{"ً":{"ٌ":1471,"ٍ":"الجامع العام في فقه الصيام","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/drrmdn/gamhksm.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الجامع العام في فقه الصيام\n(دراسة فقهية حديثية مقارنة)\nيحتوي على فقه صيام رمضان وصيام التطوع وقيام الليل والاعتكاف وزكاة الفطر وآحكام العيدين\nالمؤلف: محمد بن علي حلاوة\nتقديم: مصطفى بن العدوي\nالناشر: مكتبة العلوم والحكم، الشرقية - مصر\nالطبعة: الثانية، ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٣ م\nعدد الصفحات: ٥٨٥\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2725,"ٕ":19,"ٖ":1770156057,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم","level":1,"page":1},{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"الباب الأول","level":1,"page":13},{"title":"الفصل الأول: في تعريف وفضل الصوم","level":2,"page":14},{"title":"المبحث الأول: تعريف الصيام","level":3,"page":15},{"title":"الصوم لغة","level":4,"page":15},{"title":"الصوم شرعا","level":4,"page":15},{"title":"المبحث الثاني: فضل الصوم","level":3,"page":16},{"title":"١ - الصوم من أسباب المغفرة ورفعة الدرجات فى الآخرة","level":4,"page":16},{"title":"٢ - الصائمون هم السائحون","level":4,"page":16},{"title":"٣ - إضافته إلى الله تعالى تشريفا لقدره وشانه وتنويها بسامق مكانه","level":4,"page":17},{"title":"٤ - الصوم فى سبيل الله يباعد عن النيران","level":4,"page":18},{"title":"٥ - الصوم وقاية وجنة من النار","level":4,"page":18},{"title":"٦ - باب الريان للصائمين يوم القيامة","level":4,"page":19},{"title":"٧ - فرح الصائم بصومه يوم القيامة","level":4,"page":20},{"title":"٨ - الصوم كفارة للخطيئات","level":4,"page":20},{"title":"٩ - الصوم لا مثل له","level":4,"page":20},{"title":"١٠ - وهناك حديث يدل على أن الصيام يشفع لصاحبه يوم القيامة","level":4,"page":20},{"title":"المبحث الثالث: فضائل شهر رمضان","level":3,"page":21},{"title":"١ - شهر القرآن","level":4,"page":21},{"title":"٢ - تصفيد الشياطين وفتح أبواب الجنان وغلق أبواب النيران","level":4,"page":21},{"title":"٣ - كان حقا على الله أن يدخله الجنة","level":4,"page":22},{"title":"٤ - شهر الغفران","level":4,"page":23},{"title":"٥ - رمضان شهر الجود","level":4,"page":24},{"title":"٦ - الصيام سبب لجعلك من الصديقين والشهداء","level":4,"page":25},{"title":"٨ - فيه ليلة القدر","level":4,"page":25},{"title":"٩ - يختص بمزيد من الطاعات","level":4,"page":29},{"title":"١٠ - عمرة في رمضان تعدل حجة","level":4,"page":32},{"title":"١١ - شهرا عيد لا ينقصان","level":4,"page":32},{"title":"١٢ - شهر رمضان شهر الصبر","level":4,"page":33},{"title":"المبحث الرابع: ما يجب على الصائم تركه","level":3,"page":33},{"title":"قول الزور","level":4,"page":33},{"title":"بعض المخالفات التي تقع في رمضان","level":4,"page":35},{"title":"المبحث الخامس: الحكمة من مشروعية الصيام","level":3,"page":39},{"title":"المبحث السادس: أقسام الصيام","level":3,"page":40},{"title":"المبحث السابع: حكم صيام رمضان","level":3,"page":41},{"title":"المبحث الثامن: ترك الصيام بغير عذر","level":3,"page":41},{"title":"الفصل الثاني على من يجب الصيام","level":2,"page":43},{"title":"الشرط الأول: الإسلام","level":3,"page":44},{"title":"المطلب الأول: لا يجب الصوم علي الكافر حال كفره","level":4,"page":44},{"title":"المطلب الثاني: إذا كان الكافر لا يجب عليه الصوم حال كفره فهل يعاقب على تركه الصيام في الآخرة؟","level":4,"page":44},{"title":"المطلب الثالث: إذا أسلم الكافر فيشيء شهر رمضان، صام ما يستقبل من بقية شهره، بلا خلاف فيه.","level":4,"page":45},{"title":"الشرط الثانى: البلوغ","level":3,"page":45},{"title":"المطلب الأول: ويحصل البلوغ بعلامات","level":4,"page":45},{"title":"المطلب الثاني: استحباب صوم الصبيان","level":4,"page":48},{"title":"المطلب الثالث: حد السن الذى يؤمر فيه الصبي بالصيام؟","level":4,"page":49},{"title":"الشرط الثالث: العاقل وخرج به المجنون","level":3,"page":50},{"title":"المطلب الأول: المجنون إذا أفاق بعد مضي الشهر ماذا يفعل في الأيام الماضية؟","level":4,"page":50},{"title":"المطلب الثاني: وإذا أفاق أثناء الشهر ماذا يفعل في الأيام الآتية؟","level":4,"page":50},{"title":"المطلب الثالث: إذا أفاق المجنون أثناء الشهر هل يلزمه قضاء ما مضى؟","level":4,"page":50},{"title":"المطلب الرابع: إذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون أثناء النهار، هل يلزمهم إمساك بقية اليوم؟","level":4,"page":51},{"title":"المطلب الخامس: إذا طهرت الحائض وقدم المسافر وصح المريض أثناء النهار في رمضان، هل يمسك بقية يومه؟","level":4,"page":53},{"title":"الشرط الرابع: أن يكون قادرا على الصوم","level":3,"page":54},{"title":"الشرط الخامس: أن يكون مقيما","level":3,"page":55},{"title":"الشرط السادس: أن يكون خاليا من الموانع","level":3,"page":55},{"title":"الفصل الثالث: النية","level":2,"page":58},{"title":"المبحث الأول: معنى النية","level":3,"page":58},{"title":"المبحث الثانى: هل يصح الصوم بدون نية؟","level":3,"page":58},{"title":"المبحث الثالث: وقت النية","level":3,"page":58},{"title":"المبحث الرابع: النية لكل يوم","level":3,"page":62},{"title":"المبحث الخامس: ما هى كيفية النية؟","level":3,"page":63},{"title":"المبحث السادس: هل يجوز إنشاء صوم التطوع بنية من النهار أو لابد من تبييت النية قبل الفجر؟","level":3,"page":63},{"title":"الفصل الرابع أحكام دخول الشهر ورؤية الهلال","level":2,"page":68},{"title":"المبحث الأول: بما يثبت شهر رمضان؟","level":3,"page":68},{"title":"المبحث الثاني: هل هناك أذكار لمن رأى هلال رمضان؟","level":3,"page":68},{"title":"المبحث الثالث: بكم رجل يثبت هلال رمضان؟","level":3,"page":69},{"title":"المبحث الرابع: بكم رجل يثبت هلال شوال؟","level":3,"page":73},{"title":"المبحث الخامس: ما هو حكم صيام يوم الغيم؟","level":3,"page":75},{"title":"المبحث السادس: من رأى الهلال وحده ولم يعمل الناس برؤيته، هل يصوم أم لا؟","level":3,"page":78},{"title":"المبحث السابع: مسألة اختلاف المطالع","level":3,"page":80},{"title":"المبحث الثامن: هل يجوز الاعتماد على الحساب في رؤية هلال رمضان؟","level":3,"page":85},{"title":"المبحث التاسع: إذا رؤي القمر نهارا","level":3,"page":87},{"title":"الفصل الخامس من يباح له الفطر ومن يجب","level":2,"page":90},{"title":"تمهيد","level":3,"page":90},{"title":"المبحث الأول: حد المرض المبيح للفطر","level":3,"page":90},{"title":"المبحث الثاني: صيام المسافر","level":3,"page":92},{"title":"المطلب الأول: هل يجزئ الصوم في السفر؟","level":4,"page":92},{"title":"المطلب الثاني: ما حد السفر الذى يباح للصائم الفطر به؟","level":4,"page":96},{"title":"المطلب الثالث: هل الصوم أفضل في السفر أم الفطر؟","level":4,"page":102},{"title":"المطلب الرابع: متى يفطر المسافر ومتى يمسك؟","level":4,"page":105},{"title":"المبحث الثالث: صيام الحامل والمرضع","level":3,"page":111},{"title":"المطلب الأول: يجوز للحبلى أن تفطر إذا خافت على جنينها، والمرضع إذا خافت على رضيعها - بالإجماع.","level":4,"page":111},{"title":"المطلب الثانى: إذا خافت الحامل والمرضع على أنفسهما، فعليهما القضاء دون الكفارة بالإجماع.","level":4,"page":111},{"title":"المطلب الثالث: إذا أفطرت الحامل والمرضع خوفا على الجنين والرضيع، ماذا عليهما؟","level":4,"page":111},{"title":"المبحث الرابع: صيام الشيخ الكبير الذى يجهده الصوم، والمريض الذى لا يرجى برؤه،","level":3,"page":117},{"title":"المطلب الأول: الإفطار جائز لهما بالنص والإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾. وللإجماع المنعقد على ذلك.","level":4,"page":117},{"title":"المطلب الثاني: إذا أفطر الشيخ الكبير الذى يجهده الصوم، والمريض الذى لا يرجى برؤه، ماذا عليهما؟","level":4,"page":118},{"title":"المبحث الخامس: هل يباح الفطر لأصحاب الأعمال الشاقة؟","level":3,"page":120},{"title":"المبحث السادس: من يجب عليه الفطر ويحرم عليه الصوم؟","level":3,"page":121},{"title":"المطلب الأول: يحرم الصوم على الحائض والنفساء، ويجب عليهما الفطر، وذلك لما ثبت في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟».","level":4,"page":121},{"title":"المطلب الثاني: يجب الفطر على من غلبه الجوع والعطش فخاف الهلاك.","level":4,"page":121},{"title":"المطلب الثالث: لو رأى الصائم في رمضان مشرفا على الهلاك ولا يمكنه تخليصه إلا بالفطر، وجب عليه الإفطار","level":4,"page":121},{"title":"الفصل السادس مفسدات الصوم","level":2,"page":122},{"title":"القسم الأول المفطرات بالداخل إلى الجسم","level":3,"page":123},{"title":"المبحث الأول: الداخل إلى الجسم عن طريق الفم، وفيه مطالب","level":4,"page":123},{"title":"المطلب الأول: الأكل والشرب عامدا.","level":5,"page":123},{"title":"المطلب الثاني: من أكل أوشرب ناسيا، فهل عليه القضاء.","level":5,"page":123},{"title":"المطلب الثالث: الطعام الذي يخرجه الإنسان من بين أسنانه، إن تعمد ابتلاعه، هل يفسد صومه؟","level":5,"page":125},{"title":"المبحث الثاني: الداخل إلى الجسم من طريق الأنف","level":4,"page":126},{"title":"المطلب الرابع: بلع الريق لا يفطر بالإجماع","level":5,"page":126},{"title":"المطلب الأول: المضمضة والاستنشاق لا تفطر بالنص والإجماع.","level":5,"page":126},{"title":"المطلب الثاني: من تمضمض أو استنشق في الطهارة ولم يبالغ فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف، ماذا عليه؟","level":5,"page":126},{"title":"المطلب الثالث: إذا بالغ في المضمضة والاستنشاق فوصل شيء من الماء إلى حلقه ماذا عليه؟","level":5,"page":127},{"title":"المبحث الثالث: الداخل إلى الجسم عن طريق العين، وفيه: هل يباح الكحل للصائم؟","level":4,"page":128},{"title":"المبحث الرابع: الداخل إلى الجسم عن طريق الحقن","level":4,"page":130},{"title":"القسم الثاني المفطرات بما يخرج من الجسم","level":3,"page":133},{"title":"المبحث الأول: الجماع","level":4,"page":133},{"title":"المطلب الأول: حكم الجماع عامدا في نهار رمضان","level":5,"page":133},{"title":"المطلب الثاني: إنزال المنى بغير الجماع: وفيه مسائل","level":5,"page":134},{"title":"المطلب الثالث: إذا قبل أو باشر فأمذى ماذا عليه؟","level":5,"page":140},{"title":"المبحث الثاني: الحيض والنفاس","level":4,"page":141},{"title":"المطلب الأول: الحيض والنفاس من المفطرات","level":5,"page":141},{"title":"المطلب الثاني: لماذا تقضي الحائض الصوم دون الصلاة؟","level":5,"page":142},{"title":"المطلب الثالث: فتاوى معاصرة خاصة بالحيض للصائمة","level":5,"page":142},{"title":"المبحث الثالث: القيء للصائم، وفيه مطالب","level":4,"page":142},{"title":"المطلب الأول: من ذرعة القيء، أي خرج من غير اختيار منه","level":5,"page":142},{"title":"المطلب الثاني: من استقاء عامدا","level":5,"page":143},{"title":"المبحث الرابع: هل الحجامة تفطر الصائم؟","level":4,"page":151},{"title":"القسم الثالث مفطرات أخرى","level":3,"page":165},{"title":"المبحث الأول: الردة","level":4,"page":165},{"title":"المبحث الثاني: من نوى الفطر فقد أفطر","level":4,"page":165},{"title":"الفصل السابع المفطرات المستجدة","level":2,"page":168},{"title":"المبحث الأول: الداخل من طريق الفم","level":3,"page":169},{"title":"المطلب الأول: أثر الغرغرة في الصوم","level":4,"page":169},{"title":"المطلب الثاني: علاج الأسنان، وفيه مسألتان","level":4,"page":169},{"title":"المطلب الثالث: أدوية ما تحت اللسان","level":4,"page":170},{"title":"المطلب الرابع: ما حكم ابتلاع النخامة والبلغم للصائم؟","level":4,"page":170},{"title":"المبحث الثاني: الداخل عن طريق الأنف، وفيه مطالب","level":3,"page":171},{"title":"المطلب الأول: حكم استنشاق بخاخ الربو أثناء الصوم","level":4,"page":171},{"title":"المطلب الثاني: أثر استعمال الأكسجين في الصيام","level":4,"page":172},{"title":"المطلب الثالث: التخدير عن طريق الجهاز التنفسي، أو أثر التخدير في الصيام.","level":4,"page":172},{"title":"المطلب الرابع: قطرة الأنف","level":4,"page":173},{"title":"المطلب الخامس: استعمال الروائح العطرية في رمضان.","level":4,"page":173},{"title":"المبحث الثالث: الداخل من طريق الفرجين، وفيه مطالب","level":3,"page":174},{"title":"المطلب الأول: ما كان منفذه الدبر","level":4,"page":174},{"title":"المطلب الثاني: ما كان منفذه ذكر الرجل","level":4,"page":174},{"title":"المطلب الثالث: ما كان منفذه فرج المرأة، وفيه مسائل","level":4,"page":174},{"title":"المبحث الرابع: الداخل إلى الجسم عن طريق العين والأذن","level":3,"page":175},{"title":"المبحث الخامس: ما يدخل الجسم عن طريق الحقن.","level":3,"page":176},{"title":"المبحث السادس: ما يدخل الجسم عن طريق المنظار والقسطرة.","level":3,"page":177},{"title":"المبحث السابع: ما يدخل الجسم عن طريق الدهون","level":3,"page":180},{"title":"من قرارات المجامع الفقهية، وما يتعلق بالمفطرات المستجدة","level":3,"page":180},{"title":"الفصل الثامن الكفارة وما يتعلق بها من أحكام","level":2,"page":190},{"title":"المبحث الأول: حكم الصائم المجامع في نهار رمضان عامدا","level":3,"page":190},{"title":"المبحث الثاني: هل تجب الكفارة على المرأة إذا طاوعت الرجل على الجماع في نهار رمضان؟","level":3,"page":191},{"title":"المبحث الثالث: جماع الناسي والجاهل والمكره","level":3,"page":194},{"title":"المبحث الرابع: ماذا عليه إن جامع في يوم واحد مرتين؟","level":3,"page":198},{"title":"المبحث الخامس: من جامع ثم كفر ثم جامع ماذا عليه؟","level":3,"page":198},{"title":"المبحث السادس: إذا جامع في يومين، أو في أيام، هل يجب لكل يوم كفارة، أو يجب عليه كفارة واحدة؟","level":3,"page":198},{"title":"المبحث السابع: إن عجز عن العتق والصيام والإطعام، هل تسقط عنه الكفارة، أم تستقر في ذمته كالديون؟","level":3,"page":199},{"title":"المبحث الثامن: هل الكفارة مرتبة ككفارة الظهار أم على التخيير؟","level":3,"page":201},{"title":"المبحث التاسع: فيمن طلع عليه الفجر وهو مجامع","level":3,"page":203},{"title":"المطلب الأول: فيمن طلع عليه الفجر وهو مجامع فنزع في الحال، هل ينتقض صومه؟","level":4,"page":203},{"title":"المطلب الثاني: من طلع عليه الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع.","level":4,"page":204},{"title":"المبحث العاشر: هل يشترط أن تكون رقبة مؤمنة؟","level":3,"page":204},{"title":"المبحث الحادي عشر: ما مقدار الإطعام؟","level":3,"page":205},{"title":"المبحث الثاني عشر: هل تجب الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب متعمدا؟ أو يجب عليه القضاء فقط؟","level":3,"page":206},{"title":"المبحث الثالث عشر: من جامع ظانا عدم طلوع الفجر أو غروب الشمس فبان خلافه","level":3,"page":207},{"title":"المبحث الرابع عشر: رجل أراد أن يجامع، فأكل قبل الجماع، فهل عليه كفارة؟","level":3,"page":209},{"title":"المبحث الخامس عشر: وإذا جامع في أول النهار ثم مرض أو جن ماذا عليه؟","level":3,"page":210},{"title":"المبحث السادس عشر: إذا جامع في قضاء رمضان هل عليه الكفارة؟","level":3,"page":210},{"title":"الفصل التاسع القضاء وما يتعلق به من أحكام","level":2,"page":212},{"title":"المبحث الأول: من عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه شهر رمضان آخر، فماذا عليه؟","level":3,"page":212},{"title":"المبحث الثاني: هل القضاء على الفور أم على التراخي؟","level":3,"page":214},{"title":"المبحث الثالث: جواز التطوع لمن عليه قضاء","level":3,"page":215},{"title":"المبحث الرابع: من مات وعليه صيام لم يخل من حالين","level":3,"page":215},{"title":"المبحث الخامس: هل يجب التتابع في قضاء رمضان؟","level":3,"page":218},{"title":"المبحث السادس: من أفسد صومه بالجماع متعمدا في نهار رمضان، هل يجب عليه القضاء؟","level":3,"page":219},{"title":"المبحث السابع: إذا تساحقت امرأتان ماذا عليهما؟","level":3,"page":221},{"title":"المبحث الثامن: إذا أصبح مفطرا يعتقد أنه من شعبان، فقامت البينة بأنه يوم من رمضان ماذا عليه؟","level":3,"page":221},{"title":"الفصل العاشر مباحات الصيام","level":2,"page":222},{"title":"المبحث الأول: الاغتسال","level":3,"page":223},{"title":"المبحث الثاني: صب الماء البارد على الرأس","level":3,"page":224},{"title":"المبحث الثالث: القبلة للصائم","level":3,"page":225},{"title":"المبحث الرابع: هل يباح السواك للصائم؟","level":3,"page":231},{"title":"المبحث الخامس: ذوق الطعام","level":3,"page":234},{"title":"المبحث السادس: العلك","level":3,"page":236},{"title":"مسألة: ما حكم اللبان؟","level":4,"page":237},{"title":"الفصل الحادى عشر الإفطار والسحور","level":2,"page":239},{"title":"المبحث الأول: وقت الصوم","level":3,"page":239},{"title":"المبحث الثانى: في الإفطار، وفيه مطالب","level":3,"page":240},{"title":"المطلب الأول: في فضائل تعجيل الفطر","level":4,"page":240},{"title":"المطلب الثاني: في دعاء الصائم عند فطره","level":4,"page":241},{"title":"المطلب الثالث: في القول عند الإفطار","level":4,"page":242},{"title":"المطلب الرابع: في إطعام الصائم","level":4,"page":242},{"title":"المطلب الخامس: على ماذا يفطر الصائم؟","level":4,"page":243},{"title":"المطلب السادس: الدعاء بعد الفراغ من الطعام","level":4,"page":245},{"title":"المبحث الثالث: في السحور وما يتعلق به من أحكام، وفيه مطالب","level":3,"page":247},{"title":"المطلب الأول: في فضائل السحور","level":4,"page":247},{"title":"المطلب الثاني: في حكم السحور","level":4,"page":248},{"title":"المطلب الثالث: في وقت السحور","level":4,"page":248},{"title":"المطلب الرابع: نداء «ارفع الماء» ما حكمه؟","level":4,"page":249},{"title":"المطلب الخامس: من سمع نداء الفجر والإناء في يده ماذا يفعل؟","level":4,"page":249},{"title":"المبحث الرابع: الوصال، وفيه مطالب","level":3,"page":254},{"title":"المطلب الأول: تعريف الوصال","level":4,"page":254},{"title":"المطلب الثاني: هل يجوز الوصال إلى السحر؟","level":4,"page":254},{"title":"المطلب الرابع: معنى «إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني»","level":4,"page":256},{"title":"المبحث الخامس: بعض الأحاديث الضعيفة المشهورة في الصيام","level":3,"page":258},{"title":"الباب الثاني صيام التطوع","level":1,"page":263},{"title":"الفصل الأول: الصوم المستحب","level":2,"page":265},{"title":"المبحث الأول: صوم يوم وإفطار يوم","level":3,"page":265},{"title":"المبحث الثاني: صوم الإثنين والخميس","level":3,"page":266},{"title":"المبحث الثالث: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وفيه مسائل","level":3,"page":267},{"title":"المبحث الرابع: صوم ست من شوال، وفيه مسائل","level":3,"page":272},{"title":"المبحث الخامس: صوم عشر ذى الحجة: وفيه مسائل","level":3,"page":278},{"title":"المبحث السادس: صوم يوم عرفة، وفيه مسائل","level":3,"page":282},{"title":"المبحث السابع: صوم محرم وتأكيد صوم عاشوراء، وفيه مسائل","level":3,"page":286},{"title":"المبحث الثامن: صوم شعبان: وفيه مسائل","level":3,"page":289},{"title":"المبحث التاسع: صوم الأشهر الحرم: وفيه مسائل","level":3,"page":291},{"title":"الفصل الثاني الصوم المحرم والمكروه","level":2,"page":296},{"title":"المبحث الأول: صوم يومي العيد","level":3,"page":297},{"title":"المبحث الثاني: صوم أيام التشريق","level":3,"page":297},{"title":"المبحث الثالث: استقبال صوم رمضان بيوم أو يومين","level":3,"page":298},{"title":"المبحث الرابع: هل يجوز إفراد يوم الجمعة بالصوم؟","level":3,"page":299},{"title":"المبحث الخامس: هل يجوز للمرأة أن تصوم صوم التطوع وزوجها حاضر بغير إذنه؟","level":3,"page":303},{"title":"المبحث السادس: صوم الدهر","level":3,"page":304},{"title":"المبحث السابع: تخصيص أعياد المشركين بالصوم","level":3,"page":308},{"title":"المبحث الثامن: التطوع بعد النصف من شعبان","level":3,"page":309},{"title":"المبحث التاسع: صوم يوم السبت","level":3,"page":310},{"title":"الباب الثالث قيام رمضان","level":1,"page":316},{"title":"التمهيد","level":2,"page":317},{"title":"المبحث الأول: فضل قيام الليل","level":3,"page":317},{"title":"المبحث الثاني: فضل قيام رمضان","level":3,"page":319},{"title":"الفصل الأول التراويح","level":2,"page":321},{"title":"المبحث الأول: تعريف التراويح","level":3,"page":321},{"title":"المبحث الثاني: مشروعية صلاة التراويح جماعة","level":3,"page":321},{"title":"المبحث الثالث: معنى قول عمر (نعم البدعة هذه)","level":3,"page":321},{"title":"المبحث الرابع: هل الأفضل صلاة الرجل التراويح منفردا في بيته أم جماعة في المسجد؟","level":3,"page":322},{"title":"المبحث الخامس: ما حد عدد ركعات قيام الليل؟","level":3,"page":324},{"title":"المبحث السادس: هل يجوز القراءة من المصحف في التراويح؟","level":3,"page":340},{"title":"المبحث السابع: إمامة غلام لم يحتلم بعد","level":3,"page":343},{"title":"المبحث الثامن: القراءة في القيام، وفيه مطلبان","level":3,"page":344},{"title":"المطلب الأول: تحسين الصوت","level":4,"page":344},{"title":"المطلب الثاني: هدي النبي ﷺ أثناء القراءة في الصلاة","level":4,"page":344},{"title":"١ - الاستعاذة","level":5,"page":344},{"title":"٢ - مد الآيات","level":5,"page":344},{"title":"٣ - تدبر القرآن","level":5,"page":345},{"title":"المطلب الثالث: هل يطيل القراءة في التراويح؟","level":4,"page":345},{"title":"المطلب الرابع: هل يجوز القراءة من وسط السور أو آخرها؟","level":4,"page":345},{"title":"المبحث التاسع: حضور النساء للتراويح","level":3,"page":346},{"title":"المبحث العاشر: حكم دعاء الختم في التراويح","level":3,"page":346},{"title":"الفصل الثاني الوتر","level":2,"page":352},{"title":"المبحث الأول: تعريف الوتر","level":3,"page":353},{"title":"المبحث الثاني: فضل صلاة الوتر","level":3,"page":353},{"title":"المبحث الثالث: حكم الوتر","level":3,"page":354},{"title":"المبحث الرابع: وقت صلاة الوتر: وفيه مطالب","level":3,"page":357},{"title":"المطلب الأول: وقت جواز الوتر","level":4,"page":357},{"title":"المطلب الثاني: آخر وقت صلاة الوتر","level":4,"page":357},{"title":"المطلب الثالث: الوقت المستحب لصلاة الوتر","level":4,"page":358},{"title":"المبحث الخامس صفة الوتر","level":3,"page":360},{"title":"المطلب الأول: الوتر بركعة","level":4,"page":360},{"title":"المطلب الثاني: الوتر بثلاث ركعات","level":4,"page":362},{"title":"مشروعية الوتر بثلاث ركعات","level":5,"page":362},{"title":"من أراد أن يوتر بثلاث ركعات فله صفتان","level":5,"page":362},{"title":"المطلب الثالث: الوتر بخمس ركعات لا يجلس ولا يسلم إلا في الخامسة","level":4,"page":363},{"title":"المطلب الرابع: الوتر بسبع ركعات","level":4,"page":364},{"title":"المطلب الخامس: الوتر بتسع ركعات","level":4,"page":364},{"title":"المطلب السادس: أي صفات الوتر أفضل؟ الوتر بركعة أو ثلاث أو خمس؟","level":4,"page":364},{"title":"المبحث السادس: القراءة في الوتر","level":3,"page":365},{"title":"المبحث السابع: مشروعة قضاء الوتر لمن نام عنه أو نسيه","level":3,"page":367},{"title":"المبحث الثامن: مشروعية الصلاة بعد الوتر: وفيه مطالب","level":3,"page":369},{"title":"المطلب الأول: هل تشرع الصلاة بعد الوتر؟","level":4,"page":369},{"title":"المطلب الثاني: كيفية الصلاة بعد الوتر","level":4,"page":370},{"title":"المبحث التاسع: صلاة الوتر في السفر","level":3,"page":372},{"title":"المبحث العاشر: الوتر على الدابة","level":3,"page":373},{"title":"المبحث الحادي عشر: الذكر بعد الفراغ من الوتر","level":3,"page":373},{"title":"الفصل الثالث القنوت","level":2,"page":377},{"title":"المبحث الأول: تعريف القنوت","level":3,"page":377},{"title":"المبحث الثاني: مشروعية القنوت في الوتر","level":3,"page":377},{"title":"المبحث الثالث: هل للقنوت وقت معين؟","level":3,"page":380},{"title":"المبحث الرابع: محل القنوت","level":3,"page":381},{"title":"المبحث الخامس: صفة دعاء القنوت","level":3,"page":383},{"title":"١ - قنوت عمر بن الخطاب ﵁","level":4,"page":383},{"title":"٢ - قنوت أبي بن كعب ﵁","level":4,"page":384},{"title":"المبحث السادس: مستحبات القنوت، وفيه مطالب","level":3,"page":386},{"title":"المطلب الأول: رفع الإمام صوته بالقنوت","level":4,"page":386},{"title":"المطلب الثاني: يستحب للإمام القانت أن يأتي بالدعاء بصيغة الجمع","level":4,"page":386},{"title":"المطلب الثالث: الصلاة على النبي ﷺ في دعاء القنوت","level":4,"page":386},{"title":"المطلب الرابع: رفع اليدين في دعاء القنوت","level":4,"page":387},{"title":"المطلب الخامس: التأمين خلف الإمام عند دعاء القنوت","level":4,"page":388},{"title":"المبحث السابع: هل يشرع مسح الوجه باليدين بعد دعاء القنوت؟","level":3,"page":390},{"title":"المبحث الثامن: من نسي القنوت","level":3,"page":392},{"title":"الباب الرابع الاعتكاف","level":1,"page":395},{"title":"التمهيد","level":2,"page":395},{"title":"المبحث الأول: معنى الاعتكاف","level":3,"page":395},{"title":"المبحث الثاني: حكمة الاعتكاف","level":3,"page":395},{"title":"المبحث الثالث: حكم الاعتكاف","level":3,"page":397},{"title":"المبحث الرابع: فضل الاعتكاف","level":3,"page":397},{"title":"المبحث الخامس: استحباب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان","level":3,"page":398},{"title":"المبحث السادس: أقسام الاعتكاف","level":3,"page":399},{"title":"الفصل الأول أقل زمن للاعتكاف","level":2,"page":400},{"title":"المبحث الأول: أقل زمن الاعتكاف","level":3,"page":400},{"title":"المبحث الثاني: وقت دخول المعتكف المسجد","level":3,"page":402},{"title":"المبحث الثالث: وقت خروج المعتكف من المسجد","level":3,"page":403},{"title":"الفصل الثاني شروط صحة الاعتكاف","level":2,"page":407},{"title":"الشرط الأول: الإسلام","level":3,"page":407},{"title":"الشرط الثاني: العقل","level":3,"page":407},{"title":"الشرط الثالث: التمييز","level":3,"page":407},{"title":"الشرط الرابع: النية","level":3,"page":407},{"title":"الشرط الخامس: هل يشترط الطهارة من الحيض والنفاس والجنابة؟","level":3,"page":407},{"title":"الشرط السادس: الصوم","level":3,"page":414},{"title":"الشرط السابع: شرط إذن الزوج","level":3,"page":416},{"title":"الشرط الثامن: أن يكون الاعتكاف في المسجد","level":3,"page":416},{"title":"المطلب الأول: شرط المسجد","level":4,"page":416},{"title":"المطلب الثاني: ضابط المسجد الذي يشرع فيه الاعتكاف","level":4,"page":417},{"title":"المطلب الثالث: أفضل المساجد للاعتكاف","level":4,"page":422},{"title":"المطلب الرابع: هل تعتكف المرأة في مسجد بيتها؟","level":4,"page":424},{"title":"الفصل الثالث مبطلات الاعتكاف","level":2,"page":428},{"title":"المبطل الأول: خروج المعتكف بجميع البدن بغير عذر من المسجد","level":3,"page":428},{"title":"المسألة الأولى: الخروج لقضاء الحاجة كالبول والغائط والقيء وغيرها","level":4,"page":428},{"title":"المسألة الثانية: الخروج للغسل من الجنابة، والإتيان بالطعام والشراب وغيرهما ممن لابد منه","level":4,"page":428},{"title":"المسألة الثالثة: هل يجوز خروج المعتكف لقربة من القرب لعيادة المريض واتباع الجنائز؟","level":4,"page":430},{"title":"المسألة الرابعة: يجوز للمعتكف قبل دخوله أن يشترط أن يخرج من المسجد لفعل شيء مباح","level":4,"page":431},{"title":"المبطل الثاني: الجماع","level":3,"page":432},{"title":"المبحث الأول: إذا جامع المعتكف زوجته بطل اعتكافه.","level":4,"page":432},{"title":"المبحث الثاني: مباشرة الزوجة","level":4,"page":433},{"title":"المطلب الأول: إذا باشر المعتكف زوجته فإن كان لغير شهوة كاللمس باليد وغيره","level":5,"page":433},{"title":"المطلب الثاني: إذا باشر المعتكف زوجته بشهوة حرم عليه ذلك؛ لمنافاة ذلك للاعتكاف","level":5,"page":433},{"title":"هل يبطل مباشرة المعتكف زوجته بشهوة؟","level":6,"page":433},{"title":"المبطل الثالث: إنزال المني","level":3,"page":434},{"title":"المطلب الأول: إنزاله باحتلام","level":4,"page":434},{"title":"المطلب الثاني: إنزال المني بالفكر","level":4,"page":434},{"title":"المطلب الثالث: إذا استمنى المعتكف فأمنى، بطل اعتكافه.","level":4,"page":434},{"title":"المبطل الرابع: الردة","level":3,"page":434},{"title":"المبطل الخامس: قطع نية الاعتكاف","level":3,"page":435},{"title":"الفصل الرابع ما يباح للمعتكف","level":2,"page":436},{"title":"الفصل الخامس ما ينهى عنه المعتكف وقضاء الاعتكاف عنه","level":2,"page":437},{"title":"الفصل السادس ليلة القدر","level":2,"page":439},{"title":"فضل ليلة القدر","level":3,"page":439},{"title":"الأحاديث الواردة في تعيين ليلة القدر","level":3,"page":439},{"title":"الباب الخامس زكاة الفطر","level":1,"page":443},{"title":"التمهيد","level":2,"page":443},{"title":"المبحث الأول: لماذا سميت بصدقة الفطر؟","level":3,"page":443},{"title":"المبحث الثاني: ما الحكمة من مشروعية صدقة الفطر؟","level":3,"page":443},{"title":"المبحث الثالث: حكم زكاة الفطر","level":3,"page":444},{"title":"الفصل الأول","level":2,"page":445},{"title":"المبحث الأول: على من تجب زكاة الفطر؟","level":3,"page":446},{"title":"المبحث الثاني: زكاة فطر المرأة","level":3,"page":446},{"title":"المبحث الثالث: زكاة فطر الصغير","level":3,"page":448},{"title":"المبحث الرابع: هل على الجنين زكاة فطر؟","level":3,"page":449},{"title":"المبحث الخامس: هل الدين يمنع الزكاة؟","level":3,"page":450},{"title":"المبحث السادس: المقدار الواجب في صدقة الفطر","level":3,"page":451},{"title":"المبحث السابع: هل يشترط النصاب لوجوب زكاة الفطر؟","level":3,"page":453},{"title":"المبحث الثامن: ما مقدار الصاع؟","level":3,"page":455},{"title":"المبحث التاسع: من أي الأصناف تخرج زكاة الفطر؟","level":3,"page":455},{"title":"المبحث العاشر: هل يجوز أن يخرج بدلا من البر والشعير دقيقا أو سويقا،","level":3,"page":459},{"title":"المبحث الحادي عشر: هل يعتبر غالب قوت بلده، أو غالب قوته في نفسه؟","level":3,"page":459},{"title":"المبحث الثاني عشر: وهل يجوز إخراج زكاة الفطر نقودا؟","level":3,"page":460},{"title":"المبحث الثالث عشر: متى تجب زكاة الفطر؟","level":3,"page":469},{"title":"المبحث الرابع عشر: هل يجوز تقديم زكاة الفطر؟","level":3,"page":471},{"title":"المبحث الخامس عشر: وهل يجوز تأخير صدقة الفطر بعد صلاة العيد؟","level":3,"page":473},{"title":"المبحث السادس عشر: هل يجوز تأخير زكاة الفطر بعد يوم العيد؟","level":3,"page":475},{"title":"المبحث السابع عشر: مصارف صدقة الفطر، وفيه مسائل","level":3,"page":476},{"title":"المسألة الأولى: هل تصرف صدقة الفطر على الفقراء فقط؟","level":4,"page":476},{"title":"المسألة الثانية: هل تفرق صدقة الفطر على الأصناف الثمانية أم على الفقراء فقط؟","level":4,"page":476},{"title":"المسألة الثالثة: هل يجوز إعطاء الأقارب من صدقة الفطر؟","level":4,"page":479},{"title":"فتاوى وتوصيات المجمع الفقهي بشأن زكاة الفطر","level":5,"page":479},{"title":"الباب السادس فقه العيدين","level":1,"page":481},{"title":"التمهيد","level":2,"page":482},{"title":"المبحث الأول: تعريف العيدين","level":3,"page":483},{"title":"المبحث الثاني: مشروعية صلاة العيدين","level":3,"page":484},{"title":"المبحث الثالث: حكم صلاة العيدين","level":3,"page":484},{"title":"المبحث الرابع: هل يجب قتال بلد تركت صلاة العيدين؟","level":3,"page":489},{"title":"الفصل الأول شروط صلاة العيدين","level":2,"page":491},{"title":"المبحث الأول: هل إذن السلطان شرط في صحة صلاة العيدين؟","level":3,"page":491},{"title":"المبحث الثاني: هل يشترط المصر الجامع في صلاة العيدين؟","level":3,"page":493},{"title":"المبحث الثالث: هل يشترط الاستيطان لصلاة العيدين أم تفعل في السفر؟","level":3,"page":495},{"title":"المبحث الرابع: هل يشترط لصلاة العيدين أن تكون جماعة أم تصح من المنفرد؟","level":3,"page":497},{"title":"المبحث الخامس: هل يشترط لصلاة العيدين الحرية والذكورة والبلوع أم أنها تصح من العبد والمرأة والصبي؟","level":3,"page":498},{"title":"الفصل الثاني بين يدي صلاة العيد","level":2,"page":500},{"title":"المبحث الأول: ليس للعيدين أذان ولا إقامة","level":3,"page":500},{"title":"المبحث الثاني: هل ينادي لصلاة العيد بقوله: «الصلاة جامعة»؟","level":3,"page":500},{"title":"المبحث الثالث: صلاة العيد ركعتان","level":3,"page":501},{"title":"المبحث الرابع: وقت صلاة العيدين","level":3,"page":502},{"title":"المبحث الخامس: صلاة النافلة قبل صلاة العيد وبعدها","level":3,"page":502},{"title":"المبحث السادس: اتخاذ الإمام سترة لصلاة العيد","level":3,"page":506},{"title":"الفصل الثالث صفة صلاة العيدين","level":2,"page":508},{"title":"المبحث الأول: موضع دعاء الاستفتاح","level":3,"page":508},{"title":"المبحث الثاني: رفع الأيدى في تكبيرات صلاة العيد","level":3,"page":509},{"title":"المبحث الثالث: عدد التكبيرات الزوائد في ركعتي العيد","level":3,"page":512},{"title":"المبحث الرابع: هل يشرع الذكر بين كل تكبيرتين؟","level":3,"page":514},{"title":"المبحث الخامس: التعوذ قبل الفاتحة","level":3,"page":516},{"title":"المبحث السادس: الجهر بالقراءة في صلاة العيد","level":3,"page":516},{"title":"المبحث السابع: ما يقرأ في صلاة العيدين","level":3,"page":516},{"title":"المبحث الثامن: الحكمة في القراءة في العيدين بالسور المذكورة","level":3,"page":517},{"title":"الفصل الرابع أحكام مهمة تتعلق بصلاة العيدين","level":2,"page":520},{"title":"المبحث الأول: من فاته العيد كم يصلي؟","level":3,"page":520},{"title":"المبحث الثاني: اجتماع العيد والجمعة","level":3,"page":522},{"title":"المبحث الثالث: المسبوق ببعض صلاة العيد.","level":3,"page":528},{"title":"المبحث الرابع: صلاة العيد من الغد","level":3,"page":528},{"title":"الفصل الخامس مستحبات العيدين","level":2,"page":530},{"title":"المبحث الأول استحباب الغسل للعيدين","level":3,"page":531},{"title":"المطلب الأول: استحباب الغسل للعيدين","level":4,"page":531},{"title":"المطلب الثاني: وقت الغسل للعيدين","level":4,"page":532},{"title":"المبحث الثاني: استحباب الزينة والتطيب للعيدين","level":3,"page":532},{"title":"المبحث الثالث: الأكل قبل وبعد الخروج للعيدين","level":3,"page":534},{"title":"المطلب الأول: استحباب الأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى.","level":4,"page":534},{"title":"المطلب الثاني: هل يستحب الأكل بعد الأضحى؟","level":4,"page":535},{"title":"المبحث الرابع: استحباب التبكير إلى العيدين","level":3,"page":536},{"title":"المبحث الخامس: استحباب مخالفة الطريق في الذهاب والرجوع","level":3,"page":537},{"title":"المبحث السادس: هل المشي إلى العيدين أفضل من الركوب؟","level":3,"page":537},{"title":"المبحث السابع: من السنة صلاة العيدين في المصلى، وفيه مطالب","level":3,"page":539},{"title":"المطلب الأول: من السنة صلاة العيدين في المصلى","level":4,"page":539},{"title":"المطلب الثاني: صلاة العيد في المسجد لعذر","level":4,"page":539},{"title":"المطلب الثالث: استخلاف من يصلي بضعفة الناس إذا أصبح الإمام في مكان بعيد عن البلدة.","level":4,"page":540},{"title":"المبحث الثامن: استحباب خروج النساء إلى المصلى بالضوابط الشرعية","level":3,"page":540},{"title":"المبحث التاسع: خروج الصبيان إلى المصلى","level":3,"page":543},{"title":"المطلب الأول: استحباب خروج الصبيان إلى المصلي","level":4,"page":543},{"title":"المطلب الثاني: يستحب التزين للصبيان ذكورا وإناثا يوم العيد بأحسن الثياب","level":4,"page":543},{"title":"المبحث العاشر: التهنئة بالعيد","level":3,"page":544},{"title":"الفصل السادس خطبة العيد وما يتعلق بها من أحكام","level":2,"page":546},{"title":"المبحث الأول: من السنة صلاة العيد قبل الخطبة","level":3,"page":547},{"title":"المبحث الثاني: هل يخطب للعيد على المنبر؟","level":3,"page":547},{"title":"المبحث الثالث: من السنة حضور خطبة العيد والاستماع لها","level":3,"page":548},{"title":"المبحث الرابع: هل خطبة العيد واحدة أم خطبتان يجلس بينهما؟","level":3,"page":549},{"title":"المبحث الخامس: هل تفتتح خطبة العيد بالتكبير أو بالحمد؟","level":3,"page":550},{"title":"المبحث السادس: موضوع خطبة العيد","level":3,"page":552},{"title":"الفصل السابع التكبير وما يتعلق به من أحكام","level":2,"page":553},{"title":"المبحث الأول: قسما التكبير","level":3,"page":554},{"title":"المبحث الثاني: حكم التكبير المطلق في ليلة عيد الفطر ويومه حتى صلاة العيد","level":3,"page":554},{"title":"المبحث الثالث: الجهر بالتكبير","level":3,"page":556},{"title":"المبحث الرابع: هل يشرع التكبير الجماعي؟","level":3,"page":556},{"title":"المبحث الخامس: التكبير المقيد بأدبار الصلوات في عيد الأضحى دون الفطر.","level":3,"page":558},{"title":"المبحث السادس: ابتداء التكبير وانتهاؤه للحاج","level":3,"page":561},{"title":"المبحث السابع: هل التكبير المقيد خلف الفرائض يختص بالجماعة، أم يكبر خلف الفرائض من صلى وحده؟ وهل التكبير في الفريضة فقط أو النافلة؟","level":3,"page":561},{"title":"المبحث الثامن: محل التكبير المقيد","level":3,"page":563},{"title":"المبحث التاسع: صيغ التكبير في العيد","level":3,"page":564},{"title":"الفصل الثامن ما يباح في العيدين","level":2,"page":568},{"title":"المبحث الأول: مشروعية الترفيه واللعب في العيد","level":3,"page":568},{"title":"المبحث الثاني: الرخصة للجواري يوم العيد في اللعب والغناء","level":3,"page":569},{"title":"المبحث الثالث: يباح الاجتماع على الطعام في العيد","level":3,"page":570},{"title":"المبحث الرابع: يباح العمل والبيع والشراء في العيد","level":3,"page":570},{"title":"الفصل التاسع ما يكره ويحرم في العيدين","level":2,"page":571},{"title":"المبحث الأول: كراهية حمل السلاح يوم العيد","level":3,"page":572},{"title":"المبحث الثاني: يحرم تخصيص ليلة العيد بقيام أو إحياء ليلتي العيد","level":3,"page":573},{"title":"المبحث الثالث: يحرم صوم يومي العيدين","level":3,"page":573},{"title":"المبحث الرابع: يحرم الاحتفال بأي عيد سوى الفطر والأضحى والجمعة","level":3,"page":574},{"title":"المبحث الخامس: منكرات العيدين أو المحرمات التي تقع في أيام العيدين","level":3,"page":575},{"title":"المبحث السادس: من بدع العيدين","level":3,"page":577}],"ٛ":{"1,7":1,"1,8":2,"1,9":3,"1,10":4,"1,11":5,"1,12":6,"1,13":7,"1,14":8,"1,15":9,"1,16":10,"1,17":11,"1,18":12,"1,19":13,"1,20":14,"1,21":15,"1,22":16,"1,23":17,"1,24":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,53":47,"1,54":48,"1,55":49,"1,56":50,"1,57":51,"1,58":52,"1,59":53,"1,60":54,"1,61":55,"1,62":56,"1,63":57,"1,64":58,"1,65":59,"1,66":60,"1,67":61,"1,68":62,"1,69":63,"1,70":64,"1,71":65,"1,72":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,88":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,92":86,"1,93":87,"1,94":88,"1,95":89,"1,96":90,"1,97":91,"1,98":92,"1,99":93,"1,100":94,"1,101":95,"1,102":96,"1,103":97,"1,104":98,"1,105":99,"1,106":100,"1,107":101,"1,108":102,"1,109":103,"1,110":104,"1,111":105,"1,112":106,"1,113":107,"1,114":108,"1,115":109,"1,116":110,"1,117":111,"1,118":112,"1,119":113,"1,120":114,"1,121":115,"1,122":116,"1,123":117,"1,124":118,"1,125":119,"1,126":120,"1,127":121,"1,128":122,"1,129":123,"1,130":124,"1,131":125,"1,132":126,"1,133":127,"1,134":128,"1,135":129,"1,136":130,"1,137":131,"1,138":132,"1,139":133,"1,140":134,"1,141":135,"1,142":136,"1,143":137,"1,144":138,"1,145":139,"1,146":140,"1,147":141,"1,148":142,"1,149":143,"1,150":144,"1,151":145,"1,152":146,"1,153":147,"1,154":148,"1,155":149,"1,156":150,"1,157":151,"1,158":152,"1,159":153,"1,160":154,"1,161":155,"1,162":156,"1,163":157,"1,164":158,"1,165":159,"1,166":160,"1,167":161,"1,168":162,"1,169":163,"1,170":164,"1,171":165,"1,172":166,"1,173":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,197":189,"1,198":190,"1,199":191,"1,200":192,"1,201":193,"1,202":194,"1,203":195,"1,204":196,"1,205":197,"1,206":198,"1,207":199,"1,208":200,"1,209":201,"1,210":202,"1,211":203,"1,212":204,"1,213":205,"1,214":206,"1,215":207,"1,216":208,"1,217":209,"1,218":210,"1,219":211,"1,220":212,"1,221":213,"1,222":214,"1,223":215,"1,224":216,"1,225":217,"1,226":218,"1,227":219,"1,228":220,"1,229":221,"1,230":222,"1,231":223,"1,232":224,"1,233":225,"1,234":226,"1,235":227,"1,236":228,"1,237":229,"1,238":230,"1,239":231,"1,240":232,"1,241":233,"1,242":234,"1,243":235,"1,244":236,"1,245":237,"1,247":238,"1,248":239,"1,249":240,"1,250":241,"1,251":242,"1,252":243,"1,253":244,"1,254":245,"1,255":246,"1,256":247,"1,257":248,"1,258":249,"1,259":250,"1,260":251,"1,261":252,"1,262":253,"1,263":254,"1,264":255,"1,265":256,"1,266":257,"1,267":258,"1,268":259,"1,269":260,"1,270":261,"1,271":262,"1,272":263,"1,273":264,"1,274":265,"1,275":266,"1,276":267,"1,277":268,"1,278":269,"1,279":270,"1,280":271,"1,281":272,"1,282":273,"1,283":274,"1,284":275,"1,285":276,"1,286":277,"1,287":278,"1,288":279,"1,289":280,"1,290":281,"1,291":282,"1,292":283,"1,293":284,"1,294":285,"1,295":286,"1,296":287,"1,297":288,"1,298":289,"1,299":290,"1,300":291,"1,301":292,"1,302":293,"1,303":294,"1,304":295,"1,305":296,"1,306":297,"1,307":298,"1,308":299,"1,309":300,"1,310":301,"1,311":302,"1,312":303,"1,313":304,"1,314":305,"1,315":306,"1,316":307,"1,317":308,"1,318":309,"1,319":310,"1,320":311,"1,321":312,"1,322":313,"1,323":314,"1,324":315,"1,325":316,"1,326":317,"1,327":318,"1,328":319,"1,329":320,"1,330":321,"1,331":322,"1,332":323,"1,333":324,"1,334":325,"1,335":326,"1,336":327,"1,337":328,"1,338":329,"1,339":330,"1,340":331,"1,341":332,"1,342":333,"1,343":334,"1,344":335,"1,345":336,"1,346":337,"1,347":338,"1,348":339,"1,349":340,"1,350":341,"1,351":342,"1,352":343,"1,353":344,"1,354":345,"1,355":346,"1,356":347,"1,357":348,"1,358":349,"1,359":350,"1,360":351,"1,361":352,"1,362":353,"1,363":354,"1,364":355,"1,365":356,"1,366":357,"1,367":358,"1,368":359,"1,369":360,"1,370":361,"1,371":362,"1,372":363,"1,373":364,"1,374":365,"1,375":366,"1,376":367,"1,377":368,"1,378":369,"1,379":370,"1,380":371,"1,381":372,"1,382":373,"1,383":374,"1,384":375,"1,385":376,"1,386":377,"1,387":378,"1,388":379,"1,389":380,"1,390":381,"1,391":382,"1,392":383,"1,393":384,"1,394":385,"1,395":386,"1,396":387,"1,397":388,"1,398":389,"1,399":390,"1,400":391,"1,401":392,"1,402":393,"1,403":394,"1,404":395,"1,405":396,"1,406":397,"1,407":398,"1,408":399,"1,409":400,"1,410":401,"1,411":402,"1,412":403,"1,413":404,"1,414":405,"1,415":406,"1,416":407,"1,417":408,"1,418":409,"1,419":410,"1,420":411,"1,421":412,"1,422":413,"1,423":414,"1,424":415,"1,425":416,"1,426":417,"1,427":418,"1,428":419,"1,429":420,"1,430":421,"1,431":422,"1,432":423,"1,433":424,"1,434":425,"1,435":426,"1,437":427,"1,438":428,"1,439":429,"1,440":430,"1,441":431,"1,442":432,"1,443":433,"1,444":434,"1,445":435,"1,446":436,"1,447":437,"1,448":438,"1,449":439,"1,450":440,"1,451":441,"1,452":442,"1,453":443,"1,454":444,"1,455":445,"1,456":446,"1,457":447,"1,458":448,"1,459":449,"1,460":450,"1,461":451,"1,462":452,"1,463":453,"1,464":454,"1,465":455,"1,466":456,"1,467":457,"1,468":458,"1,469":459,"1,470":460,"1,471":461,"1,472":462,"1,473":463,"1,474":464,"1,475":465,"1,476":466,"1,477":467,"1,478":468,"1,479":469,"1,480":470,"1,481":471,"1,482":472,"1,483":473,"1,484":474,"1,485":475,"1,486":476,"1,487":477,"1,488":478,"1,489":479,"1,490":480,"1,491":481,"1,492":482,"1,493":483,"1,494":484,"1,495":485,"1,496":486,"1,497":487,"1,498":488,"1,499":489,"1,500":490,"1,501":491,"1,502":492,"1,503":493,"1,504":494,"1,505":495,"1,506":496,"1,507":497,"1,508":498,"1,509":499,"1,510":500,"1,511":501,"1,512":502,"1,513":503,"1,514":504,"1,515":505,"1,516":506,"1,517":507,"1,518":508,"1,519":509,"1,520":510,"1,521":511,"1,522":512,"1,523":513,"1,524":514,"1,525":515,"1,526":516,"1,527":517,"1,528":518,"1,529":519,"1,530":520,"1,531":521,"1,532":522,"1,533":523,"1,534":524,"1,535":525,"1,536":526,"1,537":527,"1,538":528,"1,539":529,"1,541":530,"1,542":531,"1,543":532,"1,544":533,"1,545":534,"1,546":535,"1,547":536,"1,548":537,"1,549":538,"1,550":539,"1,551":540,"1,552":541,"1,553":542,"1,554":543,"1,555":544,"1,556":545,"1,557":546,"1,558":547,"1,559":548,"1,560":549,"1,561":550,"1,562":551,"1,563":552,"1,565":553,"1,566":554,"1,567":555,"1,568":556,"1,569":557,"1,570":558,"1,571":559,"1,572":560,"1,573":561,"1,574":562,"1,575":563,"1,576":564,"1,577":565,"1,578":566,"1,579":567,"1,580":568,"1,581":569,"1,582":570,"1,583":571,"1,584":572,"1,585":573,"1,586":574,"1,587":575,"1,588":576,"1,589":577},"ٜ":{"1":[7,589]},"ٝ":["1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"13":[3],"14":[4],"15":[5,6,7],"16":[8,9,10],"17":[11],"18":[12,13],"19":[14],"20":[15,16,17,18],"21":[19,20,21],"22":[22],"23":[23],"24":[24],"25":[25,26],"29":[27],"32":[28,29],"33":[30,31,32],"35":[33],"39":[34],"40":[35],"41":[36,37],"43":[38],"44":[39,40,41],"45":[42,43,44],"48":[45],"49":[46],"50":[47,48,49,50],"51":[51],"53":[52],"54":[53],"55":[54,55],"58":[56,57,58,59],"62":[60],"63":[61,62],"68":[63,64,65],"69":[66],"73":[67],"75":[68],"78":[69],"80":[70],"85":[71],"87":[72],"90":[73,74,75],"92":[76,77],"96":[78],"102":[79],"105":[80],"111":[81,82,83,84],"117":[85,86],"118":[87],"120":[88],"121":[89,90,91,92],"122":[93],"123":[94,95,96,97],"125":[98],"126":[99,100,101,102],"127":[103],"128":[104],"130":[105],"133":[106,107,108],"134":[109],"140":[110],"141":[111,112],"142":[113,114,115,116],"143":[117],"151":[118],"165":[119,120,121],"168":[122],"169":[123,124,125],"170":[126,127],"171":[128,129],"172":[130,131],"173":[132,133],"174":[134,135,136,137],"175":[138],"176":[139],"177":[140],"180":[141,142],"190":[143,144],"191":[145],"194":[146],"198":[147,148,149],"199":[150],"201":[151],"203":[152,153],"204":[154,155],"205":[156],"206":[157],"207":[158],"209":[159],"210":[160,161],"212":[162,163],"214":[164],"215":[165,166],"218":[167],"219":[168],"221":[169,170],"222":[171],"223":[172],"224":[173],"225":[174],"231":[175],"234":[176],"236":[177],"237":[178],"239":[179,180],"240":[181,182],"241":[183],"242":[184,185],"243":[186],"245":[187],"247":[188,189],"248":[190,191],"249":[192,193],"254":[194,195,196],"256":[197],"258":[198],"263":[199],"265":[200,201],"266":[202],"267":[203],"272":[204],"278":[205],"282":[206],"286":[207],"289":[208],"291":[209],"296":[210],"297":[211,212],"298":[213],"299":[214],"303":[215],"304":[216],"308":[217],"309":[218],"310":[219],"316":[220],"317":[221,222],"319":[223],"321":[224,225,226,227],"322":[228],"324":[229],"340":[230],"343":[231],"344":[232,233,234,235,236],"345":[237,238,239],"346":[240,241],"352":[242],"353":[243,244],"354":[245],"357":[246,247,248],"358":[249],"360":[250,251],"362":[252,253,254],"363":[255],"364":[256,257,258],"365":[259],"367":[260],"369":[261,262],"370":[263],"372":[264],"373":[265,266],"377":[267,268,269],"380":[270],"381":[271],"383":[272,273],"384":[274],"386":[275,276,277,278],"387":[279],"388":[280],"390":[281],"392":[282],"395":[283,284,285,286],"397":[287,288],"398":[289],"399":[290],"400":[291,292],"402":[293],"403":[294],"407":[295,296,297,298,299,300],"414":[301],"416":[302,303,304],"417":[305],"422":[306],"424":[307],"428":[308,309,310,311],"430":[312],"431":[313],"432":[314,315],"433":[316,317,318,319],"434":[320,321,322,323,324],"435":[325],"436":[326],"437":[327],"439":[328,329,330],"443":[331,332,333,334],"444":[335],"445":[336],"446":[337,338],"448":[339],"449":[340],"450":[341],"451":[342],"453":[343],"455":[344,345],"459":[346,347],"460":[348],"469":[349],"471":[350],"473":[351],"475":[352],"476":[353,354,355],"479":[356,357],"481":[358],"482":[359],"483":[360],"484":[361,362],"489":[363],"491":[364,365],"493":[366],"495":[367],"497":[368],"498":[369],"500":[370,371,372],"501":[373],"502":[374,375],"506":[376],"508":[377,378],"509":[379],"512":[380],"514":[381],"516":[382,383,384],"517":[385],"520":[386,387],"522":[388],"528":[389,390],"530":[391],"531":[392,393],"532":[394,395],"534":[396,397],"535":[398],"536":[399],"537":[400,401],"539":[402,403,404],"540":[405,406],"543":[407,408,409],"544":[410],"546":[411],"547":[412,413],"548":[414],"549":[415],"550":[416],"552":[417],"553":[418],"554":[419,420],"556":[421,422],"558":[423],"561":[424,425],"563":[426],"564":[427],"568":[428,429],"569":[430],"570":[431,432],"571":[433],"572":[434],"573":[435,436],"574":[437],"575":[438],"577":[439]},"ٟ":[113]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>تقديم</span>\nالحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:\nفهذا كتاب جامع في الصيام وأحكامه، وكذا قيام الليل والاعتكاف والعيدين وزكاة الفطر وما يتعلق بذلك من فقه وأحكام، أعدَّه أخي في الله الشيخ/ محمد حلاوة - حفظه الله وبارك فيه، وقد أتقن عمله وفَّقه الله، فقد جمع ما يتعلق بكل باب من مادة علمية، فجمع الأحاديث والآثار، وخرجها فأحسن تخريجها، ثم حكم عليها بما تستحقه صحة أو ضعفًا، مع عدم إهماله لأقوال علماء العلل، ثم إنه أورد أقوال أهل العلم والفقه، ابتداءً من الصحابة رضوان الله عليهم، ثم أقوال التابعين وأتباعهم، وكذا أقوال أصحاب المذاهب الأربعة، وأيضًا أقوال أئمة آخرين وعلماء كالظاهرية وابن تيمية ومتأخري الفقهاء، ورجح القول الذي تقتضي الأدلة رجحانه، وكذا؛ فإنه وفقه الله لكل خير، لم يغفل الآيات التي لها اتصال بالموضوعات، فأوردها وأورد أقوال العلماء فيها، فأفاد وأحسن، جزاه الله خيرًا.\nهذا، وقد راجعت مع أخي الشيخ محمد عمله؛ فألفيته من فضل الله نافعًا موفقًا، فأسأل الله له مزيدًا من السداد والتوفيق والسير قُدمًا في الدعوة إلى الله وطلب العلم الشرعي.\nوصلِّ اللهم على نبينا محمدٍ وسلم والحمد لله رب العالمين\n\nكتبه\nأبو عبد الله\nمصطفى بن العدوي","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type='title' id=toc-2>المقدمة</span>\nإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له.\nوأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].\nأما بعد: فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمّدٍ ﷺ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة.\nثم أما بعد: فمِن أحبِّ الأعمال إلى الله تعالى وأبلغِها إلى مرضاته، وأحضِّها للظفر بجناته، إقامةُ أركان الشريعة، وفرائضِ الملة الرفيعة، ولا صحة لذلك ولا قَبول إلا على الوجه الذى دعا إليه الباري وبه أمر.\nروى البخاري (^١) عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله ﷿: وَمَا تَقَرَّبَ إلى عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلى مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ».\nومن هذه الفرائض العظام شعيرة الصيام.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢).","vol":"1","page":8},{"text":"وهذا الصوم قد فضَّله الباري جل اسمه على سائر الطاعات، وذلك بإضافته إلى نفسه العلية؛ تعظيمًا لقدره وشانه، وتنويهًا بسامق مكانه، فقد ثبت فى «الصحيحين» (^١) من حديث أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله ﷿: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ».\nكيف لا! وصيام رمضان أحد أركان الإسلام الركين، ومن أعظم معالمه وأثبت دعائمه، ففى «الصحيحين» (^٢)، عن ابن عمر ﴿قال: قال رسول الله ﷺ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ …». فذكر منها: «… وَصَوْمُ رَمَضَان».\nأيامه بالرحمات والسكينة مُجَلَّلة، وبالمنافع والبركات الغزار مُعجَّلة، فى لياليه الطُّهر ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ، فيها تنزل الملائكة الكرام، حافِّين بالعباد وهم فى تبتلٍ وابتهالٍ، ودموعهم فى انهمالٍ، راجين من الكبير المتعال أن يغفر لهم زلاتِهم، ويمحو حوباتِهم، ويُقِيل عثراتِهم، ويَكشف كرباتِهم، ويفرِّجُ مُلماتِهم، كلُّ ذلك وأشدُّه أيام الاعتكاف حين يكونون عن الدنيا فى انصراف، بقلوبٍ من ربها وجلة، فلله ما أبهاه من شهر عظيم.\nفانظروا إلى ما خصكم الله به من الإنعام والإكرام وحباكم به من العطايا الجسام، وشَرَّفكم بنبي الرحمة ورسول الهدى وأنقذكم ببركته من الردى، فاستدرِكوا رحمكم الله مواسم العمر فحادي الموت بالرحيل قد حدا، واغتنموا ليلة القدر فلعل أن تُكتبوا في ديوان السعداء فإنها ليلة تفوق ليالي الدهر، وهي خير من ألف شهر، فيا فوز من أحياها ويا سعادة من رآها لقد نال فخرًا وسؤددًا.\nفليلة القدر يُفتح فيها الباب، وتُقرب الأحباب، ويُسمع الخطاب، ويُرد الجواب، ويُكتب للعاملين فيها جزيل الأجر والثواب.\nاعلم أن ليلة القدر ليلة شريفة فيها يتجلى رب الأرباب، ويجزل للعاملين بطاعته الثواب، ويسمع فيها الدعاء ويستجاب فيها، تنزل الملائكة بأمر رب العالمين.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ٨)، ومسلم (١٦).","vol":"1","page":9},{"text":"هي ليلة القدر التي شرفت على … كل الشهور وسائر الأعوام\nمن قامها يمحو الإله بفضله … عنه الذنوب وسائر الآثام\nفيها تجلى الحق ﷻ … وقضى القضاء وسائر الأحكام\nفادعوه واطلبه لكي تعطى المنى … وتجاب بالإنعام والإكرام\nفالله يرزقنا القبول بفضله … ويجود بالغفران للصوام\nويذيقنا فيها حلاوة عفوه … ويميتنا حقًّا على الإسلام\nفالصيام: وقايةٌ وترسٌ للمسلم من الخطايا والأوزار، وجُنهٌ تحميه من التلطِّخ - عياذًا بالله - بالأدران والأكدار؛ فقد ثبت فى «الصحيحين» (^١) من حديث أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ». أي: وقاية يقي صاحبه من الشهوات، كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (^٢).\nوقيل: إن الصيام جُنةٌ، أي: وقايةٌ من النار.\nفالصوم فيه مضاعفةُ الحسنات، وإقالةُ العثرات، ومغفرةُ الذنوب والسيئات، ورفعةُ الدرجات، فيه تُفتح الجنات، وتُنزل الرحمات وتُغفر الزَّلات.\nفطوبى لمن جَوَّع نفسه ليوم الشبع الأكبر، طوبى لمن أظمأ نفسه ليوم الري الأكبر، طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره، طوبى لمن ترك طعامًا في دار تنفد لدار أكلها دائم وظلها.\nوصم ما تستطيع تجده ريا … إذا ما قمت ظمآنًا سغيبا\nالصوم من أعظم العبادات التى بها رفع الدرجات، وتكفير الخطايا والسيئات، وكَسر الشهوات، والانزجار عن خواطر المعاصي والمخالفات، فالصيام هو الطريق\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠).","vol":"1","page":10},{"text":"الأعظم للوصول إلى تقوى الله ﷿؛ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. [البقرة: ١٨٣].\nوالتقوى تكفلُ للعبد السعادة فى الدنيا والآخرة؛ فهى وصية الله للأولين والآخرين، كما قال رب العالمين: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١].\nفالمقصود من الصيام هو تحصيل تقوى الله ﷿، وهل يتم ذلك بالصوم عن الطعام والجماع؟ كلا، إنما يكون بصوم الجوارح عن الآثام، وصمتِ اللسان عن فضول الكلام، وغضِّ البصر عن النظر إلى الحرام، وكفِّ الكف عن أخذ الحُطام، ومنع الأقدام عن قبيح الإقدام، وبذل ندى الكف، والتورع عن الأذى والكف. قال ﵊: «مَنْ لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».\nفرمضان شهر التوبة، فيا من عصى وأسرف ارجع إلى ربك وأقبل عليه، فإنه غافر الذنب وقابل التوب، ففي الصحيحين عن أبي هريرة، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\nفيا من فرط في رمضان ومضى رمضان وهو على الذنوب والعصيان، غافل عن الصيام والقيام، يا من ضيع عمره في غير الطاعة، يا من بضاعته التسويف والتفريط وبئست البضاعة، إلى متى الغفلة والتسويف وطولُ الأمل واتباعُ الشيطان والهوى؟!!\nفما أجملَ رمضان عندما يكون بدايةَ التوبة والإنابة.\nرمضان أقبل قم بنا يا صاح … هذا أوان تبتل وصلاح\nواغنم ثواب صيامه وقيامه … تسعد بخير دائم وفلاح\nوقال النبي ﷺ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلم يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ».\nمتى يُغفر لمن لم يُغفر له في رمضان؟ متى يُقبل من رُد في ليلة القدر وما فيها من الغفران؟ متى يزلف من رمي فيه بالإبعاد والهجران؟ متى يشفى قلب لم تشفه آيات","vol":"1","page":11},{"text":"القرآن؟ يا لها من خسارة لا تشبه الخسران أن ترى المحسنين قد حظوا بالقرب والزلفى والرضوان، وأُزلفت لهم الجنات، وأُلبسوا التيجان، وأُعطوا الملك والخلد، وأُدخلوا على الرحمن، وقد رُميت بالطرد والإبعاد والحرمان، تُغل وتُجر إلى النيران، أترى قلبك هذا نائمًا أم يقظان؟\n• يا من صام رمضان: لقد عظمت مصيبتك بعدم توبتك فأين مقلتك الباكية؟ وأين دمعتك الجارية؟ وأين زفرتك الرائحة الغادية؟ لأي يوم أخرت توبتك؟ ولأي عام ادخرت أوبتك؟ إلى عام قابل وحول حائل؟ كلا فما إليك مدة الأعمار؟ ولا معرفة المقدار؟ فكم من مؤمل أمّل بلوغه فلم يبلغه؟ وكم من مدرك لم يختمه؟ وكم من أعد طيبًا لعيده جُعل في تلحيده؟ وثيابًا لتزيينه صارت لتكفينه؟ ومتأهبَا لفطره صار مرتهنًا في قبره؟ وكم من لا يصوم بعده سواه وهو يطمع في غيره أنه يراه؟\nفأين الصوام القوام المرافقون لنا في سالف الأعوام؟ وأين من كانوا معنا ليالي شهر رمضان شاهدين وفي كل حق لله معاملين؟ أتاهم والله هادم اللذات وقاطع الشهوات ومفرق الجماعات، فأخلي منهم المشاهد؟ وعطل منهم المساجد، تراهم في بطون الألحاد صرعى، لا يجدون لهم فيه دفعًا ولا يملكون لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ينتظرون يومًا الأمم فيه إلى ربها تُدعى والخلائق تحشر إلى الموقف وتسعى والفرائص ترعد من هول ذلك اليوم والعيون تذرف دمعًا، والقلوب تتصدع من الحساب صدعًا (ونفخ في الصور فجمعناهم جمعًا) (^١).\nفعلى المسلم أن يغتنم مواسم الطاعة ولا يفرط فيها، بل يشتغل بما يدوم نفعه، ويبقى أثره وما هي إلا أيامًا معدودات تصام تباعًا، وتنقضي سراعًا.\nأرى الأيام تسرع بارتحال … وبدر الشهر صار إلى هلال\nفبادر باغتنام الأجر فيما … سيأتي من عشر فضال\nولا تترك محبك من دعاء … فإن ذنوبه مثل الجبال\n_________\n(^١) أخطاء شائعة ص ١٨٥، للشيخ: أحمد بن عبد الله السبكي.","vol":"1","page":12},{"text":"فإن ملائكة الرحمن تثني … عليك بمثله من ذي الجلال\nوالصوم شهر الجود والإحسان، والمودة والإخاء والرأفة والرحمة والصفاء، ففي الصحيحين من حديث ابن عباس ﴿قال: «كان رسول الله أجود الناس فكان أجود ما يكون في رمضان»\nفكن متصدقًا سرًّا وجهرًا … ولا تبخل وكن سمحًا وهوبا\nتجد ما قدَّمَتْه يداك ظلًّا … إذا ما اشتد بالناس الكروبا\nفشعور الصائم بالجوع يذكره بإخوانه الذين ذاقوا من البؤس ألوانًا بعد رغد العيش، وتجرعوا من العلقم غصصا بعد وفرة النعيم، فشردتهم وقتلتهم ودمرتهم وطحنتهم الحروب، وبعضهم يعيش بين أنات وأصوات الصواريخ والدبابات والقذائف والنيران، فاعتاضوا عن الفرحة بالبكاء وحل محل البهجة الأنين والعناء، كم من يتيم ينشد عطف الأبوة الحانية، ويلتمس حنان الأم الرؤوم ويدنوا إلى من يخفف بؤسه، وكم من أرملة توالت عليها المحن بفقد عشيرها تذكرت برمضان عزَّا قد مضى تحت كنف زوج عطوف كل اولئك وأمثالهم قد استبدلوا بعد العز ذلًّا، بعد الرخاء والهناء فاقة وفقرًا.\nإن المسلم إذا تذكر هذا أو سمعه ذاب قلبه كمدًا وحزنًا وحرقة على ديار المسلمين، وأنه ليجد الكلمات عاجزة والبيان شحيحًا، أف لقلب لا يعتصر لذلك ألما، وعميت عين لا تسح لذلك دمعًا، أين شعور الجسد الواحد في حياة المسلمين؟ إننا نحكي هذه الفجائع ونحن نرى ما لا ينقضي منه العجب، ألسنا كلنا مسلمين؟ إنما المؤمنون إخوة فأين أخوتنا في الدين؟، تلكم الرابطة العظيمة فهلا تحركنا، هلا أنفقنا وجدنا.\nمن هنا كان واجبًا على كل مسلم أن يعايش هذا الواقع بقلبه وقالبه، ولسانه ويده، ونفسه وماله، وقلمه ودعائه، حتى يكون الجميع على علم وبصيرة بما يراد بالإسلام والمسلمين وليكون الجميع صفا واحدًا في مواجهة قوى الشر وجحافل الباطل على اختلاف مللها ومذاهبها ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢] فيا من تصومون في وقت واحد وتفطرون في وقت واحد وتتجهون إلى قبلة واحدة","vol":"1","page":13},{"text":"وتجمعكم مشاعر واحدة أليس في ذلك كله ما يشعركم بضرورة الوحدة الإسلامية؟ أليس في ذلك كله ما يدعوكم إلى التعاون والإخاء؟ الاجتماع على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.\nفحق على كل ذي نعمة ممن صام وقام أن يتذكر هؤلاء، فيرعى اليتامى ويواسي الأيامى، ويرحم أعزاء قوم قد ذلوا، ولا ينسى أراضي للمسلمين منكوبة بمجاهديها وشهدائها ويتاماها وأراملها وأسراها، يستجدون أمم الأرض لقمة أو كساء أو خيمة أو غطاء، وكم هو جميل كذلك الاستعداد لهذا الشهر بتفريج كربة وملاطفة يتيم ومواساة ثكلى وتفتيش عن أصحاب الحوائج فإن لم تستطع خيلا ولا مالا فأسعفهم بكلمة طيبة وابتسامة حانية ولفتة طاهرة من قلب مؤمن ودعاء لهم بتفريج كربهم وإصلاح حالهم ونصرهم على عدوهم، إن إخوتكم قد أملوا فيكم خيرًا فليجدوا عندكم ما يؤملون (^١)\nأحسن إذا كان إمكان ومقدرة … فلا يدوم على الإنسان إمكان\nلقد حرص السلف الصالح على اغتنام هذا الشهر بفعل الخيرات وترك المنكرات، فجعلوا من لياليه قيامًا وركوعًا ودموعًا وخشوعًا، وجعلوا من نهاره ذكرا وتلاوة وصدقات وبرًا وتقوى وإحسانًا وصلات.\nأرأيت كيف يقضون ليلهم وكيف يحافظون على أوقاتهم؟ ونحن نهدر أيامنا ونضيع أعمارنا.\nفقد صار هذا الشهر عند الكثير شهر النوم والكسل والسهرات والمسلسلات والمباريات وفي النهار نائم، وفي الليل هائم، فالله يرحمنا وإياهم فما مثلنا ومثلهم إلا كما قال القائل:\nنزلوا بمكة في قبائل هاشم … ونزلت بالبيداء أبعد منزل\nأيها النائم والركب سرى … الحق القوم ولا تقعد ورى\nواحسرتاه قد تقضى العمر وانصرمت … ساعاته بين العجز والكسل\n_________\n(^١) «أخطاء شائعة» ص ١٧٠، ١٧١.","vol":"1","page":14},{"text":"والقوم قد أخذوا درب النجاة وقد … ساروا إلى المطلب الأعلى على مهل\nأيا صاح هذا الركب قد سار مسرعًا … ونحن قعود ما الذي أنت صانع\nعلى نفسه فليبك من كان باكيًا … أيذهب وقت وهو باللهو ضائع\nفأوصي نفسي وإخواني بالإكثار من فعل الخيرات، واغتنام هذا الشهر الكريم بالاكثار من قراءة القرآن وذكر الواحد الديان والتذلل بين يدي الملك العلام والتوبة والاستغفار والرجوع إلى الرحيم الرحمن.\nجاء الصيام فجاء الخير أجمعه … ترتيل ذكر وتحميد وتسبيح\nفالنفس تدأب في قول وفي عمل … صوم النهار وبالليل التراويح\nوقال آخر:\nدواء قلبك خمس عند قسوته … أفدم عليها تفز بالخير والظفر\nخلاء بطن وقرآن تدبره … كذا تضرع باك ساعة السحر\nوفي قيامك جنح الليل أوسطه … وأن تجالس أهل الخير والخبر\nوقال الشاعر:\nدع التكاسل في الخيرات تطلبها … فليس يسعد بالخيرات كسلان\nولما تقدَّم من عظمة الفريضة المفعمة بالخيرات، ولتعلُّق أحكامها: بالصحة والسقم، والحل والسفر، والشروق والغروب، والليل والنهار ولمدة زمانها، وما يعتري الصائم فيها من عوارضَ تحتاج إلى أحكام وأجوبة، ولتفريط كثير من المسلمين - من أسف - فى تحصيل فقه الصيام، وقصورِهم عن معرفة أحكامه وسننة وآدابه، رَغِبتُ فى إعداد هذا الكتاب وتأليفِه، وتعنَّيت لتحبيره جُهدى، مستلهمًا من المولى عزَّ شأنه التسديد والتوفيق، سائلًا إياه أن يكون للصائمين والصائمات دليلًا ونبراسًا، ولطالب العلم أصلًا وأساسًا.\nعلى كف الندى أُهدي كتابي … وأُرخي في محبتكم ركابي\nفإن كان الذي أهدي يسيرًا … ففيض الوُد أكمل في النِّصاب","vol":"1","page":15},{"text":"وسميته «الجامع العام في فقه الصيام» جمعت فيه ما يتعلق بصيام الفريضة، وصيام التطوع، من فضائل وأحكام ثم لما كان هناك مباحث تتعلق بصيام رمضان، كالاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان وضعت فقه الاعتكاف، ولما كان رمضان شهر القيام وضعت قيام رمضان، ولما كانت زكاة الفطر تتعلق بالفطر من رمضان أدرجت في الكتاب زكاة الفطر، وإذا كان هذا شهر الصيام والقيام والصدقة والإحسان فليختم بالفرح والسرور والغبطة والحبرور ذيلت بفقه العيدين.\nوقد التزمت فيه ما صحَّ عن النبي العدنان ﵊، مع ذكر بعض الأحاديث الضعيفة لبيان ضعفها أو للردِّ على من استدلَّ بها، وكذلك ذكرت الآثار عن الصحابة الأبرار والتابعين الأخيار، ثم ذكرت أقوال الأئمة المجتهدين، ورجَّحت ما يقتضي الدليل رُجحانَه (^١).\nوبعد أن أضنيتُ نفسى فى جمع هذا الكتاب، وتبويبه وترتيبه، وتخريجِ أحاديثِه وآثارِه والحكمِ عليها في ضوء قواعدِ الجرح والتعديل، قمت بعرض ما جمعته على شيخنا المفضال -مصطفى بن العدوي - حفظه الله من كل سوءٍ وبارك فيه -، فراجعه على دَيدنِه فى سماحة خلقه، وبرِّه بطلاب العلم، فقدَّم له، فأفدتُ من تسديد ألحاظه، وتصويب ألفاظه؛ فجزاه الله خير الجزاء وأوفاه، وجعل ما قدَمه فى ميزان حسناته يوم يلقى مولاه، وأسألُه سبحانه أن يُسعدَه بجنته، ويشملَه برحمته، وأن يكرمَه بمغفرته، وأن يرزقه مزيدَ العلم النافعِ، ومزيد العمل الصالح وأن ينفع بعلمه وسعيه المبذولَ\n_________\n(^١) قال الإمام الشافعي ﵀: «أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد»، وما يفعله بعض الناس من التعصب لجماعة أو لشيخ فهذا مخالف لهدي السلف ومخالف لما عليه أئمة المذاهب، فإنهم متفقون على ذم التقليد وذم التعصب، فالوالجب على المسلم أن ينصر الدليل.","vol":"1","page":16},{"text":"الإسلامَ والمسلمين، وأن يرزقَه الإخلاصَ فى جميع ذلك، وأن يتقبَّل منه جميعَ أعمالِه، وأن يجعلَه من أهل جنة الفردوس، وأن يجزيَه عنى وعن المسلمين خير الجزاء.\nوإني لأعلم أن هناك من هو أكثر أهلية مني لهذا العمل الجلل ولكني أذكر قول القائل:\nوما كنت أهلًا للذي قد كتبته … وإني لفي خوف من الله نادم\nولكنني أرجو من الله عفوه … وإني لأهل العلم لا شك خادم\nولما آمل من ثواب ونجاة في اليوم المشهود لمن خدم هذا الدين، تجرأت على الشأن الكئود، فأسأل الله أن يتقبله مني في اليوم الموعود.\nرب تقبل عملي … ولا تخيب أملي\nأصلح أموري كلها … قبل حلول أجلي\nولم أدخر جهدًا في هذا البحث إلا بذلته في تحريره وتنقيحه وتقريره، ولا أدعي الكمال والتمام والعصمةَ من الزلل والخطأ والنسيان، فقد قيل: أبى الله أن يصح إلا كتابه.\nوقال الشافعي: «لقد ألفت هذه الكتب ولم آل جهدًا فيها، ولابد أن يوجد فيها الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ فما وجدتم في كتبي هذه ما يخالف الكتاب والسنة فقد رجعت عنه، ولله در من قال:\nكم من كتاب قد تصفحته … وقلت في نفس أصلحته\nحتى إذا طالعته ثانيًا … وجدت تصحيفًا فصححته\nوما أحسن ما قاله العماد الأصفهاني: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زيد هذا لكان يستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرِك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبَر، وهذا دليل استيلاء النقص على جملة البشر، فسبحان مَنْ تنزَّه عن النقص».\nفمن وقف فيه على تقصير أو خلل، أو عثر فيه على تغيير أو زلل، فليعذر أخاه في ذلك متطولًا، أو ليصلح منه ما يحتاج إلى إصلاح متفضلًا، فالتقصير من الأوصاف البشرية، فليست الإحاطة بالعلم إلا لبارئ البرية، فهو الذي وسع كل شيء علما، وأحصى مخلوقاته عينًا واسمًا.","vol":"1","page":17},{"text":"سطره لنفسه … قائله وجامعه\nفليعف عن زلاته … ناقله وسامعه\nفألتمس من النبلاء الأماجد تقويم ما اعوجَّ وندَّ، والتنبيه إلى ما ندَّ عنه القلم.\nوإن تَجِدْ عيبًا فَسُدَّ الخَلَلَا … فَجَلَّ مَنْ لَا عَيْبَ فيه وعلا\nوأسأل الله ﷿ أن يجعل عملى هذا خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعنى به والمسلمين، وأن يجعلَه فى ميزان حسناتى يوم الدين، وأسأله أن يجزىَ عنى والديَّ أعمَّ الجزاءِ والمثوبةِ، وأن يمتَّعهما بالصحة والعافية، وأن ينوِّرَ أوقاتهما بالهدى والتُّقى، وأن يرزقَهما جنةَ الفردوس.\nهذا وما كان من توفيقٍ فمن الواحد المنان، وما كان من خطأٍ أو نسيانٍ فمنى ومن الشيطان، والله ورسوله منه براءٌ، والله المستعان.\nإذا لم يكن عون من الله للفتى … فأكثر ما يجني عليه اجتهاده\nوصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.\n\nأبو عبد الله\nمحمد بن علي بن حلاوة\nمصر - كفر الشيخ - البرلس\nهاتف: ٠١٠١٠٦٣٧٤٦٦","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>الباب الأول</span>\nوفيه فصول\n\nالفصل الأول: في تعريف وفضل الصوم\nالفصل الثاني: على من يجب الصيام؟\nالفصل الثالث: النية\nالفصل الرابع: أحكام دخول الشهر ورؤية الهلال\nالفصل الخامس: من يباح له الفطر\nالفصل السادس: مفسدات الصوم\nالفصل السابع: المفطرات المستجدة\nالفصل الثامن: الكفارة وما يتعلق بها من أحكام\nالفصل التاسع: القضاء وما يتعلق به من أحكام\nالفصل العاشر: مباحات الصيام\nالفصل الحادي عشر: الإفطار والسحور","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>الفصل الأول: في تعريف وفضل الصوم</span>\nوفيه مباحث\nالمبحث الأول: تعريف الصيام\nالمبحث الثاني: فضل الصوم\nالمبحث الثالث: فضائل شهر رمضان\nالمبحث الرابع: ما يجب على الصائم تركه\nالمبحث الخامس: الحكمة من مشروعية الصيام\nالمبحث السادس: أقسام الصيام\nالمبحث السابع: حكم صيام رمضان\nالمبحث الثامن: ترك الصيام بغير عذر","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>المبحث الأول: تعريف الصيام</span>\n•<span data-type='title' id=toc-6> الصَّوْمُ لغة:</span> الإمساكُ عن الشيء والتَّرْكُ له.\nوقيل للصائم صائمٌ لإمْساكِه عن المطْعَم والمشْرَبِ والمنْكَح.\nوقيل للصامت صائمٌ لإمساكه عن الكلام، قالت مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلم الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦].\nوقيل للفرس صائمٌ لإمساكه عن العَلَفِ مع قيامِه.\nقال أَبو عبيدة: كلُّ مُمْسكٍ عن طعامٍ أَوْ كلامٍ أَوْ سيرٍ فهو صائمٌ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-7> الصوم شرعًا:</span> الإمساك عن المفطرات من شخص مخصوص مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وتمامُه وكمالُه باجتناب المحظورات وعدم الوقوع فى المحرمات؛ لقوله ﵇: «مَنْ لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (^٢).\nفقولنا: «الإمساك عن المفطرات» كالأكل والشرب والجماع.\nوقولنا: «من شخص مخصوص» أي المسلم العاقل …\nوقولنا: «من طلوع الفجر إلى غروب الشمس» هذا بالإجماع (^٣).\n_________\n(^١) «لسان العرب» (٢٥٣٠)، و«الصحاح» للجوهري (٥/ ١٩٧٠).\n(^٢) «تفسير القرطبى» (١/ ٢٧٣)، و«حاشية ابن عابدين» (٣/ ٣٣٠)، و«كنز الدقائق» (٢/ ١٤٥)، و«حاشية العدوي» (١/ ٥٥٢)، و«المجموع» (٤/ ٣٢٣)، و«المغني» (٤/ ٣٢٣). قال الحافظ ابن عبد البر: «أما الصيام في الشريعة فمعناه الإمساك عن الأكل والشرب ووطء النساء نهارًا إذا كان تارك ذلك يريد به وجه الله وينويه، هذا معنى الصيام في الشريعة عند جميع علماء الأمة»، انظر «الترتيب الفقهي للتمهيد» (٧/ ٣٠٠).\n(^٣) ونقل الحافظ ابن عبد البر الإجماع على ذلك فقال: «والنهار الذي يجب صيامه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، على هذا إجماع المسلمين، فلا وجه للكلام فيه». «التمهيد» (٣/ ٦٩).","vol":"1","page":21},{"text":"الخلاصة: الصيام لغةً: الإمساك.\nوشرعًا: الإمساك بنية من شخص مخصوص عن المفطرات، كالطعام والشراب والجماع، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>المبحث الثاني: فَضْلُ الصوم</span>\n<span data-type='title' id=toc-9>١ - الصوم من أسباب المغفرة ورفعة الدرجات فى الآخرة:</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ المسْلمينَ وَالمسْلماتِ وَالمؤْمِنِينَ وَالمؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالمتَصَدِّقِينَ وَالمتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].\n\n<span data-type='title' id=toc-10>٢ - الصائمون هم السائحون </span>(^١): قال تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالمعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ المنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ المؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢] (^٢).\n_________\n(^١) تفسير: «السائحون» بالصائمين: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال لى رسول الله ﷺ: «السائحون هم الصائمون»، أخرجه الطبري (١٤/ ٥٠٣) قلت: وفى إسناده حكيم بن حزام. قال البخاري: منكر الحديث.\nورد أثر عن أبي هريرة ﵁ بأنه قال: «السائحون هم الصائمون»، أخرجه الطبري (١٤/ ٥٠٣) وإسناده صحيح. وصح ذلك عن ابن مسعود ﵁، أخرجه الطبري (١٤/ ٥٠٣).\n(^٢) هذه الآية جاءت بعد قول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] فانظر إلى المشتري من هو؟ وهو الله ﷻ، وإلى العوض، وهو أكبر الأعواض وأجلها، جنات النعيم، وإلى الثمن المبذول فيها، وهو النفس، والمال، الذي هو أحب الأشياء للإنسان. وكأنه قيل: من هم المؤمنون الذين لهم البشارة من الله بدخول الجنات ونيل الكرامات؟ فقال: هم ﴿التَّائِبُونَ﴾ أي: الملازمون للتوبة في جميع الأوقات عن جميع السيئات. ﴿الْعَابِدُونَ﴾ أي: المتصفون بالعبودية لله، والاستمرار على طاعته من أداء الواجبات والمستحبات في كل وقت، فبذلك يكون العبد من العابدين. ﴿الْحَامِدُونَ﴾ لله في السراء والضراء، واليسر والعسر، المعترفون بما لله عليهم من النعم الظاهرة والباطنة، المثنون على الله بذكرها وبذكره في آناء الليل وآناء النهار. ﴿السَّائِحُونَ﴾ فسرت السياحة بالصيام، أو السياحة في طلب العلم … انظر تفسير السعدي.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>٣ - إضافته إلى الله تعالى تشريفًا لقدره وشانه وتنويهًا بسامق مكانه:</span> ففي الصحيحين (^١) عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول اللَّهِ ﷺ: «قال اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١).\n(^٢) قال الحافظ «فتح الباري» (٤/ ١٢٩): وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلماء فِي المرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى: \" الصِّيَام لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" مَعَ أَنَّ الْأَعْمَال كُلّهَا لَهُ وَهُوَ الَّذِي يَجْزِي بِهَا - عَلَى أَقْوَال:\nأَحَدهَا: أَنَّ الصَّوْم لَا يَقَع فِيهِ الرِّيَاء كَمَا يَقَع فِي غَيْره. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لما كَانَتْ الْأَعْمَال يَدْخُلهَا الرِّيَاء وَالصَّوْم لَا يَطَّلِع عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِ فِعْله إِلَّا اللَّه، فَأَضَافَهُ اللَّه إِلَى نَفْسه، وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَدِيث: \" يَدَع شَهْوَته مِنْ أَجْلِي \".\nثَانِيهَا: أَنَّ المرَاد بِقَوْلِهِ \" وَأَنَا أَجْزِي بِهِ \" أَنِّي أَنْفَرِد بِعِلم مِقْدَار ثَوَابه وَتَضْعِيف حَسَنَاته. وَأَمَّا غَيْره مِنْ الْعِبَادَات فَقَدْ اِطَّلَعَ عَلَيْهَا بَعْض النَّاس. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَعْمَال قَدْ كَشَفْت مَقَادِير ثَوَابهَا لِلنَّاسِ وَأَنَّهَا تُضَاعَف مِنْ عَشْرَة إِلَى سَبْعمِائَةِ إِلَى مَا شَاءَ اللَّه، إِلَّا الصِّيَام فَإِنَّ اللَّه يُثِيب عَلَيْهِ بِغَيْرِ تَقْدِير؛ لِأَنَّ الْكَرِيم إِذَا قَالَ: (أَنَا أَتَوَلَّى الْإِعْطَاء بِنَفْسِي) كَانَ فِي ذَلِكَ إِشَارَة إِلَى تَعْظِيم ذَلِكَ الْعَطَاء وَتَفْخِيمه.\nثَالِثهَا: مَعْنَى قَوْله \" الصَّوْم لِي \" أَيْ أَنَّهُ أَحَبّ الْعِبَادَات إِلَيَّ وَالمقَدَّم عِنْدِي، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل اِبْنِ عَبْد الْبَرّ: كَفَى بِقَوْلِهِ \" الصَّوْم لِي \" فَضْلًا لِلصِّيَامِ عَلَى سَائِر الْعِبَادَات.\nرَابِعِهَا: الْإِضَافَة إِضَافَة تَشْرِيف وَتَعْظِيم، كَمَا يُقَال: (بَيْت اللَّه) وَإِنْ كَانَتْ الْبُيُوت كُلّهَا لِلَّهِ. قَالَ الزَّيْن بْن المنِير: التَّخْصِيص فِي مَوْضِع التَّعْمِيم فِي مِثْل هَذَا السِّيَاق لَا يُفْهَم مِنْهُ إِلَّا التَّعْظِيم وَالتَّشْرِيف.\nخَامِسهَا: أَنَّ الِاسْتِغْنَاء عَنْ الطَّعَام وَغَيْره مِنْ الشَّهَوَات مِنْ صِفَات الرَّبّ ﷻ، فَلما تَقَرَّبَ الصَّائِم إِلَيْهِ بِمَا يُوَافِق صِفَاته أَضَافَهُ إِلَيْهِ.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>٤ - الصوم فى سبيل الله يباعد عن النيران:</span> ففي «الصحيحين» (^١) عن أبى سعيد الخدرى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ (^٢) إِلَّا بَاعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَوْمِ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» (^٣).\n<span data-type='title' id=toc-13>٥ - الصوم وقاية وجُنة من النار:</span> ففي الصحيحين (^٤) من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ».\nوعن عثمان بن أبى العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ، كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْقِتَالِ» (^٥)، وفى لفظٍ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِهَا الْعَبْدُ مِنَ النَّارِ».\nوقال ابن العربي (^٦): إنما كان الصوم جُنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات، فالحاصل أنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا، كان ذلك ساترًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٤٠)، ومسلم (١١٥٣).\n(^٢) في سبيل الله: أي صام وهو مجاهد، ما لم يضعفه الصوم عن الجهاد، أما إذا أضعفه فالفطر في =\nالجهاد في حقه أَوْلى.\n(^٣) الْخَرِيف زَمَان مَعْلُوم مِنْ السَّنَةِ، وَالمرَاد بِهِ هُنَا اَلْعَام، وَتَخْصِيص اَلْخَرِيفِ بِالذِّكْرِ دُونَ بَقِيَّةِ اَلْفُصُولِ - اَلصَّيْف وَالشِّتَاء وَالرَّبِيع - لِأَنَّ اَلْخَرِيفَ أَزْكَى اَلْفُصُول لِكَوْنِهِ يُجْنَى فِيهِ اَلثِّمَارُ، انظر «فتح الباري» (٦/ ٥٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١).\n(^٥) صحيح: أخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ٢٢، ٢١٧)، والنسائي (٤/ ١٦٧)، وابن ماجه «السنن» (١٦٣٩)، من طرق: عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سعيد بن أبي هند، أن مطرفًا من بنى عامر بن صعصعة، عن عثمان بن أبي العاص به، وأخرجه النسائي «الصغرى» (٤/ ١٦٧)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٤)، وغيرهما من طرق: عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي هند به. وأخرجه أحمد (٤/ ٢١٧)، والطبرانى «الكبير» (٨٣٦٤)، من طريق حماد بن سلمة، عن سعيد الجريرى، عن يزيد بن عبد الله، عن مطرف، عن عثمان به.\n(^٦) «فتح الباري» (٤/ ١٢٥): قال صاحب «النهاية»: مَعْنَى كَوْنه جُنَّة أَيْ يَقِي صَاحِبه مَا يُؤْذِيه مِنْ الشَّهَوَات.","vol":"1","page":24},{"text":"له من النار في الآخرة.\nوفي «الصحيحين» (^١) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ فقال: «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» (^٢).\nأي أن الصوم قامع لشهوة النكاح وعدم الوقوع في الزنا. وهذا يدل على أن الصوم يُضعف شهوات النفس التي تدخل النار.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>٦ - باب الريان للصائمين يوم القيامة:</span> ففي «الصحيحين» (^٣) عن سهل بن سعد الساعدى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إنَّ في الْجَنَّةِ بَابًا يُقال لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلم يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ».\nقال ابن حجر (^٤): الرَّيَّان بَاب مِنْ أَبْوَاب الْجَنَّة يَخْتَصّ بِدُخُولِ الصَّائِمِينَ مِنْهُ، وَهُوَ مِمَّا وَقَعَت المنَاسَبَة فِيهِ بَيْن لَفْظه وَمَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ الرِّيّ وَهُوَ مُنَاسِب لِحَالِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠).\n(^٢) قال ابن حجر «فتح الباري» (٤/ ١٤٢): قَوْلُهُ (فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ): بِكَسْرِ الْوَاوِ وَبِجِيمٍ وَمَدٍّ، وَهُوَ رَضّ الْخُصْيَتَيْنِ، وَقِيلَ: رَضّ عُرُوقِهِمَا، وَمَنْ يُفْعَلُ بِهِ ذَلِكَ تَنْقَطِعُ شَهْوَته، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الصَّوْمَ قَامِع لِشَهْوَة النِّكَاح. وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ الصَّوْمَ يَزِيدُ فِي تَهْيِيجِ الْحَرَارَةِ وَذَلِكَ مِمَّا يُثِيرُ الشَّهْوَةَ، لَكِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَقَعُ فِي مَبْدَأِ الْأَمْرِ فَإِذَا تَمَادَى عَلَيْهِ وَاعْتَادَهُ سَكَن ذَلِكَ، وَاللَّه أَعْلم.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٨٩٦)، ومسلم (١١٥٢). وفي «الصحيحين» عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ؛ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ». فَقال أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ».\nوالمراد بالزوجين: إنفاق شيئين من أي صنف من أصناف المال من نوع واحد.\n(^٤) «فتح الباري» (٤/ ١٣٤).","vol":"1","page":25},{"text":"الصَّائِمِينَ، وَسَيَأْتِي أَنَّ مَنْ دَخَلَهُ لم يَظْمَأ. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: اُكْتُفِيَ بِذِكْرِ الرِّيِّ عَنْ الشِّبَع لِأَنَّهُ يَدُلّ عَلَيْهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَسْتَلْزِمهُ، قُلْت: أَوْ لِكَوْنِهِ أَشَقّ عَلَى الصَّائِم مِنْ الْجُوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-15>٧ - فرح الصائم بصومه يوم القيامة:</span> «ففي الصحيحين» (^١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ ﷿: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المسْكِ».\n<span data-type='title' id=toc-16>٨ - الصوم كفارة للخطيئات:</span> ففي «الصحيحين» (^٢) عن حذيفة قال: قال: عمر ﵁: «من يحفظ حديثًا عن النبي ﷺ فى الفتنة؟ قال: حذيفة: أنا سمعته يقول: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ».\n<span data-type='title' id=toc-17>٩ - الصوم لا مثل له:</span> عن أبي أُمامة الباهلى ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: مُرني بأمر آخذه عنك. قال: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ» (^٣).\n<span data-type='title' id=toc-18>١٠ - وهناك حديثٌ يدلُّ على أن الصيام يشفع لصاحبه يوم القيامة،</span> ولكن فى إسناده حُيّىُّ بن عبد الله، وفيه مقال.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٤٩٢)، ومسلم (١١٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٩٥)، ومسلم (١٤٤).\n(^٣) صحيح: أخرجه أحمد في «المسند» (٥/ ٢٤٩)، والنسائي (٢٢٢١، ٢٢٢٢)، وغيرهما، من طرق عن شعبة، عن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب، عن أبي نصر الهلالى، عن رجاء بن حيوة عن أبي أمامة .. الحديث. (وهناك اختلاف فى أبي نصر الهلالى): قال ابن حبان بعد ذكر الحديث: أبو نصر هذا هو حميد بن هلال. وقال البخاري في «التاريخ الكبير» (١/ ٢/ ٣٤٦): حميد بن هلال أبو نصر. وقال الحاكم فى «المستدرك»: واضطرب فيه قول أبي نعيم فقال مرة: حميد بن هلال. وقال مرة: أبو نصر يشبه أن يكون يحيى بن أبي كثير؛ لأنه قد روى عن رجاء بن حيوة، ويحتمل أن يكون على بن أبي حملة فإنه يكنى أبا نصر.\nقلت: ولكن هذا الخلاف فى اسم أبي نصر الهلالى لا يضر فإن محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب قد صرح بالسماع من رجاء بن حيوة دون أبي نصر الهلالى، وذلك فى بعض الطرق.\nأخرجه النسائي (٢٢١٩، ٢٢٢٠)، وأحمد في «المسند» (٥/ ٢٤٨، ٢٤٩، ٢٥٥، ٢٥٨)، وغيرهما.","vol":"1","page":26},{"text":"عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-19>المبحث الثالث: فضائل شهر رمضان</span>\n<span data-type='title' id=toc-20>١ - شهر القرآن:</span> قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].\n<span data-type='title' id=toc-21>٢ - تصفيدُ الشياطين وفتحُ أبواب الجنان وغلق أبواب النيران:</span>\nففي «الصحيحين» (^٢)، عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ (^٣)، ...............\n_________\n(^١) أخرجه أحمد «المسند» (٢/ ١٧٤)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٥٤) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه بهذه السياقة، وأبو نعيم «الحلية» (٨/ ١٦١)، من طريق عبد الله بن وهب، وابن لهيعة، ورشدين بن سعد، كلهم، عن حيى بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحبلى، عن عبد الله بن عمرو به. وفى إسناده حيى بن عبد الله، قال البخاري: «فيه نظر»، قال أحمد: «أحاديثه مناكير»، وقال النسائي: «ليس بالقوى»، وقال ابن معين: «ليس به بأس»، وقال ابن عدي: «أرجو أنه لا بأس به إذا روى عنه ثقة». وشفاعة القرآن لها شواهد تشهد له، منها فى الصحيح: «اقرءوا القرآن فإنه يأتى شفيعًا لأصحابه يوم القيامة»، ولكنى لم أقف على أحاديث أُخر تشهد بأن الصيام يشفع للعبد يوم القيامة، والله أعلم.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٨٩٩)، ومسلم (١٠٧٩) واللفظ له.\n(^٣) تُفتح أبواب الجنة في رمضان حقيقة لكثرة الطاعات. قال الحافظ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَتْح أَبْوَابِ الْجَنَّةِ عِبَارَة عَمَّا يَفْتَحُهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ مِنْ الطَّاعَاتِ وَذَلِكَ أَسْبَاب لِدُخُولِ الْجَنَّةِ.\nوفي رواية للبخاري: «فَتْح أَبْوَابِ السَّمَاءِ». وَقَالَ الطِّيبِيّ: فَائِدَة فَتْح أَبْوَابِ السَّمَاءِ تَوْقِيف الملَائِكَة عَلَى اِسْتِحْمَاد فِعْل الصَّائِمِينَ وَأَنَّهُ مِنْ اللَّهِ بِمَنْزِلَةٍ عَظِيمَةٍ، وَفِيهِ إِذَا عَلم المكَلَّف ذَلِكَ بِإِخْبَارِ\nالصَّادِقِ مَا يَزِيدُ فِي نَشَاطِهِ وَيَتَلَقَّاهُ بِأَرْيَحِيَّة.\nوقال الحافظ: «فَتْحُ أَبْوَاب السَّمَاءِ» كِنَايَة عَنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَة وَإِزَالَة الْغَلْق عَنْ مَصَاعِدَ أَعْمَال الْعِبَادِ، تَارَةً بِبَذْل التَّوْفِيق وَأُخْرَى بِحُسْنِ الْقَبُولِ. والصحيح: أن أبواب الجنة تفتح حقيقة وقد يكون ذلك لتنزل الملائكة وتنزل الرحمات لكثرة الطاعات في رمضان والله أعلم.","vol":"1","page":27},{"text":"وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ (^١)، وَصُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ»، وفى البخاري: «وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-22>٣ - كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة:</span> روى البخاري (^٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ:\n_________\n(^١) قال الحافظ: و«غَلْق أَبْوَاب النَّار» عِبَارَة عَنْ صَرْفِ الْهِمَمِ عَنْ المعَاصِي الْآيِلَةِ بِأَصْحَابِهَا إِلَى النَّارِ. وقال في موضع آخر: و«غَلْقُ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ» كِنَايَة عَنْ تَنَزُّه أَنْفُسِ الصُّوَّام عَنْ رِجْس الْفَوَاحِش وَالتَّخَلُّص مِنْ الْبَوَاعِثِ عَنْ المعَاصِي بِقَمْع الشَّهَوَات.\n(^٢) قوله: «وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». قَالَ الْحَلِيمِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنْ يكون المرَاد من الشَّيَاطِين مسترقوا السَّمْعِ مِنْهُمْ، وَأَنَّ تَسَلْسُلَهُمْ يَقَعُ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ دُونَ أَيَّامِهِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُنِعُوا فِي زَمَنِ نُزُولِ الْقُرْآنِ مِنَ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ، فَزِيدُوا التَّسَلْسُلَ مُبَالَغَةً فِي الْحِفْظِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ المرَادُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ لَا يَخْلُصُونَ مِنَ افْتِتَانِ المسْلمينَ إِلَى مَا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ؛ لِاشْتِغَالِهِمْ بِالصِّيَامِ الَّذِي فِيهِ قَمْعُ الشَّهَوَاتِ، وَبِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَالذِّكْرِ.\nوقال غيره: المراد بالشياطين بعضهم، وهم المردة منهم. قال عياض: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم فيصيرون كالمصفدين. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ أَنْ رَجَّحَ حَمْلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ: فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ نَرَى الشُّرُورَ وَالمعَاصِيَ وَاقِعَةً فِي رَمَضَانَ كَثِيرًا، فَلَوْ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ لم يَقَعْ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا إِنَّمَا تَقِلُّ عَنِ الصَّائِمِينَ الصَّوْمَ الَّذِي حُوفِظَ عَلَى شُرُوطِهِ وَرُوعِيَتْ آدَابُهُ أَوِ المصَفَّدُ بَعْضُ الشَّيَاطِين وهم المردة لاكلهم كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَوِ المقْصُودُ تَقْلِيلُ الشُّرُورِ فِيهِ وَهَذَا أَمْرٌ مَحْسُوسٌ، فَإِنَّ وُقُوع ذَلِك فِيهِ أقل من غَيره إذ لا يَلْزَمُ مِنْ تَصْفِيدِ جَمِيعِهِمْ أَنْ لَا يَقَعَ شَرٌّ وَلَا مَعْصِيَةٌ لِأَنَّ لِذَلِكَ أَسْبَابًا غَيْرَ الشَّيَاطِينِ كَالنُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ وَالْعَادَاتِ الْقَبِيحَةِ وَالشَّيَاطِينِ الْإِنْسِيَّةِ. وَقَالَ غَيْرُهُ فِي تَصْفِيدِ الشَّيَاطِينِ فِي رَمَضَانَ إِشَارَة إِلَى رَفْعِ عُذْرِ المكَلَّفِ كَأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ قَدْ كُفَّتِ الشَّيَاطِينُ عَنْكَ فَلَا تَعْتَلَّ بِهِمْ فِي تَرْكِ الطَّاعَةِ وَلَا فِعْلِ المعْصِيَةِ. انظر: «فتح الباري» (٤/ ١٣٦، ١٣٧). والراجح أن الألفاظ تُحمل على حقيقتها ولا تؤول.\n(^٣) البخاري (٧٤٢٣، ٢٧٩٠).","vol":"1","page":28},{"text":"«مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ».\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: «تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ المكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ المفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ» قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، فَلما وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» (^١).\nعن أَبي أُمَامَةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اعْبَدُوا رَبَّكُمْ وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ وَصُومُوا شَهْرَكُمْ وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-23>٤ - شهر الغفران:</span> صوم رمضان إيمانًا واحتسابًا سببٌ لمغفرة ما تقدَّم من الذنوب، ففي «الصحيحين» (^٣) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا (^٤)، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\nوعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ المنْبَرَ فَقَالَ: «آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ» فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ المنْبَرَ قُلْتَ: «آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ؟» قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَقَالَ:\n_________\n(^١) البخاري (١٣٩٧).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٢، ٢٥١)، والترمذي (٦١٦) وغيرهما عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ الْكَلَاعِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ به. وروى ابن أبي عاصم في «السنة» (١٠٦١)، والطبراني (٧٥٣٥)، وفي «مسند الشاميين» (٨٣٤) وغيرهم من طرق عن عَمْرو بن عُثْمَانَ الْحِمْصِي، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بن عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا شُرَحْبِيلُ بن مُسْلم، ومُحَمَّدُ بن زِيَادٍ، أنهما سمعا أبا أمامة الباهلي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَقُولُ: \"أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلا أُمَّةَ بَعْدَكُمْ، أَلا فَاعْبُدوا رَبُّكُمْ، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالَكُمْ طَيْبَةً بِهَا أَنْفُسَكُمْ، وَأَطِيعُوا وُلاةَ أَمْرِكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ\".\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٠١)، ومسلم (٧٠٩).\n(^٤) قال ابن حجر: وَالمرَاد بِالْإِيمَانِ الِاعْتِقَاد بِحَقِّ فَرْضِيَّةِ صَوْمِهِ، وَبِالِاحْتِسَابِ طَلَب الثَّوَابِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ: اِحْتِسَابًا أَيْ عَزِيمَة، وَهُوَ أَنْ يَصُومَهُ عَلَى مَعْنَى الرَّغْبَة فِي ثَوَابِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ بِذَلِكَ غَيْرَ مُسْتَثْقِل لِصِيَامِهِ وَلَا مُسْتَطِيل لِأَيَّامِهِ.","vol":"1","page":29},{"text":"مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلم يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ، أَوْ أَحَدَهُمَا، فَلم يَبَرَّهُمَا، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ ذُكِرْتَ عَنْدَهُ فَلم يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ» (^١).\nوروى مسلم (^٢) عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «الصَّلَوَاتِ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لما بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ».\n\n<span data-type='title' id=toc-24>٥ - رمضان شهر الجود:</span> ففي الصحيحين (^٣) عن ابن عباس ﴿قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَد مَا يَكُونُ في رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ المرْسَلَةِ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أبو يعلى (٥٩٢٢)، وابن حبان (٩٠٧)، والطبراني في «الأوسط» (٨١٣١) عن حَفْص بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلمةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به.\nقلت: وهذا إسناد حسن، وروراه أحمد في «المسند» (٢/ ٢٥٤)، والترمذي في «السنن» (٣٥٤٥) وغيرهما عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلم يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ فَانْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلم يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ». وفي إسناده: عبد الرحمن بن إسحاق: قال الحافظ: صدوق.\nوأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٦٤٦)، وابن خزيمة (١٨٨٨)، وغيرهما عن كثير بن زيد الأسلمى عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ارتقى المنبر … فذكر بمعناه. وفى إسناده كثير بن زيد الأسلمى: صدوق يخطئ، والوليد بن رباح صدوق.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٣٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٥٥٤، ١٩٠٢)، ومسلم (٢٣٠٨).\n(^٤) قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٤/ ١٣٩): قَالَ الزَّيْن بْن المنَيِّرِ: وَجْه التَّشْبِيه بَيْن أَجُودِيَّتِهِ ﷺ بِالْخَيْرِ وَبَيْن أَجُودِيَّة الرِّيح المرْسَلَة أَنَّ المرَادَ بِالرِّيحِ رِيحُ الرَّحْمَة الَّتِي يُرسُلِهَا اللهُ تَعَالَى لِإِنْزَالِ الْغَيْثِ الْعَامِّ الَّذِي يَكُونُ سَبَبًا لِإِصَابَةِ الْأَرْضِ الميْتَةِ وَغَيْرِ الميْتَةِ، أَيْ فَيَعُمُّ خَيْرُهُ وَبِرُّهُ مَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ وَمَنْ هُوَ بِصِفَةِ الْغِنَى وَالْكِفَايَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعُمُّ الْغَيْث النَّاشِئَة عَنْ الرِّيحِ المرْسَلَةِ ﷺ.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>٦ - الصيام سببٌ لجعلك من الصدِّيقين والشُّهداء:</span> عن عمرو بن مُرة الجُهنى ﵁ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ شَهِدْتُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَصَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأَدَّيْتُ الزَّكَاةَ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَقُمْتُهُ، فَمِمَّنْ أَنَا؟ قَالَ: «مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» (^١).\nفي كل يوم عتقاء ولكل منهم دعوة مستجابة: عن الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - هُوَ شَكَّ، يَعْنِي الْأَعْمَشَ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ في كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-26>٨ - فيه ليلة القدر:</span> من فضائل هذا الشهر العظيم أن فيه ليلةً هي خير من ألف شهرٍ أى: للعبادة فيها، قال الله ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الملَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥].\nقال القرطبي: معنى قوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ أى: العمل فيها خيرٌ من العمل فى ألف شهر.\nوروى البخاري (^٣)، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\nفينبغى للمؤمن أن يقوم فى هذه الليلة للواحد القهار بِذُلٍّ وانكسارٍ، يدعوه ويرجوه أن يغفرَ له زلاتِه، ويتجاوزَ عن سيئاتِه؛ فإن هذه الليلة تُحْسَب بالعمر.\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه يعقوب بن سفيان «المعرفة» (١/ ٣٣٣)، وابن خزيمة (٢٢١٢)، وابن حبان (٣٤٣٨).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٢/ ٢٥٤) وغيره من طريق أَبي مُعَاوِيَةَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ. وإسناده صحيح، والشك في صحابي الحديث لا يضر.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠١٤).","vol":"1","page":31},{"text":"قال ابن رجب (^١): فالمبادرة المبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقى من الشهر، فعسى أن يستدرك ما فات من ضياع العمر.\nتَوَلَّى العُمُر في سهو … وفي لَهْوٍ وفي خُسْر\nفيا ضيعةَ ما أَنْفَقْ … تُ في الأيام من عُمْري\nوما لِي في الَّذِي ضيَّعْ … تُ من عمريَ من عُذْرِ\nفما أغْفَلَنَا عن وا … جبات الحمد والشكر\nأمَا قد خَصَّنا الل … هُ بشهرٍ أيِّما شهرِ\nبشهرٍ أنْزَلَ الرحم … نُ فيهِ أشرفَ الذِّكْرِ\nوهل يُشبِهُه شهرٌ … وفيه ليلةُ القدرِ\nفكمْ مِنْ خَبرٍ صَحَّ … بما فِيها من الخير\nرَوَيْنَا عن ثقاتٍ أنَّ … ها تُطْلَبُ في الوِتر\nفطُوبى لأمْرئ يطلُ … بُهَا في هِذِه العَشرِ\nفَفِيْهَا تنزلُ الأملا … كُ بالأنوار والبرِ\nوقد قال: «سلامٌ هـ … يَ حتى مَطْلعِ الفجرِ\nألَا فادَّخِروها إنْ … نَها من أنْفَسِ الذُّخر\nفكمْ مِنْ مُعْتَقٍ فيها … من النارِ ولا يَدْرِي\nيا ليلة القدر للعابدين اشهدي، يا أقدام القانتين اركعى لربك واسجدى، يا ألسنة السائلين جِدِّي فى المسألة واجتهدي.\nيا رجال الليل جدوا … رب داعٍ لا يُرد\nما يقوم الليل إلا … من له عزم وجد\n_________\n(^١) «لطائف المعارف» (٢٠٤).","vol":"1","page":32},{"text":"ليلة القدر عند المحبين ليلة الحظوة، بأنس مولاهم وقربه، وإنما يفرون من ليالى البعد والهجر، يا من ضاع عمره فى لا شيء، استدرك ما فاتك فى ليلة القدر، فإنها تحسب بالعمر. يا يعقوب الهجر، قد هبت ريح يوسف الوصل، فلو استنشقت لعدت بعد العمى بصيرًا، ولوجدت ما كان لفقده فقيرًا.\nكان لى قلب أعيش به … ضاع منى فى تقلبه\nرب فاردده على فقد … عيل صبرى فى تطلبه\nوأغثنى ما دام بى رمق … يا غياث المستغيث به\nلو قام المذنبون فى هذه الأسحار على أقدام الانكسار، ورفعوا قصص الاعتذار مضمونها: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٨] لبزر لهم التوقيع عليها: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].\nأشكو إلى الله كما قد شكى … أولاد يعقوب إلى يوسف\nقد مسنى الضر وأنت الذى … تعلم حالى وترى موقفى\nبضاعتى المزجاة محتاجة … إلى سماح من كريم وفى\nفقد أتى المسكين مستعطرا … جودك فارحم ذله واعطف\nفأوف كيلى وتصدق على … هذا المقل البائس الأضعف\nلليلة القدر عند الرب تفضيل … وفي فضائلها قد جاء تنزيل\nفجد فيها على خير تنال به … أجرًا فللخير عند الرب تفضيل\nواحرص على فعل أعمال تُسر بها … يوم المعاد ولا يغررك تأميل\nفكم رأينا صحيح الجسم ذا أمل … في ليلة القدر لم يبله تنويل\nفتب إلى الله واحذر من عقوبته … عن كل ما فيه توبيخ وتنكيل","vol":"1","page":33},{"text":"ولا تغرنك الدنيا وزخرفها … فكل شيء سوى التقوى أباطيل\nهي ليلة تُتلقى فيها الوفود، ويحصل لهم المقصود من القبول والفوز والسعود، أترى يؤلمك أيها المطرود؟\nهذه أوقات يربح فيها من فهم ودرى، ويصل إلى مراده كل من جد وسرى، ويفك فيها العاني وتطلق الأسرى، تقدم القوم وأنت راجع إلى ورا أو ليس كل هذا قد جرى وكأنه لم يجر، قال الله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥].\nوقد جاء في صحيح الإسناد: أنها تُلتمس في الأفراد فاطلبوها في هذه الأعداد تظفروا بحسن القبول ونيل المراد ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.\nهي ليلة يجود فها الرب على العباد، ويقضي فيها القضاء بما شاء وأراد، تُكتب فيها الآجال والأرزاق، وهي أفضل الليالي في حقنا على الإطلاق، فاغتنموها فإنها عظيمة القدر ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾.\nفليلة القدر خير قال خالقنا … من ألف شهر هنيئًا من لها شهدا\nفيها القرآن بأمر الله أنزله … بعلمه وبهذا النص قد وردا\nفيها تُفتح أبواب السماء لمن … مد الأكف وبالأعمال مجتهدا\nوينزل الروح فيها والملائك من … عند المهيمن لن تحصي لهم عددا\nيا فوز عبد رآها إنه رجل … قد عاش في الدهر عيشًا دائمًا رغدًا\nوفاز بالأمن والغفران مغتبطًا … ونال ما يرتجى من ربه أبدا\nفاطلب من الله إن وافيتها سحرا … جنات عدن تكن من جملة السُّعدا\nوابك ونُحْ وتضرع في الدجى أسفا … وقل إلهي تفضل بالجميل غدا\nشهر يفوق على الشهور بليلة … من ألف شهر فُضلت تفضيلا\nفاجهد عساك تنالها فيما بقي … بالجد واحذر أن تكون غَفولا","vol":"1","page":34},{"text":"أيها المسلمون اجتهدوا في هذا الليالي المباركات فإنها فرصة العمر، والفرص لا تدوم، والله أخبر أن ليلة القدر خير من ألف شهر، يعني تزيد على ثمانين عامًا، وهي عمر طويل لو قضاه الإنسان كله في طاعة الله فليلة واحدة، وهي ليلة القدر، خير منه وأفضل، وهذا فضل عظيم وثواب جزيل وخير عميم، من وُفق لها يُغفر له ما تقدم من ذنبه فيكون من الذنوب التي فَعلها كيوم ولدته أمه.\nعبدَ الله جِد واجتهد وشمِّر ونافس في الأعمال الصالحة، لعلك تدرك ليلة القدر وتفوز بالعتق والأجر وجائزة الرب، لعلك تكون من المقبولين، لعل الرحيم الرحمن ينظر إليك فيرحمك رحمة لا تشقى بعدها أبدًا، فما هي إلا أيام وساعات فنافس وسارع وسابق أيامًا معدودات، جد فيما بقي منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-27>٩ - يختص بمزيد من الطاعات:</span> من فضائل شهر رمضان أن النبي ﷺ كان يعتكف فى العشر الأواخر من رمضان، وكان يخصُّ هذا الشهر بمزيدٍ من العبادة. ففي «الصحيحين» (^١) عن عائشة ﵂: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ». وفي «الصحيحين» (^٢) عن أبي سعيد الخدرى ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ في الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ - وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنْ اعْتِكَافِهِ - قَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِف الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ».\nقال ابن رجب (^٣): فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلما قويت المعرفة بالله والمحبة له والأنس به، أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية، على كل حال كان بعضهم لا يزال منفردًا فى بيته خاليًا بربه، فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: «أنا جليس من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٢٧)، ومسلم (١١٦٧).\n(^٣) «لطائف المعارف» (٢٠٣).","vol":"1","page":35},{"text":"ذكرنى».\nأوحشتنى خلواتى … بك من كل أنيسي\nوتفردت فعاينتك … بالغيب جليسي\nوقال فى موضع آخر: كانت امرأة حبيب بن أبي محمد تقول له بالليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا.\nيا نائمًا بالليل كم ترقد … قم يا حبيبى قد دنا الموعد\nوخذ من الليل وأوقاته … وردًا إذا ما هجع الرُّقَّد\nما نام حتى يتقفى ليله … لم يبلغ المنزل أو يجهد\nقل لذوى الألباب أهل التقى … قنطرة العرض لكم موعد\nوقال الشاعر:\nأدم الصيام مع القيام تعبدًا … فكلاهما عملان مقبولا\nقم في الدجى واتل الكتاب ولا تنم … إلا كنومة حائر ولهان\nفلربما تأتي المنية بغتة … فتساق من فرش إلى أكفان\nيا حبذا عينان في غسق الدجى … من خشية الرحمن باكيتان\nفالله ينزل كل آخر ليلة … لسمائه الدنيا بلا كتمان\nفيقول: هل من سائل فأجيبه … فأنا القريب أجيب من ناداني\nوقال آخر:\nقم الليل يا هذا لعلك ترشد … إلى كم تنام الليل والعمر ينفد\nأراك بطول الليل ويحك نائما … وغيرك في محرابه يتهجد\nولو علم البطال ما نال زاهد … من الأجر والإحسان ما كان يرقد","vol":"1","page":36},{"text":"فصام وقام الليل والناس نوم … ويخلو برب واحد متفرد\nبحزم وعزم واجتهاد ورغبة … ويعلم أن الله ذا العرش يعبد\nولو كانت الدنيا تدوم لأهلها … لكان رسول الله حيا يخلد\nأترقد يا مغرور والنار توقد … فلا حرها يطفى ولا الجمر يخمد\nفيا راكب العصيان ويحك خلها … فتحشر عطشانا ووجهك أسود\nفكم بين مشغول بطاعة ربه … وآخر بالذنب الثقيل مقيد\nفهذا سعيد في الجنان منعم … وهذا شقي في الجحيم مخلد\nكأني بنفسي في القيامة واقف … وقد فاض دمعي والمفاصل ترعد\nوقد نصب الميزان … للفصل والقضا\nوقال آخر:\nامنع جفونك أن تذوقا مناما … وذر الدموع على الخدود سجاما\nواعلم بأنك ميت ومحاسب … يا من على سخط الجليل أقاما\nلله قوم أخلصوا في حبه … فرضى بهم واختصهم خداما\nقوم إذا جن الظلام عليهم … باتوا هنالك سجدا وقياما\nخمص البطون من التعفف ضمرا … لا يعرفون سوى الحلال طعاما\nوقال آخر:\nلله ساهر ليله ما يهجع … وَجِلُ الفؤاد من الذنوب مُصَدَّع\nيبكي بدمع ساكب هفوَاتِهِ … والليل في جلبابه متبرقع\nنَدِمٌ على ما كان من عصيانه … ملكا تذل له الملوك وتخضع\nيا رب ما للذنب غيرك غافر … وإليك منه يا إلهي المفزع\nيا رب عبدك ضارع فاغفر له … ما لم يزل يدعوك فيه ويضرع","vol":"1","page":37},{"text":"وعن القاسم بن راشد الشيباني قال: كان رفاعة بن صالح نازلا عندنا وكان له أهل وبنات وكان يقوم فصلي ليلا طويلا فإذا كان السحر نادى بأعلى صوته:\nيا أيها الركب المعرّسونا\nأكُلَّ هذا الليل ترقدونا\nألا تقومون فتصلونا\nقال: فيتواثبون من هنا باك ومن ها هنا داع، ومن ها هنا قارئ ومن ها هنا متوضئ، فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته: عند الصباح يحمد القوم السرى.\nأرأيت يا أخي كيف يقضون ليلهم وكيف يحافظون على أوقاتهم؟ ونحن نهدر أيامنا ونضيع أعمارنا لا نبالي ولا نحرص على ذلك! وأرخص شيء عندنا الوقت، الدقائق تمر، والأنفاس لا تعود، وعمرك محاسب عليه فأعد حساباتك، واغتنم ساعاتك، لذا فاعلم حفظك الله أن قيام الليل هو طريق الصالحين. وسبيل العاملين، وتكفير لذنوب المذنبين، وهداية للفجرة والعاصين (^١).\nألا يا عين ويحك أسعديني … بطول الدمع في ظلم الليالي\nلعلك في القيامة أن تفوزي … بخير الدهر في تلك العلالي\n\n<span data-type='title' id=toc-28>١٠ - عمرة في رمضان تعدل حجة:</span> عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: «فَعُمْرَةٌ فِى رَمَضَانَ تَقْضِى حَجَّةً» (^٢). وفي رواية: «حَجَّةً مَعِي».\nفالعمرة في رمضان تعدل حجة مع النبي ﷺ في الثواب لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حج الفرض. فهنيئًا لمن يوفق لعمرة في رمضان، هنيئًا له بحجة مع النبي العدنان.\n\n<span data-type='title' id=toc-29>١١ - شهرا عيد لا ينقصان:</span> عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ» (^٣).\n_________\n(^١) أخطاء شائعة (ص ١٤١ - ١٤٢)\n(^٢) البخاري (١٧٨٢)، ومسلم (١٢٢ - ١٢٥٦).\n(^٣) البخاري (١٩١٢)، ومسلم (١٠٨٩).","vol":"1","page":38},{"text":"معنى لا ينقصان في ثواب العمل فيهما: قال إسحاق: لا ينقصان في الفضيلة إن كانا تسعة وعشرين أو ثلاثين (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-30>١٢ - شهر رمضان شهر الصبر:</span> عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ وَصَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ - صَوْمُ الدَّهْرِ» (^٢).\n<span data-type='title' id=toc-31>المبحث الرابع: ما يجب على الصائم تركه</span>\n١ -<span data-type='title' id=toc-32> قول الزور:</span> روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: «مَنْ لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (^٣).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ».\nوعنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ أَوْ جَهِلَ عَلَيْكَ فَلْتَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ» (^٤).\n_________\n(^١) قال الحافظ ابن حجر «فتح الباري» (٤/ ١٤٩): وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلماء فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: فَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: لَا يَكُونُ رَمَضَان وَلَا ذُو الْحِجَّةِ أَبَدًا إِلَّا ثَلَاثِينَ. وَهَذَا قَوْل مَرْدُود مُعَانِد لِلموْجُودِ المشَاهَدِ، وَيَكْفِي فِي رَدِّهِ قَوْله ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ» فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ رَمَضَان أَبَدًا ثَلَاثِينَ لم يَحْتَجْ إِلَى هَذَا.\nوَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَ لَهُ مَعْنًى لَائِقًا. وَقَالَ أَبُو الْحَسَن كَانَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ يَقُولُ: لَا يَنْقُصَانِ فِي الْفَضِيلَةِ إِنْ كَانَا تِسْعَة وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ. اِنْتَهَى. وَقِيلَ: لَا يَنْقُصَانِ مَعًا، إِنَّ جَاءَ أَحَدهمَا تِسْعًا وَعِشْرِينَ جَاءَ الْآخَر ثَلَاثِينَ وَلَا بُدَّ. وَقِيلَ: لَا يَنْقُصَانِ فِي ثَوَابِ الْعَمَلِ فِيهِمَا.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٢/ ٢٦٣).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٠٣).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن خزيمة (١٩٩٦)، والحاكم (١/ ٤٣٠، ٤٣١).","vol":"1","page":39},{"text":"قال: ابن خزيمة: بَابُ نَفْيِ ثَوَابِ الصَّوْمِ عَنِ الممْسِكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ مَعَ ارْتِكَابِهِ مَا زُجِرَ عَنْهُ غَيْرَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ.\nفعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ» (^١).\nقال: ابن قدامة (^٢): وَيَجِبُ عَلَى الصَّائِم أَنْ يُنَزِّهَ صَوْمَهُ عَنْ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالشَّتْمِ. قال أَحْمَدُ: يَنْبَغِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَتَعَاهَدَ صَوْمَهُ مِنْ لِسَانِهِ، وَلَا يُمَارِي، وَيَصُونَ صَوْمَهُ، كَانُوا إذَا صَامُوا قَعَدُوا في المسَاجِدِ، وَقَالُوا: نَحْفَظُ صَوْمَنَا. ولا يغتاب أحدًا ولا يعمل عملا يجرح به صومه.\nقال رسول الله ﷺ: «مَنْ لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».\nوقال أبو هريرة: قال: رسول الله ﷺ: «قال الله ﷿: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ …» الحديث.\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه ابن المبارك في «مسنده» (٧٥)، وأحمد (٢/ ٤٤١، والنسائي في «الكبرى» (٣٢٥٠)، وابن ماجه (١٦٩٠)، وغيرهم من طريقى «أبي خالد الأحمر وعبد الله بن المبارك» عن أسامة بن زيد، عن سعيد المقبرى، عن أبي هريرة به.\nوأخرجه النسائي في «الكبرى» (٣٢٤٩)، من طريق ابن المبارك، عن أسامة، عن سعيد المقبرى عن أبيه عن أبي هريرة به، وأخرجه النسائي (٣٢٥١)، من طريق سويد، عن ابن المبارك، عن أسامة ابن زيد، عن سعيد المقبرى، عن أبي هريرة موقوفا، وفى إسناده أسامة بن زيد الليثى - صدوق.\nولكن تابع أسامة بن زيد، عمرو بن أبي عمرو، أخرجه أحمد (٢/ ٣٧٣)، وابن خزيمة (١٩٩٧) وأبو يعلى (٦٥٥١)، والحاكم (١/ ٤٣١)، من طرق عن إسماعيل بن جعفر، عن عمرو عن سعيد المقبرى، عن أبي هريرة به، وفى إسناده عمرو بن أبي عمرو وهو ثقة ربما وهم. قال الحافظ العراقى فى «فيض القدير»: إسناده حسن.\n(^٢) «المغني» (٤/ ٤٤٦).","vol":"1","page":40},{"text":"• وهذه<span data-type='title' id=toc-33> بعض المخالفات التي تقع في رمضان </span>في هذا الباب:\n١ - ارتكاب بعض الصوام المعاصي والسيئات ووقوعهم في المحرمات وبذاءة اللسان والظلم والعدوان والحقد والحسد والبغضاء وهم صيام، فتراه يصوم ولا يبالي على ماذا أفطر ولا يتحاشى في صومه عن غيبة ولا عن نظرة ولا عن فضول كلمة والفري في أعراض الناس يقطعون بذلك ساعات صومهم كما زعموا، وفي الحديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه»، ولله در القائل: أتزعم أنك صائم، وأنت في لحم أخيك سائم.\n٢ - سماع الأغاني والموسيقى والألحان وهذا وإن كان محرما في غير رمضان، فتحريمه في رمضان أشد لشرف الزمان، فرمضان هو شهر القرآن لا شهر الألحان.\nحب الكتاب وحب ألحان الغناء … في قلب عبد مؤمن لا يجتمعان\n٣ - تضييع ليالي رمضان بالتلفاز وما فيه من أغان محرمة، وكلام مبتذل رخيص ورقص وميوعة وأفلام غرام هدامة خليعة وممارسة للعري والاختلاط والدعوة لمحاربة الفضيلة والحياء، فيقضي رمضان في سهرات ومسلسلات ومباريات ولهو، ففي الليل هائم وفي النهار نائم، ولله در القائل:\nإذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا … وتستحي مخلوقا فما شئت فاصنع\nإذا قل ماء الوجه قل حياؤه … ولا خير في وجه إذا قل ماؤه\nورب قبيحة ما حال بيني … وبين ركوبها إلا الحياء\nفكان هو الدواء لها ولكن … إذا ذهب الحياء فلا دواء\nواذكر مناقشة الحساب فإنه … لابد يحصي ما جنيت ويكتب\nلم ينسه الملكان حين نسيته … بل أثبتاه وأنت لاه تلعب\n٤ - يقع البعض في رمضان في الكسل الشديد وكثرة النوم ولا سيما في نهار رمضان ومنهم من لا يستيقظ من نومه إلا قبيل المغرب لتناول الإفطار، أين الصيام إذن؟ وأين الصلوات المكتوبات؟ وأين ذكر الله وتلاوة القرآن؟ وترى السهر وتعظم البلية","vol":"1","page":41},{"text":"لسهر هؤلاء على ما يغضب الله من متابعة للقنوات الفضائية وغير الفضائية والتي تبث العري والخلاعة والمجون ويزداد سعارها وخلاعتها في هذا الشهر الفضيل فأي صوم لهؤلاء الذين قضوا نهارهم في النوم وأفطروا على مشاهدة الأجساد العارية؟\nوالواجب اغتنام أيام رمضان بالتقرب إلى الله والاجتهاد والمنافسة فيها بالإقبال على مختلف الطاعات من صلاة فرائض ونوافل، وصيام وقيام وتبكير للمساجد وكثرة ذكر ولزوم استغفار ودعاء وأمر بمعروف ونهي عن منكر ودراسة وحفظ وقراءة للقرآن الكريم آناء الليل وأطراف النهار بتدبير وتعقل له واعتكاف وعمرة وصدقة وجود وتوبة وقراءة كتب العلم وحضور مجالس الذكر والوعظ واستماع أشرطة مفيدة وبذل للعمل ودعوة وسخاء وكفالة يتيم وتفطير صائم واجتهاد في بر الوالدين وصلة رحم وإكرام جار وتفقد أحوال المسلمين وقضاء حاجات الناس وعيادة مرضى وزيارة مقابر ومواساة للفقراء وللمساكين وإدخال سرور وغير ذلك من أنواع الطاعات.\n٥ - الإفطار بعد غروب الشمس على الدخان قبل أكل أي شيء ولربما دخل المسجد وألقى السيجارة عند الباب وريحه الخبيثة تعصف وتفوح، ويا ويل من يصلي بجانبه أعانه الله على تحمل هذه الرائحة. استعن بالله تعالى وكن صاحب عزيمة وهمة عالية فلا تغلبك تلك الشهوة إني والله لأربأ بمثلك أن يدنس هاتين الشفتين الرطبتين بلا إله إلا الله بهذا الدخان الخبيث أيجوز أن تكون مسلما موحدا وتغلبك سيجارة، والله إن هذه هي الدناءة نسأل الله العافية، سائل نفسك أخي هل التدخين خبيث أم طيب؟ وأين أنت من كلام المولى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.\nهل تطيب نفسك بالتدخين في المسجد؟ ولم؟ هل هو نافع أم ضار؟ هل هو طعام أم شراب؟ أم هو دخان كاسمه؟ هل هو لذيذ أم كريه؟ هل فيه إيذاء برائحته الخبيثة؟ وهل هو إلا تبذير وإسراف وإضاعة للمال والمبذرون إخوان الشياطين، والله لا يحب المسرفين، (ادفع دينارًا واشرب نارًا).\nيا من يريد دمار صحته ويه … وى الموت منتحرا بلا سكين\nلا تيأسن فإن مثلك واجد … كل الذي ترجوه في التدخين","vol":"1","page":42},{"text":"أقول: من ابتلي بالتدخين أو غيره من العادات الضارة فعليه أن يستغل شهر الصوم فيصوم عنه في ليله كما صام عنه في نهاره ليهجره إلى غير رجعة وأن يواصل عزيمته وقوة إرادته بالليل كما كانت بالنهار.\nوالنفس كالطفل إن تهمله شب على … حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم\nوأن يقطع مجالسه السابقة ويعتاض عنها بمجالس أهل الخير والصلاح فهي خير عون له على ذلك بعد إعانة الله وتوفيقه.\nصحبة الصالحين بلسم قلبي … إنها للنفوس أعظم راقي\n٦ - المبالغة في الإنفاق وتناول الأطعمة وتضييع غالب الوقت في المطبخ والنهم والشبع المفرط بمشويات ومقليات ومشهيات ومقبلات ومشروبات ومطعومات وغيرها من المسميات، حتى أصبح رمضان عند كثير من الناس شهر الطعام والشراب والموائد لا شهر الصيام والقيام والفوائد.\nفشهر رمضان عندهم مناسبة لملء البطون وجلب التخمة واستدعاء لأمراض البطنة وتخبط الجسم وعجزه عن القيام بالعبادات، وصار نشيده - ويا للأسف -:\nإنما الدنيا طعام … وشراب ومنام\nفإذا فاتك هذا … فعلى الدنيا السلام\nقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾.\nقال الشاعر:\nفإن الداء أكثر ما تراه … يكون من الطعام أو الشراب\nلقد جاع فيها الأنبياء كرامة … وقد شبعت فيها بطون البهائم\nولذلك سئل أحد الحكماء عن الطعام فقال: (ينبغي أن نأكل لنعيش لا أن نعيش لنأكل).\n٧ - إذا تأملنا واقع كثير من النساء في رمضان وكيف تقضي وقتها رثَينا لحالها وعزيناها، فالنوم في نهار رمضان يأخذ نصيب الأسد من وقت المرأة المسلمة.\nثم يأتي في الدرجة الثانية المطبخ، فنجدها تنام إلى الظهر ثم تبدأ بترتيب المنزل ثم الدخول إلى المطبخ لإعداد وجبة الإفطار إلى حوالي العصر، وبعد العصر إعداد","vol":"1","page":43},{"text":"المشروبات ومائدة الإفطار، وبعد الإفطار الاستعداد لمأدبة العشاء، وبعد العشاء العودة إلى المطبخ لغسل الأواني ثم الاشتغال بالمسلسلات أو المكالمات الهاتفية الفضولية، أو التجول في الأسواق بلا ضرورة ولا حاجة ملحة، وهكذا!! إلى وقت السحور، ثم إعداد وجبة السحور، ثم النوم …\nفبالله عليك هل استفدت من شهر الرحمات؟! هل تعرضت إلى نفحات الرحمن؟!\nقال الشاعر:\nفبادر إلى الخيرات قبل فواتها … وخالف مراد النفس قبل مماتها\nستبكي نفوس في القيامة حسرة … على فوت أوقات زمان حياتها\nفلا تغتر بالعز والمال والمنى … فكم قد بلينا بانقلاب صفاتها\n٨ - الجهل بأحكام الصيام من شروط ومفسدات، وعدم السؤال عنها قبل مباشرتها، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وفي الحديث: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ولله در القائل:\nومن غدا بغير علم بعمل … أعماله مردودة لا تقبل (^١)\n* * *\n_________\n(^١) انظر «أخطاء شائعة وبدع تتعلق بشهر رمضان» (ص ٩١ - ٩٢).","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type='title' id=toc-34>المبحث الخامس: الحكمة من مشروعية الصيام</span>\nقال ابن القيم: المقْصُودُ مِنْ الصّيَامِ: حَبْسَ النّفْسِ عَنْ الشّهَوَاتِ، وَفِطَامَهَا عَنْ المأْلُوفَاتِ، وَتَعْدِيلَ قُوّتِهَا الشّهْوَانِيّةِ؛ لِتَسْتَعِدّ لِطَلَبِ مَا فِيهِ غَايَةُ سَعَادَتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَقَبُولِ مَا تَزْكُو بِهِ مِمّا فِيهِ حَيَاتُهَا الْأَبَدِيّةُ، وَيَكْسِرُ الْجُوعُ وَالظّمَأُ مِنْ حِدّتِهَا وَسَوْرَتِهَا، وَيُذَكّرُهَا بِحَالِ الْأَكْبَادِ الْجَائِعَةِ مِنْ المسَاكِينِ، وَتُضَيّقُ مَجَارِي الشّيْطَانِ مِنْ الْعَبْدِ بِتَضْيِيقِ مَجَارِي الطّعَامِ وَالشّرَابِ، وَتَحْبِسُ قُوَى الْأَعْضَاءِ عَنْ اسْتِرْسَالِهَا لِحُكْمِ الطّبِيعَةِ فِيمَا يَضُرّهَا في مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا، وَيُسَكّنُ كُلّ عُضْوٍ مِنْهَا وَكُلّ قُوّةٍ عَنْ جِمَاحِهِ وَتُلْجَمُ بِلِجَامِهِ فَهُوَ لِجَامُ المتّقِينَ، وَجُنّةُ المحَارِبِينَ، وَرِيَاضَةُ الْأَبْرَارِ وَالمقَرّبِينَ، وَهُوَ لِرَبّ الْعَالمينَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنّ الصّائِمَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا وَإِنّمَا يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِ مَعْبُودِهِ؛ فَهُوَ تَرْكُ مَحْبُوبَاتِ النّفْسِ وَتَلَذّذَاتِهَا إيثَارًا لمحَبّةِ اللّهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَهُوَ سِرّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبّهِ لَا يَطّلِعُ عَلَيْهِ سِوَاهُ، وَالْعِبَادُ قَدْ يَطّلِعُونَ مِنْهُ عَلَى تَرْكِ المفْطِرَاتِ الظّاهِرَةِ، وَأَمّا كَوْنُهُ تَرْكَ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَشَهْوَتِهِ مِنْ أَجْلِ مَعْبُودِهِ؛ فَهُوَ أَمْرٌ لَا يَطّلِعُ عَلَيْهِ بَشَرٌ وَذَلِكَ حَقِيقَةُ الصّوْمِ.\nوللصوم تأثيرٌ عجيبٌ فى حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحِميتها عن التخليط الجالب لها المواد الفاسدة التى إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغِ المواد الرديئة المانعة لها من صحتها، فالصومُ يحفظ على القلب والجوارح صحَّتها، ويُعيد إليها ما استلبته منها أَيْدِي الشّهَوَاتِ؛ فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى التّقْوَى، كَمَا قال تعالى: ﴿يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ﴾. وَقال: النبِي ﷺ: «الصّوْمُ جُنّةٌ». وَأَمَرَ مَنْ اشْتَدّتْ عَلَيْهِ شَهْوَةُ النّكَاحِ وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهِ بِالصّيَامِ، وَجَعَلَهُ وِجَاءَ هَذِهِ الشّهْوَةِ.","vol":"1","page":45},{"text":"وَالمقْصُودُ أَنّ مَصَالِحَ الصّوْمِ لما كَانَتْ مَشْهُودَةً بِالْعُقُولِ السّلِيمَةِ وَالْفِطَرِ المسْتَقِيمَةِ شَرَعَهُ اللّهُ لِعِبَادِهِ رَحْمَةً بِهِمْ وَإِحْسَانًا إلَيْهِمْ وَحِمْيَةً لَهُمْ وَجُنّةً، وَكَانَ هَدْيُ رَسُولِ اللّهِ ﷺ فِيهِ أَكْمَلَ الْهَدْيِ، وَأَعْظَمَ تَحْصِيلٍ لِلمقْصُودِ وَأَسْهَلَهُ عَلَى النّفُوسِ.\nوَلما كَانَ فَطْمُ النّفُوسِ عَنْ مَأْلُوفَاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا مِنْ أَشَقّ الْأُمُورِ وَأَصْعَبِهَا تَأَخّرَ فَرْضُهُ إلَى وَسَطِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، لما تَوَطّنَتْ النّفُوسُ عَلَى التّوْحِيدِ وَالصّلَاةِ، وَأَلِفَتْ أَوَامِرَ الْقُرْآنِ فَنُقِلَتْ إلَيْهِ بِالتّدْرِيجِ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-35>المبحث السادس: أقسام الصيام</span>\n• ينقسم الصوم إلى قسمين: واجب، وتطوع.\n• والواجب ثلاثة أقسام:\nالأول: ما يجب للزمان نفسه، وهو صوم شهر رمضان بعينه.\nالثاني: ما يجب لعلة، وهو صيام الكفارات.\nالثالث: ما يجب بإيجاب الإنسان ذلك على نفسه، وهو صيام النذر.\nوصوم التطوع سيأتي إن شاء الله تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) «زاد المعاد» (٢/ ٢٨ - ٣٠).","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>المبحث السابع: حكم صيام رمضان</span>\nصوم رمضان ركن من أركان الإسلام الخمسة، وهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع:\nفمن الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾\nفقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي فُرض.\nومن السنة: قول النبي ﷺ (^١): «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».\nوأما الإجماع: فإن الأمة أجمعت على فرضية شهر رمضان لا يجحدها إلا كافر (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-37>المبحث الثامن: ترك الصيام بغير عذر</span>\nمن ترك صيام رمضان مع القدرة، فقد ترك ركنا من أركان الإسلام وارتكب كبيرة من الكبائر.\nقال الإمام الذهبي: (وعند المؤمنين مقرر أن ترك صوم رمضان بلا عذر أنه شر من الزاني ومدمن الخمر بل يشكون في إسلامه ويظنون به الزندقة والانحلال) (^٣).\nوقال شيخ الإسلام (^٤): إذَا أَفْطَرَ في رَمَضَانَ مُسْتَحِلًّا لِذَلِكَ وَهُوَ عَالم بِتَحْرِيمِهِ اسْتِحْلَالًا لَهُ وَجَبَ قَتْلُهُ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا عُوقِبَ عَنْ فِطْرِهِ في رَمَضَانَ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨)، ومسلم (١٦).\n(^٢) قال ابن عبد البر «التمهيد» (٢/ ١٤٨): وأجمع العلماء على أن لا فرض فى الصوم غير شهر رمضان.\nوانظر «المجموع» (٦/ ٢٤٩)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ١٢١)، و«بداية المجتهد» (٢/ ١٤١).\n(^٣) «الكبائر» للذهبي (٦٤).\n(^٤) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٦٥).","vol":"1","page":47},{"text":"وروى ابن خزيمة (^١) عن أبي أمامة قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلَانِ … ثُمَّ انْطُلِقَ بِي، فَإِذَا أَنَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ، مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ، تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ».\nقال الشيخ الألباني: هذه عقوبة من صام ثم أفطر عمدا قبل حلول وقت الإفطار، فكيف يكون حال من لا يصوم أصلا؟! (^٢).\n_________\n(^١) رواه ابن خزيمة (١٩٨٦)، وابن حبان (٧٤٩١).\n(^٢) «صحيح الترغيب والترهيب» (١٠٠٥). وقال الشيخ أحمد بن عبد الله السلمي «أخطاء شائعة» (ص ٥٢): فليحذر الذين يغلقون عليهم بيوتهم وأبواب مكاتبهم ويختارون الخلوات لاقتحام المعاصي والإفطار في رمضان، عليهم أن يعلموا أن الله تعالى يراهم ويعلم سرعم ونجواهم وأنه لا تخفى عليه خافية ولا شيء من أمورهم، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠] فعلى من اقترف هذه المعصية أن يتوب إلى الله ويصوم ويخشى عقاب الله، فإن الإفطار في رمضان دليل على فساد القلب وقبح السريرة والاستهانة بالشرع، وهو على شفا هلكة إن لم يتدارك نفسه ويتوب ويقلع، والله يقول: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لمنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢].\nتفنى اللذاذة ممن نال صفوتها … من الحرام ويبقى الإثم والعار\nتبقى عواقب سوء في مغبتها … لا خير في لذة من بعدها النار\nوإذا خلوت بريبة في ظلمة … والنفس داعية إلى الطغيان\nفاستحي من نظر الإله وقل لها … إن الذي خلق الظلام يراني\nفترك الصيام مع القدرة حرب ظاهر وعداوة سافرة لله تعالى ولرسوله ﷺ واعتداء على مشاعر المؤمنين، واعلم أن من لا صوم له لا عيد له، فالعيد فرحة كبرى بإتمام الصوم وقبول العبادة.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>الفصل الثاني على من يجب الصيام</span>\nيجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر مقيم خال من الموانع\nالشرط الأول: الإسلام\nالشرط الثاني: البلوغ\nالشرط الثالث: أن يكون عاقلًا\nالشرط الرابع: أن يكون قادرًا على الصوم\nالشرط الخامس: أن يكون مقيمًا\nالشرط السادس: أن يكون خاليًا من الموانع وهذا يختص بالمرأة","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type='title' id=toc-39>الشرط الأول: الإسلام</span>\nوفيه مطالب:\n\n•<span data-type='title' id=toc-40> المطلب الأول: لا يجب الصوم علي الكافر حال كفره:</span>\nلأنه لا يصح منه ولا يُقبل؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾.\nفإذا أسلم الكافر لم يجب عليه القضاء على قول جميع الفقهاء (^١)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]؛ ولعموم قول النبي ﷺ «الإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» (^٢)؛ ولأن في إيجاب قضاء ما فات في حال الكفر تنفيرًا عن الإسلام؛ بسبب المشقة اللاحقة، هذا إذا كان كافرا أصليًّا، وأما إذا كان مرتدًّا عن الإسلام، لا يجب عليه الصوم في حال الردة؛ لكونه لا يُقْبَلُ منه، فإن أسلم وجب عليه قضاءُ ما تركه حال كفره؛ لأنه التزم ذلك بالإسلام؛ فلم يسقط عنه بالردة كحقوق الآدميين (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-41> المطلب الثاني: إذا كان الكافر لا يجب عليه الصوم حال كفره فهل يعاقب على تركه الصيام في الآخرة؟</span>\nنعم يعاقب إذا مات على ذلك وعلى تركه سائر العبادات؛ لقوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ في سَقَرَ ٤٢ قَالُوا لم نَكُ مِنَ المصَلِّينَ ٤٣ وَلم نَكُ نُطْعِمُ المسْكِينَ ٤٤ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ٤٥ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ٤٦﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٦]. فدلت الآيات على أن الكافر\n_________\n(^١) الحاوي (٣/ ٣٢٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٢١)، وأحمد (٤/ ٢٠٥).\n(^٣) «المجموع» (٦/ ٢٥٢)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ٨٧).","vol":"1","page":50},{"text":"يُعذَّبُ في الآخرة بتكذيبه ليوم الدين، وكذا بتركه الصلاة وعدم إطعام المسكين، فيعاقب على تركه الأصول والفروعِ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-42> المطلب الثالث: إِذَا أَسْلم الْكَافِرُ فِيشيء شَهْرِ رَمَضَان، صَامَ مَا يَسْتَقْبِلُ مِنْ بَقِيَّةِ شَهْرِهِ، بلا خلاف فيه </span>(^١).\n<span data-type='title' id=toc-43>الشرط الثانى: البلوغ</span>\nوهو وصول صغير وجارية وقت التكليف بعلامة من علامات البلوغ. اه.\nوفيه مطالب:\n\n•<span data-type='title' id=toc-44> المطلب الأول: ويحصل البلوغ بعلامات:</span>\n• العلامة الأولى: الاحتلام: وهو خروج المني من الرجل أو المرأة بلا علة، يقظة أو منامًا (^٢).\nوقال ابن حجر (^٣): أَجْمَعَ الْعُلماءُ عَلَى أَنَّ الِاحْتِلَامَ في الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يَلْزَمُ بِهِ الْعِبَادَاتُ وَالْحُدُودُ وَسَائِرُ الْأَحْكَامِ وَهُوَ إِنْزَالُ الماءِ الدَّافِقِ، سَوَاءٌ كَانَ بِجِمَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ في الْيَقَظَةِ أَوِ المنَامِ.\nودل الكتاب والسنة على أن الاحتلام من علامات البلوغ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلم فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩] أي إذا احتلم الأطفال فقد بلغوا ووجب عليهم الاستئذان.\nوقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].\nفاليتيم إذا احتلم مع الرشد فيدفع إليه ماله لأنه بلغ.\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٤١٤).\n(^٢) «موسوعة الطهارة» (٦/ ٥١).\n(^٣) «فتح الباري» (٥/ ٣٢٧).","vol":"1","page":51},{"text":"وفي الصحيحين عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ قال: «غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلم».\nفبالاحتلام يكلف بغسل الجمعة وكذا سائر الواجبات.\nوعموم قول النبي ﷺ «رُفِعَ الْقَلم عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنِ المجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ» (^١).\nقال الكاساني (^٢): وَمِنْهَا الْبُلُوغُ: فَلَا يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ عَلَى الصَّبِيِّ وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا حَتَّى لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ بَعْدَ الْبُلُوغِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «رُفِعَ الْقَلم عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلم، وَعَنْ المجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ»؛ وَلِأَنَّ الصَّبِيَّ لِضَعْفِ بِنْيَتِهِ وَقُصُورِ عَقْلِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِاللَّهْوِ وَاللَّعِبِ يَشُقُّ عَلَيْهِ تَفَهُّمُ الْخِطَابِ وَأَدَاءُ الصَّوْمِ فَأَسْقَطَ الشَّرْعُ عَنْهُ الْعِبَادَاتِ.\n• العلامة الثانية: إنبات شعر العانة: ذهب أبو يوسف من الحنفية (^٣) ورواية عن المالكية (^٤) ورواية عن الشافعية (^٥) والحنابلة (^٦) إلى أن إنبات شعر العانة علامة من علامات البلوغ.\n_________\n(^١) أولًا: حديث عائشة: أخرجه أحمد (٦/ ١٠١، ١٤٤)، والنسائي في «السنن» (٦/ ١٥٦)، وأبو داود في (٤٣٩٨)، وابن ماجه (٢٠٤١)، وغيرهم من طرق عن حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة به قال أحمد: حماد بن سلمة عنده عن حماد بن أبي سليمان تخليط.\nقال الترمذي في «العلل الكبير» (٤٠٤) (ص ٢٢٥): سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: «أرجو أن يكون محفوظًا، قلت له: روى الحديث غير حماد؟ قال: لا أعلمه. قال ابن رجب في «شرح البخاري» (٥/ ٢٩٤): وقال النسائي: ليس في الباب حديث صحيح إلا حديث عائشة فإنه حسن. قلت: وفي الباب أحاديث أخرى لا تخلو من مقال.\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٨٧).\n(^٣) «رد المحتار» (٥/ ٩٧).\n(^٤) «الشرح الكبير بحاشية الدسوقي» (٣/ ٢٩٣).\n(^٥) «مغني المحتاج» (٢/ ١٦٧)، و«روضة الطالبين» (٤/ ١٦٢).\n(^٦) «الإنصاف» (٥/ ٣٢)، و«المبدع» (٤/ ٣٣٢).","vol":"1","page":52},{"text":"واستدلوا لذلك بأن سعد بن معاذ (^١) حَكَم على بني قريظة أن تُقتل مقاتلتهم، فكان ينظر إلى من لم ينبتْ فيُتركُ، وإلى من أنبت فيُقْتَلُ».\nواستدلوا بما ورد عن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ إلَى أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ أَنْ لَا تَقْتُلُوا امْرَأَةً، وَلَا صَبِيًّا، وَأَنْ تَقْتُلُوا ألا مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ المواسَى (^٢).\n• العلامة الثالثة: البلوغ بالسن فقيل خمس عشرة سنة وهو مذهب الشافعية والحنابلة وهو رواية عن أبي حنيفة وقول أبي يوسف ومحمد من أصحابه وابن وهب من المالكية (^٣).\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين (^٤) واللفظ لمسلم عن ابن عمر: «عَرَضَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ في الْقِتَالِ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلم يُجِزْنِي، وَعَرَضَنِي يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي.\n_________\n(^١) روى أحمد (٤/ ٣١٠)، وأبو داود (٤٤٠٤)، والترمذي (١٥٨٤)، والنسائي في «الكبرى» (٨٦٢١)، وابن ماجه (٢٥٤١) وغيرهم من طرق: عن سُفْيَان عَنْ عَبْدِ الملِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ سَمِعْتُ عَطِيَّةَ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ: عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَكَانَ مَنْ أَنْبَتَ قُتِلَ وَلم يُنْبِتْ خُلِّيَ سَبِيلُهُ فَكُنْتُ فِيمَنْ لم يُنْبِتْ فَخُلِّيَ سَبِيلِي».\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، أنهم يرون الإنبات بلوغًا، وإن لم يُعرف احتلامه ولا سنه، وهو قول أحمد وإسحاق، وفي إسناده عبد الملك بن عمير ضَعَّفه أحمد وابن معين وأبو حاتم وقال النسائي: ليس به بأس. ووثقه ابن نمير والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، ولكن أخرجه البخاري (٥١٢٢)، ومسلم (١٧٦٩) بلفظ: فردَّ رسول الله الحكم إلى سعد، وقال: فإنى أحكم فيهم أن تُقتل المقاتلة، وأن تُسبى الذرية والأموال، وتُقسم الغنائم. بدون ذكر الإنبات.\n(^٢) «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٤٨٧).\n(^٣) «مغني المحتاج» (٢/ ١٦٥)، و«المحرر» (١/ ٣٤٧)، و«البحر الرائق» (٣/ ٩٦)، و«مواهب الجليل» (٥/ ٥٩).\n(^٤) البخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨).","vol":"1","page":53},{"text":"قَالَ نَافِعٌ: فَقَدِمْتُ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ خَلِيفَةٌ، فَحَدَّثْتُهُ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَحَدٌّ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَكَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ يَفْرِضُوا لمنْ كَانَ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَاجْعَلُوهُ في الْعِيَالِ». وليس في البخاري «فَاجْعَلُوهُ في الْعِيَالِ».\nقال ابن حجر (^١): «وَاسْتدلَّ بِقصَّة ابن عُمَرَ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَكْمَلَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْبَالِغِينَ وَإِنْ لم يَحْتَلم فَيُكَلَّفُ بِالْعِبَادَاتِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ».\nاعترض ابن حزم (^٢) على الاستدلال بهذا الحديث، بأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم يَقُلْ إنِّي أَجَزْتهمَا من أَجْلِ أَنَّهُمَا ابْنَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فإن كان ذلك كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لأحد أَنْ يُضِيفَ إلَيْهِ ﵇ ما لم يُخْبِرْ بِهِ عن نَفْسِهِ وقد يُمْكِنُ أَنْ يُجِيزَهُمَا يوم الْخَنْدَقِ لأنه كان يوم حِصَارٍ في المدِينَةِ نَفْسِهَا يَنْتَفِعُ فيه بِالصِّبْيَانِ في رَمْيِ الْحِجَارَةِ وَغَيْرِ ذلك ولم يُجِزْهُ يوم أُحُدٍ لأنه كان يوم قِتَالٍ بَعُدُوا فيه عن المدِينَةِ فَلَا يَحْضُرُهُ إلاَّ أَهْلُ الْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ.\nوأجيب بأن هذا فهم نافع وعمر خامس الخلفاء الراشدين وأمام التابعين\n• العلامة الرابعة: نزول الحيض عند النساء:\nقال ابن حجر (^٣): وقد أجمع العلماء على أن الحيض بلوغ في حق النساء.\n\n•<span data-type='title' id=toc-45> المطلب الثاني: استحباب صوم الصبيان:</span>\nدل على ذلك ما ورد في «الصحيحين» عَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: «أَرْسَلَ\nالنَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الْأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِه، وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُم»، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ» (^٤).\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٥/ ٣٢٩).\n(^٢) «المحلى» المسألة (١١٩).\n(^٣) «فتح الباري» (٥/ ٢٧٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٩٦٠)، ومسلم (١١٣٦).","vol":"1","page":54},{"text":"قال النووي: وَفِي هَذَا الْحَدِيث تَمْرِينُ الصِّبْيَان عَلَى الطَّاعَات، وَتَعْوِيدُهُمْ الْعِبَادَاتِ، وَلَكِنَّهُمْ لَيْسُوا مُكَلَّفِينَ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-46> المطلب الثالث: حد السن الذى يؤمر فيه الصبي بالصيام؟</span>\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\nالقول الأول: أن الصبي يُؤْمَرُ بالصيام إذا أطاقه للتمرين عليه. وهو قول عطاء والحسن وابن سيرين والزهري وقتادة والشافعي.\nالقول الثانى: أنه إذا كان للغلام عشر سنين وأطاق الصيام فإنه يُؤْمَرُ ويُضرَبُ على تركه؛ ليتمرن عليه ويتعوده، كما يُلزَمُ بالصلاة ويُؤْمَرُ بها. وهو قول أحمد.\nواعْتُرِضَ عَليه بأن الصوم أشقُّ من الصلاة، فاعتُبِرَت له الطاقة؛؛ لأنه قد يطيق الصلاة من لا يطيقه.\nالقول الثالث: قال الأوزاعي: إذا أطاق صومَ ثلاثة أيام تباعًا لا يضعُفُ فيهن، حُمِلَ على صوم شهر رمضان.\nالقول الرابع: قال إسحاق: إذا بلغ اثنتي عشرة سنةً أَحَبُّ إلى أن يُكَلَّفَ الصوم للعادة.\nالقول الخامس: قول المالكية أنه لا يُشرع في حق الصبيان.\nويجاب على هذا القول بما رواه البخاري عن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ في صيام يوم عاشوراء قَالَتْ: «فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ الْعِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الْإِفْطَارِ».\nالقول السادس: قول ابْن الماجِشُونِ من المالكية: إذا أطاق الصوم ألزموه، فإن أفطر لغير عذر فعليه القضاء.\nقال الْقَاضِي: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَة أَنَّهُمْ مَتَى أَطَاقُوا الصَّوْم وَجَبَ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا غَلَطٌ مَرْدُودٌ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيح: «رُفِعَ الْقَلم عَنْ ثَلَاثَة: عَنْ الصَّبِيّ حَتَّى يَحْتَلم»، وَفِي رِوَايَة: «يَبْلُغَ».","vol":"1","page":55},{"text":"والراجح أن الصبي يؤمر بالصيام إذا أطاقه للتمرين عليه، ويُلزم به إذا بلغ كالصلاة، والله أعلم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-47> الشرط الثالث: العاقل وخرج به المجنون،</span> وفيه مطالب:\n•<span data-type='title' id=toc-48> المطلب الأول: المجنون إذا أفاق بعد مُضي الشهر ماذا يفعل في الأيام الماضية؟</span>\nقال الماوردي (^٢): (فَأَمَّا المجْنُونُ إِذَا أَفَاقَ بَعْدَ مُضِيِّ زَمَانِ رَمَضَانَ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ: لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ).\n\n•<span data-type='title' id=toc-49> المطلب الثاني: وإذا أفاق أثناء الشهر ماذا يفعل في الأيام الآتية؟</span>\nقال ابن قدامة (^٣): «فَأَمَّا المجْنُونُ إذَا أَفَاقَ في أَثْنَاءِ الشَّهْرِ، فَعَلَيْهِ صَوْمُ مَا بَقِيَ مِنْ الْأَيَّامِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ».\n\n•<span data-type='title' id=toc-50> المطلب الثالث: إذا أفاق المجنون أثناء الشهر هل يلزمه قضاء ما مضى؟</span>\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\nالقول الأول: إن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر لا يلْزَمُه قضاء ما مضى، وبهذا قال: أبو ثور، والشافعي في الجديد، قالوا:؛ لأنه معنىً يزيل التكليف، فلم يجب القضاء في زمانه كالصغر والكفر.\nالقول الثانى: وَقال مَالِكٌ: يَقْضِي، وَإِنْ مَضَى عَلَيْهِ سِنُونَ. وَعَنْ أَحْمَدَ مِثْلُهُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ في الْقَدِيمِ؛ لأنه مَعْنًى يُزِيلُ الْعَقْلَ، فَلم يَمْنَعْ وُجُوبَ الصَّوْمِ، كَالْإِغْمَاءِ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٢١٤)، و«فتح الباري» (٤/ ٢٣٦).\n(^٢) «الحاوي» (٣/ ٣٢٩).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٤١٥).\n(^٤) «المغني» (٤/ ٤١٥).","vol":"1","page":56},{"text":"القول الثالث: وَقال أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ جُنَّ جَمِيعَ الشَّهْرِ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَفَاقَ في أَثْنَائِهِ قَضَى مَا مَضَى؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُنَافِي الصَّوْمَ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ جُنَّ في أَثْنَاءِ الصَّوْمِ لم يَفْسُدْ، فَإِذَا وُجِدَ في بَعْضِ الشَّهْرِ، وَجَبَ الْقَضَاءُ كَالْإِغْمَاءِ.\nوالراجح أن المجنون إذا أفاق أثناء الشهر لا يلزم بقضاء ما مضى ويصوم الأيام الآتية، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-51> المطلب الرابع: إذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي أو أفاق المجنون أثناء النهار، هل يلزمهم إمساكُ بقية اليوم؟</span>\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ:\nالقول الأول: أنه يجب عليه أن يُمسِكَ بقية يومه ويقضيه، وهو قول أحمد في رواية، وبه قال إسحاق (^١). واستدلوا بالسنة والقياس:\nأما دليلهم من السنة: فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْلمةَ عَنْ عَمِّهِ أَنَّ أَسْلم أَتَتْ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «صُمْتُمْ يَوْمَكُمْ هَذَا؟». قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَأَتِمُّوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ وَاقْضُوهُ» (^٢). ولكن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nوأما دليلهم من القياس: فقاسوا الصيام على الصلاة: قالوا: لأَنَّهُ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ وَقْتِ الْعِبَادَةِ فَلَزِمَتْهُ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ. وقالوا بأنه عليه قضاء يوم مكانه؛ لأن إسلامَه في بعض النهار يُوجِبُ عليه صيام ما بقي.\nواعْتُرِضَ عليه بحديث عاشوراء بأن النبي ﷺ أَمَر مَنْ أكل أن يتم بقية يومه، ولم يصح عن رسول الله ﷺ أنه أمرهم بالقضاء.\nالقول الثانى: قال مالك والشافعي وابن المنذر وأبو ثور: لا قضاء عليه ولا إمساك.\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٤١٥)، وكتاب الصيام لشيخ الإسلام ص (٥٢).\n(^٢) ضعيف: مدار الحديث على شعبة عن قتادة عن عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه به، واختلف على شعبة، فرواه عنه: يزيد بن زريع بزيادة: (واقضوه): أخرجه أبو داود (٢٤٤٧)، وخالف يزيد بن زريع (محمد بن جعفر، ومعاذ بن معاذ، وروح بن عبادة، وغيرهم، بدون زيادة (واقضوه). وأخرجه النسائي «الكبرى» (٢/ ١٦٠)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٦/ ٤٤)، وغيرهما، وصحح أبو حاتم الرواية التي بدون ذكر (واقضوه) كما في «العلل» (١/ ٣٦١). وعلى كلٍّ فمدار الحديث على عبد الرحمن بن مسلمة عن عمه، ولا يُعرف هو ولا عمه، وقد ضعف الحديث شيخ الإسلام وابن الجوزي وعبد الحق وغيرهم.","vol":"1","page":57},{"text":"قالوا: لأنه لم يدرك في زمن العبادة ما يمكنه التلبس بها فيه (^١)، ولعدم أهليَّة الوجوب في أول اليوم.\nوقالوا أيضًا: إن إيجاب بعض اليوم لا يصح؛ لأن أقلَّ الصوم الصحيح يومٌ؛ ولأنه من جاز له الأكل أول النهار ظاهرًا وباطنًا، جاز له الأكل في آخره، كما لو دام به المانع، والصوم لا يتجزَّأُ لا وجوبًا ولا جوازًا (^٢).\nقال الماوردي (^٣): وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ؛؛ لأنه لَا يَقْدِرُ عَلَى صِيَامِ هَذَا الْيَوْمِ مَعَ إِسْلَامِهِ في بَعْضِهِ فَصَارَ كَمَنْ أَسْلم لَيْلًا.\nواعْتُرِضَ على ذلك بأنه ورد في «الصحيحين» أن النبي ﷺ بعث إلى قرى الأنصار: «مَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ»، فأمَر من كان مفطرًا أن يصوم بعض اليوم؛ ولذلك من أفطر يظن أنه آخر يوم من شعبان، ثم تبيَّن له أن هذا اليوم من رمضان، فيُمْسِك باقي اليوم، وهذا صيام بعض اليوم.\nوأجيب عنه بأنه هناك فرق بين الحالتين؛ فالكافر إذا أسلم، والصبي الذى احتلم، والمجنون الذى أفاق في النهار - لم يكونوا من أهل الوجوب في أول اليوم؛ فلذلك يجب عليهم الصيام عند الإسلام والبلوغ، ولا قضاء عليهم، وأما الذى أفطر يظن أنه آخر شعبان، ثم تبيَّن له أنه من رمضان، كان من أهل الوجوب في أول اليوم.\nالقول الثالث: يصوم ما بقى من اليوم وليس عليه قضاء ذلك اليوم، وإنما وجبت الأحكام بعد التكليف، الإسلام أو البلوغ ولأن الإسلام يَجبُّ ما قبله، وهو اختيار شيخ الإسلام.\nواستدلوا لذلك بما في «الصحيحين» (^٤) عن الرُبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قُرَى الْأَنْصَارِ قَالَ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يومه».\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٤١٥).\n(^٢) انظر: كتاب «الصيام» لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٥٢).\n(^٣) «الحاوي» (٣/ ٣٢٨).\n(^٤) سبق تخريجه.","vol":"1","page":58},{"text":"قال شيخ الإسلام: والأَوجَه أنه يجب عليه الإمساك دون القضاء لحديث عاشوراء.\nفالكافر إذا أسلم أثناء النهار أو بلغ فإنه لا يجب عليه الصيام قبل ذلك الوقت لعموم قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ولقول النبي ﷺ: «الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» ويصوم من الظهر إلى المغرب ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وكذا الصبي إذا بلغ أثناء النهار أو أفاق المجنون، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-52> المطلب الخامس: إذا طهرت الحائض وقَدِم المسافر وصح المريض أثناء النهار في رمضان، هل يمسك بقية يومه؟</span>\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوالٍ:\nالقول الأول: قال مالك، والشافعي، وابن عُلية، وداود، في المرأة تطهر، والمسافر يقدم - وقد أفطروا في السفر: إنهما يأكلًان ولا يمسكان، ولو قدم مسافر في هذه الحال، فوجد امرأته قد طهرت جاز له وطؤها، قال الشافعي: أُحب لهما أن يستترا بالأكل والجماع؛ خوف التهمة (^١).\nواستدلوا لذلك بالمأثور والمعقول:\nأما دليلهم من المأثور: فما روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: «مَنْ أَكَلَ أَوَّلَ النَّهَارِ فَليَأْكُل آَخِرَهُ» (^٢).\nوروى الثوري عن أبي عبيد عن جابر بن زيد أنه قدم من سفر في شهر رمضان، فوجد المرأة قد اغتسلت من حيضها فجامعها (^٣).\n_________\n(^١) انظر: «التمهيد» (٢٢/ ٥٣، ٥٤).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٩٣٤٣)، حدثنا وكيع، عن ابن عون، عن ابن محيريز قال: قال عبد الله … به.\n(^٣) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٢/ ٥٣، ٥٤) فقال: روى الثوري، عن أبي عبيد، عن جابر به. قلت: وهذا إسناد صحيح.","vol":"1","page":59},{"text":"أما دليلهم من المعقول: فقالوا: إن المسافر والمريض والحائض لم يكونوا من أهل الوجوب في أول اليوم وإن أقل الصوم يومٌ، فإذا جاز لهم الأكل أول اليوم، جاز لهم آخره.\nالقول الثانى: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ في المرْأَةِ تَطْهُرُ في بَعْضِ النَّهَارِ وَالمسَافِرُ يَقْدَمُ وَقَدْ أَفْطَرَ في سَفَرِهِ: إنَّهُمَا يُمْسِكَانِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ (^١).\nواحتج لهم الطحاوي بأن قال: لم يختلفوا أن من غُمَّ عليه هلال رمضانَ فأكل، ثم علم أنه يُمْسِك عما يُمْسِك عنه الصائم، قال: فكذلك الحائض والمسافر.\nوأُجِيبَ عن هذا: بأنَّه قياسٌ مع الفارقِ؛ لأن الذى غُمَّ عليه هلال رمضان فأكل، ثم علم أنه يُمْسِك عما يُمْسِك عنه الصائم؛؛ لأنه كان من أهل الوجوب في أول اليوم، أما المسافر والحائض والمريض فلم يكونوا من أهل الوجوب فلا يجب عليهم الإمساك.\nوالراجح ما ذهب إليه مالك والشافعي أنه إذا طهرت الحائض أو صح المريض أو قدم المسافر أثناء النهار وقد أفطر أول يومه أن يفطره آخره لأن أقل الصوم يوم فإن جاز لهم الأكل أول اليوم جاز لهم آخره.\n\n•<span data-type='title' id=toc-53> الشرط الرابع: أن يكون قادرًا على الصوم:</span>\nفإن كان الإنسان غير قادر على الصوم بسبب مرض أو غيره، فلا يجب عليه الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nقال شيخ الإسلام: إنه لا يجب الصوم إلا على القادر؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].\n_________\n(^١) «التمهيد» (٢٢/ ٥٣، ٥٤).","vol":"1","page":60},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-54> الشرط الخامس: أن يكون مقيمًا.</span>\nفإن كان مسافرًا فلا يجب عليه الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.\n\n•<span data-type='title' id=toc-55> الشرط السادس: أن يكون خَالِيًا من الموانع.</span>\nوهذا يختص بالمرأة، فيشترط في وجوب الصوم عليها ألا تكون حائضًا ولا نُفَساء. ففي «الصحيحين» (^١) عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لم تُصَلِّ وَلم تَصُمْ».\nقال النووي: وأما الحائض والنفساء فلا يجب عليهما الصوم؛ لأنه لا يصح منهما، فإذا طهرتا وجب عليهما القضاء لما روت عائشة ﵂ قالت في الحيض: «كنا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» (^٢). فوجب القضاء على الحائض بالخبر، وقِيس عليها النفساء؛ لأنها في معناها.\n• الخلاصة: على من يجب الصيام؟\nيجب على كل مسلم، بالغٍ، عاقلٍ، قادرٍ، مقيمٍ، خالٍ من الموانع.\nقال النووي: ويتحتَّمُ وجوب ذلك «الصوم» على كل مسلم، بالغٍ، عاقلٍ، طاهرٍ، قادرٍ، مقيمٍ.\nأولًا: يجب الصوم على المسلم، فأما الكافر فلا يجب عليه الصوم بالنص والإجماع، وإذا أسلم الكافر في أثناء الشهر لا يقضي ما مضى، ويصوم ما يستقبل من شهر رمضان.\nثانيًا: يجب الصوم على العاقل، فأما المجنون فلا يجب عليه الصوم.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٥٠) ومسلم (١١٤٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢١) ومسلم (٣٣٥).","vol":"1","page":61},{"text":"ثالثًا: يجب الصوم على البالغ، فلا يجب الصوم على الصبي، بل يستحب، ويحصل البلوغ بأمور منها: إنزالُ المنى باحتلامٍ وغيره، وإنباتُ شعر العانة، وإتمامُ خمس عشرة سنة، ويزيدُ في حقِّ المرأة الحيضُ.\nرابعًا: أن يكون الإنسان قادرًا على الصوم، فأما إن كان الإنسان غير قادر على الصوم بسبب مرض أو غيره فلا يجب عليه.\nخامسًا: أن يكون الإنسان مقيمًا، فإن كان مسافرًا فلا يجب عليه الصوم.\nسادسًا: أن يكون خَالِيًا من الموانع: وهذا يختص بالمرأة؛ فيشترط في وجوب الصوم عليها ألا تكون حائضًا ولا نفساء.\n* * *","vol":"1","page":62},{"text":"الفصل الثالث: النية\nوفيه مباحث\nالمبحث الأول: معنى النية\nالمبحث الثاني: هل يصح الصوم بدون نية؟\nالمبحث الثالث: وقت النية\nالمبحث الرابع: النية لكل يوم\nالمبحث الخامس: ما هي كيفية النية؟\nالمبحث الساد: هل يجوز إنشاء صوم التطوع بنية من النهار؟","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-56>الفصل الثالث: النية</span>\nوفيها مباحث:\n\n•<span data-type='title' id=toc-57> المبحث الأول: معنى النية:</span>\nمَعْنَى النِّيَّةِ الْقَصْدُ، وَهُوَ: اعْتِقَادُ الْقَلْبِ فِعْلَ شَيْءٍ، وَعَزْمُهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ، فَمَتَى خَطَرَ بِقَلْبِهِ في اللَّيْلِ أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ وَأَنَّهُ صَائِمٌ فِيهِ، فَقَدْ نَوَى (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-58> المبحث الثانى: هل يصح الصوم بدون نية؟</span>\nجماهير العلماء على اشتراط النية في صحة الصوم، فلا يصح الصوم إلا بنيةٍ كسائر العبادات؛ لقوله سبحانه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وقول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، وقول النبي ﷺ: «قال الله تعالى: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعامهٌ وَشهوتهٌ مِنَّ أجلىِ» من لم يذر طعامه وشهوته لله فليس بصائم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-59> المبحث الثالث: وقت النية:</span>\nهل لابد من تبييت النية للصيام قبل الفجر، أم يجوز أن ينشئ النية من النهار لصيام رمضان؟\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه لا يجزئ صوم رمضان ولا غيره من الصوم الواجب بنية من النهار، وأنه لا يجزئه صيام فرض حنى ينويه أي وقت كان من\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٣٣٣).\n(^٢) «الصيام» لشيخ الإسلام (ص ١٧٦).","vol":"1","page":64},{"text":"الليل (^١).\nواستدلوا لهذا القول بالسنة:\nالدليل الأول: عن حفصة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «لَا صِيَامَ لمنْ لم يُبَيِّت النيَّةَ مِنْ اللَّيْلِ» (^٢).\n_________\n(^١) «المجموع» (٦/ ٢٨٨)، و«المغني» (٤/ ٣٣٣).\n(^٢) ضعيف معل بالوقف: وهذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه، وهو من رواية الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن حفصة مرفوعًا. واختلف على الزهري. فرواه عبد الله بن أبي بكر بن حزم، فرواه عنه ابن لهيعة، واختلف عليه: فرواه حسن بن موسى، عن ابن لهيعة به، أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٧). وخالفه عبد الله بن وهب فأدخل بين سالم بن عبد الله وحفصة ابن عمر، أخرجه أبو داود (٢٤٥٤)، وغيره. وتابع ابنَ لهيعة، يحيى بن أيوب، واختلف عليه: فرواه عبد الله بن وهب، وسعيد بن أبي مريم، وأشهب، عن يحيى بن أيوب، عن عبد الله، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة مرفوعًا. أخرجه أبو داود (٢٤٥٤)، والترمذي (٧٣٠)، والنسائي (٤/ ١٩٦)، وغيرهم. وتابع هؤلاء الثلاثة الليث بن سعد واختلف عليه: فرواه أصحاب الليث «عبد الله بن صالح وشعيب، وعبد الله بن الحكم، وابن بكير» عن الليث عن يحيى بنفس الطريق السابق، أخرجه النسائي (٤/ ١٩٦)، خالفهم سعيد بن شرحبيل (فرواه بإسقاط الزهري)، أخرجه النسائي (٤/ ١٩٦)، والدارمي (٢/ ٦). وأخرجه ابن ماجه (١٧٠٠)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣١، ٣٢)، عن خالد القطواني، عن عبد الله بن أبي بكر، عن سالم، عن ابن عمر، عن حفصة، مرفوعًا ولم يذكر الزهري كذلك، وهى من طريق خالد القطواني وفيه كلام. وتابع عبد الله بن أبي بكر بن حزم: ابن جريج، أخرجه النسائي (٤/ ١٩٧)، من طريق ابن جريج، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن حفصة، مرفوعًا، قال النسائي: حديث ابن جريج عن الزهري غير محفوظ. عقيل وقرة عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن حفصة به، أخرجه ابن عدي «الكامل» (٣/ ١٥٠) قلت: وفى إسناده رشدين بن سعد، ضعيف. أخرجه الدارقطني في «السنن» (٢/ ١٧١)، من طريق عبد الله بن عباد، عن المفضل بن فضالة، عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة مرفوعًا، قلت: وفى إسناده عبد الله بن عباد، ضعيف. ورواه «ابن عيينة، ومعمر، ويونس» فرووه كلهم عن الزهري عن حمزة بن عبد الله، عن ابن عمر، عن حفصة من قولها. وأخرجه النسائي (٤/ ١٩٧)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣٢)، وغيرهما، من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري، عن حمزة، عن حفصة بإسقاط ابن عمر.\nوأخرجه النسائي (٤/ ١٩٧)، وعبد الرزاق (٧٧٨٦)، والبخاري في «التاريخ الصغير» (١/ ١٦٠)، عن عبيد الله بن عمر العمري ومعمر بن راشد فروياه عن الزهري، عن سالم، عن عبد الله، عن حفصة من قولها. وأخرجه النسائي (٤/ ١٩٨)، ومالك في «الموطأ» (٧٧٦)، عن الزهري، عن عائشة وحفصة موقوفًا، والزهري لم يدرك عائشة. وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٧٧٨٧) من طريق عبيد الله بن عمر، وابن جريج، عن نافع عن ابن عمر وحفصة موقوفًا. وأخرجه مالك في «الموطأ» (٧٧٥)، والنسائي (٤/ ١٩٨) من طرق عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا. وقد قال الدارقطني والبخاري وأبو حاتم والنسائي والترمذي وأبو داود وغيرهم: لا يصح رفعه والموقوف أصح. انظر «علل الدارقطني» (ج ٥/ ق ٥٣ أ) مخطوطة، و«علل الترمذي» (ص ١١٨) و«العلل لأبي حاتم» (١/ ٢٢٥)، و«التلخيص الحبير» (٢/ ١٨٨).","vol":"1","page":65},{"text":"واعترض عليه: بأن هذا الحديث لا يصح.\nوأُجِيبَ عليه: بأن النية لابد أن تسبق العمل، ولذلك شواهد من الشريعة؛ ففي «الصحيحين» عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».\nالقول الآخر: ذهب أبو حنيفة إلى أنه يُجْزِئُ صِيَامُ رَمَضَانَ وَكُلُّ صَوْمٍ مُتَعَيِّنٍ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ (^١).\nواستدلوا لهذا القول بالسنة والمعقول:\nأما دليلهم من السنة: فالدليل الأول ما روي في «الصحيحين» (^٢) عن سلمة بن الأكوع أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا يُنَادِي في النَّاسِ يوم عَاشُورَاءَ: «أَنْ مَنْ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ أَوْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ لم يَأْكُلْ فَلَا يَأْكُلْ».\n_________\n(^١) «شرح معانى الآثار» (٢/ ٥٧)، و«المغني» (٤/ ٣٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٢٤)، ومسلم (١١٣٥).","vol":"1","page":66},{"text":"وجه الدلالة منه: أن النبي أمَر مَنْ أكل في نهار عاشوراء بإمساك بقية يومه، فدل ذلك على أن صيام عاشوراء كان فرضًا قبل نسخه برمضان؛ إذ لا يُؤْمَرُ من أكل بإمساك بقية يومه إلا في صيام فرضٍ، ولو كان مستحبًّا لم يُؤْمَرْ بالإمساك، وإذا كانوا قد أنشأوا النية في النهار لصوم عاشوراء فدلَّ على جوازه في رمضان.\nقال الطحاوي (^١): وَكَانَ مَا رُوِيَ في عَاشُورَاءَ في الصَّوْمِ المفْرُوضِ في اليوم الَّذِي بِعَيْنِهِ، فَكَذَلِكَ حُكْمُ الصَّوْمِ المفْرُوضِ في ذَلِكَ اليوم جَائِزُ أَنْ يُعْقَدَ لَهُ النِّيَّةُ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، وَمِنْ ذَلِكَ شَهْرُ رَمَضَانَ؛ فَهُوَ فَرْضٌ في أَيَّامٍ بِعَيْنِهَا كَيوم عَاشُورَاءَ إِذَا كَانَ فَرْضًا في يوم بِعَيْنِهِ، فَكَمَا كَانَ يوم عَاشُورَاءَ يُجْزِئُ مَنْ نَوَى صَوْمَهُ بَعْدَمَا أَصْبَحَ، فَكَذَلِكَ شَهْرُ رَمَضَانَ.\n• واعْتُرِضَ على هذا القول بأمرين:\nالأول: أنه اختُلف في أن صوم عاشوراء هل كان فرضًا أو مستحبا؟\nالثاني: أنه لو كان فرضًا لم يصح الاستدلال؛ لأنهم لم يعلموا من الليل أن هذا اليوم لابد أن يُصام؛ فكيف يُلزَمون بتبييت النية من الليل وهم لا يعلمون؟ إذ هذا تكليف بما لا يُطاق، إذ النية تتبع العلم!\nقال شيخ الإسلام (^٢): وَتَحْقِيقُ هَذِهِ المسْأَلَةِ: أَنَّ النِّيَّةَ تَتْبَعُ الْعِلم؛ فَإِنْ عَلم أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ فَلَا بُدَّ مِنْ التَّعْيِينِ في هَذِهِ الصُّورَةِ، فَإِنْ نَوَى نَفْلًا أَوْ صَوْمًا مُطْلَقًا لم يُجْزِئْهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ أَنْ يَقْصِدَ أَدَاء الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي عَلم وُجُوبَهُ، فَإِذَا لم يَفْعَلِ الْوَاجِبَ لم تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ. وَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَعْلم أَنَّ غَدًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَهُنَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّعْيِينُ، وَمَنْ أَوْجَبَ التَّعْيِينَ مَعَ عَدَمِ الْعِلم فَقَدْ أَوْجَبَ الْجَمْعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ.\nالدليل الثانى: روى مسلم (^٣) عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يومًا فَقَالَ: «هَلْ عِنْدكُمْ شَيْءٌ؟». فَقُلْت: لَا. قَالَ: «فإنى إِذَنْ صَائِمٌ».\n_________\n(^١) «شرح معانى الآثار» (٢/ ٥٧).\n(^٢) «الفتاوى» (٢٥/ ١٠١).\n(^٣) أخرجه مسلم (١١٥٤).","vol":"1","page":67},{"text":"وجه الدلالة: «فإنى إِذَنْ صَائِمٌ». أى أن النبي ﷺ إنما أنشأ نيته أثناء النهار، ولم يبيتها من الليل، ويُقَاس صوم التطوع على صيام الفرض، فلماكان يجوز أن ينشئ النية من النهار في صوم التطوع، فكذلك صوم الفرض.\nواعترض عليه: بأن قياس صوم التطوع على صيام الفرض - قياسٌ مع الفارق ولا يصح؛ لأنه يخفف صيام التطوع عن صيام الفريضة، كما أن الصلاة يُخَفَّفُ نفلُها عن فرضها، بدليل أنه لا يشترط القيام لنفلها، ويجوز صلاة النافلة في السفر على الراحلة إلى غير القبلة، ولا يجوز ذلك في الفريضة، فكذا يجوز إنشاء النية من النهار في صوم التطوع دون الفريضة.\nوالراجح في المسألة والله أعلم: هو ما ذهب إليه جمهور العلماء، من أنه لا يجزئه صيام رمضان ولا صيام الفريضة حتى ينويه من الليل لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».\n\n•<span data-type='title' id=toc-60> المبحث الرابع: النية لكل يوم:</span>\nهل لابد من نية لكل يوم أم تجزئه نية واحدة لجميع الشهر؟\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: ذهب أبو حنيفة، والشافعي، ورواية لأحمد، إلى أنه لابد من نية لكل يوم؛ لأن صوم كل يوم عبادة منفردة، يدخل وقتها بطلوع الفجر، ويخرج وقتها بغروب الشمس.\nواستدلوا لذلك بالقياس على الصلاة، فكما أنه لا بد لكل صلاة من نية، فكذا صيام كل يوم يحتاج إلى نية.\n• القول الآخر: أَنَّهُ تُجْزِئُهُ نِيَّةٌ وَاحِدَةٌ لِجَمِيعِ الشَّهْرِ إذَا نَوَى صَوْمَ جَمِيعِهِ؛ لأنه نَوَى في زَمَنٍ يَصْلُحُ جِنْسُهُ لِنِيَّةِ الصَّوْمِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ نَوَى كُلَّ يوم في لَيْلَتِهِ. وَهو مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ، وَرواية عَنْ أَحْمَدَ (^١).\n_________\n(^١) «المجموع» (٦/ ٢٨٨)، و«المغني» (٤/ ٣٣٧).","vol":"1","page":68},{"text":"واستدلوا لذلك بالقياس على الحج، فكما أن الحج أعماله متعددة، كالوقوف بعرفة والطواف والسعي، ويحتاج إلى نية واحدة (لبيك حج)، فكذا تجزئ نية واحدة لجميع الشهر.\nواعترض عليه: بأن هذا القياس لا يصح؛ لأن الحج يتكون من أركان متعددة، لو ترك رُكنًا منها؛ لانهدم الحج كله، فإذا لم يقف بعرفة فسد عليه الحج.\nأما صيام رمضان فكل يوم عبادة مستقلة، يدخل وقتها بطلوع الفجر ويخرج بغروب الشمس، ويتخللها ما ينافيها وهو جواز الأكل من المغرب إلى الفجر وهو كالصلوات، فإذا كان لا بد لكل صلاة من نية فكذا لا بد لكل يوم من نية.\n\n•<span data-type='title' id=toc-61> المبحث الخامس: ما هى كيفية النية؟</span>\nقال شيخ الإسلام: كُلُّ مَنْ عَلم أَنَّ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ يُرِيدُ صَوْمَهُ، فَقَدْ نَوَى صَوْمَهُ، سَوَاءٌ تَلَفَّظَ بِالنِّيَّةِ، أَوْ لم يَتَلَفَّظْ. وَهَذَا فِعْلُ عَامَّةِ المسْلمينَ، كُلُّهُمْ يَنْوِي الصِّيَامَ (^١).\nقال ابن قدامة: وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ في كُلِّ صَوْمٍ وَاجِبٍ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ يَصُومُ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ مِنْ قَضَائِهِ، أَوْ مِنْ كَفَّارَتِهِ، أَوْ نَذْرِهِ (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-62> المبحث السادس: هل يجوز إنشاء صوم التطوع بنية من النهار أو لابد من تبييت النية قبل الفجر؟</span>\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى جواز أن ينشيء النية لصوم التطوع من النهار، وصح ذلك عن أبي طلحة، ومعاذ بن جبل (^٣)، وأبي الدرداء، وأبي أيوب (^٤)،\n_________\n(^١) «الفتاوى» (٢٥/ ٢١٥).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٣٨).\n(^٣) روى عبد الرزاق (٧٧٧٧)، وابن أبي شيبة (٣/ ٣١) بإسناد صحيح عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ يَأْتِي أَهْلَهُ مِنْ الضُّحَى فَيَقُولُ: هَلْ عِنْدَكُمْ غَدَاءٌ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا. صَامَ ذَلِكَ اليوم. قال قتادة: فكان معاذ بن جبل يفعل ذلك.\n(^٤) روى الطحاوي «شرح معاني الآثار» (٢/ ٥٧) وغيره بإسناد صحيح عن أُمِّ الدَّرْدَاءِ أَنَّ أَبَا= =الدَّرْدَاءِ كَانَ يَجِيءُ فَيَقُولُ: هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ طَعَامٍ؟ فَإِنْ قَالُوا: لَا. قَالَ: إنِّي إذا صَائِمٌ.\nعن عبد الله بن عتبة أن أبا أيوب كان يفعل ذلك أيضًا كفعل أبي الدرداء.","vol":"1","page":69},{"text":"وحذيفة (^١)، وغيرهم، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد (^٢).\n• استدلوا لذلك بالسنة والمعقول:\nأما دليلهم من السنة: فبما روى مسلم (^٣) عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» فَقُلْنَا: لَا. قَالَ: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ».\nوجه الدلالة: ما قاله النووي: في هذا الحديث دليل لمذهب الجمهور، على أن صوم النفل يجوز بنية من النهار.\nواعْتُرِضَ عليه بما قاله ابن حزم (^٤): وَهَذَا الْخَبَرُ صَحِيحٌ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلاَّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ ﵇ لم يَكُنْ نَوَى الصِّيَامَ مِنْ اللَّيْلِ، وَلَا أَنَّهُ ﵇ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ثُمَّ نَوَى الصَّوْمَ بَعْدَ ذَلِكَ.\nوأُجِيبَ عنه بما قاله النووي: وتأوله الآخرون على أن سؤاله «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ» لكونه كان نوى الصوم من الليل، ثم ضعف عنه، وأراد الفطر لذلك. قال: وهو تأويل فاسد وتكلف بعيد.\n_________\n(^١) روى عبد الرزاق (٧٧٨٠) وغيره بإسناد صحيح عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلمى أَنَّ حُذَيْفَةَ بَدَا لَهُ الصَّوْمُ بَعْدَ مَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَامَ.\n(^٢) قال ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٣٤٠): وَمَنْ نَوَى صِيَامَ التَّطَوُّعِ مِنْ النَّهَارِ، وَلم يَكُنْ طَعِمَ، أَجْزَأَهُ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَوْمَ التَّطَوُّعِ يَجُوزُ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ، عِنْدَ إمَامِنَا، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ. وانظر المجموع (٥/ ٢٩٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (١١٥٤).\n(^٤) «المحلى» (٦/ ١٧٣).","vol":"1","page":70},{"text":"قلت: قوله ﷺ: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ» فيه دلالة على أنه نوى الصيام من النهار، والآثار الواردة عن الصحابة﴾ تبيِّن أنه يجوز أن ينشيء في صوم التطوع النية من النهار، فهم أعلم الناس بمراد النبي ﷺ، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُصْبِحُ حَتَّى يُظْهِرَ، ثُمَّ يَقُولُ: «وَاللَّهِ لَقَدْ أَصْبَحْتُ وَمَا أُرِيدُ الصَّوْمَ، وَمَا أَكَلْت مِنْ طَعَامٍ وَلَا شَرَابٍ مُنْذُ اليوم، وَلأَصُومَنَّ يومي هَذَا» (^١).\nوورد هذا المعنى عن عدد كبير من الصحابة، وهم أعلم بمراد النبي ﷺ.\nوأما دليلهم من المعقول: فقد قاسوا الصيام على الصلاة، فكما أن الصلاة يخفف نفلها عن فرضها، بدليل أنه لا يشترط القيام لنفلها، ويجوز صلاة النافلة في السفر على الراحلة إلى غير القبلة، فكذا الصيام.\n• القول الآخر: ذهب مالك والظاهرية إلى أنه لا يجوز صيام التطوع إلا بنية من الليل؛ لعموم قوله ﵇: «لَا صِيَامَ لمنْ لم يُبَيِّتْ النِّيةَ مِنَ اللَّيْلِ» (^٢).\nواعْتُرِضَ على هذا القول من وجهين:\nالأول: أن هذا الحديث معل: أى ضعيف ولا يصح.\nالثاني: لو صح حديث «لَا صِيَامَ لمنْ لم يُبَيِّتْ النِّيةَ مِنَ اللَّيْلِ» فهو حديث عام، وحديث عائشة قالت: دخل عليَّ النبي ﷺ ذات يوم فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» فَقُلْنَا: لَا. قَالَ: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ» خاص بصوم التطوع، وإذا تعارض الخاص والعام قُدم الخاص.\nقال ابن قدامة: وَحَدِيثُهُمْ نَخُصُّهُ بِحَدِيثِنَا، عَلَى أَنَّ حَدِيثَنَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِهِمْ (^٣).\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه الطحاوي في «شرح معانى الآثار» (٢/ ٥٦).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٤٠)، وفتح الباري (٤/ ١٤١).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٣٤٠).","vol":"1","page":71},{"text":"والراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي أنه يجوز إنشاء النية في صوم التطوع من النهار، ولا يُشتَرط تبييت النية من الليل.\nواستدلوا لذلك بحديث عائشة قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ ذات يوم فقال: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» فَقُلْت: لَا. قَالَ: «فَإِنِّي إِذَنْ صَائِمٌ». فأنشأ النية من النهار.\nوقال مالك والظاهرية: لا يجوز صيام التطوع إلا بنية من الليل؛ لقول النبي ﷺ: «لَا صِيَامَ لمنْ لم يُبَيِّتْ النِّيِيَّةَ مِنْ اللَّيْلِ»، والحديث ضعيف.\n* * *","vol":"1","page":72},{"text":"الفصل الرابع أحكام دخول الشهر ورؤية الهلال\nوفيه مباحث:\nالمبحث الأول: بم يثبت شهر رمضان؟\nالمبحث الثاني: هل هناك أذكار لمن رأى هلال رمضان؟\nالمبحث الثالث: بكم رجل يثبت هلال رمضان؟\nالمبحث الرابع: بكم رجل يثبت هلال شوال؟\nالمبحث الخامس: ما هو حكم صيام يوم الغيم؟\nالمبحث السادس: من رأى الهلال وحده ولم يعمل الناس برؤيته هل يصوم؟\nالمبحث السابع: مسألة اختلاف ا لمطالع\nالمبحث الثامن: هل يجوز الاعتماد على الحساب في رؤية هلال رمضان؟\nالمبحث التاسع: إذا رؤي القمر نهارًا","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type='title' id=toc-63>الفصل الرابع أحكام دخول الشهر ورؤية الهلال</span>\nوفيه مباحث:\n\n•<span data-type='title' id=toc-64> المبحث الأول: بما يثبت شهر رمضان؟</span>\nيثبت دخول شهر رمضان إما برؤية هلاله، أو بإكمال شعبان ثلاثين يومًا (^١).\nدل على ذلك قول النبي ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ».\n\n•<span data-type='title' id=toc-65> المبحث الثاني: هل هناك أذكارٌ لمن رأى هلال رمضان؟</span>\nعن طلحة بن عبيد الله أن النبي ﷺ كان إذا رأى الهلال قال: «اللَّهُمَّ أَهْلِلْهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالْإِيمَانِ، وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ» (^٢).\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام «كتاب الصيام» (ص ٧٦): وجملة ذلك أن الموجب لصوم رمضان أشياء:\nأحدها: إكمال عدة شعبان، فمتى أكملوا عدة شعبان لزمهم الصوم، سواء رأوا الهلال أو لم يروه، وسواء حالَ دون منظره سحاب أو قتر أو لم يَحُل؛ ولتواتر الأحاديث عن النبي ﷺ بذلك؛ ولأن الشهر لا يكون أكثر من ثلاثين يومًا، فمتى كمل شعبان فقد تيقنا دخول شهر رمضان، ثم إكمال شعبان مبني على ابتدائه، فإن كان أوله قد رئي بالرؤية العامة، فآخره قد تُيقن انصرامه بكمال العدة، وإن كان بشهادة عدلين. الثانى: رؤية الهلال، فإن رئي رؤية عامة فقد وجب الصوم، سواء رأوه بعد إكمال عدة شعبان أو لتسع وعشرين خلت منه أيضًا من العلم العام. وقد قال الله ﷾: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. وتواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بوجوب الصوم لرؤيته.\n(^٢) أسانيده ضعيفة: أخرجه أحمد (١/ ١٦٢)، والترمذي (٣٤٥١) وقال: هذا حديث حسن غريب. والدارمي (٢/ ٤)، وغيرهم. قلت: وفي إسناده سليمان بن سفيان المدني وهو منكر الحديث. ولهذا الحديث شواهد: ١ - منها حديث ابن عمر: أخرجه الطبراني في «الدعاء» (٩٠٤). قلت: وفى إسناده هشام بن زياد، وهو متروك. وأخرجه ابن حبان (٨٨٨)، والدارمي (٢/ ٣)، وغيرهما. قال: وفيه عثمان بن إبراهيم الحاطبي، وفيه ضعف. قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٦/ ١٤٤)، في ترجمة عثمان: روى عنه ابنه عبد الرحمن أحاديث منكرة، قلت: فما حاله؟ قال: يكتب حديثه وهو شيخ. ٢ - شاهد أبي سعيد الخدري: أخرجه الطبراني في «الدعاء» (٩٠٥)، قلت: وفى إسناده عبيد الله بن تمام، ضعيف. ٣ - شاهد أنس بن مالك: أخرجه الطبراني في «الدعاء» (٩٠٥). وفى إسناده محمد بن عبيد الله العزرمي متروك. ٤ - حديث رافع بن خديج: أخرجه الطبراني في «الدعاء» (٩٠٨). قلت: وفى إسناده محمد بن موسى الخرشي، لين، وميمون بن زيد، مقبول، وليث بن أبي سليم فيه مقال، فهذا إسناد ضعيف جدًّا. ٥ - حديث على بن أبي طالب: أخرجه الطبراني في «الدعاء» (٩٠٩)، (٩١٠)، هذا إسناد ضعيف جدا، في إسناده شريك سيء الحفظ والحارث كذاب. ٦ - حديث عبادة بن الصامت: أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٣٩٨)، عن عبد العزيز بن محمد قال: حدثنى من لا أتهم من أهل الشام. فهذه جهالة. ٧ - ورد مراسيل عن قتادة: أولها: ما أخرجه أبو داود في «السنن» (٥٠٩٢)، من طريق موسى بن إسماعيل، عن أبان، عن قتادة، أنه بلغه عن رسول الله: «هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ آمَنْتُ بِالَّذِى خَلَقَكَ». وثانيها: ما أخرجه البغوي في «شرح السنة» (١٣٣٦)، من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة أنه بلغه، وكان يحيى بن سعيد القطان، لا يرى إرسال قتادة والزهري شيئًا. ويقول: هى بمنزلة الريح في «الجرح والتعديل» (١/ ٢٤٦).","vol":"1","page":74},{"text":"قال أبو داود: ليس عن النبي ﷺ في هذا الباب حديث مسند صحيح.\nوقال العقيلي: وفي الدعاء لرؤية الهلال أحاديث كلها لينة الأسانيد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-66> المبحث الثالث: بكم رجلٍ يثبت هلال رمضان؟</span>\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوالٍ:\n• القول الأول: ذهب أحمد بن حنبل والشافعي في الصَّحِيحِ عَنْهُ إلى أَنَّهُ إذا رأى هِلَالَ رَمَضَانَ وَاحِدٌ عَدْلٌ، فإنه يُقْبَلُ قَوْلَه، ويُلْزَمُ النَّاسَ الصِّيَامُ (^١).\nواستدلوا لهذا القول بما روى أبو داود عن ابن عمر ﴿قال: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْته، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ (^٢).\n_________\n(^١) قال ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٤١٦): وَإِنْ كَانَ عَدْلًا، صَوَّمَ النَّاسَ بِقَوْلِهِ، المشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ\nأَنَّهُ يُقْبَلُ فِي هِلَالِ رَمَضَان قَوْلُ وَاحِدٍ عَدْلٍ، وَيَلْزَمُ النَّاسَ الصِّيَامُ بِقَوْلِهِ. وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ المبَارَكِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ. وانظر: «المجموع» (٦/ ٢٨٢).\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه أبو داود (٢٣٤٢)، والدارمي (٢/ ٤)، وابن حبان (٣٤٤٧)، وغيرهم\nمن طرق، عن مروان بن محمد، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم عن أبي بكر بن نافع، عن نافع، عن ابن عمر به قال: تراءى … الحديث. قال الدارقطني: تفرد به مروان بن محمد عن عبد الله بن وهب وهو ثقة. قلت: وفى إسناده يحيى بن عبد الله بن سالم، قال النسائي: مستقيم الحديث، وقال الدارقطني: ثقة، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن معين: «صدوق ضعيف الحديث»، وقال الحافظ: «صدوق»، وفى إسناده أبو بكر بن نافع. قال الحافظ: «صدوق». وقال: «تابع مروان بن محمد، وهارون بن سعيد الأيلي، كما أخرجه الحاكم «المستدرك» (١/ ٤٢٣). وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. قلت: وقد أخرج مسلم (٢٥٩) حديثًا من طريق أبي بكر بن نافع، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِإِحْفَاءِ الشَّوَارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ. قال النووي «المجموع» (٦/ ٢٧٦): وحديث ابن عمر صحيح، رواه أبو داود والدارقطني والبيهقي بإسناد صحيح على شرط مسلم.","vol":"1","page":75},{"text":"وجه الدلالة من هذا الحديث: أن النبي ﷺ أمَر الناس بالصيام بشهادة ابن عمر، ولم يطلب شاهدًا آخر.\nوعن ابن عباس ﴿قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: رَأَيْت الْهِلَالَ. قال الحسن: - أى ابن على- يعنى رمضان. قَالَ: «أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «يَا بِلَالُ أَذِّنْ في النَّاسِ، فَلْيَصُومُوا غَدًا» (^١).\n_________\n(^١) ضعيف: هذا الحديث من رواية سماك، عن عكرمة، واختلف على سماك في الاتصال والإرسال:\n١ - فرواه زائدة بن قدامة موصولًا. أخرجه أبو داود (٢٣٤٠)، والنسائي في «السنن» (٤/ ١٣٢)، وابن ماجه (١/ ٥٢٩)، وغيرهم. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (١١/ ٢٩٥)، والدارقطني في\n«السنن» (٢/ ١٥٧)، من رواية حازم بن إبراهيم … موصولًا وفيه جهالة.\n٢ - سفيان الثوري واختلف عليه، فرواه «شعبة، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، وأبو نعيم، ووكيع، وعبد الرزاق، وأبو داود» عنه مرسلًا لم يذكروا ابن عباس. أخرجه النسائي في «السنن» (٤/ ١٣٢)، وفي «الكبرى» (٢/ ٦٨)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١/ ٤٢٥)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٤/ ١٦٦). وخالف هؤلاء «الفضل بن موسى، وأبو عاصم» فروياه عنه موصولًا. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢/ ٦٨)، وابن الجارود في «المنتقى» رقم (٩٧٣). ٣ - إسرائيل بن يونس: رواه مرسلًا لم يذكر ابن عباس، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٧). ٤ - حماد بن سلمة واختلف عليه: فرواه موسى بن إسماعيل، عن حماد، عن سماك، عن عكرمة مرسلًا «لم يذكر ابن عباس»، أخرجه أبو داود (٢٣٤١). تنبيه: في رواية حماد زيادة في المتن «فَأَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى في النَّاسِ أَنْ يَقُومُوا وَأَنْ يَصُومُوا» فهنا زيادة «أَنْ يَقُومُوا».\nقال أبو داود: رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مرسلًا، وَلم يَذْكُرِ الْقِيَامَ أَحَدٌ إِلاَّ حَمَّادُ بْنُ سَلمةَ، وكذا رجح النسائي الإرسال كما في «تحفة الأشراف» (٥/ ٧٣١)، وهذا الحديث من رواية سماك عن عكرمة. قال يعقوب بن شيبة: حكيت لابن المديني رواية سماك عن عكرمة قال: مضطربة. فرواية سماك عن عكرمة ضعيفة. أنظر: «نصب الراية» (٢/ ٤٣٣).","vol":"1","page":76},{"text":"• القول الثاني: ذهب مالك وداود إلى أنه لا تجوز شهادة رجلٍ واحدٍ لرؤية هلال رمضان وإن كان عدلًا، ولابد من شهادة رجلين (^١).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ مُسْلمانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» (^٢).\nهذا منطوق الحديث ومفهوم المخالفة إن شهد شاهد فلا تصوموا ولا تفطروا، فمفهوم هذا الحديث يدل على أنه لا تجزئ شهادة عدل، بل لابد من شاهدين.\nواعْتُرِضَ على هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن هذا الحديث لا يصح.\nالثانى: ما قاله ابن حزم (^٣): وتعقب «إِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» ليس فيه إلا قَبول اثنين، ونحن لا ننكر هذا، وليس فيه أن لا يُقْبَلَ خبر الواحد.\nوأما دليلهم من المأثور: فعن ابن جريج قال: سمعت عمرو بن دينار يحدِّث أن عثمان أَبَى أن يجيزَ هاشم بن عتبة الأعور وحده على رؤية هلال رمضان (^٤).\n_________\n(^١) «المدونة» (١/ ١٧٤)، «المجموع» (٢٨٢).\n(^٢) ضعيف: أخرجه أحمد (٤/ ٣٢١)، والدارقطني في «السنن» (٢/ ١٦٧). قلت: وفى إسناده حجاج بن أرطأة ضعيف، وحسين بن الحارث صدوق. ورواه ابن أبي زائدة بإسقاط الحجاج بن عن حسين به، أخرجه النسائي «السنن» (٤/ ١٣٢، ١٣٣). قال المزى: والصواب ذكره.\n(^٣) «المحلى» (٦/ ٢٣٥).\n(^٤) ضعيف أعل بالانقطاع: أخرجه عبد الرزاق (٤/ ١٦٧)، وعمرو بن دينار لم يدرك عثمان.","vol":"1","page":77},{"text":"وعن ابن جريج عن عطاء قال: لا يجوز على رؤية الهلال إلا رجلان (^١).\n• القول الثالث: قال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغيمة، ثبت بشهادة واحد، ولا يثبت غير رمضان إلا باثنين، وقال: (إن كانت السماء مصحية، لم يثبت رمضان بواحد ولا باثنين، ولا يثبت إلا بعدد الاستفاضة).\nواحتج لأبي حنيفة بأنه يبعد أن تنظر الجماعة الكبيرة إلى مطلع الهلال وأبصارهم صحيحة، ولا مانع من الرؤية، ويراه واحد أو اثنان دونهم (^٢).\nوالجواب عما احتج به أبو حنيفة من وجهين (^٣):\nأحدهما: أنه مخالف للأحاديث الصحيحة فلا يعرج عليه.\nالثانى: أنه يجوز أن يراه بعضهم دون جمهورهم؛ لحسن نظره أو لغير ذلك، وليس هذا ممتنعًا؛ ولهذا لو شَهِدَ برؤيته اثنان أو واحد، وحكم به حاكمٌ لم يُنقض بالإجماع، ووجب الصوم بالإجماع، ولو كان مستحيلًا لم ينفذ حكمه ووجب رده.\nوالراجح: أنه إذا رأى هلال رمضان واحد عدل صام الناس بقوله لحديث ابن عمر ﴿قال: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْته، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ» وهذا الحديث يدل على أن النبي ﷺ أمَر الناس بالصيام بشهادة ابن عمر ولم يطلب شاهدًا آخر.\nوذهب مالك إلى أنه لابد من شاهديْ عدل، واستدل لذلك بقول النبي ﷺ «وَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ مُسْلمانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا».\nوأُجِيبَ بأن هذا الحديث لا يصح، ثم لو صح فليس فيه دلالة،؛ لأنه ليس فيه عدم قبول خبر الواحد، وإنما غاية ما فيه أن التصريح بالإثنين، فيه دلالة على عدم قبول خبر الواحد بالمفهوم، وحديث ابن عمر منطوقٌ فيُقَدَّم المنطوق على المفهوم عند جماهير الأصوليين، ثم إن مفهوم المخالفة ضعيف في الاستدلال.\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٧٣٤٦، ٧٣٤٨).\n(^٢) «المجموع» للنووي (٦/ ٢٨٢).\n(^٣) «المجموع» للنووي (٦/ ٢٨٣).","vol":"1","page":78},{"text":"وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا كانت السماء مغيمةٌ ثبت بشهادة الواحد، وإن كانت مصحية لم يثبت بواحد ولا اثنين، ولا يثبت إلا بعدد الاستفاضة. وهذا القول لا يعرج عليه؛ لأنه مخالف للأحاديث الصحيحة، ولجواز أن يراه البعض لحسن نظره، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-67> المبحث الرابع: بكم رجل يثبت هلال شوال؟</span>\nقال ابن عبد البر (^١): أَجْمَعَ الْعُلماءُ عَلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ في شَهَادَةِ شَوَّالٍ في الْفِطْرِ إِلَّا رَجُلَانِ عَدْلَانِ.\nفعن ربعى بن خِرَاش عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال: «أَصْبَحَ النَّاسُ لِتَمَامِ ثلاثين يومًا فَجَاءَ أَعْرَابِيَّانِ فَشَهِدَا أَنَّهُمَا أَهَلَّاهُ بِالْأَمْسِ عَشِيَّةً، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُفْطِرُوا» (^٢).\nوذهب أبو ثور وابن حزم والشوكاني: إلى أنه يُقبل في شهادة هلال شوال رجل عدل (^٣).\nواستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور والمعقول:\nأما دليلهم من السنة: فعن ابن عمر ﴿قال: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ، فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْته، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ.\nواعترض عليه: بأن هذا في هلال رمضان، ولا يقاس هلال رمضان على هلال شوال؛ لأنه ثبت بالإجماع أنه لا يُقبل في شهادة هلال شوال في الفطر إلا رجلان عدلان، كما حكاه ابن عبد البر وغيره.\n_________\n(^١) «التمهيد» (١٤/ ٣٥٦)، وقال الترمذي «السنن» (٣/ ٦٦): وَلم يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلم فِي الْإِفْطَارِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ. وقال ابن قدامة «المغني» (٤/ ٤١٩): إنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي هِلَالِ شَوَّالٍ إلَّا شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَدْلَيْنِ فِي قَوْلِ الْفُقَهَاءِ جَمِيعِهِمْ إلَّا أَبَا ثَوْرٍ.\n(^٢) صحيح: أخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ٤١٣)، وأبو داود «السنن» (٢٣٣٩) وغيرهما من طرق عن سفيان وأبي عوانة عن منصور عن ربعي به، وأخرجه الطبراني «الكبير» (١٧/ ٦٦٣)، والبيهقي «الكبرى» (٤/ ٢٤٨)، وغيرهما من طرق عن إسحاق بن إسماعيل عن ابن عيينة عن منصور عن ربعي عن أبي مسعود … وذكر الحديث، وإسحاق الطالقاني ثقة والخلاف في الصحابي لا يضر.\n(^٣) «المحلى» (٦/ ٢٣٥)، و«نيل الأوطار» (٤/ ٢٦٦).","vol":"1","page":79},{"text":"أما دليلهم من المأثور:\n١ - فعن عبد الرحمن بن أبى ليلى، قال: كُنْتُ مَعَ عُمَرَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلالَ هِلالَ شَوَّالٍ. فَقال عُمَرُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْطِرُوا. ثُمَّ قَامَ إِلَى عُسٍّ فِيهِ مَاءٌ فَتَوَضَّأَ» (^١)، واعترض عليه بأنه لا يصح.\n٢ - وعن عبد الملك بن ميسرة قال: «شَهِدْتُ المدِينَةَ في هِلَالِ صَوْمٍ أَوْ إفْطَارٍ، فَلم يَشْهَدْ عَلَى الْهِلَالِ إِلاَّ رَجُلٌ، فَأَمَرَهُمَ ابْنُ عُمَرَ فَقَبِلُوا شَهَادَتَهُ» (^٢).\nوأُجِيبَ بأنه ليس بصريح في المسألة لشك الراوي أكان ذلك في هلال صوم، أو إفطار.\nوأما دليلهم من المعقول: فقاسوا على رؤية هلال شوال برؤية هلال رمضان، فإذا كان يثبت هلال رمضان برؤية عدلٍ فكذا هلال شوال.\nواعترض عليه: بما قاله ابن رشد (^٣): وإنما فَرَّقَ من فَرَّقَ بين هلال الصوم والفطر لمكان سد الذريعة، ألا يدَّعي الفساق أنهم رأوا الهلال فيفطرون وهم بعد لم يروه.\nقلت (محمد): وقد نقل الإجماع ابن عبد البر والترمذي على أنه لا تُقبل في هلال شوال في الفطر إلا شهادة رجلين عدلين.\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (١/ ٢٨)، وعبد الرزاق (٧٣٤٣)، وغيرهما، من طرق عن عبد الأعلى الثعلبي، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن عمر به. قلت: وفيه علتان:\nالعلة الأولى: عبد الأعلى الثعلبي ضعيف، ضعفه أحمد وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي وابن معين.\nالعلة الثانية: الخلاف في سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عمر. قال ابن عدي: يحدث بأشياء لا يتابع عليها. قال محمد بن علي: قلت لأبي نعيم: سمع ابن أبي ليلى من عمر؟ قال: لا أدري. قال محمد بن علي: قلت ليحيى بن معين: سمع ابن أبي ليلى من عمر؟ فلم يثبت ذلك، ولكن قال مسلم في «المقدمة»: وأسند عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد حفظ من عمر بن الخطاب، قلت: ومما يعل هذا الأثر أنه ورد ما يخالف ذلك عن عمر.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٩٤٦٦).\n(^٣) «بداية المجتهد» (١/ ٢٨٥).","vol":"1","page":80},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-68> المبحث الخامس: ما هو حكم صيام يوم الغيم؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوالٍ (^١):\n• القول الأول: ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد إلى أنه لا يصام يوم الغيم (^٢).\nواستدلوا لهذا القول بالسنة ففي «الصحيحين» (^٣) عن أبى هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ أو قال أبو القاسم: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» وفى رواية لمسلم: «فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ ثَلَاثِينَ».\nوروى البخاري (^٤) عن ابن عمر ﴿أن رسول الله ﷺ قال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ليلة، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكَمِلُوا العِدةَ ثلاثين».\nعن صلة قال: كنا عند عمار في اليوم الذى يُشَكُّ فيه من رمضان، فأُتِىَ بشاةٍ فتنحَّى بعض القوم، فقال عمار بن ياسر: «مَنْ صَامَ يوم الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ» (^٥).\n_________\n(^١) السبب في الخلاف: هو ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر ﴿قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ» أخرجه البخاري (١٩٠٠)، ومسلم (١٠٨٠). قال النووي في «شرح مسلم»: وَاخْتَلَفَ الْعُلماء فِي مَعْنَى (فَاقْدُرُوا لَهُ) فَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ الْعُلماء: مَعْنَاهُ ضَيِّقُوا لَهُ وَقَدِّرُوهُ تَحْت السَّحَاب. وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا أَحْمَد بْن حَنْبَل وَغَيْره مِمَّنْ يُجَوِّز صَوْم يَوْمِ لَيْلَةِ الْغَيْمِ عَنْ رَمَضَان، وَقَالَ اِبْن سُرَيْج وَجَمَاعَة، مِنْهُمْ مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه وَابْن قُتَيْبَة وَآخَرُونَ: مَعْنَاهُ قَدِّرُوهُ بِحِسَابِ المنَازِل. وَذَهَبَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَجُمْهُور السَّلَف وَالْخَلَف إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: قَدِّرُوا لَهُ تَمَام الْعَدَد ثَلَاثِينَ يَوْمًا. وَاحْتَجَّ الْجُمْهُور بِالرِّوَايَاتِ المذْكُورَة، فَأَكْمِلُوا الْعِدَّة ثَلَاثِينَ، وَهُوَ تَفْسِيرٌ فاقْدُرُوا لَهُ.\n(^٢) «المدونة» (١/ ١٨٢). قال ابن قدامة: في «المغني» (٤/ ٣٣٠): يوم الغيم لا يجب صومه، وهو قول أكثر أهل العلم، منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١) (٢٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٩٠٧) والأحاديث التى تدل على هذا المعنى كثيرة.\n(^٥) صحيح: أخرجه البخاري معلقًا باب قول النبي ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا»، وأخرجه النسائي (٤/ ١٥٣)، وأبو داود (٢٣٣٤)، والترمذي (٦٨٦)، وغيرهم، من طرق عن عمرو بن قيس الملائى، عن أبي إسحاق، عن صلة بن زفر، عن عمار … فذكره». وأخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٧٢)، من طريق عبد العزيز بن عبد الصمد، عن منصور عن ربعي عن خراش عن عمار بن ياسر وذكر القصة ولم يذكر الحديث. وخالفه الثوري كما في «مصنف عبد الرزاق» (٤/ ١٥٩)، أخرجه من طريق الثوري عن منصور عن ربعى عن رجل عن عمار موقوفًا، وصحح الحديث: الدارقطني والترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم.","vol":"1","page":81},{"text":"قال ابن عبد البر (^١): وفى هذا الحديث مِنَ الْفِقْهِ أَنَّ الشَّهْرَ قَدْ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَفِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَبَّدَ عِبَادَهُ في الصَّوْمِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِرَمَضَانَ، أَوْ بِاسْتِكْمَالِ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَفِيهِ تَأْوِيلٌ لِقَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ أَنَّ شُهُودَهُ رُؤْيَتُهُ، أَوِ الْعِلم بِرُؤْيَتِهِ، وَفِيهِ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزِيلُهُ الشَّكُّ، وَلَا يُزِيلُهُ إِلَّا يَقِينٌ مِثْلُهُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ أَمَرَ النَّاسَ أَلَّا يَدعُوا مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ يَقِينِ شَعْبَانَ، إِلَّا بِيَقِينِ رُؤْيَةِ وَاسْتِكْمَالِ الْعِدَّةِ، وَأَنَّ الشَّكَّ لَا يَعْمَلُ في ذَلِكَ شَيْئًا، وَلِهَذَا نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ اطِّرَاحًا لِأَعْمَالِ الشَّكِّ وَإِعْلَامًا أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَجِبُ، إِلَّا بِيَقِينٍ، لَا شَكَّ فِيهِ، وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنَ الْفِقْهِ أَنْ لَا يَدَعَ الْإِنْسَانُ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَالِ المتَيَقَّنَةِ، إِلَّا بِيَقِينٍ مِنِ انْتِقَالِهَا، وَقَوْلِهِ ﷺ «فَإِنَّ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا» يَقْتَضِي اسْتِكْمَالَ شَعْبَانَ قَبْلَ الصِّيَامِ وَاسْتِكْمَالَ رَمَضَانَ أَيْضًا، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ صِيَامُ يَوْمِ الشَّكِّ خَوْفًا أَنْ يَكُونَ مِنْ رَمَضَانَ.\n• القول الثانى: ذهب الإمام أحمد في روايةٍ إلى جواز صوم الغيم (^٢).\nوبه قال عمر (^٣) وابن عمر (^٤) ..................................................\n_________\n(^١) «التمهيد» (٢/ ٣٩).\n(^٢) قال ابن القيم في «زاد المعاد» (٢/ ٤٥): وَقال فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: إذَا كَانَ فِي السّمَاءِ سَحَابَةٌ أَوْ عِلّةٌ أَصْبَحَ صَائِمًا، وَإِنْ لم يَكُنْ فِي السّمَاءِ عِلّةٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا. وَكَذَلِكَ نَقَلَ عَنْهُ ابْنَاهُ صَالِحٌ وَعَبْدُ اللّهِ وَالمرْوَزِيّ وَالْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ وَغَيْرُهُمْ.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧٣).\n(^٤) روى أبو داود (٢٣٢٠) وغيره بسند صحيح عَنْ نَافِعٍ قال: «كَانَ عَبْدُ اللّهِ إذَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يومًا يَبْعَثُ مَنْ يَنْظُرُ، فَإِنْ رَأَى فَذَاكَ، وَإِنْ لم يَرَ وَلم يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلَا قَتْرٌ، أَصْبَحَ مُفْطِرًا، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتْرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا. وقد ورد خلاف عنه، فقد روى ابن أبي شيبة (٣/ ٧١) بسند حسن عن ابن عمر أنه قال: لَوْ صُمْت السَّنَةَ كُلَّهَا لأَفْطَرْتُ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ.","vol":"1","page":82},{"text":"وغيرهما (^١).\nواستدلوا لذلك بأن اليوم الذي يُشَكّ فيه إما أن يكون من رمضان أو من شعبان، وصوم يوم من شعبان - وإن كان منهيًّا عنه لكونه يوم شكٍّ - فهو أهون وأخفُّ من فطر يوم من رمضان؛ ولذا قالت عائشة لما سئلت عن اليوم الذي يختلف فيه: «لأَنْ أَصُومَ يومًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلى مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يومًا مِنْ رَمَضَانَ» (^٢).\nوقال أبو هريرة: «لأن أَصُومَ اليوم الذى يُشَكُّ فيه مِنْ شعبانَ أحبُّ إلىَّ من أن أُفْطِرَ يومًا مِنْ رمضان» (^٣).\n• القول الثالث: قال الْإِمَامُ أَحْمَدُ في رِوَايَةٍ: النّاسُ تَبَعٌ لِلْإِمَامِ في صَوْمِهِ وَإِفْطَارِهِ (^٤)، وهذا قول الحسن وابن سيرين؛ لقول النبي ﷺ: «الصوم يومَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يومَ تُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يومَ تُضَحُّونَ» (^٥) قيل: معناه: إن الصوم والفطر مع الجماعة وعِظَمِ الناس.\nوالراجح: أنه لا يصام يوم الغيم، وقد صح عن عمار ﵁ قال: «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم» وأما حديث ابن عمر ﴿قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ» فهذا مجملٌ، وهو مفسَّرٌ بما ورد في «الصحيحين»: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكَمِلُوا العِدةَ ثلاثين».\n_________\n(^١) قال ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٣٣٠): وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ غَيْمٌ، أَوْ قَتَرٌ وَجَبَ صِيَامُهُ، وَقَدْ أَجْزَأَ إذَا كَانَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ ﵀ فِي هَذِهِ المسْأَلَةِ، فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ مَا نَقَلَ الْخِرَقِيُّ، اخْتَارَهَا أَكْثَرُ شُيُوخِ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَمْرِو ابْن الْعَاصِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَمُعَاوِيَةَ، وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ بِنْتَيْ أَبِي بَكْرٍ، وَبِهِ قال بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، وَمُطَرِّفٌ، وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٦/ ٨٤، ٨٨).\n(^٣) أخرجه البيهقي «السنن الكبرى» (٤/ ٢١١).\n(^٤) «زاد المعاد» (٢/ ٤٧).\n(^٥) هذا الحديث أسانيده ضعيفة وسيأتى تخريجه.","vol":"1","page":83},{"text":"فوجب أن يُحمل المجمل على المفسر، وهى طريقة لا خلاف فيها بين الأصوليين، فإنهم ليس عندهم بين المجمل والمفسر تعارضٌ أصلًا (^١)، أما فعل الصحابة من صوم يوم الثلاثين من شعبان فلأنهم رَأَوْا جواز صوم هذا اليوم احتياطًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-69> المبحث السادس: من رأى الهلال وحده ولم يعمل الناس برؤيته، هل يصوم أم لا؟</span>\nاختلف العلماء في هذه المسألة علي ثَلَاثَة أقوالٍ:\n• القول الأول: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ، وَأَنْ يُفْطِرَ سِرًّا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، ورواية عن أَحْمَدَ (^٢).\nواستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، فمن رآه فقد شهده فوجب عليه الصوم بنص الآية، وقول النبي ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ».\nوجه الدلالة: إن من رأى الهلال وحده فقد دخل ميقات الصوم، ودخل شهر رمضان في حقِّه، وتلك الليلة هي في نفس الأمر من رمضان، وإن لم يعلم غيره (^٣).\n• القول الثانى: ذهب أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية، إلى أنه إذا رأى هلال رمضان بمفرده يصوم، ولكن إذا رأى هلال شوال بمفرده لا يفطر (^٤).\nواستدلوا لهذا القول بالقياس على يوم النحر:\nقال شيخ الإسلام (^٥): وَإِنَّمَا تَنَازَعُوا في الْفِطْرِ؛ فَالْأَكْثَرُونَ أَلْحَقُوهُ بِالنَّحْرِ، وَقَالُوا: لَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ المسْلمينَ. وقال: لَكِنَّ شَهْرَ النَّحْرِ مَا عَلمتُ أَنَّ أَحَدًا قال: مَنْ رَآهُ يَقِفُ\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٨٤).\n(^٢) «الحاوي» (٣/ ٢٧٤)، و«الفتاوى» (٢٥/ ١١٤).\n(^٣) قال ابن حزم «المحلى» (٦/ ٢٣٥): يَصُومُ إنْ رَآهُ وَحْدَهُ؛ لأنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ﴾، وَقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَمَنْ رَآهُ فَقَدْ شَهِدَهُ. وَقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ».\n(^٤) قال شيخ الإسلام «الفتاوى» (٢٥/ ١١٤): يصُومُ (وحده) وَلَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ المشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ، وَمَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.\n(^٥) «الفتاوى» (٢٥/ ١١٦).","vol":"1","page":84},{"text":"وَحْدَهُ دُونَ سَائِرِ الْحَاجِّ.\n• القول الثالث: يَصُومُ مَعَ النَّاسِ، وَيُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ، وهى رواية للإمام أحمد وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَهَذَا أَظْهَرُ الْأقوالٍ.\nواستدلوا لذلك بعموم قول النبي ﷺ: «الصوم يومَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يومَ تُفْطِرُونَ، وَالْأَضْحَى يومَ تُضَحُّونَ» (^١).\n_________\n(^١) أسانيده ضعيفة: مدار الحديث على محمد بن المنكدر، عن أبي هريرة. واختلف على محمد:\nفرواه حماد بن زيد، عن أيوب، وتابع أيوبَ معمرٌ وروح بن عبادة وعبد الصمد عن محمد بن المنكدر عن أبي هريرة مرفوعًا، أخرجه أبو داود في «السنن» (٢٣٢٤)، وعبد الرزاق (٧٣٠٤)، والدارقطني في «السنن» (٢/ ١٦٣). ورواه إسماعيل بن علية وعبد الوهاب فجعلاه موقوفًا، أخرجه الدارقطني في «السنن» (٢/ ١٦٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ٢٥١).\nوذكره الدارقطني في «العلل» (١٠/ ٦٣) من طريق ابن عيينة، عن محمد بن المنكدر مرسلًا.\nومدار هذه الروايات على ابن المنكدر عن أبي هريرة، قال ابن معين وأبو زرعة: لم يسمع ابن المنكدر من أبي هريرة ولم يلقه، كما في «جامع التحصيل» (٢٧٠). وأخرجه ابن ماجه في «السنن» (١٦٦٠) فأبدل محمد بن المنكدر ب (محمد بن سيرين) وهذه الرواية منكرة؛ لمخالفة الثقات، وفي السند إليه (محمد بن عمر المقرئ) لا يُعرف. وأخرجه الترمذي في «العلل الكبير» (٢١٩)، عن ابن المنكدر عن عائشة. وفي السند يحيى بن اليمان ضعيف، وكان يخطئ في الأحاديث ويقلبها\nوأخرجه البيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٧٥)، عن ابن المنكدر، عن عائشة مرفوعًا، قال البيهقي: تفرد به محمد بن إسماعيل، عن سفيان. وأخرجه الترمذي في «السنن» (٦٩٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب، من طريق إسحاق بن جعفر بن محمد، عن عبد الله بن جعفر، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبرى، عن أبي هريرة مرفوعًا. وفيه عثمان بن محمد الأخنسي.\nقال الحافظ في «التقريب»: «صدوق له أوهام»، وثقه ابن معين والبخاري وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن المديني: روى عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أحاديث مناكير، وقال النسائي في السنن: عثمان ليس بذاك القوى. قال الذهبى في «الميزان»: وله ما ينكر. قال ابن حبان: عثمان بن محمد يعتبر بحديثه من غير رواية المخرمى عنه لأن المخرمى ليس بشاء في الحديث. وإسحاق بن جعفر أيضًا صدوق ولكن قد تابعه أبو سعيد مولى بنى هاشم وهو ثقة كما عند البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٥٢). ولكن قد تكلم الإمام أحمد على هذا الإسناد كما في رواية أبي داود (ص: ٤٠٤)، قال: «سمعت أحمد بن حنبل يقول: يروى عن النبي ﷺ قال: «ما بين المشرق والمغرب قبلة»، وليس له إسناد، يعني، حديث عبد الله بن جعفر المخرمى من ولد مسور بن مخرمة، عن عثمان الأخنسي، عن المقبرى، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ يريد بقوله «ليس له إسناد» لحال عثمان الأخنسي؛ لأن في حديثه نكارة. اه.\nقال ابن رجب في «فتح الباري» (٢/ ٢٨٩) قول أحمد: ليس له إسناد. يعني: أن في أسانيده ضعفًا. وأخرجه الدارقطني في «السنن» (٢/ ١٦٤)، من طرق فيها الواقدي، والواقدي متروك.\nوللحديث شواهد:\n١ - حديث عائشة: أخرجه الشافعي في «المسند» (٤٣٨). وفى إسناده إبراهيم بن محمد، متروك.\n٢ - حديث ابن عمر: أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٥/ ١٧٦)، وفى إسناده مسلم بن خالد وهو ضعيف، وأخرجه ابن حبان في «المجروحين» (٢/ ٢٣٦). وموسى بن عبيدة، ضعيف.","vol":"1","page":85},{"text":"قالوا: وجه الدلالة من الحديث: أن الإنسان لا يعمل برؤية نفسه، بل يصوم ويفطر مع الناس.\nوالراجح في المسألة والله أعلم: هو ما ذهب إليه الشافعي وأهل الظاهر: أنه يصوم لرؤية نفسه وأن يفطر لرؤية نفسه سرًّا، ولا يفعل ذلك جهرًا لكي لا يُحدث فتنًا.\nقال ابن حزم (^١): يَصُومُ إنْ رَآهُ وَحْدَهُ؛ لأنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿لَا تُكَلَّفُ إلاَّ نَفْسَكَ﴾، وَقال تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلاَّ عَلَيْهَا﴾، وَقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَمَنْ رَآهُ فَقَدْ شَهِدَهُ. وَقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ».\n\n•<span data-type='title' id=toc-70> المبحث السابع: مسألة اختلاف المطالع:</span>\nإذا رؤي الهلال في بلد من بلاد المسلمين وثبتت رؤيته شرعًا، فهل يلزم بقية المسلمين أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية أو أن لكل بلدٍ رؤية؟\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ:\n_________\n(^١) «المحلى» (٦/ ٢٣٩).","vol":"1","page":86},{"text":"• القول الأول: أنه يلزمهم أن يعملوا بمقتضى هذه الرؤية، وأن عليهم أن يصوموا، وعدم اعتبار اختلاف المطالع.\nوهو قول الجمهور (^١)، وإليه ذهب أبو حنيفة (^٢)، ومالك (^٣)، والشافعي (^٤)، وأحمد (^٥)، في الصحيح عنهم.\nواستدلوا لهذا القول بالكتاب والسنة:\nوأما دليلهم من الكتاب: فقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.\nوأما دليلهم من السنة: فهو ما رواه البخاري ومسلم (^٦) عن أبي هريرة ﷺ قال: قال\n_________\n(^١) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٧٣) قال ابن المنذر: قال أكثر الفقهاء إذا ثبت بخبر الناس أن أهل بلد من البلدان قد رأوه قبلهم فعليهم قضاء ما أفطروه. وهو قول أصحاب الرأي، ومالك، وإليه ذهب الشافعي وأحمد.\n(^٢) انظر: «الدر المختار» (٣/ ٣٦٤) قال العلاء الحصكفي: واختلاف المطالع غير معتبر على ظاهر المذهب، وعليه أكثر المشايخ وعليه الفتوى، فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب.\n(^٣) انظر: «بداية المجتهد» (١/ ٢٨٧)، و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبى (٢/ ٢٩٦). قال ابن رشد: فَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ وَالمصْرِيِّينَ رَوَوْا عَنْهُ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ عِنْدَ أَهْلِ بَلَدٍ أَنَّ أَهْلَ بَلَدٍ آخَرَ رَأَوُا الْهِلَالَ أَنَّ عَلَيْهِمْ قَضَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي أَفْطَرُوهُ وَصَامَهُ غَيْرُهُمْ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ.\n(^٤) انظر: «الحاوي الكبير» (٣/ ٢٥٦). قال الماوردي: فَلَوْ رَآهُ أَهْلُ الْبَلَدِ وَلم يَرَهُ أَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ هلال رمضان، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِينَ لم يَرَوْهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ عَلَيْهِمْ يَصُومُوا إِذْ لَيْسَ رُؤْيَةُ الْجَمِيعِ شَرْطًا فِي وُجُوبِ الصِّيَامِ، وَفَرْضُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى جَمِيعِهِمْ وَاحِدًا.\n(^٥) انظر: «مسائل الإمام أحمد» (ص ١٢٨، ٦١٦)، و«المغني» (٤/ ٣٢٨).\nقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل سئل عن حديث كريب تذهب إليه؟ يعنى حديث محمد بن أبي حرملة، عن كريب، قدمت - يعنى: من الشام، فسألنى ابن عباس؟ قال: لا. يعنى لا أذهب إليه. قال أحمد: إذا استبان لهم أنهم رأوه في بلدة. يعنى: قبل اليوم الذى صاموا، قضى، يعنى ذلك اليوم. قال ابن قدامة: وَإِذَا رَأَى الْهِلَالَ أَهْلُ بَلَدٍ، لَزِمَ جَمِيعَ الْبِلَادِ الصَّوْمُ.\n(^٦) أخرجه البخاري (١٩٠٩)، ومسلم (١٠٨١).","vol":"1","page":87},{"text":"رسول الله ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ»، والأحاديث على هذا المعنى متوافرة ومتضافرة.\nووجه دلالة من الآية والحديث: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ»، وأن الخطاب عام لجميع الأمة فمن رآه منهم في أى مكان كان ذلك رؤية لجميعهم.\n• القول الثانى: لا يلزمهم صيامه حتى يروه، وأن لكل بلد رؤية؛ لأن الطوالع والغوارب تختلف لاختلاف البلدان، وكل قومٍ إنما خوطبوا بمطلعِهم ومغربِهم، ألا ترى أن الفجر قد يتقدم في مكانٍ على آخر، فكذلك الهلال، وهى رواية عن مالك (^١)، ووجه عند الشافعية (^٢)، وحكاه ابن المنذر عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله وابن عمر وعكرمة وهو مذهب إسحاق (^٣).\nواستدلوا لهذا القول بما روى مسلم (^٤) عَنْ كُرَيْبٍ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ قال: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا، وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ المدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ\n_________\n(^١) انظر: «بداية المجتهد» (١/ ٢٨٧). قال ابن رشد: وَرَوَى المدَنِيُّونَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الرُّؤْيَةَ لَا تَلْزَمُ بِالْخَبَرِ عِنْدَ غير أَهْلِ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الرُّؤْيَةُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ.\n(^٢) انظر: «الحاوي الكبير» (٣/ ٢٠٦) قال الماوردي: فَلَوْ رَآهُ أَهْلُ الْبَلَدِ وَلم يَرَهُ أَهْلُ بَلَدٍ آخَرَ هلال رمضان، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ الَّذِينَ لم يَرَوْهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَلْزَمُهُمْ صِيَامُهُ حَتَّى يَرَوْهُ؛ لِأَنَّ الطَّوَالِعَ وَالْغَوَارِبَ قَدْ تَخْتَلِفُ لِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ، وَكُلُّ قَوْمٍ فَإِنَّمَا خُوطِبُوا بِمَطْلَعِهِمْ وَمُغْرِبِهِمْ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ يَتَقَدَّمَ طُلُوعُهُ فِي بَلَدٍ، وَيَتَأَخَّرُ فِي آخَرَ؛ فَكَذَلِكَ الْهِلَالُ.\n(^٣) انظر: «معالم السنن» (٢/ ٧٤٨). قال الخطابي: واختلف الناس في الهلال يستهله أهل البلد في ليلة، ثم يستهله أهل بلد آخر في ليلة قبلها أو بعدها: فذهب إلى ظاهر حديث ابن عباس القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وعكرمة، وهو مذهب إسحاق وقالوا: لكل قوم رؤيتهم.\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٨، ١٠٨٧).","vol":"1","page":88},{"text":"عَبَّاسٍ ﴿، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقال: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ فَقُلْتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ. فَقال: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ وَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ.\nفَقال: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ. فَقُلْتُ: أَوَلَا تَكْتَفِى بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فَقال: لَا هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nوجه الدلالة منه: أن ابن عباس لم يعمل برؤية معاوية في الشام، وفى هذا دليلٌ على أن لكل بلدٍ رؤية.\nواعْتُرِضَ عليه بما قاله الشوكاني (^١): واعلم أن الحجة إنما هى في المرفوع من رواية ابن عباس، لا من اجتهاده الذى فهم عنه الناس والمشار إليه بقوله: «هكذا أمرَنا رسول الله ﷺ» هى قوله: «فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين»، والأمر الكائن من رسول الله ﷺ هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأكَمِلُوا الَعِدةُ ثَلَاثيِن».\nوهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد، بل هو خطابٌ لكل من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون، فيلزم غيرهم ما لزمهم.\nقال صديق حسن خان: وأما استدلال من استدل بحديث كريب عند مسلم وغيره «أنه استهل عليه رمضان، وهو بالشام فرأى الهلال ليلة الجمعة، فقدم المدينة فأخبر بذلك ابن عباس، فقال: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أَوْ نَرَاهُ، ثم قال: «هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، وله ألفاظ - فغير صحيح؛ لأنه لم يصرح ابن عباس بأن النبي ﷺ أمرهم بأن لا يعملوا برؤية غيرهم من أهل الأقطار، بل أرى ابن عباس أنه أمرهم بإكمال الثلاثين، أو يروه ظنًّا منه أن المراد بالرؤية رؤية أهل المحل، وهذا خطأ في الاستدلال أوقع الناس في الخبط والخلط حتى تفَرَّقوا في ذلك\n_________\n(^١) «نيل الأوطار» (٤/ ٢٣٠).","vol":"1","page":89},{"text":"على ثمانية مذاهب (^١).\nقال شيخ الإسلام (^٢): فَالضَّابِطُ أَنَّ مَدَارَ هَذَا الْأَمْرِ عَلَى الْبُلُوغِ لِقَوْلِهِ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ» فَمَنْ بَلَغَهُ أَنَّهُ رُئِيَ ثَبَتَ في حَقِّهِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ بِمَسَافَةٍ أَصْلًا، وَهَذَا يُطَابِقُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، في أَنَّ طَرَفَيْ المعْمُورَةِ لَا يَبْلُغُ الْخَبَرُ فِيهِمَا إلَّا بَعْدَ شَهْرٍ، فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، بِخِلَافِ الْأَمَاكِنِ الَّذِي يَصِلُ الْخَبَرُ فِيهَا قَبْلَ انْسِلَاخِ الشَّهْرِ فَإِنَّهَا مَحَلُّ الِاعْتِبَارِ.\n• القول الثالث: فَرَّقُوا بين البلدان إذا تقاربت وتباعدت فقالوا: إذا كانت قريبة فالرؤية ملزمة (^٣)، وإذا كانت بعيدةً فلا تكون مُلزمة.\nوالراجح هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، أنه إذا رآه أهل بلدٍ فيَلزمُ باقي بلاد المسلمين العمل بمقتضى هذه الرؤية، وأنه لا عبرة باختلاف المطالع؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ولقوله ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» والخطاب عامٌّ لجميع الأمة؛ فمن رآه منهم في أى مكانٍ كان ذلك رؤيةً لجميعهم. وأما حديث كُرَيبٍ أن الهلال رُؤي في الشام ليلة الجمعة، ورُؤي في المدينة ليلة السبت، فسأل ابن عباس عن العمل بمقتضى رؤية أهل الشام فقال ابن عباس: لا، هكذا أمَرنا رسول الله.\nفقد اعْتُرِضَ عليه: بأن هذا قول ابن عباس ورأيه، ثم إنه لم يعلم برؤية معاوية لهلال رمضان في الحال، ولو علمها لتغيرت فتواه، والحجة في قول النبي ﷺ، وهذا لا يختص بأهل ناحيةٍ على جهةٍ الانفراد، بل هو خطابٌ لكل ما يصلُح من المسلمين؛ فالاستدلال به على لزوم أهل بلدٍ لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم؛ لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم.\nوقد أفتى المجمع الفقهي بجدة بأنه إذا ثبتت الرؤية في بلد وجب على المسلمين\n_________\n(^١) «الروضة الندية» (١/ ٢٢٤).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٠٧).\n(^٣) قال النووي في «المجموع» (٦/ ٢٧٣): إذا رأوا الهلال في رمضان في بلد ولم يروه غيره، فإنْ تقارَبَ البلدان، فحكمهما حكم بلد، ويلزم أهل البلد الآخر الصوم بلا خلاف.","vol":"1","page":90},{"text":"الالتزام بها، ولا عبرة باختلاف المطالع؛ لعموم الخطاب بالأمر بالصوم والإفطار (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-71> المبحث الثامن: هل يجوز الاعتماد على الحساب في رؤية هلال رمضان؟</span>\nقال شيخ الإسلام (^٢): العمل بالحساب في رؤية الهلال وغيره من الأحكام - لا يجوز بالنصوص والإجماع.\nأولًا: الأدلة من الكتاب العزيز: قال تعالى: ﴿يسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.\nثانيًا: من السنة النبوية: روى البخاري (^٣) من حديث ابن عمر ﴿أن رسول الله ﷺ قال: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأكملوا العِدةَ ثلاثين».\nفعلق الحكم بأحد أمرين: إما الرؤية، وإما استكمال عدة شعبان.\nوفي «الصحيحين» (^٤) من حديث ابن عمر ﴿عن النبي ﷺ قال: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ».\nقال ابن حجر (^٥): «لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ»: المراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها، ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضًا إلا النزر اليسير، فعلَّق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير. ويوضحه الحديث: «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأكملوا العِدةَ ثَلاثيِن»، ولم يقل: فسلوا أهل الحساب.\nنقل شيخ الإسلام الإجماع على عدم جواز العمل بالحساب الفلكي فقال (^٦): فَإِنَّا نَعْلم بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، أَنَّ الْعَمَلَ في رُؤْيَةِ هِلَالِ الصَّوْمِ أَوْ الْحَجِّ أَوْ الْعِدَّةِ أَوْ\n_________\n(^١) «فقه النوازل» (٢/ ٢٨٣).\n(^٢) انظر: «الفتاوى» (٢٥/ ١٣٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٠٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٩١٣)، ومسلم (١٠٨٠).\n(^٥) «فتح الباري» (٤/ ١٥١).\n(^٦) «الفتاوى» (٢٥/ ١٣٢).","vol":"1","page":91},{"text":"الْإِيلَاءِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ المعَلَّقَةِ بِالْهِلَالِ بِخَبَرِ الْحَاسِبِ، أَنَّهُ يُرَى أَوْ لَا يُرَى - لَا يَجُوزُ، وَالنُّصُوصُ المسْتَفِيضَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وَقَدّ أَجْمَعَ المسْلمونَ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ قَدِيمٌ أَصْلًا وَلَا خِلَافٌ حَدِيثٌ، إلَّا أَنَّ بَعْضَ المتَأَخِّرِينَ مِنَ المتَفَقِّهَةِ الحادثين بَعْدَ المائَةِ الثَّالِثَةِ - زَعَمَ أَنَّهُ إذَا غُمَّ الْهِلَالُ جَازَ لِلْحَاسِبِ أَنْ يَعْمَلَ في حَقِّ نَفْسِهِ بِالْحِسَابِ، فَإِنْ كَانَ الْحِسَابُ دَلَّ عَلَى الرُّؤْيَةِ صَامَ وَإِلَّا فَلَا. وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا بِالْإِغْمَامِ وَمُخْتَصًّا بِالْحَاسِبِ فَهُوَ شَاذٌّ مَسْبُوقٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهِ، فَأَمَّا اتِّبَاعُ ذَلِكَ في الصَّحْوِ أَوْ تَعْلِيقُ عُمُومِ الْحُكْمِ الْعَامِّ بِهِ فَمَا قَالَهُ مُسْلم.\n• القائلون بالأخذ بالحساب الفلكي:\nقال ابن عبد البر (^١): وَلم يَتَعَلَّقْ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ المسْلمينَ فِيمَا عَلمتُ بِاعْتِبَارِ المنَازِلِ في ذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْهُ، وَاللَّهُ أَعْلم، وَلَوْ صح مَا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ عَلَيْهِ لِشُذُوذِهِ.\nوقال النووي: وَقَالَ اِبْن سُرَيْج وَجَمَاعَة، مِنْهُمْ مُطَرِّف بْن عَبْد اللَّه وَابْن قُتَيْبَة وَآخَرُونَ: مَعْنَاهُ قَدِّرُوهُ بِحِسَابِ المنَازِل.\nقال الماوردي (^٢): عَنْ آخَرِينَ مِنْهُمْ، أَنَّهُمْ عَمِلُوا في صَوْمِهِمْ عَلَى النُّجُومِ وَمَا تُوجِبُهُ أَحْكَامُ الْحِسَابِ تَعَلُّقًا بُقُولِهِ: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.\nوالدلالة على هذا الفريق: رواية عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ ثَلَاثِينَ». فعلَّق حكمه بأحد شرطين لا ثالث لهما.\nقال النووي (^٣): ومن قال بحساب المنازل فقوله مردودٌ بقوله ﷺ في «الصحيحين»: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا …» الحديث. قالوا: لِأَنَّ النَّاس لَوْ كُلِّفُوا بِهِ ضَاقَ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا أَفْرَادٌ من الناس في البلدان الكبار،\n_________\n(^١) «التمهيد» (١٤/ ٣٥٢).\n(^٢) «الحاوي الكبير» (٣/ ٢٥٤).\n(^٣) «المجموع» (٦/ ٢٧٠).","vol":"1","page":92},{"text":"فالصواب قول الجمهور، وما سواه فاسد مردود بصرائح الأحاديث السابقة.\nسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين ﵀: هل يجوز للمسلم أن يستعمل ما يسمى «بالدربيل» في رؤية الهلال؟\nفأجاب: وأما استعمال ما يسمى «بالدربيل» وهو المنظار المقرب في رؤية الهلال فلا بأس به، ولكن ليس بواجب؛ لأن الظاهر من السنة أن الاعتماد على الرؤية المعتادة لا على غيرها، لكن لو استعمل، فرآه من يوثق به، فإنه يعمل بهذه الرؤية. وقد كان الناس قديمًا يستعملون ذلك لما كانوا يصعدون المنائر في ليلة الثلاثين من شعبان، أو ليلة الثلاثين من رمضان، فيتراءونه بواسطة هذا المنظار.\n• على كل حال متى ثبتت رؤيته بأى وسيلة فإنه يجب العمل بمقتضى هذه الرؤية لعموم قوله ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا» (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-72> المبحث التاسع: إذا رؤي القمر نهارًا:</span>\nقال ابن رشد (^٢): أَمَّا اخْتِلَافُهُمْ في اعْتِبَارِ وَقْتِ الرُّؤْيَةِ لهلال رمضان: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا رُؤِيَ مِنَ الْعَشِيِّ أَنَّ الشَّهْرَ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي.\nواختلفوا إذا رؤي في سائر أوقات النهار: أعني أول ما رؤي، فمذهب الجمهور أن القمر في أول وقت رؤي من النهار أنه لليوم المستقبل لحكم رؤية العشي، وبهذا القول قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور أصحابهم.\nوقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة والثوري وابن حبيب من أصحاب مالك: إذا رؤي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رؤي بعد الزوال فهو للآتية.\n• بعض الآثار التى استدل بها الجمهور:\nعن أبي وائل قال: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ وَنَحْنُ بِخَانقِينَ، أَنَّ الأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمَ\n_________\n(^١) «فتاوى الصيام» (١/ ٦٢).\n(^٢) «بداية المجتهد» (١/ ٢٨٤).","vol":"1","page":93},{"text":"الْهِلَالَ نَهَارًا فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ رَجُلَانِ مُسْلمانِ أَنَّهُمَا أَهَلاَّهُ بِالأَمْسِ (^١).\nعن ابن عمر في الْهِلَالِ يُرَى بِالنَّهَارِ: لَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ مِنْ حَيْثُ يُرَى، وفى رواية: «حيث يُرَى بالليل» (^٢).\nعن يحيى بن أبي إسحاق قال: رَأَيْتُ الْهِلَالَ - هِلَالَ الْفِطْرِ - قَرِيبًا مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، فَأَفْطَرَ نَاسٌ، فَأَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَذَكَرْنَا لَهُ رُؤْيَةَ الْهِلَالِ وَإِفْطَارَ مَنْ أَفْطَرَ فقَالَ: وَأَمَّا أَنَا فَمُتِمّ يومِي هَذَا إلَى اللَّيْلِ (^٣).\nعن الزبرقان قال: أَفْطَرَ النَّاسُ، فَأَتَيْت أَبَا وَائِلٍ فَقُلْتُ: إنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ نِصْفَ النَّهَارِ، فَقَالَ: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ﴾ (^٤).\nالأثر الذى استدل به القول الآخر: عن إبراهيم النخعي أن عمر بن الخطاب كتب إلى الناس: «إذَا رَأَيْتُمُوهُ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ فَأَفْطِرُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ بَعْدَ زَوَالِهَا فَلَا تُفْطِرُوا» (^٥).\nقال ابن حجر (^٦): قَوْلُهُ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ» ظَاهِره إِيجَاب الصَّوْمِ حِينَ الرُّؤْيَةِ مَتَى وُجِدَتْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى صَوْمِ الْيَوْمِ المسْتَقْبَل.\nوالراجح: قول الجمهور: أي أنه إذا رؤي القمر نهارًا فإنه لليوم المستقبل.\n* * *\n_________\n(^١) رجاله ثقات: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٢٠)، قال: حدثنا وكيع، عن الأعمش، عن أبي وائل به.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (٢/ ٣١٩)، وعبد الله بن أحمد في «مسائله» (٦٦٣)، و«المدونة» (١/ ١٧٤)، من طرق عن الزهري عن سالم عن ابن عمر.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣١٩) (٩٤٤٩). وفي إسناده يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، قال الحافظ: صدوق ربما أخطأ.\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣١٩).\n(^٥) ضعيف: أخرجه ابن حزم في «المحلى» (٦/ ٢٣٩).\n(^٦) «فتح الباري» (٤/ ١٤٥).","vol":"1","page":94},{"text":"الفصل الخامس من يباح له الفطر ومن يجب\nوفيه مباحث\n• المبحث الأول: المريض\n• المبحث الثاني: المسافر\n• المبحث الثالث: الحامل والمرضع\n• المبحث الرابع: الشيخ الكبير والمريض الذي لا يرجى برؤه\n• المبحث الخامس: هل يباح الفطر لأصحاب الأعمال الشاقة؟\n• المبحث السادس: من يجب عليه الفطر ويحرم عليه الصوم؟","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>الفصل الخامس من يباح له الفطر ومن يجب</span>\n<span data-type='title' id=toc-74>تمهيد:</span>\nالمريض والمسافر يباح لهما الفطر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].\nوقد استفاضت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بإباحة الفطر للمسافر والمريض أَوْلى، وهذا مما أجمع عليه المسلمون في الجملة (^١).\nقال ابن قدامة (^٢): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلم عَلَى إبَاحَةِ الْفِطْرِ لِلمرِيضِ في الْجُمْلَةِ، وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\n\n•<span data-type='title' id=toc-75> المبحث الأول: حد المرض المبيح للفطر:</span>\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوالٍ:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه للمريض أن يفطر إذا كان الصوم يزيد في مرضه، أو يُخْشَى تباطؤ برئه.\nقال القرطبي: قال جمهور العلماء: إذا كان به مرضٌ يؤلمه ويؤذيه أو يخافُ تماديه أو يخافُ تزايده، صح له الفطر.\nوقال ابن قدامة (^٣): وَالمرَضُ المبِيحُ لِلْفِطْرِ هُوَ الشَّدِيدُ الَّذِي يَزِيدُ بِالصَّوْمِ أَوْ يُخْشَى تَبَاطُؤُ بُرْئِهِ.\n_________\n(^١) «كتاب الصيام» (٢٠٨).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٤٠٣).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٤٠٣)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ٩٤).","vol":"1","page":96},{"text":"• القول الثانى: أن المرض المبيح للفطر هو كل ما يسمى مرضًا، روِى الطبري (^١) بإسناد ضعيف عن طَرِيفِ بْنِ شهاب الْعُطَارِدِيِّ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ في رَمَضَانَ وَهُوَ يَأْكُلُ فَلم يَسْأَلْهُ، فَلما فَرَغَ قَالَ: إِنَّهُ وَجِعَتْ إِصْبَعِي هَذِهِ.\nوورد أيضًا عن عطاء والبخاري، كما نقله ابن العربي (^٢).\n• القول الثالث: أن المرض المبيح للفطر هو الذى لا يطيق صاحبه معه القيام لصلاته. وهو قول الحسن وإبراهيم (^٣)، وروي عن أبي حنيفة (^٤).\n• للمريض ثلاث حالات:\nأَحَدُهَا: أَلَّا يُطِيقَ الصَّوْمَ بِحَالٍ، فَعَلَيْهِ الْفِطْرُ وَاجِبًا.\nالثَّانِي: أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الصَّوْمِ بِضَرَرٍ وَمَشَقَّةٍ، فَهَذَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِطْرُ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الطبرى (٢٨٥٦).\n(^٢) قال ابن العربي: وقد أنبأنا أبو الحسن الأزدي، بإسناده عن صهيب بن سليم، قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: اعتللت بنيسابور علة خفيفة، وذلك في شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه، فقال لى: أفطرت يا أبا عبد الله! فقلت: نعم، فقلت: خشيت أن أضعف عن قبول الرخصة. قلت: أنبأنا عبدان، عن ابن المبارك، عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء: من أي المرض أُفطر؟ قال: من أي مرض كان، كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾. وإسناده صحيح.\nقال البخاري: ولم يكن هكذا الحديث عند إسحاق.\n(^٣) وأخرج الطبري في «تفسيره» (٢٨٥٥) عن الحسن: مَتَى يُفْطِرُ الصَّائِمُ؟ قَالَ إِذَا جَهَدَهُ الصَّوْمُ. قَالَ: إِذَا لم يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرَائِضَ كَمَا أُمِرَ. إسناده صحيح. وأخرج الطبرى (٢٨٥٤) عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي المرِيضِ إِذَا لم يَسْتَطِعِ الصَّلَاةَ قَائِمًا فَلْيُفْطِرْ يَعْنِي فِي رَمَضَانَ. فيه هشيم، وهو كثير التدليس، وقد عنعن، ومغيرة هو ابن مقسم ثقة، إلا أنه كان يدلس، ولاسيما عن إبراهيم.\n(^٤) قال الكاساني في «بدائع الصنائع» (٢/ ٩٤): وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنْ كَانَ بِحَالٍ يُبَاحُ لَهُ أَدَاءُ صَلَاةِ الْفَرْضِ قَاعِدًا، فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يُفْطِرَ، وَالمبِيحُ المطْلَقُ بَلْ الموجِبُ هُوَ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ الْهَلَاكُ لِأَنَّ فِيهِ إلْقَاءَ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ لَا لِإِقَامَةِ حَقِّ اللَّهِ وهو الوجوب.\n(^٥) «أحكام القرآن» (١/ ٧٧).","vol":"1","page":97},{"text":"الثالث: أن يقدر على الصوم بحيث لا يظهر تأثير المرض، فلا يجوز له الإفطار إلا أن يخشى استمرار هذا المرض أو اشتداده، بل إنه قد قيل: إن بعض الأمراض يكون علاجها الصوم.\nقال الكاساني: وَمِنَ الْأَمْرَاضِ مَا يَنْفَعُهُ الصَّوْمُ وَيُخِفُّهُ، وَيَكُونُ الصَّوْمُ عَلَى المرِيضِ أَسْهَلَ مِنْ الْأَكْلِ، بَلْ الْأَكْلُ يَضُرُّهُ وَيَشْتَدُّ عَلَيْهِ (^١).\nالخلاصة: أن المرض المبيح للفطر هو الشديد الذى يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه، فإذا كان الطبيب ذا أمانةٍ وثقةٍ وخبرةٍ في فنِّه، فإنَّ أمره بترك الصوم معتبرٌ؛ لما يعرفه من حال المرض ومدى تحمُّلِ المريض الصومَ من عدمه.\nوسئلت اللجنة الدائمة: أنا مريض بالسكر والصيام يؤثر عليَّ؟\nفأجابت: إن كنتَ عرفت بالتجربة أن الصيام يزيد مرضك، أو يؤخر بُرءك منه، أو أخبرك طبيب مسلم مأمونٌ حاذقٌ بأن الصيام يضرك، فأفطِر، وعليك القضاء بعد الشفاء.\n\n•<span data-type='title' id=toc-76> المبحث الثاني: صيام المسافر:</span>\nوفيه مطالب:\n\n•<span data-type='title' id=toc-77> المطلب الأول: هل يجزئ الصوم في السفر؟</span>\nقال النووي (^٢): قَالَ جَمَاهِير الْعُلماء وَجَمِيع أَهْل الْفَتْوَى: يَجُوزُ صَوْمُهُ في السَّفَر، وَيَنْعَقِد وَيُجْزِيهِ.\nواستدلوا لذلك بالأحاديث المتوافرة والمتضافرة عن رسول الله ﷺ، التي تدل على جواز الصوم في السفر.\nففي «الصحيحين» (^٣) عن أنس بن مالك قال: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلم يَعِبْ الصَّائِمُ عَلَى المفْطِرِ وَلَا المفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ».\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٩٤).\n(^٢) «شرح مسلم» (٧/ ١٨٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٤٧)، ومسلم (١١١٨).","vol":"1","page":98},{"text":"وفي «الصحيحين» أيضًا (^١) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلميَّ قال لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَأَصُومُ في السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ: «إِنْ شئت فَصُمْ، وَإِنْ شئت فَأَفْطِرْ».\nوفي «الصحيحين» (^٢) عن أبي الدرداء ﵁ قال: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ أَسْفَارِه، في يوم حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنِ رَوَاحَةَ».\nوروى مسلم (^٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى المفْطِرِ وَلَا المفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٤١)، ومسلم (١١٢١).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٤٥)، ومسلم (١١٢٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (١١١٦).\n(^٤) وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا يصح صوم رمضان في السفر، فإن صامه لم ينعقد ويجب قضاؤه لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ قال ابن حزم في «المحلى» (٦/ ٢٥٣): وَلَا فَرْضَ على المرِيضِ وَالمسَافِرِ إلاَّ أَيَّامًا أُخَرَ غير رَمَضَانَ.\nواعترض على هذا الاستدلال من وجوه:\nالأول: ما قاله الجصاص «أحكام القرآن» (١/ ٢٦٥): فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِفْطَارَ فِي السَّفَرِ رُخْصَةٌ يَسَّرَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْنَا، وَلَوْ كَانَ الْإِفْطَارُ فَرْضًا لَازِمًا لَزَالَتْ فَائِدَةُ قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ﴾ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ المسَافِرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِفْطَارِ وَبَيْنَ الصَّوْمِ.\nالثاني: أن النبي ﷺ وأصحابه صاموا في السفر وهو المبيِّن لما نُزِّل إليه فدل ذلك على معنى الآية أن المريض والمسافر مخيران بين الصوم والإفطار.\nوأما دليلهم من السنة فهو ما روى البخاري (٢٨٩٠)، ومسلم (١١١٤) عن جابر بن عبد الله ﴿أن رسول الله ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ. فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ».=","vol":"1","page":99},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمرهم بالفطر، ومن صام فقد عصى الرسول؛ لقوله: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» فدل ذلك على أن هذه معصية وأنه لا يجوز الصوم في السفر.\nواعترض عليه: بأنه قد يحرم الصوم في السفر لمن شق عليه مشقة شديدة لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، أو أعرض عن قبول الرخصة، أما مَنْ سَلم من ذلك جاز له الصوم.\nواستدلوا بما ورى البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٤) عن جابر بن عبد الله ﴿قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «مَا هَذَا؟». فَقَالُوا: صَائِمٌ. فَقَالَ: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَر». والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nواعترض عليه بأن هذا الرجل شق عليه الصيام حتى أغمي عليه والتف حوله الناس، فهذا الحديث لمثل هذا الرجل وأمثاله، وعند الأصوليين أن بعض أفراد العام لا يخصصه.\nوقال ابن المنير: هذه القصة تُشعر بأن من اتفق له مثل ما اتفق لذلك الرجل أنه يساويه في الحكم، وأما من سلم من ذلك ونحوه فهو في جواز الصوم على أصله، والله أعلم.\nواستدلوا بما روى البخاري (٢٨٩٠)، ومسلم (١١١٩) عن أنس قال: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرُنَا ظِلًّا الَّذِي يَسْتَظِلُّ بِكِسَائِهِ، وَأَمَّا الَّذِينَ صَامُوا فَلم يَعْمَلُوا شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِينَ أَفْطَرُوا فَبَعَثُوا الرِّكَابَ وَامْتَهَنُوا وَعَالَجُوا فَقال النَّبِيُّ ﷺ: «ذَهَبَ المفْطِرُونَ اليوم بِالْأَجْرِ». فمفهوم المخالفة من هذا الحديث أن الصائمين لم يذهبوا بالأجر، فاستدلَّ الظاهرية بهذا الحديث على إبطال صيام المسافر.\nواعترض عليه: بأن هذا الحديث حجة عليهم؛ لأن النبي ﷺ لم ينكرْ على من صام، ولكن ربما يكون هناك صائمٌ ومفطرٌ، والصائم نائمٌ، والمفطر يسارع في الخيرات، فيضاعف له الأجر لأجل ذلك.\nواستدلوا بما روى البخاري (١٩٤٤)، ومسلم (١١١٣) عن ابن عباس ﴿: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ، حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ النَّاسُ، قال أبو عبد الله البخاري: وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ. وفى رواية مسلم: وَكَانَ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَّبِعُونَ الْأَحْدَثَ فَالْأَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ.\nوقد احتج أهل الظاهر بهذه الزيادة، بأن هذا آخر الأمرين عن رسول الله وأن صومه ﷺ منسوخٌ في السفر، وأن هذا الحديث ناسخٌ لأحاديث الصوم في السفر.\nواعترض عليه: بأن هذه الزيادة مدرجةٌ من قول الزهري وليس من قول الرسول، قال الزُّهْريُّ: وَكَانَ الْفِطْرُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْآخِرِ فَالْآخِرِ. رواه مسلم، ثم إنه ورد عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصومون في السفر ولو نُسخ هذا لما اجتمعت الأمة على ضلالة، عن أبي سعيد ﵁ قال: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ. قال: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ» فَكَانَتْ رُخْصَةً فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا =","vol":"1","page":100},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ: «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ فَأَفْطِرُوا» وَكَانَتْ عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ. وقد استدل ابن حزم على مذهبه الباطل بآثار منكرة وضعيفة، فقد روى الطحاوي «شرح معاني الآثار» (٢/ ٦٣)، وغيره عن عبد الله بن عامر: أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَمَرَ رَجُلًا صَامَ فِي السَّفَرِ أَنْ يُعِيدَ. وفي إسناده عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف وأخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (٣/ ١٨)، وفي إسناده مجهولان.\n٢ - عن أبي سلمة قال: «نهتني عائشة أن أصوم في السفر». منكر: أخرجه ابن حزم في «المحلى» (٦/ ٢٥٦)، وفى إسناده عمر بن أبي سلمة، وفيه مقال. وهو معارض بما صح عن عائشة خلافه وهو ما وراه الثقات فقد روى عروة ابن الزبير، والقاسم بن محمد، وعبد الرحمن بن القاسم، وابن أبي مليكة «أن عائشة كانت تصوم في السفر» كما عند عبد الرزاق (٤٤٩٦) والبيهقي «الكبرى» (٤/ ٣٠١)، والطحاوي «شرح معاني الآثار» (٢/ ٧٠)، وغيرهم.\n٣ - عن ابن عباس: «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ صَامَ رَمَضَانَ فِي سَفَرٍ؟ فَقَالَ: لَا يُجْزِيِهِ» منكر: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٨)، وفى إسناده عمران القطان، وإن كان متكلما فيه إلا أنه قد يحسَّن حديثه، ولكنه معارض بما صح عن ابن عباس. أولًا: قد روى البخاري (١٩٤٨) وغيره عن ابن عباس ﴿قال: «قَدْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ».\nثانيا: أخرج ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ١٤) بإسناد صحيح، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: «عُسْرٌ وَيُسْرٌ، خُذْ بِيُسْرِ اللهِ عَلَيْك»، وصح عنه «الإفطار في السفر عزيمة» فالثابث عن ابن عباس جواز الصيام في السفر.\n٤ - عَنِ المحْرَّر بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: صُمْت رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ، فَأَمَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنْ أُعِيدَ الصِّيَامَ فِي أَهْلِي. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٨)، وفي إسناده المحرر: مجهول.\n٥ - عن عبد الرحمن بن عوف قال: «الصَّائِمُ فِي السَّفَرِ كَالمفْطِرِ فِي الْحَضَرِ»، أخرجه النسائي (٤/ ١٨٣) بإسناد صحيح. الحاصل أن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ لا يفيد وجوب الفطر في السفر بل هي رخصة. قال ابن المنذر: وفيه دليل أن أمره تعالى للمسافر بعدة من أيام أخر إنما هي لمن أفطر. اه، وقد صح أن النبي ﷺ صام في السفر.\nقال ابن عبد البر: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّخْيِيرُ لِلصَّائِمِ فِي رَمَضَانَ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَصُومَ فِي سَفَرِهِ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُفْطِرَ. وَهُوَ أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ مِنْ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ. اه\nقلت: وأما الأحاديث التي تفيد النهي عن الصوم في السفر، فمحمولة على أمرين:\nالأول: من شق عليه الصيام في السفر. والثاني: على من أعرض عن قبول الرخصة، والله أعلم.","vol":"1","page":101},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-78> المطلب الثاني: ما حد السفر الذى يباح للصائم الفطر به؟</span>\nاختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ (^١):\n• القول الأول: قال أبو حنيفة: لا يجوز للمسافر أن يفطر إلا في سفر يبلُغُ ثلاثة أيامٍ (^٢).\nواستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (^٣): عن ابن عمر ﴿قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تُسَافِرِ المرْأَةُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ».\nوجه الدلالة منه: أن منطوقه أن المرأة لا تسافر مسيرة ثلاثة أيام إلا مع ذى محرم، والمفهوم المخالف أنه يجوز لها أن تسير وحدها يومين بدون محرم، وإذا كان يجوز ذلك، فهذا معناه أن هذا ليس بسفر، وأن أقل السفر ثلاثة أيام.\nوروى مسلم (^٤) عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ أَسْأَلُهَا عَنْ المسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: عَلَيْكَ بِابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَسَلْهُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَسَأَلْنَاهُ فَقال: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلمسَافِرِ وَيوما وَلَيْلَةً لِلمقِيمِ».\nوجه الدلالة: ما قاله الكاساني (^٥) بعد ذكر هذا الحديث: ولن يُتصوَّرَ أن يمسحَ المسافر ثلاثة أيامٍ ولياليها، ومدة السفر أقل من هذه المدة.\nواعْتُرِضَ على هذين الدليلين بما قاله شيخ الإسلام (^٦): فالذين قالوا: (ثلاثة أيام) احتجوا بقوله ﷺ: «يَمْسَحُ المسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ»، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «لَا\n_________\n(^١) قال ابن رشد «بداية المجتهد» (٦/ ٢٦٣): والسبب في اختلافهم معارضة ظاهر اللفظ للمعنى، وذلك أن ظاهر اللفظ أن كل ما ينطلق عليه اسم مسافر فله أن يفطر؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وأما المعنى المعقول من إجازة الفطر في السفر فهو المشقة، ولما كان الصحابة كأنهم مجمعون على الحد في ذلك، وجب أن يقاس ذلك على الحد في تقصير الصلاة.\n(^٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٩٣)، «المبسوط» (١/ ٢٣٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٠٨٨)، ومسلم (١٣٣٨).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٧٦).\n(^٥) «بدائع الصنائع» (١/ ٩٣).\n(^٦) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٣٨).","vol":"1","page":102},{"text":"تُسَافِرِ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِلَّا ومَعها ذو مَحرم».\nوقد ثبت في «الصحيحين» أنه قال: «مَسِّيرة يومين»، وثبت في الصحيح: «مَسّيرِةَ يوم»، وفى «السنن»: «بريدًا» فدل على أن ذلك كله سفر، وإذنه له في المسح ثلاثة أيام هو تجويز لمن سافر ذلك، وهو لا يقتضي أن ذلك أقل السفر، كما أذِنَ للمقيم أن يمسح يومًا وليلة، وهو لا يقتضى أن ذلك أقل الإقامة.\nقال ابن قدامة (^١): وقول النبي ﷺ: «يَمْسَحُ المسَافِرُ عَلَى ثَلَاثَة أَياَمٍ» جَاءَ لِبَيَانِ أَكْثَرِ مُدَّةِ المسْحِ؛ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ هَاهُنَا، وَعَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُهُ قَطْعُ المسَافَةِ الْقَصِيرَةِ في ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَقَدْ سَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ سَفَرًا، فَقَالَ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليوم الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يوم إِلَا مَعَ ذِيِ مِحرِم».\n• القول الثانى: قال مالك والشافعي وأحمد: لا يجوز للمسافر أن يفطر إلا في سفر يبلغ مسيرة يومين وهو أربعة أبرد، كل بريد أربعة فراسخ، فذلك ستة عشر فرسخًا، والفرسخ ثلاثة أميالٍ فيكون ثمانية وأربعين ميلًا (^٢).\nاستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور:\nأما دليلهم من السنة: فعن ابن عباس ﴿قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا أَهْلَ مَكَّةَ، لَا تَقْصُرُوا الصَّلَاةَ في أَدْنَى مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ» (^٣).\n_________\n(^١) «المغني» (٣/ ١٠٨) قال ابن حزم «المحلى» (٥/ ١٦): أَخْبِرُونَا عَنْ قَوْلِكُمْ: إنْ سَافَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَصَرَ وَأَفْطَرَ، وَإِنْ سَافَرَ أَقَلَّ لم يَقْصُرْ وَلم يُفْطِرْ: مَا هَذِهِ الثَّلَاثَةُ الأَيَّامُ؟ أَمْ أسَيْرُ الرَّاكِبِ المجِدِّ؟ أَمْ سَيْرُ الْبَرِيدِ؟ أَمْ مَشْيُ الرَّجَّالَةِ؟ وَقَدْ عَلمنَا يَقِينًا أَنَّ مَشْيَ الرَّاجِلِ الشَّيْخِ الضَّعِيفِ فِي وَحْلٍ وَوَعِرٍ، أَوْ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ - خِلَافُ مَشْيِ الرَّاكِبِ عَلَى الْبَغْلِ المطِيقِ فِي الرَّبِيعِ فِي السَّهْلِ، وَأَنَّ هَذَا يَمْشِي فِي يوم مَا لَا يَمْشِيهِ الآخَرُ فِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ. وَلَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى تَحْدِيدِ شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْنَا دُونَ سَائِرِهِ إلاَّ بِرَأْيٍ فَاسِدٍ.\n(^٢) «الموطأ» (٣٧٩)، و«المجموع» (٤/ ٣٢٢)، و«المغني» (٣/ ١٠٥)، (٤ برد، والبريد أربعة فراسخ ٤ برد = ١٦ فرسخًا، والفرسخ = ٣ أميال. ١٦ فرسخًا = ٤٨ ميلًا، والميل يقدر الآن بما يساوى ١٦٠٩ من الأمتار، انظر: «المعجم الوجيز» (ص ٥٩٧). ٤٨ ميلًا = ٤٨ × ١٦٠٩ كيلو متر = ٧٧. ٢٣٢ كيلو مترًا.\n(^٣) ضعيف: أخرجه الدارقطني في «السنن» (١/ ٣٨٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ١٣٧)، وضعفه، والطبراني في «الكبير» (١١ ص ٩٦)، من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه وعطاء بن أبي رباح به. قال الحافظ في التلخيص: عبد الوهاب متروك، ورواية إسماعيل بن عياش عن الحجازيين ضعيفة.","vol":"1","page":103},{"text":"واعْتُرِضَ عليهم: بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله.\nوأما دليلهم من المأثور: فعن عطاء بن أبي رباح أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يُصَلِّيَانِ رَكْعَتَيْنِ وَيُفْطِرَانِ في أَرْبَعِ بُرُدٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ (^١).\nواعْتُرِضَ عَليه: بأنه اختلف عليهما أشد الاختلاف (^٢).\nقال ابن حزم: أَمَّا مَنْ قال: بِتَحْدِيدِ مَا يُقْصَرُ فِيهِ بِالسَّفَرِ، مِنْ أُفُقٍ إلَى أُفُقٍ، وَحَيْثُ يُحْمَلُ الزَّادُ وَالمزَادُ وَفِي سِتَّةٍ وَتِسْعِينَ مِيلًا، وَفِي اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ مِيلًا … فَمَا لَهُمْ حُجَّةٌ أَصْلًا وَلَا مُتَعَلِّقَ، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا سَقِيمَةٍ، وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا مِنْ قِيَاسٍ، وَلَا رَأْيٍ سَدِيدٍ، وَلَا مِنْ قَوْلِ صَاحِبٍ لَا مُخَالِفٍ لَهُ مِنْهُمْ، وَمَا كَانَ هَكَذَا فَلَا وَجْهَ لِلاِشْتِغَالِ بِهِ (^٣).\n• القول الثالث: قال ابن حزم وابن تيمية وابن قدامة: إنه يباح للصائم الفطر في كل\n_________\n(^١) رجاله ثقات: أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٤٧)، وإسناده صحيح عن ابن عباس وفي سماع عطاء عن ابن عمر خلاف، فقد روى مالك «الموطأ» (٣٧٩)، وغيره عن الزهري عن سالم قال: إن ابن عمر رَكِبَ إِلَى رِيمٍ، فَقَصَرَ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ. قال مالك: وذلك نحو أربعة برد. وإسناده صحيح.\n(^٢) الآثار الواردة في الاختلاف عن ابن عمر ﵁: روى مالك في «الموطأ» (٣٨٢) عن الزهري، عن سالم «أن ابن عمر كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مَسِيرِهِ الْيَوْمَ التَّامَّ». إسناده صحيح، وأخرج ابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٥)، وعن محارب بن دثار قال: سمعت ابن عمر يقول: «إنِّي لأُسَافِرُ السَّاعَةَ مِنَ النَّهَارِ فَأَقْصُرُ» وإسناده صحيح، وعن جبلة قال: سمعت ابن عمر يقول: «لو خرجت ميلًا قصرت الصلاة»، إسناده صحيح، وعن مجاهد عن ابن عباس ﴿قال: «إذَا كَانَ سَفَرُكَ يَوْمًا إلَى الْعَتَمَةِ فَلَا تَقْصُرَ الصَّلَاة، فَإِنْ جَاوَزْت ذَلِكَ فَاقصر» إسناده صحيح.\nأخرجه عبد الرزاق (٤٢٩٩) وابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٤)، والبيهقي (٣/ ١٣٧) عن عكرمة عن ابن عباس قال: «تُقْصَرُ الصَّلَاة فِي مَسِيرَةِ يوم وَلَيْلَةٍ». أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٤٤٢) وإسناده صحيح.\n(^٣) «المحلى» (٥/ ١٠).","vol":"1","page":104},{"text":"ما يطلق عليه سفر.\nواستدلوا لذلك بما روى مسلم (^١) عن أنس بن مالك قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةِ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ».\nواعترض على هذا الاستدلال من وجوه:\nالأول: في إسناده يحيى بن يزيد، قال فيه الحافظ: مجهول.\nالثاني: ما قاله ابن الجوزي أن يكون رسول الله ﷺ خرج بنية السفر الطويل، فلما سار ثلاثة أميال قصر ثم عاد من سفره، فحكى أنس ما رأى.\nالثالث: أن الحديث مشكوك فيه هل هو ثلاثة فراسخ أم ثلاثة أميال (شك شعبة).\nقال القرطبي: وهذا لا حجة فيه لأنه مشكوك فيه، وعلى تقدير أحدهما فلعله حد المسافة التي بدأ منها القصر، وكان سفرًا طويلًا زائدًا على ذلك.\nالراجح في المسألة والله أعلم: أنه يباح للصائم الفطر في كل ما يطلق عليه سفرٍ.\nقال ابن قدامة (^٢): وَلَا أَرَى لما صَارَ إلَيْهِ الْأَئِمَّةُ حُجَّةً؛ لِأَنَّ أقوالٍ الصَّحَابَةِ مُتَعَارِضَةٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَلَا حُجَّةَ فِيهَا مَعَ الِاخْتِلَافِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ خِلَافُ مَا احْتَجَّ بِهِ أَصْحَابُنَا، ثُمَّ لَوْ لم يُوجَدْ ذَلِكَ لم يَكُنْ في قَوْلِهِمْ حُجَّةٌ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِعْلِهِ، وَإِذَا لم تَثْبُتْ أقوالُهُمْ امْتَنَعَ المصِيرُ إلَى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرُوهُ لِوَجْهَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ الَّتِي رَوَيْنَاهَا وَلِظَاهِرِ الْقُرْآنِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ إبَاحَةُ الْقَصْرِ لمنْ ضَرَبَ في الْأَرْضِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ في الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ﴾.\nوَالثَّانِي: أَنَّ التَّقْدِيرَ بَابُهُ التَّوْقِيفُ، فَلَا يَجُوزُ المصِيرُ إلَيْهِ بِرَأْيٍ مُجَرَّدٍ، سِيَّمَا وَلَيْسَ لَهُ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٦٩١)، وغيره، وفي إسناده يحيى بن يزيد الهنائي، قال أبو حاتم: شيخ. وقال ابن عبد البر «الاستذكار» (٢/ ٤٢٠): يَحْيَى بْنُ يَزِيدَ الْهُنَائِيُّ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، لَيْسَ مِثْلُهُ مِمَّنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَحْمِلَ هَذَا المعْنَى الَّذِي خَالَفَ فِيهِ جُمْهُورَ الصَّحَابَةِ التَّابِعِينَ، وَلَا هُوَ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ فِي ضَبْطِ مِثْلِ هَذَا الْأَصْلِ.\n(^٢) «المغني» (٣/ ١٠٨).","vol":"1","page":105},{"text":"أَصْلٌ يُرَدُّ إلَيْهِ، وَلَا نَظِيرٌ يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ أَبَاحَ الْقَصْرَ لِكُلِّ مُسَافِرٍ إلَّا أَنْ يَنْعَقِدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ.\nقال شيخ الإسلام (^١): وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ عَلَّقَ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ بِمُسَمَّى السَّفَرِ، وَلم يَحُدَّهُ بِمَسَافَةِ.\nقال ابن القيم (^٢): وَلم يَحُدّ ﷺ لِأُمّتِهِ مَسَافَةً مَحْدُودَةً لِلْقَصْرِ وَالْفِطْرِ بَلْ أَطْلَقَ لَهُمْ ذَلِكَ في مُطْلَقِ السّفَرِ وَالضّرْبِ في الْأَرْضِ كَمَا أَطْلَقَ لَهُمْ التّيَمّمَ في كُلّ سَفَرٍ.\n• الزمان الذي يجوز للمسافر إذا مر ببلد فمكث فيها أيامًا أن يفطر؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن المسافر إذا نوى إقامة أربعة أيام، صام وأتم الصلاة. وهو مذهب مالك والشافعي، ورواية عن أحمد (^٣).\nقال النووي (^٤): إذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام غير يوم الدخول ويوم الخروج، صار مقيمًا وانقطعت رخص السفر.\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين (^٥) من حديث العلاء بن الحضرمي: «نَهَى النَّبي أَنْ يُقِيمُ المهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا».\nقال الماوردي (^٦): فَاسْتَثْنَى الثَّلَاثَ، وَجَعَلَهَا مُدَّةَ السَّفَرِ، فَعُلم أَنَّ مَا زَادَ عَلَيْهَا مُدَّةُ الْإِقَامَةِ.\nواعترض عليه من وجهين:\n_________\n(^١) «الفتاوى» (٢٤/ ١٣٥).\n(^٢) «زاد المعاد» (١/ ٤٨١).\n(^٣) «المدونة» (١/ ١١٩، ١٢٠)، و«الأم» (١/ ١٨٦)، و«المغني» (٢/ ١٠٨).\n(^٤) «المجموع» (٤/ ٣٥٩).\n(^٥) البخاري (٣٧١٨)، ومسلم (١٣٥٢).\n(^٦) «الحاوي الكبير» (٢/ ٣٢٧).","vol":"1","page":106},{"text":"الأول: أن الذي في الحديث أن المهاجر ممنوع أن يقيم بمكة أكثر من ثلاث بعد قضاء الحج، وليس في هذا الحديث ما يدل على أن هذه المدة فَرْق بين المسافر والمقيم.\nقال ابن حزم (^١): ليس في هذا الْخَبَرِ نَصٌّ وَلَا إشَارَةٌ إلَى المدَّةِ التي إذَا أَقَامَهَا المسَافِرُ أَتَمَّ وَإِنَّمَا هو في حُكْمِ المهَاجِرِ فما الذي أَوْجَبَ أَنْ يُقَاسَ المسَافِرُ يُقِيمُ، على المهَاجِرِ يُقِيمُ؟!\nالثاني: ما رواه البخاري عن ابن عباس: «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ عَشَرَ يَقْصُرُ». فعُلم أن هذا التحديد لا يتعلق بالقصر ولا بتحديد مدة السفر.\n• القول الثاني: ذهب أبو حنيفة إلى أن المسافر إذا نوى إقامة خمسة عشر يومًا في مكان يصلح للإقامة، فإنه يصير مقيمًا (^٢).\nواستدلوا لذلك بحديث ابن عباس «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ خَمْسَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ (^٣)».\nواعترض عليه بأنه حديث ضعيف.\n• القول الثالث: أن من أقام تسعة عشر يقصر، ومن زاد عن هذا الحد أتم.\nودليل ذلك ما رواه البخاري (^٤) من حديث ابن عباس «أَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ تِسْعَةَ\nعَشَرَ يَقْصُرُ، فَنَحْنُ إِذَا سَافَرْنَا تِسْعَةَ عَشَرَ قَصَرْنَا، وَإِنْ زِدْنَا أَتْمَمْنَا».\n_________\n(^١) «المحلى» (٣/ ٢١٩).\n(^٢) «الحجة على أهل المدينة» (١/ ١٧٢)، «تحفة الفقهاء» (١/ ١٥٠).\n(^٣) شاذ: ومدار هذا الحديث على الزهري، أخرجه أبو داود (١٢٣١)، وابن ماجه (١٠٧٦)، وغيرهما عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس به، وأخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ١٥١) من طريق عبد الله بن إدريس عن الزهري مرسلًا، وقال: هذا هو الصحيح مرسل، قال: ورواه أيضًا عبدة بن سليمان وأحمد بن خالد وسلمة بن الفضل، لم يذكروا فيه ابن عباس إلا محمد بن سلمة.\nوأخرجه النسائي «الكبرى» (١/ ٥٨٧)، وغيره عن عراك بن مالك عن عبيد الله عن ابن عباس به، وقال البيهقي: رواه عراك بن مالك عن النبي ﷺ مرسلًا، قلت: ورجح هذه الرواية المرسلة، وقد حكم الحافظ ابن حجر على هذه الرواية بالشذوذ، كما في «التلخيص» (٢/ ٤٦).\n(^٤) البخاري (١٠٨٠).","vol":"1","page":107},{"text":"• القول الرابع: أن المسافر له أن يفطر ما دام مسافرًا ولم ينو إقامة مطلقة. وهذا قول شيخ الإسلام وابن القيم.\nواستدلوا بعموم قوله تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ في الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، وعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nولم يأت دليل عن النبي ﷺ يحدد لنا المدة التي يصبح بها المسافر مقيمًا، بل الذي ورد عن النبي ﷺ أنه كان يقيم في سفره أيامًا يصلي فيها ركعتين للحج أو فتح مكة، وقد تختلف هذه الأيام على حسب الحاجة.\nوليس في هذا ما يدل على أن هذه المدة فرق بين المسافر والمقيم.\nوالراجح ما قاله شيخ الإسلام: وَإِذَا كَانَ التَّحْدِيدُ لَا أَصْلَ لَهُ فَمَا دَامَ المسَافِرُ مُسَافِرًا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ. وقال: كُلُّ اسْمٍ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ في اللُّغَةِ وَلَا في الشَّرْعِ فَالمرْجِعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ فَمَا كَانَ سَفَرًا في عُرْفِ النَّاسِ فَهُوَ السَّفَرُ الَّذِي عَلَّقَ بِهِ الشَّارِعُ الْحُكْمَ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-79> المطلب الثالث: هل الصوم أفضل في السفر أم الفطر؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الصوم أفضل في السفر من الفطر لمن قَوِيَ عليه، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي (^٢).\nواستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (^٣) عن أبي الدرداء ﵁ قال: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ أَسْفَارِه، في يوم حَارٍّ حَتَّى يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ وَابْنِ رَوَاحَةَ».\nوجه الدلالة: صوم النبي ﷺ في يوم شديد الحر، فهذا دليل على فضل الصوم، ولو كان\n_________\n(^١) «الفتاوي» (٢٤/ ١٨، ٤٠، ١٣٨).\n(^٢) انظر: «فتح الباري» (٤/ ٢١٦)، «المبسوط» (٣/ ٩٢)، «المدونة» (١/ ٢٠١)، و«الحاوي الكبير» (٢/ ٣٦٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٤٥)، ومسلم (١١٢٢).","vol":"1","page":108},{"text":"الفطر أفضل ما صام النبي ﷺ.\nواعْتُرِضَ عليه: بأن النبي ﷺ أفطر في بعض أسفاره.\nوأُجِيبَ عنه بأن النبي ﷺ فعل ذلك لرفع الحرج عن أمته، ولبيان الجواز والرخصة، وموضع ذلك لمن شقَّ عليه، أما من قوي فالصوم أفضل في السفر.\nأما دليلهم من المأثور: فعَنْ عَاصِمٍ، قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنِ الصَّوْمِ في السَّفَرِ؟ فَقَالَ: «مَنْ أَفْطَرَ فَرُخْصَةٌ، وَمَنْ صَامَ فَالصَّوْمُ أَفْضَلُ» (^١).\nأما دليلهم من المعقول: فما قاله الرافعي (^٢) إن الصوم في السفر أفضل من الفطر على المذهب المشهور؛ لما فيه من تبرئة الذمة والمحافظة على فضيلة الوقت.\n• القول الثانى: قال أحمد، وإسحاق: إن الفطر أفضل من الصوم في السفر عملًا بالرخصة (^٣).\nدليل هذا القول ما رواه مسلم عن حمزة بن عمرو الأسلمى ﵁ أنه قال: يا رسول الله، أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامِ في السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ فقال رسول الله ﷺ: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ» (^٤).\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٨٠) وذكره الطحاوي في «مختصر اختلاف الفقهاء» (٢/ ٢٠).\n(^٢) «الشرح الكبير» (٤/ ٤٧٤).\n(^٣) «فتح الباري» (٤/ ٢١٦).\n(^٤) أخرجه مسلم (١١٢١) (١٠٧)، من طريق ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير، عن أبي المرَاوِحٍ، عن حمزة بهذا اللفظ المذكور. وأخرجه النسائي في «السنن» (٤/ ١٨٦) بلفظ: «إِنْ شئت فَصُمْ وَإِنْ شئت فَأَفْطِرْ» من طريق عبيد الله بن سعيد، قال: حدثنا عمى، حدثنا أبي، عن أبي المرَاوِحٍ، عن حمزة به. قال ابن حجر في «تهذيب التهذيب» في ترجمة أبي المرواح: روى عن حمزة بن عمرو الأسلمى وزيد بن أسلم وسليمان بن يسار وعروة بن الزبير وعمران بن أبي أنس. والصحيح عمران بن أبي أنس عن سليمان بن يسار عنه أى «عن أبي المرواح».\nوأخرجه أحمد (٣/ ٤٩٤)، والطيالسى (١٢١٧)، وغيرهما عن قتادة، عن سليمان، عن حمزة، بلفظ: «إِنْ شئت فَصُمْ وَإِنْ شئت فَأَفْطِرْ».\nوأخرجه النسائي في «السنن» (٤/ ١٨٥، ١٨٦)، وغيره من طريق الليث، عن بكير، وعمران بن أبي أنس، عن سليمان بن يسار، عن حمزة بن عمرو قال: «يا رسول الله».\nقال النسائي: مرسل، قلت: أى أن سليمان بن يسار حكى واقعة لم يدركها، وأخرجه أبو داود (٢٤٠٣)، وغيره من طريق حمزة بن محمد بن حمزة الأسلمى، عن أبيه، عن جده به.\nقلت: وفى إسناده حمزة بن محمد: مجهول الحال. وأخرجه النسائي (٤/ ١٨٦) من طريق عمران بن أبي أنس، عن سليمان بن يسار وحنظلة بن عليّ، عن حمزة بن عمرو.\nوأخرجه النسائي في «السنن» (٤/ ١٨٧) من طريق عروة بن الزبير، عن حمزة بن عمرو الأسلمى به. وأخرجه النسائي (٤/ ١٨٥، ١٨٦) من طريق عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن حمزة به. قلت: كل هذه الطرق بلفظ: «إِنْ شئت فَصُمْ وَإِنْ شئت فَأَفْطِرْ» سوى طريق عمرو ابن الحارث، عن أبي الأسود، عن عروة، عن أبي مرواح، عن حمزة -باللفظ المذكور.","vol":"1","page":109},{"text":"وجه الدلالة ما قاله شيخ الإسلام: إن حمزة أخبر النبي ﷺ أنه به قوة على الصوم، وأنه أيسر عليه من الفطر، وأخبره النبي ﷺ وقال: «هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ». والحسن هو المستحب، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه، ورَفْع الجناح إنما يقتضي الإباحة فقط، وهذا بيِّن لمن تأمله (^١).\nواعْتُرِض عَليه من وجهين:\nالأول: أن الروايات الواردة عن حمزة بن عمرو الأسلمي كلها بلفظ: «إِنْ شئت فَصُمْ، وَإِنْ شئت فَأَفْطِرْ». سوى هذه الرواية بلفظ: «رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ». وهذه الرواية من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير عن أبي المرواح عن حمزة بهذا اللفظ ورواية الأثبات الثقات بلفظ: «إِنْ شئت فَصُمْ، وَإِنْ شئت فَأَفْطِرْ»، والظاهر أن هذه الواقعة حدثت لحمزة مع النبي ﷺ مرة واحدة، فلا بد من الترجيح، ورواية الجماعة أرجح.\nالثاني: ما قاله النووي: وظاهره ترجيح الفطر، وأجاب الأكثرون بأن هذا كله فيمن\n_________\n(^١) كتاب «الصيام» (ص ٢١٦).","vol":"1","page":110},{"text":"يخاف ضررًا أو يجد مشقة، واعتمدوا في ذلك حديث أبي سعيد: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا المفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى المفْطِرِ، وَلَا المفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً فَصَامَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا، فَأَفْطَرَ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ»، وهذا صريح في ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة.\nقال ابن العربي: والصحيح أن الصوم أفضل لعموم قوله ﵎: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾. وأما فطر النبي ﷺ فإنه روي في الصحيح، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فطرك. فأفطَرَ، ولا خلاف في أن من شقَّ عليه الصوم فله الفطر.\nقال ابن حجر (^١): قال آخَرُونَ: هُوَ مُخَيَّرٌ مُطْلَقًا. وَقال آخَرُونَ: أَفْضَلُهُمَا أَيْسَرُهُمَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ﴾، فَإِنْ كَانَ الْفِطْرُ أَيْسَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الصِّيَامُ أَيْسَرَ - كَمَنْ يَسْهُلُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ بَعْدَ ذَلِكَ - فَالصَّوْمُ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَاخْتَارَهُ اِبْنُ المنْذِرِ، وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ.\nقلت: فالحاصل أن الصوم لمن قَوِي عليه أفضل من الفطر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-80> المطلب الرابع: متى يفطر المسافر ومتى يُمْسِك؟</span>\nوفيه مسائل: المسألة الأولى: لا يجوز للمسافر أن يُبيِّت النية بالإفطار ويصبح مفطرًا قبل أن يشرع في السفر باتفاق العلماء.\nقال القرطبى (^٢): المسافر في رمضان لا يجوز له أن يُبيّت الفطر؛ لأن المسافر لا يكون مسافرًا بالنية، بخلاف المقيم، وإنما يكون مسافرًا بالعمل والنهوض، والمقيم لا يفتقر إلى عمل؛ لأنه إذا نوى الإقامة كان مقيمًا في الحين؛ ولأن الإقامة لا تفتقر إلى عمل فافترقا؛ ولا خلاف بينهم في الذي يؤمل السفر لا يجوز له أن يُفطرَ قبل أن يخرج.\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٤/ ٢١٦).\n(^٢) «الجامع لأحكام القرآن» (٢/ ٢٧٨)، وانظر: «الاستذكار» (١٠/ ٨٩).","vol":"1","page":111},{"text":"المسألة الثانية: أن يدخل عليه شهر رمضان في السفر، فلا نعلم بين أهل العلم خلافًا في إباحة الفطر له.\nالمسألة الثالثة: أن يسافر في أثناء الشهر ليلًا، فله الفطر في صبيحة الليلة التى يخرج فيها وما بعدها، في قول عامة أهل العلم.\nالمسألة الرابعة: الذى يصبح في الحضر صائمًا في رمضان، ثم يسافر في صبيحة يومه وينهض في سفره، هل له أن يفطر ذلك اليوم أم لا؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\n• القول الأول: ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أنه لا يفطر ذلك اليوم بحالٍ.\nاستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣].\nوجه الدلالة: أن الذى يصبح في الحضر صائمًا في رمضان، ثم يسافر في صبيحة يومه، فليس له الفطر؛ لأنه في صبيحة اليوم كان مقيمًا؛ فوجب عليه الصوم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، ثم إذا أراد أن يسافر في نفس هذا اليوم، وأراد أن يفطر، فإنه بذلك يكون قد أبطل عمله، وقد نهى الله عن ذلك بقوله: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.\nقال ابن قدامة (^١): لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَخْتَلِفُ بِالسَّفَرِ وَالْحَضَرِ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فِيهَا غَلَبَ حُكْمُ الْحَضَرِ، كَالصَّلَاةِ والمسح على الخفين؛ ولأنه قد خلط إباحة بحظر، ولا بد من تغليب أحدهما في الحكم؛ فكان تغليب الحظر أَوْلى.\n• القول الثانى: يباح للمسافر فطر اليوم الذى يسافر فيه نهارًا من رمضان، إذا برز عن البيوت (^٢)، وهو قول أحمد.\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nوجه الدلالة: أن الرجل إذا خرج من بلده مسافرًا، فله حكم المسافر، له أن يقصر الصلاة ويفطر وهو في طريقه في السفر.\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٣٤٦).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٤٦).","vol":"1","page":112},{"text":"وفي «الصحيحين» (^١) عن جابر بن عبد الله أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ، حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ فَقَالَ: «أُولَئِكَ العُصاةُ، أُولَئِكَ العُصاةُ».\nوجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ مِنَ المدِينَةِ صَائِمًا، فَلما بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ أَفْطَرَ، فَحَصَلَ صَائِمًا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ مُفْطِرًا فِي آخِرِهِ.\nأما دليلهم من المأثور:\n١ - فعن اللجلاج قال: «كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَيَسِيرُ ثَلَاثَةَ أَمْيَالٍ، فَيَتَجَوَّزُ فِي الصَّلَاة وَيَفْطُرُ» (^٢).\n٢ - عن ابن عمر: «أَنَّهُ خَرَجَ فِي رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ» (^٣).\n٣ - عن مغيرة قال: «خَرَجَ أَبُو مَيْسَرَةَ فِي رَمَضَانَ مُسَافِرًا، فَمَرَّ بِالْفُرَاتِ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَخَذَ مِنْهُ حَسْوَةً، فَشَرِبَهُ وَأَفْطَرَ» (^٤).\n٤ - عن ابن جريج قال: قال عطاء: الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، تَقْصُرُ إذَا أَفْطَرْت، وَتَصُومُ إذَا وَفَّيْتَ الصَّلَاةَ (^٥).\n٥ - عن عبد الرحمن بن حرملة قال: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ المسَيَّبِ: أُقْصِرُ الصَّلَاةَ وَأُفْطِرُ إلَى رِيمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَهُوَ بَرِيدان مِنَ المدِينَةِ (^٦).\nأما دليلهم من المعقول: فهو قياس الصوم على الصلاة، فكما أنه يجوز للمسافر أن\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٩٠)، ومسلم (١١١٤).\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠)، قلت: وفى إسناده أبو الورد بن ثمامة - مقبول.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٩).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه بن أبي شيبة (٣/ ٢٠).\n(^٥) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠).\n(^٦) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٠)، وفي إسناده حاتم بن إسماعيل صدوق يهم. قال النسائي: ليس به بأس. وقال العجلي: ثقة. وعبد الرحمن بن حرملة: صدوق ربما أخطأ.","vol":"1","page":113},{"text":"يقصر الصلاة في اليوم الذي سافر فيه نهارًا، فكذلك يجوز الإفطار؛ وَلِأَنَّ الْفِطْرَ إِنَّمَا أُبِيحَ بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ: المرَضُ وَالسَّفَرُ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّ لِلمرِيضِ أَنْ يُفْطِرَ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، وَإِنْ صَامَ فِي أَوَّلِهِ فَكَذَلِكَ المسَافِرُ (^١).\n• القول الثالث: للمسافر أن يفطر في بيته قبل أن يخرج، وليس له أن يقصر الصلاة حتى يخرجَ عن جدار المدينة أو القرية، وهو قول إسحاق بن إبراهيم الحنظلي (^٢).\nاستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور:\nأما دليلهم من السنة: فروى البخاري (^٣) عن ابن عباس ﵁ قال: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فِي رَمَضَانَ إِلَى حُنَيْنٍ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ».\nقال الشوكاني: وهذا الحديث تقوم به الحجة علي جواز إفطار من أصبح في حضر مسافرًا.\nالدليل الثاني: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قال: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ في رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا، وَقَدْ رُحِلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟ قال: سُنَّةٌ، ثُمَّ رَكِبَ (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «الحاوي» (٣/ ٣٠٨).\n(^٢) انظر: «سنن الترمذي» (٣/ ١٦٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٢٧٧).\n(^٤) أخرجه الترمذي «السنن» (٧٩٩) قال: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المنْكَدِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: «أَتَيْتُ أَنَسَ بن مالك … به، وفي إسناده عبد الله بن جعفر وهو ضعيف. ولكن تابعه محمد بن جعفر. أخرجه الترمذي قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلم قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المنْكَدِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنُ مَالِكٍ … فذكر نحوه.\nقلت: هذا إسناد صحيح ولكن قال فيه: «أتيت أنس بن مالك» فذكر نحوه ليست صريحة في أنه بنفس اللفظ المذكور في حديث عبد الله بن جعفر. وتابع محمدَ بن إسماعيل البخاري إسماعيلُ بن إسحاق، أخرجه الدارقطني في «السنن» (٢/ ١٨٧). قال: حدثنا أبوبكر النيسابوري ثنا إسماعيل بن إسحاق به. وأبو بكر النيسابوري قال الذهبي: حافظ ثبت مجود، وإسماعيل بن إسحاق صدوق. وتابعهما عثمان بن سعيد الدارمي.\nأخرجه البيهقي «السنن الكبري» (٤/ ٢٤٧) من طريق الدارمي عن ابن أبي مريم به.\nوأخرجه الطبراني في «الأوسط» (٩٠٣٩). وفي إسناده مقدام بن داود بن عيسى، ضعيف «لسان الميزان» (٧/ ١٤٤)، وأبدل في الرواية محمد بن جعفر ب (جعفر بن محمد) وفيه نكارة في المتن وهي: «دخلت على أنس عند العصر يوم يشكون رمضان»، مع أن الطرق الأخرى: أتيت أنس بن مالك في رمضان. وخالف محمد بن جعفر وعبد الله بن جعفر - عبد العزيز الدراوردي.\nقال ابن أبي حاتم «العلل» رقم: (٦٩٩) (ص ٢٤٠) سألت أبي عن حديث رواه عبد العزيز الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، عن محمد بن كعب، أنه أتي أنس ابن مالك في رمضان وهو يريد سفرًا، فوجده وقد رُحلت راحلته، ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل. فقلنا: أسنة؟ قال: ليس بسنة. قلت: إن الدراوردي خالف محمد بن جعفر وعبد الله بن جعفر قالا: «سنة»، والدراوردي قال: ليس بسنة. وتابع زيد بن أسلم محمد بن عبد الرحمن بن مجبر. قال ابن أبي حاتم في «العلل» (٦٩٩): ورواه محمد بن عبد الرحمن بن مجبر عن ابن عبد الرحمن بن مجبر عن ابن المنكدر عن محمد بن كعب … فذكر الحديث قال: فقلت: سُنَّةٌ؟ فقال: نعم سُنَّةٌ. قلت: وفى إسناده محمد بن عبد الرحمن بن مجبر: متروك، وقال ابن أبي حاتم في «العلل» رقم: (٦٩٩): سألت أبي عن حديث رواه عبد العزيز الدراوردي … قال أبي: حديث الدراوردي أصح.","vol":"1","page":114},{"text":"وجه الدلالة منه:\nقال ابن العربي: وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَصَحِيحٌ، يَقْتَضِي جَوَازَ الْفِطْرِ مَعَ أُهْبَةِ السَّفَرِ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ قَوْلَهُ (مِنَ السُّنَّةِ) لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى التَّوْقِيفِ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي الْأُصُولِ. وَالْحَقُّ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ: (مِنَ السُّنَّةِ) يَنْصَرِفُ إِلَى سُنَّةِ الرَّسُولِ ﷺ، وَقَدْ صَرَّحَ هَذَانِ الصَّحَابِيَّانِ بِأَنَّ الْإِفْطَارَ لِلمسَافِرِ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ الْبُيُوتِ مِنَ السُّنَّةِ.\nالدليل الثالث: عن مَنْصُورٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ قَرْيَتِهِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ قَرْيَةِ عُقْبَةَ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ إنَّهُ أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ مَعَهُ نَاسٌ، وَكَرِهَ آخَرُونَ أَنْ يُفْطِرُوا. قَالَ: فَلما رَجَعَ إِلَى قَرْيَتِهِ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ اليوم أَمْرًا مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ أَرَاهُ! إِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا عَنْ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ!! يَقُولُ ذَلِكَ لِلَّذِينَ صَامُوا، ثُمَّ قال عِنْدَ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ","vol":"1","page":115},{"text":"اقْبِضْنِي إِلَيْكَ (^١).\nالدليل الرابع: عَنْ عُبَيْدٍ بْنَ جَبْرٍ قَالَ: رَكِبْتُ مَعَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ صَاحِبِ رَسُولِ اللهِ فِي سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ ثُمَّ قَالَ: اقْتَرِبْ. فَقُلْتُ: أَلَسْتَ بَيْنَ الْبُيُوتِ؟ فَقال أَبُو بَصْرَةَ: أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟! (^٢).\nقال الشوكاني (^٣) بعد ذكر فعل أنس وأبي بصرة الغفاري: والحديثان يدلان على أنه يجوز للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه.\nأما دليلهم من المأثور: فاستدلوا بما ورد عن أنس بن مالك قال: قال لي أبو موسى: «أَلم أُنَبَّأْ أَنَّكَ إِذَا خَرَجْتَ خَرَجْتَ صَائِمًا، وَإِذَا دَخَلْتَ دَخَلْتَ صَائِمَا، فَإِذَا خَرَجْتَ فَاخْرُجْ مُفْطِرًا، وَإِذَا دَخَلْتَ فَادْخُلْ مُفْطِرًا» (^٤).\nواعْتُرِضَ على هذا القول بما قاله ابن قدامة (^٥): وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وَهَذَا شَاهِدٌ، وَلَا يُوصَفُ بِكَوْنِهِ مُسَافِرًا حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الْبَلَدِ، وَمَهْمَا كَانَ فِي الْبَلَدِ فَلَهُ أَحْكَامُ الْحَاضِرِينَ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، فَأَمَّا أَنَسٌ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ بَرَزَ مِنَ الْبَلَدِ خَارِجًا مِنْهُ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ فِي مَنْزِلِهِ ذَلِكَ.\nقلت: والأحاديث التى ذكروها لا تخلو من مقال؛ فالراجح أن المسافر لا يفطر حتى يبرز عن البيوت، وهو أعدل الأقوالٍ، والله أعلم.\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (٦/ ٣٩٨)، وأبو داود (٢٤١٣) وغيرهما، قلت: وفي إسناده منصور الكلبي، قال الذهبي: لا يُعرف وقال الحافظ في «التقريب»: مستور. وقال ابن المديني: مجهول لا أعرفه.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (٦/ ٣٩٨)، وأبو داود (٢٤١٢)، والدارمي (١٧١٣) وغيرهم، وفى إسناده كليب بن ذهل وعبيد بن جبير وكلاهما مجهول. قال ابن خزيمة بعد ذكر الحديث: لَسْتُ أَعْرِفُ كُلَيْبَ بْنَ ذُهْلٍ، وَلَا عُبَيْدَ بْنَ جُبَيْرٍ، وَلَا أَقْبَلُ دِينَ مَنْ لَا أَعْرِفُهُ بِعَدَالَةٍ.\n(^٣) «نيل الأوطار» (٤/ ٢٧١).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه الدارقطني في «السنن» (٢/ ١٨٨).\n(^٥) «المغني» (٤/ ٣٤٧).","vol":"1","page":116},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-81> المبحث الثالث: صيام الحامل والمرضع:</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\n\n•<span data-type='title' id=toc-82> المطلب الأول: يجوز للحُبْلَى أن تفطر إذا خافت على جنينها، والمرضع إذا خافت على رضيعها - بالإجماع </span>(^١).\nقال ابن حزم (^٢): وَأَمَّا وُجُوبُ الْفِطْرِ عَلَيْهِمَا فِي الْخَوْفِ عَلَى الْجَنِينِ وَالرَّضِيعِ؛ فَلِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلم﴾: وَقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ» فَإِذْ رَحْمَةُ الْجَنِينِ وَالرَّضِيعِ فَرْضٌ، وَلَا وُصُولَ إلَيْهَا إلاَّ بِالْفِطْرِ فَالْفِطْرُ فَرْضٌ.\nقال شيخ الإسلام: إن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها، إما لأن الجوع يضربه، أو لاحتياجه إلى دواء تشربه؛ فإنه يجوز لها أن تفطر؛ لأنها أحوج إلى الفطر من المسافر وبعض المرضى، فإنه يُخاف هلاك الولد بصومها. وعليهما مع الفطر القضاء،؛ لأنها ترجو القدرة عليه، فإذا قدرت صامت كالمريض والمسافر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-83> المطلب الثانى: إذا خافت الحامل والمرضع على أنفسهما، فعليهما القضاء دون الكفارة بالإجماع.</span>\nقال النووي (^٣): فإن خافت الحامل والمرضع على أنفسهما أفطرتا وعليهما القضاء دون الكفارة؛ لأنهما أفطرتا للخوف على أنفسهما، فوجب عليهما القضاء دون كفارة كالمريض، وهذه كله لا خلاف عليه.\nقال ابن قدامة (^٤): الَحاملُ وَالمرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا فَلَهُمَا الْفِطْرُ، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ فَحَسْبُ، لَا نَعْلم فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلم اخْتِلَافًا؛ لأنهمَا بِمَنْزِلَةِ المرِيضِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-84> المطلب الثالث: إذا أفطرت الحامل والمرضع خوفًا على الجنين والرضيع، ماذا عليهما؟</span>\n_________\n(^١) «نيل الأوطار» (٤/ ٢٧٣).\n(^٢) «المحلى» (٦/ ٢٦٢).\n(^٣) «المجموع» (٦/ ٢٦٧).\n(^٤) «المغني» (٤/ ٣٩٤).","vol":"1","page":117},{"text":"اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال (^١):\n• القول الأول: ذهب أبو حنيفة إلى أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا فليس عليهما إلا القضاء (^٢).\nواستدل لذلك بعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ وَضَعَ عَنِ المسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ المسَافِرِ وَالْحَامِلِ وَالمرْضِعِ الصَّوْمَ أَوْ الصِّيَامَ» (^٣).\n_________\n(^١) سبب الاختلاف ما قاله ابن رشد في «بداية المجتهد»: تَرَدُّدُ شَبَهِهِمَا بَيْنَ الَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ وَبَيْنَ المرِيضِ: فَمَنْ شَبَّهَهُمَا بِالمرِيضِ قَالَ: عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ فَقَطْ. وَمَنْ شَبَّهَهُمَا بِالَّذِي يُجْهِدُهُ الصَّوْمُ قَالَ عَلَيْهِمَا الْإِطْعَامُ فَقَطْ، وَأَمَّا مَنْ جَمَعَ عَلَيْهِمَا الْأَمْرَيْنِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ رَأَى فِيهِمَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ شَبَهًا فَقَالَ: عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ مِنْ جِهَةِ مَا فِيهِمَا مِنْ شَبَهِ المرِيضِ، وَعَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ مِنْ جِهَةِ مَا فِيهِمَا مِنْ شَبَهِ الَّذِينَ يُجْهِدُهُمُ الصِّيَامُ، مَنْ أَفْرَدَهُمَا بِالْقَضَاءِ أَوْلَى مِمَّنْ أَفْرَدَهُمَا بِالْإِطْعَامِ فَقَطْ لِكَوْنِ الْقِرَاءَةِ غَيْرَ مُتَوَاتِرَةٍ. فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّهُ بَيِّنٌ.\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٩٤)، قال الخطابي في «معالم السنن» (٢/ ١٠٧): وقال الحسن وعطاء: تقضيان ولا تطعمان كالمريض. وهو قول الأوزاعي والثوري، وإليه ذهب أصحاب الرأي.\n(^٣) وهذا الحديث اختلف في سنده ومتنه ألوانًا: فرواه أبو هلال، عن عبد الله بن سوادة، عن أنس ابن مالك الكعبي، عن رجل من بني عبد الله بن كعب، أخرجه أحمد (٤/ ٣٤٧) (٥/ ٢٩)، وأبو داود (٢٤٠٧)، والترمذي (٧١٥)، وابن ماجه (١٦٦٧)، وغيرهم، وخالف أبا هلال وهيب ابن خالد فجعل بين عبد الله بن سوادة وأنس، سوادة كما عند النسائي في «الكبرى» (٢٦٢٤)، وغيره. ولكن الخلاف لا يضر لأن عبد الله بن سوادة صرح بسماعه من أنس كما في الطبقات لابن سعد (٧/ ٣٢). وأخرجه النسائي في «السنن» (٤/ ١٨٠)، وغيره من طريق الثوري، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس … فذكره.\nوروى أحمد في «المسند» (٥/ ٢٩)، والنسائي (٤/ ١٨٠، ١٨١)، وابن خزيمة في «الصحيح» (٢٠٤٢) من طريق إسماعيل بْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ قَالَ: كَانَ أَبُو قِلَابَةَ حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ، ثُمَّ قَالَ لِي: هَلْ لَكَ فِي الَّذِي حَدَّثَنِيهِ؟ فَدَلَّنِي عَلَيْهِ، فَلَقِيتُهُ، قَالَ: حَدَّثَنِي قَرِيبٌ لِي يُقَالُ لَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. وهذه الرواية تُثبت أن أبا قلابة لم يسمع هذا الحديث من أنس. وأخرجه يعقوب بن سفيان «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٤٦٨، ٤٦٩) حدثنا شعبة حدثنا أيوب السختياني، عن رجل من بنى عامر، عن رجل من قومه، وأخرجه الطحاوي في «شرح معانى الآثار» (١/ ٤٢٣)، وفى «شرح المشكل» (٤٢٦٨) من طريق ابن عيينة عن أيوب حدثنى أبو قلابة عن شيخ من بنى قشير. وأخرجه الطحاوي في «شرح المشكل» (٤٢٦٥)، =","vol":"1","page":118},{"text":"\n_________\n=ويعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ٤٦٩)، وعبد الرزاق (٧٥٦٠)، وغيرهم من طرق عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بني عامر، وأخرجه النسائي (٤/ ١٨٠) من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي أمية، وأخرجه البخاري «التاريخ الكبير» (٢/ ٢٩) عن أبي قلابة أن رجلًا أخبره أن أبا أمية أخبره، وأخرجه النسائي (٤/ ١٨١) عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن رجل قال: أتيت النبي. وأخرجه النسائي (٤/ ١٨١) عن خالد عن أبي العلاء بن الشخير عن رجل، وأخرجه يعقوب في «المعرفة» (١/ ٤٧٠) عن هشيم عن خالد عن أبي قلابة ويزيد بن الشخير عن رجل من بني عامر، وأخرجه يعقوب أيضًا من طريق الأوزاعى قال: حدثنى يحيى بن أبي كثير قال حدثنى أبو قلابة الجرمى قال: حدثنى أبو أمية أو أبو المهاجر عن أبي أمية قال: «قدمت على رسول الله …» وقد اضطرب الرواة في تسمية صحابي هذا الحديث، وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٢٦٦): سمِعتُ أبِي يقُولُ … وذكر حدِيث الأوزاعِيِّ عن يحيى بنِ أبِي كثِيرٍ، عن أبِي قِلابة الجرمِيِّ، قال: حدّثنِي أبُو أُميّة، أو قال: أبُو المهاجرِ، عن أبِي أُميّةِ … الحديث، فسمِعتُ أبِي يقُولُ: النّاسُ يختلِفُون فِي هذا الحدِيثِ فمِنهُم من يقُولُ: يحيى بنُ أبِي كثِيرٍ، عن أبِي قِلابة، عن أنسِ بنِ مالِكٍ الكعبِيِّ. ومِنهُم من يقُولُ: عن أبِي أُميّة، والصّحِيحُ ما يقُولُهُ أيُّوبُ السِّختِيانِيُّ: عن أبِي قِلابة، عن أنسِ بنِ مالِكٍ القُشيرِيِّ.\nقال ابن عبد البر في «الاستيعاب» (٤/ ١١) في ترجمة أبي أمية الجشمى: ذكره بعض مَنْ أَلَّف في الصحابة، وذكر له حديثًا في الصيام من حديث الليث بن سعد عن معاوية بن صالح عن عصام ابن يحيى مرفوعًا مثل حديث القشيرى: أن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة.\nوهذا حديث مضطرب الإسناد، ولا يُعرف أبو أميمة هذا، ومنهم من يقول فيه أبو تميمة ولا يصح أيضًا، ومنهم من يقول فيه: أبو أمية. ولا يصح شيء من ذلك من جهة الإسناد، وهذا الحديث اضطرب سندًا ومتنًا، أخرجه الترمذي وحسنه من حديث ابن سوادة عن أنس ولفظه: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنِ المسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الحَامِلِ أَوِ المرْضِعِ الصَّوْمَ أَوِ الصِّيَامَ».\nثم إن لفظ الحديث كما أورده البيهقي ظاهره وضع شطر الصلاة عن الحامل والمرضع، وليس الأمر كذلك بخلاف اللفظ الذى أورده الترمذي وأخرجه البيهقي في الخلافيات من حديث قبيصة ثنا سفيان عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس بن مالك وفى آخره: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ المسَافِرِ …»، وإنما رواه الناس عن الثوري عن أيوب عن أبي قلابة عن رجل من بنى عقيل عن رجل يقال له: «أنس بن مالك» انتهى كلامه. وفي الحديث أن النبي ﷺ قد أعلم في هذا الخبر أن الله ﷿ وضع عن المسافر شطر الصلاة، والشطر في هذا الموضع النصف لا القليل، ولم يضع «نصف» فريضة الصلاة على الكمال والتمام، لأنه لم يضع من صلاة الفجر، ولا من صلاة المغرب عن المسافر شيئًا.","vol":"1","page":119},{"text":"وجه الدلالة ما قاله الطبري: وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صحيحًا، فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَضَعَ عَنِ الْحَامِلِ وَالمرْضِعِ الصَّوْمَ مَا دَامَتَا عَاجِزَتَيْنِ عَنْهُ حَتَّى تُطِيقَا فَتَقْضِيَا، كَمَا وَضَعَ عَنِ المسَافِرِ فِي سَفَرِهِ حَتَّى يُقِيمَ فَيَقْضِيَهُ … لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ حُكْمِهِ وَبَيْنَ حُكْمِ الْحَامِلِ وَالمرْضِعِ.\n• القول الثاني: ذهب ابن عباس (^١)، وابن عمر (^٢)، وسعيد بن جبير (^٣)، وإبراهيم (^٤) إلى أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا فإنهما يطعمان ولا يقضيان.\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.\nوجه الدلالة: أن الآية نُسخت بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ على المطيق وثبت على الذى لا يطيق، والحبلى والمرضع داخلتان في عموم الآية، ويفسر ذلك ما ورد عن ابن عباس ﴿قال: رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ في ذَلِكَ، وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ أَنْ يُفْطِرَا إِنْ شَاآ وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يوم مِسْكِينًا، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وَثَبَتَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ إِذَا كَانَا لَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ، وَالْحَامِلُ وَالمرْضِعُ إِذَا خَافَتَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا مَكَانَ كُلِّ يوم مِسْكِينًا (^٥).\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه عبد الرزاق «المصنف» (٧٥٦٧).\n(^٢) صحيح: أخرجه الشافعي (المسند) ومن طريقه البيهقي «الكبرى» (٤/ ٢٣٠)، وعبد الرزاق (٧٥٦٠)، من طرق أيوب ومالك، عن نافع، عن ابن عمر.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٧٥٥٥)، من طريق معمر عن أيوب عن سعيد، وفي رواية معمر عن أيوب مقال.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (٧٥٦٢)، عن الثوري عن حماد عن إبراهيم.\n(^٥) أخرجه الطبرى في «تفسيره» (٢٧٥٢)، وابن الجارود في «المنتقى» (٣٨١)، وغيرهما، من طرق عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن سعيد. أخرج الطبرى حدثنا هناد، حدثنا عبدة، عن سعيد، عن علي بن ثابت عن نافع عن ابن عمر، مثل قول ابن عباس في الحامل والمرضع، إسناده صحيح.","vol":"1","page":120},{"text":"واعْتُرِضَ على هذا الاستدلال: بأن الآية منسوخة عند الجمهور بلا استثناء ولا تفصيل، فعن سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نَزَلَتْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا (^١).\n• القول الثالث: ذهب جمهور العلماء إلى أن الحامل والمرضع تفطران وتقضيان وتطعمان، وبه قال مالك والشافعي وأحمد (^٢).\nقال ابن قدامة: الحامل والمرضع وَإِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ وَإِطْعَامُ مِسْكِينٍ عَنْ كُلِّ يوم، وَلَنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وَهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي عُمُومِ الْآيَةِ.\nقال ابْنُ عَبَّاسٍ: «كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالمرْأَةِ الْكَبِيرَةِ، وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا، وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يوم مِسْكِينًا، وَالْحُبْلَى وَالمرْضِعُ إذَا خَافَتَا عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا».\nواعْتُرِضَ على هذا بأن الآية منسوخة عند الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾.\nوأما دليلهم على وجوب القضاء فهو قول الرسول ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ ﷿ وَضَعَ عن الْحَامِلِ وَالمرْضِعِ والمسّافر الصَّوْمَ». أي وضع عنهما القضاء ما دامتا عاجزتين، حتى تستطيعا فتقضيا؛ ولأنه ذكر في الحديث المسافر، وإنما وضع عنه الأداء فقط.\n• القول الرابع: الحبلى تقضي ولا تكفِّر، والمرضع تقضي وتكفِّر:\nقال الليث: الْكَفَّارَةُ عَلَى المرْضِعِ دُونَ الْحَامِلِ. وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ المرْضِعَ يُمْكِنُهَا أَنْ تَسْتَرْضِعَ لِوَلَدِهَا، بِخِلَافِ الْحَامِلِ؛ وَلِأَنَّ الْحَمْلَ مُتَّصِلٌ بِالْحَامِلِ، فَالْخَوْفُ عَلَيْهِ كَالْخَوْفِ عَلَى بَعْضِ أَعْضَائِهَا (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٠٧).\n(^٢) «الأم» (٢/ ١٥٥)، «المغني» (٤/ ٣٩٣)، «الفتاوى» «٢٥/ ٢١٨).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٣٩٤).","vol":"1","page":121},{"text":"قال الخطابي (^١): وقال مالك: الحبلى تقضي ولا تكفِّر؛ لأنها بمنزلة المريض، والمرضع تقضي وتكفِّر.\nواعْتُرِضَ على هذا القول بأن التفريق بين الحامل والمرضع ليس عليه دليل، لا من كتابٍ ولا من سنة.\n• القول الخامس: ما قاله ابن حزم (^٢): فَإِنْ خَافَتِ المرْضِعُ عَلَى المرْضَعِ قِلَّةَ اللَّبَنِ وَضَيْعَتَهُ لِذَلِكَ وَلم يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا، أَوْ لم يَقْبَلْ ثَدْيَ غَيْرِهَا، أَوْ خَافَتِ الْحَامِلُ عَلَى الْجَنِينِ، أَوْ عَجَزَ الشَّيْخُ عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرِهِ - أَفْطَرُوا، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ وَلَا إطْعَامَ.\nواستدل لذلك بعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْحَامِلِ وَالمرْضِعِ الصَّوْمَ» قالوا: وضع أي: سقط الصوم فلا قضاء عليهما ولا إطعام.\nواعترض عليه بأن هذا الحديث حجةٌ عليهم، وذلك بأنه ﷺ جمع بين حكم المسافر والحامل والمرضع، وإذا كان وضع عن المسافر الصوم حتى يقيم فيقضيه، فكذا وضع عن الحامل والمرضع الصوم حتى تطيقا فتقضيا.\nقال شيخ الإسلام: وأشبه القولين وجوب القضاء؛ لأن النبي ﷺ ذكر «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ المسَافِرِ والحَامِل والمرِضَع» ولم يردْ إلا وضعُ الأداء دون القضاء؛ لأنه ذَكَرَ المسافر وإنما وضع عنه الأداء فقط، ولأنها ترجو القدرة على القضاء، فهى كالمريض.\nقال الطبري: إنه وضع عن الحامل والمرضع الصوم ما دامتا عاجزتين عنه حتى تطيقا فتقضيا، كما وضع عن المسافر حتى يقيم فيقضيه.\nوالراجح: أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا فحكمهما حكم المريض؛ لأنها ترجو القدرة عليه، وحديث أنس بن مالك وإن كان له إسناد حسن إلا أن بعض أهل العلم أعله بالاضطراب، وإن صح فمعناه: أن الله وضع عن الحامل والمرضع الصوم ما دامتا عاجزتين عنه حتى تطيقا فتقضيا؛ ولأن النبي ﷺ ذكر «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ\n_________\n(^١) «معالم السنن» (٢/ ١٠٧).\n(^٢) «المحلى» (٦/ ٢٦٢).","vol":"1","page":122},{"text":"المسَافِرِ والحَامِل والمرضَع الصَّوْمَ» ولم يَرد إلا وضع الأداء؛ ولأنهما ترجوان القدرة على القضاء، كما وضع الصوم عن المسافر حتى يقيم فيقضيه؛ ولأن النبي ﷺ جَمَع بين حكمه وبين حكم الحامل والمرضع، ولا تجتمع عليهما كفارتان.\nوسئلت اللجنة الدائمة: الحامل أو المرضع إذا خافت على نفسها أو على الولد في شهر رمضان وأفطرت فماذا عليها؟\nج: إن خافت الحامل على نفسها أو جنينها من صوم أفطرت وعليها القضاء فقط، شأنها شأن الذي لا يَقوَى على الصوم أو يخشى منه على نفسه مضرةً، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nوكذا المرضع إذا خافت على نفسها إن أرضعت ولدها في رمضان، أو خافت على ولدها إن صامت ولم ترضعه، أفطرت وعليها القضاء فقط، وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-85> المبحث الرابع: صيام الشيخ الكبير الذى يجهده الصوم، والمريض الذى لا يرجى برؤه،</span>\nوفيه مطلبان:\n\n•<span data-type='title' id=toc-86> المطلب الأول: الإفطار جائز لهما بالنص والإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. وللإجماع المنعقد على ذلك.</span>\nقال ابن رشد (^١): وَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْعَجُوزُ اللَّذَانِ لَا يَقْدِرَانِ عَلَى الصِّيَامِ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا.\nقال ابن المنذر: وأجمعوا على أن للشيخ والعجوز العاجزين الفطر (^٢).\nقال الشافعي: الشيخ الكبير الذى يجهده الصوم، أى يلحقه به مشقة شديدة، والمريض الذى لا يُرْجَى برؤه - لا صوم عليهما بلا خلاف (^٣).\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٠).\n(^٢) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٥٩).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٦/ ٢٥٨).","vol":"1","page":123},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-87> المطلب الثاني: إذا أفطر الشيخ الكبير الذى يجهده الصوم، والمريض الذى لا يرجى برؤه، ماذا عليهما؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم والمريض الذي لا يرجى برؤه - عليهما الكفارة (^١).\nاستدلوا بالنص والمأثور:\nروى البخاري (^٢) عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هُوَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالمرْأَةُ الْكَبِيرَةُ، لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يوم مِسْكِينًا».\nوجه الدلالة ما قاله الكاساني (^٣): وَعَلَى الَّذِينَ كَانُوا يُطِيقُونَهُ -أَيْ: الصَّوْمَ- ثُمَّ عَجَزُوا عَنْهُ - فِدْيَةٌ طعَامُ مِسْكِينٍ وَاللَّهُ أَعْلم؛ وَلِأَنَّ الصَّوْمَ لما فَاتَهُ مَسَّتِ الْحَاجَةُ إلَى الْجَابِرِ وَتَعَذَّرَ جَبْرُهُ بِالصَّوْمِ فَيُجْبَرُ بِالْفِدْيَةِ، وَتُجْعَلُ الْفِدْيَةُ مِثْلًا لِلصَّوْمِ شَرْعًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلضَّرُورَةِ، كَالْقِيمَةِ فِي ضَمَانِ المتْلَفَاتِ.\nواعْتُرِضَ عليه من وجهين:\nالأول: أن لفظ الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ والشيخ الكبير والمريض الذي لا يُرْجَى برؤه لا يطيقان الصيام؛ فلا يُستدل لهما بالآية، قال مالك: لا فدية عليه. ووجه قوله أن الله تعالى أوجب الفدية على المطيق للصوم، بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وهو لا يطيق الصوم؛ فلا تلزمه فدية (^٤).\n_________\n(^١) قال ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٣٩٥): الشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالْعَجُوزَ، إذَا كَانَ يُجْهِدُهُمَا الصَّوْمُ، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةً شَدِيدَةً، فَلَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا لِكُلِّ يوم مِسْكِينًا. وَهَذَا قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَسٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَطَاوُسٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٥٠٥).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٩٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٥٠٥).","vol":"1","page":124},{"text":"الثاني: أن هذه الآية منسوخةٌ عند جمهور العلماء بلا استثناء ولا تفصيل بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. فلا يجوز الاستدلال بالمنسوخ.\nأما دليلهم من الماثور: فعن ثابت قال: «كبِر أنس بن مالك حتى كان لا يطيق الصيام، فكان يفطر ويطعم» (^١).\nوعن سعيد بن جبير كان يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: هي في الشيخ الكبير والعجوز، إذا لم يستطيعا الصيام، فعليهما أن يطعما كل يوم مسكينًا، كل واحد منهما، فإن لم يجدا فلا شيء عليهما» (^٢).\nوعن عكرمة بن عمار قال: سألت طاوسًا عن أمي وكان بها عُطاش، فلم تستطع أن تصوم رمضان، قال: تطعم كل يوم مسكينًا مُدَّ بُرٍّ. قال: بأي مُد؟ قال: مُد أرضك (^٣).\n• القول الآخر: ذهب مالك إلى أن الشيخ الكبير الذي يجهده الصوم والمريض الذي لا يُرْجَى برؤه إذا كانا لا يستطيعان الصوم - فلا يجب عليهما فدية (^٤).\nقلت: الأحوط في هذه المسألة والله أعلم أن الشيخ الكبير الذى يجهده الصوم، والمريض الذى لا يُرْجَى برؤه، إذا كان يجهده الصوم، ويشق عليهما مشقة شديدة،\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٧٥٧٠)، عن معمر، عن ثابت به. وأخرجه ابن سعد في «الطبقات» (٧/ ١٨)، وأخرجه الطبراني في «الكبير» (١/ ٢٤٢)، وأخرجه الدارقطني في «السنن» (٢/ ٢٠٧)، من طرق عن أنس.\nوروى الطبراني في «الكبير» (٢٧٨٤) بإسناده عن الحارث عن علي في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قال: «الشيخ الكبير الذى لا يستطيع الصوم، يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا»، وفي إسناده الحارث الأعور: كذاب. وروى الدارقطني في «السنن» (٢/ ٢٠٨) عن أبي هريرة قال: «مَنْ أَدْرَكَهُ الْكِبَرُ فَلم يَسْتَطِعْ أَنْ يَصُومَ رَمَضَانَ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يوم مُدٌّ مِنْ قَمْحٍ»، وإسناده ضعيف.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢٢٣).\n(^٣) إسناده حسن: أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢٢٣).\n(^٤) قال ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٣٩٦): وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ; لِأَنَّهُ تَرَكَ الصَّوْمَ لِعَجْزِهِ، فَلم تَجِبْ فِدْيَةٌ، كَمَا لَوْ تَرَكَهُ لمرَضٍ اتَّصَلَ بِهِ الموْتُ. وانظر: «بداية المجتهد» (١/ ٣٠١).","vol":"1","page":125},{"text":"فلهما أن يفطرا ويطعما لكل يوم مسكينًا، فإن كانا عاجزين عن الإطعام، فلا شيء عليهما؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.\nوأما قول مالك: (لا فدية عليهما)؛ فلأن الله أوجب الفدية على المطيق للصوم بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ وهو لا يطيق فلا تلزمه فديةٌ، وأيضًا: فإن هذه الآية منسوخة عند جمهور العلماء. وما ورد عن أنس بن مالك وغيره فعلى وجه الاستحباب، فهذا القول له وجهته، والله أعلم بالصواب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-88> المبحث الخامس: هل يباح الفطر لأصحاب الأعمال الشاقة؟</span>\nهل يجوز لأصحاب الأعمال الشقة أن يفطروا في رمضان كالذين يعملون في مصانع الحديد والصلب ونحو ذلك من الأعمال الشاقة؟\nالجواب: أفتى الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد، وعبد العزيز بن باز (^١) فقالا:\nالأصل وجوب صوم رمضان، وتبييت النية له من جميع المكلفين من المسلمين، وأن يصبحوا صائمين إلا من رخص لهم الشارع بأن يصبحوا مفطرين، وهم المرضى والمسافرون ومن في معناهم، وأصحاب الأعمال الشاقة داخلون في عموم المكلفين وليسوا في معنى المرضى والمسافرين، فيجب عليهم تبييت نية صوم رمضان وأن يصبحوا صائمين، ومن اضطر منهم للفطر أثناء النهار فيجوز له أن يفطر بما يدفع اضطراره ثم يمسك بقية يومه ويقضيه في الوقت المناسب، ومن لم تحصل لهم ضرورة وجب عليه الاستمرار في الصوم، هذا ما تقتضيه الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة وما دل عليه كلام المحققين من أهل العلم من جميع المذاهب.\nوعلى ولاة أمور المسلمين الذين يوجد عندهم أصحاب الأعمال الشاقة أن ينظروا في أمرهم إذا جاء رمضان فلا يكلفوهم من العمل إن أمكن ما يضطرهم إلى الفطر في نهار رمضان، بأن يجعل العمل ليلًا أو توزيع ساعات العمل في النهار بين العمال توزيعًا عادلًا يوفقون به بين العمل والصيام.\n_________\n(^١) فتاوى الصيام (ص ١٨٥، ١٨٦).","vol":"1","page":126},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-89> المبحث السادس: من يجب عليه الفطر ويحرم عليه الصوم؟</span>\nوفيه مطالب:\n\n•<span data-type='title' id=toc-90> المطلب الأول: يحرم الصوم على الحائض والنفساء، ويجب عليهما الفطر، وذلك لما ثبت في «الصحيحين» (^١) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لم تُصَلِّ وَلم تَصُمْ؟».</span>\nولما ثبت في «الصحيحين» (^٢) عَنْ مُعَاذَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَتَقْضِي إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ.\nقال النووي: أما الحائض والنفساء فلا يجب عليهما الصوم؛ لأنه لا يصح منهما.\n\n•<span data-type='title' id=toc-91> المطلب الثاني: يجب الفطر على من غلبه الجوع والعطش فخاف الهلاك.</span>\nقال النووي (^٣): قال أصحابنا وغيرهم: من غلبه الجوع والعطش فخاف الهلاك، لزمه الفطر وإن كان صحيحًا مقيمًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾: ويلْزَمُه القضاء كالمريض، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-92> المطلب الثالث: لو رأى الصائم في رمضان مشرفًا على الهلاك ولا يمكنه تخليصه إلا بالفطر، وجب عليه الإفطار:</span>\nقال النووي (^٤): قالوا: لو رأى الصائم في رمضان مشرفًا على الغرق ونحوه، ولم يمكنه تخليصه إلا بالفطر ليتقوى، فأفطر لذلك، جاز، بل هو واجب عليه، ويلْزَمُه القضاء.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٥٠)، ومسلم (١١٤٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥).\n(^٣) «المجموع» (٦/ ٢٥٨).\n(^٤) «المجموع» (٦/ ٣٢٩).","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-93>الفصل السادس مفسدات الصوم</span>\nتنقسم المفطرات إلى ثلاثة أقسام:\n• القسم الأول: المفطرات بالداخل إلى الجسم، وفيه مباحث.\n• المبحث الأول: الداخل إلى الجسم عن طريق الفم، وفيه مطالب:\n• المطلب الأول: الأكل والشرب عامدًا.\n• المطلب الثاني: من أكل أو شرب ناسيًا.\n• المطلب الثالث: الطعام الذي يُخرجه الإنسان من بين أسنانه إن تعمد ابتلاعه.\n• المطلب الرابع: بَلْع الريق هل يفطر الصائم؟\n• المبحث الثاني: الداخل إلى الجسم عن طريق الأنف، وفيه:\n• المضمضة والاستنشاق إذا وصل الماء إلى حلقه من غير قصد، وما يتعلق بهما من أحكام\n• المبحث الثالث: الداخل إلى الجسم عن طريق العين:\n• أي هل الكحل يفطر الصائم؟\n• المبحث الرابع: الداخل إلى الجسم عن طريق الحقن.\n• القسم الثاني: المفطرات بالخارج من الجسم، وفيه مباحث:\n• المبحث الأول: الجماع وإنزال المني وما يتعلق بهما من أحكام.\n• المبحث الثاني: الحيض والنفاس.\n• المبحث الثالث: القيء.\n• المبحث الرابع: الحجامة.\n• القسم الثالث: مفطرات أخرى، وفيه مبحثان:\n• المبحث الأول: من ارتد فقد أفطر.\n• المبحث الثاني: من نوى الإفطار فقد أفطر.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-94>القسم الأول المفطرات بالداخل إلى الجسم</span>\nوفيه مباحث:\n\n•<span data-type='title' id=toc-95> المبحث الأول: الداخل إلى الجسم عن طريق الفم، وفيه مطالب:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-96> المطلب الأول: الأكل والشرب عامدًا.</span>\nقال ابن عبد البر: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلماءُ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَنَ الصَّبَاحَ، لم يَجُزْ لَهُ الْأَكْلُ وَلَا الشُّرْبُ بَعْدَ ذَلِكَ (^١).\nقال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فدلت هذه الآية على أنه لا يجوز الأكل ولا الشرب من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.\nوفي الحديث «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي»، فمن لم يذر الطعام والشراب والشهوة لله فليس بصائم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-97> المطلب الثاني: من أكل أوشرب ناسيًا، فهل عليه القضاء.</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن من أكل أو شرب ناسيًا فلا قضاء عليه، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد (^٢).\nواستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (^٣)، عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله:\n_________\n(^١) «التمهيد» (١٠/ ٦٣).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ٩٠)، «المجموع» (٦/ ٣٢٤).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٣٣)، ومسلم (١١٥٥)، وروى أحمد في «المسند» (٦/ ٣٦٧) وعبد بن\nحميد (١٥٨٨) وغيرهما، عن أُمِّ إِسْحَاقَ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُتِىَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَأَكَلَتْ مَعَهُ وَمَعَهُ ذُو الْيَدَيْنِ، فَنَاوَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَرْقًا فَقَالَ: «يَا أُمَّ إِسْحَاقَ أَصِيبِى مِنْ هَذَا». فَذَكَرْتُ أَنِّى كُنْتُ صَائِمَةً فَبَرَّدْتُ يَدِى لَا أُقَدِّمُهَا وَلَا أُؤَخِّرُهَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا لَكِ؟». قَالَتْ كُنْتُ صَائِمَةً فَنَسِيتُ. فَقَالَ ذُو الْيَدَيْنِ: الآنَ بَعْدَ مَا شَبِعْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَتِمِّي صَوْمَكِ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْكِ» قلت: وفي إسناده (بشار بن عبد الملك) ضعيف، و(أم حكيم بنت دينار) مجهولة.","vol":"1","page":129},{"text":"«مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ».\nوجه الدلالة: «فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ»، وإذا كان أطعمه الله وسقاه فلا قضاء عليه.\nوروى ابن خزيمة (^١) عن أبي هريرة ﵁. أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ».\nأما دليلهم من المأثور: فعن سَعِيد المقبري أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أبا هريرة ﵁ فَقال: أَكَلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قال: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ. قال: شَرِبْتُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قال: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ. قال: فَأَكَلْتُ كَذَا وَكَذَا وَأَنَا صَائِمٌ؟ قال: يَا بُنَيَّ أَنْتَ لم تَعْتَدِ الصِّيَامَ (^٢).\n• القول الآخر: ذهب مالك إلى أن من أكل أو شرب ناسيًا في صيام واجب؛ فعليه القضاء.\nواستدل لذلك بالقياس على الصلاة، فكما أن من نام عن صلاة أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها، فكذلك من نسِى فأكل أو شرِب فيرفع عنه الإثم وعليه القضاء.\nواعْتُرِضَ عَليه بأن هذا القياس لا يُقبل مع وجود النص.\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه ابن خزيمة (١٩٩٠)، وابن حبان (٣٥٢١)، والدارقطني في «السنن» (٢/ ١٧٨) وقال: تفرد به الأنصارى، عن محمد بن عمرو، وكلهم ثقات، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٣٠)، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه بهذه السياقة، ووافقه الذهبى. والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ٢٢٦). كلهم من طريق محمد بن عبد الله الأنصارى، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٥٧، ٥٨): رواه الطبراني في «الأوسط». وفيه محمد بن عمرو وهو حسن الحديث.\n(^٢) «المطالب العالية» (١١٢٣). قال مسدد: حدثني يحيي، عن ابن عجلان، حدثني سعيد المقبري أن رجلًا سأل أبا هريرة … به. وابن عجلان في روايته عن سعيد المقبري مقال.","vol":"1","page":130},{"text":"واستدلوا أيضًا: بأنه على أصل الإمام مالك، بأن خبر الواحد إذا خالف القاعدة لم يُعمَل به، والقاعدة عندهم بأنه يسقط الإثم عن الناسي ولا يسقط القضاء، وخبر أبي هريرة ﵁ خبر واحد، فإذا كان يسقط القضاء ويخالف القاعدة فلا يُعمل به.\nواعْتُرِضَ عَليه بما قاله الحافظ ابن حجر: وَأَمَّا الْقِيَاسُ الَّذِي ذَكَرَهُ اِبْنُ الْعَرَبِيِّ فَهُوَ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُقْبَلُ، وَرَدُّهُ لِلْحَدِيثِ مَعَ صحتِهِ بِكَوْنِهِ خَبَرَ وَاحِدٍ خَالَفَ الْقَاعِدَةَ لَيْسَ بِمُسَلم؛ لِأَنَّهُ قَاعِدَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِالصِّيَامِ، فَمَنْ عَارَضَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّلَاةِ أَدْخَلَ قَاعِدَةً فِي قَاعِدَةٍ، وَلَوْ فُتِحَ بَابُ رَدِّ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَة بِمِثْلِ هَذَا لما بَقِيَ مِنَ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَفِي الْحَدِيثِ لُطْفُ اللَّهِ بِعِبَادِهِ وَالتَّيْسِير عَلَيْهِمْ وَرَفْعُ المشَقَّةِ وَالْحَرَجِ.\nالراجح في المسألة: أن من أكل أو شرب ناسيًا لا يفسد صومه وليس عليه القضاء؛ لما في «الصحيحين» من حديث أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ».\n\n•<span data-type='title' id=toc-98> المطلب الثالث: الطعام الذي يُخرجه الإنسان من بين أسنانه، إن تعمد ابتلاعه، هل يفسد صومه؟</span>\nقال ابن قدامة (^١): وَمَنْ أَصْبَحَ بَيْنَ أَسْنَانِهِ طَعَامٌ لم يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا لَا يُمْكِنْهُ لَفْظُهُ فَازْدَرَدَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِهِ؛ لأنه لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَأَشْبَهَ الرِّيقَ. قال ابْنُ المنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلم.\nالحالة الثانية: أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا يُمْكِنُ لَفْظُهُ، فَإِنْ لَفَظَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ ازْدَرَدَهُ عَامِدًا، فَسَدَ صَوْمُهُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلم.\nقال الشافعي (^٢): نُفَطِّرُهُ بِمَا بين أَسْنَانِهِ إذَا كان يَقْدِرُ على طَرْحِهِ.\nقال ابن حزم: وَقَالَ الْحَنَفِيُّونَ، وَالمالِكِيُّونَ: مَنْ خَرَجَ - وَهُوَ صَائِمٌ - مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ شَيْءٌ مِنْ بَقِيَّةِ سَحُورِهِ كَالْجَذِيذَةِ وَشَيْءٌ مِنَ اللَّحْمِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَبَلَعَهُ، عَامِدًا لِبَلْعِهِ ذَاكِرًا\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٣٦٠).\n(^٢) «الأم» (٢/ ١٤٣، ١٤٤).","vol":"1","page":131},{"text":"لِصَوْمِهِ، فَصَوْمُهُ تَامٌّ، وَمَا نَعْلم هَذَا الْقَوْلَ لِأَحَدٍ قَبْلَهُمَا! وَاحْتَجَّ بَعْضُهُمْ لِهَذَا الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَيْءٌ قَدْ أُكِلَ بَعْدُ، وَإِنَّمَا حَرُمَ مَا لم يُؤْكَلْ! فَكَانَ الِاحْتِجَاجُ أَسْقَطَ وَأَوْحَشَ مِنَ الْقَوْلِ المحْتَجِّ لَهُ وَمَا عَلمنَا شَيْئًا أُكِلَ فَيُمْكِنُ وُجُودُهُ بَعْدَ الْأَكْلِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَيْئًا أَوْ عَذِرَةً وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْبَلَاءِ.\nوقال: وَإِنَّمَا الْحَقُّ الْوَاضِحُ فَإِنَّ كُلَّ مَا سُمِّيَ أكلًا - أَيُّ شَيْءٍ كَانَ - فَتَعَمُّدُهُ يُبْطِلُ الصَّوْمَ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-100> المطلب الرابع: بَلْع الريق لا يُفطر بالإجماع:</span>\nقال ابن حزم ﵀: وَأَمَّا الرِّيقُ - فَقَلَّ أَوْ كَثُرَ - فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ تَعَمُّدَ ابْتِلَاعَهُ لَايَنْقُضُ الصَّوْمَ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-99> المبحث الثاني: الداخل إلى الجسم من طريق الأنف:</span>\nوفيه: (المضمضة والاستنشاق للصائم، وما يتعلق بهما من أحكام).\n\n•<span data-type='title' id=toc-101> المطلب الأول: المضمضة والاستنشاق لا تفطر بالنص والإجماع.</span>\nعن لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (^٣).\nقال ابن قدامة ﵀: وَلَا يُفْطِرُ بِالمضْمَضَةِ بِغَيْرِ خِلَافٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِي الطَّهَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-102> المطلب الثاني: من تمضمض أو استنشق في الطهارة ولم يبالغ فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف، ماذا عليه؟</span>\n• القول الأول: قال ابن قدامة: وَإِنْ تَمَضْمَضَ، أَوْ اسْتَنْشَقَ فِي الطَّهَارَةِ، فَسَبَقَ الماءُ إلَى\n_________\n(^١) «المحلى» (٦/ ١٧٦).\n(^٢) «المحلى» (٦/ ١٧٦).\n(^٣) أخرجه أحمد (٤/ ٣٢، ٣٣)، وأبو داود (٢٣٦٦)، والترمذي (٧٨٨)، والنسائي (١/ ٦٦)، وابن ماجه (٤٠٧)، وغيرهم عن إسماعيل بن كثير المكى، عن عاصم بن لقيط بن صبرة، عن أبيه مرفوعًا.\nقلت: وفى إسناده عاصم بن لقيط بن صبرة، روى عن أبيه لقيط بن صبرة، وعنه أبو هشام إسماعيل بن كثير المكى، قال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في الثقات، له عندهم حديث واحد، في المبالغة في الاستنشاق. فالراجح أن عاصم بن لقيط مجهول، والنسائي يوثق بعض المجاهيل.\n(^٤) «المغني» (٤/ ٣٥٦).","vol":"1","page":132},{"text":"حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا إسْرَافٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَبِهِ قال الْأَوْزَاعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَلَنَا أَنَّهُ وَصَلَ إلَى حَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ وَلَا قَصْدٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ طَارَتْ ذُبَابَةٌ إلَى حَلْقِهِ، وَبِهَذَا فَارَقَ المتَعَمِّدَ.\nقال النووي (^١): قال الحسن البصرى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: لا يبطل مطلقًا.\n• القول الآخر: قال مالك، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُفْطِرُ؛ لأنه أَوْصَلَ الماءَ إلَى جَوْفِهِ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ، فَأَفْطَرَ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ شُرْبَهُ (^٢).\nقال النووي: قال ببطلان الصوم مطلقًا مالك وأبو حنيفة والمزنى، قال الماوردي: هو قول أكثر الفقهاء (^٣).\nوالراجح والله أعلم: أن من تمضمض أو استنشق وهو صائم، فسبق الماء إلى حلقه، من غير قصد، فأنه لا شيء عليه؛ لأنه غير عامد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-103> المطلب الثالث: إذا بالغ في المضمضة والاستنشاق فوصل شيء من الماء إلى حلقه ماذا عليه؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يفطر بذلك، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن الحنابلة (^٤). وذهب الحنابلة في رواية إلى أنه لا يفطر بذلك (^٥).\nقال ابن قدامة ﵀: فَأَمَّا إنَّ أَسْرَفَ فَزَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، أَوْ بَالَغَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، فَقَدْ فَعَلَ مَكْرُوهًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ: «وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»،\n_________\n(^١) «المجموع» (٦/ ٣٢٧).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٥٦).\n(^٣) «المجموع» (٦/ ٣٢٧).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٥)، «مواهب الجليل» (٣/ ٣٥٠)، «تحفة المحتاج» (١/ ٥١٢)، «الإنصاف» (٧/ ٤٣٤)، والمالكية عندهم إذا تمضمض فوصل الماء إلى حلقه يفطر، سواء بالغ أم لا.\n(^٥) «كشاف القناع» (٣/ ٩٨١)، «شرح المنتهى» (٢/ ٣٦٥).","vol":"1","page":133},{"text":"وَلِأَنَّهُ يَتَعَرَّضُ بِذَلِكَ لِإِيصَالِ الماءِ إلَى حَلْقِهِ، فَإِنْ وَصَلَ إلَى حَلْقِهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُعِيدَ الصَّوْمَ. وَهَلْ يُفْطِرُ بِذَلِكَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: يُفْطِرُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ المبَالَغَةِ حِفْظًا لِلصَّوْمِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُفْطِرُ بِهِ، وَلِأَنَّهُ وَصَلَ بِفِعْلٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ التَّعَمُّدَ.\nوالثانى: لَا يُفْطِرُ بِهِ; لِأَنَّهُ وَصَلَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ.\n• الحاصل في المسألة:\nأولًا: لا تفطر المضمضة والاستنشاق بالنص والإجماع.\nثانيًا: من تمضمض أو استنشق في الطهارة فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف، فلا شيء عليه.\nثالثًا: إذا تمضمض أو استنشق فبالغ في ذلك فوصل الماء إلى حلقه من غير قصد، فقد فعل مكروهًا، وخالف أمر النبي ﷺ حيث قال: «وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» ولا يفطر بذلك؛ لأنه غير عامد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-104> المبحث الثالث: الداخل إلى الجسم عن طريق العين، وفيه: هل يباح الكحل للصائم؟</span>\nللعلماء في ذلك قولان:\n• القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية وابن حزم إلى أنه لا بأس بالكحل للصائم، حتى وإن وجد طعمه في حلقه، لأنه ليس للعين منفذ إلى الجوف (^١).\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول:\nأما دليلهم من السنة: فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اشْتَكَتْ عَيْنِي أَفَأَكْتَحِلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ» (^٢).\n_________\n(^١) قال الكاساني «بدائع الصنائع» (٢/ ١٠٦): وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكْتَحِلَ الصَّائِمُ بِالْإِثْمِدِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ فَعَلَ لَا يُفْطِرُهُ، وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلماءِ. انظر: «المبسوط» (٣/ ٦٧)، و«روضة الطالبين» (٢/ ٢٢١)، و«تحفة المحتاج» (١/ ٥١٣)، و«المحلى» (٦/ ٢٠٣).\n(^٢) ضعيف: أخرجه الترمذي (٧٢٦) وغيره، وفي إسناده: أبو عاتكة ضعيف، قال أبو عيسى: حديث أنس حديث ليس إسناده بالقوى، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب حديث.","vol":"1","page":134},{"text":"وعن عائشة قالت: «اكْتَحَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ» (^١).\nوأما دليلهم من المأثور: فإن أنسًا كان يكتحل وهو صائم (^٢).\nوقال عطاء: «لَا بَأْسَ بِالْكُحْلِ لِلصَّائِمِ» (^٣).\n• القول الثاني: ذهب المالكية والحنابلة إلى أنه لا بأس بالكحل ما لم يدخل إلى حلقه، فإن وجد طعمه في حلقه أفطر (^٤)، لأن الداخل من العين يفطر إذا تحقق وصوله إلى الحلق.\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:\nأما من السنة: فعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ هَوْذَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ المرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ وَقَالَ: «لِيَتَّقِهِ الصَّائِمُ» (^٥).\nوأما من المأثور: فقال عبد الرزاق: عن ابن التيمي أن أباه، ومنصور بن المعتمر، وابن أبى ليلى، وابن شبرمة - قالوا: إن اكتحل الصائم فعليه أن يقضي يومًا مكانه. قال:\nوكان أبوه يكره الكحل للصائم (^٦).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (١٦٧٨) قلت: وفى إسناده الزبيدى وهو ضعيف، وبقية مدلس.\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٩٢٧٢).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٤٦، ٤٧)، و«المصنف» لعبد الرزاق (٧٥١٤)، وروى أبو داود (٢٣٧٩) بسند حسن عَنْ الْأَعْمَشِ قَالَ: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أصحابنا يَكْرَهُ الْكُحْلَ لِلصَّائِمِ». في إسناده: يحيى بن عيسى، صدوق.\n(^٤) «المدونة» (١/ ١٧٧)، «شرح الخرشي» (٣/ ٣٣). قال ابن قدامة: فَأَمَّا الْكُحْلُ، فَمَا وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، أَوْ عَلم وُصُولَهُ إلَيْهِ، فَطَّرَهُ، وَإِلَّا لم يُفَطِّرْهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. «المغني» (٤/ ٣٥٣). انظر: «مسائل عبد الله» (٢/ ٦٤٤).\n(^٥) ضعيف: أخرجه أبو داود (٢٣٧٧)، وأخرجه أحمد (٣/ ٤٧٦، ٤٩٩)، وليس فيه ذكر «وليتقه الصائم»، والطبراني في «الكبير» (٢٠/ ٨٠٢). قلت: وفى إسناده النعمان بن معبد، وهو مجهول.\nقال أبو داود: قال لى يحيى بن معين: هو حديث منكر.\n(^٦) صحيح: عبد الرزاق «المصنف» (٧٥١٧).","vol":"1","page":135},{"text":"قال عبد الرزاق، عن الثوري: «إنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الكُحْلَ لِلْصاَئِمْ» (^١).\nوالراجح: أن ما يدخل في العين لا يؤثر في الصوم ولو وجد طعمه في حلقه؛ لأن العين ليست منفذًا ظاهرًا من منافذ الجوف، مثلها مثل الأذن (^٢).\nقال شيخ الإسلام (^٣): وَإِذَا كَانَتْ الْأَحْكَامُ الَّتِي تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَهَا الرَّسُولُ ﷺ بَيَانًا عَامًّا، وَلَا بُدَّ أَنْ تَنْقُلَ الْأُمَّةُ ذَلِكَ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ الْكُحْلَ وَنَحْوَهُ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَمَا تَعُمُّ بِالدُّهْنِ وَالِاغْتِسَالِ وَالْبَخُورِ وَالطِّيبِ، فَلَوْ كَانَ هَذَا مِمَّا يُفْطِرُ لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَمَا بَيَّنَ الْإِفْطَارَ بِغَيْرِهِ فَلما لم يُبَيِّنْ ذَلِكَ عُلم أَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الطِّيبِ وَالْبَخُورِ وَالدُّهْنِ، وَالْبَخُورُ قَدْ يَتَصَاعَدُ إلَى الْأَنْفِ وَيَدْخُلُ فِي الدِّمَاغِ وَيَنْعَقِدُ أَجْسَامًا، وَالدُّهْنُ يَشْرَبُهُ الْبَدَنُ وَيَدْخُلُ إلَى دَاخِلِهِ وَيَتَقَوَّى بِهِ الْإِنْسَانُ، وَكَذَلِكَ يَتَقَوَّى بِالطِّيبِ قُوَّةً جَيِّدَةً، فَلما لم يَنْهَ الصَّائِمَ عَنْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى جَوَازِ تَطْيِيبِهِ وَتَبْخِيرِهِ وَادِّهَانِهِ وَكَذَلِكَ اكْتِحَالُهُ.\nوإلى ذلك ذهب المجمع الفقهي في دورته العاشرة (^٤).\nوعلى ذلك فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-105> المبحث الرابع: الداخل إلى الجسم عن طريق الحقن:</span>\n• وفيه: هل الحقنة (^٦) تفطر الصائم؟\n• ذهب جمهور العلماء إلى أن الحقنة تفطر الصائم (^٧).\n_________\n(^١) عبد الرزاق «المصنف» (٧٥١٨).\n(^٢) «الفتاوى» (٢٥/ ٢٣٣).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٤٢).\n(^٤) «قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي» (ص ٢١٣).\n(^٥) «فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء» (١٠/ ٢٥٠) رقم (٧٣٥١).\n(^٦) قال ابن منظور: والحُقْنةُ هي: أَنْ يُعطَى المريضُ الدواءَ من أَسفلِه وهي معروفة عند الأَطِبّاء. «لسان العرب» (٢/ ٩٤٦).\n(^٧) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٩)، «المدونة» (١/ ٣٨٧)، «الحاوي» (٣/ ٣١٩)، «الإنصاف» (٤/ ٣٥٣)، «المغني» (٤/ ٣٥٣).","vol":"1","page":136},{"text":"قال النووي: الْحُقْنَةُ مُفْطِرَةٌ عِنْدَنَا وَنَقَلَهُ ابْنُ المنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ والثَّوْرِيِّ وأبي حَنيِفَةَ وأحمد وإسحاق وَحَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ وَسَائِرُ أَصْحَابِنَا أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ، وَنَقَلَهُ المتَوَلِّي عَنْ عَامَّةِ الْعُلماءِ، وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَدَاوُد: لَا يُفْطِرُ (^١).\nقال شيخ الإسلام (^٢): وَأَمَّا الْكُحْلُ وَالْحُقْنَةُ وَمَا يُقْطَرُ فِي إحْلِيلِهِ وَمُدَاوَاةُ المأْمُومَةِ\n_________\n(^١) «المجموع» (٦/ ٣٢٤). قال الشافعي: إن احتقن أو داوى جرحه حتى يصلَ إلى جوفه، أو استعطى حتى يصلَ إلى جوف رأسه، فقد أفطر وإن كان ذاكرًا، ولاشيء عليه إذا كان ناسيًا.\nقال في «الإنصاف» (٣/ ١٩٩): أو احتقن أو داوى الجائفة بما يصل إلى جوفه فسد صومه، وهو المذهب وعليه الأصحاب.\n(^٢) «الفتاوى» (٢٥/ ٢٣٣). وتتمة ما قاله شيخ الإسلام: وَاَلَّذِينَ قَالُوا: إنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ تُفْطِرُ، كَالْحُقْنَةِ وَمُدَاوَاةِ المأْمُومَةِ وَالْجَائِفَةِ، لم يَكُنْ مَعَهُمْ حُجَّةٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ بِمَا رَأَوْهُ مِنَ الْقِيَاسِ، وَأَقْوَى مَا احْتَجُّوا بِهِ قَوْلُهُ: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» قَالُوا: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَا وَصَلَ إلَى الدِّمَاغِ يُفْطِرُ الصَّائِمَ إذَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَعَلَى الْقِيَاسِ كُلُّ مَا وَصَلَ إلَى جَوْفِهِ بِفِعْلِهِ مِنْ حُقْنَةٍ وَغَيْرِهَا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِ الطَّعَامِ وَالْغِذَاءِ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ حَشْوِ جَوْفِهِ. وَإِذَا كَانَ عُمْدَتُهُمْ هَذِهِ الْأَقْيِسَةَ وَنَحْوَهَا لم يَجُزْ إفْسَادُ الصَّوْمِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ لِوُجُوهِ:\nأَحَدُهَا: أَنَّ الْقِيَاسَ وَإِنْ كَانَ حُجَّةً - إذَا اُعْتُبِرَتْ شُرُوطُ صحتِهِ - فَقَدْ قُلْنَا فِي الْأُصُولِ: إنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ كُلَّهَا بَيَّنَتْهَا النُّصُوصُ أَيْضًا، وَإِنْ دَلَّ الْقِيَاسُ الصَّحِيحُ عَلَى مِثْلِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ دِلَالَةً خَفِيَّةً، فَإِذَا عَلمنَا بِأنَّ الرَّسُولَ لم يُحَرِّمْ الشَّيْءَ وَلم يُوجِبْهُ، عَلمنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا وَاجِب، وَأَنَّ الْقِيَاسَ المثْبِتَ لِوُجُوبِهِ وَتَحْرِيمِهِ فَاسِدٌ، وَنَحْنُ نَعْلم أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِفْطَارِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْضُ أَهْلِ الْفِقْهِ، فَعَلمنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مُفْطِرَةً.\nالثَّانِي: أَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي تَحْتَاجُ الْأُمَّةُ إلَى مَعْرِفَتِهَا لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَهَا الرَّسُولُ ﷺ بَيَانًا عَامًّا، وَلَا بُدَّ أَنْ تَنْقُلَهَا الْأُمَّةُ، فَإِذَا انْتَفَى هَذَا عُلم أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ دِينِهِ، وَهَذَا كَمَا يُعْلم أَنَّهُ لم يَفْرِضْ صِيَامَ شَهْرٍ غَيْرِ رَمَضَانَ، وَلَا حَجَّ بَيْتٍ غَيْرِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَلَا صَلَاةً مَكْتُوبَةً غَيْرَ الْخَمْسِ.\nالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إثْبَاتُ التَّفْطِيرِ بِالْقِيَاسِ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ صحيحًا، وَذَلِكَ إمَّا قِيَاسُ عِلَّةٍ بِإِثْبَاتِ الْجَامِعِ، وَإِمَّا بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ، فَإِمَّا أَنْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ فَيُعَدَّى بِهَا إلَى الْفَرْعِ، وَإِمَّا أَنْ يُعْلم أَنْ لَا فَارِقَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْأَوْصَافِ المعْتَبَرَةِ فِي الشَّرْعِ، وَهَذَا الْقِيَاسُ هُنَا مُنْتَفٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَدِلَّةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ المفَطِّرَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مُفَطِّرًا هُوَ مَا كَانَ وَاصِلًا إلَى دِمَاغٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ مَا كَانَ داخلًا مِنْ مَنْفَذٍ أَوْ وَاصِلًا إلَى الْجَوْفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ المعَانِي الَّتِي يَجْعَلُهَا أصحاب هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ هِيَ مَنَاطَ الْحُكْمِ عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.","vol":"1","page":137},{"text":"وَالْجَائِفَةِ، فَهَذَا مِمَّا تَنَازَعَ فِيهِ أَهْلُ الْعِلم؛ فَمِنْهُمْ مَنْ لم يُفَطِّرْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَطَّرَ بِالْجَمِيعِ لَا بِالْكُحْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَطَّرَ بِالْجَمِيعِ لَا بِالتَّقْطِيرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لم يُفَطِّرْ بِالْكُحْلِ وَلَا بِالتَّقْطِيرِ وَيُفَطِّرُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ.\nوَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِشَيْءِ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الصِّيَامَ مِنْ دِينِ المسْلمينَ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ الْخَاصُّ وَالْعَامُّ، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ مِمَّا حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فِي الصِّيَامِ وَيَفْسُدُ الصَّوْمُ بِهَا، لَكَانَ هَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ بَيَانُهُ، وَلَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ لَعَلمهُ الصَّحَابَةُ وَبَلَّغُوهُ الْأُمَّةَ كَمَا بَلَّغُوا سَائِرَ شَرْعِهِ، فَلما لم يَنْقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلم عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ لَا حَدِيثًا صَحِيحًا وَلَا ضَعِيفًا وَلَا مُسْنَدًا وَلَا مُرْسَلًا - عُلم أَنَّهُ لم يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ.\n* * *","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-106>القسم الثاني المفطرات بما يخرج من الجسم</span>\nوفيه مباحث:\n\n•<span data-type='title' id=toc-107> المبحث الأول: الجماع،</span> وفيه مطالب:\n•<span data-type='title' id=toc-108> المطلب الأول: حكم الجماع عامدًا في نهار رمضان:</span>\nاتفق العلماء على تحريم الجماع في نهار رمضان على الصائم، إذا كان متعمدًا، ذاكرًا لصومه، وأنه ناقض للصوم، موجب للكفارة (^١)، وقد حكى ابن المنذر (^٢) وغيره (^٣) الإجماع على ذلك.\nودلَّ على ذلك الكتاب والسنة:\nأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٧٢).\n(^٢) «الإقناع» لابن المنذر (١/ ١٩٣).\n(^٣) كالماوردي والبغوي والنووي وابن قدامة وغيرهم. انظر: «الحاوي» (٣/ ٤٢٤)، قال الرافعي: الجماع مبطل للصوم بالإجماع. وانظر: «المغني» (٤/ ٣٧٢)، و«المجموع» (٦/ ٣٢١).\nقال النووي: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْجِمَاعِ فِي الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ عَلَى الصَّائِمِ، وَعَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ يُبْطِلُ صَوْمَهُ لِلْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَلِأَنَّهُ مُنَافٍ لِلصَّوْمِ فَأَبْطَلَهُ كَالْأَكْلِ، وَسَوَاءٌ أَنْزَلَ أَمْ لَا، فَيَبْطُلُ صَوْمُهُ فِي الْحَالَيْنِ بِالْإِجْمَاعِ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ وَلِحُصُولِ المنَافِي وَلَوْ لَاطَ بِرَجُلٍ أَوْ صبي أو أولج في قُبُل بهمية أَوْ دُبُرِهَا بَطَلَ صَوْمُهُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا، سواء أنزل أم لا.","vol":"1","page":139},{"text":"دلت الآية على إباحة الجماع للصائم في ليالى الصوم حتى يتبيَّن الفجر، وأنه محرم عليه في النهار.\nوأما الأدلة من السنة فكثيرة، منها: ما رواه البخاري ومسلم (^١) عن أبى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه هَلَكْتُ!! قَالَ: «مَا لَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ!! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قال: لَا. فَقال: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قال: لَا. قال: فَمَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهَا تَمْرٌ - وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ - قال: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» فَقال: أَنَا. قَالَ: «خُذْهَا فَتَصَدَّقْ بِهِ». فَقال الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ الله؟ فَوَالله مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا - يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ - أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي!! فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».\nقال البغوى (^٢): ذهب عامة أهل العلم إلى أن عليه الكفارة إذا أفسد صومه بالجماع، على ما ورد في الحديث.\n\n•<span data-type='title' id=toc-109> المطلب الثاني: إنزال المنى بغير الجماع: وفيه مسائل:</span>\n• المسألة الأولى: حكم من قَبل امرأته في نهار رمضان فأنزل أو استمنى بيده.\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوالٍ:\nالأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن من قبَّل امرأته في نهار رمضان أو استمنى بيده فأنزل، أنه عليه القضاء، وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^٣).\nواستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (^٤) عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٣٦) ومسلم (١١١١).\n(^٢) «شرح السنة» (٦/ ٢٨٤).\n(^٣) «فتح القدير» (٤/ ٣٦١)، «المدونة» (١/ ١٧٥)، «الحاوي» (٣/ ٢٩٧)، و«المغني» (٤/ ٣٦١) ولكن قال مالك: عليك مع القضاء والكفارة.\n(^٤) «) أخرجه البخاري (١٨٩٤)، ومسلم (١١٥١)، (١٦٤).","vol":"1","page":140},{"text":"«يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي».\nدل ذلك: على أن الصائم مأمورٌ بترك الأكل، والشرب، والشهوة، ومن قبَّل أو استمنى، فأنزل؛ فإنه لم يَدَع الشهوة (^١).\n• القول الآخر: ذهب ابن حزم إلى أن من قَبَّل امرأته أو استمنى بيده، فأنزل، أنه لا قضاء عليه ولا كفارة (^٢).\nواستدل لذلك ببراءة الذمة، أو استصحاب العدم الأصلي، وهو أنه لم يَرد دليل يوجب على من قبَّل أو استمنى فأنزل - قضاءً ولا كفارةً، إذ أن أصول المفطرات ثلاثة: الأكل والشرب والجماع، وهذا ليس منها.\nقال ابن حزم: وَأَمَّا الِاسْتِمْنَاءُ: فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ نَصٌّ بِأَنَّهُ يَنْقُضُ الصَّوْمَ وَالْعَجَبُ كُلُّهُ مِمَّنْ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ بِفِعْلِ قَوْمِ لُوطٍ … ثُمَّ يَنْقُضُهُ بِمَسِّ الذَّكَرِ إذَا كَانَ مَعَهُ إمْنَاءٌ.\nواعترض عليه: بأن الدليل ورد بقوله «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي» والذى يستمني لم يدع الشهوة؛ لأن معنى شهوته في الحديث تعمُّ الجماع ونزول المني بقبلة أو استمناء.\nواستدلوا بما ورد عن جابر بن زيد أنه قال: «إِنْ نَظَرَ فَأَمْنَى يُتِمُّ صَوْمَهُ» (^٣).\nوهذا الأثر أورده البخاري ليستدل به على أن الاستمناء بسبب الشهوة لا ينقض الصوم، ولا فَرْقَ في الحكم بين النظر والمباشرة في كونها سببًا في الإنزال.\nوأُجِيبَ عن هذا: بأن هناك فَرقًا بين النظر وبين الاستمناء وبين الفكر، ولذلك قد\n_________\n(^١) والدليل على أن إخراج المنى شهوة قول الرسول ﷺ: «وَفِى بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِى أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِى حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِى الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ». والذى يُوضع هو المنى. انظر «الشرح الممتع» (٦/ ٣٨٧).\n(^٢) قال ابن حزم في «المحلى» (٦/ ٢٠٣): وَلَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ حِجَامَةٌ، وَلَا احْتِلَامٌ، وَلَا اسْتِمْنَاءٌ، وَلَا مُبَاشَرَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ الْمُبَاحَةَ لَهُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، تَعَمَّدَ الإِمْنَاءَ أَمْ لَمْ يُمْنِ.\n(^٣) أخرجه البخاري تعليقًا بصيغة الجزم (١/ ٣٣) باب القبلة للصائم ووصله ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٧٠).","vol":"1","page":141},{"text":"حكى الماوردي الإجماع على أنه من فكر بقلبه فأنزل فلا شاء عليه، ثم لو صح هذا الأثر فإنه لا يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة.\nالراجح في المسألة: أن إنزال المني بشهوة، سواء كان باستمناء، أو بقبلةٍ، يُفْطِرُ الصائم، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي».\nوالذى يستمني لم يدع الشهوة.\nوقد نُقل الإجماع على أن إنزال المنى بشهوة سواء كان بقبلةٍ أو باليد يفطر الصائم.\nقال ابن قدامة: إذَا قَبَّلَ فَأَمْنَى، فَيُفْطِرَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.\nوقال النووي: إذا استمنى بيده - وهو استخراج المني - أفطر بلا خلاف.\nقال الماوردي (^١): أَمَّا إِنْ وَطِئَ دُونَ الْفَرْجِ أَوْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فَلَمْ يُنْزِلْ، فَهُوَ عَلَى صَوْمِهِ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ. وَإِنْ أَنْزَلَ فَقَدْ أَفْطَرَ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ إِجْمَاعًا.\n• فتاوى معاصرة:\nالمسألة الأولى: حكم ما يسمى بالعادة السرية في نهار رمضان؟\nسئل فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين: في رمضان السابق وأنا صائم وقعت في العادة السرية، فماذا يجب عليَّ؟\nفأجاب: عليك أن تتوب إلى الله من هذه العادة؛ لأنها محرمة على أصح القولين لأهل العلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ٥ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ٦ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ٧﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧]، ولقول النبي ﷺ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».\nفأرشد الشباب الذين لا يستطيعون الباءة إلى الصوم، والصوم فيه نوع من المشقة بلا شكٍّ، ولو كانت العادة السرية جائزة لأرشد النبي ﷺ إليها؛ لأنها أهون على الشباب؛ ولأن فيها شيئًا من المتعة، وما كان النبي ﷺ يعدِل عن الأسهل إلى الأشق لو كان\n_________\n(^١) «الحاوي» (٣/ ٢٩٠).","vol":"1","page":142},{"text":"الأسهل جائزًا؛ لأنه كان من عادته ﷺ أنه ما خُير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. وعدول النبي ﷺ عن الأيسر في هذه المسألة يدلُّ على أنه ليس بجائز، أما بالنسبة لعمله وهو صائم في رمضان فإنه يزداد إثمًا؛ لأنه بذلك أفسد صومه؛ فعليه أن يتوبَ إلى الله توبتين: توبة من عمل العادة السرية، وتوبة لإفساد صومه، وعليه أن يقضِىَ هذا اليوم الذي أفسده.\n• أثر إخراج المني في الصوم:\nقال أسامة الخلاوي (^١): أما فيما يتعلق بالطريقة الأولى: وهي إخراج الحيوانات المنوية من العضو الذكري جراحيًّا أو سطحيًّا؛ فالظاهر أن هذه الطريقة بحد ذاتها لا تؤثر؛ لأنه ليس فيها إنزال للمني الذي نص الفقهاء على الإفطار بإنزاله، ولا تؤدي إلى لذة، وإنما هي عملية جراحية عادية، تستهدف إخراج الحيوانات المنوية، وقد تخرج دون الحاجة إلى المني ذاته.\nأما ما كان باستعمال الجهاز الهزاز، فهذا يفسد الصوم؛ لأنه يسبب الإنزال عن طريق استثارة الحشفة، ومن ثَم الإنزال، وبما أن هذه العملية لا تحتاج إلى مخدر، فإن المريض سيشعر باللذة، فتكون بمثابة الاستمناء، والاستمناء مفسد للصوم، وفارَقَ الاحتلام في أن الاستمناء مصاحب للذة وهو بإرادته، أما الاحتلام فمغلوب عليه.\nما كان عن طريق جهاز القذف الآلي، والذي يظهر لي أنها تفطر مع أن المريض الذي لا يزال محتفظًا بالإحساس أسفل منطقة البطن يُعطى مخدرًا عامًّا لئلا يشعر بالألم إلا أن خروج المني عندئذٍ وإن لم يكن بتلذذ وشهوة، إلا أنه خرج باختياره دفقًا، وليس هو عن مرض عارض، وإنما قَصَده المريض قصدًا، وكان بإمكانه تأخيره لليل أو لما بعد انقضاء أيام الصيام، فلم يشبه الاحتلام، وإنما هو كالطريقة السابقة في إفساد الصوم بسبب استدعاء خروج المني وقصده.\n_________\n(^١) «النوازل الفقهية المعاصرة» (ص ٣٦٢، ٣٦٣).","vol":"1","page":143},{"text":"المسألة الثانية: من نظر إلى امرأة فأنزل في نهار رمضان ماذا عليه؟\nأولًا: النظر إذا لم يقترن به إنزال، فلا يفسد الصوم بغير خلافٍ (^١).\nأما إذا نظر فأمنى، فاختلفوا في فساد الصوم على أقوالٍ:\n• القول الأول: قال جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَفْسُدُ صَوْمُ مَنْ نَظَرَ فَأَمْنَى؛ لأنه إنْزَالٌ عَنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ، أَشْبَهَ الْإِنْزَالَ بِالْفِكْرِ (^٢).\nواستدلوا بما ورد عن جابر بن زيد أنه قال: «إِنْ نَظَرَ فَأَمْنَى يُتِمُّ صَوْمَهُ».\nأورده البخاري للدلالة على الإمناء بسبب النظر لا ينقض الصوم.\nوبالقياس على الاحتلام بجامع انتفاء المباشرة (^٣).\n• القول الثانى: قال مالك: إن نظر فأنزل بأول نظرة، فعليه القضاء دون الكفارة، وإن كرَّرَ النظر فعليه القضاء والكفارة (^٤).\nواستدلوا لذلك بما رواه مسلم (^٥) قال النبي ﷺ: «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، ويُصَدِّقُ ذَلِكَ ويكذبهُ الفَرجُ».\nوجه الدلالة منه: المساواة بين النظر واللمس في حصول الزنا بهما، وإذا كانت العين تزني بالنظر، فكذا إذا نظر فأنزل فعليه القضاء والكفارة.\nواعْتُرِضَ عليه بما قاله الماوردي (^٦): هَذَا خَطَأٌ لِأَنَّ اللَّمْسَ إِذَا صَدَّقَهُ الْفَرْجُ صَارَ زِنًا يُسْتَوْجَبُ بِهِ الْحَدُّ وَالْكَفَّارَةُ، فَأَمَّا بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ فَلَا حَدَّ وَلَا كَفَّارَةَ.\nواستدلوا أيضًا بأنه إنزال يتلذذ به، كاللمس، وفيه نوع من الاستمتاع، كالمباشرة.\nواعْتُرِضَ عليه بأن قياس النظر على المباشرة فيه نظر؛ لأنه قياس مع الفارق؛ لأن النظر\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٣٦٣).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٦٣).\n(^٣) انظر: «الحاوي» (٣/ ٤٤١)، و«المغني» (٤/ ٣٦٣).\n(^٤) «المدونة» (١/ ١٩٩)، و«المغني» (٤/ ٣٦٣).\n(^٥) أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٤٧).\n(^٦) «الحاوي» (٣/ ٤٤١).","vol":"1","page":144},{"text":"مقصور على الناظر، لا علاقة له بغيره.\n• القول الثالث: إنه إذا نظر فأنزل، إن كان ذلك بأول نظرة لم يأثم، ولا يجب عليه القضاء، وإن كرر النظر وتلذذ فأنزل فعليه القضاء، وهو قول الحنابلة (^١).\nوقالوا: لأن النظرة: الأولى لا يمكن التحرز منها، ولأنه لا يأثم صاحبه فليس عليه القضاء. وأما النظرة الثانية فإنه إنزال بفعل يتلذذ به، ويمكن التحرز منه فأفسد الصوم كالإنزال باللمس.\nواعترض عليه بأنه ليس هناك دليل يمنع من نظر الرجل إلى امرأته.\nوالراجح الله أعلم: هو القول الأول، أي أن من نظر إلى امرأته فأنزل، فليس عليه قضاء ولا كفارة، وإن نظر إلى أجنبية أثم، وليس عليه شيء.\nالمسألة الثالثة: حكم نزولِ المنى بغير شهوة، كالمنى الذى يخرج لمرض وغيره؟\nقال ابن قدامة (^٢): فَأَمَّا إنَّ أَنْزَلَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، كَاَلَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَنِيُّ أَوِ الْمَذْيُ لِمَرَضٍ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، أَشْبَهَ الْبَوْلَ؛ وَلِأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ مِنْهُ وَلَا تَسَبُّبٍ إلَيْهِ؛ فَأَشْبَهَ الِاحْتِلَامَ.\nالمسألة الرابعة: حكم من فكَّر بقلبه فأنزل، هل يفطر؟\nقال الماوردي (^٣): أَمَّا إِنْ فَكَّرَ بِقَلْبِهِ فَأَنْزَلَ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْفِكْرَ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ، وَرَسُولِ الله ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ الله تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أَمَّتِي الْخَطَأَ وَالنَسْيَانَ، وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ» (^٤).\nولكن ورد عن المالكية والحنابلة في رواية (^٥) أن الفكر مع الاستدامة إذا حصل منه معه إنزال - يفسد الصوم؛ لأنه داخل تحت الاختيار، والصحيح أن صومه صحيح؛ لقول\n_________\n(^١) قال ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٢٦٣): إذَا كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ فَيَفْسُدُ الصَّوْمُ فِي قَوْلِ إمَامِنَا.\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٦٣).\n(^٣) «الحاوي» (٣/ ٢٩٧).\n(^٤) البخاري (٥٦٩) ومسلم (١٢٧).\n(^٥) انظر «المجموع» (٦/ ٣٢٣)، و«المغني» (٤/ ٣٦١).","vol":"1","page":145},{"text":"الرسول ﷺ: «إِنَّ الله تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أَمَّتِي الْخَطَأَ وَالنَسْيَانَ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ». ولأنه لا نص في الفطر به ولا إجماع، فيبقى على الأصل وهو أشبه ما يكون بالاحتلام، والله أعلم.\nالمسألة الخامسة: الاحتلام لا يفطر بالإجماع:\nقال النووي: أما إذا احتلم فلا يفطر بالإجماع؛ لأنه مغلوب، كمن طارت ذبابة فوقعت في جوفه بغير اختياره، فهذا هو المعتَمد في دليل المسألة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-110> المطلب الثالث: إذا قبَّل أو باشر فأمذى ماذا عليه؟</span>\nاتفق الفقهاء على عدم وجوب الكفارة فيمن قبَّل أو باشر فأمذى، واختلفوا في وجوب القضاء على قولين:\n• القول الأول: أن مَنْ قبَّل أو باشر فأمذى ليس عليه قضاء، وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، والحنابلة في روايةٍ اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).\nقال ابن قدامة (^٢): إذا قبَّل فأمذى، قال أبو حنيفة والشافعي: لا يفطر. وروي ذلك عن الحسن والشعبي والأوزاعي، واستدلوا لذلك بأنه خارج لا يوجب الغسل، فأشبه البول. والأصل عدم وجوب القضاء بالمذي إلا بدليل ولا يوجد.\n• القول الثانى: أن من قبَّل أو باشر فأمذى أنه يجب عليه القضاء، وهو قول المالكية، والحنابلة في الصحيح (^٣)، قال ابن قدامة: أَنْ يُمْذِيَ فَيُفْطِرَ عِنْدَ إمَامِنَا وَمَالِكٍ.\nواستدلوا لهذا القول بحديث عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ».\nقال الزركشى (^٤): فيه إشارةٌ إلى أن من لم يملك إربه يضره ذلك، سواء أمنى أو أمذى.\nاستدلوا بالقياس: فقاسوا المني على المذي، وذلك أن المذي خارج تخلَّله شهوة، خرج\n_________\n(^١) انظر «فتح القدير» (٢/ ٣٣١)، و«الأم» (٢/ ٩٨)، و«المجموع» (٦/ ٣٢٣)، و«اختيارات ابن تيمية» (ص ١٠٨).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٦١).\n(^٣) انظر: «المدونة» (١/ ١٩٧)، و«التمهيد» (٥/ ١١٥)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٠١).\n(^٤) «شرح الزركشي» (٢/ ٥٨١).","vol":"1","page":146},{"text":"بالمباشرة فأفسد الصوم كالمني (^١).\nواعْتُرِضَ على هذا القياس: بأنه لا يصح؛ لأنه قياس مع الفارق والمني يوجب الغسل، بينما المذي لا يوجب ذلك.\nقال ابن مفلح (^٢): وقياسه على المني لا يصح لظهور الفرق.\nالراجح: أن من قبَّل أو باشر فأمذى فإنه صيامه صحيح ولا شيء عليه؛ لأن الأصل عدم فساد الصوم بالمذي فيبقى عليه، وأن الصوم عبادةٌ فلا يمكن أن نُفسد الصوم بنزول المذى إلا بدليل، وأنه خارج لا يوجب الغسل، فأشبه البول.\n\n•<span data-type='title' id=toc-111> المبحث الثاني: الحيض والنفاس:</span>\nوفيه مطالب:\n\n•<span data-type='title' id=toc-112> المطلب الأول: الحيض والنفاس من المفطرات:</span>\nالحيض النفاس من المفطرات بالنص والإجماع. ففي «الصحيحين» (^٣): عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟».\nففي «الصحيحين» (^٤): عَنْ مُعَاذَةَ أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَتَقْضِى إِحْدَانَا الصَّلَاةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟! قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ، ثُمَّ لَا تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ.\nقال النووي: وأما الحائض والنفساء فلا يجب عليهما الصوم؛ لأنه لا يصح منهما، فإذا طهرتا وجب عليهما القضاء؛ لما روت عائشة ﵂ قالت في الحيض: «كنا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ» فوجب القضاء على الحائض بالخبر، وقيس عليها النفساء لأنها في معناها.\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٦١).\n(^٢) «الفروع» (٣/ ٥٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٥٠)، ومسلم (١١٤٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥) وهذا لفظ مسلم.","vol":"1","page":147},{"text":"وقال الماوردي (^١): لَا اخْتِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْحَائِضَ لَا صَوْمَ عَلَيْهَا فِي زَمَانِ حَيْضِهَا، بَلْ لَا يَجُوزُ لَهَا، وَمَتَى طَرَأَ الْحَيْضُ عَلَى الصَّوْمِ أَبْطَلَهُ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-113> المطلب الثاني: لماذا تقضي الحائض الصوم دون الصلاة؟</span>\nلأمرين:\n• أحدهما: ما روي عن عائشة ﵂ قالت: «كنا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلاةِ».\n• الثانى: أن المشقة لاحقة في إعادة الصلوات لترادفها مع الأوقات، والصوم لقلَّته لا تلحق المشقة في إعادته؛ فلهذا لزمها قضاء الصيام دون الصلاة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-114> المطلب الثالث: فتاوى معاصرة خاصة بالحيض للصائمة:</span>\nسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: هل يجوز للمرأة استعمال دواء لمنع الحيض في رمضان أو لا؟\nفأجابت: يجوز أن تستعمل المرأة أدوية في رمضان لمنع الحيض، إذا قرر أهل الخبرة الأمناء من الدكاترة ومن في حكمهم أن ذلك لا يضرُّها، ولا يؤثِّر على جهاز حملها، وخيرٌ لها أن تكُفَّ عن ذلك، وقد جعل الله لها رخصة في الفطر إذا جاءها الحيض في رمضان، وشرَع لها قضاء الأيام التى أفطرتها ورضي لها بذلك دينًا (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-115> المبحث الثالث: القيء للصائم، وفيه مطالب:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-116> المطلب الأول: من ذرعة القيء، أي خرج من غير اختيار منه:</span>\nقال ابن المنذر (^٣): وأجمعوا على أنه لا شيء على الصائم إذا ذرعه القيء، وانفرد الحسن البصري فقال: عليه. ووافق في أخرى.\n_________\n(^١) «الحاوي» (٣/ ٣٠٠).\n(^٢) «فقه النوازل» (ص ٣٠٨).\n(^٣) «الإجماع» (ص ١٥).","vol":"1","page":148},{"text":"قال ابن عبد البر (^١): واختلف العلماء فيمن استقاء، بعد إجماعهم على أن من ذرعه القيء، فلا شاء عليه.\nقال ابن قدامة (^٢): وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قال: الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-117> المطلب الثاني: من استقاء عامدًا:</span>\nقد نقل غير واحد الإجماع على أن من استقاء عامدًا فعليه القضاء.\nقال الخطابي (^٣): ولا أعلم بين أهل العلم في أن من ذرعه القيء فإنه لا قضاء عليه، ولا في أن من استقاء عامدًا أن عليه القضاء.\nوقال ابن المنذر (^٤): وأجمعوا على إبطال صوم من استقاء عامدًا.\nوقال ابن الهمام (^٥): وَإِنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا وَخَرَجَ، إنْ كَانَ مِلْءَ الْفَمِ، فَسَدَ صَوْمُهُ بِالْإِجْمَاعِ.\nوقال الصنعاني (^٦): ونقل ابن المنذر الإجماع على أن من تعمد القيء يفطر. قلت (أي الصنعاني): لكن روي عن ابن عباس ومالك وربيعة والهادي أن القيء لا يفطر مطلقًا، إلا إذا رجع منه شيء.\n• واستدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول:\nأما أدلتهم من السنة:\nفعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: «مَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِنْ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ» (^٧).\n_________\n(^١) «الاستذكار» (١٨٤).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٦٨).\n(^٣) «معالم السنن» (٢/ ١١٢).\n(^٤) «الإجماع» (ص ١٥).\n(^٥) «فتح القدير» (٣/ ٣٤٠)\n(^٦) «سبل السلام» (٢/ ٦٦١).\n(^٧) ضعيف معل: أخرجه أحمد (٢/ ٤٩٨)، وأبو داود (٢٣٨٠)، والترمذي (٧٢٠)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ٢١٥)، وابن ماجه (٦٦٧٦)، وغيرهم. كلهم من طرق عن عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة مرفوعًا. وهذا السند وإن كان ظاهره الصحة، ولكنه معلول عند النقاد من أهل الحديث.","vol":"1","page":149},{"text":"واعْتُرِضَ على هذا الحديث بأنه وإن كان ظاهره الصحة إلا أنه أعله النقاد من أهل العلم، فقد قال البخاري: ولا يصح إسناده (^١) وأعله الإمام أحمد (^٢)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب (^٣).\nالدليل الثاني: عن مَعْدَان بْنِ طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ (^٤).\n_________\n(^١) قال البخاري: لا أراه محفوظًا - وقال: وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ولا يصح إسناده. وقال في «التاريخ الكبير» بعد ذكر هذا الحديث: ولم يصح وإنما يروى هذا عَنْ عَبْد الله بْن سَعِيد عَنْ أَبِيه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رفعه وخالفه يحيى بْن صالح قَالَ: ثنا مُعَاوية قَالَ: ثنا يحيى عَنْ عُمَر بْن حكم بْن ثوبان سَمِعَ أبا هُرَيْرَةَ قَالَ: «إذا قاء أحدكم فلا يفطر، فإنما يُخرج ولا يولج».\n(^٢) قال أبو داود: سمعت أحمد سئل: ما أصح ما فيه - يعني في «من ذرعه القيء وهو صائم» - قال: نافع عن ابن عمر. قلت له: حديث هشام، عن محمد، عن أبي هريرة. قال: ليس من هذا شيء، إنما هو حديث: «من أكل ناسيًا - يعني: وهو صائم - فالله أطعمه وسقاه» في «سؤالات أبي داود لأحمد» (ص ٣٨٧).\n(^٣) قال الترمذي: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ هِشَامٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلاَّ مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ. قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٣/ ٣٤٧): وعيسى ثقة فاضل، إلا أنه عند أهل الحديث قد وهم فيه وأنكروه عليه.\n(^٤) إسناده صحيح: هذا الحديث اختلف فيه على يحيى بن أبي كثير، فرواه عنه حسين المعلم، أخرجه\n=أبو داود (٢٣٨١)، والترمذي في «السنن» (١/ ٨٧)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ٢١٣، ٢١٤)، وأحمد (٦/ ٤٤٣) كلهم من طرق، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعى، عن يعيش بن الوليد بن هشام، عن أبيه، عن معدان بن أبي طلحة، عن أبي الدرداء، عن رسول الله مرفوعًا. وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٢/ ٢١٤) وقع خطأ في النسائي قال عبد الله بن عمرو الأوزاعي. بينما هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، كما أشار المزي في «تحفة الأشراف» انظر: (٨/ ٢٣٤) من طريق عبد الوارث بن سعيد، عن حسين المعلم، عن يحيى بن أبي كثير، عن الأوزاعي حدثه أن يعيش بن الوليد حدثه أن معدان بن أبي طلحة حدثه، أن أبا الدرداء حدثه =","vol":"1","page":150},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=أن رسول الله … وهذا السند بإسقاط الوليد بن هشام، وفيه تصريح بالسماع من يعيش بن الوليد حدثه أن معدان بن أبي طلحة حدثه.\n٢ - معمر بن راشد. أخرجه أحمد (٦/ ٤٤٩)، والنسائي في «الكبرى» (٢/ ٢١٥)، وعبد الرزاق في «المصنف» (٤/ ٢١٥) بلفظ: «استقاء فأفطر» من طرق عن معمر، عن يحيى، عن يعيش، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء، فأسقط الأوزاعي وأسقط الوليد بن هشام وقال: خالد بن معدان، بينما قال الجماعة: معدان بن أبي طلحة.\nقال الترمذي (١/ ٨٧): وَرَوَى مَعْمَرٌ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فَأَخْطَأَ فِيهِ، فَقَالَ: عَنْ يَعِيشَ بْنِ الوَلِيدِ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الأَوْزَاعِيَّ، وَقَالَ: عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، وَإِنَّمَا هُوَ مَعْدَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ.\nقال المزي «تحفة الأشراف» (٨/ ٢٣٤): روى معمر هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير فأخطأ فيه فقال: عن يعيش بن الوليد، عن خالد بن معدان، عن أبي الدرداء، ولم يذكر الأوزاعي.\n٣ - حرب بن شداد. أخرجه البغوي في «شرح السنة» (٦٦٠)، من طريق حرب بن شداد، عن يحيى، عن الأوزاعي، عن يعيش، عن أبيه، عن معدان، عن أبي الدرداء يذكر أبيه، قال البغوي: الصحيح عن يعيش بن الوليد، عن أبيه، عن معدان، وخالفه هشام.\n٤ - هشام الدستوائى. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢/ ٢١٤)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٣٩)، وابن خزيمة في «الصحيح» (١٩٥٩)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٢٦)، من طرق عن هشام، عن يحيى، عن الأوزاعي، عن يعيش بن الوليد، عن معدان، عن أبي الدرداء، وأسقط الوليد بن هشام (أبيه).\nقال في بعض طرق الحديث: قالوا عن رجل (بدلًا من) الأوزاعي، وقال الحاكم: عن رجل من إخواننا، قال أبو بكر محمد بن إسحاق يريد به الأوزاعي، فحملوه على الأوزاعي.\nالخلاف على يحيى بن أبي كثير، بين هشام الدستوائي، وحسين المعلم، ومعمر بن راشد. قال ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٣/ ٥٢): سألت علي بن المديني: من أثبت أصحاب يحيى بن أبي كثير؟ قال: هشام الدستوائي. قلت ثم من؟ قال: ثم الأوزاعي وحسين المعلم. قال الترمذي في «العلل» (٢٦٩): ونقل الأثرم عن أحمد قال: هشام الدستوائي أثبت في حديث يحيى من معمر. وقال إسحاق عن هانئ - قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد -: أيما أحب إليك في حديث يحيى بن أبي كثير؟ قال: هشام أحب إليَّ ممن روى عن يحيى بن أبي كثير. قلت: فهشام أثبت الناس في","vol":"1","page":151},{"text":"وجه الدلالة من هذا الحديث أنه ﷺ «قَاءَ فَأَفْطَرَ» أي بمعنى: استقاء عامدًا فأفطر.\nقال ابن المنير: إنَّ الْحُكْمَ إِذَا عُقِّبَ بِالْفَاءِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْعِلَّةُ، كَقَوْلِهِمْ: سَهَا فَسَجَدَ (^١).\n• واعْتُرِضَ على هذا الحديث من وجهين:\nالأول: أن هذا الحديث اختلف في إسناده اختلافًا كبيرًا.\nالثاني: إن صح هذا الحديث فليس فيه دليل على أن القيء كان مفطرًا له، إنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك.\nقال الطحاوي (^٢): لَيْسَ فِي الحديث أَنَّ الْقَيْءَ كَانَ مُفْطِرًا لَهُ، إِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ قَاءَ فَأَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ.\nالدليل الثالث: عَنْ أَبِي مَرْزُوقٍ عَنْ حَنَشٍ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَدَعَا بِشَرَابٍ، فَقال لَهُ بَعْضُ أَصحابِهِ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَمْ تُصْبِحْ صَائِمًا؟ قَالَ:\n_________\nيحيى. قال ابن خزيمة: الصَّوَاب مَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى وَأَنَّ يَعِيشَ بْنَ الْوَلِيدِ سَمِعَ مِنْ مَعْدَانَ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا أَبُوهُ. وعلى كلٍّ فيعيش بن الوليد قد صرح بالتحديث عن معدان في النسائي «الكبرى» وابن خزيمة كما ذكرنا آنفًا فزيادة أبيه من المزيد في متصل الأسانيد.\nكلام أهل العلم عن هذا الحديث:\nقال الحافظ ابن حجر في «تلخيص الحبير» (٢/ ١٩٠): قال ابن منده: إسناده صحيح متصل وتَرَكه الشيخان لاختلاف في إسناده.\nقال الترمذي: جوده حسين المعلم وهو أصح شيء في الباب، وكذا قال أحمد. قال البيهقي: هذا الحديث مختلف في إسناده فإن صح فهو محمول على القيء عامدًا.\nأقوال أهل العلم في هذا الحديث من الناحية الفقهية:\nقال البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٢٠): هَذَا حَدِيثٌ مُخْتَلَفٌ في إِسْنَادِهِ، فَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَوْ تَقَيَّأَ عَامِدًا، وَكَأَنَّهُ ﷺ كَانَ مُتَطَوِّعًا بِصَوْمِهِ.\nقال الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٩٧) بعد ذكر هذا الحديث وذكر حديث فضالة بن عبيد، قال: وَلَيْسَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَيْءَ كَانَ مُفْطِرًا لَهُ إِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ قَاءَ فَأَفْطَرَ بَعْدَ ذَلِكَ.\nقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٤/ ٢٠٧): «قَاءَ فَأَفْطَرَ» أَيْ اِسْتَقَاءَ عَمْدًا، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ تَأْوِيل مَنْ أَوَّله بِأَنَّ الْمَعْنَى قَاءَ فَضَعُفَ فَأَفْطَرَ، وَاَلله أَعْلَمُ.\n(^١) انظر: «فتح الباري» (٤/ ٢٠٧).\n(^٢) انظر: «شرح معانى الآثار» (٢/ ٩٧).","vol":"1","page":152},{"text":"«بَلَى، وَلَكِنْ قِئْتُ» (^١).\nالدليل الرابع: عن ثوبان قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ قَاءَ فَأَفْطَرَ (^٢).\nأما دليلهم من المأثور: فاستدلوا بأثر ابن عمر ﴿، قال: «مَنِ اسْتَقَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ فَعَلَيْهِ الْقَضَاء، وَمَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ» (^٣).\n• القول الآخر: القائلون بأن القيء لا يفطر.\nقال ابن قدامة (^٤): وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْقَيْءَ لَا يُفْطِرُ. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالِاحْتِلَامُ».\nواعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nواستدلوا لذلك بأن الفطر بما يدخل كالأكل والشرب، لا بما يخرج كالقيء.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٦/ ١٨، ٢٠، ٢١، ٢٢)، وابن ماجه في «السنن» (١٦٧٥) وغيرهما، من طرق عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرزوق، واختلف على أبي مرزوق: فرُوي عنه عن حنش، عن فضالة بن عبيد، ورُوي عنه عن فضالة، بعدم إثبات حنش. وقد رجح أبو حاتم ذكر حنش كما في «العلل» (١/ ٢٣٨). وهذا الخلاف لا يضر فقد صرح بالتحديث أبو مرزوق من فضالة بن عبيد كما عند أحمد في «المسند» (٦/ ١٨)، والطبراني في «الكبير» (١٨/ ٨١٨)، وقلت: وفى إسناده أبو مرزوق وثقه العجلي، وابن حبان، كذا في الميزان، وذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. قال الذهبي: ثقة. والحافظ كذلك.\n(^٢) ضعيف: أخرجه أحمد (٥/ ٢٧٦)، والطيالسي في «المسند» (٩٩٣)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٣٩) وغيرهم، من طرق عن أَبِي الْجُودِيِّ، عَنْ بَلْجٍ، عَنْ أَبِي شَيْبَةَ الْمَهْرِيِّ، عن ثوبان به. وقد ذكر البخاري هذا الحديث، وقال: إسناده ليس بذاك، كما في «التاريخ الصغير» (٢/ ١٤٨)، سئل أبو زرعة، عن أبي شيبة المهري فقال: هو من التابعين، ولا يُعرف اسمه. كما في «الجرح والتعديل» (٩/ ٣٩٠). قال الذهبي في «الميزان» (١/ ٣٥٢): بلج عن أبي شيبة عن ثوبان أن النبي قاء فأفطر، لا يدرى من ذا، ولا من شيخه. قال البخاري: إسناده ليس بمعروف.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (٣٠٤)، وغيره، عن نافع، عن ابن عمر به.\n(^٤) «المغني» (٤/ ٣٦٨).","vol":"1","page":153},{"text":"روى البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: إِذَا قَاءَ فَلَا يُفْطِرُ، إِنَّمَا يُخْرِجُ وَلَا يُولِجُ (^١).\nوعن ابن عباس ﴿أنه قال: «الْإِفْطَارُ مِمَّا دَخَلَ وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ، وَالْوُضُوءُ مِمَّا خَرَجَ وَلَيْسَ مِمَّا دَخَلَ» (^٢).\nوعن عكرمة قال: «الإِفْطَارُ مِمَّا دَخَلَ، وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ» (^٣).\nواعترض عليه بما قاله ابن المنير: يؤخذ من هذا الحديث أن الصحابة كانوا يؤولون الظاهر بالأقيسة من حيث الجملة، ونقض غيره هذا الحصر بالمني، فإنه إنما يخرج وهو موجب للقضاء والكفارة.\nقال ابن تيمية: وَأَمَّا مَنْ تَدَبَّرَ أُصُولَ الشَّرْعِ وَمَقَاصِدَهُ، فَإِنَّهُ رَأَى الشَّارِعَ لَمَّا أَمَرَ بِالصَّوْمِ أَمَرَ فِيهِ بِالِاعْتِدَالِ، حَتَّى كَرِهَ الْوِصَالَ، وَأَمَرَ بِتَعْجِيلِ الْفِطْرِ وَتَأْخِيرِ السُّحُورِ، وَجَعَلَ أَعْدَلَ الصِّيَامِ وَأَفْضَلَهُ صِيَامَ دَاوُد، وَكَانَ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ لَا يُخْرِجَ مِنَ الْإِنْسَانِ مَا هُوَ قِيَامُ قُوَّتِهِ، فَالْقَيْءُ يُخْرِجُ الْغِذَاءَ، وَالِاسْتِمْنَاءُ يُخْرِجُ الْمَنِيَّ، وَالْحَيْضُ يُخْرِجُ الدَّمَ، وَبِهَذِهِ الْأُمُورِ قِوَامُ الْبَدَنِ، لَكِنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ وَمَا لَا يُمْكِنُ، فَالِاحْتِلَامُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ، وَكَذَا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ بِخِلَافِ دَمِ الْحَيْضِ فَإِنَّ لَهُ وَقْتًا مُعَيَّنًا، فَالْمُحْتَجِمُ أَخْرَجَ دَمَهُ، وَكَذَلِكَ الْمُفْتَصِدُ، بِخِلَافِ مَنْ خَرَجَ دَمُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، كَالْمَجْرُوحِ فَإِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ؛ فَكَانَتِ الْحِجَامَةُ\n_________\n(^١) انظر: «البخاري مع الفتح» (٤/ ١٧٥). قال البخاري: وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُفْطِرُ. وَالأَوَّلُ أَصحُّ. قول البخاري: (ويذكر عن أبي هريرة): أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢/ ٢١٥)، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا حِبَّانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: مَنْ قَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُفْطِرْ.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (١/ ١٨٥) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِه. وأخرج ابن شيبة في «المصنف» (٣/ ٣٩). قال: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، عَنْ إسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرِ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إذَا تَقَيَّأَ الصَّائِمُ فَقَدْ أَفْطَرَ. وإسناده ضعيف. الضحاك لم يسمع من ابن عباس. قال أبو زرعة: وكان شعبه ينكر أنه لقي ابن عباس، انظر: «جامع التحصيل» (ص ٢٠٠).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرج ابن أبي شيبة (٣/ ٣٩)، قال: هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بِه.","vol":"1","page":154},{"text":"مِنْ جِنْسِ الْقَيْءِ وَالِاسْتِمْنَاءِ وَالْحَيْضِ، وَكَانَ خُرُوجُ دَمِ الْجُرْحِ مِنْ جِنْسِ الِاسْتِحَاضَةِ وَالِاحْتِلَامِ وَذَرْعِ الْقَيْءِ، فَقَدْ تَنَاسَبَتِ الشَّرِيعَةُ وَتَشَابَهَتْ وَلَمْ تَخْرُجْ عَنْ الْقِيَاسِ (^١).\nالحاصل في مسألة من استقاء عامدًا:\nذهب جمهور العلماء إلى إبطال صوم من استقاء عامدًا، واستدلوا بالآتي ذكره:\nأولًا الإجماع: فقد قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إبطال صوم من استقاء عامدًا.\nقال الصنعاني: ونقل ابن المنذر الإجماع على أن من تعمد القيء يفطر، قلت (أي الصنعاني): لكن روي عن ابن عباس، ومالك، وربيعة، والهادي أن القيء لا يفطر مطلقًا إلا إذا رجع منه شيء.\nثانيًا: استدلوا من السنة على إبطال صوم من استقاء عامدًا بالآتي ذكره:\nالدليل الأول: حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ ذَرَعَهُ قَيْءٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِنْ اسْتَقَاءَ فَلْيَقْضِ».\nولكن هذا الحديث ضعيفٌ معلّ، أعله البخاري حيث قال: ولا يصح إسناده. وأعله أحمد بن حنبل لما سئل عن هذا الحديث: ليس من هذا شيء، إنما هو حديث «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا، وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ».\nالدليل الثاني: حديث أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ «قَاءَ فَأَفْطَرَ» وهذا الحديث اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا.\nقال ابن منده: إسناده صحيح متصل، تَرَكه الشيخان لاختلاف في إسناده، وإن صح\n_________\n(^١) «الفتاوى» (٢٠/ ٥٢٧). قال ابن قدامة ﵀: وَقَلِيلُ الْقَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُفْطِرُ إلَّا بِمِلْءِ الْفَمِ. لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «وَلَكِنْ دَسْعَةٌ تَمْلَأُ الْفَمَ». وَلِأَنَّ الْيَسِيرَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَلَا يُفْطِرُ كَالْبَلْغَمِ. وَالثَّالِثَةُ: نِصْفُ الْفَمِ؛ لِأَنَّهُ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، فَأَفْطَرَ بِهِ كَالْكَثِيرِ. وَالْأُولَى أَوْلَى لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ، وَلِأَنَّ سَائِرَ الْمُفْطِرَاتِ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا. وَحَدِيثُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ لَا نَعْرِفُ لَهُ أَصْلًا. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْقَيْءِ طَعَامًا، أَوْ مُرَارًا، أَوْ بَلْغَمًا، أَوْ دَمًا، أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ الْجَمِيعَ دَاخِلٌ تَحْتَ عُمُومِ الْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى، وَاَلله تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. «المغني» (٤/ ٣٦٨).","vol":"1","page":155},{"text":"هذا الحديث، فليس بصريح في المسألة.\nقال الطحاوي: ليس في هذا الحديث دليل على أن القيء كان مفطرًا له، إنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك.\nالدليل الثالث: حديث فضالة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي يوم كَانَ يَصُومُهُ، فَدَعَا بِإِنَاءٍ، فَشَرِبَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله إِنَّ هَذَا يَوْمٌ كُنْتَ تَصُومُهُ، قَالَ: «أَجَلْ، وَلَكِنِّي قِئْتُ».\nولكن هذا الحديث في إسناده أبو مرزوق وثقه العجلي وابن حبان، وذكره البخاري وابن أبي حاتم ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا، وابن حبان والعجلي متساهلان في توثيق المجاهيل، وإن كان وثقه الذهبي وابن حجر، وإن صح فلفظة «قِئْتُ» ليست بصريحة هل هو ذرعه القيء، أم استقاء عامدًا؟\nأما دليلهم من المعقول: فاستدل شيخ الإسلام ابن تيمية بأن القيء يُخرج الغذاء، والاستمناء يُخرج المني، والحيض يُخرج دم الحيض، وبهذه الأمور قوام البدن، فكما أن الحيض والاستمناء يفطران، فكذلك القيء، وفَرَّقَ بين ما يمكن الاحتزار منه وما لم يمكن، فكما أن الاحتلام والاستحاضة لا تفطران فكذلك من ذرعه القيء.\n• القول الأخر: قالوا: بأن القيء لا يفطر مطلقًا.\nواستدلوا بقول النبي ﷺ «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ: الصَّائِمَ الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالِاحْتِلَامُ» ولكنه حديث ضعيف، ولا يصح عن رسول الله.\nواستدلوا أيضًا بالقياس فقالوا: الفطر مما دخل لا مما خرج.\nقلت: وهذه القاعدة ليست مطردة؛ فإن المني إنما يخرج وهو موجب للقضاء والكفارة، وكذلك الحيض والنفاس يخرج وهو موجب للقضاء، ولكن مع وجود الخلاف ومع عدم الترجيح، فنُفتِي بقول الجمهور، أي من استقاء عامدًا فعليه القضاء، ومن أخذ بقول من قال: (إن القيء لا يفطر مطلقًا) فله وجهة والله أعلم، وهو الموفق إلى سواء السبيل.","vol":"1","page":156},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-118> المبحث الرابع: هل الحجامة تفطر الصائم؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن الحجامة لا تفطر الصائم، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي (^١).\n• استدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول:\nأما دليلهم من السنة: الدليل الأول: عن عبد الله بن عباس ﵁ قال: «اِحْتَجَمَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ صَائِم» (^٢).\n_________\n(^١) «فتح القدير» (٢/ ٤٧٦)، «المدونة» (١/ ٣٨٧)، «المجموع» (٦/ ٣٨٩).\n(^٢) هذا الحديث رواه عدد من التابعين عن ابن عباس:\nعكرمة: واختلف عليه، فرواه عن عكرمة خالد الحذاء، وهشام بن حسان، وهلال، وأيوب.\nأيوب واختلف عليه: فرواه سعيد بن أبي عروبة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: «احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ» أخرجه البخاري (١٩٣٩) (٢٣٧٢)، وأبو داود (٢٣٧٢) وغيرهما. ورواه وهيب، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: «احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ»، أخرجه البخاري (١٩٣٨)، والترمذي (٧٧٥) وغيرهما. ورواه معمر عن أيوب عن عكرمة مرسلًا، أخرجه عبد الرزاق (٧٥٣٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥١)، ومعمر في روايته عن أيوب مقال.\nوخالف أيوب جماعة، فرووه بلفظ: «احْتَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ». وحديث خالد *الحذاء: أخرجه أحمد (١/ ٣٥١) من طريق عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: «احتجم رسول الله ﷺ وهو محرم».\nهشام بن حسان: أخرجه أحمد (١/ ٢٣٦، ٢٤٩، ٢٥٩)، وأبو داود (١٨٣٦) وغيرهما. من طرق «يحيى بن سعيد، ومحمد بن جعفر، ويزيد بن هارون، ومحمد بن عبد الله الأنصاري» عن هشام بن حسان عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ».\nهلال: وأخرجه أحمد (١/ ٣٠٥) من طريق عباد، عن هلال، عن عكرمة، عن ابن عباس بلفظ: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ».=","vol":"1","page":157},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٢، ٣ - عطاء وطاوس: أخرجه البخاري (١٨٣٥)، ومسلم (١٢٠٢) (٨٧)، وأبو داود (١٨٣٥)، والترمذي (٨٣٩)، والنسائي (٥/ ١٩٣) وغيرهم. من طريق سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء وطاوس، عن ابن عباس ﵁ قال: «احْتَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ».\n٤ - سعيد بن جبير: رواه أحمد (١/ ٢٨٣)، وأبو يعلى (٢٧٢٧)، من طريق عبد الرزاق، عن عبد الله بن عثمان عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: «احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ».\nوروي مرسلًا كما في النسائي في «الكبرى» (٣٢٢٣٠) من رواية قبيصة، عن الثوري، مرسلًا، قال النسائي: هذا خطأ لا نعلم أحدًا رواه عن سفيان غير قبيصة، وقبيصة كثير الخطأ.\nمقسم: أخرجه أحمد (١/ ٢١٥) (٢٢٢) (٢٨٦)، وعبد الرزاق (٧٥٤١)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥١) وغيرهم. من طريق يزيد بن أبي زياد، عن مقسم، عن ابن عباس به. قال النسائي: يزيد بن أبي زياد لا يُحتج بحديثه. وأخرجه أحمد (١/ ٢٤٤)، وابن الجارود في «المنتقى» (٣٨٨) وغيرهما من طريق الحكم عن مقسم عن ابن عباس، قال الزيلعى في «نصب الراية» (٢/ ٤٧٨): قال شعبة: لم يسمع الحكم حديث مقسم في الحجامة للصائم، وقال النسائي: والحكم لم يسمع من مقسم.\nميمون بن مهران: أخرجه الترمذي (٧٧٦) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، «احتجم وهو صائم»، والنسائي (٣٢٢٧)، والطحاوي (٢/ ١٠١)، وأعله أحمد، وعلي بن المديني. انظر: «التلخيص الحبير» (٢/ ١٩٢). وطريق الشعبي: أخرجه ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٢٣٠) من طريق شريك عن عاصم الأحول عن الشعبي عن عبد الله بن عباس.\nقال أبو حاتم: هذا خطأ، أخطأ فِيهِ شرِيكٌ، وروى جماعة هذا الحدِيث، ولم يذكُروا «صائِمًا مُحرِمًا» إِنّما قالوا: «احتجم، وأعطى الحجّام أجره». وشريك ساء حفظه بآخره.\nأقوال أهل العلم في هذا الحديث:\nقال النسائي بعد ذكر طريق ميمون: هذا حديث منكر.\nقال الزيلعي في «نصب الراية» (٢/ ٤٧٨): فَصححَهُ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَضَعَّفَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ، وَغَيْرُهُمَا، قَالَ: سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ»، فَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ: (صَائِمٌ)، إنَّمَا هُوَ مُحْرِمٌ. قُلْت: مَنْ ذَكَرَهُ؟ قَالَ: سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ ﵇ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ رَوْحٌ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إسْحَاقَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ خُثَيْمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِثْلَهُ، قَالَ أَحْمَدُ: فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا يَذْكُرُونَ صِيَامًا.\nقال ابن حبان (٣٥٣٥): وَلَمْ يَرد عَنْهُ ﷺ فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ دُونَ الْإِحْرَامِ، وَلَمْ يَكُنْ ﷺ مُحْرِمًا قَطُّ إِلاَّ وَهُوَ مُسَافِرٌ، وَالْمُسَافِرُ قَدْ أُبِيحَ لَهُ.\nقال ابن القيم في «زاد المعاد» (٢/ ٦٠): ولا يصح عنه أنه احتجم وهو صائم، قاله أحمد. ثم أورد طرق الحديث، ثم قال: والمقصود أنه لم يصح عنه ﷺ أنه احتجم وهو صائم.\nقال الشافعي: وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «أفطر الحاجم والمحجوم». وروي عنه أنه احتجم صائمًا. قال الشافعي: وَلَا أَعْلَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا ثَابِتًا، وَلَوْ ثَبَتَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عن النبي ﷺ قُلْت بِهِ، فَكَانَتْ الْحُجَّةُ في قَوْلِهِ وَلَوْ تَرَكَ رَجُلٌ الْحِجَامَةَ صَائِمًا لِلتَّوَقِّي كان أَحَبَّ إليَّ، وَلَوْ احْتَجَمَ لم أَرَهُ يُفْطِرُهُ، «الأم» (٢/ ١٤٤).","vol":"1","page":158},{"text":"واعترض عليه بأنه ضعفه أحمد ويحيى بن سعيد القطان وغيرهما.\nالدليل الثاني: عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أصحاب النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْحِجَامَةِ، وَالْمُوَاصَلَةِ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا إِبْقَاءً عَلَى أَصحابِهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، فَقَالَ: «إِنْ أُوَاصِلُ إِلَى السَّحَرِ، فَرَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» (^١).\nوجه الدلالة منه: ما قاله الحافظ: وقوله: «إبقاء على أصحابه» يتعلق بقوله: (نهى). اه\nوقوله: «ولم يحرمهما» صريح في عدم التحريم. أي: أن الحجامة لا تفطر الصائم (^٢).\nواعترض عليه بأن هذا الحديث ليس صريحًا في المسألة؛ لأنه قرن مع الحجامة المواصلة التي فيها تفصيل؛ فهي مكروهة إلى السحر، محرمة إلى اليوم التالي.\nالدليل الثالث: عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال رسول الله ﷺ: «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٤/ ٣١٤، ٣١٥)، وأبو داود (٢٣٧٤)، وعبد الرزاق (٧٥٣٥)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥٢)، (٣/ ٨٣). من طرق عن سفيان عن عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبي =\n=ليلى قال: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ.\n(^٢) إسناده صحيح: «الفتح الرباني» (١٠/ ٣٦، ٣٧).","vol":"1","page":159},{"text":"الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ وَالْقَيْءُ وَالِاحْتِلَامُ» (^١).\nوعن أبي سعيد ﵁ أن النبي ﷺ «رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ» (^٢).\n_________\n(^١) ضعيف: ومدار هذا الحديث على زيد بن أسلم، فأخرجه الترمذي (٧١٩)، وابن خزيمة (١٩٧٢) من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد به.\nولهذا الحديث علتان ذكرهما ابن خزيمة فقال: حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هذا إسناده غلط، ليس فيه عطاء بن يسار ولا أبو سعيد، وعبد الرحمن بن زيد ليس هو ممن يحتج أهل التثبت بحديثهم لسوء حفظه للأسانيد، وهو رجل صناعته العبادة والتقشف والموعظة والزهد، ليس من أحلاس الحديث الذي يحفظ الأسانيد. وقال الترمذي: حديث غير محفوظ.\nوتابع عبد الرحمن بن زيد أسامة بن زيد بن أسلم ولكنه ضعيف، أخرجه ابن أبي حاتم (١/ ٢٤٠).\nوروى عبد الرزاق (٧٥٣٩) عن أبي بكر بن عبد الله عن أبيه عن عطاء بن يسار عن رجل من أصحاب النبي ﷺ به، وخالفهم سفيان الثوري فرواه عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحابه عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، أخرجه أبو داود (٢٣٧٦)، وابن خزيمة (١٩٧٣) وغيرهما.\nوتابع سفيان معمر كما أخرجه عبد الرزاق (٧٥٣٨). قال: الدارقطني في «العلل» (١١/ ٢٦٩): والصحيح ما قاله الثوري. وصحح أبو حاتم وأبو زرعة رواية سفيان كما في «العلل» (١/ ٢٣٩). قال البيهقي: والصحيح رواية سفيان الثوري، وإذا كان الصحيح رواية الثوري عن زيد عن رجل من أصحابه؛ فهذا الرجل مجهول، والحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، والله أعلم.\n(^٢) ضعيف والصحيح فيه الوقف على أبي سعيد: ومدار هذا الحديث على أبي المتوكل عن أبي سعيد. أخرجه الترمذي في «العلل الكبير» (٢١٥)، والطبراني في «الأوسط» (٧٧٩٣) وغيرهما، عن إسحاق الأزرق عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي المتوكل عن أبي سعيد مرفوعًا، وهذا الحديث معل بالوقف. خالف إسحاق الأزرق الأشجعي فرواه موقوفًا، أخرجه ابن خزيمة (١٩٦٩) وغيره.\nقال الترمذي في «العلل الكبير» (١٢٦): وسألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: حديث إسحاق الأزرق عن سفيان هو خطأ، وحديث أبي المتوكل عن أبي سعيد موقوفًا أصح، هكذا روى قتادة وغير واحد عن أبي المتوكل عن أبي سعيد موقوفًا.\nقال ابن أبي حاتم في «العلل» (ص ٢٣٢): قُلتُ: إن إِسحاق الأزرق رواه عن الثّورِي، عن حُميد، عن أبِي المُتوكِّلِ، عن أبِي سعِيدٍ، عنِ النّبِيِّ ﷺ (قالا): - أي أبو زرعة وأبو حاتم - وهِم إِسحاقُ في الحدِيثِ. قلت: وقد تابع الأشجعي على الرفع معتمر بن سليمان، قال: سمعت حميدًا عن أبي المتوكل عن أبي سعيد مرفوعًا. أخرجه ابن خزيمة (١٩٦٨) وخالف معتمرًا حماد بن سلمة عن أبي المتوكل عن أبي سعيد أنه كان لا يرى بالحجامة للصائم بأسًا. أخرجه البزار في «كشف الأستار» (١٠١٣)، وتابع حماد بن سلمة على الوقف: إسماعيل بن علية، كما عند الترمذي في «العلل الكبير» (١٢٦)، أخرجه ابن خزيمة (١٩٧٠) من طريق حميد والضحاك بن عثمان عن أبي المتوكل عن أبي سعيد من قوله.\nوأخرجه ابن خزيمة (١٩١٧) من طريق شعبة عن قتادة عن أبي المتوكل عن أبي سعيد، قال: إنما كرهت الحجامة للصائم مخافة الضعف. قال ابن خزيمة: إنما هو من قول أبي سعيد لا عن النبي ﷺ، إنما أدرج في الخبر. قلت: والصحيح في هذا الحديث أنه موقوف على أبي سعيد.","vol":"1","page":160},{"text":"وجه الدلالة «رخص» تدل على جواز الحجامة للصائم، وأنها لا تفطره.\nواعترض عليه: بأن الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nأما دليلهم من المأثور:\n١ - فعن ثَابِت الْبُنَانِي يَسْأَلُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، ﵁: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: لا، إِلاَّ مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ» (^١).\n٢ - عن أبي ظبيان عن ابن عباس في الحجامة للصائم قال: «الفطرُ مِمَّا دَخَلَ، وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ» (^٢).\n٣ - عن هشام بن عروة عن أبيه «أَنَّهُ كَانَ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ لَا يُفْطِرُ» (^٣).\n٤ - عن الشعبي قال: «احتجم حسين بن علي بن أبي طالب وهو صائم» (^٤).\n٥ - عن إبراهيم قال: «ما كانوا يكرهون الحجامة للصائم إلا من أجل الضعف» (^٥).\n• القول الآخر: ذهب أحمد إلى أن من احتجم وهو صائم فقد أفطر.\nقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الحجامة للصائم، قال: إذا احتجم في رمضان فقد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٤٠).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٥١).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٣)، وعبد الرزاق (٤/ ٢١٤) وغيرهما.\n(^٤) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٢).\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٤/ ٢١١).","vol":"1","page":161},{"text":"أفطر، يقضي يوما مكانه ولا كفارة عليه (^١).\n• استدلوا بالسنة والمأثور والمعقول:\nأما دليلهم من السنة: فقال رسول الله ﷺ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (^٢).\n_________\n(^١) «مسائل الإمام أحمد برواية عبد الله» (٢/ ٦٢٤).\nقال شيخ الإسلام ﵀: وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ تُفْطِرُ مَذْهَبُ أَكْثَرِ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْه وَابْنِ خُزَيْمَة وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَغَيْرِهِمْ، وهو قول الحنابلة، وذهب إليه علي وأبو هريرة وعائشة والحسن وعطاء والأوزاعي. وانظر: «المغني» (٤/ ٣٥٠) قال: وكان جماعة من الصحابة يحتجمون ليلًا في الصوم، منهم: ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وأنس بن مالك.\n(^٢) صحيح: ورد عن عدد كبير من الصحابة: حديث ثوبان: أخرجه أحمد في «المسند» (٥/ ٢٨٣)، وأبو داود في «السنن» (٢٣٦٧)، والنسائي في «الكبرى» (٣١٣٧)، وابن ماجه في «السنن» (١٦٨٠). وأخرجه أبو داود (٢٣٧١)، والنسائي في «الكبرى» (٣١٣٥، ٣١٣٦) وغيرهما من طريق العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان به. وأخرجه الطبراني في «مسند الشاميين» (٢٠٨)، من طريق عبد الرحمن بن ثابت، عن أبيه، عن مكحول، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان به. وأخرجه أبو داود (٢٣٧٠)، والنسائي (٣١٣٤)، وأحمد (٥/ ٢٨٢) وغيرهم من طريق ابن جريج، عن مكحول، أن شيخًا من الحي أخبره عن ثوبان به. وأخرجه أحمد (٥/ ٢٧٦، ٢٨٢)، وابن خزيمة (١٩٦٢)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٢/ ٩٨)، كلهم من طرق عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن ثوبان به.\nوأخرجه أحمد (٥/ ٢٨٢)، وابن أبي شيبة (٣/ ٥٠)، عن طريق أيوب بن العلاء، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن بلال به. وصحح هذا الحديث: البخاري، وعلى بن المديني، وأحمد.\nقال الترمذي في «العلل الكبير» (ص ١٢٢، ١٢٣): سألت محمدًا عن هذا الحديث - أى حديث رافع بن خديج في الباب - فقال: ليس في الباب شيء أصح من حديث شداد بن أوس، وثوبان. فقلت له: كيف بما فيه من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح؛ لأن يحيى بن أبي كثير روى عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان وعن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس، روى الحديثين جميعًا. قال الترمذي: وهكذا ذكروا عن علي بن المديني أنه قال: حديث شداد بن أوس وثوبان صحيحان. اه. صححه أحمد وابن المديني وغيرهما. قال أحمد: هو أصح ما روي في الباب.\n٢ - حديث شداد بن أوس: وقد اختلف في الحديث على أبي قلابة اختلافًا كثيرًا: =","vol":"1","page":162},{"text":"أما دليلهم من المأثور:\n١ - فعن أبى هريرة قال: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (^١).\n٢ - وعن ابن عمر ﴿: «أنه كان يَحْتَجِمُ وَهُو صائمٌ، ثم تَرك ذلك» (^٢). وبلفظ: «لَمْ\n_________\n=\nأولًا: عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد: أخرجه أبو داود في «السنن» (٢٣٦٩)، والنسائي في «الكبرى» (٣١٣٨، ٣١٤٩، ٣١٥١)، وأحمد في «المسند» (٤/ ١٢٢، ١٢٤) عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن شداد.\nثانيًا: عن أبي قلابة عن أبي الأشعث عن أبي أسماء عن شداد: أخرجه النسائي في «الكبرى» (٣١٤٥، ٣١٤٦، ٣١٤٧، ٣١٤٨)، وأحمد (٤/ ١٢٣، ١٢٤).\nثالثًا: عن أبي قلابة عن شداد: أخرجه النسائي في «الكبرى» (٣١٤٣) (٣١٤٤).\nوأخرجه النسائي في «الكبرى» (٣١٤٢)، من طريق وهب بن جرير عن أيوب عن أبي قلابة، عن شداد بن أوس وثوبان.\nرابعًا: عن أبي قلابة، عن أبي أسماء عن شداد: أخرجه النسائي في «الكبرى» (٣١٣٩) (٣١٥٤) (٣١٥٥). صحح هذا الحديث: أحمد وابن المديني وإسحاق بن راهويه، وقد روى مسلم في صحيحه بهذا الإسناد: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ».\nقال إسحاق بن راهويه: وقد ثبت هذا من خمسة أوجه عن النبي ﷺ.\nونقل الحاكم في «المستدرك» عن ابن راهويه أنه قال: إسناده صحيح تقوم به الحجة. ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في «المستدرك» وقال: وهو ظاهر الصحة.\nوقال ابن خزيمة: ثبت الخبر عن النبي ﷺ أنه قال: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ».\nقال ابن عبد الهادي: قال بعض الحفاظ: الحديث في هذا متواتر. وله شواهد متعددة رواها عن النبي ﷺ بضعة عشر نفسًا، وإن كان فيها مقال: رافع بن خديج وأبو هريرة، وعائشة، وبلال، وأسامة بن زيد، ومعقل بن سنان، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وأبو زيد الأنصارى، وأبو موسى الأشعرى، وابن عباس، وابن عمر.\n\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢١٠).\n(^٢) أخرجه الشافعي (٦٨٧)، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر به. وأخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢١١) من طريق معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر «كَانَ يَحْتَجِمُ، وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ بَعْدُ، فَكَانَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ احْتَجَمَ».","vol":"1","page":163},{"text":"يَكُنْ يَسْتَحْجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ» (^١).\n٣ - وعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُوسَى وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ مُمْسِيًا، فَوَجَدْتُهُ يَأْكُلُ تَمْرًا وَكَامَخًا، وَقَدِ احْتَجَمَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا تَحْتَجِمُ بِنَهَارٍ؟ فَقَالَ: أَتَأْمُرُنِي أَنْ أُهْرِيقَ دَمِي وَأَنَا صَائِمٌ؟!» (^٢).\n٤ - ورد هذا المعنى عن طلق بن حبيب (^٣)، ومسروق (^٤)، وعائشة (^٥)، ولكن فيه ضعف عن عائشة.\n• الحاصل في المسألة: ذهب جمهور العلماء إلى أن الحجامة لا تفطر الصائم.\nواستدلوا لذلك: بحديث ابن عباس قال: احْتَجَمَ رسول الله ﷺ وَهُوَ صَائِمٌ.\nواعترض عليه: بأن الحديث ضَعَّفه أحمد ويحيى القطان وغيرهما.\nوذلك لأن أصحاب ابن عباس الثقات الأثبات (عطاء وطاوس وسعيد بن جبير) رووه بلفظ: احْتَجَمَ رسول الله وَهُوَ مُحْرِمٌ، وإن كان ورد من طريق أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فقد رواه خالد الحذاء، وهشام بن حسان، وهلال عن عكرمة بلفظ: احْتَجَمَ رسول الله وَهُوَ مُحْرِمٌ.\nوقد وردت طرق أُخر لا تصح عن رسول الله ﷺ.\nقال مهنا: سألت أحمد بن حنبل عن حديث ابن عباس عن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم. فقال: ليس فيه صائم إنما هو محرم، قلت: فمن ذكره؟ قال: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء وطاوس عن ابن عباس أنه ﵇ احتجم وهو محرم.\nوكذلك طاوس عن ابن عباس مثله، وكذلك سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله.\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢١١) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٩٣٣٦) من طرق عن نافع عن ابن عمر.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٩٣٠٧).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٥٠).\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: «لَا يَحْتَجِمُ الصَّائِمُ».\n(^٥) وورد أثر عن عائشة: «أَفْطَرَ الحَاجِمُ وَالمَحْجُومُ» وفى إسناده ليث، وهو ضعيف.","vol":"1","page":164},{"text":"قال أحمد: فهؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون صيامًا.\nقال ابن القيم: المقصود أنه لم يصح عنه ﷺ أنه احتجم وهو صائم.\nالدليل الثاني: أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة والمواصلة، ولم يحرمها إبقاء على أصحابه، قوله: (لم يحرمها). صريح في عدم التحريم، أي: أن الحجامة لا تفطر الصائم.\nواعترض عليه بأن المواصلة من خصوصيات رسول الله ﷺ ومحرمة على أمته إلى اليوم التالي بالإجماع، وليس في الحديث أن الحجامة تفطر الصائم أم لا، فليس صريحًا في المسألة.\nواستدلوا بحديث: «ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الحِجَامَةُ، وَالقَيْءُ، وَالِاحْتِلَامُ» وهذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nواستدلوا بحديث أبي سعيد: «رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ».\nواعترض عليه بأن الحديث لا يصح مرفوعًا.\nوأما استدلالهم بأثر أنس لما سئل: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ؟ قَالَ: لَاَ، إِلاَّ مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ.\nفقال شيخ الإسلام ﵀: وأما اعتقاد من اعتقد أن كراهة الحجامة إنما هي لأجل الضعف، فهذا لا يمنع كونها مفطرة، فإن هذا تعليل كونها مفطرة (^١).\n• القول الآخر: ذهب أحمد وغيره إلى أن من احتجم وهو صائم فقد أفطر.\nواستدلوا لهذا القول بعموم قول النبي ﷺ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ».\nواعترض على هذا الحديث من وجوه:\nالأول: أن هذا الحديث ضعيف، ضعَّفه ابن معين والشافعي.\nوأجيب عنه بأن الحديث صححه البخاري وأحمد وإسحاق وابن المديني وعثمان الدارمي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم، وقال المروزي: قلت لأحمد: إن يحيى بن معين قال: ليس فيه شيء يثبت! فقال: هذا مجازفة (^٢).\n_________\n(^١) شرح كتاب الصيام من «العمدة» (١/ ٤٣٨).\n(^٢) قال ابن القيم: أما جواب المعللين فباطل، وإن الأئمة العارفين بهذا الشأن قد تظاهرت أقوالهم بتصحيح بعض الأحاديث المانعة، والباقي إما حسن صالح للاحتجاج به وحده، وإما ضعيف، فهو يصلح للشواهد والمتابعات، وليس العمدة عليه، وممن صحح ذلك: أحمد وإسحاق وعلي بن المديني، وإبراهيم الحربي، وعثمان بن سعيد الدارمي، والبخاري وابن المنذر، وكل من له علم بالحديث يشهد بأن هذا الأصل محفوظ عن النبي ﷺ لتعدد طرقه وثقة رواته واشتهارهم بالعدالة … وأما قول بعض أهل الحديث: (لا يصح في الفطر بالحجامة حديث) فمجازفة باطلة أنكرها أئمة الحديث كالإمام أحمد لما حكي له قول ابن معين، أنكره عليه.","vol":"1","page":165},{"text":"الوجه الثاني: أن حديث «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» منسوخ بحديث ابن عباس: أن النبي ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ.\nودليل النسخ أن الشافعي والبيهقي روياه بإسنادهما الصحيح، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ زَمَانَ الْفَتْحِ، فَرَأَى رَجُلًا يَحْتَجِمُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ».\nوقد ثبت في «صحيح البخاري» من حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ.\nقال الشافعي: وابن عباس إنما صحب النبي ﷺ محرمًا في حجة الوداع سنة عشرة من الهجرة ولم يصحبه محرمًا قبل ذلك وكان الفتح سنة ثمان بلا شك، فحديث ابن عباس السابق في قصة جعفر «ثم رخص النبي ﷺ في الحجامة»، ولفظ الترخيص غالب ما يستعمل للترخيص بعد النهي (^١).\nواعترض على هذا الاستدلال من وجهين:\nأما قصة جعفر وفيه: «ثم رخص النبي ﷺ في الحجامة» فهو لا يصح عن رسول الله ﷺ (^٢).\nوأما حديث ابن عباس: اِحْتَجَمَ رَسُول الله ﷺ وَهُوَ صَائِم. فيرد عليه من وجهين:\nالأول: قد ضعفه غير واحد من أهل العلم.\n_________\n(^١) «المجموع» (٦/ ٣٥١).\n(^٢) أخرجه الدارقطني في «السنن» (٢٢٢٩)، والبيهقي في «الكبرى» (٨٣٨٥) وفي إسناده عبد الله بن المثنى، وخالد بن مخلد، تكلم فيهما غير واحد من الحفاظ. انظر: «تنقيح التعليق» (٣/ ٢٧٦) قال ابن حجر في «الفتح» (٤/ ٢١٠): ورواته كلهم من رجال البخاري، إلا أن في المتن ما ينكر؛ لأن فيه: أن ذلك كان في الفتح، قال ابن عبد الهادي: هذا حديث منكر لا يصلح للاحتجاج به؛ لأنه شاذ الإسناد والمتن.","vol":"1","page":166},{"text":"الثاني: لو صح فهو مما لم يعلم تاريخه؛ لأن ابن عباس لم يقل: شهدت رسول الله ﷺ، ولا رأيته فعل ذلك، وإنما روى رواية مطلقة، ومن المعلوم أن أكثر روايات ابن عباس إنما أخذها من الصحابة، والذي فيه سماعه من النبي ﷺ لا يبلغ عشرين قصة كما قاله غير واحد من الحفاظ، فمن أين لكم أن ابن عباس لم يرو هذا عن صحابي آخر كأكثر رواياته؟ وقد روى ابن عباس أحاديث كثيرة مقطوعًا بأنه لم يسمعها من النبي ﷺ، ولا شهدها ونحن نقول: إنها حجة، لكن لا نُثبت بذلك تأخرها ونسخها لغيرها ما لم يُعلم التاريخ.\nالوجه الثالث: معنى «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ»: أنهما أفطرا بغير الحجامة، فإنهما كان يغتابان.\nواعترض عليه: بما قاله الحافظ (^١): جَاءَ بَعْضُهُمْ بِأُعْجُوبَةٍ فَزَعَمَ أَنَّهُ ﷺ إِنَّمَا قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم» لِأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ، قَالَ: فَإِذَا قِيلَ لَهُ: فَالْغِيبَة تُفْطِرُ الصَّائِمَ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَعَلَى هَذَا لَا يَخْرُجُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْحَدِيث بِلَا شُبْهَة.\nوقال ابن خزيمة (^٢): فَإِذَا قِيلَ لَهُ: فَالْغِيبَةُ تُفْطِرُ الصَّائِمَ زَعَمَ أَنَّهَا لَا تُفْطِرُ الصَّائِمَ. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَكَ إِنَّمَا قَالَ: «أَفْطَرَ الْحَاجِم وَالْمَحْجُوم» لأَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَابَانِ وَالْغِيبَةُ عِنْدَكَ لَا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ، فَهَلْ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالله، يَزْعُمُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْلَمَ أُمَّتَهُ أَنَّ الْمُغْتَابَيْنِ مُفْطِرَانِ، وَيَقُولُ هُوَ: بَلْ هُمَا صَائِمَانِ غَيْرُ مُفْطِرَيْنِ، فَخَالَفَ النَّبِيَّ ﷺ بِلَا شُبْهَةٍ وَلَا تَأْوِيلٍ.\nالوجه الرابع: ما قاله الشافعي: القياس مع حديث ابن عباس.\nأي: أن الفطر مما دخل كالطعام والشراب أو التلذذ بالجماع أو التفيؤ.\nواعترض عليه بما قاله ابن القيم (^٣): ثم نقول: بل القياس من جانبنا؛ لأن الشارع علق الفطر بإدخال ما فيه قوام البدن من الطعام والشراب، وبإخراجه من القيء، واستفراغ المني، وجعل الحيض مانعًا من الصوم؛ لما فيه من خروج الدم المضعف للبدن.\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٤/ ٢١٠).\n(^٢) «صحيح ابن خزيمة» (١٩٦٦).\n(^٣) «تهذيب السنن» في شرح حديث (٢٢٦٨). انظر: «إعلام الموقعين» (٣/ ١٨٩). ومن أراد المزيد فقد أورد ابن القيم في هذا الصدد بحثًا ماتعًا في تهذيب السنن في شرح حديث (٢٢٦٨).","vol":"1","page":167},{"text":"قالوا: فالشارع قد نهى الصائم عن أخذ ما يعينه، وعن إخراج ما يضعفه، وكلاهما مقصود له؛ لأن الشارع أمَر بالاقتصاد في العبادات، ولا سيما في الصوم؛ ولهذا أمَر بتعجيل الفطور وتأخير السحور، فله قَصْد في حفظ قوة الصائم عليه، كما له قصد في منعه من إدخال المفطرات، وشاهده الفطر بالقيء والحيض والاستمناء، فالحجامة كذلك أَوْلى، وليس معنا في القيء ما يماثل أحاديث الحجامة، فكيف يفطر به دون الحجامة؟\nفالراجح أن من احتجم في نهار رمضان أن يقضي يوما مكانه. والله أعلم.\nوهنا مسألة على قول من قال «بأن الحجامة تفطر الصائم هل يفطر الحاجم والمحجوم؟\nقال ابن القيم: القائلون بأن الحجامة تفطر لهم فيها أقوالٍ:\nأحدها: أن المحتجم يفطر وحده دون الحاجم.\nالثاني: وهو منصوص الإمام أحمد - أنه يفطر كل منهما، وهذا قول جمهور أصحابه المتقدمين والمتأخرين.\nفإن قيل: فهب أن هذا يتأتى لكم في المحجوم، فما الموجب لفطر الحاجم؟\nقلنا: لما كان الحاجم يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه، والهواء يجتذب ما فيها من الدم، فربما صعد مع الهواء شيء من الدم، ودخل في حلقه وهو لا يشعر، والحكمة إذا كانت خفية علق الحكم بمظنتها، كما أن النائم لما كان قد يخرج منه الريح ولا يشعر بها، علق الحكم بالمظنة، وهو النوم، وإن لم يخرج منه ريح.\nفإن قيل: فطَرْد هذا أن لا يفطر الشارط.\nقلنا: نعم، ولا الحاجم الذي يشرط ولا يمص، أو يمصه مفطر غيره، وليس في هذا مخالفة للنص، فإن كلام النبي ﷺ خرج على الحاجم المعتاد، وهو الذي يمص الدم، وكلامه إنما يعم المعتاد، فاستعمال اللفظ بقصره على الحاجم المعتاد لا يكون تعطيلًا للنص (^١)، والله أعلم.\n_________\n(^١) «حاشية ابن القيم على أبي داود مع عون المعبود» (٩/ ٥١٢، ٥١٣)","vol":"1","page":168},{"text":"• هل التشريط والفصاد يفطر الصائم؟\n• اختلف أهل العلم القائلون بأن الحجامة تفطر في التشريط والفصاد على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه لا يفطر بهما.\nالثاني: يفطر بهما.\nالثالث: يفطر بالتشريط دون الفصاد؛ لأن التشريط عندهم كالحجامة.\n• واختلفوا في التشريط والفصاد، أيهما أولى بالفطر؟\nوالصواب الفطر بالحجامة والفصاد والتشريط، وهو اختيار شيخنا أبي العباس بن تيمية، واختيار صاحب الإفصاح؛ لأن المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفصاد طبعًا وشرعًا، وكذلك في التشريط، وقد بينا أن الفطر بالحجامة هو مقتضى القياس، ولا فَرْق في ذلك بين الفصاد والتشريط، فبأي وجه أخرج الدم أفطر به، كما يُفطر بالاستقاء بأي وجه استقاء، إما بإدخال يده في فيه، أو بشمِّه ما يقيئه، أو بوضع يده على بطنه وتطامنه، وغير ذلك، فالعبرة بخروج الدم عمدًا لا بكيفية الإخراج، كما استوى خروج الدم بذلك في إفساد الصلاة ونقض الطهارة عند القائلين به، وبهذا يتبيَّن توافق النصوص والقياس، وشهادة أصول الشرع وقواعده، وتصديق بعضها بعضًا (^١).\nوَسُئِلَ شيخ الإسلام عَنْ رَجُلٍ افْتَصَدَ بِسَبَبِ وَجَعِ رَأْسِهِ وَهُوَ صَائِمٌ، هَلْ يُفْطِرُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ إذَا أُعْلِمَ أَنَّهُ يُفْطِرُ إذَا افْتَصَدَ يَأْثَمُ أَمْ لَا؟\nفَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِله. هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَالْأَحْوَطُ أَنَّهُ يَقْضِي ذَلِكَ الْيَوْمَ. وَالله أَعْلَمُ.\nوَسُئِلَ عَنْ الْفِصَادِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ هَلْ يُفْسِدُ الصَّوْمَ أَمْ لَا؟\nفَأَجَابَ: إنْ أَمْكَنَهُ تَأْخِيرُ الْفِصَادِ أَخَّرَهُ، وَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِمَرَضٍ افْتَصَدَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ، وَالله أَعْلَمُ (^٢).\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) «الفتاوى» (٢٥/ ٢٦٨).","vol":"1","page":169},{"text":"• التبرع بالدم في نهار رمضان، هل يفطر الصائم؟\nسئلت اللجنة الدائمة: رجل اضطر إلى مراجعة المستشفى في رمضان وهو صائم، ولما حضر إلى المستشفى أُخِذ منه دم، فهل يُخِل بصومه؟\nالجواب: إذا كان الدم الذي أُخِذ منه يسيرًا عُرفًا فلا يجب عليه قضاء ذلك اليوم، وإن كان ما أُخِذ منه كثيرًا عرفًا فإنه يقضي ذلك اليوم خروجًا من الخلاف، وأخذًا بالاحتياط براءةً للذمة، وبالله التوفيق (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر: «فتاوى الصيام» (٤٦٦، ٤٦٧).","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type='title' id=toc-119>القسم الثالث مفطرات أخرى</span>\nوفيه مبحثان:\n\n•<span data-type='title' id=toc-120> المبحث الأول: الردة:</span>\nقال ابن قدامة (^١): وَمَنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ، فَقَدْ أَفْطَرَ، لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خلافًا فِي أَنَّ مِنِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ، أَنَّهُ يَفْسُدُ صَوْمُهُ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ اليَوْمِ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ اليَوْمِ أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ رِدَّتُهُ بِاعْتِقَادِهِ مَا يَكْفُرُ بِهِ، أَوْ شَكِّهِ فِيمَا يَكْفُرُ بِالشَّكِّ فِيهِ، أَوْ بِالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، مُسْتَهْزِئًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَهْزِئٍ، قال الله تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِالله وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمَانِكُمْ﴾.\nوَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، فَأَبْطَلَتْهَا الرِّدَّةُ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَنَافَاهَا الْكُفْرُ، كَالصَّلَاةِ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-121> المبحث الثاني: من نوى الفطر فقد أفطر:</span>\nقال ابن قدامة (^٢): وَمَنْ نَوَى الْإِفْطَارَ فَقَدْ أَفْطَرَ، هَذَا الظَّاهِرُ مِنَ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَأصْحَابِ الرَّأْيِ، إلَّا أَنَّ أصْحَابَ الرَّأْيِ قَالُوا: إنْ عَادَ فَنَوَى قَبْلَ\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٣٩٦).\n(^٢) قال ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٣٧١): فَصْلٌ: وَإِنْ نَوَى أَنَّهُ سَيُفْطِرُ سَاعَةً أُخْرَى، فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ كَنِيَّةِ الْفِطْرِ فِي وَقْتِهِ، وَإِنْ تَرَدَّدَ فِي الْفِطْرِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الصَّلَاةِ، وَإِنْ نَوَى أَنَّنِي إنْ وَجَدْتُ طَعَامًا أَفْطَرْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ أَتْمَمْت صَوْمِي. خُرِّجَ فِيهِ وَجْهَانِ:\nأَحَدُهُمَا: يُفْطِرُ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ جَازِمًا بِنِيَّةِ الصَّوْمِ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ ابْتِدَاءُ النِّيَّةِ بِمِثْلِ هَذَا.\nوَالثَّانِي: لَا يُفْطِرُ; لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْفِطْرَ بِنِيَّةٍ صَحِيحَةٍ، فَإِنَّ النِّيَّةَ لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ؛ وَلِذَلِكَ لَا يَنْعَقِدُ الصَّوْمُ بِمِثْلِ هَذِهِ النِّيَّةِ.","vol":"1","page":171},{"text":"أَنْ يَنْتَصِفَ النَّهَارُ أَجْزَأَهُ. بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ أَنَّ الصَّوْمَ يُجْزِئُ بِنِيَّةٍ مِنَ النَّهَارِ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَفْسُدُ بِذَلِكَ؛ لأنها عِبَادَةٌ يَلْزَمُ الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهَا، فَلَمْ تَفْسُدْ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا، كَالْحَجِّ. وَلَنَا أَنَّهَا عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، فَفَسَدَتْ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا، كَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْعِبَادَةِ، وَلَكِنْ لَمَّا شَقَّ اعْتِبَارُ حَقِيقَتِهَا اُعْتُبِرَ بَقَاءُ حُكْمِهَا، وَهُوَ أَنْ لَا يَنْوِيَ قَطْعَهَا، فَإِذَا نَوَاهُ زَالَتْ حَقِيقَةً وَحُكْمًا، فَفَسَدَ الصَّوْمُ لِزَوَالِ شَرْطِهِ.\nوَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ لَا يَطَّرِدُ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، وَلَا يَصحُّ الْقِيَاسُ عَلَى الْحَجَّ، فَإِنَّهُ يَصحُّ بِالنِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْمُبْهَمَةِ، وَبِالنِّيَّةِ عَنْ غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ، فَافْتَرَقَا.\n• الخلاصة: مفسدات الصوم:\n١ - الأكل والشرب عامدًا في نهار رمضان من المفسدات، بالنص والإجماع.\n٢ - ما كان بمعنى الأكل والشرب: كالإبر المغذية التي يستغني بها عن الطعام والشرب أيضًا من المفطرات. أما الإبر التي لا تُغذِّي ولا تقوم مقام الطعام والشرب، فلا تفطر سواء تناولها الإنسان في العضل أو في الوريد.\n٣ - الجماع: وهو من المفطرات بالكتاب والسنة والإجماع.\n٤ - ما كان بمعنى الجماع: كالاستمناء؛ لقول النبي ﷺ: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي»، والذي يستمني لم يدع الشهوة فكان الاستمناء من المفطرات.\n٥ - خروج دم الحيض والنفاس: وذلك لقول النبي ﷺ: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟». وقد أجمع أهل العلم على أن الصوم لا يصح من الحائض ولا النفساء، ومتى طرأ الحيض على الصوم أبطله.\n٦ - ذهب جمهور العلماء إلى أن من استقاء عامدًا، فعليه قضاء يوم مكانه.\n٧ - الحجامة: هل تفطر الصائم؟ اختلف أهل العلم في ذلك: والأحوط أن الصائم لا يحتجم نهارًا، ولو احتجم يقضي يومًا مكانه.","vol":"1","page":172},{"text":"٨ - الردة: فمن ارتد عن الإسلام فقد أفطر.\n٩ - من نوى الإفطار فقد أفطر.\n• وهذه المفطرات لا يفسد بها الصوم إلا بشروط:\n١ - العلم: فإن كان جاهلًا فصيامه صحيح: لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ «قال الله: قد فعلت». رواه مسلم.\nوروى البخاري (^١) عَنْ عَدِىِّ بْنِ حَاتِمٍ قال: «لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿حَتَّى يَتبيَّن لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾. قَالَ: أَخَذْتُ عِقَالًا أَبْيَضَ وَعِقَالًا أَسْوَدَ فَوَضَعْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِى، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَتبيَّن، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَضَحِكَ، وَقَالَ: «إِنَّ وِسَادَكَ لَعَرِيضٌ طَوِيلٌ، إِنَّمَا هُوَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ». قال عُثْمَانُ: «إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ».\nوروى البخاري (^٢) عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ ﴿قَالَتْ: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النبي ﷺ يَوْمَ غَيْمٍ، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ …» ولم يأمرهم النبي ﷺ بالقضاء.\n٢ - أن يكون ذاكرًا: فلو أكل أو شرب ناسيًا فإنَّ صومه صحيح ولا قضاء عليه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ «قال الله: قد فعلت». ولحديث أبي هريرة أن رسول الله قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ».\n٣ - أن يكون قاصدًا: وهو أن يكون الإنسان مختارًا لفعل هذا المفطر، فإن كان مُكْرَهًا فلا شيء عليه للآية: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩١٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٥٩).","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type='title' id=toc-122>الفصل السابع المفطرات المستجدة</span>\n(النوازل الفقهية المعاصرة في التداوي بالداخل إلى الجسم)\n• وفيه مباحث:\n• المبحث الأول: الداخل عن طريق الفم، وفيه مطالب:\n• المطلب الأول: الغرغرة.\n• المطلب الثاني: علاج الأسنان.\n• المطلب الثالث: أدوية ما تحت اللسان.\n• المبحث الثاني: الداخل عن طريق الأنف، وفيه مطالب:\n• المطلب الأول: بخاخ الربو\n• المطلب الثاني: الأكسجين.\n• المطلب الثالث: التخدير عن طريق الجهاز التنفسي.\n• المطلب الرابع: قطرة الأنف.\n• المطلب الخامس: استعمال الروائح العطرية في نهار رمضان.\n• المبحث الثالث: الداخل عن طريق الفرجين، وفيه مطالب:\n• المطلب الأول: ما كان منفذه الدبر.\n• المطلب الثاني: ما كان منفذه ذكر الرجل\n• المطلب الثالث: ما كان منفذه فرج المرأة\n• المبحث الرابع: الداخل إلى الجسم عن طريق العين والأذن\n• المبحث الخامس: ما يدخل الجسم عن طريق الحقن\n• المبحث السادس: ما يدخل الجسم عن طريق المنظار والقسطرة\n• المبحث السابع: ما يدخل الجسم عن طريق الدهون\n• المبحث الثامن: قرارات المجامع الفقهية بشأن المفطرات المستجدة\nوأخيرا- خلاصة ما سبق من المفطرات المستجدة.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-123>المبحث الأول: الداخل من طريق الفم</span>\nوفيه مطالب:\n\n•<span data-type='title' id=toc-124> المطلب الأول: أثر الغرغرة في الصوم:</span>\nوالغرغرة: أن يجعل المشروب في الفم ويردد إلى أصل الحلق ولا يبلع.\nوالغرض منها: تطهير الحلق خاصة لو كان ملتهبًا (^١).\nوقد أفتى المجمع الفقهي بأنه لا يفطر الصائم المضمضة والغرغرة وبخاخ الربو الموضعي للفم على أن يتجنب الابتلاع (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-125> المطلب الثاني: علاج الأسنان، وفيه مسألتان:</span>\n• المسألة الأولى: الدواء المخدر إذا حقنت به لثة المريض هل يفطر؟\nهذا الدواء المخدر إذا حُقنت به لثة المريض لا يفطر؛ لأنه ليس مما يغذي ولا يصل إلى الحلق عن طريق الفم أو الأنف.\nوسئلت اللجنة عن طبيب الأسنان يحتاج إلى إعطاء المريض إبرة في الفم للتخدير الموضعي من أجل العلاج، فهل يؤثر ذلك على الصيام؟ علمًا بأن المريض قد يستطيع تأجيل العلاج إلى الليل أو حتى بعد رمضان.\nالجواب: لا بأس بإعطاء الصائم إبرة للتخدير الموضعي في الفم وغيره من أجل العلاج؛ لأنها ليست مغذية (^٣).\n_________\n(^١) «لسان العرب» مادة غرغر، و«النوازل الفقهية المعاصرة المتعلقة بالتداوي في الصيام» (ص ١٦٧) وهو بحث جيد ونافع، وقد استفدت منه كثيرًا، فأسأل الله أن يبارك في صاحبه وأن ينفع به الإسلام والمسلمين.\n(^٢) «فقه النوازل» (٢/ ٣٠٠) والأفضل ألا يفعله إلا إذا دعت الحاجة إليه. وسئل الشيخ عبد الله بن جبرين حفظه الله: هل الغبار يفطر أيضًا؟ فأجاب: الغبار لا يفطر، وإن كان الصائم مأمورًا بالتحرز منه.\n(^٣) «النوازل الفقهية المعاصرة» (ص ١٧٤)، وكذا أفتى بذلك الشيخ ابن باز في «فتاواه» (١٥/ ٢٥٩).","vol":"1","page":176},{"text":"• المسألة الثانية: استخدام الماء لتبريد آلة حفر الأسنان وحشو السن بالأدوية المناسبة:\nأفتى المجمع الفقهي بأن حفر السن أو قلع الضرس أو تنظيف الأسنان أو السواك وفرشاة الأسنان لا يفطر بها الصائم على أن يتجنب الابتلاع (^١).\nوسئلت اللجنة الدائمة عن طبيب الأسنان يستخدم الماء لتبريد آلة حك الأسنان، فهل ابتلاع المريض الصائم لهذا الماء بدون قصد يؤثر على الصيام؟ علمًا بأن المريض قد يستطيع تأجيل العلاج إلى الليل أو حتى بعد رمضان.\nالجواب: لا بأس بوضع الماء في فم الصائم من أجل العلاج وغيره، بشرط ألا يتعمد ابتلاعه، وإن ذهب منه شيء إلى حلقه بغير اختياره فلا حرج عليه، وتأجيل العلاج إلى الليل أو إلى ما بعد رمضان أحوط (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-126> المطلب الثالث: أدوية ما تحت اللسان:</span>\nهل تفطر الصائم الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية؟\nأفتى المجمع الفقهي الإسلامي بجدة (^٣) أن الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان (^٤) لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق - لا تفطر الصائم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-127> المطلب الرابع: ما حكم ابتلاع النخامة والبلغم للصائم؟</span>\nسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀: ما حكم ابتلاع النخامة والبلغم\n_________\n(^١) «فقه النوازل» (٢/ ٣٠٠).\n(^٢) «النوازل الفقهية المعاصرة» (ص ١٧٥).\n(^٣) «فقه النوازل» (٢/ ٢٧٩).\n(^٤) قال أسامة الخلاوي (ص ١٨٠): ولما كانت حبوب النترات وما شابهها من الأدوية تحت اللسان لا تصل إلى الحلق وإنما غاية ما هنالك أن تقوم الأوعية الدموية الموجودة تحت اللسان بامتصاص المادة الدوائية، ومن ثم يقوم الدواء بأداء مهمته بفاعلية دون أن يدخل الدواء إلى الحلق، فإن تناولها فلا أثر له في الصيام ولا تفطر، إلا أنه ينبغي مراعاة أن يمج المريض ما يتبقى من أثر الدواء ولا يبتلعه مع ريقه وإلا فإنه سيدخل حلقه ذلك المتبقي من الدواء ويتعرض للإفطار به.","vol":"1","page":177},{"text":"للصائم؟\nفأجاب: أما النخامة والبلغم فيجب لفظهما إذا وصلتا إلى الفم، ولا يجوز للصائم بلعهما لإمكان التحرز منهما، وليسا مثل الريق.\n\n•<span data-type='title' id=toc-128> المبحث الثاني: الداخل عن طريق الأنف، وفيه مطالب:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-129> المطلب الأول: حكم استنشاق بخاخ الربو أثناء الصوم:</span>\nذهب أكثر المجتمعين في الندوة الطبية الفقهية التاسعة التابعة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت والمنعقدة في الرباط عام (١٩٩٧) إلى أن بخاخ الربو لا يفطر الصائم (^١).\nوأفتت اللجنة الدائمة بأن استعمال بخاخ الربو استنشاقًا لا يفطر؛ لأنه ليس في حكم الأكل والشرب بوجه من الوجوه (^٢).\n_________\n(^١) «فقه النوازل» (٢/ ٣٠٠).\n(^٢) نص فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:\nالسؤال: يوجد دواء مع المرضى بمرض الربو يأخذونه بطريق الاستنشاق، هل يفطر أم لا؟\nالجواب: دواء الربو الذي يستعمله المريض استنشاقًا يصل إلى الرئتين عن طريق القصبة الهوائية لا إلى المعدة، فليس أكلًا ولا شربًا ولا شبيهًا بهما، وإنما هو شبيه بما يقطر في الإحليل وما تُداوى به المأمومة والجائفة وبالكحل والحقنة الشرجية ونحوها من كل ما يصل إلى الدماغ أو البدن من غير الفم أو الأنف.\nوهذه الأمور اختلف العلماء في تفطير الصائم باستعمالها: فمنهم من لم يفطر الصائم باستعمال شيء منها، ومنهم من فطره باستعمال بعض دون بعض. مع اتفاقهم جميعًا على أنه لا يسمى استعمال شيء منها أكلًا ولا شربًا. لكن من فطر باستعمالها أو بشيء منها جعله في حكمها بجامع أن كلًّا من ذلك يصل إلى الجوف باختيار، ولِما ثبت من قول النبي ﷺ: «وَبَالِغْ في الاِسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» فاستثنى الصائم من ذلك مخافة أن يصل الماء إلى حلقه أو معدته بالمبالغة في الاستنشاق فيفسد الصوم، دل على أن كل ما وصل إلى الجوف اختيارًا يفطر الصائم.\nومن لم يحكم بفساد الصوم بذلك كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ومن وافقه - لم ير قياس هذه الأمور على الأكل والشرب صحيحًا، فإنه ليس في الأدلة ما يقتضي أن المفطر هو كل ما كان واصلًا إلى الدماغ أو البدن، أو ما كان داخلًا من منفذ أو واصلًا إلى الجوف. وحيث لم يقم دليل شرعي على جعل وصف من هذه الأوصاف مناطًا للحكم بفطر الصائم يصح تعليق الحكم به شرعًا، وجَعْل ذلك في معنى ما يصل إلى الحلق أو المعدة من الماء بسبب المبالغة في استنشاقه - غير صحيح أيضا لوجود الفارق؛ فإن الماء يغذي فإذا وصل إلى الحلق أو المعدة أفسد الصوم، سواء كان دخوله من الفم أو الأنف؛ إذ كل منهما طريق فقط؛ ولذا لم يفسد الصوم بمجرد المضمضة أو الاستنشاق دون مبالغة ولم ينه عن ذلك. فكون الفم طريقًا وَصْف طردي لا تأثير له فإذا وصل الماء ونحوه من الأنف كان له حكم وصوله من الفم، ثم هو والفم سواء. والذي يظهر عدم الفطر باستعمال هذا الدواء استنشاقًا؛ لما تقدم من أنه ليس في حكم الأكل والشرب بوجه من الوجوه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. «النوازل الفقهية المعاصرة» (ص ١٩٨، ١٩٩).","vol":"1","page":178},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-130> المطلب الثاني: أثر استعمال الأكسجين في الصيام:</span>\nاستخدام الأكسجين المضغوط والمكثف لا يفطر الصائم؛ لأنه عبارة عن هواء وليس بطعام ولا شراب.\nوإلى ذلك ذهب مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة - إلى أن غاز الأكسجين لا يفطر الصائم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-131> المطلب الثالث: التخدير عن طريق الجهاز التنفسي، أو أثر التخدير في الصيام </span>(^٢).\nأفتى المجمع الفقهي الإسلامي المنعقد في دورته العاشرة بجدة بالسعودية (^٣) بأن غازات التخدير (البنج) لا تفطر الصائم ما لم يُعطَ المريض سوائل (محاليل) مغذية.\nمن نوى الصيام من الليل وتناول مخدرًا أفقده وعيه، فما حكم صيامه؟\nذهب أكثر المجتمعين في الندوة الطبية الفقهية التاسعة التابعة للمنظمة الإسلامية\n_________\n(^١) «فقه النوازل» (٢/ ٢٩٧) قال أسامة الخلاوي (ص ٢٠٢): قد يشكل عند البعض حكم استخدام الأكسجين السائل من حيث كونه صار سائلًا. فنقول: بما أن الأكسجين السائل إذا أطلق من وعائه رجع إلى طبيعته الغازية، فإن استعماله لا يفطر لأنه مجرد غاز يدخل إلى الجهاز التنفسي ولا ينال المعدة من سيولته شيء، ولا يقول أحد: إنَّ تنفس الهواء أو استنشاقه يُفسد الصوم.\n(^٢) وأما في الاصطلاح الطبي الحديث: فهو عملية تتم تحت إشراف طبيب يتم خلالها إفقاد المريض الإحساس بالألم؛ ليتمكن من خوض عملية جراحية أو غيرها من العمليات بدون الشعور بالضيق أو الألم.\n(^٣) «فقه النوازل» (٢/ ٢٩٧).","vol":"1","page":179},{"text":"للعلوم الطبية بالكويت والمنعقدة في الرباط عام (١٩٩٧) أن العمليات الجراحية بالتخدير العام لا تفطر إذا كان المريض قد بَيَّت الصيام من الليل (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-132> المطلب الرابع: قطرة الأنف:</span>\nسئل الشيخ ابن باز عن حكم قطرة الأنف.\nفأجاب: أما القطرة في الأنف فلا تجوز؛ لأن الأنف منفذ ولهذا قال النبي ﷺ: «وَبَالِغْ في الاِسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا».\nوعلى من فعل ذلك القضاء لهذا الحديث وما جاء في معناه إن وجد طعمهما في حلقه، والله ولي التوفيق.\n\n•<span data-type='title' id=toc-133> المطلب الخامس: استعمال الروائح العطرية في رمضان.</span>\nسئل الشيخ العثيمين: ما حكم استعمال الصائم للروائح العطرية في نهار رمضان؟\nفأجاب: لا بأس أن يستعملها في نهار رمضان، وأن يستنشقها إلا البخور لا يستنشقه؛ لأن له جرمًا يصل إلى المعدة وهو الدخان.\n_________\n(^١) «فقه النوازل» (٢/ ٣٠٠). وقال أسامة الخلاوي (ص ٢٠٥): إلا أنه يجب التنبه إلى مسألة أن التخدير العام يصاحبه غالبًا إعطاء المريض المحاليل المغذية تجنبًا للجفاف، ولإعطائه ما يلزم من العقاقير أثناء الجراحة لو احتيج إليها، فإذا كان كذلك فصيامه عندئذٍ يفسد لتناول المغذي لا للعقاقير ولا لفقدان الوعي.\nوالتخدير العام يشابه الإغماء في زوال العقل، فالحنفية على أنه لو نوى من الليل وأغمي عليه ولو مستغرقًا كل اليوم فإن صيامه صحيح كما في «رد المحتار» (٣/ ٤١٨).\nوقال مالك في «المدونة» (١/ ٣٩٨): وسئل لَوْ أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ وَنِيَّتُهُ الصِّيَامُ إلَى انْتِصَافِ النَّهَارِ ثُمَّ أَفَاقَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيُجْزِئُهُ صِيَامُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: نَعَمْ يُجْزِئُهُ.\nوقال الشافعي: إِذَا أَفَاقَ فِي بَعْضِ نَهَارِهِ صح صَوْمُهُ، كما في «الحاوي» (٣/ ٤٤١).\nوقال في «المقنع» ٧/ ٣٨٦ ومن نوى قبل الفجر ثم .. أغمي عليه جميع النهار لم يصح صومه وإن أفاق جزءًا منه صح صومه. والراجح: أن من نوى الصيام من الليل وتناول مخدرًا أفقده وعيه أو أغمي عليه ثم أفاق في جزء من النهار، فصيامه صحيح.","vol":"1","page":180},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-134> المبحث الثالث: الداخل من طريق الفرجين، وفيه مطالب:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-135> المطلب الأول: ما كان منفذه الدبر:</span>\n• أثر استعمال المناظير الشرجية والتحاميل والحقن الشرجية في الصيام:\nذهب أكثر المجتمعين في الندوة الفقهية الطبية التاسعة التابعة للمنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت والمنعقدة في الرباط عام (١٩٩٧) إلى عدم فساد الصوم بما يدخل الشرج من حقنة شرجية أو تحاميل (لبوس) أو منظار أو إصبع طبيب فاحص (^١).\nوقد سئل الشيخ محمد بن عثيمين عن التحاميل الشرجية فأجاب: لا بأس أن يستعمل الصائم التحاميل التي تجعل في الدبر إذا كان مريضًا؛ لأن هذا ليس أكلًا ولا شربًا ولا بمعنى الأكل والشرب، والشارع إنما حرم علينا الأكل والشرب، فما كان قائما مقام الأكل والشرب أُعطي حكم الأكل والشرب، وما ليس كذلك فإنه لا يدخل في الأكل والشرب لفظًا ولا معنى، فلا يثبت له حكم الأكل والشرب (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-136> المطلب الثاني: ما كان منفذه ذكَر الرجل:</span>\n• أثر استعمال منظار المثانة في الصوم:\nأفتى المجمع الفقهي الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة بعدم فساد الصوم بما يدخل إحليل الذكر والأنثى - أي مجرى البول من الظاهر - من قسطرة، أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-137> المطلب الثالث: ما كان منفذه فرج المرأة، وفيه مسائل:</span>\n• المسألة الأولى: أثر التداوي المهبلي في الصوم:\nاتفق علماء المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة على عدم\n_________\n(^١) «فقه النوازل» (٢/ ٣٠٠).\n(^٢) «مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين» (١٩/ ٢٠٥).\n(^٣) «فقه النوازل» (٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠).","vol":"1","page":181},{"text":"فساد الصوم بما يدخل المهبل من هلام أو بيوض دوائية مهبلية أو غسول أو منظار مهبلي أو إصبع طبيب أو قابلة فاحصة (^١).\n• المسألة الثانية: أثر اللولب في الصوم:\nذهب المجمع الفقهي في دورته العاشرة إلى أن إدخال المنظار أو اللولب إلى الرحم لا يفطر الصائم (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-138> المبحث الرابع: الداخل إلى الجسم عن طريق العين والأذن:</span>\nقد أفتى المجمع الفقهي بالدار البيضاء أن المفطرات في كتاب الله وفي السنة الصحيحة ثلاثة:\nهي الأكل والشرب والجماع، فكل ما جاوز الحلق وكان ينطبق عليه اسم الأكل أو الشرب كمًّا وكيفًا يعد مفطرًا، وبناء على ذلك اتفق المجتمعون على أن الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات: قطرة العين أو الأذن أو غسول الأذن (^٣).\nوقد سئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن حكم القطرة والمرهم في العين؟\nفأجاب: لا بأس للصائم أن يكتحل وأن يقطر في عينه .. حتى وإن وجد طعمه في حلقه، فإنه لا يفطر بهذا؛ لأنه ليس بأكل ولا شرب ولا بمعنى الأكل والشرب،\n_________\n(^١) «فقه النوازل» (٢/ ٢٩٨). قال أسامة الخلاوي (ص ٣٠٠): فعلى هذا فإن الداخل إلى المبال له حكم الداخل إلى ذكر الرجل الموصل للمثانة. وأما الداخل إلى المهبل فإنا نقول: إن التجويف المهبلي والرحم ليسا طريقًا للإفطار؛ لأن الداخل ليس الغرض منه التغذية، كما أنه لا يصل إلى المعدة بأي حال من الأحوال؛ لذا فإن دخول المنظار - ولو بمادة دهنية - وضخ صبغة الأشعة في تجويف الرحم لا يؤثران في الصوم، ومثله التحاميل المهبلية، لأن المهبل ليس جوفًا، والتحاميل المهبلية أو صبغة الأشعة ليست غذاء. وقد ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الإقطار في أقبال النساء مفطر، واستدلوا لذلك أن المثانة منفذ إلى الجوف. انظر «تبيين الحقائق» (٢/ ١٨٤)، و«شرح الخرشي» (٣/ ٥١)، و«تحفة المحتاج» (١/ ٥١٢).\nوذهب الحنابلة إلى أن الإقطار في قبل المرأة لا يفطر، كما في «شرح المنتهى» (٢/ ٣٦٤).\n(^٢) «فقه النوازل» (٢/ ٣٠٠).\n(^٣) «فقه النوازل» (٢/ ٢٩٩)، وكذا أفتى المجمع الفقهي بجدة، الدورة العاشرة.","vol":"1","page":182},{"text":"والدليل إنما جاء في منع الأكل والشرب فلا يلحق بهما ما ليس في معناهما (^١)، وهذا الذي ذكرناه هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وهو الصواب.\nوسئلت اللجنة الدائمة: هل يجوز استعمال قطرة العين في نهار رمضان؟\nفأجابت: نعم تجوز ولا تفسد الصوم على الصحيح من قول العلماء (^٢).\nوسئلت: هل يفطر الكحل ودهان المرأة في نهار رمضان أم لا؟\nفأجابت: من اكتحل في نهار رمضان وهو صائم لا يفسد صومه، وكذا من دهن رأسه .. لا يفسد صومه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-139> المبحث الخامس: ما يدخل الجسم عن طريق الحقن.</span>\nأفتى المجمع الفقهي بجدة بأن الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية لا تفطر الصائم باستثناء السوائل والحقن المغذية (^٣).\nسئلت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: ما حكم التداوي بالحقن في نهار رمضان، سواء كانت للتغذية أم التداوي؟\nفأجابت: يجوز التداوي بالحقن في العضل والوريد للصائم في نهار رمضان، ولايجوز للصائم تعاطي حقن التغذية في نهار رمضان؛ لأنه في حكم تناول الطعام والشراب فتعاطي تلك الحقن يعتبر حيلة على الإفطار في رمضان وإن تيسر تعاطي الحقن في العضل والوريد ليلا فهو أولى (^٤).\n_________\n(^١) «مجموع فتاوى ابن عثيمين» (١٩/ ٢٠٩)، ورجح هذا القول الشيخ ابن باز في «فتاواه» (١٥/ ٢٦٣).\n(^٢) «فتاوى اللجنة الدائمة» (١٠/ ٢٥٠) برقم (٧٣٥١). قلت: وقد ذهب جمهور العلماء إلى أن الإقطار في الأذن إذا وصل إلى الباطن مفسد للصوم، وبه قال المالكية والحنابلة والصحيح عند الشافعية كما في «شرح الخرشي» (٣/ ٣٣) و«المبدع» (٣/ ٢٢)، وعند الشافعية قول آخر هو أن الإقطار لا يفسد الصوم.\nقال أسامة الخلاوي: إن استعمال قطرات الأذن بشكل عام لا يؤثر في الصوم وإن وجد الصائم طعم القطرة في حلقه، وذلك لأن الأذن لا تكون منفذًا للحلق إلا في حالة خرق الطبلة فقط.\n(^٣) «فقه النوازل» (٢/ ٢٩٧).\n(^٤) «فتاوى الصيام» (٢/ ٤٨٥). وقال أسامة الخلاوي: أولًا ما يدخل إلى الجسم، ولابد أن ينطبق عليه أحد الضابطين التاليين: =","vol":"1","page":183},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-140> المبحث السادس: ما يدخل الجسم عن طريق المنظار والقسطرة.</span>\n• دخول المنظار من خلال جدار البطن هل يفسد الصوم؟\nذهب المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة إلى عدم التفطير بإدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها (^١).\n_________\n= الضابط الأول: المنفذ الأصلي: أن يكون دخوله الجسم، عن طريق الحلق سواء كان عن طريق الفم أو الأنف، وسواء كان يتغذى به أو لا، وأما ما لا يتغذى به فإنه يشترط استقراره في المعدة.\nالضابط الثاني: الداخل من غير المنفذ الأصلى: أن يكون دخوله إلى الجسم من أي طريق كان، لكنه يسبب تغذية الجسم ويقوم مقام الطعام والشراب. ودليل ذلك حديث عَائِشَةَ قَالَتْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي». فإنه لم يكن قصد النبي ﷺ أن الله تعالى يطعمه ويسقيه طعامًا وشرابًا حسيًّا وإلا لم يكن للوصال في الصوم خصوصية له. ففي ذلك إشارة إلى أن الشيء إذا كان يقوم مقام الطعام والشراب فإنه لا يُشعر المرء بالجوع والعطش، وهذا يدل على أنه يفسد الصوم.\nوعلى هذا فكل ما دخل إلى الجسم من غير مدخل الحلق وكان مغذيًا يقوم مقام الطعام والشراب في حال الاستمرار عليه، ويمكن للمرء أن يعيش به محافظًا على حياته، ومستغنيًا عن الأكل والشرب، فإنه يفطر، سواء كان عن طريق الدبر حيث تقوم الأمعاء الغليظة بالامتصاص، أو عن طريق فتحة ما، في أي جزء من الجسم أوصلت ما يمكن أن يتغذى به على وجه الاستمرار، فأما الحقن المغذية فإنها تفطر لأنها وإن كانت لا تدخل إلى الحلق إلا أنها تقوم مقام الأكل والشرب، وهذا واضح بين، إذ إن الحقن المغذية تعطى للمريض غير القادر على تناول المواد الغذائية، أو غير المسموح له بها لمرضه أو لخطرها عليه، وبإمكانه أن يعيش على الحقن المغذية لفترة طويلة لو اقتصر على تناولهما.\nوبمراجعة مكونات المحاليل المغذية فإننا نجد أن من مكوناتها السكر، ويوجد في كل لتر من السوائل (٥٠ جم) من السكر وهو ما يعادل ٢٠٠ سعرًا حراري، تعطى للمريض في فترة زمنية وجيزة.\n(^١) «فقه النوازل» (٢/ ٣٠٠).","vol":"1","page":184},{"text":"• منظار المعدة:\n• دخول المنظار إلى الحلق ومنه إلى المعدة:\nدخول المنظار إلى المعدة إذا صاحَبه إدخال سوائل أو مواد أخرى فإنه يفطر، وأما إذا لم يصاحبه إدخال سوائل أو أي مواد أخرى فإنه لا يفطر.\nوإلى ذلك ذهب المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة: أن منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل) أو مواد أخرى فإنه لا يفطر (^١).\nقال أسامة الخلاوي (^٢): والذي يترجح أن عملية التنظير لا تفطر الصائم؛ لأنها تدفع بالمنظار عبر الفم إلى الحلق إلا أنه لا يستقر فيه، وإنما يقوم بمهمة التنظير ثم يخرج.\nلكن لو رُش المخدر في حنجرة المريض، أو جُعل على رأس الأنبوب مادة لزجة لتسهيل توجيه المنظار، أو قام الطبيب ببث الصبغة الخاصة بالأشعة، فإن هذا مما يفطر لدخول مواد تستقر في الجوف ولا تخرج بخروج الأنبوب (^٣).\n• حكم إدخال قسطرة في الجسم:\nأفتى المجمع الفقهي بجدة بأن إدخال قسطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين لتصوير أو\n_________\n(^١) «فقه النوازل» (٢/ ٢٩٨).\n(^٢) «النوازل الفقهية المعاصرة المتعلقة بالتداوي بالصيام» (ص ١٨٨).\n(^٣) هذه المسألة تشبه عند الفقهاء من ابتلع خيطًا له طرفان ثم انتزعه، وقد اختلفوا في هذه المسألة على قولين: القول الأول: أن من ابتلع خيطًا ثم انتزعه لا يفطر، وهو قول الحنفية وقول عند المالكية. قال الكاساني «بدائع الصنائع» (٢/ ١٤٩): مَنْ ابْتَلَعَ لَحْمًا مَرْبُوطًا عَلَى خَيْطٍ ثُمَّ انْتَزَعَهُ مِنْ سَاعَتِهِ، إنَّهُ لَا يُفْسِدُ وَإِنْ تَرَكَهُ فَسَدَ .. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اسْتِقْرَارَ الدَّاخِلِ فِي الْجَوْفِ شَرْطُ فَسَادِ الصَّوْمِ. القول الآخر: يفطر، وهو قول الشافعية والحنابلة والمختار عند المالكية.\nفالشافعية والحنابلة نصوا على أن من ابتلع طرف خيط وطرفه الآخر بارز أفطر، انظر «المجموع» (٦/ ٣٣٦)، و«المبدع» (٣/ ٢٢). قلت: ولا شك أن المنظار بمنزلة الخيط، والراجح ما ذهب إليه الحنفية فيمن ابتلع خيطًا ثم انتزعه أنه لا يفطر؛ لأن الخيط ليس بمغذٍّ، ولا يستقر، وكذا منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل، والله أعلم.","vol":"1","page":185},{"text":"علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء - لا يفطر الصائم (^١).\n• المسألة الثانية: وصول الدواء إلى جوف الصائم لو كان به جائفة:\nأي لو طُعن شخص بسكين فوصلت الطعنة إلى جوفه فداوى جرحه، فوصل الدواء إلى جوفه أو دماغه، أفطر عند جمهور العلماء، وبه قال الشافعية والحنابلة (^٢).\nوذهب المالكية إلى أنه لو داوى جرحه فإنه لا يفسد صومه ولا يفطر لأن الدواء لم يدخل من مدخل الطعام والشراب:\nسئل ابن القاسم في «المدونة الكبرى» (^٣) عمَنْ كَانَتْ بِهِ جَائِفَةٌ فَدَاوَاهَا بِدَوَاءٍ مَائِعٍ أَوْ غَيْرِ مَائِعٍ. قَالَ: لَا أَرَى عَلَيْهِ قَضَاءً وَلَا كَفَّارَةً، قَالَ: لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِلُ إلَى مَدْخَلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَلَوْ وَصَلَ ذَلِكَ إلَى مَدْخَلِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ.\nولما كان سائل التنقية البريتونية فيه مواد سكرية، ولكنها لا تصل إلى الجوف، وإنما تنتقل إلى الدم عن طريق الشعيرات الدموية، ويكتسب المريض بهذه المواد السكرية ما بين (٧٠٠ - ٨٠٠) سعر حراري يوميًّا، حتى إن مريض التنقية البريتونية قد يعاني من السمنة لأجل ذلك، فإن هذا يعني أن هذه المواد مغذية، وبالتالي فالتنقية البريتونية تفطر الصائم بلا شك، خاصة وأن المريض يقوم بإدخال سائل التنقية مرة كل (٦) ساعات (أي مرتين في نهار الصوم)، ولما كان من المرضى الذين لا يرجى برؤهم فإن هذا المريض لا يتمكن من القضاء، وبذلك فإنه يطعم عن كل يوم مسكينًا (^٤).\n_________\n(^١) «فقه النوازل» (٢/ ٢٩٨). وتشبه هذه المسألة إذا طُعن شخص بسكين فوصلت إلى جوفه فهذه تسمى جائفة، فهل تؤثر الجائفة في الصوم؟ اختلف الفقهاء في ذلك: فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لو طعن بسكين فوصل إلى جوفه بطل صومه، انظر «مغني المحتاج» (٢/ ١٦٧)، و«المغني» (٤/ ٣٥٣). واختلف الحنفية فمنهم من قال بأنه يفطر، ومنهم من قال لا يفطر لفقدان الصورة وهي الابتلاع؛ «فتح القدير» (٢/ ٣٤٦).\nوالراجح عدم التفطير لأن هذه الطعنة لا تسبب تغذية.\n(^٢) «المجموع» (٦/ ٣٤٦)، و«المغني» (٤/ ٣٥٣).\n(^٣) «المدونة الكبرى» (١/ ٣٨٧).\n(^٤) «الشرح الممتع» (٦/ ٣٤٧).","vol":"1","page":186},{"text":"أما مرضى التنقية البريتونية المتقطعة فإنه لما كان يتداوى بتناول المحلول ليلًا فقط، فإنه لو حدد وقت التنقية في ساعات الإفطار على أن يتوقف عمل الجهاز قبل الفجر، فإن هذا الشخص بإمكانه أن يصوم إلا أن ينصحه الطبيب بغير ذلك (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-141> المبحث السابع: ما يدخل الجسم عن طريق الدهون:</span>\n• أثر استعمال اللصقات والدهونات في الصيام:\nذهب جمهور العلماء إلى أن ما يدخل عبر مسام الجلد لا يؤثر في الصيام وإن وجد طعم الداخل في حلقه (^٢). وذلك لأن ما يدخل الجسم من غير طريق الحلق فإنه يشترط فيه ليكون مفطرًا أن يكون مغذيًا، وعلى هذا فاللصقات الجلدية والدهونات لا تفطر لأنها غير مغذية.\nوعلى هذا اتفق المجمع الفقهي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته العاشرة أنه لا يفطر ما يدخل الجسم امتصاصا من الجلد كالدهونات والمراهم واللصقات الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-142> من قرارات المجامع الفقهية، وما يتعلق بالمفطرات المستجدة:</span>\nإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره العاشرة بجدة بالمملكة العربية السعودية خلال الفترة من ٢٣ - ٢٨ صفر ١٤١٨ هـ الموافق ٢٨ حزيران (يونيو) - ٣ تموز (يوليو) ١٩٩٧ م\n• قرر ما يلي: أولًا: الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات:\n_________\n(^١) «النوازل الفقهية المعاصرة» (ص ٢٥٥).\n(^٢) قال في «الدر المختار» (٣/ ٣٦٦): أو ادهن .. وإن وجد طعمه في حلقه .. لم يفطر.\nوقال في «بلغة السالك» (١/ ٤٥١): من حك رجله بحنظل فوجد طعمه في حلقه .. فلا شيء عليه.\nوانظر «العزيز شرح الوجيز» (١/ ٥١٢)، و«شرح المنتهى» (٣/ ٣٦٥).\n(^٣) «النوازل الفقهية المعاصرة» (ص ٢٩٦).","vol":"1","page":187},{"text":"١ - قطرة العين، أو قطرة الأذن، أو غسول الأذن، أو قطرة الأنف، أو بخاخ الأنف، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.\n٢ - الأقراص العلاجية التي توضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية وغيرها إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.\n٣ - ما يدخل المهبل من تحاميل (لبوس)، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع للفحص الطبي.\n٤ - إدخال المنظار أو اللولب ونحوهما إلى الرحم.\n٥ - ما يدخل الإحليل، أي مجرى البول الظاهر للذكر والأنثى، من قسطرة (أنبوب دقيق) أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء، أو محلول لغسل المثانة.\n٦ - حفر السن، أو قلع الضرس، أو تنظيف الأسنان، أو السواك وفرشاة الأسنان، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.\n٧ - المضمضة، والغرغرة، وبخاخ العلاج الموضعي للفم، إذا اجتنب ابتلاع ما نفذ إلى الحلق.\n٨ - الحقن العلاجية الجلدية أو العضلية أو الوريدية، باستثناء السوائل والحقن المغذية.\n٩ - غاز الأكسجين.\n١٠ - غازات التخدير (البنج) ما لم يعط المريض سوائل (محاليل) مغذية.\n١١ - ما يدخل الجسم امتصاصًا من الجلد، كالدهونات والمراهم واللصقات العلاجية الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.\n١٢ - إدخال قسطرة (أنبوب دقيق) في الشرايين لتصوير أو علاج أوعية القلب أو غيره من الأعضاء.\n١٣ - إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء أو إجراء عملية جراحية عليها.\n١٤ - أخذ عينات (جرعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء ما لم تكن مصحوبة بإعطاء محاليل.","vol":"1","page":188},{"text":"١٥ - منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل (محاليل) أو مواد أخرى.\n١٦ - دخول أي أداة أو مواد علاجية إلى الدماغ أو النخاع الشوكي.\n١٧ - القيء غير المتعمد بخلاف المتعمد (الاستقاءة).\nثانيًا: ينبغي على الطبيب المسلم نصح المريض بتأجيل ما لا يضر تأجيله إلى ما بعد الإفطار من صور المعالجات المذكورة فيما سبق.\nثالثًا: تأجيل إصدار قرار في الصور التالية، للحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة في أثرها على الصوم، مع التركيز على ما ورد في حكمها من أحاديث نبوية وآثار عن الصحابة:\nأ- بخاخ الربو.\nب- الفصد، والحجامة.\nج- أخذ عينة من الدم المخبري للفحص، أو نقل دم من المتبرع به، أو تلقي الدم المنقول.\nد- الحقن المستعملة في علاج الفشل الكلوي حقنًا في الصفاق (الباريتون) أو في الكلية الاصطناعية.\nهـ- ما يدخل الشرج من حقنة شرجية أو تحاميل (لبوس) أو منظار أو إصبع للفحص الطبي.\nو- العمليات الجراحية بالتخدير العام إذا كان المريض قد بيَّت الصيام من الليل.\nوقد قرر المجمع الفقهي بالدار البيضاء عام ١٤١٨ هـ: أن المفطرات في كتاب الله ﷿ وفي السنة الصحيحة ثلاثة: هي الأكل والشرب، والجماع، فكل ما جاوز الحلق وكان ينطبق عليه اسم الأكل أو الشرب كمًّا وكيفًا، يعد مفطرًا.\nوبناء على ذلك اتفق المجتمعون على أن الأمور الآتية لا تعتبر من المفطرات:\n١ - قطرة العين أو الأذن أو غسول الأذن.\n٢ - قرص النيتروغلسيرين ونحوه الذي يوضع تحت اللسان لعلاج الذبحة الصدرية.\n٣ - ما يدخل المهبل من فراز، أو بيوض دوائية مهبلية، أو غسول، أو منظار مهبلي، أو إصبع طبيب أو قابلة فاحصة.","vol":"1","page":189},{"text":"٤ - ما يدخل الإحليل - إحليل الذكر والأنثى - أي مجرى البول الظاهر؛ من قسطرة، أو منظار، أو مادة ظليلة على الأشعة، أو دواء أو محلول لغسل المثانة.\n٥ - حفر السن أو قلع الضرس أو تنظيف الأسنان أو السواك وفرشاة الأسنان، على أن يتجنب الابتلاع.\n٦ - الحقن الجلدية أو العضلية أو الوريدية باستثناء السوائل الوريدية المغذية.\n٧ - التبرع بالدم وتلقي الدم المنقول.\n٨ - غاز الأكسجين وغازات التخدير.\n٩ - ما يدخل الجسم امتصاصًا من الجلد، كالدهونات واللصقات الجلدية المحملة بالمواد الدوائية أو الكيميائية.\n١٠ - أخذ عينة من الدم للفحص المختبري.\n١١ - إدخال قسطرة في الشرايين لتصوير أوعية القلب، أو غيره من الأعضاء\n١٢ - إدخال منظار من خلال جدار البطن لفحص الأحشاء، أو إجراء عملية جراحية عليها.\n١٣ - المضمضة والغرغرة وبخاخ العلاج الموضعي للفم على أن يتجنب الابتلاع.\n١٤ - إدخال المنظار أو اللولب إلى الرحم.\n١٥ - أخذ عينات (جرعات) من الكبد أو غيره من الأعضاء.\nورأى أكثر المجتمعين أن الأمور الآتية لا تعتبر مفطرة:\n١ - قطرة الأنف وبخاخ الأنف وبخاخ الربو.\n٢ - ما يدخل الشرج من حقنة شرجية، أو تحاميل (لبوس)، أو منظار، أو إصبع طبيب فاحص.\n٣ - العمليات الجراحية بالتخدير العام، إذا كان المريض قد بيّت الصيام من الليل.\n٤ - الحقن المستعملة في علاج الفشل الكلوي حقنًا في الصفاق (الباريتون) أو بالكلية الاصطناعية.","vol":"1","page":190},{"text":"٥ - منظار المعدة إذا لم يصاحبه إدخال سوائل أو مواد أخرى.\n• خلاصة النوازل الفقهية المعاصرة المتعلقة بالتداوي أثناء الصوم (^١).\n١ - الراجح في مناط التفطير بما يدخل الجسم أن يكون دخول الشيء الجسم عن طريق الحلق سواء كان من الأنف أو الفم، وسواء كان يتغذى به أو لا مع اشتراط استقرار ما لا يتغذى به في المعدة وعدم خروجه منها.\n٢ - أن يتأكد دخول الشيء للحلق، وعلى هذا ينبني القول بأن المنفذين الوحيدين للحلق اللذين يفطر الدخول عبرهما هما الحلق والأنف دون سائر المنافذ ولو وجد طعم الشيء في الحلق.\n٣ - إذا كان دخول الشيء إلى الجسم من أي طريق كان غير منفذ الحلق، لكنه يسبب تغذية الجسم ويقوم مقام الطعام والشراب في حال الاستمرار عليه، فإنه يفطر.\n٤ - لا يفطر التداوي بالغرغرة لأن الماء لم يصل الحلق، حتى لو سبق الماء إلى جوفه لأنه غير قاصد له إلا أنه لا ينبغي له فعله بدون حاجة له لأنه يقرب أن يفطر به.\n٥ - لا يفطر الدواء المخدر إذا حقنت به لثة المريض؛ لأنه ليس مما يغذي، ولا يصل إلى الحلق. ولا يؤثر استخدام الدواء الذي يضعه الطبيب في المريض ولو وجد طعمه في حلقه لأنه لا يبتلعه وإنما يضعه الطبيب في سنه، إلا أنه ينبغي أن يتحرز المريض من ابتلاع الدواء أو ابتلاع ريقه إذا تسرب إليه شيء من هذه الأدوية، وكذا لا تأثير لخلع السن أو الضرس إذا روعي ما سبق ذكره.\n٦ - لا أثر لأدوية ما تحت اللسان في الصوم لأنها لا تصل إلى الحلق وإنما تمتصها الأوعية الدموية المنتشرة بكثرة تحت اللسان دون المرور بالحلق، إلا أنه ينبغي مج ما يجده الصائم في ريقه من أثر الدواء وإلا فإنه يتعرض إلى الفطر بذلك.\n٧ - لا تفطر عملية التنظير للصائم إن كان دخول المنظار من الحلق لأنه لا يستقر فيه وإنما يخرج منه بعد أداء مهمته، إلا أن المخدر الموضعي إذا رُشت به حنجرة المريض فإنه\n_________\n(^١) «النوازل الفقهية المعاصرة المتعلقة بالتداوي» (ص ٣٨٢ - ٣٨٧).","vol":"1","page":191},{"text":"يفطر به لوصوله إلى الحلق.\n٨ - لا يفطر بخاخ الربو ونحوه مما يدخل مباشرة إلى الرئتين دون المرور بالحنجرة والحلق، ولا يقال: إنه قد تدخل كمية قليلة من الدواء إلى المريء فيسبب الفطر، وذلك لأن دخول الدواء إلى الحلق غير متيقن فلا يؤخذ بالظن هنا.\n٩ - لا يفطر استعمال الأكسجين المضغوط والمكثف والسائل؛ لأن ذلك مجرد هواء يُستنشق وإن اختلفت صوره.\n١٠ - لا يفطر دخول المخدر العام إلى الجهاز التنفسي؛ لأن الدواء المخدر لا يمر بالحلق وإنما يدخل الرئتين مباشرة، وأما فقدان المريض المخدَّر الوعي فالراجح أنه إذا نوى الصيام من الليل ثم تعرض للتخدير وأفاق في أي جزء من النهار، فصيامه صحيح.\nإلا أنه ينبغي ملاحظة أن المريض المخدر غالبًا ما يُعطى محاليل مغذية عن طريق الوريد تجنبًا للجفاف، وتحسبًا لما لو اضطر الطبيب إلى إعطائه عقاقير ما عن طريق الوريد، فعندئذٍ يكون ذلك مفطرًا لأجل المحاليل المغذية لا لأجل التخدير أو فقدان الوعي.\n١١ - لا يفطر دخول الشيء من الدبر، جامدًا كان أو مائعًا كالمناظير والحقن الشرجية واللبوسات لأِنها لا تدخل الجسم عن طريق الجوف ولا تسبب التغذية.\n١٢ - لا يفطر منظار المثانة ولا ما يدخل عن طريق إحليل الرجل لأنه لا يسبب التغذية.\n١٣ - لا يفطر ما يدخل الجسم عن طريق فرج المرأة، سواء ما كان منه يؤدي إلى المثانة، أو إلى المهبل لأن الداخل لا يسبب التغذية.\n١٤ - لا يؤثر استعمال مراهم وقطرات الأذن في الصوم وإن وجد طعمها في حلقه؛ لأن الأذن لا تكون منفذًا للحلق إلا في حالة خرق الطبلة فقط، ولا يقال بالتفطير عندئذٍ لعدم التيقن بوصوله إلى الحلق، وأما الطعم القوي الذي يشعر به المريض في حلقه فهو بسبب وجود براعم التذوق في لسان المزمار، وقطرة واحدة من الدواء مر الطعم كفيلة بأن تجعل المريض يشعر بالطعم اللاذع له ..","vol":"1","page":192},{"text":"١٥ - لا يؤثر في الصوم ما يدخل من العين ولو وجد طعمه في حلقه؛ لأن العين ليست منفذًا ظاهرًا، ومن يضع الدواء في عينه فقد يجد أثره وقد لا يجده، وما دام لم يتيقن فلا يقال بالفساد.\n١٦ - سائل تنقية الكلى البريتونية فيه مواد سكرية تنتقل إلى الدم عن طريق الشعيرات الدموية وتكسب المريض (٧٠٠ - ٨٠٠) سعر حراري يوميًّا لذا فإن هذا النوع من التنقية يفطر الصائم، فإن كانت التنقية من النوع الجوال أو النهاري فإن المريض يكون عندئذٍ ممن لا يرجى برؤه فيطعم عن كل يوم مسكينًا، وإن كانت التنقية من النوع الآلي أو الليلي فهذا مع التنظيم لوقت التنقية يكون بإمكانه الصوم.\n١٧ - تبلغ نسبة السكر في سائل التنقية الكلوية الدموية (١ - ٢%) لكل لتر، وهذه المواد ستنتقل إلى الدم بعد تنقيته، ولما كانت هذه النسبة تعتبر مغذية فإنها تكون في حكم الطعام والشراب، وعندها تفسد الصوم، إلا أن المريض يستطيع الصوم في الأيام الأخرى ويقضي الأيام التي أفطرها بسبب الغسيل.\n١٨ - لا تؤثر الحقن في الصوم إذا لم تكن للتغذية كإبر الإنسولين والتطعيمات والأدوية المختلفة وحقن الدم، أما الحقن المغذية فإنها تفطر لأنها وإن كانت من غير منافذ الجوف إلا أنها تقوم مقام الأكل والشرب، والشارع حكيم لا يفرق بين شيئين متماثلين بالمعنى، وعلى هذا إذا أعطيت للمريض حقن مغذية فإنه يكون بذلك كالأكل والشرب، ولا يصح له الصوم.\n١٩ - لا تفطر اللصقات الجلدية التي تبث الأدوية للجسم عن طريق الجلد ولا الأدهان المختلفة، لأنها لا تسبب التغذية وليست مما يدخل عن طريق الحلق.\n٢٠ - لا تؤثر عملية التنظير في جوف البطن على الصوم، لأن المنظار لا يدخل الجسم عن طريق الحلق، ولا يقصد بالصبغات المبثوثة في جوفه التغذية.\n٢١ - الحجامة مفطرة على القول الراجح، وكذا الفصد لأنه كالحجامة في استخراج الدم الغزير، ومثلها التبرع بالدم لما فيه من الإرهاق الواضح على المتبرع بسبب سحب","vol":"1","page":193},{"text":"كمية كبيرة من الدم، فأشبهت الحجامة.\nأما سحب الدم لتحليله فالظاهر أنه لا يفسد الصوم لقلة ما يُسحب من الدم فأشبه الرعاف والجروح الصغيرة، وكذا الحال في التداوي بالعلقات الدموية.\n٢٢ - لا يفطر أخذ الخزعات (العينات) من جسم المريض الصائم بجميع أنواعها إلا ما كان من الخزعة التي تتم عن طريق الأنف، فإنها تفطر لا لأجل العملية بذاتها، ولكن لاستعمال المخدر الموضعي الذي يُرش في حلق المريض، ولأجل المادة المزلقة إن وُجدت.\n٢٣ - تُفسد الاستقاءة الصوم، أما تناول الأدوية - غير الفمية - والتي قد تسبب القيء كأدوية السرطان فإنها لا تفطر وذلك لأنها لا تسبب القيء بالتأكيد، وإنما ذلك أمر ظني قد يحدث وقد لا يحدث، ثم إن المتناول لأدوية السرطان المسببة للقيء لم يتعمد تناولها لأجل الاستقاءة، وإنما القيء هو من آثار الدواء الجانبية.\n٢٤ - إخراج المني إن كان عن طريق الجراحة لا يفسد الصوم؛ لأنه لا يعد إنزالًا، إلا أنه يجب مراعاة جانب تبييت نية الصوم من الليل.\nوأما إن كان إخراج المني عن طريق القذف، فإن كان باستعمال الجهاز الهزاز فإنه يفسد الصوم لأنه يسبب الإنزال عن طريق استثارة الحشفة، وبما أن هذه العملية لا تحتاج إلى مخدر، فإن المريض سيشعر باللذة ولابد، فتكون بمثابة الاستمناء، وإن كانت عن طريق جهاز القذف الآلي فيفطر كذلك لأن المريض يقصده قصدًا فلم يشبه الاحتلام.\n٢٥ - لا تؤثر عملية شفط الدهون على الصوم إلا ما كان من أمر المحاليل المغذية التي تُعطى أثناء التخدير.\n٢٦ - يُعد الدم الذي تراه الآيسة بعد تناولها للعلاج الهرموني البديل حيضًا إن توافرت فيه صفات دم الحيض من حيث اللون والرائحة والقوام، وذلك لأنه يشبه دم الحيض الطبيعي، بل إن الآيسة التي تتناول هذا الدواء ويأتيها مثل هذا الدم يمكنها الحمل باستخدام بويضة","vol":"1","page":194},{"text":"لها كانت قد خزنتها قديمًا في ثلاجات المستشفى أو باستخدام بويضة متبرع بها من امرأة أخرى. المقصود بيان تشابه الدمين من حيث الخصائص، فوجب إثبات نفس الحكم.\n٢٧ - لا يفطر وضع اللولب أثناء الصوم، وأما التبقعات الدموية التي تراها الصائمة الواضعة للولب، فإن كانت أثناء الشهر فلا تعد حيضًا ولا تفسد الصوم، وإن كانت أثناء الدورة بحيث تؤدي إلى إطالة مدة الدورة، سواء من أولها أو آخرها، فإنها حيض ما لم تر الطهر.\n* * *","vol":"1","page":195},{"text":"الفصل الثامن الكفارة وما يتعلق بها من أحكام\nوفيه مباحث:\nالمبحث الأول: حكم الصائم المجامع في نهار رمضان عامدًا.\nالمبحث الثاني: هل تجب الكفارة على المرأة إذا طاوعت الرجل على الجماع في\nنهار رمضان؟\nالمبحث الثالث: جماع الناسي والجاهل والمكره.\nالمبحث الرابع: ماذا عليه إن جامع في يوم واحد مرتين؟\nالمبحث الخامس: من جامع ثم كفر ثم جامع ماذا عليه؟\nالمبحث السادس: إذا جامع في أيام، هل يجب لكل يوم كفارة؟\nالمبحث السابع: إن عجز عن العتق والصيام والإطعام، هل تسقط الكفارة؟\nالمبحث الثامن: هل الكفارة مرتبة ككفارة الظهار أم على التخيير؟\nالمبحث التاسع: فيمن طلع عليه الفجر وهو مجامع.\nالمبحث العاشر: هل يشترط أن تكون رقبة مؤمنة؟\nالمبحث الحادي عشر: مقدار الإطعام.\nالمبحث الثاني عشر: هل تجب الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب متعمدًا؟\nالمبحث الثالث عشر: من جامع ظانًّا عدم طلوع الفجر فبان خلافه.\nالمبحث الرابع عشر: رجل أراد أن يجامع فأكل قبل الجماع، فهل عليه كفارة.\nالمبحث الخامس عشر: إذا جامع في أول النهار ثم مرض أو جن، ماذا عليه؟\nالمبحث السادس عشر: إذا جامع في قضاء رمضان، هل عليه كفارة؟","vol":"1","page":197},{"text":"<span data-type='title' id=toc-143>الفصل الثامن الكفارة وما يتعلق بها من أحكام</span>\nوفيه مباحث:\n\n•<span data-type='title' id=toc-144> المبحث الأول: حكم الصائم المجامع في نهار رمضان عامدًا:</span>\nاتفق الفقهاء على أن الصائم إذا جامع امرأته عامدًا في نهار رمضان - فسد صومه ووجبت عليه الكفارة بالنص والإجماع.\nففي الصحيحين من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ الله!! قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟». قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِى في رَمَضَانَ. قَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟» قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟». قَالَ: لَا. قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ فَأُتِىَ النبي ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا». قَالَ: أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا. فَضَحِكَ النَّبِي ﷺ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ».\nفمن جامع امرأته فعليه عتق رقبة، فإن عجز عنها فصيام شهرين متتابعين، فإن عجز فإطعام ستين مسكينًا.\nقال النووي: فِي الْبَاب حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي الْمُجَامِع اِمْرَأَته فِي نَهَار رَمَضَان، وَمَذْهَبنَا وَمَذْهَب الْعُلَمَاء كَافَّة وُجُوب الْكَفَّارَة عَلَيْهِ إِذَا جَامَعَ عَامِدًا جِمَاعًا أَفْسَدَ بِهِ صَوْم يَوْم مِنْ رَمَضَان.\nقال الكاساني (^١): وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الرَّجُلِ بِالْجِمَاعِ.\nقلت: والجماع هو تغييب الحشفة أو الإيلاج.\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ٩٨).","vol":"1","page":198},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-145> المبحث الثاني: هل تجب الكفارة على المرأة إذا طاوعت الرجل على الجماع في نهار رمضان؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (^١):\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن المرأة إذا طاوعت الرجل على الجماع في نهار رمضان تجب عليها الكفارة كالرجل، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية في وجه والحنابلة في رواية (^٢).\nواستدلوا بحديث أبي هريرة ﵁ في الرجل الذي وقع على امرأته في نهار رمضان.\nوجه الدلالة منه: أن إيجاب الكفارة على الرجل المجامع دليل على وجوبها على المرأة؛ لأن الأصل تَسَاوِي الرجال والنساء في الأحكام إلا ما خصَّه الدليل (^٣).\nقال الكاساني (^٤): النَّصُّ وَإِنْ وَرَدَ فِي الرَّجُلِ لَكِنَّهُ مَعْلُولٌ بِمَعْنًى يُوجَدُ فِيهِمَا، وَهُوَ إفْسَادُ صَوْمِ رَمَضَانَ بِإِفْطَارٍ كَامِلٍ حَرَامٍ مَحْضٍ مُتَعَمِّدًا؛ فَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهَا بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى التَّحَمُّلِ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ عَلَيْهَا بِفِعْلِهَا، وَهُوَ إفْسَادُ الصَّوْمِ، وَيَجِبُ مَعَ الْكَفَّارَةِ الْقَضَاءُ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.\nقال الخطابي: قلت: وفى أمره الرجلَ بالكفارة لما كان منه من الجناية دليل على أن للمرأة كفارة مثلها؛ لأن الشريعة قد سوَّت بين الناس في الأحكام إلا في مواضع قام عليها دليلُ التخصيص، وإذًا لزمها القضاء؛ لأنها أفطرت بجماع متعمَّد، كما وجب على الرجل وجبت عليها الكفارة، لهذه العلة كالرجل سواء، وهذا مذهب أكثر العلماء.\n_________\n(^١) قال ابن رشد «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٤): وسبب اختلافهم معارضة ظاهر الأثر للقياس، وذلك أنه ﵊ لم يأمر المرأة في الحديث بكفارة، والقياس أنها مثل الرجل؛ إذ كان كلاهما مكلفًا.\n(^٢) «الهداية» (١/ ٢١٤)، و«المبسوط» (٣/ ٧٢)، و«المدونة» (١/ ١٩١)، و«المجموع» (٦/ ٣٣١)، و«الإنصاف» (٣/ ٣١٤)، و«المغني» (٤/ ٣٧٥).\n(^٣) انظر: «الشرح الممتع» (٦/ ٤١٥).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ٩٨).","vol":"1","page":199},{"text":"أما أدلتهم من المعقول: فإنه يفسد صوم المرأة بالجماع؛ لأنه نوع من المفطرات فاستوى فيه الرجل والمرأة كالأكل، فوجبت عليها الكفارة كما وجبت على الرجل (^١). وإن المرأة هتكت صوم رمضان بالجماع؛ فوجبت عليها الكفارة كالرجل (^٢). وإن الجماع موجب للكفارة، فوجب أن تُلْزَم المرأة كما يُلْزَم الرجل، وأن جميع الأحكام المتعلقة بالوطء في حق الواطئ من وجوب الغُسل، والفطر، والحد، والإحصان، والقضاء - محكوم بها في حق الموطوءة، فكذلك وجوب الكفارة.\n• القول الآخر: ذهب الشافعي وأحمد في رواية (^٣) إلى أن المرأة إذا طاوعت الرجل - ليس عليها كفارة، وإنما هي كفارة واحدة على الزوج دونها.\nواستدلوا لذلك: بحديث أبي هريرة ﵁ في الرجل الذي وقع على امرأته، وفيه: «أَصَبْتُ أَهْلِي في رَمَضَانَ وَأَنَا صَائِمٌ».\nقال الخطابي: واحتجوا لهذا القول بأن قول الرجل: «أَصَبْتُ أَهْلِي» سؤال عن حكمه وحكمها؛ لأن الإصابة معناها أنه واقعها وجامعها، وإذا كان هذا الفعل قد حصل منه ومنها معًا، ثم أجاب النبي ﷺ عن المسألة فأوجب فيها كفارة واحدة على الرجل، ولم يعرض لها بذكر، دلَّ على أنه لا شيء عليها، وأنها مجزئة في الأمرين معًا، ألا ترى أنه بعث أُنيسًا إلى المرأة التى رُمِيَت بالزنا، وقال: «فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» فلم يُهمِلْ حكمها لغيبتها عن حضرتِه، فدلَّ هذا على أنه لو رأى عليها كفارة لألزمها ذلك ولم يسكت عنها.\nقلت: واستدلوا أيضًا بأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولو كانت تجب على\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٣٧٥).\n(^٢) «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٣٨).\n(^٣) انظر: «المجموع» (٦/ ٣٣١)؛ قال الماوردي في «الحاوي» (٣/ ٤٢٤): مذهب الشافعي وما نص عليه في كتبه القديمة والجديدة أن الواجب كفارة واحدة على الزوج دونها.\nقال ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٣٧٩): سُئِلَ أَحْمَدُ عَمَّنْ أَتَى أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ، أَعْلَيْهَا كَفَّارَةٌ؟ قَالَ: مَا سَمِعْنَا أَنَّ عَلَى امْرَأَةٍ كَفَّارَةً!!","vol":"1","page":200},{"text":"المرأة كفارة لبيَّنها ﷺ.\nوأُجِيبَ عن هذه الاستدلال بما قاله الحافظ ابن حجر (^١): وَأُجِيبَ بِمَنْعِ وُجُودِ الْحَاجَة إِذْ ذَاكَ لِأَنَّهَا لَمْ تَعْتَرِف وَلَمْ تَسْأَلْ، وَاعْتِرَاف الزَّوْج عَلَيْهَا لَا يُوجِبُ عَلَيْهَا حُكْمًا مَا لَمْ تَعْتَرِفْ، وَبِأَنَّهَا قَضِيَّةُ حَالٍ، فَالسُّكُوت عَنْهَا لَا يَدُلّ عَلَى الْحُكْم لِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُون الْمَرْأَة لَمْ تَكُنْ صَائِمَة لِعُذْرٍ مِنَ الْأَعْذَار. ثُمَّ إِنَّ بَيَانَ الْحُكْم لِلرَّجُلِ بَيَان فِي حَقّهَا لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي تَحْرِيم الْفِطْر وَانْتَهَاك حُرْمَة الصَّوْم، كَمَا لَمْ يَأْمُرهُ بِالْغُسْلِ. وَالتَّنْصِيص عَلَى الْحُكْم فِي حَقّ بَعْض الْمُكَلَّفِينَ كَافٍ عَنْ ذِكْرِهِ فِي حَقّ الْبَاقِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَب السُّكُوت عَنْ حُكْم الْمَرْأَة مَا عَرَفَهُ مِنْ كَلَام زَوْجِهَا بِأَنَّهَا لَا قُدْرَةَ لَهَا عَلَى شَيْء.\nقلت (محمد): أما الاستدلال بقوله ﷺ: «فإنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» فهي قضية حال عُرِضت على النبي ﷺ فحَكَم فيها؛ ولذا فقد ورد في الصحيح أن ماعزًا قال: (زنيتُ)، وأقيم عليه الحد، ولم يسأله النبي ﷺ بمن زنَيْت؟ وكذا الغامدية لم يسألها، وليس هذا يُسْقِط الحد عمن زنى بها بالإجماع؛ فكذا عدم سؤال النبي ﷺ عن المرأة لا يُسْقِط الكفارة عنها، والله أعلم.\nقال الخطابي: وهذا غير لازم؛ وذلك أن هذا حكاية حال لا عموم لها، وقد يمكن أن تكون المرأة مفطرة بعذر من مرض، أو سفر، أو تكون مكرهة، أو ناسية لصومها أو نحو ذلك من الأمور، وإذا كان كذلك لم يكن ما ذكروه حجة يلزم الحكمُ بها.\nواحتجوا أيضًا في هذا بحرف لا أزال أسمعهم يروونه في هذا الحديث وهو قوله: «هَلَكْتُ، وَأَهَلَكْتُ». قالوا: فدل قوله: «وَأَهَلَكْتُ»، على مشاركة المرأة إياه في الجناية؛ لأن الإهلاك يقتضي الهلاك ضرورة، كما أن القطع يقتضي الانقطاع. قلت: وهذه اللفظة غير موجودة في شيءٍ من رواية هذا الحديث، وأصحاب سفيان لم يرووها عنه، وإنما ذكروا قوله: «هَلَكْتُ» حسب، غير أن بعض أصحابنا حدثني أن المعلى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان، فذكر هذا الحرف فيه، وهو غير محفوظ، والْمُعَلَّى ليس\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٤/ ١٧٠).","vol":"1","page":201},{"text":"بذاك في الحفظ والإتقان (^١).\nوالراجح والله أعلم: أن المرأة إذا كانت مطاوعة، فحكمها حكم الرجل، وأحيانًا تكون المرأة سببًا في ذلك، والأصل أن حكم المرأة كحكم الرجل؛ لأن النساء شقائق الرجال … إلا في مواضع قام عليها دليل التخصيص، ولم يرد في المسألة أن الكفارة على الرجل دون المرأة، وإذا لزمها القضاء لأنها أفطرت بجماع متعمَد كما وجب على الرجل، وجبت عليها الكفارة لهذه العلة كالرجل سواء؛ لأن الرجل والمرأة قد اشتركا في إفساد الصوم وانتهاك حرمة رمضان، وأما حديث «أَصَبْتُ أَهْلِي» فهي حكايةُ حال لا عموم فيها، أما من استدلّ بلفظة «هَلَكْتُ، وَأَهَلَكْتُ» فلفظة (أَهَلَكْتُ) لا تصح في الحديث.\nوأما سكوت النبي ﷺ عن المرأة، فلا يدل على سقوطها عنها؛ لأنه سكت عن الغسل مع وجوبه عليهما؛ ولأن التنصيص على حكم في حق بعض المكلفين كافٍ في ذكره عن الآخرين.\n\n•<span data-type='title' id=toc-146> المبحث الثالث: جماع الناسي والجاهل والمكره:</span>\nاختلف أهل العلم في جماع الناسي والجاهل على ثلاثة أقوال (^٢):\n• القول الأول: أن الصائم إذا جامع جاهلًا أو ناسيًا، لم يفسد صومه، ولا يجب عليه القضاء ولا الكفارة.\nوهو قول الحنفية، والشافعية في الصحيح، والحنابلة في رواية اختارها ابن تيمية.\nواستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» من حديث أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ».\nدل الحديث على أن من أكل أو شرب ناسيًا، صح صومه، ولا قضاء ولا كفارة، وكذلك من جامع ناسيًا؛ لأنه في معناه.\nقال الشيرازي: نُصَّ على الأكل والشرب، وقسنا عليهما كل ما يُبطل الصوم من الجماع\n_________\n(^١) «معالم السنن» (٢/ ٧٨٤).\n(^٢) «المبسوط» (٣/ ٦٥)، «الأم» (٢/ ١٠٦)، «الفتاوى» (٢٥/ ٢٢٦).","vol":"1","page":202},{"text":"وغيره (^١).\nواعْتُرِضَ على هذا الاستدلال بأنه نَصَّ على الأكل والشرب ولم يذكر نسيان الجماع؛ فلا يصح قياسه عليهما؛ لأن حكمه أغلظ ويمكن التحرز منه.\nوأُجِيبَ بأن الجماع في معنى الأكل والشرب، وحُرمة الجماع عامدًا ليست أغلظ من الأكل والشرب، والنسيان ولو حدث فالقياس صحيح.\nالدليل الثاني: حديث أبى هريرة في قصة الرجل الذى أتى إلى النبي ﷺ قال: يَا رَسُولَ الله هَلَكْتُ؛ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ.\nلفظة (هَلَكْتُ) تدل على العمد.\nقال ابن قدامة (^٢): الأحاديث الواردة في الكفارة في الجماع، فإنما هى في جماع العمد؛ ولهذا قال في بعضها: (هلكت)، وفى بعضها (احترقت)، وهذا لا يكون إلا في عامد، فإن الناسي لا إثم عليه بالإجماع.\nقال ابن حجر (^٣): اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَامِدًا؛ لِأَنَّ الْهَلَاك وَالِاحْتِرَاقَ مَجَازٌ عَنْ الْعِصْيَانِ الْمُؤَدِّي إِلَى ذَلِكَ.\nأما دليلهم من المأثور: فعن مجاهد قال: «لو وطئ رجل امرأته وهو صائمٌ ناسيًا في رمضان، لم يكن عليه فيه شيء (^٤).\nوعن الحسن فيمن وطئ امرأته ناسيًا: قال: هو بمنزلة الأكل والشرب» (^٥).\nالقول الثاني: أن من جامع جاهلًا أو ناسيًا، فسد صومه ووجب عليه القضاء دون الكفارة، وهو قول المالكية في الصحيح من المذهب، والحنابلة في رواية (^٦).\n_________\n(^١) «المهذب» (٢/ ٦٠٨).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٧٧).\n(^٣) «فتح الباري» (٤/ ١٦٤).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (٧٣٧٥).\n(^٥) إسناده ضعيف: أخرجه عبد الرزاق (٧٣٧٧).\n(^٦) انظر: «المدونة» (١/ ٢٠٩)، و«بداية المجتهد» (١/ ٣٠٣)، و«الإنصاف» (٣/ ٣١١).","vol":"1","page":203},{"text":"واستدلوا لذلك بالكتاب والسنة والقياس:\nأما دليلهم من القرآن فعموم قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وقد دلت هذه الآية على أن الصيام المأمور بإتمامه ترك الوطء والأكل، فإن وُجِد فيه الجماع لم يتم صومه.\nواعترض عليه: بأن هذه الآية عامة، وقد خرج الناسي من عمومها بدليلٍ خاصٍّ، وهو قول النبي ﷺ «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ».\nأما دليلهم من السنة: فاستدلوا بأن النبي ﷺ أمَر المجامِع بالقضاء بقوله «وَصُمْ يومًا مَكَانَهُ» ولم يسأل عن حاله، هل كان عامدًا أو ناسيًا؟\nواعْتُرِضَ عليه من وجهين:\nالأول: أن هذه اللفظة لا تصح.\nالثاني: لو صحت فليس فيها دليل لهم، بل فيه دليل عليهم، وهي قول الرجل (هلكت)، وهذه تدل على العمد.\nوأما دليلهم من القياس: فقاسوا ناسي الصوم على ناسي الصلاة، فكما أن ناسي الصلاة يجب عليه قضاؤها بالنصِّ إذا ذكرها، فكذلك ناسي الصوم.\nواعْتُرِض عليه: بأن العبادات لا تقاس على بعضها.\nقال ابن رشد: إيجاب القضاء بالقياس فيه ضعف (^١).\nوأما دليلهم على سقوط الكفارة: فقالوا: لأن الكفارة وجبت لرفع الإثم، والناسي مرفوع عنه الإثم؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: قد فعلت.\nالقول الثالث: أن من جامع ناسيًا أو جاهلًا - كمن جامع عامدًا يفسد صومه ويجب عليه القضاء والكفارة. وهو قول الحنابلة في الصحيح من المذهب، وقول للمالكية\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٣٧٤)، و«الإنصاف» (٣/ ٣١١)، و«المجموع» (٦/ ٣٢٤).","vol":"1","page":204},{"text":"وقول الشافعية بحديث المجامع أهله في نهار رمضان، وأن النبي ﷺ أوجب عليه القضاء والكفارة، ولم يستفصل، ولو افترق الحال لسأل واستفصل، والقاعدة الأصولية تؤيده وهي: «تَرْكُ الاسْتِفْصَال فِي حِكَايَةِ الْحَالِ مَعَ قِيَامِ الاحْتِمَالِ، يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ فِي الْمَقَالِ» (^١) وأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nقال ابن قدامة (^٢): أَمَرَ النبي ﷺ الرجلَ الذي وقع على امرأته بالكفارة، ولم يسأْله العمد، ولو افترق الحالُ لسأل واستفصل.\nقال الزركشي (^٣): يجب القضاء والكفارة فإن النبي ﷺ لم يستفصله بين أن يكون ناسيًا أو عامدًا، ولو اختلف الحكم لاستفصله وبَيَّن له.\nواعْتُرِضَ على هذا الاستدلال من أوجه:\n١ - أنه قد تبيَّن حال الرجل أنه كان عامدًا لقوله: «هلكت» لأن النسيان لا يوجب هلاك العبد؛ لأنه لا قدرة له على دفعه.\n٢ - دخول النسيان في الجماع في نهار رمضان احتمال بعيد، ولأنه بين الرجل والمرأة، وأنه لو نَسِي أحدهما قد يتذكر الآخر.\n٣ - أن الحديث حكاية حال، فليس له عموم.\nوأما دليلهم من القياس: فقاسوا الجماع في الصوم على الجماع في الحج، فكما أن من جامع\nناسيًا في الحج، تجب عليه الكفارة، فكذلك في الصوم (^٤).\nوأُجِيبَ بأن العبادات لا تقَاس على بعضها.\nوالراجح والله أعلم: أن من جامع امرأته ناسيًا في نهار رمضان - فلا قضاء عليه ولا كفارة؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ». والحديث صح أن أكل الناسي لا يفطر، والجماع في معناه؛ ولأن النسيان\n_________\n(^١) انظر: «المبدع» (٣/ ٨١)، و«كشاف القناع» (٢/ ٣٦١)، و«تحفة الأحوذي» (٣/ ٣٤٢).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٧٤).\n(^٣) «شرح الزركشي» (٢/ ٥٩٢).\n(^٤) انظر: «الحاوي» (٣/ ٤٣٠)، و«المغني» (٤/ ٣٧٥).","vol":"1","page":205},{"text":"والإكراه والجهل معفو عنهم بكتاب الله، وسنة رسول الله ﷺ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (^١): قَدْ ثَبَتَ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَحْظُورًا مُخْطِئًا أَوْ نَاسِيًا - لَمْ يُؤَاخِذْهُ الله بِذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ إثْمٌ، وَمَنْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا وَلَا مُرْتَكِبًا لِمَا نُهِيَ عَنْهُ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ قَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ وَلَمْ يَفْعَلْ مَا نُهِيَ عَنْهُ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُبْطِلُ عِبَادَتَهُ إنَّمَا يُبْطِلُ الْعِبَادَاتِ إذَا لَمْ يَفْعَلْ مَا أُمِرَ بِهِ أَوْ فَعَلَ مَا حُظِرَ عَلَيْهِ.\nوأما الأحاديث الواردة في الكفارة في الجماع، فإنما هي في جماع العمد؛ ولهذا قال في بعضها: «هلكت»، وفي بعضها: «احترقت» وهذا لا يكون إلا في عامد، فإن الناسي لا إثم عليه بالإجماع (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-147> المبحث الرابع: ماذا عليه إن جامع في يوم واحد مرتين؟</span>\nأجمعوا على أن من وطئ مرارًا في يوم واحد، أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-148> المبحث الخامس: من جامع ثم كَفَّر ثم جامع ماذا عليه؟</span>\nأجمعوا على أن من وطئ في يوم رمضان، ثم كَفَّر، ثم وطئ في يوم آخر أن عليه كفارة أخرى (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-149> المبحث السادس: إذا جامع في يومين، أو في أيام، هل يجب لكل يوم كفارة، أو يجب عليه كفارة واحدة؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (^٥):\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٢٦).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٣٧٧).\n(^٣) «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٦)، وقد نقل الإجماع ابن قدامة «المغني» (٦/ ٣٨٥).\n(^٤) «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٦)، وقد نقل الإجماع ابن قدامة «المغني» (٦/ ٣٨٦).\n(^٥) قال ابن رشد: وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: تَشْبِيهُ الْكَفَّارَاتِ بِالْحُدُودِ: فَمَنْ شَبَّهَهَا بِالْحُدُودِ قَالَ: كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ تُجْزِئُ فِي ذَلِكَ عَنْ أَفْعَالٍ كَثِيرَةٍ، كَمَا يَلْزَمُ الزَّانِيَ جَلْدٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ زَنَى أَلْفَ مَرَّةٍ إِذَا لَمْ يُحَدَّ لِوَاحِدَةٍ مِنْهَا. وَمَنْ لَمْ يُشَبِّهْهَا بِالْحُدُودِ جَعَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَيَّامِ حُكْمًا مُنْفَرِدًا بِنَفْسِهِ فِي هَتْكِ الصَّوْمِ فِيهِ أَوْجَبَ فِي كُلِّ يوم كَفَّارَةً، قَالُوا: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِيهَا نَوْعٌ مِنَ الْقُرْبَةِ، وَالْحُدُودُ زَجْرٌ مَحْضٌ.","vol":"1","page":206},{"text":"• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن من جامع في يومين، أن لكل يوم كفارة، وهو قول مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد، والليث، وابن المنذر، وروي ذلك عن عطاء ومكحول (^١).\nقالوا: لأن كل يوم له حرمة، فمن هتك الصوم فيه، وجب عليه لكل يوم كفارة.\nقال النووي (^٢): وإن جامع في يومين، أو في أيام، وجب لكل يوم كفارة؛ لأن صوم كل يوم عبادة منفردة، فلم تتداخل كفارتها كالعمرتين، وإن جامع في يوم مرتين لم يلزمه للثاني كفارة؛ لأن الجماع الثاني لم يصادف صومًا.\n• القول الثاني: أن من جامع في يوم من رمضان، ولم يكفر حتى وطئ في يوم ثانٍ، قال أبو حنيفة وأصحابه: عليه كفارة واحدة ما لم يكفر عن الجماع الأول. وهو قول الزهري، والأوزاعي، وهو رواية عند أحمد (^٣).\nواستدلوا: بقياس الكفارات على الحدود، فكما لو زنى ألف مرة فليس عليه إلا حد واحد، فكذا لو جامع في أيام رمضان لا يجب عليه إلا كفارة واحدة.\nواعْتُرِض عليه: بأنه قياس مع الفارق؛ لأن كل يوم عبادة منفردة، فمن هتك الصوم فيه، وجب عليه لكل يوم كفارة.\nالراجح والله أعلم: أنه إذا جامع في يومين من رمضان فعليه لكل يوم كفارة؛ لأن كل يوم عبادة منفردة لا تتداخل كفارتها بخلاف الحدود.\n\n•<span data-type='title' id=toc-150> المبحث السابع: إن عجز عن العتق والصيام والإطعام، هل تسقط عنه الكفارة، أم تستقر في ذمته كالديون؟</span>\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٦)، و«المجموع» (٦/ ٣٣٦)، و«المغني» (٤/ ٣٨٥ - ٣٨٦).\n(^٢) «المجموع» (٦/ ٣٣٦).\n(^٣) «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٦)، و«المغني» (٤/ ٣٨٥، ٣٨٦).","vol":"1","page":207},{"text":"اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (^١):\n• القول الأول: أن المجامع في نهار رمضان إذا عجز عن العتق والصيام والإطعام - سقطت الكفارة. وهو قول الشافعي في رواية، وأحمد في رواية (^٢).\nقال النووي (^٣): احْتَجَّ لِهَذَا الْقَوْل بِأَنَّ حَدِيث هَذَا الْمُجَامِع ظَاهِر بِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقِرّ فِي ذِمَّته شَيْء؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِعَجْزِهِ، وَلَمْ يَقُلْ لَهُ رَسُول الله ﷺ: إِنَّ الْكَفَّارَة ثَابِتَةٌ فِي ذِمَّته، بَلْ أَذِنَ لَهُ فِي إِطْعَام عِيَاله.\n• القول الثاني: أن المجامع في نهار رمضان إن عجز عن العتق والصيام والإطعام، فالكفارة تستقر في ذمته، ومتي أيسر فإنها تجب عليه. وهو قول الزهري، ورواية ثانية عن أحمد، وهو قياس قول أبي حنيفة، والثوري، وأبي ثور، وعن الشافعي كالمذهبين (^٤).\nاستدلوا بأن المجامع أخبر النبي ﷺ بأنه عاجز عن الخصال الثلاث، ثم أُتي النبي ﷺ بعرق التمر فأمره بإخراجه في الكفارة، ولوكانت تسقط لم يكن عليه شيء.\nواعترض عليه بأن النبي ﷺ أذن له في إطعام عياله، ولو كانت واجبة عليه الكفارة لبينه له ﵇ أنه متى أيسر أخرجها، فلما لم يَرد عُلم أن اعتبار الوجوب في حالة الوطء.\nاستدلوا بالقياس على الديون، كما أنه يجب على المعسر أداء الديون إذا أيسر، فكذلك إذا عجز المجامع عن العتق والكفارة والإطعام وقت الوجوب، فإنها تجب عليه إذا أيسر.\nواعترض عليه بأنه لا يصح القياس على الديون؛ لأنه اطراح للنص بالقياس، والنص أَوْلى، والاعتبار بالعجز في حالة الوجوب وهي حالة الوطء.\n_________\n(^١) قال ابن رشد «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٦): وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: أَنَّهُ حُكْمٌ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُشَبَّهَ بِالدُّيُونِ، فَيَعُودُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ فِي وَقْتِ الْإِثْرَاءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَيْهِ لَبَيَّنَهُ لَهُ ﵊.\n(^٢) «شرح مسلم» (٤/ ٢٣٤)، و«المغني» (٤/ ٣٨٥).\n(^٣) «شرح مسلم» (٤/ ٣٣٤).\n(^٤) «شرح مسلم» (٤/ ٢٣٤)، و«المغني» (٤/ ٣٨٥).","vol":"1","page":208},{"text":"قال ابن قدامة (^١): وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْعِتْقِ وَالصِّيَامِ وَالْإِطْعَامِ، سَقَطَتْ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ، بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ لَمَّا دَفَعَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ التَّمْرَ، وَأَخْبَرَهُ بِحَاجَتِهِ إلَيْهِ، قَالَ: «أَطْعِمْهُ أَهْلَك» وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ أُخْرَى.\n\n•<span data-type='title' id=toc-151> المبحث الثامن: هل الكفارة مرتبة ككفارة الظهار أم على التخيير؟</span>\nوأعني بالترتيب أن لا ينتقل المكلف إلى واحد من الواجبات المخيرة إلا بعد العجز عن الذي قبله، وأعني بالتخيير أن يفعل منها ما شاء ابتداء من غير عجز عن الآخر.\n• اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: قول جمهور العلماء: أن كفارة الوطء في رمضان ككفارة الظهار في الترتيب، يلزمه العتق إن أمكنه، فإن عجز عنه انتقل إلى الصيام، فإن عجز انتقل إلى الإطعام، وبه قال أبو حنيفة والشافعي ورواية عن أحمد (^٢).\nواستدلوا لذلك بما روى مسلم (^٣) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ في رَمَضَانَ فَاسْتَفْتَى رَسُولَ الله ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «وَهَلْ تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا». ظاهر الحديث أنها على الترتيب، أي: عتق رقبة، فإن لم يمكنه فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا، إذ سأله النبي ﷺ على الاستطاعة مرتبًا.\n• القول الآخر: ذهب مالك، وأحمد في رواية إلى أن الكفارة على التخيير بين العتق والصيام والإطعام، وبأيهما كفَّر أجزأه أن يفعل ما يشاء ابتداءً من غير عجز عن الآخر (^٤).\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٣٨٥).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٨٠)، و«بداية المجتهد» (١/ ٣٠٤).\n(^٣) هذا اللفظ لمسلم (٨٢) (١١١١).\n(^٤) «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٤)، و«المغني» (٤/ ٣٨٠).","vol":"1","page":209},{"text":"واستدلوا لذلك بما روى مسلم (^١) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ «أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا».\nوجه الدلالة: «أو» حرف تخيير بين العتق والصيام والإطعام، وبأيهما كفر أجزأه، والمراد بالتخيير أن يفعل منها ما شاء ابتداءً من غير عجز عن الآخر.\nواعْتُرِضَ على هذا الاستدلال بأن «أو» للتقسيم هنا، تقديره يعتق أو يصوم إن عجز عن العتق، أو يطعم إن عجز عن الصيام.\nقال النووي «شرح مسلم»: لَفْظَة «أَوْ» هُنَا لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلتَّخْيِيرِ، تَقْدِيره: يُعْتِق أَوْ يَصُوم إِنْ عَجَزَ عَنْ الْعِتْق، أَوْ يُطْعِم إِنْ عَجَزَ عَنْهُمَا. وَتُبَيِّنُهُ الرِّوَايَاتُ الْبَاقِيَةُ.\nالراجح: أن الكفارة مرتبة ككفارة الظهار، والكفارة عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينًا؛ لحديث أبي هريرة، أَنَّ رَجُلًا وَقَعَ بِامْرَأَتِهِ فَاسْتَفْتَى النبيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «تَسْتَطِيعُ صِيَامَ شَهْرَيْنِ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا».\nوأما حديث أن النبي ﷺ «أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا».\nفهذا الحديث مجمل. والآخر مفصل، فيُحمل المجمل على المفصل.\nولفظة «أو» هنا للتقسيم لا للتخيير، تقديره: يعتق أو يصوم إن عجز عن العتق، أو\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨٤) (١١١١). قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الرجل يجامع أهله في شهر رمضان؟ قال: اختلفوا في حديث الزهري: فقال مالك، وابن جريج، عن الزهري في الحديث: عليه عتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينًا، على التخيير. قال أبي: وخالفهما ابن عيينة، وإبراهيم بن سعد، وغيرهما، فقالوا عن الزهري في الحديث: عليه عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يقدر على الصيام، فإطعام ستين مسكينًا - خالفوهما - ولم يقل: يقولان على التخيير، والحيطة عندي فيما قال هؤلاء.\nوأما مالك، وابن جريج، فحافظان، ابن جريج سمعه من الزهري، يقول: حدثنا ابن شهاب، مالك وابن جريج مستثنيان. في «مسائل عبد الله بن أحمد ص ١٨٩».","vol":"1","page":210},{"text":"بطعم إن عجز عنهما وتبينه الروايات الباقية.\nوخاصة أن مخرج الحديث متحد مع الحديث الآخر، والآخر مفصل، فيحمل المجمل على المفصل، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-152> المبحث التاسع: فيمن طلع عليه الفجر وهو مجامع،</span> وفيه مطلبان:\n•<span data-type='title' id=toc-153> المطلب الأول: فيمن طلع عليه الفجر وهو مجامع فنزع في الحال، هل ينتقض صومه؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن صومه صحيح ولا قضاء ولا كفارة؛ لأنه ترك الجماع في الحال. وبه قال أبو حنيفة والشافعي ورواية عن الحنابلة (^١).\nواستدلوا لذلك بما صح عن ابن عمر أنه كان يقول: «لو نودي بالصلاة والرجل على امرأته لم يمنعه ذلك أن يصوم، إذا أراد الصيام، قام واغتسل ثم أتم صيامه» (^٢).\nوذهب مالك والمزني من الشافعية والحنابلة في رواية إلى أنه يجب عليه القضاء (^٣).\nواستدلوا لذلك بأنه قد حصل جماع في أول جزء من اليوم أُمر بالكف عنه بسبب سابق من الليل، ولأن الجماع إيلاج وإخراج، فإذا بطل الصوم بالإيلاج بطل بالإخراج (^٤).\nوذهب الحنابلة في رواية إلى أنه يجب عليه القضاء والكفارة (^٥).\nوالراجح في المسألة والله أعلم: أنه إذا نزع في الحال مع أول طلوع الفجر، فإنه لا قضاء عليه ولا كفارة، ولأنه لا يقدر على أكثر مما فعله في ترك الجماع، ويُستأنس لذلك بأثر ابن عمر أنه كان يقول: لو نودي بالصلاة والرجل على امرأته، لم يمنعه ذلك أن يصوم إذا أراد الصيام، واغتسل ثم أتم صيامه.\n_________\n(^١) «المبسوط» (٣/ ١٤٠)، و«المهذب» (٢/ ٦٠٤)، و«الفروع» (٣/ ٧٩).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه البيهقي (٤/ ٢١٩).\n(^٣) «حاشية الدسوقي» (١/ ٥٣٣)، و«المهذب» (٢/ ٦٠٤)، و«الفروع» (٣/ ٧٩).\n(^٤) «الإنصاف» (٣/ ٣٢٢)، و«المهذب» (٢/ ٦٠٤).\n(^٥) «المغني» (٤/ ٣٧٩).","vol":"1","page":211},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-154> المطلب الثاني: من طلع عليه الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع.</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه من طلع عليه الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع، أن عليه القضاء والكفارة، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة (^١).\nواستدلوا لذلك بأنه ترك صوم رمضان بجماع أثم به لحرمة الصوم، فوجبت به الكفارة كما لو وطئ بعد طلوع الفجر.\nوقال أبو حنيفة: يَجِبُ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةِ; لِأَنَّ وَطْأَهُ لَمْ يُصَادِفْ صَوْمًا صَحِيحًا، فَلَمْ يُوجِب الْكَفَّارَةَ، كَمَا لَوْ تَرَكَ النِّيَّةَ وَجَامَعَ، كَمَا أَنَّ شُرُوعَهُ في الصِّيام غير صحيح مع وجود المجامعة (^٢).\nوالراجح والله أعلم: أنه إذا طلع الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع، فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه مجامع نهارًا كما لو ابتدأ به بعد الفجر، ولأن المداومة على الجماع بعد طلوع الفجر دليل على تعمده إفساد الصيام، وانتهاك حرمة الشهر الموجبين للكفارة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-155> المبحث العاشر: هل يُشترط أن تكون رقبة مؤمنة؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يُشترط في كفارة المجامع أن تكون الرقبة مؤمنة لحمل المطلق على المقيد.\nولهذا شواهد في القرآن ﴿﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فالشهادة هنا مقيدة بالعدالة، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فالشهادة مطلقة فلا بد أن تقيد هذه الشهادة بالعدالة، من باب حمل المطلق على المقيد.\nقال المارودي (^٣): وَدَلِيلُنَا: قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ فِيهَا بِأَنَّ لِسَانَ الْعَرَبِ وَعُرْفَ خِطَابِهِمْ يَقْتَضِي حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ إِذَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ، فَحُمِلَ عُرْفُ الشَّرْعِ عَلَى مُقْتَضَى لِسَانِهِمْ.\nوقد قَيَّد الله تعالى كفارة القتل، كما قيد الشهادة بالعدالة كقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ\n_________\n(^١) «المجموع» (٦/ ٣٣٨)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٢١).\n(^٢)» «المغني» (٤/ ٣٧٩).\n(^٣)» «الحاوي» (١٣/ ٣٧٦).","vol":"1","page":212},{"text":"مِنْكُمْ﴾، وأطلقها في قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فحمل منه المطلق على المقيد في اشتراط العدالة، كذلك الكفارة.\nوذهب أبو حنيفة إلى أنه يجزئ عتق كافر من كفارة الجماع، لعموم قول النبي ﷺ: «هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً؟».\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي أنه لا يجزئ إلا عتق رقبة مؤمنة؛ لأن الرقبة أُطلقت في الكتاب والسنة وقُيدت بالإيمان كما في كفارة القتل، فيُحمل المطلق على المقيد كما في الشهادة (^١)، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-156> المبحث الحادي عشر: ما مقدار الإطعام؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن كفارة المجامع الذي لا يستطيع عتق رقبة ولا صيام شهرين متتابعين - إطعام ستين مسكينًا، لكل مسكين مد، أي ستون مدًّا لستين مسكينًا (^٢). واستدلوا لذلك بحديث المجامع … فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ. فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا».\nقال النووي: قوله: «فَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَقٍ»، والعرق عند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعًا، وهو ستون مُدًّا لستين مسكينًا لكل مسكين مُد.\nوذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يجزئ أقل من مدين لكل مسكين.\nواستدلوا لذلك بما رواه مسلم (^٣) عن عائشة ﵂ أنها قالت: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: (احْتَرَقْتُ). فقال رَسُولُ الله: «لم؟» قال: وَطِئْتُ امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ نَهَارًا. قَالَ: «تَصَدَّقْ»، قَالَ: مَا عِنْدِي شَيْءٌ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَجْلِسَ، فَجَاءَهُ عَرَقَانِ فِيهِمَا طَعَامٌ فَأَمَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ.\nوالعبرة أنه يطعم ستين مسكينًا كما جاء في الحديث الصحيح، والله أعلم.\n_________\n(^١) «الحاوي» (٣/ ٣٧٦).\n(^٢) «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٥)، و«النووي شرح مسلم» شرح حديث (١١١٢).\n(^٣)» أخرجه مسلم (٨٥) (١١١٢).","vol":"1","page":213},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-157> المبحث الثاني عشر: هل تجب الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب متعمدًا؟ أو يجب عليه القضاء فقط؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (^١):\n• القول الأول: ذهب الشافعي وأحمد وأهل الظاهر إلى أن الكفارة إنما تلزم في الإفطار من الجماع فقط، أما الإفطار بالأكل والشرب فإن عليه الإثم مع القضاء.\n• القول الآخر: ذهب أبو حنيفة ومالك وجماعة إلى أن من أفطر في نهار رمضان متعمدًا بأكل أو شرب - أن عليه القضاء والكفارة (^٢).\nاستدلوا لذلك بما رواه مسلم (^٣) عن أبى هريرة ﵁ حدثه أن النبي ﷺ أَمَرَ رَجُلًا أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يَصُومَ شَهْرَيْنِ، أَوْ يُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا.\nوجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمَر رجلًا أفطر في رمضان بكفارة المجامع، وهذا عام في كل من أفطر بجماع أو أكل أو شرب أو غيره.\nواعترض عليه بما قاله ابن رشد: وأما ما روى مالك أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره النبي ﷺ بالكفارة المذكورة فليس بحجة؛ لأن قول الراوي «فأفطر» هو مجمل، والمجمل ليس له عموم فيؤخذ به.\nقلت: ومخرجه متحد مع مخرج حديث المجامع، أى حديث أبى هريرة، بينما نحن جلوس عند النبي إذ جاءه رجل فقال: (هلكت)، وإذا كان مخرج الحديث متحدًا، يكون تأويله: «أن النبي ﷺ أمر رجلًا «أفطر» ب «أى بجامع». والحديث الأول مجمل\n_________\n(^١) قال ابن رشد في «بداية المجتهد» (١/ ٤٠٢): وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ قِيَاسِ الْمُفْطِرِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى الْمُفْطِرِ بِالْجِمَاعِ:\nفَمَنْ رَأَى أَنَّ شَبَهَهُمَا فِيهِ وَاحِدٌ وَهُوَ انْتِهَاكُ حُرْمَةِ الصَّوْمِ، جَعَلَ حُكْمَهُمَا وَاحِدًا.\nومن رأى أنه وإن كانت الكفارة عقابًا لانتهاك الحرمة، فإنها أشد مناسبة للجماع منها لغيره، وذلك أن العقاب المقصود به الردع والعقاب الأكبر قد يوضع لما إليه النفس.\n(^٢) «بداية المجتهد» (١/ ٣٠٢)، و«الحاوي» (٣/ ٢٨٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٤) (١١١١).","vol":"1","page":214},{"text":"والآخر مفصل، فيحمل المجمل على المفصل.\nوالراجح والله أعلم: أن من أفطر بالأكل والشرب متعمدًا أنه ليس عليه كفارة. وأن الكفارة إنما تلزم في الإفطار من الجماع فقط، وإنما عليه القضاء فقط.\n\n•<span data-type='title' id=toc-158> المبحث الثالث عشر: من جامع ظانًّا عدم طلوع الفجر أو غروب الشمس فبان خلافه:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن من جامع امرأته معتقدًا بَقاء الليل، ثم تبين أن الفجر قد طلع - أنه عليه القضاء، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية.\nواستدلوا بمعنى قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.\nأما دليلهم من المأثور: فعن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: «أفطر الناس في شهر رمضان في يوم مغيم، ثم نظر ناظر فإذا الشمس. فقال عمر بن الخطاب: الخطب يسير وقد اجتهدنا، تقضي يومًا» (^١).\nأما دليلهم من المعقول: فلأنه مفرط؛ لأنه كان يمكنه أن يُمْسِك إلى أن يعلم، فلا يُعذر بالقضاء.\n• القول الثانى: أن عليه القضاء والكفارة، وهو المشهور من مذهب أحمد.\nواستدلوا لذلك بحديث أبى هريرة ﵁ في الرجل الذى وقع على امرأته في نهار رمضان.\nوجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ أمر المجامع بالتكفير من غير تفريق ولا تفصيل، ولأنه\n_________\n(^١) هذا الأثر فيه خلاف في سنده ومتنه، أخرجه عبد الرزاق (٧٣٩٣)، عن الثوري، عن جبلة بن سحيم، عن علي بن حنظلة، بلفظ قريب من هذا، وأخرجه عبد الرزاق (٧٣٩٤)، عن الثوري قال: حدثنى زياد بن علاقة، عن بشر بن قيس به.\nوأخرجه عبد الرزاق (٧٣٩٥) قال: أخبرنا معمر، عن الأعمش، عن زيد بن وهب قال: «أفطر الناس في زمان عمر. قال: فرأيت عساسًا خرجت من بيت حفصة فشربوا في رمضان، ثم طلعت الشمس من سحاب، فكان ذلك شق على الناس، وقالوا: نقضي هذا اليوم، فقال عمر: ولمَ؟ فوالله ما تجنفنا لإثم. ورجح البيهقي الرواية التي فيها القضاء، واستنكر رواية ابن أسلم.","vol":"1","page":215},{"text":"أفسد صوم رمضان بجماع تام، فوجبت عليه الكفارة (^١).\n• القول الثالث: لا قضاء ولا كفارة، وهو قول أحمد في رواية، اختارها شيخ الإسلام، وقال: وهَذَا قَوْلُ طَوَائِفَ مِنَ السَّلَفِ: كَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْحَسَنِ، وَإِسْحَاقَ، وَدَاوُدَ، وَأَصحابِهِ وَالْخَلَفِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: مَنْ أَكَلَ مُعْتَقِدًا طُلُوعَ الْفَجْرِ، ثُمَّ تبيَّن لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَطْلُعْ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْه.\nواستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nوجه الدلالة من الآية: أن الله قد أباح الأكل والشرب والجماع حتى يتبيَّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وهذا المجامع قد شك في طلوع الفجر وغروب الشمس، فلم يتبيَّن له شيء، فيصح صومه، ولا قضاء ولا كفارة (^٢).\nواستدلوا بما ورد في «مسلم»: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: قَدْ فَعَلْتُ.\nروى البخاري (^٣) عن أسماء قالت: «أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فِي يوم، ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ».\nوجه الدلالة: أنهم أفطروا في النهار بناءً على أن الشمس قد غربت ثم طلعت الشمس، ولم يرد أن النبي ﷺ أمَرهم بالقضاء، ولو كان القضاء واجبًا، لبينه النبي ﷺ لأمته، فلما لم يُحفظ عن النبي ﷺ ولم يُنقل إلينا، فالأصل براءة الذمة وعدم القضاء.\nأما دليلهم من المأثور: فعَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَتَى أَدَعُ السُّحُورَ؟ فَقال رَجُلٌ جَالِسٌ عِنْدَهُ: «كُلْ حَتَّى إذَا شَكَكْت فَدَعْهُ، فَقَالَ: كُلْ مَا\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٦٤)، و«الشرح الممتع» (٦/ ٤٠٨).\n(^٢) انظر: «المغني» (٤/ ٣٧٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٥٩)، وفيه: قِيلَ لِهِشَامٍ: فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قَالَ: لا بُدَّ مِنْ قَضَاءٍ. وَقَالَ مَعْمَرٌ سَمِعْتُ هِشَامًا: لَا أَدْرِي أَقَضَوْا أَمْ لَا.","vol":"1","page":216},{"text":"شَكَكْت حَتَّى لَا تَشُكَّ» (^١).\nوَهَذَا الْقَوْلُ أَصح الْأقوال، وَأَشْبَهُهَا بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ قِيَاسُ أُصُولِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ الله رَفَعَ الْمُؤَاخَذَةَ عَنِ النَّاسِي وَالْمُخْطِئِ، وَهَذَا مُخْطِئٌ، وَقَدْ أَبَاحَ الله الْأَكْلَ وَالْوَطْءَ حَتَّى يَتبيَّن الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، وَاسْتُحِبَّ تَأْخِيرُ السَّحُورِ، وَمَنْ فَعَلَ مَا نُدِبَ إلَيْهِ وَأُبِيحَ لَهُ، لَمْ يُفَرِّطْ، فَهَذَا أَوْلَى بِالْعُذْرِ مِنَ النَّاسِي، وَالله أَعْلَمُ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-159> المبحث الرابع عشر: رجل أراد أن يجامع، فأكل قبل الجماع، فهل عليه كفارة؟</span>\nسُئِلَ شيخُ الإسلامِ عَنْ رَجُلٍ أَرَادَ أَنْ يُوَاقِعَ زَوْجَتَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِالنَّهَارِ، فَأَفْطَرَ بِالْأَكْلِ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَ، ثُمَّ جَامَعَ، فَهَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا؟ وَمَا عَلَى الَّذِي يُفْطِرُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ؟\nفَأَجَابَ: الْحَمْدُ لِله، هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ مَشْهُورَانِ:\nأَحَدُهُمَا: تَجِبُ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِهِمْ: كَمَالِكٍ، وَأَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ.\nوَالثَّانِي: لَا تَجِبُ، وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيِّ.\nقلت: «ورجح شيخ الإسلام القضاء والكفارة».\nقال: وَذَلِكَ لِأَنَّ هَتْكَ حُرْمَةِ الشَّهْرِ حَاصِلَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ بَلْ هِيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَشَدُّ؛ لأنه عَاصٍ بِفِطْرِهِ أَوَّلًا، فَصَارَ عَاصِيًا مَرَّتَيْنِ، فَكَانَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ أَوْكَدَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَجِبِ الْكَفَّارَةُ عَلَى مِثْلِ هَذَا لَصَارَ ذَرِيعَةً إلَى أَنْ لَا يُكَفِّرَ أَحَدٌ، فَإِنَّهُ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يُجَامِعَ فِي رَمَضَانَ إلَّا أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْكُلَ ثُمَّ يُجَامِعُ، بَلْ ذَلِكَ أَعْوَنُ لَهُ عَلَى مَقْصُودِهِ، فَيَكُونُ قَبْلَ الْغَدَاءِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَإِذَا تَغَدَّى هُوَ وَامْرَأَتُهُ ثُمَّ جَامَعَهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَهَذَا شَنِيعٌ فِي الشَّرِيعَةِ لَا تَرِدُ بِمِثْلِهِ، فَإِنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ فِي الْعُقُولِ وَالْأَدْيَانِ أَنَّهُ كُلَّمَا عَظُمَ الذَّنْبُ كَانَتْ الْعُقُوبَةُ أَبْلَغَ، وَكُلَّمَا قَوِيَ الشَّبَهُ قَوِيَتْ، وَالْكَفَّارَةُ فِيهَا شَوْبُ الْعِبَادَةِ وَشَوْبُ الْعُقُوبَةِ،\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٩٠٦٧). وأخرجه عبد الرزاق (٧٣٦٨) عن ابن عيينة، عن الحسن بن عبيد الله، عن مسلم بن صبيح قال: قال رجل لابن عباس: أرأيت إذا شككت في الفجر، وأنا أريد الصيام؟ فقال: كل ما شككت حتى لا تشك.","vol":"1","page":217},{"text":"وَشُرِعَتْ زَاجِرَةً وَمَاحِيَةً، فَبِكُلِّ حَالٍ قُوَّةُ السَّبَبِ يَقْتَضِي قُوَّةَ الْمُسَبَّبِ، ثُمَّ الْفِطْرُ بِالْأَكْلِ لَمْ يَكُنْ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ، كَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، فَلَا أَقَلَّ أَنْ يَكُونَ مُعِينًا لِلسَّبَبِ الْمُسْتَقِلِّ، بَلْ يَكُونُ مَانِعًا مِنْ حُكْمِهِ، وَهَذَا بَعِيدٌ عَنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ.\nثُمَّ الْمُجَامِعُ كَثِيرًا مَا يُفْطِرُ قَبْلَ الْإِيلَاجِ، فَتَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ عَنْهُ بِذَلِكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ، وَالله أَعْلَمُ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-160> المبحث الخامس عشر: وإذا جامع في أول النهار ثم مرض أو جُن ماذا عليه؟</span>\nقال ابن قدامة: وَإِذَا جَامَعَ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، ثُمَّ مَرِضَ أَوْ جُنَّ، أَوْ كَانَتِ امْرَأَةً فَحَاضَتْ أَوْ نُفِسَتْ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، لَمْ تَسْقُطِ الْكَفَّارَةُ. وَبِهِ قال مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَابْنُ الْمَاجِشُونٍ، وَإِسْحَاقُ، وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِمْ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ.\nوالراجح: أنه عليه الكفارة، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-161> المبحث السادس عشر: إذا جامع في قضاء رمضان هل عليه الكفارة؟</span>\nذهب جمهور أهل العلم إلى أن من جامع امرأته في صيام غير رمضان، كصيام النذر، أو التطوع، أو القضاء، أو الكفارة، أنه لا تجب عليه الكفارة.\nقال ابن قدامة (^٢): وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْفِطْرِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فِي قَوْلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَقال قَتَادَةُ: تَجِبُ عَلَى مَنْ وَطِئَ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ؛ لأنه عِبَادَةٌ تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي أَدَائِهَا، فَوَجَبَتْ فِي قَضَائِهَا، كَالْحَجِّ، وَلَنَا أَنَّهُ جَامَعَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ جَامَعَ فِي صِيَامِ الْكَفَّارَةِ، وَيُفَارِقُ الْقَضَاءُ الْأَدَاءَ؛ لأنه مُتَعَيِّنٌ بِزَمَانٍ مُحْتَرَمٍ، فَالْجِمَاعُ فِيهِ هَتْكٌ لَهُ، بِخِلَافِ الْقَضَاءِ.\nوالراجح: أنه ليس عليه كفارة؛ لأن النص الوارد في وجوب الكفارة جاء بالوطء في نهار رمضان، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) «الفتاوى» (٢٥/ ٢٦٢).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٧٨).","vol":"1","page":218},{"text":"الفصل التاسع القضاء وما يتعلق به من أحكام\nوفيه مباحث:\nالمبحث الأول: من عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه رمضان آخر،\nفماذا عليه؟\nالمبحث الثاني: هل القضاء على الفور أمعلى التراخي؟\nالمبحث الثالث: حكم صيام التطوع لمن عليه قضاء.\nالمبحث الرابع: من مات وعليه صيام.\nالمبحث الخامس: هل يجب التتابع في قضاء رمضان؟\nالمبحث السادس: من أفسد صومه بالجماع متعمدًا في نهار رمضان، هل يجب\nعليه القضاء؟\nالمبحث السابع: إذا تساحقت امرأتان ماذا عليهما؟\nالمبحث الثامن: إذا أصبح مفطرا يعتقد أنه من شعبان فقامت النية بأنه يوم\nمن رمضان ماذا عليه؟","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type='title' id=toc-162>الفصل التاسع القضاء وما يتعلق به من أحكام</span>\n•<span data-type='title' id=toc-163> المبحث الأول: من عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه شهر رمضان آخر، فماذا عليه؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن من عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه رمضان آخر، أنه يصوم الذي أدركه، ويقضي ما فاته، ويطعم عن كل يوم مسكينًا.\nوهو قول ابن عباس (^١) وأبي هريرة (^٢)، وبه قال مالك والشافعي وأحمد (^٣)\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين (^٤) من حديث عَائِشَةَ ﵂ تَقُولُ: «كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ».\nقال الحافظ في شرح حديث عائشة: يؤخذ من حرصها على ذلك في شعبان أنه لا يجوز تأخير القضاء حتى يدخل رمضان آخر.\nواعتُرِض عليه بما قاله ابن التركماني: فعموم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يقتضي\n_________\n(^١) روى البيهقي في «الكبرى» (٤/ ٢٥٣) بإسناد صحيح عن ابن عباس ﴿فِي رَجُلٍ أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ وَعَلَيْهِ رَمَضَانُ آخَرُ. قَالَ: يَصُومُ هَذَا وَيُطْعِمُ عَنْ ذَاكَ كُلَّ يوم مِسْكِينًا وَيَقْضِيهِ.\n(^٢) روى البيهقي (٤/ ٢٥٣) بإسناد صحيح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «يَصُومُ الَّذِى حَضَرَ، وَيَقْضِى الآخَرَ، وَيُطْعِمُ لِكُلِّ يوم مِسْكِينًا».\n(^٣) «المجموع» (٦/ ٣٦٦).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٩٥٠)، ومسلم (١٥١ - ١١٤٦)، ووردت زيادة: (الشُّغْلُ برسول الله ﷺ.\nقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٤/ ٢٢٥): (وفي الحديث دلالة على جواز تأخير رمضان مطلقًا، كان لعذر أو لغير عذر؛ لأن الزيادة لما بينّاه مدرجة.","vol":"1","page":220},{"text":"أن تأخير القضاء ليس بمقيد إلى مجيء رمضان آخر، وتأخير عائشة ﵂ إنما كان لأنه ﵊ كان يستمتع بها، وكان في شعبان يشتغل بالصوم فتشغل هي بالقضاء، وفي غير رمضان تتفرغ لخدمته.\nوأُجيبَ عنه بما روى أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ وَعَلَيْهِ مِنْ رَمَضَانَ شَيْءٌ لَمْ يَقْضِهِ، لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهُ» (^١).\nواعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ.\n• القول الآخر: أن من عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه شهر رمضان آخر - يقضي الذي فاته ولا شيء عليه (أي: لا إطعام عليه)، وهو مذهب أبي حنيفة (^٢)، والبخاري في صحيحه (^٣)، وابن حزم، وهو قول إبراهيم النخعي والحسن وطاوس وحماد بن أبي سليمان (^٤).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].\nوجه الدلالة ما قاله القرطبي: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ دل ذلك على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض.\nالراجح في المسألة والله أعلم: أنه من كان عليه أيام من رمضان فلم يقضها حتى أدركه رمضان آخر، فليس عليه إلا القضاء فقط، ولا كفارة عليه لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nولم يَحُدَّ الله تَعَالَى وَلَا رَسُولُهُ ﷺ في ذلك وَقْتًا بِعَيْنِهِ، فَالْقَضَاءُ وَاجِبٌ عليهم أَبَدًا حتى يُؤَدَّي أَبَدًا ولم يَأْتِ نَصُّ قُرْآنٍ وَلَا سُنَّةٍ بِإِيجَابِ إطْعَامٍ في ذلك، فَلَا يَجُوزُ إلْزَامُ ذلك\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٢)، وفي إسناده ابن لهيعة سيئ الحفظ.\n(^٢) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٠٤).\n(^٣) قال البخاري في «الصحيح» (١٩٤٩): وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرسلًا وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يُطْعِمُ، وَلَمْ يَذْكُرْ الله الْإِطْعَامَ إِنَّمَا قَالَ: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\n(^٤) «المحلى» (٦/ ٢٦٠).","vol":"1","page":221},{"text":"أَحَدًا؛ لأنه شَرْعٌ وَالشَّرْعُ لَا يُوجِبُهُ في الدِّينِ إلاَّ الله تَعَالَى على لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ فَقَطْ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-164> المبحث الثاني: هل القضاء على الفور أم على التراخي؟</span>\nقال النووي في «شرح مسلم»: وَمَذْهَب مَالِك وَأَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَجَمَاهِير السَّلَف وَالْخَلَف: أَنَّ قَضَاء رَمَضَان فِي حَقّ مَنْ أَفْطَرَ بِعُذْرٍ كَحَيْضٍ وَسَفَرٍ - يَجِب عَلَى التَّرَاخِي، وَلَا يُشْتَرَط الْمُبَادَرَةُ بِهِ فِي أَوَّل الْإِمْكَان، لَكِنْ قَالُوا: لَا يَجُوز تَأْخِيره عَنْ شَعْبَان الْآتِي؛ لِأَنَّهُ يُؤَخِّرُهُ حِينَئِذٍ إِلَى زَمَانٍ لَا يَقْبَلُهُ وَهُوَ رَمَضَانُ الْآتِي، فَصَارَ كَمَنْ أَخَّرَهُ إِلَى الْمَوْت.\nقال القرطبي (^١): قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، دل ذلك على وجوب القضاء من غير تعيين لزمان؛ لأن اللفظ مسترسل على الأزمان لا يختص ببعضها دون بعض.\nوفي الصحيحين عن عائشة ﵂: يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَه إِلَّا فِي شَعْبَانَ. قال: ولنا أن الله تعالى أمر بالقضاء مطلقًا، والأمر المطلق لا يوجب على الفور بل على التراخي، ولهذا لو تطوع جاز بالاتفاق (^٢).\nوَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّطَوُّعُ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَتَعَلَّقُ بِوَقْتِ مُوَسَّعٍ، فَجَازَ التَّطَوُّعُ فِي وَقْتِهَا قَبْلَ فِعْلِهَا، كَالصَّلَاةِ يَتَطَوَّعُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا (^٣).\nقال الكاساني (^٤): قال أَصْحَابُنَا: إنه لَا يُكْرَهُ لِمَنْ عليه قَضَاءُ رَمَضَانَ أَنْ يَتَطَوَّعَ، وَلَوْ كَانَ الوُجُوبُ على الْفَوْرِ لَكُرِهَ له التَّطَوُّعُ قبل الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَأْخِيرًا لِلْوَاجِبِ عَنْ وَقْتِهِ الْمَضِيقِ وأَنَّهُ مَكْرُوهٌ.\nالخلاصة: على المسلم أن يبادر بقضاء الواجب عليه لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. ولقول الله في الحديث القدسي: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» (^٥).\n_________\n(^١) (الجامع لأحكام القرآن» (٢/ ٢٨٢).\n(^٢) «العناية على الهداية» (٢/ ٣٥٥).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٤٠١).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٠٤).\n(^٥) أخرجه البخاري (٦٥٠٢).","vol":"1","page":222},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-165> المبحث الثالث: جواز التطوع لمن عليه قضاء:</span>\nأولًا: إن قضاء رمضان على التراخي؛ لأنها عبادة تتعلق بوقت موسع، فجاز التطوع في وقتها، كما في السنن الرواتب، كراتبة الفجر والظهر القَبْلية.\nثانيًا: لم يأت نص من الكتاب أو السنة يمنع من الاشتغال بالتطوع لمن عليه قضاء.\n\n•<span data-type='title' id=toc-166> المبحث الرابع: من مات وعليه صيام لم يَخْلُ من حالين:</span>\n• الحال الأولى: أن يموت قبل إمكان القضاء.\nقال ابن قدامة (^١): أَحَدُهُمَا: أَنْ يَمُوتَ قَبْلَ إمْكَانِ الصِّيَامِ، إمَّا لِضِيقِ الْوَقْتِ، أَوْ لِعُذْرٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوْ عَجْزٍ عَنِ الصَّوْمِ، فَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَحُكِيَ عَنْ طَاوُسٍ وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: يَجِبُ الْإِطْعَامُ عَنْهُ; لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ سَقَطَ بِالْعَجْزِ عَنْهُ، فَوَجَبَ الْإِطْعَامُ عَنْه، كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ إذَا تَرَكَ الصِّيَامَ لِعَجْزِهِ عَنْهُ. وَلَنَا أَنَّهُ حَقٌّ لِله تَعَالَى وَجَبَ بِالشَّرْعِ، مَاتَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ إمْكَانِ فِعْلِهِ، فَسَقَطَ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ كَالْحَجِّ.\nقال النووي (^٢): لو كان عليه قضاء شيء من رمضان، فلم يصم حتى مات، نظرت: فإن أخره لعذر اتصل به الموت، لم يجب عليه شيء؛ لأنه فَرْض لم يتمكن من فعله إلى الموت فسقط حكمه كالحج.\n• الحال الثاني: من مات وعليه صيام بعد إمكان القضاء، هل يصوم عنه وليُّه؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يصام عن الميت، بل يطعم عنه مكان كل يوم مسكينًا، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في الجديد (^٣).\nواستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور:\nأما دليلهم من السنة: فعن عبادة بن نسي قال: قال النبي ﷺ: «من مرض فلم يزل\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٣٩٨).\n(^٢) «المجموع» (٦/ ٣٦٧).\n(^٣) «فتح الباري» (٤/ ٢٢٨)، و«المغني» (٤/ ٣٩٨)، و«المجموع» (٦/ ٣٦٧).","vol":"1","page":223},{"text":"مريضًا حتى مات، لم يطعم عنه، وإن صح فلم يقضه حتى مات، أطعم عنه» (^١).\nواعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nوعن عبد الله بن عمر ﴿عن النبي ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرٍ، فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يوم مِسْكِينًا» (^٢).\nأما دليلهم من المأثور:\n١ - فأثر عبد الله بن عباس ﴿قال: «لَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ وَلَكِنْ يُطْعِمُ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يوم مُدًّا مِنْ حِنْطَةٍ» (^٣).\nوقد صح من حديث ابن عباس قضاء الصيام عن الميت.\nفلما أفتى ابن عباس بخلاف ما رواه، دل ذلك على أن العمل بقوله لا بما رواه، وأجيب عنه بأن العبرة بما روى لا بما رأى (^٤).\n• القول الثاني: أن من مات وعليه صيام صام عنه وليه، وبه قال أصحاب الحديث والشافعي في القديم وأبو ثور وطاوس (^٥).\nواستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (^٦) عن عائشة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ».\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢٣٧) عن الأسلمي عن حجاج بن أرطأة عن عبادة به.\n(^٢) أخرجه الترمذي (٧١٨) وغيره، وفي إسناده أشعث بن سوار: ضعيف. وأخرجه ابن خزيمة (٢٠٥٦، ٢٠٥٧) وغيره، وفي إسناده شريك، ضعيف. وأخرجه البيهقي (٤/ ٢٥٤) من طريق عبد الله بن محمد بن أسماء عن جويرية بن أسماء عن ابن عمر موقوف. وصحح الوقف الدارقطني والترمذي والبيهقي.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢/ ١٧٥).\n(^٤) انظر «فتح الباري» (٤/ ٢٢٨)، و«نيل الأوطار» (٤/ ٢٨٠).\n(^٥) «فتح الباري» (٤/ ٢٢٨)، فقد روى عبد الرزاق (٤/ ٢٣٩) بسنده عن طاوس قال: إذا مات الرجل وعليه صيام رمضان قضى عنه بعض أوليائه قال معمر: وقاله حماد. إسناده صحيح.\n(^٦) أخرجه البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧).","vol":"1","page":224},{"text":"وفي «الصحيحين» (^١) عن ابن عباس ﴿قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: «فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى».\n• القول الثالث: ذهب أحمد (^٢) والليث وإسحاق وأبو عبيد إلى أنه لا يصام عن الميت إلا في النذر (^٣).\nواستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور والمعقول:\nأولًا دليلهم من السنة: فعَنِ ابن عباس ﴿قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ أُمِّى مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ، أَفَأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِيهِ أَكَانَ يُؤَدِّى ذَلِكِ عَنْهَا؟». قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «فَصُومِى عَنْ أُمِّكِ» (^٤).\nالدليل الثاني: عموم ما في «الصحيحين» (^٥) عن عبد الله بن عباس ﴿أن سعد بن عبادة ﵁ استفتى رسول الله ﷺ فقال: إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا نَذْرٌ. فَقَالَ: «اقْضِهِ عَنْهَا».\nقال الحافظ (^٦): وَقَالَ اللَّيْث وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو عُبَيْد: لَا يُصَام عَنْهُ إِلَّا النَّذْرُ، حَمْلًا لِلْعُمُومِ الَّذِي فِي حَدِيث عَائِشَة - أي قول النبي ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» - عَلَى الْمُقَيَّد فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس.\nاعترض عليه بما قاله الحافظ: وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا تَعَارُضٌ حَتَّى يُجْمَعَ بَيْنهمَا، فَحَدِيث اِبْن عَبَّاس صُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ سَأَلَ عَنْهَا مَنْ وَقَعَتْ لَهُ، وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَهُوَ تَقْرِيرُ قَاعِدَةٍ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨).\n(^٢) قال أبو داود: سمعت أحمد قال: لا يصام عن الميت إلا في النذر. قلت لأحمد: فشهر رمضان؟ قال: يطعم عنه. (من مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود: رقم ٦٦١).\n(^٣) قال ابن قدامة: (فَأَمَّا صَوْمُ النَّذْرِ فَيَفْعَلُهُ الْوَلِيُّ عَنْهُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاللَّيْثِ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ) «المغني» (٤/ ٣٩٩).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٥٦ - ١١٤٨)، ورواه البخاري معلقًا (١٩٥٣).\n(^٥) أخرجه البخاري (٢٧٦١)، ومسلم (١٦٣٨).\n(^٦) «فتح الباري» (٤/ ٢٢٨).","vol":"1","page":225},{"text":"عَامَّةٍ، وَقَدْ وَقَعَتِ الْإِشَارَة فِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس إِلَى نَحْو هَذَا الْعُمُوم حَيْثُ قِيلَ فِي آخِرِهِ: «فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى».\nقال الشوكاني: إنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ صُورَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، يَعْنِي أَنَّهُ مِنَ التَّنْصِيصِ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ، فَلَا يَصْلُحُ لِتَخْصِيصِهِ وَلَا لِتَقْيِيدِهِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ (^١).\nوالراجح أن قوله ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» ليس هذا الأمر للوجوب عند الجمهور.\nوبالغ إمام الحرمين ومن تبعه، فادعوا الإجماع على ذلك، وفيه نظر؛ لأن بعض أهل الظاهر أوجبه (^٢)، فلعله لم يعتد بخلافهم على قاعدته، قلت: والصارف عن الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.\nالْمُرَاد بِقَوْلِهِ: (وَلِيُّهُ) قِيلَ: كُلّ قَرِيب، وَقِيلَ: الْوَارِث خَاصَّة، وَقِيلَ: عَصَبَتُهُ.\nوَالْأَوَّل أَرْجَح وَالثَّانِي قَرِيب (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-167> المبحث الخامس: هل يجب التتابع في قضاء رمضان؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن من أفطر أيامًا أنه يستحب أن يقضيها متتابعة، ويجوز تفريقها.\nوهو قول ابن عباس وأبي هريرة (^٤) وأنس (^٥) وعروة بن الزبير (^٦) وأبي حنيفة ومالك\n_________\n(^١) «نيل الأوطار» (٤/ ٢٨٠)، وانظر «فتح الباري» (٤/ ٢٢٨).\n(^٢) قال ابن حزم في «المحلى» (٧/ ٢): (وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمُ فَرْضٍ من قَضَاءِ رَمَضَانَ أو نَذْرٍ أو كفارة وَاجِبَةٍ، فَفَرْضٌ على أَوْلِيَائِهِ أَنْ يَصُومُوهُ عَنْهُ هُمْ أو بَعْضُهُمْ، وَلَا إطْعَامَ في ذلك أَصْلًا، أَوْصَى بِهِ أو لم يُوصِ بِهِ).\n(^٣) «فتح الباري» (٤/ ٢٢٨).\n(^٤) روى ابن أبي شيبة (٣/ ٣٢) بسند صحيح عن ابن عباس وأبي هريرة قالا: (لَا بَأْسَ بِقَضَاءِ رَمَضَانَ مُتَفَرِّقًا).\n(^٥) روى ابن أبي شيبة (٣/ ٣٢) بسند صحيح عن أنس قال: (إِنْ شئت فَاقْضِ رَمَضَانَ مُتَتَابِعًا، وَإِنْ شئت مُتَفَرِّقًا).\n(^٦) روى ابن أبي شيبة (٣/ ٣٤) بسند صحيح عن عروة بن الزبير قال: (يُواتِر قَضَاء رَمَضَانَ).","vol":"1","page":226},{"text":"والشافعي وأحمد (^١).\nواستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولا يشترط أن تكون متتابعة.\nوعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ تَقْطِيعِ قَضَاءِ رَمَضَانَ، فَقَالَ: «ذَاكَ إلَيْك»، فَقَالَ: «أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَحَدِكُمْ دَيْنٌ، فَقَضَى الدِّرْهَمَ وَالدِّرْهَمَيْنِ، أَلَمْ يَكُ قَضَى؟ وَالله أَحَقّ أَنْ يَعْفُوَ وَيَغْفِرَ» (^٢).\n• القول الثاني: قال ابن عمر وعائشة والحسن البصري وداود الظاهري: إنه يجب التتابع في قضاء رمضان (^٣).\nعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نَزَلَتْ (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ مُتَتَابِعَاتٍ) فَسَقَطَتْ (مُتَتَابِعَاتٍ) (^٤).\nالراجح: مذهب الجمهور أنه يستحب تتابعه، ويجوز تفريقه لعموم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\n\n•<span data-type='title' id=toc-168> المبحث السادس: من أفسد صومه بالجماع متعمدًا في نهار رمضان، هل يجب عليه القضاء؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\n• القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية في الصحيح والحنابلة إلى أن من أفسد صومه بالجماع في نهار رمضان متعمدًا، وجب عليه القضاء (^٥).\n• واستدلوا بالسنة والمعقول:\n_________\n(^١) قال النووي في «المجموع» (٦/ ٣٧٦): مذهبنا أنه يستحب تتابعه، ويجوز تفريقه، وبه قال علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل وابن عباس وأنس وأبو هريرة والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة ومالك وأحمد.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٢) عن محمد بن المنكدر قال: بلغني أن النبي ﷺ به.\n(^٣) «المجموع» (٦/ ٣٦٧) عن ابن عمر قال في قضاء رمضان: (يتابع بينه)، رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح، وأخرجه عبد الرزاق (٤/ ١٤١) عن ابن جريج قال: حدثني ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر قال: (صمه كما أفطرته).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه الدارقطني (٢/ ١٩٢).\n(^٥) «بدائع الصنائع» (٢/ ١٠٠)، و«التمهيد» (٧/ ١٦٢)، و«الحاوي» (٣/ ٤٢٣)، و(المغني» (٤/ ٣٧٢).","vol":"1","page":227},{"text":"دليلهم من السنة: الزيادة الواردة في حديث أبي هريرة ﵁ في قصة الرجل الذي وقع على أهله في نهار رمضان وهي قوله ﷺ: «صُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ» (^١).\nأما دليلهم من المعقول: فهو أنه أفسد يومًا من رمضان فلزمه قضاؤه، كما لو أفسده بالأكل؛ لأنه إذا وجب القضاء على المريض والمسافر وهما معذوران، فعلى المجامع أَوْلى، ولأن القضاء بدل اليوم الذي أفسده، والكفارة عقوبة الذنب الذي ارتكبه (^٢).\n• القول الثاني: وهو قول بعض الشافعية واختيار ابن تيمية أن من أفسد صومه بالجماع لا يجب عليه القضاء (^٣).\nاستدلوا بما ورد في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة وعائشة في الرجل الذي وقع على امرأته في نهار رمضان، ولم يذكر أحد أمره بالقضاء، ولو كان أمَره بذلك لما أهمله هؤلاء كلهم، وهو حكم شرعي.\nوأما دليلهم من المعقول: فهو أن المُجامع ارتكب إثمًا عظيمًا وذنبًا كبيرًا، ولا ينفعه الندم.\nوأُجيب عن استدلالهم بالحديث: بأن عدم أمره بالقضاء لا يدل على سقوط القضاء، بل هو آكد من الكفارة، ووجوب الكفارة دليل على وجوب القضاء، وأما قولهم بأن القضاء لا ينفعه، فهذا غير مسلَّم؛ لأنه بالقضاء تبرأ ذمته من اليوم الذي أفسده، إلى جانب الندم والاستغفار.\n• أما القول الثالث: فهو قول بعض الشافعية، وحكي عن الأوزاعي أنه قال: من كَفَّر بالصيام فلا قضاء عليه؛ لأنه صام شهرين متتابعين (^٤).\nقال ابن العربي (^٥): كلام الأوزاعي ليس بشيء.\nالراجح في المسألة: هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من وجوب القضاء على المجامع\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه (١٦٧١) وغيره، وفي إسناده عبد الجبار بن عمر: ضعيف.\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٧٢)، و«المهذب» (٢/ ٦١٠).\n(^٣) «المجموع» (٦/ ٣٣١)، و«مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٢٦).\n(^٤) ا «المجموع» (٦/ ٣٣١)، و«المغني» (٤/ ٣٧٢)، و«فتح الباري» (٤/ ١٧٢).\n(^٥) «عارضة الأحوذي» (٣/ ٢٥٣).","vol":"1","page":228},{"text":"في نهار رمضان؛ لأن من أفسد يومًا من رمضان لزمه قضاؤه، ولأن في القضاء براءة الذمة، ولأن إباحة الجماع للصائم بالليل دليل على تحريمه بالنهار، ومَن فَعَله بطل صومه وعليه قضاء ذلك اليوم.\nأما من استدل بحديث «الصحيحين» فلا يلزم من عدم ذكر القضاء أنه لا قضاء؛ لأن الحديث حكاية حال لا عموم فيها، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-169> المبحث السابع: إذا تساحقت امرأتان ماذا عليهما؟</span>\nقال ابن قدامة (^١): فَإِنْ تَسَاحَقَتِ امْرَأَتَانِ، فَلَمْ يُنْزِلَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا. وَإِنْ أَنْزَلَتَا فَسَدَ صَوْمُهُمَا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-170> المبحث الثامن: إذا أصبح مفطرًا يعتقد أنه من شعبان، فقامت البينة بأنه يوم من رمضان ماذا عليه؟</span>\nقال ابن قدامة (^٢): إذَا أَصْبَحَ مُفْطِرًا يَعْتَقِدُ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ، فَقَامَتْ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ، لَزِمَهُ الْإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.\n* * *\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٣٧٦).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٨٧).","vol":"1","page":229},{"text":"<span data-type='title' id=toc-171>الفصل العاشر مباحات الصيام</span>\nوفيه مباحث\n• المبحث الأول: الاغتسال.\n• المبحث الثاني: صب الماء البارد على الرأس.\n• المبحث الثالث: القبلة للصائم.\n• المبحث الرابع: هل يباح السواك للصائم؟\n• المبحث الخامس: ذوق الطعام للصائم.\n• المبحث السادس: العلك.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-172>المبحث الأول: الاغتسال</span>\nيباح للصائم إذا جامع امرأته ليلًا أن يغتسل نهارًا، وصومه صحيح.\nقال الخطابي (^١): أجمع عامة العلماء على أنه إذا أصبح جنبًا في رمضان، فإنه يُتم صومه ويجزئه.\nوقال النووي (^٢): أَجْمَعَ أَهْل هَذِهِ الْأَمْصَار عَلَى صحة صَوْم الْجُنُب، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ اِحْتِلَام أَوْ جِمَاعٍ، وَبِهِ قَالَ جَمَاهِير الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ، ودليل ذلك من الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nوجه الدلالة من الآية: ما قاله النووي: فَإِنَّ الله تَعَالَى أَبَاحَ الْأَكْل وَالْمُبَاشَرَة إِلَى طُلُوع الْفَجْر. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إِذَا جَازَ الْجِمَاع إِلَى طُلُوع الْفَجْر لَزِمَ مِنْهُ أَنْ يُصْبِح جُنُبًا، وَيَصِحّ صَوْمُه، وإذا كان الاحتلام بالنهار لا يفسد الصيام بالإجماع، فتَرْك الاغتسال من جنابة تكون ليلًا أَوْلى أن لا يفسد بها الصوم.\nوفي «الصحيحين» (^٣) عن عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﴿أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ\n_________\n(^١) «معالم السنن» (٢/ ٧٨١).\n(^٢) «شرح صحيح مسلم» (٧/ ٢٢٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٢٦، ١٩٢٥)، ومسلم (١١٠٩).\nقلت: الأدلة على ذلك كثيرة، ولكن ورد عن أبي هريرة أنه «مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا، فَلَا يَصُمْ».\nوقد حُكي عن بعض التابعين ذلك، قال ابن المنذر: وقال سالم بن عبد الله: لا يصح صومه. وهو الأشهر عن أبي هريرة والحسن البصري وطاوس وعروة، وإن علم بجنابته لم يصح. وقال النخعي: يصح النفل دون الفرض. انظر «شرح السنة» (٦/ ٢٨٠)، و«شرح صحيح مسلم» (٧/ ٢٢٢)، و«فتح الباري» (٤/ ١٤٧). =\n=روى مسلم (١١٠٩) عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ يَقُصُّ يَقُولُ في قَصَصِهِ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلَا يَصُمْ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ لأَبِيهِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ. فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ ﴿فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: فَكِلْتَاهُمَا قَالَتْ: كَانَ النبي ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ. قَالَ: فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَانَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. فَقَالَ مَرْوَانُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلاَّ مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِى هُرَيْرَةَ فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ. قَالَ: فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبُو بَكْرٍ حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ. قَالَ: فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَهُمَا قَالَتَاهُ لَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هُمَا أَعْلَمُ. ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ في ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ النبي ﷺ. قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ في ذَلِكَ. قُلْتُ لِعَبْدِ الْمَلِكِ: أَقَالَتَا في رَمَضَانَ؟ قَالَ: كَذَلِكَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ.\nقال النووي «شرح مسلم» (٧/ ٢٢٢): الْجَوَاب عَنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَنِ الْفَضْل عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ إِرْشَاد إِلَى الْأَفْضَل، فَالْأَفْضَل أَنْ يَغْتَسِل قَبْل الْفَجْر، فَلَوْ خَالَفَ جَازَ، وَهَذَا مَذْهَب أَصْحَابنَا، وَجَوَابهمْ عَنِ الْحَدِيث: فَإِنْ قِيلَ: كَيْف يَكُون الِاغْتِسَال قَبْل الْفَجْر أَفْضَل، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ خِلَافه؟ فَالْجَوَاب: أَنَّهُ ﷺ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَاز، وَيَكُون فِي حَقّه حِينَئِذٍ أَفْضَلَ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّن الْبَيَان لِلنَّاسِ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْبَيَانِ، وَهَذَا كَمَا تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً فِي بَعْض الْأَوْقَات بَيَانًا لِلْجَوَازِ، وَمَعْلُوم أَنَّ الثَّلَاث أَفْضَل، وَهُوَ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ وَتَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيث. وَطَافَ عَلَى الْبَعِير لِبَيَانِ الْجَوَاز، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّوَاف سَاعِيًا أَفْضَل، وَهُوَ الَّذِي تَكَرَّرَ مِنْهُ ﷺ، وَنَظَائِره كَثِيرَة.","vol":"1","page":231},{"text":"وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-173>المبحث الثاني: صب الماء البارد على الرأس</span>\nعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْكُبُ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ بِالسُّقْيَا، إِمَّا مِنَ الْحَرِّ وَإِمَّا مِنَ الْعَطَشِ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ صَائِمًا حَتَّى أَتَى كَدِيدًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَأَفْطَرَ وَأَفْطَرَ النَّاسُ، وَهُوَ عَامُ الْفَتْحِ (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مالك في «الموطأ» (١/ ٢٩٤)، ومن طريقه الشافعي في «المسند» (٧١٦)، وأحمد في «المسند» =\n(٥/ ٣٧٦)، وأبو داود في «السنن» (٢٣٦٥) من طرق عن مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن بعض أصحاب النبي ﷺ.\nقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٢٢/ ٤٧): هَذَا حَدِيثٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُسَمِّيَ التَّابِعُ الصَّاحِبَ الَّذِي حَدَّثَهُ أَوْ لَا يُسَمِّيَهُ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِحَدِيثِهِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ مَرْضِيُّونَ ثِقَاتٌ أَثْبَاتٌ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ.","vol":"1","page":232},{"text":"<span data-type='title' id=toc-174>المبحث الثالث: القُبلة للصائم</span>\nاختلف أهل العلم في حكم القبلة للصائم على أقوال:\n• القول الأول: أن القبلة تباح للصائم: وهذا قول عائشة (^١) وابن مسعود (^٢) وأبي هريرة (^٣) وسعد بن مالك (^٤) وأبي سعيد (^٥) وابن عباس (^٦).\nوفي «الصحيحين» (^٧) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ. ثُمَّ ضَحِكَتْ».\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٧٤٣٩، ٧٤١١).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٧٤٢٢) عن ابن مسعود (كان يباشر امرأته بنصف النهار وهو صائم). وروى عبد الرزاق (٧٤٢٦) عن ابن مسعود في الرجل يُقبل وهو صائم قال: (يقضي يومًا مكانه)، قال سفيان الثوري: (لا يؤخذ بهذا).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٨٩٣٩) عن أبي هريرة سُئِلَ عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَقَالَ: (إنِّي أُحِبّ أَنْ أَرفَّ شفَتَيْهَا وَأَنَا صَائِمٌ).\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق (١٢٤٧) عن داود بن قيس عن زيد بن أسلم: قيل لسعد بن مالك: تُقَبِّل وأنت صائم؟! قال: (نعم، وآخُذ بمتاعها).\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٩) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَقَالَ: (لَا بَأْسَ بِهَا، مَا لَمْ يَعْدُ ذَلِكَ).\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٦٠) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَقَالَ: (لَا بَأْسَ بِهَا).\n(^٧) أخرجه البخاري (١٩٢٨)، ومسلم (٢٦ - ١١٠٦).","vol":"1","page":233},{"text":"روى مسلم (^١) عَنْ حَفْصَةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ».\nوروى البخاري (^٢) عن أم سلمة أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ.\n• القول الثاني: أن القُبلة تحرم للصائم:\nواستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾، فإنه منع المباشرة في النهار.\nوأجيب بأن المراد في الآية الجماع، وقد بَيَّن ذلك فعله ﷺ، كما في أحاديث الباب (^٣).\nقال ابن حزم (^٤): وأما من أبطل الصوم بالقُبلة فاحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ قلنا: قد صح عن رسول الله إباحة المباشرة، وهو المبين عن الله تعالى مراده منا، فصَحَّ أن المباشرة المحرمة في الصوم إنما هي الجماع فقط.\nأما دليلهم من السنة فاستدلوا بحديث مَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ النبي ﷺ قَالَتْ: سُئِلَ النبي ﷺ عَنْ رَجُلٍ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُمَا صَائِمَانِ قَالَ: «قَدْ أَفْطَرَا» (^٥).\nواعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nأما دليلهم من المأثور:\n١ - فأثر عمر بن الخطاب: كان ينهى عن قبلة الصائم، فقيل له: إن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم! فقال: ومَن ذا له من الحفظ والعصمة ما لرسول الله ﷺ؟! (^٦).\n٢ - وعنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُمْ يَنْهَوْنَ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٣ - ١١٠٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٢٩).\n(^٣) «سبل السلام» (٢/ ٦٥٥).\n(^٤) «المحلى» (٦/ ٢٨).\n(^٥) ضعيف جدًّا: أخرجه ابن ماجه (١٦٨٦) وغيره، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أَبِى يَزِيدَ الضِّنِّىِّ عَنْ مَيْمُونَةَ به. قال في «الزوائد»: (إسناده ضعيف لاتفاقهم على ضعف زيد بن جبير وضعف شيخه).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق «المصنف» (٧٤٠٦) عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب أن عمر بن الخطاب. وفي رواية معمر عن الزهري مقال. وهناك خلاف في سماع سعيد من عمر.","vol":"1","page":234},{"text":"عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ (^١).\n٣ - أثر عبد الله بن عمر: أنه كان ينهى عن القُبلة للصائم (^٢).\n٤ - أثر عروة بن الزبير: قال: لم أر القُبلة تدعو إلى خير (^٣).\nقلت: وأما الآثار التي وردت عن الصحابة تنهى عن القبلة فلأنها ربما تدعو إلى الجماع، ولذلك لما قيل لعمر: إن رسول الله ﷺ كان يقبل وهو صائم، قال: من له من الحفظ والعصمة ما لرسول الله؟!\nوقال عروة بن الزبير: لم أر القبلة تدعو إلى خير، وقد صح عن عدد كبير من الصحابة إباحة القبلة (^٤).\nقال الشافعي: وهذا عندي ليس اختلافًا والله أعلم، على ما وصفت ليس اختلافًا منهم، ولكن على الاحتياط؛ لئلا يشتهي فيجامع، وبقدر ما يرى من السائل أو يظن به.\n• القول الثالث: أن القبلة مباحة للشيخ محرمة على الشاب.\nواستدلوا بالسنة والمأثور.\nأما دليلهم من السنة: فعنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النبي ﷺ عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِمِ فَرَخَّصَ لَهُ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَنَهَاهُ. فَإِذَا الَّذِى رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ وَالَّذِى نَهَاهُ شَابٌّ (^٥).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (٩٤٢٥).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق «المصنف» (٧٤٢٥).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه الشافعي: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه به.\n(^٤) وعن زيد بن أسلم قال: قيل لأبي هريرة: تُقبل وأنت صائم؟! قال: نعم وأكفحها. يعني يفتح فاه إلى فيها. وعن زيد قال: قيل لسعد بن مالك: تُقبل وأنت صائم؟! قال: نعم، وآخذ بمتاعها.\nوعن ابن عباس أنه سئل عن القبلة للصائم فقال: (لا بأس بها).\nوعن مسروق قال: سألت عائشة ما يحل للرجل من امرأته صائمًا؟ قالت: (كل شيء إلا الجماع).\n(^٥) ضعيف: أخرجه أبو داود (٢٣٨٧)، وفي إسناده أبو العنبس: لين الحديث، وأخرجه في «مجمع البحرين» (١٥٤١) وفي إسناده عباد بن صهيب: أحد المتروكين.","vol":"1","page":235},{"text":"واعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nأثر عبد الله بن عباس: عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فَأَرْخَصَ فِيهَا لِلشَّيْخِ، وَكَرِهَهَا لِلشَّابِّ (^١).\nواعترض عليه بأن الرسول ﷺ كان يقبل عائشة، وكانت عائشة إذ مات ﵊ بنت ثمان عشرة سنة، فظهر بطلان من فرَّق بين الشيخ والشاب.\nقلت: وورد بسند صحيح أن عائشة بنت طلحة كانت عند عائشة فدخل عليها زوجها، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وهو صائم في رمضان، فقالت له عائشة: من يمنعك من أن تدنو من أهلك تلاعبها وتُقبلها؟ قال: أُقبلها وأنا صائم؟! قالت: نعم. وعائشة بنت طلحة وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر كانا في الشباب (^٢).\n• القول الرابع: أن القبلة والمباشرة للصائم خاصة بالنبي ﷺ، ولا تجوز لأحد غيره.\nواستدلوا بما ورد في «الصحيحين» (^٣) من حديث عائشة قالت: (كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ، وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ).\nواعترض عليه بأن هذا الحديث لا يُثبت الخصوصية.\nودل على ذلك ما رواه مسلم (^٤) عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِى سَلَمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ الله ﷺ: أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ: «سَلْ هَذِهِ» - لأُمِّ سَلَمَةَ - فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ يَصْنَعُ ذَلِكَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله قَدْ غَفَرَ الله لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ «أَمَا وَالله إِنِّى لأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ».\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه مالك «الموطأ» عن زيد بن أسلم عن عطاء به.\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (٧٤١١).\n(^٣) البخاري (١٩٢٧)، ومسلم (١١٠٦).\n(^٤) مسلم (١١٠٨).","vol":"1","page":236},{"text":"• القول الخامس: لا يجوز تقبيل المرأة وهي صائمة.\nواستدلوا لذلك بحديث عائشة ﵂ قالت: «كان النبي ﷺ لا يمس من وجهي شيئًا وأنا صائمة» (^١).\nواعترض عليه بأن هذا الحديث منكر، وقد صح عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُقَبِّلُنِى وَهُوَ صَائِمٌ وَأَنَا صَائِمَةٌ (^٢).\n• القول السادس: أن القُبلة مكروهة.\nقال مالك: لَا أُحِبُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يُقَبِّلَ أَوْ يُبَاشِرَ (^٣).\n• القول السابع: أن القُبلة مستحبة.\nقال ابن حزم (^٤): وأما الْقُبْلَةُ وَالْمُبَاشَرَةُ لِلرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ وَأَمَتِهِ الْمُبَاحَةِ له، فَهُمَا سُنَّةٌ حَسَنَةٌ نَسْتَحِبُّهَا لِلصَّائِمِ شَابًّا كانَ أو كَهْلًا أو شَيْخًا، وَلَا نبالي أَكَانَ مَعَهَا إنْزَالٌ مَقْصُودٌ إلَيْهِ أو لم يَكُنْ.\n_________\n(^١) منكر: أخرجه ابن حبان في «موارد الظمآن» (٩٠٤) قال: أخبرنا عمران بن موسى بن مجاشع، حدثنا عثمان بن أبي زكريا عن العباس بن ذُريح عن الشعبي عن محمد بن الأشعث عن عائشة به، وأخرجه ابن أبي شيبة «المصنف» (٣/ ٦٠) قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ زَكَرِيَّا، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ ذُرَيْحٍ، عَنْ عَامِرِ، عَنْ مُحَمَّد بْنِ الأَشْعَثِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ وَجْهِي وَأَنَا صَائِمَةٌ. وأخرجه أحمد في «المسند» (٦/ ١٦٢): حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ صَالِحٍ الْأَسَدِيِّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ عَائِشَةَ، بنفس لفظ ابن أبي شيبة، ولقد ورد في «الصحيحين» عن عائشة أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ. انظر «سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة» (٩٥٨).\n(^٢) صحيح: أخرجه أبو داود (٢٣٨٤)، أحمد (٦/ ١٧٩) من طريق سُفْيَانَ عَنْ سَعْد بْن إِبْرَاهِيمَ عَنْ طَلْحَةَ بن عبد الله بن عثمان عَنْ عَائِشَةَ به. وأخرجه أحمد (٦/ ١٣٤) بلفظ: (أَهْوَى إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُقَبِّلَنِي فَقُلْتُ: إِنِّي صَائِمَةٌ. قَالَ: «وَأَنَا صَائِمٌ» قَالَتْ: فَأَهْوَى إِلَيَّ فَقَبَّلَنِي)، وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٩١٣١، ٣٠٥٠)، وابن خزيمة (٢٠٠٤).\n(^٣) «المدونة» (١/ ١٧٥).\n(^٤) «الممحلى» (٦/ ٢٠٥).","vol":"1","page":237},{"text":"• القول الثامن: أن من مَلَك نفسه جازت له القُبلة، وإلا فلا.\nقال الشافعي (^١): وَمَنْ حَرَّكَتِ الْقُبْلَةُ شَهْوَتَهُ كَرِهْتُهَا له، وَإِنْ فَعَلَهَا لم يُنْقَضْ صَوْمُهُ، وَمَنْ لم تُحَرِّكْ شَهْوَتَهُ فَلَا بَأْسَ له بِالْقُبْلَةِ، وَمِلْكُ النَّفْسِ في الْحَالَيْنِ عنها أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ مَنْعُ شَهْوَةٍ يُرْجَى من الله تَعَالَى ثَوَابُهَا .... وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يُنْقَضُ صَوْمُهُ لِأَنَّ الْقُبْلَةَ لو كانت تَنْقُضُ صَوْمَهُ لم يُقَبِّلْ رسولُ الله ﷺ.\nوقال أيضًا: أخبرنا مَالِكٌ أَنَّ عَائِشَةَ كانت إذَا ذَكَرَتْ ذلك قالت: وَأَيُّكُمْ أَمْلَكُ لأربه من رسول الله ﷺ؟! وَهَذَا عِنْدِي وَالله أَعْلَمُ على ما وَصَفْتُ - ليس اخْتِلَافًا منهم وَلَكِنْ على الِاحْتِيَاطِ لِئَلَّا يَشْتَهِيَ فَيُجَامِعَ وَبِقَدْرِ ما يَرَى من السَّائِلِ أو يَظُنُّ بِهِ (^٢).\nالراجح في المسألة: أن حال المقبل والمباشر لا يخلو من أمرين:\nالأمر الأول: أن تكون القُبلة والمباشرة بدون شهوة، كأن يمس امرأته أو جسمها ليعرف مرضها أو يقبلها، فهذا جائز لأن الأصل فيه الحل (^٣).\nالأمر الثاني: أن تكون القبلة والمباشرة بشهوة، وهذه لها صورتان:\n• الصورة الأولى: أن يغلب على ظنه الإنزال، كالشاب قوي الشهوة، أو حديث عهد بزواج.\n_________\n(^١) «الأم» (٢/ ١٤٦).\n(^٢) قال ابن حجر «فتح الباري» (٤/ ١٨٠): وَقَالَ الْمَازِرِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُ الْمُقَبِّلِ، فَإِنْ أَثَارَتْ مِنْهُ الْقُبْلَةُ الْإِنْزَالَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْإِنْزَالَ يُمْنَعُ مِنْهُ الصَّائِم، فَكَذَلِكَ مَا أَدَّى إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَنْهَا الْمَذْي فَمَنْ رَأَى الْقَضَاء مِنْهُ قَالَ: يَحْرُمُ فِي حَقِّهِ. وَمَنْ رَأَى أَنْ لَا قَضَاءَ قَالَ: يُكْرَه. وَإِنْ لَمْ تُؤَدِّ الْقُبْلَةُ إِلَى شَيْء فَلَا مَعْنَى لِلْمَنْعِ مِنْهَا إِلَّا عَلَى الْقَوْل بِسَدِّ الذَّرِيعَة.\nقَالَ: وَمِنْ بَدِيع مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ لِلسَّائِلِ عَنْهَا: «أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضْت؟» فَأَشَارَ إِلَى فِقْهٍ بَدِيع، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَضْمَضَةَ لَا تَنْقُضُ الصَّوْمَ وَهِيَ أَوَّل الشُّرْبِ وَمِفْتَاحُهُ، كَمَا أَنَّ الْقُبْلَةَ مِنْ دَوَاعِي الْجِمَاع وَمِفْتَاحُهُ، وَالشُّرْب يُفْسِدُ الصَّوْمَ كَمَا يُفْسِدهُ الْجِمَاع.\n(^٣) انظر «المبسوط» (٣/ ٨٥)، و«التمهيد» (٥/ ١١٤)، و«المجموع» (٦/ ٣٢٣).","vol":"1","page":238},{"text":"قال ابن قدامة (^١): إذَا كَانَ ذَا شَهْوَةٍ مُفْرِطَةٍ، بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إذَا قَبَّلَ أَنْزَلَ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْقُبْلَةُ; لِأَنَّهَا مُفْسِدَةٌ لِصَوْمِهِ، فَحَرُمَتْ.\nوقال ابن عبد البر (^٢): لَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَخَّصَ فِيهَا لِمَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَتَوَلَّدُ عَلَيْهِ مِنْهَا مَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ.\n• الصورة الثانية: أن يُقبل ويباشر بشهوة، ولكنه يأمن على نفسه عدم نزول المني، فهذه الصورة جائزة، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-175>المبحث الرابع: هل يباح السواك للصائم؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: إباحة السواك للصائم في أول النهار وآخره.\nوهو قول عمر (^٣) وابن عمر (^٤) وابن الزبير (^٥) وبه قال أبو حنيفة ومالك (^٦).\nواستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (^٧) عن أبى هريرة ﵁ قال: رسول الله ﷺ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ».\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٣٦١).\n(^٢) «التمهيد» (٥/ ١١٤).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢٠١) عَنْ زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ، قال: مَا رَأَيْت أَحَدًا أَدْوَمَ سِوَاكًا وَهُوَ صَائِمٌ مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ!!\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٥٣) عن ابن عمر: أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَى بَأْسًا بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ.\n(^٥) أثر عن ابن الزبير أنَّهُ كَانَ يَسْتَاكُ مَرَّتَيْنِ، غَدْوَةً وَعَشِيَّةً وَهُوَ صَائِمٌ. ووردت آثار عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس، ولكنها لا تخلو من مقال.\n(^٦) الاستذكار (٢٥٣ - ٢٥٤).\n(^٧) أخرجه البخاري (٨٨٧)، ومسلم (٢٥٢).","vol":"1","page":239},{"text":"وَلَمْ يَسْتَثْنِ مُفْطِرًا دُونَ صَائِمٍ، فَفِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لِلصَّائِمِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ فَضِيلَةٌ فَهُوَ كالمُفْطِرِ (^١).\nوعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ مَا لَا أُحْصِي يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ» (^٢).\nوعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «مِنْ خَيْرِ خِصَالِ الصَّائِمِ السِّوَاكُ» (^٣).\nوعن أَبي إِسْحَاقَ الْخَوَارِزْمِيِّ قال: سَأَلْتُ عَاصِمًا الأَحْوَلَ: أَيَسْتَاكُ الصَّائِمُ؟ قال: نَعَمْ. قُلْتُ: بِرَطْبِ السِّوَاكِ وَيَابِسِهِ؟ قال: نَعَمْ. قُلْتُ: أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ؟ قال: نَعَمْ. قُلْتُ: عَمَّنْ؟ قال: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (^٤).\n• القول الثاني: ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى القول بكراهة السواك بالعشي للصائم (^٥).\nواستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (^٦) عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ».\nوجه الدلالة: ما قَالَه الإمام أَحْمَدُ: لِتِلْكَ الرَّائِحَةِ لَا يُعْجِبُنِي لِلصَّائِمِ أَنْ يَسْتَاكَ بِالْعَشِيِّ.\nالدليل الثانى: قول النبي ﷺ: «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ، وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيٍّ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ صَائِمٍ تَيْبَسُ شَفَتَاهُ بِالْعَشِيِّ إِلاَّ كَانَتَا نُورًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ يوم الْقِيَامَةِ» (^٧).\n_________\n(^١) «صحيح ابن خزيمة» (٣/ ٢٤٧).\n(^٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (٢٣٦٤)، والترمذي (٧٢٥) وغيرهما، وفي إسناده عاصم بن عبيد الله: منكر الحديث.\n(^٣) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (١٦٧٧) وغيره، وفى إسناده مجالد بن سعيد، وهو ضعيف.\n(^٤) ضعيف: أخرجه الدارقطني في «السنن» (٢/ ٢٠٢)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٧٢). قال الدارقطني: أبو إسحاق الخوارزمي ضعيف. وقال البيهقي: أبو إسحاق يروي عن عاصم مناكير ولا يحتج به.\n(^٥) «الحاوي» (٣/ ٣٣٤)، و«المغني» (٤/ ٣٥٩).\n(^٦) أخرجه البخاري (١٩٠٤)، ومسلم (١١٥١).\n(^٧) ضعيف: قال الدارقطني في «السنن» (٢/ ٢٠٤): وكيسان أبو عمر ليس بالقوي، ومَن بينه وبين علي غير معروف.","vol":"1","page":240},{"text":"والراجح أنه يرخص للصائم استعمال السواك بالغداة والعشي؛ لعموم قوله ﷺ: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي، لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ».\nوأما حديث «لخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» فليس فيه نهى عن السواك.\nوأما حديث: «إِذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ، وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيٍّ»، فلا يصح عن رسول الله ﷺ، والله أعلم.\nكل هذا في السواك اليابس، وهل يجوز للصائم استعمال السواك بالعود الرطب في نهار رمضان؟\nذهب جمهور العلماء إلى جواز استعمال السواك بالعود الرطب في نهار رمضان، وهو قول ابن عمر (^١) وابن الزبير (^٢) وعطاء (^٣) وبه قال أبو حنيفة والشافعي.\nقال الماوردي (^٤): فلِأَنَّ كُلَّ مَنِ اسْتُحِبَّ لَهُ السِّوَاكُ بِالْعُودِ الْيَابِسِ اسْتُحِبَّ لَهُ السِّوَاكُ بِالْعُودِ الرَّطْبِ، كَغَيْرِ الصَّائِمِ، وَلِأَنَّ رُطُوبَةَ الْعُودِ لَيْسَ بِأَكْثَرَ مِنْ رُطُوبَةِ الْمَاءِ فِي الْمَضْمَضَةِ، ثُمَّ لَمْ يُمْنَعِ الصَّائِمُ مِنْهَا، كَذَلِكَ مِنْ رُطُوبَةِ الْعُودِ.\nوذهب مالك وأحمد إلى كراهية استعمال السواك بالعود الرطب للصائم؛ لأنه يحلب الفم ويجلب العطش.\nوالراجح جواز استعمال السواك الرطب من غير كراهة في أول النهار وآخره.\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٧)، وعن ابن عمر قال: (لَا بَأْسَ أَنْ يَسْتَاكَ الصَّائِمُ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ). وعن عروة: (أنَّهُ كَانَ يَسْتَاكُ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ وَهُوَ صَائِمٌ).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٦)، عن عروة: (أنَّهُ كَانَ يَسْتَاكُ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ وَهُوَ صَائِمٌ).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٦)، عن عطاء قال: «لَا بَأْسَ بِالسِّوَاكِ الرَّطْبِ لِلصَّائِمِ».\n(^٤) «الحاوي» (٣/ ٣٣٥).","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-176>المبحث الخامس: ذوق الطعام</span>\nأولًا: لم يَرد عن رسول الله ﷺ خبر في هذا الباب.\nثانيًا: وردت بعض الآثار في الباب:\n١ - عن ابن عباس ﴿قال: «لَا بَأْسَ أَنْ يَذُوقَ الْخَلَّ أَوِ الشَّيْءَ مَا لَمْ يَدْخُلْ حَلْقَهُ وَهُوَ صَائِمٌ» (^١).\n٢ - عن مسروق قال: أتيت عائشة أنا ورجل معى، وذلك يوم عرفة، فدعت لنا بشراب، ثم قالت: «لَوْلَا أَنِّي صَائِمَةٌ لَذُقْتُهُ» (^٢).\n٣ - عن الضحاك بن عثمان قال: رَأَيْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ صَائِمًا أَيَّامَ مِنًى، وَهُوَ يَذُوقُ عَسَلًا» (^٣).\n٤ - عن الحسن البصرى أنه «كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَتَطَاعَمَ الصَّائِمُ الْعَسَلَ وَالسَّمْنَ وَنَحْوَهُ، ثُمَّ يَمُجَّهُ» (^٤).\n٥ - عن شعبة قال: سَأَلْتُ الْحَكَمَ عَنِ الصَّائِمِ يَلْحَسُ الأَنْقَاسَ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ (^٥).\n٦ - عن معمر قال: سألت حمادًا عن المرأة الصائمة تذوق المرقة؟ فلم ير عليها في ذلك\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧)، وجابر هو الجعفي، ضعيف. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧)، والبيهقي (٤/ ٢٦١)، عن ابن عباس قال لا بأس أن يتطاعم الصائم من القِدر. وشريك بن عبد الله النخعي صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء.\nوفيه سليمان، أي سليمان بن طرخان أو سليمان الأعمش، وكلاهما لم يسمع من عكرمة.\n(^٢) قال ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧)، وفى إسناده أبو إسحاق وهو مدلس، وقد عنعن.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧).\n(^٤) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧)، وإن كان في رواية هشام بن حسان عن الحسن مقال، فقد تابعه يونس.\nوأخرجه عبد الرزاق «المصنف» (٧٥١٢).\n(^٥) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٧).","vol":"1","page":242},{"text":"بأسًا، قال: وإنهم ليقولون: «ما شيء أبلغ في ذلك من الماء يمضمض به الصائم؟» (^١).\n٧ - عن إبراهيم: «كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ تَمْضُغَ الْمَرْأَةُ الصَّائِمَةُ لِصَبِيِّهَا» (^٢).\n• وهذه طائفة من أقوالٍ أهل العلم:\nقال السرَخسي (^٣): وَإِذَا ذَاقَ الصَّائِمُ بِلِسَانِهِ شَيْئًا وَلَمْ يَدْخُلْ حَلْقَهُ، لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ بِوُصُولِ شَيْءٍ إلَى جَوْفِهِ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَالْفَمُ فِي حُكْمِ الظَّاهِرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّائِمَ يَتَمَضْمَضُ فَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ؟ وَيُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُعَرِّضَ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا؛ لأنه لَا يَأْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ حَلْقَهُ بَعْدَ مَا أَدْخَلَهُ فَمَه، فَيَحُومَ حَوْلَ الْحِمَى، قال ﷺ: «فَمَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ».\nفى المدونة: أَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يَذُوقَ الصَّائِمُ الشَّيْءَ مِثْلَ الْعَسَلِ وَالْمِلْحِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَا يُدْخِلُهُ جَوْفَهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، لَا يَذُوقُ شَيْئًا (^٤).\nقال ابن قدامة: قال أَحْمَدُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَجْتَنِبَ ذَوْقَ الطَّعَامِ، فَإِنْ فَعَلَ لَمْ يَضُرَّهُ، وَلَا بَأْسَ بِهِ. قال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَذُوقَ الطَّعَامَ وَالْخَلَّ وَالشَّيْءَ يُرِيدُ شِرَاءَهُ. وَالْحَسَنُ كَانَ يَمْضُغُ الْجَوْزَ لِابْنِ ابْنِهِ وَهُوَ صَائِمٌ. وَرَخَّصَ فِيهِ إبْرَاهِيمُ. قال ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، وَلَا بَأْسَ بِهِ مَعَ الْحَاجَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَوَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَفْطَرَ، وَإِلَّا لَمْ يُفْطِرْ (^٥).\nوسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين حفظه الله (^٦):\nهل يجوز لطاهى الطعام أن يتذوق طعامه ليتأكد من صلاحيته وهو صائم؟\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٤٥١٠).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق «المصنف» (٧٥١١).\n(^٣) «المبسوط» (٣/ ٩٣).\n(^٤) «المدونة» (١/ ١٧٨).\n(^٥) «المغني» (٤/ ٣٥٩).\n(^٦) «فتاوى الصيام» (٥٤٣، ٥٤٤).","vol":"1","page":243},{"text":"فأجاب: لا بأس بتذوق الطعام للحاجة، بأن يجعله على طرف لسانه ليعرف حلاوته، وملوحته وضدها، لكن لا يبتلع منه شيئًا بل يمجه أو يُخرجه من فيه، ولا يفسد بذلك صومه على المختار، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-177>المبحث السادس: العِلْك </span>(^١)\nقال ابن قدامة (^٢): الْعِلْكُ ضَرْبَانِ\nأَحَدُهُمَا: مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ، وَهُوَ الرَّدِيءُ الَّذِي إذَا مَضَغَهُ يَتَحَلَّلُ، فَلَا يَجُوزُ مَضْغُهُ، إلَّا أَنْ لَا يَبْلَعَ رِيقَهُ، فَإِنْ فَعَلَ فَنَزَلَ إلَى حَلْقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، أَفْطَرَ بِهِ، كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ أَكْلَهُ.\nوَالثَّانِي: الْعِلْكُ الْقَوِيُّ الَّذِي كُلَّمَا مَضَغَهُ صَلُبَ وَقَوِيَ، فَهَذَا يُكْرَهُ مَضْغُهُ وَلَا يَحْرُمُ، وَمِمَّنْ كَرِهَهُ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَقَتَادَةُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأصحاب الرَّأْيِ؛ وَذَلِكَ؛ لأنه يَحْلُبُ الْفَمَ، وَيَجْمَعُ الرِّيقَ، وَيُورِثُ الْعَطَشَ. وَرَخَّصَتْ عَائِشَةُ فِي مَضْغِهِ (^٣). وَبِهِ قال عَطَاءٌ (^٤)؛ لأنه لَا يَصِلُ إلَى الْجَوْفِ، فَهُوَ كَالْحَصَاةِ يَضَعُهَا فِي فِيهِ، وَمَتَى مَضَغَهُ وَلَمْ يَجِدْ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ، لَمْ يُفْطِرْ.\nقال السرخسي (^٥): «وَيُكْرَهُ لِلصَّائِمِ مَضْغُ الْعِلْكِ وَلَا يُفْطِرُهُ؛ لِأَنَّ مَضْغَ الْعِلْكِ يَدْبُغُ\n_________\n(^١) (العِلْك): ضرب من صمغ الشجر كاللبان يُمضغ فلا يذوب. (ج) علوك وأعلاك، واحدته علكة. المعجم الوسيط.\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣٥٨).\n(^٣) عن مجاهد قال: كانت عائشة لا ترى بأسًا في مضغ العلك للصائم. ولكن في إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٧). وورد أثر عن أم حبيبة «أنها كرهت مضغ العلك للصائم»، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٨)، ولكن في سنده رجل مجهول.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٣٨) بإسناد صحيح عن عطاء أَنَّهُ كَرِهَهُ، وَقَالَ: «هُوَ مَرْوَاةٌ».\n(^٥) «المبسوط» (٣/ ١٠٠).","vol":"1","page":244},{"text":"الْمَعِدَةَ وَيُشَهِّي الطَّعَامَ وَلَمْ يَأْنِ لَهُ فَهُوَ اشْتِغَالٌ بِمَا لَا يُفِيدُ، وَالنَّاظِرُ إلَيْهِ مِنْ بُعْدٍ يَظُنُّ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا فَيَتَّهِمُهُ، وَلَا يَأْمَنُ أَنْ يَدْخُلَ شَيْئًا مِنْهُ حَلْقَهُ فَيَكُونُ مُعَرِّضًا صَوْمَهُ لِلْفَسَادِ، وَلَكِنْ لَا يُفْطِرُهُ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْعِلْكِ لَا تَصِلُ إلَى حَلْقِهِ، إنَّمَا يَصِلُ إلَيْهِ طَعْمُهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْعِلْكُ مُصْلَحًا مُلْتَئِمًا، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ مُلْتَئِمًا فَمَضَغَهُ حَتَّى صَارَ مُلْتَئِمًا يَفْسُدُ صَوْمُهُ؛ لِأَنَّهُ تَتَفَتَّتْ أَجْزَاؤُهُ فَيُدْخِلُ حَلْقَهُ مَعَ رِيقِهِ».\n\n•<span data-type='title' id=toc-178> مسألة: ما حكم اللبان؟</span>\nاللبان يفطر، ولا يقاس على العلك، لأن العلك إذا مُضغ لا ينقص وزنه، وليس له طعم يدخل إلى الجوف.\nقال الحافظ ابن حجر (^١): وَالْعِلْك بِكَسْرِ الْمُهْمَلَة وَسُكُون اللَّام بَعْدهَا كَافٌ: كُلُّ مَا يُمْضَغُ وَيَبْقَى فِي الْفَمِ كَالْمُصْطَكَّى وَاللُّبَانِ، فَإِنْ كَانَ يَتَحَلَّبُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْفَم فَيَدْخُلُ الْجَوْفَ فَهُوَ مُفْطِرٌ.\n* * *\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٤/ ١٦٠).","vol":"1","page":245},{"text":"الفصل الحادى عشر الإفطار والسحور\nوفيه مباحث:\n• المبحث الأول: وقت الصوم\n• المبحث الثاني: في الإفطار وفيه مطالب:\nالمطلب الأول: في فضائل تعجيل الفطر.\nالمطلب الثاني: في دعاء الصائم عند فطره.\nالمطلب الثالث: في القول عند الإفطار.\nالمطلب الرابع: في إطعام الصائم.\nالمطلب الخامس: على ماذا يفطر.\nالمطلب السادس: الدعاء بعد الفراغ من الطعام.\n• المبحث الثالث: في السحور، وفيه مطالب:\nالمطلب الأول: في فضائل السحور.\nالمطلب الثاني: في حكم السحور.\nالمطلب الثالث: في وقت السحور.\nالمطلب الرابع: نداء ارفع الماء ما حكمه؟\nالمطلب الخامس: من سمع نداء الفجر والإناء في يده ماذا يفعل؟\n• المبحث الرابع: الوصال.\n• المبحث الخامس: بعض الأحاديث الضعيفة التي تنتشر في الصيام.","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type='title' id=toc-179>الفصل الحادى عشر الإفطار والسحور</span>\nوفيه مباحث:\n\n•<span data-type='title' id=toc-180> المبحث الأول: وقت الصوم:</span>\nيجب الصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.\nدل على ذلك القرآن والسنة: قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (^١)، فدلت الآية على أنه يجب الصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.\nوروى البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ\n_________\n(^١) ورد سبب نزول لهذه الآية، روي في صحيح البخاري: عَنْ الْبَرَاءِ ﵁ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَحَضَرَ الْإِفْطَارُ فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ، لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ. وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ!! فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾. وروى البخاري (١٩١٦)، ومسلم (١٠٩٠) عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ». وروى البخاري (١٩١٧)، ومسلم (١٠٩١) عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الْخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الأَسْوَدَ وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.","vol":"1","page":248},{"text":"هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (^١).\nدل هذا الحديث على أنه إذا تحقق غروب الشمس فإنه يجب على الصائم الفطر.\nأما عن كيفية ضبط أوقات الصيام في البلدان التي يستمر فيها النهار أو يطول، فقد أفتى المجمع الفقهي بأنه إذا كانت البلاد يتمايز فيها الليل والنهار وجب الصيام من طلوع الفجر إلى غروب الشمس وإن طال النهار، أما إذا كان النهار يستمر فالواجب الاعتماد في ضبط مواقيت الصيام على أقرب بلاد إليهم يتمايز فيها الليل والنهار (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-181> المبحث الثانى: في الإفطار، وفيه مطالب:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-182> المطلب الأول: في فضائل تعجيل الفطر:</span>\n١ - تعجيل الفطر يجلب الخير: ففي «الصحيحين» (^٣) عن سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (^٤).\nقَالَ الْمُهَلَّبُ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يُزَادَ فِي النَّهَار مِنَ اللَّيْل، وَلِأَنَّهُ أَرْفَقُ بِالصَّائِمِ وَأَقْوَى لَهُ عَلَى الْعِبَادَة، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا تَحَقَّقَ غُرُوبُ الشَّمْس بِالرُّؤْيَةِ أَوْ بِإِخْبَارِ عَدْلَيْنِ، وَكَذَا عَدْلُ وَاحِدٍ فِي الْأَرْجَح، قَالَ اِبْن دَقِيق الْعِيد: فِي هَذَا الْحَدِيث رَدٌّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي تَأْخِيرهمْ الْفِطْر إِلَى ظُهُور النُّجُوم، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي وُجُودِ الْخَيْر بِتَعْجِيلِ الْفِطْر؛ لِأَنَّ الَّذِي يُؤَخِّرُهُ يَدْخُل فِي فِعْلِ خِلَاف السُّنَّةِ (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٥٤).\n(^٢) «فقه النوازل» (٢/ ٣٠٦)، وكذا قررت هيئة كبار العلماء (٢/ ٣٠٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٥٧)، ومسلم (١٠٩٥).\n(^٤) قال ابن حجر «فتح الباري» (٤/ ٢٣٤): قوله: «عَجَّلُوا الإِفْطَارَ» زاد أبو ذر في حديثه «وَأَخَّرُوا السُّحُورَ» أخرجه أحمد، و«ما» ظرفية، أى مدة فعلهم ذلك امتثالًا للسنة واقفين عند حدها، غير متنطعين بعقولهم ما يغير قواعدها.\n(^٥) «فتح الباري» (٤/ ٢٣٤).","vol":"1","page":249},{"text":"٢ - تعجيل الإفطار من سنة خير المرسلين (^١): روى مسلم عن أبي عَطِيَّةَ قال: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ رَجُلَانِ مِنْ أصحاب مُحَمَّدٍ ﷺ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ. قَالَتْ: أَيُّهُمَا الَّذِى يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قال: قُلْنَا: عَبْدُ الله يَعْنِى ابْنَ مَسْعُودٍ. قَالَتْ: كَذَلِكَ كَانَ يَصْنَعُ رَسُولُ الله ﷺ.\n٣ - تعجيل الفطر مخالفة للمغضوب عليهم والضالين: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ، إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ» (^٢).\n٤ - عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَسْرَعَ النَّاسِ إِفْطَارًا، وَأَبْطَأَهُ سُحُورًا (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-183> المطلب الثاني: في دعاء الصائم عند فطره:</span>\nعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال «ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ: الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ» (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٠٩٩).\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه أحمد (٢/ ٤٥٠)، وأبو داود (٢٣٥٣)، والنسائي في «الكبرى» (٣٣١٣)، وابن ماجه (١٦٩٨)، من طرق عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٤/ ٢٢٦)، عن الثوري، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، صححه ابن حجر في «الفتح» (٤/ ١٩٩).\n(^٤) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٥)، والترمذي (٣٥٩٨)، وقال: هذا حديث حسن. وابن ماجه (١٧٥٢)، عن سعد الطائى، عن أبي مُدِلَّةَ، عن أبي هريرة، وفى إسناده أبو مُدِلَّةَ. قال الحافظ في «التقريب»: مقبول. قال الذهبي في «الميزان»: لا يكاد يُعرف.\nوأخرجه الترمذي في «السنن» (٢٥٢٦) عن مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حَمْزَةَ الزَّيَّاتِ، عَنْ زِيَادٍ الطَّائِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا. وقال الترمذي عقب ذكر الحديث: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ القَوِيِّ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ. وفي إسناده زياد الطائي مجهول، أرسل عن أبي هريرة، وأخرجه البزار (٣١٤٠)، وقال: لَا نعلمُهُ يُرْوَى بهذا اللفظ إلاَّ عَنْ أبي هُرَيرة من هذا الوجه، ولا نعلم رواه عن شريك بن أبي نمر إلاَّ عَبد الله بن سَعِيد. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٥١): وإسحاق بن زكريا الآملي شيخ البزار لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وأخرجه العقيلي في «الضعفاء» (١/ ٧٢)، وأخرجه البيهقي في «الشعب» (٧٤٦٢، ٧٤٦٣، ٧٤٨٩)، من طريق الحجاج الصواف، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي جعفر محمد بن علي، عن أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":250},{"text":"وورد بلفظ: «إن للصائم عند فطره دعوة لا تُرد» ولكنه لا يخلو من مقال، ولكن عمومات الشريعة تؤيده، خاصة وأن الله تعالى ذكر في وسط آيات الصيام قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. وهذا من أسرار القرآن العظيم أن ذكر آيات الدعاء بعد إكمال الصيام إلى الليل، وهذا والله أعلم، إيماء وإشعار للصائم بالاجتهاد في الدعاء في هذا الشهر المبارك، وبخاصة عند إكمال العدة، وعند كل فطر (^١).\nوكذلك فإنه من أعظم أوقات إجابة الدعوات عند ختام الطاعات، كما صح عن النبي العدنان ﵊ أنه كان يدعو في دبر الصلوات، وتحرى الدعاء في ليالى العشر الأواخر رجاء ليلة القدر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-184> المطلب الثالث: في القول عند الإفطار:</span>\nعن مَرْوَان بْنَ سَالِمٍ الْمُقَفَّع قال: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقْبِضُ عَلَى لِحْيَتِهِ فَيَقْطَعُ مَا زَادَ عَلَى الْكَفِّ وَقال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَفْطَرَ قال: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ الله» (^٢).\nواعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ ويكفي قول باسم الله.\n\n•<span data-type='title' id=toc-185> المطلب الرابع: في إطعام الصائم:</span>\nعن زيد بن خالد الجُهني ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، وَلَا\n_________\n(^١) انظر: «تصحيح الدعاء» (ص ٥٠٥) تأليف العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد.\n(^٢) ضعيف: أخرجه أبو داود في «السنن» (٢٣٥٧)، والنسائي في «الكبرى» (١٠١٣١)، من طرق، عن الحسين بن واقد، عن مروان بن سالم المقفع، عن ابن عمر.\nقلت: فى إسناده مروان بن سالم المقفع، قال الحافظ ابن حجر: مقبول.","vol":"1","page":251},{"text":"يُنْتَقَصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْء» (^١).\nوإن كان هذا الحديث فيه مقال لكن ليس معنى هذا أن إطعام الطعام لا يثاب المؤمن عليه، بل إطعام الطعام له ثواب عظيم وأجر جزيل. قال تعالى وهو يصف الأبرار المتقين: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾.\nوفي «الصحيحين» من حديث عبد الله بن عمرو: أن رجلًا سأل النبي أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قال: «تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ».\nفإطعام الصائم فضله عظيم وأجره جزيل لا يعلم مقداره إلا العليم الخبير، وقد يصل الأجر مع إخلاص النية وحسن الطوية لرب البرية- إلى أضعاف الأجر المذكور في الحديث أما تحديد الأجر بأنه مثل أجر الصائم، فالحديث فيه مقال، ولكن النبي ﷺ كان في رمضان أجود من الريح المرسلة، ولعل الله ﷿ يثيب مَنْ فطَّر صائمًا ثوابًا عظيمًا، والله يضاعف لمن يشاء، والله واسع عليم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-186> المطلب الخامس: على ماذا يفطر الصائم؟</span>\nعن أنس بن مالك ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد في «المسند» (٤/ ١١٤، ١١٥) (٥/ ١٩٢)، والنسائي في «الكبرى» =\n(٣٣٣١)، والترمذي في «السنن» (٨٠٧)، وابن أبي شيبة (٥/ ٣٥١) وغيرهم من طرق (عبد الملك، وابن أبي ليلى، وعمرو بن قيس، وحجاج بن أرطأة عن عطاء بن أبي رباح عن زيد بن خالد الجهني).\nوخالف كل هؤلاء: حسين المعلم، فرواه عن عطاء عن عائشة موقوفًا: أخرجه النسائي في «الكبرى» (٣٣٣٢). وحسين المعلم ثقة ربما وهم في هذا الإسناد، فأبدل زيد بن خالد الجهني بعائشة ورواه موقوفًا. ومدار هذا الحديث على عطاء بن أبي رباح عن زيد بن خالد الجهني، وقد نفى علي بن المديني السماع، كما في «جامع التحصيل» (٢٣٧). وأخرجه عبد الرزاق (٧٩٠٦)، من طريق ابن جريج، عن صالح مولى التوأمة، سمعت أبا هريرة … موقوفًا، وأخرجه ابن خزيمة (١٨٨٧). قلت: وفى إسناده علي بن جدعان وهو ضعيف.","vol":"1","page":252},{"text":"يَكُنْ رُطَبَاتٌ، فَتَمَرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَمَرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ» (^١).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٣/ ١٦٤)، وأبو داود (٢٣٥٦)، والترمذي (٦٩٦) وغيرهم من طريق عبد الرزاق، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس به. وفى رواية جعفر بن سليمان، عن ثابت- مقال، انظر: «تهذيب التهذيب».\nوأخرجه أبو يعلى في «المسند» (٣٣٠٥)، وهذا السند ضعيف جدًّا، وفيه عبد الواحد بن ثابت: قال فيه البخاري: منكر الحديث. وقال الهيثمى في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٥٥): هذا الحديث رواه أبو يعلى، وفيه عبد الواحد بن ثابت وهو ضعيف. وذكر العقيلى في ترجمة عبد الواحد بن ثابت هذا الحديث، وقال: لا يتابع على حديثه.\nوأخرجه الترمذي (٦٩٤)، والنسائي في «الكبرى» (٣٣١٧) من طرق عن سعيد بن عامر، عن شعبة، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس مرفوعًا. قال النسائي: حَدِيثُ شُعْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ خَطَأٌ، وَالصَّوَابُ الَّذِي قَبْلَهُ. وقال الترمذي: وَهُوَ حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَلَا نَعْلَمُ لَهُ أَصْلًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ، وَقَدْ رَوَى أَصْحَابُ شُعْبَةَ هَذَا الحَدِيثَ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ عَامِرٍ.\nوأخرجه ابن خزيمة (٢٠٦٥)، والطبراني في «الأوسط» (٣٨٧٣)، ومسكين بن عبد الرحمن لم أجد له ترجمة. قال الهيثمى في «مجمع الزوائد» (٢/ ١٥٦): قد رواه الطبراني في «الأوسط»، وفيه من لا أعرفه، وأخرجه أبو يعلى في «المسند» (٣٧٩٢)، وابن حبان (٣٥٠٤، ٣٥٠٥)، من طريق أبي بَكْرِ بْن أَبِي شَيْبَةَ، عن حُسَيْن بْن عَلِيٍّ الْجُعْفِيِّ عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ بلفظ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَطُّ صَلَّى صَلَاةَ الْمَغْرِب حَتَّى يُفْطِرَ، وَلَوْ كان عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ»، وهذا المتن لا يشهد للحديث.\nوأخرجه البيهقي في «الكبرى» (٤/ ٢٣٩)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٣٢)، من طريق شُعَيْب بْن إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِى عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ مرفوعًا. وشعيب بن إسحاق وإن كان ثقة إلا أنه سمع من سعيد بن أبي عروبة بآخره. قال أحمد: سمع من سعيد بن أبي عروبة، بآخر رمق. ولكن تابعه القاسم بن غصن كما في ابن خزيمة (٢٠٦٣)، ولكن القاسم بن غصن ضعيف. وورد من رواية يزيد بن أبي مريم، فقد أخرجه النسائي في «الكبرى» (٣٣١٨)، من طريق رقبة، عن يزيد بن أبي مريم، عن أنس مرفوعًا. وقد خالف رقبة شعبة كما في النسائي (٣٣١٨)، فرواه شعبة، عن يزيد، عن النبي ﷺ مرسلًا. وقال النسائي: هذا الحديث رواه شعبة، عن يزيد، عن النبي ﷺ مرسلًا، وشعبة أحفظ مَنْ روى هذا الحديث.","vol":"1","page":253},{"text":"عن سلمان بن عامر الضبي قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ» (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-187> المطلب السادس: الدعاء بعد الفراغ من الطعام:</span>\nعن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ إذا أفطر عند أهل بيت قال: «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ» (^٢).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٤/ ١٧، ١٨)، وأبو داود (٢٣٥٥)، والترمذي (٦٥٨)، والنسائي\nفي «الكبرى» (٣٣١٩)، وابن ماجه (١٦٩٩)، والطيالسي (١٢٧٨) وغيرهم من طرق عن حفصة بنت سيرين، عن الرباب، عن سلمان بن عامر مرفوعًا. وأخرجه النسائي في «الكبرى» (٣٣١٤، ٣٣١٥، ٣٣١٦) وغيره من طريق شعبة، عن هشام عن حفصة، عن سلمان بن عامر، بدون ذكر الرباب. فشعبة قد خالف الثقات مثل «سفيان بن عيينة، وحماد، وأبي معاوية، ومحمد بن فضيل، ومحمد بن جعفر، وعبد الواحد بن زياد، وعبد الرزاق وغيرهم».\nقال الترمذي: حَدِيثُ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَالرَّبَابُ هِيَ أُمُّ الرَّائِحِ بِنْتُ صُلَيْعٍ، وَهَكَذَا رَوَى سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَ هَذَا الحَدِيثِ، وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنِ الرَّبَابِ، وَحَدِيثُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَةَ أَصَحُّ، وَهَكَذَا رَوَى ابْنُ عَوْنٍ، وَهِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنِ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ.\nومدار هذا الحديث على الرباب وهى مجهولة، روت عن عمها سلمان بن عامر في العقيقة، والفطر على التمر، وعنها حفصة بنت سيرين، وذكرها ابن حبان في الثقات. قال الحافظ: مقبولة.\n(^٢) ضعيف: أخرجه أحمد في «المسند» (٣/ ١١٨، ٢٠١)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٨١، ٨٢)، وغيرهما من طرق عن يحيى بن أبي كثير، عن أنس به. وفي رواية النسائي من رواية ابن المبارك عن يحيى قال: حُدثت عن أنس. قال أبو حاتم والبخاري: لم يسمعه يحيى من أنس، وقد نص أبو زرعة على أن يحيى لم يسمع حديث «أفطر عندكم الصائمون» من أنس، إنما بلغه عنه، وحديثه عنه مرسل، كما في «المراسيل» (ص ٢٤٣).\nوأخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٢٠٠٧)، والبيهقي في «الكبرى» (٧/ ٢٨٧)، وغيرهما من طرق، عن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن جعفر بن سليمان الضبي، عن ثابت، عن أنس به. وفى رواية جعفر بن سليمان عن ثابت مقال.\nوأخرجه أحمد (٣/ ١٣٨)، وأبو داود (٣٨٥٤)، والنسائي في «الكبرى» (٧٩٩٩) من طريق معمر عن ثابت عن أنس وغيره، أي تردد فيه. قلت: ومعمر ضعيف في ثابت؛ راجع «شرح علل الترمذي»، وأخرجه ابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٤٨٢)، وغيره، وفي إسناده شعيب بن بيان وهو ضعيف. وأخرجه الطبراني في «الدعاء» (٩٢٣)، وفي إسناده مهران بن إسحاق: لا أعرفه. وأخرجه الطبراني في «الأوسط» (٦١٦٢)، وفي إسناده محمد بن حنيفة الواسطي: ليس بالقوي.","vol":"1","page":254},{"text":"وورد عن النبي ﷺ أحاديث صحيحة بعد الفراغ من الطعام، ولكنها غير مقيدة بالصيام وهي عامة. فروى مسلم عن عَبْد الله بْنِ بُسْرٍ قال: نَزَلَ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى أَبِى. قَالَ: فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا وَرَطْبَةً فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ أُتِىَ بِتَمْرٍ فَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُلْقِى النَّوَى بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ، وَيَجْمَعُ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى. قال شُعْبَةُ: هُوَ ظَنِّي وَهُوَ فِيهِ إِنْ شَاءَ الله إِلْقَاءُ النَّوَى بَيْنَ الإِصْبَعَيْنِ. ثُمَّ أُتِىَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ ثُمَّ نَاوَلَهُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ قال: فَقال أَبِي وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ: ادْعُ الله لَنَا. فَقال: «اللهمَّ بَارِكْ لَهُمْ في مَا رَزَقْتَهُمْ، وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ» (^١).\nوروى مسلم من حديث المقداد ﵁ وفيه قال رسول الله ﷺ: «اللهمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِى، وَأَسْقِ مَنْ أَسْقَانِى» (^٢).\nفأرى أن يحافظ المسلم على الأذكار الصحيحة، وفيه غنية عن الضعيفة، ثم إن الدعاء لصاحب الطعام جائز بما تشاء، ولكن أسانيد حديث «أفطر عندكم الصائمون» فيها مقال.\nفما الدافع إلى ذلك، مع وجود الأحاديث الصحيحة، ولذلك ترى الأكثر يحافظ على هذا الذكر، ويترك الأذكار التى وردت في الصحيح، ولا يحافظ عليها إلا النادر القليل من الناس، وإن كان بعض أهل العلم يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال بالشروط المذكورة في كتب المصطلح، ولكن إذا ورد في الباب أحاديث صحيحة فينبغي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٠٤٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٠٥٥).","vol":"1","page":255},{"text":"المحافظة عليها أولًا، ولا ينبغى أبدًا أن يحافظ على الحديث الضعيف مع وجود الصحيح الوارد في نفس هذا الباب.\nفعلى سبيل المثال: أذكار الصباح والمساء، فيها الصحيح والسقيم، فينبغى للمسلم أن يحافظ على الأذكار الصحيحة أولًا، خاصة أن بعض الناس قد لا يستطيع أن يكمل الأذكار، وقد يتأتى بجزء من الصحيح مع جزء من السقيم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-188> المبحث الثالث: في السحور وما يتعلق به من أحكام، وفيه مطالب:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-189> المطلب الأول: في فضائل السحور:</span>\n١ - السحور بركة: ففي «الصحيحين» (^١) عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً».\nقال ابن حجر (^٢): وَالْأَوْلَى أَنَّ الْبَرَكَةَ فِي السُّحُورِ تَحْصُلُ بِجِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَهِيَ اِتِّبَاعُ السُّنَّةِ، وَمُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَالتَّقَوِّي بِهِ عَلَى الْعِبَادَة، وَالزِّيَادَةُ فِي النَّشَاطِ، وَمُدَافَعَةُ سُوءِ الْخُلُقِ الَّذِي يُثِيرُهُ الْجُوعُ، وَالتَّسَبُّبُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى مَنْ يَسْأَلُ إِذْ ذَاكَ أَوْ يَجْتَمِعُ مَعَهُ عَلَى الْأَكْلِ، وَالتَّسَبُّبُ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَقْتَ مَظِنَّةِ الْإِجَابَةِ، وَتَدَارُكُ نِيَّةِ الصَّوْمِ لِمَنْ أَغْفَلَهَا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ.\nقَالَ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: هَذِهِ الْبَرَكَةُ يَجُوزُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْأُمُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ، فَإِنَّ إِقَامَةَ السُّنَّةِ يُوجِبُ الْأَجْرَ وَزِيَادَتَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَقُوَّةِ الْبَدَنِ عَلَى الصَّوْمِ وَتَيْسِيرِهِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِالصَّائِمِ.\nقَالَ: وَمِمَّا يُعَلَّلُ بِهِ اِسْتِحْبَابُ السُّحُورِ الْمُخَالَفَةُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ مُمْتَنِعٌ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا أَحَدُ الْوُجُوهِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلزِّيَادَةِ فِي الْأُجُورِ الْأُخْرَوِيَّةِ.\nوَقَالَ أَيْضًا: وَقَعَ لِلْمُتَصَوِّفَةِ فِي مَسْأَلَةِ السُّحُورِ كَلَامٌ مِنْ جِهَةِ اِعْتِبَارِ حُكْمِ الصَّوْمِ وَهِيَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٢٣)، ومسلم (٤٥) (١٠٩٥).\n(^٢) «فتح الباري» (٤/ ١٦٦).","vol":"1","page":256},{"text":"كَسْرُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَالسُّحُورُ قَدْ يُبَايِنُ ذَلِكَ.\nقَالَ: وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ: مَا زَادَ فِي الْمِقْدَارِ حَتَّى تَنْعَدِمَ هَذِهِ الْحِكْمَةُ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ، كَاَلَّذِي صَنَعَهُ الْمُتْرَفُونَ مِنَ التَّأَنُّقِ فِي الْمَآكِلِ وَكَثْرَةِ الِاسْتِعْدَادِ لَهَا، وَمَا عَدَا ذَلِكَ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُهُ.\n«تكميل»: يحصل السحور بأقل ما يتناوله المرء من مأكول ومشروب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-190> المطلب الثاني: في حكم السحور:</span>\nقال ابن المنذر: وأجمعت الأمة على أن السحور مندوب إليه مستحب، لا إثم على من تركه (^١).\nقال النووي (^٢): ويستحب أن يتسحر للصوم؛ لما روى أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»، ولأنه فيه معونة على الصوم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-191> المطلب الثالث: في وقت السحور:</span>\nقال النووي (^٣): وقت السحور بين نصف الليل، وطلوع الفجر.\nوقال أيضا (^٤): ويستحب تأخير السحور؛ لما روي أنه قيل لعائشة: إن عبد الله يعجل الفطر، ويؤخر السحور. فقالت: «هكذا كان النبي ﷺ يفعل»، ولأن السحور يراد للتقوِّي على الصوم والتأخير أبلغ في ذلك، فكان أَوْلى.\n• كم بين السحور وصلاة الفجر؟\nروى البخاري (^٥) عَنْ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ. قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً.\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٤٣٢).\n(^٢) «المجموع» (٦/ ٣٥٩).\n(^٣) «المجموع» (٦/ ٣٦٠).\n(^٤) «المجموع» (٦/ ٣٥٩).\n(^٥) البخاري قال باب «كم بين السحور وصلاة الفجر؟».","vol":"1","page":257},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-192> المطلب الرابع: نداء «ارفع الماء» ما حكمه؟</span>\nقال ابن حجر: مِنَ الْبِدَع الْمُنْكَرَة مَا أُحْدِثَ فِي هَذَا الزَّمَان مِنْ إِيقَاع الْأَذَان الثَّانِي قَبْل الْفَجْر بِنَحْوِ ثُلُثِ سَاعَةٍ فِي رَمَضَان، وَإِطْفَاء الْمَصَابِيح الَّتِي جُعِلَتْ عَلَامَةً لِتَحْرِيمِ الْأَكْل وَالشُّرْب عَلَى مَنْ يُرِيد الصِّيَام، زَعْمًا مِمَّنْ أَحْدَثَهُ أَنَّهُ لِلِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَة، وَلَا يَعْلَم بِذَلِكَ إِلَّا آحَاد النَّاس، وَقَدْ جَرَّهُمْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ صَارُوا لَا يُؤَذِّنُونَ إِلَّا بَعْد الْغُرُوب بِدَرَجَةٍ لِتَمْكِينِ الْوَقْت زَعَمُو، ا فَأَخَّرُوا الْفِطْر وَعَجَّلُوا السُّحُور وَخَالَفُوا السُّنَّةَ، فَلِذَلِكَ قَلَّ عَنْهُمْ الْخَيْر كَثِيرٌ فِيهِمْ الشَّرُّ، وَالله الْمُسْتَعَانُ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-193> المطلب الخامس: من سمع نداء الفجر والإناء في يده ماذا يفعل؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: ذهب الجمهور إلى امتناع السحور بطلوع الفجر، وهو قول الأئمة الأربعة، وعامة فقهاء الأمصار (^٢).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. والمعنى إذا طلع الفجر فلا تأكلوا ولا تشربوا، سواء كان الإناء على فِيه أم لا.\nواستدلوا بقول النبي ﷺ: «كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ؛ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» (^٣). أي إذا أذن ابن أم مكتوم فلا تأكلوا ولا تشربوا.\nقال النووي (^٤): قال أصحابنا: الفجر فجران: أحدهما يسمى الفجر الأول. والفجر الكاذب، والآخر يسمى الفجر الثاني والفجر الصادق، فالفجر الأول يطلع مستطيلًا نحو السماء كذَنَب السِّرحان وهو الذئب، ثم يغيب ذلك ساعة ثم يطلع الفجر الثاني\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٤/ ١٩٩).\n(^٢) «عون المعبود» (٦/ ٤٧٦) في شرح حديث (٢٣٥٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩١٨، ١٩١٩).\n(^٤) «المجموع» (٣/ ٤٤).","vol":"1","page":258},{"text":"الصادق مستطيرًا (بالراء) أى منتشرًا عَرَضًا في الأفق. قال أصحابنا: والأحكام كلها متعلقة بالفجر الثانى، فبه يدخل وقت صلاة الصبح، ويخرج وقت العشاء، ويدخل في الصوم، ويحرم به الطعام والشراب على الصائم، وبه ينقضي الليل ويدخل النهار، ولا يتعلق بالفجر الأول شيء من الأحكام بإجماع المسلمين.\nقال صاحب الشامل: «سُمي الفجر الأول كاذبًا؛ لأنه يضيء ثم يسْوَد ويذهب، وسُمي الثانى صادقًا؛ لأنه صدق عن الصبح وبَيَّنه».\n• القول الثاني: قال ابن القيم (^١): فروى إسحاق بن راهويه، عن وكيع أنه سمع الأعمش يقول: «لَوْلَا الشُّهْرَةُ لَصَلَّيْت الْغَدَاةَ ثُمَّ تَسَحَّرْت». ثم ذكر إسحاق، عن أبي بكر الصديق، وعلي، وحذيفة (^٢). أي أن من سمع نداء الفجر والإناء في يده في رمضان فليشرب.\nواستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور.\nأما دليلهم من السنة: فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ\n_________\n(^١) «عون المعبود» (٦/ ٤٧٦).\n(^٢) روى ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨٩٢٩): حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن هلال بن يساف، عن سالم بن عيد الله الأشجعى، قال: كنت مع أبي بكر فقال: قُمْ فَاسْتُرْنِي مِنَ الْفَجْرِ. ثُمَّ أَكَلَ. وإسناده صحيح. وهذه الرواية ليست صريحة، وقد يكون معناه أنه يريد أن يتسحر قبيل الفجر.\nوقد روى الدارقطني في «السنن» (٢/ ١٦٦) عن سالم بن عبيد قال: كُنْتُ فِي حِجْرِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَصَلَّى ذَاتَ لَيْلَةٍ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قال: اخْرُجْ فَانْظُرْ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ. قال: فَخَرَجْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ فَقُلْتُ لَهُ: قَدِ ارْتَفَعَ فِي السَّمَاءِ أَبْيَضَ. فَصَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قال: اخْرُجْ فَانْظُرْ هَلْ طَلَعَ الْفَجْرُ. فَخَرَجْتُ، ثُمَّ رَجَعَتُ فَقُلْتُ لَهُ: قَدِ اعْتَرَضَ فِي السَّمَاءِ أَحْمَرَ. فَقال: هِيتَ الآنَ فَأَبْلغْنِي سَحُورِي.\nوروى ابن أبي شيبة في «المصنف» (٨٩٣١) بإسناد صحيح عن عامر بن مطر قال: أَتَيْتُ عَبْدَ اللهِ فِي دَارِهِ فَأَخْرَجَ لَنَا فَضْلَ سَحُورِهِ فَتَسَحَّرْنَا مَعَهُ، فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَخَرَجْنَا فَصَلَّيْنَا مَعَهُ.\nوورد أثر عن أبي عقيل قال: تسحرنا مع علي ثم أمر المؤذن أن يقيم. أخرجه ابن أبي شيبة (٨٩٣٠) وإسناده ضعيف.","vol":"1","page":259},{"text":"النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ» (^١).\n١ - شاهد جابر: عن أبي الزبير قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنِ الرَّجُلِ يُرِيدُ الصِّيَامَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ لِيَشْرَبَ مِنْهُ فَيَسْمَعُ النِّدَاءَ. قَالَ جَابِرٌ: كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لِيَشْرَبْ» (^٢).\n٢ - شاهد أبي أمامة: قال: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَالإِنَاءُ فِي يَدِ عُمَرَ، قَالَ: أَشْرَبُهَا يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «نَعَمْ»، فَشَرِبَهَا (^٣).\n٣ - شاهد بلال: قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ - قال أَبُو أَحْمَدَ: وَهُوَ يُرِيدُ الصِّيَامَ - فَدَعَا بِقَدَحٍ فَشَرِبَ وَسَقَانِي، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لِلصَّلَاةِ، فَقَامَ يُصَلِّي بِغَيْرِ وُضُوءٍ يُرِيدُ الصَّوْمَ (^٤).\n_________\n(^١) مُعلّ: أخرجه أحمد (٢/ ٤٢٣)، وأبو داود (٢٣٥٠)، وغيرهما عن حماد عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به. قال ابن القيم في «شرح سنن أبي داود»: وهذا الحديث أعله ابن القطان لأنه مشكوك في اتصاله، وأخرجه أحمد (٢/ ٥١٠)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٢٠٣)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ٢١٨)، من طريق حَمَّاد عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ موقوفًا، وزاد فيه: «وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ يُؤَذِّنُ إِذَا بَزَغَ الْفَجْرُ». قال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ١٢٣): سألتُ أبِي عَنْ حدِيثٍ رواهُ رَوْحُ بنُ عُبادة، عن حمّادٍ، عن مُحمّدِ بنِ عَمرٍو، عن أبِي سلمة، عن أبِي هُريرة به. قُلت لأبِي: وروى روحٌ أيضًا عن حمّادٍ، عن عمّارِ بنِ أبِي عمّارٍ، عن أبِي هُريرة، عنِ النّبِيِّ ﷺ مِثلهُ، وزاد فِيهِ: وكان المُؤذِّنُ يُؤذِّنُ إِذا بزغ الفجرُ. قال أبِي: هذانِ الحدِيثانِ ليسا بِصحِيحينِ، أمّا حدِيثُ عمّارٍ فعن أبِي هُريرة موقُوفٌ، وعمّارٌ ثِقةٌ، والحدِيثُ الآخرُ ليس بِصحِيحٍ.\n(^٢) أخرجه أحمد «المسند» (٣/ ٣٤٨)، وفى إسناده ابن لهيعة وفيه مقال.\n(^٣) إسناده ضعيف: أخرجه الطبرى في «تفسيره» (٣٠١٧)، وفى إسناده أبو غالب، قال ابن معين: صالح الحديث. والدارقطني قال مرة: ثقة، وقال مرة: يعتبر حديثه. وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم: ليس بالقوى. وقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، وفى إسناده أيضًا محمد بن حميد. وفيه مقال.\n(^٤) ضعيف: أخرجه أحمد (٦/ ١٢)، والطبري في «تفسيره» (٣٠١٨، ٣٠١٩)، والشاشي (٩٧٢، ٩٧٣، ٩٧٤)، والطبراني في «الكبير» (١٠٨٢) (١٠٨٣). من طريقي إسرائيل، ويونس عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن معقل، عن بلال به. وأخرجه الشاشى (١٧٥)، من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن معاوية بن قرة، أن بالًا أتى النبي ﷺ.\nقلت: ومعاوية بن قرة لم يدرك هذه القصة. وعبد الله بن معقل لا يُظن أنه أدرك بلًالًا فإن بلًالًا مات سنة سبع عشرة هجرية. أخرجه أحمد (٦/ ١٣)، عن طريق شداد مولى عياض بن عامر، عن بلال. قال الهيثمى في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٥٢): وشداد مولى عياض لم يدرك بلالًا.","vol":"1","page":260},{"text":"٤ - وعن زر بن حبيش قال: قلت لحذيفة: «أَيُّ سَاعَةٍ تَسَحَّرْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: هُوَ النَّهَارُ إِلاَّ أَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ» (^١).\nوجه الدلالة منه ما قاله أبو جعفر: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ أَكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ\n_________\n(^١) ضعيف مرفوعًا معل بالوقف: هذا الحديث اختلف في رفعه ووقفه:\nفرفعه عاصم بن أبي النجود، عن زر، أخرجه أحمد في «المسند» (٥/ ٤٠٠) بهذا اللفظ، والنسائي (٤/ ١٤٢)، وابن ماجه (١٦٩٥)، وغيرهم، من طرق عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش به. قال المزي في «تحفة الأشراف» (٣/ ٣٢): لا نعلم أحدًا رفعه غير عاصم، فإن كان رفعُه صحيحًا فمعناه أنه قرب النهار، كقول الله ﷿: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، معناه: إذا قاربن البلوغ؛ وكقول القائل: (بلغنا المنزل) إذا قاربه. قال ابن رجب في «شرح علل الترمذي» (٣٤٠): عاصم بن أبي النجود كان حفظه سيئًا، وحديثه خاصة عن زر وأبي وائل مضطرب، كان يحدث بالحديث تارة عن زر وتارة عن أبي وائل. وقد خولف عاصم بن بهدلة في رفعه: فرواه عدي بن ثابت على الوقف. أخرجه النسائي في «الصغرى» (٤/ ١٤٢)، قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ (يعني ابن جعفر) قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَدِىٍّ قَالَ: سَمِعْتُ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ قَالَ: تَسَحَّرْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ … موقوفًا، وإسناده صحيح.\nوتابع زر بن حبيش على الوقف صلة بن زفر، أخرجه النسائي (٤/ ١٤٢، ١٤٣)، قال: أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِىٍّ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْفُورٍ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ عَنْ صِلَةَ بْنِ زُفَرَ قَالَ: تَسَحَّرْتُ مَعَ حُذَيْفَةَ … على الوقف، إسناده صحيح.\nوتابعهما على الوقف أبو الطفيل، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٠) قال: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ جُمَيع، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الطُّفَيْلِ أَنَّهُ تَسَحَّرَ فِي أَهْلِهِ فِي الْجَبَّانَةِ، ثُمَّ جَاءَ إلَى حُذَيْفَةَ وَهُوَ فِي دَارِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، فَوَجَدَهُ، فَحَلَبَ لَهُ نَاقَةً فَنَاوَلَهُ، فَقَالَ: إنِّي أُرِيدُ الصَّوْمَ، فَقَالَ: وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ. فَشَرِبَ حُذَيْفَةُ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَدَفَعَ إلَى الْمَسْجِدِ حِينَ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ.\nوأخرجه عبد الرزاق «المصنف» (٧٦٠٦)، عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن شقيق بن سلمة قال: انطلقت أنا وزر بن حبيش إلى حذيفة … موقوفًا.","vol":"1","page":261},{"text":"الْفَجْرِ وَهُوَ يُرِيدُ الصَّوْمَ، وَيَحْكِي مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ (^١).\nواعترض عليه بأنه هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ.\n• الحاصل في مسألة من سمع النداء والإناء على يده:\nذهب جمهور العلماء إلى امتناع الأكل والشرب بطلوع الفجر، واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾.\nيُفهم من الآية أنه إذا تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فلا يجوز الأكل ولا الشرب لمن أراد الصوم.\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ».\nأي إذا أذن ابن أم مكتوم فلا تأكلوا ولا تشربوا.\nوذهب بعض العلماء إلى العمل بحديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ».\nواعترض عليه من وجهين:\nالأول: أن الحديث أعله ابن القطان لأنه مشكوك في اتصاله، وقال أبو حاتم: الحديث ليس بصحيح.\nالآخر: ما قاله البيهقي في حديث إذا سمع أحدكم النداء؛ قال: وَهَذَا إِنْ صح فَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ أَنَّ الْمُنَادِيَ كَانَ يُنَادِي قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِحَيْثُ يَقَعُ شُرْبُهُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ.\nواستدلوا بما روى أحمد عن زر قال: قلت لحذيفة: أي ساعة تسحرتم مع رسول الله؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع.\nواعترض عليه بما قاله الطحاوي: وأما حديث حذيفة فمعلول، وعلته الوقف، وأن زرًّا هو الذي تسحر مع حذيفة، والصحيح ما ذهب إليه جماهير أهل العلم من امتناع الأكل والشرب بطلوع الفجر.\nقال الطحاوي: فَلَا يَجِبُ تَرْكُ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى نَصًّا، وَأَحَادِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ\n_________\n(^١) «شرح معانى الآثار» للطحاوي (٢/ ٥٢).","vol":"1","page":262},{"text":"مُتَوَاتِرَةً قَدْ قَبِلَتْهَا الْأُمَّةُ، وَعَمِلَتْ بِهَا مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَى الْيَوْمِ - إِلَى حَدِيثٍ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-194> المبحث الرابع: الوصال، وفيه مطالب:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-195> المطلب الأول: تعريف الوصال:</span>\nقال النووي (^١): حقيقة الوصال المنهى عنه أن يصوم يومين فصاعدًا، ولا يتناول في الليل شيئًا لا ماء ولا مأكولًا، فإن أكل شيئًا يسيرًا أو شرب فليس وصالًا، وكذا إن أخر الأكل إلى السحر لمقصود صحيح فليس بوصال.\nوقال الماوردي: أَمَّا الْوِصَالُ فِي الصِّيَامِ فَهُوَ أَنْ يَصُومَ الرَّجُلُ يومه، فَإِذَا دَخَلَ اللَّيْلُ امْتَنَعَ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، ثُمَّ أَصْبَحَ مِنَ الْغَدِ صَائِمًا، فَيَصِيرُ وَاصِلًا بَيْنَ اليوميْنِ بِالْإِمْسَاكِ لَا بِالصَّوْمِ؛ لأنه قَدْ أَفْطَرَ بِدُخُولِ اللَّيْلِ وَإِنْ لَمْ يَأْكُلْ، قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَهَارُ مِنْ هَاهُنَا، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ» (^٢).\n• الوصال منهي عنه بالنص والإجماع:\nففي «الصحيحين» (^٣) عن عائشة ﵂ قالت: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ. فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قال: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي».\nقال أبو عبد الله: لم يذكر عثمان «رَحْمَةً لَهُمْ».\nوالأحاديث متوافرة وكثيرة في هذا الباب.\nوقد أجمع العلماء على أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-196> المطلب الثاني: هل يجوز الوصال إلى السحر؟</span>\nذهب أحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وابن خزيمة، وجماعة من المالكية - إلى جواز\n_________\n(^١) «المجموع» للنووي (٦/ ٣٥٧).\n(^٢) «الحاوي الكبير» (٣/ ٣٤٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٦٤)، ومسلم (١١٠٥).\n(^٤) «التمهيد» (١٤/ ٣٦١).","vol":"1","page":263},{"text":"الوصال إلى السحر (^١).\nواستدلوا لذلك بما روى البخاري (^٢) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ» قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِي».\nقال ابن حجر (^٣): وَاسْتُدِلَّ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّ الْوِصَال مِنْ خَصَائِصه ﷺ، وَعَلَى أَنَّ غَيْره مَمْنُوع مِنْهُ إِلَّا مَا وَقَعَ فِيهِ التَّرْخِيص مِنَ الْإِذْن فِيهِ إِلَى السَّحَر.\n• القول الآخر: القائلون بتحريم الوصال مطلقًا:\nقال ابن عبد البر (^٤): وكره مالك والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وجماعة من أهل الفقه، والآثار - الوصال على كل حال لمن قوي عليه ولغيره، ولم يجيزوا الوصال لأحد.\nفي «الصحيحين» (^٥) عن ابن عمر ﴿عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال «لا تُوَاصِلُوا» قَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ؟ قَالَ: «لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى. أَوْ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى».\nوجه الدلالة: ما قاله ابن عبد البر: وقَدْ نَهَاهُمْ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ الْوِصَالِ وَثَبَتَ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا نَهَيْتُكُمْ، عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهُوا عَنْهُ». وَحَقِيقَةُ النَّهْيِ الزَّجْرُ وَالْمَنْعُ.\nوفي «الصحيحين» (^٦) عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ».\nوجه الدلالة ما قاله ابن حجر (^٧): إِذْ لَمْ يَجْعَل اللَّيْل مَحَلًّا لِسِوَى الْفِطْر، فَالصَّوْم فِيهِ\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٤/ ٢٤١)، و«التمهيد» (١٤/ ٣٦٢).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٦٧).\n(^٣) «فتح الباري» (٤/ ٢٤٠).\n(^٤) «التمهيد» (١٤/ ٣٦٣).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٩٩٢)، ومسلم (١١٠٢).\n(^٦) أخرجه البخاري (١٩٥٤)، ومسلم (١١٠٠).\n(^٧) «فتح الباري» (٤/ ٢٤١).","vol":"1","page":264},{"text":"مُخَالَفَةٌ لِوَضْعِهِ كَيَوْمِ الْفِطْر.\nقال ابن عبد البر: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوِصَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ خُصُوصٌ، وَأَنَّ الْوَاصِلَ لَا يَنْتَفِعُ بِوِصَالِهِ، لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلصِّيَامِ.\nوأجاب الجمهور عن ذلك بأن مواصلته ﷺ بعد نهيه لهم، فلم يكن تقريرًا بل تقريعًا وتنكيلًا. واحتمل ذلك منهم لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم؛ لأنهم إذا باشروا ظهرت لهم حكمة النهي، وكان ذلك أدعى إلى قبولهم لما يترتب عليه من الملل في العبادة، والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف الصلاة والقراءة وغير ذلك.\n«رحمة لهم» استدل به من قال: إن الوصال مكروه غير محرم.\nأجابوا بأن قوله: «رحمة لهم» لا يمنع التحريم، فإنه من رحمته لهم أن حرمه عليهم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-197> المطلب الرابع: معنى «إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»:</span>\nقال الماوردي (^٢): «إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ حَقِيقَةً.\nوَالثَّانِي: أَنَّهُ يَمُدُّهُ مِنَ الْقُوَّةِ بِمَا يَقُومُ مَقَامَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.\nفَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالْوِصَالُ مَكْرُوهٌ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّ الْوِصَالَ يُورِثُ ضَعْفًا، وَيُقَاسِي فِيهِ مَشَقَّةً وَجُهْدًا، فَرُبَّمَا أَعْجَزَهُ عَنْ أَدَاءِ مُفْتَرَضَاتِهِ، فَإِنْ وَاصَلَ فَقَدْ أَسَاءَ وَصَوْمُهُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ تَوَجَّهَ إِلَى غَيْرِ زَمَانِ الصَّوْمِ، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ قَادِحًا فِي صِيَامِهِ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ وَاصَلَ الصِّيَامَ سَبْعَةَ عَشَرَ يومًا، ثُمَّ أَفْطَرَ عَلَى سَمْنٍ وَلَبَنٍ وَصَبِرٍ، وَتَأَوَّلَ فِي السَّمْنِ أَنَّهُ يُلَيِّنُ الْأَمْعَاءَ، وَفِي اللَّبَنِ أَنَّهُ أَلْطَفُ غِذَاءٍ، وَفِي الصَّبِرِ أَنَّهُ يُقَوِّي الْأَعْضَاءَ.\n_________\n(^١) «نيل الأوطار» (٤/ ٢٥٨).\n(^٢) الحاوي «الكبير» (٣/ ٣٤٠).","vol":"1","page":265},{"text":"قال ابن حجر (^١): وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى قَوْله: «يُطْعِمنِي وَيَسْقِينِي»: فَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَقِيقَته وَأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُؤْتَى بِطَعَامِ وَشَرَاب مِنْ عِنْد الله كَرَامَةً لَهُ فِي لَيَالِي صِيَامه.\nوَتَعَقَّبَهُ اِبْن بَطَّال وَمَنْ تَبِعَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا، وَبِأَنَّ قَوْله «يَظَلُّ» يَدُلُّ عَلَى وُقُوع ذَلِكَ بِالنَّهَارِ فَلَوْ كَانَ الْأَكْل وَالشُّرْب حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ صَائِمًا.\nوَأُجِيبَ بِأَنَّ الرَّاجِح مِنْ الرِّوَايَات لَفْظ «أَبِيت» دُون «أَظَلُّ»، وَعَلَى تَقْدِير الثُّبُوت فَلَيْسَ حَمْلُ الطَّعَام وَالشَّرَابِ عَلَى الْمَجَاز بِأَوْلَى لَهُ مِنْ حَمْلِ لَفْظ أَظَلُّ عَلَى الْمَجَازِ، وَعَلَى التَّنَزُّلِ فَلَا يَضُرُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ مَا يُؤْتَى بِهِ الرَّسُولُ عَلَى سَبِيل الْكَرَامَة مِنْ طَعَام الْجَنَّة وَشَرَابِهَا لَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَام الْمُكَلَّفِينَ فِيهِ، كَمَا غُسِلَ صَدْرُهُ ﷺ فِي طَسْت الذَّهَب، مَعَ أَنَّ اِسْتِعْمَال أَوَانِي الذَّهَب الدُّنْيَوِيَّة حَرَامٌ.\nوَقَالَ اِبْن الْمُنَيِّر فِي الْحَاشِيَة: الَّذِي يُفْطِرُ شَرْعًا إِنَّمَا هُوَ الطَّعَام الْمُعْتَادُ، وَأَمَّا الْخَارِق لِلْعَادَةِ كَالْمُحْضَرِ مِنَ الْجَنَّة فَعَلَى غَيْر هَذَا الْمَعْنَى.\nقَالَ الْجُمْهُور: قَوْله: «يُطْعِمنِي وَيَسْقِينِي» مَجَاز عَنْ لَازِم الطَّعَام وَالشَّرَاب وَهُوَ الْقُوَّة، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يُعْطِينِي قُوَّة الْآكِل وَالشَّارِب، وَيُفِيض عَلِيّ مَا يَسُدّ مَسَد الطَّعَام وَالشَّرَاب وَيَقْوَى عَلَى أَنْوَاع الطَّاعَة مِنْ غَيْر ضَعْف فِي الْقُوَّة وَلَا كَلَالٍ فِي الْإِحْسَاس، أَوْ الْمَعْنَى إِنَّ الله يَخْلُقُ فِيهِ مِنَ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ مَا يُغْنِيهِ عَنْ الطَّعَام وَالشَّرَاب، فَلَا يُحِسُّ بِجُوعٍ وَلَا عَطَشٍ، وَالْفَرْق بَيْنه وَبَيْن الْأَوَّل أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّل يُعْطَى الْقُوَّةَ مِنْ غَيْر شِبَعٍ وَلَا رِيٍّ مَعَ الْجُوع وَالظَّمَأ، وَعَلَى الثَّانِي يُعْطَى الْقُوَّة مَعَ الشِّبْع وَالرِّيّ، وَرَجَّحَ الْأَوَّل بِأَنَّ الثَّانِي يُنَافِي حَال الصَّائِم وَيُفَوِّت الْمَقْصُود مِنْ الصِّيَام وَالْوِصَال؛ لِأَنَّ الْجُوع هُوَ رُوح هَذِهِ الْعِبَادَة بِخُصُوصِهَا (^٢).\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٤/ ٢٤٤).\n(^٢) «فتح الباري» (٤/ ٢٤٤، ٢٤٥).","vol":"1","page":266},{"text":"قال ابن القيم (^١): وَقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي هَذَا الطّعَامِ وَالشّرَابِ الْمَذْكُورَيْنِ عَلَى قَوْلَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنّهُ طَعَامٌ وَشَرَابٌ حِسّيّ لِلْفَمِ. قَالُوا: وَهَذِهِ حَقِيقَةُ اللّفْظِ، وَلَا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْهَا.\nالثّانِي: أَنّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يُغَذّيهِ الله بِهِ مِنْ مَعَارِفِهِ وَمَا يَفِيضُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ لَذّةِ مُنَاجَاتِهِ وَقُرّةِ عَيْنِهِ بِقُرْبِهِ وَتَنَعّمِهِ بِحُبّهِ وَالشّوْقِ إلَيْهِ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْوَالِ الّتِي هِيَ غِذَاءُ الْقُلُوبِ وَنَعِيمُ الْأَرْوَاحِ وَقُرّةُ الْعَيْنِ وَبَهْجَةُ النّفُوسِ وَالرّوحِ وَالْقَلْبِ - بِمَا هُوَ أَعْظَمُ غِذَاءً وَأَجْوَدُهُ وَأَنْفَعُهُ، وَقَدْ يَقْوَى هَذَا الْغِذَاءُ حَتّى يُغْنِيَ عَنْ غِذَاءِ الْأَجْسَامِ مُدّةً مِنَ الزّمَانِ، كَمَا قِيلَ:\nلَهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا … عَنِ الشّرابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزّادِ\nلَهَا بِوَجْهِكَ نُورٌ تَسْتَضِيءُ بِهِ … وَمِنْ حَدِيثِك فِي أَعْقَابِهَا حَادِي\nإذَا شَكَتْ مِنْ كَلالِ السّيْرِ أَوْعَدَهَا … رَوْحَ الْقُدُومِ فَتَحْيَا عِنْدَ مِيعَادِ\nوَمَنْ لَهُ أَدْنَى تَجْرِبَةٍ وَشَوْقٍ يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ بِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرّوحِ - عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْغِذَاءِ الْحَيَوَانِيّ، وَلَا سِيّمَا الْمَسْرُورُ الْفَرْحَانُ الظّافِرُ بِمَطْلُوبِهِ، الّذِي قَدْ قَرّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ وَتَنَعّمَ بِقُرْبِهِ وَالرّضَى عَنْهُ وَأَلْطَافِ مَحْبُوبِهِ وَهَدَايَاهُ وَتُحَفِهِ - تَصِلُ إلَيْهِ كُلّ وَقْتٍ وَمَحْبُوبُهُ حَفِيّ بِهِ مُعْتَنٍ بِأَمْرِهِ مُكْرِمٌ لَهُ غَايَةَ الْإِكْرَامِ مَعَ الْمَحَبّةِ التّامّةِ لَهُ، أَفَلَيْسَ فِي هَذَا أَعْظَمُ غِذَاءً لِهَذَا الْمُحِبّ؟\nفَكَيْفَ بِالْحَبِيبِ الّذِي لَا شَيْءَ أَجَلّ مِنْهُ وَلَا أَعْظَمُ وَلَا أَجْمَلُ وَلَا أَكْمَلُ وَلَا أَعْظَمُ إحْسَانًا، إذَا امْتَلَأَ قَلْبُ الْمُحِبّ بِحُبّهِ، وَمَلَكَ حُبّهُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ؟!\n\n•<span data-type='title' id=toc-198> المبحث الخامس: بعض الأحاديث الضعيفة المشهورة في الصيام:</span>\n١ - عن أبي مسعود عن النبي ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ الْعِبَادُ مَا رَمَضَانُ لَتَمَنَّتْ أُمَّتِي أَنْ يَكُونَ السَّنَةَ كُلَّهَا … إِنَّ الْجَنَّةَ لَتَزَيَّنُ لِرَمَضَانَ مِنْ رَأْسِ الْحَوْلِ إِلَى الْحَوْلِ، فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ يوم مِنْ رَمَضَانَ هَبَّتْ رِيحٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ … فَتَنْظُرُ الْحُورُ الْعِينُ إِلَى ذَلِكَ، فَيَقُلْنَ: يَا رَبِّ\n_________\n(^١) «زاد المعاد» (٢/ ٣٢).","vol":"1","page":267},{"text":"اجْعَلْ لَنَا مِنْ عِبَادِكَ فِي هَذَا الشَّهْرِ أَزْوَاجًا تُقِرُّ أَعْيُنَنَا بِهِمْ، وَتُقِرُّ أَعْيُنَهُمْ بِنَا …» إلخ حديث طويل (^١).\n٢ - عن سلمان ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ في آخر يوم من شعبان، فقال: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ الله صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَشَهْرٌ يَزْدَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ …» إلخ الحديث (^٢).\n٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أوَّلُ شَهْرِ رَمَضانَ رَحمَةٌ، وأوْسَطهُ مَغْفِرَةٌ، وآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ» (^٣).\n٤ - عن ابن عباس ﵁: قال رسول الله ﷺ: «سَافِرُوا تَصحوا، وَصُومُوا تَصحوا،\n_________\n(^١) موضوع: أخرجه ابن خزيمة (١٨٨٦)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ١٨٩)، من طريق جرير بن أيوب البجلي، عن الشعبي، عن نافع بن بردة، عن أبي مسعود. قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع على رسول الله ﷺ، والمتهم به جرير بن أيوب. قال يحيى: ليس شيء. وقال الفضل بن دُكين: كان يضع الحديث. وقال النسائي والدارقطنى: متروك. تنبيه: في الموضوعات أبدل أبا مسعود، بعبد الله بن مسعود.\n(^٢) قال أبو حاتم: هذا حديث منكر «العلل» (١/ ١٤٩). أخرجه ابن خزيمة (١٨٨٧)، من طريق علي بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، عن سلمان، وفى إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.\n(^٣) منكر: أخرجه العقيلى في «الضعفاء» (٢/ ١٦٢)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ٣١١)، من طريق سلام بن سوار، عن مسلمة بن الصلت، عنِ الزهري، عَنْ أبي سلمة، عن أبي هريرة. قال العقيلى: عن مسلمة بن الصلت، عن الزهري، ولا أصل له من حديث الزهري. قال ابن عدي: ومسلمة ليس بالمعروف.","vol":"1","page":268},{"text":"وَاغْزُوا تَغْنَمُوا» (^١).\n٥ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ، لَمْ تُعْطَهَا أُمَّةٌ قَبْلَهُمْ: خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يُفْطِرُوا، وَيُزَيِّنُ الله ﷿ كُلَّ يوم جَنَّتَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: يُوشِكُ عِبَادِي الصَّالِحُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمُ الْمَئُونَةَ وَالأَذَى وَيَصِيرُوا إِلَيْكِ، وَيُصَفَّدُ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فَلَا يَخْلُصُوا فِيهِ إِلَى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، وَيُغْفَرُ لَهُمْ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ» (^٢).\n٦ - وعنه أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَفْطَرَ يومًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَهَا الله لَهُ، لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ» (^٣).\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا: أخرجه ابن عدي في «الكامل» (٧/ ٥٧)، من طريق نهشل بن سعيد، عن الضحاك، عن ابن عباس، وهذا الحديث فيه علتان: الأولى: نهشل بن سعيد، متروك.\nالثانية: الضحاك لم يسمع من ابن عباس، انظر: «جامع التحصيل» (ص ١٩٩، ٢٠٠).\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد (٢/ ٢٩٢)، والبزار (٩٦٣٩)، والبيهقي في «الشعب» (٣٦٠٢)، من طرق عن هشام بن أبي هشام، عن محمد بن محمد بن الأسود، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة. وفيه هشام بن أبي هشام متروك. ومحمد بن محمد بن الأسود مجهول الحال، وله شاهد في البيهقي «الشعب» (٢٦٠٣) وإسناده ضعيف. ولفظة: «خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» في «الصحيحين».\n(^٣) ضعيف: رواه أحمد في «المسند» (٢/ ٣٨٦، ٤٤٢)، وأبو داود في «السنن» (٢٣٩٦٩، والترمذي في «السنن» (٧٢٣٩، والنسائي في «الكبرى» (٣٢٧٨، ٣٢٨٣)، وابن ماجه في «السنن» (١٦٧٢)، وغيرهم. أكثرهم من طرق عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي المطوس، عن أبيه، عن أبي هريرة، وبعضهم قال: عن حبيب بن أبي ثابت، عن عمارة بن عمير، عن أبي المطوس. قال الترمذي في «السنن»: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: أَبُو الْمُطَوِّسِ: اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ الْمُطَوِّسِ وَلَا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الحَدِيثِ. وزاد في «العلل الكبير» للترمذي (١٩٩)، قال: ولا أدرى أسمع أبوه من أبي هريرة، أم لا. قال ابن حجر في «فتح الباري» (٤/ ١٩١): قَالَ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ: تَفَرَّدَ أَبُو الْمُطَوَّس بِهَذَا الْحَدِيث وَلَا أَدْرِي سَمِعَ أَبُوهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَة أَمْ لَا. قلت: واختلف فيه على حبيب بن أبي ثابت اختلافًا كثيرًا حصلت فيه ثلاث علل: الاضطراب. والجهل بحال أبي المطوس. والشك في سماع أبيه من أبي هريرة. وللمزيد انظر: «العلل» للدارقطنى (٨/ ٢٦٦ - ٢٧٤). وأخرجه النسائي (٣٢٨٤) موقوفًا عن أبي هريرة. وأخرجه الدارقطنى في «السنن» (٢/ ٢١٢) من طريق فيه عمار بن مطر. قال الذهبي عنه في «الميزان»: هالك. فالحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ، والله أعلم.","vol":"1","page":269},{"text":"٧ - عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال صيام العبد معلقًا بين السماء والأرض، حتى يؤدى زكاة فطره» (^١).\n٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى رَمَضَانَ» (^٢).\n٩ - عن على ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «تَسَحَّرُوا وَلَوْ عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَأَفْطِرُوا وَلَوْ عَلَى شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ» (^٣).\n١٠ - عن عبيد الله مولى رسول الله ﷺ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ صَامَتَا وَأَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ هَاهُنَا امْرَأَتَيْنِ قَدْ صَامَتَا، وَإِنَّهُمَا قَدْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا مِنَ الْعَطَشِ. فَأَعْرَضَ عَنْهُ أَوْ\n_________\n(^١) ضعيف: رواه ابن الجوزى في «العلل المتناهية» (٨٢٣)، وفيه عبد الرحمن بن عثمان، مجهول، وله شاهد من حديث جرير بن عبد الله، رواه ابن الجوزى في «العلل المتناهية» (٨٢٤) من طريق محمد بن عبيد، عن معتمر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن جرير بن عبد الله، وفى إسناده محمد بن عبيد، مجهول.\n(^٢) منكر: أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٢)، وأبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، والنسائي «الكبرى» (٢٩١١)، وابن ماجه (١٦٥١) وغيرهم، من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه عن أبي هريرة قلت: وقد استنكره أحمد وابن مهدى. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَا يُحَدِّثُ بِهِ. قُلْتُ لأَحْمَدَ: لِمَ؟ قَالَ: لأَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَصِلُ شَعْبَانَ بِرَمَضَانَ وَقَالَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ خِلَافَهُ. اه. ذكره أبو داود في «السنن». وأخرجه البخاري (١٩٧٠) ومسلم (٧٨٢) عن عائشة ل قالت: «لم يكن النبي ﷺ يصوم شهرًا أكثر من شعبان، وكان يصوم شعبان كله».\n(^٣) الفقرة الثانية ضعيفة جدًّا: أخرجه ابن عدي (٢/ ٣٥٧) من طريق حسين بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، عن على، عن رسول الله ﷺ. قال ابن عدي: والحسين ضعيف منكر الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال مالك وأبو حاتم: كذاب. ولكن للفقرة الأولى من الحديث شواهد.","vol":"1","page":270},{"text":"سَكَتَ، ثُمَّ عَادَ، وَأُرَاهُ قَالَ: بِالْهَاجِرَةِ، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّهُمَا وَالله قَدْ مَاتَتَا أَوْ كَادَتَا أَنْ تَمُوتَا. قَالَ: «ادْعُهُمَا» قَالَ: فَجَاءَتَا، قَالَ: فَجِيءَ بِقَدَحٍ أَوْ عُسٍّ فَقال لِإِحْدَاهُمَا: «قِيئِي» فَقَاءَتْ قَيْحًا أَوْ دَمًا وَصَدِيدًا وَلَحْمًا حَتَّى قَاءَتْ نِصْفَ الْقَدَحِ، ثُمَّ قال لِلأُخْرَى: «قِيئِي» فَقَاءَتْ مِنْ قَيْحٍ وَدَمٍ وَصَدِيدٍ وَلَحْمٍ عَبِيطٍ وَغَيْرِهِ حَتَّى مَلأَتِ الْقَدَحَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَاتَيْنِ صَامَتَا عَمَّا أَحَلَّ الله لَهُمَا، وَأَفْطَرَتَا عَلَى مَا حَرَّمَ الله عَلَيْهِمَا، جَلَسَتْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الأُخْرَى، فَجَعَلَتَا يَأكلًانِ لُحُومَ النَّاسِ» (^١).\n١١ - عن أنس ﵁ قال رسول الله ﷺ: «خمسٌ يُفطِرن الصّائِم، وتنقُض الوُضُوء: الغِيبةُ، والنّمِيمةُ، والكذِبُ، والنّظرُ بِالشّهوةِ، واليمِينُ الكاذِبةُ» (^٢).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٥/ ٤٣١)، من طريق يزيد بن هارون، عن سليمان التيمي، قال: سمعت رجلًا يحدث في مجلس أبي عثمان النهدي، عن عبيد الله مولى رسول الله ﷺ. قلت: وفيه رجل، وهو مجهول.\n(^٢) موضوع: أخرجه ابن الجوز في «الموضوعات» (١٩٥) من طريق بقية قال: حدثنا محمد بن الحجاج، عن جابان، عن أنس. قال: وهذا موضوع، ومن سعيد إلى أنس كلهم مطعون فيهم. قال يحيى بن معين: وسعيد كذاب. وأخرجه ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٢٥٨) من طريق محمد بن الحجاج، عن ميسرة بن عبد الله، عن رجاء، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ. قال أبو حاتم: هذا حديث كذب، وميسرة بن عبد ربه كان يفتعل الحديث.","vol":"1","page":271},{"text":"<span data-type='title' id=toc-199>الباب الثاني صيام التطوع </span>(^١)\nوفيه فصلان\n• الفصل الأول: الصوم المستحب.\n• الفصل الثاني: الصوم المحرم والمكروه.\n_________\n(^١) التطوع: أي النافلة، انظر «لسان العرب» (٤/ ٢٧٢). وقال النووي: «المجموع» (٤/ ٢) التطوع: في الأصل فعل الطاعة، وصار في الشرع مخصوصًا بطاعة غير واجبة. وهناك بحث قيم ونافع لأخي الحبيب: أسامة بن عبد العزيز في «صيام التطوع» وقد استفدت منه كثيرًا، وأسأل الله أن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يجمعني وإياه مع سيد الأنبياء والمرسلين.","vol":"1","page":272},{"text":"الفصل الأول: الصوم المستحب\nوفيه مباحث\n• المبحث الأول: صوم يوم وإفطار يوم.\n• المبحث الثاني: صوم الإثنين والخميس.\n• المبحث الثالث: صوم ثلاثة أيام من كل شهر.\n• المبحث الرابع: صوم ستة من شوال.\n• المبحث الخامس: صوم عشر ذي الحجة.\n• المبحث السادس: صوم يوم عرفة.\n• المبحث السابع: صوم المحرم وتأكيد صوم عاشوراء.\n• المبحث الثامن: صوم شعبان.\n• المبحث التاسع: صوم الأشهر الحرم.","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type='title' id=toc-200>الفصل الأول: الصوم المستحب</span>\nوفيه مباحث:\n\n•<span data-type='title' id=toc-201> المبحث الأول: صوم يوم وإفطار يوم:</span>\nصوم يوم وإفطار يوم هو أفضل الصوم، وأحبه إلى الله تعالى.\nففى «الصحيحين» (^١) من حديث عبد الله بن عمرو أن النبى ﷺ قال «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللهِ صَلَاةُ دَاوُدَ ﵇، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يومًا وَيُفْطِرُ يومًا».\nوفى رواية الصحيحين (^٢): أن النبى ﷺ قال لعبد الله بن عمرو: «صُمْ يومًا وَأَفْطِرْ يومًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇ وَهُوَ أَعْدَلُ الصِّيَامِ». قال: قُلْتُ: فَإِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قال رسول الله ﷺ: «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ».\nقال الشيخ ابن عثيمين (^٣): ولكن هذا مشروط - أى: صوم يوم، وفطر يوم - بما إذا لم يضيع ما أوجب الله عليه، فإن ضيع ما أوجب الله عليه، كان هذا منهيًّا عنه؛ لأنه لا يمكن أن تضاع فريضة من أجل نافلة، فلو فُرض أن هذا الرجل إذا صام يومًا وأفطر يومًا، تخلَّف عن الجماعة في المسجد؛ لأنه يتعب في آخر النهار، ولا يستطيع أن يصل إلى المسجد، فنقول له: لا تفعل؛ لأن إضاعة الواجب أعظم من إضاعة المستحب، فهذا لا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٧٦)، ومسلم (١١٥٩).\n(^٣) «الشرح الممتع» (٦/ ٤٧٤).","vol":"1","page":274},{"text":"تأثم بتركه فاتركه.\nكذلك لو انشغل بذلك عن مؤونة أهله، أى: انقطع عن البيع والشراء والعمل، فإننا نقول له: لا تفعل؛ لأن القيام بالواجب أهم من القيام بالتطوع.\n\n•<span data-type='title' id=toc-202> المبحث الثاني: صوم الإثنين والخميس:</span>\nيستحب صوم الإثنين والخميس، دلت على ذلك أحاديث عن النبي ﷺ، منها:\nالدليل الأول: عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَحَرَّى صَوْمَ الإثنين وَالْخَمِيسِ» (^١).\nالدليل الثانى: عن أبي قتادة الأنصارى ﵁، عن النبي ﷺ وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يوم الإثنين\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه النسائي (٢١٨٦، ٢٣٦٠)، والترمذي (٧٤٥)، وابن ماجه (١٧٣٩)، وغيرهم من طريقي (عبد الله بن داود، ويحيى بن حمزة) عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن ربيعة الجرشي، عن عائشة به، وهذا إسناد صحيح. وأخرجه أحمد (٦/ ٨٠، ١٠٦) والنسائي (٢٣٦١) وغيرهما عن الثوري، عن ثور، عن خالد بن معدان عن عائشة بإسقاط ربيعة الجرشي. وخالد بن معدان لم يلق عائشة، قاله أبو زرعة.\nقال الدارقطني في العلل (ج ٥/ ٢ ف ٢٢ أ): يرويه ثور بن يزيد، واختلف عنه: فرواه يحيى بن حمزة، وعبد الله بن داود الخريبي، عن ثور، عن خالد بن معدان، عن ربيعة، عن عائشة، وخالفهما الثوري: فرواه عن ثور، عن خالد بن معدان، عن عائشة: أسقط منه ربيعة، والقول قول من أثبته فيه.\nقلت: والثوري عليه خلاف، فروى عنه الجماعة منهم: (مؤمل بن إسماعيل، والفريابي، واالأشجعى، ومحمد بن حميد وغيرهم) الرواية التى ذكرت. وخالفهم أبو داود الحفرى، فرواه عن سفيان، عن منصور، عن خالد بن سعد، عن عائشة به. أخرجه النسائي (٢٣٦٢). وقال: هذا خطأ، ليس هذا من حديث منصور. كذا قال أبو حاتم «علل الحديث» (١/ ٤٢٤). وأخرجه أحمد (٦/ ٨٩)، والنسائي (٢١٨٥، ٢٣٥٩)، وغيرهما من طريق بقية بن الوليد، قال: حدثنا بحير، عن خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن عائشة به. وفى إسناده بقية بن الوليد وهو مدلس تدليس التسوية، ولم يصرح بالسماع إلى نهاية السند بل صرح بالسماع عن شيخه فقط.","vol":"1","page":275},{"text":"قال: «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيه» (^١).\nالدليل الثالث: عن أسامة بن زيد ﴿قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ تَصُومُ لَا تَكَادُ أَنْ تُفْطِرَ، وَتُفْطِرَ حَتَّى لَا تَكَادَ أَنْ تَصُومَ إِلاَّ يومين إِنْ دَخَلَا فِي صِيَامِكَ وَإِلاَّ صُمْتَهُمَا. قَالَ: «أَيُّ يومين؟» قَالَ: قُلْتُ: يوم الإثنين، وَيوم الْخَمِيسِ. قَالَ: «ذَانِكَ يومًانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-203> المبحث الثالث: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وفيه مسائل:</span>\n• الأولى: يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر:\nوذلك كصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، وقد دل على ذلك السنة والإجماع.\nففي الصحيحين (^٣) عن أبى هريرة ﵁ قال: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ.\nوفي «الصحيحين» (^٤) عن عبد الله بن عمرو قال رَسُولُ الله ﷺ: «صُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ».\nروى مسلم عن أبى قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ».\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٦٢).\n(^٢) حسن: أخرجه أحمد (٥/ ٢٠١، ٢٠٦)، والنسائي (٢٣٥٧) وغيرهما من طرق عن عبد الرحمن بن مهدى، وإسماعيل بن أبي أويس، عن ثابت بن قيس أبي الغصن، قال: حدثنى أبو سعيد المقبري، قال: حدثني أسامة بن زيد به.\nقلت: هذا إسناد حسن. ورواه زيد بن الحباب واختلف عليه، فرواه هكذا ورواه مرة عن ثابت بن قيس، عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن أسامة بن زيد به. أخرجه النسائي (٢٣٥٨)، وغيره، والرواية الأولى أصح لموافقتها لرواية الجماعة.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٨١)، ومسلم (٧٢١).\n(^٤) أخرجه مسلم (٧٢٢).","vol":"1","page":276},{"text":"أما الإجماع: فقد نقل ابن قدامة (^١) الإجماع على استحباب صوم ثلاثة أيام من كل شهر، فقال: لا نعلم فيه خلافًا.\n• الثانية: كيفية صوم النبي ﷺ لهذه الأيام الثلاثة:\nالأول: يستحب أن يجعل صيام هذه الأيام الثلاثة صيام الأيام البيض: وهى (الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر) دل على ذلك أدلة منها:\n١ - عن جرير بن عبد الله ﵁: «صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صِيَامُ الدَّهْرِ، وَأَيَّامُ الْبِيضِ صَبِيحَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ» (^٢).\n٢ - عن قتادة بن ملحان ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَأْمُرُنا بِصِيَامِ الْبِيضِ، ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ، وَيَقُولُ: «هُوَ كَصَوْمِ الدَّهْرِ، أَوْ كَهَيْئَةِ صَوْمِ الدَّهْرِ» (^٣).\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٤٤٥).\n(^٢) صحيح لشواهده: مدار هذا الحديث على أبي إسحاق، عن جرير بن عبد الله، واختلف عليه في الرفع والوقف. فرواه زيد بن أبي أنيسة، وغيلان بن جامع، عن أبي إسحاق، عن جرير عن\nالنبي ﷺ. أخرجه النسائي (٢٤١٩) والطبرى في «تهذيب الآثار» (١ رقم ٥٣٩).\nورواه المغيرة بن مسلم، عن أبي إسحاق، عن جرير موقوفًا. وذكره ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٢٦٧). ورواية الرفع أصح لأن زيد بن أبي أنيسة أوثق من المغيرة بن مسلم، وزيد بن أبي أنيسة متابع من غيلان، وصحح أبو زرعة الرفع، فقال: حديث أبي إسحاق، عن جرير المرفوع أصح من الموقوف؛ ولأن زيد بن أبي أنيسة أحفظ من مغيرة بن مسلم.\nقلت: وهذا إسناد صحيح، لولا عنعنة أبي إسحاق فإنه يدلس.\n(^٣) حسن لشواهده: أخرجه أحمد (٤/ ١٦٥)، (٥/ ٢٧، ٢٨)، وأبو داود (٢٤٤٩)، والنسائي (٢٤٢٩، ٢٤٣٠، ٢٤٣١)، وابن ماجه (١٧٠٧) وغيرهم. من طريق: أنس بن سيرين، عن عبد الملك، عن أبيه مرفوعًا. ورواه عن أنس شعبة، وهمام، واختلف في اسم عبد الملك، فقال شعبة: عبد الملك بن المنهال. وقال همام: عبد الملك بن قتادة بن ملحان. والصواب ما قاله همام وأخطأ شعبة. وقال ابن ماجه عقبه: أخطأ شعبة، وأصاب همام. قال البيهقي عقب إخراجه لحديث شعبة: وروينا عن يحيى بن معين أنه قال: هذا خطأ، إنما هو عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسى، وقال الطبراني عقب حديث شعبة: هكذا رواه شعبة، عن أنس، عن =","vol":"1","page":277},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=عبد الملك بن المنهال، عن أبيه، ووهم فيه، والصواب حديث همام. قلت: وفى إسناده عبد الملك بن قتادة قال الحافظ: مقبول ولم يوثقه إلا ابن حبان، فحديثه يصلح في الشواهد والمتابعات. وله شاهد: فعن ابْنِ الْحَوْتَكِيَّةِ قَالَ: قال عُمَرُ: مَنْ حَاضِرُنَا يوم الْقَاحَةِ؟ قال أَبُو ذَرٍّ: أَنَا شَهِدْتُ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِأَرْنَبٍ وَقال مَرَّةً: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ بِأَرْنَبٍ، فَقال الَّذِي جَاءَ بِهَا: إِنِّي رَأَيْتُهَا كَأَنَّهَا تَدْمَى، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ مِنْهَا، فَقال لَهُمْ: «كُلُوا»، فَقال رَجُلٌ: إِنِّي صَائِمٌ. قَالَ: «وَمَا صَوْمُكَ؟» فَأَخْبَرَهُ قَالَ: «فَأَيْنَ أَنْتَ عَنِ الْبِيضِ الْغُرِّ؟» قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قال «صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ». مدار هذا الحديث على موسى بن طلحة واختلف عليه ألوانًا:\n١ - فرواه محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، وحكيم بن جبير، وعمرو بن عثمان بن موهب (ثلاثتهم) عن موسى بن طلحة، عن ابن الْحَوْتَكِيَّةِ، عن أبي ذر به. أخرجه أحمد (٥/ ١٥٠)، والنسائي (٢٤٢٤، ٤٣٢٢، ٢٤٢٥) وغيرهما. ورواه محمد بن عبد الرحمن، عن الحكم بن عتيبة، عن ابن الحوتكية، عن أبي به. أخرجه النسائي (٢٤٢٦) وعقب بقوله: الصواب عن أبي ذر، ويشبه أن يكون وقع من الكتاب ذر، فقيل: أبي. قلت: وفى إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ. ووقع اختلاف على حكيم بن جبير فرواه الجماعة كما ذكرنا، وخالفهم المسعودى فرواه عن موسى، عن ابن الحوتكية، عن عمار به. أخرجه أحمد (١/ ٣١)، وغيره. ورواية الجماعة أصح، والمسعودى قد أختلط. ورواه يحيى بن سام، عن موسى، عن أبي ذر. (بإسقاط ابن الحوتكية). أخرجه أحمد (٥/ ١٥٢) والنسائي (٢٤٢١)، والترمذي (٧٦١) وغيرهم. وفى إسناده يحيى بن سام مقبول الحديث، وإن كان تابعه عمرو بن عثمان بن موهب، أخرجه الحميدى (١٣٧). قلت: ولكن عمرو بن عثمان له رواية ثانية موافقة لرواية الجماعة. ورواه طلحة بن يحيى، عن موسى بن طلحة مرسلًا. أخرجه النسائي (٢٤٢٧، ٢٤٢٨). قلت: وفى إسناده طلحة بن يحيى متكلم فيه، ورواه عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة به. وأخرجه أحمد (٢/ ٣٣٦، ٣٤٦)، والنسائي (٤٣٢١) وابن حبان (٣٦٥٠) قال ابن حبان عقب إخراجه: سمع هذا الخبر موسى بن طلحة، عن أبي هريرة، وسمعه عن ابن الحوتكية، عن أبي ذر، والطريقان جميعًا محفوظان. قلت: وفى إسناده عبد الملك قد تكلم فيه غير واحد من أهل العلم قال ابن معين: مخلط وقال أحمد: مضطرب الحديث جدًّا. ومما سبق يظهر رجحان رواية الجماعة، وهى من طريق موسى، عن ابن الحوتكية، =","vol":"1","page":278},{"text":"الثاني: صوم غرة الشهر: أي صوم الثلاثة أيام الأول من كل شهر.\nفعن ابن مسعود ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ (^١)، وَقَلما يُفْطِرُ يوم الْجُمُعَةِ (^٢).\nالثالث: صوم الإثنين والخميس من هذه الجمعة والإثنين من المقبلة:\nعن أم سلمة ﵂ قالت «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: الإثنين وَالْخَمِيسَ مِنْ هَذِهِ الْجُمُعَةِ، وَالإثنين مِنَ المقْبِلَةِ» (^٣).\n_________\n=عن أبي ذر. وابن حوتكية: مقبول، لم يوثقه معتبر، وذكره ابن حبان في الثقات. فيصلح هذا الحديث بشواهده. فبمجموع شواهد هذا الحديث يكون حسنًا لشواهده والله أعلم.\n(^١) غُرَّة كل شيء: أولُه وأكرمه «مختار الصحاح» (ص ٤٧١).\n(^٢) مدار هذا الحديث على عاصم بن أبي النجود، عن زر، عن ابن مسعود، واختلف عليه: فرواه جماعة منهم (سفيان، شيبان بن عبد الرحمن، أبو حمزة السكرى). عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود مرفوعًا. أخرجه أحمد (١/ ٤٠٦) وأبو داود (٢٤٥٠) والنسائي (٢٣٦٧)، والترمذي (٧٤٢)، وابن ماجه (١٧٢٥) وغيرهم. وخالفهم شعبة، فرواه عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود من قوله. ذكره الترمذي في «السنن» (٣/ ١١٠). والدارقطني في «العلل» (٥/ ٦٠). وقال: وقفه شعبة عن عاصم، ورفعه صحيح. قلت: وفى إسناده عاصم بن أبي النجود وروايته عن ذر فيها مقال، قال ابن رجب في «شرح علل الترمذي» (٣٤٠): عاصم بن أبي النجود كان حفظه سيئًا، وحديثه خاصة عن ذر وأبي وائل مضطرب، كان يحدث بالحديث تارة عن ذر وتارة عن أبي وائل، وكذلك وجود الخلاف على عاصم في الرفع والوقف، وعاصم لا يتحمل مثل هذا الخلاف. وكذلك متن هذا الحديث «وَقَلما يُفْطِرُ يوم الْجُمُعَةِ» يخالف الثابت الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصيام، والله أعلم.\n(^٣) ضعيف: مدار هذا الحديث على عاصم بن أبي النجود، عن سواء الخزاعى، فرواه عن عاصم:\n١ - حماد بن سلمة واختلف عليه. فرواه (عفان بن مسلم، وأبو نصر التمار، وعبد الواحد بن غياث). عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النجود، عن سواء الخزاعى، عن أم سلمة به. أخرجه النسائي (٢٣٦٤)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٩٤ - ٢٩٥). وخالفهم: (روح بن عبادة، وموسى بن إسماعيل، والنضر، وعبد الأعلى، وعبد الواحد بن غياث)، فرووه عن: حماد بن سلمة، عن عاصم، عن سواء، عن حفصة به (فجعلوه من مسند حفصة). أخرجه أبو داود (٢٤٥١)، والنسائي (٢٣٦٥) وغيرهما. قلت: وهذا الخلاف في الصحابي لا يضر. ولكن في إسناده سواء وهو مجهول، حيث ذكره ابن حبان في الثقات، ولم يوثقه معتبر. وخالف حماد بن سلمة.\n٢ - زائدة بن قدامة. فرواه عن عاصم، عن المسيب بن رافع، عن حفصة، قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ الإثنين وَالْخَمِيسَ» أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢٧٨٧). قلت: والمسيب بن رافع لم يسمع من حفصة.\nقال ابن معين: لم يسمع من أحد من الصحابة إلا من البراء، وأبي إياس عامر بن عبدة. وقال المزى في «تهذيب الكمال»: روى عن حفصة وأم حبيبة، والصحيح أن بينه وبينهما رجلًا.\n٣ - سفيان الثوري، فرواه عن عاصم، عن المسيب، عن سواء، عن عائشة (كرواية زائدة). أخرجه النسائي (٢٣٦٣)، وابن خزيمة (٢١١٦). وهذا إسناد ضعيف؛ لأن الراوى عن سفيان هو يحيى بن يمان، وهو يخطئ في حديث الثوري.","vol":"1","page":279},{"text":"الثالثة: استحباب ألا يخلو شهر من صيام:\nإذا كان العبد لا يستطيع أن يصوم يومًا ويفطر يومًا، فعليه أن يصوم الإثنين والخميس، فإن عجز عن ذلك، فعليه أن يصوم الأيام البيض، فإن عجز فعليه أن يصوم ما استطاع، وألا يخلى شهرًا من صيام.\nروى مسلم (^١) عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قال: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: هَلْ كَانَ النبي ﷺ يَصُومُ شَهْرًا مَعْلُومًا سِوَى رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: «وَاللَّهِ إِنْ صَامَ شَهْرًا مَعْلُومًا سِوَى رَمَضَانَ حَتَّى مَضَى لِوَجْهِهِ، وَلَا أَفْطَرَهُ حَتَّى يُصِيبَ مِنْهُ».\nوجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ لم يصم شهرًا كاملًا سوى رمضان، ولم يُخل شهرًا إلا وله حظ ونصيب من الصوم صلوات الله وسلامه عليه.\nقال النووي (^٢): في هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَلَّا يُخْلِيَ شَهْرًا مِنْ صِيَام، وَفِيهَا: أَنَّ صَوْم النَّفْل غَيْر مُخْتَصٍّ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ كُلّ السَّنَة صَالِحَة لَهُ إِلَّا رَمَضَانَ وَالْعِيدَ وَالتَّشْرِيقَ.\nوالحاصل في هذه المسألة: أن في هذا الحديث من الفقه أن الصوم مستحب في كل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٥٦).\n(^٢) النووي «شرح مسلم» (٣/ ٢٢٣).","vol":"1","page":280},{"text":"وقت إلا الأوقات المنهى عنها، كإفراد يوم الجمعة بالصوم، ويومى العيد، وأيام التشريق؛ ولذلك ورد في الصحيح: «أن رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومُ».\n• يُقسم صيام التطوع على مراتب:\n• المرتبة الأولى: هى التى حث فيها النبي ﷺ على الصوم، كصوم يوم وإفطار يوم، وصوم الإثنين والخميس، وصوم يوم عرفة، وعاشوراء، وست أيام من شوال، والأيام البيض، فهذه أفضل المراتب.\n• المرتبة الثانية: هى الأيام التى نهى النبي ﷺ عن الصوم فيها، كيومى العيد، وأيام التشريق، فهذه يحرم صومها.\n• المرتبة الثالثة: هى الأيام التى لم يرد فيها استحباب خاص ولا نهى خاص، فهذه صومها مستحب لما ورد عن النبي ﷺ أنه لم يفطر شهرًا حتى يصيب منه «أى يصوم منه» وورد عنه أيضًا أنه كان يصوم حتى يقال: إنه لا يفطر، ويفطر حتى يقال: إنه لا يصوم، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-204> المبحث الرابع: صوم ست من شوال، وفيه مسائل:</span>\n• الأولى: هل يستحب صوم ست من شوال؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: ذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب صوم ستة أيام من شوال، وهو قول الشافعي (^١)، وأحمد (^٢).\nقال النووي: قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها،\n_________\n(^١) النووي «شرح مسلم» (٣/ ٢٣٨).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٤٣٨)، وعبد الله بن أحمد في «مسائله» (ص ١٩٣٠)، وشيخ الإسلام في «شرح العمدة» (٢/ ٥٥٦).","vol":"1","page":281},{"text":"فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين (^١).\nواستدلوا لذلك بحديث أبى أيوب الأنصارى أن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (^٢).\n_________\n(^١) «شرح مسلم» (٣/ ٢٣٨).\n(^٢) صحيح لشواهده: أخرجه مسلم (١١٦٤)، وأبو داود (٢٤٣٣)، والترمذي (٧٥٩)، والنسائي في «الكبرى» (٢٨٦٢)، وابن ماجه (١٧١٦)، وأحمد (٥/ ٤١٧، ٤١٩). من طرق: (عبد الله بن المبارك، وروح بن القاسم، وأبي معاوية، وابن جريج، وابن نمير، وغيرهم)، كلهم من طريق: سعد بن سعيد بن قيس الأنصارى، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب الأنصارى، عن النبي ﷺ به. وخالف هذا الجمع سفيان بن عيينة، فرواه عن سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب الأنصارى، من قوله. أخرجه الحميدى في «المسند» (٣٨٠)، والطحاوي في «المشكل» (٢٣٤٢). قلت: ورواية الجماعة أثبت، قال الحميدى: قلت لسفيان، إنهم يرفعونه. قال: اسكت عنه، قد عرفت ذلك.\nقلت: وعلى كلٍّ فسعد بن سعيد قد تكلم فيه غير واحد من أهل العلم، منهم أحمد، وابن حبان.\nقلت: تابع سعدًا على رفعه جماعة وهم: يحيى بن سعيد الأنصارى. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢٨٦٦)، وغيره، من طريق عتبة بن أبي حكيم، عن عبد الملك بن أبي بكر، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب به. قلت: وفى إسناده عتبة بن أبي حكيم: ضعيف.\nوتابع عبد الملك بن أبي بكر عليه إسماعيل بن إبراهيم الصائغ، أخرجه الحميدى في «المسند» (٣٨٢). قلت: وفى إسناده إسماعيل بن إبراهيم: ضعيف، قال البخاري: سكتوا عنه.\nوخالفهما حفص بن غياث، فرواه عن يحيى بن سعيد، عن سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب به. أخرجه الطبراني في «الكبير» (٤/ رقم ٣٩١٢)، وفى «الأوسط» (٤٩٧٦)، وابن عدي في «الكامل» (٣/ ٣٥٢) من طريق: إبراهيم بن يوسف الصيرفى، عن حفص به. وخالف إبراهيم حبان بن هلال، فرواه عن حفص، عن سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت به. (كذا دون ذكر يحيى بن سعيد). أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٢٣٤٥). قال الطبراني عقب إخراجه: قال حفص: ثم لقيت سعدًا فحدثنى به. وعلى ذلك فرواية يحيى بن سعيد، عن سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب، هذا هو الصحيح من رواية يحيى بن سعيد فبذلك رجع الحديث إلى الطريق الأول وهو طريق سعد بن سعيد.=","vol":"1","page":282},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\n٢، ٣ - صفوان بن سليم، وزيد بن أسلم. أخرجه أبو داود (٢٤٣٣)، والنسائي في «الكبرى» (٢٨٦٣) وغيرهما، من طرق «الحميدى، ونعيم بن حماد، وخلاد بن أسلم، وغيرهم). كلهم عن الدراوردى، عن صفوان بن سليم، وسعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب به. وأخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (٢٣٤٣)، من طريق: سعيد بن منصور، عن الداروردى، عن صفوان بن سليم، وزيد بن أسلم، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب به. وعلى كل حال فالداروردي سيء الحفظ.\n٤ - عبد ربه بن سعيد. رواه عنه ابن لهيعة، واختلف عليه، فرواه عبد الله بن يوسف، عن ابن لهيعة، عن عبد ربه بن سعيد، عن سعد بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب به.\nأخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» (٢٣٣٧). وخالف عبد الله بن يوسف: كامل بن طلحة الجحدرى، فرواه عن ابن لهيعة، عن عبد ربه بن سعيد، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب به. قلت: وابن لهيعة متكلم فيه.\nوخالف ابن لهيعة شعبة، فرواه عن عبد ربه بن سعيد، عن عمر بن ثابت، عن أبي أيوب الأنصارى موقوفًا. فمدار الحديث على سعد بن سعيد، وهو متكلم فيه كما ذكرنا، وكل المتابعات التى جاءت لرواية الرفع فيها مقال.\nقال الطحاوي في «مشكل الآثار» (٦/ ١٢١): فَكَانَ هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا لم يَكُنْ بِالْقَوِيِّ فِي قُلُوبِنَا لما سَعْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَمِنْ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُ، حَتَّى وَجَدْنَاهُ قَدْ أَخَذَهُ عَنْهُ مَنْ قَدْ ذَكَرْنَا أَخْذَهُ إِيَّاهُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْجَلَالَةِ فِي الرِّوَايَةِ وَالثَّبَتِ فِيهَا؛ فَذَكَرْنَا حَدِيثَهُ لِذَلِكَ. قال ابن رجب في «الطائف المعارف» (ص ٣٨٩): وقد اختلف في هذا الحديث، ثم في العمل به، فمنهم من صححه، ومنهم من قال: هو موقوف، قاله ابن عيينة وغيره، وإليه يميل الإمام أحمد، ومنهم من تكلم في إسناده. قلت: وللحديث شاهد صحيح من حديث ثوبان ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَشَهْرٌ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ فَذَلِكَ تَمَامُ صِيَامِ السَّنَةِ». أخرجه أحمد (٥/ ٢٨٠)، والنسائي في «الكبرى» (٢٨٦٠، ٢٨٦١)، وابن ماجه (١٧١٥)، من طرق (صدقة بن خالد، وإسماعيل بن عياش، ومحمد بن شعيب وغيرهم)، كلهم من طرق: عن يحيى بن الحارث، عن أبي أسماء الرحبى، عن ثوبان به.\nوخالف الجماعة: مروان الطاطرى. فرواه عن يحيى بن الحارث، عن أبي الأشعث، عن شداد بن أوس، عن النبي ﷺ به. أخرجه ابن أبي حاتم في «علل الحديث» (١/ ٢٥٢) قال: وحديث","vol":"1","page":283},{"text":"القول الثانى: ذهب الحسن البصرى، (^١) وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومالك، إلى كراهة صيامها.\nواستدلوا لذلك أنه يلحق بالفريضة، ما ليس منها فيظن الناس وجوبها (^٢).\nقال أبو يوسف: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُتْبِعُوا رَمَضَانَ صَوْمًا؛ خَوْفًا أَنْ يَلْحَقَ ذَلِكَ بِالْفَريضَةِ (^٣).\nواعْتُرِض عليه بأن صيام ستة أيام من شوال ليس فيها إلحاق النافلة بالفريضة، ولكن بينهما فاصل، وهو يوم العيد.\nقال شيخ الإسلام (^٤): وكان أحمد ينكر على من يكرهها؛ كراهة أن يلحق برمضان ما ليس منه، لأن السنة وردت بفضلها، والحض عليها، ولأن الإلحاق إنما خيف في أول الشهر؛ لأنه ليس بين رمضان وغيره فصل، أما في آخره، فقد فصل بينه وبين غيره بيوم العيد، وكان نهيه عن صوم يوم العيد وحده ليلًا، على أن النهى مختص به، وأن ما بعده وقت إذن وجواز، ولو شاء لنهى عن أكثر من يوم، كما قال في أول الشهر: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم، ولا يومين» (^٥).\nواستدل الإمام مالك على الكراهة بما قاله في «الموطأ» (^٦) قال يَحْيَى: وسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ في صِيَامِ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ: إِنَّهُ لم يَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلم وَالْفِقْهِ\n_________\n= ثوبان الصحيح: يحيى بن الحارث، سمع أبا أسماء، عن ثوبان به عن النبي ﷺ. وللحديث شواهد أخر لا تخلو من مقال منها: حديث جابر، وابن عباس وأبي هريرة.\n(^١) أخرجه الترمذي (٣/ ١٢٤)، وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٩٧) بإسناد صحيح، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ قَالَ: كَانَ إِذَا ذُكِرَ عِنْدَهُ صِيَامُ سِتَّةِ أَيَّامٍ مِنْ شَوَّالٍ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ بِصِيَامِ هَذَا الشَّهْرِ عَنِ السَّنَةِ كُلِّهَا.\n(^٢) انظر: «نيل الأوطار» (٤/ ٢٨٢).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٧٨).\n(^٤) «شرح العمدة» (٢/ ٥٥٩).\n(^٥) صحيح: سيأتى تخريجه.\n(^٦) انظر: «الموطأ» (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":284},{"text":"يَصُومُهَا، وَلم يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَإِنَّ أَهْلَ الْعِلم يَكْرَهُونَ ذَلِكَ، وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ، وَأَنْ يُلْحِقَ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ.\nقال الشوكانى (^١): قال أبو حنيفة ومالك: يكره صومها. واستدلا على ذلك بأنه ربما ظُن وجوبها، وهو وباطل، لا يليق بعاقل، فضلًا عن عالم نصب مثله في مقابلة السنة الصحيحة الصريحة، وأيضًا يلزم مثل ذلك في سائر أنواع الصوم المرغب فيها، ولا قائل به.\nقلت: وقد اعتذر ابن عبد البر (^٢) عن مالك في قوله فقال لم يَبْلُغْ مَالِكًا حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ عَلَى أَنَّهُ حَدِيثٌ مَدَنِيٌّ، وَالْإِحَاطَةُ بِعِلم الْخَاصَّةِ لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، وَالَّذِي كَرِهَهُ لَهُ مَالِكٌ أَمْرٌ قَدْ بَيَّنَهُ وَأَوْضَحَهُ، وَذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يُضَافَ إِلَى فَرْضِ رَمَضَانَ وَأَنْ يَسْتَبِينَ ذَلِكَ إِلَى الْعَامَّةِ، وَكَانَ ﵀ مُتَحَفِّظًا كَثِيرَ الِاحْتِيَاطِ لِلدِّينِ.\n• الثانية: هل يشترط التتابع في هذه الأيام؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: يستحب التتابع، وهوقول الشافعية:\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» الحديث.\nقال النووي (^٣): قال أصحابنا: يستحب صوم ستة أيام من شوال، لهذا الحديث، قالوا: يستحب أن يصومها متتابعة في أول شوال، فإن فَرَّقَها أو أخرها عن أول شوال جاز، وكان فاعلًا لأصل هذه السنة؛ لعموم الحديث وإطلاقه، وهذا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال أحمد، وداود.\n_________\n(^١) «نيل الأوطار» (٤/ ٢٨٢).\n(^٢) «الاستذكار» (١٠/ ٢٥٩).\n(^٣) «المجموع» (٦/ ٣٧٩).","vol":"1","page":285},{"text":"القول الثانى: لا يشترط التتابع، وهو قول الحنابلة.\nقال شيخ الإسلام (^١)، «ولا يشترط تتابعها، فسواء صامها عقيب الفطر أو فصل بينهما، وسواء تابعها أو فَرَّقَها؛ لأن النبي ﷺ قال: «وأتبعه بست من شوال»، وفى رواية: «ستًّا من شوال»، فجعل شوالًا كله محلًا لصومها، ولم يخصص بعضه من بعض، ولو اختص ذلك ببعضه لقال: ستًّا من أول شوال، أو من آخر شوال، وإتباعه بست من شوال يحصل بفعلها من أوله، أو آخره؛ لأنه لابد من الفصل بينها وبين رمضان بيوم الفطر، وهو من شوال.\n• الثالثة: هل يجوز تقديم الست من شوال على قضاء رمضان؟\nيجوز صوم الست من شوال قبل قضاء ما عليه، من رمضان، والأصل في ذلك أن قضاء رمضان وقته موسع كما قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤].\nوفى البخاري عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ يَكُونُ عَلَىَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلاَّ في شَعْبَانَ».\nأما صيام الست من شوال، فالوقت فيها خاص بشوال، ولكن لم يحز الفضل الوارد في حديث النبي ﷺ، شهرًا بعشرة أشهر، وصيام ستة أيام من شوال، ذلك تمام السنة إلا بعد قضاء ما عليه من رمضان.\nأما من استدل بحديث «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ» والذى عليه من أيام من رمضان ما يكون صام رمضان، فتقول: أحيانًا تطلق هذه الألفاظ على التغليب. «وكان الرسول يصوم شعبان كله» أي إلا قليلًا.\nقال الترمذي (^٢): جَائِزٌ في كَلَامِ العَرَبِ، إِذَا صَامَ أَكْثَرَ الشَّهْرِ أَنْ يُقَالَ: صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَيُقَالُ: قَامَ فُلَانٌ لَيْلَهُ أَجْمَعَ، وَلَعَلَّهُ تَعَشَّى وَاشْتَغَلَ بِبَعْضِ أَمْرِهِ، اه. وقضاء رمضان موسع كما ذكرنا، فمتى قضى الذي عليه من رمضان، مع صيام ست أيام من شوال، حصل له الأجر إن شاء الله. مع أن الأصل أن المسلم يبادر بقضاء ما عليه أولًا، ثم\n_________\n(^١) «شرح العمدة» (٢/ ٥٥٩).\n(^٢) «السنن» (٣/ ١٠٥).","vol":"1","page":286},{"text":"يصوم الست من شوال؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ١٤٨]. وقال الله ﷿ في الحديث القدسى: «وَمَا تَقَرَّبَ إلى عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلى مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ».\nولكن إذا كان يشق عليه القضاء، مع صوم ستة أيام من شوال، وأراد أن لا يفوته الأجر والمثوبة، فله أن يصوم الستة أيام من شوال، ثم يقضى ما عليه بعد ذلك فله ذلك والله أعلم، لأن قضاء رمضان وقته موسع وصيام الستة الوقت فيها محدود، وهذا كثيرًا ما يحدث للنساء فيكون عليهن قضاء سبعة أيام أو ثمانية من رمضان، وتريد ألا تُحرم الأجر، وترى المشقة في القضاء مع التطوع، فنقول: صومى التطوع، ثم عجِّلى بصيام القضاء، أما إذا لم يكن هناك مشقة، فيبدأ بالقضاء، ثم التطوع، والله أعلم بالصواب.\n\n•<span data-type='title' id=toc-205> المبحث الخامس: صوم عشر ذى الحجة (^١): وفيه مسائل:</span>\n• الأولى: أفضلية العمل الصالح في العشر الأُول:\nوردت بعض العمومات التى تدل على أفضلية العمل الصالح في العشر الأُول من ذى الحجة، ويدخل فيها الصيام، قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ١، ٢].\nقال النووي: المراد بالعشر: الأيام التسعة من أول ذي الحجة (^٢) وأقسم الله بها لعظمها.\nروى البخاري (^٣) عن ابن عباس ﴿قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا الْعَمَلُ في أَيَّامٍ\n_________\n(^١) المراد بالعشر هنا: الأيام التسعة من أول ذى الحجة.\n(^٢) «شرح مسلم» (٣/ ٢٥١).\n(^٣) رواه البخاري، ووقع في بعض نسخ البخاري بلفظ (مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَفْضَلَ مِنْ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ .....) الحديث، ومعنى الحديث، كما فسره بعض شراح البخاري، كأنه يشير إلى فضل أيام التشريق، وأن العمل في العشر الأول من ذي الحجة ليس أفضل من العمل في أيام التشريق ولذلك بوب البخاري: باب: فضل العمل في أيام التشريق.\nقلت: وهذه الرواية مخالفة لجميع روايات الحديث فهى شاذة. روى أحمد (١/ ٢٢٤)، وابن أبي شيبة (٥/ ٣٤٨)، وابن ماجه (١٧٢٧) وغيرهم من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ﷿ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ» يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا =","vol":"1","page":287},{"text":"أَفْضَلَ مِنْهَا في هَذِهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ. إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ مِنْ ذَلِكَ بِشَىْءٍ».\nوجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ رغّب في الأعمال الصالحة في العشر الأُول من ذى الحجة، والصيام من جملة الأعمال الصالحة، بل من أفضلها.\nقال ابن حزم: ويستحب صيام العشر من ذي الحجة - قبل يوم النحر - ثم ساق حديث ابن عباس وهى عشر ذى الحجة، والصوم عمل بر، وصوم عرفة يدخل فيها أيضًا.\n_________\n=الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلًا خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ثُمَّ لم يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْء»، وروى الترمذي (٧٥٧) وغيره من طريق: (هناد بن السرى، وأحمد بن سنان)، عن أبي معاوية، عن الأعمش به، بلفظ: «مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ». قلت: وتابع أبا معاوية:\n١ - الأعمش، واختلف عليه: فرواه سفيان الثوري، عن الأعمش كرواية أبي معاوية. أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٨١٢١)، وغيره. ورواه وكيع، عن الأعمش، عن «أبي صالح، ومجاهد، ومسلم البطين»، عن سعيد، عن ابن عباس باللفظ الأول، أخرجه أبو داود (٢٤٣٨).\n٢ - شعبة، واختلف عليه: فرواه «سعيد بن الربيع، وأبو داود الطيالسى، وعمر بن مرزوق»، عن شعبة به. بلفظ: «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهُ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ». أخرجه الدارمي (٢/ ٢٥)، والطيالسى (ص ٣٤٢، ٣٤٣)، والطبراني (١٢/ رقم ١٢٣٢٧) وغيرهم. ورواه محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الأعمش، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس بلفظ: «يعنى أيام العشر». ورواه يحيى بن سعيد، عن شعبة بلفظ: «ما من أيام العمل فيها أفضل من هذه الأيام».\nقال الحافظ في «الفتح»: وَالسِّيَاقُ الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لما رَوَاهُ أَبُو ذَرٍّ وَهُوَ مِنْ الْحُفَّاظِ عَنْ الْكُشْمِيهَنِيِّ شَيْخِ كَرِيمَةَ بِلَفْظِ «مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذَه الْعَشْرِ».\nومما يدل على شذوذ هذه الرواية: ما أخرجه الدارمي (٢/ ٢٥ - ٢٦)، وغيره، من طريق: يَزِيد بْنِ هَارُونَ عن أَصْبَغَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِى أَيُّوبَ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النبي ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ عَمَلٍ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ ﷿ وَلَا أَعْظَمَ أَجْرًا مِنْ خَيْرٍ تَعْمَلُهُ في عَشْرِ الأَضْحَى» الحديث.\nوله شواهد لا تخلو من مقال منها كحديث جابر وابن عمر وأبي هريرة وابن عمرو.","vol":"1","page":288},{"text":"• الثانية: الأدلة الخاصة في المسألة:\nورد عن النبي ﷺ في هذا الباب حديثان:\nالأول: عن عائشة ﵂ قالت: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا في الْعَشْرِ قَطُّ» (^١).\nالثانى: عن حفصة ﵂ قالت: «أَرْبَعٌ لم يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَعُهُنَّ: صِيَامَ الْعَشْرِ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٧٦)، وقال: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَاقُ قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ الآخَرَانِ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ به. وَحَدَّثَنِى أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ الْعَبْدِىُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النبي ﷺ لم يَصُمِ الْعَشْرَ، قلت: وهذا الحديث قد انتقده الدارقطني على مسلم، وقد سئل عن هذا الحديث في العلل (ج ٥/ ٢/ ق ١٩ أ) فَقال: يَروِيهِ إِبراهِيمُ النَّخَعِيُّ، واختُلِف عَنهُ؛ فَرَواهُ الأَعمَشُ، عَنْ إِبراهِيم، عَنِ الأَسوَدِ، عَنْ عائِشَة، ولم يُختَلَف عَنِ الأَعمَشِ فِيه. حَدَّث بِهِ عَنهُ أَبُو مُعاوِيَة، وحَفصُ بن غِياثٍ، ويَعلَى بن عُبَيدٍ، وزائِدَةُ بن قُدامَة، وعبدة بن سُلَيمان، والقاسِمُ بن مَعنٍ، وأَبُو عَوانَة، واختُلِف عَنِ الثَّورِيِّ؛ فَرَواهُ ابن مَهدِيٍّ، عَنِ الثَّورِيِّ، عَنِ الأَعمَشِ، كَذَلِك. وتابعه يَزِيد بن زُرَيعٍ، واختُلِف عَنهُ؛ فَرَواهُ حُمَيدٌ المروَزِيُّ، عَنْ يَزِيد بنِ زُرَيعٍ، عَنِ الثَّورِيِّ، عَنِ الأَعمَشِ، مِثل قَولِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ مَهدِيٍّ، وحَدَّث بِهِ شَيخٌ مِنْ أَهلِ أَصبَهان، يُعرَفُ بِعَبدِ الله ابنِ مُحَمدِ بنِ النُّعمانِ، عَنْ مُحَمدِ بنِ مِنهالٍ الضَّرِيرِ، عَنْ يَزِيد بنِ زُرَيعٍ، عَنِ الثَّورِيِّ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ إِبراهِيم، عَنِ الأَسوَدِ، عَنْ عائِشَة. وَتابَعَهُ مَعمَرُ بن سَهلٍ الأَهوازِيُّ، عَنْ أَبِي أَحمد الزُّبَيرِيِّ، عَنِ الثَّورِيِّ. والصَّحِيحُ: عَنِ الثَّورِيِّ، عَنْ مَنصُورٍ، عَنْ إِبراهِيم، قال: حُدِّثت أَنَّ رَسُول الله ﷺ. وكَذَلِك رَواهُ أَصحابُ مَنصُورٍ، عَنْ مَنصُورٍ مرسلًا مِنهُم فُضيلُ بن عياض، وجَرِيرٌ. قلت: وقد رجح الترمذي رواية الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة متصلًا؛ لأن الأعمش أحفظ لحديث إبراهيم من منصور، قال الترمذي في «السنن» (٣/ ١٢٠): «هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ. وَرَوَى الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يُرَ صَائِمًا فِي العَشْرِ.\nوَرَوَى أَبُو الأَحْوَصِ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَائِشَةَ، وَلم يَذْكُرْ فِيهِ: عَنِ الأَسْوَدِ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا عَلَى مَنْصُورٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَرِوَايَةُ الأَعْمَشِ أَصَحُّ وَأَوْصَلُ إِسْنَادًا. وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ: الأَعْمَشُ أَحْفَظُ لِإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَنْصُورٍ.","vol":"1","page":289},{"text":"وَعَاشُورَاءَ، وَصَوْمَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ» (^١).\n_________\n(^١) مضطرب: مدار هذا الحديث على الحر بن الصياح واختلف عليه: فرواه أبو عوانة، عن الحر بن الصياح، عن هنيدة بن خالد الخزاعى، عن امرأته، عن بعض نساء النبي ﷺ. أخرجه أحمد (٥/ ٢٧١)، (٦/ ٢٨٨، ٤٢٣)، وأبو داود (٢٤٣٧) والنسائي (٢٣٧١، ٢٤١٦، ٢٤١٧).\nورواه عمرو بن قيس الملائى: عن الحر بن الصياح، عن هنيدة، عن حفصة عن النبي ﷺ به. أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٧) والنسائي (٢٤١٥) وغيرهما. وفى إسناده: عمرو بن قيس الملائى فيه جهالة، قال الذهبى: «ما علمت روى عنه غير أبي النضر هاشم». قال الحافظ في «التقريب»: مقبول.\n٣ - شريك: فرواه عن الحر بن الصياح عن ابن عمر، قال: كان النبي ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر. وشريك بن عبد الله قال الحافظ: يخطئ كثيرًا. قال ابن أبي حاتم في «علل الحديث» (١/ ٢٣١): سألتُ أبِي وأبا زُرعة عَنْ حدِيثٍ رواهُ شرِيكٌ، عنِ الحُرِّ بنِ الصياحِ، عنِ ابنِ عُمر: أنَّ النّبِيّ ﷺ كان يصُومُ مِنْ الشّهرِ الإثنين والخمِيس الّذِي يلِيهِ، ثُمّ الإثنين الّذِي يلِيهِ. فقالا: هذا خطأٌ، إِنّما هُو الحُرُّ بنُ الصياحٍ، عن هُنيدة بنِ خالِدٍ، عنِ امرأتِهِ، عن أُمِّ سلمة، عنِ النّبِيِّ ﷺ.\n٤ - زهير بن معاوية: عَنِ الْحُرِّ بْنِ صَيَّاحٍ عن هُنَيْدَةَ، قال: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ المؤْمِنِينَ سَمِعْتُهَا تَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ: أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ، ثُمَّ الْخَمِيسَ، ثُمَّ الْخَمِيسَ الَّذِي يَلِيهِ. (كذا بدون ذكر العشر) أخرجه النسائي (٢٤١٤).\nقلت: قد تابع الحر بن الصياح الحسنُ بن عبيد الله النخعي، ولكن بلفظ مختلف لم يذكر فيه «صيام العشر» فلو صح لم يشهد لمتن هذا الحديث، فرواه الحسن، عن هنيدة، عن أمه، عن أم سلمة، قالت: «كان رسول الله ﷺ يأمر بصيام ثلاثة أيام: أول خميس، والإثنين والإثنين». واختلف في متنه اختلافًا كبيرًا، فقيل ما ذكر، وقيل: «أولها الإثنين، والجمعة، والخميس»، وقيل: «أولها الإثنين والخميس»، وقيل: «الإثنين والخميس والخميس» وقيل غير ذلك، أخرجه أحمد (٦/ ٢٨٩، ٣٢٠)، وأبو داود (٢٤٥٢)، والنسائي (٢٤١٨) وغيرهم. قال البخاري: لم أخرج حديث الحسن بن عبيد الله؛ لأن عامة حديثه مضطرب. قلت: فمتن هذا الحديث لا يشهد للحديث السابق. فمداره على هنيدة بن خالد وقد اختلف عليه ألوانًا في سنده ومتنه: قال أبو نعيم: هنيدة مختلف في صحبته. ذكره ابن عبد البر، وابن منده في «الصحابة»، واضطرب فيه قول ابن حبان، فذكره مرة في «الصحابة»، ومرة في «ثقات التابعين» قال الحافظ: أخرج أبو نعيم حديثين عن النبي ﷺ، لكن ليس فيهما تصريح. وقد ضعفه الزيلعى في «نصب الراية» (٢/ ١٥٧).","vol":"1","page":290},{"text":"• الثالثة: إذا كان صيام العشر من ذى الحجة مستحبًّا، فلماذا لم يفعله النبي ﷺ؟\nذكر العلماء لذلك سببين:\nالأول: أنه ربما إذا صام ضعف أن يعمل ما هو أعظم منزلة من الصوم، كالصلاة، والذكر، وقراءة القرآن (^١).\nالثانى: أن النبي ﷺ يترك العمل وهو يحبه؛ خشية أن يفرض على أمته (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-206> المبحث السادس: صوم يوم عرفة، وفيه مسائل:</span>\n• الأولى: صوم يوم عرفة لغير الحاج:\nيستحب صوم يوم عرفة لغير الحاج، دل على ذلك السنة والمأثور:\nأما الدليل من السنة: فهو ما رواه مسلم (^٣) عن أبى قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:\n_________\n(^١) قال الطحاوي «شرح مشكل الآثار» (٧/ ٤١٨): إنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ﷺ لم يَكُنْ يَصُومُ فِيهَا عَلَى مَا قَالَتْ عَائِشَةُ؛ لأنه كَانَ إِذَا صَامَ ضَعُفَ عَنْ أَنْ يَعْمَلَ فِيهَا مَا هُوَ أَعْظَمُ مَنْزِلَةً مِنَ الصَّوْمِ وَأَفْضَلُ مِنْهُ، مِنَ الصَّلَاةِ، وَمِنْ ذِكْرِ اللهِ ﷿، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ فِي ذَلِكَ مِمَّا كَانَ يَخْتَارُهُ لِنَفْسِهِ. كَمَا حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ كَانَ لَا يَكَادُ يَصُومُ، فَإِذَا صَامَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَيَقُولُ: «إِنِّي إِذَا صُمْتُ ضَعُفْتُ عَنِ الصَّلَاةِ، وَالصَّلَاةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الصَّوْمِ» فَيَكُونُ مَا قَدْ ذَكَرَتْهُ عَائِشَةُ عَنْهُ ﷺ مِنْ تَرْكِهِ الصَّوْمَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ لِيَتَشَاغَلَ فِيهَا بِمَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ فِيهَا لَهُ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَهُ مِمَّا قَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَانِعٍ أَحَدًا مِنَ الميْلِ إِلَى الصَّوْمِ فِيهَا لَا سِيَّمَا مَنْ قَدَرَ عَلَى جَمْعِ الصَّوْمِ مَعَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَقَرَّبُ بِهَا إِلَى اللهِ ﷿ سِوَاهُ.\n(^٢) قال الحافظ ابن حجر «فتح الباري» (٢/ ٥٣٤): وَاسْتُدِلَّ بحديث ابن عباس عَلَى فَضْلِ صِيَامِ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ لِانْدِرَاجِ الصَّوْمِ فِي الْعَمَلِ، وَاسْتَشْكَلَ بِتَحْرِيمِ الصَّوْمِ يَوْمَ الْعِيدِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ، وَلَا يَرُدُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا الْعَشْرَ قَطُّ» لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَى أُمَّتِهِ.\n(^٣) أخرجه مسلم (١١٦٢).","vol":"1","page":291},{"text":"«صِيَامُ يوم عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِى بَعْدَهُ».\nأما الدليل من المأثور: فعن عائشة ﵂ قالت: «مَا مِنَ السَّنَةِ يَوْمٌ أَحَبُّ إلى أَنْ أَصُومَهُ مِنْ يوم عَرَفَةَ» (^١).\nمعنى أن صيام يوم عرفة يكفر السنة التى قبله، والسنة التى بعده:\nقال الماوردي في «الحاوى»: فِيهِ تَأْوِيلَانِ:\nأَحَدُهُمَا: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ.\nوَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْصِمُهُ في هَاتَيْنِ السَّنَتَيْنِ فَلَا يَعْصِي فِيهِمَا (^٢).\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه الطبري في «تهذيب الآثار» (١/ رقم ٦٠٠، ٦٠١) وفى إسناده عبد الرحمن بن ثروان، وهو صدوق.\n(^٢) قال السرخسى: أما السنة الأولى فتكفر ما جرى فيها، قال: واختلف العلماء في معنى تكفير السنة الباقية المستقبلية. وقال بعضهم: معناه إذا ارتكب فيها معصية، جعل الله تعالى صوم يوم عرفة الماضى كفارة، كما جعله مكفرًا لما في السنة الماضية.\nوقال بعضهم: معناه أن الله تعالى يعصمه في السنة المستقبلية عن ارتكاب ما يحتاج فيه إلى كفارة.\nوقال صاحب العدة في تكفير السنة الأخرى: يحتمل معنيين:\nأحدهما: المراد: السنة التى قبل هذه، فيكون معناه أنه يكفر سنتين ماضيتين.\nوالثانى: أنه أراد سنة ماضية، وسنة مستقبلية. قال: وهذا لا يوجد مثله في شاء من العبادات، أنه يكفر الزمان المستقبل، وإنما ذلك خاص لرسول الله ﷺ غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، بنص القرآن العزيز.\nمعنى يكفر السنة الماضية والباقية، هل يكفر الصغائر، أم يكفر الصغائر والكبائر؟ في معنى هذا الحديث: تأويلان: الأول: أنه يكفر كل الذنوب الصغائر والكبائر. الثانى: يكفر الصغائر فقط.\nقال القاضى عياض: هذا المذكور في الأحاديث من غفران الصغائر دون الكبائر، وهو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما تكفرها التوبة، أو رحمة الله تعالى. فإن قيل: قد وقع في هذا الحديث هذه الألفاظ، ووقع في الصحيح غيرها، مما في معناها، فإذا كفر الوضوء، فماذا تكفره الصلاة، وإذا كفرت الصلوات، فماذا تكفره الجماعات، ورمضان، وكذا صوم يوم عرفة كفارة سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه؟\nفالجواب: ما أجاب به العلماء، أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة، كتبت به حسنات، ورفعت له به درجات، وذلك كصلوات الأنبياء، والصالحين، والصبيان، وصيامهم، ووضوئهم، وغير ذلك من عباداتهم، وإن صادف كبيرة أو كبائر، ولم يصادف صغائر رجونا أن تخفف من الكبائر.","vol":"1","page":292},{"text":"الثانية: هل يستحب صوم يوم عرفة للحاج؟\nذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يصام يوم عرفة بعرفات وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (^١).\nواستدلوا لذلك بالسنة:\nفعن عكرمة قال: دخلت على أبى هريرة في بيته، فسألته عن صوم يوم عرفة بعرفات، فقال أبو هريرة: «نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتٍ» (^٢).\nوفي «الصحيحين» (^٣). عن أم الفصل بنت الحارث ﴿: «أَنَّ نَاسًا اخْتَلَفُوا عِنْدَهَا يوم عَرَفَةَ في صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ فَقال بَعْضُهُمْ هُوَ صَائِمٌ وَقال بَعْضُهُمْ لَيْسَ بِصَائِمٍ فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهْوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيرِهِ فَشَرِبَهُ».\n_________\n(^١) «شرح معانى الآثار» (٢/ ٧٣)، و«التمهيد» (٢١/ ١٥٨)، و«المجموع» (٦/ ١٨٠)، و«شرح العمدة» (٢/ ٧٦٢).\n(^٢) ضعيف: أخرجه أبو داود (٢٤٤٠)، والنسائي في «الكبرى» (٢٨٣٠، ٢٨٣١)، وابن ماجه (١٧٣٢) وغيرهم. كلهم من طريق: حوشب بن عقيل: عن مهدى الهجرى، عن عكرمة، عن أبي هريرة به. قلت: ورواه عن حوشب جماعة منهم: (وكيع، عبد الرحمن بن مهدى، الطيالسى، سليمان بن حرب). قلت: وفى إسناده مهدى الهجرى وهو مجهول، قال ابن معين: لا أعرفه. خالف الجماعة الحارث بن عبيد، فرواه عن حوشب، عن عكرمة، عن ابن عباس. فجعله من مسند ابن عباس، بدل من أبي هريرة. أخرجه البيهقي في «الكبرى» (٥/ ١١٧).\nقلت: وفى إسناده الحارث وهو ضعيف الحديث، وقد أعله البيهقي فقال: ولا يصح، والمحفوظ عن عكرمة عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٨٨)، ومسلم (١١٢٣).","vol":"1","page":293},{"text":"وفي «الصحيحين» (^١). عن ميمونة ﵂: «أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا في صِيَامِ النَّبِيِّ ﷺ يوم عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلَابٍ وَهْوَ وَاقِفٌ في الموْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ».\nوسُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ صَوْمِ يوم عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ فَقال: حَجَجْتُ مَعَ النبي ﷺ فَلم يَصُمْهُ، وَمَعَ أَبِى بَكْرٍ فَلم يَصُمْهُ، وَمَعَ عُمَرَ فَلم يَصُمْهُ، وَمَعَ عُثْمَانَ فَلم يَصُمْهُ. وَأَنَا لَا أَصُومُهُ وَلَا آمُرُ بِهِ وَلَا أَنْهَى عَنْهُ (^٢).\nوجه الدلالة من هذه الأحاديث: أن الفطر أفضل لأهل عرفة لاختياره ﷺ لنفسه ولأصحابه، واختيار خلفائه بعده، وفى الفطر قوة على الدعاء، وفيه أن يوم عرفة عيد لأهل عرفة (^٣)، روي عن مالك أنه كان يأمر بالفطر يوم عرفة في الحج، ويذكر أن النبي ﷺ كان مفطرًا (^٤).\nقال أحمد: يستحب صيام عرفة هنا، وأما بعرفة فلا، يروون عن النبي ﷺ أنه أفطر (^٥).\nقال الشافعي: أحب صيام يوم عرفة لغير الحاج، فأما من حج، فأَحَب إلى أن يفطر؛ ليقويه الفطر على الدعاء.\nوقد ورد عن بعض السلف كعائشة، والزبير بن العوام، والحسن البصرى - أنهم يستحبون صيام يوم عرفة بعرفات.\n١ - عن القاسم بن محمد، قال: وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ عَشِيّةَ عَرَفَةَ، يَدْفَعُ الإمَامُ وَتَقِفُ حَتّى يَبْيَضّ مَا بَيْنَها وَبيْنَ النّاسِ مِنَ الأَرْضِ، ثُمّ تَدْعُو بالشَّرَابِ فَتُفْطِرُ» (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٨٩)، ومسلم (١١٢٤).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه أحمد (٢/ ٤٧، ٥٠)، والنسائي في «الكبرى» (٢٨٢٦)، والترمذي (٧٥١) وغيرهم. من طريق عبد الله بن أبي نجيح، عن أبيه، عن ابن عمر به.\n(^٣) انظر: «تهذيب السنن» (٣/ ٣٣٢).\n(^٤) انظر: «التمهيد» (٢١/ ١٥٨).\n(^٥) «شرح العمدة» (٢/ ٧٦٢).\n(^٦) صحيح: أخرجه الطبرى في «تهذيب الآثار» (١/ ٦٠٦ - مسند عمر).","vol":"1","page":294},{"text":"٢ - عن عروة بن الزبير، قال: مَا شَهِدَ أَبِي عَرَفَةَ قَطُّ إِلاّ وَهُوَ صَائِمٌ (^١).\n٣ - عن الحسن البصرى أَنّهُ كَانَ يُعْجِبُهُ صَوْمُ يوم عَرَفَةَ وَيَأْمُر بِهِ حَتّىَ الحَجّاجَ يَأْمُرُهم بِهِ، وَقَالَ: رَأَيْتَ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي العَاصِ بِعَرَفَاتٍ في يوم شَدِيدِ الحَرِّ صَائِمًا، وَهُمْ يُرَوِّحُونَ عَنْهُ» (^٢).\nوالراجح: ما قاله ابن القيم (^٣): فالصواب أن الأفضل لأهل الآفاق صومه، ولأهل عرفة فطره لاختياره ﷺ ذلك لنفسه، وعمل خلفائه بعده بالفطر، وفيه قوة على الدعاء الذى هو أفضل دعاء العبد، وفيه أن يوم عرفة عيد لأهل عرفة، فلا يستحب لهم صيامه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-207> المبحث السابع: صوم محرم وتأكيد صوم عاشوراء، وفيه مسائل:</span>\n• الأولى: يستحب أن يكثر العبد من الصيام في المحرم، وهو أفضل الصيام بعد رمضان:\nعن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ المحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ» (^٤).\nوهنا أمرٌ يجب التنبه عليه وهو إذا كان أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم،\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه الطبرى في «تهذيب الآثار» (١/ ٦٠٤ - مسند عمر)، من طريق هشام بن عروة، عن أبيه به.\n(^٢) صحيح: أخرجه الطبرى في «تهذيب الآثار» (١/ ٦٠٢، ٦٠٣ مسند عمر).\n(^٣) «تهذيب السنن» (٣/ ٣٢٢).\n(^٤) مدار هذا الحديث على حميد بن عبد الرحمن الحميرى، واختلف عليه: فرواه عنه أبو بشر، واختلف عنه، فرواه أبو عوانة، عن أبي بشر، عن حميد، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ\nبه. أخرجه مسلم (١١٦٣). ورواه شعبة، عن أبي بشر، عن حميد، عن رسول الله ﷺ مرسلًا.\nأخرجه النسائي (١٦١٣)، وابن المبارك في «الزهد» (١٢١٤). وهذا الحديث مما انتقده الدارقطني على مسلم، وكأنه يشير إلى أن الصحيح في هذه الرواية الإرسال؛ ذلك لأن شعبة أحفظ من أبي عوانة. قلت: ولكن هناك قرائن ترجح الرواية المتصلة، وهى متابعة محمد بن المنتشر لأبي بشر على الوصل، أخرجه مسلم (١١٦٣)، والنسائي (٢/ ٢٩٠٥، ٢٩٠٦)، وابن ماجه (١٧٤٢)، وأحمد (٢/ ٣٠٣، ٣٢٩، ٣٤٢، ٥٣٥).","vol":"1","page":295},{"text":"فلماذا كان النبي ﷺ يصوم في شعبان أكثر من المحرم؟\nبمعنى آخر: كيف يجمع بين هذين الحديثين:\nالأول: قول النبي ﷺ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ المحَرَّمُ».\nالثانى: حديث عائشة: «لم يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ».\nذكر العلماء للجمع بين هذين الحديثين وجهين:\nالأول: أن شهر شعبان تُرفع فيه الأعمال، وأنه شهر يغفل عنه الناس، كما ورد من حديث أسامة بن زيد، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لم أَرَكَ تَصُومُ مِنَ شَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ. قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالمينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ.» (^١).\nالثانى: ما قاله النووي (^٢): لَعَلَّهُ لم يَعْلم فَضْلَ المحَرَّم إِلَّا في آخِر الْحَيَاة قَبْل التَّمَكُّن مِنْ صَوْمه، أَوْ لَعَلَّهُ كَانَ يَعْرِض فِيهِ أَعْذَارٌ تَمْنَع مِنْ إِكْثَار الصَّوْم فِيهِ كَسَفَرٍ وَمَرَضٍ وَغَيْرِهِمَا.\n• الثانية: يستحب صوم عاشوراء:\nوهو اليوم العاشر من محرم، وهذا قول جماهير العلماء من السلف والخلف (^٣).\n_________\n(^١) حسن: وقد سبق تخريجه.\n(^٢) «شرح مسلم» (٣/ ٢٢٤).\n(^٣) انظر: «شرح مسلم» للنووى (٣/ ٢٠٥) وقد ورد عن ابن عباس ما يفهم منه أن المقصود\nبيوم عاشوراء: هو اليوم التاسع من المحرم، وهذا هو قول ابن حزم، والضحاك بن مزاحم.\nروى مسلم (١١٣٣) من طريق الْحَكَمِ بْنِ الأَعْرَجِ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى ابن عباس ﴿وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ في زَمْزَمَ فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِى عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ المحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا. قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.\nقال القرطبى في «الجامع لأحكام القرآن» (١/ ٣٩١): قول ابن عباس للسائل: (فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا)، ليس فيه دليل على ترك صوم العاشر، بل وعد أن يصوم التاسع مضافًا إلى العاشر. قالوا: فصيام اليومين جمع بين الأحاديث، وقول ابن عباس للحكم لما قال له: هكذا كان محمد ﷺ يصومه؟ قال: نعم. معناه أن لو عاش؛ وإلا فما كان النبي ﷺ صام التاسع قط، يبينه ما خرجه ابن ماجه في سننه، ومسلم في «صحيحه» عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ». قال الطحاوي في «شرح معانى الآثار» (٢/ ٧٨): قوله: «لأصومن يوم التاسع» يحتمل: لأصومن يوم التاسع مع العاشر، أى: لئلا أقصد بصومى إلى يوم عاشوراء بعينه، كما يفعل اليهود، ولكن أخلطه بغيره، فأكون قد صمته، بخلاف ما تصومه يهود، وقد روي عن ابن عباس ما يدل على هذا المعنى، وانظر السنن «الكبرى» للبيهقى (٤/ ٨٧)، «وتهذيب السنن» (٣/ ٣٢٣).","vol":"1","page":296},{"text":"واستدلوا لذلك بالسنة والإجماع.\nأما دليلهم من السنة: فعن أبى قتادة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صِيَامُ يوم عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» (^١).\nوالأحاديث كثيرة ومتوافرة على فضل صوم يوم عاشوراء.\nوقد نقل غير واحد من أهل العلم أنه يستحب صيام يوم عاشوراء، منهم ابن عبد البر (^٢) والنووي (^٣).\n• الثالثة: استحباب صوم التاسع مع العاشر:\nويستحب صوم التاسع من المحرم مع العاشر؛ لما روى مسلم (^٤)، عن ابن عباس ﵁ قال: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوم عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يوم تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. فَقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ المقْبِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ صُمْنَا اليوم التَّاسِعَ». قال: فَلم يَأْتِ الْعَامُ المقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.\nوقد أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: أخبرنى عطاء أنه سمع ابن عباس يقول: «خالِفوا اليهود، وصوموا التاسع والعاشر» (^٥).\n• الرابعة: هل يصام الحادى عشر مع التاسع والعاشر؟\nعن ابن عباس ﴿قال: قال رسول الله ﷺ: «صُومُوا يوم عَاشُورَاءَ، وَخَالِفُوا الْيَهُودَ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٦٢).\n(^٢) انظر: «التمهيد» (٢٢/ ١٤٨).\n(^٣) انظر: «شرح مسلم» (٣/ ٢٠٥).\n(^٤) أخرجه مسلم (١١٣٤).\n(^٥) صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٧٨٣٩).","vol":"1","page":297},{"text":"صُومُوا قَبْلَهُ يومًا أَوْ بَعْدَهُ يومًا» (^١).\nالحاصل في المسألة: أن الفضل الوارد في الحديث هو صيام يوم التاسع والعاشر.\nأما صوم الحادي عشر فهو كأي يوم من المحرم، وفيه الدليل العام (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم) أما المؤكد بالصيام فهو التاسع والعاشر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-208> المبحث الثامن: صوم شعبان: وفيه مسائل:</span>\n• الأولى: يستحب الإكثار من الصيام في شعبان:\nوذلك لما في «الصحيحين» (^٢) عن عائشة ﵂ قالت: «لم يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ، فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ».\nفائدة: كيف يجمع بين هذين الحديثين:\nالحديث الأول: حديث عائشة قالت: «مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلاَّ رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ في شَعْبَانَ» (^٣).\nالحديث الثانى: ما ورد عنها أيضًا أنها قالت: «كَانَ رَسُول اللهِ ﷺ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ».\nقلت: يجمع بين هذه الأحاديث بما رواه مسلم (^٤) عن عائشة قالت: «وَلم أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلاَّ قَلِيلًا».\nوالفقرة الثانية من الحديث وهى: كان يصوم شعبان إلا قليلا مفسرة للفظة الأولى وهى:\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا: أخرجه أحمد (١/ ٢٤١)، والحميدى في «مسنده» (٤٨٥)، والبزار (١٠٥٢) وغيرهم. من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن داود بن على، عن أبيه، عن جده به.\nقلت: وفى إسناده داود بن على ضعيف جدًّا، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سيئ الحفظ، ووقع في متنه اضطراب، فروي هكذا، وروي على التخيير: «صوموا قبله يومًا أو بعده يومًا». قال البزار عقب إخراجه: «قد روي عن ابن عباس من غير وجه، ولا نعلم روى «صوموا قبله يومًا أوبعده يومًا» إلا داود بن على عن أبيه، عن ابن عباس، تفرد بها عن النبي ﷺ.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٧٠)، ومسلم (٧٨٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦).\n(^٤) أخرجه مسلم (١١٥٦).","vol":"1","page":298},{"text":"وكان يصوم شعبان كله، مخصصة لها. والمراد بالكل هو الأكثر وهذا للجمع بين الروايات.\nقال الترمذي (^١): جَائِزٌ في كَلَامِ العَرَبِ، إِذَا صَامَ أَكْثَرَ الشَّهْرِ أَنْ يُقَالَ: صَامَ الشَّهْرَ كُلَّهُ، وَيُقَالُ: قَامَ فُلَانٌ لَيْلَهُ أَجْمَعَ، وَلَعَلَّهُ تَعَشَّى وَاشْتَغَلَ بِبَعْضِ أَمْرِهِ.\n• الثانية: ما حكم تخصيص يوم النصف من شعبان بصيام؟\nورد عن النبي ﷺ في هذا الباب حديث، ولكنه ضعيف جدًّا.\nعن على بن أبى طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ لِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا، حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ» (^٢) ضعيف جدًّا.\nقال المباركفورى (^٣): لم أَجِدْ في صَوْمِ يوم لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ حَدِيثًا مَرْفُوعًا صحيحًا، وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ الَّذِي رَوَاهُ اِبْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ: إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا … إِلَخْ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ ضَعِيفٌ جَدًّا، وَلِعَلِيٍّ ﵁ فِيهِ حَدِيثٌ آخَرُ، وَفِيهِ: فَإِنْ أَصْبَحَ في ذَلِكَ اليوم صَائِمًا كَانَ صِيَامُ سِتِّينَ سَنَةٍ مَاضِيَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ، رَوَاهُ اِبْنُ الْجَوْزِيِّ في الموْضُوعَاتِ وَقَالَ: مَوْضُوعٌ وَإِسْنَادُهُ مُظْلم (^٤).\n_________\n(^١) «السنن» (٣/ ١٠٥).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٣٨٨)، قلت: وفى إسناده أبو بكر بن أبي سبرة وهو وضاع.\n(^٣) «تحفة الأحوذى» (٣/ ٤٤٤).\n(^٤) «فتاوى رمضان» (٢/ ٧٢٩). وسئل الشيخ صالح بن فوزان حفظه الله:\nهل يشرع قيام النصف من شعبان وصيام الخامس عشر منه؟\nفأجاب: لم يثبت عن النبي ﷺ قيام ليلة النصف من شعبان بخصوصها، ولا بصيام اليوم الخامس عشر من شعبان بخصوصه، لم يثبت عن النبي ﷺ شاء يُعتمد عليه، فليلة النصف من شعبان كغيرها من الليالى، إن كان له عادة القيام في الليل، فإنه يقوم فيها كما يقوم في غيرها، دون أن يكون لها ميزة؛ لأن تخصيص وقت لعبادة من العبادات لابد له من دليل صحيح، فإذا لم يكن هناك دليل صحيح، فإن ذلك يكون بدعة، وكل بدعة ضلالة. وكذلك، لم يرد في صيام يوم الخامس عشر من شعبان، أو النصف من شعبان، بخصوصه دليل عن النبي ﷺ يقتضى مشروعية صيام ذلك اليوم. أما ما ورد من الأحاديث في هذا الموضوع، فكلها ضعيفة، كما نص على ذلك أهل العلم. ولكن من كان من عادته أن يصوم الأيام البيض، فإنه يصومها في شعبان، كما يصومها في غيره، لا على أنه خاص بهذا اليوم، كما كان ﷺ يصوم ويُكثر الصيام في هذا الشهر، لكنه لم يخص هذا اليوم، وإنما يدخل تبعًا.","vol":"1","page":299},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-209> المبحث التاسع: صوم الأشهر الحرم: وفيه مسائل:</span>\n• الأولى: هل يستحب الإكثار من الصوم في الأشهر الحرم؟\nوالأشهر الحرم هى: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب (^١).\nذهب جمهور العلماء إلى أنه يستحب الإكثار من الصيام في الأشهر الحرم.\nواستدلوا لذلك بالقرآن والسنة والمأثور:\nدليلهم من القرآن: قد دل القرآن على تعظيم الأشهر الحرم، والإكثار فيها من الطاعات، والبعد عن المحرمات، والصيام من جملة الأعمال الصالحة بل من أفضلها.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا في كِتَابِ اللَّهِ يوم خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلموا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].\nوجه الدلالة من الآية: قوله: ﴿فَلَا تَظْلموا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]\nأى: بارتكاب الذنوب، وترك الطاعات.\nقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: فى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَظْلموا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الظلم: العمل بمعاصي الله، والترك لطاعته (^٢).\nأما دليلهم من السنة: فعَنْ مُجِيبَةَ الْبَاهِلِيَّةِ عَنْ أَبِيهَا أَوْ عَمِّهَا أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ انْطَلَقَ فَأَتَاهُ بَعْدَ سَنَةٍ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ حَالَتُهُ وَهَيْئَتُهُ فَقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا تَعْرِفُنِى؟! قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦٦٢)، ومسلم (١٦٧٩)، عن أبي بكرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالمحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ».\n(^٢) صحيح: أخرجه الطبرى في «تفسيره» (٦/ ٣٦٥).","vol":"1","page":300},{"text":"«وَمَنْ أَنْتَ؟». قال: أَنَا الْبَاهِلِىُّ الَّذِى جِئْتُكَ عَامَ الأَوَّلِ. قال: «فَمَا غَيَّرَكَ وَقَدْ كُنْتَ حَسَنَ الْهَيْئَةِ؟» قال: مَا أَكَلْتُ طَعَامًا إِلاَّ بِلَيْلٍ مُنْذُ فَارَقْتُكَ. فَقال رسول اللَّهِ ﷺ: «لم عَذَّبْتَ نَفْسَكَ؟!». ثُمَّ قال: «صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَيومًا مِنْ كُلِّ شَهْرٍ». قال: زِدْنِى فَإِنَّ بِى قُوَّةً. قال: «صُمْ يومين». قال: زِدْنِى. قال: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ». قال: زِدْنِى. قال: «صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ». وَقال بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثَةِ فَضَمَّهَا ثُمَّ أَرْسَلَهَا (^١).\nأما دليلهم من المأثور:\n١ - فعن سالم: «أن ابن عمر كَانَ يَصُومُ أَشْهُرَ الْحُرُمِ» (^٢).\n٢ - وعن يونس بن عبيد: «أن الحسن كَانَ يَصُومُ أَشْهُرَ الْحُرُمِ» (^٣).\nوهنا مسألة هامة: وهى إذا كان يستحب الصوم في الأشهر الحرم، فهل هى كلها بمنزلة واحدة، أو أنها تتفاضل؟\nنقول إنها تتفاضل، فقد ثبت في فضل المحرم قول النبي ﷺ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ المحَرَّمُ».\nوثبت في فضل العشر الأول من ذى الحجة قول النبي ﷺ: «مَا الْعَمَلُ في أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا في هَذِهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ. إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُ مِنْ ذَلِكَ بِشَىْءٍ» (^٤).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه أحمد (٥/ ٢٨)، وأبو داود (٢٤٢٨)، والنسائي في «الكبرى» (٢٧٤٣) وغيرهم. من طريق سعيد الجريرى، عن أبي السَّليل، عن مُجِيبَةَ الباهلية، عن أبيها، أو عمها به.\nقلت: وفى هذا السند علتان: الأولى: جهالة مجيبة. الثانية: اختلف عليه اختلافًا كبيرًا، قال الحافظ في «التهذيب»: واختلف عليه فيه: فقيل: هكذا - أى: مجيبة الباهلية - وقيل: عن أبي مجيبة، عن أبيه، عن عمه، وقيل: عن مجيبة الباهلية، عن أبيها، عن عمها.\n(^٢) رجاله ثقات: أخرجه عبد الرزاق (٧٨٥٦)، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، به.\n(^٣) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٤٢)، عن ابن علية، عن يونس، عن الحسن به.\n(^٤) صحيح: سبق تخريجه.","vol":"1","page":301},{"text":"• الثانية: صوم رجب:\nأولًا: لم يرد في تخصيص رجب بالصيام فضل عن رسول الله ﷺ إلا أحاديث واهية.\nوهذه بعض الأحاديث الواردة:\nالحديث الأول: عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: «صَوْمُ أَوَّلِ يوم مِنْ رَجَبٍ كَفَّارَةُ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَالثَّانِي كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ، وَالثَّالِثِ كَفَّارَةُ سَنَةٍ ثُمَّ كُلِّ يوم شَهْرًا» (^١).\nالحديث الثانى: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ رَجَبَ شَهْرُ اللهِ، وَيُدْعَى الْأَصَمَّ (^٢)، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ يُعَطِّلُونَ أَسْلِحَتَهُمْ وَيَضَعُونَهَا، وَكَانَ النَّاسُ يَنَامُونَ، وَتُأْمَنُ السُّبُلُ، وَلَا يَخَافُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى يَنْقَضِيَ» (^٣).\nالحديث الثالث: عن أبى سعيد الخدري، قال النبي ﷺ: «رَجَبَ شَهْرُ اللهِ الْأَصَمَّ، من صام من رجب يومًا إيمانًا واحتسابًا استوجب رضوان الله الأكبر» (^٤).\nوقد تضافرت أقوالٍ أهل العلم على أن الأحاديث الواردة في فضل رجب موضوعة وواهية.\nقال شيخ الإسلام (^٥): وَأَمَّا صَوْمُ رَجَبٍ بِخُصُوصِهِ فَأَحَادِيثُهُ كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ بَلْ مَوْضُوعَةٌ، لَا يَعْتَمِدُ أَهْلُ الْعِلم عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَيْسَتْ مِنَ الضَّعِيفِ الَّذِي يُرْوَى في الْفَضَائِلِ بَلْ عَامَّتُهَا مِنَ الموْضُوعَاتِ المكْذُوبَاتِ.\nقال ابن القيم (^٦): وكل حديث في ذكر صوم رجب وصلاة بعض الليالى فيه، فهو كذب\n_________\n(^١) ضعيف جدًّا: أخرجه الخلال في «فضائل شهر رجب» (ص ٦٧).\n(^٢) قال أبو عبيد: وسمي رجب أصم، لأن الله تعالى حرم فيه القتال، فلا يسمع فيه سفك دم ولا حركة سلاح، انظر الحاوي (٣/ ٣٤٤).\n(^٣) موضوع: أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢٨٠٤)، قال ابن حجر: وفى إسناده أبان بن سفيان وغالب بن عبيد الله، معروفان بوضع الحديث.\n(^٤) لا أصل له: قد ذكره الحافظ في «تبيين العجب» (ص ٤٦) وقال: وهو متن لا أصل له، اختلقه=\nأبو البركات السقطى، وركَّب له إسنادًا.\n(^٥) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٢٩٠).\n(^٦) «المنار المنيف» (ص ٦٤).","vol":"1","page":302},{"text":"مفترى.\nقال ابن رجب (^١): لم يصح في فضائل صوم رجب بخصوصه شاء عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه.\nوكذلك ذكر ذلك ابن السمعانى والعراقى والشوكانى (^٢) وغيرهم كثير.\n• الثالثة: ذكر ما ورد في النهى عن صيام رجب:\nعن ابن عباس ﴿: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ رَجَبٍ» (^٣)\nذكر بعض الآثار التى تنهى عن تخصيص رجب بالصيام:\n١ - عَنْ خَرَشَةَ بْنِ الْحُرِّ قال: رَأَيْتُ عُمَرَ يَضْرِبُ أَكُفَّ النَّاسِ في رَجَبٍ، حَتَّى يَضَعُوهَا في الْجِفَانِ وَيَقُولُ: كُلُوا فَإِنَّمَا هُوَ شَهْرٌ كَانَ يُعَظِّمُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ» (^٤).\n٢ - عن محمد بن زيد قال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا رَأَى النَّاسَ وَمَا يُعِدّونَ لِرَجَبٍ، كَرِهَ ذَلِكَ» (^٥).\n٣ - وعن عطاء بن أبى رباح قال: كان ابن عباس ينهى عن صيام رجب كله؛ لئلا يُتخذ عيدًا» (^٦).\n• الرابعة: ما حكم تخصيص بعض الأيام من رجب بالصيام أو بعض الليالى بالقيام؟\nقال شيخ الإسلام: مثل أول خميس من رجب وليلة تلك الجمعة التي تسمى الرغائب، فإن تعظيم هذا اليوم والليلة إنما حدث في الإسلام بعد المائة الرابعة، وروي فيه حديث موضوع باتفاق العلماء، مضمونه فضيلة صيام ذلك اليوم وفعل هذه الصلاة المسماة عند الجاهلين بصلاة الرغائب، وقد ذكر ذلك بعض المتأخرين من العلماء\n_________\n(^١) «لطائف المعارف» (ص ٢٢٨).\n(^٢) «هامش طبقات الشافعية الكبرى» (٧/ ١١)، و«فيض القدير» (٤/ ١٨)، و«السيل الجرار» (٢/ ١٤٣).\n(^٣) واهٍ: أخرجه ابن ماجه (١٧٤٣)، والطبراني في «الكبير» (١٠٦٨١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٨١٤). قلت: وفى إسناده: داود بن على متفق على ضعفه.\n(^٤) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٠٢).\n(^٥) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٠٢).\n(^٦) صحيح: أخرجه عبد الرازق (٧٨٥٤).","vol":"1","page":303},{"text":"من الأصحاب وغيرهم.\nوالصواب الذي عليه المحققون من أهل العلم النهي عن إفراد هذا اليوم بالصوم وعن هذه الصلاة المحدثة وعن كل ما فيه تعظيم لهذا اليوم من صنعة الأطعمة وإظهار الزينة ونحو ذلك، حتى يكون هذا اليوم بمنزلة غيره من بقية الأيام، وحتى لا يكون له مزية أصلًا. وكذلك يوم آخر في وسط رجب تصلى فيه صلاة تسمى صلاة أم داود، فإن تعظيم هذا اليوم لا أصل له في الشريعة أصلًا (^١).\nقال ابن جبرين: تخصيص رجب بالصوم، أو تخصيصه بالاعتمار فيه، ويسمونها عمرة رجبية، أو تخصيصه بليلة تحيا فيه تسمى ليلة الرغائب، وهى أول ليلة جمعة في رجب، أو تخصيصه بذبيحة تُذبح فيه، وتسمى العتيرة، كل هذا من البدع، وليس لها أصل في دين الله (^٢).\nالحاصل في صوم رجب: توجد بعض العمومات التى تدل على جواز الإكثار من الصيام في شهر رجب، وهى أنه من الأشهر الحرم، والإكثار من الطاعات فيها، ومِن أجلِّها الصيام، فهو مستحب، وقول النبي ﷺ لما سألته عائشة لم أرك تصوم في شهر من الشهور ما تصوم في شعبان، قال: «شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ».\nوجه الدلالة منه: أن شهر رجب يُكثر فيه الناس من الطاعات.\nقال الشوكانى (^٣): ولا يخفاك أن الخصوصات إذا لم تنتهض للدلالة على استحباب صومه انتهضت العمومات، ولم يرد ما يدل على الكراهة حتى يكون مخصصًا لها.\n* * *\n_________\n(^١) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٦١٧).\n(^٢) «فتاوى رمضان» (٢/ ٧٣٤).\n(^٣) «نيل الأوطار» (٤/ ٢٩٣).","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type='title' id=toc-210>الفصل الثاني الصوم المحرم والمكروه</span>\nوفيه مباحث:\n• المبحث الأول: صوم يومي العيد\n• المبحث الثاني: صوم أيام التشريق\n• المبحث الثالث: استقبال صوم رمضان بيوم أو يومين\n• المبحث الرابع: هل يجوز إفراد يوم الجمعة بالصوم؟\n• المبحث الخامس: هل يجوز للمرأة أن تصوم صوم التطوع وزوجها حاضر بغير إذنه؟\n• المبحث السادس: صوم الدهر\n• المبحث السابع: تخصيص أعياد المشركين بالصوم\n• المبحث الثامن: صوم يوم السبت","vol":"1","page":305},{"text":"<span data-type='title' id=toc-211>المبحث الأول: صوم يومي العيد</span>\nيحرم صوم يومى العيد بالنص والإجماع: ففي الصحيحين (^١) عن أبى سعيد الخدري ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ صِيَامِ يومين يوم الْفِطْرِ وَيوم النَّحْرِ.\nوفي «الصحيحين» (^٢): عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قال: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، ﵁ فَقال: هَذَانِ يومًانِ نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهِمَا: يوم فِطْرِكُمْ مِنْ صِيَامِكُمْ، وَاليوم الآخَرُ تَأْكُلُونَ فِيهِ مِنْ نُسُكِكُمْ».\nقال النووي (^٣): وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلماء عَلَى تَحْرِيم صَوْم هَذَيْنِ اليوميْنِ بِكُلِّ حَال، سَوَاء صَامَهُمَا عَنْ نَذْرٍ أَوْ تَطَوُّعٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-212>المبحث الثاني: صوم أيام التشريق</span>\nأيام التشريق هى: الحادي عشر، والثانى عشر، والثالث عشر، من ذى الحجة. وتسمى أيام منى، كما ورد في الحديث: «أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ» وسميت بذلك لأن الحُجاج يقيمون فيها هذه الأيام.\nروى مسلم (^٤) عن نبيشة الهذلى قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ». وإذا كانت أيام التشريق أيام أكل وشرب فيحرم صومها.\nروى البخاري (^٥) عن عائشة، وابن عمر ﴿، قالا: «لم يُرَخَّصْ في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٩١)، ومسلم (١١٣٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩).\n(^٣) «شرح مسلم» (٣/ ٢٠٧)، وممن نقله ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٤٢٤)، والحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٤/ ٢٨)، وغيرهما.\n(^٤) أخرجه مسلم (١١٤١).\n(^٥) أخرجه البخاري (١٩٩٧، ١٩٩٨).","vol":"1","page":306},{"text":"يُصَمْنَ إِلاَّ لمنْ لم يَجِدِ الْهَدْي».\nوإذا كان لم يرخص في صيام أيام التشريق فيحرم صومها.\nعَنْ أَبِى مُرَّةَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقَرَّبَ إِلَيْهِمَا طَعَامًا فَقال: كُلْ. فَقال: إِنِّى صَائِمٌ. فَقال عَمْرٌو: كُلْ فَهَذِهِ الأَيَّامُ الَّتِى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا بِإِفْطَارِهَا وَيَنْهَانَا عَنْ صِيَامِهَا. قال مالك: وَهِىَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ (^١).\nوقد نقل ابن عبد البر الإجماع على ذلك ولكنه منخرم.\nقال ابن عبد البر (^٢): أَمَّا صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِيمَا عَلمتُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ صَوْمُهَا تَطَوُّعًا.\nقلت: ومما يدل على أن هذا الإجماع منخرم، أن ابن قدامة ذكر خلافًا في المسألة فقال (^٣): وَلَا يَحِلُّ صِيَامُهَا تَطَوُّعًا في قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلم، وَعَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ يَصُومُهَا. وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ والْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُفْطِرُ إلَّا يومَي الْعِيدَيْنِ.\nقلت محمد: وقد اعتذر ابن قدامة عمن صام هذه الأيام بقوله: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لم يَبْلُغْهُمْ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهَا، وَلَوْ بَلَغَهُمْ لم يَعْدُوهُ إلَى غَيْرِهِ.\nثم ذكر حديث أبي مُرة مولى أم هانئ وقال: وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَفْطَرَ لما بَلَغَهُ نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-213> المبحث الثالث: استقبال صوم رمضان بيوم أو يومين:</span>\nنهى النبي ﷺ عن استقبال رمضان بصوم يوم أو يومين، إلا إذا كان له عادة، فإذا كان يصوم الإثنين والخميس، وأتى أحدهما في يوم الثلاثين من شعبان، أو اليوم الذى قبله،\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (١٣٦٩)، وأحمد (٤/ ١٩٧)، وأبو داود (٢٤١٨) وغيرهم من طرق عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن أبي مُرة به.\n(^٢) «التمهيد» (١٢/ ١٢٧).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٤٢٦).","vol":"1","page":307},{"text":"فله أن يصومه، دلت على ذلك سنة النبي ﷺ.\nففي «الصحيحين» (^١): عن أبى هريرة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يوم أَوْ يومين إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ».\nوجه الدلالة منه: قال النووي (^٢): فِيهِ التَّصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ اِسْتِقْبَال رَمَضَان بِصَوْمِ يوم وَيومين لمنْ لم يُصَادِف عَادَة لَهُ أَوْ يَصِلهُ بِمَا قَبْله، فَإِنْ لم يَصِلهُ وَلَا صَادَفَ عَادَة فَهُوَ حَرَام، هَذَا هُوَ الصحيح في مَذْهَبنَا؛ لِهَذَا الْحَدِيث.\nقال الحافظ ابن حجر (^٣): قَالَ الْعُلماء: مَعْنَى الْحَدِيثِ لَا تَسْتَقْبِلُوا رَمَضَان بِصِيَامٍ عَلَى نِيَّةِ الِاحْتِيَاطِ لِرَمَضَان.\nقال الترمذي (^٤): وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلم، كَرِهُوا أَنْ يَتَعَجَّلَ الرَّجُلُ قَبْلَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ لمعْنَى رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يَصُومُ صَوْمًا فَوَافَقَ صِيَامُهُ ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَهُمْ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-214> المبحث الرابع: هل يجوز إفراد يوم الجمعة بالصوم؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء، ومنهم الشافعي وأحمد، إلى كراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم، إلا أن يوافق عادة له، كرجل يصوم يومًا ويفطر يومًا، فوافق صيامه يوم الجمعة، وإن صام يومًا قبله أو يومًا بعده، جاز له ذلك (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢).\n(^٢) «شرح مسلم» (٣/ ١٥٨).\n(^٣) «فتح الباري» (٤/ ١٥٣).\n(^٤) «السنن» (٣/ ٦٠).\n(^٥) «شرح مسلم» (٣/ ٢١٠)، و«المغني» (٤/ ٤٢٧)، قال ابن قدامة: فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ. قَالَ: قِيلَ\nلِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: صِيَامُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ أَنْ يُفْرَدَ، ثُمَّ قَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صِيَامٍ كَانَ يَصُومُهُ، وَأَمَّا أَنْ يُفْرَدَ فَلَا.","vol":"1","page":308},{"text":"واستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (^١) عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يوم الْجُمُعَةِ إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ».\nوروى البخاري (^٢) عن جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يوم الْجُمُعَةِ وَهْيَ صَائِمَةٌ فَقال «أَصُمْتِ أَمْسِ؟» قَالَتْ: لَا. قال: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟» قَالَتْ: لَا. قال: «فَأَفْطِرِي»\nوفي «الصحيحين» (^٣) عن عبد الله بن عباد بن جعفر قال: سألت جابر بن عبد الله ﴿وهو يطوف بالبيت: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِ يوم الْجُمُعَةِ؟ فَقال: نَعَمْ وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ.\nوجه الدلالة من هذه الأحاديث: قال النووي (^٤): وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث الدَّلَالَة الظَّاهِرَة لِقَوْلِ جُمْهُور أصحاب الشَّافِعِيّ وَمُوَافِقِيهِمْ، وَأَنَّهُ يُكْرَه إِفْرَاد يوم الْجُمُعَة بِالصَّوْمِ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ عَادَةً لَهُ، فَإِنْ وَصَلَهُ بِيوم قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ وَافَقَ عَادَةً لَهُ بِأَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ يوم شِفَاءِ مَرِيضِهِ أَبَدًا، فَوَافَقَ يوم الْجُمُعَة، لم يُكْرَهْ؛ لِهَذِهِ الْأَحَادِيث.\n• القول الثانى: أن صيام يوم الجمعة جائز إفراده بالصيام ولا يكره، وهو قول أبى حنيفة ومالك (^٥).\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:\nأما دليلهم من السنة: فعن عبد الله بن مسعود قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ، وَقَلما يُفْطِرُ يوم الْجُمُعَةِ.\nوجه الدلالة منه: قوله: «وَقَلما يُفْطِرُ يوم الْجُمُعَةِ». فدل ذلك على جواز إفراد يوم الجمعة بالصيام.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١١٤٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٨٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٩٨٤)، ومسلم (١١٤٣).\n(^٤) «شرح مسلم» (٣/ ٢١٠).\n(^٥) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٣٣٦)، و«الموطأ» (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":309},{"text":"واعْتُرِضَ على هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن هذا الحديث فيه مقال.\nالثانى: أنه لو صح فيمكن أن يُجمع بينه وبين الأحاديث السابقة، بأنه كان يصوم يومًا قبله، وهو يوم الخميس.\nقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (^١): وَهُوَ صَحِيحٌ وَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ على أنه يَصِلُهُ بِيَوْمِ الْخَمِيسِ وَاللَّهُ أَعْلم.\nأما دليلهم من المأثور: فقال مالك (^٢): لم أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعِلم وَالْفِقْه، وَمَنْ بِهِ يُقْتَدَى نَهَى عَنْ صِيَام يوم الْجُمُعَة، وَصِيَامُهُ حَسَنٌ، وَقَدْ رَأَيْت بَعْض أَهْل الْعِلم يَصُومهُ، وَأَرَاهُ كَانَ يَتَحَرَّاهُ.\nوأُجِيبَ عما احتج به مالك بما قاله النووي (^٣): قال: فَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ الَّذِي رَآهُ، وَقَدْ رَأَى غَيْره خِلَاف مَا رَأَى هُوَ، وَالسُّنَّة مُقَدَّمَة عَلَى مَا رَآهُ هُوَ وَغَيْره، وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْم يوم الْجُمُعَة، فَيَتَعَيَّن الْقَوْل بِهِ. وَمَالِكٌ مَعْذُورٌ؛ فَإِنَّهُ لم يَبْلُغْهُ. قال الدَّاوُدِيّ مِنْ أصحاب مَالِك: لم يَبْلُغْ مَالِكًا هَذَا الْحَدِيثُ، وَلَوْ بَلَغَهُ لم يُخَالِفْهُ.\n• القول الثالث: أن إفراد يوم الجمعة بالصوم محرم، وهو قول ابن حزم وابن المنذر والصنعانى (^٤).\nواستدلوا لذلك بالسنة والقياس:\nأما دليلهم من السنة: فاستدلوا بعموم الأحاديث الواردة في النهى عن صوم يوم الجمعة منفردًا، والأصل في النهى التحريم إلا أن تأتى قرينة تصرفه إلى الكراهة.\nواعْتُرِضَ على هذا الاستدلال بما قاله الصنعانى (^٥): وذهب الجمهور إلى أن النهى عن\n_________\n(^١) ذكره الحافظ في «التلخيص» (١٢/ ٢١٦).\n(^٢) «الموطأ» (١/ ٣٣٠).\n(^٣) «شرح مسلم» (٣/ ٢١٠).\n(^٤) «المحلى» (٧/ ٢٠)، و«فتح الباري» (٤/ ٢٧٦)، و«سبل السلام» (٢/ ٣٤٧).\n(^٥) «سبل السلام» (٢/ ٣٤٧).","vol":"1","page":310},{"text":"إفراد الجمعة بالصوم للتنزيه، مستدلين بحديث ابن مسعود: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ، وَقَلما يُفْطِرُ يوم الْجُمُعَةِ»، أخرجه الترمذي وحَسَّنه، فكان فعله قرينة على أن النهى ليس للتحريم.\nأما دليلهم من القياس: فقاسوا يوم الجمعة على يوم العيد، وقالوا يوم الجمعة عيد، وإذا كان ذلك كذلك، فكما أنه يحرم صوم العيد، فكذلك يحرم صيام يوم الجمعة.\nقال اِبْن المنْذِر (^١): ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ صَوْم يَوْم الْجُمُعَة كَمَا ثَبَتَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الْعِيدِ.\nواعْتُرِضَ عليه: بأن هذا القياس ليس صحيح، فهو قياس مع الفارق.\nقال أبو جعفر الطبرى: يفرَّق بين العيد والجمعة بإن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد، ولو صام قبله أو بعده (^٢).\nالحاصل في مسألة صيام يوم الجمعة: أنه لا يصام يوم الجمعة منفردًا لصحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بذلك، إلا أن يوافق عادة له كصيام يوم، وإفطار يوم، أو وافق يوم عرفة، أو يوم عاشوراء، فإنه لا يُكره إفراده بالصيام؛ لأنه لم يتعمد صومه خاصة، إنما قصد العادة التى له.\nسئل الإمام أحمد عن صوم يوم الجمعة، وهو يوم عرفة، ولا يتقدمه بيوم، ولا يومين؟ فقال: لا يبالى، وإنما أراد يوم عرفة (^٣).\nقال شيخ الإسلام (^٤): إذا أراد أن يصوم يوم عرفة، أو يوم عاشوراء، فكان يوم جمعة، ونحو ذلك، لم يُكره، فإن النهى إنما هو عن تعمده بعينه.\nقال ابن القيم (^٥): لما كَانَ يوم الْجُمُعَةِ مُشَبّهًا بِالْعِيدِ أَخَذَ مِنْ شَبَهِهِ النّهْيَ عَنْ تَحَرّي صِيَامِهِ، فَإِذَا صَامَ مَا قَبْلَهُ أَوْ تَحَرّاهُ وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ صَوْمِ الشّهْرِ أَوْ الْعُشْرِ مِنْهُ أَوْ صَوْمِ\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٤/ ٢٧٦).\n(^٢) انظر: «سبل السلام» (٢/ ٣٤٧)\n(^٣) انظر: «شرح العمدة» (٢/ ٦٥٢).\n(^٤) «شرح العمدة» (٢/ ٦٥٢).\n(^٥) «زاد المعاد» (٢/ ٨٦).","vol":"1","page":311},{"text":"يوم وَفِطْرِ يوم أَوْ صَوْمِ يوم عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ إذَا وَافَقَ يوم جُمُعَةٍ، فَإِنّهُ لَا يُكْرَهُ صَوْمُهُ في شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-215> المبحث الخامس: هل يجوز للمرأة أن تصوم صوم التطوع وزوجها حاضر بغير إذنه؟</span>\nلا يجوز للمرأة أن تصوم صوم التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه.\nففي «الصحيحين» (^١) عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَصُومُ المرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ (^٢) إِلاَّ بِإِذْنِهِ».\nذهب جمهور العلماء إلى أن النهى للتحريم، وأن المراد هنا صوم التطوع، أما صوم الفرض كرمضان وغيره فلا تستأذن الزوج، بل لو أمرها بالفطر فلا يحل لها أن تطاوعه؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nذِكْر الحكمة من نهى المرأة عن صوم التطوع وزوجها حاضر إلا بإذنه:\nالحكمة أن الزوج قد يريد أن يستمتع بالزوجة، وحق الزوج في الاستمتاع واجب على المرأة أن تطيعه، وحق المرأة في التطوع مستحب، فيقدم الواجب على المستحب.\nإذا كان الرجل صائمًا، أو كان مريضًا لا يستطيع الجماع، أو كان يخرج إلى عمله قبل الفجر، ولا يعود إلا بعد المغرب، أو غير ذلك من الأعذار التى تعلم المرأة أن الزوج ليس له حاجة فيها في يومها، فهل لها أن تصوم بغير إذنه؟\nقال مالك في المرأة تصوم تطوعًا من غير أن تستأذن زوجها (^٣): ذَلِكَ يَخْتَلِفُ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى أَهْلِهِ، وَتَعْلم المرْأَةُ أَنَّ ذَلِكَ شَأْنُهُ، فَلَا أُحِبُّ لَهَا أَنْ تَصُومَ إلَّا أَنْ تَسْتَأْذِنَهُ، وَمِنْهُنَّ مَنْ تَعْلم أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ فِيهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ تَصُومَ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٩٢)، ومسلم (١٠٢٦).\n(^٢) قوله ﷺ: «وبعلها شاهد» أى وزوجها شاهد، وقد وردت رواية عند البخاري: «لَا يَحِلُّ لِلمرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ»، ومعنى شاهد أى: مقيم معها في البلد، أما إذا كان مسافرًا فلها الصوم؛ لأنه لا يتأتى منه الاستمتاع إذا لم تكن معه. انظر: «شرح مسلم» (٣/ ٩٥).\n(^٣) «المدونة» (١/ ١٨٦).","vol":"1","page":312},{"text":"قلت: ولا يلزمها الاستئذان في صيام الفريضة كرمضان وغيره.\nقال ابن حزم (^١): وَصِيَامُ قَضَاءِ رَمَضَانَ، وَالْكَفَّارَاتُ، وَكُلُّ نَذْرٍ تَقَدَّمَ لَهَا قَبْلَ نِكَاحِهَا إيَّاهُ - مَضْمُومٌ إلَى رَمَضَانَ؛ لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ كُلَّ ذَلِكَ كَمَا افْتَرَضَ رَمَضَانَ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لمؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فَأَسْقَطَ اللَّهَ ﷿ الاخْتِيَارَ فِيمَا قَضَى بِهِ، وَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ الإِذْنَ وَالاسْتِئْذَانَ فِيمَا فِيهِ الْخِيَارُ، وَأَمَّا مَا لا خِيَارَ فِيهِ وَلا إذْنَ لأَحَدٍ فِيهِ وَلا في تَرْكِهِ وَلا في تَغْيِيرِهِ، فَلا مَدْخَلَ لِلاسْتِئْذَانِ فِيهِ، هَذَا مَعْلُومٌ بِالْحِسِّ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِي تَخْصِيصُهُ ﵇ إذْنَ الْبَعْلِ فِيهِ؛ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-216> المبحث السادس: صوم الدهر:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم صيام الدهر على قولين:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى جواز صيام الدهر، ما لم يصم أيام العيدين وأيام التشريق.\nقال الإمام مالك (^٢): إنَّهُ سَمِعَ أَهْلَ الْعِلم يَقُولُونَ: لَا بَأْسَ بِصِيَامِ الدَّهْرِ إِذَا أَفْطَرَ الأَيَّامَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صِيَامِهَا، وَهِيَ أَيَّامُ مِنًى.\nقال الإمام الشافعي (^٣): فإن قوي على صوم الدهر كله إذا أفطر الأيام التى نُهى عنها، فحسن.\nقال الإمام أحمد (^٤): إذَا أَفْطَرَ يومي الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، رَجَوْت أَنْ لَا يَكُونَ بِذَلِكَ بَأْسٌ واستدلوا بما ورد في الصحيحين (^٥) عن عائشة أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلمىَّ سَأَلَ\n_________\n(^١) «المحلى» (٧/ ٣٠).\n(^٢) «الموطأ» (١/ ٣٤٤).\n(^٣) «معرفة السنن والآثار» (٣/ ٤٤٤).\n(^٤) «المغني» (٤/ ٤٣٠).\n(^٥) صحيح: وقد سبق تخريجه.","vol":"1","page":313},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى رَجُلٌ أَسْرُدُ الصَّوْمَ، أَفَأَصُومُ في السَّفَرِ؟ قال «صُمْ إِنْ شئتَ، وَأَفْطِرْ إِنْ شئت».\nوجه الدلالة منه: أن حمزة أخبر النبي ﷺ أنه يسرد الصوم، ولم ينكر النبي ﷺ عليه، فدل ذلك على الجواز.\nواعْتُرِض عليه بما قاله الحافظ ابن حجر (^١): وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سُؤَال حَمْزَة إِنَّمَا كَانَ عَنْ الصَّوْم في السَّفَرِ لَا عَنْ صَوْم الدَّهْر، وَلَا يَلْزَم مِنْ سَرْدِ الصِّيَامِ صَوْمُ الدَّهْرِ فَقَدْ قَالَ أُسَامَة بْن زَيْد: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ فَيُقَالُ: لَا يُفْطِرُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَمِنْ المعْلُوم أَنَّ النَّبِيّ ﷺ لم يَكُنْ يَصُومُ الدَّهْرَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ السَّرْدِ صِيَامُ الدَّهْرِ.\nالدليل الثانى: عن أبى أيوب الأنصارى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (^٢).\nوجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ قال: «كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ»، فدل ذلك على أن صوم الدهر أفضل مما عُدل به، وأن صيام الدهر مطلوب، ويشبه هذا من سأل عن عمل يعدل الحج فقيل: (عمرة في رمضان)، فلا يُتصور أن العمرة في رمضان أفضل من الحج، فكذلك صوم الدهر مع ترك الأيام التى نهى عنه كيومى العيد وأيام التشريق أفضل من صيام رمضان مع إتباعه بصوم ستة أيام من شوال.\nأما دليلهم من المأثور:\n١ - فعن ابن عمر ﴿: «أن عمر كان يسرد الصوم قبل موته» (^٣).\n٢ - عن أنس بن مالك ﵁: «أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ صَامَ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَرْبَعِينَ سَنَةً، لَا يُفْطِرُ إِلاَّ يوم فِطْرٍ أَوْ أَضْحى أَوْ في مَرَضٍ» (^٤).\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٤/ ٢٦٢).\n(^٢) صحيح: وقد سبق تخريجه.\n(^٣) صحيح: أخرجه الطبرى في «تهذيب الآثار» (١/ ٥٠٨ - مسند عمر).\n(^٤) صحيح: أخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٣٥٣).","vol":"1","page":314},{"text":"٣ - عن القاسم بن محمد قال: «كانت عائشة تصوم الدهر» (^١).\n٤ - عن هشام بن عروة قال: «صام أبى أربعين سنة أو ثلاثين سنة ما أفطر إلا يوم فطر، أو يوم نحر، ولقد قُبض وإنه لصائم (^٢).\n• القول الثانى: ذهب الحنفية، وابن العربى من المالكية، وابن قدامة وابن القيم من الحنابلة - إلى كراهة صوم الدهر مطلقًا (^٣).\nواستدلوا بعموم قول النبي ﷺ: «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ» (^٤).\nالدليل الثانى: روى مسلم عن أبى قتادة ﵁ قال: قال عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ قال: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ - أَوْ قال - لم يَصُمْ وَلم يُفْطِرْ». (^٥).\nالدليل الثالث: عن أبى موسى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا» وَعَقَدَ تِسْعِينَ (^٦).\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه الطبرى في «تهذيب الآثار» (١/ ٥٠٣، ٥٠٤، ٥٠٥، ٥٠٦).\n(^٢) صحيح: أحرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٧٨٦٩). عن معمر، عن هشام به.\n(^٣) انظر: «فتح الباري» (٤/ ٢٦١)، و«المغني» (٤/ ٤٣٠)، و«زاد المعاد» (٢/ ٨١).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٩٧٩)، ومسلم (١١٥٩).\n(^٥) أخرجه مسلم (١١٦٢).\n(^٦) ضعيف: مدار هذا الحديث على قتادة، عن أبي تميمة، عن أبي موسى، واختلف عليه، فرواه ابن\nأبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي تميمة، عن أبي موسى، عن رسول الله ﷺ … به، أخرجه ابن خزيمة (٢١٥٤، ٢١٥٥)، وغيره. قلت: وابن أبي عدي في روايته عن سعيد بن أبي عروبة مقال. قال أحمد، عن يحيى بن سعيد: جاء ابن أبي عدي إلى ابن أبي عروبة بأخرة، يعنى وهو مختلط. وخالف سعيدًا جماعة، فرووه على الوقف، وهم:\n١ - همام بن يحيى: أخرجه عبد بن حميد (٥٦٢).\n٢ - شعبة بن الحجاج: أخرجه أحمد (٤/ ٤١٤)، وغيره.\n٣ - هشام الدستوائى: أخرجه الطبرى في «تهذيب الآثار» (١/ ٤٨٧، ٤٨٩).\nقلت: ورواية الوقف أصح. قال ابن خزيمة عقب إخراجه: لم يسند هذا الخبر عن قتادة غير ابن أبي عدي عن سعيد. فتابع قتادة على الوقف سفيان الثوري، أخرجه عبد الرزاق (٧٨٦٨). وخالفهما الضحاك بن يسار، فرواه على الرفع. أخرجه أحمد (٤/ ٤١٤)، وغيره.\nقلت: والضحاك بن يسار قد ضعفه غير واحد من أهل العلم، كابن معين، وقد خالفه قتادة والثوري، فروايتهما أصح. قال العقيلى في «الضعفاء الكبير» (٢/ ٢١٩): وقد روي هذا عن أبي موسى موقوفًا، ولا يصح مرفوعًا.","vol":"1","page":315},{"text":"الحاصل فيما ورد عن النبي ﷺ من الأخبار في صيام الدهر:\n١ - حديث حمزة بن عمرو الأسلمى لما سأل النبي ﷺ عن الصوم في السفر، فقال: إنى أسرد الصوم. فقال له النبي ﷺ: «إِنْ شئت فَصُمْ، وَإِنْ شئت فَأَفْطِرْ».\nيحتمل أن حمزة كان يصوم الدهر، ويحتمل أيضًا أنه كان يسرد الصوم في بعض الأوقات، وأنه لم يصم الدهر، كما ورد عن النبي ﷺ أنه كان يسرد الصوم، حتى يقال: إنه لا يفطر.\nوورد أيضًا عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ صَامَ يومًا في سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ، عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» وهذا يدل على أنه كلما كثر الصيام قربه من الجنة، وبَعَّده عن النار. أما حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال له: «لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ».\nوحديث الثلاثة الذين قال أحدهم: أَصُومُ وَلَا أُفْطِرُ، فَقال النَّبِيَّ ﷺ: «لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».\nفهَدْى النبي ﷺ أحسن الهَدْى، حيث قال ﵊: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ»، فالإنسان قد لا يتحمل صيام الدهر دائمًا ويضعف عنه، وقد لا يستطيع أن يقوم بباقى العبادات الأخرى.\n• ولصائم الدهر حالات:\nالحالة الأولى: أن يضعفه الصوم عن نافلة، أو عن أداء الفرائض، كالجهاد عند وجوبه عليه، أو الصلاة المكتوبة، أو غير ذلك من حقوق الله التى تلزمه، فلم يفطر وصام، وأثر صومه في تلك الفرائض التى لزمته حتى أعجزه ذلك عنها، كان محرمًا عليه هذا الصوم.\nالحالة الثانية: إن كان صومه الدهر مع إفطاره الأيام المنهى عنها، كيوم العيدين، وأيام التشريق، لم يضعفه عن أداء شاء من فرائض الله، ولكن يورثه ضعفًا عما هو أفضل","vol":"1","page":316},{"text":"منه، من نوافل العبادات، كُره له الصوم، واستحب له الإفطار، وإيثار الأفضل من نوافل العبادات على الصوم.\nالحالة الثالثة: إن كان صومه الدهر لا يورثه ضعفًا عن أداء فرائض الله، وعما هو أفضل من صومه ذلك من نوافل الأعمال، في حال من أحوال عمره، فهذا جائز له الصوم، والله أعلم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-217> المبحث السابع: تخصيص أعياد المشركين بالصوم:</span>\nكصوم شم النسيم، وأعياد الميلاد، ويوم النيروز، وغيرها من الأعياد.\nيُكره تخصيص أعياد المشركين بالصوم؛ لأنها أيام يعظمها الكفار، أما إن وافق صومًا كان يصومه فله الصوم، كعيد شم النسيم، يأتى يوم الإثنين، فإن كان معتادًا على صوم الإثنين والخميس فله صوم ذلك اليوم؛ لأنه لم يخصصه بالصوم.\nقال ابن عابدين (^٢): ويُكره صوم يوم النيروز والمهرجان إذا تعمده ولم يوافق يومًا كان يصومه قبل، كما لو كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، أو كان يصوم أول الشهر مثلًا\n_________\n(^١) «تهذيب الآثار» (١/ ٣١٩ - مسند عمر بن الخطاب).\nقال الطبرى: فأخبر ﷺ أن فضل صوم داود نبى الله ﵇ على غيره - إنما كان من أجل أنه كان مع صومه ذلك لا يضعف عن القيام من الأعمال التى هى أفضل من الصوم، وذلك ثبوته لحرب أعداء الله عند التقاء الزحوف، وتَرْكه الفرار منهم هنالك والهرب.\nفإذا كان ﷺ إنما قضى لصوم داود بالفضل على غيره من معانى الصوم النفل لما ذكرنا من السبب، فكل من كان صومه لا يورثه ضعفًا عن أداء فرائض الله تعالى وعما هو أفضل من صومه ذلك، من نفل الأعمال في حال أحوال عمره، وهو صحيح، فغير مكروه له صومه ذلك، وكل من أضعفه صومه النفل عن أداء شاء من فرائض الله ﷿، فغير جائز له أن يصوم صومه ذلك، بل هو محظور عليه، فإن لم يكن يضعفه صومه ذلك عن أداء شاء من فرائض الله، وكان يضعفه عما هو أفضل منه من نفل الأعمال، فإن صومه ذلك له مكروه، غير محبوب، وإن لم يؤثمه؛ للذى وصفنا من تركه ما اختار رسول الله ﷺ لأمته من ذلك على غيره.\n(^٢) «حاشية ابن عابدين» (٣/ ٣٣٧).","vol":"1","page":317},{"text":"فوافق يومًا من هذه الأيام.\nقال ابن قدامة (^١): وَقال أصحابنا: وَيُكْرَهُ إفْرَادُ يوم النَّيْرُوزِ وَيوم المهْرَجَانِ بِالصَّوْمِ؛ لأنهمَا يومًانِ يُعَظِّمُهُمَا الْكُفَّارُ، فَيَكُونُ تَخْصِيصُهُمَا بِالصِّيَامِ دُونَ غَيْرِهِمَا مُوَافَقَةً لَهُمْ في تَعْظِيمِهِمَا، فَكُرِهَ كَيوم السَّبْتِ. وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا كُلُّ عِيدٍ لِلْكُفَّارِ، أَوْ يوم يُفْرِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-218> المبحث الثامن: التطوع بعد النصف من شعبان:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى جواز التطوع بعد النصف من شعبان.\nواستدلوا لذلك بأحاديث كثيرة، منها: عن أبى سلمة: سأل عائشة ﵂ عن صيام رسول الله ﷺ فقالت: «كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلاَّ قَلِيلًا» (^٢).\nوعن أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال «لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يوم أَوْ يومين، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ» (^٣).\nفدل ذلك على أن الصوم جائز بعد النصف من شعبان، أما المنهى عنه فهو تخصيص يوم الثلاثين من شعبان بالصوم أو الذى قبله.\nقال شيخ الإسلام: أما حديث: «لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يوم أَوْ يومين» فإن مفهوم هذا الحديث يجوز التقدم بالثلاثة.\nوذهب بعض الشافعية إلى أنه لا يجوز الصوم بعد النصف من شعبان.\nواستدلوا لذلك بما رواه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» (^٤).\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٤٢٨).\n(^٢) صحيح: سبق تخريجه.\n(^٣) صحيح: سبق تخريجه.\n(^٤) منكر: أخرجه أحمد (٢/ ٤٤٢)، وأبو داود (٢٣٣٧)، والنسائي في «الكبرى» (٢٩١١)، =\nوالترمذي (٧٣٨)، وابن ماجه (١٦٥١) وغيرهم. من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة به. قلت: وفى إسناده العلاء بن عبد الرحمن، وقد ضعفه غير واحد من أهل العلم، كابن معين، وأبي زرعة، وإن كان وثقه بعض أهل العلم، كالنسائي، وابن عدي، ووثقه أحمد، ولكن أنكر عليه هذا الحديث. قال أبو حاتم: صالح روى عنه الثقات، ولكنه أُنكر من حديثه أشياء. قال الخليلى: مدنى مختلف فيه؛ لأنه ينفرد بأحاديث لا يتابع عليها، كحديث: «إذا كان النصف من شعبان فلا تصوموا».\nوتابع العلاء بن عبد الرحمن محمد بن المنكدر، أخرجه ابن الأعرابي في معجمه (١١٩٨)، وابن عدي في «الكامل» (١/ ٢٢٤)، وفى إسناده إبراهيم بن أبي يحيى، متروك الحديث. قلت: وقد تضافرت أقوال أهل العلم على إعلال هذا الحديث: قال أبو داود: وقال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر. انظر: البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٠٩). وقال يحيى بن معين: إنه منكر. انظر «فتح الباري» (٤/ ١٥٣). وقال البرذعى في سؤالاته (٢/ ٣٨٨): شهدت أبا زرعة ينكر حديث العلاء بن عبد الرحمن «إذا انتصف شعبان» وزعم أنه منكر. قال أبو داود عقب إخراجه: وكان عبد الرحمن لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال: لأنه كان عنده أن النبي ﷺ كان يصل شعبان برمضان، وقال عن النبي ﷺ خلافه، وكذلك أعله أبو بكر الأثرم، والخليلى، وابن عدي، والبيهقي، وابن الجوزى، والذهبى، وغيرهم كثير. انظر: «السنن الكبرى» للبيهقى (٤/ ٢٠٩)، و«الموضوعات» لابن الجوزى (١/ ٣٣)، و«سير أعلام النبلاء» (٦/ ١٨٧)، و«الكامل» (٢/ ٤٤).","vol":"1","page":318},{"text":"الحاصل في هذه المسألة:\nأنه يجوز صوم التطوع بعد النصف من شعبان؛ لأن النبي ﷺ كان يصوم شعبان كله إلا قليلًا، أما حديث «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» فحديث منكر، ولا يصح عن رسول الله ﷺ.\nقال ابن رجب (^١): وقال الأثرم: الأحاديث كلها تخالفه. يشير إلى أحاديث صيام النبي ﷺ شعبان كله ووَصْله برمضان، ونهيه عن التقدم على رمضان بيومين، فصار الحديث حينئذٍ شاذًّا مخالفًا للأحاديث الصحيحة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-219> المبحث التاسع: صوم يوم السبت:</span>\nعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ السُّلمىِّ عَنْ أُخْتِهِ أَنَّ النبي ﷺ قال: «لَا تَصُومُوا يوم السَّبْتِ إِلاَّ\n_________\n(^١) «لطائف المعارف» (ص ٢٦٠).","vol":"1","page":319},{"text":"فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَإِنْ لم يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلاَّ لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضُغْهُ» (^١).\n_________\n(^١) معل: مدار هذا الحديث على عبد الله بن بسر، واختلف عليه، فرواه عنه خالد بن معدان، واختلف عليه، فرواه عنه ثور بن يزيد، واختلف عليه، فرواه جماعة منهم: (أبو عاصم النبيل، والأوزاعى، وقرة بن عبد الرحمن، والفضل بن موسى، وأصبغ بن زيد، والوليد بن مسلم وغيرهم)، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء به، أخرجه أحمد (٦/ ٣٦٨)، وأبو داود (٢٤٢١)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٧٦٢، ٢٧٦٣، ٢٧٦٤)، والترمذي (٧٤٤)، وابن ماجه (١٧٢٦) وغيرهم.\nوخالف هؤلاء الجماعة:\n١ - بقية بن الوليد: فرواه عن ثور، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر، عن عمته الصماء به. أخرجه النسائي في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٧٦٥).\n٢ - عبد الله بن يزيد المقرى: فرواه عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر، عن أمه به. أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثانى» (٣٤١٣)، وتمام في «الفوائد» (٦٥٤).\n٣، ٤ - عيسى بن يونس، وعتبة بن السكن: فروياه عن ثور، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر، عن النبي ﷺ به. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢/ ٢٧٦١)، وابن ماجه (١٧٢٦)، وعبد بن حميد في «المنتخب» (٥٠٧)، وغيرهم. قلت: وخالف ثور بن يزيد جماعة:\n١ - الفضيل بن فضالة: فرواه محمد بن حرب، عن الزبيدى، عن الفضيل بن فضالة، عن عبد الله بن بسر، عن خالته الصماء. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢/ ٢٧٦٧)، وغيره.\nورواه ابن سالم، عن الزبيدى، عن الفضيل، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر، عن أبيه به، أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢/ ٢٧٦٨)، وغيره. قلت: وعلى كلٍّ فالفضيل بن فضالة مجهول، لم يوثقه معتبر، ذكره ابن حبان في الثقات، وقال الحافظ: مقبول.\n٢ - داود بن عبيد الله: وخالف خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، عن عائشة به، أخرجه النسائي، في «الكبرى» (٢/ ٢٧٧١).\n٣ - لقمان بن عامر: واختلف عليه: فرواه سعيد بن عمرو، عن بقية، عن الزبيدى، عن لقمان بن عامر، إلا أنه قال خالته الصماء. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢/ ٢٧٦٩). ورواه إسماعيل بن عياش، عن الزبيدى، عنه، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء به. أخرجه أحمد (٦/ ٣٨٦ - ٣٦٩)، ورواه عمر بن عثمان، عن بقية، عن الزبيدى، عن لقمان بن =","vol":"1","page":320},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=عامر،، عن خالد، عن عبد الله بن بسر، عن رسول الله ﷺ. أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢/ ٢٧٦٦)، قلت: وفى إسناده لقمان بن عامر قال أبو حاتم: يُكتب حديثه.\nقلت: وخالف خالد بن معدان جماعة:\n١ - يحيى بن حسان: أخرجه أحمد (٤/ ١٨٩) وغيره، من طريق إبراهيم بن إسحاق الطالقانى، عن الوليد بن مسلم، عن يحيى بن حسان، عن عبد الله بن بسر، عن النبي ﷺ به.\nقلت: وفى إسناده الوليد بن مسلم يدلس تدليس تسوية، وقد عنعنه.\n٢ - حسان بن نوح: واختلف عنه، فرواه على بن عياش، ومبشر بن إسماعيل، عنه، عن عبد الله بن بسر، عن النبي ﷺ به. أخرجه أحمد (٤/ ١٨٩)، والنسائي في «الكبرى» (٢٧٥٩).\nوخالفهما أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج الخولانى، فرواه عن حسان بن نوح، عن أبي أمامة به. قلت: وعلى كلٍّ فحسان بن نوح مجهول لم يوثقه معتبر.\n٣ - ابن عبد الله بن بسر: أخرجه النسائي في «الكبرى» (٢٧٦٠)، وابن خزيمة (٢١٦٤)، وغيرهما من طريق معاوية بن صالح، عن ابن عبد الله بن بسر، عن أبيه، عن عمته الصماء.\nقلت: وفى إسناده ابن عبد الله بن بسر، قال الحافظ في «التقريب»: لا يُعرف، ولم يسم. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٨/ ٧٧٢٢). من طريق إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن دينار، عن أبي أمامة به. قلت: وفى إسناده عبد الله بن دينار وهو ضعيف. وقد رجح الدارقطني رواية ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، فقال في العلل (ج ٥/ ٢ ق ٨٦ ب) بعد ذكر هذا الحديث: «والصحيح عن ابن بسر عن أخته».\nقلت: وهذا الإسناد وإن كان صحيحًا إلا أن أهل العلم النقاد أعلوه وإليك أقوالهم:\n١ - الإمام مالك: قال أبو داود في «السنن» (٢/ ٨٠٧): قال مالك: هذا كذب.\n٢ - يحيى بن سعيد القطان: قال أبو عبد الله - أحمد بن حنبل -: كان يحيى بن سعيد يتقيه، أبى أن يحدثني به، وقد كان سمعه من ثور، قال: فسمعته من أبي عاصم. قال ابن القيم: فهذا تضعيف للحديث. انظر: مختصر السنن لابن القيم (٣/ ٢٩٨).\n٣ - الإمام أحمد: قال شيخ الإسلام: وذكر أن الإمام في علل الحديث قال: يحيى بن سعيد كان يتقيه، وأبى أن يحدث به، فهذا تضعيف للحديث.\n٤ - الإمام الزهري: قال بعد ذكر هذا الحديث: «هذا حديث حمصى». قال الطحاوي: فلم يعده الزهري حديثًا يقال به، وضَعَّفه. انظر: سنن أبي داود بعد الحديث (٢٤٢٣).","vol":"1","page":321},{"text":"• الأحاديث التى تدل على جواز صيام يوم السبت:\nفي «الصحيحين» (^١) عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَصُمْ أَحَدُكُمْ يوم الْجُمُعَةِ إِلاَّ أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُومَ بَعْدَهُ».\nوجه الدلالة منه: أن اليوم الذى بعده هو يوم السبت.\nالدليل الثانى: روى البخاري عن جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يوم الْجُمُعَةِ وَهْيَ صَائِمَةٌ فَقال: «أَصُمْتِ أَمْسِ؟» قَالَتْ: لَا. قال: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟» قَالَتْ: لَا. قال: «فَأَفْطِرِي».\nوجه الدلالة منه: قوله ﷺ: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا» قلت: والغد يكون يوم سبت.\nالدليل الثالث: عن أبى أيوب الأنصارى ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (^٢).\n_________\n٥ - الأوزاعى: قال بعد ذكر هذا الحديث: «ما زلت له قائمًا حتى رأيته انتشر، يعنى حديث عبد الله بن بسر في صوم يوم السبت». انظر: سنن أبي داود بعد ذكر الحديث رقم (٢٤٢٤).\n٦ - أبو داود: قال بعد ذكر هذا الحديث: هذا حديث منسوخ.\n٧ - النسائي: قال بعد ذكر هذا الحديث: هذا حديث مضطرب.\n٨ - الطحاوي: قال بعد ذكر الأحاديث التى تجوز صيام يوم السبت. إذا لم يكن منفردًا:\nففى هذا الآثار المروية في هذا إباحة صوم يوم السبت تطوعًا، وهى أشهر وأظهر في أيدى العلماء، من هذا الحديث الشاذ الذى قد خالفها، انظر «شرح معانى الآثار» (٢/ ٨٠).\n٩ - شيخ الإسلام ابن تيمية: قال: هذا حديث شاذ غير محفوظ، أو منسوخ. انظر «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٥٧٥).\n١٠ - ابن القيم: قال: هذا حديث غير محفوظ أى أنه شاذ.\nمن صحح هذا الحديث: قد صححه الحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان، والنووي، وابن السكن.\nقلت: هؤلاء الذين صححوه من المتأخرين، ولا شك أن كلام المتقدمين يقدم على غيرهم.\nثم إن هؤلاء الذين صححوه معروفون بالتساهل، والله أعلم.\n(^١) أخرجه البخاري (١٩٨٥)، ومسلم (١١٤٤).\n(^٢) صحيح لشواهده: وقد سبق تخريجه.","vol":"1","page":322},{"text":"قلت: ولا شك أنه قد يأتى في هذه الأيام يوم سبت.\nالدليل الرابع: في «الصحيحين» (^١) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿قال: قال رسول ﷺ: «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَصُومُ يومًا وَيُفْطِرُ يومًا».\nولا شك أن من صام يومًا وأفطر يومًا - لابد أن يصوم من كل أسبوعين يوم سبت.\nالدليل الخامس: روى مسلم (^٢) عن أبى قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «صِيَامُ يوم عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِى قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِى بَعْدَهُ». وأحيانًا قد يأتى يوم عرفة، في بعض السنوات يوم سبت.\nالدليل السادس: عن قتادة بن ملحان ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ وَقال: «هُنَّ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ». (^٣). ومن يصوم الأيام البيض أحيانًا يأتى يوم السبت فيها.\n• للعلماء طريقتان بين الأحاديث المتعارضة:\nالطريقة الأولى: طريقة الجمع: فجَمَع العلماء بين الأحاديث التى تدل على جواز صوم يوم السبت التى ذكرناها، وحديث النهى عن صوم يوم السبت وهو قول النبي ﷺ: «لَا تَصُومُوا يوم السَّبْتِ إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ ..» الحديث، بأن النهى للكراهة، هذا هو قول جمهور العلماء من الحنفية (^٤) والشافعية (^٥) والحنابلة (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١١٣١)، ومسلم (١١٥٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٦٢).\n(^٣) صحيح لشواهده: وقد سبق تخريجه.\n(^٤) انظر: «شرح معانى الآثار» (٢/ ٨١)، و«بدائع الصنائع» (٢/ ٧٩)، قال الكاساني: يُكره إفراد يوم السبت لأنه تشبه باليهود.\n(^٥) انظر: «المجموع» (٦/ ٤٤٠) قال: والصواب على الجملة أنه يكره أفراد يوم السبت بالصيام إذا لم يوافق عادة له؛ لحديث الصماء.\n(^٦) انظر: «المغني» (٤/ ٤٢٨) قال ابن قدامة: قَالَ أَصْحَابُنَا: يُكْرَهُ إِفْرَادُ يَوْمِ السَّبْتِ بِالصَّوْمِ .. وذكر حديث الصَّمَّاءِ، ثم قال: قَالَ الْأَثْرَمُ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: أَمَّا صِيَامُ يَوْمِ السَّبْتِ يُفْرَدُ بِهِ، فَقَدْ جَاءَ فِيهِ حَدِيثُ الصَّمَّاءِ، وَكَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ يَتَّقِيه، أَيْ: أَنْ يُحَدِّثَنِي بِهِ، وَسَمِعْته مِنْ أَبِي عَاصِمٍ، وَالمكْرُوهُ إفْرَادُهُ، فَإِنْ صَامَ مَعَهُ غَيْرَهُ لم يُكْرَهْ.","vol":"1","page":323},{"text":"الطريقة الثانية: طريقة الترجيح: وهو أن حديث «لَا تَصُومُوا يوم السَّبْتِ إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ ..» الحديث ضعيف (معل)، وأنه يجوز إفراد يوم السبت للصيام، دل على ذلك النصوص المتواترة على جواز صوم يوم السبت وهذا هو قول مالك، وأحمد فيما فهمه عنه الأثرم، وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم.\nقال الأثرم: دلت النصوص المتواترة على صوم يوم السبت، ولا يقال: يُحمل النهى على إفراده؛ لأن لفظه: «لَا تَصُومُوا يوم السَّبْتِ إِلاَّ فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ»، والاستثناء دليل التناول، وهذا يقتضى أن الحديث عم صومه على كل وجه، وإلا لو أريد إفراده لما دخل الصوم المفروض ليستثنى، فإنه إلا إفراد فيه، فاستثناؤه دليل على دخول غيره، بخلاف يوم الجمعة، فإنه بين أنه إنما نهى عن إفراده، وعلى هذا فيكون الحديث إما شاذًّا غير محفوظ، وإما منسوخًا، وهذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه، كالأثرم وأبي داود.\n* * *","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type='title' id=toc-220>الباب الثالث قيام رمضان</span>\nوفيه تمهيد وفصول\nالتمهيد وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: فضل قيام الليل\nالمبحث الثاني: فضيل قيام رمضان\nالفصل الأول: التراويح\nالفصل الثاني: الوتر\nالفصل الثالث: القنوت","vol":"1","page":325},{"text":"الباب الثالث قيام رمضان\n\n•<span data-type='title' id=toc-221> التمهيد:</span> وفيه مباحث:\n•<span data-type='title' id=toc-222> المبحث الأول: فضل قيام الليل:</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ المتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ١٥ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ ١٦ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ١٧ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٨].\nوقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ٦٣ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفَرَّقَ ان: ٦٣، ٦٤].\nوقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: ١٦].\nقال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلمونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلمونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٩].\nفضل قيام الليل في السنة:\nقيام الليل أعظم صلاة بعد الفريضة: روى مسلم (^١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْل».\nولعظم قيام الليل كان النبي ﷺ يقوم حتى تتفطر قدماه، ففي الصحيحين (^٢) من حديث عائشة: كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فقلت له: لم تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٦٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٧٣٧)، ومسلم (٥٠٤٤).","vol":"1","page":326},{"text":"وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ: «أَفَلَا أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟».\nوفي الصحيحين (^١) عن عائشة ﵂: «ما كان يَزِيدُ في رَمَضَانَ ولا غَيْرِهِ على إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فلا تَسْأَلْ عن حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا فلا تَسْأَلْ عن حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا».\nوروى البخاري (^٢) عن عائشة أن رسول الله ﷺ: «كان يُصَلِّي إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، كانت تِلْكَ صَلَاتَهُ، تَعْنِي بِاللَّيْلِ، فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ من ذلك قَدْرَ ما يَقْرَأُ أحدكم خَمْسِينَ آيَةً قبل أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَه من الركوع».\nوفي الصحيحين (^٣) عن ابن مسعود قال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً، فَلم يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ. قَالَ: قِيلَ: وَمَا هَمَمْتَ بِهِ؟ قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ أَجْلِسَ وَأَدَعَهُ.\nروى مسلم (^٤) عن حذيفة قال: صَلَّيْتُ مع النبي ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ فقلت: يَرْكَعُ عِنْدَ المائَةِ. ثُمَّ مَضَى فقلت: يُصَلِّي بها في رَكْعَةٍ. فَمَضَى فقلت: يَرْكَعُ بها. ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إذا مَرَّ بِآيَةٍ فيها تَسْبِيحٌ سَبَّحَ.\n• ولذا أوصى النبي ﷺ أصحابه بقيام الليل:\nففي الصحيحين (^٥) من حديث عليّ ﵁ أن رسول الله ﷺ طرقه وفاطمة ليلًا فقال: «ألا تُصْليانِ؟».\nفي الصحيحين (^٦) عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال له: «نِعْمَ الرَّجُلُ عبدُ اللَّهِ لو كان يُصَلِّي من اللَّيْل».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٠٧٩)، ومسلم (١٢١٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٥٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (١١٣٥)، ومسلم (١٢٩٢).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٢٩١).\n(^٥) أخرجه البخاري (١١٢٢)، ومسلم (٤٥٢٨).\n(^٦) أخرجه البخاري (١١٥٢).","vol":"1","page":327},{"text":"وروى البخاري (^١) من حديث ابن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «يا عبد الله لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ، فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ».\nوفي الصحيحين (^٢) عن ابن مسعود ﵁: ذُكِرَ عِنْدَ النبي ﷺ رَجُلٌ نَامَ ليلة حتى أَصْبَحَ، قال: «ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ في أُذُنَيْه».\nوأوصى ﷺ عموم أصحابه في حديث عبد الله بن سلام فقال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-223> المبحث الثاني: فضل قيام رمضان:</span>\nفي الصحيحين (^٤) من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من قام رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه».\nوروى البخاري (^٥) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَه ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِه»\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٧٠)، ومسلم (١٢٩٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٣٥)، ومسلم (١٢٩٢، ١٢٩٣).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه الترمذي (٢٤٨٥) وابن ماجه (١٣٣٤) وغيرهما.\n(^٤) أخرجه البخاري (٣٨)، ومسلم (١٧٣).\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٥).","vol":"1","page":328},{"text":"الفصل الأول التراويح\nوفيه مباحث\n• المبحث الأول: تعريف التراويح.\n• المبحث الثاني: مشروعية صلاة التراويح جماعة.\n• المبحث الثالث: معنى قول عمر: (نعم البدعة هذه)\n• المبحث الرابع: هل الأفضل صلاة التراويح بانفرادٍ في البيت\nأم في جماعة في المسجد؟\n• المبحث الخامس: ما حد عدد ركعات قيام الليل؟\n• المبحث السادس: هل يجوز القراءة من المصحف في التراويح؟\n• المبحث السابع: إمامة الغلام الذي لم يحتلم\n• المبحث الثامن: القراءة في القيام.\n• المبحث التاسع: حضور النساء للتراويح.\n• المبحث العاشر: حكم دعاء الختم في التراويح.","vol":"1","page":329},{"text":"<span data-type='title' id=toc-224>الفصل الأول التراويح</span>\nوفيه مباحث:\n\n•<span data-type='title' id=toc-225> المبحث الأول: تعريف التراويح:</span>\nالتروايح: جمع ترويحة وهي المرة الواحدة من الراحة كتسليمة من السلام. وسميت الصلاة في الجماعة في ليالي رمضان التروايح؛ لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كانوا يستريحون بين كل تسليمتين (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-226> المبحث الثاني: مشروعية صلاة التراويح جماعة:</span>\nروى البخاري (^٢) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مع عُمَرَ بن الْخَطَّابِ ﵁ لَيْلَةً في رَمَضَانَ إلى المسْجِدِ، فإذا الناس أَوْزَاعٌ مُتَفَرّقونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فقال عُمَرُ: إني أَرَى لو جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ على قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ. ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ على أُبَيِّ بن كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ معه لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، قال عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ هذه وَالَّتِي يَنَامُونَ عنها أَفْضَلُ من التي يَقُومُونَ. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وكان الناس يَقُومُونَ أَوَّلَهُ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-227> المبحث الثالث: معنى قول عمر (نعم البدعة هذه):</span>\nقول عمر: (نعم البدعة هذه)، هل يستدل بهذا القول على جواز الابتداع في الدين؟\nلا يستدل بذلك لأن الفاروق عمر بفعله لم يكن ابتدع في الدين، بل إنه أحيا سُنة خير المرسلين لأن النبي ﷺ صلى بالصحابة قيام رمضان جماعة، ولكن لم يداوم عليه خشية أن يُفترض عليهم، فلما استقرت الشريعة أحيا عمر هذه السنة.\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٤/ ٢٩٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠١٠).","vol":"1","page":330},{"text":"دل على ذلك ما رواه البخاري (^١) عن عائشة ل أن رسول الله ﷺ خرج من الليل فصلى في المسجد وصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا فَكَثُرَ أَهْلُ المسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلما كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَلما قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لم يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، لَكِنِّى خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا» فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك.\nقال شيخ الإسلام (^٢): وَلَا يَحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِجَمْعِ التَّرَاوِيحِ وَيَقُولُ: «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ» فَإِنَّهَا بِدْعَةٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّة، لَكِنَّهُمْ فَعَلُوا مَا لم يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ في حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِثْلُ هَذِهِ وَهِيَ سُنَّةٌ مِنْ الشَّرِيعَةِ. وَهَكَذَا إخْرَاجُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَمِصْرِ الْأَمْصَارِ كَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَجَمْعُ الْقُرْآنِ في مُصحفٍ وَاحِدٍ وَفَرْضُ الدِّيوَانِ، فَقِيَامُ رَمَضَانَ سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأُمَّتِهِ وَصَلَّى بِهِمْ جَمَاعَةً عِدَّةَ لَيَالٍ، وَكَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُصَلُّونَ جَمَاعَةً وَفُرَادَى، لَكِنْ لم يُدَاوِمْ عَلَى جَمَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لِئَلَّا يَفْتَرِضَ عَلَيْهِمْ، فَلما مَاتَ ﷺ اسْتَقَرَّتِ الشَّرِيعَةُ. فَلما كَانَ عُمَرُ ﵁ جَمَعَهُمْ عَلَى إمَامٍ وَاحِدٍ، وَاَلَّذِي جَمَعَهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، جَمَعَ النَّاسَ عَلَيْهَا بِأَمْرِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَعُمَرُ هُوَ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ حَيْثُ يَقُولُ ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» يَعْنِي الْأَضْرَاسَ؛ لأنها أَعْظَمُ في الْقُوَّةِ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-228> المبحث الرابع: هل الأفضل صلاة الرجل التراويح منفردًا في بيته أم جماعة في المسجد؟</span>\nحكى النووي الخلاف في هذه المسألة فقال: المرَاد بِقِيَامِ رَمَضَان صَلَاة التَّرَاوِيح، وَاتَّفَقَ الْعُلماء عَلَى اِسْتِحْبَابهَا، وَاخْتَلَفُوا في أَنَّ الْأَفْضَل صَلَاتهَا مُنْفَرِدًا في بَيْته أَمْ في\n_________\n(^١) «صحيح البخاري» (٢٠١٢).\n(^٢) «مجموع الفتاوى»: (٢٢/ ٣٢٣).","vol":"1","page":331},{"text":"جَمَاعَة في المسْجِد؟ فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَجُمْهُور أَصْحَابه وَأَبُو حَنِيفَة وَأَحْمَد وَبَعْض المالِكِيَّة وَغَيْرهمْ: الْأَفْضَل صَلَاتهَا جَمَاعَة، كَمَا فَعَلَهُ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَالصَّحَابَة﴾، وَاسْتَمَرَّ عَمَل المسْلمينَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مِنْ الشَّعَائِر الظَّاهِرَة (^١).\nوفي «السنن» (^٢) بإسناد صحيح عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ مِنْ صَلَاتِهِ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ».\nقال أبو داود: سَمِعْتُ أَحْمَدَ، وَقِيلَ لَهُ: أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مَعَ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ أَوْ وَحْدَهُ؟ قَالَ: يُصَلِّي مَعَ النَّاسِ، وَسَمِعْتُهُ أَيْضًا، يَقُولُ: يُعْجِبُنِي أَنْ يُصَلِّيَ مَعَ الْإِمَامِ وَيُوتِرَ مَعَهُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ بَقِيَّةُ لَيْلَتِهِ» (^٣).\n• القول الآخر: ما قاله الحافظ ابن حجر (^٤): وَعَنْ مَالِك في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَأَبِي يُوسُف وَبَعْض الشَّافِعِيَّة: الصَّلَاة في الْبُيُوت أَفْضَل.\nواستدلوا لذلك بعموم قوله ﷺ: «أَفْضَلَ صَّلَاةِ المرْءِ في بَيْتِهِ إلا المكْتُوبَةَ» (^٥).\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن الأفضل أن تصلي التراويح جماعة مع الإمام، لعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ مِنْ صَلَاتِهِ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ».\nوهذا هو فعل عمر بن الخطاب، واستمر عليه عمل المسلمين، ولأنه من الشعائر\n_________\n(^١) «شرح مسلم» (٢/ ٤١٠).\n(^٢) أخرجه أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي (١٦٠٤) (١٣٦٣)، وابن ماجه (١٣٢٧) وغيرهم.\n(^٣) «مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود» (ص ٩٠).\n(^٤) «فتح الباري» (٤/ ٤١٠).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٣١، ٦١١٣)، ومسلم (٧٨١)، من حديث زيد بن ثابت أن النبي ﷺ اتخذ حجرة من المسجد من حصير، فصلى بها ليالي حتى اجتمع لها الناس ثم فقدوا صوته فظنوا أنه قد نام فجعل بعضهم يتنحنح بهم ليخرج فقال: «مَا زَالَ بِكُمْ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَلَوْ كَتَبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِه، فَصَلُّوا أَيْهَا النَّاسِ فِي بِيُوتِكِمْ فَإِنَّ أَفْضَلْ صَلَاةِ المرْء فِي بَيْتِهِ إِلَّا المكْتُوَبَةْ».","vol":"1","page":332},{"text":"الظاهرة، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-229> المبحث الخامس: ما حد عدد ركعات قيام الليل؟</span> (^١)\n• لا حد لعدد ركعات الليل بالنص والإجماع\nدل على ذلك ما ورد في الصحيحين (^٢) من حديث ابن عمر أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ عن صلاة الليل فقال رسول الله ﷺ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أحدكم الصُّبْحَ، صلى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ له ما قد صلى».\nوجه الدلالة من هذا الحديث وجوه:\nالأول ما قاله بدر الدين العيني (^٣): قَوْله: (عَنْ صَلَاة اللَّيْل) أَي: عَنْ عَددها، لِأَن جَوَابه بقوله: (مثنى) يدل على ذَلِك، لِأَن من شَأْن الْجَواب أَنْ يكون مطابقًا للسؤال.\nقال الحافظ ابن حجر (^٤): وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ الْجَوَاب أَنَّ السُّؤَال وَقَعَ عَنْ عَدَدهَا أَوْ عَنْ الْفَصْل وَالْوَصْل … اه.\nالثاني: قول النبي ﷺ: «مثنى مثنى» يدل على الفصل بين كل ركعتين، ولا غاية لأكثره ولم يحد النبي ﷺ ذلك بحد، إنما ذلك على قدر استطاعة المصلي.\nالثالث: قول النبي ﷺ: «فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة» فجعل النبي ﷺ غاية ذلك أن يخشى الصبح ولم يجعل غايته عددًا.\nقال أبو الوليد الباجي: قَوْلُهُ: «مَثْنَى مَثْنَى» يَقْتَضِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْفَصْلِ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ،\n_________\n(^١) وأفضل ما قرأت في هذا الباب رسالة «إضاءة المصابيح على عدد ركعات التراويح» لأخي وحبيبي في الله الشيخ: محمود أبو شهاب الأسيوطي وقد أفاد فيها وأجاد وقد استفدت منه كثيرًا، فالله أسأل أن يرفع ذكره وأن يضع وزره وأن ينفع به وبرسالته الإسلام والمسلمين.\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٣٧)، ومسلم (٥١٩). وروى مسلم (٧٤٢) عن ابن عمر: أن رجلًا نادى رسول الله ﷺ وَهُوَ فِي المسْجِدِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أُوتِرُ صَلَاةَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى، فَلْيُصَلِّ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِنْ أَحَسَّ أَنْ يُصْبِحَ سَجَدَ سَجْدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى».\n(^٣) «عمدة القاري» (٧/ ٢).\n(^٤) «فتح الباري» (٢/ ٤٧٨).","vol":"1","page":333},{"text":"فَتَكُونُ صَلَاتُهُ تَامَّةً، وَلَا غَايَةَ لِأَكْثَرِهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ طَاقَةِ المصَلِّي، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى» فَلم يَحُدَّ بِحَدٍّ.\nوَالثَّانِي: أَنَّهُ قَالَ: «فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً» فَجَعَلَ غَايَةَ ذَلِكَ أَنْ يَخْشَى الصُّبْحَ، وَلم يَجْعَلْ غَايَتَهُ عَدَدًا (^١).\nوقال العراقي: وَإِنَّمَا المرَادُ أَنَّهُ يُسَلم مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ في هَذَا الْعَدَدِ وَلِهَذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ «فَإِذَا خَشِيت الصُّبْحَ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّي مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ بِحَسَبِ مَا يَتَيَسَّرُ لَهُ مِنْ الْعَدَدِ، إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ السَّلَامُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ إلَّا أَنْ يَخْشَى الصُّبْحَ، فَيَضِيقَ حِينَئِذٍ وَقْتُ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَيَتَعَيَّنَ الْإِتْيَانُ بِآخِرِهَا وَخَاتِمَتِهَا وَهُوَ الْوِتْرُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ مِنْهُ جَمِيعُ النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلم (^٢).\nنقل الإجماع ابن عبد البر وغيره على أن صلاة الليل نافلة مطلقة وغير مقيدة بعدد.\nقال ابن عبد البر (^٣): فَلَا خِلَافَ بَيْنَ المسْلمينَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَأَنَّهَا نَافِلَةٌ وَفِعْلُ خَيْرٍ وَعَمَلُ بِرٍّ، فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ.\nوقال أيضًا (^٤): وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلماءُ عَلَى أَنْ لَا حَدَّ وَلَا شَيْءَ مُقَدَّرًا في صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَأَنَّهَا نَافِلَةٌ، فَمَنْ شَاءَ أَطَالَ فِيهَا الْقِيَامَ وَقَلَّتْ رَكَعَاتُهُ، وَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ.\nقال النووي (^٥): قَالَ الْقَاضِي: وَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَيْسَ في ذَلِكَ حَدّ لَا يُزَاد عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُص مِنْهُ، وَأَنَّ صَلَاة اللَّيْل مِنَ الطَّاعَات الَّتِي كُلما زَادَ فِيهَا زَادَ الْأَجْر، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ في فِعْل النَّبِيّ ﷺ وَمَا اِخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ. وَاللَّهُ أَعْلم.\nوقال ابن القطان الفاسي (^٦): وجُل الآثار أن صلاته ﵇ بالليل إحدى عشرة ركعة،\n_________\n(^١) «المنتقى» (١/ ٢٢٠).\n(^٢) «طرح التثريب» (٣/ ٨١).\n(^٣) «التمهيد» (٤/ ١٥١).\n(^٤) «الاستذكار» (٢/ ١٠٢).\n(^٥) «شرح النووي على مسلم» (٥/ ٢٥).\n(^٦) «الإقناع في مسائل الإجماع» (١/ ١٧٤).","vol":"1","page":334},{"text":"وأجمعوا أنه لا حد في صلاة الليل، وأنها نافلة، فمن شاء صلى كيف شاء، استقل أو استكثر.\nوقال العراقي (^١): وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلماءُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مَحْصُورٌ، وَلَكِن اخْتَلَفَت\n_________\n(^١) «طرح التثريب» (٣/ ٣١١)، وهل يقال: إن هذا الإجماع منخرم لأن مالكًا وابن خزيمة وابن العربي والصنعاني قالوا بعدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة؟\nوأجيب عنه: بأن الذي ورد عن مالك ما ذكره عبد الحق الإشبيلي، قال أشهب بن عبد العزيز: عن مالك: الذي آخذ به لنفسي في قيام رمضان هو الذي جمع به عمر بن الخطاب الناس إحدى عشرة ركعة، وهي صلاة رسول الله ﷺ، ولا أدري من أحدث هذا الركوع الكثير. ذكره ابن مغيث. «التهجد» لعبد الحق الإشبيلي (ص ١٧٦).\nفهل يدل قول مالك: (ولا أدري من أحدث هذا الركوع الكثير) على أن الزيادة على إحدى عشرة ركعة بدعة عند مالك. لا يدل على ذلك لوجوه:\nالأول: أن معنى (ولا أدري من أحدث هذا الركوع الكثير)، أي: كيف تدرج الأمر من إحدى عشرة ركعة إلى تسع وثلاثين، وليس المعنى أن الزيادة بدعة.\nقال شيخ الإسلام ﵀: وأُبي بْنُ كَعْبٍ لما قَامَ بِهِمْ وَهُمْ جَمَاعَةٌ وَاحِدَةٌ - لم يُمْكِنْ أَنْ يُطِيلَ بِهِمْ الْقِيَامَ فَكَثَّرَ الرَّكَعَاتِ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِوَضًا عَنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ ضِعْفَ عَدَدِ رَكَعَاتِهِ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُومُ بِاللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً أَوْ ثَلَاثَ عَشْرَةً، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ النَّاسُ بِالمدِينَةِ ضَعُفُوا عَنْ طُولِ الْقِيَامِ، فَكَثَّرُوا الرَّكَعَاتِ حَتَّى بَلَغَتْ تِسْعًا وَثَلَاثِينَ. «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ١١٢ - ١١٣).\nالوجه الثاني: لو كان الإمام مالك أراد أن الزيادة على الإحدى عشرة بدعة؛ لما أجاب الأمير حيث بعث إليه أن ينقص في صلاة التراويح عن تسع وثلاثين ركعة فمنع من ذلك. قال ابن القاسم: قَالَ مَالِكٌ: بَعَثَ إلَيَّ الْأَمِيرُ وَأَرَادَ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ قِيَامِ رَمَضَانَ الَّذِي كَانَ يَقُومُهُ النَّاسُ بِالمدِينَةِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ رَكْعَةً وَالْوِتْرُ ثَلَاثٌ. قَالَ مَالِكٌ: فَنَهَيْته أَنْ يُنْقِصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَقُلْتُ لَهُ: هَذَا مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ عَلَيْهِ وَهَذَا الْأَمْرُ الْقَدِيمُ الَّذِي لم تَزَلِ النَّاسُ عَلَيْهِ. «المدونة الكبرى» (١/ ٢٨٧).\nالوجه الثالث: ومما يدل على أن مالكًا لم ينكر الزيادة على أنه يجوز التنفل بين الترويحتين:\nقال ابن القاسم: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ التَّنَفُّلِ فِيمَا بَيْنَ التَّرْوِيحَتَيْنِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ. اه.\nفإذا كان الإمام ينكر الزيادة كيف يجيز الصلاة بين الترويحتين؟ =","vol":"1","page":335},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nفالحاصل: أن مالكًا يجيز الزيادة على إحدى عشرة ركعة، وهذا جلي ولا خفاء فيه، وقد جمع بين الروايتين عن مالك ابن القاسم فقال: كره مالك أن ينقص الناس من عدد الركوع الذي جرى به العمل في مسجد رسول الله ﷺ، وهي تسع وثلاثون ركعة بالوتر، والوتر ثلاث، واختار هو لنفسه إحدى عشرة ركعة. اه. «المدونة الكبرى» (١/ ٢٨٩). انظر «إضاءة المصابيح على عدد ركعات التراويح» لأبي شهاب الأسيوطي (ص ٦٣). وأما ابن خزيمة فلم ينكر الزيادة، وإنما ذكر الأخبار التي وردت في صفة صلاة النبي ﷺ وجمَع بينها: فذكر حديث ابن عباس: «كان رسول الله ﷺ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة». وذكر حديث عائشة: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً». فَجَائِزٌ لِلمرْءِ أَنْ يُصَلِّيَ أَيَّ عَدَدٍ أَحَبَّ مِنَ الصَّلَاةِ مِمَّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلاَّهُنَّ، وَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلاَّهَا، لَا حَظْرَ عَلَى أَحَدٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا. اه. «صحيح ابن خزيمة» (١/ ٥٧٥، ٥٧٨).\nفابن خزيمة جمع بين الأخبار التي وردت في صفة صلاة النبي ﷺ لليل، وذكر أن هذا من جنس الاختلاف المباح. ولم يقل إن الزيادة على الإحدى عشرة بدعة.\nقال الإمام ابن العربي في «شرح الترمذي» بعد أن أشار إلى الروايات المتعارضة عن عمر وإلى القول أنه ليس في قدر ركعات التراويح حد محدود: والصحيح أن يصلي إحدى عشرة ركعة؛ صلاة النبي ﷺ وقيامه، فأما غير ذلك من الأعداد فلا أصل له ولا حد فيه.\nفإذا لم يكن بد من الحد فما كان النبي ﷺ يصلي، ما زاد النبي ﷺ في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، وهذه الصلاة هي قيام الليل، فوجب أن يقتدى فيها بالنبي ﷺ.\nومعنى كلام ابن العربي: أن الأفضل والسنة لمن أراد الصلاة بحد محدود أن يصلي بإحدى عشرة؛ صلاة رسول الله ﷺ، أما غير ذلك من الأعداد فلا أ صل له، أي: فلم يرد عن النبي ﷺ أنه فعلها. ودل على ذلك أمور:\nالأول: أنه استهل كلامه بقوله: وليس في قدر ركعاتها (أي صلاة التراويح) حد محدود.\nوقال ابن العربي في «القبس في شرح موطأ مالك بن أنس» (١/ ٢٨٤): ليس لصلاة رمضان ولا لغيرها تعديد، إنما التعديد والتقدير للفرائض، وإنما هو قيام كله إلى طلوع الفجر لمن استطاع على قدر ما تنتهي إليه قدرته.\nفالحاصل: أن العربي لم ينكر الزيادة على إحدى عشرة ركعة بل صلاة الليل لا حد لها. «عارضة الأحوذي في شرح سنن الترمذي» (٣/ ١٩).","vol":"1","page":336},{"text":"الرِّوَايَاتُ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُهُ. اه.\nالدليل الثاني: العبرة في صلاة الليل بزمن القيام:\nفهذه عمومات من الكتاب والسنة تدل على أن التعويل في قيام الليل على زمن القيام لا على عدد الركعات.\nأما الكتاب العزيز فالظاهر في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، أن التعويل في قيام الليل على زمن القيام، وكذلك الناظر في قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ٢ نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ٣ أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]، يرى التعويل على زمن القيام أيضًا، وكذلك المتأمل في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦] يرى أن التعويل أيضًا على زمن القيام، وكذلك، قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩] يرى أيضًا المعنى المشار إليه، وهو أن المراد زمن القيام والسجود، ونحوه قوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] وكذلك ممعن النظر في قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة: ١٦] والآيات في هذه الباب كثيرة.\nأما السنة: ففي «الصحيحين» من حديث ابن عمرو: «أَحَبُّ الصَّلَاةِ إلى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ\n_________\nقال الصنعاني: وَاعْلم أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهِ (بِدْعَةٌ) عَلَى جَمْعِهِ لَهُمْ عَلَى مُعَيَّنٍ، وَإِلْزَامِهِمْ بِذَلِكَ، لَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ الْجَمَاعَةَ بِدْعَةٌ فَإِنَّهُ ﷺ قَدْ جَمَعَ بِهِمْ كَمَا عَرَفْت.\nإذَا عَرَفْت هَذَا عَرَفْت أَنَّ عُمَرَ هُوَ الَّذِي جَعَلَهَا جَمَاعَةً عَلَى مُعَيَّنٍ وَسَمَّاهَا بِدْعَةً وَأَمَّا قَوْلُهُ: «نِعْمَ الْبِدْعَةُ» فَلَيْسَ فِي الْبِدْعَةِ مَا يُمْدَحُ بَلْ كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ. اه. «سبل السلام» (٢/ ١٥ - ١٦).\nقلت: فالحاصل من قوله أنه يبدع فعل عمر ﵁ المتضمن (الكيف والكم).\nفالكيف: هو جمعهم على إمام معين والاستمرار على ذلك. والكم: هو أن جعلها عشرين ركعة، وذلك كله لم يكن على عهد النبي ﷺ؛ لذلك قال: جعل هذه الكيفية والكمية سنة، والمحافظة عليها هو الذي نقول: إنه بدعة. فيثبت أن عمر ﵁ أول من جمعهم على معين وألزمهم بذلك (كما زعم) بعدد عشرين ركعة، وهذا الفعل كله عنده بدعة!! انظر: «إضاءة المصابيح على عدد ركعات التراويح».","vol":"1","page":337},{"text":"﵇، كان يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ».\nفالعبرة بزمن القيام وذلك في قوله: «ويقوم ثلثه» (^١).\nثالثًا: ذكر بعض الآثار التي تدل على أن صلاة الليل نفل مطلق ليست محدودة بحد:\n١ - عن أَسْلم: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ. حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ. يَقُولُ لَهُمُ: الصَّلَاةَ، الصَّلَاةَ. ثُمَّ يَتْلُو هذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوةِ وَاِصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسئَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ (^٢).\nقال أبو الوليد الباجي: قَوْلُهُ: (إنَّ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ) يَقْتَضِي أَنَّ التَّنَفُّلَ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ كُلِّ إنْسَانٍ وَنَشَاطِهِ.\n٢ - فعَنْ أَبِي مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ: حَدِّثْنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّانِيَةَ فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: إِنْ شئت حَدَّثْتُكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَمَّا أَنَا فَأُوتِرُهَا هُنَا بِخَمْسٍ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَرْقُدُ، فَإِنِ اسْتَيْقَظْتُ صَلَّيْتُ شَفْعًا حَتَّى أُصْبِحَ (^٣).\n٣ - عن خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الْيَقْظَانِ، كَيْفُ تَقُولُ في الْوِتْرِ؟ فَقَالَ عَمَّارٌ: «أَمَّا أَنَا فَأُوتِرُ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ، فَإِنْ رَزَقَنِي اللَّهُ شَيْئًا صَلَّيْتُ شَفْعًا شَفْعًا حَتَّى الصُّبْحِ» (^٤).\n٤ - عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرَاقَةَ، أَنَّهُ رَأَى حَفْصَ بْنَ عَاصِمٍ يُسَبِّحُ في السَّفَرِ وَمَعَهُمْ في ذَلِكَ السَّفَرِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقِيلَ: إِنَّ خَالَكَ يَنْهَى عَنْ هَذَا. فَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَصْنَعُ ذَلِكَ، لَا يُصَلِّي قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا»\n_________\n(^١) انظر: «بحث عدد ركعات قيام الليل» لفضيلة الشيخ مصطفى بن العدوي (ص ٧ - ٩). وهو بحث ماتع، أسأل الله أن يجعله من مفاتيح الخير وأن يرفع ذكره، وأن يضع وزره، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين وأن يجمعني وإياه مع سيد الأنبياء والمرسلين.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه مالك في «الموطأ» (٥/ ٩٦) عن زيد بن أسلم عن أبيه به.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٤٤٦٨).\n(^٤) إسناده حسن: أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٤٤٦٧).","vol":"1","page":338},{"text":"قُلْتُ: أُصَلِّي بِاللَّيْلِ؟ فَقَالَ: «صَلِّ بِاللَّيْلِ مَا بَدَا لَكَ» (^١).\n٥ - وعن عطاء قال: «أَدْرَكْت النَّاسَ وَهُمْ يُصَلُّونَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ» (^٢).\n٦ - وعن نافع عن ابن عمر قال: «كَانَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ يُصَلِّي بِنَا في رَمَضَانَ عِشْرِينَ رَكْعَةً، وَيَقْرَأُ بِحَمْدِ الملَائِكَةِ في رَكْعَةٍ» (^٣).\n٧ - وعن سعيد بن عبيد: «أَنَّ عَلِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ في رَمَضَانَ خَمْسَ تَرْوِيحَاتٍ، وَيُوتِرُ بِثَلَاثٍ» (^٤).\n٨ - وعن الحسن بن عبيد قال: «كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ يُصَلِّي بِنَا في رَمَضَانَ أَرْبَعِينَ رَكْعَةً، وَيُوتِرُ بِسَبْعٍ» (^٥).\n٩ - عن داود بن قيس: «أَدْرَكْتُ النَّاسَ بِالمدِينَةِ في زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ - يُصَلُّونَ سِتَّة وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ» (^٦).\n• دليل من قال بأنه لا يزاد في قيام الليل على إحدى عشرة ركعة:\nاستدلوا بالسنة والمأثور:\nأما دليلهم من السنة:\nففي «الصحيحين» (^٧): عَنْ أَبِى سَلمةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِنْ عَوْف أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ في رَمَضَانَ وَلَا في غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً.\nواعْتُرِضَ على هذا الاستدلال من وجوه:\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٢/ ٥٩٢).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٣٩٣).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٩٣).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٩٣).\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٩٣).\n(^٦) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٩٣).\n(^٧) أخرجه البخاري (٢٠١٣)، ومسلم (٧٣٨).","vol":"1","page":339},{"text":"الوجه الأول: أن عائشة روت صفات أخرى عن النبي ﷺ تفيد أنه زاد في صلاته بالليل على إحدى عشرة ركعة.\nروى البخاري عن عائشة: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ (^١).\nوروى مسلم عن عائشة: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ في شَيْءٍ إِلَّا في آخِرِهَا (^٢).\nوقد جمع العلماء بين روايات عائشة:\nقال القرطبي: والصحيح أن كل ما ذكَرَتْه صحيح من فعل النبي ﷺ في أوقات متعددة، وأحوال مختلفة، حَسَب النشاط واليُسْر، وليبين أن كل ذلك جائز (^٣).\nوقال الصنعاني: الرِّوَايَاتُ مَحْمُولَةٌ عَلَى أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ بِحَسَبِ النَّشَاطِ وَبَيَانِ الْجَوَازِ وَأَنَّ الْكُلَّ جَائِزٌ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا أَخْبَرَتْ عَنِ الْأَغْلَبِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ، فَلَا يُنَافِيهِ مَا خَالَفَهُ؛ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ النَّادِرِ (^٤).\nالوجه الثاني: أنه ورد أن النبي ﷺ قام الليل ثلاث عشرة ركعة من طريق غير واحد من الصحابة والمثبت مقدم على النافي.\nففي الصحيحين (^٥) من حديث ابن عباس ﴿: أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالَتُهُ فَاضْطَجَعْتُ في عَرْضِ وِسَادَةٍ وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَهْلُهُ في طُولِهَا، فَنَامَ حَتَّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، فَاسْتَيْقَظَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى شَنٍّ مُعَلَّقَةٍ فَتَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبهِ فَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي وَأَخَذَ بِأُذُنِي يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى\n_________\n(^١) البخاري (١١٢٤).\n(^٢) مسلم (٧٣٧).\n(^٣) «المفهم» (٣٢٢).\n(^٤) «سبل السلام» (٢/ ١٩).\n(^٥) أخرجه البخاري (٩٩٢)، ومسلم (٧٦٣).","vol":"1","page":340},{"text":"رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى جَاءَهُ المؤَذِّنُ فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ.\nففي هذا الحديث صلى النبي ﷺ ثلاث عشرة ركعة غير ركعتي الفجر.\nروى مسلم (^١) عن زيد بن خالد الجهني ﵁ أنه قال: لأَرْمُقَنَّ اللَّيْلَةَ صَلَاةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَوَسَّدْتُ عَتَبَتَهُ أَوْ فُسْطَاطَهُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ دُونَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ دَونَ الَّتِي قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ دُونَ الَّتِي قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ دُونَ الَّتِي قَبْلَهُمَا، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً.\nالوجه الثالث: ما قاله ابن عبد البر: وَأَكْثَرُ الْآثَارِ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ بِالْوِتْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَقَدْ رُوِيَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِيهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا زِيَادَةٌ حَفِظَهَا مَنْ تُقْبَلُ زِيَادَتُهُ بِمَا نَقَلَ مِنْهَا، وَلَا يَضُرُّهَا تَقْصِيرُ مَنْ قَصَّرَ عَنْهَا، وَكَيْفَ كَانَ الْأَمْرُ، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ المسْلمينَ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ مَحْدُودٌ، وَأَنَّهَا نَافِلَةٌ، وَفِعْلُ خَيْرٍ، وَعَمَلُ بِرٍّ، فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ، وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ (^٢).\nوقَالَ الْقَاضِي: قَالَ الْعُلماء: في هَذِهِ الْأَحَادِيث إِخْبَار كُلّ وَاحِد مِنْ اِبْن عَبَّاس وَزَيْد وَعَائِشَة بِمَا شَاهَدَهُ.\nقَالَ الْقَاضِي: وَلَا خِلَاف أَنَّهُ لَيْسَ في ذَلِكَ حَدّ لَا يُزَاد عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُص مِنْهُ، وَأَنَّ صَلَاة اللَّيْل مِنْ الطَّاعَات الَّتِي كُلما زَادَ فِيهَا زَادَ الْأَجْرُ، وَإِنَّمَا الْخِلَاف في فِعْل النَّبِيّ ﷺ وَمَا اِخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ. وَاللَّهُ أَعْلم (^٣).\nالوجه الرابع: أن النبي ﷺ صلى بعد الوتر، وهذا دليل على جواز الزيادة.\nروى مسلم عَنْ أَبِي سَلمةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: «كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ، ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٦٥).\n(^٢) «التمهيد» (٤/ ١٥١).\n(^٣) «شرح مسلم» (٥/ ٢٥).","vol":"1","page":341},{"text":"فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ» (^١).\nقال النووي ﵀: وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْوِتْرِ؛ بَيَانًا لِجَوَازِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوِتْرِ (^٢).\nفالنبي ﷺ صلى بعد انتهاء وتره من الليل، فهذا يدل على أن صلاة الليل نفل مطلق ولا حد لها.\nقال شيخ الإسلام: وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ فِيهِ عَدَدٌ مُوَقَّتٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ؛ فَقَدْ أَخْطَأَ (^٣).\nواستدلوا بعدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة بما رواه مالك عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالمئِينَ حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَّا في بُزُوغِ الْفَجْرِ (^٤).\nواعترض عليه من وجوه:\nالأول: أن فعل عمر ليس فيه النهي عن الزيادة.\n_________\n(^١) مسلم (١/ ٥٠٩).\n(^٢) «المجموع» (٤/ ١٦).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٢٧٢).\n(^٤) مدار هذا الحديث على السائب بن يزيد واختلف عليه:\nفرواه محمد بن يوسف واختلف عليه، فرواه عنه مالك في «الموطأ» (١/ ١١٥) ويحيى القطان في «المصنف» لابن أبي شيبة (٢/ ٣٩١) وغيرهم باللفظ المذكور.\nوأخرجه أبو بكر النيسابوري (عبد الله بن محمد بن زياد) في «فوائده» مخطوط (١/ ١٣٦) من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن يوسف عن السائب بلفظ: «كنا نصلي في زمان عمر في رمضان ثلاث عشرة ركعة، ولكن ما كنا نخرج إلا في وجاه الصبح، كان القارئ يقرأ في كل ركعة خمسين آية. وهذه الرواية مخالفة لرواية الثقات عن محمد بن يوسف.\nوروى عبد الرزاق في «المصنف» (٤/ ٢٦٠) من طريق داود بن قيس عن محمد بن يوسف عن السائب بلفظ: «إحدى وعشرين» فهذه الرواية شاذة عن محمد بن يوسف، واللفظ الصحيح عنه: إحدى عشرة ركعة.","vol":"1","page":342},{"text":"الوجه الآخر: أنه ورد خلاف هذا عن عمر:\nفَعَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: «كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ في شَهْرِ رَمَضَانَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً، وَإِنْ كَانُوا لَيَقْرَءُونَ بِالمئِينَ مِنَ الْقُرْآن (^١).\n_________\n(^١) يزيد بن خصيفة رواه عنه ابن أبي ذئب، أخرجه الفريابي في «الصيام» (١٣١)، وعلي بن الجعد في «مسنده» (٤١٣)، ومحمد بن جعفر، أخرجه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» (٤/ ٤٢) بلفظ: «كُنَّا نَقُومُ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوِتْرِ».\nإسماعيل بن أمية، عن محمد بن يوسف، ويزيد بن خصيفة بلفظ: «فكنا نقوم بأحد عشر أو واحد وعشرين». أخرجه أبو بكر النيسابوري في «فوائده» (٢/ ١٣٥) ومدار هذا الحديث على يزيد بن خصيفة، وإن كان ورد عن أحمد أنه قال عنه: «منكر الحديث»؛ فقد قال أبو بكر الآجري: سألت أحمد عن يزيد بن خصيفة فقال: ثقة ثقة. وفي رواية ابن عبد الله: ما أعلم إلا خيرًا. وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن قول أحمد: (منكر الحديث)، فقال: هذه اللفظة يطلقها أحمد على من يُغرب على أقرانه بالحديث، عُرف ذلك بالاستقراء من حاله، وقد احتج بابن خصيفة مالك والأئمة كلهم. كما في «هدي الساري مقدمة فتح الباري» (١/ ٤٥٣). وقال الحافظ في «النكت على مقدمة ابن الصلاح» (١/ ١٠٨): أطلق الإمام أحمد والنسائي وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرد التفرد، ولكن حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده.\nوإن كان قال ابن حبان: (يزيد بن خصيفة من جلة أهل المدينة، وكان يهم كثيرًا إذا حدث من حفظه)، فقد قال ابن معين: ثقة حجة. وقال أبو حاتم الرازي: ثقة. وقال النسائي: ثقة. ووثقه ابن عبد البر وابن شاهين وابن سعد والذهبي وابن حجر وغيرهم. انظر: «إضاءة المصابيح» لأخي الشيخ/ أبو شهاب الأسيوطي.\nفالحاصل في هذا الحديث: أن مداره على السائب بن يزيد، واختلف عليه، فرواه محمد بن يوسف بلفظ: إحدى عشرة ركعة. هذا صحيح. ورواه يزيد بن خصيفة بلفظ: إحدى وعشرين ركعة، أي بالوتر. وعشرين ركعة، أي: من غير الوتر. إسناده صحيح. والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال. ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها.\nوإن قال قائل: لابد من الترجيح، فرواية إحدى عشرة أرجح، وهي الصحيحة؛ فعمر إن كان أمر بالصلاة بإحدى عشرة ركعة فهو لم ينه عن الزيادة عن إحدى عشرة، وقد روى مالك في «الموطأ» (٥/ ٩٦) بإسناد صحيح عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلم، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ.\nقال أبو الوليد الباجي: قَوْلُهُ: (إَنَّ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ) يَقْتَضِي أَنَّ التَّنَفُّلَ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ كُلِّ إنْسَانٍ وَنَشَاطِهِ.","vol":"1","page":343},{"text":"واستدلوا أيضًا لهذا القول: بأن صلاة التراويح نافلة مقيدة كالسنن الرواتب وغيرها كصلاة الكسوف، فقد التزم النبي ﷺ فيها عددًا معينًا من الركعات، لا يجوز الزيادة عليه، فكذا عدد ركعات قيام الليل إنما هو إحدى عشرة ركعة لا يجوز الزيادة.\nواعترض على هذا الاستدلال: بأنه لو صح هذا القياس بأنه لا يجوز الزيادة على إحدى عشرة كما لا يجوز الزيادة في صلاة الظهر عن أربع ركعات - فإذا كان يجوز النقصان بالاجماع في صلاة الليل على إحدى عشرة ظهر بطلان هذا القياس.\nوقد نقل ابن عبد البر وغيره الإجماع على أن صلاة الليل نافلة مطلقة لا حد فيها.\nوقال ابن العربي ﵀: ليس لصلاة رمضان ولا لغيرها تعديد، إنما التعديد والتقدير للفرائض، وإنما هو قيام كله إلى طلوع الفجر لمن استطاع على قدر ما تنتهي إليه قدرته.\nوقال ابن المنذر ﵀: الصَّلَاةُ في كُلِّ وَقْتٍ جَائِزَةٌ إِلَّا وَقْتًا نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَالْأَوْقَاتُ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَقْتُ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَوَقْتُ الزَّوَالِ، وَوَقْتُ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَالصَّلَاةُ في سَائِرِ الْأَوْقَاتِ طَلْقٌ مُبَاحٌ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمْنَعَ فِيهَا إِلَّا بِحُجَّةٍ، وَلَا حُجَّةَ مَعَ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْوِتْرِ (^١).\nالحاصل: أن عدد ركعات الليل لا حد لها، وأنها من النوافل المطلقة بالإجماع.\nنقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على أن صلاة الليل نافلة مطلقة وغير مقيدة بعدد.\nقال أبو عمر ابن عبد البر: وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلماءُ عَلَى أَنْ لَا حَدَّ وَلَا شَيْءَ مُقَدَّرًا في صَلَاةِ اللَّيْلِ، وَأَنَّهَا نَافِلَةٌ، فَمَنْ شَاءَ أَطَالَ فِيهَا الْقِيَامَ وَقَلَّتْ رَكَعَاتُهُ، وَمَنْ شَاءَ أَكْثَرَ الرُّكُوعَ\n_________\n(^١) «الأوسط» (٥/ ٢٠١).","vol":"1","page":344},{"text":"وَالسُّجُودَ (^١).\n_________\n(^١) وهل يقال: إن هذا الإجماع منخرم لأن مالكًا وابن خزيمة وابن العربي والصنعاني قالوا بعدم جواز الزيادة على إحدى عشرة ركعة؟ لا، وأجيب عنه بأن مالكًا ورد عنه أنه قال: والذي آخذ به لنفسي في قيام رمضان هو الذي جمع به عمر بن الخطاب الناس إحدى عشرة ركعة وهي صلاة رسول الله ﷺ، ولا أدري من أحدث هذا الركوع الكثير. ومعنى (لا أدري من أحدث هذا الركوع الكثير) أي: كيف تدرج الأمر من إحدى عشرة إلى تسع وثلاثين ركعة؟! وليس معناه أنه يقول: إن الزيادة على إحدى عشرة ركعة بدعة أو إنها لا تجوز. دل على ذلك أمران:\nالأول: قال ابن القاسم ﵀: قَالَ مَالِكٌ: بَعَثَ إلَيَّ الْأَمِيرُ وَأَرَادَ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ قِيَامِ رَمَضَانَ الَّذِي كَانَ يَقُومُهُ النَّاسُ بِالمدِينَةِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهُوَ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ. قَالَ مَالِكٌ: فَنَهَيْته أَنْ يُنْقِصَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، وَقُلْتُ لَهُ: هَذَا مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْأَمْرُ الْقَدِيمُ الَّذِي لم تَزَلِ النَّاسُ عَلَيْهِ. اه. قلت: وقد جمع ابن القاسم بين الروايتين فقال: كره مالك أن ينقص الناس من عدد الركوع الذي جرى به العمل في مسجد رسول الله ﷺ وهي تسع وثلاثون ركعة بالوتر، واختار هو لنفسه إحدى عشرة ركعة. أما ابن خزيمة فذكر الصفات التي وردت عن رسول الله ﷺ في قيام الليل وقال: فَجَائِزٌ لِلمرْءِ أَنْ يُصَلِّيَ أَيَّ عَدَدٍ أَحَبَّ مِنَ الصَّلَاةِ مِمَّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّاهُنَّ، وَعَلَى الصِّفَةِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّاهَا، لَا حَظْرَ عَلَى أَحَدٍ فِي شَيْءٍ مِنْهَا. ولم يذكر أنه لا يجيز الزيادة. أما الصنعاني ﵀ فقد علق على قول عمر: «نِعْمَ الْبِدْعَةُ»: فَلَيْسَ فِي الْبِدْعَةِ مَا يُمْدَحُ بَلْ كُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ. فهو يبدع فعل عمر في الكم والكيف، وهذا ظاهر البطلان ولا يحتاج ذلك إلى استدلال.\nأما ابن العربي فمعنى كلامه: أن صلاة الليل لا حد لها، ولكن من أراد أن يجعل حدًّا محددًا يلتزم به الناس؛ فعليه أن يقتدي برسول الله ﷺ. قال ﵀: ليس لصلاة رمضان ولا لغيرها تعديد، إنما التعديد والتقدير للفرائض، وإنما هو قيام كله إلى طلوع الفجر لمن استطاع على قدر ما تنتهي إليه قدرته. فهل هذا لا يجيز الزيادة؟ من الأدلة أيضًا أن العبرة في صلاة الليل بزمن القيام وليس بعدد الركعات لعموم قوله تعالى ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.\nأما من استدل بعموم قول عائشة: مَا كَانَ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً.\nفاعترض عليه من وجوه:\nالأول: ما رواه البخاري عن عائشة: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. فدل حديث عائشة هذا على أن النبي ﷺ زاد =","vol":"1","page":345},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= على إحدى عشرة ركعة، وهذه الروايات محمولة على أوقات متعددة بحسَب النشاط وبيان الجواز. ولعلها حَدَّثت بما رأته أولًا «ما كان يزيد عن إحدى عشرة» ثم حدثت بالحديث الآخر بعد ذلك. الثاني: أنه ورد في «الصحيحين» من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ صَلَّى ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وكذا ورد في حديث زيد بن خالد كما في مسلم، والمثبت مقدم على النافي.\nالثالث: أن العلماء اختلفوا فيما اختاره النبي ﷺ لنفسه من عدد الركعات، هل هو إحدى عشرة أو ثلاثة عشر، ولم يختلفوا في أن الصلاة لا حد لها، وأنها نافلة مطلقة، فمن شاء استقل، ومن شاء استكثر. قال ابن القطان الفاسي: وجل الآثار أن صلاته ﵇ بالليل إحدى عشرة ركعة، وأجمعوا أنه لا حد في صلاة الليل وأنها نافلة، فمن شاء صلى كيف شاء، استقل أو استكثر. الوجه الرابع: أن النبي ﷺ صح عنه أنه صلى بعد الوتر، وهذا دليل على أن صلاة الليل نفل مطلق، وعلى جواز الزيادة على إحدى عشرة. واستدلوا بأن صلاة التراويح نافلة مقيدة بإحدى عشرة ركعة كالفرائض.\nواعترض عليه: بما قاله الإمام ابن العربي: ليس لصلاة رمضان ولا لغيرها تعديد، إنما التعديد والتقدير للفرائض، وإنما هو قيام كله إلى طلوع الفجر لمن استطاع على قدر ما تنتهي إليه قدرته.\nواستدلوا أيضًا بما روى مالك عن محمد بن يوسف عن السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً.\nواعترض عليه: بأنه ورد خلافه عن عمر، فَعَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: «كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً». وإسناده صحيح.\nوالجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها. إذا سَلمنا أن رواية محمد بن يوسف أصح وأن الصحيح: أمر عمر أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً. فالجواب: أن عمر ﵁ لم ينه عن الزيادة. بل صح عنه أنه كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان آخر الليل أيقظ أهله. قال أبو الوليد الباجي: قَوْلُهُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ. يَقْتَضِي أَنَّ التَّنَفُّلَ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَأَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ قُوَّةِ كُلِّ إنْسَانٍ وَنَشَاطِهِ وَمَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهِ. اه.\nقلت: وكذا صح هذا المعنى عن الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، ولا أعلم أحدًا خالف في ذلك. وقد صح عن ابن عمر قوله: أُصَلِّي كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ، لَا أَنْهَى أَحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ مَا شَاءَ، غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا.","vol":"1","page":346},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد صح عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أَمَّا أَنَا فَأُوتِرُهَا هُنَا بِخَمْسٍ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَرْقُدُ، فَإِنِ اسْتَيْقَظْتُ صَلَّيْتُ شَفْعًا حَتَّى أُصْبِحَ. وقد ورد هذا المعنى عن عمار بإسناد حسن.\nوقد صح عن عطاء قال: أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَهُمْ يُصَلُّونَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ.\nفهذا هو الذي فهمه الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون في هذه المسألة.\nاستدلوا أيضًا بأن حديث: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» مطلق، ويقيد بفعل النبي ﷺ.\nسُئل الشيخ ابن عثيمين ﵀ عن قول النبي ﷺ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وأن الحديث يدل على جواز الصلاة إلى عدد غير محدد؛ لأن هذا الحديث مطلق، وقد صلى النبي ﵊ إحدى عشرة ركعة فهل يعد ذلك تقييدًا للحديث؟ فأجاب فضيلته بقوله: هذا حديث مطلق، وفِعل النبي ﷺ داخل في هذا المطلق، وفِعل بعض الأفراد على وجه لا يخالف الإطلاق لا يعد تقييدًا كما هو معروف عند الأصوليين، فأنت لو قلت: أكرِم رجلًا. وقلت: أكرم محمدًا: فلا يعني ذلك أن الحكم يتقيد بمحمد؛ لأنه داخل في أفراد المطلق، ولكن يصدق عليه أنك التزمت الأمر، وكذلك لو قلت: أكرِم الرجال، فأكرمت واحدًا بعينه، فلا يعتبر ذلك تخصيصًا، بل نقول: إذا ذُكر بعض أفراد العام بحكم لا يتنافى مع حكم العام، فليس هذا من باب التخصيص، فكذلك في التقييد. وقال في موضع آخر تعليقًا على الحديث: ولم يحدد له النبي ﷺ عددًا مع أن الحال تقتضي ذلك؛ لأن الرجل السائل لا يعلم عن صلاة الليل كمية ولا كيفية، فلما بَيَّن له النبي ﷺ الكيفية وسكت عن الكمية عُلم أن الأمر في العدد واسع، ولهذا اختلف عمل السلف الصالح في ذلك.\nوالقول بأنه لا تجوز الزيادة عن العدد الذي كان النبي ﷺ يقوم به، وأن الزيادة عليه داخلة في قول النبي ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ» قول ضعيف لما علمت من حديث عبد الله بن عمر ﴿وعمل السلف الصالح.\nولكن الأمر الذي ينبغي أن يُهتم به التأني في صلاة التراويح، وأن لا يُفعل ما يقوم به بعض الناس من الإسراع الذي قد يخل بواجب الطمأنينة، أو يمنع بعض المأمومين منها. فالذي ينظر في قول الأئمة يجد أن كلامهم يدور حول استحباب وأفضلية الإحدى عشرة ركعة أو الثلاث عشرة ركعة على غيرهما من الأعداد، ولم يفهموا من قول عائشة ل أن النبي ﷺ ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة عدم جواز الزيادة أو أنها بدعة؛ لأنهم جمعوا ووفقوا بين الأدلة في الباب مع اعتبارهم لعمل وفهم السلف الصالح للنصوص. انظر «إضاءة المصابيح على عدد ركعات التراويح».","vol":"1","page":347},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣): وَالْأَفْضَلُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ المصَلِّينَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ احْتِمَالٌ لِطُولِ الْقِيَامِ فَالْقِيَامُ بِعَشْرِ رَكَعَاتٍ وَثَلَاثٍ بَعْدَهَا، كَمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي لِنَفْسِهِ فِي رَمَضَانَ، وَغَيْرِهِ هُوَ الْأَفْضَلُ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَحْتَمِلُونَهُ فَالْقِيَامُ بِعِشْرِينَ هُوَ الْأَفْضَلُ، وَهُوَ الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ أَكْثَرُ المسْلمينَ، فَإِنَّهُ وَسَطٌ بَيْنَ الْعَشْرِ وَبَيْنَ الْأَرْبَعِينَ، وَإِنْ قَامَ بِأَرْبَعِينَ وَغَيْرِهَا جَازَ ذَلِكَ، وَلَا يُكْرَهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ فِيهِ عَدَدٌ مُوَقَّتٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ، فَقَدْ أَخْطَأَ، فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ السَّعَةُ فِي نَفْسِ عَدَدِ الْقِيَامِ فَكَيْفَ الظَّنُّ بِزِيَادَةِ الْقِيَامِ لِأَجْلِ دُعَاءِ الْقُنُوتِ أَوْ تَرْكِهِ؟! كُلُّ ذَلِكَ سَائِغٌ حَسَنٌ. وَقَدْ يَنْشَطُ الرَّجُلُ فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ تَطْوِيلَ الْعِبَادَةِ، وَقَدْ لَا يَنْشَطُ فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ تَخْفِيفَهَا.\nقال فضيلة الشيخ مصطفى بن العدوي حفظه الله في نهاية بحث عدد ركعات قيام الليل: هؤلاء الإخوان الذين يفارقون الإمام ويتركون الجماعات من أجل أن الأئمة يصلون عشرين ركعة، ظانين عند فراقهم للأئمة أنهم بمفارقتهم متبعو سنة رسول الله ﷺ، فليت شعري هل أمعن إخواني النظر في عموم الآيات والأحاديث، أم أنهم سمعوا كلمة إحدى عشرة فعضوا عليها بنواجذهم وغضوا الطرف عما سواها؟\nإنه يشق علينا رؤية إخواننا الذين يفارقون الحرم وينصرفون بعد صلاة عشر ركعات!!\nفإلى هؤلاء الإخوة المجتهدين عفا الله عنهم أقول وأذكر:\nهل حظيتم معشر الإخوة بارك الله فيكم بحديث رسول الله ﷺ: «مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»؟!! هل قمتم الليل إلا قليلًا؟\nهل قمتم أحب القيام إلى الله الذي هو قيام داود ﵇ (ثلث الليل)؟\nهل امتثلتم نصيحة رسول الله ﷺ: «أعنِّي على نفسك بكثرة السجود»؟\nهل أيقنتم بحديث رسول الله ﷺ: «إنَّكَ لَنْ تَسْجُدَ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْكَ خَطِيئَةً»؟\nهل فهمتم قول رسول الله ﷺ: «صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ»؟\nهل قرأتم قوله ﷺ: «لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ»؟\nهل أنتم من الذين يبيتون لربهم سُجدًا وقيامًا؟\nهل أنتم من القانتين آناء الليل ساجدين وقائمين؟\nهل قرأتم أقوالٍ سلفكم الصالح ﵏ في هذه المسائل؟\nهل نظرتم قول مالك والشافعي وأحمد وغيرهم من أهل العلم والفضل؟\nوأخيرًا فهل من مدكر، هل من إعادة نظر؟!\nوقال الشيخ ابن باز: ولكن الأفضل وهو الأكثر من عمله ﷺ أن يسلم من كل اثنتين ثم يوتر بواحدة، كما تقدم ذلك من حديث ابن عمر ﴿.\nوالأغلب من فعله ﷺ أنه يوتر بإحدى عشرة ركعة، ويسلم من كل ثنتين وربما أوتر بثلاث عشرة كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث عائشة ل وثبت أيضًا أنه أوتر بثلاث عشرة من غير حديث عائشة …\nومن صلى أكثر من ذلك فلا حرج؛ لقوله ﷺ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى» ولم يحد حدًّا في عدد الركعات التي يأتي بها المصلي قبل الوتر. فدل ذلك على التوسعة، فمن صلى عشرين وأوتر في رمضان أو غيره أو صلى أكثر من ذلك، فلا حرج عليه. وقد تنوعت صلاة السلف الصالح في الليل، فمنهم من يكثر الركعات ويقصر القراءة، ومنهم من يقلل الركعات ويطيل القراءة، وكل ذلك واسع بحمد الله ولا حرج فيه مع مراعاة الخشوع والطمأنينة. انظر «مجموع فتاوى ابن باز» (١١/ ٢٩٩).","vol":"1","page":348},{"text":"وفي «الصحيحين» من حديث ابن عمر ﴿: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﵍: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى».\nوجه الدلالة: أن قول النبي ﷺ: «مَثْنَى مَثْنَى» يدل على الفصل بين كل ركعتين، ولا غاية لأكثره، ولم يحد النبي ﷺ ذلك بحد، وإنما ذلك على قدر استطاعة المصلي.\nقول النبي ﷺ: «فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً».\nفجعل النبي ﷺ غاية ذلك أن يخشى الصبح ولم يجعل لغايته عددًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-230> المبحث السادس: هل يجوز القراءة من المصحف في التراويح؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوالٍ:\n• القول الأول: ذهب مالك (^١) والشافعي (^٢) وأحمد (^٣) إلى جواز القراءة من المصحف.\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:\n_________\n(^١) قال الإمام مالك: (ولا بأس بقيام الإمام بالناس في رمضان في المصحف).\n(^٢) «المجموع» (٤/ ٩٥).\n(^٣) قال أبو داود في مسائله (ص ٦٦٣) سمعت أحمد سئل عن الرجل يؤم في شهر رمضان بالمصحف؟ فرخص فيه، فقيل له: يؤم في الفريضة؟ قال: ويكون هذا!","vol":"1","page":349},{"text":"أما دليلهم من السنة: فعن أبي قتادة قال: (خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَصَلَّى، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ رَفَعَهَا) (^١).\nإذا كان يجوز حمل جارية في الصلاة، فكذا يجوز حمل المصحف من باب أَوْلى.\nأما دليلهم من المأثور:\n١ - فعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَعْتَقَتْ غُلَامًا لَهَا عَنْ دُبُرٍ، فَكَانَ يَؤُمُّهَا في رَمَضَانَ في المصحفِ. قال: وكان «يؤم» من يدخل عليها إلا أن يدخل عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر فيصلى بها (^٢).\n٢ - عن ثابت البناني قال: «كَانَ أَنَسٌ يُصَلِّي وَغُلَامُهُ يُمْسِك المصحفَ خَلْفَهُ، فَإِذَا تَعَايَا في آيَةٍ فَتَحَ عَلَيْهِ» (^٣).\n٣ - سئل ابن شهاب عن الرجل يؤم الناس في رمضان في المصحف قال: كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مُنْذُ كَانَ الإِسْلَامُ، كَانَ خِيَارُنَا يَقْرَءُونَ في المصَاحِفِ في رَمَضَانَ (^٤).\n٤ - عَنِ الْحَكَمِ «فِي الرَّجُلِ يَؤُمُّ في رَمَضَانَ يَقْرَأُ في المصحفِ، رَخَّصَ فِيهِ» (^٥).\n٥ - عن قتادة عن سعيد بن المسيب «فِي الَّذِي يَقُومُ في رَمَضَانَ إِذَا كَانَ مَعَهُ مَا يَقْرَأْ بِهِ في لَيْلَةِ، وإِلَّا فَلْيَقْرَأْ مِنَ المصْحَفْ، فَقال الحَسَنْ: لِيَقْرَأْ بِما مَعَهُ وَلَا يُرَدِّدْ وَلَا يَقْرَأْ مِنَ المصْحَفْ كَمَا تَفْعَلْ اليَهُودْ. قال قَتَادَة: وَقَوْلُ سَعِيدُ: أَعْجَبُ إِلَيَّ (^٦).\n• القول الثاني: كراهة القراءة من المصحف:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٩٦)، ومسلم (٥٤٣).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢٣٤)، وعبد الرزاق (٢/ ٣٩٤).\n(^٣) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٣٣٨).\n(^٤) ذكره ابن نصر المروزي (ص ٣٦).\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٣٨).\n(^٦) «مختصر قيام الليل» لابن نصر المروزي (ص ١٣٨). وقول الحسن فيه كراهة القراءة من المصحف.","vol":"1","page":350},{"text":"عن ابن عباس ﴿قال: نَهَانَا أَمِيرُ المؤْمِنِينَ عُمَرُ أَنْ نَؤُمَّ الناس في المصْحَفِ (^١).\nعن الأعمش عن إبراهيم: أَنْهُ كَرِهَ أَنْ يُؤَمَّ في المصْحَفْ وَقَالَ: لَا نَتَشَبَّه بِأَهْلِ الكِتَاب (^٢).\n• القول الثالث: ذهب أبو حنيفة (^٣) وابن حزم (^٤) إلى أن المصلي لو قرأ من المصحف، فصلاته فاسدة.\nواستدلوا لذلك بالسنة والمعقول:\nأما دليلهم من السنة: ففي «الصحيحين» (^٥) من حديث عبد الله قال: كُنَّا نُسَلم عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ في الصَّلَاة قَبْلَ أَنْ نَخْرُجَ إلَى النَّجَاشِيِّ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلما رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلمت عَلَيْهِ فَلم يَرُدَّ، وَقال: «إنَّ في الصَّلَاة شُغْلًا».\nوجه الدلالة: أن حمل المصحف وتقليب الأوراق والنظر فيه - يشغله عن الصلاة والنبي يقول: «إنَّ في الصَّلَاة شُغْلًا».\nأما دليلهم من المعقول: فما قاله الكاساني: إنَّ هذا يُلَقَّنُ من المصْحَفِ فَيَكُونُ تَعَلما منه، أَلَا تَرَى أَنَّ من يَأْخُذُ من المصْحَفِ يُسَمَّى مُتَعَلما، فَصَارَ كما لو تَعَلم من مُعَلم، وَذَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ كذا هذا وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ لَا تُوجِبُ الْفَصْلَ بين ما إذَا كان حَامِلًا لِلمصْحَفِ مُقَلِّبًا لِلْأَوْرَاقِ وَبَيْنَ ما إذَا كان مَوْضُوعًا بين يَدَيْهِ وَلَا يُقَلِّبُ الْأَوْرَاقَ.\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي داود في «المصاحف» (٧٩٦)، وفي إسناده: نهشل بن سعيد كذبه إسحاق، وفي سماع الضحاك من ابن عباس خلاف.\n(^٢) إسناده حسن: رواه ابن أبي داود في «المصاحف» (٧٧٩).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٦٣).\n(^٤) قال ابن حزم في «المحلى» (٤/ ٢٢٣): ولا يحل لأحد أن يؤم وهو ينظر ما يقرأ به في الصلاة لا في الفريضة ولا النافلة، فإن فعل عالمًا بأن فِعل ذلك لا يجوز بطلت صلاته وصلاة من يأتم به عالمًا بأن هذا لا يجوز.\n(^٥) أخرجه البخاري (١١٩٩، ١٢١٦)، ومسلم (٥٣٨).","vol":"1","page":351},{"text":"واعْتُرِض عليه بما قاله محمد بن نصر المروزي (^١): ولا نعلم أحدًا قبل أبي حنيفة أفسد صلاته، إنما كره ذلك قوم؛ لأنه مِنْ فعل أهل الكتاب فكرهوا، لأهل الإسلام أن يتشبهوا بأهل الكتاب، فأما إفساد صلاته فليس لذلك دليل نعلمه؛ لأن قراءة القرآن من عمل الصلاة ونظره في المصحف كنظره إلى سائر الأشياء التي ينظر إليها في صلاته، وهذا لا يفسد صلاته بذلك.\nوالراجح في المسألة هو ما ذهب إليه جمهور العلماء من جواز حمل المصحف في قيام الليل، وذلك لأن النبي ﷺ حمل أمامة وهو يصلي، فكذا يجوز حمل المصحف، ولأن ذكوان كان يؤم عائشة ﵂ يقرأ من المصحف في رمضان، فإذا كان ثم حاجة كافتقاد إمام حافظ لكتاب الله فيجوز ذلك، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-231> المبحث السابع: إمامة غلام لم يحتلم بعد:</span>\nروى البخاري (^٢) عن عمرو بن سلمة قال: صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا في حِينِ كَذَا، وَصَلُّوا صَلَاةَ كَذَا في حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا. فَنَظَرُوا فَلم يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي؛ لما كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتٍّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي.\nقال الشافعي (^٣): (إذَا أَمَّ الْغُلَامُ الذي لم يَبْلُغْ الذي يَعْقِلُ الصَّلَاةَ وَيَقْرَأُ الرِّجَالَ الْبَالِغِينَ، فإذا أَقَامَ الصَّلَاةَ أَجْزَأَتْهُمْ إمَامَتُهُ، وَالاِخْتِيَارُ أَنْ لَا يَؤُمَّ إلاَّ بَالِغٌ، وَأَنْ يَكُونَ الإِمَامُ الْبَالِغُ عَالما بِمَا لَعَلَّهُ يَعْرِضُ له في الصَّلَاةِ).\nوالراجح: جواز إمامة الغلام إذا كان أقرأ القوم، وعالمًا بما يعرض له في الصلاة لحديث عمرو بن سلمة، والله أعلم.\n_________\n(^١) «مختصر قيام رمضان» لابن نصر المروزي (ص ٨٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٣٠٢).\n(^٣) «الأم» (١/ ٢٥٧). قال الإمام مالك في «المدونة» (١/ ٨٤): (لَا يَؤُمُّ الصَّبِيُّ فِي النَّافِلَةِ لَا الرِّجَالَ وَلَا النِّسَاءَ). قال أحمد في رواية أبي داود عنه (ص ٢٦): لا يؤم الغلام حتى يحتلم، قلت: حديث عمرو بن سلمة؟ قال: لعله كان في بدء الإسلام.","vol":"1","page":352},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-232> المبحث الثامن: القراءة في القيام، وفيه مطلبان:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-233> المطلب الأول: تحسين الصوت:</span>\nينبغي للإمام أن يحسن صوته بتلاوة القرآن، ويعتني بإجادة القرآن على الوجه المطلوب محتسبًا الأجر عند الله لا من أجل الرياء والسمعة، وأن يتلو القرآن بخشوع وحضور قلب؛ لينتفع بقراءته وينتفع به من يسمعه.\nوينبغي أن يُختار للإمامة من هو: أقرأ القوم وهو مع ذلك حسن الصوت، ولأن في ذلك تنشيطًا للمصلين خلفه وسببًا لحضور قلوبهم واستماعهم وإنصاتهم للقراءة، دل على ذلك عموم قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾.\nوعن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما أَذِنَ الله لِشَيْءٍ ما أَذِنَ لِنبِيِّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ» (^١).\nعن أبي موسى ﵁، أن النبي ﷺ قال له: «يَا أَبَا مُوسَى لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-234> المطلب الثاني: هدي النبي ﷺ أثناء القراءة في الصلاة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-235>١ - الاستعاذة:</span> ذهب جمهور العلماء إلى استحباب الاستعاذة قبل القراءة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨].\nوهذا أمر، والأمر للوجوب وصرفه للاستحباب فعل النبي ﷺ كما في مسلم (^٣) عن أنس قال: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ» فَقَرَأَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]. فلو كانت الاستعاذة واجبة لفعلها النبي ﷺ في هذا الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-236>٢ - مد الآيات:</span> عن قتادة قال: سئل أنس: كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقال: كَانَتْ مَدًّا. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يَمُدُّ بِبِسْمِ اللَّهِ وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٠٢٤).\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٠٤٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (٤٠٠).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٠٤٨).","vol":"1","page":353},{"text":"<span data-type='title' id=toc-237>٣ - تدبر القرآن:</span> قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ والآيات في ذلك كثيرة.\nوروى مسلم (^١) عن حذيفة بن اليمان قال: صَلَّيْتُ مع النبي ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فقلت: يَرْكَعُ عِنْدَ المائَةِ. ثُمَّ مَضَى فقلت: يُصَلِّي بها في رَكْعَةٍ. فَمَضَى فقلت: يَرْكَعُ بها ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ فَقَرَأَهَا ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ فَقَرَأَهَا يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا (^٢) إذا مَرَّ بِآيَةٍ فيها تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وإذا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وإذا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ فَجَعَلَ يقول: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا من قِيَامِهِ ثُمَّ قال: «سَمِع اللهُ لمنْ حَمِدَهُ» ثُمَّ قام طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ ثُمَّ سَجَدَ فقال: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعلى» فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا من قِيَامِهِ».\n\n•<span data-type='title' id=toc-238> المطلب الثالث: هل يطيل القراءة في التراويح؟</span>\nورد بإسناد صحيح (^٣) عن السائب بن يزيد قال: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِىَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالمئِينَ، حَتَّى كَنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِىِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَمَا كَنَّا نَنْصَرِفُ إِلاَّ في الْفَجْرِ.\nلكن لا بد من مراعاة أحوال المأمومين في صلاة التراويح، وعدم الإفراط في التطويل وعدم التخفيف الزائد وقد قال ﷺ: «إِنِّي لَأَدْخُلُ في الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ في صَلَاتِي؛ مِمَّا أَعْلم مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ» (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-239> المطلب الرابع: هل يجوز القراءة من وسط السور أو آخرها؟</span>\nيجوز القراءة بأواخر السور وأوسطها لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]\nقال شيخ الإسلام: وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ بِأَوَاخِرِ السُّوَرِ وَأَوْسَاطِهَا فَلم يَكُنْ غَالِبًا عَلَيْهِمْ؛ وَلِهَذَا يُتَوَرَّعُ في كَرَاهَةٍ ذَلِكَ، وَفِيهِ النِّزَاعُ المشْهُورُ في مَذْهَبِ أَحْمَد وَغَيْرِهِ، وَمِنْ أَعْدَلِ الْأقوالٍ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٧٧٢).\n(^٢) إذ ليس المقصود الانتهاء من ورد معين بلا خشوع ولا خضوع.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٧٧٣٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٨٤)، والبيهقي (٢/ ٤٩٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٧٠٨)، ومسلم (٤٧٠).","vol":"1","page":354},{"text":"قَوْلُ مَنْ قال: يُكْرَهُ اعْتِيَادُ ذَلِكَ دُونَ فِعْلِهِ أَحْيَانًا؛ لِئَلَّا يَخْرُجَ عَمَّا مَضَتْ بِهِ السُّنَّة، وَعَادَةُ السَّلَفِ مِنْ الصحابَةِ وَالتَّابِعِينَ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-240> المبحث التاسع: حضور النساء للتراويح:</span>\nيجوز حضور النساء إلى الصلاة في المسجد؛ لعموم قوله ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ الله مَسَاجِدَ الله».\nولكن يجب على المرأة أن تلتزم بالحجاب الشرعي، ولا تتبرج إذا خرجت، فإذا أمنت الفتنة في خروجها، يستحب لأن في صلاة الجماعة والتراويح، تنشيطًا للمصلين، ويكتب لها قيام ليلة إذا انصرفت مع الإمام.\nويجوز للمرأة أن تؤم النساء ولكن تقوم في وسط الصف الأول.\n\n•<span data-type='title' id=toc-241> المبحث العاشر: حكم دعاء الختم في التراويح:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم دعاء الختم في التروايح على قولين:\n• القول الأول: ذهب الحنفية والمالكية إلى المنع من دعاء الختم في التراويح.\nواستدلوا بأن هذا لم ينقل عن النبي ﷺ.\nقال في الفتاوى الهندية: يُكْرَهُ الدُّعَاءُ عِنْدَ خَتْمِ الْقُرْآنِ بِجَمَاعَةٍ؛ لِأَنَّ هذا لم يُنْقَلْ عن النبي ﵌ (^١).\nوعن الإمام مالك أنه سُئل عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو، فقال: ما سمعت أنه يدعو عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس (^٢)، (وما أرى أن يُفعل) (^٣).\nفالحاصل أن دليل هذا القول هو أن دعاء الختم في الصلاة عمل في عبادة (وهي\n_________\n(^١) «الفتاوى الهندية» (٥/ ٣١٨)، و«أسنى المطالب» (١/ ٦٤)، و«تحفة المحتاج» (١/ ٥٥).\n(^٢) «الحوادث والبدع» لأبي بكر الطرطُوشي (١٥٤ - ١٥٥).\n(^٣) «النوادر والزيادات» لابن أبي زيد (١/ ٥٣٠)، و«المدونة» (١/ ٢٨٧)، و«المدخل» (٢/ ٢٩٥).","vol":"1","page":355},{"text":"الصلاة) لا تثبُت الأعمال فيها إلا بتوقيف (^١).\n• القول الآخر: استحباب دعاء الختم في صلاة التراويح بعد ختم القرآن وقبل الركوع.\nقال ابن قدامة (^٢): قَالَ الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ: سَأَلْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ فَقُلْت: أَخْتِمُ الْقُرْآنَ، أَجْعَلُهُ في الْوِتْرِ أَوْ في التَّرَاوِيحِ؟ قَالَ: اجْعَلْهُ في التَّرَاوِيحِ حَتَّى يَكُونَ لَنَا دُعَاءً بَيْنَ اثْنَيْنِ. قُلْت كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: إذَا فَرَغْتَ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ فَارْفَعْ يَدَيْكَ قَبْلَ أَنْ تَرْكَعَ، وَادْعُ بِنَا وَنَحْنُ في الصَّلَاةِ، وَأَطِلْ الْقِيَامَ. قُلْت: بِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: بِمَا شئت. قَالَ: فَفَعَلْت بِمَا أَمَرَنِي\nوَهُوَ خَلْفِي يَدْعُو قَائِمًا، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ.\nواستدلوا لهذا القول بعمومات السنة والمأثور وفعل أهل مكة.\nأما دليلهم من السنة:\nفعن أبي هريرة قال: «كان رسول الله إذا ختم القرآن دعا قائما» (^٣).\n_________\n(^١) دعاء الختم في التراويح للشيخ حاتم العوني (ص ١٥)، وقد استفدت من هذا البحث كثيرًا فأسأل الله أن يسعده بجنته، وأن يشمله برحمته وأن ينفع به الإسلام والمسلمين.\n(^٢) «المغني» (٢/ ٦٠٨)، و«الإنصاف» (٤/ ١٨٢). وليس هناك كلام صريح لأئمة الشافعية في دعاء الختم جماعة، إلا أن النووي استحب دعاء الختم في الصلاة للمنفرد؛ فقال في «المجموع» عن آداب ختم القرآن: يستحب كونه في أول الليل، أو أول النهار، وإن قرأ وحده فالختم في الصلاة أفضل. قلت: الأصل أن كل ما صح للمنفرد صح للجماعة إذ لا فرق إلا بدليل، والله أعلم.\n(^٣) أخرجه ابن الجوزي «الوفا» كما في «النشر» (٢/ ٤٦٤) وغيره، وفي إسناده الحارث بن سريح ضعيف جدًّا، وإبراهيم بن عبد الله بن أيوب، وإن كان قال فيه أبو علي الإسماعيلي: صدوق، فقد قال الدارقطني: ليس بثقة، حدث عن الثقات بأحاديث باطلة. وروى البيهقي «الشعب» (١٩١٧) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَحَمِدَ الرَّبَّ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَاَسْتَغْفَرَ رَبَّهُ فَقَدْ طَلَبَ الْخَيْرَ مَكَانَهُ»، وفي إسناده أبان بن أبي عياش متروك، والحسن لم يسمع من أبي هريرة. وروى الدارمي «السنن» (٣٧٤١) وغيره عن أبي قلابة قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ شَهِدَ الْقُرْآنَ حِينَ يُفْتَحُ، فَكَأَنَّمَا شَهِدَ فَتْحًا في سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ شَهِدَ خَتْمَهُ حِينَ يُخْتَمُ فَكَأَنَّمَا شَهِدَ الْغَنَائِمَ تُقْسَمُ» وفي إسناده صالح بن بشير، قال البخاري: منكر الحديث. ومن أراد التوسع والمزيد فلينظر «دعاء ختم القرآن عند السلف» لفضيلة الشيخ مشهور بن حسن أسأل الله أن يزيد في عمره وأن يبارك في عمله وأن يجعلنا وإياه من خدام سنة النبي العدنان، وأن يجمعنا وإياه في جنات النعيم مع النبي الأمين ﷺ.","vol":"1","page":356},{"text":"وبعدة أحاديث، منها «عند كل ختمة دعوة مستحابة» وهي أحاديث واهية وتالفة لا تصح عن رسول الله ﷺ (^١).\n_________\n(^١) روى البيهقي «الشعب» (١٩٢٠) وغيره، عن أنس قال رسول الله: «إن لصاحب القرآن عِنْدَ كُلِّ خَتْمَةٍ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» وفي إسناده أبو عصمة، وهو نوح بن أبي مريم كذبه ابن عيينة، ويزيد الرقاشي، وهو ضعيف، وقد قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله. وروى أبو نعيم «الحلية» (٧/ ٢٦٠)، والبيهقي «الشعب» (١٩١٩)، عن أنس قال: قال رسول الله «عِنْدَ كُلِّ خَتْمَةٍ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» وهو حديث موضوع، فيه يحيى بن هاشم وضَّاع. وانظر «الضعيفة» للشيخ الألباني (١٢٢٤). وفي الباب حديث ابن عباس، وفيه: «من قرأ ختمة كُتب له عند الله دعوة مستجابة معجلة أو مؤخرة» أخرجه ابن عدي «الكامل» (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨) وغيره. وفي إسناده حفص بن عمر بن حكيم، قال ابن عدي: مجهول، أحاديثه بواطل، وقال ابن معين: أحاديثه كذب. وفي الباب حديث العرباض بن سارية، وفيه «ومَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فَلَهُ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» أخرجه الطبراني «الكبير» (١٨/ ٦٤٧) وفي إسناده عبد الحميد بن سليمان: ضعيف، قال ابن المديني: روى عن أبي حازم أحاديث منكرة، انظر «الضعيفة» للشيخ الألباني (٣٠١٤). وحديث جابر قال رسول الله: «من قرأ أو جمع القرآن؛ كانت له عند الله دعوة مستجابة» أخرجه الطبراني «الأوسط» (٦٦٠٦) وغيره، وفي إسناده مقاتل وهو متروك.\nوحديث أبي أمامة قال رسول الله: «إِنَّ لِحَامِلِ الْقُرْآنِ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً يَدْعُو بِهَا فَيُسْتَجَابُ لَهُ»: أخرجه البيهقي «الشعب» (٢٠٢١) وفي إسناده موسى بن عمير: متروك الحديث، ومكحول لم يدرك أبا أمامة وعلي بن أبي طالب بن حماد، قال أبو حاتم: صدوق، وقال ابن معين: ليس بشيء.\nوحديث عائشة «وإِنَّ لِحَامِلِ الْقُرْآنِ دَعْوَةً مُسْتَجَابَةً» أخرجه العقيلي «الضعفاء» (٢/ ٣٥١) وغيره، وقال: ليس له أصل، وفي إسناده عبد الرحمن بن يحيى، متروك. فكل الأحاديث واهية، ومن أراد المزيد فلينظر «دعاء ختم القرآن عند السلف» لفضيلة الشيخ مشهور بن حسن، وهو بحث جيد ونافع في هذا الباب، وأسأل الله أن يرفع ذكره ويضع وزره وينفع به الإسلام والمسلمين.\nالأثار التي تدل على أن عند الختم دعوة مستجابة: روى ابن أبي شيبة «المصنف» (١٠/ ٤٦٦) وغيره، عن معاذ بن جبل قال: «مَنِ اسْتَظْهَرَ الْقُرْآنَ كَانَتْ لَهُ دَعْوَةٌ إِنْ شَاءَ يُعَجِّلُهَا لِدُنْيَا، وَإِنْ شَاءَ لآخِرَة». وفي إسناده إبراهيم الخوزي: متروك الحديث، والزهري لم يدرك معاذًا. وروى ابن زنجويه «فضائل الأعمال» كما في «لمحات الأنوار» (١/ ٦٩ - ٧٠)، و«كنز العمال» (٤٠١٩) عن كنانة العدوي عن عمر، وفيه «اعلموا أن من تلاه وحفظه وعمل به واتبع ما فيه، كانت له عند الله يوم القيامة دعوة مستجابة، إن شاء عجّلها له في دنياه، وإلا كانت له ذخرًا في الآخرة»، ولم أقف له على إسناد.","vol":"1","page":357},{"text":"أما دليلهم من المأثور:\n١ - فعن ثابت قال: كَانَ أَنَسٌ إِذَا خَتَمَ الْقُرْآنَ جَمَعَ وَلَدَهُ وَأَهَلَ بَيْتِهِ فَدَعَا لَهُمْ (^١).\nقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الدعاء عند ختم القرآن قائمًا أو قاعدًا، فقال: يقال إن أنسًا كان يجمع عياله عند الختم، وكان المعتمر بن سليمان إذا أراد أن يختم اجتمع إليه جماعة (أراه قال) يدعو ويدعون (يعني إذا ختم) (^٢).\nواعترض عليه بأن هذا الأثر إنما هو دعاء خارج الصلاة لا في الصلاة.\nوقال الحكم بن عتيبة: كَانَ مُجَاهِدٌ، وَعَبْدَةُ بْنُ أَبِي لُبَابَةَ وَنَاسٌ يَعْرِضُونَ المصَاحِفَ، فَلما كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أَرَادُوا أَنْ يَخْتِمُوا أَرْسَلُوا إلى وَإِلَى سَلمةَ بْنِ كُهَيْلٍ فَقَالُوا: إنَّا كُنَّا نَعْرِضُ المصَاحِفَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَخْتِمَ الْيَوْمَ فَأَحْبَبْنَا أَنْ تَشْهَدُونَا، إِنَّهُ كَانَ يُقَالُ: إذَا خُتِمَ الْقُرْآنُ نَزَلَتِ الرَّحْمَةُ عِنْدَ خَاتِمَتِهِ (^٣). وفي رواية: إن الدعاء مستجاب عند ختم القرآن. وفي رواية: قال الحكم: أرسل مجاهد وعبدة قالا: إنا أرسلنا إليك نريد أن نختم القرآن، فلما فرغوا من ختم القرآن دعوا بدعوات (^٤).\nوعن عبد الرحمن بن الأسود «يذكر أنه إذا ختم القرآن يصلى عليه» (^٥).\nومعنى «يصلى عليه» المراد بالصلاة هنا هو: دعاء الملائكة، ويترتب عليه حضور الرحمة، وهو مظنة استجابة الدعاء، ويلاحظ هنا قول التابعين: قيل: الرحمة ..\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه الدارمي (٣٤٧٤، ٣٤٧٣)، وسعيد بن منصور (٢٧)، والفريابي (٧٤، ٧٥)، وأبو عبيد (٨٨)، وابن الضريس (٧٦)، من طرق عن ثابت به.\n(^٢) مسائل عبد الله ابن الإمام أحمد (٣٢١).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٩١)، والفريابي «فضائل القرآن» (٨٨، ٨٩) وغيرهما، من طرق عن منصور عن الحكم به.\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه الدارمي (٣٤٨٢)، وابن أبي شيبة (١٠/ ٤٩١)، والفريابي (٨٧ - ٩٢) وغيرهم، من طرق عن شعبة عن الحكم به.\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه ابن المبارك «الزهد» (٨١٠) وغيره.","vol":"1","page":358},{"text":"وكنا نذكر .. فيه إشارة إلى تلقيه عمن قبلهم من الصحابة.\nونزول الملائكة والرحمة عند مطلق القرآن ثابت في غير ما حديث، فكيف عند ختمه؟! (^١).\nوقال مالك بن دينار: كان يقال: «اشهدوا ختم القرآن» (^٢).\nوقال محمد بن جُحادة: كانوا يستحبون إذا ختموا القرآن من الليل أن يختموه في الركعين اللتين بعد المغرب، وإذا ختموه من النهار أن يختموه في الركعتين اللتين قبل صلاة الفجر (^٣).\nوقد استدل الإمام أحمد على استحباب دعاء الختم في صلاة التراويح بفعل أهل مكة:\nقال حنبل: سمعت أحمد يقول في ختم القرآن: إذا فرغت من قراءة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع. قلت: إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة. قال العباس بن عبد العظيم: وكذلك أدركنا الناس بالبصرة وبمكة، ويروي أهل المدينة في هذا شيئًا وذكر عن عثمان بن عفان (^٤).\nوالراجح: المنع من دعاء الختم في التراويح؛ لأن هذا لم يُنقل عن النبي ﷺ ولا عن\n_________\n(^١) «دعاء ختم القرآن عند السلف» (ص ٣٦). قال: وأخرج عبد الملك بن حبيب السلمي في «رغائب القرآن» عن وهب بن عبد الله أنه كان يقول: لكل نبي مسألة يعطاها، وإن قارئ القرآن يعطى سؤله كلما ختمه. أفاده الغافقي في «لمحات الأنوار» (٣/ ١١٧٩) ولم أقف على سنده.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن الضريس «فضائل القرآن» (رقم ٣٥)، روى ابن سعد في الطبقات (٨/ ٤٧) قال: أخبرنا محمد بن يزيد بن خنيس قال: سمعت وهيب بن الورد قال: كان الأعرج يقرأ في المسجد ويجتمع الناس عليه حين يختم القرآن، وأتاه عطاء ليلة ختم القرآن. وهذا إسناد حسن.\nوقال ابن أبي خيثمة في تاريخه (١/ ٢٤٢ رقم ٨٠٤): حَدَّثَنا عَبْد الرَّحْمَن بن يونس، قال: قال سفيان: رأيت حُمَيْد الأَعْرَج كان يعرض المصحف، إذا جاء ختم القرآن جمع الناس. وهذا إسناد صحيح؛ فإن عبد الرحمن بن يونس بن هاشم كان مستملي سفيان بن عيينة، وهو ثقة.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه عبد الله بن المبارك في «الزهد» (٨١١).\n(^٤) «المغني» (٢/ ٦٠٨).","vol":"1","page":359},{"text":"صحابته الكرام.\nقال الشيخ ابن عثيمين: ليس هناك دليل على الدعاء الذي يكون عند انتهاء القرآن في صلاة التراويح، فإن ذلك لم يرد عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه - فيما أعلم -، وغاية ما ورد في ذلك: ما ذُكر عن أنس بن مالك ﵁ أنه «كان إذا ختم القرآن؛ جمع أهله ودعا» أما أن يكون ذلك في قيام الليل في التراويح؛ فلا أعلم ذلك، ولكن جرت عادة الناس - اليوم - على أن يقرؤوا هذا الدعاء بعد انتهاء القرآن؛ فمن تابع إمامه في ذلك فلا حرج عليه، أما أن يفعله هو بنفسه؛ فإن الذي أرى أن لا يفعله، لأن شيئًا لم يثبت عن النبي ﷺ، ولا عن أصحابه - لا ينبغي لنا أن نفعله، ولو أن الإمام جعل آخر القرآن في صلاة الوتر، وقنت فيه بعد انتهاء القرآن بنية أنه من القنوت، لكان ذلك طيبًا.\nوالمهم: أنه لم يرد عن النبي ﵊ ولا عن أصحابه أنهم كانوا يختمون القرآن بهذا الدعاء في صلاة التراويح، وما لم يرد؛ فلا ريب أن الأفضل تركه، وعدم القيام به، لكن متابعة الإمام فيه أَوْلى من مخالفته والخروج من المسجد - بلا شك (^١).\nقال الشيخ مشهور حسن: الدعاء الذي يدعو به من يختم القرآن عند ختمه؛ وإن كان أصله مما ورد بعينه أو بجنسه؛ فإنما ورد عامًّا غير مقيد بختم القرآن، فجعلُ ختم القرآن سببًا للدعاء به تقييد له بسبب لم يرد به الشرع، فإنه من المعلوم أن النبي ﷺ كان يقرأ القرآن ويختمه ولم ينقل عنه أنه كان يدعو عند ختمه، فعُلم أنه لم يفعله، ولما لم يفعله عُلم أنه ليس من سنته، إذ لو كان من سنته لفعله، أو أقر عليه، ثم نقل ذلك للأمة؛ لأن الله تعالى تكفل ببيان شريعته وحفظها، ولم يكن الله تعالى ليدع أمرًا محبوبًا إليه ثابتًا من دينه بدون بيان لعباده فلا يفعله النبي ﷺ، ولا أحد من أصحابه في عهده فيقر عليه، أو يفعل ذلك ولا ينقل للأمة؛ فإن هذا خلاف قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وخلاف قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) «دعاء ختم القرآن عند السلف» (١٦٦، ١٦٧).\n(^٢) «دعاء ختم القرآن عند السلف» (١٨٨، ١٨٩).","vol":"1","page":360},{"text":"<span data-type='title' id=toc-242>الفصل الثاني الوتر</span>\nوفيه مباحث\n• المبحث الأول: تعريف الوتر\n• المبحث الثاني: فضل صلاة الوتر\n• المبحث الثالث: حكم الوتر\n• المبحث الرابع: وقت صلاة الوتر\n• المبحث الخامس: صفة الوتر\n• المبحث السادس: القراءة في الوتر\n• المبحث السابع: مشروعية قضاء الوتر لمن نام عنه أو نسيه\n• المبحث الثامن: مشروعية الصلاة بعد الوتر\n• المبحث التاسع: صلاة الوتر في السفر\n• المبحث العاشر: الوتر على الدابة\n• المبحث الحادي عشر: الذكر بعد الفراغ من الوتر.","vol":"1","page":361},{"text":"؟\n\nالوتر\nوفيه مباحث (^١):\n\n•<span data-type='title' id=toc-243> المبحث الأول: تعريف الوتر:</span>\nتعريف الوتر لغة: الوِتْرُ والوَتْرُ: الفَرْدُ أَوْ ما لم يَتَشَفَّعْ من العَدَدِ، وأَوْتَرَهُ، أَي: أَفَذَّهُ (^٢).\nالوتر شرعًا: الوتر اسم للركعة المنفصلة عما قبلها، ولثلاث الركعات، وللخمس والسبع والتسع، إذا كانت هذه الركعة متصلة بسلام واحد، فإذا كانت هذه الركعات بسلامين فأكثر، فالوتر اسم للركعة المنفصلة وحدها (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-244> المبحث الثاني: فضل صلاة الوتر:</span>\nإن صلاة الوتر أفضل الصلاة بعد الفريضة، روى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ»، والوتر من أعظم صلاة الليل.\nلعظم صلاة الوتر وصى النبي ﷺ بها أصحابه: روى البخاري (^٤) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ من كل شَهْرٍ، وَرَكْعَتَي الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قبل أَنْ أَنَام».\nوروى مسلم (^٥) من حديث أبي الدرداء قال: أَوْصَانِى حبيبي ﷺ بِثَلَاثٍ لَنْ أَدَعَهُنَّ مَا\n_________\n(^١) ثَمَّ بحث قيم ونافع وهام وفريد في بابه لأخي في الله الشيخ: فريد بن فويلة، وقد أورد ما يتعلق بالمسائل من كلام الواحد الديان، والنبي المختار، والصحابة الأبرار، ومن تبعهم بإحسان، وقد استفدت منه كثيرًا، فجزاه الله خير الجزاء وأوفاه، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته يوم يلقى مولاه.\n(^٢) «لسان العرب» (١٥/ ١٤٦) ط/ صادر.\n(^٣) انظر: «عمدة القاري» (٥/ ٤١٧)، و«المجموع» (٤/ ١٨).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٩٨١).\n(^٥) أخرجه مسلم (١/ ٤٩٩١).","vol":"1","page":362},{"text":"عِشْتُ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَصَلَاةِ الضُّحَى، وَبِأَنْ لَا أَنَامَ حَتَّى أُوتِرَ».\n\n•<span data-type='title' id=toc-245> المبحث الثالث: حكم الوتر:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن الوتر سنة، وإليه ذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وأبو يوسف ومحمد بن الحسن من الحنفية (^١).\nقال ابن عبد البر (^٢): وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْوِتْرَ سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ إِجْمَاعًا؛ لِشُذُوذِ الْخِلَافِ فِيهِ. واستدلوا لذلك بأدلة كثيرة منها:\n١ - ما رواه البخاري (^٣) عن ابن عباس أن رسول الله بَعَثَ مُعَاذًا ﵁ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلمهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ في كُلِّ يوم وَلَيْلَةٍ».\nوجه الدلالة: ما قاله ابن عبد البر (^٤): فِيهِ أَنَّ الصَّلَوَات المكْتُوبَات المفْتَرَضَات خَمْسُ لَا غَيْر، وَهَذَا مَحْفُوظٌ في غَيْرِ مَا حَدِيث.\n٢ - وفي الصحيحين (^٥) من حديث طلحة قال: جاء رجل يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله: «خَمسُ صَلْوات في اليوم والليلةِ» فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّع» قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ.\nقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ».\nقال المارودي (^٦): فكان في هذا الخبر ثلاثة أدلة:\nأحدهما: أنه سأله عن الفرض الذي عليه فقال ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ» لم يقل: ست.\n_________\n(^١) «الموطأ» لابن وهب (٣٣٨)، و«المجموع» للنووي (٤/ ١٢)، و«مسائل صالح» (١/ ٢٦٦)، و«المغني» (٢/ ٢٥٥)، و«بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٠).\n(^٢) «الاستذكار» (٥/ ٢٦٧).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٣٩٥).\n(^٤) «التمهيد» (١٠/ ١٥٨).\n(^٥) أخرجه البخاري (٤٦)، ومسلم (١/ ٤٠).\n(^٦) «الحاوي» (٢/ ٣٥٧).","vol":"1","page":363},{"text":"والثاني: قوله: هل عليَّ غيرها؟ فقال ﷺ: «لَا» فنفى عنه وجوب غيرها ثم أكد النفي بقوله ﷺ: «إِلَّا أَنْ تَطَّوَّع».\nالثالث: قول الأعرابي: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ. فقال النبي ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» فلو كان الوتر واجبًا لم يكن بتركه مفلحًا. اه.\nأخرج البخاري (^١) من حديث مالك بن صعصعة في حديث الإسراء الطويل: «جَعَلَهَا خَمْسًا» أي الصلاة، قَالَ الله: «إِنِّي قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَلَى عِبَادِي، وَأَجْزِي الْحَسَنَةَ عَشْرًا».\nقال ابن حزم (^٢): فَهَذَا خَبَرٌ مِنَ الله مَأْمُونٌ تَبَدُّلُه فَصَحَّ أَنَّ الصَّلَوَاتِ لَا تُبَدَّلُ أَبَدًا عَنْ خَمْس، فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الوِتْرَ فَرْضٌ.\nوالأحاديث التي تدل على أن الصلوات المكتوبات المفترضات خمس لا غير - متوافرة.\nوذهب أبو حنيفة (^٣) إلى أن الوتر واجب، وإليه ذهب طاوس ومجاهد (^٤).\nواستدلوا لذلك بأدلة، منها:\n١ - عن بريدة عن رسول الله ﷺ: «الوِتْرُ حَقٌّ، مَنْ لم يُوتِر فَلَيْسَ مِنَّا» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٢٠٧).\n(^٢) «المحلى» (٢/ ٢٢٩).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٠)، وذكر ثلاث روايات عند أبي حنيفة.\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٤٥٨٣).\n(^٥) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٤١٩)، وأحمد (٥/ ٣٥٧)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٩٧)، وغيرهم. وفي إسناده أبو المنيب، فيه ضعف. وله شاهد من حديث أبي هريرة: أخرجه أحمد (٢/ ٤٤)، وابن أبي شيبة (٢/ ١٩٧)، وغيرهما، ولكن في إسناده خليل بن مُرة قال البخاري: منكر الحديث. وهذا الإسناد منقطع بين معاوية بن مرة وأبي هريرة، قاله أحمد. انظر: «نصب الراية» (٢/ ١١٣).\nوله شاهد من حديث أبي أيوب «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيُوتِرْ بِخَمْسٍ»\nومدار الحديث على الزهري، واختلف عليه على أوجه:\nالوجه الأول: الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب مرفوعًا.\nورواه جماعة عن الزهري:\n١ - سفيان بن حسين، وهو ضعيف في الزهري، أخرجه أحمد (٥/ ٤١٨) وغيره.\n٢ - محمد بن الوليد الزبيدي: أخرجه الحاكم (١/ ٣٠٢)، محمد وإن كان ثقة إلا أن الراوي عنه يزيد بن يوسف، وهو ضعيف.\n٣ - بكر بن وائل: أخرجه أبو داود (١٤٢٢)، وبكر صدوق.\n٤ - يونس بن يزيد: أخرجه ابن حبان (٢٤٠٣).\n٥ - محمد بن أبي حفصة: أخرجه الطبراني في «الكبير» (٣٩٦٧).\n٦ - داود بن نافع: أخرجه النسائي (١٤٠١)، وفي إسناده جبارة: مجهول.\n٧ - الأوزاعي: أخرجه النسائي (١٤٠١)، وابن ماجه (١١٩٠)، والأوزاعي في الزهري لين.\nالوجه الثاني: رواه ابن عيينة عن الزهري، واختلف على ابن عيينة، فرفعه محمد بن حسان، أخرجه الحاكم (١/ ٣٠٣) وغيره ورفعه إبراهيم بن محمد عند الطبراني (٣٩٦٦). وخالفهما جماعة من الثقات عن ابن عيينة فوقفوه، منهم:\n١ - الحارث بن مسكين عند النسائي (١٤٠٢)، وإسناده صحيح.\n٢ - يونس بن يزيد عند ابن أبي شيبة (٢/ ١٧٩). ٣ - الحميدي. ٤ - وقتيبة. ٥ - وسعيد بن منصور: ذكرهم الدارقطني «العلل» (٦/ ١٠٠).\nالوجه الثالث: معمر عن الزهري، واختلف على معمر، فرفعه وهيب، أخرجه الطحاوي «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٩١). وخالف وهيبًا جماعة من الثقات فوقفوه. عبد الرزاق «المصنف» (٤٦٣٣). وابن علية وعبد الأعلى وحماد بن زيد ذكرهم الدارقطني «العلل» (٦/ ١٠٠). الذين وقفوه عن معمر أثبت ممن رفعه قاله الدارقطني. ورواه جماعة عن الزهري على الوقف: محمد بن إسحاق عند الحاكم (١/ ٣٠٣). وحفص بن غيلان عند النسائي (٢٤٣) (١٣٠٢) وغيرهم.\nورجح العلماء الوقف: قال النسائي: الموقوف أولى بالصواب. وكذا أبو حاتم والدارقطني وابن عدي والذهلي وابن حجر وابن رجب.","vol":"1","page":364},{"text":"وجه الدلالة ما قاله التهانوي (^١): والحديث فيه دلالة على وجوب الوتر لما فيه من الوعيد الشديد الذي يدل على تركه وهو قوله ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا». ومثل هذا لا يقال إلا في حق تارك فرض أو واجب.\nواعْتُرِض عليه بما قاله الماوردي: إن هذا الحديث متروك الظاهر بإجماع لأن تارك الوتر\n_________\n(^١) «إعلاء السنن» (٥/ ٤).","vol":"1","page":365},{"text":"لا يكون كافرًا خارجًا عن الملة، وهذا اللفظ قد يستعمل في ترك المندوب: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لم يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا».\nواستدلوا بقول النبي ﷺ: «الْوِتْرُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلم» (^١).\nواعْتُرِض عليه بأن في إسناده جابرًا الجعفي وهو ضعيف الحديث.\nواستدلوا أيضًا بحديث أبي بصرة: «إِنَّ اللهَ زَادَكُمْ صَلَاةً فَصَلُّوهَا فِيمَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْر» (^٢).\nواعْتُرِضَ عليه بما قاله محمد بن نصر (^٣): «إن الله زادكم أو أمدكم بصلاة هما سنة النبي ﷺ غير مفروضة ولا مكتوبة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-246> المبحث الرابع: وقت صلاة الوتر: وفيه مطالب:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-247> المطلب الأول: وقت جواز الوتر:</span>\nقال ابن المنذر (^٤): أجمعوا على أن ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر.\nوفي الصحيحين (^٥) من حديث عائشة ﵂ قالت: «كُلَّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ».\n\n•<span data-type='title' id=toc-248> المطلب الثاني: آخر وقت صلاة الوتر:</span>\nاختلف أهل العلم في آخر وقت صلاة الوتر على قولين:\n• القول الأول: ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن آخر وقت الوتر طلوع الفجر (^٦).\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه البزار (٧٣٣).\n(^٢) صحيح: أخرجه أحمد (٦/ ٧).\n(^٣) كتاب «الوتر» (ص ١٠٧).\n(^٤) «الإجماع» لابن المنذر (ص ١٠)، و«بداية المجتهد» (١/ ٢٨١).\n(^٥) أخرجه البخاري (٩٩٦)، ومسلم (١/ ٥١٢). وروى أحمد (٦/ ٢٠٤) بسند حسن مرفوعًا بلفظ «مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مِنْ أَوَّلِهِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، فَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ».\n(^٦) «المجموع» للنووي (٤/ ١٤)، و«المغني» (٢/ ٢٢٧).","vol":"1","page":366},{"text":"واستدلوا لذلك: بما روى مسلم عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا».\nوفي الصحيحين من حديث ابن عمر قال: إن رجلًا قال: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ قال: «مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خِفْتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ».\n• القول الآخر: ذهب مالك إلى أن آخر وقت الوتر طلوع الفجر ما لم يصل الصبح (^١).\nواستدل لذلك بقول عائشة: «كَانَ النبي ﷺ يُصْبِحُ فَيُوتِرُ» (^٢).\nواعْتُرِض عليه بأن هذا الحديث لا يصح.\nعن أبي الدرداء «رُبَّمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ يُوتِرُ وَقَدْ قَامَ النَّاسُ لِصَلَاةِ الصُّبْحُ» (^٣).\nواعْتُرِض عليه: بأن هذا الحديث لا يصح.\nواستدلوا بأدلة لا تصح عن رسول الله.\nوالراجح: أن آخر وقت الوتر يذهب بطلوع الفجر، فإذا طلع الفجر صار فعله قضاء، وما دام الليل باقيًا فإنه وقته باقٍ، وإلى هذا القول ذهب جمهور العلماء.\n\n•<span data-type='title' id=toc-249> المطلب الثالث: الوقت المستحب لصلاة الوتر:</span>\nذهب أبو حنيفة (^٤) ومالك (^٥) وأحمد في رواية (^٦) إلى أن الوقت المستحب لصلاة الوتر قبل النوم لمن خاف ألا يقوم - آخر الليل، وتأخيره لمن قوي ووثق بنفسه القيام آخر الليل.\nواستدلوا بما روى مسلم (^٧) من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «من خَافَ أَنْ لَا\n_________\n(^١) «الموطأ» (١/ ١٢٧).\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه أحمد «المسند» (٦/ ٢٤٢)، ولهذا الحديث علتان.\nقال ابن الجوزي: أبو نهيك: ليس بالمشهور. ولا يدرى هل سمع من عائشة أم لا.\n(^٣) إسناده ضعيف: أخرجه البيهقي «السنن الكبرى» (٢/ ٤٩٧)، وفي إسناده حاتم بن سالم: تَرَك أبو زرعة الرواية عنه، انظر: «الجرح والتعديل» (٣/ ٢٦١).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (١/ ٧٢).\n(^٥) «المدونة» (١/ ٣٧٤).\n(^٦) «مسائل عبد الله» (٣٤٦)، و«الإنصاف» (٢/ ١٦٧).\n(^٧) أخرجه مسلم (١/ ٥٢٠).","vol":"1","page":367},{"text":"يَقُومَ من آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ فإن صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ»\nقال النووي (^١): فِيهِ دَلِيل على أن تَأْخِير الْوِتْر إِلَى آخِر اللَّيْل أَفْضَل لمنْ وَثِقَ بِالِاسْتِيقَاظِ آخِر اللَّيْل، وَأَنَّ مَنْ لَا يَثِق بِذَلِكَ فَالتَّقْدِيم لَهُ أَفْضَل، وَهَذَا هُوَ الصَّوَاب، وَيُحْمَل بَاقِي الْأَحَادِيث المطْلَقَة عَلَى هَذَا التَّفْصِيل الصَّحِيح الصَّرِيح.\n• القول الآخر: هو استحباب الوتر قبل النوم. وبهذا قال أبو بكر الصديق (^٢) وسعيد بن المسيب (^٣) وغيرهم، دليل هذا القول ما رواه البخاري (^٤) من حديث أبي هريرة قال: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: ومنها … وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ.\nوالراجح أن من خاف ألا يقوم من آخر الليل استحب له أن يوتر قبل أن ينام، ومن طمع أن يقوم آخر الليل فليوتر آخره، فإن الله ينزل في الثلث الأخير من الليل، ولعموم قول النبي ﷺ: «من خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ من آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فإن صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ وَذَلِكَ أَفْضَلُ»\n* * *\n_________\n(^١) «شرح صحيح مسلم» (٦/ ٣٥).\n(^٢) أخرجه أبو داود في «السنن» (١٤٣٤)، وغيره.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٨٣).\n(^٤) أخرجه البخاري (١٩٨١).","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-250>المبحث الخامس صفة الوتر</span>\nوفيه مطالب:\n\n•<span data-type='title' id=toc-251> المطلب الأول: الوتر بركعة:</span>\n• مشروعية الوتر بركعة واحدة:\nيصح الوتر بركعة لما ورد في البخاري (^١) من حديث ابن عمر قال: قال النبي ﷺ: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإذا أَرَدْتَ أَنْ تَنْصَرِفَ فَارْكَعْ رَكْعَةً تُوتِرُ لك ما صَلَّيْتَ»\nوفي رواية عند البخاري (^٢) كان النبي ﷺ يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة.\n• إذا أوتر بركعة، فهل يشترط أن يتقدم هذه الركعة شفع؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: جواز الوتر بركعة واحدة ليس قبلها شفع، وإليه ذهب الشافعي (^٣) وأحمد في رواية (^٤).\nواستدلوا لذلك بما روى البخاري (^٥) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي وَأَنَا رَاقِدَةٌ مُعْتَرِضَةٌ عَلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَنِي فَأَوْتَرْتُ.\nقال ابن رشد (^٦): وظَاهِرُهُ أَنَّهَا كَانَتْ تُوتِرُ دُونَ أَنْ تُقَدِّمْ عَلَى وِتْرَهَا شَفْعًا، وقد صح\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٩٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٩٥).\n(^٣) «الأم» (١/ ٢٢١) قال الربيع: سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عن الْوِتْرِ أَيَجُوزُ أَنْ يُوتِرَ الرَّجُلُ بِوَاحِدَةٍ ليس قَبْلَهَا شَيْء؟ قال: نَعَمْ.\n(^٤) «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ٢٠٠).\n(^٥) أخرجه البخاري (٥١٢).\n(^٦) «بداية المجتهد» (٢/ ٢٦٣).","vol":"1","page":369},{"text":"الوتر بركعة واحدة عن عثمان بن عفان (^١)، وسعد بن أبي وقاص (^٢) ومعاوية بن أبي سفيان (^٣)، وغيرهم.\n• القول الثاني: يُكره الوتر بركعة واحدة ليس قبلها شفع:\nوإليه ذهب أبو حنيفة ومالك ورواية عن أحمد (^٤). واستدلوا لذلك بأنه روي أن النبي ﷺ نهى عن البتيراء، أن يصلي الرجل ركعة واحدة يوتر بها (^٥).\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٢٧٦)، وغيره، من طريق عبد الرحمن بن عثمان التيمي قال: قلت لأغلبن الليلة على المقام. فسبقت إليه، فبينا أنا قائم أصلي إذ وضع رجل يده على ظهري فنظرت فإذا هو عثمان وهو خليفة فتنحيت عنه، فقام فما برح قائمًا حتى فرغ من القرآن في ركعة لم يزد عليها، فلما انصرف قلت: يا أمير المؤمنين إنما صليت ركعة. قال: أجل، هي وتري. وفي إسناده: فليح بن سليمان قال الحافظ: صدوق يخطئ، وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٣٨٦)، وغيره، وإسناد حسن، وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٤٦٥٣)، وغيره، وإسناده صحيح.\n(^٢) روى البخاري (٦٤٥٦) عن عبد الله بن ثعلبة أنه رأى سعد بن أبي وقاص يوتر بركعة.\n(^٣) روى البخاري (٣٧٦٤) من طريق ابن أبي مليكة قال: أوتر معاوية بعد العشاء بركعة.\nوصح الوتر بركعة عن ابن مسعود وحذيفة، كما في «المصنف» لعبد الرزاق (٣٦٥٢). وتميم الداري كما في «فضائل القرآن» (ص ٩) بسند رجاله ثقات عن ابن سيرين أن تميمًا الداري قرأ القرآن في ركعة. وروى الطحاوي «شرح مشكل الآثار» بسند حسن عن أبي عبيد الله قال: رأيت أبا الدرداء وفضالة ومعاذ بن جبل يدخلون المسجد والناس في صلاة الغداة فيتنحون إلى بعض السواري، فيوتر كل واحد منهم بركعة، ثم يدخلون مع الناس في الصلاة. أخرج عبد الرزاق (٤٦٥٨) بسند صحيح عن ابن سيرين قال: سَمَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ عِنْدَ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، ثُمَّ خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ، فَقَامَا يَتَحَادَثَانِ حَتَّى رَأَيَا تَبَاشِيرَ الْفَجْرِ، فَأَوْتَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِرَكْعَةٍ.\n(^٤) «المدونة» (١/ ١٢٠)، و«الموطأ» (١/ ١٢٥)، و«التمهيد» (٥/ ٢٥٦)، و«فتح الباري» لابن رجب (٥/ ١٩٩)، و«مسائل عبد الله» (٣٢٨، ٣٣٠).\n(^٥) حديث واهٍ: ضعفه ابن القطان، وقال ابن القيم «إعلام الموقعين» (٢/ ٣١٥): هو حديث لا يُعرف له إسناد صحيح، ولا ضعيف ولا شيء من كتب الحديث المعتمدة، وضعفه ابن حزم في «المحلى» (٣/ ٤٨)، وكذا النووي في «المجموع» (٤/ ٣١)، وغيرهم كثير: كالزيلعي، وابن الجوزي، والعجلوني، والشوكاني، والذهبي، والله أعلم.","vol":"1","page":370},{"text":"واعْتُرِض عليه: بأنه ضَعَّفه ابن عبد البر وعبد الحق وابن القطان وابن حزم والنووي وغيرهم.\nواستدلوا بما ورد في البخاري في حديث ابن عمر: «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خَشِيَ أحدكم الصُّبْحَ صلى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ له».\nوالراجح: جواز الوتر بركعة واحدة ليس قبلها شيء.\nقال ابن المنذر (^١): وَالَّذِي نُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مَا قُضِيَ لَهُ مِنَ اللَّيْلِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، وَإِنْ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ لَيْسَ قَبْلَهَا شَيْءٌ جَازَ ذَلِكَ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-252> المطلب الثاني: الوتر بثلاث ركعات:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-253> مشروعية الوتر بثلاث ركعات:</span>\nأخرج البخاري (^٢) من حديث عائشة ﵂ قالت: «مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُ في رَمَضَانَ ولا في غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا فلا تَسَلْ عن حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا ثُمَّ يُصَلِّي ثلاثًا».\nوعن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يَقْرَأُ في الْوِتْرِ بِ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) و(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فَإِذَا سَلم قال: «سُبْحَانَ الملِكِ الْقُدُّوسِ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَرْفَعُ بِالثَّالِثَةِ صَوْتَهُ (^٣).\n\n•<span data-type='title' id=toc-254> من أراد أن يوتر بثلاث ركعات فله صفتان:</span>\nالأولى: أن يسلم من ركعتين ثم يوتر بواحدة، وهو مذهب مالك (^٤) وأجاز أحمد الفصل وتركه، والفصل عنده أحسن، وقال: الأحاديث فيه أقوى وأكثر وأثبت (^٥).\n_________\n(^١) الأوسط (٥/ ١٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٤٧).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه الطيالسي «مسنده» (٥٤٨) ط/ هجر، وأحمد «المسند» (٣/ ٤٠٦) وغيرهما.\n(^٤) «فتح الباري» لابن حجر (٥/ ٢٠٤).\n(^٥) «الكافي» (١/ ١٥١)، و«زاد المعاد» (١/ ٣٣٠).","vol":"1","page":371},{"text":"واستدلوا لذلك بما روى أحمد (^١) بإسناد صحيح: من حديث ابن عمر قال: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الوِتْرِ والشَّفْعِ بِتَسْلِيمَة وَيسْمعناهَا.\nوصح ذلك عن ابن عمر (^٢) ومعاذ القارئ (^٣) والحسن (^٤).\nالكيفية الثانية: أن يسرد الثلاث بتشهد واحد، وهو مذهب الحنفية (^٥).\nقال محمد بن نصر: لم نجد عن النبي ﷺ خبرًا صحيحًا ثابتًا أنه أوتر بثلاث موصولة، نعم ثبت أنه أوتر بثلاث لكن لم يبين الراوي هل موصولة أو مفصولة. اه.\nوقد صح الوتر بثلاث موصولة بتشهد واحد عن عمر بن الخطاب (^٦) وأنس (^٧)، وعطاء (^٨) ومكحول (^٩) وعمر بن عبد العزيز (^١٠) وغيرهم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-255> المطلب الثالث: الوتر بخمس ركعات لا يجلس ولا يسلم إلا في الخامسة:</span>\nأخرج مسلم (^١١) من حديث عائشة قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ، لَا يَجْلِسُ في شَيْءٍ إِلَّا في آخِرِهَا».\n_________\n(^١) «المسند» (٢/ ٧٦).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه مالك (١/ ١٢٥) في «الموطأ» أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُسَلم بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ وَالرَّكْعَةِ فِي الْوِتْرِ حَتَّى يَأْمُرَ بِبَعْضِ حَاجَتِهِ.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرج ابن أبي شيبة (٢/ ١٩٣) عن نافع قال: رَأَيْنَا مُعَاذًا الْقَارِئَ يُسَلم فِي رَكْعَتَي الْوِتْرِ.\n(^٤) أخرج ابن أبي شيبة (٢/ ١٩٣) بسند صحيح: كَانَ الْحَسَنُ يُسَلم فِي رَكْعَتَيَ الْوِتْرِ.\n(^٥) قال الكاساني في «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧١): قال أصحابنا: الوِتْرُ ثَلَاثُ رَكْعَاتْ بِتَسْلِيمَة وَاحِدَة.\n(^٦) أخرج ابن أبي شيبة (٢/ ١٩٤) وغيره عن عمر بن الخطاب أنه أوتر بثلاث ركعات، لم يفصل بينهن بسلام.\n(^٧) روى ابن أبي شيبة (٦٨٤٠) بسند صحيح عن أنس أنه أوتر بثلاث، لم يسلم إلا في آخرهن.\n(^٨) أخرج البيهقي (٣/ ٢٩) عن عطاء أَنَّهُ كَانَ يُوْتِرُ بِثَلَاثٍ لَا يَجْلِسُ فِيهِنَّ، وَلَا يَتَشَهَّدُ إِلاَّ في آخِرِهِنَّ. إسناده حسن.\n(^٩) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٩٤) عن مكحول أَنَّهُ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ، لَا يُسَلم إِلاَّ فِي آخِرِهِنَّ. وإسناده صحيح.\n(^١٠) أخرج الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٩٦) أَثْبَتَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْوِتْرَ بِالمدِينَةِ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ ثَلَاثًا، لَا يُسَلم إِلَّا فِي آخِرِهِنَّ، وإسناده حسن.\n(^١١) أخرجه مسلم (١/ ٥٠٨).","vol":"1","page":372},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-256> المطلب الرابع: الوتر بسبع ركعات:</span>\nروى مسلم (^١) من حديث عائشة: فَلما سَنَّ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ، أَوْتَرَ بِسَبْعٍ.\nوفي رواية النسائي (^٢) من حديث عائشة، قالت: لما أَسَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَخَذَ اللَّحْمَ صَلَّى سَبْعَ رَكَعَاتٍ لَا يَقْعُدُ إِلاَّ في آخِرِهِنَّ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-257> المطلب الخامس: الوتر بتسع ركعات:</span>\nأخرج مسلم (^٣) من حديث عائشة ﵂ قالت: «كنا نُعِدُّ له سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ الله ما شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ من اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فيها إلا في الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ ولا يُسَلم، ثُمَّ يَقُومُ فيصلي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ وَيَحْمَدُهُ وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلم تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا».\n\n•<span data-type='title' id=toc-258> المطلب السادس: أي صفات الوتر أفضل؟ الوتر بركعة أو ثلاث أو خمس؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\n• القول الأول: جواز الوتر بأي صفة من الصفات، وإليه ذهب الشافعي (^٤)، وأحمد (^٥).\nقال شيخ الإسلام بن تيمية: (^٦) الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ أَهْلِ العِلم أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ جَائِز، وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ ظَاهِرَ الأَحَادِيثَ يقْتَضِي التَّخْيير في صِفَةِ الوِتْر مِنَ الوَاحِدَة إِلَى التِّسْع.\nقال ابن رشد (^٧): وَالْحَقُّ في هَذَا أَنَّ ظَاهِرَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ يَقْتَضِي التَّخْيِيرَ في صِفَةِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١/ ٥٤١).\n(^٢) «السنن الكبرى» (١٤٠٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (١/ ٥١٢).\n(^٤) قال في «الأم» (٧/ ٢٩١): هذه نافلة يسن أن يوتر بواحدة وأكثر، ونختار ما وصفت من غير أن نطيق غيره.\n(^٥) في مسائل عبد الله بن أحمد بن حنبل (ص ٩٤): سألت أبي عن الوتر بركعة وثلاث وخمس وسبع وتسع؟ فقال: لا بأس بهذا كله، والذي نختاره يسلم في ثنتين ويوتر بواحدة.\n(^٦) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٩٢).\n(^٧) «بداية المجتهد» (١/ ٢٦٣).","vol":"1","page":373},{"text":"الْوِتْرِ مِنَ الْوَاحِدَةِ إِلَى التِّسْعِ.\nوقال محمد بن نصر: فالأمر عندنا أن الوتر بواحدة وبثلاث وخمس وسبع وتسع، كل ذلك جائز على ما روينا من الأخبار عن النبي ﷺ وأصحابه من بعده.\n• القول الثاني: أن الأفضل أن يصلي مثنى مثنى، ويوتر بواحدة.\nقال ابن المنذر: (الأكثر من الأخبار والأعم منها أنه ﷺ سئل عن صلاة الليل فقال: «مثنى مثنى، فإن خفت الصبح فأوتر بواحدة».\n• القول الثالث: أن الثلاث أفضل من الواحدة، والخمس أفضل من الثلاث، والسبع أفضل من الخمسة، وصح هذا القول عن علي بن أبي طالب (^١)، وسعد بن أبي وقاص (^٢).\nقال النووي (^٣): مذهبنا أن أقل الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة في وجه ثلاث عشرة، وما بين ذلك جائز، وكلما قرب من أكثره كان أفضل، بهذا قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم.\nوالراجح: أن ظاهر الأحاديث يقتضي التخيير في صفة الوتر من الواحدة إلى التسع.\nوالأفضل أن يصلي مثنى ثم يوتر بواحدة لقوة الأحاديث.\n\n•<span data-type='title' id=toc-259> المبحث السادس: القراءة في الوتر:</span>\nيُستحب أن يقرأ بعد الفاتحة في الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وإليه ذهب الجمهور (^٤).\nأخرج الطيالسي عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى: أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يَقْرَأُ في الْوِتْرِ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ\n_________\n(^١) أخرجه ابن المنذر (٥/ ١٨٣)، وإسناده حسن.\n(^٢) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ١٨٣)، وإسناده صحيح.\n(^٣) «المجموع» (٤/ ٢٢).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ٢٧٣)، و«الأوسط» (٥/ ٢٠٤)، و«الحاوي» (٢/ ٣٧٦)، و«الكافي» (١/ ١٥١)، و«الوتر» (ص ١٦٧) لابن نصر وغيرهم.","vol":"1","page":374},{"text":"رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَإِذَا سَلم قال: «سُبْحَانَ الملِكِ الْقُدُّوسِ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَرْفَعُ بِالثَّالِثَةِ صَوْتَهُ.\nواستحب المالكية (^١)، والشافعية (^٢) أن يقرأ في الأولى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ويضيف إلى الثالثة سورة الفلق وسورة الناس.\nواستدلوا لهذا القول بحديث عائشة قالت: كان النبي ﷺ يقرأ في الأولى ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمعوذتين (^٣).\nواعْتُرِض عليه بأن هذا الحديث أنكره يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وقال يحيى بن سعيد: لا أعرفه. وقال العقيلي: لا يصح، وضَعَّفه ابن الجوزي (^٤).\nوالراجح أنه يقرأ بعد الفاتحة في الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقط، والحديث الذي فيه ذكر\n_________\n(^١) «المدونة» (١/ ٢٥٢).\n(^٢) «الأم» (٧/ ٢٣٩).\n(^٣) ضعيف: أخرجه الترمذي (٤٦٣)، وأبو داود (١٤٢٤)، وابن ماجه (١١٧٣)، وأحمد (٦/ ٢٢٧)، وغيرهم من طريق خصيف عن عبد العزيز بن جرير قال: سألت عائشة به، وعبد العزيز بن جرير مجهول. وقال العجلي: لم يسمع من عائشة، وأخطأ خصيف فصرح بسماعه، وقال ابن حبان: لم يسمع من عائشة، أخرجه عبد الرزاق (٤٦٩٨) من طريق عبد العزيز قال: أخبرت به عائشة. وأخرجه ابن حبان (٢٤٢٣)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٠٥) وغيرهما، وفي إسناده يحيى بن أيوب له مناكير، وقد أنكر عليه هذا الحديث أحمد وابن معين، وكذا أورده الذهبي في «الميزان».\nأخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٨٥٩)، وإسناده ضعيف، وله شواهد لا تخلو من مقال.\n(^٤) انظر: «الضعفاء» للعقيلي (٤/ ٣٩٢)، وابن عدي في «الكامل» (٧/ ٢١٥)، و«التلخيص الكبير» (٢/ ١٩).","vol":"1","page":375},{"text":"المعوذتين بعد ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لا يصح (^١).\nوصح عند النسائي أن النبي ﷺ قرأ أية من سورة النساء في الوتر، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-260> المبحث السابع: مشروعة قضاء الوتر لمن نام عنه أو نسيه:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى مشروعية قضاء الوتر لمن نام عنه أو نسيه، وقد صح القول بذلك عن علي بن أبي طالب (^٢)، وابن مسعود (^٣)، وابن عمر (^٤)، وعبادة (^٥)، وابن عباس (^٦).\nوبه قال الحنيفة ومالك والشافعي في الصحيح عنه وأحمد (^٧).\nواستدلوا لذلك بما روى أبو داود (^٨) عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ نَامَ\n_________\n(^١) روى النسائي عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، أَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالمدِينَةِ فَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً أَوْتَرَ بِهَا، فَقَرَأَ فِيهَا مِائَةَ آيَةٍ مِنَ النِّسَاءِ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَلَوْتُ أَنْ أَضَعَ قَدَمَيَّ حَيْثُ وَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدَمَيْهِ، وَأَنْ أَقْرَأُ بِمَا قَرَأَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وإسناده صحيح.\n(^٢) أخرج ابن أبي شيبة (١/ ١٩٢): جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: إِنِّي نِمْتُ وَنَسِيتُ الْوِتْرَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ؟ فَقَالَ: إِذَا اسْتَيْقَظْتَ وَذَكَرْتَ، فَصَلِّ.\n(^٣) أخرج ابن أبي شيبة (٦٧٦٤): عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ، قَالَ: سُئِلَ عَبْدُ اللهِ عَنِ الْوِتْرِ بَعْدَ الأَذَانِ، فَقَالَ: نَعَمْ، وَبَعْدَ الإِقَامَةِ. وإسناده صحيح.\n(^٤) روى ابن أبي شيبة (١/ ١٩٢) عَنْ وَبَرَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ أَصْبَحَ، وَلم يُوتِرْ، قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ نِمْتَ عَنِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أَلَيْسَ كُنْتَ تُصَلِّي؟ كَأَنَّهُ يَقُولُ: يُوتِرُ. وإسناده صحيح.\n(^٥) أخرج ابن المنذر في «الأوسط» (أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ خَرَجَ إِلَى المسْجِدِ وَكَانَ إِمَامَ قَوْمِهِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا، فَلما رَآهُ المؤَذِّنُ ذَهَبَ يُقِيمُ، فَكَفَّهُ عُبَادَةُ ثُمَّ أَوْتَرَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ، ثُمَّ أَمَرَ فَأَقَامَ. (رجاله ثقات).\n(^٦) أخرج عبد الرزاق عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَوْتَرَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. وإسناده صحيح.\n(^٧) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٤)، و«موطأ مالك» (١/ ١٢٧)، و«شرح مسلم» للنووي (٥/ ١٨١)، و«مسائل إسحاق» (١/ ٩٩)، و«مسائل صالح» (١/ ٣٨٧).\n(^٨) إسناده صحيح: أخرجه أبو داود في «السنن» (١٤٣١)، وغيره، من طريق أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد مرفوعًا، قال العراقي: إسناده صحيح.\nوأخرجه الترمذي (٤٦٦) من طريق عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه مرسلًا، وعبد الله مختلف في توثيقه وتضعيفه والله أعلم.","vol":"1","page":376},{"text":"عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ، فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ»\nويشهد له عموم قوله ﷺ: «مَنْ نَسِىَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (^١).\nوفي لفظ: «مَنْ نَسِىَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (^٢) فيدخل في عمومه الوتر.\nقال ابن حزم (^٣): وأما من نَسِيَهُ فَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْلِهِ ﵇: «من نَسِيَ صَلَاةً أو نَامَ عنها، فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا»، وَهَذَا عُمُومٌ يَدْخُلُ فيه كُلُّ صَلَاةِ فَرْضٍ وَنَافِلَةٍ فَهُوَ بِالْفَرْضِ أَمْرُ فَرْضٍ وهو بِالنَّافِلَةِ أَمْرُ نَدْبٍ وَحَضٍّ لأن النَّافِلَةَ لَا تَكُونُ فَرْضًا.\nقال شيخ الإسلام: وَقَدْ صح عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قال: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا» وَهَذَا يَعُمُّ الْفَرْضَ وَقِيَامَ اللَّيْلِ وَالْوِتْرَ وَالسُّنَنَ الرَّاتِبَةَ.\nأما دليلهم من القياس: فقد صح أن النبي ﷺ قضى بعض النوافل كركعتي الفجر (^٤)، وقضاء ركعتي الظهر بعد العصر (^٥) وقضاء صلاة الليل (^٦) فكذا يجوز قضاء الوتر.\n• القول الآخر: هو عدم مشروعية قضاء الوتر.\nقال المزني: قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَإِنْ فَاتَهُ الْوِتْرُ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ لم يَقْضِ (^٧).\nواستدلوا بالسنة والمعقول:\nأما دليلهم من السنة: فروى مسلم عن عائشة: (أن رسول الله ﷺ إذا فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٩٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٤٧٧٩).\n(^٣) «المحلى» (٣/ ١٠٣).\n(^٤) صح ذلك كما في «المسند» للإمام أحمد (٢/ ٤٢٨)، ومسلم (١/ ٤٧١).\n(^٥) كما في «البخاري» (١٢٣٣).\n(^٦) كما في «صحيح مسلم» (١/ ٥١٥).\n(^٧) «الحاوي» (٢/ ٣٦٥) مع أن المنقول عن الشافعي في أكثر مصادر الشافعية هو جواز قضاء الوتر.","vol":"1","page":377},{"text":"اللَّيْلِ من وَجَعٍ أو غَيْرِهِ، صلى من النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَة). فدل ذلك على أنه كان يقضي التهجد دون الوتر.\nواستدلوا بحديث أخرجه الترمذي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوع الشمس».\nواعْتُرِضَ عليه بأن في إسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف.\nأما دليلهم من المعقول: فما قاله شيخ الإسلام: الوتر لا يُقضى لفوات محله، فهو كتحية المسجد.\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من استحباب قضاء الوتر إذا استيقظ أو ذكره، لعموم قول النبي ﷺ: «مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ» (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-261> المبحث الثامن: مشروعية الصلاة بعد الوتر: وفيه مطالب:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-262> المطلب الأول: هل تُشرع الصلاة بعد الوتر؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى مشروعية الصلاة بعد الوتر، وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (^٢).\nواستدلوا لذلك بما روى مسلم (^٣) عن أبي سلمة قال: سألت عائشة عن صلاة\nرسول الله ﷺ فقالت: «كان يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي ثَمَانَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ يُوتِرُ، ثُمَّ\n_________\n(^١) مَنْ تعمد ترك الوتر حتى فات وقته لا يُشرع له قضاؤه؛ لأن الأمر بالقضاء في الحديث جاء مقيدًا بمن نام عنه أو نسيه. انظر: «فتح الباري» لابن رجب (٩/ ١٦٠)، و«المحلى» (٣/ ١٠١) و«سنن الترمذي» (٢/ ٣٣٣). وأن وقت قضاء الوتر إذا استيقظ أو ذكر في أي وقت كان ليلًا أو نهارًا، وهذا ظاهر في حديث: «من نام عن وتره أو نسيه فليصله إذا ذكره». انظر: «المحلى» (٣/ ١٠١) و«نيل الأوطار» (٣/ ٤٨). وفي «فتاوى» الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ (٢/ ٢٤٩): قضاء الوتر على صفته. هذا قول، وقول أنه يضم إليه واحدة ويكون شفعًا، وشيخ الإسلام أطلق الظاهر أنه على صفته.\n(^٢) «شرح معاني الآثار» للطحاوي (١/ ٣٤١)، و«موطأ مالك» (١/ ١٢٥)، و«المجموع» (٥/ ١٥، ١٦). و«مسائل أبي داود» (١٩٤)، و«الكافي» لابن قدامة (١/ ١٥٠).\n(^٣) أخرجه مسلم (١/ ٥٠٩).","vol":"1","page":378},{"text":"يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وهو جَالِسٌ، فإذا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قام فَرَكَعَ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بين النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ من صَلَاةِ الصُّبْحِ».\nقال النووي (^١): هذا الحديث محمول على أنه ﷺ صلى الركعتين بعد الوتر بيانًا لجواز الصلاة بعد الوتر.\nوممن قال بمشروعية الصلاة بعد الوتر من أصحاب رسول الله ﷺ: عثمان بن عفان (^٢)، وعلي بن أبي طالب (^٣)، وسعد بن أبي وقاص (^٤) وعمار بن ياسر (^٥)، وعبد الله بن عباس (^٦) وعبد الله بن عمر (^٧) وأبو هريرة (^٨).\n\n•<span data-type='title' id=toc-263> المطلب الثاني: كيفية الصلاة بعد الوتر:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن المصلي إذا أوتر من أول الليل فقد قضى وتره، فإن بدا له\n_________\n(^١) «المجموع» (٤/ ١٦).\n(^٢) أخرج الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٣٤٠) عن عثمان بن عفان قال: إني أوتر أول الليل، فإذا قمت من آخر الليل صليت ركعة، فما شبهتها إلا بقلوص أضمها إلى الإبل. وإسناده صحيح.\n(^٣) أخرج الطحاوي (١/ ٣٤٠) عن علي بن أبي طالب قال: الْوِتْرُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: رَجُلٌ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَرَجُلٌ أَوْتَرَ أَوَّلَ اللَّيْلِ فَاسْتَيْقَظَ فَوَصَلَ إِلَى وِتْرِهِ رَكْعَةً فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ، وَرَجُلٌ أَخَّرَ وِتْرَهُ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ. وإسناده صحيح.\n(^٤) أخرج ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٥) عَنْ سَعْدٍ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَإِذَا أَوْتَرْتُ ثُمَّ قُمْتُ، صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ. وإسناده حسن.\n(^٥) أخرج ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٥) عَنْ عَمَّارٍ قَالَ: أَمَّا أَنَا فَأُوتِرُ، فَإِذَا قُمْتُ صَلَّيْتُ مَثْنَى مَثْنَى، وَتَرَكْتُ وَتْرِي الأَوَّلَ كَمَا هُوَ. وإسناده صحيح.\n(^٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا أَوْتَرَ الرَّجُلُ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ قَامَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيَشْفَعْ وَتْرَهُ بِرَكْعَةٍ، ثُمَّ لِيُصَلِّ، ثُمَّ لِيُوتِرْ آخِرَ صَلَاتِهِ. وإسناده صحيح.\n(^٧) أخرج عبد الرزاق (٤٦٨٢) عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا نَامَ عَلَى وِتْرٍ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، صَلَّى رَكْعَةً إِلَى وِتْرِهِ فَيَشْفَعُ لَهُ، ثُمَّ أَوْتَرَ بَعْدُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ. وإسناده صحيح.\n(^٨) أخرج عبد الرزاق (٤٦٢٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَمَّا أَنَا فَأُوتِرُهَا هُنَا بِخَمْسٍ، ثُمَّ أَرْجِعُ فَأَرْقُدُ، فَإِنِ اسْتَيْقَظْتُ صَلَّيْتُ شَفْعًا حَتَّى أُصْبِحَ. وإسناده صحيح.","vol":"1","page":379},{"text":"أن يصلي لا ينقض وتره ويصلي ما شاء شفعًا شفعًا من غير أن يوتر، أي: يصلي ما بدا له مثنى مثنى. وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد (^١).\nقال ابن حجر (^٢): فَذَهَبَ الْأَكْثَر إِلَى أَنَّهُ يُصَلِّي شَفْعًا مَا أَرَادَ، وَلَا يَنْقُض وِتْره عَمَلًا بِقَوْلِهِ ﷺ: «لَا وِتْرانِ في لَيْلةٍ» (^٣).\nوممن صح عنه هذه الكيفية من أصحاب النبي ﷺ: عمار بن ياسر (^٤) وسعد (^٥) وابن عباس (^٦) وعائذ بن عمرو (^٧) وعائشة (^٨).\n• القول الآخر: إذا أوتر قبل أن ينام، ثم أراد أن يصلي بعد ذلك، فله أن يصلي إلى الركعة التي أوتر بها أخرى مفردة، ثم يصلي ما بدا له ثم يوتر في آخر صلاته، وهذا يسمى عند أهل العلم نقض الوتر (^٩).\nصح هذا القول عن عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وابن عمر (^١٠) وابن عباس وأسامة\n_________\n(^١) «شرح معاني الآثار» للطحاوي (١/ ٣٤١)، و«الموطأ» (١/ ١٢٥)، و«المجموع» (٤/ ١٥) «مسائل أبي داود» (ص ٩٤)، و«المغني» لابن قدامة (٢/ ٢٢٨).\n(^٢) «فتح الباري» (٢/ ٥٥٨).\n(^٣) ضعيف: أخرجه الترمذي (٤٧٠)، والنسائي في «الكبرى» (١٣٨٨)، وابن خزيمة (١١٠١) وفي إسناده قيس بن طلق، فيه مقال.\n(^٤) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٥).\n(^٥) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٥).\n(^٦) أخرج ابن عبد الرزاق (٤٦٨٥) عن ابن عباس قال: إذا أوتر أول الليل فلا يشفع بركعة، وصلى شفعًا حين يصبح.\n(^٧) أخرج البخاري (٤١٧٦) عن أبي جمرة قال: سألت عائذ بن عمرو: هل ينقض الوتر؟ قال: إذا أوترت من أوله فلا توتر من آخره.\n(^٨) روى عبد الرزاق (٤٦٨٧) عَنْ عَائِشَةَ ذُكِرَ لَهَا الرَّجُلُ يُوتِرُ، ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ، فَيَشْفَعُ بِرَكْعَةٍ قَالَتْ: ذَلِكَ يَلْعَبُ بِوِتْرِهِ. وإسناده صحيح.\n(^٩) «مسائل عبد الله بن أحمد بن حنبل» (٣٢٥).\n(^١٠) آثار عثمان وعلي وابن عمر كلها صحيحة، وقد سبقت.","vol":"1","page":380},{"text":"بن زيد (^١) من الصحابة وصح عن عروة بن الزبير وعمرو بن ميمون من التابعين.\nقال الترمذي (^٢): فَرَأَى بَعْضُ أَهْلِ العِلم مِنْ أصحاب النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ - نَقْضَ الوِتْرِ، وَقَالُوا: يُضِيفُ إِلَيْهَا رَكْعَةً وَيُصَلِّي مَا بَدَا لَهُ، ثُمَّ يُوتِرُ في آخِرِ صَلَاتِهِ؛ لأنه لَا وِتْرَانِ في لَيْلَةٍ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ إِسْحَاقُ.\nوقال ابن حزم (^٣): وقد رُوِيَ عن عُثْمَانَ ﵁ وَغَيْرِهِ شَفْعُ الْوِتْرِ بِرَكْعَةٍ إذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ بعد ما يُوتِرُ وَلَا حُجَّةَ إلاَّ في رسول اللَّهِ ﷺ.\nقلت: وقد ورد في «صحيح مسلم» من حديث عائشة أنه ﷺ أوتر ثم صلى ركعتين وهو جالس ولم ينقض الوتر.\nوإذا كان ذلك كذلك، فالصحيح ما ذهب إليه جمهور العلماء أن من أوتر في أول الليل ثم بدا له أن يصلي، فيصلي ركعتين ركعتين حتى يصبح (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-264> المبحث التاسع: صلاة الوتر في السفر:</span>\nأخرج البخاري (^٥) عن ابن عمر قال: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي في السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يومئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ.\nقال شيخ الإسلام (^٦): كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُوتِرُ سَفَرًا وَحَضَرًا، وَكَانَ يُصَلِّي عَلَى دَابَّتِهِ قِبَلَ أَيِّ وَجْهٍ تَوَجَّهَتْ بِهِ وَيُوتِرُ عَلَيْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيْهَا المكْتُوبَةَ.\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٥) قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ؛ أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، وَابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَا: إِذَا أَوْتَرْتَ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ ثُمَّ قُمْتَ تُصَلِّي، فَصَلِّ مَا بَدَا لَكَ وَاشْفَعْ، ثُمَّ أَوْتِرْ بِرَكْعَةٍ.\n(^٢) «سنن الترمذي» (٢/ ٣٤).\n(^٣) «المحلى» (٣/ ٤٩).\n(^٤) قال عبد الله في «مسألة» (٩٢): سئل الإمام أحمد عن نقض الوتر قال: لا يعجبني، قد كرهته عائشة وأنا أكرهه. اه.\n(^٥) أخرجه البخاري (١٠٠٠).\n(^٦) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٨٩).","vol":"1","page":381},{"text":"وقال ابن رجب (^١): الوتر في السفر مستحب كالوتر في الحضر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-265> المبحث العاشر: الوتر على الدابة:</span>\nذهب أكثر أهل العلم إلى جواز الوتر على الراحلة.\nأخرج البخاري عن سعيد بن يسار أنه قال: كُنْتُ أَسِيرُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَقال سَعِيدٌ: فَلما خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ ثُمَّ لَحِقْتُهُ، فَقال عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: خَشِيتُ الصُّبْحَ فَنَزَلْتُ فَأَوْتَرْتُ فَقال عَبْدُ اللهِ: أَلَيْسَ لَكَ في رَسُولِ اللهِ ﷺ إِسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ فَقُلْتُ: بَلَى وَاللهِ. قال: فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُوتِرُ عَلَى الْبَعِيرِ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-266> المبحث الحادي عشر: الذكر بعد الفراغ من الوتر:</span>\nأخرج الطيالسي بسند صحيح عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى: أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يَقْرَأُ في الْوِتْرِ بِ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) و(قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَ(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فَإِذَا سَلم قال: «سُبْحَانَ الملِكِ الْقُدُّوسِ». ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَرْفَعُ بِالثَّالِثَةِ صَوْتَهُ.\n• ملخص ما سبق:\n١ - الوتر لغة: الفرد. وشرعًا: الوتر اسم للركعة المنفصلة عما قبلها، وللثلاث والخمس إذا كانت متصلة بتشهد واحد.\n٢ - وفضل صلاة الوتر عظيم وأجرها جزيل؛ لذا أوصى بها النبي الأمين أصحابه الطيبين، قال أبو هريرة: أوصاني خليلي بثلاث ومنها: «وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ» ولفضلها حافظ عليها خير المرسلين حتى في السفر.\n٣ - وأما حكم صلاة الوتر، فمستحبة عند جمهور العلماء؛ لعموم قوله ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليوم وَاللَّيْلَةِ» فدل ذلك على أن المفترضات خمس لا غير، والوتر ليس منها، فدل على أن الوتر سنة مؤكدة.\n٤ - أما وقت الوتر فما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت الوتر بالإجماع، وآخر\n_________\n(^١) «فتح الباري) لابن رجب (٩/ ١٨٥).","vol":"1","page":382},{"text":"وقته طلوع الفجر، والوقت المستحب لصلاة الوتر قبل النوم لمن خاف ألا يقوم آخر الليل، وتأخيره لمن وثق بنفسه القيام آخر الليل، لأن في هذا الوقت تتنزل الرحمات بنزول رب البريات القائل: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟\n٥ - أما صفة الوتر: فيشرع الوتر بركعة واحدة، ولا يشترط أن يسبقها شفع، والأفضل لمن أوتر بركعة أن يكون قبلها صلاة شفع.\n٦ - من أراد الوتر بثلاث ركعات يشرع له صفتان:\nالأولى: أن يسلم من ركعتين ثم يوتر بواحدة.\nالثانية: أن يسرد الثلاث بتشهد واحد.\n٧ - مشروعية الوتر بخمس سردًا متصلة، لا يجلس في شيء إلا في آخرهن.\n٨ - من أوتر بسبع له أن يصلي سبع ركعات، يجلس في آخر السادسة يتشهد ثم يقوم دون أن يسلم، فيأتي بالسابعة ثم يجلس يتشهد ويسلم، وله أن يسرد السبع متصلة ولا يجلس إلا في السابعة، يتشهد ويسلم.\n٩ - وإن أوتر بتسع سرد ثمانيًا يجلس يتشهد ولا يسلم، ثم ينهض ولا يسلم فيأتي بالركعة التاسعة ثم يقعد ويتشهد ويسلم.\n١٠ - الوتر بأي صفة من هذه الصفات السابقة جائز، فقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية أن ذلك عليه جماهير أهل العلم.\n١١ - المستحب أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ب ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.\nإن قرأ بما تيسر من القرآن مع الفاتحة جاز ذلك.\n١٢ - يستحب أن يقال بعد الوتر: سبحان الملك القدوس، ثلاث مرات يرفع بالثالثة صوته.\n١٣ - استحباب قضاء الوتر لمن نام عنه أو نسيه. ويقضي الوتر إذا استيقظ أو ذكره في","vol":"1","page":383},{"text":"أي وقت.\n١٤ - إذا نسي الوتر وذكره في صلاة الصبح، فإنه لا يقطع ويتمادى في صلاة الصبح، ثم إن شاء صلى الوتر قضاء. وأن من تعمد ترك الوتر حتى فات وقته، لا يشرع له قضاؤه لأن الأمر بالقضاء في الحديث جاء مقيدًا بمن نام عنه أو نسيه.\n١٥ - الصلاة بعد الوتر جائزة: إذا أوتر من أول الليل أو في أي ساعة من الليل فقد قضى وتره، فإن بدا له أن يصلي لا ينقض وتره ويصلي ما شاء شفعًا من غير أن يوتر، أي يصلي ما بدا له مثنى مثنى.\n١٦ - الوتر في السفر مستحب كالوتر في الحضر، فقد كان النبي ﷺ يوتر سفرًا وحضرًا.\n١٧ - جواز الوتر على الدابة في السفر، وهو قول الجمهور، والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":384},{"text":"الفصل الثالث القنوت\nوفيه مباحث\n• المبحث الأول: تعريف القنوت\n• المبحث الثاني: مشروعية القنوت في الوتر\n• المبحث الثالث: هل للقنوت وقت معين؟\n• المبحث الرابع: هل القنوت قبل الركوع أم بعده؟\n• المبحث الخامس: صفة دعاء القنوت\n• المبحث السادس: مستحبات القنوت\n• المبحث السابع: هل يشرع مسح الوجه باليدين بعد دعاء القنوت؟\n• المبحث الثامن: من نسي القنوت","vol":"1","page":385},{"text":"<span data-type='title' id=toc-267>الفصل الثالث القنوت</span>\nوفيه مباحث:\n\n•<span data-type='title' id=toc-268> المبحث الأول: تعريف القنوت:</span>\n• القنوت في اللغة: يطلق على معانٍ، منها:\n١ - يطلق القنوت على الإمساك عن الكلام، ففي الصحيحين (^١)، قال زيد بن أرقم: كُنَّا نَتَكَلم في الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ.\n٢ - ويطلق القنوت على إطالة القيام في الصلاة، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وروى مسلم (^٢) من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ».\n٣ - قال ابن سِيده: القنوت: الطاعة، هذا هو الأصل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ ويطلق على معانٍ آخرى (^٣).\n• القنوت في الشرع: اسم للدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام.\n\n•<span data-type='title' id=toc-269> المبحث الثاني: مشروعية القنوت في الوتر:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى مشروعية القنوت في صلاة الوتر، وبه قال الحنفية ورواية عن المالكية والشافعية والحنابلة (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٣٤)، ومسلم (١/ ٣٨٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١/ ٢٥٠).\n(^٣) «الفتوحات الربانية» (٢/ ٢٨٦).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٣)، و«المعونة» (١/ ١٧٦)، و«الاستذكار» (٢/ ٧٣)، و«المجموع»\n= (٤/ ١٥)، و«الإنصاف» (٢/ ١٧٠).","vol":"1","page":386},{"text":"واستدلوا لذلك بما رواه الترمذي (^١) عن الحسن بن علي ﵁: عَلمنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ كَلماتٍ أَقُولُهُنَّ في الوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِى فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِى فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِى\n_________\n(^١) صحيح: مدار هذا الحديث على بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء عن الحسن بن علي مرفوعًا واختلف عليه:\n١ - شعبة: فرواه الثقات الأثبات: (القطان، وغندر، ويزيد بن زريع وغيرهم) عن شعبة عن بريد عن أبي الحوراء عن الحسن مرفوعًا بلفظ: (كَانَ رسول الله يُعَلمنَا هَذَا الدُّعَاءَ: اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ .....) فذكر الدعاء مطلقًا، ولم يقيده بقنوت الوتر. وأخرجه أحمد (١/ ٢٠٠)، والطيالسي (١٢٧٥)، والدارمي (١٥٩١) وغيرهم وخالفهم عمرو بن مرزوق بلفظ: علمني رسول الله ﷺ أن أقول في الوتر … فذكر مقيدًا بالوتر. والمحفوظ عن شعبة رواية الثقات الأثبات. وخالف شعبة جماعة:\n١ - أبو إسحاق السبيعي: عن بريد عن أبي الحوراء عن الحسن: عَلمنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ كَلماتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الوِتْرِ … فذكر مقيدًا بالوتر: أخرجه أبو داود (١٤٢٥) (١٤٢٦)، والترمذي (٤٦٤) والنسائي (١٤٢٢)، وأحمد (١/ ٢٠٠). وغيرهم.\n٢ - يونس بن إسحاق عن بريد عن أبي الحوراء عن الحسن مقيدًا بذكر الوتر.\nأخرجه أحمد (١/ ١٩٩)، وابن الجارود (٢٧٢)، وابن حزيمة (١٠٩٥) وغيرهم.\n٣ - العلاء بن صالح عن بريد عن أبي الحوراء عن الحسن مقيدًا بذكر الوتر.\nأخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٢٠٩)، وابن خزيمة (١٠٩٥)، وغيرهما.\n٤ - وتابعهم الحسن بن عمارة وهو متروك، أخرجه عبد الرزاق (٤٩٨٤)، وتابعهم الحسن بن عبيد الله، أخرجه الدارمي (١٣٥) وإسناده حسن. وتابعهم عبد الرحمن بن هرمز، انظر: «نتائج الأفكار» (٢/ ١٤٤)، و«التلخيص الكبير» (٢/ ٢٤٨). ورجح ابن خزيمة (٢/ ١٥٢) طريق شعبة، وشعبة أحفظ من عدد مثل يونس. أما زيادة: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في «الوتر» فقد صححه عدد من أهل العلم:\n١ - قال الترمذي: «السنن» (٢/ ٣٢٨) هذا حديث حسن … ولا نعرف عن النبي في الوتر شيئًا أحسن من هذا.\n٢ - قال الخطيب: هذا حديث محفوظ.\n٣ - قال الحافظ زين الدين العراقي: «تخريج الإحياء» (١/ ١٥٤): أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، والنسائي من حديث الحسن أن النبي كان يعلمه هؤلاء الكلمات يقولهن في الوتر. بإسناد صحيح.\n٤ - قال النووي: «الأذكار» (ص ٩٦) روينا في الحديث الصحيح … ذكره. وهناك بحث قيم ونافع في مرويات القنوت لأخي في الله الشيخ: طلال، اسمه «مرويات القنوت»، أسأل الله أن يسعده بجنته وأن يشمله برحمته وأن يكرمه بمغفرته، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين.","vol":"1","page":387},{"text":"فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِى فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِى شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِى وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ».\n• القول الآخر: رُوي عن ابن عمر (^١) وطاوس (^٢) ومالك (^٣) القول بعدم مشروعية القنوت في صلاة الوتر.\nواستدلوا لذلك بأنه لم يصح في قنوت الوتر حديث (^٤).\nواعْتُرِضَ عليه بأن حديث الحسن بن علي إسناده صحيح.\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي: مشروعية القنوت في صلاة الوتر.\nوممن قال بمشروعية القنوت في الوتر من أصحاب النبي ﷺ: ابن مسعود (^٥)، وأُبي بن كعب (^٦) وابن عباس (^٧) وابن عمر (^٨)، وغيرهم (^٩).\n_________\n(^١) روى ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٢٠٥): حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ وَلَا فِي الْوِتْرِ، وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْقُنُوتِ قَالَ: مَا نَعْلم الْقُنُوتَ إِلاَّ طُولَ الْقِيَامِ، وَقِرَاءَةَ الْقُرْآنِ. وإسناده صحيح، ولكن يعكر عليه أنه ورد عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلاَّ فِي النِّصْفِ مِنْ رَمَضَانَ. وإسناده صحيح.\n(^٢) قال ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٢٠٧): وَرُوِيَ عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ: \" الْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ بِدْعَةٌ. ويرد هذا أنه ورد القول بمشروعية الوتر عن عدد كبير من الصحابة والتابعين.\n(^٣) قال مالك في «المدونة» (١/ ٣٤٧): وَلَا يَقْنُتَ فِي رَمَضَانَ .. وَلَا فِي الْوِتْرِ أَصْلًا. ورد عن مالك أنه قال: «القنوت في النصف الثاني من شهر رمضان» كذا قاله ابن عبد البر؛ فلذا اختلفت الرواية عن مالك.\n(^٤) قال الإمام أحمد وابن خزيمة وابن عبد البر وابن القيم: لم يصح في قنوت الوتر حديث. انظر: «مسائل عبد الله» (ص ٩٢)، و«صحيح ابن خزيمة» (٢/ ١٥٢)، و«الاستذكار» (٢/ ٧٧)، و«زاد المعاد» (١/ ٣٣٤).\n(^٥) أخرج الطحاوي في «المشكل» (١١/ ٣٦٦)، وغيره بسند صحيح … أن عبد الله كان لَا يَقْنُتُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ إِلَّا فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ\n(^٦) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (١١٠٠).\n(^٧) أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٢) بسند رجاله ثقات عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، وَمِلْءَ الأَرَضِينَ السَّبْعِ.\n(^٨) أخرج ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠١) بسند صحيح … أن ابن عمر قَنَتَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ.\n(^٩) أخرج ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٢) بسند حسن عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ كَانُوا يَقْنُتُونَ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ. وأخرج ابن نصر في «كتاب الوتر» عن عطاء وسئل عن القنوت في الوتر فقال: كان أصحاب النبي ﷺ يفعلونه.","vol":"1","page":388},{"text":"وهؤلاء هم أفهم الناس لسنة النبي ﷺ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-270> المبحث الثالث: هل للقنوت وقت معين؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوالٍ:\n• القول الأول: أن القنوت في الوتر يكون في السَّنة كلها.\nوروي هذا القول عن عمر (^١) وعلي (^٢) وابن مسعود (^٣) ولكنه لا يصح عنهم.\nوبه قال الحنفية ووجه عند الشافعية ورواية عن أحمد (^٤).\n• القول الثاني: ذهب المالكية والشافعية ورواية عن أحمد إلى أن القنوت في الوتر في النصف الثاني من رمضان (^٥).\nصح هذا عن أُبي بن كعب وعبد الله بن عمر (^٦)، وحكاه النووي عن ابن سيرين والزهري (^٧).\n• القول الثالث: أن القنوت في الوتر يكون في السنة كلها إلا في النصف الأول من رمضان. ورد ذلك عن الحسن وقتادة وصح عن معمر\n• القول الرابع: أن القنوت في الوتر يكون في شهر رمضان كله، وبه قال الأوزاعي، وهو قول الشافعية.\n_________\n(^١) أخرجه محمد بن نصر في كتاب «الوتر» (٢٢٧).\n(^٢) أخرجه محمد بن نصر في كتاب «الوتر» (٢٢٩).\n(^٣) إسناده ضعيف: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٥) وله علتان: ضعف أشعث، وإبراهيم كان يرسل عن ابن مسعود.\n(^٤) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٣)، «شرح الوجيز» (٢٣/ ١٢٦)، و«المغني» (٢/ ٢١٨).\n(^٥) «الاستذكار» (٢/ ٧٣)، و«الحاوي» (٢/ ٣٧٠)، و«مسائل أبي داود» (٤٧٠).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق (٤٩٩٥).\n(^٧) «المجموع» (٤/ ١٥).","vol":"1","page":389},{"text":"قال الإمام أحمد: (^١) لا بأس إن قنت كل ليلة، ولا بأس إن قنت السنة كلها. قال: وإن قنت في النصف من شهر رمضان.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وَأَمَّا الْقُنُوتُ في الْوِتْرِ فَهُوَ جَائِزٌ وَلَيْسَ بِلَازِمِ، فَمِنْ أَصحابِهِ ﷺ مَنْ لم يَقْنُتْ وَمِنْهُمْ مَنْ قَنَتَ في النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَنَتَ السَّنَةَ كُلَّهَا. وَالْعُلماءُ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ الْأَوَّلَ كَمَالِكِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ الثَّانِيَ كَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد في رِوَايَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِبُّ الثَّالِثَ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِ أَحْمَد في رِوَايَةٍ، وَالْجَمِيعُ جَائِزٌ. فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلَا لَوْمَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أَعْلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-271> المبحث الرابع: محل القنوت:</span>\nأي: هل القنوت قبل الركوع أو بعده؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: ذهب الشافعي وأحمد إلى أن القنوت بعد الركوع في صلاة الوتر (^٢).\nواستدلوا لذلك بما رواه مسلم (^٣) عن أبي هريرة قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَيُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ: «سَمِعَ اللَّهُ لمنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلمةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالمسْتَضْعَفِينَ مِنَ المؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ».\n٢ - وروى البخاري (^٤) عن ابن عمر: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ في الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنَ الْفَجْرِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لمنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».\n_________\n(^١) «مسائل عبد الله» (٣٢٠)، و«مسائل صالح» (٣٤٨) (٣٨٢).\n(^٢) «المجموع» (٤/ ٢٥)، و«مسائل عبد الله» (٣٣).\n(^٣) أخرجه مسلم (٦٧٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٥٥٩).","vol":"1","page":390},{"text":"قال الإمام أحمد (^١): اختيار القنوت بعد الركعة لأن كل شيء يثبت عن رسول الله في القنوت إنما هو في الفجر لما رفع رأسه من الركعة. وقال ابن نصر: قال أحمد: القنوت بعد الركوع ويرفع يديه، وذلك على قياس فعل النبي في الغداة.\nوقال البيهقي (^٢): وَقَدْ رُوِّينَا في قُنُوتِ صَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ مَا يُوجِبُ الاِعْتِمَادَ عَلَيْهِ، وَقُنُوتُ الْوِتْرِ قياسٌ عَلَيْهِ.\n• القول الآخر: ذهب الحنفية (^٣) إلى أن محل القنوت قبل الركوع بعد القراءة.\nوبه قال الحسن وابن سيرين (^٤)، والأسود (^٥)، وسعيد بن جبير (^٦).\nورد القنوت قبل الركوع في صلاة القنوت في أحاديث كثيرة، منها حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان يوتر بثلاث ركعات ويجعل القنوت قبل الركوع. وكذا ابن عباس وابن مسعود وأُبي بن كعب، ولكن لا يصح منها حديث.\nقال الإمام أحمد: ولم يصح عن النبي في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء.\nقلت: وصح هذا القول عن ابن مسعود، والحسن وابن سيرين والأسود وسعيد بن جبير.\nوالراجح: الرفع بعد الركوع بعد قول سمع الله لمن حمده، قياسًا على الفريضة فإنه قد صح عن النبي ﷺ أنه قنت بعد الركوع في الفريضة، فكذا الوتر.\nومن قنت قبل الركوع فلا بأس (^٧) والله أعلم.\n_________\n(^١) «مسائل عبد الله» (ص ٩١)، و«الوتر» (ص ٣٦٤).\n(^٢) «سنن البيهقي» (٣/ ٣٩).\n(^٣) «شرح مشكل الآثار» (١١/ ٣٧٢).\n(^٤) أخرج عبد الرزاق (٤٩٩٦) بسند حسن لغيره أن الحسن وابن سيرين كانتا يقنتان في الوتر قبل الركعة.\n(^٥) أخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح (٢/ ٢٠٢) عَنِ الأَسْوَدِ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرَّكْعَةِ.\n(^٦) أخرج ابن أبي شيبة بسنده (٢/ ٢٠٢) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ.\n(^٧) وقد صح عن عدد من الصحابة والتابعين القنوت قبل الركوع في صلاة الفجر.\nأخرج عبد الرزاق في «المصنف» (٤٩٥٩) عن طارق بن شهاب أنه صلى خلف عمر بن الخطاب الفجر، فلما فرغ من القراءة كبر ثم قنت ثم كبر ثم ركع. صحيح. وأخرج ابن المنذر (٢٣٢٧) بسند صحيح عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ قَرْأَتِهِ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ قَالَ: (اللهُ أَكْبَرُ)، ثُمَّ قَنَتَ قَبْلَ الرُّكُوعِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ كَبَّرَ، ثُمَّ رَكَعَ. وأخرج عبد الرزاق في «المصنف» (٤٩٦١) عن البراء عن عازب أنه قنت في الفجر فكبر حين فرغ من القراءة ثم كبر حين فرغ من القنوت. إسناده صحيح. وصح ذلك عن التابعين كإبراهيم النخعي، والحكم وحماد وغيرهم. انظر «المصنف» لابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٧). وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: إذا كان يقنت قبل الركوع افتتح القنوت بتكبيرة.","vol":"1","page":391},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-272> المبحث الخامس: صفة دعاء القنوت:</span>\nاختلف أهل العلم في صفة دعاء القنوت على قولين:\n• القول الأول: الالتزام بالوارد عن النبي ﷺ: «اللهم اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ ما قَضَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي ولا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ من وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ».\nقال النووي: الأفضل ما جاءت به السنة (^١).\n• القول الثاني: أن القنوت ليس فيه شيء مؤقت، فأي دعاء دعا به حصل القنوت.\nقال النخعي: لَيْسَ في قُنُوتِ الْوِتْرِ شَيْءٌ مُؤقَّتٌ، إِنَّمَا هُوَ دُعَاءٌ وَاسْتِغْفَارٌ (^٢).\nوقد صح عن بعض أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم القنوت بغير دعاء الحسن بن علي ﵁.\n\n<span data-type='title' id=toc-273>١ - قنوت عمر بن الخطاب ﵁</span>-:\nكان يقول: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِلمؤْمِنِينَ وَالمؤْمِنَاتِ وَالمسْلمينَ وَالمسْلماتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وَانْصُرْهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمْ، اللَّهُمَّ الْعَنْ كَفَرَةَ\n_________\n(^١) «الأذكار» (ص: ٩٩).\n(^٢) صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠١). قال النووي «المجموع» (٣/ ٤٧٨): فقوله: «اللهم عذب كفرة أهل الكتاب» إنما اقتصر على أهل الكتاب لأنهم الذين كانوا يقاتلون المسلمين في ذلك العصر، وأما الآن فالمختار أن يقال: عذب الكفرة، ليعم أهل الكتاب وغيرهم من الكفار.","vol":"1","page":392},{"text":"أَهْلِ الْكِتَابِ، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَيُكُذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ خَالِفْ بَيْنَ كَلمتِهِمَ، وَزَلْزِلْ أَقدامهمْ، وَأَنْزِلْ بِهِمْ بَأْسَكَ الَّذِى لَا تَرُدُّهُ عَنِ الْقَوْمِ المجْرِمِينَ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ وَنُثْنِى عَلَيْكَ وَلَا نَكْفُرُكَ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُرُكَ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّى وَنَسْجُدُ، وَلَكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَخْشَى عَذَابَكَ الْجَدَّ، وَنَرْجُو رَحْمَتَكَ، إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكَافِرِينَ مُلْحَقٌ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-274>٢ - قنوت أبي بن كعب ﵁</span>-:\nأخرج ابن خزيمة: ثُمَّ عَزَمَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَمَرَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ أَنْ يَقُومَ لَهُمْ في رَمَضَانَ، فَخَرَجَ عُمَرُ عَلَيْهِمْ وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، فَقال عُمَرُ: نِعْمَ الْبِدْعَةُ هِيَ، وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي تَقُومُونَ - يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ - فَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ، وَكَانُوا يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ في النِّصْفِ: اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِوَعْدِكَ، وَخَالِفْ بَيْنَ كَلمتِهِمْ، وَأَلْقِ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَأَلْقِ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ، إِلَهَ الْحَقِّ. ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَيَدْعُو لِلمسْلمينَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ خَيْرٍ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ لِلمؤْمِنِينَ.\nقال: وَكَانَ يَقُولُ إِذَا فَرَغَ مِنْ لَعْنَةِ الْكَفَرَةِ، وَصَلَاتِهِ عَلَى النَّبِيِّ، وَاسْتِغْفَارِهِ لِلمؤْمِنِينَ وَالمؤْمِنَاتِ، وَمَسْأَلَتِهِ: اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، وَنَرْجُو رَحْمَتَكَ رَبَّنَا، وَنَخَافُ عَذَابَكَ الْجِدَّ، إِنَّ عَذَابَكَ لمنْ عَادَيْتَ مُلْحِقٌ. ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَهْوِي سَاجِدًا (^٢).\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٤٩٦٨)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٥٠)، وسنده ضعيف. وأخرجه أبو داود في «مسائل له» (٤٨)، وابن أبي شيبة (٢/ ٢١٣)، وغيرهما، وإسناده صحيح.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (١١٠٠)، وهذه جملة من الآثار عن التابعين وغيرهم تؤيد ذلك: =\n=أخرج عبد الرزاق (٢٣٤) عن إبراهيم: كان يستحب أن يقول في قنوت الوتر بهاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك إن عذابك الجد بالكفار ملحق. صحيح.\nأخرج عبد الرزاق (٢٣٥) عن همام بن نافع قال: رأيت وهب بن منبه إذا قام في الوتر قال: اللهم ربنا لك الحمد، الحمد الدائم السرمدي حمدًا لا يحصيه العدد ولا يقطعه الأبد، كما ينبغي لك أن تُحمد وكما أنت له أهل وكما هو لك علينا حقٌ ورَفَع يديه لم يجاوز بهما رأسه. صحيح.\nأخرج ابن أبي شيبة (٤٩٩٧) أن يحيى بن وثاب كان يقول في قنوته: «اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ قُلُوبَهُمْ عَلَى قُلُوبِ نِسَاءٍ كَوَافِرَ».\nوأخرج ابن نصر (٢٣٦) (٣٠٩) عن سفيان: كانوا يستحبون أن يجعلوا في قنوت الوتر هاتين السورتين: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونثني عليك ولا نكفرك ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك ونرجو رحمتك إن عذابك بالكفار ملحق. وهذه الكلمات: اللهم اهدني فيمن هديت وعافني … وبه قال الحنفية كما في «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٣)، والشافعية كما في «المجموع» (٣/ ٤٧٧)، و«الأذكار» للنووي، وغيرهم.","vol":"1","page":393},{"text":"• الحاصل في هذه المسألة:\nأنه ورد عن النبي ﷺ في القنوت: «اللهم اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ …» الحديث.\nووردت زيادات في الأدعية في القنوت عن الصحابة والتابعين.\nوالراجح: جواز ذلك، والله أعلم.\nقال الشيخ بكر أبو زيد حفظه الله (^١): وإن زاد على الوارد المذكور فعليه خمسة أمور:\n١ - أن تكون الزيادة من جنس المدعو به في دعاء القنوت المذكور.\n٢ - أن تكون الزيادة من الأدعية العامة من القرآن والسنة.\n٣ - أن يكون محلها بعد القنوت الوارد في حديث الحسن.\n٤ - أن لا يتخذ الزيادة فيه شعارًا يداوم عليه.\n٥ - أن لا يطيل إطالة تشق على المأمومين.\n_________\n(^١) «تصحيح الدعاء» (ص ٤٦٢).","vol":"1","page":394},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-275> المبحث السادس: مستحبات القنوت، وفيه مطالب:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-276> المطلب الأول: رفع الإمام صوته بالقنوت:</span>\nلما رواه البخاري (^١)، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ، قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لمنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ: «اللهم أَنْجِ الْوَلِيدَ بن الْوَلِيدِ وَسَلمةَ بن هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بن أبي رَبِيعَة اللهم اشْدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عليهم سِنِينَ كَسِنِي يُوسُف» يجهر بذلك (^٢)\n\n•<span data-type='title' id=toc-277> المطلب الثاني: يستحب للإمام القانت أن يأتي بالدعاء بصيغة الجمع:</span>\nواستدل لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾. وكان أحدهما يدعو والآخر يؤمن (^٣).\nقال النووي: واعلم أنه يستحب إذا كان المصلي إمامًا أن يقول: «اللهم اهدنا» بلفظ الجمع.\n\n•<span data-type='title' id=toc-278> المطلب الثالث: الصلاة على النبي ﷺ في دعاء القنوت:</span>\nروى النسائي عن الحسن بن علي، قال: عَلمنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ هَؤُلَاءِ الْكَلماتِ في الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ .. وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ» (^٤). ولا تصح هذه الزيادة.\nأخرج إسماعيل القاضي (^٥) عن أبي حليمة معاذ بن الحارث الأنصاري أنه كان يصلي على النبي ﷺ في القنوت.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٦٠).\n(^٢) «الأذكار» للنووي (٢/ ٣٠٨). وروى ابن أبي شيبة (٢/ ٢١٥): كَانَ عُمَرُ يَقْنُتُ بِنَا بَعْدَ الرُّكُوعِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ ضَبْعَاهُ، وَيُسْمَعَ صَوْتُهُ مِنْ وَرَاءِ المسْجِدِ. صحيح.\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ١١٦) قال: فَإِنَّ المأْمُومَ إذَا أَمَّنَ كَانَ دَاعِيًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لموسَى وَهَارُونَ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وَكَانَ أَحَدُهُمَا يَدْعُو وَالْآخَرُ يُؤَمِّنُ.\n(^٤) زيادة: «وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ» ضعيفة، فإسناده منقطع بين عبد الله بن علي بن الحسين لم يدرك على بن الحسن، أخرجه النسائي (١٤٤٣).\n(^٥) إسناده حسن: أخرجه إسماعيل القاضي في «فضل الصلاة على النبي ﷺ» (١٠٧).","vol":"1","page":395},{"text":"وأخرج ابن خزيمة (^١) قنوت أُبي بن كعب وفيه: فَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ، وَكَانُوا يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ في النِّصْفِ: اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ … ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.\nعن الزهري قال: كَانُوا يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ في النِّصْفِ من رمضان يقولون: «اللهُمَّ قَاتِل الكَفَرَة» وذكر القنوت، قال: ثُمَّ يصلون عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (^٢).\nواستحب ذلك الشافعية، وهو مذهب الحنابلة (^٣).\nالراجح: استحباب الصلاة على النبي ﷺ في قنوت الوتر، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-279> المطلب الرابع: رفع اليدين في دعاء القنوت:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب رفع اليدين في دعاء قنوت الوتر، وبه قال الحنفية والشافعية والحنابلة (^٤).\nواستدلوا بأنه قد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ معنويًا في وقائع متعددة، فيها رفع النبي يديه في الدعاء (^٥).\nوالقنوت في الوتر من مواطن الدعاء: وورد عن ابن مسعود أنه كان يرفع يديه في الوتر ثم أرسلها بعد (^٦).\n_________\n(^١) صحيح. وقد سبق.\n(^٢) أخرجه ابن نصر، وصححه السخاوي.\n(^٣) «المجموع» للنووي (٣/ ٤٧٨)، و«جلاء الأفهام» لابن القيم (٥١٢) و«الإنصاف» للمارودي (٢/ ١٧١). وقال الشيخ الألباني في «الإرواء» (٢/ ١٧٦): اطلعت على بعض الآثار الثابتة عن بعض الصحابة وفيها صلاتهم على النبي ﷺ آخر قنوت الوتر، فقلت بمشروعية ذلك. اه.\n(^٤) «فتح القدير» (١/ ٤٣٠)، و«الأذكار» للنووي (٢/ ٣١٠)، و«الإنصاف» (٢/ ١٧٢)، و«المغني» (٢/ ٢٢١).\n(^٥) «تصحيح الدعاء» (ص ١١٥).\n(^٦) أخرجه عبد الرزاق (٧٥٩٢)، وإسناده منقطع، فإبراهيم لم يسمع من ابن مسعود، وأخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢١٥) عن ابن عباس أنه صلى فقنت بهم في الفجر، فرفع يده. وإسناده حسن.","vol":"1","page":396},{"text":"وصح عن ابن عباس رفع اليدين في قنوت الفجر.\n• القول الآخر: ذهب مالك (^١) إلى عدم رفع اليدين في قنوت الوتر. وعن الزهري قال: لم تكن ترفع الأيدي في الوتر في رمضان (^٢).\nوعن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي عن رفع اليدين في قنوت الوتر فقال: لا ترفع يديك.\nوالراجح: جواز رفع اليدين في قنوت الوتر لتواتر الأحاديث عن النبي ﷺ في رفع اليدين في الدعاء، والقنوت في الوتر من مواطن الدعاء، وكذا صح عن عمر وابن عباس رفع اليدين في قنوت الفجر، وإذا كان ذلك كذلك فيجوز رفع اليدين في قنوت الوتر، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-280> المطلب الخامس: التأمين خلف الإمام عند دعاء القنوت:</span>\nذهب مالك والشافعية وأحمد (^٣) إلى استحباب تأمين المأموم خلف الإمام في قنوت الوتر.\nواستدلوا لذلك بما رواه أبو داود (^٤) عن ابن عباس قال: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا مُتَتَابِعًا في الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالمغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ، إِذَا قال: سَمِعَ اللَّهُ لمنْ حَمِدَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ: عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ.\nقال النووي (^٥): واحتج المصنف والأصحاب في استجاب تأمين المأموم على قنوت\n_________\n(^١) «الأوسط» (٥/ ٢١٣).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (٩٨/ ٤٩). وإسناده صحيح.\n(^٣) «الاستذكار» (٢/ ٧٣)، و«المجموع» (٣/ ٤٨٢) و«الإنصاف» (٢/ ١٧٢).\n(^٤) أخرجه أبو داود (١٤٤٣)، وابن الجارود في «المنتقى» (١٩٨)، وابن خزيمة (٦١٨)، وغيرهم، وفي إسناده هلال بن خباب وهو صدوق تغير بآخره.\n(^٥) «المجموع» (٣/ ٤٨٢).","vol":"1","page":397},{"text":"الإمام بحديث ابن عباس: (قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ …) رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح.\nقال الإمام أحمد (^١): الذي يعجبنا أن يقنت الإمام، ويؤمن من خلفه.\nوقال ابن قدامة (^٢): إذَا أَخَذَ الْإِمَامُ في الْقُنُوتِ، أَمَّنَ مَنْ خَلْفَهُ، لَا نَعْلم فِيهِ خلافًا.\nوقال النووي (^٣): وأما الثناء وهو قوله: (فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ) فيشاركه في قوله أو يسكن، والمشاركة أَوْلى؛ لأنه ثناء وذكر لا يليق فيه التأمين.\nوسئل الإمام أحمد (^٤) (اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ) ماذا يقول من خلفه؟ قال: يؤمن في موضع التأمين.\nوقال ابن نصر: الذي اختاره أن يسكن حتى يفرغ، فإذا بلغ بعد ذلك موضع الدعاء أمَّنوا.\nوقال محمد بن نجيب المطيعي (^٥): من البدع التي لم نجد لها أصلًا: قول المأمومين وكأنهم في حلقات التواجد عن عبارات الثناء هذه: «حقًّا» وقولهم عند تباركت ربنا وتعاليت: «يا الله» ويجاريهم في ذلك بعض المتفقهين.\nالحاصل: أنه لم يصح في هذا عن الرسول خبر ولا عن الصحابة، أما عند الدعاء فيؤمن المأموم، أما عند الثناء فالأظهر أنه يسكت، والله أعلم.\n_________\n(^١) «مسائل أبي داود» (٤٧٥)، و«مسائل عبد الله» (٣٤٢).\n(^٢) «المغني» (٢/ ٢٢٠).\n(^٣) «المجموع» (٣/ ٤٨١).\n(^٤) «مسائل أبي داود» (٤٧٥).\n(^٥) في «حاشية المجموع» (٣/ ٤٨١).","vol":"1","page":398},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-281> المبحث السابع: هل يشرع مسح الوجه باليدين بعد دعاء القنوت؟</span>\nالأحاديث الواردة في الباب:\n١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ في الدُّعَاءِ لم يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ (^١).\nواعْتُرِضَ عليه بما قاله أبو زرعة الرازي: منكر، أخاف أن يكون لا أصل له (^٢).\n٢ - عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا دَعَوْتَ اللَّهَ فَادْعُ بِبَاطِنِ كَفَّيْكَ، وَلَا تَدْعُ بِظُهُورِهِمَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحْ بِهِمَا وَجْهَكَ» (^٣).\nواعْتُرِض عليه بأن في إسناده صالح بن حسان متروك، تابعه عيسى بن ميمون على ذلك.\n٣ - عن السائب بن يزيد عن أبيه: أَنَّ النبي ﷺ كَانَ إِذَا دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ (^٤).\nواعْتُرِض عليه بأن في إسناده حفص بن هشام مجهول.\nوفي الباب حديث ابن عمر (^٥) وفي إسناده الجارود بن يزيد متروك.\nوحديث الوليد بن عبد الله (^٦)، ومراسيل الزهري من أوهى المراسيل (^٧).\nفالحاصل: أنه لم يصح في هذا الباب حديث ولا يُقوي بعضها بعضًا.\n_________\n(^١) منكر: أخرجه الترمذي (٣٣٨٦) وغيره، وفي إسناده حماد بن عيسى، ضعيف جدًا.\n(^٢) «الجرح والتعديل» (٢/ ٢٠٥).\n(^٣) منكر: أخرجه ابن ماجه (١١٨١) (٣٦٨٨) وعبد بن حميد «المنتخب» (٨٧٥) وغيرهما.\nوفي إسناده صالح بن حسان وهو منكر الحديث، وتابعه عيسى بن ميمون قال البخاري: منكر الحديث. أخرجه ابن نصر «الوتر» (٣٢٢).\n(^٤) ضعيف: أخرجه أبو داود (١٤٩٢)، وأحمد (٤/ ٢٢١) وغيرهما، وفي إسناده حفص بن هاشم مجهول وابن لهيعة فيه ضعف.\n(^٥) أخرجه الطبراني «الكبير» (١٣٥٥٧).\n(^٦) أخرجه الطبراني في «الدعاء» (٢١٤)، وفي إسناده إبراهيم بن يزيد، واه، ويزيد بن عبد الله لم يسمع من أصحاب النبي ﷺ.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق، قال ابن معين والشافعي: مراسيل الزهري ليس بشيء.","vol":"1","page":399},{"text":"أما الآثار: فروى البخاري في «الأدب المفرد» بإسناده عن أبي نعيم قال: (رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ الزُّبَيْرِ يَدْعُوَانِ، يُدِيرَانِ بِالرَّاحَتَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ) (^١).\nواعْتُرِض عليه بأنه لا يصح.\nوورد عن الحسن أنه إذا فرغ من دعائه يمسح بها وجهه (^٢).\nوفيه عنعنة ابن جريج، ولم يصرح بالتحديث.\nوصح المسح عن معمر بن راشد (^٣)، وعبد الرزاق (^٤) وإسحاق بن راهويه (^٥) وفي رواية عن الإمام أحمد أنه قال: لا بأس ولم يفعله (^٦).\nوهذه الآثار قد أجاب عنها البيهقي بأنها خارج الصلاة وليست صريحة في قنوت الوتر.\nوقد ذهب طائفة من أهل العلم إلى عدم مشروعية المسح على الوجه عند القنوت في الوتر.\n١ - سئل ابن المبارك عَنِ الَّذِى إِذَا دَعَا مَسَحَ وَجْهَهُ، قَالَ: لم أَجِدْ لَهُ ثَبَتًا (^٧).\n٢ - وسئل مالك عن الرجل يمسح بكفيه وجهه عند الدعاء، فأنكر ذلك وقال: ما علمت (^٨).\n٣ - قال ابن نصر: وكره ذلك سفيان (^٩).\n٤ - وقال البيهقي: لم يَثْبُتْ بِخَبَرٍ صَحِيحٍ وَلَا أَثَرٍ ثَابِتٍ وَلَا قِيَاسٍ (أي المسح على\n_________\n(^١) أخرجه البخاري «الأدب المفرد» (٦٠٩)، وإسناده ضعيف.\n(^٢) «الوتر» لابن نصر (٣٢٣).\n(^٣) عبد الرزاق (٢/ ٢٥٣).\n(^٤) عبد الرزاق (٣٢٣٥).\n(^٥) «الوتر» لابن نصر (١٧٠).\n(^٦) «مسائل عبد الله» (٣٣٢)، و«المغني» (٢/ ٢٢١).\n(^٧) «سنن البيهقي» (٢/ ٢١٢).\n(^٨) «الوتر» لابن نصر (٣٢٥).\n(^٩) «الوتر» لابن نصر (٣٢٥).","vol":"1","page":400},{"text":"الوجه عند الدعاء).\nفَالأَوْلَى أَنْ لَا يَفْعَلَهُ، وَيَقْتَصِرَ عَلَى مَا فَعَلَهُ السَّلَفُ (^١).\n٥ - قال النووي: ولا يمسح (أي على الوجه عند الدعاء) وهذا هو الصحيح (^٢).\n٦ - قال أبو داود: سمعت أحمد وسئل عن الرجل يمسح وجهه بيده إذا فرغ من الوتر: قال: لم أسمع فيه بشيء ورأيت أحمد لا يفعله (^٣).\nوذكره الشيخ بكر أبو زيد ﵀ في «تصحيح الدعاء» عن العز بن عبد السلام، وشيخ الإسلام وغيرهما، وهذا هو الراجح والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-282> المبحث الثامن: من نسي القنوت:</span>\nعن الأوزاعي (^٤) فيمن ترك قنوت الوتر: إنما ترك سنة لا شيء عليه.\nقال أبو داود (^٥): سمعت أحمد قال: سألت ابن علية عن الرجل ينسى القنوت في الوتر، قال: لا شيء عليه.\nوذهب أصحاب الرأي وإسحاق (^٦) وأحمد في رواية (^٧) إلى أن من نسي القنوت عليه سجدتا السهو.\nوعن حماد قال: إذا سها قيل أن يقنت، فليسجد سجدتي السهو، يعني في الوتر (^٨).\n_________\n(^١) «سنن البيهقي» (٢/ ٢١٢).\n(^٢) «المجموع» (٣/ ٤٨٠).\n(^٣) «مسائل أبي داود» (٤٨٦).\n(^٤) «الوتر» لابن نصر (٣٧٩).\n(^٥) «مسائل أبي داود» (٤٧٧).\n(^٦) «الأوسط» لابن المنذر (٥/ ٢١٨).\n(^٧) «مسائل أبي داود» (٤٨٧).\n(^٨) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٠٦).","vol":"1","page":401},{"text":"قال ابن نصر عن حماد وسفيان (^١): إذا نسي القنوت في الوتر فعليه سجد السهو.\nوالراجح: أن من نسي القنوت فلا شيء عليه، والله أعلم.\n• ملخص ما سبق:\n١ - القنوت في الشرع: اسم للدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام.\n٢ - القنوت مشروع في صلاة الوتر عند جماهير العلماء.\n٣ - يستحب القنوت في الوتر في جميع السنة.\n٤ - الأفضل في قنوت الوتر أن يكون بعد الركوع قياسًا على القنوت في الفريضة.\nوإن قنت قبل الركوع كبعض الصحابة فلا بأس.\n٥ - الأفضل في دعاء القنوت الالتزام بالوارد في حديث الحسن بن علي، ولو زاد في دعاء القنوت على ذلك جاز، لكن هذه الزيادة لها ضوابط سبق ذكرها، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) ابن نصر في كتاب «الوتر» (٣٨١).","vol":"1","page":402},{"text":"الباب الرابع الاعتكاف\nوفيه تمهيد وفصول\nالتمهيد وفيه مباحث:\n• المبحث الأول: معنى الاعتكاف\n• المبحث الثاني: حكمة الاعتكاف\n• المبحث الثالث: حكم الاعتكاف\n• المبحث الرابع: فضل الاعتكاف\n• المبحث الخامس: استحباب الاجتهاد في العشر ا لأواخر من رمضان\n• المبحث السادس: أقسام الاعتكاف","vol":"1","page":403},{"text":"<span data-type='title' id=toc-283>الباب الرابع الاعتكاف</span>\n<span data-type='title' id=toc-284>التمهيد:</span> وفيه مباحث:\n•<span data-type='title' id=toc-285> المبحث الأول: معنى الاعتكاف:</span>\nقال ابن قدامة: الِاعْتِكَافُ في اللُّغَةِ: لُزُومُ الشَّيْءِ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ (^١).\nوالاعتكاف في الشرعِ: لزوم المسجد بنية التقرب إلى الله، على صفة مخصوصة، من شخص مخصوص (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-286> المبحث الثاني: حكمة الاعتكاف:</span>\nقال ابن القيم: لما كَانَ صَلَاحُ الْقَلْبِ وَاسْتِقَامَتُهُ عَلَى طَرِيقِ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى - مُتَوَقِّفًا عَلَى جَمْعِيِّتِهِ عَلَى اللَّهِ، وَلم شَعَثِهِ بِإِقْبَالِهِ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ شَعَثَ الْقَلْبِ لَا يَلمهُ إِلَّا الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ فُضُولُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَفُضُولُ مُخَالَطَةِ الْأَنَامِ، وَفُضُولُ الْكَلَامِ، وَفُضُولُ المنَامِ، مِمَّا يَزِيدُهُ شَعَثًا، وَيُشَتِّتُهُ في كُلِّ وَادٍ، وَيَقْطَعُهُ عَنْ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يُضْعِفُهُ أَوْ يَعُوقُهُ وَيُوقِفُهُ، اقْتَضَتْ رَحْمَةُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ بِعِبَادِهِ أَنْ شَرَعَ لَهُمْ مِنَ الصَّوْمِ مَا يُذْهِبُ فُضُولَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيَسْتَفْرِغُ مِنَ الْقَلْبِ أَخْلَاطَ\n_________\n(^١) «معجم مقاييس اللغة» (٤/ ١٠٨)، و«لسان العرب» (٩/ ٢٥٥) مادة (عكف).\n(^٢) انظر: «الإقناع» (٢/ ٢٤٧)، و«المغني» (٤/ ٤٥٥)، «مغني المحتاج» (١/ ٤٤٩)، «المحلى» (٥/ ١٧٩)، «فتح القدير» (٢/ ٣٩٠)، «الشرح الكبير» للدسوقي (١/ ٥٤١)، وهذه التعريفات بينها بعض التفاوت كاشتراط الصوم وغيره من الشروط.","vol":"1","page":404},{"text":"الشَّهَوَاتِ المعَوِّقَةِ لَهُ عَنْ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَشَرْعِهِ بِقَدْرِ المصْلَحَةِ، بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بَهِ الْعَبْدُ في دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَلَا يَضُرُّهُ وَلَا يَقْطَعُهُ عَنْ مَصَالِحِهِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ.\nوَشَرَعَ لَهُمُ الِاعْتِكَافَ الَّذِي مَقْصُودُهُ وَرُوحُهُ عُكُوفُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَجَمْعِيَّتُهُ عَلَيْهِ، وَالْخَلْوَةُ بِهِ، وَالِانْقِطَاعُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْخَلْقِ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ، بِحَيْثُ يَصِيرُ ذِكْرُهُ وَحُبُّهُ وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ في مَحَلِّ هُمُومِ الْقَلْبِ وَخَطَرَاتِهِ، فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهِ بَدَلَهَا، وَيَصِيرُ الْهَمُّ كُلُّهُ بِهِ، وَالْخَطَرَاتُ كُلُّهَا بِذِكْرِهِ، وَالتَّفَكُّرُ في تَحْصِيلِ مَرَاضِيهِ وَمَا يُقَرِّبُ مِنْهُ فَيَصِيرُ أُنْسُهُ بِاللَّهِ بَدَلًا عَنْ أُنْسِهِ بِالْخَلْقِ، فَيَعُدُّهُ بِذَلِكَ لِأُنْسِهِ بِهِ يَوْمَ الْوَحْشَةِ في الْقُبُورِ حِينَ لَا أَنِيسَ لَهُ، وَلَا مَا يَفْرَحُ بِهِ سِوَاهُ، فَهَذَا مَقْصُودُ الِاعْتِكَافِ الْأَعْظَمُ (^١).\nقال: ابن رجب (^٢): فمعنى الاعتكاف وحقيقته قطع العلائق عن الخلائق، للاتصال بخدمة الخالق.\nوفى موضع آخر: فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله، وذكره، وقَطَع عن نفسه عن كل شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربه، وما يقربه منه، فما بقى له سوى الله، وما يرضيه عنه.\nوقال شيخ الإسلام: لما كان المرء لا يلزم ويواظب إلا من يحبه ويعظمه كما كان المشركون يعكفون على أصنامهم وتماثيلهم، ويعكف أهل الشهوات على شهواتهم، شرع الله ﷾ لأهل الإيمان أن يعكفوا على ربهم ﷾، وأخص البقاع بذكر اسمه سبحانه والعبادة له بيوته المبنية لذلك؛ فلذلك كان الاعتكاف لزوم المسجد لطاعة الله (^٣).\n_________\n(^١) «زاد المعاد» (٢/ ٨٦ - ٨٧).\n(^٢) «لطائف المعارف» (٤/ ٤٥٥).\n(^٣) «شرح العمدة» (٢/ ٧٠٨).","vol":"1","page":405},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-287> المبحث الثالث: حكم الاعتكاف:</span>\nقال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الاعتكاف سنة، لا يجب على الناس فرضًا، إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذرًا فيجب عليه (^١).\nوفي الصحيحين عن عائشة ﵂: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ (^٢).\nوفي هذا الحديث دليل على سنية الاعتكاف للرجال والنساء.\n\n•<span data-type='title' id=toc-288> المبحث الرابع: فضل الاعتكاف:</span>\nمما لا شك فيه أن للاعتكاف أجرًا عظيمًا وثوابًا جزيلًا، ولعظمه عهد الله ﵎ إلى إبراهيم وإسماعيل بتطهير المسجد الحرام للطائفين والعاكفين والركع السجود، فقال ﵎: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾.\nولفضل الاعتكاف كانت مريم ﵍ تعتكف في المسجد الأقصى، قال تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ وقال تعالى: ﴿كُلما دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾.\nقال شيخ الإسلام ﵀ (^٣): ولأن مريم ﵍ قد أخبر الله سبحانه أنها جعلت محررة له، وكانت مقيمة في المسجد الأقصى في المحراب، وأنها انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًا فاتخذت من دونهم حجابًا، وهذا اعتكاف في المسجد واحتجاب فيه، ا-هـ ولأن الاعتكاف معلوم في الشرائع القديمة، فقد كان أهل الجاهلية يعتكفون، وقد\n_________\n(^١) «الإجماع» (ص ٥٣) وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم كالنووي وابن قدامة وابن حزم انظر: «المجموع» (٦/ ٤٠٧)، و«المغني» (٤/ ٤٥٦)، «مراتب الإجماع» (٤١) وغيره كثير.\n(^٢) البخاري (٢٠٢٦)، ومسلم (١١٧٢).\n(^٣) شرح العمدة (٢/ ٧٤٨).","vol":"1","page":406},{"text":"نذر عمر أن يعتكف ليلة في الجاهلية، فقال النبي ﷺ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» ولذا حرص عليه النبي ﷺ حتى توفاه الله، ففي الصحيحين من حديث عائشة قالت: «كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ» وكان النبي ﷺ يعتكف ويلتمس ليلة القدر وهي ليلة تحسب بالعمر، فمواظبة النبي ﷺ دليل على استحبابه وحرصه عليه وقضائه إياه، كل ذلك دليل على عظيم أجره وفضل ثوابه، والأدلة على فضل الاعتكاف متوافرة ومتضافرة.\nووردت في الباب أحاديث لا تصح عن النبي ﷺ، أردت التنبيه عليها، منها: ما روى أبو الدرداء مرفوعًا: «من اعتكف ليلة كان له كأجر عمرة، ومن اعتكف ليلتين كان له كأجر عمرتين …» (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-289> المبحث الخامس: استحباب الاجتهاد في العشر الأواخر من شهر رمضان:</span>\nيستحب للمعتكف الإكثار من الطاعات، من تلاوة للقرآن، وذكر لله تعالى، والدعاء، والصدقات، وغيرها من النوافل والقربات.\nروى مسلم (^٢) عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْتَهِدُ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لَا\n_________\n(^١) عزاه شيخ الإسلام إلى «مسند إسحاق بن راهويه» كما في «شرح العمدة» (٢/ ٧١٢)، ورواه البيهقي في «الشعب» (٣/ ٤٢٥)، والطبراني في «الكبير» (٣/ ١٢٨)، ولفظه عندهما: «مَنِ اعْتَكَفَ عَشْرًا فِي رَمَضَانَ كَانَ كَحَجَّتَيْنِ وَعُمْرَتَيْنِ». وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٧٣): وفيه عنبسة بن عبد الرحمن القرشي، وهو متروك.\nورد عن ابن عباس ﴿أن رسول الله ﷺ قال في المعتكف: «هُوَ يَعْكِفُ الذُّنُوبَ وَيُجْرَى لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا، وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه (١٧٨١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧/ ٥٢٣) من طريق عبيدة العمي عن فرقد السبخي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. قال البخاري: فرقد أبو يعقوب السبخي عن سعيد بن جبير في حديثه مناكير. وعبيدة العمي، قال ابن حجر: مجهول الحال، وضعفه البوصيري في «الزوائد» والبيهقي كما في «الشعب».\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٧٥).","vol":"1","page":407},{"text":"يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ».\nوفي «الصحيحين» عن عائشة ﵂ قالت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ (^١) وَأَحْيَا لَيْلَهُ (^٢) وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ (^٣) (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-290> المبحث السادس: أقسام الاعتكاف:</span>\nالاعتكاف ينقسم إلى مسنون وواجب:\n• فالمسنون: ما تطوع به المسلم تقربًا إلى الله، وطلبًا لثوابه، واقتداء بالرسول صلوات الله وسلامه عليه، ويتأكد ذلك في العشر الأواخر.\n• والواجب: هو ما أوجبه المرء على نفسه، إما بالنذر المطلق، مثل أن يقول: لله عليَّ أن أعتكف كذا، أو بالنذر المعلق كقوله: إن شفا الله مريضى لأعتكفن كذا (^٥).\nقال ابن المنذر: وأجمعوا على أن الاعتكاف سنة، لا يجب على الناس فرضًا، إلا أن يوجبه المرء على نفسه نذرًا فيجب عليه (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) شد مئزره: أي: اعتزل النساء، وقال الخطابي: يحتمل أن يريد به الجد في العبادة.\n(^٢) أحيا ليله: أي: سهر فأحياه بالطاعة.\n(^٣) وأيقظ اهله، أي: للصلاة.\n(^٤) أخرجه البخاري (٢٠٢٤)، ومسلم (١١٧٤).\n(^٥) انظر: «فقه السنة» (١/ ٤٣٣).\n(^٦) «الإجماع» (ص ٥٣).","vol":"1","page":408},{"text":"<span data-type='title' id=toc-291>الفصل الأول أقل زمن للاعتكاف</span>\nووقت دخول المعتكف وخروجه\n\n•<span data-type='title' id=toc-292> المبحث الأول: أقل زمن الاعتكاف:</span>\nاختلف أهل العلم في أقل زمن الاعتكاف على أقوال:\n• القول الأول: ذهب أبو حنيفة في رواية، وبعض المالكية، ووجه عند الشافعية، ورواية عن أحمد (^١): إلى أن أقل الاعتكاف يوم.\nواستدلوا لذلك بأنه لا يصح الاعتكاف بدون صوم، وأن أقل الصوم يوم.\nواعترض على هذا الاستدلال: بأن الاعتكاف يصح بدون صوم؛ لأن عمر بن الخطاب نذر أن يعتكف ليلة فقال له النبي ﷺ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ»، والليل لا صوم فيه.\n• القول الثاني: أن أقل مدة للاعتكاف هو يوم وليلة، وهو المشهور من مذهب المالكية (^٢).\nواستدلوا بما ورد عن ابن عمر أنه قال: «لا اعتكاف أقل من يوم وليلة» (^٣).\nولم أقف عليه في كتب الأثر.\nواستدلوا بحديث عمر: «اعتكف ليلة» أي: يومًا وليلة (^٤)، وقالوا: إن هذا أقل\n_________\n(^١) «فتح القدير» (٢/ ١١٠)، و«مواهب الجليل» (٢/ ٤٥٤)، و«روضة الطالبين» (٢/ ٣٩١)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٥٩).\n(^٢) «المدونة على المقدمات» (١/ ٢٠٢)، و«أحكام القرآن» (١/ ٩٥).\nانظر: «الاستذكار» (١٠/ ٣١٣) قال: وذكر ابن حبيب أن أقله عند مالك يوم وليلة.\n(^٣) عزاه شيخ الإسلام لإسحاق بن راهويه، كما في «شرح العمدة» (٢/ ٧٦٠).\n(^٤) وروى أن عمر نَذَر أَنْ يَعتَكِف يَومًا بِلَيلَتِهِ. ولكن في إسناده عبد الله بن عمر العمري ضعيف. انظر: «العلل» للدارقطني (٢/ ٣٠).","vol":"1","page":409},{"text":"الاعتكاف.\nواعترض عليه من وجهين: الأول: أن هذا التأويل خلاف الظاهر.\nالثاني: أن قوله: «اعتكفت ليلة» لا يدل على أنه لا يجوز الاعتكاف أقل من ليلة.\n• القول الثالث: أن أقل مدة للاعتكاف عشرة أيام، وهو رواية عن الإمام مالك (^١)، واستدلوا لهذا القول بأن النبي ﷺ اعتكف العشر الأواخر من رمضان.\nواعترض عليه بأن عمر نذر أن يعتكف ليلة، فأمره النبي ﷺ أن يوفي بنذره، فدل ذلك على جواز اعتكاف ليلة وهي أقل من عشرة.\nالوجه الثاني: ما قاله ابن حزم ﵀: فَإِنْ قِيلَ: لم يَعْتَكِفْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَقَلَّ مِنْ عَشْرِ لَيَالٍ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَلم يَمْنَعْ مِنْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا لم يَعْتَكِفْ قَطُّ في غَيْرِ مَسْجِدِ المدِينَةِ، فَلَا تُجِيزُوا الِاعْتِكَافَ في غَيْرِ مَسْجِدِهِ ﵇ وَلَا اعْتَكَفَ قَطُّ إلَّا في رَمَضَانَ، وَشَوَّالٍ، فَلَا تُجِيزُوا الِاعْتِكَافَ في غَيْرِ هَذَيْنِ الشَّهْرَيْنِ وَالِاعْتِكَافُ فِعْلِ خَيْرٍ، فَلَا يَجُوزُ المنْعُ مِنْهُ إلَّا بِنَصٍّ وَارِدٍ (^٢).\n• القول الرابع: ذهب جمهور العلماء إلى أن أقل الاعتكاف ما يسمى به المرء معتكفًا ولو ساعة (^٣).\nواستدلوا بعموم القرآن والسنة والمأثور:\nأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾.\n_________\n(^١) «المدونة مع المقدمات» (١/ ٢٠٢)، و«الاستذكار» (١٠/ ٣١٣).\n(^٢) «المحلى» (٥/ ١٨٠).\n(^٣) «الدر المختار» (١/ ٤٤٥)، «الاستذكار» (١٠/ ٣١٣)، «المهذب» (١/ ١٩٠)، «مغني المحتاج» (١/ ٤٤٥)، «الإنصاف» (٧/ ٥٦٦)،","vol":"1","page":410},{"text":"قال ابن حزم (^١): فَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، وَبِالْعَرَبِيَّةِ خَاطَبَنَا رسول اللَّهِ ﷺ.\nوالاعتكاف في لغة العرب: الإقامة … فكل إقامة في مسجد لله تعالى بنية التقرب إليه اعتكاف … مما قل من الأزمان أو كثر؛ إذ لم يخص القرآن والسنة عددًا من عدد، ووقتًا من وقت.\nأما دليلهم من السنة: فما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من اعتكف فواق ناقة فكأنما أعتق نسمة من ولد إسماعيل» (^٢).\nواعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nأما دليلهم من المأثور: فعن يعلى بن أمية قال: إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا لأعتكف (^٣).\nقلت: الراجح والله أعلم: أن أقل الاعتكاف هو ما يسمى به المرء معتكفًا ولو ساعة، قال النووي: ينبغي لكل جالس في المسجد لانتظار صلاة أو لشغل آخر من آخرة أو دنيا أن ينوي الاعتكاف، فيحسب له ويثاب عليه ما لم يخرج من المسجد، فإذا خرج ثم دخل جدد نية أخرى.\n\n•<span data-type='title' id=toc-293> المبحث الثاني: وقت دخول المعتكف المسجد:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nذهب الإمام أحمد في رواية عنه (^٤)، والأوزاعى، والثوري، والليث في أحد قوليه (^٥)، وجماعة إلى أن المعتكف يدخل المسجد بعد صلاة فجر يوم عشرين من رمضان.\n_________\n(^١) «المحلى» (٥/ ٣٧٩).\n(^٢) أخرجه العقيلي في «الضعفاء الكبير» (١/ ٢٢)، وقال الحافظ في «التلخيص الحبير»: وفي المتن نكارة شديدة.\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٤/ ٣٤٦)، وابن أبي شيبة (٣/ ٨٩).\n(^٤) انظر: «المغني» (٤/ ٤٨٩ - ٤٩٠)، «الفروع» (٣/ ١٧٠)، «الإنصاف» (٣/ ٣٦٩).\n(^٥) انظر: «شرح مسلم» للنووي (٨/ ٢٤٠)، «فتح الباري» (٤/ ٢٧٧).","vol":"1","page":411},{"text":"واستدلوا بما رواه البخاري ومسلم (^١) عن عائشة ﵂: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ.\nوجه الدلالة: ما قاله الحافظ ابن حجر (^٢): وفيه (أي: في حديث عائشة): أَنَّ أَوَّل الْوَقْت الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ المعْتَكِفُ، بَعْد صَلَاة الصُّبْح، وَهُوَ قَوْل الْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالثَّوْرِيِّ، وَقَالَ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة وَطَائِفَةٌ: يَدْخُل قُبَيْل غُرُوب الشَّمْس. وَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ أَوَّل اللَّيْل، وَلَكِنْ إِنَّمَا تَخَلَّى بِنَفْسِهِ في المكَان الَّذِي أَعَدَّهُ لِنَفْسِهِ بَعْد صَلَاة الصُّبْح.\n• القول الثاني: ذهب أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد في رواية، إلى أن وقت دخول المعتكف المسجد قبل غروب شمس يوم عشرين من رمضان.\nقال النووي (^٣): قال مالك وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد: يَدْخُل فِيهِ قَبْل غُرُوب الشَّمْس إِذَا أَرَادَ اِعْتِكَاف شَهْر أَوْ اِعْتِكَاف عَشْر، وَأَوَّلُوا الْحَدِيث عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ المعْتَكَف، وَانْقَطَعَ فِيهِ، وَتَخَلَّى بِنَفْسِهِ بَعْد صَلَاته الصُّبْح، لَا أَنَّ ذَلِكَ وَقْت اِبْتِدَاء الِاعْتِكَاف، بَلْ كَانَ مِنْ قَبْل المغْرِب مُعْتَكِفًا لَابِثًا في جُمْلَة المسْجِد، فَلما صَلَّى الصُّبْح اِنْفَرَدَ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-294> المبحث الثالث: وقت خروج المعتكف من المسجد:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: ذهب الإمام مالك (^٤)، والإمام أحمد (^٥) إلى أن المعتكف يبيت في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٣٣)، ومسلم (١١٧٣) واللفظ له.\n(^٢) «فتح الباري» (٤/ ٣٢٥).\n(^٣) «شرح مسلم» للنووي (٨/ ٢٤٠)، وانظر: «البحر الرائق» (٢/ ٥٠٣)، «المدونة» (٢/ ٢٣٨)، «الفروع» (٣/ ١٧٠).\n(^٤) عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ رَأَى بَعْضَ أَهْلِ الْعِلم إِذَا اعْتَكَفُوا الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ لَا يَرْجِعُونَ إِلَى أَهَالِيهِمْ حَتَّى يَشْهَدُوا الْفِطْرَ مَعَ النَّاسِ. وقال مَالِكٌ: وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْفَضْلِ الَّذِينَ مَضَوْا، وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ. «الموطأ» (١/ ٣٣٦)\n(^٥) قال ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٤٩٠): وَمَنْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، اُسْتُحِبَّ أَنْ\nيَبِيتَ لَيْلَةَ الْعِيدِ فِي مُعْتَكَفِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. قلت: وقد ورد هذا الفعل عن ابن عمر وأبي قلابة وغيرهما، وروى ابن أبي شيبة (٣/ ٩٢) عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون للمعتكف أن يبيت ليلة الفطر في المسجد حتى يكون غدوة منه إلى العيد.","vol":"1","page":412},{"text":"المسجد ليلة العيد.\nاستدلوا لذلك بما في «الصحيحين» (^١) عن أبى سعيد الخدري ﵁ قال: اعْتَكَفْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ فَخَرَجَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا.\nوجه الدلالة منه: أنه ﷺ حين اعتكف العشر الأوسط من رمضان، خرج من اعتكافه في صبيحة عشرين، وليس بعد غروب ليلة التاسع عشر. وقياسًا على ذلك فمن اعتكف العشر الأواخر، يخرج صبيحة يوم العيد.\nواعْتُرِضَ عليه بما قاله ابن عبد البر (^٢): قَدْ أَجْمَعُوا في المعْتَكِفِ في الْعَشْرِ الْأُوَلِ أَوِ الْوُسُطِ مِنْ رَمَضَانَ أَنَّهُ يَخْرُجُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يوم مِنِ اعْتِكَافِهِ.\n• القول الآخر: ذهب أبو حنيفة، والشافعي، والليث، والأوزاعى، وابن المنذر إلى أن المعتكف يخرج من المسجد إذا غربت شمس ليلة العيد. (آخر يوم من رمضان).\nقال ابن عبد البر (^٣): وَكَانَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ يَقُولَانِ: يَخْرُجُ مِنِ اعْتِكَافِهِ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ دَخَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، فَإِذَا أَهَلَّ هِلَالُ شَوَّالٍ فَقَدْ أَتَمَّ الْعَشْرَ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابِهِ.\nالراجح في المسألة والله أعلم: هو قول جمهور العلماء، أن المعتكف يخرج من اعتكافه إذا غربت الشمس من آخر أيامه، وأن هذه الليلة من شوال وليست من رمضان، وأنه بغروب شمس آخر يوم من رمضان قد اعتكف العشر.\nوأما مالك وأحمد وغيرهما فكانوا يستحبون أن يبيت المعتكف في المسجد ليلة العيد،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٣٦)، ومسلم (١١٧٣).\n(^٢) «الاستذكار» (١٠/ ٢٩٧، ٢٩٨).\n(^٣) «الاستذكار» (١٠/ ٢٩٧ - ٢٩٨).","vol":"1","page":413},{"text":"ولا يوجبونه.\nقال ابن عبد البر (^١): وَالصَّحِيحُ في تَحْصِيلِ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنْ يُقُومَ المعْتَكِفُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ في مُعْتَكَفِهِ، وَخُرُوجُهُ مِنْهُ إِلَى الْعِيدِ اسْتِحْبَابٌ وَفَضْلٌ لَا إِيجَابٌ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَهُ في مُوَطَّئِهِ، بَلْ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.\nقال ابن قدامة (^٢): مَنْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، اُسْتُحِبَّ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَةَ الْعِيدِ في مُعْتَكَفِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ.\nولم يذكر عن مالك وأحمد أنه من خرج من اعتكافه بعد غروب شمس آخر أيامه أنه انتقض اعتكافه، ولكنهم كانوا يستحبون ذلك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) «الاستذكار» (١٠/ ٢٩٧).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٢٩٠).","vol":"1","page":414},{"text":"الفصل الثاني شروط صحة الاعتكاف\n• الشرط الأول: الإسلام: فلا يصح الاعتكاف من الكافر حتى يسلم.\n• الشرط الثاني: العقل: فلا يصح الاعتكاف من مجنون حتى يفيق.\n• الشرط الثالث: التمييز.\n• الشرط الرابع: النية.\n• الشرط الخامس: هل يشترط الطهارة من الحيض والنفاس والجنابة؟\n• الشرط السادس: شرط الصوم.\n• الشرط السابع: شرط إذن الزوج.\n• الشرط الثامن: أن يكون الاعتكاف في المسجد.","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-295>الفصل الثاني شروط صحة الاعتكاف</span>\n•<span data-type='title' id=toc-296> الشرط الأول: الإسلام:</span> فلا يصح الاعتكاف من الكافر حتى يسلم.\n•<span data-type='title' id=toc-297> الشرط الثاني: العقل:</span> فلا يصح الاعتكاف من مجنون حتى يفيق.\n•<span data-type='title' id=toc-298> الشرط الثالث: التمييز:</span> فلا يصح الاعتكاف من صبي غير مميز، فإنه لا قصد له، والنبي ﷺ يقول: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».\n•<span data-type='title' id=toc-299> الشرط الرابع: النية:</span> فإن لبث المرء في المسجد بغير قصد الاعتكاف فإنه لا يكون معتكفًا.\nقال ابن هبيرة (^١): واتفقوا على أنه لا يصح إلا بنية، وقال ابن رشد (^٢): وأما النية فلا أعلم فيها اختلافًا.\n\n•<span data-type='title' id=toc-300> الشرط الخامس: هل يشترط الطهارة من الحيض والنفاس والجنابة؟</span>\nأعني هل يجوز للحائض المكث في المسجد للاعتكاف وغيره؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز للحائض المكث في المسجد، وبه قال الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، ................................................\n_________\n(^١) «الإفصاح» (١/ ٢٥٥).\n(^٢) «بداية المجتهد» (١/ ٣١٥).\n(^٣) «البحر الرائق» (١/ ٢٠٥)، «شرح فتح القدير» (١/ ١٦٥).\n(^٤) «المدونة» (١/ ١٨٦)، «منح الجليل» (١/ ١٧٤).","vol":"1","page":416},{"text":"والشافعية (^١)، والحنابلة (^٢). واستدلوا لهذا القول بالقرآن والسنة:\nأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلموا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾.\nوجه الدلالة: أن الله نهى الجنب عن قربان الصلاة، أي: مواضع الصلاة، وهي المساجد إلا مجتازًا (^٣).\nوإذا نهى الجنب عن المكث في المسجد؛ فكذا الحائض والنفساء.\nواعترض عليه: بأنه ذكر في أول الآية: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: لا تصلي وأنت جنب، والضمير يعود إلى الصلاة، أي أن الجنب وهو مسافر لا يقرب الصلاة إلا إذا لم يجد الماء فيتيمم ويصلي.\nوأجيب عنه بما قاله الشافعي (^٤): قال بَعْضُ أَهْلِ الْعِلم بِالْقُرْآنِ: معناها: لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ. وما أَشْبَهَ ما قال بِمَا قال لِأَنَّهُ ليس في الصَّلَاةِ عُبُورُ سَبِيلٍ إنَّمَا عُبُورُ السَّبِيلِ في مَوْضِعِهَا وهو المسْجِدُ.\nواعترض عليه: بأنه لا يقاس الحائض على الجنب؛ لأن الجنب له أن يسرع في التطهر، أما الحائض فليس لها ذلك، واستدلوا بما روى البخاري (^٥) من حديث أم عطية قالت:\n_________\n(^١) «المهذب» (١/ ٤٥)، «المجموع» (٢/ ١٥٦)، «الحاوي» (١/ ٣٨٤).\n(^٢) «المغني» (١/ ٢٠٠)، «المبدع» (١/ ٢٦٠)، «مجموع الفتاوى» (٢٦/ ١٢٣ - ٢١٥).\n(^٣) «الأوسط» (٢/ ١٠٩).\n(^٤) «الأم» (١/ ٥٤)، قلت: وقد ورد هذا التفسير عن ابن عباس، أخرجه الدارمي (١١٧٤)، وابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٠٦)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٤٤٣)، وفي إسناده عيسى بن ماهان، قال فيه الحافظ: صدوق. وورد عن أنس كما عند الدارمي (١١٧٥) والبيهقي في «الكبرى» (٢/ ٤٤٣) وفي إسناده الحسن بن أبي جعفر منكر الحديث.\nوورد عن ابن مسعود كما عند عبد الرزاق (٤١٢١)، وابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٠٦)، والبيهقي (٢/ ٤٤٣) وهو ضعيف، فإن أبا عبيدة لم يسمع من ابن مسعود.\nوقد رواه الطبري في «تفسيره» (٤/ ١٠٢) بإسناد فيه ضعف وهو مرسل.\n(^٥) البخاري (٣٥١)، ومسلم (٨٩٠).","vol":"1","page":417},{"text":"«أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المسْلمينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ».\n«وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ» أي: مكان الصلاة، فدل ذلك على منع الحائض من دخول المسجد.\nواعترض على هذا الاستدلال: بأن المراد «وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ» أي: تعتزل الحائض الصلاة.\nدل على ذلك ما رواه مسلم (^١) عن أم عطية قالت: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُخْرِجَهُنَّ في الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى، الْعَوَاتِقَ، وَالْحُيَّضَ، وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَعْتَزِلْنَ الصَّلَاةَ».\nأي: أن المراد باعتزال الحيض المصلى هو حال الصلاة ليتسع المكان للنساء الطاهرات ثم يختلطن بهن بعد الصلاة (^٢).\nثم إن الصلاة كانت في الفضاء وليست في المسجد.\nحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ جَاءَ وَوُجُوهُ بُيُوتِ أَصْحَابِهِ شَارِعَةٌ في المسْجِدِ، فَقَالَ: «وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ المسْجِدِ، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ المسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ» (^٣)\n_________\n(^١) مسلم (١٢ - ٨٩٠).\n(^٢) شرح البخاري لابن رجب (٢/ ١٤٢).\n(^٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (٢٣٢)، وابن خزيمة (١٣٢٧)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٢/ ٦٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢/ ٤٤٢) من طريق عبد الواحد بن زياد عن أفلت بن خليفة قال: حدثتني جسرة بن دجاجة، قالت: سمعت عائشة … به.\nولهذا الحديث ثلاث علل:\nالأولى: تفرُّد جسرة بهذا الحديث، وقد قال البخاري: عند جسرة عجائب.\nالثانية: في إسناده أفلت بن خليفة وإن كان قال فيه أحمد: لا بأس به، فقد قال ابن المنذر: أفلت لا يجوز الاحتجاج بحديثه. كما في «الأوسط» (٢/ ١١٠)، وقال ابن حزم: أفلت غير مشهور ولا معروف. كما في «المحلى» (٢/ ٢٥٣)، وقال الخطابي في «معالم السنن» (١/ ١٥٨): وضعفوا هذا الحديث وقالوا: أفلت راوية مجهول لا يصح الاحتجاج بحديثه.\nالثالثة: أنه اختلف على جسرة، فرواه الأفلت عنها عن عائشة، ورواه ابن غنية عن أبي الخطاب الهجري عن محدوج الذهلي عن جسرة قالت: أخبرتني أم سلمة .. الحديث. أخرجه ابن ماجه (٦٤٥)، والطبراني في «الكبير» (٢٣/ ٣٧٣) (ح ٨٨٣)، وابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٩٩) وقال: قال أبو زرعة: يقولون: عن جسرة عن أم سلمة، والصحيح عن عائشة.\nوقال ابن حزم في «المحلى» (٢/ ١٨٥): وأما مَحْدُوجٌ فَسَاقِطٌ يَرْوِي المعْضِلَاتِ عن جَسْرَةَ، وأبو الْخَطَّابِ الْهَجَرِيُّ مَجْهُولٌ. وسرد الطرق وقال: وهذا كُلُّهُ بَاطِلٌ.","vol":"1","page":418},{"text":"وهذا أصرح ما ورد في الباب وليته صح.\nعن عائشة قالت: كن المعتكفات إذا حِضن أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد، وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن (^١).\nوهذا الحديث لم أقف له على إسناد.\nالدليل الثالث: في الصحيحين (^٢) قول النبي ﷺ لعائشة، وفيه: «افْعَلِى مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِى بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِى».\nمنع الطواف للحائض، وذلك لئلا تلوث المسجد.\nواعترض على هذا الاستدلال بأن المنع من الطواف فقط ليس فيه المنع من دخول المسجد، بل الطواف أخص.\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين (^٣) من حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ في المسْجِدِ وَهِيَ في حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ، ولو كان يجوز للحائض دخول المسجد لدخلت المسجد ورجلته فيه.\nواعترض عليه: بأنه لا يلزم ذلك؛ لأنه قد يكون في المسجد رجال أجانب أو أن المسجد ليس محلًّا للترجل أو غير ذلك من الأسباب، فليس فيه دلالة على منع\n_________\n(^١) عزاه ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٤٨٧) لأبي حفص العكبري، وهو عند ابن مفلح في «الفروع» (٣/ ١٧٦)، وقال: إسناده جيد.\n(^٢) البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢٠ - ١٢١١).\n(^٣) البخاري (٢٠٣١)، ومسلم (٢٩٧).","vol":"1","page":419},{"text":"الحائض من دخول المسجد.\n• القول الآخر: يجوز للحائض المكث في المسجد. وهو قول المزني من الشافعية (^١) وقول الظاهرية (^٢).\nواستدلوا بما ورد في الصحيحين (^٣) من حديث أبي هريرة قال: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ فَانْسَلَلْتُ فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فقال: «أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هِرٍّ؟» فقال له، فقال: «سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَبَا هِرٍّ إِنَّ المؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ».\nفإذا كان المؤمن لا ينجس، فهو طاهر، فلا يُمنع من دخول المسجد.\nوقد يقال: إن المؤمن لا ينجس، أي: طاهر بإيمانه طهارة معنوية، وإن المشرك نجس بالشرك.\nواستدلوا بما روى سعيد بن منصور (^٤) عن عطاء بن يسار قال: رأيت رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ يجلسون في المسجد وهم مجنبون إذا توضئوا وضوء الصلاة.\nوجه الدلالة: أنه إذا كان الجنب يجلس ويمكث في المسجد إذا توضأ، فكذا الحائض.\nواعترض عليه: بأن الحديث في إسناده هشام بن سعد، وقد ضعفه غير واحد من أهل العلم.\nوقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ …﴾ الآية، أي: أن الجنب لا يمكث في المسجد إلا مارًّا به، وهذا أرجح الأقوال في تفسير الآية، والله أعلم.\nواستدلوا بما روى مسلم (^٥) عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ مِنَ المسْجِدِ» قَالَتْ: فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ. فَقَالَ: «إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكِ».\n_________\n(^١) «المجموع» (٢/ ١٦٠).\n(^٢) «المحلى» مسألة (٢٦٢).\n(^٣) البخاري واللفظ له (٢٨٥)، ومسلم (٣٧١).\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور (٦٤٦)، وابن المنذر «الأوسط» (١/ ١٠٨) وفي إسناده هشام بن سعد، ضعيف الحديث.\n(^٥) مسلم (٢٩٨).","vol":"1","page":420},{"text":"وجه الدلالة من هذا الحديث من وجهين:\nالأول: أن عائشة دخلت المسجد وهي حائض.\nواعترض عليه: بأن إتيان عائشة بالخمرة من المسجد ليس بمكث، ولكنه مرور، والمرور للحائض في المسجد جائز.\nوأجيب: بأن الحديث مطلق «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ من المسْجِدِ» فدخول عائشة المسجد يشمل المرور والمكث.\nقوله ﷺ: «إن حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يَدِكِ» أي أن يدك هي التي سوف تباشر الخمرة أو الثوب، ويدك طاهرة فليست الحيضة في اليد. وإن كان منع الحائض من المسجد هو تلويثه؛ فلتستثفر بثوب لتمنع.\nواعترض عليه: بما نقل النووي عن عياض قال: معناه أن النبي ﷺ قال لها ذلك من المسجد، أي: وهو في المسجد؛ لتناوله إياها من خارج المسجد؛ لأن النبي ﷺ أمرها أن تُخرجها له من المسجد؛ لأنه ﷺ كان في المسجد معتكفًا، وكانت عائشة في حجرتها وهي حائض؛ لقوله ﷺ: «إن حيضتك ليست في يدك» فإنها خافت من إدخال يدها في المسجد، ولو كان أمرَها بدخول المسجد لم يكن لتخصيص اليد معنى.\nواستدلوا بما راه البخاري (^١) عن عائشة: أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، وفيه: .. فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلمتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ في المسْجِدِ - أَوْ حِفْشٌ …\nفهذه امرأة تنظف المسجد وتمكث فيه، والحيض كتبه الله على بنات آدم، ولم يرد أن النبي ﷺ أمرها بالخروج من المسجد وقت الحيض.\nقال ابن رجب (^٢): استدل بحديث عائشة طائفة من أهل الظاهر على جواز مكث الحائض في المسجد؛ لأن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر غالبًا. وفي ذلك نظر؛ لأنها قضية عين لا عموم لها، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزًا قد يئست من\n_________\n(^١) البخاري (٤٣٩).\n(^٢) شرح البخاري لابن رجب (٣/ ٢٥٤).","vol":"1","page":421},{"text":"المحيض.\nوأجيب عنه بما قاله ابن حزم (^١): فَهَذِهِ امْرَأَةٌ سَاكِنَةٌ في مَسْجِدِ النبي ﷺ، وَالمعْهُودُ من النِّسَاءِ الْحَيْضُ، فما مَنَعَهَا ﵇ من ذلك وَلَا نهى عنه وَكُلُّ ما لم يَنْهَ ﵇ عنه فَمُبَاحٌ.\nواستدلوا بما روى البخاري (^٢) عن أبي هريرة: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ» فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ المسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.\nفإذا كان المشرك يمكث في المسجد يومًا واثنين وثلاثًا فمن باب أَوْلى جواز مكث الحائض في المسجد.\nوالأصل جواز مكث الحائض في المسجد، وليس هناك دليل صحيح صريح يمنع الحائض من دخول المسجد.\nوقالوا: لأن الصوم شرط للاعتكاف، والحائض لا يحل لها الصوم، فليس لها أن تعتكف.\nواعترض عليه بما ورد عن عمر أنه قال: كُنْتُ نَذَرْتُ في الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً في المسْجِدِ الحَرَامِ، فَقَالَ لي النبي ﷺ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ».\nوالليل ليس محلًّا للصيام، والله أعلم.\nويجوز للمستحاضة الاعتكاف؛ لما روت عائشة قالت: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ، وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي (^٣).\nويشترط عدم تلويث المسجد؛ ولذا وضعت الطست تحتها، والله أعلم.\n_________\n(^١) «المحلى» (٢/ ٢٥٣).\n(^٢) البخاري (٤٦٢).\n(^٣) البخاري (٢٠٣٧).","vol":"1","page":422},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-301> الشرط السادس: الصوم:</span>\nهل يشترط الصوم لصحة الاعتكاف؟\nاختلف أهل العلم في اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف على أقوال:\n• القول الأول: عدم اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف، وهو قول بعض المالكية، والشافعية، والحنابلة، والظاهرية (^١).\nواستدلوا بالكتاب والسنة والمأثور:\nأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾.\nوالاعتكاف في الآية مطلق، فدل على عدم اشتراط الصوم للاعتكاف.\nوأما دليلهم من السنة: ففي «الصحيحين» (^٢) عن ابن عمر ﴿أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ في الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً في المسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ».\nوجه الدلالة منه: قال ابن عبد البر (^٣): وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ ﵁ نَذَرَ في الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ لَيْلَةً فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَفِيَ بِنَذْرِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّيْلَ لَا صَوْمَ فِيهِ.\nوعن ابن عباس ﴿أن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ عَلَى المعْتَكِفِ صِيَامٌ إِلاَّ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى نَفْسِهِ» (^٤).\n_________\n(^١) «أحكام القرآن» للقرطبي (٢/ ٢٣٤)، و«الأم» (٢/ ١٠٧)، و«المستوعب» (٣/ ٤٧٨) و«المحلى» (٥/ ٢٦٨).\n(^٢) البخاري (٢٠٣٢)، ومسلم (١٦٥٦).\n(^٣) «التمهيد» (١١/ ٢٠٠).\n(^٤) ضعيف: أخرجه الدارقطني في «السنن» (٢/ ١٩٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣١٩)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٣٩) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قلت: وفي إسناده عبد الله بن محمد بن نصر الرملي، فيه ضعف، قال البيهقي: تفرد به عبد الله بن محمد بن نصر الرملي، هذا وقد رواه الحميدي موقوفًا، قال: هذا هو الصحيح موقوف، ورَفْعه وهم، كذلك رواه عمر بن زرارة، عن عبد العزيز موقوفًا. انظر: «نصب الراية» (٢/ ٤٩٠)، وقال ابن عبد الهادي في «المحرر» (١١٥): والصحيح أنه موقوف، ورَفْعه وهم.","vol":"1","page":423},{"text":"واعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ، والصحيح فيه الوقف على ابن عباس.\n• القول الآخر: أنه لا اعتكاف إلا بصوم، وهو قول أبي حنيفة ومالك (^١)، وبه قال بعض الشافعية (^٢)، ورواية عن أحمد (^٣).\nواستدلوا لهذا القول بأدلة، منها:\nحديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ» (^٤).\nواعترض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nوعن ابن عمر ﴿أَنَّ عُمَرَ ﵁، جَعَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ في الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً أَوْ يَوْمًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «اعْتَكِفْ وَصُمْ» (^٥).\nواعترض عليه بأن زيادة: «وصم» منكرة.\n_________\n(^١) «الموطأ» (١/ ٣١٥)، «المدونة مع مقدمات ابن رشد» (١/ ١٩٥)، «التمهيد» لابن عبد البر (٧/ ٤٩٥)، «أحكام القرآن» للقرطبي (٢/ ٣٣٤). ٠\n(^٢) «المجموع» (٦/ ٤٨٥).\n(^٣) «الإنصاف» (٣/ ٣٦٠) وهذه الرواية اختارها شيخ الإسلام، وابن القيم كما في «زاد المعاد» (٢/ ٨٨).\n(^٤) ضعيف: أخرجه الدارقطني في «السنن» (٢/ ١٩٩، ٢٠٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣١٧) من طريق سويد بن عبد العزيز، ثنا سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، به. وقال تفرد به سويد بن سفيان بن حسين. قال البيهقي: وهذا وهم من سفيان بن حسين، أو من سويد بن عبد العزيز، وسويد بن عبد العزيز الدمشقى ضعيف بمرة، لا يقبل منه ما تفرد به.\n(^٥) منكر: أخرجه أبو داود في «السنن» (٢٤٧٤، ٢٤٧٥)، والدارقطني في «السنن» (٢/ ٢٠٠). من طرق عن عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن عمر به، قال الدارقطني: تفرد به ابن بديل، وهو ضعيف الحديث، وقال: سمعت أبا بكر النيسابورى يقول: هذا حديث منكر؛ لأن الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه.","vol":"1","page":424},{"text":"والراجح: أنه لا يشترط الصوم للاعتكاف؛ لما ورد في الصحيحين من حديث ابن عمر أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ في الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً في المسْجِدِ الحَرَامِ، قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ».\nوَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّيْلَ لَا صَوْمَ فِيهِ، وكذلك فإن العكوف في اللغة: الإقبال على الشيء على وجه المواظبة، وهذا يحصل من الصائم والمفطر. وكذا العاكفون على الأصنام ولهًا، سُموا بذلك بمجرد احتباسهم عليها، وإن لم يصوموا، فالمحتبس لله في بيته عاكف له وإن لم يصم (^١)، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-302> الشرط السابع: شرط إذن الزوج:</span>\nيجب على المرأة أن تستأذن من زوجها، دل على ذلك حديث عائشة، وفيه: فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ، فَأَذِنَ لَهَا.\nوفي لفظ: أذن النبي ﷺ لأزواجه بالاعتكاف ثم منعهن بعد ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-303> الشرط الثامن: أن يكون الاعتكاف في المسجد:</span> وفيه مطالب:\n•<span data-type='title' id=toc-304> المطلب الأول: شرط المسجد:</span>\nقال القرطبي: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد (^٢).\nوقال ابن قدامة (^٣): لا نعلم في ذلك خلافًا.\nوقال ابن رشد (^٤): وقد اتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف، إلا محمد بن عمر بن لبابة فأجازه في كل مكان.\n_________\n(^١) «شرح العمدة» (٢/ ٧٥٥).\n(^٢) «أحكام القرآن» (٢/ ٣٣٣).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٤٦١).\n(^٤) «بداية المجتهد» (١/ ٣١٢)، و«شرح الزرقاني للموطأ» (٢/ ٢٠٦).","vol":"1","page":425},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-305> المطلب الثاني: ضابط المسجد الذي يُشرع فيه الاعتكاف:</span>\nاتفق العلماء على اشتراط المسجد لصحة الاعتكاف، واختلفوا في ضابط المسجد الذي يشرع فيه الاعتكاف على أقوال:\nالقول الأول: أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد تقام فيه صلاة الجماعة، وبه قال جمهور العلماء (^١).\nقال شيخ الإسلام (^٢): وهو قول عامة التابعين، ولم ينقل عن صحابي خلافه، إلا من قول من خص الاعتكاف بالمساجد الثلاثة أو مسجد النبي (^٣).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾.\nولفظ «المسَاجِدِ» وإن كان في الآية عامًّا؛ لكنه خص بالمسجد الذي تقام فيه الجماعة، وذلك لوجوب صلاة الجماعة، ولأن اعتكاف الرجل في مسجد لا تقام فيه\n_________\n(^١) قال الكاساني في «بدائع الصنائع» (٢/ ١١٣): وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ تُصَلَّى فِيهِ الصَّلَوَاتُ كُلُّهَا. وانظر: «فتح القدير» (٢/ ٣٩٣)، و«البحر الرائق» (٢/ ٣٠١)، و«حاشية ابن عابدين» (١/ ٤٤٠).\nقال ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٤٦١): فَذَهَبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (يعنى الإمام أحمد) إلَى أَنَّ كُلَّ مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ فِيهِ، وَلَا يَجُوزُ فِي غَيْرِهِ. وانظر: «الإنصاف» (٧/ ٥٧٥).\n(^٢) «شرح العمدة» (٢/ ٧٣٤).\n(^٣) قال ابن عباس: لَا اعْتِكَافَ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ تُجْمَعُ فِيهِ الصلوات. إسناده صحيح أخرجه عبد الله في «مسائله» (ص ١٩٦)، وورد أثر عن عليّ أنه قال: لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ. أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٩١) وعبد الرزاق (٤/ ٣٤٦) ولكنه لا يصح. وورد أثر عن شداد قال: اعْتَكَفَ رَجُلٌ فِي المسْجِدِ الْأَعْظَمِ، وَضَرَبَ خَيْمَةً فَحَصَبَهُ النَّاسُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ مَسْعُودٍ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ رَجُلًا، فَكَفَّ النَّاسَ عَنْهُ وَحَسَّنَ ذَلِكَ. قلت: ولكن إسناده ضعيف.\nوعن عروة بن الزبير قال: لَا اعْتِكَافَ إِلاَّ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ. إسناده صحيح.\nوعن الزهري قال: لَا اعْتِكَافَ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فِيهِ. إسناده صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٩١). وعن الحكم وحماد قال: لَا اعْتِكَافَ إِلاَّ فِي مَسْجِدٍ تُجْمَعُ فِيه. صحيح، أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٩٢).","vol":"1","page":426},{"text":"الجماعة يفضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة، وإما خروجه إليها، فيتكرر ذلك منه كثيرًا مع إمكان التحرز منه، وذلك مُنافٍ للاعتكاف؛ إذ هو لزوم المعتكف والإقامة على طاعة الله فيه.\nحتى لو قيل بعدم وجوب الجماعة، فإن الجماعة من أعظم العبادات، وهي أوكد من مجرد الاعتكاف الخالي عنها بلا ريب، والمداومة على تركها مكروه كراهة شديدة (^١).\nوعن عائشة ﵂ قالت: «السُّنَّةُ عَلَى المعْتَكِفِ: أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدَ جَنَازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ، إِلَّا لما لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا في مَسْجِدٍ جَامِعٍ» وفي لفظ: «إِلَّا في مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ» (^٢).\nواعترض عليه بأنه ضعيف.\nوروى الدارقطني بسنده عن حذيفة مرفوعًا: «كُلُّ مَسْجِدٍ لَهُ مُؤَذِّنٌ وَإِمَامٌ، فَالِاعْتِكَافُ\n_________\n(^١) انظر: «المغني» (٤/ ٤٦١)، و«شرح العمدة» (٢/ ٧٣٥)، و«أحكام الاعتكاف» (ص ١١٩) للشيخ خالد المشيقح.\n(^٢) أصل حديث عائشة أخرجه البخاري (٢٠٢٦) من طريق عبد الله بن يوسف، ومسلم (١١٧٢) من طريق قتيبة بن سعيد، كلاهما عن الليث عن عقيل عن الزهري عن عائشة: أنه ﷺ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ … الحديث. وروى البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣١٥) (٣٢٠) الحديث، وزاد قوله: «وَالسُّنَّةُ عَلَى المعْتَكِفِ: أَنْ لَا يَخْرُجَ إلا لِلْحَاجَةِ الَّتِي لَابُدَّ مِنْهَا، وَلَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَمَسَّ امْرَأَةً، وَلَا يُبَاشِرَهَا، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَمَاعَة، وَالسُّنَّةُ فِيمَنِ اعْتَكَفَ أَنْ يَصُومَ» من طريق يحيى بن بكير ونافع بن يزيد عن الليث به. أخرجه أبو داود (٢٤٧٣) بلفظ: «السُّنَّةُ عَلَى المعْتَكِفِ …» من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة به. وقال أبو داود: غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ لَا يَقُولُ فِيهِ «قَالَتِ السُّنَّةُ». قَالَ أَبُو دَاوُدَ جَعَلَهُ قَوْلَ عَائِشَةَ. اه.\nقلت: أي جعل أبو داود هذا من قول عائشة وليست كلمة «السنة» التي تجعل هذا الكلام\nلرسول الله ﷺ، وأورد الدارقطني في «علله» (٢/ ٢٠١) من طرق واهية، وقال: يقال: إن قوله: «من السنة للمعتكف …» إلخ. ليس من قول النبي ﷺ، أي: ليس من قول عائشة، وإنه من كلام الزهري، ومن أدرجه فقد وهم، والله أعلم.","vol":"1","page":427},{"text":"فِيهِ يَصْلُحُ» (^١).\nواعترض عليه بأن في إسناده جويبرًا وهو هالك، والضحاك لم يدرك حذيفة (^٢).\nالقول الثاني: أن الاعتكاف يصح في كل ما يطلق عليه مسجد، سواء أقيمت فيه الجماعة أم لا.\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾ (^٣).\nوجه الدلالة: أن لفظ: ﴿المسَاجِدِ﴾ في الآية عام يشمل كل مسجد، ولم يخص الله مسجدًا دون آخر.\nواعترض عليه بأن المسجد إذا كانت لا تقام فيه الجماعة فالمعتكف بين أمرين: إما ترك الجماعة، وإما كثرة الخروج من المسجد لأداء صلاة الجماعة، وهو مُناف لركن الاعتكاف (^٤).\nالقول الثالث: أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد جامع تصلى فيه الجماعة والجمعة:\nودليل هذا القول: قول عائشة: «السُّنَّةُ عَلَى المعْتَكِفِ: أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا …» وفيه: «وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا في مَسْجِدٍ جَامِعٍ» (^٥).\nواعترض عليه بأنه ضعيف.\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني في «السنن» (٢/ ٢٠٠).\n(^٢) «المحلى» (٥/ ١٩٦).\n(^٣) قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٠/ ٢٧٤): قَالَ مَالِكٌ: الْأَمْرُ عِنْدَنَا الَّذِي لَا اخْتِلَافَ فِيهِ؛ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ يُجَمَّعُ فِيهِ، وَلَا أَرَاهُ كَرِهَ الِاعْتِكَافَ في المساجد التي لا يجمع فيها، إلَّا كَرَاهِيَةَ أَنْ يَخْرُجَ المعْتَكِفُ مِنْ مَسْجِدِهِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ. انظر: «التمهيد» (فتح البر) (٧/ ٤٨٢) و«شرح منح الجليل» (١/ ٤١٩).\nوقال الشافعي في «الأم» (٢/ ١٥٧): وَالِاعْتِكَافُ فِي المسْجِدِ الْجَامِعِ أَحَبُّ إلَيْنَا، وَإِنْ اعْتَكَفَ فِي غَيْرِهِ فَمِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ. انظر: «روضة الطالبين» (٢/ ٣٩٥).\n(^٤) «المغني» (٤/ ٤٦١).\n(^٥) سبق تخريجه.","vol":"1","page":428},{"text":"القول الرابع: أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة (المسجد الحرام، والمسجد النبوى، ومسجد بيت المقدس) وهذا قول حذيفة بن اليمان، وبه قال سعيد بن المسيب (^١).\nوعن عطاء: لا اعتكاف إلا في مسجد مكة والمدينة (^٢).\nعَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قال حُذَيْفَةُ لِعَبْدِ اللهِ: عُكُوفٌ بَيْنَ دَارِكَ وَدَارِ أَبِي مُوسَى لَا تُغَيِّرُ، وَقَدْ عَلمتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا في المسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: المسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَسْجِدِ بَيْتِ المقْدِسِ» (^٣).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ٩١).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٤/ ٣٤٩).\n(^٣) ضعيف معل بالوقف: وهذا الحديث اختلف فيه على الوقف والرفع.\nرواه سفيان بن عيينة، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل، عن حذيفة، واختلف على سفيان على الوقف والرفع فرواه جماعة على الرفع منهم: هشام بن عمار: أخرجه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٢٧٧١). ومنهم: محمد بن الفرج بن عبد الوارث، أخرجه الإسماعيلى «معجمه» (٣٣٦)، قال: حدثنا أبو الفضل العباس بن أحمد الوشاء، حدثنا محمد بن الفرج، حدثنا سفيان به. ومحمد بن الفرج بن عبد الوارث صدوق. وأبو الفضل العباس بن أحمد الوشاء، قال الخطيب في «تاريخ بغداد» (١٢/ ١٥١) وكان أحد الشيوخ الصالحين. قلت: وهذا لا يُعد توثيقًا له، بل هو ثناء على عدالته. ومنهم: محمود بن آدم المروزى: أخرجه البيهقي في «السنن» (٤/ ٣١٦) قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين أنبأ أبو نصر محمد بن عبدويه، ثنا محمود بن آدم المروزى، عن سفيان به. وفى إسناده محمود بن آدم المروزى صدوق. وأبو نصر محمد بن عبدويه، قال الخطيب في «تاريخ بغداد» (٥/ ٢٣٢): حدثنا أبو نصر محمد بن عبدويه المروزى، وعلى بن الفضل بن طاهر: ثقتان نبيلان حافظان. وأبو الحسن محمد بن الحسين، قال الذهبى في «السير»: المحدث الصدوق. وروى الذهبى في «السير» (١٥/ ٨١) من طريق البيهقي، وقال: صحيح غريب عالٍ. قلت: ولكن إن كان هذا الإسناد قد يحسن. ولكن رواه على الشك بلفظ: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي المسْجِدِ الْحَرَامِ - أو قال: إلا فِي المسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ». وهذا الشك مما يوهن هذه الرواية. ومنهم: سعيد بن منصور: أورده ابن حزم في «المحلى» =","vol":"1","page":429},{"text":"قال عَبْدُ اللهِ: لَعَلَّكَ نَسِيتَ وَحَفِظُوا، وَأَخْطَأْتَ وَأَصَابُوا.\n_________\n= (٥/ ١٩٥)، من طريق سعيد بن منصور عن سفيان به، بلفظ: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي المسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ» أو قال: «مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ» وقال: هذا شك من حذيفة، أو ممن دونه، ولا يقطع على رسول الله ﷺ بشك، ولو أنه ﵇ قال: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي المسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ» لحفظه الله تعالى علينا، ولم يدخل فيه شكًّا، فصح يقينًا أنه ﵇ لم يقله قط.\nقال يعقوب بن سفيان في «المعرفة والتاريخ» (٢/ ١٧٨): ذكرت لأحمد بن حنبل سعيد بن منصور فأحسن الثناء عليه، وفَخَّم أمره وقد كنت أسمع سليمان بن حرب وهو بمكة - ينكر عليه الشيء بعد الشيء، وكذلك كان الحميدى لم يكن الذى بينه وبين الحميدى حسنًا، فكان الحميدى يخطئه في الشيء بعد الشيء من رواية ما يروى عن سفيان.\nقال الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٧/ ٢٠١): فَتَأَمَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْنَا فِيهِ إِخْبَارَ حُذَيْفَةَ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَدْ عَلم مَا ذَكَرَهُ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَتَرْكَ ابْنِ مَسْعُودٍ إِنْكَارَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَجَوَابَهُ إِيَّاهُ بِمَا أَجَابَهُ بِهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: \" لَعَلَّهُمْ حَفِظُوا \" نَسَخَ مَا قَدْ ذَكَرْتُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَأَصَابُوا فِيمَا قَدْ فَعَلُوا، وَكَانَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فَعَمَّ المسَاجِدَ كُلَّهَا بِذَلِكَ، وَكَانَ المسْلمونَ عَلَيْهِ مِنَ الِاعْتِكَافِ فِي مَسَاجِدِ بُلْدَانِهِمْ، إِمَّا مَسَاجِدُ الْجَمَاعَاتِ الَّتِي تُقَامُ فِيهَا الْجُمُعَاتُ، وَإِمَّا هِيَ وَمَا سِوَاهَا مِنَ المسَاجِدِ الَّتِي لَهَا الْأَئِمَّةُ وَالمؤَذِّنُونَ عَلَى مَا قَالَهُ أَهْلُ الْعِلم فِي ذَلِكَ.\nقلت: وكذلك أنكر ابن مسعود وهو من كبار الصحابة على حذيفة - رفعه هذا الحديث إلى النبي ﷺ بقوله: (لعلك نسيت وحفظوا، وأخطأت وأصابوا). وخالفهم جماعة: فرووا الحديث موقوفًا وهم (عبد الرزاق، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومى، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر).\nأخرجه عبد الرزاق «المصنف» (٨٠١٦)، عن ابن عيينة، عن جامع بن أبي رشد، قال: سمعت أبا وائل يقول: (قال حذيفة لعبد الله) أى موقوفًا. وتابعه محمد بن يحيى بن أبي عمر، وسعيد بن عبد الرحمن المخزومى، كما عند الفاكهى في «أخبار مكة» (١٣٣٤) ومحمد بن يحيى بن أبي عمر قال الحافظ: صدوق، صَنَّف المسند، وكان لازم ابن عيينة. لكن قال أبو حاتم. كانت فيه غفلة. وسعيد بن عبد الرحمن المخزومى ثقة. وأخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (٨٠١٤)، وابن أبي شيبة (٣/ ٩١) عن وكيع، والطبراني في «الكبير» (٩٥١٠) عن علي بن عبد العزيز، عن أبي نعيم، عن الثوري، عن واصل الأحدب، عن إبراهيم، قال: جاء حذيفة لعبد الله. أى موقوفًا.","vol":"1","page":430},{"text":"والراجح في المسألة: أنه يجوز الاعتكاف في كل مسجد تصلي فيه الصلوات الخمس؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].\nويستحب أن يكون مسجدًا جامعًا حتى لا يخرج منه لصلاة الجمعة ولا غيرها، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-306> المطلب الثالث: أفضل المساجد للاعتكاف:</span>\nأفضل المساجد للاعتكاف: المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى (^١).\nلكونها أفضل المساجد؛ لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا، وَالمسْجِدِ الْأَقْصَى» (^٢).\nوأفضلها: المسجد الحرام، ثم المسجد النبوي، ثم المسجد الأقصى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةٌ في مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلَّا المسْجِدَ الْحَرَامَ» (^٣).\nما يدخل في مسمى المسجد الذي يصح الاعتكاف فيه:\nالأمر الأول: اتفق العلماء أن ما كان معدًّا للصلاة من البناء أنه يصح الاعتكاف فيه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾ وهذا داخل في المسجد قطعًا.\nالأمر الثاني: سطح المسجد: فجمهور العلماء على صحة الاعتكاف فيه، وصعود المعتكف إليه وسطح المسجد منه (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «المبسوط» (٣/ ١١٥)، و«حاشية العدوي» (١/ ٤١٠)، و«الأم» (١/ ١٠٧)، و«مطالب أولي النهى» (٢/ ٢٣٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في باب (فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة).\n(^٣) أخرجه البخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤).\n(^٤) انظر: «أحكام الاعتكاف» (ص ١٣١، ١٣٢) لفضيلة الشيخ/ خالد المشيقح.","vol":"1","page":431},{"text":"أما رحبة المسجد: أي ساحته، فهل تدخل في مسمى المسجد؟\nاختلف أهل العلم في دخول ساحة المسجد في مسمى المسجد وخروج المعتكف إليها على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: إن كانت الرحبة محوطة متصلة بالمسجد فهي منه، وإن كانت غير متصلة به ولا محوطة بسياجه، فليست منه.\nقال النووي (^١): المرَادُ بِالرَّحْبَةِ مَا كَانَ مُضَافًا إلَى المسْجِدِ مُحَجَّرًا عَلَيْهِ وهو مِنَ المسْجِدِ، نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى صحةِ الِاعْتِكَافِ في الرَّحْبَةِ.\nالقول الثاني: أن الرحبة ليست من المسجد، فلا يصح الاعتكاف فيها.\nواستدلوا بما روت عائشة قالت: كُنَّ المعْتَكِفَاتُ إذَا حِضْنَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِخْرَاجِهِنَّ مِنْ المسْجِدِ، وَأَنْ يَضْرِبْنَ الْأَخْبِيَةَ في رَحْبَةِ المسْجِدِ، حَتَّى يَطْهُرْنَ (^٢).\nوجه الدلالة: أن الحائض إذا كان لا يجوز لها الاعتكاف في المسجد، وقد أمر رسول الله ﷺ بإخراجهن من المسجد وأن يضربن الأخبية في رحبة المسجد حتى يطهرن، فعُلم أن الرحبة ليست من المسجد.\nقلت: هذا الحديث لم أقف عليه في كتب السنن المسندة، وإنما ذُكر في كتب الفقه ثم إن رحبة المسجد ليست محوطة.\nالقول الثالث: وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَبِيتُ المعْتَكِفُ إلَّا في المسْجِدِ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ خِبَاؤُهُ في رَحَبَةٍ مِنْ رِحَابِ المسْجِدِ (^٣).\nوالراجح: إن كانت الرحبة محوطة متصلة بالمسجد؛ فهي منه، وإن كانت غير متصلة\n_________\n(^١) «المجموع» (٦/ ٥٠٧).\n(^٢) ذكره ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٤٨٧)، وعزاه لأبي حفص العكبري، وابن مفلح في «الفروع» (٣/ ١٧٦) ولابن بطة وقال: إسناده جيد.\n(^٣) «المدونة مع المقدمات» (٢/ ٢٠٣)، و«الموطأ مع المنتقى» (٢/ ٧٩).","vol":"1","page":432},{"text":"ولا محوطة بسياجه فليست منه، والله أعلم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-307> المطلب الرابع: هل تعتكف المرأة في مسجد بيتها؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها، وأن الاعتكاف للرجال والنساء لابد أن يكون في المسجد، وبه قال مالك (^٢)، وأحمد (^٣)؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾ والمراد بالمساجد: المواضع التي بنيت للصلاة فيها، ويجتمع إليها الناس.\nوفي «الصحيحين» من حديث عائشة: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ في كُلِّ رَمَضَانٍ، وَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ، فَأَذِنَ لَهَا، فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ، فَضَرَبَتْ قُبَّةً، وَسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِهَا، فَضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى، فَلما انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَدَاةِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟»، فَأُخْبِرَ خَبَرَهُنَّ، فَقَالَ: «مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا؟ آلْبِرُّ؟ انْزِعُوهَا فَلَا أَرَاهَا»، فَنُزِعَتْ، فَلم يَعْتَكِفْ في رمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ في آخِرِ العَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ» (^٤).\nفأذن النبي ﷺ لأزواجه بالاعتكاف في المسجد، ولو كان الاعتكاف في البيت جائزًا لنبههن عليه رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) انظر: «أحكام الاعتكاف» (ص ١٣٤) للشيخ خالد المشيقح.\n(^٢) قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (١٠/ ٢٧٥): وَقَالَ مَالِكٌ: تَعْتَكِفُ المرْأَةُ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ.\nوَلَا يُعْجِبُهُ اعْتِكَافُهَا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا.\n(^٣) قال النووي في «شرح مسلم» (٧/ ٢٤٨): قال الإمام أحمد: لا يصح اعتكاف المرأة إلا في المسجد. «المجموع» (٦/ ٤٨٤)، و«مغني المحتاج» (١/ ٤٥١).\n(^٤) البخاري (٢٠٤١)، ومسلم (١١٧٣).","vol":"1","page":433},{"text":"القول الآخر: ذهب أبو حنيفة (^١)، والشافعي إلى أن المرأة تعتكف في مسجد بيتها:\nواستدلوا لذلك بما رواه مسلم (^٢) عن عائشة ﵂ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، أَرَادَ الاِعْتِكَافَ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، فَلما صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْفَجْرَ، نَظَرَ، فَإِذَا الأَخْبِيَةُ فَقَالَ: «آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟» فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ، وَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ في شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى اعْتَكَفَ في الْعَشْرِ الأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ».\nقال الشافعي: فبهذا كرهت اعتكاف المرأة إلا في مسجد بيتها، وذلك أنها إذا صارت إلى ملازمة المسجد المأهول ليلًا ونهارًا، وأكثر من يراها ومن تراه (^٣).\nالدليل الثانى: قول النبي ﷺ: «صَلَاةُ المرْأَةِ في بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا في حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا في مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا في بَيْتِهَا» (^٤).\n_________\n(^١) انظر: «بدائع الصنائع» (٢/ ١١٣)، و«المبسوط» (٣/ ١٢٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٧٣).\n(^٣) انظر: «معرفة السنن والآثار» (٣/ ٤٦٤).\n(^٤) أخرجه أبو داود (٥٧٠)، وابن خزيمة (١٦٨٨ - ١٦٩٠)، وغيرهما، من طريق عمرو بن عاصم، عن همام، عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود مرفوعًا، وأخرجه الترمذي (١١٧٣)، وغيره بلفظ «المرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ، وأقرب ما تكون من ربها وهى في قعر بيتها»، وأخرجه ابن خزيمة (١٦٨٦)، من طريق سليمان التيمى، عن قتادة، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود، به، قال ابن أبي حاتم في «المراسيل»: سمعت أبي يقول: قتادة عن أبي الأحوص مرسل، بينهما مورق، قال الأثرم: حديث سليمان التيمى عن قتادة مضطرب. انظر: «شرح علل الترمذي» (ص ٢٨٤)، وأخرجه الطبراني (١٠/ ١٣٢)، وابن عدي (٣/ ٤٢٣)، وابن خزيمة من طريقى سويد بن إبراهيم، وسعيد بن بشير، وهما متابعان لسليمان التيمى، ولكنهما ضعيفان. وللحديث المرفوع شواهد أولها: عند أبي داود (٥٦٧) وشاهد آخر: عند ابن خزيمة (١٦٨٩)، وابن حبان (٢٢١٧)، ولكن هذه الشواهد لا تخلو من مقال.","vol":"1","page":434},{"text":"وجه الدلالة منه: أنه لما كانت صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، كان اعتكافها في بيتها أفضل.\nواعترض عليه: بأن الاعتكاف عبادة خاصة بالمسجد، كما أن الطواف لا يجوز إلا بالكعبة.\nواستدلوا أيضًا بحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» (^١).\nفإن كان بيوتهن خيرًا لصلاتهن من المسجد؛ فكذا الاعتكاف في البيت أفضل.\nواعترض عليه: بأن لفظة: «وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» لا تصح عن رسول الله ﷺ.\nالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من أن اعتكاف النساء لا يصح إلا في المسجد؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾، ولحديث عائشة: استأذن أزواجه ﷺ في الاعتكاف في المسجد فأذن لهن».\nقال النووي (^٢): وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ الِاعْتِكَاف لَا يَصح إِلَّا في المسْجِد؛ لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ وَأَزْوَاجه وَأَصحابه إِنَّمَا اِعْتَكَفُوا في المسْجِد مَعَ المشَقَّة في مُلَازَمَته، فَلَوْ جَازَ في الْبَيْت لَفَعَلُوهُ وَلَوْ مَرَّة لَا سِيَّمَا النِّسَاء؛ لِأَنَّ حَاجَتهنَّ إِلَيْهِ في الْبُيُوت أَكْثَر.\nوَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اِخْتِصَاصه بِالمسْجِدِ، وَأَنَّهُ لَا يَصح في غَيْره - هُوَ مَذْهَب مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَدَاوُد وَالْجُمْهُور، سَوَاء الرَّجُل وَالمرْأَة.\n* * *\n_________\n(^١) أصل حديث ابن عمر: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ» في البخاري (٩٠٠)، ومسلم (٤٤٢) أما زيادة «وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» فأخرجها أحمد (٢/ ٧٦)، وأبو داود (٥٦٥)، وغيرهما من طريق حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر، وحبيب لم يسمع من ابن عمر، فهذه الزيادة لا تصح عن رسول الله ﷺ.\n(^٢) «شرح مسلم» (٧/ ٢٤٨).","vol":"1","page":435},{"text":"الفصل الثالث مبطلات الاعتكاف\n• المبطل الأول: خروج المعتكف بجميع البدن بغير عذر\n• المبطل الثاني: الجماع\n• المبطل الثالث: إنزال المني\n• المبطل الرابع: الردة\n• المبطل الخامس: قطع نية الاعتكاف","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type='title' id=toc-308>الفصل الثالث مبطلات الاعتكاف</span>\n•<span data-type='title' id=toc-309> المبطل الأول: خروج المعتكف بجميع البدن بغير عذر من المسجد:</span>\nدل على ذلك حديث عائشة: «وكان لا يخرج إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفًا».\nويستثنى من ذلك: الخروج ببعض البدن: يجوز للمعتكف أن يخرج ببعض بدنه كيديه ورأسه، دل على ذلك حديث عائشة ﵂: «أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ، وَهِيَ حَائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ في المسْجِدِ وَهِيَ في حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ» (^١).\n• الخروج لأمر لابد منه، وفيه مسائل:\n\n•<span data-type='title' id=toc-310> المسألة الأولى: الخروج لقضاء الحاجة كالبول والغائط والقيء وغيرها.</span>\nقال ابن المنذر (^٢): أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلم عَلَى أَنَّ لِلمعْتَكِفِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مُعْتَكَفِهِ لِلْغَائِطِ وَالْبَوْلِ.\nوفي «الصحيحين» (^٣) عن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: «إن كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهْوَ في المسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةٍ إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا». وزاد في رواية لمسلم (^٤): «إِلاَّ لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ» والمراد بحاجة الإنسان: البول والغائط.\n\n•<span data-type='title' id=toc-311> المسألة الثانية: الخروج للغسل من الجنابة، والإتيان بالطعام والشراب وغيرهما ممن لابد منه:</span>\nقال ابن هبيرة: وأجمعوا على أنه يجوز للإنسان الخروج إلى ما لابد منه كحاجة الإنسان\n_________\n(^١) البخاري (٢٠٢٩)، ومسلم (٢٩٧).\n(^٢) «الإجماع» (ص ١٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠٢٩)، ومسلم [٧ - (٢٩٧)].\n(^٤) أخرجه مسلم (٦) (٢٩٧).","vol":"1","page":438},{"text":"والغسل من الجنابة (^١).\nودليل ذلك ما ورد في «الصحيحين» (^٢): عن علي بن الحسين: أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَزُورُهُ في اعْتِكَافِهِ في المسْجِدِ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا .... الحديث.\nووجه الدلالة منه: أن النبي ﷺ خرج من المسجد وهو معتكف ليقلب زوجته لما خاف عليها أن تسير وحدها ليلًا.\nقال ابن قدامة (^٣): ويخرج المعتكف من معتكفه للْبَوْل وَالْغَائِط، وَفِي مَعْنَاهُ الْحَاجَةُ إلَى المأْكُولِ وَالمشْرُوبِ، إذَا لم يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، وَإِنْ بَغَتْهُ الْقَيْء، فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِيَتَقَيَّأ خَارِجَ المسْجِدِ، وَكُلُّ مَا لَابُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ في المسْجِدِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ، وَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ مَا لم يُطِلْ. وَكَذَلِكَ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، مِثْلُ مَنْ يَعْتَكِفُ في مَسْجِدِ لَا جُمُعَةَ فِيهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى خُرُوجِهِ لِيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ، ويُلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَيْهَا، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا، وَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ. وَبِهَذَا قال أبو حنيفة.\nوقال بعض أهل العلم: إن الحاجة ليست مقتصرة على الخروج للبول والغائط، بل يدخل فيها كل ما يحتاج الخروج له، وهو ما يخاف من تركه ضررًا في دينه أو دنياه، فيدخل في ذلك الخروج لفعل واجب، وأداء شهادة تعينت عليه، وإطفاء حريق، ومرض شديد، وخوف على نفسه فتنة وقعت، وجهاد تعين، وشهود صلاة الجمعة، إذا كان المسجد الذى اعتكف فيه لا تقام فيه صلاة الجمعة.\n_________\n(^١) «الإفصاح» (١/ ١٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٤٦٦).","vol":"1","page":439},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-312> المسألة الثالثة: هل يجوز خروج المعتكف لقربة من القرب لعيادة المريض واتباع الجنائز؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\nالقول الأول: ذهب أبو حنيفة (^١) ومالك (^٢) والشافعي (^٣) ورواية عن أحمد (^٤) إلى أنه لا يخرج المعتكف من المسجد، كعيادة مريض، واتباع جنازة.\nواستدلوا لذلك بالمأثور: عن عمرة قالت: «كَانَتْ عَائِشَةُ في اعْتِكَافِهَا إِذَا خَرَجَتْ إِلَى بَيْتِهَا لِحَاجَتِهَا - تَمُرُّ بِالمرِيضِ، فَتَسْأَلُ عَنْهَ، وَهِيَ مُجْتَازَةٌ لَا تَقِفُ عَلَيْهِ» (^٥).\nوعن عروة بن الزبير قال: «المعتكف لا يجيب دعوة، ولا يعود مريضًا، ولا يتبع جنازة، ولا اعتكاف إلا بصيام، ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة» (^٦).\nوعن الزهري قال: «لا يخرج المعتكف إلا إلى ما لابد له منه، من غائط أو بول، ولا يتبع جنازة، ولا يعود مريضًا، ولا يجيب دعوة، ولا يمس امرأة ولا يباشرها» (^٧).\nوعن عطاء قال: «المعتكف لا يتبع جنازة، ولا يعود مريضًا» (^٨).\n_________\n(^١) قال أبو حنيفة «المبسوط» (١٢): لا يخرج المعتكف لعيادة المريض واتباع الجنازة.\n(^٢) قال مالك «الموطأ» (١/ ٣٣٢): لا يشهد الجنازة ولا يعود المريض.\n(^٣) وقال الشافعي «الأم» (٢/ ١٥٧): لَا يَعُودُ المرِيضَ وَلَا يَشْهَدُ الْجِنَازَةَ إذَا كان اعْتِكَافًا وَاجِبًا.\n(^٤) وقال أحمد كما في «المغني» (٤/ ٤٦٩، ٤٧٠): لا يعود المريض، ولا يشهد الجنازة، إذا لم يشترط ذلك قبل دخوله المعتكف.\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٨٠٥٥) عن معمر، عن الزهري، عن عمرة به، وأخرجه (٨٠٥٦) عن الثوري، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة. عن عائشة: (كانت تمر بالمريض من أهلها وهى مجتازة فلا تعرض له).\n(^٦) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٧٠٥٤) عن الثوري عن هشام بن عروة عن أبيه به.\n(^٧) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٨٠٥١) عن معمر عن الزهري به.\n(^٨) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٨٠٥٣) عن ابن جريج، عن عطاء به.","vol":"1","page":440},{"text":"القول الثانى: وهو قول على بن أبى طالب (^١)، والحسن البصرى، وسعيد بن جبير (^٢)، وأبي سلمة بن عبد الرحمن (^٣)، والشعبى (^٤) ورواية عن أحمد (^٥) قالوا: إنه يجوز للمعتكف الخروج من المسجد إلا لعيادة المريض، واتباع الجنائز.\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه لا يخرج المعتكف من المسجد، لعيادة مريض، ولا لاتباع جنازة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-313> المسألة الرابعة: يجوز للمعتكف قبل دخوله أن يشترط أن يخرج من المسجد لفعل شيء مباح:</span>\nودليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم (^٦) من حديث عائشة ﵂ قالت: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقال لَهَا: «لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ» قَالَتْ: وَاللَّهِ\nلَا أَجِدُنِي إِلاَّ وَجِعَةً! فَقال لَهَا: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي، قُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي».\nوجه الدلالة منه: أنه يجوز الاشتراط في الحج إذا حدث له عذر، أن يخرج وليس عليه شيء، ويقاس عليه الاعتكاف.\n_________\n(^١) أخرج ابن أبي شيبة (٣/ ٧٨) عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة عن عليّ قال: إِذَا اعْتَكَفَ الرَّجُلُ فَلْيَشْهَد الْجُمُعَةَ، وَلْيَعُد المرِيضَ، وَلْيَحْضَر الْجِنَازَةَ، وَلْيَأْتِ أَهْلَهُ، وَلْيَأْمُرْهُمْ بِالْحَاجَةِ وَهُوَ قَائِمٌ. قلت: وإسناده حسن.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ٧٨) عن على بن مسهر عن الشيبانى عن سعيد بن جبير قال: ليشهد (المعتكف) الجمعة، ويعود المريض، ويجيب الإمام.\n(^٣) أخرج عبد الرزاق (٨٠٥٧) عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن «أن المعتكف يعود المريض».\n(^٤) أخرج ابن أبي شيبة (٣/ ٨٨) عن ابْن فُضَيْلٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: يَخْرُجُ إلَى الْغَائِطِ، وَيَعُودُ المرِيضَ، وَيَأْتِي الْجُمُعَةَ، وَيَقُومُ عَلَى الْبَابِ.\n(^٥) قال ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٤٦٩، ٤٧٠): وفى رواية - قلت (محمد): أى عن الإمام أحمد - أنه يجوز للمعتكف أن يَشْهَدُ الْجِنَازَةَ، وَيَعُودُ المرِيضَ.\n(^٦) أخرجه البخاري (٥٠٨٩)، ومسلم (١٢٠٧).","vol":"1","page":441},{"text":"قال شيخ الإسلام (^١): فإذا كان الإحرام الذي هو ألزم العبادات بالشروع يجوز فيه المخالفة بالشرط، فالاعتكاف أَوْلي.\nوممن قال بجواز الاشتراط للمعتكف: عطاء بن أبي رباح، وإبراهيم النخعي، وقتادة (^٢).\nقال الشافعي (^٣): وَلَا بَأْسَ بِالاِشْتِرَاطِ في الاِعْتِكَافِ الْوَاجِبِ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: «إنْ عَرَضَ لي عَارِضٌ كان لي الْخُرُوجُ»\nوقيل لأحمد: تُجِيزُ الشَّرْطَ في الِاعْتِكَافِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت لَهُ: فَيَبِيتُ في أَهْلِهِ؟ فَقَالَ: إذَا كَانَ تَطَوُّعًا، جَازَ (^٤).\nقال ابن حزم: وَجَائِزٌ لِلمعْتَكِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ مَا شَاءَ مِنْ المبَاحِ وَالْخُرُوجِ لَهُ،؛ لأنه بِذَلِكَ إنَّمَا الْتَزَمَ الاِعْتِكَافَ في خِلَالِ مَا اسْتَثْنَاهُ، وَهَذَا مُبَاحٌ لَهُ، أَنْ يَعْتَكِفَ إذَا شَاءَ، وَيَتْرُكَ إذَا شَاءَ؛ لأنَّ الاِعْتِكَافَ طَاعَةٌ، وَتَرْكَهُ مُبَاحٌ، فَإِنْ أَطَاعَ أُجِرَ، وَإِنْ تَرَكَ لم يَقْضِ.\nقلت: كره الاشتراط في الاعتكاف مالك. قال: ولم أسمع أحدًا من أهل العلم يذكر في الاعتكاف شرطًا.\nالراجح: جواز الاشتراط في الاعتكاف؛ لأنه إذا كان يجوز الاشتراط في الحج، فالاشتراط في الاعتكاف أَوْلى بالجواز، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-314> المبطل الثاني: الجماع:</span> وفيه مباحث:\n•<span data-type='title' id=toc-315> المبحث الأول: إذا جامع المعتكف زوجته بطل اعتكافه.</span>\nقال تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾.\nقال قتادة في تأويل هذه الآية: كَانَ النَّاسُ إِذَا اعْتَكَفُوا يَخْرُجُ الرَّجُلُ فَيُبَاشِرُ أَهْلَهُ ثُمَّ\n_________\n(^١) كتاب «الصيام شرح العمدة» (٢/ ٨٠٩).\n(^٢) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ٨٩)، وعبد الرزاق (٨٠٤٢، ٨٠٤٣، ٨٠٤٥، ٨٠٤٦، ٨٠٤٧) بأسانيد بعضها حسنة وبعضها صحيحة.\n(^٣) انظر: «الأم» (/ ١٥٧).\n(^٤) انظر: «المغني» (٤/ ٤٧١).","vol":"1","page":442},{"text":"يَرْجِعُ إِلَى المسْجِدِ، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ (^١).\nقال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من جامع امرأته وهو معتكف عامدًا لذلك في فرجها أنه مفسد لاعتكافه (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-316> المبحث الثاني: مباشرة الزوجة:</span> وفيه مطلبان:\n•<span data-type='title' id=toc-317> المطلب الأول: إذا باشر المعتكف زوجته فإن كان لغير شهوة كاللمس باليد وغيره:</span> فهذا جائز؛ لما في «الصحيحين»، عن عائشة ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حَائِضٌ وَهْوَ مُعْتَكِفٌ في المسْجِدِ وَهْيَ في حُجْرَتِهَا يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ (^٣).\n•<span data-type='title' id=toc-318> المطلب الثاني: إذا باشر المعتكف زوجته بشهوة حرم عليه ذلك؛ لمنافاة ذلك للاعتكاف</span>؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾، وعن عائشة أن النبي ﷺ كَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ.\nو<span data-type='title' id=toc-319>هل يبطل مباشرة المعتكف زوجته بشهوة؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يبطل اعتكافه إلا بالإنزال (^٤).\nوذهب المالكية إلى أنه يبطل اعتكافه مطلقًا (^٥).\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أي أنه لا يبطل اعتكاف من باشر بشهوة إلا بالإنزال كالصوم (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (٣/ ٥٤١). وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (١/ ٨٨) عن معمر عن قتادة.\n(^٢) «الإجماع» (ص ٥٤)، وقد نقل الإجماع على ذلك ابن حزم «مراتب الإجماع» (ص ٤٧)، وابن هبيرة كما في «الإفصاح» (١/ ٢٥٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠٤٦)، ومسلم (٦/ ٢٩٧).\n(^٤) «أحكام القرآن» للجصاص (١/ ٢٤٦)، و«الأم» (٢/ ١٠٦)، و«المدونة مع المقدمات» (٢/ ١٩٧)، و«الكافي» لابن قدامة (١/ ٣٧٣)، و«المجموع» (٦/ ٥٢٧) قال أبو حنيفة: إذا باشر المعتكف زوجته في غير الفرج فأنزل المني؛ فقد فسد اعتكافه، وهذا قول الإمام أحمد أيضًا.\n(^٥) قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ، أَنْ يَمَسَّ امْرَأَتَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، وَلَا يَتَلَذَّذَ مِنْهَا بِقُبْلَةٍ وَلَا غَيْرِهَا «الموطأ» (٣٣٨)\n(^٦) قال الطبري (تفسيره) (٢/ ١٨٧): وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ\nالْجِمَاعُ أَوْ مَا قَامَ مَقَامَ الْجِمَاعِ مِمَّا أَوْجَبَ غُسْلًا إِيجَابَهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا قَوْلَ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَحَدُ قَوْلَيْنِ: أَمَّا مَنْ جَعَلَ حُكْمَ الْآيَةِ عَامًّا، أَوْ جَعَلَ حُكْمَهَا فِي خَاصٍّ مِنْ مَعَانِي المبَاشَرَةِ. وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ نِسَاءَهُ كُنَّ يُرَجِّلْنَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَلما صح ذَلِكَ عَنْهُ، عُلم أَنَّ الَّذِي عُنِيَ بِهِ مِنْ مَعَانِي المبَاشَرَةِ الْبَعْضُ دُونَ الْجَمِيعِ … فَإِذَا كَانَ صَحِيحًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا ذَكَرْنَا مِنْ غَسْلِ عَائِشَةَ رَأْسَهُ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَمَعْلُومٌ أَنَّ المرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] غَيْرُ جَمِيعِ مَا لَزِمَهُ اسْمُ المبَاشَرَةِ، وَأَنَّهُ مَعْنِيُّ بِهِ الْبَعْضُ مِنْ مَعَانِي المبَاشَرَةِ دُونَ الْجَمِيعِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ مُجْمَعًا عَلَى أَنَّ الْجِمَاعَ مِمَّا عُنِيَ بِهِ، كَانَ وَاجِبًا تَحْرِيمُ الْجِمَاعِ عَلَى المعْتَكِفِ وَمَا أَشْبَهَهُ.","vol":"1","page":443},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-320> المبطل الثالث: إنزال المني:</span> وفيه مطالب:\n•<span data-type='title' id=toc-321> المطلب الأول: إنزاله باحتلام:</span>\nإذا احتلم المعتكف في منامه لم يفسد اعتكافه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-322> المطلب الثاني: إنزال المني بالفكر:</span>\nإذا فكر المعتكف في الجماع فأنزل، لم يفسد اعتكافه في قول جمهور العلماء (^٢).\nلما ورد في «الصحيحين» (^٣) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ ﷿ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لم تَعْمَلْ، أَوْ تَكَلم بِهِ».\n\n•<span data-type='title' id=toc-323> المطلب الثالث: إذا استمنى المعتكف فأمنى، بطل اعتكافه.</span>\n•<span data-type='title' id=toc-324> المبطل الرابع: الردة:</span>\nإذا ارتد المعتكف بطل اعتكافه (^٤) لعموم قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾\n[الزمر: ٦٥].\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (٢/ ١١٦)، و«جواهر الإكليل» (٢/ ٤٥٦)، و«روضة الطالبين» (٢/ ٣٩٢).\n(^٢) «تبيين الحقائق» (١/ ٣٥٢)، و«روضة الطالبين» (٢/ ٣٩٢).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٥٢٨)، ومسلم (١٢٧).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (٢/ ١١٦)، و«القوانين الفقهية» (ص ١٨٥)، و«الأم» (٢/ ١٠٦)، و«الشرح الكبير» (٣/ ١٤٥)، و«المبدع» (٣/ ٧٦)، و«الإنصاف» (٣/ ٣٨٣).","vol":"1","page":444},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-325> المبطل الخامس: قطع نية الاعتكاف:</span>\nمن نوى قطع الاعتكاف انقطع اعتكافه:\nلعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».\nالحاصل في مبطلات الاعتكاف:\nالمبطل الأول: خروج المعتكف من المسجد بغير عذر.\nويستثنى من ذلك: الخروج للبول والغائط، والخروج للإتيان بالطعام والشراب إذا لم يكن له من يأتيه به، وكذا إن بغته القيء فله أن يخرج ليتقيأ خارج المسجد، وكل ما لابد منه ولم يكن له فعله في المسجد.\nالمبطل الثاني: إذا جامع المعتكف زوجته بطل اعتكافه بالإجماع:\nالمبطل الثالث: إذا باشر المعتكف زوجته فأنزل، أو استمنى بيده فأمنى بطل اعتكافه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ في المسَاجِدِ﴾.\nالمبطل الرابع: إذا ارتد المعتكف بطل اعتكافه؛ لأن الكافر لا تُقبل منه صلاة ولا اعتكاف ولا غيره؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾.\nالمبطل الخامس: من نوى قطع الاعتكاف انقطع اعتكافه؛ لعموم قوله ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ».\n* * *","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-326>الفصل الرابع ما يباح للمعتكف</span>\n١ - يباح للمعتكف الأكل والشرب في المسجد بالإجماع.\n٢ - يباح للمعتكف النوم في المسجد بالاتفاق.\n٣ - يباح للمعتكف لبس الثياب الحسنة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.\n٤ - يباح للمعتكف أن يلزم مكانًا في المسجد، دل على ذلك حديث عائشة: أن النبي ﷺ كان إذا صلى الفجر دخل معتكفه.\n٥ - يباح للمعتكف أخذ سنن الفطرة في المسجد مع المحافظة عليه وعدم تلويثه.\n٦ - يباح للمعتكف الصلاة على الجنازة وعيادة المريض إذا كان ذلك في المسجد ولا يخرج منه.\n٧ - يباح للمعتكف غسل رأسه وتسريحه؛ فعن عائشة: أنها كانت ترجل النبي ﷺ وهي حائض وهو معتكف في المسجد.\n٨ - يباح للمرأة زيارة زوجها المعتكف؛ ففي «الصحيحين» (^١) عن عَلِيّ بْن الحُسَيْنِ: أَنَّ صَفِيَّةَ - زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَزُورُهُ في اعْتِكَافِهِ في المسْجِدِ في العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا.\n٩ - يباح للمعتكف أن يشحن هاتفه النقال من كهرباء المسجد؛ لأن هذا استخدام للوقف فيما وُضع له، ولحاجة المعتكف إلى ذلك، إذ هو ممنوع من الخروج، وحديثه في الهاتف النقال بقدر الحاجة يغنيه عن ذلك، وقياسًا على الإفادة من آلات التبريد والإنارة في المسجد (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥).\n(^٢) انظر: «أحكام الاعتكاف» (ص ٢٦٤).","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type='title' id=toc-327>الفصل الخامس ما ينهى عنه المعتكف وقضاء الاعتكاف عنه</span>\nينهى المعتكف عن البيع والشراء في المسجد:\nلا يجوز للمعتكف البيع والشراء في المسجد؛ لما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: نهى رسول الله ﷺ عن الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ في المسْجِدِ (^١).\nقال مالك: يشترى ويبيع إذا كان خفيفًا (^٢).\nقال الشافعي: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِيَ، وَيَخِيطَ، وَيَتَحَدَّثَ، مَا لم يَكُنْ مَأْثَمًا (^٣).\nقال أحمد: المعْتَكِفُ لَا يَبِيعُ وَلَا يَشْتَرِي إلَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، طَعَامٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَأَمَّا التِّجَارَةُ وَالْأَخْذُ وَالْعَطَاءُ فَلَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.\nقال ابن المنذر: عندي لا يبيع ولا يشترى إلا ما لابد منه، إذا ما لم يكن له من يكفيه ذلك، فأما سائر التجارات، فإن فعلها في المسجد كُره، وإن خرج لها بطل اعتكافه، وإن خرج لقضاء حاجة الإنسان، فباع واشترى في مروره لم يُكره.\nوالراجح أن المعتكف لا يتشاغل بالبيع والشراء؛ لأن الاعتكاف قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، ولكن يشترى ما لابد منه، كشراء الأكل والشرب من\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه أحمد (٢/ ١٧٩)، وغيره، وقد توسعت في تخريجه في كتاب صور من البيوع المحرمة والمختلف فيها (ص ١٩٩).\n(^٢) انظر: «المدونة» (ص ١٩٩).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٤٧٩).","vol":"1","page":447},{"text":"خارج المسجد إذا لم يكن له من يأتي به.\nدل على ذلك قوله تعالى: ﴿في بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾.\nوعموم قول النبي ﷺ: «إِنَّ هَذِهِ المسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ ﷿، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» (^١).\nولحديث عبد الله بن عمرو قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ في المسْجِدِ.\nقضاء الاعتكاف الواجب على الميت من نذر وغيره\nيستحب للولي أن يقضي عن الميت الاعتكاف الواجب، قياسًا على الصيام، دل على ذلك ما في «الصحيحين» من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «من مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ» (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٨٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧).","vol":"1","page":448},{"text":"<span data-type='title' id=toc-328>الفصل السادس ليلة القدر</span>\n•<span data-type='title' id=toc-329> فضل ليلة القدر:</span>\nقال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾.\nقال القرطبى: أي: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.\nوفي «الصحيحين» (^١): قال النبي ﷺ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».\n\n•<span data-type='title' id=toc-330> الأحاديث الواردة في تعيين ليلة القدر:</span>\n١ - ورد أنها في العشر الأواخر من رمضان:\nعن عائشة ﵂ قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُجَاوِرُ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَيَقُولُ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (^٢).\n٢ - ورد أنها في الوتر من العشر الأواخر: عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (^٣).\n٣ - ورد أنها في السبع الأواخر من رمضان: عن ابن عمر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ في السَّبْعِ الأَوَاخِرِ» (^٤).\n٤ - ورد أنها في ليلة سبع وعشرين: عن أبى ذر ﵁ قال: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَمَضَانَ، فَلم يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنْهُ، حَتَّى بَقِيَ سَبْعُ لَيَالٍ، فَقَامَ بِنَا لَيْلَةَ السَّابِعَةِ، حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثُمَّ كَانَتِ اللَّيْلَةُ السَّادِسَةُ الَّتِي تَلِيهَا، فَلم يَقُمْهَا، حَتَّى كَانَتِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٠١٤)، ومسلم (١١٦٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٠٢٠)، ومسلم (٢١٩)، (١١٦٩).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠٢٧)، ومسلم (١١٦٧).\n(^٤) أخرجه مسلم (٢٢٠٦)، (١١٦٥).","vol":"1","page":449},{"text":"الْخَامِسَةُ الَّتِي تَلِيهَا، ثُمَّ قَامَ بِنَا، حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا هَذِهِ، فَقَالَ: «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، فَإِنَّهُ يَعْدِلُ قِيَامَ لَيْلَةٍ»، ثُمَّ كَانَتِ الرَّابِعَةُ الَّتِي تَلِيهَا، فَلم يَقُمْهَا، حَتَّى كَانَتِ الثَّالِثَةُ الَّتِي تَلِيهَا.\nقَالَ: فَجَمَعَ نِسَاءَهُ وَأَهْلَهُ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ. قَالَ: فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ، قِيلَ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السُّحُورُ (^١).\nعَنْ عَبْدَةَ وَعَاصِمِ بْنِ أَبِى النَّجُودِ سَمِعَا زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ يَقُولُ: سَأَلْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁ فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ.\nفَقال ﵀: أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلم أَنَّهَا في رَمَضَانَ وَأَنَّهَا في الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِى أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَقُلْتُ: بِأَىِّ شَىْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا المنْذِرِ؟ قال: بِالْعَلَامَةِ أَوْ بِالآيَةِ الَّتِى أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهَا تَطْلُعُ يومئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا (^٢).\n٥ - ورد أنها ليلة إحدى وعشرين: عن عبادة بن الصامت قال: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المسْلمينَ فَقال: «خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا في التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ» (^٣).\n٦ - ورد أنها ليلة ثلاث وعشرين: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال «أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِى صُبْحَهَا أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ». قال: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَانْصَرَفَ وَإِنَّ أَثَرَ الماءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ.\n_________\n(^١) صحيح: أخرجه أحمد (٥/ ١٦٣)، وأبو داود (١٣٧٥)، والنسائي (٣/ ٨٣)، والترمذي (٨٠٦)، وابن ماجه (١٣٢٧)، وعبد الرزاق (٧٧٠٦)، وغيرهم من طرق: عن داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن جبير بن نفير، عن أبي ذر به.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٢٠) (٧٦٢) كتاب الصيام.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٠٢٣).","vol":"1","page":450},{"text":"قال: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ يَقُولُ: ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ. (^١).\n٧ - ورد أنها في ليلة أربع وعشرين:\nعن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال «الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ أربع وَعِشْرِينَ» (^٢).\nقال ابن المنذر: يتحراها مع ذلك في الوتر من ليالى العشر، وفى ليلة سبع وعشرين خاصة، وأحوط الأمر أن لا يغفل عن إحياء الليالى العشر، رجاءً أن لا تفوته؛ لأن النبي ﷺ عَظَّم من أمرها فقال «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» قولًا عامًّا، يُرْجَى دخول جميع الذنوب كبيرها وصغيرها في ذلك.\nقال المباركفورى (^٣): وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال «اِلْتَمِسُوهَا في الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ في كُلِّ وِتْرٍ»؛ فَالْأَرْجَحُ وَالْأَقْوَى أَنَّ كَوْنَ لَيْلَةِ الْقَدْرِ مُنْحَصِرَة في رَمَضَان في الْعَشْرِ الْأَخِيرِة مِنْهُ ثُمَّ في أَوْتَارِهِ لَا في لَيْلَةٍ مِنْهُ بِعَيْنِهَا.\nقال الحافظ ابن حجر: وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَجْمُوعُ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِيهَا. وَقَالَ: قَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلماءُ في لَيْلَةِ الْقَدْرِ اِخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَتَحَصَّلَ لَنَا مِنْ مَذَاهِبِهِمْ في ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ قَوْلًا، ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الْأقوالٍ ثُمَّ قَالَ: وَأَرْجَحُهَا كُلِّهَا أَنَّهَا في وِتْرٍ مِنْ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ، وَأَنَّهَا تَنْتَقِلُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ، وَأَرْجَاهَا أَوْتَارُ الْعَشْرِ، وَأَرْجَى أَوْتَارِ الْعَشْرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٌ وَعِشْرِينَ، وَأَرْجَاهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَيْلَةُ سَبْع وَعِشْرِينَ.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢١٨)، (١١٦٨).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن نصر في «قيام رمضان» (٢٦٢)، عن إسحاق، عن عبد الوهاب الثقفى، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا. وقال البخاري في «صحيحه» (٢٠٢٢): وعن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس: «الْتَمِسُوا فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ» يعنى ليلة القدر.\n(^٣) «تحفة الأحوذي» (٣/ ٥٠٥).","vol":"1","page":451},{"text":"الباب الخامس زكاة الفطر\nوفيه تمهيد وفصول\n• التمهيد: وفيه مباحث:\n• المبحث الأول: لماذا سميت بصدقة الفطر\n• المبحث الثاني: ما الحكمة من مشروعية صدقة الفطر؟\n• المبحث الثالث: حكم زكاة الفطر","vol":"1","page":452},{"text":"<span data-type='title' id=toc-331>الباب الخامس زكاة الفطر</span>\nزكاة الفطر\n\n<span data-type='title' id=toc-332>التمهيد:</span> وفيه مباحث:\n<span data-type='title' id=toc-333>المبحث الأول: لماذا سُميت بصدقة الفطر؟</span>\nسميت بصدقة الفطر لأنها تجب بالفطر من رمضان.\nقال ابن حجر (^١): وَأُضِيفَتْ الصَّدَقَةُ لِلْفِطْرِ لِكَوْنِهَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ. وَقَالَ اِبْنُ قُتَيْبَةَ: المرَادُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ صَدَقَةُ النُّفُوسِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الْخِلْقَةِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-334> المبحث الثاني: ما الحكمة من مشروعية صدقة الفطر؟</span>\n• الحكمة من صدقة الفطر: طهرة للصائم من اللغو والرفث (^٢)، وطعمة للمساكين (^٣).\nعن ابن عباس ﴿قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلمسَاكِينِ».\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٣/ ٤٣٠).\n(^٢) فإن الصائم قد يعتريه في صيامه شيء من الخلل، وارتكاب بعض المكروهات ونحوها، فيحتاج إلى ما يطهر صيامه، فجُعلت هذه الصدقة طهرة للصائم من اللغو والرفث ونحوهما.\n(^٣) ذلك أن يوم العيد يوم يفرح به الناس؛ لإتمام صيامهم، فيظهرون فيه السرور والشكر والاعتراف للرب بالامتنان. ولما كان في الأمة فقراء وذوو حاجة شرع الله جل وعلا زكاة الفطر، حتى لا يُعرَّضون في مثل هذا اليوم للذل والإهانة.","vol":"1","page":453},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-335> المبحث الثالث: حكم زكاة الفطر:</span>\nذهب جمهور العلماء من السلف والخلف إلى أن زكاة الفطر فرض؛ لقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾ ولقول ابن عمر ﴿: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ …» (^١).\nومعنى فرض: ألزم وأوجب: فزكاة الفطر فرض واجب (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤).\n(^٢) «شرح مسلم» (٧/ ٤٩)، و«بداية المجتهد» (١/ ١٧٨). قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن صدقة الفطر فرض. قال ابن حجر «فتح الباري» (٤/ ٤٣٠): فَقَدْ نَقَلَ اِبْنُ المنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ، لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَقُولُونَ بِالْوُجُوبِ دُونَ الْفَرْضِ عَلَى قَاعِدَتِهِمْ فِي التَّفْرِقَةِ. وَفِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ مَعَ ذَلِكَ نَظَرٌ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ عُلَيَّةَ وَأَبَا بَكْرِ بْنَ كَيْسَانَ الْأَصَمَّ قَالَا: إِنَّ وُجُوبَهَا نُسِخَ.\nوَاسْتُدِلَّ لَهُمَا بِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ، فَلما نَزَلَتِ الزَّكَاةُ لم يَأْمُرْنَا وَلم يَنْهَنَا وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ»\nوَتُعُقِّبَ بِأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ رَاوِيًا مَجْهُولًا، وَعَلَى تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى النَّسْخِ لِاحْتِمَالِ الِاكْتِفَاءِ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ نُزُولَ فَرْضٍ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ فَرْضٍ آخَرَ.\nقال ابن حزم «المحلى» (٦/ ١٣٧): وَذَكَرُوا خَبَرًا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ …» الحديث.\nوَهَذَا الْخَبَرُ حُجَّةٌ لَنَا عَلَيْهِمْ لأَنَّ فِيهِ أَمْرَ رَسُولُ اللَّه ﷺ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ، فَصَارَ أَمْرًا مُفْتَرَضًا ثُمَّ لم يَنْهَ عَنْهُ، فَبَقِيَ فَرْضًا كَمَا كَانَ.\nقلت: وقد توسعت في هذا البحث في كتابي «الجامع لأحكام الزكاة (ص ٥٦٤ - ٥٦٦).","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type='title' id=toc-336>الفصل الأول</span>\n• وفيه مباحث:\n• المبحث الأول: على من تجب زكاة الفطر؟\n• المبحث الثاني: زكاة فطر المرأة\n• المبحث الثالث: زكاة فطر الصغير\n• المبحث الرابع: هل على الجنين زكاة فطر؟\n• المبحث الخامس: هل الدين يمنع الزكاة؟\n• المبحث السادس: المقدار الواجب في صدقة الفطر\n• المبحث السابع: هل يشترط النصاب لوجوب زكاة الفطر؟\n• المبحث الثامن: ما مقدار الصاع؟\n• المبحث التاسع: من أي الأصناف تخرج زكاة الفطر؟\n• المبحث العاشر: هل يجوز أن يخرج بدلًا من البر والشعير دقيقًا أو سويقًا؟\n• المبحث الحادي عشر: هل يعتبر غالب قوت بلده أو غالب قوته في نفسه؟\n• المبحث الثاني عشر: هل يجوز إخراج زكاة الفطر نقودًا؟\n• المبحث الثالث عشر: متى تجب زكاة الفطر؟\n• المبحث الرابع عشر: هل يجوز تقديم زكاة الفطر؟\n• المبحث الخامس عشر: هل يجوز تأخير صدقة الفطر بعد صلاة العيد؟\n• المبحث السادس عشر: هل يجوز تأخير زكاة الفطر بعد يوم العيد؟\n• المبحث السابع عشر: مصارف صدقة الفطر","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type='title' id=toc-337>المبحث الأول: على من تجب زكاة الفطر؟</span>\nتجب زكاة الفطر على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين.\nروى البخاري ومسلم (^١)، عن ابن عمر ﴿قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ المسْلمينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ».\n\n<span data-type='title' id=toc-338>المبحث الثاني: زكاة فطر المرأة</span>\nلابد أن نفرق بين حالتين:\n• الحالة الأولى: على من تجب زكاة فطر المرأة قبل الزواج؟\nقال ابن المنذر (^٢): وأجمعوا على أن المرأة قبل أن تُنكح تُخرج زكاة الفطر عن نفسها.\nقلت: وذلك إذا كان عندها مال خاص بها، وإلا فيخرجها الأب، والله أعلم.\n• الحالة الثانية: هل تجب على الزوجة زكاة الفطر عن نفسها، أم تجب على زوجها تبعًا للنفقة؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: قال أبو حنيفة والثوري وابن المنذر: يجب على الزوجة إخراج زكاة الفطر عن نفسها، ولا يجب على الرجل إخراج زكاة الفطر عن امرأته (^٣).\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين (^٤)، عن ابن عمر ﴿: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ\n_________\n(^١) البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤).\n(^٢) «الإجماع» (١١٠).\n(^٣) انظر «نيل الأوطار» (٤/ ٢١٤).\n(^٤) البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤).","vol":"1","page":456},{"text":"زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ المسْلمينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ.\nوجه الدلالة منه ما قاله الشوكاني: قَوْلُهُ: (الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى) ظَاهِرُهُ وُجُوبُهَا عَلَى المرْأَةِ، سَوَاءً كَانَ زَوْجٌ أَوْ لَا (^١).\n• القول الثاني: قال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق: تجب زكاة فطر المرأة على زوجها تبعًا للنفقة.\nواستدلوا بحديث ابن عمر ﴿أن النبي ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى الْحُرِّ وَالْعَبْدِ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى عمَّنْ تَمُونُونَ (^٢).\nواعترض عليه بما قاله ابن التركماني (^٣): الحديث الذي فيه (ممَّن تمونون) لا يخلو من ضعف كما بينه البيهقي.\nوقوله ﷺ في صحيح البخاري: «على الذكر والأنثى». من حديث ابن عمر - دليل على سقوط صدقة الزوجة عن الزوج ووجوبها عليها، فلا تسقط عنها إلا بدليل، ولأنه يلزمها الإخراج عن عبيدها، فلأن يلزمها عن نفسها أَوْلى، ويلزم الشافعي الإخراج عن أجيره ورقيقه الكافر لأنه يمونهما.\nقال ابن حزم (^٤): وَلَيْسَ عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يُخْرِجَهَا عَنْ أَبِيهِ، وَلا عَنْ أُمِّهِ، وَلا عَنْ زَوْجَتِهِ، وَلا عَنْ وَلَدِهِ، وَلا أَحَدٍ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. وذكر قولَه تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]\nواستدل بحديث البخاري (الذكر والأنثى).\n_________\n(^١) «نيل الأوطار» (٤/ ٢١٤).\n(^٢) الشطر الأول من الحديث أخرجه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر، والشطر الثاني «ممَّن تمونون» ضعيف. أخرجه الدارقطني «السنن» (٢/ ١٤٠)، وقد توسعت في تخريجه في «الجامع لأحكام الزكاة» (ص ٥٦٨ - ٥٦٩).\n(^٣) «الجوهر النقي» (٤/ ١٦٠).\n(^٤) «المحلى» (٦/ ١٣٧).","vol":"1","page":457},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-339> المبحث الثالث: زكاة فطر الصغير:</span>\nلابد أن نفرق بين حالتين:\n• الحالة الأولى: الأطفال الذين لا أموال لهم لا تجب عليهم زكاة الفطر بالإجماع، إنما تجب على الأب.\nقال ابن المنذر (^١): وأجمعوا على أن صدقة الفطر تجب على المرء إذا أمكنه أداؤها عن نفسه وأولاده الأطفال الذين لا أموال لهم.\n• الحالة الثانية: هل تجب زكاة الفطر على الأطفال الذين لهم أموال؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\n• القول الأول: قال ابن رشد (^٢): «وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَى المرْءِ في أَوْلَادِهِ الصِّغَارِ إِذَا كَانَ لَهُمْ مَالٌ زَكَاةُ فِطْرٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ».\nحجة الجمهور: روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﴿: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى.\nوجه الدلالة منه: ما قاله الشوكاني (^٣): قَوْلُهُ: (الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ) وُجُوبُ فِطْرَةِ الصَّغِيرِ في مَالِهِ، وَالمخَاطَبُ بِإِخْرَاجِهَا وَلِيُّهُ إنْ كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ، وَإِلَّا وَجَبَتْ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ.\n• القول الثاني: قال ابن رشد: قال الحسن: هي على الأب، وإن أعطاها من مال الابن فهو ضامن (^٤).\nقال محمد بن الحسن: هي على الأب مطلقًا، فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه (^٥).\n_________\n(^١) «الإجماع» (١٠٧).\n(^٢) «بداية المجتهد» (١/ ٢٧٩).\n(^٣) «نيل الأوطار» (٤/ ٢١٤).\n(^٤) «بداية المجتهد» (١/ ٢٧٩).\n(^٥) «فتح الباري» (٣/ ٤٣٢).","vol":"1","page":458},{"text":"• القول الثالث: لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ صَامَ، قاله سَعِيد بْن المسَيِّبِ وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ.\nواستدل لهذا القول بحديث ابن عباس ﴿: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلمسَاكِينِ.\nوجه الدلالة منه: (طهرة للصائم) والصغير لا يجب عليه صيام فلا تجب عليه زكاة فطر.\nواعترض عليه بما قاله ابن حجر (^١): وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذِكْرَ التَّطْهِيرِ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ، كَمَا أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لم يُذْنِبْ كَمُتَحَقِّقِ الصَّلَاحِ، أَوْ مَنْ أَسْلم قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِلَحْظَةٍ.\nوالراجح: أنه لا يجب على المرء في أولاده الصغار زكاة الفطر إذا كان لهم مال، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-340> المبحث الرابع: هل على الجنين زكاة فطر؟</span>\nقال ابن المنذر (^٢): وأجمعوا على أن لا زكاة على الجنين في بطن أمه، وانفرد ابن حنبل فكان يحبه ولا يوجبه.\nقلت: وهذا الإجماع منخرم؛ فقد ورد عن الإمام أحمد في رواية أن زكاة الفطر تجب على الجنين (^٣).\nقلت: وكذا ذهب ابن حزم إلى الوجوب (^٤).\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور والمعقول:\nأما دليلهم من السنة: فعن ابن عمر ﴿قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر على الصغير والكبير …».\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٣/ ٤٣٢).\n(^٢) «الإجماع» (١١١).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٣١٦) قال ابن قدامة: وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، تَصِحُّ\nالْوَصِيَّةُ لَهُ، وَبِهِ وَيَرِثُ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَيُقَاسُ عَلَى الموْلُودِ.\n(^٤) «المحلى» (٦/ ١٣٢) قال ابن حزم: وَأَمَّا الْحَمْلُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَوْجَبَهَا عَلَى كُلِّ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، وَالْجَنِينُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَغِيرٍ، فَإِذَا أَكْمَلَ مِائَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ قَبْلَ انْصِدَاعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَجَبَ أَنْ تُؤَدَّى عَنْهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ.","vol":"1","page":459},{"text":"وجه الدلالة منه: أن الجنين يقع عليه اسم صغير.\nواعترض عليه بأن الجنين غير الصغير، وإذا أُطلق الصغير فإنما يطلق على المولود.\nأمادليلهم من المأثور: فعن بكر بن عبد الله المزني وقتادة: أن عثمان كان يعطي زكاة الفطر عن الصغير والكبير والحمل (^١).\nوالراجح والله أعلم: هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أنه لا تجب الزكاة على الجنين في بطن أمه، وإن أخرجها على وجه الاستحباب فَحَسَن.\nقال ابن قدامة (^٢): وَمَنْ أَخْرَجَ عَنِ الْجَنِينِ فَحَسَنٌ لِأَنَّهَا صَدَقَةٌ عَمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، فَكَانَتْ مُسْتَحَبَّةً كَسَائِرِ صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-341> المبحث الخامس: هل الدَّين يمنع الزكاة؟</span>\nإذا كان دينًا مؤجلًا لم يمنع الزكاة وإذا كان دينًا حالًّا يمنع الزكاة.\nقال ابن قدامة: وَمَنْ كَانَ في يَدِهِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِثْلُهُ، لَزِمَهُ أَنْ يُخْرِجَ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِالدَّيْنِ، فَعَلَيْهِ قَضَاءُ الدَّيْنِ وَلَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، إنَّمَا لم يَمْنَعِ الدَّيْنُ الْفِطْرَةَ؛ لِأَنَّهَا آكَدُ وُجُوبًا بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْفَقِيرِ، وَشُمُولِهَا لِكُلِّ مُسْلم قَدَرَ عَلَى إخْرَاجِهَا، وَوُجُوبِ تَحَمُّلِهَا عَمَّنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِقَدْرٍ مِنْ المالِ فَجَرَتْ مَجْرَى النَّفَقَةِ، وَلِأَنَّ زَكَاةَ المالِ تَجِبُ بِالملْكِ، وَالدَّيْنُ يُؤَثِّرُ في الملْكِ، فَأَثَّرَ فِيهَا، وَهَذِهِ تَجِبُ عَلَى الْبَدَنِ، وَالدَّيْنُ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، وَتَسْقُطُ الْفِطْرَةُ عِنْدَ المطَالَبَةِ بِالدَّيْنِ\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه ابن حزم «المحلى» (٦/ ١٣٢) قال: روينا من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا أبي ثنا المعتمر بن سليمان التيمي عن حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني وقتادة.\nوبكر بن عبد الله المزني، قال أبو حاتم: روايته عن أبي ذر مرسلة. قال ابن معين: لم يسمع بكر من المغيرة. وبكر بن عبد الله المزني مات سنة (١٠٦ هـ)، ومات عثمان سنة (٣٥ هـ) فلا يظن أنه أدركه، والله أعلم.\nومن طريق عبد الرزاق عن مالك عن رجل عن سليمان بن يسار أنه سئل عن الحمل: أيزكى عنه؟ قال: نعم.\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣١٦).","vol":"1","page":460},{"text":"لِوُجُوبِ أَدَائِهِ عِنْدَ المطَالَبَةِ، وَتَأَكُّدِهِ بِكَوْنِهِ حَقَّ آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ لَا يَسْقُطُ بِالْإِعْسَارِ، وَكَوْنُهُ أَسْبَقَ سَبَبًا وَأَقْدَمَ وُجُوبًا يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ غَيْرَ الْفِطْرَةِ، وَإِنْ لم يُطَالَبْ بِهِ؛ لِأَنَّ تَأْثِيرَ المطَالَبَةِ إنَّمَا هُوَ في إلْزَامِ الْأَدَاءِ وَتَحْرِيمِ التَّأْخِيرِ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-342> المبحث السادس: المقدار الواجب في صدقة الفطر:</span>\n• إخراج صاع من كل الأصناف بالإجماع عدا الحنطة والزبيب، فمختلف فيهما:\nقال النووي (^٢): فأما إن كان غير حنطة وزبيب، وجب صاع بالإجماع.\nقال ابن رشد (^٣): فإن العلماء اتفقوا على أنه لا يؤدي في زكاة الفطر من التمر والشعير أقل من صاع؛ لثبوت ذلك في حديث ابن عمر.\nالمقدار الواجب في الحنطة والزبيب:\nاختلف أهل العلم في المقدار الواجب في الحنطة والزبيب على قولين:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجزئ من الحنطة والزبيب أقل من صاع، وإليه ذهب مالك والشافعي وأحمد (^٤).\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين من حديث ابن عمر ﴿أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنَ المسْلمينَ.\nوجه الدلالة منه: ما قاله الحافظ ابن حجر (^٥): وَكَأَنَّ الْأَشْيَاءَ الَّتِي ثَبَتَ ذِكْرُهَا في حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ لما كَانَتْ مُتَسَاوِيَةً في مِقْدَارِ مَا يُخْرَجُ مِنْهَا مَعَ مَا يُخَالِفُهَا في الْقِيمَةِ - دَلَّ عَلَى أَنَّ المرَادَ إِخْرَاجُ هَذَا المقْدَارِ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ كَانَ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا. هَذِهِ حُجَّةُ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ.\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٣١٦).\n(^٢) «شرح صحيح مسلم» (٣/ ٤١٧).\n(^٣) «بداية المجتهد» (١/ ٢٨١).\n(^٤) «المغني» (٤/ ٢٨٥).\n(^٥) «فتح الباري» (٤/ ٤٣٧).","vol":"1","page":461},{"text":"وَأَمَّا مَنْ جَعَلَهُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْهَا بَدَلَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ فَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ بِالِاجْتِهَادِ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى أَنَّ قِيَمَ مَا عَدَا الْحِنْطَةَ مُتَسَاوِيَةٌ، وَكَانَتْ الْحِنْطَةُ إِذْ ذَاكَ غَالِيَةَ الثَّمَنِ، لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنْ تُعْتَبَرَ الْقِيمَةُ في كُلِّ زَمَانٍ فَيَخْتَلِفُ الْحَالُ وَلَا يَنْضَبِطُ.\n• القول الآخر: ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يجزئ من البُر نصف صاع (^١).\nواستدلوا لذلك بأدلة، منها:\nالدليل الأول: عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير العُذْري: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ فَقَالَ: «أَدُّوا صَاعًا مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ» (^٢).\nواعترض عليه: بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nالدليل الثاني: روى مسلم (^٣): عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلم نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلم النَّاسَ عَلَى المنْبَرِ، فَكَانَ فِيمَا كَلم بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ: إِنِّى أُرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ. فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ.\nوجه الدلالة: فعل معاوية ﵁ يدل على أنه يجزئ نصف صاع من البُر.\nواعترض عليه من أوجه:\nالأول: قَالَ النَّوَوِيُّ: تَمَسَّكَ بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ مَنْ قَالَ بِالمدَّيْنِ مِنْ الْحِنْطَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ صَحَابِيٍّ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ أَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ مِمَّنْ هُوَ أَطْوَلُ صُحْبَةً مِنْهُ\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٢٨٥).\n(^٢) ضعيف: أخرجه أحمد (٥/ ٤٣٢)، وأبو داود (١٦٢١) وغيرهما، وقد توسعت في تخريجه في كتابي «الجامع لأحكام الزكاة» (ص ٥٧٦ - ٥٧٧)، وقد قال البيهقي في «الكبرى» (٤/ ١٧٠): وَقَدْ وَرَدَتْ أَخْبَارٌ عَنِ النبي ﷺ فِى صَاعٍ مِنْ بُرٍّ وَوَرَدَتْ أَخْبَارٌ فِى نِصْفِ صَاعٍ، وَلَا يَصِحُّ شَىْءٌ مِنْ ذَلِكَ.\n(^٣) مسلم (٩٨٥).","vol":"1","page":462},{"text":"وَأَعْلم بِحَالِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ صَرَّحَ مُعَاوِيَةُ بِأَنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ لَا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الِاتِّبَاعِ وَالتَّمَسُّكِ بِالْآثَارِ وَتَرْكٍ لِلْعُدُولِ إِلَى الِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَفِي صَنِيعِ مُعَاوِيَةَ وَمُوَافَقَةُ النَّاسِ لَهُ - دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ مَحْمُودٌ، لَكِنَّهُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ (^١).\nوالثاني: حُجَّة الْجُمْهُور حَدِيث أَبِي سَعِيد بَعْد هَذَا في قَوْله: (صَاعًا مِنْ طَعَام أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِير أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْر أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِط أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيب).\nوَالدَّلَالَة فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا: أَنَّ الطَّعَام في عُرْف أَهْل الْحِجَاز اِسْم لِلْحِنْطَةِ خَاصَّة، لَاسِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَهُ بِبَاقِي المذْكُورَات.\nوَالثَّاني: أَنَّهُ ذَكَرَ أَشْيَاء قِيَمُهَا مُخْتَلِفَةٌ، وَأَوْجَبَ في كُلّ نَوْع مِنْهَا صَاعًا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ المعْتَبَر صَاع وَلَا نَظَرَ إِلَى قِيمَتِهِ، وَوَقَعَ في رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ: «أَوْ صَاعًا مِنْ حِنْطَة» قَالَ: وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ.\nقلت: هذا هو الراجح، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-343> المبحث السابع: هل يُشترط النصاب لوجوب زكاة الفطر؟</span>\nاختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: قال مالك والشافعي وعطاء وأحمد بن حنبل وإسحاق: إنه يعتبر أن يكون مُخرج الفطرة مالكًا لقوت يوم وليلة (^٢).\nواستدلوا لهذا القول بما ورد في الصحيحين من حديث ابن عمر ﴿قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ - عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى».\nوجه الدلالة: «على العبد والحر»، ويشمل الغني والفقير الذي لا يملك نصابًا، وخاصة\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٣/ ٤٣٨).\n(^٢) قال ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٣٠٨): «وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِهَا نِصَابٌ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَابْنُ المبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ».","vol":"1","page":463},{"text":"أن العبد لا يملك نصابًا.\n• القول الثاني: ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن زكاة الفطر لا تجب إلا على الغني (^١).\nواستدلوا لذلك بما يلي:\nروى البخاري ومسلم واللفظ له (^٢): عن حكيم بن حزام ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ - أَوْ خَيْرُ الصَّدَقَةِ - عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ».\nقال ابن قدامة (^٣): استدلوا بقوله ﷺ: «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وَالْفَقِيرُ لَا غِنَى لَهُ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ تَحِلُّ لَهُ الصَّدَقَةُ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ، كَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا.\nواعترض عليه بأن هذا الحديث عام، وقد ورد في زكاة الفطر أنها تجب على العبد والحر، والعبد لا يملك نصابًا؛ لأنه هو وماله لسيده، فدل ذلك على أن صدقة الفطر تجب على مَنْ مَلَك قوت يوم وليلة ولو كان فقيرًا، ولأن الحديث الذي ذكرناه خاص بزكاة الفطر، وإذا تعارض الخاص والعام، قُدِّم الخاص على العام، والله أعلم.\nواستدلوا أيضًا بالقياس على زكاة المال، فقالوا: كما أن زكاة الأموال لا تجب إلا على الغني، فكذا زكاة الفطر.\nواعترض عليه بأنه قياس مع الفارق؛ لأن الزكاة متعلقة بالأموال بينما زكاة الفطر متعلقة بالأبدان ولأنها تجب بالفطر من رمضان.\nقال الشوكاني: وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِالْقِيَاسِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ؛ إذْ وُجُوبُ الْفِطْرَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَبْدَانِ، وَالزَّكَاةِ بِالْأَمْوَالِ.\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء من أنه لا يشترط النصاب لوجوب زكاة الفطر، بل يعتبر أن يكون مُخرج زكاة الفطر مالكًا لقوت يوم وليلة؛ لقول ابن عمر: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ.\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٣٠٧).\n(^٢) البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٣٠٧).","vol":"1","page":464},{"text":"والعبد لا يملك نصابًا؛ لأنه هو وماله لسيده، فدل ذلك على أن صدقة الفطر تجب على مَنْ مَلَك قوت يوم وليلة ولو كان فقيرًا.\nقال الشوكاني: الحق أن الزكاة تجب على مَنْ مَلَك قوت يوم وليلة؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ أُطْلِقَتْ وَلم تَخُصَّ غَنِيًّا وَلَا فَقِيرًا، وَلَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ في تَعْيِينِ المقْدَارِ الَّذِي يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مُخْرِجُ الْفِطْرَةِ مَالِكًا لَهُ، لَا سِيَّمَا الْعِلَّةُ الَّتِي شُرِعَتْ لَهَا الْفِطْرَةُ مَوْجُودَةٌ في الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ، وَهِيَ التَّطْهِرَةُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَاعْتِبَارُ كَوْنِهِ وَاجِدًا لِقُوتِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَمْرٌ لَا بُدَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ المقْصُودُ مِنْ شَرَعِ الْفِطْرَةِ إغْنَاءُ الْفُقَرَاءِ في ذَلِكَ الْيَوْمِ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَقَالَ: «أَغْنُوهُمْ في هَذَا الْيَوْمِ» وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ: «أَغْنُوهُمْ عَنْ طَوَافِ هَذَا الْيَوْمِ».\nوقد أفتى المجمع الفقهي بأن زكاة الفطر واجبة على كل مسلم يملك قوت نفسه ومن تلزمه نفقته يوم العيد وليلته فاضلًا عن حوائجه الأصلية (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-344> المبحث الثامن: ما مقدار الصاع؟</span>\nقال الشوكاني (^٢): قال في البحر: الصاع: أربعة أمداد إجماعًا.\nقال النووي (^٣): قال جماعة من العلماء: الصاع أربع حفنات بكَفَّيْ رجل معتدل الكفين.\nقال الماوردي (^٤): فأما مقدار الصاع المؤدى فهو أربعة أمداد بمُد النبي ﷺ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-345> المبحث التاسع: من أي الأصناف تُخرج زكاة الفطر؟</span>\nاختلف أهل العلم في الأصناف التي تخرج منها زكاة الفطر على أقوال (^٥):\n_________\n(^١) انظر «فتاوى وتوصيات الندوة السادسة لقضايا الزكاة المنعقدة بالإمارات» (ص ٨٩٩، ٩٠٠).\n(^٢) «نيل الأوطار» (٤/ ٢١٩).\n(^٣) «روضة الطالبين» (٢/ ١٦٢).\n(^٤) «الحاوي» (٣/ ٤٥٦).\n(^٥) قال ابن رشد «بداية المجتهد» (١/ ٢٨١): وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ تَمْرٍ». فَمَنْ فَهِمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ التَّخْيِيرَ، قَالَ: أَيًّا أَخْرَجَ مِنْ هَذَا أَجْزَأَ عَنْهُ. وَمَنْ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّ اخْتِلَافَ المخْرَجِ لَيْسَ سَبَبُهُ الْإِبَاحَةَ، وَإِنَّمَا سَبَبُهُ اعْتِبَارُ قُوتِ المخْرِجِ أَوْ قُوتُ غَالِبِ الْبَلَدِ قَالَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي.","vol":"1","page":465},{"text":"• القول الأول: ذهب مالك (^١) والشافعي (^٢): أنها تخرج من غالب قوت البلد.\nقالوا: إن هذه الأصناف المذكورة في الحديث ليست تعبدية وخُصت بالذكر لأنها غالب قوت أهل المدينة.\nومما يستدل به لهذا القول: ما رواه البخاري ومسلم (^٣) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ.\nوجه الدلالة منه: «صَاعًا مِنْ طَعَامٍ»، تدل على عموم الطعام، وغالب قوت أهل البلد.\nونوقش هذا الاستدلال بأن المراد بالطعام الحنطة، قال الحافظ ابن حجر: وَقَدْ حَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ المرَادَ بِالطَّعَامِ هُنَا الْحِنْطَةُ، وأجيب عنه بما رواه البخاري (^٤) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَالتَّمْرُ.\n_________\n(^١) قال ابن قدامة «المغني» (٤/ ٢٩٥): قَالَ مَالِكٌ: يُخْرِجُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ.\n(^٢) قال الماوردي «الحاوي» (٤/ ٤١٧): قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَيُّ قُوتٍ كَانَ الْأَغْلَبَ عَلَى الرَّجُلِ أَدَى مِنْهُ زَكَاةَ الْفِطْرِ كَانَ حِنْطَةً أَوْ ذُرَةً أَوْ عَلَسًا أَوْ شَعِيرًا أَوْ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا.\n(^٣) البخاري (١٥٠٦)، ومسلم (٩٨٥).\n(^٤) البخاري (١٥١٠).","vol":"1","page":466},{"text":"قال ابن حجر (^١): «وَقَدْ رَدَّ ذَلِكَ اِبْنُ المنْذِرِ وَقَالَ: ظَنَّ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَهُ في حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «صَاعًا مِنْ طَعَامٍ» حُجَّةٌ لمنْ قَالَ صَاعًا مِنْ حِنْطَةٍ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ أَجْمَلَ الطَّعَامَ ثُمَّ فَسَّرَهُ، ثُمَّ أَوْرَدَ طَرِيقَ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ المذْكُورَةَ في الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِيمَا قَالَ، وَلَفْظُهُ: «كُنَّا نُخْرِجُ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَكَانَ طَعَامُنَا الشَّعِيرَ وَالزَّبِيبَ وَالْأَقِطَ وَالتَّمْرَ».\nفدل قوله: «وَكَانَ طَعَامَنَا» أن الزكاة تخرج من غالب قوت أهل البلد.\n• القول الثاني: قال ابن قدامة (^٢): «وَمَنْ قَدَرَ عَلَى التَّمْرِ، أَوْ الزَّبِيبِ، أَوْ الْبُرِّ، أَوْ الشَّعِيرِ، أَوْ الْأَقِطِ فَأَخْرَجَ غَيْرَهُ لم يُجْزِهِ».\nواستدلوا لهذا القول: بما ورد في الصحيح عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ.\nوجه الدلالة منه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَجْنَاسًا مَعْدُودَةً، فَلم يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهَا.\n• القول الثالث: ذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز إخراج زكاة الفطر من غير التمر والشعير (^٣).\nواستدل لذلك بأثر ابن عمر: فعن أبي مجلز قال: قلت لابن عمر: إن الله قد أوسع، والبُرُّ أفضل من التمر؟ يعني في صدقة الفطر، فقال له ابن عمر: إن أصحابي سلكوا\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٣/ ٤٣٦).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٢٩٢). قال ابن قدامة: ظَاهِرُ المذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الْعُدُولُ عَنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَ المعْدُولُ إلَيْهِ قُوتَ بَلَدِهِ أَوْ لم يَكُنْ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَتَوَجَّهُ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يُعْطِي مَا قَامَ مَقَامَ الْخَمْسَةِ، عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، وَالطَّعَامُ قَدْ يَكُونُ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ وَمَا دَخَلَ فِي الْكَيْلِ. قَالَ: وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مُحْتَمَلٌ، وَأَقْيَسُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ غَيْرُ الْخَمْسَةِ.\n(^٣) قال ابن حزم في «المحلى» (٦/ ١١٩): وَأَجَازَ قَوْمٌ أَشْيَاءَ غَيْرَ مَا أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ قَوْمٌ: يُجْزِئُ فِيهَا الْقَمْحُ. وَقَالَ آخَرُونَ: وَالزَّبِيبُ، وَالأَقِطُ. وَاحْتَجُّوا بِأَشْيَاءَ مِنْهَا: أَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّمَا يُخْرِجُ كُلُّ أَحَدٍ مِمَّا يَأْكُلُ وَمِنْ قُوتِ أَهْلِ بَلَدِهِ، فَقُلْنَا: هَذِهِ دَعْوَى بَاطِلة بِلا بُرْهَانٍ، ثُمَّ قَدْ نَقَضْتُمُوهَا لأَنَّهُ إنَّمَا يَأْكُلُ الْخُبْزَ لا الْحَبَّ، فَأَوْجَبُوا أَنْ يُعْطِيَ خُبْزًا لأَنَّهُ هُوَ أَكَلَهُ، وَهُوَ قُوتُ أَهْلِ بَلَدِهِ، فَإِنْ قَالُوا: هُوَ غَيْرُ مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرُ. قُلْنَا: صَدَقْتُمْ، وَكَذَلِكَ مَا عَدَا التَّمْرَ وَالشَّعِيرَ. وَقَالُوا: إنَّمَا خَصَّ ﵇ بِالذَّكَرِ - التَّمْرَ، وَالشَّعِيرَ؛ لأَنَّهُمَا كَانَا قُوتَ أَهْلِ المدِينَةِ. وَهَذَا قَوْلٌ فَاحِشٌ جِدًّا؛ أَوَّلُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكْشُوفٌ؛ لأَنَّ هَذَا الْقَائِلَ قَوَّلَهُ ﵇ مَا لم يَقُلْ؛ وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا.","vol":"1","page":467},{"text":"طريقًا فأنا أحب أن أسلكه (^١).\nواعترض بما قاله العلامة أحمد شاكر (^٢): «من تأمل طريق الأحاديث الواردة في زكاة الفطر وفقه معناها، مع اختلاف في ألفاظها عن الصحابة﴾، عَلم أن ابن حزم لا حجة له في الاقتصار على إخراج التمر والشعير، وهذا معاوية بحضرة الصحابة﴾ رأى مُدَّين من سمراء الشام، بدل صاع من شعير أو غيره، ولم ينكر عليه ذلك أحد، أي إخراج القمح موضع الشعير، وإنما أنكر أبو سعيد المقدار، فرأى إخراج صاع من قمح.\nوابن عمر إنما كان يُخرج من خاصة نفسه ما كان يُخرج على عهد رسول الله ﷺ، ولم ينكر على من أخرج غير ذلك، ولو رأى عمل الناس باطلًا وهم الصحابة والتابعون لأنكره أشد إنكار، وقد كان ﵁ يتشدد في أشياء، لا على سبيل التشريع، بل على سبيل الحرص على الاتباع فقط، كما كان ينزل في مواضع نزول رسول الله ﷺ، ولم ير أحد من المسلمين ذلك واجبًا.\nوالراجح: أن زكاة الفطر تخرج من غالب قوت البلد، وأما الأصناف المذكورة في الحديث فإنها ليست تعبدية، وخُصت بالذكر لأنها غالب قوت أهل المدينة، والله أعلم.\nسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀:\nهل الأنواع التي تخرج في صدقة الفطر محددة؟ وإن كانت كذلك فما هي؟\nفأجاب: الواجب إخراجها من قوت البلد، سواء كانت: تمرًا، أو شعيرًا أو بُرًّا، أو ذرة، أو غير ذلك، نوعًا معينًا، ولأنها مواساة، وليس على المسلم أن يواسي من غير قوته (^٣).\nوسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين حفظه الله:\n_________\n(^١) أخرجه ابن زنجويه (٣/ ١٢٤٩): أنا النضر بن شميل، أخبرنا عمران بن حدير، عن أبي مجلز به. وأخرجه ابن حزم «المحلى» (٦/ ١١٩) من طريق وكيع عن عمران بن حدير عن أبي مجلز به.\n(^٢) «المحلى» (١٣٢، ١٣١).\n(^٣) «فتاوى الصيام» (ص ٩١٣، ٩١٢).","vol":"1","page":468},{"text":"ما الأطعمة التي يجوز إخراج زكاة الفطر منها؟\nفأجاب: ورد في الحديث أنها تخرج من خمسة أشياء وهي:\n١ - البُر ٢ - والشعير ٣ - والتمر ٤ - والزبيب ٥ - والأقط.\nلكن ذكر بعض العلماء المحققين أن تخصيص هذه الخمسة، حيث إنها المستعملة في ذلك الوقت، وأجاز إخراجها من غالب قوت البلد كالأرز مثلًا والذرة في البلاد التي تقتاتها ونحو ذلك، والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-346> المبحث العاشر: هل يجوز أن يخرج بدلًا من البر والشعير دقيقًا أو سويقًا،</span>\nأو بدلًا من التمر دبسًا وغيره من الأشياء؟\n• أقوال أهل العلم:\nأجاز أبو حنيفة ذلك، على أصله؛ جواز القيم في الزكوات.\nوأجاز مالك الدقيق بدلًا من الحب، مع وفاقه أن القيم في الزكوات لا تجوز.\nوقال الشافعي: ولا يؤدي إلا الحب نفسه.\nوجه الشافعية ما قاله الماوردي: «الْحَبّ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ كَامِلُ المنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصْلُحُ لِلْبَذْرِ وَالطَّحْنِ وَالْهَرْسِ وَالِادِّخَارِ، وَالدَّقِيقُ مَسْلُوبُ المنَافِعِ إِلَّا الِاقْتِيَاتَ، فَلم يَجُزْ إِخْرَاجُهُ لِنَقْصِ مَنَافِعِهِ».\nوالراجح، والله أعلم: أن الدقيق يجوز إخراجه بدلًا من الحب؛ لأن الفقير غالبًا ما يستعمله في الأكل، والدقيق أسهل، ولأن الفقير ربما يحتاج إلى طحن الغلال، فيكون الدقيق أسهل وأيسر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-347> المبحث الحادي عشر: هل يعتبر غالب قوت بلده، أو غالب قوته في نفسه؟</span>\nعلى وجهين - ذكرهما النووي -:\n• أحدهما: وهو ظاهر نص الشافعي ها هنا وفي «الأم»، وبه قال أبو سعيد\n_________\n(^١) انظر «فتاوى الصيام» (ص ٩١٣).","vol":"1","page":469},{"text":"الإصطخري، وأبو عبيد بن حربويه من أصحابنا: إن الاعتبار بغالب قوته في نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].\nولأنه مخاطب بفرض نفسه، فوجب أن يكون اعتباره بقوت نفسه.\n• القول الثاني: وهو قول أبي العباس بن سريج، وأبي إسحاق المروزي: إن الاعتبار بغالب قوت بلده؛ لأن رسول الله ﷺ خاطب أهل المدينة جميعًا بغالب أقواتهم. ولأن في اعتبار غالب قوت البلد توسعة ورفقًا، وفي اعتبار كل واحد مشقة وضيق، وما أدى إلى التوسعة والرفق في المواساة أَوْلى.\nقلت (محمد): وهذا هو الراجح، وأما من استدل بالآية فالآية في كفارة اليمين، وأما الحديث الوارد في زكاة الفطر فهو خاص، والرسول ﷺ حدد فيه أصنافًا على الغني والفقير والصغير والكبير، وهي من غالب قوت أهل البلد، ولكن ينبغي للغني أن يكثر من الصدقات مع زكاة الفطر، ولا يكتفي بها وحدها، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-348> المبحث الثاني عشر: وهل يجوز إخراج زكاة الفطر نقودًا؟</span> (^١)\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أنه لا يجوز إخراج زكاة الفطر من النقود (^٢).\nواستدلوا لذلك بالقرآن والسنة والمعقول:\nأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فهذا أمر، والأمر يقتضي\n_________\n(^١) هناك رسالة بعنوان: «هل تجزئ القيمة في الزكاة؟» لفضيلة الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم، وهي نافعة ومفيدة في هذا الباب وقد أفدت منها كثيرًا. فاللهَ أسأل أن يسعده بجنته، وأن يشمله برحمته، وأن يكرمه بمغفرته، وأن ينفع به وبعلمه الإسلام والمسلمين وأن يبارك له في أهله وذريته أجمعين، وأن يجمعني وإياه مع سيد الأنبياء والمرسلين في جنات النعيم.\n(^٢) قال النووي «المجموع» (٥/ ٤٢٨): مذهبنا أنه لا يجوز إخراج القيمة في شيء من الزكوات، وبه قال مالك وأحمد وداود.","vol":"1","page":470},{"text":"الوجوب، وهذه الزكاة تؤدى كما كان النبي ﷺ يؤديها، والزكاة عبادة كالصلاة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ وقال ﷺ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فكذا فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر صاعًا من تمر وصاعًا من شعير، فَإِذَا عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ تَرَكَ المفْرُوضَ.\nوَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةٍ شَاةٌ، وَفِي مِائَتَيْ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ». وَهُوَ وَارِدٌ بَيَانًا لمجْمَلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فَتَكُونُ الشَّاةُ المذْكُورَةُ هِيَ الزَّكَاةُ المأْمُورُ بِهَا، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَرَضَ الصَّدَقَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى، فَفِي كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي كَتَبَهُ في الصَّدَقَاتِ أَنَّهُ قَالَ: «هَذِهِ الصَّدَقَةُ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى. وَكَانَ فِيهِ: في خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَإِنْ لم تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ، فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ عَيْنَهَا لِتَسْمِيَتِهِ إيَّاهَا. وَقَوْلُهُ: «فَإِنْ لم تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» وَلَو أَرَادَ المالِيَّةَ أَوْ الْقِيمَةَ لم يَجُزْ; لِأَنَّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَا تَخْلُو عَنْ مَالِيَّةِ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ» فَإِنَّهُ لَوْ أَرَادَ المالِيَّةَ لَلَزِمَهُ مَالِيَّةُ بِنْتِ مَخَاضٍ (^١).\nأما دليلهم من السنة: ففي الصحيحين (^٢) من حديث ابن عمر ﴿قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ.\nوالدليل الثاني: عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: «خُذِ الْحَبَّ مِنَ الْحَبِّ، وَالشَّاةَ مِنَ الْغَنَمِ، وَالْبَعِيرَ مِنَ الإِبِلِ، وَالْبَقَرَةَ مِنَ الْبَقَرِ» (^٣).\nوجه الدلالة منه: أنه تجب الزكاة من العين، ولا يعدل عنها إلى القيمة إلا عند عدمها.\nقال ابن قدامة: وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ، وَشُكْرًا لِنِعْمَةِ المالِ،\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٢٩٦).\n(^٢) البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٤).\n(^٣) ضعيف أُعل بالانقطاع: أخرجه أبو داود «السنن» (١٥٩٩)، وابن ماجه «السنن» (١٨١٤)، والحاكم «المستدرك» (١/ ٣٨٨) وقال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، إن صح سماع عطاء بن يسار من معاذ بن جبل، فإني لا أثبته. قال الذهبي: قلت: لم يلقه.","vol":"1","page":471},{"text":"وَالْحَاجَاتُ مُتَنَوِّعَةٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَنَوَّعَ الْوَاجِبُ لِيَصِلَ إلَى الْفَقِيرِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مَا تَنْدَفِعُ بِهِ حَاجَتُهُ، وَيَحْصُلُ شُكْرُ النِّعْمَةِ بِالموَاسَاةِ مِنْ جِنْسِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهِ، وَلِأَنَّ مُخْرِجَ الْقِيمَةِ قَدْ عَدَلَ عَنْ المنْصُوصِ، فَلم يُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ أَخْرَجَ الرَّدِيءَ مَكَانَ الْجَيِّدِ (^١).\nأما دليلهم من القياس: فكما أن الأضحية عبادة في وقت محدد، ولا تجزئ من غير الأنعام الثمانية، ولا يجزئ دفع قيمة الأضحية للفقراء عن الأضحية، وإن كانت حاجات الفقراء تتنوع مع أنه يوم عيد يحتاج الفقير أن يتزين فيه، وغير ذلك من الضروريات، فإذا كان ذلك لا يجزئه عن الأضحية، فكذا صدقة الفطر فَرَضها رسول الله ﷺ من الطعام وهي عبادة، فتقاس على الأضحية.\nقال النووي (^٢): ولا يجوز أخذ القيمة في شيء من الزكاة؛ لأن الحق لله تعالى، وقد علقه على ما نص عليه، فلا يجوز ذلك إلى غيره كالأضحية.\n• القول الآخر: القائلون بجواز دفع القيمة (المال) في زكاة الفطر:\nقال الثوري وأبو حنيفة: يجوز.\nوقد رُوى عن عمر بن عبد العزيز، والحسن، وقد رُوي عن أحمد مثل قولهم فيما عدا الفطرة (^٣).\nبعض الآثار التي تؤيد هذا القول:\nعَنْ قُرَّةَ قَالَ: جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ في صَدَقَةِ الْفِطْرِ: نِصْفُ صَاعٍ عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ، أَوْ قِيمَتُهُ نِصْفُ دِرْهَمٍ (^٤).\n_________\n(^١) «المغني» (٤/ ٢٩٧).\n(^٢) «المجموع» (٥/ ٤٢٨).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٢٩٥).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٧٤) قال: حدثنا وكيع عن قرة به، وقرة بن خالد السدوسي ثقة ثبت. قال ابن أبي شيبة «المصنف» (٣/ ١٧٤): حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ كِتَابَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ يُقْرَأُ على عَدِيٍّ بِالْبَصْرَةِ: يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ مِنْ أَعْطِيَّاتِهِمْ، عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ نِصْفُ دِرْهَمٍ.\nورد أثر عن عمر بن الخطاب أنه كان يأخذ العروض في الصدقة، ولكن فيه مقال، قال ابن أبي شيبة (٣/ ١٨١): حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَطَاءٍ؛ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَأْخُذُ الْعُرُوضَ فِي الصَّدَقَةِ مِنَ الْوَرِقِ وَغَيْرِهَا. وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف.","vol":"1","page":472},{"text":"عَنْ زُهَيْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ يَقُولُ: أَدْرَكْتُهُمْ وَهُمْ يُعْطُونَ، في صَدَقَةِ رَمَضَانَ - الدَّرَاهِمَ بِقِيمَةِ الطَّعَامِ (^١).\nأثر الحسن البصري: قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ تُعْطَى الدَّرَاهِمُ في صَدَقَةِ الْفِطْرِ (^٢).\nواستدلوا لهذا القول بالسنة:\nالدليل الأول: عن ابن عمر ﴿قال: فَرَض رسول الله ﷺ زكاة الفطر وقال: «أَغْنُوهُمْ في هَذَا الْيَوْمِ» (^٣).\nوجه الدلالة منه: (أَغْنُوهُمْ) والغنى يحصل بالمال كما يحصل بالأعيان.\nقال السرخسي (^٤): «فَإِنْ أَعْطَى قِيمَةَ الْحِنْطَةِ جَازَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ المعْتَبَرَ حُصُولُ الْغِنَى وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْقِيمَةِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْحِنْطَةِ، وَكَانَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ رحمه الله تَعَالَى يَقُولُ:\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرج ابن أبي شيبة «المصنف» (٣/ ١٧٤) حدثنا أبو أسامة عن زهير به، ولكن في رواية زهير عن أبي إسحاق مقال، وزهير بن معاوية سمع عن أبي إسحاق بآخره.\nقال أحمد بن حنبل: في حديثه عن أبي إسحاق لين، سمع منه بآخره. وقال أبو زرعة: ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط. وقال أبو حاتم: زهير ثقة متقن، تأخر سماعه من أبي إسحاق. قال ابن معين: وزكريا وزهير وإسرائيل حديثهم عن أبي إسحاق قريب من السوء. وقال الترمذي: زهير في أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بآخره. وروايته عنه في الصحيحين. «نهاية الاغتباط» (٢٧٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٣/ ١٧٤) حدثنا وكيع عن سفيان عن هشام عن الحسن به.\nوهشام بن حسان في روايته عن الحسن مقال.\n(^٣) ضعيف: أخرجه الدارقطني «السنن» (٢/ ١٥٣)، والبيهقي «الكبرى» (٤/ ١٧٥) من طريق أبي معشر عن نافع عن ابن عمر، وفي إسناده أبو معشر، ضعيف، قال البخاري: منكر الحديث، قال الزيلعي «نصب الراية» (٢/ ٤٣٢): غريب بهذا اللفظ.\n(^٤) «المبسوط» (٣/ ١٠٧).","vol":"1","page":473},{"text":"أَدَاءُ الْقِيمَةِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَنْفَعَةِ الْفَقِيرِ فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بِهِ لِلْحَالِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ كَانَ لِأَنَّ الْبِيَاعَاتِ في ذَلِكَ الْوَقْتِ بِالمدِينَةِ يَكُونُ بِهَا فَأَمَّا في دِيَارِنَا الْبِيَاعَاتُ تُجْرَى بِالنُّقُودِ، وَهِيَ أَعَزُّ الْأَمْوَالِ، فَالْأَدَاءُ مِنْهَا أَفْضَلُ».\nقال ابن الهمام (^١): لِلْإِنْسَانِ حَاجَاتٌ مُخْتَلِفَةُ الْأَنْوَاعِ، فَظَهَرَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ إبْطَالَ النَّصِّ بِالتَّعْلِيلِ بَلْ إبْطَالَ أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى الشَّاةِ يَنْفِي غَيْرَهَا مِمَّا هُوَ قَدْرُهَا في المالِيَّةِ.\nواعترض على هذا الاستدلال من وجهين:\nالأول: أن الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nالثاني: أن النبي ﷺ حدد أصنافًا معينة ولو كانت تجزئ القيمة لقال: أو قيمته. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] فدل ذلك على أن المراد الطعام وليس المال.\nالدليل الثاني: عن الصُّنَابِحِيِّ الأحمسي قال: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في إِبِلِ الصَّدَقَةِ نَاقَةً مُسِنَّةً فَغَضِبَ وَقَالَ: «مَا هَذِهِ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي ارْتَجَعْتُهَا بِبَعِيرَيْنِ مِنْ حَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ - فَسَكَتَ -. (^٢).\nوفي هذا الحديث دلالة على جواز أخذ القيمة، فإن استبدال الناقة بالبعيرين هذا إنما يكون باعتبار القيمة.\nواعترض عليه بأن الحديث لا يصح عن النبي ﷺ.\nثم لو صح الحديث فليس فيه دلالة لهم.\n_________\n(^١) «فتح القدير» (٢/ ١٩٢).\n(^٢) هذا الحديث اختلف فيه على قيس بن أبي حازم: فرواه مجالد بن سعيد عنه.\nأخرجه أحمد «المسند» (٤/ ٣٤٩)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٢٥، ١٢٦) ووقع تصحيف، فذكر بعد الصنابحي الأعمش، وابن أبي عاصم «الآحاد والمثاني» (٢٥٣٩) وقال: هذا حديث غريب، وأبو يعلى «المسند» (١٤٥٣)، والطبراني «الكبير» (٧٤١٧) من طريق عبد الله بن المبارك وعبد الرحيم بن سليمان عن مجالد بن سعيد عن أبي عبد الله الصنابحي مرفوعًا. وفيه مجالد بن سعيد وهو ضعيف. قال الحافظ: ليس بالقوي. ورواه إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم مرسلًا أخرجه البيهقي «الكبرى» (٤/ ١١٤) من طريق هشيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم مرسلًا.","vol":"1","page":474},{"text":"قال الشنقيطي (^١): «أما الناقة الحسنة التي رآها ﷺ، وأنها بدل من بعيرين، فهو من جنس الاستبدال بالجنس عملًا للمصلحة وهي لم تخرج عن جنس الواجب».\nالدليل الثالث: روى البخاري (^٢) عن أنس بن مالك ﵁ أن أَبَا بَكْرٍ ﵁ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ مَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنْ الْإِبِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنْ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ وَيُعْطِيهِ المصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا بِنْتُ لَبُونٍ، فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ وَيُعْطِي شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيُعْطِيهِ المصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ وَيُعْطِي مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ».\nقال ابن حجر (^٣): «وَمَوْضِع الدَّلَالَة مِنْهُ قَبُول مَا هُوَ أَنْفَسُ مِمَّا يَجِبُ عَلَى المتَصَدِّقِ وَإِعْطَاؤُهُ التَّفَاوُتَ مِنْ جِنْسٍ غَيْر الْجِنْسِ الْوَاجِبِ، وَكَذَا الْعَكْس.\nلَكِنْ أَجَابَ الْجُمْهُور عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى مَا بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ في الْقِيمَةِ، فَكَانَ الْعَرْضُ يَزِيدُ تَارَةً وَيَنْقُصُ أُخْرَى لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ في الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ، فَلما قَدَّرَ الشَّارِعُ التَّفَاوُت بِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبَ في الْأَصْلِ في مِثْلِ ذَلِكَ، وَلَوْلَا تَقْدِيرُ الشَّارِعِ بِذَلِكَ لَتَعَيَّنَتْ بِنْت المخَاض مَثَلًا، وَلم يَجُزْ أَنْ تُبَدَّلَ بِنْتُ لَبُون مَعَ التَّفَاوُتِ. وَاللَّهُ أَعْلم».\nقال الشنقيطي: أما التعويض بين الجذعة والمسنة بشاتين أو عشرين درهمًا، فليس في هذا دليل على قبول القيمة في زكاة الفطر؛ لأن نص الحديث فيمن وجبت عليه سن معينة وليست عنده، أو عنده أعلى أو أنزل منها، فللعدالة بين المالك والمسكين جعل\n_________\n(^١) «أضواء البيان» (٨/ ٤٩٢).\n(^٢) البخاري (١٤٥٣).\n(^٣) «فتح الباري» (٣/ ٣١٣).","vol":"1","page":475},{"text":"الفرق لعدم الحيف، ولم يخرج عن الأصل، وليس فيه أخذ القيمة مستقلة. بل فيه أخذ الموجود ثم جبر الناقص، فلو كانت القيمة بذاتها وحدها تجزئ لصرح بها ﷺ، ولا يجوز هذا العمل إلا عند افتقاد المطلوب، والأصناف المطلوبة في زكاة الفطر إذا عُدمت أمكن الانتقال إلى الموجود مما هو من جنسه لا إلى القيمة، وهذا واضح (^١).\nوقال ابن حجر ﵀ في «الفتح»: لو كانت القيمة مقصودة لاختلفت حسب الزمان والمكان، ولكنه تقدير شرعي.\nالدليل الرابع: عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ مُعَاذٌ - يَعْنِى ابْنَ جَبَلٍ - بِالْيَمَنِ: ائْتُونِى بِخَمِيسٍ أَوْ لَبِيسٍ (^٢) آخُذْهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الصَّدَقَةِ فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ، وَخَيْرٌ لِلمهَاجِرِينَ بِالمدِينَةِ (^٣).\nالدليل الخامس: قال الإمام البخاري (^٤): وَقَالَ النَّبِيّ ﷺ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ». فَلم يَسْتَثْنِ صَدَقَة الْفَرْض مِنْ غَيْرِهَا، فَجَعَلَتِ المرْأَة تُلْقِي خُرْصَهَا (^٥) وَسِخَابَهَا (^٦) وَلم يَخُصَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ مِنْ الْعُرُوضِ.\nوجه الدلالة منه: قول النبي ﷺ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» فنص على الحُلي، فجعلت المرأة تلقي خرصها هذا من الحلي «وسخابها» هذه قلادة ليست من الحلي، وبالرغم من ذلك أجزأت.\nوكأنه يشير إلى جواز القيمة، وهذا مُصَيَّرٌ من البخاري على قول النبي ﷺ: «تصدقن»\n_________\n(^١) انظر «أضواء البيان» (٨/ ٤٩٠).\n(^٢) لبيس: أي ملبوس.\n(^٣) ضعيف معل بالانقطاع: رواه البخاري معلقًا (٤/ ١١٣)، أخرجه البيهقي «الكبرى» (٤/ ١١٣) من طريق سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس قال معاذ. قال البيهقي: كذا قال إبراهيم بن ميسرة. وَخَالَفَهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ فَقَالَ: قَالَ مُعَاذٌ بِالْيَمَنِ: ائْتُونِى بِعَرَضِ ثِيَابٍ آخُذْهُ مِنْكُمْ مَكَانَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ، قال علي بن المديني: طاوس بن كيسان لم يسمع من معاذ بن جبل شيئًا. كما في «جامع التحصيل».\n(^٤) انظر «فتح الباري» (٣/ ٣١٢).\n(^٥) الخرص: الحلقة التي تجعل في الآذان.\n(^٦) السخاب: القلادة تتخذ من مسك وقرنفل ونحوهما، تجعل في العنق.","vol":"1","page":476},{"text":"على الوجوب.\nقال ابن حجر (^١) ردًّا على هذا الكلام: فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِلْإِيجَابِ هُنَا لَكَانَ مُقَدَّرًا، وَكَانَتْ المجَازَفَة فِيهِ وَقَبُول مَا تَيَسَّرَ غَيْر جَائِز.\nالدليل السادس: روى مسلم (^٢): عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، - فَلم نَزَلْ نُخْرِجُهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فَكَلم النَّاسَ عَلَى المنْبَرِ فَكَانَ فِيمَا كَلم بِهِ النَّاسَ أَنْ قَالَ: إِنِّى أُرَى أَنَّ مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ تَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ أَبَدًا مَا عِشْتُ.\nوجه الدلالة: أن معاوية عَدَل بمُدين من الحنظة بصاع من التمر.\nواعترض عليه بما قاله النووي: تَمَسَّكَ بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ مَنْ قَالَ بِالمدَّيْنِ مِنْ الْحِنْطَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ فِعْلُ صَحَابِيٍّ قَدْ خَالَفَهُ فِيهِ أَبُو سَعِيدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الصحَابَةِ مِمَّنْ هُوَ أَطْوَلُ صُحْبَةً مِنْهُ وَأَعْلم بِحَالِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ صَرَّحَ مُعَاوِيَةُ بِأَنَّهُ رَأْيٌ رَآهُ لَا أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ.\nوَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الِاتِّبَاعِ وَالتَّمَسُّكِ بِالْآثَارِ وَتَرْكٍ لِلْعُدُولِ إِلَى الِاجْتِهَادِ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَفِي صَنِيعِ مُعَاوِيَةَ وَمُوَافَقَةُ النَّاسِ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ وَهُوَ مَحْمُودٌ، لَكِنَّهُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ (^٣).\nالراجح في المسألة - والله أعلم - قول الجمهور:\nقال ابن قدامة (^٤): وَمَنْ أَعْطَى الْقِيمَةَ لم تُجْزِئْهُ. قَالَ أَبُو دَاوُد: قِيلَ لِأَحْمَدَ وَأَنَا أَسْمَعُ:\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٣/ ٣١٣).\n(^٢) مسلم (٩٨٥).\n(^٣) «فتح الباري» (٣/ ٤٣٨).\n(^٤) «المغني» (٤/ ٢٩٥).","vol":"1","page":477},{"text":"أُعْطِي دَرَاهِمَ - يَعْنِي في صَدَقَةِ الْفِطْرِ؟ قَالَ: أَخَافُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ خِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ، قَالَ لِي أَحْمَدُ: لَا يُعْطِي قِيمَتَهُ، قِيلَ لَهُ: قَوْمٌ يَقُولُونَ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَانَ يَأْخُذُ بِالْقِيمَةِ. قَالَ: يَدَعُونَ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَقُولُونَ قَالَ فُلَانٌ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. وَقَالَ قَوْمٌ يَرُدُّونَ السُّنَنَ: قَالَ فُلَانٌ، قَالَ فُلَانٌ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ في شَيْءٍ مِنْ الزَّكَوَاتِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيّ.\nقال ابن حزم (^١): مَسْأَلَةٌ: وَلا يُجْزِئُ إخْرَاجُ بَعْضِ الصَّاعِ شَعِيرًا وَبَعْضِهِ تَمْرًا، وَلا تُجْزِئُ قِيمَةٌ أَصْلًا؛ لأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْقِيمَةُ في حُقُوقِ النَّاسِ لا تَجُوزُ إلا بِتَرَاضٍ مِنْهُمَا، وَلَيْسَ لِلزَّكَاةِ مَالِكٌ بِعَيْنِهِ فَيَجُوزُ رِضَاهُ، أَوْ إبْرَاؤُهُ.\nقال الشنقيطي (^٢): القول بالقيمة فيه مخالفة للأصول من جهتين:\nالجهة الأولى: أن النبي ﷺ لما ذكر تلك الأصناف لم يذكر معها القيمة، ولو كانت جائزة لذكرها مع ما ذكر، كما ذكر العوض في زكاة الإبل، وهو ﷺ أشفق وأرحم بالمسكين من كل إنسان.\nالجهة الثانية: وهي القاعدة العامة، أنه لا ينتقل إلى البدل إلا عند فقد المبدل عنه، وأن الفرع إذا كان يعود على الأصل بالبطلان فهو باطل.\nوكذلك لو أن كل الناس أخذوا بإخراج القيمة لتعطل العمل بالأجناس المنصوصة، فكان الفرع الذي هو القيمة سيعود على الأصل الذي هو الطعام بالإبطال، فيبطل.\nومثل ما يقوله بعض الناس اليوم في الهدي بمنى، مثلًا بمثل، عملًا بأن الأحناف لا يجيزون القيمة في الهدي؛ لأن الهدي فيه جانب تعبد، وهو النسك.\nويمكن أن يقال لهم أيضًا: إن زكاة الفطر فيها جانب تعبد، طهرة للصائم، وطعمة للمساكين، كما أن عملية شرائها ومكيلتها وتقديمها فيه إشعار بهذه العبادة.\nأما تقديمها نقدًا فلا يكون فيها فرق عن أي صدقة من الصدقات من حيث الإحساس\n_________\n(^١) «المحلى» (٦/ ١٣٧).\n(^٢) «أضواء البيان» (٨/ ٤٩٣).","vol":"1","page":478},{"text":"بالواجب والشعور بالإطعام.\nسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: هل يجوز إخراج زكاة الفطر ريالات؟\nفأجاب: لا يجوز إخراجها نقودًا عند جمهور أهل العلم، وإنما الواجب إخراجها من الطعام كما أخرجها النبي ﷺ وأصحابه﴾.\nوَالْأَظْهَرُ في هَذَا أَنَّ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مَمْنُوعٌ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا قَدَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الْجُبْرَانَ بِشَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَلم يَعْدِلْ إلَى الْقِيمَةِ، وَلِأَنَّهُ مَتَى جَوَّزَ إخْرَاجَ الْقِيمَةِ مُطْلَقًا فَقَدْ يَعْدِلُ المالِكُ إلَى أَنْوَاعٍ رَدِيئَةٍ وَقَدْ يَقَعُ في التَّقْوِيمِ ضَرَرٌ، وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ مَبْنَاهَا عَلَى الموَاسَاةِ وَهَذَا مُعْتَبَرٌ في قَدْرِ المالِ وَجِنْسِهِ.\nوسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀:\nهل يجوز إخراج زكاة الفطر نقدًا؟ مع تفصيل الأدلة.\nفأجاب: زكاة الفطر لا تجوز إلا من الطعام، ولا يجوز إخراجها من القيمة؛ لأن\nالنبي ﷺ فرضها صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير. وقال أبو سعيد: كنا نخرجها على عهد النبي ﷺ صاعًا من طعام. فلا يحل لأحد أن يُخرج زكاة الفطر من الدراهم أو الملابس أو الفرش، بل الواجب إخراجها بما فرض الله على لسان محمد ﷺ.\nولا عبرة باستحسان من استحسن ذلك من الناس؛ لأن الشرع ليس تابعًا للآراء، بل هو من لدن حكيم خبير، الله ﷿ أعلم وأحكم. وإذا كانت مفروضة بلسان محمد ﷺ صاعًا من طعام، فلا يجوز أن تتعدى ذلك، مهما استحسناه بعقولنا، بل الواجب على الإنسان إذا استحسن شيئًا مخالفًا للشرع أن يتهم عقله ورأيه (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-349> المبحث الثالث عشر: متى تجب زكاة الفطر؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين (^٢):\n• القول الأول: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد:\nوبه قال أبو حنيفة ورواية عن مالك والليث والشافعي في القديم وابن حزم.\n_________\n(^١) «فتاوى الصيام» (٩٠٢).\n(^٢) «نيل الأوطار» (٤/ ٢١٦).","vol":"1","page":479},{"text":"• القول الآخر: وقت وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر؛ لأنه وقت الفطر من رمضان. وبه قال أحمد والثوري وإسحاق والشافعي في الجديد وإحدى الروايتين عن مالك.\nفائدة هذا الاختلاف:\nقال ابن رشد: وَفَائِدَةُ هَذَا الِاخْتِلَافِ في الموْلُودِ يُولَدُ قَبْلَ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ وَبَعْدَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، هَلْ تَجِبُ عَلَيْهِ أَمْ لَا تَجِبُ؟ (^١)\nقلت: وإذا مات رجل قبل فجر يوم العيد وبعد مغيب الشمس هل تجب أم لا تجب؟\nالاختلاف في هذه المسألة مبني على المسألة التي سبقتها.\nالسبب في الاختلاف:\nقال ابن رشد: وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هِيَ عِبَادَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَوْمِ الْعِيدِ، أَوْ بِخُرُوجِ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ لِأَنَّ لَيْلَةَ الْعِيدِ لَيْسَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَان.\nالقول الأول: قال أبو حنيفة: وَقْتُهَا انْشِقَاقُ الْفَجْرِ من يَوْمِ الْفِطْرِ فَمَنْ مَاتَ قبل ذلك أو وُلِدَ بَعْدَ ذلك أو أَسْلم بَعْدَ ذلك، فَلَا زَكَاةَ فِطْرٍ عليه (^٢).\nقال ابن رشد: قال مالك في رواية ابن القاسم عنه: تَجِبُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ أَنَّهَا تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمِ رَمَضَانَ، وَبِالْأَوَّلِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ (^٣).\nقال الشوكاني: قيل: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد. وبه قال أبو حنيفة والليث والشافعي في القديم (^٤).\nقال ابن حزم: وَوَقْتُ زَكَاةِ الْفِطْرِ إثْرَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي من يَوْمِ الْفِطْرِ.\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٨٢).\n(^٢) «المحلى» (٦/ ١٤٢).\n(^٣) «بداية المجتهد» (١/ ٢٨٢).\n(^٤) «نيل الأوطار» (٤/ ٢١٦).","vol":"1","page":480},{"text":"دليل هذا القول: روى البخاري ومسلم (^١): عن ابن عمر ﴿أن رسول الله ﷺ أَمَرَ بزكاة الفطر أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ.\nوجه الدلالة: قال ابن حزم (^٢): فَهَذَا وَقْتُ أَدَائِهَا بِالنَّصِّ وَخُرُوجُهُمْ إلَيْهَا إنَّمَا هو لإدراكها.\nالقول الثاني: قال الشوكاني (^٣): وقت وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر، وهو قول الثوري وإسحاق وأحمد والشافعي في القديم والرواية الثانية عن مالك.\nقال ابن حزم: أَمَّا مَنْ رَأَى وَقْتَهَا غُرُوبَ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ قَالَ: هِيَ زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفِطْرُ مِنْ صَوْمِ رَمَضَانَ وَالْخُرُوجُ عَنْهُ جُمْلَةً.\nوالأحوط والله أعلم: أنه لو وُلد مولود في أول ليلة من شوال وقبل الفجر، أو مات رجل قبل يوم العيد وبعد مغيب الشمس، فإنه يخرج عنه زكاة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-350> المبحث الرابع عشر: هل يجوز تقديم زكاة الفطر؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\n• القول الأول: قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَيَجُوزُ تَعْجِيلُهَا مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ; لِأَنَّهَا زَكَاةٌ فَأَشْبَهَتْ زَكَاةَ المالِ (^٤).\n• القول الثاني: قال مالك والناصر والحسن بن زياد: لا يجوز مطلقًا، كالصلاة قبل الوقت.\nوبه قال ابن حزم: لا يجوز تقديمها قبل فجر يوم العيد (^٥).\nواعترض عليه بأنه ورد عن ابن عمر أنه كَانَ يَبْعَثُ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَى الَّذِي تُجْمَعُ عِنْدَهُ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ (^٦).\n_________\n(^١) البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٦).\n(^٢) «المحلى» (٦/ ١٤٣).\n(^٣) «نيل الأوطار» (٤/ ٢١٦)، وانظر «المحلى» (٦/ ١٤٢)، «وبداية المجتهد» (١/ ٢٨٢).\n(^٤) «المغني» (٤/ ٣٠٠).\n(^٥) «المحلى» (٦/ ١٤٣).\n(^٦) إسناده صحيح: أخرجه مالك «الموطأ» (١/ ٢٨٥)، عن نافع عن ابن عمر به.","vol":"1","page":481},{"text":"قال الشافعي: يجوز من أول شهر رمضان؛ لأن سبب الصدقة الصوم والفطر فيه.\nفإن وُجد أحد السببين جاز تعجيلها.\nواعترض عليه بأن صدقة الفطر من رمضان، وليس بدخول رمضان.\nقال الشوكاني: قال أحمد بن حنبل: لا تُقدم على وجوبها إلا ما يغتفر كيوم أو يومين.\nقال ابن قدامة: عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِهِ، فَيُقْسَمُ - قَالَ يَزِيدُ: أَظُنُّ هَذَا يَوْمَ الْفِطْرِ - وَيَقُولُ: «أَغْنَوْهُمْ عَنْ الطَّوَافِ في هَذَا الْيَوْمِ» (^١).\nوَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَمَتَى قَدَّمَهَا بِالزَّمَانِ الْكَثِيرِ لم يَحْصُلْ إغْنَاؤُهُمْ بِهَا يَوْمَ الْعِيدِ، وَسَبَبُ وُجُوبِهَا الْفِطْرُ؛ بِدَلِيلِ إضَافَتِهَا إلَيْهِ، وَزَكَاةُ المالِ سَبَبُهَا مِلْكُ النِّصَابِ، وَالمقْصُودُ إغْنَاءُ الْفَقِيرِ بِهَا في الْحَوْلِ كُلِّهِ، فَجَازَ إخْرَاجُهَا في جَمِيعِهِ، وَهَذِهِ المقْصُودُ مِنْهَا الْإِغْنَاءُ في وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، فَلم يَجُزْ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْوَقْتِ.\nفَأَمَّا تَقْدِيمُهَا بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَجَائِزٌ؛ لما رَوَى الْبُخَارِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ». وَقَالَ في آخِرِهِ: «وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ» وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِهِمْ، فَيَكُونُ إجْمَاعًا، وَلِأَنَّ تَعْجِيلَهَا بِهَذَا الْقَدْرِ لَا يُخِلُّ بِالمقْصُودِ مِنْهَا، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهَا تَبْقَى أَوْ بَعْضَهَا إلَى يَوْمِ الْعِيدِ، فَيُسْتَغْنَى بِهَا عَنْ الطَّوَافِ وَالطَّلَبِ فِيهِ، وَلِأَنَّهَا زَكَاةٌ، فَجَازَ تَعْجِيلُهَا قَبْلَ وُجُوبِهَا، كَزَكَاةِ المالِ، وَاللَّهُ أَعْلم.\nسئل فضيلة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين حفظه الله: متى تخرج زكاة الفطر؟\nفأجاب: الأفضل أن تخرج قبل الخروج لصلاة العيد، ويجوز تقديمها قبل ذلك بيوم أو يومين، ولا يجوز بأكثر من ذلك.\nوذلك لأنه لو أعطاها الفقير قبل العيد بأيام، لأمكن أن ينفقها، فيأتيه العيد وليس عنده شيء، فيحتاج إلى التسول وإلى الاستجداء، فأُمر المسلم أن يخرجها قبل الخروج لصلاة العيد أو قبل العيد بيوم أو يومين.\n_________\n(^١) ضعيف: في إسناده أبو معشر، وهو ضعيف.","vol":"1","page":482},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-351> المبحث الخامس عشر: وهل يجوز تأخير صدقة الفطر بعد صلاة العيد؟</span>\nذهب الجمهور إلى أن إخراجها قبل صلاة العيد إنما هو مستحب فقط، وجزموا بأنها تجزئ إلى آخر يوم الفطر (^١).\nوقال ابن حزم: وَوَقْتُ زَكَاةِ الْفِطْرِ إثْرَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي من يَوْمِ الْفِطْرِ مُمْتَد إلَى أَنْ تَبْيَضَّ الشَّمْسُ وَتَحِلَّ الصَّلَاةُ من ذلك الْيَوْمِ.\n• القول الأول: قال ابن قدامة (^٢): المسْتَحَبُّ إخْرَاجُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ. في حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ». فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْ الصَّلَاةِ تَرَكَ الْأَفْضَلَ؛ لما ذَكَرْنَا مِنْ السُّنَّةِ، وَلِأَنَّ المقْصُودَ مِنْهَا الْإِغْنَاءُ عَنْ الطَّوَافِ وَالطَّلَبِ في هَذَا الْيَوْمِ، فَمَتَى أَخَّرَهَا لم يَحْصُلْ إغْنَاؤُهُمْ في جَمِيعِهِ، لَا سِيَّمَا في وَقْتِ الصَّلَاةِ. وَمَالَ إلَى هَذَا الْقَوْلِ عَطَاءٌ، وَمَالِكٌ، وَمُوسَى بْنُ وَرْدَانَ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.\nوَقَالَ الْقَاضِي: إذَا أَخْرَجَهَا في بَقِيَّةِ الْيَوْمِ لم يَكُنْ فَعَلَ مَكْرُوهًا؛ لِحُصُولِ الْغَنَاء بِهَا في الْيَوْمِ.\nقَالَ سَعِيدٌ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ نُخْرِجَ … وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. قَالَ: فَكَانَ يُؤْمَرُ أَنْ يُخْرِجَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِذَا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَسَمَهُ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ: أَغْنَوْهُمْ عَنْ الطَّلَبِ في هَذَا الْيَوْمِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ الْخَبَرِ وَالمعْنَى مَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَة.\nحجة الجمهور: روى البخاري ومسلم (^٣): عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ وَالتَّمْرُ.\n_________\n(^١) «نيل الأوطار» (٤/ ٢١٨).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٢٩٧، ٢٩٨).\n(^٣) البخاري (١٥١٠)، ومسلم (٩٨٥).","vol":"1","page":483},{"text":"وجه الدلالة منه: كنا نخرج في عهد رسول الله ﷺ يوم الفطر.\nواليوم يطلق على جميع اليوم.\n• القول الآخر: إن وقتها طلوع الفجر من يوم العيد إلى الصلاة.\nقَالَ ابن حزم: فَهَذَا وَقْتُ أَدَائِهَا بِالنَّصِّ، وَخُرُوجُهُمْ إلَيْهَا إنَّمَا هُوَ لإِدْرَاكِهَا، وَوَقْتُ صَلاةِ الْفِطْرِ هُوَ جَوَازُ الصَّلاةِ بِابْيِضَاضِ الشَّمْسِ، يَوْمَئِذٍ فَإِذَا تَمَّ الْخُرُوجُ إلَى صَلاةِ الْفِطْرِ بِدُخُولِهِمْ في الصَّلاةِ فَقَدْ خَرَجَ وَقْتُهَا. فَمَنْ لم يُؤَدِّهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا فَقَدْ وَجَبَتْ في ذِمَّتِهِ وَمَالِهِ لمنْ هِيَ لَهُ، فَهِيَ دَيْنٌ لَهُمْ، وَحَقٌّ مِنْ حُقُوقِهِمْ، وَقَدْ وَجَبَ إخْرَاجُهَا مِنْ مَالٍ وَحَرُمَ عَلَيْهِ إمْسَاكُهَا في مَالِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا أَبَدًا، وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ، وَيَسْقُطُ بِذَلِكَ حَقُّهُمْ، وَيَبْقَى حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى في تَضْيِيعِهِ الْوَقْتَ، لا يَقْدِرُ عَلَى جَبْرِهِ إلا بِالاسْتِغْفَارِ وَالنَّدَامَةِ، وَبِاللَّهِ تَعَالَى نَتَأَيَّدُ (^١).\nأدلة الظاهرية: الدليل الأول: ففي الصحيحين (^٢) عن ابن عمر ﴿أن رسول الله ﷺ أَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ.\nالدليل الثاني: عن ابن عباس ﴿قال: فَرَضَ رسول الله ﷺ زكاة الْفِطْرِ طهرة لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلمسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ (^٣).\n_________\n(^١) «المحلى» (٦/ ١٤٣).\n(^٢) البخاري (١٥٠٣)، ومسلم (٩٨٦).\n(^٣) أخرجه أبو داود «السنن» (١٦٠٩)، وابن ماجه «السنن» (١٨٤٧)، والدارقطني «السنن» (٢/ ١٣٨) وقال: وليس فيه مجروح، والحاكم «المستدرك» (١/ ٤٠٩) قال: هذا حديث على شرط البخاري ولم يخرجاه، والبيهقي «الكبرى» (٤/ ١٦٢، ١٦٣) كلهم من طرق عن مروان بن محمد قال: حدثنا أبو يزيد الخولاني ثنا سيار بن عبد الرحمن الصدفي عن عكرمة عن ابن عباس. وفي رواية أبي داود: عن مروان بن محمد حدثنا أبو يزيد الخولاني، وكان شيخ صدق.\nقلت (محمد): وهذا الحديث الفقرة الأولى منه: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة للصائم وطعمة للمساكين) مرفوعة إلى النبي ﷺ، والفقرة الثانية: (من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات) الظاهر أنها موقوفة على ابن عباس.\nقال ابن عبد البر «التمهيد» (١٤/ ٣٢٥): أما قول ابن عباس في هذا الحديث: (فمن أداها قبل الصلاة ..). وقال ابن قدامة في «المغني» (٤/ ٢٨٤): وهذا قول ابن عباس يخالفه. يقصد الحديث. وقد ورد عن ابن عباس ما يؤيد قول الجمهور كما عند ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣/ ١٦٩) قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان عن حجاج عن عطاء عن ابن عباس قال: من السنة أن تخرج صدقة الفطر قبل الصلاة. ولكن في إسناده ضعف.","vol":"1","page":484},{"text":"قال زين الدين أبو الفضل (^١) في قوله: «وأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ»: إن الأفضل إخراجها قبل الخروج إلى الصلاة، وقد صرح بذلك الفقهاء من المذاهب الأربعة، وزاد الحنابلة على ذلك فجعلوا تأخيرها عن الصلاة مكروهًا، وذلك أعلى درجات الاستحباب، هذا هو المشهور عندهم، وقال القاضي منهم: ليس ذلك بمكروه.\nوزاد ابن حزم الظاهرى على ذلك فقال بالوجوب، وأنه لا يجوز تأخيرها عن الصلاة، وعبارته: ووقت زكاة الفطر أثر طلوع الفجر الثاني ممتد إلى أن تبيض الشمس وتحل الصلاة من ذلك اليوم.\nثم استدل بهذا الحديث. ولا حجة له فيه؛ لأنه صيغة أمر محتملة للاستحباب، كاحتمالها للإيجاب، وليست ظاهرة في إحداهما للإيجاب، بخلاف صيغة فإنها ظاهرة في الوجوب، فلما ورد هذا الحديث بصيغة الأمر اقتصرنا على الاستحباب؛ لأنه الأمر المتيقن، والزيادة على ذلك مشكوك فيها.\n\n•<span data-type='title' id=toc-352> المبحث السادس عشر: هل يجوز تأخير زكاة الفطر بعد يوم العيد؟</span>\nلا يجوز ذلك.\nقال الشوكاني: وَأَمَّا تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ فَقَالَ ابْنُ رَسْلَانَ: إنَّهُ حَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ وَاجِبَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ في تَأْخِيرِهَا إثْمٌ، كَمَا في إخْرَاجِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا.\nقال ابن قدامة: إِنْ أَخَّرَهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيدِ أَثِمَ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ.\n_________\n(^١) «طرح التثريب في شرح التقريب» (٤/ ٤٢٥).","vol":"1","page":485},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-353> المبحث السابع عشر: مصارف صدقة الفطر، وفيه مسائل:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-354> المسألة الأولى: هل تُصرف صدقة الفطر على الفقراء فقط؟</span>\n• أولًا: تُصرف صدقة الفطر لفقراء المسلمين بالإجماع.\nقال ابن رشد (^١): وَأَمَّا لمنْ تُصْرَفُ، فَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ تُصْرَفُ لِفُقَرَاءِ المسْلمينَ لِقَوْلِهِ ﷺ: «أَغْنَوْهُمْ عَنِ السُّؤَالِ في هَذَا الْيَوْمِ».\n• ثانيًا: هل تجوز زكاة الفطر لفقراء أهل الذمة؟\nقال ابن رشد: وَاخْتَلَفُوا هَلْ تَجُوزُ لِفُقَرَاءِ الذِّمَّةِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ لَهُمْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَجُوزُ لَهُمْ. وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ سَبَبُ جَوَازِهَا هُوَ الْفَقْرُ فَقَطْ، أَوِ الْفَقْرُ وَالْإِسْلَامُ مَعًا؟ فَمَنْ قَالَ الْفَقْرُ وَالْإِسْلَامُ لم يُجِزْهَا لِلذِّمِّيِّينَ، وَمَنْ قَالَ الْفَقْرُ فَقَطْ أَجَازَهَا لَهُمْ، وَاشْتَرَطَ قَوْمٌ في أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ تَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَكُونُوا رُهْبَانًا.\nوَأَجْمَعَ المسْلمونَ عَلَى أَنَّ زَكَاةَ الْأَمْوَالِ تَجُوزُ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ لِقَوْلِهِ ﷺ: «صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتَرُدُّ إِلَى فُقَرَائِهِمْ».\nقال ابن قدامة (^٢): وَلَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى ذِمِّيٍّ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلِ، وَمُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُعْطُونَ مِنْهَا الرُّهْبَانَ.\nوَلَنَا أَنَّهَا زَكَاةٌ، فَلم يَجُزْ دَفْعُهَا إلَى غَيْرِ المسْلمينَ، كَزَكَاةِ المالِ، وَلَا خِلَافَ في أَنَّ زَكَاةَ المالِ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى غَيْرِ المسْلمينَ. قَالَ ابْنُ المنْذِرِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلم عَلَى أَنْ لَا يُجْزِئَ أَنْ يُعْطَى مِنْ زَكَاةِ المالِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-355> المسألة الثانية: هل تفرق صدقة الفطر على الأصناف الثمانية أم على الفقراء فقط؟</span>\nاختلف أهل العلم في الأصناف الذين تُفرق عليهم زكاة الفطر على قولين:\n•القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن زكاة الفطر تُقسم على الأصناف الثمانية\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٨٢).\n(^٢) «المغني» (٤/ ٣١٤).","vol":"1","page":486},{"text":"كزكاة المال، وإليه ذهب الحنفية (^١) والشافعية (^٢) والحنابلة (^٣).\nواستدلوا بعموم قول الله ﵎: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ٦٠﴾ [التوبة: ٦٠] ولأن صدقة الفطر زكاة فتدخل في عموم الآية، فكان مصرفها مصرف سائر الزكوات (^٤).\nقال الماوردي: وَالدَّلَالَةُ عَلَيْهِمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمسَاكِينِ﴾ الْآيَةَ فَجَعَلَ مَا انْطَلَقَ اسْمُ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ مُسْتَحِقًّا لمنِ اشْتَمَلَتِ الْآيَةُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهَا صَدَقَةٌ وَاجِبَةٌ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْتَصَّ بِهَا صِنْفٌ مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ كَزَكَوَاتِ الْأَمْوَالِ.\n•القول الثاني: ذهب مالك (^٥) وابن تيمية (^٦) وابن القيم (^٧) إلى أن صدقة الفطر تُصرف للمساكين فقط، ولا تقسم على الأصناف الثمانية.\nواستدلوا لذلك بالسنة والقياس:\nأما دليلهم من السنة: فعن ابن عباس ﴿قال: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلمسَاكِينِ».\nفدل هذا الحديث على أن زكاة الفطر طعمة للمساكين، فيقتصر على ما ورد في الحديث ولا يتعدى ذلك للأصناف الثمانية.\nواعترض عليه بأن هذا الحديث ليس لبيان مصرف الزكاة، ولكنه إشارة إلى الحكمة من مشروعية الزكاة كما ورد في الصحيحين من حديث ابن عباس قال النبي ﷺ لمعاذ:\n_________\n(^١) «رد المحتار» (٣/ ٣٢٥).\n(^٢) «الأم» (٢/ ٩١).\n(^٣) «المغني» (٤/ ٣٢٥).\n(^٤) «المغني» (٤/ ٣٢٥).\n(^٥) «الذخيرة» (٣/ ١٧٠).\n(^٦) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٧٣، ٧٢).\n(^٧) «زاد المعاد» (٢/ ٢٢).","vol":"1","page":487},{"text":"«صدقة تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ» مع أن هذه الصدقات تُصرف للأصناف الثمانية.\nأما دليلهم من القياس: فقاسوا زكاة الفطر على كفارة اليمين وغيرها من الكفارات، فكما أن كفارة اليمين لا تصرف إلا للمساكين ولا يطعم منها غيرهم، فكذا زكاة الفطر، ولأنها زكاة على الأبدان.\nقال ابن تيمية (^١): فَإِنَّ المقْصُودَ هُوَ الْأَصْلُ الثَّانِي، وَهُوَ صَدَقَةُ الْفِطْرِ فَإِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ هَلْ تَجْرِي مَجْرَى صَدَقَةِ الْأَمْوَالِ أَوْ صَدَقَةِ الْأَبْدَانِ كَالْكَفَّارَاتِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَمَنْ قَالَ بِالْأَوَّلِ وَكَانَ مِنْ قَوْلِهِ وُجُوبُ الِاسْتِيعَابِ، أَوْجَبَ الِاسْتِيعَابَ فِيهَا، وَعَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ يَنْبَنِي مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَمَنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِيعَابُ كَقَوْلِ جُمْهُورِ الْعُلماءِ فَإِنَّهُمْ يُجَوِّزُونَ دَفْعَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ إلَى وَاحِدٍ، كَمَا عَلَيْهِ المسْلمونَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا. وَمَنْ قَالَ بِالثَّانِي إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ تَجْرِي مَجْرَى كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَالظِّهَارِ وَالْقَتْلِ وَالْجِمَاعِ في رَمَضَانَ وَمَجْرَى كَفَّارَةِ الْحَجِّ، فَإِنَّ سَبَبَهَا هُوَ الْبَدَنُ لَيْسَ هُوَ المالَ كَمَا في السُّنَنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ فَرَضَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ طهرة لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلمسَاكِينِ. مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ».\nوَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَغْنُوهُمْ في هَذَا الْيَوْمِ عَنْ المسْأَلَةِ». وَلِهَذَا أَوْجَبَهَا اللَّهُ طَعَامًا كَمَا أَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ طَعَامًا، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَلَا يُجْزِئُ إطْعَامُهَا إلَّا لمنْ يَسْتَحِقُّ الْكَفَّارَةَ وَهُمْ الْآخِذُونَ لِحَاجَةِ أَنْفُسِهِمْ، فَلَا يُعْطِي مِنْهَا في المؤَلَّفَةِ وَلَا الرِّقَابِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى في الدَّلِيلِ.\nقال ابن القيم (^٢): وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ ﷺ تَخْصِيصُ المسَاكِينِ بِهَذِهِ الصّدَقَةِ، وَلم يَكُنْ يَقْسِمُهَا عَلَى الْأَصْنَافِ الثّمَانِيَةِ قَبْضَةً قَبْضَةً، وَلَا أَمَرَ بِذَلِكَ، وَلَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلَا مَنْ بَعْدَهُمْ بَلْ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا: إنّهُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا إلّا عَلَى المسَاكِينِ خاصة،\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ٧٣، ٧٢).\n(^٢) «زاد المعاد» (٢/ ٢٢).","vol":"1","page":488},{"text":"وهذا القول أرجح من القول بوجوب قسمتها على الأصناف الثمانية.\n\n•<span data-type='title' id=toc-356> المسألة الثالثة: هل يجوز إعطاء الأقارب من صدقة الفطر؟</span>\nقال المزني: قال الشافعي: وأَحب إلى ذوي رحمه الأقارب إذا كان لا تلزمه نفقتهم.\nقَالَ الماوَرْدِيُّ: أَمَّا الْأَقَارِبُ وَذُوُوا الْأَرْحَامِ هل تدفع إليهم زكاة الفطر؟ على وجهين:\nأَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ نَفَقَاتُهُمْ وَاجِبَةً كَالْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ إِذَا كَانُوا فَقُرَاءَ زَمْنَى، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ الزَّكَاةَ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ عَنْهُمْ.\nوَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا تَكُونَ نَفَقَاتُهُمْ وَاجِبَةً، كَالْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْأَعْمَامِ وَالْعَمَّاتِ وَالْأَخْوَالِ وَالْخَالَاتِ، فَالْأَوْلَى إِذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ أَنْ يَخُصَّهُمْ بِهَا، صِلَةً لِرَحِمِهِ وَبِرًّا لِأَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا في الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ٢٢ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [محمد: ٢٢] فَجَمَعَ بَيْنَ قَطِيعَةِ الرَّحِمِ وَالْإِفْسَادِ في الْأَرْضِ ثُمَّ عَقَّبَهَا بِاللَّعْنَةِ إِبَانَةً لِعِظَمِ الْإِثْمِ (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-357> فتاوى وتوصيات المجمع الفقهي بشأن زكاة الفطر:</span>\n١ - زكاة الفطر واجبة على كل مسلم يملك قوت نفسه ومن تلزمه نفقته يوم العيد وليلته فاضلًا عن حوائجه الأصلية، ويلزمه إخراج صدقة زوجته وأولاده الصغار الذين لا مال لهم، ولا يلزمه صدقة الفطر عن أولاده الذين لا تجب نفقتهم عليه أو خدمه أو من تبرع بمؤنته أو كفله يتيمًا أو فقيرًا أو غير ذلك.\n٢ - الواجب في صدقة الفطر صاع من تمر أو شعير أو زبيب أو صاع من بُر القمح.\n٣ - الأصل إخراج زكاة الفطر من الأجناس المنصوص عليها في الحديث، كما يجوز إخراجها من غالب قوت أهل البلد مثل الأرز واللحم والحليب.\n٤ - الأصل إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد، ويحرم تأخيرها عن يوم العيد، ويجب قضاؤها، كما يجوز عند الحاجة إخراجها من أول شهر رمضان.\n٥ - يجوز التوكيل في إخراج صدقة الفطر.\n_________\n(^١) «الحاوي» (٤/ ٤٣١).","vol":"1","page":489},{"text":"٦ - يجوز للمؤسسات الزكوية تحويل زكاة الفطر من عين إلى نقد وعكسه بما تقتضيه الحاجة أو المصلحة.\n٧ - يجوز نقل زكاة الفطر إلى خارج البلد الذي وجبت فيه على المزكي إلى من هو أقرب أو أحوج.\nكما يجوز نقل زكاة الفطر عند عدم وجود محتاجين في البلد الذي وجبت فيه الزكاة.\n٨ - لابد من النية لإخراج صدقة الفطر، ويقوم مقام النية الإذن الثابت ولو عادة.\n٩ - إذا اقتضت المصلحة أو الحاجة يجوز للمؤسسات الزكوية تأخير صرف ما اجتمع لديها من زكاة الفطر إلى ما بعد يوم العيد.\n١٠ - الأَوْلى صرف زكاة الفطر للفقراء والمساكين، ويجوز صرفها في مصارف الزكاة العامة (^١).\n* * *\n_________\n(^١) انظر «فتاوى وتوصيات الندوة السادسة لقضايا الزكاة المنعقدة بالإمارات» (ص ٩٠٠، ٨٩٩).","vol":"1","page":490},{"text":"<span data-type='title' id=toc-358>الباب السادس فقه العيدين</span>\nوقد قسمت هذا الباب إلى تمهيد وفصول\nالتمهيد: وفيه: تعريف، ومشروعية، وحكم صلاة العيدين\n• الفصل الأول: شروط صلاة العيدين\n• الفصل الثاني: بين يدي صلاة العيد\n• الفصل الثالث: صفة صلاة العيدين\n• الفصل الرابع: أحكام مهمة تتعلق بصلاة العيدين\n• الفصل الخامس: مستحبات العيدين\n• الفصل السادس: خطبة العيدين وما يتعلق بها من أحكام\n• الفصل السابع: التكبير وما يتعلق به من أحكام\n• الفصل الثامن: ما يباح في العيدين\n• الفصل التاسع: ما يُكره ويحرم في العيدين","vol":"1","page":491},{"text":"<span data-type='title' id=toc-359>التمهيد</span>\nوفيه مباحث\n• المبحث الأول: تعريف العيدين\n• المبحث الثاني: مشروعية صلاة العيدين\n• المبحث الثالث: حكم صلاة العيدين\n• المبحث الرابع: هل يجب قتال بلد تركت صلاة العيدين؟","vol":"1","page":492},{"text":"؟\n\nفقه العيدين (^١)\n\n•<span data-type='title' id=toc-360> المبحث الأول: تعريف العيدين:</span>\nسمي العيد عيدًا لأنه يعود كل سنة بفرح جديد (^٢). وقيل: سمي العيد عيدًا لأنه يعود كل عام (^٣).\nقال النووي ﵀: وَسُمِّيَ عِيدًا لِعَوْدِهِ وَتَكَرُّره، وَقِيلَ: لِعَوْدِ السُّرُور فِيهِ، وَقِيلَ: تَفَاؤُلًا بِعَوْدِهِ عَلَى مَنْ أَدْرَكَهُ (^٤).\nوالمراد بالعيدين: عِيدُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَهُوَ أَوَّلُ يوم مِنْ شَوَّالٍ، وَيوم الأَضْحَى وَهُوَ اليوم الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، لَيْسَ لِلمسْلمينَ عِيدٌ غَيْرُهُمَا إلاَّ يوم الْجُمُعَةِ. وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بَعْدَ يوم الأَضْحَى; لأنَّ اللَّهَ تَعَالَى لم يَجْعَلْ لَهُمْ عِيدًا غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا وَلَا رَسُولُهُ ﷺ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الإِسْلَامِ في ذَلِكَ (^٥).\n_________\n(^١) وفِي هذا الباب بحث جيد ونافع وماتع، فريد فِي بابه، ومرجع للباحثين والدارسين، جمَع فيه مصنفه بين الفقه والحديث، بتحرير وإتقان، ألا وهو «جامع أحكام العيدين» لأخينا وحبيبنا الشيخ رمزي بن صادق - حفظه الله - نسأل أن يجازيه خير الجزاء وأوفاه، وأن يجعل جنة الفردوس مأواه، وأن ييسر له أمر دينه ودنياه، وأن يرفع ذكره، وأن يضع وزره، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين.\n(^٢) «لسان العرب» مادة (ع ود) (٩/ ٤٦١) هذا تعريف ابن الأعرابي، وانظر: «تاج العروس» (٨/ ٤٣٩).\n(^٣) «مقاييس اللغة» مادة (ع ود) (٤/ ١٨٣)، وهذا تعريف ابن فارس.\n(^٤) «شرح مسلم» (٢/ ٤٧٩).\n(^٥) «المحلى» (٥/ ٨١)، و«المبسوط» (٢/ ٤٧).","vol":"1","page":493},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-361> المبحث الثاني: مشروعية صلاة العيدين:</span>\nقال ابن قدامة (^١): الْأَصْلُ في صَلَاةِ الْعِيدِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، المشْهُورُ في التَّفْسِيرِ أَنَّ المرَادَ بِذَلِكَ صَلَاةُ الْعِيدِ.\nوَأَمَّا السُّنَّةُ: فَثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ … وَأَجْمَعَ المسْلمونَ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-362> المبحث الثالث: حكم صلاة العيدين:</span>\nقال النووي (^٣): وأجمع المسلمون على أن صلاة العيدين مشروعة، وعلى أنها ليست فرض عين.\nوقال ابن حزم (^٤): واتفقوا على أن صلاة العيدين وكسوف الشمس وقيام ليالي رمضان ليست فرضًا.\nوهذا الإجماع منخرم؛ فقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء (^٥) إلى أن صلاة العيدين سنة مؤكدة، وبه قال مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد (^٦).\n_________\n(^١) «المغني» (٣/ ٢٥٣).\n(^٢) ونقل الإجماع أيضًا البهوتي فِي «كشاف القناع» (٢/ ٥٠)، والصنعاني فِي «سبل السلام» (٢/ ٤٩٥)، والنووي فِي «المجموع» (٥/ ١٩)، وغيرهم.\n(^٣) «المجموع» (٥/ ٣).\n(^٤) «مراتب الاجماع» (ص ٣٢).\n(^٥) قال النووي فِي «المجموع» (٥/ ٣): وجماهير العلماء من السلف والخلف أن صلاة العيد سنة. انظر: «المجموع» (٢/ ٥)، و«روضة الطالبين» (١/ ٥٧٧)، و«الإقناع» (١/ ١٠٩)، و«الفروع» (٢/ ١٣٧).\n(^٦) وإن كان بعض ألفاظ الشافعي تدل على الوجوب إلا أن النووي نفى ذلك، قال: وأما قول الشافعي فِي «المختصر»: من وَجَبَ عليه حُضُورُ الْجُمُعَةِ وَجَبَ عليه حُضُورُ الْعِيدَيْنِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: هذا لَيْسَ عَلَى ظَاهِرَه، فإنَّ ظاهرَه أَنَّ الْعِيدَ فرضُ عَيْن عَلَى كُلَّ ممَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَهَذَا خِلَافَ إجْمَاعَ المسْلميْنَ … قَالَ أَصْحَابُنَا: ومرادُ الشافعي أَنَّ الْعِيدَ فِي حَقَّ من تلزمه الجمعة.","vol":"1","page":494},{"text":"واستدلوا لذلك بالسنة: ففِي «الصحيحين» (^١) من حديث طلحة يقول: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ، وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ، فَقال رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليوم وَاللَّيْلَةِ»، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطوَّعَ».\nقال ابن المنذر: دل خبر طلحة … على أن صلاة العيد تطوع غير مفروض (^٢).\nقال الشوكاني (^٣): واستدل القائلون بأنها سُنة بحديث «هل علي غيرها؟» قال: «لَا، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ» قلت: وحديث الأعرابي هو الصارف عند الجمهور من الوجوب إلى السنية.\nقال ابن قدامة (^٤): وَلِأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَمَنْ وَافَقَهُ يَقْتَضِي نَفِي وُجُوبِ صَلَاةٍ سِوَى الْخَمْسِ.\nوالأدلة على ذلك كثيرة ومتوافرة تدل على أن الصلوات المفروضة في اليوم والليلة خمس لا غير.\n• القول الثاني: أن صلاة العيد فرض عين، وهذا قول أحمد في رواية (^٥) وابن حبيب المالكي (^٦).\nواستدلوا لهذا القول بعموم القرآن والسنة.\nأما دليلهم من القرآن: فعموم قول الله ﷿: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. قالوا: فصلِّ لربك: أي: صلاة العيد، وانحر: أي: اذبح، فصلِّ لربك، هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب (^٧).\nقال الكاساني (^٨): قيل في التفسير: صَلِّ صَلَاةَ الْعِيدِ، وَانْحَر الْجَزُورَ، وَمُطْلَق الْأَمْر لِلْوُجُوبِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٦، ١٨٩١)، ومسلم (١١).\n(^٢) «الأوسط» (٤/ ٢٥٢).\n(^٣) «نيل الأوطار» (٣/ ٣٦٨).\n(^٤) «المغني» (٤/ ٣٦٨).\n(^٥) «الإنصاف» (٢/ ٤٢٠)، و«الفتاوى» (٢٤/ ١٨٣).\n(^٦) «الشرح الكبير» للدسوقي (١/ ٦٢٨).\n(^٧) «نيل الأوطار» (٣/ ٣٦١)، و«سبل السلام» (٢/ ٤٩٥).\n(^٨) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٤).","vol":"1","page":495},{"text":"واعْتُرِض عليه: بأنه قد اختلف أهل التفسير في ذلك: فمنهم من قال: ﴿فصل لربك﴾ أي: صلاة الصبح، ومنهم من قال: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ اجعل الصلاة لله، والنحر لله، ولا تشرك به أحدًا، ومنهم من قال: المراد ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ الصلاة هنا بمعنى الدعاء، وليس تأويل هذه الآية بأحد التأويلات أَوْلى من غيره.\nثم لو سلمنا أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ﴾ أي: صلاة العيد، والأمر للوجوب، لكان له صارف، وهو قول الأعرابي للنبي ﷺ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ». فدل ذلك على أن صلاة العيد تطوع وليست فريضة.\nقال الباجي (^١): وَهَذَا نَصٌّ في أَنَّهُ لَا يَجِبُ مِنَ الصَّلَوَاتِ غَيْرُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ لَا وَتْرٌ وَلَا غَيْرُهُ.\nواستدلوا أيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وهذا أمر بالتكبير في العيدين، أمر بالصلاة المشتملة على التكبير الراتب، وهي صلاة العيدين (^٢).\nواعْتُرِض عليه: بأن هذا التأويل على خلاف ما عليه جمهور المفسرين.\nقال القرطبي (^٣): ومعناه الحض على التكبير في آخر رمضان في قول جمهور أهل التأويل.\nقال ابن الهمام (^٤): الِاسْتِدْلَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ غَيْرُ ظَاهِرٍ؛ لأنه ظَاهِرٌ في التَّكْبِيرِ لَا صَلَاةِ الْعِيدِ، وَهُوَ يَصْدُقُ عَلَى التَّعْظِيمِ بِلَفْظِ التَّكْبِيرِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ حُمِلَ عَلَى خُصُوصِ لَفْظِهِ كَانَ التَّكْبِيرُ الْكَائِنُ في صَلَاةِ الْعِيدِ مُخْرِجًا لَهُ عَنِ الْعُهْدَةِ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ لِجَوَازِ إيجَابِ شَيْءٍ في مَسْنُونٍ، بِمَعْنَى مَنْ فَعَلَ سُنَّةَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّكْبِيرُ.\nواستدلوا أيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ أي: صلاة العيد.\n_________\n(^١) «المنتقى شرح الموطأ» (١/ ٣٧٣).\n(^٢) «الجامع لأحكام القرآن» (٢/ ٢٠٥).\n(^٣) «فتح القدير» (٢/ ٧١).\n(^٤) «تفسيره» (١٢/ ٥٤٨).","vol":"1","page":496},{"text":"واعْتُرِض عليه بأن أهل التفسير اختلفوا في تأويل هذه الآية:\nقال الطبري: قوله: ﴿فَصَلَّى﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِى بِهِ: فَصَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخُمْسَ. وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِي بِهِ: صَلَاةُ الْعِيدِ يَوْمَ الْفِطْرِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِهِ: وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَدَعَا؛ وَقَالُوا: الصَّلَاةُ هَاهُنَا الدُّعَاءُ.\nثم قال: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ أَنْ يُقَالَ: عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَصَلَّى﴾: الصَّلَوَاتِ، وَذَكَرَ اللَّهَ فِيهَا بِالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ وَالدُّعَاءِ.\nوليس تأويل هذه الآية بأحد التأويلات أَوْلى من غيره، فسقط الاستدلال بها.\nأما دليلهم من السنة: فقد روى البخاري (^١) عن أُمِّ عَطِيَّةَ قالت: أُمِرْنَا أَنْ نَخْرُجَ فَنُخْرِجَ الْحُيَّضَ وَالْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ، قال ابْنُ عَوْنٍ: أَوْ الْعَوَاتِقَ ذَوَاتِ الْخُدُورِ فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المسْلمينَ وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلْنَ مُصَلَّاهُمْ،\nوجه الدلالة: «أُمِرْنَا أَنْ نَخْرُجَ» والأمر يقتضي الوجوب.\nقال الحافظ (^٢): وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبَ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ من جُمْلَة من أَمْرِ بِذَلِكَ من ليس بِمُكَلَّف فَظَهَرَ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ إظْهَارَ شِعَارِ الإِسْلَامْ بِالمبَالغَة في الِاجْتِمَاعِ ولِتَعُمَّ الجَمِيعَ البَرَكَةُ والله أَعَلم.\nالدليل الثاني: عَنْ أَبِى عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أصحاب النبي ﷺ أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إِلَى النبي ﷺ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا، وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلاَّهُمْ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥١٦).\n(^٢) «فتح الباري» (٢/ ٥٤٥).\n(^٣) إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود (١١٥٧)، والنسائي (١٥٥٦)، وابن ماجه (١٦٥٣)، وأحمد (٥/ ٥٧، ٥٨)، وغيرهم، وفِي إسناده: أبو عمير بن أنس: مجهول. قال ابن القطان: لم تثبت عدالته. وقال ابن عبد البر فِي «التمهيد» (١٤/ ٣٦٠): وأما أبو عمير بن أنس فلم يرو عنه غير أبي بشر، ومن كان هكذا فهو مجهول. وأخرجه أحمد (١٣٩٧٤)، وابن حبان (٣٤٥٦) وغيرهما من طريق سعيد بن عامر، عن شعبة عن قتادة عن أنس به. وهذه الرواية شاذة؛ لأن الثقات رووه عن شعبة على الوجه الأول. قال أبو حاتم فِي «العلل» (١/ ٢٣٥): أَخْطَأَ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ، إِنَّمَا هُوَ شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ عُمُومَتِهِ. وكذا أعله البزار والبيهقي.","vol":"1","page":497},{"text":"فأمرهم النبي ﷺ أن يغدوا لمصلاهم لصلاة العيد في اليوم الثاني للعيد، فدل ذلك أن صلاة العيد فرض.\nولكن اعترض عليه بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nواستدلوا بأن النبي ﷺ واظب على صلاة العيدين حتى مات، وهذا يدل على وجوبها.\nواعْتُرِض عليه: بأن المواظبة على الشيء لا تدل على وجوبه، ولذا فالمواظبة على صلاة الوتر لا توجبه، وكذا حديث الأعرابي «هل عليَّ غيرها؟» دل على الاستحباب.\nواستدلوا بأن العيد إذا جاء يوم الجمعة، تسقط الجمعة، وإذا كانت الجمعة واجبة ولا يسقط الواجب إلا الواجب.\nواعْتُرِض عليه: بأن هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم؛ فإن أبا حنيفة لا يسقط الجمعة إذا جاء العيد في يومها، ثم لو صح ذلك؛ فإن العيد لا يُسقط الجمعة ولكنه ينقلها إلى بدل وهو الظهر.\n• القول الثالث: أن صلاة العيدين واجبة عند الحنفية (^١) على التفريق الذي عندهم بين الفرض والواجب (^٢).\n• القول الرابع: أن صلاة العيدين فرض كفاية: أي إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين، وهو قول أحمد في ظاهر المذهب.\nقال ابن قدامة (^٣): وَصَلَاةُ الْعِيدِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، في ظَاهِرِ المذْهَبِ، إذَا قَامَ بِهَا مَنْ يَكْفِي سَقَطَتْ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ ....\nواستدلوا بالقياس، أي قياس صلاة العيدين على صلاة الجنازة، والجهاد.\nقال ابن قدامة (^٤): فَلم تَجِبْ عَلَى الْأَعْيَانِ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ.\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٤).\n(^٢) الحنفية يفرقون بين الفرض والواجب، فيقولون: إن الفرض آكد من الواجب، والفرض ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني، فعندهم العمرة واجبة والحج فرض. انظر: «مذكرة في أصول الفقه» للشنقيطي.\n(^٣) «المغني» (٣/ ٢٥٣)، وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٤٢).\n(^٤) «المغني» (٣/ ٢٥٤).","vol":"1","page":498},{"text":"قال الشوكاني (^١): استدل القائلون بأنه فرض كفاية بالقياس على صلاة الجنازة بجامع التكبير.\nقال الماوردي (^٢): فَذَهَبَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ إِلَى أَنَّهُمَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ؛ لأنها مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، فَاقْتَضَى أَنْ تَكُونَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ كَالْجِهَادِ، فَعَلَى هَذَا لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ حَتَّى يُقِيمَهَا مَنْ يَسْقُطُ الْفَرْضُ بِإِقَامَتِهِ.\nوالراجح، والله أعلم: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي أن صلاة العيدين سنة مؤكدة.\nقال ابن المنذر: في خَبَر طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ الَّذِي فِيهِ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الْإِسْلَامِ فَقال رسول اللهِ ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ في اليوم وَاللَّيْلَةِ» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ تَطَوُّعٌ غَيْرُ مَفْرُوضٍ، وَأَنَّ مَنْ تَرَكَهُ غَيْرُ آثَمٍ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-363> المبحث الرابع: هل يجب قتال بلد تركت صلاة العيدين؟</span>\nأولًا: من قالوا بأن صلاة العيدين فرض، قالوا: يقاتَلون.\nثانيًا: قال العظيم آبادي (^٣): فَإِنْ قُلْنَا: فَرْضُ كِفَايَة، فَامْتَنَعَ أَهْلُ مَوْضِعِ مِنْ إقَامَتُهَا قُوتِلُوا عليها كَسَائِرِ فُرُوض الْكِفَايَةِ.\nثالثًا: من قال: إنَّ صَلَاةَ الْعِيدَيْنِ سُنَّة مُؤَكَّدَة، هل يُقَاتِلَ أَهْلُ بَلَد عَلَى تَرَكَهَا؟ اخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلَيْنِ:\nالقول الأول: لا يقاتلون؛ لأنه تطوع، فلا يقاتلون على تركها كسائر التطوع، ولأن القتل عقوبة لا تتوجه إلى تارك مندوب فلا إثم ولا قتال على تركها.\nالقول الآخر: يقاتلون؛ لأنها من شعائر الإسلام، وفِي تركها تهاون بالشرع، بخلاف سائر التطوع؛ لأنها تُفعل فرادى فلا يظهر تركها كما يظهر في صلاة العيد (^٤)، وهذا هو الراجح، والله أعلم.\n_________\n(^١) «نيل الأوطار» (٣/ ٣٦٨).\n(^٢) «الحاوي» (٣/ ١٠٤).\n(^٣) «عون المعبود» (٣/ ٤٨٤).\n(^٤) انظر: «المهذب» (٥/ ٢) و«المغني» (٣/ ٢٥٤) و«الحاوي» (٣/ ١٠٤).","vol":"1","page":499},{"text":"الفصل الأول شروط صلاة العيدين\nوفيه مباحث\n• المبحث الأول: هل إذن السلطان شرط في صحة صلاة العيدين؟\n• المبحث الثاني: هل يُشترط المصر الجامع في صلاة العيدين؟\n• المبحث الثالث: هل يُشترط الاستيطان لصلاة العيدين أم تُفعل في\nالسفر؟\n• المبحث الرابع: هل يُشترط لصلاة العيدين أن تكون جماعة\nأم تصح من المنفرد؟\n• المبحث الخامس: هل يُشترط لصلاة العيدين الحرية والذكورة والبلوغ؟","vol":"1","page":500},{"text":"<span data-type='title' id=toc-364>الفصل الأول شروط صلاة العيدين</span>\n•<span data-type='title' id=toc-365> المبحث الأول: هل إذن السلطان شرط في صحة صلاة العيدين؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء من المالكية، والشافعية، ورواية عن الحنابلة (^١) إلى أن إذن الإمام ليس شرطًا في صحة صلاة العيدين.\nواستدلوا لذلك بالمأثور والقياس:\nأما دليلهم من المأثور: فعن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال: «صَلَّيْتُ الْعِيدَ مَعَ عَلِيٍّ ﵁ وَعُثْمَانُ ﵁ مَحْصُورٌ، فَصَلَّى ثُمَّ خَطَبَ بَعْدَ الصَّلَاةِ» (^٢).\nوجه الدلالة: ما قاله الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ ذَلِكَ بِشَرْطٍ؛ لما رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ حِينَ كَانَ مَحْصُورًا بِالمدِينَةِ وصَلَّى عَلِيٌّ ﵁ بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ، وَلم يُرْوَ أَنَّهُ صَلَّى بِأَمْرِ عُثْمَانَ ﵁ وَكَانَ الْأَمَرُ بِيَدِهِ.\n٢ - عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ جَدِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ في مَنْزِلِهِ بِالزَّاوِيَةِ، فَإِذَا لم يَشْهَدِ الْعِيدَ بِالْبَصْرَةِ جَمَعَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَوَالِيَهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ مَوْلَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عُتْبَةَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ» (^٣).\nأما دليلهم من المعقول: فكما أنه يجوز صلاة الجمعة وسائر الصلوات بغير إذن الإمام، فكذا صلاة العيدين؛ لأنها عبادة لا تختص بفعل الإمام، وإذا كانت تصح من\n_________\n(^١) «التمهيد» (١٠/ ٢٨٥)، و«معالم السنن» (١/ ٢١١)، و«الإنصاف» (٢/ ٤٢٥).\n(^٢) صحيح: أخرجه ابن شبة (٤/ ١٢١٥) فِي «تاريخ المدينة».\n(^٣) إسناده صحيح: وسيأتي تخريجه إن شاء الله.","vol":"1","page":501},{"text":"الواحد فلا يلزم إذن الإمام (^١).\n• القول الآخر: ذهب أبو حنيفة (^٢)، وأحمد في رواية (^٣) إلى أن إذن السلطان شرط في صحة صلاة العيدين.\nواستدلوا لذلك بالسنة، والمأثور:\nأما دليلهم من السنة: فروى ابن ماجه (^٤) من حديث جابر الطويل وفيه قول النبي ﷺ: «وَاعْلموا أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الْجُمُعَةَ في مَقَامِي هَذَا، في يومي هَذَا، في شَهْرِي هَذَا، مِنْ عَامِي هَذَا، إِلَى يوم الْقِيَامَةِ، فَمَنْ تَرَكَهَا في حَيَاتِي أَوْ بَعْدِي، وَلَهُ إِمَامٌ عَادِلٌ أَوْ جَائِرٌ، اسْتِخْفَافًا بِهَا، أَوْ جُحُودًا لَهَا، فَلَا جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ، وَلَا بَارَكَ لَهُ في أَمْرِهِ».\nوجه الدلالة: أن الجمعة لا تكون إلا بإذن الإمام، والعيد كالجمعة.\nواعْتُرِضَ عليه: بأن هذا الحديث لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nأما دليلهم من المأثور:\nفقال الحسن: «أَرْبَعٌ إلَى السُّلْطَانِ …»، وَذَكَرَ مِنْهَا الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ (^٥).\nواعْتُرِضَ عليه: بأنه لا يصح.\nواستدلوا بأدلة أخرى نظرية، منها: أنه لو لم يشترط السلطان لأدى ذلك إلى الفتنة؛ لأنها تقام بجمع عظيم، فَإِنَّ التَّقَدُّمَ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ المصْرِ يُعَدُّ شَرَفًا وَرِفْعَةً، فَيَتَسَارَعُ\n_________\n(^١) «المغني» (٢/ ٢٤٥)، و«التمهيد» (١٠/ ٢٨٥).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٥)، و«فتح القدير» (٢/ ٧٠).\n(^٣) «الإنصاف» (٢/ ٤٢٥)، و«المغني» (٢/ ١٧٤).\n(^٤) ضعيف جدًّا: أخرجه ابن ماجه (١٠٨١)، قلت: وفِي إسناده عبد الله بن محمد العدوي، وعلي بن زيد، وهما ضعيفان.\n(^٥) ذكره صاحب «فتح القدير» (٢/ ٥٩) والزيلعي فِي «تبيين الحقائق» وفِي حاشية «مراقي الفلاح» (٣٢٨)، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» (٣/ ١٥٧) عَنِ الْحَسَنِ قال: «أَرْبَعٌ إلَى السُّلْطَانِ: الصَّلَاةُ، وَالزَّكَاةُ، وَالْحُدُودُ، وَالْقَضَاءُ». وفي إسناده (عائشة بنت سعد البصرية) لا يُعرف حالها.","vol":"1","page":502},{"text":"إلَيْهِ، كُلُّ مَنْ مَالَتْ هِمَّتُهُ إلَى الرِّيَاسَةِ فَيَقَعُ التَّجَاذُبُ وَالتَّنَازُعُ وَذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى التَّقَاتُلِ (^١).\nواعْتُرِضَ عليه: بأن صلاة الجمع والجماعات تقام بغير إمام، وهي آكد من صلاة العيد، ولا يحدث هذا التنازع، وإنما يكفِي الإمام الراتب الذي يصلي به الجمع.\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء أي أن إذن الإمام ليس شرطًا في صحة صلاة العيدين.\n\n•<span data-type='title' id=toc-366> المبحث الثاني: هل يُشترط المصر الجامع (^٢) في صلاة العيدين؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: عدم اشتراط المصر الجامع في صلاة العيدين، وهو قول مالك والشافعي ورواية عن أحمد (^٣).\nواستدلوا بالسنة والمأثور والمعقول:\nأما دليلهم من السنة: فعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى قُرَى عُرَيْنَةَ، وَفَدَكَ، وَيَنْبُعَ وَنَحْوِهَا مِنَ الْقُرَى مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنَ المدِينَةِ أَنْ يُجَمِّعُوا وَيَشْهَدُوا الْعِيدَيْنِ» (^٤).\nأما دليلهم من المأثور:\n١ - فعَنْ يُونُسَ، قَالَ: حدَّثَنِي بَعْضُ آلِ أَنَسٍ أَنَّ أَنَسًا كَانَ رُبَّمَا جَمَعَ أَهْلَهُ وَحَشَمَهُ يوم الْعِيدِ، فَصَلَّى بِهِمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي عُتْبَةَ رَكْعَتَيْنِ (^٥).\n_________\n(^١) «فتح القدير» (٢/ ٥٥).\n(^٢) وفي تعريف المصر الجامع قال الكاساني فِي «بدائع الصنائع» (١/ ٢٥٩): وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ بَلْدَةٌ كَبِيرَةٌ فِيهَا سِكَكٌ وَأَسْوَاقٌ وَلَهَا رَسَاتِيقُ وَفِيهَا وَالٍ يَقْدِرُ عَلَى إنْصَافِ المظْلُومِ.\n(^٣) «المدونة» (١/ ١٥٦)، وقال الشافعي فِي «الأم» (١/ ٣٦٧): وَلَا أُرَخِّصُ لِأَحَدٍ فِي تَرْكِ حُضُورِ الْعِيدَيْنِ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ، وَأَحَبُّ إليَّ أَنْ يصلى الْعِيدَانِ وَالْكُسُوفُ بِالْبَادِيَةِ التي لَا جُمُعَةَ فيها وَتُصَلِّيهَا المرْأَةُ فِي بَيْتِهَا، وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ تَرْكَهَا.\n(^٤) ضعيف: أخرجه عبد الرزاق (١/ ٣٣٢/ ٥٨٤) عن رجل من أسلم، عن الحجاج بن أرطاة، عن الزهري. ولهذا الأثر ثلاث علل: الأولى: الإرسال، الثانية: الإبهام، الثالثة: ضعف الحجاج.\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٨٣)","vol":"1","page":503},{"text":"٢ - عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ أَسْأَلَهُ عَنِ الْقَوْمِ يَكُونُونَ في الرُسْتَاقِ وَيَحْضُرُهُمَ الْعِيدُ، هَلْ يَجْتَمِعُونَ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَجُلٌ؟ وَعَنِ الْجُمُعَةِ؟ فَكَتَبَ إِلَيَّ: أَمَّا الْعِيدُ فَإِنَّهُمْ يَجْتَمِعُونَ فَيُصَلِّي بِهِمْ رَجُلٌ، وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَلَا عِلم لِي بِهَا (^١).\n٣ - أثر عكرمة: قال في القوم يكونون في السواد في السفر يوم عيد الفطر أو أضحى: يجتمعون فيصلون ويؤمهم أحدهم (^٢).\n٤ - أثر الزهري: قال: كان يستحب لأهل البادية أن يخرجوا يوم العيد فيؤمهم أحدهم (^٣).\nأما دليلهم من المعقول: فهو إذا كانت الجمعة تقام في القرى فالعيد أَوْلى.\nقال ابن رجب: جمهور العلماء على أن الجمعة تقام في القرى، فالعيد أَوْلى. قال: ولا خلاف أنه لا يجب على أهل القرى والمسافرين، وإنما الخلاف في صحة فعلها منهم، والأكثرون على صحته وجوازه، ويستدل لذلك بفعل أنس بن مالك، فإنه كان يسكن خارجًا من البصرة على أميال منها (^٤).\nوكذلك من الأدلة: أن الدين يسر، واشتراط المصر فيه مشقة، والصلاة عمل خير، والله يقول: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ ولو كان اشتراط المصر واجبًا لبينه ﷺ لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾.\n• القول الآخر: ذهب أبو حنيفة إلى اشتراط المصر الجامع في صلاة العيدين (^٥).\nواستدل لذلك بما روي عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: قال عَلِيٌّ: «لَا جُمُعَةَ وَلَا تَشْرِيقَ إِلاَّ في مِصْرٍ جَامِعٍ» (^٦).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٠)\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ١٠)\n(^٣) رجاله ثقات: أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٣٣١/ ٥٨٥٢) عن معمر عن الزهري.\n(^٤) «فتح الباري» (٦/ ١٧٥).\n(^٥) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٦٠، ٢٦١)، «فتح القدير» (٢/ ٥١).\n(^٦) إسناده صحيح: رواه ابن أبي شيبة (١/ ٤٣٩/ ٥٠٥٩) وقد روي مرفوعًا ولا يصح عن رسول الله ﷺ. انظر: «السلسلة الضعيفة» رقم (٩١٧)، وانظر: «أحكام العيدين وبدعها» (ص ٥٧).","vol":"1","page":504},{"text":"قال ابن الهمام (^١): لم يُنْقَلْ عَنِ الصحابَةِ أَنَّهُمْ حِينَ فَتَحُوا الْبِلَادَ اشْتَغَلُوا بِنَصْبِ المنَابِرِ وَالْجُمَعِ إلَّا في الْأَمْصَارِ دُونَ الْقُرَى، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَلَوْ آحَادًا، وَلَوْ مَصَّرَ الْإِمَامُ مَوْضِعًا وَأَمَرَهُمْ بِالْإِقَامَةِ فِيهِ جَازَ، وَلَوْ مَنَعَ أَهْلَ مِصْرٍ أَنْ يُجْمِعُوا لم يُجْمِعُوا ..\nواعترض عليه بأنه ورد عن أنس وغيره.\nفالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من عدم اشتراط المصر لما صح عن أنس أنه كان يكون في منزله بالزاوية، فإن لم يشهد العيد بالبصرة جَمَع أهله وحشمه، يوم العيد، فصلى بهم عبد الله بن أبي عتبة ركعتين … الأثر، ولو كان لابد من اشتراط المصر لما فعل أنس ذلك وهو خادم رسول الله ﷺ، ثم إذا كانت الجمعة تقام في القرى وهي آكد فالعيد أَوْلى لأنه يوم فرح وسرور، واجتماع الناس في القرى الصغيرة إظهار شعيرة من شعائر الإسلام، وشهود الخير ودعوة المسلمين، واشتراط المصر الجامع يكون فيه مشقة لبعض الناس، وربما آل ذلك إلى عدم شهود كثير من المسلمين لصلاة العيد، ولقد كان الرسول ﷺ أمَر الناس بالخروج حتى الحُيض لشهود بركة هذا اليوم، ولو كان المصر شرط لبينه ﷺ، وصلاة العيد فعل خير فتقام في القرى، والله أعلم.\nتنبيه: إذا كان لا يشترط المصر الجامع، فإنه لا ينبغي أن يكون في القرية الواحدة أكثر من مصلى؛ لأنه كلما كثر العدد كان أظهر لتلك الشعيرة، وينعقد العيد بما تنعقد به الجماعة، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-367> المبحث الثالث: هل يُشترط الاستيطان لصلاة العيدين أم تُفعل في السفر؟</span>\nأجمع العلماء على أن المسافرين لا تجب عليهم صلاة العيدين (^٢).\nواختلفوا في جوازها، أو هل تشرع للمسافرين على قولين:\n_________\n(^١) «فتح القدير» (٢/ ٥١)\n(^٢) قال ابن رجب فِي «فتح الباري» (٦/ ١٧٦): ولا خلاف أنه لا يجب على أهل القرى والمسافرين، وإنما الخلاف فِي صحة فعلها منهم والأكثرون على صحته وجوازه.","vol":"1","page":505},{"text":"• القول الأول: ذهب الشافعي وأحمد في رواية: إلى أنه لَا بَأْسَ إنْ صلى قَوْمٌ مُسَافِرُونَ صَلَاةَ الْعِيدٍ (^١).\nواستدلوا لهذا القول بالمأثور:\n١ - أثر الحسن البصري: قال في المسَافِرِ يَأْتِي عَلَيْهِ يوم عِيدٍ: إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْأَضْحَى ذَبَحَ (^٢).\n٢ - كَانَ أَبو عِيَاضٍ، وَمُجَاهِد في يوم فِطْرٍ مُتَوَارِيَيْنِ زَمَانَ الْحَجَّاجِ، فَتَكَلم أَبُو عِيَاضٍ وَدَعَا لَهُمْ، وَأَمَّهُمْ بِرَكْعَتَيْنِ (^٣).\n• القول الثاني: ذهب أبو حنيفة، ومالك، وأظهر الروايتين عند أحمد إلى أن الإقامة شرط في صلاة العيدين (^٤).\nواستدلوا لذلك ببراءة الذمة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (^٥): وَالصَّوَابُ بِلَا رَيْبٍ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ لِلمسَافِرِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُسَافِرُ أَسْفَارًا كَثِيرَةً، وَلم يَنْقُلْ عَنْهُ أَحَدٌ قَطُّ أَنَّهُ صَلَّى في السَّفَرِ لَا جُمُعَةً وَلَا عِيدًا.\nواعْتُرِضَ عليه بما قاله النووي: وأجابوا عن ترك النبي ﷺ العيد بمنى بأنه كان تركها\n_________\n(^١) «الأم» (١/ ٣٦٨)، و«المغني» (٣/ ٢٨٧).\n(^٢) ذكره ابن المنذر فِي «الأوسط» (٤/ ٢٩٣) بدون إسناد قال: روينا عن الحسن.\n(^٣) صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٥٧١٨) وابن أبي شيبة (٢/ ١٨٣).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٥)، و«الأوسط» (٤/ ٢٩٤)، و«المغني» (٣/ ٢٨٧).\n(^٥) «الفتاوى» (٢٤/ ١٧٨). وروى عبد الرزاق (٣/ ٣٠٢) بسند صحيح عن الزهري قال: ليس على المسافر صلاة الأضحى، ولا صلاة الفطر إلا أن يكون فِي مصر أو قرية، فيشهد معهم الصلاة.\nوقال الكاساني «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٥): وَالْإِقَامَةُ مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِهَا كَمَا هِيَ مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَى النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ وَالمجَانِينِ وَالْعَبِيدِ بِدُونِ إذْنِ مَوَالِيهِمْ وَالزَّمْنَى وَالمرْضَى وَالمسَافِرِينَ، كَمَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ لما ذَكَرْنَا فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْأَعْذَارَ لما أَثَّرَتْ فِي إسْقَاطِ الْفَرْضِ فَلَأَنْ تُؤَثِّرَ فِي إسْقَاطِ الْوَاجِبِ أَوْلَى.","vol":"1","page":506},{"text":"لاشتغاله بالمناسك وتعليم الناس أحكامها، وكان ذلك أهم من العيد.\n-والراجح أن صلاة العيد تُشرع للمسافرين، ويُشرع أن يصلوا العيد في السفر كالحضر، من الخطبة والتكبيرات وغيرها مما يُفعل في الحضر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-368> المبحث الرابع: هل يشترط لصلاة العيدين أن تكون جماعة أم تصح من المنفرد؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: إن الجماعة ليست شرطًا في صلاة العيدين، وإنما تصح من المنفرد.\nوهو قول المالكية ومذهب الشافعية في الجديد، والحنابلة في رواية، والظاهرية (^١).\nودليلهم في ذلك ما قاله الشوكاني (^٢): أَصْل كُل صَلاةٍ تَصِحُّ فُرَادَى كما تَصِحُّ جَمَاعَة، وَصَلَاة الْعِيدِ صَلَاة من الصَّلَوَاتِ فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ فُرَادَى كان عليه الدَّلِيلُ، وَلَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ أَنَّهُ ﷺ ما صَلَّاهَا إلَّا جَمَاعَة، فَإِنَّ غَايَةَ مَا يُسْتَفَادُ مِنْ ذلك أَنْ التَّجْمِيعُ في الْعِيدِ أَوْلَى وَلَا شَكَّ في ذلك، وَمَحَلُّ النِّزَاعِ الصحة فَمنْ نَفَاهَا فَهُوَ المحْتَاج إِلَى الدَّلِيلِ.\n• القول الآخر: إن الجماعة شرط في صلاة العيد، ولا تصح من المنفرد.\nوإليه ذهب الحنفية، والشافعية في القديم، ورواية عن أحمد (^٣).\nوالراجح أن الجماعة ليست شرطًا في صحة صلاة العيد، وأنه يصح للمسافر إذا كان وحده أن يصليها أو تأخر عنها أن يصليها منفردًا، وإن كانت الجماعة أفضل لما فيها من إظهار هذه الشعيرة وشهود بركة هذا اليوم، ويصلي المنفرد كما يصلي الإمام بالتكبيرات ولا يخطب، والله أعلم.\n_________\n(^١) «الحاوي» (٣/ ١٢٠) قال الشافعي: يصلي العيد المنفرد وفِي بيته، «رد المحتار» (٣/ ٤٦)، «المجموع» (٥/ ٢٦)، «المغني» (٣/ ٢٨٧)، و«المحلى» (٤/ ٨٦).\n(^٢) «السيل الجرار» (١/ ٣١٦).\n(^٣) «رد المحتار» (٣/ ٤٦)، «المجموع» (٥/ ٢٦)، «المغني» (٣/ ٢٨٧).","vol":"1","page":507},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-369> المبحث الخامس: هل يشترط لصلاة العيدين الحرية والذكورة والبلوع أم أنها تصح من العبد والمرأة والصبي؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه تصح صلاة العيدين للعبد والمرأة والصبي، وبه قال مالك، والشافعي (^١).\nواستدلوا بحديث أُمّ عَطِيَّةَ قالت: «أُمِرْنَا أَنْ نَخْرُجَ فَنُخْرِجَ الْحُيَّضَ وَالْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ».\nوفي أمر النبي ﷺ بخروج النساء دليل علي صحة صلاة العيدين للنساء.\nوروى البخاري عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَابِسٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ: أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَلَوْلَا مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ.\nوفي حديث ابن عباس أنه لم يشهد صلاة العيد مع النبي ﷺ إلا وهو صبي صغير لم يحتلم، وفيه دليل علي صحة صلاة الصبي للعيدين.\n• القول الآخر: ذهب الحنفية إلى أنه يشترط لصلاة العيدين الذكورة والعقل والبلوغ.\nقال الكاساني (^٢): وَكَذَا الذُّكُورَةُ، وَالْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَصحةُ الْبَدَنِ، وَالْإِقَامَةُ - مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِهَا كَمَا هِيَ مِنْ شَرَائِطِ وُجُوبِ الْجُمُعَةِ حَتَّى لَا تَجِبَ عَلَى النِّسْوَانِ وَالصِّبْيَانِ وَالمجَانِينِ وَالْعَبِيدِ بِدُونِ إذْنِ مَوَالِيهِمْ.\nوالراجح: أنه لا يشترط الذكورة والبلوغ، فحديث أم عطية يدل على استحباب صلاة العيدين للنساء، وأنه لا يشترط الذكورة، وحديث ابن عباس يدل على أن صلاة العيدين مشروعة للصبيان، والعبد إذا أذِن له سيده، فتشرع له صلاة العيد.\n* * *\n_________\n(^١) «المدونة» (١/ ١٥٥)، «الأم» (١/ ٣٦٨).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٥).","vol":"1","page":508},{"text":"الفصل الثاني بين يدي صلاة العيد\nوفيه مباحث\n• المبحث الأول: ليس للعيدين أذان ولا إقامة\n• المبحث الثاني: هل ينادى لصلاة العيد بقول: «الصلاة جامعة؟»\n• المبحث الثالث: صلاة العيد ركعتان.\n• المبحث الرابع: وقت صلاة العيدين.\n• المبحث الخامس: صلاة النافلة قبل صلاة العيد وبعدها.\n• المبحث السادس: اتخاذ الإمام سترة لصلاة العيد.","vol":"1","page":509},{"text":"<span data-type='title' id=toc-370>الفصل الثاني بين يدي صلاة العيد</span>\nوفيه مباحث:\n\n•<span data-type='title' id=toc-371> المبحث الأول: ليس للعيدين أذان ولا إقامة:</span>\nأجمع العلماء على أنه لا أذان ولا إقامة للعيدين.\nقال ابن رجب (^١): ولا خلاف بين أهل العلم في هذا، وأن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يصلون العيد بغير أذان ولا إقامة.\nقال مالك: تلك السُّنة التي لا اختلاف فيها، واتفق العلماء على أن الأذان والإقامة للعيدين بدعة ومحدث.\nقال البغوي (^٢): وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلم، مِنْ أصحاب النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّهُ لا أَذَانَ وَلا إِقَامَةَ لِصَلاةِ الْعِيدِ، وَلا لِشَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-372> المبحث الثاني: هل ينادي لصلاة العيد بقوله: «الصلاة جامعة»؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى عدم استحباب ذلك؛ لعدم وروده عن رسول الله ﷺ ولا صحابته الكرام.\nوذهب الشافعي إلى استحباب أن ينادي في العيدين بقوله (الصلاة جامعة)\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٦/ ٩٥).\n(^٢) «شرح السنة» (٤/ ٢٩٧)، قال ابن قدامة: وَلَا نَعْلم فِي هَذَا خلافًا مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ أَذَّنَ وَأَقَامَ. وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ أَذَّنَ فِي الْعِيدِ ابْنُ زِيَادٍ. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ، عَلَى أَنَّهُ لَا يُسَنُّ لَهَا أَذَانٌ وَلَا إقَامَةٌ. وانظر «المغني» (٣/ ٢٦٧).","vol":"1","page":510},{"text":"واستدل لذلك بما ورد عن الزهري: كان النبي ﷺ يَأْمُرُ في الْعِيدَيْنِ المؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ.\nواعْتُرِض عليه بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nواستدلوا بالقياس على صلاة الكسوف، فكما ينادي إلى صلاة الكسوف «الصلاة جامعة» فكذا صلاة العيد.\nواعترض عليه بأن هذا قياس مع الفارق، فإن الناس يعلمون وقت صلاة العيد، ولذا لا يحتاجون إلى هذا، بخلاف صلاة الكسوف.\nقال ابن رجب (^١): واستحب ذلك الشافعي وأصحابنا، واستدلوا بمرسل الزهري وهو ضعيف، وبالقياس على صلاة الكسوف، فإن النبي ﷺ صح عنه أنه أرسل مناديًا ينادي: الصلاة جامعة. وقد يفَرَّقَ بين الكسوف والعيد بأن الكسوف لم يكن الناس مجتمعين له، بل كانوا متفرقَين في بيوتهم وأسواقهم. فنودوا لذلك، وأما العيد فالناس كلهم مجتمعون له قبل خروج الإمام.\n\n•<span data-type='title' id=toc-373> المبحث الثالث: صلاة العيد ركعتان:</span>\nاتفق العلماء على أن صلاة العيد مع الإمام ركعتان.\nقال ابن قدامة (^٢): لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلم في أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَانِ، وَفِيمَا تَوَاتَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى الْعِيدَ رَكْعَتَيْنِ، وَفَعَلَهُ الْأَئِمَّةُ بَعْدَهُ إلَى عَصْرِنَا، لم نَعْلم أَحَدًا فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَا خَالَفَ فِيهِ.\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٦/ ٩٥).\n(^٢) «المغني» (٣/ ٢٦٥). وقد نقل الإجماع النووي «المجموع» (٥/ ١٦)، وابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص ٣٢) وغيرهم.","vol":"1","page":511},{"text":"وفي «الصحيحين» (^١) من حديث ابن عباس ﴿: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يوم الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لم يُصَلِّ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا».\n\n•<span data-type='title' id=toc-374> المبحث الرابع: وقت صلاة العيدين:</span>\nأجمعوا على أن العيد لا يصلى قبل طلوع الشمس (^٢).\nواتفقوا على أن قدر ما بين ارتفاع الشمس قدر رمح إلى زوالها وقت صلاة العيدين على أهل الأمصار (^٣).\nوقال الشيخ ابن عثيمين: صلاة العيد وقتها كصلاة الضحى، ومعلوم أن صلاة الضحى تكون من ارتفاع الشمس قدر رمح (^٤)، والدليل الأول: أن النبي وخلفاءه الراشدين لم يصلوها إلا بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، والثاني أن ما قبل ذلك وقت نهي، ولا يمكن أن يكون وقت النهي للصلاة (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-375> المبحث الخامس: صلاة النافلة قبل صلاة العيد وبعدها:</span>\nأجمع العلماء على أنه ليس لصلاة العيد سنة قبلها ولا بعدها (^٦).\nواختلفوا في جواز مطلق التنفل في المصلى قبل صلاة العيد وبعدها على أقوال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٦٤)، ومسلم (٨٨٤).\n(^٢) «شرح ابن بطال» (٢/ ٥٦٠)\n(^٣) مراتب الإجماع (ص ٣٢).\n(^٤) قال ابن رجب (فتح البارى) (٦/ ١٠٤): وقد اختلف في أول وقت صلاة العيد.\nفقال أبو حنيفة وأحمد: أول وقتها إذا ارتفعت الشمس، وزوال وقت النهي وهو أحد الوجهين للشافعية، والثاني: أول وقتها إذا طلعت الشمس وإن لم يزل وقت النهى. وهو قول مالك.\n(^٥) «الشرح الممتع» (٥/ ١٥٤).\n(^٦) «المجموع» (٥/ ١٣).","vol":"1","page":512},{"text":"• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يتنفل قبل صلاة العيد ولا بعدها (^١) وممن ذهبوا إلى هذا من أصحاب النبي ﷺ ابن عمر (^٢) وسلمة بن الأكوع (^٣) ومن التابعين: ابن سيرين (^٤) والشعبي ومسروق وشريح (^٥) والزهري والضحاك وعمر بن عبد العزيز (^٦).\nواستدلوا لذلك بما ورد في الصحيحين (^٧) من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى يَوْمَ الفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ، لم يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا».\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٢٠)، «المغني» (٣/ ٢٨٠).\n(^٢) روى مالك (الموطأ) (٥٩٣) وغيره بسند صحيح عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ لم يَكُنْ يُصَلِّي يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ وَلَا بَعْدَهَا. وإسناده صحيح.\n(^٣) روي الفريابي (أحكام العيدين) (١٧٣) بسند صحيح عن يَزِيد بْن أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ =\n= سَلمةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ فَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا المصَلَّى، فَجَلَسَ وَجَلَسْتُ حَتَّى جَاءَ الْإِمَامُ، فَصَلَّى وَلم يُصَلِّ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا، ثُمَّ رَجَعَ. وروى هذا المعنى عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو وكعب بن عجرة وابن عباس، ولكن هذه الآثار لا تخلو من مقال. وانظر: «أحكام العيدين وبدعها» لأخي في الله/ رمزي صادق (ص ٢٦٦ - ٢٦٩).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٩٨).\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه الفريابي في «أحكام العيدين».\n(^٦) روى عبد الرزاق (٣/ ٢٧٥) عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «مَا عَلمنَا أَحَدًا كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَا بَعْدَهُ». وتابع معمرًا يونس عند الفريابي «أحكام العيدين» (١٦٣) وسنده صحيح. وروى ابن أبي شيبة (١/ ٤٩٨) بسند صحيح عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: «لَا صَلَاةَ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا». وروى الفريابي «أحكام العيدين» (١٦٦) بسند صحيح عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّهُ كَانَ لَا يُسَبِّحُ قَبْلَ الْعِيدَيْنِ وَلَا بَعْدَهُمَا.\n(^٧) البخاري (٩٦٤) ومسلم (٨٨٤).","vol":"1","page":513},{"text":"• القول الثاني: ذهب الحنفية إلى جواز صلاة التطوع بعد الخطبة في المصلى دون ما قبلها (^١).\nواستدلوا لذلك بالمأثور: «كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُصَلِّي بَعْدَ الْعِيدَيْنِ أَرْبَعًا» (^٢).\nوعَنْ عَاصِمٍ قَالَ: «رَأَيْتُ الْحَسَنَ، وَابْنَ سِيرِينَ يُصَلِّيَانِ بَعْدَ الْعِيدِ وَيُطِيلَانِ الْقِيَامَ» (^٣).\nوعن أبي إسحاق قال: «كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَإِبْرَاهِيمُ، وَعَلْقَمَةُ يُصَلُّونَ بَعْدَ الْعِيدِ أَرْبَعًا» (^٤).\n• القول الثالث: جواز النافلة قبل صلاة العيد لا بعدها (^٥)\nواستدلوا لهذا القول بالمأثور: عَنِ سليمان التَّيْمِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ أَنَسًا، وَالْحَسَنَ، وَسَعِيدَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ يُصَلُّونَ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ (^٦).\nأثر عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْقَاسِمِ: «أَنَّ أَبَاهُ الْقَاسِمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ أَنَّ يَغْدُوَ إِلَى المصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ» (^٧).\nوصح عن أبي بَرْزَةَ: أنه كَانَ يُصَلِّي في الْعِيدِ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ.\nوكذا صح عن الأسود ومكحول (^٨).\n_________\n(^١) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٨٠)، و«المبسوط» (٢/ ٤٠).\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٩٩).\n(^٣) رجاله ثقات: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٩٩).\n(^٤) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٩٨).\n(^٥) «فتح الباري» (٢/ ٥٥٢).\n(^٦) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٣/ ٢٧١) وابن أبي شيبة (١/ ٤٩٩).\n(^٧) إسناده صحيح: رواه مالك (الموطأ) (١/ ٢٣١)\n(^٨) كما عند ابن أبي شيبة (المصنف) (١/ ٤٩٩)","vol":"1","page":514},{"text":"• القول الرابع: ذهب الشافعي إلى جواز التنفل قبل صلاة العيد وبعدها (^١).\nواستدلوا لذلك بالمأثور:\nأثر صفوان بن محرز: كَانَتْ صَلَاةُ صَفْوَانَ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ خُرُوجِ الإِمَام، وَرَكْعَتَيْنِ مَعَ الإِمَامِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الإِمَامِ (^٢).\nمما سبق يتبين الآتي:\nأجمع العلماء على أنه ليس لصلاة العيد سنة قبلية ولا بعدية، أما التنفل المطلق فذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يصلي في المصلى قبل صلاة العيد ولا بعدها لصحة ذلك عن النبي ﷺ.\nأما الشافعي فقال: وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يَتَنَفَّلَ المأْمُومُ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا في بَيْتِهِ وَفِي المسْجِدِ وَطَرِيقِهِ وَالمصَلَّى وَحَيْثُ أَمْكَنَهُ التَّنَفُّلُ إذَا حَلَّتْ صَلَاةُ النَّافِلَةِ بِأَنْ تَبْرُزَ الشَّمْسُ.\nقال ابن عبد البر (^٣): الصَّلَاةُ فِعْلُ خَيْرٍ، فَلَا يَجِبُ المنْعُ مِنْهَا إِلَّا بِدَلِيلٍ لَا مُعَارِضَ لَهُ فِيهِ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ يَوْمَ الْعِيدِ كَغَيْرِهِ في الْأَوْقَاتِ المنْهِيِّ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ كَغَيْرِهِ في الْإِبَاحَةِ، وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ في المسْجِدِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَكَيْفَ في المصَلَّى؟ وَمَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أَحْسَنَ.\nفأما ترك النبي ﷺ للصلاة فقد قال ابن رجب (^٤): وقد اختلف الناس في معنى ترك النبي (الصلاة يوم العيد قبلها وبعدها): فمنهم من قال: لأنه كان إمامًا، والإمام لا يتطوع في موضع صلاة العيد قبلها ولا بعدها؛ لأن حضوره كإقامة الصلاة، فلا يتطوع بعده، وإذا خطب انصرف وانصرف الناس معه، فلو صلى فلربما احتبس الناس له،\n_________\n(^١) الأم (١/ ٣٥٨)\n(^٢) إسناده حسن: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٥٠٠)\n(^٣) «الاستذكار» (٧/ ٥٨).\n(^٤) «فتح الباري» (٦/ ١٨٦).","vol":"1","page":515},{"text":"وفيه مشقة.\nقال ابن حزم (^١): وَالتَّنَفُّلُ قَبْلَهُمَا في المصَلَّى حَسَنٌ، فَإِنْ لم يَفْعَلْ فَلَا حَرَجَ؛ لِأَنَّ التَّنَفُّلَ فِعْلُ خَيْرٍ.\nفَإِنْ قِيلَ: قَدْ صح أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم يُصَلِّ قَبْلَهُمَا، وَلَا بَعْدَهُمَا؟\nقُلْنَا: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ الْإِمَامَ، وَكَانَ مَجِيئُهُ إلَى التَّكْبِيرِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ بِلَا فَصْلٍ، وَلم يَنْهَ -عليه لسلام- قَطُّ - لَا بِإِيجَابٍ وَلَا بِكَرَاهَةٍ - عَنْ التَّنَفُّلِ في المصَلَّى قَبْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَبَعْدَهَا، وَلَوْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً لِبَيْنِهَا ﵇.\n\n•<span data-type='title' id=toc-376> المبحث السادس: اتخاذ الإمام سترة لصلاة العيد:</span>\nروى البخاري من حديث ابن عمر: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ تُرْكَزُ الْحَرْبَةُ قدامه يوم الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ ثمَّ يُصَلِّي» (^٢).\nقال ابن بطال: حمل العنزة والحربة بين يديه لتكون له سترة في صلاته إذا كانت المصلى في الصحراء، ولم يكن فيها من البنيان ما يستتر به، ومن سنته ﵇ أن لا يصلي المصلي إلا إلى سترة إمامًا كان أو منفردًا.\nفإن قيل: فقد صلى ﵇ بمنى إلى غير جدار في حديث ابن عباس حين نزل عن الأتان ومر بين يدي بعض الصف.\nقيل له: هذا يدل من فعله ﵇ أن السترة للمصلي ليست بفريضة، وأنها سنة مستحبة؛ لأن صلاته بمنى إلى غير السترة نادرًا من فعله ﵇، والذي واظب عليه طول دهره الصلاة إلى سترة (^٣).\n_________\n(^١) «المحلى» (٥/ ٩٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٩٤، ٩٧٢).\n(^٣) «شرح البخاري» لابن بطال (٢/ ٥٦٧).","vol":"1","page":516},{"text":"الفصل الثالث صفة صلاة العيدين\nصفة صلاة العيدين المجزئة كصفة سائر الصلوات.\nوسوف نفصل ما تختص به صلاة العيدين من أحكام.\nوفيه مباحث:\n• المبحث الأول: موضع دعاء الاستفتاح\n• المبحث الثاني: رفع الأيدي في تكبيرات صلاة العيد\n• المبحث ا لثالث: عدد التكبيرات الزوائد في ركعتي العيد\n• المبحث الرابع: هل يشرع الذكر بين كل تكبيرتين؟\n• المبحث الخامس: التعوذ قبل الفاتحة\n• المبحث السادس: الجهر بالقراءة في صلاة العيد\n• المبحث السابع: ما يقرأ في صلاة العيدين\n• المبحث الثامن: الحكمة في القراءة في العيدين بالسور المذكورة","vol":"1","page":517},{"text":"<span data-type='title' id=toc-377>الفصل الثالث صفة صلاة العيدين</span>\nقال النووي ﵀ (^١): وَصِفَتُهَا المجزئة كصفة سائر الصلوات وسننها وهيئاتها كَغَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ، وَيَنْوِي بِهَا صَلَاةَ الْعِيدِ.\nوسوف نفصل ما تختص به صلاة العيدين من أحكام:\n\n•<span data-type='title' id=toc-378> المبحث الأول: موضع دعاء الاستفتاح:</span>\nهل بعد تكبيرة الإحرام قبل التكبيرات الزوائد أو بعدها؟\nذهب جمهور العلماء إلى استحباب دعاء الاستفتاح عقب تكبيرة الإحرام قبل التكبيرات الزوائد (^٢).\nواستدلوا بأن الاستفتاح شُرع ليستفتح به الصلاة، فكان في أولها بعد تكبيرة الإحرام كسائر الصلوات.\nوذهب ابن أبي ليلى، والأوزاعي، وقول عند الشافعية، ورواية عن أحمد إلى أن دعاء الاستفتاح يكون عقب التكبيرات الزوائد.\nوذهب أحمد في رواية إلى أن المصلى مخير بين أن يستفتح بعد تكبيرة الإحرام أو التكبيرات الزوائد.\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء من استحباب دعاء الاستفتاح عقب تكبيرة الإحرام؛ لأنه يستفتح به الصلاة (^٣)، والله أعلم.\n_________\n(^١) «المجموع» (٥/ ١٦).\n(^٢) انظر: «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٧)، و«المجموع» (٥/ ١٧)، و«الإنصاف» (٢/ ٤٢٧)، و«مسائل عبد الله لأبيه» رقم (٤٨٧)، و«المغني» (٣/ ٢٧٣).\n(^٣) ومن أشهر صيغ دعاء الاستفتاح: ما رواه البخاري (٧٤٤) من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال:\nكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً. قال: أَحْسِبُهُ قَالَ: هُنَيَّةً فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ المشْرِقِ وَالمغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالماءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ».\nوروى مسلم (٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: «وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ المشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ المسْلمينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الملِكُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلمتُ نَفْسِى وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِى، فَاغْفِرْ لِى ذُنُوبِى جَمِيعًا إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِى لأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِى لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّى سَيِّئَهَا لَا يَصْرِفُ عَنِّى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْكَ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ».","vol":"1","page":518},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-379> المبحث الثاني: رفع الأيدى في تكبيرات صلاة العيد:</span>\nاختلف أهل العلم في رفع الأيدي في تكبيرات العيد على أقوال:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى استحباب رفع الأيدي في كل تكبيرة من التكبيرات الزائدة، وإليه ذهب الحنفية، وقول لمالك، والشافعية، والحنابلة (^١).\nواستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور:\nأما دليلهم من السنة: فعموم قول النبي ﷺ: «لَا تُرْفَعُ الْأَيْدِي إلَّا في سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: في افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَقُنُوتِ الْوِتْرِ وَفِي الْعِيدَيْنِ …» (^٢).\nوأما دليلهم من المأثور:\n_________\n(^١) «المبسوط» (٢/ ٣٩)، وأخرج الفريابي (١٣٦) بإسناد صحيح قال: ثنا صفوان ثنا الوليد قال: سألت مالك بن أنس عن ذلك فقال: نعم، ارفع يديك مع كل تكبيرة ولم أسمع فيه شيئًا. مع أن المشهور عند مالك خلاف ذلك. وقال الشافعي فِي «الأم» (١/ ٣٦٣): وَيَرْفَعُ المكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ يَدَيْهِ عِنْدَ كل تَكْبِيرَة. وعبد الله فِي «مسائله» رقم (٤٧٨)\n(^٢) لا أصل له: ولم أقف عليه، وذكره الزيلعي فِي «نصب الراية» (١/ ٣٨٩)، وقال: غريب بهذا اللفظ، وذكر طرقه وللمزيد انظر: «السلسلة الضعيفة» (١٠٥٣، ١٠٥٤).","vol":"1","page":519},{"text":"١ - فكَانَ عمر بن الخطاب يَرْفَعُ يَدَيْهِ في كُلِّ تَكْبِيرَةٍ عَلَى الْجَنَازَةِ وفِي الفطر والأضحى (^١).\n٢ - وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: يَرْفَعَ الْإِمَامُ يَدَيْهِ كُلما كَبَّرَ هَذِهِ التَّكْبِيرَة الزِّيَادَةِ في صَلَاةِ الْفِطْرِ؟ قال: نعم، وَيَرْفَعَ النَّاسِ أَيْضًا (^٢).\n٣ - وعن الوليد قال: قلت للأوزاعي: فأرفع يدي كرفعي في تكبيرة الصلاة؟ قال: نعم، ارفع يديك مع كلهن (^٣).\n• القول الثاني: ذهب أبو يوسف من الحنفية (^٤)، ومالك في المشهور عنه: إلى أن المكبر لا يرفع يديه في تكبيرات العيد الزوائد.\nواستدلوا بحديث عَبْد اللَّهِ بْن مَسْعُودٍ: «أَلَا أُصَلِّى بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَصَلَّى فَلم يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلاَّ في أَوَّلِ مَرَّةٍ» (^٥).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن المنذر فِي «الأوسط» (٤/ ٢٨٢)، وفِي إسناده ابن لهيعة وهو سيئ الحفظ، وأخرجه البيهقي فِي «السنن الكبرى» (٣/ ٢٨٣) من طريق ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن عمر، وبكر لم يدرك عمر.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه البيهقي (٣/ ٢٩٣).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه الفريابي (١٣٦).\n(^٤) ذكره برهان الدين المرغيناني (٢/ ٧٧): وعن أبي يوسف، وفِي «المدونة» (١/ ١٥٥) قال مالك: وَلَا يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ من تَكْبِيرِ الْعِيدَيْنِ إِلَا فِي الْأُولَى.\n(^٥) ضعيف (معل): وله طرق عن ابن مسعود بألفاظ مختلفة.\nفرواه وكيع عن سفيان عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن ابن مسعود به. أخرجه أبو داود (٧٤٨)، والترمذي (٢٥٧)، وأحمد (١/ ٣٨٨، ٤٤٢) وغيرهم.\nورواه النسائي (١٠٢٥) وفِي «الكبرى» (٦٤٥) من طريق ابن المبارك عن سفيان عن عاصم عن عبد الرحمن عن علقمة، عن عبد الله، وزاد: «ثم لم يعد».\nوقال ابن أبي حاتم فِي «العلل» (١/ ٩٦): سَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ فَكَبَّرَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ لم يَعُدْ. قَالَ أَبِي: هَذَا خَطَأٌ، يُقَالُ وَهِمَ فِيهِ الثَّوْرِيُّ وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ عَاصِمٍ جَمَاعَةٌ، فَقَالُوا كُلُّهُمْ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ افْتَتَحَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ رَكَعَ فَطَبَّقَ وَجَعَلَهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، وَلم يَقُلْ أَحَدٌ مَا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ. وقد ضعف أحمد زيادة: «ثم لا يعود» كما في مسائل عبد الله (٧٠ - ٧١)، وانظر «علل الدارقطني» (٥/ ١٧٢، ١٧٣)، و«نصب الراية» (١/ ٣٩٦).\nورواه ابن إدريس عن عاصم عن عبد الرحمن عن علقمة عن ابن مسعود ﵁ قال: «عَلمنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ فَقَامَ فَكَبَّرَ، فَلما أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ، طَبَّقَ يَدَيْهِ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، وَرَكَعَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ سَعْدًا، فَقَالَ: صَدَقَ أَخِي، قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ هَذَا، ثُمَّ أُمِرْنَا بِهَذَا» أخرجه أبو داود (٧٤٧)، والبخاري فِي رفع اليدين رقم (٣٣)، وقال: هذا المحفوظ عن أهل النظر من حديث عبد الله بن مسعود.\nوأخرجه الدارقطني (١/ ١٩٥)، وأبو يعلى (٥٠٣٩)، وغيرهما بلفظ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلم يَرْفَعُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَّا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ»، قال الدارقطني: تفرد به محمد ابن جابر وكان ضعيفًا عن حماد عن إبراهيم. وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلًا عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي ﷺ وهو الصواب.\nورواه حصين عن إبراهيم عن ابن مسعود موقوفًا: كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ شَيْءٍ ثُمَّ لَا يَرْفَعُ بَعْدُ. عند عبد الرزاق (٢٥٣٣، ٢٥٣٤)، وتابع حصينًا أبو معشر كما عند ابن أبي شيبة (٢٤٤٣) فرواه عن إبراهيم عن عبد الله: أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي أَوَّلِ مَا يَسْتَفْتِحُ، ثُمَّ لَا يَرْفَعُهُمَا.","vol":"1","page":520},{"text":"وفِي رواية: «ثم لم يعد». عَنِ الْبَرَاءِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ لَا يَعُودُ (^١).\n_________\n(^١) ضعيف: مدار هذا الحديث على يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء به.\nواختلف على يزيد، فرواه جماعة الثقات الأثبات بدون لفظة «ثم لا يعود». ومنهم سفيان كما عند أبي داود (٧٨٠)، والحميدي (٧٢٤)، وعبد الرازق (٢٥٣٠)، وأحمد (٤/ ٣٠١، ٣٠٣)، وغيرهم. وأخرجه أبو داود (٧٤٩)، من طريق شريك، وعبد الرزاق (٥٣١) من طريق ابن عيينة، والدارقطني (١/ ٢٩٣) من طريق إسماعيل بن زكريا، والطحاوي «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٤) من طريق مؤمل بن إسماعيل بزيادة «ثم لا يعود» وهذه اللفظة مدرجة، قال الحافظ في «التلخيص الحبير» (١/ ٢٢١): اتفق الحفاظ على قوله «ثم لا يعود» مدرج فِي الخبر من قول يزيد بن أبي زياد. ومدار هذا الحديث علي يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف، وقال أحمد بن حنبل: لا يصح هذا الحديث كما في البيهقي «السنن» (٢/ ٧٦). وروى أبو داود (٧٥٢)، وابن أبي شيبة (٢٤٤٠)، والطحاوي «شرح معاني الآثار» (١/ ٢٢٤)، من طريق الحكم وعيسى عن عبد الرحمن ابن أبي ليلي عن البراء به، وابن أبي ليلي سيئ الحفظ.","vol":"1","page":521},{"text":"• القول الثالث: أنه مخير في رفع الأيدي، وهو رواية عن أحمد، ونقله ابن المنذر عن مالك (^١).\nقال ابن رشد: وَمِنْهُمْ مَنْ خَيَّرَ.\nقال ابن المنذر: وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ في ذَلِكَ سُنَّةٌ لَازِمَةٌ فَمَنْ شَاءَ رَفَعَ يَدَيْهِ فِيهَا كُلِّهَا، وَفِي الْأُولَى أَحَبُّ إِلَيَّ.\nوالراجح: ما ذهب إليه جمهور العلماء، أي رفع الأيدي في تكبيرات العيد الزوائد، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-380> المبحث الثالث: عدد التكبيرات الزوائد في ركعتي العيد:</span>\nاختلف أهل العلم في عدد التكبيرات الزوائد في ركعتي العيد على أقوال من أهمها:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة (^٢) إلى أن التكبير في الركعة الأولى سبع وفِي الثانية خمس (^٣) وصح ذلك عن أبي هريرة (^٤) وابن عباس (^٥).\nواستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور:\nعَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ في الْفِطْرِ وَالأَضْحَى، في الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا (^٦).\n_________\n(^١) «الأوسط» (٤/ ٢٨٣).\n(^٢) «المدونة» (١/ ١٥٥)، «المجموع» (٥/ ١٥)، «المغني» (٣/ ٢٧١). قال أبو داود «سؤالاته» (٤٢١): قلت: لأحمد بن حنبل: تكبير العيدين. قال: يُكَبِّرُ فِي الْأُولَى سَبْعًا وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا، يُكَبِّرُ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ إذَا افْتَتَحَ مع تَكْبِيرَةِ الِافْتِتَاحِ، يَرْفَعَ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ، وَهِيَ ثَامِنَةٌ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُكَبِّرُ خَمْسُ تَكْبِيرَاتٍ يَرْفَعَ يَدَيْهِ فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ يَقْرَأَ، ثُمَّ يُكَبِّرُ فَيَرْكَعَ.\n(^٣) هل هذه التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام؟ قال ابن عبد البر «الاستذكار» (٧/ ٥٠): واتفق - أي الأئمة الثلاثة-عَلَى أَنَّ الْخَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ غَيْرُ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ (أ-هـ)، واختلفوا فِي الركعة الأولى فقَالَ الشَّافِعِيّ هُوَ سَبْع فِي الْأُولَى غَيْر تَكْبِيرَة الْإِحْرَام، وَقَالَ مَالِك وَأَحْمَد وَأَبُو ثَوْر كَذَلِكَ، لَكِنْ سَبْع فِي الْأُولَى إِحْدَاهُنَّ تَكْبِيرَة الْإِحْرَام. انظر «شرح مسلم» (٢/ ٤٨٥).\n(^٤) أخرجه مالك «الموطأ» (١/ ٢٣٠)، وغيره عن نافع. وإسناده صحيح.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٧١٠) بإسناد صحيح.\n(^٦) أخرجه أبو داود (١١٤٩) وغيره، عن ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة به. =","vol":"1","page":522},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه أحمد في «المسند» (٦/ ٧٠). عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة، وزاد فيه: «سِوَى تَكْبِيرَتَيْ الرُّكُوعِ». وهذا الحديث اختلف فيه على ابن لهيعة ألوانًا، وعلى كلٍّ فمداره على ابن لهيعة وفيه ضعف. ولهذا الحديث شواهد:\n١ - حديث ابْن عُمَرَ ﴿عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي تَكْبِيرِ الْعِيدَيْنِ: فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى سَبْعًا، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ أخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار) (٤/ ٣٤٤)، والدارقطني (٢/ ٤٨)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٥/ ٧٦)، وقد اختلف فِي هذا ألوانًا، مما يدل على أنه اضطرب فيه. والفرج بن فضالة ضعيف، وقد أخرجه الخطيب «تاريخ بغداد» (١٠/ ٣٦٤)، من طريق عبد الله بن عبد الحكم المصري عن مالك عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، وعبد الله بن عبد الحكم خالف الثقات الذين روه عن مالك عن نافع عن أبي هريرة، وقد أعله البخاري وابن أبي حاتم، وقد قال البخاري في «العلل الكبير» للترمذي (ص ٩٤) حديث (١٥٦): وحديث الفرج بن فضالة عن عبد الله عن نافع بن عمر عن النبي ﷺ بهذا خطأ، الفرج بن فضالة ذاهب الحديث. والصحيح ما روى مالك، وعبد الله، والليث، وغير واحد من الحفاظ عن نافع عن أبي هريرة فعله. وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٢٠٧/ ٥٩٧): سألتُ أبي عن حديثٍ رواه نافع بن أبي نعيم عن نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر أَنه كان يكبر في العيدين سبعا … قال أبي هذا خطأ روى هذا الحديث، عن أبي هُرَيرة أَنه كان يكبر. وله ٢ - وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد (٢/ ٣٥٦)، وفي إسناده: ابن لهيعة وهو ضعيف. وأخرجه ابن عدي (٢/ ٤٨) وفِي إسناده بركة بن محمد، قال الدارقطني: يضع الأحاديث. والصحيح فِي هذا الحديث الوقف على أبي هريرة. وبذلك قال البخاري كما فِي «علل الترمذي» (ص ٩٤) والدارقطني (١٦٣٢) قال: والصحيح عن مالك وعبيد الله وشعيب بن أبي حمزة عن نافع أنه صلى خلف أبي هريرة … موقوفًا.\n٣ - وعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النبي ﷺ كَبَّرَ في الْعِيدَيْنِ في الأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِى الآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. أخرجه الترمذي (٥٣٦)، وابن ماجه (١٢٧٩)، وغيرهما، وفِي إسناده: كثير بن عبد الله بن عمرو: متروك.\n٤ - وحديث سعد: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ فِي الْعِيدَيْنِ، فِي الأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. أخرجه ابن ماجه (١٢٧٧)، وفِي إسناده: عبد الرحمن بن سعد، وأبوه وكلاهما ضعيف.\n٥ - وحديث جابر: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُكَبَّرَ لِلصَّلَاةِ في الْعِيدَيْنِ سَبْعًا وَخَمْسًا، يُذْكَرُ اللَّهُ مَا بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ. أخرجه البيهقي (٣/ ٢٩٢)، وفِي إسناده علي بن عاصم فيه ضعف.","vol":"1","page":523},{"text":"• القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أنَّ التَّكْبِيرَ في صَلَاةِ الْعِيدِ تِسْعٌ: خَمْسٌ في الرَّكْعَةِ الْأُولَى فِيهَا تَكْبِيرَةُ الِافْتِتَاحِ وَالرُّكُوعِ، وَأَرْبَعٌ في الثَّانِيَةِ فِيهَا تَكْبِيرَةُ الرُّكُوعِ (^١).\nالحاصل: ذهب جمهور العلماء إلى أن التكبير في صلاة العيدين في الركعة الأولى سبع، وفي الركعة الثانية خمس، واستدلوا بأحاديث ولكنها لا تصح.\nقال الإمام أحمد ﵀: وليس يروى في العيدين حديث صحيح.\nقلت: ولكن صح ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة، وهذا هو الراجح، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-381> المبحث الرابع: هل يُشرع الذكر بين كل تكبيرتين؟</span>\nاختلف أهل العلم في الذكر بين التكبيرتين على قولين.\n• القول الأول: ذهب أبو حنيفة ومالك إلى الموالاة بين التكبيرات بدون ذكر (^٢).\nقال النووي (^٣): وجُمْهُور الْعُلماء يَرَى هَذِهِ التَّكْبِيرَات مُتَوَالِيَة مُتَّصِلَة.\n• القول الآخر: ذهب الشافعي (^٤) وأحمد (^٥) إلى أنه يستحب بين كل تكبيرتين ذكر الله\n_________\n= وحديث عبد الرحمن بن عوف: عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَخْرُجُ لَهُ الْعَنَزَةُ فِي الْعِيدَيْنِ حَتَّى يُصَلِّيَ إِلَيْهَا وَكَانَ يُكَبِّرُ ثَلاثَ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمَا وَرِضْوَانُهُ يَفْعَلانِ ذَلِكَ. أخرجه البزار «البحر الزخار» (١٠٢٣) (٣/ ٢٣٤)، وفِي إسناده الحسن بن عبادة متروك.\nوعن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَبَّرَ فِي عِيدٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً، سَبْعًا فِي الْأُولَى، وَخَمْسًا فِي الْآخِرَةِ، وَلم يُصَلِّ قَبْلَهَا، وَلَا بَعْدَهَا». أخرجه أحمد (٢/ ١٨٠)، واختلف عليه ألوانًا، وفِي إسناده عبد الله الطائفِي فيه ضعف. وله شواهد أخر لا تخلو من مقال.\n(^١) «المبسوط» (٢/ ٣٨).\n(^٢) «المبسوط» (٢/ ٣٩)، و«الحاوي» (٣/ ١١٦).\n(^٣) «شرح مسلم» (٢/ ٤٨٥).\n(^٤) قال الشافعي في «الأم» (١/ ٣٦٢): وإذا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ ثُمَّ بَدَأَ بِالتَّكْبِيرَةِ الأولى من السَّبْعَةِ بَعْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ فَكَبَّرَهَا، ثُمَّ وَقَفَ بين الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ قَدْرَ قِرَاءَةِ آيَةٍ لَا طَوِيلَةٍ وَلَا قَصِيرَةٍ، فَيُهَلِّلُ اللَّهَ ﷿ وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ، ثُمَّ صَنَعَ هذا بين كل تَكْبِيرَتَيْنِ.\n(^٥) قال شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٢٤/ ٢١٩): وَأَمَّا بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ فَإِنَّهُ يَحْمَدُ اللَّهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ. هَكَذَا رَوَى نَحْوَ هَذَا الْعُلماءُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.\nوَإِنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي. كَانَ حَسَنًا. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا. وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَالصحابَةِ.","vol":"1","page":524},{"text":"تعالى، وبه قال عطاء (^١) ومكحول (^٢).\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:\nأما من السنة: فحديث جابر قال: «مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُكَبِّرَ لِلصَّلَاةِ في الْعِيْدَيْنِ سَبْعًا وَخَمْسًا، يَذْكُرُ اللَّهَ بين كل تَكْبِيرَتَيْنِ» (^٣).\nواعترض عليه: بأنه لا يصح عن رسول الله ﷺ.\nأما دليلهم من المأثور:\nفعَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ الْوَلِيدَ بن عُقْبَةَ دَخَلَ المسْجِدَ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو مُوسَى في عَرْصَةِ المسْجِدِ، فَقال الْوَلِيدُ: إِنَّ الْعِيدَ قَدْ حَضَرَ فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ فَقال ابْنُ مَسْعُودٍ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَتَحْمَدُ اللَّهَ، وَتُثْنِي عَلَيْهِ، وَتُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَتَدْعُو اللَّهَ … (^٤).\nوالراجح والله أعلم: ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك من الموالاة بين التكبيرات بدون ذكر؛ لأنه لم يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب خبر ولا عن أحد من أصحابه، والعبادة\n_________\n(^١) روى البيهقي في «الكبرى» (٣/ ٢٩٣) بسند صحيح عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ في كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، ثُمَّ يَمْكُثُ هُنَيْهَةً، ثُمَّ يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُصَلَّى عَلَى النبي ﷺ، ثُمَّ يُكَبِّرُ.\n(^٢) روى عبد الرزاق بسند حسن عن مكحول قال: بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ صَلَاةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ.\n(^٣) ضعيف: أخرجه البيهقي (٣/ ٢٩٢)، وفِي إسناده علي بن عاصم فيه ضعف.\n(^٤) إسناده ضعيف: أخرجه الطبراني (٩/ ٣٥١) وفي إسناده حماد بن أبي سليمان ضعيف. وإبراهيم، قال الهيثمي: لم يدرك واحدًا من الصحابة.\nوأخرجه عبد الرزاق (٥٦٩٧)، والطبراني في «الكبير» (٩/ ٣٥٣) وفي إسناده عبد الكريم بن أبي المخارق، قال الهيثمي (٢/ ٢٠٥): ضعيف.\nوأخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٢٨٠) عن حماد عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود به.","vol":"1","page":525},{"text":"توقيفية. والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-382> المبحث الخامس: التعوذ قبل الفاتحة:</span>\nيستحب التعوذ بعد التكبيرات الزوائد في العيدين وقبل قراءة الفاتحة عند الجمهور.\nقال عبد الله بن أحمد (^١): سمعت أبي يقول: إذا قرأ استعاذ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، يقول: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، إنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ.\nقال النووي (^٢): وأما التعوذ فمذهبنا أنه يقوله بعد التكبيرات الزوائد وقبل الفاتحة.\nقال السرخسي (^٣): فَأَمَّا التَّعَوُّذُ فَيَأْتِي بِهِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَقِيبَ ثَنَاءِ الِافْتِتَاحِ قَبْلَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ بَعْدَ الزَّوَائِدِ حِينَ يُرِيدُ الْقِرَاءَةَ؛ لأنها لِلْقِرَاءَةِ عِنْدَهُ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-383> المبحث السادس: الجهر بالقراءة في صلاة العيد:</span>\nقال النووي (^٤): وأجمعت الأمة على أنه يجهر بالقراءة.\nوقال الزركشي (^٥): ويجهر بالقراءة، وهذا إجماع توارثه الخلف عن السلف، وفي قولهم: إنه كان يقرأ في الأولى بكذا وفي الثانية بكذا - دليل على ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-384> المبحث السابع: ما يقرأ في صلاة العيدين:</span>\nقال ابن قدامة (^٦): لَا نَعْلم خلافًا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلم في أَنَّهُ يُشْرَعُ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ في كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ.\n_________\n(^١) «مسائل عبد الله» (٤٨٦).\n(^٢) «المجموع» (٥/ ٢١).\n(^٣) «المبسوط» (٢/ ٤٠).\n(^٤) «المجموع» (٥/ ١٨).\n(^٥) «شرح الزركشي» (٤/ ٢٢١).\n(^٦) «المغني» (٣/ ٢٦٨).","vol":"1","page":526},{"text":"قال ابن رشد (^١): وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ في الْقِرَاءَةِ في الْعِيدَيْنِ، وَأَكْثَرُهُمُ اسْتَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ في الْأَوْلَى بِسَبِّحِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ، لِتَوَاتُرِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\nروى مسلم (^٢) من حديث النعمان بن بشير قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في الْعِيدَيْنِ وَفِى الْجُمُعَةِ بِ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ وَ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ في يوم وَاحِدٍ يَقْرَأُ بِهِمَا أيضًا في الصَّلَاتَيْنِ.\nوروى مسلم (^٣) أيضًا من حديث أبي واقد قال: سَأَلَنِى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَمَّا قَرَأَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في يوم الْعِيدِ فَقُلْتُ بِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ وَ﴿ق وَالْقُرْآنِ المجِيدِ﴾.\nالحاصل: أنه يشرع في صلاة العيد قراءة الفاتحة وما تيسر من القرآن في كل ركعة بالإجماع، ويستحب أن يقرأ بعد الفاتحة في العيدين في الركعة الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية بالغاشية لثبوت ذلك عن النبي ﷺ، ويقرأ أحيانًا ب ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ و﴿ق وَالْقُرْآنِ المجِيدِ﴾؛ لثبوت ذلك أيضًا (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-385> المبحث الثامن: الحكمة في القراءة في العيدين بالسور المذكورة:</span>\nقال الشوكاني (^٥): ووجه الحكمة في القراءة في العيدين بالسور المذكورة أن في سورة سبح الحث على الصلاة وزكاة الفطر، على ما قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٨٧٨).\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٩١).\n(^٤) قال السرخسي في «المبسوط»: وَأَيُّ سُورَةٍ قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ جَازَ، وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِيهَا ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى﴾ وَ﴿هَلْ أَتَاك حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ فَإِنْ تَبَرَّكَ بِالِاقْتِدَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي قِرَاءَةِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فَحَسَنٌ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَ شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ حَتْمًا فِي صَلَاةٍ لَا يَقْرَأُ فِيهَا غَيْرَهُ، فَرُبَّمَا يَظُنُّ ظَانٌّ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ تِلْكَ الصَّلَاةُ إلَّا بِقِرَاءَةِ تِلْكَ السُّورَةِ، فَكَانَ هُوَ مُدْخِلًا فِي الدِّينِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَقَالَ ﵊: «مَنْ أَدْخَلَ فِي دِينِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ».\n(^٥) «شرح مسلم» للنووي.","vol":"1","page":527},{"text":"فاختصت الفضيلة بها كاختصاص الجُمعة بسورتها، وأما الغاشية فللموالاة بين سبح وبينها كما بين الجمعة والمنافقين. وأما سورتا ق واقتربت، فنقل النووي في «شرح مسلم» عن العلماء أن ذلك لما اشتملتا عليه من الإخبار بالبعث والإخبار عن القرون الماضية وإهلاك المكذبين، وتشبيه بروز الناس في العيد ببروزهم في البعث وخروجهم من الأجداث كأنهم جرادٌ منتشر.\n• ملخص ما سبق في صلاة العيدين:\nيتقدم الإمام ويكون بين يديه سترة، ويصلي ركعتين ينوي بهما صلاة العيد، والنية محلها القلب، ثم يرفع يديه حذو منكبيه أو أذنيه فيكبر تكبيرة الإحرام، ثم يأتي بدعاء الاستفتاح، ثم يكبر التكبيرات الزوائد يرفع يديه مع كل تكبيرة، ويكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات، ويوالي التكبيرات، ثم بعد الانتهاء من التكبيرات الزوائد يتعوذ ويقرأ الفاتحة ثم يقرأ سورة (الْأَعْلَى) في الركعة الأولى أو (ق)، وفي الركعة الثانية (الْغَاشِيَةِ) أو (الْقَمَر)، ثم يركع ويسجد، ثم يأتي بالركعة الثانية ثم يتشهد ويسلم.\n* * *","vol":"1","page":528},{"text":"أحكام مهمة تتعلق بصلاة العيدين\nوفيه مباحث:\n• المبحث الأول: من فاته العيد كم يصلي؟\n• المبحث الثاني: إذا ا تفق العيد مع جمعة، هل يجزئ أحدهما\nعن الآخر؟\n• المبحث الثالث: المسبوق ببعض صلاة العيد\n• المبحث الرابع: صلاة العيد من الغد","vol":"1","page":529},{"text":"<span data-type='title' id=toc-386>الفصل الرابع أحكام مهمة تتعلق بصلاة العيدين</span>\n•<span data-type='title' id=toc-387> المبحث الأول: من فاته العيد كم يصلي؟</span>\nاختلف أهل العلم فيمن فاته العيد كم يصلي على قولين:\n• القول الأول: ذهب جمهور العلماء إلى أن من فاتته صلاة العيد فعليه أن يصلي كصلاة الإمام.\nوإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد (^١).\nواستدلوا لهذا بالمأثور:\n١ - عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ كَانَ يَكُونُ في مَنْزِلِهِ بِالزَّاوِيَةِ، فَإِذَا لم يَشْهَدِ الْعِيدَ بِالْبَصْرَةِ، جَمَعَ أَهْلَهُ وَوَلَدَهُ وَمَوَالِيَهُ، ثُمَّ يَأْمُرُ مَوْلَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي عُتْبَةَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ (^٢).\n٢ - وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ يَوْمَ الْفِطْرِ صَلَّى كَمَا يُصَلِّي الْإِمَامُ. قَالَ مَعْمَرٌ: إِنْ فَاتَتْ إِنْسَانًا الْخُطْبَةُ أَوِ الصَّلَاةُ يَوْمَ فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى ثُمَّ حَضَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ (^٣).\n٣ - عن عطاء قال: «يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيُكَبِّرُ» (^٤).\n_________\n(^١) «فتح الباري» لابن رجب (٦/ ١٧١)، و«بداية المجتهد» (١/ ٢١٩)، و«الأوسط» (٤/ ٢٩١).\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٥٨٥٥) عن هشيم عن عبيد الله عن جده أنس به. وأخرجه ابن أبي شيبة (٥٨٠٢)، وغيره عن ابن علية عن يونس به.\n(^٣) أخرجه عبد الرزاق (٥٧١٦) عن معمر عن قتادة به.\n(^٤) رجاله ثقات: أخرجه ابن أبي شيبة (٥٨٠١).","vol":"1","page":530},{"text":"• القول الثاني: ذهب أحمد في رواية له إلى أنه يصلي أربعًا.\nواستدل لذلك بما روي عن ابن مسعود قال: مَنْ فَاتَهُ الْعِيدُ مَعَ الإِمَام فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا (^١).\nوعَن الهزيل قَالَ: قيل لعَلي: لَو أمرت من يُصَلِّي بضعفاء النَّاس في المسْجِد يَوْم الْعِيد! قَالَ: لَوْ أَمَرْتُهُ لَأَمَرْتُهُ أَنْ يُصَلِّي أَرْبعا (^٢).\nأما استدلاله من القياس: فقاس العيد على الجمعة، فمن فاتته صلاة الجمعة صلاها أربعًا فكذا العيد.\nواعْتُرِضَ عليهم بما قاله الزين بن المنير: كأنهم قاسوها على الجمعة، لكن الفرق ظاهر؛ لأن من فاتته الجمعة يعود لفرضه من الظهر، بخلاف العيد.\nقال ابن رشد (^٣): فَمَنْ قَالَ أَرْبَعًا شَبَّهَهَا بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ تَشْبِيهٌ ضَعِيفٌ.\n• القول الثالث: قال أبو حنيفة: يتخير بين الثنتين والأربع (^٤).\nوالراجح ما ذهب إليه جمهور العلماء؛ لفعل أنس، والأصل أن تقضى الصلاة كما يصليها الإمام إلا أن يأتي نص ينقل هذا الأصل.\nقال ابن المنذر: سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ، فَكُلُّ مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ\n_________\n(^١) قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٥٥): أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح.\n(^٢) مخرج في مجلسين من إملاء النسائي ص (٦٠) رقم (٣٣) تحقيق الشيخ أبي إسحاق الحويني، وفي إسناده عبد الرحمن بن ثروان، وهو مختلف فيه، وقال الحافظ: صدوق ربما خالف. وأخرجه البيهقي «السنن الكبرى» (٣/ ٣١٠) وابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٢٥٧) من طريق شعبة عن محمد بن النعمان عن أبي قيس عن الهزيل أن عليًا … به. وعند ابن المنذر عن أبي الهزيل، ورواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢٣/ ٥/ ١٨١٥) عن وكيع عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ، قَالَ: أَظُنُّهُ عَنْ هُذَيْلٍ، «أَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِضَعَفَةِ النَّاسِ يَوْمَ الْعِيدِ أَرْبَعًا كَصَلَاةِ الْهَجِيرِ. ورواه البيهقي في «المعرفة» (٣/ ٥٨/ ١٩٤٢) فيما بلغ الشافعي عن أبي أحمد الكوفي عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل عن علي مثله، وفي بعض الروايات: «ركعتين» ولكن إسنادها فيه ضعف، والله أعلم.\n(^٣) «بداية المجتهد» (١/ ٢١٩).\n(^٤) «فتح الباري» (٢/ ٥٥٠).","vol":"1","page":531},{"text":"صَلَّاهَا كَمَا سَنَّهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ في عَدَدِ الصَّلَاةِ لمنْ فَاتَهُ الْعِيدُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، وَلَا أَحْسَبُ خَبَرَ ابْنِ مَسْعُودٍ يَثْبُتُ (^١).\nقال ابن بطال: وأَوْلى الأقوال بالصواب أن يصليها كما سنها رسول الله وهو الذي أشار إليه البخاري (^٢).\nومن كان مريضًا أو عاجزًا فله أن يصلي في بيته ركعتين، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-388> المبحث الثاني: اجتماع العيد والجمعة:</span>\nإذا اتفق العيد مع جمعة هل يجزئ أحدهما عن الآخر؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\n• القول الأول: ذهب أبو حنيفة ومالك إلى أن صلاة العيد لا تجزئ عن صلاة الجمعة.\nواستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يوم الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَلم يَخُصَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَوْمَ عِيدٍ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ تَجِبُ حُجَّتُهُ (^٣).\nواستدلوا أيضًا بأن التطوع لا يُسقط فريضة.\nقال ابن رشد (^٤): وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا اجْتَمَعَ عِيدٌ وَجُمُعَةٌ فَالمكَلَّفُ مُخَاطِبٌ بِهِمَا جَمِيعًا: الْعِيدُ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، وَالْجُمُعَةُ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ، وَلَا يَنُوبُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ في ذَلِكَ شَرْعٌ يَجِبُ المصِيرُ إِلَيْهِ.\nقال ابن حزم (^٥): وَإِذَا اجْتَمَعَ عِيدٌ في يَوْمِ جُمُعَةٍ: صُلِّيَ لِلْعِيدِ، ثُمَّ لِلْجُمُعَةِ وَلَا بُدَّ .. والْجُمُعَةُ فَرْضٌ وَالْعِيدُ تَطَوُّعٌ، وَالتَّطَوُّعُ لَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ.\n• القول الثاني: أَنَّ مَنْ شَهِدَ الْعِيدَ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجُمُعَةُ، لَكِنْ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ الْجُمُعَةَ\n_________\n(^١) «الأوسط» (٤/ ٢٩٢).\n(^٢) «شرح ابن بطال» (٢/ ٥٧٢).\n(^٣) «التمهيد» (١٠/ ٢٧٧).\n(^٤) «بداية المجتهد» (١/ ٢١٩).\n(^٥) «المحلى» (٥/ ٨٩).","vol":"1","page":532},{"text":"لِيَشْهَدَهَا مَنْ شَاءَ شُهُودَهَا وَمَنْ لم يَشْهَدْ الْعِيدَ، وهذا قول أحمد (^١).\nواستدلوا لهذا القول بالسنة:\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أَنَّهُ قال: «قَدِ اجْتَمَعَ في يومِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» (^٢).\nوعن زيد بن أرقم: عَنْ إِيَاسِ بْنِ أَبِي رَمْلَةَ قال: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِيدَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ صَلَّى الْعِيدَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، ثُمَّ رَخَّصَ في الْجُمُعَةِ (^٣).\nوعن ابن عمر: قال: اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ ثُمَّ قال:\n_________\n(^١) «الفتاوى» (٢٤/ ٢١٠)، و«المستوعب» (٣/ ٦٩). قال عبد الله في مسائله لأبيه: سألت أبي عن عيدين اجتمعا في يوم يترك أحدهما؟ قال: لا بأس به، أرجو أن يجزئه.\n(^٢) إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود (١٠٧٣)، واللفظ له، وابن ماجه (١٣١١) وغيرهما، من طريق بقية بن الوليد قال: حدثنا شعبة عن المغيرة الضبي عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة عن رسول الله متصلًا. قلت: وبقية يدلس تدليس التسوية ولم يصرح بالتحديث في طول السند، قال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٠/ ٢٧٢): وَهَذَا الْحَدِيثُ لم يَرْوِهِ فِيمَا عَلمتُ عَنْ شُعْبَةَ أَحَدٌ مِنْ ثِقَاتِ أَصْحَابِهِ الْحُفَّاظِ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنْهُ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فِي شُعْبَةَ أَصْلًا. اه. وفي إسناده المغيرة مدلس وقد عنعن، وتابع مغيرة بن زياد البكائي، كما عند البيهقي (٣/ ٣١٨)، وأخرجه الدارقطني في «العلل» (١٠/ ٢١٥) عن وهب بن حفص عن شعبة عن عبد العزيز بن رفيع، ووهيب بن حفص كان يضع الحديث، ورواه عبد الرزاق (٥٧٢٨) وغيره عن سفيان الثوري عن عبد العزيز عن أبي صالح مرسلًا بدون ذكر أبي هريرة، وقد أعل هذا الحديث الإمام أحمد والدارقطني وأبو حاتم بالإرسال. انظر: «تاريخ بغداد» (٣/ ١٢٩)، و«العلل» لابن أبي حاتم (١/ ٢٠٨) ومن أراد المزيد فلينظر كتاب «أحكام العيدين وبدعها» (ص ٣٩٥).\n(^٣) إسناده ضعيف: أخرجه النسائي (١٥٩٠)، وفي «الكبرى» (١/ ٥٥٢) حديث رقم (١٧٩٣)، واللفظ له، وأخرجه أبو داود (١٠٧٠)، وابن ماجه (١٣١٠) وغيرهم، وفي إسناده إياس بن أبي رملة، مجهول.","vol":"1","page":533},{"text":"«مَنْ شَاءَ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَأْتِهَا، وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَتَخَلَّفَ فَلْيَتَخَلَّفْ» (^١).\n• القول الثالث: إذا اجتمع العيد والجمعة فيرخص لأهل العوالي والبوادي الذين يردون الأمصار للعيد ترك الجمعة لفعل عثمان. وهذا قول الشافعي (^٢) وقول لبعض المالكية (^٣).\nواستدلوا لذلك بما روى البخاري عن أبي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ قال: شَهِدْتُ الْعِيدَ مَعَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَكَانَ ذَلِكَ يوم الْجُمُعَةِ فَصَلَّى قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ فَقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ هَذَا يوم قَدِ اجْتَمَعَ لَكُمْ فِيهِ عِيدَانِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْتَظِرَ الْجُمُعَةَ مِنْ أَهْلِ الْعَوَالِي فَلْيَنْتَظِرْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَرْجِعَ فَقَدْ أَذِنْتُ لَهُ (^٤).\n• القول الرابع: إذا اجتمع العيد والجمعة، فمن شهد العيد فليس عليه جمعة ولا ظهر في هذا اليوم، وهذا روي عن علي (^٥) وابن الزبير. وهذا قول ضعيف.\nواستدلوا لذلك بما ورد: عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قال: اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ\n_________\n(^١) إسناده ضعيف جدًّا: أخرجه ابن ماجه (١٣١٢) وغيره، وفي إسناده مندل وجبارة وكلاهما ضعيف. وأخرجه الطبراني في «الكبير» (١٢/ ٤٣٥)، وفي إسناده: سعيد بن راشد السماك متروك. وروى عبد الرزاق (٥٧٢٩) عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَهْلِ المدِينَةِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اجْتَمَعَ فِي زَمَانِهِ يَوْمُ جُمُعَةٍ وَيَوْمُ فِطْرٍ … الحديث، وهذا إسناده ضعيف جدًّا، وروى عن ابن جُرَيْجٍ قال: حُدِّثْتُ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وأخرجه الشافعي (١/ ٢٢٤)، وفي إسناده إبراهيم بن محمد بن يحيى وهو متروك.\n(^٢) «الأم» (١/ ٣٦٦).\n(^٣) «المنتقى» (١/ ٣١٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٥٥٧٢).\n(^٥) عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلميِّ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: اجْتَمَعَ عِيدَانِ فِي يوم، فَقَالَ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ». قَالَ سُفْيَانُ: يَعْنِي يَجْلِسُ فِي بَيْتِهِ. إسناده صحيح: أخرجه عبد الرزاق (٥٧٣١) عن الثوري عن عبد الله عن أبي عبد الرحمن السلمي، وعبد الله بن شبرمة ثقة.","vol":"1","page":534},{"text":"فَأَخَّرَ الْخُرُوجَ حَتَّى تَعَالَى النَّهَارُ، ثُمَّ خَرَجَ فَخَطَبَ فَأَطَالَ الْخُطْبَةَ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، وَلم يُصَلِّ لِلنَّاسِ يومئِذٍ الْجُمُعَةَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقال: أَصَابَ السُّنَّةَ (^١).\n_________\n(^١) روي من طريقين عن ابن الزبير:\nالأول: وهب بن كيسان واختلف عليه، فرواه عنه عبد الحميد بن جعفر واختلف عليه: فرواه «يحيى القطان وأبو خالد الأحمر وسليم بن أخضر»، ثلاثتهم عن عبد الحميد بن جعفر، عن وهب بن كيسان به. أخرجه النسائي (١٥٩١)، وفي «الكبرى» (١/ ٥٥٢/ ١٧٩٤)، والحاكم (١/ ٢٩٦)، وابن خزيمة (١٤٦٥) وغيرهم.\nوخالفهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ فرواه عن عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيه عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: اجْتَمَعَ عِيدَانِ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَصَلَّى الْعِيدَ وَلم يَخْرُجْ إِلَى الْجُمُعَةِ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَا أَمَاطَ عَنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَ: هَكَذَا صَنَعَ بِنَا عُمَرُ.\nأخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» (١/ ٢٧٤)، وقد حكم عليه ابن عبد البر بالاضطراب، وعبد الحميد بن جعفر لا يتحمل مثل هذا الخلاف، فقد قال الحافظ: صدوق ربما أخطأ.\nورواه هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، قَالَ: اجْتَمَعَ عِيدَانِ فِي يوم، فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَصَلَّى الْعِيدَ بَعْدَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ، ثُمَّ دَخَلَ فَلم يَخْرُجْ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ. قَالَ هِشَامٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِنَافِعٍ، أَوْ ذُكِرَ لَهُ فَقَالَ: ذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ، فَلم يُنْكِرْهُ. أخرجه ابن أبي شيبة (٢/ ٧) عن أبي أسامة، قلت: وهشام بن عروة أوثق من عبد الحميد بن جعفر.\nالثاني: عطاء واختلف عليه: فرواه الأعمش عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ أَوَّلَ النَّهَارِ، ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْجُمُعَةِ، فَلم يَخْرُجْ إِلَيْنَا فَصَلَّيْنَا وُحْدَانًا، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ، فَلما قَدِمَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: أَصَابَ السُّنَّةَ. ورواه أبو داود (١٠٧١) عن محمد بن طريف عن أسباط. وقد خالف الأعمش ابن جريج، قال: قَالَ عَطَاءٌ: اجْتَمَعَ يَوْمُ جُمُعَةٍ، وَيَوْمُ فِطْرٍ عَلَى عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: عِيدَانِ اجْتَمَعَا فِي يوم وَاحِدٍ. فَجَمَعَهُمَا جَمِيعًا حَتَّى الْعَصْرَ فصلاهما ركعتين، ولم يزد عليهما ولم يذكر: أصاب السنة. رواه أبو داود (١٥٧٢) من طريق يحيى بن خلف عن أبي عاصم عن ابن جريج. ورواه عمرو بن علي عند الفريابي (١٥٣) عن أبي عاصم عن ابن جريج عن عطاء، قال: اجتمع يوم فطر، ويوم جمعة زمن ابن الزبير، فصلى ركعتين، فذُكر ذلك لابن عباس، فقال: (أصاب) ولم يذكر (السنة)، وفي رواية أبي عاصم عن ابن جريج ضعف. ورواه عبد الرزاق (٥٧٢٥) عن ابن جريج، قال: قال عطاء: إن اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر في يوم واحد فليجمعهما، فليصل ركعتين قط، حيث يصلي صلاة الفطر ثم هي حتى العصر، قلت: ثم ذكر ذلك عن ابن الزبير، ورواه عبد الرزاق (٥٧٢٦) عن ابن جريج عن أبي الزبير وفيه: أن ابن عباس قال: أصاب عيدان اجتمعا في يوم واحد، ورواه ابن أبي شيبة (٥٨٤١) عن هشيم عن منصور عن عطاء بن أبي رباح، قال: اجتمع عيدان على عهد ابن الزبير فصلى بهم العيد ثم صلى بهم الجمعة صلاة الظهر أربعًا.\nوهذا الأثر قد اختلف في سنده ومتنه، وقد حكم عليه ابن عبد البر بالاضطراب.","vol":"1","page":535},{"text":"واعترض على هذا القول بما قاله ابن عبد البر ﵀: وَأَمَّا الْقَوْلُ: إِنَّ الْجُمُعَةَ تَسْقُطُ بِالْعِيدِ وَلَا تُصَلَّى ظُهْرًا وَلَا جُمُعَةً، فَقَوْلٌ بَيِّنُ الْفَسَادِ وَظَاهِرُ الْخَطَأِ مَتْرُوكٌ مَهْجُورٌ، لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ وَلم يَخُصَّ يَوْمَ عِيدٍ مِنْ غَيْرِهِ (^١).\nقال ابن رشد: وَأَمَّا إِسْقَاطُ فَرْضِ الظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ الَّتِي هِيَ بَدَلَهُ لمكَانِ صَلَاةِ الْعِيدِ، فَخَارِجٌ عَنِ الْأُصُولِ جِدًّا، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ في ذَلِكَ شَرْعٌ يَجِبُ المصِيرُ إِلَيْهِ (^٢).\nوالراجح: ما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك: أنه إذا اجتمع عيد وجمعة، فالمكلف مخاطب بهما جميعًا؛ لأن العيد سُنة والجمعة فرض ولا ينوب أحدهما عن الآخر.\nودل على ذلك: عموم قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ولم يخص الله ورسوله من ذلك يوم عيد من غيره.\nقال ابن عبد البر (^٣): وَإِذَا احْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآثَارُ مِنَ التَّأْوِيلِ مَا ذَكَرْنَا، لم يَجُزْ لمسْلم أَنْ يَذْهَبَ إِلَى سُقُوطِ فَرْضِ الْجُمُعَةِ عَمَّنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ: ﴿يا أيها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وَلم يَخُصَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ يَوْمَ عِيدٍ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ وَجْهٍ تَجِبُ حُجَّتُهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ ذَهَبَ إِلَى سُقُوطِ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ المجْتَمَعِ عَلَيْهِمَا في الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ بِأَحَادِيثَ لَيْسَ مِنْهَا حَدِيثٌ إِلَّا وَفِيهِ\n_________\n(^١) «التمهيد» (١٠/ ٢٧٠ - ٢٧١).\n(^٢) «بداية المجتهد» (١/ ٢١٩).\n(^٣) «التمهيد» (١٠/ ٢٧٧).","vol":"1","page":536},{"text":"مَطْعَنٌ لِأَهْلِ الْعِلم بِالْحَدِيثِ؟!\nوقال ابن المنذر (^١): دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ، وَدَلَّتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَنَّ فَرَائِضَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَصَلَاةَ الْعِيدَيْنِ لَيْسَ مِنَ الْخَمْسِ، وَإِذَا دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالِاتِّفَاقُ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَدَلَّتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ تَطَوُّعٌ، لم يَجُزْ تَرْكُ فَرْضٍ بِتَطَوُّعٍ.\nوأما من قالوا بأن من شهد العيد سقطت عنه الجمعة فيصلي الظهر.\nفاستدلوا بأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ.\nأما القول بأنه يرخص لأهل البوادي في ترك الجمعة إذا شهدوا العيد؛ فقد قال ابن عبد البر (^٢): وَأَنَّ الرُّخْصَةُ إِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا مَنْ لم تَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ مِمَّنْ شَهِدَ الْعِيدَ مَنْ أَهْلَ الْبَوَادِي.\nوأما القول بأنه إذا اجتمع العيد والجمعة فليس عليه جمعة ولا ظهر:\nفاستدلوا بأثر ابن الزبير قال: عِيدَانِ اجْتَمَعَا في يوم وَاحِدٍ. فَجَمَعَهُمَا جَمِيعًا حَتَّى الْعَصْرَ فصلاهما ركعتين.\nفهذا الأثر اختلف في سنده ومتنه ألوانًا، وقد حكم عليه ابن عبد البر بالاضطراب.\nقال ابن عبد البر (^٣): لَيْسَ في حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ بَيَانٌ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ صَلَاةِ الْعِيدِ رَكْعَتَيْنِ لِلْجُمُعَةِ، وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ مَتْرُوكٌ مَهْجُورٌ، وَإِنْ كَانَ لم يُصَلِّ مَعَ صَلَاةِ الْعِيدِ غَيْرَهَا حَتَّى الْعَصْرِ، فَإِنَّ الْأُصُولَ كُلَّهَا تَشْهَدُ بِفَسَادِ هَذَا الْقَوْلِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَا في فَرْضٍ وَاحِدٍ لم يَسْقُطْ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، فَكَيْفَ أَنْ يَسْقُطَ فَرْضٌ لِسُنَّةٍ حَضَرَتْ في يَوْمِهِ؟ هَذَا مَا لَا يَشُكُّ في فَسَادِهِ ذُو فَهْمٍ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى مَعَ صَلَاةِ الْفِطْرِ\n_________\n(^١) «الأوسط» (٤/ ٢٩١).\n(^٢) «التمهيد» (١٠/ ٢٧٤).\n(^٣) «التمهيد» (١٠/ ٢٧٤).","vol":"1","page":537},{"text":"رَكْعَتَيْنِ لِلْجُمُعَةِ فَقَدْ صَلَّى الْجُمُعَةَ في غير وَقْتَهَا عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-389> المبحث الثالث: المسبوق ببعض صلاة العيد.</span>\nقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عمن أدرك ركعة من صلاة العيد، قال: يكبر في التي يقضي. قيل لأحمد: فأدرك، وقد كبر بعض التكبير؟ قال: يكبر ما أدرك؛ لأنه أدرك الركوع، ولا يكبر ما فاته (^١).\nقال ابن قدامة (^٢): وَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ في التَّشَهُّدِ جَلَسَ مَعَهُ، فَإِذَا سَلم الْإِمَامُ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، يَأْتِي فِيهِمَا بِالتَّكْبِيرِ؛ لأنه أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ الَّتِي لَيْسَتْ مُبْدَلَةً مِنْ أَرْبَعٍ، فَقَضَاهَا عَلَى صِفَتِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-390> المبحث الرابع: صلاة العيد من الغد:</span>\nإذا علم الناس برؤية الهلال من اليوم التالى، فإن كان قبل الزوال جَمَع الإمام الناس وصلى بهم، وإذا كان بعد الزوال، صلى بهم الإمام من صباح الغد، وهذا قول الشافعية وأحمد والجمهور.\nواستدلوا بحديث الركب عن جعفر بن أبي وحشية، عَنْ أَبِى عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أصحاب النبي ﷺ أَنَّ رَكْبًا جَاءُوا إِلَى النبي ﷺ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا، وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلاَّهُمْ (^٣)\nوذهب أبو حنيفة ومالك: إلى أنها لا تقضى من الغد.\nواستدلوا لذلك بأن وقت العيد أول نهار من شوال. فإذا انقضى هذا الوقت فلا يصلى للعيد.\nوالراجح إذا لم يعلم بدخول العيد إلا بعد الزوال فيخرج الناس للصلاة من الغد، والله أعلم.\n_________\n(^١) «سؤالات أبي داود» رقم (٤٢٢).\n(^٢) «المغني» (٣/ ٢٨٥).\n(^٣) «الأوسط» (٤/ ٢٩٥)، والمغني (٣/ ٢٨٦).","vol":"1","page":538},{"text":"• مسألة: إذا لم يعلم المنفرد العيد إلا بعد الزوال:\nقال ابن قدامة (^١): فَأَمَّا الْوَاحِد إذَا فَاتَتْهُ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَأَحَبَّ قَضَاءَهَا، قَضَاهَا مَتَى أَحَبَّ.\nوقال ابن عقيل: لا يقضيها إلا من الغد، قياسًا على المسألة التي قبلها، وهذا لا يصح لأن ما يفعله تطوع، فمتى أحبَّ أتى به، وفارق ما إذا لم يعلم الإمام والناس؛ لأن الناس تفَرَّقَوا يومئذٍ على أن العيد في الغد، فلا يجتمعون إلا من الغد، ولا كذلك ها هنا، فإنه لا يحتاج إلى اجتماع الجماعة، ولأنها صلاة فاعتبر لها الوقت. وهذا بخلافه.\nوالراجح: أن المنفرد يقضيها متى علم بذلك، والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) «المغني» (٣/ ٢٨٦).","vol":"1","page":539},{"text":"<span data-type='title' id=toc-391>الفصل الخامس مستحبات العيدين</span>\n• المبحث الأول: استحباب الغسل للعيدين\n• المبحث الثاني: استحباب الزينة والتطيب للعيدين\n• المبحث الثالث: استحباب الأكل يوم الفطر قبل الخروج\n• المبحث الرابع: استحباب التبكير إلى العيدين\n• المبحث الخامس: استحباب مخالفة الطريق في الذهاب والرجوع.\n• المبحث السادس: هل المشي إلى العيدين أفضل من الركوب؟\n• المبحث السابع: من السنة صلاة العيدين في المصلى.\n• المبحث الثامن: استحباب خروج النساء إلى المصلى بالضوابط الشرعية.\n• المبحث التاسع: خروج الصبيان إلى المصلى.\n• المبحث العاشر: التهنئة بالعيد.","vol":"1","page":541},{"text":"<span data-type='title' id=toc-392>المبحث الأول استحباب الغسل للعيدين</span>\nوفيه مطلبان:\n\n•<span data-type='title' id=toc-393> المطلب الأول: استحباب الغسل للعيدين:</span>\nقال ابن رشد (^١): أَجْمَعَ الْعُلماءُ عَلَى اسْتِحْسَانِ الْغُسْلِ لِصَلَاةِ الْعِيدَيْنِ.\nقال ابن عبد البر (^٢): «وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ حَسَنٌ لمنْ فَعَلَهُ، وَالطِّيبُ يَجْرِي عِنْدَهُمْ مِنْهُ، وَمَنْ جَمَعَهُمَا فَهُوَ أَفْضَلُ. وَلَيْسَ غُسْلُ الْعِيدَيْنِ كَغُسْلِ الْجُمُعَةِ، آكَدُ في سَبِيلِ السُّنَّةِ».\nووردت عن النبي ﷺ أحاديث تدل على استحباب الغسل للعيدين، ولا يصح منها حديث (^٣).\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (١/ ٢١٦).\n(^٢) «الاستذكار» (٧/ ١١).\n(^٣) الحديث الأول: حديث أبي هريرة: قال رسول الله ﷺ: «الْغُسْلُ وَاجِبٌ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ: يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ، وَيَوْمِ عَرَفَةَ». أخرجه الدولابي في «الكنى» (٢/ ١٤٧)، والبخاري «التاريخ الصغير» (٤/ ٣٢٦). وفي إسناده أبو المغيرة، عمير بن عبد المجيد، فيه ضعف، وأيضًا في إسناده أبو الوسيم، قال البخاري لا يتابع على حديثه. وروى الطبراني في «الأوسط» (٥٧٨٠)، بإسناده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، وَغَدَا بِغُسْلٍ إِلَى المصَلَّى، وَخَتَمَهُ بِصَدَقَةٍ رَجَعَ مَغْفُورًا لَهُ»، وفي إسناده أيوب بن خوطب: متروك.\nالحديث الثاني: روى ابن ماجه (١٣١٥)، وغيره بإسناده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الأَضْحَى، وفي إسناده جبارة بن المغلس، وحجاج بن تميم الجزري، وكلاهما ضعيف.\nالحديث الثالث: روى ابن ماجه (١٣١٦) وغيره بإسناده عن الْفَاكِهِ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ النَّحْرِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ. وَكَانَ الْفَاكِهُ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالْغُسْلِ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ، وهذا إسناد تالف من أجل يوسف بن خالد: متروك، وعبد الرحمن بن عقبة مجهول.\nوقال البزار: لا أحفظ في الاغتسال للعيدين حديثًا صحيحًا. كما في «التلخيص» (٢/ ٨١).","vol":"1","page":542},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-394> المطلب الثاني: وقت الغسل للعيدين:</span>\nاتفق العلماء على أن غسل العيدين يجزئ بعد الفجر، واختلفوا هل يجزئ قبل الفجر؟ (^١)\nوالذين قالوا: (لا يجزئ قبل الفجر) قاسوه على صلاة الجمعة.\nواعْتُرِضَ عليه: بأن هذا قياسٌ مع الفارق لأن وقت العيد أضيق من وقت الجمعة، ولأنه مأمور بالبكور بعد الغسل، وَلَا يُمْكِنُ الْبُكُورُ غَالِبًا عَلَى هَذِهِ الْحَالِ إِلَّا بِتَقَدُّمِ الْغُسْلِ قَبْلَ الْفَجْرِ (^٢)، وإذا كان المقصود من الغسل هو التنظيف فقد حصل قبل الفجر فجاز الغسل من الليل.\nقال الزركشي (^٣): أن وقت الغسل بعد الفجر، وهو قول القاضي وغيره وظاهر الحديث، إذ اليوم إنما يدخل بذلك، وجوزه ابن عقيل بعد نصف ليلته، نظرًا إلى أن المقصود التنظيف وهو حاصل بذلك، ولأنه وقت ضيق، فلو تقيد الاغتسال بالفجر لفات غالبًا، بخلاف الجمعة فإن وقتها متسع.\nقال ابْنُ عَقِيلٍ: المنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَبَعْدَهُ؛ لِأَنَّ زَمَنَ الْعِيدِ أَضْيَقُ مِنْ وَقْتِ الْجُمُعَةِ، فَلَوْ وُقِفَ عَلَى الْفَجْرِ رُبَّمَا فَاتَ، وَلِأَنَّ المقْصُودَ مِنْهُ التَّنْظِيفُ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْغُسْلِ في اللَّيْلِ لِقُرْبِهِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ؛ لِيَخْرُجَ مِنَ الْخِلَافِ، وَيَكُونَ أَبْلَغَ في النَّظَافَةِ؛ لِقُرْبِهِ مِنَ الصَّلَاةِ (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-395> المبحث الثاني: استحباب الزينة والتطيب للعيدين:</span>\nفي «الصحيحين» من حديث ابْنِ عُمَرَ (^٥) قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ جُبَّةً مِنْ إِسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ في السُّوقِ\n_________\n(^١) «روضة الطالبين» (١/ ٥٨٣).\n(^٢) «الحاوي» (٣/ ١٠٦).\n(^٣) «شرح الزركشي علي الخرقي» (٢/ ٢١٥).\n(^٤) «المغني» (٣/ ٢٥٨).\n(^٥) أخرجه البخاري (٩٤٨)، ومسلم (٢٠٦٨)، وقد ورد في الباب أحاديث أخر، ولكنها لا تخلو\nمن مقال: الأول: حديث جابر: كان رسول الله يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة، والثاني: حديث ابن عباس: «أن النبي كان يلبس بردة حبرة في كل عيد». والثالث: حديث الحسن بن علي: قال أمرنا رسول الله ﷺ أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد البقرة عن السبعة، والجزور عن عشر، وأن نظهر التكبير، وعلينا السكينة والوقار». وكل هذه الأحاديث ضعيفة ولا تخلو من مقال. انظر «جامع أحكام العيدين».","vol":"1","page":543},{"text":"فَأَخَذَهَا فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقال: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْتَعْ هَذِهِ تَجَمَّلْ بِهَا لِلْعِيدِ وَالْوُفُودِ. فَقال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا هَذِهِ لِبَاسُ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ».\nقال ابن رجب الحنبلي (^١): وقد دل هذا الحديث على التجمل للعيد، وأنه كان معتادًا بينهم ..\nروى البيهقي بإسناد صحيح عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَلْبَسُ في الْعِيدَيْنِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ (^٢).\nقال الإمام الشافعي (^٣): وَأُحِبُّ أَنْ يَلْبَسَ الرَّجُلُ أَحْسَنَ ما يَجِدُ في الْأَعْيَادِ: الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَمَحَافِلِ الناس وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ.\nوقد ذهب مالك وأحمد في رواية (^٤) إلى أن المعتكف يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه ليبقى عليه أثر العبادة والنسك.\nقال الشيخ ابن عثيمين (^٥): ولكن هذا القول ضعيف أثرًا ونظرًا أي خروج المعتكف\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٦/ ٦٧).\n(^٢) أخرجه البيهقي «السنن الكبرى» (٣/ ٢٨١).\n(^٣) «الأم» (١/ ٥٦)، «الحاوي» (٣/ ١١٠)، «روضة الطالبين» (١/ ٥٨٣).\n(^٤) «المغني» (٣/ ٢٥٨)، وانظر: «الإنصاف» (٢/ ٤٢٢)، و«كشاف القناع» (٢/ ٥١، ٥٢). قال ابن قدامة: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَنَظَّفَ، وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ، وَيَتَطَيَّبَ، وَيَتَسَوَّكَ، وَقال مَالِكٌ: سَمِعْتُ أَهْلَ الْعِلم يَسْتَحِبُّونَ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ فِي كُلِّ عِيدٍ، وَالْإِمَامُ بِذَلِكَ أَحَقُّ؛ لِأَنَّهُ المنْظُورُ إلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ إلَّا أَنَّ المعْتَكِفَ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْخُرُوجُ فِي ثِيَابِ اعْتِكَافِهِ لِيَبْقَى عَلَيْهِ أَثَرُ الْعِبَادَةِ وَالنُّسُكِ. وَقال أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ المرُّوذِيِّ: طَاوُسٌ كَانَ يَأْمُرُ بِزِينَةِ الثِّيَابِ وَعَطَاءٌ قال: هُوَ يَوْمُ التَّخَشُّعِ وَأَسْتَحْسِنُهُمَا جَمِيعًا.\n(^٥) «الشرح الممتع» (٥/ ١٦٧).","vol":"1","page":544},{"text":"في ثيابه.\nأما بالأثر: فإن النبي ﷺ كان يعتكف، ومع ذلك يلبس أحسن الثياب.\nوأما بالنظر: فإن توسخ ثياب المعتكف ليس من أثر اعتكافه، ولكن من طول بقائها عليه، ولهذا لو لبس ثوبًا نظيفًا ليلة العيد أو في آخر يوم من رمضان ما أثر، ولا يصح قياسه على دم الشهيد؛ لأن الشهيد يأتي يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا.\nوالراجح: أنه يستحب الزينة والطيب، وتنظيف الجسد بالاغتسال وحلق العانة ونتف الإبط، وقلم الأظافر وقطع الرائحة الكريهة، والسواك، ويلبس أحسن ما يجد من الثياب، والإمام أحق بذلك لأنه المنظور إليه من بينهم، والنبي ﷺ كان يعتكف، وكان يلبس أجمل الثياب للعيدين، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة وقول عمر (تجمل بها للعيد) يدل على ذلك.\n\n•<span data-type='title' id=toc-396> المبحث الثالث: الأكل قبل وبعد الخروج للعيدين:</span>\nوفيه مطلبان:\n\n•<span data-type='title' id=toc-397> المطلب الأول: استحباب الأكل يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلى.</span>\nقال ابن رشد (^١): وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ في عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إِلَى المصَلَّى.\nقلت: والأفضل أن يكون من تمر.\nودلت على ذلك السنة: روى البخاري (^٢) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ».\nووردت زيادة من طريق أنس: وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا (^٣). وهذه الزيادة لا تصح عن رسول الله ﷺ.\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٢١). قَالَ اِبْنُ قُدَامَةَ: لَا نَعْلم فِي اِسْتِحْبَابِ تَعْجِيلِ الْأَكْلِ يَوْمَ الْفِطْرِ اِخْتِلَافًا. كما في «الفتح» (٢/ ٥١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٥٣).\n(^٣) أخرجها ابن خزيمة (١٤٢٩)، والدارقطني (٢/ ٤٥)، والبيهقي (٣/ ٢٨٢) وفي إسناده مرجي، وفيه ضعف، وقد خالف الثقات، وتابعه عتبة بن حميد، وأخرجه الحاكم (١/ ٢٩٤)، وابن حبان (٤/ ٢٨) وغيرهما. وعتبة بن حميد فيه ضعف. وروى أحمد (٣/ ٢٣٢) بعد ذكر الحديث: وَكَانَ أَنَسٌ يَأْكُلُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ ثَلَاثًا. وهذا له علتان: الأولى: أنه موقوف. والثانية: في إسناده علي بن عاصم وهو ضعيف. وفي الباب أحاديث أعرضت عنها لأن في أسانيدها مقالًا، والله أعلم.","vol":"1","page":545},{"text":"الحاصل: أنه يستحب أن يفطر على تمر يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى، فإن لم يجد تمرًا أكل ما تيسر.\n\n•<span data-type='title' id=toc-398> المطلب الثاني: هل يستحب الأكل بعد الأضحى؟</span>\nقد نقل ابن رشد الإجماع على استحباب الإفطار يوم الأضحى بعد الانصراف من الصلاة فقال (^١): وأجمعوا أَنْ لَا يُفْطِرَ يَوْمَ الْأَضْحَى إِلَّا بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنَ الصَّلَاةِ. ولكن هذا الإجماع منخرم فقد خالف مالك وغيره بأنه ليس من السنة الأكل بعد الأضحى ولا بدعة، وإنما الأمر على الإباحة (^٢)\nولا يصح حديث في أن الأكل بعد الأضحى من السنة (^٣)\nقال ابن قدامة: قَالَ أَحْمَدُ: وَالْأَضْحَى لَا يَأْكُلُ فِيهِ حَتَّى يَرْجِعَ إذَا كَانَ لَهُ ذِبْحٌ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَلَ مِنْ ذَبِيحَتِهِ، وَإِذَا لم يَكُنْ لَهُ ذِبْحٌ لم يُبَالِ أَنْ يَأْكُلَ.\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (١/ ٢٢١)\n(^٢) «الاستذكار» (٧/ ٣٧)\n(^٣) وفي الباب حديث بريدة (كان النبي لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي) أخرجه أحمد (٥/ ٣٥٢)، والترمذي (٥٤٣)، وابن ماجه (١٧٥٦) وغيرهم، وفي إسناده ثواب بن عتبة: لين الحديث، وقد تابعه عقبة بن عبد الله الأصم عند أحمد (٥/ ٣٥٣) وهو ضعيف، وفي الباب حديث ابن عباس قال: (إن من السنة أن لا تخرج يوم الفطر حتى تطعم، ولا يوم النحر حتى ترجع، أخرجه الطبراني (الأوسط) وفي إسناده إسحاق التميمي لم أقف له على ترجمة، وأخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٨٤) وفي إسناده حجاج بن أرطأة ضعيف، وأخرجه البزار (٦٥١) وقال الهيثمي (مجمع الزوائد) (٢/ ١٩٩): وفي إسناد البزار من لم أعرفه. وفي الباب حديث جابر بن سمرة، أخرجه البزار (كشف الأستار) (١/ ٣١١) وفي إسناده ناصح بن عبد الله: متروك وفي الباب حديث أنس، أخرجه الأصبهاني (الترغيب والترهيب) (١/ ٢٥٨) وفي إسناد مرجى ضعيف.","vol":"1","page":546},{"text":"قال ابن حزم: وَإِنْ أَكَلَ يوم الأَضْحَى قبل غُدُوِّهِ إلَى المصَلَّى فَلَا بَأْسَ وَإِنْ لم يَأْكُلْ حتى يَأْكُلَ من أُضْحِيَّتِهِ فَحَسَنٌ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-399> المبحث الرابع: استحباب التبكير إلى العيدين:</span>\nيستحب للمأموم أن يبكر لصلاة العيد، ويكون التبكير بعد صلاة الفجر.\nقال الشافعي (^١): أَمَّا الناس فَأُحِبُّ أَنْ يَتَقَدَّمُوا، حين يَنْصَرِفُونَ من الصُّبْحِ لِيَأْخُذُوا مَجَالِسَهُمْ وَلِيَنْتَظِرُوا الصَّلَاةَ؛ فَيَكُونُوا في أَجْرِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ما دَامُوا يَنْتَظِرُونَهَا وَأَمَّا الْإِمَامُ فإنه إذَا غَدَا لم يَجْعَلْ وَجْهَهُ إلَّا إلَى المصَلَّى فيصلي.\nقال ابن قدامة (^٢): يُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ إلَى الْعِيدِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، إلَّا الْإِمَامَ فَإِنَّهُ يَتَأَخَّرُ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ.\nروى البخاري (^٣): حديثًا عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يوم النَّحْرِ قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ في يومنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا».\nوجه الدلالة: ما قاله ابن بطال (^٤). وقيل قوله: (أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلى) يدل أنه لا يجب أن يشتغل بشاء غير التأهب للعيد والخروج إليه، وأن لا يفعل قبل صلاة العيد شيئًا غيرها.\nوَعَنْ نَافِعٍ قال: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي الصُّبْحَ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ يَغْدُو كَمَا هُوَ إِلَى المصَلَّى (^٥).\nعن يزيد بن أبي عبيد الله قال: صليت مع سلمة بن الأكوع في مسجد النبي ﷺ صلاة\n_________\n(^١) «الأم» (١/ ٣٥٥).\n(^٢) «المغني» (٣/ ٢٦١)، و«الإنصاف» (٢/ ٢٤١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٩٦٨).\n(^٤) «شرح ابن بطال» (٢/ ٥٦٠).\n(^٥) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٨٦).","vol":"1","page":547},{"text":"الصبح، ثم خرجت معه حتى أتينا المصلى فجلس، وجلست حتى جاء الإمام (^١).\nالحاصل في المسألة: أنه يستحب للمأموم التبكير إلى صلاة العيد بعد الفجر، ويستحب للإمام أن يخرج بقدر ما إذا بلغ المصلى حلت الصلاة، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء (^٢).\n\n•<span data-type='title' id=toc-400> المبحث الخامس: استحباب مخالفة الطريق في الذهاب والرجوع:</span>\nقال ابن رشد (^٣): وأجمعوا على أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ غَيْرِ الطَّرِيقِ الَّتِي مَشَى عَلَيْهَا لِثُبُوتِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ﵊.\nروى البخاري (^٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴿قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يوم عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-401> المبحث السادس: هل المشي إلى العيدين أفضل من الركوب؟</span>\nذهب جمهور أهل العلم إلى استحباب المشي إلى العيدين (^٥) ولا بأس بالركوب في الرجوع (^٦).\n_________\n(^١) إسناده صحيح: أخرجه الفريابي (٢٩).\n(^٢) «المدونة» (١/ ١٥٤)، قال النووي في «روضة الطالبين» (١/ ٥٨٣): والسنة أن لا يخرج المأموم إلا في الوقت الذي يصلي فيه، فإذا وصل إلى المصلى شرع في صلاة العيد، ويستحب للإمام أن يؤخر الخروج في عيد الفطر قليلًا، ويعجل في الأضحى.\n(^٣) «بداية المجتهد» (١/ ٢٢١، ٢٢٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (٩٨٦)، قال: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴿، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ». قال البخاري: تَابَعَهُ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ فُلَيْحٍ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ أَصَحُّ.\nوهذا حديث اختلف فيه على فليح بن سليمان، فمرة جعله من مسند أبي هريرة، ومرة من مسند جابر، والخلاف في الصحابي لا يضر إذا كان التابعي سمع منهما، والله أعلم.\n(^٥) «الأم» (١/ ٣٥٧)، «مسائل عبد الله» رقم (٤٧٢)، «الأوسط» (٤/ ٢٦٣).\n(^٦) «الحاوي» (٣/ ١١٠)، «الإنصاف» (٢/ ٤٢٢).","vol":"1","page":548},{"text":"واستدلوا لذلك بالسنة:\nعَنْ عَلِىِّ بْنِ أَبِى طَالِبٍ قال: مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا وَأَنْ تَأْكُلَ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ (^١).\nعن سَعْدٍ الْقَرَظِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا، وَيَرْجِعُ مَاشِيًا (^٢).\nعن ابن عمر: «كَانَ رسول ﷺ يَخْرُجُ إِلَى الْعِيدِ مَاشِيًا، وَيَرْجِعُ مَاشِيًا» (^٣).\nعن أَبِي رَافِعٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْتِي الْعِيدَ مَاشِيًا» (^٤).\nقال الزهري: «ما رَكِبَ رسول اللَّهِ ﷺ في عِيدٍ وَلَا جِنَازَةٍ قَطُّ» (^٥).\nالحاصل: ذهب أكثر أهل العلم إلى استحباب المشي إلى صلاة العيدين، واستدلوا بأحاديث، ولكن لا يصح منها حديث، ولكن يشهد لها عموم، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ، فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى» فهذا عام في كل صلاة تشرع فيها الجماعة، كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء (^٦).\nولا بأس بالركوب في الرجوع.\n_________\n(^١) ضعيف: أخرجه الترمذي (٥٣٠)، وابن ماجه (١٢٩٦)، وغيرهما، وفي إسناده الحارث الأعور كذبه الشعبي. وله شواهد.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١٢٩٤)، وفي إسناده عبد الرحمن بن سعد ضعيف، وأبوه سعد بن عمار مجهول، وهشام بن عمار فيه ضعف، وأخرجه الحاكم (٣/ ٦٠٧)، وغيره من طريق آخر فيه خالد بن إلياس متروك، وله أسانيد أخر فيها مقال.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه (١٢٩٥)، وفي إسناده عبد الرحمن بن عبد الله العمري متروك وأبوه ضعيف.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه (١٢٩٧)، وفي إسناده مندل، ضعيف، ومحمد بن عبيد الله بن رافع ضعيف.\n(^٥) ضعيف للإرسال: أخرجه الشافعي في «الأم» (١/ ٣٥٧).\n(^٦) «نيل الأوطار» (٣/ ٣٤١).","vol":"1","page":549},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-402> المبحث السابع: من السنة صلاة العيدين في المصلى، وفيه مطالب:</span>\n•<span data-type='title' id=toc-403> المطلب الأول: من السنة صلاة العيدين في المصلى:</span>\nففي الصحيحين (^١) من حديث أبي سعيد: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى المصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ».\nقال ابن المنذر (^٢): «وَالسُّنَّةُ أَنْ يَخْرُجَ النَّاسُ إِلَى المصَلَّى في الْعِيدِ».\nقال ابن قدامة (^٣): السُّنَّةُ أَنْ يُصَلِّيَ الْعِيدَ في المصَلَّى، أَمَرَ بِذَلِكَ عَلِيٌّ ﵁ وَاسْتَحْسَنَهُ الْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ المنْذِرِ.\nوَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ مَسْجِدُ الْبَلَدِ وَاسِعًا، فَالصَّلَاةُ فِيهِ أَوْلَى.\nوَلَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ إلَى المصَلَّى وَيَدَعُ مَسْجِدَهُ»، وَكَذَلِكَ الْخُلَفَاءُ بَعْدَهُ، وَلَا يَتْرُكُ النَّبِيُّ ﷺ الْأَفْضَلَ مَعَ قُرْبِهِ، وَيَتَكَلَّفُ فِعْلَ النَّاقِصِ مَعَ بُعْدِهِ، وَلَا يَشْرَعُ لِأُمَّتِهِ تَرْكَ الْفَضَائِلِ، وَلِأَنَّنَا قَدْ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِ النَّبِيِّ ﷺ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ المأْمُورُ بِهِ هُوَ النَّاقِصَ، وَالمنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ الْكَامِلَ. وَلِأَنَّ هَذَا إجْمَاعُ المسْلمينَ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-404> المطلب الثاني: صلاة العيد في المسجد لعذر:</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن من السنة الصلاة في المصلى، إلا إذا كان عليه مشقة في البروز إلى المصلى صلوا في المسجد.\nوروى أبو داود وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ في يوم عِيدٍ، فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِيدِ في المسْجِدِ» (^٤).\n_________\n(^١) البخاري (٩٥٦) ومسلم (٨٨٩).\n(^٢) «الأوسط» (٤/ ٢٥٧).\n(^٣) «المغني» (٣/ ٢٦٠).\n(^٤) ضعيف: أخرجه أبو داود (١١٦٠)، وابن ماجه (١٣١٣) وغيرهما. قال الذهبي: هذا حديث فرد منكر. وفي إسناده عيسى بن عبد الأعلى، وشيخه عبيد الله بن موهب، وكلاهما مجهول.","vol":"1","page":550},{"text":"قال ابن حزم (^١): وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ مَشَقَّةٌ في الْبُرُوزِ إلَى المصَلَّى صَلوا جَمَاعَةً في الْجَامِعِ.\nقال ابن قدامة (^٢): وَإِنْ كَانَ عُذْرٌ يَمْنَعُ الْخُرُوجَ، مِنْ مَطَرٍ، أَوْ خَوْفٍ، أَوْ غَيْرِهِ، صَلَّوْا في الْجَامِعِ.\nقال الماوردي (^٣): فَإِنْ لم يَقْدِرِ الْإِمَامُ عَلَى الْخُرُوجِ إِلَى المصَلَّى لِعُذْرٍ مِنْ مَطَرٍ أَوْ ريحٍ، صَلَّى بِالنَّاسِ في المسْجِدِ.\nالحاصل: أن السنة أن يصلى العيد في المصلى أو الفضاء، إلا إذا كان هناك عذر من مطر أو خوف أو غيره، صلوا في المسجد.\n\n•<span data-type='title' id=toc-405> المطلب الثالث: استخلاف من يصلي بضعفة الناس إذا أصبح الإمام في مكان بعيد عن البلدة.</span>\nقال الكاساني (^٤): يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إذَا خَرَجَ إلَى الْجَبَّانَةِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ أَنْ يَخْلُفَ رَجُلًا يُصَلِّي بِأصحاب الْعِلَلِ في المصْرِ صَلَاةَ الْعِيدِ.\nقال النووي (^٥): قال الشافعي والأصحاب: إذا خرج الإمام إلى الصحراء استخلف من يصلي في المسجد بالضعفة.\n\n•<span data-type='title' id=toc-406> المبحث الثامن: استحباب خروج النساء إلى المصلى بالضوابط الشرعية:</span>\nاختلف أهلُ العلم في خروج النساء لمصلى العيدين على أقوال، أهمها:\n• القول الأول: أن خروج النساء لصلاة العيدين مستحب لا فرق بين الشابة والعجوز وذات الهيئة، أي الجميلة، وغيرها …\n_________\n(^١) «المحلى» (٥/ ٨٩).\n(^٢) «المغني» (٣/ ٢١٦).\n(^٣) «الحاوي» (٣/ ١١٠).\n(^٤) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٨٠)، «بداية المجتهد» (١/ ٢١٩).\n(^٥) «الأوسط» (٤/ ٢٩١)، «المجموع» (٥/ ٥)، «فتح الباري» لابن رجب (٦/ ١٧١).","vol":"1","page":551},{"text":"واستدلوا لذلك بما ورد في «الصحيحين» (^١) عن أُمُّ عَطِيَّةَ: أُمِرْنَا أَنْ نَخْرُجَ فَنُخْرِجَ الْحُيَّضَ وَالْعَوَاتِقَ (^٢) وَذَوَاتِ الْخُدُورِ (^٣). قال ابْنُ عَوْنٍ: (أَوِ الْعَوَاتِقَ ذَوَاتِ الْخُدُورِ) فَأَمَّا الْحُيَّضُ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المسْلمينَ وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلْنَ مُصَلَّاهُمْ.\nوفي هذا الحديث استحباب خروج جميع النساء إلى شهود العيدين، والعواتق وذوات الخدور؛ ليشهدن الدعاء والخير، وللإمام أن يخصهن بموعظة.\nقال الشوكاني (^٤): إن خروج النساء إلى المصلى مستحب، وحملوا الأمر فيه على الندب، ولم يفَرِّقُوا بين الشابة والعجوز.\n• القول الثاني: الذين منعوا من خروج النساء إلى العيدين:\nاستدلوا بعموم القرآن والسنة:\nأما دليلهم من القرآن: فعموم قوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾.\nوالأمر بالقرار نهي عن الانتقال ولأن خروجهن سبب الفتنة والفتنة حرام، وما أدى إلى الحرام فهو حرام.\nواعْتُرِضَ عليه: بأن هذا دليل عام، والنبي ﷺ أمر النساء بالخروج إلى مصلى العيدين وهذا خاص وإذا تعارض العام والخاص، يُقدم الخاص.\nأما دليلهم من السنة: فما ثبت في «الصحيحين» عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لمنَعَهُنَّ، كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ. قُلْتُ لِعَمْرَةَ: أَوَمُنِعْنَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ.\nواعْتُرِضَ عليه: بأن المرأة إذا خرجت من بيتها إلى صلاة العيدين لأمر النبي ﷺ مع التزامها بالحجاب الشرعي وعدم مخالطة الرجال، وكذا التزامها بالضوابط الشرعية، فإن هذا لا يتعارض مع قول عائشة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٨١).\n(^٢) العواتق: جمع عاتق، وهى المرأة الشابة التي استحقت التزويج.\n(^٣) الخدور: جمع خدر، والخدر ناحية في البيت.\n(^٤) «نيل الأوطار» (٣/ ٣٤٢).","vol":"1","page":552},{"text":"والراجح والله أعلم: استحباب خروج جميع النساء إلى صلاة العيدين لحديث أم عطية: (أمَرنا - أي النبي - أن نخرج فنُخرج الحيض والعواتق وذوات الخدور). فدل هذا على استحباب خروج جميع النساء.\nوعلى المرأة أن تلتزم بالحجاب الشرعي من ستر جميع البدن، وأن تجتنب الطيب، ولا تختلط بالرجال، كذا يستحب للإمام أن يعظهن في خطبته، وأن يُذكرهن بالله ﷿؛ لفعل النبي ﷺ ذلك.\nقال الشوكاني (^١) والحديث وما في معناه من الأحاديث قاضية بمشروعية خروج النساء في العيدين إلى المصلى من غير فرق بين البكر والثيب، والشابة والعجوز، والحائض وغيرها، ما لم تكن معتدة أو كان خروجها فتنة أو كان لها عذر .. وحملوا الأمر فيه على الندب.\nقال الحافظ (^٢): وَفِيهِ اِسْتِحْبَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى شُهُودِ الْعِيدَيْنِ، سَوَاءٌ كُنَّ شَوَابَّ أَمْ لَا، وَذَوَاتِ هَيْئَاتٍ أَمْ لَا.\nقال ابن قدامة (^٣): وظاهر كلام أحمد أن ذلك جائز غير مستحب .. وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ لَهُنَّ\n_________\n(^١) «نيل الأوطار» (٣/ ٣٤٢).\n(^٢) «فتح الباري» (٢/ ٥٤٥).\n(^٣) «المغني» (٢/ ٣٣٢، ٣٣٣)، من السنة اعتزال الحُيض المصلى لما ورد في «الصحيحين» من حديث أم عطية: وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ المصَلَّى. واعتزال المصلى أي الصلاة.\nقال ابن رجب في شرح هذا الحديث: والأظهر أن أمر الحُيض باعتزال المصلى إنما هو حال الصلاة؛ ليتسع على النساء الطاهرات مكان صلاتهن، ثم يختلطن بهن في سماع الخطبة.\nومن السنة للمرأة التي لم يكن لها جلباب تخرج به للعيد أن تستعير جلبابًا من صاحبتها، دل على ذلك ما ورد في الصحيح لما أمر النبي ﷺ النساء بالخروج للعيدين قالت امرأة: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لم يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا».\nقال النووي: قوله ﷺ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا» الصحيح أن معناه لتلبسها جلبابًا لا تحتاج إليه عارية، وفيه الحث على حضور العيد لكل أحد، وعلى المواساة والتعاون على البر والتقوى. «شرح مسلم» (٦/ ١٩).","vol":"1","page":553},{"text":"الْخُرُوجُ غَيْرَ مُتَطَيِّبَاتٍ وَلَا يَلْبَسْنَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ وَلَا زِينَةٍ، وَلَا يَخْرُجْنَ في ثِيَابِ الْبِذْلَةِ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ». وَلَا يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ، بَلْ يَكُنَّ نَاحِيَةً مِنْهُمْ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-407> المبحث التاسع: خروج الصبيان إلى المصلى:</span>\nوفيه مطلبان:\n\n•<span data-type='title' id=toc-408> المطلب الأول: استحباب خروج الصبيان إلى المصلي:</span>\nروى البخاري (^١) عن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عَابِسٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ: أَشَهِدْتَ الْعِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ؟ قال: نَعَمْ. وَلَوْلَا مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ (^٢).\nقال ابن بطال (^٣): خروج الصبيان للمصلى إنما هو إذا كان الصبي ممن يضبط نفسه عن اللعب، ويعقل صلاته، ويتحفظ مما يفسدها، ألا ترى إلى ضبط ابن عباس القصة؟\nوفيه نظر؛ لأن مشروعية إخراج الصبيان إلى المصلى إنما هو للتبرك وإظهار شعار الإسلام بكثرة من يحضر منهم، ولذلك شُرع للحُيض كما سيأتي، فهو شامل لمن تقع منهم الصلاة أو لا. وعلى هذا إنما يحتاج أن يكون مع الصبيان من يضبطهم عما ذكر من اللعب ونحوه، سواء صلوا أم لا. وأما ضبط ابن عباس القصة فلعله كان لفرط ذكائه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-409> المطلب الثاني: يستحب التزين للصبيان ذكورًا وإناثًا يوم العيد بأحسن الثياب</span>\nوهل يحرم على الصبيان الذكور لبس الحرير والذهب في يوم العيد وغيره؟\nقال الماوردي (^٤) وَأَمَّا الصِّبْيَانُ وإخراجهم لصلاة العيد فَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا، وَيُخْتَارُ زِينَتُهُمْ بِالثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ، وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَى ذُكُورِهِمْ لُبْسُ الْحَرِيرِ وَالْحُلِيِّ مِنَ الذَّهَبِ؟ الصِّبْيَانُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ لِإِطْلَاقِ النَّهْيِ بِتَحْرِيمِهَا عَلَى ذُكُورِ الْأُمَّةِ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٧٧).\n(^٢) المعنى: لولا منزلتي من النبي ﷺ ما حضرت لأجل صغري كما في «الفتح» (٢/ ٥٣٨).\n(^٣) «شرح ابن بطال» (٢/ ٥٦٨).\n(^٤) «الحاوي» (٣/ ١٢١).","vol":"1","page":554},{"text":"مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصِ صَغِيرٍ مِنْ كَبِيرٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ فِيمَنْ يَصح تَكْلِيفُهُ وَتَتَوَجَّهُ الْعِبَادَةُ نَحْوَهُ.\nوالراجح: أنه يستحب التزين للصبيان الذكور والإناث ويحرم على ذكور الأمة صغارًا أو كبارًا لبس الحرير والذهب لعموم الأدلة الناهية، ولعدم وجود مخصص بين الصغير والكبير، وأما قولهم: (إن النهي فيمن يصح تكليفه وتتوجه العبارة نحوه). فاعترض عليه: بأن الصغير يُؤْمَرُ بالصلاة والصيام ويبتعد عن المحرمات، ففي «الصحيحين» من حديث أبى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا في فِيهِ فَقال النَّبِيُّ ﷺ: «كِخْ كِخْ» لِيَطْرَحَهَا ثُمَّ قال: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ»؟!.\n\n•<span data-type='title' id=toc-410> المبحث العاشر: التهنئة بالعيد:</span>\nعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: لَقِيتُ وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ في يوم عِيدٍ فَقُلْتُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ. فَقَالَ: نَعَمْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ. قال وَاثِلَةُ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يوم عِيدٍ فَقُلْتُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ. فَقَالَ: «نَعَمْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ» (^١).\nوَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِ النَّاسِ في الْعِيدَيْنِ: «تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ» قَالَ: «ذَاكَ فِعْلُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ» (^٢) وَكَرِهَهُ.\n_________\n(^١) منكر: رواه البيهقي (٣/ ٣١٩)، وابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢٧١)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٤٧٢) معلقًا، وفي إسناده محمد بن إبراهيم الشامي منكر الحديث.\nقال البيهقي: قد رأيته بإسناد آخر عن بقية موقوفًا ولا أراه محفوظًا. قلت: وقد خالفه أبو همام الوليد بن شجاع فرواه عن بقية عن حبيب بن عمر الأنصاري عن أبيه قال: لقيت واثلة يوم عيد فقلت: «تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ. فَقَالَ: نَعَمْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ» موقوفًا على واثلة، وأخرجه الطبراني في «الكبير» (٢٢/ ٥٣/ ١٢٣)، وفي إسناده حبيب بن عمر الأنصاري مجهول، وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٢/ ٤٢، ٤٣)، ولا يصح.\n(^٢) منكر: أخرجه البيهقي (٣/ ٣١٩، ٣٢٠) وغيره، وفي إسناده عبد الخالق بن زيد، منكر الحديث. قاله البخاري.","vol":"1","page":555},{"text":"واعترض بأن هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ.\nقال الباجي (^١): وَسُئِلَ مَالِكٌ أَيُكْرَهُ، لِلرَّجُلِ أَنْ يَقُولَ لِأَخِيهِ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ الْعِيدِ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْك، وَغَفَرَ لَنَا وَلَك، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَخُوهُ مِثْلُ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا يُكْرَهُ.\nقال أبو داود (^٢): سمعت أحمد سئل عن قولهم يوم العيد: تقبل الله منا ومنك؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس.\nوسئل شيخ الإسلام (^٣): هَلْ التَّهْنِئَةُ في الْعِيدِ وَمَا يَجْرِي عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ: «عِيدُك مُبَارَكٌ» وَمَا أَشْبَهَهُ هَلْ لَهُ أَصْلٌ في الشَّرِيعَةِ؟ أَمْ لَا؟ وَإِذَا كَانَ لَهُ أَصْلٌ في الشَّرِيعَةِ فَمَا الَّذِي يُقال؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ.\nفَأَجَابَ: أَمَّا التَّهْنِئَةُ يوم الْعِيدِ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ إذَا لَقِيَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ: (تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ وَأَحَالَهُ اللَّهُ عَلَيْك) وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذَا قَدْ رُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الصحابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ، وَرَخَّصَ فِيهِ الْأَئِمَّةُ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ. لَكِنْ قال أَحْمَد: أَنَا لَا أَبْتَدِئُ أَحَدًا فَإِنْ ابْتَدَأَنِي أَحَدٌ أَجَبْته، وَذَلِكَ لِأَنَّ جَوَابَ التَّحِيَّةِ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الِابْتِدَاءُ بِالتَّهْنِئَةِ فَلَيْسَ سُنَّةً مَأْمُورًا بِهَا وَلَا هُوَ أيضًا مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ، فَمَنْ فَعَلَهُ فَلَهُ قُدْوَةٌ وَمَنْ تَرَكَهُ فَلَهُ قُدْوَةٌ. وَاللَّهُ أَعْلم.\nالحاصل: أنه لا بأس أن يقول الرجل لأخيه «تقبل الله منا ومنك» أو «عيد مبارك» أو ما أشبه بذلك. ولكن لا يسن ذلك؛ لأنه لم يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شيء والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) «المنتقي» (١/ ٣٢٢).\n(^٢) «سؤالات للإمام أحمد» رقم (٤٣٦).\n(^٣) «الفتاوى» (٢٤/ ٢٥٣).","vol":"1","page":556},{"text":"<span data-type='title' id=toc-411>الفصل السادس خطبة العيد وما يتعلق بها من أحكام</span>\nجعلت الخطبة فصلًا مع أنها من مستحبات العيدين\nلكثرة ما يتعلق بها من أحكام\n• المبحث لأول: من السنة صلاة العيد قبل الخطبة\n• المبحث الثاني: هل يخطب للعيد على المنبر؟\n• المبحث الثالث: من السنة حضور خطبة العيد والاستماع لها\n• المبحث الرابع: هل خطبة العيد واحدة أم خطبتان يجلس بينهما؟\n• المبحث الخامس: هل تفتتح خطبة العيد بالتكبير أو بالحمد؟\n• المبحث السادس: موضوع خطبة العيد","vol":"1","page":557},{"text":"<span data-type='title' id=toc-412>المبحث الأول: من السنة صلاة العيد قبل الخطبة</span>\nأجمع العلماء على أن السنة في صلاة العيد تقديم الصلاة على الخطبة (^١).\nروى البخاري من حديث ابن عباس ﴿قال: شَهِدْتُ الْفِطْرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ يُصَلُّونَهَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، ثُمَّ يُخْطَبُ بَعْدُ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-413>المبحث الثاني: هل يخطب للعيد على المنبر؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يخطب على المنبر في العيدين، وبه قال الحنفية والمالكية، والحنابلة (^٣).\nقال السرخسي (^٤): وَلَا يُخْرِجُ المنْبَرَ في الْعِيدَيْنِ … وَالنَّاسُ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ إخْرَاجِ المنْبَرِ.\nقال ابن القيم (^٥): وَلم يَكُنْ هُنَالِكَ مِنْبَرٌ يَرْقَى عَلَيْهِ، وَلم يَكُنْ يُخْرِجُ مِنْبَرَ المدِينَةِ، وَإِنّمَا كَانَ يَخْطُبُهُمْ قَائِمًا عَلَى الْأَرْضِ.\nوفي «الصحيحين» من حديث أبي سعيد: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ يوم الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى إِلَى المصَلَّى، فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ\n_________\n(^١) «بداية المجتهد» (١/ ٢١٧)، وقد نقل الإجماع غير واحد كابن قدامة في «المغني» (٣/ ٣٤٦)، وابن بطال في «شرح البخاري» (٢/ ٥٥٦)، والزركشي في «شرحه» (٢/ ٢٢٦)، وابن رشد «بداية المجتهد» (١/ ٢١٧)، وغيرهم كثير.\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٧٩).\n(^٣) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٨٠)، «شرح ابن بطال» (٢/ ٥٥٤)، قال مالك: لا يخرج المنبر في العيدين، و«فتح الباري» لابن رجب (٦/ ١٤٤).\n(^٤) «المبسوط» (٢/ ٤٢).\n(^٥) «زاد المعاد» (١/ ٤٤٥).","vol":"1","page":558},{"text":"وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ».\nقال أَبُو سَعِيدٍ: فَلم يَزَلِ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى خَرَجْتُ مَعَ مَرْوَانَ وَهُوَ أَمِيرُ المدِينَةِ في أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ، فَلما أَتَيْنَا المصَلَّى إِذَا مِنْبَرٌ بَنَاهُ كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُرِيدُ أَنْ يَرْتَقِيَهُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَجَبَذْتُ بِثَوْبِهِ فَجَبَذَنِي، فَارْتَفَعَ فَخَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ. فَقُلْتُ لَهُ: غَيَّرْتُمْ وَاللَّهِ. فَقال: أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ ذَهَبَ مَا تَعْلم. فَقُلْتُ: مَا أَعْلم وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا لَا أَعْلم. فَقَالَ: إِنَّ النَّاسَ لم يَكُونُوا يَجْلِسُونَ لَنَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَجَعَلْتُهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ.\nقال الشافعي (^١): وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخْطُبَ على مِنْبَرٍ، فَمَعْلُومٌ عنه أَنَّهُ ﷺ خَطَبَ على المنْبَرِ يوم الْجُمُعَةِ وَقَبْلَ ذلك كان يَخْطُبُ على رِجْلَيْهِ قَائِمًا إلَى جِذْعٍ.\n• الحاصل: أنه لم يصح أن النبي ﷺ خطب للعيد على منبر، وهذا هو السنة، ولكن إذا كثر الناس، ودعت الحاجة إلى المنبر لبروز الإمام للناس، فقد قال الشافعي ﵀: لا بأس بذلك، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-414>المبحث الثالث: من السنة حضور خطبة العيد والاستماع لها</span>\nقال الشوكاني (^٢): وقد اتفق الموجبون لصلاة العيد وغيرهم على عدم وجوب خطبته، ولا أعرف قائلًا بوجوبها.\nوورد في الباب حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قال: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ الله الْعِيدَ، فَلما قَضَى الصَّلَاةَ قال: «إِنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ» (^٣).\n_________\n(^١) «الأم» (١/ ٣٦).\n(^٢) «نيل الأوطار» (٣/ ٣٦٣)، وانظر: «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٥)، و«المغني» (٣/ ٢٧٩).\n(^٣) ضعيف: أخرجه أبو داود (١١٥٥)، والنسائي (١٥٧٠)، وفي «الكبرى» (١/ ٥٤٨/ ١٧٧٩)، وابن ماجه (١٢٩٠) وغيرهم من طريق الفضل بن موسى عن ابن جريج عن عطاء عن عبد الله ابن السائب به، وابن جريج لم يصرح بالتحديث، قال الحافظ: والفضل بن موسى ثقة ثبت، ربما أغرب. وقد خالف الفضل بن موسى عبد الرزاق وسفيان وهشام، فرووه عن ابن جريج مرسلًا كما في «المصنف» لعبد الرزاق (٣/ ٢٩٠)، و«السنن الكبرى» للبيهقي (٣/ ١٠٣) وغيرهما. وصحح الإرسال النسائي وأبو داود وأبو زرعة وابن معين. انظر: «علل ابن أبي حاتم» (١/ ١٨٠)، و«تاريخ ابن معين» (٣/ ١٥)، و«نصب الراية» (٢/ ٢٢١).","vol":"1","page":559},{"text":"• ويستحب سماع الخطبة:\nقال الشافعي (^١): وَأُحِبُّ لمنْ حَضَرَ خُطْبَةَ عِيدٍ أو اسْتِسْقَاءٍ أو حَجٍّ أو كُسُوفٍ أَنْ يُنْصِتَ وَيَسْتَمِعَ، وَأُحِبُّ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ أَحَدٌ حتى يَسْتَمِعَ الْخُطْبَةَ، فَإِنْ تَكَلم أو تَرَكَ الِاسْتِمَاعَ أو انْصَرَفَ كَرِهْتُ ذلك له، وَلَا إعَادَةَ عليه وَلَا كَفَّارَةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-415>المبحث الرابع: هل خطبة العيد واحدة أم خطبتان يجلس بينهما؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن للعيد خطبتين يجلس بينهما (^٢).\nواستدلوا لهذا القول بالسنة والقياس:\nأما دليلهم من السنة: فعَنْ جَابِرٍ قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ يوم فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى فَخَطَبَ قَائِمًا، ثُمَّ قَعَدَ قَعْدَةً ثُمَّ قَامَ (^٣).\nوعن سعد بن أبي وقاص: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الْعِيدَ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، وَكَانَ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ قَائِمًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجِلْسَةٍ» (^٤).\n_________\n(^١) «الأم» (١/ ٣٦٦).\n(^٢) «بدائع الصنائع» (١/ ٢٧٦)، «الأم» (١/ ٣٦١)، «المغني» (٣/ ٢٧٧).\n(^٣) ضعيف: أخرجه ابن ماجه (١٢٨٩) وفي إسناده إسماعيل بن مسلم وأبو بحر، وكلاهما ضعيف.\n(^٤) إسناده ضعيف جدًا: أخرجه البزار في «البحر الزخار» (٣/ ٢٣١/ ١١١٦)، وفي إسناده: عبد الله بن شبيب واهٍ، ومحمد بن عبد العزيز ضعيف، ومهاجر: لين الحديث.\nقلت: وفي الباب حديث عبيد الله بن عتبة: «السُّنَّةُ أَنْ يَخْطُبَ الْإِمَامُ في الْعِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ»، أخرجه الشافعي في «مسنده» (١/ ٣٢٤، ٤٦٣)، والبيهقي (٣/ ٢٩٩). وهذا إسناد ضعيف جدًا؛ إبراهيم الأسلمي متروك وأرسله عبيد الله. ورواه عبد الرزاق (٥٦٧٤، ٥٦٩٢)، وابن أبي شيبة (٢/ ٩) وغيرهما من طرق عن عبيد الله، وهذه الطرق لا تخلو من مقال، وفي ألفاظها بعض الاختلاف، وعلى كل فالحديث مرسل، والله أعلم.\nوَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْعُدُ يوم الْجُمُعَةِ وَالْفِطْرِ وَالأَضْحَى عَلَى المنْبَرِ، فَإِذَا سَكَتَ المؤَذِّنُ يوم الْجُمُعَةِ قَامَ فَخَطَبَ، ثُمَّ جَلَسَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّى. إسناده ضعيف: أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٢٩٩). وفي إسناده: حسين ضعيف. وأخرجه الشجري في «الأمالي» (٢/ ٦٩) بإسقاط حسين بن عبد الله، ومحمد بن غيلان، والصحيح: محمد بن عجلان.","vol":"1","page":560},{"text":"الحاصل: ذهب جمهور العلماء إلى أن خطبة العيد خطبتان.\nواستدلوا: بأحاديث تدل على أن النبي ﷺ كان يخطب للعيد خطبتين يفصل بينهما بجلسة، ولكنها لا تصح عن رسول الله ﷺ، والظاهر من الأحاديث الصحيحة أن خطبة العيد واحدة، كما في حديث أبي سعيد أنَّ النَّبِيَّ قَامَ فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ نَزَلَ فَأَتَى النِّسَاءَ فَذَكَّرَهُنَّ. وَكذا حديث جابر وابن عباس وكلها في «الصحيحين».\nقال الشيخ ابن عثيمين (^١): إن النبي لم يخطب إلا خطبة واحدة، لكنه بعد أن أنهى الخطبة الأولى توجه إلى النساء ووعظهن، فإن جعلنا هذا أصلًا في مشروعية الخطبتين فمحتمل، مع أنه لا يصح؛ لأنه إنما نزل إلى النساء وخطبهن؛ لعدم وصول الخطبة إليهن، وهذا احتمال. ويحتمل أن يكون الكلام وصلهن، ولكن أراد أن يخصهن بخصيصة، ولهذا ذكرهن ووعظهن بأشياء خاصة بهن.\n\n<span data-type='title' id=toc-416>المبحث الخامس: هل تفتتح خطبة العيد بالتكبير أو بالحمد؟</span>\nذهب جمهور العلماء إلى أن التكبير في ابتداء الخطبة الأولى والثانية مستحب، واختلفوا في عدد التكبيرات، فأكثرهم يرى افتتاح الخطبة الأولى بتسع تكبيرات. والثانية بسبع\n_________\n(^١) «الشرح الممتع» (٥/ ١٩١).","vol":"1","page":561},{"text":"تكبيرات، وهو قول الأئمة الأربعة (^١).\nواستدلوا لهذا القول بالسنة:\nعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: السُّنَّةُ في تَكْبِيرِ يوم الأَضْحَى وَالْفِطْرِ عَلَى المنْبَرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ أَنْ يَبْتَدِئَ الإِمَامُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى المنْبَرِ بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ تَتْرَى لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا بِكَلَامٍ، ثُمَّ يَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ جَلْسَةً ثُمَّ يَقُومُ في الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ فَيَفْتَتِحُهَا بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ تَتْرَى لَا يَفْصِلُ بَيْنَهَا بِكَلَامٍ ثُمَّ يَخْطُبُ (^٢).\nواعترض عليه: بأنه لم يصح في الباب حديث.\nقال الشوكاني ﵀: لم يرد في ذلك دليل صحيح للمستمسك به.\nواختار ابن تيمية: افتتاح خطبة العيد بالحمد؛ لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه افتتح خطبة بغيره.\nوقال ابن القيم (^٣): وَكَانَ يَفْتَتِحُ خُطَبَهُ كُلّهَا بِالْحَمْدِ لِلّهِ وَلم يصح عَنْهُ في حَدِيثٍ وَاحِدٍ أَنّهُ كَانَ يَفْتَتِحُ خُطْبَتَيْ الْعِيدَيْنِ بِالتّكْبِيرِ، والله أعلم.\nالحاصل في هذه المسألة: ذهب حمهور العلماء إلى استحباب التكبير في ابتداء الخطبة الأولى والثانية، واستدلوا بأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ.\nوالصحيح أن النبي ﷺ كان يفتتح خطبه كلها بالحمد لله، ولم يُحفظ عنه في حديث واحد أنه كان يفتتح خطبتي العيدين بالتكبير. والله أعلم.\n_________\n(^١) «الدر المختار» (٣/ ٥٨)، «الأوسط» (٤/ ٢٨٦)، «الأم» (١/ ٣٦٥)، «الإنصاف» (١/ ٤٣٠).\n(^٢) ضعيف جدًا: أخرجه البيهقي في «المعرفة» (٣/ ٤٩)، وفي إسناده إبراهيم بن محمد وهو متروك. وله شواهد: فعن سعد بن عائذ القرظ قال: «كَانَ النَّبِيُّ يُكَبِّرُ بَيْنَ أَضْعَافِ الْخُطْبَةِ يُكْثِرُ التَّكْبِيرَ فِي خُطْبَةِ الْعِيد»، أخرجه ابن ماجه (١٢٨٧) وغيره، وفي إسناده عبد الرحمن بن سعد، وأبوه ضعيف، وعمار بن سعد المؤذن ضعيف. وعن أبي هُرَيْرَةَ فيه تَكْبِيرُ الْإِمَامِ في الْخُطْبَةِ الْأُولَى يوم الْفِطْرِ وَيوم الْأَضْحَى إحْدَى أو ثَلَاثًا وَخَمْسِينَ تَكْبِيرَةً في فُصُولِ الْخُطْبَةِ بين ظَهْرَانَي الْكَلَامِ. أخرجه الإمام الشافعي في «الأم» (١/ ٣٦٥) وفي إسناده: (إبراهيم بن محمد الأسلمي) متروك.\n(^٣) «زاد المعاد» (١/ ٤٤٧).","vol":"1","page":562},{"text":"<span data-type='title' id=toc-417>المبحث السادس: موضوع خطبة العيد</span>\nينبغى للإمام في خطبة العيد أن يعظ الناس ويذكرهم بتقوى الله، واذا كان عيد فطر أن يعلم الناس أحكام صدقة الفطر وصلة الأرحام، وإذا كان عيد أضحى أن يبين لهم فقه الأضاحي (^١).\nويستحب وعظ النساء وتذكيرهن الآخرة، وأحكام الإسلام وحثهن على الصدقة، ولهذا إذا لم يترتب على ذلك مفسدة، وخوف على الواعظ أو الموعوظ أو غيرهما، وفيه أن النساء إذا حضرت صلاة الرجال ومجامعهم يكن بمعزل عنهم خوفًا من فتنة أو نظرة أو فكر ونحوه.\n* * *\n_________\n(^١) قال في «الدر المختار» (٣/ ٥٨): وأن يُعلم الناس فيها أحكام صدقة الفطر ليؤديها من لم يؤدها، وينبغي تعليمهم في الجمعة التي قبلها ليخرجوها في محلها ولم أره، وهكذا كل حكم احتيج إليه؛ لأن الخطبة شُرعت للتعليم. قال الماوردي في «الحاوي» (٣/ ١١٩): فَإِنْ كَانَ الْعِيدُ فِطْرًا بَيَّنَ حُكْمَ زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَإِنْ كَانَ الْعِيدُ أَضْحَى بَيَّنَ لَهُمْ حُكْمَ الضَّحَايَا، وَأَنَّهَا سُنَّةٌ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَبَيَّنَ لَهُمْ أَوَّلَ زَمَانِ النَّحْرِ وَآخِرَهُ، وَالْعُيُوبَ المانِعَةَ وَالْأَسْنَانَ المعْتَبَرَةَ.","vol":"1","page":563},{"text":"<span data-type='title' id=toc-418>الفصل السابع التكبير وما يتعلق به من أحكام</span>\nمن سنن أيام العيدين التكبير\nوفيه مباحث:\n• المبحث الأول: قسما التكبير\n• المبحث الثاني: حكم التكبير المطلق في ليلة عيد الفطر ويومه حتى صلاة العيد\n• المبحث الثالث: الجهر بالتكبير\n• المبحث الرابع: هل يشرع التكبير الجماعي؟\n• المبحث الخامس: التكبير المقيد بأدبار الصلوات في عيد الأضحى دون الفطر\n• المبحث السادس: ابتداء التكبير وانتهاؤه للحاج\n• المبحث السابع: هل التكبير المقيد خلف الفرائض يختص بالجماعة؟\n• المبحث الثامن: محل التكبير المقيد\n• المبحث التاسع: صيغ التكبير في العيد","vol":"1","page":565},{"text":"<span data-type='title' id=toc-419>المبحث الأول: قسما التكبير</span>\nينقسم التكبير إلى قسمين:\nالقسم الأول: تكبير مقيد، وهو ما كان مقيدًا بأدبار الصلوات الخمس، وهو مختص بعيد الأضحى على قول جمهور العلماء، وليس في عيد الفطر تكبير مقيد.\nالقسم الآخر: تكبير مطلق، وهو ما كان غير مقيد بأدبار الصلوات (^١).\n\n•<span data-type='title' id=toc-420> المبحث الثاني: حكم التكبير المطلق في ليلة عيد الفطر ويومه حتى صلاة العيد:</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\n• القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى استحباب التكبير ليلة عيد الفطر، ويكبر الناس في خروجهم من منازلهم في الطرقات وفي المصلى حتى صلاة العيد.\nواستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾\nوجه الدلالة: ما قاله الشافعي: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ عِدَّةَ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَتُكَبِّرُوا اللَّهُ عِنْدَ إكْمَالِهِ على ما هَدَاكُمْ وَإِكْمَالُهُ مَغِيبُ الشَّمْسِ من آخِرِ يوم من أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ (^٢).\n• القول الثاني: وقال مالك: يكبر في المصلى إلى أن يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام قطع التكبير (^٣).\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:\nأما دليلهم من السنة: فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ في الْعِيدَيْنِ … رَافِعًا صَوْتَهُ بِالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ (^٤).\n_________\n(^١) ذهب جمهور العلماء إلى أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق. انظر: «فتح الباري» لابن رجب (٦/ ١١١)، و«الأوسط» (٤/ ٢٩٧)، والقرطبي «جامع أحكام القرآن» (٣/ ٣).\n(^٢) «الأم» (١/ ٣٥٣)، و«الحاوي» (٣/ ١٠٦)، و«المغني» (٣/ ٢٥٥).\n(^٣) «مختصر اختلاف الفقهاء» (١/ ٣٧٧، ٣٧٨).\n(^٤) إسناده ضعيف: أخرجه ابن خزيمة (١٤٣١) وغيره. وفي إسناده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف.","vol":"1","page":566},{"text":"وَعَنِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَخْرُجُ يوم الْفِطْرِ فَيُكَبِّرُ حَتَّى يَأْتِيَ المصَلَّى، وَحَتَّى يَقْضِيَ الصَّلَاةَ، فَإِذَا قَضَى الصَّلَاةَ قَطَعَ التَّكْبِيرَ» (^١).\nواعترض عليه: بأن هذه الأحاديث لا تصح عن رسول الله ﷺ.\nأما دليلهم من المأثور: فعن ابن عمر «أنه كَانَ يُكَبِّرُ إذا غدا إلى المصلى يوم الْعِيدِ» (^٢).\nوَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يُكَبِّرُ يوم الْعِيدِ (^٣).\n• القول الثالث: أنه لا يكبر في يوم الفطر وليلته، ويكبر في يوم الأضحى، وهو قول الحنفية.\nقال الطحاوي: قال أصحابنا: إنه يكبر في طريق الأضحى ويجهر في ذهابه إلى المصلى، ولا يكبر يوم الفطر، ويحتمل قوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ تعظيم الله تعالى بالأفعال والأقوال، كقوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]، وقد روى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس قال: كنت أقود ابن عباس إلى المصلى فيسمع الناس يكبرون فيقول: ما شأن الناس أكبر الإمام؟ فأقول: لا فيقول أمجانين الناس؟\nقال أبو جعفر: القياس أن يكبر في العيدين جميعًا؛ لأن صلاة العيدين لا يختلفان في التكبير والخطبة بعدهما وسائر سننها كذلك في سنة التكبير في الخروج إليهما، قال: وكان أبو عمران يحكي عن أصحابنا جميعًا أن السنة عندهم في يوم الفطر أن يكبروا في الطريق إلى المصلى حتى يأتوه، ولم يكن يعرف عندهم ما حكاه المعلى (^٤).\n_________\n(^١) مرسل: أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٤٨٧)، وفي الباب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «زَيِّنُوا أَعْيَادَكُمْ بِالتَّكْبِيرِ». أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٤٣٧٠) وفي إسناده عمرو بن راشد، ضعيف. وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «زَيِّنُوا الْعِيدَيْنِ بِالتَّهْلِيلِ، وَالتَّقْدِيسِ، وَالتَّحْمِيدِ، وَالتَّكْبِير». باطل: أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٢٨٨)، وفي إسناده (علي بن الحسن الشامي) كذاب، يروي عن الثقات أباطيل.\n(^٢) إسناده صحيح: أخرجه الفريابي (٣٩).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٥٦٢٧).\n(^٤) «مختصر اختلاف العلماء» (١/ ٣٧٧، ٣٧٨).","vol":"1","page":567},{"text":"الحاصل: اتفقت المذاهب الأربعة على استحباب التكبير في الطريق، وفي المصلى يوم الأضحى.\nوذهب جمهور العلماء إلى استحباب التكبير المطلق ليلة الفطر ويومه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ أي لتكملوا عدة رمضان، وتكبروا الله يوم العيد وليلته.\nوإليه ذهب ابن عمر وعروة بن الزبير وغيرهما. وينتهي التكبير يوم الفطر إذا خرج الإمام إلى صلاة العيد.\nقال الشافعي (^١): يُكَبِّرُ الناس في الْفِطْرِ حين تَغِيبُ الشَّمْسُ لَيْلَةَ الْفِطْرِ فُرَادَى وَجَمَاعَةً في كل حَالٍ حتى يَخْرُجَ الْإِمَامُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ ثُمَّ يَقْطَعُونَ التَّكْبِيرَ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-421> المبحث الثالث: الجهر بالتكبير:</span>\nقال النووي: يستحب رفع الصوت بالتكبير بلا خلاف (^٢).\nوقال في شرح مسلم: وقولها «يُكِبِّرنَ مَعَ النَّاس» دليل على استحباب التكبير لكل أحد في العيدين وهو مجمع عليه (^٣).\nقال ابن تيمية: وَيَشْرَعُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ عِنْدَ الْخُرُوجِ إلَى الْعِيدِ. وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ (^٤).\n\n•<span data-type='title' id=toc-422> المبحث الرابع: هل يشرع التكبير الجماعي؟</span>\nلم تُطرق مسألة التكبير الجماعي بشيء من التوسع في كتب الفقه، ويُشعر قول الشافعي بجواز ذلك، قال (^٥): فإذا رَأَوْا هِلَالَ شَوَّالٍ أَحْبَبْتُ أَنْ يُكَبِّرَ الناسُ جَمَاعَةً وَفُرَادَى في\n_________\n(^١) «الأم» (١/ ٣٦٨).\n(^٢) «المجموع» (٥/ ٣١).\n(^٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي حديث (٨٩٠).\n(^٤) «الفتاوى» (٢٤/ ٢٢٠).\n(^٥) «الأم» (١/ ٣٥٣).","vol":"1","page":568},{"text":"المسْجِدِ وَالْأَسْوَاقِ وَالطُّرُقِ وَالمنَازِلِ وَمُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ، في كل حَالٍ وَأَيْنَ كَانُوا وَأَنْ يُظْهِرُوا التَّكْبِيرَ.\nقال في بلغة السالك (^١): ويستحب الانفراد في التكبير حالة المشي للمصلى، وأما التكبير جماعة وهم جالسون في المصلى فهذا هو الذي أستحسن.\nواستدل لهذا القول بعمومات، منها: ما أخرجه البخاري (^٢) عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ نَخْرُجَ يوم الْعِيدِ حَتَّى نُخْرِجَ الْبِكْرَ مِنْ خِدْرِهَا حَتَّى نُخْرِجَ الْحُيَّضَ فَيَكُنَّ خَلْفَ النَّاسِ، فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ بِدُعَائِهِمْ، يَرْجُونَ بَرَكَةَ ذَلِكَ اليوم وَطُهْرَتَهُ». وفي رواية مسلم «يُكَبِّرُونَ مَعَ النَّاس»\nأثر عمر ﵁: عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَانَ يُكَبِّرُ في قُبَّتِهِ بِمِنًى، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ المسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ، فَيَسْمَعُهُ أَهْلُ السُّوقِ فَيُكَبِّرُونَ، حَتَّى تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا (^٣).\nكان أبو هريرة وابن عمر يأتيان السوق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس معهما، ولا يأتيان لشيء إلا لذلك (^٤).\n_________\n(^١) «بلغة السالك» (١/ ٣٤٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٩٧١)، ومسلم (٨٩٠).\n(^٣) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٣١٢)، وسقط من نسخة البيهقي، (علي بن عبد العزيز) وأثبته الحافظ في تغليق التعليق وإسناده حسن.\nوقال الحافظ في «تغليق التعليق» (٢/ ٣٧٩): ورواه سعيد بن منصور في «السنن» عن سفيان عن عمرو عن عبيد بن عمير به. قلت: وهذا إسناد صحيح. وله أسانيد أخر لا تخلو من مقال، انظر: «الأوسط» لابن المنذر (٤/ ٢٩٩)، والبيهقي (٣/ ٣١٢) وغيرهما.\n(^٤) علقه البخاري (٢/ ٤٥٧) قال ابن رجب في «فتح الباري» (٦/ ١١٢): هو من رواية سلام بن أبي المنذر عن حميد الأعرج عن مجاهد، أن ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان في العشر إلى السوق يكبران، لا يخرجان إلا لذلك، خرجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب «الشافي»، وأبو بكر المروزي في كتاب العيدين، ورواه عفان: نا سلام أبو المنذر .. فذكره، وسلام أبو المنذر صدوق يهم وحميد بن قيس الأعرج ليس به بأس، ومجاهد هو ابن جبر سمع من ابن عمر ومن أبي هريرة، فهذا الإسناد حسن، والله أعلم.","vol":"1","page":569},{"text":"عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلمةَ قال: خَرَجَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يوم النَّحْرِ فَلم يَرَهُمْ يُكَبِّرُونَ فَقال: مَا لَهُمْ لَا يُكَبِّرُونَ؟! أَمَا وَاللَّهِ فَعَلُوا ذَلِكَ فَقَدْ رَأَيْتُنَا في الْعَسْكَرِ مَا يُرَى طَرَفَاهُ، فَيُكَبِّرُ الرَّجُلُ فَيُكَبِّرُ الَّذِى يَلِيهِ، حَتَّى يَرْتَجَّ الْعَسْكَرُ تَكْبِيرًا، وَإِنَّ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ كَمَا بَيْنَ الأَرْضِ السُّفْلَى إِلَى السَّمَاءِ الْعُلْيَا (^١).\nالحاصل: أنه يستحب رفع الصوت بالتكبير، أما عن مشروعية التكبير الجماعي، فقول الشافعي يُشعر بجواز ذلك قال: فإذا رأوا هلال شوال أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى. وأيضًا نُقل ذلك عن بعض المالكية، ويمكن أن يستدل لهذا بما ورد في «الصحيحين» من حديث أم عطية وفي رواية مسلم: «ويكبرون مع الناس».\nفأثر عمر ﵁ يدل على ذلك فكان يكبر فيسمعه أهل السوق فيكبرون حتى ترتج منى تكبيرًا، وكذا ورد عن ابن عمر وأبي هريرة وابن الزبير، وينبغي أن لا يصحب ذلك تلحين أو تطريب، وهذه الأدلة التي أوردناها وإن كانت ليست صريحة ولكن فهم لبعض علمائنا كالإمام الشافعي.\nوفي هذا المقام ننصح إخواننا النبلاء الأماجد الذين يحرصون على السنة وجزاهم الله خيرًا على ذلك بألا يتسرعوا في التبديع، إلا إذا جمعوا الأدلة وسبقهم إلى ذلك الأئمة والعلماء، ولقد حذرَنا ربنا فقال: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلمونَ﴾ وإن كان من قال بعدم مشروعية التكبير الجماعي له وجهة قوية؛ لأن الأدلة غير صريحة، ولكن المسألة لا تصل إلى التبديع، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-423> المبحث الخامس: التكبير المقيد بأدبار الصلوات في عيد الأضحى دون الفطر.</span>\nقال النووي (^٢): وَأَمَّا التَّكْبِيرُ المقَيَّدُ فَيُشْرَعُ في عِيدِ الْأَضْحَى بِلَا خِلَافٍ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ.\nقال ابن رشد (^٣): وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى التَّكْبِيرِ في أَدْبَارِ الصَّلَوَاتِ أَيَّامَ الْحَجِّ.\n_________\n(^١) إسناده حسن: أخرجه البيهقي (٣/ ٢٧٩) وفي إسناده جعفر بن عوف، صدوق.\n(^٢) «المجموع» (٥/ ٣٢).\n(^٣) «بداية المجتهد» (١/ ٢٢١).","vol":"1","page":570},{"text":"واختلف العلماء في ابتداء وانتهاء التكبير المقيد بأدبار الصلوات على أقوال:\n• القول الأول: أن ابتداء وقت التكبير المقيد بأداء الصلوات من صبح يوم عرفة وينتهي بعد عصر آخر التشريق.\nوهو قول عند الشافعية (^١) وأحمد (^٢).\nواستدلوا لهذا القول بالسنة والمأثور:\nأما دليلهم من السنة: فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَبِّرُ في صَلَاةِ الْفَجْرِ يوم عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ حِينَ يُسَلم مِنَ المكْتُوبَاتِ» (^٣).\nعَنْ أَبِي الطُّفَيْلٍ، عَنْ عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَجْهَرُ في المكْتُوبَاتِ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَكَانَ يَقْنُتُ في صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَكَانَ يُكَبِّرُ مِنْ يوم عَرَفَةَ صَلَاةَ الْغَدَاةِ، وَيَقْطَعُهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» (^٤).\nأما دليلهم من المأثور: فَعَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَلِيٍّ «أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ يوم عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيُكَبِّرُ بَعْدَ الْعَصْرِ» (^٥)\n_________\n(^١) قال النووي في «المجموع» (٥/ ٣٦): وَحَكَى ابْنُ المنْذِرِ التَّكْبِيرَ مِنْ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ التَّشْرِيقِ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ وعلي بن أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ.\n(^٢) قال عبد الله في «مسائله» رقم (٤٧٦): سَأَلت أَبِي - الإمام أحمد -عَنْ تَكْبِير أَيْامِ التَّشْرِيق، فَقَالَ: من غَدَاة عَرَفَة إلى آخر أيام التَّشْرِيق، وأيام التَّشْرِيق ثَلَاثَة أيام بعد يَوْم النَّحْر يكبر إلى الْعَصْر ثمَّ يقطع وَهَذَا تَكْبِير عَليّ بن أبي طَالبٍ. قَالَ أبي: وَنحن نَأْخُذ بِهَذَا.\n(^٣) ضعيف جدًا: أخرجه الدارقطني (٢/ ٤٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٣/ ٣١٥). وفي إسناده عمرو بن شمر وجابر الجعفي، كلاهما متروك.\n(^٤) موضوع: أخرجه الحاكم (١/ ٢٩٩) قال الذهبي: خبر واهٍ كأنه موضوع؛ لأن عبد الرحمن صاحب مناكير.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة (٥٦٣٠). قلت: كل رجاله ثقات إلا عاصما - وهو ابن بهدلة - ابن أبي النجود فيه ضعف، وبعض العلماء يحسن حديثه، وقد تابعه أبو جناب عن ابن أبي شيبة (٥٦٣١)، وأبو جناب فيه ضعف.","vol":"1","page":571},{"text":"• القول الثاني: أن ابتداء التكبير المقيد بأدبار الصلوات من ظهر يوم النحر، وانتهاؤه صبح آخر أيام التشريق، وهو قول مالك (^١)، والمشهور عند الشافعية (^٢).\nواستدلوا لذلك بما روى الطبراني عَنْ شُرَيْحِ بْنِ أَبْرَهَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَبَّرَ في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى خَرَجَ مِنْ مِنًى، يُكَبِّرُ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ (^٣).\n• القول الثالث: ذهب أبو حنيفة إلى أن التكبير المقيد بأدبار الصلوات من فجر يوم عرفة إلى عصر يوم النحر (^٤).\n• القول الرابع: عن الزهري: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يوم عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» (^٥).\nقال شيخ الإسلام (^٦): أصح الْأقوالٍ في التَّكْبِيرِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَالْفُقَهَاءِ مِنْ\n_________\n(^١) قال سحنون في «المدونة»: أَوَّلُ التَّكْبِيرِ دُبُرَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، وَآخِرُ التَّكْبِيرِ فِي الصُّبْحِ فِي آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يُكَبِّرُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَيَقْطَعُ فِي الظُّهْرِ، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.\nقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ التَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؟ فَقَالَ: يَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ الْحَجِّ دُبُرَ صَلَاةِ الظُّهْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى دُبُرِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. قَالَ بُكَيْر وَسَأَلْتُ غَيْرَهُ فَكُلُّهُمْ يَقُولُ ذَلِكَ.\n(^٢) قال النووي في «المجموع» (٥/ ٣٦): المشْهُورَ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ مِنْ ظُهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى الصُّبْحِ مِنْ آخِرِ التَّشْرِيقِ.\n(^٣) منكر: أخرجه الطبراني في «الأوسط» (٧٢٧٦). وفي إسناده سليمان بن داود متروك.\n(^٤) قال السرخسي في «المبسوط» (٢/ ٤٢): اتَّفَقَ المشَايِخُ مِنْ الصَّحَابَةِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﴿أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالتَّكْبِيرِ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَبِهِ أَخَذَ عُلماؤُنَا ﴿فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ ثُمَّ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، يُكَبِّرُ فِي الْعَصْرِ ثُمَّ يَقْطَعُ. وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ.\n(^٥) مرسل: أخرجه ابن أبي شيبة (٥٦٤٦).\n(^٦) «الفتاوى» (٢٤/ ٢٢٠).","vol":"1","page":572},{"text":"الصحابَةِ وَالْأَئِمَّةِ: أَنْ يُكَبِّرَ مِنْ فَجْرِ يوم عَرَفَةَ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، عَقِبَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَيُشْرَعُ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَجْهَرَ بِالتَّكْبِيرِ عِنْدَ الْخُرُوجِ إلَى الْعِيدِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.\n\n•<span data-type='title' id=toc-424> المبحث السادس: ابتداء التكبير وانتهاؤه للحاج:</span>\nقال الشافعي (^١): «وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ خَلْفَ صَلَاةِ الظُّهْرِ من يوم النَّحْرِ إلَى أَنْ يُصَلُّوا الصُّبْحَ من آخَرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ».\nقال ابن قدامة (^٢): وَأَمَّا المحْرِمُونَ فَإِنَّهُمْ يُكَبِّرُونَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ يوم النَّحْرِ؛ لما ذَكَرُوهُ؛ لأنهمْ كَانُوا مَشْغُولِينَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالتَّلْبِيَةِ، وَغَيْرُهُمْ يَبْتَدِئُ مِنْ يوم عَرَفَةَ؛ لِعَدَمِ المانِعِ في حَقِّهِمْ مَعَ وُجُودِ المقْتَضِي. وَقَوْلُهُمْ: (إنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لَهُمْ في هَذَا)، دَعْوَى مُجَرَّدَةٌ، لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، فَلَا تُسْمَعُ.\nالحاصل: ذهب الشافعي وأحمد إلى أن التكبير للحاج يبدأ بعد ظهر يوم النحر؛ وذلك لأن الحاج مشغول بالتلبية. واختلفوا في انتهائه: فذهب الشافعي إلى أن التكبير ينتهي بعد صبح آخر أيام التشريق، وذهب أحمد إلى انتهائه بعد عصر آخر أيام التشريق، وهو الراجح، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-425> المبحث السابع: هل التكبير المقيد خلف الفرائض يختص بالجماعة، أم يكبر خلف الفرائض من صلى وحده؟ وهل التكبير في الفريضة فقط أو النافلة؟</span>\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:\n• القول الأول: ذهب أبو حنيفة وأحمد (^٣) في المشهور عنه إلى أن التكبير المقيد مختص بالصلوات المكتوبات في جماعة، ولا يكبر من صلى الفريضة وحده.\nواستدلوا لهذا القول بأثر ابن مسعود: «لَيْسَ عَلَى الْوَاحِدِ وَالاثنين تَكْبِيرٌ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ،\n_________\n(^١) «الأم» (١/ ٣٩٩).\n(^٢) «المغني» (٣/ ٢٨٩).\n(^٣) «سؤالات عبد الله» (٤٧٤).","vol":"1","page":573},{"text":"إِنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى في جَمَاعَةٍ» (^١).\nأثر ابن عمر: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لم يُكَبِّرْ» (^٢).\nقال ابن قدامة (^٣): المشْرُوعُ عِنْدَ إمَامِنَا التَّكْبِيرُ عَقِيبَ الْفَرَائِضِ في الْجَمَاعَاتِ، في المشْهُورِ عَنْهُ. قال الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَذْهَبُ إلَى فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُكَبِّرُ إذَا صَلَّى وَحْدَهُ؟ قال أَحْمَدُ: نَعَمْ. وَقال ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّمَا التَّكْبِيرُ عَلَى مَنْ صَلَّى في جَمَاعَةٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ».\nوَلَنَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِعْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَلم يُعْرَفْ لَهُمَا مُخَالِفٌ في الصحابَةِ فَكَانَ إجْمَاعًا؛ وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُخْتَصٌّ بِوَقْتِ الْعِيدِ؛ فَاخْتُصَّ بِالْجَمَاعَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مَشْرُوعِيَّتِهِ لِلْفَرَائِضِ مَشْرُوعِيَّتُهُ لِلنَّوَافِلِ، كَالْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ.\n• القول الثاني: قال مالك (^٤): لا يكبر إلا في دبر الفرائض، سواء كان منفردًا أو جماعة.\nوهذا قول محمد بن الحسن وأبي يوسف من الحنفية (^٥)، ورواية عن أحمد (^٦).\n_________\n(^١) إسناده ضعيف: أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٠٥/ ٢٢١٣).\nقلت: وإسناده ضعيف؛ لإبهام من حدثوا ابن المنذر، وحماد هو ابن سليمان فيه لين.\n(^٢) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٠٥)، وهذا الإسناد وإن كان ظاهره الصحة؛ إلا أن الحافظ ابن حجر أعلَّ هذا الإسناد برواية ابن جريج عن نافع عن ابن عمر: «أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ الأَيَّامَ وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ وَعَلَى فِرَاشِهِ، وَفِى فُسْطَاطِهِ وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ تِلْكَ الأَيَّامِ جَمِيعًا» كما في «تغليق التعليق».\n(^٣) «المغني» (٣/ ٢٩١).\n(^٤) قال سحنون في «المدونة» (١/ ١٥٧): وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ التَّكْبِيرِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فِي غَيْرِ دُبُرِ الصَّلَوَاتِ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ النَّاسَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ، وَأَمَّا الَّذِينَ أَدْرَكْتَهُمْ وَأَقْتَدِي بِهِمْ فَلم يَكُونُوا يُكَبِّرُونَ إلَّا فِي دُبُرِ الصَّلَوَاتِ.\n(^٥) «المبسوط» (٢/ ٤٤).\n(^٦) «المغني» (٣/ ٢٩١).","vol":"1","page":574},{"text":"• القول الثالث: قال الشافعي: يكبر عقيب كل صلاة فريضة كانت أو نافلة، منفردًا صلاها أو في جماعة (^١).\nالحاصل: اتفق الأئمة الأربعة على استحباب التكبير خلف الفريضة المؤداة في جماعة، واختلفوا في غير ذلك، والراجح هو قول الشافعي أن التكبير يكون خلف الفرائض والنوافل، سواء كان منفردًا أو جماعة، رجلًا كان أو امرأة؛ لعموم الأدلة، ومَن اقتصر على التكبير المقيد خلف الصلاة المكتوبة في جماعة فله وجه، والله أعلم.\n\n•<span data-type='title' id=toc-426> المبحث الثامن: محل التكبير المقيد:</span>\nقال الشيخ ابن عثيمين (^٢): واختلف في محل هذا التكبير المقيد، هل هو قبل الاستغفار وقبل اللهم أنت السلام ومنك السلام، أو بعدهما؟\nقال بعض العلماء: يكون قبل الاستغفار وقبل اللهم أنت السلام ومنك السلام، فإذا سَلم الإمام وانصرف، كبّر رافعًا صوته حسب ما سيذكر المؤلف، ثم يستغفر ويقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام».\nوالصحيح أن الاستغفار وقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ» مقدم؛ لأن الاستغفار وقول: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ» ألصق بالصلاة من التكبير، فإنَّ الاستغفار يسنّ عقيب الصلاة مباشرة؛ لأن المصلي لا يتحقق أنه أتقن الصلاة، بل لا بد من خلل، ولا سيما في عصرنا هذا، فالإنسان لا يأتيه الشيطان إلا إذا كبّر للصلاة.\n_________\n(^١) «الأم» (٥/ ٣٦٩). قال النووي ﵀ في «المجموع» (٥/ ٣٩): مذهبنا أنه يستوى في التكبير المطلق والمقيد المنفرد والمصلي جماعة والرجل والمرأة والصبى المميز والحاضر والمسافر، وروى ابن أبي شيبة (٥٨٣١) عن ابن مَهْدِيٍّ، عَنْ هَمَّامٍ، قَالَ: رَأَيْتُ قَتَادَةَ صَلَّى وَحْدَهُ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَكَبَّرَ. وإسناده صحيح.\n(^٢) «الشرح الممتع» (٥/ ٢١٦).","vol":"1","page":575},{"text":"•<span data-type='title' id=toc-427> المبحث التاسع: صيغ التكبير في العيد:</span>\nاختلف أهل العلم في صيغ التكبير في العيد على قولين:\n• القول الأول: ذهب الحنفية والحنابلة (^١) إلى أن صيغة التكبير في العيد: «الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد».\nواستدلوا لذلك بالسنة والمأثور:\nأما دليلهم من السنة: فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ غَدَاةَ عَرَفَةَ قال لِأَصحابِهِ: «عَلَى مَكَانِكُمْ»، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ» فَيُكَبِّرُ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أيام التَّشْرِيقِ» (^٢).\nواعترض عليه بأنه حديث واهٍ.\nوعَنِ الأَسْوَدِ قال: كَانَ عَبْدُ اللهِ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يوم عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنَ يوم النَّحْرِ، يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (^٣).\nقال ابن قدامة: وَصِفَةُ التَّكْبِيرِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ. وَبِهِ قال الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ المبَارَكِ.\n_________\n(^١) «المبسوط» (٢/ ٤٣)، و«مسائل عبد الله» رقم (٤٧٠).\n(^٢) ضعيف جدًا: أخرجه الدارقطني (٢/ ٥٠). وفي إسناده: عمرو بن شمر متروك. وجابر الجعفي: ضعيف الحديث. وعبد الرحمن بن سابط لا يُحتج به.\n(^٣) رجاله ثقات: أخرجه ابن أبي شيبة (٥٦٥١). ووردت رواية بتثليث التكبير، أخرجها ابن أبي شيبة (٥٦٣٢). وهذه الرواية إن كان كل رواتها ثقات إلا أنها تخالف كل الروايات الأخرى بتثنية التكبير، انظر ابن أبي شيبة (٥٦٥٠) (٥٦٥١) وابن المنذر في «الأوسط» (٤/ ٣٠٤) والطبراني في «الكبير» (٩/ ٣٥٥، ٣٥٦)، فالراجح هو تثنية التكبير.","vol":"1","page":576},{"text":"• القول الثاني: ذهب مالك والشافعي إلى استحباب التكبير ثلاثًا (أي: الله أكبر الله أكبر الله أكبر) (^١).\nعَنْ أَبِى عُثْمَانَ النَّهْدِىِّ قال: كَانَ سَلمانُ ﵁ يُعَلمنَا التَّكْبِيرَ يَقُولُ: كَبِّرُوا اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا. أَوْ قال تَكْبِيرًا اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَى وَأَجَلُّ … (^٢).\nعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يوم عَرَفَةَ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لَا يُكَبِّرُ في المغْرِبِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (^٣).\nالحاصل:\nورد في هذا الباب حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى الصُّبْحَ غَدَاةَ عَرَفَةَ قال لِأَصحابِهِ: «عَلَى مَكَانِكُمْ»، ثُمَّ يَقُولُ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ» فَيُكَبِّرُ مِنْ غَدَاةِ عَرَفَةَ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أيام التَّشْرِيقِ.\nولكن إسناده ضعيف جدًا، فعمرو بن شمر متروك، وجابر الجعفي ضعيف.\nوصح عن ابن مسعود أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة، يقول: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، ولله الحمد. ورجاله ثقات.\n_________\n(^١) «المدونة» (١/ ١٥٦) وقال الشافعي في «الأم» (١/ ٢٦٩): وَالتَّكْبِيرُ كَمَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الصَّلَاةِ \" اللَّهُ أَكْبَرُ \" فَيَبْدَأُ الْإِمَامُ فَيَقُولُ: \" اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ \" حَتَّى يَقُولَهَا ثَلَاثًا، وَإِنْ زَادَ تَكْبِيرًا فَحَسَنٌ، وَإِنْ زَادَ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا اللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدَّيْنَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ \" فَحَسَنٌ.\n(^٢) صحيح: أخرجه البيهقي (٣/ ٣١٦).\n(^٣) إسناده صحيح: أخرجه ابن أبي شيبة (٥٦٤٥)، (٥٦٥٤) حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن أبي بكار عن عكرمة عن ابن عباس.","vol":"1","page":577},{"text":"وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ كَانَ يُكَبِّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وإسناده صحيح.\nوعن أبي عثمان النهدي قال: كَانَ سَلمانُ ﵁ يُعَلمنَا التَّكْبِيرَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَى وَأَجَلُّ. وإسناده صحيح.\nوالأَوْلى الاقتصار على هذه الصيغ التي وردت عن الصحابة، وأشهرها صيغة ابن مسعود. وينبغي ألا يزاد صيغ لم تصح عن الصحابة.\nقال الحافظ في «الفتح»: وَقَدْ أُحْدِثَ في هَذَا الزَّمَانِ زِيَادَةٌ في ذَلِكَ لَا أَصْلَ لَهَا.\nوقال الشوكاني في «نيل الأوطار»: وقد استحسن البعض زيادات في تكبير التشريق لم ترد عن السلف. والله أعلم.\n* * *","vol":"1","page":578},{"text":"الفصل الثامن ما يباح في العيدين\n• المبحث الأول: مشروعية الترفيه واللعب في العيد\n• المبحث الثاني: الرخصة للجواري يوم العيد في اللعب والغناء\n• المبحث الثالث: يباح الاجتماع على الطعام في العيد\n• المبحث الرابع: يباح العمل والبيع والشراء في العيد","vol":"1","page":579},{"text":"<span data-type='title' id=toc-428>الفصل الثامن ما يباح في العيدين</span>\nوفيه مباحث:\n\n•<span data-type='title' id=toc-429> المبحث الأول: مشروعية الترفيه واللعب في العيد:</span>\nفي «الصحيحين» (^١) عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ في أَيَّامِ مِنًى تُغَنِّيَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُسَجًّى بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ وَقال «دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ». وَقَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُنِى بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَأَنَا جَارِيَةٌ، فَاقْدِرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْعَرِبَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ.\nوفي رواية: «وَكَانَ يوم عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالْحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَإِمَّا قال «تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟». فَقُلْتُ: نَعَمْ فَأَقَامَنِى وَرَاءَهُ، خَدِّى عَلَى خَدِّهِ وَهُوَ يَقُولُ «دُونَكُمْ يَا بَنِى أَرْفَدَةَ». حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ قال «حَسْبُكِ». قُلْتُ نَعَمْ. قال «فَاذْهَبِى».\nقال ابن رجب (^٢): واللعب بالحراب والدرق في الأعياد مما لا شُبه في جوازه، بل واستحبابه؛ لأنه مما يُتعلم به الفروسية، ويُتمرن به علي الجهاد.\nوقد رّخص إسحاق وغيره من الأئمة في اللعب بالصولجان والكرة، للتمرن على الجهاد.\nوقال النووي (^٣): قَوْلُهَا: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى الْحَبَشَةِ وَهُمْ يَلْعَبُونَ وَأَنَا جَارِيَةٌ. وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ في مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٥٠)، ومسلم - وللفظ له- (٨٩٢).\n(^٢) «فتح الباري» لابن رجب (٦/ ٧٤).\n(^٣) «شرح مسلم» (٢/ ٤٨٩).","vol":"1","page":580},{"text":"فِيهِ جَوَازُ اللَّعِبِ بِالسِّلَاحِ وَنَحْوِهِ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ في المسْجِدِ، ويلتحق به ما في مَعْنَاهُ مِنَ الْأَسْبَابِ المعِينَةِ عَلَى الْجِهَادِ وَأَنْوَاعِ الْبِرِّ، وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ النِّسَاءِ إِلَى لَعِبِ الرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى نَفْسِ الْبَدَنِ، وَأَمَّا نَظَرُ المرْأَةِ إِلَى وَجْهِ الرَّجُلِ الْأَجْنَبِيِّ فَإِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ فَحَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَلَا مَخَافَةَ فِتْنَةٍ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا، أَصَحُّهُمَا تَحْرِيمُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].\n\n•<span data-type='title' id=toc-430> المبحث الثاني: الرخصة للجواري يوم العيد في اللعب والغناء:</span>\nفي «الصحيحين» عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَىَّ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِى جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِى الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ بِهِ الأَنْصَارُ يوم بُعَاثٍ. قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ. فَقال أَبُو بَكْرٍ: أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ في بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟! وَذَلِكَ في يوم عِيدٍ. فَقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا».\nقال ابن رجب (^١): في هذا الحديث الرخصة للجواري في يوم العيد في اللعب والغناء بغناء الأعراب. وإن سمع ذلك النساء والرجال، وإن كان معه دف مثل دف العرب وهو يشبه الغربال، وليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى غناء الأعاجم ودفوفهما المصلصلة؛ لأن غناءهم ودفوفهم تحرك الطباع وتهيجها إلى المحرمات، بخلاف غناء الأعراب، فمن قاس أحدهما على الآخر فقد أخطأ أقبح الخطأ، وقاس مع ظهور الفرق بين الفرع والأصل، فقياسه من أفسد القياس وأبعده عن الصواب.\nقال ابن بطال (^٢): قال المهلب: وفيه دليل أن العيد موضوع حديث للراحات وبسط النفوس إلى ما يحل من الدنيا والأخذ بطيبات الرزق وما أحل الله من اللعب والأكل والشرب والجماع، ألا ترى أنه أباح الغناء من أجل عذر العيد. قال: «دعهما يا أبا بكر\n_________\n(^١) «فتح الباري» (٦/ ٧٧).\n(^٢) «شرح صحيح البخاري» (٢/ ٥٤٩).","vol":"1","page":581},{"text":"(فإنها) أيام عيد» وكان أهل المدينة على سيرة من أمر الغناء واللهو، وكان\nالنبي ﷺ وأبو بكر على خلاف ذلك، ولذلك أنكر أبو بكر المغنيتين في بيت عائشة؛ لأنه لم يرهما قبل ذلك بحضرة النبي ﷺ فرخص في ذلك للعيد وفي ولائم إعلان.\n\n•<span data-type='title' id=toc-431> المبحث الثالث: يباح الاجتماع على الطعام في العيد:</span>\nقال شيخ الإسلام: جمع الناس للطعام في العيدين وأيام التشريق سُنة، وهو من شعائر الإسلام التي سنها رسول الله ﷺ للمسلمين …\n\n•<span data-type='title' id=toc-432> المبحث الرابع: يباح العمل والبيع والشراء في العيد:</span>\nقال ابن حزم (^١): وَلَا يَحْرُمُ الْعَمَلُ، وَلَا الْبَيْعُ في شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ؛ لأِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لم يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا رَسُولُهُ ﷺ، وَلَا خِلَافَ أيضًا بَيْنَ أَهْلِ الإِسْلَامِ في هَذَا.\n* * *\n_________\n(^١) «المحلي» (٥/ ٨١).","vol":"1","page":582},{"text":"<span data-type='title' id=toc-433>الفصل التاسع ما يُكره ويَحرم في العيدين</span>\n• المبحث الأول: كراهية حمل السلاح يوم العيد\n• المبحث الثاني: يحرم تخصيص ليلة العيد بقيام\n• المبحث الثالث: يحرم صوم يومي العيدين\n• المبحث الرابع: يحرم الاحتفال بأي عيد سوى العيدين والجمعة\n• المبحث الخامس: منكرات العيدين (المحرمات التي تقع في أيام العيدين)","vol":"1","page":583},{"text":"<span data-type='title' id=toc-434>المبحث الأول: كراهية حمل السلاح يوم العيد</span>\nروى البخاري (^١): عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ حِينَ أَصَابَهُ سِنَانُ الرُّمْحِ في أَخْمَصِ قَدَمِهِ، فَلَزِقَتْ قَدَمُهُ بِالرِّكَابِ، فَنَزَلْتُ فَنَزَعْتُهَا وَذَلِكَ بِمِنًى، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ فَجَعَلَ يَعُودُهُ فَقال الْحَجَّاجُ: لَوْ نَعْلم مَنْ أَصَابَكَ. فَقال ابْنُ عُمَرَ: أَنْتَ أَصَبْتَنِي. قال: وَكَيْفَ؟! قال: حَمَلْتَ السِّلَاحَ في يوم لم يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ وَأَدْخَلْتَ السِّلَاحَ الْحَرَمَ، وَلم يَكُنْ السِّلَاحُ يُدْخَلُ الْحَرَمَ.\nقال ابن بطال (^٢): قول ابن عمر: (حَمَلْتَ السِّلَاحَ في يوم لم يَكُنْ يُحْمَلُ فِيهِ) يدل أن حملها ليس من شأن العيد، وحملها في المشاهد التي يحتاج إلى الحمل فيها مكروه؛ لما يخشى فيه من الأذى والعقر عند تزاحم الناس، فإن خافوا عدوًّا فمباح حملها كما قال الحسن.\nقال المهلب: وقد أباح الله حمل السلاح في الصلاة عند الخوف فقال تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ وقوله: (أُمرت بحمل السلاح في الحرم ولم يكن يدخل فيه) إنما ذلك للأمن الذي جعله الله لجماعة المسلمين فيه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، وقوله للحجاج: (أنت أصبتني) دليل على قطع الذرائع؛ لأنه لامه على ما أدّاه إلى أذاه، وإن كان لم يقصد الحجاج ذلك.\nقال الحافظ: هَذِهِ التَّرْجَمَةُ تُخَالِفُ في الظَّاهِرِ التَّرْجَمَةَ المتَقَدِّمَةَ وَهِيَ بَابُ الْحِرَابِ وَالدَّرَقِ يَوْمَ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْإِبَاحَةِ وَالنَّدْبِ عَلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُهَا، وَهَذِهِ دَائِرَة بَين الْكَرَاهَة وَالتَّحْرِيم لقَوْل ابن عُمَرَ في يوم لَا يَحِلُّ فِيهِ حَمْلُ السِّلَاحِ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ الْحَالَةِ الْأُولَى عَلَى وُقُوعِهَا مِمَّنْ حَمَلَهَا بِالدُّرْبَةِ وَعُهِدَتْ مِنْهُ السَّلَامَةُ مِنْ إِيذَاءِ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ بِهَا وَحَمْلِ الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى وُقُوعِهَا مِمَّنْ حَمَلَهَا بَطَرًا وَأَشَرًا، أَوْ لم يَتَحَفَّظْ حَالَ حَمْلِهَا وَتَجْرِيدِهَا مِنْ إِصَابَتِهَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٩٦٦، ٩٦٧).\n(^٢) «شرح صحيح البخاري» (٢/ ٥٥٩).","vol":"1","page":584},{"text":"<span data-type='title' id=toc-435>المبحث الثاني: يحرم تخصيص ليلة العيد بقيام أو إحياء ليلتي العيد</span>\n• الأحاديث الواردة في الباب:\nحديث أبي أمامة وعبادة أبن الصامت: مَنْ قَامَ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ مُحْتَسِبًا لِلَّهِ، لم يَمُتْ قَلْبُهُ يوم تَمُوتُ الْقُلُوبُ (^١).\nحديث كردوس: مَنْ أَحْيَا لَيْلَةَ الْعِيدِ، وَلَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ لم يَمُتْ قَلْبُهُ يَوْمَ تَمُوتُ الْقُلُوبُ (^٢).\nحديث معاذ: «من أحيا الليالي الخمس وجبت له الجنة ليلة التروية وليلة عرفة، وليلة النحر وليلة النصف من شعبان» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-436>المبحث الثالث: يحرم صوم يومي العيدين</span>\nفي «الصحيحين» (^٤) من حديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ قال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ صَوْمِ يوم الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ.\nوروى مسلم (^٥) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَوْمَيْنِ: يوم الْفِطْرِ وَيوم الأَضْحَى.\n_________\n(^١) موضوع: أخرجه ابن ماجه (١٧٨٢). انظر: «جامع أحكام العيدين» (ص ٤٧١).\n(^٢) موضوع: أخرجه ابن الأعرابي في «المعجم» (٢٢٥٢)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٩٢٤) وفي إسناده مروان متروك.\n(^٣) موضوع: أخرجه الأصبهاني في «الترغيب والترهيب» (٣٧٤)، وفي إسناده عبد الرحيم بن زيد متروك.\n(^٤) أخرجه البخاري (١٩٩١)، ومسلم (١١٣٨).\n(^٥) أخرجه مسلم (١١٤٠).","vol":"1","page":585},{"text":"<span data-type='title' id=toc-437>المبحث الرابع: يحرم الاحتفال بأي عيد سوى الفطر والأضحى والجمعة</span>\nقال ابن عثيمين (^١): والعيدان تثنية عيد، وهما عيد الأضحى وعيد الفطر، وكلاهما يقعان في مناسبة شرعية.\nأما عيد الفطر ففي مناسبة انقضاء المسلمين من صوم رمضان.\nوأما الأضحى فمناسبته اختتام عشر ذي الحجة، فالمناسبة لهذين العيدين مناسبة شرعية.\nوهناك عيد ثالث وهو ختام الأسبوع وهو يوم الجمعة، ويتكرر في كل أسبوع مرة، وليس في الإسلام عيد سوى هذه الأعياد الثلاثة: الفطر، والأضحى، والجمعة.\nفليس فيه عيد بمناسبة مرور ذكرى غزوة بدر، ولا غزوة الفتح، ولا غيرها من الغزوات العظيمة التي انتصر فيها المسلمون انتصارًا باهرًا، ناهيك بما يقام من أعياد وانتصارات وهمية.\nبل إني أعجب لقوم يجعلون أعيادًا للهزائم ذكرى يوم الهزيمة أو ذكرى احتلال البلد الفلاني للبلد الفلاني، مما يدل على سفه عقول كثير من الناس اليوم؛ لأنهم لما حصل لهم شيء من البعد عن دين الإسلام صاروا حتى في تصرفهم يتصرفون تصرف السفهاء، وليس هناك أعياد لمناسبة ولادة أحد من البشر حتى النبي ﷺ لا يُشرع العيد لمناسبة ولادته، وهو أشرف بني آدم فما بالك بمن دونه؟\n* * *\n_________\n(^١) «الشرح الممتع» (٥/ ١٤٥ - ١٤٨).","vol":"1","page":586},{"text":"<span data-type='title' id=toc-438>المبحث الخامس: منكرات العيدين أو المحرمات التي تقع في أيام العيدين</span>\nإذا كانت المناسبة للأعياد هي انقضاء عبادة كصوم رمضان أو اختتام العشر أو أيام الحج، فينبغي أن يُشكر الله في هذا اليوم ويجوز اللعب واللهو المباح والاجتماع على الطعام.\nوإذا كان يوم العيد يوم فرحة وسرور فينبغي أن ينضبط هذا الشعور بالضوابط الشرعية، فيفرح في عيد الفطر؛ لأنه صام وقام فيرجو رحمة الله قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.\nأما إذا فعل فِعل السفهاء من ارتكاب للمحرمات وفعل الموبقات، بحجة أنه يوم عيد وفرح وسرور فنقول: هذا هو الفرح المذموم، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾.\n• وهناك بعض المحرمات التي تقع في هذا اليوم وينبغي الحذر منها، مثل:\n١) التشبه بالكفار والغربيين في الملابس واستماع المعازف.\n٢) التزين بحلق اللحية، وهو الأمر الذي عليه كثير من الناس، وحلق اللحية محرم في دين الله ﷾.\n٣) مصافحة النساء الأجنبيات.\nوقد صح عن النبي ﷺ أنه كان لا يصافح النساء.\n٤) الدخول علي النساء لقوله ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» فَقال رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قال: «الْحَمْوُ الموْتُ» (^١).\nالحمو: أقرباء الزوج كالأب والأخ والعم وغيرهم .... وقوله ﷺ: «الْحَمْوُ الموْتُ»\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٣٢)، ومسلم (٢١٧٢).","vol":"1","page":587},{"text":"معناه أن حماها هو الغاية في الشر والفساد فشبهه بالموت؛ وذلك أنه شر من الغريب من حيث أنه آمن مُدلّ والأجنبي متخوف مترقب، يحتمل أن يكون دعاء عليها، أي مكان الموت منها بمنزلة الحمو الداخل عليها إن رضيت بذلك (^١).\n٥) تبرج النساء وخروجهن إلى الأسواق وغيرها، وهذا محرم في شريعة الله، يقول تعالى: ﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ ولقوله ﷺ: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لم أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ (^٢) المائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا» (^٣).\n٦) الإسراف والتبذير فيما لا مصلحة فيه، ولا فائدة منه، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ المسْرِفِينَ﴾. ويقول جل شأنه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ المبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾.\n٧) ترك كثير من الناس للصلاة في المسجد من غير عذر شرعي، واقتصار البعض على صلاة العيدين دون سائر الصلوات!\n* * *\n_________\n(^١) «الفائق في غريب الحديث» (١/ ٣١٨).\n(^٢) قال القاضي عياض في «مشارق الأنوار» (١/ ٧٩): هي إبل غلاظ ذات سنامين ومعناه والله أعلم أنهن يُعظمن رءوسهن بالخُمُر ويكون شعورهن ولا يغضضن من أبصارهن.\n(^٣) أخرجه مسلم (٢١٢٨)، (٢٨٥٦).","vol":"1","page":588},{"text":"<span data-type='title' id=toc-439>المبحث السادس: من بدع العيدين</span>\n• تخصيص الرجال والنساء زيارة القبور فيهما.\n• تخصيص بعض الأضرحة يوم العيد وعرفة بالزيارة.\nقال ابن تيمية: ما يُفعل يوم عرفة، مما لا أعلم بين المسلمين خلافًا في النهي عنه، وهو قصد قبر من يحسن به الظن والاجتماع العظيم عند قبره (^١).\n• ذهاب الناس واجتماعهم عند من مات له ميت حديثًا وجلوسهم عند أهله وتجديد الحزن والهم (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٦٤٢).\n(^٢) «جامع أحكام العيدين» (ص ٤٧٥).","vol":"1","page":589}]}