ومن أعانه\n\nبسم الله الرحمن الرحيم\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله، اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:","vol":"1","page":1},{"text":"فإن دراسة السنة من أهم العلوم وأفضلها وأشرفها عند الله ﷾، وإن من أعظم ما يتقرب به المتقربون إلى الله ﷾ ويسعى إليه الساعون هو طلب أحاديث النبي - ﷺ -، وكذلك العناية بصحيحها وسقيمها، فإن سنة النبي - ﷺ - وحي من الله ﷾، أوحاه إلى نبيه - ﷺ - بواسطة جبريل وهي قرينة للقرآن من جهة الاحتجاج، ولذا فإنه قد أجمع أهل السنة على أن سنة النبي - ﷺ - وحي من الله ﷾، وقد قال الله جل وعلا في كتابه العظيم، ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾، وهذا بيان من الله ﷾ على أن سنة النبي - ﷺ - وحي من الله جل وعلا، وعلى هذا أهل العلم وكذلك صنيعهم دل على ذلك في مصنفاتهم، فالإمام البخاري عليه رحمة الله قد عقد أول كتاب في صحيحه: (كتاب بدء الوحي)، إشارة إلى أن ما يليه من هذا الكتاب إنما هو وحي من الله تعالى على نبيه - ﷺ -، ولذا قال مشيرًا إلى ذلك في كتاب التوحيد من صحيحه: (باب ذكر النبي - ﷺ - وروايته عن ربه)، وهذا محل اتفاق عند أهل العلم أيضًا فقد أخرج الدارمي في سننه وأبو داود في كتاب المراسيل والخطيب في الكفاية والفقيه والمتفقه وابن عبد البر في كتابه الجامع والمروزي في كتاب السنة عن الأوزاعي عن حسان قال: كان جبريل ينزل على النبي - ﷺ - في السنّة كما ينزل عليه بالقرآن.","vol":"1","page":2},{"text":"وقد أخرج الخطيب في كتابه الكفاية عن أحمد بن زيد بن هارون قال: إنما هو صالح عن صالح وصالح عن تابع وتابع عن صاحب وصاحب عن رسول الله - ﷺ - ورسول الله عن جبريل وجبريل عن الله ﷿، أي فهذه شريعة الله ﷾ من كتاب وسنة، إنما يرويها حتى وصلت إلينا صالح عن صالح وصالح عن تابع وتابع عن صاحب وصاحب عن رسول الله - ﷺ - ورسول الله - ﷺ - عن جبريل وجبريل عن الله ﷿، فلا يقف شيء من وحي الله ﷾ عند أحد من هؤلاء دون الله ﷾ والنبي - ﷺ - فيما يقوله ويفعله، كله وحي من الله جل وعلا، فالنبي - ﷺ - إذا سئل في شيء من شرع الله ﷾ وكان لديه وحي من الله تعالى سابق أخبر به، وإن لم يكن لديه وحي من الله جل وعلا فإنه حينئذٍ ينتظر خبر السماء ولا يتكلم من دون الله ﷾.","vol":"1","page":3},{"text":"وقد جاء عن النبي - ﷺ - في ذلك أخبار تبين وقوف النبي - ﷺ - وعدم كلامه من تلقاء نفسه، ومن ذلك ما أخرج الشيخان من حديث إسماعيل عن ابن جريج عن عطاء عن صفوان بن أميه عن أبيه أنه كان يقول لعمر بن الخطاب - ﵁ -: ليتني أرى نبي الله - ﷺ - حين ينزل عليه الوحي، قال: فلما كان النبي - ﷺ - بالجعرانة، وعلى النبي - ﷺ - ثوب قد أظل به عليه مع إناس من أصحابه فيهم عمر، إذ جاءه رجل عليه جبة صوف متضمخ بطيب، فقال: يا رسول الله! كيف ترى في رجل قد أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب؟ قال: فنظر إليه النبي - ﷺ - ساعة ثم سكت، فجاءه الوحي ولم يكن حينئذٍ لدى النبي - ﷺ - علمًا من الله جل وعلا ووحي سابق، فأشار عمر بيديه إلى يعلى بن أميه أن تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا النبي - ﷺ - محمر الوجه يغط ساعة ثم سرّيَ عنه، فقال: «أين الذي سألني عن العمرة؟»، فالتُمِس الرجل فجيء به، فقال النبي - ﷺ -: «أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك»، فهذا النبي - ﷺ - لما جاءه ذلك الرجل الذي قد تلبس بعمرة، جاءه ولم يكن لديه علم عما تلبس به، فإنه قد لبس المخيط وهي: الجبة وتضمخ بطيب وهما من محظورات الإحرام، فسأل النبي - ﷺ - عن ذلك ولم يكن لدى النبي - ﷺ - وحي من الله جل وعلا سابق، فانتظر الوحي الذي جاءه به جبريل ﵇، والنبي - ﷺ - قد أخبر أن أخباره وأقواله وأحكامه التي يقولها ويفعلها من أمر ونهي أو فعل وترك ونحو ذلك إنما هي وحي من الله ﷾ بل هي من كتاب الله جل وعلا، فالله ﷾ قد قرن طاعة نبيه","vol":"1","page":4},{"text":"- ﷺ - بطاعته في غير ما موضع من كتابه ﷾، بل أخبر أن من يعصي رسول الله - ﷺ - إنما يعصي الله جل وعلا، أخرج الشيخان قالا: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني قال: جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، قال: فقام خصمه الأعرابي الآخر، فقال: صدق يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، فقال ذلك الأعرابي: إن ابني كان عسيفًا على هذا - يعني أجيرًا يرعى له غنمه - فزنى بامرأته، فقالوا لي على ابنك الرجم، قال: ففديت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فقالوا إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام، فقال النبي - ﷺ -: «لأقضينَّ بينكما بكتاب الله، أما الوليدة والغنم فردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، وأما أنت يا أنيس، فاغدُ إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها»، فغدا أنيس إليها فرجمها.","vol":"1","page":5},{"text":"ومن تأمل أحكام النبي - ﷺ - لهذا الأعرابي وخصمه فإنه يجد النبي - ﷺ - قد حكم أحكامًا ليست في القرآن الكريم بنصها، وإنما هي من النبي - ﷺ - من وحي الله جل وعلا، الذي هو يعد من سنة النبي - ﷺ - التي هي قرينة القرآن الكريم من جهة الاحتجاج، فالنبي - ﷺ - حكم عليه بأن الغنم والوليدة رد عليه؛ لأنها ليست من حكم الله ﷾، وكذلك قد حكم على ابنه جلد مائة، والجلد قد ثبت في كتاب الله ﷾ في سورة النور في قوله جل وعلا: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾، وكذلك قد حكم على ابنه بأن يجلد مائة جلدة ويغرّب عام، وتغريب العام أيضًا هو ليس مما نُص عليه في كتاب الله ﷾، وإنما هو من سنة النبي - ﷺ - مع أن النبي - ﷺ - قال: «لأقضين بينكما»، وهذا قَسَمٌ منه - ﷺ -: «لأقضين بينكما بكتاب الله»، وحكم بأن يجلد مائة جلدة ويغرّب عام، وذلك يدل على أن أحكام النبي - ﷺ - قرينة لكتاب الله ﷾، الذي هو القرآن الكريم من جهة الاحتجاج.","vol":"1","page":6},{"text":"والنبي - ﷺ - قد أخبر في غير ما موضع أن سنته وما يرد عنه - ﷺ - من قول أو فعل أنها قرينة لكتاب الله ﷾ يحرم ردها ويحرم الإعراض عنها لقول أحد من الناس، بل أخبر الله ﷾ في كتابه العظيم أن عدم توقير أقوال النبي - ﷺ - إيذان بإحباط العمل، وقد قال الله جل وعلا في سورة الحجرات: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون﴾، فإحباط العمل هنا ليس من الذي تسبب فيه الكفر، فمعلوم أن الكفر بالله ﷾ يحبط العمل، ولكن هنا من يرفع صوته عند النبي - ﷺ - قد يكونون هم من أهل الإيمان وارتكبوا هذه المعصية، التي ربما تشعر بعدم إجلال لأقوال النبي - ﷺ -، ورفع الصوت عند أقوال النبي - ﷺ - سواء كان في حياته أو بعد مماته عند سماعها ممن يتحدث بها الحكم واحد، فإن ذلك مظنة حبوط العمل والعياذ بالله، وإن لم يكن كفرًا، فما الظن إذًا بمن قدم على قول رسول الله ﷺ ونهجه وهديه قول غيره ونهجه وهديه، أليس هذا قد حبط عمله من غير ان يشعر..!!.\nأخرج الشيخان من طريق صالح عن بن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة عن أبيها الصديق قال: لست تاركا شيئا كان رسول الله ﷺ يعمل به إلا عملت به إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ.\nوهذا الصديق يخاف إن ترك السنة أن يزيغ فماذا عسى أن يكون من وقت وزمان أضحى أهله يستهزئون بنبيهم وبأوامره ونهيه، ويتنافسون في مخالفته، بل ويسخرون من نهجه..\nوقد أجمع المسلمون على أن من ظهر له من السنة شيء لم يحل له أن يدعها لقول أحد كان.","vol":"1","page":7},{"text":"وإذا علم هذا علم عظمة التعبد بالعناية بالوحي وكذلك الاعتناء بما يرد عن النبي - ﷺ - والتعبد بما فيه، وإذا علم أن سنة النبي - ﷺ - وحي من الله جل وعلا، فإنه حينئذٍ يعلم شرف ذلك العلم وفضله عند الله ﷾.\nوقد كان السلف الصالح عليهم رحمة الله كثيرًا ما يعتنون بمعرفة أحكام النبي - ﷺ - وأحواله، وكذلك فإن مجالس الذكر إنما هي مجالس الحلال والحرام ليست هي مجالس القصاص ونحوها، إنما هي مجالس الحلال والحرام، معرفة الفقه ومعرفة أحكام القرآن وتفسيره ونحو ذلك، فقد أخرج أبو نعيم في كتابه الحلية من حديث أبي عبد الملك قال: حدثنا يزيد بن سمرة أبو هزان قال: سمعت عطاء الخرساني يقول: مجالس الذكر هي مجالس الحلال والحرام.\nوقد أخرج أيضًا أبو نعيم من حديث يحيى بن كثير قال: تعلّم الفقه صلاة، ودراسة القرآن صلاة.\nفإذن إذا علم أن سنة النبي - ﷺ - وحي من الله ﷾ فإنه يُعلم شرف ذلك العلم وعظمة الأجر عند الله ﷾ لمن تتبع سنة النبي - ﷺ - وتفقه فيها، وسعى في حفظها وفي معرفة صحيحها من سقيمها، والذب عنها، وهذا من أرفع الدرجات عند الله لمن رزق الاخلاص والنية الصالحة، وقد قال يحي بن يحي النيسابوري: الذب عن السنة أفضل من الجهاد في سبيل الله. قيل له: الرجل ينفق ماله ويتعب نفسه ويجاهد، فهذا أفضل منه؟، قال: نعم بكثير..\nوقد قال ابو عبيد القاسم بن سلام: المتبع للسنة كالقابض على الجمر، وهو عندي اليوم أفضل من الضرب بالسيوف في سبيل.\nوهذا يدل على فضل الجهاد كما يدل على فضل السنة حيث وقع التفضيل بينهما لعلو شأنهما في الاسلام.","vol":"1","page":8},{"text":"ونحن في هذه الدرس وما يتبعه من مجالس نشرح كتابًا من أعظم وأنفع الكتب في باب الأحكام، وهو كتاب: (بلوغ المرام للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني عليه رحمة الله)، وكتابه بلوغ المرام من أنفع كتب الأحكام فقد جمع عليه رحمة الله مجموعة من أحاديث النبي - ﷺ - من كثير من كتب السنة، منها الصحيح ومنها ما هو دون ذلك؛ لأنه عليه رحمة الله قصد أن يجمع ما يستدل به أصحاب المذاهب على أقوالهم التي يستدلون بها في أبواب الفقه، فجمع الأحاديث ورتبها على الأبواب، فكان قليل النظير في بابه بل هو من أنفس كتب الأحكام التي صنفها أهل العلم في كتب الأحكام من الأئمة المتأخرين عليهم رحمة الله.\nقول الحافظ ابن حجر في مقدمته: (بسم الله الرحمن الرحيم....إلخ)\nوالمصنف عليه رحمة الله في كتابه بلوغ المرام قد ابتدأ في المقدمة بالبسملة، ويقال للفظ: (بسم الله..) بسمله اختصارًا، ويقال لمن قال: (بسم الله) بسمل أو مبسمل قال عمر بن ابي ربيعة:\nلقد بسملت ليلى غداة لقيتها *** فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل.\nوابتداء الحافظ بالبسملة هو اقتداء بالكتاب العزيز، وبما جاء عن النبي - ﷺ - من التسمية من فعله - ﷺ - في كثير من أحواله كالمكاتبات وغيرها، وقد جاء عنه - ﷺ - الأمر بالتسمية إلا أنه لا يثبت، فقد رواه الخطيب في جامعه من حديث مبشر بن اسماعيل عن الأوزاعي عن الزهري عن ابي سلمة عن ابي هريرة مرفوعا: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع) .","vol":"1","page":9},{"text":"وهو خبر منكر بل موضوع، أعله الحفاظ كالإمام أحمد والدارقطني والصحيح فيه أنه مرسل وبغير لفظ البسمله وهو منكر أيضًا، وهم فيه مبشر بن إسماعيل فرواه بلفظ البسملة وقد رواه جماعة كالوليد بن مسلم وبقية وخارجه بن مصعب وشعيب بن إسحاق ومحمد بن كثير والمعافى بن عمران وعبد القدوس وغيرهم عن الاوزاعي بلفظ: (كل أمر ذي بال لا يبدأ بالحمد لله..) والصحيح في هذا اللفظ الارسال، ووهم من عزاه بلفظ البسملة للسنن كالزيلعي والعراقي والسيوطي وغيرهم، وتساهل بعض المتأخرين فحسنه كالسيوطي وهو من المتساهلين جدا في تقوية الأخبار الضعيفة والواهية، ويقلد في هذا الباب كثيرًا.\nإذا فالأمر بالبسملة في الخبر السابق لا يثبت، إلا أنه ثابت عن النبي - ﷺ - من فعله في المكاتبات، فقد أخرج الشيخان البخاري ومسلم من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس عن أبي سفيان عليهما رضوان الله تعالى أنه قال: كتب النبي - ﷺ - إلى هرقل: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم»، وهذا ثابت عنه - ﷺ - من فعله.\nوالابتداء بالبسملة قد جاء عن النبي - ﷺ - في مواضع عدة الحث بالابتداء بها، فقد جاء عنه في ذلك أحوال عدة من الحث على التسمية في ابتداء الأمور سواء في ابتداء الأفعال أو في ابتداء المكتوب أو في ابتداء بعض العبادات، منها:\nأن يبتدأ بالبسملة كاملة (بسم الله الرحمن الرحيم)، فقد جاء عن النبي - ﷺ - ذلك في مواضع عدة: منها ابتداء القراءة قبل الفاتحة بعد تكبيرة الإحرام بالبسملة، كما أخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان عن سعيد بن أبي الهلال عن نعيم المجمر: صليت وراء أبي هريرة فقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم ...) الخبر، وفيه قال أبو هريرة والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":10},{"text":"ومثله الابتداء بها عند القراءة مطلقًا وفي ابتداء المكتوب وفي ذلك احاديث وأثار صحيحة\n* وكذلك من الأحوال أن يبتدأ عمله بالبسملة بـ (بسم الله) من غير إضافة (الرحمن الرحيم)، جاء عن النبي - ﷺ - في أحوال منها ما أخرجه الإمام مسلم من حديث الوليد بن كثير عن وهب بن كيسان عن عمر بن أبي سلمة أنه أكل مع النبي - ﷺ - فقال له النبي - ﷺ -: «قل بسم الله، وكل بيمينك»، وجاء في التسمية عند الطعام نصوص أخرى بذكر التسمية تامة\n* وكذلك قد جاء عنه - ﷺ - حالة ثالثة هي التسمية من غير اضافة لفظ: (الرحمن الرحيم) مع زيادة شيء آخر، منها ما جاء عن النبي - ﷺ - في وضع الميت بالقبر، وأن يقول: «بسم الله وعلى ملة رسول الله»، كما أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما من حديث شعبة عن قتادة عن أبي الصديق عن عبد الله بن عمر، وكذلك ما جاء في الصحيحين من حديث منصور عن سالم بن أبي الجعد عن كريب عن عبد الله بن عباس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا ...» الخبر، كما جاء عنه - ﷺ -.\nوحالة رابعة وهي مجيء لفظ الخبر عن النبي ﷺ بلفظ: (ذكر الله) من غير تصريح.","vol":"1","page":11},{"text":"والسنة في ذلك لزوم ما جاءت به الاحاديث الصحيحة وعدم الزيادة عليها ففي الأحوال التي ثبت فيها الخبر عنه ﵊ القول ببسم الله الرحمن الرحيم تامة لا يتحصل العمل وامتثال السنة إلا بذكرها تامة وإن اقتصر في تلك الأحوال على بسم الله فحسب لا يتحصل له امتثال السنة وفي الأحوال التي ثبت الاقتصار فيها على لفظ بسم الله فالامتثال في تلك الاحوال لزوم قول بسم الله فحسب وقد قال شيخ الاسلام ابن تيمية: يقول عند الأكل بسم الله الرحمن الرحيم كاملا فإنه أكمل بخلاف الذبح.\nوأما الأحوال التي ثبت فيها النص بذكر بسم الله مع زيادة إضافة لفظ آخر غير لفظ الرحمن الرحيم فالامتثال فيها قول بسم الله مع تلك الزيادة ومن اراد الزيادة بعد بسم الله بلفظ الرحمن الرحيم ثم ذكر الاضافة الاخرى الثابتة بالنص لم يكن ممتثلا، لان هذه أذكار وأدعية الاولى الوقوف عليها كما جاءت.\nوأما الأحوال التي ثبت فيها ذكر اسم الله من غير التصريح ببسم الله الرحمن الرحيم أو ببسم الله فحسب فهو مخير بذكر البسملة تامة وهو الاولى أو الاقتصار على قول بسم الله.","vol":"1","page":12},{"text":"وقد أجمع أهل العلم على مشروعية التسمية كما جاء عن النبي - ﷺ -، إلا أن أهل العلم اختلفوا في ابتداء الشعر بالبسملة، فقد روي عن بعض السلف من التابعين وغيرهم كراهية التسمية في ابتداء الشعر ونحو ذلك، ومن ذلك ما أخرجه الخطيب البغدادي في كتاب الجامع من حديث جنادة بن سلم وهو من ولد جابر بن سمرة عن مجالد بن سعيد عن الشعبي قال: أجمعوا ألا يكتبوا أمام الشعر (بسم الله الرحمن الرحيم)، وقد أخرجه الخطيب البغدادي من طريق آخر من حديث حفص بن غياث عن مجالد عن الشعبي، قال: كانوا يكرهون أن يكتبوا أمام الأشعار (بسم الله الرحمن الرحيم)، وهذا القول قد قال به أيضًا غير عامر بن شراحيل الشعبي، فقد روي أيضًا عن الزهري عليه رحمة الله، كما أخرجه الخطيب البغدادي في كتابه الجامع أيضًا من حديث عبد العزيز بن عمران الزهري عن ابن أخي ابن شهاب عن عمه قال: مضت السنة ألا يكتب في الشعر (بسم الله الرحمن الرحيم)، إلا أن هذا القول لا يثبت عن عامر بن شراحيل الشعبي؛ لأن في إسناده مجالد بن سعيد وهو ضعيف، والذي عليه المحققون من أهل العلم وقد ذهب إليه عامة المتأخرين أن ابتداء الشعر سواءً كان في تصنيف أو في قول أن ذلك من السنة ولا يخرجه من ذلك شيء يثبت عن الرسول - ﷺ -.\nوقد روي ذلك عن سعيد بن جبير وغيره من التابعين كما روى الخطيب البغدادي أيضًا من حديث محمد بن مصعب عن جبلة بن أبي سليمان قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: لا يصلح كتاب إلا أوله (بسم الله الرحمن الرحيم) وإن كان شعرًا، فهذا يدل على مشروعية ابتداء التسمية في جميع الأعمال، وأن ذلك هو السنة لا يستثنى من ذلك شيء، فإن النبي - ﷺ - لم يستثن من ذلك شيئًا - ﷺ -.\nوقد صنف اهل العلم في البسملة واحكامها مصنفات منهم الحافظ ابن عبد البر فله جزء فيها، وابن الصبان وهو من المتاخرين.","vol":"1","page":13},{"text":"والمصنف الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله في كتابه بلوغ المرام قد وقع له اصطلاحات وقد نص عليها في مقدمته، فقد ذكر أنه إذا قال أخرجه السبعة أنه يريد بذلك: أصحاب الكتب الستة والإمام أحمد عليهم رحمة الله، وإذا قال أخرجه الأربعة فإنهم: أصحاب السنن، وكذلك الستة هم: البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة، ثم ذكر بقية ما وضعه من اصطلاحات، بعضها يعتبر خاص به عليه رحمة الله، فاصطلاحات الحافظ ابن حجر في كتاب بلوغ المرام هنا اصطلاحات ينبغي لطالب العلم معرفتها قبل أن يبتدأ في بلوغ المرام، فإن مما ينبغي لطالب العلم أن يعرف اصطلاحات أهل العلم في مصنفاتهم لكي لا يقع في توهيم أهل العلم وتخطئتهم من غير بينة، فإن لكل عالم من أهل العلم شيء من الاصطلاحات في كتابه إما أن يذكرها في مقدمته، وإما أن تعلم بالسبر والنظر لذلك الكتاب الذي صنفه، فإنه حينئذٍ يستخلص ويستخرج اصطلاحات من كتابه ذلك.\nفالحافظ ابن حجر عليه رحمة الله مثلًا في قوله: (متفق عليه) هنا أي أنه أخرجه البخاري ومسلم، مع أنه يوجد عند بعض أهل العلم من أمثال هذا الاصطلاح يعد غير ما أراد به الحافظ بن حجر البخاري ومسلم فحسب، فمثلًا صاحب المنتقى المجد ابن تيمية عليه رحمة الله إذا قال: (متفق عليه) فإنه يريد به أخرجه البخاري ومسلم والإمام أحمد.","vol":"1","page":14},{"text":"وكذلك فإن أبا نعيم الأصبهاني عليه رحمة الله في كتابه حلية الأولياء له شيء من الاصطلاحات في ذلك، فإنه عليه رحمة الله إذا أطلق (متفق عليه)؛ فإنه لا يريد به في كثير من الأحيان أنه أخرجه البخاري ومسلم، وإنما يريد به أنه توفرت فيه شروط الصحة، فإنه قد أطلق هذه الكلمة (متفق عليه) في كتابه حلية الأولياء، في أحاديث ليست بنادرة أو بالقليلة، ووجدت أنها ليست في البخاري ولا مسلم عليهما رحمة الله، أو توجد في أحد الصحيحين وليست في الآخر، وهذا يدل على أن له اصطلاح غير ما اصطلح عليه بعض أهل العلم، وأخذه عمن اصطلح عليه عامة المتأخرين، فمثلًا الحافظ أبو نعيم عليه رحمة الله يورد بعض الأحاديث ويقول (متفق عليه) وليست هي في البخاري ومسلم أصلًا، منها ما أخرجه أبو نعيم في كتابه الحلية من حديث سفيان عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين»، قال أبو نعيم عليه رحمة الله بعد إخراجه لهذا الخبر قال: صحيح متفق عليه، وهذا الخبر ليس في الصحيحين ولا في أحدهما، فإن المصنف عليه رحمة الله أراد بذلك أنه توفرت فيه شروط الصحة، وقال هذه الكلمة في غير ما خبر، منها ما أخرجه أيضًا من طريق أبي داود الطيالسي عن سفيان عن أبي إسحاق عن البراء، قال: كان النبي - ﷺ - إذا قدم من سفر قال: «آيبون تائبون لربنا حامدون»، وهذا ليس في الصحيحين ولا في أحدهما، وإنما مراد المؤلف عليه رحمة الله في أمثال هذه المواضع أن هذه الأحاديث قد توفرت فيها شروط الصحة التي اشترطها أهل العلم، ومراده أن ذلك أعلى درجات الصحة عنده عليه ﵀.","vol":"1","page":15},{"text":"إذًا فينبغي على طالب العلم أن يعلم اصطلاحات أهل العلم في مصنفاتهم، ليكون على بينة من أحكامهم، ولكي لا يقع في شيء من الخطأ في فهم مراد الحفاظ عليهم رحمة الله.\n١- عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - في البحر: <span data-type=\"title\" id=toc-2>«هو الطهور الماؤه، الحل ميتته» </span>. أخرجه الأربعة، وابن أبي شيبة واللفظ له، وصححه ابن خزيمة والترمذي.\nالحديث الأول الذي أورده المصنف عليه رحمة الله هو حديث أبي هريرة - ﵁ - وهو ما يسميه أهل العلم بحديث البحر.\nقوله عليه رحمة الله: (كتاب الطهارة):\nالكتاب أصل كلمة: كتب، والمراد بها الجمع، يقال \" تكتب بنو فلان \"، إذا تجمعوا؛ وسميت الكتيبة كتيبة لاجتماع أفرادها بعضهم مع بعض، وكذلك يسمى الكتاب كتابًا لاجتماع أوراقه والتصاقها بعضها مع بعض، وكذلك يسمى المكتوب مكتوبًا لاجتماع الحروف في ذلك المكتوب، وإن كانت ورقة واحدة فإنها تسمى كتابًا إذا كان مكتوب فيها، ولا تسمى الورقة الواحدة كتابًا حتى يكتب فيها، فإن المراد بالكتب هنا الجمع، كما قال الشاعر:\nلا تأمنن فزاريًا خلوت به ......على قلوصك واكتبها بأسيارِ\nقوله عليه رحة الله: (الطهارة):\nوالطهارة في لغة العرب تطلق على: النَظافة والنزاهة طَهر الثوب من القذر، يعني: تنظيف. وتنزه منه\nوفي اصطلاح الشارع تطلقُ على معنيين\nالأول: معنوي، وهو طهارة القلب من الشِّرك في عبادة الله، والبغضاء لعباد الله المؤمنين، وهي اهم من طهارة البدن وأولى بالعناية والملاحظة والتدارك\nالثَّاني: حسي، وهي ارتفاع الحدث، وما في معناه، وزوال الخَبث.\nقوله عليه رحمة الله: (باب المياه):","vol":"1","page":16},{"text":"المراد بالباب هنا هو: ما يخرج منه ويدخل منه، وهذا معلوم في لغة العرب، وأهل العلم قد اصطلحوا على هذه المسميات: (الكتاب والباب)، على أنها في الغالب عند أهل العلم أن (الكتاب) هو: ما يجمع أبوابًا من مسائل العلم أو من أحاديث النبي - ﷺ -، ومنها قول المصنف عليه رحمة الله (كتاب الطهارة)، أراد بالكتاب هنا: الجمع، أي جامع لأحاديث الطهارة وأخبارها التي جاءت عن النبي - ﷺ - أو أصحابه عليهم رضوان الله تعالى.\nوإيراد المصنف عليه رحمة الله لهذا الخبر خبر أبي هريرة - هو أول حديث في هذا الباب - أراد به بيان طهورية ماء البحر، وأن ماء البحر إذا كان طاهرًا فإن غيره أولى منه، وقد جعل أهل العلم هذا الخبر من أصول الطهارة في الشريعة.\nوهذا الخبر قد أخرجه كما ذكر المصنف الإمام أحمد وأصحاب السنن، وكذلك قد أخرجه مالك وابن خزيمة وابن حبان والحاكم في المستدرك والبيهقي في السنن، وكذلك قد رواه جماعة من أهل العلم، كلهم رووه من حديث صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمه عن المغيرة بن أبي بردة أنه سمع أبا هريرة - ﵁ - قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإذا توضأنا به عطشنا! أفنتوضأ به؟، فقال - ﷺ -: «هو الطهور مائه الحل ميتته» .","vol":"1","page":17},{"text":"وهذا الخبر قد تلقته الأمة بالقبول، وقد صححه جماعة من أهل العلم، كالإمام البخاري كما في علل الترمذي المفرد والترمذي وابن خزيمة والدارقطني جوده كما في علله، وكذلك البيهقي وابن عبد البر والحاكم وابن حبان وغيرهم من أهل العلم، وقد صححه جماعة من أهل العلم يزيدون على ثلاثين إمامًا، ولم أرَ أحدًا من أهل العلم ضعّف هذا الخبر سوى ابن دقيق العيد وابن القطان الفاسي، فإنهما قد أعلاه بسعيد بن سلمة وقالا بجهالته، فإن سعيد بن سلمة قد قال عن النسائي عليه رحمة الله: ثقة، وذكره ابن حبان في كتابه الثقات، إلا أن المجاهيل أو من هو مستور الحال عند أهل العلم لا يرد حديثه مطلقًا، وإنما يعتبر في بعض الأحوال بأحاديثه وتقوى أحاديثه ببعض القرائن، وإنما قبل أهل العلم حديث سعيد بن سلمة في هذا الخبر؛ لأن أهل العلم قد تلقوا خبره بالقبول، وشاع عندهم فكان قرينة لقبول الخبر، وأهل العلم في بعض الأحيان يعتمدون على شهرة الخبر عن الاحتجاج بالإسناد وهذا في أحوال نادرة، وأيضًا فإن الحفاظ يقوون في الأحيان أحاديث من لا يعرف فيه جرحًا ولا تعديلا، في بعض ما يرويه إذا إحتفت القرائن على صدقه بحيث لا يأتي بما ينكر، ولا يغرب بالألفاظ وقد صحح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن حبان وابن خزيمة والدارقطني لجماعة لم يوجد فيهم جرح ولا تعديل، وذلك بعد سبر حديثهم فوجد مستقيمًا، ولا يعد هذا تساهلًا منهم، وذلك أن جهلهم بحال الراوي لا يعني جرحًا حتى يخشى من التقوية له، ومعرفة صدق الراوي وضبطه وعدالته تكون بسبر حديثه وتتبعه كما تكون بملاصقته واختباره، والتساهل إنما هو بتقوية أحاديث الضعفاء وبتصحيح خبر المجاهيل مع غرابة حديثهم ونكارته وتفردهم به مع أن احوال المجاهيل تختلف من شخص لآخر، ومن طبقة لأخرى ومن بلد لآخر، وبحسب الرواة عنهم أيضا فمجاهيل متقدمي التابعين ليسوا كمن بعدهم ومن روى عنه الشعبي وابن سيرين ليس كمن روى عنه","vol":"1","page":18},{"text":"أقل منهم حفظا وتثبتا وان كثر عددهم مع قرائن كثيرة يُعملها الحفاظ في قبولهم لحديث بعض المجاهيل، ولذا لا تجد للائمة الحفاظ منهجا واحدا يعملونه في قبول ورد روايات المجاهيل كما لا يخفى فتجدهم يصححون حديث ويوثقون من لا يعرف له إلا حديث واحد وهو معدود في المجاهيل من جهة قلة روايته وتجدهم يردون من له أكثر من حديثين او ثلاثه او اربعة او خمسة وذلك لتفاوت القرائن المحتفة بكل واحد منهم فلأسود بن سعيد لا أعلم له غير حديث (تقتل عمار الفئة الباغية) مع هذا وثقه يحي بن معين وابن حبان ونحوه هارون بن رئاب وهو من المقلين جدًا، قال سفيان بن عيينة: (كان عنده أربعة أحاديث) ومع هذا وثقه أحمد بن حنبل ويحي ابن معين والنسائي، بل قد أخرج الشيخان لمن هو من المستورين ولا يعرف بجرح ولا تعديل كإبراهيم بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة فقد أخرج له البخاري ولا أعلم من وثقه، وقد أخرج مسلم من حديث أبي عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة قال أن رجلا سأل رسول الله ﷺ: أأتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ قال أتوضأ من لحوم الإبل قال نعم فتوضأ من لحوم الإبل. وجعفر بن أبي ثور لا أعلم له موثق سوى ابن حبان، ومع هذا أخرج له مسلم في صحيحه وتقلى الأئمة الحفاظ حديثه بالقبول حتى قال الحافظ ابن خزيمه في صحيحه: لم نر خلافا بين علماء أهل الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقل. وفي الصحيحين من الرواة عدد غير قليل ممن هم في عداد المستورين.","vol":"1","page":19},{"text":"فعلى هذا يُعلم أن أمر المجهول يتفاوت بحسب ما ذكرناه فقد يكون الراوي عند الأئمة الحفاظ مجهولا على الرغم من رواية أكثر من واحد عنه، وقد يكون عندهم معروفا بل يكون ثقة وصحيح الحديث مع كونه لم يرو عنه إلا راو واحد فحسب، على هذا لا تكون مسألة المجهول ورفع الجهالة عنه متوقفة على عدد من روى عنه كما يذكره كثير من أهل الاصطلاح والأصول،.\nوإعلال ابن القطان الفاسي وابن دقيق لحديث ماء البحر بجهالة راويه فيه نظر فابن القطان الفاسي ممن يتشدد جدا في هذا الباب ويعمل الاخذ بظاهر الاسانيد وهو قليل الاخذ بالقرائن كحال جمع من اهل العلم كابن حزم والخطيب وكثير من المتأخرين.\nوطهورية ماء البحر هي مما لا خلاف فيها عند أهل العلم إلا قول يسير يروى عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -.\nوقوله هنا في ابتداء الخبر: (إنا نركب البحر)، فيه دليل على إباحة ركوب البحر، وأن الأصل فيه الجواز والإباحة، وهذا الذي يدل عليه كتاب الله ﷾، فإن الله جل وعلا قد ذكر ركوب الفلك وركوب البحر في غير ما موضع من كتابه ﷾،قال الله تعالى: ﴿هو الذي يسيركم في البر والبحر﴾، والمسير هو: ركوب الدابة في البر، وكذلك السير على الأقدام، وكذلك المسير في البحر المراد به: ركوب الفلك والسفن، وكذلك قوله ﷾: ﴿والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس﴾ .","vol":"1","page":20},{"text":"أما في حالة غلبة الظن بالهلاك كالموج ونحوه فإنه يحرم، ولذا قد روي عن النبي - ﷺ - بعض الأخبار التي هي ضعيفة، منها ما أخرجها سعيد وعن سعيد أبو داود والبيهقي من حديث مطرف بن طريف عن بشر أبي عبد الله عن بشير بن مسلم عن عبد الله بن عمرو - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يركبن رجل بحرًا إلا غازيًا أو معتمرًا أو حاجًا، وإن تحت البحر نارًا وتحت النار بحرًا»، وهذا الخبر قد ضعفه بعض أهل العلم فهو مضطرب وضعيف سندا منكر متنا، وضعفه الإمام البخاري عليه رحمة الله كما في تاريخه وقال ابن عبد البر: مظلم الاسناد، وما روي من نهي من بعض السلف عن ركوب البحر يحمل على حالة الظن بالهلكة من اشتداد الموج واشتداد الريح ونحو ذلك، فإنه ينهى عن ذلك ويكون محرمًا، ولذا توقف الشافعي في إيجاب الحج على من وراء البحر فقد قال ﵀: ما يبين لي أن أوجب الحج علي من وراء البحر ولا أدري كيف استطاعته، وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب - ﵁ - كما أخرجه عبد الرازق في مصنفه من حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: (كان عمر يكره أن يحمل المسلمين غزاة في البحر) وهو صحيح عن عمر وإن لم يسمع ابن المسيب من عمر فهو محمول على الاتصال وقد صحح حديثه عن عمر عامة الحفاظ المتقدمين، ولا أعلم في ذلك مخالفًا سوى الترمذي في بعض المواطن يصححه وبعضها يعله وممن نص على تصحيحه الامام أحمد وابو حاتم وابن المديني وغيرهم، وهذا الأثر يحمل في حال شدة الموج وكذلك شدة الريح وغلبة الظن بالهلكة فإنه حينئذ يكره ذلك بل يكون محرمًا، وقد رخص عمر في غير تلك الحاله كما رواه البيهقي عن نافع عن بن عمر أن تميم الداري سأل عمر بن الخطاب ﵁ عن ركوب البحر وكان عظيم التجارة في البحر فأمره بتقصير الصلاة. ومن ذلك أيضًا ما روي عن عبد الله بن عمر كما أخرجه عبد الرازق من حديث ليث عن","vol":"1","page":21},{"text":"مجاهد عن عبد الله بن عمر - ﵁ - (أنه كان يكره ركوب البحر إلا لثلاث غازيًا أو حاجًا أو معتمرًا)، وهذا الخبر لا يصح عن عبد الله بن عمر في إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف بإتفاق الحفاظ عليهم رحمة الله، وأحاديثه عن مجاهد تعتبر ضعيفة إلا في حديثه عن مجاهد عن عبد الله بن عباس في التفسير فإنها قد تمشى لأنها من كتاب، كما ذكر ذلك ابن حبان عليه رحمة الله، فإنها يرويها من حديث ليث بن أبي سُليم ويرويها ليث عن القاسم بن أبي بزة عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عباس - ﵁ -، وبقية أحاديث ليث بن أبي سُليم عن مجاهد بن جبر وعن غيره تعد ضعيفة عند أهل العلم.\nإلا أن الإمام مالك عليه رحمة الله في مسألة ركوب البحر، قد فرق بين الرجل والمرأة، فقد روي عنه أنه كان يكره ركوب المرأة في البحر مطلقًا؛ وحمل ذلك على أن المرأة إذا ركبت السفينة فإنها حينئذٍ تحتاج إلى كشف عورتها من قضاء حاجة ونحو ذلك، فإنها تتكشف، وهذا يغتفر في الرجل ما لا يغتفر في المرأة، وكذلك في ركوب السفينة فإنها حينئذٍ قد ترى عورات الرجال، وترى أجساد الرجال في السفن لأن ركوب السفن بحاجة إلى مشقة وكد مما يلزم منها ابداء الصدر والبطن والظهر وكذلك بحاجة إلى كشف العورة للضرورة، مما استدل به الإمام مالك عليه رحمة الله على منع المرأة وكراهية ركوب البحر لها، إلا أن ذلك في الغالب منتفي وخاصة في وقتنا هذا، فإنه حينئذٍ تبقى المرأة على الأصل من إباحة ركوب البحر لها.\nقوله - ﷺ -: «هو الطهور ماؤه»:","vol":"1","page":22},{"text":"الطهور إذا جاء بالفتح (الطَهور) فالمراد به الماء بذاته، وهو الذي يُطهّر المتطهِر به، وإذا جاء بالضم فالمراد به فعل المتطهِر، ومثله: الوضوء والغسل، فإنه إذا جاء بالضم فالمراد حالة الغسل وفعل الغسل وحالة الوضوء وحال الطهارة، وإذا جاء بالفتح فالمراد به الذي يُغتسل به والذي يُتطهر به والذي يُتوضأ به، حكاه النووي عن الجمهور.\nقوله - ﷺ -: «هو الطهور ماؤه»:\nوهذا كما ذكرنا هو محل إجماع عند أهل العلم، إلا ما روي من خلاف يسير عند بعض أصحاب النبي - ﷺ -، إلا أنه لا يعتد به في مقابل ما جاء عن النبي - ﷺ -، فقد روي طهورية ماء البحر عن جماعة من الصحابة عليهم رضوان الله تعالى ونصوا عليه، منهم أبو بكر الصديق - ﵁ - كما أخرج ذلك أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه من حديث عبيد الله بن عمر عن عمرو بن دينار عن أبي الطفيل قال: سئل أبو بكر الصديق: أيتوضأ من ماء البحر؟ فقال: (هو الطهور ماؤه الحلال ميتته)، وروي ذلك أيضًا عن عمر بن الخطاب، وابن عباس وابن سيرين والحسن وعكرمة وطاووس وعطاء، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى طهارة ماء البحر، ولكنهم جعلوا العذب أولى منه، وألا يُلجأ إلى التطهر بماء البحر إلا عند فقدان الماء العذب، وذلك مروي عن سعيد بن المسيب، وكذلك عن النخعي كما أخرج ابن أبي شيبة من حديث شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: (إذا ألجئت إليه فلا بأس)، يعني إذا ألجئت إلى التطهر بماء البحر فلا بأس، مما يشير إلى أنه يرى التطهر بالماء الذي ليس بمالح وإنما هو عذب، وكذلك روي عن إبراهيم النخعي كما أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في مصنفيهما عن سفيان عن الزبير بن عدي عن إبراهيم النخعي قال: (ماء البحر يجزئ، والعذب أحب إلي منه)، إلا أن ما جاء عن النبي - ﷺ - يدل على التساوي بين الماء العذب وماء","vol":"1","page":23},{"text":"البحر، وأما قول سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي فإنه لا يقابل ما جاء عن النبي - ﷺ -.\nوقد ذهب كما ذكرنا بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وهم قلّة، منهم: عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص عليهم - ﵃ -، إلى عدم طهارة ماء البحر وعدم مشروعية التوضؤ به، فقد أخرج ابن أبي شيبة من حديث شعبة عن قتادة عن عقبة، قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: (التيمم أحب إلي من الوضوء من ماء البحر)، فعدل عبد الله بن عمر إلى التيمم وهو بدل، ولا يكون ذلك إلا في فقدان الماء.","vol":"1","page":24},{"text":"ومعلوم أن من تيمم في حال وجود الماء وهو مستطيع قادر على استعماله فإنه حينئذٍ تعتبر طهارته باطلة وتعتبر الصلاة باطلة بالاجماع، إلا لعذر يحمله على التيمم من مرض وبرد ونحو ذلك، أما إذا كان ليس بمعذور فإنه حينئذً يعد تيممه باطلًا وطهارته باطلة وعليه أن يتوضأ بالماء، فلما عدل عبد الله بن عمر إلى التيمم وترك التطهر بماء البحر، عُلم أنه لا يرى طهورية ماء البحر، إلا أن ذلك لا يقابل ما جاء عن النبي - ﷺ -، وكذلك ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -، كما أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي من حديث هشام عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال: (ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة، إن تحت البحر نارا ثم ماءٌ ثم نار)، وهذا عن عبد الله بن عمرو كما هو عن عبد الله بن عمر - ﵁ -، فإنهما لا يريان الإجزاء بماء البحر، وهذا لا يقابل ما جاء عن النبي - ﷺ -، وقد روي ذلك عن أبي هريرة في مصنف ابن أبي شيبة ولا يصح، وعن أبي العالية الرياحي وهو رفيع بن مهران، كما أخرج ذلك ابن أبي شيبة من حديث أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية أنه ركب البحر فنفذ ماؤه، فتوضأ بنبيذ وكره أن يتوضأ بماء البحر، وهو من كبار التابعين عليه رحمة الله، هذا لا يثبت لحال إسناده.\nإذًا فماء البحر طهور والخلاف فيه غير معتبر، وقد حكى إجماع أهل العلم على طهورية ماء البحر جماعة من أهل العلم، منهم الحافظ ابن عبد البر عليه رحمة الله وغيره.\nقوله - ﷺ -: «الحل ميتته»:","vol":"1","page":25},{"text":"أي الحلال، كما جاء في بعض الروايات عند الدارقطني عليه رحمة الله وغيره من أهل العلم وفي صحة اللفظة نظر، وميتة البحر هي حلال بإجماع أهل العلم، إلا أن أهل العلم اختلفوا في استثناء بعض ميتة البحر، فقد قال أبو حنيفة عليه رحمة الله: أن ميتة البحر حلال، إلا ما كان على صورة حيوان كالكلب أو صورة الآدمي ونحو ذلك، وذهب الإمام أحمد وهو المشهور عنه عليه رحمة الله: إلى أن ميتة البحر حلال إلا الحية والضفدع والتمساح، وقال بأن الحية والضفدع هي من المستخبثات وأن التمساح يعد ممن قال فيه النبي - ﷺ -: أنه ذو ناب ونهى عنه، والذي عليه جمهور أهل العلم أن ميتة البحر كلها تعد مباحة وحلال بنص قول النبي - ﷺ -، أما ما استثناه أبو حنيفة عليه رحمة الله ما كان على صورة حيوان ونحو ذلك، فإن ذلك لا دليل عليه ولا يقابل ما جاء عن النبي - ﷺ - فإن النبي - ﷺ - قد أطلق الإباحة بميتة البحر، وما جاء عن الإمام أحمد من استثناء الضفدع والتمساح فإن الضفدع لا يعد من ميتة البحر فإنه لا يمكث في البحر دومًا، ولا يمكث في البر فإنه بينهما فلا يعد من ميتة البحر، ولا يعد كذلك من حيوان البر، ومثله التمساح فإنه يعيش بين البر والبحر وإطلاق النبي - ﷺ - أراد به ميتة البحر، أي إذا أُخرج الحيوان من البحر فإنه حينئذٍ يموت، إذن فالنبي - ﷺ - أطلق الإباحة لميتة البحر مطلقًا من غير استثناء وما علم ضرره من ميتة البحر فإنه حينئذٍ يحرم لضرره، فإنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، ولا يستثنى من ميتة البحر إلا ما ثبت ضرره، وأما ما كان بين البر والبحر من الحيوانات، فإنه لا يعد حيوانا بحريا ويبقى على الأصل من الإباحة فيه، فإن كان من المستخبثات فإنه يعد مستخبثًا، وما كان كذلك من الحيوانات الضارة، فإنه حينئذ يحرم لضرره، فلا","vol":"1","page":26},{"text":"ضرر ولا ضرار في الإسلام، وقد نهى الله جل وعلا في كتابه العظيم عن أكل المستخبثات فقال الله ﷾: ﴿ويحلّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث﴾ .\n***************************************\n٢- وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: <span data-type=\"title\" id=toc-3>«إن الماء طهور لا ينجسه شيء» </span>أخرجه الثلاثة، وصححه أحمد.\nحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قد أورده المصنف عليه رحمة الله، وذكر أن الثلاثة قد أخرجوه، وهذا اصطلاح خاص به عليه رحمة الله، أما الثلاثة هنا المراد بهم: أبو داود والترمذي والنسائي، هم أهل السنن إلا ابن ماجه عليهم رحمة الله جميعا، وهذا من الاصطلاحات التي تعد خاصة بالحافظ ابن حجر في كتابه بلوغ المرام، ولذا قلنا أنه ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لمصطلحات أهل العلم في مصنفاتهم لكي يكون على بينة من أحكامهم.\nوهذا الحديث قد أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وكذلك قد أخرجه أحمدوابن حبان والحاكم وابن خزيمة كلهم من طريق حماد بن أسامة أبي أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -.","vol":"1","page":27},{"text":"وهذا الحديث قد صححه الإمام أحمد كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله، وكذلك صححه ابن معين وابن حبان والحاكم وابن خزيمة وشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، وقد حسنه الإمام الترمذي عليه رحمة الله، فقد قال بعد إخراجه له في سننه قال: هذا حديث حسن وقد جود أبو أسامة هذا الحديث، والامام الترمذي حينما يطلق لفظ (حسن) على حديث مجرد من غير اضافة فهو يعني في الغالب الضعف، وهو هنا اضاف ولم يجرد، وهذا في الغالب، وقد قال في احاديث قليله مخرجة في الصحيحين (حسن) مجرد، وابن الجوزي عليه رحمة الله قد نقل في كتابه التحقيق عن الإمام الدارقطني قوله: أن هذا الحديث ليس ثابت، وكلام الدارقطني عليه رحمة الله في هذا الخبر ليس المراد به هذا الحديث من هذا الطريق، ونقل ابن الجوزي عليه رحمة الله عن الإمام الدارقطني هذا الكلام على هذا الطريق فيه شيء من التجوز والمسامحة وهو أقرب الى الوهم من العمد، وإلا فكلام الدارقطني عليه رحمة الله في هذا الحديث ليس مراده عليه رحمة الله هذا الطريق.\nوقد أُعلَّ هذا الحديث بجهالة عبيد الله بن عبد الله وقد قيل عبيد الله بن عبد الرحمن، وقد أعله بجهالته ابن القطان الفاسي عليه رحمة الله مضعفًا للخبر بجهالة عبيد الله بن عبد الله أو ابن عبد الرحمن، فقد قال عليه رحمة الله أي ابن القطان في كتابه (الوهم والإيهام): وكيفما كان فهو من لا يعرف له حال ولا عين، وقد قال عنه ابن مندة عليه رحمة الله أنه مجهول، وقد قال البخاري عليه رحمة الله: فيمن سمّى أباه عبد الرحمن قال: بأن ذلك وهم.\nومعنى هذا الحديث مروي عن جماعة من الصحابة - ﵃ -، فقد رُوي عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة وحذيفة بن اليمان وابن عباس، وكذلك مروي عن جماعة من التابعين كسعيد بن المسيّب ومجاهد بن جبر وعكرمة مولى عبد الله بن عباس.\nقوله - ﷺ -: «إن الماء طهور»:","vol":"1","page":28},{"text":"(طَهور): هنا إذا كانت بالفتح فالمراد به الماء الذي يتطهر به، ومثله أيضًا في الوضوء وكذلك في الغسل، وإذا جاء بالضم فالمراد به الفعل فإذا قال: طَُهور أو غَُسل أو وُضوء فالمراد به الفعل، فعل المتوضئ والمغتسل والمتطهر وهذا عند جماهير أهل العلم قد نقله الإمام النووي عليه رحمة الله وجماعة،.\nقوله - ﷺ -: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء»\nهذا هو الأصل في الماء أنه باقي على طهوريته، فالله جل وعلا قد أنزله طاهرًا فلا ينتقل من أصله إلا بدليل واضح، أو بنص عن النبي - ﷺ -، وهذا الماء إذا كانت أوصافه متغيرة بنجاسه فهو نجس، أو بالخبرة والتجربة إذا علم أن ذلك الماء يكون نجسا؛ فإنه حينئذٍ يكون قد انتقل من أصله إلى النجاسة.\nفالأصل في الماء الطهارة، وهذا عام كما قال النبي - ﷺ - هنا: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء» .\nوقوله - ﷺ -: «لا ينجسه شيء»:\nهو مطلق مقيد ببقية الأخبار، أنه إذا مازجته شيء من النجاسة وتغير أحد أوصافه الثلاثة فإنه قد تنجس بالإجماع، وهذا يأتي تفسير الكلام عليه بإذن الله تعالى، في حديث أبي أمامة - ﵁ - الآتي.\n***************************************\n٣- وعن أبي أمامة الباهلي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: <span data-type=\"title\" id=toc-4>«إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه، ولونه» </span>. أخرجه ابن ماجه، وضعفه أبو حاتم.\nوهذا الحديث قد أخرجه ابن ماجه، وكذلك قد ضعفه أبو حاتم، فقد أخرجه ابن ماجه عليه رحمة الله من حديث رِشدين بن سعد عن معاوية بن صالح عن راشد بن سعد عن أبي أمامة الباهلي - ﵁ -.","vol":"1","page":29},{"text":"وهذا الحديث قد أجمع المحدثون على ضعفه والطعن فيه، ففي إسناده رشدين بن سعد قد ضعفه جماعة من أهل العلم، ضعفه الإمام أحمد وأبو زرعة والنسائي، وقد قال أبو داود ويحي بن معين: ليس بشيء، وكذلك قال الإمام أحمد: لا بأس به في الرقائق، وقال أبو حاتم: منكر الحديث.\nوالصحيح في هذا الخبر أنه مرسل عن النبي - ﷺ - ولا يصح موصول عنه، كما أخرجه عبد الرزاق والدارقطني من حديث الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد مرسلا عن النبي - ﷺ -، وهذا هو الصحيح الذي رجحه جماعة من الحفاظ كأبي حاتم الرازي والإمام الدارقطني عليهما رحمة الله قال الدارقطني: لم يرفعه غير رشدين عن معاوية وليس بالقوي. وتابع رشدين ثور بن يزيد عن كما رواه البيهقي من حديث عطية بن بقية عن ابيه عن ثور به وهو واه، وفيه اختلاف كثير فتارة يجعل من مسند ابي امامه وتارة عن ثوبان، وهذا الحديث قد أجمع العلماء على ضعفه وقد حكى الإجماع جماعة كالإمام النووي عليه رحمة الله، إلا أن معناه صحيح وقد عمل به أهل العلم، بل حكى جماعة من أهل العلم الإجماع على صحة معناه، كما حكى ذلك الإمام ابن حبان عليه رحمة الله في صحيحه.\nفالأصل في الماء طاهر ومطهر، لا ينتقل من أصله إلا بنجاسة تحدث فيه تغير أحد أوصافه.\nقوله - ﷺ -: «إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه»:\nأجمع أهل العلم على أنه لا فرق بين تغير الماء بأحد هذه الأوصاف الثلاثة سواء من ريح أو طعم أو لون، وأن ذلك علامة على نجاسة الماء إذا كان قد تغير بنجاسة، إلا ما روي من خلاف شاذ عن ابن ماجشون عليه رحمة الله من استثنائه الريح، وهذا لا عبرة له بمقابل إجماع أهل العلم حكى الاجماع الشافعي وابن المنذر وابن حبان في صحيحه والبيهقي وابن عبد البر وابن قدامه وابن تيميه.","vol":"1","page":30},{"text":"وأهل العلم جمهورهم يقسمون الماء إلى ثلاثة أقسام، وهو قول الحنابلة والشافعية والمالكية وكذلك الحنفية، على أن الماء ينقسم إلى ثلاث أقسام: طهور، وطاهر، ونجس، واستدلوا بحديث البحر وان السائل يعلم بان ماء البحر ليس بنجس، لكنه اراد هل هو طاهر ام طهور، واستدلوا باحاديث النهي عن الاغتسال في الماء الراكد وغسل اليد بعد النوم قبل غمسها وياتي بيان هذه الاخبار ومعانيها.\nوذهب بعض أهل العلم وهو رواية عن الإمام أحمد عليه رحمة الله، ويروى عن أبي حنيفة وقال به جماعة من المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية: على أن الماء على قسمين: طاهر ونجس واستدلوا بحديث بئر بضاعة وغيره.\nوالتحرير أنه عند جمع الأدلة يتضح أن الماء ينقسم إلى قسمين: طاهر ونجس، وأن ما أسماه أهل العلم طهورًا؛ أنه يدخل في قسم الطاهر.\nوالماء إذا تغير بنجاسةٍ قد خالطته وتغير أحد أوصافه؛ فإنه حينئذٍ يُعد نجسًا، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة، بل حُكي الإجماع على ذلك.\nوإذا تغير الماء بأحد أوصافه بمجاورة النجاسة له لا بالمخالطة؛ فإنه يعد نجسًا كذلك، وقد حُكي الإجماع على ذلك، فإنه إذا تغيرت أحد أوصاف الماء بالمجاورة أو بالممازجة فإنه حينئذٍ يُعد ذلك الماء نجسًا، وقد حَكى الإجماع على ذلك جماعة من أهل العلم كالإمام النووي عليه رحمة الله.\nوإذا تغير الماء بشيء من الطاهرات كالنبيذ ونحو ذلك هل يعد طاهرًا أم لا؟\nاختلف أهل العلم في ذلك:\n- فذهب الإمام أبو حنيفة عليه رحمة الله إلى أنه يتوضأ به في حالة واحدة؛ أنه إذا لم يجد شيء غيره فإنه يتوضأ به، وذهب بعض الحنفية وهو قولٌ لمحمد بن حسن عليه رحمة الله إلى أنه طاهر مطهر، إلا أنه يتيمم معه احتياطا، وهذا القول فيه شيء من المخالفة، فلم يرد عن النبي - ﷺ - في حالة من الأحوال أن يجمع الرجل بين الوضوء والتيمم، وهذا فيه شيء من التشدد.","vol":"1","page":31},{"text":"- وذهب المالكية والشافعية والحنابلة وهو قول جمهور أهل العلم، إلى أنه يتيمم ولا يتوضأ به، وهذا مروي عن جماعة كما هو مروي عن الإمام أبي حنيفة عليه رحمة الله ومروي أيضًا عن الإمام ابن حزم، وقالوا إن هذا الماء لا يسمى ماء إلا بالإضافة، وقالوا إن الإجماع قد انعقد أن رفع الحدث لا يكون إلا بالماء الخالص، قالوا: وقد حكى ذلك الإمام ابن المنذر عليه رحمة الله من أن الحدث لا يرفع بسائل إلا بماء، وهذا قد مازجه غيره فغير لونه مع بقائه على طهارته إلا أنه لا يرفع الحدث.\n- وذهب مجيزُ الوضوء بالنبيذ، إلى ما رواه الإمام أحمد عليه رحمة الله فقال حدثنا يحي بن زكريا عن إسرائيل عن أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود قال: كنت مع النبي - ﷺ - ليلة لقي الجن، فقال: «أمعك ماء؟»، فقلت: لا، فقال: «ماهذه الإداوة؟»، قلت: نبيذ، قال: «أرينيها»، فقال النبي - ﷺ -: «تمرة طيبة وماء طهور»، فتوضأ منها ثم صلى، ولكن هذا الحديث حديث ضعيف لا يصح، ففي إسناده أبو زيد وهو في عداد المجاهيل، وقد قال فيه الإمام الترمذي عليه رحمة الله: أبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا يعرف له رواية غير هذا الحديث، وكذلك قد قال بجهالته البخاري والحاكم وابن عدي، وهو الراوي عن عبد الله بن مسعود في هذا الخبر، إذًا فلا يصح الاستدال به، ولذا قد أعلَّه الحافظ ابن عدي عليه رحمة الله بقوله: وهذا الحديث مداره على أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن ابن مسعود، وأبو فزارة مشهور واسمه: راشد بن كيسان، وأبو زيد مولى عمرو بن حريث مجهول ولا يصح هذا الحديث عن النبي - ﷺ -، وهو خلاف القرآن.","vol":"1","page":32},{"text":"ففيه المخالفة من أن الماء إذا تغير أحد أوصافه فإذا كان نجسًا يعد نجسًا، وإذا كان بطاهر فإنه يبقى على طهوريته، إلا أنه حينئذٍ لا يرفع الحدث، وأنه إذا مس جسد الإنسان أو مس لباسه فإنه ليس في عداد النجس، بل إنه في عداد الطاهرات؛ إلا أنه لا يرفع الحدث للعبادة.\n***************************************\n٤- وللبيهقي: <span data-type=\"title\" id=toc-5>«الماء طاهر إلا إن تغير ريحه، أو طعمه، أو لونه؛ بنجاسةٍ تحدث فيه» </span>.\nهذا قد أخرجه البيهقي عليه رحمة الله من طريق عطية بن بقية بن الوليد عن أبيه عن ثور عن راشد بن سعد عن أبي أمامة، وعطية بن بقية محله الصدق، كما حكى ذلك ابن أبي حاتم عن أبيه كما في الجرح والتعديل، إلا أن أباه بقية بن الوليد هو في عداد المدلسين، ومجيء هذا الخبر من هذا الطريق فيه شيء من النكارة والغرابة، فهذا الطريق لا يصح عن النبي - ﷺ - وقد تكلم الكلام عليه فيما سبق.\nقوله - ﷺ -: «بنجاسة تحدث فيه»:\nاستدل به من قال أن الماء لا ينجس بالمجاورة، وذكرنا أن هذا القول قول شاذ حُكي عن ابن ماجشون، بل إن الماء إذا تغير أحد أوصافه بممازجة أو بمجاورة؛ فإنه يعد نجس ولا يجوز التطهر به، فإنه لا يرفع الحدث ولا النجس.\n***************************************\n٥- وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: <span data-type=\"title\" id=toc-6>«إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» </span>وفي لفظ: «لم ينجس»، أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان.\nهذا الحديث هو ما يسميه أهل العلم بحديث القلتين، وهو مروي من حديث حماد بن أسامة عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب - ﵁ -.","vol":"1","page":33},{"text":"وهذا الخبر قد أعله بعض أهل العلم، وصححه جماعة وهم الأكثر، قد أُعل بالاضطراب في إسناده، فقد روي عن الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير بدل محمد بن عباد بن جعفر، وروي في بعض طرقه عبد الله بن عبد الله بدل عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عليهما رضوان الله تعالى.\nواختلفت أقوال أهل العلم في ترجيح تلك الأوجه، فقد رجح أبو داود السجستاني في سننه رواية محمد بن عباد بن جعفر، وخالفه في ذلك جماعة من الحفاظ كابن منده وابن حبان وأبي حاتم، فإنهم رجحوا رواية محمد بن جعفر بن الزبير، ورجح الوجهين جماعة أيضًا من الحفاظ كالإمام البيهقي، والدارقطني، وكذلك قد رجحه الزيلعي؛ فرجح هؤلاء الوجهين.\nوقد ضعفه بعض أهل العلم، فقد ضعفه ابن القيم وابن دقيق العيد، وضعفه أبوبكر ابن العربي متعقبًا الشافعي عليه رحمة الله في كتابه (أحكام القرآن)، وكذلك في شرحه على سنن الإمام الترمذي عليه رحمة الله.\nولكنه أغرب حينما أعلّه بالوليد بن كثير، فالوليد بن كثير ثقة حافظ، قد أخرج له الجماعة ولم يطعن فيه أحد من أهل العلم سوى ابن سعد عليه رحمة الله؛ فإنه قال ليس بذاك، والوليد ابن كثير هو من الثقات المعروفين الذين قد أخرج لهم الجماعة، وجرح ابن سعد عليه رحمة الله له ليس بمقبول في مقابل كلام الحفاظ عليهم رحمة الله.\nوهذا الخبر قد صححه أيضًا جماعة من أهل العلم، صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وكذلك روي عن الدارقطني تصحيحه وعن البيهقي ومن المتاخرين ابن تيمية وغيرهم من أهل العلم.","vol":"1","page":34},{"text":"وقد صنف في الكلام عليه وعلى طرقه جماعة من أهل العلم، فقد صنف العلائي عليه رحمة الله جزءًا في جمع طرق هذا الخبر، وصنف كذلك محمد بن عبد الواحد المقدسي جزءًا في جمع طرقه رادًا على الحافظ ابن عبد البر عليه رحمة الله في تضعيفه لهذا الخبر، فإن ابن عبد البر عليه رحمة الله قد ضعّف هذا الخبر وشدد في تضعيفه، وتعقبه المقدسي عليه رحمة الله في جزءٍ له، وقد أُعلّ أيضًا باضطراب متنه من أنه روي في بعض الطرق الشك، فجاء في بعض الطرق قلتين أو ثلاثًا ولم يقل قلتين فحسب، وهذا مروي من حديث حماد بن أسامة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عمر، وحماد بن أسامة قد تغير بآخره، وقد خالف الثقات في روايته هنا فوقع في الشك، وقوله هنا مرجوح في مخالفته للثقات، وهذا الشك في عداد الشذوذ، وقد بين ذلك الحافظ البيهقي عليه رحمة الله، وبين أن هذه الرواية رواية مرجوحة.\nوكذلك مما وقع فيه أنه جاء في بعض الروايات أن هذه القلال هي قلال هجر، كما أخرج ذلك ابن عدي في كامله من حديث المغيرة بن سقلاب عن محمد بن إسحاق عن نافع عن عبد الله بن عمر، والمغيرة بن سقلاب منكر الحديث، وقد بيَّن الدارقطني عليه رحمة الله، أن هذا الطريق وَهْم كما بيّن ذلك في علله، وبيَّن أن الصواب هو عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عمر بن الخطاب عليهما رضوان الله تعالى.","vol":"1","page":35},{"text":"وهذا الخبر مهما يكن من الكلام على طرقه فقد صححه جماعة وضعفه آخرون، ومنهم من قال أن إعلاله بالاضطراب سواءً في متنه أو إسناده أنه ليس بمضعّفٍ له، وإنما اضطراب المتن يدل على ضعف تلك الأوجه، أما أصل الحديث فإنه ثابت عن النبي - ﷺ -، وأما اضطراب السند فقد أجاب عنه بعض أهل العلم بأجوبة، ومنهم من رجّح الوجهين، وقال أنه روي عن النبي - ﷺ - بهذين الوجهين، كما هو قول الإمام الدارقطني وقول البيهقي وقول الزيلعي عليهم رحمة الله وقد توسع ابن القيم في تضعيف هذا الخبر ورده على من قواه بكلام نفيس متين قوي.\n(والقُلَّة) هي: بضم القاف مأخوذة من الارتفاع، يقال: قلة الجبل أي أعلاه، واختلف أهل العلم في مقدار القلة في خبر النبي - ﷺ -، والقدر الذي تعرف به القُلّة على أقوال:\n- فقد روي أن المراد بالقلة أنها قربتين وجاء ذلك في كتاب الأم للشافعي، فقد أخرج عليه رحمة الله في كتابه الأم وكذا في مسنده فقال: أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج قال: قلال هَجَر قربتين أو قربتين وشيئًا.\n- وهناك قول آخر وهو القول الثاني في قدر القلّة، وهو مروي عن الإمام الشافعي والإمام أحمد وكذا مروي عن أبي ثور عليهم رحمة الله، وقالوا: أن القُلّة تَسع قربتين ونصفا، واستدلوا بما روي عن ابن جريج السابق، وقالوا أن قول ابن جريج أن القلة تسع قربتين أو قربتين وشيئًا، قوله (شيئًا) هنا: أكثر ما يطلق عليه لفظ الشيء هو الشطر وهو النصف، قالوا فيقال بالاحتياط أن القلة تسع قربتين ونصفًا، وهذا كما ذكرنا مروي عن الإمام الشافعي وأحمد وأبي ثور.\n- وثمة قول ثالث: قالوا بأن القلة هي تسع ستة قرب، وهذا مروي عن إسحاق بن راهويه عليه رحمة الله.","vol":"1","page":36},{"text":"- وثمة قول رابع في مقدار القلة: أنها تسع فرقين، وهذا مروي عن يحيى بن عقيل كما أخرج ذلك الدارقطني في سننه عليه رحمة الله من حديث ابن جريج عن محمد بن يحيى عن يحيى بن عقيل قال: رأيت قلال هَجَر، فرأيت القُلّة تسع فرقين.\n- وروي في ذلك قول خامس أيضًا قالوا: أن القلة ليس لها قدرٌ معين معروف عن النبي - ﷺ -، وهذا مروي عن عبد الرحمن بن مهدي، ومرويٌ أيضًا عن وكيع ويحيى بن آدم وجماعة من أهل العلم، وكذلك هو مروي عن أبي عبيد عليهم رحمة الله.\nفالقول الحق في ذلك بإذن الله تعالى، أن القلتين ليس لها قدر معين عند أهل العلم؛ ولكن المراد بالقلّة هي قلال هَجَر، كما حكى ذلك بعض أهل العلم، فقلال هجر معروفة عند العرب، واشتهرت حتى وصلت شهرتها المدينة، بل جاءت على لسان النبي - ﷺ - في خبر صحيح، كما في قصة الإسراء والمعراج عنه - ﷺ - كما جاء في الصحيح من حديث قتادة عن أنس عن مالك بن صعصة - ﵁ - في خبر طويل، قال النبي - ﷺ -: «ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فرأيت نبقها كأنه قلال هَجَر»، وهذا يدل على أن قلال هجر معروفة عند العرب ومعروفة على لسان النبي - ﷺ -، وهي أقرب ما تكون من إرادة النبي - ﷺ - لها.\nوالقلة كما ذكرنا أنها تنصرف عند التحقيق لمن تأمل أخبار النبي - ﷺ - إلى قلال هجر، وإذا عُلم أيضًا أن قلال هجر ليس لها قدر معين؛ عُلم أن مراد النبي - ﷺ - في هذا الخبر أنه غلبة الضن وليس القطع.\nقوله - ﷺ -: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث»:\nقول النبي - ﷺ - إن صحّ: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث»، له دلالة منطوق ودلالة مفهوم.","vol":"1","page":37},{"text":"* فدلالة منطوقه: أن الماء إذا كان قلتين على اختلاف في قدر القلتين فإنه لا يحمل الخبث، إلا إذا تغيّر طعمه أو ريحه أو لونه بنجاسة تحدث فيه، وهذا محل إجماع عند أهل العلم.\n* ودلالة مفهوم هذا الخبر: أن ما كان دون القلتين فإنه في غلبة الظن أنه تطرأ عليه النجاسة.\nولكن اختلف أهل العلم في دلالة المفهوم هنا، هل ما كان دون القلتين بملاقاة النجاسة ينجس، حتى وإن لم يتغير طعمه أو لونه أو ريحه؟\nعلى خلاف عند أهل العلم، فذهب الحنفية والشافعية وقول عند الحنابلة وهو رواية عن الإمام أحمد عليه رحمة الله: على أن النجاسة إذا لاقت الماء القليل فإنه ينجس، حتى وإن لم يتغير ريحه أو طعمه أو لونه.\nولكن هؤلاء الذين قالوا بهذا القول وهو قول الجمهور، اختلفوا في الماء القليل:\n- فذهب الحنفية قالوا: أن الماء القليل هو إذا حُرّك طرفه تحرّك طرفه الآخر\n- وذهب الحنابلة وكذلك الشافعية إلى أن الماء القليل هو: ما كان دون القلتين مما قدّرَه النبي - ﷺ -.\n- وذهب وهو القول الثاني جماعة من أهل العلم وهو قول ابن المسيب والحسن والثوري والإمام مالك عليه رحمة الله وابن مهدي ورواية عن احمد وعليه المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية: على أن الماء إذا لاقته نجاسة وهو قليل حتى وإن كان دون قلتين أنه لا ينجس، إلا إن تغير طعمه أو لونه أو ريحه من تلك النجاسة، وهذا هو القول الحق.\nفإن دلالة المفهوم من هذا الخبر إن صح عن النبي - ﷺ -، تعارضها دلالة المنطوق عنه - ﷺ - في الأخبار المتقدمة: «إن الماء طهور لا ينجسه شيء»، وهذا كلام عام لا يستثنى منه شيء قليل أو كثير.","vol":"1","page":38},{"text":"فخبر القلتين هنا يؤخذ منه أن الماء إذا كان كثيرًا؛ من قلتين فأكثر أن يقل احتمال ورود النجاسة عليه، وأنه إن كان دون القلتين فإنه حينئذٍ يغلب على الظن ورود النجاسة وغلبتها عليه، مع لزوم ذلك الضابط وهو: أن يتغير ريحه أو لونه أو طعمه من تلك النجاسة التي تحدث فيه.\n***************************************\n٦- وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: <span data-type=\"title\" id=toc-7>«لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب» </span>. أخرجه مسلم.\nوللبخاري: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه» .\nولمسلم: «منه» .\nولأبي داود: «ولا يغتسل فيه من الجنابة» .\nهذا الحديث قد أخرجه الإمام مسلم عليه رحمة الله فقال حدثنا هارون حدثنا بن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة عن أبي هريرة - ﵁ -.\nقوله - ﷺ -: «لا يغتسل أحدكم»:\nاللام هنا: لام النهي وهي ناهية، واختلف أهل العلم في دلالة ذلك النهي هل هو على التحريم أم لا؟\n- فذهب المالكية وقالوا أن قول النبي - ﷺ -: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه»، على خلافٍ في الروايات عند البخاري ومسلم وعند أبي داود عليهم رحمة الله، قالوا: أن ذلك يُحمل على الكراهة، وأن ذلك محمول على كراهة التنزيه عنه - ﷺ -، وعللوا ذلك؛ قالوا: أن الماء باقٍ على طهوريته وأنه ليس بنجس، إذا فهذا يدل على أن النهي هنا هو نهي للكراهة وليس للتحريم، فإن النبي - ﷺ - لا ينهى عن شيء مع أن الغاية هو طهارة الماء حتى وإن فعله العبد.","vol":"1","page":39},{"text":"- وذهب الحنابلة وقول الظاهرية على أن نهي النبي - ﷺ - هنا هو للتحريم، وعللوا ذلك بعللًٍ كثيرة؛ قالوا: أن الأصل من نهي النبي - ﷺ - هو التحريم، ولا يصرف ذلك إلا لعلّة ظاهرة أو لقرينة ظاهرة عن النبي - ﷺ - أو من عمل أصحاب النبي - ﷺ -.\n(والماء الدائم): هو الباقي الماكث الساكن الذي لا يجري، لا يتحرك إلا بفعل فاعل من آدمي أو حيوان ونحو ذلك.\nوالعلة في ذلك؛ من النهي عن الاغتسال في الماء الدائم سواء من غسل جنابة ونحو ذلك، قالوا أن الماء الدائم يغلب عليه أن النجاسة تبقى فيه، وأن الجاري يتطهر بجريانه وكذلك بمكاثرة الماء فيه، ولذلك قال الشاعر:\nإني رأيت وقوف الماء يفسده.........إن سال طاب وإن لم يجرِ لم يطبِ\nوهذا معلوم؛ فإن الماء إذا كان ساكنًا فإنه كلما أتته النجاسة وطرأت عليه فإنه ينجس في الغالب اذا كان قليلا، أما الذي يجري فإنه يلتقي بغيره وكذلك فإن النجاسة تزول عنه بجريانه في الأرض.\nواختلف أهل العلم إذا اغتسل الجنب في الماء الدائم، ما حكم ذلك الماء؟\nعلى اختلاف عندهم في القدر الذي يكون به الماء قليلا فلا يدفع النجاسة وهذا الخلاف في الماء القليل وأما الكثير عندهم فلا يكون مستعملا كالنهر والبحر والغدير ونحوه مما يخرج عن حد القلة بإجماعهم لكنهم اختلفوا في حد القليل وعليه يبنى خلافهم في نجاسه المستعمل من الماء فقد اختلف أهل العلم على ثلاثة أقوال؛ وهن روايات عن الإمام أحمد عليه رحمة الله إلا إحدى الروايات فهي تعدّ غريبة.\nالقول الأول: قالوا أنه باقٍ على طهارته إلا أن ليس بمطهّر، وقالوا أنه يشرب ويطبخ به إلا أنه لا يزال به الحدث من وضوء وغسل جنابة وهو المشهور عن احمد وقول الشافعيه.","vol":"1","page":40},{"text":"القول الثاني: قالوا أنه نجس، إذا اغتسل الجنب في الماء الدائم أن ذلك يدل على نجاسته، فلا يشرب ولا يطبخ به ولا يغتسل به، ولا يتوضأ به من باب أولى.\nوهو قول ابي حنيفه وهذه كما ذكرنا رواية لإمام أحمد، وقد تأولها بعض الأصحاب كأبي يعلى الحنبلي، وابن عقيل وغيره وهي رواية بعيدة عنه عليه رحمة الله، ولعل فهم بعض الأصحاب قول أحمد على غير وجهه فحكوه على أن الماء إذا اغتسل فيه الجنب بنجس، وإلا ففقه الإمام أحمد عليه رحمة الله هو أبعد من ذلك.\nالقول الثالث: قالوا أن الماء إذا اغتسل فيه الجنب أنه باقٍ على طهوريته، وأنه طاهر مطهِّر، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم، فقد روي عن سفيان الثوري وكذا مالك بن أنس والشافعي واحمد، وعليه المحققون من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله، فقالوا: أن الماء إذا اغتسل فيه الجنب باقٍ على أصله ولا ينتقل من أصله إلا بدليل عن النبي - ﷺ -، فنهي النبي - ﷺ - عن اغتسال الجنب في الماء الدائم ليس بمتعلق بطهارة الماء أو نجاسته بعد الاغتسال منه، ولكن لعلّة: إما أن تكون تأديب من النبي - ﷺ -، أو منع من الغسل في الدائم لكي لا يتهاون المرء بالاغتسال فيه على أي حال فيسفد معه الماء بتغير أوصافه أو غير ذلك مما تخفى حكمته، ولا يقال بنجاسة الماء ونقله من أصله إلا بدليل أو علة ظاهرة قد نص عليها النبي - ﷺ -.\nقوله: وللبخاري: «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه» .\nهذه الرواية التي أخرجها البخاري عليه رحمة الله قال: حدثنا أبو اليمان قال اخبرنا شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة - ﵁ -.\nوفيه قوله: «ثم يغتسل فيه»:","vol":"1","page":41},{"text":"وهذه الرواية جاءت بحكمٍ أخذه منه بعض أهل العلم قالوا: أن نهي النبي - ﷺ - مرتبط بالجمع، أي لا يبول الرجل في الماء الدائم ثم يغتسل فيه، أما أن يغتسل فيه من غير بول فلا بأس، ومن قال بهذا القول فإنه استمسك بهذه الرواية.\nقوله: ولمسلم: «منه»:\nرواية الإمام مسلم عليه رحمة الله بقوله: «منه» قد أخرجها عليه رحمة الله فقال حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق عن معمّر بن راشد عن همام ابن منبّه عن أبي هريرة - ﵁ -.\nوفيها دلالة على قولٍ لبعض أهل العلم أن نهي النبي - ﷺ - ليس بخاص أن ينغمس الجنب في الماء، ولكن نهيه - ﷺ - يشمل أيضًا أن يغتسل من ذلك الماء حتى وإن اغترف منه.\nوهذه الرواية يظهر والله أعلم أنها رويت بالمعنى وإلا فنهي النبي - ﷺ - ظاهر من تفسير أبي هريرة - ﵁ -، لما سأله أبو السائب عليه رحمة الله قال: كيف يصنع يا أبا هريرة؟ قال: يتناوله تناولًا، وهذا يخالف تفسير أبي هريرة - ﵁ - لهذه الرواية.\nقوله: ولأبي داود: «ولا يغتسل فيه من الجنابة»:","vol":"1","page":42},{"text":"هذه الرواية قد أخرجها أبو داود عليه رحمة الله، فقال: حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة - ﵁ -، وقد رواه الامام احمد عن يحي عن ابن عجلان به وبظاهر الإسناد فمحمد بن عجلان وأبوه هم من الثقات، وأحاديثهم مستقيمة، لكن مخالفة ابن عجلان في هذه الرواية توجب النظر والتوقف فيها فلم يرو الجمع بين الاغتسال في الماء الدائم والنهي عن الاغتسال للجنب في الماء الدائم الا محمد بن عجلان وانفراده يوجب الشك في ثبوت هذا اللفظ، بل الذي يظهر هو شذوذه حيث ان الخبر واحد وخالف فيه الثقات مع كون ابن عجلان فيه خفه في الضبط فليس هو من الثقات الحفاظ فالحديث معروف عن ابي هريرة رواه جماعة من اصحابه كالاعرج وابن سيرين وهمام وحميد بن عبد الرحمن وغيرهم وانفرد ابن عجلان عن ابيه بهذا اللفظ.\nومما يجب معرفته لزوم العناية والتنبه لمثل هذا الاختلاف في احاديث الاحكام وكثيرا ما يغفل هذا الفقهاء فترى الاقوال تختلف باختلاف تعدد الفاظ الحديث كما في هذا الخبر ولو جمعت الالفاظ لبان ذلك، وهذا يرد كثيرا جدا في كتب الفقه، فالاحاديث كثيرا ما تروى من طريق واحد ومخرج واحد فتتعدد الفاظها لكونها رويت بالمعنى او رويت من غير ضبط ومع هذا تتعدد اقوال الفقهاء بتعدد هذه الروايات، وهذا ما ينلغي التنبه له في كثير من مسائل الفقه وادلته، ولو حررت هذه الالفاظ المتعددة للحديث الواحد وعرف الصحيح منها لضعفت الاقوال المعتمدة عليها.","vol":"1","page":43},{"text":"ومما يجب معرفته ايضا ان الاحاديث في كثير من الابواب تتفق على حكم معين جاء الحديث بتقريره وهو السبب من ورود الحديث ومن نقل الرواة له، فيعتني الرواة بنقل الخبر وضبط اللفظ الذي جاء به الحكم من الحديث ولا يعتنون بضبط ما جاء تبعا في الحديث من ايراد قصه او لفظ آخر ليس هو مما ينص على الحكم فتتنوع حينئذ الالفاظ وتختلف وهذا يرد كثير جدا فيتمسك هؤلاء بتلك الالفاظ على تفسير الحكم بينما الحكم واحد لو جرد من تلك الالفاظ التي جاءت تبعا في سياق الحديث وهي كثيرا ما لا يعتني بها الرواة، ومع كون مخرج الحديث واحد ويقطع بكونه قاله النبي ﷺ في موطن واحد الا ان الاقوال تنقسم في تفسير الحكم باختلاف تلك الالفاظ التابعة وليست اصلا في الخبر، فمثلا تجد الاختلاف في خبر المقداد (توضأ وانضح فرجك) او (اغسل ذكر وتوضأ) والنص جاء ولاجله نقل الخبر في عدم الغسل من المذي وانه يكفي غسل الذكر والوضوء، لكن تمسك البعض وانقسمت الاقوال بحسب سياق الخبر هل يصح الوضوء قبل الاستنجاء او لا؟ وهل يصح الوضوء قبل غسل الذكر ام لا؟ وهذه المسالة ترد كثيرا فيجب التنبه لها.\n***************************************\n٧- وعن رجل صحب النبي - ﷺ - قال: نهى رسول الله - ﷺ - <span data-type=\"title\" id=toc-8>«أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو الرجل بفضل المرأة</span>، وليغترفا جمعيًا» . أخرجه أبو داود. والنسائي، وإسناده صحيح.\nهذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث أبي عوانه عن داود بن عبد الله الأودي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري، قال: سمعت رجلًا صحب النبي - ﷺ - كما صحبه أبو هريرة أربع سنين.","vol":"1","page":44},{"text":"وهذا الحديث إسناده صحيح وقد أعله بعض أهل العلم بما لا يقدح، فقد أعله ابن حزم عليه رحمة الله، وأشار البيهقي عليه رحمة الله في أنه في حكم المرسل، ولكن جهالة الصحابي هنا لا تضر وعليه عامة أهل العلم، ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم وأبو إسحاق الإسفريني، فإنهما قال بأن جهالة الصحابي تضر، وعلل ذلك بتعليل غير مقبول، فوأهل العلم على أن جهالة الصحابي لا تضر فإن الله ﷾ قد عدّلهم في كتابه العظيم ورضي عنهم ﷾، وهذا منصوص في كتاب الله جل وعلا، وهو محل إجماع عند السلف الصالح عليهم رحمة الله وممن نص على ذلك الامام أحمد والحميدي، واضطرب في هذا البيهقي رحم الله الجميع، قال الامام احمد إذا قال الرجل من التابعين حدثني رجل من الصحابة ولم يسمّه فالحديث صحيح. وقال الحميدي: إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من الصحابة فهو حجة إن لم يسم ذلك. وابن حزم عليه رحمة الله لا يقابل قوله قول أئمة هذا الشأن فليس هو ممن يعارض باحمد والبخاري وابن المديني والدارقطني وابن معين والنسائي والترمذي واضرابهم، وهو ممن يعمل الظاهر في النقد ويغفل القرائن ككثير من المتأخرين كابن القطان الفاسي ونحوه، بل ان ابن حزم له أوهام في معرفة الرواة واسمائهم مما لا يوجد عادة في عند الائمة الكبار فقد وهم في اسم حماد فجعله ابن زيد والصواب أنه ابن سلمة فالراوي عنه موسى بن اسماعيل وعدم معرفته بداود راوي خبر هذا الحديث كما سياتي وغير ذلك مما لم اره عند الحفاظ النقاد وان وجد عندهم لكنه نادر جدا.","vol":"1","page":45},{"text":"وداود بن عبد الله الأودي قد وثقه الإمام أحمد وكذلك وثقه ابن معين عليهم رحمة الله، وقد حكى ابن معين عليه رحمة الله عن داود بن يزيد الأودي أنه قال: ليس بشيء، فتوهم الحافظ المزي عليه رحمة الله، أن هذا الحكم هو في داود بن عبد الله الأودي صاحب هذا الخبر، فذكر هذا الطعن وهذا الجرح في رواية داود بن عبد الله الأودي في كتابه التهذيب، وهو وهم ينبغي التنبيه له، فإن قول ابن معين عليه رحمة الله في داود الأودي: ليس بشيء، لا يريد فيه داود بن عبد الله ولكنه يريد داود بن يزيد، وداود بن يزيد الأودي هو ضعيف معروف.\nوقد أعل ابن حزم عليه رحمة الله هذا الخبر بداود الأودي وذلك لجهله بحاله، فإنه قال عليه رحمة الله: إن كان داود هذا هو عم ابن إدريس فضعيف وإلا فمجهول، وقد تعقبه جماعة من أهل العلم كابن قطان الفاسي فإنه قد ذكر أن الحميدي قد صحح هذا الخبر، وكتب إلى ابن حزم عليه رحمة الله رسالة يبين له صحة هذا الخبر، وكذلك يبين له حال داود بن عبد الله الأودي وأنه ثقة معروف وليس بمجهول وليس بضعيف أيضًا، وقال عليه رحمة الله: فلا أدري ابن حزم عليه رحمة الله أرجع عن قوله أم لا؟، والشاهد في ذلك أن هذا الخبر صحيح إسناده، وقد صححه بعض أهل العلم كالحميدي الله وابن القطان الفاسي والمصنف ابن حجر هنا وغيرهم من أهل العلم ونقل الميموني عن الامام أحمد إعلاله للاخبار الواردة في منع التطهر بفضل وضوء المرأة وفي جواز ذلك وعدها مضطربه.","vol":"1","page":46},{"text":"وهذا يدل على ان الامام أحمد ﵀ لم يشترط الصحة في مسنده وانما اشترط الشهرة ومعنى الشهرة أي ما عرف عند الحفاظ واشتهر وغن لم يشتهر ويعرف عند من هو دونهم، وليس المراد به الشهره عند أهل الاصطلاح وقد قال الامام احمد لابنه عبد الله لما سأله عن حديث ضعيف ذكره في المسند قال: إنما قصدت في المسند المشهور وتركت الناس تحت ستر الله ولو أردت أن أقصد ما صح عندي، لم أرو هذا المسند الا الشيء بعد الشيء. وهذا حكاه غير واحد من الأئمة وجماعة من الحنابلة كأبي بعلى وابن تيمية وابن القيم وغيرهم. ولهذا تجد ان الامام احمد اخرج احاديث في مسنده ومع هذا يعلها بل منها ما ينكره والامثله على هذا كثيرة جدا ومنها هذا الحديث وكذلك ما أخرجه الامام أحمد في مسنده من طريق أبي العميس عتبة عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ:إذا كان النصف من شعبان فأمسكوا عن الصوم حتى يكون رمضان. وقد نقل حرب عن أحمد قوله في هذا الحديث: هذا حديث منكر ولم يحدث العلاء بحديث أنكر من هذا وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به ومن ذلك أيضًا ما أخرجه في مسنده من حديث أبي هريرة وابي سعيد وغيرهما: لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه. وقال: لا يثبت فيه شيء عن النبي ﷺ. ومنها ما أخرجه في مسنده من حديث إسماعيل عن قيس عن جرير بن عبد الله البجلي قال: كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعه الطعام بعد دفنه من النياحة. وقد نقل ابو داود عن الامام احمد قوله فيه: لا اصل له.ومنه ما اخرجه في مسنده من حديث بقية عن عثمان بن زفر عن هاشم عن بن عمر قال: من اشترى ثوبا بعشرة دراهم وفيه درهم حرام لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه. قال ثم أدخل إصبعيه في أذنيه ثم قال صمتا ان لم يكن النبي ﷺ سمعته يقوله. وقد قال احمد: ليس له اسناد. يعني بهذه العبارة ليس له اسناد يعتمد عليه","vol":"1","page":47},{"text":"وهو اشبه بالاحاديث التي تروى وليس لها اسناد اصلا. وكذلك من الامثله هذا الحديث الذي معنا كما ذكرناه في النهي عن الاغتسال بفضل الرجل والمرأة.\nوهذا الخبر في نهيه - ﷺ - أن تغتسل المرأة بفضل الرجل والرجل بفضل المرأة، قد اختلف أهل العلم في نهي النبي - ﷺ - فيه:\n- فذهب أهل الظاهر وهو مروي عن الإمام أحمد وهو قول الحنابلة عليهم رحمة الله على أن النهي هنا للتحريم؛ لأن الأصل من نهي النبي - ﷺ - أنه يحمل على التحريم.","vol":"1","page":48},{"text":"- وذهب جماعة من أهل العلم وهو قولٌ للمالكية من أن نهي النبي - ﷺ - هو للتنزيه، ويحمل على الكراهة، وذلك لورود عدة أخبار عنه - ﷺ -، وكذلك عن أصحاب النبي - ﷺ - أن الرجل يغتسل بفضل المرأة، فقد أخرج البخاري وغيره عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر قال: كان الرجال والنساء يتوضأون جمعيًا في عهد النبي - ﷺ -، وكذلك ما أخرجه أهل السنن: أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأخرجه أيضًا الإمام أحمد وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم من أهل العلم، ما أخرجوه من حديث سماك بن حرب عن عكرمة عن عبد الله بن عباس: اغتسل بعض أزواج النبي - ﷺ - في جفنة، فجاء النبي - ﷺ - ليغتسل منها، فقالت زوجته: إني كنت جنبًا، فقال النبي - ﷺ -: «إن الماء لا يجنب»، وهذا الخبر قد أعله بعض أهل العلم وصححه بعضهم، فقد صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن حجر كما في كتابه هنا، وقد أعله بعض أهل العلم وتوقف فيه الإمام أحمد عليه رحمة الله وذلك لحالِ سماك بن حرب، وسماك بن حرب قد وثقه ابن معين عليه رحمة الله، وقد قال فيه النسائي: ليس به بأس، وقال فيه ابن المديني عليه رحمة الله ويعقوب ابن شيبة: أنه مضطرب الرواية في روايته عن عكرمة، قال الدارقطني عليه رحمة الله: إذا روى عنه سفيان وشعبة وأبو الأحوص فإن أحاديثه سليمة، وهو في هذا الخبر قد روى عنه سفيان كما عند الإمام أحمد وكذلك عند النسائي، وروى عنه أبو الأحوص كما عند أبي داود والترمذي وابن حبان والطبراني وغيرهم، وكذلك قد رواه عنه شعبة بن الحجاج عليه رحمة الله وقد اختلفت الالفاظ فيه فرواه شعبه وسفيان وابو الاحوص بلفظ: (ان الماء لا ينجسه شيء) وهو الصواب ولا يصح بلفظ (ان الماء لا يجنب) وفي الغالب اذا روى عنه شعبه وسفيان وابو الاحوص فهو","vol":"1","page":49},{"text":"مما يدل على ضبطه لهذا الخبر، وأن هذا الخبر مستقيم، والعمدة أن ينظر مع ذلك الى استقامة الحديث وعدم غرابته واضطرابه وان لا يتفرد بما لم يأت به الثقات الحفاظ.\nوعكرمة مولى عبد الله بن عباس قد أخرج له البخاري في صحيحه،\nوهنا مسألة ينبغي التنبه لها: وهي أن أمثال هذا الروايات إذا وجد راوٍ قد أخرج له البخاري يروي عن راوي قد أخرج له الإمام مسلم عليه رحمة الله فإنه لا يقال في مثل هذا الخبر أنه لا على شرط البخاري ولا على شرط مسلم، ولا يقال أيضًا أنه على شرط الصحيح من غير الإشارة إلى البخاري أو مسلم، وإنما يقال رجاله رجال الصحيح أو رجاله أخرج لهم في الصحيح، فقد ذكرنا أن أمثال هذه اللفظة لا تدل على تصحيح الحديث، فإن سماك بن حرب في روايته عن عكرمة فيها اضطراب كما حكى ذلك ابن المديني، وكذلك يعقوب بن شيبة مع أن الإمام مسلم عليه رحمة الله قد أخرج لسماك بن حرب في روايته عن غير عكرمة، والبخاري عليه رحمة الله قد أخرج لعكرمة مولى عبد الله بن عباس من غير رواية سماك بن حرب عنه، فلا يقال ذلك أنه على شرط أحدهما فضلًا عن أن يكون على شرطهما، وأن قول البعض: (رجاله رجال الصحيح)، لا تفيد تصحيحًا لهذا الخبر أو لغيره من الأخبار، وحكاية على شرط الصحيح على الاحاديث تساهل فيها الكثير ونظروا الى ظاهر الاسانيد وحكموا بذلك، وهذا غير صحيح فثمة اشياء غير سياق الرواة يلزم النظر فيه وهو الغرابة والتفرد وعدم المخالفة وسلامة المتن، وقد وجد من الاحاديث حكي فيها انها على شرط البخاري او مسلم او كليهما وفي متونها نكارة وغرابة، وهذا لا يصح والشيخان ينظران الى المتون كما ينظران الى الاسانيد والرجال وهذا قد غفل عنه كثير ممن ينتسب الى العلم من أهل العصر.\nوعلى هذا فحديث سماك بن حرب عن عكرمة على ثلاثة انواع:","vol":"1","page":50},{"text":"الاول: فيما رواه عن عكرمة عن ابن عباس وانفرد به ولم يوافق عليه فهو يغلب عليه النكاره فيكون مردودا. ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث سماك عن عكرمة عن بن عباس قال جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال إني رأيت الهلال قال أتشهد أن لا إله إلا الله أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال يا بلال أذن في الناس أن يصوموا غدا. والصحيح فيه الارسال فقد رواه جماعة كسفيان الثوري وغير هـ عن سماك عن عكرمة مرسلا وصوب ذلك الحفاظ كالترمذي والنسائي. وقد انكر الحفاظ تفردات سماك عن عكرمة كابن المديني واحمد العجلي والدارقطني وغيرهم\nالثاني: ما رواه عن عكرمة عن ابن عباس ورواه عنه قدماء أصحابه شعبة وسفيان وابو الاحوص فهذا النوع ينظر فيه الى استقامة متنه وعدم غرابته ونكارته فان كان كذلك فيقبل\nالثالث: ما رواه عن عكرمة عن غير ابن عباس كعائشة وغيرها ولم يكن ممن يستنكر متنه ولم ينفرد بأصل فهو محمول على الاستقامة والصحة ما لم يخالف كما روى النسائي والطيالسي والبيهقي عن سماك عن عكرمة عن عائشة ﵂ قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم فقال أعندك شيء قلت لا قال إذا أصوم.\nوهذا صحيح قد صححه الحفاظ كالدارقطني والبيهقي وغيرهما\nوفي مسالة الاغتسال بالفضله كذلك النبي - ﷺ - فإنه قد اغتسل بفضل ميمونة عليها رضوان الله تعالى، كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عباس - ﵁ -، إذًا فغسل الرجل بفضل المرأة هو جائز ومجزئ، وأن ذلك لا يحمل على التحريم جمعًا بين الأخبار التي جاءت عن النبي - ﷺ -، وكذلك عن أصحاب النبي - ﵃ -.\n***************************************\n٨- وعن ابن عباس ﵄؛ أن النبي - ﷺ -<span data-type=\"title\" id=toc-9> كان يغتسل بفضل ميمونة ﵂</span>. أخرجه مسلم.","vol":"1","page":51},{"text":"هذا الحديث قد أخرجه الإمام مسلم من حديث محمد بن بكر عن ابن جريج عن عمرو بن دينار قال: أكبر علمي والذي يخطر على بالي، أن أبا الشعثاء حدثني عن عبد الله بن عباس أن النبي - ﷺ - اغتسل بفضل ميمونة عليها رضوان الله تعالى.\nوهذا الخبر صارف لما جاء عن النبي - ﷺ - من النهي أن يغتسل الرجل بفضل المرأة أو المرأة بفضل الرجل للتحريم، وقد صرفه من التحريم إلى كراهة التنزيه، وإلا لما فعل النبي - ﷺ - شيئا قد نهى عنه.\nوفيه دلالة أيضًا على أن الماء باقٍ على طهوريته وتطهيره، وهو باق على أصله لا ينصرف إلى غيره، فإن النبي - ﷺ - حينما فعل ذلك وفعله أصحابه عليهم رضوان الله تعالى، دلّ ذلك على بقاء الماء على أصله، وأن النبي - ﷺ - حينما نهى عن اغتسال الرجل بفضل المرأة أو المرأة بفضل الرجل أنه على كراهة التنزيه، وأن الأولى أن يغتسل الرجل بعد المرأة من غير فضلها، وأن المرأة تغتسل بعد الرجل من غير فضله، أو يغترفا من إناء واحد جميعا، وذلك مما نبه النبي - ﷺ - عليه بنهيه عن ذلك، نهي كراهة وليس نهيًا تحريميا.","vol":"1","page":52},{"text":"وفي إسناد هذا الخبر من المسائل ما يذكره أهل الحديث عليهم رحمة الله من قول عمرو بن دينار عليه رحمة الله: أكبر علمي، والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء حدثني ...، فقد وقع في الشك عليه رحمة الله، مع ذلك أخرج هذا الخبر الإمام مسلم عليه رحمة الله في صحيحه، مع أن عمرو بن دينار قد وقع في شيء من الشك في تحديث أبي الشعثاء له عن عبد الله بن عباس عليهما رضوان الله تعالى، وهذا الجواب عنه أن شك الثقات الحفاظ كعمرو بن دينار أنه كيقين غيرهم خاصة إذا غلب ظنهم على شيء، ولذا قال شعبة بن الحجاج شك مسعر أحب إلي من يقين غيره. وقال ذلك ايضا في ابن عون. وروي ان شعبه سأل أيوب عن حديث فقال أشك فيه فقال له شكك أحب إلي من يقين غيرك.، فإن الثقة إذا شك في أمر ومال إلى أحدهما كما في رواية عمرو بن دينار هنا يدل على شدة تحرزه وضبطه، بخلاف خفيف الضبط أو الصدوق أو من الثقات الذين ليسوا معروفين بالحفظ، وكذلك الضبط فإنه إذا شك يتوقف فيه، بل إن أهل العلم عليهم رحمة الله قد قالوا: أن الحافظ إذا حدّث بحديث عن شيخه ونفى شيخه أن يكون قد حدّثه بذلك الخبر أن حديثه صحيحا، وإن نفي الشيخ أن يكون حدثه بذلك الخبر إما أن يكون قد طرى على شيخه من النسيان أو شيء من الغفلة ونحو ذلك، وقد جاءت في ذلك روايات عن النبي - ﷺ - بأسانيد فيها مثل هذا، فقد نفى بعض الشيوخ أن يكون قد حدّثوا التلاميذ مع أن التلاميذ هم من الحفاظ، وقد قبل الحفاظ رواياتهم، وقد أخرج البخاري ومسلم مثل هذا في صحيحهما، كما أخرج الإمام مسلم في مثل هذا الشك هنا في حديث عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن أبي الشعثاء عن عبد الله بن عباس عليهما رضوان الله تعالى.\n***************************************","vol":"1","page":53},{"text":"٩- ولأصحاب السنن: اغتسل بعض أزواج النبي - ﷺ - في جفنة، فجاء ليغتسل منها، فقالت له: إني كنت جنبًا، فقال: <span data-type=\"title\" id=toc-10>«إن الماء لا يجنب» </span>. وصححه الترمذي، وابن خزيمة.\nهذا الحديث هو حديث عبد الله بن عباس، قد أشرنا إليه في السابق عند الحديث الذي قبل الماضي، من أنه حديث عبد الله بن عباس ويرويه عنه عكرمة ويرويه عن عكرمة سماك بن حرب ويرويه عن سماك بن حرب سفيان الثوري، ويرويه مع سفيان شعبة بن الحجاج وأبو الأحوص، وهؤلاء ثقات حفاظ إذا رووا عن سماك بن حرب حديثًا حتى وإن كان عن عكرمة عن ابن عباس فهو في الغالب يكون مستقيما، وقد يكون له ما ينكر فيرد؛ وهؤلاء ينتقون من شيوخهم الأحاديث، وقد قال الدارقطني عليه رحمة الله عن سماك بن حرب: إذا روى عنه سفيان وشعبة وأبو الأحوص فإن أحاديثه سليمة، فإن سماك بن حرب في روايته عن عكرمة فيه شيء من الاضطراب، كما حكى ذلك ابن المديني ويعقوب بن شيبة، وكذلك قد حكاه أيضًا أحمد بن عبد الله العجلي عليه رحمة الله، وإلا فسماك بن حرب في نفسه هو من الثقات وقد وثقه ابن معين، وقال فيه النسائي: ليس به بأس وفي حديثه شيء.\nوقد توقف فيه الإمام أحمد عليه رحمة الله، لشدة تحرزه لحال سماك بن حرب، فإنه ليس يرويه غير سماك بن حرب لم يرو إلا من طريق سماك بن حرب.\nوالحديث بهذا اللفظ الذي اورده المصنف لا يصح، والصحيح ما اتفق عليه ثقات اصحاب سماك كشعبه وسفيان وابي الاحوص (ان الماء لا ينجس) او لا ينجسه شيء\n.وقد تقدم الكلام عليه وعلى رواية سماك بن حرب عن عكرمة مولى ابن عباس بالتفصيل","vol":"1","page":54},{"text":"وفي هذا الخبر من الدلالة أيضًا ما ذكرناه في السابق أنه صارف لنهي النبي - ﷺ - أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، أو المرأة بفضل الرجل، وليغترفا جميعًا، وأن النهي يحمل على الكراهة كراهة التنزيه، وأنها ليست بكراهة التحريم، وإلا النبي - ﷺ - لما قال لزوجته عليها رضوان الله تعالى: «إن الماء لا ينجس»، واغتسل منه - ﷺ -.\n١٠- وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: <span data-type=\"title\" id=toc-11>«طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب» </span>أخرجه مسلم.\nهذا الحديث قد أخرجه الإمام مسلم عليه رحمة الله قال حدثنا زهير بن حرب حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة - ﵁ -.\nقوله - ﷺ -: «إذا ولغ الكلب»:\nالولوغ هنا هو: الشرب باللسان، وهذا خاص بالكلب ونحوه من السباع، والولوغ لا يكون إلا لسائل من ماء وغيره، ومنه يؤخذ كما أخذ أهل العلم أن الكلب إذا وضع لسانه على شئ من الجامدات ونحو ذلك، أن هذا ليس بحكم السائل، وأنه لا يغسل سبعا، وإنما يأخذ ما وضع فيه الكلب لسانه ويغسل كسائر النجاسات او يزال فيرمى، ولا يقال بأن ذلك الموضع يغسل سبعًا؛ لأن النبي - ﷺ - قيد ذلك بالولوغ، والولوغ لا يكون إلا في الشرب.\nوهذه اللفظة التي جاءت عن النبي - ﷺ - هنا في قوله: «إذا ولغ»، ذكرنا أنها خاصة بالكلب وما في حكمه من السباع، ولكن النبي - ﷺ - خصص هذا الحكم بالكلب ولم يعممه في سائر السباع بقوله: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم»، فهذا خاص في الكلب لا يعم سائر السباع.","vol":"1","page":55},{"text":"وقد جاء عن النبي - ﷺ - قوله: «إذا شرب»، والمعلوم أن الكلب لا يشرب وإنما يلغ، وهذا معلوم عند العرب، جاء ذلك في الصحيحين: من حديث مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: «إذا شرب الكلب»، وقال الحافظ ابن عبد البر عليه رحمة الله تفرد الإمام مالك بهذا اللفظة يعني: «إذا شرب»، والصحيح أن الإمام مالك عليه رحمة الله لم يتفرد بهذه اللفظة لفظة: «إذا شرب»، والذي يظهر والله أعلم أنها ممن فوقه أو ممن دونه، أو أن هذا الخبر روي بالمعنى عن النبي - ﷺ -، فقد جاءت هذه اللفظة عن غير الإمام مالك عليه رحمة الله، بل روى هذا الخبر عن الإمام مالك عليه رحمة الله غير راوٍ ولم يذكروا لفظة: «إذا شرب» وإنما قالوا: «إذا ولغ»، وهذا قد جاء عند أبي عبيد في كتابه (الطهور) من حديث إسماعيل بن عمر عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إذا ولغ» .\nوكذلك قد أخرجه ابن ماجه من حديث روح بن عبادة عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «إذا ولغ»، ولم يذكر إذا شرب، مما يدل على أن الإمام مالك عليه رحمة الله قد أتى بالحديث على وجهه، وأن هذا إما أن يكون من أبي الزناد، أو ممن روى عن الإمام مالك عليه رحمة الله، وكذلك مما يؤيد أن الخبر هذا قد جاء عن النبي - ﷺ - بالمعنى وجاء بلفظ: «إذا شرب» .","vol":"1","page":56},{"text":"وأن الصحيح عن النبي - ﷺ -: «إذا ولغ» أنه جاء عن النبي - ﷺ - من غير طريق الإمام مالك عليه رحمة الله، فقد أخرج ابن المنذر من حديث عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «إذا شرب»، وعبد الرحمن بن أبي الزناد قد تابع الإمام مالك عليه رحمة الله هنا.\nوكذلك قد أخرجه أيضًا شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبيﷺ - قال: «إذا شرب» مما يدل على أن الإمام مالك عليه رحمة الله لم يتفرد بطريقه بهذه اللفظة.\nوكذلك قد أخرج من غير طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة جاء عند ابن خزيمة وكذلك ابن المنذر من طريقين عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺأنه قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم» فجاء بلفظ شرب.\nوالذي يظهر والله أعلم أن قوله في أول هذا الخبر «إذا شرب» جاء عن النبي - ﷺ - بالمعنى، وأنه جاء على سبيل التجوّز لكي يفهم السامع، وكذلك لكي يتبادر إلى الذهن من أن المراد هو: الشرب وليس المراد أن يمس لسان الكلب الموضع، ولكن النبي - ﷺ - قد أراد بذلك الخبر كما ذكرنا الولوغ.\nوالولوغ لا يكون إلا بالسائل وأن الكلب إذا مس لسانه شئ من الجامدات ونحو ذلك أنه لا يغسل سبعًا ولا بالتراب، وإنما يُزال ذلك الموضع إن كان ذلك من الجامدات من سمن جامد ونحو ذلك، يزال ما مسه الكلب من لسانه ولا يقال بأنه يغسل سبعا ونحو ذلك، ثم يستعمل ذلك الشيء الذي مسه لسان الكلب.\nوقوله - ﷺ -: «إذا ولغ الكلب»:\nوالكلب هنا: هو دابة من السباع معروفة، وهذا الحكم خاص بالكلاب ولا يشمل سائر السباع عند عامة أهل العلم.","vol":"1","page":57},{"text":"ولكنهم اختلفوا في الخنزير هل يغسل سبعًا ويكون حكمه كحكم الكلب كما جاء عن النبي - ﷺ -؟\n- ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الخنزير ليس حكمه كحكم الكلب، وأن النبي - ﷺ - قد خصص ذلك بالكلب ولم يطلقه، وإلا لو كان ذلك عام لقال النبي - ﷺ -: «إذا وُلِغ في إناء أحدكم»، ولم يذكر الكلب بعينه.\n- وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخنزير يغسل سبعًا إحداهن بالتراب، وذلك لتعليلهم بقولهم أن الخنزير أشد نجاسة من الكلب، فيكون ذلك القياس من باب أولى، ولكن هذا لا يسلم؛ لأن تخصيص النبي - ﷺ - للكلب لحكمة، وكذلك تخصيصه لريقه لحكمة معلومة، ومعلوم أن ثمة أشياء هي من المستخبثات، إلا أن النبي - ﷺ - لم ينص على ذلك العدد، ولم ينص على التراب إلا في الكلب مما يدل على أن الكلب له ميزة معلومة في علم الله جل وعلا من باب النجاسة، خص النبي - ﷺ - إزالتها بالغسل سبعًا أولاهن بالتراب، كما جاء عن النبي - ﷺ -.","vol":"1","page":58},{"text":"والكلب هنا يشمل جميع أنواع الكلاب، حتى ما رخص النبي - ﷺ - باقتنائه من كلب صيد أو ماشية أو حراسة ونحو ذلك، وقال بعض أهل العلم أنه يستثنى من ذلك ما رخص فيه النبي - ﷺ - من كلب الحراسة وكلب الصيد ونحو ذلك، وقالوا أن ذلك أولى بسماحة الإسلام، فإن الشارع الحكيم حينما أباح اقتناء الكلب، وهو الذي الأصل فيه أن من اقتناه قد كسب إثمًا وذلك من محبطات الأعمال، فإنه حينئذ يغتفر النجاسة، كما غفر الله جل وعلا الذنب تغتفر النجاسة؛ لأنه مما تعم به البلوى فإن كلاب الحراسة وكلاب الصيد ونحو ذلك، تعم بمخالطتها البلوى فاغتفار نجاستها من باب الشارع الحكيم يدل على سماحة الإسلام، ولكن هذا القول ليس بمسلم، فإن النبي - ﷺ - قد أطلق هذا القول ولم يقيده - ﷺ - لا بكلب صيد ولا ماشية ولا غيرها مما خصصه النبي - ﷺ -، ولو كان النبي - ﷺ - يريد تخصيص شئ لخصصها كما خصص كلاب الصيد وغيرها من الاستثناء، مما خصه النبي - ﷺ - من التحريم، وهذا هو الصحيح الذي تعضده الأدلة أن نجاسة الكلب عامة، وأن الأمر بالغسل عام لجميع أنواع الكلاب.\nوهل نجاسة الكلب في فمه وريقه أم في سائر جسده؟\nذهب جمهور أهل العلم من الشافعية والحنفية والحنابلة إلى أن نجاسة الكلب كاملة في جميع جسده، إلا أن الغسل سبعًا لا يكون إلا لما ولغ فيه الكلب، وسائر جسد الكلب يعتبر نجسًا؛ وعللوا ذلك فقالوا: إذا كان ريق الكلب نجس، فإن الريق يخرج من باطن الكلب من أمعاءه ونحو ذلك، وهي ما ينبت منه جسد الحيوان فيدل ذلك على أنه ينبت من نجاسة.","vol":"1","page":59},{"text":"وذهب الإمام مالك وداود الظاهري وهو قول للظاهرية عامة إلى أن نجاسة الكلب في فمه وريقه؛ وعللوا قالوا: بأن النبي - ﷺ - أمر بغسل نجاسة الكلب إذا ولغ فحسب، مع أن مخالطة الكلب للناس ككلاب الحراسة وما أذن فيه النبي - ﷺ - أكثر من ولوغها في الآنية، ولم يأمر النبي - ﷺ - بشيء من الاحتراز الذي يزيل نجاسة الكلب في جسده ونحو ذلك، وهذا قول مردود فإن النبي - ﷺ - إغفاله لذكر نجاسة جسد الكلب وهو مما تعم به البلوى، لا يعني أن جسد الكلب ليس بنجس، وإنما غاية ما يدل عليه ذلك، أن جسد الكلب وشعره أنه لا ينطبق عليه ولوغ الكلب فلا يغسل سبعًا ولا بالتراب، هذا غاية ما يفهم من نص النبي - ﷺ -، أي أن حكم نجاسة ريق الكلب ولعابه هي أشد من نجاسة جسده، هذا غاية ما يدل عليه النص الذي جاء عن النبي - ﷺ -.\nوالغسل سبعًا واجب عند عامة أهل العلم، ولا يجزئ غسل لعاب الكلب أو الإناء الذي يلغ فيه الكلب بأقل من ذلك، ومن غسل أقل من ذلك فإنه لا يجزئه عند عامة الفقهاء عليهم رحمة الله.\nولكنهم اختلفوا في غسلة التراب هل هي واجبة أم لا؟\nفذهب الحنفية والمالكية إلى أن الواجب هو الغسل سبعًا، وأن غسلة التراب ليست بواجبة؛ وعللوا بتعليل قالوا: أن غسلة التراب قد اختلفت الروايات فيها وفي محلها عن النبي - ﷺ -، مما يدل على عدم تأكيد الشارع عليها وإلا لضبطها الرواة.","vol":"1","page":60},{"text":"وذهب جمهور أهل العلم وهو قولٌ للشافعي وللإمام أحمد عليهم رحمة الله، إلى أن غسلة التراب واجبة، وأن من غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا ولم يغسله بالتراب أن ذلك لا يجزئ عنه، واستدلوا بظاهر ما جاء عن النبي - ﷺ - في هذا الخبر حديث أبي هريرة - ﵁ -، وأن ذلك ثابت عن النبي - ﷺ - ولا غبار عليه، وأن ما جاء عن النبي - ﷺ - من اختلاف الرواة في ذكر موطن غسلة التراب أو الشك فيها، أن ذلك لا يعني عدم ثبوتها عن النبي - ﷺ -، فكما أنها شك فيها بعض الرواة واضطرب فيها، فإن هناك من الرواة من ضبطها عن النبي - ﷺ -، وأثبت محلها، وذلك معلوم عند من تأمل أخبار النبي - ﷺ - وتأمل كذلك طرق حديث أبي هريرة - ﵁ - وغيره من الأخبار التي جاءت عن النبي - ﷺ - في غسل الإناء من ولوغ الكلب.\nوهذا هو القول الصحيح الذي يعضده ظاهر الأدلة عن النبي - ﷺمن أن الغسلات السبع وغسلة التراب واجبة وأن من غسل الإناء بأقل من ذلك أو لم يغسله بالتراب أنه لا يجزئ عنه وهذا قد علم بالتجربة وكذلك قد علم عند أهل الطب أن للتراب مزية عن غيره من المنظفات وهذا لم يخصه النبي - ﷺإلا لعلم من الغيب أخبره الله جل وعلا به ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ .\nقوله - ﷺ -: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم):\nذكر النبي - ﷺهنا الإناء وخصص الولوغ به وذكرنا أن جماهير أهل العلم على أن الغسل لا يكون إلا في ولوغ الكلب في السائل وأنه إذا مس لسان الكلب شيئا من الجمادات أنه لا يغسل، ولكن أهل العلم اختلفوا في باقي جسد الكلب إذا غمس في الإناء ونحو ذلك.","vol":"1","page":61},{"text":"فذهب جمهور أهل العلم الى أن جسد الكلب كيده ورجله وشعره إذا انغمس في إناء من ماء أو شراب غيره كلبن وعصير ونحو ذلك انه لا يغسل سبعًا.\nوإنما إذا كان الماء كثيرًا ولم يتغير شئ من أوصافه فإنه حينئذ يبقى على طهوريته وإن تغير شئ من أوصافه فإنه حينئذ يكون نجسًا.\nوذهب الشافعي عليه رحمة الله إلى أن الكلب أذنه وفمه ولعابه ورجله إذا انغمست في السائل أنه يغسل سبعًا إحداهن بالتراب وعمم ذلك الحكم، ولكن هذا لا يعضده الدليل فالذي جاء عن النبي - ﷺهو الولوغ في الإناء وهذا لا يكون إلا في السائل ولا يكون إلا من لسان الكلب وغيره من السباع وهذا خاص بالكلب تخصيص النبي - ﷺله بقوله «إذا ولغ الكلب» فهنا تقييدات متعاقبة من النبي - ﷺفي هذا الخبر:\nأولاها: بقوله - ﷺ - «إذا ولغ» خصص الولوغ وهذا عام ثم قال «الكلب» يخصص سائر السباع منها الكلب، وذلك يدل على أن الحكم خاص بالكلب لا يعمه إلى غيره من السباع.\nثم قال - ﷺ - «في إناء أحدكم» مما يدل على تخصيصه في الشراب وأن ذلك لا يكون في بقية جسد الكلب من أذنه أو غمس فمه من غير ولوغ ونحو ذلك أو غمس قدمه فإن ذلك لا يوجب الغسل سبعًا ولا يوجب الغسلة بالتراب لظاهر النص عن النبي - ﷺ -.\nقوله - ﷺ - في هذا الخبر: (أولاهن بالتراب):\nهذا هو الصحيح عن النبي - ﷺ - فما جاء عن النبي - ﷺأولاهن أو أخراهن فهو بالشك وليس بالتخيير شك عند بعض الرواة والصحيح أنه بأولاهن.\nقال المؤلف ﵀: وفي لفظ له (فليرقه):","vol":"1","page":62},{"text":"هذه اللفظة أخرجها الإمام مسلم عليه رحمة الله من حديث علي بن حجر عن علي بن مسهر عن الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة - ﵁ - وهذه اللفظة لفظة شاذة قد خالف فيها علي بن مسهر سائر أصحاب الأعمش الذين رووا هذا الخبر عنه.\nوعلي بن مسهر هو من الثقات وهو من المعروفين المشهورين بالرواية، وقد أخرج له الجماعة وغيرهم، وهو وإن كان من الثقات المعروفين إلا أنه خالف الثقات الحفاظ من أصحاب الأعمش عليه رحمة الله فإنهم لم يذكروا هذه الزيادة فقد رواه عن الأعمش جماعة منهم شعبة بن الحجاج وكذلك أبو معاوية كما عند الإمام أحمد عليه رحمة الله وإسماعيل بن زكريا عند الإمام مسلم وحماد بن أسامة عند ابن أبى شيبة ورواه ايضا غيرهم وشعبة وابو معاوية من أوثق الناس وأثبتهم في حديث الأعمش، وكذلك قد رواه جماعة عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة - ﵁ - من غير ذكر لفظه «فليرقه» وهذه الزيادة هي زيادة شاذة قد نص الحفاظ على شذوذها فقد قال الإمام النسائي عليه رحمة الله في سننه بشذوذها وقال: لا أعلم أحدا من الرواة وافق علي بن مسهر على هذه اللفظة يعني «فليرقه»، وكذلك قال ذلك ابن عبد البر عليه رحمة فقال: وهذه اللفظة لم يأت بها أصحاب الأعمش الثقات الحفاظ كشعبه وغيره، وكذلك قد قال بشذوذها حمزة الكناني عليه رحمة الله وهو من الحفاظ النقاد فقال أنها غير محفوظة. واذا فهي زيادة شاذة لا تثبت عن النبي - ﷺ - من جهة الرواية.","vol":"1","page":63},{"text":"وبها استدل الذين يقولون بأن ولوغ الكلب في الإناء يدل على نجاسة الماء سواء كان كثيرًا أو قليلًا وهذا قول ليس بصحيح من جهة اخذه من هذه الرواية وإن كان من جهة الغاية له وجه من الصحة فإن النبي - ﷺحينما قال «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا»، قول النبي - ﷺ - «فليغسله سبعًا» يدل على نجاسة الإناء فالإناء من أي شئ تنجس؟\nتنجس من ذلك الماء الذي هو فيه فمعلوم أن الكلب ولغ في الماء وربما لم يمس الإناء بلسانه فالماء قد نقل النجاسة إلى الإناء فأصبح نجسًا وأوجب الشارع غسله سبعًا ولكن هذه الزيادة تضمنت معنيين عن النبي - ﷺ -:\nالمعنى الأول: هو نجاسة هذا الماء مطلقًا سواء كان قليلًا أو كثيرًا، وهذا لا يسلم إلا إذا كان الماء قليلًا قلة لا تدفع النجاسه، أما إذا كان كثيرًا من الأواني الكبيرة ونحو ذلك التي يصعب أن ينتشر فيها لعاب الكلب فإنه حينئذ لا تنجس لأن النبي - ﷺقد أطلق كما تقدم معنا طهورية الماء إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، أما إذا كان قليلًا كالأواني الصغيرة فإنها تنجس وإن لم يتغير شئ منها بنص النبي - ﷺوأمره بغسل الإناء سبعًا.\nوتتضمن هذه الزيادة أمرًا ثانيًا: وهي أمر النبي - ﷺبإراقة الماء وألا يستفاد منه بشيء وهذا لا يسلم لأن هذه الزيادة لا تصح عن النبي - ﷺبل يشرع الاستفادة من الماء وعدم الإسراف فيه بإضافته إلى غيره فيتكاثر فتزول النجاسة بمكاثرة الماء، ولو قلنا بصحة هذه الزيادة لوجب وجوبًا عدم الاستفادة من هذه الماء وأنه يجب إراقة الماء الذي ولغ فيه الكلب وهذه الزيادة لا تصح فالعمل بهذا الأمر لا يصح.\nقال المؤلف ﵀: وللترمذي: (أولاهن أو أخراهن بالتراب):","vol":"1","page":64},{"text":"هذه الرواية قد أخرجها الإمام الترمذي عليه رحمة الله قال حدثنا سوار عن المعتمر بن سليمان عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة - ﵁ -.\nوهذه الرواية بالشك وليست للتخيير فقوله «أولاهن أو أخراهن» هي شك وليست بتخيير ويدل علي ذلك أن أصحاب ابن سيرين عليه رحمة الله قد رووا هذا الخبر عنه من غير الشك منهم هشام بن حسان وقتادة بن دعامة وحبيب بن الشهيد والأوزاعي وغيرهم من الحفاظ عليهم رحمة الله رووا عن ابن سيرين عن أبي هريرة - ﵁ - هذا الخبر ولم يشكوا فيه.\nوالصحيح في هذه الرواية أنه عن النبي - ﷺبأولاهن كما جاء عند الإمام مسلم عليه رحمة الله.\n١١- عن أبي قتادة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال في الهرة: <span data-type=\"title\" id=toc-12>(إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم) </span>. أخرجه الأربعة وصححه الترمذي وابن خزيمة.\nهذا الحديث قد أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي وغيرهم من أهل العلم كلهم أخرجوه من حديث الإمام مالك بن انس عليه رحمة الله عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن زوجته حُميدة بنت عبيد بن رفاعة عن كبشة عن أبي قتادة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -.\nوهذا الحديث قد أعلّه بعض أهل العلم للجهالة في إسناده فقد أعلّه الحافظ ابن منده عليه رحمة الله تعالى فقال: لا يصح بوجه من الوجوه وأعلّه كذلك ابن عبد البر والبزار في مسنده فقال: لا يصح من جهة النقل.\nوكذلك قد أعلّه غيرهم من أهل العلم كابن دقيق العيد وابن التركماني عليهم رحمة الله.","vol":"1","page":65},{"text":"ولكن إعلالهم للجهالة في إسناده مردود، فإن هذا الحديث وإن كان في إسناده شيء من الجهالة فإعلالهم بحُميدة بنت عبيد وكذلك بكبشة، فحُميدة بنت عبيد هي بالحاء المهمله المضمومة هكذا رواه سائر أصحاب الإمام مالك عليه رحمة الله ورواه يحي بن يحي الأندلسي عن الأمام مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن زوجته حَميدة فقال بفتح الحاء، وحَميدة أو حُميدة على الأشهر هي وإن كانت غير مشهورة بالرواية، إلا أنها قد روى عنها إسحاق بن أبي طلحة وهو من الثقات وكذلك قد روى عنها ابنها وقد وثقه ابن معين عليه رحمة الله وقد ذكرها ابن حبّان في كتابه الثقات.\nوهذا الخبر قد صححه جماعة من أهل العلم فقد قال الإمام الدارقطني عليه رحمة الله: رجاله ثقات معروفون، وحكى النووي عن البيهقي تصحيح هذا الخبر وكذلك قد قال الإمام الترمذي عليه رحمة الله: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: قد جوّد مالك هذا الحديث وروايته أصح من رواية غيره.","vol":"1","page":66},{"text":"وهذا الحديث قد صححه غيرهم من أهل العلم من المتأخرين كالإمام النووي وغيره من المتأخرين، فإعلاله بحُميدة لجهالتها غير مسلّم فإن تضعيف الأحاديث للجهالة مطلقًا ليس من منهج الحفاظ عليهم رحمة الله، والإمام أحمد وابن المديني والبخاري ومسلم والدارقطني يصححون بعض الأحاديث إذا كان في إسنادها مجاهيل إذا احتفت القرائن ودلّت على ضبط هذه الرواية فحُميدة على الأشهر أو حَميدة كما قال يحي بن يحي الأندلسي قد روت هذا الحديث عن كبشة، وكبشة هي زوجة أبي قتادة - ﵁ - قد قال ابن حبّان عليه رحمة الله بصحبتها وذكرها في الصحابة في كتابه الثقات، وكذلك قد ذكرها في التابعين ولعله تراجع وهو احسن ما يحمل عليه واولى من القول باضطرابه وقد قال بعضهم أنه قد تراجع عن صحبتها وقال أنها من التابعين، وعلى كل فهي في طبقة متقدمة وإعلال الخبر بجهالتها غير مسلّم ولذا فإن الحفاظ عليهم رحمة الله قد مالوا إلى تقوية هذا الخبر كالإمام الدارقطني وكذلك البخاري بقوله: قد جوّد مالك هذا الحديث وروايته أصح من رواية غيره، مما يدل على استقامة متن هذا الحديث، وكذلك أنه قد جاء في قصة عن النبي - ﷺوهذا من القرائن التي يقبل فيها حديث الرواة سواء كانوا مجاهيل أو كانوا خفيفي الضبط فإنه حينئذ تقبل روايتهم إن احتفت القرائن بها.","vol":"1","page":67},{"text":"وكذلك فإن الحفاظ عليهم رحمة الله يتسامحون في رواية النساء إذا كن من طبقة متقدمة لذلك يقول الإمام الذهبي عليه رحمة الله: لا يعرف في النساء متهمة ولا متروكة، أي من جهة الرواية وإنما سائر النساء أو أكثر النساء التي يأتين في الروايات إنما هن في عداد المجاهيل وفي عداد المستورين ولا يعرف امرأة هي في عداد الكذابين أو في عداد المتروكين وهذا من القرائن التي يقبل فيها الخبر، ولا يطلق قبول رواية النساء مطلقًا ولكن إذا احتفت القرائن بأحاديث المجاهيل ومنهم النساء فإن الحفاظ عليهم رحمة الله يقبلونها، ومنها هذا الحديث فإنه حديث مستقيم وقد اختفت القرائن به، منها أن رواته من المستورات من النساء ممن روين عن طبقة متقدمة، وكذلك قد جاء في قصة مما يدل على ضبط الناقل لها.\nوكذلك يعتضد بتصحيح الحفاظ وكذلك توثيقهم لرواته كما قال الإمام الدارقطني عليه رحمة الله: رجاله ثقات معروفون، وهو يعلم أن في إسناده حميدة وكذلك كبشة عن أبي قتادة - ﵁ -.\nوهذا الخبر قد أخرجه ابن خزيمة وابن حبّان وهما لا يخرجان إلا الصحيح عندهما في صحيحهما عليهما رحمة الله.\nوقوله - ﷺ -: (إنها ليست بخس):\nالنجس: هنا هو من النجاسة ويقابله الطهارة، فيدل على أن الهرة وما في حكمها في عداد الطاهرات، والهرة هي:دابة صغيرة من فصيلة السنور، ويدخل في حكمها ما عمت به البلوى مما هو في حجمها.\nواختلف أهل العلم هل مراد النبي - ﷺ - هنا بعدم نجاسة الهرة هل هو لخلقتها لحجمها أو لأنه عمت بها البلوى فكانت من الطوافين؟\nفذهب جمهور أهل العلم إلى أنها مما تعم بها البلوى وأنها من الطوافين ولذلك نص النبي - ﷺ - على ذلك بقوله إنها من الطوافين عليكم.","vol":"1","page":68},{"text":"وذهب الحنابلة وبعض اهل العلم إلى أن النبي - ﷺ - أراد كلا الأمرين وأن ترخيص النبي - ﷺ - يكون للهرة وما في حكمها مما هو في خلقتها مما هو ليس بنجس بنص النبي - ﷺ - أو اشتهرت وثبتت نجاسته وما تعم به البلوى.\nفعلى قول جماهير اهل العلم إن إباحة النبي - ﷺ - وتيسيره لأمر الهرة بسبب عموم البلوى وأنها من الطوافين يدخل في ذلك ما كان أعظم منها لاشتراك العلة كالحمار والبغل لأنها مما تعم به البلوى ويخالط الناس.\nوالعلة التي يذكرها أهل الأصول في مصنفاتهم يقسمونها إلى قسمين:\nعلة منصوصة - وعلة مستنبطة\nوالعلة المنصوصة: التي ينص النبي - ﷺ - بها عند ذكر حكم من الأحكام.\nوالعلة المستنبطة: هي التي يجتهد فيها العالم ويقيس عليها.\nفإذا كان الإعلال من النبي - ﷺ - منصوصًا فإنه حينئذ لا خلاف في القياس إلا عند من نفاه من الظاهرية كابن حزم وغيره أما إذا كانت العلة مستنبطة فإنه حينئذ لا يقاس عليها إلا لقرينة ظاهرة تؤيد هذا الاستنباط للعلة، فالعلة هنا في الترخيص في الهره وتطهيرها بحكم النبي عليه الصلاة السلام عليها بأنها ليست بنجس هل هي علة مستنبطة أم علة منصوصة؟\nهي علة منصوصة عن النبي - ﷺ - والعلة هنا قوله عليه الصلاة السلام «إنها من الطوافين عليكم» فهذه هي العلة التي جعل النبي عليه الصلاة السلام الهرة ليست بنجس.","vol":"1","page":69},{"text":"ولا ينبغي التوسع في باب العلة المستنبطة، لأن الشارع الحكيم كثيرًا ما يذكر الأحكام فيستنبط العلماء من الفقهاء وغيرهم من نص النبي - ﷺ - ويقيسون عليها غيرها وحينئذ يقعون فيما يخالف الشرع وذلك بتقدم العصور وكذلك بتنوع حاجات الناس ومن تأمل كثيرًا من الأحكام التي يقيس فيها أهل الرأي العلة المستنبطة على غيرها يتوسعون في ذلك ويقعون فيما يخالف النبي - ﷺ -.\nفعلى سبيل المثال تحريم الذهب والفضة جاء عن الشارع الحكيم التحريم بنص صريح بالنسبة للرجال، وما العلة في ذلك؟\nلم تأتي علة منصوصة عن النبي - ﷺ - ولكن العلة مستنبطة اختلفت باختلاف أفهام العلماء عليهم رحمة الله، فمنهم من قال أن العلة من تحريم الذهب والفضة هي حاجة الناس للنقدين من الذهب والفضة فإذا استعمل الرجال حلي الذهب بلبسهم واستعملوه في أكلهم وطعامهم وشرابهم فإن الناس يفتقرون إلى النقدين من الذهب والفضة، وقال بذلك بعض العلماء فلو قيل بأن هذه العلة مسلّمة فإنها في وقتنا لا يمكن أن يقال بأن هذه العلة هي العلة التي نهى النبي - ﷺ - لاجلها، ففي وقتنا الناس ليسوا بحاجة إلى النقدين الذهب والفضة من جهة المعاملة البيع والشراء فحينئذ فالحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، فهل يقال هنا أن الذهب والفضة مباح لبسه بالنسبة للرجال والأكل فيه والشرب منه؟\nلا شك أن ذلك لا يقال وحينئذ يعلم فساد العلة المستنبطة التي قال بها هؤلاء من أن النبي - ﷺ - حينما نهى عن استعمال آنية الذهب والفضة لأجل حاجة الناس إلى النقدين وهذا يعلم بتقادم الوقت أو تغير الأعصار وكذلك يختلف من إمام إلى إمام.","vol":"1","page":70},{"text":"والذي ينبغي ان يعلم هنا أن النصوص التي تأتي عن النبي - ﷺ - ينبغي فيها أن يسلم للنبي - ﷺ - ما قال به، وإن استنبط العلماء العلة من قوله - ﷺ - من تحليل أو تحريم فإنهم يستنبطونها لبيان الحكمة التي جاءت عن النبي عليه الصلاة السلام لاطمئنان النفس وأنه لا يشرع إلا ما فيه مصلحة للناس ولا ينهى إلا ما فيه مفسدة للناس فإنه حينئذ يعلم الناس حكمة الشارع الحكيم ولكن لا يقاس عليها ولا يقطع بأن هذه العلة هي التي أرادها النبي عليه الصلاة السلام مالم تكن العلة منصوصة او ظاهرة ظهورا بينا لقرينة ونحو ذلك.\nفالشارع الحكيم قد يأتي عنه أمور كثيرة من أوامر ونواهي لكن العلة تكون خافية وإذا كانت منصوصة فإنه حينئذ لا كلام لأحد والعلة منصوصة عن النبي - ﷺ - كما في هذا الحديث بقوله (من الطوافين) أما إذا كانت مستنبطة ليس لأحد أن يقيس عليها غيرها فإنه حينئذ ما فسد كثير من أهل الرأي إلا لأجل أقيستهم في هذا الباب من أنواع العلة.\nوبالنسبة للهرة وما في حكمها فالنبي - ﷺ - قد ذكر العلة ونص عليها وهي قوله - ﷺ - «إنما هي من الطوّافين عليكم» .\n(والطوّافين):\nالطوّاف: هو ما يكثر الدخول والخروج ويكثر الذهاب والإياب والغدو والرواح، فإنه يسمّى من الطوافين والطواف، ولذلك يسمى الطواف طوافا لكثرة الذهاب والمجيء فيه.","vol":"1","page":71},{"text":"وكذلك يطلق على السعي بين الصفا والمروة طوافا من جهة اللغة، وكذلك قد جاء في بعض ألفاظ النبي - ﷺ - وفي بعض ألفاظ السلف الصالح إطلاق طواف على السعي بين الصفا والمروة لأن فيه ذهاب وإياب فيسمى طواف وكذلك إطلاق النبي - ﷺ - لهذه العلة ونصه عليها يقاس لأجل هذه العلة ما في حكم الهرة من الدواب من الطوافين كالحمار والبغل وغيرهما من الدواب كالخيل ونحو ذلك مما تعم بها البلوى، لأن النبي - ﷺ - قد نص على هذه العلة فلا بأس من القياس في مثل هذه الحالة.\n١٢-: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال:<span data-type=\"title\" id=toc-13> جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد </span>فزجره الناس فنهاهم النبي - ﷺ - فلما قضى بوله أمر النبي - ﷺ - بذنوب من ماء فأهريق عليه. متفق عليه\nهذا الحديث قد أخرجه البخاري ومسلم من طرق متعددة وقد أخرجاه أيضًا من طريق حماد عن ثابت عن أنس بن مالك - ﵁ -.\nوهذا الحديث هو من المهمات في باب الطهارة.\nقول انس بن مالك - ﵁ - (جاء أعرابي):\nالأعرابي: هو من سكن البادية سواء كان عربيًا أو عجميًا.فساكن البادية حتى وإن كان أعجميا فيسمى اعرابيا، وكلمة أعرابي لا مفرد لها من لفظها وإنما يفرق أهل العلم بين الجمع والمفرد بإضافة ياء النسبة في آخره فيقال أعراب للجمع وأعرابي بإضافة الياء للفرد.\nوقوله (جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد):\nالبول:هو أحد الخارج من السبيلين وهو نجس بإجماع أهل العلم ولا خلاف في ذلك.\nوالبول في المسجد من المحرمات بالإجماع ولكن اختلف أهل العلم في البول في المسجد في الإناء إذا كان لدى شخص إناء وهو في المسجد هل له أن يبول فيه؟","vol":"1","page":72},{"text":"ذهب جمهور أهل العلم إلى حرمة ذلك وهو قول للحنابلة وهو مذهب الحنفية والمالكية ومذهب للشافعية وذهب بعض الشافعية إلى جواز البول في المسجد في الإناء، وقالوا أن النهي جاء عن النبي - ﷺ - بالبول في أرض المسجد، وأما البول في الإناء فلا بأس به وقاسوه على أمور كثيرة من حجامة النبي - ﷺ - في المسجد ولا يصح خبر الحجامة عن النبي - ﷺ - في المسجد وكذلك استدلوا بمبيت سعد بن معاذ - ﵁ - وأن النبي - ﷺ - قد نصب له خيمة في المسجد وهذا لا دليل فيه لأنه ليس فيه نص أن سعد بن معاذ - ﵁ - يبول في إناء في المسجد فيبقي المسجد على تعظيمه فإنه يحرم أن يبال فيه.\nوقد أخرج مسلم في هذا الخبر من طريق عكرمة بن عمار عن اسحق عن انس ان النبي ﷺ دعا الاعرابي بعد بوله فقال له: ان هذه المساجد لا تلح لشيء من هذا البول ولا القذر وانما هي لذكر الله. وهذا يدل على تنزيه المساجد عن البول مطلقا في ارضه او في اناء على ارضه، وكذلك نهى الشارع عن قرب المسجد برائحة البصل والثوم فكيف برائحة البول\nوكذلك اختلف أهل العلم فيما عدا البول في المسجد من الريح هل يجوز إخراج ريح في المسجد بالاختيار أم لا؟\nذهب جمهور أهل العلم إلى عدم جواز ذلك وأن من وجد فيه ريحا فإنه يخرج خارج المسجد، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك لأنه لم يأت عن النبي - ﷺ - دليل يمنع وأن الأصل الجواز، وذهب من منع قالوا: أن حكم فضاء المسجد وهواءه كحكم أرضه ولذا النبي - ﷺ - قد جاء عنه النهي بدخول المسجد لمن أكل ثوما أو بصلا وما في حكمها من الروائح الكريهة وهذا قياس عليها فهي من باب أولى.\nوقوله هنا: (المسجد):","vol":"1","page":73},{"text":"المسجد هنا: هو ما بني وقد أوقفت أرضه لله تعالى للصلاة. أما ما لم توقف أرضه للصلاة كبناء ونحو ذلك الذي ليس بدائم فإنه لا يسمى مسجدًا وإنما يسمى مصلى ليس له حكم المسجد من تحية المسجد وغيرها.\nأما من جهة البول فإنه يحرم البول سواء في المصلى أو في المسجد لأنه موطن للصلاة،.\nوقوله هنا: (فزجره الناس):\nالزجر:هو من النهر والطرد والنبي - ﷺ - لم ينهَ هنا عن نهيهم وإنما نهى عن زجرهم وهذا من الحكمة في الدعوة ومما أوتيه النبي - ﷺ - من الخلق الحسن ولذا امتن الله جل وعلا على نبيه بذلك في قوله ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ .\nوهذا من مواطن الحكمة في الدعوة إلى الله ﷾ فالنبي عليه الصلاة السلام قد قدم هنا مفسدة صغرى على مفسدة كبرى، فإن هذا الأعرابي قد جاء إلى النبي - ﷺ - فربما يكون حديث عهد بإسلام فإنه حينئذ قد يكون زجره مبعدًا له عن الإسلام وقد يكون هذا الأعرابي قد بال وتكاثر بوله فإنه حينئذ إذا حمل فإن البول سينتشر والنبي - ﷺ - نهاهم عن ذلك وتركوه حتى قضى حاجته لكي لا ينتشر البول وهذه من حكمة النبي - ﷺ - ونظره - ﷺ - للغايات والوسائل معا.\n...وبول الرجل سواء في المسجد أو غيره يطهره الماء بمكاثرة الماء عليه كما في هذا الخبر، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه يحفر مكان البول ويرمى ثم يضاف ذنوب من ماء، واستدلوا لذلك بحديث ضعيف يروى عن النبي - ﷺ - وهو ما أخرجه أبو داود من حديث جرير بن حازم عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن معقل عن النبي - ﷺ -.\nوهو خبر لا يصح قال فيه الإمام أحمد: هذا حديث منكر، وكذلك فإن ابن معقل لم يدرك النبي - ﷺ - كما قال ذلك أبو داود عليه رحمة الله، وقد أخرج هذا الخبر الدارقطني في سننه من غير هذا الوجه.","vol":"1","page":74},{"text":"ولا يصح عن النبي - ﷺ - إخراج ما بال عليه الأعرابي. وإنما الصحيح أن يصب على البول ماء من غير إخراج التراب الذي قد بال الرجل عليه، وذلك يدل على أن الماء يطهر النجاسة بالمكاثرة ولذا النبي - ﷺ - أمر بأن يصب عليه ذنوب من ماء.\nالذنوب: هو الدلو الكبير، يسمى ذنوبًا لعظم حجمه،\nفبقدر البول يكون قدر الماء الذي يصب عليه فإذا كان قليلًا يصب ماء قليل أكثر من البول فإنه حينئذ تزول نجاسة البول.\n١٣-: عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: <span data-type=\"title\" id=toc-14>«أحلت لنا ميتتان ودمان</span>، فأما الميتتان: فالجراد والحوت، وأما الدمان فالطحال والكبد» أخرجه أحمد وابن ماجه وفيه ضعف.\nهذا الحديث قد أخرجه الإمام أحمد وكذا ابن ماجه وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه زيد بن سلم عن عبد الله بن عمر - ﵁ -.\nوهو معلول بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف عند عامة أهل العلم، فقد ضعفه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وعلي بن المديني ويحي بن معين وغيرهم، وقد سأل أبو حاتم الإمام أحمد عليه رحمة الله عن ولد زيد بن اسلم أيهما أحب إليك، فقال: أسامة قال ثم من قال: عبد الله. ثم ذكر عبد الرحمن وضجع في عبد الرحمن عليه رحمة الله.\nوعبد الرحمن بن زيد بن أسلم راوي هذا الخبر عند الإمام أحمد وابن ماجة وغيرهما ضعيف عند عامة أهل العلم عليهم رحمة الله فقد قال فيه ابن معين: ليس بشيء وقال فيه أبو داود: أولاد زيد بن أسلم كلهم ضعيف.\nوأولاد زيد بن أسلم هم عبد الرحمن وعبد الله وأسامة أبناء زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب - ﵁ -. وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم هو وإخوانه قد تفردوا برواية هذا الخبر مرفوعًا عن النبي علية الصلاة والسلام أي مسندًا إليه.","vol":"1","page":75},{"text":"فقد أخرجه الدراقطني وأخرجه ابن عدي والبيهقى من حديث إسماعيل بن أبي أويس عن عبد الرحمن وعبد الله وأسامة عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ - مسندًا، وهذا طريق البيهقي وابن عدي.\nأما الدراقطني فذكر عبد الله وعبد الرحمن فحسب وتفرد أبناء زيد بن أسلم في هذا الخبر وهم ضعفاء وفيه مخالفة للثقات، فقد جاء موقوفًا عن عبد الله بن عمر من حديث عبد الله بن وهب عليه رحمة الله عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر من قوله - ﵁ -.\nوهذا هو الصحيح الذي رجحه الحفاظ فقد رجح الوقف أبو حاتم والدارقطني، وأبو زرعة والبيهقي والحاكم وكذلك من المتأخرين الحافظ ابن القيم عليه رحمة الله وله حكم الرفع، وقد قال ذلك البيهقي عليه رحمة الله أنه في حكم المسند عن النبي - ﷺ - لأن الصحابي إذا قال أحلت لنا أو أحل لنا أو أمرنا أو نهينا فكان ذلك الأمر أو النهي من اختصاص الشارع الحكيم فإنه حينئذ يكون في حكم الرفع.\nأما إذا كان ما يختص به الشارع ويختص به غير الشارع فإنه حينئذ اختلف في ذلك وقد ذكره أهل الأصول، لكن الصحيح أنه إذا قال الصحابي - ﵁ - أمرنا أو نهينا عن كذا فإنه مرفوع إلى النبي - ﷺ - مالم يتضمن قرينة تدل على غير الرفع كتأخر صحابي أو كون الامر دلت روايات على أخرى على انه من احد الخلفاء أو المامور به لم يرد النص فيه من الشارع ونحو ذلك.","vol":"1","page":76},{"text":"وهذا الخبر عن النبي - ﷺ - حكمه حكم الرفع أما من جهة الرواية فإنه لا يصح مسندًا عن النبي - ﷺ -، وإن كان قد جاء عند الحافظ ابن عدي عليه رحمة الله من حديث يحي بن حسان عن سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر عن النبي - ﷺ - وجاء يحي بن حسان متابعًا لأبناء زيد بن أسلم متابعة قاصرة إلا أنه قد خالف الحافظ عبد الله بن وهب وهو من أصحاب الإمام مالك ومن كبار الحفاظ ومن كبار الرواة الثقات، ورواية عبد الله بن وهب لاشك أنها أثبت وأصح لجلالته وحفظه ولا يقابله أمثال هؤلاء الضعفاء الذين يروون الخبر عن النبي - ﷺ -.\nوقوله (أحلت لنا):\nأحلت: مأخوذة من الحلال والمراد به الإباحة. والتحليل والتحريم هو من اختصاص الشارع الحكيم. فليس لأحد أن يحل أو يحرم إلا الشارع الحكيم.\nوقوله (ميتتان):\nمفردها: ميته وفيه لغتان ميت بتسكين الياء وميّت بتشديدها، فما تحقق موته تجوز فيه اللغتان، وما لم يمت تشدد يائه، وقال بعضهم بتساوي اللفظين، وقد أنشد بعضهم:\nأيا سائلي تفسير ميْت وميّت فدونك قد فسرت ما عنه تسأل\nفما كان ذا روح فذلك ميّت وما الميْت إلا من إلى القبر يحمل\nوالأصل في الميتة أنها محرمة إذا كانت ميتة البر وأما ميتة البحر فالأصل فيها الإباحة. والنبي علية الصلاة والسلام أشار إلى ذلك في هذا الخبر من قوله (أحلت لنا) إن صح مرفوعًا أو من قوله عبد الله بن عمر وهو موقوف عليه - ﵁ -.\nقوله (أحلت لنا ميتتان ودمان):","vol":"1","page":77},{"text":"إشارة إلى أن الأصل التحريم في الميتة والميتة التي حرمها الله ﷾ هي ميتة البر بإطلاق وأباح الله جلا وعلا ميتة البحر مطلقًا. فالنوعان اللذان استثناهما الله تعالى من الميتة هما ميتة البحر وذكرنا هذه المسائل في حديث أبي هريرة - ﵁ - وهو أول حديث في كتاب بلوغ المرام «هو الطهور ماءه الحل ميتته» تكلمنا على ذلك بالتفصيل وخلاف أهل العلم وقررنا أن ميتة البحر هي حل عند جماهير أهل العلم، وما استثني من ذلك فلا دليل عليه وأنه باقي على الأصل فيه، فإما أن يكون من ميتة البحر فإنه حلال مباح وإنا كان من ميتة البر فإنه حينئذ يعد محرمًا وما كان بينهما أي ليس من ميتة البر ولا من ميتة البحر فإنه يبقى على أصله من الإباحة، إن كان مستخبثًا حرم لاستخباثه وإن كان ذو ناب فإنه يحرم لأنه من ذي الناب الذي نهى عنه النبي - ﷺ -.\nالنوع الثاني: من أنواع الميتة (الجراد) وهذا بإجماع أهل العلم ولا يعلم في ذلك مخالف إلا ما جاء عن الليث بن سعد وابن العربي وهو متأخر عليهم رحمة الله فقال الليث بتحريمه وهو قول غريب جدًا لا أعلم من وافقه عليه ولا يليق بمكانته في العلم هذا القول الشاذ وقد قال الحافظ ابن حجر في كتاب له في ترجمة الليث سماه الرحمة الغيثية بالترجمة الليثية قال: لقد تتبعت كتب الخلاف كثيرا فلم اقف على مسالة واحدة انفرد بها الليث عن الائمة من الصحابة والتابعين الا في هذه المسالة. او كما قال الحافظ ﵀.\nوقد قال ابن العربي: جراد الحجاز حلال وجراد الاندلس حرام وهو غريب جدا، وهذا قول مخالف لإجماع أهل العلم فإن الجراد واحد وإباحته مطلقة من الشارع الحكيم.\nوقوله هنا (وأحل لنا دمان):\nدمان مفرده الدم، والمراد بالدم هنا هو: الحيوان الذي له نفس سائلة، وليس المراد به هنا الدم الذي يجري في العروق.","vol":"1","page":78},{"text":"ومعلوم أن الدواب إما أن تكون لها نفس سائلة كبهيمة الأنعام وإما أن تكون ليس لها نفس سائلة كسائر الحشرات ونحو ذلك.\nفقوله هنا (أحل لنا دمان) وذكر النوع الأول: وهو (الكبد) فهي مباحة بإجماع أهل العلم ولم يخالف في ذلك أحد منهم.\n(والطحال) كذلك قد أجمع العلماء على إباحته ولا يعلم مخالف في ذلك.\n*******************************\n١٤- عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ <span data-type=\"title\" id=toc-15>«إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء» </span>. أخرجه البخاري، وأبو داود وزاد (وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء) .\nهذا الحديث قد أخرجه البخاري عليه ﵀، فقال: حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عتبة بن مسلم عن عبيد بن حنين عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -.\nوقوله في هذا الحديث (إذا وقع الذباب):\nالذباب: مفرد وجمعه ذبان، وقول العوام في جمعه ذباب ومفرده ذبّانه وهذا مخالف وإن كان قديمًا وقد حكى مخالفة ذلك أبوحاتم السجستاني عليه رحمة الله، وإلا فالصحيح أن الذباب هو المفرد. والذبان هو الجمع وقد قال بعكس ذلك البعض، وأما ذبانه فليست بفصيحة.\nقال ابن بطال وغيره أن الذباب سمي ذباب لأنه يذب عن الطعام ثم يعود إليه، يذب لاستقذاره.\nوالذباب ليس من النجاسات. فقد أجمع أهل العلم على أن كلّ ما ليس له نفس سائلة إذا وقع في شراب أو في طعام أنه لا ينجس، ولم يخالف في ذلك إلا رواية حكاها الربيع بن سليمان المرادي عن الشافعي عليه رحمة الله أنه إذا وقع شئ من الحشرات مما لا نفس له سائله في شراب أو طعام أو نحو ذلك أنه ينجس وقد حكى الإجماع على خلاف ذلك وأن كلّ ما لا نفس له سائله لا ينجس ما وقع فيه وأن الأصل فيها أنها طاهرة.","vol":"1","page":79},{"text":"وخصص الشارع مما لا نفس له سائله هنا الذباب بحكم من الأحكام وهو أنه إذا وقع في شراب أحدكم وجاء في رواية (إناء أحدكم) وجاء في رواية أخرى خارج الصحيح إذا وقع في (طعام أحدكم)، وليس المراد في قوله في شراب أحدكم ليس المراد به السائل فحسب ولكنه يعم الطعام وكذلك يعم جميع المشروبات والمطعومات لأن هذا من التعليل الوارد في هذا الحديث يشمل الشراب والطعام لأن النبي - ﷺ - قال (فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر شفاء) وفي رواية (دواء) وهذا يشمل وقوعه في السائل ووقوعه في الطعام.\nوقوله - ﷺ - (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه):\nوالغمس هنا واجب وهذا هو الظاهر من النص أنه يجب على من وقع في إنائه ذباب أن يغمسه وعلل النبي - ﷺ - بعلة منصوصة في قوله - ﷺ - (فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء) وهذا من علم الغيب الذي أوحاه الله على نبيه - ﷺ - فإن الذباب إذا وقع في الإناء فإنه أول ما يقع على جناحه الذي فيه الداء لكي يحتفظ بجناحه الذي فيه الدواء لبقية حياته إن لم يغمس فإنه إذا غمس فإنه في الغالب أنه يموت فيغمس حينئذ جناحه الذي فيه الدواء فيعالج هذا بهذا ولا يكون حينئذ شئ من الداء الذي وضعه الذباب حينما وقع في الإناء.\nوقسم أهل العلم الحيوان إلى قسمين:\nالأول: ماله نفس سائله. والمراد بالنفس السائلة هو الدم الذي يسري في العروق. وهذا ميتتة نجسة بإجماع أهل العلم ويأتي تفصيل هذا باذن الله في الاطعمه.","vol":"1","page":80},{"text":"الثاني: ما ليس له نفس سائلة: أي ليس له دم في عروقه كسائر الحشرات من ذباب وما في أنواعه كنحل وجراد وغير ذلك فإنه إذا مات فإن ميتته طاهرة، فإن مالا نفس له سائله إذامات لايتعفن ولاتحصل منه رائحة نجسة كريهة، بخلاف ماله نفس سائله فإنه حينئذ يتعفن ويكون له رائحة خبيثة ورائحة نتنة ولذا حرم الشارع أكله وبين أنه من النجاسات لأنه يتنجس ويتعفن بوجود ذلك الدم المحبوس فيه لأنه لم يزهق.\nحينئذ تعلم الحكمة التي أخذ منها النبي - ﷺ - هذا الحكم وهو أنه إذا وقع الذباب في إناء أحدكم أن يغمسه ثم ينزعه، ولو كان نجسًا بكامله فإن النبي - ﷺ - لم يأمر بغمسه وإنما قال بنزعه وإخراجه.\nوقد قال بعض أهل العلم أن الذباب إذا وقع في الإناء ولم يكن الذي وقع فيه شراب أنه يغمس ثم يخرج ما حوله من الطعام وهذا لا دليل عليه ويخالفه طاهر النص عن النبي - ﷺ - وهو نظير ما تقدم معنا في حديث بول الأعرابي الذي بال في المسجد فإنه رغم بوله إلا أن النبي - ﷺ - أمر بمكاثرة الماء عليه فلم يأمر بحمل ما بال عليه من التراب ونحو ذلك، وهذا الخبر نظير له فيلزم فيهما الوقوف على النص، فالنبي - ﷺ - لما أخبر أن الذباب في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء أمر بغمسه كاملًا وهذا أمر يجب امتثاله.\nوقد طعن بعض من لا فقه له ممن أعرض عن دين الله ﷿ من معتزلة العصر وغيرهم في هذا الخبر وطعنوا في حديث أبي هريرة رضوان الله تعالى عليه وهذا لجهلهم فإن هذا الحديث لم ينفرد به أبو هريرة رضوان الله تعالى عليه.\nفقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري كما أخرجه الإمام النسائي وغيره فقد أخرجه من حديث ابن أبي ذئب عن سعيد بن خالد عن أبي سلمة عن أبي سعيد الخدري عن النبي - ﷺ - وصححه بعض أهل العلم.","vol":"1","page":81},{"text":"وكذلك روي من حديث انس بن مالك ولا مجال للطعن في هذا الحديث في أحد من أصحاب النبي - ﷺ - إذ انفرد فكيف إذا رواه جماعة عن النبي - ﷺ -، وقد طعن في ذلك أبو ريّة في كتاب له سماه \" أضواء على السنة النبوية\" ورد عليه العلامّة عبد الرحمن بن يحي المعلّمي في كتابه \" الأنوار الكاشفة\" ٠.\nفقد عقب عليه بأصول علمية من أصول الشرع وأن أصحاب النبي - ﷺ - كلهم ثقات عدول بتوثيق الله جلّ وعلا لهم وأن ذلك وحي من الله ﷾ أوحاه الى نبيه - ﷺ - ولا مجال للعقل أن يختار ما شاء من وحي الله جل وعلا وأن يرد ما شاء.\nقال المؤلف رحمه الله تعالى: وأبو داود وزاد (وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء):\nهذه الزيادة التي أخرجها الإمام أحمد ومن طريقه أبو داود قال ابو داود حدثنا أحمد بن حنبل عن بشر بن المفضل عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبى هريرة - ﵁ -.\nوأخرجه ابن حبان من طريق شيخه ابن خزيمه عن بشر به\nوسعيد المقبري هو من الرواة المشهورين وهذا الطريق طريق حسن لحال محمد بن عجلان فإن أحاديثه مستقيمة وفي عداد الأحاديث الحسنة، وسعيد المقبري سمى المقبري لأنه يسكن في مقبرة كما قيل، وقالوا أن العرب كانوا قديمًا يسكنون في جوار المقابر. وقيل أنه في دار كل رجل منهم أو في كل أسرة منهم في فنائهم مقبرة لموتاهم ولذلك يقول الشاعر\nلكل أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد\nولذلك سمى المقبري بهذا الاسم وهو راويه عن أبي هريرة وقد أخرج له الجماعة وغيرهم عليه رحمة الله تعالى.\nوقوله هنا (فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء):","vol":"1","page":82},{"text":"وهذا من علم الله ﷾ الذي أوحاه إلى نبيه - ﷺ - فإن النبي - ﷺ - لا يمكن أن يقول ذلك من تلقاء نفسه فإن الإنسان بعقله وطبيعته لا يمكن أن يدرك ذلك وخاصة ممن هو في عصر النبي - ﷺ - فالنبي ﷺ كل قوله وفعله وتقريره تشريع ودين إلا ما دل الدليل عليه من قوله وفعله أنه قاله أو فعله عادة في وقته أو دلت قرينة الحال على ذلك وإن لم ينص عليه.\n***********************\n١٥- عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: قال النبي - ﷺ - <span data-type=\"title\" id=toc-16>(ما قطع من البهيمة وهي حيَّه فهو ميِّت) </span>. أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه واللفظ له.\nهذا الحديث أخرجه ابو داود والترمذي وكذا البيهقي وابن الجارود في كتابه المنتقى وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي واقد الليثي عن النبي - ﷺ -.\nوسبب هذا الخبر أن النبي عليه الصلاة السلام لما قدم المدينة وجد أهلها يقطعون أسنِمة الإبل وهي حية ويقطعون إليّة الغنم وهي حيّة ليستفيدوا من دهنها، وأن أسنمة الإبل وإلية الغنم إذا قطعت تنبت إذا لم تقطع من أصلها، فهم يستفيدون من ذلك فحرم النبي - ﷺ - ذلك وأخبر أن ما أبين من الحي فهو ميّت وهذا من النبي - ﷺ - رأفة ورفقًا بالحيوان أولًا وكذلك تجنيب للإنسان أكل الميتة.\nوالنبي - ﷺ - في قوله هنا (ما أبين من البهيمة):\nالبهيمة: هنا هي ذوات الأربع وذلك لغلبة ما يصنعه العرب في ذلك الوقت.\nلذا خص النبي - ﷺ - البهيمة لأن البهيمة غالبًا ما تطلق على بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم وإلا فان البهيمة في اللغة تشمل سائر ما مشى على الأربع حتى وإن لم يكن من الإبل والبقر والغنم وتسمى بهيمة: لبهمها وأنها لا تتكلم.\n...وقوله (ما ُأبين):","vol":"1","page":83},{"text":"أي ما قطع من البهيمة وهي حيّه فهو ميّت. وهذا بإجماع أهل العلم ولم يخالف في ذلك أحد منهم ولكن أهل العلم استثنوا من هذه الحالة صورتان.\nالصورة الأولى: مسك الغزال إذا أبين من الغزال وهو حي فإنه طاهر ويجوز استعماله بإجماع أهل العلم وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد.\nالصورة الثانية: ما ند من البهائم وصعب حبسه. فإن كان جمل أو ناقة استوحش وصعب على أهله حبسه ثم ضربوه فقطع سنامه أو قطعة رجله أو نحو ذلك فإن ما قطع منه حينئذ يعتبر مباح الأكل بشرط أنه إذا قبض على تلك الناقة أو ذلك الجمل أنه يذبح ولا يترك حيًّا لأن ما قطع مرتبط بأصله من ذلك الحيوان وهذا مجمع عليه كذلك عند أهل العلم وهذا خاص في البهائم.\nأما ما أباح النبي - ﷺ - أكل الميتة منه في الأصل، فإنه ما قطع يعد طاهرًا ولا يعد من الميتة التي يحرم أكلها كالسمك فما قطع من السمك وهو حي ولم يمسك ويصاد فإنه حينئذ يعد مباحًا ويعد كذلك طاهر يجوز أكله، وكذلك الجراد فإنه إذا قطع منه شيء وهو حي ولم يمسك فإنه حينئذ يجوز أكله لأنه ميتته في الأصل مباحة وليست محرّمة فاستثنى أهل العلم هذه الأحوال ولا يعلم مخالف في هذه المسألة والله أعلم.\nيتبع بقية الشرح بإذن الله","vol":"1","page":84}]}