{"ً":{"ٌ":147104,"ٍ":"الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/FP64383/","files":["01_64383.pdf","02-07_64384.pdf|2","02-07_64384.pdf|3","02-07_64384.pdf|4","02-07_64384.pdf|4","02-07_64384.pdf|5","02-07_64384.pdf|6","02-07_64384.pdf|7"]},"ّ":"الكتاب: الإبهاج في شرح المنهاج (شرح على منهاج الوصول إلى علم الأصول للقاضي البيضاوي المتوفى سنة ٦٨٥ هـ)\nالمؤلف: شيخ الإسلام علي بن عبد الكافي السبكي (ت ٧٥٦ هـ) وولده تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي (ت ٧٧١ هـ)\nتنبيه: شرح التقي السبكي قطعة يسيرة من أول المنهاج، ثم أعرض عنه فأكمله ابنه التاج، بداية من قول البيضاوي: «الرابعة: وجوب الشيء مطلقًا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورًا».\nدراسة وتحقيق: الدكتور أحمد جمال الزمزمي - الدكتور نور الدين عبد الجبار صغيري\nأصل التحقيق: رسالة دكتوراه - جامعة أم القرى بمكة المكرمة\nالناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م\nعدد الأجزاء: ٧ (١ دراسة، ٢ - ٧ متسلسلة الترقيم)\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"2.0","ٔ":723,"ٕ":11,"ٖ":1770155245,"ٗ":371},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":2},{"title":"المقدمة","level":2,"page":5},{"title":"الافتتاحية","level":3,"page":5},{"title":"مقدمة المحققين","level":3,"page":7},{"title":"أما الشارحان فهما","level":3,"page":11},{"title":"وأما الكتاب فهو","level":3,"page":12},{"title":"ويشتمل عملنا في هذا الكتاب قسمين: قسم الدراسة وقسم التحقيق","level":3,"page":12},{"title":"الدراسة","level":2,"page":16},{"title":"الجانب الأول ترجمة المصنف والشارحين","level":3,"page":17},{"title":"الباب الأول ترجمة المصنف [البيضاوي]","level":4,"page":18},{"title":"الفصل الأول التعريف بالمصنف","level":5,"page":19},{"title":"المبحث الأول: اسمه ونسبه، ومولده ووفاته","level":6,"page":20},{"title":"١ - اسمه ونسبه","level":7,"page":20},{"title":"٢ - ولادته ووفاته","level":7,"page":21},{"title":"أولا - ولادته","level":8,"page":21},{"title":"ثانيا - وفاته","level":8,"page":23},{"title":"المبحث الثاني: في نشأته، ورحلاته، وشيوخه، وتلامذته","level":6,"page":26},{"title":"١ - نشأته","level":7,"page":26},{"title":"٢ - رحلاته","level":7,"page":27},{"title":"٣ - شيوخه","level":7,"page":28},{"title":"أولا: والده، وصورة من إجازته العلمية","level":8,"page":29},{"title":"ثانيا - الشيخ محمد الكتحتائي","level":8,"page":30},{"title":"٤ - تلامذته","level":7,"page":30},{"title":"(أ) الشيخ كمال الدين المراغي","level":8,"page":31},{"title":"(ب) الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الأصفهاني","level":8,"page":32},{"title":"(جـ) فخر الدين الجاربردي","level":8,"page":32},{"title":"(د) زين الدين الهنكي","level":8,"page":33},{"title":"الفصل الثاني حياته العلمية وآثاره","level":5,"page":34},{"title":"المبحث الأول: ثقافته الواسعة والعلوم التي برز فيها","level":6,"page":35},{"title":"البيضاوي الأصولي","level":7,"page":36},{"title":"البيضاوي الفقيه","level":7,"page":37},{"title":"البيضاوي المتكلم","level":7,"page":38},{"title":"البيضاوي المفسر","level":7,"page":39},{"title":"البيضاوي النحوي","level":7,"page":41},{"title":"البيضاوي المؤرخ","level":7,"page":42},{"title":"المبحث الثاني: تقلده منصب القضاء","level":6,"page":44},{"title":"المبحث الثالث: مؤلفاته العلمية","level":6,"page":48},{"title":"الباب الثاني: ترجمة الشارحين تقي الدين وتاج الدين","level":4,"page":51},{"title":"الفصل الأول: بيان العصر الذي نشأ فيه الشارحان","level":5,"page":52},{"title":"المبحث الأول: الحياة السياسية","level":6,"page":53},{"title":"المبحث الثاني: الحياة الاجتماعية","level":6,"page":57},{"title":"الحياة الاقتصادية في العصر المملوكي","level":7,"page":58},{"title":"ففي الزراعة","level":8,"page":58},{"title":"وأما الصناعة","level":8,"page":61},{"title":"التجارة الخارجية","level":7,"page":66},{"title":"التجارة الداخلية","level":7,"page":69},{"title":"بناء المجتمع","level":7,"page":71},{"title":"المبحث الثالث: الحياة العلمية والدينية","level":6,"page":76},{"title":"المدارس والمكتبات","level":7,"page":77},{"title":"المكتبات","level":7,"page":80},{"title":"المكاتب","level":7,"page":82},{"title":"النشاط الديني","level":7,"page":84},{"title":"الفصل الثاني: التعريف بالشيخ تقي الدين السبكي","level":5,"page":88},{"title":"المبحث الأول: اسمه ونسبه","level":6,"page":89},{"title":"المبحث الثاني: ولادته ونشأته","level":6,"page":92},{"title":"المبحث الثالث: طلبه للعلم وشيوخه","level":6,"page":93},{"title":"المبحث الرابع: تلاميذه","level":6,"page":98},{"title":"المبحث الخامس: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه","level":6,"page":102},{"title":"المبحث السادس: قوته في المناظرة","level":6,"page":125},{"title":"المبحث السابع: فصاحته وبلاغته","level":6,"page":129},{"title":"المبحث الثامن: أخلاقه وعبادته","level":6,"page":139},{"title":"١ - إخلاصه","level":7,"page":143},{"title":"٢ - تواضعه","level":7,"page":143},{"title":"٣ - عزة نفسه","level":7,"page":144},{"title":"٤ - حياؤه","level":7,"page":145},{"title":"٥ - صرامته في الحق وصدعه به، وعدم محاباته فيه","level":7,"page":147},{"title":"٦ - زهده في الدنيا وجوده","level":7,"page":148},{"title":"٧ - عبادته وتقواه","level":7,"page":149},{"title":"٨ - صبره","level":7,"page":150},{"title":"٩ - كراماته","level":7,"page":150},{"title":"المبحث التاسع: مصنفاته","level":6,"page":152},{"title":"المبحث العاشر: وفاته والرؤى التي رئيت له","level":6,"page":155},{"title":"المبحث الحادي عشر: مراثيه","level":6,"page":158},{"title":"الفصل الثالث: التعريف بالشيخ تاج الدين السبكي","level":5,"page":160},{"title":"المبحث الأول: اسمه ونسبه","level":6,"page":161},{"title":"المبحث الثاني: ولادته ونشأته","level":6,"page":162},{"title":"المبحث الثالث: طلبه العلم وشيوخه","level":6,"page":164},{"title":"المبحث الرابع: تلامذته","level":6,"page":174},{"title":"المبحث الخامس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه","level":6,"page":178},{"title":"المبحث السادس: مناصبه العلمية","level":6,"page":190},{"title":"المبحث السابع: فصاحته وبلاغته","level":6,"page":196},{"title":"المبحث الثامن: حفظه","level":6,"page":201},{"title":"المبحث التاسع: أخلاقه وصفاته","level":6,"page":203},{"title":"١ - الإنصاف","level":7,"page":203},{"title":"٢ - الرجوع إلى الحق","level":7,"page":205},{"title":"٣ - إعراضه عن المناصب","level":7,"page":206},{"title":"٤ - العفو والصفح","level":7,"page":207},{"title":"٥ - الجود والإحسان","level":7,"page":208},{"title":"٦ - التواضع","level":7,"page":209},{"title":"٧ - مهابته وحب الناس له","level":7,"page":210},{"title":"٨ - أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر","level":7,"page":213},{"title":"٩ - مشاركته في الجهاد","level":7,"page":214},{"title":"المبحث العاشر: محنته","level":6,"page":215},{"title":"المبحث الحادي عشر: مصنفاته","level":6,"page":217},{"title":"أولا: في أصول الدين","level":7,"page":219},{"title":"ثانيا: في أصول الفقه","level":7,"page":220},{"title":"ثالثا: في الفقه","level":7,"page":220},{"title":"رابعا: في الحديث","level":7,"page":222},{"title":"خامسا: في التاريخ والتراجم","level":7,"page":222},{"title":"سادسا: في الأخلاق والإصلاح","level":7,"page":223},{"title":"سابعا: في الألغاز","level":7,"page":223},{"title":"المبحث الثاني عشر: وفاته","level":6,"page":224},{"title":"الجانب الثاني منهج دراسة الكتاب","level":3,"page":227},{"title":"المبحث الأول: توثيق نسبة الكتاب","level":4,"page":228},{"title":"المبحث الثاني: الملاحظات العامة على كتاب (الإبهاج في شرح المنهاج)","level":4,"page":230},{"title":"المبحث الثالث: في المنهج الذي اتبعه التاج في شرح الكتاب","level":4,"page":233},{"title":"أولا: مقدمة الشرح","level":5,"page":233},{"title":"بيان أهمية علم الفقه ومعرفة الحلال والحرام.","level":6,"page":236},{"title":"بيان أهمية أصول الفقه.","level":6,"page":236},{"title":"بيان أهمية كتاب المنهاج للبيضاوي.","level":6,"page":237},{"title":"بيان الدافع لتأليفه هذا الشرح.","level":6,"page":237},{"title":"بيان أن والده شرع في شرح هذا المتن.","level":6,"page":237},{"title":"بيان أهمية شرحه لمتن البيضاوي.","level":6,"page":238},{"title":"بيان أن عادته في الشرح الإطناب والاختصار حيث يقتضي ذلك.","level":6,"page":239},{"title":"بيان خاتمة المقدمة بالدعاء، وبيان بداية شرحه عند المحل الذي بلغه والده.","level":6,"page":240},{"title":"ثانيا: خاتمة الشرح","level":5,"page":241},{"title":"ثالثا: موضوعات الكتاب","level":5,"page":243},{"title":"تعامله مع التعريفات والمصطلحات","level":6,"page":243},{"title":"أولا: التعريفات اللغوية","level":7,"page":243},{"title":"ثانيا: التعريفات الاصطلاحية","level":7,"page":244},{"title":"تعامله مع المصادر","level":6,"page":246},{"title":"أولا: الدقة في النقل، والتحري فيه.","level":7,"page":246},{"title":"ثانيا: الإكثار من الاقتباس من مصادر أصولية بالنص أحيانا وبالمعنى.","level":7,"page":247},{"title":"الأمثلة","level":8,"page":248},{"title":"ثالثا: مقارنة موجزة بين شرح التاج وكتاب الصفي الهندي.","level":7,"page":250},{"title":"رابعا: الاقتباس من المصادر بالواسطة.","level":7,"page":253},{"title":"خامسا: ذكر الأقوال التي أخذها شفاها عن والده وبعض شيوخه.","level":7,"page":255},{"title":"أمثلة أخرى عن شيخه الذهبي","level":8,"page":257},{"title":"سادسا: منهجه في النقد.","level":7,"page":257},{"title":"تعامله مع المسائل الأصولية والقواعد الفقهية","level":6,"page":262},{"title":"العناية بتقسيم الموضوع","level":7,"page":262},{"title":"بيان موضع الخلاف وتحرير محل النزاع فيه","level":7,"page":265},{"title":"التنصيص على الرأي المختار","level":7,"page":267},{"title":"اعتناؤه بالقواعد الفقهية المتعلقة بالقواعد الأصولية","level":7,"page":270},{"title":"من ذلك قاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور","level":8,"page":270},{"title":"وقاعدة إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم؟","level":8,"page":270},{"title":"وقاعدة: أن الشرع يعلق الحكم على مظانها المنضبطة لا على أنفسها","level":8,"page":271},{"title":"وقاعدة: الإكراه يسقط أثر التصرف","level":8,"page":272},{"title":"وقاعدة: أن ما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف","level":8,"page":272},{"title":"وقاعدة: الشيء يغتفر إذا كان تابعا ولا يغتفر إذا كان أصلا","level":8,"page":273},{"title":"وقاعدة: أن الصبي هل هو مسلوب العبارة بالكلية؟","level":8,"page":273},{"title":"تفصيل بعض المسائل تفصيلا لا تجده عند غيره","level":7,"page":274},{"title":"ذكره لأمور لم يسبق إليها","level":7,"page":274},{"title":"عنايته بالفوائد الأصولية","level":7,"page":279},{"title":"الإحالات العلمية","level":7,"page":281},{"title":"الاستدلال بالأدلة النقلية من الكتاب والسنة والإجماع، وآراء الصحابة وأشعار العرب وأقوال أهل اللغة، والأدلة العقلية.","level":7,"page":284},{"title":"مثال للاستدلال من الكتاب والسنة والإجماع، والدليل العقلي واللغة","level":7,"page":285},{"title":"ذكر وجه الدلالة من النصوص","level":7,"page":287},{"title":"إيراد أدلة الخصوم وشبههم ومناقشتها وبيان وجه الضعف فيها","level":7,"page":289},{"title":"تعامله مع القضايا الفقهية","level":6,"page":291},{"title":"موقفه من آراء العلماء","level":7,"page":295},{"title":"الآراء الفردية","level":8,"page":295},{"title":"الآراء الجماعية","level":8,"page":297},{"title":"تعامله مع القضايا اللغوية والنحوية والأدبية.","level":6,"page":299},{"title":"تعامله مع الصناعة الحديثية","level":6,"page":307},{"title":"ذكره للفوائد","level":6,"page":311},{"title":"نقاط أخرى في المنهج","level":6,"page":314},{"title":"التعريف ببعض الأعلام أثناء الشرح","level":7,"page":314},{"title":"عدم عزو أبيات الشعر إلا في النادر والقليل","level":7,"page":316},{"title":"منهجه في تفسير الآيات القرآنية","level":7,"page":316},{"title":"ذكر مجالس المذاكرة والمناظرة","level":7,"page":317},{"title":"التحري في عزو الأقوال إلى أصحابها","level":7,"page":317},{"title":"بيان وجهة نظر المصنف في ترتيب الموضوعات الأصولية.","level":7,"page":318},{"title":"وجهة نظره في عدم ذكر بعض الموضوعات الأصولية","level":7,"page":318},{"title":"المبحث الرابع: مصادر الشارحين في الكتاب","level":4,"page":320},{"title":"المصادر الأصولية","level":5,"page":326},{"title":"المصادر الأخرى","level":5,"page":328},{"title":"أولا - مصادره الفقهية","level":6,"page":328},{"title":"ثانيا- مصادره الحديثية","level":6,"page":330},{"title":"متون وشروح الحديث","level":7,"page":330},{"title":"كتب مصطلح الحديث","level":7,"page":331},{"title":"كتب الرجال (الجرح والتعديل)","level":7,"page":332},{"title":"ثالثا - مصادره في التفسير","level":6,"page":332},{"title":"رابعا - مصادره اللغوية","level":6,"page":332},{"title":"خامسا - مصادره العقيدية وعلم الكلام","level":6,"page":333},{"title":"سادسا - مصادره في القواعد الفقهية والأشباه والنظائر","level":6,"page":333},{"title":"سابعا: مصادر متنوعة","level":6,"page":333},{"title":"المبحث الخامس: منهج التحقيق","level":4,"page":334},{"title":"المبحث السادس: وصف النسخ المعتمدة في التحقيق","level":4,"page":337},{"title":"المبحث السابع: في بيان المصطلحات التي استخدمها الشارح","level":4,"page":346},{"title":"مقدمة الشارح","level":1,"page":371},{"title":"مقدمة الشارح","level":2,"page":387},{"title":"قال المصنف ﵀","level":2,"page":387},{"title":"البحث الأول تعريف معنى أصول الفقه التركيبي قبل التسمية","level":2,"page":416},{"title":"البحث الثاني: في تعريف معنى أصول الفقه اللقبي","level":2,"page":421},{"title":"البحث الثالث: في الفرق بين المعاني الثلاثة وتعريفاتها، وما بينها من النسب.","level":2,"page":438},{"title":"الوجه الأول العلم","level":3,"page":441},{"title":"الوجه الثاني من الكلام على التعريف: الباء في قوله: (بالأحكام).","level":3,"page":448},{"title":"الوجه الثالث: قوله: \"بالأحكام\"","level":3,"page":449},{"title":"الوجه الرابع قوله: \"الشرعية\"","level":3,"page":457},{"title":"الوجه الخامس قوله: \"العملية\"","level":3,"page":461},{"title":"الوجه السادس: قوله: \"المكتسب من أدلتها\"","level":3,"page":466},{"title":"الوجه السابع: قوله: \"التفصيلية\"","level":3,"page":467},{"title":"مقدمة","level":1,"page":483},{"title":"(الباب الأول: في الحكم. وفيه فصول","level":2,"page":484},{"title":"الفصل الأول: في تعريفه.","level":3,"page":484},{"title":"(الفصل الثاني: في تقسيمه.","level":3,"page":505},{"title":"الأول: الخطاب إن اقتضى الوجود ومنع النقيض فوجوب","level":4,"page":505},{"title":"(الثاني: ما نهي عنه شرعا فقبيح، وإلا فحسن، كالواجب، والمندوب، والمباح، وفعل غير المكلف)","level":4,"page":533},{"title":"(الثالث: قيل: الحكم إما سبب، وإما مسبب","level":4,"page":540},{"title":"(الرابع: الصحة: استتباع الغاية","level":4,"page":547},{"title":"(الخامس: العبادة إن وقعت في وقتها المعين","level":4,"page":565},{"title":"(السادس: الحكم إن ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة","level":4,"page":584},{"title":"(الفصل الثالث: في أحكامه. وفيه مسائل","level":3,"page":592},{"title":"الأولى: الوجوب قد يتعلق بمعين، وقد يتعلق بمبهم من أمور معينة، كخصال الكفارة، ونصب أحد المستعدين للإمامة","level":4,"page":592},{"title":"(الثانية: الوجوب إن تعلق بوقت: فإما أن يساوي الفعل كصوم رمضان وهو المضيق","level":4,"page":622},{"title":"(الثالثة: الوجوب إن تناول كل واحد كالصلوات الخمس","level":4,"page":640},{"title":"(الرابعة: وجوب الشيء مطلقا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورا)","level":4,"page":647},{"title":"(الخامسة: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه","level":4,"page":694},{"title":"(السادسة: الوجوب إذا نسخ بقي الجواز خلافا للغزالي","level":4,"page":707},{"title":"(السابعة: الواجب لا يجوز تركه. قال الكعبي: فعل المباح ترك الحرام وهو واجب. قلنا: لا بل به يحصل)","level":4,"page":718},{"title":"(الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه. وهو الحاكم، والمحكوم عليه، وبه","level":2,"page":729},{"title":"الفصل الأول: في الحاكم","level":3,"page":729},{"title":"فرعان على التنزل","level":4,"page":736},{"title":"الأول: شكر المنعم ليس بواجب عقلا","level":5,"page":736},{"title":"حكم الأشياء قبل ورود الشرع","level":5,"page":744},{"title":"الفصل الثاني: في المحكوم عليه. وفيه مسائل","level":3,"page":757},{"title":"الأولى: يجوز الحكم على المعدوم","level":4,"page":757},{"title":"فائدة","level":5,"page":766},{"title":"تنبيه","level":5,"page":767},{"title":"امتناع تكليف الغافل","level":4,"page":768},{"title":"الثالثة: الإكراه الملجئ يمنع التكليف؛ لزوال القدرة","level":4,"page":777},{"title":"الرابعة: التكليف يتوجه حال المباشرة. وقالت المعتزلة: بل قبلها","level":4,"page":783},{"title":"الفصل الثالث: في المحكوم به. وفيه مسائل","level":3,"page":798},{"title":"الأولى: التكليف بالمحال جائز","level":4,"page":798},{"title":"فائدة","level":5,"page":802},{"title":"فائدة","level":5,"page":808},{"title":"الثانية: الكافر مكلف بالفروع خلافا للحنفية، وفرق قوم بين الأمر والنهي","level":4,"page":810},{"title":"خاتمة","level":5,"page":832},{"title":"الثالثة: امتثال الأمر يوجب الإجزاء؛ لأنه إن بقي متعلقا به فيكون أمرا بتحصيل الحاصل","level":4,"page":834},{"title":"الكتاب الأول: في الكتاب","level":1,"page":842},{"title":"الباب الأول: في اللغات","level":2,"page":846},{"title":"الفصل الأول: في الوضع)","level":3,"page":846},{"title":"أحدها: سببه","level":4,"page":849},{"title":"الأمر الثاني: في الموضوع","level":4,"page":850},{"title":"الأمر الثالث: الموضوع له","level":4,"page":850},{"title":"الأمر الرابع: في فائدة الوضع","level":4,"page":852},{"title":"الأمر الخامس","level":4,"page":855},{"title":"الفصل الثاني: في تقسيم الألفاظ","level":3,"page":874},{"title":"تنبيهات","level":4,"page":879},{"title":"(فائدة)","level":4,"page":897},{"title":"خاتمة","level":4,"page":923},{"title":"الفصل الثالث: في الاشتقاق","level":3,"page":926},{"title":"الاشتقاق في اللغة","level":4,"page":926},{"title":"فوائد","level":4,"page":954},{"title":"فروع يتجه بناؤها على الأصل المذكور","level":4,"page":957},{"title":"فروع يتجه بناؤها على الأصل المذكور","level":4,"page":964},{"title":"الفصل الرابع: في الترادف","level":3,"page":966},{"title":"توالي الألفاظ","level":4,"page":966},{"title":"الأول: اللفظي","level":5,"page":980},{"title":"الثاني: التأكيد المعنوي","level":5,"page":983},{"title":"فائدتان","level":4,"page":985},{"title":"الفصل الخامس: في الاشتراك","level":3,"page":988},{"title":"المشترك","level":4,"page":988},{"title":"مسائل الاشتراك","level":4,"page":989},{"title":"الأولى: في إثباته","level":5,"page":989},{"title":"(الثانية: إنه خلاف الأصل وإلا لم يفهم ما لم يستفسر","level":5,"page":998},{"title":"الثالثة: مفهوما المشترك إما أن يتباينا كالقرء للطهر والحيض","level":5,"page":1000},{"title":"الرابعة: جوز الشافعي ﵀، والقاضيان، وأبو علي - إعمال المشترك في جميع مفهوماته الغير المتضادة","level":5,"page":1003},{"title":"الخامسة: المشترك إن تجرد عن القرينة فمجمل","level":5,"page":1039},{"title":"الفصل السادس: في الحقيقة والمجاز","level":3,"page":1046},{"title":"مسائل الحقيقة والمجاز","level":4,"page":1053},{"title":"المسألة الأولى الحقيقة متعددة","level":5,"page":1053},{"title":"الحقيقة الشرعية","level":6,"page":1055},{"title":"والمنقولة الشرعية","level":6,"page":1056},{"title":"فائدة","level":7,"page":1064},{"title":"تنبيه","level":7,"page":1070},{"title":"فائدة","level":7,"page":1088},{"title":"فائدتان","level":7,"page":1094},{"title":"خاتمة","level":7,"page":1099},{"title":"المجاز إما أن يقع في مفردات الألفاظ فقط، أو في تركيبها فقط أو فيهما جميعا","level":5,"page":1102},{"title":"الثالثة: شرط المجاز العلاقة المعتبر نوعها","level":5,"page":1113},{"title":"الجهة الأولى: السببية","level":6,"page":1115},{"title":"العلاقة الثانية: المسببية","level":6,"page":1119},{"title":"العلاقة الثالثة: المشابهة","level":6,"page":1121},{"title":"العلاقة الرابعة: المضادة","level":6,"page":1122},{"title":"العلاقة الخامسة: الكلية","level":6,"page":1124},{"title":"العلاقة السادسة: الجزئية","level":6,"page":1126},{"title":"العلاقة السابعة: الاستعداد.","level":6,"page":1128},{"title":"العلاقة الثامنة: المجاورة","level":6,"page":1129},{"title":"العلاقة التاسعة تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه","level":6,"page":1130},{"title":"العلاقة العاشرة: الزيادة.","level":6,"page":1131},{"title":"العلاقة الحادية عشر: النقصان","level":6,"page":1134},{"title":"العلاقة الثانية عشر: التعلق","level":6,"page":1140},{"title":"الرابعة: المجاز بالذات لا يكون في الحرف","level":5,"page":1148},{"title":"الخامسة: المجاز خلاف الأصل","level":5,"page":1155},{"title":"خاتمة","level":6,"page":1161},{"title":"السادسة: يعدل إلى المجاز لثقل لفظ الحقيقة","level":5,"page":1162},{"title":"السابعة: اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازا","level":5,"page":1166},{"title":"(الثامنة: علامة الحقيقة سبق الفهم، والعراء عن القرينة)","level":5,"page":1169},{"title":"الفصل السابع: في تعارض ما يخل بالفهم","level":3,"page":1175},{"title":"الأحوال اللفظية المخلة بالإفهام","level":4,"page":1175},{"title":"التعارض بين هذه الاحتمالات الخمسة يقع على عشرة أوجه","level":5,"page":1175},{"title":"(الأول: النقل أولى من الاشتراك لإفراده","level":6,"page":1180},{"title":"(الثاني: المجاز خير منه","level":6,"page":1184},{"title":"(الثالث: الإضمار خير منه","level":6,"page":1187},{"title":"(الرابع: التخصيص خير","level":6,"page":1191},{"title":"(الخامس: المجاز خير من النقل","level":6,"page":1192},{"title":"(السادس: الإضمار خير منه","level":6,"page":1195},{"title":"(السابع: التخصيص أولى لما تقدم","level":6,"page":1196},{"title":"(الثامن: الإضمار مثل المجاز","level":6,"page":1198},{"title":"(التاسع: التخصيص خير","level":6,"page":1204},{"title":"(العاشر: التخصيص خير من الإضمار","level":6,"page":1206},{"title":"الفصل الثامن: في تفسير حروف يحتاج إليها","level":3,"page":1215},{"title":"الأولى: الواو للجمع المطلق بإجماع النحاة","level":4,"page":1215},{"title":"خاتمة","level":5,"page":1228},{"title":"(الثانية: الفاء للتعقيب إجماعا","level":4,"page":1231},{"title":"فرع","level":5,"page":1235},{"title":"(الثالثة: \"في\" للظرفية ولو تقديرا","level":4,"page":1236},{"title":"(الرابعة: \"من\" لابتداء الغاية","level":4,"page":1241},{"title":"(الخامسة: الباء تعدي اللازم","level":4,"page":1247},{"title":"(السادسة: إنما للحصر؛ لأن \"إن\" للإثبات، و\"ما\" للنفي","level":4,"page":1259},{"title":"فائدة","level":5,"page":1266},{"title":"الفصل التاسع: في كيفية الاستدلال بالألفاظ","level":3,"page":1268},{"title":"الأولى: لا يخاطبنا الله بالمهمل؛ لأنه هذيان","level":4,"page":1268},{"title":"(الثانية: لا يعنى خلاف الظاهر من غير بيان","level":4,"page":1275},{"title":"(الثالثة: الخطاب إما أن يدل على الحكم بمنطوقه","level":4,"page":1276},{"title":"فائدة","level":5,"page":1279},{"title":"(الرابعة: تعليق الحكم بالاسم لا يدل على نفيه عن غيره","level":4,"page":1286},{"title":"فائدة","level":5,"page":1290},{"title":"قاعدة","level":5,"page":1307},{"title":"(الخامسة: التخصيص بالشرط مثل: ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن﴾","level":4,"page":1312},{"title":"(السادسة: التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص)","level":4,"page":1317},{"title":"خاتمة","level":5,"page":1322},{"title":"(السابعة: النص إما أن يستقل ىإفادة الحكم أو لا","level":4,"page":1325},{"title":"الباب الثاني: في الأوامر والنواهي","level":2,"page":1332},{"title":"الفصل الأول: في لفظ الأمر","level":3,"page":1332},{"title":"الأولى: أنه حقيقة في القول الطالب للفعل","level":4,"page":1332},{"title":"تنبيه","level":5,"page":1340},{"title":"(الثانية: الطلب بديهي التصور وهو غير العبارات المختلفة","level":4,"page":1347},{"title":"فائدة","level":5,"page":1354},{"title":"الفصل الثاني: في صيغته","level":3,"page":1359},{"title":"الأولى: أن صيغة \"افعل\" ترد لستة عشر معنى","level":4,"page":1359},{"title":"(الثانية: أنها حقيقة في الوجوب مجاز في البواقي","level":4,"page":1378},{"title":"(الثالثة: الأمر بعد التحريم للوجوب","level":4,"page":1422},{"title":"فائدة","level":5,"page":1429},{"title":"تنبيه","level":5,"page":1431},{"title":"فائدة","level":5,"page":1433},{"title":"(الرابعة: الأمر المطلق لا يفيد التكرار ولا يدفعه","level":4,"page":1436},{"title":"فائدة","level":5,"page":1454},{"title":"(الخامسة: المعلق بشرط أو صفة مثل","level":4,"page":1455},{"title":"(السادسة: الأمر لا يفيد الفور خلافا للحنفية","level":4,"page":1468},{"title":"فائدة","level":5,"page":1490},{"title":"الفصل الثالث: في النواهي","level":3,"page":1492},{"title":"الأولى: النهي يقتضي التحريم؛ لقوله تعالى: ﴿وما نهاكم عنه فانتهوا﴾).","level":4,"page":1492},{"title":"(الثانية: النهي شرعا يدل على الفساد في العبادات","level":4,"page":1497},{"title":"(الثالثة: مقتضى النهي فعل الضد","level":4,"page":1506},{"title":"(الرابعة: النهي عن أشياء إما عن الجمع كنكاح الأختين، أو عن الجميع كالزنا والسرقة)","level":4,"page":1531},{"title":"الباب الثالث: في العموم والخصوص","level":2,"page":1535},{"title":"الفصل الأول: في العموم.","level":3,"page":1535},{"title":"المقدمة الأولى","level":4,"page":1535},{"title":"المقدمة الثانية","level":4,"page":1538},{"title":"المقدمة الثالثة","level":4,"page":1538},{"title":"فائدة","level":5,"page":1546},{"title":"المقدمة الرابعة","level":4,"page":1548},{"title":"المقدمة الخامسة","level":4,"page":1555},{"title":"المقدمة السادسة","level":4,"page":1559},{"title":"الفرق بين العام، والمطلق، والنكرة والمعرفة، والعدد","level":5,"page":1567},{"title":"(الثانية: العموم إما لغة بنفسه كـ \"أي\" للكل، و\"من\" للعالمين، و\"ما\" لغيرهم، و\"أين\" للمكان، و\"متى\" للزمان)","level":5,"page":1570},{"title":"القسم الأول: المفيد لغة","level":6,"page":1570},{"title":"تنبيه","level":7,"page":1572},{"title":"فائدتان","level":7,"page":1607},{"title":"القسم الثاني: وهو ما يفيد العموم من جهة العرف","level":6,"page":1609},{"title":"(الثالثة: الجمع المنكر لا يقتضي العموم","level":5,"page":1625},{"title":"مشتملة على بحثين","level":5,"page":1630},{"title":"الأول: أن نفي المساواة بين الشيئين هل يقتضي العموم","level":6,"page":1630},{"title":"البحث الثاني","level":6,"page":1634},{"title":"خاتمة","level":6,"page":1640},{"title":"الفصل الثاني: في الخصوص","level":3,"page":1643},{"title":"الأولى: التخصيص: إخراج بعض ما يتناوله اللفظ","level":4,"page":1643},{"title":"(الثانية: القابل للتخصيص: حكم ثبت لمتعدد لفظا","level":4,"page":1652},{"title":"تنبيه","level":5,"page":1658},{"title":"الغاية التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص","level":4,"page":1659},{"title":"المسألة الأولى","level":5,"page":1659},{"title":"المسألة الثانية","level":5,"page":1665},{"title":"فائدة","level":5,"page":1675},{"title":"العام إذا خص هل يكون في الباقي حقيقة؟","level":4,"page":1679},{"title":"(الخامسة: المخصص بمعين حجة","level":4,"page":1702},{"title":"(السادسة: يستدل بالعام ما لم يظهر مخصص. وابن سريج أوجب طلبه أولا)","level":4,"page":1711},{"title":"فائدة","level":5,"page":1719},{"title":"الفصل الثالث: في المخصص","level":3,"page":1722},{"title":"أقسام الاستثناء","level":4,"page":1722},{"title":"الأول: الاستثناء بإلا ونحوها","level":5,"page":1722},{"title":"تعريف الاستثناء","level":6,"page":1722},{"title":"الأولى: شرطه","level":7,"page":1725},{"title":"أحدهما: أن يكون متصلا بالمستثنى منه عادة","level":8,"page":1725},{"title":"فوائد","level":9,"page":1729},{"title":"الشرط الثاني: عدم الاستغراق","level":8,"page":1731},{"title":"يشترط أن لا يزيد على النصف","level":8,"page":1733},{"title":"(الثانية: الاستثناء من الإثبات نفي","level":7,"page":1742},{"title":"فرع","level":8,"page":1747},{"title":"(الثالثة: المتعددة إن تعاطفت أو استغرق الأخير الأول عادت إلى المتقدم عليها، وإلا يعود الثاني إلى الأول؛ لأنه أقرب)","level":7,"page":1747},{"title":"حكم الاستثناء الواقع عقيب جمل عطف بعضها على بعض","level":7,"page":1752},{"title":"فائدة","level":8,"page":1762},{"title":"القسم الثاني من أقسام المخصصات المتصلة: الشرط","level":5,"page":1765},{"title":"إحداهما: في وقت وجود المشروط","level":6,"page":1771},{"title":"المسألة الثانية: في تعدد الشرط والمشروط","level":6,"page":1773},{"title":"فائدة","level":7,"page":1774},{"title":"(القسم الثالث) من المخصصات المتصلة: الصفة","level":5,"page":1775},{"title":"الرابع: الغاية","level":5,"page":1776},{"title":"والمنفصل ثلاثة","level":6,"page":1789},{"title":"الأول: العقل","level":7,"page":1789},{"title":"فرع","level":8,"page":1796},{"title":"المخصص الثاني من المخصصات المنفصلة: الحس.","level":7,"page":1797},{"title":"الثالث من المخصصات المنفصلة: الدليل السمعي.","level":7,"page":1799},{"title":"الأولى: في بناء العام على الخاص","level":8,"page":1799},{"title":"(الثانية: يجوز تخصيص الكتاب به، وبالسنة المتواترة، وبالإجماع","level":8,"page":1804},{"title":"الأول: أنه يجوز تخصيص الكتاب به، أي: بالكتاب","level":9,"page":1804},{"title":"البحث الثاني: يجوز تخصيص القرآن بالسنة المتواترة","level":9,"page":1805},{"title":"فرع","level":10,"page":1807},{"title":"البحث الثالث: يجوز تخصيص الكتاب بالإجماع","level":9,"page":1808},{"title":"تنبيه","level":10,"page":1809},{"title":"تخصيص العموم بالمفهوم","level":8,"page":1833},{"title":"(الخامسة: العادة (التي قررها رسول الله)","level":8,"page":1835},{"title":"فرع","level":9,"page":1837},{"title":"(السادسة: خصوص السبب لا يخصص؛ لأنه لا يعارضه)","level":8,"page":1842},{"title":"الأول: في أن خصوص السبب لا يخصص عموم اللفظ","level":9,"page":1842},{"title":"البحث الثاني: فيما إذا عمل الراوي بخلاف العموم هل يكون ذلك تخصيصا للعموم؟","level":9,"page":1864},{"title":"خاتمة","level":10,"page":1871},{"title":"أفرد الشارع فردا من أفراد العام بالذكر","level":8,"page":1874},{"title":"(الثامنة: (عطف الخاص) لا يخصص","level":8,"page":1877},{"title":"(التاسعة: عود ضمير خاص لا يخصص","level":8,"page":1881},{"title":"فائدة","level":9,"page":1885},{"title":"الباب الرابع: في المجمل والمبين","level":2,"page":1904},{"title":"الفصل الأول: في المجمل","level":3,"page":1904},{"title":"اللفظ المجمل إما أن يكون مجملا","level":4,"page":1906},{"title":"فوائد","level":5,"page":1916},{"title":"(الثانية: قالت الحنفية: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ مجمل","level":4,"page":1918},{"title":"(الثالثة: قيل: آية السرقة مجملة","level":4,"page":1920},{"title":"الفصل الثاني: في المبين","level":3,"page":1923},{"title":"تنبيهان","level":4,"page":1925},{"title":"مسائل المبين","level":4,"page":1926},{"title":"قد يكون بالقول وذلك بالاتفاق، وقد يكون بالفعل","level":5,"page":1926},{"title":"تنبيه","level":6,"page":1931},{"title":"فائدة","level":6,"page":1933},{"title":"تأخير البيان عن وقت الحاجة","level":5,"page":1934},{"title":"فائدتان","level":6,"page":1943},{"title":"فائدة","level":6,"page":1954},{"title":"الفصل الثالث: في المبين له","level":3,"page":1963},{"title":"الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخ","level":2,"page":1966},{"title":"الفصل الأول: في النسخ","level":3,"page":1966},{"title":"الأولى: أنه واقع وأحالته اليهود","level":4,"page":1971},{"title":"(الثانية: يجوز نسخ بعض القرآن","level":4,"page":1982},{"title":"(الثالثة: يجوز نسخ الوجوب قبل العمل خلافا للمعتزلة)","level":4,"page":1994},{"title":"تنبيه","level":5,"page":1997},{"title":"فائدة","level":5,"page":2003},{"title":"(الرابعة: يجوز النسخ بلا بدل","level":4,"page":2007},{"title":"فائدة","level":5,"page":2009},{"title":"يجوز نسخ الحكم دون التلاوة","level":4,"page":2016},{"title":"فرع","level":5,"page":2024},{"title":"(السادسة: يجوز نسخ الخبر المستقبل","level":4,"page":2025},{"title":"الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ","level":3,"page":2032},{"title":"الأولى: الأكثر على جواز نسخ الكتاب بالسنة","level":4,"page":2032},{"title":"(الثانية: لا ينسخ المتواتر بالآحاد","level":4,"page":2042},{"title":"(الثالثة: الإجماع لا ينسخ","level":4,"page":2050},{"title":"(الرابعة: نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى","level":4,"page":2060},{"title":"(الخامسة: زيادة صلاة ليس بنسخ","level":4,"page":2067},{"title":"زيادة العبادة المستقلة. أما زيادة غير المستقلة، كزيادة ركعة أو ركوع","level":4,"page":2071},{"title":"الكتاب الثاني: في السنة","level":1,"page":2081},{"title":"الباب الأول: أفعاله - ﷺ -","level":2,"page":2081},{"title":"(الأولى: في عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام)","level":3,"page":2082},{"title":"(الثانية: فعله المجرد يدل على الإباحة عند مالك","level":3,"page":2085},{"title":"بيان الطرق التي تعرف بها الجهة","level":3,"page":2110},{"title":"(الرابعة: الفعلان لا يتعارضان","level":3,"page":2114},{"title":"(الخامسة: أنه ﵇ قبل النبوة تعبد بشرع، وقيل: لا)","level":3,"page":2121},{"title":"الأول: فيما كان - ﷺ - عليه قبل أن يبعثه الله تعالى برسالته","level":4,"page":2121},{"title":"البحث الثاني: في أنه - ﷺ - هل تعبد بعد النبوة بشرع من قبله","level":4,"page":2123},{"title":"فروع","level":5,"page":2133},{"title":"فائدة","level":5,"page":2135},{"title":"الباب الثاني: في الأخبار","level":2,"page":2138},{"title":"الفصل الأول: فيما علم صدقه من الأخبار","level":3,"page":2138},{"title":"الفصل الثاني: فيما علم كذبه","level":3,"page":2177},{"title":"الفصل الثالث: فيما ظن صدقه","level":3,"page":2188},{"title":"أحدهما: في وجوب العمل بخبر الواحد","level":4,"page":2192},{"title":"الطرف الثاني: في شرائط العمل به","level":4,"page":2219},{"title":"فائدة","level":5,"page":2228},{"title":"أحكام التزكية","level":4,"page":2254},{"title":"الأولى: شرط العدد في الرواية والشهادة","level":5,"page":2254},{"title":"فائدة","level":6,"page":2261},{"title":"الثاني: فأن لا يخالفه قاطع","level":5,"page":2266},{"title":"الثالث من شرائط العمل بخبر الواحد: وهو الكلام في الخبر","level":5,"page":2273},{"title":"الأولى: في بيان ألفاظ الصحابي ومراتبها","level":6,"page":2273},{"title":"الثانية: لغير الصحابي أن يروي إذا سمع الشيخ أو قرأ عليه","level":6,"page":2285},{"title":"الأولى: أن يسمع من لفظ الشيخ","level":7,"page":2286},{"title":"الثانية: أن يقرأ عليه","level":7,"page":2287},{"title":"الثالثة: أن يقرأ على الشيخ","level":7,"page":2292},{"title":"الرابعة: أن يقرأ على الشيخ ويقول له: هل سمعته؟ فيسكت الشيخ","level":7,"page":2293},{"title":"الخامسة: أن يكتب الشيخ إلى شخص","level":7,"page":2293},{"title":"السادسة: أن يشير الشيخ","level":7,"page":2295},{"title":"السابعة: الإجازة","level":7,"page":2300},{"title":"الثالثة: لا يقبل المرسل خلافا لأبي حنيفة ومالك","level":6,"page":2314},{"title":"الرابعة: يجوز نقل الحديث بالمعنى خلافا لابن سيرين","level":6,"page":2330},{"title":"فائدة","level":7,"page":2338},{"title":"الخامسة: إن زاد أحد الرواة وتعدد المجلس قبلت","level":6,"page":2338},{"title":"الكتاب الثالث: في الإجماع","level":1,"page":2349},{"title":"الباب الأول: في بيان كونه حجة","level":2,"page":2355},{"title":"الأولى: قيل: محال كاجتماع الناس في وقت واحد على مأكول واحد","level":3,"page":2355},{"title":"الإجماع حجة شرعية يجب العمل به","level":3,"page":2361},{"title":"الثالثة: قال مالك: إجماع أهل المدينة حجة","level":3,"page":2385},{"title":"إجماع أهل البيت","level":3,"page":2389},{"title":"الخامسة: قال القاضي أبو خازم: إجماع الخلفاء الأربعة حجة","level":3,"page":2393},{"title":"الإجماع وإن كان حجة لكن لا يستدل به على جميع الأحكام","level":3,"page":2397},{"title":"الباب الثاني: في أنواع الإجماع","level":2,"page":2400},{"title":"الأولى: إذا اختلفوا على قولين فهل لمن بعدهم إحداث ثالث؟","level":3,"page":2400},{"title":"(الثانية: إذا لم يفصلوا بين مسألتين فهل لمن بعدهم التفصيل؟","level":3,"page":2408},{"title":"فائدة","level":4,"page":2411},{"title":"الثالثة: يجوز الاتفاق بعد الاختلاف خلافا للصيرفي","level":3,"page":2414},{"title":"الرابعة: الاتفاق على أحد قولي الأولين","level":3,"page":2421},{"title":"الخامسة: (إذا اختلفت الأمة) على قولين فماتت إحدى الطائفتين - يصير قول الباقين حجة؛ لأنهم كل الأمة","level":3,"page":2430},{"title":"السادسة: إذا قال البعض وسكت الباقون - فليس بإجماع ولا حجة","level":3,"page":2432},{"title":"الباب الثالث: في شرائطه","level":2,"page":2444},{"title":"الأولى: أن يكون فيه قول كل عالمي ذلك الفن","level":3,"page":2444},{"title":"الثانية: لا بد له من سند؛ لأن الفتوى بدونه خطأ","level":3,"page":2459},{"title":"الثالثة: لا يشترط انقراض المجمعين","level":3,"page":2469},{"title":"الرابعة: لا يشترط التواتر في نقله كالسنة","level":3,"page":2473},{"title":"الخامسة: إذا عارضه نص أول القابل له، وإلا تساقطا","level":3,"page":2475},{"title":"الكتاب الرابع: في القياس","level":1,"page":2479},{"title":"الباب الأول: في بيان كونه حجة. وفيه مسائل","level":2,"page":2499},{"title":"استدل أصحابنا على حجية القياس بوجوه أربعة","level":3,"page":2509},{"title":"أحدها: أن القياس مجاوزة","level":4,"page":2510},{"title":"الثاني: خبر معاذ وأبي موسى","level":4,"page":2515},{"title":"الثالث أن أبا بكر - ﵁ - قال في الكلالة: أقول برأيي","level":4,"page":2519},{"title":"الرابع: إن ظن تعليل الحكم في الأصل بعلة توجد في الفرع","level":4,"page":2526},{"title":"الثانية: قال النظام والبصري وبعض الفقهاء التنصيص على العلة أمر بالقياس، وفرق أبو عبد الله بين الفعل والترك","level":3,"page":2544},{"title":"الثالثة: القياس إما قطعي أو ظني","level":3,"page":2554},{"title":"الباب الثاني: في أركانه","level":2,"page":2591},{"title":"الفصل الأول: في العلة","level":3,"page":2599},{"title":"اختلفت مقالات الناس في تفسيرها على مذاهب","level":4,"page":2599},{"title":"الأول: وبه جزم المصنف واختاره الإمام وأكثر الأشاعرة أنها المعرف للحكم","level":5,"page":2600},{"title":"المذهب الثاني: أنها الموجب لا لذاته بل بجعل الشارع إياه","level":5,"page":2601},{"title":"الثالث: وهو قول المعتزلة أنها المؤثر في الحكم بذاته","level":5,"page":2601},{"title":"الرابع: واختاره الآمدي وابن الحاجب أنها الباعث","level":5,"page":2602},{"title":"الطرف الأول: مسالك العلة","level":4,"page":2606},{"title":"الأول: النص القاطع كقوله تعالى: ﴿كي لا يكون دولة﴾","level":5,"page":2607},{"title":"الثاني الإيماء","level":5,"page":2615},{"title":"الثالث الإجماع","level":5,"page":2637},{"title":"الرابع المناسبة","level":5,"page":2638},{"title":"الخامس الشبه","level":5,"page":2671},{"title":"فروع","level":6,"page":2684},{"title":"السادس الدوران","level":5,"page":2688},{"title":"السابع: التقسيم الحاصر","level":5,"page":2699},{"title":"الثامن الطرد","level":5,"page":2703},{"title":"التاسع تنقيح المناط","level":5,"page":2708},{"title":"الطرف الثاني: فيما يبطل العلية","level":4,"page":2720},{"title":"الأول: النقض","level":5,"page":2720},{"title":"الثاني: عدم التأثير وعدم العكس","level":5,"page":2778},{"title":"الثالث الكسر","level":5,"page":2807},{"title":"الرابع القلب","level":5,"page":2811},{"title":"الخامس: القول بالموجب","level":5,"page":2821},{"title":"السادس الفرق","level":5,"page":2828},{"title":"الطرف الثالث في أقسام العلة","level":4,"page":2840},{"title":"الأولى يستدل بوجود العلة على الحكم لا بعليتها لأنها نسبة يتوقف عليه","level":5,"page":2866},{"title":"تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي","level":5,"page":2869},{"title":"الثالثة لا يشترط الاتفاق على وجود العلة في الأصل بل يكفي انتهاض الدليل عليه","level":5,"page":2873},{"title":"الرابعة الشيء يدفع الحكم كالعدة أو يرفعه كالطلاق أو يدفع ويرفع كالرضاع","level":5,"page":2874},{"title":"الخامسة: العلة قد يعلل بها ضدان ولكن بشرطين متضادين","level":5,"page":2879},{"title":"الفصل الثاني: في الأصل والفرع","level":3,"page":2884},{"title":"الأول: ثبوت الحكم فيه بدليل غير القياس","level":4,"page":2884},{"title":"الثاني: أن يكون ذلك الثبوت بدليل","level":4,"page":2884},{"title":"الثالث: هو المشار إليه بقوله: \"غير القياس\"","level":4,"page":2885},{"title":"الشرط الرابع: أن لا يكون دليل الأصل بعينه دليل الفرع","level":4,"page":2888},{"title":"الخامس: لا بد وأن يظهر كون ذلك الأصل معللا بوصف معين","level":4,"page":2888},{"title":"السادس: أن لا يكون حكم الأصل متأخرا عن حكم الفرع وهو كقياس الوضوء على التيمم في اشتراطه النية","level":4,"page":2889},{"title":"الكتاب الخامس: في دلائل اختلف فيها","level":1,"page":2905},{"title":"الباب الأول: في المقبولة منها","level":2,"page":2905},{"title":"الأولى: الأصل في المنافع الإباحة","level":3,"page":2905},{"title":"الثاني الاستصحاب حجة خلافا للحنفية والمتكلمين","level":3,"page":2913},{"title":"خاتمة","level":4,"page":2925},{"title":"الثالث الاستقراء مثاله","level":3,"page":2926},{"title":"الرابع أخذ الشافعي بأقل ما قيل إذا لم يجد دليلا","level":3,"page":2931},{"title":"المناسب","level":3,"page":2939},{"title":"السادس فقد الدليل بعد التفحص البليغ يغلب ظن عدمه","level":3,"page":2962},{"title":"الباب الثاني: في المردودة","level":2,"page":2964},{"title":"الأول: الاستحسان.","level":3,"page":2964},{"title":"الثاني قيل: قول الصحابي حجة","level":3,"page":2976},{"title":"الكتاب السادس: في التعادل والتراجيح","level":1,"page":3001},{"title":"الباب الأول: تعادل الأمارتين في نفس الأمر","level":2,"page":3001},{"title":"مسألة إذا نقل عن مجتهد قولان في موضع واحد","level":3,"page":3009},{"title":"الحالة الأولى: إذا كان في موضع واحد","level":4,"page":3009},{"title":"الحالة الثانية: أن يكون نقل القولين عن المجتهد في موضعين","level":4,"page":3011},{"title":"الباب الثاني: في الأحكام الكلية للتراجيح","level":2,"page":3026},{"title":"مسألة لا ترجيح في القطعيات","level":3,"page":3030},{"title":"إنما يترجح أحد الدليلين على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما","level":3,"page":3032},{"title":"الباب الثالث: في ترجيح الأخبار","level":2,"page":3052},{"title":"الأول: بحال الراوي","level":3,"page":3052},{"title":"ثانيا: وقت الرواية","level":3,"page":3086},{"title":"الترجيح بكيفية الرواية","level":3,"page":3088},{"title":"الترجيح بوقت ورود الخبر","level":3,"page":3098},{"title":"الخامس باللفظ","level":3,"page":3104},{"title":"السادس بالحكم","level":3,"page":3116},{"title":"السابع بعمل أكثر السلف","level":3,"page":3129},{"title":"الباب الرابع: في تراجيح الأقيسة","level":2,"page":3132},{"title":"الأول: بحسب العلة فترجح المظنة ثم الحكمة ثم الوصف الإضافي ثم العدمي ثم الحكم الشرعي والبسيط والوجودي للوجودي والعدمي للعدمي","level":3,"page":3132},{"title":"الثاني بحسب دليل العلية فيرجح الثابت بالنص القاطع","level":3,"page":3141},{"title":"الثالث بحسب دليل الحكم فيرجح النص ثم الإجماع لأنه فرعه","level":3,"page":3154},{"title":"الرابع بحسب كيفية الحكم","level":3,"page":3155},{"title":"بحسب الأمور الخارجية","level":3,"page":3156},{"title":"الكتاب السابع: في الاجتهاد والإفتاء","level":1,"page":3160},{"title":"الباب الأول: الاجتهاد","level":2,"page":3160},{"title":"الفصل الأول: المجتهد","level":3,"page":3164},{"title":"الأولى يجوز له - ﷺ - أن يجتهد","level":4,"page":3164},{"title":"فائدتان","level":5,"page":3170},{"title":"الثانية يجوز للغائبين عن الرسول - ﷺ - وفاقا وللحاضرين أيضا إذ لا يمتنع أمرهم به","level":4,"page":3184},{"title":"شرط المجتهد أن يكون محيطا بمدارك الأحكام","level":4,"page":3192},{"title":"الفصل الثاني: في حكم الاجتهاد","level":3,"page":3202},{"title":"أولها: ذهب طوائف المسلمين على طبقاتهم إلى أنه: ليس كل مجتهد في الأصول مصيبا","level":4,"page":3202},{"title":"البحث الثاني: في تصويب المجتهدين في المسائل الفروعية","level":4,"page":3205},{"title":"الباب الثاني: في الإفتاء","level":2,"page":3234},{"title":"الأولى: النظر فيما يتعلق بالمفتي.","level":3,"page":3234},{"title":"الثانية يجوز الاستفتاء للعامي","level":3,"page":3237},{"title":"الثالثة: إنما يجوز في الفروع وقد اختلف في الأصول ولنا فيه نظر وليكن آخر كلامنا وبالله التوفيق","level":3,"page":3252},{"title":"خاتمة","level":1,"page":3258}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,19":17,"1,21":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,57":51,"1,59":52,"1,60":53,"1,61":54,"1,62":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,72":65,"1,73":66,"1,74":67,"1,75":68,"1,76":69,"1,77":70,"1,78":71,"1,79":72,"1,80":73,"1,81":74,"1,82":75,"1,83":76,"1,84":77,"1,85":78,"1,86":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,212":205,"1,213":206,"1,214":207,"1,215":208,"1,216":209,"1,217":210,"1,218":211,"1,219":212,"1,220":213,"1,221":214,"1,222":215,"1,223":216,"1,224":217,"1,225":218,"1,226":219,"1,227":220,"1,228":221,"1,229":222,"1,230":223,"1,231":224,"1,232":225,"1,233":226,"1,235":227,"1,237":228,"1,238":229,"1,239":230,"1,240":231,"1,241":232,"1,242":233,"1,243":234,"1,244":235,"1,245":236,"1,246":237,"1,247":238,"1,248":239,"1,249":240,"1,250":241,"1,251":242,"1,252":243,"1,253":244,"1,254":245,"1,255":246,"1,256":247,"1,257":248,"1,258":249,"1,259":250,"1,260":251,"1,261":252,"1,262":253,"1,263":254,"1,264":255,"1,265":256,"1,266":257,"1,267":258,"1,268":259,"1,269":260,"1,270":261,"1,271":262,"1,272":263,"1,273":264,"1,274":265,"1,275":266,"1,276":267,"1,277":268,"1,278":269,"1,279":270,"1,280":271,"1,281":272,"1,282":273,"1,283":274,"1,284":275,"1,285":276,"1,286":277,"1,287":278,"1,288":279,"1,289":280,"1,290":281,"1,291":282,"1,292":283,"1,293":284,"1,294":285,"1,295":286,"1,296":287,"1,297":288,"1,298":289,"1,299":290,"1,300":291,"1,301":292,"1,302":293,"1,303":294,"1,304":295,"1,305":296,"1,306":297,"1,307":298,"1,308":299,"1,309":300,"1,310":301,"1,311":302,"1,312":303,"1,313":304,"1,314":305,"1,315":306,"1,316":307,"1,317":308,"1,318":309,"1,319":310,"1,320":311,"1,321":312,"1,322":313,"1,323":314,"1,324":315,"1,325":316,"1,326":317,"1,327":318,"1,328":319,"1,329":320,"1,330":321,"1,331":322,"1,332":323,"1,333":324,"1,334":325,"1,335":326,"1,336":327,"1,337":328,"1,338":329,"1,339":330,"1,340":331,"1,341":332,"1,342":333,"1,343":334,"1,344":335,"1,345":336,"1,346":337,"1,347":338,"1,348":339,"1,349":340,"1,350":341,"1,351":342,"1,352":343,"1,353":344,"1,354":345,"1,355":346,"1,356":347,"1,357":348,"1,359":349,"1,361":350,"1,362":351,"1,363":352,"1,364":353,"1,365":354,"1,366":355,"1,367":356,"1,368":357,"1,369":358,"1,370":359,"1,371":360,"1,372":361,"1,373":362,"1,374":363,"1,375":364,"1,376":365,"1,377":366,"1,378":367,"1,379":368,"1,380":369,"2,1":370,"2,3":371,"2,4":372,"2,5":373,"2,6":374,"2,7":375,"2,8":376,"2,9":377,"2,10":378,"2,11":379,"2,12":380,"2,13":381,"2,14":382,"2,15":383,"2,16":384,"2,17":385,"2,18":386,"2,19":387,"2,20":388,"2,21":389,"2,22":390,"2,23":391,"2,24":392,"2,25":393,"2,26":394,"2,27":395,"2,28":396,"2,29":397,"2,30":398,"2,31":399,"2,32":400,"2,33":401,"2,34":402,"2,35":403,"2,36":404,"2,37":405,"2,38":406,"2,39":407,"2,40":408,"2,41":409,"2,42":410,"2,43":411,"2,44":412,"2,45":413,"2,46":414,"2,47":415,"2,48":416,"2,49":417,"2,50":418,"2,51":419,"2,52":420,"2,53":421,"2,54":422,"2,55":423,"2,56":424,"2,57":425,"2,58":426,"2,59":427,"2,60":428,"2,61":429,"2,62":430,"2,63":431,"2,64":432,"2,65":433,"2,66":434,"2,67":435,"2,68":436,"2,69":437,"2,70":438,"2,71":439,"2,72":440,"2,73":441,"2,74":442,"2,75":443,"2,76":444,"2,77":445,"2,78":446,"2,79":447,"2,80":448,"2,81":449,"2,82":450,"2,83":451,"2,84":452,"2,85":453,"2,86":454,"2,87":455,"2,88":456,"2,89":457,"2,90":458,"2,91":459,"2,92":460,"2,93":461,"2,94":462,"2,95":463,"2,96":464,"2,97":465,"2,98":466,"2,99":467,"2,100":468,"2,101":469,"2,102":470,"2,103":471,"2,104":472,"2,105":473,"2,106":474,"2,107":475,"2,108":476,"2,109":477,"2,110":478,"2,111":479,"2,112":480,"2,113":481,"2,114":482,"2,115":483,"2,117":484,"2,118":485,"2,119":486,"2,120":487,"2,121":488,"2,122":489,"2,123":490,"2,124":491,"2,125":492,"2,126":493,"2,127":494,"2,128":495,"2,129":496,"2,130":497,"2,131":498,"2,132":499,"2,133":500,"2,134":501,"2,135":502,"2,136":503,"2,137":504,"2,139":505,"2,140":506,"2,141":507,"2,142":508,"2,143":509,"2,144":510,"2,145":511,"2,146":512,"2,147":513,"2,148":514,"2,149":515,"2,150":516,"2,151":517,"2,152":518,"2,153":519,"2,154":520,"2,155":521,"2,156":522,"2,157":523,"2,158":524,"2,159":525,"2,160":526,"2,161":527,"2,162":528,"2,163":529,"2,164":530,"2,165":531,"2,166":532,"2,167":533,"2,168":534,"2,169":535,"2,170":536,"2,171":537,"2,172":538,"2,173":539,"2,174":540,"2,175":541,"2,176":542,"2,177":543,"2,178":544,"2,179":545,"2,180":546,"2,181":547,"2,182":548,"2,183":549,"2,184":550,"2,185":551,"2,186":552,"2,187":553,"2,188":554,"2,189":555,"2,190":556,"2,191":557,"2,192":558,"2,193":559,"2,194":560,"2,195":561,"2,196":562,"2,197":563,"2,198":564,"2,199":565,"2,200":566,"2,201":567,"2,202":568,"2,203":569,"2,204":570,"2,205":571,"2,206":572,"2,207":573,"2,208":574,"2,209":575,"2,210":576,"2,211":577,"2,212":578,"2,213":579,"2,214":580,"2,215":581,"2,216":582,"2,217":583,"2,218":584,"2,219":585,"2,220":586,"2,221":587,"2,222":588,"2,223":589,"2,224":590,"2,225":591,"2,227":592,"2,228":593,"2,229":594,"2,230":595,"2,231":596,"2,232":597,"2,233":598,"2,234":599,"2,235":600,"2,236":601,"2,237":602,"2,238":603,"2,239":604,"2,240":605,"2,241":606,"2,242":607,"2,243":608,"2,244":609,"2,245":610,"2,246":611,"2,247":612,"2,248":613,"2,249":614,"2,250":615,"2,251":616,"2,252":617,"2,253":618,"2,254":619,"2,255":620,"2,256":621,"2,257":622,"2,258":623,"2,259":624,"2,260":625,"2,261":626,"2,262":627,"2,263":628,"2,264":629,"2,265":630,"2,266":631,"2,267":632,"2,268":633,"2,269":634,"2,270":635,"2,271":636,"2,272":637,"2,273":638,"2,274":639,"2,275":640,"2,276":641,"2,277":642,"2,278":643,"2,279":644,"2,280":645,"2,281":646,"2,282":647,"2,283":648,"2,284":649,"2,285":650,"2,286":651,"2,287":652,"2,288":653,"2,289":654,"2,290":655,"2,291":656,"2,292":657,"2,293":658,"2,294":659,"2,295":660,"2,296":661,"2,297":662,"2,298":663,"2,299":664,"2,300":665,"2,301":666,"2,302":667,"2,303":668,"2,304":669,"2,305":670,"2,306":671,"2,307":672,"2,308":673,"2,309":674,"2,310":675,"2,311":676,"2,312":677,"2,313":678,"2,314":679,"2,315":680,"2,316":681,"2,317":682,"2,318":683,"2,319":684,"2,320":685,"2,321":686,"2,322":687,"2,323":688,"2,324":689,"2,325":690,"2,326":691,"2,327":692,"2,328":693,"2,329":694,"2,330":695,"2,331":696,"2,332":697,"2,333":698,"2,334":699,"2,335":700,"2,336":701,"2,337":702,"2,338":703,"2,339":704,"2,340":705,"2,341":706,"2,342":707,"2,343":708,"2,344":709,"2,345":710,"2,346":711,"2,347":712,"2,348":713,"2,349":714,"2,350":715,"2,351":716,"2,352":717,"2,353":718,"2,354":719,"2,355":720,"2,356":721,"2,357":722,"2,358":723,"2,359":724,"2,360":725,"2,361":726,"2,362":727,"2,363":728,"2,365":729,"2,366":730,"2,367":731,"2,368":732,"2,369":733,"2,370":734,"2,371":735,"2,372":736,"2,373":737,"2,374":738,"2,375":739,"2,376":740,"2,377":741,"2,378":742,"2,379":743,"2,380":744,"2,381":745,"2,382":746,"2,383":747,"2,384":748,"2,385":749,"2,386":750,"2,387":751,"2,388":752,"2,389":753,"2,390":754,"2,391":755,"2,393":756,"2,395":757,"2,396":758,"2,397":759,"2,398":760,"2,399":761,"2,400":762,"2,401":763,"2,402":764,"2,403":765,"2,404":766,"2,405":767,"2,406":768,"2,407":769,"2,408":770,"2,409":771,"2,410":772,"2,411":773,"2,412":774,"2,413":775,"2,414":776,"2,415":777,"2,416":778,"2,417":779,"2,418":780,"2,419":781,"2,420":782,"2,421":783,"2,422":784,"2,423":785,"2,424":786,"2,425":787,"2,426":788,"2,427":789,"2,428":790,"2,429":791,"2,430":792,"2,431":793,"2,432":794,"2,433":795,"2,434":796,"2,435":797,"2,437":798,"2,438":799,"2,439":800,"2,440":801,"2,441":802,"2,442":803,"2,443":804,"2,444":805,"2,445":806,"2,446":807,"2,447":808,"2,448":809,"2,449":810,"2,450":811,"2,451":812,"2,452":813,"2,453":814,"2,454":815,"2,455":816,"2,456":817,"2,457":818,"2,458":819,"2,459":820,"2,460":821,"2,461":822,"2,462":823,"2,463":824,"2,464":825,"2,465":826,"2,466":827,"2,467":828,"2,468":829,"2,469":830,"2,470":831,"2,471":832,"2,472":833,"2,473":834,"2,474":835,"2,475":836,"2,476":837,"2,477":838,"3,478":839,"3,479":840,"3,480":841,"3,481":842,"3,482":843,"3,483":844,"3,485":845,"3,487":846,"3,488":847,"3,489":848,"3,490":849,"3,491":850,"3,492":851,"3,493":852,"3,494":853,"3,495":854,"3,496":855,"3,497":856,"3,498":857,"3,499":858,"3,500":859,"3,501":860,"3,502":861,"3,503":862,"3,504":863,"3,505":864,"3,506":865,"3,507":866,"3,508":867,"3,509":868,"3,510":869,"3,511":870,"3,512":871,"3,513":872,"3,515":873,"3,517":874,"3,518":875,"3,519":876,"3,520":877,"3,521":878,"3,522":879,"3,523":880,"3,524":881,"3,525":882,"3,526":883,"3,527":884,"3,528":885,"3,529":886,"3,530":887,"3,531":888,"3,532":889,"3,533":890,"3,534":891,"3,535":892,"3,536":893,"3,537":894,"3,538":895,"3,539":896,"3,540":897,"3,541":898,"3,542":899,"3,543":900,"3,544":901,"3,545":902,"3,546":903,"3,547":904,"3,548":905,"3,549":906,"3,550":907,"3,551":908,"3,552":909,"3,553":910,"3,554":911,"3,555":912,"3,556":913,"3,557":914,"3,558":915,"3,559":916,"3,560":917,"3,561":918,"3,562":919,"3,563":920,"3,564":921,"3,565":922,"3,566":923,"3,567":924,"3,569":925,"3,571":926,"3,572":927,"3,573":928,"3,574":929,"3,575":930,"3,576":931,"3,577":932,"3,578":933,"3,579":934,"3,580":935,"3,581":936,"3,582":937,"3,583":938,"3,584":939,"3,585":940,"3,586":941,"3,587":942,"3,588":943,"3,589":944,"3,590":945,"3,591":946,"3,592":947,"3,593":948,"3,594":949,"3,595":950,"3,596":951,"3,597":952,"3,598":953,"3,599":954,"3,600":955,"3,601":956,"3,602":957,"3,603":958,"3,604":959,"3,605":960,"3,606":961,"3,607":962,"3,608":963,"3,609":964,"3,611":965,"3,613":966,"3,614":967,"3,615":968,"3,616":969,"3,617":970,"3,618":971,"3,619":972,"3,620":973,"3,621":974,"3,622":975,"3,623":976,"3,624":977,"3,625":978,"3,626":979,"3,627":980,"3,628":981,"3,629":982,"3,630":983,"3,631":984,"3,632":985,"3,633":986,"3,635":987,"3,637":988,"3,638":989,"3,639":990,"3,640":991,"3,641":992,"3,642":993,"3,643":994,"3,644":995,"3,645":996,"3,646":997,"3,647":998,"3,648":999,"3,649":1000,"3,650":1001,"3,651":1002,"3,652":1003,"3,653":1004,"3,654":1005,"3,655":1006,"3,656":1007,"3,657":1008,"3,658":1009,"3,659":1010,"3,660":1011,"3,661":1012,"3,662":1013,"3,663":1014,"3,664":1015,"3,665":1016,"3,666":1017,"3,667":1018,"3,668":1019,"3,669":1020,"3,670":1021,"3,671":1022,"3,672":1023,"3,673":1024,"3,674":1025,"3,675":1026,"3,676":1027,"3,677":1028,"3,678":1029,"3,679":1030,"3,680":1031,"3,681":1032,"3,682":1033,"3,683":1034,"3,684":1035,"3,685":1036,"3,686":1037,"3,687":1038,"3,688":1039,"3,689":1040,"3,690":1041,"3,691":1042,"3,692":1043,"3,693":1044,"3,695":1045,"3,697":1046,"3,698":1047,"3,699":1048,"3,700":1049,"3,701":1050,"3,702":1051,"3,703":1052,"3,704":1053,"3,705":1054,"3,706":1055,"3,707":1056,"3,708":1057,"3,709":1058,"3,710":1059,"3,711":1060,"3,712":1061,"3,713":1062,"3,714":1063,"3,715":1064,"3,716":1065,"3,717":1066,"3,718":1067,"3,719":1068,"3,720":1069,"3,721":1070,"3,722":1071,"3,723":1072,"3,724":1073,"3,725":1074,"3,726":1075,"3,727":1076,"3,728":1077,"3,729":1078,"3,730":1079,"3,731":1080,"3,732":1081,"3,733":1082,"3,734":1083,"3,735":1084,"3,736":1085,"3,737":1086,"3,738":1087,"3,739":1088,"3,740":1089,"3,741":1090,"3,742":1091,"3,743":1092,"3,744":1093,"3,745":1094,"3,746":1095,"3,747":1096,"3,748":1097,"3,749":1098,"3,750":1099,"3,751":1100,"3,752":1101,"3,753":1102,"3,754":1103,"3,755":1104,"3,756":1105,"3,757":1106,"3,758":1107,"3,759":1108,"3,760":1109,"3,761":1110,"3,762":1111,"3,763":1112,"3,764":1113,"3,765":1114,"3,766":1115,"3,767":1116,"3,768":1117,"3,769":1118,"3,770":1119,"3,771":1120,"3,772":1121,"3,773":1122,"3,774":1123,"3,775":1124,"3,776":1125,"3,777":1126,"3,778":1127,"3,779":1128,"3,780":1129,"3,781":1130,"3,782":1131,"3,783":1132,"3,784":1133,"3,785":1134,"3,786":1135,"3,787":1136,"3,788":1137,"3,789":1138,"3,790":1139,"3,791":1140,"3,792":1141,"3,793":1142,"3,794":1143,"3,795":1144,"3,796":1145,"3,797":1146,"3,798":1147,"3,799":1148,"3,800":1149,"3,801":1150,"3,802":1151,"3,803":1152,"3,804":1153,"3,805":1154,"3,806":1155,"3,807":1156,"3,808":1157,"3,809":1158,"3,810":1159,"3,811":1160,"3,812":1161,"3,813":1162,"3,814":1163,"3,815":1164,"3,816":1165,"3,817":1166,"3,818":1167,"3,819":1168,"3,820":1169,"3,821":1170,"3,822":1171,"3,823":1172,"3,824":1173,"3,825":1174,"3,827":1175,"3,828":1176,"3,829":1177,"3,830":1178,"3,831":1179,"3,832":1180,"3,833":1181,"3,834":1182,"3,835":1183,"3,836":1184,"3,837":1185,"3,838":1186,"3,839":1187,"3,840":1188,"3,841":1189,"3,842":1190,"3,843":1191,"3,844":1192,"3,845":1193,"3,846":1194,"3,847":1195,"3,848":1196,"3,849":1197,"3,850":1198,"3,851":1199,"3,852":1200,"3,853":1201,"3,854":1202,"3,855":1203,"3,856":1204,"3,857":1205,"3,858":1206,"3,859":1207,"3,860":1208,"3,861":1209,"3,862":1210,"3,863":1211,"3,864":1212,"3,865":1213,"3,867":1214,"3,869":1215,"3,870":1216,"3,871":1217,"3,872":1218,"3,873":1219,"3,874":1220,"3,875":1221,"3,876":1222,"3,877":1223,"3,878":1224,"3,879":1225,"3,880":1226,"3,881":1227,"3,882":1228,"3,883":1229,"3,884":1230,"3,885":1231,"3,886":1232,"3,887":1233,"3,888":1234,"3,889":1235,"3,890":1236,"3,891":1237,"3,892":1238,"3,893":1239,"3,894":1240,"3,895":1241,"3,896":1242,"3,897":1243,"3,898":1244,"3,899":1245,"3,900":1246,"3,901":1247,"3,902":1248,"3,903":1249,"3,904":1250,"3,905":1251,"3,906":1252,"3,907":1253,"3,908":1254,"3,909":1255,"3,910":1256,"3,911":1257,"3,912":1258,"3,913":1259,"3,914":1260,"3,915":1261,"3,916":1262,"3,917":1263,"3,918":1264,"3,919":1265,"3,920":1266,"3,921":1267,"3,923":1268,"3,924":1269,"3,925":1270,"3,926":1271,"3,927":1272,"3,928":1273,"3,929":1274,"3,930":1275,"3,931":1276,"3,932":1277,"3,933":1278,"3,934":1279,"3,935":1280,"3,936":1281,"3,937":1282,"3,938":1283,"3,939":1284,"3,940":1285,"3,941":1286,"3,942":1287,"3,943":1288,"3,944":1289,"3,945":1290,"3,946":1291,"3,947":1292,"3,948":1293,"3,949":1294,"3,950":1295,"3,951":1296,"3,952":1297,"3,953":1298,"3,954":1299,"3,955":1300,"3,956":1301,"3,957":1302,"3,958":1303,"3,959":1304,"3,960":1305,"3,961":1306,"3,962":1307,"3,963":1308,"3,964":1309,"3,965":1310,"3,966":1311,"3,967":1312,"3,968":1313,"3,969":1314,"3,970":1315,"3,971":1316,"3,972":1317,"3,973":1318,"3,974":1319,"3,975":1320,"3,976":1321,"3,977":1322,"3,978":1323,"3,979":1324,"3,980":1325,"3,981":1326,"3,982":1327,"3,983":1328,"3,984":1329,"4,985":1330,"4,986":1331,"4,987":1332,"4,988":1333,"4,989":1334,"4,990":1335,"4,991":1336,"4,992":1337,"4,993":1338,"4,994":1339,"4,995":1340,"4,996":1341,"4,997":1342,"4,998":1343,"4,999":1344,"4,1000":1345,"4,1001":1346,"4,1002":1347,"4,1003":1348,"4,1004":1349,"4,1005":1350,"4,1006":1351,"4,1007":1352,"4,1008":1353,"4,1009":1354,"4,1010":1355,"4,1011":1356,"4,1012":1357,"4,1013":1358,"4,1015":1359,"4,1016":1360,"4,1017":1361,"4,1018":1362,"4,1019":1363,"4,1020":1364,"4,1021":1365,"4,1022":1366,"4,1023":1367,"4,1024":1368,"4,1025":1369,"4,1026":1370,"4,1027":1371,"4,1028":1372,"4,1029":1373,"4,1030":1374,"4,1031":1375,"4,1032":1376,"4,1033":1377,"4,1034":1378,"4,1035":1379,"4,1036":1380,"4,1037":1381,"4,1038":1382,"4,1039":1383,"4,1040":1384,"4,1041":1385,"4,1042":1386,"4,1043":1387,"4,1044":1388,"4,1045":1389,"4,1046":1390,"4,1047":1391,"4,1048":1392,"4,1049":1393,"4,1050":1394,"4,1051":1395,"4,1052":1396,"4,1053":1397,"4,1054":1398,"4,1055":1399,"4,1056":1400,"4,1057":1401,"4,1058":1402,"4,1059":1403,"4,1060":1404,"4,1061":1405,"4,1062":1406,"4,1063":1407,"4,1064":1408,"4,1065":1409,"4,1066":1410,"4,1067":1411,"4,1068":1412,"4,1069":1413,"4,1070":1414,"4,1071":1415,"4,1072":1416,"4,1073":1417,"4,1074":1418,"4,1075":1419,"4,1076":1420,"4,1077":1421,"4,1078":1422,"4,1079":1423,"4,1080":1424,"4,1081":1425,"4,1082":1426,"4,1083":1427,"4,1084":1428,"4,1085":1429,"4,1086":1430,"4,1087":1431,"4,1088":1432,"4,1089":1433,"4,1090":1434,"4,1091":1435,"4,1092":1436,"4,1093":1437,"4,1094":1438,"4,1095":1439,"4,1096":1440,"4,1097":1441,"4,1098":1442,"4,1099":1443,"4,1100":1444,"4,1101":1445,"4,1102":1446,"4,1103":1447,"4,1104":1448,"4,1105":1449,"4,1106":1450,"4,1107":1451,"4,1108":1452,"4,1109":1453,"4,1110":1454,"4,1111":1455,"4,1112":1456,"4,1113":1457,"4,1114":1458,"4,1115":1459,"4,1116":1460,"4,1117":1461,"4,1118":1462,"4,1119":1463,"4,1120":1464,"4,1121":1465,"4,1122":1466,"4,1123":1467,"4,1124":1468,"4,1125":1469,"4,1126":1470,"4,1127":1471,"4,1128":1472,"4,1129":1473,"4,1130":1474,"4,1131":1475,"4,1132":1476,"4,1133":1477,"4,1134":1478,"4,1135":1479,"4,1136":1480,"4,1137":1481,"4,1138":1482,"4,1139":1483,"4,1140":1484,"4,1141":1485,"4,1142":1486,"4,1143":1487,"4,1144":1488,"4,1145":1489,"4,1146":1490,"4,1147":1491,"4,1149":1492,"4,1150":1493,"4,1151":1494,"4,1152":1495,"4,1153":1496,"4,1154":1497,"4,1155":1498,"4,1156":1499,"4,1157":1500,"4,1158":1501,"4,1159":1502,"4,1160":1503,"4,1161":1504,"4,1162":1505,"4,1163":1506,"4,1164":1507,"4,1165":1508,"4,1166":1509,"4,1167":1510,"4,1168":1511,"4,1169":1512,"4,1170":1513,"4,1171":1514,"4,1172":1515,"4,1173":1516,"4,1174":1517,"4,1175":1518,"4,1176":1519,"4,1177":1520,"4,1178":1521,"4,1179":1522,"4,1180":1523,"4,1181":1524,"4,1182":1525,"4,1183":1526,"4,1184":1527,"4,1185":1528,"4,1186":1529,"4,1187":1530,"4,1188":1531,"4,1189":1532,"4,1190":1533,"4,1191":1534,"4,1193":1535,"4,1194":1536,"4,1195":1537,"4,1196":1538,"4,1197":1539,"4,1198":1540,"4,1199":1541,"4,1200":1542,"4,1201":1543,"4,1202":1544,"4,1203":1545,"4,1204":1546,"4,1205":1547,"4,1206":1548,"4,1207":1549,"4,1208":1550,"4,1209":1551,"4,1210":1552,"4,1211":1553,"4,1212":1554,"4,1213":1555,"4,1214":1556,"4,1215":1557,"4,1216":1558,"4,1217":1559,"4,1218":1560,"4,1219":1561,"4,1220":1562,"4,1221":1563,"4,1222":1564,"4,1223":1565,"4,1224":1566,"4,1225":1567,"4,1226":1568,"4,1227":1569,"4,1228":1570,"4,1229":1571,"4,1230":1572,"4,1231":1573,"4,1232":1574,"4,1233":1575,"4,1234":1576,"4,1235":1577,"4,1236":1578,"4,1237":1579,"4,1238":1580,"4,1239":1581,"4,1240":1582,"4,1241":1583,"4,1242":1584,"4,1243":1585,"4,1244":1586,"4,1245":1587,"4,1246":1588,"4,1247":1589,"4,1248":1590,"4,1249":1591,"4,1250":1592,"4,1251":1593,"4,1252":1594,"4,1253":1595,"4,1254":1596,"4,1255":1597,"4,1256":1598,"4,1257":1599,"4,1258":1600,"4,1259":1601,"4,1260":1602,"4,1261":1603,"4,1262":1604,"4,1263":1605,"4,1264":1606,"4,1265":1607,"4,1266":1608,"4,1267":1609,"4,1268":1610,"4,1269":1611,"4,1270":1612,"4,1271":1613,"4,1272":1614,"4,1273":1615,"4,1274":1616,"4,1275":1617,"4,1276":1618,"4,1277":1619,"4,1278":1620,"4,1279":1621,"4,1280":1622,"4,1281":1623,"4,1282":1624,"4,1283":1625,"4,1284":1626,"4,1285":1627,"4,1286":1628,"4,1287":1629,"4,1288":1630,"4,1289":1631,"4,1290":1632,"4,1291":1633,"4,1292":1634,"4,1293":1635,"4,1294":1636,"4,1295":1637,"4,1296":1638,"4,1297":1639,"4,1298":1640,"4,1299":1641,"4,1301":1642,"4,1303":1643,"4,1304":1644,"4,1305":1645,"4,1306":1646,"4,1307":1647,"4,1308":1648,"4,1309":1649,"4,1310":1650,"4,1311":1651,"4,1312":1652,"4,1313":1653,"4,1314":1654,"4,1315":1655,"4,1316":1656,"4,1317":1657,"4,1318":1658,"4,1319":1659,"4,1320":1660,"4,1321":1661,"4,1322":1662,"4,1323":1663,"4,1324":1664,"4,1325":1665,"4,1326":1666,"4,1327":1667,"4,1328":1668,"4,1329":1669,"4,1330":1670,"4,1331":1671,"4,1332":1672,"4,1333":1673,"4,1334":1674,"4,1335":1675,"4,1336":1676,"4,1337":1677,"4,1338":1678,"4,1339":1679,"4,1340":1680,"4,1341":1681,"4,1342":1682,"4,1343":1683,"4,1344":1684,"4,1345":1685,"4,1346":1686,"4,1347":1687,"4,1348":1688,"4,1349":1689,"4,1350":1690,"4,1351":1691,"4,1352":1692,"4,1353":1693,"4,1354":1694,"4,1355":1695,"4,1356":1696,"4,1357":1697,"4,1358":1698,"4,1359":1699,"4,1360":1700,"4,1361":1701,"4,1362":1702,"4,1363":1703,"4,1364":1704,"4,1365":1705,"4,1366":1706,"4,1367":1707,"4,1368":1708,"4,1369":1709,"4,1370":1710,"4,1371":1711,"4,1372":1712,"4,1373":1713,"4,1374":1714,"4,1375":1715,"4,1376":1716,"4,1377":1717,"4,1378":1718,"4,1379":1719,"4,1380":1720,"4,1381":1721,"4,1383":1722,"4,1384":1723,"4,1385":1724,"4,1386":1725,"4,1387":1726,"4,1388":1727,"4,1389":1728,"4,1390":1729,"4,1391":1730,"4,1392":1731,"4,1393":1732,"4,1394":1733,"4,1395":1734,"4,1396":1735,"4,1397":1736,"4,1398":1737,"4,1399":1738,"4,1400":1739,"4,1401":1740,"4,1402":1741,"4,1403":1742,"4,1404":1743,"4,1405":1744,"4,1406":1745,"4,1407":1746,"4,1408":1747,"4,1409":1748,"4,1410":1749,"4,1411":1750,"4,1412":1751,"4,1413":1752,"4,1414":1753,"4,1415":1754,"4,1416":1755,"4,1417":1756,"4,1418":1757,"4,1419":1758,"4,1420":1759,"4,1421":1760,"4,1422":1761,"4,1423":1762,"4,1424":1763,"4,1425":1764,"4,1426":1765,"4,1427":1766,"4,1428":1767,"4,1429":1768,"4,1430":1769,"4,1431":1770,"4,1432":1771,"4,1433":1772,"4,1434":1773,"4,1435":1774,"4,1436":1775,"4,1437":1776,"4,1438":1777,"4,1439":1778,"4,1440":1779,"4,1441":1780,"4,1442":1781,"4,1443":1782,"4,1444":1783,"4,1445":1784,"4,1446":1785,"4,1447":1786,"4,1448":1787,"4,1449":1788,"4,1450":1789,"4,1451":1790,"4,1452":1791,"4,1453":1792,"4,1454":1793,"4,1455":1794,"4,1456":1795,"4,1457":1796,"4,1458":1797,"4,1459":1798,"4,1460":1799,"4,1461":1800,"4,1462":1801,"4,1463":1802,"4,1464":1803,"4,1465":1804,"4,1466":1805,"4,1467":1806,"4,1468":1807,"4,1469":1808,"4,1470":1809,"4,1471":1810,"4,1472":1811,"4,1473":1812,"4,1474":1813,"4,1475":1814,"4,1476":1815,"4,1477":1816,"4,1478":1817,"4,1479":1818,"4,1480":1819,"4,1481":1820,"4,1482":1821,"4,1483":1822,"4,1484":1823,"4,1485":1824,"4,1486":1825,"4,1487":1826,"4,1488":1827,"4,1489":1828,"4,1490":1829,"4,1491":1830,"4,1492":1831,"4,1493":1832,"4,1494":1833,"4,1495":1834,"4,1496":1835,"4,1497":1836,"4,1498":1837,"4,1499":1838,"4,1500":1839,"4,1501":1840,"4,1502":1841,"4,1503":1842,"4,1504":1843,"4,1505":1844,"4,1506":1845,"4,1507":1846,"4,1508":1847,"4,1509":1848,"4,1510":1849,"4,1511":1850,"4,1512":1851,"4,1513":1852,"4,1514":1853,"4,1515":1854,"4,1516":1855,"4,1517":1856,"4,1518":1857,"4,1519":1858,"4,1520":1859,"4,1521":1860,"4,1522":1861,"4,1523":1862,"4,1524":1863,"4,1525":1864,"4,1526":1865,"4,1527":1866,"4,1528":1867,"4,1529":1868,"4,1530":1869,"4,1531":1870,"4,1532":1871,"4,1533":1872,"4,1534":1873,"4,1535":1874,"4,1536":1875,"4,1537":1876,"4,1538":1877,"4,1539":1878,"4,1540":1879,"4,1541":1880,"4,1542":1881,"4,1543":1882,"4,1544":1883,"4,1545":1884,"4,1546":1885,"4,1547":1886,"4,1548":1887,"4,1549":1888,"4,1550":1889,"4,1551":1890,"4,1552":1891,"4,1553":1892,"4,1554":1893,"4,1555":1894,"4,1556":1895,"4,1557":1896,"4,1558":1897,"4,1559":1898,"4,1560":1899,"4,1561":1900,"4,1562":1901,"5,1563":1902,"5,1564":1903,"5,1565":1904,"5,1566":1905,"5,1567":1906,"5,1568":1907,"5,1569":1908,"5,1570":1909,"5,1571":1910,"5,1572":1911,"5,1573":1912,"5,1574":1913,"5,1575":1914,"5,1576":1915,"5,1577":1916,"5,1578":1917,"5,1579":1918,"5,1580":1919,"5,1581":1920,"5,1582":1921,"5,1583":1922,"5,1585":1923,"5,1586":1924,"5,1587":1925,"5,1588":1926,"5,1589":1927,"5,1590":1928,"5,1591":1929,"5,1592":1930,"5,1593":1931,"5,1594":1932,"5,1595":1933,"5,1596":1934,"5,1597":1935,"5,1598":1936,"5,1599":1937,"5,1600":1938,"5,1601":1939,"5,1602":1940,"5,1603":1941,"5,1604":1942,"5,1605":1943,"5,1606":1944,"5,1607":1945,"5,1608":1946,"5,1609":1947,"5,1610":1948,"5,1611":1949,"5,1612":1950,"5,1613":1951,"5,1614":1952,"5,1615":1953,"5,1616":1954,"5,1617":1955,"5,1618":1956,"5,1619":1957,"5,1620":1958,"5,1621":1959,"5,1622":1960,"5,1623":1961,"5,1625":1962,"5,1627":1963,"5,1628":1964,"5,1629":1965,"5,1631":1966,"5,1632":1967,"5,1633":1968,"5,1634":1969,"5,1635":1970,"5,1636":1971,"5,1637":1972,"5,1638":1973,"5,1639":1974,"5,1640":1975,"5,1641":1976,"5,1642":1977,"5,1643":1978,"5,1644":1979,"5,1645":1980,"5,1646":1981,"5,1647":1982,"5,1648":1983,"5,1649":1984,"5,1650":1985,"5,1651":1986,"5,1652":1987,"5,1653":1988,"5,1654":1989,"5,1655":1990,"5,1656":1991,"5,1657":1992,"5,1658":1993,"5,1659":1994,"5,1660":1995,"5,1661":1996,"5,1662":1997,"5,1663":1998,"5,1664":1999,"5,1665":2000,"5,1666":2001,"5,1667":2002,"5,1668":2003,"5,1669":2004,"5,1670":2005,"5,1671":2006,"5,1672":2007,"5,1673":2008,"5,1674":2009,"5,1675":2010,"5,1676":2011,"5,1677":2012,"5,1678":2013,"5,1679":2014,"5,1680":2015,"5,1681":2016,"5,1682":2017,"5,1683":2018,"5,1684":2019,"5,1685":2020,"5,1686":2021,"5,1687":2022,"5,1688":2023,"5,1689":2024,"5,1690":2025,"5,1691":2026,"5,1692":2027,"5,1693":2028,"5,1694":2029,"5,1695":2030,"5,1697":2031,"5,1699":2032,"5,1700":2033,"5,1701":2034,"5,1702":2035,"5,1703":2036,"5,1704":2037,"5,1705":2038,"5,1706":2039,"5,1707":2040,"5,1708":2041,"5,1709":2042,"5,1710":2043,"5,1711":2044,"5,1712":2045,"5,1713":2046,"5,1714":2047,"5,1715":2048,"5,1716":2049,"5,1717":2050,"5,1718":2051,"5,1719":2052,"5,1720":2053,"5,1721":2054,"5,1722":2055,"5,1723":2056,"5,1724":2057,"5,1725":2058,"5,1726":2059,"5,1727":2060,"5,1728":2061,"5,1729":2062,"5,1730":2063,"5,1731":2064,"5,1732":2065,"5,1733":2066,"5,1734":2067,"5,1735":2068,"5,1736":2069,"5,1737":2070,"5,1738":2071,"5,1739":2072,"5,1740":2073,"5,1741":2074,"5,1742":2075,"5,1743":2076,"5,1744":2077,"5,1745":2078,"5,1746":2079,"5,1747":2080,"5,1749":2081,"5,1750":2082,"5,1751":2083,"5,1752":2084,"5,1753":2085,"5,1754":2086,"5,1755":2087,"5,1756":2088,"5,1757":2089,"5,1758":2090,"5,1759":2091,"5,1760":2092,"5,1761":2093,"5,1762":2094,"5,1763":2095,"5,1764":2096,"5,1765":2097,"5,1766":2098,"5,1767":2099,"5,1768":2100,"5,1769":2101,"5,1770":2102,"5,1771":2103,"5,1772":2104,"5,1773":2105,"5,1774":2106,"5,1775":2107,"5,1776":2108,"5,1777":2109,"5,1778":2110,"5,1779":2111,"5,1780":2112,"5,1781":2113,"5,1782":2114,"5,1783":2115,"5,1784":2116,"5,1785":2117,"5,1786":2118,"5,1787":2119,"5,1788":2120,"5,1789":2121,"5,1790":2122,"5,1791":2123,"5,1792":2124,"5,1793":2125,"5,1794":2126,"5,1795":2127,"5,1796":2128,"5,1797":2129,"5,1798":2130,"5,1799":2131,"5,1800":2132,"5,1801":2133,"5,1802":2134,"5,1803":2135,"5,1804":2136,"5,1805":2137,"5,1807":2138,"5,1808":2139,"5,1809":2140,"5,1810":2141,"5,1811":2142,"5,1812":2143,"5,1813":2144,"5,1814":2145,"5,1815":2146,"5,1816":2147,"5,1817":2148,"5,1818":2149,"5,1819":2150,"5,1820":2151,"5,1821":2152,"5,1822":2153,"5,1823":2154,"5,1824":2155,"5,1825":2156,"5,1826":2157,"5,1827":2158,"5,1828":2159,"5,1829":2160,"5,1830":2161,"5,1831":2162,"5,1832":2163,"5,1833":2164,"5,1834":2165,"5,1835":2166,"5,1836":2167,"5,1837":2168,"5,1838":2169,"5,1839":2170,"5,1840":2171,"5,1841":2172,"5,1842":2173,"5,1843":2174,"5,1844":2175,"5,1845":2176,"5,1847":2177,"5,1848":2178,"5,1849":2179,"5,1850":2180,"5,1851":2181,"5,1852":2182,"5,1853":2183,"5,1854":2184,"5,1855":2185,"5,1856":2186,"5,1857":2187,"5,1859":2188,"5,1860":2189,"5,1861":2190,"5,1862":2191,"5,1863":2192,"5,1864":2193,"5,1865":2194,"5,1866":2195,"5,1867":2196,"5,1868":2197,"5,1869":2198,"5,1870":2199,"5,1871":2200,"5,1872":2201,"5,1873":2202,"5,1874":2203,"5,1875":2204,"5,1876":2205,"5,1877":2206,"5,1878":2207,"5,1879":2208,"5,1880":2209,"5,1881":2210,"5,1882":2211,"5,1883":2212,"5,1884":2213,"5,1885":2214,"5,1886":2215,"5,1887":2216,"5,1888":2217,"5,1889":2218,"5,1890":2219,"5,1891":2220,"5,1892":2221,"5,1893":2222,"5,1894":2223,"5,1895":2224,"5,1896":2225,"5,1897":2226,"5,1898":2227,"5,1899":2228,"5,1900":2229,"5,1901":2230,"5,1902":2231,"5,1903":2232,"5,1904":2233,"5,1905":2234,"5,1906":2235,"5,1907":2236,"5,1908":2237,"5,1909":2238,"5,1910":2239,"5,1911":2240,"5,1912":2241,"5,1913":2242,"5,1914":2243,"5,1915":2244,"5,1916":2245,"5,1917":2246,"5,1918":2247,"5,1919":2248,"5,1920":2249,"5,1921":2250,"5,1922":2251,"5,1923":2252,"5,1924":2253,"5,1925":2254,"5,1926":2255,"5,1927":2256,"5,1928":2257,"5,1929":2258,"5,1930":2259,"5,1931":2260,"5,1932":2261,"5,1933":2262,"5,1934":2263,"5,1935":2264,"5,1936":2265,"5,1937":2266,"5,1938":2267,"5,1939":2268,"5,1940":2269,"5,1941":2270,"5,1942":2271,"5,1943":2272,"5,1944":2273,"5,1945":2274,"5,1946":2275,"5,1947":2276,"5,1948":2277,"5,1949":2278,"5,1950":2279,"5,1951":2280,"5,1952":2281,"5,1953":2282,"5,1954":2283,"5,1955":2284,"5,1956":2285,"5,1957":2286,"5,1958":2287,"5,1959":2288,"5,1960":2289,"5,1961":2290,"5,1962":2291,"5,1963":2292,"5,1964":2293,"5,1965":2294,"5,1966":2295,"5,1967":2296,"5,1968":2297,"5,1969":2298,"5,1970":2299,"5,1971":2300,"5,1972":2301,"5,1973":2302,"5,1974":2303,"5,1975":2304,"5,1976":2305,"5,1977":2306,"5,1978":2307,"5,1979":2308,"5,1980":2309,"5,1981":2310,"5,1982":2311,"5,1983":2312,"5,1984":2313,"5,1985":2314,"5,1986":2315,"5,1987":2316,"5,1988":2317,"5,1989":2318,"5,1990":2319,"5,1991":2320,"5,1992":2321,"5,1993":2322,"5,1994":2323,"5,1995":2324,"5,1996":2325,"5,1997":2326,"5,1998":2327,"5,1999":2328,"5,2000":2329,"5,2001":2330,"5,2002":2331,"5,2003":2332,"5,2004":2333,"5,2005":2334,"5,2006":2335,"5,2007":2336,"5,2008":2337,"5,2009":2338,"5,2010":2339,"5,2011":2340,"5,2012":2341,"5,2013":2342,"5,2014":2343,"5,2015":2344,"5,2016":2345,"5,2017":2346,"5,2018":2347,"5,2019":2348,"5,2021":2349,"5,2022":2350,"5,2023":2351,"5,2024":2352,"5,2025":2353,"5,2027":2354,"5,2029":2355,"5,2030":2356,"5,2031":2357,"5,2032":2358,"5,2033":2359,"5,2034":2360,"5,2035":2361,"5,2036":2362,"5,2037":2363,"5,2038":2364,"5,2039":2365,"5,2040":2366,"5,2041":2367,"5,2042":2368,"5,2043":2369,"5,2044":2370,"5,2045":2371,"5,2046":2372,"5,2047":2373,"5,2048":2374,"5,2049":2375,"5,2050":2376,"5,2051":2377,"5,2052":2378,"5,2053":2379,"5,2054":2380,"5,2055":2381,"5,2056":2382,"5,2057":2383,"5,2058":2384,"5,2059":2385,"5,2060":2386,"5,2061":2387,"5,2062":2388,"5,2063":2389,"5,2064":2390,"5,2065":2391,"5,2066":2392,"5,2067":2393,"5,2068":2394,"5,2069":2395,"5,2070":2396,"5,2071":2397,"5,2072":2398,"5,2073":2399,"5,2075":2400,"5,2076":2401,"5,2077":2402,"5,2078":2403,"5,2079":2404,"5,2080":2405,"5,2081":2406,"5,2082":2407,"5,2083":2408,"5,2084":2409,"5,2085":2410,"5,2086":2411,"5,2087":2412,"5,2088":2413,"5,2089":2414,"5,2090":2415,"5,2091":2416,"5,2092":2417,"5,2093":2418,"5,2094":2419,"5,2095":2420,"5,2096":2421,"5,2097":2422,"5,2098":2423,"5,2099":2424,"5,2100":2425,"5,2101":2426,"5,2102":2427,"5,2103":2428,"5,2104":2429,"5,2105":2430,"5,2106":2431,"5,2107":2432,"5,2108":2433,"5,2109":2434,"5,2110":2435,"5,2111":2436,"5,2112":2437,"5,2113":2438,"5,2114":2439,"5,2115":2440,"5,2116":2441,"5,2117":2442,"5,2119":2443,"5,2121":2444,"5,2122":2445,"5,2123":2446,"5,2124":2447,"5,2125":2448,"5,2126":2449,"5,2127":2450,"5,2128":2451,"5,2129":2452,"5,2130":2453,"5,2131":2454,"5,2132":2455,"5,2133":2456,"5,2134":2457,"5,2135":2458,"5,2136":2459,"5,2137":2460,"5,2138":2461,"5,2139":2462,"5,2140":2463,"5,2141":2464,"5,2142":2465,"5,2143":2466,"5,2144":2467,"5,2145":2468,"5,2146":2469,"5,2147":2470,"5,2148":2471,"5,2149":2472,"5,2150":2473,"5,2151":2474,"5,2152":2475,"5,2153":2476,"6,2154":2477,"6,2155":2478,"6,2157":2479,"6,2158":2480,"6,2159":2481,"6,2160":2482,"6,2161":2483,"6,2162":2484,"6,2163":2485,"6,2164":2486,"6,2165":2487,"6,2166":2488,"6,2167":2489,"6,2168":2490,"6,2169":2491,"6,2170":2492,"6,2171":2493,"6,2172":2494,"6,2173":2495,"6,2174":2496,"6,2175":2497,"6,2177":2498,"6,2179":2499,"6,2180":2500,"6,2181":2501,"6,2182":2502,"6,2183":2503,"6,2184":2504,"6,2185":2505,"6,2186":2506,"6,2187":2507,"6,2188":2508,"6,2189":2509,"6,2190":2510,"6,2191":2511,"6,2192":2512,"6,2193":2513,"6,2194":2514,"6,2195":2515,"6,2196":2516,"6,2197":2517,"6,2198":2518,"6,2199":2519,"6,2200":2520,"6,2201":2521,"6,2202":2522,"6,2203":2523,"6,2204":2524,"6,2205":2525,"6,2206":2526,"6,2207":2527,"6,2208":2528,"6,2209":2529,"6,2210":2530,"6,2211":2531,"6,2212":2532,"6,2213":2533,"6,2214":2534,"6,2215":2535,"6,2216":2536,"6,2217":2537,"6,2218":2538,"6,2219":2539,"6,2220":2540,"6,2221":2541,"6,2222":2542,"6,2223":2543,"6,2224":2544,"6,2225":2545,"6,2226":2546,"6,2227":2547,"6,2228":2548,"6,2229":2549,"6,2230":2550,"6,2231":2551,"6,2232":2552,"6,2233":2553,"6,2234":2554,"6,2235":2555,"6,2236":2556,"6,2237":2557,"6,2238":2558,"6,2239":2559,"6,2240":2560,"6,2241":2561,"6,2242":2562,"6,2243":2563,"6,2244":2564,"6,2245":2565,"6,2246":2566,"6,2247":2567,"6,2248":2568,"6,2249":2569,"6,2250":2570,"6,2251":2571,"6,2252":2572,"6,2253":2573,"6,2254":2574,"6,2255":2575,"6,2256":2576,"6,2257":2577,"6,2258":2578,"6,2259":2579,"6,2260":2580,"6,2261":2581,"6,2262":2582,"6,2263":2583,"6,2264":2584,"6,2265":2585,"6,2266":2586,"6,2267":2587,"6,2268":2588,"6,2269":2589,"6,2271":2590,"6,2273":2591,"6,2274":2592,"6,2275":2593,"6,2276":2594,"6,2277":2595,"6,2278":2596,"6,2279":2597,"6,2281":2598,"6,2283":2599,"6,2284":2600,"6,2285":2601,"6,2286":2602,"6,2287":2603,"6,2288":2604,"6,2289":2605,"6,2291":2606,"6,2293":2607,"6,2294":2608,"6,2295":2609,"6,2296":2610,"6,2297":2611,"6,2298":2612,"6,2299":2613,"6,2300":2614,"6,2301":2615,"6,2302":2616,"6,2303":2617,"6,2304":2618,"6,2305":2619,"6,2306":2620,"6,2307":2621,"6,2308":2622,"6,2309":2623,"6,2310":2624,"6,2311":2625,"6,2312":2626,"6,2313":2627,"6,2314":2628,"6,2315":2629,"6,2316":2630,"6,2317":2631,"6,2318":2632,"6,2319":2633,"6,2320":2634,"6,2321":2635,"6,2322":2636,"6,2323":2637,"6,2324":2638,"6,2325":2639,"6,2326":2640,"6,2327":2641,"6,2328":2642,"6,2329":2643,"6,2330":2644,"6,2331":2645,"6,2332":2646,"6,2333":2647,"6,2334":2648,"6,2335":2649,"6,2336":2650,"6,2337":2651,"6,2338":2652,"6,2339":2653,"6,2340":2654,"6,2341":2655,"6,2342":2656,"6,2343":2657,"6,2344":2658,"6,2345":2659,"6,2346":2660,"6,2347":2661,"6,2348":2662,"6,2349":2663,"6,2350":2664,"6,2351":2665,"6,2352":2666,"6,2353":2667,"6,2354":2668,"6,2355":2669,"6,2356":2670,"6,2357":2671,"6,2358":2672,"6,2359":2673,"6,2360":2674,"6,2361":2675,"6,2362":2676,"6,2363":2677,"6,2364":2678,"6,2365":2679,"6,2366":2680,"6,2367":2681,"6,2368":2682,"6,2369":2683,"6,2370":2684,"6,2371":2685,"6,2372":2686,"6,2373":2687,"6,2374":2688,"6,2375":2689,"6,2376":2690,"6,2377":2691,"6,2378":2692,"6,2379":2693,"6,2380":2694,"6,2381":2695,"6,2382":2696,"6,2383":2697,"6,2384":2698,"6,2385":2699,"6,2386":2700,"6,2387":2701,"6,2388":2702,"6,2389":2703,"6,2390":2704,"6,2391":2705,"6,2392":2706,"6,2393":2707,"6,2394":2708,"6,2395":2709,"6,2396":2710,"6,2397":2711,"6,2398":2712,"6,2399":2713,"6,2400":2714,"6,2401":2715,"6,2402":2716,"6,2403":2717,"6,2404":2718,"6,2405":2719,"6,2407":2720,"6,2408":2721,"6,2409":2722,"6,2410":2723,"6,2411":2724,"6,2412":2725,"6,2413":2726,"6,2414":2727,"6,2415":2728,"6,2416":2729,"6,2417":2730,"6,2418":2731,"6,2419":2732,"6,2420":2733,"6,2421":2734,"6,2422":2735,"6,2423":2736,"6,2424":2737,"6,2425":2738,"6,2426":2739,"6,2427":2740,"6,2428":2741,"6,2429":2742,"6,2430":2743,"6,2431":2744,"6,2432":2745,"6,2433":2746,"6,2434":2747,"6,2435":2748,"6,2436":2749,"6,2437":2750,"6,2438":2751,"6,2439":2752,"6,2440":2753,"6,2441":2754,"6,2442":2755,"6,2443":2756,"6,2444":2757,"6,2445":2758,"6,2446":2759,"6,2447":2760,"6,2448":2761,"6,2449":2762,"6,2450":2763,"6,2451":2764,"6,2452":2765,"6,2453":2766,"6,2454":2767,"6,2455":2768,"6,2456":2769,"6,2457":2770,"6,2458":2771,"6,2459":2772,"6,2460":2773,"6,2461":2774,"6,2462":2775,"6,2463":2776,"6,2464":2777,"6,2465":2778,"6,2466":2779,"6,2467":2780,"6,2468":2781,"6,2469":2782,"6,2470":2783,"6,2471":2784,"6,2472":2785,"6,2473":2786,"6,2474":2787,"6,2475":2788,"6,2476":2789,"6,2477":2790,"6,2478":2791,"6,2479":2792,"6,2480":2793,"6,2481":2794,"6,2482":2795,"6,2483":2796,"6,2484":2797,"6,2485":2798,"6,2486":2799,"6,2487":2800,"6,2488":2801,"6,2489":2802,"6,2490":2803,"6,2491":2804,"6,2492":2805,"6,2493":2806,"6,2494":2807,"6,2495":2808,"6,2496":2809,"6,2497":2810,"6,2498":2811,"6,2499":2812,"6,2500":2813,"6,2501":2814,"6,2502":2815,"6,2503":2816,"6,2504":2817,"6,2505":2818,"6,2506":2819,"6,2507":2820,"6,2508":2821,"6,2509":2822,"6,2510":2823,"6,2511":2824,"6,2512":2825,"6,2513":2826,"6,2514":2827,"6,2515":2828,"6,2516":2829,"6,2517":2830,"6,2518":2831,"6,2519":2832,"6,2520":2833,"6,2521":2834,"6,2522":2835,"6,2523":2836,"6,2524":2837,"6,2525":2838,"6,2527":2839,"6,2529":2840,"6,2530":2841,"6,2531":2842,"6,2532":2843,"6,2533":2844,"6,2534":2845,"6,2535":2846,"6,2536":2847,"6,2537":2848,"6,2538":2849,"6,2539":2850,"6,2540":2851,"6,2541":2852,"6,2542":2853,"6,2543":2854,"6,2544":2855,"6,2545":2856,"6,2546":2857,"6,2547":2858,"6,2548":2859,"6,2549":2860,"6,2550":2861,"6,2551":2862,"6,2552":2863,"6,2553":2864,"6,2554":2865,"6,2555":2866,"6,2556":2867,"6,2557":2868,"6,2558":2869,"6,2559":2870,"6,2560":2871,"6,2561":2872,"6,2562":2873,"6,2563":2874,"6,2564":2875,"6,2565":2876,"6,2566":2877,"6,2567":2878,"6,2568":2879,"6,2569":2880,"6,2570":2881,"6,2571":2882,"6,2573":2883,"6,2575":2884,"6,2576":2885,"6,2577":2886,"6,2578":2887,"6,2579":2888,"6,2580":2889,"6,2581":2890,"6,2582":2891,"6,2583":2892,"6,2584":2893,"6,2585":2894,"6,2586":2895,"6,2587":2896,"6,2588":2897,"6,2589":2898,"6,2590":2899,"6,2591":2900,"6,2592":2901,"6,2593":2902,"6,2595":2903,"6,2597":2904,"6,2599":2905,"6,2600":2906,"6,2601":2907,"6,2602":2908,"6,2603":2909,"6,2604":2910,"6,2605":2911,"6,2606":2912,"6,2607":2913,"6,2608":2914,"6,2609":2915,"6,2610":2916,"6,2611":2917,"6,2612":2918,"6,2613":2919,"6,2614":2920,"6,2615":2921,"6,2616":2922,"6,2617":2923,"6,2618":2924,"6,2619":2925,"6,2620":2926,"6,2621":2927,"6,2622":2928,"6,2623":2929,"6,2624":2930,"6,2625":2931,"6,2626":2932,"6,2627":2933,"6,2628":2934,"6,2629":2935,"6,2630":2936,"6,2631":2937,"6,2632":2938,"6,2633":2939,"6,2634":2940,"6,2635":2941,"6,2636":2942,"6,2637":2943,"6,2638":2944,"6,2639":2945,"6,2640":2946,"6,2641":2947,"6,2642":2948,"6,2643":2949,"6,2644":2950,"6,2645":2951,"6,2646":2952,"6,2647":2953,"6,2648":2954,"6,2649":2955,"6,2650":2956,"6,2651":2957,"6,2652":2958,"6,2653":2959,"6,2654":2960,"6,2655":2961,"6,2656":2962,"6,2657":2963,"6,2659":2964,"6,2660":2965,"6,2661":2966,"6,2662":2967,"6,2663":2968,"6,2664":2969,"6,2665":2970,"6,2666":2971,"6,2667":2972,"6,2668":2973,"6,2669":2974,"6,2670":2975,"6,2671":2976,"6,2672":2977,"6,2673":2978,"6,2674":2979,"6,2675":2980,"6,2676":2981,"6,2677":2982,"6,2678":2983,"6,2679":2984,"6,2680":2985,"6,2681":2986,"6,2682":2987,"6,2683":2988,"6,2684":2989,"6,2685":2990,"6,2686":2991,"6,2687":2992,"6,2688":2993,"6,2689":2994,"6,2690":2995,"6,2691":2996,"6,2692":2997,"6,2693":2998,"7,2694":2999,"7,2695":3000,"7,2697":3001,"7,2698":3002,"7,2699":3003,"7,2700":3004,"7,2701":3005,"7,2702":3006,"7,2703":3007,"7,2704":3008,"7,2705":3009,"7,2706":3010,"7,2707":3011,"7,2708":3012,"7,2709":3013,"7,2710":3014,"7,2711":3015,"7,2712":3016,"7,2713":3017,"7,2714":3018,"7,2715":3019,"7,2716":3020,"7,2717":3021,"7,2718":3022,"7,2719":3023,"7,2720":3024,"7,2721":3025,"7,2723":3026,"7,2724":3027,"7,2725":3028,"7,2726":3029,"7,2727":3030,"7,2728":3031,"7,2729":3032,"7,2730":3033,"7,2731":3034,"7,2732":3035,"7,2733":3036,"7,2734":3037,"7,2735":3038,"7,2736":3039,"7,2737":3040,"7,2738":3041,"7,2739":3042,"7,2740":3043,"7,2741":3044,"7,2742":3045,"7,2743":3046,"7,2744":3047,"7,2745":3048,"7,2746":3049,"7,2747":3050,"7,2749":3051,"7,2751":3052,"7,2752":3053,"7,2753":3054,"7,2754":3055,"7,2755":3056,"7,2756":3057,"7,2757":3058,"7,2758":3059,"7,2759":3060,"7,2760":3061,"7,2761":3062,"7,2762":3063,"7,2763":3064,"7,2764":3065,"7,2765":3066,"7,2766":3067,"7,2767":3068,"7,2768":3069,"7,2769":3070,"7,2770":3071,"7,2771":3072,"7,2772":3073,"7,2773":3074,"7,2774":3075,"7,2775":3076,"7,2776":3077,"7,2777":3078,"7,2778":3079,"7,2779":3080,"7,2780":3081,"7,2781":3082,"7,2782":3083,"7,2783":3084,"7,2784":3085,"7,2785":3086,"7,2786":3087,"7,2787":3088,"7,2788":3089,"7,2789":3090,"7,2790":3091,"7,2791":3092,"7,2792":3093,"7,2793":3094,"7,2794":3095,"7,2795":3096,"7,2796":3097,"7,2797":3098,"7,2798":3099,"7,2799":3100,"7,2800":3101,"7,2801":3102,"7,2802":3103,"7,2803":3104,"7,2804":3105,"7,2805":3106,"7,2806":3107,"7,2807":3108,"7,2808":3109,"7,2809":3110,"7,2810":3111,"7,2811":3112,"7,2812":3113,"7,2813":3114,"7,2814":3115,"7,2815":3116,"7,2816":3117,"7,2817":3118,"7,2818":3119,"7,2819":3120,"7,2820":3121,"7,2821":3122,"7,2822":3123,"7,2823":3124,"7,2824":3125,"7,2825":3126,"7,2826":3127,"7,2827":3128,"7,2828":3129,"7,2829":3130,"7,2831":3131,"7,2833":3132,"7,2834":3133,"7,2835":3134,"7,2836":3135,"7,2837":3136,"7,2838":3137,"7,2839":3138,"7,2840":3139,"7,2841":3140,"7,2842":3141,"7,2843":3142,"7,2844":3143,"7,2845":3144,"7,2846":3145,"7,2847":3146,"7,2848":3147,"7,2849":3148,"7,2850":3149,"7,2851":3150,"7,2852":3151,"7,2853":3152,"7,2854":3153,"7,2855":3154,"7,2856":3155,"7,2857":3156,"7,2858":3157,"7,2859":3158,"7,2861":3159,"7,2863":3160,"7,2864":3161,"7,2865":3162,"7,2867":3163,"7,2869":3164,"7,2870":3165,"7,2871":3166,"7,2872":3167,"7,2873":3168,"7,2874":3169,"7,2875":3170,"7,2876":3171,"7,2877":3172,"7,2878":3173,"7,2879":3174,"7,2880":3175,"7,2881":3176,"7,2882":3177,"7,2883":3178,"7,2884":3179,"7,2885":3180,"7,2886":3181,"7,2887":3182,"7,2888":3183,"7,2889":3184,"7,2890":3185,"7,2891":3186,"7,2892":3187,"7,2893":3188,"7,2894":3189,"7,2895":3190,"7,2896":3191,"7,2897":3192,"7,2898":3193,"7,2899":3194,"7,2900":3195,"7,2901":3196,"7,2902":3197,"7,2903":3198,"7,2904":3199,"7,2905":3200,"7,2907":3201,"7,2909":3202,"7,2910":3203,"7,2911":3204,"7,2912":3205,"7,2913":3206,"7,2914":3207,"7,2915":3208,"7,2916":3209,"7,2917":3210,"7,2918":3211,"7,2919":3212,"7,2920":3213,"7,2921":3214,"7,2922":3215,"7,2923":3216,"7,2924":3217,"7,2925":3218,"7,2926":3219,"7,2927":3220,"7,2928":3221,"7,2929":3222,"7,2930":3223,"7,2931":3224,"7,2932":3225,"7,2933":3226,"7,2934":3227,"7,2935":3228,"7,2936":3229,"7,2937":3230,"7,2938":3231,"7,2939":3232,"7,2941":3233,"7,2943":3234,"7,2944":3235,"7,2945":3236,"7,2946":3237,"7,2947":3238,"7,2948":3239,"7,2949":3240,"7,2950":3241,"7,2951":3242,"7,2952":3243,"7,2953":3244,"7,2954":3245,"7,2955":3246,"7,2956":3247,"7,2957":3248,"7,2958":3249,"7,2959":3250,"7,2960":3251,"7,2961":3252,"7,2962":3253,"7,2963":3254,"7,2964":3255,"7,2965":3256,"7,2966":3257,"7,2967":3258,"7,2968":3259,"7,2969":3260},"ٜ":{"1":[1,380],"2":[1,477],"3":[478,984],"4":[985,1562],"5":[1563,2153],"6":[2154,2693],"7":[2694,2969]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,19","1,21","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,57","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,235","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,359","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","2,1","2,3","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,393","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,485","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,515","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,569","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,611","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,635","3,637","3,638","3,639","3,640","3,641","3,642","3,643","3,644","3,645","3,646","3,647","3,648","3,649","3,650","3,651","3,652","3,653","3,654","3,655","3,656","3,657","3,658","3,659","3,660","3,661","3,662","3,663","3,664","3,665","3,666","3,667","3,668","3,669","3,670","3,671","3,672","3,673","3,674","3,675","3,676","3,677","3,678","3,679","3,680","3,681","3,682","3,683","3,684","3,685","3,686","3,687","3,688","3,689","3,690","3,691","3,692","3,693","3,695","3,697","3,698","3,699","3,700","3,701","3,702","3,703","3,704","3,705","3,706","3,707","3,708","3,709","3,710","3,711","3,712","3,713","3,714","3,715","3,716","3,717","3,718","3,719","3,720","3,721","3,722","3,723","3,724","3,725","3,726","3,727","3,728","3,729","3,730","3,731","3,732","3,733","3,734","3,735","3,736","3,737","3,738","3,739","3,740","3,741","3,742","3,743","3,744","3,745","3,746","3,747","3,748","3,749","3,750","3,751","3,752","3,753","3,754","3,755","3,756","3,757","3,758","3,759","3,760","3,761","3,762","3,763","3,764","3,765","3,766","3,767","3,768","3,769","3,770","3,771","3,772","3,773","3,774","3,775","3,776","3,777","3,778","3,779","3,780","3,781","3,782","3,783","3,784","3,785","3,786","3,787","3,788","3,789","3,790","3,791","3,792","3,793","3,794","3,795","3,796","3,797","3,798","3,799","3,800","3,801","3,802","3,803","3,804","3,805","3,806","3,807","3,808","3,809","3,810","3,811","3,812","3,813","3,814","3,815","3,816","3,817","3,818","3,819","3,820","3,821","3,822","3,823","3,824","3,825","3,827","3,828","3,829","3,830","3,831","3,832","3,833","3,834","3,835","3,836","3,837","3,838","3,839","3,840","3,841","3,842","3,843","3,844","3,845","3,846","3,847","3,848","3,849","3,850","3,851","3,852","3,853","3,854","3,855","3,856","3,857","3,858","3,859","3,860","3,861","3,862","3,863","3,864","3,865","3,867","3,869","3,870","3,871","3,872","3,873","3,874","3,875","3,876","3,877","3,878","3,879","3,880","3,881","3,882","3,883","3,884","3,885","3,886","3,887","3,888","3,889","3,890","3,891","3,892","3,893","3,894","3,895","3,896","3,897","3,898","3,899","3,900","3,901","3,902","3,903","3,904","3,905","3,906","3,907","3,908","3,909","3,910","3,911","3,912","3,913","3,914","3,915","3,916","3,917","3,918","3,919","3,920","3,921","3,923","3,924","3,925","3,926","3,927","3,928","3,929","3,930","3,931","3,932","3,933","3,934","3,935","3,936","3,937","3,938","3,939","3,940","3,941","3,942","3,943","3,944","3,945","3,946","3,947","3,948","3,949","3,950","3,951","3,952","3,953","3,954","3,955","3,956","3,957","3,958","3,959","3,960","3,961","3,962","3,963","3,964","3,965","3,966","3,967","3,968","3,969","3,970","3,971","3,972","3,973","3,974","3,975","3,976","3,977","3,978","3,979","3,980","3,981","3,982","3,983","3,984","4,985","4,986","4,987","4,988","4,989","4,990","4,991","4,992","4,993","4,994","4,995","4,996","4,997","4,998","4,999","4,1000","4,1001","4,1002","4,1003","4,1004","4,1005","4,1006","4,1007","4,1008","4,1009","4,1010","4,1011","4,1012","4,1013","4,1015","4,1016","4,1017","4,1018","4,1019","4,1020","4,1021","4,1022","4,1023","4,1024","4,1025","4,1026","4,1027","4,1028","4,1029","4,1030","4,1031","4,1032","4,1033","4,1034","4,1035","4,1036","4,1037","4,1038","4,1039","4,1040","4,1041","4,1042","4,1043","4,1044","4,1045","4,1046","4,1047","4,1048","4,1049","4,1050","4,1051","4,1052","4,1053","4,1054","4,1055","4,1056","4,1057","4,1058","4,1059","4,1060","4,1061","4,1062","4,1063","4,1064","4,1065","4,1066","4,1067","4,1068","4,1069","4,1070","4,1071","4,1072","4,1073","4,1074","4,1075","4,1076","4,1077","4,1078","4,1079","4,1080","4,1081","4,1082","4,1083","4,1084","4,1085","4,1086","4,1087","4,1088","4,1089","4,1090","4,1091","4,1092","4,1093","4,1094","4,1095","4,1096","4,1097","4,1098","4,1099","4,1100","4,1101","4,1102","4,1103","4,1104","4,1105","4,1106","4,1107","4,1108","4,1109","4,1110","4,1111","4,1112","4,1113","4,1114","4,1115","4,1116","4,1117","4,1118","4,1119","4,1120","4,1121","4,1122","4,1123","4,1124","4,1125","4,1126","4,1127","4,1128","4,1129","4,1130","4,1131","4,1132","4,1133","4,1134","4,1135","4,1136","4,1137","4,1138","4,1139","4,1140","4,1141","4,1142","4,1143","4,1144","4,1145","4,1146","4,1147","4,1149","4,1150","4,1151","4,1152","4,1153","4,1154","4,1155","4,1156","4,1157","4,1158","4,1159","4,1160","4,1161","4,1162","4,1163","4,1164","4,1165","4,1166","4,1167","4,1168","4,1169","4,1170","4,1171","4,1172","4,1173","4,1174","4,1175","4,1176","4,1177","4,1178","4,1179","4,1180","4,1181","4,1182","4,1183","4,1184","4,1185","4,1186","4,1187","4,1188","4,1189","4,1190","4,1191","4,1193","4,1194","4,1195","4,1196","4,1197","4,1198","4,1199","4,1200","4,1201","4,1202","4,1203","4,1204","4,1205","4,1206","4,1207","4,1208","4,1209","4,1210","4,1211","4,1212","4,1213","4,1214","4,1215","4,1216","4,1217","4,1218","4,1219","4,1220","4,1221","4,1222","4,1223","4,1224","4,1225","4,1226","4,1227","4,1228","4,1229","4,1230","4,1231","4,1232","4,1233","4,1234","4,1235","4,1236","4,1237","4,1238","4,1239","4,1240","4,1241","4,1242","4,1243","4,1244","4,1245","4,1246","4,1247","4,1248","4,1249","4,1250","4,1251","4,1252","4,1253","4,1254","4,1255","4,1256","4,1257","4,1258","4,1259","4,1260","4,1261","4,1262","4,1263","4,1264","4,1265","4,1266","4,1267","4,1268","4,1269","4,1270","4,1271","4,1272","4,1273","4,1274","4,1275","4,1276","4,1277","4,1278","4,1279","4,1280","4,1281","4,1282","4,1283","4,1284","4,1285","4,1286","4,1287","4,1288","4,1289","4,1290","4,1291","4,1292","4,1293","4,1294","4,1295","4,1296","4,1297","4,1298","4,1299","4,1301","4,1303","4,1304","4,1305","4,1306","4,1307","4,1308","4,1309","4,1310","4,1311","4,1312","4,1313","4,1314","4,1315","4,1316","4,1317","4,1318","4,1319","4,1320","4,1321","4,1322","4,1323","4,1324","4,1325","4,1326","4,1327","4,1328","4,1329","4,1330","4,1331","4,1332","4,1333","4,1334","4,1335","4,1336","4,1337","4,1338","4,1339","4,1340","4,1341","4,1342","4,1343","4,1344","4,1345","4,1346","4,1347","4,1348","4,1349","4,1350","4,1351","4,1352","4,1353","4,1354","4,1355","4,1356","4,1357","4,1358","4,1359","4,1360","4,1361","4,1362","4,1363","4,1364","4,1365","4,1366","4,1367","4,1368","4,1369","4,1370","4,1371","4,1372","4,1373","4,1374","4,1375","4,1376","4,1377","4,1378","4,1379","4,1380","4,1381","4,1383","4,1384","4,1385","4,1386","4,1387","4,1388","4,1389","4,1390","4,1391","4,1392","4,1393","4,1394","4,1395","4,1396","4,1397","4,1398","4,1399","4,1400","4,1401","4,1402","4,1403","4,1404","4,1405","4,1406","4,1407","4,1408","4,1409","4,1410","4,1411","4,1412","4,1413","4,1414","4,1415","4,1416","4,1417","4,1418","4,1419","4,1420","4,1421","4,1422","4,1423","4,1424","4,1425","4,1426","4,1427","4,1428","4,1429","4,1430","4,1431","4,1432","4,1433","4,1434","4,1435","4,1436","4,1437","4,1438","4,1439","4,1440","4,1441","4,1442","4,1443","4,1444","4,1445","4,1446","4,1447","4,1448","4,1449","4,1450","4,1451","4,1452","4,1453","4,1454","4,1455","4,1456","4,1457","4,1458","4,1459","4,1460","4,1461","4,1462","4,1463","4,1464","4,1465","4,1466","4,1467","4,1468","4,1469","4,1470","4,1471","4,1472","4,1473","4,1474","4,1475","4,1476","4,1477","4,1478","4,1479","4,1480","4,1481","4,1482","4,1483","4,1484","4,1485","4,1486","4,1487","4,1488","4,1489","4,1490","4,1491","4,1492","4,1493","4,1494","4,1495","4,1496","4,1497","4,1498","4,1499","4,1500","4,1501","4,1502","4,1503","4,1504","4,1505","4,1506","4,1507","4,1508","4,1509","4,1510","4,1511","4,1512","4,1513","4,1514","4,1515","4,1516","4,1517","4,1518","4,1519","4,1520","4,1521","4,1522","4,1523","4,1524","4,1525","4,1526","4,1527","4,1528","4,1529","4,1530","4,1531","4,1532","4,1533","4,1534","4,1535","4,1536","4,1537","4,1538","4,1539","4,1540","4,1541","4,1542","4,1543","4,1544","4,1545","4,1546","4,1547","4,1548","4,1549","4,1550","4,1551","4,1552","4,1553","4,1554","4,1555","4,1556","4,1557","4,1558","4,1559","4,1560","4,1561","4,1562","5,1563","5,1564","5,1565","5,1566","5,1567","5,1568","5,1569","5,1570","5,1571","5,1572","5,1573","5,1574","5,1575","5,1576","5,1577","5,1578","5,1579","5,1580","5,1581","5,1582","5,1583","5,1585","5,1586","5,1587","5,1588","5,1589","5,1590","5,1591","5,1592","5,1593","5,1594","5,1595","5,1596","5,1597","5,1598","5,1599","5,1600","5,1601","5,1602","5,1603","5,1604","5,1605","5,1606","5,1607","5,1608","5,1609","5,1610","5,1611","5,1612","5,1613","5,1614","5,1615","5,1616","5,1617","5,1618","5,1619","5,1620","5,1621","5,1622","5,1623","5,1625","5,1627","5,1628","5,1629","5,1631","5,1632","5,1633","5,1634","5,1635","5,1636","5,1637","5,1638","5,1639","5,1640","5,1641","5,1642","5,1643","5,1644","5,1645","5,1646","5,1647","5,1648","5,1649","5,1650","5,1651","5,1652","5,1653","5,1654","5,1655","5,1656","5,1657","5,1658","5,1659","5,1660","5,1661","5,1662","5,1663","5,1664","5,1665","5,1666","5,1667","5,1668","5,1669","5,1670","5,1671","5,1672","5,1673","5,1674","5,1675","5,1676","5,1677","5,1678","5,1679","5,1680","5,1681","5,1682","5,1683","5,1684","5,1685","5,1686","5,1687","5,1688","5,1689","5,1690","5,1691","5,1692","5,1693","5,1694","5,1695","5,1697","5,1699","5,1700","5,1701","5,1702","5,1703","5,1704","5,1705","5,1706","5,1707","5,1708","5,1709","5,1710","5,1711","5,1712","5,1713","5,1714","5,1715","5,1716","5,1717","5,1718","5,1719","5,1720","5,1721","5,1722","5,1723","5,1724","5,1725","5,1726","5,1727","5,1728","5,1729","5,1730","5,1731","5,1732","5,1733","5,1734","5,1735","5,1736","5,1737","5,1738","5,1739","5,1740","5,1741","5,1742","5,1743","5,1744","5,1745","5,1746","5,1747","5,1749","5,1750","5,1751","5,1752","5,1753","5,1754","5,1755","5,1756","5,1757","5,1758","5,1759","5,1760","5,1761","5,1762","5,1763","5,1764","5,1765","5,1766","5,1767","5,1768","5,1769","5,1770","5,1771","5,1772","5,1773","5,1774","5,1775","5,1776","5,1777","5,1778","5,1779","5,1780","5,1781","5,1782","5,1783","5,1784","5,1785","5,1786","5,1787","5,1788","5,1789","5,1790","5,1791","5,1792","5,1793","5,1794","5,1795","5,1796","5,1797","5,1798","5,1799","5,1800","5,1801","5,1802","5,1803","5,1804","5,1805","5,1807","5,1808","5,1809","5,1810","5,1811","5,1812","5,1813","5,1814","5,1815","5,1816","5,1817","5,1818","5,1819","5,1820","5,1821","5,1822","5,1823","5,1824","5,1825","5,1826","5,1827","5,1828","5,1829","5,1830","5,1831","5,1832","5,1833","5,1834","5,1835","5,1836","5,1837","5,1838","5,1839","5,1840","5,1841","5,1842","5,1843","5,1844","5,1845","5,1847","5,1848","5,1849","5,1850","5,1851","5,1852","5,1853","5,1854","5,1855","5,1856","5,1857","5,1859","5,1860","5,1861","5,1862","5,1863","5,1864","5,1865","5,1866","5,1867","5,1868","5,1869","5,1870","5,1871","5,1872","5,1873","5,1874","5,1875","5,1876","5,1877","5,1878","5,1879","5,1880","5,1881","5,1882","5,1883","5,1884","5,1885","5,1886","5,1887","5,1888","5,1889","5,1890","5,1891","5,1892","5,1893","5,1894","5,1895","5,1896","5,1897","5,1898","5,1899","5,1900","5,1901","5,1902","5,1903","5,1904","5,1905","5,1906","5,1907","5,1908","5,1909","5,1910","5,1911","5,1912","5,1913","5,1914","5,1915","5,1916","5,1917","5,1918","5,1919","5,1920","5,1921","5,1922","5,1923","5,1924","5,1925","5,1926","5,1927","5,1928","5,1929","5,1930","5,1931","5,1932","5,1933","5,1934","5,1935","5,1936","5,1937","5,1938","5,1939","5,1940","5,1941","5,1942","5,1943","5,1944","5,1945","5,1946","5,1947","5,1948","5,1949","5,1950","5,1951","5,1952","5,1953","5,1954","5,1955","5,1956","5,1957","5,1958","5,1959","5,1960","5,1961","5,1962","5,1963","5,1964","5,1965","5,1966","5,1967","5,1968","5,1969","5,1970","5,1971","5,1972","5,1973","5,1974","5,1975","5,1976","5,1977","5,1978","5,1979","5,1980","5,1981","5,1982","5,1983","5,1984","5,1985","5,1986","5,1987","5,1988","5,1989","5,1990","5,1991","5,1992","5,1993","5,1994","5,1995","5,1996","5,1997","5,1998","5,1999","5,2000","5,2001","5,2002","5,2003","5,2004","5,2005","5,2006","5,2007","5,2008","5,2009","5,2010","5,2011","5,2012","5,2013","5,2014","5,2015","5,2016","5,2017","5,2018","5,2019","5,2021","5,2022","5,2023","5,2024","5,2025","5,2027","5,2029","5,2030","5,2031","5,2032","5,2033","5,2034","5,2035","5,2036","5,2037","5,2038","5,2039","5,2040","5,2041","5,2042","5,2043","5,2044","5,2045","5,2046","5,2047","5,2048","5,2049","5,2050","5,2051","5,2052","5,2053","5,2054","5,2055","5,2056","5,2057","5,2058","5,2059","5,2060","5,2061","5,2062","5,2063","5,2064","5,2065","5,2066","5,2067","5,2068","5,2069","5,2070","5,2071","5,2072","5,2073","5,2075","5,2076","5,2077","5,2078","5,2079","5,2080","5,2081","5,2082","5,2083","5,2084","5,2085","5,2086","5,2087","5,2088","5,2089","5,2090","5,2091","5,2092","5,2093","5,2094","5,2095","5,2096","5,2097","5,2098","5,2099","5,2100","5,2101","5,2102","5,2103","5,2104","5,2105","5,2106","5,2107","5,2108","5,2109","5,2110","5,2111","5,2112","5,2113","5,2114","5,2115","5,2116","5,2117","5,2119","5,2121","5,2122","5,2123","5,2124","5,2125","5,2126","5,2127","5,2128","5,2129","5,2130","5,2131","5,2132","5,2133","5,2134","5,2135","5,2136","5,2137","5,2138","5,2139","5,2140","5,2141","5,2142","5,2143","5,2144","5,2145","5,2146","5,2147","5,2148","5,2149","5,2150","5,2151","5,2152","5,2153","6,2154","6,2155","6,2157","6,2158","6,2159","6,2160","6,2161","6,2162","6,2163","6,2164","6,2165","6,2166","6,2167","6,2168","6,2169","6,2170","6,2171","6,2172","6,2173","6,2174","6,2175","6,2177","6,2179","6,2180","6,2181","6,2182","6,2183","6,2184","6,2185","6,2186","6,2187","6,2188","6,2189","6,2190","6,2191","6,2192","6,2193","6,2194","6,2195","6,2196","6,2197","6,2198","6,2199","6,2200","6,2201","6,2202","6,2203","6,2204","6,2205","6,2206","6,2207","6,2208","6,2209","6,2210","6,2211","6,2212","6,2213","6,2214","6,2215","6,2216","6,2217","6,2218","6,2219","6,2220","6,2221","6,2222","6,2223","6,2224","6,2225","6,2226","6,2227","6,2228","6,2229","6,2230","6,2231","6,2232","6,2233","6,2234","6,2235","6,2236","6,2237","6,2238","6,2239","6,2240","6,2241","6,2242","6,2243","6,2244","6,2245","6,2246","6,2247","6,2248","6,2249","6,2250","6,2251","6,2252","6,2253","6,2254","6,2255","6,2256","6,2257","6,2258","6,2259","6,2260","6,2261","6,2262","6,2263","6,2264","6,2265","6,2266","6,2267","6,2268","6,2269","6,2271","6,2273","6,2274","6,2275","6,2276","6,2277","6,2278","6,2279","6,2281","6,2283","6,2284","6,2285","6,2286","6,2287","6,2288","6,2289","6,2291","6,2293","6,2294","6,2295","6,2296","6,2297","6,2298","6,2299","6,2300","6,2301","6,2302","6,2303","6,2304","6,2305","6,2306","6,2307","6,2308","6,2309","6,2310","6,2311","6,2312","6,2313","6,2314","6,2315","6,2316","6,2317","6,2318","6,2319","6,2320","6,2321","6,2322","6,2323","6,2324","6,2325","6,2326","6,2327","6,2328","6,2329","6,2330","6,2331","6,2332","6,2333","6,2334","6,2335","6,2336","6,2337","6,2338","6,2339","6,2340","6,2341","6,2342","6,2343","6,2344","6,2345","6,2346","6,2347","6,2348","6,2349","6,2350","6,2351","6,2352","6,2353","6,2354","6,2355","6,2356","6,2357","6,2358","6,2359","6,2360","6,2361","6,2362","6,2363","6,2364","6,2365","6,2366","6,2367","6,2368","6,2369","6,2370","6,2371","6,2372","6,2373","6,2374","6,2375","6,2376","6,2377","6,2378","6,2379","6,2380","6,2381","6,2382","6,2383","6,2384","6,2385","6,2386","6,2387","6,2388","6,2389","6,2390","6,2391","6,2392","6,2393","6,2394","6,2395","6,2396","6,2397","6,2398","6,2399","6,2400","6,2401","6,2402","6,2403","6,2404","6,2405","6,2407","6,2408","6,2409","6,2410","6,2411","6,2412","6,2413","6,2414","6,2415","6,2416","6,2417","6,2418","6,2419","6,2420","6,2421","6,2422","6,2423","6,2424","6,2425","6,2426","6,2427","6,2428","6,2429","6,2430","6,2431","6,2432","6,2433","6,2434","6,2435","6,2436","6,2437","6,2438","6,2439","6,2440","6,2441","6,2442","6,2443","6,2444","6,2445","6,2446","6,2447","6,2448","6,2449","6,2450","6,2451","6,2452","6,2453","6,2454","6,2455","6,2456","6,2457","6,2458","6,2459","6,2460","6,2461","6,2462","6,2463","6,2464","6,2465","6,2466","6,2467","6,2468","6,2469","6,2470","6,2471","6,2472","6,2473","6,2474","6,2475","6,2476","6,2477","6,2478","6,2479","6,2480","6,2481","6,2482","6,2483","6,2484","6,2485","6,2486","6,2487","6,2488","6,2489","6,2490","6,2491","6,2492","6,2493","6,2494","6,2495","6,2496","6,2497","6,2498","6,2499","6,2500","6,2501","6,2502","6,2503","6,2504","6,2505","6,2506","6,2507","6,2508","6,2509","6,2510","6,2511","6,2512","6,2513","6,2514","6,2515","6,2516","6,2517","6,2518","6,2519","6,2520","6,2521","6,2522","6,2523","6,2524","6,2525","6,2527","6,2529","6,2530","6,2531","6,2532","6,2533","6,2534","6,2535","6,2536","6,2537","6,2538","6,2539","6,2540","6,2541","6,2542","6,2543","6,2544","6,2545","6,2546","6,2547","6,2548","6,2549","6,2550","6,2551","6,2552","6,2553","6,2554","6,2555","6,2556","6,2557","6,2558","6,2559","6,2560","6,2561","6,2562","6,2563","6,2564","6,2565","6,2566","6,2567","6,2568","6,2569","6,2570","6,2571","6,2573","6,2575","6,2576","6,2577","6,2578","6,2579","6,2580","6,2581","6,2582","6,2583","6,2584","6,2585","6,2586","6,2587","6,2588","6,2589","6,2590","6,2591","6,2592","6,2593","6,2595","6,2597","6,2599","6,2600","6,2601","6,2602","6,2603","6,2604","6,2605","6,2606","6,2607","6,2608","6,2609","6,2610","6,2611","6,2612","6,2613","6,2614","6,2615","6,2616","6,2617","6,2618","6,2619","6,2620","6,2621","6,2622","6,2623","6,2624","6,2625","6,2626","6,2627","6,2628","6,2629","6,2630","6,2631","6,2632","6,2633","6,2634","6,2635","6,2636","6,2637","6,2638","6,2639","6,2640","6,2641","6,2642","6,2643","6,2644","6,2645","6,2646","6,2647","6,2648","6,2649","6,2650","6,2651","6,2652","6,2653","6,2654","6,2655","6,2656","6,2657","6,2659","6,2660","6,2661","6,2662","6,2663","6,2664","6,2665","6,2666","6,2667","6,2668","6,2669","6,2670","6,2671","6,2672","6,2673","6,2674","6,2675","6,2676","6,2677","6,2678","6,2679","6,2680","6,2681","6,2682","6,2683","6,2684","6,2685","6,2686","6,2687","6,2688","6,2689","6,2690","6,2691","6,2692","6,2693","7,2694","7,2695","7,2697","7,2698","7,2699","7,2700","7,2701","7,2702","7,2703","7,2704","7,2705","7,2706","7,2707","7,2708","7,2709","7,2710","7,2711","7,2712","7,2713","7,2714","7,2715","7,2716","7,2717","7,2718","7,2719","7,2720","7,2721","7,2723","7,2724","7,2725","7,2726","7,2727","7,2728","7,2729","7,2730","7,2731","7,2732","7,2733","7,2734","7,2735","7,2736","7,2737","7,2738","7,2739","7,2740","7,2741","7,2742","7,2743","7,2744","7,2745","7,2746","7,2747","7,2749","7,2751","7,2752","7,2753","7,2754","7,2755","7,2756","7,2757","7,2758","7,2759","7,2760","7,2761","7,2762","7,2763","7,2764","7,2765","7,2766","7,2767","7,2768","7,2769","7,2770","7,2771","7,2772","7,2773","7,2774","7,2775","7,2776","7,2777","7,2778","7,2779","7,2780","7,2781","7,2782","7,2783","7,2784","7,2785","7,2786","7,2787","7,2788","7,2789","7,2790","7,2791","7,2792","7,2793","7,2794","7,2795","7,2796","7,2797","7,2798","7,2799","7,2800","7,2801","7,2802","7,2803","7,2804","7,2805","7,2806","7,2807","7,2808","7,2809","7,2810","7,2811","7,2812","7,2813","7,2814","7,2815","7,2816","7,2817","7,2818","7,2819","7,2820","7,2821","7,2822","7,2823","7,2824","7,2825","7,2826","7,2827","7,2828","7,2829","7,2831","7,2833","7,2834","7,2835","7,2836","7,2837","7,2838","7,2839","7,2840","7,2841","7,2842","7,2843","7,2844","7,2845","7,2846","7,2847","7,2848","7,2849","7,2850","7,2851","7,2852","7,2853","7,2854","7,2855","7,2856","7,2857","7,2858","7,2859","7,2861","7,2863","7,2864","7,2865","7,2867","7,2869","7,2870","7,2871","7,2872","7,2873","7,2874","7,2875","7,2876","7,2877","7,2878","7,2879","7,2880","7,2881","7,2882","7,2883","7,2884","7,2885","7,2886","7,2887","7,2888","7,2889","7,2890","7,2891","7,2892","7,2893","7,2894","7,2895","7,2896","7,2897","7,2898","7,2899","7,2900","7,2901","7,2902","7,2903","7,2904","7,2905","7,2907","7,2909","7,2910","7,2911","7,2912","7,2913","7,2914","7,2915","7,2916","7,2917","7,2918","7,2919","7,2920","7,2921","7,2922","7,2923","7,2924","7,2925","7,2926","7,2927","7,2928","7,2929","7,2930","7,2931","7,2932","7,2933","7,2934","7,2935","7,2936","7,2937","7,2938","7,2939","7,2941","7,2943","7,2944","7,2945","7,2946","7,2947","7,2948","7,2949","7,2950","7,2951","7,2952","7,2953","7,2954","7,2955","7,2956","7,2957","7,2958","7,2959","7,2960","7,2961","7,2962","7,2963","7,2964","7,2965","7,2966","7,2967","7,2968","7,2969"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2,3],"7":[4],"11":[5],"12":[6,7],"16":[8],"17":[9],"18":[10],"19":[11],"20":[12,13],"21":[14,15],"23":[16],"26":[17,18],"27":[19],"28":[20],"29":[21],"30":[22,23],"31":[24],"32":[25,26],"33":[27],"34":[28],"35":[29],"36":[30],"37":[31],"38":[32],"39":[33],"41":[34],"42":[35],"44":[36],"48":[37],"51":[38],"52":[39],"53":[40],"57":[41],"58":[42,43],"61":[44],"66":[45],"69":[46],"71":[47],"76":[48],"77":[49],"80":[50],"82":[51],"84":[52],"88":[53],"89":[54],"92":[55],"93":[56],"98":[57],"102":[58],"125":[59],"129":[60],"139":[61],"143":[62,63],"144":[64],"145":[65],"147":[66],"148":[67],"149":[68],"150":[69,70],"152":[71],"155":[72],"158":[73],"160":[74],"161":[75],"162":[76],"164":[77],"174":[78],"178":[79],"190":[80],"196":[81],"201":[82],"203":[83,84],"205":[85],"206":[86],"207":[87],"208":[88],"209":[89],"210":[90],"213":[91],"214":[92],"215":[93],"217":[94],"219":[95],"220":[96,97],"222":[98,99],"223":[100,101],"224":[102],"227":[103],"228":[104],"230":[105],"233":[106,107],"236":[108,109],"237":[110,111,112],"238":[113],"239":[114],"240":[115],"241":[116],"243":[117,118,119],"244":[120],"246":[121,122],"247":[123],"248":[124],"250":[125],"253":[126],"255":[127],"257":[128,129],"262":[130,131],"265":[132],"267":[133],"270":[134,135,136],"271":[137],"272":[138,139],"273":[140,141],"274":[142,143],"279":[144],"281":[145],"284":[146],"285":[147],"287":[148],"289":[149],"291":[150],"295":[151,152],"297":[153],"299":[154],"307":[155],"311":[156],"314":[157,158],"316":[159,160],"317":[161,162],"318":[163,164],"320":[165],"326":[166],"328":[167,168],"330":[169,170],"331":[171],"332":[172,173,174],"333":[175,176,177],"334":[178],"337":[179],"346":[180],"371":[181],"387":[182,183],"416":[184],"421":[185],"438":[186],"441":[187],"448":[188],"449":[189],"457":[190],"461":[191],"466":[192],"467":[193],"483":[194],"484":[195,196],"505":[197,198],"533":[199],"540":[200],"547":[201],"565":[202],"584":[203],"592":[204,205],"622":[206],"640":[207],"647":[208],"694":[209],"707":[210],"718":[211],"729":[212,213],"736":[214,215],"744":[216],"757":[217,218],"766":[219],"767":[220],"768":[221],"777":[222],"783":[223],"798":[224,225],"802":[226],"808":[227],"810":[228],"832":[229],"834":[230],"842":[231],"846":[232,233],"849":[234],"850":[235,236],"852":[237],"855":[238],"874":[239],"879":[240],"897":[241],"923":[242],"926":[243,244],"954":[245],"957":[246],"964":[247],"966":[248,249],"980":[250],"983":[251],"985":[252],"988":[253,254],"989":[255,256],"998":[257],"1000":[258],"1003":[259],"1039":[260],"1046":[261],"1053":[262,263],"1055":[264],"1056":[265],"1064":[266],"1070":[267],"1088":[268],"1094":[269],"1099":[270],"1102":[271],"1113":[272],"1115":[273],"1119":[274],"1121":[275],"1122":[276],"1124":[277],"1126":[278],"1128":[279],"1129":[280],"1130":[281],"1131":[282],"1134":[283],"1140":[284],"1148":[285],"1155":[286],"1161":[287],"1162":[288],"1166":[289],"1169":[290],"1175":[291,292,293],"1180":[294],"1184":[295],"1187":[296],"1191":[297],"1192":[298],"1195":[299],"1196":[300],"1198":[301],"1204":[302],"1206":[303],"1215":[304,305],"1228":[306],"1231":[307],"1235":[308],"1236":[309],"1241":[310],"1247":[311],"1259":[312],"1266":[313],"1268":[314,315],"1275":[316],"1276":[317],"1279":[318],"1286":[319],"1290":[320],"1307":[321],"1312":[322],"1317":[323],"1322":[324],"1325":[325],"1332":[326,327,328],"1340":[329],"1347":[330],"1354":[331],"1359":[332,333],"1378":[334],"1422":[335],"1429":[336],"1431":[337],"1433":[338],"1436":[339],"1454":[340],"1455":[341],"1468":[342],"1490":[343],"1492":[344,345],"1497":[346],"1506":[347],"1531":[348],"1535":[349,350,351],"1538":[352,353],"1546":[354],"1548":[355],"1555":[356],"1559":[357],"1567":[358],"1570":[359,360],"1572":[361],"1607":[362],"1609":[363],"1625":[364],"1630":[365,366],"1634":[367],"1640":[368],"1643":[369,370],"1652":[371],"1658":[372],"1659":[373,374],"1665":[375],"1675":[376],"1679":[377],"1702":[378],"1711":[379],"1719":[380],"1722":[381,382,383,384],"1725":[385,386],"1729":[387],"1731":[388],"1733":[389],"1742":[390],"1747":[391,392],"1752":[393],"1762":[394],"1765":[395],"1771":[396],"1773":[397],"1774":[398],"1775":[399],"1776":[400],"1789":[401,402],"1796":[403],"1797":[404],"1799":[405,406],"1804":[407,408],"1805":[409],"1807":[410],"1808":[411],"1809":[412],"1833":[413],"1835":[414],"1837":[415],"1842":[416,417],"1864":[418],"1871":[419],"1874":[420],"1877":[421],"1881":[422],"1885":[423],"1904":[424,425],"1906":[426],"1916":[427],"1918":[428],"1920":[429],"1923":[430],"1925":[431],"1926":[432,433],"1931":[434],"1933":[435],"1934":[436],"1943":[437],"1954":[438],"1963":[439],"1966":[440,441],"1971":[442],"1982":[443],"1994":[444],"1997":[445],"2003":[446],"2007":[447],"2009":[448],"2016":[449],"2024":[450],"2025":[451],"2032":[452,453],"2042":[454],"2050":[455],"2060":[456],"2067":[457],"2071":[458],"2081":[459,460],"2082":[461],"2085":[462],"2110":[463],"2114":[464],"2121":[465,466],"2123":[467],"2133":[468],"2135":[469],"2138":[470,471],"2177":[472],"2188":[473],"2192":[474],"2219":[475],"2228":[476],"2254":[477,478],"2261":[479],"2266":[480],"2273":[481,482],"2285":[483],"2286":[484],"2287":[485],"2292":[486],"2293":[487,488],"2295":[489],"2300":[490],"2314":[491],"2330":[492],"2338":[493,494],"2349":[495],"2355":[496,497],"2361":[498],"2385":[499],"2389":[500],"2393":[501],"2397":[502],"2400":[503,504],"2408":[505],"2411":[506],"2414":[507],"2421":[508],"2430":[509],"2432":[510],"2444":[511,512],"2459":[513],"2469":[514],"2473":[515],"2475":[516],"2479":[517],"2499":[518],"2509":[519],"2510":[520],"2515":[521],"2519":[522],"2526":[523],"2544":[524],"2554":[525],"2591":[526],"2599":[527,528],"2600":[529],"2601":[530,531],"2602":[532],"2606":[533],"2607":[534],"2615":[535],"2637":[536],"2638":[537],"2671":[538],"2684":[539],"2688":[540],"2699":[541],"2703":[542],"2708":[543],"2720":[544,545],"2778":[546],"2807":[547],"2811":[548],"2821":[549],"2828":[550],"2840":[551],"2866":[552],"2869":[553],"2873":[554],"2874":[555],"2879":[556],"2884":[557,558,559],"2885":[560],"2888":[561,562],"2889":[563],"2905":[564,565,566],"2913":[567],"2925":[568],"2926":[569],"2931":[570],"2939":[571],"2962":[572],"2964":[573,574],"2976":[575],"3001":[576,577],"3009":[578,579],"3011":[580],"3026":[581],"3030":[582],"3032":[583],"3052":[584,585],"3086":[586],"3088":[587],"3098":[588],"3104":[589],"3116":[590],"3129":[591],"3132":[592,593],"3141":[594],"3154":[595],"3155":[596],"3156":[597],"3160":[598,599],"3164":[600,601],"3170":[602],"3184":[603],"3192":[604],"3202":[605,606],"3205":[607],"3234":[608,609],"3237":[610],"3252":[611],"3258":[612]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43,44,45,46,47,48,49,50,51,52,53,54,55,56,57,58,59,60,61,62,63,64,65,66,67,68,69,70,71,72,73,74,75,76,77,78,79,80,81,82,83,84,85,86,87,88,89,90,91,92,93,94,95,96,97,98,99,100,101,102,103,104,105,106,107,108,109,110,111,112,113,114,115,116,117,118,119,120,121,122,123,124,125,126,127,128,129,130,131,132,133,134,135,136,137,138,139,140,141,142,143,144,145,146,147,148,149,150,151,152,153,154,155,156,157,158,159,160,161,162,163,164,165,166,167,168,169,170,171,172,173,174,175,176,177,178,179,180,181,182,183,184,185,186,187,188,189,190,191,192,193,194,195,196,197,198,199,200,201,202,203,204,205,206,207,208,209,210,211,212,213,214,215,216,217,218,219,220,221,222,223,224,225,226,227,228,229,230,231,232,233,234,235,236,237,238,239,240,241,242,243,244,245,246,247,248,249,250,251,252,253,254,255,256,257,258,259,260,261,262,263,264,265,266,267,268,269,270,271,272,273,274,275,276,277,278,279,280,281,282,283,284,285,286,287,288,289,290,291,292,293,294,295,296,297,298,299,300,301,302,303,304,305,306,307,308,309,310,311,312,313,314,315,316,317,318,319,320,321,322,323,324,325,326,327,328,329,330,331,332,333,334,335,336,337,338,339,340,341,342,343,344,345,346,347,348,349,350,351,352,353,354,355,356,357,358,359,360,361,362,363,364,365,366,367,368,369,370]},"pages":[{"text":"دَولة الإمَارَات العَربية المتّحدة\nحُكومة دُبي\nسلسلة\nالدراسَات الأصولية\n\"١٧\"\nالإِبهَاجُ فِي شَرح المِنْهَاجِ\nشرح عَلَى مِنْهَاجِ الوُصُولِ إلى عِلمِ الأصُولِ لِلقاضِي\nالبَيْضَاويّ المُتَوَفى سنة ٦٨٥ هـ\nتَأليفُ\nشيخ الإسلام علي بن عبد الكافي السبكي المتوفى ٧٥٦ هـ\nوولده تاج الدّين عبد الوهاب بن علي السبكي المتوفى ٧٧١ هـ\nدرَاسَة وتحقيق\nالدكتور أحمد جمال الزَمزَمي\nالدكتور نُورُ الدين عَبد الجَبَار صَغِيري\nالجزء الأول\nدَار البحُوث للدِّراسَات الإسْلَاميّة وإحياء التّراث","vol":"1","page":1},{"text":"أصل هذا الكتاب\nرسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه\nمن جامعة أم القرى بمكة المكرمة","vol":"1","page":2},{"text":"الإِبهَاج فِي شَرح المِنهَاج","vol":"1","page":3},{"text":"حُقوق الطبع مَحفوظَة\nالطبعَة الأولى\n١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م\nدَار البحُوث لِلدرَاسَات الإسلاميَّة وَإحيَاء التّراث\nالإمَارات العربية المتحدة - دبي - هاتف: ٣٤٥٦٨٠٨، فاكس: ٣٤٥٣٢٩٩، ص. ب: ٢٥١٧١\nالموقع www.bhothdxb.org.ae البريد الإلكتروني irhdubai@bhothdxb.org.ae","vol":"1","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>الافتتاحية</span>\nنستفتح بالذي هو خير، حمدًا لله، وصلاةً وسلامًا على رسوله ﵌ وعلى عباده الذين اصطفى.\nوبعد:\nفيسر دار البحوث أن تقدم للباحثين والقراء هذا الكتاب \"الإبهاج في شرح المنهاج\" لتقي الدين وابنه تاج الدين السبكي في سلسلة الدراسات الأصولية ضمن سلسلة \"الدراسات الأصولية\" وتكمن أهميته في أنه تضافرت جهود الأب والابن على شرحه، فخرج في حلّة موشاة بمنهجين أصيلين في الدراسات الأصولية، ويمكن أن يصنف هذا الكتاب ضمن سلسلة الكتب التي تخصصت في تخريج الفروع على الأصول، فقد أكثر التاج السبكي من التفريعات على القواعد الأصولية، كما أن هذه الطبعة تميزت بإخراج النص إخراجًا قريبًا جدًا من نص المؤلف، وتميزت أيضًا بالتصحيح والتدقيق والتنقيح واعتمادها على نسخ خطية، كما ستعرفه في قسم الدراسة، فتميزت بذلك عن جميع النسخ المطبوعة.\nوهذا التقديم مقرون بالشكر والعرفان لأسرة \"آل مكتوم\" حفظها الله، التي ترعى العلم، وتشيِّد نهضته، وتحيي تراثه، وتؤازر قضايا العروبة والإسلام، وعلى رأسها صاحب السمو مكتوم بن راشد بن سعيد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي الذي أنشأ هذه الدار لتكون منار خير، ومنبر حق على درب العلم والمعرفة، تجدد ما","vol":"1","page":5},{"text":"اندثر من تراث هذه الأمة، وتبرز محاسن الإسلام، فيما سطره الأوائل وفيما يمتد من ثماره، مما تجود به القرائح، في شتى مجالات البحوث الإسلامية، والدراسات الجادة، التي تعالج قضايا العصر، وتؤصل أسس المعرفة، على مفاهيم الإسلام السمحة، عقيدةً وشريعةً، وآدابًا وأخلاقًا ومناهج حياة، مستلهمة الأدب القرآني في الدعوة إلى الله على بصيرة.\n﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].\nوكذلك مؤازرة سمو الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم نائب حاكم دبي ووزير المالية والصناعة، والفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع.\nسائلين الله العون والسداد، والهداية والتوفيق.\nولا يفوت الدار أن تشكر من أسهم في خدمة هذا العمل العلمي من العاملين بالدار وهما:\nمساعد باحث: الشيخ/ محمد سعد خلف الله الشحيمي الذي قام بإخراج وتنسيق الكتاب، ومراجعته وتدقيقه، وتصحيح التنضيد.\nمساعد باحث: الشيخ/ عمر محمد سيد عبد العزيز الذي قام بإعداد الفهارس العلمية والفنية للكتاب.\nونرجو من الله ﷾ أن يعين على السير على هذا الدرب، وأن يتواصل هذا العطاء من حسن إلى أحسن.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nدار البحوث","vol":"1","page":6},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>مقدمة المحققين</span>","vol":"1","page":7},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله رب العالمين حمد الشاكرين، نحمده على عظيم نعمائه، ونبرأ إليه من الحول والقوة ونخلص القول بأنه لا إله إلا الله شهادة الموحد المستبصر، غير المتوقف المتحير، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبده الأمين على وحيه، ورسوله الصادع بأمره ونهيه، المؤيد بجوامع الكلم، المبين للناس ما نزل إليهم بلسان عربي مبين، فيه المحكمُ، يعرفه السامعون، ومتشابه، لا يعقله إلا الراسخون، فصلي اللهم عليه وعلى آله المتبعين لسنته وأصحابه المنيبين لشريعته، وسلم تسليمًا كثيرًا.\nأما بعد:\nفإن من نعم الله أن وفقنا إلى طريق العلم ووجدنا من يشجعنا عليه، ثم إن العناية بكتب التراث لا سيما الشرعي منها، واجب منوط بالعلماء وطلاب العلم؛ إذ هم الفئة القادرة والمعنية بذلك.\nوإن حياة المسلمين المعاصرة ليست مقطوعة الجذور ولا مجهولة الأصول، لذلك فقد بات من الضروري، والمطلوب بإلحاح اليوم أكثر من أي وقت مضى الاهتمام بتراثنا المخطوط ونشره، خاصة ونحن في ظل","vol":"1","page":9},{"text":"العولمة الثقافية التى تريد أن تجتث ما بقي من تراث الأمم لتجعلها بلا ماض، همها بطونها وشهواتها، حياة بدون قيم ولا مبادئ. فالاهتمام بتراثنا الغاية منه وصل الماضي بالحاضر، وصلا منطقيًا ووجدانيًا في صورة متسقة منسجمة، نخضع بها تراثنا إلى تمحيص عميق بفكر لا يتعصب لقديم ولا يفتتن بجديد، يعتمد الرأي متى أثبته الدليل، ويتقبل الحكم متى لاحت بجانبه حكمة، وشهدت له الشريعة بالاعتبار، ويثق في الرواية متى سلمت من القدح والشذوذ والعلة.\nوبكلمة مختصرة ينبغي أن ننظر لتراثنا النظرة الواعية الثاقبة، البعيدة عن التحامل والهوى والتعصب.\nوبناء عليه فإنه ينبغي التنقيب عن المخطوطات الضرورية التي تكمل النقص الذي تعانيه المكتبة الإسلامية العربية. . .\nوإيمانا بهذا المنهج، وترسيخًا لهذا المبدأ، فقد أخذت الجامعات على عاتقها هذه المهمة، وتحملت هذه الأمانة، ممثلة في مجالسها العلمية عبر الأقسام والكليات. وعنيت بعلوم الشريعة ومنها علم أصول الفقه الذي نعتقد أن مباحثه تمثل قمة الفكر التى أنتجه وأبدعه العقل المسلم.\nفإحياء كتب الأصول هو إحياء لمنهج البحث الإسلامي الذي يُكَوِّنُ المنظومة العقلية لمنهجنا الفكري المتميز، والذي ينبغي أن يكون بديلًا عن المنطق اليوناني، وعن المنهج الغربي ذي الأصول الوثنية.\nفتراثنا الشرعي الضخم الذي خلفه علماؤنا السابقون جيلًا بعد جيل","vol":"1","page":10},{"text":"يحتاج منا إلى جهود متلاحقة ومتواصلة لحفظه وصيانته من العبث والتحريف.\nولذا كان القيام بتحقيق التراث هو عملية الصيانة لهذا التراث والمحافظة عليه جديدًا حيًا نقيًا، ولا يخفى على ذي لب أن دراسة علم تحقيق النصوص على الشكل الصحيح، لمن الأمور التى تساعد على تحقيق هذه المهمة.\nوهناك أمران لا بد من مراعاتهما - في جملة أمور مهمة - في هذه المهمة الخطيرة:\n١ - تعلم علم الخط العربي وأطواره عند العرب: إذ تعلم الخط وأطوار نشوئه لهو في غاية الأهمية لفهم النص وقراءته على الشكل الصحيح، بل ولتحديد زمن كتابة النسخة المخطوطة في أي مرحلة من المراحل.\nثم هناك أنواع من الخطوط من الخط المشرقي والمغربي وما يتفرع عن ذلك، فما لم يدرس هذا العلم دراسة وافية كيف يمكن قراءة النصوص القديمة على الشكل الصحيح ومن المحافظة عليها من غير تحريف ولا تبديل!\n٢ - التعرف على مصطلحات الأقدمين من النساخ والعلماء في كتاباتهم: وإن تعرف المحقق على مثل هذه المصطلحات لما يساعد على فهم تلك الرموز التي توجد في النسخ القديمة. وقد ضرب لذلك أمثلة الأستاذ المحقق عبد السلام هارون في كتابه الفذ تحقيق التراث.","vol":"1","page":11},{"text":"وقد وقع الاختيار على كتاب الإبهاج في شرح المنهاج لتقي الدين وابنه تاج الدين السبكي لما له من الأهمية، فهو من كتب الأصول المهمة، نظرًا لأن المنهاج من الكتب المعتمدة والمهمة في الفن، والشارحين إمامان في الفن، وباقي العلوم العقلية والنقلية. وبصفة مختصرة نعرف بالشارحين وبالكتاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>أما الشارحان فهما:</span>\nتقي الدين وابنه تاج الدين السبكي.\nفأما الوالد فهو تقي الدين علي بن عبد الكافي بن تمام السبكي الأنصاري الخزرجي أبو الحسن، تقي الدين: شيخ الإسلام في عصره، ولد في سبك من المنوفية بمصر وانتقل إلى القاهرة ثم إلى الشام، وولي قضاء الشام سنة ٧٣٩ هـ، واعتل فعاد إلى القاهرة، فتوفي فيها سنة ٧٥٦ هـ.\nوأما الابن فهو تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي ولد بالقاهرة المعمورة سنة سبع وعشرين وسبعمائة (٧٢٧ م) تلقى العلم كأبناء زمانه وفتح عينيه على بيت يموج بالمعرفة، ورأى وفود العلماء تنسل إلى مجلس أبيه، ينهلون عليه، فلا غرابة إذن أن يبدأ العلم مبكرًا، كان من أعظم رجال تلك الأسرة السبكية الذين ذاع صيتهم في دولة المماليك لامتيازهم في العلم وفي مناصب التدريس والقضاء، ورغم أنه لم يعش إلا نحو أربعة وأربعين عامًا، لكن حياته كانت ملأى بالإنتاج","vol":"1","page":12},{"text":"العلمي مما بوأه مقاعد القضاء والفتوى والتعليم. كان فقيها أصوليًا ومتكلمًا محدثًا بارعًا مؤرخًا. توفي ﵀ سنة ٧٧١ هـ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>وأما الكتاب فهو:</span>\nالإبهاج في شرح المنهاج للتقي السبكي وابنه التاج رحمهما الله، يعد من كتب الأصول المهمة، نظرًا لأن المنهاج من الكتب المعتمدة والمهمة في الفن، والشارحين إمامان في الفن وباقي العلوم العقلية والنقلية.\nويعد متن البيضاوي من المتون التى استوعبت جميع أبواب أصول الفقه الإسلامي المقارن على طريقة الجمهور وناهيك بالبيضاوي حفظا وإتقانًا وتحقيقًا للمسائل، فلا يقتحم شرح متنه، ولا تحدثه نفسه الولوج في أعماقه إلا ممن أنس في نفسه المقدرة على ذلك. والتقي والتاج جديران بهذا الوصف فقد شرحاه شرحًا يفوق كل وصف، من حيث الإتقان والعزو إلى المصادر وتفريع المسائل خاصة الفروع الشافعية، فعد بذلك مرجعًا للشافعية وغيرهم في علم تخريج الفروع على الأصول، فهو كتاب جدير بالتحقيق.\nوقد اعتمدنا في تحقيقه على أربع نسخ خطية: اثنتين منها قديمتين كتبتا في حياة المؤلف التاج السبكي ﵀، والثالثة متأخرة جدا كتبت في القرن الرابع عشر الهجري، والرابعة لم يكتب علمها تاريخ النسخ ولا من هو الناسخ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>ويشتمل عملنا في هذا الكتاب قسمين: قسم الدراسة وقسم التحقيق</span>","vol":"1","page":13},{"text":"كما سنعرفه في الخطة التالية.\n\nأولًا: قسم الدراسة، ويشتمل على جانبين:\nالجانب الأول: ترجمة المصنف والشارحين، وهو يتضمن بابين:\nالباب الأول في ترجمة الإمام البيضاوي.\nويحتوي هذا الباب على فصلين:\nالفصل الأول: التعريف بالمصنف، ويشتمل هذا الفصل على مبحثين:\nالمبحث الأول: في اسمه ونسبه، ومولده ووفاته.\nالمبحث الثاني: في نشأته، ورحلته وشيوخه، وتلاميذه.\nالفصل الثاني: حياته العلمية وآثاره ويشتمل على ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: ثقافته الواسعة، والعلوم التي برز فيها وفاق.\nالمبحث الثاني: تقلده منصب القضاء.\nالمجث الثالث: مؤلفاته العلمية.\nالباب الثاني: ترجمة الشارحين ويحتوي هذا الباب على ثلاثة فصول:\nالفصل الأول: بيان العصر الذي نشأ فيه الشارحان.\nويشتمل هذا الفصل على ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الحياة السياسية.\nالمبحث الثاني: الحياة الاجتماعية.","vol":"1","page":14},{"text":"المبحث الثالث: الحياة العلمية والدينية.\nالفصل الثاني: التعريف بالشيخ الإمام الحافظ تقي الدين السبكي. وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: اسمه ونسبه.\nالمبحث الثاني: ولادته ونشأته.\nالمبحث الثالث: طلبه للعلم وشيوخه.\nالمبحث الرابع: تلاميذه.\nالمبحث الخامس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.\nالمبحث السادس: قوته في المناظرة.\nالمبحث السابع: فصاحته وبلاغته.\nالمبحث الثامن: أخلاقه وعبادته.\nالمبحث التاسع: مصنفاته.\nالمبحث العاشر: وفاته والرؤى التى رئيت له.\nالمبحث الحادي عشر: مراثيه.\nالفصل الثالث: التعريف بالإمام الحافظ تاج الدين السبكي.\nويشتمل على المباحث الآتية:\nالمبحث الأول: اسمه ونسبه.\nالمبحث الثاني: ولادته ونشأته.\nالمبحث الثالث: طلبه للعلم وشيوخه.","vol":"1","page":15},{"text":"المبحث الرابع: تلاميذه.\nالمبحث الخامس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه.\nالمبحث السادس: مناصبه العلمية.\nالمبحث السابع: فصاحته وبلاغته.\nالمبحث الثامن: حفظه.\nالمبحث التاسع: أخلاقه وصفاته.\nالمبحث العاشر: محنته.\nالمبحث الحادي عشر: مصنفاته.\nالمبحث الثاني عشر: وفاته.\nالجانب الثاني: دراسة منهج الكتاب: ويتضمن المباحث الآتية.\nالمبحث الأول: توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفيه.\nالمبحث الثاني: الملاحظات العامة على كتاب الإبهاج.\nالمبحث الثالث: المنهج الذي اتبعه التاج في شرح الكتاب.\nالمبحث الرابع: مصادر الشارحين في الكتاب.\nالمبحث الخامس: بيان منهج المحققين في التحقيق.\nالمبحث السادس: وصف النسخ المعتمدة في التحقيق.\nالمبحث السابع: بيان المصطلحات التي استخدمها الشارح.","vol":"1","page":16},{"text":"القسم الأول\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>الدراسة</span>","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>الجانب الأول\nترجمة المصنف\nوالشارحين</span>","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>الباب الأول\nترجمة المصنف\n[البيضاوي]</span>","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفصل الأول\nالتعريف بالمصنف</span>","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الأول: اسمه ونسبه، ومولده ووفاته </span>(¬<span data-type=\"title\" id=toc-13>١)\n١ - اسمه ونسبه:</span>\nهو الكريم قاضي القضاة ابن الكريم إمام الملة والدين ابن الكريم قاضي القضاة ابن الإمام صدر الدين:\nعبد الله بن عمر بن محمد بن علي، أبو الخير، ناصر الدين، البيضاويُّ مولدًا، الشيرازيُّ نشأة، التِّبْريزيُّ وفاةً، الشافعيُّ مذهبًا، الأشعريُّ عقيدة.\nالقاضي، الفقيه، المفسِّر، الأصولي، النحوي، المتكلم، المؤرخ، الملقَّب بناصر الدين، والمُكْنى بأبي الخير.\n_________\n(^١) انظر هذا المبحث في: الطبقات الكبرى ٨/ ١٥٧، البداية والنهاية ١٣/ ٣٢٧، طبقات الإسنوي ١/ ١٣٦، طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٧٢، بغية الوعاة ٢/ ٥٠، طبقات المفسرين ١/ ٢٤٢، شذرات ٥/ ٣٩٢، ذيل طبقات الفقهاء الشافعيين للعبادي ٣/ ٩٤، الفتح المبين ٢/ ٨٨، القاضي ناصر الدين البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٣٨ - ١٣٩، مقدمة محقِّق الغاية القصوى في دراية الفتوى ١/ ٥١.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>٢ - ولادته ووفاته:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>أولًا - ولادته:</span>\nولد القاضي ناصر الدين البيضاوي في بلدة البيضاء (^١) التابعة لمدينة شيراز ببلاد فارس، واشتهر بالنسبة إليها، كما عُرف بالشيرازيِّ نسبة إلى شيراز (^٢) حيث كانت نشأته بها، وعُرِف أيضًا بالتِّبْريزيِّ نسبة إلى تِبْريز (^٣) حيث كانت وفاته بها.\nيقول الدكتور جلال الدين عبد الرحمن: \"ولم يُشِر أحدٌ من المؤرخين - الذين كتبوا سيرته وترجموا له - إلى تاريخ ولادته، ولعل السبب في ذلك هو ما أصاب الناس من الحروب التي اجتاحت هذه\n_________\n(^١) البيضاء: مدينة مشهورة بفارس. قال الإصطخري: البيضاء أكبر مدينة في إصطخر، وإنما سميت البيضاء لأن لها قلعة تبين من بُعد، ويُرى بياضها. وينسب إليها جماعة من العلماء. اهـ.\nانظر: معجم البلدان ١/ ٥٢٩.\n(^٢) شيراز: بكسر الشين، بلد عظيم مشهور، وهي قَصَبة - أي: وسط - بلاد فارس في الإقليم الثالث، وبها جماعة من التابعين مدفونون، وذمها البعض بضيق دروبها. وقد نسب إلى شيراز جماعة كثيرة من العلماء في كل فن، منهم أبو إسحاق الشيرازي وغيره.\nانظر: معجم البلدان ٣/ ٣٨٠ - ٣٨١.\n(^٣) تِبْريز: بكسر التاء، وسكون الباء، وكسر الراء، وياء ساكنة، وزاي. وهي أشهر مدن أذربيجان، وهي مدينة عامرة حسناء، ذات أسوار محكمة بالآجر والجص، وقد خرج منها جماعة وافرة من أهل العلم، منهم إمام أهل الأدب أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التِّبْريزي.\nانظر معجم البلدان ٢/ ١٣.","vol":"1","page":25},{"text":"المناطق في النصف الأول لهذا القرن (^١)، وهو الوقت الذي كانت ولادته فيه. وما توصلنا إليه بعد الدراسة والبحث هو أن ولادته في البيضاء كانت أوائل القرن السابع الهجري - الثالث عشر الميلادي - أو قبله بيسير.\nفقد رحل أبوه بأسرته من البيضاء إلى شيراز في أوائل القرن، وكانت شيراز حينذاك عاصمة بلاد فارس، يحكمها الأتابك أبو بكر بن سعد بن زنكي بن مودود، الذي حكم فارس من سنة (٦٢٣ هـ - ١٢٢٦ م) إلى سنة (٦٥٨ هـ - ١٢٩٣ م)، وكانت تتسم بالأمان والاستقرار، فقد رأى الأتابك أبو بكر أن من الحكمة أن لا يقف في سبيل التتار، فأرسل إليهم الهدايا الثمينة، والإتاوات، ودخل في طاعتهم، فلم يتعرضوا له بسوء (^٢)، فكانت شيراز ملجأً للعلماء الذين فروا من وحشية التتار باحثين عن الاستقرار، والبعد عن حياةٍ مليئةٍ بالخوف والقلق، فكانوا يجدون في شيراز البسطة في الرزق، والأمان في الحياة. ويُروى أنه كان لوالده عمر بن محمد منزلةٌ كبيرة عند الأتابك أبي بكر بن سعد، فجعله قاضي قضاة شيراز، مما حَبَّب إليه الإقامة بها.\nوإذا كان المؤرخون يُجمعون على أنه ولد في البيضاء - فلا بد أن لَكون ولادته قبل رحيل والده وأسرته إلى شيراز\" (^٣).\n_________\n(^١) أي: القرن السابع، والحروب هى حروب التتر.\n(^٢) انظر: تاريخ الإسلام للدكتور حسن إبراهيم ٤/ ٩٤.\n(^٣) انظر: القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٣٧.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>ثانيًا - وفاته:</span>\nاختلف المؤرخون في تاريخ وفاة القاضي ناصر الدين البيضاوي، لكن الذي ذكره الأكثرون أنه توفي سنة خمسٍ وثمانين وستمائة.\nقال الدكتور علي محيي الدين القره داغي: \"الذين قالوا: إن وفاته كانت في سنة (٦٨٥ هـ) أكثر من عشرين مؤرخًا ومترجمًا، على رأسهم صلاح الصفدي (^١) الذي عاش بين سنة (٦٩٦ - ٧٦٤ هـ) في كتابه الوافي بالوفيات (^٢)، وابن كثير المتوفى في سنة (٧٧٤ هـ) في البداية والنهاية (^٣). . .\" (^٤).\nوذهب ابن السبكي (^٥)، والإسنوي (^٦)، وغيرهما (^٧): إلى أن وفاته\n_________\n(^١) هو خليل بن أيبك بن عبد الله الصفدي، صلاح الدين. أديب، مؤرخ، كثير التصانيف المتعة. ولد بصفد بفلسطين سنة ٦٩٦ هـ. سمع الكثير، من مؤلفاته: شرح لامية العجم، وجر الذيل في وصف الخيل، وغيرهما. توفي ﵀ سنة ٧٦٤ هـ.\nانظر المعجم المختص للذهبي ص ٩١، البداية والنهاية ١٤/ ٣١٨، الدرر ٢/ ٨٧، شذرات ٦/ ٢٠٠.\n(^٢) انظر: الوافي بالوفيات ١٧/ ٣٧٩.\n(^٣) انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٣٢٧.\n(^٤) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى في دراية الفتوى ١/ ٥٧.\n(^٥) في طبقاته الوسطى. انظر كلام محقِّق الطبقات الكبرى ٨/ ١٥٧.\n(^٦) هو عبد الرحيم بن الحسن بن علي جمال الدين، أبو محمد، القرشي، الأُموي، الإسنوي، المصري، الشافعي، الإمام، العلامة، الفقيه، الأصولي، النحوي. ولد بإسنا سنة ٧٠٤ هـ. اهـ صنف التصانيف المفيدة النافعة، منها: الكوكب الدري، وطبقات الشافعية، ونهاية السول في شرح منهاج الوصول، وغيرها. توفي سنة ٧٧٢ هـ.\n(^٧) انظر طبقات الشافعية للإسنوي ١/ ١٣٦، طبقات ابن شهبة ٢/ ١٧٢، بغية الوعاة ٢/ ٥١، طبقات المفسرين للداودي ١/ ٢٤٣. انظر: الدرر ٢/ ٣٥٥، طبقات =","vol":"1","page":27},{"text":"كانت في سنة إحدى وتسعين وستمائة.\nوقد رجَّح الدكتور جلال الدين عبد الرحمن أنه توفي سنة ٦٨٥ هـ، لأن هذا رواية الحافظ الدِّهلي (^١) الثقة الذي كان معاصرًا للقاضي البيضاوي، وقد اعتمدها الصلاح الصفدي المؤرخ الكبير، والمتثبت في روايته، وقد اقتصر عليها، ولم يشر إلى غيرها، فضلًا عن اعتماد أكثر المؤرخين لها (^٢).\nوقد أجمع المتقدمون والمتأخرون من المؤرخين له: على أن وفاته كانت في مدينة تبريز.\nوذكر ابن كثير: أن القاضي ناصر الدين البيضاوي أوصى إلى القطب الشيرازي (^٣) أن يدفن بجانبه بتبريز (^٤).\n_________\n= ابن قاضي شهبة ٣/ ٩٨، شذرات ٦/ ٢٢٣، الفتح المبين ٢/ ١٨٦.\n(^١) هو سعيد بن عبد الله الدهلي - بكسر الدال المهملة، وسكون الهاء - البغدادي، أبو الخير، نجم الدين. ولد سنة ٧١٢ هـ، ورحل إلى دمشق ومصر والإسكندرية في طلب الحديث، وكتب الكثير، وأتقن الفن، وتعب كثيرًا. مات بالطاعون في خامس عشر ذىِ القعدة سنة ٧٤٩ هـ، وله ٣٧ سنة. انظر: الدرر ٢/ ١٣٤.\n(^٢) انظر: القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٦٩ - ١٧٠.\n(^٣) هو محمود بن مسعود بن مصلح الفارسي، قطب الدين الشيرازي، الشافعي، العلامة الكبير. ولد بشيراز سنة ٦٣٤ هـ، وأخذ عن أبيه وعمه وغيرهما في علم الطب، ثم رتب طبيبًا بالمرستان وهو شاب، ثم سافر إلى نصير الدين الطوسي فقرأ عليه الهيئة، وبحث عليه في الإشارات وبرع، ثم سكن تبريز وأقرأ بها العلوم العقلية. ومن تصانيفه: شرح مختصر ابن الحاجب، وشرح المفتاح للسكاكي، وشرح الكليات لابن سينا، وغيرها. مات في رمضان سنة ٧١٠ هـ.\nانظر: الدرر ٤/ ٣٣٩، البدر ٢/ ٢٩٩.\n(^٤) انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٣٢٧.","vol":"1","page":28},{"text":"قال الدكتور جلال الدين حفظه الله: \"وجاء في ترجمة القطب الشيرازي: أنه أوصى أن يُدفن إلي جانب القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي. فأوصى كلٌ منهما بأن يُدفن إلى جانب صاحبه؛ لما كان بينهما من المودة\" (^١).\n_________\n(^١) انظر: القاضي البيضاوي ص ١٧١، وهو نقلًا عن منتخب المختار للسلمي ص ٢٢٨.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>المبحث الثاني: في نشأته، ورحلاته، وشيوخه، وتلامذته</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>١ - نشأته:</span>\nنشأ القاضي ناصر الدين البيضاوي أول حياته في البيضاء، ثم رحل إلى شيراز، وهي حينذاك عاصمة بلاد فارس، ومقر حكم الأتابك أبي بكر بن سعد، وكانت ملجأ الأدباء والعلماء والشعراء الفارين من وجه المغول، وكان الأتابك أبو بكر يرحب بكل من يلجأ إليه، ويوسع عليهم في الرزق.\nيقول الدكتور جلال الدين: \"عاش صاحبنا في كنف أسرته - حياته الأولى - في البيضاء، ثم في شيراز، وقد اشتغل منذ الصغر بطلب علوم الأدب والعربية، والفقه وأصوله، والتفسير والحديث، والكلام والمنطق، والتاريخ على أعظم أئمة مصره، وعلماء عصره، كما تلقن عن أبيه العلوم والفنون المتنوعة\" (^١)، \"وتخرج في الفقه والأصول، والأدب، والمنطق، والحكمة على الأسلوب الأعجمي، الذي يجمع بين العلوم المختلفة بالترقي\n_________\n(^١) انظر: القاضي البيضاوي ص ١٣٨.","vol":"1","page":30},{"text":"في درجاتها المتقابلة، وتحقيق بعضها ببعض تحقيقًا يهدف إلى تكوين الملكة العامة، المتصرفة بالتحصيل والتحليل، والاستنتاج والبحث في العلوم على نسبة واحدة (^١)، وتحرير قوالبها التعبيرية على منهج مُتَّحد، وأسلوب مُطَّرِد\" (^٢).\nوقد عاش البيضاوي في شيراز أكثر حياته حتى تولى منصب قاضي قضاتها، ثم صُرف عنه، فرحل إلى تبريز حيث كانت وفاته بها.\nولم يذكر أحد من المؤرخين - فيما نعلم - شيئًا عن أسرة القاضي ناصر الدين البيضاوي، فقد ظل ذلك أمرًا بعيدًا عن التاريخ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>٢ - رحلاته:</span>\nيقول الدكتور علي محيي الدين حفظه الله: \"نتيجة للغزو المغولي الدموي على البلاد الإسلامية، وإيقاع الدمار والخراب بها، مع أن شيراز كانت بمأمن من هذه الويلات - أصبح العلماء يقصدونها من كل فج عميق، وكان حاكمها الأتابك يشجع على العلم والعلماء، مما أدى إلى قيام نهضة علمية متطورة في شيراز وأنحائها، فاجتمع فيها كبار العلماء الذين أتوا من مختلف الأقطار الإسلامية؛ لذلك لم يحتج الإمام البيضاوي إلى رحلات علمية يقوم بها لأجل تحصيل العلم، إذ كبار العلماء قد أصبحوا\n_________\n(^١) أي: يحصل التحصيل والتحليل والاستنتاج والبحث في العلوم في آنٍ واحد غير متفاوت، فهو يحصِّل وفي الوقت نفسه يحلِّل ويستنتج.\n(^٢) انظر: التفسير ورجاله، لابن عاشور ص ٩٨.\n(^٣) انظر: القاضي البيضاوي ص ١٣٩، مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٥٨.","vol":"1","page":31},{"text":"في بلده، ولهذا لم نعثر في كتب الطبقات والتراجم النصَّ على أكثر من رحلتين له\" (^١).\nأما رحلته الأولى: فكانت من البيضاء إلى شيراز، حيث رحل أبوه بأسرته فارًا من جحافل التتار.\nأما رحلته الثانية: فهي من شيراز إلى تبريز عاصمة الإيلخانيين الذين أسلموا من المغول، واتخذوا تبريز عاصمة لهم، ولم نعثر في بطون كتب التراجم والطبقات على تاريخ لهذه الرحلة، لكنها كانت بعد أن تولى القضاء بشيراز (^٢). وقد رجح الدكتور جلال الدين - حفظه الله - أن رحلته إلى تبريز كانت سنة ٦٨١ هـ، وذكر أدلة على ذلك (^٣).\nوالظاهر أن البيضاوي - ﵀ - قد دخل تبريز قبل أن يرحل إليها ويستقر بها في آخر حياته، وذلك أن الإمام البيضاوي قد زار تبريز طلبًا في قضاء شيراز، فأعطي ذلك، ثم عاد قاضيًا على شيراز، ثم عزل بعد ذلك كما سيأتي، ثم رجع إلى تبريز وقضى فيها بقية عمره المبارك في الزهد والعبادة والتدريس والتأليف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٣ - شيوخه:</span>\nنهل البيضاوي أول ما نهل من منهل والده العذب، لكن ذلك لا يعني أنه لم يأخذ من غيره، لا سيما وشيراز آنذاك تموج بعلماءٍ أعلام من كل\n_________\n(^١) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٥٩.\n(^٢) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٥٩.\n(^٣) انظرها في: القاضي البيضاوي ص ١٤٢ - ١٤٣.","vol":"1","page":32},{"text":"الأقطار، فمن المستبعد جدًا لعالم مثله فاق الأقران، وبزَّ أهل الزمان أن يكتفي بشيخ أو شيخين، بل لا بد أن يكون مكثرًا من الشيوخ، متتبعًا لهم ولو في الكهوف، ولكن الظاهر والله أعلم أن محن ذلك الزمان وتقلباته، وحروبه الطاحنة شغلت العلماء عن رصد مثل ذلك.\nوالذين نعرف أسماءهم من شيوخه هما: والده، والشيخ الكتحتائي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>أولًا: والده، وصورة من إجازته العلمية:</span>\nهو الإمام عمر بن قاضي القضاة السعيد فخر الدين محمد. وتلمذته على والده مما لا شك فيها، حيث يذكر البيضاوي في مقدمة \"الغاية القصوى\" أنه أخذ العلوم عن والده فيقول:\n\"إذا عرفت ذلك فاعلم أني أخذت الفقه عن والدي مولى الموالي، الصدرِ العالي، وليِّ الله الوالي، قدوةِ الخلف، وبقيةِ السلف، إمام الملة والدين، أبي القاسم عمر قَدَّس الله روحه، وهو عن والده قاضي القضاة السعيد فخر الدين محمد بن الإمام الماضي صدر الدين أبي الحسن علي البيضاوي قدس الله أرواحهم\" ثم ذكر تتمة السند إلى الإمام الشافعي - ﵁ -، ومنه إلى رسول الله - ﷺ - (^١).\nولم تذكر لنا كتب التراجم سيرة والده، ولا تاريخ ولادته ووفاته، والمعروف عنه أنه كان من المقربين للأتابك أبي بكر بن سعد، سلطان بلاد فارس آنذاك (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الغاية القصوى ١/ ١٨٤ - ١٨٨.\n(^٢) انظر: دائرة المعارف الإسلامية لبروكلمان ٤٥/ ٤١٨.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>ثانيًا - الشيخ محمد الكتحتائي:</span>\nهو العارف بالله ولي الله الوالي الشيخ محمد بن محمد الكتحتائي، لا يُعرف تاريخ ولادته ووفاته، وكل ما يُعرف عنه هو أنه كان أحد المقربين للسلطان المغولي أحمد أغا بن هولاكو (^١) الذي أسلم وحسن إسلامه، وكان يأتي الشيخ محمد الكتحتائي في ليالي الجمعات المباركات بقصد الزيارة وذكر الله تعالى.\nوقد ذكرت كتب التراجم قصة استشفاع البيضاوي بهذا الشيخ عند السلطان ليوليه قضاء شيراز، ولكن البيضاوي تأثر من كلام الشيخ، فترك القضاء وأقبل على ملازمة الشيخ وخدمته ليستفيد من تقواه وزهده، وليتخلق بأخلاقه، وقد صنف تفسيره بإشارة شيخه هذا (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>٤ - تلامذته:</span>\nلم يحفظ لنا التاريخ إلا القليل من تلامذة البيضاوي رحمهم الله تعالى جميعًا، وهذا يدل على الغموض الذي اتسمت به هذه الفترة نتيجة لما أصاب الأمة من نكبة التتر التى تربو عن الوصف، وتفوق التخيل. وإمام كالبيضاوي، وعالم فَذٌّ مثله لا بد وأن يتكاثر عليه طلاب العلم، وعشاق الفهم، ولا أدلَّ على ذلك من كتبه التى تركها وخلَّفها كيف تكاثر على شرحها والتعليق عليها العلماء، وأصبحت مرجعًا لمن بعده من الفضلاء،\n_________\n(^١) تقلد السلطنة أول سنة ٦٨١ هـ، وقتله ابن أخيه أوغون بن أبغا بعد مدة يسيرة من حكمه، أي: في سنة ٦٨٢ هـ. انظر: المختصر من أخبار البشر ٤/ ١٦.\n(^٢) روضات الجنات ٥/ ١٣٤، كشف الظنون ١/ ١٨٧.","vol":"1","page":34},{"text":"هذا من أوضح الأدلة على مكانته العلمية في زمانه، وشهرته بين أهله بذلك، كيف وهو قاضي القضاة، الفقيه الأصولي المتكلم المفسِّر! فمثله في تلك الأزمنة التي تقدر العلم قدره، وتنزل العالم منزلته لا بد وأن يكون طلابه كثر، ومريدوه وُفُر. والذين نعرفهم من طلابه أربعة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>(أ) الشيخ كمال الدين المراغي:</span>\nهو عمر بن الياس بن يونس المراغي أبو القاسم الصوفي، كمال الدين. ولد بأذربيجان سنة (٦٤٣ هـ)، وقدم دمشق سنة (٧٢٩ هـ) وهو ابن نيف وثمانين سنة، وجاور قبل ذلك بالقدس ثلاثين سنة، وأقام قبلها بمصر خمس عشرة سنة (^١). قال الذهبي في معجمه: \"كان شيخًا حسنًا صالحًا خيرًا له حظ من الاشتغال قديمًا وحديثًا\" (^٢).\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر نقلًا عن البدر النابلسي (^٣) قال: \"وسمع على القاضي ناصر الدين البيضاوي: المنهاج، والغاية القصوى، والطوالع\" (^٤).\nوذكر تلمذته على البيضاوي الخوانساري حيث قال: \"وأما طريقنا\n_________\n(^١) انظر: الدرر ٣/ ١٥٦.\n(^٢) انظر الدرر ٣/ ١٥٦.\n(^٣) هو القدوة الحسن بن محمد بن صالح القرشي المطلبي، بدر الدين النابلسي الحنبلي. ولد في أول القرن، واشتغل بالعلوم، ودَرَّس للحنابلة بمدرسة أم الأشرف بالتبانة. من مصنفاته: البرق الوميض في ثواب العيادة والمريض، وشمعة الأبرار ونزهة الأبصار، ومعجم شيوخ. توفي سنة ٧٧٢ هـ. انظر: الدرر ٢/ ٣٦، شذرات ٦/ ٢٢٣.\n(^٤) انظر: الدرر ٣/ ١٥٦.","vol":"1","page":35},{"text":"إلى مصنفات الرجل (أي: البيضاوي) ومروياته - فإنما نرويها بأسانيدها المعتبرة عن شيخنا البهاتي ﵀. . . عن أبي الفضل بن حجر العسقلاني عن الميداني، عن عمر بن الياس المراغي عن القاضي ناصر الدين المذكور\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>(ب) الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الأصفهاني:</span>\nقال الدكتور علي محيي الدين حفظه الله تعالى: \"ذكر ذلك العلامة أحمد بن عبد الرحمن الموصلي في إجازته للشيخ عماد الدين الأمهري حيث قال: والطريق الثاني أنني قرأت قراءة بحث على الشيخ الإمام العالم الكامل المحقِّق المدقِّق شمس الدين محمود الأصفهاني (^٢)، وهو بحثه عن والده القيم ابن أحمد، ووالده (^٣) على مصنفه القاضي ناصر الدين\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>(جـ) فخر الدين الجاربردي:</span>\nأحمد بن الحسن بن يوسف الجاربردي، الإمام فخر الدين، نزيل تِبريز.\n_________\n(^١) انظر: روضات الجنات ٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦.\n(^٢) محمود بن عبد الرحمن بن أحمد الأصفهاني، الملقب بشمس الدين، المكنى بأبي الثناء، الفقيه، الشافعي، الأصولي، النحوي، الأديب، المنطقي، الكاتب البارع. ولد بأصفهان سنة ٦٧٤ هـ، ونشأ بها، وقرأ على والده، وعلى جمال الدين بن أبي الرجاء وغيرهما. له مصنفات كثيرة، منها: تشييد القواعد في شرح تجريد العقائد، وشرح كافية ابن الحاجب، وشرح منهاج البيضاوي في الأصول، وغيرها. توفي ﵀ بالقاهرة سنة ٧٤٩ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٨٣، طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ٧١، الدرر ٤/ ٣٢٧، الأعلام ٧/ ١٧٦.\n(^٣) أي: عبد الرحمن بن أحمد. فالضمير يعود على محمود، ﵏ جميعًا.\n(^٤) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٦٧.","vol":"1","page":36},{"text":"تفقه على مذهب الشافعي، وفاق في العلوم العقلية (^١).\nقال ابن السبكي رحمه الله تعالى: \"كان فاضلًا ديِّنًا متفنِّنًا، مواظبًا على الشغل بالعلم وإفادة الطلبة. شرح \"منهاج\" البيضاوي في أصول الفقه، \"وتصريف\" ابن الحاجب، وقطعة من \"الحاوي\"، وله على \"الكشاف\" حواشٍ مفيدة، وقد أقرأه مراتٍ عديدة، بلغنا أنه اجتمع بالقاضي ناصر الدين البيضاوي وأخذ عنه، تُوفي بتبريز في شهر رمضان سنة ست وأربعين وسبعمائة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>(د) زين الدين الهنكي:</span>\nذكر الإمام ابن السبكي، والحافظ ابن حجر، وطاش كبري زاده عند ترجمتهم للقاضي عضد الدين الإيجي (^٣): أنه تتلمذ على الشيخ زين الدين الهنكي تلميذ القاضي ناصر الدين البيضاوي. ولفظ \"الهنكي\" بالنون عند ابن السبكي وابن حجر، وبالباء الموحدة عند صاحب مفتاح السعادة، ولعلها تصحفت عن النون؛ إذ الأولان حافظان محققان (^٤). ولم نعثر على ترجمة الشيخ زين الدين الهنكي.\n_________\n(^١) انظر: الدرر ١/ ١٢٣ - ١٢٤.\n(^٢) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٨ - ٩. وانظر ترجمته في: شذرات ٦/ ١٤٨، البدر ١/ ٤٧، الفتح المبين ٢/ ١٥٢.\n(^٣) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار، القاضي عضد الدين الإيجي. ولد بإيج من نواحي شيراز بعد سنة ثمانين وستمائة، وأخذ عن مشايخ عصره، وكان إمامًا في المعقول قائمًا بالأصول والمعاني والعربية، مشاركًا في الفنون. من مؤلفاته: شرح مختصر ابن الحاجب، والمواقف في علم الكلام، وغيرهما. جرت له محنة فمات مسجونًا في سنة ٧٥٦ هـ. انظر الدرر ٢/ ٣٢٢، الطبقات الكبرى ١٠/ ٤٦.\n(^٤) انظر: مفتاح السعادة ١/ ٢١١، والمرجعين السابقين.","vol":"1","page":37},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الفصل الثاني\nحياته العلمية وآثاره</span>","vol":"1","page":39},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المبحث الأول: ثقافته الواسعة والعلوم التي برز فيها</span>\nقال ابن حبيب الدمشقي (^١): \"عالم نما زرع فضله ونَجَم، وحاكمٌ عظمت بوجوده بلاد العجم، برع في الفقه والأصول، وجمع بين المعقول والمنقول، تكلم كل من الأئمة بالثناء على مصنفاته وفاه، ولو لم يكن له غير \"المنهاج\" الوجيزِ لفظُه المحررِ لكفاه\" (^٢).\nوقال السيوطي ﵀: \"كان إمامًا علامة، عارفًا بالفقه والتفسير والأصلين والعربية والمنطق، نَظَّارًا، صالحًا، متعبدًا، شافعيًا\" (^٣).\nوقال الإسنوي ﵀: \"كان المذكور عالمًا بعلوم كثيرة، صالحًا خيِّرًا، صنف التصانيف المذكورة في أنواع العلوم\" (^٤).\nوقال ابن السبكي ﵀: \"كان إمامًا مُبَرِّزًا، نَظَّارًا، صالحًا،\n_________\n(^١) الحسن بن عمر بن الحسن بن حبيب بن عمر، المسند الأديب، المنشئ المؤرخ، بدر الدين ابن المحدث زين الدين. مولده في شعبان سنة عشر وسبعمائة. سمع من جماعة وأخذ الأدب عن ابن نباتة وغيره. من مؤلفاته تاريخ اسمه: \"درة الأسلاك في دولة الأتراك\". توفي بحلب في ربيع الآخر سنة ٧٧٩ هـ. انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ٨٨، الدرر ٢/ ٢٩، البدر ١/ ٢٠٥.\n(^٢) انظرة طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٧٢.\n(^٣) انظر: بغية الوعاة ٢/ ٥٠، وكذا قال الداودي في طبقات المفسرين ١/ ٢٤٢، والصفدي نقله عنه الخوانسارى في روضات الجنات.\n(^٤) انظر: طبقات الإسنوي ١/ ١٣٦.","vol":"1","page":40},{"text":"متعبِّدًا، زاهدًا\" (^١) وسألقي بعض الضوء على علوم البيضاوي التي بَرَّز فيها وبَزّ، وألَّفَ فيها وفَذّ:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>البيضاوي الأصولي:</span>\nيقول الدكتور جلال الدين عبد الرحمن حفظه الله: \"درج القاضي ناصر الدين البيضاوي كأصولي على نهج الإمام فخر الدين الرازي، وتاج الدين الأرموي (^٢) وصنف على طريقتهما، وفي ظل تأليفهما جاءت تآليفه المشهورة في أصول الفقه، فشرح كلًا من \"المحصول\"، و\"المنتخب\" للإمام الرازي، وصنف كتابه \"منهاج الوصول إلى علم الأصول\" من كتابي \"الحاصل\" و\"المحصول\"، فكانا العمدة في اعتماده، والقدوة لآرائه وطريقته. كما شرح مختصر ابن الحاجب (^٣) الذي أعجبته طريقة الآمدي\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ١٥٧.\n(^٢) هو محمد بن الحسين أو الحسن بن عبد الله، تاج الدين أبو الفضل الأُرْموي - بضم الهمزة وسكون الراء - نسبة إلى أرْمِيَة، مدينة عظيمة بأذربيجان. قيل: إنه ولد في سنة ٥٧٣ هـ، وتتلمذ على الإمام الرازي وهو من أكبر تلامذته. كان بارعًا في العقليات، عريض النعمة واسع الجاه، وفيه تواضع. من مؤلفاته: الحاصل من المحصول. توفي سنة ٦٥٣ هـ، وقيل: ٦٥٥ هـ، وقيل: ٦٥٦ هـ. انظر: مقدمة محقق كتاب الحاصل ١/ ٥٨ - ٦٠، ٥٦، ٨٥، ٩٧ - ٩٨، طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٢٠، طبقات الإسنوي ١/ ٢١٦، كشف الظنون ٢/ ١٦١٥، هدية العارفين ٦/ ١٢٦.\n(^٣) هو جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عصر بن أبي بكر بن يونس، المشهور بابن الحاجب، الفقيه المالكي. ولد بإسنا - وهي بليدة صغيرة بالصعيد الأعلى من مصر - ثم انتقل به والده إلى القاهرة. كان ﵀ إمامًا فاضلًا فقيهًا أصوليًا متكلمًا نظَّارًا متبحرًا محققًا أديبًا شاعرًا. أخذ عنه كثير من العلماء منهم شهاب الدين القرافي وغيره. وقد صنف تصانيف غاية في التحقيق والإجادة منها: الكافية في النحو، =","vol":"1","page":41},{"text":"في مصنفه \"الإحكام في أصول الأحكام\" فتتبعها في كتابيه: \"المنتهى\"، و\"المختصر\"، إلا أن صاحبنا لم يتأثر بها.\nوقد اتخذ القاضي ناصر الدين البيضاوي طريقة الإمام التى اكتمل بها أصول الفقه، والتي جمع فيها بين طريقة الأشاعرة وطريقة المعتزلة، وأفرغ فيها الكتب المعتمدة الأربعة: \"العهد\"، و\"المعتمد\"، و\"البرهان\"، و\"المستصفى\"، وقد شُغف بها كل مَنْ جاء بعد الإمام الرازي، واتخذها القاضي ناصر الدين البيضاوي منهجًا له، فسار على غرارها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>البيضاوي الفقيه:</span>\nأخذ البيضاوي الفقه عن والده، وقد أوردنا فيما سبق سنده في الفقه إلى رسول الله ﵌. وقد اختصر البيضاوي كتاب \"الوسيط\" للإمام الغزالي - ﵀ - في كتابه \"الغاية القصوى في دراية الفتوى\". يقول الدكتور علي محيي الدين حفظه الله: \"كتاب \"الغاية القصوى\" فيه الدلالة القصوى على مدى تمكنه من الاستنباط والترجيح، وما يتحلى به من قوة الأسلوب وجمال الرد\" (^٢).\n_________\n= والمقصد الجليل في العروض، ومنتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل، وغيرها. توفي ﵀ سنة ٦٤٦ هـ بالإسكندرية.\nانظر: الديباج ٢/ ٨٦، وفيات ٣/ ٢٤٨، الفتح المبين ٢/ ٦٥.\n(^١) انظر: القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٥٩.\nوانظر أيضًا: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٧٨ - ٨١.\n(^٢) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٨١.","vol":"1","page":42},{"text":"وقد شرح البيضاوي كتاب \"التنبيه\" لأبي إسحاق الشيرازي (^١) ﵀، في أربعة مجلدات، لكنه مفقود (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>البيضاوي المتكلم:</span>\nيقول الدكتور جلال الدين عبد الرحمن: \"كما درج القاضي ناصر الدين البيضاوي على طريقة الإمام الرازي، وتاج الدين الأُرْموي - في أصول الفقه درج أيضًا على طريقتهما في أصول الدين، وصنف كتبه المشهورة: \"طوالع الأنوار من مطالع الأنظار\"، و\"الإيضاح\"، و\"مصباح الأرواح\"، و\"منتهى المنى في شرح أسماء الله الحسنى\" - على طريقة الأُرْموي، وطريقة الرازي الذي يُعتبر إمامًا في المعقولات\" (^٣).\nوالذي عُثر عليه من هذه الكتب الأربعة هو \"طوالع الأنوار\"، كما يقول الدكتور علي محيي الدين (^٤)، و\"الطوالع\" مختصر في علم الكلام يقول الإمام ابن السبكي في حقه: \"أما الطوالع فهو عندي أجل مختصر\n_________\n(^١) هو الشيخ الإمام المجتهد أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي الشيرازي الشافعي، نزيل بغداد الملقب بجمال الدين. ولد بفيروز أباد - بلدة قريبة من شيراز - سنة ٣٩٣ هـ. تتلمذ على أبي بكر البرقاني وأبي الطيب الطبري وغيرهما، وكان وحيد عصره، وفريد دهره، ومستجاب الدعوة. من مصنفاته العظيمة: \"المهذب في المذهب\"، \"اللمع\"، و\"شرحها\" في أصول الفقه، \"التبصرة\"، وغيرها. توفي سنة ٤٧٦ هـ. انظر: سير ١٨/ ٤٥٢، الطبقات الكبرى ٤/ ٢١٥، طبقات الإسنوي ٢/ ٧، شذرات ٣/ ٣٤٩، الفتح المبين ١/ ٢٥٥.\n(^٢) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٨١.\n(^٣) انظر: القاضي البيضاوي ص ١٦٢.\n(^٤) انظر: مقدمته على الغاية القصوى ١/ ٧٥.","vol":"1","page":43},{"text":"أُلِّف في علم الكلام\" (^١).\nوقد شرح \"الطوالع\" شمس الدين الأصفهاني في كتابه \"مطالع الأنظار في شرح طوالع الأنوار\" (^٢)، وهو مطبوع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>البيضاوي المفسِّر:</span>\nأقبل القاضي البيضاوي على تفسير القرآن في الحِقْبة الأخيرة من حياته، واعتمد في تفسيره على كتب ثلاثة: \"الكشاف\" للزمخشري (^٣)، و\"التفسير الكبير\" للرازي (^٤)، وتفسير الراغب الأصفهاني (^٥). قال الحاج\n_________\n(^١) انظر: تعليق محقق الكتاب الطبقات الكبرى ٨/ ١٥٧، وهو نقلها عن \"الطبقات الوسطى\" للتاج رحمه الله تعالى.\n(^٢) انظر: مطالع الأنظار للأصفهاني ص ٤.\n(^٣) هو محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الزمخشري الخُوارَزْمي، أبو القاسم، وتلقب بجار الله لأنه جاور بمكة زمانًا. ولد في رجب سنة ٤٦٧ هـ. وله من التصانيف: \"الكشاف\" في التفسير، \"الفائق\" في غريب الحديث، \"المفصَّل\" في النحو، وغيرها. توفي ليلة عرفة سنة ٥٣٨ هـ.\nانظر: وفيات ٥/ ١٦٨، بغية الوعاة ٢/ ٢٧٩، طبقات المفسرين ٢/ ٣١٤، لسان الميزان ٦/ ٤، الجواهر المضية ٣/ ٤٤٧، الأعلام ٧/ ١٧٨.\n(^٤) هو محمد بن عمر بن الحسين التيمي البكري الرازي، فخر الدين. ولد بالري سنة ٥٤٤ هـ. تفقه على والده عمر، وتلقى عليه أصول الفقه، ثم قصد الكمال السمناني وغيره بعد وفاة والده. وأخذ عنه ما لا يحصى كثرةً من فضلاء أهل زمانه. تبحر في شتى الفنون والمعارف. من تصانيفه: \"التفسير الكبير\"، و\"المحصول\" في أصول الفقه، وغير ذلك. توفي سنة ٦٠٦ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٨١، سير ٢١/ ٥٠٠، وفيات ٤/ ٢٤٨، طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٦٥، الفتح المبين ٢/ ٤٧.\n(^٥) هو العلامة الماهر، المحقق الباهر، أبو القاسم الحسين بن محمد بن المفضل =","vol":"1","page":44},{"text":"خليفة (^١):\n\"وتفسيره هذا كتاب عظيم الشأن غني عن البيان، لخص فيه من \"الكشاف\" ما يتعلق بالإعراب والمعاني والبيان، ومن \"التفسير الكبير\" ما يتعلق بالحكمة والكلام، ومن تفسير الراغب ما يتعلق بالاشتقاق وغوامض الحقائق ولطائف الإشارات، وضم إليه ما ورى زناد فكره من الوجوه المعقولة، والتصرفات المقبولة، فجلا رَيْن الشك عن السريرة، وزاد في العلم بسطة وبصيرة، كما قال مولانا المنشي:\nأولو الألباب لم يأتوا ... بكشف قناع ما يُتلى\nولكن كان للقاضي ... يدٌ بيضاءُ لا تَبْلى\" (^٢)\n_________\n= الأصبهاني، الملقَّب بالراغب، صاحب التصانيف. وقد ذكر السيوطي وتبعه الداودي أن اسمه: المفضل بن محمد الأصبهاني. من مصنفاته: \"الذريعة إلى مكارم الشريعة\"، \"جامع التفسير\"، \"المفردات في غريب القرآن\". توفي سنة نيف وخمسمائة، وذكر بعض المؤرخين أنه توفي سنة ٥٠٢، وقيل غيرها.\nانظر: سير ١٨/ ١٢٠، بغية الوعاة ٢/ ٢٩٧، طبقات المفسرين ٢/ ٣٢٩، كشف الظنون ١/ ٣٧٧، الأعلام ٢/ ٢٥٥.\n(^١) هو مصطفى بن عبد الله كاتب جلبي، المعروف بالحاج خليفة. مؤرخ بحاثة، تركي الأصل، مستعرب. ولد بالقسطنطينية سنة ١٠١٧ هـ. تولى أعمالًا كتابية في الجيش العثماني. من مصنفاته: \"كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون\" وهو أنفع وأجمع ما كتب في موضوعه بالعربية، و\"سلم الوصول إلى طبقات الفحول\"، وغيرهما. توفي سنة ١٠٦٧ هـ بالقسطنطينية.\nانظر الأعلام ٧/ ٢٣٦، مقدمة كشف الظنون للمرعشي ١/ و- ح.\n(^٢) انظر: كشف الظنون ١/ ١٨٧.","vol":"1","page":45},{"text":"وقد عَدَّ بروكلمن (^١) الحواشي والتعليقات على هذا التفسير فبلغت ٨٣ حاشية (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>البيضاوي النحوي:</span>\nمما يدل على تمكنه في النحو اختصاره لكافية ابن الحاجب، وشرحه للكافية أيضًا، و\"الكافية\" من أعظم كتب النحو المؤلفة في القرن السابع، ويكفي لبيان أهميتها أن لها ١١٧ شرحًا، غير المختصرات والحواشي (^٣)، وقد سمى البيضاوي مختصره هذا: \"لب الألباب في علم الإعراب\" (^٤).\n_________\n(^١) كارل بروكلمن، مستشرق ألماني، عالم بتاريخ الأدب العربي. ولد في روستوك بألمانيا سنة ١٢٨٥ هـ (١٨٦٨ م)، ونال شهادة الدكتوراه في الفلسفة واللاهوت، وأخذ العربية واللغات السامية عن \"نولدكه\" وآخرين، ودَرَّس في عدة جامعات ألمانية، وكانت ذاكرته قوية، يكاد يحفظ كل ما يقرأ، ودَرَّس العربية في معهد اللغات الشرقية ببرلين. صنف بالألمانية: \"تاريخ الأدب العربي\" في مجلدين، وأتبعهما بملحق في ثلاثة مجلدات، و\"تاريخ الشعوب الإسلامية\"، و\"نحو اللغة العربية\"، وغيرها. توفي سنة ١٣٧٥ هـ (١٩٥٦ م). انظر: الأعلام ٥/ ٢١١ - ٢١٢.\n(^٢) انظر: دائرة المعارف الإسلامية ٤/ ٤١٨ - ٤١٩ نقلًا عن الغاية ١/ ٧٧.\n(^٣) قد عَدَّ الدكتور موسى العليلي في تحقيقه لشرح الوافية نظم الكافية الشروح والمختصرات والحواشي على كافية ابن الحاجب فبلغت (١٢٤) انظرها في الكتاب المذكور ص (٢٧ - ٥١).\n(^٤) انظر نُسَخه الموجودة في: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٨٢، مقدمة محقق شرح الوافية نظم الكافية ص ٥٠، ولشرح البيضاوي على الكافية نسخة مخطوطة في مكتبة طوب قابي سرايي في استانبول، رقم ١٨٨٢،  H، ٧٧٦٨).  انظر: مقدمة محقِّق شرح الوافية ص ٢٨. يقول الدكتور علي: \"ورغم شغفنا الكثير بأن نرى له أحد شروحه فإننا لم نعثر عليه\". مقدمته على الغاية ١/ ٨٣، ومثله الدكتور جلال الدين عبد الرحمن قال عن شرح الكافية للبيضاوي: \"وهو من كتبه المفقودة\". القاضي البيضاوي ص ٢٥٥. والحمد لله الذي هدى الدكتور موسى للعثور عليه.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>البيضاوي المؤرخ:</span>\nألف البيضاوي باللغة الفارسية تأريخًا من عهد آدم إلى العصر الذي عاش فيه، وسماه \"نظام التواريخ\"، وقد ذكر بروكلمن أنه أرخ إلى سنة ٦٧٤ هـ (^١).\nيقول الدكتور جلال الدين عبد الرحمن: \"وقد اعتمد كتابه هذا كثير من المؤرخين ممن جاء بعده، فنقل عنه القرماني في تاريخه \"أخبار الدول وآثار الأُول\"، وأحمد بن زيني دحلان في \"تاريخ الدولة الإسلامية\": ما ذكره عن إسلام \"هولاكو\" على يد بعض العارفين، وهو الذي لم يقف عليه غيره\" (^٢).\nهذا عدا ما ألفه البيضاوي في شرح الحديث النبوي، إذ شرح مصابيح السنة للإمام البغوي (^٣) ﵀، وشرح \"مطالع الأنوار\" لسراج الدين الأُرْموي (^٤) في فن المنطق، كما ألف في علوم الفلك والإرصاد كتابين:\n_________\n(^١) انظر: دائرة المعارف الإسلامية ٤/ ٤١٨ - ٤١٩.\n(^٢) انظر: القاضي البيضاوي ص ١٦٥.\n(^٣) هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي، الشيخ الإمام العلامة القدوة الحافظ شيخ الإسلام، الملقب بمحيي السنة، وبركن الدين. ولد سنة ٤٣٦ هـ، وتفقه على القاضي الحسين المروروذي شيخ الشافعية، وهو أخص تلامذته به. وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة. بُورك له في تصانيفه ورُزق فيها القبول التام لحسن قصده، وصدق نيته، ومنها: شرح السنة، معالم التنزيل، المصابيح، وغيرها. توفي سنة ٥١٦ هـ. انظر: سير ١٩/ ٤٣٩، الطبقات الكبرى ٧/ ٧٥، وفيات ٢/ ١٣٦، الأعلام ٢/ ٢٥٩.\n(^٤) محمود بن أبي بكر بن أحمد الأُرْموي، سراج الدين أبو الثناء، الشافعي. ولد سنة =","vol":"1","page":47},{"text":"أولهما: مختصر في الهيئة. وثانيهما: شرح \"الفصول\" للطوسي (^١)، وهو أهم كتاب في الهيئة. وألف في الفنون العامة رسالته \"موضوعات العلوم وتعاريفها\" (^٢).\n_________\n= ٥٩٤ هـ، له تصانيف منها: \"التحصيل من المحصول\" في أصول الفقه، \"البيان\" و\"المطالع\" في المنطق، وغيرها. توفي سنة ٦٨٢ هـ بمدينة قونية.\nانظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٣٧١، كشف الظنون ٢/ ١٧١٥، الأعلام ٧/ ١٦٦.\n(^١) محمد بن عبد الله الطوسيّ، كان يُقال له المولى نصير الدين، ويقال الخواجا نصير الدين، اشتغل في شبيبته وحَصَّل على الأوائل جيدًا، وصَنَّف في علم الكلام، وشرح الإشارات لابن سينا، وَوَزَر لأصحاب قلاع الألموت من الإسماعيلية، ثم وَزَر لهولاكو، وكان معه في واقعة بغداد. تُوفي في بغداد في ثاني عشر ذي الحجة سنة ٦٧٢ هـ. انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٨٣.\n(^٢) انظر: القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٦٦، مقدمة محقِّق الغاية القصوى ١/ ٨٤ - ٨٦.","vol":"1","page":48},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الثاني: تقلده منصب القضاء</span>\nلا شك أنَّ تولي القضاء مع العدل والنزاهة، والديانة والأمانة - مرتبة عظيمة في الدين، ومنقبة كبيرة من مناقب المتقين؛ إذ التقوى لا تظهر إلا مع البلاء ومخالفة الهوى، ومصادمة أهواء أهل الدنيا.\nوحُقَّ على مَنْ وجد في نفسه ذلك من أهل التقوى أن يقبل تولي تلك المناصب الخطيرة خشية أن يتولاها مَنْ رقَّت ديانته، وضعفت أمانته، فيضيع الدين والدنيا، ويشيع الفساد في الأرض، لكن مِن علامة صحة النية، وصدق السريرة: أن لا يجد التقيُّ مَنْ يكفيه البلية، ويُريحه من تلك المسؤولية، فلا بد أن يكون كارهًا للمنصب، مبغضًا للشهرة، مُعرضًا عن ثناء الناس، قائلًا بالحق، مُنازِلًا لأهل الباطل قدر الطاقة والجهد، غير مريد الوصول إلى دنيا حقيرة، وأموال وشهوات خسيسة، قريبًا من أهل الدين، بعيدًا عن أهل الدنيا.\nوظننا بالإمام القاضي البيضاوي ﵀ أنه ما طلب القضاء لدنيا، ولا لجاه، ولا غير ذلك، بل طلبه لإقامة الحق، ونشر العدل، والدفاع عن الدين، ولا أدل على ذلك من أنه مكث في قضائه ستة أشهر ثم عزل، فلو كان من أهل الدنيا المنافقين لبقي دهرًا (^١)، ولَمَا وُصف بأنه: \"قَابَل\n_________\n(^١) لا يقال: قد مكث مجد الدين الشيرازي - الذي عُزل بالقاضي البيضاوي ثم أعيد - =","vol":"1","page":49},{"text":"الأحكام الشرعية بالاحترام والاحتراز\" (^١)؛ ولذلك قال الشيخ المراغي ﵀: \"ثم صرف عن القضاء لشدته في الحق\" (^٢).\nومما يدل أيضًا على صدق نيته في طلب القضاء، ونزاهته وديانته - تركه للقضاء لما طلبه في المرة الثانية بعد عزله عن قضاء شيراز، بسبب كلمات ذلك العارف الذي طلب من السلطان: \"أن يقطع قطعة من رباع جهنم لشخص كان يتوقعها من جنابك\"، فلما قَبِل السلطان وأصدر مِنْ فوره الأمر بتوليه القضاء - رفض البيضاوي ذلك المنصب متأثرًا بكلمات ذلك العارف، ثم لازم خدمته وصحبته؛ ليستفيد من معرفته وتقواه، وقد سبق ذكر هذه القصة كاملة في مبحث رحلاته.\nوقد سبق أن بينت في مبحث رحلاته أنه ذهب إلى تبريز في المرة الأولى طالبًا قضاء شيراز، ولم يكن آنذاك قاضيًا عليها، ومَنْ ظن بأنه ذهب إلى تبريز في المرة الأولى ليطلب إعادته لقضاء شيراز بعد عزله (^٣) - فظنه بعيد، ورواية ابن السبكي ﵀ ليس فيها دلالة على ذلك، بل على\n_________\n= سنين كثيرة في القضاء مع العدل والنزاهة؛ لأنَّ حكمنا أغلبي، مع أن القاضي مجد الدين - ﵀ - عُزل، وحصلت له محن نَصَره الله فيها، وظهرت له كرامات أظهرت ولايته، فعظم قدره، واحترمه الخاصُّ والعام.\n(^١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٧٢، شذرات ٥/ ٣٩٣.\n(^٢) انظر: الفتح المبين ٢/ ٨٨.\n(^٣) وهم: الدكتور جلال الدين عبد الرحمن. انظر: القاضي البيضاوي ص ١٤٩، والدكتور علي محيي الدين. انظر: مقدمته على الغاية القصوى ١/ ٩٢، والدكتور محمد الزحيلي. انظر كتابه: القاضي البيضاوي ص ٥٥، مقدمة د/ فتحية عبيد في تحقيقها مختصر تيسير الوصول إلى منهاج الوصول ١/ ٣٠.","vol":"1","page":50},{"text":"نقيضه، إذ قال: \"وَلِي قضاء القضاة بشيراز، ودخل تبريز، وناظر بها، وصادف دخولُه إليها مجلسَ درسٍ قد عُقد لبعض الفضلاء، فجلس القاضي في أُخريات القوم، بحيث لم يعلم به أحد. . . فأقامه الوزير من مجلسه، وأدناه إلى جانبه، وسأله من أنت؟ فأخبره أنه البيضاوي، وأنه جاء في طلب القضاء بشيراز، فأكرمه، وخلع عليه في يومه، وردَّه وقد قضى حاجته\" (^١).\nفقول ابن السبكي ﵀: ولي قضاء القضاة بشيراز، ودخل تبريز. . . الخ - ليس فيه دلالة إطلاقًا على أنه ولي قضاء القضاة قبل الدخول؛ إذ إن ابن السبكي إنما أراد بكلامه هذا: ودخل تبريز. . . الخ بيان كيفية توليه لقضاء القضاة، وسؤال الوزير للبيضاوي عنه بقوله: من أنت؟ يدل على أنه لم يكن قاضيًا على شيراز آنذاك، وإلا لعرفه الوزير، ولو جهل شخصه فلن يجهل اسمه؛ لكونه قاضي القضاة.\nوقول ابن السبكي أيضًا: \"وأخبره أنه البيضاوي، وأنه جاء في طلب القضاء بشيراز\" ظاهر في كونه ليس قاضيًا عند طلبه، وإلا لقال: وأنه جاء في إعادته للقضاء، أو: جاء في أمر عزله عن القضاء. أو نحو ذلك من العبارات المشيرة إلى ذلك، وابن السبكي رحمه الله تعالى إمام في التدقيق فهو أصولي بارع، ومحدث بارز، ومؤرخ دقيق، وبعيد عليه إهمال مثل هذا: وهو عزله عن القضاء، وطلبه بعد ذلك؛ لأن العزل عن القضاء من الأحداث المهمة. وأما ما ذكره الحاج خليفة في كشف الظنون (١/ ١٨٦)\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ١٥٨.","vol":"1","page":51},{"text":"وهو قوله: \"ذكر التاج السبكي في \"الطبقات الكبرى\": أن البيضاوي لما صُرِف عن قضاء شيراز رحل إلى تبريز. . .\" فظاهر أن عبارة \"لما صرف عن قضاء شيراز\" من تصرفه، لا من كلام ابن السبكي ﵀، إذ العبارة ليست كذلك في \"الطبقات الكبرى\"، وقول الدكتور محمد الزحيلي حفظه الله: \"والجملة الأولى (^١) غير موجودة في \"الطبقات الكبرى\" للتاج السبكي المطبوعة الآن، ولعلها سقطت من المخطوطة\" (^٢) احتمال بلا دليل، والنسخة المطبوعة محققة على نسختين مخطوطتين (^٣).\nويخدش في هذا الاحتمال أيضًا: أن الداودي ذكر هذه القصة، وعبارته كما هي في \"الطبقات الكبرى\" المطبوعة، وهو ناقل عنها (^٤).\nهذا وقد سبق في مبحث أقران البيضاوي، في ترجمة القاضي مجد الدين الشيرازي: أن البيضاوي مكث في القضاء ستة أشهر، ثم عزل (^٥) ﵀ رحمة واسعة، وألحقنا به والمسلمين في جنات النعيم، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.\n_________\n(^١) أي: في نقل الحاج خليفة عن \"الطبقات الكبرى\".\n(^٢) انظر كتابه: القاضي البيضاوي ص ٥٥.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ١/ ٣١.\n(^٤) انظر: طبقات المفسرين ١/ ٢٤٢.\n(^٥) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٤٠١.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث الثالث: مؤلفاته العلمية</span>\nقد سبق ذكر مؤلفات عدة للقاضي البيضاوي ﵀، وقد شملت مؤلفاته فنونًا عديدة، وهي تدل على رسوخه في العلم، وتبحره وتمكنه، وسأذكر مجموع مؤلفاته التي ذكرتها المصادر التي بين أيدينا، سواء سبق ذكرها أم لم يسبق، وهي:\n١ - أنوار التنزيل وأسرار التأويل. وهو المعروف بتفسير البيضاوي، وهو مطبوع.\n٢ - الإيضاح. وهو في أصول الدين، ولم يعثر عليه، كما سبق بيانه.\n٣ - تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة. في الحديث، ولم يُعثر عليه (^١).\n٤ - تعليق على مختصر ابن الحاجب. في أصول الفقه، ولم يعثر عليه (^٢).\n٥ - التهذيب والأخلاق. ولم يعثر عليه (^٣).\n٦ - شرح التنبيه. في الفقه، ولم يعثر عليه (^٤).\n٧ - شرح الفصول. في الهيئة والفلك، ولم يعثر عليه (^٥).\n_________\n(^١) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٨٥.\n(^٢) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٧٩.\n(^٣) انظر: القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٦٦.\n(^٤) انظر: مقدمة محقق الغاية ١/ ٨١.\n(^٥) انظر: القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٦٦.","vol":"1","page":53},{"text":"٨ - شرح الكافية. في النحو، وهو مخطوط.\n٩ - شرح المحصول. في أصول الفقه، ولم يعثر عليه (^١).\n١٠ - شرح المطالع في المنطق. ولم يعثر عليه (^٢).\n١١ - شرح مقدمة ابن الحاجب. في أصول الفقه، ولم يُعثر عليه (^٣).\n١٢ - طوالع الأنوار. في أصول الدين، وهو مطبوع.\n١٣ - العين. في التفسير، ولم يعثر عليه (^٤).\n١٤ - الغاية القصوى في دراية الفتوى. في الفقه، وهو مطبوع محقق.\n١٥ - لب الألباب في علم الإعراب. وهو مخطوط.\n١٦ - مختصر في الهيئة. ولم يعثر عليه (^٥).\n١٧ - مرصاد الأفهام إلى مبادئ الأحكام. في أصول الفقه، وهو شرح لمختصر ابن الحاجب، ولم يعثر عليه (^٦).\n١٨ - مصباح الأرواح. في أصول الدين، ولم يُعثر عليه (^٧).\n١٩ - منتهى المنى في شرح أسماء الله الحسنى. في أصول الدين، ولم يعثر عليه (^٨).\n_________\n(^١) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٧٩.\n(^٢) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٨٥.\n(^٣) انظر: مقدمة محقق الغاية ١/ ٧٩.\n(^٤) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٧٨.\n(^٥) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٨٦، القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه: ١٦٦.\n(^٦) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٧٩.\n(^٧) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٧٥.\n(^٨) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٧٥.","vol":"1","page":54},{"text":"٢٠ - منهاج الوصول إلى علم الأصول. في أصول الفقه، وهو مطبوع.\n٢١ - موضوعات العلوم وتعاريفها. وهو مخطوط (^١).\n٢٢ - نظام التواريخ. في التاريخ، وهو مطبوع (^٢).\n_________\n(^١) انظر: مقدمة محقق الغاية القصوى ١/ ٨٦، القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٦٦\n(^٢) انظر: مقدمة محقق الغاية ١/ ٨٤، القاضي البيضاوي وأثره في أصول الفقه ص ١٦٦","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>الباب الثاني: ترجمة الشارحين تقي الدين وتاج الدين</span>","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الفصل الأول: بيان العصر الذي نشأ فيه الشارحان</span>","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث الأول: الحياة السياسية</span>\nعاش الإمامان تقي الدين السبكي وابنه تاج الدين - رحمهما الله - في فترة من الزمن كان العالم الإسلامي فيها متأثرًا بأحوال سياسية مضطربة مرت به من قبل، ولا زال أثرها باقيًا، حيث قد تعرض لهجمات وحشية في مطلع القرن السابع الهجري سنة ٦١٦ هـ، قام بها المغول الذين قدموا مِن أقصى الشرق، واجتاحوا العالم الإسلامي، وعاثوا فيه فسادًا، وأشاعوا فيه الرعب والخوف بين الناس، بقيادة طاغيتهم المفسد \"جنكيزخان\"، ولم يكن قصدهم الفتح والاستيطان، ولا الغُنْم والاستلاب فحسب، بل إراقة الدماء، وتعذيب الأرواح، ودَرْس البلاد، وملاشاة العمران، فذبحوا الشعوب، ودَكُّوا المدن، بحيث لم تنج بلاد حَلَّ فيها المغول من الهول، وكان شأنُهم في قطر شأنَهم في سائر الأقطار.\nولما مات جنكيزخان عام ٦٢٦ هـ تابع أولاده اجتياح الأقاليم الإسلامية ونهب خيراتها، وإذلال أهلها، إلى أن تولى حفيده هولاكو القيادة عام ٦٥٤ هـ، وسار على نهج جده في القتل والإبادة، وكلما مرَّ على مدينة خَرَّبها وأذل أمراءها وحكامها، وضرب عُنق مَنْ عصى منهم، وسفك الدماء، وغصب الأموال.","vol":"1","page":60},{"text":"ثم أغار هولاكو على بغداد بالتآمر مع الوزير ابن العلقمي الرافضي (^١) - قبحه الله ولعنه - فاستولى عليها، وقتل الخليفة المستعصم (^٢)، آخر خلفاء بني العباس، وأنهى الخلافة العباسية.\nقال ابن السبكي ﵀: \"واستمر القتل ببغداد بضعًا وثلاثين يومًا ولم ينج إلا مَن اختفى. وقيل: إن هلاكو أمر بعد ذلك بِعَدِّ القتلى، فكانوا ألف ألف وثمانمائة ألف، النصف من ذلك تسعمائة ألف، غير من لم يُعَدّ ومَنْ غَرِق\" (^٣).\nوكان جيش المغول يبني الإصطبل لخيله من الكتب، وأُلقيت ملايين الكتب في دجلة، وأقاموا بها ثلاثة جسور.\nوبعد أن ملك هذا الطاغية جميع العراق، توجه إلى الشام فملك حلب وبعض الشام وجملة من أراضي الروم، ونفذت مفاتيح دمشق وحماة إلى\n_________\n(^١) هو محمد بن أحمد، مؤيد الدين أبو طالب بن العلقمي، وزير المستعصم البغدادي، وزير سوء على نفسه وعلى الخليفة وعلى المسلمين، مع أنه من الفضلاء في الإنشاء والأدب، وكان رافضيًا خبيثًا رديء الطوية على الإسلام وأهله. مات كمدًا في جمادي الآخرة سنة ٦٥٦ هـ. انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٢٢٥، شذرات ٥/ ٢٧٢.\n(^٢) هو الخليفة الشهيد أبو أحمد عبد الله بن المستنصر بالله منصور بن الظاهر محمد الهاشمي العباسي البغدادي. ولد سنة ٦٠٩ هـ. كان فاضلًا متدينًا، لكن فيه لين وعدم تيقظ، ومحبة للمال وجمعه، واستبد بالأمور في عهده ابن العلقمي الرافضي فأهلك الحرث والنسل. قتلته التتار في صفر من سنة ٦٥٦ هـ. انظر: سير ٢٣/ ١٧٤، البداية والنهاية ١٣/ ٢١٧، شذرات ٥/ ٢٧٠.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٢٧١.","vol":"1","page":61},{"text":"هولاكو، وتسلم قلعة بعلبك، وأخذ نابلس بالسيف، وكاد الأمر يتم للتتار، ولولا هذا النصر الذي حققه المماليك لدمَّر التتار مزيدًا من تراث المسلمين وحضارتهم. وقد كان المماليك أولَ مَنْ وقف في وجه التتار، فلم يؤثر في نفوسهم ما ذاع عنهم، ولم يَفُتَّ في عَضُدهم، وانضم إليهم الكثير من أمراء الشام وجنوده، وتوجه الجيش الإسلامي من مصر بقيادة الملك المظفر قطز (^١)، والتقى الجمعان فأنزل جند الله بالتتار هزيمة نكراء عند عين جالوت (^٢)، وذلك في العشر الأخير من رمضان سنة ٦٥٨ هـ، وأخذوا في التراجع والتقهقر، وأرسل المظفر قطز قائده بيبرس (^٣) في ملاحقة التتار وطردهم، فاستخلص الشام برمته من أيديهم.\n_________\n(^١) هو السلطان الشهيد الملك المظفَّر سيف الدين قُطُز بن عبد الله المُعِزِّي. كان شجاعًا بطلًا، كثير الخير، ناصحًا للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيرًا. وثب عليه بعض الأمراء وهو راجع إلى مصر فقتله، وذلك في شهر ذي القَعْدة، سنة ٦٥٨ هـ، ولم يكمل سنة في السلطنة. انظر: سير ٢٣/ ٢٠٠، البداية والنهاية ١٣/ ٢٣٨، شذرات ٥/ ٢٩٣.\n(^٢) قال ياقوت الحمويُّ في معجم البلدان ٤/ ١٧٧: \"عَيْنُ الجالوت: اسم أعجميٌّ لا ينصرف، وهي بُليدة لطيفة بين بَيْسان ونابُلس من أعمال فلسطين. . .\".\n(^٣) هو الملك الظاهر، والسلطان الكبير، ركن الدين أبو الفتوح بيبرس التركي البندقداري ثم الصالحي. كان شجاعًا فارسًا مقدامًا، يُضرب بشجاعته المثل، له أيام بيض في الإسلام، وفتوحات مشهورة، ومواقف مشهودة، ولولا ظلمه وجبروته في بعض الأحايين لَعُدَّ مِن الملوك العادلين، وقد ذكر ابن كثير - ﵀ - كثيرًا من مواقفه الحسنة التي تدل على حسن طويته وسريرته. توفي سنة ٦٧٦ هـ. انظر: شذرات ٥/ ٣٥٠، البداية والنهاية ١٣/ ٢٩٠.","vol":"1","page":62},{"text":"هذا وكانت الصليبية الحاقدة قد نظمت جيشًا قويًا في مطلع القرن السابع الهجري بعد أن عرفت بضعف المسلمين وتناحرهم؛ للهجوم على مصر والشام واحتلالهما، ثأرًا لما أصابها أيام السلطان صلاح الدين (^١) الأيوبي، واحتلالًا للديار المقدسة، فنزل جيشهم قرب دمياط، واحتلوها بعد قتال وحصار، وقتلوا أكثر أهلها عام ٦١٥ هـ، ثم هزمهم المسلمون، فأعادوا الكرة واستخدموا المكر والحيلة، واستلموا القدس عام ٦٢٦ هـ، وقلعة صفد عام ٦٢٨ هـ، واتجهوا ثانية إلى دمياط عام ٦٤٧ هـ، فانهزموا ورُدوا على أعقابهم، وطهر الله الأراضي الإسلامية منهم.\nهذان الحدثان العظيمان هما أهم الأحداث التى حصلت في القرن السابع، واللذان كان لهما الأثر الواضح في الأحداث بعدهما في القرن الثامن، وقد برز في خلال هذين الحدثين دور المماليك العظيم الذين كانوا جنودًا للأيوبيين، ومماليك مُسْتَرَقِّين لهم، وكان الأيوبيون في حالة من الضعف والتناحر، مما أدى إلى زوال دولتهم لا سيما مع الأحداث الجسام، وظهور دور المماليك البارز، فكانوا خلفًا لسادتهم الأيوبيين في الملك.\n_________\n(^١) هو السلطان الكبير، الملك الناصر، صلاح الدين، أبو المظفر يوسف بن الأمير نجم الدين أيوب بن شاذي الدُّوَيْني، ثم التكريتي المولد. ولد سنة ٥٣٢ هـ. كان خليقًا للإمارة، مهيبًا شجاعًا حازمًا، مجاهدًا كثير الغزو، عالي الهمة، وكان ردءًا للإسلام، وحرزًا وكهفًا من كيد الكفرة اللئام. توفي سنة ٥٨٩ هـ. انظر: سير ٢١/ ٢٧٨، البداية والنهاية ١٣/ ٣.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الثاني: الحياة الاجتماعية</span>\nلم يكن عصر المماليك - وهو العصر الذي نشأ فيه الشارحان - عصرًا عاديًا من العصور الهادئة أو الخامدة في التاريخ، وإنما هو عصر حركةٍ دائمة، ونشاطٍ دائب: في الخارج حروبٌ وتوسعٌ وانتصارات ترتب عليها تأمين الوطن العربي في الشرق الأدنى. وفي الداخل حياةٌ صاخبة حافلة بالتيارات الاقتصادية والدينية والعلمية والاجتماعية. فلا عجب إذا احتلت دولة المماليك مكانةً هامة بارزة في التاريخ، لا تاريخ مصر والشام والشرق الأدنى فحسب، بل تاريخ العالم أجمع أواخر العصور الوسطى. وخير شاهدٍ على ذلك تلك السفارات العديدة التي قصدت بلاط سلاطين المماليك في القاهرة مِنْ قِبَل ملوك الشرق والغرب جميعًا، وذلك العدد الضخم من المراسلات والمكاتبات التي كان يتلقَّاها ديوان الإنشاء بالقاهرة في ذلك العصر من مختلف الحكام، والتي كان يقوم بالرد عليها وفقًا لتقاليد وقواعد دقيقة معروفة (^١).\nوقد ألقينا الضوء على جهاد المماليك وبلائهم ضد التتار والصليبيين في المبحث الأول، وسنلقي الضوء في هذا المبحث على الحياة الاجتماعية في\n_________\n(^١) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام، صفحة (هـ)، د. سعيد عاشور.","vol":"1","page":64},{"text":"عصر المماليك، بادئين بالكلام على الحياة الاقتصادية؛ إذ هي أهمُّ ما يَمَسُّ حياة المجتمع بعد الدين والأخلاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>الحياة الاقتصادية في العصر المملوكي:</span>\nغدت مصر والشام في عصر المماليك قَصَبة التجارة العالمية، والمعبر الرئيسي لتجارة الشرق في طريقها إلى الغرب، الأمر الذي يجعلنا نفسِّر في ضوئه تلك الثروة الواسعة التي تمتع بها المماليك، وذلك الثراء المحض وما ارتبط به من مظاهر السَّعَةِ والأُبَّهة الذي اتصف به عصرهم. وما زالت مُخَلَّفات وآثار المماليك مِنْ جوامع شامخة، وقصور فخمة، ومصنوعات فنية دقيقة، فضلًا عما حفلت به مراجع العصر المماليكي من وصف لحياة المماليك، وما فاض به مجتمعهم من ألوان البذخ والغنى العريض. . . ما زال ذلك شاهدًا على أنَّ ثمة موارد مالية إضافية ضخمة تمتع بها الحكام في ذلك العصر، وأصاب المحكومون بعضًا مِنْ فتاتها (^١).\nلقد عُنِي المماليك بأوجه الاقتصاد المختلفة من زراعة وصناعة بأنواعها المختلفة، وتجارة داخلية وخارجية، حتى غدت مصر والشام في عصرهم أهم مراكز التجارة في العالم أجمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>ففي الزراعة:</span>\nاهتم سلاطين المماليك بالزراعة اهتمامًا كبيرًا، حيث إن الزراعة في تلك العصور كانت الحرفة الأولى لغالبية السكان، والمورد الأول الذي\n_________\n(^١) العصر المماليكي في مصر والشام، صفحة (د).","vol":"1","page":65},{"text":"عاش عليه معظم الأهالي، والمعروف أن أراضي مصر الزراعية توزعت في ذلك العصر إقطاعات على السلطان والأمراء والأجناد بعد أن قُسِّمت إلى أربعةٍ وعشرين قيراطًا، اختَصَّ السلطانُ نفسَه بأربعة قراريط، والأمراء بعشرة، وما تبقّى كان من نصيب الأجناد (^١).\nولقد زاد محصول الأراضي الزراعية في عصر المماليك نتيجةً للعناية بمرافق الزراعة من جسورٍ وتُرَعٍ ومقاييس النيل وغيرها.\nوالجسور في ذلك العصر نوعان:\nالجسور السلطانية: وهي الجسور العامة الجامعة للبلاد الكثيرة، التي تُعمر في كل سنة من الديوان السلطاني.\nوالجسور البلدية: وهي الخاصة ببلدٍ دون بلد، ويتولى عمارتها الأمراء والأجناد وغيرهم من أموال البلاد الجارية في إقطاعهم.\nوقد بلغ من عناية سلاطين المماليك بالجسور أنهم كانوا يرسلون في كل سنة عددًا من الأمراء إلى مختلف الأعمال لعمارة الجسور، ويُعَبَّر عن الأمير منهم باسم \"كاشف الجسور\"، كما كان للجسور خَوَلة ومهندسون لكل عمل، يقومون في خدمة الكاشف في عمارة الجسور إلى أن تنتهي عمارتها. وعُرف عن بعض سلاطين المماليك أنهم كانوا يَخْرجون بأنفسهم أحيانًا لتفقد أحوال مرافق الزراعة وبخاصة الجسور كالسلطان الناصر محمد.\n_________\n(^١) العصر المماليكي في مصر والشام ص ٢٨٣.","vol":"1","page":66},{"text":"أما عن أهم الحاصلات الزراعية في مصر في ذلك العصر فمنها القمح الذي كان محصوله يفيض عن حاجة البلاد أحيانًا، وعندئذٍ كان السلاطين يمدون بلاد الشام والحجاز والنُّوبَة (^١) بمقادير وفيرةٍ منه. كذلك كان الكتان من أهم مزروعات مصر في عصر المماليك، وكانت تصدَّر كميات كبيرة من المنسوجات الكتانية إلى البلاد المجاورة. واشتهرت مصر في ذلك العصر بزراعة قصب السكر، هذا عدا أنواع الفواكه والخضروات لسد حاجة السوق المحلية، وهذا كله فضلًا عن الزهور والرياحين التي زُرعت في الحدائق والبساتين. وأدت الأراضي الزراعية ضريبة الخراج للدولة، واختلف ذلك باختلاف البلاد.\nوبالإضافة إلى الثروة الزراعية عُنِي السلاطين في عصر المماليك بالثروة الحيوانية، فأكثروا من نتاج الأغنام وجَلْب الأنواع الممتازة منها لتربيتها حتى ازداد عدد المواشي وارتفعت سلالتها.\nعلى أن هذه العناية بالزراعة ومرافقها في عصر المماليك لا تعني بأي حال تقدم أحد الفلاحين أو ارتفاع مستوى معيشتهم، فالفلاح المصري عاش في ذلك العصر قِنًّا مربوطًا إلى الأرض التي يَفْلَحها ويُفني حياته في خدمتها، وليس له من خيراتها إلا القليل؛ ذلك أن خيرات البلاد ومحصولات الأراضي الزراعية كانت في الواقع نهبًا موزَّعًا بين السلاطين والأمراء ومماليكهم، في حين لم يبق للفلاحين سوى الكدِّ والعمل ودفع ما\n_________\n(^١) النوبة، بضم النون، وسكون الواو: بلاد واسعة عريضة في جنوبي مصر بعد أسوان. انظر: معجم البلدان ٥/ ٣٠٩.","vol":"1","page":67},{"text":"يُطلب منهم من أموال وهم صاغرون (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>وأما الصناعة:</span>\nفقد ازدهرت في عصر المماليك نتيجةً لكثرة الثروة. والمعروف أن الصانع أو الفَنَّان يحاول دائمًا أن يرقى بإنتاجه إذا اطمأنَّ إلى أنه سيجني في النهاية ثمنَ أتعابه، ويتقاضى جزاءً يناسب ما يبذله من جهدٍ ووقت، ومن ناحية أخرى فإن المستهلك إذا عظمت ثروته وفاضت عن مطالبه الأساسية فإنه يفكِّر في اقتناء الكماليات، ولا يضن بمالٍ يبذله في شراء التحف والحصول على النفائس. وكان هذا الوضع الذي أثَّر في ارتقاء الصناعة والصُّنَّاع على عصر المماليك عندما فاضت الخزائن بالثروة العظيمة، فانعكس أثر ذلك فيما خلَّفه ذلك العصر من مصنوعات راقية، بلغت شأوًا بعيدًا في الدقة والإتقان.\nومن المعلوم أن دولة المماليك دولةٌ حربية بكل معاني الكلمة، قامت وليدة المعركة الصليبية في أرض المنصورة (^٢)، وأثبتت جدارتها في ساحة الحرب ضد التتار والصليبيين في الشام، واستمدت بقاءها من نجاحها في الدفاع عن مصر والشام ضد الأخطار الخارجية الكبرى التي هددتهما في ذلك الدور الهام من العصور الوسطى. هذا إلى أن المماليك أنفسهم من سلاطين وأمراء وأجناد كانوا يمثِّلون طبقةً حربية تعتمد على الفروسية، ويستطيع كلُّ فردٍ فيها أن يصل إلى أسمى الدرجات، ويحقِّق أضخم الآمال\n_________\n(^١) انظر: العصر المملوكي في مصر والشام ص ٢٨٥ - ٢٨٨.\n(^٢) انظر: معركة المنصورة في العصر المماليكي ص ٧ - ٨.","vol":"1","page":68},{"text":"بفضل مهارته في القتال، واستعمال القوس والنشاب والحربة.\nلذلك لا عجب إذا احتلت الصناعات الحربية مكانًا بارزًا في النشاط الصناعي لدولة المماليك، وقد وُجد بالقاهرة في ذلك العصر سوق كبير اسمه سوق السلاح ذَخَر بالأسلحة المتنوعة، وبالصُّنَّاع الذين كانوا يصنعونها، فإذا حدثت فتنة أو نشبت حربٌ هَرَع الأمراء والجنود إلى ذلك السوق، وعندئذٍ يرتفع سعر الحديد، وأجور الحدَّادين وصُنَّاعِ آلات السلاح؛ لإقبال الناس على شرائه.\nويرتبط بالصناعات الحربية صناعة السفن، إذ حَرِص سلاطين المماليك على إنشاء أسطول بحري قوي يحمي شواطئ دولتهم الواسعة، ويَصُدُّ غارات المعتدين، ويؤدِّب القراصنة الذين دأبوا على مهاجمة السفن الإسلامية في البحر المتوسط.\nوكانت السفن الحربية على أنواع، منها الشواني والحراريق والطرائد:\nأما الشواني: فكانت أعظمها شأنًا، وهي مراكب حربية كبيرة أقيمت فيها أبراج وقِلاع للدفاع والهجوم، وتكونت هذه الأبراج من عدة طبقات، تقف في الطبقة العليا منها العساكر المسلحة بالأقواس والسهام والحِراب، وفي الطبقة السفلى الملَّاحون بالمجاديف.\nوأما الحراريق: فكانت أقلَّ حجمًا، وهي بمثابة ناقلات الجند والذخيرة، فكان يُحمل فيها المشاة المقاتلون فضلًا عن الذخيرة والبارود والنفط.","vol":"1","page":69},{"text":"أما الطرائد: فهي السفن الخاصة بحمل الخيل، وكانت تتسع لنحو أربعين فرسًا، وأحيانًا لثمانين فرسًا (^١).\nهذا عن الصناعات الحربية، أما الصناعات المدنية فكانت عديدة، وعلى جانب كبير من الرقي في عصر المماليك، ومن أهم هذه الصناعات صناعة المنسوجات المتنوعة، حتى غدت لمصر في ذلك العصر شهرة خاصة في صناعة أنواع معينة من المنسوجات، مثل قماش الفستيان نسبة إلى الفسطاط (^٢)، والقماش الدبيقي نسبةً إلى دَبِيق (^٣). وكذلك اشتهرت دمياط بصناعة أقمشة من التيل ذات عدة ألوان بحيث يتغير لونها باختلاف الضوء الواقع عليها.\nوسواءٌ كانت الأقمشة التي صُنعت في مصر في عصر المماليك من الحرير أو القطن أو الصوف أو الكتان، فإنها امتازت جميعًا بدقة الصناعة، وثبات الألوان، وجودة الخامة، ومتانة النسج، كما تشهد على ذلك قِطَع النسيج المتبقاة من ذلك العصر.\nكذلك اشتهرت مصر في ذلك العصر بصناعة الفرش، والستور،\n_________\n(^١) انظر: العصر المماليكي ص ٢٨٨ - ٢٩١.\n(^٢) الفسطاط: هي المدينة التي بناها عمرو بن العاص - ﵁ - في مصر، وسبب تسميتها بالفسطاط أن عمرو بن العاص نصب فسطاطه في تلك البقعة، ثم أمر المسلمين أن يحيطوا حول فسطاطه ففعلوا. انظر: معجم البلدان ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤، حسن المحاضرة ١/ ٢٥.\n(^٣) قال ياقوت ﵀: \"دَبِيقٌ: بُليدة كانت بين الفَرَما وتِنِّيس من أعمال مصر، تنسب إليها الثياب الدبيقية، والله أعلم\". معجم البلدان ٢/ ٤٣٨.","vol":"1","page":70},{"text":"والخيام، والفساطيط، والحبال المكسوة بالقطن والحرير.\nولم تكن العنايةُ بصناعة المعادن في عصر المماليك أقلَّ منها بصناعة المنسوجات، فاستخدم النحاس بصفةٍ خاصةً في صناعة الثُّرَيَّات والأواني المنزلية والأباريق والصحون والطسوت وغيرها.\nكذلك استخدم النحاس في عيسر المماليك في تغطية بعض أبواب المساجد وقصور السلاطين والأمراء، وكان النحاس عند استخدامه في هذا الغرض يُعَدُّ على هيئة صفائح رقيقة مُقَسَّمة إلى أشكال هندسية بديعة المنظر، وما زال بدار الآثار العربية بالقاهرة باب من مِصْراعين مُصَفَّحَيْن بصفائح من النحاس، منقوشة برسومات عربية رائعة، تتخللها كتابة بالنسخ الجميل، وهذا الباب كان لأحد أمراء السلطان قلاوون.\nوازدهرت صناعة الزجاج في مصر في العصر المماليكي، وتشهد بذلك أعداد المِشْكاوات الزجاجية المحفوظة بدور الآثار، والتي تمتاز بجمال أشكالها، وانسجام زخرفتها، وإتقان صنعها.\nوبالإضافة إلى ذلك صُنع في مصر الزجاج الملون المستخدم في الشبابيك، وكذلك بعض أنواع البلور الصخري المحبَّب.\nأما الخزف فكانت مصر من المراكز الأساسية لصناعته في العالم الإسلامي، ومنها انتشر كثير من نماذجه إلى البلاد الأخرى.\nوبلغت المصنوعات الخشبية درجةً كبيرة من التقدم في عصر المماليك، واتبع المصريون في زخرفة المصنوعات الخشبية عدة طرق.","vol":"1","page":71},{"text":"ويضيق بنا المقام عن تتبع كافَّة الصناعات الصغيرة التي ازدهرت في عصر المماليك، ولكن يكفي أن نختتم هذا العرض السريع بالإشارة إلى أن مصر شهدت أيضًا في ذلك العصر عددًا من الصناعات الغذائية أهمها صناعة السكر، ويذكر المقريزي (^١) أنه كان في سَمْهود (^٢) سبعة عشر معصرًا لعصير القصب، كما كان في ملوى عدة معاصر.\nهذا عن الصناعة، أما الصُّنَّاع وأصحاب الحِرَف فقد خضعوا في عصر المماليك لنظام النقابات، فكان أفراد كل حرفة يُكَوِّنون نقابةً خاصةً بهم، لها نظام ثابت يحدِّد عددَهم ومعاملاتهم فيما بينهم وبين بعضٍ من ناحية، وفيما بينهم وبين الجمهور من ناحيةٍ ثانية، وفيما بينهم وبين الحكومة من ناحيةٍ ثالثة، ولكل نقابة من هذه النقابات رئيس أو شيخ يرأسهم، يفض مشاكل أفراد النقابة، ويرجعون إليه في كل ما يهمهم.\nولما كان دخول أيِّ فردٍ غريبٍ في حِرْفةٍ من الحِرَف يؤدي إلى منافسة\n_________\n(^١) هو أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد الحسيني العبيدي، البعلي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، ويعرف بابن المقريزي وهي نسبة لحارة في بعلبك تُعرف بحارة المقارزة. ولد سنة ٧٦٦ هـ بالقاهرة.\nمن تصانيفه: المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، وعقد جواهر الأسفاط في ملوك مصر والفسطاط، والسلوك بمعرفة دول الملوك، والتاريخ الكبير، وغيرها. مات سنة ٨٤٥ هـ. انظر: الضوء اللامع ٢/ ٢١، حسن المحاضرة ١/ ٥٥٧، معجم المؤلفين ٢/ ١١.\n(^٢) سمهود: بفتح السين وبالدال في آخرها على المشهور، ويقال بالطاء بدل الدال: قرية كبيرةٌ غربيَّ نيل مصر بالصعيد. انظر: تاج العروس ١٠/ ٢٩٨، مادة (سمهط)، معجم البلدان ٣/ ٢٥٥.","vol":"1","page":72},{"text":"أصحابها الأصليين - فإنهم كانوا لا يُمَرِّنون أحدًا على طرق صناعتهم، إلا أن يكون من أبنائهم، ولا يسمحون لأي شخصٍ في مشاركتهم إلا أن يكون قد أتى ليحل محل أحدهم، وفي هذه الحالة يقبل بشروط خاصة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>التجارة الخارجية:</span>\nشاءت الأقدار أن يكون قيام دولة المماليك في مصر والشام في منتصف القرن السابع الهجري مصحوبًا بازدهار طريق البحر الأحمر وموانئ مصر، واضمحلال ما عداه من طرق التجارة الرئيسية الأخرى بين الشرق والغرب، ذلك أنه لم يكد يمضي على قيام دولة المماليك سنوات معدودة حتى استولى المغول على بغداد سنة ٦٥٦ هـ (١٢٥٨ م)، وامتد نفوذهم إلى الشام وآسيا الصغرى، فضلًا عن بلاد فارس التي اتخذها هولاكو مركزًا لدولته في الشرق الأوسط، وبذلك اضمحل طريق التجارة البري بين الصين من جهةٍ، وآسيا الصغرى وموانئ البحر الأسود من جهةٍ أخرى.\nوقد ترتب على غزوات المغول انعدام الأمن في تلك الطرق، واعتداء اللصوص على القوافل والتجارة. وكان ذلك في الوقت الذي قَلَّ فيه إقبال السفن التجارية الآتية من الشرق الأقصى على الخليج الفارسيّ، بسبب ازدياد نشاط القراصنة من سكان جزر البحرين في ذلك الخليج، ومِنْ ثَمَّ تحولت السفن التجارية إلى اليمن وميناء عدن بالذات، مما أدى إلى انتعاش طريق البحر الأحمر - مصر، الأمر الذي أتاح لسلاطين المماليك في مصر\n_________\n(^١) انظر: العصر المماليكي ص ٢٩١ - ٢٩٦.","vol":"1","page":73},{"text":"فرصةً ذهبيةً للإفادة من القيام بدور الوسيط بين تجار الشرق وتجار الغرب، وذلك بتنشيط التجارة في البحر الأحمر بمختلف الطرق، فقام السلطان قلاوون يتودد إلى القوى الإسلامية الواقعة في حوض البحر الأحمر ويحسِّن علاقته بحكامها، فأرسل يعاهد ملك اليمن على التحالف والمودة وبعث إليه بالهدايا، وكذلك فعل مع شريف مكة.\nعلى أنَّ جعل مصر حلقة الوصل في النشاط التجاري بين الشرق والغرب كان يتطلب أمرين:\nأولهما: تأمين طرق التجارة داخل مصر ذاتها حتى تصل البضائع سليمة من موانئ البحر الأحمر إلى موانئ البحر المتوسط.\nوثانيهما: إغراء تجار الشرق على جلب بضاعتهم إلى موانئ مصر المطلِّة على البحر الأحمر، ثم إغراء التجار الأوروبيين على التردد على الإسكندرية ودمياط لشراء ما يلزمهم من حاصلات الشرق.\nأما عن الأمر الأول فإن السلطان قلاوون ومَنْ خَلْفه مِنْ سلاطين المماليك حرصوا على أن يضربوا بيدٍ من حديدٍ على العابثين والمعتدين على قوافل التجارة بين النيل والبحر الأحمر، وبخاصة قبائل الأعراب الذين سكنوا تلك الجهات والذين اعتادوا حياة السلب والنهب، حتى أن قوافلَ الحجاج نفسَها لم تسلم من عبثهم.\nوأما عن الأمر الثاني فإن السلطان قلاوون أرسل إلى نُوابه بالثغور يأمرهم بحسن معاملة التجار وملاطفتهم والتودد إليهم وترغيبهم، ومراعاة","vol":"1","page":74},{"text":"العدالة فيما يَجْبونه منهم من أموال بحيث لا يأخذون منهم سوى الحقوق السلطانية.\nوفي الوقت الذي دأب سلاطين المماليك على تشجيع تجار الشرق الأقصى بوجه خاص على الحضور ببضائعهم إلى مصر، حرصوا أيضًا على الترحيب بالتجار الأوروبيين الذين يفدون إلى الإسكندرية ودمياط لشراء حاصلات الشرق، ولا أدل على اتساع أفق سلاطين المماليك ورغبتهم الأكيدة في الاستفادة من موقع مصر التجاري، من أنهم فَرَّقُوا بين الحرب والتجارة، فقدموا كافَّة التسهيلات للتجار الغربيين في الوقت الذي كانوا يحاربون الصليبيين ومِنْ خلفهم الغرب الأوروبي.\nوقد ترتب على تشجيع سلاطين المماليك للتجار الأوروبيين على القدوم إلى مصر أن كَثُر عددهم، وقد قدَّر بعض الباحثين الأوروبيين عددَ الأجانب في الإسكندرية وحدها في أوائل القرن الرابع عشر للميلاد (أي: أوائل القرن الثامن الهجري) بحوالي ثلاثة آلاف تاجر أوروبي. وكان لكل جالية من هؤلاء الأجانب قُنصل يشرف على شؤون أفراد الجالية ومصالحِهم، وإذا ما حدث مِنْ طائفةِ أحدِهم ما يشين الإسلام يُطلب منه الكفُّ عن ذلك. واتخذت كلُّ جاليةٍ لنفسِها فُندقًا أو أكثر ينزل فيه أفرادها، ورُتِّبت أمور هذه الفنادق بحيث تكون لكلٍّ منها إدارة مستقلة، على رأسها مدير يدير شؤون الفندق.\nوهكذا نجحت مصر في عصر سلاطين المماليك في أن تستأثر بالجزء","vol":"1","page":75},{"text":"الأكبر من التجارة العالمية بين الشرق والغرب، ولم يدَّخر سلاطين المماليك وسعًا في تقوية تلك الروابط الاقتصادية بين مصر وبلدان الشرق والغرب، عن طريق المعاهدات والاتفاقيات والاتصالات الدبلوماسية مع ملوك وحكام تلك البلدان (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>التجارة الداخلية:</span>\nأما التجارة الداخلية فكانت على درجة واسعة من النشاط على عصر سلاطين المماليك، فاشْتَهَرت المدنُ المصرية - وعلى رأسها القاهرة - بأسواقها العامرة ذات الطابع الخاص المميَّز، وأهم ما في هذه الأسواق أن كل سوقٍ منها اختص بنوعٍ معيَّن من البضائع، فسوق الشمَّاعين اختص ببيع الشمع، وسوق النحَّاسين اختص ببيع النحاس، وهكذا.\nومن محاسن هذا النظام أن التاجر لم يستطع أن يشذ عن جيرانه أو أن يرفع أسعار السلعة التي يتجر فيها؛ لأن منافسيه على مقربةٍ منه، كما أن المشتري إن لم يعجبه نوعُ السلعة أو ثمنها فإنه يستطيع أن ينتقل في سهولة من متجر لآخر دون أن يتحمل أدنى مشقة. أما عيوب هذا النظام فأهمها أن الفرد إذا أراد شراء عدة أصناف متباينة من البضائع فعليه أن يقطع المدينة كلها طولًا وعرضًا حتى يقضي حاجاته؛ لأنه لن يجد في السوق الواحد سوى نوعٍ واحدٍ من البضائع.\nأما المواد الغذائية فوجدت لها أسواق قائمة بذاتها، منها بالقاهرة سوق\n_________\n(^١) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٢٩٦ - ٣٠١، ٣٠٣.","vol":"1","page":76},{"text":"باب الفتوح، وسوق بين القصرين، وسوق باب الزهومة، وكلها اشْتَهَرت في ذلك العصر بكثرة المعروض فيها من لحوم وخضروات وزيوت وألبان. . . فضلًا عن اكتظاظها بجمهور المشترين.\nأما الفواكه فكان لها سوق خاص بها قرب باب زويلة، وعُرف هذا السوق باسم دار التفاح، كانت تحمل إليه ثمار البساتين المحيطة بالقاهرة، حيث يتفنن الباعة في عرضها، ويتأنقون في تنضيدها واحتفافها بالرياحين والأزهار.\nوقد حفلت البلاد في ذلك العصر بالمنشآت الخاصة بالتجار الأتراك واليمنيين والهنود والفرس والمغاربة وغيرهم، وجرت العادة أن التجار المسلمين الوافدين من بلدٍ واحدٍ كانوا ينزلون في وكالةٍ معينة حيث يألفون بعضهم ببعض، فوكالة قوصون مثلًا كان ينزلها التجار الوافدين ببضائع بلاد الشام، مثل: الزيت والصابون والفستق واللوز والجوز وغيرها، وفي الوكالة يستطيع التاجر أن يضع أمواله وبضائعه في مأمن من كل سوء، وفي الوقت نفسِه حرص سلاطين المماليك على حراسة الوكالات من عبث العابثين، كما أنهم احتاطوا عليها من خطر الحرائق وغيرها.\nولم يترك سلاطين المماليك حركة البيع والشراء في الأسواق دون رقيبٍ أو حسيب، وإنما عَهِدوا إلى المُحْتَسِبِين بالطواف ليلًا ونهارًا للتفتيش على الباعة، وضبط مَن يحاول التلاعب في الأسعار أو الأوزان أو أصناف البضاعة. وقد رُوعي في المحتسِب دائمًا أن يكون ذا رأيٍ وصرامةٍ وخشونةٍ","vol":"1","page":77},{"text":"في الدين. وكانت رقابة المحتسِب أشدَّ ما تكون على الأطعمة والمشروبات التي تباع في الأسواق والطرقات؛ للتأكد مِنْ سلامتها ونظافتها، حرصًا على صحة الناس، فإذا وجد بعضها فاسدًا أخذ البائع بالشدة (^١).\nوبعد هذه الدراسة الموجزة عن الحياة الاقتصادية في عصر المماليك نتكلم عن الأحوال الداخلية للمجتمع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>بناء المجتمع:</span>\nكان المجتمع في عصر المماليك مجتمعًا طبقيًا، بمعنى أنه تألف من عدة طبقات متميزة بعضها عن بعض في خصائصها وصفاتها ومظاهرها، فضلًا عن نظرة الدولة لها ومقدار ما تتمتع به من حقوق أو تنهض به من واجبات.\nوفي ظل مثل هذا التنظيم الطبقي يبدو الفارق كبيرًا بين الحكام والمحكومين، وبخاصة إذا كان الحكام أغرابًا عن البلاد وأهلها، لم تربطهم بأبناء مصر والشام رابطة الدم أو الأصل والجنس، مما جعل المماليك لا يشعرون في كثير من الحالات بروح التجاوب مع الأهالي، والعطف على مصالحهم، والعمل من أجل رفاهيتهم.\nوالواقع أن المماليك حكموا البلاد دائمًا بوصفهم طبقة عسكرية ممتازة، استأثروا بالحكم وبشؤون الحرب، ونظروا إلى الأهالي على أنهم أقلُّ منهم درجة أو درجات، لا ينبغي لهم أن يشاركوا في الحياة الحربية،\n_________\n(^١) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٣٠٨ - ٣١٠.","vol":"1","page":78},{"text":"وإذا سمح لبعضهم بالمشاركة في شؤون الحكم فبالقدر المحدود الذي تخوِّله صلاحيتهم. وتشير الشواهد التاريخية إلى أن المماليك لم يكونوا جميعًا من أصل واحد، بل كان منهم التركي والجركسي والمغولي والصيني والأسباني والألماني واليوناني والسلافي وغير ذلك من الجنسيات العديدة التي حملها تجار الرقيق إلى مصر. وقد شجع التجارَ على مزاولة تلك التجارة الأرباحُ الطائلة التي كانوا يحصلون عليها من وراء الاشتغال بها، إذ لم يضن سلاطين المماليك وأمراؤهم بالمال في شراء مزيد من المماليك يكونوا لهم سندًا ودعامة تقوِّي مركزَهم داخلَ البلاد وخارجَها. وبقدر ما في الملوك من مزايا وصفات طيبة ومواهب بقدر ما يرتفع ثمنه، وبالعكس بقدر ما قد يكون فيه من عيوب بقدر ما ينحط سعره، ولعل هذا هو السر في أن مملوكًا مثل قلاوون عُرف بالألفي؛ لأنه اشْتُرِي بألف دينار، وهو مبلغ كبير يستحق الفخر؛ لأنه يشير إلى عِظَم مواهبه وحُسْن صورته.\nوقد عُني سلاطين المماليك عنايةً فائقة بمماليكهم، وحرصوا على تربيتهم تربية سليمة، فإذا اشترى السلطان عددًا من المماليك أرسلهم أولًا لفحصهم للتأكد من سلامة أبدانهم، وبعد ذلك يُنزل كلًا منهم في طبقة جنسه بحيث لا يقيم في طبقةٍ من الطباق المخصَّصة للمماليك بالقلعة إلا المماليك ذوي الأصل المشترك أو المجلوبين من بلدٍ واحد. ويقوم بتربية المماليك في الطباق مجموعة من الطواشية الخِصْيان، فَضلًا عن الفقهاء الذين كانوا يترددون على الطباق لتعليم المماليك القرآن والخط وأحكام الدين الإسلامي، ثم إن الأساتذة - من سلاطين وأمراء - لم يضنوا على مماليكهم","vol":"1","page":79},{"text":"بالأرزاق والأموال، وإنما نظروا إليهم نظرة أبوة مشبعة بالعطف والحنان، فخصصوا لهم أشهر الأطعمة وصرفوا لهم الكسوات الفاخرة.\nفإذا شب المملوك وأدرك سن البلوغ بدأ تعليمه فنونَ الحرب والفروسية، حتى إذا انتهت هذه المرحلة التعليمية خرج من الطباق وانتقل في أدوار الخدمة السلطانية رتبةً بعد أخرى حتى يُصبح من الأمراء، وعندما يغادر المملوك الطباق تُعطى له جامكية (^١) أو مصروف يبلغ ستة دنانير في المتوسط، ولكنه سرعان ما ينتقل من الجامكيات إلى الإقطاعات وإلى إمرة العشرات (^٢) ثم الطبلخانات (^٣)، وعندئذٍ يصبح الأمير سلطانًا مختصرًا.\nوإلى جانب طبقة المماليك - وهم حكام البلاد - وجدت جماعة المُعَمَّمِين أو أهل العمامة، وهذه الطبقة كانت تشمل أرباب الوظائف الديوانية والفقهاء والعلماء والأدباء والكتاب. والملاحظ أن هذه الفئة امتازت طول عصر المماليك بمميزات معيَّنة على الرغم مما تعرض له أفرادها من الامتحان أحيانًا. ويبدو أن المماليك أحسوا دائمًا بأنهم غرباء عن البلاد\n_________\n(^١) الجامكية: وجمعها جوامك، الراتب المربوط لشهر أو أكثر. انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٤٢٦.\n(^٢) إمرة العشرات: هى درجة من درجات الإمارة، وعدة كل إمرة عشرة فوارس. انظر: صبح الأعشى ٤/ ١٥.\n(^٣) أمراء الطبلخاناه: هم أعلى رتبةً من أمراء العشرات؛ لأن عدة كلٍّ منهم في الغالب أربعون فارسًا، وقد يزيد بعضهم إلى سبعين أو ثمانين فارسًا. ومن أمراء الطبلخاناه تكون الرتبة الثانية من أرباب الوظائف والكُشَّاف بالأعمال، وأكابر الولاة. انظر: صبح الأعشى ٤/ ١٥.","vol":"1","page":80},{"text":"وأهلها، وبأنهم في حاجة إلى دعامة يستندون إليها في حكمهم، ويستعينون بها على إرضاء الشعب، فلم يجدوا أمامهم سوى فئة العلماء، بحكم ما للدين ورجاله من قوةٍ وأثر. فالمماليك احترموا العلماء ورجال الدين؛ لأنهم قوة لها خطرها في اكتساب الرأي العام في البلاد، ولأن بهم عرفوا دين الإسلام وفي بركتهم يعيشون.\nومن جهةٍ أخرى فإن المُعَمَّمين اعتدوا بمكانتهم في عصر المماليك فعمدوا أحيانًا إلى معارضة السلاطين في الحق، حتى حكى ابن بطوطة (^١) عن السلطان الناصر محمد بن قلاوون أنه قال: إني لا أخاف أحدًا إلا شمس الدين الحريريَّ (^٢) قاضي قضاة الحنفية. على أن هذه المكانة الكبرى التي\n_________\n(^١) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم اللواتي الطنجي، أبو عبد الله ابن بطوطة. رحَّالة، مؤرخ. ولد ونشأ في طنجة بالمغرب الأقصى سنة ٧٠٣ هـ. وخرج منها سنة ٧٢٥ هـ ورحل إلى الشرق فطاف بالبلدان، ولقي من الملوك والمشايخ خلقًا كثيرًا. ثم رجع إلى المغرب الأقصى فانقطع إلى السلطان أبي عنان (من ملوك بني مرين) فأقام في بلاده، وأملى أخبار رحلته على محمد بن جزيِّ الكلبي بمدينة فاس سنة ٧٥٦ هـ، وسماها \"تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار\". ترجمت إلى اللغات البرتغالية والفرنسية والإنجليزية، ونشرت بها، وترجمت فصول منها إلى الألمانية ونشرت أيضًا. واستغرقت رحلته ٢٧ سنة. ومات في مراكش سنة ٧٧٩ هـ. انظر: الدرر ٣/ ٤٨٠، الأعلام ٦/ ٢٣٥، معجم المؤلفين ١٠/ ٢٣٥.\n(^٢) هو محمد بن عثمان بن أبي الحسن بن عبد الوهاب الأنصاري القاضي شمس الدين بن صفي الدين الحريري الحنفي، كان أبوه يتجر في الحرير. ولد سنة ٦٥٣ هـ. ولي قضاء دمشق، ثم طُلب إلى مصر فولي القضاء بها سنة ٧١٠ هـ. له شرح على الهداية، ومصنف في منع استبدال الوقف. توفي سنة ٧٢٨ هـ. انظر: الدرر ٤/ ٣٩، الجواهر المضية ٣/ ٢٥٠، معجم المؤلفين ١٠/ ٢٨٢.","vol":"1","page":81},{"text":"وصل إليها العلماء في عصر المماليك لم تمنع بعض السلاطين والأمراء من التعرض لهم بالنقد والتهكم.\nولم يرض المماليك أن تشاركهم فئةٌ من السكان في ركوب الخيل، فاشترطوا على السلاطين حرمان المتعممين من ركوبها، وكثيرًا ما انسابت جموع المماليك في شوارع القاهرة للاعتداء على الفقهاء والمعممين وإنزالهم عن خيولهم وسلبهم إياها.\nأما التجار فكانوا يؤلفون طبقة مقربة أحيانًا إلى سلاطين المماليك؛ لأنهم أحسوا بأن التجار دون غيرهم هم المصدر الأساسي الذي يمدهم بالمال في ساعات الحرج والشدة، وتدل جميع الشواهد على أن التجار تمتعوا في عصر المماليك بثروات طائلة، وهذا أمر طبيعي في عصرٍ كانت مصر حلقة النشاط التجاري بين الشرق والغرب. على أن كثرة الثروة في أيدي التجار جعلتهم دائمًا مطمع سلاطين المماليك، فأكثروا من مصادرتهم بين حينٍ وآخر، فضلًا عن إثقالهم بالرسوم الباهظة، لذلك لم يطمئن التجار في عصر المماليك على أموالهم وتجارتهم، بل كانوا يدعون على أنفسهم أحيانًا أن يغرقهم الله حتى يستريحوا مما هم فيه من الغرامات والخسارات وتحكُّم الظلمة فيهم (^١).\n_________\n(^١) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٣٢٠ - ٣٢٤.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المبحث الثالث: الحياة العلمية والدينية</span>\nالحق أن مصر أصبحت على عصر سلاطين المماليك ميدانًا لنشاط علمي واسع، يدل عليه ذلك التراث الضخم من موسوعات أدبية، وكتب تاريخية، ومؤلفات في العلوم الدينية تركها علماء ذلك العصر.\nويربط السيوطي بين هذا النشاط العلمي الواسع في مصر بالذات على عصر المماليك، وبين إحياء الخلافة العباسية في القاهرة بعد أن سقطت في بغداد، ويقول إنه منذ إحياء الخلافة العباسية في مصر غدت هذه البلاد محل سكن العلماء ومحط رحال الفضلاء.\nوالواقع أنه ما كان لهذا النشاط العلمي أن يزدهر في مصر في عصر المماليك لولا تشجيع بعض سلاطين المماليك للعلم والعلماء، وقد وصف أبو المحاسن (^١) السلطانَ الظاهرَ بيبرس بأنه كان يميل إلى التاريخ وأهله ميلًا\n_________\n(^١) هو يوسف بن تغري بردي بن عبد الله الظاهري الحنفي، أبو المحاسن جمال الدين. مؤرخ بحّاثة. ولد بالقاهرة سنة ٨١٣ هـ. تفقّه وقرأ الحديث وأُولع بالتاريخ وبرع في فنون الفروسية، وصنف كتبًا نفيسةً منها: \"النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة\"، \"المنهل الصافي والمستوفي بعد الوافي\"، \"نزهة الرائي\". توفي سنة ٨٧٤ هـ. انظر: الضوء اللامع ١٠/ ٣٠٥، شذرات ٧/ ٣١٧، الأعلام ٨/ ٢٢٢، معجم المؤلفين ١٣/ ٢٨٢.","vol":"1","page":83},{"text":"زائدًا، ويقول: \"سماع التاريخ أعظم من التجارب\".\nوهكذا عاد الجامع الأزهر في عهد الظاهر بيبرس إلى سابق عهده قَصَبةً لطلاب العلم في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.\nوكذلك وجد من سلاطين الماليك - كالسلطان الغوري (^١) - مَنْ حرص على عقد المجالس العلمية والدينية بالقلعة مرةً أو مرتين أو أكثر كل أسبوع، وقد بُحثت في تلك المجالس مختلف المسائل والمشاكل العلمية والدينية التي تناقش فيها الحاضرون من كبار العلماء والفقهاء. كذلك نسمع عن بعض أمراء الماليك وأبنائهم في مصر أنهم اشتغلوا بالتاريخ والفقه والحديث واللغة العربية، بل تصدى بعضهم لإقراء الطلبة والتدريس لهم (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>المدارس والمكتبات:</span>\nولا أدل على رعاية سلاطين المماليك للنشاط العلمي من حرصهم على إنشاء كثير من المدارس، فضلًا عن المؤسسات الأخرى التي قامت أحيانًا بوظيفة المدارس مثل المساجد.\n_________\n(^١) هو قانصوه بن عبد الله الظاهري الأشرفي (نسبة إلى الأشرف قايتباي) الغوري أبو النصر، سيف الدين الملقب بالملك الأشرف، جركسي الأصل. بُويع بالسلطنة سنة ٩٠٥ هـ، وكان عظيم الدهاء قوي التدبير، فثبَّت قدمه في السلطنة ثباتًا عظيمًا، مات قهرًا، وضاعت جثته تحت سنابك الخيل في معركة مرج دابق، وذلك في سنة ٩٢٢ هـ. انظر: الأعلام ٥/ ١٨٧، البدر الطالع ٢/ ٥٥، العصر المماليكي ص ١٨٥.\n(^٢) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٣٤١ - ٣٤٢.","vol":"1","page":84},{"text":"ومن المدارس العديدة التي أسسها سلاطين المماليك المدرسة الظاهرية نسبةً إلى السلطان الظاهر بيبرس الذي وضع أساسها سنة ١٢٦١ م، والمدرسة الناصرية التي شيدها السلطان الناصر محمد ١٣٠٣ م، ومدرسة السلطان برقوق (^١) التي أنشأها بين القصرين بالقاهرة سنة ١٣٨٦ م. ولم تكن جميع المدارس التي شيَّدها سلاطين المماليك في المدن الكبرى، وإنما شُيِّد في القرى والريف مثل مدرسة سَرْياقَوْس (^٢) التي أنشأها السلطان برسباي (^٣).\nومن جهة أخرى فإن سلاطين المماليك لم يقتصروا في إنشاء المدارس على مصر، وإنما أقاموا كثيرًا منها في مختلف أنحاء دولتهم الواسعة، ومن ذلك ما نسمعه عن أن السلطان قايتباي (^٤) أنشأ مدارس عديدة في مصر\n_________\n(^١) هو الملك الظاهر برقوق بن أنس بن عبد الله الجركسي. كان اسمه الطنبغا فسماه سيده يلبغا الكبير برقوقًا لنتوءٍ في عينيه. تولى الملك سنة ٧٨٤ هـ. كان شهمًا شجاعًا ذكيًا خبيرًا بالأمور. توفي سنة ٨٠١ هـ. انظر: شذرات ٧/ ٦، الجوهر الثمين ص ٤٥٧، العصر المماليكي ص ١٦٠.\n(^٢) سَرْياقَوْس: بُليدة في نواحي القاهرة بمصر. انظر: معجم البلدان ٣/ ٢١٨.\n(^٣) هو الملك الأشرف برسباي بن عبد الله أبو النصر الدقماقي الظاهر الجركسي، سلطان الديار المصرية والبلاد الشامية والأقطار الحجازية، الثاني والثلاثون من ملوك الترك، والثامن مِنْ ملوك الجراكسة. بُويع بالسلطنة سنة ٨٢٥ هـ فساس الملك أحسن سياسة. توفي سنة ٨٤١ هـ. انظر: شذرات ٧/ ٢٣٨، الضوء اللامع ٣/ ٨، الأعلام ٢/ ٤٨.\n(^٤) هو السلطان قايتباي المحمودي الأشرفي ثم الظاهري، أبو النصر سيف الدين الجركسي. ولد سنة ٨١٥ هـ، وتسلطن سنة ٨٧٢ هـ. كان مقبلًا على أفعال الخير، مقرِّبًا للعلماء والصلحاء، محبًا للفقراء. دامت مدة ملكه تسعة وعشرين سنة. توفي سنة ٩٠١ هـ. انظر: الضوء اللامع ٦/ ٢٠١، البدر الطالع ٢/ ٥٥، الأعلام ٥/ ١٨٨، العصر المماليكي ص ١٨٢.","vol":"1","page":85},{"text":"والشام والحجاز، كما أنشأ السلطان الغوري مدرسة في مكة.\nوجرت العادة عند الفراغ من إنشاء مدرسة في عصر المماليك أن يُحتفل بافتتاحها احتفالًا كبيرًا يحضره السلطان والأمراء والفقهاء والقضاة والأعيان، ويُمَدُّ سِماطٌ فاخر في صحن المدرسة به ألوان الأطعمة والحلوى والفواكه، وبعد أن يخلع السلطان على كل من أسهم في بناء المدرسة من المعلِّمين والبنَّائين والمهندسين، يعيِّن للمدرسة موظَّفيها من المدرسين والفقهاء والمؤذنين والقراء والفَرَّاشين وغيرهم.\nوكانت وظيفة التدريس بالمدرسة جليلة القدر، يخلع السلطان على صاحبها (^١) ويكتب له توقيعًا من ديوان الإنشاء يختلف باختلاف المادة التي يُدَرِّسها المدرِّس تفسيرًا كانت أو حديثًا. وفي هذا التوقيع يقدِّم السلطان النصح للمدرس بأن يظهر مكنون علمه للطلاب، ويقبل على الدرس وهو طَلْق الوجه منشرح الصدر؛ ليستميل إليه طلبته ويربيهم كما يربي الوالد ولده. كذلك يطلب من المدرِّس أن ينظر في طلبته ويحثهم كل وقت على الاشتغال.\nوجرت العادة على تعيين معيد أو أكثر لكل مدرِّس؛ ليعيد للطلبة ما ألقاه عليهم المدرِّس ليفهموه ويحسنوه، كما يشرح لهم ما يحتاج إلى الشرح.\nأما الطلبة فقد تمتعوا بحرية اختيار المواد التي يدرسونها، بحيث لا يمنع فقيه أو مستفيد من الطلبة ما يختاره من أنواع العلوم الشرعية. وكثيرًا ما\n_________\n(^١) أي: يُنعم عليه بملابس فاخرة. انظر: صبح الأعشى ٤/ ٥٣.","vol":"1","page":86},{"text":"اعتمد هذا الاختيار على مكانة المدرِّس وشهرته العلمية، بحيث ينتقل طالب العلم من بلد بعيدٍ ليتتلمذ على فقيه أو محدث مشهور. فإذا أتم الطالب دراسته وتأهل للفتيا والتدريس أجاز له شيخه ذلك، وكتب له إجازة يذكر فيها اسم الطالب وشيخه ومذهبه وتاريخ الإجازة وغير ذلك.\nولا شك في أن قيمة هذه الإجازة كانت تتوقف على سمعة الشيخ الذي صدرت عنه ومكانته العلمية.\nوالواقع أن المدارس في عصر المماليك تمتعت بدخل مالي ثابت مكَّنها من أداء رسالتها وتدعيم نظامها. أما هذا الدخل فكان مصدره الأوقاف: من أراضٍ وبيوتٍ وأسواقٍ ومعاصرَ وغيرها، وهي أوقاف كان يُنفق مِنْ ريعها على المدرسة ومَنْ فيها مِنْ مدرسين وطلاب علمٍ وموظفين (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>المكتبات:</span>\nوإذا كانت الحياة العلمية قد نشطت في عصر المماليك - فإنه يلاحظ أن الركن الأول للنشاط العلمي في أي زمان ومكان هو الكتب والمكتبات. فبدون الكتب والمكتبات لا تستطيع المدارس أن تؤدي مهمتها، ولا يستطيع المتعلِّمون والمعلِّمون أن يواصلوا رسالتهم. لذلك لا عجب إذا شهد عصر المماليك نشاطًا منقطع النظير في التأليف من ناجية، وفي جمع الكتب وإنشاء المكتبات والعناية بها من ناحية ثانية. وكان سلاطين المماليك أنفسهم أول مَنْ قدَّر أهمية الكتب فاحتفظوا في قلعة الجبل بخزانة كتب\n_________\n(^١) انظر: العصر المماليكي ص ٣٤٢ - ٣٤٥.","vol":"1","page":87},{"text":"جليلة القدر، حوت مجموعة ضخمة من الكتب الدينية وغير الدينية. وقد ظلت هذه المكتبة عامرة بالكتب محتفظة بأهميتها، رغم الحريق الذي تعرضت له سنة ١٢٩٢ م على عهد السلطان الأشرف خليل بن قلاوون (^١).\nأما مكتبات المدارس والجوامع في عصر المماليك فكانت على درجة فائقة من الإعداد والغنى. فإذا كان السلطان الظاهر بيبرس قد أنشأ المدرسة الظاهرية، فإن المراجع تشير إلى أنه ألحق بتلك المدرسة خزانة كتب جليلة تشتمل على مجموعة ضخمة من المراجع في مختلف العلوم. وكذلك حرص السلطان المنصور قلاوون على أن يزوّد مكتبة المدرسة المنصورية بالكثير من كتب التفسير، والحديث، والفقه، واللغة، والطب، والأدبيات، ودواوين الشعراء. وكذلك المدرسة الناصرية التي أقامها السلطان الناصر محمد، إذ أنشأ بها خزانة كتب جليلة.\nولم يَقِلَّ سلاطينُ المماليك الجراكسة عنايةً بالكتب عن سلاطين دولة المماليك الأولى أو الأتراك، فنسمع عن خزائن الكتب العامرة التي ألحقها سلاطين الجراكسة مثل الظاهر برقوق والمؤيد شيخ (^٢) والأشرف قايتباي\n_________\n(^١) هو خليل بن قلاوون الصالحي، الملك الأشرف صلاح الدين ابن السلطان الملك المنصور. ولد سنة ٦٦٦ هـ. ولي بعد وفاة أبيه سنة ٦٨٩ هـ، واستفتح الملك بالجهاد. قتل غيلة بمصر سنة ٦٩٣ هـ. انظر: البداية والنهاية ١٣/ ٣٥٤، شذرات ٥/ ٤٢٢، الأعلام ٢/ ٣٢١.\n(^٢) هو شيخ بن عبد الله المحموديُّ الظاهريّ، أبو النصر الجركسيُّ الأصل. ولد سنة ٧٧٠ هـ تقريبًا. أصله. تولى السلطنة في سنة ٨١٥ هـ. توفي سنة ٨٢٤ هـ. انظر: الضوء اللامع ٣/ ٣٠٨، الأعلام ٣/ ١٨٢، العصر المماليكي ص ١٦٨.","vol":"1","page":88},{"text":"والأشرف قانصوه الغوري بمدارسهم، هذا مع ملاحظة أن خزانات الكتب في عصر المماليك لم تلحق بالمدارس فحسب وإنما ألحقت أيضًا بالخانقاوات (^١) والجوامع، وذلك تحقيقًا وتعميمًا للفائدة العلمية المرجوة. وفي جميع الحالات قام بالإشراف على خزانة الكتب \"خازن الكتب\" ومهمته ترتيب الكتب وتنظيمها وحفظها وحبكها وترميمها بين حين وآخر، فضلًا عن إرشاد القراء إلى ما يلزمهم من مراجع، لذلك كان يُختار لخزانة الكتب عادة فقيهٌ أو عالمٌ يراعى فيه سعة العلم والأمانة.\nوكانت عملية تغذية المكتبات بالكتب مستمرة، فبالإضافة إلى مجموعة الكتب التي يحبسها صاحب المدرسة على خزنتها، استمرت المكتبات تحصل على جديد من الكتب إما عن طريق الهدايا والهبات وإما عن طريق النسخ وإما عن طريق الشراء. ولعل صعوبة نسخ الكتب والحصول عليها في ذلك العصر هي التي تطلبت تحريم إعارة الكتب خارجيًا تحريمًا باتًّا إلا في حالات نادرة خاصة. ومعنى ذلك أن الاستفادة من الكتب اقتصرت على الاطلاع الداخلي وفق شروط خاصة تضمن المحافظة على الكتب وعدم استهلاكها (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>المكاتب:</span>\nوإذا كانت المدارس في عصر المماليك تمثل المعاهد العليا أو الجامعات - فإن المكاتب نهضت عندئذ بالمرحلة الأولى من مراحل التعليم. ويبدو أن\n_________\n(^١) الخانقاوات جمع خانقاه: وهو بيت ينقطع فيه الصوفية للعبادة والذكر. انظر: العصر المماليكي ص ٤٣٣.\n(^٢) انظر: العصر المماليكي ص ٣٤٥ - ٣٤٧.","vol":"1","page":89},{"text":"الهدف الأساسي من إنشاء معظم المكاتب كان تعليم أيتام المسلمين، ولذلك أقبل الخيِّرون على إقامتها وحبسِ الأوقاف عليها رغبةً في الثواب. وكان يقوم بتعليم الأطفال في المكتب \"المؤدِّب\" الذي أطلق عليه أحيانًا اسم \"الفقيه\"، واشترط فيه أن يكون: خيِّرًا ديِّنًا أمينًا على أطفال المسلمين، متين الخلق عَفًّا متزوجًا عارفًا بصناعته صالحًا للتعليم.\nوساعد المؤدب في عمله \"العريف\" وهو أشبه بالمعيد في المدارس، إذ كان يعاون المتخلِّفين من الأطفال، ويعرضون عليه ألواحهم في غيبة المؤدِّب. وربما كان في المكتب الواحد أكثر من مؤدِّب وعريف إذا تطلبت كثرة الأطفال ذلك، بحيث يكون لكل مؤدب عدد معين من الأطفال يقوم بالإشراف عليهم وتعليمهم. وقد ذكر النويري (^١) كيف أن السلطان المنصور قلاوون رتب في مكتب السبيل الذي أنشأه فقيهين يعلِّمان مَنْ كان صغيرًا من أيتام المسلمين كتاب الله تعالى، ورتَّب لهما جامكية في كل شهر وجراية في كل يوم: وهي لكل منهما في كل شهر ثلاثون درهمًا، وفي كل يوم من الخبز ثلاثة أرطال، وكسوة في الشتاء وكسوة في الصيف. ورتب للأيتام لكل منهم في كل يوم رطلان خبزًا، وكسوة في الشتاء وكسوة في الصيف.\n_________\n(^١) هو أحمد بن عبد الوهاب بن محمد بن عبد الدائم القرشيُّ التيميُّ البكريّ، شهاب الدين النويري. نسبته إلى نُويرة: قرية من قرى بني سويف بمصر، ومولده ومنشأه بقوص. ولد سنة ٦٧٧ هـ. كان عالمًا بحَّاثًا غزير الاطلاع، ويكفيه أنه مصنِّف \"نهاية الأرب في فنون الأدب\" كبير جدًا، وهو أشبه بدائرة معارف لما وصل إليه العلم عند العرب في عصره. توفي سنة ٧٣٣ هـ. انظر: الدرر ١/ ١٩٧، الأعلام ١/ ١٦٥، معجم المؤلفين ١/ ٣٠٦.","vol":"1","page":90},{"text":"وكانت مناهج التعليم في هذه المكاتب تدور حول القراءة والكتابة وتعليم القرآن والحديث وآداب الدين، فضلًا عن مبادئ الحساب وقواعد اللغة وبعض الشعر. ويبدأ الأطفال بالكتابة في ألواح ثم ينتقلون بعد ذلك إلى الكتابة بالمداد، فإذا بلغ الطفل الحلم وزالت عنه صفة اليتم - صُرِف من المكتب ليحل محله مستحقٌ آخر. وقد أُوصي المؤدِّب بأن يحسن معاملة الأطفال ولا يقسو عليهم ولا يضربهم، إلا إذا أساء صبي منهم الأدب وعندئذ يضربه المؤدب ضربًا وسطًا يؤلم ولا يؤذي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>النشاط الديني:</span>\nأما عن الحياة الدينية - فالملاحظ أن مصر شهدت في عصر المماليك نشاطًا دينيًا منقطع النظير، وقد يكون السِّرُّ في هذا النشاط الديني الكبير هو شعور المماليك أنفسِهم بأنهم أغرابٌ عن البلاد وأهلها، مغتصبون للحكم والعرش من أصحابه الشرعيين، ولذلك أرادوا أن يتخذوا من الدين ورجاله ستارًا يُخفي هذه الحقائق عن أعين المحكومين، ويقرِّبهم إلى قلوب الشعب، وما دام المماليك مسلمين، يؤمنون بالله ورسوله، ويحرصون على إقامة شعائر الدين وإحياء سنن الأولين، ويَعْمُرون مساجدَ يُذكر فيها اسم الله كثيرًا - فهم إذًا حكامٌ صالحون، ولا داع للتفكير كثيرًا في أصلهم وطريقة وصولهم إلى الحكم.\nوثَمَّة ملاحظةٍ أخرى؛ هي أن جزءًا كبيرًا من النشاط الديني في عصر المماليك كان مُوَجَّهًا لخدمة المذهب السنيِّ ومحاربة المذهب الشيعيّ، ذلك أنه على الرغم من الجهود الكبيرة التي بذلها صلاح الدين الأيوبي ومَنْ","vol":"1","page":91},{"text":"خلفه من سلاطين بني أيوب لمحاربة الشيعة والتشيع في مصر، إلا أن الكثير من آثار المذهب الشيعي ظلت قائمةً في عصر المماليك. وقد لجأ سلاطين المماليك إلى استخدام العنف أحيانًا لكبت الشيعة، حتى أن الناس في ذلك العصر كانوا إذا أرادوا أن يكيدوا لشخصٍ دَسُّوا عليه مَنْ رماه بالتشيع، فتصادر أملاكه، وتنهال عليه العقوبات والإهانات، حتى يُظْهِر التوبة من الرفض. وفي الوقت نفسِه حارب سلاطين المماليك ظاهرةَ التشيع عن طريقٍ غير مباشر، فأمر السلطان الظاهر بيبرس ١٢٦٧ م (٦٦٥ هـ) باتباع المذاهب السنية الأربعة وتحريم ما عداها، كما أمر بألا يُولى قاضٍ ولا تُقبل شهادةُ أحدٍ ولا يرشَّح لإحدى وظائف الخطابة أو الإمامة أو التدريس ما لم يكن مقلِّدًا لأحد هذه المذاهب.\nوثمة وسيلة اتخذها سلاطين بني أيوب، واتبعهم فيها سلاطين المماليك؛ لمحاربة المذهب الشيعي والحد من انتشاره في البلاد: هي إنشاء المدارس. وقد سبق أن تكلمنا عن أهمية المدرسة من الناحية العلمية، ولكن الحقيقة الكبرى التي لا ينبغي أن تغيب عن أذهاننا هي أن صلاح الدين عندما أنشأ أُولى المدارس في مصر، إنما استهدف أن تكون المدرسة - قبل أي اعتبار آخر - مركزًا لتدعيم الفقه السني. وقد راعى هذا المبدأ خلفاء صلاح الدين، فأقاموا المدارس واشترطوا أن تكون كلٌّ منها خاصةً بتدريس مذهبٍ أو مذهبين من مذاهب السنّة الأربعة، حتى كانت المدرسة التي أنشأها السلطان الصالح نجم الدين أيوب (^١) سنة ١٢٤٢ (٦٤٠ هـ)،\n_________\n(^١) هو الملك الصالح أيوب بن محمد بن أبي بكر بن أيوب، أبو الفتوح نجم الدين، =","vol":"1","page":92},{"text":"وهي أول مدرسة بُنيت في القاهرة على المذاهب الأربعة - الشافعي والمالكي والحنفي والحنبلي - واستمرت هذه المدرسة تؤدي رسالتها في خدمة السنّة حتى القرن التاسع الهجري - الخامس عشر الميلادي - على أيام المؤرخ تقي الدين المقريزي. وهكذا سار المماليك على سُنَّة الأيوبيين في إنشاء المدارس، فحرصوا على أن يجعلوا منها أداةً لخدمة السنّة ومذاهبها. من ذلك ما أورده النويري من وصفٍ للمدرسة الناصرية التي أقامها السلطان الناصر محمد بن قلاوون، إذ يقول إنه كان بها أربعة أواوين كل منها خاص بأحد مدرسي المذاهب الأربعة، فالمدرّس المالكي اختص بالإيوان القبلي، والشافعي بالإيوان البحري، والحنفي بالإيوان الشرقي، والحنبلي بالإيوان الغربي.\nولم تكن المدارس هي المؤسسات الدينية الوحيدة التي أكسبت عصر المماليك طابعه الديني الخاص، بل شهد ذلك العصر إقامة مؤسسات أخرى عديدة مثل المساجد والزوايا وغيرها. والملاحظ أن كلًّا من المدرسة والجامع في ذلك العصر قامت بدور مزدوج في خدمة الدين والعلم، ولكن الفارق بين الحالتين هو أن المدرسة - كما يتضح من اسمها - استهدفت أولًا خدمة العلم وجاء نشاطها الديني ضمنيًا عن طريق تدريس العلوم الدينية مثلًا، وبالعكس كان الهدف الأول من الجامع أو المسجد خدمة الدين\n_________\n= من كبار الملوك الأيوبيين بمصر. ولد بالقاهرة سنة ٦٠٣ هـ. ولي بعد خلع أخيه العادل سنة ٦٣٧ هـ، وضبط الدولة بحزم، وكان شجاعًا مهيبًا عفيفًا صموتًا. مات بناحية المنصورة، ونقل إلى القاهرة، سنة ٦٤٧ هـ. من آثاره: قلعة الروضة بالقاهرة. انظر: الأعلام ٢/ ٣٨، السلوك لمعرفة دول الملوك ١/ ٤٣٥ - ٤٤٣.","vol":"1","page":93},{"text":"وإحياء شعائره، وبعد ذلك جاء استخدام بعض المساجد في التدريس ليحقِّق غرضًا آخر ثانويًا؛ لأن العلوم الدينية - من فقه وحديث وتفسير - احتلت مكان الصدارة في دراسات ذلك العصر.\nوالواقع أن النشاط الديني في عصر المماليك تطلب إقامة ما لا يكاد يُحصى من المساجد، وبخاصة في مصر والشام. وقد قَدَّر المقريزيُّ عدد المساجد التي تُقام بها الجمعة بمصر والقاهرة بمائة وثلاثين مسجدًا، في حين قَدَّرها خليل بن شاهين الظاهري (^١) بأكثرَ مِنْ ألفِ مسجد. وفي عهد السلطان الناصر محمد، شَيَّد السلطان الناصر وأمراؤه ثمانيةً وعشرين مسجدًا، وكان إذا تم بناء جامعٍ أو مسجدٍ رُتِّب له خطيبٌ وخَدَمٌ واحتُفِل بافتتاحه في حفلٍ كبير (^٢).\n_________\n(^١) هو خليل بن شاهين الظاهريّ، غرس الدين، يعرف بابن شاهين. أميرٌ من المماليك، اشتهر بمصر، نسبته إلى الظاهر برقوق، وكان أبوه شاهين من مماليكه. ولد ببيت المقدس سنة ٨١٣ هـ. كان من المولَعين بالبحث، وله تصانيف ونظم. من مصنفاته: زبدة كشف الممالك وبيان الطرق والمسالك، والإشارات إلى علم العبارات، والمواهب في اختلاف المذاهب. توفي سنة ٨٧٣ هـ. انظر: الضوء اللامع ٣/ ١٩٥، الأعلام ٢/ ٣١٨.\n(^٢) انظر: العصر المماليكي في مصر والشام ص ٣٤٨ - ٣٥١.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>الفصل الثاني: التعريف بالشيخ تقي الدين السبكي</span>","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>المبحث الأول: اسمه ونسبه</span>\nهو الشيخ الإمام علي بن عبد الكافي بن علي بن تَمَّام بن يوسف بن موسى بن تَمَّام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي بن مِسْوَار بن سَوَّار بن سُلَيم السُّبْكي، الخزرجي الأنصاري، ﵏ جميعًا.\nيقول تاج الدين السبكي ﵀: \"نقلت من خط الجد (^١) ﵀ نِسْبتنا معاشرَ السبكية إلى الأنصار. وقد رأيت الحافظ النَّسَّابة شرف الدين الدمياطي (^٢) ﵀ يكتب بخطه للشيخ الإمام الوالد ﵀: الأنصاري الخزرجي\" (^٣) فهم من قبيلة أسْلم، وأسلم من خُزاعة، وقيل لهم: خُزاعة؛\n_________\n(^١) أي: عبد الكافي، أبو محمد. ولد سنة ٦٦٠ هـ تقريبًا. ولي قضاء الشرقية وأعمالها، والغربية وأعمالها، من الديار المصرية. كان من أعيان نُوَّاب الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد. توفي سنة ٧٣٥ هـ بالمحلَّة. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٨٩، الدرر ٢/ ٣٩٦.\n(^٢) هو عبد المؤمن بن خلف بن أبي الحسن بن شرف التُّوني الدمياطي الشافعي، الحافظ شرف الدين، من أهل تونه: قرية من عمل دمياط. ولد سنة ٦١٣ هـ. قال الذهبي: ومعجم شيوخه يبلغون ألفًا وثلاثمائة إنسان. من مؤلفاته: قبائل الخزرج وقبائل الأوس، والعقد المثمن في مَن اسمه عبد المؤمن، والسيرة النبوية، وغيرها. توفي سنة ٧٠٥ هـ. انظر: تذكرة ٤/ ١٤٧٧، الطبقات الكبرى ١٠/ ١٠٢، الدرر ٢/ ٤١٦.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٩١.","vol":"1","page":96},{"text":"لأنهم تَخَزَّعوا عن الأزْد، والتَّخَزُّع: التَّقَاسُم (^١).\nوقال النبي ﵌: \"أسلم سَالَمها الله، وغِفَار غَفَر الله لها، وعُصَيَّة عَصَت اللهَ ورسوله\" (^٢).\nإلا أن التقي السبكي ﵀ كان لكمال ورعه ومزيد تقواه لا يكتب هذه النسبة، يقول ابنه التاج ﵀: \"ولم يكتب الشيخ الإمام ﵀ بخطه لنفسه: الأنصاريَّ، قَطُّ، وإن كان شيخه الدمياطيُّ يكتبها له، وإنما كان يترك الشيخ الإمام كتابةَ ذلك؛ لوفور عقله، ومزيد ورعه، فلا يرى أن يطرق نحوه طعن من المنكِرين، ولا أن يكتبها مع احتمال عدم الصحة، خشية أن يكون قد دعا نفسه إلى قومٍ وليس منهم. وقد كانت الشعراء يمدحونه، ولا يُخْلون قصائدهم من ذكر نسبته إلى الأنصار، وهو لا ينكر ذلك عليهم، وكان ﵀ أورع وأتقى لله من أن يسكت على ما يعرفه باطلًا. وقد قرأ عليه شاعر العصر ابنُ نُباتة (^٣) غالب قصائده التي امتدحه بها، وفيها ذِكْرُ نسبته إلى الأنصار، والشيخ الإمام يُقِرُّه. . .\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٩١.\n(^٢) أخره بلفظه أحمد في المسند ٢/ ٢٠، ٥٠، ١٢٦، والحاكم بنحوه في المستدرك ٤/ ٨٢، وصححه ووافقه الذهبي.\n(^٣) هو محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن نُباتة، بضم النون على الأشهر، ويجوز فتحها في قول، الشيخ جمال الدين أبو الفضائل، وأبو الفتح، وأبو بكر وهي أشهر. ولد بالقاهرة سنة ٦٨٦ هـ. كان ﵀ أديب عصره، وحامل لواء الشعر في زمانه. توفي ﵀ بالقاهرة سنة ٧٦٨ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٢٧٣، الدرر ٤/ ٢١٦.","vol":"1","page":97},{"text":"وكذلك حضر الشيخ الإمام عَقْدَ بنات بعض الأكابر، وكان الصَّداق صناعة القاضي شهاب الدين بن فضل الله، فلما قُرئ وجاء ذِكْر الشيخ الإمام - أنشد القاضي شهابُ الدين لنفسه ما كتبه في الصَّداق، والشيخ الإمام يسمع:\nقاضي القضاةِ بعلمه وَضَح الهُدَى ... وبجوده ووجوده فاض النَّدَى\nمن آلِ يَعْرُبَ في ذَوائبها العُلَى ... جاز السماءَ عُلًا وجاز الفَرْقَدا\nمن كلِّ أبيضَ باسمٍ يومَ الوغى ... يَجْتابُ من ليل الهلال الأسْوَدا\nنَصَر النبيَّ محمدًا بِجِدالِهِ ... وجُدُودُه نَصَروا النبيَّ محمدا\nفلما انفصل المجلس، وجاء الصَّداق إلى المثسيخ ليكتب عليه اسمه - كتب عليه وعلَّق عليه من خطِّه في مجاميعه هذه الأبيات، ومن خطِّه نقلتُها، ولولا أنه رأى ذلك حقًا ما كتبه بخطه؛ لما أعلمه من ورعه وشدته في ذلك\" (^١).\n_________\n(^١) انظر: الطبقات ١٠/ ٩٢ - ٩٤.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>المبحث الثاني: ولادته ونشأته</span>\nولد في ثالث صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة، بسُبْك من أعمال المنوفية. وفي مصر قريتان تسميان بسُبْك وهما: سُبْك الضَّحَّاك، وسُبْك العَبِيد، وهي التي منها تقي الدين السبكي ﵀ (^١)، وكلاهما من أعمال المنوفية، وتسمى سُبْك الضحاك بسبك الثلاثاء أيضًا، وتسمى سبك العَبِيد بسبك الأحد، وبسُبْك العويضات، وهذا الاسم الأخير هو الباقي إلى الآن، لا الاسمَيْن الآخَرَيْن (^٢).\nوكانت نشأته الأولى بها، وبها طلب العلم إلى أن حَصَّل قدرًا كثيرًا ثم انتقل إلى القاهرة لملاقاة شيوخها وعلمائها.\n_________\n(^١) انظر: القاموس المحيط ٣/ ٣٠٦، مادة (سبك).\n(^٢) انظر البيت السبكي ص ٩٠ - ٩١، لمحمد الصادق حسين.","vol":"1","page":99},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>المبحث الثالث: طلبه للعلم وشيوخه</span>\nقال التاج السبكي ﵀: \"وتفقه في صغره على والده، وكان من الاشتغال على جانب عظيم، بحيث يستغرق غالب ليله وجميع نهاره، وحَكى لي أنه لم يأكل لحم الغنم إلا بعد العشرين من عمره؛ لحدة ذهنه، وأنه كان إذا شَمَّ رائحته حصل له شَرَى (^١)، وإنما كان يخرج من البيت صلاة الصبح، فيشتغل على المشايخ إلى أن يعود قريب الظهر، فيجدَ أهل البيت قد عملوا له فروجًا، فيأكله ويعود إلى الاشتغال إلى المغرب، فيأكل شيئًا حُلْوًا لطيفًا، ثم يشتغل بالليل، وهكذا لا يعرف غير ذلك، حتى ذكر لي أن والده قال لأمه: هذا الشاب ما يطلب قط درهمًا ولا شيئًا، فلعله يرى شيئًا يريد أن يأكله، فضعي في مِنْدِيله درهمًا أو درهمين، فوضعتْ نصف درهم.\nقالت الجدة فاستمر نحو جمعتين وهو يعود والمنديلُ معه، والنصفُ فيه، إلى أن رمى به إليَّ وقال: أَيْش أعملُ بهذا! خذوه عني.\nوكان الله تعالى قد أقام والده ووالدته للقيام بأمره، فلا يدري شيئًا من حال نفسه.\n_________\n(^١) أي: اضطراب. انظر اللسان ١٤/ ٤٣٠، مادة \"شري\".","vol":"1","page":100},{"text":"ثم زوَّجه والدُه بابنة عمه، وعُمْره خمسَ عشرةَ سنة، وألزمها أن لا تحدِّثه في شيءٍ من أمر نفسها، وكذلك ألزمه والدها، وهو عمه الشيخ صدر الدين (^١)، فاستمرت معه، ووالده ووالدها يقومان بأمرهما، وهو لا يراها إلا وقت النوم، وصَحِبَتْه مدة، ثم إن والدها بلَغه أنها طالبته بشيءٍ من أمر الدنيا، فطلبه وحلف عليه بالطلاق ليُطلِّقَها، فطلَّقها.\nفانظر إلى اعتناء والده وعمِّه بأمره، وكان ذلك خوفًا منهما أن يشتغل بالُه بشيءٍ غير العلم.\nثم إنه دخل القاهرة مع والده، وعَرَض محافيظ حفظها: \"التنبيه\"، وغيره - على ابن بنت الأَعَزّ (^٢) وغيره. وقيل: إن والده دخل به إلى شيخ الإسلام تقي الدين بن دقيق العيد، وعرض عليه \"التنبيه\"، وإن الشيخ تقي الدين قال لوالده ﵀: رُدَّ به إلى البر، إلى أن يصير فاضلًا عُدْ به إلى القاهرة، فردَّ به إلى البر.\nقال الوالد ﵀: فلم أَعُد إلا بعد وفاة الشيخ تقي الدين، ففاتني مجالسته في العلم.\n_________\n(^١) هو يحيى بن علي بن تمام بن يوسف السبكي، القاضي صدر الدين أبو زكريا. برع في الفقه وأصوله، وتولى قضاء بعض البلاد المصرية، ثم دَرَّس بالمدرسة السَّيْفِيَّة بالقاهرة، واستمر بها إلى حين وفاته. توفي سنة ٧٢٥ هـ، ودفن بالقرافة. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٩١، الدرر ٤/ ٤٢٢.\n(^٢) هو أحمد بن عبد الوهاب بن خَلَف العَلامِيُّ البَصْريُّ، علاء الدين بن بنت الأعز. كان فقيهًا أديبًا، رئيسًا، وله شعر كثير. توفي سنة ٦٩٩ هـ.\nانظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٢٣، شذرات ٥/ ٤٤٤.","vol":"1","page":101},{"text":"وسمعت الوالد يقول: أنا ما أتحقق الشيخ تقي الدين، ولكني أذكر أني دخلت دار الحديث الكاملية (^١) بالقاهرة، ورأيت شيخًا هيئته كهيئة الشيخ تقي الدين الموصوفة لنا، لعله هو، وسمعت الحافظ تقي الدين أبا الفتح (^٢) ابن العم ﵀ يقول: هو الشيخ تقي الدين. ولكن الشيخ الإمام لورعه لا يجزم مع أدنى احتمال. ثم لما دخل القاهرة بعد أن صار فاضلًا - تفقَّه على شافعي الزمان الفقيه نجم الدين بن الرِّفْعة (^٣)، وقرأ الأصلين وسائر المعقولات على الإمام النظار علاء الدين الباجي (^٤)، والمنطق\n_________\n(^١) هي دار الحديث بمصر، بناها الملك الكامل ناصر الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، وكملت عمارتها في سنة إحدى وعشرين وستمائة، وكان الإمام ابن دقيق العيد ﵀ - ممن وَلِيها. انظر: حسن المحاضرة ٢/ ٢٦٢، مقدمة تحقيق مختصر تيسير الوصول إلى منهاج الأصول ١/ ٦١.\n(^٢) هو محمد بن عبد اللطيف بن يحيى بن علي بن تَمَّام السبكي، الفقيه المحدث، الأديب المتقن. تفقه على جده الشيخ صدر الدين يحيى، وعلى الشيخ تقي الدين السبكي وبه تخرج في كل فنونه، وهو صهره. توفي سنة ٧٠٥ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٦٧، الدرر ٤/ ٢٥، شذرات ٦/ ١٤١.\n(^٣) هو الإمام نجم الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن علي بن مُرْتَفِع بن الرِّفْعة، المصري الشافعي. ولد سنة ٦٤٥ هـ. كان شافعي زمانه، وإمام أوانه، شيخ الإسلام، أعجوبة في معرفة النصوص والتخريج. من تصانيفه: \"المطلب\" في شرح الوسيط، و\"الكفاية\" في شرح التنبيه، و\"النفائس في هدم الكنائس\". وغيرها. توفي ﵀ سنة ٧١٠ هـ. انظر الطبقات الكبرى ٩/ ٢٤، الدرر ١/ ٢٨٤، شذرات ٦/ ٢٤.\n(^٤) هو علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خَطَّاب الباجي، الشيخ الإمام علاء الدين، إمام الأصوليين في زمانه، وله الباع الواسع في المناظرة. ولد سنة ٦٣١ هـ. كان أعلم أهل الأرض بمذهب الأشعري في علم الكلام. من مصنفاته: الرد على اليهود =","vol":"1","page":102},{"text":"والخلاف على سيف الدين البغدادي (^١)، والتفسير على الشيخ علم الدين العراقي (^٢)، والقراءاتِ على الشيخ تقي الدين بن الصائغ (^٣)، والفرائض على الشيخ عبد الله الغِماري المالكي (^٤).\nوأخذ الحديث عن الحافظ شرف الدين الدمياطي، ولازمه كثيرًا، ثم لازم بعده وهو كبير: إمامَ الفن الحافظَ سعد الدين الحارثي (^٥).\n_________\n= والنصارى، وله مختصرات عدة. توفي سنة ٧٢٤ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٣٩، شذرات ٦/ ٣٤.\n(^١) هو عيسى بن داود البغدادي الحنفي المنطقي. ولد في حدود سنة ٦٣٠ هـ. برع في المنطق، وتخرج وفاق الأقران. كان سليم الباطن متواضعًا سمحًا. توفي سنة ٧٠٥ هـ. انظر: الدرر ٣/ ٢٠٣.\n(^٢) عبد الكريم بن علي بن عمر الأنصاري، الشيخ علم الدين العراقي الضرير. ولد سنة ٦٢٣ هـ. كان عالمًا فاضلًا في فنون كثيرة خصوصًا التفسير، فله فيه يد باسطة، وصنف فيه \"الإنصاف في مسائل الخلاف\" بين الزمخشري وابن المُنَيِّر. توفي بالقاهرة سنة ٧٠٤ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٩٥، الدرر ٢/ ٣٩٩، طبقات المفسرين ١/ ٣٣٤.\n(^٣) هو محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن علي بن سالم بن مكي، الشيخ تقي الدين، أبو عبد الله بن الصائغ، المصري الشافعي. ولد سنة ٦٣٦ هـ. كان مُسْنِد عصره، ورُحَلةَ وقته، شيخ القراء، فقيهًا مشاركًا في عدة فنون. توفي بمصر سنة ٧٢٥ هـ.\nانظر غاية النهاية ٢/ ٦٥، الدرر ٣/ ٣٢٠.\n(^٤) لم أعثر على ترجمته مع كثرة البحث في كتب التراجم: المالكية، وغيرها.\n(^٥) هو الشيخ الإمام الفقيه الحافظ المتقن قاضي القضاة سعد الدين مسعود بن أحمد بن مسعود بن زيد الحارثي، العراقي المصري الحنبلي، أبو محمد. ولد سنة ٦٥٢ هـ. كان قوي المعرفة بالمتون والأسانيد، صَيِّنًا. توفي سنة ٧١١ هـ. انظر: تذكرة ٤/ ١٤٩٥، الدرر ٤/ ٣٤٧، شذرات ٦/ ٢٨.","vol":"1","page":103},{"text":"وأخذ النحو عن الشيخ أبي حيان (^١)، وصحب في التصوف الشيخ تاج الدين بن عطاء الله\" (^٢) ثم عَدَّد التاج مشايخ أبيه بالإسكندرية والقاهرة ودمشق وبغداد إلى أن قال: \"وجمع \"معجمُه\" الجمَّ الغفير، والعدد الكثير، وكتب بخطه، وقرأ الكثير بنفسه، وحَصَّل الأجزاء الأصول والفروع، وسمع الكتب والمسانيد، وخَرَّج وانتقى (^٣) على كثير من شيوخه، وحَدَّث بالقاهرة ودمشق\" (^٤).\n_________\n(^١) هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حَيَّان النَّفْريّ الأندلُسي الجَيَّاني الأصل، الغِرْناطي المولد والمنشأ، المصري الدار، الظاهري الشافعي. ولد سنة ٦٥٤ هـ. شيخ النحاة، وسيبويه الزمان. من مصنفاته \"البحر المحيط\" في التفسير، شرح التسهيل، الارتشاف. توفي سنة ٧٤٥ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٢٧٦، الدرر ٤/ ٣٠٢، بغية ١/ ٢٨٠.\n(^٢) أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله، تاج الدين أبو الفضل الإسكندراني، المالكي، الشاذلي، صحب الشيخ أبا العباس المرسي صاحب الشاذلي، وصنف مناقبه، ومناقب شيخه، وكان المتكلم على لسان الصوفية في زمانه. توفي سنة ٧٠٩ هـ. انظر: الدرر ١/ ٢٧٣، شذرات ٦/ ١٩ البدر ١/ ١٠٧.\n(^٣) الانتقاء: هو أن يختار الطالب بعض أحاديث الشيخ، ويكتفي بها في الرواية عنه؛ إما لأن الشيخ كثير المرويات عَسِرٌ في الرواية عنه؛ أو لأن الطالب لا يمكنه طول الإقامة عند الشيخ. انظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي: ٢/ ١٥٩.\n(^٤) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٤٧.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-57>المبحث الرابع: تلاميذه</span>\nأما حصرهم فهذا صعب؛ لعدم وجود كتاب يحصرهم، أو يحصي أكثرهم، وهم كثير جدًا بلا شك فقد تخرج به أئمة، وحمل عنه أمم (^١)، ولكن نذكر البعض القليل، حسبما يحضرنا، وفيهم دلالة على قدر الرجل ﵀.\nقال التاج ﵀: \"سمع منه الحفَّاظ: أبو الحجَّاج المِزِّي (^٢) وأبو عبد الله الذهبي، وأبو محمد البِرْزالي (^٣)، وغيرهم\" (^٤)، وهؤلاء كلهم أقران\n_________\n(^١) انظر: ذيول العِبَر في خَبر مَنْ غَبَر ٤/ ١٦٨.\n(^٢) هو واحد عصره، وشيخ زمانه، يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف الكَلْبيّ القُضَاعِيّ الدِّمشقي، جمال الدين أبو الحجاج. ولد سنة ٦٥٤ هـ. صنف كتاب \"تهذيب الكمال\". توفي - ﵀ - شهيدًا بالطاعون سنة ٧٤٢ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٩٥، الدرر ٤/ ٤٥٧.\n(^٣) هو الحافظ الكبير والمؤرخ القاسم بن محمد بن يوسف البِرْزالي، علم الدين أبو محمد الإشبيلي. ولد سنة ٦٦٥ هـ. بلغ عدد مشايخه بالسماع ألفي نفس، وبالإجازة أكثر من ألف. كان وافر العقل جدًا بحيث إنه كان يصحب المتعاديَيْن فلا يكتم واحدٌ منهما سره لوثوقه به. مات ذاهبًا إلى مكة محرمًا للحج سنة ٧٣٩ هـ، ودفن بخليص. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٨١، الدرر ٣/ ٢٣٧.\n(^٤) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٤٧.","vol":"1","page":105},{"text":"له أيضًا، بل كلهم أكبر منه سنًا، والمزي في طبقة شيوخه.\nوقال أيضًا \"وجلس للتحديث بالكَلَّاسة (^١)، فقرأ عليه الحافظ تقي الدين أبو الفتح محمد بن عبد اللطيف السبكي جميع \"معجمه\" الذي خَرَّجه له الحافظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أَيْبَك الحُسامِيّ الدِّمْياطي (^٢) ﵀، وسمعه عليه خلائق، منهم الحافظ الكبير أبو الحجاج يوسفى بن الزكي المِزي، والحافظ الكبير أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي\" (^٣).\nومن تلاميذه صلاح الدين الصفدي، والحافظ العلائي (^٤)،\n_________\n(^١) هي مدرسة كانت لصيق الجامع الأُمويّ من شمال، ولها بابٌ إليه. عَمَّرها نور الدين الشهيد في سنة ٥٥٥ هـ، وسُمِّيت هذا الاسم لأنها كانت موضع عمل الكِلْس أيام بناء الجامع، وجُعِلت زيادةً لما ضاق الجامع بالناس. انظر: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٤٤٧ - ٤٤٨.\n(^٢) هو أحمد بن أيبك بن عبد الله الحسامي الدمياطي، أبو الحسين. ولد سنة ٧٠٠ هـ. قال عنه الذهبي: \"المحدث الحافظ المفيد، محدِّث مصر\". من مصنفاته: \"المستفاد من ذيل تاريخ بغداد\"، \"تخريج أحاديث الرافعي\" لم يكمله. توفي في طاعون مصر سنة ٧٤٩ هـ. انظر: الدرر ١/ ١٠٨، الأعلام ١/ ١٠٢.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٦٩، الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٤٥٠ - ٤٥١.\n(^٤) هو حافظ المشرق والمغرب خليل بن كيكلدي بن عبد الله العلائي، صلاح الدين أبو سعيد الشافعي. ولد سنة ٦٩٤ هـ. بلغ عدد شيوخه بالسماع سبعمائة، ومصنفاته تنبئ عن إمامته في كل فن، ولم يخلف بعده مثله. صنف كتبًا كثيرة جدًا، وهي \"سائرة مشهورة نافعة متقنة محررة\"، كذا قال ابن حجر ﵀، منها: تحفة الرائض بعلوم آيات الفرائض، الأربعين في أعمال المتقين، وغيرهما. توفي بالقدس سنة ٧٦١ هـ. انظر الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٥، الدرر ٢/ ٩٠، شذرات ٦/ ١٩٠.","vol":"1","page":106},{"text":"والإسنوي، والحافظ العراقي (^١)، والحافظ الحسيني (^٢)، ومجد الدين الفيروزابادي (^٣) صاحب \"القاموس المحيط\"، وأبو البقاء السبكي (^٤)،\n_________\n(^١) هو الحافظ عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، زين الدين أبو الفضل، الكردي الأصل الشافعي. من مؤلفاته: ألفية الحديث وشرحها، طرح التثريب في شرح التقريب، النكت على مقدمة ابن الصلاح. توفي سنة ٨٠٦ هـ. انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٤/ ٢٩، شذرات ٧/ ٥٥، البدر ١/ ٣٥٤، الأعلام ٣/ ٣٤٤.\n(^٢) هو محمد بن علي بن الحسن بن حمزة، شمس الدين الحسيني، المؤرخ، المحدث، الحافظ، الفقيه. ولد بدمشق سنة ٧١٥ هـ. ولما سئل العراقي عن أربعة تعاصروا أيهم أحفظ: مغلطاي، وابن كثير، وابن رافع، والحسيني؟ قال: أعرفهم بالشيوخ المعاصرين وبالتخريج الحسيني، وهو أدونهم في الحفظ. من مصنفاته: \"التذكرة في رجال العشرة\"، \"ذيل تذكرة الحفاظ\"، \"مجمع الأحباب\" اختصار الحلية. توفي سنة ٧٦٥ هـ. انظر: الدرر ٤/ ٦١، البداية والنهاية ١٤/ ٣٢٢، البدر ٢/ ٢٠٩، مقدمة كتاب \"الإكمال\" ص ٢٠ م - ٢٨ م، شذرات ٦/ ٢٠٥.\n(^٣) هو محمد بن يعقوب بن محمد بن إبراهيم الشيرازيّ الفَيروزاباديّ، مجد الدين أبو طاهر، الشافعي، الإمام الكبير الماهر في اللغة وغيرها من الفنون. ولد سنة ٧٢٩ هـ. كان يقول: ما كنت أنام حتى أحفظ مائتي سطر، من مصنفاته: الوجيز في لطائف الكتاب العزيز، الإصعاد إلى رتبة الاجتهاد، طبقات الحنفية، وغيرها. توفي سنة ٨١٧ انظر: بغية الوعاة ١/ ٢٧٣، البدر ٢/ ٢٨٠، الأعلام ٧/ ١٤٦.\n(^٤) هو شيخ الإسلام محمد بن عبد البر بن يحيى بن علي بن تمام السبكي، بهاء الدين أبو البقاء. ولد سنة ٧٠٧ هـ. قال الذهبي عنه: \"إمام متبحر، مناظر بصير بالعلم، محكم العربية، مع الدين والتصوف\". وكان الإسنوي يقدمه ويفضله على أهل عصره، وكان يحفظ الروضة. كتب على الروضة، وعلى مختصر ابن الحاجب، وعلى المطلب لابن الرفعة. توفي سنة ٧٧٧ هـ. انظر: الدرر ٣/ ٤٩٠، بغية ١/ ١٥٢، شذرات ٦/ ٢٥٣.","vol":"1","page":107},{"text":"وأبناؤه (^١)، وغيرهم كثير.\n_________\n(^١) وهم محمد، وأحمد، والحسين، وعبد الوهاب، ﵏ جميعًا، وستأتي تراجمهم، وعبد الوهاب ستأتي ترجمته مستقلة بعد الانتهاء من ترجمة والده رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>المبحث الخامس: مكانته العلمية، وثناء العلماء عليه</span>\nيقول ابنه التاج ﵀ عن والده: \"الشيخ الإمام الفقيه المحدِّث الحافظ المفسِّر المقرئ الأصولي المتكلِّم النحوي اللغوي الأديب الحكيم المِنْطِيقيُّ الجدليُّ الخلافيُّ النَّظَّار، شيخ الإسلام، قاضي القضاة، تقي الدين أبو الحسن:\nشيخ المسلمين في زمانه، والداعي إلى الله في سرِّه وإعلانه، والمناضل عن الدين الحنيفيّ، شافعيُّ الزمان، وحجة الإسلام المنصوبُ من طُرق الجنَان، والمرجع إذا دَجَتْ مشكلةٌ وغابت عن العِيان.\nعُبَابٌ (^١) لا تكدِّره الدِّلاء، وسحابٌ تتقاصر عنه الأنواء، وبابٌ للعلم في عصره، وكيف لا وهو عليٌّ الذي تَمَّتْ به النعماء:\nوكان من العلوم بحيث يُقضى ... له من كلِّ علمٍ بالجميع\n_________\n(^١) هو الماء الكثير، وهو السيل أيضًا. وكلاهما مناسبان هنا. انظر: لسان العرب ١/ ٥٧٣، المعجم الوسيط ٢/ ٥٧٩.","vol":"1","page":109},{"text":"وكان من الورع والدين وسلوك سبيل الأقدمين على سَنَن ويقين، إن الله مع المتقين.\nصادع بالحق لا يخاف لومة لائم، صادق في النية لا يخشى بطشة ظالم، صابر وإن ازدحمت الضَّرَاغم. . .\nشيخ الوقت حالًا وعلمًا، وإمام التحقيق حقيقةً ورَسْمًا، وعَلَم الأعلام فِعْلًا واسمًا:\nإذا تَغلغل فِكْرُ المرء في طَرَفٍ ... مِن مجده غَرِقَتْ فيه خَواطِرُهُ (^١)\nلا يرى الدنيا إلا هباءً منثورًا، ولا يدري كيف يجلب الدرهمُ فرحًا، والدينارُ سرورًا، ولا ينفك يتلو القرآن، قائمًا وقاعدًا، راكبًا وماشيًا، ولو كان مريضًا معذورًا.\nوكانت دعوته تخترق السبع الطِّبَاق، وتَفْترِق بركاتُها فتملأ الآفاق، وتَسْترقُ خبرَ السماء، وكيف لا، وقد رفعت على يد وليٍّ لله، تُفتح له أبوابُها ذوات الإغلاق.\nوكانت يداه بالكرم مبسوطتين، لا يُقاس إلا بحاتم، ولا يُنشد إلا:\nعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم\nولا يعرف إلا العطاء الجَزْل:\nوتأتي على قدر الكرام المكارم (^٢)\n_________\n(^١) البيت لأبي الطيب المتنبي: انظر ديوانه بشرح أبي البقاء العَكبري ٢/ ١٢٠.\n(^٢) هذا والذي قبيله لأبي الطيب المتنبي. انظر: ديوانه ٣/ ٣٧٨.","vol":"1","page":110},{"text":"يواظب على القرآن سرًا وجهرًا، لا يَقْرُنُ خِتام ختمةٍ إلا بالشروع في أخرى، ولا يفتتح بعد الفاتحة إلا سورًا تترى.\nمع تقشف لا يتدرع معه غير ثوب العفاف، ولا يتطلع إلى ما فوق مقدار الكفاف، ولا يتنوَّع إلا في أصناف هذه الأوصاف.\nيقطع الليل تسبيحًا وقرآنًا، وقيامًا لله لا يفارقه أحيانًا، وبكاءً يفيض من خشية الله ألوانًا.\nأقسم بالله إنه لفوقَ ما وصفتُه، وإني لناطقٌ بهذا وغالب ظني أني ما أنصفتُه، وإن الغبيَّ سيظن فيَّ أمرًا ما تصورتُه (^١):\nوما زال في علمٍ يرفعه، وتصنيفٍ يَضَعُه، وشتاتِ تحقيقٍ يجمعه، إلى أن سار إلى دار القرار. وما ساد أحدٌ ناوأه، ولا كان ذا استبصار، ولا ساءَ مَنْ والاه، بل عَمَّه بالفضل المدرار. . .\" (^٢).\nقال الإمام الذهبي - ﵀ - عن التقي: \"القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء، تقي الدين أبو الحسن السبكي، ثم المصري الشافعي وَلَد القاضي الكبير زين الدين. . . وكان صادقًا متثبتًا، خَيِّرًا دينًا متواضعًا حسن السمت، من أوعية العلم، يَدْرِي الفقه ويُقَرِّره،\n_________\n(^١) قال التاج ﵀ في طبقاته الوسطى: \"ولو عددت ما شاهدت، وحكيت ما عاينت - لطال الفصل، وقال الغبيُّ النذل: ولدٌ يشهد لأبيه\". انظر: تحقيق الطبقات الكبرى ١٠/ ١٤٣.\n(^٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٣٩ - ١٤٤.","vol":"1","page":111},{"text":"وعلمَ الحديث ويُحَرِّره، والأصولَ ويُقْرئها، والعربية ويحقِّقها، ثم قرأ بالروايات على تقي الدين الصائغ، وصنف التصانيف المتقنة. وقد بقي في زمانه الملحوظ إليه بالتحقيق والفضل. . .\" (^١).\nوقال عنه أيضًا: انتهى إليه الحفظُ ومعرفة الأثر بالديار المصرية (^٢).\nوقال أيضًا حين وَلِي التقيُّ السبكي خَطابة الجامع الأُموي: إنه ما صَعَد هذا المنبرَ بعدَ ابن عبد السلام أعظمُ منه (^٣).\nونظم في ذلك أبياتًا فقال:\nلِيَهْنِ المنبرَ الأُمَوِيَّ لَمَّا ... عَلَاهُ الحاكمُ البحرُ التقيُّ\nشيوخُ العصرِ أحفظُهم جميعًا ... وأخطبُهُمْ وأقضاهُمْ عليُّ (^٤)\nقال التاج ﵀: \"وصح مِنْ طرقٍ شتى عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية: أنه كان لا يعظِّم أحدًا من أهل العصر كتعظيمه له، وأنه كان كثير الثناء على تصنيفه في الرد عليه. وفي كتاب ابن تيمية الذي ألفه في الرد على الشيخ الإمام في ردِّه عليه في مسألة الطلاق: لقد بَرَّز هذا على أقرانه.\nوهذا الرد الذي لابن تيمية على الوالد لم يَقِفْ عليه، ولكن سمع به، وأنا وقفتُ منه على مجلَّد.\n_________\n(^١) انظر: المعجم المختص ص ١٦٦.\n(^٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٤.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٤.\n(^٤) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٤.","vol":"1","page":112},{"text":"وأما الحافظ أبو الحجاج المِزِّيُّ: فلم يكتب لفظة \"شيخ الإسلام\" إلا لَهُ، وللشيخ تقي الدين ابن تيمية، وللشيخ شمس الدين ابن أبي عمر (^١).\nوقد قدمنا قول ابن فضل الله (^٢): إنه مثل التابعين إن لم يكن منهم.\nوكان الشيخ تقي الدين أبو الفتح السبكي (^٣) ﵀ يقول: إذا\n_________\n(^١) هو عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن قدامة المقدسي، الجماعيلي الأصل، الصالحي، الحنبلي، الفقيه، الإمام، الزاهد الخطيب، قاضي القضاة، شيخ الإسلام، شمس الدين أبو محمد، وأبو الفرج بن الشيخ أبي عمر. ولد سنة ٥٩٧ هـ. قال النووي عنه: هذا أجل شيوخي. من مصنفاته: شرح \"المقنع\"، استمده من كتاب \"المغني\" لعمه. توفي ﵀ سنة ٦٨٢ هـ.\nانظر: ذيل طبقات الحنابلة ٤/ ٣٠٤، المعجم المختص ص ١٣٨.\n(^٢) هو القاضي أحمد بن يحيى بن فضل الله بن مجلي القرشي العدوي العمري الشافعي، شهاب الدين أبو العباس، من نسل عمر بن الخطاب - ﵁ -. ولد سنة ٧٠٠ هـ. كان يتوقد ذكاءً، مع حافظة قوية، وصورة جميلة، واقتدارٍ على النظم والنثر. من مصنفاته: \"مسالك الأبصار في ممالك الأمصار\" وهو كتاب جليل ما صُنِّف مثله، كذا قال ابن قاضي شهبة وابن العماد الحنبلي رحمهما الله، و\"فواضل السمر في فضائل عمر\"، وغيرهما. توفي شهيدًا بالطاعون يوم عرفة سنة ٧٤٩ هـ.\nانظر: الدرر ١/ ٣٣١، شذرات ٦/ ١٦٠، المعجم المختص للذهبي ص ٤٥، طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٦.\n(^٣) محمد بن عبد اللطيف بن يحيى بن علي بن تمام السبكي، تقي الدين أبو الفتح. ولد سنة ٧٠٥ هـ، وتفقه على جده صدر الدين يحيى، وعلى قريبه وصهره تقي الدين علي السبكي، وبه تَخَرَّج في كل فنونه، وكان من أصح الناس ذهنًا، وأذكاهم فطرة. توفي سنة ٧٤٤ هـ بدمشق. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٦٧، الدرر ٤/ ٢٥.","vol":"1","page":113},{"text":"رأيته فكأنما رأيت تابعيًا.\nوصح أن شيخه الإمام علاء الدين الباجي ﵀ أقبل عليه بعض الأمراء، وكان الشيخ الإمام إلى جانبه الأيمن، وعن جانبه الأيسر بعض أصحابه، فقعد الأمير بين الباجي والشيخ الإمام، ثم قال الأمير للباجي عن الذي عن يساره (^١): هذا إمام فاضل؟ .\nفقال له الباجي: أتدري مَنْ هذا؟ هو إمام الأئمة.\nقال: مَنْ؟\nقال: الذي جلستَ فوقه تقي الدين السبكي.\nولعل هذا كان في سنة ثلاثَ عشرةَ وسبعمائة.\nوأما شيخه ابن الرفعة فكان يعامله معاملةَ الأقران، ويبالغ في تعظيمه، ويعرض عليه ما يصنفه في \"المَطْلبَ\".\nوكذلك شيخه الحافظ أبو محمد الدمياطي لم يكن عنده أحدٌ في منزلته (^٢).\nولو أخذتُ أعدُّ مقالة أشياخه فيه لطال الفصل. وبلغني أن ابن الرفعة حضر مرةً إلى مجلس الحافظ أبي محمد الدمياطي، فوجد الشيخَ الإمامَ الوالدَ\n_________\n(^١) هكذا في النسخة المطبوعة المحققة من \"الطبقات الكبرى\"، والظاهر أن الصواب حذف \"عن\" الأولى، فتكون الجملة: \"ثم قال الأمير للباجي الذي عن يساره\"، أي: الباجي عن يسار الأمير.\n(^٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٠٤.","vol":"1","page":114},{"text":"بين يديه، فقال: \"محدِّث أيضًا\"! وكان ابن الرفعة لعظمة الوالد في الفقه عنده يظن أنه لا يعرف سواه.\nفقال الدمياطي لابن الرفعة: كيف تقول؟ .\nقال: قلت للسبكي: محدِّث أيضًا! .\nفقال: إمام المحدثين.\nفقال ابن الرفعة: وإمام الفقهاء أيضًا.\nفبلغت شيخَه الباجي، فقال: وإمام الأصوليين.\nوسمعتُ صاحبَنا شمسَ الدين محمد بن عبد الخالق المقدسيّ المقرئ (^١)، يقول: كنت أقرأ عليه القِراءات، وكنتُ لكثرة استحضاره فيها أتوهم أنه لا يدري سواها، وأقول: كيف يَسَع عمرُ الإنسان أكثر من هذا الاستحضار! .\nوسمعتُ الشيخ سيف الدين أبا بكر الحريري (^٢)، مدرِّس المدرسة الظاهريّة، البَرَّانية - يقول: لم أرَ في النحو مثله، وهو عندي أنحى من أبي حَيَّان.\nوسمعتُ عن سيف الدين البغدادي، شيخهِ في المنطق - أنه قال: لم أرَ في العجم ولا في العرب مَنْ يعرف المعقولاتِ مثلَه.\n_________\n(^١) قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"قرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي: أنه كان يدري القراءات، ومات في سابع رجب سنة ٧٤٨\". نظر: الدرر ٣/ ٤٩٤.\n(^٢) لم أقف على ترجمته.","vol":"1","page":115},{"text":"وسمعتُ جماعة من أرباب علم الهيئة يقولون: لم نر مثلَه فيها.\nوكذلك سمعتُ جماعة من أرباب علم الحساب.\nوعلى الجملة: لا يمارِي في أنه كان إمامَ الدنيا في كلِّ علم على الإطلاق، إلا جاهلٌ به، أو معانِد.\nولقد سمعتُ الحافظ صلاح الدين خليل بن كَيْكَلَدِيَّ العلائيَّ يقول: الناس يقولون: ما جاء بعد الغزاليِّ مثلُه، وعندي أنهم يظلمونه بهذا، وما هو عندي إلا مثلُ سفيانَ الثوريِّ\" (^١).\nقال الحافظ العراقي - ﵀ - وهو تلميذه: \"طلب الحديث في سنة ٧٠٣ هـ، ثم انتصب للإقراء، وتفقَّه به جماعة من الأئمة، وانتشر صيته وتواليفه، ولم يخلف بعده مثله\" (^٢).\nوكذا قال الحافظ الحسيني - ﵀ - وهو تلميذه أيضًا: \"وكان رأسًا في كل علم. . . وتخرج به أئمة، وحَمَل عنه أُمم، ولم يخلف بعده مثله ﵀\" (^٣).\nوقد نقل التاج - ﵀ - ثناء الشيخ أبي العباس العُمَري، وأطال النقل عنه في ثنائه على التقي ﵀؛ لأن أبا العباس العمري كان بينه وبين والده شحناء فيكون ثناء أبي العباس مجردًا عن الهوى والمحاباة، وثناؤه لا يبعد عن ثناء التاج رحمهما الله تعالى، مما يُطَمْئن بأنَّ ثناء التاج ﵀\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٤ - ١٩٧.\n(^٢) نظر: الدرر ٣/ ٧٠.\n(^٣) انظر: ذيول العِبَر في خَبَر مَنْ غَبَر ٤/ ١٦٨.","vol":"1","page":116},{"text":"لم يكن إلا بيانًا للحقيقة التي يعرفها، وربما يجهلها البعض لا سيما المتحاملون، فلا يقبلون تزكية الابن لأبيه، وما عليه ألا يقبلها أولوا الجهل والتحامل، ورحم الله القائل:\nما ضَرَّ شمسَ الضُّحى في الأُفْقِ طالعةً ... أن لا يَرى ضوءَها مَن ليس ذا بَصَرِ\nيقول التاج ﵀ \"وذكره الفاضل الأديب أبو العباس أحمد بن يحيى بن فضل الله العُمَريُّ، في كتاب \"مسالك الأبصار\"، فقال بعد ذِكْر نسبه: حُجَّة المذاهب، مفتي الفِرَق، قُدوة الحفَّاظ، آخر المجتهدين، قاضي القضاة، تقي الدين أبو الحسن، صاحب التصانيف، التقيُّ البَرُّ، العليُّ القَدْر.\nسَمِيُّ عليٍّ كَرَّم الله وجهه، الذي هو باب العلم، ولا غَرْوَ أنْ كان هذا المدخَل إلى ذلك الباب، والمستخرِج مِن دقيق ذلك الفضلِ هذا اللُّباب، والمُسْتَمِير من تلك المدينة التي ذلك البابُ بابُها، والواقف عليها من سَمِيِّه، فذاك بابها، وهذا بَوَّابُها (^١). وبحرٌ لا يُعرف\n_________\n(^١) حديث: \"أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها\" أخرجه الحاكم في المناقب في مستدركه ٣/ ١٢٧، والطبراني في معجمه الكبير، عن مجاهد عن ابن عباس ﵃ مرفوعًا، وحَسَّن السخاوي ﵀ حديث ابن عباس ﵄. انظر: المقاصد الحسنة ص ٩٧ - ٩٨، قال ابن عراق الكناني - ﵀ - في \"تنزيه الشريعة\". \"وسئل الحافظ ابن حجر عن هذا الحديث في فتيا، فكتب عليها هذا الحديث أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه، وخالف أبو الفرج بن الجوزي فذكره في الموضوعات، والصواب خلاف قولهما معًا، وأن الحديث من قسم الحسن، لا يرتقي إلى الصحة، ولا ينحط إلى الكذب، وبيان ذلك يستدعي طولًا، ولكن =","vol":"1","page":117},{"text":"له عِبْر (^١)، وصَدْر لا يُداخِله كِبْر، وأفقٌ لا تَقيسُه كفُّ الثريّا بِشِبْر، وأَصِيلٌ (^٢) قَدْرُه أجلُّ مما يُمَوِّه به لُجَيْنَ (^٣) النهار ذائبُ التِّبْر. إمامٌ ناضح عن رسول الله - ﷺ - بنِضالِه، وجاهد بجِدالهِ، ولم يُلَطِّخ بالدماء حَدَّ نِصَالِه.\nحَمَى جنابَ النبوةِ الشريفَ بقيامه في نصره، وتسديد سهامه للذبِّ عنه من كِنانة مِصْره، فلم يُخْطِ على بُعْدِ الدِّيار سهمُه الراشِق، ولم يُخْفِ مَسامَّ تلك الدَّسائس فَهْمُه الناشِق. . . . .\nولله أوسٌ آخَرُونَ وخَزْرجُ (^٤)\n. . . بَزَغ مِنْ مَطْلع الصحابة ﵃، ونزع به عِرْقُه إلى التابعين لهم بإحسان، وهو مثلهم إن لم يكن منهم.\n_________\n= هذا هو المعتمد. وقال في \"لسان الميزان\": هذا الحديث له طرق كثيرة في مستدرك الحاكم أقل أحوالها أن يكون للحديث أصل، فلا ينبغي أن يُطلق عليه القول بالوضع. انتهى. وللحافظ العلائي في أجوبته عن الأحاديث التي تعقبها السراج القزويني على \"مصابيح البغوي\" فصلٌ طويل في الرد على ابن الجوزي وغيره ممن حكم بوضع هذا الحديث، وحاصله الحكم على الحديث بأنه حسن\". انظر: تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة ١/ ٣٧٨. وانظر: مجمع الزوائد ٩/ ١١٤، الكنز الثمين في أحاديث النبي الأمين للغماري ١٨٩.\n(^١) العِبْر: بكسر العين، وقد تفتح: الشاطئ. انظر: لسان العرب ٤/ ٥٢٩، مادة (عبر).\n(^٢) الأصيل: هو العَشِيُّ - انظر: لسان العرب ١١/ ١٦، مادة (أصل).\n(^٣) اللُّجَيْن: الفضة. انظر: لسان العرب ١٣/ ٣٧٩، مادة (لجن).\n(^٤) صَدْره: فيدرِكُ ثأرَ الله أنصارُ دِينهِ. وهو لابن الرومي. انظر: ديوانه ص ٤٩٧، وانظر: مقاتل الطالبيين ص ٦٥٦.","vol":"1","page":118},{"text":"وبَرَّز في طلب العلم حتى أسكت لسانَ كلِّ متكلِّم، وأمات ذِكْر كلِّ متقدِّم، وأحيا إمامة الشافعيِّ بنشر مذهبِه، ونَصْرِ ذي النسب القرشيِّ في عَلْياء رُتَبِه. . . . .\nلا تَرِد الهِيمُ (^١) إلا حياضَه، ولا يَعِدُ النسيمُ إلا رياضَه (^٢)، حتى تَفَردَّ والزمانُ بعدد أهله مشحون، والعصر بمحاسن بنيه مفتون. . . . .\nوانتهت إليه مَشْيَخةُ دار الحديث بالاستحقاق فَوَلِيَها، وعُرِضَتْ عليه أخواتُها فما رَضِيَها. . . . .\nوهذا هو اليومَ - والله يُبْقيه - خيرُ مَنْ أظلَّتْه خَضْراؤُها، وصَغُرت لدى قَدْرهِ الجليلِ كبراؤُها، قد ملك قلوبَ أهلها المتباينة، وساق بعَصاه سَوَائِم شُرُدِها (^٣) المتعاصِيَة، واستَوْسَق به أمرُ الشام لعليٍّ (^٤)، وكان لا يُطيع إلا معاوية. انتهى (^٥).\n_________\n(^١) أي: الإبل العطاش. انظر: لسان العرب ١٢/ ٦٢٧، مادة (هيم).\n(^٢) رِيَاض: جمع رَوْضه، وهي الأرض ذات الخضرة، والبستان الحسن.\nانظر: لسان العرب ٧/ ١٦٢، المصباح ١/ ٢٦٣، مادة (روض) والمعنى: أن النسيم لا يأتي ولا يَرِد إلا إليه؛ لأنه لم يَعِدْ أحدًا غيرَه بالمجيء إليه.\n(^٣) شُرُد: جمع شَرُود، مثل زَبُور وزُبُر.\nانظر لسان العرب ٣/ ٢٣٧، مادة (شرد).\n(^٤) أي: اجتمع أهل الشام على طاعة علي - ﵁ - بسببه. انظر: لسان العرب ١٠/ ٣٨٠، مادة (وسق) وهذا والله أعلم إشارة إلى رَفْضٍ النَّصْب وإزالته عن الشام، والنَّصْب: هو بُغض علي - ﵁ - وآله، وكان منتشرًا بالشام.\n(^٥) أي: كلام ابن فضل الله العُمَري، رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":119},{"text":"وذكر بعد ذلك شيئًا من حاله، وقال في آخره: وانتهت إليه رياسةُ العلم في القِراءات، والحديث، والأصلَيْن، والفقه.\nهذا كلامُ ابن فضل الله، ولا يَخفى ما كان بينه وبين الوالد من الشحناء\" (^١).\nوقد ذكر التاج ﵀ بعد ذلك ما قاله عن والده الشيخُ الإمام صلاحُ الدين خليل بن أيْبَك الصَّفديُّ في كتابه \"أعيان العَصْر\"، وهو مِنْ تلامذته، ويحكي ما شاهده لا ما نُقِل إليه، وكلامه لا يَخرج عما قاله التاج، فَرَحم الله الجميع، وحَشَرنا في زمرتهم، ولولا خشية الإطالة لنقلت ما قاله الصفدي، ولكن أكتفي بهذين البيتين اللذَيْن قالهما الصفدي ﵀:\nيا سَعْدَ هذا الشافعيِّ الذي ... بَلَّغهُ اللهُ تعالى رضاهْ\nيَكفيه يومَ الحشرِ أنْ عُدَّ في ... أصحابِه السُّبْكيُّ قاضي القضاهْ (^٢)\nوقد وضع الأديب الفاضل بدر الدين الحسن بن محمد بن حبيب (^٣)\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٤٨ - ١٥٧.\n(^٢) انظر: أعيان العصر ٣/ ٤١٨، الطبقات الكبرى ١٠/ ١٥٧.\n(^٣) هكذا ورد اسمه في ترجمة ابن السبكي لوالده، والظاهر أن هذا تصحيف من الناسخ، فإن المذكور هو الحسن بن عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب، أبو محمد بدر الدين الدمشقي الأصل الحلبي الشافعي. المسند الأديب، المنشئ المؤرخ. ولد سنة ٧١٠ هـ. قال ابن حجر: \"كان فاضلًا كيسًا صحيح النقل\". من مصنفاته: \"درة الأسلاك في دولة الأتراك\" وهو سجع كله، و\"نسيم الصبا\" في الأدب، و\"أسنى المطالب في =","vol":"1","page":120},{"text":"كتابًا في مناقب التقي ﵀، سماه \"إعلام الأعلام بأحوال شيخ الإسلام والشيخ الإمام\" وقد نقل منه التاج في ترجمته الخاصة بوالده، وهي غير ترجمته التي أنقل منها في \"الطبقات الكبرى\"، وقد أثنى ابن حبيب على التقي - رحمهما الله - بثناء عجيب، وحاصله أنه واحد زمانه علمًا وعملًا وأخلاقًا، فهو كما قال ابن حبيب:\nعَلَّامة العلماء والبحرُ الذي ... لا ينتهي ولكلِّ بحرٍ ساحلُ\nوهو كما قال ابن حبيب بعد كلام طويل في وصفه: \"وبالجملة فتفصيل أحواله بعيدُ المرام، وشَرْحُ أنبائه يَعجز عن إعرابه ألسن الأقلام، وما في النفس منه لا يمكن أن يُحصر، واختصار القول أولى وأجدر:\nوما أنا في الثناء عليه إلا ... كمَنْ أهدَى إلى صُبحٍ شهابا\nوالله تعالى يُحِلّه روضَ رضوانه، ويُمتِّعه بالدَّاني مِنْ جَنى جِنانه\" (^١).\nوأجد من الضروري أن أنقل كلام التاج ﵀ في بيان سعة علم والده على التفصيل، وقوة حفظه الخارق، واطلاعه العجيب على شتى العلوم؛ ليُعْلم أن ما قيل في الرجل ليس مبالغة، ولا محاباة، بل الرجل من عجائب الدهر، وفرائد الزمان، والله ﷾ يُؤتي فضله من يشاء ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢)، ولله در القائل:\n_________\n= أشرف المناقب\" وهو سجع أيضًا. توفي بحلب سنة ٧٧٩ هـ. انظر الدرر ٢/ ٢٩، طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ٨٨، شذرات ٦/ ٢٦٢.\n(^١) انظر حاشية الطبقات الكبرى ١٠/ ١٦١ - ١٦٥.\n(^٢) سورة البقرة: ١٠٥. وسورة آل عمران: ٧٤.","vol":"1","page":121},{"text":"وليس على الله بمُستنْكَرٍ ... أن يَجْمع العالمَ في واحدِ (^١)\nقال التاج ﵀:\n\"قلتُ: أما أنا فأقول، والله على لسان كل قائل: كان ذهنه أصحَّ الأذهان، وأسرعها نفاذًا، وأوثقها فهمًا، وكان آية في استحضار التفسير، ومتون الأحاديث، وعَزْوِها، ومعرفة العِلل وأسماءِ الرجال، وتراجِمهم ووَفَياتهم، ومعرفةِ العالِي والنازِل، والصحيحِ والسقيم، عجيبَ الاستحضار للمغازي والسِّيَر والأنساب، والجرح والتعديل، آيةً في استحضار مذاهب الصحابة والتابعين، وفِرَق العلماء، بحيث كانت تَبْهَتُ الحنفية والمالكية والحنابلة إذا حضروه؛ لكثرة ما ينقله عن كُتُبهم التي بين أيديهم، آية في استحضار مذهب الشافعي، وشَوَارِد فروعه، بحيث يظن سامعُه أنه البحر الذي لا تغيب عنه شاردة. إذا ذُكر فَرعٌ وقال: لا يحضرني النقلُ فيه - فيعِزُّ على أبناء الزمان وُجدانُه بعد الفحص والتنقيب، وإذا سُئل عن حديث، فشَذَّ عنه - عَسُر على الحفَّاظ معرفتُه.\nوكان يُقال: إنه يستحضر الكتب الستة غير ما يستحضره من غيرها من المسانيد والمعاجم والأجزاء.\nوأنا أقول: يبعُد كلَّ البُعْد أن يقول في حديث: لا أعرف مَنْ رواه، ثم يُوجد في شيءٍ من الكتب الستة، أو المسانيد المشهورة.\nوأما استحضار نصوصِ الشافعي وأقوالهِ - فكان يكاد يحفظ \"الأم\"،\n_________\n(^١) قائل البيت أبو نواس. انظر: ديوانه ص ٤٥٤، تحقيق د/ أحمد عبد المجيد الغزالي.","vol":"1","page":122},{"text":"و\"مختصر المزني\" (^١)، وأمثالهما.\nوأما استحضاره في علم الكلام، والمِلَلِ والنِّحَل، وعقائد الفِرَق من بني آدم - فكان عَجَبًا عُجابا.\nوأما استحضاره لأبيات العرب وأمثالها ولغتها - فأمرٌ غريب، لقد كانوا يقرؤون عليه \"الكشاف\"، فإذا مَرَّ بهم بيتٌ من الشعر سرد القصيدة، غالِبَها أو عامَّتَها مِنْ حفظه، وعزاها إلى قائلها، وربما أخذ في نظائرها، بحيث يتعجب مَنْ يحضر.\nوأما استحضاره لـ \"كتاب سيبويه\" (^٢)، وكتاب \"المُقَرَّب\" لابن عُصْفُور (^٣) - فكان عجيبًا، ولعله درس عليهما.\n_________\n(^١) إسماعيل بن يحيى المزني المصري، أبو إبراهيم الفقيه الشافعي تلميذ الإمام الشافعي. كان زاهدًا عالمًا، مجتهدًا مناظرًا. ولد سنة ١٧٥ هـ. قال الشافعي: المزني ناصر مذهبي. وقال: لو ناظر الشيطان لغلبه. اهـ. من مصنفاته: الجامع الكبير، الجامع الصغير، الترغيب في العلم. توفي سنة ٢٦٤ هـ. انظر الأنساب ٥/ ٢٧٨، وفيات ١/ ٢١٧، سير ١٢/ ٤٩٢، الطبقات الكبرى ٢/ ٩٣، شذرات ٢/ ١٤٨.\n(^٢) هو إمام النحو حجة العرب أبو بشر عمرو بن عثمان بن قَنْبر الفارسي ثم البصري، الملقَّب سيبويه. نشأ بالبصرة وطلب الفقه والحديث مدة، ثم أقبل على العربية فبرع وساد أهل العصر، وألف فيها كتابه الكبير الذي لا يُدْرَك شأوه فيه. توفي سنة ١٨٠ هـ، وعمره اثنتان وثلاثون سنة. انظر: وفيات ٣/ ٤٦٣، سير ٨/ ٣٥١، بغية الوعاة ٢/ ٢٣١.\n(^٣) أبو الحسن علي بن مؤمن بن محمد بن علي بن عُصْفُور النحوي الحضرمي الإشبيلي، حامل لواء العربية في زمانه بالأندلس. ولد سنة ٥٩٧ هـ، وكان أصبر الناس على المطالعة لا يَمَلُّ مِنْ ذلك، ولم يكن عنده ما يؤخذ عنه غير النحو، ولا تأهل لغير =","vol":"1","page":123},{"text":"وأما حفظه لشوارد اللغة فأمر مشهور، وكنت أنا أقرأ عليه كتاب \"التلخيص\" للقاضي جلال الدين (^١)، في المعاني والبَيان، أنا وآخَرُ معي، ولم يكن فيما أظن وقف على \"التلخيص\" قبل ذلك، وإنما أقرأه لأجلي، وكنا نُحْكِم المطالعةَ قبل القراءة عليه، فيجيء فيستحضر من \"مفتاح السَّكَّاكي\" وغيرِه من كلام أهل المعاني والبيان، ما لم نَطَّلع عليه نحن، مع مبالغتنا في النظر قبل المجيء، ثم يُوَشِّح ذلك بتحقيقاته التي تُطْرِب العقول.\nوكنت أقرأ عليه \"المحصول\" للإمام فخر الدِّين، و\"الأربعين\" في الكلام له، و\"المُحَصَّل\" فكنت أرى أنه يحفظ الثلاث عن ظهر قلب.\nوأما \"المُهَذَّب\" و\"الوسيط\" فكان في الغالب ينقل عبارتَهما بالفاء والواو، كأنه درس عليهما.\nوأما \"شرح الرافعي\" الذي هو كتابنا، ونحن ندأب فيه ليلًا ونهارًا، فلو قلتُ كيف كان يستحضره - لاتَّهمني مَنْ يسمعني.\n_________\n= ذلك. قال الصفديُّ: ولم يكن عنده ورع، وجلس في مجلس شراب، فلم يزل يرجم بالنارنج إلى أن مات. توفي سنة ٦٦٩ هـ.\nانظر: شذرات ٥/ ٣٣٠، الأعلام ٥/ ٢٧.\n(^١) هو القاضي محمد بن عبد الرحمن بن عمر العجلي القزويني ثم الدمشقي، جلال الدين أبو المعالي الشافعي. ولد بالموصل سنة ٦٦٦ هـ. اشتغل في الفنون، وأتقن الأصول والعربية والمعاني والبيان. من مصنفاته: \"تلخيص المفتاح\" في المعاني والبيان، \"والإيضاح\" شرح التلخيص، وغيرهما. توفي سنة ٧٣٩.\nانظر: الدرر ٣/ ٤، شذرات ٦/ ١٢٣، الأعلام ٦/ ١٩٢.","vol":"1","page":124},{"text":"هذا وكأنه ينظر \"تعليقة\" الشيخ أبي حامد (^١)، والقاضي الحسين (^٢)، والقاضي أبي الطيب (^٣)، و\"الشامل\" و\"التَّتِمَّة\" و\"النهاية\" وكتب المحامِلِيّ (^٤)، وغيرهم مِنْ قُدماء الأصحاب، ويتكلم لكثرة ما يستحضره منها بالعبارة.\nحَكَى لي الحافظ تقيُّ الدين بن رافع (^٥)، قال: سَبَقنا مرةً إلى البستان،\n_________\n(^١) هو أحمد بن أبي طاهر محمد بن أحمد الإسفراييني، أبو حامد، شيخ الإسلام وشيخ الشافعية ببغداد. ولد سنة ٣٤٤ هـ. من مؤلفاته: التعليقة الكبرى، وكتاب في أصول الفقه. توفي سنة ٤٠٦ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٤/ ٣٦٨، الطبقات الكبرى ٤/ ٦١، سير ١٧/ ١٩٣.\n(^٢) هو الإمام الحسين بن محمد بن أحمد، أبو علي القاضي المَرْوَرُّوذِيُّ، فقيه خراسان، وحَبْر الأمة. من مصنفاته: \"التعليقة\" في الفقه، وغيرها. توفي سنة ٤٦٢ هـ.\nانظر: الطبقات الكبرى ٤/ ٣٥٦، شذرات ٣/ ٣١٠، الأعلام ٢/ ٢٥٤.\n(^٣) هو الإمام القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري الشافعي، شيخ الإسلام، وفقيه بغداد. ولد سنة ٣٤٨. من مصنفاته: شرح مختصر المزني، التعليقة الكبرى في الفروع الشافعية، والمجرد. توفي سنة ٤٥٠ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٩/ ٣٥٨، طبقات الفقهاء ص ١٣٥، سير ١٧/ ٦٦٨، الطبقات الكبرى ٥/ ١٢.\n(^٤) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم الضبي البغدادي، المحاملي، الإمام الكبير شيخ الشافعية. ولد سنة ٣٦٨ هـ. من مصنفاته: المجموع، والمقنع، واللباب، وغيرها. توفي سنة ٤١٥ هـ، أو ٤١٤ هـ.\nانظر تاريخ بغداد ٤/ ٣٧٢، طبقات الفقهاء ص ١٣٦، سير ١٧/ ٤٠٣، الطبقات الكبرى ٤/ ٤٨.\n(^٥) هو محمد بن رافع بن أبي محمد هجرس السلامي تقي الدين أبو المعالي، الحوراني الأصل، المصري المولد والمنشأ ثم الدمشقي الشافعي. ولد سنة ٧٠٤ هـ. كان =","vol":"1","page":125},{"text":"فجئنا بعدَه، ووجدناه نائمًا، فما أردنا التشويشَ عليه، فقام من نومه، ودخل الخَلاء على عادته، وكان يريد أن يكون دائمًا على وضوء، فلما دخل ظهرَ لنا كراس تحت رأسه، فأخذناه فإذا هو مِنْ \"شرح المنهاج\"، وقد كتب عن ظَهر قلب نحو عشرة أوراق، قال: فنظرها رفيقٌ كان معي، وقال: ما أَعجب لكتابته لها مِنْ حفظه، ولا مما نقله من كلام الرافعي و\"الروضة\"، وإنما أَعجب من نقله عن سُلَيم (^١) في \"المُجَرَّد\"، وابن الصَّبَّاع (^٢) في \"الشامل\" ما نَقَل، ولم يكن عنده غير \"المنهاج\" ودواةٍ وورقٍ أبيض، وكنا قد وجدنا فيها نقولًا عنهما.\nقلتُ أنا: مَن نظر \"شرح المنهاج\" بخطِّه عرف أنه كان يكتب من\n_________\n= محدثًا متقنًا، معجم شيوخه يشتمل على أكثر من ألف شيخ، وكان تقي الدين السبكي يرجِّحه في معرفة اصطلاح أهل الحديث على ابن كثير. من مصنفاته: معجم شيوخه، ذيل على تاريخ بغداد لابن النجار. توفي سنة ٧٧٤ هـ بدمشق. انظر: الدرر ٣/ ٤٣٩، شذرات ٦/ ٢٣٤.\n(^١) سُلَيْم بن أيوب بن سُلَيْم، أبو الفتح الرازي الشافعي المفسِّر، صاحب التصانيف. ولد سنة ٣٦٥ هـ. كان فقيهًا أصوليًا رأسًا في العلم والعمل. من مصنفاته: \"ضياء القلوب\" في التفسير، \"غريب الحديث\". تُوفي غريقًا سنة ٤٤٧ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٤/ ٣٨٨، طبقات الفقهاء ص ١٣٩، شذرات ٣/ ٢٧٥، الأعلام ٣/ ١١٦.\n(^٢) هو الإمام العلامة الفقيه الأصولي المجتهد عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد البغدادي، أبو نصر بن الصباغ الشافعي. ولد ببغداد سنة ٤٠٠ هـ. من مصنفاته: \"الكامل\" في الخلاف بين الحنفية والشافعية، \"تذكرة العالم والطريق السالم\"، \"العدة\" في أصول الفقه. توفي سنة ٤٤٧ هـ. انظر: سير ١٨/ ٢٦٤، الطبقات الكبرى ٥/ ١٢٢، شذرات ٣/ ٣٥٥.","vol":"1","page":126},{"text":"حفظه، ألا تراه يَعمل المَسْطَرة والورق على قَطْع الكبير، أحدَ عشَر سطرًا، وما ذلك إلا لأنه يكتب من رأس القلم، ويُريد أن ينظر ما يُلْحِقُه، فلذلك يعمل المَسْطَرة مُتَّسِعةً، ويترك بياضًا كثيرًا.\nقلت: وكنت أراه يكتب متن \"المنهاج\"، ثم يفكر، ثم يكتب، وربما كتب المتن، ثم نظر الكتب، ثم وضعها من يده، وانصرف إلى مكانٍ آخر، وجلس ففكَّر ساعة، ثم كتب.\nوكثير من مصنَّفاته اللِّطاف كتبها في دُرُوج ورق المُراسَلات، يأخذ الأوصال ويُثنيها طُولًا، ويجعل منها كراسًا ويكتب فيه؛ لأنه ربما لم يكن عنده ورقُ كراريس، فيكتب فيها من رأس القلم، وما ذلك إلا في مكانٍ ليس عنده فيه كتب ولا ورقُ النسخ.\nوأما البحث والتحقيق وحُسْنُ المناظرة - فقد كان أستاذَ زمانه، وفارسَ ميدانه، ولا يختلف اثنان في أنه البحر الذي لا يُسَاجَل في ذلك، كلُّ ذلك وهو في عَشْر الثمانين، وذِهنُه في غاية الاتقاد، واستحضاره في غاية الازدياد.\nولما شَغَرت مشيخةُ دار الحديث الأشرفيَّة، بوفاة الحافظ المِزِّي - عَيَّن هو الذهبي لها، فوقع السَّعْيُ فيها للشيخ شمس الدين بن النقيب (^١)، وتُكُلِّم في حق الذهبي: بأنه ليس بأشعريّ، وأن المِزِّيَّ ما وَلِيَها\n_________\n(^١) هو الإمام محمد بن أبي بكر بن إبراهيم الدمشقي القاضي شمس الدين بن النقيب الشافعي. ولد سنة ٦٦١ أو ٦٦٢ هـ. كان من أصحاب الإمام النووي - ﵁ -، وكان من قضاة العدل وبقايا السلف. من مصنفاته: مقدمة في التفسير، عمدة السالك وعدة الناسك. توفي بدمشق سنة ٧٤٥ هـ. انظر: الدرر ٣/ ٣٩٨، الطبقات الكبرى ٩/ ٣٠٧، الأعلام ٦/ ٥٥.","vol":"1","page":127},{"text":"إذ وَلِيَها إلا بعد أن كتب خطه وأشهد على نفسه: بأنه أشعريُّ العقيدة.\nواتسع الخَرْق في هذا، فجمع ملك الأمراء الأمير علاء الدين ألْطُنْبُغا نائبُ الشام إذ ذاك - العلماءَ، فلما استشار الشيخَ الإمام - أشار بالذهبي.\nفقام الصائح بين الشافعية والحنفية والمالكية، وتوقَّفوا فيه أجمعون، وكان من الحاضرين الشيخ نجم الدين القَحْفازيُّ (^١) شيخ الحنفية، فقال له الشيخ الإمام: أَيْشَ تقول؟ فقال:\nوإليكُمُ دارُ الحديث تُسَاقُ\nأبْدلَ \"هذا\" بـ \"دار\".\nفاستحسن الجماعة هذا منه، ودار إلى مَلِك الأمراء، وقال: أعْلَمُ الناس اليوم بهذا العلمِ قاضي القضاة، والذهبيُّ، وقاضي القضاة أشعريٌّ قطعًا، وقطع الشك باليقين أولى.\nفَوَلِيَها الشيخ الإمام، ولم يكن مختارًا ذلك، بل كان يكرهه، وقام من وقته إلى دار الحديث، وبين يديه الذهبي وخَلْق، فروى بسنده من طرقٍ شتى منه إلى أبي مُسْهِر - حديثَ \"يا عبادي\"، وتكلم على رجاله ومُخَرِّجه، بحيث لم يسع المجلسُ الكلامَ على أكثرَ من رجال الحديث\n_________\n(^١) هو علي بن داود بن يحيى بن كامل الزبيري، القرشي الأسدي، من نسل عبد الله بن الزبير ﵄، ولد سنة ٦٦٨ هـ. كان شيخ أهل دمشق في عصره، خصوصًا العربية. قال الذهبي: \"كان من أذكياء وقته، مع الديانة والورع\". لم يصنف إلا مَنْسكًا للحج خشية من الانتقاد عليه في التصنيف. توفي سنة ٧٤٥ هـ. انظر: الدرر ٣/ ٤٧، بغية الوعاة ٢/ ١٦٦، الجواهر المضية ٤/ ٢٨٣.","vol":"1","page":128},{"text":"ومُخَرِّجه، إلى أن بُهِت الحاضرون، لعلمهم أن الشيخ الإمام مِن سنين كثيرةٍ لا ينظر الأجزاءَ ولا أسماءَ الرجال، ولقد قال الذهبي:\nوما عَلَّمَتْنِي غيرَ ما القلبُ عالِمُهْ (^١)\nوالله كنتُ أعلم أنه فوق ذلك، ولكن ما خَطَر لي أنه مع التَّرك والاشتغال بالقضاء يَحْضُر من غير تهيئةٍ، ويُسْنِد هذا الإسناد. انتهى.\nوبالجملة: كان مع صحة الذهن واتِّقاده - عظيمَ الحافظة، لا يكاد يسمع شيئًا إلا حَفِظه، ولا يحفظ شيئًا فينساه، وإن طال بُعْدُه عن تذكُّره، جُمِعت له الحافظة البالغة، والفهمُ الغريب، فما كان إلا نُدْرَةً في الناس، وَوَحقِّ الحقِّ لو لم أشاهدْه، وحُكِي لي أنَّ واحدًا من العلماء احتوى على مثل هذه العلوم، وبلغ أقصى غاياتها، نقلًا وتحقيقًا، مع صحة الذهن، وجودة المناظرة، وقوة المغالبة، وحُسْنِ التصنيف، وطولِ الباع في الاستحضار، واستواءِ العلوم بأسرها في نَظَره - أحسَبُه وَهْمًا.\nوأقول: كيف تَفِي القُوَى البشرية بذلك، ولكن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء:\nوليس على الله بمُسْتنكرٍ ... أنْ يَجْمع العالَمَ في واحدِ\"\nقال الإمام السيوطي ﵀: \"وقال ابنه في \"الترشيح\": قال\n_________\n(^١) البيت للمتنبي من قصيدته التي يمتدح بها سيف الدولة، وهو بتمامه:\nوما اسْتَغْرَبَتْ عيني فِراقًا رأيتُهُ ... ولا عَلَّمَتْنِي غيرَ ما القلبُ عالِمهْ\nانظر: ديوانه ٣/ ٣٣٢.","vol":"1","page":129},{"text":"شهاب الدين بن النقيب صاحب \"مختصر الكفاية\" وغيرها من المصنفات: جلستُ بمكة بين طائفةٍ من العلماء، وقعدنا نقول: لو قَدَّر الله تعالى بعد الأئمة الأربعة في هذا الزمان مجتهدًا عارفًا بمذاهبهم أجمعين يركِّب لنفسه مذهبًا من الأربعة، بعد اعتبار هذه المذاهب المختلفة كلِّها - لازدان الزمانُ به، وانقاد الناس، فاتفق رأيُنا على أنَّ هذه الرتبة لا تعدو الشيخَ تقي الدين السبكي، ولا ينتهي لها سواه\" (^١).\nوأختم بمقالة التاج التي يكسوها ثوب الإنصاف، ومعرفة عظمة بعض أقرانه مع عدم الإجحاف، يقول ﵀:\n\"وقد عَرَّفناك أنه تفرَّد في الإقليم، وصار المشارَ إليه بالعلوم كلِّها، الملحوظَ بعَيْن التحقيق، من سنة ست عشرةَ التي مات فيها الشيخ صدر الدين بن الوكيل قرينُه (^٢)، واستمر إلى وفاة الشيخين تقي الدين بن تيمية، وكمال الدين بن الزَّمْلَكاني (^٣)، فلما تُوُفِّيا تَفَرَّد في العصر بأجمعه، ولا أعلم\n_________\n(^١) انظر: حسن المحاضرة ١/ ٣٢١، الرد على مَنْ أخلد إلى الأرض ص ١٦٢.\n(^٢) هو الإمام محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد، صدر الدين بن المُرَحِّل الشافعي ولد سنة ٦٦٥ هـ. كان إمامًا كبيرًا، بارعًا في المذهب والأصلين، يضرب المثل باسمه، فارسًا في البحث نَظَّارًا، مُفْرِط الذكاء، عجيبَ الحافظة، حتى قيل: إنه حفظ كتبًا وُضِع بعضها على بعض فكانت قامة. من مصنفاته: شرح الأحكام لعبد الحق، الأشباه والنظائر. توفي بمصر سنة ٧١٦ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٢٥٣، الدرر ٤/ ١١٥.\n(^٣) هو الإمام العلامة محمد بن علي بن عبد الواحد بن عبد الكريم، كمال الدين بن الزَّمْلَكَانِيّ الشافعي. ولد سنة ٦٦٧ هـ. صنف الرد على ابن تيمية في الطلاق، وفي =","vol":"1","page":130},{"text":"غيره مكث سبعًا وعشرين سنة لا يختلف اثنان في أنه أعلمُ أهلِ الأرض على الإطلاق في كل علم، فإنه مكث من سنة تسع وعشرين، إلى سنة ست وخمسين، وفيها مات عالم الأرض بالإجماع\" (^١).\nونظيرها قوله ﵀: \"وولِيَ بعد وفاة الحافظ المِزّيِّ مشيخةَ دار الحديث الأشرَفِيَّة، فالذي نراه أنه ما دخلها أعلمُ منه، ولا أحفظُ من المِزِّيِّ، ولا أورعُ من النووى وابن الصلاح\" (^٢).\nونظيرهما قوله: \"لم تَرَ عينايَ أحفظَ من أبي الحجَّاج المِزِّي، وأبي عبد الله الذهبي، والوالد، ﵏. وغالبُ ظني أن المِزِّي يفوقهما في أسماء رجال الكتب الستة، والذهبي يفوقهما في أسماء رجال مَنْ بعد الستة، والتواريخِ والوَفَيات، والوالد يفوقهما في العِلَل، والمُتُونِ، والجرحِ والتعديل، مع مشاركة كلٍّ منهم لصاحِبَيْه فيما يتميَّزُ به عليه - المشاركةَ البالغة\" (^٣).\n_________\n= الزيارة، وصنف كتابًا في تفضيل البشر على الملك. توفي سنة ٧٢٧ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٩٠، الدرر ٤/ ٧٤.\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٦٧.\n(^٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٦٩.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢٢٠.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المبحث السادس: قوته في المناظرة</span>\nيقول جمال الدين الإسنوي ﵀ عن شيخه التقي السبكي ﵀: \"شيخنا تقي الدين أبو الحسن، علي بن عبد الكافي بن علي السبكي. كان أنظر مَنْ رأيناه مِنْ أهل العلم، ومِنْ أجمعهم للعلوم، وأحسنهم كلامًا في الأشياء الدقيقة، وأجلدهم على ذلك. إن هَطَل درُّ المقال فهو سحابُه، أو اضطرم نارُ الجدل فهو شهابُه. وكان شاعرًا أديبًا، حسن الخط، وفي غاية الإنصاف، والرجوع إلى الحق في المباحث، ولو على لسان أحد المستفيدين منه. . .\" (^١).\nيقول التاج ﵀ عن والده حينما كان بالشام في طلبه للحديث سنة ست وسبعمائة، يعني ووالده يبلغ من العمر ثلاثًا وعشرين سنة:\n\"وحضر دروس أكثرهم، فحضر دروس قاضي القضاة نجم الدين بن صَصْرَى، وناظر بين يديه الشيخَ صدرَ الدين بن الوكيل.\nوحضر دروسَ الشيخ كمال الدين بن الزَّمْلكاني، بالشامية البَرانية (^٢)،\n_________\n(^١) انظر: طبقات الإسنوي ١/ ٣٥٠.\n(^٢) هذه مدرسة أنشأتها ست الشام خاتون ابنة نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان، أخت السلطان صلاح الدين الأيوبي، وهي من أكبر المدارس وأعظمها وأكثرها فقهاء، وأكثرها أوقافًا. قال ابن كثير - ﵀ - عن ست الشام هذه: =","vol":"1","page":132},{"text":"وناظره، وطال بهما المجلس حتى كادت الشمس تزول، والفضلاء وابن الزملكاني يقول: سَبَكنا السبكيُّ اليومَ.\nوحضر درسَ الشيخ صدر الدين بن المُرحِّل، في الشامية الجُوانِيَّة، وناظره\" (^١).\nويقول التاج أيضًا: \"واجتمعنا ليلة، أنا والحافظ تقيُّ الدين أبو الفتح، والأخ المرحوم جمال الدين الحُسين (^٢)، والشيخ فخر الدين الأَقْفَهْسِيُّ (^٣)، وغيرُهم، فقال لي بعض الحاضرين نشتهي أن نسمع\n_________\n= \"واقفة المدرستين: البرانية والجوانية، الست الجليلة المصونة خاتون ست الشام بنت أيوب بن شادي، أخت الملوك وعمة أولادهم، وأم الملوك، كان لها من الملوك المحارم خمسة وثلاثون ملكًا. . . . وكانت ست الشام من أكثر النساء صدقة وإحسانًا إلى الفقراء والمحاويج، وكانت تعمل في كل سنة في دارها بألوفٍ من الذهب أشربة وأدوية وعقاقير وغير ذلك، وتفرِّقه على الناس\". البداية والنهاية ١٣/ ٩٢. وكانت شرطت في وقفها: أن لا يجمع المدرِّس بينها وبين غيرها. توفيت الخاتون سنة ٦١٦ هـ. انظر: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٢٧٧، دول الإسلام ٢/ ١٢٠.\n(^١) الطبقات الكبرى ١٠/ ١٦٦.\n(^٢) الحسين بن علي بن عبد الكافي السبكي، جمال الدين أبو الطيب القاضي. ولد سنة ٧٢٢ هـ. كان من أذكياء العالم. قال الصفدي: كان ذهنه ثاقبًا، وفهمه لإدراك المعاني مراقبًا، حفظ \"التسهيل\" لابن مالك. . . وحفظ \"التنبيه\". اهـ. توفي في شهر رمضان سنة ٧٥٥ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٤١١، الدرر ٢/ ٦١، شذرات ٦/ ١٧٧.\n(^٣) هو محمد بن عبد الوهاب بن يوسف الإِقْفَهْسِيُّ ثم الدمشقيُّ، الفقيه الشافعيّ، فخر الدين، كان فاضلًا نَقَّالًا، قويَّ الحافظَة، يُقال: إنه حفظ المُحَرَّر في ستة وثلاثين يومًا. مات شابًا في ذي القَعدة سنة ٧٤١ هـ. انظر: الدرر ٤/ ٣٧، شذرات ٦/ ١٣٢.","vol":"1","page":133},{"text":"مناظرتَه، وليس فينا مَنْ يَدِلُّ عليه غيرُك. فقلت له: الجماعةُ يريدون سماعَ مناظرتك على طريق الجدل.\nفقال: بسم الله. وفهمتُ أنه إنما وافق على ذلك لمحبته فيَّ، وفي تعليمي.\nفقال: أبْصِروا مسألةً فيها أقوالٌ بقدر عَدَدِكم، وينصرُ كلٌّ منكم مقالةً يختارها من تلك الأقوال، ويجلس يَبْحث معي.\nفقلت أنا: مسألة الحرام.\nفقال: بسم الله، انصرِفُوا فلْيطالعْ كلٌّ منكم، ويحرِّرْ ما ينصرُه فقمنا وأعملَ كلُّ واحدٍ جُهدَه، ثم عُدْنا وقد كاد الليلُ ينتصف، وهو جالسٌ يتلو هو وشيخنا المسنِد أحمد بن علي الجزري الحنبلي (^١) ﵀، فقال: عبد الوهَّاب هاتِ، حسين هاتِ، هكذا يخصُّني أنا وأخي بالنداء.\nفابتدأ واحدٌ من الجماعة، فقال له: إن شئتَ كُن مستدلًا وأنا مانعٌ، وإن شئتَ بالعكس.\nفحاصل القضية أن كُلًّا منا صار يستدل على مقالته، وهو يمنعه، ويبيِّن فسادَ كلامه إلى أن ينقطع، ويأخذ في الكلام مع الآخر حتى انقطع الجميع.\n_________\n(^١) هو أحمد بن علي بن الحسن الجزري ثم الصالحي أبو العباس الهكاري العابد. ولد سنة ٦٤٩ هـ. قال الذهبي: تفرد وقصده الطلبة، وكان كثير الذكر والتلاوة. قال السبكي: لم أر أجلد على العبادة منه. توفي سنة ٧٤٣ هـ. انظر: الدرر ١/ ٢٠٧.","vol":"1","page":134},{"text":"فقال بعضنا: فأين الحق؟ .\nفقال: أنا أختار المذهب الفلاني الذي كنت يا فلان تنصره، ونصره إلى أن قلنا: هو الحق.\nثم قال: بل أختار المذهب الذي كنتَ يا فلان تنصرُه.\nوهكذا أخذ ينصر الجميع، إلى أن قال له بعضنا: فأين الباطل؟ .\nفقال: الآن حصحص الحق، المختار مذهب الشافعي، وطريق الردِّ على المذهب الفلاني كذا، والمذهب الفلاني كذا، والمذهب الفلاني كذا، وقَرَّر ذلك كله، إلى أن قضينا العَجَب، وكلٌّ منا يَعرف أن أقلَّ ما يكون للشيخ الإمام عن النظر في مسألة الحرام سِنين كثيرة (^١) \" (^٢).\n_________\n(^١) وعمر التاج آنذاك في الرابعة عشر على الأكثر؛ لأن الشيخ الأقْفَهْسِيّ مات في سنة ٧٤١ هـ، فعمر التاج حين موته أربع عشرة سنة، فالتاج حين حصول المناظرة المذكورة إما في هذا السن أو دونه.\n(^٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢٠٣ - ٢٠٤.","vol":"1","page":135},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>المبحث السابع: فصاحته وبلاغته</span>\nيقول الصلاح الصفدي ﵀: \"وأما فنُّ الأدب فما احتاج مع أسماء كتبه وتصانيفه إلى بيان، وهي تشهد له بأدبه وذوقه. وأما الهجاء وفن الكتابة فكان ما يلحق فيه\" (^١).\nوقد ذكر ابنه التاج نماذج من شعره الذي يدل على باعه في الأدب، وقوة تمكنه في النظم، وبعضها نصائح لأبنائه، وبعضها زهد ورقائق، وما ورد في بعضها من غزل فهي على لغة الشعر التي لا تخفى، وطريقة العرب وعادتها في لغتها البليغة الفصحى، والشاعر المتمكن هو الذي يجيد كلَّ أضرب الشعر والبلاغة. ولذلك ما زال العلماء سلفًا وخلفًا ينظمون في شعر الغزل وغيره، دلالةً على براعتهم في هذا الفن لا غير، بل تصدير القصائد بالغزل عادة العرب، فهو مِنْ محسنات الشعر وطرائفه (^٢).\n_________\n(^١) انظر: أعيان العصر ٣/ ٤٢٧.\n(^٢) قال ابن حجر الهيتمي ﵀: \"وقد جمع الإمام الطبراني جزءًا حافلًا في غزل التابعين وتابعيهم، وذكر هو وغيره عن جماعة كثيرين من الصحابة أنهم سمعوه ولم ينكروه. والقاضي شريح والزبير بن بكار في \"روضتيهما\"، وعبد الله بن المبارك في \"مرثيته\" من الغزل الكثير ما يُتعجب منه. وكذا الشافعي - ﵁ -. وفي \"التهذيب\": إن كان التشبيب في امرأة معينة (أي: غير زوجة) أو غلامٍ معين فُسِّق، وإلا فلا. . . . =","vol":"1","page":136},{"text":"فمن شعره في الغزل:\nقلبي مَلَكْتَ فما بِهِ ... مَرْمَىً لواشٍ أو رَقِيبْ\nقد حُزْتَ مِنْ أعْشارِهِ ... سَهْمَ المُعَلَّى والرَّقِيبْ (^١)\nيُحْيِيهِ قُرْبُكَ إنْ مَنَنْـ ... ـتَ به ولَوْ مِقْدارَ قِيبْ (^٢)\nيا مُتْلِفِي بِبعادِهِ ... عَنِّي أما خِفْتَ الرَّقِيبْ (^٣)\n_________\n= قال الأذرعيّ: الذي يجب القطع به أن تسمية مَن لا يدري مَنْ هي، وذِكْرُ محاسنها الظاهرة، والشوقُ والمحبةُ مِنْ غير فُحْشٍ ولا ريبةٍ لا يقدح في قائله، ولا يتحقَّقُ فيه خلاف، ومن ذلك تعارض الشعراء على ذكر ليلى وسَلْمى وسُعْدى والرَّباب وهند، وغير ذلك\". كفَّ الرعاع عن محرّمات اللهو والسماع ص ٢٧٥ (المطبوع مع الزواجر). ثم ذكر الهيتمي - ﵀ - نقلًا عن النووي - ﵀ - أن المساجد لا يجوز فيها مطلقًا إنشاد الأشعار التي فيها صفة الخمر، أو ذكر النساء، أو المرد. يعني: ولو كانت لامرأة غير معينةٍ أو أمردٍ غير معين؛ لحرمة المساجد. انظر: كف الرعاع ص ٢٧٦.\n(^١) سهم المُعَلَّى والرقيب سهمان لقداح المَيْسِر، فللمُعَلَّى سبعة أنصباء، وللرقيب ثلاثة، فإذا فاز الرجل بهما غلب على جَزُور (أي: جمل) الميسِر كلِّها، ولم يطمع غيرُه في شيء منها، وهي (أي: جزور الميسر) تُقْسَمِ على عشَرة أجزاء. والمعنى: أن هذا الحبيب ضَرَب بسهامه على قلبي فخرج له السهمان اللذان يحوز لهما كل أعشار القلب، فغلبني على قلبي كلِّه، وفتنَنِي فملكني. انظر: لسان العرب ٤/ ٥٧٣، مادة (عشر)، ١/ ٤٢٥، مادة (رقب).\n(^٢) في اللسان ١/ ٦٩٣، مادة (قوب): \"القاب: ما بين المَقْبِضِ والسِّيةِ، ولكل قوس قابان وهما بين المَقْبِضِ، والسِّيَة. والقاب والقيب بمعنى واحد، كما هو ظاهر كلام صاحب اللسان في الصفحة المذكورة.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٧٩.","vol":"1","page":137},{"text":"ومن شعره في الغزل ما قاله في مَطْلع قصيدته في الشِّطْرَنج (^١) حيث يقول ابنه التاج ﵀: \"أنشدنا الشيخُ الإمام لنفسه قصيدتَه التي نظمها في الشِّطْرَنج، عند اقتراح الشيخ أبي حَيَّانَ ذلك على أهل العصر، على زِنَةٍ خاصة، ومن نبأ ذلك أن أبا حيان اقترح أن يَنْظِم الشعراء على عَرُوض قول ابن حَزْمُون (^٢) وقافيةِ قولهِ:\nإليك إمامَ الخَلْقِ جُبْتُ المَفاوِزَا ... وخَلَّفْتُ خَلْفِي صِبْيَةً وعَجائِزَا\nوشَرَط أبو حَيَّان على مَنْ عارَضه أن يتغَزَّل، ثم يذكر الغرضَ ثانيًا، ثم يمدحه ثالثًا.\nفمَطْلَع قصيدة الشيخ الإمام:\nأخا العَذْلِ لا تُفْرِطْ وكُنْ مُتَجاوِزَا ... فما كُلُّ عَذْلٍ في المحبَّةِ جائِزَا\nولا كُلُّ ذي وَجْدٍ يُطِيقُ احتمالَهُ (^٣) ... وإن كان ذا أيدٍ (^٤) شديدًا مُبَارِزَا\nولا كُلُّ صَبٍّ (^٥) يَحْسَبُ الغَيَّ رُشْدَهُ ... وكيف ومِثْلِي مَنْ يَفكُّ المَرامِزَا\n_________\n(^١) في المصباح ١/ ٣٣٥: \"الشطرنج: مُعَرَّبٌ، بالفتح، وقيل بالكسر، وهو المختار. قال ابن الجواليقي في كتاب ما تلحن فيه العامة: ومما يكسر والعامَّةُ تفتحه أو تضمه وهو الشطرنج، بكسر الشين، قالوا: وإنما كُسِر ليكون نظير الأوزان العربية، مثل: جِرْدَحْل، إذ ليس في الأبنية العربية فَعلَل بالفتح، حتى يُحمل عليه\".\n(^٢) هو علي بن حزمون، أو الحسن.\nانظر: المعجب ص ٣٧٠، والمغرب ٢/ ٢١٤.\n(^٣) الوَجْد: الحب. انظر: القاموس ١/ ٣٤٣، مادة (وجد)، والمعنى: ليس كل ذي حبٍّ يُطيق احتمال العَذْل، أي اللوم.\n(^٤) الأَيْد: القوة. انظر القاموس ١/ ٢٧٥، مادة (آد).\n(^٥) الصَّبابة: الشَّوْق. وقيل: رقته وحرارته. وصَبَبْتُ إليه صَبابةً فأنا صَبٌّ، أي: عاشق مشتاق. انظر لسان العرب ١/ ٥١٨.","vol":"1","page":138},{"text":"أما نظمه في نصائح أبنائه فهي بديعة مفيدة، وما أحوجنا إليها، فمن ذلك قصيدته التي يخاطب بها ابنه الأكبر أبا بكرٍ محمدًا (^١) ﵀، وهي طويلة، منها:\nأَبُنَيَّ لا تُهْمِلْ نَصِيحَتِيَ التي ... أوصيكَ واسْمَعْ مِنْ مقالي تَرْشُدِ\nاحفظ كتاب الله والسُّنَنَ التي ... صَحَّتْ وفِقْه الشافعيِّ محمَّدِ\nواعلمْ أصولَ الفقه عِلْمًا مُحْكَمًا ... يَهْدِيكَ للبحثِ الصحيحِ الأيِّدِ\nوتَعَلَّمِ النحوَ الذي يُدْنِي الفَتَى ... من كلِّ فَهْمٍ في القُرَانِ مُسَدَّدِ\nواسلك سبيلَ الشافعي ومالكٍ ... وأبي حنيفة في العُلومِ وأحمدِ\nوطريقةَ الشيخ الجُنَيْدِ وصَحْبِهِ ... والسالكينَ طريقَهُمْ بِهِمُ اقْتَدِ\nواتْبَعْ طريقَ المصطفى في كلِّ ما ... تأتي به من كلِّ أمرٍ تَسْعَدِ (^٢)\n_________\n(^١) يقول الشيخ محمد الصادق حسين عن محمد بن علي رحمهم الله تعالى: هو أكبر أولاد علي بن عبد الكافي، لكنه مات قبل أن يكون له شأن، ولم نقف على شيءٍ من أخباره سوى ما جاء في الطبقات الكبرى عَرَضًا في ترجمة علي بن عبد الكافي من أن محمدًا هذا كان أكبر أبناء أبيه، وإن أباه خاطبه بقصيدة فيها نصحٌ وإرشادٌ إلى ما يجب عليه من العناية بالدراسة العلمية والصوفية. . . الخ .. اهـ. انظر: البيت السبكي ص ٦٥ - ٦٦.\n(^٢) انظر هذا البيت، لتعلم أن هذا الإمام وأمثاله من أهل التصوف السني لا البدعي، والعبرة بالحقائق لا بالأسماء، والكلام في هذا كثير طويل، وكتب التراجم لأئمة الحديث والجرح والتعديل طافحة بالثناء على جملة من المشهورين بالتصوف، ونسبتهم للسنة، وحسبك بالذهبي، وابن كثير، وابن رجب، وابن العماد الحنبلي، وغيرهم، ومَنْ شك فليراجع. يقول الإمام الذهبي - ﵀ - في سير أعلام النبلاء ١٥/ ٤١٠: \"فإنما التصوف والتألُّه والسُّلوك والسَّيْر والمحبة ما جاء عن أصحاب =","vol":"1","page":139},{"text":"واقْصِدْ بِعلمِكَ وجْهَ ربِّكَ خالصًا ... تَظفَرْ بسُبْل الصالحينَ وتَهْتَدِ\nواخْشَ المُهَيْمِنَ وأتِ ما يَدْعُو إليْـ ... ـه وانْتَهِ عما نَهَى وتَزَهَّدِ\nوارفع إلى الرحمن كُلَّ مُلِمَّةٍ ... بِضَرَاعَةٍ وتَمَسْكُنٍ وتَعَبُّدِ\nواقطَعْ عن الأسبابِ قلبَكَ واصْطَبِرْ ... واشكُرْ لمَنْ أَوْلاكَ خيرًا واحْمَدِ\nوعليكَ بالورعِ الصحيحِ ولا تَحُمْ ... حولَ الحِمَى واقْنتْ لربِّكَ واسْجُدِ\nوخذِ العلومَ بهمةٍ وتَفَطُّنٍ ... وقَرِيحَةٍ سَمْحاءَ ذاتِ تَوَقُّدِ\n_________\n= محمدٍ - ﷺ - من الرضا عن الله، ولزومِ تقوى الله، والجهادِ في سبيل الله، والتأدبِ بآداب الشريعة من التلاوة بترتيلٍ وتدبرٍ، والقيامِ بخشيةٍ وخشوع، وصومِ وقتٍ، وإفطار وقت. . . والعالمُ إذا عَرِيَ من التصوف والتألُّه فهو فارغ، كما أن الصوفيَّ إذا عَرِيَ منْ علم السُّنة زَلَّ عن سواء السبيل\". ويقول الإمام ابن رجب - ﵀ - في الذيل على طبقات الحنابلة ٣/ ٦٤، في ترجمة أبي إسماعيل الهرويّ: \"وكان على حظٍّ تامٍّ من العربية ومعرفة الأحاديث والأنساب والتواريخ، إمامًا كاملًا في التفسير والتذكير، حسن السيرة والطريقة في التصوف ومباشرة التصوف ومعاشرة الأصحاب الصوفية، مظهر السنّة داعيًا إليها، محرِّضًا عليها\". وقال عنه أيضًا: \"وله كلام في التصوف والسلوك دقيق، وقد اعتنى بشرح كتابه \"منازل السائرين\" جماعةٌ، وهو كثير الإشارة إلى مقام الفناء في توحيد الربوبية، واضمحلال ما سوى الله تعالى في الشهود لا في الوجود\". الذيل على الطبقات ٣/ ٦٧. وانظر ترجمته لعبد القادر الجيلاني في الذيل ٣/ ٢٩٠. وأئمة الصوفية السنيين ليسوا بالمعصومين، فليس معصومًا إلا محمد ﵌، وأمثاله من النبيين صلوات الله وسلامه عليهم، وحصول بعض الخطأ من بعض أئمة الصوفية لا يُخرجهم عن السنة، كما لا يُخرج بعضُ الخطأ أحمدَ والشافعيَّ ومالكًا وأبا حنيفة وغيرهم عن السنة، والتشدد لا يصدر إلا عن جاهل أو متعصِّب لرأيه، وهؤلاء لا كلام معهم، إنما الكلام مع أهل الإنصاف والاعتدال، والله المسؤول أن يظهر الحق ويبطل الباطل، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير.","vol":"1","page":140},{"text":"واستنبِطِ المكنونَ من أسْرارِها ... وابحث عن المعنى الأَسَدِّ الأَرْشَدِ\nوعليكَ أربابَ العُلُومِ ولا تَكُنْ ... في ضَبْطِ ما يُلْقُونَهُ بمُفَنِّدِ\nوإذا أتَتْكَ مقالةٌ قد خَالَفَتْ ... نَصَّ الكتاب أو الحَديثِ المُسْنَدِ\nفاقْفُ الكتابَ ولا تَمِلْ عَنْهُ وقِفْ ... مُتَأَدِّبًا مع كل حَبْرٍ أَوْحَدِ\nفلُحُومُ أهلِ العلمِ سُمَّتْ للجُنَا ... ةِ عليهمُ فاحفظْ لسانَك وابْعُدِ\nهَذِي وصِيَّتيَ التي أُوصِيكَهَا ... أكرِمْ بها مِنْ والدٍ مُتَوَدِّدِ\nومِنْ بديع شعره هذه القصيدة الغراء التي حُقَّ لطلاب العلم أن يحفظوها، لا سيما في هذا الزمان الذي استخف أهلُه بالعلم وأهله، وفُتِنُوا بالدنيا ومناصبها، وأصبح الرجل الحقير الفاسد لماله ومنصبه مبجلًا معظمًا، والعالم التقي الفقير المتواضع مهانًا مبتذلًا، فوا أسفًا ثم ألف فوا أسفا، مصابٌ جَلَلٌ، ونقصٌ في الدين وزلل، وازدراء لخلفاء النبي ﵌ وضلال وخطل، ولكن عزاء العاقلِ الحصيفِ مقولةُ الشافعي - ﵁ - حيث يقول:\nومنزلة الفقيه مِن السفيه ... كمنزلة السفيه مِن الفقيه\nفهذا زاهدٌ في قُرْب هذا ... وهذا فيه أزهدُ منه فيه (^١)\nوأين أهل هذا الزمان المفتونون بالمناصب من قول المصطفى ﵌ \"إنَّ مِنْ إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحاملِ القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرامِ ذي السلطان المقسِط\" أخرجه\n_________\n(^١) انظر: المدخل إلى السنن الكبرى للبيهقي ص ٣٦٧.","vol":"1","page":141},{"text":"أبو داود عن أبي موسى الأشعري - ﵁ -، وإسناده حسن. انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير ٢/ ٥٢٩ وماذا بعد إهانة العلماء إلا سيادة الجهال، وماذا بعد سيادة الجهال إلا ضياع الملة والدين، وماذا بعد ضياع الملة والدين إلا هدم منار الأرض وهلاك الحرث والنسل، نسأل الله السلامة.\nوقبل أن أُورد قصيدة السبكي - ﵀ - أذكر سببها، فهو ظريف لطيف، وفيه كرامة تحقَّقَت للتقي ﵀. يقول التاج ﵀:\n\"نقلتُ من خط أخي شيخنا شيخ الإسلام أبي حامدٍ أحمد (^١)، سلمه الله تعالى أن الوالد أنشد هذه الأبيات حين أُخِذت منه مشيخة جامع طُولُون، في سنة تسعَ عشرةَ، وأن والدتَه الجدَّةَ ناصرِيّة أَسِفَتْ عليه، وكان ذلك بعد ولادة الأخ أبي حامد، قال فكان الوالدُ يقول لها: يا أمُّ، وما أدراكِ أن هذا الميعادَ يعود، ويكون رزقَ هذا المولود، فعاد إليه في سنة سبعٍ وعشرين، واستمر بيده إلى سنة تسعٍ وثلاثين، لما وَلِيَ قضاء الشام، واستمر باسم الأخ أبي حامد، وهو الآن بيده، جَعَله الله كلمةً باقيةً في عَقِبِه\" (^٢).\n_________\n(^١) هو أحمد بن علي بن عبد الكافي السبكي، أبو حامد بهاء الدين. ولد سنة ٧١٩ هـ قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"كانت له اليد الطولى في علوم اللسان العربي والمعاني والبيان، وله \"عروس الأفراح شرح تلخيص المفتاح\" أبان فيه عن سعة دائرةٍ في الفن. . وكان أديبًا فاضلًا متعبِّدًا كثير الصدقة والحج والمجاورة، سريع الدمعة\". توفي مجاورًا بمكة سنة ٧٧٣ هـ.\nانظر: الدرر ١/ ٢١٠، البدر ١/ ٨٢.\n(^٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٨١.","vol":"1","page":142},{"text":"أما القصيدة فهي:\nكمالُ الفتى بالعلم لا بالمَناصِبِ ... ورُتْبَةُ أهلِ العلمِ أَسْنى المراتبِ\nهُمُ وَرِثُوا عِلمَ النَّبِيِّينَ فاهْتَدَى ... بِهِمْ كلُّ سارٍ في الظلامِ وسَارِبِ\nولا فخرَ إلا إرثُ شِرْعَةِ أحْمَدٍ ... ولا فضلَ إلا باكتسابِ المناقِبِ\nوبحثٌ وتدقيقٌ وإيضاحُ مُشْكِلٍ ... وتحرير بُرهانٍ وقطْع مُغالبِ\nوإحكامُ آياتِ الكتاب وسُنَّةٍ ... أتَتْ عن رسولٍ من لؤيِّ بنِ غالِبِ\nإذا المرءُ أمسَى للعلومِ مُحالِفًا ... أضاءَ له منها جميع الغَيَاهِبِ (^١)\nويَنْزاحُ عَنْهُ كلُّ شَكٍّ وشُبْهَةٍ ... وتبدو له الأنوارُ من كلِّ جانِبِ\nهي الرتبةُ العُلْيا تَسَامَى بأهلِها ... إلى مُسْتَقَرٍّ فوقَ مَتنِ الكواكبِ\nفَدُونَكَها إنْ كنتَ للرشدِ طالبًا ... تنلْ خيرَ مرجُوِّ الدُّنَا والعَواقِبِ\nولا تَعْدِلَنْ بالعلمِ مالًا ورفعةً ... وسمْرَ القَنَا أو مُرْهَفَاتِ القَواضِبِ (^٢)\nوهَبْكَ انزَوَتْ دُنْيَاكَ عَنْكَ فلا تُبَلْ ... فَعَنْها لقد عُوِّضت صَفْوَ المَشارِبِ\nفما قَدْرُ ذي الدُّنْيا وما قَدْرُ أهلِها ... وما اللهوُ بالأولاد أو بالكَواعِبِ\nإذا قِسْتَ ما بين العلومِ وبينَها ... بعقلٍ صحيحٍ صادِقِ الفِكْرِ صائِبِ\n_________\n(^١) أي: الظلمات، جمع غَيْهَب. انظر: اللسان ١/ ٦٥٣، مادة (غهب).\n(^٢) أي: لا تساوي بالعلم أيَّ شيءٍ غيره، فهو أشرف الأشياء، فهو خَلَفٌ لا خَلَفَ له، عِوَضٌ لا عِوَض له، سابِقٌ لا سابِق له، فلا يشغلنك أيها العاقل شاغل عنه: من جمع مالٍ، أو تحصيلِ رفعةٍ بمنصبٍ، أو تَلَهٍّ بسُمْر القَنَا، أي: الرماح، أو السيوف المرهفة اللطيفة الدقيقة. انظر: لسان العرب ١٥/ ٢٠٣، مادة (قنا): ١/ ٦٧٩، مادة (قضب)، ٩/ ١٢٨، مادة (رهف).","vol":"1","page":143},{"text":"فما لذةٌ تَبقَى ولا عيشَ يُقْتَنَى ... سِوَى العلمِ أعلى مِنْ جميعِ المكاسِبِ (^١)\nومن بديع شعره قوله:\nلَعَمْرُكَ إن لي نَفْسًا تَسَامَى ... إلى ما لَمْ يَنَلْ دَارَا بنُ دارَا (^٢)\nفمِنْ هذا أرى الدنيا هَباءً ... ولا أرضى سِوَى الفردوسِ دارَا (^٣)\nوالطريف في هذين البيتين أنه نظم الأول منهما في سنة ٧١٩ هـ، والثاني في سنة ٧٤٧ هـ، كما رآه الحافظ ابن حجر - ﵀ - بخطه، وأنه قال: \"إن لكلٍّ منهما إشارة\" (^٤).\nوالذي ذكره الصفدي ﵀ أنه نظم الأول سنة ٧٣٩ هـ (^٥). فالله أعلم ومِنْ حِكَمه قولهُ:\nإن الولاية ليس فيها راحةٌ ... إلا ثلاثٌ يبتغيها العاقِلُ\nحُكْمٌ بحقٍّ أو إزالةُ باطلٍ ... أو نَفْعُ محتاجٍ سواها باطِلُ (^٦)\nومِنْ فرائد حِكَمه:\nإذا أتَتْكَ يَدٌ من غير ذِي مِقَةٍ (^٧) ... وجَفْوةٌ مِنْ صديقٍ كنتَ تأمُلُهُ\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٨٠.\n(^٢) دار ابنُ دارا: مِنْ ملوك الفرس الأقدمين. انظر: تحقيق الطبقات الكبرى ١٠/ ١٧٩.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٧٩.\n(^٤) انظر: الدرر ٣/ ٦٩.\n(^٥) انظر: السابق ٣/ ٦٩.\n(^٦) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٧٩.\n(^٧) أي: محبة. وفي اللسان ١٠/ ٣٨٩، مادة (ومق): \"ومِقَهُ يَمِقُه، نادر، مِقَةً ووَمْقًا: أحبه. . والتَّوَمُّق: التودُّد، والمِقَة: المحبة، والهاء عِوَض منَ الواو، وقد وَمِقه يَمِقه بالكسر فيهما، أي: أحَبَّه، فهو وامق. . . وفَرَّق بين الوِمَاق والعِشق، فقال: =","vol":"1","page":144},{"text":"خُذْها من الله تنبيهًا وموعظةً ... بأنَّ ما شاء لا ما شئتَ يَفْعَلُهُ (^١)\n_________\n= الوِمَاق محبةٌ لغير ريبة، والعشق محبةٌ لريبة\". أي: الوِمَاق حبٌّ لا حرام فيه، والعِشق هو الحبُّ الحرام.\n(^١) انظر: الدرر ٣/ ٧٠، حاشية الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٠٤.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الثامن: أخلاقه وعبادته</span>\nقال ابن حبيب ﵀ في وصف أخلاقه: \"كان قَدَّس الله روحَه جزيلَ الورع، قليل الرِّيِّ والشِّبع، يكتفي بالعُلْقة من الطعام (^١)، ويقنع بالنُّغْبة (^٢) من المورد العذب وإن لم يكن كثير الزِّحام.\nمستعينًا بالصبر والصلاة، متقربًا بحسن العمل إلى من خلق الموت والحياة. متنزهًا في رياض الأذكار، مثابرًا على التسبيح بالعشي والإبكار، مراقبًا مَن لا تُدركه الأبصار. . . . مواظبًا على تلاوة كتاب الله آناء الليل وأطراف النهار، صابرًا عند ازدحام الأخطار. . . وكانت يداه مبسوطتين، وبإسداء المعروف معروفتين، يُعطي عطاء مَن لا يخشى الفقر، ويأتَمُّ بمَنْ في أذنيه عن سماع العَذْل في البذل - وَقْر. . . راجِي نَوَاله ما لم يخطُر بباله، ولو\n_________\n(^١) أي: بالبُلْغة من الطعام. وفي اللسان ١٠/ ٢٦٣: \"والعَلاقة: ما يُتَبَلَّغ به من عيش. والعُلْقةُ والعَلاقُ ما فيه بُلغةٌ من الطعام إلى وقت الغذاء. وقال اللحياني: ما يأكل فلانٌ إلا عُلْقَةً، أي: ما يمسك نفسه من الطعام. وفي الحديث: وتجتزئ بالعُلْقَةِ، أي: تكتفي بالبُلْغة من الطعام\".\n(^٢) أي: الجَرْعة. وفي اللسان ١/ ٧٦٥، مادة (نغب): \"قال ابن السكيت: نَغِبْتُ من الإناء، بالكسر، نَغْبًا، أي: جَرَعْتُ منه جَرْعًا. ونَغَبَ الإنسانُ في الشُّرْب، يَنْغُبُ نَغْبًا: جَرَع، وكذلك الحمار. والنَّغْبة، والنُّغْبة بالضم: الجَرْعة، وجمعها نُغَبٌ\".","vol":"1","page":146},{"text":"استزاده لزاد، وأرضى العُفَاة (^١) بالجود، فمن قائل هو عليٌّ الرِّضا (^٢)، ومِنْ قائل هو الجَواد. . . يقوم الليل إلا قليلًا، ويُفني عمر الدُّجَى تسبيحًا وترتيلًا. . . لا ينظر إلى الدنيا ونُضْرتها، ولا يكترث بزُهرها وزَهْرتها (^٣)، ولا يغترُّ بزخارفها. . . . . . ولا يتكبر بما باشره من جليل مناصبها، ولا يشرئبُّ (^٤) إلى ملاذِّها وملابسها، ولا يتجمل بزينة أهلها، على أنه رأسُ رؤسائِها وأربابِ طيالِسها\" (^٥).\n_________\n(^١) العفاة: هم الأضياف وطُلَّاب المعروف. وفي اللسان ١٥/ ٧٤، مادة (عفا): \"وعَفَوْتُ الرجل إذا طلبتَ فضلَه. والعافية والعُفَاةُ والعُفَّى: الأضياف وطُلَّاب المعروف. وقيل هم الذين يَعْفُونك، أي: يأتونك يطلبون ما عندك. . . والعافيةُ: طلَّابُ الرزق من الإنس والدَّواب والطَّيْر. . . قال أبو عبيد: الواحد من العافية عافٍ، وهو كل مَنْ جاءك يطلُب فضلًا أو رزقًا فهو عافٍ ومُعْتَفٍ، وقد عَفَاكَ يَعْفُوكَ، وجمعه عُفاة\".\n(^٢) هو الإمام علي بن الحسين بن الإمام عليٍّ بن أبي طالب بن عبد المطلب، السيد الإمام زين العابدين، الهاشمي العلويُّ المدنيّ. ولد سنة ٣٨ هـ. توفي سنة ٩٤ هـ. انظر: سير ٤/ ٣٨٦، البداية والنهاية ٩/ ١٠٩.\n(^٣) الزُّهرة: الحُسْن والبياض. قال شِمْر: الأزهَرُ من الرجال: الأبيض العتيقُ البياض النَّيِّر الحسن، وهو أحسن البياض كأن له بريقًا ونُورًا يُزْهِرُ كما يُزهِرُ النجمُ والسراج. وزَهْرَةُ الدنيا وزَهَرَتُها: حُسْنُها وبَهْجَتها وغَضَارَتُها. انظر: لسان العرب ٤/ ٣٣٢، مادة (زهر).\n(^٤) أي: لا يتطلع. وفي اللسان ١/ ٤٩٣، مادة (شرب): \"واشْرَأَبَّ الرجلُ للشيء وإلى الشيء اشْرِئْبابًا: مَدَّ عنَقَه إليه. وقيل: هو إذا ارتفع وعَلَا، والاسم: الشُّرَأْبِيبة، بضم الشين، من اشْرَأَبَّ\".\n(^٥) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٦٢ - ١٦٣.","vol":"1","page":147},{"text":"ويقول تلميذه صلاح الدين الصفدي ﵀: \"وأما الأخلاق فقَلَّ أنْ رأيتُها في غيره مجموعة، أو وُجِد في أكياس الناس دينارٌ على سِكَّتها المطبوعة: فَمٌ بَسَّام، ووجه بين الجمال والجلال قَسَّام، وخُلْقٌ كأنه نَفَس السَّحَر على الزَّهَر نَسَّام.\nوكَفٌّ تخجَلُ الغُيُوث مِنْ ساجِمِها (^١)، وتَشْهد البرامكة (^٢) أن نَفَس حاتِمٍ في نقش خاتِمِها.\nوحِلْمٌ لا يستقيم معه الأحنف (^٣)، ولا يُرى المأمونُ (^٤) معه إلا\n_________\n(^١) الساجِم: السائل، مِنْ سَجَم العينُ والدمعُ الماءَ يسجم سجومًا وسجامًا إذا سال وانسجم. انظر: اللسان ١٢/ ٢٨١، مادة (سجم). والمعنى: أن الأمطار تخجل من سيل هذا الكف وصَبِّه بكل خيرٍ مدرار، وعطاءٍ جمٍّ مغزار، فالضمير في \"ساجمها\" يعود إلى الكف.\n(^٢) هم أسرة فارسية كان لها شأن في عهود أبي جعفر والمهدي والرشيد العباسيين، وهم أهل كرم وجود. انظر: سير أعلام النبلاء ٩/ ٥٩.\n(^٣) هو الضحاك بن قيس بن معاوية بن حُصَيْن، الأمير الكبير، والعالم النبيل، أبو بحر التميمي، أحد مَنْ يُضرب بحلمه وسؤدده المثل. كان من المخضرمين، أسلم في حياة النبي ﵌، ووفد على عمر - ﵁ -. توفي ﵀ سنة ٦٧ هـ في إمرة مصعب بن الزبير على العراق. انظر: طبقات ابن سعد ٧/ ٩٣، سير ٤/ ٨٦.\n(^٤) هو الخليفة أبو العباس عبد الله بن هارون الرشيد بن محمد المهدي العباسي. ولد سنة ١٧٠ هـ، وقرأ العلم والأدب والأخبار والعقليات وعلوم الأوائل، وأمر بتعريب كتبهم وبالغ، ودعا إلى القول بخلق القرآن وبالغ، وكان من رجال بني العباس حزمًا وعزمًا ورأيًا وعقلًا وهيبة وحلمًا، ومحاسنه كثيرة في الجملة، وكان يُعَدُّ من كبار العلماء مع تشيع فيه. وكان يقول: لو عرف الناس حبي للعفو لتقربوا إليَّ بالجرائم، وأخاف أن لا أُوجر فيه. توفي سنة ٢١٨ هـ. انظر: تاريخ بغداد ١٠/ ١٨٣، سير ١٠/ ٢٧٢، شذرات ٢/ ٣٩.","vol":"1","page":148},{"text":"خائنًا عند مَنْ رَوَى أو صَنَّف، ولا يُوجد له فيه نظيرٌ ولا في غرائب أبي مِخْنَف (^١)، ولا يُحْمَل عليه حِمْلٌ فإنه جاء فيه بالكيل المُكْنَف (^٢).\nلم أره انتقم لنفسه مع القدرة، ولا شَمَت بعدوٍّ هُزِم بعد النُّصْرة، بل يعفو ويَصْفَح عمن أجرم، ويتألم لمَنْ أوقَد الدهر نارَ حربه وأَضْرَم، ورعايةُ وُد لصاحبه الذي قَدُم عهدُه، وتذكُّرٌ لمحاسنه التي كاد يمحوها بُعْدُه، وطهارة لسان لم يُسْمَع منه في غِيبةٍ بنتُ شَفَة، ولا تَسِفُّ (^٣) طُيورُ الملائكة منه على سَفَه.\n_________\n(^١) هو لوط بن يحيى بن مِخْنَف بن سليمان الكوفي، صاحب تصانيف وتواريخ. قال يحيى بن معين: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: متروك الحديث. وقال الدارقطني: أخباري ضعيف. من مصنفاته: كتاب الردة، وكتاب فتوح الشام، وفتوح العراق، وكتاب الجمل، وصفين، والنهروان، وغيرها كثير. توفي سنة ١٥٧ هـ. انظر سير ٧/ ٣٠١، معجم الأدباء ١٧/ ٤١.\n(^٢) أي: الممتلئ؛ لأن المكنف معناه: المحاط به مِنْ جوانبه، منْ قولهم: اكتنفته أنا وصاحبي، أي: أحطنا به مِنْ جانِبَيْه. انظر: لسان العرب ٩/ ٣٠٨، مادة (كنف)، والإحاطة في الكيل لا تكون إلا بامتلائه، والمعنى: أنه لا مزيد على حلمه، فقد استوفى خلق الحلم ﵀، كما أن الكيل الممتلئ لا يمكن الحمل عليه زيادةً على ما فيه. ولا شك أن المراد بهذا المبالغة في وصفه، لا حقيقة هذا القول؛ لأن الأولياء - ﵃ - لا يبلغون أقل من عشر المعشار من أخلاق الأنبياء وصفاتهم صلوات الله وسلامه عليهم، لكن القصد هو بيان الدرجة العالية التي وصل فيها هذا الإمام في خلق الحلم، جعلنا الله من أهل هذا الخلق، فهو والله الخلقُ الذي إذا حصل للمرء فقد تمت سعادته، وكملت أخلاقه ومروءته، وكفى على ذلك دلالةً بشارةُ المولى تعالى لخليله بابن حليم: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [سورة الصافات: ١٠١].\n(^٣) أي: لا تدنوا. وفي اللسان ٩/ ١٥٣ - ١٥٤: \"وأَسَفَّ الطائرُ والسحابةُ وغيرهما: دنا من الأرض. . . أسَفَّ الطائر إذا دنا من الأرض في طيرانه. . .\".","vol":"1","page":149},{"text":"وزهد في الدنيا وأقلامه تتصرف في الأموال، ويَفُضُّها على مَمَرِّ الأيام والجُمَع والأشهرِ والأحوال، واطِّراحٌ للمَلْبس والمأكل، وعزوفٌ عن كل لذة، وإعراضٌ عن أعراض هذه الدنيا التي خلق اللهُ النفوسَ إليها مُغِذَّة هذا ما رآه عَيَانِي، وخَتَم عليه جَنَاني. وأما ما وُصِف لي من قيام الدُّجا، والوقوفِ في مقام الخوف والرَّجا - فأمرٌ أجزم بصدقه، وأشهد بحقِّه، فإن هذا الظاهر لا يكون له باطنٌ غيرُ هذا، ولا يُرى غيرُه حتى المَعَاد مَعاذا.\nثم اندفع القاضي صلاح الدين في ذِكر شيءٍ من أحواله وكراماته وأخباره، فإنه كان يُحبه، وله به خصوصية\" (^١).\nوسأذكر بعض أخلاقه على شيءٍ من التفصيل، كما ذكرها ابنه التاج رحمهما الله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>١ - إخلاصه:</span>\nقال التاج: \"وقد كانت الأسئلة تأتيه من شرق الأرض وغربها، فما كان منها متعلِّقًا بعلوم الظاهر نَقِف عليه، ونبحث عنه، وما كان منها متعلِّقًا بعلم الباطن قَلَّ أن يُوقفنا عليه، أو يُعَرِّفَنا سائلَه، وكان يكتم أحوال مَنْ يعرفه مِن الأولياء\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-63>٢).\n\n٢ - تواضعه:</span>\nقال التاج ﵀: \"وكتب بخطه على ترجمته التي أنشأتُها في كتاب \"الطبقات الوسطى\"، وقد كانت \"الطبقات الوسطى\" تُعجبه، ويضعها\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٥٩ - ١٦١، أعيان العصر ٣/ ٤١٩ - ٤٢٠.\n(^٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٨٦.","vol":"1","page":150},{"text":"غالبًا بين يديه ينظر فيها، رأيتُه كتب بخطه على ترجمته، وهو عندي الآن، ما نَصُّه:\nعبدَ الوهَّابِ نَظَرْتَ إلى ... وَرَمٍ بادٍ يَحْكِي سِمَنَا (^١)\nوشَغَافٌ بي يدعوكَ إلى ... حُسْبانِكَ في حالي حَسَنَا\nيا رب اغفِرْ لابْنِي فيما ... قد خَطَّ وقال هوىً وجَنَا\nوالله إني في نفسي أحقرُ من أن أُنْسَب إلى غِلمان واحدٍ من المذكورين، ومَنْ أنا في الغابرين! أسأل اللهَ خاتمةً حسنةً بمنِّه وكرمه، وبمحمدٍ - ﷺ -. كتبه عليٌّ السبكي في يوم السبت، مُسْتَهلَّ جُمادَى الآخرة، سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة بظاهر دمشق.\nهذا صورة خطِّه على حاشية كتاب \"الطبقات الوسطى\" لي (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٣ - عزة نفسه:</span>\nيقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣)، فمنشأ العزة من الله تعالى، وهو يُعِزُّ رسولَه ﵌؛ لأنه أكرم الخلق عليه تعالى، ويعِز عباده المؤمنين على قدر إيمانهم؛ لأن لهم شرفًا وقدرًا عنده بذلك الإيمان، كلٌّ بحسب إيمانه، اللهم اجعل حظنا من الإيمان وافرًا كاملًا.\n_________\n(^١) يعني بالورم نفسَه ﵀، وسِمَن الورم مرضٌ لا عافية، فشبَّه حاله بذلك تواضعًا.\n(^٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩١ - ١٩٢.\n(^٣) سورة المنافقون: ٨.","vol":"1","page":151},{"text":"فعزة المؤمن ليست من جنس الكبر واحتقار الناس، أو رؤية تميز النفس عن الغير، بل عزته شعوره بأنه عبدٌ لعزيز، قويٌّ قادر قاهر لا يُغلب، وهو يدافع عن أوليائه.\nأبي الإسلام لا أبَّ لي سواه ... إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ\nنقل الحافظ ابن حجر ﵀ كلامًا للتقي ﵀، يدل على كراهته لسؤال الناس، وعزوف نفسه عن ذلك، لما في السؤال من المذلة والهوان، وشعور المُسْدِي للمعروف غالبًا بالتفضل والمِنَّة على السائل، وأن له يدًا عليه لا بد من مكافأتها، وهذه عبودية لا يرتضيها المؤمن الصادق، فوجهه وقلبه لا يذل إلا لخالقه، والأحرارُ من الرجال الذي يرون المعروفَ والفضلَ لمن سألهم - قليلٌ، وأقل من القليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>٤ - حياؤه:</span>\nقال التاج ﵀: \"وكان كثير الحياء جدًا، لا يُحب أن يُخْجِل أحدًا، وإذا ذكر الطالبُ بين يديه اليسيرَ من الفائدة استعظمها، وأوهمه أنه لم يكن يَعْرِفُها، لقد قال له مرةً بعض الطَّلَبة بحضوري: حكى ابنُ الرِّفعة عن مُجلِّي (^١) وجهين في الطلاق، في قول القائل بعدَ يمينه: إن شاء الله تعالى، هل هو رافعٌ لليمين، فكأنها لم تُوجَد، أو نقول: إنها انعقدت على شرط؟.\n_________\n(^١) هو مجَلِّي بن جُمَيْع بن نجا المخزومي، قاضي القضاة، أبو المعالي. كان من أئمة الشافعية، وكبار الفقهاء، وإليه تَرجِع الفتيا بديار مصر. من مصنفاته: الذخائر، إثبات الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، الكلام على مسألة الدَّوْر. توفي سنة ٥٥٠ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٧/ ٢٧٧، سير ٢٠/ ٣٢٥، شذرات ٤/ ١٥٧.","vol":"1","page":152},{"text":"فقلتُ أنا: هذا في الرافعيّ (^١)، أيُّ حاجةٍ إلى نقله عن ابن الرفعة عن مُجَلِّي (^٢)! .\nفقال لي الشيخ الإمام: اسكُت مِنْ أين لك؟ هاتِ النَّقْل وانزعج.\nفقمتُ وأحضرتُ الجزءَ من الرافعيّ، وكان ذلك الطالب قد قام، فوالله حين أقبلتُ به قبل أن أتكلم قال: الذي ذكرتَه في أوائل كتاب الإيمان من الرافعيّ، وأنا أعرف هذا، ولكنْ فقيهٌ مسكينٌ طالبُ علمٍ، يريد أن يُظهر لي أنه استحضر مسألةً غريبة، تُريد أنت أن تُخْجِلَه، هذا ما هو مَليح.\nوكان يتفق له مثل هذا كثيرًا، يَنقل عنده طالبٌ شيئًا على سبيل الاستغراب، فلا يُبَكِّتُه، بل يستحسنه، وهو يستحضره مِنْ أماكن كثيرة، بحيث يَخْرج الطالبُ وهو يتعجب منه؛ لأنه يظنه أنه لم يكن مستحضرًا له، وما يدري المسكين أنه كان أعرفَ الناس به، ولكنه أراد جَبْره\" (^٣).\n_________\n(^١) هو أبو القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القَزْويني الرافعي، نسبة إلى رافع بن خَدِيج الأنصاري - ﵁ -. ولد سنة ٥٥٥ هـ. كان ﵀ متضلعًا من علوم الشريعة تفسيرًا وحديثًا وأصولًا، وأما الفقه فهو فيه عمدة المحقِّقين، وأستاذ المصنِّفين. قال النووي: \"هو من الصالحين المتمكنين، كانت له كرامات كثيرة ظاهرة\". من مصنفاته: \"الفتح العزيز في شرح الوجيز\" وكفى به شرفًا، شرح مسند الشافعي، المحرَّر. تُوفي سنة ٦٢٤ هـ قاله ابن الصلاح، وجزم الذهبي أنه توفي سنة ٦٢٣ هـ. انظر: سير ٢٢/ ٢٥٢، الطبقات الكبرى ٨/ ٢٨١، طبقات الإسنوي ١/ ٢٨١.\n(^٢) أي: ما الحاجة إلى نقل المسألة عن ابن الرفعة وهو متأخِّر، وهي موجودة عند الرافعي، وهو متقدِّم، وإنما يُنقل عن المتأخِّر ما لم يذكره المتقدم.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢١٩ - ٢٢٠.","vol":"1","page":153},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>٥ - صرامته في الحق وصدعه به، وعدم محاباته فيه:</span>\nقال التاج: \"كان لا يُحابي في الحقِّ أحدًا، وأخباره في هذا الباب عجيبة. حكم مرةً في واقعةٍ جرت، وصمم فيها، وعانده أرغُون الكامليُّ نائبُ الشام (^١)، وكاد الأمر يَطْلَخِمُّ (^٢)، شامًا ومصرًا، فذكر القاضي صلاح الدين الصَّفَدي أنه عَبَر إليه، وقال: يا مولانا، قد أَعْذَرْتَ، ووفَّيْتَ ما عليك، وهؤلاء ما يُطيعون الحقَّ، فلِمَ تُلْقِي بنفسك إلى التَّهْلكة وتُعاديهم!.\nقال: فتأمَّل فِيَّ مليًّا ثم قال:\nوليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ ... وبيني وبينَ العالمين خرابُ (^٣)\nوالله لا أُرضي غيرَ الله.\nقال: فخرجتُ مِنْ عندِه، وعرفتُ أنه لا يرجع عن الحقِّ بزخارفَ مِن القول.\n_________\n(^١) هو أرغون الصغير الكاملي. كان أحد مماليك الصالح إسماعيل، وكان جميلًا جدًا، وَلِي نيابة حلب، ثم وَلِي نيابة دمشق، ثم اعتقل بالإسكندرية، ثم أُفرج عنه، وأقام بالقدس بَطَّالًا لإلى أن كانت وفاته بها سنة ٧٥٨ هـ.\nانظر: البداية والنهاية ١٤/ ٢٧٠، شذرات ٦/ ١٨٤.\n(^٢) أي: يشتد. وفي اللسان ١٢/ ٣٦٩، مادة (طلخم): \"اطْلَخَمَّ الليلُ والسحابُ: أظلم وتراكم مثل: اطْرَخَمَّ. . . وأمورٌ مُطْلَخِمَّاتٌ: شِدادٌ\".\n(^٣) البيت لأبي فراس الحمداني. انظر: ديوانه ١/ ٢٤.","vol":"1","page":154},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-67>٦ - زهده في الدنيا وجوده:</span>\nقال التاج ﵀: \"وأما الدنيا فلم تكن عنده بشيء، ولا يستكثرها في أحدٍ، يَهَبُ الجزيل، ولا يرى أنه فَعَل شيئًا، ويعجبني قول الشيخ جمالِ الدين بن نُبَاتة شاعرِ العصر فيه، من قصيدة امتدحه بها:\nمُغْنِي الأنامِ فما تَعَطَّل عِندَهْ ... في الحكمِ غيرُ مَحاضِرِ الإفْلاسِ\nومُعَجِّل الجَدْوَى جُزافًا (^١) لا كَمَنْ ... هو ضارِبُ الأخماسِ في الأَسْداسِ\" (^٢)\nيقول الحافظ ابن حجر ﵀: \"وكان متقشِّفًا في أموره، متقلِّلًا في الملابس، حتى كانت ثيابه في غير الموكب تُقَوَّم بدون الثلاثين درهمًا. وكان لا يستكثر على أحدٍ شيئًا، حتى إنه لما مات وجدوا عليه اثنين وثلاثين ألف درهم دَينًا، فالتزم ولداه تاج الدين وبهاء الدين بوفائها\" (^٣).\nويقول التاج - ﵀ - أيضًا: \"وكان لا يَصْبِر إذا طلعت الشمس إلى أن يستويَ طعامُ البيت، بل يأكل من السوق، وما ذلك إلا لسهره بالليل، مع حِدَّة ذهنه، فيجوع مِنْ طلوع الشمس، ولا يُطيق الصبرَ، ثم إذا أكل اجتزأ بالعُلْقة من الطعام، واليسيرِ من الغذاء.\nوأما مأكله ومَلْبَسُه ومَلاذُّه الدنيوية - فأمرٌ يسير جدًا لا ينظر إلى شيء\n_________\n(^١) الجدوى: العطية. انظر: اللسان ١٤/ ١٣٤، مادة (جدا). جزافًا: بضم الجيم وكسرها، أي: بلا كيل ولا وزن، والمعنى: يعطي العطية الكثيرة بلا حساب ولا تقدير. انظر: لسان العرب ٩/ ٢٧، مادة (جزف)، وهي فارسية مُعَرَّبة.\n(^٢) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢٠٦.\n(^٣) انظر: الدرر ٣/ ٦٤.","vol":"1","page":155},{"text":"من ذلك، بل يجتزئ بيسير المأكل، ونَزْر المَلْبَس\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٧ - عبادته وتقواه:</span>\nيقول التاج ﵀: \"وأما باب العبادة والمراقبة: فوالله ما رأتْ عينايَ مثلَه، كان دائمَ التلاوة والذكر، وقيامِ الليل، جميعُ نومه بالنهار، وأكثرُ ليله التلاوة، وكانت تلاوتُه أكثرَ مِنْ صلاته، ويتهجد بالليل، ويقرأ جهرًا في النوافل، ولا تراه في النهار جالسًا إلا وهو يتلو، ولو كان راكبًا، ولا يتلو إلا جَهْرًا، وكان يتلو في الحمَّام وفي المَسْلَخ.\nوأما باب الغيبة: فوالله لم أسمعه اغتاب أحدًا قط، لا من الأعداء، ولا مِنْ غيرهم، ومِنْ عجيب أمره أنه كان إذا مات شخصٌ مِنْ أعدائه يَظْهَرُ عليه من التألُّم والتأسُّف شيءٌ كثير. ولما مات الشيخ فخر الدين المصري رثاه بأبياتِ شِعر، وتأسَّف عليه.\nوكذلك لما مات القاضي شهابُ الدين بن فضل الله - الذي سُقنا كلامه فيه فيما مضى - ولا يخفى ما كان بينهما، ومن الغريب أنه قرأ طائفةً من القرآن ثم أهداها له، فقلتُ له: لِمَ هذا! أنت لم تظلمه قَطُّ، وهو كان يظلمك فما هذا!.\nفقال: \"لَعَلِّي كرهتُه بقلبي في وقتٍ لحظٍّ دنيوي\". فانظر إلى هذه المراقبة.\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢٠٧.","vol":"1","page":156},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>٨ - صبره:</span>\nقال التاج ﵀: \"وكانت أموره في حال مرضه في غاية العجب، وقاسَ الشدائدَ، ولم يسمعه أحدٌ يقول: آه، ولا يطلُب العافيةَ، بل غايةُ ما يطلُب ولايتي، ورؤيةُ الأخ (^١)، والوصول إلى مصرَ قبل الوفاة، وقُضِيت له الحاجات الثلاث.\nولم أره قَطُّ بَرَح (^٢) بألمٍ يعترضه، ولا بأذىً يحصُل له، بل يصبر عند الحادثات، ويحتسب - ﵁ -\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٩ - كراماته:</span>\nإن أعظم كرامة هي التوفيق لفعل الطاعات، وترك المنكرات، والاستقامة على فعل الخيرات.\nأما خَرْق العادات فهذا تارة يكون كرامة للعبد الصالح المستقيم، وتارة يكون استدراجًا للطالح اللعين، وتارة بسبب الجن والشياطين. فخرق العادة كرامة للعبد الصالح المستقيم، ولكن التوفيق للطاعة هو الكرامة العظمى، وهو الأصل لخرق العادات؛ لأن خرق العادة تأييد من المولى لعبده وتثبيت، وإظهار لشرفه وقدره بين العبيد، فيزداد صاحب الكرامة إيمانًا ويقينًا بصحة الطريق، ويزداد في فعل الخيرات، والإكثار من القربات،\n_________\n(^١) وهو أبو حامد أحمد؛ لأنه كان غائبًا عنه.\n(^٢) أي: أظهر. وفي اللسان ٢/ ٤٠٩ مادة (برح): \"والبَرَاح: الظهور والبيان. وبَرِح الخفاءُ وبَرَحَ، الأخيرة عن ابن الأعرابي: ظَهَر\".\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢١٨ - ٢١٩.","vol":"1","page":157},{"text":"ويقتدي الآخرون به في ذلك.\nوكل كرامة لولي فهي معجزة للنبي ﵌؛ لأنها إنما حصلت ببركة متابعته والاقتداء به ﵌.\nوينبغي لمن ظهرت على يديه الكرامة أن يكتمها، وأن يحمد الله تعالى عليها، ويسأله المزيد من فضله، وأن لا يغتر ولا يُعجب بنفسه، فالعبرة بالخواتِم والعواقِب.\nيقول التقي ﵀ في كتابه \"قضاء الأَرَب في أسئلة حلب\" مبيِّنًا وجوب كتمان الكرامة: \"وأما أن الكرامات ينبغي كتمانُها - فذلك مما لا خلاف فيه بين أهل الطريق، بل لا يجوز إظهارُها إلا لحاجة، أو قصدٍ صحيح، لما في إظهارها مِنَ الخطر مِنْ وجوه:\nمنها: رؤية النفس، فيظن أن ذلك إنما ظهر عليه لصلاحه وعلوِّ منزلته عند الله، ورَفْعِه على أبناء جنسِه، واختصاصِه بحُسْن السابقة والخاتمة، وقد يكون الأمر بضد ذلك كلِّه، لما يحتمل أن يكون استدراجًا، وأنه بعيدٌ عن عَيْن الله تعالى، فالواجب عليه أن لا يغتر بذلك، وأن يحتقر نفسه، ويَوَدُّ لو كان نسيًا منسيًا.","vol":"1","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث التاسع: مُصَنَّفاته</span>\nقد ذكر التاج ﵀ (١٢٩) مصنفًا تقريبًا، ولم أَجْزم بالعدد بناءً على أن هناك شكًا في بعض الأسماء، هل هي مكررة مع أسماء أخرى مشابهة، ويكون التكرار مِنْ سهو النساخ، أو غير ذلك، والله أعلم (^١).\nقال السيوطي ﵀ عن مؤلفات التقي ﵀:\n\"وصنَّف نحو مائة وخمسينَ كتابًا مطوَّلًا ومختصرًا، والمختصر منها لا بد وأن يشتمل على ما لا يُوجد في غيره، من تحقيقٍ وتحريرٍ لقاعدة، واستنباطٍ دقيق\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"وله من المصنفات الجليلة الفائقة التي حَقُّها أن تُكتب بماء الذهب؛ لما فيها من النفائس البديعة، والتدقيقات النفيسة\" (^٣).\nوقال ابن حجر ﵀: \"وكان لا يقع له مسألة مستغربة أو مشكِلة إلا ويعمل فيها تصنيفًا يجمع فيه شتاتها، طالَ أو قصر، وذلك يبين في\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٠٧ - ٣١٥، حسن المحاضرة ١/ ٣٢٢، ٣٢٣، مقدمة محقِّق كتاب \"قضاء الأرب في أسئلة حلب\" ص ٦٨ - ٨١.\n(^٢) انظر: بغية الوعاة ٢/ ١٧٧.\n(^٣) انظر: حسن المحاضرة ١/ ٣٢٢.","vol":"1","page":159},{"text":"تصانيفه\" (^١).\nوقال الحافظ الحسيني ﵀: \"وهو ممن طبَّق الممالكَ ذِكْرُه، وسارت بتصانيفه وفتاويه الركبان في أقطار البلدان\" (^٢).\nوقال الذهبي ﵀: \"وصَنَّف التصانيف المتقنة\" (^٣).\nيقول التاج ﵀: \"اعلم أن باب مباحثِه بحرٌ لا ساحل له، بحيث سمعتُ بعض الفضلاء يقول: أنا أعتقد أن كلَّ بحثٍ يقع اليوم على وجه الأرض فهو له، أو مُستَمدٌّ من كلامه وتقريراته التي طَبَّقت طَبَقَ الأرض\" (^٤).\nويقول أيضًا: \"ومما أعتقد به عظمة الشيخ الإمام - ﵀ - أنَّ عامة تصانيفه اللِّطاف في مسائلَ نادرةِ الوقوع، مُوَلَّدةِ الاستخراج، لم يَسْبِقْ فيها للسابقين كلام، وإنْ تكلم في آية أو حديث أو مسألة سُبق إلى الكلام فيها اقْتصَر على ذِكرْ ما عنده مما استخرجته فِكْرتُه السليمة، ووقعت عليه أعماله القويمة، غير جامعٍ كلمات السابقين، كحاطب ليلٍ يُحِبُّ التَّشَبُّعَ بما لم يُعْطَ، حَظُّه من التصانيف جمعُ كلام مَن مَضَى، فإنْ ترقَتْ رتبتُه، وتعالتْ همَّتُه - لَخَّص ذلك الكلام، وإنْ ضَمَّ إلى التلخيص أَدْنى بحثٍ أو استدراك - فذاك عند أهل الزمان الحَبْرُ المقدَّم، والفارس المبجَّل. وعندنا أنه\n_________\n(^١) انظر: الدرر ٣/ ٦٤.\n(^٢) انظر: ذيول العِبَر في خبر مَنْ غبرَ ٤/ ١٦٨.\n(^٣) انظر: المعجم المختص ص ١٦٦.\n(^٤) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢٦٦.","vol":"1","page":160},{"text":"مُنْحازٌ عن مراتب العلماء البُزَّل (^١)، والأذكياء المَهَرة، إنما الحَبْر مَنْ يُملي عليه قلبهُ ودماغُه، ويُبرز (^٢) التحقيقات التي تشهد الفِطَرُ السليمة بأنها في أقصى غاياتِ النظر، مشحونةً باستحضار مقالاتِ العلماء، مشارًا فيها إلى ما يستند الكلام إليه من أدلة المنقول والمعقول، يرمز إلى ذلك رَمْزَ الفارغ منه، الذي هو عنده مُقَرَّرٌ واضح، لا تفيده إعادته إلا السآمة والملالة، ولا يُعيده إعادة الحاشِدِ الجَمَّاعة، الولَّاجِ الخرَّاج، المُحِبِّ أن يُحمد بما لم يَفْعل\" (^٣).\n_________\n(^١) البُزَّل: الكُمَّل؛ لأنهم يقولون: رجل بازِلُ، يعنون به كماله في عقله وتَجْربته. انظر: لسان العرب ١١/ ٥٢، مادة (بزل).\n(^٢) في الأصل: \"وتبرز\"، وهو غير مناسب؛ لأنه معطوف على قوله: \"مَنْ يُملي. . .\".\n(^٣) انظر الطبقات الكبرى ١/ ٩٩ - ١٠٠.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المبحث العاشر: وفاته والرؤى التي رُئيت له</span>\nقال التاج ﵀: \"ابتدأ به الضعف في ذي القَعدة، سنة خمس وخمسين وسبعمائة، واستمر عليلًا إلا أنه لم يُحَمَّ قط. وسمعته يقول: كنت أقرأ سيرة النبي - ﷺ - لابن هشام، في سنة ست وسبعمائة، فَعَرضتْ لي حُمَّى في بعض الأيام، وجاء وقتُ الميعاد، فأتى كاتب الأسماء وقال وأنا محمومٌ: \"قد اجتمعت الناس\". فكِدتُ أُبَطِّل، ثم قلتُ: لا والله لا بَطَلَّتُ مجلسًا تُذكر فيه سيرة النبي - ﷺ -، فتحاملتُ وأنا محمومٌ، وقرأتُ الميعادَ، ووقع في نفسي أني لا أُحَمُّ أبدًا، فما حصلت لي حُمَّى بعدها.\nواستمر بدمشق عليلًا إلى أن وَلِيتُ أنا القضاء، ومكث بعد ذلك نحو شمهر، وسافر إلى الديار المصرية، وكان يذكر أنه لا يموت إلا بها، فاستمر بها عليلًا يُوَيْماتٍ يسيرةً، ثم تُوفيَ ليلة الاثنين المُسْفِرة عن ثالث جُمادى الآخرة، سنة ست وخمسين وسبعمائة بظاهر القاهرة، ودُفِن بباب النَّصر، تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسكنه فسيح جِنانِه.\nوالأطباء متفقون على أنه مسموم، وحكى لي الأخ الشيخ الإمام بهاء الدين: أنه قبل وفاته بيومين أسَرَّ إلى بعض أصحابه: إني مسموم، وأعرف مَنْ سَمَّني ولا أذكره، وأنه أوصاه أن لا يُعَرِّف أولاده بشيء من ذلك؛","vol":"1","page":162},{"text":"لئلا يُشَوِّش عليهم، فلم يَذكر ذلك إلا بعد وفاته.\nوأجمع مَنْ شاهد جِنازتَه (^١) على أنه لم يَرَ جِنازةً أكثرَ جمعًا منها.\nقالوا (^٢): إنه لما مات ليلًا بالجزيرة ما انفلق الفجر إلا وقد ملأ الخلقُ ما بين الجزيرة (^٣) إلى باب النَّصْر، ونادت المنادِية: مات آخِرُ المجتهدين، مات حجةُ الله في الأرض، مات عالم الزمان، وهكذا، ثم حَمَل العلماء نَعشَه، وازدحم الخلق بحيث كان أولهم على باب منزل وفاته، وآخرهم في باب النصر.\nوقيل: لم يُحاكِ ما يُقال عن جِنازة الإمام أحمد بن حنبل سوى جنازة الشيخ الإمام، في كثرة اجتماع الناس، تغمَّده الله برحمته\" (^٤).\nوأما المنامات التي رؤيت له: فقد قال التاج ﵀:\n_________\n(^١) في المصباح المنير ١/ ١٢١، مادة (جنز): \"الجنازة وهي بالفتح والكسر، والكسر أفصح، وقال الأصمعي وابن الأعرابي: بالكسر: الميت نفسه، وبالفتح: السرير. وروى أبو عمر الزاهد عن ثعلب عكس هذا، فقال: بالكسر السرير، وبالفتح الميت نفسه\".\n(^٢) هذا يدل على أن التاج ﵀ لم يحضر جنازة والده؛ لأنه كان بالشام.\n(^٣) هي جزيرة الفيل وهي بلد كبير، وبها مائة وخمسون بستانًا إلى سنة وفاة الناصر محمد بن قلاوون وهو معاصر للتقي ﵀. وهي الآن الأرض الواقعة بين محطة القاهرة وشبرا، وهي من جملة البقاع التي كان النيل يمر فيها، ثم صارت جُزُرًا نتيجة تحول النيل إلى الغرب في القرنين الثاني عشر، والثالث عشر بعد الميلاد. انظر: البيت السبكي ص ٥٩.\n(^٤) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣١٥ - ٣١٦، مع زيادة ما في الهامش؛ لأنه ورد في بعض نسخ الطبقات الكبرى.","vol":"1","page":163},{"text":"\"حَكَى لي الشيخ الإمام العالم الصالح فخر الدين الضرير قال: لم أكن اجتمعتُ بالشيخ الإمام، وليلةَ موتِه قلت: هذا شيخ المسلمين، فأقوم للصلاة عليه، وشُهودِ جنازته، خالصًا لله فإني لا أعرفه، ولا أعرف أحدًا من أولاده، ولا مِنْ خَواصِّه. قال: ولم أكن أعرف أحدًا منكم.\nقال: ففعلتُ ذلك، ثم نِمتُ ليلتي تلك، فرأيتُه في المنام في مكانٍ مرتفعٍ وهو يقول: بلغني صَنِيعُك.\nوتكاثرت المناماتُ عقب وفاته من الصالحين وغيرهم، بما هو الظَّنُّ به عند ربه، ولو حكيناها لطال الشرح.","vol":"1","page":164},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المبحث الحادي عشر: مراثيه</span>\nقال التاج ﵀: \"أما المدائح فتربوا على مُجلَّدات، فلا معنى للتطويل بها، وأما المراثي فنذكر منها ما حَضَرنا\" (^١).\nوقد ذكر جملةً من المراثي، وقد افتتحها بمرثية شاعر الوقت ابن نُباتة وهي غاية في الجودة، ومنها قوله:\nأَضْحَى لسُبْكَ بجُزْءٍ مِن مَناقِبِه ... على العِراق فَخَارٌ غيرُ مُنْتَقِبِ\nلَهْفِي لِعِلْمَيْنِ مَرْوِيٍّ ومُجْتَهَدٍ ... لَهْفي لفَضْلَينِ مُورُوثٍ ومُكْتَسَبِ\nآهًا لِمُرْتَحِلٍ عنا وأنْعُمُهُ ... مِلءُ الحقائبِ للطلَّاب والحِقَبِ (^٢) (^٣)\nومِن مراثيه أيضًا مَرْثِيَّةُ ابنه التاج ﵀، وقد أجاد فيها وأبدع،\n_________\n(^١) انظر: الطبقات ١٠/ ٣١٧.\n(^٢) الحقائب: جمع حقيبة: وهي ما يُجعل فيه المتاع والزاد. انظر: لسان العرب ١/ ٣٢٥، والمعجم الوسيط ١/ ١٨٧، مادة (حقب). والحِقَب: جمع حِقْبة: وهي السنة. انظر: لسان العرب ١/ ٣٢٦، المعجم الوسيط ١/ ١٨٧، مادة (حقب). والمعنى: وا أسفًا ووا ألمًا على فراق هذا المرتَّحِل، الذي رحل عنا وآثار إحسانه ونعمائه على الطلاب باقية ملأ حقائبهم، وملأ السنين، فنعماؤه باقية لا تبليها الأيام ولا السنون.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٢٠.","vol":"1","page":165},{"text":"وحَرَّك المشاعرَ وأسال المَدْمع. يقول التاج:\n\"وقلتُ أنا من أبيات:\nهي المنيَّةُ للأرواح تَخْتَرِمُ ... وهيَ الحوادثُ أمضَى أمرَها القِدَمُ (^١)\nوهْيَ السِّهام نُصِبْنا نحوَها غَرَضًا ... تُصْمَى بها وتُشَاكُ العُرْبُ والعَجَمُ (^٢)\nوهو القضاء من الرحمن يَحْمَدُهُ ... حمدًا كثيرًا عليه الحاذِقُ الفَهِمُ (^٣)\nما ثَمَّ إلا الرِّضا والصبرَ فادَّرِعِ الصَّـ ... ـبْرَ الجميلَ لِبَاسًا كلُّه ألمُ\nحاز الثوابَ الذي يرضَى القضاءَ وفا ... ز الصابرون فهمُ مُذْ سَلَّمُوا سَلِمُوا\n_________\n(^١) أي: الأمر القديم، وهو القضاء الأزلي القديم. وفي المعجم الوسيط ٢/ ٧١٩: \"قَدُمَ الشيء قِدَمًا وقَدامةً: مضى على وجوده زمنٌ طويل، فهو قديم\". وانظر: اللسان ١٢/ ٤٦٥، مادة (قدم).\n(^٢) تُصْمَى: تُصَاب وتُقتل. انظر: اللسان ١٤/ ٤٦٩، وانظر: لسان العرب ١٠/ ٤٥٣، مادة (شوك)، وانظر: المعجم الوسيط ١/ ٥٠٠. والمعنى والله أعلم: أن سهام القضاء والقدر قد نُصِبنا نحوها غَرَضًا، فلا يفوتُها أحدٌ منا، فمنا مَنْ كانت إصابته قاتلة وقضى نَحبه فورًا، ومنا مَنْ تَشُوكه وتُصيبه إصابةً غير قاتلة، إلى أن يأتي الموعد المحدَّد لذلك.\n(^٣) وهو المؤمن؛ لأنه هو الذي فهم وأيقن بأن الخير كله فيما قضى الرحمن، فَيُثمر له هذا اليقينُ حمدَ المولى تعالى في كل حال.","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>الفصل الثالث: التعريف بالشيخ تاج الدين السبكي</span>","vol":"1","page":167},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-75>المبحث الأول: اسمه ونسبه</span>\nهو تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي الخزرجي الأنصاري. وتتمة بقية نسبه قد سبق ذِكْرها في ترجمة والده، فأغنى ذلك عن إعادتها.\nوقد سبق بيان صحة نسبتهم إلى الأنصار، وأن عدم تصريح والده بذلك نوع من الورع عما لم يقم عليه دليل قاطع. وقد سبق ذِكْر أنَّ التاج ﵀ نَقَل مِنْ خط جده عبد الكافي نسبتَهم إلى الأنصار.\nولذلك لم يتحرج التاج ﵀ أن ينسب والده إلى الأنصار في ترجمته فقال: \"ما ساد أحدٌ ناوأه ولا كان ذا استبصار. . . ولا ساخ قدمُ فتى قام بنصرته وقال: أنصر بقيةَ الأنصار\" (^١).\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٤٤.","vol":"1","page":168},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المبحث الثاني: ولادته ونشأته</span>\nاختلف المؤرخون في مولد التاج السبكي رحمه الله تعالى، فذكر كثيرون منهم أن ولادته كانت في عام ٧٢٧ هـ، وهو الذي ذكره الحافظ ابن حجر ﵀، وتبعه على ذلك الشوكاني (^١)، وذكره أيضًا ابن قاضي شهبة (^٢)، وتبعه عليه ابن العماد الحنبلي (^٣) (^٤)، ﵏ جميعًا، وغيرهم (^٥).\nوقد ذكر الذهبي في \"المعجم المختص\" أن مولده عام ٧٢٨ هـ (^٦)،\n_________\n(^١) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٥، البدر ١/ ٤١٠.\n(^٢) هو أبو بكر بن أحمد بن محمد الدمشقي الشافعي، ويُعرف بابن قاضي شهبة، تقي الدين، أبو الصدق. فقيه مؤرِّخ مفسِّر. وُلد سنة ٧٧٩ هـ. من مصنفاته: \"طبقات الشافعية\"، و\"شرح منهاج الطالبين\" للنووي. توفي سنة ٨٥١ هـ. انظر: شذرات ٧/ ٢٦٩، معجم المؤلفين ٣/ ٥٧.\n(^٣) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٤، شذرات ٦/ ٢٢١.\n(^٤) عبد الحي بن أحمد بن محمد بن العماد العكري الحنبلي، أبو الفلاح. مؤرِّخ فقيه أديب. ولد سنة ١٠٣٢ هـ. من تصانيفه: \"شذرات الذهب في أخبار مَنْ ذهب\". توفي سنة ١٠٨٩ هـ. انظر: معجم المؤلفين ٥/ ١٠٧، الأعلام ٣/ ٢٩٠.\n(^٥) انظر: الفتح المبين ٢/ ١٨٦، ورجَّحه محمد الصادق حسين في \"البيت السبكي\" ص ١٤.\n(^٦) المعجم المختص ص ١٥٢.","vol":"1","page":169},{"text":"ووافقه على ذلك غير واحد (^١). وقد ذكر السيوطي أنه ولد عام ٧٢٩ هـ، ووافقه على ذلك الزبيدي (^٢) (^٣).\nوأما نشأته ﵀ فقد وُلد بالقاهرة، ثم انتقل منها مع والده حين تولى والده منصب قاضي قضاة الشام، فرحل معه إلى دمشق، وقَدِمها في جمادى الآخرة سنة تسع وثلاثين وسبعمائة. وقد استفاد من البلدين، إلا أن استفادته من دمشق كانت أكثر؛ إذ بها كبار شيوخه، وأقطاب زمانه، إضافة إلى مناسبة سِنِّه في دمشق للتحصيل والتلقي، والبروز في العلوم والفنون، كلُّ ذلك في رعاية والده، وتحت كنفه وتوجيهاته، وهو شيخه الأول، ومعلِّمه المفضَّل المبجَّل.\n_________\n(^١) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ٢.\n(^٢) انظر: حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨، تاج العروس ١٣/ ٥٧٨.\n(^٣) محمد بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني الزَّبيدي، أبو الفيض، الملقَّب بمُرْتَضَى. علَّامة باللغة والحديث والرجال والأنساب، ومن كبار المصنِّفين، أصله من واسط في العراق، ومولده بالهند في بلجرام، ومنشأه في زبيد باليمن. ولد عام ١١٤٥ هـ، ومن تصانيفه: \"تاج العروس في شرح القاموس\"، و\"إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين\"، و\"ألفية السنَد\" في الحديث وشرحها، وغيرها. تُوفي سنة ١٢٠٥ هـ. انظر: الأعلام ٧/ ٧٠.","vol":"1","page":170},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>المبحث الثالث: طلبه العلم وشيوخه</span>\nقد نشأ التاج - رحمه الله تعالى - في بيت علم وفضل ودين، بيت التَّقِيِّ الإمام العَلَم، وهذا من فضل الله تعالى على التاج وإخوانه، أن ينشأوا في بيت العلم والفضل؛ فإنَّ مما يساعد على مزيد الفائدة أن يجتمع حُنُوُّ الأب مع حُنُوِّ المعلِّم وحرصِه على التعليم، فلا يبقى إلا حرصُ المتعلِّم واستعدادُه.\nوقد كان التقي ﵀ يغرس في أبنائه حبَّ العلم، ويحثهم على الجد والاجتهاد في تحصيله، ولا يألو جهده في نصحهم وإرشادهم، مع الثناء عليهم في بعض أعمالهم العلمية، تشجيعًا وترغيبًا.\nوقد سبق ذِكْر قصيدته التي وجَّهها لابنه الأكبر محمد ﵀، ناصحًا له، وحاثًّا على حيازة العلم والعمل، والدين والأخلاق، والاقتداء بسِيَر الأعلام النبلاء:\nأبُنَيَّ لا تُهْمِلْ نصيحتيَ التي ... أُوصيكَ واسْمَعْ مِنْ مقالي تَرشُدِ (^١)\nولما وقف على كتاب \"المناقضات\" لابنه الشيخ الإمام العلامة بهاء الدين أبي حامد أحمد - رحمه الله تعالى - قال مادحًا له:\nأبو حامدٍ في العلمِ أمثالُ أنْجُمِ ... وفي النَّقْدِ كالإبريزِ أُخْلِصَ بالسَّبكِ\nفأوَّلُهُمْ مِنْ إسْفَرايِنَ نَشْؤْه ... وثانيهُمُ الطُّوسِيُّ والثالثُ السُّبْكي\n_________\n(^١) انظرها في الطبقات الكبرى ١٠/ ١٧٧.","vol":"1","page":171},{"text":"يقول التاج ﵀ عن هذا المدِيح لأخيه: \"وهذه منقبة للأخ، سلَّمه الله، فأيُّ مرتبة أعلى مِنْ تَشبيه والده - وهو مَنْ هو، عِلْمًا ودينًا وتحرزًا في المقال - له بالغزاليّ، وأبي حامدٍ الإسفرايينيّ (^١).\nوقال التاج أيضًا: \"وأنشدنا لنفسه، وكتب بهما على \"الجزء\" الذي خرَّجتُه في الكلام على حديث المتبايعين بالخيار (^٢):\nعبدُ الوهَّاب مُخَرِّجُهُ ... مِن فَضْلِ الله عليَّ نَشَا\nيا ربِّ قِهِ ما يحذَرُهُ ... واقدُرْ فيه الخيراتِ وَشَا\" (^٣)\nوسيأتي - إن شاء الله تعالى - مزيدُ تمثيلٍ لهذا التشجيع الأبوي الصادق الذي له تأثير وأيُّ تأثير، وترغيبٌ وأيُّ ترغيب، فلا جرم أن كان أبناء التقي ﵏ أئمة أعلامًا، بمثل هذه التوجيهات المباركات، والنصائح والدعوات، والثناء الذي يزيد بسببه العطاء، وتَسْتحكم به عُرَى الحب والإخاء، والإجلال والوفاء.\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٠.\n(^٢) أخرجه البخاري ٢/ ٧٤٢ - ٧٤٤، في كتاب البيوع، باب كم يجوز الخيار، حديث رقم ٢٠٠١، وفي باب إذا لم يوقِّت في الخيار هل يجوز البيع، حديث رقم ٢٠٠٣، وفي باب البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا، حديث رقم ٢٠٠٥، وفي باب إذا خيَّر أحدهما صاحبه بعد البيع فقد وجب البيع، رقم ٢٠٠٦، من حديث ابن عمر ﵄. وأخرجه من حديث حكيم بن حزام، رقم ٢٠٠٢، ٢٠٠٤، ٢٠٠٨.\nوأخرجه مسلم ٣/ ١١٦٣، في البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، رقم ١٥٣١، من حديث ابن عمر ﵄، وفي ٣/ ١١٦٤، في باب الصدق في البيع والبيان، رقم ١٥٣٢، من حديث حكيم بن حزام - ﵁ -.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩١.","vol":"1","page":172},{"text":"ومن عجيب عناية هذا الوالد بأبنائه أنه كان لا يَدَع أحدًا من أسرته ينام بعد منتصف الليل، فغاية النوم إلى المنتصف، وما بعده فهو للجد والعمل في طلب العلم، أو في العبادة والمناجاة وقضاء الليل تسبيحًا وتهليلًا وتلاوة للقرآن.\nيقول التاج ﵀: \"وكان ينهانا عن نوم النصف الثاني من الليل، ويقول لي: يا بنيَّ تَعَوَّدِ السهرَ ولو أنك تَلْعَب، والويل كلُّ الويل لمَنْ يراه نائمًا وقد انتصف الليل\" (^١).\nأما شيوخ التاج - ﵀ - الذين أخذ عنهم واستفاد منهم فهم كثير ومُقَدَّمهم ورئيسهم والده ﵀، فبه تخرج في أكثر العلوم، وكان ذلك بلا شك من سعادته وتيسير الله له أسباب النبوغ والعلم والتمكن، أن يكون والده إمامه، وشيخه ومعلِّمه، ومربيه ومهذِّبه، مع ما تميز به الابن من مواهب ربانية، وعطايا رحمانية، فها هو الابن عبد الوهاب وهو لا يزال فتىً غضًا تلتفت إليه الأنظار، وتنعقد عليه الآمال، ويتوسم فيه أشياخه النبوغ والوصول، ولا غرابة فهذا الشبل من ذاك الأسد، وهذا الشهاب من ذلك الكوكب، ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ (^٢). ولم يكتف بتتلمذه على والده، بل تتلمذ على مشاهير عصره، ولازمهم، ووالده من وراء ذلك يشجعه ويدفعه، ويسأله عما استفاد في دروسه وجلوسه مع شيوخه. استمع معي إلى حكايته لحاله في الطلب في أثناء ترجمته لشيخه المِزِّيِّ عليه الرحمة والرضوان:\n_________\n(^١) انظر: الطبقات ١٠/ ٢٠٣.\n(^٢) سورة آل عمران: ٣٤.","vol":"1","page":173},{"text":"\"وكنت أنا كثيرَ الملازمة للذهبيّ، أمضي إليه في كل يومٍ مرتين، بكرةً والعصرَ، وأما المِزِّيُّ فما كنت أمضي إليه غيرَ مرتين في الأسبوع، وكان سببَ ذلك أن الذهبيَّ كان كثير الملاطفة لي، والمحبةِ فِيَّ، بحيث يَعْرف مَنْ عرف حالي معه أنه لم يكن يحبُّ أحدًا كمحبته فيَّ، وكنتُ أنا شابًّا، فيقع ذلك مني موقعًا عظيمًا. وأما المزي فكان رجلًا عَبُوسًا مَهِيبًا.\nوكان الوالد يحب لو كان أمري على العكس، أعني يحبُّ أن ألازم المِزِّيَّ أكثرَ من ملازمة الذهبي؛ لعظمة المزي عنده.\nوكنت إذا جئتُ غالبًا من عند شيخٍ - يقول: هاتِ ما استفدتَ، ما قرأتَ، ما سمعتَ. فأحكي له مجلسي معه، فكنتُ إذا جئتُ من عند الذهبي يقول: جئتَ من عند شيخِك. وإذا جئتُ من عند الشيخ نجم الدين القَحْفَازِيّ يقول: جئتَ مِنْ جامع تِنْكُز؛ لأن الشيخ نجم الدين كان يَشْغَلُنا فيه. وإذا جئتُ من عند الشيخ شمس الدين ابن النقيب يقول: جئتَ من الشاميَّة؛ لأني كنتُ أقرأ عليه فيها. وإذا جئتُ من عند الشيخ أبي العباس الأنْدَرَشِيّ (^١) يقول: جئتَ من الجامع؛ لأني كنت أقرأ عليه فيه، وهكذا. وأما إذا جئتُ من عند المِزِّيِّ فيقول: جئتَ من عند الشَّيخ، ويُفْصِح بلفظ الشيخ، ويرفع بها صوتَه. وأنا جازمٌ بأنه إنما كان يفعل ذلك ليُثَبِّت في قلبي\n_________\n(^١) هو أبو العباس أحمد بن سعد بن عبد الله العسكريّ الأنْدَرَشِيّ الصوفيّ. شيخ العربية بدمشق في زمانه، مشارك في الفضائل، وكان منجمعًا عن الناس اختصر تهذيب الكمال، وشرع في تفسير كبير. مولده بعد التسعين وستمائة، وتوفي سنة ٧٥٠ هـ. انظر: الدرر ١/ ١٣٥، شذرات ٦/ ١٦٦.","vol":"1","page":174},{"text":"عظمتَه، ويَحُثَّني على ملازمته\" (^١).\nيقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - ذاكرًا بعض شيوخه الذين أَخَذ عنهم أو أجازوه وهو في طفولته بمصر: \"وأجاز له ابن الشحنة (^٢) ويونس الدَّبُّوسي (^٣)، وأُسْمِع على يحيى بن المصري (^٤)، وعبد المحسن الصابوني (^٥)، وابن سيد الناس (^٦)، وصالح بن مختار (^٧)، وعبد القادر بن\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٩٨ - ٣٩٩.\n(^٢) هو مُسْند الدنيا شهاب الدين أحمد بن أبي طالب بن نعمة بن حسن الصالحي الحجَّار بن الشحنة، أبو العباس. ولد سنة ٦٢٣ هـ، وانفرد بالرواية عن الحسين الزبيدي، وبين سماعه للصحيح وموته مائة سنة، وحدَّث بالصحيح أكثر من سبعين مرة، ولما مات نزل الناس بموته درجة. توفي سنة ٧٣٠ هـ. انظر: الدرر ١/ ١٤٢، شذرات ٦/ ٩٣.\n(^٣) هو يونس بن إبراهيم بن عبد القوي الكناني العسقلاني، فتح الدين، أبو النون الدبابيسي، ويقال أيضًا الدَّبُّوسي. عالم بالحديث، مُسْنِد مُعَمَّر. له \"معجم\". ولد سنة ٦٣٥ هـ، وتوفي بالقاهرة سنة ٧٢٩ هـ. انظر: الدرر ٤/ ٤٨٤، الأعلام ٨/ ٢٦٠.\n(^٤) لم أقف على ترجمته.\n(^٥) عبد المحسن بن أحمد بن محمد بن علي بن الصابوني، أمين الدين، أبو الفضل، حفيد الحافظ أبي حامد بن الصابوني. ولد في سنة ٦٥٧ هـ، وتوفي في سنة ٧٣٦ هـ. انظر: الدرر ٢/ ٤١١.\n(^٦) هو محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس أبو الفتح اليَعْمُري الشافعي. الحافظ العلامة الأديب المشهور، ولد بالقاهرة سنة ٦٧١ هـ، وأصله من إشبيلية. من تصانيفه: \"عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسِّيَر\"، و\"بشرى اللبيب في ذكرى الحبيب\" قصيدة، و\"النفح الشَّذِي في شرح جامع الترمذي\"، وغيرها. توفي بالقاهرة سنة ٧٣٤ هـ. انظر: الدرر ٤/ ٢٠٨، الطبقات الكبرى ٩/ ٢٦٨، الأعلام ٧/ ٣٤.\n(^٧) صالح بن مختار بن صالح بن أبي الفوارس، تقي الدين أبو التقي وأبو الخير الأشنهي =","vol":"1","page":175},{"text":"الملوك (^١)، وغيرهم\" (^٢).\nوأما تلقيه بدمشق فيقول عنه: \"ثم قدم مع والده دمشق سنة ٣٩، فسمع بها من زينب بنت الكمال (^٣)، وابن أبي اليسر (^٤)، وغيرهما. وقرأ بنفسه على المزي، ولازم الذهبي، وتخرج بتقي الدين بن رافع، وأمعن في طلب الحديث، وكَتَب الأجزاء والطباق مع ملازمة الاشتغال بالفقه والأصول والعربية، حتى مَهَر وهو شاب، وخَرَّج له ابن سعد (^٥) مشيخةً حَدَّث بها، وأجاد في الخط والنظم والنثر\" (^٦).\nوالظاهر أن الحافظ ابن حجر - ﵀ - يقصد بقوله: \"وتخرج بتقي الدين بن رافع\" أنه استفاد منه، لا أنه تَخَرَّج في صناعة الحديث به؛ لأن\n_________\n= العجمي الأصل العزايزي المولد المصري. ولد سنة ٦٤٢ هـ. كان صالحًا مباركًا. وتوفي سنة ٧٣٨ هـ. انظر: الدرر ٢/ ٢٠٤، أعيان العصر ٢/ ٥٥٠.\n(^١) لم أجد ترجمته.\n(^٢) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٥.\n(^٣) زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم المقدسية، المعروفة ببنت الكمال. ولدت سنة ٦٤٦ هـ. قال الذهبي: \"تفردت بقدر وقر بعير من الأجزاء بالإجازة، وكانت ديِّنةً خَيِّرة، روت الكثير، وتزاحم عليها الطَّلَبة، وقرأوا عليها الكتب الكبار\". قال: \"وكانت قانعة متعفِّفة كريمة النفس طيبة الخُلُق، وأصيبت عينُها برمدٍ في صِغَرها ولم تتزوج قطَّ\". ماتت سنة ٧٤٠ هـ، وقد جاوزت التسعين، ونزل الناس بموتها درجة في شيءٍ كثير من الحديث حمل بعير. انظر: الدرر ٢/ ١١٧ - شذرات ٦/ ١٢٦.\n(^٤) لم أقف على ترجمته.\n(^٥) لم أقف على ترجمته.\n(^٦) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٥، ٤٢٦.","vol":"1","page":176},{"text":"التاج يصرِّح بنفسه أن الذي أدخله في هذا العلم وجَعَله من أهله العارفين هو شيخه الإمام الذهبي ﵀ ورضي عنه، إذ يقول عنه في ترجمته: \"وهو الذي خَرَّجنا في هذه الصناعة، وأدخلنا في عِدَاد الجماعة، جزاه الله عنا أفضل الجزاء، وجَعَل حَظَّه في غُرُفات الجِنان مُوَفَّر الإجزاء\" (^١).\nويقول أيضًا قبل ذلك في مطلع الترجمة: \"اشتمل عصرنا على أربعةٍ من الحفَّاظ، بينهم عُمومٌ وخصوص: المِزِّيُّ، والبِرْزَاليُّ، والذهبيُّ، والشيخ الإمام الوالد، لا خامس لهؤلاء في عَصْرهم\" (^٢) فتبيَّن بهذين النقلين أن الحافظ ابن رافع - ﵀ - على جلالة قدره في الحديث لم يبلغ مبالغ هؤلاء الأربعة، ولم يكن هو الذي تخرج به التاج في صناعة الحديث، غاية ما في الأمر حصول الفائدة وهذا ليس بمدفوع.\nوذكر ابن قاضي شهبة - رحمه الله تعالى - شيوخ التاج، ومما قال: \"واشتغل على والده وعلى غيره، وقرأ على الحافظ المزي، ولازم الذهبي وتخرج به، وطلب بنفسه ودأب\" (^٣).\nوهذا هو المناسب من قوله: \"ولازم الذهبي\" أن يكون هو الذي تخرج به لا غيره. فالله أعلم هل في نسخةِ \"الدرر\" تحريف؟\nومن مشايخه البارزين: أثير الدين محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الغرناطي أبو حيان الأندلسي، الذي قال عنه التاج رحمهما الله تعالى:\n_________\n(^١) انظر: الطبقات ٩/ ١٠١.\n(^٢) انظر: الطبقات ٩/ ١٠٠.\n(^٣) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٤.","vol":"1","page":177},{"text":"\"شيخنا وأستاذنا أبو حيان، شيخُ النحاة العَلَم الفَرْد، والبحرُ الذي لم يَعْرِف الجزرَ بل المدّ، سِيبَوَيْه الزمان، والمبرِّدُ إذا حَمَى الوطيس بتشاجر الأقران. وإمامُ النحو الذي لقاصده منه ما يشاء، ولسانُ العرب الذي لكل سمعٍ لديه الإصغاء. كعبةُ عِلْمٍ تُحَجُّ ولا تَحُجّ، ويُقصد مِن كل فَجّ. تَضْرِبُ إليه الإبلُ آباطها، وتَفِد عليه كلُّ طائفةٍ، سفرًا لا يعرف إلا نمارِقُ البيد بساطَها\" (^١).\nإلى أن قال: \"سمع عليه الجمُّ الغفير، وأخذ عنه غالبُ مَشْيختِنا وأقرانِنا، منهم الشيخ الإمام الوالد، وناهيك بها لأبي حَيَّان منقبةً، وكان يُعظمه كثيرًا، وتصانيفه مشحونةٌ بالنقل عنه. ولما توجَّهنا مِنْ دمشقَ إلى القاهرةَ، في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، ثم أمرنا السلطان بالعود إلى الشام؛ لانقضاء ما كنا توجهنا لأجله - استمهله الوالدُ أيامًا لأجلي، فمكث حتى أكملتُ على أبي حيان ما كنت أقرؤه عليه، وقال: با بُنَيَّ هو غنيمةٌ، ولعلك لا تَجِدُه في سفرةٍ أخرى. وكان كذلك\" (^٢).\nومن الطريف أن أبا حيان - ﵀ - امتدح التاج وهو ابن ثلاث سنين فقال:\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٢٧٦.\n(^٢) انظر: الطبقات ٩/ ٢٧٨. قلت: تأمل - رحمك الله - إلى مدى حرص الأب على عدم فوات هذه الفرصة العلمية الثمينة على ابنه، ثم تأمل نبوغ هذا الفتى الذى يستفيد من أبي حيان - ﵀ - دقائق النحو وهو في سن الرابعة عشرة من عمره؛ لتعلم حقًا كيف الرجال تُبنى، بل كيف الأمة تُحيا، وراية الدين تُبْقى، وسنة محمد ﵌ تُعْلى.","vol":"1","page":178},{"text":"ألا إنَّ تاجَ الدين تاجُ معارِفٍ ... وبَدْرُ هُدىً تُجْلى به ظُلَمُ الدَّهْرِ\nسليلُ إمامٍ قَلَّ في الناسِ مِثْلُهُ ... فضائِلُه تَرْبُو على الزُّهْرِ والزَّهْرِ (^١)\nومن كبار مشايخه الذين تَلَقَّى عنهم في طفولتهم بمصر:\nمحمد بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة، قاضي القضاة، بدر الدين أبو عبد الله الكِنانيُّ الحمويّ، حاكم الإقليمين مصر والشام، مولده في سنة ٦٣٩ بحماة، ومات بمصر سنة ٧٣٣ هـ، يعني كان عمر التاج حين موته ست سنوات، ومع ذلك يقول عنه: \"وسمعنا الكثير عليه\" (^٢)، بل وينُصُّ التاج ﵀ أنه سمع عليه وهو ابن ثلاث سنين، يقول ﵀: \"أخبرنا شيخُنا قاضي القضاة بدر الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جماعة، قراءة عليه وأنا حاضِرٌ في الثالثة\" ثم ساق بقية السند (^٣). فلله دَرُّ هذا الإدراك والنبوغ.\nومن مشايخه في الفقه: الشيخ عمر بن محمد بن عبد الحاكم، أبو حفص البلفيائيّ، جبلٌ من جبال الفقه، وقال عنه التاج ﵀: \"وقد خَرَّجتُ له أيام تَفَقُّهي عليه أجزاء من مَرْويَّاته، حَدَّث بها\". وتوفي بصَفَد بمصر سنة ٧٤٩ هـ (^٤).\nومن مشايخه أيضًا: شمس الدين أبو الثناء محمود بن أبي القاسم\n_________\n(^١) انظر: الطبقات ٩/ ٢٨٧.\n(^٢) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٤٠.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٤٠.\n(^٤) انظر: الطبقات ١٠/ ٣٧٢ - ٣٧٣.","vol":"1","page":179},{"text":"عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الأصبهانيّ، المولود بأصبهان سنة ٦٧٤ هـ. قال عنه التاج: \"وله التصانيف الكثيرة: شرح مختصر ابن الحاجب، وشرح الطواله، وشرح الطوالع، وناظر العين، وغيرها، وشَرَع في تفسير كبير لم يُتمه، أوقفني على بعضه\" (^١) توفي سنة ٧٤٩ هـ، بطاعون مصر.\n_________\n(^١) انظر: الطبقات ١٠/ ٣٨٤.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>المبحث الرابع: تلامذته</span>\nقد ذكر الأخ الفاضل الدكتور سعيد الحميري في ترجمته للتاج ﵀ مبحث تلاميذه، وذكر منهم ستة وهم:\nالإمام ابن الجزري (^١)، والشيرازي (^٢)، والحموي (^٣)،\n_________\n(^١) هو محمد بن محمد بن محمد بن علي الدمشقي ثم الشيرازي، الحافظ المُقرئ الشافعي، المعروف بابن الجزري نسبةً إلى جزيرة ابن عمر قرب الموصل. ولد سنة ٧٥١ هـ بدمشق، تفقَّه ولهج بطلب الحديث والقراءات وبَرَّز فيهما. من مصنفاته: \"النشر في القراءات العشر\"، و\"إعانة المهرة في الزيادة على العشرة\"، ونظم \"طيبة النشر في القراءات العشر\"، وغيرها. توفي سنة ٨٣٣ هـ. انظر: شذرات ٧/ ٢٠٤، الدرر ٢/ ٢٥٧.\n(^٢) قال عنه ابن السبكي: \". . . من أصحابي الشيخ الإمام العَلَّامة نور الدين محمد بن أبي الطيِّب الشيرازيُّ الشافعيّ، وهو رجلٌ مقيمٌ في بلاد كِيلان، ورد علينا دمشق في سنة سبع وخمسين وسبعمائة، وأقام يلازم حَلْقتي نحو عامٍ ونصف عام، ولم أَرَ فيمن جاء من العَجَم في هذا الزمان أفضل منه، ولا أدين\". الطبقات الكبرى ٣/ ٣٧٩.\n(^٣) هو أحمد بن عمر بن محمد بن أبي الرِّضى، شهاب الدين أبو الحسين الحموي الأصل، الشافعي. تفقه بدمشق على التاج السبكي وغيره، ومَهَر وتقدَّم ودَرَّس. قال ابن حجر: وكان فاضلًا عالمًا كثير الاستحضار، عارفًا بالقراءات وله فيها نظم سَمَّاه \"عقد البكر\"، وله نظم في أشياء متعددة، وكانت دروسه حافلة، والثناء عليه وافرًا. اهـ. قُتل في سنة ٧٩١ هـ. انظر: الدرر ١/ ٢٢٧، شذرات ٦/ ٣١٤.","vol":"1","page":181},{"text":"واللخمي (^١)، والسلمي (^٢)، والكناني (^٣). ولا شك أن التاج ﵀ له تلامذة آخرون كثيرون؛ إذ قد درَّس في معظم مدارس دمشق، يقول ﵀: \"فما في دمشق مدرسة مرموقة بعين التعظيم إلا وقد ولِيت تدريسها بحمد الله إلا اليسير من المدارس\" (^٤). أضف إلى أنه - ﵀ - خطيب الجامع الأُموي بدمشق، فلا شك أن طلابه كثيرون، ورُوَّادَه وفيرون، ولكن لعل السبب في عدم ذكرهم مع ترجمته أن المؤرخين لم يعتنوا بهذا في غير رواة الحديث؛ إذ معرفة الشيوخ والتلاميذ في رواة الحديث مهمَّةٌ لمعرفة الأسانيد، أما غيرهم من العلماء فلا حاجة ضرورية لذكر التلاميذ مع الترجمة، فيكتفون ببيان المكانة العلمية التي تدل غالبًا على كثرة التلاميذ أو قلتهم، ويذكرون شيوخه لبيان طلبه للعلم ومكانته أيضًا.\n_________\n(^١) هو محمد بن موسى بن محمد بن سند، الحافظ شمس الدين أبو العباس اللخمي المصري الأصل، الدمشقي الشافعي، المعروف بابن سند. ولد في سنة ٧٢٩ هـ. توفي سنة ٧٩٢ هـ.\nانظر: الدرر ٤/ ٢٧٠، شذرات ٦/ ٣٢٦.\n(^٢) هو الحافظ أبو المعالي نصر الدين محمد بن علي بن عبد الواحد السلمي. ولد سنة ٧٤٢ هـ. توفي ﵀ سنة ٧٨٩. انظر: تاريخ ابن حجر ٤/ ٨٥، طبقات الحفاظ للسيوطي ص ٥٤٠، الضوء اللامع ٦/ ٦٣.\n(^٣) هو عمران بن إدريس بن مُعَمَّر الزين أبو موسى الكناني الجلجولي المقدسيُّ الدمشقيُّ الشافعيُّ المقرئ. ولد سنة ٧٣٤ هـ بجلجولي، ولازم التاج السبكيَّ وغيره في الفقه، وأخذ القراءات عن ابن اللبان وابن السلار وتميَّز فيها وأقرأ. مات سنة ٨٠٣ هـ. انظر: الضوء اللامع ٦/ ٦٣.\n(^٤) انظر: الأشباه والنظائر لابن السبكي ٢/ ٣٤٩.","vol":"1","page":182},{"text":"يقول الحافظ الحسيني - ﵀ - عن تزاحم الطلبة على دروس التاج السبكي - ﵀ - مدة إقامته بمصر ثمانية أشهر، وذلك في عام ٧٦٤ هـ: \"وقد كان - أيده الله تعالى - في مدة إقامته بمصر على حالٍ شهيرة من التعظيم والتبجيل، يعتقده الخاص والعام، ويتبرك بمجالسته ذووا السيوف والأقلام، ويزدحم طلبةُ فنون العلم على أبوابه\" (^١). وقد تتلمذ له بعض أقرانه كصلاح الدين الصفدي، وشمس الدين الغزي (^٢).\nيقول في \"الطبقات\" عن الصلاح ﵀: \"وكانت له همة عالية في التحصيل، فما صَنَّفَ كتابًا إلا وسألني فيه عما يحتاج إليه من فقه وحديث وأصول ونحو، لا سيما \"أعيان العصر\"، فأنا أشرت عليه بعمله، ثم استعان بي في أكثره، ولما أخرجتُ مختصري في الأصلَيْن المسمَّى \"جمع الجوامع\" كتبه بخطّه، وصار يحضر الحَلْقة، وهو يقرأ عليَّ ويَلَذُّ له التقرير، وسمعه كلَّه عليَّ، وربما شارك في فهم بعضه رحمه الله تعالى\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: ذيول العبر في خبر مَنْ غَبرَ ٤/ ٢٠٠.\n(^٢) هو محمد بن خلف بن كامل، القاضي شمس الدِّين الغَزِّيّ، يقول عنه التاج رحمهما الله: \"رفيقي في الطلب، مولده سنة ست عشرة وسبعمائة بغزَّة، وقدم دمشق فاشتغل بها، ثم رحل إلى قاضي حماة شرف الدين البارزيّ، فتفقه عليه، وأذن له بالفُتيا، ثم عاد إلى دمشق وجَدَّ واجتهد. صَحِبتُه ورَافقته في الاشتغال من سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، سنة مَقْدَمِنا دمشق، إلى أن توفي وهو على الجدِّ البالغ في الاشتغال. أما الفقه فلم يكن في عصره أحفظُ منه لمذهب الشافعي، يكاد يأتي على الرافعيّ وغالب \"المطلب\" لابن الرفعة استحضارًا، وله مع ذلك مشاركة جيدة في الأصول والنحو والحديث\". الطبقات الكبرى ٩/ ١٥٥، وانظر: الدرر ٣/ ٤٣٢.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٦.","vol":"1","page":183},{"text":"ويقول عن رفيقه في الطَّلبِ شمس الدين الغزيّ: \"وجمع كتابًا نفيسًا على الرافعي، يذكر فيه مناقب الرافعيِّ بأجمعها وما يمكن الجواب عنه منها بتنبيهات مهمات في الرافعيّ، ويستوعب على ذلك كلامَ ابن الرفعة والوالد رحمهما الله، ويذكر مِنْ قِبَله شيئًا كثيرًا، وفوائد مهمة، ولم يبرح يعمل في هذا الكتاب إلى أن مات، فجاء في نحو خمس مجلَّدات، أنا سميته \"ميدان الفرسان\"، فإنه سألني أن أسميه له، وكان يقرأ عليَّ غالب ما يكتبه فيه، ويسألني عَمَّا يُشكل عليه، فلي في كتابه هذا كثيرٌ من العمل\" (^١).\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٥٥.","vol":"1","page":184},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المبحث الخامس: مكانته العلمية وثناء العلماء عليه</span>\nقد تَفرَّس شيوخ التاج - ﵏ - فيه النبوغ، وأمَّلوا فيه التميز، فها هو الإمام الذهبي ﵀ يُدرجه في \"المعجم المختص\" ويقول عنه: \"عبد الوهاب بن شيخ الإسلام تقي الدين علي بن عبد الكافي، الولد القاضي تاج الدين أبو نصر السبكي الشافعي. ولد في سنة ثمانٍ وعشرين، وأجاز له الحجَّار وطائفة، وأسمعه أبوه من جماعة. كتب عني أجزاءً ونَسَخَها، وأرجو أن يتميزَّ في العلم، ثم دَرَّس وأفتى\" (^١).\nوها هو شيخه الإمام المزي ﵀ يُدرجه في الطبقة العليا من المحدثين، في قصةٍ يحكيها التاج رحمه الله تعالى فيقول:\n\"وشَغَر مرةً مكانٌ بدار الحديث الأشرفيَّة، فَنَزَّلني فيه، فعجبت من ذلك؛ فإنه كان لا يرى تنزيل أولاده في المدارس، وها أنا لم ألِ في عمري فِقاهةً في غير دار الحديث، ولا إعادةً إلا عند الشيخ الوالد، وإنما كان يُؤخِّرنا إلى وقت استحقاق التدريس، على هذا ربَّانًا، ﵀، فسألته فقال: ليقال إنَّك كنتَ فقيهًا عند المِزِّيّ.\nولما بلغ المِزِّيَّ ذلك - أَمَرَهم أن يكتبوا اسمي في الطبقة العليا. فبلغ ذلك\n_________\n(^١) انظر: المعجم المختص ص ١٥٢.","vol":"1","page":185},{"text":"الوالدَ، فانزعج، وقال: خرجنا من الجدِّ إلى اللعب، لا والله، عبد الوهَّاب شابٌّ ولا يستحق الآن هذه الطبقة، اكتبوا اسمه مع المبتدئين، فقال له شيخنا الذهبي: والله هو فوق هذه الدرجة، وهو محدِّث جَيِّد. هذه عبارة الذهبي، فضحك الوالد، وقال: يكون مع المتوسِّطين\" (^١).\nوهذا شيخه شمس الدين ابن النقيب - رحمه الله تعالى - يُجيزه بالإفتاء والتدريس وهو لم يبلغ الثامنة عشر من عمره.\nيقول الحافظ شهاب الدين ابن حجي (^٢): أخبرني أن الشيخ شمسَ الدين بن النقيب أجازه بالإفتاء والتدريس. ولما مات ابن النقيب كان عمر القاضي تاج الدين ثمان عشرة سنة (^٣).\nوقال الحافظ ابن حجي ﵀: \"خرَّج له ابن سعد مشيخةً، ومات قبل تكميلها، وحَصَّل فنونًا من العلم من الفقه والأصول، وكان ماهرًا فيه، والحديث والأدب، وبرع وشارك في العربية، وكان له يدٌ في النظم والنثر، جَيِّدَ البديهة، ذا بلاغةٍ وطلاقةِ لسان، وجراءة جَنَان، وذكاءٍ مُفْرط، وذهن وقَّاد، وكان له قدرة على المناظرة\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الطبقات ١٠/ ٣٩٩.\n(^٢) أحمد بن حجي بن موسى السعدي الحسباني، الإمام العالم العلَّامة، الحافظ المحقِّق، شيخ الشافعية شهاب الدين أبو العباس. ولد سنة ٧٥١ هـ، سمع الحديث من خلائق، وتتلمذ للتاج السبكي. من تصانيفه: \"جمع المفترق\"، \"الدارس من أخبار المدارس\". توفي سنة ٨١٦ هـ. انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٤/ ١٢.\n(^٣) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٤ - ١٠٥.\n(^٤) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٥ - ١٠٦.","vol":"1","page":186},{"text":"وهذا الإمام الأديب، الناظم الناثر، أديب العصر خليل بن أيبك الصفدي ﵀، الذي كتب أزيد من ستمائة مجلّدٍ تصنيفًا، وهو في طبقة شيوخ التاج - رحمهما الله - يقول عنه التاج:\n\"وكانت له همةٌ عاليةٌ في التحصيل، فما صَنَّف كتابًا إلا وسألني فيه عما يحتاج إليه من فقه وحديث وأصولٍ ونحوٍ، لا سيما \"أعيان العصر\" فأنا أشرتُ عليه بعمله، ثم استعان بي في أكثره، ولما أخرجت مُخْتَصري في الأصلَيْن المسمَّى \"جمع الجوامع\" كتبه بخطِّه، وصار يحضر الحلقة، وهو يقرأ عليَّ ويَلَذُّ له التقرير، وسَمِعه كلَّه عليَّ، وربما شارك في فهم بعضه، رحمه الله تعالى\" (^١).\nوهذا والده رحمه الله تعالى يصفه بمفتي الإسلام في قصةٍ يذكرها التاج رحمه الله تعالى فيقول: \"وكتب إليَّ، وقد جَمَع لي بين نيابته في الحكم، وتوقيعِ الدَّسْت (^٢)، وكانت قد وَرَدت عليه فُتْيا في لعب الشِّطرْنج: أجِبْنا أيُّها الإمام، أحلالٌ هو أم حرام؟ ونحن قد عَرَفْنا مذهب الشافعيّ، ولكنا نريد أن نعرف رأيَك واجتهادَك. فألقاها إليَّ، وقال: اكتُبْ عليها مَبْسُوطًا مستدِلًا، ثم اعرِضْها. فكتبتُ كتابةً مطوَّلة جامعةً للدلائل، ونصَرْتُ مذهب الشافعي، فكتب إلى جانبها:\n_________\n(^١) انظر: الطبقات ١٠/ ٦.\n(^٢) توقيع الدَّسْت: هو توقيع مجلس الوزارة. قال الزبيدي في تاج العروس ٣/ ٥٠، مادة (دست): \"واستعمله المتأخرون بمعنى: الديوان، ومجلس الوزارة، والرآسة\". وانظر: المعجم الوسيط ١/ ٢٨٢.","vol":"1","page":187},{"text":"أمُوَقِّعَ الدَّسْتِ الشريفِ ونائِبَ الْـ ... ـحُكْمِ العزيزِ ومُفْتِيَ الإسلامِ\nخَفْ من إلهكَ أنْ يراكَ وقَدْ نَها ... كَ وما انتهيتَ ومِلْتَ للآثامِ\" (^١)\nوينبيك عن مكانته العلمية المبكرة تدريسه إلى جانب الرُّخامة التي بالجامع الأُموي في حياة والده، وأنشد والده في ذلك، ذاكرًا العلماء الذين دَرَّسُوا بجانبها، وتعاقبوا على ذلك المكان بدءًا بابن عساكر (^٢) رحمه الله تعالى. يقول التاج:\n\"وأنشدوني عنه، وقد جلستُ للشُّغْل في العلم عَقِيبَ وفاة الشيخ الإمام فخر الدين المِصْريّ، إلى جانب الرُّخامة التي بالجامع الأُموي، التي يقال: إنَّ أوَّل مَنْ جلس إلى جانبها شيخُ الإسلام فخر الدين ابن عساكر، ثم تلميذه شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام، ثم تلميذه الشيخ تاج الدين بن الفِرْكاح الفَزاريّ (^٣)، ثم تلميذه ولده الشيخ بُرهان الدين (^٤)، ثم\n_________\n(^١) انظر: الطبقات ١٠/ ١٩٤.\n(^٢) هو علي بن الحسن بن هبة الله، أبو القاسم بن عساكر، إمام الحديث في زمانه، وختام الجهابذة الحفاظ. ولد سنة ٤٩٩ هـ. من مصنفاته: تاريخ الشام، تبيين كذب المفتري، وغيرهما كثير. توفي سنة ٥٧١ هـ. انظر: المستفاد من ذيل تاريخ بغداد ص ١٨٦ - ١٨٩، سير ٢٠/ ٥٥٤، الطبقات الكبرى ٧/ ٢١٥.\n(^٣) عبد الرحمن بن إبراهيم بن ضياء الفَزَاريّ، الشيخ تاج الدين أبو محمد، المعروف بالفِرْكاح، فقيه أهل الشام، كان إمامًا مدقِّقًا نَظَّارًا. من تصانيفه: شرح ورقات إمام الحرمين، وتعليقة على الوجيز، وغيرهما. توفي سنة ٦٩٠ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ١٦٣، طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٧٣.\n(^٤) هو إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم الفزاريّ، الشيخ برهان الدين بن الفِرْكاح، فقيه الشام، وشيخ الإسلام. من مصنفاته: \"التعليقة على التنبيه\" في نحو عشر =","vol":"1","page":188},{"text":"تلميذه الشيخ فخر الدين المِصْري (^١)، ثم أنا (^٢)، وكتبتُها من خط الوالد رحمه الله تعالى:\nالجامعُ الأُمَوِيُّ فيه رُخامَةٌ ... يَأْوِي لها مَن للفَضائل يَطْلُبُ\nالشيخُ فخرُ الدِّين نَجْلُ عَساكِرٍ ... والشيخُ عِزُّ الدين عنه يُنْسَبُ\nوالشيخُ تاجُ الدين نَجْلُ فَزارَةٍ ... عنه تَلقَّاها يُفيد ويَدْأبُ\nثم ابنُه أكرِمْ به من سَيِّدٍ ... ورعٍ له كلُّ الناصب تَخْطُبُ\nوتلاه فخرُ الدِّين واحدُ مِصْرِهِ ... بذكائِه كالنارِ حِينَ تَلَهَّبُ\nوابني يَليهمْ زادَهُ ربُّ السَّما ... عِلْمًا وفَهْمًا ليس فيه يَنصَبُ (^٣)\nوقد نزل التقي - ﵀ - عن مشيخة دار الحديث الأشرفية لابنه عبد الوهاب - ﵀ - وذلك في أواخر عمره حينما كبر التاج وكان ابن ثمان وعشرين سنة أو نحوها، ولم يكن نزوله له إلا لأهليته التي شهد بها مشايخُه.\nيقول التاج ﵀: \"ولما نزل لي عن مشيخة دار الحديث الأشرفيّة،\n_________\n= مجلدات، وتعليقة على مختصر ابن الحاجب في الأصول. توفي سنة ٧٢٩ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٣١٢، طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ٢٤٠.\n(^١) هو محمد بن علي بن إبراهيم، أبو الفضائل القاضي فخر الدين المِصْريّ. ولد بالقاهرة سنة ٦٩١ هـ، كان من أذكياء العالم، حفظ مختصر ابن الحاجب في تسعة عشر يومًا، وكان يحفظ في \"المنتقى\" كل يوم خمسمائة سطر. توفي بدمشق سنة ٧٥١ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٨٨، طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ٦٢.\n(^٢) وعليه فعمر التاج آنذاك أربع وعشرون سنة.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٢.","vol":"1","page":189},{"text":"واتفق أنه بعد أشهرٍ حَضَر درسًا عَمِله الولدُ تقيُّ الدين أبو حاتم محمد ابن الأخ شيخِنا شيخِ الإسلام بهاءِ الدين أبي حامد، سلمهما الله، وكان أشار هو بذلك؛ ليفرح بتدريس ولدِ ولدِه بحضوره قبلَ وفاته - قال للجماعة الحاضرين: ما أعلم أحدًا يَصْلحُ لمشيخة دار الحديث غيرَ ولدي عبد الوهَّاب، وشخصٍ آخرَ غائبٍ عن دمشق.\nوأكثر الناس لم يَفهم الغائب، وأنا أعرف أنه الشيخ صلاحُ الدين العلائيُّ، شيخ بيت المقدس وحافظه\" (^١).\nوكتب له الشيخ برهان الدين القيراطي (^٢) جوابًا لرسالةٍ أرسلها إليه التاج - رحمهما الله - فمما قال فيها:\n\"إلى شيخنا شيخ الإسلام أوحدِ المجتهدين، تاج الدين أبي نصر، أسبغ الله ظِلالَه\" (^٣) إلى أن قال: \"فهو إمام العلوم على الأبد، والسابقُ للعَلياء سَبْقَ الجوادِ إذا استولى على الأَمَد، والسيِّد الحافظ الذي دارُه لا دارَ مَيّةَ بين العلياءِ والسَّنَد.\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٢٠٩.\n(^٢) هو إبراهيم بن شرف الدين عبد الله بن محمد الطائيّ القيراطيّ، الشاعر المشهور. ولد في سنة ٧٢٦ هـ، وتَفَقَّه واشتغل، وتَعَانى النظم ففاق فيه، وله ديوان جمعه لنفسه يشتمل على نثر ونظم في غاية الإجادة، وكان عابدًا فاضلًا. قال ابن حجر= = ﵀: \"وكان له اختصاص بالسبكي، ثم بأولاده، له فيهم مدائح ومراثي، وبينهم مراسلات\". توفي بمكة مجاورًا سنة ٧٨١ هـ. انظر: الدرر ١/ ٣١، شذرات ٦/ ٢٧٩.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٣٣٦.","vol":"1","page":190},{"text":"والشيخ الذي اختُصَّ بعُلُوّ الإسناد والمَحَل، والرُّحَلَةُ الذي يُنشِد الطالبُ إذا حثَّ ركائبَه إليه ورَحَل:\nإليكَ وإلَّا لا تُساقُ الركائبُ ... وعنكَ وإلَّا فالمحدِّث كاذبُ\nعلى أنه عالمٌ مناظِر، وحافِظٌ مذاكِر، وأديبٌ مُحاضِر. . . فهو بين العلماء إمامُ مِلّتهم، ومُصَلَّى قِبلتهم، ومُجَلِّي حَلْبَتِهم، والمنشِدُ عند طلوع أهلَّتِهم:\nأخذنا بآفاقِ السماءِ عليكُمُ ... لنا قَمَراها والنُّجُومُ الطوالعُ\" (^١)\nومما قاله أيضًا بعد ذلك هذين البيتين:\n\"عِلْمُ الحديثِ إلى أبي نصرٍ غَدَا ... من دونِ أهلِ العَصْرِ حَقًّا يُسْنَدُ\nأضحى أميرَ المؤمنين بقُبَّةٍ ... ويَدُ الخلافةِ لا تُطاوِلُها يَدُ\" (^٢)\nويقول الحافظ الحسيني عن التاج - رحمهما الله - في أكثر مِنْ موطن: \"سيدنا قاضي القضاة شيخ الإسلام تاج الدين السبكي\" (^٣).\nوقال السيوطي ﵀ - في \"حسن المحاضرة\": \"كتب مرةً ورقةً إلى نائب الشام يقول فيها: وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق، لا يقدر أحدٌ يردُّ عليَّ هذه الكلمة. وهو مقبول فيما قال عن نفسه\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٣٥٤.\n(^٢) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٣٥٧.\n(^٣) انظر: ذيول العبر ٤/ ١٩٧، ١٩٩، ٢٠١، ٢٠٦.\n(^٤) انظر: حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨.","vol":"1","page":191},{"text":"ومن العجائب التي تدل على قوة الرجل وفَرَط ذكائه، وتبحره في الفنون، وغَوْصه في الكنوز والمكنون - هذه الحادثة التي سَطَّرها في كتابه \"الأشباه والنظائر\" حيث يقول:\n\"وقد أحببت أن أذكر هنا آيةً كانت ابتداء درسي بالمدرسة الأمينية في يوم الأحد ثالث شهر ربيع الأول سنة ثلاث وستين وسبعمائة، وكان مِنْ شأن هذا الدرس أني لما وَلِيت هذه المدرسة في الشهر المذكور عزمتُ أن لا أعمل أجلاسًا، ولا أجمع جمعًا؛ لأنه سبق لي تداريس كثيرة، فما في دمشق مدرسة مرموقة بعين التعظيم إلا وقد وليت تدريسها بحمد الله، إلا اليسير من المدارس.\nفلما وليت هذه المدرسة رأيتُ أنَّ تَرْك ذلك أجمل، فحملني حاملٌ على أن أذكر درسًا أرجو أن يكون لي فيه نية، وذلك أنَّ بعض من لا أهلية له سعى في هذه المدرسة، وكاد أنْ يُقَدَّم عليَّ؛ لقربه من الدولة، فأحببتُ أنْ أُرِيَهُ كيف يكون التدريس، وكيف ينبغي لمَنْ يَطْلب مناصب العلماء أن يكون، فعمدتُ إلى آيةٍ من الكتاب العزيز واستنبطتُ منها ما وصَلَتْ إليه قوتي.\nوها أنا أحكي الدرس فأقول: قلتُ بعد الخطة ما نَصُّه:\nقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ (^١).\n_________\n(^١) سورة النساء: ٥٤، ٥٥.","vol":"1","page":192},{"text":"اعلم أنَّ المدرسين وإنْ تباينت مراتبهم في العلم، وتفاوتت منازلهم في الفهم - أصنافٌ ثلاثة لا رابع لهم:\nالأول: مَنْ إذا دَرَّس آية اقتصر على ما فيها من المنقول، فحكى أقوال المفسِّرين بسبب النزول والمناسبة، ووجوه الإعراب، ومعاني الحروف، ونحو ذلك. وهذا لا حظَّ له عند المحققين، ولا نصيب له بين فرسان الكلام.\nوالثاني: مَنْ يأخذ في وجوه الاستنباط منها، ويَسْتَعمل فكره بمقدار ما آتاه الله من الفهم، ولا يشتغل بأقوال السابقين، وتصرفات الماضين، علمًا منه أنَّ ذلك أمرٌ موجود في بطون الأوراق ولا معنى لإعادته.\nوالثالث: مَنْ يرى الجمع بين الأمرَيْن، والتحلي بالوصفَيْن، ولا يخفى أنه أرفع الأوصاف. . . . .\nوأنا إن شاء الله تعالى أستخرج من هذه الآية - دون ما قبلها وما بعدها - من فنون الفوائد في أنواع العلوم ما يزيد على مائة وعشرين فائدة في أصول الدين، وأصول الفقه، والحديث، والتفسير، واللغة، والنحو، والتصريف، والمعاني، والبيان، والبديع، والمنطق، والجدل، والتصوف، والمغازي، والسِّيَر، والفراسة، والطب.\nوشرطي في ذلك على نفسي: أن لا أذكر شيئًا أَعْلَمُ أني سُبقت إليه، ولا أتعدى الآية إلى غيرها، ولا أشتغل بتقرير ما أَسْتنبطه منها إلا بتقرير وجه الاستنباط منها، فإذا قلتُ مثلًا: \"دَلَّت على كيت وكيت\" لم أنتقل","vol":"1","page":193},{"text":"إلى الكلام في كيت وكيت؛ لأن ذلك خروجٌ إلى فنٍّ آخر، وعدولٌ عن البحث، وعلى غيري أن لا يعترضني في فائدة حتى يتمَّ تقريرُها، ثم يعترض بما شاء\" (^١).\nفلله درُّ هذا الإمام الفذُّ، والملهم الفرد. ولقد نَوَّه الحافظ ابن كثير ﵀ بهذا الدرس الحافل، والمشهد الهائل، إذ يقول ﵀: \"وفي صبيحة يوم الأحد رابع شهر ربيع الأول كان ابتداء حضور قاضي القضاة تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن قاضي القضاة تقي الدين بن الحسن بن عبد الكافي السبكي الشافعي - تدريسَ الأمينية عِوَضًا عن الشيخ علاء الدين المحتسب، بحكم وفاته ﵀ كما ذكرنا، وحضر عنده خلق من العلماء والأمراء والفقهاء والعامة، وكان درسًا حافلًا، أخذ في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٢) الآية وما بعدها، فاستنبط أشياء حسنة، وذكر ضربًا من العلوم بعبارةٍ طَلْقةٍ جارية معسولة، أخذ ذلك من غير تلعثم ولا تلجلج ولا تكلف، فأجاد وأفاد، وشكره الخاصة والعامة من الحاضرين وغيرهم، حتى قال بعض الأكابر: إنه لم يسمع درسًا مثله\" (^٣).\nواسمع كلام التاج وهو يصف مَنْ هو المحدث، عائبًا على أقوامٍ من العلماء جَهِلوا ذلك: \"ومنهم فرقةٌ ترقَّت عن هذه الفرقة وقالت: لا بد مِنْ\n_________\n(^١) انظر: الأشباه والنظائر ٢/ ٣٤٩ - ٣٥١. وقد ذكر الشارح تلك الفوائد في كتابه\nالمذكور، وهي تبتدي من ٢/ ٣٥١ - ٣٨٢.\n(^٢) سورة النساء: ٥٤.\n(^٣) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٣٠٥، ٣٠٦.","vol":"1","page":194},{"text":"ضمِّ علم الحديث إلى التفسير، فكان قصاراها النظر في \"مشارق الأنوار\" للصاغاني (^١)، فإنْ ترفَّعت ارتقت إلى مصابيح البغوي، وظنت أنها بهذا القدر تصل إلى درجة المحدثين، وما ذاك إلا لجهلها بالحديث، فلو حفظ مَنْ ذكرناه هذين الكتابين عن ظهر قلب، وضمَّ إليهما من المتون مثليهما - لم يكن محدثًا، ولا يصير بذلك محدِّثًا حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط. فإذا رامت بلوغ الغاية في الحديث - على زعمها - اشتغلت بجامع الأصول لابن الأثير (^٢)، وإنْ ضمَّت إليه كتاب \"علوم الحديث\" لابن الصلاح، أو مختصره المسمَّى بـ \"التقريب والتيسير\" للنووي، ونحو ذلك - فحينئذ يُنادَى مَن انتهى إلى هذا المقام بمحدِّث المحدثين، وبخاريِّ العصر، وما ناسب هذه الألفاظ الكاذبة، فإنَّ مَنْ ذكرناه لا يُعَدُّ محدِّثًا بهذا القدر، إنما المحدث مَنْ عرف الأسانيد، والعِلَل، وأسماءَ الرجال، والعالي والنازل، وحَفِظ مع ذلك جملةً مستكثرة، وسمع الكتب الستة، ومسند أحمد بن حنبل، وسنن\n_________\n(^١) هو الحسن بن محمد بن الحسن بن حَيْدر، أبو الفضائل القرشيُّ العدويُّ العمريُّ، من ولد عمر بن الخطاب - ﵁ -، الصاغانيُّ الأصل، الهنديُّ الَّلوْهَوْريُّ المولد، البغداديُّ الوفاة، المكيُّ المَدْفن، الفقيه الحنفيُّ، المحدِّث، اللغويُّ، صاحب التصانيف. ولد سنة ٥٧٧ هـ. من تصانيفه: \"مشارق الأنوار\" في الجمع بين الصحيحين، و\"مجمع البحرين\"، و\"العباب\"، وغيرها. توفي سنة ٦٥٠ هـ. انظر: الجواهر المضية ٢/ ٨٢، الفوائد البهية ص ٦٣، سير ٢٣/ ٢٨٢.\n(^٢) علي بن أبي الكرم محمد بن محمد الجزريّ ابن الأثير، أبو الحسن عز الدين الإمام الحافظ العلَّامة المؤرخ، ولد بالموصل سنة ٥٥٥ هـ. من تصانيفه \"اللباب في تهذيب الأنساب\"، و\"أسد الغابة في معرفة أسماء الصحابة\"، و\"الكامل في التاريخ\". توفي سنة ٦٣٠ هـ. انظر: وفيات ٣/ ٣٤٨، تذكرة ٤/ ١٣٩٩، الطبقات الكبرى ٨/ ٢٩٩.","vol":"1","page":195},{"text":"البيهقيّ، ومعجم الطبرانيّ، وضَمَّ إلى هذا القدر ألفَ جزءٍ من الأجزاء الحديثية. هذا أقلُّ درجاته. فإذا سمع ما ذكرناه، وكتب الطِّباق، ودار على الشيوخ، وتكلَّم في العِلَل والوَفيات والأسانيد - كان في أول درجات المحدثين، ثم يزيد الله مَنْ شاء ما شاء (^١).\nومنهم فرقةٌ ترفَّعت، وقالت: نضم إلى الحديث الفقه، وكان غايتها البحث في \"الحاوي الصغير\" لعبد الغفَّار القزويني (^٢)، والكتاب المذكور أعجوبة في بابه، بالغٌ في الحسن أقصى الغايات، إلا أنَّ المرء لا يصير به فقيهًا ولو بلغ عنان السماء، وهذه الطائفة تضيع في تفكيك ألفاظه وفهم معانيه زمانًا لو صرفته إلى حفظ نصوص الشافعي وكلام الأصحاب لحصلت على جانب عظيم من الفقه، ولكن التوفيق بيد الله تعالى\" (^٣).\n_________\n(^١) ولذا لما ترجم السيوطي ﵀ للحافظ الهيثمي ﵀ قال: \"ورافق العراقيَّ في السماع، فسمع جميع ما سمعه، وكان ملازمًا له، مبالغًا في خدمته، وكان يحفظ كثيرًا من متون الأحاديث، فكان إذا سُئل العراقيُّ عن حديث بادر إلى إيراده، فيظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه، وليس كذلك، وإنما الحفظ المعرفة\". انظر: ذيل طبقات الحفاظ للسيوطي ٥/ ٣٧٢.\n(^٢) هو عبد الغفَّار بن عبد الكريم بن عبد الغفار القَزْويني، الشيخ الإمام نجم الدين، كان أحد الأئمة الأعلام، له اليد الطولى في الفقه والحساب وحسن الاختصار، ومن الصالحين أهل الكرامات. من مصنفاته: \"الحاوي الصغير\"، و\"اللباب\"، و\"شرح اللباب\" المسمّى بـ \"العُجاب\". توفي سنة ٦٦٥ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٢٧٧، طبقات ابن قاضي شهبة ٢/ ١٣٧.\n(^٣) انظر: معيد النعم ص ٨١ - ٨٣.","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>المبحث السادس: مناصبه العلمية</span>\nقال الحافظ شهاب الدين ابن حجي: \"وانتهت إليه رئاسة القضاء والمناصب بالشام\" (^١).\nقال ابن كثير ﵀: \"جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يَجْرِ على قاضٍ قبله، وحَصَل له من المناصب والرياسة ما لم يحصل لأحدٍ قبله، وانتهت إليه الرياسة بالشام\" (^٢).\nوالمناصب التي تولاها التاج - ﵀ - وترقَّى فيها هي:\nتولِّيه توقيعَ الدَّسْت في سنة ٧٥٤ هـ (^٣).\nونيابة والده في القضاء بعد وفاة أخيه القاضي الحسين؛ لأن الحسين كان نائبًا عن والده في الحكم، فلما تُوفي ناب عنه التاج - ﵏ جميعًا - وذلك في عام ٧٥٥ هـ.\nثم استقل بالقضاء بسؤال والده في شهر ربيع الأول سنة ٧٥٦ هـ (^٤)،\n_________\n(^١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦.\n(^٢) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٨، طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٥.\n(^٣) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٦، الطبقات الكبرى ١٠/ ١٩٢ - ١٩٣.\n(^٤) أي: قبل موت التقي بشهر وأيام، لأن التاج يقول عن والده: \"واستمر بدمشق عليلًا إلى أَنْ وَلَيْتُ أنا القضاء، ومكث بعد ذلك نحو شهر، وسافر إلى الديار المصرية، =","vol":"1","page":197},{"text":"ثم عُزل مدة لطيفة، ثم أُعيد، ثم عُزِل بأخيه بهاء الدين، وتوجَّه إلى مصر على وظائف أخيه، ثم عاد إلى القضاء على عادته، ثم عُزل وحصل له محنة شديدة، ثم عاد إلى القضاء. واستمر به إلى أن توفي عام ٧٧١ هـ (^١).\nولقد كان التقي يُوصِي ابنه التاج - رحمهما الله - أن لا يطلب القضاء ولا يرغب فيه؛ لئلا يُوكل إلى نفسه فيهلك، فإنَّ مَنْ تولى القضاء ذُبح بغير سكين.\nيقول التاج ﵀: \"وكان يقول لي في أيام مرضه قبل أن يحصل لي القضاء: إيّاكَ ثم إيّاكَ أن تطلُبَ القضاء بقلبك، فضلًا عن قالَبِك، فأنا أطلبُه لك؛ لعلمي بالمصلحة في ولايتك لك ولقومك وللناس، وأما أنت فاحذَرْ، لئلا يكِلَكَ اللهُ إليه، على ما قال - ﷺ -: \"يا عبدَ الرحمنِ (^٢) لا تَسْألِ الإمارة\" (^٣) الحديث.\n_________\n= وكان يذكر أنه لا يموت إلا بها، فاستمر بها عليلًا يُوَيْمات يسيرةً، ثم تُوفي ليلة الاثنين المسفرة عن ثاث جمادى الآخرة. . .\". الطبقات ١٠/ ٣١٥ - ٣١٦. وعليه فيكون تولى التاج للقضاء في آخر شهر ربيع الأول؛ لأن الحافظ ابن كثير - ﵀ - ذكر يوم سفر التقي إلى مصر بأنه كان في السادس والعشرين من ربيع الآخر. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٢٦٤.\n(^١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٥.\n(^٢) هو عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب بن عبد شمسِ العَبْشَمِيّ، أبو سَعيد، أسلم يوم الفتح، وهو الذي افتتح سجستان وكابل وغيرهما، وشهد غزوة مؤتة. مات بالبصرة سنة خمسين، ويقال إحدى وخمسين. انظر: تهذيب ٦/ ١٩٠.\n(^٣) أخرجه مسلم ٣/ ١٢٧٣، كتاب الإيمان، باب نَدْب مَنْ حلف يمينًا، رقم ١٦٥٢، وتتمة الحديث: \"يا عبدَ الرحمن بن سَمُرة لا تَسْأل الإمارة، فإنك إنْ أُعْطِيتَها عن =","vol":"1","page":198},{"text":"وحضرتُه وقد جاء إليه بعضُ الفقراء، فقال: أريد ثلاثًا: ولايةَ ابني هذا مَوْضعي، ورؤيةَ ولدي أحمدَ، وموتي بمصْرَ. أشهدُ بالله لَسَمِعتُ ذلك منه.\nفقال له الفقير: سَلِ اللهَ في ذلك إنْ كان مصلحةً.\nفقال: قد تحقَّقتُ أنَّ كلَّ واحدٍ من الثلاثة مصلحةٌ.\nفقال له: القضاء مصلحةٌ لهذا!\nفقال: نعم، تحقَّقتُ أنه مصلحة له في الدنيا والدين جميعًا\" (^١).\nومن المناصب التي تولاها التاج - ﵀ - منصب الخطابة بالجامع الأُموي بدمشق، وذلك بعد وفاة خطيبه جمال الدين أبي الثناء محمود بن جُملة (^٢) - ﵀ - في عام ٧٦٤ هـ.\nيقول الحافظ ابن كثير ﵀:\n_________\n= مسألة وكلتَ إليها، وإن أُعطيتها عن غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها، وإذا حَلَفتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرها خيرًا منها فكفِّر عن يمينك وائت الذي هو خير\" وأخرجه مسلم أيضًا في كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، ٣/ ١٤٥٦، رقم ١٦٥٢.\n(^١) انظر: الطبقات ١٠/ ٢١٠.\n(^٢) هو محمود بن محمد بن إبراهيم بن جُمْلة، جمال الدين أبو الثناء المَحَجِّيُّ الأصل، من قرية مَحَجَّة، الصالِحيُّ المولد، مِن صالحية دمشق. ولد سنة ٧٠٧ هـ. له تعاليق في الفقه والحديث، مات سنة ٧٦٤ هـ، ودُفن بالصالحية.\nانظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٨٥، البداية والنهاية ١٤/ ٣١٧.","vol":"1","page":199},{"text":"\"وفي يوم السبت عاشره (^١) جُمِع القضاة والأعيان بدار السعادة وكتبوا خطوطهم بالرضى بخطابة قاضي القضاة تاج الدين السبكي بالجامع الأُموي، وكاتِب نائب السلطنة في ذلك. . . . .\nوفي يوم الجمعة سابع شهر ذي القَعْدة خَطَب بجامع دمشق قاضي القضاة تاج الدين السبكي. . .\" (^٢).\nومن المناصب التي تولاها التدريس في أغلب مدارس دمشق، وكذا دَرَّس في مدارس مصر.\nيقول ابن قاضي شهبة:\n\"وقد درس بمصر والشام بمدارس كبار: العزيزية (^٣)، والعادلية الكبرى (^٤)،\n_________\n(^١) أي: عاشر شهر شوال.\n(^٢) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٣١٨.\n(^٣) المدرسة العزيزية جوار الكلَّاسة لضيق الجامع الأُمويّ. أول مَنْ أسسها الملك الأفضل ابن صلاح الدين الأيوبي، ثم أتمها أخوه الملك العزيز عثمان. انظر: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٣٨٢.\n(^٤) أول من أنشأ هذه المدرسة الشافعية نور الدين محمود بن زنكي، شرع في بنائها سنة ٥٦٨ هـ، وتوفي ولم تتم، فاستمرت كذلك. ثم بَنَى بعضها الملك العادل سيف الدين أبو بكر محمد بن أيوب بن شادي، أخو صلاح الدين الأيوبي، وشرع في بنائها سنة ٦١٢ هـ، وكان قد أزال ما بناه نور الدين، وبناها بناءً متقنًا محكمًا لا نظير له في بنيان المدارس، ثم توفي ولم تتم أيضًا، فتممها ولده الملك المعظم، وأوقف عليها الأوقاف، وكان قد تكامل بناؤها سنة ٦٢٠ هـ. وقد جمع النعيمي كتابه \"الدارس\" في هذه المدرسة. انظر: الدارس ١/ ٣٥٩ - ٣٦١.","vol":"1","page":200},{"text":"والغزالية (^١)، والعذراوية (^٢)، والشاميتين (^٣)، والناصرية (^٤)، والأمينية (^٥)،\n_________\n(^١) المدرسة الغزالية داخل الجامع الأمويّ، في الزاوية الشمالية الغربية منه. قال النعيمي ﵀: \"قال ابن شداد في ذكر ما في الجامع من المدارس: المدرسة الغزالية، وتعرف بالشيخ نصر المقدسيّ. وقال في موضع آخر: الزوايا بالجامع: الزاوية الغزالية، منسوبة إلى الشيخ نصر المقدسيّ، وتنسب إلى الغزاليّ رحمهما الله تعالى؛ لكون الغزاليِّ - رحمه الله تعالى - دخل إلى دمشق المحروسة، وقصد الخانقاه (أي: دار الصوفية) السميساطية ليدخل إليها، فمنعه الصوفية من ذلك؛ لعدم معرفتهم به، فعَدَل عنها، وأقام بهذه الزاوية بالجامع إلى أن عُلم مكانه وعرفت منزلته، فحضر الصوفية بأسرهم إليه واعتذروا له، ثم أدخلوه الخانقاه السميساطية فعُرفت الزاوية به، وإنما تُنسب إلى الشيخ نصر المقدسي بعده. انتهى\" الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٤١٣ - ٤١٤. وهي من مدارس الشافعية، وأول مَنْ درَّس بها الشيخ نصر المقدسيّ ﵀. انظر: الدارس ١/ ٤١٥.\n(^٢) هي مدرسة أنشأتها الست عذراء بنت شاهنشاه بن أيوب بن شادي. وشاهنشاه أخو صلاح الدين الأيوبي فاتح بيت المقدس رحمه الله تعالى. وأنشأت المدرسة سنة ٥٨٠ هـ، بحارة الغرباء، داخل باب النصر، المسمى بباب دار السعادة. كذا قال النعيمي. وهي وقف على الشافعية والحنفية. توفيت الست عذراء سنة ٥٩٣ هـ، ودفنت بتربتها في مدرستها. انظر: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ٣٧٣ - ٣٧٤.\n(^٣) سبق الكلام عنهما.\n(^٤) هي دار الحديث الناصرية، وبها رباط، بمحلة الفواخير بسفح قاسيون. أنشأها الملك الناصر صلاح الدين يوسف ابن الملك العزيز محمد ابن الملك الظاهر عزيز الدين غازي بن صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي فاتح بيت القدس. وهذه الدار هي الناصرية البرانية، وهي من أغرب الأمكنة في البنيان المحكم. وهناك الناصرية الجوانية وهي من أحسن المدارس، وقد بناها الملك الناصر أيضًا. انظر: الدارس في تاريخ المدارس ١/ ١١٥ - ١١٧.\n(^٥) قال النعيمي: \"المدرسة الأمينية قِبْلى باب الزيادة، من أبواب الجامع الأمويّ، المسمَّى قديمًا بباب الساعات\". الدارس ١/ ١٧٧. والباب القبلي: يعرف اليوم =","vol":"1","page":201},{"text":"ومشيخة دار الحديث الأشرفية (^١)، وتدريس الشافعي بمصر، والشيخونية، والميعاد بالجامع الطولوني، وغير ذلك\".\nفرحم الله هذا الإمام الرباني الذي جمع العلم والعمل والدعوة إلى دين الله، فهو القاضي بين الناس والحاكم بينهم، وهو المعلِّم والشيخ في مدارسهم، وهو الخطيب والواعظ في مسجدهم.\nولم تكن المناصب غرضًا للتاج، ولا سعى إليها، بل هي التي سَعَت إليه، ولا طلبها بل هي التي طلبته، ولذلك فقد عانى ما عانى من محنٍ وبلايا من جراء حاسديه على تلك المكانة العالية بين الناس، وعلى محبة الخاص والعام له، فكادوه، وافتروا عليه تهمًا؛ ليسقطوا نَجْمه، وليطفئوا قمره، ولكن هيهات، من الذي يُطاول النجم ليسقطه، أو القمر ليطفئه!\n_________\n= بباب القوافين. كذا ذكر محقِّق \"الدارس\". قيل: إنها أول مدرسة بُنيت بدمشق للشافعية، بناها أتابك العساكر بدمشق أمين الدين كمشتكين بن عبد الله الطغتكيني. وهو أمير جليل، كثير الحرمة، توفي سنة ٥٤١ هـ. انظر: الدارس ١/ ١٧٨.\n(^١) سبق الكلام عنها.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث السابع: فصاحته وبلاغته</span>\nلقد جمع للتاج ﵀ مع قوته في العلم والذكاء والحفظ، بسطةٌ في البيان واللفظ، فتراه في مطالع تراجمه التى يترجم بها لأهل مذهبه يُطْرِب الأسماع، ويستولي على القلوب والألباب، بعبارات سبكية ذهبية، لا زيف فيها بل خالصة نقية، بلا تكلف أو تقعر بل سَلِسَةٌ عَذْبة رويَّة، قد انقادت له البلاغة والفصاحة كما انقادت للبلغاء من أهل العربية.\nاسمع هذه الأبيات التى يرثي بها شيخَه الذهبي عند وفاته - ﵀ - والتاج آنذاك ابن إحدى وعشرين سنة:\nمَن للحديثِ وللسَّارينَ في الطَّلَبِ ... من بعدِ موتِ الإمامِ الحافظِ الذهبي\nمَن للرِّواية للأخبار يَنشُرُها ... بين البريَّةِ من عُجْمٍ ومِن عَرَبِ\nمَن للدراية والآثار يَحفَظُها ... بالنَّقْدِ مِن وَضْعِ أهلِ الغيِّ والكذبِ\nمَن للصناعةِ يَدْري حَلَّ مُعْضِلِها ... حتى يُريكَ جِلاءَ الشَّك والرِّيَبِ\nمَن للجَماعَةِ أهلِ العلمِ تُلْبِسُهُمْ ... أعلامُهُ الغُرُّ من أبرادِها القُشُبِ (^١)\n_________\n(^١) أعلام جمع عَلَم: رسْم الثوب ورَقْمُه في أطرافه. انظر: لسان العرب ١٢/ ٤٢٠، تاج العروس ١٧/ ٤٩٨، مادة (علم). الغُرُّ: البيض. وفي اللسان ٥/ ١٤ - ١٥، مادة (غرر). والأبراد جمع بُرْد: وهو ثوبٌ فيه خطوط، وخَصَّ بعضهم به الوشْي. انظر: لسان العرب ٣/ ٨٧، مادة (برد). والقُشُب جمع قَشِيب: وهو الثوب الجديد =","vol":"1","page":203},{"text":"من للتخاريج يُبْدِيها ويَدْخُلُ في ... أبوابها فاتحًا للمُقْفَلِ الأشِبِ (^١)\nمَن في القِراآتِ بين الناس نافِعُهُمْ ... وعاصِمٌ رُكْنُها في الجَحْفَلِ اللَّجِبِ (^٢)\nمَن للخِطابةِ لما لاحَ يَرْفُلُ في ... ثَوْبِ السَّواد كبدرٍ لاحَ في سُحُبِ (^٣)\nومنها:\nبالله يا نفسُ كُوني لي مساعدةً ... وحاذِري جَزَعَ الأوْصابِ والرُّعُبِ (^٤)\nفهذه الدَّارُ دار لا ذِمامَ لها ... ليستْ بنَبْعٍ إذا عُدَّتْ ولا غَرَبِ (^٥)\n_________\n= النظيف. والقَشِيب من الأضداد يُقال للجديد وللخَلِق. والمعنى: من الذي بعد الإمام الذهبي - ﵀ - يُلبسنا ثياب العلم البيضاء الناصعة، المرقومة والموشَّاة بالألوان الجميلة!\n(^١) الأَشِب: المختلط الملتبس. في اللسان ١/ ٢١٤، مادة (أشب).\n(^٢) الجَحْفل: الجيش الكثير، ولا يكون ذلك حتى يكون فيه خَيْل. انظر: لسان العرب ١١/ ١٠٢، مادة (جحفل). واللَّجَبُ: الصوت والصياح والجَلَبة، تقول: لَجِبَ، بالكسر. واللَّجَبُ: ارتفاع الأصوات واختلاطها. واللَّجَبُ: صوت العَسْكر. وعَسْكرٌ لَجِبٌ: عَرَمْرَمٌ وذو لَجَبٍ وكثرة. انظر: لسان ١/ ٧٣٥. والمعنى: من الذي يضاهي هذا الإمام في علم القراءات، فهو نافعنا وهو عاصمنا بين جموع العلماء العظيمة الكثيرة عالية الصوت.\n(^٣) رفل: مَشَى مُسْبلًا ثوبه متبخترًا فيه. انظر: اللسان ١١/ ٢٩٢، مادة (رفل).\n(^٤) الرُّعْب والرُّعُب: الفزع والخوف. انظر: لسان العربط ١/ ٤٢٠، مادة (رعب).\n(^٥) النَّبْع: شجر من أشجار الجبال تُتخذ منه القِسِيّ. وقَوْس النَّبْع أفضل الأقواس، لجمعه الشدة واللين ومن أغصانه تُتخذ السهام. انظر: لسان العرب ٨/ ٣٤٥ - ٣٤٦. الغَرَب جمع غَرَبة: ضربٌ من الشجر تُعمل منه الأقداح البيض. انظر: تاج العروس ٢/ ٢٧٩، لسان العرب ١/ ٦٤٤، مادة (غرب). والمعنى: أن دار الدنيا لا عهد لها ولا ذمة، فهي كثيرة الغدر والخداع، وهي ليست بشيء قليل ولا كثير، ولا قوي ولا ضعيف، فلا معوَّل عليها. فشجر النبع مثال للقوة، والغَرَب مثال للضعف. =","vol":"1","page":204},{"text":"وليس تَبْقَى على حالٍ وليس لها ... عَهْدٌ يُمَسَّكُ بالأَوْتادِ والطُّنُبِ (^١)\nبينا يُرَى المرءُ في بَحْرِ المَعَزَّةِ ذا ... خَوْضٍ تَرامَتْ عليه ذِلَّةُ النُّوَبِ (^٢)\nإلى أن يقول ﵀:\nوإنْ تَغِبْ ذاتُ شمسِ الدين لا عَجَبٌ ... فأيُّ شَمْسٍ رأيناها ولم تَغِبِ\nهو الإمامُ الذي رَوَّتْ روايتُهُ ... وطَبَّقَ الأرضَ مِن طُلَّابهِ النُّجُبِ\nمُهَذَّبُ القولِ لاعِيٌّ ولَجْلَجَةٌ ... مُثَبَّتُ النَّقْلِ سامِي القَصْد والحَسَبِ\nثَبْتٌ صَدُوقٌ خبيرٌ حافِظٌ يَقِظٌ ... في النقلِ أصْدَقُ أنباءً مِن الكُتُبِ\nكالزُّهْرِ في حَسَبٍ والزَّهْر في نَسَبٍ ... والنَّهْرِ في حَدَبٍ والدَّهْرِ في رُتَبِ\nوانظر قصيدته في \"المُعاياة\" وهي ألغاز ذكرها شعرًا، ومع كونها مسائل علمية، إلا أن حلاوة أسلوبها، وطلاوة ألفاظها لتطرب السمع، ومنها قوله:\nمَن باتِّفاقِ جميعِ الخَلْقِ أفضَلُ مِنْ ... شيخِ الصِّحابِ أبي بكر ومِنْ عُمرِ\n_________\n= والله أعلم. والشطر الثاني من البيت مقتبس من قصيدة أبي تمام في فتح عمورية. انظر: ديوانه ١/ ٤٢.\n(^١) في اللسان ١/ ٥٦٠ - ٥٦١، مادة (طنب): \"الطُّنْبُ والطُّنُبُ معًا: حَبْل الخِباء والسُّرادقِ ونحوِهما. . . والأَطْناب: الطوال مِنْ حبال الأَخْبية، والأُصُر: القِصار، واحدها: إِصار\".\n(^٢) النُّوَب جمع نائبة: وهي ما يَنُوب الإنسان، أي: ينزل به من الهمات والحوادث. وجمع النائبة نوائب وهو الأكثر، أما جمعها على نُوَب فهو نادر. انظر: لسان العرب ١/ ٧٧٤، مادة (نوب).","vol":"1","page":205},{"text":"ومِن عليٍّ ومن عثمانَ وهْوَ فَتًى ... من أمة المُصطفى المبعُوثِ من مُضَرِ (^١)\nوقد سبق ذكر بعض قصيدته التي رَثَى بها والده - رحمهما الله تعالى - وهي ملحمة رائعة، يُضَمِّن فيها التاج أبياتًا للفرزدق - ﵀ - فلا تكاد تفرِّق بين أبيات الفرزدق وسائر القصيدة.\nيقول الحافظ ابن حجي ﵀: \"وكان له يدٌ في النظم والنثر، جيدَ البديهة، ذا بلاغةٍ وطلاقة لسان\" (^٢).\nوكذا يقول الحافظ ابن حجر ﵀: \"وأجاد في الخطِّ والنظم والنثر. . . وكان ذا بلاغة وطلاوة اللسان. . . وكان جَيِّدَ البديهة طَلْق اللسان\" (^٣).\nويصف الحافظ ابن كثير - ﵀ - فصاحة التاج وطلاقة لسانه، وهو عصريُّه وبلديُّه: \"وفي يوم الجمعة سابع شهر ذي القَعْدة (^٤) خطب بجامع دمشق قاضي القضاة تاج الدين السبكي خطبةً بليغةً فصيحةً أدَّاها أداء حسنًا، وقد كان يُحَسُّ من طائفة من العوام أن يُشَوِّشُوا، فلم يتكلم أحدٌ منهم، بل ضَجُّوا عند الموعظة وغيرها، وأعجبهم الخطيب وخطبته، وأداؤه وتبليغه ومهابته، واستمر يخطب هو بنفسه\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الطبقات ٩/ ١٣٥ - ١٣٦.\n(^٢) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٥ - ١٠٦.\n(^٣) انظر: الدرر ٩/ ٤٢٦.\n(^٤) من سنة ٧٦٤ هـ.\n(^٥) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٣١٨ - ٣١٩.","vol":"1","page":206},{"text":"وأختم الحديث عن هذا المبحث بأبياتٍ قالها التاج - ﵀ - في أول الشباب ما أظرفها، وهي أول السيل، فكيف بآخره!\nيقول التاج في ترجمة الصفدي - رحمهما الله -: \"كنت أصحبه منذ كنت دون سنِّ البلوغ، وكان يكاتبني وأكاتبه، وبه رغبتُ في الأدب، فربما وقع لي شعرٌ ركيكٌ مِن نظم الصِّبيان فكتبه هو عني إذ ذاك، وأنا ذاكِر بعضَ ما بيننا مما كان في صِغَري، ثم لمّا كان بعد ذلكَ كتب إليَّ مرة وقد سافر إلى مِصْر ولم يودِّعْني:\nيا سيِّدًا سافرتُ عنه ولم أجِدْ ... جَلَدِي يُطَاوِعُنِي على تودِيعِهِ\nإنْ غِبْتُ عنكَ فإنَّ قَلْبِيَ حاضِرٌ ... يَصِفُ اشتياقِي لِلْحِمَى ورُبُوعِهِ\nفي أبياتٍ أُخَر، فكتبتُ الجواب:\nيا راحلًا بحشا المُقِيم عَلَى الوَفا ... ما الطَّرْفُ بَعْدَكَ مُؤْذِنًا بهُجُوعِهِ\nإن غبتَ عنه فما تغيَّر منه إلَّا جِسْمُـ ... ـه سَقَمًا ولَونُ دُمُوعِهِ (^١)\nوالقلبُ بيتُ هواكَ راحَ كأنَّهُ ... بَيْتُ العَرُوضِيِّين مِن تَقْطِيعِهِ\nفي أبياتٍ أُخَر أُنْسِيتُها\" (^٢).\n_________\n(^١) أى: أصبحت دموعه دمًا.\n(^٢) انظر: الطبقات ١٠/ ٦ - ٧.","vol":"1","page":207},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المبحث الثامن: حفظه</span>\nمَنْ قرأ \"الطبقات\" عَلِم أن التاج ﵀ استوعب علومًا كثيرة، وتبحَّر في فنون عديدة، فضلًا عن كونه آيةً في المذهب، فهو يترجم لعلماء مذهبه، ثم يذكر عن كل واحدٍ منهم غرائبه وفرائده (^١)، ويناقش بعض المسائل، ويرجِّح ما هو الراجح عنده.\nوتراه في ثنايا ذلك يُورد من حفظه، ففي ترجمة الإمام أبي الفرج الدارمي يقول: \"وهذه فوائد حضرتني من كتاب \"الاستذكار\" أذكرها على غير ترتيب، بحسب استحضارها\" (^٢).\nثم ذكر عشر فوائد، وهي من دقائق المسائل الفقهية، واستحضارها عَسِر.\nوفي ترجمته لوالده - ﵀ - يقول: \"أنشدنا الشيخ الإمام لنفسه جوابًا لبعض الصوفية، من أبياتٍ في الذِّكْر\" (^٣)، ثم ذكر التاج اثنين وعشرين بيتًا، وقال بعدها: \"هذا ما أحفظ من هذا الجواب\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الطبقات ١/ ٢٠٦ - ٢٢٠، ففيها يذكر منهجه في الكتاب.\n(^٢) انظر: الطبقات ٤/ ١٨٥.\n(^٣) انظر: الطبقات ١٠/ ١٨٤.\n(^٤) انظر: الطبقات ١٠/ ١٨٦.","vol":"1","page":208},{"text":"وهذا كتابه \"منع الموانع\" في أصول الفقه يكتب كثيرًا منه من حفظه، فقد وَرَد عليه ثلاثة وثلاثون سؤالًا من الشيخ الأسدي (^١)، أجابه عنها جميعًا من حفظه في كتابه \"منع الموانع\" (^٢).\nوفي ترجمة أبي الفتح السبكي - ﵀ - يقول: \"أخبرنا الحافظ أبو الفتح محمد بن عبد اللطيف السبكي بقراءتي عليه من حفظي بقرية يَلْدا من دمشق\" ثم ذكر بقية السند (^٣).\n_________\n(^١) لعله هو: يوسف بن محمد بن عمر، القاضي جمال الدين ابن القاضي نجم الدين الأسديّ، المعروف بابن قاضي شهبة. ولد في رمضان سنة ٧٢٠ هـ. كان فاضلًا في الفقه، غير أنه حَصَل له ثِقَلٌ في لسانه في مرضةٍ مرضها، فكان يعسر عليه الكلام. وكان خيِّرًا ديِّنا منجمعًا على نفسه. توفي سنة ٧٨٩ هـ انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٨٣، الدرر ٤/ ٤٧٢.\n(^٢) انظر: مقدمة محقِّق منع الموانع ص ٩١، ٩٦، ١٠٢.\n(^٣) انظر: الطبقات ٩/ ١٦٨.","vol":"1","page":209},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-83>المبحث التاسع: أخلاقه وصفاته</span>\nلا شك أنَّ التاج - ﵀ - كما أفاد من علم والده الغزير، فقد أفاد من أخلاقه وتقواه الشيء الكثير، فالمرء على دين خليله.\nوإنَّ أخلاق المرء لعنوان على طويته وسريرته، فأكمل الناس إيمانًا أحسنهم أخلاقًا.\nوابن السبكي - ﵀ - اغترف من بحر والده، وانسبك في بوتقته، فكان ذهبًا من ذهب، وكريمًا من كريم، وإمامًا من إمام.\nوإليك بعض أخلاقه وصفاته التي وقفنا عليها، وهي تدل على ما سواها دلالةَ المثالِ على المثال، والنظيرِ على النظير:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>١ - الإنصاف:</span>\nوهو وصف عزيز، وخُلُق مُنِيف، كيف لا ومالك - ﵁ - يقول: \"ليس في زماننا شيءٌ أعزَّ من الإنصاف\" (^١)، فما ظنك بعزته في مثل هذه الأزمنة إن لم يكن بفقدانه!\nوابن السبكي - ﵀ - يتكلم عن خلق الإنصاف من خلال\n_________\n(^١) ذكرته من حفظي، ولا يحضرني الآن أين هو، وقد فتشت عنه فلم أعثر عليه.","vol":"1","page":210},{"text":"القاعدة التي تكلم عنها في حق المؤرخين، الذين يتحملون تبعةً عظمى في نقل الحقائق والوقائع، وسير العلماء والوجهاء والملوك، كما هي من غير محاباة أو تحامل.\nومن إنصاف التاج - ﵀ - ثناؤه على ابن تيمية - ﵀ - مع ما بينهما من تنافرٍ من الآراء، فها هو يذكر قصيدة ابن تيمية في الرد على أحد الزنادقة. ويقول: \"جواب الشيخ تقي الدين الحنبلي\" ثم يذكر القصيدة وهي أربعة وأربعون بيتًا كما هي في الطبقات (^١)، ثم هو ينقل كلام شيخه الذهبي بأنه ما رأى أحفظ من أربعة، وذكر منهم ابن تيمية ﵀ (^٢)، ويَعْزُو إليه في \"معيد النعم، ومبيد النقم\" في معرض كلامه عن سفك دم مَنْ ينتقص النبي ﵌ فيقول: \"ومنها سفك دم من ينتقص جناب سيدنا ومولانا وحبيبنا محمد المصطفى - ﷺ - أو يسبه، فإن ذلك مرتد كافر، ذهب كثير من العلماء إلى أن توبته لا تُقبل، وهو اختيار طوائف من المتأخرين. فإن كان الذي وقع منه هذا ممن يتكرر هذا الحال منه، أو عُرف بسوء العقيدة وصحبة المشهورين بذلك، أو وقع منه ما وقع على وجهٍ فظيع تشهد القرائن فيه بالخبث الباطن، فأرى أنه لا تقبل له توبة، ويُسفك دمه، وهو رأي الشيخ الإمام الوالد تغمده الله تعالى برحمته، والشيخ العلامة تقي الدين ابن تيمية\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الطبقات ١٠/ ٣٥٤ - ٣٥٧.\n(^٢) انظر: الطبقات ١٠/ ٢٢١.\n(^٣) انظر: معيد النعم ص ٢٣ - ٢٤.","vol":"1","page":211},{"text":"ومن إنصافه ترجيحه لغير المذهب الشافعي في مسألة نظر العبد إلى سيدته فيقول: \". . . أكثر أصحابنا أنَّ نظر العبد إلى سيدته حلال، وإن كان سليم الذَّكَر والأُنثيين. هذا ما رجَّحه الرافعي والنووي. وعلى هذا نَظَرُ الطواشي (^١) أولى بالحل، ولكن الصحيح عند الشيخ الإمام وجماعة أنَّ نظر السليم الذكر والأنثيين إلى سيدته حرام، وهو الحق، فكيف يُباح نظر المماليك الحِسان الذين يفتنون بجمالهم - إلى سيداتهم، والنساء ناقصات عقلٍ ودين\" (¬<span data-type=\"title\" id=toc-85>٢).\n\n٢ - الرجوع إلى الحق:</span>\nالرجوع إلى الحق من سمات أهل الإخلاص، ولا ضَيْر على المرء أن يُقر بخطئه، ويُفصح عن زَلَلِه؛ لأنَّ ذلك علامة نُبْله ومروءته.\nونفس اللئيم تأبى الاعتراف، وتُصِرُّ على الاقتراف، وتظن أن ذلك مِن حفظ قدرها، ومراعاة شأنها، وما ظَنَّ الوضيع أن ذلك سبيل بَخْسها، وطريق ذِلَّتها، فالعزُّ في الذل، والذلُّ في العزّ، فَعِزُّها في ذلها للحق وخضوعِها له، وذلها في عزها عن الحق واستكبارها عنه.\nوما زال الفضلاء في كل عصر ومصر يتبجحون بالرجوع إلى الحق، والاعتراف بالخطأ، لأن هذا سبيل الشُّرَفا، أهل الصِّدق والوفا. وهذا الإمام ابن السبكي ﵀ يُفصح عن مروءته ونُبْله بتسطير خطأ وقع فيه\n_________\n(^١) هو الممسوح الذي ذهبت أنثياه وذَكَرُه بالكلية. انظر: معيد النعم ص ٣٩.\n(^٢) انظر: معيد النعم ومبيد النقم ص ٣٩.","vol":"1","page":212},{"text":"في أحد كتبه فيقول:\n\"وأما ما وقع في كتابي \"طبقات الفقهاء\" في ترجمة الإمام من أن الشافعيَّ في \"الأم\" في الجزء الرابع مِن أجزاء تسعة في باب ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع، وهو بعد الطلاق الذي يملك فيه الرَّجْعة، وقبل الحجة في البتة وما أشبهها - نَصَّ على ما ذكره الإمام عنه مِنْ أنَّ العبرة بعموم اللفظ: فذلك خطأ مني في الفهم، وأردت أن أُنَبِّه على ذلك هنا؛ لئلا يُغْتَرَّ به، فإن حَذْفَه مِن ذلك الكتاب تعذَّر؛ لانتشار النُّسَخ به\" (^١) ثم ساق كلام الشافعي - ﵁ - وبَيَّن وجه الخطأ في فهمه الذي ذكره في \"الطبقات\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>٣ - إعراضه عن المناصب:</span>\nربما يظن الظان بأن التاج - ﵀ - كان ممن يسعون إلى المناصب والوجاهات، ولذلك تولَّى ما تولَّى. ومَنْ تأمل وأنصف علم أن الرجل بلَّغه علمُه وتفوقُه، فهو ﵀ ذو مواهب خارقة، وهمة عالية، ومشايخه أدركوا ذلك وهو شابٌّ غَضّ، وبَوَّؤوه منزلةً رفيعة، وهو في ذلك السن، وليس بغائبٍ عنا شهادة المزي له بأنه في الطبقة العليا من تلاميذه وهو غضٌّ طري (^٢)، ونزول شيخه الذهبي له عن مشيخة دار الحديث الظاهرية،\n_________\n(^١) انظر: الإبهاج ٣/ ١٢٢٨.\n(^٢) لأنَّ المزي ﵀، توفي في ثاني عشر من شهر صفر سنة ٧٤٢ هـ، والتاج ﵀، ولد ٧٢٧ هـ، وفي قول ٧٢٨، فسنه حين مات المزي ﵀، بين =","vol":"1","page":213},{"text":"وإذن شيخه شمس الدين ابن النقيب بالفتيا له وهو دون الثامنة عشرة من عمره، فما عساك بشاب يبلغ هذا المبلغ وهو دون العشرين كيف حاله إذا بلغ أو قارب الثلاثين! وكتابه \"الإبهاج\" الذي نحقِّقه هو أول كتاب يؤلفه في أصول الفقه، قد أتى فيه بالعجب العجاب وهو ابن أربع وعشرين سنة، وألفه في وقت السآمة كما قال هو: \"وقد كنا نكتب فيه بأطراف الأنامل، ونجيء إليه وقد سئمنا الطلب\" فمَنْ كان هذا حاله كيف لا تخطبه المناصب الشرعية وتَفدُ إليه، وكيف لا يتولاها والكل يشهد بأهليته وعُلُوِّ كعبيه! ووالله مَنْ قرأَ كتبه وَتَمَعَّن فيها عَلِم أنه سيد زمانه، وإمام أوانه، والفارس المقدَّم، والإمام المبجَّل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>٤ - العفو والصفح:</span>\nما أجمل العفو ولكنه عند المقدرة أجمل، وما أعظم الصفح ولكنه مع الإحسان أكمل: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (^١).\nالعفو من شيم الرجال، والصفح من أخلاق الكرام، وأولى الناس بهما أهل الإيمان، بَلْه أهل العلم والقرآن.\nوابن السبكي - ﵀ - قد ضرب المثل الحيَّ في هذا الخلق النبيل.\n_________\n= الرابعة عشرة والثالثة عشرة، وشهادة المزي ﵀، إن كانت قبل وفاته بسنة، أو قريبًا منها، فعمر التاج آنذاك الثالثة عشرة على الأكثر، فسبحان الواهب.\n(^١) سورة فصِّلت: ٣٤.","vol":"1","page":214},{"text":"يقول الحافظ ابن حجر ﵀: \"وحصل له بسبب القضاء محنة شديدة مرةً بعد مرة، وهو مع ذلك في غاية الثبات، ولما عاد إلى منصبه صفح عن كل مَنْ أساء إليه\" (^١).\nويقول الحافظ ابن كثير ﵀: \"جرى عليه من المحن والشدائد ما لم يَجْرِ على قاضٍ قبله، وحَصَل له من المناصب والرياسة ما لم يحصل لأحدٍ قبله، وانتهت إليه الرياسة بالشام، وأبان في أيام محنته عن شجاعة وقوةٍ على المناظرة حتى أفحم خصومَه مع كثرتهم، ثم لما عاد عفا وصفح عمن قام عليه\" (^٢). وبنحوه قال الحافظ ابن حجي ﵀ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>٥ - الجود والإحسان:</span>\nيقول الحافظ ابن حجي ﵀: \"وكان سيدًا جوادًا كريمًا. .\" (^٤).\nويقول الحافظ ابن كثير: \"وكان كريمًا\" (^٥). وكذا قال ابن حجر ﵀ (^٦) ويقول التاج - ﵀ - في ترجمته للشيخ صلاح الدين الصفدي: \"وكنتُ قد ساعدتُه آخرَ عمره، فَوَلِي كتابة الدَّسْت بدمشق ثم\n_________\n(^١) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٦.\n(^٢) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٨.\n(^٣) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦.\n(^٤) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦.\n(^٥) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٨.\n(^٦) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٨.","vol":"1","page":215},{"text":"ساعدتُه فَوَلِي كتابةَ السِّرِّ بحلب، ثم ساعدته فحضر إلى دمشق على وكالة بيت المال وكتابة الدَّسْت\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>٦ - التواضع:</span>\nرحم الله القائل:\nتواضعْ كما النجمُ استبان لناظرٍ ... على صَفَحات الماءِ وهو رفيعُ\nولا تَكُ كالدخان يرفع نفسَه ... إلى طبقات الجو وهو وضيعُ (^٢)\nيقول ابن السبكي في ترجمة الإمام الذهبي ﵀:\n\"وأنشدنا لنفسه، وأرسلها معي إلى الوالد ﵀، وهي فيما أراه آخِرَ شعرٍ قاله؛ لأنَّ ذلك كان في مرض موته، قبل موته بيومين أو ثلاثة:\nتقي الدين يا قاضِي الممالِكْ ... ومَنْ نحن العبيدُ وأنت مالِكْ\n(ثم ذكر التاج بقية الأبيات، إلى أن قال:\nوذكر بعد هذا أبياتًا على هذا النمَّطَ، تتعلَّق بمدحي، لم أذكرها\" (^٣).\nوفي \"منع الموانع\" يقول بعد أن رَدَّ كلام ابن الحاجب - ﵀ - في تعريف الأداء: \"وقد كان ابن الحاجب - ﵀ - إمامًا مقدَّمًا في الأصول والفقه، والنحو والتصريف، أمسكتْه البلاغةُ زِمامَها، وألقت إليه الفصاحةُ مقاليدَها، وأعطاه الإيجازُ كلَّه، ومِنْ بحر علمه اغترفنا، وبكثير\n_________\n(^١) انظر: الطبقات ١٠/ ٥ - ٦.\n(^٢) انظر: الدرر ٤/ ٣٧٨.\n(^٣) انظر: الطبقات ٩/ ١٠٦.","vol":"1","page":216},{"text":"علمه اعترفنا، فلا يَظُنَّن الظَّانُّ أنَّا أردنا في هذا الكتاب مطاولتَه، فأين الثريَّا مِنْ يد المتطاول\" (^١).\nومَنْ أنصف، ونظر في \"جمع الجوامع\" للتاج، وقارنه بمختصر ابن الحاجب - ﵀ - تبيَّن تفوق التاج في جمعه تفوقًا ظاهرًا، فما ظنُّك بكتاب هو زبدة مائة كتابٍ مِنْ كتابٍ جُل ما فيه مأخوذٌ من \"الإحكام\" للآمدي (^٢)؛ لأن \"المختصر\" هو اختصار كتاب \"منتهى السُّؤْل والأمل في علمي الأصول والجدل\"، وهو لابن الحاجب أيضًا اختصره من \"الإحكام\"، وبالمقارنة بين الأصل والمنتهى يتجلى بوضوح أن ابن الحاجب - ﵀ - لم يزد على ما في \"الإحكام\" إلا قليلًا، بل هو عالةٌ عليه لا شك ولا ريب.\nوليس هذا انتقاصًا لابن الحاجب ﵀، فقدره في العلم معلوم، ولكن القصد بيان تواضع التاج مع تقدمه وتفوقه، هذا ما نقوله أمانةً لا تعصبًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>٧ - مهابته وحبُّ الناس له:</span>\nقال الحافظ ابن حجي ﵀: \"وكان سيدًا، جوادًا، كريمًا، مهيبًا،\n_________\n(^١) انظر: منع الموانع ص ١٢٦.\n(^٢) هو علي بن أبي محمد بن سالم الثعلبي، أبو الحسن سيف الدين الآمديُّ، الأصوليُّ المتكلِّم، الحنبليّ الشافعيّ. ولد بعد سنة ٥٥٠ بيسير. من مصنفاته: \"أبكار الأفكار\" في أصول الدين، و\"الإحكام\" في أصول الفقه. توفي - ﵀ - بدمشق سنة ٦٣١ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٣٠٦، سير ٢٢/ ٣٦٤، شذرات ٥/ ١٤٤.","vol":"1","page":217},{"text":"تخضع له أرباب المناصب من القضاة وغيرهم\" (^١).\nوكذا قال ابن كثير وابن حجر رحمهما الله (^٢).\nويقول ابن كثير - ﵀ - في وفاة الخطيب جمال الدين ابن جملة: \"وقد حضر جنازته بالصالحية على ما ذُكر جَمٌّ غفير، وخلقٌ كثير، ونال قاضيَ القضاة الشافعيَّ مِن بعض الجهلة إساءةُ أدب، فأخذ منهم جماعة وأُدِّبوا، وحضر هو بنفسه صلاة الظهر يومئذ، وكذا باشر الظهر والعصر في بقية الأيام، يأتي للجامع في مَحْفَلٍ من الفقهاء والأعيان وغيرهم، ذهابًا وإيابًا. . .\" (^٣).\nولا شك أنَّ تأديب الجهلة مِنْ حفظ الحرمة والمهابة، والاستخفاف بمقام العالم مصيبة تربو على المصائب؛ لأنها مصيبة الدين، وضياع الملة، وخُلُق الفَسَقة والمرتدين، ونحن في أيام غربة وبلاء، وضيق وضرَّاء، ضُيِّعت فيه المكارم، ووئدت الأخلاق، فأسعد الناس أجهلهم، وأكرمهم أسفلهم، وعِلْم العالم تحت الأقدام، ومال الجاهل على الرؤوس والأعيان، فلا حول ولا قوة إلا بالله الملك الديَّان.\nوالمهابة لا تعني الكبر والتعالي على الناس، بل هي وقارٌ وجلال بلا تَكَلُّف، وحِلْم ولين بلا تَضَعُّف، وقوةٌ وحزمٌ في الأمور مع التروي\n_________\n(^١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦.\n(^٢) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٦، ٤٢٨.\n(^٣) البداية والنهاية ١٤/ ٣١٧.","vol":"1","page":218},{"text":"والتلطف.\nولذا كان المهيبُ محلَّ إجلال الناس، والمتكبِّر محل انتقاصهم وازدرائهم، وقليلٌ مِنَ الناس مَنْ يكون مَهِيبًا لا متكبرا، فالمهابة من أوصاف كُمَّل الرجال، وأفذاذ العقلاء، والسَّادة النجباء، لا أهل التصنع والرياء.\nوسيد الأولين والآخرين ﵌ هو سيد المُهيبين، وهو مَنْ إذا رآه الرائي بديهة هابه، وإذا خالطه معرفةً أحبَّه.\nوالتاج - ﵀ - كان مهيبًا محبوبًا، يقول الحافظ ابن كثير - ﵀ - في أحداث سنة ثلاثٍ وستين وسبعمائة:\n\"ورد البريد بطلبه من آخر نهار الأحد بعد العصر، الحادي عشر من شعبان سنة ثلاث وستين وسبعمائة، فأرسل إليه حاجِب الحجَّاب قماري وهو نائب الغيبة: أن يُسافر مِن يومه. فاستنظرهم إلى الغد فأمهل. وقد ورد الخبر بولاية أخيه الشيخ بهاء الدين بن السبكي بقضاء الشام عِوَضًا عن أخيه تاج الدين. . . وجاء الناس إليه ليودِّعوه ويستوحشون له، وركب مِن بستانه بعد العصر يوم الاثنين ثاني عشر شعبان، متوجِّهًا على البريد إلى الديار المصرية، وبين يديه القضاة والأعيان، حتى قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء السبكي، حتى ردَّهم قريبًا من الجسورة، ومنهم مَنْ جاوزها، والله المسؤول في حُسن الخاتمة في الدنيا والآخرة\" (^١).\n_________\n(^١) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٣٠٩ - ٣١٠.","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-91>٨ - أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:</span>\nإن الصدع بالحق، ومقارعة الباطل من أهم واجبات العلماء إن لم يكن أهمها، والناس تبعٌ لعلمائهم، فإذا تبع العلماءُ الأمراءَ ضلَّت العامَّة، وزاغ الناس عن الجادَّة، وهلَكت الأمة.\nوالعالم إن لم يَقْو على قول كلمة الحق فليسكت عن الباطل، فسكوته عن الباطل خير، أما أنْ ينطق بالباطل ليُرضيَ ذوي النفوذ والأمر فتلك الداهية الدهياء، والمصيبة الصماء، وتلك الخيانة وإضاعة الأمانة.\nومع ذلك فربَّ كلمة حقٍّ قيلت في غير وقتها، أو غير محلها، جَلَبت شرًا كثيرًا، فالعالم الورع في دينه مَنْ يُراعي ذلك، ولا يُبالي بذم أحدٍ أو مدحه؛ لأن كلمة الحق إنما يُراد بها تحقيق مصلحة ودفع مفسدة، فإذا كان المتحقِّق هو العكس لم تكن من الحق، ولم يكن قائلها ناصحًا حكيمًا. فكلمة الحق كما تحتاج إلى إيمان وشجاعة، تحتاج إلى علم وحكمة يُقَدَّر بهما المصالح والمفاسد الحقيقية، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (^١)، فرحم الله مَنْ قال ونفع، لا مَن في الضَّرَر أوقع.\nوالحاصل أن أمانة الصدع بالحق حِمْلٌ ثقيل نِيط بالعلماء، والله سائلهم عنه، فضعيفهم ينكر بقلبه، وقويُّهم بلسانه، أما أن يسكت الجميع تخاذلًا وإيثارًا للدنيا على الآخرة، فضلًا عن المداهنة والمصانعة فنعوذ بالله\n_________\n(^١) سورة الأنعام: ١٠٨.","vol":"1","page":220},{"text":"من الهلاك، ونعوذ بالله من شر كلِّ أفَّاك: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٩ - مشاركته في الجهاد:</span>\nيقول ابن كثير ﵀: \"وفي صبيحة يوم الجمعة ثالث صفر (^٢) نُودي في البلد أن لا يتخلف أحد مِنْ أجناد الحلقة عن السفر إلى بيروت، فاجتمع الناس لذلك، فبادر الناس والجيش ملبسين إلى سطح المزة، وخرج ملك الأمراء أمير علي - كان نائب الشام - مِنْ داره داخل باب الجابية في جماعته ملبسين في هيئة حسنة، وتجملٍ هائل، وولده الأمير ناصر الدين محمد، وطلبه معه، وقد جاء نائبُ الغيبة والحَجَبةُ إلى بين يديه إلى وطاقه، وشاوروه في الأمر، فقال: ليس لي ها هنا أمر، ولكن إذا حضر الحرب والقتال فلي هناك أمر. وخرج خلق من الناس متبرعين، وخطب قاضي القضاة تاج الدين الشافعي بالناس يوم الجمعة على العادة، وحَرَّض الناس على الجهاد، وقد ألبس جماعةً مِنْ غلمانه اللأمة والخُوذ، وهو على عزم المسير مع الناس إلى بيروت، ولله الحمد والمنة.\nولما كان من آخر النهار رجع الناس إلى منازلهم وقد ورد الخبر بأن المراكب التى رؤيت في البحر إنما هي مراكب تجار، لا مراكب قتال، فطابت قلوب الناس، ولكن ظهر منهم استعداد عظيم، ولله الحمد\" (^٣).\n_________\n(^١) سورة هود: ١١٣.\n(^٢) سنة ٧٦٧ هـ.\n(^٣) انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٣٣٧.","vol":"1","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>المبحث العاشر: محنته</span>\nصدق القائل:\nمُحَسَّدُونَ وشَرُّ الناسِ منزلةً ... مَنْ عاشَ في الناس يومًا غيرَ مَحْسُودِ (^١)\nوالقائل:\nإنْ يَحْسِدوني فإنِّي غيرُ لائِمهمْ ... قَبْلي مِن الناس أهلِ الفضلِ قد حُسِدوا\nفدامَ لِي ولَهُمْ ما بِي وَمَا بِهِمُ ... وماتَ أكثرُنا غيظًا بما يَجِدُ (^٢)\nوصدق المولى حيث يقول: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (^٣) وقلَّ أن تجد ذا نعمةٍ لا يُحسد، فعلى العاقل الصبر والدفع بالتي هي أحسن وأرشد، فهذه دار الأكدار، لا دار الصفاء والقرار:\nطُبِعَتْ على كَدَرٍ وأنتَ تُريدُها ... صَفْوًا من الأَقْذار والأكدارِ\nلقد حُسِد الإمام ابن السبكي - رحمهما الله - كما حُسِد غيره، وحِيكت له المؤامرات لتنحيته عن منصبه، وليتولاها حاسدوه، وليطفئوا\n_________\n(^١) انظر: تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٧.\n(^٢) انظر: أدب الدنيا والدين ص ٢٦٢، تاريخ بغداد ١٣/ ٣٦٧.\n(^٣) سورة الأنعام: ١٢٤.","vol":"1","page":222},{"text":"جمرةَ غيظهم أمام شمسه وقمره التي أضات لهما الشام وما حولها. وليس عندنا تفاصيل تلك المحن الثلاث التي مرت بالتاج - ﵀ - ولكن عندنا بعض نُقول تدل على مُجْمل المؤامرة، وأنها في الحقيقة حسدُ النفوس، وحُبُّ الدنيا والظهور.\nوقد تكلم الدكتور سعيد الحميري عن محنة التاج كلامًا جيدًا أكتفي بالإحالة عليه (^١)، وأكتفي أيضًا ببعض النقول التى تدل على براءة التاج ونزاهته ﵀:\nيقول الحافظ ابن حجي: \"وحصلت له محنة بسبب القضاء، وأوذي فصبر، وسُجن فثبت. وعقدت له مجالس فأبان عن شجاعة، وأفحم خصومه مع تواطئهم عليه، ثم عاد إلى مرتبته وعفا وصفح عمن قام عليه\" (^٢).\nقال الحافظ ابن حجر ﵀: \"وحصل له بسبب القضاء محنةٌ شديدة، مرةً بعد مرة، وهو مع ذلك في غاية الثبات، ولما عاد إلى منصبه صفح عن كل مَنْ أساء إليه\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مقدمته لتحقيق منع الموانع ص ١٥٩.\n(^٢) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦.\n(^٣) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٦.","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-94>المبحث الحادي عشر: مصنفاته</span>\nقال الحافظ ابن حجي ﵀: \"صَنَّف تصانيف عدة في فنون على صِغَر سنه، وكثرة أشغاله، قُرئت عليه، وانتشرت في حياته وبعد موته\" (^١).\nوعبارة ابن حجي كما هي في \"الدرر\": \"وقد صَنَّف تصانيف كثيرةً جدًا على صِغَر سنه، قُرئت عليه، وانتشرت في حياته وبعد موته\" (^٢).\nويقول ابن حجر ﵀: \"وانتشرت تصانيفه في حياته، ورُزق فيها السَّعد\" (^٣).\nولم يكن - ﵀ - ممن يسلك مسلك الجمع المجرد في التأليف أو الاختصار لكتابٍ سبقه، فيكون عمله مسبوقًا لا جديدًا، بل كان يسلك مسلك الاختراع والابتكار في كل مؤلفاته، ومَنْ قرأ مؤلفاته أدرك ذلك، وهذا لون من التأليف لا يطيقه إلا الجهابذة حقًا، والراسخون صدقًا؛ لأنه يُنبئ عن إحاطة واستقراء، وفهم واستيعاب، ثم استنباط واستنتاج، هذا مع ما تمتع به - ﵀ - من أسلوب مُشْرقٍ أخَّاذ، له حلاوة وطلاوة، كسا\n_________\n(^١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦.\n(^٢) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٧.\n(^٣) انظر: الدرر ٢/ ٤٢٦.","vol":"1","page":224},{"text":"به كتبه جمالًا على جمال، فجمال الاختراع والابتكار، مع جمال الصياغة واللفظ المدرار.\nهذا مع تمكنه ورسوخه في فنون النقل والعقل، والأثر والنظر، فكانت كتبه بحق تجديدًا، وصاحبها مجدِّدًا، ولولا صِغَر سنه، وقلة أيامه - لكان مجدِّد عصره، وهو بلا شك أحد المجددين؛ إذِ اجتمع له العلم والعمل والمنصب والخطابة، مع النزاهة والقوة في الحق والصَّلابة.\nيقول ﵀ في كتابه \"الإبهاج\" وهو أول كتاب أصولي ألَّفه: \"وأنا مِنْ عادتي في هذا الشرح الإطنابُ فيما لا يُوجد في غيره، ولا يُتَلقَّى إلا منه، من بحثٍ مخترع، أو نقل غريب، والاختصار في المشهور في الكتب؛ إذ لا فائدة في التطويل فيما سَبَقنا مَنْ هم سادتُنا وكبراؤنا إلى جمعه، وهل ذلك إلا مجرد جمعٍ من كتب متفرقة، لا يصدق اسمُ المصنِّف على فاعله! \" (^١).\nويقول في \"الطبقات الكبرى\": \"وأنا دائمًا أستهجن ممَّن يدَّعِي التحقيق من العلماء إعادةَ ما ذكره الماضون، إذا لم يَضُمَّ إلى الإعادة تنكيتًا عليهم، أو زيادةَ قيدٍ أهملوه، أو تحقيقٍ تركوه، أو نحو ذلك مما هو مَرامُ المحقِّقين. . . إنما الحبر مَنْ يُملي عليه قلبُه ودماغُه، ويُبرز (^٢) التحقيقات التي تشهد الفطر السليمة بأنها في أقصى غايات النظر، مشحونةً باستحضار\n_________\n(^١) الإبهاج ص: ١٣٦١.\n(^٢) في الأصل المطبوع من الطبقات: \"وتُبرز\". والظاهر أنه خطأ؛ لأنه لا يناسب العطف على قوله: \"مَنْ يُملي عليه. . .\"، والمناسب هو \"ويُبرز\"، فهو يُملي ويُبرز.","vol":"1","page":225},{"text":"مقالات العلماء، مشارًا فيها إلى ما يستند الكلام إليه مِن أدلة المنقول والمعقول، يرمز إلى ذلك رمز الفارغ منه الذي هو عنده مقررٌ واضح، لا تفيده إعادتُه إلا السآمة والمَلامة، ولا يُعيده إعادةَ الحاشدِ الجمَّاعة، الولَّاجِ الخرَّاج، المُحِبِ أن يُحْمدَ بما لم يَفْعل\" (^١).\nوهذه أسماء الكتب التي وقفت عليها من مؤلفاته ﵀:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>أولًا: في أصول الدين:</span>\n١ - \" السيف المشهور في شرح عقيدة أبي منصور\" الماتريدي رحمه الله تعالى. ذكره المصنف في كتابه \"منع الموانع\"، في مسألة الاسم هل هو المسمَّى أو غيره؟ (^٢)، وكذا ذكره في الطبقات الكبرى (^٣)، وذكره حاجي خليفة (^٤).\n٢ - قصيدة نونية في العقائد، ذكر جُلَّها في \"الطبقات الكبرى\" (^٥).\n٣ - \"الدلالة عن عموم الرسالة\"، جوابًا عن أسئلة أهل طرابلس، ذكره بروكلمان (^٦).\n_________\n(^١) انظر: الطبقات الكبرى ١/ ٩٩ - ١٠٠.\n(^٢) انظر: مقدمة محقِّق منع الموانع ص ١٧٥.\n(^٣) انظر: الطبقات ٣/ ٣٨٤.\n(^٤) انظر: كشف الظنون ٢/ ١١٥٧، هدية العارفين لإسماعيل باشا ٥/ ٦٣٩.\n(^٥) انظر: الطبقات ٣/ ٣٧٩ - ٣٨٩.\n(^٦) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٨.","vol":"1","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>ثانيًا: في أصول الفقه:</span>\n١ - \" الإبهاج شرح المنهاج\". وهو كتابنا هذا الذي نحقِّقه.\n٢ - \"رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب\" (^١). حُقِّق في الأزهر.\n٣ - التعليقة في أصول الفقه. مخطوط، وقد ذكره في باب الإجماع من \"رفع الحاجب\" وأشاد به (^٢).\n٤ - \"جمع الجوامع\". مطبوع.\n٥ - \"منع الموانع\". وهو شرح لكتابه \"جمع الجوامع\"، أجاب فيه عن أسئلة وردت عليه بخصوص كتابه \"جمع الجوامع\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>ثالثًا: في الفقه:</span>\n١ - \" الأشباه والنظائر\". حُقِّق في جامعة الأزهر (^٤).\n٢ - \"التوشيح على التشبيه والمنهاج والتصحيح\" (^٥). يحقق الآن في جامعة الإمام محمد بن مسعود.\n_________\n(^١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦، الدرر ٢/ ٤٢٦.\n(^٢) انظر: مقدمة محقِّق منع الموانع ص ١٧٣.\n(^٣) انظر: مقدمة محقق منع الموانع ص ٩٢. وقد ذكر إسماعيل باشا في هدية العارفين (٥/ ٦٣٩) كتاب \"تشحيذ الأذهان على قدر الإمكان\" في الرد على البيضاوي. ولا أدري أهو في أصول الفقه أم غيره، ولذلك وضعته في الهامش.\n(^٤) مقدمة محقِّق منع الموانع ص ١٧٥.\n(^٥) ذكره المصنف في الطبقات الكبرى ١٠/ ٢٥٨، وكذا ذكره ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦، وابن حجر في الدرر ٢/ ٤٢٦.","vol":"1","page":227},{"text":"٣ - \"ترشيح التوشيح\". ذكر فيه اختيارات والده (^١).\n٤ - منظومة في الفقه، أورد منها السيوطي تسعة أبيات قي كتابه \"الرد على من أخلد إلى الأرض\" ص ٢٢ (^٢).\n٥ - فتاوي. ذكره بروكلمان (^٣).\n٦ - \"أوضح المسالك في المناسك\". ذكره بروكلمان (^٤).\n٧ - تبيين الأحكام في تحليل الحائض. ذكره بروكلمان (^٥).\n٨ - أرجوزة في خصائص النبي - ﷺ - ومعجزاته، ذكر منها التاج بيتين في \"الطبقات\" (^٦).\n٩ - \"جلب حلب\". وهو جواب أسئلة سأله عنها الأذرعي (^٧).\n_________\n(^١) ذكره المصنف في الطبقات ٨/ ١١٦، وكذا ذكره ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦، وابن حجر في الدرر ٢/ ٤٢٦.\n(^٢) انظر: مقدمة محقِّق منع الموانع ص ١٧٤، مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٦.\n(^٣) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٩.\n(^٤) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٧.\n(^٥) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٧.\n(^٦) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٢٠٥، وانظر: مقدِّمة منع الموانع ص ١٧٤، ومقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٦.\n(^٧) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦.","vol":"1","page":228},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>رابعًا: في الحديث:</span>\n١ - أحاديث رفع اليدين في الدعاء. ذكره بروكلمان (^١).\n٢ - جزء في الطاعون. ذكره حاجي خليفة (^٢).\n٣ - جزء على حديث \"المتبايعَيْن بالخيار\". ذكره التاج في \"الطبقات\" (^٣).\n٤ - كتاب الأربعين. وهي أربعون حديثًا خَرَّجها في زمن شبابه (^٤).\n٥ - ما ورد في إحياء علوم الدين من الأحاديث وليس لها إسناد (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>خامسًا: في التاريخ والتراجم:</span>\n١ - \" الطبقات الصغرى\". وهي مخطوطة.\n٢ - \"الطبقات الوسطى\". وهي مخطوطة.\n٣ - \"الطبقات الكبرى\". وهي مطبوعة ومحقَّقة في عشرة أجزاء.\nقال ابن قاضي شهبة: \"وفيها غرائب وعجائب\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٧.\n(^٢) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٨.\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٧١، ١٠/ ١٩١.\n(^٤) انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٧١.\n(^٥) قال التاج ﵀ في الطبقات ٦/ ٢٨٧: \"وهذا فصلٌ جمعتُ فيه جميع ما وقع في كتاب الإحياء من الأحاديث التي لم أجد لها إسنادًا\". وهو فصل طويل بدأ من ٦/ ٢٨٧ - ٣٨٩.\n(^٦) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦.","vol":"1","page":229},{"text":"٤ - مناقب الشيخ أبي بكر بن قوام. ذكره بروكلمان (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>سادسًا: في الأخلاق والإصلاح:</span>\n١ - \" معيد النعم ومبيد النقم\". وهو بحقٍّ كتابٌ فرد في بابه، عظيمٌ نفعه لكل مجتمع، وفيه تظهر شخصية التاج - ﵀ - الغيور على دينه، الصادق في نصيحته، الصادع بالحق لا يُرهبه سلطان، ولا يُخيفه ظلم أو عدوان.\n٢ - \"رفع الحَوْبة بوضع التوبة\". ذكره التاج في \"الطبقات\" (^٢)، وذكره بروكلمان (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>سابعًا: في الألغاز:</span>\n١ - قصيدته في المعاياة، ذكر منها في \"الطبقات\" ثلاثة وعشرين بيتًا (^٤)\n_________\n(^١) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٩.\n(^٢) انظر: الطبقات ٢/ ٣٢٧.\n(^٣) انظر: مقدمة تحقيق الطبقات الكبرى ١/ ١٨.\n(^٤) انظر: الطبقات ٩/ ١٣٣ - ١٣٨.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>المبحث الثاني عشر: وفاته</span>\nتوفي ﵀ شهيدًا بالطاعون في سابع ذي الحِجة سنة ٧٧١ هـ، خطب يوم الجمعة الثالث من ذي الحجة، فطُعِن ليلة السبت رابِعَه، ومات ليلة الثلاثاء، ودُفن بتربتهم بالسفح عن أربع وأربعين سنة (^١) ﵀ رحمةً واسعة، وأنزل على قبره شآبيب رحمته، وحشرنا معه في زمرة سيد أنبيائه، صلى الله وسَلَّم عليه وعلى آله.\nولئن غاب عنا التاج بمحياه، فلم يغب عنا علمه وفتاواه (^٢)، فهما باقيان خالدان، وتلك هي الحياة، وذلك هو البقاء، وصدق عليٌّ - ﵁ - حيث يقول:\nما الفخرُ إلا لأهل العلمِ إنَّهُمُ ... على الهدى لمن استهدى أدلاءُ\nوقَدْرُ كلِّ امرئ ما كان يُحسنه ... والجاهلون لأهل العلم أعداءُ\nفَفُزْ بعلمٍ تَعِشْ حيًا به أبدًا ... الناس موتى وأهل العلم أحياءُ\nوخلَّف ﵀ ذريةً من بعده منهم ابنه تقي الدين علي بن تاج\n_________\n(^١) انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦، الدرر ٢/ ٤٢٨.\n(^٢) في تاج العروس ٢٠/ ٣٨، مادة (فتى): \"والفُتْيا والفُتْوى بضمهما، وتفتح الأخيرة: ما أفتى به الفقيه في مسألة. . . . والجمع الفتاوِي، بكسر الواو على الأصل، وقيل: يجوز الفتح للتخفيف\" مع تصرف يسير.","vol":"1","page":231},{"text":"الدين عبد الوهاب السبكي، وصالحة بنت عبد الوهاب، ﵏ جميعًا.\nيقول ابن العماد الحنبلي - ﵀ - في سنة ٧٧٢ هـ:\n\"وفي مُحَرَّمها دَرَّس بدمشق بالمدرسة الأمينية تقي الدين علي بن تاج الدين عبد الوهاب السبكي، وهو ابن سبع سنين، وهذا من العجائب\" (^١).\nوفي وَفَيات سنة ٧٧٦ هـ، يقول ابن العماد ﵀:\n\"وفيها علي بن عبد الوهاب بن علي السبكي، وَلِيَ خطابة الجامع الأُموي بعد أبيه وله عشر سنين، ودَرَّس فى حياة أبيه بالأمينية وعمره سبع سنين، ومات كما تقدم مع ولدَيْ عَمِّه في يومٍ واحد\" (^٢).\nويُفهم من النَّصَّيْن أنَّ تقي الدين كان عمره يوم وفاة والده سبع سنين، ودَرَّس في حياة والده، وبعده، إلى أن بلغ العشر سنين، ثم تولى خطابة الجامع الأموي، وتكون فترة خطابته نحو السنتين.\nوولدا عمه المُتَوفَّيَان مَعَه هما جمال الدين عبد الله بن أحمد بن علي السبكي، وأخوه عبد العزيز، مات الثلاثة كلُّهم في يوم واحد خامس عشر ذي القَعْدة بالطاعون، وعمتهم سُتَيْتَة قبلهم بقليل (^٣).\nوأما ابنته صالحة رحمهما الله، فيقول عنها السخاوي ﵀: \"صالحة ابنة التاج عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي. أجاز لها\n_________\n(^١) انظر: شذرات ٦/ ٢٢٣.\n(^٢) انظر: شذرات ٦/ ٢٤٢.\n(^٣) انظر: شذرات ٦/ ٢٤٢.","vol":"1","page":232},{"text":"العِز بن جماعة في الاستدعاء المعيَّن، وكذا أجاز لها ابن أُمَيْلة، ولقيها الزين رضوان فاستجازها، وقال: أظن أنني قرأتُ عليها شيئًا. ماتت وبَيَّض لوفاتها\" (^١).\n_________\n(^١) انظر: الضوء اللامع ١٢/ ٧٠.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>الجانب الثاني\nمنهج دراسة الكتاب</span>","vol":"1","page":235},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>المبحث الأول: توثيق نسبة الكتاب</span>\nأجمعت المصادر كلها على صحة نسبة كتاب \"الإبهاج في شرح المنهاج\" للتقي السبكي وابنه التاج رحمهما الله.\nفبالنسبة للجزء الذي شرحه التقي - رحمه الله تعالى - نص عليه ابنه التاج في ترجمة أبيه فقال في الطبقات الكبرى (١٠/ ٣٠٧) في ذكر مصنفاته: \"الإبهاج في شرح المنهاج، في أصول الفقه، عمل منه قطعةً يسيرة، فانتهى إلى مسألة مقدِّمة الواجب، ثم أعرض عنه، فأكملته أنا\".\nوكذا ذكر الذين ترجموا للتقي - ﵀ - هذا الكتاب ضمن مصنفاته. انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦، الفتح المبين ٢/ ١٦٩.\nوبالنسبة لتتمة التاج - ﵀ - نص التاج نفسه على ذلك في \"الطبقات الكبرى\" كما سبق ذكره، وقال في موطن آخر من الطبقات ٢/ ١٦٨ عن نص نقله من مختصر البويطي ﵀: وهذا نص وقفت عليه في حياة الوالد ﵀، وكتبته إذ ذاك في \"شرح منهاج البيضاوي\"، ثم كتبته في \"شرح مختصر ابن الحاجب، ولم أزل أغتبط به\". وهذا النص يدل على أنه بدأ شرح والده في حياته.\nوقال عن حديث: \"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" في الطبقات الكبرى ٢/ ٢٥٣: \"هذا الحديث كثر ذكره على ألسنة","vol":"1","page":237},{"text":"الفقهاء والأصوليين، وتكلمتُ عليه قديمًا فيما كتبته على أحاديث منهاج البيضاوي\".\nوقد نص التاج على كتابه أيضًا في \"جمع الجوامع\" فقال في مقدمته: \"بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك اللهم على نعمٍ يُؤذِن الحمدُ بازديادها، ونصلي على نبيك محمد هادي الأمة لرشادها، وعلى آله وصحبه ما قامت الطروس والسطور لعيون الألفاظ مقام بياضها وسوادها. ونضرع إليك في منع الموانع عن إكمال جمع الجوامع الآتي من فن الأصول بالقواعد القواطع البالغ من الإحاطة بالأصلين مبلغ ذوي الجد والتشمير، الوارد من زهاء مائة مصنَّف منهلًا يروي ويَمير، المحيط بزبدة ما في شرحي المختصر والمنهاج مع مزيد كثير\". انظر: شرح المحلي ١/ ٧ - ٢٦.\nكما نصت المصادر الأخرى على نسبة الكتاب إلى التاج ﵀. انظر الدرر الكامنة ٢/ ٤٢٦، طبقات ابن قاضي شهبة ٣/ ١٠٦، حسن المحاضرة ١/ ٣٢٨، كشف الظنون ٢/ ١٨٧٩، هدية العارفين ٥/ ٦٣٩.\nهذا مع اتفاق جميع النسخ المخطوطة على اسم الكتاب والنسبة إلى مؤلفَيْه.","vol":"1","page":238},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-105>المبحث الثاني: الملاحظات العامة على كتاب (الإبهاج في شرح المنهاج)</span>\nالمتأمل لمؤلف التقي السبكي - ﵀ - يلاحظ أنه يملي من حفظه، ويكتب من فكره؛ لأنه لا يعتنى بالنقل عن غيره كثيرًا، بل يتميز مُؤَلَّفُه بأسلوب مستقل، واعتناء كبير بتحقيق المسائل والتنبيه على دقائق الشرح، والاستدراك على شُراح المنهاج، وتبيين ما أخطأ فيه بعضهم. إلا أن أسلوبه - ﵀ - يتميز بالصعوبة والغموض في بعض الأحيان، وذلك إذا أغرق في بحث المعقولات؛ إذ هو - ﵀ - بحر البحار كما وصفه ابنه التاج البحر الزخار.\nانظر على سبيل المثال بحثه في الفرق بين التصور والتصديق في: ص ٧٣ - ٧٨.\nوانظر التنبيهات الخمسة في تعريف الفقه: ص ٨٢ - ٨٩.\nأما قوته - ﵀ - في البحث والتحقيق فينبيك عنها بحثه في كل المسائل، واستدراكه على كثيرين، ودونك مسألة الأداء والإعادة والقضاء، وهي المسألة الخامسة من الباب الأول: ص ١٩٩ - ٢١٤.","vol":"1","page":239},{"text":"وانظر على سبيل المثال أيضًا ردَّه على شمس الدين الأصفهاني في قوله بأن قيد \"الشرعية\" في تعريف الفقه احتراز من قول المعتزلة: ص ٨٩ - ٩٣، وردَّه عليه في قوله بأن البعثة حادثة.\nورده على شيخه الباجي - ﵀ - في قوله بأن قيد \"العملية\" في تعريف الفقه احتراز عن أصول الدين. انظر: ص ٩٤ - ٩٧.\nوانظر ردَّه على الأصوليين ومنهم شيخه الباجي في تعريف الواجب: ص ١٤٣.\nواستدراكه على أكثر الناس - ولعله يقصد بهم شُراح المنهاج - في تقرير أن الفقه قطعي والظن في طريقه انظر: ص ١٠٤ - ١٠٨.\nوانظر سعة اطلاعه في دفع قول نسب لبعض الشافعية في أنهم يقولون بأن الصلاة تجب في أول الوقت، مع أنه لا يعرف في شيء من كتب المذهب أن أحدًا قاله من الشافعية، ولا يعرف ما سبب هذه النسبة إليه، حتى قال السبكي: سألت ابن الرفعة وهو أوحد الشافعية في زمانه فقال: تتبعت هذا في كتب المذاهب فلم أجده، ثم بيَّن التقي - ﵀ - سبب هذه النسبة من كتاب \"الأم\" للشافعي - ﵁ - وهو أن الشافعي نقل ذلك عن غيره، قال التقي: \"فقد ثبت هذا المذهب بنقل الشافعي عن غيره، فلعل بعض الناس نقل ذلك عن نقل الشافعي، فالتبس ذلك على من بعده، وظن أنه من مذهب الشافعي\". انظر: ص ٢٦٥ - ٢٦٧.\nكما أن السبكي - ﵀ - قد يطيل حينما لا يكون قد سُبق على","vol":"1","page":240},{"text":"تحقيق المسألة، وذلك كمسألة الكلام عن أقسام التصورات الأربعة: تصور الموضوع، وتصور المحمول، وتصور النسبة بينهما، وتصور وقوع النسبة وهو التصديق. ثم بيّن الفرق بين التصور الثالث والرابع، ثم بين نسبة التصور والتصديق على العلم والحكم وفصَّل في ذلك، ثم قال: وقد أطلنا في هذا لأنا لم نجد من حقّقه هكذا. انظر: ص ٧٣ - ٧٨.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المبحث الثالث: في المنهج الذي اتبعه التاج في شرح الكتاب</span>\nحرص الإمام تاج الدين السبكي أن يكون الشرح آخذا بعناق المتن دون أي خلل، لا يشعر القارئ بوجود أي فجوة بينهما، فكان يحذو في شرحه حذو المصنف البيضاوي في متنه ترتيبًا وتبويبًا وموضوعات، وإن رأى خلاف ذلك ينوه عليه.\nومن الضروري جدًا أن ننبه هنا إلى أمر في غاية الأهمية، وهو أنّ شرح الشيخ تاج الدين السبكي لمنهج البيضاوي إنما هو تتمة لما بدأ به والده، وقد بدأ من قول المصنِّف: \"الرابعة: وجوب الشيء مطلقًا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورًا\".\nوهذا يعني أن الإمام تاج الدين السبكي شرح معظم الكتاب.\nوالآن نبدأ في تتبع منهجه ابتداء من المقدمة إلى خاتمة الشرح، مرورًا بجميع الأبواب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>أولًا: مقدمة الشرح:</span>\nبدأ الشارح - ﵀ - بالبسملة والثناء على الله تعالى والصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ -، بدأ المقدمة ببراعة استهلال، بلفظ مسجوع، غاية في الحبكة الأدبية، وانتقاء الألفاظ، ضمنها ما تضمنه","vol":"1","page":242},{"text":"كتاب المنهاج للبيضاوي من أبواب أصول الفقه، بدأ بالأصول المتفق عليها (الكتاب والسنة والإجماع والقياس)، ثم النسخ ثم طوق الاستنباط من عام وخاص وأمر ونهي وظاهر ومؤول ثم الأدلة المختلف فيها كالاستصحاب وشرع من قبلنا إلى نهاية الاجتهاد والتراجيح. ولم ينس أن يعرج عن الأحكام الشرعية التكليفية منها (كالواجب والمندوب، والحرام والمكروه والمباح)، والوضعية كالشرط والمانع، وانتهى بالكلام عن واضع هذا العلم: الشافعي وكل من سار وراءه من الأصوليين. ولتوضيح ذلك نسرد مقدمته واضعين خطًا على كل كلمة تومئ إلى ذلك.\nقال التاج ﵀: \"الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي جعل لنا من هذا الدّين القيم شرعة ومنهاجا، وأطلع لنا في سماء العلم الشريف من الكتاب والسنة سراجًا وهاجًا، وقدر للفقيه أن يكون على الإجماع محتالًا، وإلى القياس محتاجًا، نحمده على نعمه التى خصَّنا بعمومه، ورجحنا على من سواه بأدلة مفهومها، واستوعب لنا ما وجد منها عند سبرها وتقسيمها، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ظاهرة غير مؤولة دائمة، نستصحب منها أحكامًا غير مبدلة نامية الثواب يوم الميعاد، فلا يحتاج إلى بيان أحكامها المجملة، ونشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي نسخ شرع من قبله بشرعه المؤيد، وأمر ونهى فأوجب وندب وحرم وأباح، وأطلق وقيد، واجتهد في إبلاغ ما أمر به، فذب العقل عن فعل ما قرره، وشيّد ﷺ وعلى آله وأصحابه الذين فهموا خطاب وضعه، وقاموا بشرائط دينه، وعلموا أدلة","vol":"1","page":243},{"text":"شرعه، واتبعوه فما منهم إلا قال بموجب أصله وفرعه، صلاة، تصل أخبارها إليهم بكرة وعشيًا، وتفد أجناسها المتنوعة بفصولها المتميزة عليهم فتسلك صراطًا سويًا، وتخَلِّصُ قائلها من الأهوال يوم يموت ويوم يبعث حيًّا، دائمة ما افتقر فرع إلى الرجوع إلى أصله، واحتاج المجادل إلى تجويد نصه، كما يحتاج المجالد إلى تجريد نصله، باقية لا ينعكس طردها، ولا يشتبه محكمها بترهات الملحد، وزخرف قوله، ورضي الله عن التابعين لهم يإحسان المقتفين آثارهم الحسان، وخصّ بمزيد الرضوان العلماء الحامين حمى الشريعة أن يضام أو يضاع، الوارثين بالدرجة الرفيعة هدى النبوة الذي لا يرام ولا يراع، الوافدين على حياطته بالهمة الشريفة، لا سيما الإمام المطلبي مستخرج علم أصول الفقه محمد بن إدريس الشافعي الذي ساد المجتهدين. مما أصّل وأنشا، وسار نبأ مجده والبرق وراءه يتحرق عجله وهو إمامه على مهل يتمشى، وساق إلى سواء السبيل بعلومه التي غشاها من تقوى الله ما غشى، وقدَّس أرواح أصحابه، الذين زيّنوا أسماء العلوم من أنفسهم بزينة الكواكب، وهاموا باتباع مذهبه المذهب، وللنّاس فيما يعشقون مذاهب. وذادوا عن بيان ما أجمله وإيضاح ما أشكله، والعلوم عطايا من الله ومواهب، رضا يتكفل بنجاة كل متهم ونجاحه، ويمر بروض الإيمان فيتعطر بأنفاسِه رياحُه، ويفخر عقدُ الجوزاءِ إذا كان درّةً في وشاحِه. أما بعد: \" (^١).\nفلله درّه من أديب فحل، كيف استطاع أن يمتلك زمام البيان،\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٩٢ - ٢٩٥.","vol":"1","page":244},{"text":"ويوظفه في إبراز علم الأصول، علم أشبه بجلمود صخر حطّه السيل من علٍّ، وهو في ذلك يحاكي إمام مذهبه في الرسالة، حيث سلاسة العبارة، فهذا هو التاج قد استاك بشذا البلاغة، فطوّعها فلِينت له كما لين الحديد بيد سليمان ﵇، فعمل منها براعة استهلال في مقدمة، وقدّر منها ديباجة شرحه.\nهذا كلّ ما جاء قبل لفظة: \"أما بعد\"، وأمّا ما بعدها فهو في إبراز منهجه في الشرح، فقد ذكر الآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>بيان أهمية علم الفقه ومعرفة الحلال والحرام</span>.\nذكر ذلك بقوله: \"أما بعد: فإن العلوم وإن كانت تتعالى شُرفًا وتطلع في أفق الفخار من كواكبها شَرفًا، فلا مرية في أنّ الفقه نتيجة مقدماتها، وغاية نهاياتها وواسطة عقدها، ورابطة حلها وعقدها، به يعرف الحرام من الحلال، وتستبين مصابيح الهدى من ظلام الضلال\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>بيان أهمية أصول الفقه</span>.\nيقول التاج السبكي: \"وهيهات أن يتوصل طالب، وإن جد المسير إليه أو يتحصل بعد الإعياء والنصب عليه إلا بعد العلم بأصول الفقه والمعرفة والنهاية فيه، وكيف يفارق الموصوف الصفة\" (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٩٥.\n(^٢) ينظر: ص ٢٩٥ - ٢٩٦.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-110>بيان أهمية كتاب المنهاج للبيضاوي</span>.\nيقول هنا أيضًا: \". . . وقد نظرنا فلم نر مختصرًا أعذب لفظًا وأسهل حفظًا، وأجدر بالاعتناء وأجمع لمجامع الثناء من كتاب (منهاج الوصول إلى علم الأصول) للشيخ الإمام العالم العلامة قاضي القضاة ناصر الدين البيضاوي بيّض الله وجهه يوم تبيَّض وجوه، وتسود وجوه، وروَّض تربته بغمام الغفران، حتى يأتي يوم القيامة، وما ثلم جانبه ولا فضّ فوه، فإنّه موضوع على أحسن منهاج محمول على الأعين، وليس له منها من هاج، بعبارة أعذب من ماء السحاب، وألعب من ابنة الكرم بعقول أولي الألباب، آل فضل البلاغة إليه، وآلى فصل الخطاب ألا يتمثل إلا بين يديه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>بيان الدافع لتأليفه هذا الشرح</span>.\n\" وقد رأيت شراحه على كثرتهم مالوا إلى الإيجاز، وقالوا وكأنما ضاق بهم الفضاء الواسع، فعدّ مقالهم في الألغاز، قنع كل منهم بحاجة في نفسه من اسم التصنيف قضاها، وجمع نفسه على ما شف به سجل الكتاب من تقارير إذا أنصف من نفسه لا يرضاها\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>بيان أن والده شرع في شرح هذا المتن</span>.\nقال التاج السبكي: \"وقد كان والدي أطال الله عمره شرع في وضع\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٩٦.\n(^٢) ينظر: ص ٢٩٧.","vol":"1","page":246},{"text":"شرح عليه أبهى وأبهج من الوشي المرقوم، وأسرى وأسرع إلى الهداية من طوالع النجوم، عديد شهب لائحة ورسل سحب سائحة، وسماه علم يهتدى بكوكبه، وعلاء قدر أخذ بلمة الفخر، ولم يزاحمه بمنكبه، لا تنقشع عارضته، ولا نتوقع معارضته خضعت رقاب المعاني لكلامه، وخشعت الأصوات، وقد رأته جاوز الجوزاء وما رضيها دار مقامه لكنه أحسن الله إليه ما غاص في بحره إلى القرار، ولا أوصل هلاله إلى ليلة البدار، بل أضرب عنه صفحًا بعد لأي قريب وتركه طرحًا وهو الدرّ اليتيم بين إخوانه كالغريب\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>بيان أهمية شرحه لمتن البيضاوي</span>.\nقال التاج: \"وقد حدثتني النفس بالتذييل على هذه القطعة، وأحاديث النفس كثيرة، وأمرتني الأمارة بالتكميل عليها، ولكني استصغرتها عن هذه الكبيرة، وقلت: للقلم أين تذهب؟ وللفكر أين تجول؟ أطنب لسانك أم أسهب؟ ووقفت وقفة العاجز والنفس تأبى إلا المبادرة بما به أشارت، وجرت على تيارها منادية إئت بما أمرتك بما استطعت، وتوارى اللسان وما توارت، فلما تعارض المانع والمقتضي، وعلمت أنّ الحال إذا حاولت مجهودها قام لها العذر الواضح فيما استقبلته، ومضيٌّ أي مضى أعملت الفكرة في الدجنة والوجه والليل كلاهما كالح، وشرعت فيه وقلت: لعل الغرض يتم ببركته، وبقصده الصالح وجردت همة ما ورد رائدها إلّا وقد سئم من النشاط، ولا أغمد مهندها إلا وقد ترك ألف\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٩٧ - ٢٩٨.","vol":"1","page":247},{"text":"طريح على البساط، ولا عاد نصلها إلا وقد قضى المأمول، ولا فترت عزائمها إلا وقد حصلت على نهاية السول، وأعملنا هذه الهمة في مدلهم الديجور، وصرفنا قلمها بشهادة النجوم وفلكها يدور، فلم تنشب ليالي أسبلت جلبابها، وأرخت نقابها، معدودة ساعاتها، ممدودة بالألطاف الخفية أوقاتها، إلى أن أنهزمت تلك الليالي ودارت الدائرة عليها، وجاء من النسيم العليل بشير الصبح متقدمًا بين يديها، فوافى الصباح بكل معنى مبتكر، وجلا عرائس بدائعه فشنف السمع وشرف البصر. وجاء كتابًا ساطعًا نور شمسه، وشمس السماء قي غروب، طالعًا في أفق الفخار على أحسن أسلوب، حائزًا لما يراد منه في كل طريقة حائزًا حقًا على مقالات المتقدمين والمتأخرين، وحسبك بمن مجازه حقيقة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>بيان أن عادته في الشرح الإطناب والاختصار حيث يقتضي ذلك</span>.\nأثناء الشرح ذكر منهجه في الشرح أيضًا، مبينا عدم الإطناب إلا إذا اقتضى الأمر، والاختصار حين يستلزم الأمر. يقول التاج: \". . . وأنا من عادتي في هذا الشرح الإطناب فيما لا يوجد في غيره، ولا يتلقى إلا منه بحث مخترع أو نقل غريب، أو غير ذلك، والاختصار في المشهور في الكتب إذ لا فائدة في التطويل فيما سبقنا من هم سادتنا وكبراؤنا، إلى جمعه، وهل ذلك إلا مجرد جمع من كتب متفرقة لا يصدق اسم المصنف على فاعله\" (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٩٩ - ٣٠١.\n(^٢) ينظر: ص ١٣٦١.","vol":"1","page":248},{"text":"وإن كان لا بد أن نعلق على هذه المقولة - وهي بحق مقولة ينبغي أن تخط بماء الذهب - فتعليقنا سيكون منصبًا على حالنا - نحن طلاب الدراسات العليا - الذين ابتلينا بالنقل والتجميع واجترار المعلومات، فليس هناك اختراع لجديد أو نقل لغريب، أو تعمق في الدراسة، بحوثنا تكاد تكون معادة ومكررة، سمتها السطحية، تعتمد في الغالب الأعم على تجميع ما في الكتب وسردها، فقد يكتب الباحث منا في التعريف اللغوي عدّة صفحات، ويتعب آخر نفسه في مناقشة التعريفات الاصطلاحية، والتي - أحيانا - لا يخرج منها بثمرة بعد العناء والبحث. ناهيك عن الهوامش والحواشي التي نثقلها بالتراجم وتخريج الأحاديث وغيرها من المعلومات خاصة في مجال التحقيق. فتجد البحث قد جاوز المجلدين أو أكثر، ولو أنعمت النظر في البحث من أوّله إلى منتهاه يمكن أن تخلص إلى الفائدة في بضع صفحات قلائل. فالله المستعان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>بيان خاتمة المقدمة بالدعاء، وبيان بداية شرحه عند المحل الذي بلغه والده</span>.\nقال: \"فأسأل الله تعالى أن يعمّ النّفع به، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، موجبًا للفوز لديه، وقد وصل والدي الشيخ الإمام جزاه الله الخير إلى مسألة مقدمة الواجب، ونحن نتلوه والله الموفق المعين بخفي ألطافه، والمحقق لرجاء العبد بإسعاده وإسعافه\" (^١).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٣٠١.","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>ثانيًا: خاتمة الشرح</span>\nثنينا بالخاتمة لما للخاتمة من علاقة بالمنهج المتبع أثناء شرحه فقد بينه كما سبق في المقدمة، ثم أوضحه في الخاتمة. فذكر أنه راعى فيه جانب التوسط، فلم يطل ولم يخل، وعلل ذلك بأن كتاب البيضاوي مختصر، والأجدر بمن يتصدى لشرح مثل هذا المختصر أن يحذو حذوه، وقد كان أحيانا يطيل النفس في المسألة، وهناك مباحث ترك ذكرها خشية التطويل، وأضرب عن الخوض فيها، مع أنّ النفس فيها حزازات، وهو يعتذر أنه لم ينصف المصنف في شرحه، رغم أنه لم يغادر مسألة صغيرة كانت أم كبيرة إلا وقد جمع لها من النقول والزيادات والفوائد ما جعل شرحه متكاملا من كل جوانبه، وقد صاغ هذا في خاتمة مؤنقة بألفاظ راعى فيها الصناعة الأدبية. ونتركه يعبر عن نفسه فيقول:\n\"وقدْ راعينا فيه جانب التَّوسط؛ لأنَّ الكتاب مختصر، فالألْيَقُ بشارحه أنْ يحذو حذوه ولا يتعدى ممشاه فوق خطوه، وقد كنّا نروح ونغدو على المسألة، وربما لم نخرج عن حدّ الشرح قدرَ أُنْمُلة، وفي النفس حزازات من مباحثَ نترك ذكرَها خشيةَ التطويلِ، ونَسْلُكُ في الإضرابِ عنها سبيلَ غيرنا، وإنْ كنَّا لا نرتضي تلك السبيل، على أنَّا لم نألُ جهدًا فيما وضعناه، ولم نرض إلَّا أنْ نحله محلَ النَّجم، وفي الظنِّ أنَّا ما أنصفناه، فإنَّا لم نغادر صغيرة ولا كبيرة مما يطالب الشارح بها إلَّا وقد جمعناها فيه، مع زيادات مِنْ نُقُولٍ، وفرائدَ يَهِيمُ الفَهْمُ إذا سَمِعَها طربًا، وينطق شاكرُها ملءَ فيه، ومباحثٍ ما البدورُ الكواملُ إلَّا ما تطلعُ، ولا العُرُبُ الأترابُ إلَّا","vol":"1","page":250},{"text":"ما تَفُوهُ به بناتُ فكرِها وتسمعُ.\nلكنَّ الكتابَ مع أنّه الروضُ المبدعةُ أزهارُه، والواضحُ الجليُّ الذي ينضال لديه النّهار وأنواره، لم يغنِ على نفسه لقلّة ما أودع فيه من المسائل، ولم يبن عن جمعٍ كبيرٍ، فلم نهتم له ولا به، وكيف لا؟ وقد كنَّا نكتب فيه بأطراف الأنامل، ونجيء إليه وقد سئمنا الطلب، وقالت: النَّفس حِطَّة، وبعد عليه، فنقول: من رأى القلم يكتب والهمّة تملي عليه. أمَّا القلم قد أبلَ وليس في تلك شطّة. . .\" (^١).\nوفي ختام الخاتمة عزم أن يجعل لمختصر ابن الحاجب الأصولي شرحا يميط فيه اللثام، وقد فعل فقد كان كتابه (رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب) من أحسن ما كتب في شروح ابن الحاجب، وقد حقق في الأزهر الشريف، هو مطبوع الآن ثلاثة أجزاء بمطبعة عالم الكتب، تحقيق علي معوض وعادل أحمد.\nيقول التاج: \"وفي عزمي والله الميسر أنْ أضع شرحًا على مختصر ابن الحاجب بسيطًا لا عذر لي إذا لم آت فيه بالعَجَبِ العُجَاب، محيطًا بهذا العلم على أتمّ وجه، لا أميط عنه إلَّا القشر عن اللباب، والله المسؤول أنْ يوفقنا لصالح الأعمال، ويجمعنا على العلم ونشره في كلّ حال بمنِّه وكرمِه، إنّه المرجو خيرُه المأمولُ يسرُه، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا إلى يوم الدين\" (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٩٦٧، ٢٩٦٨.\n(^٢) ينظر: ص ٢٩٦٨.","vol":"1","page":251},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>ثالثًا: موضوعات الكتاب:</span>\nوهي أهم نقطة في المنهج، فعبر القراءة المتكررة أثناء البحث، تكونت لنا فكرة عن منهج الرجل في عرض أفكاره وترجيحاته في شرحه لهذا المتن، ولذلك يمكن أن نجملها في نقاط عدة حسب تعامله مع كل مسألة سواء مع المصطلحات، أو التعريفات، أو تعامله مع المصادر، وفي بيان وجهة نظر المصنف ونقدها أحيانًا، كما نبين طريقة تعامله مع المسائل الأصولية، وموقفه من آراء العلماء سواء كانت آراء فردية أو آراء جماعية، كما نتعرض إلى تعامله مع القضايا اللغوية والنحوية والأدبية، ومع الصناعة الحديثية، ومع القضايا الفقهية، وأخيرا استقلال شخصيته، وترجيحاته. وسنجعل لكل ما ذكرنا عنوانًا خاصًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>تعامله مع التعريفات والمصطلحات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>أولًا: التعريفات اللغوية:</span>\nدأب المصنف أثناء الشرح على ذكر التعريفات اللغوية أحيانًا لما يورده من مصطلحات ويذكر أحيانًا مصدره اللغوي.\nمثال ١: \"أقول: القياس في اللغة التقدير، ومنه قست الأرض بالخشبة، أي قدرتها بها. والتسوية، ومنه قاس النعل بالنعل أي حاذاه، وفلان لا يقاس بفلان، أي لا يساويه\" (^١).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢١٥٧.","vol":"1","page":252},{"text":"مثال ٢: \"والسبر في اللغة: الاختبار\" (^١).\nمثال ٣: \"الاجتهاد لغة: استفراغ الوسع في تحصيل الشيء\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>ثانيًا: التعريفات الاصطلاحية:</span>\nكان ﵀ في أغلب أحيانه يقتصر على المعنى الاصطلاحي، ولا يعطف على المعنى اللغوي، وهو في ذكره للمعاني الاصطلاحية، يذكر حدا واحدًا، وفي النزر القليل يذكر أكثر من ذلك ثم يرجح أحسنها في نظره، وهو على كل حال ممن يرون أن ذكر التعاريف ومناقشتها ليس فيه كبير فائدة. يقول: \"وهذا التعريف [أي تعريف الاجتهاد] الذي ذكره المصنف سبقه إليه صاحب الحاصل وهو من أجود التعاريف، فلا نطول بذكر غيره إذ ليس في تعداد التعريف كبر فائدة\" (^٣). ونكتفي بذكر بعض الأمثلة على التعريفات الاصطلاحية:\nمثال ١: \"وأما تعريفه [أي القياس] في الاصطلاح بين العلماء فقد ذكروا فيه أمورًا أقربها، ما ذكره المصنف وهو الذي أبداه الإمام في المعالم، وهو إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت\" (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٣٨٦.\n(^٢) ينظر: ص ٢٨٦٣.\n(^٣) ينظر: ص ٢٨٦٤.\n(^٤) ينظر: ص ٢١٥٨ - ٢١٥٩.","vol":"1","page":253},{"text":"مثال ٢: \"إلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بإلغاء الفارق يسمى تنقيح المناط. . . . وأما تحقيق المناط: فهو أن يتفق علي علية وصف نص أو إجماع ويجتهد في وجودها في صورة النزاع. . . وأما تخريج المناط: فهو الاجتهاد في استنباط علة الحكم الذي دلّ عليه النص أو الإجماع من غير تعرض لبيان علته لا بالصراحة ولا بالإيماء\" (^١).\nمثال ٣: \"الاستقراء ينقسم إلى تام وناقص، فأما التام: فهو إثبات الحكم في جزئي لثبوته في الكلي، وهو هو القياس المنطقي وهو يفيد القطع. . . وأما النّاقص: فهو إثبات الحكم في كلي لثبوته في أكثر جزئياته، وهذا هو المشهور بإلحاق الفرد بالأعم الأغلب\" (^٢).\nوأحيانًا يغوص في شرح التعريفات بعد ذكرها كما هو الشأن في تعريف الاجتهاد.\nمثال ٤: \"وفي الاصطلاح ما ذكره في الكتاب. فقوله: استفراغ الوسع: جنس. وقوله: في درك الأحكام: فصل خرج به استفراغ الوسع في فعل من الأفعال العلاجية مثلًا. وقوله: الشرعية: فصل ثان تخرج اللغوية والعقلية والحسية. والأحكام الشرعية تتناول الأصول والفروع ودركها أعم من كونها على سبيل القطع أو الظن هذا مدلول لفظه. . . وهذا التعريف الذي ذكره المصنف سبقه إليه صاحب الحاصل وهو من أجود التعاريف،\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٣٩٥، ٢٣٩٩، ٢٤٠١.\n(^٢) ينظر: ص ٢٦٢٠، ٢٦٢١.","vol":"1","page":254},{"text":"فلا نطول بذكر غيره إذ ليس في تعداد التعريف كبير فائدة\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>تعامله مع المصادر</span>\nبالتتبع والاستقراء توصلنا إلى أن تعامل التاج مع المصادر أخذ منهجًا معينًا يمكن تلخيصه في النقاط الآتية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>أولًا: الدقة في النقل، والتحري فيه</span>.\nلقد كان ﵀ دقيقًا في النقل ومتحريًا فيه، فهو على سبيل المثال في مبحث صيغة (افعل) هل هي للوجوب أم للندب أم للوقف؟\nيقول التاج: \"واعلم أنّ الآمدي لم ينقل في الإحكام عن إمام الحرمين إلا الوقف، كما هو الواقع، وهذه عبارة الآمدي، ومنهم من نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي الحسين البصري وكثير من الأصوليين، ومنهم من توقف في الزيادة ولم يقض فيها بنفي ولا إثبات، وإليه ميل إمام الحرمين والوقفية انتهى. والظاهر أن نسخة الأصفهاني، وكذلك هذا الشارح من الإحكام سقيمة سقط منها من قوله: ومنهم إلى قوله إليه، وهذه النسخة التي عندي صحيحة مقروءة على الآمدي وعليها خطه\" (^٢).\nفمن خلال هذه العبارة التي ينبغي أن تكتب بحروف من نور والتي تبين منهج السلف في تحقيق النصوص وتوثيقها، لترد على المدارس الحديثة الغربية والتي تتبجح من أنها السباقة إلى علم التحقيق والتوثيق.\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٨٦٣ - ٢٨٦٤.\n(^٢) ينظر: ص ١٠٩٦ - ١٠٩٧.","vol":"1","page":255},{"text":"مثال آخر: يقول التاج في الإبهاج: \". . . وابن العارض هذا بالعين المهملة بعد ألف ثم راء ثم ضاد معجمة، واسمه الحسين بن عيسى معتزلي قدري له كتاب في أصول الفقه سماه النكت، ورأيت عبارته تشابه عبارة المحصول، فعلمت أن الإمام كان كثير المراجعة له، وقد انتخب ابن الصلاح هذا الكتاب، ووقفت عليه بخط ابن الصلاح، وكتبت منه فوائد، وقد وهم القرافي فظن أن العارض قد وقع في المحصول مصحفا. قال: وإنما هو ابن القاص بالقاف والصاد المهملة المشددة وهو الشيخ أبو العباس أحد أئمة الشافعية، هذا كلام القرافي، وهو وهم. .\" (^١).\nفانظر إلى الدقة في التحري بين النسخ وعمق الاطلاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>ثانيًا: الإكثار من الاقتباس من مصادر أصولية بالنص أحيانا وبالمعنى</span>.\nكان ﵀ لا يذكر مسألة من مسائل أصول الفقه، إلا ويوثقها من مصادرها الأصلية، ولكون كتاب المنهاج شديد الصلّة بمحصول الرازي، والحاصل لتاج الدين الأرموي، والتحصيل لسراج الدين الأرموي، فلا تفوته الفرصة أن يبين مدى متابعة البيضاوي لهم أو مخالفته، فكان يوثق من هذه الكتب، ومن مصادره التي استقى منها شرحه، فيأخذ منها نصًا، وأحيانا بالمعنى، وإذا نقل بالنّص يقتبس الجملة أو الفقرة ذات العلاقة بالمسألة التي هو بصدد شرحها. وقد يقتبس الصفحات الكثيرة إذا كان المقام يقتضي ذلك.\n_________\n(^١) ينظر: ص ١٤٦١ - ١٤٦٢.","vol":"1","page":256},{"text":"والملاحظ أنّ جلّ اقتباسه من كتاب الصفي الهندي، فلا يكاد يخلو موضع من موضوعات الكتاب إلا ويقتبس فيه من كتاب النهاية للصفي الهندي، بل نكاد نجزم أنه ينقل منه إما عن حفظ وإما نقلا حرفيًا من كتابه، وقد ظهر ذلك واضحًا في صياغة المسائل ودون العزو أحيانًا. وقد أحصينا تكرر ذكر صفي الهندي في الكتاب، وقد اقتصرنا على إحصاء ذكر صفي الدين من كتاب القياس إلى نهاية الكتاب فوجدناه يزيد عن الثلاثين مرة بقليل، كما أنه يأتي في الدرجة الثانية من حيث النقل كتاب التلخيص لإمام الحرمين لخص فيه كتاب التقريب والإرشاد للباقلاني. وقد أحصينا تكرره في النقل عنه في هذا القدر أيضًا، فألفيناه يزيد عن العشرين مرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>الأمثلة:</span>\nمثال على مطابقة المصنف للرازي \"ما ذكره المصنف وهو الذي أبداه الإمام في المعالم\" (^١).\nمثال على النقل بالنص: \"وعبارة التحصيل: لو قال ذلك لم يكن قياسا. . .\" (^٢).\nمثال آخر: \"وعبارة الآمدي نحو عبارة المصنف فإنه قال: يكون التحريم ثابتًا في كل الصور بجهة العموم. . . .\" (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢١٥٨.\n(^٢) ينظر: ص ٢٢٣٠.\n(^٣) ينظر: ص ٢٢٣٠.","vol":"1","page":257},{"text":"مثال على النقل والاقتباس للنصوص الطويلة: ينقل عن إمام الحرمين.\nيقول التاج: \"ولإمام الحرمين هنا كلمات لا نرى إخلاء هذا الشرح منها فلا يطولنّ الفصل عليك ففيه كبير فائدة. قال: قد يظن الظان في هذا المقام. . . . . واعتقاد المشبه والمشبه به في صورة واحدة.\nوهو بليغ لا يخدشه شيء وهذا ما أردنا إيراده من كلام إمام الحرمين\" (^١). وهذا الاقتباس من البرهان من ٢/ ١٠١٥ - ١٠١٧. أي ما يزيد عن ثلاث صفحات.\nمثال آخر على الاقتباس الطويل أيضًا من كتاب الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام للقرافي تحقيق أبو غدة: ٩٥ - ١١٨. مع شيء من التصرف، حين قال: \"وستعرف الفرق بينهما بسؤال نذكره من كلام القرافي. . . فلا يتوقف على إذن إمام\" (^٢).\nمثال آخر على النقل عن الغزالي في المستصفى ٢/ ٣٣٦ - ٣٤١. فقد نقل عما يزيد عن أربع صفحات: في معرض الكلام عن النقض كقادح من قوادح العلّة: \"وأمّا حجّة الإسلام الغزالي فذهب إلى مقالة تاسعة فقال: تخلف الحكم عن العلّة. . . إلى قوله: فيفيد المِلْكَ بأنْ سَرَقَ نصابًا كاملًا من حرز لا شبهة له فيه\" (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٤٨٦ - ٢٤٩٣.\n(^٢) ينظر: ص ٢٨٧٥ - ٢٨٧٧.\n(^٣) ينظر: ص ٢٤١٧ - ٢٤٢٣.","vol":"1","page":258},{"text":"وبعض الأحيان يصرح بكثرة النقل من بعض المصادر الأصولية، فانظر إليه حين يقول: \"واعلم أن هذا الكتاب قد أكثرنا النقل عنه في هذا الشرح، وهو كتاب التلخيص لإمام الحرمين، وذلك حيث يظهر لي أن الكلام من إمام الحرمين، فإنه زاد من قبل نفسه أشياء على طريقة المتقدمين في الاختصار، وتارة أعزوه إلى مختصر التقريب وهو حيث لا يظهر لي ذلك، والذي أقوله ليستفاد أني على كثرة مطالعتي في الكتب الأصولية للمتقدمين والمتأخرين، وتنقبي على ثقة بأني لم أر كتابًا أجل من هذا التلخيص لا لمتقدم ولا لمتأخر، ومن طالعه مع نظره إلى ما عداه من المصنفات علم قدر هذا الكتاب\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>ثالثًا: مقارنة موجزة بين شرح التاج وكتاب الصفي الهندي</span>.\nلو تصفحنا أي باب من أصول الفقه في كتاب الإبهاج وحاولنا أن نجري مقارنة بينه وبين كتاب النهاية للصفي الهندي، فلن نجد فرقًا كبيرًا في العبارة، اللهم إلا تقديم أو تأخير في الفقرات، أو تصرف في اللفظ والمؤدى واحد، وهذا لا يخدش في التاج، فهو قد عرف بسيلان في الذهن، والموسوعية في المعرفة، فقد يكون كتبها من حفظه، وقد ورد عنه في معرض الكلام عن أحد العلماء شيء من هذا \". . . الحسين بن عيسى معتزلي قدري له كتاب في أصول الفقه سماه النكت ورأيت عبارته تشابه عبارة المحصول، فعلمت أن الإمام كان كثير المراجعة له\" (^٢) ولا تكون هذه\n_________\n(^١) ينظر: ص ١٢٧٢ - ١٢٧٣.\n(^٢) ينظر: ص ١٤٦١ - ١٤٦٢.","vol":"1","page":259},{"text":"دعوى تشابه الكتابين في العبارة صادقة، إلا إذا اكتنفها من القرائن والأدلة التى لا تقبل النقض. ومن الأمثلة على ذلك لا على سبيل الحصر فنأخذ مثالا من أول الكتاب وآخر من وسطه وثالث من أخيره.\nمثال من أول الكتاب: في مبحث جريان القياس في الحدود، والكفارات: يقول التاج: \"البحث الثاني: أنَّه يجري في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات خلافا لأبي حنيفة.\nلنا أنّ أدلة القياس دالة على جريانه في الأحكام الشرعية مطلقًا من غير فصل بين باب وباب ويخص المسألة ما روي أنّ الصحابة اجتهدوا في حدّ شارب الخمر فقال علي: أراه ثمانين؛ لأنّه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وحدّ المفتري ثمانون، وهذا قياس في الحدود ثم لم ينكر عليه فكان إجماعًا.\nإن قلت: إن أردتم أنَّ أدلة القياس تدل على جريانه في الأحكام الشرعية مطلقًا سواءً أوجدت الأركان والشرائط أو لم توجد فهو ممنوع ظاهر الفساد. . .\" (^١).\nويقول الصفي الهندي في النهاية: \"ذهب أصحابنا وأكثر الأئمة إلى أنه يجوز إثبات الحدود والكفارات، والرخص، والتقديرات بالأقيسة خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه ﵏.\nلنا: ما تقدم من أدلة القياس، فإنه يدل على جواز القياس في الأحكام\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٢٥٠ - ٢٢٥١.","vol":"1","page":260},{"text":"الشرعية مطلقًا من غير فصل بين باب وباب، فالتخصيص بباب دون باب خلاف لإطلاق تلك الأدلة فكان باطلًا.\nويخص المسألة ما روى أنّ الصحابة اجتهدوا في حد شارب الخمر فقال علي - ﵁ -: أراه ثمانين، إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفتري ثمانون، ولا شك أنه قياس. . .\nفإن قيل: تدعي أن تلك الأدلة تدل على جريان القياس فى الأحكام الشرعية مطلقًا سواء وجدت أركان القياس وشرائطه، أو لم توجد، أو تدعى أن دلالتها عليها إنما هي عند حصول الأركان والشرائط، والأول ظاهر. . .\" (^١).\nمثال من وسط الكتاب: في الكتاب الخامس في دلائل اختلف فيها.\nيقول التاج في الإبهاج: \"هذا الكتاب معقود للمدارك التي وقع الاختلاف بين المجتهدين المعتبرين في أنّها هل هي مدارك للأحكام أم لا؟ أولها: الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع خلافا لبعضهم. وهذا بعد ورود الشرع فأمّا قبله، فقد تقدّم تقريره في مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع\" (^٢).\nيقول الصفي الهندي في النهاية \"الكلام في المدارك التي اختلف المجتهدون في أنها هل هي مدارك للأحكام أم لا؟ وفيه مسائل: المسألة\n_________\n(^١) ينظر: النهاية للهندي: ٧/ ٣٢٢٠.\n(^٢) ينظر: ص ٢٥٩٩ - ٢٦٠٠.","vol":"1","page":261},{"text":"الأولى: في أن الأصل في المنافع الإذن، وفي المضار المنع خلافًا لبعضهم. هذا بعد ورود الشرع أما قبله فلا سواء كان ذلك بطريق اليقين، أو غيره على ما تقدم تقديره في مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع. . .\" (^١).\nمثال من آخر الكتاب: من كتاب الاجتهاد (المجتهد فيه)\nقال التاج في الإبهاج: \"ذهب طوائف من المسلمين على طبقاتهم إلى أنه ليس كل مجتهد في الأصول مصيبًا، وأن الإثم غير محطوط عنه إذا لم يصادف ما هو الواقع وإن بالغ في الاجتهاد والنظر سواء كان مدركه عقليًا كحدث العالم وخلق الأعمال أو شرعيًا لا يعلم إلا بالشرع. . .\" (^٢).\nقال الصفي الهندي في النهاية: \"ذهب الجماهير إلى أنه ليس كل مجتهد في الأصول مصيبًا، وأن الإثم غير محطوط عنه إذا لم يصادف ما هو الواقع وإن بالغ في الاجتهاد والنظر سواء كان مدركه عقليًا كحدوث العالم وخلق الأعمال أو شرعيًا لا يعلم إلا بالشرع. . .\" (^٣).\nنكتفي بهذه الأمثلة الثلاثة للدلالة على الباقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>رابعًا: الاقتباس من المصادر بالواسطة</span>.\nنرى التاج أحيانًا ينقل بالواسطة، ولا ينقل مباشرة من المصدر، إما لعدم توفره، أو لدقة نقل الواسطة عن الأصل. ويظهر ذلك جليًا على وجه\n_________\n(^١) ينظر: النهاية للهندي: ٨/ ٣٩٣٨.\n(^٢) نظر: ص ٢٩٠٩ - ٢٩١٠.\n(^٣) ينظر: النهاية للهندي: ٨/ ٣٨٣٧.","vol":"1","page":262},{"text":"الخصوص في نقله آراء الحنفية في الأصول كآراء الكرخي مثلًا، وكان الأولى أن تنقل من مصادر أصول الحنفية، لكنه فضل نقلها من كتب أخرى ككتب الشافعية كأن يعزو لنهاية الصفدي أو الإحكام للآمدي أو المستصفى للغزالي ويتضح ذلك بالأمثلة التي سأوردها.\nيقول التاج في الإبهاج في معرض كلامه عن الطرد كقادح من قوادح العلّة: \"وقال الكرخي: هو مقبول جدلًا، ولا يسوغ التعويل عليه عملًا ولا الفتوى به. . .\" (^١).\nويقول أيضًا: \"وأما نفس الأمر فمنعه الكرخي والإمام أحمد وجمع من فقهائنا وجوزه الباقون، هذا هو النقل المشهور\" (^٢).\nوهذا مثال آخر: يقول التاج في الإبهاج: \"ونقله الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا وأبي حنيفة، وأكثر الفقهاء، وعن اختيار شيخه القاضي أبي الطيب، والشيخ أبي حامد، ونقل بعض الشارحين تبعًا للأصفهاني في شرح المحصول عن الآمدي أنه قال: وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية، ثم خَطأ هذا الشارحُ الآمديَّ بأنّ إمام الحرمين إنما يرى الوقف ولا يقضي في الزيادة بنفي ولا إثبات\" (^٣).\nمثال آخر: \"وقد صرح بجواز مثل هذا الماوردي كما نقله الرافعي فقال: ولو ولي الإمام رجلًا وقال: لا نحكم في قتل المسلم الكافر والحر\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٣٩٢.\n(^٢) ينظر: ص ٢٦٩٨.\n(^٣) ينظر: ص ١٠٩٥ - ١٠٩٦.","vol":"1","page":263},{"text":"العبد جاز، وقد قصر عمله على باقي الحوادث. . .\" (^١).\nفمن خلال هذا النّص نلاحظ أنه لم يرجع إلى المصادر الأساسية لرأي الآمدي بل اكتفى بنقل رأيه من مصادر أخرى بالواسطة وهي بعض شراح المحصول تبعا للأصفهاني وهو أحد شارحي المحصول أيضا، كما أن رأي إمام الحرمين، كان المفروض أن يرجع إليه في مصادره الأصلية كالبرهان والتلخيص وغيرهما.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>خامسًا: ذكر الأقوال التي أخذها شفاهًا عن والده وبعض شيوخه</span>.\nمن خلال تتبع كتابه الإبهاج، يتضح أنه ينقل بعض الآراء مشافهة، تلقاها من بعض شيوخه، وعلى رأس هؤلاء والده ﵀، وشيخه الذهبي.\nأما والده فالنصوص كثيرة في الكتاب، ونكتفي ببعض الأمثلة خشية الإطالة.\nمثال: \"قال والدي أيده الله: والذي يظهر لنا ويكاد يقطع به أن الاتفاق فيه خير من الاختلاف، لكن هل نقول الاختلاف ضلال كالقسمين المذكورين أو لا؟. كلام ابن حزم ومن سلك مسلكه ممن منع التقليد يقتضي أنه مثلهما. وأما نحن فإنا نجوز التقليد للجاهل والأخذ بالرخصة من أقوال العلماء بعض الأوقات عند مسيس الحاجة من غير تتبع الرخص، ومن هذا الوجه يصح أن يقال، الاختلاف رحمة، إذ الرخصة\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٩٢٨.","vol":"1","page":264},{"text":"رحمة\" (^١).\nمثال آخر: \"وقد مال والدي أيده الله تعالى إلى ترجيح الأول، وقال: لم أجد في كلام الأصحاب إلى الآن ما أعتضد به في الجزم بأحدهما غير أني أميل إلى عدم النقض، وأن الحاكم لا يحكم ولا ينتقض إلا بمستند. . .\" (^٢).\nمثال آخر: \"قال والدي أيده الله: والقرآن دالٌ على أنّ الرحمة تقتضي عدم الاختلاف\" (^٣).\nمثال آخر: \"وما زال الشيخ الإمام الوالد والدي ﵀ أطال الله عمره يستشكل الجمع بين كلاميهما إلى أن جاء ببديع من القول فقال: في مختصر لطيف كتبه على هذا السؤال وسماه (ورد العلل في فهم العلل) ولا تناقض بين الكلامين؛ لأنَّ المراد أنّ العلّة باعثة على فعل المكلف مثاله: حفظ النفوس فإنّه علّة باعثة على القصاص الذي هو فعل المكلف المحكوم به من جهة الشرع فحكم الشرع لا علّة له ولا باعث عليه؛ لأنّه قادرٌ أنْ يحفظ النفوس بدون ذلك، وإنما تعلق أمره بحفظ النفوس وهو مقصود في نفسه، وبالقصاص لكونه وسيلة إليه فكلا المقصد والوسيلة مقصود للشرع، وأجرى الله تعالى العادة أنّ القصاص سبب للفظ فإذا فعل المكلَف من السلطان والقاضي وولي الدم القصاص وانقادَ إليه القاتل امتثالًا لأمر الله به ووسيلةً إلى حفظ النفوس كان لهم أجران أجرٌ على القصاص وأجرٌ على\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٢٢١.\n(^٢) ينظر: ص ٢٩٣٨.\n(^٣) ينظر: ص ٢٢٢٠.","vol":"1","page":265},{"text":"حفظ النفوس، وكلاهما مأمورٌ به من جهة الله تعالى\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>أمثلة أخرى عن شيخه الذهبي:</span>\nمثال: \"وقد استدل على ذلك بما روي أنَّه - ﷺ - قال لأبي بكر - ﵁ -: \"لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين\" وهذا الحديث لا أعرفه وقد سألت عنه شيخنا الذهبي فلم يعرفه\" (^٢).\nمثال آخر: \"واستدل المصنف على ذلك مما روي من قوله - ﷺ -: \"نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر\" وهو حديث لا أعرفه، وقد سألت عنه شيخنا أبا عبد الله الذهبي فلم يعرفه\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>سادسًا: منهجه في النقد</span>.\nقليل هم العلماء الذين يتميزون بشخصية في النقل فلا ينقلون كل ما جاء بين أيديهم من آراء، بل يتخيرون بينها، وإن نقلوا أمرًا لا يرضونه بيّنوا وجهة نظرهم فيما نقلوه، وكذلك كان شيخنا تاج الدين السبكي كان إمامًا في النقد، بل مدرسة من مدارس النقد الأصولي، فلا يكاد يمر عليه رأي لا يرتضيه، إلا علّق عليه وبيّن وجه الخلل فيه، وفي كل ذلك كله، لا ينسى أدب المناظرة، والتخلق مع العلماء، انظر إليه حين يقول: \". . . والأدب مع الشيخ عز الدين الاقتصار على جوابه\" (^٤). ويقول أيضًا:\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٢٨٧ - ٢٢٨٨.\n(^٢) ينظر: ص ٢٧٠٤.\n(^٣) ينظر: ص ٢٦٢٣ - ٢٦٢٤.\n(^٤) ينظر: ص ١٢٥٩.","vol":"1","page":266},{"text":"\"وإمام الحرمين أجلّ من أن يصادم كلامه بكلمات أمثالنا، ولكنا نقول على جهة الاستشكال دون المناظرة. . .\" (^١).\nوأوَّل من تعرض لكثرة النقد، وعدم الرضا عن بعض آراءه أو ترجيحاته هو الإمام البيضاوي صاحب المتن الذي شرحه.\nفنذكر بعض الأمثلة التي وردت أثناء شرحه من الكتاب كله.\nمثال: \"وقوله \"مطلقًا\" عبارة ركيكة وليس المراد حقيقة المطلق بل أنه عام ينطلق على الصور، ولو قال يدل مطلقا عمومًا لكان أحسن لا سيما وقد قال بعد ذلك خصوصًا\" (^٢).\nمثال: \"اللائق بهذه المسألة [أي مسألة نسخ بعض القرآن] أن تذكر في الفصل التالي الذي أودعه ما ينسخ وما لا ينسخ\" (^٣).\nمثال: \". . . والمصنف عبر عنها بنسخ الوجوب قبل العمل، وهذا يوهم اختصاص المسألة بالوجوب، وليس كذلك. والتعبير الأول غير واف بالمقصود أيضًا؛ لأنه لا يتناول ما إذا حضر وقت العمل به لكنه لم يمض مقدار ما يسعه وهذه الصورة من صور النزاع. . . . ولو عبر عنها بنسخ الشيء قبل مضي مقدار ما يسعه وقته لتناول جميع صور النزاع من غير شك\" (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٤٣٤.\n(^٢) ينظر: ص ١٦٠٩. وعبارة المتن: \"لنا مطلقًا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾. . .\".\n(^٣) ينظر: ص ١٦٤٨.\n(^٤) ينظر: ص ١٦٦٠.","vol":"1","page":267},{"text":"مثال عن نقد تعريفات البيضاوي (تعريف الإجماع): \"وفي التعريف نظر من جهة إشعاره بعدم إنعقاد الإجماع إلى يوم القيامة، فإن أمّة محمد - ﷺ - جملة من اتبعه إلى يوم القيامة، ولم يقل بذلك أحد من المعترفين بالإجماع، فكان ينبغي تقييده بعصر من الأعصار\" (^١).\nمثال آخر: \"وقد أهمل المصنف من شروط الفرع كونه حكمه مماثلًا لحكم الأصل إما نوعًا كقياس وجوب القصاص في النفس في صورة القتل بالمثقل على وجوبه فيها في القتل بالمحدد، أو جنسًا كإثبات ولاية النكاح على البنت الصغيرة بالقياس على إثبات الولاية في مالها. . .\" (^٢).\nمثال آخر: \"كذا حكى المصنف هذا المذهب، وهو وهْمٌ، وإنما هذا قول من مسألة أخرى وهي أنه هل يجوز للعالم تقليده؟ \" (^٣).\nمثال أخير على نقده من الناحية المنهجية، وكأن لجان المناقشة في عصرنا، يحاكون ما كان عليه العلماء في نقد بعضهم بعضًا.\nيقول مخاطبًا البيضاوي: \"لك هنا مناقشتان:\nإحداهما: كان من حسن الوضع تأخير هذا الباب عن الذي بعده، وهو الثالث من شرائط الإجماع.\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٠٢٤. وتعريف البيضاوي للإجماع: \"الإجماع وهو اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد - ﷺ - على أمر من الأمور\".\n(^٢) ينظر: ص ٢٥٩٠.\n(^٣) ينظر: ص ٢٦٧٥.","vol":"1","page":268},{"text":"والثانية: أن الإجماع شيء واحد، ليس تحته أنواع، لكنه أراد الأنواع ما لا يكون إجماعًا عند طائفة دون آخرين، وهو إجماع بالاتفاق. . . .\" (^١).\nأما نقده للأصوليين غير البيضاوي أثناء الشرح فأورد له هذه الأمثلة:\nمثال: نقده للقاضي في مختصر التقريب: \"قال القاضي في مختصر التقريب: ثم إن ابن عباس كان ابن سبع لما توفي رسول الله - ﷺ - وما بلغ ابن الزبير أيضًا حلمه في حياته.\nقلت: هذا وهم كان ابن عباس لما توفي رسول الله - ﷺ - ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل ابن عشر وهو ضعيف، وقيل ابن خمس عشرة ورجحه أحمد بن حنبل، وأما ابن الزبير فإنه ولد بعد عشرين شهرًا من الهجرة فيصح ما ذكره القاضي من أنه لم يبلغ الحلم في حياة النبي - ﷺ -\" (^٢).\nمثال آخر لنقده لإمام الحرمين وقلة بضاعته في الحديث: \"وقد قال في البرهان أيضًا أنّ الشافعي - ﵁ - احتج ابتداءً على إثبات القياس بحديث معاذ يعني هذا.\nقال: والحديث مدّون في الصّحاح متفق على صحّته لا يتطرق إليه تأويل.\nقلت: وهذا عجيب من إمام الحرمين فقد قال إمام الصناعة أبو عبد الله البخاري لا يصحّ هذا الحديث، وقال الترمذي ليس إسناده عندي\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٠٧٥.\n(^٢) ينظر: ص ١٨٩٨.","vol":"1","page":269},{"text":"بمتصل\" (^١).\nمثال آخر لنقده للغزالي وإمام الحرمين والقاضي الباقلاني، وقلة بضاعتهم في الحديث: \"وقول الغزالي إن الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح متلقى من إمام الحرمين، فإنه قال: هذا لم يصححه أهل الحديث، وإمام الحرمين تلقى ذلك من القاضي أبي بكر فإنه قال في مختصر التقريب: هذا الحديث ضعيف غير مدون في الصحاح، وهذا باطل، فإن الحديث ثابت صحيح مدون في البخاري ومسلم\" (^٢).\nمثال على نقده بعض شرَّاح المنهاج كالعبري والجاربردي: \"واعلم أن ظاهر إيراد المصنف يفهم أن هذا الدليل الذي أجاب عنه دليل للمانع مطلقًا، وعلى ذلك قرره العبري والجاربردي وليس كذلك بل هي حجة أبي الحسين كما قلناه، وبه صرح الإمام\" (^٣).\nمثال آخر في نقده للرازي في المحصول \"وقد وقع في المحصول بدل القاضي أبي حامد المروزي الشيخ أبو حامد الإسفراييني وكأنه اشتبه أبو حامد بأبي حامد، ووقع فيه الجزم بأن المواضع سبعة عشر وهو وَهْمٌ والذي نقله الشيخ أبو إسحاق ما ذكرناه\" (^٤).\nمثال آخر على نقده للرازي: \"حفظ الراوي، وقد أطلقه وهو يحمل\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢١٩٦.\n(^٢) ينظر: ص ٩٧٥ - ٩٧٦.\n(^٣) ينظر: ص ١٦٢٠.\n(^٤) ينظر: ص ٢٧٠٧.","vol":"1","page":270},{"text":"أمرين كلاهما حق معتبر، أحدهما: أنْ يكون قد حفظ لفظ الحديث، واعتمد الآخر على المكتوب فالحافظ أولى؛ لما لعلّه يعتور الخطّ من نقص وتغيير. قال الإمام: وفيه احتمال. قلت: وهو احتمال بعيد. وقد ذهب بعض العلماء إلى أنَّه لا يحتج برواية من يعول على كتابه\" (^١).\nولعلنا بذكر هذه الأمثلة نكون قد أحطنا ببعض الجوانب من نقده لمن سبقوه، وجئنا بنبأ عن هذه النقطة، ومن أراد المزيد، فعليه الرجوع إلى شرحه، فهو مشحون بآرائه النقدية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>تعامله مع المسائل الأصولية والقواعد الفقهية</span>\nاهتم التاج اهتمامًا بالغ النظير بالمسائل الأصولية لا من حيث الشرح والتوضيح فحسب، بل حقق المسائل وأماط اللثام عن الكثير من الفوائد، ويمكن تبيين ذلك في النقاط التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>العناية بتقسيم الموضوع</span>\nلا يمر موضوع من الموضوعات إلا ويقدم له بمقدمة أو تمهيد يبين فيه خلاصة الموضوع، وتقسيماته، ولو أخذنا أي موضوع دون أن نختار، نجد أنفسنا أمام منهج لم يحد عنه صاحبه قدر أنملة في طرحه لهذه الموضوعات، والمثال أحسن دليل على ما ادعيته:\nمثال: يقول التاج في الإبهاج: \"أركان القياس أربعة، الأصل، والفرع، والجامع بينهما، وحكم الأصل، وأما حكم الفرع فهو حكم\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٧٧١ - ٢٧٧٢.","vol":"1","page":271},{"text":"الأصل بالحقيقة، وإن كان غيره باعتبار المحل فلذلك لم تكن الأركان خمسة، وقول الآمدي: حكم الفرع ثمرة القياس وليس ركنًا منه لأنَّ الحكم في الفرع متوقف على صحة القياس، فلو كان ركنًا منه لتوقف على نفسه، مدخول، فإن المتوقف على صحة القياس هو العلم بثبوت الحكم في الفرع الذي هو ثمرة القياس، لا نفس حكم الفرع، ثمّ إنّ المصنف اكتفى بتعريف الحكم في أوّل الكتاب عن إعادته هنا\" (^١).\nمثال آخر: \"إنما أفرد بيان العلّة بفصل مقدّم على بيان الأصل والفرع ومتعلقاتهما لكثرة تشعب الآراء عندها وعِظَم موقعها ولتشتت المباحث فيها.\nقد اختلفت مقالات الناس في تفسيرها على مذاهب:\nالأول: وبه جزم المصنف واختاره الإمام، وأكثر الأشاعرة أنّها المعرِّف للحكم، وقد يقال: العلامة، والأمارة. . . .\" (^٢).\nمثال آخر: \"هذا مبدأ القول في الأمور المبطلة للعلية وهي ستة: النقض، وعدم التأثير، والكسر والقلب، والقول بالموجب، والفرق.\nالأول: النقض: وهو عبارة عن إبداء الوصف الذي ادّعى المستدل حجّة عليته في بعض الصور مع تخلف الحكم عنه فيها وربما يعبر عنه المعبرون بتخصيص العلّة.\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٢٧٣ - ٢٢٧٤.\n(^٢) ينظر: ص ٢٢٨٣ - ٢٢٨٤.","vol":"1","page":272},{"text":"ومثاله قولنا: من لم يبيت النّية يعرى أوّل صومه عنها، فلا يصح؛ لأنَّ الصوم عبارة عن إمساك النّهار جميعه مع النية، فيجعل العراء عن النيّة في أوّل الصّوم علّة بطلانه. . .\nالكلام في النقض من عظائم المشكلات أصولًا وجدلًا، ونحن نتوسط في النقض، فلا نسهب ولا نوجز بل نأتي بالمقنع، فنقول: . . .\" (^١).\nمثال آخر: \"الأحكام الكلية للتراجيح هي الأمور العامة لأنواعها التي لا تخص فردًا منها. والباب مشتمل على مقدمة معرفة لماهية الترجيح وأربع مسائل.\nوقد عرّف الترجيح بأنّه: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليعمل بها أي بالأمارة التى قويت، وهو مأخوذ من الإمام إلا أنّ الإمام أبدل الأمارتين بالطريقين\nوما فعله المصنف أصرح بالمقصود، إذ يمتنع الترجيح في غير الأمارتين، والإمام قال ليعلم الأقوى فيعمل به. وحذف المصنف لفظة العلم وهو حسن، إذ يكتفى في الترجيح بالظنّ\" (^٢).\nونكتفي بهذا القدر من الأمثلة التي سردناها لبيان هذه النقطة فالمقام لا يتسع لأكثر من ذلك. وحتى يتسنى لنا أن نعرج على كل نقطة بالبيان والتوضيح.\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٤٠٧ - ٢٤١٠.\n(^٢) ينظر: ص ٢٧٢٣ - ٢٧٢٤.","vol":"1","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>بيان موضع الخلاف وتحرير محل النزاع فيه:</span>\nمثاله: \"أول ما نقدمه تحرير محل الخلاف في المسألة فنقول: الحكم المستفاد من العباد على أمور أحدها: ما جاء على طريق التبليغ عن الله وهذا مختص بالرسل ﵈، وهم مبلغون فقط. والثانية المستفاد من اجتهادهم وبذلهم الوسع في المسألة، وهذا من وظائف المجتهدين من علماء الأمة، وفي جوازه للنبي - ﷺ - خلاف. . .\" (^١).\nمثال آخر: \"الكلام في النقض من عظائم المشكلات أصولًا وجدلًا، ونحن نتوسط في النقض، فلا نسهب ولا نوجز بل نأتي بالمقنع، فنقول: اعلم أولًا أنّ الصور في النقض تسع، لأنَّ العلّة إمّا منصوصة قطعًا أو ظنّا أو مستنبطة، وتخلف الحكم؛ إمّا لمانع أو فوات شرط أو دونهما، فصارت تسعًا من ضرب ثلاثة في ثلاثة، فالقائل بأنّ النقض قادحٌ مطلقًا قائل به في التسع، ومقابله مانع في جميع ذلك ولنذكر صورها:\nالأولى: القطعية المتخلف الحكمِ عنها لوجود مانع.\nالثانية: القطعية المتخلف الحكمِ عنها لفوات شرط.\nالثالثة: القطعية المتخلف الحكمِ عنها لا لمانع ولا لفوات شرط، وإنّما يكون ذلك بعض تعبدي أو إجماع مع عدم ظهور مانع أو شرط.\nالرابعة والخامسة والسادسة الظنيّة كذلك.\nالسابعة والثامنة والتاسعة: المستنبطة كذلك.\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٦٨٣.","vol":"1","page":274},{"text":"وعلى الفقيه طلب أمثلتها وسنذكر في أثناء الفصل من أمثلتها الكثير إن شاء الله تعالى\" (^١).\nمثال آخر: \"والجواب: أنَّه حينئذ لا يكون النّص على العلّة وحده هو المقيد للأمر بالقياس، بل التنصيص مع كون الأغلب عدم التقيد، والنّزاع إنما هو في أن التّنصيص وحده هل هو كافٍ؟ \" (^٢).\nمثال آخر \"واتفقوا على امتناعه أيضًا في أسماء الفاعلين والمفعولين وأسماء الصفات كالعالم والقادر؛ لأنها واجبة الاطراد نظرًا إلى تحقق معنى الاسم، فإنّ العالم من قام به العلم، فإطلاقه على كلّ من قام به العلم بالوضع لا بالقياس، إذ ليس قياس أحد المسميين المتمثلين في المسمّى على الآخر بأولى من العكس وإنما النزاع في الأسماء الموضوعة للمعاني المخصوصة الدائرة مع الصفات الموجودة فيها وجودًا وعدمًا كالخمر فإنّها اسم للمسكر المعتصر من العنب، وهذا الاسم دائرٌ مع الإسكار وجودًا وعدمًا فهل يقاس عليه النبيذ في كونه مسمى بذلك الوصف لمشاركته في وصف الإسكار؟ وكإطلاق اسم السارق على النباش بواسطة مشاركته للسارق من الأحياء في أخذ المال على سبيل الخفية، واسم الزاني على اللائط لمشاركته بإيلاج فرج في فرج\" (^٣).\nمثال آخر: \"واحتج القاضي بأن الشبه ليس مناسبًا وغيرُ المناسب\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٤١٠ - ٢٤١١.\n(^٢) ينظر: ص ٢٢٢٩.\n(^٣) ينظر: ص ٢٢٦٠ - ٢٢٦١.","vol":"1","page":275},{"text":"مردود بالإجماع، فلا يعتبر.\nوأجاب: بالمنع، فإنّ ما ليس بمناسب ينقسم إلى الشبه وغيره، والشبه غير مردود بالإجماع، وهو محل النزاع\" (^١).\nمثال آخر: \"ويلزم منه تقديمه على الدوران أيضًا عند من يقدم الدوران على المناسبة، ثمّ محل الخلاف في غير المقطوع به، فإنّ العمل بالمقطوع متعين وليس من قبيل الترجيح لما علم أنّ تقديم المقطوع على المظنون ليس من الترجيح في شيء وإنما النزاع في السبر المظنون في كل مقدماته\" (^٢).\nفمن خلال هذه النصوص يتبين مدى اهتمام السبكي بتحرير المسائل وبيان موطن الخلاف، ومحل النزاع بين العلماء في كل مسألة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-133>التنصيص على الرأي المختار</span>\nالإمام التاج السبكي، حباه الله بذهن وقّاد، وعقل جبار، فلم يقف عند الشرح وإيراد كلام العلماء، بل كان يختار بينها أحيانًا، أو يختار رأيًا خاصًا به، وقد عبّر عن ذلك بعبارات، أو بالأحرى مصطلحات مختلفة أبان من خلالها عن رأيه، وقد حاولنا أن نحصر هذه المصطلحات فوجدناها تنحصر فيما يلي: (عندي، والصحيح، والحق عندي، قلت: وهذا حق، قلت وهذا تأويل حسن، قلت: ما نقله الغزالي فواضح، وهذا هو\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٣٧٠.\n(^٢) ينظر: ص ٢٨٥١.","vol":"1","page":276},{"text":"المختار، والمختار عندنا، وهو عندنا كلام جيد مرضي، وما ذكره حق متقبل، ونحن تابعناه على ما فعل، قلنا: الصحيح عندنا، وبه نقول، والذي يظهر لي.\nونذكر أمثلة على ذلك:\nمثال: \"والحق عندي جريان القياس فيها إنْ قلنَا برجوع السببية إلى الأحكام الشرعية على ما تقدم ذلك في أوائل الكتاب\" (^١).\nمثال: \"قال الهندي: وهذا الإشكال ضعيف جدًّا؛ لأنَّ المأخوذ في حدِّ القياس إنَّما هو الإثبات لا الثبوت الذي يترتب عليه، ونتيجة القياس، وهو الثبوت لا الإثبات. قلت وهذا حقّ\" (^٢).\nمثال: \"قلت: وهذا تأويل حسن، وهو أحسن مما نقله إمام الحرمين في النهاية عن الحليمي\" (^٣).\nمثال: \"قلت: أما على ما نقله الغزالي فواضح؛ لأنّه جعله من باب العموم\" (^٤).\nمثال: \"وقد صرح إمام الحرمين في كتاب الأساليب بأن السبر والتقسيم لا يحتج به إلا إنْ قام الدليل على أنّ الحكم معلل، وأنّ العلّة\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٢٦٧.\n(^٢) ينظر: ص ٢١٧٣.\n(^٣) ينظر: ص ٢٢١٩.\n(^٤) ينظر: ص ٢٢٢٥.","vol":"1","page":277},{"text":"منحصرة في أحد أوصاف معينة ومتحدة، ثمّ يبطل ما عدا الوصف المدّعى علّة فيثبت حينئذ عليّة ذلك الوصف، وهذا هو المختار\" (^١).\nمثال: \"والمختار عندنا التوقف في حقّ الحاضرين\" (^٢).\nمثال: \"هذا تمام كلام الغزالي - ﵁ -، وهو عندنا كلامٌ جيدُ مرضيّ\" (^٣).\nمثال: \"وأطال القاضي في هذا الفصل وما ذكره حق متقبل\" (^٤).\nمثال: \"قلنا: الصحيح عندنا أنّ مسائل الربا شبهية والشبه على وجوه\" (^٥).\nمثال: \"وقد اختلف في هذا النوع واختار المصنف أنَّه حجة تبعًا لتاج الدين صاحب الحاصل، وهو ما اختاره صفي الدين الهندي، وبه نقول\" (^٦).\nمثال: \"والذي يظهر لي إطلاق الجواز فإن حفظ الجَمْعِ العظيم الخارجِ عن حدِّ الحصر مع خطة الدّين وإعلاءِ كلمة الإسلام أهمّ في مقاصد الشرع من حفظ عشرة أنفس مثلا يصيرون مستأسرين تحت ذلّ الكفر\" (^٧).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٣٨٩.\n(^٢) ينظر: ص ٢٨٩٧.\n(^٣) ينظر: ص ٢٤٢٣.\n(^٤) ينظر: ص ٢٤٤٩.\n(^٥) ينظر: ص ٢٥٤٩.\n(^٦) ينظر: ص ٢٦٢١.\n(^٧) ينظر: ص ٢٦٥٠.","vol":"1","page":278},{"text":"هذه جملة التعابير والاصطلاحات التي كان جرى بها يراعه، ولنا وقفة أخرى في ترجيحاته عند الكلام عن استقلاليته، وترجيحاته بشيء من التفصيل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>اعتناؤه بالقواعد الفقهية المتعلقة بالقواعد الأصولية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>من ذلك قاعدة: الميسور لا يسقط بالمعسور</span>.\nتكلم التاج عن هذه القاعدة الفقهية من خلال القاعدة الأصولية: وجوب المقدمة، والتي يعبِّر عنها البعض بما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. يقول التاج معلقًا على كلام والده: \"وأما قوله (أي: والده): إذا لم يجب الكل لعدم القدرة على الجزء يبقى وجوب ما سواه من الأجزاء فصحيح، ومستنده الحديث الذي أورده وهو القاعدة التي يذكرها الفقهاء: الميسور لا يسقط بالمعسور، وسنلتفت إن شاء الله في ذيل المسألة إليها\" (^١). ثم تكلم عن هذه القاعدة وذكر سبع صور فقهية تندرج تحتها وأحال الباقي على كتابه \"الأشباه والنظائر\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>وقاعدة إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم</span>؟\nذكر هذه القاعدة ضمن كلامه عن مسألة إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز؟\nقال التاج ﵀: \"واعلم أن خلاف الأصوليين في هذه المسألة\n_________\n(^١) ينظر: ص ٣٠٣.\n(^٢) ينظر: ص ٣٢٦ - ٣٢٩.","vol":"1","page":279},{"text":"يناظر اختلاف الفقهاء في أنه إذا بطل الخصوص هل يبقى العموم؟ وذلك فيمن صلى الظهر قبل الزوال فإنها لا تنعقد ظهرًا، وفي انعقادها نفلًا هذا الخلاف. ويضاهيه مسائل\" ثم ذكر ثمانية مسائل (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>وقاعدة: أنَّ الشرع يعلّق الحِكَم على مظانها المنضبطة لا على أنفسها</span>.\nذكر التاج هذه القاعدة ضمن كلامه عن مسألة: تكليف الغافل، حيث تكلم عن تكليف الصبي المميز وأن العقل لا يمنع من تكليفه، لتعقُّلِه، لكن الشارع لم يعلَّق التكليف على تعقُّل الصبي؛ لكونه وصفًا غير منضبطٍ، فعلَّق الحكم على الوصف المنضبط وهو البلوغ، مع أن خروج النطفة من حيث هو ليس هو مناط التكليف؛ إذ التكليف منوط بالعقل، لكن لما كان البلوغ مظنة العقل وكان وصفًا منضبطًا علَّق الشارع الحكم به.\nفتكلم التاج عند ذلك عن قاعدة: أن الشارع يعلّق الحِكَم (أي: المصالح) على مظانها (أي: أماكنها) المنضبطة لا على الحِكَم أنفسها، مع أنها هي مناط الحُكْم؛ لكنها لما كانت غير منضبطة لم يعلق الحُكْم بها، ثم قال: \"وفي الشريعة صور كثيرة تضاهي ذلك، بل ربما شذَّت الصورة عن الحكمة بحيث بقي الوصف فيها كضرب من التعبد، وفي ذلك فروع\"، ثم ذكر ثلاثة فروع وأحال بالباقي على كتابه \"الأشباه والنظائر\" (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٣٤٩ - ٣٥٣.\n(^٢) ينظر: ص ٤١٢ - ٤١٤.","vol":"1","page":280},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>وقاعدة: الإكراه يسقط أثر التصرف</span>.\nذكر التاج هذه القاعدة الفقهية ضمن مسألة الإكراه وأنه قسمان: ملجئ يسقط به التكليف وغير ملجئ لا يسقط به التكليف. هذا كلام الأصوليين، على خلاف مذكور في المسألة. ثم قال التاج: \"فإن قلت: قد قال الفقهاء: إن الإكراه يُسقط أثر التصرف.\nقلت: لا يلزم من كونه مسقطًا أثر التصرف أن لا يُجامع التكليف، والضابط في خطاب المكره وتصرفاته، والجمع بين كلام الأصوليين والفقهاء فيه يستدعي مزيد بسط، ولعلنا نستقصي القول فيه في كتابنا \"الأشباه والنظائر\". على أن الفقهاء قد استثنوا مسائل من هذه القاعدة \"ثم ذكر جملة من المسائل المستثناة وهي عشر مسائل\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>وقاعدة: أن ما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف</span>.\nذكر هذه القاعدة ضمن كلامه عن مسألة: دلالة الخطاب على الحكم بمنطوقه: يحمل أولًا على المعنى الشرعي، ثم على المعنى العرفي، ثم اللغوي، ثم المجازي.\nقال التاج: \"واعلم أنه من القواعد المشتهرة على ألسنة الفقهاء: أن ما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف. قال: والدي في \"شرح المهذب\": وليس هذا مخالفًا لما يقوله الأصوليون من أن لفظ الشارع\n_________\n(^١) ينظر: ص ٤١٨ - ٤٢١.","vol":"1","page":281},{"text":"يحمل على المعنى الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي. قال: والجمع بين الكلامين أن مراد الأصوليين: إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة قدَّمنا العرف. ومراد الفقهاء: إذا لم يُعرف حدُّه فِى اللغة فإنا نرجع فيه إلى العرف، ولهذا قالوا: كل ما ليس له حدٌّ في اللغة، ولم يقولوا: ليس له معنى فالمراد أن معناه في اللغة لم ينصُّوا على حده بما يبيِّنه، فيُسْتدل بالعرف عليه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>وقاعدة: الشيء يُغتفر إذا كان تابعًا ولا يُغتفر إذا كان أصلًا</span>.\nذكر التاج هذه القاعدة الفقهية عند كلامه عن الطرق التي يُعرف بها النسخ، ومن جملتها: أن يقوله الراوي: هذه الآية نزلت قبل تلك الآية، أو هذا الحديث سابق على ذلك الحديث. فإنه يقبل قوله وإن كان قبول قوله يقتضي نسخ المتواتر؛ وذلك لأن النسخ حصل بطريق التبع، والشيء يُغتفر إذا كان تابعًا ولا يُغتفر إذا كان أصلًا. ثم ذكر الفروع الفقهية المبنية على هذه القاعدة (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>وقاعدة: أن الصبي هل هو مسلوب العبارة بالكلية</span>؟\nذكر هذه القاعدة الفقهية في ضمن كلامه عن شروط الراوي المقبول روايته والتي منها التكليف، فخرج الصبي مميِّزًا كان أو غير مميِّزٍ، فتكلم عن القاعدة في الصبي هل هو مسلوب العبارة أو غير مسلوب؟ ثم ذكر الفروع المبنية على هذه القاعدة (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٩٣٤.\n(^٢) ينظر: ص ١٧٤٢ - ١٧٤٦.\n(^٣) ينظر: ص ١٨٩٢ - ١٨٩٧","vol":"1","page":282},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>تفصيل بعض المسائل تفصيلًا لا تجده عند غيره:</span>\nانظر مسألة تكليف الكفار بالفروع (^١) فقد فصَّلها تفصيلًا حسنًا، ووضَّح إشكالات وأجاب عنها بما لا تجده عند غيره والزركشي ﵀ على سعة اطلاعه واستقصائه في كتب الأصول كثير الاعتماد على كتب ابن السبكي فينقل ترتيبه في المسألة ويستفيد من تحرراته وتدقيقاته دون عزوٍ إليه، وقد استقرينا ذلك في \"البحر المحيط\" وأشرنا إلى ذلك مرارًا في بعض المسائل في التحقيق، والقصد بهذا هنا هو أن عدم عزو الزركشي الفائدة إلى ابن السبكي يدل على أنه لم يجدها عند غيره وإلا لصرَّح بذلك كما هي عادته المتضحة بالاستقراء، ولا أشك أن الزركشي - ﵀ - على جلالة قدره عالة على التاج في كثير من الفرائد والفوائد التي يسطرها في كتابه، هذا بالاستقراء فقط من خلال \"الإبهاج\"، ولم نستقرئ من خلال كتابه الآخر \"رفع الحاجب\"؛ إذ لم يكن متوفرًا لدينا أثناء التحقيق، وبالجملة فالتاج - ﵀ - عمدة لمن بعده، استفاد منه الجميع، ونهل من مؤلفاته سائر المحققين من مختلف المذاهب، لا يشك في هذا مَنْ عنده معرفةٌ بكتب الأصول وبكتب التاج ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>ذكره لأمور لم يُسبق إليها:</span>\nيشير التاج - ﵀ - إلى بعض الفوائد التي ينفرد بها ولا يعلم أحدًا سبقه إليها، هذا عدا انفراده ببعض النقول والفوائد التي ينفرد بنقلها\n_________\n(^١) ينظر: ص ٤٤٩ - ٤٧٢.","vol":"1","page":283},{"text":"عن والده، وهي من الدرر والكنوز التي لا يعملها لغيره وإلا لأشاد بذلك، والتقي مشتهرٌ بذلك بين العلماء، كما قال السيوطي - ﵀ - عنه.\nفمما أشار إليه أنه لم يسبق إليه ولا نعلم أنه استُدرك عليه ادعاؤه - قوله: \"ومن الدلائل الواضحة على أن الكافر مكلَّف بالفروع مطلقًا ولم أرَ مَنْ ذكره - قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ (^١) إذ لا يمتري الفهم في أن زيادة هذا العذاب إنما هو بالإفساد الذي هو قَدْرٌ زائدٌ على الكفر، إما الصدُّ أو غيره\" (^٢).\nوفي مسألة مفهوم الصفة وأن مَنْ قال به اشْتَرَط فيه أن لا يظهر لتعليق الحكم على الصفة فائدة أخرى غير التعليق بها، كأن يكون ذِكْر الصفة خارجًا مخرج الغالب فلا يكون المتكلم ذاكرًا الصفة بقصد التعليق، بل حكايةً للحال، أو أن يكون ذِكْر الصفة بسبب سؤال سائل عن حكم إحدى الصفتين، فَيَرِد الجواب على السؤال فلا يدل ذكر الصفة أن المجيب قَصَد مخالفةَ الحكم عند عدم الصفة.\nثم أورد إشكالًا على اشتراط ألا يخرج مخرج الغالب بقوله: \"فإن قلت: هذا لا يتضح بالنسبة إلى كلام الله تعالى؛ لأنه لا يخفى عليه خافية، فهو يعلم ذلك النادر. قال: وإنما يتبيَّن لي دخوله في كلام الآدميين.\n_________\n(^١) سورة النحل: الآية ٨٨.\n(^٢) ينظر: ص ٤٦٨.","vol":"1","page":284},{"text":"وقد أجيب عنه في كتابي \"الأشباه والنظائر\" بما لو عُرض على ذوي التحقيق لتلقوه بالقبول فقلت: الخلاف جارٍ في كلام الله تعالى لا للمعنى الذي ذكره ابن المرحِّل، بل لأن كلام الله منزَّلٌ على لسان العرب وقانونهم وأسلوبهم، فإذا جاء فيه لفظ عام تحته صورة نادرة، وعادة العرب إذا أطلقت ذلك اللفظ لا تمر تلك الصورة ببالها. نقول: هذه الصورة ليست داخلة في مراد الله تعالى من هذا اللفظ وإن كان عالمًا بها؛ لأن هذا اللفظ يطلق عند العرب ولا يراد هذه الصورة، كما يجيء في القرآن ألفاظ كثيرة يستحيل وقوع معانيها من الله تعالى: كالترجي، والتمني، وألفاظ التشكيك، وكل ذلك منتف في جانبه تعالى، وإنما تجيء لِكَوْن القرآن على أسلوب كلام العرب\" (^١).\nوفي مسألة المفرد المضاف هل يعم قال التاج ﵀: \"ومما يدل على أن المفرد المضاف يعم ولم نَرَ مَنْ ذكره قولُه تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ (^٢) فإن المراد موسى المرسَل إلى فرعون، ومعه هارون، ولوط المرسَل إلى المؤتفكات\" (^٣).\nوفي مسألة الاستثناء من النفي هل هو إثبات؟ الجمهور على كونه إثباتًا، وأبو حنيفة - ﵀ - على خلاف ذلك، بل يقول بأن الاستثناء من النفي لا يدل إلا على أن المستثنى مخرج من الحكم عليه بالنفي\n_________\n(^١) ينظر: ص ٩٥٣.\n(^٢) سورة الحاقة: الآية ٩.\n(^٣) ينظر: ص ١٢٥٤.","vol":"1","page":285},{"text":"من غير تعرض لحكم المستثنى بنفي أو إثبات، فمثلًا إذا قلنا: ما قام القوم إلا زيدًا؛ لم يكن استثناء زيدٍ إلا إخراجًا له من الحكم عليه بنفي القيام، وليس في الاستثناء إثبات للقيام ولا نفيه، بل هو مسكوت عنه يمكن أن يكون قائمًا ويمكن أن لا يكون قائمًا، فحكم القيام لزيد مسكوتٌ عنه لم يتعرَّض له، بل المُتّعرَّض له هو إخراج زيدٍ من الحكم عليه بالنفي.\nومع أن الراجح عند التاج هو مذهب الجمهور إلا أنه استدل لمذهب الحنفية بدليل من عنده لم يقولوه والظاهر أنه لم يسبق إليه، يقول ﵀: \"قلت: وقد وقع لي في بعض المجالس الاستدلال على صحة مذهب أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^١)، وجه الحجة: أنه لو كان الاستثناء من النفي إثباتًا لكان المرء مكلفًا بكل ما تسعه نفسه؛ لأن الوُسْع مستثنى في قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا﴾ وقد أضيف بقوله: ﴿وُسْعَهَا﴾ فيقتضي العموم بناءً على أن المفرد المضاف يعم والتقدير: لا يكلف الله نفسًا إلا بكل ما تسعه، فيكون كل ما تسعه مكلفة به، وليس كذلك. وكان البحث بين يدي والدي أيده الله، فاستحسن ذلك\" (^٢).\nوفي مسألة العدد الذي يشترط لحصول التواتر في الخبر: ذكر التاج قول من يقول بأن التواتر يحصل بعدد أهل بدر، ثم تعرض لبيان عدد أهل بدر فنقل قولَ مَنْ يقول بأنهم كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا، ثم قال: \"ولعل الناظر في كتب المحدثين يجد أنهم كانوا ثلاثمائة رجل وخمسة\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٨٦.\n(^٢) ينظر: ص ١٤٠٧.","vol":"1","page":286},{"text":"رجال، وهو أيضًا غير مباين؛ وذلك لأن الذين خرجوا مع النبي - ﷺ - في غزوة بدر للمقاتلة ثلاثمائة رجل وخمسة رجال، ولم يحضر الغزوة ثمانية من المؤمنين، أدخلهم النبي - ﷺ - في حكم عداد الحاضرين وأجرى عليهم حكمهم، فكانت الجملة ثلاثمائة وثلاثة عشر، فاستفد هذا فإن جماعة من المحدثين ذهلوا عنه، حتى حكاه بعضهم خلافًا، فقال: قيل: ثلاثمائة وثلاثة عشر، وقيل: ثلاثمائة وخمسة رجال كالحافظ شرف الدين الدمياطي وغيره، والجمع بين القولين ما أشرنا إليه\" (^١).\nوظاهر أن الجمع باجتهاده إذ لم يعزه لغيره، هذا هو الظن به، لكن ذكر الحافظ ابن حجر - ﵀ - أن ابن سعد - ﵀ - قال به في \"الطبقات الكبرى\" (^٢) فيكون هذا من موافقة الاجتهادين. والله أعلم (^٣).\nوانظر ما نقله عن والده في الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص، فهو من نفائس البحوث التي لم يتعرَّض لها الأصوليون، وأتى فيها التقي بما لم يسبق إليه (^٤).\nوانظر أيضًا ما نقله عن والده في الفرق بين مسألتي: النهي عن الشيء هل هو أمرٌ بضده أم لا؟ وما هو مطلوب النهي هل هو الكفُّ أو الانتفاء؟\n_________\n(^١) ينظر: ص ١٨٣٨ - ١٨٣٩.\n(^٢) انظر الطبقات: ٢/ ١٨ - ١٩.\n(^٣) انظر: فتح الباري ٧/ ٢٩٢.\n(^٤) ينظر: ص ١٣٤٦ - ١٣٤٧.","vol":"1","page":287},{"text":"وقد نقل عن والده - ﵀ - في بيان الفرق بينهما بحثًا مطوَّلًا هو من فرائد التقي ﵀، حتى قال التاج في آخره: \"هذا آخر ما ذكره والدي أيده الله، ولا ينبغي أن يُمَلَّ التطويل في هذه المسألة، ففيه من الفوائد ما لا يوجد في سواه\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>عنايته بالفوائد الأصولية:</span>\nوأعني بها الفوائد المستخرجة من بعض المسائل الأصولية، أو المتعلقة بها فمن ذلك:\nالمقدمات الست التي افتتح بها باب العموم، وهي من الفوائد المهمَّة لا سيما المقدمة الثالثة والرابعة فهما أهم تلك الفوائد، ولولا أن في ذكرهما إطالة لذكرتهما (^٢).\nمسألة أقل الجمع: قال فيها التاج: \"للخلاف في هذه المسألة فائدة أصولية، وفوائد فروعية:\nأما الأصولية: فهي النظر إلى الغاية التي ينتهي التخصيص إليها، وهي المسألة المتقدمة. وقال الأستاذ أبو إسحاق في أصوله بعد أن عزا ما ذكرناه إلى بعض الأصحاب: هذه فائدة مزيَّفة لأن أئمتنا مجمعون على جواز تخصيص الجمع والعموم بما هو دليل إلى أن يبقى تحته واحد. انتهى. وهي فائدة، وقد عرفت الخلاف المتقدم؟ \". يعني: فائدة هذه المسألة صحيحة لا\n_________\n(^١) ينظر: ص ١١٧٥ - ١١٨٨.\n(^٢) ينظر: ص ١١٩٣ - ١٢١٨.","vol":"1","page":288},{"text":"مزيَّفة كما يقول أبو إسحاق ﵀؛ إذ الإجماع الذي حكاه غير صحيح، فالمسألة فيها خلاف سبق ذكره (^١).\nومن ذلك أيضًا: الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أريد به الخصوص (^٢).\nوفي مسألة البيان بالفعل: ذكر البيضاوي أن الفعل بيان لأنه أدل من القول على المقصود؛ لأن فيه المشاهدة. وفي تعارض القول مع الفعل يرى البيضاوي والجمهور أن القول مقدَّم، وعلل البيضاوي ذلك بكون القول يدل على البيان بنفسه، بخلاف الفعل فإنه لا يدل إلا بواسطة انضمام القول إليه، والدالُّ بنفسه أدل (^٣).\nفقال التاج ﵀: \"فائدة: قد ذكر المصنف هنا (أي: في مبحث البيان) أن الفعل أدل من القول، وأن القول يدل بنفسه، يعني: فيكون أدل. وظاهر هذا التنافي بين الكلمتين، والتحقيق أن الفعل أدل على الكيفية، والقول أدل على الحكم، ففعل الصلاة أدل من وصفها بالقول؛ لأن فيه المشاهدة. واستفادة وقوعها على جهة معيَّنة من واجب أو ندب أو غيرهما بالقول أقوى وأوضح من الفعل؛ لصراحته\" (^٤).\nوفي مسألة النسخ إلى غير بدل: قال التاج ﵀: \"فائدة: قال\n_________\n(^١) ينظر: ص ١٣٣٥ - ١٣٣٦.\n(^٢) ينظر: ص ١٣٤٦ - ١٣٦٢.\n(^٣) ينظر: ص ١٥٩٤.\n(^٤) ينظر: ص ١٥٩٥.","vol":"1","page":289},{"text":"الشافعي في \"الرسالة\" في ابتداء الناسخ والمنسوخ: وليس يُنْسخ فرضٌ أبدًا إلا أُثْبت مكانه فرضٌ، كما نُسخت قِبْلة بيت المقدس فأثبت مكانها الكعبة. انتهى. وظاهر هذه العبارة أنه لا يقع النسخ إلا ببدل، وليس ذلك مراده، بل هو موافق للجماهير على أن النسخ قد يقع بلا بدل، وإنما أراد الشافعي بهذه العبارة كما نبَّه عليه أبو بكر الصيرفي في \"شرح الرسالة\": أنه يُنقل من حظرٍ إلى إباحة، أو إباحة إلى حظر أو تخيير، على حسب أحوال الفروض. قال: ومَثَل ذلك مَثَلُ المناجاة: كان يُناجى النبي - ﷺ - بلا تقديم صدقة، ثم فَرَض الله تقديم الصدقة، ثم أزال ذلك، فردهم إلى ما كانوا عليه، فإن شاؤوا تقربوا بالصدقة إلى الله، وإن شاؤوا ناجَوْه من غير صدقة. قال: فهذا معنى قول الشافعي: \"فرضٌ مكان فرض\" فتفهَّمه. انتهى. وهذا لا يخالفه فيه الأصوليون، فإنهم يقولون: إذا نُسخ الأمر بقوله: رفعتُ الوجوب، أو التحريم، مثلًا عاد الأمر إلى ما كان عليه، وهو حكم أيضًا\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>الإحالات العلمية</span>\nسبق وأن ذكرنا أن التاج كان آية في زمانه في شتى الفنون، وقد ساعده على ذلك بيئته العلمية وتقلبه بين يدي العلماء المبرزين، زد على ذلك ما ورثه عن أبيه من مكتبة زاخرة بالمصادر والمراجع في علوم مختلفة. ولذا فإحالاته كثيرة سواء على مصادر أخذ منها منسوبة لغيره، أو مصادر له من تأليفه.\n_________\n(^١) ينظر: ص ١٦٧٤ - ١٦٧٥.","vol":"1","page":290},{"text":"أما مؤلفاته فقد أحال على كتاب الأشباه والنظائر مرارًا في شرحه، وعبارته تكررت كثيرًا فمنها على سبيل المثال:\nمثال: \"وفي كتابنا الأشباه والنظائر تممه الله تعالى منه ما لا مزيد على حسنه ولا مطمع للطالب في الإحاطة في أكثر منه\" (^١).\nمثال: \"ولعلنا: نأتي إن شاء الله تعالى منه في كتابنا الأشباه والنظائر بالعجب العجاب\" (^٢).\nمثال: \"وهذه قاعدة في الفقه عظيمة كثرت مسائلها، ومن أراد الإحاطة بفروعها فعليه بكتابنا الأشباه والنظائر أتمه الله\" (^٣).\nمثال: \"وينعرج هذا إلى أنَّه قد يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام عكس القاعدة الأولى وهو في مسائل معدودة غير عديدة استقصيناها في كتابنا الأشباه والنظائر كمله الله تعالى\" (^٤).\nمثال: \"وقد أتينا في كتابنا الأشباه والنظائر أتمه الله تعالى في هذه القاعدة بعد تحققها من سرد فروعها ما تقرّ الأعين فعليك به\" (^٥).\nمثال: \"وقد قال أبو العباس ابن القاص لا يستثنى عن هذه القاعدة إلا إحدى عشرة مسألة فيترك اليقين فيها بمجرد الشك، وقد سردناها في\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٣٧٣.\n(^٢) ينظر: ص ٢٤٩١.\n(^٣) ينظر: ص ٢٥٦٥.\n(^٤) ينظر: ص ٢٥٦٦.\n(^٥) ينظر: ص ٢٦١٩.","vol":"1","page":291},{"text":"الأشباه والنظائر وزدنا ما أمكن مع التحري والتحرير في كلّ ذلك فلا نطول بذكره هنا\" (^١).\nمثال: \"ولعلنا نتعرض لهذه القاعدة في الأشباه والنظائر كمّله الله تعالى\" (^٢).\nوأما الإحالات إلى الكتب الأخرى، فقد أحال على مؤلفات شتى مثال ذلك إحالته على كتب أبيه. يقول مثلًا: \"والمسألة في شرح المنهاج لوالدي مبسوطة\" (^٣).\nمثال آخر: \". . . وتفاصيل هذه المسألة وحجج الأصحاب فيها مبسوطة في الكتب الكلامية، والمصنف أحال في ذلك على كتابه مصباح الأرواح\" (^٤).\nوهناك إحالات من نوع آخر وهي الإحالات في نفس الشرح، إحالات بين الأبواب والفصول، لاحقة أو سابقة.\nمثال: \"وتحقيق هذا يتلقى من فاتحة كتاب العموم والخصوص من هذا الشرح وسننتهي إليه إن شاء الله\" (^٥).\nمثال آخر: \"قلت وهذا الذي مشى عليه الإمام والمصنف في كتاب\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٦٢٠.\n(^٢) ينظر: ص ٢٥٦٥.\n(^٣) ينظر: ص ٤٢٠.\n(^٤) ينظر: ص ٣٦٦ - ٣٦٧.\n(^٥) ينظر: ص ٧٧٥.","vol":"1","page":292},{"text":"القياس كما سينتهي الشرح إليه إن شاء الله\" (^١).\nمثال آخر: \"تقدم في كتاب القياس أن المناسب إما أن يعلم أن الشارع اعتبره أو ألغاه، أو يجهل حاله، وانفصل القول البليغ في القسمين الأولين، والنظر هنا في الثالث، وقد يعبر عنه بالمصالح المرسلة\" (^٢).\nوبهذا القدر من الأمثلة، لعلنا أن نكون قد وفقنا في إظهار بعض جوانب هذه النقطة من المنهج.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>الاستدلال بالأدلة النقلية من الكتاب والسنة والإجماع، وآراء الصحابة وأشعار العرب وأقوال أهل اللغة، والأدلة العقلية</span>.\nشأن كلّ أصوليٍّ وفقيه، الاستدلال بالأدلة، والبحث عن الدليل للمسألة التي يبحثها، وعملًا بحديث معاذ - ﵁ - المشهور حين بعثه رسول الله - ﷺ - إلى اليمن، فذكر تدرجه في الأدلة، ابتداء بالكتاب فالسنة إلى آخر الأدلة، وعلى هذا مشى كل من جاء بعده، فالتاج ليس بدعًا من العلماء، فلم يشذ عن هذه الطريقة، بل التزم بهذا المنهج، فيبحث عن الأدلة في الكتاب فإن لم يجد ففي السنة، ثم الإجماع ثم القياس، ثم أقوال الصحابة، ومن تبعهم، ثم بقية الأدلة العقلية. بالإضافة للأدلة التي يستأنس بها من أشعار العرب، وأقوال لأهل اللغة، وحتى نتبين ذلك مليًا، نذكر له بعض الأمثلة من شرحه كما هو المتبع في بقية النقاط في ذكر منهجه.\n_________\n(^١) ينظر: ص ٥٥١.\n(^٢) ينظر: ص ٢٦٣٣.","vol":"1","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>مثال للاستدلال من الكتاب والسنة والإجماع، والدليل العقلي واللغة:</span>\n\" أما المقدمة الأولى؛ فلأنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع.\nوأما الثانية: فلأن الاعتبار مشتق من العبور وهو المجاوزة والعبور تقول عبرت عليه وعبرت النهر.\nوأما الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^١) أمر بماهية الاعتبار وهو أمر شامل لجميع أنواع الاعتبار، ومن جملة أفراده القياس، فوجب أنْ يكونَ مأمورًا به. . . . .\nالوجه الثاني: من الوجوه الدالة على حجيّة القياس السنة، وتلك في قصتين: قصة معاذ وقصة أبي موسى. . . .\nالوجه الثالث: مما يدلّ على أنّ القياس حجّة، وهو معتمد الجمهور: الإجماع. . . . . .\nهذا وجه عقلي وتقريره: أنّ المجتهد إذا ظن أنّ الحكم في الأصل معلّل بعلّة موجودة في الفرع، حصل له ظنّ ثبوتِ الحكمِ في الفرعِ، والظنُّ بوجودِ الشيءِ يستلزم الوهمَ بعدمِه؛ لعدمِ انفكاك كلٍّ من الظنّ أو الوهم عن الآخر\" (^٢).\nمثال آخر: \"واستدل المصنف على أنّ الأصل في المنافع الإباحة بآيات:\n_________\n(^١) سورة الحشر: الآية ٢.\n(^٢) ينظر: ص ٢١٩٠ - ٢١٩١، ٢١٩٥، ٢١٩٩، ٢٢٠٦ - ٢٢٠٧.","vol":"1","page":294},{"text":"الأولى: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (^١) واللام تقتضي التّخصيص بجهة الانتفاع، فيكون الانتفاع بجميع ما في الأرض جائزًا إلّا الخارج بدليل.\nوالثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (^٢) أنكر على من حرّم زينته، فوجب أن لا يثبت حرمتها ولا حرمة شيء منها وإذا انتفت الحرمة ثبتت الإباحة.\nوالثالثة: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (^٣) واللام في لكم للاختصاص على جهة الانتفاع كما عرفت، وليس المراد بالطيبات الحلال، وإلا يلزم التكرار بل المراد ما تستطيبه النفوس.\nواستدل على أنّ الأصل في المضارّ التّحريم:\nبما روى الدارقطني من قوله - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضرار\" (^٤).\nمثال آخر: \"فقد احتج المصنف على أنّ قول الصحابي ليس بحجة مطلقًا بثلاثة أوجه:\nأولها: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ أمر بالاعتبار وذلك ينافي التقليد كذا قرره الإمام. . .\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٩.\n(^٢) سورة الأعراف: الآية ٣٢.\n(^٣) سورة المائدة: الآية ٥.\n(^٤) ينظر: ص ٢٦٠٠ - ٢٦٠١.","vol":"1","page":295},{"text":"والثاني: أنّ الصحابة أجمعوا على مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة. . . . .\nوالثالث: قياس الفروع التي هي محل الخلاف على الأصول لامتناع كون قولهم حجّة فيها على غيرهم من المجتهدين اتفاقًا والجامع كون المجتهد متمكنًا من إدراك الحكم بطريقه\" (^١).\nمثال آخر: \"أقول: القياس في اللغة: التقدير، ومنه قست الأرض بالخشبة أي قدرتها بها والتسوية، ومنه قاس النعل بالنعل أي حاذاه، وفلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه، قال الشاعر:\nخِفْ يا كَرِيمُ عَلَى عِرْضٍ يُدَنِّسُهُ ... مَقَالَ كُلِّ سَفِيهٍ لَا يُقَاسُ بِكَا\nوبهذا المعنى يطلق على القياس المصطلح؛ لأنَّ الفرع يساوي الأصل في الحكم\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>ذكر وجه الدلالة من النصوص</span>\nمثاله: \"قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَار﴾ (^٣) أمر بماهية الاعتبار وهو أمر شامل لجميع أنواع الاعتبار، ومن جملة أفراده القياس، فوجب أنْ يكونَ مأمورًا به\" (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٦٧٧، ٢٦٧٨، ٢٦٧٩.\n(^٢) ينظر: ص ٢١٥٧ - ٢١٥٨.\n(^٣) سورة الحشر: الآية ٢.\n(^٤) ينظر: ص ٢١٩١.","vol":"1","page":296},{"text":"مثال آخر: \"قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^١)، والقول بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله، إذ هو قول بغير الكتاب والسنة.\nوأيضًا فالقياس إنّما يفيد الظنّ، والظنّ منهي عنه لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢)، وقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^٣) أي ولا تتبع ما لا تعلم، نهي عمّا ليس بعلم، ومن جملته الظنّ.\nوأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٤). يقتضي الاستغناء عن القياس\" (^٥).\nمثال: \"ومنها قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٦) مع قوله في آية أخرى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^٧) فظاهر الأولى وضع السيف فيهم حيث يثقفون، وظاهر الآية الثانية يقتضي جواز أخذ الجزية من أصناف الكفار من غير فصل.\nوقال - ﷺ -: \"خذوا من كل حالم دينارًا\" وقال: \"أمرت أنْ أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\" الحديث، وظاهر هذا أنّ الجزية لا تؤخذ\n_________\n(^١) سورة الحجرات: الآية ١.\n(^٢) سورة الأعراف: الآية ٣٣.\n(^٣) سورة الإسراء: الآية ٣٦.\n(^٤) سورة الأنعام: الآية ٥٩.\n(^٥) ينظر: ص ٢٢٠٩.\n(^٦) سورة التوبة: الآية ٥.\n(^٧) سورة التوبة: الآية ٢٩.","vol":"1","page":297},{"text":"وأن ليس بيننا وبين الكفار إلا السيف أو الإسلام فيجمع بين الظاهرين ويأخذ الجزية من أهل الكتاب بآية الجزية ونضع السيف فيمن ليس مستمسكًا بكتاب ولا شبهة كتاب لظاهر الآية الواردة في القتل\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>إيراد أدلة الخصوم وشبههم ومناقشتها وبيان وجه الضعف فيها</span>\nمثال: \". . . شُبَه الخصوم ستة: أولها: ما تعلقوا به من الكتاب وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^٢) والقول بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله، إذ هو قول بغير الكتاب والسنة.\nوأيضًا فالقياس إنما يفيد الظنّ، والظنّ منهي عنه لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٣).\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^٤) أي ولا تتبع ما لا تعلم، نهي عمّا ليس بعلم، ومن جملته الظنّ.\nوأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٥) يقتضي الاستغناء عن القياس.\nوأيضًا قوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٧٣٤ - ٢٧٣٥.\n(^٢) سورة الحجرات: الآية ١.\n(^٣) سورة الأعراف: الآية ٣٣.\n(^٤) سورة الإسراء: الآية ٣٦.\n(^٥) سورة الأنعام: ٥٩.\n(^٦) سورة النجم: الآية ٢٨.","vol":"1","page":298},{"text":"وأجاب: في الكتاب بأن الحكم مقطوع به لا مظنون، والظنّ وقع في طريقه كما تقرر في أول الكتاب.\nفإنْ قلت: هذا يشعر بأنه سلم أنّ الظنّ مذموم، لكنه وقع في طريق الحكم لا فيه، وعلى هذا يكون الطريق مذمومًا، ويكون الحكم كذلك؛ لأنّه مستفاد من الطريق. . . . واعلم أنّ هذا الذي أجاب به المصنف ليس شاملا للآية الأولى ولا للآية الرابعة.\nوالجواب عن الآية الأولى، أنّا لا نسلم أنّ العمل بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله؛ لأنّه ثبت بالكتاب والسنة كما تقدم.\nوعن الرابعة بأنّه عام مخصوص؛ لعدم اشتمال الكتاب على جميع الجزئيات\" (^١).\nمثال آخر: \"الشبهة الثانية للخصوم: ما روي من قوله - ﷺ -: \"تعمل هذه الأمة برهة - أي قطعة - من الزمان بكتاب الله ثم تعمل برهة بسنة رسول الله - ﷺ -، ثمّ تعمل برهة بالرأي، فإذا قالوا بالرأي، فقد ضلّوا وأضلّوا\".\nالثالثة: الإجماع فإنّه قد نقل عن بعض الصحابة ذمّ الرأي من غير نكير، فكان إجماعًا.\nوالجواب عن هذين الدليلين بأنّهما معارضان بمثليهما سنّة وإجماعًا، كما سلف فيجب الجمع بين الدليلين، بأنْ يحمل الذمّ على القياس الفاسد\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٢٠٩ - ٢٢١٠، ٢٢١١.","vol":"1","page":299},{"text":"دون الصحيح كما سبق. هذا ما في الكتاب.\nوالحديث المشار إليه لا تقوم به الحجّة، ولا يصلح معارضًا؛ لأنَّ رواية جبارة بن المغلس وهو ضعيف، عن حماد بن يحيى الأبح، وقد قال فيه البخاري: يهم في الشيء بعد الشيء.\nقال ابن عدي: وسمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: حماد بن يحيى الأبح روى عن الزهري حديثا معضلًا، يعني هذا الحديث، ورواه حماد عن الزهري كما ذكر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا.\nفإن قلت: سلمنا ضعفَ الحديث ومعارضتَه لما تقدم، ومعارضةَ الإجماع أيضًا، وأنّه يجب التوفيق بينهما\" (^١).\nوبهذين المثالين يمكن أن نحكم على بقية الشرح، ونتعرف على منهجه في الباقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>تعامله مع القضايا الفقهية</span>\nحين ترجمنا للتاج السبكي، قلنا: إنه يعد من فقهاء الشافعية، فقد كالن متضلعًا في المذهب، بل يختار أحيانًا ويرجح بين الأقوال داخل المذهب. كما أن له مؤلفات فقهية ذكرناها في الترجمة. ومن هذه المعطيات كان يتعامل مع القضايا الفقهية تعامل الرجل الممارس للفقه، صاحب الملكة الفقهية، المطلع على المذهب، العارف بخباياه، ونظرة سريعة على المصادر التي استعملها أثناء الشرح، تعطيك انطباعًا واضحًا على مدى\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٢١٣ - ٢٢١٥.","vol":"1","page":300},{"text":"رسوخه في مذهبه. ولذلك ينحو في شرحه منحى تخريج الفروع على الأصول خاصة في كتاب التعادل والتراجيح فقد أكثر الأمثلة من الفروع الفقهية. وبذكر الأمثلة تتضح الصورة أكثر وتبدو ناصعة.\nمثال: \"وأما تحقيق المناط: فهو أنْ يتفق على عليّة وصف بنص أو إجماع، ويجتهد في وجودها في صورة النزاع كالاجتهاد في تعيين الإمام بعدما علم من إيجاب نصب الإمام، وكذا تعيين القضاة والولاة وكذا في تقدير التعزيرات، وتقدير الكفاية في نفقة القريب. وإيجاب المثل في قيم المتلفات، وأروش الجنايات، وطلب المثل في جزاء الصيد، فإنّ مناط الحكم في نفقة القريب الكفاية وذلك معلوم بالنّص\" (^١).\nمثال آخر: \"ومنها الجنين يضمن بالغرّة ويستوي فيه الذكر والأنثى. ومنها المقدرات الشرعية في الشجاج كالموضحة مع اختلافها في الصغر والكبر. ومنها جزاء الصيد فليس من شرط الضمان أنْ يكون بالمثل أو القيمة من النقدين ولا من شرط المثل أنْ يضمن بالمثل والعدول في الأمور التي لا تنضبط إلى شيء مقدر لا يختلف من محاسن الشريعة قطعًا للتشاجر والتخاصم. والتمر كان أغلب أقواتهم كما أنّ الإبل غالب أموالهم\" (^٢).\nمثال آخر: \"مثاله قولنا: رقّ الأمّ علّة رقّ الولد، فيكون هذا الولد رقيقًا، فإنْ نقض بولد المغرور، بحرية الجارية حيث كان رقّ الأمّ موجودًا مع انعقاد الولد حرًّا.\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٣٩٩.\n(^٢) ينظر: ص ٢٤٣٦ - ٢٤٣٧.","vol":"1","page":301},{"text":"قلنا: رقّ الولد موجود تقديرًا أو مقدر وجوده إذ لو لم يقدر رقّه لم نوجب قيمته، إذ لا قيمة في الحرّ، ولذلك حكي وجه: أنَّه ينعقد رقيقًا ثمّ يعتق على المغرور، حكاه الرافعي في كتاب العتق وجزم في النكاح بخلافه\" (^١).\nمثال آخر: \"وأيضًا، فلعل أبا بكر - ﵁ - نهى زيدًا عن الحكم فيما يخالفه فيه، وقصر توليته على الحوادث التي يوافقه فيها. وقد صرح بجواز مثل هذا الماوردي كما نقله الرافعي فقال: ولو ولَّى الإمام رجلًا، وقال: لا تحكم في قتل المسلمِ [بـ] الكافرِ والحرِّ [بـ] العبْدَ، جاز وقد قصر عمله على باقي الحوادث. وواقعة زيد واقعة عين، لا يمكن فيها نفي هذا الاحتمال\" (^٢).\nمثال آخر: \"قال الرافعي: فالقياس أنّا إنْ أوجبنا تقليدَ الأعلم، فهو كما لو تغير اجتهاد مقلده وإلا فلا أثر له. قال النووي: وهذا ليس بشيء بل الوجه الجزم بأنّه لا يلزمه شيء ولا أثرَ لقولِ الثاني\" (^٣).\nمثال آخر: \"وحاصل هذا أنَّه لا عموم وخصوص في هذه الصورة وليس للشافعي إلزام الحنفي بها؛ لأنَّ الضمان إذا ثبت لا يستقر على المكره، وهو كلام صحيح، إلا أنّ المذهب الصحيح المشهور في الجديد أنّ قرار الضمان في مسألة التغرير على الآكل دون المضيف، والصحيح في\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٤٥٥ - ٢٤٥٦.\n(^٢) ينظر: ص ٢٩٢٨ - ٢٩٢٩.\n(^٣) ينظر: ص ٢٩٣٣.","vol":"1","page":302},{"text":"مسألة الإكراه استقرار الضمان على المكْرِه بكسر الراء على خلاف ما قاله فيهما\" (^١).\nمثال آخر: \"فهذا الخبر يقتضي ثبوت رمضان بشهادة الواحد، ويترتب عليه وجوب الصوم، وحلول الدّين المؤجل، ووقوع الطلاق والعتاق المعلقين به، وهو معارض للقياس، فإنّه يقتضي عدم ثبوته بقول الواحد، كما في سائر الشهور ويترتب على عدم ثبوته عدم ترتب شيء مما ذكرناه، فيحمل الأوّل على وجوب الصوم، والقياس على عدم حلول الأجل والطلاق والعتاق، وهذا قد صرح به القاضي الحسين والبغوي، لكن قال الرافعي: لو قال قائل: هلا يثبت ذلك ضمنًا كما سبق نظيره لأحوج إلى الفرق.\nوالذي سبق أنا إذا قلنا بالقول الصحيح، وصُمْنَا بقول الواحد، ولم نر الهلال بعد ثلاثين أفطرنا على أحد الوجهين وإن كنّا لا نفطر بقول واحد ابتداء ولا يثبت به هلال شوال على المذهب الصحيح؛ وذلك لأنّه لا يجوز أنْ يثبت الشيء ضمنا بما لا يثبت به أصلًا ومقصودًا، ألا ترى أنّ النسب والميراث لا يثبتان بشهادة النساء ويثبتان ضِمنًا للولادة إذا شهدن عليها.\nوفرق ابن الرفعة بأن النّسب والميراث وكذا الإفطار عقيب الثلاثين لازم للمشهود فلا يتعقل ولادة منفكة عن النسب والميراث ولا صوم ثلاثين يومًا بوصف كونها رمضان منفكة عن الفطر بعدها، والدّين\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٤٨٧.","vol":"1","page":303},{"text":"والطلاق والعتاق ليس يلزم استهلال الشهر ويعقل انفكاكه عنه. قال: وقد أشار إلى مثله ابن الصباغ\" (^١).\nنكتفي بهذا القدر من الأمثلة، ويمكن لمن أراد المزيد أن يطالع شرحه، فهو مليء بهذه الفروع، مما يدل على أن الرجل ليس بهين في هذا المضمار، وسيصل كل من طالع شرحه إلى نتيجة حتمية وهي: أنه فارس هذا الميدان، بل حاز قصب السبق فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>موقفه من آراء العلماء</span>\nيمكن أن نوضح موقفه من العلماء من وجهين اثنين، لأنه أحيانا يتحدث عن الآراء الجماعية للعلماء، وأحيانا يتحدث عن<span data-type=\"title\" id=toc-152> الآراء الفردية </span>لكل عالم من علماء الأصول، وبناء عليه فسأفرد لكل جانب عنوانًا خاصًا.\nالآراء الفردية:\nيذكر تارة الرأي منسوبًا لصاحبه، ويصدره بقوله: قال أبو الحسين مثلًا، قال إمام الحرمين، قال الغزالي، قال الرازي، قال صفي الدين الهندي، إلى غير ذلك (^٢)\nوقد يعبر بلفظ: صرح بكذا، أو مقتضى كلام. مثاله: \"وقد صرح الآمدي بما ذكرناه، وقال: احتمال تأخر التشديد أظهر، وتبعه ابن الحاجب\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٧٣٠ - ٢٧٣٢.\n(^٢) ينظر: على سبيل المثال الصفحات التالية: ٢١٧٢، ٢١٩٣، ٢٢٠٤، ٢٢٧٥، ٢٢٧٦، ٢٤٧٨، ٢٤٧٩، ٢٥٤٦، ٢٦٦٢.","vol":"1","page":304},{"text":"والإمام\" (^١).\nوتارة يقول: ذكره فلان من العلماء وهو مقتضى كلام فلان كما في المثال: \"كذا ذكره صفي الدّين الهندي وغيره، وهو مقتضى كلام الآمدي\" (^٢).\nوتارة يذكر الرأي في المسألة ثم يعقب عليه بلفظ نصّ عليه فلان، مثاله: \"قال إمام الحرمين في البرهان: والشافعي نصّ على هذا في الكثير\" (^٣).\nوتارة يقول: جزم به فلان، مثاله: \"وبه جزم المصنف واختاره الإمام، وأكثر الأشاعرة\" (^٤).\nوتارة يقول واختاره فلان. مثاله: \"والرابع: واختاره الآمدي وابن الحاجب أنّها الباعث\" (^٥).\nوتارة أوردها فلان: \"وهذه الأقسام الأربعة أوردها الغزالي كما ذكرناها\" (^٦).\nبالإضافة إلى هذا فقد كان كثير الاقتباس والنقل - كما سبق وأن\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٧٩٩.\n(^٢) ينظر: ص ٢٥١٠.\n(^٣) ينظر: ص ٢٣٣١.\n(^٤) ينظر: ص ٢٢٨٤.\n(^٥) ينظر: ص ٢٢٨٦.\n(^٦) ينظر: ص ٢٦١١.","vol":"1","page":305},{"text":"أشرت - ويأتي صفي الدين في الطليعة ثم إمام الحرمين في البرهان والتلخيص والغزالي في المستصفى والإمام الرازي في المحصول، والشيرازي في اللمع، وهلم جرًّا، ثم شروح المنهاج كالعبري والجاربردي، وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>الآراء الجماعية:</span>\nعبر التاج بعبارات عدّة عن الآراء الجماعية للأصوليين،\nفكان تارة يقول: ذهب الجمهور، أو الأكثر، أو البعض، أو المحققون، ومن الأمثلة على ذلك.\nمثال: \"وقد قال الجمهور: لا يعتمد قوله هذا منسوخ ولا عمله بخلاف ما رواه؛ لاحتمال ذلك\" (^١).\nمثال آخر: \"وأما قوله: أمر رسول الله - ﷺ - بكذا فالأكثرون على اعتماده والعمل به\" (^٢).\nمثال آخر: \"وإليه ذهب المحققون كالأستاذ والغزالي والإمام وأتباعه ومنهم المصنف وجماعة من أهل الظاهر وجماعة من المعتزلة واختاره الآمدي ومن تبعه أنَّه لا يفيد الأمر بالقياس\" (^٣).\nوأحيانًا يذكر بعضًا من علماء الأصول على وجه الخصوص بعد ذكرهم.\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٣٠٩.\n(^٢) ينظر: ص ٢٣٠٩.\n(^٣) ينظر: ص ٢٢٢٤.","vol":"1","page":306},{"text":"مثاله: \"المسألة الخامسة: أطبق النّاس كافةً على صحة العلّة القاصرة، وهي المقصورة على محل النّصّ المنحصرة فيه التي لا تتعداه إذا كانت منصوصةً أو مجمعًا عليها، كما نقله جماعة ومنهم القاضي أبو بكر في التقريب والإرشاد\" (^١).\nوبالاستقراء وجدناه يكرر ذلك مع المصنف، فيقول ومنهم المصنف.\nمثال ذلك: \"تنبيه: قد عرفت نقل الأكثرين عن النظَّام ومنهم صاحب الكتاب\" (^٢).\n\"وإليه ذهب المحققون كالأستاذ والغزالي والإمام وأتباعه ومنهم المصنف وجماعة من أهل الظاهر\" (^٣).\nوكان يشير أيضًا إلى متابعة البيضاوي إلى غيره من الأصوليين في مواضع شتى.\nمثاله: \"وهذا الذي ذكره اختاره صاحب الحاصل فتبعه فيه\" (^٤).\n\"وثانيا: مخالف لما في المحصول فإنّه جعله جوابًا لشبهة أخرى لهم غير هذه، ولكن صاحب الحاصل ترك ذكر تلك الشبهة ونقل جوابها إلى هذه الشبهة التي أوردها صاحب الكتاب فتبعه المصنف على ذلك\" (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٥٤٠ - ٢٥٤١.\n(^٢) ينظر: ص ٢٢٢٥.\n(^٣) ينظر: ص ٢٢٢٤ وينظر الصفحات التالية: ٢٢٢٤، ٢٣٩١، ٢٤٧٤ وغيرها.\n(^٤) ينظر: ص ٢٨٥٥.\n(^٥) ينظر: ص ٢٥٥٤.","vol":"1","page":307},{"text":"\"واحتج عليه المصنف تبعا للإمام بأنّ العلية أمر نسبي بين العلّة والحكم\" (^١).\n\"وقد اختلف في هذا النوع واختار المصنف أنَّه حجة تبعًا لتاج الدين صاحب الحاصل\" (^٢).\n\"واعلم أنّ تعبير المصنف عمّا ليس بمناسب ولا مستلزم للمناسب بالطرد، موافق لعبارة الإمام وأتباعه ومن قبلهم إمام الحرمين والغزالي وغيرهما\" (^٣).\nتِلْكُم أمثلة لا ندعي فيها الحصر، فقد أغفلنا الكثير منها، وهي بحاجة إلى استقراء تام، وتتبع شامل، لكن ارتأينا الاكتفاء بالقليل لأنه دال على الكثير. فما ذكر قليله فكثيره يأخذ الحكم نفسه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>تعامله مع القضايا اللغوية والنحوية والأدبية</span>.\nالقضايا اللغوية والنحوية تعدّ رافدًا هاما من روافد علم أصول الفقه، بل هي مرتكزه، فمعظم مباحثه تقوم على فهم هذه اللغة التي نزل بها الوحي بشقيه جليه وخفيه، لذا لا يمكن لأي شخص أراد أن يركب عباب هذا البحر دون أن يعد له العدّة، وعدته اللغة العربية، فهي سفينة النجاة التي توصله إلى برِّ الأمان، وبذلك يسهل عليه فهم المسائل العويصة في\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٥٥٥.\n(^٢) ينظر: ص ٢٦٢١.\n(^٣) ينظر: ص ٢٣٦٠ - ٢٣٦١.","vol":"1","page":308},{"text":"أصول الفقه. وصاحبنا لا يخفى على كل ذي لب أنه الإمام في هذا الميدان، فكتابه الأشباه والنظائر، خصص فيه المسائل ذات الصلة باللغة العربية وتم فيها تخريج الفروع على الأصول، وكذلك في كتابه الطبقات الزاخر بمواد دسمة من الأدب واللغة والنحو والصرف، ولم يخل كتابه الإبهاج من نكت في العربية وعلومها، فقد اهتم ﵀ بالقضايا اللغوية والنحوية والأدبية، تمثيلًا واستشهادًا، وكان ذلك واضحًا في مباحث الألفاظ، والمباحث المتعلقة بالحروف، حيث كثر النقل عنهم، وبذكرنا للأمثلة تتضح الفكرة أكثر فأكثر:\nمثال: \"إجماع النحاة. قال أبو علي الفارسي: أجمع نحاة البصرة والكوفة على أنها للجمع المطلق. وذكر سيبويه في سبعة عشر موضعًا من كتابه أنّها للجمع المطلق. . . وقد سبق النقل عن الفراء، ولكذلك قال شيخنا أبو حيان في الارتشاف: ما نقله السهيلي والسيرافي إجماع النحويين كوفيهم وبصريهم على ذلك. .\" (^١).\nمثال: \"وأما ورودها [أي الباء] للتبعيض فقد ذكره ابن مالك، ومن شواهده:\nشرب النزيف ببَرد ماء الحَشْرَج\nأي: من برد، وقال ذلك في التذكرة الفارسي، وهو مذهب الكوفيين تبعهم فيه الأصمعي والقتبي في قوله: شربن بماء البحر، وتأوله ابن مالك\n_________\n(^١) ينظر: ص ٨٧١، ٨٧٣.","vol":"1","page":309},{"text":"على التضمين، أي روين بماء البحر. . . . احتج من زعم أنها ليست للتبعيض بأن أبا الفتح ابنَ جني من أئمة اللغة. . . . وقد وافق ابن جني على ذلك صاحب البسيط فقال: لم يذكر أحد من النحويين أن الباء للتبعيض\" (^١).\nمثال: \"ولهذا قال ابن دريد: سألت أبا حاتم عن معنى قولهم: بَسَنٌ أي: في قولهم حَسَنٌ بَسَنٌ، فقال: لا أدري ما هو. والتحقيق أن التابع يفيد التقوية، فإن العرب لا تضعه سُدًى، وجَهْل أبي حاتم بمعناه لا يضره، بل مقتضى قوله: إنه لا يدري معناه: أن له معنى وهو لا يعرفه\" (^٢).\nمثال: \"وقد اختار هذا المذهب أعني إنكار المترادف أبو الحسين أحمد بن فارس في كتابه الذي ألفه في فقه اللغة والعربية، وسنن العرب وكلامها، ونقله عن شيخه أبي العباس ثعلب، وهذا الكتاب كتب منه ابن الصلاح نكتًا منها هذه، وعلقت أنا ذلك من خط ابن الصلاح فيما علقته من خطه. . .\" (^٣).\nمثال: \"واعلم أن (من) قد تدخل لابتداء الغاية. . . . وبهذا قال ابن بابشاذ وابن النحاس، وعبد الدائم القيرواني، وابن مالك. . . . وقد زعم الأحفش الصغير والمبرد وابن السراج، والسهيلي وطائفة: أن (من) لا تكون إلا لابتداء الغاية، وصححه ابن عصفور\" (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٩٠٨ - ٩٠٩، ٩١٠.\n(^٢) ينظر: ص ٦١٧.\n(^٣) ينظر: ص ٦١٩ - ٦٢٠.\n(^٤) ينظر: ص ٨٩٧ - ٨٩٨، ٨٩٩ - ٩٠٠.","vol":"1","page":310},{"text":"مثال: \"قلت: وهذا الذي أوردناه من التفرقة بين تقدم النفي على كلَّ، وتأخره عنها هو الذي ذكره البيانيون\" (^١).\nهذا باختصار ما أورده من آراء لأهل اللغة والنحاة، أمّا الأدب، فقد حلّى شرحه بكثير من الشواهد الشعرية، وأقوال العرب، وضبط الكلمات العربية، لكن الذي يلاحظه المتصفح لشرح الإمام تاج الدين السبكي، هو أنه لم يكن شرحه على وتيرة واحدة، جافًا كما هو دأب الأصوليين، فالمعروف أن أصول الفقه أوّل ما دونه الإمام الشافعي ﵀ ألفه في ثوب أدبي رفيع، وقد نبه إلى ذلك محققه أحمد شاكر، ثم ما فتئ يتناقص، ودخلت عليه الألفاظ الاصطلاحية، والتعابير الكلامية والمنطقية، فذهب رونقه، وصار كجلمود صخر حطه السيل من عل، حتى أضحى مستعصيًا على أهل الفن، نهيك عن المتطفلين على هذا العلم. لذا فإن الشيخ حكى شيخ مذهبه الإمام المطلبي، فلا يترك فرصة سانحة ليوشح هذا الشرح بعبارة أدبية إلى وفعل، فكان كريشة فنان، أو أداة من أدوات النحاتين، فوضع فسيفساء من العبارات الأدبية الرفيعة على جدران هذا العلم، ورسم على الزجاج المعشق، أشكالا وألوانا من الأدب الرقيق. وخاصة إذا كان أسلوبه مقتبسًا من كتاب الله فيزيده رونقا وتألقًا، ولنضرب بعض الأمثلة على ذلك.\nالمثال الأول: نأخذه من ديباجته التي دبج بها شرحه وهي وإن كانت طويلة بعض الشيء إلا أنها معبرة، وتعطي الصورة الحقيقية التي وسمتها به\n_________\n(^١) ينظر: ص ١٢٤٣.","vol":"1","page":311},{"text":"فانظر إليه حين يقول: \". . . وتخلص فتخلص قائلها من الأهوال يوم يموت ويوم يبعث حيًا، دائمة ما افتقر فرع إلى أصله، واحتاج المجادل إلى تجويد نصه، كما يحتاج المجالد إلى تجريد نصله، باقية لا ينعكس طردها، ولا يشتبه محكمها بترهات الملحد وزخرف قوله. ورضي الله عن التابعين لهم بإحسان المقتفين آثارهم الحسان، وخص بمزيد الرضوان العلماء الحامين حمى الشريعة أن يضام أو يضاع، الوارثين بالدرجة الرفيعة هدي النبوة الذي لا يرام ولا يراع. الوافدين على حياطته بالهمة الشريفة حتى لا ينفك أو يشان ويشاع، لا سيما الإمام المطلبي مستخرج علم أصول الفقه محمد بن إدريس الشافعي الذي ساد المجتهدين بما أصل وأنشأ، وسار نبأ مجده والبرق وراءه يتحرق عجلة وهو أمامه على مهل يتمشى، وساق إلى سواء السبيل بعلومه التي غشاها من تقوى الله ما غشى، وقدس أرواح أصحابه الذين زينوا أسماء العلوم من أنفسهم بزينة الكواكب، وهاموا باتباع مذهبه المذهب وللناس فيما يعشقون مذاهب. وذادوا عن بيان ما أجمله وإيضاح ما أشكله، والعلوم عطايا من الله ومواهب رضا يتكفل بنجاة كل منهم ونجاحه ويمر بروض الإيمان فيتعطر بأنفاسه رياحه، ويفخر عقد الجوزاء إذا كان درة في وشاحه.\nأما بعد، فإن العلوم وإن كانت تتعالى شرفًا وتطلع في أفق الفخار من كواكبها شُرَفا فلا مرية في أن الفقه نتيجة مقدماتها، وغاية نهاياتها وواسطة عقدها، ورابطة حلها وعقدها، به يعرف الحرام من الحلال، وتستبين مصابيح الهدى من ظلام الضلال وهيهات أن يتوصل طالب، وإن","vol":"1","page":312},{"text":"جد المسير إليه أو يتحصل بعد الإعياء والنصب عليه إلا بعد العلم بأصول الفقه والمعرفة والنهاية فيه فإنه صفته، وكيف يفارق الموصوف الصفة، وقد نظرنا فلم نر مختصرًا أعذب لفظًا وأسهل حفظًا، وأجدر بالاعتناء وأجمع لمجامع الثناء من كتاب \"منهاج الوصول إلى علم الأصول\" للشيخ الإمام العالم العلامة قاضي القضاة ناصر الدين البيضاوي بيض الله وجهه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وروض تربته بغمام الغفران حتى يأتي يوم القيامة وما ثلم جانبه ولا فض فوه؛ فإنه موضوع على أحسن منهاج محمول على الأعين وليس له منها من هاج بعبارة أعذب من ماء السحاب وألعب من ابنة الكرم بعقول أولى الألباب، آل فضل البلاغة إليه، وآلى فضل الخطاب ألا يتمثل إلا بين يديه، وقد رأيت شراحه على كثرتهم مالوا إلى الإيجاز وقالوا وكأنما ضاق بهم الفضاء الواسع فعد مقالهم في الألغاز قنع كل منهم بحاجة في نفسه من اسم التصنيف قضاها، وجمع نفسه على ما شف به سجل الكتاب من تقارير، إذا أنصف من نفسه لا يرضاها، فشروحهم تحتاج إلى من يشرحها وكلماتهم تريد بسطة في العلم والجسم توضحها.\nوقد كان والدي أطال الله عمره شرع في وضع شرح عليه أبهى وأبهج من الوشي المرقوم، وأسرى وأسرع إلى الهداية من طوالع النجوم عديد شهب لائحه ورسل سحب سائحه وسماء علم يهتدى بكوكبه، وعلاء قدر أخذ بلمة الفخر، ولم يزاحمه بمنكبه، لا تنقشع عارضته، ولا نتوقع معارضته خضعت رقاب المعاني لكلامه، وخشعت الأصوات وقد","vol":"1","page":313},{"text":"رأته جاوز الجوزاء وما رضيها دار مقامه لكنه أحسن الله إليه ما غاص في بحره إلى القرار، ولا أوصل هلاله إلى ليلة البدار بل أضرب عنه صفحًا بعد لأي قريب وتركه طرحًا وهو الدر اليتيم بين إخوانه كالغريب، وقد حدثتني النفس بالتذييل على هذه القطعة، وأحاديث النفس كثيرة وأمرتني الأمارة بالتكميل عليها، ولكني استصغرتها عن هذه الكبيرة، وقلت للقلم أين تذهب، وللفكر أين تجول، أطنب لسانك أم أسهب، ووقفت وقفة العاجز والنفس تأبى إلا المبادرة بما به أشارت وجرت على تيارها منادية أئت بما أمرتك بما استطعت وتوارى اللسان وما توارت فلما تعارض المانع والمقتضي، وعلمت أن الحال إذا حاولت مجهودها قام لها العذر الواضح فيما استقبلته ومُضيٌّ أي مضيٍّ أعملت الفكرة في الدجنة والوجه والليل كلاهما كالح، وشرعت فيه وقلت لعل الغرض يتم ببركته، وبقصده الصالح وجردت همة ما ورد رائدها إلا وقد سئم من النشاط، ولا أغمد مهندها إلا وقد ترك ألف طريح على البساط، ولا عاد نصلها إلا وقد قضى المأمول، ولا فترت عزائمها إلا وقد حصلت على نهاية السول، وأعملنا هذه الهمة في مدلهم الديجور، وصرفنا قلمها بشهادة النجوم وفلكها يدور فلم تنشب ليالي أسبلت جلبابها وأرخت نقابها معدودة ساعاتها ممدودة بالألطاف الخفية أوقاتها، إلى أن انهزمت تلك الليالي ودارت الدائرة عليها، وجاء من النسيم العليل بشير الصبح متقدمًا بين يديها، فوافى الصباح بكل معنى مبتكر، وجلا عرائس بدائعه فشنف السمع وشرف البصر، وجاء كتابًا ساطعًا نور شمسه وشمس السماء في غروب، طالعًا في أفق الفخار","vol":"1","page":314},{"text":"على أحسن أسلوب جائزًا لما يراد منه في كل طريقه جائزًا حقًا على مقالات المتقدمين والمتأخرين، وحسبك بمن مجازه حقيقة، فأسأل الله تعالى أن يعم النفع به، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم موجبًا للفوز لديه، وقد وصل والدي الشيخ الإمام جزاه الله الخير إلى مسألة مقدمة الواجب، ونحن نتلوه والله الموفق العين بخفي ألطافه، والمحقق لرجاء العبد بإسعاده وإسعافه\" (^١).\nوالحقيقة أنها هذه المقدمة لا تحتاج مني إلى تعليق بل أترك كل ذي ذوق أن يتمعنها، وينظر في سبك أسلوبها الآخاذ.\nمثال آخر: \"أمّا الدليل على العلم في الأولى؛ فإنّه كلما زاد المجتهد علمًا وتدقيقًا، وكان نظره أتمّ تنقيحًا وتحقيقًا ووقوفه على الأدلة المزدحمة مستقيمًا، وإدراك وجه الازدحام فيها وكيفية الانفصال عنها عظيمًا، تكاثرت الإشكالات الموجبة للتوقف لديه وتزاحمت المعضلات بين يديه.\nوأمّا في الدّين؛ فلم يكن ممن إذا ظهر له وجه الرجحان صمّم على مقالته الأولى، ولا قام بنصرتها وشال بضبعها حتى ينادي أولى لك فأولى، بل صرّح ببطلان تلك واعترف بالخطأ فيها وقصور النظر\" (^٢).\nوهناك عبارات صغيرة، يذكرها الفينة بعد الأخرى، وكلما سنحت له الفرصة، فيقول مثلًا: \"ذهبت شرذمة قليلون إلى امتناع\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٩٣ - ٣٠١.\n(^٢) ينظر: ص ٢٧٠٨ - ٢٧٠٩.","vol":"1","page":315},{"text":"التخصيص. .\" (^١)، أو يقول: \"رب متراشق في اللفظ يعبر عن المسألة\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>تعامله مع الصناعة الحديثية</span>\nتحدثت في ترجمته عن مشاركة التاج في علم الحديث، وقلت: إنه كان إمامًا في الحديث، ويكفيه فخرًا أنه تربى في أحضان محدثي عصره آنذاك، أمثال المزي والذهبي، وغيرهما. فلذا لا يستغرب تعقبه على من سبقوه حين يكون الأمر أشدّ التصاقًا بالصناعة الحديثية. لذلك نجده في غالب الأحيان إذا مرّ حديث أثناء الاستدلال للمسائل الأصولية، لا بد وأن يخرجه من الكتب المعتمدة، فإن وجده في الصحيحين اكتفى بهما دون ذكر السنن أو المسانيد والمستخرجات، والمستدركات. أو يصرح بعدم معرفة الحديث أحيانًا. ولا يكتفي أحيانًا بتخريج الحديث فحسب، بل يذهب أبعد من ذلك، فيدرس سنده دراسة حديثية، فيذكر أقوال علماء الجرح والتعديل في رجال السند، بين موثق ومجرح، وقد يستدعي الأمر إلى السؤال عن الحديث أو عن الرجل مشافهة فيسأل شيخه الذهبي، ليصل في الأخير إلى الحكم على الحديث. وأحيانًا قليلة يذكر الحديث دون تخريج أو دراسة لسند، وهذا في غالب الأحيان إذا كان من الأحاديث المشهورة، وبالمثال يتضح المقال، أو كما يقال.\nمثال: \"وقد قال في البرهان أيضًا أنّ الشافعي - ﵁ - احتج ابتداءً على إثبات القياس بحديث معاذ يعني هذا. قال: والحديث مدّون في الصّحاح\n_________\n(^١) ينظر: ص ١٣١٧.\n(^٢) ينظر: ص ٢١٣٦.","vol":"1","page":316},{"text":"متفق على صحّته لا يتطرق إليه تأويل.\nقلت: وهذا عجيب من إمام الحرمين فقد قال إمام الصناعة أبو عبد الله البخاري لا يصحّ هذا الحديث، وقال الترمذي ليس إسناده عندي بمتصل\" (^١).\nمثال: \"والحديث المشار إليه لا تقوم به الحجّة، ولا يصلح معارضًا؛ لأنَّ رواية جبارة بن المغلس وهو ضعيف عن حماد بن يحيى الأبح، وقد قال فيه البخاري: يهم في الشيء بعد الشيء. قال ابن عدي: وسمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: حماد بن يحيى الأبح روى عن الزهري حديثا معضلًا، يعني هذا الحديث، ورواه حماد عن الزهري كما ذكر عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعًا\" (^٢).\nمثال: \"كقوله - ﷺ -: \"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر\" رواه البخاري ومسلم وقوله: \"إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وادخروا\" رواه مسلم وأبو داود والنسائي\" (^٣).\nمثال: \"ما روي \"أنّ أعرابيا جاء إلى النّبي - ﷺ - فقال هلكت وأهلكت، واقعتُ أهلي في نهار رمضان عامدًا فقال: أعتق رقبة\" وأصل الحديث في الكتب الستّة كلّها، لكن بغير صيغة أعتق رقبة وبهذه الصيغة في\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢١٩٦.\n(^٢) ينظر: ص ٢٢١٤ - ٢٢١٥.\n(^٣) ينظر: ص ٢٢٩٦.","vol":"1","page":317},{"text":"سنن ابن ماجه\" (^١)\nمثال: \"فقال - ﷺ -: \"إنّها ليست بنجسة، إنّها من الطوافين عليكم والطوافات\" رواه الأربعة أصحاب السنن. . . . كما روي أنّ النبي - ﷺ - قال ليلة الجنّ لابن مسعود: \"ما في إدواتك قال نبيذ قال: ثمرةٌ طيبةٌ وماء طهور\" وهو حديث ضعيف رواه الترمذي وابن ماجه. . . . كما روي عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - وقد سئل عن اشتراء الرطب بالتمر فقال: \"أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا نعم، قال - ﷺ -: فلا إذن\" رواه الأربعة وقال الترمذي حسن صحيح وصحّحه ابن خزيمة والحاكم. . . . . كما روى أبو داود والنسائي أنّ عمر - ﵁ - قال هششت فقبَّلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا قبّلت وأنا صائم قال: \"أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت لا بأس قال: فَفيمَ؟ \" قال النسائي هذا الحديث منكر، وقال أحمد بن حنبل ضعيف\" (^٢).\nمثال: لتعقبه الغزالي وإمام الحرمين والقاضي الباقلاني في قلة بضاعتهم في الحديث.\n\"وقول الغزالي إن الأظهر أن هذا الخبر غير صحيح متلقى من إمام الحرمين، فإنه قال: هذا لم يصححه أهل الحديث، وإمام الحرمين تلقى ذلك من القاضي أبي بكر فإنه قال في مختصر التقريب: هذا الحديث ضعيف غير مدون في الصحاح، وهذا باطل، فإن الحديث ثابت صحيح مدون في\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٣١٣.\n(^٢) ينظر: ص ٢٣١٥ - ٢٣١٦، ٢٣١٧.","vol":"1","page":318},{"text":"البخاري ومسلم\" (^١).\nمثال: \"بما روى الدارقطني من قوله - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضرار\". قال النووي في الأذكار حديث حسن\" (^٢).\nمثال على الأحاديث التي لا يعرفها: \"واستدل المصنف على ذلك مما روي من قوله - ﷺ -: \"نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر\" وهو حديث لا أعرفه، وقد سألت عنه شيخنا أبا عبد الله الذهبي فلم يعرفه\" (^٣).\nمثال آخر: \"وقد استدل على ذلك بما روي أنَّه - ﷺ - قال لأبي بكر - ﵁ -: \"لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين\" وهذا الحديث لا أعرفه وقد سألت عنه شيخنا الذهبي فلم يعرفه\" (^٤).\nمثال آخر: \"ما روي من قوله - ﷺ -: \"ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال\" وهو حديث لا أعرفه\" (^٥).\nمثال: \"وروى المصنف من قوله - ﷺ -: \"ثم يفشو الكذب فيشهد الرجل قبل أنْ يستشهد\". وهذا اللفظ لا أعرفه ولكن في الصحيحين عن عمران بن حصين - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم إنّ من بعدهم قومًا يشهدون ولا\n_________\n(^١) ينظر: ص ٩٧٦.\n(^٢) ينظر: ص ٢٦٠١ - ٢٦٠٢.\n(^٣) ينظر: ص ٢٦٢٣ - ٢٦٢٤.\n(^٤) ينظر: ص ٢٧٠٤.\n(^٥) ينظر: ص ٢٨١٩.","vol":"1","page":319},{"text":"يستشهدون\" الحديث\" (^١).\nمثال: \"من أمثلته أنّ عبادة بن الصامت روى أنه - ﷺ - قال: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" وهو مدون في الصحاح متفق على رفعه دال على أن المأموم يقرأ خلف الإمام، فإن احتج الخصم بما روى يحيى بن سلام قال ثنا مالك بن أنس ثنا وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله أنّ النبي - ﷺ - قال: \"كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج إلا أنْ تكون وراء الإمام\".\nقلنا: لم يرفعه عن مالك غير يحيى بن سلام وهو في الموطأ موقوف.\nوقد قيل: وَهِمَ يحيى بن سلام عن مالك في رفعه، ولم يتابع عليه، ويحيى كثير الوهم\" (^٢).\nوهناك أحاديث يمر عليها دون تخريج، ولا يشير إلى أنه قد سبق تخريجها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>ذكره للفوائد</span>\nلعله لن يكون من نافلة القول لو أشرت في هذا الصدد إلى أن التاج أثناء شرحه يذكر بعض التنبيهات وبعض الفوائد، من باب الاستطراد جريًا على عادتهم في ذلك القرن.\nفمثلًا: \"فائدة: الصحيح عن جمهور العلماء أن الذبيح هو إسماعيل - ﵇ - واحتجوا بأمور كلها ظاهرة قطعية واستنبط والدي - ﵁ - من القرآن\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٧٣٢ - ٢٧٣٣.\n(^٢) ينظر: ص ٢٧٨٧ - ٢٧٨٨.","vol":"1","page":320},{"text":"دليلًا على ذلك يقارب القطع، أو يقتضي القطع بذلك، لم يسبقه إليه أحد وهو أن البشارة التي وقعت لإبراهيم - ﵇ - بالولد من الله تعالى كانت مرتين، مرة في قوله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (^١). فهذه الآية قاطعة في أن هذا المبشر به هو الذبيح. وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (^٢).\nفقد صرح في هذه الآية أن المبشر به فيها إسحاق ولم يكن سؤال من إبراهيم - ﵇ - بل قالت امرأته إنها عجوز وإنه شيخ وكان ذلك في الشام لما جاءت الملائكة إليه بسبب قوم لوط وهو في أواخر أمره، وأمّا البشارة الأولى لما انتقل من العراق إلى الشام حين كان سنه لا يستغرب فيه الولد، ولذلك سأله فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين بغلامين؛ أحدهما بغير سؤال وهو إسحاق صريحًا والثانية قبل ذلك بسؤال وهو غيره فقطعنا بأنه إسماعيل وهو الذبيح، ولا يرد على هذا قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ (^٣).\nووجه الإيراد ذكر هبة إسحاق بعد الإنجاء؛ لأنا نقول: لما ذكر لوطًا\n_________\n(^١) سورة الصافات: الآيات ١٠٠ - ١٠٢.\n(^٢) سورة هود: الآيات ٧١ - ٧٢.\n(^٣) سورة الأنبياء: الآيات ٧٠ - ٧١.","vol":"1","page":321},{"text":"وإسحاق هو المباشر به في قضية لوط ناسب ذكره ولم يذكره ولم يكن في الآية ما يدل على التعقيب والبشارة الأولى، ولم يكن للوط فيها ذكر والله أعلم\" (^١).\nفائدة أخرى: \"فإن التعمق في المعاني يضر المبتدي، ومن آداب المعلم أن يربي الناس بصغار العلم قبل كباره\" (^٢).\nفائدة: \"قال القرافي: المحدثون والنحاة على عدم صرف أبان. قال: ونقله ابن يعيش في شرح المفصل عن الجمهور، وقال: إنه بناء على أنَّ وزنه أفعل وأصله أبين صيغة مبالغة في الظهور الذي هو البيان، والإبانة فيقول: هذا أبين من هذا أي: أظهر منه وأوضح، فلوحظ أصله مع العلمية التي فيه فلم يصرف\" (^٣).\nقال: \"تنبيه النقير: النقرة التي على ظهر النواة، والقطمير: ما في النواة كذا قاله في المحصول، والمعروف - وهو الذي في الصحاح - أن القشرة الرقيقة هي القطمير، وما شقّ النواة الفتيل اهـ\" (^٤).\nقال: \"تنبيه: الضرر ألم القلب، كذا قاله الأصوليون، واستدلوا عليه بأن الضرب يسمى ضررًا، وكذا تفويت المنفعة والشتم والاستخفاف، فجعل اللفظ اسمًا للمشترك بين هذه الأمور، وهو ألم القلب دفعًا للاشتراك،\n_________\n(^١) ينظر: ص ١٦٦٨ - ١٦٧١.\n(^٢) ينظر: ص ١١٨٠.\n(^٣) ينظر: ص ١٤٧٦.\n(^٤) ينظر: ص ٢٢٤٥ - ٢٢٤٦.","vol":"1","page":322},{"text":"والذي قاله أهل اللغة أن الضرر خلاف الشفع وهو أعم من هذه المقالة\" (^١).\nقال: \"فائدة: قد علمت قول الجماهير أنّ الأصل في المنافع الإباحة ولك أن تقول الأموال من جملة المنافع، والظاهر أنّ الأصل فيها التحريم لقوله - ﷺ -: \"إن دماءكم وأموالكم. . .\" الحديث وهو أخصّ من الدلائل المتقدمة التي استدلوا بها على الإباحة فيكون قاضيًا عليها إلّا أنَّه أصل طارئ على أصل سابق فإنّ المال من حيث كونُه من المنافع الأصل فيه الإباحة بالدلائل السابقة، ومن خصوصية الأصل فيه التحريم بهذا الحديث\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>نقاط أخرى في المنهج</span>\nوهناك نقاط إضافية في المنهج يمكن ذكرها مجملة دون تفصيل، مع ذكر مثال أو مثالين لكل نقطة نجملها فيما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>التعريف ببعض الأعلام أثناء الشرح</span>\nمثاله: \"واعلم أن النظام المذكور هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النّظام كان ينظم الخرز بسوق البصرة، وكان يظهر الاعتزال، وهو الذي تنسب إليه الفرقة النظامية من المعتزلة، لكنه كان زنديقًا، وإنما أنكر الإجماع لقصده الطعن في الشريعة، وكذلك أنكر الخبر المتواتر مع خروج رواته عن حد الحصر. هذا مع قوله بأن الخبر الواحد قد يفيد العلم،\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٦٠٢.\n(^٢) ينظر: ص ٢٦٠٧.","vol":"1","page":323},{"text":"فأعجب لهذا الخذلان! وأنكر القياس كما سيأتي إن شاء الله تعالى وكل ذلك زندقة لعنه الله. وله كتاب نصر التثليث على التوحيد. وإنما أظهر الاعتزال خوفًا من سيف الشرع وله فضائح عديدة وأكثرها طعن في الشريعة المطهرة وليس هذا موضع بسطها\" (^١).\nمثال آخر: \"ابن الزبعرى بكسر الزاي المعجمة وفتح الباء الموحدة من تحت بعدها وقد تكسر أيضًا بعدها عين مهملة ساكنة ثم راء مهملة مفتوحة كان من أشد الناس على الإسلام وأكثرهم أذى بلسانه فحشًا وهجاءً، وبنفسه مكايدة وعنادًا ثم أسلم عام الفتح، وحسن إسلامه، وهذا المذكور عنه مشهور في كتب التفسير والسير وروى الحاكم أبو عبد الله في المستدرك عن الحسن بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال لما نزلت: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (^٢) قال المشركون فالملائكة وعيسى وعزير يعبدون من دون الله قوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ (^٣).\nقال فنزلت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (^٤)، وهذا سند صحيح لكن ليس فيه ذكر ابن الزبعرى بخصوصه\" (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٠٣٥ - ٢٠٣٦.\n(^٢) سورة الأنبياء: الآية ٩٨.\n(^٣) سورة الأنبياء: الآية ٩٩.\n(^٤) سورة الأنبياء: الآية ١٠١.\n(^٥) ينظر: ص ١٦١٦، ١٦١٧.","vol":"1","page":324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>عدم عزو أبيات الشعر إلا في النادر والقليل</span>\nمثاله: ما ورد في صفحة ٩٠٧، ٩١١، ٩١٢، ٩١٦.\nمثال: \"قال الشاعر:\nخِفْ يا كَرِيمُ عَلَى عِرْضٍ يُدَنِّسُهُ ... مَقَالُ كُلِّ سَفِيهٍ لَا يُقَاسُ بِكَا\" (^١)\nمثال آخر: \"ولقول الشاعر (^٢):\nلَهُ مَلِكٌ يُنَادِي كلّ يومِ ... لِدُوا لِلَمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرَابِ\"\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>منهجه في تفسير الآيات القرآنية</span>\nمثال: \"الوجه الثاني: من الأوجه الدالة على حجية الإجماع قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (^٣)، أخبر تعالى بأن هذه الأمّة وسط والوسط من كلّ شيء خياره وأعدله، فيكون الله تعالى قد عدل هذه الأمة وأخبر عن خيريتها، فلو أقدموا على شيء من المحظورات لانتفى عنهم هذا الوصف، فتجب عصمتهم عن الخطأ كبيره وصغيره، في قول وفعل؛ لأن تعديلهم من الله تعالى وهو عليم بالسر والعلانية، فلو كان فيهم عاص لما عدله بخلاف تعديلنا، فإنه مبني على ظننا، وما أدى إليه نظرنا مع احتمال خلافه في نفس الأمر\" (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢١٥٧.\n(^٢) ينظر: ص ٢٢٩٨.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٤٣.\n(^٤) ينظر: ص ٢٠٤٤، ٢٠٤٥.","vol":"1","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>ذكر مجالس المذاكرة والمناظرة</span>\nمثاله: \"قلت: وقد وقع في بعض المجالس الاستدلال على صحة مذهب أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^١). وجه الحجة: أنه لو كان الاستثناء من النفي إثباتًا، لكان المرء مكلفًا بكل ما تسعه نفسه؛ لأنّ الوسع مستثنى في لا يكلف الله نفسًا، وقد أضيف بقوله: وسعها، فيقتضي العموم بناء على أن المفرد المضاف يعم، والتقدير لا يكلف الله نفسًا بشيء إلا بكل ما تسعه فتكون كل ما تسعه مكلفة به، وليس كذلك. وكان البحث بين يدي والدي أيده الله فاستحسن ذلك\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>التحري في عزو الأقوال إلى أصحابها</span>\nيقول في هذا الصدد: \"والمذهب الثالث: أنه يفيد التراخي، كذا أطلقه جماعة منهم المصنف، وقال الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع، وإمام الحرمين في التلخيص والبرهان: إن هذا الإطلاق مدخول؛ إذ مقتضاه أن الصيغة المطلقة تقتضي التراخي، حتى لو فرض الامتثال على البدار لم يعتبر به، وليس هذا معتقد أحد. هذا كلامهما، ورأيت ابن الصباغ في عدة العالم قال: إن الواقفية في هذه المسألة من قال: لا يجوز فعله على الفور، لكن قال: إن القائل بهذا خالف الإجماع قبله. وعلى الجملة هو مذهب ثابت منسوب إلى خرق الإجماع. ونقل ابن السمعاني في القواطع القول:\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٨٦.\n(^٢) ينظر: ص ١٤٠٧.","vol":"1","page":326},{"text":"بأنه على التراخي عن أبي هريرة، وأبي بكر القفال، وابن خيران، وأبي علي الطبري صاحب الإفصاح، وصححه ثم قال: إن معنى قولنا: إنه على التراخي أنه ليس على التعجيل. قال: والجملة أن قوله: افعل ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب من غير تعرض للوقت\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>بيان وجهة نظر المصنف في ترتيب الموضوعات الأصولية</span>.\nمثال: ذكر فيه تقديم المصنف لمباحث العلة على بقية أركان القياس والتي هي الأصل وحكم الأصل والفرع، وذكر لذلك أسبابًا ثلاثة:\n١ - كثرة تشعب الآراء عندها.\n٢ - عظم موقعها.\n٣ - تشتت المباحث فيها.\nيقول التاج: \"إنما أفرد بيان العلة بفصل مقدَّم على بيان الأصل والفرع ومتعلقاتهما لكثرة تشعب الآراء عندها وعظم موقعها ولتشتت المباحث فيها\" (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>وجهة نظره في عدم ذكر بعض الموضوعات الأصولية</span>\n\" واعلم أنّ صاحب الكتاب لم يذكر كيفية دفع الفرق وما قبله من القلب والكسر وعدم التأثير وخصّ النقض من بين المفسدات بذلك؛ لتشعب الآراء وكثرة النظر فيه، ونحن تابعناه على ما فعل، فإن ذلك نظر متمحض جدلًا لا تعلق له بصوب نظر المجتهد، وإنما هو تابع لشريعة الجدل\n_________\n(^١) ينظر: ص ١١٢٧، ١١٢٨.\n(^٢) ينظر: ص ٢٢٨٣.","vol":"1","page":327},{"text":"التي وضعها أهلها باصطلاحاتهم، فإن لم يتعلق بها فائدة دينية فينبغي أنْ نشح على الأوقات أنْ نضيعها بها وبتفصيلها، وإن تعلق بها فائدة من ضمّ نشر الكلام ورد مباحث المناظرين إلى محزّ الخصام؛ لئلا يذهب كلّ واحد في كلامه طولًا وعرضًا وينحرف عن مقصود نظره بما لا يرضى، فتلك فائدة ليست من أصول الفقه، فينبغي أنْ يفرد بعلم النظر، وهو عندنا من أكيس العلوم وأعظمها كفالة بتدقيق المنطوق والمفهوم، ولكن لا ينبغي أنْ يمزج بالأصول التي مقصدها تذليل سبل الاجتهاد للمجتهدين لا تعليم طرق الخصام للمتناظرين ولهذا حذف الغزالي هذه الاعتراضات بالأصالة. وبالله التوفيق\" (^١).\nوبعد هذا التجوال بين ربوع شرحه، واستخراج بعض الفوائد منه، بقي أن نقول: إنه مهما بذلنا من جهد فلن نستطيع أن نستخرج كل كنوزه، فكما تجد في البحر كل أنواع الأسماك والنباتات البحرية، والصخور المرجانية والحلي الثمينة، كذلك في شرح الشيخ التاج، تجد جميع أنواع العلوم، وإن غلب عليه أنه كتاب أصولي، لكن ليس هناك بد مما ليس له بد، أو كما يقال، فلا يمكن الحكم له أو عليه بمجرد قراءة سطحية وفي كتاب واحد، بل ينبغي أن تقرأ كتبه التي ألفها في أصول الفقه، ابتداء بهذا الكتاب، ومرورا بشرحه على ابن الحاجب، وانتهاء بتصنيفه لمختصر جمع الجوامع، والذي جمع فيه زهاء المائة مصنف. لذا فمهما بذلنا من جهد فإنه يصعب إعطاء هذا الرجل حقه.\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢٥٢٤.","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-165>المبحث الرابع: مصادر الشارحين في الكتاب</span>\nسبق وأن قلنا إن العصر الذي عاشه السبكي، يعد عصر الموسوعات، وكان العلماء يتوسعون في المعرفة، وينهلون من جميع أنواعها وتخصصاتها، ولعل ذلك راجع لخوفهم على اندثار العلوم بعد أن فعل فيها الغزو الهمجي التتاري الأفاعيل، حينما جعل من الكتب جسورًا لعبور خيولهم ودوابهم، وبنيت بها الاصطبلات. فألزم العلماء أنفسهم بحفظ هذا الدين من أن تعبث به أيدي العابثين، فسهروا على حفظ كثير من الكتب عن ظهر قلب، وظهر ذلك في كتابتهم، فلا تكاد ترى مصنفًا في ذلك العصر إلا وقد امتلأ بسيل من المعلومات فكانت عقولهم كالشبكات المعرفية المعروفة في عصرنا بـ (الإنترنت) فأي موقع أردت أن تزوره لتعرف ما فيه من علوم ومعارف، فبمجرد ضغطة زر تنساب أمامك تلك المعلومات، وكذلك كان علماؤنا ﵏ بما حباهم الله من السيلان الذهني واستحضار المسائل مع الفارق في التشبيه، فهذه الآلات قد تخرب أو تعتريها الآفات كانقطاع التيار الكهربائي أو غيره، وأما عقول سلفنا فقد كانت محفوظة بحفظه سبحانه.\nلذا فإن شيخنا الجليل الإمام تاج الدين السبكي عليه شآبيب الرحمة والغفران، كان نبوغه وتفوقه لا يكاد يخفى على أحد، فقد كان أحد","vol":"1","page":329},{"text":"أساطين العلم ودهاقنة المعرفة الغنية عن التعريف بها، فقد عرفنا سابقًا إتقانه لعلوم شتى كالفقه والأصول واللغة والأدب، والتاريخ، واللغة، وغيرها من العلوم. وظهر ذلك جليًا في شرحه فغدا شرحه موسوعة تضم بين جنباتها أقوال العلماء الأصولية، ولا سيما المتقدمين منهم، والأمثلة الفقهية التي أكثر من الاستشهاد بها، بالإضافة إلى أقوال أئمة الحديث ومصطلحه.\nوهكذا نجد شرح الشيخ قد شمل التفسير وعلومه، والفقه وأصوله، والحديث ومصطلحه، والبلاغة والأدب، واللغة والنحو، والتاريخ والمنطق، وكان يورد هذه العلوم حسب ما يقتضيه المقام، فلم يكن من الذين يطنبون حتى يشرد ذهن القارئ، ويثقل كاهله بما يمكن الاستغناء عنه، كما أنه لم يكن من المختصرين الذين يحتاج شرحهم إلى شرح وحاشية وتقرير وطرة، فلا هو بالطويل الممل ولا المختصر المخل.\nناهيك عن الاستشهاد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة والتي جمعها من مظانها من الصحاح والسنن والمستدركات والمسانيد والأجزاء والمستخرجات، وكتب الرجال في الجرح والتعديل.\nوبهذا يكون شرحه متسمًا بوفرة من المصادر التي استمد منها شرحه، غير أننا لا ندعي الإحاطة بتلك المصادر التي اعتمد عليها في شرحه، فقد يكون ذلك غمط في حق الرجل، لذلك فإنها من الكثرة والتنوع بمكان، مما يجعلنا نستبعد الاعتقاد السائد بأن مراجع الأولين هي تلكم المصادر","vol":"1","page":330},{"text":"المحصورة فقط فيما يورده في تأليفه. وخاصة وأن التأليف هو عبارة عن شرح لمتن، فمن اقتحم مثل هذا الأمر يستدعي منه أن يجمع إلى ثقافة عصره ثقافة عصر المصنف الإمام البيضاوي، وخاصة إذا بعدت الشقة الزمنية بينهما.\nوقد حاولنا استقراء هذه المصادر من خلال شرحه. واستأنسنا بذكره لمصادر شرحه لمختصر ابن الحاجب رفع الحاجب فهناك قد صرح حين قال: \"فلقد نظرنا عليه مع توخينا الاختصار فيه كتبًا شتى منها:\n١ - الرسالة للإمام الشافعي - ﵁ -.\n٢ - وشرحها لأبي بكر الصيرفي.\n٣ - و[شرحها] للأستاذ أبي الوليد النيسابوري.\n٤ - و[شرحها] لأبي بكر القفال الشاشي الكبير.\n٥ - و[شرحها] لأبي محمد الجويني.\n٦ - والتقريب والإرشاد في ترتيب طرق الاجتهاد للقاضي أبي بكر الباقلاني. . .\n٧ - ومختصره المسمى بالتلخيص لإمام الحرمين.\n٨ - وتعليقة الشيخ أبي حامد الإسفراييني.\n٩ - وتعليقة الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.\n١٠ - وآداب الجدل لأبي الحسين الجلّال.\n١١ - ومعيار الجدل للأستاذ أبي منصور عبد القاهر البغدادي.","vol":"1","page":331},{"text":"١٢ - وشرح الكفاية للقاضي أبي الطب الطبري.\n١٣ - والعمد للقاضي عبد الجبار.\n١٤ - والمعتمد لأبي الحسين البصري.\n١٥ - والتقريب لسليم الرازي.\n١٦ - وكتاب الأستاذ أبي بكر بن فورك.\n١٧ - والبرهان لإمام الحرمين.\n١٨ - وشرحه للإمام لأبي عبد الله المازري المالكي.\n١٩ - والكلام عى مشكله للمازري أيضا.\n٢٠ - وشرح أيضا لأبي الحسن للأبياري. . .\n٢١ - واللمع وشرحه للشيخ أبي إسحاق الشيرازي.\n٢٢ - والملخص والمعرفة له أيضا في الجدل.\n٢٣ - والقواطع للإمام الجليل أبي مظفر بن محمد السمعاني.\n٢٤ - والمستصفى والمنخول للإمام حجة الإسلام.\n٢٥ - وشفاء الغليل في بيان مسالك التعليل له أيضًا.\n٢٦ - وعدّة العالم للشيخ أبي نصر بن الصباغ.\n٢٧ - وتعليقة إلكيا أبي الحسن الهراسي.\n٢٨ - والملخص للقاضي عبد الوهاب.\n٢٩ - وأصول الفقه للأستاذ أبي نصر ولد أبي القاسم القشيري.","vol":"1","page":332},{"text":"٣٠ - والوجيز لأبي الفتح بن برهان.\n٣١ - وكتاب الإمام محمد بن يحيى.\n٣٢ - والعقيدة لتلميذه شرف شاه بن ملكداد.\n٣٣ - وشرح اللمع لأبي عمرو عثمان بن عيسى الكردي صاحب الاستقصاء.\n٣٤ - ومشكلات اللمع لمسعود عليّ اليماني.\n٣٥ - والمحصول للإمام وغيره من أتباعه.\n٣٦ - كشرحه للقرافي.\n٣٧ - وشرحه للأصفهاني.\n٣٨ - والمؤاخذات عليه للنقشواني.\n٣٩ - والتنقيح للتبريزي.\n٤٠ - وشرح المعالم لابن التلمساني.\n٤١ - والنهاية لصفي الهندي.\n٤٢ - والفائق له أيضًا.\n٤٣ - والإحكام للإمام سيف الدين الآمدي.\n٤٤ - والمنتهى له أيضا.\n٤٥ - وكتب المخالفين من الحنفية.\n٤٦ - والمنهاج للقاضي أبي الطيب.","vol":"1","page":333},{"text":"٤٧ - والنكت للشيخ أبي إسحاق.\n٤٨ - والأساليب لإمام الحرمين.\n٤٩ - والتحصين للغزالي.\n٥٠ - وشفاء المسترشدين للإلكيا الهراسي.\n٥١ - وتعليقة الإمام محمد بن يحيى.\n٥٢ - و[تعليقة] أسعد الميهني.\n٥٣ - و[تعليقة] القاضي الرّشيد والطاووسي، وغيرهم.\n٥٤ - ومن الخلافيات للحنفية كتاب الأسرار للقاضي أبي زيد.\n٥٥ - وتعليقة ابن مارة، وغيرهما. وغير ذلك كله مما لو عددناه لضيعنا الأنفاس، وضيعنا القرطاس. وع ما حشوناه فيه من فروع الفقه، وفنون الفوائد وما سمح به الخاطر من المباحث. . .\" (^١). فمن خلال هذا النّص يمكن أن يقال إن الشيخ السبكي كانت لديه مكتبة غنية بالمصادر والمراجع، ويمكن أيضا أن يستأنس بها ليقال إنها المصادر نفسها التي اعتمد عليها في شرحه على منهاج البيضاوي.\nوسوف نذكر أمهات الكتب الأصولية التي ضمنها الشارح شرحه، وجمع مادته العلمية منها، وهذا بيان بأهمها مرتبة بحسب سني وفاة مؤلفيها:\n_________\n(^١) رفع الحاجب: اللوحتان: ب، ٣/ أ. وينظر رفع الحاجب ٢٣١ - ٢٣٨ المطبوع لمزيد الفائدة.","vol":"1","page":334},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>المصادر الأصولية:</span>\n١ - الرسالة: لإمام محمد بن إدريس الشافعي (٢٠٤ هـ).\n٢ - الملخص: للقاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي (٤٢٢ هـ).\n٣ - المعتمد لأبي الحسين محمد بن علي بن الطيب الطبري (٤٣٦ هـ).\n٤ - الإحكام للحافظ أبي محمد علي بن حزم الأندلسي (٤٧٦ هـ).\n٥ - اللمع لابراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (٤٧٦ هـ).\n٦ - شرح اللمع لإبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي (٤٧٦ هـ).\n٧ - الإرشاد للقاضي أبي بكر الباقلاني (٤٠٣ هـ).\n٨ - البرهان: لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (٤٧٨ هـ).\n٩ - مختصر التقريب: لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني (٤٧٨ هـ).\n١٠ - قواطع الأدلة لأبي مظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار السمعاني (٤٨٩ هـ).\n١١ - المستصفى: للإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (٥٠٥ هـ).\n١٢ - المنخول: للإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (٥٠٥ هـ).\n١٣ - شفاء الغليل للإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي (٥٠٥ هـ).\n١٤ - المحصول: للإمام فخر الدين محمد بن محمد بن عمر الرازي (٦٠٦ هـ).","vol":"1","page":335},{"text":"١٥ - الإحكام في أصول الأحكام للإمام علي بن محمد الآمدي (٦٣١ هـ).\n١٦ - مختصر المنتهى الأصولي: للإمام جمال الدين أبي عمر عثمان بن عمرو بن أبي بكر، المعروف بابن الحاجي (٦٤٦ هـ).\n١٧ - تلخيص المحصول لتهذيب الأصول: لنجم الدين أحمد بن أبي بكر بن محمد النخجواني الشهير بالنقشواني (٦٥١ هـ).\n١٨ - شرح تنقيح الفصول: لشهاب الدِّين أبي العباس، أحمد بن إدريس القرافي (٦٨٤ هـ).\n١٩ - تعليقة على المنتخب لشهاب الدِّين أبي العباس، أحمد بن إدريس القرافي (٦٨٤ هـ).\n٢٠ - الحاصل: لتاج الدين محمد بن الحسين الأرموي (٦٥٦ هـ).\n٢١ - التحصيل: لسراج الدّين أبو الثناء، محمود بن أبي بكر الأرموي (٦٨٢ هـ).\n٢٢ - أجوبة أسئلة التحصيل للجزري (٧١١ هـ) (^١).\n_________\n(^١) هي عبارة عن أسئلة أوردها صاحب التحصيل سراج الدين الأرموي، وجمعها أحد النساخ في آخر النسخة وتوجد نسخة منها محفوظة في مكتبة ولي الدين جار الله أفندي الملحقة بمكتبة السليمانية العامة باستانبول برقم ٤٤٤ في ص ٩٧ من الفهري، والمكتوبة سنة ٧٠٧ هـ، وتبلغ سبع لوحات بخط دقيق جدًا في كل صفحة ٤٥ سطرًا. هذه الأسئلة شرحها محمد بن يوسف الجزري في كتاب مستقل، لم أتمكن من الاطلاع عليه، سوى أنه مذكور في ترجمة ابن الجزري: ينظر: الدرر الكامنة: ٤/ ١٩٢، ومعجم المؤلفين: ١١٣٨.","vol":"1","page":336},{"text":"٢٣ - شرح المنهاج لبرهان الدين عبيد الله بن محمد الفرغاني العبري (٧٤٣ هـ).\n٢٤ - نهاية الوصول في دراية الأصول: للشيخ صفي الدين محمد بن عبد الرحيم الأرموي الهندي (٧١٥ هـ).\n٢٥ - شرح البرهان لابن الأبياري.\n٢٦ - شرح المنهاج لقطب الدين الشيرازي.\n٢٧ - الوجيز لابن برهان.\n٢٨ - عدّة العالم لابن الصباغ.\nهذه جملة المصادر الأصولية التي اعتمد عليها الإمام تاج الدين السبكي في شرحه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>المصادر الأخرى:</span>\nبقي أن نذكر مصادره الأخرى ونحاول أنْ نصنِّفها تصنيفًا موضوعيًا حسب مادتها فنقول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>أولًا - مصادره الفقهية:</span>\nسبق وأن قلنا: إنّ التاج كان شافعيَّ المذهب، وساهم مساهمات كثيرة في المذهب عند الكلام عن آثاره العلمية.\nتعددت مصادره الفقهية سواء المذهبية والتي ركز عليها كثيرًا، في تخريج الفروع على القواعد الأصولية، ولا غرابة في ذلك، فإنّ المصنفَ للمنهاج الإمامَ البيضاوي شافعيُّ، والشارح شافعيُّ المذهب أيضًا، لذلك","vol":"1","page":337},{"text":"نحاول سرد مصادره حسب وفيات مؤلفيها:\n١ - الأم للشافعي (٢٠٤ هـ).\n٢ - المختصر للشافعي (٢٠٤ هـ).\n٣ - مختصر البويطي (٢٣١ هـ).\n٤ - التعليقة لأبي حامد الإسفرائيني (٤٠٦ هـ).\n٥ - التجريد للمحاملي (٤١٥ هـ).\n٦ - فتاوى القفال (٤١٧ هـ).\n٧ - الحاوي للماوردي (٤٥٠ هـ).\n٨ - المهذب للشيرازي (٤٧٦ هـ).\n٩ - نهاية المطلب لإمام الحرمين.\n١٠ - الترجيح بين المذهبين.\n١١ - التتمة للمتولي ولم يتمه وصل إلى أبواب القضاء وأتمه غير واحد (٤٧٨ هـ).\n١٢ - البحر للروياني (٥٠٥ هـ).\n١٣ - الوسيط للغزالي (٥٠٥ هـ).\n١٤ - التهذيب للبغوي (٥١٦ هـ).\n١٥ - المحرر للرافعي (٦٢٣ هـ).\n١٦ - فتح العزيز للرافعي (٦٢٣ هـ).\n١٧ - المنهاج للنووي (٦٧٦ هـ).","vol":"1","page":338},{"text":"١٨ - المجموع شرح المهذب للنووي (٦٧٦ هـ).\n١٩ - الكفاية لابن الرفعة (٧١٠ هـ).\n٢٠ - شرح منهاج النووي لتقي الدين السبكي (والد التاج) (٧٥٦ هـ).\n٢١ - التعليقة لأبي إسحاق المروزي.\n٢٢ - الكافي للزبيدي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>ثانيًا- مصادره الحديثية:</span>\nوهي إما كتب في متون الحديث، أو كتب في مصطلحه، أو كتب في الرجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>متون وشروح الحديث</span>\n١ - صحيح البخاري.\n٢ - صحيح مسلم.\n٣ - موطأ مالك.\n٤ - سنن الترمذي.\n٥ - سنن أبي داود.\n٦ - سنن ابن ماجه.\n٧ - سنن النسائي.\n٨ - سنن الدارقطني (٣٨٥ هـ).\n٩ - مسند الإمام أحمد.","vol":"1","page":339},{"text":"١٠ - صحيح ابن خزيمة.\n١١ - مسند الشافعي.\n١٢ - صحيح ابن حبان.\n١٣ - المستدرك للحاكم (٤٠٥ هـ).\n١٤ - الأذكار للنووي (٦٧٦ هـ).\n١٥ - معرفة السنن والآثار للبيهقي (٤٥٨ هـ).\n١٦ - المدخل للبيهقي.\n١٧ - مسند أبي حنيفة لأبي محمد البخاري.\n١٨ - مسند أبي يعلى الموصلي.\n١٩ - شرح مسلم للنووي.\n٢٠ - شرح الإلمام بأحاديث الأحكام لابن دقيق العيد (٧٠٢ هـ).\n٢١ - شرح العمدة له أيضًا.\n٢٢ - شرح أحاديث الأحكام للعز بن عبد السلام.\n٢٣ - جامع الأصول لابن الأثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>كتب مصطلح الحديث</span>\n١ - الكفاية للخطيب البغدادي.\n٢ - مقدمة ابن الصلاح.\n٣ - مقدمة الإمام مسلم في صحيحه.","vol":"1","page":340},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>كتب الرجال (الجرح والتعديل)</span>\n١ - تاريخ ابن معين.\n٢ - الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي.\nبالإضافة إلى ذلك، كان يسأل شيخه الذهبي عن بعض الأحاديث وعن بعض الرجال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>ثالثًا - مصادره في التفسير:</span>\n١ - التفسير الكبير للإمام الرازي (٦٠٦ هـ).\n٢ - تفسير البحر المحيط لأبي حيان (٧٤٥ هـ).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>رابعًا - مصادره اللغوية:</span>\n١ - الصحاح للجوهري.\n٢ - إصلاح المنطق ابن السكيت.\n٣ - شرح الكفاية للقاضي أبي الطيب.\n٤ - الارتشاف لأبي حيان.\n٥ - التذكرة للفارسي.\n٦ - ابن جني.\n٧ - أبو حيان.\n٨ - البلاغة الزمخشري.\n٩ - الكتاب لسيبويه.","vol":"1","page":341},{"text":"١٠ - النكت لابن الفارضي المعتزلي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>خامسًا - مصادره العقيدية وعلم الكلام:</span>\n١ - الطوالع للبيضاوي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>سادسًا - مصادره في القواعد الفقهية والأشباه والنظائر:</span>\n١ - الفروق للقرافي.\n٢ - الأشباه والنظائر للتاج السبكي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>سابعًا: مصادر متنوعة:</span>\n١ - مناقب الشافعي للإمام الرازي.\n٢ - إحياء علوم الدين للغزالي.","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>المبحث الخامس: منهج التحقيق</span>\nمن المعلوم أن أهم أغراض التحقيق هو المحافظة على نص الكتاب كما كتبه مؤلفه، ولما كان هذا الغرض المهم لا يمكن تحقيقه إلا بنسخة موثقة للكتاب إما بخط المؤلف، أو بنسخة قُرِأتْ عليه، أو قُوبلت على واحد منهما.\nولما لم يتوفر لدينا أي نسخة للكتاب موثقة يمكن اعتمادها أصلًا لبقية النسخ، اعتمدنا على طريقة النص المختار، فقد حصلنا على أربع نسخ للكتاب، ووضعنا في الأعلى النص الذي نرجحه، وفي الهامش المرجوح أو المساوي.\nلكننا - بفضل الله - اعتنينا ببيان الخطأ في النسخ إن وجد، ولم نستقص جميع الأخطاء في جميع النسخ، لكثرتها؛ ولأن بعضها واضح جدًا لا يستريب متخصص فيه، ولكننا ذكرنا الأغلب والأكثر والذي ربما يخفى بعضه على غير المتخصص. ونعلل في بعض الأحيان كون النص خطأ وندلل على ذلك.\nوقد سلكنا في تحقيقنا للكتاب بعد إثبات النص والاجتهاد في الاختيار ما هو مقارب للصواب، وما يرجى أن يكون هو الذي كتبه المؤلف المنهج التالي:","vol":"1","page":343},{"text":"١ - اعتنينا بخدمة النص من حيث توثيق الأقوال الواردة فيه من المصادر الأصلية قدر الإمكان، وتصحيح نسبتها إن وجد خطأ في ذلك، وبيان ما لم يذكرهم الشارح من أهل القول المشهور.\n٢ - اعتنينا بتحرير محل النزاع في بعض المسائل المشكلة، وبسط التعليق في بعض المواطن التي يحصل فيها إشكالات إما تضارب بين المصادر، أو اعتراضات على ما قاله الشارح.\n٣ - كما اعتنينا بعزو الآيات وتخريج الأحاديث الواردة في الشرح، فإن كان الحديث في الصحيحين خرجناه من بقية الكتب الستة غالبًا وقد نكتفي بهما أو بأحدهما. وإن كان في غير الصحيحين اعتنينا بتخريجه من غير الكتب الستة، ونحاول أن نذكر حكم الحفاظ على الحديث غالبًا.\n٤ - ترجمنا للأعلام الواردة أسماؤهم في الشرح إلا من ذاعت شهرتهم ككثير من الصحابة وأئمة الفقه والأصول والحديث وغيرهم.\n٥ - بينا الغريب من الألفاظ، ومعاني المصطلحات التي تحتاج إلى بيان.\n٦ - ثم فهرسنا الكتاب بالفهارس المعتادة وهي:\n- فهرست الآيات حسب ترتيب السور وأرقام الآيات.\n- فهرست الأحاديث الشريفة حسب الأحرف الهجائية.\n- فهرست الآثار حسب الورود في الكتاب.","vol":"1","page":344},{"text":"- فهرست الأعلام حسب الأحرف الهجائية مع ملاحظة أن ما يبدأ بـ \"أبو\" يأتي في بداية الهمزة بعد \"الآمدي\".\n- فهرست القواعد الأصولية والكلامية والفقهية مرتبة حسب الورود في الكتاب.\n- فهرست المسائل الفقهية مرتبة حسب الكتب الفقهية وحسب الورود داخل كل كتاب فقهي.\n- فهرس المصادر والمراجع.\n- فهرست محتويات الكتاب.","vol":"1","page":345},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-179>المبحث السادس: وصف النسخ المعتمدة في التحقيق</span>\nوقد اعتمدنا كما سبق بيانه على أربع نسخ خطية وإليكم وصفها:\nالنسخة الأولى: النسخة المغربية: وقد رمزنا بـ \"غ\"، وهي موجودة في الخزانة العامة بالرباط.\nوهي جزءان: الجزء الأول منها تحت رقم: ٦١٠ ق، وهو من محتويات مكتبة تَمَكروت، تحت رقم: ٥٨٩ ص، كما هو مثبت بخاتمها داخل النسخة.\nويبدأ هذا الجزء من أول شرح التاج السبكي ﵀، وينتهي إلى آخر مباحث المطلق والمقيد. أي ليس فيه الجزء الخاص بشرح التقي السبكي ﵀. وقد كتب على الصفحة الأولى من هذا الجزء: \"كتاب الإبهاج في شرح المنهاج، هو الأصولي البيضاوي، ملك لله تعالى، بيد أحمد بن محمد بن ناصر. كان له الله له آمين. تصنيف أستاذنا وشيخنا ومولانا الشيخ الإمام. . . قاضي القضاة. . . تاج الدين. . . أبي نصر عبد الوهاب نجل حبر الأمة. . . الإمام قاضي القضاة تقى الدين. . . أبي الحسن علي الأنصاري الخزرجي السبكي الشافعي، حفظه الله للإسلام. . .\".\nويلاحظ أن هذا الجزء ليس فيه بتر، بل فيه طرر، تدل على أن","vol":"1","page":346},{"text":"النسخة مصححة، ويوجد في أسفله خاتم الخزانة العامة بالرباط.\nوعدد لوحاته: ١٨٦ لوحة.\nوالجزء الثاني منها تحت رقم: ٨١٥ ق، ومصور على الفيلم تحت رقم: ١٠١٣ بالخزانة العامة أيضًا. وهذا الجزء أيضًا من مخطوطات تَمَكروت ورقمه فيه كما هو بداخل خاتمها: ١١٣٠ ص. ويبدأ هذا الجزء من مبحث الخصوص، إذ جاء في أوله بعد البسملة: \"قال: الفصل الثاني: في الخصوص، وفيه مسائل. . .\". وهذا يعني أن مبحث الخصوص ومبحث المطلق والمقيد مكرر ذكرهما في الجزء الأول والثاني من هذه النسخة. وينتهي هذا الجزء عند آخر مباحث الكتاب، وليس فيه ذكر ناسخه، ولكن يتضح من الخط أنه هو ناسخ الجزء الأول وهو عبد الله بن عمر الضرغامي. والله أعلم.\nويلاحظ أن هذا الجزء فيه بعض الخرم بسبب الرطوبة، فهناك كثير من الصفحات غير مقروءة، بل ساقطة من أثر الرطوبة وخاصة في وسط الصفحات. وهذا الجزء كذلك فيه تعليقات وتصحيحات واردة في الحواشي، وكشط على بعض الجمل، مما يدل على أن الجزء مقابل على غيره ومصحح، ومع ذلك ففي هذه النسخة بجزأيها بعض التصحيف والتحريف وسقوط بعض الألفاظ والجمل.\nوعدد لوحات هذا الجزء: ٢٤١ لوحة. والجزء المكرر فيه (وهما مبحث العموم والخصوص، ومبحث المطلق والمقيد، المذكوران في الجزء","vol":"1","page":347},{"text":"الأول) عدد لوحاته: ٤١ لوحة.\nوهذه النسخة من أقدم النسخ، إذ كتبت في حياة التاج السبكي ﵀، حيث جاء في آخر الجزء الأول منها: \"تم الجزء الأول بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه، والحمد لله والسلام على عباده الذين اصطفى، وصلى اللهم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وكرَّم، على يد أقل عبيد الله وأفقرهم إلى رحمته عبد الله بن عمر الضرغامي، غفر الله ذنوبه وستر عيوبه، وغفر له ولوالديه ولمالكه ومن نظر فيه وجميع المسلمين. وذلك سادس شهر الله محرم أول شهر، وعام أربع وستين وسبعمائة. وحسبنا الله ونعم الوكيل\".\nأما بالنسبة لمقاس الصفحة لهذه النسخة: فعدد الكلمات في السطر بمعدل ١٢ كلمة. وعدد الأسطر في الصفحة من اللوحة ٢٥ سطرًا. وكتبت هذه النسخة بخط مشرقي على ورق متوسط.\nوهناك جزء موجود في الخزانة العامة بالرباط برقم: ١١٢٧. وهو موجود بمكتبة الزاوية الناصرية بتَمَكروت، برقم ٢٤٨٧. وهذا الجزء هو عبارة عن شرح التقي السبكي رحمه الله تعالى فقط، وخط الناسخ فيه مقارب لخط النسخة المغربية السالفة، والفرق المميز بينهما هو أن هذه منقوطة، والمغربية غير منقوطة، فالله أعلم لعل الناسخ ذاته نقط الأحرف في أول نسْخة، ثم أجهده ذلك؛ لكون الشرح كبيرًا، والنسخ في تلك الأعصار ليس متيسرًا كهذه الأزمنة، فآثر التخفيف على نفسه بعدم","vol":"1","page":348},{"text":"التنقيط، هذا محتمل لا سيما مع تقارب الخط ووجود النسخة هذه مع تلك في المكتبتين الخزانة العامة ومكتبة تَمَكروت، وكون هذه سابقة لتلك ومكملة لها.\nولذا آثرنا الرمز لهذه بنفس الرمز لتلك وهو \"غ\". وعلى فرض أن ناسخها غير ناسخ الأولى، فلا تخرج عن كونها مغربية، فالرمز لها برمز واحد هو الأقرب والأرجح.\nوبالنسبة لمقاس هذا الجزء: فعدد الكلمات في السطر الواحد بمعدل ١٦ كلمة. وعدد الأسطر في هذه الصفحة الواحدة من اللوحة ١٥ سطرًا.\nالنسخة الثانية: النسخة التركية: وقد رمزنا لها بـ \"ت\". وهي مصورة \"ميكروفيلم\" من مخطوطة بالمكتبة السليمانية بتركيا. وهي جزءان:\nالجزء الأول: منها تحت رقم: ١٢٧٤. وفيلم رقم: ٤١٢٨.\nومكتوب على اللوحة الأولى منه على الصفحة الأولى منها بطرتها: \"ملكه محمد النواجي وهو لعفو ربه راجي. وذلك في يوم الأحد تاسع شهر شوال سنة إحدى عشرة وثمانمائة، من تركة ابن أبي البنا رحمة الله عليه\".\nومكتوب بأعلى الصفحة: \"الجزء الأول من كتاب الإبهاج في شرح المنهاج للشيخ الإمام العالم العلامة إمام المتكلمين وسيف المناظرين قاضي القضاة بالشام تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب ابن الشيخ الإمام العالم","vol":"1","page":349},{"text":"العلامة بقية المجتهدين وخلف السلف الصالحين تقي الدين السبكي الشافعي تغمده الله برحمته وأبقى مؤلفه في خير وعافية آمين إنه على ذلك قدير وبالإجابة قدير وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم\". (ما بعده قوله: آمين - مطموس عليه بختم السلطان محمود خان، ولكن تظهر بعض الكلمات على جوانب الختم وهي تدل على الباقي). وقول الناسخ: \"وأبقى مؤلفه في خير وعافية\" يدل على أن النسخة كتبت في حياة التاج رحمه الله تعالى.\nومكتوب عليها أيضًا تحت الختم المذكور: \"قد وقف هذه النسخة سلطاننا الأعظم والجامات المعظم مالك البرين والبحرين، خادم الحرمين الشريفين، السلطان ابن السلطان السلطان الغازي محمود خان - وقفًا صحيحًا شرعًا لمن طالع وأفاد، وتعلم واستفاد، أعظم الله أجره يوم التناد. حرره الفقير أحمد شيخ زاده المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين غفر لهما\".\nويبدأ هذا الجزء من أول الكتاب، أي من الجزء الذي شرحه التقي السبكي رحمه الله تعالى، ثم يليه شرح ابنه التاج إلى آخر مبحث المطلق والمقيد.\nويلاحظ أن هذا الجزء فيه تصحيحات وكشط على بعض الجمل في الأصل، مما يدل على أنه مقابل على غيره.\nوكتبت عناوين المسائل ولفظ: قال (وهي تذكر قبل متن البيضاوي) فروع، تنبيه بخط كبير محبر.","vol":"1","page":350},{"text":"وعدد لوحات هذا الجزء: ١٨٨ لوحة.\nالجزء الثاني: وهو تحت رقم ١٢٧٥. وفيلم رقم ٤١٢٩.\nومكتوب على اللوحة الأولى منه ما هو مكتوب على اللوحة الأولى من الجزء الأول.\nويبدأ هذا الجزء من أول مباحث المجمل والمبين، وينتهي عند آخر الكتاب.\nوفي آخر هذا الجزء ذكر الناسخ اسمه فقال: \"وهذا كله كلام مؤلفه أيده الله تعالى بحروفه والحمد لله رب العالمين. علقه لنفسه ولمن شاء الله من بعده الفقير إلى رحمة ربه حسب الله بن محمد بن حسب الله أبو (بعده كلمة غير واضحة) عبد الصمد المغربي جده ثم القرافي هو، في ثالث شوال سنة (ستين) وسبعمائة. وحسبنا الله ونعم الوكيل. (قد كتبنا: ستين بين قوسين لعدم وضوحها في المخطوطة لكنا اجتهدنا في قراءتها وبالجملة فالنسخة مكتوبة في عصر التاج، كما سبق بيانه).\nويلاحظ أيضًا أن فيه تعليقات وتصحيحات تدل على مقابلة هذا الجزء بغيره.\nوعدد لوحات هذا الجزء: ١٤٥ لوحة. فيكون مجموع الجزأين ٣٣٣ لوحة.\nوخط هذه النسخة مشرقي، فيه عدم وضوح في بعض الأحيان، وتتميز هذه النسخة عن بقية النسخ أنها كاملة ليس فيها نقص ولا بتر،","vol":"1","page":351},{"text":"وأخطاؤها قليلة، إلا أنها كثيرة السقط، ولذلك لم نعتمدها كنسخة هي الأصل بل اخترنا طريقة النص المختار.\nأما مقاس هذه النسخة: فعدد الكلمات في السطر الواحد بمعدل ١٥ كلمة. وعدد الأسطر في الصفحة من اللوحة بمعدل ٢٧ سطرًا.\nالنسخة الثالثة: النسخة المصرية: وقد رمزنا لها بـ \"ص\". وهى محفوظة بدار الكتب المصرية بالقاهرة، تحت رقم: ٤٨٤ أصول.\nوهي جزءان:\nالجزء الأول منها: يبدأ بأول شرح التقي السبكي ﵀ ثم يليه تكملة التاج ﵀، إلى أن ينتهى بآخر مبحث النسخ.\nويوجد على الصفحة الأولى منه بأعلاها ختم واقفه وهو: \"وقف هذا الكتاب السيد أحمد الحسيني بن السيد أحمد الحسيني بن السيد يوسف الحسيني. ١٣٢٣ هـ\".\nومكتوب عليه أيضًا بأسفلها: \"مهدى من حضرة السيد حسين الحسيني نجل الواقف، في شهر سبتمبر سنة ١٩٢١\".\nوتحت الإهداء ختم باسم: دار الكتب السليمانية.\nوبأعلاها أيضًا اسم الكتاب وشارحيه.\nوفي هذا الجزء توجد تعليقات وتصحيحات تدل على أن هذا الجزء مقابل بغيره.","vol":"1","page":352},{"text":"وعدد لوحات هذا الجزء: ٥٣٧ لوحة.\nالجزء الثاني: ويبدأ هذا الجزء بمبحث السنة وينتهي عند آخر الكتاب. ويوجد على الصفحة الأولى منه بأعلاها رقم المخطوط في دار الكتب المصرية ٤٨٤ أصول ثم اسم الشارح التاج رحمه الله تعالى. كما يوجد ختم الواقف بوسط الصفحة وبأسفلها. وإهداء نجله بأسفلها، وختم: دار الكتب السليمانية.\nوهذا الجزء مصحح لما فيه من الطرر الدالة على أنه مقابل على غيره.\nوعدد لوحات هذا الجزء: ٣٥٩ لوحة.\nويلاحظ أن هذه النسخة كتبت بخط مشرقي جميل وواضح ومنقوط غالبًا، إلا أنها كثيرة الأخطاء والتصحيفات والتحريفات، والسقط فيها أقل من النسخة التركية، فهي من هذه الناحية مهمة، وهي أحدث النسخ، إذ كتبت في القرن الرابع عشر، حيث جاء في آخر الجزء الأول قول الناسخ: \"تم بحمد الله وعونه على يد كاتبه محمد علي يس الأجهوري بلدة الشافعي مذهبًا، في صباح يوم الخميس ٢١ ربيع الأول سنة ١٣٣١ غفر الله له ولوالديه وللمسلمين أجمعين يا رب العالمين\".\nوهي منسوخة من نسخة كتبت في عصر التاج ﵀، إذ جاء في آخر الجزء الأول منها: \"تم الجزء الأول من تجزئة المصنف فسح الله في مدته\".\nأما مقاس هذه النسخة: فعدد الكلمات في السطر الواحد بمعدل ٧ كلمات، وعدد أسطر الصفحة ٢١ سطرًا.","vol":"1","page":353},{"text":"النسخة الرابعة: النسخة الكتانية: وقد رمزنا لها بـ \"ك\" وهي نسخة مصورة عن مكتبة الشيخ عبد الحي الكتاني.\nكتب على صفحة العنوان: ٦٨٤ المكتبة الكتانية لمالكها محمد عبد الحي الكتاني بفاس وكتب تحته عنوان الكتاب: . . . . . الأول من الإبهاج في شرح المنهاج تأليف الإمام العلامة شيخ الإسلام تقي الدين السبكي الشافعي تغمده الله برحمته.\nوكتب على حاشيتها اشتريت هذا الجزء الأول مما وجد من الإبهاج ومن تكملته المشتمل على شرح المنهاج من أوله إلى مبحث المجمل والمبين في أوائل جمادى ثاني عام ١٣٢٢ هـ ..... .\nعدد لوحاتها: ٢٧٣ لوحة وتبدأ من أول الكتاب وتنتهي كما ذكر في صفحة العنوان آخر باب العموم والخصوص. كتب في آخرها: يتلوه إن شاء الله في السفر الثاني الباب الرابع في المجمل والمبين والحمد لله وحده وصلواته وسلامه على محمد وآله وصحبه وحسبنا الله ونعم الوكيل.\nوقد كتبت بخط مشرقي واضح ولم يكتب عليها تاريخ النسخ ولا اسم ناسخها والظاهر أنها متأخرة النسخ.\nأما مقاس هذه النسخة فعدد الأسطر ٢٣ سطرًا بمعدل ٩ كلمات في السطر.","vol":"1","page":354},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-180>المبحث السابع: في بيان المصطلحات التي استخدمها الشارح</span>\nلكل عالم مصطلحاته الخاصة، في شرحه وهي عبارة عن اختصار لعناوين الكتب، أو ألقاب خاصة ببعض العلماء، يستعملها طلبًا للاختصار وقد استخدم الشيخ تاج الدين السبكي مصطلحات مختلفة في شرحه بعضها يخص بعض العلماء وبعضها يخص كتبهم، وهي كالتالي:\nالإمام: ويريد به الإمام الرازي.\nأبو الحسين، أو البصري: أبو الحسين البصري المعتزلي صاحب المعتمد.\nالشيخ الإمام: والده تقي الدين السبكي.\nالمصنِّف: الإمام البيضاوي.\nالشيخ: أبو إسحاق الشيرازي.\nالشيخ أبو حامد: أبو حامد الإسفراييني.\nالأستاذ: أبو إسحاق الإسفراييني.\nالقاضي: أبو بكر الباقلاني.\nشيخنا: يراد به الذهبي.\nقال الغزالي: أي في المستصفى إلا ما ندر.\nقال الآمدي: أي في الإحكام.","vol":"1","page":355},{"text":"قال ابن الحاجب: أي في المختصر الأصولي.\nأصحابنا أو الأصحاب: يعنى بهم الشافعية.\nالعراقيون: أصحاب الشافعي الذين تتلمذوا عليه في العراق.\nالمتأخرون: من جاء بعد الشيخين الرافعي والنووي.\nالنص أو نصَّ عليه الشافعي: يراد به أن الشافعي - ﵁ - نص على حكم المسألة، ويكون في مقالبه وجه ضعيف أو قول مخرج (^١).\nالقديم: ما قاله الشافعي - ﵁ - بالعراق قبل انتقاله إلى مصر سواء كان رجع عنه وهو الغالب، أو لم يرجع وهو قليل، وأشهر رواة القديم أربعة: الإمام أحمد بن حنبل، والحسن بن محمد الزعفراني، والحسين بن علي الكرابيسي، وأبو ثور إبراهيم بن خالد، وقد رجع الشافعي عنه، وقال: لا أجعل في حلّ من رواه عني (^٢).\nالجديد: ما قاله الإمام الشافعي - ﵁ - بمصر أو بعد خروجه من بغداد تصنيفًا أو إفتاءً، وأشهر رواته أربعة: يوسف بن يحيى البويطي، وإسماعيل بن يحيى المزني، والربيع بن سليمان المرادي، وحرملة (^٣).\nوقال الماوردي في الحاوي: \"وإذا كان في المسألة قولان قديم وجديد، فالجديد هو المعول عليه، إلا في نحو تسع عشرة مسألة أفتى فيها\n_________\n(^١) ينظر: المجموع: ١٠٧.\n(^٢) ينظر: المجموع: ١٠٨.\n(^٣) ينظر: المصدر نفسه.","vol":"1","page":356},{"text":"بالقديم\" (^١).\nوجهان لأصحابنا: أو الوجوه هي الآراء التي استنبطها أصحاب الشافعي المنتسبون إليه من الأصول العامة للمذهب، بتخريجها على ضوء القواعد التي رسمها لهم الإمام (^٢).\nظاهر النص: هو الرأي الظاهر من حيث القوة والرّجحان، ومقابله يكون قولًا أو وجهًا غريبًا (^٣).\nقال الرافعي: أي في العزيز شرح الوجيز.\nقال الماوردي: أي في الحاوي.\nقال النووي: في المنهاج في أغلب الأحيان إلا ما ندر، ويقيد بالكتاب، كقوله قال النووي في الأذكار. . .\nصاحب التهذيب: الإمام البغوي.\nالكتاب: منهاج الوصول للبيضاوي.\nالشافعي في المختصر: مختصر المزني.\nالنهاية: نهاية المطلب لإمام الحرمين.\nوفي الختام؛ نسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه، ونسأله تعالى أن يتقبله.\n_________\n(^١) ينظر: الحاوي للماوردي: ٤٠.\n(^٢) ينظر: المجموع: ١٠٧، وتحفة المحتاج: ٤٨. والمراد بها والله أعلم هي تلك المسائل التي عدل عنها عما أفتاه في العراق. فلا يعني بالجديد نسخ ما قاله في العراق.\n(^٣) ينظر: مقدمة تحقيق الغاية القصوى: ص ١١٨.","vol":"1","page":357},{"text":"نماذج المخطوطات","vol":"1","page":359},{"text":"نموذج رقم (١)\nاللوحة الأولى من نسخة (غ)\nمن الجزء الخاص بشرح التقي السبكي","vol":"1","page":361},{"text":"نموذج رقم (٢)\nاللوحة الثانية من نسخة (غ)\nمن الجزء الخاص بشرح التقي السبكي","vol":"1","page":362},{"text":"نموذج رقم (٣)\nاللوحة الأخيرة من نسخة (غ)\nمن الجزء الخاص بشرح التقي السبكي","vol":"1","page":363},{"text":"نموذج رقم (٤)\nاللوحة الرابعة من نسخة (غ)\nمن الجزء الخاص بشرح التاج السبكي","vol":"1","page":364},{"text":"نموذج رقم (٥)\nاللوحة الأخيرة من نسخة (غ)\nمن الجزء الخاص بشرح التاج السبكي","vol":"1","page":365},{"text":"نموذج رقم (١)\nاللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة (ت)","vol":"1","page":366},{"text":"نموذج رقم (٢)\nاللوحة الثانية من الجزء الأول من نسخة (ت)","vol":"1","page":367},{"text":"نموذج رقم (٣)\nاللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة (ت)","vol":"1","page":368},{"text":"نموذج رقم (٤)\nاللوحة الأولى من الجزء الثاني من نسخة (ت)","vol":"1","page":369},{"text":"نموذج رقم (٥)\nاللوحة الثانية من الجزء الثاني من نسخة (ت)","vol":"1","page":370},{"text":"نموذج رقم (٦)\nاللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة (ت)","vol":"1","page":371},{"text":"نموذج رقم (١)\nاللوحة الأولى من نسخة (ك)","vol":"1","page":372},{"text":"نموذج رقم (٢)\nاللوحة الثانية من نسخة (ك)","vol":"1","page":373},{"text":"نموذج رقم (٣)\nاللوحة الأخيرة من نسخة (ك)","vol":"1","page":374},{"text":"نموذج رقم (١)\nاللوحة الأولى من الجزء الأول من نسخة (ص)","vol":"1","page":375},{"text":"نموذج رقم (٢)\nاللوحة الثانية من الجزء الأول من نسخة (ص)","vol":"1","page":376},{"text":"نموذج رقم (٣)\nاللوحة الأخيرة من الجزء الأول من نسخة (ص)","vol":"1","page":377},{"text":"نموذج رقم (٤)\nاللوحة الأولى من الجزء الثاني من نسخة (ص)","vol":"1","page":378},{"text":"نموذج رقم (٥)\nاللوحة الثانية من الجزء الثاني من نسخة (ص)","vol":"1","page":379},{"text":"نموذج رقم (٦)\nاللوحة الأخيرة من الجزء الثاني من نسخة (ص)","vol":"1","page":380},{"text":"دَولة الإمَارَات العَربية المتحدة\nحُكومَة دُبي\nسلسلة\nالدّراسَات الأصوليَّة\n\"١٧\"\nالإِبهَاجُ فِي شَرح المِنهَاجِ\nشرح عَلَى مِنْهَاجِ الوُصُولِ إلى عِلمِ الأصُولِ لِلقاضِي\nالبَيْضَاوي المُتَوَفى سنة ٦٨٥ هـ\nتَأليفُ\nشيخ الإسلام على بن عبد الكافي السّبكي المتوفى ٧٥٦ هـ\nوولده تاج الدّين عبد الوهاب بن علي السّبكي المتوفى ٧٧١ هـ\nدرَاسَة وَتحقيق\nالدكتور أحمَد جَمال الزَمْزَمى\nالدكتور نُورُ الدين عَبد الجَبَار صَغِيرى\nالجزء الثّاني\nدَار البُحوث للدِّرَاسَات الإسْلَاميّة وَإِحْياء التّراث","vol":"2","page":1},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nرب يسر بكرمك يا كريم (^١)\nالحمد لله الذي أسس دينه على أثبت قواعد، وأعلى أعلامَ ملَّته فخضعت لها أعناقُ كل جاحد، وأحكم أصول شريعته فأعيى تفريعُها كلَّ معاند، ورفع قَدْر علمائها فَعُدَّ واحدٌ منهم بألفٍ لَمَّا عُدَّ ألفٌ (^٢) منْ غيرهم بواحد.\nأحمده على نعمه التي عَمَّت كلَّ صادر ووارد (^٣)، وأعترف بالعجز\n_________\n(^١) في (ك): \"رب تمم وأعن يا كريم\". ولم ترد في (ص)، و(ك) وفيها بعد البسملة: وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. قال الشيخ الإمام، العالم العلامة، القدوة، المحقق، الحافظ، شيخ الإسلام، بقية العلماء الأعلام، قدوة الأئمة، آخر المجتهدين، حجة الله على العالمين، سيدنا ومولانا، العبد الفقير إلى الله تعالى، قاضي القضاة، تقي الدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن علي بن تَمَّام بن سوار بن سوار بن مسوار، الأنصاري الخزرجي الشافعي، نضَّر الله وجهه، قاضي القضاة بالشام المحروس، قال رحمه الله تعالى. (مع ملاحظة أن لفظ: \"قال\" تَحَرَّف إلى: \"كان\"، وهو سهو من الناسخ).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) صادر: راجع. قال في المصباح: ١/ ٣٥٩: صَدَرْتُ عن الموضع صَدْرًا، من باب قتل: رجعتُ. اهـ.\nووارد: آت وحاضر. قال في اللسان: ٣/ ٤٥٧: وكل مَنْ أتى مكانًا مَنْهَلًا أو غيره، فقد ورده. . . وفي اللغة: ورد بلدَ كذا، وماءَ كذا، إذا أشرف عليه، دخله =","vol":"2","page":3},{"text":"عن شكره ولا يبلغ مِعْشارَ عُشْره حَمْدُ كُل حامد، وأستغفره استغفار عبد في بحر الذنوب راكد (^١)، ولا يجد ملجأ من الله إلا إليه قد أحاطت به الشدائد، وقعد له عدوه بالمراصد، وسَوَّلت له نفسُه بالمكايد (^٢)، وغلب عليه هواه الفاسد، ونادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وأنك أنت الإله الواحد.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، توحيدًا أنا له في صميم القلب واجد، وعليه في الدنيا والآخرة شاهد، وأصفه بما وصف به نفسه من صفات الكمال والمحامد، وأنزهه عن كل ما لا يليق بجلاله (^٣) وأُباعد (^٤)، وأقدس له عن وَضَر التشبيه (^٥) والتعطيل ما تكنه القلوب من العقائد، وأستودعه ذلك ليوم لا يَجْزي فيه ولد ولا والد.\nوأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي قَدْرُه على جميع الخلائق صاعد، وشَرَفه بين البرية ناهد (^٦)، المصفى مِنْ خير القبائل الأماجد، والمُجْتبى مِنْ\n_________\n= أو لم يدخله، قال: فالورود بالإجماع ليس بدخول الجوهري: ورد فلانٌ ورودًا حَضَر، وأورده غيرُه واستورده أي: أحضره. اهـ.\n(^١) أي: ساكن هادئ ثابت. انظر، اللسان: ٣/ ١٨٤.\n(^٢) في (ك): \"المكايد\".\n(^٣) في (ص)، و(ك): \"بحاله\".\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) أى: وسخ التشبيه. انظر، المصباح المنير: ٢/ ٣٣٩، لسان العرب: ٥/ ٢٨٤، مادة (وضر).\n(^٦) أى: مرتفع. انظر، المصباح المنير: ٢/ ٢٩٨، ولسان العرب: ٣/ ٤٢٩، مادة (نهد).","vol":"2","page":4},{"text":"من خير البطون الأقارب والأباعد، المبرأُ في نَسَبِه (^١) وذاته عن كل شَيْنٍ يتعلق به حاسد، المقدَّم على الأنبياء والمرسلين والملائكة المقرَّبين في جميع المشاهد، المبعوث (^٢) إلى كلّ إنسيّ وجنيّ والمنقذ لهم من رِبْقة (^٣) الشيطان المارد، الهادي إلى سبيل الرشاد، ولولاه لم يكن أحدٌ منا براشد، - ﷺ - (^٤) ما سجد لله ساجد، ودام في الجِنَان خالد. ورضي عن أصحابه الذين كلٌّ منهم (في الله) (^٥) جاهِدٌ مُجَاهِد، وحامي حوزةَ الدين (^٦) من كلّ مارقٍ في الدين مُجَالِد، الذين قاموا بخلافة (^٧) نبيه في جميع المعاهد (^٨)، وشيَّدوا أركان دينه وحَفِظُوا شرائعه في جميع المصادر والموارد (^٩)، وقاموا\n_________\n(^١) في (ك): \"سِيره\".\n(^٢) في (ص)، (ك): \"والمبعوث\".\n(^٣) الرِّبْق: وزن حِمْل: حَبْلٌ فيه عدة عُرى أي: حِلَق تشد به البَهْم، الواحدة من العُرِى رِبُقة ويجمع أيضًا على رباق. انظر، المصباح المنير: ١/ ٢٣٢، والبَهْم: أولاد الضأن، يطلق على الذكر والأنثى، ومفرده بَهْمة مثل: تمر وتمرة. المصباح المنير: ١/ ٧٢. وفي لسان العرب: ١٠/ ١١٢: الربقة في الأصل: عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أو يدها تمسكها. اهـ. والمراد المنقذ لهم من عُقَد الشيطان المارد وكيده.\n(^٤) في (ت): \"صلى الله عليه وعلى آله\".\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) أي: حدوده ونواحيه. لسان العرب: ٥/ ٣٤٢.\n(^٧) في (ص)، (ك): \"بجلاله\". وهو خطأ.\n(^٨) المعاهد: جمع مَعْهَد، وهو المكان الذي كنت تَعْهَدُ به شيئًا. لسان العرب: ٣/ ٣١٣، مادة (عهد) فالمعهد على هذا اسم مكان، والأقرب أن المراد به المصدر الميمي، والمعنى أنهم خَلَفوا النبي - ﷺ - في كل ما أخذ عليهم العهد، بخلافته فيه، والقيام عليه.\n(^٩) المصادر: جمع مصدر، موضع الصُّدور، أى الرجوع. انظر، لسان العرب: ٤/ ٤٤٨، المصباح المنير: ١/ ٣٥٩، مادة (صدر). =","vol":"2","page":5},{"text":"بأعباء الملة الحنيفية وذَبُّوا عنها كل زائد، وحَمَوْا حِمَاها عن الشبهات، ووقفوا عند حدودها تحصيلًا للمصالح ودرءًا للمفاسد، رضي (^١) الله عنهم أجمعين وعن جميع علماء المسلمين الذين خَلَفوا الصحابة والتابعين في تمهيد القواعد، واستخراج الفوائد، وضبط الأصول الشوارد، وتبيين الأدلة والمقاصد (^٢)، والتوسع في علوم القرآن التي يتيه في بحارها كُلُّ عالم ناقد،\n_________\n= والموارد: جمع مورد مثل مسجد، موضع الورود. المصباح: ٢/ ٣٣٠.\nوالصَّدَر، بتحريك الدال اسم المصدر: نقيض الوِردْ، بكسر الدال اسم المصدر، كذلك انظر، لسان العرب: ٤/ ٤٤٨، المصباح: ٢/ ٣٣٠.\n(^١) في (ك): \"ورضي\".\n(^٢) ذكر الشارح رحمه الله تعالى في مقدمته هذه كلماتٍ وجملًا تشير إلى مقصوده، والفن الذي يشرع فيه، مثل قوله: \"وشيدوا أركان دينه\" أى: قواعد الدين، وهنا فيه إشارة إلى هذا العمل، لأنه علم القواعد والكليات التى هي أركانٌ لفروع هذا الدين.\nوقوله \"تحصيلًا للمصالح ودرءًا للمفاسد\" إشارة إلى مباحث المصالح والمفاسد في أصول الفقه.\nوقوله: \"في تمهيد القواعد\" إشارة إلى أن هذا الفن لا يَبْحث إلا في القواعد لا في الجزئيات والفروع.\nوقوله: \"وضبط الأصول الشوارد، وتبيين الأدلة والمقاصد\" وهنا الإشارة أقوى مِنْ قبلها. وهذا يسمى عند البلاغيين براعة الاستهلال: وهي أن يأتي الناظم أو الناثر في ابتداء كلامه بما يدل على مقصوده منه، بالإشارة لا بالتصريح. ويقابله براعة المقطع: وهو أن يشتمل الكلام على ما يُشْعر بالانتهاء. كقولك: ونسأله حسنُ الختام. ومثل: الدعاء، فإن العادة جارية بالختم به.\nانظر، جواهر البلاغة لأحمد الهاشمي: ٤٢٠، ٤٢١، وحسن الصياغة شرح دروس البلاغة لمحمد ياسين الفاداني: ١٦٢، ١٦٣.","vol":"2","page":6},{"text":"ومعرفة السنة ولا يحظى (^١) ببعضها إلا مَنْ (هو أسهد) (^٢) الليل (^٣) مكابد. وقد تجرد لذلك في المائة الثانية جماعة من العلماء، ما منهم إلا مِنْ جاهِدٍ مُجَاهِد، وكَدَّ ودَأبَ ونَصَب واجتهد والله لسعيه شاهد، فما منهم إلا من بلغ الذروة وكان من أعظمهم منةً على مَنْ بعده من طلاب الفوائد الإمام الشافعي - ﵁ -، فإن له أجل العوائد (^٤)؛ لجمعه (^٥) بين الحديث والفقه، وكان غيره يقتصر منهما على واحد؛ ولبناية كلامه (في الفقه) (^٦) على أصول، هو أول من صنفها لما سأله ابنُ مهدي (^٧)، فصنف له \"الرسالة\" وكم فيها من الفوائد (^٨)، فهو أول (من\n_________\n(^١) في (ص): \"ولا يخطئ\". وهو خطأ.\n(^٢) في (ك): \"لسهر\".\n(^٣) السُّهْدُ والسُّهادة: نقيض الرُّقاد. وأسهد: صيغة اسم التفضيل، من الفعل سَهِد بالكسر، يَسْهَد سَهَدًا وسُهْدًا وسُهادًا: لم ينم. ورجل سُهُدٌ: قليل النوم. وعينٌ سُهُد، كذلك. لسان العرب: ٣/ ٢٢٤، مادة (سهد).\n(^٤) عادة بمعروفه عودًا، من باب قال: أفْضَل، واسم المصدر عائدة، وجمعه عوائد: وهو ما عاد به عليك المُفْضِل مِنْ صِلَةٍ أو أفضل. انظر، المصباح المنير: ٢/ ٨٨، لسان العرب: ٣/ ٣١٦، مادة (عود).\n(^٥) في (ك): \"بجمعه\".\n(^٦) سقطت من (ص).\n(^٧) هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن العنبري، وقيل: الأزدي، مولاهم، أبو سعيد البصري اللؤلؤي، الإمام الحافظ العَلَم. ولد سنة ١٣٥ هـ. قال علي بن المديني: \"لو أُخِذْتُ فحُلّفت بين الركن والمقام - لحلفت بالله أني لم أرَ أحدًا قطُّ أعلمَ بالحديث من عبد الرحمن بن مهدي\". وقال الشافعي: \"لا أعرف له نظيرًا في هذا الشأن\". وكان ورده كل ليلةٍ نصف القرآن. توفي بالبصرة سنة ١٩٨ هـ، وهو ابن ٦٣ سنة.\n(^٨) في (ت)، و(ك): \"الفرائد\".","vol":"2","page":7},{"text":"صَنَّف) (^١) في أصول الفقه لا يمتري في ذلك إلا (^٢) معاند.\nوإن علم أصول الفقه لَمِن أعظم العلوم نفعًا عند مَنْ أنصف ولم يُعانِد، فإن العلومَ ثلاثة أصناف:\nعقلية محضة: كالحساب، والهندسة، والنجوم، والطب.\nولغوية: كعلم اللغة، والنحو، والتصريف، والعَرُوض، والقوافي، والبيان.\nوشرعية: وهي علوم القرآن، والسنة، وتوابعهما. ولا ريبة في أن الشرعية أشرف الأصناف الثلاثة في الوسائل والمقاصد، وأشرف العلوم الشرعية بعد الاعتقاد الصحيح، وأنفعها: معرفة الأحكام التي تجب للمعبود على العابد، ومعرفة ذلك بالتقليد ونقل الفروع المجردة يستفرغ جمام الذهن (^٣)، ولا ينشرح الصدر له لعدم أخذه بالدليل، وأين سامع الخبر من المشاهد؟ ! وأين أجر مَنْ يأتي بالعبادة لفتوى إمامه له (^٤) أنها واجبة أو سنة، مِنَ الذي يأتي بها وقد ثَلِجَ (^٥) (^٦)\n_________\n(^١) في (ك): \"ما صُنِّف\".\n(^٢) سقطت في (ت)، و(ك).\n(^٣) أى: معظم الدهن. القاموس المحيط: ٤/ ٩١، لسان العرب: ١٢/ ١٠٥ - ١٠٧، المصباح المنير: ١/ ١٢٠.\n(^٤) سقطت من (ص)، و(ت).\n(^٥) بكسر اللام وفتحها. انظر، لسان العرب: ٢/ ٢٢٢، مادة (ثلج).\n(^٦) في (ك): \"بلج\". أي أشرق.","vol":"2","page":8},{"text":"صدره (^١) عن الله ورسوله بأن ذلك دِيُنه؟ ! تالله إن أجر هذا لزائد (^٢) وهذا لا يحصل إلا بالاجتهاد (^٣) ولا يكمل فيه إلا الواحد بعد الواحد، وكل العلماء في حضيض عنه إلا من تغلغل بأصول (^٤) الفقه، وكَرَع (^٥) مِنْ (^٦) مناهله الصافية بكل الموارد (^٧)، وسبح في بحره وتروى (^٨) مِنْ (^٩) زُلاله (^١٠) وبات يَعُلُّ (^١١) به وطرفه ساهد (^١٢).\nوإني لم أزل مُذْ (^١٣) نشأت محبًا في هذا العلم مُولَعًا بالبحث\n_________\n(^١) أي: اطمأن. انظر المرجع السابق.\n(^٢) في (ت): \"الزائد\".\n(^٣) في (ت): \"باجتهاد\".\n(^٤) في (ص): \"بأصل\".\n(^٥) كرع في الماء كَرْعًا، من باب نفع، وكُرُوعًا: شَرِب بفيه من موضعه، فإن شَرِب بكفيه أو بشيءٍ آخر فليس بكَرْع، وكَرِع كَرَعًا، من باب تَعِب، لغة. المصباح المنير: ٢/ ١٩١.\n(^٦) في (ت): \"في\".\n(^٧) الموارد جمع مَوْرِدٍ: وهو الطريق إلى الماء. لسان العرب: ٣/ ٤٥٧.\n(^٨) في (ص): \"وروى\". وهو خطأ.\n(^٩) في (ك): \"في\".\n(^١٠) في (ص): \"من الإله\". ومعنى زلاله: عذبه، المصباح: ١/ ٢٧٣.\n(^١١) يَعِلُّ، بكسر العين وضمها: يشرب شربًا بعد شرب، تباعًا. قال في القاموس: ٤/ ٢٠: العَلُّ والعَلَلُ مُحركة الشِّرْبة الثانية، أو الشُّرْب تباعًا، عَلَّ يَعِلُّ وعَلُّهُ يَعِلُّه ويَعُلُّهُ عَلًا وعَلَلًا. وانظر، لسان العرب: ١١/ ٤٦٧، والمصباح المنير: ٢/ ٧٧، مادة (علل).\n(^١٢) في (ت)، و(ك): \"شاهد\".\n(^١٣) في (ت): \"منذ\".","vol":"2","page":9},{"text":"فيه مع كل زائد (^١) وقد أكثر الناس من (^٢) التصنيف فيه، فكم من مُصَنَّف (^٣) مبسوطٍ (ومتوسطٍ) (^٤) ومختصرٍ وناقصٍ وزائد، ومن أحسن مختصراته كتابه \"المنهاج في الوصول إلى علم الأصول\" الذي صنفه القاضي الفاضل (^٥) ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد البيضاوي ﵀، فلقد أحسن فيه المعاقد (^٦) وقد قُرِئ عليَّ مراتٍ كثيرة مِنْ جماعات، حتى سئمت إقراءه من كثرة الوارِد (^٧) (والشارد) (^٨)، وانتشرت طلبته (فكم انتفع) (^٩) به من واحد، وفي هذا الوقت شرع في الاشتغال به ولدي أبو حامد أعطاه الله من خير الدنيا والآخرة ما هو قاصد، وزاده مما (^١٠) ليس في حسابه كلَّ خير، إنه الكريم الماجد، فأحببت أن أضع له شرحًا لينتفع هو وغيره به إن شاء الله، وعسى دعوة من أخ في الله تنفعني وأنا في القبر فاقد. وسميته \"الإبهاج في شرح المنهاج\"،\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"رائد\".\n(^٢) في (ك): \"في\".\n(^٣) في (ت)، و(ك): \"تصنيف\".\n(^٤) سقطت من (ص)، و(ك).\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) المعاقد: مواضع العَقْد. واحده مَعْقِد، لسان العرب: ٣/ ٢٩٦، مادة (عقد) والمراد أنه أحسن في تبويبه وترتيبه.\n(^٧) في (ص): \"الموارد\".\n(^٨) سقطت من (ص)، و(ك).\n(^٩) في (ص)، و(ك): \"فلم انتفع\". وهو خطأ.\n(^١٠) في (ص): \"بما\".","vol":"2","page":10},{"text":"وأخذتُ هذا الاسم مِنْ قول ذي الرُّمَة (^١):\nتَزْدادُ للعين إبهاجًا إذا سَفَرتْ ... وتَحْرَجُ (^٢) العينُ فيها حِينَ تَنْتَقِبُ (^٣)\nوذلك من قصيدته التي قرأتُها على أبي محمد الحسن بن عبد الكريم سِبْطِ زيادة (^٤) في سنة سبع وسبعمائة سماعه من\n_________\n(^١) هو غيلان بن عقبة بن بُهَيْش المضري، أبو الحارث، ولقبه ذو الرُّمة لَحِقَه لقوله في رجزٍ له: \"أشعث باقي رمَّة التقليد\". والرِّمَّة والرُّمَّة: قطعة من الحبل بالية، والجمع رِمَمٌ ورِمام. أحب ميَّة بنت مقاتل المِنْقرية، وشبَّب بها عشرين عامًا. وكان يشبِّب بخرقاء أيضًا، وهي من بني البكاء بن عامر بن صعصعة. قال أبو عمرو بن العلاء: \"افتتح الشعراء بامرئ القيس، وخُتِموا بذى الرُّمُّة\". وقال الشافعي: \"ليس يقدِّم أهل البادية على ذي الرُّمَّة أحدًا\". عاش بين سنتي ٧٧ - ١١٧ للهجرة، فلم يعمَّر أكثر من أربعين عامًا. انظر، وفيات: ٤/ ١١، سيره: ٥/ ٢٦٧، مقدمة تحقيق مجيد طراد لديوان ذى الرمة: ٧ - ٩، لسان العرب: ١٢/ ٢٥٢، الشعر والشعراء: ١/ ٥٢٤.\n(^٢) في (ت): \"وتخدج\". وفي (ص): \"ومخرج\". وهو خطأ، والمُثْبَت في ديوان ذي الرمة بشرح الخطيب التبريزي: ٢٦، تحقيق مجيد طَرَاد.\n(^٣) في (ك): \"تلتفت\". وفي (ص): \"يلتفت\". وكلاهما خطأ، والمثبت من (ت)، ومن الديوان، والبيت في لسان العرب: ٢/ ٢٣٤. ومعنى البيت: أن الشاعر يقول عن محبوبته بأنها تزداد للعين نورًا وهيئة وجمالًا إذا سَفَرت، أي: كشفت عن وجهها، وإذا انتقبت أي: تَقنَّعَتْ، وشدت على وجهها النقاب فإن العين فيها تَحْرَج، أي: تحار وتَبْهَت، فلا تَقْدِر أن تنظر إلى غيرها. انظر، ديوان ذي الرمة بشرح التبريزي: ٢٦، لسان العرب: ٢/ ٢٣٤.\n(^٤) هو الحسن بن عبد الكريم بن عبد السلام بن فتح الغماري المغربي، نزيل القاهرة، بقية المسندي، المالكي، سبط الفقيه زيادة. ولد سنة ٦١٧ هـ. كان متواضعًا، حسن الخلق، تفرد بكثير من مروياته وشيوخه. مات في شوال ٧١٢ هـ. انظر، الدرر: ٢/ ١٩، شذرات: ٦/ ٣٠.","vol":"2","page":11},{"text":"عيسى بن عبد العزيز بن عيسى (^١) قال: أخبرنا السِّلَفي (^٢) قال أخبرنا جعفر السَّرَّاج (^٣) قال: أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال: قرأت على أبي الحسن علي بن عيسى الرماني (^٤)\n_________\n(^١) هو عيسى بن عبد العزيز اللخمي الشريشي، ثم الإسكندراني، شيخ القراء بالإسكندرية. ولد سنة بضع وخمسين وخمسمائة. قال الذهبي في الميزان: \"سماعاته للحديث من السِّلَفي وغيره صحيحة، فأما في القراءات فليس بثقة ولا مأمون، وضع أسانيد وادَّعى أشياء لا وجود لها. وهَّاه غير واحد، وقد حَدَّثونا عنه\". مات سنة ٦٢٩ هـ. انظر، سير: ٢٢/ ٣١٥، معرفة القراء: ٢/ ٤٨٩، ميزان: ٣/ ٣١٨، لسان: ٤/ ٤٠١.\n(^٢) هو أحمد بن محمد بن أحمد أبو طاهر الأصبهاني الجَرْوانيُّ السِّلفي، الحافظ الثقة المفتي، شيخ الإسلام، وسِلَفة لقبٌ لجده أحمد، ومعناه: الغليظ الشَّفَةِ، وأصله بالفارسية سَلَبَه، وكثيرًا ما يمزجون الباء بالفاء. ولد سنة ٤٧٥ هـ، أو قبلها بسنة، من مصنفاته: مقدمة معالم السنن، السفينة البغدادية، وغيرهما، توفي سنة ٥٧٦ هـ. انظر، سير: ٢١/ ٥، تذكرة: ٤/ ١٢٩٨، الطبقات الكبرى: ٦/ ٣٢.\n(^٣) هو جعفر بن أحمد بن الحسين السراج، أبو محمد البغدادي، القارئ اللغويّ، المحدِّث المسند. ولد في آخر سنة ٤١٧ هـ، أو في أول التي تليها. قال السِّلَفي: كان ممن يُفتخر برؤيته ورواياته لديانته ودرايته. خرَّج له شيخه الخطيب - وكان للسراج خصوصية - خمسة أجزاء مشهورة، ونظم \"التنبيه\" للشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وله نظم المناسك، ومصارع العشاق، وغيرها توفي سنة ٥٠٠ هـ. انظر، سير: ١٩/ ٢٢٨، طبقات الإسنوي: ١/ ٣٣١، بغية: ١/ ٤٨٥.\n(^٤) هو أبو الحسن علي بن عيسى الرُّمَّانيُّ النحويُّ المعتزلي. وكان يعرف بالإخشيديّ وبالورّاق، وهو بالرمانيّ أشهر. قال أبو حيان التوحيديّ: \"لم يُرَ مثله قطُّ علمًا بالنحو وغزارة الكلام، وبَصَرًا بالمقالات، واستخراجًا للعويص، وإيضاحًا للمشكل، مع تأله وتنزُّه ودين وفصاحة\". وكان يتشيع ويقول: عليٌّ أفضل الصحابة. من مصنفاته: التفسير، الحدود الأكبر، الأصغر، شرح سيبويه، معاني الحروف، وغيرها. مات سنة ٣٨٤ هـ. انظر، سير: ١٦/ ٥٣٣، لسان الميزان: ٤/ ٢٤٨، بغية: ٢/ ١٨٠.","vol":"2","page":12},{"text":"قال: سمعت ديوان ذي الرُّمَّة على أبي بكر بن دُرَيْد (^١) عن أبي حاتم (^٢) عن الأصمعي (^٣) عن أبي عمرو بن العلاء (^٤) عن ذي الرُّمَّة واسمه\n_________\n(^١) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دُرَيد بن عَتَاهِيَة الأزديّ البصريّ الشافعيّ، العلامة شيخ الأدب، صاحب التصانيف. كان واسع الحفظ جدًا تُقرأ عليه دواوين العرب كلُّها أو أكثرها فيسابِق إلى إتمامها ويحفظها، وما قرئ عليه ديوان شاعر إلا وهو يسابق إلى روايته لحفظه. وقال الدارقطني: تكلموا فيه. وقال أبو بكر الأسديُّ: كان يقال: ابن دُريد أعلمُ الشعراء، وأشعرُ العلماء. من مصنفاته: الجمهرة في اللغة، المُجْتَبَى، اشتقاق أسماء القبائل، وغيرها. تُوفي سنة ٣٢١ هـ. انظر، تاريخ بغداد: ٢/ ١٩٥، معجم الأدباء: ١٨/ ١٢٧، سير: ٥/ ٩٦، بغية: ١/ ٧٦، لسان: ٥/ ١٣٢.\n(^٢) هو أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السِّجستانيّ، ثم البصريّ. كان إمامًا في علوم القرآن واللغة والعشر، قرأ كتاب سيبويه على الأخفش مرتين، وكان أعلم الناس بالعَرُوض، ذكره ابن حبان في الثقات، وحدَّث عنه أبو داود والنسائي في كتابيهما، وأبو بكر البزَّار في مسنده. من مصنفاته: إعراب القرآن، ما يلحن فيه العامة، المقصور والممدود، وغيرها. توفي سنة ٢٥٥ هـ، وقيل: ٢٥٠ هـ. انظر، سير: ١٢/ ٢٦٨، بغية الوعاة: ١/ ٦٠٦.\n(^٣) هو الإمام العلامة أبو سعيد عبد الملك بن قُريب بن عبد الملك الأصمعيّ البصريّ اللغويّ الحافظ، حجة الأدب، لسان العرب. ولد سنة بضع وعشرين ومائة. كان يقول: \"أحفظ ستةَ عشَرَ ألفٍ أرجوزة\"، وقال الشافعي ﵀: \"ما عبَّر أحدٌ عن العرب بأحسنَ مِنْ عبارة الأصمعيَ\". من مصنفاته: غريب القرآن، خَلْق الإنسان، الصِّفات، خَلْق الفرس، وغيرها. توفي سنة ٢١٦ هـ، وقيل ٢١٥ هـ. انظر، سير: ١٠/ ١٧٥، بغية الوعاة: ٢/ ١١٢، تاريخ بغداد: ١٠/ ٤١٠.\n(^٤) أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن عبد الله المازنيّ، النحويّ المقرئ، أحد القُرَّاء السبعة المشهورين، اختلف في اسمه على أحد وعشرين قولًا، أشهرها زبَّان. وسبب الاختلاف في اسمه أنه كان لجلالته لا يُسأل عنه. كان إمام أهل البصرة في =","vol":"2","page":13},{"text":"غيلان بن عقبة العدوي.\nفإن قلت: قد عَظَّمْتَ أصولَ الفقه، وهل هو إلا نُبَذٌ جُمِعَت مِنْ علومٍ متفرقة:\nنبذةٌ من النحو: وهي الكلام في معاني الحروف التي يحتاج إليها الفقيه، والكلام في الاستثناء (^١)، وما أشبه ذلك. ونبذةٌ من علم الكلام: وهي الكلام في الحُسْن والقُبْح (^٢)، والكلامُ في (^٣) الحكم الشرعي وأقسامه، وبعض الكلام في النسخ وأفعاله (^٤)، ونحو ذلك.\nونبذةٌ من اللغة: وهي الكلام في معنى الأمر والنهي، وصِيَغ العموم، والمجمل، والمبيَّن، والمطلَق والمقيَّد، وما أشبه ذلك.\nونبذةٌ من علم الحديث: وهي الكلام في الأخبار.\n_________\n= القراءات والنحو واللغة، أخذ عن جماعة من التابعين، وقرأ القرآن على سعيد بن جبير. قال أبو عبيد: \"أبو عمرو أعلمُ الناس بالقراءات والعربية، وأيام العرب والشعر، وكانت دفاتره ملءَ بيته إلى السقف ثم تَنسَّك فأحرقها\". توفي سنة ١٥٤ هـ. انظر، سير: ٦/ ٤٠٧، بغية: ٢/ ٢٣١، تقريب: ٦٦٠.\n(^١) في (ص): \"الاستفتاء\". وهو تحريف.\n(^٢) في (ص): \"القبيح\".\n(^٣) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"و\". والصواب ما أَثْبَتُّه. وقد نقل الزركشي في \"البحر\" عبارة السبكي من غير عزو، وفيه: \"ونبذة من علم الكلام كالكلام في الحسن والقبح، وكون الحكم قديمًا\". انظر، البحر المحيط: ١/ ١٣.\n(^٤) عبارة الزركشي في البحر المحيط: ١/ ١٣: \"والكلام على إثبات النسخ وعلى الأفعال ونحوه\".","vol":"2","page":14},{"text":"والعارف بهذه العلوم لا يحتاج إلى أصول الفقه في (شيء من ذلك، وغير العارف بها لا تُغنيه أصول الفقه في) (^١) الإحاطة بها، فلم يبق من أصول الفقه إلا الكلام في الإجماع، (والقياس، والتعارض والاجتهاد، وبعض الكلام في الإجماع) (^٢) من أصول الدين أيضًا، وبعض الكلام في القياس والتعارض مما يستقبل به الفقيه، فصارت فائدةُ أصول الفقه بالذات قليلةً جدًا، بحيث لو جُرِّد الذي ينفرد به ما كان إلا شيئًا يسيرًا.\nقلتُ: ليس كذلك، فإن الأصوليين دَقَّقُوا في فَهْم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة ولا اللغويون، فإن كلام العرب متسع جدًا، والنظر فيه متشعب، فكتب اللغة تَضْبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة، دون المعاني الدقيقة التى تحتاج إلى نظر الأصولي، واستقراءٍ زائدٍ على استقراء اللغويّ.\nمثاله: دلالةُ صيغة \"افعل\" على الوجوب، و\"لا تفعل\" على التحريم، وكون: كُلّ وأخواتِها للعموم، وما أشبه ذلك مما ذكر السائل أنه من اللغة. لو فتشتَ كتبَ اللغة لم تجد فيها شيئًا (^٣) في ذلك، ولا تعرضًا لما ذكره الأصوليون، وكذلك كتب النحو لو طلبتَ معنى الاستثناء، وأن الإخراج هل هو قبل الحكم أو بعد الحكم، ونحو ذلك من الدقائق التي تعرض لها الأصوليون، وأخذوها باستقراء خاص من كلام العرب، وأدلةٍ\n_________\n(^١) سقطت من (ص)، و(ك).\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) في (ص)، و(ك): \"شفاء\". وهو خطأ.","vol":"2","page":15},{"text":"خاصة لا تقتضيها صناعةُ النحو - فهذا ونحوه مما تكفَّل به أصول الفقه، ولا يُنْكَر (^١) أن له استمدادًا من تلك العلوم، ولكن تلك الأشياء التي استمدها منها لم تُذكر فيه بالذات بل بالعَرَض، والمذكور فيه بالذات ما (^٢) أشرنا إليه (^٣) مما لا يوجد إلا فيه، ولا يصل إلى فهمها إلا مَنْ تكيَّف به.\nفإن قلتَ: قد كانت العلماء في الصحابة والتابعين (وأتباع التابعين) (^٤) من أكابر المجتهدين، ولم يكن هذا العلم حتى جاء الشافعي وصنف فيه، فكيف تجعله (^٥) شرطًا في الاجتهاد!\nقلت: الصحابة ومَنْ بعدهم كانوا عارفين به بطباعهم، كما كانوا عارفين النحو (^٦) بطباعهم، قبل مجيء الخليل (^٧) وسيبويه، فكانت ألسنتهم قويمةً، وأذهانهم مستقيمةً، وفهمهم لظاهر كلام العرب ودقيقه عتيدٌ (^٨)؛ لأنهم أهله الذين (^٩) يؤخذ عنهم، وأما بعدهم\n_________\n(^١) في (ك): \"تنكر\".\n(^٢) في (ت): \"مما\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ك): \"نجعله\".\n(^٦) في (ت)، و(ك): \"بالنحو\".\n(^٧) هو الخليل بن أحمد الأزديّ الفراهيديّ، أبو عبد الرحمن البصريّ، مُنشئ علم العَرُوض. ولد سنة ١٠٥ هـ. قال عنه ابن حبان: \"كان مِنْ خيار عباد الله المتقشفين في العبادة\". كان يملي علمه من حفظه. مات بعد ١٦٠ هـ، وقيل: سنة سبعين، أو بعدها. انظر، سير: ٧/ ٤٢٩، تهذيب: ٣/ ١٦٣، تقريب: ١٩٥.\n(^٨) أى: جسيم. في اللسان: ٣/ ٢٧٩: عَتُدَ الشيءُ عَتَادًا، فهو عَتِيدٌ: جَسُم.\n(^٩) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"الذي\".","vol":"2","page":16},{"text":"فقد (^١) فَسَدَت الألسن، وتَغَيَّرت الفُهُوم، فيُحتاج إليه كما يُحتاج إلى النحو.\nواعلم أن كمال رتبة الاجتهاد تتوقف (^٢) على ثلاثة أشياء:\nأحدها: (التَّكَيُّف بالعلوم) (^٣) التى يتهذب بها الذهن: كالعربية، وأصول الفقه، وما يُحتاج إليه من العلوم العقلية في صيانة الذهن عن الخطأ (^٤)، بحيث تصير هذه العلوم ملكةً للشخص فإذ ذاك يُثَق بفهمه لدلالات الألفاظ من حيث هي هي، وتحريرهُ لصحيح (^٥) الأدلة من فاسدها، والذي نشير إليه من العربية وأصول الفقه كانت الصحابة (أعلم به منا) (^٦) من غير تعَلُّم، وغاية المتعلّم منا أن يصل إلى (أن يفهم) (^٧) بعض فهمهم، وقد يُخطئ وقد يصيب.\nالثاني: الإحاطة بمعظم قواعد الشريعة، حتى يَعرف أن الدليل الذي ينظر فيه مخالف لها أو موافق.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ت): \"يتوقف\".\n(^٣) في (ص): \"التاكيف بالعلوم\". وهو سهو من الناسخ، والمعنى: هو أن يفهم العلومَ حتى يصير له ملكة فيها.\n(^٤) ويقصد به علم المنطق الذي هو: قانونٌ تعصم مراعاتُه الذهنَ عن الخطأ في فِكْره. انظر، إيضاح المبهم من معاني السُّلَّم، للدمنهوري: ٤.\n(^٥) في (ص): \"تصحيح\".\n(^٦) في (ت)، و(ك): \"أعلم منا به\".\n(^٧) سقطت من (ص)، و(ك).","vol":"2","page":17},{"text":"الثالث: أن يكون له من الممارسة والتتبع لمقاصد الشريعة ما يُكسبه قوةً يَفْهم منها مراد الشرع من ذلك، (وما يناسب) (^١) أن يكون حُكمًا له في ذلك المحل، وإن لم يصرِّح به كما أنَّ مَنْ عاشر ملكًا، ومارس أحوالَه، وخَبَر أمورَه، إذا سُئل عن رأيه في القضية الفلانية يغلب على ظنه ما يقوله فيها، وإن لم يصرِّح له به، لكن لمعرفته (^٢) بأخلاقه وما يناسبها من تلك القضية. فإذا وصل الشخص إلى هذه الرتبة، وحصل على الأشياء الثلاثة فقد حاز رتبة الكاملين في الاجتهاد.\nولا يُشترط العلمُ بأحوال الرواة من حيث هو، فإن الصحابة كانوا مجتهدين، ولم يحتاجوا إلى ذلك، وإنما الذين بعدهم يحتاجون إلى ذلك في إيقاع الاجتهاد لا في حصول الصِّفة لهم، وكذلك العلم بمواقع الإجماع والاختلاف. وكان محل الكلام على هذا في أواخر الكتاب، ولكنا تعجلناه هنا. ومن المعلوم أن الصحابة كانوا أكمل الناس في هذه الأشياء الثلاثة.\nأما الأول: فبطباعهم.\nوأما الثاني والثالث: فلمشاهدتهم الوحي ومعرفتهم بأحوال النبي - ﷺ -.\nولما كان الفقه مستندًا إلى الكتاب والسنة، ويحتاج الفقيه في أخذه منهما إلى قواعد، جُمعت تلك القواعد في علمٍ وسُميت \"أصول الفقه\"، وهي تسمية صحيحة مطابقة؛ لتوقف الفقه عليها، وتلك القواعد منها ما\n_________\n(^١) في (ت): \"أو ما يناسب\".\n(^٢) في (ص): بمعرفته.","vol":"2","page":18},{"text":"لا يُعرف إلا من الشرع، ومنها ما يعرف من اللغة بزيادة على ما تَصدَّى له النحاة واللغويون. فالذي لا يُعرف إلا من الشرع: إثبات كون الخبر الواحد حجةً، وكون الإجماع حجة، والقياس حجة، وكثير من المسائل التى تذكر فيه.\nوالذي يُعرف من اللغة: ما يُذكر فيه من دلالات الألفاظ اللغوية.\nوما فيه من علم الكلام ونحوه، فاقتضاه انجرار الكلام إليه، وتوقُّفُ فَهْمِ بعض مسائل هذا العلم عليه.\n\nو(^١) هذا حين أبتدئ في شرح هذا الكتاب، مستعينًا بالله تعالى، وذلك في يوم الاثنين ثامن شهر ربيع الأول، سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، وإلى الله أتضرع، وإياه أسأل: أن ينفع به بمنِّه وكرمه، إنه قريب مجيب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>(قال المصنف ﵀)</span> (^٢): (تَقَدَّس مَنْ تَمَجَّد بالعظمة والجمال (^٣».\nتَقَدَّس، أي: تطهر، ومن أسمائه تعالى التى نطق بها القرآن \"القدوس\"، وفيه لغتان: ضَمُّ القاف، وهي أشهر، (وكان سيبويه) (^٤) يقول\n_________\n(^١) سقطت الواو من (ت).\n(^٢) في (ص) و(ك): \"شرح ديباجة الكتاب\".\n(^٣) في جميع النسخ: \"والجلال\". وهو خطأ، وسيأتي في كلام الشارح أنه شَرَح اسمَ \"الجميل\"، بعد شرحه لاسم \"العظيم\".\n(^٤) في (ص): \"وكان س\". (وهو رمز لسيبويه).","vol":"2","page":19},{"text":"بفتحها (^١). وأصل الكلمة من القُدُس بضم الدال، وسكونها (^٢): وهو الطهارة (^٣)، سُمِّي جبريلُ روحَ القدس؛ لطهارته في تبليغ الوحي إلى الرسل ﵈.\nوالأرض المُقَدَّسة: المُطَهَّرة، وبيت المَقْدِس: بيت الطَّهَارة (أو بيت مكان الطهارة) (^٤)، والمعنى الطهارة من الذنوب؛ لتطهيره من الكفار بالمسلمين (^٥).\nوقال تعالى: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (^٦) أي: نُقَدِّسُك، إنْ جعلت اللام زائدة، أو نُقَدِّس أنفسنا لك، إن لم تَرْض زيادتَها (^٧).\n_________\n(^١) في اللسان: ٦/ ١٦٨، (مادة قدس): \"وكان سيبويه يقول: سَبُّوح وقَدُّوس، بفتح أوائلهما. . . قال ثعلب: كل اسمٍ على فَعُّول فهو مفتوح الأول مثل: سَفُّود وكَلُّوب وسَمُّور وتَنُّور، إلا السُّبُّوح والقُدُّوس، فإن الضم فيهما الأكثر، وقد يُفتحان، وكذلك الذُّرُّوح بالضم، وقد يفتح. قال الأزهري: لم يجئ في صفات الله تعالى غير القُدُّوس، وهو الطاهر المنزَّه عن العيوب والنقائص، وفُعُّول بالضم من أبنية المبالغة، وقد تُفتح القاف وليس بالكثير\".\n(^٢) في (ص): \"وبسكونها\".\n(^٣) انظر، لسان العرب: ٦/ ١٦٨، القاموس المحيط: ٢/ ٢٣٩، المصباح المنير: ٢/ ١٥٠.\n(^٤) في (ص)، و(ك): \"أو بيت مكانها\".\n(^٥) قال القرطبي في تفسيره: ١/ ٢٧٧: \"وبيت المقدس سُمِّي به؛ لأنه المكان الذي يُتَقَدَّس فيه من الذنوب، أي: يُتَطهر\".\n(^٦) سورة البقرة: ٣٠.\n(^٧) يعني: إن كانت اللام زائدة - فالمفعول به هو الكاف، وإن لم تكن زائدة فالمفعول به مقدَّر: أنفسنا. وانظر، تفسير أبي السعود: ١/ ٨٣، الفتوحات الإلهية بتوضيح =","vol":"2","page":20},{"text":"ومعنى تقديس (^١) الله: تنزيهه عن (^٢) كل ما لا يليق بكماله ﷾، فننزهه عن كل وصف يُدركه حس، أو يصوِّره (خيال وَهْم) (^٣)، أو يختلج به ضمير. وننزهه عن كل ما نسبه إليه المبطلون: من الشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، وعن كل محال نسبه إليه أهل الضلال، مما يَسْري (^٤) إلى نقص، أو يُومئ إلى عيب.\nولولا ما وقع فيه أهل الكفر والضلال من ذلك - لكان الأدب بنا تنزيهه عن أن ننطق بنفي ذلك عنه؛ لأنَّ نفي الوجود يكاد يُوهم إمكانَ الوجود، وتطرقُ العيبِ والنقصِ إليه محال، لا يخطر بالبال تصوره، فضلًا عن كونه ينْفيه ويقَدِّره.\nوقولنا: \"تنزيهه عن كل ما لا يليق بكماله\" عبارة محررة، أولى مِنْ قول مَنْ يقول: بأوصاف الكمال، فإن أكثر ما يتصور الناس من أوصاف الكمال ما هو كمال لأنفسهم، كعلمهم وسمعهم وبصرهم، والله تعالى منزه عنها (^٥)، فإن صفاته تعالى لا تشبه صفات البشر، وعلمه وسمعه\n_________\n= تفسير الجلالين للدقائق الخفية: ١/ ٣٨، تفسير القرطبي: ١/ ٢٧٧، والتفسير الكبير للرازى: ٢/ ١٨٩.\n(^١) في (ك): \"نقدس\".\n(^٢) في (ت)، و(ص): \"من\".\n(^٣) في (ت)، و(ك): \"خيال ووهم\".\n(^٤) في (ص): \"مما يشير\". ومعنى \"يسري\" أى يؤدي ويجر.\n(^٥) أى: منزه أن تكون له صفات البشر: معانيها وكيفياتها؛ لأنه واحد في ذاته وصفاته وأفعاله: \"هل تعلم له سميًا\".","vol":"2","page":21},{"text":"وبصره مباين لسمعهم (وبصرهم وعلمهم) (^١)، فتنزيه كثير من الجهال يحتاج إلى تنزيه، ومجامع التقديس أن نقدِّسه عن الشركاء والأضداد (^٢) والنظير والولد، وإحاطة الأبصار (^٣)، والحاجة إلى غيره، وغير ذلك مما (^٤) يستحيل عليه.\nوأكثر الناس يعتقدون أنَّ معنى القدوس: الطاهر، ولا شك أَنَّه يدل على ذلك، ولكنه ليس كل معناه، فإنَّ بناء \"طاهر\" لازم، و\"قدوس\" مأخوذ من فعل متعد (^٥)، فمعناه: مطهِّر، بكسر الهاء، أي: أنَّه تعالى مُقَدِّس لنفسه بإخباره عنها بالتوحيد والإجلال والإكرام، واستحالةِ النقائص عليه، وعَجْزِ الأوهام عنه، وخالقُ الأدلة على ذلك (^٦). ومُقَدِّس لخلقه عن اعتقادهم فيه ما لا يليق بذاته. والأول صفة ذات، والثاني\n_________\n(^١) في (ت): \"وعلمهم وبصرهم\".\n(^٢) الأضداد جمع ضد: وهو النظير والكفء. المصباح: ٢/ ٤.\n(^٣) يعني: أن أبصار المؤمنين وإن رأت المولى ﷿ في الآخرة في عَرَصات يوم القيامة، وفي الجنة - جعلنا الله والمسلمين من أهلها - إلا أنها رؤيةٌ لا إحاطةٌ، فإن معرفة كُنْه حقيقة المولى ﷿، وعظمته وجلاله على ما هو عليه غير ممكن للبشر ولا للملائكة ولا لشيء، ولهذا قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: لا تحيط به، ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. ﷾، وتقدس وتنزه عما يقوله الظالمون علوًا كبيرًا. انظر: تفسير ابن كثير: ٢/ ١٦١، ١٦٢. فتح القدير: ٢/ ١٤٨.\n(^٤) في (ص): \"ما\".\n(^٥) وهو: قَدَّس أي: طَهَّر.\n(^٦) قوله: \"وخالق الأدلة\": معطوف على قوله: \"بإخباره عنها\". يعني: مقدِّس لنفسه بإخباره عنها. . .، ومقدِّس بكونه خالقًا للأدلة على ذلك.","vol":"2","page":22},{"text":"والثالث صفتا فعل (^١). وعن ابن عباس وقتادة (^٢): القُدُّوس (^٣) الذي منه البركات (^٤).\nإذا عرفت ذلك - فقوله: تَقَدَّس؛ لا يجوز أن يكون مُطَاوِعًا لقَدَّس، فإن المطاوِع شَرْطه التأثر، مثل: كَسَّرتُه فتكسَّر (^٥). وذلك مفقود هنا، والتقديس هنا مثل التصديق، في أنّ المراد منه الإخبار عن الصدق، فلا يأتي\n_________\n(^١) الأول: وهو تقديسه لنفسه بإخباره، صفة ذات. والثاني: وهو خالق الأدلة على ذلك. والثالث: وهو تقديسه لخلقه. وهما صفتا فعل، ولعل الشارح يريد بصفة الذات والكلام النفسي، ويدل عليه قوله في الثاني: وخالق الأدلة على ذلك. فمعنى هذا أنه ﷾ خَلَق الأدلة الشرعية، ولم تقم بذاته، وهو ما يقوله الأشاعرة. انظر: شرح جوهرة التوحيد للباجوري: ١١٣ - ١١٦، تنسيق وإخراج محمد أديب الكيلاني، وعبد الكريم تَتَّان.\n(^٢) هو قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصريّ. يقال: ولد أكمه. وكان مولده سنة ٦٠ هـ. وكان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، قدوةً للمفسرين والمحدثين. قال الذهبي: \"وهو حجة بالإجماع إذا بين السماع، فإنه مدلّس معروف بذلك، وكان يرى القدر، نسأل الله العفو\". قال سعيد بن المسيب: \"ما أتاني عراقيٌّ أحسن منه\". وقال قتادة عن نفسه: \"ما قلت لمحدِّث قط: أعِدْ عليّ، وما سمعت أُذناي شيئًا قط إلا وعاه قلبي\". مات سنة ١١٧ هـ. انظر، سير: ٥/ ٢٦٩، تهذيب: ٨/ ٣٥١، تقريب: ٤٥٣.\n(^٣) في (ص): \"القدس\". وهو خطأ.\n(^٤) قال ابن كثير في التفسير: ٤/ ٣٤٣: وقوله تعالى: ﴿الْقُدُّوسُ﴾ قال وهب بن مُنَبِّه: أى: الطاهر، وقال مجاهد وقَتادة أي: المبارك، وقال ابن جريج: تقَدِّسه الملائكة الكرام. وانظر، الدر المنثور: ٨/ ١٢٣.\n(^٥) وقَطَّعْتُه فانقطع، وأطلقتُه فانطلق، وعدَّلتُه فانعدل. انظر: شذا العرف: ٤٤.","vol":"2","page":23},{"text":"منه مُطَاوِع (^١)، لكن يصح استعمال تَقَدَّس هنا (^٢) لموافقة المُجَرَّد (^٣). وقد قال الراجز:\nالحمد لله العلي القادس (^٤).\nومن جملة معاني تَفَعَّل أن يوافق المجرَّد، وإن لم يُنطق بالمجرَّد ههنا في الفعل (^٥)، وقد قال الفراء (في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ﴾ (^٦» (^٧) أنَّ معناه: تَقَدَّس (^٨).\n_________\n(^١) في (ص): \"مضارع\". وهو خطأ.\n(^٢) سقط من (ص).\n(^٣) أي: يصح استعمال تَقَدَّس هنا في كلام الماتن: \"تَقَدَّس مَنْ تَمَجَّد بالعظمة والجلال\"؛ لأنَّ هذا الفعل موافق للمجرد في كونه غير متأثّرٍ بغيره، وهو الفعل قَدَّس.\n(^٤) القادس اسم فاعل من الفعل المجرد قَدَس، لكنه لم تنطق به العرب، كما سيذكر الشارح.\n(^٥) يعني: أن تفعَّل يأتي بمعنى الفعل المجرد، وهنا تَقَدَّس بمعناه، ولذلك لم تذكر القواميس استعمال قَدَس فِعْلًا مجرَّدًا، كاللسان: ٦/ ١٦٨، والصحاح: ٣/ ٩٦٠، والقاموس: ٢/ ٢٣٩، والمصباح المنير: ٢/ ١٥٠. قال الشيخ أحمد الحملاوي في \"شذا العرف\": ٤٦: وربما أغنت هذه الصيغة (أي: صيغة تَفَعَّل) عن الثلاثي؛ لعدم وروده كتَكَلَّم وتَصدَّى. اهـ. فالعرب لم تنطق بـ: كَلَم وصَدَى، لكن تَكَلَّم بمعنى كَلَمَ، وتَصَدَّى بمعنى صَدَى.\n(^٦) سورة الفرقان: ١.\n(^٧) في (ص): \"في قوله ﵎\". وهو خطأ.\n(^٨) انظر، معاني القرآن للفراء: ٢/ ٢٦٢.","vol":"2","page":24},{"text":"وللمصنف في الفراء (^١) أسوة في استعماله تَقَدَّس.\nوكذلك السهيلي (^٢) وهو من المتقنين في العلم، وقع في كلامه: تَقَدَّس سبحانه عن مضاهاة الأجسام. وقُدُّوس مثل سُبُّوح.\nكان سيبويه (^٣) يفتح أولهما، والمشهور الضَمُّ فيهما. والتسبيح: التنزيه، ولم يَرد السُبُّوح في القرآن، ولا في حديث أبي هريرة، ولكن جاء\n_________\n(^١) هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الديلمي الأسدي ولاءً، الكوفي. قيل له: الفَرَّاء؛ لأنه كان يَفْري الكلام. قال ثعلب: \"لولا الفَرَّاء لما كانت عربيةٌ، لأنه خلّصها وضبطها. . .\". وقال بعضهم: \"الفَرَّاء أمير المؤمنين في النحو\". وكان يحب الكلام ويميل إلى الاعتزال، وكان متدينًا متورّعًا، على تِيهٍ وعُجْبٍ وتعظّم. من مصنفاته: معاني القرآن، اللغات، المصادر في القرآن، وغيرها. توفي بطريق مكة سنة ٢٠٧ هـ.\nانظر، تاريخ بغداد: ١٤/ ١٤٩، الأنساب: ٤/ ٣٥٢، سير: ١٠/ ١١٨، تهذيب: ١١/ ٢١٢، بغية: ٢/ ٣٣٣.\n(^٢) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد، أبو القاسم وأبو زيد السُّهيلي - نسبة إلى سُهَيْل: قرية بالقرب من مالَقَة - الخَثْعمِي الأندلسي المالَقِي - مدينة بالأندلس - المالكي الحافظ. كان عالمًا بالعربية واللغة والقراءات، بارعًا في ذلك، جامعًا بين الرِّواية والدِّراية، عالمًا بالتفسير وصناعة الحديث، حافظًا للرجال والأنساب، عارفًا بعلم الكلام والأصول، حافظًا للتاريخ، صاحب اختراعات واستنباطات. كفَّ بصره وهو ابن سبع عشرة سنة. من مصنفاته: \"الروض الأنف\" في شرح السيرة، التعريف والإعلام بما في القرآن من الأسماء والأعلام، مسألة السِّر في عَوَر الدِّجال، مسألة رؤية الله والنبي - ﷺ - في المنام. توفي بمراكش سنة ٥٨١ هـ.\nانظر، الديباج المذهب: ١/ ٤٨٠، بغية الوعاة: ٢/ ٨١.\n(^٣) في (ص): س.","vol":"2","page":25},{"text":"في التسبيح.\nواختلف العلماء هل كونه سُبُّوحًا قُدُّوسًا يرجع إلى معنى خاصٍّ يُسمى قُدْسًا وسُبْحة، أو وَصْفُه بذلك يرجع إلى نفيٍ محض وتنزيه عن النقائص، ومعنى ذلك أنَّه هل هو صفة ثبوتية أو سلبية؟\nوقوله: \"تَمَجد\": الكلام فيه كالكلام في تَقَدَّس، وهو مأخوذ من اسم المجيد، وقد نطق به القرآن والسنة، (وأجمعت عليه الأمة) (^١).\nوالمَجْد: معناه الشرف، والعظمة، والكثرة، والارتفاع (^٢)، فسمي (^٣) تعالى بذلك؛ لكثرة جلاله وشرفه وعلوه بما يخرج عن طَوْق البشر.\nواختلف العلماء هل هو صفة خاصة كالعلم والقدرة، أو هو عبارة عن استجماع صفات المعاني (^٤)، ووجوه نفي النقائص، فلا كمال إلا وهو له، ولا نقص إلا وهو منزه عنه وقوله: \"بالعظمة والجمال\" (^٥) متعلّق\n_________\n(^١) في (ص): \"وأجمعت الأمة عليه\"، وفي (ك): \"واجتمعت عليه الأمة\".\n(^٢) في اللسان: ٣/ ٣٩٥، ٣٩٦: المَجْد: الكرم والشرف، وأَمْجَدَه ومَجَّده كلاهما: عَظَّمه وأثنى عليه. وقوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ يريد بالمجيد: الرفيع العالي. ومَجَدت الإبلُ إذا وقعت في مرعى كثير واسع. وأمْجَدتُ الدابةَ عَلَفًا: أكثرتُ لها ذلك. ويقال: أمجَدَ فلانُ عطاءَه ومَجَّده، إذا كَثُّره. اهـ. باختصار، وانظر، القاموس المحيط: ١/ ٣٣٦، والمصباح: ٢/ ٢٢٨.\n(^٣) في (ص): \"سمي\".\n(^٤) في (ص)، و(ك): \"المعالي\". وهو خطأ.\n(^٥) في (ص)، و(ك): \"والجلال\". وهو خطأ.","vol":"2","page":26},{"text":"بتمَجَّد، واسم \"العظيم\" نطق به القرآن والسنة، وهو تعالى عظيم في ذاته، وصفاته، وقَهْره، وسلطانه، فكل عظيم بالنسبة إلى عظمته عدمٌ محض، واسم \"الجميل\" لم يرد في القرآن، ولا في حديث أبي هريرة، لكن في الحديث: \"إن الله جميل يحب الجمال\" (^١)، وورد أيضًا في بعض طرق حديث (^٢) أبي هريرة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه: ١/ ٣٩، في كتاب الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه، حديث رقم: ٩١.\nوالترمذي: ٤/ ٣١٧، في كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الكبر، حديث رقم: ١٩٩٩، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) حديث أبي هريرة - ﵁ - أخرجه أحمد في المسند: ٢/ ٣١٤، ٤٢٧. والبخاري: ٢/ ٩٨١ - ٩٨٢، في كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار، رقم: ٢٥٨٥، وانظر الأرقام: ٦٠٧٤، ٦٩٥٧. ومسلم: ٤/ ٢٠٦٢، في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب في أسماء الله تعالى، وفضل من أحصاها، رقم: ٢٦٧٧. وابن ماجه: ٢/ ١٢٦٩ في كتاب الدعاء، باب أسماء الله ﷿، رقم: ٣٨٦٠. والترمذي: ٥/ ٤٩٦ - ٤٩٧، في كتاب الدعوات، باب: ٨٣، رقم: ٣٥٠٦، ٣٥٠٨. كلهم من غير سرد الأسماء الحسنى. وأخرجه الترمذي: ٥/ ٤٩٦، رقم: ٥/ ٤٩٦، رقم: ٣٥٠٧. وابن ماجه: ٢/ ١٢٦٩ - ١٢٧٠، رقم: ٣٨٦١. والحاكم: ١/ ١٦، ١٦ في كتاب الأيمان. كلهم بسرد الأسماء الحسنى. واسم \"الجميل\" ورد عند ابن ماجه والحاكم فقط. وقد بيَّن الحافظ ابن حجر - ﵀ - أنَّ الراجح أن سرد الأسماء مدرج في الخبر من بعض الرواة، ونقل عن ابن حزم - ﵀ - قوله: \"والأحاديث الواردة في سرد الأسماء ضعيفة لا يصح شيء منها أصلًا\". ثم قال الحافظ: \"وقد استضعف الحديث أيضًا جماعةٌ، فقال الداودي: =","vol":"2","page":27},{"text":"ولما كان تعالى كاملًا في ذاته وصفاته وأفعاله - وُصِف بالجمال وهو تعالى مُقَدَّس عن الصورة، وعن الصفات البشرية.\nومشاهدة صفة الجمال تُثِير المحبة، ومشاهدة صفة الجلال تُثِير الهيبة، والعظمة تُثِير الهيبة أيضًا، فلهذا (^١) قَرَن المصنِّف العظمة بالجمال (^٢)؛ لتفيد معنى زائدًا على الجلال، فالباء (^٣) تحتمل أن تكون بمعنى \"في\"، أي: تمجد في عظمته وجماله، فارتفع فيهما (^٤) على كل عظيم وجميل.\nويَحْتمل أن تكون للسببية، على معنى أنَّه ارتفع بعظمته وجماله (^٥) على كل شيء، فلا (^٦) شيء إلا وهو دون مجده تعالى، وهو تعالى مجيد بذاته (عظيم بذاته) (^٧)، فليس المعنى أنّ بعض الصفات أثَّر في بعض، وإنما لما كانت هذه الصفاتُ تشير إلى مجموع معان، وملاحظةُ كلَّ منها (^٨)\n_________\n= لم يثبت أن النبي - ﷺ - عيَّن الأسماء المذكورة. وقال ابن العربي: يحتمل أن تكون الأسماء تكملة الحديث المرفوع، ويحتمل أن تكون من جمع بعض الرواة، وهو الأظهر عندي\". انظر، فتح الباري: ١١/ ٢١٥ - ٢١٧.\n(^١) فى (ت): \"فلذلك\".\n(^٢) في (ص): \"بالجلال\". وهو خطأ.\n(^٣) في (ت): \"والباء\".\n(^٤) في (ص): \"بهما\". وهو خطأ؛ لأنَّ الشارح يُقَرِّر الكلامَ على أن الباء بمعنى \"في\".\n(^٥) في (ص): \"وجلاله\" وهو خطأ.\n(^٦) في (ك): \"ولا\".\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) فى (ت)، و(ص)، و(ك): \"منهما\". وهو خطأ؛ لأن الضمير يعود إلى مجموع المعاني، أى: ملاحظة كل معنى من مجموع تلك المعاني.","vol":"2","page":28},{"text":"يُوجب العلمَ بالكمال بها (^١) - حَسُن ذلك كُلُّه (^٢).\n(وتَنَزَّه مَنْ تَفَرَّد بالقِدَم والكمال).\nالتنزيه: بمعنى (^٣) التسبيح، وقد ورد مصرحًا به في الحديث: (أنَّه كان يصلي من الليل، (فلا يمر بآية) (^٤) فيها تنزيه لله إلا نَزَّهه) (^٥).\nوأصل النُّزْه: البعد (^٦)، وتنزيه الله: تبعيده عن ما لا يليق به، ولا يجوز عليه. فمعنى تنزه: بَعُد.\n_________\n(^١) في (ت): \"فيها\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"معنى\"، وهو الصواب.\n(^٤) في (ك): \"فلا يمر به آية\".\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٣٨٤. وابن ماجه: ١/ ٤٢٩، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل، حديث رقم: ١٣٥١. وابن خزيمة في صحيحه: ١/ ٢٧٢، في كتاب الصلاة، باب الدعاء في الصلاة بالمسألة، رقم: ٥٤٢، وفي باب الدعاء بين السجدتين: ١/ ٣٤٠ - ٣٤١، رقم الحديث: ٦٨٤، كلهم بلفظ: \"وإذا مَرَّ بآية فيها تنزيه لله سبَّح\" وأخرجه مسلم: ١/ ٥٣٦ - ٥٣٧، في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، رقم الحديث: ٧٧٢، بلفظ: \"إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ\". ولفظ التسبيح والتنزيه واحد. وأخرجه النسائي: ٢/ ٢٢٤، في كتاب التطبيق، باب الدعاء في السجود (نوع آخر) رقم الحديث: ١١٣٣. وابن حبان كما في الإحسان: ٦/ ٣٤٤، رقم الحديث: ٢٦٠٩، كلاهما بلفظ: \"لا يمر بآيةِ تخويفٍ أو تعظيمٍ إلا ذكره\".\n(^٦) التنزه: التباعد، والاسم: النزْهة. وأصل النُّزْه: البُعْد. انظر، لسان العرب: ١٣/ ٥٤٨، وفي القاموس: ٤/ ٢٩٤: نَزُه ككَرُم وضَرَب، نَزَاهة ونزاهية. والاسم: النُّزْهة، بالضم، والنَّزْه والنَّزَاهة، بفتحهما. اهـ. بتصرف.","vol":"2","page":29},{"text":"والتفرد: الانفراد، يقال تَفَرَّد به، وانفرد به، واستفرد به، بمعنى واحد.\nوالقِدَم: وجودٌ لا أولَ له. وكلُّ شيء سوى الله وصفاته فهو حادث، لوجوده أولٌ.\nوصفاتُه لا يقال فيها: إنها غيره (^١). والكمال المطلق ليس إلا لله تعالى، فهو الكامل في ذاته، وصفاته، وأفعاله.\nوكل ما سواه مُفْتَقِر إليه، والافتقار ينافي الكمال، بَلْه (^٢) حدوثه عن العدم، وغير ذلك مما للمخلوق من صفات (^٣) النقص (^٤).\n_________\n(^١) مذهب الأشاعرة: أن صفات الذات للمولى ﷾ ليست بعين الذات، ولا بغيرها. فليست عين الذات لأنَّ حقيقة الذات غير حقيقة الصفات، وإلا لزم اتحاد الصفات والموصوف، وهو لا يعقل. وليست غير الذات؛ لأنها قائمة بالذات، أي: ليست غيرًا منفكًا عن الذات، وإن كان غيرًا في المفهوم، فهي غيرٌ ملازمٌ لا غيرٌ منفكٌ، ولذا قال صاحب الجوهرة:\nمُتَكَلِمٌ ثُمَّ صفاتُ الذاتِ ... ليست بغيرٍ أو بعَيْنِ الذاتِ\nانظر: الجوهرة بشرح الباجوري: ١٣١، ١٣٢.\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"فله\". وهو خطأ.\n(^٣) في (ك): \"سمات\".\n(^٤) المعنى: أن الافتقار ينافي الكمال، فكيف بالحدوث بعد العدم، وغير ذلك من صفات النقص في المخلوقات، كلها يتنزه عنها المولى تعالى وتقدس. وقوله: \"بله حدوثه عن العدم\": بله هنا بمعنى كيف، والضمير في \"حدوثه\" يرجع إلى كل ما سواه، فكل ما سواه حادث عن عدَمَ، والله تعالى هو الأول لم يسبقه عَدَم، ﷻ. وانظر، معاني \"بله\" في اللسان: ١٣/ ٤٨٧.","vol":"2","page":30},{"text":"(عن مناسبة الأشباه والأمثال، ومصادمة الحدوث والزوال)\nهذا مُتَعَلّق بقوله: تَنَزَّه، وأما تَقَدَّس، فإما أن يُجْعل كلامًا تامًا (^١)، وإما أن يجعل (^٢) من باب التنازع، ويُضْمر في تَقَدَّس عما ذكره هنا (^٣).\nوالمناسبة: المشاكلة (^٤). والشِّبْه والشَّبَه والشَّبِيه بمعنى واحد: وهو ما يشبه الشيء (^٥)، وبينهما شَبَه بالتحريك، وكل منها يُجْمع على أشباه (^٦)، والمِثْل والمَثَل كالشِّبْه والشِّبَه: وهو ما يساوي الشيء، ويقوم كلٌّ منهما مقامَ الآخر في حقيقته وماهيته (^٧)، كالأجسام متساوية في الجسمية، وإن اختلفت بالألوان والأشكال وغيرهما (^٨) من الأعراض،\n_________\n(^١) أى لا يحتاج إلى الجار والمجرور، وهو قوله: \"عن مناسبة الأشباه والأمثال، ومصادمة الحدوث والزوال\". فالجار والمجرور متعلق بتنزه فقط.\n(^٢) في (ت)، و(ك): نجعله.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر، القاموس المحيط: ١/ ١٣٢، والصحاح: ١/ ٢٢٤.\n(^٥) في اللسان: ١٣/ ٥٠٣: \"الشِّبْه والشَّبَه والشَّبِيه: المِثْل\". وكذا في القاموس: ٤/ ٢٨٦.\n(^٦) انظر، المرجعين السابقين.\n(^٧) في اللسان: ١١/ ٦١٠: \"مِثْل: كلمة تسوية. يقال: هذا مِثْله ومَثَلُه، كما يقال شِبْهه وشَبَهُه، بمعنًى. قال ابن بري: الفرق بين المماثلة والمساواة، أن المساواة تكون بين المختلفين في الجنس والمتفقين؛ لأنَّ التساوي هو التكافؤ في المقدار لا يزيد ولا ينقص. وأما المماثلة فلا تكون إلا في المتفقين، تقول: نَحْوُه كنحوه، وفِقْهه كفِقْهه، ولونه كلونه، وطعمه كطعمه. فإذا قيل: هو مثله على الإطلاق، فمعناه أنَّه يسد مَسَدَّه. وإذا قيل: هو مثله في كذا - فهو مساوٍ له في جهة دون جهة. . . والمِثْل: الشِّبْه. يقال: مِثْلٌ ومَثَلٌ وشِبْهٌ وشَبَهٌ، بمعنى واحد\".\n(^٨) في (ص): \"وغيرها\".","vol":"2","page":31},{"text":"(واختلافهما بذلك لا يخرجها) (^١) عن التماثل في الحقيقة، هذا حقيقة المثلين، وبه تزول شبهاتٌ يُورِدها المجسِّمة وكثيرٌ ممن وقع في التشبيه ظانًا أنَّه سالم منه. والمصادمة: المُمَاسَّة، والمراد بها ههنا الإلصاق واللحاق. والحدوث: وجودٌ مسبوقٌ بعدم، فهو ضد الأزلية. والزوال: طريان العدم، وهو ضد الأبدية.\nوالأزلية والأبدية واجبان لله تعالى؛ لأنّه تعالى (^٢) واجب لذاته يستحيل عليه العدم، لا أولًا ولا آخِرًا.\n(مُقَدِّر الأرزاق والآجال، ومُدَبِّر الكائنات في أزل الآزال)\nهذا مما لا يَجْحد مسلمٌ ولا كافر تَفَرُّدَ الربِّ ﷾ به، وما فيه مِنْ عظيم العلم والقدرة والمنة.\n(والأزَل: القِدَم، والأزلي: القديم) (^٣)، وأصل هذه الكلمة قولهم للقديم: لم يَزَل، ثم نُسِب إلى هذا، فلم يستقم إلا باختصار، قالوا: يَزِلي، ثم أبدلت الياء ألفًا؛ لأنها أخف، فقالوا: أزلي، كما قالوا في الرمح المنسوب إلى ذي يَزِن: أزني.\nوقوله: \"أزل الآزال\" على سبيل المبالغة في اللفظ.\n_________\n(^١) في (ت): \"واختلافهما بذلك لا يخرجهما\"، وهو خطأ؛ لأن الضمير يعود إلى الأجسام.\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"يقال\". وهو خطأ.\n(^٣) في (ص): \"والأزل المقدم، والأزل القديم\". وهو خطأ.","vol":"2","page":32},{"text":"(عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال)\nالغيب والشهادة قيل: السِّرُّ والعلانية، وقيل: الدنيا والآخرة، وقيل: ما غاب عن العباد (وما شاهدوه) (^١)، وقيل: الغيب: المعدوم، والشهادة: الموجود و(^٢) المُدْرَك كأنه مشاهد.\nوالكبير: الكامل في ذاته وصفاته، المُتَقَدِّم في المنزلة والسَّبْق في المرتبة، مِنْ كَبُر بضم الباء.\nوالمتعالي: المستعلي على كل شيء بقدرته، كَبُر عن صفات المخلوقين وتعالى عنها (^٣).\n(نحمده على فضله المترادِف المتوال، ونشكره على ما عَمَّنا من الإنعام والإفضال)\nالحمد: الثناء بجميل الصفات والأفعال، ولا يكون إلا بالقول، سواء كان ذلك الجميلُ في المحمود خاصًا به، أم كان واصلًا منه إلى غيره.\nوالثاني: شكرٌ، والشكر، يكون بالقول والفعل والاعتقاد، فبينه وبين الحمد عمومٌ وخصوصٌ من وجه، وبين الحمد والمَدْح فرق آخر ادعاه السهيلي: وهو أن الحمد يُشترط فيه أن يكون صادرًا عن عِلْم، وأن\n_________\n(^١) في (ص): \"وما شهدوا\".\n(^٢) سقطت الواو من (ت).\n(^٣) انظر: معاني هذه الأسماء والصفات للمولى ﷾ في: تفسير القرطبي: ٩/ ٢٨٩، تفسير ابن كثير: ٢/ ٥٠٣، زاد المسير: ٤/ ٣٠٨.","vol":"2","page":33},{"text":"تكون الصفات المحمودة صفات كمال؛ ولهذين الشرطين لا يوجد الحمد لغير الله، والله هو المستحق الحمدَ على الإطلاق.\nوالمدح قد يكون عن ظن، وبصفة مستحسنة، وإن كان فيها نَقْصٌ ما.\nوالإتيان بالنون في هذا الفعل ينبغي أن يُقصد به أنَّ جميع الخلائق حامدون وليست للتعظيم (^١)، والمترادِف: المتتابع، والمتوالي كذلك، فينبغي أن يكون مقصودُه بالمترادف: الذي يأتي بعضُه على بعض، والمتوالي: الذي يأتي بعضه في إثر بعض؛ ليسلم من التأكيد (^٢)، ويفيد كثرة الفضل في الزمان الواحد، واستمرار ذلك في كل زمان، وفضل الله هكذا هو.\nوفي: \"عَمَّنا\" ضميرٌ مرفوع عائدٌ على الموصول، أي: عَمَّنا هو، ومن \"الإنعام والإفضال\" بيانٌ لذلك في محل رفع. وقد قَدَّمنا أنَّ بين الحمد والشكر عمومًا من وجه، وأنهما يتفقان فيما كان منةً فيسمى حمدًا وشكرًا، وقد استعمل المصنِّف هنا الحمدَ على ما هو مِنْه، واستعمل الشكر بالقول؛ فتوافقا في هذا المحل وإن تغايرا في وَضْعهما.\n_________\n(^١) لأن المقام مقام تذلل لله تعالى وثناء عليه وتعظيم له؛ فلا يناسب أن يقصد المؤلف تعظيم نفسه.\n(^٢) فالمترادف هنا في كلام الماتن: هو أن يأتي بعضه فوق بعض، يعني: هو تتابع بدون تفاوت. والمتوالي: هو أن يأتي بعضه عقب بعض، يعني: هو تتابع مع تفاوت. فيكون ذكر المتوالي بعد المترادف من باب التأسيس لا التأكيد، وحمل الكلام على التأسيس أولى، وإلا فإن الترادف والتوالي من جهة أصل الوضع بمعنى واحد. وانظر: لسان العرب: ٩/ ١١٤، ١٥/ ٤١٢. مادة (ردف، ولي).","vol":"2","page":34},{"text":"والفضل هنا (^١) مِنْ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٢)، ومن قوله: ﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (^٣).\nوالإفضال: الإحسان، والتفضل.\n(وقد يُسْتعمل) (^٤) الفضل على خلاف النقص؛ فيكون الثناء عليه حمدًا مباينًا للشكر، لكنه ليس المراد هنا؛ لقوله: \"المترادِف المتوال\"، فإنهما يقتضيان الوصول إلى الغير.\n(ونصلي على محمد الهادي إلى نور الإيمان في (^٥) ظلمات الكفر والضلال)\nمعنى نصلي هنا: نطلب الصلاة من الله تعالى؛ لأن النبي - ﷺ - سئل: \"كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليتَ على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد\" (^٦).\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) سورة النساء: ٣٢.\n(^٣) سورة النساء: ١١٣.\n(^٤) في (ص): \"وقد اسْتُعْمِل\".\n(^٥) في (ت)، و(ك): من.\n(^٦) أخرجه البخاري: ٣/ ١٢٣٣، في كتاب الأنبياء، باب: \"يزفّون\" حديث رقم: ٣١٩٠، وفي التفسير، باب: \"إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين أمنوا صلّوا عليه وسلّموا تسليمًا\": ٤/ ١٨٠٢، رقم الحديث: ٤٥١٩، وفي الدعوات، باب الصلاة على النبي - ﷺ -: ٥/ ٢٣٣٨، رقم الحديث: ٥٩٩٦. ومسلم: ١/ ٣٠٥، =","vol":"2","page":35},{"text":"ومعنى نَطْلب: إنشاءُ الطلب، وكذلك نحمد معناه: إنشاءُ الحمد، وليس معناه الخبر، فَعَطَف إنشاءً على إنشاءٍ.\nووصفه - ﷺ - بالهداية؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^١)، وبَيْن الهداية والضلال، والنور والظلمات، والإيمان والكفر، ما لا يخفى مِنَ الطّبَاق (^٢).\n(وعلى آله وصَحْبِه خيرِ صَحْب وآل)\n_________\n= في كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد، رقم الحديث: ٤٠٦. وأبو داود: ١/ ٥٩٨ - ٥٩٩، في كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي بعد التشهد، رقم الحديث: ٩٧٦ - ٩٧٨. وابن ماجه: ١/ ٢٩٣، في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الصلاة على النبي - ﷺ -، رقم: ٩٠٤. كلهم من حديث كعب بن عُجْرة وفي الباب أيضًا حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أخرجه البخاري: ٤/ ١٨٠٢، وفي التفسير: باب: \"إن الله وملائكته يصلون على النبي\"، رقم الحديث: ٤٥٢٠، وفي الدعوات، باب الصلاة على النبي - ﷺ -: ٥/ ٢٣٣٩، رقم الحديث: ٥٩٩٧، وأخرجه ابن ماجه: ١/ ٢٩٢، في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الصلاة على النبي - ﷺ -، رقم: ٩٠٣. وحديث أبى حميد الساعدى - ﵁ - أخرجه البخارى: ٣/ ١٢٣٢، وفي الأنبياء، باب: \"يزفون\" حديث رقم: ٣١٨٩، وانظر رقم: ٥٩٩٩. ومسلم: ١/ ٣٠٦، في الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد، رقم الحديث: ٤٠٧. وأبو داود: ١/ ٥٩٩ - ٦٠٠، في الصلاة، باب الصلاة على النبي - ﷺ - بعد التشهد، حديث رقم: ٩٧٩. وابن ماجه: ١/ ٢٩٣، في إقامة الصلاة والسنة فيها، باب الصلاة على النبي - ﷺ -، حديث رقم: ٩٠٥.\n(^١) سورة الشورى: ٥٢.\n(^٢) الطباق: هو الجمع بين مَعْنَيَيْن متنافيَيْن. أي: بينهما تنافٍ وتَقَابل. انظر: حُسْن الصياغة شرح دروس البلاغة: ١٤٣، مختصر المعاني: ٣١٥.","vol":"2","page":36},{"text":"آله - ﷺ -: بنو هاشم وبنو المطلب، هذا اختيار الشافعي وأصحابه.\nوقيل: عِتْرته (^١) وأهل بيته.\nوقيل: جميع أمته، وهو قول مالك (^٢).\nوالصحيح جواز إضافة الآل إلى مُضْمَر كما استعمله المصنف.\nوقال جماعة من أهل العربية: لا يصح إضافته إلا إلى مُظْهر.\nوالصَّحْب جمع صاحب: وهو كل من رأى النبي - ﷺ - مسلمًا.\nوقيل: مَنْ طالت مجالسته.\nوالصحيح الأول (^٣)، بخلاف التابعي لا يكفي فيه رؤيةُ\n_________\n(^١) في المصباح: ٢/ ٣٩: العِتْرة: نَسْل الإنسان، قال الأزهري: ورَوَى ثعلب عن ابن الأعرابي: أن العترة ولدُ الرجل، وذريته، وعقبه مِنْ صُلبه، ولا تعرف العرب من العترة غير ذلك، ويقال: رهطه الأدنون، ويقال: أقرباؤه، ومنه قول أبي بكر: نحن عِتْرة رسول الله - ﷺ - التي خرج منها، وبَيْضته التي تفَقَّأت عنه. وعليه قول ابن السكيت: العترة والرهط بمعنى، ورهط الرجل: قومه وقبيلته الأقربون. اهـ. وقد جمع هذه الأقوال صاحب القاموس: ٢/ ٨٤، فقال: \"نسل الرجل، ورهطه، وعشيرته الأدنَوْن، ممن مضى وغبر\". اهـ. وانظر، لسان العرب: ٤/ ٥٨٣.\n(^٢) انظر، النهاية لابن الأثير: ١/ ٨١، فتح الباري: ٣/ ٣٥٤، شرح الزرقاني على الموطأ: ١/ ٣٣٦.\n(^٣) الأول مصطلح المحدثين، والثاني مصطلح الأصوليين. انظر: فتح الباري: ٧/ ٣ - ٥، نزهة النظر: ٥٥، تيسير التحرير: ٣/ ٦٦، الإحكام للآمدي: ٢/ ٩٤، العضد على ابن الحاجب: ٢/ ٦٧.","vol":"2","page":37},{"text":"الصحابي (^١)، والفرق شَرَف الصحبة، وعِظَم رؤية النبي - ﷺ -، وذلك أنّ رؤية الصالحين لها أثر عظيم، فكيف رؤية سيد الصالحين! فإذا رآه مسلمٌ ولو لحظةً انطبع قلبهُ على الاستقامة؛ لأنَّه بإسلامه متهيئ للقبول، فإذا قابلَ ذلك النورَ العظيم أشْرَق عليه، وظهر أثره في قلبه وعلى جوارحه.\nوقوله: \"خَيْرِ صَحْبٍ وآل\" صحيح؛ لأنه ليس في أصحاب الأنبياء مثل أصحاب نبينا - ﷺ -. ولأجل السجع قَدَّم الصَّحْب على الآل في الثاني، وجاء على أحد طريقي العرب، وهي (^٢) رَدُّ الأول على الثاني، والثاني على الأول (^٣)، ولولا هذا لقال خير آل وصحب، فَرَدَّ الأول للأول\n_________\n(^١) هذا هو مذهب الخطيب رحمه الله تعالى، فإنه يشترط أنْ يَصْحَب التابعيُّ الصحابيَّ، واشترط بعض العلماء مع اللقاء الرواية عن الصحابي، وإن لم يَصْحَبْه، والأكثرون على خلاف ذلك، فإنهم يكتفون باللقاء، ولذا قال العراقيُّ في \"ألفيته\":\nوالتابِعُ اللاقي لمن قَدْ صَحِبا ... وللخطيب حَدُّه أن يَصْحَبَا\nقال السخاوي في شرحه في تعريف التابعي: هو (اللاقي لمن قد صحبا) النبي - ﷺ -، واحدًا فأكثر، سواء كانت الرؤية من الصحابي نفسه، حيث كان التابعيُّ أعمى أو بالعكس، أو كانا جميعًا كذلك؛ لصدق أنهما تلاقيا، وساء كان مميِّزًا أم لا، سمع منه أم لا. انظر: فتح المغيث: ٤/ ١٤٥، وما بعده.\n(^٢) هذا على لغة أهل الحجاز في تأنيث الطريق، ولغة أهل نجد تذكيره، وبه جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾. انظر: المصباح: ٢/ ١٨.\n(^٣) ويُسمى في علم البديع: الطيَّ والنَّشر، وهو إما أن يكون النشر على ترتيب الطي، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾، فقد جمع بين الليل والنهار، ثم ذكر السكونَ لليل، وابتغاءَ الرزق للنهار على الترتيب. وإما أن يكون النَّشْر على خلاف ترتيب الطَيِّ، كقول الماتن، وكقوله =","vol":"2","page":38},{"text":"والثاني للثاني، وهما طريقان للعرب جائزان.\n(وبعد: فأولى (^١) ما تَهُمُّ به الهِمَم العوالي، وتُصْرَف فيه الأيامُ والليالي - تَعَلُّمُ المعالمِ الدينية، والكشفُ عن حقائق الملة الحنيفية، والغَوْصُ (^٢) في تَيَّار بحار مُشْكِلاته، والفَحْصُ عن أستار أسرار مُعْضِلاته).\nبَعْدُ: بضم الدال على الصحيح - مقطوعٌ عن الإضافة، أي: بَعْدَما سَبَق من التقديس والتنزيه، والحمدِ والصلاة، والعاملُ فيه فِعْلٌ مُقَدَّرٌ تقديره: أقول، وهو معطوف بالواو على: نَحْمَد ونُصَلِّي، وبَعْدَه فعلٌ آخر مُقَدَّرٌ تقديره: تَنَبَّه، هو معمول القول؛ لأجله دخلت الفاءُ على أولى، وفي الفاء فائدةٌ أخرى، وهي رَفْعُ تَوَهُّمِ إضافة \"بعد\" إلى أوْلى. وقوله: \"تَهُمُّ\" بضم الهاء، يُقال: هَمَّ بالأمر يَهُمُّ هَمًّا، أي: أراده. فأما بكسر الهاء فهو من الهميم: وهو الدبيب. والهِمَمُ جَمْع هِمَّة وهي الواحدة (^٣)، تقول: هَمَّة مثل: جَلْسة بالفتح للمرة، وبالكسر للهيأة، والجمع لِهًا (^٤). وإسناد الفِعْل للهِمَم\n_________\n= تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾. ذكر ابتغاءَ الفضل للثاني، وعِلْمَ الحساب للأول، على خلاف الترتيب، انظر: \"جواهر البلاغة\" للهاشمي: ٣٧٦.\n(^١) في (ص)، و(ك): \"فإن أولى\".\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"والخوض\".\n(^٣) انظر ما سبق في، لسان العرب: ١٢/ ٦١٠، القاموس المحيط: ٤/ ١٩٢، المصباح المنير: ٢/ ٣١٥.\n(^٤) أي: جمع هَمَّة، هو همَم التي على وزن لِهًا؛ لأن فِعْلة تُجمع على فِعَل، ولِهًا على وزن فِعَل، فأراد \"بلِهًا\" الوزن التصريفي لِهمَم.","vol":"2","page":39},{"text":"وهو في الحقيقة لفاعلها من باب قوله: شِعْرٌ شاعر. والمعالم جَمْع مَعْلَم: وهو ما جُعِل علامةً للطرق والحدود، مثل: أعلام الحرم، ومعالمه المضروبة عليه، ويقال المَعْلم: الأثر (^١)، وهو راجع إلى معنى العلامة، ولا (^٢) خلاف في المعنى.\nو\"المعالم (^٣) الدينية\": الأدلة الشرعية، وكلُّ ما يَهْدي إليها، وتَعَلُّمُها: تَعَرُّفُها.\nو\"الملة الحنيفية\": هذه الملة. قال - ﷺ -: \"بعثت بالحنيفية \"السهلة السمحة) (^٤) \" (^٥)، وسُمِّيت حنيفية؛ لأنها على ملة إبراهيم، والحَنِيف (^٦) عند العرب: مَنْ كان على دين إبراهيم ﵇. وسُمِّي إبراهيم عليه\n_________\n(^١) انظر، لسان العرب: ١٢/ ٤١٩.\n(^٢) في (ت): فلا.\n(^٣) في (ت): \"فالمعالم\".\n(^٤) في (ت): \"السمحة السهلة\".\n(^٥) أخرجه الخطيب في تاريخ بغداد: ٧/ ٢٠٩، في ترجمة جعفر بن أحمد العطار، من حديث جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"بعثت بالحنيفية السمحة - أو السهلة - ومن خالف سنتي فليس مني\". وضعفه الألباني ﵀ في ضعيف الجامع الصغير: ٢/ ١٠، رقم الحديث: ٢٣٣٥. قال المناوي في فيض القدير: ٣/ ٢٠٣: \"وفيه علي بن عمر الحربي أورده الذهبي في \"الضعفاء\"، وقال: صدوق ضعَّفه البَرْقاني. ومسلم بن عبد ربه ضعَّفه الأزدي. ومن ثَمَّ أطلق الحافظ العراقي ضعفَ سنده. وقال العلائي: مسلم ضعفه الأزدي، ولم أجد أحدًا وثَّقه، لكن له طرق ثلاث ليس يبعد أن لا ينزل بسببها عن درجة الحسن\".\n(^٦) في (ص)، و(ك): \"والحنيفية\".","vol":"2","page":40},{"text":"السلام حنيفًا؛ لميله عن دين الصابئة: وهم عباد الكواكب، وسُمِّي أتباعه حنفاء لذلك؛ ولميلهم عن اليهودية والنصرانية (^١)، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ (^٢).\nوالملة: الدين (^٣). والدليل على أنَّ هذه الملةَ ملةُ إبراهيم قولُه تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (^٤).\nوادعى بعض العلماء أنها موافقةٌ لها في الأصول والفروع، والمشهور أنها موافقةٌ لها في الأصول فقط، وعلى هذا لا اختصاص لملة إبراهيم بذلك؛ لأنَّ دين الأنبياء كلّهم واحدٌ في الأصول، وإنما اختلفت الشرائع في الفروع، ويكون تسمية هذه الملةِ حنيفيةً؛ لمخالفتها ما كان عليه أهل الشرك واليهود والنصارى، كمخالفة إبراهيم مَنْ كان في زمانه من الكفار وهم الصابئة، واتِّبَاعُه دينَ الأنبياء قبله وبعده وهو الإسلام، وحقائقها على هذا (^٥) أصول الدين.\nولا تَشْمل أصولَ الفقه الذي تَصَدَّى له، والمعالم الدينية شاملةٌ له (^٦)،\n_________\n(^١) انظر، لسان العرب: ٩/ ٥٧، وفيه: حَنَف عن الشيء وتَحَنَّف: مال. ومعنى الحنيفية في اللغة: الميل، والمعنى أنَّ إبراهيم حَنَف إلى دين الله ودين الإسلام. اهـ. باختصار.\n(^٢) سورة آل عمران: ٦٧.\n(^٣) والجمع مِلَل مثل سِدْرة وسِدَر. انظر، المصباح: ٢/ ٢٤٦.\n(^٤) سورة النحل: ١٢٣.\n(^٥) أي: على المشهور، من أن موافقة هذه الملة لملة إبراهيم ﵊ في الأصول فقط.\n(^٦) أي: لأصول الفقه.","vol":"2","page":41},{"text":"وإنْ جعلنا اسم الملة شاملًا للأصول والفروع فكلا الأمرين - أعني: المعالم الدينية وحقائقَ الملة - شاملٌ للأصول والفروع؛ فيندرج فيه (^١) أصولُ الفقه الذي تَصَدَّى له، وهو أحسن (^٢)؛ لتكون مناسبته للتصنيف الذي تصدى له أكثر، ويشهد له قوله - ﷺ -: \"بعثت بالحنيفية السمحة\" فإنه يشير إلى الأصول والفروع جميعًا، ولا يلزم من ذلك موافقتها (^٣) لشريعة إبراهيم في جميع الأشياء، بل لموافقتها في (^٤) الأصول (^٥) سُمِّيت بذلك.\nوحقائقها على هذا: جميعُ أحكامها ومعانيها وأسرارها.\nوالضمير في مشكلاته ومعضلاته عائدٌ على الكشف؛ لأن الإشكال والإعضال فيه لا فيها، فإنها بَيِّنَةٌ جَلِيَّةٌ بيضاءُ نقيةٌ، إذا ارتفع الحجاب عن الناظر رآها.\nولا خفاء بحسن استعاراته، وترشيحها في الغوص في تيار البحار، والفحص عن أستار الأسرار، وكم مِنْ بحر لا يُدْرك له قرار، وسرْ تتعب (^٦) في أبكاره الأفكار.\n_________\n(^١) أي: في اسم الملة.\n(^٢) أي: جَعْلُنا اسمَ الملة شاملًا للأصول والفروع أحسن.\n(^٣) في (ك): \"توافقها\".\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) في (ك): \"للأصول\".\n(^٦) في (ك) \"تعبت\".","vol":"2","page":42},{"text":"(وإن كتابنا هذا منهاج الوصول إلى علم الأصول، الجامع بين المعقول والمشروع (^١)، والمتوسط بين الأصول والفروع).\nالمنهاج: الطريق، جُعِل عَلَمًا على (^٢) هذا الكتاب.\nوالوصول إلى الشيء إنما يكون عند انتهاء طريقه، فقوله: \"منهاج الوصول\" معناه: الطريق التى يُتَوصل فيها إلى الوصول إلى علم الأصول، كما تقول (^٣): طريق مكة، أي: المُتَوَصَّل فيها إلى مكة، فليس الوصول فيه ولكنه غايته (^٤).\nوقوله: \"منهاج\" خبر \"إنَّ\"، ويجوز إطلاق ذلك على هذا الكتاب بمعناه الأصلي غيرِ عَلَمٍ؛ لأن الاشتغال به مُوَصِّلٌ (^٥) إلى ذلك.\nوقوله: \"الجامع\": مخفوضٌ صفةً لعلم الأصول، ولا خفاء في جمعه بين المعقول والمشروع، فإنه (^٦) نَتَج مِن نِكَاح نُورِ الشرع لصافي بناتِ الفكر، فجاء عريقَ الأصالة، شديدَ البسالة.\nوتوسطه بين الأصول أي: أصول الدين والفروع؛\n_________\n(^١) سقطت الواو من (ت).\n(^٢) في (ت): \"في\".\n(^٣) في (ك): \"يقولون\".\n(^٤) أي: ولكن الوصول غاية الطريق.\n(^٥) في (ص): \"يوصل\".\n(^٦) في (ت): \"وأنه\".","vol":"2","page":43},{"text":"ولهذا (^١) (^٢) يستمد من الأول، ويُمِدُّ الثاني.\n(وهو وإنْ صَغُر حجمه، كَبُر علمه، وكثرت فوائده، وجَلَّت عوائده).\nوقوله: \"وهو\"، يعني: هذا الكتاب.\nوصَغُر، بضم الغين، وكذلك كَبُر بضم الباء؛ لأنَّه بمعنى عظُم، وأصل كبر بضم الباء لكِبَر الجُثَّة، ثم استعمل في كِبَر المعنى، وأما كِبَر السن فلا يُقال فيه إلا كَبِر بكسر الباء (^٣)، وراعى المطابقة بين صَغُر وكَبُر لتضادهما، واجتمعا لرجوع الصغر إلى الجُثَّة والكِبَر إلى المعنى (^٤).\nوالعوائد: جمع عائدة، وهي العطف والمنفعة، يقال: هذا أَعْوَدُ عليك مِنْ كذا، أي: أنفع، وفلانٌ ذو عائدة، أي: تَعَطُّفٍ ونفع.\nوإنَّ هذا الكتاب لكَمَا وصف.\n(جمعته رجاءً أن يكون سببًا لرشاد المستفيدين، ونجاتي يوم الدين، والله تعالى حقيقٌ بتحقيق رجاء الراجين).\nحَقَّق الله رجاءه، وقوله: \"حقيقٌ بتحقيق\" أي: خليقٌ له وجدير،\n_________\n(^١) في (ك): \"وبهذا\".\n(^٢) في (ص): \"وهذا\". وهو خطأ.\n(^٣) انظر، المصباح المنير، مادة (صغر): ١/ ٣٦٥، ومادة (كبر): ٢/ ١٨٢.\n(^٤) أي: وصف البيضاوي كتابه بالصِّغر والكِبَر وهما معنيان متنافيان؛ لكونه أراد بالصِّغر الجُثَّة، أي: الحجم الحسي للكتاب، وبالكبر المعنى، فهو مع صِغَر مبناه، كبيرٌ معناه.","vol":"2","page":44},{"text":"وحَرِيٌّ، وحَرَى، وحَرٍ، كل ذلك بمعنى واحد (^١).\nوقصد المصنف التجانس (^٢) بين حقيق وتحقيق (^٣)، وإطلاق ذلك على الله ينبني (^٤) على أنّ الأسماء توقيفية أوْ لا.\n(أصول الفقه: معرفةُ دلائل الفقه إجمالًا، وكيفيةُ الاستفادة منها، وحالُ المستفيد). هذه العبارة بعينها عبارة تاج الدين الأُرْمَوِيِّ في \"الحاصل\" (^٥).\nولْنُقَدِّم مقدمة: وهي أنَّه ينبغي أن يُذكر في ابتداء كلّ علم حقيقةُ ذلك العلم؛ ليتصورها الذي يريد الاشتغال به قبل الخوض فيه، فَمَنْ عَرَف ما يطلب هان عليه ما يبذل، فلا جرم (^٦) احتاج إلى تعريف\n_________\n(^١) في لسان العرب: ١٠/ ٥١: وهو حقيقٌ به، ومحقوق به، أي: خليقٌ له، والجمع أحِقَّاء، ومحقوقون. وفيه أيضًا: ١٠/ ٩١: وفلان خليق لكذا، أي: جديرٌ به، وأنت خليقٌ بذلك، أي: جدير. . . ويقال: إنه لخليق: أي: حَرِيٌّ، يقال ذلك للشيء الذي قد قرب أن يقع، وصح عند مَنْ سمع بوقوعه كونه وتحقيقه. وفيه أيضًا: ١٤/ ١٧٣: والحَرَى: الخليق. . . يقال: فلانٌ حَرِيٌّ بكذا، وحَرَىً بكذا، وحَرٍ بكذا، وبالحَرَى أن يكون كذا، أي: جديرٌ وخليق.\n(^٢) الجناس: هو تشابه اللفظين في النطق لا في المعنى. انظر، حسن الصياغة: ١٥٧.\n(^٣) وهو جناس ناقص؛ لأنَّ \"تحقيق\" يزيد على \"حقيق\" بحرف التاء. والجناس التام: ما اتفقت حروفه في الهيئة والنوع والعدد والترتيب. مثل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾. انظر، حسن الصياغة: ١٥٨ - ١٥٩، جواهر البلاغة: ٣٩٧.\n(^٤) في (ص): \"ينبئ\". وهو خطأ.\n(^٥) انظر، الحاصل: ١/ ٢٣٠.\n(^٦) في اللسان: ١٢/ ٩٣: \"ولا جرم، أي: لا بد ولا محالة، وقيل: معناه حقًا\".","vol":"2","page":45},{"text":"أصول الفقه في أوله.\nوها هنا خمسة أشياء:\nأحدها: لفظ أصول الفقه قبل أن يُسَمَّى به هذا العلم مركبٌ من مضاف ومضاف إليه. والثاني: هذا اللفظ بعد أن سُمِّي به فإنه صار (اسمًا لهذا العلم) (^١)، وكلٌّ من المضاف والمضاف إليه بهذا الاعتبار صار كالزاي والدال من زيدٍ، لا معنى له، وكلُّ مركب سُمِّي به معنىً فقد يتطابق معناه حالَ التركيب وحال التسمية، كعبد الله مُسَمَّى به رجلٌ، فهو صادق عليه بالاعتبارين، وقد لا يتطابقان كأنفِ الناقة مسمى به رجل.\nولفظ أصول الفقه مما تطابق فيه معناه حال التركيب، ومعناه حال التسمية من بعض الوجوه، كما سنبينه.\nالثالث: معنى أصول الفقه قبل التسمية.\nالرابع: معنى أصول الفقه بعد التسمية، مع قطع النظر عن أجزاء اللفظ المُطْلَق عليه.\nالخامس: معناه بعد التسمية مع الالتفات إلى أجزاء اللفظ المُطْلَق عليه؛ لأنَّ اللفظ يدل عليه باعتبارين كما قدمناه، فإذا أُخِذ المعنى بأحد الاعتبارَيْن كان مغايرًا له بالاعتبار الآخر، فيصدق على المعنى المذكور أنَّه إضافي لقبي باعتبارَيْن، لكن صِدْق اللفظ عليه بالإضافة إنما هو بطريق المجاز؛ لأنّه أخصُّ من معناه الحقيقي، . . . والحد إنما هو للمعنى\n_________\n(^١) في (ص): \"اسما للعلم\".","vol":"2","page":46},{"text":"دون اللفظ، فالمقصود بيان المعاني الثلاثة، ويُعَبَّر عن المعنى الأول بالإضافي؛ لأنَّ المعنى مُرَكَّب من مضاف ومضاف إليه في الذهن، كما أن لفظه كذلك في النطق. ويُعَبَّر عن المعنى الثاني باللقبي باعتبار أنَّه مُلَقَّب بهذا الاسم، فإن اللفظ المركب جعل اسمًا عليه، ولقبًا له، وعلمًا كسائر أعلام الأجناس، أو أسماء الأجناس.\nفإنَّ عَلَم الجنس: هو الذي يقصد به تمييز الجنس من غيره، من غير نظر إلى أفراده. واسم الجنس: الذي يُقصد به مُسَمَّى الجنس باعتبار وقوعه على أفراده. حتى إذا دخلت عليه الألف واللام الجنسية الدالة على الحقيقة ساوى عَلَم الجنس (^١).\nهذا هو الذي نختاره في الفرق بين اسم الجنس وعَلَم الجنس.\nويستنتج (^٢) منه أنّ علم الجنس لا يُثَنّى ولا يجمع؛ لأنّه إنما يُثَنَّى ويُجْمع الأفراد (^٣)، وجَعْلُه اسمَ جنسٍ أولى من جَعْلِه عَلَمَ جنس؛ لأنّه لو كان علمًا لما دخلت عليه الألف واللام، وكذلك سائر أسماء العلوم من (^٤)\n_________\n(^١) يعني: إذا دخلت الألف واللام الجنسية على اسم الجنس ساوى عَلَمَ الجنس، أي: أصبح اسمُ الجنس يدل على الماهية والحقيقة فقط، وانقطعت دلالته على الأفراد، كمثل علم الجنس.\n(^٢) في (ك): \"ونستنتج\".\n(^٣) لأنَّ عَلَم الجنس يدل على الحقيقة والماهية، وهي واحدة لا تقبل التعدد، فلا تُثَنَّى ولا تجمع، وانظر، آداب البحث والمناظرة: ١/ ١٩.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"2","page":47},{"text":"فقهٍ ونحوٍ وغير ذلك (^١).\nويُعَبَّر عن المعنى الثالث بالإضافي (أيضًا بأحد) (^٢) الاعتبارين (^٣)، كما سبق.\nإذا عرفتَ هذه المقدِّمة فها هنا ثلاثة مباحث:\n(أحدها): في تعريف معنى أصول الفقه التركيبي قبل التسمية، ولا بد في ذلك من تعريف المضاف، والمضاف إليه، والإضافة؛ لأنّ العلم بالمركب يتوقف على العلم بالمفرد.\nونبدأ في ذلك بتعريف المضاف، وليس كما توهمه (^٤) بعض الناس من أنَّه ينبغي البَداءة (^٥) بالمضاف إليه، محتجًا بأن المضاف يَتَعَرَّف بتعريف المضاف إليه؛ لأنا نقول التعريف تعريفان (^٦):\n_________\n(^١) يعني: جَعْلُ أصول الفقه اسمَ جنس أولى من جعله عَلَم جنس؛ لأنه لو كان عَلَم جنس لما صح دخول الألف واللام عليه؛ لأنَّ عَلَم الجنس معرفة، فلا يصح دخولها عليه، وكذلك سائر أسماء العلوم كلُّها أسماءُ أجناسٍ لا أعلامُ أجناس، ولذلك صح دخول الألف واللام عليها، فنقول: التفسير، الفقه، النحو، وغير ذلك.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) وهو اعتبار ما قبل التسمية؛ لأنَّ الإضافة قبل التسمية، وأما بعد التسمية فليس هناك إضافة.\n(^٤) في (ص): \"توهم\".\n(^٥) بفتح الباء وضمها. انظر: لسان العرب: ١/ ٢٦ - ٢٧، القاموس المحيط: ١/ ٨، مادة (بدأ).\n(^٦) سقطت من (ص).","vol":"2","page":48},{"text":"تعريف يُقَابل (^١) التنكير، وهو الذي يكتسبه المضاف من المضاف إليه.\nوتعريف يقابل الجهل، وهو المقصود هنا، وهذا لا يكتسبه المضاف من المضاف إليه.\nفنقول: الأصول جمع، وتعريفه (^٢) بتعريف مُفْردِه، والأصل ما يتفرع عنه غيرُه.\nوهذه العبارة أحسن من قول أبي الحسين (^٣): ما ينبني عليه غيره (^٤)؛ لأنَّه لا يقال: إن الولد ينبني على الوالد، و(^٥) يقال: إنه فَرْعُه.\nوأحسن مِنْ قول صاحب \"الحاصل\": ما مِنْه الشيء (^٦)؛ لاشتراك \"مِنْ\" بين الابتداء والتبعيض (^٧).\n_________\n(^١) في (ص): \"مقابل\".\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"وتعرفه\".\n(^٣) هو أبو الحسين محمد بن علي بن الطَّيِّب البصري، شيخ المعتزلة، وصاحب التصانيف الكلاميَّة. كان فصيحًا بليغًا، يتوقد ذكاءً وله اطّلاع كبير. من مصنفاته: \"المعتمد في أصول الفقه\" من أجود الكتب، \"تَصَفُّح الأدلة\". توفي ببغداد سنة ٤٣٦ هـ.\nانظر، سير: ١٧/ ٥٨٧، تاريخ بغداد: ٣/ ١٠٠، وفيات: ٤/ ٢٧١.\n(^٤) انظر: المعتمد: ١/ ٥.\n(^٥) سقطت الواو من (ت).\n(^٦) انظر الحاصل: ١/ ٢٢٨.\n(^٧) واستعمال المشترك في التعريفات قبيح.","vol":"2","page":49},{"text":"وأحسن من قول الإمام: المحتاج إليه (^١)؛ لأنّه إنْ (^٢) أريد بالاحتياج ما يُعْرف في علم الكلام من: احتياج الأثر إلى المؤثر، والموجود إلى الموجِد - لَزِم إطلاقُ الأصل على الله تعالى، وإنْ أُريد: ما يَتَوَقَّفُ عليه الشيء - لَزِم إطلاقُه على الجزء والشرط وانتفاء المانع (^٣).\nوإن أُريد: ما يَفْهمه أهلُ العُرْف من الاحتياج - لَزِم إطلاقُه على الأكل واللبس ونحوهما (^٤).\nوكل هذه اللوازم مستنكرة، وكل هذه التعريفات للأصل بحسب اللغة، وإن كان أهلُ اللغة لم يذكروها في كتبهم، وهو مما (^٥) نبهنا على أنَّ الأصوليين يتعرضون لأشياء لم يتعرض لها أهل اللغة (^٦).\nوأما في العُرْف: فالأصل مستعمل في ذلك، ولم يترك أهل العرف الاستعمال في ذلك، لكن العلماء يطلقونه مع ذلك على شيئين أخَصَّ منه.\nأحدهما: الدليل.\n_________\n(^١) انظر، المحصول: ١/ ق ١/ ٩١.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) لأن الشرط يتوقف عليه المشروط، والجزء يتوقف عليه الكل، وانتفاء المانع يتوقف عليه الشيء.\n(^٤) في (ت): \"ونحوها\".\n(^٥) في (ت): \"ما\".\n(^٦) الأصل في اللغة: أسفل كل شيء، وجمعه أصول. انظر، لسان العرب: ١١/ ١٦، القاموس المحيط: ٣/ ٣٢٨، المصباح المنير: ١/ ٢٠.","vol":"2","page":50},{"text":"والثاني: المحقَّق الذي يُشَك في ارتفاعه؛ لتفرع المدلول عن (^١) الدليل، والاستصحاب عن (^٢) اليقين السابق (^٣).\nوالفقه تعريفه سيأتي في كلام المصنف.\nوالإضافة تفيد الاختصاص، فإنْ كان المضاف اسمًا جامدًا أفادت مطلق الاختصاص، كحَجَر زيد (^٤)، وإضافة الأعلام إذا وقعت من هذا القبيل، كقول الشاعر:\nعلا زيدُنا يوم النَّقَا رأسَ زَيْدِكمْ (^٥)\nوإن كان المضاف اسمًا مشتقًا - أفادت الإضافة اختصاصَ المضاف بالمضاف إليه في المعنى المشتق منه، كغلام زيد، تفيد اختصاص الغلام بزيد في معنى الغلامية (^٦) (وكاتب الملك: تفيد اختصاصه بالمَلِك في الكتابة،\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"على\".\n(^٢) في (ص): \"على\".\n(^٣) فوجه العلاقة بين المعنى اللغوي للأصل، وهذين المعنيين عند العلماء: أنّ الدليل يتفرع عنه المدلول، واليقين السابق يتفرع عنه الاستصحاب.\n(^٤) فحَجَر اسمٌ جامدٌ غيرُ مشتق، فليس هو اسم فاعل، ولا اسم مفعول، ولا صفة مشبهة، ولا غيرها من المشتقات، وإضافة الجامد إلى المعرفة تفيد الاختصاص، أي: هذا حَجَرٌ مختصٌّ بزيد.\n(^٥) فقوله: زيدنا، عَلَم مضاف إلى معرفة فأفاد الاختصاص؛ لأنّ العلم من الأسماء الجامدة غير المشتقة. وكذا قوله: زيدكم. وهذا صَدْرُ بيت عَجْزه: بِأَبْيَضَ مَاضِي الشِّفرَتَيْن يَمَانِ. وقائله رجل من طيء، كما في تعليق الشيخ محمد محيي الدين علي ابن عقيل: ١/ ١٢٨.\n(^٦) في (ت)، و(ك): \"الغلمانية\".","vol":"2","page":51},{"text":"وإضافة الأصول إلى الفقه مِنْ هذا القبيل تُفيد اختصاصَ الأصولِ بالفقه) (^١) في معنى لفظة \"الأصول\"، وهو كون الفقه متفرعًا عنه (^٢). وظَهَر بهذا أن أصول الفقه بالمعنى التركيبي: ما يتَفَرَّع عنه الفقه.\nوالفقه كما يتفرع عن دليله، يتفرع عن العلم بدليله، فيسمى كلٌّ منهما أصلًا للفقه، ولا فَرْقَ في الأدلة في هذا المقام بين الإجمالية والتفصيلية، فإن (^٣) كلًا منهما يتفرع الفقه عنه، وعن العلم به (^٤).\nفصار أصول الفقه بالمعنى التركيبي يشمل أربعةَ أشياء:\nالأدلة الإجمالية، وعِلْمُها، والأدلة التفصيلية، وعلمها.\nوهذا ليس هو المُصْطَلح عليه (^٥)، ولا يصح تعريف هذا العلم بمدلول أصول الفقه الإضافي؛ لأنَّه أعم منه، إلا إذا أخِذ بعد التسمية كما سيأتي (^٦).\n_________\n(^١) في (ص): \"وكانت الملك تفيد اختصاص الأصول بالفقه\". وهذا تحريف وسقط.\n(^٢) فإضافة الأصول إلى الفقه تفيد التعريف؛ لأنها إضافة نكرة إلى معرفة، وتفيد الاختصاص في المعنى المشتق منه لفظة الأصول.\n(^٣) في (ت): \"وأن\"، وفي (ص): \"بأن\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) انظر: تعريف الأصول بمعناه الإضافي في: المحصول ١/ ق ١/ ٩١، شرح الكوكب: ١/ ٣٨، نهاية الوصول في دراية الأصول: ١/ ١٥، نهاية السول: ١/ ٧، التحصيل من المحصول: ١/ ١٦٧، تيسير التحرير: ١/ ١٠.","vol":"2","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>البحث الثاني: في تعريف معنى أصول الفقه اللقبي:</span>\nوهو المصطلح عليه.\nولا شك أنَّ كلًا من الأدلة التفصيلية، والعلمِ بها غيرُ داخلٍ فيه؛ لأنَّ ذلك من وظيفة الفقيه والخلافي، فلم يوضع أصول الفقه في الاصطلاح لكل ما يَحْتاج إليه الفقيه (^١)، بل لبعض ما يحتاج إليه (^٢)، كدأب أهل العُرْف في تخصيص الأسماء العرفية ببعض مدلولاتها في اللغة.\nوالأدلة التفصيلية مثل: قوله (^٣): ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٤)، ودلالته على وجوب الصلاة، ونحو ذلك.\nثم بعد إخراج الأدلةِ التفصيلية وعِلْمِها من الوضع (^٥)، تبقى الإجماليةُ وعِلْمُها.\nوالمراد بالإجمالية: كليات الأدلة، فإنَّ قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (^٦)، و﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٧)، ونَهْيُه - ﷺ - عن قَتْل النساء والصبيان (^٨)، وإطلاقُ الرقبة في موضع، وتقييدُها بالإيمان في موضع،\n_________\n(^١) في (ك): \"الفقه\".\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) سورة الأنعام: ٧٢.\n(^٥) أي: من الوضع الاصطلاحي لأصول الفقه، وهو المعنى اللقبي له.\n(^٦) سورة الإسراء: ٣٢.\n(^٧) سورة التوبة: ٥. ولكن الآية بالفاء ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.\n(^٨) أخرجه البخاري: ٣/ ١٠٩٨، في الجهاد، باب قَتل الصبيان في الحرب، رقم: ٢٨٥١، وباب قتل النساء في الحرب، رقم: ٢٨٥٢. ومسلم: ٣/ ١٣٦٤، في =","vol":"2","page":53},{"text":"وصلاتُه - ﷺ - في الكعبة (^١)، وإجمالُ الصلاة في الآية المذكورة، وبيانُ جبريلَ لها، ونسخُ التوجه إلى بيت المقدس، والإجماعُ على أنَّ بنت الابن لها السدس (مع البنت) (^٢) عند عدم العاصب (^٣)، وخبر ابن مسعود في ذلك (^٤)، وقياس الأُرْز على البُّر، ومُرْسل سعيد بن\n_________\n= الجهاد والسير، باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب، رقم: ١٧٤٤، ومالك في الموطأ: ٢/ ٤٤٧، في الجهاد، باب النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو، حديث رقم: ٩، كلهم من حديث ابن عمر ﵄. وأخرجه مالك أيضًا عن ابنٍ لكعب بن مالك ﵄: ٢/ ٤٤٧، حديث رقم: ٨.\n(^١) أخرجه البخاري: ١/ ١٥٥، في كتاب القبلة، باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، رقم الحديث: ٣٨٨، وأخرجه في عدة مواضع، انظر الأرقام: ٤٥٦، ٤٨٢ - ٤٨٤، ١١١٤، ١٥٢١، ٢٨٢٦، ٤٠٣٨، ٤١٣٩. وأخرجه مسلم: ٢/ ٩٦٦، في كتاب الحج، باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، والصلاة فيها، والدعاء في نواحيها كلها، رقم الحديث: ١٣٢٩.\n(^٢) في (ص): \"مع الثلث\". وهو خطأ ظاهر.\n(^٣) وهو أخوها الشقيق. انظر: الرحبية بشرح المارديني وتعليق د. مصطفى البغا: ٦٨، ٨٦.\n(^٤) خبر ابن مسعود - ﵁ - أخرجه البخاري في صحيحه: ٦/ ٢٤٧٧، في الفرائض، باب ميراث ابنة ابن مع ابنة، رقم: ٦٣٥٥. والحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٣٤، وقال صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. والبيهقي في الكبرى: ٦/ ٢٢٩، ٢٣٠، في الفرائض، باب فرض الابنة، وباب فرض ابنة الابن مع ابنة الصلب ليس معهما ذكر. ونص الخبر كما في البخاري والبيهقي: \"هُزَيْل بن شُرَحْبيل قال: سئل أبو موسى عن ابنةٍ وابنةِ ابن وأختٍ. فقال: للابنة النصف، وللأخت النصف، وأت ابن مسعود فَسَيُتابِعُني. فسئل ابن مسعود، وأُخبر بقول أبي موسى فقال: لقد ضَلَلْتُ إذًا وما أنا من المهتدي، أقضي فيها بما قضى النبي - ﷺ -: للابنة النصف، ولابنة الابن =","vol":"2","page":54},{"text":"المسيَّب (^١) في النهي عن بيع اللحم بالحيوان (^٢)، وقول عثمان\n_________\n= السدس تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت. فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم\".\n(^١) هو سعيد بن المسيَّب بن حَزْن، أبو محمد المخزوميُّ القرشي، أحد أعلام الدنيا، وسيد التابعين. ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب - ﵁ - سنة ١٣. قال مكحول: \"سعيد بن المسيَّب عالم العلماء\". وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، توفي ﵀ عام ٩٤ هـ. انظر، طبقات ابن سعد: ٥/ ١١٩، حلية: ٢/ ١٦١، سير: ٤/ ٢١٧، شذرات: ١/ ١٠٢.\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ: ٢/ ٦٥٥، في كتاب البيوع، باب بيع الحيوان باللحم، حديث رقم: ٦٤، عن سعيد بن المسيَّب: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الحيوان باللحم. ورواه الشافعي عن مالك كما في الأم: ٣/ ٨١، ومستدرك الحاكم: ٢/ ٣٥، كتاب البيوع، والسنن الكبرى: ٥/ ٢٩٦، كتاب البيوع، باب بيع اللحم بالحيوان. ورواه أبو داود عن القعنبي عن مالك أيضًا في المراسيل: ١٦٦ - ١٦٧، حديث رقم: ١٧٨. قال ابن عبد البر في التمهيد: ٤/ ٣٢٢: \"لا أعلم هذا الحديث يتصل من وجه ثابت من الوجوه عن النبي - ﷺ -، وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيَّب هذا، ولا خلاف عن مالك في إرساله، إلا ما حدثنا خلف بن قاسم - ثم ذكر السند إلى - يزيد بن مروان أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سهل بن سعد الساعدي قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع اللحم بالحيوان. وهذا حديث إسناده موضوع لا يصح عن مالك، ولا أصل له في حديثه\". ووصله الدارقطني كذلك في سننه: ٣/ ٧٠ - ٧١، وقال: \"تفرَّد به يزيد بن مروان عن مالك بهذا الإسناد ولم يتابع عليه، وصوابه في الموطأ عن ابن المسيَّب مرسلًا\". قال ابن حبان في المجروحين: ٣/ ١٠٥ عن يزيد هذا: \"كان ممن يروي الموضوعات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به بحال. سمعت محمد بن محمود قال: سمعت الدارمي: سمعت يحيى بن معين يقول: يزيد بن مروان كذاب\". وانظر لسان الميزان: ٦/ ٢٩٣. وأخرج الحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٥، =","vol":"2","page":55},{"text":"في بيع البراءة (^١)، والمصلحة المرسلة في التترس (^٢)، والأخذ بالأخف في دية\n_________\n= ومن طريقه البيهقي في الكبرى: ٥/ ٢٩٦، عن الحسن عن سمرة: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الشاة باللحم. قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح الإسناد، رواته عن آخرهم أئمة حفاظ ثقات، ولم يخرجاه، وقد احتج البخاري بالحسن عن سمرة\". ووافقه الذهبي على تصحيحه. وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح، ومن أثبت سماع الحسن البصري من سمرة بن جندب عَدَّة موصولًا، ومن لم يثبته فهو مرسل جيد يُضم إلى مرسل سعيد بن المسيَّب، والقاسم بن أبي بزة، وقول أبي بكر الصديق - ﵁ - قال ابن حجر ﵀ في التلخيص: ٣/ ١٠ عن مرسل سعيد بن المسيَّب ﵀: \"وله شاهد من حديث ابن عمر رواه البزار، وفيه ثابت بن زهير وهو ضعيف. وأخرجه من رواية أبي أمية ابن يعلى عن نافع أيضًا، وأبو أمية ضعيف. وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختُلف في صحة سماعه منه، أخرجه الحاكم والبيهقي وابن خزيمة\". وانظر، تكملة المجموع للسبكي: ١١/ ١٩٥.\n(^١) بيع البراءة هو أن يشترط البائعُ على المشتري التزام كلّ عيب يجده في المبيع على العموم، وقول عثمان - ﵁ - أخرجه مالك ﵀ في الموطأ: ٢/ ٦١٣، والبيهقي من طريقه في الكبرى: ٥/ ٣٢٨. وانظر: شرح الزرقاني على الموطأ: ٣/ ٢٥٥، بداية المجتهد: ٢/ ١٨٤، الحاوي: ٦/ ٣٢٩.\n(^٢) المصالح المرسلة: هي المصالح التي لا يُعلم هل اعتبرها الشارع أو ألغاها. انظر نهاية السول: ٤/ ٩٨. ومسألة التترس: هي ما إذا صال علينا كفار تترسوا بأسارى المسلمين، وقطعنا بأننا لو امتنعنا عن الترس لصدمونا واستولوا على ديارنا وقتلوا المسلمين كافة حتى الترس، ولو رمينا الترس لقتلنا مسلمًا من غير ذنب صَدَر منه. فإن قتل الترس والحالة هذه مصلحة مرسلة؛ لكونه لم يُعهد في الشرع جواز قتل مسلم بلا ذنب، ولم يقم أيضًا دليل على عدم جواز قتله عند اشتماله على مصلحة عامة المسلمين، لكنها مصلحة ضرورية قطعية كلية؛ فلذلك يصح اعتبارها، أي: يجوز أن يؤدي اجتهاد مجتهد إلى أن يقول: هذا الأسير مقتول بكل حال، فحِفْظ =","vol":"2","page":56},{"text":"اليهودي (^١) (^٢)، والاستحسان في التحليف على المصحف (^٣)، ونحو ذلك، كُلُّها أدلةٌ مُعَيَّنة، وجزئياتٌ مُشَخَّصَةٌ، والعلم بها ليس من أصول الفقه في شيء، وإنما هو (^٤) وظيفة الفقيه (^٥). ولهذه الأدلة وأمثالِها كلياتٌ، وهي مُطْلق الأمر والنهي والعموم والتخصيص (^٦)، والإطلاق والتقييد، والفِعْل، والإجمال والتبيين، والنسخ، والإجماع، وخبر الواحد، والقياس،\n_________\n= كلّ المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع من حفظ مسلمٍ واحد. انظر، نهاية السول: ٤/ ٣٩٠ - ٣٩١.\n(^١) في (ت): \"اليهود\".\n(^٢) أي: أن الشافعي ﵀ أخذ بالأخف في دية اليهودي؛ لأن بعض العلماء أوجب فيه الدية كاملة، وبعضهم أوجب نصف الدية، وبعضهم أوجب الثلث فأخذ الشافعي بذلك، والأخذ في ذلك أن الشافعي ﵀ أوجب ما أجمعوا عليه، وبحث عن مدارك الأدلة فلم يصح عنده دليل على إيجاب الزيادة، فرجع إلى استصحاب الحال في البراءة الأصلية التي يدل عليها العقل، فهو تمسك بالاستصحاب ودليل العقل. وهذا الذي قال به الشافعي في الأخذ بثلث الدية هو قضاء عمر وعثمان - ﵄ -. انظر، المستصفى: ١/ ٢١٦ - ٢١٧، نهاية المحتاج: ٧/ ٣٠٣، بداية المجتهد: ٢/ ٤١٤، سبل السلام: ٣/ ٢٥١.\n(^٣) قال الشافعي - ﵁ -: \"رأيت بعض الحكام يحلّف على المصحف، وذلك حسن\". وقد بين الشافعية أن هذا الاستحسان له دليل وهو فعل ابن عباس وابن الزبير ﵄؛ ولأن الشرع ورد باعتبار ما فيه إرهاب وزجر عن اليمين الفاجرة، والتحليف بالمصحف تعظيم، فكأنه من باب القياس تغليظًا باليمين كما غلّظت بالزمان والمكان الشريفين. انظر، البحر المحيط: ٨/ ١٠٦، المحلي على الجمع: ٢/ ٣٥٤.\n(^٤) الضمير يعود على العلم بها، أي: وإنما العلم بها وظيفة الفقيه. وفي (ص) كُتِب فوق الضمير (هو)، (هي). والظاهر أنَّه من الناسخ.\n(^٥) في (ص)، و(ك): \"الفقه\".\n(^٦) في (ص): \"والخصوص\".","vol":"2","page":57},{"text":"والمرسل، وقول الصحابي، والمصلحة المرسلة، والأخذ بالأخَفّ، والاستحسان عند مَنْ يقول به.\nوهذه الكليات داخلة في الجزئيات، فإنَّ الكلي الطبيعي (^١) موجود في الخارج وفي الذهن في ضِمْن مُشَخَّصاته (^٢).\nففي الأدلة اعتباران:\nأحدهما: من حيث كونُها مُعَيَّنة، وهذه وظيفة الفقيه، وهي المُوصِلة القريبة إلى الفقه، والفقيه قد يعرفها بأدلتها إذا كان أصوليًا، وقد يَعْرفها بالتقليد ويتسلمها من الأصولي (^٣)، ثم يرتب الأحكامَ عليها، فمعرفتها حاصلةٌ عنده.\nوالاعتبار الثاني: مِنْ حيث كونُها كلية، أعني: يَعْرِف ذلك الكليَّ المندرجَ فيها، وإن لم يعرف شيئًا من أعيانها، وهذه وظيفة الأصولي، فمعلوم الأصولي: الكليُّ، ولا معرفة له بالجزئي من حيث كونُه أصوليًا، ومعلومُ الفقيه: الجزئيُّ، ولا معرفة له من حيث كونُه فقيهًا بالكلي، إلا\n_________\n(^١) الكلي الطبيعي: هو الماهية المُنْتَزَعة من الأفراد الخارجية، التي تَعْرِض لها الكليةُ في الذهن أي: إمكان الصدق على كثيرين، كمفهوم الحيوان، ومفهوم الإنسان، ومفهوم المُثَلّث، ومفهوم الشجرة، ومفهوم الكتاب، وغيرها، المنتزعة من أفرادها الخارجية، التي يَعْرِض لكل منها في الذهن أنها تصدق على أفراد كثيرة. انظر، المنهج القويم في المنطق الحديث والقديم: ٨٩.\n(^٢) أي أفراده. انظر، هذه المسألة في المنهج القويم: ٨٦.\n(^٣) في (ك): \"الأصول\".","vol":"2","page":58},{"text":"لكونه مندرجًا في الجزئي المعلوم، وأما من حيث كونه كليًا فلا.\nفالأدلة الإجمالية: هى الكلية، سُمِّيت بذلك؛ لأنها تُعلَم مِنْ حيث الجملة لا من حيث التفصيل، وهي مُوصلةٌ بالذات إلى حكمٍ إجمالي، مثل: كونُ (كلّ مأمورٍ به) (^١) واجبًا، وكل منهيٍّ عنه حرامًا، ونحو ذلك.\nوهذا لا يسمى فِقْهًا في الاصطلاح، ولا يُوصل إلى الفقه التفصيلي (^٢) وهو معرفة سنية الوتر أو وجوبه، والنهي ببطلان (^٣) بيع الغائب أو صحتِه مثلا إلا بواسطة.\nفقَيْد الإجمالِ مأخوذٌ في الأدلةِ والمعرفةِ معًا أيضًا (^٤).\nوليست مأخوذة في الفقه؛ ولذلك لا يلزم من النظر في الأصول حصولُ الفقه، والحكمُ الكليُّ متوقفٌ على الأصول توقفًا ذاتيًا.\nوالحكم التفصيليُّ وهو الفقه موقوفٌ عليه أيضًا وعلى غيره، لكنه (^٥) قد يكون بالتقليد للأصولي، كما أشرنا إليه.\nوبهذا يظهر أنّ الاجتهاد في الفقه على الإطلاق شَرْطُه الأصول،\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"كل ما يؤمر به\".\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"بالتفصيلي\". وهو خطأ.\n(^٣) في (ص): \"عن بطلان\". وهو خطأ.\n(^٤) أي: قول الماتن في تعريف أصول الفقه: \"معرفة دلائل الفقه إجمالًا\". فإجمالًا قيدٌ للمعرفة والأدلة، لا للفقه، يعني: المعرفةُ في \"الأصول\" إجماليةٌ لا تفصيليةٌ، والأدلة في \"الأصول\" إجماليةٌ لا تفصيلية.\n(^٥) في (ص): \"كلية\". وهو تحريف.","vol":"2","page":59},{"text":"ومَعْرِفَتُها بالاجتهاد، وأما (^١) بدون ذلك فيكون مُقَلّدًا وإن اجتهد في تفريع المسائل.\nثم هذه الأدلة الكلية لها حقائق في أنفسها (من حيث دلالتُها، وتَعَلُّقُ العلمِ بها، فهل وضع أصول الفقه لتلك الحقائق في أنفسها) (^٢)، أو للعلم بها؟ .\nكلام المصنف يقتضي الثاني.\nوكلام الإمام وغيره يقتضي الأول (^٣).\nولكل منهما وجه، فإن الفقه كما يَتَوقَّف على الأدلة يتوقف على العلم بها، وقد يُرَجَّح ما فعله المصنف بأن العلم بالأدلة يُوصِل إلى المدلول، والأدلة لا توصل إلى المدلول، إلا بواسطة العلم بها؛ لأنَّ الفقه علم، لكل أهل العُرْف يسمون المعلوم أصولًا، وكذلك يسمون المعلوم فقهًا، فتقول: هذا كتاب أصول، وكتاب فقه، والأولى جَعْل الأصول للأدلة، والفِقْه للعلم، لأنّه أقرب إلى الاستعمال اللغوي (^٤).\nثم الأدلة لها اعتباران:\n_________\n(^١) في (ت): \"أما\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر، المحصول: ١/ ق ١/ ٩٤، البحر المحيط: ١/ ٤٠.\n(^٤) أي: تفسير الأصول بالأدلة أقرب إلى الاستعمال اللغوي من تفسيره بالعلم؛ إذ معناه اللغوي: ما يتفرع عنه غيره، وهذا أقرب إلى الدليل منه إلى العلم، والفقه في اللغة الفهم، فنجعله في الاصطلاح للعلم. وانظر، البحر المحيط: ١/ ٤١.","vol":"2","page":60},{"text":"أحدهما: حقيقتها في نفسها.\nوالثاني: من حيث دلالتُها على الفقه.\nوالمأخوذ في حد أصول الفقه إنما هو هذا الثاني، وهو مستفاد من الإضافة في قولنا أدلة الفقه؛ لما قدمناه أنّ الإضافة تُفيد اختصاصَ المضاف بالمضاف إليه في معنى لفظة المضاف، فالشَّرْط في الأصولي معرفةُ أدلة الفقه من حيث دلالتُها على الفقه خاصة، وقد يكون لها عوارض أخرى لا يجب معرفتُه بها.\nثم معرفةُ الأدلة من حيث كونُها أدلة - لا بد معه في الاستدلال من شروط، وهي كيفية الاستدلال، ومعظمها يُذكر في باب التعارض والتراجيح، فَجُعِلَت جزءًا آخر من أصول الفقه؛ لتوقف الفقه عليها.\nوليس كل أحد يتمكن من الاستدلال، ولا يحصل له الفقه بمجرد علم تلك الأدلة، وكيفية الاستدلال؛ لأنها أدلة ظنية ليس بينها وبين مدلولاتها ربطٌ عقلي، فلا بد من اجتهاد يحصل به ظَنُّ الحكم.\nفالفقه موقوف على الاجتهاد، والاجتهاد له شروطٌ يُحْتَاج إلى بيانها، فَجُعِلَت جزءًا ثالثًا من أصول الفقه؛ لتوقف الفقه عليها.\nوهذا مجموع ما يذكر في أصول الفقه: الأدلة، وكيفيةُ الاستدلال، وكيفيةُ حال المُسْتَدِل.","vol":"2","page":61},{"text":"والإمام ومَنْ وافقه (^١) يجعلون أصول الفقه عبارة عن الثلاثة.\nوالمصنف وطائفة يجعلونه عبارة عن معرفة الثلاثة (^٢)، فالمعارف الثلاثة عندهم هي أصول الفقه، وقد تقدم البحث في ذلك.\nفقول المصنف: \"وكيفية الاستفادة\" معطوف على دلائل الفقه، أي: ومعرفة كيفية الاستفادة، وكذا قوله: \"وحال المستفيد\" أي: ومعرفة حال المستفيد، والمراد بالمستفيد: المجتهد؛ لأنّه الذي يستفيد الأحكام من أدلتها، ويقع في بعض النسخ: حال المُسْتَدِل وحال المستفيد. وهي غلط، كان في بعض النسخ: حال المستدل، وفي بعضها: حال المستفيد، فجمع بعض النُّسَّاخ بينهما، واقتضى هذا الغلط أن يُحْمل المستدل على المجتهد، والمستفيد على المقلّد؛ لأنّه يستفيد من المجتهد، لكن الفقه ليس موقوفًا على التقليد بوجه أصلًا، فلا يجوز أن يكون جزءًا من أصول الفقه، بخلاف الاجتهاد، فإن الفقه موقوف عليه، نعم إذا عُرِف المجتهد عُرف أن مَنْ سواه مقلّد، وهذا جاء بالعَرَض لا بالقصد، أعني: معرفة المقلّد.\nنعم بعض الناس (قد يُسَمُّون) (^٣) علمَ المقلّد فقهًا، فمِنْ هذا الوجه يحسن إدراجه في أصول الفقه؛ لتوقف فِقْهِه عليه.\n_________\n(^١) كصاحب التحصيل: ١/ ١٦٨، والحاصل: ١/ ٢٣٠، والآمدي في الإحكام: ١/ ٨، وصفي الدين الهندي في نهاية الوصول: ١/ ٢٤.\n(^٢) انظر في هذا، شرح اللمع: ٦، البرهان: ١/ ٨٥، بيان المختصر: ١/ ١٤، البحر المحيط: ١/ ٤٠.\n(^٣) في (ص)، و(ك): \"قد سَمَّى\".","vol":"2","page":62},{"text":"وفيه فائدةٌ لا تُذْكر إلا فيه، وهي حُكْمُه إذا اختلف عليه المجتهدون، ونحو ذلك.\nوقول المصنف: \"دلائل\"، لو قال أدلة لكان (^١) أحسن؛ لأنَّ فعيلًا لا يُجْمع على فَعَائْل إلا شاذًا (^٢).\nوقوله: \"إجمالًا\" مصدرٌ في موضع الحال، أو تمييزٌ إما مِنْ (معرفة، وإما من) (^٣) دلائل، كلٌّ منهما يَصِحُّ أن يُراد به على ما بينَّا، ويزداد على جَعْله من معرفة وجهٌ آخر، وهو أن يكون نعتًا لمصدر محذوف، تقديره: عرفانًا إجمالًا، وإعرابه تمييزٌ أقوى؛ لأنّه يُبَيِّن جهةَ الإضافة، كقولك: هذا أخوك رضاعةً أو نسبًا.\nوهذا القيد أعني: قَوله: \"إجمالًا\" لإخراج (^٤) العلم بالأدلة على التفصيل، فليس من أصول الفقه، ولا هو الفقه أيضًا (^٥)، كما وقع في\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"كان\".\n(^٢) في تاج العروس: ١٤/ ٢٤٢، ٢٤٣، مادة (دلل): \"الدليل: ما يُستدل به. وأيضًا الدَّالُّ. وقيل: هو المرشِد، وما به الإرشاد. الجمع: أدلَّة، وأدِلاء. . . . والدلائل جمع دَليلة، أو دَلالَة\" وانظر: لسان العرب: ١١/ ٢٤٨ - ٢٤٩. قال ابن مالك ﵀ في شرح الكافية الشافية: ٤/ ١٨٦٦: \"وأما (فعائل) جمع (فَعِيل) من هذا القبيل - فلم يأت في اسم جنسٍ فيما أعلم، لكنه بمقتضى القياس لعَلَم مؤنَّث كـ (سَعَائد) جمع (سَعِيد) عَلَم امرأة\". وانظر، نهاية السول: ١/ ١٩.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"لا يخرج\". وهو خطأ من النساخ، والصواب ما أثبته.\n(^٥) سقطت من (ص).","vol":"2","page":63},{"text":"عبارة بعض شارحي هذا الكتاب (^١)؛ لأنَّ الفقه عنه (^٢)، بل هو يذكر في الفقه، ومن وظيفة الفقيه، وأصول الفقه: الأدلة الإجمالية وعِلْمُها.\nوهل أصول الفقه بحسب الاصطلاح يصدق على القليل من ذلك والكثير، أو لا يصدق إلا على المجموع؟ .\nاختيار (^٣) الإمام الثاني (^٤)، فلم يَجْعل أصول الفقه يُطلق على بعضه، وهذا إنما يظهر إذا أُخِذ مضافًا ومضافًا إليه، أما إذا أُخِذ اسمًا على هذا العِلْم فينبغي أن يصدق على القليل منه والكثير، كسائر العلوم، ولهذا إذا رأيت مسألةً واحدةً منه تقول: هذه أصول فقه. والاعتذار عن الجمع في لفظة: الأصول، بأمرين:\n_________\n(^١) وهو الجارَبردي.\nانظر، السراج الوهاج في شرح المنهاج: ١/ ٧٤ - ٧٥، بتحقيق د. أكرم أوزيقان.\n(^٢) كذا في (ت)، و(ص)، و(ك): \"غيره\". وكلاهما صحيح؛ إذ الفقه مستفاد عن العلم بالأدلة التفصيلية، والعلم بالأدلة التفصيلية غير الفقه؛ إذ الدليل غير المدلول، ومعرفة الدليل غير المدلول أيضًا، فالفقه ثمرة معرفة الدليل التفصيلي، وسيأتي تعريف الفقه بأنه: العلم بالأحكام الشرعية المكتسب من أدلتها التفصيلية. فالفقه علم بالأحكام لا بالأدلة التفصيلية.\n(^٣) في (ك): \"اختار\".\n(^٤) أي: الإمام الرازي يجعل أصول الفقه من باب الكل، الذي لا يَصْدق إلا على الجميع، وغيرُه يجعله من باب الكلي، الذي يصدق على كل فرد.\nانظر، المحصول: ١/ ق ١/ ٩٤، البحر المحيط: ١/ ٣٩، نهاية الوصول لصفي الدين الهندي: ١/ ٢٤.","vol":"2","page":64},{"text":"أحدهما: أنَّه (^١) بعد التسمية به (^٢) لا يجب المحافظة على معنى الجمع.\nوالثاني: أنَّه جمع مضافٌ إلى معرفةٍ فَيَعُم، والعموم صادق على كل فرد.\nوكلام المصنف محْتَمِل لما قاله الإمام، ولما قلناه بالطريق المذكور.\nوعدول المصنف عن علم إلى معرفة (^٣)، نُقَدِّم عليه مقدِّمة: وهي أنّ المعرفة تتعلق بالذوات، وهي التصور، والعلم يتعلق بالنِّسب وهو التصديق (^٤)، فإذا أراد أنّ علم الأصول (^٥) تصورٌ محضٌ فليس كذلك؛ لأنَّ العلم بكون الأمر للوجوب، والنهي للتحريم - من أصول الفقه، وهو تصديق، فالإتيان بلفظ العلم في هذا المقام أحسن، لأنه أعم من المعرفة، ولهذا يُقَسَّم (^٦) العلم إلى: التصور، والتصديق. ويقول النحاة في العلم إذا لم يكن عرفانًا.\n_________\n(^١) في (ص): \"أن\".\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) أي: عدول المصنف في تعريفه لأصول الفقه عن التعريف بـ: علم دلائل الفقه. . . الخ، إلى: معرفة دلائل الفقه. . . الخ.\n(^٤) أي: أنَّ المعرفة تتعلق بالذوات والمفردات، فمعرفتها تصور، وأما العِلْم فإنه يتعلق بالنسب بين الموضوع والمحمول، وهذا تصديق. انظر، تعريف التصور والتصديق في آداب البحث والمناظرة للشنقيطي: ٨، وحاشية البيجوري على متن السلم: ٢٨.\n(^٥) في (ت): \"الأصولي\".\n(^٦) في (ص): \"ينقسم\".","vol":"2","page":65},{"text":"ثم سواء (^١) قلنا: عِلْمٌ أو مَعْرفةٌ أو أدلةٌ أو طُرُقٌ، كما قال الإمام - فيرد على جميع ذلك سؤال قوي، وهو أنّ الطريق: ما يُفْضي النظر الصحيح فيه إلى علم المدلول أو ظنِّه (^٢)، والدليل: ما يفضي النظر الصحيح فيه إلى المدلول (^٣)، وعلم الدليل أو الطريق كذلك. والمدلول ها هنا هو الفقه؛ لقوله: أدلة الفقه أو طرق الفقه (^٤).\nوقد قدمنا أن الفقه بحسب الاصطلاح لا يصدق إلى على معرفة الأحكام التفصيلية، فيلزم من هذا أن يكون أصول الفقه معرفة\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) انظر هذا التعريف في، التحصيل: ١/ ١٦٨، وقال الجرجاني في التعريفات: ١/ ١٢٢: الطريق: هو ما يمكن التوصلُ بصحيح النظر فيه إلى المطلوب.\n(^٣) انظر، البحر المحيط: ١/ ٥٠، شرح اللمع للشيرازي: ١/ ١٥٥. قال الزركشي في البحر: ١/ ٥١: وخَصَّ المتكلمون اسم الدليل ما دل بالمقطوع به من السمعي والعقلي، وأما الذي لا يفيد إلا الظن فيسمونه أمارة، وحكاه في \"التلخيص\" عن معظم المحققين. وزعم الآمدي أنه اصطلاح الأصوليين أيضًا، وليس كذلك، بل المصنفون في أصول الفقه يطلقون الدليل على الأعم من ذلك، وصرح به جماعة من أصحابنا. اهـ. وانظر، الأحكام: ١/ ١١، العضد على ابن الحاجب: ١/ ٣٩، شرح الكوكب المنير: ١/ ٥٣، وظاهر صنيع الشارح رحمه الله تعالى أنَّه يفرق بين الطريق والدليل، فيجعل الطريق أعم، والدليل أخص؛ لأنَّ الأول شامل لما يفيد القطع والظن، والثاني خاص بما يفيد القطع كما هو مذهب المتكلمين، وإلا فأيُّ فرق بين التعريفين، إن لم يُقَل بهذا، وهو بهذا التفريق يكون مخالفًا لما عليه جماهير الأصوليين.\n(^٤) في هذا نظر، لأن المدلول هنا هو أدلة الفقه الإجمالية لا الفقه، ولا أدلته التفصيلية، كما سبق الإشارة إليه.","vol":"2","page":66},{"text":"أدلة الأحكام التفصيلية، وأنَّ مَنْ عرفها عرف الفقه (^١) ضرورة، بما قررناه (^٢) من أنَّ النظر في الدليل يوجب العلم بالمدلول، فيلزم أن يكون الأصول فقهًا، وأن يكون كل أصولي فقيهًا، وهذا ظاهر البطلان، ولا يُنْجِي عن هذا (^٣) قيدُ الإجمال في المعرفة، أو في الأدلة (^٤)؛ لأن الإجمالي إن كان دليلًا للتفصيلي - لزم مِنْ حصولِه (^٥) حصولُه، وإن لم يكن دليلًا للتفصيلي - فسدت إضافته إلى الفقه؛ لأن الفقه تفصيلي.\nودليل الفقه مجموع أمرين:\nأحدهما: الإجمالية.\nوالثاني: التفصيلية.\nوالأول مندرج في الثاني، فكلُّ مَنْ علم الثاني علم الأول تقليدًا أو اجتهادًا، ولا يحصل الفقه إلا بعلمهما، والأصول بالأول (^٦) فقط.\nوقد سَلِم من هذا السؤال ابنُ الحاجب حيث قال: إن حَدَّه لقبًا: العلمُ بالقواعد التي يُتَوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية عن أدلتها التفصيلية. ومع ذلك يرد عليه أنَّ مِنَ القواعد النحوية وغيرها ما هو\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) في (ت): \"ضرورةَ ما قررنا\". وفي (ك): \"ضرورةً مما قررناه\".\n(^٣) أي: عن هذا البطلان.\n(^٤) في (ص)، و(ك): \"الدلالة\".\n(^٥) في (ص): \"تحصيله\". والضمير يعود على الدليل التفصيلي.\n(^٦) في (ص)، و(ك): \"في الأول\".","vol":"2","page":67},{"text":"كذلك، ولم تدخل في أصول الفقه، فالحد غير مانع، وغير جامع أيضًا؛ لأنه أخرج الأدلة عن الأصول جملة.\nفإن قلت: هل مِن اعتذار عن المصنِّف والإمام وغيرهما في السؤال الذي قدمتُه؟ .\nقلتُ: نعم، وهو أنَّ الأدلة التفصيلية التي يحصل عنها الفقه لها جهتان:\nإحداهما: أعيانها.\nوالثانية: كلياتها.\nوكل دليلٍ هكذا، فليست الأدلة منقسمةً على ما هو إجمالي غير تفصيلي، وتفصيلي غير إجمالي، بل كلها شيء واحد له جهتان، فالأصولي يعلمه من إحدى الجهتين، والفقيه يعلمه من الأخرى، ويصدق على ذي الجهتين أنَّه معلوم مِنْ وجه.\nفالمراد بالأدلة التفصيلية التي هي موصلة إلى الفقه، والأصولي يعرفها من جهة الإجمال، فلها اعتباران، والنظر في الدليل إنما يفيد العلمَ بالمدلول إذا نُظِر فيه على سبيل التفصيل، والأصولي لم ينظر فيه كذلك (^١)، لا جرم لم يحصل له الفقه؛ لانتفاء شرط نظره، لا لانتفاء كون المنظور فيه دليلًا في نفسه.\nوهذا جوابٌ حسن (يصح به كلامُهم ويندفع السؤال، وبه يترجَّح أن يُجعل قيد الإجمال للمعرفة لا للأدلة) (^٢)، وإنْ كان جعله للأدلة صحيحًا\n_________\n(^١) في (ت): \"كدال\".\n(^٢) في (ص): \"يصح للأدلة\". وهذا سقط وتحريف.","vol":"2","page":68},{"text":"أيضًا، باعتبار أنَّ للأدلة نسبتين (كما قدمناه) (^١)، فهي باعتبار إحدى النسبتين غَيْرُها باعتبار الأخرى، هذا كُلُّه في تعريف المعنى اللقبي، إذا قطعنا النظر عن أجزاء اللفظ، وكذلك إذا لاحظناها مع التخصيص الذي أشرنا إليه فيما سبق، فإن التعريف يحصل مما ذكره أيضًا. وليس من شرط الحد أن يكون بأجزاء محمولة كما ظنه بعضهم (^٢)، بل بأجزاء داخلة في الحقيقة، وأجزاء المحدود هنا (^٣)، وهي المعارف الثلاث كذلك، والمعرفة جنس للأصول (^٤)، (وما أضيفت) (^٥) إليه من الأدلة والكيفيتين فصولٌ، تقديره: معرفةٌ متعلّقةٌ بالأدلة والكيفيتين، فالمتعلقة فصل، وإنما جعلناه فصلًا؛ لأن التعلق داخلٌ في ذات العلم، فإن جَعَلْتَه خارجًا كان خاصة، وكان التعريف رسمًا تامًا (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"كما قدمنا\".\n(^٢) الأجزاء المحمولة: هي الأوصاف العَرَضية التي تُحْمل في ضمن الوصف الذاتي، فالإنسان: حيوان ناطق. هذا هو التعريف الحقيقي؛ لأنها أجزاء داخلة في حقيقة الإنسان. وهناك أجزاء محمولة للإنسان وليست داخلة في حقيقته، مثل كون الإنسان: طويلًا، قصيرًا، أحمرَ، أسودَ، يمشي، ضاحكًا.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ص)، و(ك): \"الأصول\".\n(^٥) في (ص)، و(ك): \"وما أضيف\". والضمير هنا يعود على الجنس.\n(^٦) الرسم التام: هو التعريف بالجنس القريب والخاصة. انظر: حاشية البيجوري على متن السلم: ٤٣.\n(^٧) انظر، تعريف الأصول بمعناه اللقبي في: المحصول: ١/ ق ١/ ٩٤، شرح الكوكب: ١/ ٤٤، نهاية الوصول في دراية الأصول: ١/ ٢٤، نهاية السول: ١/ ٥، اللمع: =","vol":"2","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-186>البحث الثالث: في الفرق بين المعاني الثلاثة وتعريفاتها، وما بينها من النسب</span>.\nأما المعنى الأول وهو معنى أصول الفقه قبل التسمية: فهو أعم مطلقًا من الثاني والثالث اللذين هما بعد التسمية، وتعريفه أعم من تعريفهما، ولا يحصل به تعريف هذا العلم كما سبق، وإطلاقه عليه إطلاقٌ للأعم (^١) على الأخص، ولم يذكر المصنف ولا غيره ممن أراد تحديد علم أصول الفقه ذلك، إلا على سبيل التَّقْدِمة، كما فعله الإمام، فإنه ذكر المفردات، ثم ذكر تعريف أصول الفقه مُسَمًّى به (^٢)؛ ولذلك أخذ فيه قيدّ الإجمال، ولو راعى مدلوله قبل التسمية لم يأخذ فيه قيدَ الإجمال.\nوأما معناه اللقبي، ومعناه الإضافي بعد التسمية إذا لُوحِظَت أجزاء لفظه - فهما سواء، وتعريفهما سواء، سواء (^٣) أفسرنا (^٤) الأصول بالأدلة، أم بالمحتاج إليها، يصح على كلّ من التقديرين أن نجعل أصول الفقه اسمًا للأدلة، وهي مُحْتَاجٌ إليها، فيتحد المعنى اللقبي والإضافي.\nأما الإضافي فظاهر.\n_________\n= ص ٦، تيسير التحرير: ١/ ١٤، جمع الجوامع بشرح المحلي: ١/ ٣١، بيان المختصر للأصفهاني: ١/ ١٤.\n(^١) في (ص)، و(ك): \"الأعم\".\n(^٢) في (ص): \"مسميانه\". وفي (ك): \"مسمياته\". وكلاهما خطأ.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) في (ص)، و(ك): \"فسرنا\".","vol":"2","page":70},{"text":"وأما اللقبي؛ فلتسمية الأدلة بذلك.\nويصح أن نجعله اسمًا للمعرفة، فيتحدان أيضًا.\nأما اللقبي فظاهر.\nوأما الإضافي فظاهر إنْ جعلنا الأصل: المُحْتاج إليه، وإنْ جعلناه: الدليل - فنكون (^١) قد سمَّينا به العلمَ بالدليل، من باب تسمية العلم باسم المعلوم (^٢).\nفإن قلتَ: إذا جعلنا الأصول: الأدلة، والتسمية للمعرفة تغاير المعنى اللقبي والإضافي قطعًا، فيجب أن يكون لكل منهما حد؟ .\nقلتُ: ليس المراد بالإضافي معناه قبل التسمية، وإلا لورد المعنى الأول، وقد قدمنا أنَّه خارج قطعًا، فإنما المراد تعريف المعنى اللقبي باعتبار ملاحظة أجزاء اللفظ، فلا بُدَّ أن يُوجد فيها تغييرٌ: إما بمجاز، أو بتخصيص؛ حتى يوافق اللقب، وحينئذ يتحد التعريفان. ويستحيل أن يكون لعلم أصول الفقه المصطلح عليه حدان:\nأحدهما: باعتبار الإضافة قبل التسمية.\nوالثاني: باعتبار اللقب.\n_________\n(^١) في (ك): \"فيكون\".\n(^٢) والمعنى: أننا أطلقنا الدليل وأردنا به العلم. فأصول الفقه: أدلة الفقه، فأردنا بالأدلة العلم والمعرفة مجازًا، من باب تسمية العلم باسم المعلوم، فالدليل معلوم، وأصول الفقه علم، فأطلقنا المعلوم وأردنا العلم.","vol":"2","page":71},{"text":"(والفقه: العلم بالأحكام الشرعية العملية، المكتسب من أدلتها التفصيلية)\nفي معنى الفقه بحسب اللغة ثلاثة أقوال:\nأحدها: مُطْلق الفهم (^١).\nوالثاني: فهم الأشياء الدقيقة (^٢).\nوالثالث: فَهْم غرض المتكلم مِنْ كلامه (^٣).\nوقولنا: \"غرض المتكلم\" إشارة إلى أنَّه زائد على مجرد دلالة اللفظ الوضعية؛ فإنه يشترك في معرفتها الفقيه وغيره ممن عرف الوضع، وبهذا الاعتبار يُسْلب عمن اقتصر على ذلك من الظاهرية اسمَ الفقه.\n_________\n(^١) في القاموس ٤/ ٢٨٩: \"الفقه: بالكسر، العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة\". وانظر: لسان العرب ١٣/ ٥٢٣، والمصباح المنير ٩/ ١٣٤. وانظر: الإحكام ١/ ٧، بيان المختصر ١/ ١٨، الوصول إلى الأصول ١/ ٥٠، بذل النظر في الأصول ص ٦.\n(^٢) قاله الشيرازي في شرح اللمع ١/ ١٥٧، وبعض الحنفية. انظر: البحر المحيط ١/ ٣٢، ورجَّحه القرافي في شرح تنقيح الفصول ص ١٦ - ١٧.\n(^٣) قاله الرازي في المحصول ١/ ق ١/ ٩٢، وأبو الحسين في المعتمد ١/ ٤، والجرجاني في التعريفات ص ١٤٧. وقد اختلف الأصوليون في معنى الفقه لغة، فالأكثرون على أنَّه الفهم. لكن قال الطوفي في شرحه على مختصره ١/ ١٠٩: \"قلت: كل ذلك له أصل في اللغة\". انظر: شرح الطوفي ١/ ١٠٦، تحقيق: د - إبراهيم آل إبراهيم، البحر المحيط ١/ ٣٠، نفائس الأصول في شرح المحصول ١/ ١١٧، نهاية الوصول في دراية الأصول ١/ ١٥، شرح الكوكب المنير ١/ ٤٠.","vol":"2","page":72},{"text":"وأما في الاصطلاح فقد ذكره المصنف، والكلام عليه من وجوه:\nأحدها: قوله: \"العلم\" جنس يشمل التصور والتصديق القطعي (^١)، وإنما قلنا ذلك؛ لأن العلم صفة تُوجب تمييزًا لا يحتمل النقيض (^٢)، ويلزمها التعلق بمعلوم، فإنْ كان المعلوم ذاتًا (^٣)، أو معنى مفردًا (^٤)، أو نسبة غير خبرية (^٥) - فهو التصور.\nوإنْ كان نسبة خبرية فهو التصديق القطعي.\nمثاله: العالم حادث، ههنا أمور (^٦) أربعة: ذات العالم، ومعنى الحدوث في نفسه، والارتباط بينهما من غير حكم بثبوته أو بانتفائه.\n_________\n(^١) لَمَّا ذَكَر العلم - ذكر التصور والتصديق القطعي؛ لأنَّ العلم خاص بالإدراك القطعي.\n(^٢) في (ت): \"النقض\".\n(^٣) كزيد، بكر، عمرو، سماء، أرض. ونحوها من الذوات.\n(^٤) كحرارة، وبرودة، وخوف، وشجاعة. ونحوها من المعاني المفردة.\n(^٥) المراد بالنسبة غير الخبرية: المضاف والمضاف إليه، والصفة والموصوف، والشرط دون الجواب. فمثال المضاف والمضاف إليه: رسول الله، غلام زيد، كتاب أصول الفقه. فهذه نسب غير خبرية؛ لأنها لا تفيد خبرًا.\nلكن لو قلنا: رسول الله محمد، غلام زيد أمين، كتاب أصول الفقه نافع - فهذه نِسَب خبرية؛ لأنها أفادت خبرًا.\nومثال الصفة والموصوف: الرجل العالم. فهذه نسبة غير خبرية؛ لأنَّ الرجل مبتدأ، ويحتاج إلى خبر، ولم يُذكر. لكن لو قلنا: رجل عالم. فهذه نسبة خبرية مكوَّنة من مبتدأ وخبر. ومثال الشرط دون الجواب: إنْ قرأتَ الأصول. إنْ تصدقتَ على الفقراء.\n(^٦) سقطت من (ص).","vol":"2","page":73},{"text":"والعلم بهذه الثلاثة تصور.\nوالرابع: هو ثبوت ذلك الارتباط أو انتفاؤه، وهو النسبة الخبرية، وهو التصديق، وهكذا في كل قضية موضوعها ومحمولها مفردان، والارتباط بينهما نسبة تقييدية (^١) وهي (^٢) من قبيل المفرد، ووقوع تلك النسبة أو عدم وقوعها أمر رابع، فتعلق العلم بتلك الثلاث تصور، وتعلقه بالرابع تصديق (^٣).\nوالفرق بين الثالث والرابع دقيق، فإنك تقول: علمتُ حَدَث العالم، بمعنى تصورتُه.\nوعلمتُ حَدَث العالم، بمعنى صَدَّقْتُ به، فالنسبة واحدة، ولكن التصور عِلْمُها في نفسها، والتصديق عِلْم حصولِها، فحقيقة المعلوم في التصديق كحقيقة المُخْبَر به في الخبر، بل هي حقيقةٌ واحدة، إنْ تَعَلَّق بها الكلام سُمِّي خبرًا، وإنْ تَعَلَّق بها العلم سُمِّي تصديقا.\nوالتصور أخص من العلم مطلقًا (^٤)، والتصديق أخص منه من وجه؛\n_________\n(^١) وهي كون الثاني صفة للأول، كالنسبة في قولك: حيوان ناطق. والنسبة التقييدية هي أحد أنواع النسبة غير الخارجية. انظر: شرح البيجوري على السلم ص ٢٨.\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"وهو\".\n(^٣) راجع تعريف التصور ومراتبه، والتصديق في شرح البيجوري على السلم ص ٢٨.\n(^٤) لأنه أحد قِسْمَي العلم، فنسبة التصور إلى العلم: نسبة عموم وخصوص مطلق؛ إذ يتحد التصور مع العلم في التصور، وينفرد العلم عن التصور بالتصديق القطعي. هذا إذا جعلنا التصور بمعنى إدراك معنى مفرد، أو إدراك ذات، أو نسبة غير خبرية، =","vol":"2","page":74},{"text":"لأن التصديق قد يكون بالخبر، وليس بعلم؛ لخروجه (^١) من حد العلم (^٢).\nوتفسير التصديق بما قلناه: وهو العلم بالنفي أو الإثبات - يُصَحِّح انقسامَ العلمِ الذي هو الإدراك إلى التصور والتصديق، بخلاف ما إذا فَسَّرناه بالحكم، أو بالحكم مع التصور، فلا يصح انقسام العلم إليه، إلا إذا قيل: إن العلم بالنفي أو الإثبات حكم.\nوالمعروف أنّ الحكم إيقاع النسبة (^٣).\nوكَشْف اللبس في ذلك أنَّ الحكم: هو نسبة أمرٍ إلى أمرٍ بالإثبات أو النفي، وهو قِسْم من أقسام الكلام - قد (^٤) يكون بالنفس، وقد يكون\n_________\n= كما سبق ذكره. وأما إذا جعلنا التصور بمعنى حصول صورة الشيء في النفس فهو مرادف للعلم الشامل للتصور بذلك المعنى، وللتصديق.\nفَتَحَصَّل أنَّ التصور له استعمالان كما قاله في شرح الشمسية:\nأحدهما: استعماله في المعنى الأخص، وهو الذي ذكره الشارح. والثاني: استعماله في المعنى الأعم. انظر: شرح البيجوري على متن السلم ص ٢٨، مع تصرف يسير.\n(^١) في (ص)، و(ك): \"بخروجه\".\n(^٢) المعنى أنَّ: التصديق إذا كان قطعيًا فهو جزءٌ من العلم وأخص منه، وإذا كان التصديق ظنيًا كان خارجًا من حد العلم؛ لأنَّ العلم خاص بالقطعيات. فنسبة التصديق إلى العلم: نسبة عموم وخصوص من وجه؛ لأنَّ التصديق القطعي يتحد مع العلم في التصديق القطعي، وينفرد التصديق عن العلم بالتصديق الظني، وينفرد العلم عن التصديق بالتصور.\n(^٣) والتصديق: هو إدراك وقوع النسبة. والفرق بين إدراك وقوع النسبة، وبين إيقاعها واضح.\n(^٤) في (ت): \"وقد\".","vol":"2","page":75},{"text":"باللسان، فإذا قلنا: حكم الذهن فإنما نريد الإخبار النفساني.\nثم إن هذا الإخبار مُحْتَمِل للتصديق والتكذيب، والتصديق والتكذيب إما بالإخبار، بأن يقال لقائله: صدقتَ أو كذبتَ.\nوإما بالعلم والاعتقاد، فإنَّ مَنْ عَلِم صِدْق المُخْبِر يُقال: إنه (^١) مُصَدِّقٌ له، ومَنْ عَلِم كذبه يقال: إنه مكذِّب له، فسمي العلم المتعلِّق بذلك الخبر، أو بمضمون الخبر - تصديقًا، لما قلناه، لأنّه مُصَدِّق له.\nفالعلم مُتَعَلِّق (^٢) بالحكم، أو بمضمونه، (لا منقسِم إليه) (^٣).\nوقولنا: بمضمونه؛ لأنَّ العلم قد يتعلق بالنسبة الخارجية وقد يتعلق بالخبر عنها.\nفالثاني: (تصديق للخبر، والأول: تصديق لمضمونه) (^٤).\nوالحكم مِنْه ما هو تصديق: وهو الإخبار بصِدْق الصادق، ومنه ما ليس بتصديقٍ: وهو بقية (^٥) الأحكام. وإنما ساغ (^٦) في العُرْف إطلاقُ\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"له\".\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"يتعلق\".\n(^٣) في (ص): \"لا ينقسم إليه\".\n(^٤) في (ك): \"والثاني تصديق بمضمونه\". وهو خطأ. وفي (ص): \"فالثاني فالأول تصديق للخبر، والثالث والثاني تصديق لمضمونه\". وهو خطأ أيضًا.\n(^٥) في (ص): \"تقييد\". وهو خطأ.\n(^٦) في (ص)، و(ك): \"شاع\".","vol":"2","page":76},{"text":"التصديقات على القضايا مطلقًا؛ لأنها قابلة لأنْ تُصَدَّق، فكأنهم قالوا: الصادقة.\nومن هنا يتبين أنَّ أحق القضايا باسم التصديق ما كان مقطوعًا به؛ لأنَّه الذي يُصَدِّقه العلم.\nأما المظنونة، والمشكوك فيها، والموهومة - فلا يُوثَق بأيِّها إذا عُرِضت على العلم يُصَدِّقها أو يُكَذِّبها. فإنْ أُطلق عليها اسمُ التصديق فإنما هو بطريق احتمالها له، وإنما تُسَمَّى (^١) حكمًا. وجميعُ الأشياء معروضةٌ على العلم وهو الميزان لها، فالمفردات يتصورها، والأحكام الصحيحة يُصَدِّقها، والباطلة يُصَدِّق نقيضها (^٢).\nولما كان دائمًا في القضايا مُصَدِّقا لها أو لنقيضها (^٣) - سُمِّي تعلقه بها تصديقًا، وتُرِك لفظ التكذيب، للاستغناء عنه بنقيضه، ولقبح لفظه، وإنما سُمِّي العلمُ بالصدق تصديقًا لأنَّ به يُصَدّق (فهو الأصل في التصديق) (^٤)، وإطلاق التصديق على الحكم بالصدق للزومه له.\nوإطلاقه على الحكم بذلك بطريق الظن فيه بُعدٌ (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"وإنما سمي\". وهو خطأ.\n(^٢) يعني: يُبْطل القضيةَ الباطلة، ويَحْكُم بصحة نقيضها، فتصديقها تصحيحها.\n(^٣) في (ص): \"ولنقيضها\". وهو خطأ.\n(^٤) في (ص): \"فهو الأصل في الأصل في التصديق\". وهذه الزيادة خطأ.\n(^٥) في (ص): \"بعيد\".\n(^٦) وجه البعد أنَّه فهم أنّ التصديق قِسْم من العلم، والعلم هو اليقين، فإذا جاءت قضية ظنية، مثل: أظن أنّ السماء تمطر غدًا - لا يسمى تصديقا.","vol":"2","page":77},{"text":"وإطلاقُه على الحكم مطلقًا سواء أكان (^١) تصديقًا لخبر (^٢) أم لا - بعيدٌ عن اسم التصديق.\nوقد أطلنا في هذا لأنا لم نجد مَنْ حَقَّقه هكذا.\nوفي العلم اصطلاح آخر خاص لا يندرج فيه التصور يقال فيه: الاعتقاد الجازم المطابِق لموجِب. وهذا هو أحد قسمي العلم العام، وهو العلم التصديقي فإنا قدمنا أنَّه لا بد وأن يكون قطعيا.\nفقولنا: جازم - يُخْرج (^٣) الظَّنَّ والشك والوهم.\nوقولنا: مطابق - يُخْرج (^٤) الجهل.\nوقولنا: لموجِب - يُخْرج (^٥) التقليد.\nومنهم مَنْ يقول: الثابت، بدل قولنا: لموجب؛ لأنَّ اعتقاد المقلِّد غير ثابت؛ لأنه يمكنه اعتقاد نقيضه، واليقين لا يمكن اعتقاد نقيضه.\nوهذا النوع من العلم لا يكون معلومه إلا حكمًا: بإسناد أمرٍ إلى أمرٍ مُحْتَمِلًا للتصديق والتكذيب، (أو مضمون) (^٦) ذلك الحكم: وهو وقوع\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"كان\".\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"بخبر\".\n(^٣) في (ص): \"مُخْرِج\".\n(^٤) في (ص): \"مُخْرِج\".\n(^٥) في (ص): \"مُخْرِج\".\n(^٦) في (ت): \"ومضمون\". وهو خطأ؛ لأنَّ الشارح سبق وأن بيَّن أنَّ العلم يتعلق بالنسبة الخارجية التي هي مضمون الحكم، أو الخبر عن النسبة الخارجية. =","vol":"2","page":78},{"text":"تلك النسبة في نفس الأمر، كما بيناه.\nإذا عرفتَ الاصطلاحين في العلم فلك أن تجعله في كلام المصنف بالمعنى الأعم، ويَخْرج التصور بما بعده وهو الذي سلكه (^١) الإمام وعليه سؤال سنورده.\nولك أن تجعله بالمعنى الأخص فلا يكون التصور داخلا فيه، ولا يكون قوله بالأحكام مُخْرِجًا لشيء بل توطئةً للشرعية.\nوعلى كلا التقديرين لا يندرج الظن فيه: ولذلك أُورد عليه السؤال الذي سيأتي.\nوقد يطلق العلم باصطلاح ثالث على الصناعة كما تقول: عِلْمُ النحو، أي: صناعته، فيندرج فيه الظَّنُّ واليقين، وكل ما يتعلق بنظر في المعقولات (^٢) لتحصيل مطلوبٍ يُسمى عِلْمًا، ويُسمى صناعة.\nوعلى هذا الاصطلاح لا يرد سؤالُ الظَّنِّ لكنهم كلهم أوردوه فكأنهم (^٣) لم يريدوا هذا الاصطلاح، أو أرادوه ولَحَظوا معه معنى العلم في الأصل، ويُطلق النحاة العلم أيضًا على المعرفة، (وهي أحد نوعيه) (^٤)،\n_________\n= وتوضيح الجملة: وهذا النوع من العلم لا يكون إلا حكمًا، أو مضمون ذلك الحكم. فجملة: أو مضمون ذلك الحكم، معطوفة على قوله: لا يكون معلومه إلا حكمًا.\n(^١) في (ص): \"شككه\". وهو خطأ.\n(^٢) في (ت)، و(ك): \"معقولات\".\n(^٣) في (ك): \"وكأنهم\".\n(^٤) في (ك): \"وهي أجابو عنه\" وفي (ص): \"وهي أجابوا\". وكلاهما خطأ وهو تحريف.","vol":"2","page":79},{"text":"ولكن ليس فيها اعتقاد ولا ظن بل تصور محض، ولا يجوز أن تكون هي المراد ههنا؛ لأنَّ الفقه تصديق لا تصور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>الوجه الثاني من الكلام على التعريف: الباء في قوله: (بالأحكام)</span>.\nولْنُقَدِّم مقدمةً: وهي أنَّ \"عَلِم\" فِعْل مُتَعَدٍّ بنفسه، وقد جاء بالباء في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (^١) فاحتمل زيادتَها، واحتمل أن (^٢) يكون عَلِم مُضَمَّنًا معنى أحاط.\nومما يتنبه له أنّ \"علم\" المتعدية إلى مفعولين لم يُدْخِلوا الباءَ على واحد من مفعولَيْها إذا ذُكِرا صريحَيْن، ودخلت على أنَّ وصلتها السادة مَسَدَّهما؛ لدلالتها على النسبة التى هي المعلومة، وهذا يُقَوِّي التضمين، ويُقَوِّي قول أكثر النحويين أنها سادة مسد المفعولين، يُضْعِف قولَ مَنْ يُقَدِّر معها مفعولًا ثانيًا؛ لأنَّ المفعول الأول لا يدخل عليه الباء وليس هو المعلوم، أعني: المُخْبَر بعلمه، إنما المُخْبَر بعلمه نسبة الثاني إليه، وإذا قلت (^٣): علمتُ قيامَ زيدٍ، بمعنى أنَّه قام أو يقوم - جاز دخول الباء في المفعول، كما تدخل على \"أنْ\"؛ لأنَّ المعلوم فيهما ثبوت النسبة.\nوإذا كانت عَلِم بمعنى عَرَف (^٤) جاز دخول الباء على مفعولها، وتكون زائدة كقولك: عرفته وعرفت به.\n_________\n(^١) سورة العلق: ١٤.\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"بأن\".\n(^٣) سقطت من (ص)، و(ك).\n(^٤) علم خاص بالأخبار، وعَرَف خاص بالمفردات. فيكون عَلِم هنا للمفردات.","vol":"2","page":80},{"text":"فإن أردتَ مُخْبَرَه صح أن يكون عَلِم على حقيقتها.\nإذا علمتَ هذا فدخولُها في قوله: \"العلم بالأحكام\" - لا بد منه.\nأما على طريقة التضمين في الفعل فظاهر.\nوأما على طريقة الزيادة في الفعل فلأنَّ المصدر المُعَرَّف بالألف واللام ضعيف العمل جدًا (^١). (والعامل إذا ضعف) (^٢) يُقَوَّى بالحرف، كقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ (^٣) ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (^٤) (^٥).\nوعلى كل تقدير هي متعلِّقة بالعلم، وأما تقدير محذوف يتعلق به، كقولنا: العلم المتعلق بالأحكام فلا حاجة إليه إلا إذا فَسَّرنا العلم بالصناعة فيظهر تقديره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>الوجه الثالث: قوله: \"بالأحكام</span>\": يخرج به العلم بالذوات (^٦)،\n_________\n(^١) لبعده عن مشابهة الفعل؛ لأنَّه كلما قَرُب الاسم من الفعل قَوِي عملهُ، وكلما بَعْد عن مشابهة الفعل ضَعُف عمله، والألف واللام من علامات الاسم، فإذا دخلت على المصدر أضعفت عمله؛ لبعده عن مشابهة الفعل.\n(^٢) فى \"ص\"، و(ك): \"وإذا ضعف\".\n(^٣) سورة يوسف: ٤٣.\n(^٤) سورة البقرة: ٩٧. وسورة آل عمران: ٣. وسورة فاطر: ٣١. وسورة الأحقاف: ٣٠.\n(^٥) أصل الجملة: ومُصَدِّقًا ما بين يديه. فمُصَدِّق اسم فاعل، وهو أضعف من الفعل بالنسبة للعمل؛ لأنه اسم، والأصل في العمل للفعل، فأُدْخِلت اللام للتقوية، فأصبحت الجملة: \"ومُصَدِّقًا لما بين يديه\".\n(^٦) أي: العلم بالحقائق والماهيات، وهي المُعَبَّر عنها عند المناطقة بالأجناس والفصول. انظر: تعريفهما في: حاشية البيجوري على متن السلم ص ٣٨. =","vol":"2","page":81},{"text":"والصفات الحقيقية (^١)، والإضافية (^٢) غير الحكم والأفعال (^٣).\nوإنما قلنا غير الحكم؛ لأنَّ الحكم الشرعي كلام متعلِّق (^٤)، فهو صفة عرضت لها الإضافة.\nوهنا تنبيهات: منها أنَّ الحكم يطلق على النسبة الخبرية: وهي معلوم التصديق (^٥)، وبه يخرج التصور كلُّه، وعلى إنشاء الأمر والنهي والتخيير، ومنه الحكم الشرعي.\nوالعلم قد يَتَعَلَّق به على جهة التصور، ألا ترى إلى قول المصنف، ولا بد للأصولي مِنْ تصور الأحكام الشرعية ليتمكن من إثباتها ونفيها،\n_________\n= قال الطوفي في شرحه لمختصره ١/ ١١٧: والذوات الحقائق. وذات الشيء: حقيقته في عرف المتكلمين.\n(^١) مثل: صفة السمع من حيث هو، والبصر من حيث هو. ويُعَبَّر عن ذلك عند المناطقة بالخاصة والعَرَض العام. انظر: تعريفهما في: حاشية البيجوري ص ٣٩.\n(^٢) هي الصفات الحقيقية إذا أضيفت إلى شيء آخر، مثل: سمع زيد، وبصر عمرو، وسمع الحيوان، وبصر الإنسان. . . وهكذا.\nقال الإسنوي في \"التمهيد\" ص ٥٠، في شرح حد الفقه: واحترزنا بالأحكام عن العلم بالذوات كزيد، وبالصفات كسواده، وبالأفعال كقيامه.\n(^٣) أي: الحكم صفة إضافية، لأنَّ الحكم متعلِّق بأفعال المكلفين، فهو مِنْ غير التعلق لا يُعتبر، ومع ذلك فإنّ الحكم يُبْحث في الفقه، بخلاف غيره من الصفات الإضافية، فإنها لا تُبْحث في الفقه.\n(^٤) في \"ك\": \"يتعلق\". وفي (ص): \"يتعلق به\".\n(^٥) كقولنا: قام زيد. فمعلوم التصديق هي النسبة الخبرية، وهي قيام زيد.","vol":"2","page":82},{"text":"وعلى هذا لا تكون الأحكام مُخْرِجة (^١) للتصورات، وإنما تَخْرج بقوله بعد ذلك: \"المكتسب من أدلتها\"، فإن التصور يُكْتسب من التعريفات لا من الأدلة.\nوكل مَنْ تكلم على الحد جعل قولَه: \"الأحكام\" - مُخْرِجًا للتصورات، و(^٢) هذا سؤال قوي (^٣)، وجوابه: أنَّ الحكم لفظ مشترك والمراد به هنا هو (^٤) المعنى الأول.\nفإن قلتَ: الألفاظ المشتركة لا تُستعمل في الحدود من غير بيان، وأيضا فإنه (^٥) قال: الفقه العلم بالأحكام الشرعية، ثم عَرَّف الحكمَ الشرعي بالخطاب، فاستحال أن يكون غيره، وإلا لما انتظم الكلام (^٦).\nقلت: ينتظم من جهة أَنَّه إذا عَرَف أنَّ الحكم الشرعي الخطاب الموصوف ترتب عليه حكمُنا (^٧) بثبوت ذلك الخطاب أو نفيه، وهذا هو\n_________\n(^١) في (ت): \"مخرج\". وهو خطأ؛ لأنّه خبر يكون، فالصواب: مخرجًا. وتكون العبارة في (ت): \"وعلى هذا لا يكون الأحكام مخرجا\". أي: لا يكون قيد \"الأحكام\" في تعريف الفقه مُخرِجًا.\n(^٢) سقطت الواو من (ص)، و(ك).\n(^٣) وتقديره: كيف تَخْرج التصورات بقيد الأحكام، مع أنَّ الحكم يأتي أحيانا بمعنى التصور؟\n(^٤) في \"ص\"، و(ك): \"ها هنا\".\n(^٥) سقطت من (ص)، و(ك).\n(^٦) سقطت من (ص).\n(^٧) في (ص): \"حكما\". وهو خطأ.","vol":"2","page":83},{"text":"المراد بقولنا: الفقه: العلم بالأحكام الشرعية (^١).\nوسمي شرعيًا لكونه لم يُعْرف إلا من الشرع، والمتعلِّق به تصديقٌ لا تصور. والمذكور في حد الحكم هو حكم الله القائم بذاته، وهو طلبٌ أو تخييرٌ، وسُمِّي شرعيًا لأنّه ناشئ من الشارع (^٢)، والعلم المتعلق به تصور، وإنما ذُكِر لِنَعْرف (^٣) به الحكم المذكور في حد الفقه؛ لتعلقه به.\nوالقاضي أبو بكر يجعل حكمَ الله إخبارَه بجَعْله الحكم لفعلٍ كذلك (^٤)، فيَسْتَغْنِي عن هذا التكلف (^٥).\nوأما سؤال الاشتراك فهنا قرينة تُبَيِّن المراد، وهي أنَّ العلم (^٦) متعد إلى مفعولين، ولا يجوز دخول الباء على مفعوله إلا إذا تضمن نسبة بنفي أو إثبات، كما تقدمت الإشارة إليه في الوجه الثاني.\nفلما دخلت الباء هنا مع لفظ العلم (^٧) الذي ظاهره\n_________\n(^١) المعنى: أنَّ الحكم الشرعي الموصوف بأنه خطاب الله تعالى المتعلق. . . الخ، إذا عُلم ترتَّب على العلم به ومعرفته حُكمُنا بثبوت ذلك الخطاب أو نفيه، فالمراد هنا بالحكم فى تعريف الفقه هو ما يترتب عليه من إثبات أو نفي، والإثبات والنفي لا يكون إلا في التصديق.\n(^٢) في (ت): \"الشرع\".\n(^٣) في (ك): \"ليعرف\".\n(^٤) في (ت): \"بجعله الفعل كذلك\". وهو خطأ.\n(^٥) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"التكليف\". وهو خطأ.\n(^٦) في (ص): \"الفعل\". والمراد بالفعل هو العلم.\n(^٧) في قوله: \"العلم بالأحكام\".","vol":"2","page":84},{"text":"التعدي إلى مفعولين على (^١) لفظ الحكم الذي هو ظاهر في النسبة - كان ذلك قرينةً في أنَّ المراد بالأحكام ثبوتها لا تصورها.\nومن هنا يتبين لك أنَّ المطلوب من الفقه (^٢) عِلْمه هو كون الشيء واجبًا، أو حرامًا، أو مباحًا، وهو المذكور في حد الفقه، ويقرب دعوى القطع فيه؛ لأنَّ المراد العمل.\nوالمذكور في حد الحكم هو إيجاب الله، أو تحريمه، أو إباحته، وهو صفة قائمة بذاته تعالى، ويُطْلب تحقيقُها (من الأصولي لا من الفقيه) (^٣)، والمطلوب تصورها.\nودعوى القطع في العلم بتعلقها بما علمه الفقيه عَثْرة (^٤).\nولو قال قائل: المراد بالأحكام هنا هو المذكور عند حد الحكم، ويُقَدِّر بإثبات الأحكام، ويَسْتدل على هذا التقدير بما قلناه - كان صحيحًا، والله أعلم.\nومن التنبيهات: أنّ الإمام ممن ادَّعى أنَّ بقوله: \"بالأحكام\"، يخرج العلم بالذوات والصفات (^٥)، ثم أورد سؤالَ كونِ الفقه\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(ك)، و(غ): \"مع\". وهو خطأ.\n(^٢) في (ك): \"الفقيه\".\n(^٣) في (ت): \"من الأصول لا من الفقه\".\n(^٤) كذا في: (ت)، وفي (ص)، و(ك): \"غيره\".\n(^٥) وكذا ادعاه الجاربردي في السراج الوهاج ١/ ٨١، والأصفهاني في شرحه على المنهاج ١/ ٣٨.","vol":"2","page":85},{"text":"مظنونًا (^١)؟ فيقال (^٢): إنْ أراد بالعلم الاعتقاد الجازم - فيرد سؤالُ الظن، ولا يحسن أنْ يُقال خرج بالأحكام العلمُ بالذوات والصفات؛ لأنها لم تدخل في الجنس (^٣).\nوإن أراد الأعم من التصور والتصديق فيصح ما ادعاه من الإخراج، ولا يرد سؤال الظن؛ لأنَّ الظن قسم من أقسام التصديق، الذي هو قسم من العلم.\nوجواب هذا بالتزام الثاني، ومَنْعُ كَوْنِ الظَّنِّ من أقسام العلم؛ لما بيناه في الوجه الأول.\nومن التنبيهات أيضًا: أنَّ بعض مَنْ شرح هذا الكتاب قال: إنَّ الأحكام تُخرِج العلم بالذوات والصفات، كعلمنا بأن الأسود ذات، والسواد صفة. وهذه عبارة غير مُحَرَّرة؛ فإنَّ العلمَ بأنَّ الأسود ذات،\n_________\n(^١) انظر: كلام الإمام في المحصول ١/ ق ١/ ٩٢.\n(^٢) أي: جوابًا عن هذا السؤال.\n(^٣) معنى هذا الجواب هو: أنَّه يقول: إن أردت يا إمام بـ \"العلم\" في تعريف الفقه: الاعتقاد الجازم - فَيرِد سؤالٌ واعتراضٌ بأنَّ من الفقه ما هو مظنون، وهو غير داخلا في الاعتقاد الجازم - فلا يكون داخلًا في الفقه، فيكون الحد غير جامع. ولا يحسن على تعريف \"العلم\" بأنه الاعتقاد الجازم أنْ تقول: خرج بـ \"الأحكام\" العلمُ بالذوات والصفات؛ لأنَّ العلم بها تصور، فلم تدخل في الجنس: الذي هو العِلْم، المُعَرَّف بأنه الاعتقاد الجازم، فهو تصديق لا تصور. وقد فَسَّر الأصفهاني في شرحه على المنهاج (١/ ٣٧)، العلمَ بالتصديق الجازم، ومع ذلك أخرج بالأحكام العلم بالذوات، والصفات، والأفعال.","vol":"2","page":86},{"text":"والسواد صفة - تصديق (^١)، والتصور العلم بنفس الذات، ونفس الصفة، متمثلةً في الذهن.\nومن التنبيهات: أنَّ الألف واللام في الأحكام للجنس، هذا هو الذي نختاره، والألف واللام الجنسية إذا دخلت على جَمْع قيل تدل على مُسَمَّى الجمع، ويصلح للاستغراق، ولا يُقْتَصر به على الواحد والاثنين محافظة على الجمع.\nوالمختار أنَّه متى قُصِد الجنس جاز (^٢) أن يُراد به بعضه إلى الواحد، ولا يَتَعَيَّن الجمع، كما لو دخلت على المفرد (^٣).\nنعم قد تقوم قرينة تدل على مراعاة الجمع مع الجنس، فيفارق (^٤) بذلك المفرد.\nو(^٥) على ما قلناه يصدق على العلم بحكم مسألة واحدة من الفقه أنها\n_________\n(^١) لأنّه مُكَوَّنٌ من موضوع ومحمول، فقوله: الأسود ذات - تصديق؛ لأنّه مكون من موضوع: الأسود، ومحمول: ذات. وكذا قوله: والسواد صفة. السواد موضوع، وصفة محمول. فهذا تصديقٌ لا تصور، ونحن في التعريفات نتصور ولا نتعرض للتصديق.\n(^٢) في (ص): \"يجوز\".\n(^٣) فعلى هذا القول الألف واللام الجنسية تُبْطِل الجمعية، وتدل على الواحد فما فوق إلى ما لا نهاية، كما لو دخلت الألف واللام الجنسية على المفرد - تبطل الإفرادية، فيدل اللفظ على الواحد فما فوق إلى ما لا نهاية.\n(^٤) في (ص): \"فيقارب\". وهو خطأ.\n(^٥) سقطت الواو من (ص)، و(ك).","vol":"2","page":87},{"text":"فِقْهٌ، ولا يلزم أن يُسَمَّى العالم بها فقيهًا؛ لأنَّ فعيلًا صفةُ مبالغةٍ مأخوذة من فَقُه بضم القاف إذا صار الفِقْه له سجية (^١).\nوقال بعضهم: إنها للعموم (^٢) والمراد التهيؤ، أي: يكون له قوة قريبة من الفِعْل يمكنه بها العلم بجميع الأحكام إذا نَظَر، كما هي وظيفة المجتهد (^٣)، وهذا حسن (^٤) في اسم فقيه اسم الفاعل المقصود به المبالغة، لا في اسم الفِقْه المصدر (^٥).\nوقال بعضهم: إنها للعَهْد، والمراد: جملة غالبة بحكم أهلِ العُرْف، عندها يَصْدق الاسم، وهذا ليس بشيء (^٦).\nومن التنبيهات: أنَّ قولنا: العلم بالأحكام - يصدق على ثلاثة أشياء:\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب ١٣/ ٥٢٢، والمصباح المنير ٢/ ١٣٤.\n(^٢) الفرق بين الألف واللام الجنسية، والتى للعموم: أنَّ الجنسية يُنظر فيها للماهية أصلًا، وللأفراد تبعًا، والألف واللام التي للعموم ينظر فيها للأفراد أصلًا، وللماهية تبعًا.\n(^٣) المعنى: أنَّه إذا أُريد بالألف واللام في قوله: \"بالأحكام\"، العموم - يكون المراد: العلم بجميع الأحكام، وهذا غير متحقِّق في أحد من العلماء، فيكون المراد بالعموم: العلم بجميع الأحكام بالقوة لا بالفعل، أي: يكون للعالم المجتهد القدرة على معرفة حكم المسألة إذا نظر في النصوص واجتهد.\n(^٤) في (ص): \"أحسن\".\n(^٥) المعنى: أنّ تفسير الألف واللام بأنها للعموم حسن في تعريف اسم: فقيه، اسم الفاعل المقصود به المبالغة؛ لأنَّ فعيل من صيغ اسم الفاعل للمبالغة، فالفقيه هو الذي يَعْرف جميع الأحكام بالقوة، أما في تعريف اسم: الفقه، الذي هو المصدر، كما هو الحال هنا في تعريفه، فليس بحسن. وانظر: شذا العرف في فن الصرف ص ٧٨\n(^٦) لأنّ هذا المقدار من الأحكام مجهول لا يُعْرف.","vol":"2","page":88},{"text":"أحدها: تصور الأحكام، وقد تَحَيَّلْنا في إخراجه.\nوالثاني: إثباتها، بمعنى: اعتقاده أنَّ الله أوجب وحَرَّم وأباح مِنْ غير علمٍ بأنه أوجب كذا، أو حَرَّم كذا، أو أباح، وهذا أيضًا ليس من الفقه في شيء، بل هو من أصول الفقه (^١).\nالثالث: وهو المقصود، إثباتُها مُعَيَّنة لموضوعاتٍ مُعَيَّنة، وقد عَبَّر بعضهم عن هذا بقوله: \"الأحكام الجزئية\" وأشار إلى أنَّ هذا لا بد من زيادته في الحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>الوجه الرابع قوله: \"الشرعية</span>\": يُخرج الأحكام العقلية، مثل: كون فعل العبد عَرَضًا (^٢)، أو جنسا وغير ذلك (^٣).\nوالمراد بالشرعية: ما يتوقف معرفتُها على الشرع. والشرع: هو الحكم، والشارع: هو الله تعالى، ورسوله مبلِّغ عنه، فلذلك يطلق الشارع على الله وعلى رسوله - ﷺ -.\n_________\n(^١) لأنَّ هذا معرفة الأحكام الإجمالية، وهي من أصول الفقه.\n(^٢) العرض: الموجود الذي يحتاج في وجوده إلى مَوْضع، أي: محل يقوم به، كاللون المحتاج في وجوده إلى جسم يحله ويقوم هو به. والأعراض على نوعين:\nقَارُّ الذات: وهو الذي يجتمع أجزاؤه في الوجود، كالبياض والسواد.\nوغير قَارِّ الذات: وهو الذي لا يجتمع أجزاؤه في الوجود، كالحركة والسكون.\nانظر: التعريفات للجرجاني ص ١٢٩.\n(^٣) كقولنا: اجتماع النقيضين ممتنع. انظر: السراج الوهاج ١/ ٨١. وكالعلم بأن الواحد نصف الاثنين، وبأن الكل أعظم من الجزء. انظر نهاية السول ١/ ٢٩.","vol":"2","page":89},{"text":"وبما ذكرناه (^١) يندفع قولُ مَنْ قال: إنَّ الأحكام العقلية شرعية، باعتبار أنَّ الله تعالى خلقها، وأنها تحت قضائه وقدره.\nوقد وقفتُ على شرحٍ لهذا الكتاب (^٢) فيه أنَّ قولَه: \"الشرعية\" احتراز عن الأحكام العقلية، وتنبيه على أنَّ الحق: أنَّ الأحكام بحسب الشرع لا بحسب العقل، كما هو مذهب المعتزلة (^٣).\nواعلم أنَّ المعتزلة لا يُنكرون أنَّ الله تعالى هو الشارع للأحكام، وإنما يقولون: إن العقل يُدرك أنّ الله شرع أحكام الأفعال بحسب ما يظهر من مصالحها ومفاسدها، فهي طريق عندهم إلى العلم بالحكم الشرعي، فليس في قوله: \"الشرعية\" تنبيه على خلاف قول المعتزلة، وإنْ كان قول المعتزلة باطلًا، ولعله اسْتَنَد في هذا إلى قول الإمام، فإنه قال: قولنا: الشرعية احترازٌ عن العلم بالأحكام العقلية، كالتماثل والاختلاف، والعلم بقُبْح الظلم وحُسْن الصدق، عند مَنْ يقول بكونهما عقليين (^٤).\nوكلام الإمام هذا صحيح، ومعناه: أن الحُسن والقُبح لا يُدْرَكان بالعقل عندنا، فلا يُحْترز عنهما، وأما عند المعتزلة فَيُدْرَكان بالعقل وهما حكمان عقليان يُحترز عنهما، وليس العلم بهما فِقْها، والحكم الشرعي تابع لهما على رأي المعتزلة لا عَيْنُهما، فما كان حَسَنًا جَوَّزه الشرع، وما\n_________\n(^١) من كون المراد بالشرعية: ما يتوقف معرفتها على الشرع.\n(^٢) هو شرح شمس الدين الأصفهاني على المنهاج.\n(^٣) انظر: شرح المنهاج للأصفهاني ١/ ٣٩، تحقيق د/ عبد الكريم النملة.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق/ ٩٢.","vol":"2","page":90},{"text":"كان قبيحًا منعه، فصار عند المعتزلة حكمان: أحدهما: عقلي، والآخَرُ: شرعي تابع له.\nوالفقه هو العلم بالثاني؛ فلذلك (^١) احترز عن الأول عندهم.\nوكلام هذا الشارح يقتضي أنهم يطلقون على العلم بالأحكام العقلية فِقْهًا، وليس كذلك (^٢).\nفإذا تُؤُمِّل كلام الإمام كان رادًّا على ما قاله هذا الشارح.\nوهذا \"المعتمد\" وغيره من كتب المعتزلة وفيها الأحكام الشرعية في\n_________\n(^١) في (ت): \"ولذلك\".\n(^٢) ملخص كلام السبكي في الاعتراض على هذا الشارح، في قوله: \"وتنبيه على أنّ الحق: أن الأحكام بحسب الشرع لا بحسب العقل، كما هو مذهب المعتزلة\" - أنّ كلامه هذا يفيد أمرين باطلين: أولهما: أنَّ المعتزلة يقولون بأن الحاكم هو العقل، وهو خلاف مذهبهم، إذ هم يُقِرُّون بأن الحكم شرعي، وأن الشارع هو الله تعالى وحده، وإنما يقولون بأن العقل طريق إلى معرفة الحكم الشرعي، فهو مُدْرِك وكاشِف عن حكم الله تعالى، لا أنَّه مُشَرِّع من دون الله تعالى. وثانيهما: وهو لازم للأول ومُتَرتِّب عليه، وهو أنَّ المعتزلة يُسَمُّون العلم بالأحكام العقلية فقهًا؛ إذ الحكم عندهم - كما يدعي هذا الشارح - منشؤه العقل، ومِنْ ثَمَّ فجميع أحكام الفقه عقلية، وهو خلاف مذهبهم، إذ مذهبهم أنَّ الحكم الشرعي تابع للحكم العقلي، وأن الفقه: هو العلم بالحكم الشرعي لا العقلي. فاحتراز الإمام في التعريف، إنما هو عن الحكم العقلي عندهم دون الشرعي، لا عن جميع الأحكام عندهم. والحاصل أنَّ قيد: \"الشرعية\" في تعريف الفقه، ليس فيه تنبيه على خلاف قول المعتزلة؛ إذ هم لم يخالفوا في ذلك، فلم يخالفوا في أنَّ مصدر الحكم هو الشرع، ولم يخالفوا في أنَّ الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية لا العقلية. فالعلم بالأحكام العقلية ليس فقهًا عند المعتزلة، وإنْ كانت أحكامًا يلزم بها التكليف عندهم، فمعرفة أحكام الفقه متوقفة عندهم على ورود الشرع، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.","vol":"2","page":91},{"text":"تعريف الفقه (^١).\nوقال هذا الشارح أيضًا: إنَّ وجه نسبة الأحكام إلى الشرع: أن تعلقاتها التنجيزية، أو العلم بتعلقاتها التنجيزية - مستفادٌ من الشرع، لا أنَّ نفس الأحكام، أو تعلقاتها العلمية - مستفاد (^٢) من الشرع؛ فإنَّ الشرع حادث، والأحكام وتعلقاتها العلمية قديمة، والقديم لا يستفاد من الحادث (^٣). انتهى ما قاله، وكأنه لما رأى الأصحاب يقولون: لا حكم قبل الشرع، وأمثال هذه العبارة، قاصدين: لا حكم قبل البعثة - تَوَهَّمَ أنَّ الشرع: هو البعثة، فقال: إنه حادث، وليس كما قاله ولا كما توهمه، وإنما الشرع ما قدمناه (^٤).\nوأما قول الأصحاب فمرادهم به: لا حكم قبل العلم بالشرع، أو عَبَّروا بالشرع عن البعثة على سبيل المجاز؛ لأن بها يُعرف ويَظْهر (^٥)، وهذا هو الأظهر من مرادهم، وصاحب هذا الكلام لم يَذْكر كلامَ الأصحاب هذا، ولكني أنا ذكرته مأخذا له ودفعتُه، فإني استنكرتُ قولَه: الشرع (^٦) حادث، أما سمع قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ\n_________\n(^١) قال أبو الحسين في تعريف الفقه: وأما في عرف الفقهاء. فهو جُمْلةٌ من العلوم بأحكام شرعية. المعتمد ١/ ٤.\n(^٢) في (ك): \"مستفادة\".\n(^٣) انظر: شرح المنهاج للأصفهاني ١/ ٣٩.\n(^٤) أي: الشرع قديم، وإنما ظهوره حادث.\n(^٥) أي: بالبعثة يُعرف الشرع ويَظْهر.\n(^٦) في (ك): \"للشرع\".","vol":"2","page":92},{"text":"نُوحًا﴾ (^١) فإنْ كان الشرع حادثًا فالحكم حادث، وهو لا يقول به، وإنْ قال به رُدَّ عليه.\nثم مضمون كلام هذا القائل أن تكون الأحكام في الأزل ثابتةً وهي غير شرعية، وهذا شيء لم يقل به أحد.\nأما أنَّ ذلك مضمون كلامه - فلأنه صَرَّح بأن الأحكام قديمة، وفَسَّر نسبتها إلى الشرع بشيء حادث، وأما أنَّ ذلك لم يقل به أحد - فلأن الناس منهم مَنْ قال: الحكم الشرعي قديم، ومنهم مَنْ قال: الحكم حادث.\nأما قِدَم الحكم وحدوث كونه شرعيًا فلا قائل به.\nفإنْ قال أُسَمِّيه شرعيًا؛ لأنه بصدد أن يُستفاد من الشرع الحادث.\nقلنا: سَمِّه (^٢) شرعيًا؛ لأنه حكم من الشارع الحقيقي القديم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>الوجه الخامس قوله: \"العملية</span>\" قيدٌ (^٣) لم يذكره ابن الباقلاني (^٤)،\n_________\n(^١) سورة الشورى: ١٣.\n(^٢) في (ت): \"اسمه\". وفي (ص): \"سميه\". وكلاهما خطأ.\n(^٣) في (ص): \"قيل\". وهو خطأ.\n(^٤) هو القاضي أبو بكر محمد بن الطَّيِّب بن محمد البصريّ ثم البغداديّ ابن الباقِلَّانيّ، الإمام العلّامة، أوحد المتكلمين، مُقَدَّم الأصوليين. قال عنه القاضي عياض ﵀: \"هو الملقَّب بسيف السُّنَّة، ولسان الأمة، المتكلِّم عن لسان أهل الحديث، وطريق أبي الحسن، وإليه انتهت رئاسة المالكية في وقته\"، وعَدَّه البعض مجدِّد القرن الرابع. من مصنفاته: الإبانة، شرح اللمع، أمالي إجماع أهل المدينة، التقريب والإرشاد، المقنع، وغيرها، والأخيران في أصول الفقه. توفي سنة ٤٠٣ هـ. =","vol":"2","page":93},{"text":"وذكره غيره.\nوقال الإمام: إنه احتراز عن العلم بكون الإجماع حجة، والقياس حجة، فإن كل ذلك أحكام شرعية مع أنَّ العلم بها ليس (من الفقه؛ لأن العلم بها ليس) (^١) علمًا بكيفية عمل (^٢).\nوأشار الغزالي إلى ما ذكره (^٣)، وهو يُبَيِّن أنَّ المراد بالأحكام الشرعية هنا: ما استفيد من الشرع. وهو أعم من تفسير الحكم الشرعي الذي سيأتي (^٤)، فإنه لو أريد ذلك لاستغنى عن قوله هنا: العملية. وأخص من مطلق الحكم (^٥)، ويصير لفظ الحكم الشرعي مشتركًا بين ما ذكره هنا وهناك.\nوكان شيخنا أبو الحسن الباجي يختار أنَّ قيد: \"العملية\"\n_________\n= انظر سير ١٧/ ١٩٠، الديباج المذهب ٢/ ٢٢٨، شجرة النور الزكية ص ٩٢، شذرات ٣/ ١٦٨.\n(^١) سقطت من (ص)، و(ك)، و(غ).\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٩٢.\n(^٣) أي: ما ذكره الإمام. انظر: المستصفى ١/ ٨، تحقيق د/ حمزة حافظ.\n(^٤) أي: هذا القيد \"العملية\" يبين أنّ المراد بالأحكام الشرعية في تعريف الفقه: أنها ما استفيد من الشرع، وهذا التفسير للأحكام الشرعية هنا أعم من تفسير الحكم الشرعي الذى سيأتي تعريفه في مباحث الحكم.\n(^٥) قوله: \"وأخص من مطلق الحكم\"، عَطْف على قوله: \"وهو أعم\". والمعنى: أنّ تفسير الحكم الشرعي هنا في تعريف الفقه أخص من مطلق الحكم؛ لأنّ مطلق الحكم شامل لجميع أنواع الحكم: الشرعي، والعقلي، واللغوي، . . . الخ.","vol":"2","page":94},{"text":"احتراز عن أصول الدين.\n(وفيه نظر؛ لأن أصول الدين) (^١) منه ما يثبت بالعقل وحده، كوجود الباري تعالى، ومنه ما يثبت بكل واحد من العقل والسمع كالوحدانية، ومنه وجوب اعتقاد ذلك، ومنه ما لا يثبت إلا بالسمع لقصور العقل عن معرفته (^٢).\nفأما الأول والثاني فخرجا بقولنا: \"الشرعية\"، وتفسيرنا إياها (بما يتوقف) (^٣) على الشرع.\nوأما الرابع فقد يقال: إنه داخل في الشرعية، والأَوْلى أن يُجْعل هو والأَوَّلان خارجة عنها (^٤)؛ (بأن يراد بالحكم) (^٥) الإنشائي لا الخبري، ولا شيء من الثلاثة بإنشاء. وأما وجوب اعتقاد ذلك فهو حكم شرعي إنشائي، فإنْ كان ذلك لا يُسمى فقهًا (فيصح الاحتراز عنه، وهذا مستند للشيخ (^٦)، فإنَّ الظاهر أنَّه لا يُسمى فقهًا) (^٧) فلا بد من إخراجه، وما في الحد ما يُخرجه إلا القيد المذكور (^٨).\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) كمسألة أنَّ الجنة مخلوقة، وأن الصراط حق. انظر البحر المحيط ١/ ٣٥.\n(^٣) في (ص)، و(غ): \"بما هو متوقف\".\n(^٤) أي: عن الأحكام الشرعية.\n(^٥) في (ص)، و(ك): \"بأن مرادنا الحكم\".\n(^٦) في (ك) و(غ): \"هذا مستند الشيخ\".\n(^٧) سقطت من (ص).\n(^٨) وهو قيد: العملية.","vol":"2","page":95},{"text":"ويَرِد على إخراجها وإخراج أصول الفقه بذلك أنَّه (^١) إنْ أريد بالعمل عَمَلُ الجوارح والقلب - فلا تَخْرج لدخولها في أعمال القلوب، وإنْ أريد عمل الجوارح فقط خرجت النية، وكثير من المسائل التي تكلم الفقهاء في الردة وغيرها فيها مما يتعلق بالقلب (^٢)؛ ولذلك ترك الآمدي وابن الحاجب لفظ العملية، وقالا: الفرعية؛ لأن النية من مسائل الفروع وإن كانت عمل القلب (^٣).\nولعل الفقهاء إنما ذكروا ذلك لما يترتب عليه من الصحة والبطلان (^٤)، والمؤاخذة، المتعلِّقات بالأعمال، كما يُذكر في بعض العلوم ما يَتَعَلَّق به من علم آخر.\nثم إن كون الإجماع حجةً مثل: كون الزنا سببًا لوجوب الحد، وقد منع الإمام بعد ذلك أنَّه حكم شرعي (^٥)، فَعَلَى طريقته (^٦): لا حاجة له إلى إخراجه (^٧).\n_________\n(^١) أنه سقطت من (ص) و(غ).\n(^٢) انظر ما قاله المطيعي في حاشيته على نهاية السول: ١/ ٢٩، بخصوص هذا الإشكال، وشرح المحلي على جمع الجامع: ١/ ٤٣، ٤٤، وما قاله البناني في حاشيته على شرح المحلي.\n(^٣) انظر: الإحكام ١/ ٧، وبيان المختصر ١/ ١٨.\n(^٤) أي: لعل الفقهاء إنما ذكروا الأعمال القلبية ونحوها في كتب الفقه؛ لما يترتب على أعمال القلوب من صحة أعمال الجوارح وبطلانها.\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ١٣٩، ٢/ ق ٢/ ١٨٣.\n(^٦) في (ص)، و(ك): \"طريقه\".\n(^٧) لأنَّ كون الزنا سببًا لم يدخل في قيد: \"الأحكام الشرعية\"، حتى يَخْرج بقيد: =","vol":"2","page":96},{"text":"وطريق (^١) الجواب عنه: أنَّ مراده هناك أنَّه ليس بحكم زائد على إيجاب الحد (^٢)، وكذا كون الإجماع حجة معناه:\nإيجاب العمل به (^٣) وبمقتضاه فوجب (^٤) الاحتراز عنه (^٥).\n_________\n= العملية. ومثله: كون الإجماع حجة لم يدخل في الأحكام الشرعية؛ لأنَّ حجية الإجماع سبب لوجوب الحكم، كالزنا سبب لوجوب الحد.\n(^١) في (ص): \"فطريق\".\n(^٢) المعنى: أنّ الإمام - رحمه الله تعالى - جعل قيد \"العملية\" في تعريف الفقه احترازًا عن العلم بكون الإجماع حجة، والقياس حجة؛ لأنها أحكام شرعية لا عملية، مع أنَّه رحمه الله تعالى حينما تكلم عن الحكم الوضعي، وفي القياس في بحث تعريف العلة، لم يجعل: كون الزنا سببًا لوجوب الحد - حكمًا شرعيًا. وكون الإجماع حجة مثل كون الزنا سببًا؛ لأنَّ حجية الإجماع سبب لوجوب الحكم، وحجية القياس سبب لوجوب الحكم كذلك، فعلى قوله في عدم اعتبار كون الزنا سببًا حكمًا شرعيًا - يخرج كون الزنا سببًا، وكون الإجماع حجة، وكون القياس حجة، عن تعريف الفقه بقيد: الشرعية، لأنها أحكام لكنها ليست بشرعية، وهذا يناقض ما قاله هنا بأنها تخرج بقيد: العملية. فأجاب الشارح - رحمه الله تعالى - عن هذا الإشكال بأن مراده بكون الزنا سببًا غير حكم شرعي بأنه ليس حكما زائدًا على إيجاب الحد، بل هو حكم دال على الحد ومُعَرِّف به، فليس كون الزنا سببًا فيه تكليف غير وجوب الحد، فمقصوده بأنه ليس حكمًا شرعيًا، أنَّه لا يستقل بالتكليف، وليس فيه زيادة تكليف على الحكم التكليفي الذي هو وجوب الحد. فكون الزنا سببًا حكم شرعي عند الإمام، لكنه ليس تكليفًا في ذاته، بل هو مُعَرِّف بالتكليف.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ص): \"فيجب\".\n(^٥) فإيجاب العمل بالإجماع هو اعتقاد حجيته، وإيجاب العمل بمقتضاه هو وجوب العمل بالمسائل المجمع عليها. والأول حكم شرعي لا عملي، والثاني حكم شرعي عملي، فالاحتراز بالعملية عن العمل بالإجماع من حيث كونُه حجة، لا عن العمل بمقتضاه.","vol":"2","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>الوجه السادس: قوله: \"المكتسب من أدلتها</span>\" صفةٌ للعلم، وفي بعض النسخ: المكتسبة، صفة للأحكام، والأول أحسن بل يتعين، وإلا لاحتاج الحد إلى زيادة قوله: إذا حصل بالاستدلال.\nوعلى كلا التقديرين فهو احتراز عن علم الله تعالى، وما يُلقيه في قلب الملائكة والأنبياء من الأحكام من غير اكتساب.\nواحترازٌ أيضًا عن العلم بوجوب الصلاة والزكاة والصوم ونحوه، مما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ لأنَّ لفظ الفقه يُشْعِر بالعلم بما فيه دِقَّة ولا دقة في ذلك؛ ولأن العوام يعلمون ذلك ولا يُسَمَّوْن فقهاء.\nوقال التِّبْريزيُّ (^١) في هذا القسم المعلوم بالضرورة: إنه فِقْه وإن لم يسم المتصِف به فقيهًا؛ فذلك لأنَّ للعلماء في اسم الفقيه عرفًا كما أنّ لهم في اسم الفِقْه عرفًا، وكون تلك العلوم ضرورية، لا يخرجها عن كونها فِقْهًا\n_________\n(^١) هو أبو زكريا يحيى بن عليّ بن محمد الشيبانيّ، الخطيب التِّبْريزيّ. ولد سنة ٤٢١ هـ. كان أحد الأئمة في النحو واللغة والأدب، وسمع الحديث، وكتب الأدب على خلق، وانتهت إليه الرياسة في فنّه، وشاع ذكره في الأقطار. قال أبو منصور ابن خيرون: \"ما كان بمَرْضيِّ الطريقة، كان يُدمن شرب الخمر، ويلبس الحرير والعمامة المُذهَّبة، وكان الناس يقرؤون عليه تصانيفَه وهو سكران\"، لكنه كان ثقةٌ في اللغة وما كان يرويه ويَنْقُلُه. كذا قال ابن ناصر الحافظ.\nمن مصنفاته: شرح القصائد العشر. قال السيوطي: \"ملكتُه بخطِّه\"، تفسير القرآن والإعراب، شرح اللمع، الكافي في العروض والقوافي، وغيرها مات فجأة في جمادى الأولى سنة ٥٠٢ هـ. انظر: الأنساب ١/ ٤٤٦ معجم الأدباء ٢٠/ ٢٥، وفيات ٦/ ١٩١، سير ١٩/ ٢٦٩، بغية ٢/ ٣٣٨.","vol":"2","page":98},{"text":"فإنَّ معظم علوم الصحابة بشرائع الأحكام كان كذلك.\nوهذا الذي قاله التبريزي هو المختار، وأن ذلك يُسَمَّى فقهًا، ولذلك يُذْكر في كتب الفقه، وإنما لا يطلق على العالم به وحده اسم \"فقيه\" لما فيه من المبالغة، وفقيه اسم فاعل من فَقُه بضم القاف إذا صار الفقه له سجية. وهو وصف له في نفسه لا يتعدى إلى غيره. والفِقْه هو مطلق الفهم، وهو صفة يتعدى إلى المفهوم (^١).\nوالضمير في \"أدلتها\" للأحكام، ولو قال: عن أدلته - لصح أيضًا على ما في النسخ المشهورة من جعل المكتسب صفة للعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-193>الوجه السابع: قوله: \"التفصيلية</span>\": جعله الجمهور احترازًا عن اعتقاد المقلد؛ فإنه (اعتقاد لحكم) (^٢) شرعي عملي مكتسب من دليل إجمالي: وهو أنَّ هذا أفتاني به المفتي (^٣)، (وكل ما أفتاني به\n_________\n(^١) لأنَّ الفقه مصدر فَقِهَ، وهو فعل متعد، نقول: فَقِهَ الشيءَ. بخلاف \"فقيه\"، فهو صفة وسجية غير متعدية. قال الأزهري: وأما فَقُه، بضم القاف، فإنما يُستعمل في النعوت، يقال: رجل فقيه، وقد فَقُه يَفْقُه فَقَاهةً، إذا صار فقيهًا، وساد الفقهاء. لسان العرب ١٣/ ٥٢٢. قال الشيخ أحمد الحملاوي في شذا العرف ص ٧٨: وقد تُحَوَّل صيغة \"فاعل\" للدلالة على الكثرة والمبالغة في الحدث، إلى أوزان خمسة مشهورة، تسمى صيغ المبالغة - ثم ذكر منها -. . . وفعيل: كسميع\". ففقيه: اسم فاعل على صيغة المبالغة للدلالة على الكثرة والمبالغة.\n(^٢) في (ص): \"اعتياد وحكم\": وهو خطأ. وفي (ك)، و(غ): \"اعتقاد وحكم\". وهو خطأ كذلك.\n(^٣) وهذه مقدمة صغرى.","vol":"2","page":99},{"text":"المفتي) (^١)، فهو حكم الله في حقي (^٢).\nوهو دليل عام لا يختص بمسألة بعينها (^٣)، ومقدمته الأولى حسية، والثانية إجماعية، ولذلك (^٤) قال الإمام هنا: إنَّ هذا القيد يُخْرج ما للمقلِّد من العلوم (^٥).\nفجعل الحاصل عند المقلِّد علمًا، وأدرجه في جنس حد الفقه، وأخرجه بهذا الفصل، لكنه بعد ذلك جَعَله قسيم العلم؛ فإنه لغير مُوجِب، والعلم لموجِب (^٦).\nوإذا لم يكن اعتقاد المقلد علمًا لم يدخل في الجنس، وهو\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) وهذه مقدمة كبرى. والنتيجة: أنَّ هذا الحكم هو حكم الله في حقي.\n(^٣) أي: كل مقلِّد يقول هذا الدليل، وفي كل مسألة.\n(^٤) في (ت): \"فلذلك\".\n(^٥) انظر: المحصول ل ١/ ق ١/ ٩٣.\n(^٦) أي: والعلم في الأصل ما يكون لموجب. فأصبح علم المقلد قسيمًا للعلم، لا قسمًا منه.\nقال الطوفي في شرحه لمختصره ١/ ١٥٧: والذي فُهِم من كلام فخر الدين في أثناء تقسيمٍ ذَكَره: أن العلم: هو الحكم الجازم المطابق لموجب. ثم شرح الطوفي التعريف، وقال عن القيد الأخير: وقوله: \"لموجب\" أي: لَمدْرَك استند الحكم إليه مِنْ عقل، أو حس، أو ما تركب منهما. وهو احتراز عن اعتقاد المقلد المطابق، فإنه حكم جازم مطابق، وليس بعلم، لأنَّه ليس لموجب. اهـ.\nانظر: تعريف العلم في: المحصول ١/ ق ١/ ٩٩، شرح الطوفي على المختصر ١/ ١٥٣، البحر المحيط ١/ ٧٥، التعريفات للجرجاني ص ١٣٥.","vol":"2","page":100},{"text":"قوله (^١): \"العلم\"، فلا يحتاج إلى إخراجه بالفصل، إلا أن يريد بالعلم: الاعتقاد الجازم المطابق (^٢). أعم مِنْ أن يكون لموجب أوْ لا.\nوهنا تم الحد.\nوالنسخة التي فيها: \"المكتسبة\" بالهاء لا يتم الحد هنا، لأنَّ المسائل التي يعلمها المقلِّد هي مُسْتَدَل عليها في نفس الأمر بأدلة تفصيلية مكتسبةٍ لغيره، فلا يخرج إلا بأن تقول: إذا حَصَلت أو حَصَل علمها بالاستدلال (^٣).\n(قيل: الفقه من باب الظنون).\nهذا سؤال على قوله: العلم (^٤)، فاقتضى أنَّه لا شيء من الفقه بظني، ونحن نبين أَنَّه كله ظني؛ لأنَّه موقوف على الظني (^٥)، والموقوف على الظني ظني (^٦).\n_________\n(^١) أي: قوله في تعريف الفقه.\n(^٢) وهو الذي ذكره الجرجاني في التعريفات ص ١٣٥.\n(^٣) انظر: تعريف الفقه في الاصطلاح في: المحصول ١/ ق ١/ ٩٢، التحصيل ١/ ١٦٧، الإحكام ١/ ٧، شرح تنقيح الفصول ص ١٧، اللمع ص ٦، بيان المختصر ١/ ١٨، البحر المحيط ١/ ٣٤، جمع الجوامع مع شرح المحلي ١/ ٤٢، نهاية السول ١/ ٢٢، شرح الكوكب المنير ١/ ٤١، فواتح الرحموت ١/ ١٠.\n(^٤) يعني: هذا سؤال اعتراض على قول الماتن في تعريف الفقه: العلم بالأحكام. . . الخ، والعلم لا يكون ظنًا، فكيف يُعَرِّف به الفقه وهو ظني!\n(^٥) هذه مقدمة صغرى.\n(^٦) هذه مقدمة كبرى. فالنتيجة: الفقه ظني.","vol":"2","page":101},{"text":"أما كون الموقوف على الظني ظنيًا (^١)؛ فلأن الظني يحتمل العدم، وعلى تقدير عدمه يُعْدَم الموقوف عليه، فلزم كونه (^٢) ظنيًا غير مقطوع به.\nوأما كون الفقه موقوفًا على الظني (^٣)؛ فلأنه موقوف على أدلته، وأدلته: نص، أو إجماع، أو قياس.\nفالقياس كله ظني، والإجماع اختلف فيه.\nوعلى تسليم أنَّه قطعي، فوصوله إلينا بالظن، على أنَّه في غاية الندور (^٤).\nوالنص قسمان:\nآحاد: لا يفيد إلا الظن.\nومتواتر: وهو مقطوع المتن مظنون الدلالة، وإن اقترن به قرائن حتى أفاد العلم الْتَحَق بالمعلوم من الدين ضرورة، وأنتم قلتم: إنه لا يكون فقهًا، ومقتضى ذلك أن يكون كل الفقه مظنونًا، ولا شيء منه بمعلوم (^٥) على عكس ما اقتضاه الحد (^٦).\n_________\n(^١) هذا استدلال للمقدمة الكبرى.\n(^٢) أي: كون الموقوف عليه.\n(^٣) هذا استدلال للمقدمة الصغرى.\n(^٤) أي: حصول الإجماع في غاية الندور.\n(^٥) أي: قطعي.\n(^٦) فالفقه ظني على عكس ما اقتضاه الحد من كونه علما.","vol":"2","page":102},{"text":"وفي بعض النسخ: (قيل: من باب الظنون)، أي الفقه، وحَذَفه (^١) لدلالة الكلام عليه.\n(قلنا: المجتهد إذا ظَنَّ الحكم وجب عليه الفتوى والعمل به، للدليل القاطع على وجوب (اتباع الظن) (^٢)، فالحكم مقطوع والظن في طريقه).\nمضمون هذا الجواب أنَّ الفقه كله قطعي لا ظني وهذه المقالة نُسِبت (^٣) إلى أكثر الأصوليين، وحاصل كلامهم ومداره ما قاله المصنف.\nوتقريره بالمثال أن نقول في الوتر مثلا: الوتر يصلى على الراحلة (^٤)،\n_________\n(^١) أي: حذف لفظ \"الفقه\" في هذه النسخة.\n(^٢) في (ت): \"اتباع العمل بالظن\". وما أثبته هو الموجود في نهاية السول ١/ ٤٠، السراج الوهاج ١/ ٨٤، شرح المنهاج للأصفهاني ١/ ٤٢.\n(^٣) في (ص): \"تنسب\".\n(^٤) أخرجه البخاري ١/ ٣٣٩، في الوتر، باب الوتر على الدابة، رقم الحديث ٩٥٤، وباب الوتر في السفر، رقم الحديث ٩٥٥، وفي تقصير الصلاة، باب صلاة التطوع على الدواب ١/ ٣٧١، رقم الحديث ١٠٤٤، وباب الإيماء على الدابَّة، رقم الحديث ١٠٤٥، وباب ينزل للمكتوبة رقم ١٠٤٧. ومسلم ١/ ٤٨٧، في صلاة المسافرين وقصرها، باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، رقم الحديث ٧٠٠.\nوفي الباب أيضًا حديث جابر بن عبد الله، وعامر بن ربيعة، وأنس بن مالك ﵃، وكلها في الصحيح.","vol":"2","page":103},{"text":"(وكل ما يصلى على الراحلة) (^١) فهو سنة، فالوتر سنة (^٢).\nوالمقدمة الأولى ثابتة بخبر الواحد، والثانية بالاستقراء، وهما لا يفيدان إلا الظن، فالنتيجة ظنية، لتوقفها على الظن. وهذا الظن هو (^٣) الذي أراده المصنف بقوله: \"والظن في طريقه\".\nوأكثر الناس إذا وصلوا إلى هذه النتيجة وقفوا عندها واعتقدوا أنها الفقه، وهو الظاهر من اصطلاح الفقهاء، وعليه بنى السائل سؤاله.\nوالأصوليون لم يقفوا عند ذلك؛ لأنَّ الظن لا يجوز اعتماده حتى يدل عليه دليل، فنظروا (^٤) وراء ذلك، وقالوا: لما حصلت هذه النتيجة: وهي اعتقاد كون الوتر سنة ظنًا - ركَّبْنا قياسًا آخر من مقدمتين هكذا: الوتر مظنون سنيته، وكل ما هو مظنون سنيته فهو سنة في حق مَنْ ظنه.\nوالمقدمة الأولى قطعية، لأنها وُجْدانية (^٥)، فإنَّ الظَّانَّ يجد من نفسه الظَّنَّ كما يجد الجوع والشَّبَع.\n_________\n(^١) سقطت من (ص)، و(ك).\n(^٢) هذه هي النتيجة.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) في (ت): \"فينظروا\".\n(^٥) الوجدانيات: هي الأمور المدركة بالحواس الباطنة. كقولنا: إن لنا جوعًا، وغضبًا، وخوفًا، ونحوها. ويقابلها الحسيات: وهي الأمور المدركة بالحواس الظاهرة. كقولنا: الشمس مشرقة، والنار محرقة. وكلٌّ من الوجدانيات والحسيات - عند المناطقة - هما من قسم المُشَاهَدات: وهي ما يحكم فيه بالحس، سواء كان من الحواس الظاهرة أو الباطنة. انظر: التعريفات للجرجاني ص ١٩١، ٢٢٣، شرح القطبي على الشمسية ص ٣٥٣.","vol":"2","page":104},{"text":"والمقدمة الثانية: قطعية؛ لقيام الإجماع على أن حكم الله تعالى في حق كل مجتهدٍ ما أدَّاه إليه اجتهادُه، وفي حق مَنْ قلّده، حتى لو اعتقد خلافَ الإجماع لدليلٍ - كان حكمَ الله في حقِّه إلى أن يطلع على مخالفته الإجماع (^١)، وهذا الإجماع (^٢) نقله الشافعي في \"الرسالة\"، والغزالي في \"المستصفى\".\nوإذا تقررت المقدمتان - كانت النتيجة: الوتر سنة في حَقِّ مَنْ ظنه، وهي قطعية؛ لأنها تابعة لمقدمتين قطعيتين، ولا يضرها وقوعُ الظن في مقدمتي القياس الأول ونتيجته (^٣)، وهي طريق القياس الثاني؛ لأنَّ الظن إنما يضر إذا كان في مُقَدِّما الدليل، وهنا مُقَدِّمتا القياس قطعيتان، والمظنون خارج عنهما (^٤)، ووجود الظن (الذي هو مقدمة\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) وهو الإجماع على وجوب العمل بما ظنه المجتهد، وأنَّ هذا هو حكم الله تعالى في حقه، وحَقِّ مَنْ قلده. انظر: المستصفى ٤/ ١٢٨، شرح تنقيح الفصول ص ١٨، السراج الوهاج ١/ ٨٥.\n(^٣) وهي قوله: الوتر يصلى على الراحلة، وكلما يصلى على الراحلة فهو سنة. فالوتر سنة.\n(^٤) أي: عن المقدمتين، فليس داخلًا فيهما؛ لأنَّ تقدير المقدمتين: نقطع بأن الوتر مظنون سنيته، ونقطع بأن كل ما هو مظنون سنيته فهو سنة في حق من ظنه. فالمقدمتان لا تعلق لهما بالظن ودليله ودلالته، وإنما تعلقهما بوجود الظن، وأنه متى وجد وجب المصير إليه.\nفائدة: تَنَبَّه إلى معنى المقدمة الأولى، وأن معناها: أقطع بأن السنية مظنونة. وهذا متفق عليه، وهو غير: أقطع بأن الوتر سنة. وهذا مختلف فيه.","vol":"2","page":105},{"text":"القياس) (^١) الثاني ليس مظنونا (^٢).\nوهذا التقرير على حُسْنه إنما يفيدنا القطع بوجوب العمل (^٣)؛ فلذلك اختار جماعة أنَّ الفقه هو العلم أو الظن (^٤)، والإنصاف أنهما مقامان: اعتقاد كون الحكم عند الله كذا لا يمكن دعوى القطع فيه، واعتقاد وجوب العمل بما ظَنَّه من ذلك - دعوى القطع فيه ممكنة.\nوالفقهاء نظروا للأول، والأصوليون نظروا للثاني، ولا مشاحة (^٥) في الاصطلاح، ولم يتوارد اختلافهما على شيء واحد.\nعلى أني أقول: قولهم: حكم الله في حق كل مجتهد ما أداه إليه اجتهاده، معناه: أنه يجب عليه اتباعه، ودعواهم الإجماع بهذا التفسير صحيح، وبغير هذا التفسير ممنوع، فإنا إذا قلنا: المصيب واحد\n_________\n(^١) في (ص): \"الذي هو خارج مقدمة القياس\". بزيادة كلمة (خارج). وهو خطأ.\n(^٢) قوله: \"ليس مظنونا\" خبر لقوله: \"ووجود الظن\". والمعنى - كما سبق بيانه - أن القطع في وجود الظن، لا في دلالته، فالظانّ يقطع بوجود الظن فيه، كما يقطع بشبعه وجوعه.\n(^٣) هذا اعتراض على تفسير \"العلم\" الوارد في حد الفقه، بأن المراد به: العلم بوجوب العمل بمظنون المجتهد؛ لأنَّ الفقه يشمل العلم بوجوب العمل، ويشمل العلم بدلالة النص على الحكم، فهذا التقرير يفيد القطع من جهة العمل، ولا يفيد القطع من جهة الدلالة، والفقه شامل للجهتين.\n(^٤) أي: بعض الفقه علم، كالمعلوم من الدين بالضرورة ونحوه من القطعيات، وبعضه ظن، وهو الأكثر الغالب.\n(^٥) في (ك): \"ولا مشاححة\".","vol":"2","page":106},{"text":"والمخطئ معفو عنه، لا يستمر هذا الإطلاق (في حقه) (^١) (^٢)، وإن كان بعضهم قال: إنه يتعين التكليف، ولكن يجب حمله على أنّه يأثم بترك ما ظنه واجبًا، وبفعل ما ظنه حرامًا؛ لجرأته على ربه بحسب اعتقاده.\nوأما أنَّ ذلك يصير في حقه كالواجب والحرام في نفس الأمر (فلا، كمن ظَنَّ زوجته أجنبية فَوَطِئها يأثم، ولكن ليس إثمه يساوي إثم الزاني) (^٣).\nوقول المصنف: \"للدليل القاطع على وجوب اتباع الظن\" يشير به إلى الإجماع الذي جعلناه دليل المقدمة الثانية من القياس الثاني، ومَنْع بعضِ الناس قطعية هذا الدليل ليس بجيد (^٤)؛ لأنَّه لا بد لنا من دليل قاطع على اتباع الظن دفعًا للتسلسل، أو إثبات الظن بنفسه (^٥)، فلا بد من قاطع: إما\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) المعنى: أننا إذا قلنا بأن المصيب واحد، والمخطئ معفو عنه، لا يصح أن نطلق على المجتهد المخطئ بأن حكم الله تعالى في حقه ما أداه إليه اجتهاده؛ لأننا والحالة هذه نجعل حكم الله تعالى واحدًا، وهو الذي أصابه المصيب، فلو قلنا بأن حكم الله تعالى في حق المخطئ ما أداه إليه اجتهاده - لأصبح حكم الله تعالى حكمين لا حكمًا واحدا، وهو على خلاف هذا القول.\n(^٣) تحرفت العبارة في (ص) كالتالي: \"فلا يمكن، وإذا ظن زوجه أجنبية فوطئها يأثم، ولكن ايمى (هكذا كتبت بدون تنقيط) إثمه يساوي إثم الزاني\". اهـ.\n(^٤) في (ص): \"ليس يحيل (بدون تنقيط) \". وهو تحريف.\n(^٥) يعني: دفعًا للتسلسل، أو دفعًا لإثبات الظن بنفسه. فإن لم نَقُلْ بقطعية هذا الدليل - وقعنا في أحد هذين الأمرين الباطلين. والتسلسل: هو ترتيب أمور غير متناهية. انظر: التعريفات للجرجاني ص ٤٩.","vol":"2","page":107},{"text":"إجماعٌ وحده، وإما مع قرائن تحتف به تفيد القطع.\nوهذا المعنى والتقرير يحصل في كل (^١) مسألة من مسائل الفقه، سواء كان دليلها نصًا، أم قياسًا، أم غيرهما مما يفيد الظن.\nوقوله: \"مقطوعٌ\" أي: مقطوع به، ولكنه حَذَف الجار وتَوَسَّع بتعدية الفعل إلى الضمير (^٢) (^٣).\n(ودليله المتفق عليه بين الأئمة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس).\nقوله: \"المتفق عليه\" إشارةٌ إلى أنَّ ثَمَّ أدلةً مختلفًا فيها وسنذكرها.\nوقوله: \"بين الأئمة\"، أي: المُعْتَبَرين، وإلا فقد أنكر بعض الناس القياس، وبعضهم الإجماع، ولعله لا يُسمِّي (مَنْ أنكر) (^٤) ذلك إمامًا، وهو\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) يعني: نائب الفاعل هو الجار والمجرور \"به\"، لكن لما حُذِف الجار وهو حرف الباء استتر الضمير المتصل به وهو الهاء، وتعدى اسم المفعول إليه، فأصبح الضمير نائبًا للفاعل، والتقدير: فالحكم مقطوع هو. وقد أطلق الفعل في قوله: \"وتوسع بتعدية الفعل\" وأراد به اسم المفعول \"مقطوع\"؛ لأنّه يعمل عمل فعله.\n(^٣) انظر ما سبق في: نهاية السول ١/ ٤٠، شرح الأصفهاني على المنهاج ١/ ٤١، السراج الوهاج ١/ ٨٣، المحصول ١/ ق ١/ ٩٢، نهاية الوصول في دراية الأصول ١/ ١٨، نفائس الأصول في شرح المحصول ١/ ١٣٩، شرح مختصر الروضة ١/ ١٤٢، بيان المختصر ١/ ٢٣، تيسير التحرير ١/ ١٢.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"2","page":108},{"text":"حقٌّ؛ لأنَّ الإمام مَنْ يُقتدى به وهؤلاء لا يقتدى بهم، فلذلك أطلق الأئمة (^١).\nووقع في بعض النسخ: \"الأمة\"، والأول أصح لبعد التجوز في الثاني.\n(ولا بد للأصولي من تصور الأحكام الشرعية ليتمكن من إثباتها ونفيها).\nلا بد معناه: لا فراق (^٢)؛ ولذلك قال ابن عبد السلام: إنه إذا حَلَف لا بد أنْ يفعل كذا، ولم يفعله على الفور - حنث.\nوالمختار (أنها لا تفيد الفور للعُرْف) (^٣).\nوالأصولي: نسبة إلى الجمع؛ لأنّه (سُمّي به) (^٤) كالأنصاري والأنباري (^٥)، ولو لم يسم به لم تجز النسبة إلا إلى المفرد فيقال: أصلي (^٦).\n_________\n(^١) يعني: ولم يقل: الأئمة المعتبرين؛ لأنّ هذا الوصف مفهوم من لفظ \"الأئمة\".\n(^٢) قال في اللسان ٣/ ٨١: ولا بُدَّ منه، أي: لا مَحالة، وليس لهذا الأمر بُدٌّ، أي: لا محالة. أبو عمرو: البُدُّ الفراق، تقول: لا بُدَّ اليوم من قضاء حاجتي، أي: لا فراق منه. اهـ. وانظر: القاموس المحيط ١/ ٢٧٦، والمصباح المنير ١/ ٤٣، مادة (بدد).\n(^٣) في (ص): \"أنها لا تفيد الفور المعروف\". وفي (غ): \"أنَّه لا يفيد الفور المعروف\". وفي (ك): \"أنَّه لا يفيد المعرف\". وكله تحريف.\n(^٤) في (ص): \"مسمى به\".\n(^٥) في (غ): \"والأبياري\". وفي (ك) العبارة غير واضحة، وفي (ص): الابارى (بدون تنقيط).\n(^٦) أي: لولا أنّ التسمية أُطلقت بالنسبة إلى الجمع: أصول - لكانت القاعدة أنّ تُلحق الياء بالمفرد، فيقال: أصلي.","vol":"2","page":109},{"text":"والحكم على الشيء بالإثبات أو النفي مسبوق بتصور، والأصولي يريد أنْ يُثبت الوجوب مثلًا للأمر، والتحريم للنهي، أو ينفيهما، وكذلك بقية الأحكام؛ فلذلك لا بد أن يتصورها أوَّلًا وقَصْدُه بهذا وَجْهُ الحاجة إلى تقديم (^١) هذه المقدمة.\n(لا جرم رتبناه على مقدمة وسبعة كتب).\nالذي يسبق إلى الذهن مِنْ \"لا جرم\" في هذا الموضع أنَّ معناها: لأجل ذلك، أي: لأجل ما سبق رتبناه (على كذا) (^٢).\nوقد جاءت \"لا جرم\" في القرآن في خمسة مواضع مَتْلُوَّةٍ بأنَّ واسمها ولم يجيء بعدها فعل.\nوالذي ذكره المفسرون واللغويون في معناها أقوال:\nأحدها: أنَّ \"لا\" نافيةٌ، و\"جَرَم\" فِعْلٌ معناه: حَقَّ، (وأنَّ وما في حَيِّزه فاعلُه) (^٣). وهذا مذهب الخليل وسيبويه والأخفش (^٤).\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"تقدم\".\n(^٢) في (ص): \"على كتب\". وهو تحريف.\n(^٣) في (ت): \"وأن واسمها وخبرها\". والظاهر أنَّه من تصرف الناسخ؛ لأنَّه شطب على الأصل في الصفحة، وكتب هذه الجملة، ولم يكتب بجانبها (صح) كما هي العادة، والمراد بما في حَيِّزه: أي حيزُ حرفِ \"أنَّ\" وهما اسمها وخبرها.\nوفي (ك): \"وأن ما في حيزه فاعله\". بإسقاط الواو قبل \"ما\". وفي (ص): \"وأن ما في خبره فاعله\". وكلاهما خطأ.\n(^٤) انظر كتاب سيبويه ٣/ ١٣٨، إعراب القرآن الكريم وبيانه لمحي الدين الدرويش ٤/ ٣٢٧.","vol":"2","page":110},{"text":"فقوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ﴾ (^١) معناه: رَدٌّ على الكفرة، وتحقيق لخسرانهم.\nوالثاني: أنَّ \"لا\" زائدة، و\"جَرَم\" معناه: كَسَب، أي: كسب لهم عملُهم الندامة.\n(فأنَّ وما في حَيِّزها) (^٢) على هذا القول في موضع نصب، وعلى الأول في موضع رفع (^٣).\nوالثالث: أنَّ \"لا جرم\" كلمتان رُكِّبَتَا وصار معناهما حَقًّا (^٤)، وكثيرًا (^٥) ما يقتصر المفسرون على ذلك.\nالرابع: أنَّ \"لا جرم\" معناها: لا بُدَّ، و\"أنَّ\" الواقعة بعدها في موضع نصب بإسقاط حرف الجر (^٦).\n_________\n(^١) الآية في سورة هود ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ رقم: ٢٢.\n(^٢) كذا في (غ): \"فأن ما في حيزها\". بإسقاط الواو، وفي (ت): \"فأن وما في خبرها\"، وفي (ص): \"فأن ما في خبرها\". والكل خطأ، والصواب هو ما في (غ) وهو المُثْبَت فى أعلى الصفحة، وقد سبق بيان أنَّ المراد. مما في حيزها اسمها وخبرها.\n(^٣) يعني: على القول الثاني أنَّ وما في حيزها مفعول كَسَب، وعلى القول الأول فاعل حَقَّ. انظر: إعراب القرآن الكريم وبيانه ٤/ ٣٢٨.\n(^٤) يعني: أنّ هذا التركيب من قبيل التركيب المزجي، فـ \"لا\" النافية، و\"جرم\" الفعل الماضي، تَرَكَّب منهما مزجيًا كلمةٌ واحدة جديدة، وهي: لا جرم، بمعنى: حقا.\n(^٥) في (ت): \"وكثير\".\n(^٦) فتقدير الآية على هذا القول: لا جرم بأنهم في الآخرة هم الأخسرون. لا: نافية للجنس. جَرَم: اسمها. وجملة \"أنَّ\" مع اسمها وخبرها في تأويل مصدر خبر \"لا\" في محل نصب بإسقاط الجار الذي هو الباء. انظر: إعراب القرآن الكريم ٤/ ٣٢٨.","vol":"2","page":111},{"text":"قال الفراء: \"لا جَرَم كلمة كانت في الأصل بمعنى: لا بد ولا محالة، فكثر استعمالُها حتى صارت بمنزلة حَقًّا، تقول: لا جرم لآتينك\" (^١).\nقال الواحدي (^٢): \"وُضِع مَوْضع القسم في قولهم: لا جرم لأفعلن، كما قالوا: حَقًّا لأفعلن\" (^٣).\nوأنتَ إذا تأملتَ هذه الأقوال لم ينطبق شيءٌ منها على معنى التعليل الذي قَصَده المصنف (^٤)، والذي يظهر أنَّ التعليلَ مستفادٌ من ترتيب الحكم على الوصف.\nوتصحيح كلام المصنف (^٥) بأنْ يُقَدَّر: فلا جرم أنا رتبناه، فإضمار الفاء لإفادة التعليل، وتقدير أنَّ واسمِها لِتُوَافق مواقعَها من القرآن (^٦).\n_________\n(^١) انظر معاني القرآن للفراء ٢/ ٨.\n(^٢) هو علي بن أحمد بن محمد بن عليّ الواحديّ النَّيْسابوريّ، أبو الحسن الشافعيّ. الإمام الكبير، من أولاد التجار، وأصله من ساوه، كان واحدَ عصره في التفسير، وإمامَ علماء التأويل. صَنَّف التصانيف الثلاثة في التفسير: \"البسيط\" و\"الوسيط\"، و\"الوجيز\". وصنف أيضًا \"أسباب النزول\"، \"التحبير في شرح الأسماء الحسنى\". توفي بنيسابور سنة ٤٦٨ هـ. انظر: سير ١٨/ ٣٣٩، الطبقات الكبرى ٥/ ٢٤٠.\n(^٣) معنى كلام الواحدي: وضع قولهم: \"لا جرم لأفعلن\" موضع القسم، مثل قولهم: \"حَقًّا لأفعلن\"، وضع موضع القسم.\n(^٤) في قوله: \"لا جرم رتبناه على مقدمة وسبعة كتب\". فلا جرم تعليلٌ لما سبق.\n(^٥) هذا فيه إشارة إلى الخلل في كلام الماتن.\n(^٦) فأضاف الشارح الفاء لإفادة التعليل، وأضاف أنَّ واسمها وهو الضمير المتصل بها؛ لأنَّ أصل: \"أنَّا\" أننا؛ لتوافق مواقعها في القرآن، فإنَّ لا جرم يكون بعدها أنَّ =","vol":"2","page":112},{"text":"أو يُنَزَّل الفعل منزلةَ المصدر ويُستغنى عن إضمار أنَّ، والتقدير: فحقًا ترتيبنا (^١)\nوالمقدمة: بكسر الدال وفتحها وهو أشهر، فالكسر لأنها تُقَدِّم الناظرَ فيها إلى ما بعدها، والفتح لأنَّ الناظر يُقَدِّمها بين يديه إلى مقصوده.\nهذا في مُقَدِّمة الكتاب، ومُقَدِّمة الدليل.\nأما مُقَدِّمة الجيش فلم يحك الجوهري (^٢) فيها إلا كسر الدال؛ لأنها تُقَدِّم الجيش (^٣).\n_________\n= المصدرية واسمُها وخبرُها، وخبر أنَّ المصدرية موجود في كلام الماتن، وهو قوله: \"رتبناه\".\n(^١) التوجيه الثاني: أن يُنَزَّل الفعل الماضي \"جَرَم\" - ومعناه حَقَّ - منزلة المصدر، فيكون بمعنى: حقًا، وفي هذا التقدير يُستغنى عن إضمار أنَّ واسمها وخبرها، ويكون: \"ترتيبنا\" فاعلًا للمصدر: \"فحقًا\".\n(^٢) هو أبو نصر إسماعيل بن حمَّاد التركيُّ الأُتراري، وأُترار: هي مدينة فاراب. إمام اللغة، ومصنف كتاب \"الصِّحاح\"، وأحد منْ يُضرب به المثل في ضبط اللغة، وحُسْنِ الخطّ. قال الذهبيّ: \"وفي الصِّحاح أوهامٌ قد عُمل عليها حَوَاشٍ\". مات مترديًا مِنْ سَطْح داره بنيسابور سنة ٣٩٣ هـ. انظر: سير ١٧/ ٨٠، لسان الميزان ١/ ٤٠٠.\n(^٣) انظر: الصحاح ٥/ ٢٠٠٨. وفي اللسان ١٢/ ٤٦٨: وقيل إنه يجوز مقدَّمة بفتح الدال ...... وفي كتاب معاوية إلى ملك الروم: لأكونن مقدِّمته إليك. أي: الجماعة التي تتقدم الجيش. مِنْ قَدَّم بمعنى تَقَدَّم، وقد استعير لكل شيء، فقيل: مقدِّمة الكتاب، ومقدِّمة الكلام، بكسر الدال، قال (أي: الأزهرى): وقد تُفْتَح. وفي القاموس ٤/ ١٦٢: ومُقَدِّمة الجيش، وعن ثَعْلَبٍ فَتْحُ داله: متقدموه. وكذا قادِمَتُه وقُدَاماهُ. وانظر: تعريف المقدمة في التعريفات للجرجاني ص ٢٠١.","vol":"2","page":113},{"text":"ووجه تقديم المقدمة في أول الكتاب كونه (لا بد للأصولي) (^١) من تصور الأحكام (^٢).\nوالكتب السبعة: منها الأربعة التي قدمها: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، لكلٍّ منها كتاب.\nوالخامس: الأدلة المختلف فيها.\nوهذه الخمسة هي الأدلة التي تضمنتها المعرفة الأولى مِنْ أصول الفقه.\nوالسادس: في التعادل والتراجيح المقصود بالمعرفة الثانية.\nوالسابع: في الاجتهاد المقصود بالمعرفة الثالثة.\nوهذا جملة أصول الفقه.\n(أما المقدمة: ففي الأحكام، ومتعلقاتها، وفيها بابان:)\nلما كانت مُتَعَلِّقات الأحكام يُحتاج إليها ذَكَرها معها، وإن لم يُبَيِّن فيما سبق إلا وجه الحاجة إلى تصور الأحكام.\n_________\n(^١) في (ص): \"لا بد لكل أصولي\".\n(^٢) لأنَّ الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فلابد أولًا من تصور الأحكام، ثم الحكم عليها بالإثبات أو النفي، ونحوهما.","vol":"2","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>مقدمة</span>\nالباب الأول: في الحكم\nالفصل الأول: تعريف الحكم","vol":"2","page":115},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>(الباب الأول: في الحكم. وفيه فصول:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>الفصل الأول: في تعريفه</span>.\nالحكم: خطاب الله القديم المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير) (^١).\nلما كان الكلام في الحكم الشرعي - لم يحتج إلى تقييده (^٢). وقد تقدم الكلام في كونه إنشائيا أو خبريا. وتفسيره بالخطاب، وتقسيمه إلى الاقتضاء أو التخيير، يدل على أنَّ المرادَ الإنشائي.\nوالخطاب: مصدرُ خَاطَب يخاطب خطابًا ومخاطبة (^٣)، وفي تسمية كلام الله تعالى في الأزل خطابًا خلاف (^٤).\n_________\n(^١) هذا التعريف بحروفه في شرح تنقيح الفصول ص ٦٧، وهو كذلك بدون لفظ \"القديم\" في الحاصل ١/ ٢٣٣، وفي المحصول ١/ ق ١/ ١٠٧ والتحصيل ١/ ١٧٠: بلفظ: \"الخطاب المتعلق\"، بدون الإضافة إلى لفظ الجلالة.\n(^٢) أي: لما كان الكلام عن الحكم الشرعي؛ لأنَّه هو المبحوث في أصول الفقه لا غيره - لم يحتج المصنف أنْ يُقَيِّد فيقول: الحكم الشرعي: خطاب الله القديم. . . الخ. ولم يتعرض الشارح إلى معنى الحكم في اللغة، قال في المصباح ١/ ١٥٧: الحكم: القضاء، وأصله المنع، يقال: حكمت عليه بكذا، إذا منعتَه مِنْ خلافه، فلم يقدر على الخروج من ذلك، وحكمت بين القوم: فصلت بينهم، فأنا حاكِم وحَكَم، بفتحتين. وانظر: القاموس المحيط ٤/ ٩٨، واللسان ١٢/ ١٤٠.\n(^٣) في المصباح ١/ ١٨٦: خاطبه مخاطبة وخطابًا: وهو الكلام بين متكلم وسامع.\n(^٤) قال العضد في شرح ابن الحاجب ١/ ٢٢٧، ونقله عنه البناني في حاشيته على شرح المحلي لجمع الجوامع ١/ ٤٩: في تسمية الكلام في الأزل خطابًا خلاف، وهو مبني على تفسير الخطاب، فإنْ قلنا: إنه الكلام الذي عُلِم أنَّه يُفْهم كان خطابًا. وإنْ قلنا: هو الكلام الذي أُفهم لم يكن خطابًا. ويُبتنى عليه أنَّ الكلام حكم في الأزل، أو يصير حكمًا فيما لا يزال. اهـ. ويعني بقوله: \"أو يصير حكمًا فيما لا يزال\": =","vol":"2","page":117},{"text":"قال القاضي أبو بكر: الكلام لا (^١) يوصف بأنه خِطَاب دون وجود مخاطَب؛ ولذلك أحلنا أن يكون كلام الله في أزله، وكلام الرسول - ﷺ - في وقته - مخاطبةً على الحقيقة، وأجزنا كونه أمرًا أو نهيًا، وعلى هذا لا يُقال للمُوصِي إنه مُخَاطِبٌ بما يُودِعُه وصيتَه، ويقال: أَمَر مَنْ تُفْضِي (^٢) إليه الوصية. انتهى.\nفعلى هذا لا يصح أن يُؤخذ الخطاب في حَدِّ الحكم (^٣)؛ لأنَّ الحكم عندنا قديم، ويجب أن يقال: الكلام (^٤).\n_________\n= أنّ الكلام لا يوصف بالحكم إلا بوجود المخاطَب الذي يَفْهم، فكلما وجد المخاطَب الذي يَفْهم وُصف الكلام بأنه حكم، فيما لا يزال، أي: فيما لا نهاية. وفي مُسَلَّم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ١/ ٥٦ (ثم في تسمية الكلام في الأزل خطابًا خلاف) فبعضهم جعلوه خطابًا، والآخرون لا، (والحق أنه) خلاف لفظي (إنْ فُسِّر بما يُفْهم) ولو بالآخرة، أي: ما فيه صُلُوح الإفهام (كان خطابًا فيه) أي: في الأزل؛ لأنَّه صالحٌ فيه للإفهام فيما لا يزال (وإن فُسِّر بما أُفهم) أي: وقع إفهامه (لم يكن) في الأزل خطابًا؛ إذ لم يتحقق الإفهام فيه (بل فيما لا يزال) فقط، والخطاب في اللغة: توجيه الكلام للإفهام، ثم أطلق على الكلام الموجَّه للإفهام [يعني: المهيئ للإفهام]، فإن اكتفى بالصلوح للإفادة فالأزلي [أي: الكلام الأزلي] خطاب في الأزل، وإن أُريد الإفهام الحالي فلا. اهـ\nوكذا قَرَّرَ أنَّ الخلاف لفظي الكمال بن الهمام في \"التحرير\"، انظر: تيسير التحرير ٢/ ١٣١، وانظر: شرح الكوكب ١/ ٣٣٩، نهاية السول مع حاشية المطيعي ١/ ٤٨.\n(^١) سقطت من (ص)، و(ك).\n(^٢) في (غ): \"من يفوض\".\n(^٣) لأنَّ الحكم للموجود والمعدوم، والخطاب لا يكون إلا للموجود، فالحكم قديم، والخطاب حادث.\n(^٤) انظر: نفائس الأصول للقرافي ١/ ٢١٨.","vol":"2","page":118},{"text":"والمصنف تبع الإمام في لفظ \"الخطاب\" (^١)، وكأنَّ الإمام رأى أنَّه يُقال في القديم باعتبار ما يصير إليه، وإذا قلنا لا يطلق الخطاب في الأزل، فهل يطلق بعد ذلك عند وجود المأمور والمنهي؟ .\nينبغي أن يقال: إنْ حَصَل إسماعه لذلك كما في موسى ﵇، فيسمى خطابًا بلا شك، وإلا فلا، على قياس قول القاضي.\nوإذا سمينا ما يحصل إسماعه خطابًا، فلا يخرجه ذلك عن كونه قديمًا، على أصلنا في جواز إسماع الكلام القديم (^٢).\nوفي بعض نسخ الكتاب: (خطاب الله القديم) كأنه رأى أنَّ الخطاب يطلق على الكلام القديم، على غير مذهب القاضي، وعلى الأصوات والحروف الدالة على ذلك (^٣)، وهي حادثة، فقال: \"القديم\"؛ ليخرجها.\nوفي بعض النسخ لم يقل: القديم، نظرًا إلى أنَّ الخطاب هو الكلام،\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ١٠٧.\n(^٢) قال شارح الجوهرة: \"وأما السمع الحادث فهو قوة تُدْرَك بها الأصوات على وجه العادة، وقد يُدرك بها غير الأصوات، فقد سمع سيدنا موسى ﵊ كلام الله تعالى القديم، وهو ليس بحرف ولا صوت\". انظر: شرح البيجوري للجوهرة ص ١١٧.\n(^٣) أي: على الخطاب الأزلي القديم. قال الشريف الجرجاني في حاشيته على العضد ١/ ٢٢١: فالخطاب إما الكلام اللفظي أو الكلام النفسي المُوَجَّه به نحو الغير للإفهام. وأُريد به ها هنا المعنى الثاني، فإن الخطاب اللفظي ليس بحكم، بل هو دال عليه، فالكتاب وإخوانه دلائل الحكم الذي هو الكلام النفسي على الوجه المخصوص.","vol":"2","page":119},{"text":"والكلام حقيقة في النفساني فقط، وهو المشهور عند المتكلمين (^١)، فلا حاجة إلى قوله: القديم.\nفحصل في الخطاب قولان:\nأحدهما: أنَّه الكلام: وهو ما تضمن نسبة إسنادية.\nوالثاني: أنَّه أخص منه، وهو ما وُجِّه من الكلام نحو الغير لإفادته (^٢).\nوإضافته إلى الله يُخرج خطابَ غيره.\n\"والمتعلِّقُ بأفعال المكلفين\" يُخْرج المتعلِّق بذاته تعالى، والجمادات، وذوات المكلفين، وفعله تعالى، كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (^٣) (^٤)\n﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ (^٥) (^٦)، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) انظر: شرح البيجوري على الجوهرة ص ١١٣، شرح البيت التاسع والعشرين، المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين ص ٢١٢.\n(^٢) فالقول الأول أعم من حيث إنه متضمن للنسبة الإسنادية، سواء توجه لإفادة الغير أو لم يتوجه، يعني سواء وجد مخاطَب يستفيد أو لم يوجد، بخلاف القول الثاني الذي هو توجيه الكلام إلى مخاطَب لإفادته. فالأول أعم، والثاني أخص. وانظر تعريف الخطاب في: الإحكام للآمدي ١/ ١٣٦، شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٢١، شرح الكوكب ١/ ٣٣٩، تيسير التحرير ٢/ ١٣١.\n(^٣) سورة البقرة: ٢٢٥.\n(^٤) هذا مثال للمتعلق بذاته تعالى.\n(^٥) سورة الكهف: ٤٧.\n(^٦) هذا مثال للمتعلق بالجمادات.\n(^٧) سورة الأعراف: ١١.\n(^٨) هذا مثال للمتعلق بذوات المكلفين. ومن أمثلة المتعلق بفعله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾.","vol":"2","page":120},{"text":"والمراد بالمكلفين: مَنْ كان بالغًا عاقلا.\nولنا في الصبي خلاف: هل هو مأمور بالصلاة والصوم بأمر الشارع، أو بأمر الولي؟\nوعلى كل تقدير ليس تكليفًا؛ لأنَّ أمر الندب لا كلْفة فيه.\nومَنْ رأى أَنَّه مأمور بأمر الشرع قال في حد الحكم: الخطاب المتعلِّق بأفعال العباد. ولا يَرِد عليه المجنون؛ لأَنَّه لم يُوَجَّه له خطاب.\nومنهم مَنْ يقول: بأفعال الإنسان؛ لأنَّ كلامنا فيما يتعلق بهم، وإنْ كانت الملائكة والجن مكلّفين لكنهم خارجون عن نظرنا (^١).\nوقوله: \"بالاقتضاء أو التخيير\"، يخرج قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (^٢) فإنه خطاب متعلِّق بأعمالنا على وجه الإخبار عنها بكونها مخلوقة؛ لكنه ليس اقتضاءً، ولا تخييرًا، فخرج عن الحد.\nوالمراد بالاقتضاء: الطلب، فيشمل طلب الفعل إيجابًا أو ندبًا، وطلب الترك تحريمًا أو كراهة.\nوالمراد بالتخيير: الإباحة (^٣).\n_________\n(^١) كأن هذا الكلام جواب عن اعتراض تقديره: قلتَ: المتعلق بأفعال الإنسان، فخرج الملائكة والجن وهم مكلفون. والجواب: أننا نعرِّف ما يقع تحت نظرنا، والجن والملائكة خارجون عن نظرنا.\n(^٢) سورة الصافات: ٩٦.\n(^٣) انظر: تعريف الحكم في الاصطلاح في: الإحكام ١/ ١٣٥، البحر المحيط ١/ ١٥٦، المستصفى ١/ ١٧٧، شرح تنقيح الفصول ص ٦٧، جع الجوامع مع شرح المحلي =","vol":"2","page":121},{"text":"(قالت المعتزلة: خطاب الله قديم عندكم، والحكم حادث؛ لأَنَّه يُوصف به، ويكون صفة لفعل العبد، ومُعَلَّلًا به، كقولنا: حَلَّت بالنكاح وحرمت بالطلاق).\nهذا سؤال على الحد مركب على مقدمتين:\nالأولى: مُسَلَّمة، وإنْ كانت المعتزلة لا يقولون بها (^١)، فإنا نقول بقِدَم الكلام.\nوالثانية: لا نقول نحن بها، فاستدلوا عليها بثلاثة:\n(أحدها: أَنَّه - أي: الحكم -) (^٢) - يُوصف به، أي: بالحدوث، فنقول: حَلَّت هذه المرأة بعد أن لم تكن حلالًا، وحَرُمت بعد أن لم تكن حرامًا، والبعدية تصريح بالحدوث.\nوالثاني: أَنَّه - أي: الحكم - يكون صفة لفعل العبد، فتقول: هذا الفعل حلال، (وهذا فعل حرام) (^٣)، والعبد حادث ففعله أولى أن يكون حادثًا، فصفة فعله أولى بأن تكون حادثة.\n_________\n= ١/ ٤٦، تيسير التحرير ٢/ ١٢٩، شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٢٠، شرح الكوكب ١/ ٣٣٣، فواتح الرحموت ١/ ٥٤.\n(^١) لأن الكلام عند المعتزلة هو الحروف والأصوات الحادثة، وهي غير قائمة بذاته، فمعنى كونه متكلمًا عندهم: أنه خالق للكلام في بعض الأجسام؛ لزعمهم أن الكلام لا يكون إلا بحروف وأصوات. هذا ما قاله الباجوري في شرح الجوهرة ص ١١٣ - ١١٤، وانظر: البرهان ١/ ٢٠٠، المسائل المشتركة ص ٢٠٦.\n(^٢) في (ص)، و(غ): \"أحدها أنَّ الحكم\".\n(^٣) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"وهذا فعل حلال أو حرام\".","vol":"2","page":122},{"text":"والثالث: أَنَّه - أي: الحكم - يكون معلَّلًا به، أي بالحادث، كقولنا: حَلَّت بالنكاح، فالنكاح علة في الحل، وحَرُمت بالطلاق، فالطلاق علة في التحريم.\n(وأيضًا فموجبية الدلوك (^١)، ومانعية النجاسة (^٢)، وصحة البيع وفساده (^٣)، خارجة عنه) (^٤).\nهذا سؤال ثانٍ: وهو أنّ الحد غير جامع، والحد يجب أنْ يكون جامعًا لجميع أفراد المحدود، مانعًا مِنْ دخول غيره فيه، فمتى خرج منه شيء، أو دخل فيه غيره فسد (^٥).\nوالمراد بالدلوك: زوال الشمس، هذا هو الصحيح. وقيل: غروبها (^٦).\nوكل منهما مُوجب لصلاة.\nوغيره ذكر مع ذلك شرطية الطهارة، والمراد أنَّ هذه الخمسة أحكام شرعية غير الخمسة الأولى التي تضمنها الحد.\n_________\n(^١) أي: كون الدلوك سببًا لوجوب الصلاة. انظر: الحاصل ١/ ٢٣٤.\n(^٢) أي: كون النجاسة مانعة من الصلاة. انظر: الحاصل ١/ ٢٣٤.\n(^٣) أي: الصحة والبطلان في قولنا: البيع صحيح أو باطل. انظر: الحاصل ١/ ٢٣٤.\n(^٤) في (ص): \"عنها\". وهو خطأ؛ لأنَّ الضمير يعود على الحد وهو مذكر.\n(^٥) في (ص): \"فيفسد\". وهو خطأ.\n(^٦) قال ابن عطية: الدلوك هو الميل في اللغة، فأول الدلوك هو الزوال، وآخره هو الغروب، ومن وقت الزوال إلى الغروب يسمى دلوكًا؛ لأنها في حالة ميل. تفسير القرطبي ١٠/ ٣٠٤، وانظر: زاد المسير ٥/ ٧٢، تفسير ابن كثير ٣/ ٥٣، فتح القدير ٣/ ٢٥٠.","vol":"2","page":123},{"text":"(وأيضا فيه الترديد، وهو ينافي التحديد) (^١).\nهذا سؤال ثالث على قوله: بالاقتضاء أو التخيير، و\"أو\" للترديد، والترديد ينافي التحديد؛ لأنَّ المقصود بالتحديد الإيضاح والبيان، والمقصود بالترديد الشك (^٢) والإبهام (^٣).\nواعلم أنَّ مدلول \"أو\" إما شكٌ كقولك: جاء زيدٌ أو عمرو، وإما إبهامٌ كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (^٤) (^٥)، وإما تبيينُ قسمةٍ كقولك: العدد زوج أو فرد، وإما إباحةٌ كجالس الحسن أو ابن سيرين، وإما تخييرٌ كخذ درهمًا أو دينارًا (^٦).\n_________\n(^١) في (ت) زيادة وهي: \"واعترف بعضهم بالسؤال، وزاد في الحد: أو الوضع\". وفي (ص)، و(ك): \"واعترف بعضهم بالسؤال وإنْ زاد في الحد: أو الوضع\". وهذه الزيادة خطأ، لا علاقة لها بالاعتراض الوارد على الحد، ولا وجود لها في الشرح.\n(^٢) في (ك): \"التشكيك\".\n(^٣) انظر: شرح حاشية الباجوري على السلم ص ٤٦.\n(^٤) سورة سبأ: ٢٤.\n(^٥) فهنا في الآية قصد بأو الإبهام على السامع، لما في التعيين من مفسدة معاندة الكافر وإعراضه عن سماع الحق، ولما فيه مصلحة ترقيق قلبه والتلطف معه في الخطاب رجاء قبوله ورجوعه إلى الحق. فالمتكلم بالإبهام ليس متشكِّكًا في قوله، ولكن له مقصد في إبهامه. انظر: شرح تنقيح الفصول ص: ٦٨.\n(^٦) الفرق بين الإباحة والتخيير أنّ في الإباحة يحق له الجمع بين المباحَيْن، وأما في التخيير فلا يحق له الجمع بين الاثنين، بل هو مخيَّر في واحد منهما.\nانظر: شرح تنقيح الفصول ص ٦٨، نفائس الأصول ١/ ٢٣٠.","vol":"2","page":124},{"text":"فالشك والإبهام منافيان للبيان بلا إشكال، والتقسيم ليس فيه بيان المُقَسَّم (^١)، والحد إنما يؤتى فيه بما يفيد البيان والتخيير والإباحة لا محل لهما هنا، وفيهما الترديد، فلا يدخلان في الحدود.\n(قلنا: الحادث التعلق).\nهذا جواب عن الوجه الأول، مِنْ تقرير المقدمة الثانية من السؤال الأول: وهو أن الحكم يُوصف بالحدوث، فمَنَع ذلك، وقال: الحادث إنما هو التعلق (^٢)، فإذا قلنا: حَلَّت هذه المرأة بعد أن لم تكن حلالًا، فليس معناه أنَّ إحلالها حدث، وإنما معناه أَنَّه تعلق بالعبد، وهذا اختيار من المصنف أنَّ (^٣) التعلق حادث، وهو المذكور في \"المحصول\" هنا (^٤)، وفي موضع آخر خلافه (^٥)، وهو المختار (^٦). ولو كان التعلق حادثًا؛ لكان\n_________\n(^١) لأنَّ التقسيم فيه بيان الواع المقسَّم، لا بيان ذات المقسَّم وماهيته، فمثلا لو قلنا: الإنسان ينقسم لى ذَكَر وأنثى، ليس في هذا بيان حقيقة الإنسان التي هي حيوان ناطق. انظر: نفائس الأصول ١/ ٢٣١.\n(^٢) في (ك): \"التعليق\".\n(^٣) في (ت)، و(ك)، و(غ): \"لأنَّ\". وهو خطأ.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ١١٠.\n(^٥) أي: في موضع آخر من المحصول أنَّ التعلق قديم.\n(^٦) في هامش (ص): والمنسوب إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري أَنَّه قديم، وعليه مدار كلام الأئمة، وفي ابن الحاجب التصريح به في مسألة أمر المعدوم، وهو الحق. ولو قيل: إنَّ التعلق لا يوصف بقِدَم ولا حدوث لكونه نسبة - لم يبعد، إذ النسب والأمور الاعتبارية المختار فيها كذلك؛ لأنها عدمية، كما هو الحق. وقد فاه بذلك جمع مِنْ متأخري علمائنا، لكن المشهور القول بالحدوث، فليتأمل. اهـ انظر: بيان =","vol":"2","page":125},{"text":"الخطاب المتعلق حادثًا؛ ضرورة أخذ التعلق قيدًا فيه، ويلزم على هذا أن يكون الحكم حادثًا وهو قد فَرَّ منه.\nوأن الكلام في الأزل لا يسمى حكمًا، ومِنْ ضرورته أن لا يكون أمرًا ولا نهيًا، ونحن لا نقول به (^١)، ولا يُنْجِي من هذا إلا أن يُقال: وُصِف الحكم في الأزل بالتعلق على سبيل الصلاحية، ولكن هذا لا ضرورة إليه،\n_________\n= المختصر ١/ ٤٣٩، شرح الكوكب المنير ١/ ٣٣٦، شرح تنقيح الفصول ص ٦٩ - ٧٠، فواتح الرحموت ١/ ٥٥، نهاية السول مع حاشية المطيعي ١/ ٥٢، الحاصل ١/ ٢٣٤، تيسير التحرير ٢/ ١٣١. وقد بَيَّن المحلي في شرحه لجمع الجوامع والبَنَّاني في حاشيته على الشرح (١/ ٤٨) أنَّ للخطاب تَعَلُّقَيْن بفعل المكلف: قبل وجوده، وهذا تعلق معنوي، أي: صُلُوحي، بمعنى أَنَّه إذا وُجد المكلف مستجمعًا لشروط التكليف - كان متعلقًا به، وهذا التعلق قديم. والثاني: تعلُّقه به بعد وجوده، وهذا تعلقٌ تنجيزي حادث. وهذا التفصيل على حُسْنه إلا أَنَّه يلزم منه القول بحدوث الحكم؛ ولِذلك عَقَّب البناني بعد هذا التفصيل بقوله: وهذا مبني على أنَّ التعلقين: (أي: القديم والحادث) معًا معتبران في مفهوم الحكم، كما هو صريح كلامه الآتي (أي: كلام السارح المحلي)، وعليه فالحكم حادث؛ لأنَّ المركب من القديم والحادث حادث كما تقرر. اهـ. وإنما سُقت هذا التفصيل لأنَّ ظاهره الحسن ولازمه باطل؛ ولأن بعض المحقِّقين (وهما محقِّقا شرح الكوكب المنير) نقل هذا التفصيل وعزاه إلى حاشية البناني، من غير ذِكْر استدراك البناني عليه، فكان هذا العزو ناقصًا غير دقيق. والأقرب - والله أعلم - كما سيأتي في كلام الشارح أنَّ الحادث هو أثر تَعلق الحكم، لا الحكم ولا تَعَلُّقُه.\n(^١) وهذا هو اللازم الثاني على قول المصنف: أنَّ التعلق حادث، وهو أنْ يكون الكلام في الأزل ليس حكمًا؛ لأنَّه لما قَيَّد الخطابَ بالمتعلقِّ، والتعلُّق حادث على قوله، فيكون الحكم حادثًا - لزم منه إخراج الكلام الأزلي عن كونه حكمًا وأمرًا ونهيًا، ونحن - أي: الأشاعرة، ومنهم المصنف - لا نقول به.","vol":"2","page":126},{"text":"فالمختار أنَّ الإحلال مثلًا قديم، وكذلك تَعَلُّقه، وأن التعلق (^١) نسبة فهو يستدعي حصول مُتَعَلِّقِه في العلم لا في الخارج، وإنما الذي يحدث بعد ذلك الحِلُّ (^٢)، وهو غير الإحلال، ناشئٌ عنه بشروط لما وُجِدت وجد، كما لو قلت: أَذِنت لك أن تبيع عبدي هذا يوم الخميس، فالإذن قبل يوم (^٣) الخميس موجود مُتعَلَّقٌ به، وأثره يظهر يوم الخميس، وعلى هذا يجب أن يحمل قولهم بحدوث التعلق (^٤)، فلا يكون بين الكلامين مخالفة في المعنى، وكأن للتعلق (^٥) طرفين:\n(من جهة المتكلم يتقدم) (^٦)، ومن جهة المخاطَب قد يتأخر (^٧).\n(والحكم مُتَعَلِّق بفعل العبد لا صفته، كالقول المتعلِّق بالمعدومات)\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"وإن كان التعلق\". وهو خطأ.\n(^٢) يعني: المختار عند السبكي أنَّ الحكم وهو الإحلال مثلا أزلي قديم، وتعلقه قديم بالفعل، أي: تعلقه بأفعال العبد أزلي في علم المولى ﷿، لا في الخارج، وإنما الذىِ في الخارج هو الحل، وهو ثمرة الإحلال.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) أي: المراد بقولهم: \"التعلق حادث\" هو حدوث أثر التعلق، فالتعلق قديم، وأثره حادث.\n(^٥) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"التعلق\".\n(^٦) في (ت): \"من المتكلم متقدم\".\n(^٧) قوله: وكأن للتعلق طرفين. . . الخ، فيه نوع من التسامح في العبارة لتقريب المذهبَيْن، وإلا فمراده كما هو واضح من كلامه السابق: أن التعلق وصف قائم بذات المتكلم، ويكون مقارنًا لخطابه؛ لأنَّ مُتَعَلّقه في علم المتكلم. أما الذي يقوم بذات المخاطَب فهو أثر التعلق القائم بذات التكلم. فهناك تعلق وهو القائم بذات المتكلم، وهناك أثره وهو القائم بذات المخاطَب. والتعلق القائم بالله تعالى قديم؛ لأن خطابه قديم، وأثر ذلك التعلق قائم بذوات المخاطبين، وهو حادث.","vol":"2","page":127},{"text":"هذا جواب عن قوله: \"ويكون صفة لفعل العبد\"، فأجاب بأن الحكم قول متعلِّق بالفعل، لا صفة للفعل؛ لأنَّ معنى الإحلال قول الله: رفعتُ الحرج عن فاعله، وهذا القول صفة لله تعالى قائم بذاته، متعلِّق بغيره، لا صفة، كالقول المتعلِّق بالمعدومات إذا أخبرتَ عنها مثلًا، فليس القول صفة لها، وإلا لزم قيام الموجود بالمعدوم، وأما كون القديم متعلقًا بالحادث (فلا يمتنع) (^١) (^٢).\n(والنكاح والطلاق ونحوهما مُعَرِّفات له، كالعالَم للصانع)\nهذا جواب عن الدليل الثالث وهو قوله: \"ومُعَلَّلًا به\"، أي: بالحادث، كقولنا: حَلَّت بالنكاح، وحرمت بالطلاق.\nفأجاب: بأن هذه العِلَل شرعية، والعلل الشرعية مُعَرِّفات لا مُؤَثِّرات (^٣)، وكأن الله تعالى قال: إذا تزوج فلانٌ فلانةً (^٤) بشروط\n_________\n(^١) في (ك): \"فلا يمنع\".\n(^٢) لأن تعلق القديم بالحادث من جهة العلم، لا من جهة الوجود في الخارج.\n(^٣) والمعرِّف يجوز أنْ يتأخر عن المعرَّف، كما عُرِف الله تعالى بصَنْعته، فالعلل الشرعية حادثة، وهي تُعَرِّف بالحكم القديم، فليس الحِلُّ بسبب تأثير النكاح، ولا الحرمة بسبب تأثير الطلاق، إنما هما بتأثير الله تعالى وَحْده، لكن النكاح والطلاق مُعَرِّفان لذلك الحكم القديم، فالحادث يجوز أنْ يُعَرِّف القديم. والمؤثرات إما أنْ تكون بالذات أو بالاختيار، فالأول: وهو المؤثِّر بالذات يُقال له الموجب. والثاني: وهو المؤثر بالاختيار يُقال له الموجد، والأثر من الموجد أو من الموجب متأخِّر عنهما بالضرورة، فإذا كانا حادثَيْن، كان حادثًا جزما. فتعليل الحكم القديم بالحادث لا يلزم منه حدوث الحكم؛ لأنَّ المراد بالعلة عندنا المعرِّف لا المؤثر. انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٦٩، نفائس الأصول ١/ ٢٢٠.\n(^٤) في (ص)، و(ك): \"بفلانة\".","vol":"2","page":128},{"text":"كيت وكيت، فاعلموا أنِّي أحللتُها له.\nفإذا وُجِد النكاح بتلك الشروط - عرفنا الإحلال الأزلي، ويجوز أنْ يكون الحادث مُعَرِّفًا للقديم، كما أن العالَم يُعَرِّفنا وجودَ الباري ﷾، ووحدانيتَه، وليس (^١) علة له.\nواسم الصانع اشْتَهَر على ألسنة المتكلمين في هذا المثال، ولم يَرِد في الأسماء (^٢)، وقُرِئ في الشواذ: \"صَنْعَةَ الله\" (^٣)، بالنون، فَمَن اكتفى في إطلاق (^٤) الأسماء (^٥) بورود الفعل يكتفي بمثل ذلك (^٦).\nوما ذكره المصنف من الجواب يحسن إيراده على وجهين:\nأحدهما: على سبيل المنع ابتداء، فيقال: لا نسلم أنَّ النكاح والطلاق ونحوهما عِلَل، وإنما هي مُعَرِّفات.\nوالثاني: على سبيل الاستفسار، فيقال: إنْ أردتَ بالعلل المعرِّفات فمسلمٌ ولا يفيدك، وإنْ أردت المؤثرات فممنوع.\n_________\n(^١) في (ص) و(ك) (و(غ): \"فليس\".\n(^٢) أي: لم يرد \"الصانع\" في الأسماء الحسنى الواردة في الحديث.\n(^٣) في هامش (غ) ص ١٩: الأولى الاستدلال بقوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) في (غ): \"الاسم\".\n(^٦) يعني: مَنْ يكتفي في إثبات الأسماء لله تعالى بورود الفعل أو المصدر - يكتفي في مثل هذا بذلك؛ فيطلق على الله تعالى اسم \"الصانع\" بناءً على ورود المصدر.","vol":"2","page":129},{"text":"والعلة تطلق بمعنى: المعرِّف، والداعي، والمؤثر (^١).\nوالمتكلمون ينكرون المؤثر بناءً على أنّ الأفعال كلها من الله تعالى، وهو تعالى فاعل بالاختيار لا مؤثِّر بالذات (^٢)، فلا وجود للعلة المؤثرة.\nهذا مذهب أهل السنة والحكماء.\nوكثير من المتكلمين، (غير أهل السنة) (^٣) تُثْبتها وإن اختلف مَدْرَكُهم.\nوهذا تمام الأدلة الثلاثة التي قرر بها السؤال الأول.\n(والمُوجِبِيَّة والمانِعِيَّة إعلام بالحكم لا هو، وإنْ سُلِّم فالمعنيُّ بهما اقتضاء الفعل والترك، وبالصحة إباحة الانتفاع، وبالبطلان حرمته).\nهذا جواب عن السؤال الثاني (^٤) بأحد طريقين:\n_________\n(^١) انظر: إرشاد الفحول ص ٢٠٧، البحر المحيط ٧/ ١٤٢.\n(^٢) المؤثر بالذات يعني: الموجِب بالذات، كما سبق بيانه. وفي التعريفات للجرجاني ص ٢١٢: الموجب بالذات: هو الذي يجب أنْ يصدر عنه الفعل إن كان علة تامة له، من غير قصدٍ وإرادة، كوجوب صدور الإشراق عن الشمس، والإحراق عن النار. اهـ. فهو ﷾ يفعل ما يشاء بقصدٍ وإرادة وحكمة، من غير أنْ يجب عليه شيء ﷾.\n(^٣) في (ص): \"غير أنَّ أهل السنة\". وهو خطأ؛ لأن المعنى أنَّ كثيرًا من المتكلمين الذين من غير أهل السنة يثبتون العلة المؤثرة وبإثبات، (أنْ) يَنْقلب المعنى فيكون أهل السنة هو المثبتون لا النافون.\n(^٤) وهو في قول الماتن: وأيضا فموجبية الدلوك. . . الخ.","vol":"2","page":130},{"text":"إما بأنَّ تلك الأشياء التي ادُّعِيَ خروجُها عن الحد ليست أحكامًا، بل إعلامًا بالحكم، فلا معنى لكون الدلوك مُوجِبًا (^١) إلا أنَّ الله تعالى أعلمنا به الوجوب، (ولا معنى لكون النجاسة مانعة إلا أنَّ الله أعلمنا بها تحريم الصلاة (^٢) (ولا معنى لكون الوضوء شرطًا إلا أنَّ الله أعلمنا بعدمه بطلانَ الصلاة.\nوإما بأن نُسَلِّم أنها حكم، ونقول: إنها ليست خارجة عن الحد، بل راجعةٌ إليه بتأويل، وهو أنَّ المعنيَّ بالموجبية اقتضاء الفعل، وبالمانعية اقتضاء (^٣) الترك، ومعنى هذا أنَّ موجبية الدلوك مثلا بمنزلة: جعلتُ الدلوك مُعَرِّفًا لوجوب الصلاة.\nوالاقتضاء المذكور في الحد معناه: أوجبتُ (^٤) الصلاة عند الدلوك.\nوحاصل العبارتين سواء، فبذلك يكون الحد جامعًا، وكلام المصنف ناطق بهاتين الطريقين في الموجبية والمانعية.\nوأما الصحة والبطلان فاقتصر فيهما على الجواب الثاني، وهو رجوعهما إليه بتأويل، وهو أنَّ صحة البيع لا معنى لها إلا إباحة الانتفاع، وفساده لا معنى له إلا حرمة الانتفاع، وفيه نظر؛ لأنا نُعَلِّل إباحةَ الانتفاع بالصحة، وحرمته بالفساد، والعلة غير المعلول؛ ولأن بتمام الإيجاب\n_________\n(^١) في (ص) و(ك): \"واجبًا\". وهو خطأ، ومنافي للفظ المتن: الموجبية.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) في (ك): \"طلب\".\n(^٤) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"وَجَبَت\".","vol":"2","page":131},{"text":"والقبول تحصل الصحة، ولا يباح الانتفاع حينئذ حتى يتم الخيار ويَقْبض.\nولم يذكر المصنف صحة العبادة وفسادها، والسؤال واردٌ فيها أيضًا.\nوقد ذكر المصنف بعد هذا ما هو المعتمد في تفسير الصحة: وهو أنها استتباع الغاية، ومعناه: أنَّ العبادة أو العقد بحيث يترتب عليه أثره، وهو الغاية المقصودة منه، وغاية البيع مثلًا إباحة الانتفاع، فإنْ وقع البيع بحيث يكون كذلك كان صحيحًا، وإلا كان فاسدًا، وبهذا يصح تعليل إباحة الانتفاع بالصحة، ويندفع توقف الإباحة على الخيار والقبول؛ لأنَّه قد ينعقد السبب بحيث يترتب عليه مقصوده، وإنْ توقف على شرطٍ إذا وُجِد ذلك الشرط أضيف المشروط إلى السبب السابق.\nإذا عرفتَ (^١) هذا فكون البيع بحيث يترتب عليه حِلُّ الانتفاع، حكم ليس باقتضاء ولا تخيير، فهو خارج عن الحد، ورجوعه إليه بالطريق (^٢) التي تقدمت في الدلوك، وهو أن نقول: الصحة مُنَزَّلةٌ مَنْزِلَةَ قولِ الشارع: جعلتُه مبيحًا للانتفاع، أي: مُعَرِّفًا للإباحة.\nوالتخيير المذكور في الحد معناه: إباحة الانتفاع عنده.\nوحاصل العبارتين سواء.\nبقي هنا نظرٌ آخر، هو كون البيع بحيث يترتب عليه حل الانتفاع، هل هو معنى شرعي زائد على الإيجاب والقبول وسائر ما\n_________\n(^١) في (ت): \"إذا عُرِف\".\n(^٢) سقطت من (ت).","vol":"2","page":132},{"text":"يعتبر معه، أو هو تلك الأشياء فقط بغير زيادة، أو مجموعها يحصل به ذلك.\nفإنْ كان الأول، وهو المشهور عند الجمهور، كان ذلك المعنى (^١) حكمًا شرعيًا مفارقًا لذات الدلوك، مساويًا لجَعْل الدلوك مُعَرِّفًا للوجوب (^٢)؛ (فلذلك تعينت الطريق الثاني) (^٣) فيه (^٤)؛ إذ لا يمكن إنكار كون ذلك شرعيًا (^٥).\nوإن كان الثاني (^٦)، وهو مقتضى كلام بعضهم ساوى (^٧) الدلوك من\n_________\n(^١) وهو الأمور الزائدة على الإيجاب والقبول وما يعتبر معه.\n(^٢) قوله: مفارقًا لذات الدلوك، يعني: هذه الأمور الزائدة ليست هي الإيجاب والقبول.\nوقوله: مساويًا لجعل الدلوك معرِّفا للوجوب، أي: كما أنَّ الدلوك معرِّف لوجوب الصلاة، فهذه الأمور الزائدة مُعَرِّفات لحل الانتفاع، كالايجاب والقبول وسائر ما يعتبر معه معرِّف أيضًا لحل الانتفاع. فهذه الأمور الزائدة ليست هى الإيجاب والقبول، ولكن كل منهما معرِّف لحل الانتفاع.\n(^٣) في (ص)، و(ك): \"فلذلك تعللت الطريق للثاني\". وهو خطأ وتحريف؛ لأنَّ المعنى: لما كان صحة البيع حكمًا شرعيًا مفارقًا لذات الدلوك، ومساويًا لجعل الدلوك معرفًا للوجوب - تعينت الطريق الثاني وهو التأويل - كما سبق ذكره - لإدخال الصحة في حد الحكم الشرعي.\n(^٤) سقطت من (غ)، و(ص)، و(ك). والضمير في \"فيه\" يعود على ذلك المعنى الأول.\n(^٥) يعني: لا يمكن إنكار كون دلالة الصحة على إباحة الانتفاع، ودلالة الفساد على حرمة الانتفاع - شرعية، بل هي أحكام شرعية، لا تُعرف إلا من الشرع.\n(^٦) يعني: وإن كان المراد بالبيع المترتب عليه آثاره: هو ذات الإيجاب والقبول وسائر ما يُعتبر معه بدون زيادة.\n(^٧) في (ص): \"يساوي\".","vol":"2","page":133},{"text":"كل وجه، وأمكن أن يقال حينئذ: إن معنى الصحة: الإعلام بإباحة الانتفاع عند اجتماع تلك الأمور (^١)، وليست حكمًا بل إعلامًا بالحكم. وكذلك إنْ جعلنا الصحة: وقوع البيع، أو العبادة على وَفْقِ الوجه المشروع، وقلنا: إن هذا معنى عقلي لا شرعي، فيأتي الطريقان أيضًا في الجواب (^٢).\n(والترديد في أقسام المحدود لا في الحد).\nهذا جواب عن السؤال الثالث.\nوبيانه: أنَّ الترديد المنافي للتحديد هو الترديد في الحد، وهنا ليس كذلك، فإن (^٣) الترديد إنما يكون في الحد لو كانت \"أو\" داخلة بين الجنس والفصل، أو بين الفصول، وها هنا إنما وقعت بين أقسام الفصل الآخر (^٤)، وذلك أَنَّه لا كان الخطاب المتعلِّق بأفعال المكلفين يشمل الاقتضاء والتخيير وغيرهما - أتى بالفصل الأخير (^٥) ليخرج غيرهما، ويصير الفصل أحدهما من غير تعيين (^٦)، أعم مِنْ كونه اقتضاء أو تخييرًا، فهذا القدر المطلق هو\n_________\n(^١) وهي: الإيجاب والقبول، وسائر ما يعتبر معهما.\n(^٢) يعني: أننا لو جعلنا صحة البيع أو العبادة: وقوعهما على وفق الوجه المشروع - يأتي الطريقان في الجواب، إما أنَّ نقول بأن الصحة أو الفساد ليسا حكمًا شرعيًا، فإذا خَرَجا من تعريف الحكم فلا بأس، أو أنْ نجعلهما حكمًا شرعيًا ويدخلان في الحد بطريق التأويل.\n(^٣) في (ص): \"لأنَّ\".\n(^٤) في (ك): \"الأخير\".\n(^٥) وهو قوله: بالاقتضاء أو التخيير.\n(^٦) في (ت): \"تعين\".","vol":"2","page":134},{"text":"الفصل، ولا ترديد فيه (^١)، ولكنه ينقسم إلى اقتضاء وتخيير، فأتت \"أو\" بين قِسْمَيْه فلا يحصل بها إخلال في الحد، والفصل مساو للمحدود (^٢)، وكل ما كان أقسامًا لشيء، كان أقسامًا لمساويه؛ فلذلك قال المصنف: إنها في أقسام المحدود (^٣)، ولم يكن الحد بدون أحدهما مانعًا، فلذلك لا بد من الفصل بأحدهما مطلقا. و\"أو\" داخلة بين المعنيين، وكل منهما مُعَيَّنًا، أخَصُّ من أحدهما مطلقًا (^٤)، ولو وَجَد عبارةً تشملهما، أو\n_________\n(^١) أي: هذا القدر المطلق (وهو قوله: أحدهما من غير تعيين) الشامل لكلٍ من الاقتضاء والتخيير على البدلية هو الفصل، وليس فيه ترديد. قال القرافي في شرح تنقيح الفصول ص ٦٨: وقد قال بعض الفضلاء في مثل هذا السؤال: هذا حكم بالترديد لا ترديد في الحكم، والثاني هو الشك دون الأول؛ لأنّه جزم لا شك. اهـ أي: جزم بالتردد، والشاك متردد في حكمه: هل يحكم بهذا أو بنقيضه؟ فظهر الفرق بين الحكم بالترديد، والترديد في الحكم، والقادح إنما هو الثاني دون الأول، والواقع في حد الحكم هو الأول دون الثاني، فلا فساد حينئذ. انظر: نفائس الأصول ١/ ٢٣٢.\n(^٢) المحدود: هو الحكم. والمعنى أنّ الفصل يساوي المحدود وجودًا وعدمًا؛ لأنَّه كلي ذاتي مختص بالماهية يفصلها عن غيرها من الماهيات المشاركة لها في الجنس، فلا وجود للمحدود إلا بوجود الفصل، وتنعدم الماهية بعدمه.\nفمثلا الإنسان: حيوان ناطق. فناطق فصلٌ مساوٍ للإنسان وجودًا وعدمًا، فحيثما وُجِد الناطق وُجد الإنسان، وحيثما عُدِم الناطق عُدم الإنسان، لكن قد يُوجد الجنس وهو الحيوان بدون الإنسان؛ لأنَّ الجنس كلي ذاتي مشترك غير مختص بالماهية وحدها. انظر: حاشية الباجوري على متن السلم ص ٣٨.\n(^٣) فاكتفى البيضاوي بقوله هذا، ومراده ما ذكرنا، وهو أَنَّه ما دامت \"أو\" أقسامًا للمحدود، فهي أقسام لفَصْله؛ لأن الفصل مساوٍ للمحدود، فليس في \"أو\" هنا معنى الترديد.\n(^٤) يعني: المراد بقوله: بالاقتضاء أو التخيير - كون كل واحد منهما مُعَيِّنًا للحكم على =","vol":"2","page":135},{"text":"تُخرج غيرَهما (^١)، استراح من هذا السؤال وجوابه.\nوقد خَطَر لي أن يكون: الإنشاء؛ فإنه يُخْرج الخبرَ ويشمل الاقتضاء والتخيير، فيقال هكذا: الحكم الشرعي: هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الإنشاء. ويندرج فيه خطاب الوضع، وكون الشيء سببًا وشرطًا، ومانعًا، والحكم بالصحة والفساد، سواء أقلنا إنَّ ذلك يرجع بتأويل إلى الاقتضاء والتخيير أم لا، ويندرج فيه مثل قوله تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فتزويج الله لنبيه - زينبَ حكمٌ شرعي (^٢) (^٣).\n_________\n= البدلية. وهذا القول أخص من قوله لو قال: المتعلق بالاقتضاء، فقط. أو قوله لو قال: المتعلق بالتخيير، فقط.\nوقول الشارح: أخص من أحدهما مطلقًا. يعني: النسبة بين قوله الذي قاله في حد الحكم، وبين كل واحد من القولين لو قاله نسبة عموم وخصوص مطلق؛ لأنَّ كلًا من القولين داخل في قوله الأول، وينفرد قولُه الأول عن كل واحد من القولين.\n(^١) يعني: لو وجد الماتن عبارةً تشمل الاقتضاء والتخيير من غير (أو)، أو عبارة تُخْرج غيرَهما من غير (أو).\n(^٢) لأنَّ هذا الخطاب ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ صورته الإخبار، وحقيقته الإنشاء.\n(^٣) انظر: اعتراضات المعتزلة الثلاثة السابقة والأجوبة عنها في: المحصول ١/ ق ١/ ١٠٨، الحاصل ١/ ٢٣٤، شرح شرح تنقيح الفصول ص ٦٨، نفائس الأصول ١/ ٢١٩، نهاية السول ١/ ٥٩، شرح الأصفهاني على المنهاج ١/ ٤٧، السراج الوهاج ١/ ٩٤، تيسير التحرير ٢/ ١٣١.","vol":"2","page":136},{"text":"الفصل الثاني: تقسيم الحكم","vol":"2","page":137},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>(الفصل الثاني: في تقسيمه</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>الأول: الخطاب إن اقتضى الوجود ومنَع النقيض فوجوب</span>، وإن لم يمنع فندب، وإن اقتضى الترك ومنع النقيض فحرمة، وإلا فكراهة، وإنْ خَيَّر فإباحة).\nلما فرغ من تعريف الحكم الشرعي - شرع في تقسيمه، وحذف قوله: وهو من وجوه، لدلالة الكلام عليه (^١).\nوالألف واللام في \"الخطاب\" للمعهود السابق في حد الحكم، وهذا التقسيم بحسب ذات الحكم.\nوالاقتضاء: هو الطلب. وقابل المصنف الموجودَ بالترك، ولو جعل موضع الوجود الفعل، أو موضع الترك العدم - لكان أحسن من حيث اللفظُ، وأما المعنى ففيه تَسَمُّح على التقديرين؛ لأنَّ الترك فعل وجودي، فلا يكون قسيما (^٢) لا للفعل ولا للوجود (^٣)، ولذلك قال غيره: المطلوب إما فعل غير كَفٍّ، وإما كفٌّ، وهذا بحسب حقيقة الفعل عقلا (^٤).\n_________\n(^١) يعني: لم يقل البيضاوي: الفصل الثاني: في تقسيمه، وهو من وجوه؛ لأن عبارة: وهو من وجوه، يدل الكلام عليها، فاستغنى بذلك عن ذكرها.\n(^٢) في (ص): \"تقسيما\". وهو خطأ.\n(^٣) يقصد أنَّه من حيث المعنى هناك تسمح، أي: احتياج إلى التأويل؛ لأنَّه لما كان الترك فعلًا وجوديًا، فكيف يكون قسيما للفعل أو الوجود وهو مركَّب منهما، يعني: كيف يكون قسيما لجزئيه أو لبعضه! هذا لا يكون.\n(^٤) أي: وهذا التقسيم للفعل إلى كف وغير كف بحسب حقيقة الفعل عقلًا.","vol":"2","page":139},{"text":"وأهل العرف يقابلون بين الفعل والترك المطقَيْن (^١)، والأولى (^٢) اعتماده في هذا التقسيم، وعدم التقييد بكونه كَفًّا أو غير كف.\nوقوله: \"فوجوبٌ\" - صوابه: فإيجاب، فإنه الحكم، والوجوب أثره. تقول: أوجبه الله إيجابًا، فوجب وجوبًا (^٣).\nوكذلك قوله: \"حُرمةٌ\" - صوابُه: تحريمٌ (^٤). ووجه الحصر بَيِّنٌ (^٥).\n_________\n(^١) أي: غير المقيَّدين بكفٍ أو غير كف.\n(^٢) في (ت): \"فالأولى\".\n(^٣) فوجب فعل متأثر بأوجب، فكذا مصدره وجوبًا، ولذلك قال الإسنوي في نهاية السول ١/ ٧٢: لكن تعبير المصنف بالوجوب والحرمة لا يستقيم، بل الصواب الإيجاب والتحريم؛ لأن الحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى كما تقدم، والخطاب إنما يصدق على الإيجاب والتحريم، لا على الوجوب والحرمة؛ لأنهما مصدرا وجب، والإيجاب والتحريم مصدران لأوجب وحَرَّمَ بتشديد الراء، فمدلول: خاطبنا الله تعالى بالصلاة مثلًا - هو أوجبها علينا، وليس مدلوله وَجَبت، نعم إذا أوجبها فقد وجبت وجوبا. ولبعض الأصوليين نقاش في هذا، انظره في: شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٢٥، مع حاشية السعد والجرجاني، وحاشية البناني على شرح المحلي لجمع الجوامع ١/ ٨٠.\n(^٤) تعبير المحصول ١ / ق ١/ ١١٣، والتحصيل ١/ ١٧٢: بالإيجاب والتحريم. وتعبير الحاصل ١/ ٢٣٦: بالوجوب والحرمة. والمصنف البيضاوي تبعه في هذا.\n(^٥) يعني: وجه حصر الأحكام التكليفية في هذه الأقسام الخمسة واضح جلي.\nوانظر تقسيم الحكم التكليفي في: المحصول ١/ ق ١/ ١١٣، نهاية السول ١/ ٧١، شرح تنقيح الفصول ص ٧٠، شرح الكوكب المنير ١/ ٣٤٠، الإحكام للآمدي =","vol":"2","page":140},{"text":"(ويُرسم الواجب بأنه: الذي يذم شرعًا تاركه قصدًا مطلقًا).\nلما ذَكَر الإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة في التقسيم المذكور - بأن به ماهية كلِّ واحد منها.\nفالإيجاب: طلب الفعل المانع من النقيض.\n(والندب: طلب الفعل غير المانع من النقيض) (^١)\n(والتحريم: طلب الترك المانع من النقيض.\nوالكراهة: طلب الترك غير المانع من النقيض) (^٢).\nوالإباحة: هي التخيير بين الفعل والترك.\nولك أن تجعل مكان: \"المانع من النقيض\" الجازم، في جميع المواضع، فهما مترادفان (^٣).\nوالأفعال التي هي مُتَعَلَّق هذه الأحكام هي: الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه، والمباح - تظهر ماهياتها بذلك أيضًا (^٤)، فيقال:\nالواجب: المطلوب الفعلَ طلبًا جازمًا.\nوالمندوب: المطلوب الفعل طلبًا غير جازم.\n_________\n= ١/ ١٣٧، إرشاد الفحول ص ٦، شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٢٥.\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) يعني: كلمة: الجازم، وجملة: المانع من النقيض، مترادفان.\n(^٤) يعني: الأفعال التي هي متعلِّقات الأحكام تظهر ماهياتها بكلمة جازم أيضًا.","vol":"2","page":141},{"text":"والحرام: المطلوب الترك طلبًا جازمًا.\nوالمكروه: المطلوب الترك طلبًا غير جازم.\nوالمباح: المُخَيَّر فيه.\nولكنه ذكر لها رسوما (^١) أخرى تظهر بها خصائصها (^٢)، وبدأ بالواجب (^٣)، وترك ذِكْر الجنس وهو الفعل (^٤)؛ لدلالة الكلام عليه، واكتفى بذكر الخواص.\n_________\n(^١) الرسوم جمع رسم، وهو في اللغة: الأثر. المصباح المنير ١/ ٢٤٣. وفي اصطلاح المناطقة ينقسم إلى قسمين:\nرسم تام: وهو التعريف بالجنس القريب والخاصة. كقولنا: الإنسان حيوان ضاحك. ورسم ناقص: وهو التعريف بالخاصة فقط، أو بالخاصة مع الجنس البعيد. كقولنا: الإنسان: ضاحك. وقولنا: الإنسان: جسم ضاحك. فجسم جنس بعيد، وضاحك خاصة. انظر: شرح الباجوري على السلم ص ٤٣، وشرح الدمنهوري على السلم ص ٩، والتعريفات للجرجاني ص ٩٨.\n(^٢) في (ص): \"حقائقها\". وهو خطأ؛ لأنَّ الحدود هى التي تظهر بها الحقائق، أما = الرسوم فتظهر بها الخصائص لا الحقائق. والمعنى: أنَّ المصنف بعد أن بَيَّن حدود الأحكام الخمسة، بأن بتلك الحدودِ حدودُ مُتَعَلَّقَاتُها وهي الأفعال، فَثَنَّى المصنف بعد ذكر الحدود بذكر الرسوم لتلك الأفعال.\n(^٣) أي: بدأ في تعريفاته بتعريف الواجب. ولم يذكر تعريفه في اللغة، وهو لغة: الساقط والثابت. قال في القاموس ١/ ١٣٦: \"وجب يَجِب وَجْبةً سقط، والشمس وَجْبًا ووجُوبًا غابت، والعينُ غارت. . . والوَجْبَة السقطة مع الهُدَّة أو صوت الساقط\". وفي اللسان ١/ ٧٩٣: \"وَجَب الشيء يَجِبُ وُجوبًا إذا ثبت ولَزِم\". وانظر: شرح الكوكب ١/ ٣٤٥، وبيان المختصر ١/ ٣٣٣.\n(^٤) أي: ترك ذكر الجنس في تعريف الواجب، وهو كلمة: الفعل.","vol":"2","page":142},{"text":"فقوله: \"الذي\" صفةٌ لمحذوف، أي: الفعل الذي، فالفعل جنس يشمل الخمسة، و\"الذي يُذَمُّ تاركه\" (^١): أخرج المندوب، والحرام، والمكروه، والمباح.\nوعادة الأصوليين يقولون: الذي يُذَم: يُخْرج المندوب والمكروه والمباح، وتاركه: يُخْرج الحرام. وكان الباجي يشرحه كذلك، وأنا لا أختار هذا (^٢)؛ لأنَّ الذي يُذم وحده لا يصلح أن يكون فصلًا (^٣)، ألا ترى أنك لو قلتَ: الفعل: الذي يذم - لم يكن جنسًا للمحدود، ولا مفيدًا للمقصود (^٤).\nوقوله: \"شرعًا\" احتراز عن مذهب المعتزلة، فإن عندهم الذم بالعقل، فأشار بهذا إلى قاعدة الأشاعرة، وهي أنَّ الأحكام لا تثبت إلا بالشرع (^٥)،\n_________\n(^١) هذه هي الخاصة الثانية في الرسم، وقد قدمها الشارح على الأولى، مع تنويهه بذلك في كلامه الآتي.\n(^٢) هذا الذي اختاره الشارح، اختاره الجاربردي؛ إذ قال في السراج الوهاج ١/ ١٠٤: أقول: قوله: \"يذم الشرع تاركه\" خرج به الندب، والحرمة، والكراهة، والإباحة.\n(^٣) هذا سهو من الشارح - رحمه الله تعالى -، والصواب: لا يصلح أن يكون خاصة. وهو ما سبق أنْ ذكره في الأسطر التي قبله.\n(^٤) يعني: أنك لو عَرَّفت الفعل بأنه: الذي يذم. فليس هذا جنسًا للمحدود؛ لأنَّ الذم أمر خارجي ليس ذاتيًا، وليس مفيدًا للمقصود؛ لأنَّه لا يدل على المعنى الذي يقصده المعرِّف، فهو لا يصلح أنْ يكون خاصة.\n(^٥) هذا يخالف ما قرره الشارح - رحمه الله تعالى - سابقًا في تعريف الفقه في قيد \"الشرعية\"، وأن هذا القيد ليس فيه تنبيه على مخالفة المعتزلة في هذا؛ إذ الحكم عندهم شرعي، وإنما العقل طريق إليه. =","vol":"2","page":143},{"text":"وقَدَّم \"شرعًا\" على \"تاركه\" حتى يتبين أنَّ انتصابه عن يُذَمَّ (^١).\nوقوله: \"قصدًا\" متعلِّق بتاركه، وهو قيد ليس في \"المحصول\" (^٢)، ولا في \"الحاصل\" (^٣)، وأراد به إدخال الواجب إذا تُرك سهوًا، فإنه لا يُذم، ولا يخرجه ذلك عن الوجوب، ولو لم يقل ذلك لكان الرسم مُطَّرِدًا غير منعكس (^٤)، لأنَّ ما لا يذم تاركه قد يكون واجبًا بأن يتركه سهوًا،\n_________\n= ولعل الأولى بالشارح أنْ يقول ما قاله الطوفي في شرح تعريف الواجب: فقولنا: \"ما ذم\" أي: ما عيب، \"شرعًا\": أي احتراز مما عيب عقلًا أو عرفًا. وكثير من الأفعال يُذَم فاعله عرفًا لا شرعًا، فلا يكون واجبًا؛ لأن الاعتبار بالذم الشرعي. اهـ. انظر: شرح مختصر الطوفي ٢/ ٢٨٢. علمًا بأن عامة الأصوليين يقولون بقول الشارح هنا وهو أن قيد \"شرعًا\" احتراز عن مذهب المعتزلة، ولكن الاعتراض على الشارح في هذا؛ لأنَّه سبق أنّ قرر أنَّ قيد \"الشرعية\" في تعريف \"الفقه\" لا يقصد به الاحتراز عن مذهب المعتزلة. وأنكر على شمس الدين الأصفهاني قوله بذلك، مع أَنَّه قال به هنا، فكان هذا تناقضا.\nوقد قال الجاربردي في شرح التعريف: \"وإنما قال: \"يذم شرعا\"؛ لأنَّ العقل لا حكم له\". انظر: السراج الوهاج ١/ ١٠٤، فكان فعل الجاربردي موافقًا للطوفي، وكلاهما في شرح تعريف الفقه عند قيد \"الشرعية\" لم يذكرا أنَّ المقصود به المعتزلة، بل الاحتراز عن الأحكام العقلية. انظر: شرح المختصر ٢/ ١١٨، والسراج الوهاج ١/ ٨١.\n(^١) يعني: كلمة \"شرعا\" حال من الفعل يذم.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ١١٧.\n(^٣) انظر: الحاصل ١/ ٢٣٧.\n(^٤) يقصد السبكي بقوله: مطردًا، أي: مانعًا. وبقوله: غير منعكس، أي: غير جامع؛ بدليل أنَّه قال بعده: لأنَّ ما لا يذم تاركه قد يكون واجبًا بأن يتركه سهوا. فيكون الرسم بغير قيد: \"قصدا\" غير جامع؛ لأنَّه يَخْرج فردٌ من أفراده، وهو الواجب =","vol":"2","page":144},{"text":"وإطلاق \"تاركه\" مع ما فيه من العموم المستفاد من الإضافة - يقتضي: أنَّ ما لا يذم (كلُّ تاركٍ له) (^١) ليس بواجب؛ فَقَيَّد التارك بالقصد.\nوكل قيد في الفصل يكثر به المحدود، بخلاف زيادة الفصول فإنه ينقص بها المحدود، وصار الرسم بهذا القيد مطردًا منعكسًا، أما اطراده فلأن كل ما يذم تاركه قصدًا واجب، وهذا صحيح. وكذا انعكاسه؛ لأنَّ ما لا يذم تاركه قصدًا (^٢) ليس بواجب.\nفإن قلت: الساهي غير مكلَّف، فليس الفعل في حقه واجبًا، فلا يوصف بترك الواجب.\nقلتُ: إما أن يكون بُني هذا على رأي الفقهاء، فإنهم يقولون: الصلاة واجبة على الساهي والنائم؛ ولذلك يجب القضاء\n_________\n= المتروك سهوًا، الذي لا ذَمَّ في تركه.\nقال العضد في شرح ابن الحاجب ١/ ٧١: \". . فالاطراد: هو أنَّه كلما وُجِد الحد وجد المحدود، فلا يدخل فيه شيء ليس من أفراد المحدود؛ فيكون مانعًا. والانعكاس: هو أنَّه كلما وُجِد المحدود وجد الحد. ويلزمه كلما انتفى الحد انتفى المحدود، فلا يخرج عنه شيء من أفراد المحدود، فيكون جامعًا\".\nقال في شرح الكوكب المنير ١/ ٩١ \"وكون المانع تفسيرًا للمطرد، والجامع تفسيرًا للمنعكس هو الصحيح الذي عليه الأكثر\". وانظر ما قاله الشنقيطي في آداب البحث والمناظرة ق ١/ ٤٢، فهو تفصيل وتوضيح جيد.\nوانظر أيضًا: كشف الأسرار للبخاري ١/ ٢١.\n(^١) في (ت): \"كل تاركه\".\n(^٢) سقطت من (ص).","vol":"2","page":145},{"text":"عليهما. وإما أنْ يُفرض فيمن سَهَى عن الصلاة بعد دخول وقتها ووجوبها عليه (^١)، واستمر سهوه حتى خرج الوقت، فالوجوب قد تَحَقَّق وتحقق الترك، ولا معصية بسبب السهو، كمن مات في أثناء الوقت ولا يَعْصِي على الصحيح، فطريان (^٢) السهو (في أثناء الوقت) (^٣) كطريان الموت، وكذا إذا طرأ النوم عن غلبة، وإنما قَيَّدت بقولي: عن غلبة؛ لأنَّه إذا قصد النوم حيث يحتمل عنده أن يستيقظ قبل خروج الوقت، وأن لا يستيقظ، والاحتمالان على السواء، فإنه إذا نام يكون قد عرَّضها للفوات، فيظهر عصيانه، وهذا قلتُه تَفَقُّهًا (^٤)، ثم وجدتُه في فتاوي أبي عمرو بن الصلاح، واستدل بما جاء في الحديث في العِشَاء: \"أَنَّه نهى عن النوم قبلها\" (^٥).\n_________\n(^١) يعني: كان في أول الوقت متذكرًا للصلاة ثم سها عنها.\n(^٢) في (ك): \"وطريان\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) يعني: اجتهادًا من عندي، من غير أن أجده في كتب الفقه.\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٣٣، من حديث أنس وأبي برزة الأسلمي ﵄، وفي ٢/ ٢٨٠، من حديث أبي بردة وأنس ﵄. وأخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤٢٣، من حديث أبي برزة ﵁. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١١/ ٩٦، عن ابن عباس ﵄، رقم الحديث ١١١٦١. قال الهيثمي في المجمع ١/ ٣١٥: \"رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو سعيد بن عود المكي، ولم أجد من ذكره\".\nوفي البخاري ١/ ٢٠٨، في مواقيت الصلاة، باب ما يُكره من النوم قبل العشاء، حديث رقم ٥٤٣، عن أبي برزة: \"أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يكره النوم قبل =","vol":"2","page":146},{"text":"وإنْ غلب على ظنه أنْ (^١) يستيقظ قبل خروج الوقت - فالذي يظهر جواز النوم، ولا يَعْصي إذا استغرق به النوم على نُدُورٍ حتى خرج الوقت، ويُحْمَل الحديث على ما سوى هذه الصورة، أو على أَنَّه نَهْيُ تنزيه. وإنْ ظَنَّ أَنَّه لا يسقط حَرُم بلا إشكال مهما نام بعد الوقت.\nأما إذا نام قبله فلا؛ لأنَّ التكليف لم يتعلق به، ودَعْ [مَنْ] (^٢) يَعْلم مِنْ عادته أَنَّه لا يستيقظ إلا بعد الوقت (^٣)؛ لقول النبي - ﷺ -: \"إذا استيقظت فصلِّ\" (^٤).\n_________\n= العشاء، والحديث بعدها\". وحديث البخاري أخرجه الترمذي ١/ ٣١٢ - ٣١٣، في أبواب الصلاة، باب ما جاء في كراهية النوم قبل العشاء، رقم ١٦٨. قال الترمذي: \"وقد كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء، والحديث بعدها، ورخَّص في ذلك بعضهم. وقال عبد الله بن المبارك: أكثر الأحاديث على الكراهية. ورخَّص بعضهم في النوم قبل صلاة العشاء في رمضان\". قال ابن حجر: \"ومن نُقلت عنه الرخصة قيِّدت عنه في أكثر الروايات بما إذا كان له من يُوقظه، أو عرف من عادته أنه لا يستغرق وقت الاختيار بالنوم. وهذا جيد حيث قلنا: إن علة النهي خشية خروج الوقت. وحمل الطحاوي الرخصة على ما قبل دخول وقت العشاء، والكراهة على ما بعد دخوله\". فتح الباري ٢/ ٤٩.\n(^١) في (ك): \"أنه\".\n(^٢) لا بد من وضع هذه الكلمة ليستقيم المعنى. وهي موجودة في المطبوعة فقط ١/ ٣٣.\n(^٣) يعني: واترك حال مَن يَعْلَم مِن عادته أنَّه لا يستيقظ إلا بعد الوقت، فلا تُقَيِّد بها؛ لأنَّ هذه الحالة شاذة نادرة، والشاذ النادر لا يُقَيَّد به.\n(^٤) هذا حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: \"جاءت امرأةٌ إلى النبي - ﷺ - ونحن عنده فقالت: يا رسول الله إنَّ زوجي صفوان بن المعطِّل يضربني إذا =","vol":"2","page":147},{"text":"فإن قلتَ: هل هذا القيد (^١) الذي زاده المصنف لا بد منه، حتى يكون الحد بدونه فاسدا؟\nقلتُ: يلتفت على شيء، وهو أنَّ عدم الفعل أعمُّ من تركه، فمن مات، أو نام غَلَبةً (^٢) أو قبل الوقت حتى خرج، يقال في حَقِّه: لم يُصلِّ، ولا يقال: ترك الصلاة. ومن اشتغل بضدها وهو ذاكرٌ لها فقد تركها قصدًا، ومَنْ نام عن اختيارٍ في أثناء الوقت، مع عِلْمه مِنْ عادته أنه لا يستيقظ - داخلٌ في ذلك.\nوأما الساهي: وهو الذي اشتغل بضدها، قاصدًا لذلك الضد، ولم يخطر بباله الصلاة، فيقال: إنه لم يصل، وهل يقال: إنه تارك للصلاة؛\n_________\n= صليت، ويُفطرني إذا صمت، ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس. قال: وصفوان عنده، قال فسأله عما قالت؟ فقال: يا رسول الله أما قولها يضربني إذا صليت فإنها تقرأ سورتين نهيتها عنهما وقلت: لو كانت سورة واحدةً لكفت الناس. وأما قولها: يفطرني إذا صمت - فإنها تنطلق فتصوم وأنا رجل شابٌّ فلا أصبر. فقال رسول الله - ﷺ - يومئذٍ: لا تصوم امرأةٌ إلا بإذن زوجها. وأما قولها: بأني لا أصلي حتى تطلعَ الشمس - فإنَّا أهلُ بيتٍ قد عُرِفَ لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس. قال فإذا استيقظت فصلِّ\".\nأخرج الحديث أحمد في المسند ٣/ ٨٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٣٦، في كتاب الصوم، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٠٣، في كتاب الصيام، باب المرأة لا تصوم تطوعًا وبعلها شاهدٌ إلا بإذنه. والطحاوي في مشكل الآثار ٢١/ ٤٢٤.\n(^١) أي: قيد \"قصدا\".\n(^٢) أي: غلبة النوم بعد دخول الوقت.","vol":"2","page":148},{"text":"لأجل تلبسه بضدها مختارًا له، أو لا يقال ذلك؛ لعدم قَصْده لها، فأشبه مَنْ لا يُنسب إليه فِعْلٌ؟\nهذا محل نظر، فإنْ أطلقنا عليه اسم التارك - فلا بد من القيد المذكور (^١)، وإلا فلا حاجة إليه، وهو الأولى (^٢)؛ لأنَّ قولنا: الواجب ما يذم على تركه - معناه: على تركه حين كونه واجبًا.\nوالناسي حين نسيانه لم يكن الفعل واجبًا عليه، فَتَرْكُه الذي لم يُذَمَّ عليه والوجوبُ لم يجتمعا في زمن واحد، ولذلك إن القاضيَ أبو بكر (^٣) وغيره من الأئمة لم يذكروا هذا القيد.\nوقوله: \"مطلقًا\"، متعلِّق أيضًا بتاركه، وهو قيد في الفصل (^٤) زائد في المحدود، كما أشرنا إليه من قبل، وأن مقتضاه الإدخال لا الإخراج (^٥)، وقَصَد به إدخال الواجب المُوَسَّع، والمخيَّر، وفرض الكفاية، فإنَّ كلًا منها قد يتركه قصدًا تركًا مقَيَّدًا ولا (^٦) يذم، كما إذا ترك الموسع في أول الوقت وفعله في آخره، وترك خصلة من خصال المخيَّر\n_________\n(^١) يعني: إنْ أطلقنا اسم التارك على الساهي - فلا بد من قيد: \"قصدًا\" في تعريف الواجب.\n(^٢) يعني: وإن لم نطلق اسم التارك على الساهي؛ فلا حاجة إلى قيد: \"قصدا\" في تعريف الواجب، وهذا هو الأولى.\n(^٣) الصواب: أبا يكر. بدل أو عطف بيان\n(^٤) الصواب أن يقول: في الخاصة؛ لأنَّ هذا رسم، والرسم لا يُستعمل فيه الفصل.\n(^٥) أي: مقتضاه الانعكاس (جامع) لا الطرد (مانع).\n(^٦) في (ك): \"فلا\".","vol":"2","page":149},{"text":"وفعل الأخرى، وترك فرض الكفاية وقام به غيره - لا يأثم في الصور الثلاث، وإنما يأثم في الموسع (إذا تركه في جميع الوقت، وفي المخيَّر إذا ترك جميع الخصال، وفي فرض الكفاية) (^١) إذا ترك هو وغيره، فإنه يصح حينئذ إطلاق الترك عليه.\nوالنوع الرابع من أنواع الواجبات: وهو الواجب المُضَيَّق، إطلاق الترك صادق عليه، حيث تُرك بلا قيد (^٢)، فشمل كلامه الواجبات الأربعة، وهذا القيد وهو قوله: \"مطلقا\"، قاله صاحب \"الحاصل\" (^٣)، وحذف قول الأصحاب: \"على بعض الوجوه\"؛ لأنَّ به يُستغنَى عنه (^٤)، وهم يجعلون: \"على بعض الوجوه\" متعلِّقًا بيُذَمُّ، وفائدة هذا الرسم: أَنَّه إذا لم يَرِد من الشارع طلبٌ لفعل، ولكن ورد ذمه أو ذم فاعله (^٥) لأجله - استدللنا بذلك على وجوبه.\nوالذم معروف لغةً وعرفًا فلا حاجة إلى تفسيره (^٦)، والمعتزلة فسروه بأنه: قولٌ أو فعلٌ، أو تركُ قولٍ أو تركُ فعلٍ، (ينبئ عن إيضاع) (^٧) حال\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) في (ص): \"فلا قيد\".\n(^٣) انظر: الحاصل ١/ ٢٣٧.\n(^٤) يعني: أنَّ المصنف البيضاوي - رحمه الله تعالى - حذف قول الأصحاب في تعريف الواجب: الذي يذم تاركه شرعًا قصدًا على بعض الوجوه. واستبدل بهذا القيد الأخير قيد: مطلقًا؛ لأنَّ بهذا القيد يُستغنى عن قيد: على بعض الوجوه.\n(^٥) مراده بفاعله: تاركه؛ لأنَّه فسر الترك - قبل ذلك - بالفعل الوجودي.\n(^٦) انظر: المصباح ١/ ٢٢٥.\n(^٧) في (ص): \"ينبني على إيضاح\". وهو خطأ، والمعنى واضح: أنَّه ينبئ عن سقوط =","vol":"2","page":150},{"text":"الفاعل.\nولأصحابنا معهم فيه مُشَاحَحَات متكلَّفة.\nوأورد في \"المحصول\" أَنَّه يدخل في هذا التحديد السنة (^١)؛ فإن الفقهاء قالوا: إن أهل محلةٍ لو (^٢) اتفقوا على ترك سنة الفجر بالإصرار - فإنهم يحاربون بالسلاح (^٣) وهذا الذي قاله في سنة الفجر لم أرَ مِنَ الفقهاء ولا من غيرهم مَنْ قاله غيره (^٤)، وإنما قالوه في الأذان والجماعة ونحوهما من الشعائر الظاهرة، ومع ذلك الصحيح عندهم إذا قلنا بسنيتها أنهم لا يقاتلون على تركها، خلافًا لأبي إسحاق المروزي.\nويجاب عن هذا القول (^٥): بأن المقاتلة على ما يدل عليه ذلك من الاستهانة بالدين المحرمة، لا على ترك السنة (^٦) (^٧).\n_________\n= حال الفاعل.\n(^١) أي: يدخل في تحديد الواجب السنة.\n(^٢) في (ص): \"إذا\".\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ١١٩.\n(^٤) سقطت من (ت)، و(ك).\n(^٥) أي: قول أبي إسحاق المروزي بالمقاتلة على ترك الأذان والجماعة مع كونهما عنده سنتين.\n(^٦) أما إذا قلنا بكونهما من فروض الكفايات؛ فإنه يُقَاتل على تركهما قولًا واحدًا.\nانظر: المجموع ٣/ ٨٠، نهاية المحتاج للرملي ١/ ٣٨٤، تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي ١/ ٤٦٠، الروض المربع مع حاشية ابن قاسم ١/ ٤٣٢.\n(^٧) انظر تعريف الواجب في: المحصول ١/ ق ١/ ١١٧، التحصيل ١/ ١٧٢، الحاصل ١/ ٢٣٧، شرح الكوكب ١/ ٣٤٥، المستصفى ١/ ٢١١، فواتح الرحموت =","vol":"2","page":151},{"text":"(ويرادفه الفرض، وقالت الحنفية: الفرض: ما ثبت بقطعي، والواجب: بظني).\nقال أبو زيد الدبوسي (^١) من الحنفية: الفرض: التقدير (^٢)، والوجوب: السقوط، فَخَصَّصْنا اسم الفرض بما عُرِف وجوبه بدليل قاطع؛ لأنَّه الذي يُعلم مِنْ حاله أنَّ الله قَدَّره علينا (^٣)، والذي عُرف وجوبه بدليل ظني نسميه بالواجب؛ لأنَّه ساقط علينا، ولا نسميه بالفرض؛ لأنا لا نعلم أنَّ الله قَدَّره.\nقلنا: الفرض: المُقَدَّر، أعم مِنْ كونه عِلْما أو ظنا، والواجب: هو الساقط أعم من كونه عِلْمًا أو ظنًا، فتخصيص كلٍّ من اللفظين بأحد القسمين تَحَكُّمٌ، ولو قالوا: إن هذا مجرد اصطلاح لم\n_________\n= ١/ ٦١، شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٢٨، البرهان ١/ ٣٠٨.\n(^١) هو عبد الله - في بعض المصادر: عبيد الله - بن عمر بن عيسى الدَّبُوسيُّ الحنفي البخاريّ. ودَبُوسة: بليدة بين بخارى وسمرقند. كان ممن يضرب به المثل في النظر واستخراج الحجج والرأي، وهو أول مَنْ وضع علم الخلاف، وأبرزه إلى الوجود، وكان من أذكياء الأُمة. له كتاب \"تقويم الأدلة\"، وكتاب \"الأسرار\"، وكتاب \"الأمد الأقصى\". وغيرها. مات ببخارى سنة ٤٣٠ هـ. انظر: الأنساب ٢/ ٤٥٤، وفيات ٣/ ٤٨، سير ١٧/ ٥٢١، الجواهر المضية ٢/ ٤٩٩.\n(^٢) انظر: المصباح المنير ٢/ ١٢٣، وله في اللغة معانٍ أُخَرُ، قال في اللسان ٧/ ٢٠٢: \"فرضتُ الشيءَ أفْرِضُه فَرْضًا وفرَّضتُه للتكثير: أوجبته\". انظر: بقية المعاني في اللسان، وفي القاموس ٢/ ٣٣٩.\n(^٣) ولذلك عَرَّف السرخسي الفرض بقوله: \"فالفرض: اسم لمقدَّرٍ شرعًا لا يحتمل الزيادة والنقصان\". أصول السرخسي ١/ ١١٠.","vol":"2","page":152},{"text":"نشاحِحْهم، والنزاع فى موافقته للأوضاع اللغوية (^١)، ثم زادوا وادعوا أنَّ الفرض والواجب مختلفان بالحقيقة، ولو سُلِّم لهم الاختلاف في الطريق - لم يلزم منه الاختلاف في الحقيقة (^٢)، وقصدهم (مِنْ هذا) (^٣) أنَّ الوتر واجب وليس بفرض (^٤)، وقراءة الفاتحة في الصلاة واجبة بالحديث، وأصل القراءة فرض بقوله (^٥) تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (^٦) (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) يعني: لو أنَّ الحنفية قالوا: إن هذا التفريق بين الفرض والواجب اصطلاح عندنا - لم نشاحِحْهم في هذا التفريق، ويبقى النزاع بيننا وبينهم في كونه هذا التفريق هل هو موافق للأوضاع اللغوية، أم غير موافق؟ .\n(^٢) يعني: لو سُلِّم للحنفية الاختلاف في طريق إثبات الفرض والواجب - لا يلزم منه اختلاف الحقيقة بين الفرض والواجب، بل ينبغي أن يقولوا بأن حقيقتهما واحدة، لكن الفارق بينهما أنَّ أحدهما ثابت الحقيقة قطعًا، والآخر ظنًا، وهذا الاختلاف من العَرَضيات لا من الذاتيات.\n(^٣) في (ت): \"بهذا\".\n(^٤) هو واجب عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، سنة عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى.\nوإنما قال بالوجوب دون الفرضية؛ لأنَّه ثبت بأخبار الآحاد.\nانظر: الهداية للمرغيناني ١/ ٧٠، باب صلاة الوتر. وملتقى الأبحر للحلبي ١/ ١١١، باب الوتر والنوافل، تحقيق وهبي سليمان الألباني.\n(^٥) في (ك): \"لقوله\".\n(^٦) سورة المزمل: ٢٠.\n(^٧) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"فاقرؤوا ما تيسر منه\"، وكلا المقطعين في آية واحدة.\n(^٨) الفرض في القراءة عندهم ثلاث آيات قِصَار، أو آية طويلة، والواجب قراءة الفاتحة، أي: لا يلزم بتركها فساد الصلاة، وإنما يلزم الإثم إن كان عمدًا، وسجدتا السهو إن كان خطأ. انظر: ملتقى الأبحر ١/ ٦٨ - ٧٠، الهداية ١/ ٤٩، فتح القدير ١/ ٢٤٠.","vol":"2","page":153},{"text":"ثم لم يستمروا على ذلك وجعلوا القَعْدة في الصلاة فرضًا (^١)، ومسح رُبْعِ الرأس فرضًا (^٢) ولم يثبتا بقاطع.\nوقد جاء في الحديث فريضة الصدقة (^٣)، يعني: النُّصُب والمقادير، ويلزم الحنفية أن لا يكون شيء من ذلك (^٤) فرضًا (^٥)، وألزمهم القاضي أن لا يكون شيءٌ مما ثبت وجوبه بالسنة كنيَّة الصلاة (^٦)، ودية الأصابع (^٧)، والعاقلة (^٨) - فرضًا (^٩). وأن يكون الإشهاد (عند التبايع) (^١٠) ونحوه من المندوبات الثابتة\n_________\n(^١) أي: القعدة في آخر الصلاة مقدار التشهد فرض، وقراءة التشهد واجب. انظر: الهداية ١/ ٤٩، ملتقى الأبحر ١/ ٦٩، ٧١، فتح القدير ١/ ٢٤٠.\n(^٢) انظر: ملتقى الأبحر ١/ ١٢، الهداية ١/ ١٢، فتح القدير ١/ ١٥.\n(^٣) يعني: أنَّه قد ورد في الحديث فريضةُ الصدقة، فأُطْلِق اسم الفرض بحديث ظني.\n(^٤) أي: من القَعْدة، ومسح ربع الرأس، والنصب والمقادير.\n(^٥) الحنفية يرون أنَّ هذه الأحكام ثبتت فرضيتها بالقرآن، وجاءت السنة مبيِّنةً للقرآن، والمجمل من الكتاب إذا لحقه البيان الظني كان الحكم بعده مضافًا إلى الكتاب لا إلى البيان. انظر: شرح العناية على الهداية للبابرتي، وهو مع فتح القدير ١/ ٢٤٠، وانظر: المراجع السابقة.\n(^٦) انظر: ملتقى الأبحر ١/ ٦٤، والهداية ١/ ٤٨. والفرض عند الحنفية نوعان: ما كان خارج الماهية وهو الشرط كالوضوء للصلاة، وكالنية. وما كان داخل الماهية وهو الركن، مثل القراءة في صلاة الإمام أو المنفرد. انظر: المراجع السابقة.\n(^٧) انظر: الهداية ٤/ ٥٢٩.\n(^٨) انظر: الهداية ٤/ ٥٧٤، ملتقى الأبحر ٢/ ٣١٨.\n(^٩) أي: مع كونها فرضًا عندهم، وهي ثابتة بالأحاديث الظنية.\n(^١٠) في (ص)، و(ك): \"عند السامع\". وهو خطأ.","vol":"2","page":154},{"text":"بالقرآن فرضًا؛ لما ادعوا أنَّ الفرض: ما (^١) ثبت بالقرآن، والواجب: ما ثبت بالسنة (^٢).\n(والمندوب: ما يحمد فاعله، ولا يذم تاركه).\nلك أنْ تجعل \"ما\" بمعنى الذي، كما قال في الواجب. وأن تجعلها نكرةً، أي: فعل (^٣)، وهو جنس للخمسة.\nو\"يحمد فاعله\": خرج به المباح، والحرام، والمكروه.\n\"ولا يذم تاركه\": خرج به الواجب.\nو(^٤) العموم المستفاد من النفي في قوله: \"ولا يذم تاركه\" أغنى عن التقييد بقوله: قصدًا مطلقًا (^٥).\nوفي بعض النسخ: \"يمدح\" مكان \"يحمد\"، وقد تقدم الكلام في الخطبة\n_________\n(^١) في (ت): \"إنما\".\n(^٢) انظر هذه المسألة في: المحصول ١ / ق ١/ ١٢٠، شرح الكوكب المنير ١/ ٣٥١، أصول السرخسي ١/ ١١١، شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٢٨ - ٢٣٢، المستصفى ١/ ٢١٣، مسلم الثبوت ١/ ٥٨.\n(^٣) يعني: إما أنْ نجعل \"ما\" موصولة، بمعنى الذي، فهى من المعارف، أو أنْ نجعلها نكرة بمعنى فعل.\n(^٤) سقطت الواو من (ت).\n(^٥) يعني: قوله: \"ولا يذم تاركه\" يفيد نفي الذم بأيِّ وجه من الوجوه، لأنَّ الفعل في سياق النفي يعم كالنكرة، فلا يحتاج إلى التقييد بقوله: ولا يذم تاركه قصدًا مطلقًا، لأنَّ هذا مندرج في عموم قوله: \"ولا يذم تاركه\".","vol":"2","page":155},{"text":"على الحمد والمدح.\nولا بد من قوله: شرعًا، وكأنه لما ذكرها في حد الواجب، اكتفى به عن ذكرها في الأربعة مع إرادتها (^١).\nوظن شيخنا الجزري (^٢) أنَّ الناسخ أسقطها فألحقها بالأصل. (^٣) (^٤) (ويُسمى سنةً ونافلة)\n_________\n(^١) هذا سهو من الشارح رحمه الله تعالى، إذ قد ذكر البيضاوي - رحمه الله تعالى - قيد الشرع في الحرام أيضًا، والسبكي ذاته ذكر عن الماتن أنَّه ذكر قيد \"شرعا\" في الواجب والحرام، كما سيأتي.\n(^٢) هو محمد بن يوسف بن عبد الله الجزريّ ثم المصريّ، أبو عبد الله شمس الدين، ولد بجزيرة ابن عمر من نواحي الموصل في سنة ٦٣٧ هـ. كان إمامًا في الأصلين والفقه والنحو والمنطق والبيان والطب أديبًا شاعرًا ذا مروءة. شَرَح \"منهاج البيضاوي\" في أصول الفقه، وشَرَح أسولة القاضي سراج الدين في \"التحصيل\" التي اعترض بها على الإمام. توفي بمصر سنة ٧١١ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ٢٧٥، طبقات الإسنوي ١/ ١٨٥، الدرر ٤/ ٢٩٩.\n(^٣) أي: بالمتن. انظر: معراج المنهاج للجزري ١/ ٥٤، تحقيق د/ شعبان إسماعيل.\n(^٤) لم يُعَرِّف المندوب في اللغة وهو: المَدْعُوُّ، من ندبته إلى الأمر ندبًا، أي: دعوتُه. والأصل: المندوب إليه، لكن حُذِفت الصلة منه لفَهْم المعنى. انظر: المصباح ٢/ ٢٦٥. وقال الآمدي في الإحكام ١/ ١٧٠: \"والمندوب في اللغة مأخوذ من الندب، وهو الدعاء إلى أمر مهم\".\nوانظر تعريف المندوب في: المحصول ١/ ق ١/ ١٢٨، الحاصل ١/ ٢٣٩، التحصيل ١/ ١٧٤، شرح الكوكب ١/ ٤٠٢، الإحكام ١/ ١٧٠، إرشاد الفحول ص ٦، البرهان ١/ ٣١٠.","vol":"2","page":156},{"text":"من أسمائه أيضًا أَنَّه: مرغب فيه، وتطوع، ومستحب. والترادف في هذه الأسماء عند أكثر الشافعية، وجمهور الأصوليين.\nوقال القاضي حسين من الشافعية (^١): السنة: ما واظب عليه النبي - ﷺ -، والمستحب: ما فعله مرة أو مرتين (^٢)، والتطوع: ما يُنشئه الإنسان باختياره، ولم يَرِد فيه نقل (^٣).\nوقالت المالكية: السنة: ما واظب النبي - ﷺ - على فعله مُظهِرًا له، والنافلة عندهم: أنْزَلُ (^٤) (^٥) رتبةً من الفضيلة التي هي أنزل رتبة من السنة (^٦).\nوللحنفية اصطلاح آخر في الفرق بين السنة والمستحب (^٧)، والصحيح\n_________\n(^١) هو أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد المَرْوَرُّذِيّ، القاضي، الإمام الجليل. قال الرافعيّ: وكان يقال له: حَبْر الأمَّة. من مصنفاته: \"التعليقة الكبرى\" وهي من أنفس الكتب، و\"الفتاوى\". توفي - ﵀ - بمرو الرُّوذ سنة ٤٦٢ هـ. انظر سير ١٨/ ٢٦٠، الطبقات الكبرى ٤/ ٣٥٦.\n(^٢) في البحر المحيط ١/ ٣٧٨: \"وألحق بعضهم به ما أمر به ولم يُنْقل أَنَّه فَعَله\".\n(^٣) في البحر المحيط ١/ ٣٧٨: \"وتطوعات: وهو ما لم يَرِد فيه بخصوصه نقل، بل يفعله الإنسان ابتداء كالنوافل المطلقة\". وانظر: شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٩٠.\n(^٤) في (غ): \"أقل\".\n(^٥) وفي (ص): \"ول\". هو خطأ.\n(^٦) انظر: البحر المحيط ١/ ٣٧٨.\n(^٧) في فتح الغفار ٢/ ٦٦: \"وقد فرق الفقهاء بين الثلاثة (أي: السنة، والمستحب، والمندوب)، فقالوا: ما واظب النبي ﵊ على فعله مع تَرْكٍ ما بلا عذرٍ سنة، وما لم يواظبه مستحب إن استوى فِعْلُه وتركه (أي: كان فعله - ﷺ - قدر تركه)، ومندوب إنْ تَرَجَّح تركه على فعله بأن فعله مرة أو مرتين (أي: كان =","vol":"2","page":157},{"text":"ما قدمناه أولا؛ لقوله - ﷺ -: \"مَنْ سَنَّ سنة\" (^١)؛ ولقوله: \"ولكن أُنَسَّى لأَسُنَّ\" (^٢)، فانظر كيف جعل السنة بما يحصل نِسيانًا، وهو أندر شيء يكون.\nوأما المندوب فلا شك في عمومه للجميع، والأصل: المندوب إليه، ولكن حُذِف: إليهِ، وتُوُسِّع فيه، فقيل: المندوب.\nوفي السنة اصطلاح: وهو ما عُلِم وجوبه أو ندبيته بأمر النبي - ﷺ - (^٣) (^٤).\n_________\n= تركه كثيرًا غالبًا، وفعله نادرًا قليلا)، والأصوليون لم يفرقوا بين المستحب والمندوب\".\n(^١) أخرجه مسلم ٢/ ٧٠٤ - ٧٠٥، في كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، وأنها حجاب من النار، رقم ١٠١٧. وابن ماجه ١/ ٧٤، ٧٥، في المقدمة، باب مَن سن سنة حسنة أو سيئة، رقم ٢٠٣، ٢٠٧. والبيهقي ٤/ ١٧٥ - ١٧٦، في الزكاة، باب التحريض على الصدقة وإن قلَّت.\n(^٢) رواه مالك بلاغًا في الموطأ ١/ ١٠٠، في كتاب السهو، باب العمل في السهو، حديث رقم ٢، بلفظ: \"إني لأَنْسَى، أو أُنَسَّى لأَسُنَّ\".\nقال ابن عبد البر ﵀: لا أعلم هذا الحديث رُوي عن رسول الله ﷺ مُسندًا ولا مقطوعًا من غير هذا الوجه، وهو أحد الأحاديث الأربعة التي في الموطأ، التي لا توجد في غيره مسندةً ولا مرسلة. ومعناه صحيح في الأصول. انظر: شرح الزرقاني على الموطأ ١/ ٢٠٥.\n(^٣) فالسنة على هذا الرسم شاملة للواجب والمندوب.\n(^٤) انظر أسماء المندوب في: المحصول ١/ ق ١/ ١٢٩، شرح الكوكب ١/ ٤٠٣، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٨٩، البحر المحيط ١/ ٣٧٧.","vol":"2","page":158},{"text":"(والحرام: ما يُذَم شرعًا فاعلُه)\nبقوله (^١): \"يذم فاعله\" خرجت الأربعة، وكان ينبغي للمصنف على طريقته أن يقول: قصدًا؛ لأنَّ وطء الشبهة يصفه بعض الفقهاء بالتحريم ولا يُذَم عليه، (فهو كالواجب الذي يُترك نسيانًا ولا يُذَم عليه) (^٢).\nوالصواب حذفها من الموضعين (^٣).\nوأما قوله في الواجب: \"مطلقًا\" - فلإدخال الواجب المخيَّر، والموسَّع، وفرض الكفاية وليس ذلك (^٤) في الحرام، إلا أنَّ الآمدي نقل خلافًا في الحرام المخيَّر، فأصحابنا أثبتوه في نكاح الأختين (^٥)، والمعتزلة نفوه (^٦)، وكان الباجي يقول الحق نفيه؛ لأنَّ المحرم الجمع بينهما، كما نطق به القرآن، لا إحداهما، ولا كل واحدة منهما، بخلاف الواجب المخيَّر، فإن الواجب إما أحدهما، وإما كل منهما على التخيير، فلذلك (^٧) الذي قال: \"على بعض الوجوه\" في الواجب لم يذكرها في الحرام (^٨)، ولم\n_________\n(^١) في (ص): \"فقوله\". وهو خطأ.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) فالسبكي يرجح حذف قيد \"قصدًا\" من الموضعين؛ لأنَّه يرى أنَّ الواجب حال النسيان ليس بواجب، وكذا وطء الشبهة ليس بحرام، فلا يدخل كذلك في التعريف.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) يعني: لو تزوج أختين - فالمحرم إحداهما، بمعنى: أنَّه لو فارق إحداهما خرج من الحرام.\n(^٦) انظر: الإحكام ١/ ١٦١.\n(^٧) في (ت): \"ولذلك\".\n(^٨) يعني: مَنْ قيد تعريف الواجب بـ: على بعض الوجوه - لم يذكر هذا القيد في تعريف الحرام؛ لأنَّه ليس هناك حرام مخير، لكن الآمدي - رحمه الله تعالى - أثبت الحرام =","vol":"2","page":159},{"text":"يحتج المصنف إلى زيادة قيد آخر (^١).\nوأنا أقول في الأختين كذلك: إن الحرام الجمع فقط، وأُثْبِت الحرامَ المخيَّر كما أثبته القاضي أبو بكر وغيره من الأشعرية (^٢) وأُمَثِّلُه بما إذا أعتق إحدى أمتَيْه، فإنه يجوز له وطء إحداهما، ويكون الوطءُ تعيينًا للعِتْق في الأخرى.\nوكذا إذا طلَّق إحدى امرأتيه، وقلنا: الوطء تعيين على أحد القولين، ففي هذين المثالين الحرام واحدة لا بعينها.\nوقسَّم القاضي الأفعال إلى: متماثلة، ومختلفة، ومتضادة. فالمتماثلة: لا يتعلق الأمر (ولا النهي) (^٣) باثنين منها (^٤) (لا جمعًا ولا تخييرًا) (^٥) كالكونين (^٦) في مكان واحد لعدم تمييزهما (^٧)، والمختلفان:\n_________\n= المخيَّر؛ فلذلك قال في تعريفه: \"هو ما ينتهض فعلُه سببًا للذم شرعًا بوجه ما من حيث هو فعل له\". الإحكام ١/ ١٦١.\n(^١) انظر: قول الباجي في البحر المحيط ١/ ٣٦٠.\n(^٢) بل هو مذهب الأكثرين من عامة الفقهاء والمتكلمين.\nانظر: شرح الكوكب ١/ ٣٨٧، المسودة ص ٨١، تيسير التحرير ٢/ ٢١٨، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٨١، البحر المحيط ١/ ٣٥٨.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) في (ص): \"مبهمًا\". وهو خطأ.\n(^٥) في (ص): \"ولا جمعًا بلا تخيير\".\n(^٦) في (ص): \"كاللونين\". وهو خطأ.\n(^٧) في (ص)، و(غ): \"غيرهما\". وهو خطأ.","vol":"2","page":160},{"text":"كالكون (^١) والكلام يصح الأمر والنهي عنهما جمعًا وتخييرًا.\nوالضدان: يجوز [النهي] (^٢) تخييرًا والنهي عنهما جميعًا (^٣)، ولا يصح الأمر بهما جميعًا (^٤). وصورة التحريم المُخَيَّر صريحًا أن (^٥) يقول: حرمت هذا أو هذا. وكذا لو قال: لا تفعل كذا أو لا تفعل كذا. فإن قال (^٦): لا تفعل كذا (^٧) أو تفعل كذا (^٨) (بإسقاط لا) (^٩)، أو قال: لا تفعل كذا أو كذا - احتمل النهي المخيَّر والنهي عن كل منهما، وهو في الثاني أظهر (^١٠)، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ (^١١).\nوقريبٌ مِن هذا في المأخذ، وإن اختلفا في الصورة - قولُك: ما ضربتُ زيدًا وعَمْرًا، محتمل، فإذا قلت: ولا عمرًا - كان نَصًّا في أَنَّه لم يضرب واحدًا منهما.\n_________\n(^١) في (ص): \"كاللون\". وهو خطأ.\n(^٢) هذه الكلمة لم ترد في أي مخطوطة، لكنها وردت في المطبوعة ١/ ٣٧، وأثبتها لأنَّ المعنى لا يستقيم إلا بها.\n(^٣) في (غ): \"جمعًا\".\n(^٤) في (ت): \"جمعًا\".\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٧) سقطت من (ص).\n(^٨) سقطت من (ت).\n(^٩) في (ص): \"بإسقاط أو كذا\". وهو خطأ.\n(^١٠) أي: هو في النهي عن كل منهما أظهر.\n(^١١) سورة الإنسان: ٢٤.","vol":"2","page":161},{"text":"وعند عدمها لا نَصَّ، ولا ظهور في ذلك (^١).\n(والمكروه: ما يُمدح تاركه ولا يُذَمُّ فاعله).\nبقوله: \"يمدح تاركه\" (^٢) خرج الواجب والمندوب والمباح، وبقوله: \"ولا يذم فاعله\" خرج (^٣) الحرام.\nوليس معنى المكروه أنَّ الله لم يُرِدْ فعلَه، وإنما معناه ما ذكرناه، وليس هو حسنًا ولا قبيحًا (^٤).\nوفي المكروه ثلاثة اصطلاحات:\nأحدهما: الحرام، فيقول الشافعي: أكره كذا، ويريد التحريم، وهو غالب إطلاق المتقدمين (^٥)، تحرزًا عن قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ الْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (^٦)، فكرهوا إطلاق لفظ التحريم.\n_________\n(^١) انظر تعريف الحرام في: المحصول ١ / ق ١/ ١٢٧، الحاصل ١/ ٢٣٩، التحصيل ١/ ١٧٤، الإحكام ١/ ١٦٠، شرح الكوكب ١/ ٣٨٦، نهاية السول ١/ ٧٩، إرشاد الفحول ص ٦، البرهان ١/ ٣١٣.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) في (ت): \"يخرج\".\n(^٤) انظر: البحر المحيط ١/ ٣٩٧، وسيأتي كلام للشارح في هذا.\n(^٥) في شرح الكوكب ١/ ٤١٩: وهو كثير في كلام الإمام أحمد - رضي الله تعالى عنه - وغيره من المتقدمين، ومن كلامه: \"أكره المتعة والصلاة في المقابر\"، وهما محرمان. اهـ. وانظر: البحر المحيط ١/ ٣٩٣.\n(^٦) سورة النحل: ١١٦.","vol":"2","page":162},{"text":"الثاني: ما نُهِي عنه نَهْيَ تنزيه، وهو المقصود هنا.\nالثالث: تَرْكُ الأولى، كترك صلاة الضحى لكثرة الفضل في فعلها، والفرق بين هذا والذي قبله ورود النهي المقصود.\nوالضابط: أنَّ (^١) ما ورد فيه نهيٌ مقصودٌ يقال فيه مكروه، وما لم يرد فيه نهي مقصود يقال: تَرْكُ الأَولى، ولا يقال مكروه. وقولنا: \"مقصود\"، احتراز من النهي التزامًا، فإن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده التزامًا، فالأَوْلى (^٢) مأمورٌ به، وتركه منهي عنه التزامًا لا مقصودًا (^٣).\n(والمباح: ما لا يتعلق بفعله وتركه مدح ولا ذم).\nلا بد من الإتيان بـ \"لا\" بين الفعل والترك، وبين المدح والذم، وبذلك تخرج الأحكام الأربعة، فإن الواجب يتعلق بفعله مدح وبتركه ذم، والحرام عكسه، والمندوب يتعلق بفعله مدح ولا ذم في تركه، والمكروه يتعلق بتركه مدح ولا ذم في فعله.\nهذا تمام الرسوم، وفيها زيادة على ما اقتضاه التقسيم من تعريف حقائقها (^٤)، وهي فائدة جليلة كما إذا رأينا فعلًا لم يَرِد في الشرع في فعله\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) أي: الفعل الأَوْلى، وهو الذي فِعله أفضل من تركه.\n(^٣) انظر تعريف المكروه في: المحصول ١/ ق ١/ ١٣١، الحاصل ١/ ٢٣٩، التحصيل ١/ ١٧٥، شرح الكوكب ١/ ٤١٣، الإحكام ١/ ١٧٤، إرشاد الفحول ص ٦، البرهان ١/ ٣١٠.\n(^٤) هذا تَسَمُّح من السبكي رحمه الله تعالى؛ إذ الرسوم لا تكون لتعريف الحقائق، بل =","vol":"2","page":163},{"text":"مدح، ولا ذم، ولا في تركه، أو ورد (مدح أو ذم) (^١)، فَيُحْكم بمقتضى ذلك، وإن لم تأت صيغةُ طلبٍ ولا تخيير.\nوقد تقدم التنبيه على أَنَّه (لا بد من التقييد بالشرع في الكل) (^٢)، وقد تعرض له الإمام في المندوب (^٣)، وصاحب الكتاب تعرض له في الواجب والحرام؛ لأنَّ الذم فيهما، وكما أنَّ الذم الذي ثبوته علامة الواجب أو الحرام هو الذم الشرعي (كذلك انتفاء الذم الذي هو علامة الثلاثة، هو انتفاء الذم الشرعي) (^٤)، وهو أخص من انتفاء الذم مطلقًا (^٥)، فبدون هذا القيد يكون الرسم غير جامع؛ لخروج المباحات التي انتفى الذم الشرعي فيها، ووُجِد فيها ذم عقلي أو عرفي.\n_________\n= لبيان الخصائص.\n(^١) في (ت): \"أو ورد ذم\".\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"لا بد من التقييد في الشرع كما في الكل\". وهو خطأ.\n(^٣) يعني: تعرَّض لذكر قيد \"الشرع\" في تعريف المندوب، ومفهومه أنَّه لم يذكره في الواجب، والحرام، والمكروه، والمباح، وهو غير صحيح، بل ذَكَرَ قيد الشرع في الكل، إلا أنَّه قال في المباح: \"الذي أُعْلِم فاعلُه، أو دُلَّ على أنَّه لا ضرر في فِعله وتركه، ولا نفع في الآخرة\"، وهو وإن لم يصرح بقيد الشرع هنا، إلا أنَّ مفهوم التعريف يدل عليه؛ إذ معرفة الضرر وعدمه، والنفع في الآخرة لا تكون إلا من الشرع. انظر: المحصول ١/ ق ١/ ١١٧، ١٢٧، ١٢٨، ١٣١.\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) قوله: وهو. . الخ، أي: الذم الشرعي أخص من انتفاء الذم مطلقًا، فالنسبة عموم وخصوص مطلق.","vol":"2","page":164},{"text":"وأعني بالقيد (^١) أن يكون كل من الوصفين المذكورين في طرفي الأحكام الثلاثة ثابتا بالشرع (^٢).\nولْيُتَنبه (^٣) لذلك في قول المصنف: \"المباح ما لا يتعلق بفعله وتركه (^٤) مدح ولا ذم\" إنْ أراد أنَّه عُرف من الشرع انتفاء ذلك فصحيح، وإن أراد أنَّه لم يوجد في الشرع مدح ولا ذم لذلك (^٥) - فلا يلزم كونه مباحًا، فقد يكون باقيًا على حكم الأشياء قبل ورود الشرع؛ ولذلك قال الإمام: المباح ما أُعلم فاعله (أو دُلَّ على) (^٦) أَنَّه لا حرج في فعله ولا في تركه، ولا نفع في الآخرة.\nوقول الإمام هذا احتراز عن فعل البهيمة، وغير المكلف، (فلا يكفي) (^٧) في الإباحة عدم الحكم بذلك، بل الحكم بعدمه (^٨).\n_________\n(^١) في (ص): \"بالتقييد\". وهو خطأ.\n(^٢) يعني أن يكون الوصفان وهما: المدح والذم، المذكوران في طرفي الأحكام الثلاثة: الندب، والكراهة، والإباحة - ثابتين بالشرع.\nوقال السبكي: في طرفي الأحكام الثلاثة، ولم يقل الخمسة؛ لأنَّ الواجب والحرام ذَكَر فيهما قيد الشرع.\n(^٣) في (ص)، و(ك): \"والتنبيه\".\n(^٤) في (ص)، و(ك): \"وبتركه\".\n(^٥) في (ص)، و(ك): \"كذلك\". وهو خطأ؛ لأنَّ المعنى: لم يوجد مدح ولا ذم لذلك الأمر.\n(^٦) في (ص): \"أو على\". وهو سقط أيضًا.\n(^٧) في (ك): \"فلا يكتفى\".\n(^٨) يعني: أنَّ تعريف الإمام المباح بقوله: \"ما أُعلم فاعله أو دُلَّ\" فيه احتراز عن فعل البهيمة وغير =","vol":"2","page":165},{"text":"ويَحْتاج في المندوب والمكروه أن يأتي بقوله: \"شرعًا\" في طرفي الفعل والترك جميعًا.\nوتصحيح كلام المصنف أنْ يحمل على أَنَّه أراد ذلك، فإنه مُحْتمِل له، على أني أقول: إنَّ ما لم يوجد في الشرع دليل على مدح ولا ذم في فعله، ولا في تركه - مباحٌ بأدلة شرعية، وإنما أُوردَ عليه فِعْلُ غير المكلف: كالساهي، والنائم، والبهائم. وطريق الاعتذار عنه ما ذكرته (^١)، أو يقال: إنه إنما يتكلم (^٢) في فعل المكلف (^٣).\n_________\n= المكلف، فإنه لا حرج في فعلهما ولا في تركهما، ولا نفع في الآخرة ولكن ليس فيه إعلام ولا دلالة، فيخرج من الحد.\nفيقول السبكي مؤيدًا لهذا القيد: بأنه لا يكفي في تعريف الإباحة عدم الحكم بالحرج في الفعل والترك، بل الحكم بعدم ذلك، ولازم هذا إعلام المكلف بعدم ذلك.\n(^١) المعنى: أنَّ البيضاوي وإن لم يقيِّد بالشرع في حد المباح لكنه مراد، وسواء كان مراده بالقيد بالشرع ما أَثْبت الشارعُ نفيَ المدح والذم عنه، أو لم يُثْبت له بخصوصه، فإنه يُعلم بأدلة عامة أخرى من الشارع على نفي الذم والمدح عنه، فيكون عدم الذم والمدح شرعيًا، وبهذا يخرج غير المكلف كالساهي والنائم والبهائم، فإن الذم والمدح منتف عنها جميعًا؛ لعدم التكليف، لكن لا يقال لهذا الانتفاء إنه إباحة أو مباح؛ لأنَّه فرق بين عدم الحكم، وبين ثبوت عدم الحكم، فعدم الحكم يعني: لا تكليف ولا دليل يُثْبِت الحكم، وثبوت عدم الحكم، يعني: وجود دليل ينفي الحكم، وهذا هو طريق الاعتذار عن المصنف في خروج فعل غير المكلف من حد المباح، أنَّه يريد بالمباح ما ثبت فيه نفيُ المدح والذم، وفعل غير المكلف: ما انتفى عنه المدح والذم، وهذا لا يكفي في الإباحة.\n(^٢) في (ت): \"تكلم\".\n(^٣) انظر تعريف المباح في: الحاصل ١/ ٢٣٩، التحصيل ١/ ١٧٤، الإحكام ١/ ١٧٥، =","vol":"2","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-199>(الثاني: ما نُهِي عنه شرعًا فقبيح، وإلا فحسن، كالواجب، والمندوب، والمباح، وفِعْلِ غير المكلف)</span> (^١).\nالحكم ينقسم بذاته إلى التحسين والتقبيح، وتنقسم صفة الفعل الذي هو مُتَعَلَّقُه إلى الحُسْن والقُبْح، ويتبع ذلك انقسامُ اسمه إلى حَسَنٍ وقبيح؛ فلذلك قسَّم الفعل إلى ما نُهِي عنه شرعًا وهو القبيح، وما لم يُنه عنه شرعًا وهو الحَسَن (^٢)، ومنه يُعْرَف الحُسْن والقُبْح والتحسين والتقبيح.\nوإطلاق الحُسْن على الواجب والمندوب لا شك فيه، وعلى المباح فيه خلاف، والأصح إطلاقه عليه (^٣)؛ للإذن فيه؛ ولجواز الثناء على فاعله وإن لم يُؤمر بالثناء عليه.\nوفِعْلُ الله حسَن باتفاق مَنْ به (^٤) يُعتمد؛ لوجوب الثناء عليه.\n_________\n= شرح الكوكب ١/ ٤٢٢، إرشاد الفحول ص ٦، البحر المحيط ١/ ٣٦٤.\n(^١) قال الجاربردي في السراج الوهاج ١/ ١٠٩: هذا إشارة إلى تقسيم آخر للحكم باعتبار مُتَعَلَّقِه، وهو الفعل\".\n(^٢) هذا هو تعريف الإمام في المحصول ١/ ق ١/ ١٣٦، وصاحب الحاصل ١/ ٢٤٢، والتحصيل ١/ ١٧٥.\n(^٣) أطلق اسم الحَسَن على المباح الرازي في المحصول ١/ ١٣٦، والإسنوي في نهاية السول ١/ ٨٤، والجاربردي في السراج الوهاج ١/ ١٠٩. وانظر: المستصفى ١/ ١٨١، الإحكام للآمدي ١/ ١١٤، العدة ١/ ١٦٧، ١٦٨، المسودة ص ٥٧٧، نفائس الأصول ١/ ٢٩٠.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"2","page":167},{"text":"وفعل ما سواه مِنْ غير المكلف كالنائم والساهي والبهيمة فيه خلاف مرتب على الخلاف في المباح وأَوْلى بالمنع (^١)، وهو الذي اختاره إمام الحرمين (^٢)، ولا شك في عدم إطلاق القبح في المباح وفعل غير المكلف، فإذا أخرجناهما عن قسم الحَسَن، كانا واسطة بين الحَسَن والقبيح (^٣).\nوأما المكروه فقال إمام الحرمين: إنه ليس بحَسَن ولا قبيحٍ، فإن القبيح: ما يُذم عليه، وهنا (^٤) لا يُذَم عليه، والحَسَن: ما يسوغ الثناء عليه، وهذا لا يسوغ الثناء عليه.\nولم نَر (^٥) أحدًا نعتمده (^٦) خالف إمام الحرمين فيما قال، إلا ناسًا\n_________\n(^١) أي: وأَوْلى بالمنع من الوصف بالحُسْن من المباح. وانظر: شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٠٠، شرح الكوكب ١/ ٣٠٨، المحصول ١/ ق ١/ ١٣٢.\n(^٢) هو عبد الملك بن أبي محمد عبد الله بن يوسف الجوينيّ ثم النيسابوريّ، إمام الحرمين أبو المعالي، شيخ الشافعية، صاحب التصانيف. ولد سنة ٤١٩ هـ. قال أبو سعد السمعاني: كان أبو المعالي إمام الأئمة على الإطلاق، مُجْمعًا على إمامته شرقًا وغربًا، لم تَرَ العيون مِثْلَه. اهـ له مؤلفات كثيرة منها: \"النهاية\" في الفقه، لم يصنف في المذهب مثله و\"الشامل\" في أصول الدين، و\"البرهان\" في أصول الفقه. توفي ﵀ سنة ٤٧٨ هـ. انظر: الأنساب ٢/ ١٢٩، وفيات ٣/ ١٦٧، سير ١٨/ ٤٦٨، الطبقات الكبرى ٥/ ١٦٥، الفتح المبين ١/ ٢٦٠.\n(^٣) في (ص)، و(غ): \"والقبح\".\n(^٤) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"وهو\".\n(^٥) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"ولم أر\".\n(^٦) في (ص): \"يُعتمد\".","vol":"2","page":168},{"text":"أدركناهم قالوا: إنه قبيح؛ لأَنَّه منهيٌ عنه، والنهيُ أعم من نهي تحريم وتنزيه (^١).\nوعبارة المصنف بإطلاقها تقتضي ذلك (^٢)، وليس أخذ الحكم المذكور من هذا الإطلاق بأولى مِنْ ردِّ هذا الإطلاق بقول إمام الحرمين (^٣).\nفإن قلت: إدراج المصنف وغيره لفعل غير المكلف في (اسم الحسَن، يقتضي (^٤) الحكم عليه بالحُسْن) (^٥)، وفعل غير المكلف لا يتعلق به الحكم؛ لأنَّ الحكم هو المتعلِّق بأفعال المكلفين.\nقلت: الفعلُ الذي هو مُتَعَلَّقُ الحكم، والفعل الحَسَن، بينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجه، فَقَسَّمنا الأول إلى حَسَن وغيره.\nوالحسَن من هذه القسمة لا يشمل فعلَ غير المكلف، ثم قسمنا مُسَمَّى الحسَن مطلقًا إلى فعل المكلف وغيره، مما ليس متعلِّقًا بالحكم (^٦)، فخرج\n_________\n(^١) هذا هو قول الجاربردي وتعليله، وهو معاصر للشارح رحمهما الله تعالى. انظر: السراج الوهاج ١/ ١٠٩، وانظر: نفائس الأصول ١/ ٢٩٠.\n(^٢) أي: تقتضي أنّ المكروه قبيح. وهذا ما ذكره الإسنوي في النهاية ١/ ٨٣، ٨٤.\n(^٣) أي: ليس إطلاق اسم القبيح على المكروه لأنَّه منهي عنه بأولى من رد هذا الإطلاق بقول إمام الحرمين؛ إذ لم يُعرف له مخالف يُعتمد كما قال الشارح رحمه الله تعالى. وانظر: الإحكام ١/ ١١٤.\n(^٤) في (ك): \"مقتضى\".\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) يعني: قسمنا مسمى الحسن إلى فعل المكلف وإلى فعل غير المكلف الذي ليس متعلقًا بالحكم؛ لأن الحكم لا يتعلق إلا بأفعال المكلفين، كما هو في تعريف الحكم.","vol":"2","page":169},{"text":"من التقسيمين أنَّ الواجب والمندوب والمباح من قسم الحسن المحكوم فيه. وأنَّ فعل غير المكلف من قسم الحسن غير المحكوم فيه.\nوهذا شأن العام من وجه حيث وقع (^١) (^٢)، (وإنما يلزم أن يكون المقسَّم إلى المقسَّم إلى الشيء) (^٣) صادقًا على ذلك الشيء مطلقًا، إذا كان التقسيم في الأعم والأخص مطلقا (^٤).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) أي: أن الواجب والمندوب والمباح من قسم الحَسَن، وكذا فعل غير المكلف من قسم الحسن أيضًا، فهما يجتمعان في هذا، وينفرد كل واحد بوصف، وهو أنَّ الواجب والمندوب والمباح محكوم فيها، وفعل غير المكلف غير محكوم فيه، وبهذا تكون النسبة بين القسمين عموم وخصوص من وجه.\n(^٣) في (ت): \"وإنما يلزم أنْ يكون المقسَّم إلى الشيء\".\n(^٤) مثال ذلك: حيوان، وإنسان. فالحيوان أعم مطلقًا، والإنسان أخص مطلقًا؛ لأنَّ الحيوان ينقسم إلى الإنسان وغيره، والإنسان ينقسم إلى رجل وامرأة، والحيوان صادق على الرجل والمرأة مطلقًا في كل الأحوال بدون قيد.\nفقول الشارح: وإنما يلزم أنْ يكون المقسم (وهو الحيوان في مثالنا) إلى المقسَّم إلى الشيء (وهو الإنسان المقسم إلى رجل وامرأة) صادقًا على ذلك الشيء مطلقًا (أي: الحيوان صادق على الرجل والمرأة مطلقًا).\nومراد المصنف بهذا الكلام أنَّ النسبة بين الفعل الذي هو مُتَعَلَّق الحكم، والفعل الحسن - نسبة عموم وخصوص من وجه، فليس كل فعل متعلَّق للحكم حسن، وليس كل فعل حسن هو متعلَّق للحكم، ولو كانت النسبة بينهما عموم وخصوص مطلق - لكان الفعل الحسن محكوما عليه في كل الأحوال، وهو خلاف الواقع. وانظر: نفائس الأصول ١/ ٢٨٧.","vol":"2","page":170},{"text":"(والمعتزلة قالوا: ما ليس للقادر عليه، العالم بحاله أنْ يفعله (^١)، وما له أنْ يفعله (^٢)، وربما قالوا: الواقع على صفة يُوجب الذم والمدح، فالحسن بتفسيرهم الأخير أخصُّ).\nيعني أنّ المعتزلة قالوا: إنَّ (^٣) القبيح: ما ليس للقادر عليه العالم بحاله أنْ يفعله.\nوالحَسَن: ما للقادر عليه العالم بحاله أن يفعله (^٤).\nهذا تفسيرهم الأول، والإمام نقله عن أبي الحسين، واعتَرض عليه بأنَّ قولك: \"ليس له أن يفعله\" تقال للعاجز عن الفعل، وللقادر عليه إذا مُنِع منه، وإذا كان شديد النفرة عنه (^٥)، وإذا زجره الشرع عنه.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) يعني: ما ليس له أنْ يفعله عقلا. أو ماله أنْ يفعله عقلا. انظر: شرح مختصر الطوفي ٣/ ٤٢٦.\nوقال القرافي في نفائس الأصول ١/ ٢٨٢: ومعنى قوله: \"القادر عليه\" احترازًا عن العاجز، فإنَّ العجز عن الواجب يُبْطل حسنه، وعن ترك المحرم يُبْطل قبحه، و\"العالم بحاله\" احترازًا من الواطئ أجنبية يظنها امرأته؛ فإنه غير عاص، وكذلك الواطئ لزوجته يظنها أجنبية، فإنه عاص. مع أنَّ الفعل في نفس الأمر في الأول قبيح وفي الثاني حسن، وإنما أصل المدح والذم بسبب عدم العلمُ؛ فلذلك اشْتُرِط العلمُ بحال الفعل، فإن كان مأذونًا له في أحد الوصفين فهو الحسن، وإلا فهو القبيح\n(^٥) سقطت من (ص).","vol":"2","page":171},{"text":"والأولان غير مرادين (^١)، ولا الثالث؛ لأنَّ الفعل قد يكون حسنًا مع النفرة الطبيعية عنه (^٢).\nوالرابع يُصَيِّر القبحَ مفسَّرًا بالمنع الشرعي (^٣)، يعني وهو قولنا: وأنتم لا تقولون به، فصار الحد غير كاشف عن مرادكم (^٤).\nوأصل هذا أنَّ صفة الحُسْن والقُبْح عندهم بالعقل، وعندنا بالشرع، فلا بد لهم من بيانها.\nوذكر الإمام تفسيرهم الأخير أيضًا عن أبي الحسين (^٥).\nواعتُرض عليه: بأنه يجب تفسير الاستحقاق، فقد يقال: الأثر يستحق المؤثِّر، أي: يفتقر إليه لذاته، والمالك يستحق الانتفاع بملكه، أي: يحسن منه.\n_________\n(^١) لأنَّ التعريف مقيَّد بما ليس للقادر أنْ يفعله، والعاجز عن الفعل، والقادر الممنوع من الفعل، غير متوفر فيهما شرط التعريف، فهما خارجان عن التعريف.\n(^٢) كالجهاد حسن والطبيعة تنفر منه، والوضوء والصلاة في وقت البرد الشديد حسن مع النفرة الطبيعية عنهما. وهذا الثالث غير مراد؛ لكون النفرة ليست علامة على القبح.\n(^٣) انظر: المحصول ١ ق ١/ ١٣٢ - ١٣٤.\n(^٤) يعني أنَّ هذا التفسير الرابع للقبح يجعله شرعيًا، وهذا هو قول الأشاعرة، والمعتزلة لا يقولون بأنه شرعي؛ لأنَّ القبح والحسن عندهم عقليان، فصار هذا الحد للقبيح غير كاشف عن مراد المعتزلة.\n(^٥) وهو الذي في المتن بقوله: \"وربما قالوا: الواقع على صفة توجب الذم والمدح\". وعبارة المحصول ١/ ق ١/ ١٣٣: \"ويُحَدُّ أيضًا (أي: القبيح) بأنه: الذي على صفة لها تأثير في استحقاق الذم. . . وأيضًا (أي: يحد الحسن أيضًا): ما لم يكن على صفة تؤثر في استحقاق الذم\".","vol":"2","page":172},{"text":"والأول ظاهر الفساد (^١).\nوالثاني يقتضي تفسير الاستحقاق بالحَسَن، مع أَنَّه فسر الحسن بالاستحقاق حيث قال: الحَسَن هو الذي لا يستحق فاعله الذم، فيلزم الدور (^٢). فإن أراد معنى ثالثًا فليبينه، ثم نازعهم في تفسير الذم، قال: وهذه الإشكالات غير واردة على قولنا (^٣) (^٤).\nوالمصنف أخذ معنى الحد الثاني دون لفظه (^٥)، ومراده أنَّ القبيح هو الواقع على صفة تُوجب الذم، والحَسَن هو الواقع على صفة توجب المدح.\nوفي بعض نسخ المنهاج: \"فالحسن بتفسيرهم أخص\"، وفي بعضها: \"فالحسن بتفسيرهم الأخير أخص\"، وكلاهما صحيح، فإن الحسن بتفسيرهم الأخير أخص منه بتفسيرهم الأول؛ لدخول المباح في الأول دون الأخير، والحسن بتفسيرهم الأول أخص منه بتفسيرنا؛ لدخول فعل غير المكلف في تفسيرنا دون تفسيرهم.\n_________\n(^١) لأنَّه غير متحقق في القبيح، إذ ليس في القبيح وصف يؤثر تأثيرًا ذاتيًا في الذم.\n(^٢) لأنَّه فسر كل واحد منهما بالآخر، فالاستحقاق فسره بالحسن، والحسن فسره بالاستحقاق، فيلزم الدور. وانظر: نفائس الأصول ١/ ٢٨٤.\n(^٣) أي: قول الأشاعرة في تعريف الحَسَن والقبيح: ما نُهِي عنه شرعًا فقبيح، وإلا فحَسَن. وانظر: نفائس الأصول ١/ ٢٨٥.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ١٣٥ - ١٣٦.\n(^٥) يعني: والبيضاوي أخذ معنى الحد الثاني للقبيح والحسن دون ألفاظه، حيث قال: \"وربما قالوا: الواقع على صفة توجب الذم والمدح\". فهذا الذي نقله ليس هو لفظ الحد الثاني، بل معناه.","vol":"2","page":173},{"text":"ولم يتعرض للقبيح ما حاله على التفسيرين، ولا شك أَنَّه بالتفسير الأخير لا يقع على غير الحرام، وبتفسيرهم الأول هل يختص به فيستوي على التفسيرين، أو يقع عليه وعلى المكروه، فيكون بتفسيرهم الأخير أخص كالحسن؟ فيه احتمال، والأقرب الأول.\nوقد نقل إمام الحرمين عن بعض المعتزلة أَنَّه ارتكب إطلاق القبيح على فعل البهيمة.\nوهذا يخالف التفسيرين، ولم يرتكب ذلك في الحسن (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>(الثالث: قيل: الحكم إما سبب، وإما مسبب</span>، كجعل الزنا سببًا لإيجاب الجلد على الزاني (^٢)، فإن أُريد بالسببية الإعلام فحق، وتسميتها حكمًا بحث لفظي، وإنْ أُريد التأثير فباطل؛ لأنَّ الحادث لا يؤثر في القديم؛ ولأنه مبني على أنَّ للفعل جهاتٍ تُوجب الحُسْن والقُبْح وهو باطل).\nهذا تقسيم آخر للحكم باعتبار أَنَّه كما يكون بالاقتضاء أو التخيير،\n_________\n(^١) انظر تعريف الحسن والقبيح في: شرح مختصر الطوفي ٣/ ٤٢٦، شرح تنقيح الفصول ص ٩٠، الإحكام للآمدي ١/ ١١٣، شرح الكوكب ١/ ٣٠٦، شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٠٠، نهاية السول ١/ ٨٢، التعريفات للجرجاني ص ٧٧، ١٤٩.\n(^٢) فالزنا سبب، وإيجاب الجلد مسبب، وهما حكمان شرعيان. قال الأصفهاني في \"بيان المختصر\" ١/ ٤٠٨: \"وليس المراد من الحكم الوضعي كون الزنا مثلًا سببًا لوجوب الحد، بل المراد حكم الشرع بكونه سببًا، أي: مُعرِّفًا لوجوب الحد\". فالزنا ليس هو الحكم الشرعي، بل جَعْله سببًا هو الحكم الشرعي.","vol":"2","page":174},{"text":"يكون بالوضع (^١)، كجعل الزنا سببا.\nوقد تقدم الكلام في هذا في تعريف الحكم، وهذا التقسيم منسوب إلى الأشعرية (^٢)، وهو مُطَّرِدٌ (^٣) في كل حكم عُرِفَتْ علته (^٤)، فلله فيه حكمان:\nأحدهما: الحكم بالسببية (^٥)، واختلف الناس في جواز القياس عليه (^٦) (^٧).\nوالثاني: الحكم بالمسبب، والقياس عليه جائز باتفاق القايسين.\nواتفق الأشعرية على أَنَّه ليس المراد من الأول كون السبب مُوجبًا\n_________\n(^١) المعنى: أنَّ الله تعالى شَرَع لأحكام الاقتضاء والتخيير أسبابًا وشروطًا وموانع. انظر: نفائس الأصول ١/ ٢٩٣.\n(^٢) ومنسوب إلى المعتزلة، ولذلك قال القرافي في نفائس الأصول ١/ ٢٩٣: \". . . المعتزلة والسنة والجميع قائلون بخطاب الوضع غير أنا نفسِّره بالمعرِّف، والمعتزلة بالمؤثِّر\".\nوانظر: نهاية السول ١/ ٨٩ - ٩١.\n(^٣) أي: جار. قال في المصباح ٢/ ١٧: \"وطردتُ الخلاف في المسألة طَرْدًا: أجريتُه، كأنه مأخوذ من المطاردة، وهي الإجراء للسباق\".\n(^٤) في (غ): \"عليته\".\n(^٥) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"في السببية\".\n(^٦) سقطت من (ص)، و(ك)، وفي (ت): \"فيه\".\n(^٧) قال الغزالي في المستصفى ١/ ٣١٤: \"ولذلك يجوز تعليله (أي: جعل السبب علة)، ونقول: نُصِبَ الزنا علة للرجم، والسرقة علةٌ للقطع، لكذا وكذا، فاللواط في معناه، فينتصب أيضًا سببًا، والنَّبَّاش في معنى السارق\".","vol":"2","page":175},{"text":"للحكم لذاته، أو لصفة ذاتية (^١) بل المراد منه إما المُعَرِّف، وعليه الأكثرون، وإما المُوجِب لا لذاته، ولا لصفةٍ ذاتية، ولكن بجعل الشرع إياه مُوجبًا، وهو اختيار الغزالي (^٢).\nوالإمام وافق الأكثرين (^٣) معنىً وخالفهم لفظًا، وخالف الغزالي معنىً ولفظًا.\nوإلى موافقة الأكثرين في المعنى دون اللفظ أشار المصنف بقوله: \"فإنْ أُرِيد بالسببية الإعلام (^٤) - فحقٌّ، وتسميتها حكمًا بحث لفظي\" (^٥).\nوإلى مخالفة الغزالي لفظًا ومعنى أشار ببقية كلامه، فإن الإمام زَيَّف كلام الغزالي من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنَّ الزنا حادث، والإيجاب قديم، والحادث لا يؤثر في القديم.\n_________\n(^١) وإلا كان مُوجِبًا له قبل ورود الشرع. الإحكام للآمدي ١/ ١٨٣.\n(^٢) انظر: المستصفى ١/ ٣١٤، ٣١٦.\n(^٣) وهم القائلون بالمعرِّف.\n(^٤) أي: المعرِّف، على معنى أنَّ الشارع قال: مهما رأيتَ إنسانًا زنى فاعلم أني أوجبتُ الحدَّ عليه. شرح الأصفهاني على المنهاج. ١/ ٦٧.\n(^٥) أي: تسمية السببية حكمًا مع كونها الإعلام بالحكم لا الحكم ذاته - مبحثٌ لفظي. فالإمام وافق الأكثرين في كون السببية إعلامًا، أي: معرِّفا، وخالفهم لفظًا من حيث إنَّ إطلاق الحكم على السببية بمعنى المعرِّف لا ينبغي، وهذا الخلاف مبحث لفظي، مبني على تفسير الحكم، فإنْ قلنا: الحكم: خطاب الله تعالى المتعلِّق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع - فالسببية والمُسَبَّبِيَّة حكم. وإن لم يُعتبر الوضعُ فلا يكون حكمًا. انظر: السراج الوهاج ١/ ١١٣، نهاية السول ١/ ٩٢ - ٩٣.","vol":"2","page":176},{"text":"الثاني: أنَّ الزنا قَبْل الجَعْل لم يكن مؤثِّرًا، فإنْ بقي بعد الجَعْل كما كان وجب أن لا يصير مؤثِّرًا، وإن لم يبق كان إعدامًا لتلك الحقيقة، والشيء بعد عدمه لا يكون مؤثرًا.\nالثالث: أَنَّه لو جَعَل الزنا علةً فالصادر بعد الجعل إما الحكم، فالمؤثر في الحكم هو الشارع، فلم يكن الزنا مؤثِّرًا، وإما شيء يُوجب الحكم، فيكون المؤثر في الحكم وصفًا حقيقيًا، وهو قول المعتزلة في الحُسْن والقُبْح، وهو باطل، وإن لم يكن الحكم ولا ما يوجبه - فهو محال؛ لأنَّ الشرع لما أثَّر في شيء غير الحكم، وغير مُسْتَلْزِم الحكم (^١) - لم يكن لذلك الشيء تعلق بالحكم أصلا (^٢).\nوالمصنف اقتصر على الأول، وأخذ أقسام الثالث؛ لأنها صفوة الكلام (^٣).\nقال سراج الدين: \"ولقائل أن يقول على الأول (^٤): لعلهم أرادوا جعل\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"للحكم\".\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ١٤٠ - ١٤١.\n(^٣) أي: المصنف اقتصر على الوجه الأول من ردود الرازي على الغزالي، وهو قوله: \"لأنَّ الحادث لا يؤثر في القديم\"، وهذا هو الوجه الأول عند الرازي في الرد على الغزالي. ثم أخذ المصنف أقسام الوجه الثالث عند الرازي في الرد على الغزالي، وهو قوله: \"ولأنه مبني على أن للفعل جهاتٍ تُوجب الحسن والقبح، وهو باطل\". وهذا القول من المصنف لا يشمل كل أقسام الوجه الثالث عند الرازي (أي: الاحتمالات الثلاثة السابقة المذكورة آنفا)، بل يشير إلى القسم الثاني فقط، كما هو واضح، فقول السبكي رحمه الله تعالى فيه تَسَمُّح.\n(^٤) أي: على الوجه الأول في الرد على الغزالي.","vol":"2","page":177},{"text":"الزنا سببًا لتعلق الحكم به (^١)، وعلى الثاني أَنَّه يجوز بقاء الحقيقة مع طَرَيان صفة المؤثرية (^٢).\nوعلى الثالث: أنَّ الصادر من الشارع المؤثرية وهي غيرهما (^٣)، ولها (^٤) تعلق بالحكم\" (^٥).\nولك أن تقول على الأول (^٦): إنَّ التعلق قديم، فالسؤال بحاله (^٧)، وعلى الثاني: إنَّ المؤثرية نسبة، والمؤثر لا بد أن يشتمل على صفة\n_________\n(^١) أي: لعل الغزالي وغيره ممن وافقه، أرادوا جَعْل الزنا سببًا لتعلق الحكم بالزنا، فليس الزنا سببًا للحكم القديم، بل للتعلق به، والتعلق حادث، فيكون تأثير الزنا فيه صحيحًا؛ لأنَّه تأثير حادث في حادث.\n(^٢) هذا رد على الوجه الثاني للرازي في الرد على الغزالي، وهو أنَّ طريان صفة المؤثرية للزنا في الحكم، مع بقاء حقيقة الزنا - جائز.\n(^٣) أي: المؤثرية شيء غير الحكم، وغير ما يوجب الحكم.\n(^٤) في (ص): \"ولهما\". وهو خطأ؛ لأنَّ الضمير يعود إلى المؤثِّرية، فهي التي لها تعلق بالحكم، أما إذا قلنا: ولهما تعلق بالحكم، فإن ضمير التثنية يعود إلى الحكم وما يوجب الحكم، ولا يصح المعنى عند ذلك؛ لأنَّه كيف يتعلق الحكم بنفسه! .\n(^٥) انظر: التحصيل ١/ ١٧٧ - ١٧٨.\n(^٦) أي: لك أنْ تعترض على الجواب الأول الذي قاله سراج الدين رحمه الله تعالى.\n(^٧) ربما يقول قائل: ولم لا يُحمل كلام سراج الدين الأرموى - رحمه الله تعالى - على التعلق التنجيزى الحادث، كما فعل الدكتور عبد الحميد أبو زنيد في تعليقه على \"التحصيل\" بناءً على أنَّ التعلق الحادث، أو أنَّ التعلق نوعان: قديم وحادث؟\nفالجواب: أنّ المختار المرجح - كما بَيَّنه الشارح سالفًا في تعريف الحكم الشرعي - أنَّ التعلق قديم. وأما مَنْ يقول بأنَّ التعلق نوعان - فقوله فيه نظر، كما سبق بيانه، بل الحادث هو أثر التعلق.","vol":"2","page":178},{"text":"حقيقية لأجلها يصدر الأثر عنه، والمؤثرية بدون ذلك محال. وعلى الثالث: إن المؤثرية بدون صفة حقيقية محال؛ لما سبق، ومعها يوافق قول المعتزلة (^١).\nوكلام الإمام يُرشد إلى هذا، فإنه قال: إنْ كان الصادر ما يُوجب الحكم - كان المؤثر في الحكم وصفًا حقيقيًا (^٢)، فدخل في قوله: ما يوجب الحكم - المؤثِّرُ والمؤثرية (^٣)؛ ولذلك لم يقل: كان وصفًا حقيقيًا، بل قال: كان المؤثر في الحكم، فأخذ اللازم على التقديرين (^٤)، وقال: إنه مذهب المعتزلة، فاستوعب كلامُه الأقسام، ومبنى البحث كلِّه على أَنَّه: هل يُعْقل تأثيرٌ مِنْ غير أن يكون المؤثِّر مؤثِّرًا بذاته، أو بصفة قائمة به (^٥)، أو لا يُعقل ذلك؟\nوعلى هذا ينبني كون العبد مُوجِدًا لفعل نفسه بإقدار الله تعالى له، وخَلْقِه له ما يقتضي تأثيرَه في الفعل، من غير أن يكون العبد مؤثِّرًا بذاته،\n_________\n(^١) أي: القول بالمؤثرية مقتضٍ لوجود صفة حقيقية مؤثرة، وهذا يوافق المعتزلة في قولهم بالحسن والقبح العقلي؛ لأنَّ المؤثر عند الأشاعرة هو الشارع، لا الوصف، وإنما الوصف عَلَم وأمارة على الحكم، والمعتزلة يرون الوصف مؤثِّرًا بذاته، مقتضيًا للحكم، بناءً على قولهم بأن الأحكام مدارها على الحسن والقبح العقلي.\n(^٢) هذا هو القسم الثاني من الوجه الثالث عند الرازي في الرد على الغزالي. انظر: المحصول ١/ ق ١/ ١٤١.\n(^٣) فالمؤثر هو الذات، والمؤثرية هي الصفة.\n(^٤) أي: أخذ الإمام اللازم من القول: إن كان الصادر ما يوجب الحكم - فيلزم منه وجود مؤثر، ويلزم منه وجود الصفة وهي المؤثرية؛ لأنَّ الحكم لا يوجد إلا بهما.\n(^٥) سقطت من (ص).","vol":"2","page":179},{"text":"أو بصفة ذاتية.\nفأصحابنا ينكرون ذلك (^١)، ويقولون: الصادر عنه فعل الله تعالى، والمعتزلة لا يتحاشون من القول بتأثيره بذاته أو بصفة (^٢).\nوشذوذ منا توسطوا فقالوا بمثل ما قالوا به هنا في الحكم بالسببية (^٣)، ويلزمهم ما لزمهم. هذا ما يتعلق بكلام الإمام.\n_________\n(^١) لأنَّه ليس لقدرة العبد تأثير فيها، بل الله تعالى أجرى عادته بأن يُوجد في العبد قدرة واختيارًا، فإذا لم يكن ثمة مانعٌ أَوْجد فيه فِعْله المذكور مقارنًا لهذه القدرة وهذا الاختيار اللذين أوجدهما الله تعالى فيه، فيكون فعل العبد - على هذا - مخلوقًا لله تعالى إبداعًا وإحداثًا ومكسوبا للعبد.\nوالمراد بكسبه: مقارنة وجود الفعل بقدرته واختياره، من غير أنْ يكون ثمة تأثير منه أو مَدْخل في وجوده سوى كونه محلا لظهور الفعل.\nهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري. انظر: شرح الجوهرة للباجوري ص ١٩٨، ولذلك قال الأشاعرة: ومن اعتقد أن المؤثِّر هو الله تعالى، ولكن جَعَل بين الأسباب والمسببات تلازما عاديًا، بحيث يصح تخلفها - فهو المؤمن الناجي إن شاء الله تعالى. وانظر: شرح الجوهرة ص ١٩٧.\n(^٢) لأنَّ المعتزلة لما قالوا بأن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، وأنَّ أفعال العباد واقعة بقدرتهم وحدها على سبيل الاستقلال بلا إيجاب، بل بالاختيار - لم يتحاشوا من القول بالتأثير فالعبد يُوجد فعل نفسه، ويؤثر بذاته في إيجاده. انظر: شرح الجوهرة ص ١٩٨.\n(^٣) أي: وشذوذ من الأشاعرة توسطوا فقالوا بمثل ما قالوا به هنا في الحكم بالسببية، وهو أنَّ السبب لا يؤثر بذاته، بل بجعل الشارع إياه مؤثِّرًا وموجبًا، فكذا قالوا في مسألة إيجاد العبد لفعل نفسه، أنَّ قدرة العبد لا تؤثر بذاتها، لكن بجعل الله تعالى إياها مؤثِّرة.","vol":"2","page":180},{"text":"وأما المصنف وقوله: إنه ينبني على أنَّ للفعل جهاتٍ توجب الحسن والقبح - فيحتاج إلى مقدمة، وهي أنَّ المعتزلة مع إجماعهم على القول بالحسن والقبح العقليين افترقوا: فطائفة منهم قالوا: إن الفعل لذاته يكون حسنًا أو قبيحًا من غير صفة، وطائفة قالوا بصفة، وطائفة قالوا بوجوه واعتبارات، وهو الذي أشار إليه المصنف. ويلزم من بطلان قولهم في ذلك بطلانُ قولهم في الصفة، وفي الذات من طريق الأَولى، فما سلكه المصنف (^١) أتَمُّ في إلزام مذهب المعتزلة مما سلكه الإمام في الصفة؛ لأنَّه قد لا يوافق قائل هذه المقالة المعتزلة في الذات والصفة الحقيقية، ويوافقهم في الوجوه والاعتبارات. فإذا بَيَّن بطلان قولهم فيه بطل قوله، والراد بالوجوه: أنَّ الوطء مثلا له جهة نكاح، وجهة زنا، فيحسن بالأُولى ويقبح بالثانية (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>(الرابع: الصحة: استتباع الغاية</span>. وبإزائها البطلان والفساد. وغاية العبادة: موافقة الأمر عند المتكلمين، وسقوط القضاء عند الفقهاء. فصلاة مَنْ ظَنَّ أَنَّه متطهر صحيحة على الأول (لا الثاني) (^٣».\nتفسير الصحة باستتباع الغاية (^٤) جيد من جهة كونه شاملًا للعبادات\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) انظر ما سبق في: المحصول ١/ ق ١/ ١٣٧، الحاصل ١/ ٢٤٢، التحصيل ١/ ١٧٧، الاحكام ١/ ١٨١، شرح المحلي على جمع الجوامع مع حاشية البناني ١/ ٩٤، شرح تنقيح الفصول ص ٧٨، المستصفى ١/ ٣١٢، السراج الوهاج ١/ ١١٢، نهاية السول ١/ ٨٩.\n(^٣) في (ص): \"لا على الثاني\".\n(^٤) قال الإسنوي في نهاية السول ١/ ٩٥: \"غاية الشيء: هو الأثر المقصود منه، كحل =","vol":"2","page":181},{"text":"والمعاملات، إلا أنَّ الأولى في تحرير العبارة أن يُقال: كون ذلك الشيء يستتبع غايته، فإن استتباع الغاية يقتضي حصول التبعية، وقد يتوقف ذلك على شرط كالعقد في زمن الخيار. وكونه يستتبع الغاية صحيح وإنْ توقفت التبعية على شرط؛ لأنَّ معناه أَنَّه بهذه الحيثية.\nوتفسير المتكلمين جيد؛ لأنَّ الصحة في اللغة مقابلة للمرض (^١)، وعلى هذا النحو ينبغي أن يكون في الاصطلاح فما وافق الأمر (^٢) - لا خَلَل فيه، فيسمى صحيحًا، وَجَب قضاؤه أم لم يجب، وما لم يوافق الأمر - فيه خلل فيسمى فاسدًا، والخلاف بين الفريقين في التسمية، ولا خلاف في الحكم، وهو وجوب القضاء على مَنْ صلى ظانًا الطهارة فتبين حدثُه إذا كانت الصلاة فريضة (^٣)، وتسمية الفقهاء إياها فاسدة ليس لاعتبارهم سقوط\n_________\n= الانتفاع بالمبيع مثلًا. فإن ترتبت الغاية على الفعل، وتبعته في الوجود - كان صحيحًا، فاستتباع الغاية: هو طلب الفعل لتبعية غايته، وترتب وجودها على وجوده؛ لأنَّ السين للطلب كاستعطى، وكأنه جَعَل الفعلَ الصحيحَ طالبًا ومقتضيًا لترتب أثره عليه مجازا\".\n(^١) انظر: لسان العرب ٢/ ٥٠٧.\n(^٢) قال في فواتح الرحموت ١/ ١٢١: \"المراد بالموافقة أعم من أنْ تكون بحسب الواقع، أو بحسب الظن، (أي: بحسب الظن مع مخالفة الواقع)، بشرط عدم ظهور فساده؛ لأنا أُمرنا باتباع الظن ما لم يظهر فساده، والمُسْقِط للقضاء هو الموافقة الواقعية\".\n(^٣) لأنَّ وجوب القضاء لا يكون إلا بوجوب الأداء، فالنافلة لا يكون أداؤها واجبًا، فكذا قضاؤها.\nوالمراد بالقضاء هنا هو فعل العبادة مرة ثانية في الوقت، وهو الإعادة اصطلاحًا، وليس المراد بالقضاء هنا المعنى الاصطلاحي: وهو فعل العبادة بعد خروج الوقت. انظر: حاشية البناني على شرح المحلي ١/ ١٠٠.","vol":"2","page":182},{"text":"القضاء في حد الصحة، كما ظنه الأصوليون (^١)، بل لأنَّ شرط الصلاة الطهارة في نفس الأمر (^٢)، والصلاة بدون شرطها فاسدة، ولا مأمورٌ بها، بل هو ظَنَّ أَنَّه متطهِّر فترتب عليه الحكم، بمقتضى ظَنِّه، وأمْرُه (ظاهرًا بها) (^٣) كأمر المجتهد المخطئ بما ظنه، وغايته أَنَّه سقط عنه الإثم، وأما أَنَّه أتى بالمأمور به فلا.\nوقولهم: إنَّ المأمور به صلاة على مقتضى ظنه (^٤) ممنوع (^٥)، بل صلاة على شروطها في نفس الأمر، ويسقط عنه الإثم بظنه وجودَها (^٦).\n_________\n(^١) انظر: السراج الوهاج ١/ ٦٤، نهاية السول ١/ ٩٧، شرح الإصفهاني ١/ ٧١، بيان المختصر ١/ ٤٠٩، المحصول ١/ ق ١/ ١٤٢.\n(^٢) يعني: ليس تسمية الفقهاء لهذه الصلاة الواجب قضاؤها - فاسدةً، باعتبار أنَّهم يشترطون سقوط القضاء في تعريف الصحة، كما ظن الأصوليون ذلك؛ بل لأنَّ شرط الصلاة الطهارة في نفس الأمر.\nوأنا لا يتبين لي فرق بين التعليلين، بل تعليل صحة الصلاة بكونها مسقطة للقضاء، هو ذاته تعليلها بكونها موافقة لنفس الأمر؛ لأنَّ سقوط القضاء متفرع عن الموافقة في نفس الأمر، فالموافقة ملزوم، وسقوط القضاء لازم، وهما لا ينفكان، فالتعبير بأحدهما تعبير بالآخر. قال في فواتح الرحموت ١/ ١٢١: \"فموافقة الأمر وسقوط القضاء متلازمان\".\n(^٣) في (ت): \"ظاهر أنَّها\".\n(^٤) انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٧٦، شرح الكوكب ١/ ٤٦٥.\n(^٥) في (ك)، و(ص): \"فممنوع\".\n(^٦) ولذلك قال في فواتح الرحموت: \"فإن الأمور بالصلاة إنما أُمر بالطهارة الواقعية، لكن لما كان العلم بها متعسِّرًا اكتُفِي بالظن، فصلاة الظان فاسدة في نفس الأمر، ولم يُوجَد موافقة الأمر في الواقع، وذمته مشغولة بالقضاء، وإنما لا يأثم بل يؤجر بقصده إلى الامتثال، والله تعالى تجاوز عن الخطأ والسهو، ووعد أنْ يثيب على النية\".","vol":"2","page":183},{"text":"وقد رأينا الفقهاء قيدوا فقالوا: كل مَنْ صحت صلاته صِحةً مغنية عن القضاء جاز الاقتداء به، وهذا التقييد يقتضي انقسام الصحة إلى ما يُغني عن القضاء وما لا يُغني (^١). وقالوا فيمن لم يجد ماء ولا ترابًا إنه يصلي على حسب حاله، ويقضي.\nوحكى إمام الحرمين في هذه الصلاة هل توصف بالصحة أو الفساد؟ وجهين، وهو غريب، والمشهور وصفها بالصحة، وكيف نأمره بالإقدام على صلاة يُحْكم بفسادها! هذا لا عهد به (^٢)، وليس بمثابة الإمساك تشبها بالصائمين (^٣).\n_________\n(^١) وهذا التقسيم للصحة يدل على أنَّ الفقهاء يقولون برأي المتكلمين في أنَّ الصحة هي موافقة الأمر، سواء وجب القضاء أم لم يجب، كما سيأتي في كلام الشارح قريبًا.\n(^٢) أي: غير معهود في الشرع. وهذا يدل على أنّ الفقهاء يقولون بصحة صلاة فاقد الماء والتراب مع كونه مأمورًا بالقضاء، فهذا يدل على أن الصحة عند الفقهاء هي موافقة الأمر. ويمكن أنْ يجاب على قول الشارح رحمه الله تعالى: \"وكيف نأمره بالإقدام على صلاة يحكم بفسادها\" - أنْ يقال: وكيف نأمره بإعادة صلاة حُكِم بأنها صحيحة، بل القول بفسادها مع وجوب القضاء اليق وأقرب من القول بصحتها مع وجوب القضاء. ولعل الأقرب أنْ يقال: هي صحيحة إلى أنْ يرتفع العذر، فإذا وجد الماء أو التراب بطلت وفسدت.\n(^٣) يعني: وليس صلاة من فقد الماء والتراب كإمساك غير الصائم تشبها بالصائمين؛ لأنَّ الصيام هنا مفقود وها هنا الصلاة موجودة.\nقال النووي في المجموع ٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠: \"قال إمام الحرمين: وإذا أوجبنا الصلاة في الوقت أوجبنا القضاء فالمذهب أن ما يأتي به في الوقت صلاة، ولكن يجب قضاؤها. قال: ومن أصحابنا مَنْ قال: ليست صلاة بل تشبه الصلاة، كالإمساك في رمضان لمن أفطر عمدًا، قال: وهذا بعيد. قال: فإن قيل: هلا قلتم: الصلاة المفعولة في الوقت مع الخلل فاسدة كالحجة الفاسدة التي يجب المضي فيها. قلنا: إيجاب الإقدام على الفاسد محال. وأما التشبه فلا يبعد إيجابه\". وانظر: المجموع ٢/ ٢٧٨، كفاية الأخيار ١/ ٥٥.","vol":"2","page":184},{"text":"والفرق بين هذه الصلاة وصلاة مَنْ ظَنَّ الطهارة أنّ هذا عالم بحاله، والظان جاهل، فالعالم أتى بجميع ما كُلِّف به الآن. وبقي شرطٌ سقط عنه لعجزه، ووجب استدراكه بعد ذلك بالقضاء، والظان لم يأت بما هو الآن فرضه، فالصواب أن يكون حد الصحة عند الفريقين موافقة الأمر، غير أنَّ الفقهاء يقولون: ظانٍّ الطهارة مأمور بها، مرفوع عنه الإثم بتركها (^١). والمتكلمون يقولون: ليس مأمورًا بها (^٢) (^٣)، فلذلك تكون صلاته صحيحة عند المتكلمين لا الفقهاء.\nومن أمرناه بصلاة بلا طهارة ولا (^٤) تيمم حيث يجب القضاء - صحيحة على المذهبين وإنْ وَجَب (^٥) القضاء (^٦)، فليس كل صحيح يسقط\n_________\n(^١) وهذا يدل على أنَّ الفقهاء يشترطون لصحة الصلاة موافقة ذات الأمر، وهو معنى قول الأصوليين سقوط القضاء، كما سبق بيانه.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) وهذا يدل على أنَّ المتكلمين يشترطون لصحة الصلاة موافقة الأمر في ظن المكلف سواء وافق ذات الأمر أم لم يوافق، فلما كان يظن أنَّه متطهر، لم يكن مأمورًا بالطهارة. وانظر: شرح الكوكب ١/ ٤٦٥.\n(^٤) في (ك)، و(ت)، و(غ): \"أو\".\n(^٥) في (ص): \"وإنْ أُوجب\".\n(^٦) ويمكن أنْ ينازع في هذا ويقال بأن صلاته هذه ليست موافقة لذات الأمر، وإن أمرناه بأدائها؛ لأنَّ الأمر بأدائها غير موافقة الأمر، كما في أمر مَنْ ظن الطهارة بالصلاة، فهو مأمور بأدائها مع كونه غير موافق لذات الأمر. فالأمر بالأداء غير موافقة ذات الأمر، وهذا هو سر الخلاف، هل الصحة تنفيذ الأمر، أو موافقة ذات الأمر؟ ولعل للشارح أنْ يقول: صلاة مَنْ ظن الطهارة غير مأمور بها عند الفقهاء، ولذلك حكموا عليها بالفساد، أما صلاة فاقد الماء والتراب فهو مأمور بها عندهم، فتكون صحيحة. =","vol":"2","page":185},{"text":"قضاؤه (^١).\nواقتصر المصنف على غاية العبادة لذكر الخلاف، ولم يذكر غاية العقود، والمراد من كون العقد صحيحًا عند المتكلمين على ما اقتضاه كلام القاضي أبي بكر: وقوعُه على وَجْهٍ يُوافق حكمَ الشرع من الإطلاق له.\nوعند الفقهاء: كونُه بحيث يترتبُ أثره عليه. وهو معنى إطلاقهم ترتب الأثر (^٢).\nوالباطل: هو الذي لا يترتب أثره عليه. والبطلان والفساد لفظان مترادفان، والإزاء والحِذَاء والمقابِل ألفاظٌ مترادفة (^٣).\nوجَعْل المصنف هذا تقسيمًا رابعًا للحكم يقتضي أنَّ الصحة والبطلان حكمان شرعيان، ويكون الحكم تارة بالصحة، وتارة بالبطلان، وقد تقدم الكلام في رَدِّه إلى الاقتضاء والتخيير، أو في كونه زائدًا عليه (^٤).\n_________\n= فالجواب: أنَّ هذا الذي قاله الشارح - رحمه الله تعالى - تفريق بين متماثلين، وإلا فما الفرق بين عذر النسيان وعذر فقد الماء والتراب، كلاهما موانع عن الطهارة المأمور بها، ولا أظن أنَّ الفقهاء يقولون بأنها مأمور بها ولا بالصحة، بل ربما الوجهان اللذان ذكرهما إمام الحرمين المراد بهما أن هذه الصلاة فاسدة على رأي الفقهاء صحيحة على رأي المتكلمين. فما ذكره الأصوليون صحيح دقيق، وكلام الشارح رحمه الله تعالى في انتقاده لا وجه له، والله تعالى أعلم.\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) هذا شرح لما في المتن من كلمة: \"وبإزائها\". وانظر: المصباح المنير ١/ ١٧.\n(^٤) يعني: أو في كون الحكم بالصحة أو البطلان زائدًا على الاقتضاء والتخيير.","vol":"2","page":186},{"text":"وخالف ابن الحاجب الجمهور فقال: إنَّ الصحة والبطلان أو الحكمَ بهما أمر عقلي (^١).\nوقال في \"المنتهى\": القول بأنَّ الحكم بالصحة والبطلان حكم شرعي بعيد. وحجته أنَّ الموافقة أمر عقلي، وقد فسرنا الصحة بها (^٢).\nوأُورِدَ عليه: أنَّ العقلي ما لا مدخل للشرع فيه، وهذا للشرع فيه مدخل، فتسميته شرعيًا غير بعيد.\nوفَهِم بعضُ مَنْ شرح كتابه أَنَّه لا يطرد قوله في صحة العقود؛ لأنَّ ترتب الأثر شرعي (^٣). ولا يَبْعُد طَرْدُه؛ لأنَّ الصحة ليست ترتب الأثر، بل كونه بحيث يترتب الأثر عليه، ومعنى ذلك وقوعه على وجه مخصوص، وذلك أمر عقلي (^٤)، لكن تسميته شرعيا باعتبار أنّ للشرع\n_________\n(^١) انظر بيان المختصر ١/ ٤٠٧، منتهى السول والأمل ص ٤١.\n(^٢) أي: فسرنا الصحة بالموافقة، يعني: موافقة أمر الشرع. قال الأصفهاني في بيان المختصر ١/ ٤٠٩: \"وإنما قلنا: إنها أمر عقلي؛ لأنَّ الصحة في العبادة إما كون الفعل مُسْقطًا للقضاء، كما هو مذهب الفقهاء، أو موافقته لأمر الشريعة، كما هو مذهب المتكلمين. فصلاة مَنْ ظَنَّ أَنَّه متطهر، ثم تبين خطؤه - غيرُ صحيحة على الأول؛ لعدم سقوط القضاء، وصحيحة على الثاني؛ لكونها متوافقة لأمر الشرع. ولا شك أنَّ العبادة إذا اشتملت على أركانها وشرائطها - حكَمَ العقل بصحتها بكل من التفسيرين، سواء حكم الشارع بها أو لا\".\n(^٣) أي: فهم بعض من شرح كتاب ابن الحاجب أنَّ قوله: بأن الصحة أمر عقلي، لا يجري في صحة العقود؛ لأنَّ صحة العقود معناها: ترتب أثرها عليها، وترتب الأثر شرعي، فلا يصح أنْ يقال عنه إنَّه عقلي كما يقول ابن الحاجب.\n(^٤) يعني: أَنَّه لا يبعد أنْ يكون قول ابن الحاجب مطردًا في صحة جميع العقود؛ وذلك =","vol":"2","page":187},{"text":"مدخلا (^١) كما قلنا في العبادات.\nواعلم أنَّ الإمام وأتباعه ومنهم المصنف أنكروا كون الصحة حكمًا زائدًا على الاقتضاء والتخيير (^٢)، وأنكروا الحكم بالسببية كما سبق في الموضعين، فلم يبق للصحة معنى عندهم في العقود إلا إباحة الانتفاع، وهو شرعي (^٣).\nومَنْ يفسر الصحة بكونه مبيحًا للانتفاع يلزمه أنْ يوافق الغزالي في الحكم بالسببية، أو يقول: إنها عقلية (^٤). وحُكْم القاضي مثلًا بصحة عَقْدٍ\n_________\n= لأنَّ الصحة ليست هي ترتب الأثر، ذاته، بل الصحة هي كون العقد بحيث يترتب الأثر عليه، ومعنى هذا أنَّ الصحة هي وقوع العقد على وجه مخصوصٍ، وهذا الوقوع أمر عقلي، أما الترتب فهو شرعي. ولذلك قال الأصفهاني في بيان المختصر ١/ ٤٠٩: \"وأما الصحة في المعاملات فلم يتعرض المصنف لها. ويمكن أنْ يقال: إنها أيضًا أمر عقلي؛ لأنَّ الصحة في المعاملات: كون الشيء بحيث يترتب عليه أثره، وإذا كان الشيء مشتملًا على الأسباب والشرائط وارتفاع الموانع - وحكم العقل بترتب أثره عليه، سواء حكم الشرع بها أو لم يحكم\".\n(^١) يعني: لكن تسمية هذا الأمر العقلي: وهو الوقوع على وجه مخصوص - شرعيًا؛ باعتبار أنَّ للشرع مدخلًا فيه، وهو كون هذا الوجه المخصوص موافقا لأمر الشرع.\n(^٢) يعني: أنَّ الصحة هي الاقتضاء أو التخيير عند الإمام وأتباعه، لأنهم قسموا الحكم الشرعي إلى الصحة والبطلان. انظر: المحصول ١/ ق ١/ ١٤٢، والتحصيل ١/ ١٧٨. إلا أنَّ تاج الدين الأرموي اختار في الحاصل ١/ ٢٤٤: أن هذا التقسيم للأفعال، أي: لمتعلِّق الحكم.\n(^٣) قال في المحصول ١/ ق ١/ ١٤٢: \"وأما في العقود فالمراد من كون البيع صحيحًا: ترتب أثره عليه\". وترتب أثر العقود هو إباحة الانتفاع، وهو حكم شرعي، وكذا قال في التحصيل ١/ ١٧٨، والحاصل ١/ ٢٤٤.\n(^٤) يعني: أنَّ مَنْ فسر الصحة بكون العقد مبيحًا للانتفاع - يلزمه أنْ يوافق الغزالي في =","vol":"2","page":188},{"text":"إنما يصح إذا قصد المعنى الشرعي؛ لأنَّه الذي يُنشئه (^١) القاضي، بخلاف الأهر العقلي (^٢)، وليس للقاضي أنْ يحكم إلا بما يصح أن يكون حكمًا من الشارع، من اقتضاء أو تخيير أو خطاب وضع إنْ قلنا به (^٣).\nوإذا جُعلت الصحة عقلية - لم يكن للقاضي الحكم بها، بل بأثر الصحيح (^٤).\n(وأبو حنيفة سَمَّى ما لم يُشرع بأصله ووصفه كبيع الملاقيح باطلًا، وما شُرِع بأصله دون وصفه كالربا (^٥) فاسدًا).\nعند الحنفية إنْ كان العِوَضان غير قابلين للبيع، كبيع الملاقيح (^٦) بالدم مثلًا (^٧)، فهو باطل قطعًا. وكذا إن كان المبيع وحده، كبيع الملاقيح\n_________\n= الحكم بالسببية؛ لأنَّ إباحة الانتفاع حكم شرعي، والعقد سببه، فهذا قول بالسببية كما يقول الغزالي. أو أنْ يقول بأنَّ الصحة عقلية كما قال ابن الحاجب، فتكون الصحة هي الوقوع على وجه مخصوص، وإباحة الانتفاع أثر ذلك الوقوع لا مُسَبَّبة عنه. والحاصل أَنَّه لا ينجي من القول بالسببية إلا اعتبار الصحة حكمًا عقليًا (الوقوع على وجه مخصوص) أو وضعيًا (أي: علامة على إباحة الانتفاع)، وكلاهما لا يقول بهما الرازى وأتباعه.\n(^١) في (ص): \"يثبته\".\n(^٢) فإن القاضي لا يحكم بالأمور العقلية.\n(^٣) يعني: إن قلنا بأن الحكم الوضعي داخل في الحكم الشرعي.\n(^٤) يعني: أنَّ القاضي لا يحكم بالصحة إذا جعلناها عقلية، بل يحكم بأثر العقد الصحيح.\n(^٥) في (ص): \"كالزنا\". وهو خطأ.\n(^٦) في المصباح ٢/ ٢١٦: \"ألقح الفحلُ الناقةَ إلقاحًا: أحْبَلَها. فَلُقِحَت بالولد، بالبناء للمفعول، فهي مَلْقُوحة. . . والجمع ملاقيح: وهي ما في بطون النُّوق من الأجنة\".\n(^٧) كأن يقول: بعتك هذا الولد الذي في بطن الناقة برطل من الدم. فهذا باطل؛ =","vol":"2","page":189},{"text":"بالدراهم على الصحيح عندهم. وإن كانا قابلين للبيع، ولكن جاء الخلل من أمر آخر، كبيع درهم بدرهمين، كل من العوضين قابل للبيع، والخلل من الزيادة - فهو فاسدٌ قطعًا. وكذا إن كان الثمن فقط، كبيع ثوب بدم، على الصحيح عندهم.\nوالفاسد عندهم إذا اتصل بالقبض يُفيد المِلْكَ الخبيث، والباطل لا يفيد شيئًا (^١). وعندنا الباطل والفاسد سواء في المعنى والحكم، ولا يفيد شيءٌ منهما المِلْك.\nوالملاقيح: ما في بطون الأمهات. وقد علمتَ المراد بأصله وهو كون المبيع يصح بيعه، ووصفه (المبطل في الربا هو التفاضل (^٢)، والمشروع بأصله ووصفه) (^٣) هو الصحيح.\n_________\n= لأنَّ المبيع والثمن غير قابلين للبيع، فلا يصح بيعهما.\n(^١) يعني: أنَّ الفاسد إذا حصل فيه القبض بأن اشترى ثوبا بدم، فهذا الثوب ملك للمشتري، ولكنه ملك خبيث لا يجوز له أنْ ينتفع به، فإذا باعه تصدق بثمنه وجوبًا أو أنْ يتصدق بالثوب ذاته إلى فقير.\nأما الباطل فلا يفيد شيئًا من الملك. انظر: الهداية للمرغيناني ٣/ ٤٦، ٥٦، ملتقى الأبحر ٢/ ١٩.\n(^٢) البيع إذا كان مشروعًا بأصله (أي: بأركانه) لا بوصفه (أي: لا بشرائطه) كالربا - فهو بيع فاسد؛ لأنّه مشروع بأصله، وهما العوضان، فالمبيع والثمن صحيحان؛ لأنهما دراهم بدراهم، لكن الفساد جاء من التفاضل وهو الدرهم الزائد، وهذا وصف لا أصل.\nانظر: السراج الوهاج ١/ ١١٧.\n(^٣) سقطت من (ص).","vol":"2","page":190},{"text":"وأما فَرْقُ أصحابنا بين الباطل والفاسد في الكتابة (وغيرها) (^١) - فلا يضرنا في نصب الخلاف في البيع (^٢)، ومحل الرد عليهم في ذلك كتب الفقه، وكتب الخلاف (^٣).\n(والإجزاء: هو الأداء الكافي لسقوط التعبد به (^٤). وقيل: سقوط القضاء. ورُدَّ بأن القضاء حينئذ لم يجب؛ لعدم الموجِب (^٥)، فكيف سقط، فإنكم (^٦) تعللون سقوط القضاء به (^٧)، والعلة غير المعلول).\nلما كان الإجزاء معناه قريب من معنى الصحة ذكره\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) يعني: كون الشافعية يفرقون بين الباطل والفاسد في الكتابة وغيرها، فهذا لا يضرهم، ولا يلزمهم به نصب الخلاف والتفريق بين الباطل والفاسد في عقود البيع.\n(^٣) انظر ما سبق في: المحصول ١/ ق ١/ ١٤٢، التحصيل ١/ ١٧٨، الحاصل ١/ ٢٤٤، الإحكام ١/ ١٨٦، شرح تنقيح الفصول ص ٧٦، نهاية السول ١/ ٩٤، السراج الوهاج ١/ ١١٥، كشف الأسرار ١/ ٢٥٨، أصول السرخسي ١/ ٨٠، شرح مختصر الروضة ٣/ ٤٦٥، شرح الكوكب ١/ ٤٦٤، شرح الأصفهاني على المنهاج ١/ ٦٩، بيان المختصر ١/ ٤٠٧، البحر المحيط ٢/ ١٤، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٤، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٩٩.\n(^٤) أي: لسقوط طلبه، وذلك بأن تجتمع فيه الشرائط وتنتفي عنه الموانع. نهاية السول ١/ ١٠٤.\n(^٥) أي: حين تحقق الإجزاء لم يجب القضاء؛ لعدم الموجب: وهو إما خروج الوقت من غير إتيانٍ بالفعل، أو الأمر الجديد بعد خروج الوقت. انظر: نهاية السول ١/ ١٠٥، شرح الأصفهاني على المنهاج ١/ ٧٤، السراج الوهاج ١/ ١١٩، فتح الغفار ١/ ٤٢.\n(^٦) في (ت): \"وإنكم\".\n(^٧) أي: بالإجزاء.","vol":"2","page":191},{"text":"معها، ولم يُفْرِدْه بتقسيم، ولكن الصحة أعم، فإنها تطلق على (^١) المعاملات، ولا يطلق الإجزاء في المعاملات.\nوقوله: \"الأداء\"، يجب حمله على الأداء اللغوي؛ لأنَّ الإجزاء كما يكون في الأداء (^٢) يكون في القضاء والإعادة (^٣)، فلو قال: الفعل - كان أحسن، والضمير في \"به\" يعود على الأداء. وما أورده من أنَّ القضاء إذا لم يجب لا يقال: سقط - صحيح (^٤)، وهو وارد على مَنْ حَدَّ الصحة بسقوط القضاء أيضًا (^٥).\nوما أورده من تعليل سقوط القضاء بالإجزاء تَبِع فيه \"الحاصل\" (^٦).\nوعبارة \"المحصول\": \"لأنا نعلِّل وجوبَ القضاء بأنَّ الفعل الأول لم يكن\n_________\n(^١) في (ت): \"في\".\n(^٢) أي: الأداء الاصطلاحي: وهو فعل المأمور به في وقته المقدر له شرعًا. انظر: شرح مختصر الروضة ٣/ ٤٧١، التعريفات للجرجاني ص ٩.\n(^٣) فنقول: أجزأه الأداء. أجزأه القضاء. أجزأته الإعادة. والقضاء: هو فعل المأمور به خارج الوقت لفواته فيه لعذر أو غيره. والإعادة: فعل المأمور به في وقته المقدر شرعًا لخلل في الأول. انظر: شرح الطوفي ٣/ ٤٧٢ - ٤٧٣.\n(^٤) المعنى: أنَّ مَنْ عرَّف الإجزاء بسقوط القضاء، اعترض عليه في تعريفه هذا بأن القضاء لا يجب قبل دخول وقته (أي: قبل خروج وقت الأداء) فكيف يقال بسقوطه، والسقوط لا يكون إلا بعد وجوبه!\n(^٥) أي: هذا الاعتراض وارد أيضًا عَلَى مَنْ عَرَّفَ الصحة بسقوط القضاء، كيف يسقط القضاء وهو لم يجب؛ لأنَّ حصول الصحة يمنع وجوب القضاء، فكيف يقال بسقوط ما لم يجب!\n(^٦) انظر: الحاصل ١/ ٢٤٧.","vol":"2","page":192},{"text":"مجزيًا، والعلة مغايرة للمعلول (^١) \". فظن بعض الناس أنَّه انقلب على الإمام.\nوكان الباجي يقول: إنها إحدى عُقَد \"المحصول\" ويتبجح بِحَلِّها زاعمًا أنَّه لو ادعى تعليل سقوط القضاء بالإجزاء مَنَعه الخصم، وقال: هذا عين النزاع. فأخذ مقابليهما (^٢) وأثبت التغاير بينهما، وهو خارج عن محل النزاع (^٣)، (ثم ينقل التغاير إلى محل النزاع) (^٤)؛ لثبوت تغاير المقابِلَيْن، ومن ضرورة ذلك تغاير (^٥) مقابليهما (^٦).\n_________\n(^١) أي: وجوب القضاء معلول، وعدم الإجزاء علة، وهما متغايران. انظر المحصول ١/ ق ١/ ١٤٥، وعبارته: \"ولأنا نعلل وجوب القضاء: بأن الفعل الأول لم يكن مجزيًا، فوجب قضاؤه، والعلة مغايرة للمعلول\". وانظر: نفائس الأصول للقرافي ١/ ٣١٨.\n(^٢) في (ص): \"مقابلتها\". وهو خطأ.\n(^٣) يقصد الباجي بأن الإمام لو ادعى نقيض ما قال لمنعه الخصم، ففر من ذلك، وغَيَّر العبارة بنقيضها، فَبَدل أنْ يعلل سقوط القضاء بالإجزاء (المعترَض عليه) علَّل بوجوب القضاء بعدم الإجزاء. وهذا خارج عن محل النزاع؛ لأنَّ محل النزاع في تعليل سقوط القضاء بالإجزاء، فأخذ الرازي نقيض هاتين القضيتين، وأثبت التغاير بينهما بأن العلة (وهي عدم الإجزاء) غير المعلول (وهو وجوب القضاء)، وهذا خارج عن محل النزاع، فإن النزاع في نقيض ما قال.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ك): \"مغايرتهما\".\n(^٦) يعني: التغاير الذي ادعاه الرازي في نقيض محل النزاع، ينقل التغاير إلى محل النزاع؛ لأنَّ نقيض المتغايرين متغايران. ولذلك وَجَّه القرافي كلامَ الإمام على أنَّه أثبت التغاير في محل النزاع باللازم. لأنَّ محل النزاع - كما سبق - هو: هل الإجزاء هو ذات سقوط القضاء؛ فهما حقيقة واحدة أم لا؟ . فَبَيَّن الإمام رحمه الله تعالى أنَّ نقيض محل النزاع متغايران، فعدم الإجزاء غير وجوب القضاء؛ لأننا نعلل وجوب القضاء بعدم =","vol":"2","page":193},{"text":"وأَيًّا ما كان، فقد أُورد عليه أنَّ العلة قد تكون لشيء، وقد تكون لحكمنا به (^١) كما إذا قلتَ: هذا إنسان، وسُئِلت لم حكمت عليه بذلك، فتقول: لأَنَّه حيوان ناطق. فالمغايرة هنا بين العلة وحكمك، لا بينها وبين المحكوم به (^٢)، وهذا (^٣) الإجزاء علة لحكمنا بسقوط القضاء، لا لسقوط القضاء نفسه، وليس هذا بالقوي.\nوفي \"المحصول\" إيراد ثالث: وهو أنَّه لو أتى بالفعل عند اختلال بعض شرائطه ثم مات - لم يكن الفعل مجزئًا مع سقوط القضاء (^٤). ولك أن تمنع سقوط القضاء هنا، بل يبقى في ذمته إن كان مفرطا.\nوقول المصنف: \"لعدم الموجب\"، يعني: أنَّ القضاء إنما يجب بأمر جديد بعد خروج الوقت إذا تُرِك (^٥)، ولم يوجد ذلك (^٦).\n_________\n= الإجزاء، والعلة غير المعلول، فلما كانت هاتان القضيتان متغايرتين - لزم تغاير نقيضيهما ومقابليهما، وهي أنَّ الإجزاء غير سقوط القضاء، فدل كلامه على محل النزاع باللازم، وبَيَّن بطلان اتحاد حقيقة الإجزاء وسقوط القضاء ببطلان لازمهما: وهو اتحاد حقيقة عدم الإجزاء ووجوب القضاء، وبطلان اللازم يقتضي بطلان الملزوم. انظر: نفائس الأصول للقرافي ١/ ٣١٨.\n(^١) سقطت من (ص). والضمير في \"به\" يعود إلى الشيء.\n(^٢) يعني: فالمغايرة هنا بين العلة - وهو كونه حيوانا ناطقًا -، وبين الحكم بأنه إنسان، لا بين حيوان ناطق وإنسان ذاته. انظر: نفائس الأصول ١/ ٣١٩.\n(^٣) في (ت): \"وهنا\".\n(^٤) يعني: لما سقط القضاء مع عدم الإجزاء - دل هذا على أنَّ الإجزاء ليس بعلة لسقوط القضاء. انظر المسألة في المحصول ١/ ق ١/ ١٤٤.\n(^٥) يعني: إذا ترك الفعل الواجب.\n(^٦) سقطت من (ص)، و(ك).","vol":"2","page":194},{"text":"(وإنما يُوصف به وبعدمه ما يحتمل وجهين، كالصلاة، لا المعرفة بالله (^١) وَرَدِّ الوديعة).\nالصلاة تقع تارة على وجه يكفي في سقوط التعبد بها، وتارة على وجه لا يكفي، فوصفت بالإجزاء وبعدمه؛ لاحتمالها للوجهين المذكورين (^٢).\nوأما المعرفة فلا يقال فيها مجزئة، وغير مجزئة؛ لأنَّه إن تعلق العلم بالله تعالى فهو المعرفة وإلا فلا معرفةَ بل الجهل (^٣).\nوكذلك رَدُّ الوديعة والمغصوب، إنْ حصل إلى المالك أو وكيله برئ، وإلا فلا رَدَّ.\nوقال الأصفهاني (^٤) (^٥) في \"شرح المحصول\": إنه لا يقال في العبادة\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) قال الجاربردي في السراج الوهاج ١/ ١٢١: \"الفعل إنما يوصف بالإجزاء وعدم الإجزاء إذا كان ذا وجهين: أحدهما شرعي، والآخر حسي، كالصلاة؛ فإن لها وجهين: أحدهما شرعي: وهو أنْ يكون مستجمعًا للشرائط، والثاني: حسي: وهو أنْ لا يكون كذلك. فعلى التقدير الأول يوصف بالإجزاء، وعلى التقدير الثاني يوصف بعدم الإجزاء\".\n(^٣) يعني: إن تعلق العلم بالله تعالى تعلقًا صحيحًا، كعقائد المسلمين الصحيحة - فهو المعرفة، وإن لم يتعلق العلم بالله تعلمًا صحيحًا، كعقائد النصارى واليهود في الله تعالى - فهو الجهل.\n(^٤) في (ك): \"الأصبهاني\".\n(^٥) هو محمد بن محمود بن محمد، أبو عبد الله القاضي، شمس الدين الأصبهانيّ. ولد سنة ٦١٦ هـ. كان إمامًا في المنطق، والكلام، والأصول، والجدل، متدينًا كثير =","vol":"2","page":195},{"text":"المندوب إليها: إنها مجزئة أو غير مجزئة (^١).\nوهذا الذي قاله بعيد، وكلام الفقهاء يقتضي أنَّ المندوب يوصف بالإجزاء كالفرض، وقد ورد في الحديث: \"أربعٌ لا تجزئ في الأضاحي\" (^٢)، واستدل به مَنْ قال بوجوب الأضحية. وأُنكر عليه (^٣).\n_________\n= العبادة والمراقبة. من مصنفاته: \"شرح المحصول\" وهو حسن جدًا، القواعد. توفي بالقاهرة سنة ٦٨٨ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ١٠٠، حسن المحاضرة ١/ ٥٤٢.\n(^١) انظر: الكاشف ١/ ٢٨٣ - ٢٨٤. وكذا قال القرافي في شرح تنقيح الفصول ص ٧٨: \"وكذلك النوافل من العبادات تُوصف بالصحة دون الإجزاء، وإنما يوصف بالإجزاء ما هو واجب\". وانظر: نفائس الأصول ١/ ٣١٣ - ٣١٤.\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجه ٢/ ١٠٥٠، في كتاب الأضاحي، باب ما يكره أن يضحي به، رقم ٣١٤٤. واخرجه أبو داود ٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦، في كتاب الضحايا، باب ما يكره من الضحايا، رقم ٢٨٠٢، بلفظ: \"أربع لا تجوز في الأضاحي\". والنسائي ٧/ ٢١٤ - ٢١٦، في كتاب الضحايا، باب ما نهي عنه من الأضاحي، رقم ٤٣٦٩، ٤٣٧٠، بلفظ: \"أربع لا يَجُزْنَ\" وبلفظ: \"أربعة لا يَجْزِينَ في الأضاحي\". وأخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤٨٢، في كتاب الضحايا، باب ما ينهى عنه من الضحايا. والترمذي ٤/ ٧٢، في الأضاحي، باب ما لا يجوز من الأضاحي، رقم ١٤٢٧، قال الترمذي: \"هذا حديث حسن صحيح\". كلهم من حديث البراء بن عازب ﵁، وتمام الحديث بلفظ النسائي: \"أربعة لا يجزين في الأضاحي: العَوْراء البَيِّن عَوَرُها، والمريضة البَيِّن مرضُها، والعَرْجاء البَيِّن ظَلْعُها، والكسيرةُ التي لا تُنْقِي\" وفي رواية بدل الكسيرة: \"والعَجْفاء التي لا تُنْقِي\".\n(^٣) مذهب الشافعي ﵁ والجمهور أنها سنة مؤكدة، وعند أبي حنيفة - ﵁ - واجبة على كل مقيم مُوسِر في يوم الأضحى. انظر: المجموع ٨/ ٣٨٥. فتح القدير ٨/ ٤٢٥، بداية المجتهد ١/ ٤٢٩.","vol":"2","page":196},{"text":"وفي حديث أبي بردة (^١): \"تجزئ عنك\" (^٢)، ضبطه ابن الأثير بالوجهين: بضم التاء مع الهمزة، وفتحها مع الياء. يُقال: أجزأ، بمعنى\n_________\n(^١) هو هانئ بن نِيار بن عمرو البَلَويّ القضاعيِّ، الأنصاريّ من حلفاء الأوس. وهو خال البراء بن عازب - ﵁ -. شهد العقبة وبدرًا وما بعدها، وروى عن النبي - ﷺ -، وحديثه في الكتب الستة. قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"قيل: مات سنة إحدى، وقيل: اثنتين وأربعين، وقيل: خمس وأربعين. قلت: وقال الواقديّ: توفي في أول خلافة معاوية، بعد شهوده مع عليٍّ حروبَه كلِّها\". انظر: سير ٢/ ٣٥، تهذيب ١٢/ ١٩، الإصابة ٤/ ١٨، فتح الباري ١٠/ ١٣.\n(^٢) الحديث بهذا اللفظ رواه أبو يعلى والطبراني بنحوه في الكبير، ففي مجمع الزوائد ٤/ ٢٤: وعن أبي جحيفة: \"أن رجلًا ذبح قبل أن يصليَ رسول الله - ﷺ - يوم النحر، فقال رسول الله - ﷺ -: لا تجزئ عنك. فقال: يا رسول الله إن عندي جَذَعة. فقال: تجزئ عنك ولا تجزئ بعدك\". رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير بنحوه، ورجال الجميع ثقات. اهـ. وانظر: فتح الباري ١٠/ ١٥.\nوالرجل المذكور في الحديث أبو بُردة بن نِيَار الأنصاريُّ خال البراء بن عازب - ﵄ -، وحديث أبي بُردة - ﵁ - أخرجه البخاري ١/ ٣٣٤، في العيدين، باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد، رقم ٩٤٠، وانظر الأرقام: ٩١٢، ٩٢٢، ٩٢٥، ٩٣٣، ٩٤٠، ٥٢٢٥، ٥٢٣٦، ٥٢٣٧، ٥٢٤٠، ٥٢٤٣، ٦٢٩٦. ومسلم ٣/ ١٥٥٢، في الأضاحي، باب وقتها، رقم ١٩٦١. ومالك في الموطأ ٢/ ٤٨٣، في الضحايا، باب النهي عن ذبح الضحية قبل انصراف الإمام، رقم ٤. وأبو داود ٣/ ٢٣٣ - ٢٣٥، في الضحايا، باب ما يجوز من السن في الضحايا، رقم ٢٨٠٠. والترمذي ٤/ ٧٨، في الأضاحي، باب ما جاء في الذبح بعد الصلاة، رقم ١٥٠٨، وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي ٧/ ٢٢٢، في الضحايا، باب ذبح الضحية قبل الإمام، رقم ٤٣٩٥. وابن ماجه ٢/ ١٠٥٣، في الأضاحي، باب النهي عن ذبح الأضحية قبل الصلاة، رقم ٣١٥٤.","vol":"2","page":197},{"text":"كفى. وجَزَا بمعنى قضى (^١).\nولا تُوصف المعاملات بالإجزاء، وإنما يوصف به ما كان مأمورًا به.\nفالصحة أعم محلًا منه؛ لأنها تكون في المعاملات والعبادات، ولا يوصف بها أيضًا إلا ما يحتمل وجهين: أن يقع صحيحًا وفاسدًا، كالصلاة والعقود، فإنها إن وقعت مستجمعة الأركان والشروط كانت صحيحة، وإن وقعت على غير ذلك الوجه كانت فاسدة، بخلاف المعرفة ليس لها إلا وجه واحد. وهذا (^٢) إذا جعلنا اسم الصلاة موضوعًا للصحيح والفاسد (^٣) - ظاهرٌ، وأما إذا قلنا هو (^٤) موضوع للصحيح فقط، ولا يطلق على الفاسد إلا مجازًا - فإنه لا يكون لها إلا وجه واحد. فكأنهم نظروا إلى المعنى الأعم الموجِب للإطلاق المجازي، وجعلوه مورد التقسيم إلى الصحيح وغيره، ولا يرد هذا السؤال في الإجزاء؛ لانقسام الصحيح إلى مجزئ وغير مجزئ، كصلاة المتيمم في الحضر (^٥) ونحوه.\nوعند أبي حنيفة - ﵀ - كل صلاة وجب قضاؤها لا يجب أداؤها، وكل صلاة وجب (^٦) أداؤها لا يجب قضاؤها، فيستوي عنده\n_________\n(^١) انظر: النهاية ١/ ٢٧٠، لسان العرب ١٤/ ١٤٦.\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"وهو\". وهو خطأ.\n(^٣) في (ص): \"والفساد\". وهو خطأ.\n(^٤) في (غ): \"إنه\".\n(^٥) يعني: صلاة المتيمم في الحضر صحيحة، مع كونها غير مجزئة، وتلزمه الإعادة، وهذا عند الشافعية والجمهور. انظر: المجموع ٢/ ٣٠٥.\n(^٦) في (ص)، و(ك): \"يجب\".","vol":"2","page":198},{"text":"الصحة والإجزاء (^١)، ويكون انقسام العبادة إليهما (^٢) باعتبار الإجزاء (^٣) (^٤) (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>(الخامس: العبادة إنْ وقعت في وقتها المعيَّن</span>، ولم تُسْبق بأداء مُخْتل فأداء، وإلا فإعادة. وإن وقعت بعده ووجد فيه سبب وجوبها فقضاء، وجب أداؤه كالظهر المتروكة قصدًا، أو لم يجب وأمكن كصوم المسافر والمريض، أو امتنع عقلًا كصلاة النائم، أو شرعًا كصوم الحائض).\nهذا تقسيم آخر للعبادة التي هي مُتَعَلَّق الحكم، ويصح جعله تقسيمًا للحكم من جهة أنَّ الأمر قد يكون بالأداء، وقد يكون بالقضاء، وقد يكون بالإعادة.\n_________\n(^١) يعني: النسبة بينهما المساواة، فكل صحيح مجزئ، وكل مجزئ صحيح.\n(^٢) في (ص): \"إليها\". وهو خطأ؛ لأنَّ الضمير يعود إلى الصحة والفساد، أو الإجزاء وعدمه.\n(^٣) في (ت): \"بالاعتبار الإجزاء\".\nووضع (أل) التعريف للفظ \"الاعتبار\" غير سليم، وفي (ص): \"بالاعتبار الآخر\". وهو خطأ.\n(^٤) والمعنى: أنَّ الأصل في تحديد معنى الصحة وعدمه، أو الإجزاء وعدمه - هو الإجزاء، فإذا كانت العبادة مجزئة فهي صحيحة، وإلا ففاسدة.\n(^٥) انظر ما سبق في: المحصول ١/ ق ١/ ١٤٣، التحصيل ١/ ١٧٨، الحاصل ١/ ٢٤٧، شرح تنقيح الفصول ص ٧٧، شرح الكوكب ١/ ٤٦٨، تيسير التحرير ٢/ ٢٣٥، نهاية السول ١/ ١٠١، السراج الوهاج ١/ ١١٨، شرح الأصفهاني ١/ ٧٢، البحر المحيط ٢/ ٢٢.","vol":"2","page":199},{"text":"وقوله: \"العبادة\" يشمل الفرض والنفل، فكلٌّ منهما إذا كان مؤقتًا يُوصف بالثلاثة، وزعم بعضهم أَنَّه لا (^١) يُوصف بشيء من الثلاثة إلا الواجب، وزعم بعضهم أنَّ القضاء لا يوصف به إلا الواجب، وكل ذلك خَلْط، والصواب أنَّ الواجب والمندوب كلٌّ منهما يوصف بالأداء، والإعادة، والقضاء.\nوقوله: \"إن وقعت\"، لو قال: إنْ أُوقِعَت (^٢) كان أحسن؛ لأنَّ الأداء والإعادة والقضاء أنواع للإيقاع لا للوقوع، لكن لك أن تنتصر لتصحيح كلامه بأن العبادة: فِعْلُ الفاعل، ففعلها وإيقاعها وأداؤها ووقوعها سواء (^٣).\nوقوله: \"في وقتها المعيَّن\"، الأحسن عندي في تفسيره: أَنَّه الزمان المنصوص عليه لفعلها مِنْ جهة الشرع؛ فإن المأمور به تارة يُعَيِّن الآمر وقته، كالصلوات الخمس وتوابعها، وصيام رمضان، وزكاة الفطر، فإنَّ جميع ذلك قُصِد فيه زمان معيَّن. وتارة يَطْلب الفعلَ من غير تعرض للزمان (^٤)، وإنْ كان الأمر يدل على الزمان بالالتزام، ومن ضرورة الفعل وقوعُه في زمان، ولكنه ليس (مقصودًا للشارع) (^٥)، ولا مأمورًا به قصدًا.\n_________\n(^١) في (ص): \"لم\".\n(^٢) وقع لازم، أي: بنفسها وقعت، وأوقع متعد، أي: العبد أوقعها.\n(^٣) يعني: لا كانت العبادة هي فعل الفاعل، كان الإيقاع والوقوع سواء؛ لأنَّ الوقوع لا يتحقق إلا بمُوقعٍ وهو الفاعل.\n(^٤) في (ت)، و(ك): \"مقصود الشارع\".\n(^٥) في (ك)، و(ت): \"مقصود الشارع\".","vol":"2","page":200},{"text":"فالقسم الأول يسمى مؤقتًا، والقسم الثاني يسمى غير مؤقت، وسواء قلنا في القسم الثاني: إن الأمر يقتضي الفور أو التراخي، أو كان قد دل على ذلك (^١) قرينة، كإنقاذ الغريق ونحو ذلك، أوْ لا (^٢) فإن المقصود من (^٣) هذا كله إنما هو الفعل مِنْ غير تعرض إلى الزمان. والقسم الأول قُصِدَ فيه الفعل والزمان، إما لمصلحةٍ اقتضت تعيين ذلك الزمان، وإما تعبدًا محضًا.\nوالقسم الثاني ليس فيه إلا قصد الفعل، فالقسم الثاني لا يُوصف فعله بأداء ولا قضاء؛ لأنهما فرعا الوقت ولا وقت له، وينبغي أنْ يوصف بالإعادة إذا تقدم فعلٌ مثله على ما سأبينه.\nومن هذا القسم: (الإيمان، فإنه لا وقت له (^٤)، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان وقته) (^٥) وَقتَ سَبَبِه، ولكنه ليس وقتًا مُعَيَّنًا من حيث هو، وإنما هو حضوره، وكذا زكاة المال إذا حال الحول، كل هذه واجبات فورية غير مؤقتة (^٦). وكذا الواجبات\n_________\n(^١) أي: على الفور أو التراخي.\n(^٢) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"وإلا\". وهو خطأ؛ لأنَّ المعنى: أو لم يدل على الفور أو التراخي قرينة.\n(^٣) في (ت): \"في\".\n(^٤) يعني: لا وقت له من حيث إنه مُطالب به في جميع الأوقات والحياة، فخرج عن كونه مؤقتًا بوقت يطالب فيه دون غيره من الأوقات.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) يعني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذا زكاة المال، لا وقت لهذه الواجبات، بل هي واجبات فورية غير مؤقتة بوقت، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر =","vol":"2","page":201},{"text":"على التراخي بلا حد. وقد أطلق الفقهاء على الحجِّ الأداءَ متى أَوْقعَ حجة الإسلام في عُمُره، والقضاء في صورتين:\nإحداهما: إذا قُضِي عنه بعد موته.\nوالثانية: إذا حَجَّ العبدُ وأَفسد حجه، ثم عَتَق - فيحج عن حجة الإسلام ثم عن القضاء.\nوعندي أن إطلاقهم الأداء والقضاء في ذلك بطريق المجاز، فإنَّ الحج من القسم الثاني الذي لم يُقصد فيه غير الفعل، وإن وُسِّع فيه مدةَ العمر عندنا، أو ضُيِّق وجب فيه الفور عند غيرنا، فإن ذلك لا يُصَيِّر الوقت مقصودًا فيه.\nوأما إذا أَفسد حجة الإسلام وأمرناه بقضائها فقد صَرَّحوا أنَّ ذلك ليس بقضاء، يَعْنُون: بل هو أداءٌ مُعَاد.\nوإذا عرفتَ هذا فلنتكلم في مقصودنا، وهو القسم الأول المؤقت بوقت معيَّن، سواء أكان (^١) مُضَيَّقًا كصوم رمضان، أم (^٢) مُوَسَّعًا، كالصلاة، فإنْ فُعِل في وقته فهو أداء، سواء أفعله (^٣) مرة أخرى قبل ذلك\n_________\n= يجبان عند تحقق سببهما، وهو ترك المعروف أو فعل المنكر، والزكاة تجب عند تحقق شرطها وهو حَوَلان الحول، وقبل ذلك فهى ليست بواجبة.\n(^١) في (ص): \"كان\".\n(^٢) في (ص): \"أو\".\n(^٣) في (ص)، و(ك): \"فعله\".","vol":"2","page":202},{"text":"أم لا (^١).\nهذا هو الذي نختاره، وهو مقتضى إطلاقات الفقهاء، ومقتضى كلام الأصوليين: القاضي أبي بكر في \"التقريب والإرشاد\" (^٢)، والغزالي في \"المستصفى\" (^٣)، والإمام في \"المحصول\"، ولكن الإمام لما أطلق ذلك (^٤) ثم قال: \" (إنه إنْ فُعِل ثانيًا بعد خَلَلٍ) (^٥) سُمِّي إعادةً - ظَنَّ\n_________\n(^١) يعني: سواء فعل الصلاة مرة واحدة في الوقت، أو أعاد الصلاة بعد أنْ صلاها مُخْتَلَّة في الوقت، كل ذلك أداء. فالأداء: فِعْل الصلاة في الوقت، سواء فعلها مرة أو أكثر من مرة.\n(^٢) انظر: التلخيص للجويني ١/ ٤١٩.\n(^٣) قال الغزالي في المستصفى ١/ ٣٢٠: \"اعلم أنَّ الواجب إذا أُدِّي في وقته سُمِّي أداء. وإن أدي بعد خروج وقته المضيق، أو الموسع المقدَّر - سمي قضاء. وإن فُعِل مرةً على نوع من الخلل، ثم فعل ثانيا في الوقت - سُمِّي إعادة. فالإعادة: اسم لمثل ما فُعِل. والقضاء: اسم لفعل مثل ما فات وقته المحدود\".\nومفهوم كلام الغزالي رحمه الله تعالى هو أنَّ الإعادة أداء؛ لأنها فُعِلت في الوقت؛ ولذلك جعلها مقابلةً للقضاء، وفَرَّق بينهما بأن الإعادة: اسم لمثل ما فُعِل في الوقت. والقضاء: اسم لِفْعل مِثْل ما فات وقته المحدود. فالأداء قسمان: فعل الواجب في الوقت أولًا، وفعل الواجب في الوقت ثانيًا، ويسمى هذا إعادة.\n(^٤) يعني: لما أطلق أنَّ الواجب إذا أُدِّي في وقته سمي أداء.\nانظر: المحصول ١/ ق ١/ ١٤٨.\n(^٥) في (ص): \"إنه إنْ فُعِل ذلك ثانيًا بعد ذلك\". وهو خطأ، وفي (غ): \"إنْ فعل ذلك ثانيا بعد خلل\". (وسقطت من (غ): إنه). والعبارة في (ك) كما هي في (غ) ولكن مع وجود السقط.","vol":"2","page":203},{"text":"صاحبا \"الحاصل\" و\"التحصيل\" أنَّ هذا مخصِّص للإطلاق المتقدم، فَقَيَّداه، وتبعهما المصنف، فإنه كثيرًا ما يتبع \"الحاصل\" (^١)، وليس لهم مساعد من\n_________\n(^١) يعني: أنَّ صاحبي الحاصل ١/ ٢٤٨، والتحصيل ١/ ١٧٩ ظنا أنَّ كلام الإمام (وهو أنَّ فعل الواجب في الوقت بعد فعله بخلل يُسَمَّى إعادة) مخصِّص للإطلاق المتقدم (وهو أنَّ الأداء: فِعْل الواجب في الوقت. ومفهومه: سواء أداه مرة أو أكثر من مرة)، فخصصا هذا الإطلاق بكلامه المتقدم، والصواب خلافه كما يقول الشارح. ومفهوم كلام شيخ الإسلام السبكي رحمه الله تعالى: أنَّ تسميته بالإعادة لا تخصِّص تسميته بالأداء، بل يسمى بهما جميعًا؛ إذ لا تنافي بين تعريف الأداء والإعادة، فالأداء: ما أُدِّي في وقته، كما يقول الرازي والغزالي وغيرهما، وهذا شامل لما أدِّي مرة أو أكثر. والإعادة: ما أُدِّي في الوقت ثانيًا. فتكون الإعادة من قسم الأداء، ولا يحسن أنْ نقول بأنَّ الإعادة ليست أداء؛ إذ قسمة العبادة بالنسبة للوقت ثنائية؛ لأنَّ العبادة المؤقتة إما أنْ تُفعل داخل الوقت فهي أداء، أو خارجه فهي قضاء، فتكون الإِعادة من قسم الأداء لا محالة، وكيف لا تكون أداءً وهي عبادة مُؤَدَّاة داخل الوقت المقدَّر شرعا! . وهذا استدراك من الشارح دقيق على المصنف وصاحبي التحصيل والحاصل، بل إنَّ شراح المنهاج كالإسنوي ١/ ١٠٩، والجاربردي ١/ ١٢٣، والبدخشي ١/ ٦٤، والأصفهاني ١/ ٧٦، لم ينتبهوا لهذا المَلْحَظِ الدقيق على المصنف، ظانين أنَّ مذهب الإمام هو أنَّ الإعادة ليست من الأداء، والمصنف تَبَعٌ له في هذا، والواقع بخلافه. وقد فَصَّل الشيخ المطيعي رحمه الله تعالى هذه المسألة تفصيلًا جيدًا، ولولا طوله لنقلتُه، ورجَّح أن الإعادة أداءٌ على مذهب الشافعية والحنفية. انظر: سلم الوصول ١/ ١٠٩، قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع ١/ ٢٥٣: \"إذا أُمِر بعبادة في وقت فَفَعَلها فيه سُمِّي ذلك أداءً حقيقة. وإنْ شَرَع فيها في الوقت ثم أفسدها وأعادها سُمِّي ذلك الفعل أداءً وإعادة. وإن فعلها بعد خروج الوقت سمي ذلك قضاءً وإعادة\"، وتسمية القضاء إعادة تسامح في التعبير، والمراد واضح، وموطن الشاهد هو قوله: \"سمي ذلك الفعل أداءً وإعادة\". =","vol":"2","page":204},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقد قال شمس الدين الأصفهاني في شرحه على المنهاج ١/ ٧٨، بعد أنْ ذكر تعريف البيضاوي للأداء والإعادة: \"وقد تُطْلق الإعادة على ما وقع ثانيًا في وقته المعيَّن لعذر، وهو أعم من الخلل، فصلاة مَنْ صلى مع الإمام بعد أن صلى صلاة صحيحة إعادة على الثاني لا الأول\"، وهذا يدل على أنَّ هناك رأيين في تعريف الإعادة عند الجمهور: رأيٌ يَخُصُّها بما وقع في الوقت بعد خلل، ورأي يرى أنها ما وقع في الوقت مرة ثانية لعذر، سواء لخلل أو لغير خلل. ولذلك قال ابن السبكي في جمع الجوامع: \"والإعادة: فِعْلُه في وقت الأداء. قيل: لخلل، وقيل: لعذر\".\nقال المحلي في شرحه على الجمع: \"والأول هو المشهور الذي جزم به الإمام الرازي وغيره، ورجَّحه ابن الحاجب. . . . ثم ظاهِرُ كلام المصنف أن الإعادة قسم من الأداء، وهو كما قال مصطلح الأكثرين، وقيل: إنها قسيم له كما قال في المنهاج. . .\".\nانظر: شرح المحلي على الجمع ١/ ١١٧ - ١١٩، بيان المختصر ١/ ٣٣٨.\nوقد ذهب الحنابلة إلى أنَّ الإعادة: ما فُعِل في وقته المقدَّر ثانيًا مطلقًا. أي: سواء كانت الإعادة لخلل في الفعل الأول أو غير ذلك. انظر: شرح الكوكَب ١/ ٣٦٨. والمراد بالخلل عند الجمهور - كما سيأتي - هو فساد العبادة.\nأما الحنفية فلهم أصطلاح خاص بالإعادة، قال في فواتح الرحموت ١/ ٨٥: (الإعادة: وهو الفعل فيه) أي: في وقته المقدَّر شرعًا (ثانيًا لخلل) واقع في الفعل الأول غير الفساد، كترك الفاتحة على مذهبنا. اهـ. وكذا في تيسير التحرير ٢/ ١٩٩. قال الشيخ المطيعي في سلم الوصول ١/ ١١٠: \"والإعادة عند الحنفية لا تُطلق إلا على فِعْل العبادة ثانيًا في وقت الأداء، كترك واجب لا تفوت الصحة بفواته، أما إذا تَرَك ركنًا كانت الصلاة فاسدة، فالفعل المعتد به هو الثاني، والأول لغو، فلا يسمى فِعْله ثانيًا إعادة، وكذلك فعل الأمور به ثانيًا بلا خلل بل لعذر كإدراك فضل الجماعة، فليس أداء ولا قضاء ولا إعادة عند الحنفية، بل هو فعل أدرك به المتعبِّد فضلَ الجماعة فقط، والفرض والمُسقط للتعبد عن المكلف هو الأول بلا شبهة عندهم\". =","vol":"2","page":205},{"text":"إطلاقات الفقهاء، ولا من كلام الأصوليين، فالصواب أنَّ الأداء اسم لما وقع في الوقت مطلقًا مسبوقًا كان أو سابقًا، أو منفردًا.\nوقد قال القاضي حسين من الشافعية: إنه إذا شَرع في الصلاة ثم أفسدها ثم صلاها في وقتها كانت قضاء، وتبعه غيره على ذلك (^١).\nومأخذه في ذلك أَنَّه لما شَرَع فيها تَعَيَّن ذلك الوقت لها، حتى لا يجوز له الخروج منها، ولم يبق لها وقتُ شروعٍ، وإنما بقي وقت استدامة (^٢)، فإذا أفسدها أو فَسَدت وقد فات وقت الشروع لم يكن فِعْلُها بعد ذلك إلا قضاءً؛ لأنَّ وقت الاستدامة وحده لا يكفي، ولا يكون إلا مبنيًا على وقت الشروع، كما أنَّ المغرب عند العراقيين مِنْ أصحابنا لها وقت ابتداء بقدر (ما يَشْرع) (^٣) فيها، ووقت استدامة، فإذا أخَّرها مقدار الشروع صارت قضاء عندهم، وإن بقي قدر ركعتين وشيء.\n_________\n= وسيأتي معنى الإعادة عند الشارح رحمه الله تعالى، وأنها لا تختص بالأداء، بل بالأداء والقضاء، فكل ما فعل ثانيًا في الوقت فهو أداء وإعادة، وما فعل ثانيًا خارج الوقت فهو قضاء وإعادة.\n(^١) انظر: البحر المحيط ٢/ ٤٨، التمهيد للإسنوي ص ٦٣، والظاهر أنَّ الإسنوي يرجح أنَّ الإعادة من قسم القضاء، واستدل على ذلك بما قاله القاضي حسين في \"تعليقه\"، والمتولِّي في \"التتمة\"، والرُّوياني في \"البحر\"، كلهم قالوا بأنه إذا أَفْسد الصلاة ثم أعادها في الوقت فإنها تكون قضاء؛ لأنَّ وقت الإحرام بها قد فات، والدليل عليه أنَّه لو أراد الخروج منها لم يُجِز على المعروف. وانظر نهاية السول ١/ ١١٦.\n(^٢) يعني: فوقت الشروع هو الوقت المشروع فيه، وهو وقت الأداء، فإذا خرج من ذلك الوقت بقي وقت الاستدامة، فهو يصلي في غير وقت الأداء.\n(^٣) في (ت): \"ما شرع\".","vol":"2","page":206},{"text":"هذا مأخذ القاضي حسين، ومع ذلك هو مردود بوجهين:\nأحدهما: على رأي الإمام والغزالي في (^١) قولهما: إنه يجوز الخروج من الفريضة إذا أمكن تداركها في الوقت، فلا يصح ما احتج به له (^٢).\nوالثاني: أنَّ تَعَيُّن ذلك الوقت بالشروع بفعله لا بأمر الشرع (^٣)، والنظر في الأداء والقضاء إلى أمر الشرع لا إلى فعله، وبهذا فارقت المغرب.\nوبما ذكرناه مِنْ مأخذ القاضي حسين يُعلم أنَّه ليس مخالفًا لما ذكرناه في حد الأداء، فإنه إنما قال بالقضاء وعدم الأداء لظنه أنَّ الوقت قد خرج، فلا مخالفة في المصطلح، وإذا قلنا بقول القاضي حسين: فلو دخل في الجمعة ثم أفسدها وأراد إعادتها في الوقت، فعلى مقتضى قول القاضي يكون قضاء، فإن قال: بأنه يعيدها جمعة، وهو الذي يَظْهَر - فيدخل القضاء في الجمعة، ولم أر أحدًا من الأصحاب تَعَرَّض له.\nوإنْ قال: إنه يعيدها (^٤) ظهرًا - فبعيد؛ لأنَّ وقت الجمعة على الجملة باق.\nوقول المصنف: \"وإلا فإعادة\" أي: وإن سُبقت بأداء مختل فإعادة، ومراده (^٥) بالمختل: ما فَقَد ركنًا أو شرطًا، هكذا صَرَّح\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"على\".\n(^٢) أي: فلا يصح ما احتج به القاضي حسين لقوله.\n(^٣) يعني: أنَّ تعين ذلك الوقت للصلاة بالشروع إنما هو بفعل المكلف، لا بأمر الشرع، فالشروع فعل المكلف وليس هو أمر الشرع.\n(^٤) في (ت): \"يصليها\".\n(^٥) في (ك): \"والمراد\"، وفي (ت): \"ومقصوده\".","vol":"2","page":207},{"text":"به (^١) القاضي أبو بكر، فمعنى المختل: الفاسد (^٢)، فالإعادة على قول المصنف فِعْل مِثْلِ (^٣) ما مضى فاسدًا في الوقت. وقد يُورد على هذا بأن الثاني صحيح، فليس مِثْلًا للفاسد، ويجاب بأنهما اشتركا في الحقيقة الموصوفة بالصحة والفساد، وجُعل اسم الصلاة شاملًا للصحيح والفاسد حقيقة أو مجازًا، ولو صلى في أول الوقت صلاة صحيحة، ثم صلاها في الوقت إما على وجه أكمل من الأول أو على خلافه، فكلام الأصوليين يقتضي أنها لا تسمى إعادة بل أداء (^٤).\nوالأقرب إلى إطلاقات الفقهاء أَنَّه تَصْدُق الإعادة عليها، واللغة تساعد على ذلك، فليكن هذا هو المعتمد (^٥)، ولا يجيء مِثْلُ هذا في الصوم، ولا\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) وهذا هو المشهور بين الأصوليين. انظر: جمع الجوامع ١/ ١١٧، نهاية السول وحاشية المطيعي ١/ ١١٠، ١١١، ١١٤. وذهب القرافي إلى أنّ المراد بالخلل ما هو أعم من الإجزاء والكمال.\nانظر: نفائس الأصول ١/ ٣٢٥، البحر المحيط ٢/ ٤١.\n(^٣) في (ت): \"لمثل\".\n(^٤) هي إعادة عند بعض الأصوليين رهم الذين لا يشترطون أنْ يَسْبق الإعادة خلل كالحنابلة وغيرهم. وأما القول بأنها أداء لا إعادة فيمكن أنْ يُقال بأنه مقتضى كلام الإمام وأتباعه وموافقيهم؛ إذ الإعادة عندهم مشروطة بما سُبِق بأداء مختل. ومفهوم كلام المصنف رحمه الله تعالى أنَّ الإعادة ليست قسمًا للأداء، بل قسيمًا له، وهو خلاف الراجح، والمسألة فيها خلاف كما سبق ذكره. انظر: شرح المحلي على الجمع ١/ ١١٨، فواتح الرحموت ١/ ٨٥.\n(^٥) أي: كونها أداء وإعادة، فهي أداءٌ نظرًا لكونها فُعِلت في الوقت، وإعادةٌ نظرًا لتكررها.","vol":"2","page":208},{"text":"في الحج، فإنَّ مَنْ حج صحيحًا، ثم حج ثانيًا - كانت حجته (الثانية غير الأُولى) (^١)، بخلاف الصلاة فإن الثانية هي الأُولى، ولهذا يَنْوي فيها الفرض، ولعل الأصوليين لا يوافقون على نية الفرض في الثانية، ويقولون: إنَّ الثانية صلاة مُئتدَأةٌ؛ فلذلك عرَّفوا الإعادة بما ذكروه (^٢)، ولكن نفس الشريعة تخالفه.\nولو حج فاسدًا ثم حج - فقد قلنا: إنه لا يسمى قضاء حقيقة (^٣)، وأما تسميته إعادة فلا يَمْتنع، وهذا هو الذي وَعَدنا به مِنْ قبل، فخرج مِنْ هذا أنَّ الإعادة: فِعْلُ مِثْلِ ما مضى، فاسدًا كان الماضي أو صحيحًا، أداءً أو غيره.\nفبين الأداء والإعادة عموم وخصوص من وجه، ينفرد الأداء في الفعل الأول، وتنفرد الإعادة فيما إذا قضى صلاةً وأفسدها ثم أعادها (^٤)، وفي الحج كما صورناه (^٥). ويجتمعان في الصلاة الثانية في الوقت على ما\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"الأولى غير الثانية\".\n(^٢) أي: لا يوافقون أنْ ينوي الفرض في الصلاة الثانية، وقد كان صلى الفرض صحيحًا في الصلاة الأولى، بل الثانية صلاة مبتدأة غير الأولى؛ ولذلك اشترطوا في الإعادة أنْ تكون مسبوقة بصلاة فيها خلل، أي: بصلاة فاسدة. فالثانية غير الأولى. وهذا الذي ذكره الشارح إنما يتأتى على قول مَن اشترط الخلل في الإعادة.\n(^٣) لأنَّ شرط القضاء خروج الوقت، والحج يمتد وقته إلى آخر العمر.\n(^٤) يعني: ينفرد الأداء في أداء الصلاة في الفعل الأول داخل الوقت، فهو أداء لا إعادة. وتنفرد الإعادة فيما إذا قضى صلاة - أي: خارج الوقت - وأفسدها، ثم أعادها، فهذه إعادة وليست بأداء.\n(^٥) يعني: أفسد الحج الأول، ثم أعاده ثانية، فهذه إعادة وليست بأداء ولا قضاء.","vol":"2","page":209},{"text":"اخترناه (^١)، خلافًا للمصنف ومَنْ وافقه (^٢)، وكذا يكون بين الإعادة والقضاء عموم وخصوص من وجه (^٣).\nوقد تكلم الفقهاء في إعادة صلاة الجنازة ولا أداءَ فيها؛ إذ لا وقت معيَّن (^٤)، ولا يُسَمَّى القضاء الأول إعادة؛ لأنَّ القضاء بأمر جديد، فهو غير المأمور به في الوقت، وإنْ سميناه قضاءً للمشابهة. فإنَّ (^٥) الإعادة\n_________\n(^١) يعني: يجتمع الأداء والإعادة في الصلاة الثانية في الوقت، بأن أدى الصلاة الأولى مختلة أو غير مختلة - كما هو رأي الشارح وغيره - ثم صلاها في الوقت ثانيًا، فهذه الصلاة الثانية يقال لها: أداء وإعادة.\n(^٢) قال القرافي في شرح تنقيح الفصول ص ٧٦: \"الإعادة: وهي إيقاع العبادة في وقتها بعد تقدم إيقاعها على خَلَل في الإجزاء (كمن صلى بدون ركن) أو في الكمال (كصلاة المنفرد). هذا هو لفظ المحصول في اشتراط الوقت، وأما مذهب مالك فإنَّ الإعادة لا تختص بالوقت، بل في الوقت لاستدراك الندوبات، أو بعد الوقت كفوات الواجبات\". وهذا التفسير للخلل لم أجد غير القرافي قال به، والمشهور هو أنَّ المراد به الفساد كما سبق ذكره، وهو الأقرب والأظهر. وقال القرافي أيضًا في نفائس الأصول ١/ ٣٢٥: \"الإعادة قد تكون خارج الوقت، فاشتراطه الوقتَ يُصَيِّر الحدَّ غير جامع\". يعني: اشتراط الإمام الوقت في الإعادة، وأنها هي العبادة المؤداة ثانيًا في وقتها المقدَّر لها - يجعل حدَّ الإعادة غير جامع؛ لأنَّه قد تكون الإعادة خارج الوقت. وبهذا يتبين أنَّ ما ذهب إليه الشارح رحمه الله تعالى في جَعْل الإعادة داخل الوقت وخارجه - لم ينفرد به، بل سبقه إلى ذلك مالك - ﵁ -، وهو الذي رجحه القرافي رحمه الله تعالى.\n(^٣) فيجتمع القضاء والإعادة في فعل العبادة ثانيًا بعد خروج الوقت، وينفرد القضاء بفعل العبادة أولًا بعد خروج الوقت، وتنفرد الإعادة بفعل العبادة ثانيًا داخل الوقت.\n(^٤) في (ص): \"يتعين\".\n(^٥) في (ص): \"كانت\". وهو خطأ.","vol":"2","page":210},{"text":"تستدعي من المماثلة أكثر مما يستدعي القضاء (^١).\nوقول المصنف: \"وإنْ وقعت بعده، ووجد فيه سبب وجوبها فقضاء\" - موافق لقول \"المحصول\": إنَّ الفعل لا يُسمى قضاء إلا إذا وُجد سبب وجوب الأداء، مع أَنَّه لم يوجد الأداء (^٢).\nومِنْ هنا تَوَهَّم بعضهم أنَّ المندوب لا يُسمى قضاء، وأنَّ قول الفقهاء بقضاء (^٣) الرواتب مجاز (^٤). والذي يقتضيه كلام الأكثرين والاصطلاح أنَّه لا فرق بين الواجب والمندوب، فينبغي أن يقال: وَوُجد فيه سبب الأمر بها (^٥).\nواعلم أنَّ الشرط المذكور أعني: تقدم السبب يُذكر في شيئين:\n_________\n(^١) قول الشارح: وقد تكلم الفقهاء في إعادة صلاة الجنازة. . . الخ معناه: أنَّه إذا صلى صلاة الجنازة وأفسدها، ثم قضاها - فلا يقال لهذا القضاء الأول إعادة؛ لأنَّ إطلاقَنا على صلاة الجنازة ثانيًا قضاءً - من باب المجاز للمشابهة، وإلا فإنَّ القضاء يحتاج إلى أمر جديد، والأمر الجديد يكون بعد الوقت، وصلاة الجنازة لا وقت لها، لكن لما كانت المشابهة بين القضاء والأداء أقلَّ من المشابهة بين الأداء والإعادة - أطلقنا على صلاة الجنازة ثانيًا قضاءً، ولم نُطْلق عليها إعادة؛ لأنها تستدعي مشابهة أكثر من القضاء.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ١٤٩، وانظر: شرح تنقيح الفصول ص ٧٤.\n(^٣) في (ت): \"تُقضى\".\n(^٤) لأنَّه قال في المحصول: \"الفعل لا يُسمى قضاء إلا إذا وُجد سبب وجوب الأداء\"، والمندوب لا وجوب فيه، فالقضاء من خصائص الواجبات.\n(^٥) أي: بالعبادة. وفي (ت): \"بهما\". فيعود ضمير التثنية إلى الواجب والمندوب.","vol":"2","page":211},{"text":"أحدهما: في الأمر بالقضاء، فلا يُؤمر بقضاء عبادة إلا إذا (^١) تقدم سبب الأمر بأدائها، ونعني بالسبب: ما هو مُقتضِي لوجوبها أو الندب إليها، سواء أقارنه مانع من ترتب الحكم (^٢) عليه أم لا، ومتى تقدم السبب ولم تُفعل أُمِر بقضائها، ومتى لم يتقدم السبب أصلًا لم يُؤمر بالقضاء؛ فلذلك تارك الصلاة عمدًا يقضي لوجود السبب والوجوب (^٣).\nوالنائم يقضي لوجود السبب الذي قارنه مانع الوجوب، وهو النوم، والطفل لم يوجد في حقه السبب أصلا (^٤)، فلا يُؤمر بالقضاء بعد البلوغ لا إيجابًا ولا ندبًا.\nولو أنَّ المميز ترك الصلاة ثم بلغ فالظاهر أَنَّه يستحب له قضاؤها، كما كان يستحب له أداؤها، إنْ قلنا: كان مأمورًا بأمر الشرع (^٥).\nوالحائض لا يُستحب لها بعد الطهر قضاء الصلاة؛ لأنَّ سقوطها في حقها عزيمة، فليست أهلًا للصلاة، فلم يُوجد سبب الوجوب.\nوالمجنون سقوط القضاء في حقه رخصة؛ لأنَّه إنما سقط عنه تخفيفًا (^٦).\n_________\n(^١) في (ت)، و(ك): \"إن\".\n(^٢) في (ت): \"حكمه\".\n(^٣) السبب هو دخول الوقت، وكونه مكلفًا حال دخول الوقت، ووجوب الصلاة عليه هو الحكم.\n(^٤) يعني: الطفل لم يُوجد فيه السبب المقتضي للوجوب، وهو كونه مكلَّفًا حال دخول الوقت.\n(^٥) مفهومه: أنَّه إن قلنا بأن المميِّز مأمور بأمر الولي فلا يستحب له قضاؤها بعد البلوغ.\n(^٦) فحال المجنون كحال النائم، وجد فيه السبب، وقارنه مانع - الوجوب وهو =","vol":"2","page":212},{"text":"الثاني: مما يذكر فيه تقدم السبب، تسمية القضاء (^١)، فقد اقتضى كلام الإمام أَنَّه لا يُسَمَّى قضاء إلا إذا وُجد السبب، فيقتضي هذا أنَّ الطفل لو أراد أن يقضيَ ما فاته في طفوليته لا يُسمى ذلك قضاء، ولا يَصِح قضاءً، بل إنْ صَحَّ - صَحَّ نفلًا مطلقًا، وهذا صحيح؛ لأنَّ القضاء يستدعي تَقَدُّمَ أمرٍ وفوات، فمتى لم يُوجدا استحالت هذه التسمية.\nفقد تحرر أنَّ الأداء: فعلُ العبادة في وقتها. والقضاء: فعل العبادة خارج وقتها.\nولا حاجة إلى قيد آخر؛ لأنَّه متى لم يتقدم سَبَبُها لا يكون المفعول بعد الوقت تلك العبادة، بل غيرها.\nوالإعادة: فِعْل العبادة مرة (^٢) بعد أخرى، إذا كانت أداء (^٣) أو قضاء أو غيرهما (^٤).\nوقولنا: فعل العبادة، نعني به الواقعة، فخرج به إنشاء التطوع بحجٍّ بعد حجِّ الفرض، أو بصلاةٍ مطلقةٍ بعد الفريضة والراتبة (^٥)، وظهر: أنَّ الإعادة\n_________\n= الجنون - فكان ينبغي أنْ يقضي بعد الإفاقة من جنونه، كالنائم إذا استيقظ، لكن الشارع أسقط القضاء في حقه تخفيفًا.\n(^١) يعني: نسمي الفعل قضاءً إذا تقدم سببه، فإن لم يتقدم لا نسميه قضاء.\n(^٢) في (ص): \"من\". وهو خطأ\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٤) أي: غير الأداء والقضاء، وهي العبادات غير المؤقتة التي لا توصف بأداء ولا قضاء.\n(^٥) يعني: قوله في تعريف الإعادة: \"فعل العبادة\"، يعني به العبادة التي وقعت، لا مطلق العبادة، فيخرج بهذا القيد إنشاء التطوع بعد الفرض، لأنَّه ليس إعادة للعبادة =","vol":"2","page":213},{"text":"تدخل في جميع العبادات، والأداء والقضاء يدخلان في المؤقتة فقط.\nوكل عبادة مؤقتة (^١) يصح وصفها بالأداء والقضاء إلا الجمعة، فإنها توصف بالأداء، ولا توصف بالقضاء؛ لأنها لا تُقضى.\nوأُورد على هذا أنه لا يُوصف بالشيء إلا ما أمكن وصفه بضده، كالإجزاء والصحة لا يُوصف بهما إلا ما أمكن وقوعُه غير مُجْزئ وغير صحيح، فكيف تُوصف الجمعة بالأداء؛ إذ لا تقع (^٢) غير مؤداة!\nوالجواب من وجهين:\nأحدهما: منع تلك القاعدة على الإطلاق، فقد يُوصف بالشيء ما لا يُوصف بضده، وإنما خصوص الإجزاء والصحة اقتضى ذلك.\nوالثاني: أنّ الجمعة تُقضى ظهرًا، وبين الجمعة والظهر اشتراك في الحقيقة، فقَبِلت الوصف بذلك في الجملة (^٣)، وأيضًا لو أَنَّها وقعت بعد الوقت جمعة بجهل مِنْ فاعليها (^٤) -\n_________\n= (أي: الفرض) بل إنشاء لها، فمن تنفل بالحج بعد أداء الفريضة ليس معيدًا للفرض، بل مُنشئ لتطوع جديد، وكذا الصلاة المطلقة بعد الفريضة الراتبة، ليست إعادة للفريضة ولا للراتبة، وكذا لو مثلنا بالراتبة، فإنها ليست إعادة للفريضة، بل إنشاء لعبادة جديدة.\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) في (ت): \"ولا تقع\".\n(^٣) أي: قبلت الجمعة وصف القضاء في الجملة؛ لأنَّ الظهر مُشْتَرِك مع الجمعة في حقيقة الصلاة، وإن كان يباينها من جهة العدد.\n(^٤) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"فاعلها\".","vol":"2","page":214},{"text":"فنسميها (^١) قضاءً فاسدًا، فصح وصف الجمعة بالقضاء (^٢) (^٣) كما صح وصف الصلاة بالفساد. وبقي من الأقسام الممكنة أنْ تقع العبادة المؤقتة قبل وقتها تعجيلًا، كإخراج صدقة الفطر في رمضان، فلا توصف بأداء ولا قضاء مع صحتها (^٤)، ووقوع الظهر قبل وقتها لا توصف بأداء ولا قضاء مع فسادها.\nوقول المصنف: \"وأمكن\" أي: الفعل، ومَثَّل بالمسافر والمريض؛ ليبين (^٥) أنَّه لا فرق (بين أن يكون) (^٦) مانع الوجوب من جهة العبد كالسفر، أو من جهة الله تعالى كالمرض. وسيأتي إن شاء الله تعالى في المسألة السابعة من الفصل الثالث من هذا الباب الكلام مع (^٧) الفقهاء القائلين بأنه يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر.\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"سميناها\".\n(^٢) في (ص): \"بالأداء\". وكلاهما صحيح؛ لأنَّ وصف الجمعة بالقضاء الفاسد يقتضي صحة وصفها بالأداء.\n(^٣) انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٧٥ - ٧٦. وفي شرح الكوكب ١/ ٣٦٥: . . . (سوى جمعة)، فإنها توصف بالأداء والإعادة إذا حصل فيها خلل، وأمكن تداركها في وقتها، ولا توصف بالقضاء؛ لأنها إذا فاتت صُلِّيت ظهرًا. اهـ.\n(^٤) وكذا الزكاة المعجلة قبل حَوَلان الحول - عند من يُجَوِّز تعجيلها - لا توصف بأداء ولا قضاء مع صحتها؛ لأنَّ الأداء والقضاء يُوصف بهما إذا دخل الوقت، وهنا لم يدخل الوقت بعد.\n(^٥) في (ص): \"ليتبين\".\n(^٦) في (ص): \"بين كون\".\n(^٧) في (ص): \"الكلام في منع\". وهو خطأ.","vol":"2","page":215},{"text":"وقوله: \"أو امتنع\"، أي: الفعل، فإنَّ النائم يمتنع منه عقلًا أن يصلي.\nوالفقهاء يطلقون (^١) أنَّ الصلاة واجبة عليه، (ولا معنى لذلك) (^٢) إلا ثبوتها في ذمته، كما تقول: الدَّين واجب على المُعْسِر.\nوقد ذكر القاضي أبو بكر أنَّ الفقهاء يُطلقون التكليف على ثلاثة معان:\nأحدها: المطالبة بالفعل أو الترك.\nوالثاني: بمعنى أنَّ عليه فيما سهى عنه أو نام فرضًا، وإنما يُخاطب بذلك قبل زوال عقله وبعده، فيقال له: إذا نسيت أو نِمْت في وقتٍ لو كنت فيه ذاكرًا أو يقظانًا لزمتك - فقد وجب عليك قضاؤها.\nوالثالث: على الفعل الذي ينوب مناب الواجب، كصلاة الصبي، وصوم المريض، وجمعة العبد إذا حضرها وفعلها، وحجُّ غير المستطيع، ويطلقون التكليف في ذلك (^٣).\nوهذا الذي نقله القاضي من اصطلاحهم فائدة توجب رفع الخلاف بين الفريقين في المعنى.\nوامتناع الصوم شرعًا على الحائض بالإجماع، يحرم عليها ولا يصح (^٤). وإمكانه من المسافر وصحته والاعتداد به لم يخالف فيه إلا\n_________\n(^١) في (ص): \"مطلقون\".\n(^٢) في (ص): \"ولا يجب لذلك\". وهو خطأ.\n(^٣) أي: يطلقون التكليف تجوزًا. انظر: التقريب والإرشاد للباقلاني ١/ ٢٣٩، تحقيق الدكتور عبد الحميد أبو زنيد.\n(^٤) انظر: المجموع ٦/ ٢٥٧.","vol":"2","page":216},{"text":"الظاهرية، فقالوا: إنه لا يجزئه (^١)؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾ (^٢)، وهم محجوجون بالأخبار التي تدل على الصوم في السفر في رمضان، ومعنى الآية: فأفطر فَعِدُّة من أيام أخر (^٣).\n(ولو ظَنَّ المكلف أَنَّه لا يعيش إلى آخر الوقت تَضَيَّق عليه، فإن عاش وفَعَل في آخره فقضاءٌ عند القاضي، أداءٌ عند الحجة؛ إذ لا عبرة بالظن الْبَيِّنُ خطؤُه).\nقوله: \"تَضَيَّق عليه\" - معناه: يَقْضِي بالتأخير عنه (^٤). والحجة هو\n_________\n(^١) في المجموع ٦/ ٢٦٤: \"قالت الشيعة: لا يصح، وعليه القضاء، واختلف أصحاب داود الظاهري فقال بعضهم: يصح صومه، وقال بعضهم: لا يصح. وقال ابن المنذر: كان ابن عمر وسعيد بن جبير يَكْرهان صوم المسافر. قال: ورُوِّينا عن ابن عمر - ﵁ - أنَّه قال: إن صام قضاه. قال: ورُوي عن ابن عباس قال: لا يجزئه الصيام. وعن عبد الرحمن بن عوف قال: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر. وحكى أصحابنا بطلان صوم المسافر عن أبي هريرة وأهل الظاهر والشيعة\". وفي فتح الباري ٤/ ١٨٣: \"وقد اختلف السلف في هذه المسألة، فقالت طائفة: لا يُجزئ الصوم في السفر عن الفرض، بل مَنْ صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر. . . . وهذا قول بعض أهل الظاهر، وحكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم\".\n(^٢) سورة البقرة: ١٨٤، ١٨٥.\n(^٣) انظر ما سبق في: المحصول ١/ ق ١/ ١٤٨، الحاصل ١/ ٢٤٧، التحصيل ١/ ١٧٩، شرح تنقيح الفصول ص ٧٢، البحر المحيط ٢/ ٤٠، شرح الكوكب ١/ ٣٦٥، المستصفى ١/ ٣٢٠، فواتح الرحموت ١/ ٨٥، نهاية السول ١/ ١٠٩، السراج الوهاج ١/ ١٢٢، شرح الأصفهاني ١/ ٧٦، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ١٠٨، فتح الغفار ١/ ٤٠، شرح مختصر الروضة ٣/ ٤٧١.\n(^٤) لأنَّه لما كان الوجوب مضَيَّقًا يحرم تأخيره - لزمه القضاء بالتأخير عنه؛ لأنَّه خرج وقته.","vol":"2","page":217},{"text":"الغزالي، والحق معه في هذه المسألة (^١)، وبدليله يُعرف أنَّ التضييق ليس في نفس الأمر، والقاضي هو ابن الباقلاني، ورأيته في كلامه في \"التقريب\"، وهو إنما يَعتبر الظاهرَ فيحكم بالتضييق فيكون الوقت قد خرج، وهو ضعيف؛ لأنا نَعْرف من نفس الشرع الفرقَ بين إثم (^٢) الزاني والواطئ لامرأته يظنها أجنبية. فالثاني إنما يأثم لجرأته (^٣) بحسب ظنه، والأول يأثم (لجرأته ولحصول) (^٤) المفسدة التي نهى الشارع (^٥) عنها (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>(السادس: الحكم إنْ ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة </span>كحل، الميتة للمضطر، والقصر والفطر للمسافر، واجبًا ومندوبًا ومباحًا، وإلا فعزيمة).\nالرخصة، بإسكان الخاء وضمها مع ضم الراء: التسهيل. فرخصة الله تسهيله على عباده، هكذا يقتضيه كلام أهل اللغة (^٧)، وهو يقتضي أنَّ\n_________\n(^١) وهو رأي الجمهور. انظر: المستصفى ١/ ٣٢٠، شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٤٣، شرح الكوكب ١/ ٣٧٢.\n(^٢) في (ص): \"اسم\". وهو خطأ.\n(^٣) في (ص)، و(ك): \"بجرأته\".\n(^٤) في (ص)، و(ك): \"بجرأته وبحصول\".\n(^٥) في (ص)، و(ك): \"الشرع\".\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ١٤٨، الحاصل ١/ ٢٤٨، شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٤٣، شرح الكوكب ٣/ ٣٧٢، البحر المحيط ٢/ ٤٦، نهاية السول ١/ ١٠٩، السراج الوهاج ١/ ١٢٥، شرح الأصفهاني ١/ ٧٩، فواتح الرحموت ١/ ٨٦.\n(^٧) في المصباح ١/ ٢٣٩: \"الرخصة: التسهيل في الأمر والتيسير\". وانظر: القاموس =","vol":"2","page":218},{"text":"الرخصة من أقسام الحكم، كما اقتضاه كلام المصنف، لا من أقسام متعلَّقاته كما اقتضاه قول غيره: الرخصة ما جاز الإقدام عليه مع قيام المانع (^١).\nولم أر لهذا الثاني مستندًا من اللغة إلا قولَهم: هذا رُخْصتي من الماء، أي: شُربي (^٢) منه، ويناسبه قول بعض الأصوليين: إنها اليسر والسهولة (^٣).\nوأما بفتح الخاء فلم أرها في اللغة، ولا أحفظ (^٤) هذا الوزن (^٥) إلا في الثلاثي المجرد، كلُقَطَة، وهُزَأَة، ولُمَزة، وهُمزة (^٦) وحُطَمة، وخُدَعة، وهو\n_________\n= المحيط ٢/ ٣٠٤، لسان العرب ٧/ ٤٠.\n(^١) عرف الإمام الرخصة بأنها: ما جاز فعله مع قيام المقتضي للمنع. وكذا سراج الدين الأُرْموي، فهذا يدل على أنهما يجعلانها من مُتَعَلَّقات الحكم. انظر: المحصول ١/ ق ١/ ١٥٤، التحصيل ١/ ١٧٩. وعرف تاج الدين الأُرموي الرخصة بأنها: الحكم الثابت لموجِب المعارض. وهذا يدل على أَنَّه يجعلها من أقسام الحكم. انظر: الحاصل ١/ ٢٥٠. وقال المحلي في شرح جمع الجوامع ١/ ١٢٤: \"وتقسيم المصنف (أي ابن السبكي) كالبيضاوي وغيره الحكمَ إلى الرخصة والعزيمة - أقربُ إلى اللغة من تقسيم الإمام الرازي وغيره الفعلَ الذي هو مُتَعَلِّق الحكم إليهما\".\n(^٢) بضم الشين، وهو الأكثر، وبفتحها. انظر لسان العرب ١/ ٤٨٧، (مادة شرب).\n(^٣) قال بهذا صفي الدين الهندي، أي: عرَّفها في اللغة باليسر والسهولة. انظر: نهاية الوصول ٢/ ٦٨٣ والمعنى: أنَّ اليسر والسهولة أثر التيسير والتسهيل، فالحكم هو التيسير والتسهيل، واليسر والسهولة هو الفعل المتعلِّق. وانظر: شرح الكوكب ١/ ٤٧٧، البحر المحيط ٢/ ٣١.\n(^٤) في (ص): \"ولا حُفظ\".\n(^٥) في (ك): \"اللفظ\".\n(^٦) سقطت من (ت)، و(ص)، و(ك).","vol":"2","page":219},{"text":"يكون للفاعل وللمفعول (^١).\nفإن ثبت هنا فقياسه أن يكون للشخص الكبير الترخيص على غيره (^٢)، أو المرخَّص فيه.\nوذكر الإمام أنَّ الرُخْصة ما جاز فعله مع قيام المقتضي للمنع.\nفأُورد عليه الحدود والتعازير الجائزة، مع تكريم الآدمي المقتضِي للمنع منها (^٣)، فَقَيَّده بعضهم: باشتهار المانع (^٤)، وبعضهم: بكونه لضرورة أو حاجة، وبعضهم: بكونه لغرض التوسع (^٥)، وربما زِيدَ فيه: في حالةٍ جزْئية،\n_________\n(^١) انظر: شذى العرف ص ٧٨. والمعنى: أَنَّه أحيانا يكون بمعنى الفاعل، وأحيانا بمعنى المفعول، فتكون الرُّخَصَة بمعنى المرخِّص أو المرخَّص.\n(^٢) أي: يكون بمعنى المرخِّص.\n(^٣) كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ ووصفُ التكريم يأبى الإهانة.\nانظر: شرح تنقيح الفصول ص ٨٥، نفائس الأصول ١/ ٣٣١.\n(^٤) المقيِّد هو القرافي رحمه الله تعالى، فقد عَرَّف الرخصة بأنها: جواز الإقدام على الفعل مع اشتهار المانع منه شرعا. انظر: شرح التنقيح ص ٨٥، وفي نفائس الأصول ١/ ٣٣٤ قال: \"ونعني بالاشتهار ما تنفر عنه النفوس المتقية، فإنها إذا سمعت أنَّ فلانًا غُصَّ فشرب الخمر، أو أكل الميتة للجوع - استصعبت ذلك ونفرت عنه، وقالت: دعت الضرورة إلى عظيم، بخلاف إذا سمعت أنَّ أحدا أقيم عليه الحد. . . . لا تنفر من ذلك، فلا تكون رُخَصًا\".\n(^٥) أي: البعض عرف الرخصة بأنها: ما جاز فعله لضرورة أو حاجة مع قيام المقتضي للمنع. وبعضهم عرفها بأنها: ما جاز فعله لغرض التوسع مع قيام المقتضى للمنع. ولعله يقصد بالأخير الغزالي رحمه الله تعالى، فإنه عَرَّف الرخصة بقوله: \"عبارة عما وُسِّع للمكلف في فعله لعذر وعَجْزٍ عنه، مع قيام السبب المحرِّم\". انظر المستصفى ١/ ٣٣٠.","vol":"2","page":220},{"text":"احترازٌ من القصاص والعفو، فإنه تخفيف من الله ورحمة، ولا يسمى رُخْصةً؛ (لأنَّه قاعدة كلية) (^١).\nوقولنا: \"مع قيام المانع\" احتراز مِنْ أن يكون منسوخًا، كالآصار التي كانت على مَنْ قبلنا ونسخت في شريعتنا تيسيرًا وتسهيلا، ولا يُسَمَّى ناسخها رخصة (^٢).\nوقول المصنف: \"على خلاف الدليل\" هو معنى قولنا: مع قيام المانع.\nوقوله: \"لعذر\" (^٣) يريد به التسهيل في بعض الأحوال، فيخرج به التخصيص ونحوه، ويستقيم به حَدُّ الرخصة.\nوقوله: \"كحِلِّ\"، لو قال: كإحلال - كان أحسن؛ لأنَّ نوع الحكم الإحلال لا الِحلُّ، وقد عُهد له مثل هذا التَّسَمّح (^٤)، و(^٥) مَنْ يفسر (^٦) الرخصة باليسر يكون (^٧) الحلُّ مطابقًا بغير تسمح (^٨).\n_________\n(^١) في (ص): \"لأنَّه فاعله كله\": \"لأنَّه فاعله بدله\". وكلاهما تحريفه.\n(^٢) لأنَّه لم يقم عليها دليل من شريعتنا يُثبتها فيكون رفعُها بعد ذلك رخصة، بل رفعتها شريعتنا ابتداء، فهذا نسخ لا ترخيص. وانظر نهاية الوصول ٢/ ٦٩٣.\n(^٣) في نهاية السول ١/ ١٢١: يعني: المشقة والحاجة.\n(^٤) أي: عهد للمصنف مثل هذا التسمح والتساهل.\n(^٥) سقطت الواو من (ص).\n(^٦) في (ص): \"تفسير\". وهو خطأ.\n(^٧) في (ص): \"بالتيسير فيكون\". وهو خطأ.\n(^٨) المعنى: أنَّ الحل هو أثر الحكم، أي: هو الفعل المتعلِّق بالحكم، واليسر هو الفعل =","vol":"2","page":221},{"text":"وقوله: \"والقصر والفطر\"، لك أن تعطفهما على \"حلِّ\" أي: وكالقصر، وعلى \"الميتة\"، أي: وكحِلِّ القصر.\nوقوله: \"واجبًا ومندوبًا ومباحًا\" أحوالٌ إما مِنْ قوله: \"فرخصة، \" وإما من \"حِل\" (إن لم يُعطف) (^١) عليه (^٢)، ويكون قد استعملته في القدر المشترك بين الثلاثة، وإما أنْ يتعدد صاحب الحال لتعددها، فتقدر: كحل الميتة للمضطر واجبًا، والقصر مندوبًا، والفطر مباحًا (^٣).\nواعلم أنَّ الإيجاب والندب واستواءَ الطرفين أو رجحانَ أحدهما أمرٌ زائد على معنى الرخصة؛ لأنَّ معناها التيسير، وذلك يحصل بجواز الفعل أو الترك: يُرَخَّص في الحرام بالإذن في فعله، وفي الواجب بالإذن في تركه.\nوأدلة الوجوب والندب وغيرها تؤخذ من أدلة أخرى، ولهذا اقتصر الكتاب العزيز على الجواز (^٤) في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغِ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْه﴾ (^٥)، وقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبتمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ\n_________\n= المتعلِّق بالحكم الذي هو التيسير، فمن فَسَّر الرخصة باليسر يكون تمثيله بالحل لها مطابقًا للتعريف من غير تسمح ولا تجاوز.\n(^١) في (غ): \"إن لم تعطف\".\n(^٢) يعني: إن لم يعطف القصر والفطر على حل، فيكون \"حِل\" صاحبَ الحال.\n(^٣) فصاحب الحال في الأول: حِلُّ الميتة، وفي الثاني: القصر، وفي الثالث: الفطر.\n(^٤) في (ص): \"الجواب\". وهو خطأ.\n(^٥) سورة البقرة: ١٧٣.","vol":"2","page":222},{"text":"تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (^١)، بل اقتصر كما تراه على نفي الإثم والجُناح، ولم يُصَرِّح بالإذن، فعلمنا الجواز برفع الإثم والجناح، وإنما يكون القصر مندوبًا إذا بلغ سفره ثلاثة أيام (^٢)، وإباحة الفطر قد تكون مع رُجْحانه إذا كان المسافر يَجْهده الصوم، وقد تكون مع مَرْجوحيته إذا كان يُطيقه ويَسْهل عليه (^٣).\nوقوله: \"وإلا فعزيمة\"، أي: وإنْ ثبت لا على خلاف الدليل، أو على خلاف الدليل لكن ليس لعذر على وجه التيسير فعزيمة، سواء أكان (^٤) واجبًا، أو مندوبًا، أم مباحًا، أم مكروهًا، أم حرامًا، من جهة أَنَّه عَزَم (^٥) أمره، أي: قَطَع وحَتَم، سَهُل على المكلف أم (^٦) شَقَّ، مأخوذ من العَزْم: وهو القصد المُصَمَّم.\nوالعزيمة: مصدر عَزَمَ (^٧)، فهي أيضًا قِسْم من أقسام الحكم، لا من\n_________\n(^١) سورة النساء: ١٠١.\n(^٢) مسافة القصر عند الشافعية والجمهور مسيرة يومين، وهي أربعة بُرُد، كل بريد أربعة فراسخ، كل فرسخ ثلاثة أميال هاشمية، فالمجموع ثمانية وأربعون ميلًا هاشميًا، لكن قال الشافعي - ﵁ -: وأحب أنْ لا يُقْصر في أقلَّ من ثلاثة أيام\". قال الشيرازي في \"المهذب\": \"وإنما استحب ذلك ليَخْرج من الخلاف؛ لأنَّ أبا حنيفة لا يُبيح القصر إلا في ثلاثة أيام\". انظر: المجموع شرح المهذب ٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣.\n(^٣) انظر: المجموع ٦/ ٢٦٥.\n(^٤) في (ص)، و(ك): \"كان\".\n(^٥) في (ص): \"يجزم\". وهو خطأ.\n(^٦) في (ت): \"أو\".\n(^٧) انظر: لسان العرب ١٢/ ٣٩٩، والقاموس ١٤/ ١٤٩، والمصباح ٢/ ٥٧، والمستصفى =","vol":"2","page":223},{"text":"أقسام الفعل الذي هو مُتَعَلَّقه.\nوقول غيره (^١): العزيمة: ما جاز الإقدام عليه لا مع قيام المانع.\nفيه من التسمح ما قَدَّمناه (^٢).\n_________\n= ١/ ٣٢٩.\n(^١) كالإمام وصاحب \"التحصيل\".\n(^٢) انظر ما سبق في: المحصول ١ / ق ١/ ١٥٤، التحصيل ١/ ١٧٩، الحاصل ١/ ٢٥٠، نهاية الوصول ٢/ ٦٨١، الإحكام ١/ ١٨٧، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ١١٩، نهاية السول ١/ ١٢٠، السراج الوهاج ١/ ١٢٧، شرح الإصفهاني ١/ ٨١، بيان المختصر ١/ ٤١٠، شرح تنقيح الفصول ص ٨٥، شرح الكوكب ١/ ٤٧٥، شرح مختصر الروضة ٣/ ٤٨٣، أصول السرخسي ١/ ١١٧، ميزان الأصول ص ٥٤.","vol":"2","page":224},{"text":"الفصل الثالث: أحكام الحكم","vol":"2","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-204>(الفصل الثالث: في أحكامه.\nوفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>الأولى: الوجوب قد يتعلق بمعَيَّن، وقد يتعلق بمُبْهم من أمور معينة، كخصال الكفارة، ونَصْب أحد المُسْتَعِدِّينَ للإمامة</span>.\nوقالت المعتزلة: الكل واجب، على معنى أنَّه لا يجوز الإخلال بالجميع، ولا يجب الإتيان به، فلا خلاف في المعنى.\nقيل: الواجب مُعَيَّن عند الله تعالى دون الناس، ورُدَّ بأنَّ التعيين يُحيل تَرْك ذلك (^١) الواحد، والتخيير يُجَوِّزه، وثبت اتفاقًا في الكفارة، فانتفى الأول (^٢).\nقيل: يَحْتمل أنَّ المكلف يختار المعيَّن، أو يُعَيِّن ما يختاره، أو يَسْقط بفِعْل غيره.\nوأجيب عن الأول: بأنه يُوجب تفاوت المكلَّفين فيه، وهو خلاف (النص و) (^٣) الإجماع.\nوعن الثاني: بأن الوجوب مُحَقَّق (^٤) قبل اختياره.\nوعن الثالث: بأن الآتي بأيها (^٥) آتٍ بالواجب إجماعًا.\n_________\n(^١) سقطت من: (ت).\n(^٢) يعني: ثبت التخيير اتفاقًا في الكفارة، فانتفى الأول وهو التعيين.\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٤) في (ك): \"متحقق\".\n(^٥) في (ت)، و(ك): \"بكل منهما\". وفي (ص): \"بأيهما\". وهو خطأ. والذي =","vol":"2","page":227},{"text":"قيل: إنْ أَتى بالكل معًا - فالامتثال: إما بالكل - فالكل واجب، أو بكل واحد - فتجتمع مؤثرات على أثر واحد، أو بواحد غير معيَّن ولم يوجد، أو بواحدٍ (^١) معيَّن، وهو المطلوب. وأيضًا الوجوب معَيَّن، فيستدعي محلًا معيَّنًا، وليس الكل ولا كل واحد، وكذا الثواب على الفعل والعقاب على الترك، فإذًا الواجب واحدٌ معيَّن.\nوأُجيب عن الأول (^٢): بأن الامتثال بكل واحد، وتلك معرِّفات.\nوعن الثاني: بأنه يستدعي أحدَها لا بعينه، كالمعلول المعيَّن المستدعِي علةً مِنْ غير تعيين.\nوعن الآخَرَيْن (^٣): بأنه يستحق ثوابَ (وعقابَ) (^٤) أمورٍ لا يجوز تَرْكُ كلِّها ولا يجب فعلُها).\nقوله: \"في أحكامه\"، يعنى: في أحكام الحكم، وذَكَر في هذا الفصل سبع مسائل، والإمام ذكرها بعينها في باب الأوامر في القسم الثاني منه في المسائل المعنوية (^٥)، وجَعَل المسائلَ الثلاث الأولى في أقسام الوجوب؛ لأنَّه\n_________\n= أثبَتُّه هو الموجود في (غ)، وفي نهاية السول ١/ ١٣٢، والسراج الوهاج ١/ ١٣٧، وشرح الأصفهاني ١/ ٨٨.\n(^١) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٢) وهو الواجب المعيَّن، فيستدعي محلًا معينًا.\n(^٣) وهما: الثواب على الفعل، والعقاب على الترك. وفي نهاية السول ١/ ١٤٧، والسراج الوهاج ١/ ١٤٤، ومناهج العقول ١/ ٨٢، وشرح الأصفهاني ١/ ٩١: \"وعن الأخيرَيْن\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٦٥.","vol":"2","page":228},{"text":"بحسب المأمور به ينقسم إلى معيَّن ومخيَّر، وبحسب وقت المأمور ينقسم إلى مضيَّق وموسَّع، وبحسب المأمور ينقسم إلى واجب على التعيين وواجب على الكفاية.\nوجَعَل المسائل الأربع الأخيرة في أحكام الوجوب (^١)، ولو فعل المصنِّف كذلك كان أحسن (^٢)، وكأن عذره في ذلك أنَّ المخيَّر والموسَّع وفرضَ الكفاية مما وقع الكلام فيه، وفي تحقيق عروض ذلك للواجب، فَحَسُن البحث في أنَّ الوجوب هل يَعْرِض (^٣) له ذلك أَوْ لا (^٤)، وهو حكم له.\nوبعد ثبوت هذا الحكم تصير الثلاثةُ المذكورةُ أقسامًا، للوجوب الذي هو قسم من أقسام الحكم، فصح كلٌّ من الاعتبارين.\nوقوله: \"بمعين\" يعني مُعَيَّنَ النوع، وإلا فالتعيين الشخصي لا (^٥) يتعلق الوجوب به؛ لأنَّ الشخص دخل في الوجود، وما دخل في الوجود لا يصح التكليف به، فمراده (^٦) (^٧) بالمعيَّن: المعلوم المتميز (^٨) (^٩).\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٣١٧.\n(^٢) وكذا ذكر الإسنوي في نهاية السول ١/ ١٣٣.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) يعني: هل يَعْرض للوجوب بأنه موسَّع أو مضيَّق، وفرض كفاية أو عين. . . إلخ.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في (غ): \"لأنَّ مراده\".\n(^٧) وفي (ص): \"لمراده\". وهو خطأ.\n(^٨) في (ت): \"المميز\".\n(^٩) يعني: مراد المصنف بقوله: \"بمعيَّن\" هو معيَّن النوع الذي وجوده ذهني، لا المعيَّن =","vol":"2","page":229},{"text":"وقوله: \"وقد يتعلق بمبهم\" إشارةً إلى أنَّ المختار أنَّ الواجب واحدٌ لا بعينه، ونَقَل القاضي إجماعَ سلف الأمة وأئمة الفقهاء عليه، خلافًا لكثير من المعتزلة، وقومٍ من نوابت (^١) الفقهاء المتبعين لهم على بدعتهم (^٢) في قولهم (^٣): إنَّ الكل واجب (^٤)، وحَرَّر بعض المتأخرين معنى الإبهام في ذلك (^٥)، فقال: إن مُتَعَلَّق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال، ولا تخيير فيه، ومُتَعَلَّق التخيير خصوصيات الخصال ولا وجوبَ فيها (^٦).\n_________\n= الشخصي الذي وجوده في الخارج، فالوجوب لا يتعلق بالمعيَّن الشخصي؛ لأنَّ الشخص قد تحقق وجوده في الخارج، فكيف يصح التكليف بإيجاده وهو موجود! . فمراد المصنف بالمعيَّن: المعلوم المتميز، أي: المعلوم في الذهن، المتميِّز عن غيره في حقيقته.\n(^١) النوابت: هم الأحداث الأغمار، أي: الذين لا عقل لهم، وفي اللسان ٢/ ٩٦: ونَبَتت لهم نابتة، إذا نَشَأ لهم نَشْأٌ صغار، وإنَّ بني فلان لنابتةُ شرٍّ، والنوابت من الأحداث: الأغمار. ووقعت الكلمة في (ص): \"توابت الفقهاء\"، وفي هامشها: شرح للكلمة بمعنى: أغمارهم. ولعل هذا سهو من الناسخ، وفي (ت): \"ثوابث الفقهاء\". وفي (غ): \"ثوابت\". وفي (ك): \"لواب\". وكل هذا خطأ من النساخ.\n(^٢) في (ت): \"بدعهم\".\n(^٣) في (ص)، و(ك): \"قوله\". وهو خطأ.\n(^٤) انظر: التلخيص ١/ ٣٥٩.\n(^٥) لعله يقصد القرافي فإنه ذكر هذا التحرير الذي نقله الشارح رحمهما الله تعالى. انظر: نفائس الأصول ٣/ ١٤١٨.\n(^٦) يعني: أنَّ مُتَعَلَّق الوجوب في الوجوب المخيَّر هو القدر المشترك بين الخصال، وهو التكفير مثلًا في كفارة اليمين، والتكفير واجبٌ لا تخيير فيه، ومتعلق التخيير في الوجوب المخير هو خصوصيات الخصال، أي: حصول ذلك التكفير بأيِّ واحدٍ من تلك الخصال بخصوصها (سواء العتق بخصوصه، أو الإطعام بخصوصه، أو =","vol":"2","page":230},{"text":"وعندي زيادةُ تحريرٍ أخرى: وهو أنَّ القدر المشترك يقال على المتواطئ (^١) كالرجل ولا (^٢) إبهام فيه، فإن حقيقته معلومة متميِّزة عن (^٣) غيرها من الحقائق.\nويقال على المُبْهم بين شيئين أو أشياء (^٤)، كأحد الرجلين، والفرق بينهما أنَّ الأول: لم يُقْصد فيه إلا الحقيقة التي هي مُسَمَّى الرجولية.\nوالثاني: قُصِد فيه أخص من ذلك، وهو أحد الشخصين (^٥) بعينه وإن لم يُعيَّن، ولذلك سُمِيَّ مبهمًا؛ لأنَّه أُبهم علينا أمره.\nوالأول: لم يقل به أحدٌ بأن الوجوب يتعلق بخصوصياته، كالأمر بالإعتاق، فإن مُسَمَّى الإعتاق ومسمى الرقبة متواطئ كالرجل، فلا تعلق للأمر بالخصوصيات لا على التعيين ولا على التخيير، ولا يقال فيه واجب مخير، ولا يأتي فيه الخلاف، وأكثر أوامر الشريعة من ذلك (^٦).\n_________\n= الكسوة بخصوصها)، ولا وجوب في هذه الخصوصيات، إنما الوجوب في القدر المشترك، فلا تعارض بين الوجوب والتخيير؛ لأنَّ موردهما مختلف.\n(^١) المتواطئ: هو الكلي الذي استوت أفراده في معناه. كالإنسان، والرجل، والمرأة، فإن حقيقة الإنسانية والذكورة والأنوثة مستويةٌ في جميع الأفراد، وإنما التفاضل بينها بأمورٍ أُخَرَ زائدةٍ على مطلق الماهية. انظر: آداب البحث والمناظرة للشنقيطي ق ١/ ٢١.\n(^٢) في (ص): \"فلا\".\n(^٣) في (ص): \"من\".\n(^٤) يعني: ويُقال القدر المشترك على المبهم بين شيئين أو أشياء. والقصد أنَّ القدر المشترك يطلق على المتواطئ كالرجل المراد به الحقيقة الخالصة، ويطلق القدر المشترك على المبهم بين شيئين، المراد بهما الأفراد لا الحقيقة.\n(^٥) في (ت): \"المُشَخَّصَيْن\".\n(^٦) المعنى: أنَّ المتواطئ لا يتعلق الوجوب بخصوصياته أي: أفراده، بل بماهيته. فمثلا: =","vol":"2","page":231},{"text":"والثاني: متعلِّق بالخصوصيات (^١)؛ فلذلك وقع الخلاف فيه، وأجمعت (^٢) الأمة على إطلاق الواجب المخيَّر عليه (^٣). ولا منافاة بين ما قلناه، وما حكيناه عن بعض المتأخرين مِنْ تعلق الوجوب بالقدر المشترك، لكن فيما قلناه زيادة، وهي تبيين أنَّ ذلك القدر المشترك أخصُّ، منظورٌ فيه إلى الخصوصيات (^٤).\n_________\n= إذا أمر الشارع بإعتاق رقبة - فالأمر هنا متعلِّق بالماهية المشتركة (وهي ماهية المتواطئ: إعتاق رقبة)، ولا علاقة للأمر بخصوصيات هذا المتواطئ أي: أفراده من حيث كونها أفرادًا، بل الأمر متعلِّق بإيجاد ماهية هذا المتواطئ من حيث هي، بصرف النظر عن الأفراد؛ لأنَّه ليس لأي فرد من الأفراد خصوصيةٌ ما، بل الكل متساوٍ في الاشتراك في الماهية المشتركة، والماهية لا تعدد فيها من حيث هي، ولذلك لا يكون الأمر بها على التخيير، ولا يقال عنها واجب مخير، بل المطلوب هو إيجاد تلك الماهية بأيِّ فرد كان. لا يقال: إن قولَنا: أىُّ فرد كان - تخييرٌ؛ لأنَّ الأمر ليس لَه تَعَلُّق بهذا التخيير، فالأمر متعلِّق بالماهية، والماهية توجد بفردٍ من أفرادها.\n(^١) أي: بالأشخاص والأفراد الخارجية، كما ذكر قبل قليل.\n(^٢) في (ك): \"واجتمعت\".\n(^٣) \"انظر ما قاله الإسنوي في نهاية السول ١/ ١٣٥، فهو قريب مما قاله الشارح رحمهما الله تعالى.\n(^٤) أي: الأفراد الخارجية. والمعنى: أنَّ السبكي يقول: نحن نقول بمقولة هذا المتأخِّر - الذي نَقَل عنه هذا التحرير - ولكنا نقيِّد كلامَه وإطلاقَه في قوله: \"متعلَّق الوجوب هو القدر المشترك بين الخصال\" بأن المراد بالقدر المشترك: هو المطلق على المبهم بين الأفراد الخارجية، لا المتواطئ الذي يستوي أفراده في معناه، إذ حقيقته واحدة لا تعدد فيها ولا إبهام، والأمر حينما يتعلق بالماهية المشتركة لا يُنظر في هذا التعلق إلى خصوصيات الماهية، وهي الأفراد المعينة، بل يُنظر إلى تحقق هذه الماهية بأيِّ فرد كان، فليس لأيِّ فرد \"ما\" خصوصية معينة، بل الغرض هو تحقق الماهية كما سبق =","vol":"2","page":232},{"text":"وقول المصنف: \"من أمور معينة\"، إنما قيَّد بقوله معيَّنة؛ لأنها إذا كانت غير معينة، فإما أن يقع التكليف بالقدر المشترك بينها من غير نظر إلى الخصوصيات، فذلك لا يُسمى إبهامًا، بل هو كالإعتاق على ما سبق، وليس كلامنا فيه.\nوإما أن يُنْظر (^١) إلى الخصوصيات كما ذكرناه في تفسير (^٢) الإبهام، فيستحيل لعدم العلم بها (^٣).\nونحن مرادنا هنا بالمعيَّنة المعلومة المتميزة (^٤)؛ فلذلك قيَّد بقوله: المعينة، ليُبَيِّن صورةَ المسألة.\nو\"خصال الكفارة\" يعني: كفارة اليمين، وهي الإعتاق والإطعام والكسوة، فإنها مخير (^٥) فيها، وكذا ما هو على التخيير من كفارات الحج.\nوقوله: \"نَصْب أحد المستعدِّين للإمامة\"، يعنى: إذا شَغَر الوقت عن إمامٍ وهناك جماعة - يجب نَصْبُ واحد، وكذا قاله (^٦) غيره، وهو صحيح،\n_________\n= بيانه، وما نحن فيه ليس كذلك، بل الأمر متعلِّق بخصوصية أفراد معيَّنة، فالتكفير لليمين لا يتم إلا بتحقق فرد من أفرادٍ مخصوصة، فإذن الوجوب متعلِّق بالقدر المشترك المبهم بين أفراد معينة.\n(^١) في (ت): \"ننظر\".\n(^٢) في (ص): \"في غير\". وهو تحريف.\n(^٣) أي: فيستحيل التكليف بمبهم من خصوصياتٍ (أي: أفراد) غير معينة؛ لعدم العلم بها.\n(^٤) في (ت): \"التمييز\".\n(^٥) في (ص): \"يخير\".\n(^٦) في (ص): \"قال\".","vol":"2","page":233},{"text":"إلا أنَّه من القسم الأول الذي قلنا: إن الوجوب فيه متعلِّق بالقدر المشترك من غير نظر إلى الخصوصيات، كإعتاق رقبة، فينبغي أن لا يُمَثَّل به (^١).\nوجماعة من أصحابنا ومن المعتزلة ذكروا أمثلةً من الواجب المخيَّر من (^٢) القسمين جميعًا.\nوالصواب ما قدمته (^٣)، نعم في أهل الشورى الذين (^٤) جعل عمر - ﵁ - الأمر فيهم ونحوه يتعلق الأمر بأعيانهم، فيحسن أن يكون مثالًا للواجب المخير.\nوقول المعتزلة: إنَّ \"الكل واجب\" على المعنى المذكور، مأخذهم فيه أنَّ الحكم يتبع الحُسْن والقُبْح، فإيجاب شيء يَتْبع حُسْنَه الخاصَّ به، فلو كان واحد من الثلاثة واجبًا، والاثنان غير واجبين - لخلا اثنان عن المقتضِي للوجوب، فلا بد أن يكون كل واحد بخصوصه (^٥) مشتملًا على\n_________\n(^١) المعنى: أنَّ الوجوب متعلِّق بالماهية لا بخصوصية الأفراد المعينة، إذ خصوصية الأفراد غير معتبرة هنا، ولا ينظر لها، بل المعتبر هو الماهية وهو أهلية الإمامة، فكل مَنْ وُجِدت فيه هذه الماهية، فهو مؤهَّل لأن يكون إمامًا، فالحكم منوطٌ بالماهية لا بالأفراد المعيَّنة لذاتها. فهذا وجوبٌ من القسم الأول الذي القدر المشترك فيه يراد به الماهية لا الأفراد، ومن ثَمَّ فلا إبهام فيه؛ لأنَّ الماهية لا تتعدد فيها، فلا يقال عنه واجب مخير.\n(^٢) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"بين\". وهو خطأ.\n(^٣) من أنَّ الواجب المخيَّر إنما يطلق على المبهم بين الأفراد المعينة، لا على المتواطئ الذي استوت أفراده في معناه.\n(^٤) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"الذي\".\n(^٥) في (ص): \"لخصوصه\".","vol":"2","page":234},{"text":"صفة تقتضي وجوبَه، وكل منها (^١) يقوم مقام الآخر، فَوُصِفَ كلُّ منها (^٢) بالوجوب والتخيير معا.\nوتحقيق هذا الكلام إنما يُنتج أنَّ المشتمل على الحُسْن المقتضي للوجوب هو أحدها، لا خصوص كل منها، فلذلك كان معنى كلامهم (^٣) إيجابَ أحدها على الإبهام، وإنما قصدوا الفرار من لفظ يُوهم أنَّ بعضها واجب، وبعضها ليس بواجب، (وأنه لا يجوز التخيير بين الواجب وغيره) (^٤).\nوأصحابنا لا يُراعون الحُسْن والقبح، ويُجَوِّزون التخيير بين ما يُظن أنَّ فيه مصلحة، وبين ما لا مصلحة فيه، ومع ذلك لم يقولوا بوجوب واحد معيَّن، وإنما قالوا بوجوب أحدها من غير تعيين؛ لأنَّه مدلول لفظ الأمر، ومدارهم في إثبات الأحكام عليه (^٥). فإذا نظرنا إلى مجرد ذلك لم يكن فرقٌ في المعنى بين مذهب أصحابنا ومذهب المعتزلة، وبذلك صرح طوائف منا ومنهم وتَبِعهم المصنف (^٦)، وإذا دققنا البحث، وقررنا ما قدمناه من الفرق\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"منهما\". وهو خطأ؛ لأنَّ الضمير يعود إلى الخصال الثلاثة.\n(^٢) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"منهما\". وهو خطأ، كما سبق تعليله في الهامش السابق.\n(^٣) أي: كلام المعتزلة.\n(^٤) في (ص): \"وأنه لا يخير بين الواجب وغيره\".\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) يقصد السبكي بهذا أنَّ المعتزلة حينما قالوا بإيجاب الكلِّ لا يقصدون وجوب كل خصلة بخصوصها، بل كان مقصودهم من كلامهم الفرارَ من أنْ يُوصف بعض الخصال بالوجوب المقتضِي للحسن، وبعضها بعدم الوجوب المقتضي لعدم الحسن، لكنهم قولهم بإيجاب الكل يُقِرون بأن المكلف مطالب بواحدٍ مبهمٍ =","vol":"2","page":235},{"text":"بين أنْ يُراد مع القدر المشترك الخصوصيات أَوْ لا، أمكن أن يُقال في خصال الكفارة احتمالان:\nأحدهما: أن يكون الواجب القدر المشترك بين الخصال (^١).\nوالثاني: أن يكون كل خصلةٍ واجبة (على تقدير أن لا يُفعل غيرُها) (^٢)، وكل من الاحتمالين يمكن أن يُقرَّر على مذهبنا ومذهبهم، والأقرب إلى كلام الفقهاء الثاني (^٣)، وبه يَفْترق الحال بينه وبين إعتاق (^٤) رقبة، فإن الثابت فيه الأول لا غير (^٥).\n_________\n= من هذه الخصال الواجبة، وهذا في التحقيق هو نفس قول أصحابنا والجمهور، والجمهور حينما يقولون بأن الواجب واحد غير معيَّن لا يُراعون الحُسْن والقبح، وما فيه مصلحة وما ليس فيه مصلحة؛ لأنَّ مدار الجمهور على مدلول لفظ الأمر، لا على الحسن والقبح الذي اعتمده المعتزلة؛ فلذلك اختلف الفريقان في الألفاظ، لكن المعنى واحد.\n(^١) والمراد بالقدر المشترك هو المبهم بين الأفراد المعينة، كما سبق توضيحه. والمعنى: أنَّ الواجب واحد غير معيَّن، فالواحد غير المعين هو القدر المشترك المبهم بين الأفراد المعينة، هذا على قول الجمهور، وأما على قول المعتزلة فيفسَّر هذا الاحتمال بوجوب الجميع؛ لأنَّ الوجوب يَتْبع الحُسْن عندهم، فالقدر المشترك عندهم الخصلة الموصوفة بالحسن، وهذا شامل للجميع.\n(^٢) في (ص): \"على تقدير أنْ لا يَغْفل عنها\". وهو خطأ.\n(^٣) أي: حينما يؤمر المكفِّر بالإعتاق، فالواجب القدر المشترك، وهو كونه عبدًا، لا خصوص كونه زيدًا أو عمرًا، أو غيرهما.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) أي: الثابت فيه هو القدر المشترك من غير نظرٍ إلى الخصوصيات، فالأمر متعلِّق بماهية إعتاق رقبة، ولا نظر لخصوصية الأفراد، كما سبق بيانه. وينبغي أنْ يُتنبه لكلام =","vol":"2","page":236},{"text":"وقول المصنف: \"فلا خلاف في المعنى\"، قد علمت أنَّه يمكن تمشيته، ويمكن التوقف فيه؛ لظهور معنيين يمكن أنْ يذْهب إلى كل منهما ذاهب.\nوالأوفق بقواعد المعتزلة الأول، وهو تعلق الوجوب بالقدر المشترك لا غير، حتى يكون هو الموصوف بالحُسْن، وبقواعدنا يصح ذلك وغيره، وهو الأقرب إلى كلام الفقهاء، وهو المختار، وإن لم يكن بين المعنيَيْن تباعد، لكن يظهر أثره في أمور: منها: أَنَّه (^١) إذا فَعَل خصلة يُقال على ما اخترناه (^٢): إنها الواجب، وأما على المعنى الآخر فينبغي أن يقال: إن الواجب تَأَدَّى بها، لا أنها هي الواجب (^٣).\nوقوله: \"قيل: الواجب معيَّن عند الله دون الناس\" (^٤)، (هو قولٌ\n_________\n= الشارح حتى لا يلتبس قوله: \"فإن الثابت فيه الأول لا غير\"، بالاحتمالين اللذين ذكرهما قبله، فلا يريد بقوله \"الأول لا غير\" الاحتمال الأول، بل يريد ما ذكرته؛ لأَنه قال قبل ذلك: \"وإذا دققنا البحث وقررنا ما قدمناه من الفرق بين أنْ يراد مع القدر المشترك الخصوصيات أوْلا\". فالأول: هو القدر المشترك، والثاني هو الخصوصيات، ومَنْ فهم ما سبق من كلامه مع التعليق - وضح له هذا المعنى تمامًا، ويدل على ما قلت أَنَّه لم يجعل إعتاق رقبة من الواجب المخير؛ لأنَّ الوجوب متعلق بالماهية لا الأفراد، كما سبق ذكره، والله تعالى أعلم بالصواب.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) وهو أنّ كل خصلة واجبة على تقدير ألا يفعل غيرها.\n(^٣) أي: على المعنى الثاني - وهو الأوفق بقواعد المعتزلة - أنَّ الوجوب متعلِّق بالقدر المشترك لا غير، فتكون الخصلة قد تأدى بها الواجب: وهو القدر المشترك، لا أنها هي الواجب.\n(^٤) قال الإسنوي: \"وهذا القول يُسَمَّى قولَ التراجم؛ لأنَّ الأشاعرة يروُونه عن =","vol":"2","page":237},{"text":"ترويه المعتزلة عن أصحابنا، ويرويه أصحابنا عن المعتزلة) (^١)، واتفق الفريقان على فساده، وعندي أَنَّه لم يقل به قائل (^٢)، وإنما المعتزلة تَضَمَّن رَدُّهم علينا، ومبالغتُهم في تقرير تعلق الوجوب بالجميع - ذلك، فصار معنىً يُرَدُّ عليه (^٣).\nوأما رواية أصحابنا له عن المعتزلة فلا وجه له؛ لمنافاته قواعدَهم (^٤).\nوقوله: \"وَرُدَّ بأنَّ التعيين يُحيل تَرْكَ ذلك (^٥) الواحد\" (^٦)، أي: لأنَّ\n_________\n= المعتزلة، والمعتزلة يروُونه عن الأشاعرة\". نهاية السول ١/ ١٤٠.\n(^١) في (ت): \"وهو قول يرويه أصحابنا عن المعتزلة\"، ويرويه المعتزلة عن أصحابنا\".\n(^٢) قال الإسنوي: \"ولما لم يُعرف قائله عَبَّرَ المصنف عنه بقوله: قيل\". نهاية السول ١/ ١٤١. وقد ذكر الزركشي هذا المذهب فقال: \"والثالث أنَّ الواجب واحد معيَّن عند الله غير معيَّن عند المكلف، لكن علم الله أنَّه لا يختار إلا فِعْل ما هو واجب عليه، واختياره معرِّف لنا أنَّه الواجب في حقه، وعلى هذا فيختلف بالنسبة إلى المكلفين. حكاه ابن القطان مع جلالته\". البحر المحيط ١/ ٢٤٧، فماذا يَقْصد بقوله: \"حكاه ابن القطان مع جلالته\"؟ والظاهر أنَّ الزركشي أراد أنْ يبين أنَّ هذا القول قال به البعض، إذ حكاه ابن القطان مع جلالته في العلم، وتثبته في النقل.\n(^٣) يعني: أنَّ المعتزلة حينما بالغوا في الرد على الجمهور في تقرير تعلق الوجوب بالجميع، جاء هذا القول ضمنًا في ردِّهم ولم يقصدوه.\n(^٤) لأنَّ الحكم عندهم تابع للحُسْن والقبح العقلي، فكيف يكون مجهولا للناس، والحكم لا يأتي إلا بما يحسنه العقل أو يقبحه!\n(^٥) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٦) المعنى: أنَّ الواجب لو كان معيَّنا عند الله تعالى لاستحال تركه؛ لأنَّ الواجب لا يجوز تركه.","vol":"2","page":238},{"text":"الواجب لا يجوز تركه، والتخيير يُجوِّزه، أي: يُجَوِّز الترك ضرورة، فلازم التعيين ولازم التخيير لا يجتمعان (^١)، فالملزومان وهما التعيين والتخيير لا يجتمعان؛ لأنهما لو اجتمعا لاجتمع لازمهما؛ لأنّه يلزم من وجود الملزوم وجود اللازم، والتخيير ثابت بالاتفاق في الكفارة، فانتفى التعيين (^٢).\nوقوله: \"قيل يَحْتَمِل أنّ المكلف يَختار المعيَّن أو يُعَيِّن ما يختاره، أو يَسْقط بفعل غيره\" (^٣)، يعني: وعلى كلٍّ من الاحتمالات الثلاثة لا يتنافى التعيين والتخيير.\nأما في الأول؛ فلأن التعيين في نفس الأمر، والتخيير في الظاهر.\nوأما الثاني؛ فلأن التخيير قبل الاختيار، والتعيين بعده (^٤).\nوأما الثالث؛ فلأنا نمنع أنَّ الواجب لا يجوز تركه مطلقًا، بل هو الذي لا يجوز تركه بغير بدل.\nوقوله: \"وأجيب عن الأول بأنه يُوجب تفاوت المكلفين فيه\"، أي:\n_________\n(^١) لازم التعيين إحالة الترك، ولازم التخيير جواز الترك، وهما لا يجتمعان.\n(^٢) انظر: نهاية السول ١/ ١٤١، السراج الوهاج ١/ ١٣٥، شرح الأصفهاني على المنهاج ١/ ٨٨.\n(^٣) يعني: أنَّ المكلف إما أنْ يختار المعيَّن عند الله تعالى؛ لجواز أنْ يُلهم الله كلَّ مكلف عند التخيير إلى اختيار ما عَيَّنه له، أو يحتمل أنّ الله تعالى يعيِّن ما يختاره العبد للوجوب، يعني: فبعد أنْ يختار العبد يعيِّن الله الوجوب على العبد، أو يحتمل أنْ يختار العبد غير المعيَّن عند الله تعالى، لكن هذا المعيَّن يسقط بفعل ذلك الغير. انظر: نهاية السول ١/ ١٤١، السراج الوهاج ١/ ١٣٦، شرح الأصفهاني ١/ ٨٨.\n(^٤) أي: بعد الاختيار.","vol":"2","page":239},{"text":"إذا اختار بعضهم الإطعام، وبعضهم الكسوة، وبعضهم الإعتاق - يكون الواجب على كلٍّ منهم ما اختاره معيَّنًا عند الله، وهو خلاف الإجماع؛ لإجاع العلماء على أنَّ حكم الله في كفارة اليمين واحدٌ بالنسبة إلى الجميع (^١).\n\"وعن الثاني: بأن الوجوب مُحَقَّق (^٢) قبل اختياره\"، وإلا لما أثم بتركه، فإما أن يكون معينًا أو مخيرًا، إن كان معينًا عاد الكلام، وإلا بطل قولهم (^٣) (^٤).\n\"وعن (^٥) الثالث: أنَّ الآتي بأيها آتٍ بالواجب إجماعًا\"، يعني به:\n_________\n(^١) قال الإسنوي: \"وأجاب المصنف عن الأول بأنه لو كان الواجب واحدًا معينًا، ويختاره المكلف - لكان كلُّ من اختار شيئًا يكون هو الواجبُ عليه دون غيره من الخصال، فيكون الواجبُ على هذا غيرَ الواجب على الآخر عند اختلافهم في الاختيار، لكن التفاوت بين المكلفين في ذلك باطل بالنص والإجماع، أما النص فلأن الآية الكريمة دالةٌ على أنَّ كل خصلة من الخصال مجزئة لكل مكلف، وأما الإجماع فلأن العلماء متفقون على أنَّ المكلفين في ذلك سواء، وأنَّ الذي أخرج خصلة لو عدل إلى أخرى لأجزأته ووقعت واجبة\". نهاية السول ١/ ١٤٢.\n(^٢) في (ص): \"تحقق\".\n(^٣) في (ت): \"قولكم\".\n(^٤) يعني: أنَّ الوجوب متحقق قبل الاختيار إجماعًا، وإلا لما أثم بترك لواجب، فإما أنْ يكون هذا الواجب معينًا أو مخيرًا، إنْ قلنا بأن الواجب معيَّن - عاد الكلام الذي قلناه على المعيَّن بأنه لا يجوز ترك المعين، وإنْ كان مخيرًا بطل قولهم بالتعيين. وذكر الجابردي أنَّه يلزم على هذا القول (أي: تعين الوجوب بالاختيار) أنَّه لا يجب شيء على من لا يختار أحدها، وهو باطل. انظر: السراج الوهاج ١/ ١٣٨.\n(^٥) في (ص): \"وعلى\".","vol":"2","page":240},{"text":"القدر المشترك بين قولنا: إنَّ ما فعله هو الواجب، أو تأدَّى به الواجب؛ لأنَّه في ضمنه (^١)، (وعلى كلٍّ مِن) (^٢) التقديرين لا يكون الواجب خارجًا عنه، فلا يسقط بفعل غيره، وليس كالسنة المجزئة عن الفرض، ولا كالبدل المجزئ عن المُبْدل (^٣).\nوقوله: \"قيل: إنْ أَتَى بالكل معا\" (^٤)، يعني: دفعة واحدة، إما بنفسه إنْ أمكن ذلك، أو بوكلاء، فالامتثال إما بالكل، أي: المجموع (^٥)،\n_________\n(^١) قوله: \"لأنه في ضمنه\" أي: لأنَّ القدر المشترك في ضِمْن قولنا: إنَّ ما فعله هو الواجب، أو تأدَّى به الواجب.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"وعلى كلا\".\n(^٣) يعني: أنَّ ما نحن فيه من خصال الواجب المخيَّر ليس كالسنة المجزئة عن الفرض، ولا كالبدل المجزئ عن المُبْدل؛ لأنَّ كلا من السنة والبدل خارج عن الفرض والمبدل، أما على التقديرين في خصال الواجب المخير - فلا يكون الواجب خارجًا عن القدر المشترك. قال الإسنوى في نهاية السول ١/ ١٤٢: \"وأجاب عن الثالث بأنه لو كان الواجب واحدًا معيَّنا والمأتي به بَدَلٌ عنه يسقطه - لكان الآتي به ليس آتيًا بالواجب بل ببدله، لكن الإجماع منعقد على أنَّ الشخص الآتي بأيِّ واحدة شاء من هذه الخصال هو آتٍ بالواجب إجماعًا\".\n(^٤) أي: أتى بجميع الخصال المخيَّرة. وقول الماتن: \"قيل: إن أتى بالكل. . . إلخ\" إشارة إلى شُبه القائلين بأنَّ الواجب معيَّن. قال الإسنوي في نهاية السول ١/ ١٤٣: \"احتج الذاهب إلى أنَّ الواجب واحد معين بأنَّ فعل الواجب له صفات: وهي إسقاط الفرض، وكونه واجبًا، واستحقاق ثواب الواجب. وتَرْكه أيضًا له خاصة: وهي استحقاق العقاب. وهذه الأربعة تدل على أنَّه واحد معين، ثم ذكر المصنف هذه الأوصاف على هذا الترتيب فبدأ بإسقاط الفرض وعَبَّر عنه بالامتثال فقال: إذا أتى المكلف بالخصال جميعها في وقت واحد فلا شك في كونه ممتثلا. . . .\".\n(^٥) يعني: فالامتثال لأمر الله تعالى إما بالكل، أي: المجموع، بمعنى أنْ يكون المجموع =","vol":"2","page":241},{"text":"فالمجموع واجب، ومن ضرورته وجوبُ كلِّ واحد (^١). وإن كان الامتثال بكل واحد فتجتمع مؤثِّرات على أثر واحد، وهو محال؛ لأنَّ المؤثر التام يَسْتغني به الأثرُ عن غيره مع احتياجه إليه.\nفلو اجتمع مؤثران على أثر واحد - لاحتاج إليهما واستغنى عنهما، ويلزم أن يقع لهما وأن لا يقع بهما، فيجتمع النقيضان (^٢).\nوإن كان الامتثال بواحد غير معين - فغير المعيَّن لا وجود له (^٣)؛ لأنَّ\n_________\n= هو العلة في إسقاط الواجب، وكل واحد جزء من أجزاء العلة، وهو المسمى بالكل المجموعي. انظر حاشية المطيعي على نهاية السول ١/ ١٤٥.\n(^١) يعني: فلا يتحقق الامتثال بواحد منها، بل بالكل. وهو باطل؛ لأنَّه خلاف الإجماع على أنَّ الواجب يسقط بواحد منها. انظر: حاشية المطيعي على نهاية السول ١/ ١٤٣.\n(^٢) قوله: فلو اجتمع مؤثِّران على أثر واحد. . . الخ معناه: أننا لو فرضنا المحال بأن الأثر الواحد اجتمع عليه مؤثران فهذا يعني أوَّلًا: أنَّ الأثر محتاج إلى المؤثرين؛ لأنَّ المؤثِّر يُحتاج إليه، ونحن قد فرضنا اجتماعهما عليه وحصوله بهما. ويعني ثانيًا: أَنَّه مُسْتَغْنٍ عنهما؛ لأنَّ من صفة المؤثِّر أنَّه يغني عن غيره ولا يُستغنى عنه، وكل واحد من المؤثرين بهذه الصفة، فهما متناقضان، واجتماعهما مستحيل، فالأثر مُسْتَغْنٍ عنهما لاستحالة اجتماعهما. فلزم من القول باجتماع المؤثرين على الأثر الواحد، أنَّ الأثر يقع بهذين المؤثرين من جهة أننا فرضنا احتياجه إليهما، ويلزم أيضًا ألا يقع الأثر بهذين المؤثرين؛ لأنهما لا يجتمعان، فيكون قد اجتمع في الأثر الواحد نقيضان: الوقوع، وعدم الوقوع. واجتماع النقيضين مستحيل، فينتج منه بطلان القول باجتماع مؤثرين على أثر واحد.\n(^٣) يعني: أنَّ الامتثال بواحد غير معيَّن مستحيل، فخصال الكفارة قبل الامتثال هي مخيَّرة، وبعد الامتثال تتعين، فكيف يمتثل العبد بشيء غير معين، أي: كيف يُوجِد =","vol":"2","page":242},{"text":"كل موجود معيَّن، (فما ليس) (^١) بمعين ليس بموجود؛ لأنَّه عكس نقيضه (^٢)، ولما بطلت هذه الأقسام الثلاثة تَعَيَّن الرابع، وهو أنَّ الامتثال بواحدٍ معين، وهو المطلوب؛ لأنَّ ما وقع الامتثال به هو المأمور به.\nوأيضًا الوجوب صفة الواجب، وهي صفة معيَّنة، فلا بد أن يكون\n_________\n= شيئًا وهو حال وجوده غير معيَّن، فهذا مستحيل؛ لأنَّ الوجود لازمه التعيين، فكل موجود متعيِّن.\n(^١) في (ص)، و(ك): \"كما ليس\". وهو خطأ.\n(^٢) يريد بعكسِ النقيضِ عكسَ النقيضِ الموافق، كما هو ظاهر من المثال، وضابط عكس النقيض الموافق: هو أنْ تُبَدِّل كلَّ واحد من طرفي القضية بنقيض آخر، فتبدل الموضوع بنقيض المحمول، والمحمول بنقيض الموضوع مع بقاء الكيف. فإن كانت القضية كلية موجبة انعكست كلية موجبة كنفسها. وإن كانت كلية سالبة فلا بد من تبديل السور الكلي بسور جزئي، فتنعكس من الكلية السالبة إلى جزئية، عكس الواقع في العكس المستوي، فإن الكلية السالبة فيه تنعكس كنفسها، والكلية الموجبة تنعكس فيه جزئية موجبة.\nانظر: آداب البحث والمناظرة للشنقيطي ق ١/ ٦٩. فإذا طَبَّقْنا ضابط عكس النقيض الموافق على القضية المذكورة في الشرح اتضح المعنى. فالقضية الأولى هي: كل موجود معيَّن. وهي كلية موجبة، وعكس نقيضها الموافق كلية موجبة أيضًا، وهي: كل لا معين لا موجود. وقول الشارح: \"فما ليس بمعين ليس بموجود\" يريد به الكلية، ولكنه حذف حرف السور (كل)؛ لوضوح المعنى المراد، وهو ليس في مقام شرح القاعدة المنطقية. والعكس عند المناطِقة ثلاثة أقسام: العكس المستوي: وإليه ينصرف اسم العكس عند الإطلاق. وعكس النقيض الموافق. وعكس النقيض المخالف. لمعرفة معانيها والأمثلة عليها راجع: آداب البحث والمناظرة ق ١/ ٦٧، حاشية الباجوري على السلم ص ٥٧.","vol":"2","page":243},{"text":"موصوفها معينا (^١)، وليس المجموع، ولا كل واحد، ولا واحدًا غير معين؛ لما سبق، فثبت أَنَّه معيَّن.\nوأيضًا إذا أتى بالجميع، فإنْ أثيب ثواب الواجب على المجموع، أو على كل فرد، أو على غير معيَّن - لزم ما سبق، فلا يثاب إلا على واحد معين.\nوأيضًا إذا ترك (^٢) الجميع إنْ عوقب على المجموع، أو على كل واحد، أو على واحد (^٣) غير معين - لزم ما سبق، فلا يعاقب إلا على ترك واحد معيَّن. فهذه أربعة أدلة استُدل بها للقول (^٤) المردود.\nوقوله: \"وأجيب عن الأول بأن الامتثال بكل واحد\" (^٥)، وتلك الخصال معرِّفات لا مؤثِّرات، فلا يلزم اجتماع مؤثرات على أثر واحد،\n_________\n(^١) لأنَّ غير المعين لا يناسب المعيَّن، ولا وجود له أيضًا في نفسه؛ فيمتنع وصفه بالوجوب؛ لاستحالة اتصاف المعدوم بالصفة الثبوتية، فبطل أنْ يكون الواجب غير معين.\nانظر: نهاية السول ١/ ١٤٥.\n(^٢) في (ص): \"تركت\".\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٤) في (ص): \"القول\". وهو خطأ.\n(^٥) أجاب المصنف عن الدليل الأول وهو قولهم: إنه إذا أتى بالكل معًا فلا جائز أنْ يكون الامتثال بالكل، ولا بكل واحد، ولا بواحد غير معين. فقال: نختار القسم الثاني وهو حصول الامتثال بكل واحد، ولا يلزم اجتماع مؤثرات على أثر واحد. انظر: نهاية السول ١/ ١٤٧.","vol":"2","page":244},{"text":"وأما المعرِّفات فيجوز اجتماعها على الشيء الواحد (^١)، كأفراد العالمَ للصانع.\nوهذا الجواب يحتمل أمرين:\nأحدهما (^٢): أن يكون المقصود منه الردُّ على الاستدلال فقط، من غير بيان ما يعتقده في (^٣) أنَّ الامتثال بماذا، وكأنه يقول: دليلك لا يُنتج أنَّ الواجب واحد معين؛ لاحتمال أن يكون الواجب كلَّ واحد، ويكون الامتثال بكل واحد، ولا يلزم اجتماع مؤثرات على أثر واحد. وهذا إذا فَسَّرنا الامتثال بفعل الواجب، فإنه (^٤) يلزم عليه أنَّ ما يقع به الامتثال واجب، ويكون الجواب على هذا جدَليًا، والجواب التحقيقي (^٥) أنَّ الامتثال بواحدٍ لا بعينه، وهو موجود في ضمن كل واحد (^٦).\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) في (ص): \"من\".\n(^٤) سقطت من (ص)، و(غ).\n(^٥) في (ت): \"الحقيقي\".\n(^٦) لما قال: إنَّ الامتثال بواحد لا بعينه، وقد سبق أنْ بَيَّن أنَّ الامتثال بواحد غير معين مستحيل - قال هنا: وهو (الواحد غير المعيَّن) موجود في ضمن كل واحد. أي: في ضمن كل واحد من خصال الواجب المخير، فوجود الواحد غير المعين ضمني في الكل. قال الإسنوي في نهاية السول ١/ ١٥٠: \"غير المعين إنما لا يُوجد إذا كان مجردًا عن المشخصات، ويوجد إذا كان في ضمن شخص، بدليل الكلي الطبيعي، كمطلق الإنسان، فإنه موجود مع أنَّ الماهيات الكلية لا وجود لها\".","vol":"2","page":245},{"text":"والثاني: أن يكون جوابا تحقيقيًا، فإن الامتثال معناه: إما فِعْلٌ يَتَضَمَّن مِثْلَ المأمور به، إذا جعلناه افتعالًا مِن المِثْل الذي هو الشَّبَه (^١). وإما الانتصاب والقيام لأداء المأمور به، إذا جعلناه من مَثَلَ على وزن ضَرَب، أي: انتصب (^٢)، وعلى كلا التقديرين لا يستلزم أن يكون المُمْتَثَلُ به (^٣) هو الواجب، بل أن يكون الواجب يحصل به (^٤)، ولا شك أنَّ الواجب حاصلٌ في هذه الصورة بكل واحد لتضمنه له وقصْده به (^٥)، فيكون الامتثال بكل واحد وبالمجموع أيضًا؛ لتضمنه (^٦) الواجب، وهو (^٧) واحد لا بعينه. أو يكون الامتثال بكلِّ واحد وكلِّ واحدٍ واجبًا، على معنى\n_________\n(^١) يعني: أنَّ الامتثال من باب افتعال، والمصدر هو المِثْل بمعنى الشِّبهْ، فيكون معنى امتثال: فِعْل المِثْل، أي: أنَّ العبد فعل مِثْل المأمور به لا ذات المأمور به، فقد أدَّى مثل الواجب لا الواجب ذاته.\n(^٢) انظر: المصباح ٢/ ٢٢٧ - ٢٢٨، وفيه: \"ومَثَلْتُ بين يديه مُثُولًا، من باب قعد: انتصبت قائمًا). وانظر: لسان العرب ١١/ ٦١٠ - ٦١٤.\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٤) في الصورة الأولى سبق أنْ بينا أنَّ فِعْل المِثْل لا يستلزم أداء الواجب ذاته، وفي الصورة الثانية إذا كان الامتثال بمعنى القيام لأداء المأمور به، فليس هو فعل المأمور به - بل هو القيام والانتصاب لأدائه، بمعنى التهيؤ لفعله، لا فِعْله ذاته، فيكون الامتثال على هذه الصورة ليس هو الواجب ذاته، بل إن الواجب يحصل بالتهيؤ والانتصاب، كما أنَّ الواجب يحصل بفعل المِثْل.\n(^٥) في (ت): \"وقصد به\".\n(^٦) أي: لتضمن المجموع.\n(^٧) في (ص)، و(ك): \"وهذا\".","vol":"2","page":246},{"text":"ما قدمناه عن الفقهاء، فيصير جوابا تحقيقيًا على المذهبين (^١).\nوفي الوجه الأول هو جواب جدلي على المذهبين (^٢).\nوقوله: \"أو (^٣) بواحدٍ غير معيَّن ولم يُوجد\" جوابه (^٤) أنَّ غير المعين له معنيان:\nأحدهما: أَنَّه (^٥) المقيَّد بقَيْدِ عدمِ التعيين، وهذا هو الذي لم يُوجد.\nوالثاني: أحدها (^٦) لا بقيد (التعيين ولا بقيد) (^٧) عدم التعيين، وهذا موجود في ضمن المعيَّن، وهو المقصود هنا، فقولك: \"ولم يوجد\" ممنوع.\nوهذا جواب تحقيقي على المعنى المتفق عليه في المذهبين.\nوقوله: \"أو (^٨) بواحد معيَّن، وهو المطلوب\"، وعللناه بأن ما وقع\n_________\n(^١) فالامتثال هنا يتحقق بفعل خصلة واحدة من الخصال المخيَّرة، أو بالمجموع؛ لأنَّه متضمن للواجب، سواء اعتبرنا أنَّ الواجب واحد لا بعينه، أو كل واحد واجبًا بشرط أن لا يُفعل غيره على قول الفقهاء.\n(^٢) أي: مذهب الفقهاء وغيره، بناءً على أَنَّه قُصِد به إبطال دليل الخصم، لا تحقيق الصواب.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) أي: جواب قول الخصم في دليله الأول: إن الامتثال بواحد غير معين لا يجوز؛ لعدم وجوده.\n(^٥) سقطت من (ص)، و(غ)، وفي (ت)، و(ك): \"أن\". والصواب ما أثبته.\n(^٦) أي: أحد الخصال المعينة.\n(^٧) سقطت من (ص).\n(^٨) سقطت من (ص).","vol":"2","page":247},{"text":"الامتثال به هو الواجب - يتوجه عليه مَنْعٌ؛ لما (^١) قدمناه في تفسير الامتثال (^٢).\nوقوله: \"وعن الثاني\" يعني: الوجوبُ وصفٌ (^٣) معيَّن، فيستدعي محلًا معينًا، بأنه (^٤) يستدعي أحدها لا بعينه.\nكالحرارة وهي معلول معيَّن يستدعي (^٥) إما الشمس، وإما النار، فهي علة غير معيَّنة (^٦).\nواعلم أنّ المعيَّن يطلق على المشخَّص (^٧)، وليس هو المراد هنا (^٨) في الطرفين (^٩)، ويُطلق على المعلوم المتميِّز، فإنه له تعين بوجه ما،\n_________\n(^١) في (ت): \"مما\". وفي (غ): \"ما\"، وفي (ك): \"كما\".\n(^٢) سبق أنْ بين أنَّ الامتثال يكون بفعل مِثْل الواجب، أو الانتصاب والقيام لأداء الواجب، فليس الامتثال يستلزم أنْ يكون بفعل الواجب ذاته.\n(^٣) في (ص): \"وصفه\". وهو خطأ؛ لأنَّ المعنى أنّ الوجوب ذاته وصف، فيستدعي محلا معيَّنًا يتعلق به، ويُوصف ذلك المحل بأنه واجب. وهذا كما سبق بيانه هو دليل الخصم الثاني. انظر: نهاية السول ١/ ١٤٥.\n(^٤) في (ص): \"فإنه\". وهو خطأ؛ لأنَّ المعنى: أنَّ الجواب عن الدليل الثاني للخصم بأنه.\n(^٥) في (ت): \"فيستدعي\".\n(^٦) وكالحدث، فإنه يستدعي علةً مِنْ غير تعيين، وهو إما البول أو اللمس أو غير ذلك. انظر: نهاية السول ١/ ١٥٠.\n(^٧) في (غ): \"الشخص\".\n(^٨) في (ت): \"ها هنا\".\n(^٩) يعني: أنَّ المعين يطلق على المشخص، وهو واحد بذاته، وليس هذا المعنى هو المراد عند الطرفين: القائلين بالتعيين وعدمه.","vol":"2","page":248},{"text":"فيطلق (^١) على أحدها أيضًا أَنَّه معين (^٢) بهذا الاعتبار، ويطلق على ما ليس بينه وبين غيره إبهام (^٣)، فأحدها بهذا التفسير غير معين (^٤)، والوجوب معيَّن؛ فلذلك جرى البحث فيه (^٥) (^٦)، ولا يلزم أن يكون المحل مساويًا للحالِّ في ذلك (^٧).\nوقوله (^٨): \"وعن الآخَرَيْن\"، يعني: الثواب والعقاب بأنه يستحق (^٩) ثواب أمور، ولا يجوز ترك كلها ولا يجب فعلها، يعني: ثواب واجبات\n_________\n(^١) سقطت الفاء من كلمة: فيطلق في (ص): ويطلق. وهو خطأ؛ لأنَّ المعنى لا يصح بالواو، إذ يوهم أنَّه إطلاق مستقل، وهو ليس كذلك، بل المعنى أنَّه تفريع على الإطلاق الذي قبله، فيطلق المعين (بمعنى المعلوم المتميز) على أحد الخصال المخيرة.\n(^٢) في (ص): \"يتعين\".\n(^٣) حاصل هذا الكلام أنَّ المعين يطلق بإطلاقات ثلاث: الأول: المشخص، ولا يراد هنا. الثاني: المعلوم المتميز، فإن هذا المعنى له تعين بوجه ما، فيطلق على أحد الخصال أنَّه معين باعتبار هذا المعنى. الثالث: ما ليس بينه وبين غيره إبهام، كالإعتاق مثلا، فإنه ليس بينه وبين معنى الإطعام إبهام.\n(^٤) أي: إذا قلنا: أحد الخصال المعينة، وأردنا بالمعيَّنة: ما ليس بينها وبين غيرها إبهام - فهذا التعيين ليس بتعيين؛ لأنَّه غير منحصر، فلا يكون تعيينًا.\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) قوله: \"فلذلك جرى البحث فيه\" أي: في الوجوب وفي محله.\n(^٧) أي: لا يلزم أنْ يكون محل الوجوب معينا إذا كان الوجوب معينًا، فقد يكون الوجوب معينًا وهو الحالّ، والمحل غير معين، كما هو في خصال الواجب المخيَّر، فالوجوب معين وهو الكفارة، والمحل غير معين.\n(^٨) انظر قول المصنف في ص: ٢٢٨.\n(^٩) أي: إذا أتى بجميع الخصال المخيرة. وفي (ص)، و(ك): \"مستحق\".","vol":"2","page":249},{"text":"مخيرة، وهو أزْيَد من ثواب بعضها سواء اقتصر عليه أو ضم إليه نفلًا آخر، وأنقص من ثواب الواجبات المعيَّنة، ولكل منهما (^١) رتبة من الثواب عند الله تعالى.\nوكذا العقاب إذا تركها يستحق العقاب على ترك مجموع أمور، كان المكلف مخيرًا بين تَرْك أيِّ واحدٍ شاء منها بشرط فِعْل الآخر (^٢).\nوقال بعضهم في الثواب والعقاب: إنه يستحق ثواب الواجب على فعل أكثرها ثوابًا، ويستحق على الترك عقابَ أدونها عقابًا (^٣)، فأما ما قاله في العقاب فيظهر اتجاهه، وما قاله في الثواب مراده به الثواب على الواجب، وما عداه تطوع يثاب عليه ثواب التطوع (^٤)، وبهذا يُعلم أنَّ الخلاف في الثواب خلاف في أَنَّه إذا فعل الجميع ما الذي\n_________\n(^١) في (غ): \"ولكل واحد منهما\".\n(^٢) يعني: إذا ترك جميع الخصال فيعاقب على ترك الكل، لا على واحدة لا بعينها، في حين أَنَّه لو فعل خصلةً واحدة جاز له ترك الباقي.\n(^٣) قال بهذا القول ابن بَرْهان كما في المسودة ص ٢٨، والبحر المحيط ١/ ٢٥٨، وحكاه ابن السمعاني عن الأصحاب كما في البحر.\n(^٤) هذا فيما يظهر تأويل من السبكي لهذا القول؛ لأنَّه يرى أنَّ أكثرية الثواب تكون بسبب الوجوب، والمشقة ليس لها علاقة بالوجوب، فما وقع واجبًا كان أكثر ثوابًا، وما كان تطوعًا كان أقل ثوابًا، فهو يفسِّر قول القائل: إنه يستحق ثواب الواجب على فعل أكثرها ثوابًا (والذي يظهر من معناه: أكثرها مشقة) بتفسير آخر، ويقول: معناه أكثرها ثوابا ما وقع واجبا، وما وقع نفلا فهو أقل ثوابًا، فالأكثرية للوجوب كيفما كان وهذا في نظري تفسير بعيد، يخالف قصد القائل، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":250},{"text":"يقع واجبا؟ .\nوحكى القاضي قولا ثالثا أنّ الذي يقع واجبا هو العتق؛ لأنَّه أعظم ثوابًا؛ لأنَّه أنفع وأشق على النفس. وأُورد (^١) عليه بأنه قد لا يكون كذلك. (^٢)\nويحتمل عندي قول رابع، وهو أَنَّه لا يثاب، ولا (^٣) يعاقب إلا على أحدها؛ لأنَّه الواجب على قولهم، و(^٤) هذا الخلاف شبيه بالخلاف فيما إذا طَوَّلَ الطمأنينة في الصلاة، أو مسح جميع الرأس في الوضوء، هل يقع الجميع واجبا أَوْ لا؟ .\nوبه (^٥) يُعلم أنَّ محل الأقوال الأربعة إذا فعل الجميع، أما قبل (^٦) الفعل فليس إلا ما قدمناه من أحدها (أو الجميع) (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"ورُدَّ\".\n(^٢) كمَلِكٍ يملك كثيرًا من العبيد، فلا يشق عليه العتق.\n(^٣) سقطت من (ت)، و(ص)، و(ك).\n(^٤) سقطت الواو من (ت).\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) في (ص): \"قيد\". وهو تحريف.\n(^٧) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"والجميع\". وهو خطأ.\n(^٨) انظر ما سبق في: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٦٦، التحصيل ١/ ٣٠٢، الحاصل ١/ ٤٤٦، المستصفى ١/ ٢١٨، جمع الجوامع على المحلي ١/ ١٧٥، البحر المحيط ١/ ٢٤٦، نهاية السول ١/ ١٣٢، السراج الوهاج ١/ ١٣٣، شرح الأصفهاني ١/ ٨٦، شرح الكوكب ١/ ٣٧٩، شرح مختصر الروضة ٢/ ٢٨٩، شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٣٥، بيان المختصر ١/ ٣٤٥، المعتمد ١/ ٧٧، مناهج العقول ١/ ٧٣.","vol":"2","page":251},{"text":"فرع: إذا باع قفيزًا من صُبْرة فالمعقود عليه قفيزٌ لا بعينه، يعني (^١) القدر المشترك بين أقفزة الصبرة، وقالوا: إنَّ معناه: كل واحد منها على البدل، كما قالوا في خصال الكفارة، وعندي أَنَّه كعتق الرقبة، وقد تقدم تحريره. وإذا اختار المشتري واحدًا منها لا يقول: إنه كان معيَّنًا، بل تعين (^٢) فيه بعد (^٣) إبهامه، وكذا إذا دَعَت المرأةُ إلى تزويجها مِنْ كفأين وجب (^٤) من أحدهما، كالمستعدِّين للإمامة، (أما إذا) (^٥) طَلَّق إحدى امرأتيه أو أَعتق أحد عبديه، فهو كخصال الكفارة سواء، ولا اختصاص للطلاق والعتق بواحد معين، فإذا اختار تَعيَّن ما يختاره (^٦) (^٧).\n(تذنيب:\nالحكم قد يتعلق على الترتيب، فَيَحْرُم الجمع، كأكل المذكَّى والميتة، أو يباح كالوضوء والتيمم، أو يُسَن ككفارة الصوم).\n_________\n(^١) في (ك): \"بمعنى\".\n(^٢) في (ص): \"يعين\".\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) في (ص): \"زُوِّجت\".\n(^٥) في (ص): \"وإذا\".\n(^٦) يعني: أنَّ الحكم غير مختص بواحد معين، بل الحكم غير معين، فإذا طلق إحدى امرأتيه من غير تعيين فهذا مبهم، فإذا سئل الزوج عن ذلك فاختار للطلاق واحدة - فهنا يتعين الطلاق، وكذا لو أعتق أحد عبديه - فإن العشق مبهم لا يقع، فإذا سئل واختار للعتق واحدا - وقع العتق على المعين.\n(^٧) انظر هذا الفرع في: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٧٧، التحصيل ١/ ٣٠٣، البحر المحيط ١/ ٢٥٧.","vol":"2","page":252},{"text":"التذنيب: من قولهم: ذَنَّب الرجلُ عمامتَه إذا أَفْضل منها شيئًا فأرخاه كالذَّنَب، وذنَّبَت البُسْرة بدا فيها الإرْطاب مِنْ قِبَل ذَنَبِها (^١).\nفالتذنيب هنا معناه: تتمة للمسألة (^٢)، وليس فرعًا منها؛ لأنها في المخيَّر وهو في المرتَّب (^٣)، ولكن التخيير والترتيب (^٤) اشتركا في أنَّ كلًا منهما حُكْمٌ يتعلق بأمور، فإباحة الميتة مرتبة على إباحة المذكى (^٥)، ويحرم الجمع بينهما؛ لعدم الاضطرار المبيح للميتة، ووجوب التيمم وإباحته مرتب على الوضوء؛ لاختصاصه (^٦) بحالة العجز.\nوقال المصنف: إنه يباح الجمع بينهما، وكذا في \"المحصول\" وغيره (^٧).\nوكنتُ أُصَوِّر هذا للطلبة بما إذا خاف من استعمال الماء، لمرض، ولم ينته خوفه إلى أن يَقْطع أو يَظُن بالضرر المانع من جواز استعمال الماء، فإنه\n_________\n(^١) أي: مُؤَخَرِها، ويقال للبُسْر الذي قد بدا فيه الإرْطَاب مِنْ قِبَل ذَنَبِه: التَّذْنُوب، والواحدة تَذْنُوبة، في لغة التميميين، وفي لغة أسد: التُّذْنُوب. لسان العرب ١/ ٣٩٠. وفي المصباح ١/ ٦٧ (مادة بلح): \"البلح: ثمر النخل ما دام أخضر، قريبًا إلى الاستدارة، إلى أنْ يغلظ النوى، وهو كالحُصْرم من العِنَب، وأهل البصرة يسمونه الخَلال، الواحدة بلحة وخَلالة، فإذا أخذ في الطول والتلون إلى الحمرة أو الصفرة فهو بُسْر، فإذا خلص لونُه (أي: تكاملت حمرته أو صفرته)، وتكامل إرطابه فهو الزهو\".\n(^٢) انظر: نهاية السول ١/ ١٥٧.\n(^٣) أي: لأنَّ المسألة الأولى في المخيَّر، وهو - أي: التذنيب - في مسألة المرتب.\n(^٤) في (غ): \"المخير والمرتب\".\n(^٥) في (ص): \"المضطر\". وهو خطأ.\n(^٦) أي: التيمم.\n(^٧) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٨٣، التحصيل ١/ ٣٠٤، الحاصل ١/ ٤٥١.","vol":"2","page":253},{"text":"يباح له التيمم لأجل الخوف، ولا يمتنع الوضوء لعدم تحقق الضرر، فإذا تيمم صح تيممُه، فإذا أراد أن يتوضأ بعد ذلك جاز، كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (^١) (إذا جعلناه) (^٢) خطابا لمن يُطَوَّق (^٣) (^٤) الصوم ولا يُطِيقه، كالشيخ الكبير فيجوز له الفطر والفدية، ولو حَمَل على نفسه وصام كان خيرًا له (^٥).\nولا يُقال فكان على قياس هذا أن يُسَنَّ الجمع؛ لأنَّ الوضوء أفضل؛ لأنا نقول صحيح أنَّ الوضوء أفضل، لكن كلامه في الجمع وهو يحصل بإضافة التيمم إليه، وليس بأفضل، بل هو مباح (^٦)، وهذا التصوير على حُسْنه يَخْدِش فيه شيء واحد، وهو أَنَّه إذا توضأ بطل التيمم؛ لأنها (^٧)\n_________\n(^١) سورة البقرة: ١٨٤.\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"وإذا جعلناه\". وهو خطأ.\n(^٣) في (ت): \"يُطَيَّق\" أي: يتكلف على جُهْد ومشقة.\n(^٤) في (ص): \"لمن يمكنه\". وهو خطأ. والظاهر أنَّ ناسخ (ص) تصرف في الكلمة لما لم يتضح له المعنى.\n(^٥) انظر: بداية المجتهد ١/ ٣٠١، تفسير أبي السعود ١/ ١٩٩، تفسير القرطبي ٢/ ٢٨٦. قال القرطبي: \"ومشهور قراءة ابن عباس (يُطَوَّقُونَهُ) بفتح الطاء مخففة وتشديد الواو، بمعنى يُكَلِّفُونَه\"، وفي لسان العرب ١٠/ ٢٣١: \"ومن الشاذ قراءة ابن عباس ومجاهد وعكرمة: وعلى الذين يُطَوَّقُونه، ويَطَّوَّقُونَه، ويُطَّيَّقُونه، ويَطَّيَّقُونه. . .\". وانظر: القاموس المحيط ٣/ ٢٦٠، مادة (الطوق).\n(^٦) يعني: أنَّه يقول: صحيح أنَّ الوضوء أفضل، لكن كلام المصنف ليس في أفضلية الوضوء، بل في الجمع بين الوضوء والتيمم، وهو - أي: الجمع - يحصل بإضافة التيمم إلى الوضوء، وليس الجمع بينهما بأفضل من الوضوء، بل هو - أي: الجمع - مباح.\n(^٧) في (ص): \"فإنها\".","vol":"2","page":254},{"text":"طهارةُ ضرورةٍ، ولا ضرورةَ هنا، فلم يجتمع الوضوء والتيمم، وإذا لم يُمكن اجتماعهما لا يوصف بالإباحة ولا بغيرها (^١).\nوقوله: \"ككفارة الصوم\"، يعني كفارة (^٢) الوقاع في صوم (^٣) رمضان يجب به الإعتاق، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يجد فالإطعام، وكذا كفارة الظهار، ولو مَثَّل بها المصنف - كان أحسنَ؛ للنَّصِّ عليها في القرآن.\nوكفارة الوقاع قال مالك بالتخيير فيها (^٤)، ويمكن حمل كلام المصنف على الصوم في كفارة اليمين، فإنه مرتب على الخصال الثلاث المخير فيها (^٥)، وأيًّا ما كان فالحكم بأن الجمع سنة يحتاج إلى دليل ولا أعلمه، ولم أر أحدًا من الفقهاء صرح باستحباب الجمع، وإنما الأصوليون ذكروه ويحتاجون إلى دليل عليه، ولعل مرادهم الورع والاحتياط بتكثير أسباب براءة الذمة، كما أعتقت عائشة - ﵂ - عن نذرها في كلام ابن الزبير رقابًا كثيرة، وكانت تبكي حتى تَبُلَّ دموعُها خمارَها (^٦).\n_________\n(^١) قال الإسنوي في نهاية السول ١/ ١٥٩: \"التمثيل بالتيمم فاسد؛ لأنَّ التيمم مع وجود الماء لا يصح، والإتيان بالعبادة الفاسدة حرام إجماعًا؛ لكونه تلاعبًا، كما صرحوا به في الصلاة الفاسدة، فإن فُرِض أنَّه استعمل التراب في وجهه ويديه لا على قصد العبادة فلا يكون تيمما\".\n(^٢) في (ص): \"ككفارة\".\n(^٣) في (غ): \"شهر\".\n(^٤) انظر: شرح الزرقاني على الموطأ ٢/ ١٧٢.\n(^٥) وهي: العتق، أو إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم. مخيَّر بين هذه الثلاث، فإن لم يستطع - صام ثلاثة أيام.\n(^٦) أخرجه البخاري ٣/ ١٢٩١، في المناقب، باب مناقب قريش، رقم الحديث ٣٣١٤، =","vol":"2","page":255},{"text":"(وهذه الأقسام الثلاثة التي ذكرها المصنف في المرتب) (^١).\nولعلهم أيضًا لم يريدوا أنَّ الجمع قبل فعله مطلوب، بل إذا وقع كان بعضه فرضًا وبعضه ندبًا، وعبارة القاضي تقتضي هذا، ويكون هذا من باب النوافل المطلقة، ومَثَّل القاضي بالمسح والغَسْل أيضًا، فإنْ أراد مسح الخف فالقول بأنه إذا فعله بعد غَسْل الرجلين (^٢) يكون مندوبًا في غاية البعد.\n(وإذا كَفَّر بالعتق ثم صام) (^٣) بنية الكفارة، ينبغي أن يأتي فيه الخلاف المشهور في أَنَّه إذا بطل الخصوص هل يبطل العموم؟ .\nوهذه الأقسام الثلاثة التي ذكرها المصنف في المرتَّب ذكر في \"المحصول\" مِثْلَها في المخيَّر أيضًا (^٤).\n_________\n= وفي ٥/ ٢٢٥٥، كتاب الأدب، باب الهجرة، رقم الحديث ٥٧٢٥. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد ص ١٤٣، رقم ٣٩٧. وابن حبان كما في الإحسان ١٢/ ٤٧٨ - ٤٧٩، رقم الحديث ٥٦٦٢. والبيهقي ٦/ ٦١ - ٦٢، في كتاب الحَجْر، باب الحجر على البالغين بالسفه. وأخرجه أحمد بدون بكائها في المسند ٤/ ٣٢٧، ٣٢٨.\nوقد ذكر الحافظ في النكت الظراف هامش تحفة الأشراف (٨/ ٣٨٥) أن لهذا السند علة بَيَّنها إبراهيم الحربي في كتاب \"النهي من الهجران\". وبيَّنها الحافظ في الفتح (١٠/ ٤٩٣) وهي في تحرير اسم الراوي هنا عن عائشة ﵂، فلا يضر في صحة الحديث؛ إذ العلة غير قادحة.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"الرجل\".\n(^٣) في (ص): \"وإذا كفرنا بالعتق صار\". وهو خطأ.\n(^٤) أي: المصنف اكتفى بالتمثيل على ما يحرم الجمع بينه فيما يكون مأمورًا به على =","vol":"2","page":256},{"text":"ومَثَّلَ المحرَّم بتزويج المرأة من كفأين، والمباح بستر العورة بثوب بعد ثوب، والمندوب بالجمع بين خصال كفارة الحنث (^١).\nوحكمه بندب الجمع في خصال كفارة اليمين يحتاج إلى دليل كما قدمناه، وتمثيله المخيَّر بالتزويج من كفأين، والستر بثوبين - مَبْنِي على ما سبق منه ومن غيره.\nوعندي أنَّ الواجب القدر المشترك كما سبق، لكن التمثيل صحيح فيه أيضًا (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>(الثانية: الوجوب إنْ تَعَلَّق بوقت: فإما أنْ يُساويَ الفعلَ كصوم رمضان وهو المضيَّق</span>، أو يَنْقُصَ عنه فيمنعه مَنْ مَنَع (^٣) التكليف بالمحال، إلا لغرض القضاء كوجوب الظُّهْر على الزائل عُذْره (وقد بقي قدر تكبيرة) (^٤)، أو يزيد عليه، فيقتضي إيقاع الفعل في جزء من أجزائه (^٥)؛ لعدم أولوية البعض.\n_________\n= الترتيب، والإمام في \"المحصول\" مَثَّل للنوعين: النوع الذي ذكره المصنف، وما يحرم الجمع بينه فيما يكون مأمورًا به على التخيير (أي: الواجب المخير)، أو: على البدل، كما هي عبارة الإمام.\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٨٣.\n(^٢) انظر: نهاية السول ١/ ١٥٥، السراج الوهاج ١/ ١٤٥، شرح الأصفهاني على المنهاج ١/ ٩٢.\n(^٣) في (ص): \"يمنع\".\n(^٤) في (غ): \"وقد بقي من الوقت تكبيرة\".\n(^٥) في نهاية السول ١/ ١٦٠، والسراج الوهاج ١/ ١٤٧: \"في أيِّ جُزْءٍ من أجزائه\".","vol":"2","page":257},{"text":"وقال المتكلمون: يجوز تركه في الأول بشرط العزم، وإلا لجاز ترك الواجب بلا بدل.\nورُدَّ بأنَّ العزم لو صلح بدلًا لتأَدَّى الواجب به، وبأَنَّه لو وجب العزم في الجزء الثاني لتعدد البدل، والمبدل واحد.\nومنا من قال: يختص بالأول، وفي الآخِر قضاء.\nوقالت الحنفية: يختص بالآخر، وفي الأول تعجيل.\nوقال الكرخي (^١): الآتِي به (^٢) في الأول إنْ بقي على صفة الوجوب يكون ما فعله واجبًا.\nاحتجوا بأنه لو وجب في أول الوقت لم يجز تركه. قلنا: المكلف مُخَيَّر بين أدائه في أي جزء من أجزائه).\nكما أنَّ الواجب ينقسم إلى معيَّن ومخيَّر، كذلك ينقسم إلى مضيَّق وموسَّع، والمضيق والموسع بالحقيقة هو الوقت، ويُوصف به الواجب والوجوب مجازًا، ومقصوده الواجب بالفعل.\n_________\n(^١) هو عبيد الله بن الحسين بن دلَّال، البغداديّ الكرخي الفقيه الزاهد. ولد سنة ٢٦٠ هـ. قال الذهبي ﵀: \"انتهت إليه رئاسة المذهب، انتشرت تلامذتُه في البلاد، واشْتَهَر اسمه، بعد صِيتُه، وكان من العلماء العُبَّاد ذا تهجدٍ وأورادٍ وتألُّه\". كان رأسًا في الاعتزال. توفي - ﵀ - سنة ٣٤٠ هـ. انظر: سير ١٥/ ٤٢٦، الجواهر المضِيَّة ٢/ ٤٩٣.\n(^٢) سقطت من (ص)، و(غ)، وهي ليست في نهاية السول ١/ ١٦٥، والسراج الوهاج ١/ ١٥٥، وشرح الأصفهاني ١/ ٩٤.","vol":"2","page":258},{"text":"الواجب إن زاد وقته على قدره فهو الموسَّع، وإلا فهو المضيق. وهذا على قسمين (^١):\nأحدهما: أنْ يساويَه (^٢)، فيجوز التكليف به، وقد وقع كصوم نهار رمضان، لا يزيد الزمان على الواجب، ولا الواجب على الزمان.\nوالثاني: أن ينقص الوقت عن الفعل، فإن كان الغرض من ذلك وقوعُ الفعلِ جميعِه في الزمان الذي لا (^٣) يسعه، فلم يقع هذا في الشريعة، وهو تكليفُ ما لا يطاق يجوِّزه مَنْ جوَّزه، ويمنعه مَن منعه.\nوإن كان الغرض (^٤) أن يبتدئ في ذلك الوقت ويُتمه بعد ذلك، أو أن (^٥) يترتب (^٦) في ذِمَّته ويفعله كلَّه بعد ذلك - فهذا جائز، وواقع فيما\n_________\n(^١) في (غ): \"وعلى هذا قسمان\". وفي (ص)، و(ك): \"وعلى هذا قسمين\". وهو خطأ من الناسخ؛ لأنَّ \"قسمين\" مبتدأ مؤخَّر.\n(^٢) أي: يساوي الوقتُ الفعلَ.\n(^٣) في (ك): \"لم\".\n(^٤) أي: وإن كان الغرض من هذا النقص.\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) أي: يثبت ويستقر. في المصباح ١/ ٢٣٣: \"رَتَب الشيءُ رُتُوبًا، من باب قعد: استقر ودام\"، وفي اللسان ١/ ٤٠٩: \"رَتَبَ الشيءُ يَرْتُب رُتُوبًا، وترتَّب: ثبت فلم يتحرك. . . ورتَّبَه ترتيبًا: أثبته. . . . وعيشٌ راتِبٌ: ثابت دائم. وأمر راتب، أي: دارٌّ ثابت\". وانظر: القاموس المحيط ١/ ٧١، مادة (رتب). وبهذا يُعلم أنَّ ما شاع على الألسن من أنَّ رتَّب بمعنى نَظَّم لَحْنٌ وخطأ؛ ولذلك قام طابعوا هذا الكتاب (وأقصد الطبعة التوفيقية الأولى لهذا الكتاب) بتغيير الكلمة التي في الأصل (يترتب) =","vol":"2","page":259},{"text":"لو أسلم الكافر، أو أفاق المجنون، أو بلغ الصبي، أو طهرت الحائض، وقد بقى من الوقت مقدارُ ركعةٍ (وَوُسِّع ما بعده لبقيتها) (^١) - فإن تلك الصلاة تجب، وكذا إذا بقي مقدارُ تكبيرةٍ على أصح القولين كالركعة، وهذا يَطَّرد في الصلوات الخمس (^٢).\nوإذا كان كذلك في آخر وقتِ صلاةٍ يُجمع ما قبلها معها: كالعصر والعشاء (^٣) - فتجب الأولى أيضًا وهي (^٤) الظهر والمغرب (^٥)؛ ولذلك (^٦)\n_________\n= وإبدالها بكلمة (يثبت) ظنًا منهم أنَّ الأولى خطأ، وبالطبع فإن خطأ المطبعة التوفيقية قد وجد في نسخة د/ شعبان؛ لأنَّ نسخته المطبوعة منسوخة من التوفيقية بلا شك ولا ريب.\n(^١) في (ص): \"وَوَسِع ما بعده بقيتها\". أي: وَسِع ما بعد الوقت بقية الركعات من الصلاة، وعلى المُثْبَت في أعلى الصفحة يكون المعنى: وَوُسِّع ما بعد الوقت لبقية الصلاة. أي: أنَّ الصلاة يُوسَّع وقتُها إلى ما بعد انتهاء الوقت؛ لإكمال ما تبقى.\n(^٢) قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع ٣/ ٦٥: \"وإنْ بقي من الوقت قدر تكبيرةٍ فما فوقها مما لا يبلغ ركعة - فقولان: أصحهما باتفاق الأصحاب تلزمه تلك الصلاة\".\n(^٣) أي: وإذا كان هذا الأمر - وهو بقاء ما يسع ركعة واحدة، أو تكبيرة واحدة - في آخر وقت صلاةٍ يُجمع ما قبلها معها، مثل صلاة العصر يُجمع معها صلاة الظهر، وصلاة العشاء يُجمع معها صلاة المغرب.\n(^٤) في (ص): \"فهي\".\n(^٥) أي: فتجب صلاة الظهر مع العصر، وصلاة المغرب مع العشاء، في حق الكافر إذا أسلم وبقي من وقت العصر أو العشاء مقدارُ ركعة أو مقدارُ تكبيرة الإحرام، وكذا المجنون إذا أفاق، والصبي إذا بلغ، والحائض إذا طهرت. انظر: المجموع ٣/ ٦٤ - ٦٦.\n(^٦) في (ك): \"وكذلك\". وهو خطأ.","vol":"2","page":260},{"text":"مثَّل المصنف بالظهر وأطلق القضاء حتى يشمل وقت الضرورة، وهو وقت العصر بالنسبة إليها (^١).\nوالضمير في قول المصنف \"يساوي\" و\"ينقص\" و\"يزيد\" لوقت.\nوفي قوله: \"وهو\" يصح (^٢) إعادته للوقت وللوجوب (^٣) وللواجب، وهو مقصوده على ما سبق.\nوقوله: \"لغرض القضاء\" كأنه بَنَى على قول مَنْ يقول: إنَّ الصلاة إذا وقع بعضها خارج الوقت يكون قضاء إما كلها، وإما الخارج عنها.\nوالصحيح من مذهب الشافعي أَنَّه متى وقع (^٤) ركعة منها في الوقت فالكل أداء (^٥).\n_________\n(^١) يعني: ولأجل وجوب الظهر مع العصر لمن أدرك آخر وقت العصر بقدر تكبيرة؛ مَثَّل المصنف بالظهر، وأطلق القضاء ولم يحدده بالقضاء في وقت العصر، حيث قال: \"إلا لغرض القضاء\"؛ وذلك ليشمل القضاءُ قضاءَ الظهر في وقت العصر، وقضاء الظهر بعد العصر، إذا أدرك من العصر مقدارَ تكبيرة واحدة؛ لأنَّ وقت العصر وقت ضرورة للظهر. قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع ٣/ ٦٦: \"واستدلوا على وجوب الظهر بإدراك آخر وقت العصر، ووجوب المغرب بإدراك أخر وقت العشاء: بأنهما كالصلاة الواحدة، ووقت إحداهما وقتُ الأخرى في حقِّ المعذور بسفر، وهذا الحكم رواه البيهقي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس وفقهاء المدينة السبعة، ﵃\".\n(^٢) في (ص): \"تصح\".\n(^٣) في (ت)، و(ص): \"والوجوب\".\n(^٤) في (ك): \"أوقع\".\n(^٥) انظر: نهاية المحتاج ١/ ٣٦٠.","vol":"2","page":261},{"text":"ولم يقل بأن وقت الصبح مثلا يخرج بطلوع الشمس مطلقًا، بل قال: إنْ طَلَعت الشمسُ ولم يُصَلِّ منها ركعة - فقد خرج وقتها.\nواستدل على ذلك بقوله - ﷺ -: \"مَنْ أدرك ركعة (من الصبح) (^١) قبل أنْ تطلع الشمس فقد أدرك الصبح\" (^٢).\nوقليلٌ من الفقهاء اليوم مَنْ يُحرر هذا بل يعتقد أنَّ الحكم بالأداء يجعل ما بعد الوقت تابعًا للركعة الواقعة في الوقت مع خروج الوقت (^٣).\nولو حُمِل كلام المصنف على القضاء اللغوي انتفى عنه هذا الاعتراض (^٤).\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٦، في كتاب وقوت الصلاة، باب وقوت الصلاة، حديث رقم ٥. والبخاري ١/ ٢١١، في مواقيت الصلاة، باب من أدرك من الفجر ركعة، حديث رقم ٥٥٤، وفي باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب ١/ ٢٠٤، حديث رقم ٥٣١. ومسلم ١/ ٤٢٤، في المساجد ومواضع الصلاة، باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة، رقم ٦٠٨. والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٧٨، في الصلاة، باب إدراك صلاة الصبح بإدراك ركعةٍ منها.\n(^٣) يعني: أنَّ هذا خلاف مراد الشافعي، فالشافعي يرى أنَّ مَنْ أدرك ركعةً قبل خروج الوقت فقد أدرك الوقت، فالصلاة كلها واقعة في وقتها، بخلاف ما قال هؤلاء.\n(^٤) يعني: لو حمل كلام البيضاوي على القضاء اللغوي: وهو أداء ما عليه، وبراءة ذمته - انتفى عنه هذا الاعتراض، وهو كون الصلاةِ الواقعِ جزءٌ منها في آخر الوقت، وباقيها خارج الوقت، هل هي قضاء كلها، أو ما وقع منها خارج الوقت، أو أنها أداء كلها كما هو مذهب الشافعي؟ فقول المصنف: \"إلا لغرض القضاء\" ترجيحٌ لقول مَنْ =","vol":"2","page":262},{"text":"وقوله: \"الظهر\"؟ قد بينا أَنَّه لا اختصاص لهذا الحكم بها (^١).\nوقوله: \"الزائل عذره\" مُسْتَنَده تسميةُ الفقهاء الأشياء المذكورة أعذارًا وإن كان الكفر ليس بعذر (^٢).\nوقوله: \"تكبيرة\" بناه على الأصح.\nوقوله: \"فيقتضي\" من هنا إلى آخر الكلام في حكم الواجب الموسع.\nواعلم أنّ الناس اختلفوا فيه (^٣)، فمنهم مَنْ اعترف به، ومنهم مَنْ أنكره.\nأما المعترفون به: فجمهور الفقهاء، وجمهور المتكلمين من الأشعرية ومن المعتزلة، وهؤلاء المعترفون اختلفوا في جواز تركه أوَّلَ الوقت بلا بدل، مع اتفاقهم على أَنَّه يقتضي إيقاعَ الفعل في أيِّ جزء كان.\nفجمهور الفقهاء قالوا: بجواز تركه (في أول الوقت) (^٤) بلا بدل، ولا\n_________\n= يرى أنها قضاء، فيعْتَرض عليه بأن مذهب الشافعي أنها أداء كلها، فلو حُمِل القضاء على معناه اللغوي: وهو قضاء ما عليه وبراءة ذمته - انتفى عنه هذا الاعتراض.\n(^١) أي: هذا الحكم عام في جميع الصلوات.\n(^٢) قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع ٣/ ٦٦: \"عادة أصحابنا يسمون هؤلاء (أي: الصبي، والمجنون، والمغمى عليه، والحائض والنفساء، والكافر) أصحاب أعذار، فأما غير الكافر فتسميته معذورًا ظاهرة، ويسمى الكافر معذورًا؛ لأنَّه لا يطالب بالقضاء بعد الإسلام تخفيفًا عنه، كما لا يطالبون تخفيفًا عنهم\".\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) في (ص): \"في أوله\".","vol":"2","page":263},{"text":"يَعْصي حتى يُخلى الوقتُ كلُّه عنه، وهذا الذي قدمه المصنف.\nوجمهور المتكلمين قالوا: لا يجوز تركه إلا ببدل، واتفقوا على أنَّ ذلك البدل هو العزم، فإذا تَضَيَّق الوقتُ تَعَيَّن الفعل.\nونصر القاضي هذا القول وردَّه الإمام وغيرُه بأن العزم لو صلح بدلًا لتأدَّى الواجب به.\nوفي هذا الرد نظر؛ لأنَّ لهم أن يقولوا: هو (^١) بَدَلٌ عن فعله في أول الوقت لا عن فعله مطلقًا، إلا أنَّ ذلك يُعَكِّر عليهم؛ لأنَّ فعله في أول الوقت بخصوصه (^٢) ليس بواجب، فلا يحتاج تركه فيه إلى بدل.\nفالجواب المحرَّر أن يقال: إما أن يكون الفعل في الأول واجبًا أوْ لا: إن لم يكن فلا حاجة إلى البدل، وإن كان فإما أن يكون كلَّ الواجب أوْ لا (^٣)؟\nإنْ كان فيتأدى ببدله، وإلا فيلزم أنْ يكون واجبان ولا دليل عليه (^٤).\n_________\n(^١) في (ت): \"هذا\".\n(^٢) في (ص): \"لخصوصه\".\n(^٣) يعني: فإما أنْ يكون الفعل في أول الوقت هو كل الواجب بحيث لا يبقى واجب في الأجزاء الباقية، أو أنَّ الواجب في أول الوقت ليس كل الواجب، بل بعضَه.\n(^٤) يعني: إنْ كان الفعل في أول الوقت هو كلُّ الواجب - فيتأدى هذا الواجب ببدله، وهو العزم، كما يقولون عنه إنه بدل. وإن لم يكن الفعل في أول الوقت كلُّ الواجب بل بعضه - فيلزم أنْ يكون واجبان، واجب في أول الوقت، وواجب في ثاني الوقت، ولا دليل عليه.","vol":"2","page":264},{"text":"وقوله: \"لو وجب العزم في الجزء الثاني لتعدد البدل والمُبْدل واحد\" (^١) - ممنوع (^٢)، أنَّ المبدل واحد؛ لأنَّ العزم في الجزء الأول (بدل عن الفعل في الجزء الأول، والعزم في الجزء الثاني) (^٣) بدل عن الفعل في الجزء الثاني. فالبدل متعدد، والبدل متعدد، وإنما الجواب ما ذكرناه. وهنا فرغ الكلام على الفريق (^٤) المعترفين بالواجب الموسَّع.\nوأما المنكرون له فقد تضمنهم قوله: \"ومنا\" إلى آخره، وجملتهم (^٥) ثلاث طوائف. وزاد غيره رابعة، وفرقة خامسة قالوا: يختص بالأول، فإنْ فعله فيه كان أداء، وإنْ أَخَّره وفعله في آخر الوقت كان قضاء. وهذا القول نسب إلى بعض أصحابنا.\nوقد كثر سؤال الناس من الشافعية عنه فلم يعرفوه، ولا يوجد في شيء من كتب المذهب (^٦).\n(وأقمت حينا) (^٧) من الدهر أظن أنَّ الوهم سَرَى إلى ناقله من قول\n_________\n(^١) يعني: لو وجب العزم في الجزء الثاني من الوقت - لتعدد البدل، وهو العزم في أول الوقت، والعزم في ثاني الوقت، والمبدل وهو فعل الصلاة واحد.\n(^٢) كلمة: \"ممنوع\"، خبر لكلمة \"وقوله\" أي: وقوله كذا ممنوع.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ص): \"الفِرقَ\".\n(^٥) في (ص): \"وجميعهم\".\n(^٦) في البحر المحيط ١/ ٢٨٣: \"قال السبكي: سألت ابن الرفعة وهو أوحد الشافعية في زمانه، فقال: تتبعت هذا في كتب المذهب فلم أجده\".\n(^٧) في (ص): \"ولي حين\".","vol":"2","page":265},{"text":"أصحابنا: إنَّ الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا موسَّعًا. وقول بعضهم: تجب في أول الوقت، وينصبون الخلاف في ذلك مع الحنفية، وقولهم (^١): (إنها تجب) (^٢) بآخره.\nوقَصْد أصحابنا بقولهم: تجب الصلاة في أول الوقت - كون الوجوب في أول الوقت، لا كون الصلاة في أول الوقت واجبة، فحصل الالتباس في العبارة، ومُتَعَلَّقِ الجار والمجرور (^٣).\nثم وقفت في \"الأم\" (في كتاب الحج، وذلك في الجزء الخامس) (^٤): قال الشافعي: \"ذهب بعض أهل الكلام أنَّ فرض الحج على المستطيع إذا لزمه في وقتٍ يُمكنه، فتركه في أوَّل ما يمكنه - كان آثما، كمَنْ ترك الصلاة حتى ذهب الوقت، ويجزئه حجةٌ بعد أول سنة من مقدرته قضاءً، كالصلاة بعد ذهاب الوقت. ثم أعطانا بعضُهم ذلك في الصلاة إذا دخل وقتُها الأول، فتركها وإن صلاها في الوقت، وفيما نذر مِنْ صوم أو وَجَب عليه بكفارة أو قضاء، فقال فيه كله: متى أمكنه فأَخَّره فهو عاص بتأخيره. ثم قال في المرأة يُجْبَر أبوها وزوجها على تركها لهذا المعنى (^٥).\n_________\n(^١) أي: الحنفية.\n(^٢) في (ص): \"إنما يجب\".\n(^٣) أي: حصل الالتباس في عبارة الأصحاب بقولهم: تجب الصلاة في أول الوقت. إنْ قلنا: الجار والمجرور مُتَعَلِّق بالفعل: تجب - فالوجوب في أول الوقت. وإنْ قلنا: الجار والمجرور متعلَّق بالصلاة - فالصلاة تجب في أول الوقت. والصواب أنَّه متعلق بالفعل، فالوجوب في أول الوقت لا الصلاة.\n(^٤) في (ص)، و(غ): \"في كتاب الحج في ذلك في الجزء الخامس\".\n(^٥) أي: يجبر أبو المرأة وزوجها على تركها تؤدي الصلاة في أول الوقت، وعلى أنْ =","vol":"2","page":266},{"text":"وقاله معه غيره ممن يفتي (^١) (^٢). انتهى.\n(فقد ثبت هذا المذهب بنقل الشافعي عن غيره) (^٣)، فلعل بعض الناس نقل ذلك عن نقل الشافعي، فالتبس ذلك على مَنْ بعده، وظن أَنَّه من مذهب الشافعي.\nوعلى كلِّ تقدير لا يخرج نقلُه عن أصحابنا عن الوَهَم، ثم ظاهر كلام الشافعي كما ترى أنَّ القائل به يقول بالإثم والعصيان بالتأخير عن أول الوقت، والقاضي أبو بكر نقل إجماع الأمة على أنَّ المكلف لا يأثم بتأخيره عن أول الوقت (^٤).\nولذلك قال بعضهم: إنه في آخر الوقت قضاء يَسُدُّ مَسَدَّ الأداء.\nوما نقله الشافعي أثبتُ وأولى (^٥)، فينبغي (^٦) إسقاط هذه اللفظة (^٧) والاقتصار على قوله: \"قضاء\" كما فعل المصنف، وعدم نسبة\n_________\n= تؤدي الحج في أول زمان الإمكان.\n(^١) أي: وافقه غيره على ذلك.\n(^٢) انظر: الأم ٢/ ١١٧. والعبارة التي نقلها الشارح فيها بعض التصرف والحذف.\n(^٣) في (ص): \"فقد ثبت بنقل الشافعي هذا المذهب عن غيره\".\n(^٤) انظر: التلخيص ١/ ٣٤٢.\n(^٥) أي: ما نقله الشافعي - ﵁ - من الخلاف في هذه المسألة - أولى من نقل القاضي الإجماعَ فيها.\n(^٦) في (ص): \"وينبغي\".\n(^٧) أي: لفظة \"يسد مسد الأداء\" الأَوْلى حذفها، والاكتفاء بقوله: \"قضاء\"؛ لأنَّ الذي يقول بالقضاء يُؤَثِّمُ مَنْ أَخَّر الصلاة عن أول وقتها، كما نقل الشافعي - ﵁ -، أما =","vol":"2","page":267},{"text":"ذلك إلى بعض أصحابنا بل يُنقل قولًا مطلقًا، كما نقله القاضي قولا (^١) مطلقا (^٢).\nولم يَرُدَّ المصنف على هذا القول.\nوَوَجَّه الردِّ عليه: عدم دلالة الأمر المطلق على الفور، مع ظهور الأدلة من الكتاب والسنة وسِيَرِ السلف على جواز التأخير إلى أثناء وقت الصلاة (^٣).\nالفرقة الثانية: الحنفية.\nقالوا: يختص بالآخِر، وفي الأول تعجيلٌ يَسْقُط الفرض به، أو نفلٌ يَمنع من الوجوب على اختلاف عنهم في المنقول (^٤).\nالثالثة: مقالة الكرخي (^٥).\n_________\n= على مقتضى ما نقله القاضي من الإجماع - فلا يأثم وإن كان قضاء.\n(^١) في (ت)، و(ك)، و(غ): \"نقلًا\".\n(^٢) يعني: الأولى أيضًا أنَّ لا يَنْسِبَ المصنفُ هذا العول إلى بعض أصحابنا في قوله: \"ومنا من قال: يختص بالأول، وفي الآخِر قضاء\"، وأن يَفْعل كما فعل القاضي، فقد نقله قولًا مطلقًا من غير نسبة. انظر: التلخيص ١/ ٣٤٢.\n(^٣) يعني: جواز التأخير ما دام الوقت موجودًا، والفعل حاصل في أثنائه.\n(^٤) هذا قول بعض الحنفية، ونقله السرخسي عن أكثر العراقيين من مشايخه. انظر: أصول السرخسي ١/ ٣١، فواتح الرحموت ١/ ٧٤، تيسير التحرير ٢/ ١٩١.\n(^٥) وهي: أنَّ الآتي بالصلاة في أول الوقت إنْ أدرك آخر الوقت وهو على صفة التكليف - كان ما فعله واجبًا، وإن لم يكن على صفتهم بأن كان مجنونًا، أو حائضًا، أو غير ذلك - كان ما فعله نفلا. انظر: نهاية السول ١/ ١٧٥، فواتح الرحموت ١/ ٧٤، ومقولة الكرخي مذكورة في المتن؛ ولذلك لم يذكرها الشارح.","vol":"2","page":268},{"text":"المقالة الرابعة: حكيت عن الكرخي أيضًا (^١): أنَّ الواجب يتعيَّن (^٢) بالفعل في أي وقت كان.\nالمقالة الخامسة: أنَّ الوجوب يختص (^٣) بالجزء الذي يتصل الأداء به، وإلا فآخِر الوقت الذي يسع الفعل ولا يفْضُلُ عنه.\nوهذا هو المشهور عند الحنفية؛ لأنَّ سبب الوجوب عندهم كلُّ جزء من الوقت على البدل، إن اتصل اتصل به الأداء، وإلا فآخِره (^٤).\nوإنما عُدَّت هذه الفرقة من المنكرين للواجب الموسَّع مع قولهم إنَّ الصلاة مهما أُدِّيت في الوقت كانت واجبة؛ لأنهم لم يُجَوِّزوا أنْ يكون الوقت فاضلًا عن الفعل.\nوقول المصنف: \"احتجوا\" أي: الحنفية ومَنْ قال قريبًا مِنْ قولهم كالكرخي وبقية المقالات التي حكيناها.\nوقولهم: \"لو (^٥) وجب في أول الوقت\" فيه ما نبهنا عليه من الإلباس؛\n_________\n(^١) سقطت من (ص)، و(غ).\n(^٢) في (ك): \"معيَّن\".\n(^٣) في (ت)، و(ك): \"مختص\".\n(^٤) فمذهب عامة الحنفية أنَّ وقت الوجوب هو الجزء الذي يتصل به الأداء من الوقت، فإن لم يُؤَدَّ فيه انتقل للذي يَلِيه، وهكذا، حتى إذا لم يَبْق من الوقت إلا قدُر ما يسع الفرضَ تَعَيَّن لأدائه، وكان هو سبب الوجوب، وإن خرج الوقت كان سببُ الوجوب جميعَ الوقت. انظر: تقسيمات الواجب وأحكامه ص، د/ مختار بابا، وانظر: فواتح الرحموت ١/ ٧٦.\n(^٥) سقطت من (ص).","vol":"2","page":269},{"text":"لأنَّ فيه معنيين:\nأحدهما: لو وجب في أول الوقت - فِعْلُه في أول الوقت وهذا هو الذي قصدوه.\nوقولهم مع ذلك: \"لم يجز تركه\" يمكن مَنْعُه على مذهب المتكلمين؛ لأنَّ الواجب لا يجوز تركه وتَرْكُ بَدَلِه، أما تركه وَحْده مع الإتيان ببدله فجائز، ويمكن تسليمه ولا يضرنا.\nوالمعنى الثاني: لو (^١) وَجَبَ في أول الوقت فِعْلُه في أي جزء كان، وهذا مقصودنا. ومع هذا لا يصح قولُهم: \"لم يجز تركه في أول الوقت\"؛ لأنَّ الذي لا يجوز تركه هو الواجب، وفعله أول الوقت ليس بواجب، والواجب هو الفعل في أيِّ جزء كان، وهذا لا يجوز تركه، وهذا معنى قول المصنف: \"قلنا المكلف مخيَّر (^٢) \".\n(فائدة): قول المصنف: \"إنْ تَعَلَّقَ بوقت\" يَحْتَمل أنْ يريد به (^٣) إنْ تَعَلَّق بوقت (^٤) على سبيل القصد، كما فسرنا العبادة المؤقتة به (^٥) فيما سبق، ويحترز به عما لا يكون (كذلك) (^٦)،\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص): \"يخير\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ص): \"الوقت\". وهو خطأ.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في (ص): \"لذلك\". وهو خطأ.","vol":"2","page":270},{"text":"فلا يقال فيه إنه (^١) ينقسم إلى مضيَّق وموسَّع وإنْ كان يلزمه الوقت. لأنَّ الفعل لا بد له من وقت. وعلى هذا الواجبُ على الفور الذي لم يُنَصَّ على وقته لا يقال فيه (مضيَّق، والواجب على التراخي إذا لم ينص على وقته لا يقال فيه) (^٢) موسَّع.\nويَحْتَمل أنْ يريد أنَّه متى تَعَيَّن وقته، سواء كان تعيينه بالنصِّ عليه، أم بدلالة الأمر عند من يراه - فينقسم إلى مضيق وموسع، ويكون كل واجب مضيقًا أو موسعًا، فما كان للتراخي فهو موسع بلا إشكال، وما كان للفور [فـ] ليس (^٣) بموسع (^٤)، والحج من قال بفوريته إنْ أطلق يلزمه ذلك.\nوإنْ أراد إيقاعه في السنة الأولى من سِنِيِّ الإمكان يصير أشهر الحج من تلك السنة بالنسبة إلى ابتدائه كالوقت الموسَّع (^٥)، لكن ينبغي أن يُعذر\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) سقطت من (ص)، و(غ).\n(^٣) زيدت الفاء؛ لأنّ جواب الشرط إذا كان جملة اسمية لا بد من اقترانه بالفاء. انظر: شرح ابن عقيل على الألفية ٢/ ٣٧٥.\n(^٤) المعنى: ويحتمل كلام المصنف أنّ الفعل متى تَعَيَّن وقتُه بالنص على ذلك الوقت، أو بدلالة الأمر عند من يرى ذلك محدِّدًا للوقت، مثل أنْ يفيد الأمر الفورية أو التراخي - فتكون جميع الواجبات على هذا القول منقسمة إلى مضيق وموسع، ما حُدِّد وقته فهو كما حدِّد، وما لم يُحدد ينظر هل الأمر فيه للفورية فيكون الفعل مضيقًا، أو للتراخي فيكون الفعل موسعا.\n(^٥) لم يقل: هي وقت موسع، بل قال: كالوقت الموسع، فَشَبَّه أشهر الحج بالوقت الموسع، أي: هي في الحقيقة ليست وقتًا موسعًا؛ لأنّ للحج أياما مخصوصة.","vol":"2","page":271},{"text":"في التأخير إلى آخرها؛ لأنّه مُغَيًّا بيوم عرفة، وأما التوسعة فيما بعد السنة الأولى فلا وجه لها مع القول بالفور (^١).\n(فرع) (^٢) الموسَّع قد يَسَعُه العمر كالحج وقضاء الفائت، فله التأخير ما لم يتوقع فواتَه إن أخَّر (لمرض أو كِبَر) (^٣).\nإذا أثبتنا الواجب الموسع فقد يكون وقته محدودًا بغايةٍ معلومة (^٤)، كالصلاة، وقد يكون مدة العمر كالحِج، وقضاء الفائت (^٥) حيث قلنا بأنه على التراخي.\nوهو إذا فات بعذر على الصحيح، دون الفائت بغير عذر، فإنه على الفور على الصحيح عندهم. وهكذا فَصَّلُوا في الكفارات بين ما سببها معصيةُ وغيرُها (^٦).\n_________\n(^١) انظر ما سبق في: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٨٩، التحصيل ١/ ٣٠٤، الحاصل ١/ ٤٥١، المعتمد ١/ ١٢٤، الإحكام ١/ ١٤٩، بيان المختصر ١/ ٣٥٦، شرح الكوكب ١/ ٣٦٨، شرح مختصر الروضة ٢/ ٣٢٧، فواتح الرحموت ١/ ٦٩، تيسير التحرير ٢/ ١٨٧.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ص)، و(ك): \"لكبر أو مرض\".\n(^٤) في (ص): \"بغاية تعلق به\". وفي (غ): \"بغاية يعلق به\". وقوله: \"يعلق\" خطأ من الناسخ.\n(^٥) في (ك): \"الفوائت\".\n(^٦) يعني: الكفارة التي سببها معصية، كالجماع في رمضان عامدًا متذكرًا، تجب على الفور، بخلاف الكفارة التي سببها غير معصية، كتكفير اليمين الذي يرى حانِثه أنّ غيرَه أَبَرُّ منه، فيحنث في يمينه، ويجوز التراخي في التكفير.","vol":"2","page":272},{"text":"وحيث جَوَّزْنا التأخير في ذلك، وفي النذور مدة العمر، فإن حَكَمْنَا بأنه لا يَعْصِي إذا مات - لم يتحقق معنى الوجوب، وإنْ قلنا يَضِيق (^١) عليه عند الانتهاء إلى غاية معيَّنة من غير دليل - لزم تكليف ما لا يطاق (^٢)، كذا في \"المحصول\" قال: فلم يبق إلا أنْ نقول يجوز له التأخير بشرط أن يَغْلب على ظنه أنَّه يَبْقى سواء بقي أم لا، وإذا غلب على ظنه أنَّه لا يبقى عَصَى بالتأخير سواء مات أم لا (^٣).\nوهذا الذي قاله قولٌ، والصحيح أنَّه إذا (^٤) مات عَصَى سواءٌ غَلَب على ظنه قبلَ ذلك البقاءُ أم لا، ولا يلزم (تكليف ما لا يطاق) (^٥)؛ لأنَّه كان يمكنه المبادرة، فالتمكن موجود، وجواز التأخير بشرط سلامة العاقبة، وتَبَيَّنَ خلافُه، فَتَبَيَّنَ عدمُ الجواز، والوجوب مُحَقَّق مع التمكن فَيَعْصي.\nوالفرق بينه وبين ما إذا مات في أثناء وقت الصلاة، فإنه لا يعصي على الصحيح: بأن بالموت خرج وقت الحج، وبالموت في أثناء وقت الصلاة لم يخرج وقتها، ونظيرُ الحج أن يموت (^٦) آخرَ وقتِ الصلاة، فإنَّه\n_________\n(^١) في (ك): \"يتضيق\".\n(^٢) لأنَّه تعليق على مجهول.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٣٠٥.\n(^٤) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"متى\".\n(^٥) في (ص): \"التكليف بما لا يطاق\".\n(^٦) في (ص)، و(غ): \"يفوت\". وهو خطأ.","vol":"2","page":273},{"text":"يَعْصِي بخروج (^١) الوقت (^٢).\nوقول المصنف: \"فله التأخير\" على رأي الإمام ظاهرًا وباطنًا، وعلى رأينا ظاهرًا فقط، والباطن مجهول الحال (^٣)، ولا يلزم تكليف ما لا يطاق لما قلناه.\nوقوله: \"ما لم يتوقع فواته\" يعني فلا يجوز التأخير كما قدمناه عن الإمام، وعبارة الإمام: \"إذا غلب على ظنه\" (^٤)، وهو صحيح، وأما التوقُّع فلا يلزم منه الظن، بل قد يحصل خوفٌ فقط مِنْ غير غلبة ظن، كما قدمناه في الكلام على الواجب المخير والمرتب، فكان الصواب أن يقول\n_________\n(^١) في (ت): \"لخروج\".\n(^٢) قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع ٧/ ١١٠: \"إذا وجب عليه الحج، وتمكن من أدائه، واستقر وجوبُه، فمات بعد ذلك ولم يحج - فقد سبق أنَّه يجب قضاؤه، وهل نقول مات عاصيًا؟ فيه أوجه مشهورة في كتب الخراسانيين، أصحها وبه قطع جماهير العراقيين، ونقل القاضي أبو الطيب وآخرون الاتفاقَ عليه: أنَّه يموت عاصيًا، واتفق الذين ذكروا في المسألة خلافًا على أنَّ هذا هو الأصح، قالوا: وإنما جاز له التأخير بشرط سلامة العاقبة\"، وانظر شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٤٤.\n(^٣) يعني: على رأي الإمام يجوز التأخير بحسب الظاهر والباطن، يعني: فهو جائز له في الحقيقة والواقع؛ لأنه مات لم يؤدِّ فلا إثم عليه. أما على رأينا - السبكي ومَنْ على رأيه - فلا يجوز إلا ظاهرًا، أما باطنًا يعني: في الحقيقة الواقع هل يجوز له التأخير أم لا؟ فهذا مجهول؛ لأننا لا ندري هل يفعل قبل أنْ يموت، أو يموت قبل أنْ يفعل؟ فهو مجهول الحال بالنسبة لعاقبته، فإنْ فَعَل في العاقبة تَبَيَّن جوازُه في الباطن، وإن لم يفعل في العاقبة تَبَيَّن عدمُ جوازه في الباطن.\n(^٤) المحصول ١/ ق ٢/ ٣٠٥.","vol":"2","page":274},{"text":"المصنف: ما لم يظن فواتَه إنْ (^١) أخَّر. وهي الحالة التي قدمها في الصلاة أنَّه إذا غلب على ظنه أنَّه لا يعيش إلى آخر الوقت - تَضَيَّق عليه، فصار الموسَّع بالعمر يَعْصِي فيه لشيئين (^٢):\nأحدهما: الموت، على الصحيح.\nوالثاني: التأخير عن وقتٍ يظن فوتَه بعده.\nوالموسَّع بما دون العمر يَعْصِي فيه لشيئين:\nأحدهما: خروج وقته.\nوالثاني: تأخيره عن وقتٍ يظن فوتَه بعده، كالموسَّع بالعمر.\nومن القضاء ما لا يجوز تأخيره مدةَ العمر، كقضاء رمضان لا يجوز تأخيره حتى يجيء رمضان آخر، فهو بالنسبة إلى المعصية بالتأخير كالصلاة، وبالنسبة إلى عدم فواته كالحج (^٣) (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>(الثالثة: الوجوب إنْ تناول كلَّ واحد كالصلوات الخمس</span>، أو واحدًا (^٥) معيَّنًا كالتهجد - فَيُسمى فرضَ عيْن أو غير معيَّن كالجهاد - يُسمى فرضًا على الكفاية. فإنْ ظَنَّ كلُّ طائفة أنَّ غيره فَعَل - سقط عن\n_________\n(^١) في (ص): \"وإن\". وهو خطأ.\n(^٢) في (ك): \"بشيئين\".\n(^٣) فهو بالنسبة للمعصية مضيَّق، وبالنسبة لعدم الفوات موسَّع.\n(^٤) انظر هذا الفرع في: نهاية السول ١/ ١٧٩، السراج الوهاج ١/ ١٥٦، شرح الأصفهاني ١/ ٩٨.\n(^٥) في (ت)، و(ص): \"أحدًا\".","vol":"2","page":275},{"text":"الكل، وإنْ ظن أنَّه لم يَفْعَل وجب) (^١).\nقيل: إنَّ الوجوب على الكفاية مخالف بالحقيقة للوجوب على الأعيان، وإنَّ اسمَ الوجوب صادقٌ عليهما بالاشتراك (اللفظي، والصحيح أنَّ حقيقتهما واحدة، والوجوب صادق عليهما بالاشتراك) (^٢) المعنوي (^٣)، وزعم بعضهم أنَّ المخاطَب بفرض الكفاية طائفةٌ لا بعينها، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (^٤).\nوالصحيح أنَّ المخاطب به الجميع (^٥)؛ لتعذر خطاب\n_________\n(^١) هذا تقسيم للوجوب باعتبار مَنْ يجب عليه، وحاصله أنَّ الوجوب ينقسم إلى فرض عين، وفرض كفاية. انظر: نهاية السول ١/ ١٨٥.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) فمن قال إنهما حقيقتان مختلفتان قال: إنَّ اسم الوجوب صادق عليهما بالاشتراك اللفظي، فالواجب على الكفاية، والواجب على العين كلاهما واجبان مُشْتَرِكان في الوجوب لفظًا مع اختلاف حقيقتهما، ومَنْ قال إنهما حقيقة واحدة قال: إن اسم الوجوب صادق عليهما بالاشتراك المعنوي، فالواجب على الكفاية، والواجب على العين، لفظان مختلفان ومعناهما واحد، وهو الاشتراك المعنوي، أي: مُشْتَرِكان في معنى واحد.\n(^٤) سورة آل عمران: ١٠٤.\n(^٥) هو اختيار ابن الحاجب، والكمال ين الهمام، وقال أمير بادشاه: \"وهذا قول الجمهور\" تيسير التحرير ٢/ ٢١٣، وكذا نسبه للجمهور السبكي في جمع الجوامع ١/ ١٨٤ (مع شرح المحلي)، وفي شرح الكوكب المنير ١/ ٣٧٥. قال الإسنوي في نهاية السول ١/ ١٩٥: \"وهو الصحيح عند ابن الحاجب، واقتضاه كلام الآمدي\"، وانظر: بيان =","vol":"2","page":276},{"text":"المجهول، بخلاف خطاب المعيَّن بالشيء المجهول فإنه ممكن (^١) كالكفارة.\nوإنما يفترق فرض الكفاية وفرض العين في أنَّ فرض الكفاية المقصود منه تحصيل مصلحته من غير نظر إلى فاعله (^٢)، وفي تحقيقه ثلاثة معان:\nأحدها: أنَّ كلَّ مكلَّف مخاطب (^٣) بالجهاد مثلا، فإذا قامت (^٤) به طائفة سقط عن الباقين رخصةً وتخفيفًا؛ ولحصول المقصود.\nوالثاني: أنَّ كل مكلف مخاطَب به إن لم يقم غيرُه به.\nوعلى هذا إذا قام غيرُه به تَبَيَّن أنَّه لم يكن مخاطبًا، ليس أنَّه خُوطب ثم سَقَط.\nوالثالث: أنَّ كل مكلف مخاطَب به، (^٥) ومجموعهم مخاطبون بأن يكون مِنْ بينهم طائفة تقوم بهذا الفعل.\nولا يقال يَلزم أن يكون الشخص مكلفًا بفعل غيره؛ لأنا نقول كُلِّفُوا\n_________\n= المختصر ١/ ٣٤٣، التمهيد للإسنوي ص ٧٥، فواتح الرحموت ١/ ٦٢ - ٦٣، حاشية المطيعي على نهاية السول ١/ ١٩٤.\n(^١) في (ص)، و(غ): \"يمكن\".\n(^٢) يعني: يمكن أنْ يُحَقِقه أيُّ واحد يصلح للفاعلية.\n(^٣) في (ص): \"يخاطب\".\n(^٤) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"قام\".\n(^٥) سقطت من (ت).","vol":"2","page":277},{"text":"بما هو أعم مِنْ فِعْلهم وفِعْلِ غيرهم (^١)، وذلك مقدورٌ تحصيلُه (^٢) منهم؛ ولأنهم قادرون أن يُخرجوا طائفة منهم لذلك.\nوفرضُ العين المقصود منه امتحانُ كلِّ واحدٍ بما (^٣) خُوطب به لحصول ذلك الفعل منه بنفسه، لا يقوم غيرُه مقامَه.\nوقد يكون من فرائض الأعيان على جماعةٍ - ما يُشترط في فِعْلِ كلٍّ منهم فِعْلُ غيره (^٤)، كالجمعة لا تصح إلا من جماعة.\nفصارت الواجبات ثلاثة:\nأحدها: ما يجب على الشخص ويَسقط بفعل غيره، وهو فرض الكفاية.\nوالثاني: ما لا يعتبر مَعَه غيرُه أصلا.\nوالثالث: ما يُعتبر في الأداء. وكلاهما فرض العين، ولا يسقط بفعل الغير.\n_________\n(^١) المعنى: كلف الجميع بما هو أعم من فعلهم وفعل غيرهم، وذلك بأن يقوموا بإخراج طائفة منهم، فوظيفة الذين خرجوا القيامُ بهذا الواجب، ووظيفة الباقين إخراجُهم وترغيبُهم في الخروج، فالبعض قاموا بالخروج، والآخَرون قاموا بالإخراج، فالواجب هو الخروج والإخراج، وكلٌّ قام بجزء، فأصبح التكليف أعمَّ مِنْ فعلهم وفعل غيرهم، أي: أعمَّ مِنْ فعل كل من الطائفتين على حِدَة.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"بتحصيله\".\n(^٣) في (ت): \"ممن\".\n(^٤) قوله: \"فعل غيره\" نائب الفاعل لقوله: \"يشترط\".","vol":"2","page":278},{"text":"إذا عرفتَ هذا فقول المصنف: \"إنْ تناول كلَّ واحدٍ فيسمى (^١) فرض عين\" - لك أن تعترض عليه فيه؛ لما علمت أنَّ فرض الكفاية كذلك على الصحيح، وتعتذر عنه بأنه استغنى بالمثال بالصلوات الخمس (^٢).\nوقوله: \"أو واحدًا مُعَيَّنًا كالتهجد\". قاله جماعة غيره، وهو تفريع على أنَّ التهجد كان واجبًا على النبي - ﷺ - وحده، وأنَّ ذلك مِنْ خصائصه، وهذا وإنْ كان مشهورًا عند أكثر المتأخرين من الشافعية - فالصحيح الذي نَصَّ عليه الشافعي خلافُه، وأنَّ وجوب التهجد منسوخ عنه - ﷺ - وعن غيره (^٣)، وحين كان واجبًا كان عليه وعلى غيره (^٤).\nوقد اختُصَّ النبي - ﷺ - بوجوب أشياء لا خلاف فيها:\n_________\n(^١) في (ت)، و(ك): \"يسمى\". وهو خطأ؛ لأنَّه جواب شرط مجزوم بحذف حرف العلة. وأما \"فيسمى\" بإثبات الألف؛ لأنَّ الفعل منصوب بأنْ مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية الواقعة بعد الشرط؛ لأنَّ الشرط شبيه بالنفي في عدم التحقق. انظر: ابن عقيل ٢/ ٣٤٩، قطر الندى ص ٧١.\n(^٢) يعني: كأنَّ المصنف استغنى بالمثال عن جواب هذا الاعتراض: وهو أنَّ فرض الكفاية يتناول كلَّ واحد، فكيف حصر المصنف فرض العين فيه! فالجواب: بأنه لما ذَكَر مثال فرض العين بالصلوات الخمس - تبين أنَّه يريد بفرض العين ما لا يقوم غيُره مقامَه، بخلاف فرض الكفاية، فإنه يقوم الغيرُ مقامَه.\n(^٣) انظر: نهاية المحتاج ٦/ ١٧٥.\n(^٤) قال الشيخ المطيعي رحمه الله تعالى: \"مِنْ هذا تَعْلم أنَّ موضع الاستدراك على التمثيل بالتهجد أنَّه ليس من الخصائص، لا من جهة أنَّه نُسِخ؛ لأنَّ نسخه بعد وجوبه لا يمنع مِنْ صحة التمثيل، باعتبار ما كان قبل النسخ لو فُرِض وكان من الخصائص\".","vol":"2","page":279},{"text":"منها التخيير لنسائه، وغيرُه (^١).\nوقوله: \"أو غير معين\" إنما يتم عند مَنْ يرى أنَّ فرض الكفاية ليس على الجميع، وقد بينا أنَّ الصحيح خلافُه.\nثم إن كل ما يتناول المعيَّن يتناول (^٢) غير المعين؛ لدخوله في المعيَّن.\nفالعبارة المحررة أن يقول: \"قُصِدَ\" (^٣) ويراد بالقَصْد ما قدمناه مِنْ مقصود فرض الكفاية (^٤).\nأما إذا أُرِيدَ معنى خُوطِب - فلا يصح أيضا؛ لما بَيَّنا أنَّ الخطاب فيهما للجميع (^٥).\n_________\n(^١) أي: وغير التخيير من الخصائص. انظر: نهاية المحتاج ٦/ ١٧٥، المجموع (تكملة المطيعي) ١٦/ ١٤٢.\n(^٢) في (ت): \"تناول\".\n(^٣) سقطت من (ص)، و(غ).\n(^٤) يعني: أنَّ العبارة المحررة في التفريق بين فرض العين وفرض الكفاية هو التقييد: بقُصِد. فالأَوْلى بالمصنف أنّ يقول في تعريف فرض العين وفرض الكفاية: الوجوب إن قُصِد به تَنَاول كل واحد كالصلوات الخمس. . . . يسمى فرض عين، أو قُصد به غير معيَّن كالجهاد يسمى فرض الكفاية. فعلى هذا يكون الخطاب في فرض العين وفرض الكفايهَ للجميع، والفرق بينهما أنَّ فرض العين قُصِد بالخطاب فيه الجميع، أما فرض الكفاية فقصد بالخطاب فيه البعض.\n(^٥) يعني: إذا أريد بقولنا: \"قُصِد\"، معنى: خوطب، بأن تكون بمعناه - فلا يصح هذا التعريف، ولا يكون هذا القيد مفيدًا؛ لأننا بينا أنَّ الخطاب في فرض العين والكفاية للجميع.","vol":"2","page":280},{"text":"وقوله: \"فإنْ ظَنَّ\" إلى آخره - قاله الإمام مستدلًا: بأنَّ تحصيل العلم بأنَّ الغير هل فَعَل (^١) أوْ لا - غيرُ ممكن، إنما الممكن تحصيل الظن (^٢).\nولك أن تقول: الوجوب على الكل معلوم، فلا يسقط إلا بالعلم، وليس فيه تكليفٌ بما لا يمكن؛ لأنَّ الفعل (ممكن إلى) (^٣) حصول العلم.\nثم قولهم: إنه يسقط بفعل البعض، يُوهم أنَّ فعل غيرهم بعد ذلك يقع نفلًا، وليس كذلك، فإنَّ كل (^٤) مَنْ جاهد، أو طلب العلم، يقع فعله فرضًا، وإن كان فيمن سبقه كفاية، وكذا إذا صلى على الجنازة طائفة، ثم طائفة - وقع فعل الثانية فرضًا كالأولى (^٥).\nوهذا يحقق أنَّ الخطاب للجميع، وإنما سقط (^٦) الإثم بفعلِ مَنْ فيه كفاية رخصةً وتخفيفا (^٧).\nوقول المصنف: \"فإن ظن كل طائفة أنَّ غيره\" إما أنْ يكون ذَكَّرَ على لفظ: \"كل\".\nأو على معنى \"طائفة\"، وأنها تطلق على الواحد (^٨). فإن كان الأول -\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، (ك): \"يفعل\".\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٣١٢.\n(^٣) في (ص): \"يمكن إلى\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر: التمهيد للإسنوي ص ٧٧، تحقيق د - محمد حسن هيتو.\n(^٦) في (ص): \"يسقط\".\n(^٧) انظر: التمهيد للإسنوي ص ٧٤، شرح الكوكب المنير ١/ ٣٧٧.\n(^٨) يعني: أنَّ المصنف ذَكَّر الفعل، ولم يُلحق به تاء التأنيث، فَيَحتمل أنْ يكون التذكير =","vol":"2","page":281},{"text":"فالذي أجمع عليه النحاة أنَّ لفظ: \"كل\" إذا أضيف إلى نكرة وجب مراعاة المضاف إليه (^١).\nوإن كان الثاني فالحق أنَّ معنى طائفة لا يكون للواحد؛ لأنها مأخوذة من معنى الطواف والإحاطة، وذلك لا يكون بالواحد (^٢)، ولو سُلِّم صدقُها على الواحد - فلا اختصاص فيه، بل يصدق على الجمع كما يصدق على الواحد (^٣)، فلا وجه للتذكير إلا إذا أريد الواحد، وليس هو المراد هنا؛ فكان التأنيث في هذا المكان أولى (^٤) (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>(الرابعة: وجوب الشيء مطلقًا يُوجِب وجوبَ (^٦) ما لا يتم إلا به وكان مقدورا)</span>.\n_________\n= على لفظ: كل، أو على معنى طائفة؛ لأنَّها تطلق على الواحد وهو مذَكَّر.\n(^١) تذكيرًا وتأنيثًا، وإفرادًا وجمعًا، فـ (كل) هنا مؤنثة؛ لإضافتها إلى مؤنث وهي: طائفة.\n(^٢) قال في المصباح ٢/ ٢٨: \"والطائفة من الناس: الجماعة، وأقلها ثلاثة، وربما أطلقت على الواحد والاثنين\". وانظر: لسان العرب ٩/ ٢٢٦، مادة (طوف).\n(^٣) يعني: فلا يختص معنى الطائفة بواحد بل يصح أنْ يطلق عليه وعلى الجمع.\n(^٤) لأنَّ المراد هنا الجماعة. فقول الشارح: \"بل يصدق على الجمع\"، يريد به الجماعة. وقال: فكان التأنيث أولى، ولم يقل: واجب؛ لأنّ لفظ: \"الجمع\" فيه اعتباران: اعتبار المذكر، وهو الجمع، واعتبار المؤنث، وهو الجماعة.\n(^٥) انظر ما سبق في: المحصول ١/ ق ٢/ ٣١٠، التحصيل ١/ ٣٠٦، الحاصل ١/ ٤٥٤، نهاية السول ١/ ١٨٥، السراج الوهاج ١/ ١٥٧، بيان المختصر ١/ ٣٤٢، تيسير التحرير ٢/ ٢١٣، فواتح الرحموت ١/ ٦٢، شرح الكوكب ١/ ٣٧٣.\n(^٦) سقطت من (ت)، و(ص).","vol":"2","page":282},{"text":"قوله: \"مطلقًا\" احتراز من الوجوب المقيَّد بشرط، كالزكاة وجوبُها متوقف على النصاب، ولا يجب تحصيله، والجمعة وجوبها متوقف على الجماعةِ والإقامةِ (في بلد) (^١)، ولا يجب تحصيلهما، وهذا متفق عليه (^٢).\nوقوله: \"وكان مقدورا\" احترازٌ (^٣) من قدرة العبد على الفعل وداعيته (^٤) المخلوقتَيْن (^٥) لله تعالى، لا تتم الواجبات المطلقة عليه كالصلاة (^٦) (^٧) وغيرها إلا بهما، ولا يجب\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) إجماعًا. انظر: البحر المحيط ١/ ٢٩٦، شرح الكوكب ١/ ٣٥٨، الإحكام للآمدي ١/ ١٥٧، تقسيمات الواجب وأحكامه ص ٢٥٢.\n(^٣) في (ك): \"احترازًا\".\n(^٤) أي: داعية العبد على الفعل: وهو العزم المصمَّم عليه. نهاية السول ١/ ٢٠٣.\n(^٥) في (ت): \"المخلوقَيَيْن\". وفي (ص): \"المخلوقَيْن\".\n(^٦) سقطت من (ص).\n(^٧) معنى قوله: \"الواجبات المطلقة عليه كالصلاة\": أن الصلاة لها شروط لا تصح إلا بها، وتحصيل هذه الشروط واجب على كل مكلف؛ ولذلك كانت الصلاة من الواجبات المطلقة؛ لأن شروطها ليست تقييدًا لوجوبها، بل تقييدًا لصحتها، فالصلاة واجبة على كل أحد مطلقًا، بخلاف الزكاة، فإن شرط وجوبها حصول النصاب، فمن لم يملكه لا تجب عليه الزكاة. فالواجب المطلق: هو ما لم يقيَّد إيجابُه بما يتوقف وجوده عليه. فالصلاة مثلًا واجبة، ولا يتوقف وجوبها على المكلف بوجود الوضوء، بل هي واجبة عليه توضأ أم لم يتوضأ. والواجب المقيَّد: ما كان وجوبه موقوفًا على حصول المقدِّمة المقدورة. كالحج لا يجب إلا مع الاستطاعة، ولا يجب تحصيل الاستطاعة، وكالزكاة لا تجب إلا مع النصاب، ولا يجب تحصيله. انظر: حاشية المطيعي على =","vol":"2","page":283},{"text":"تحصيلهما (^١)، ولا يتوقف الوجوب عليهما (^٢).\nوجملة ما يتوقف عليه الفعل إما أنْ يكون من فعل الله سبحانه أو فعل العبد، وكلُّ منهما إما أن يتوقف عليه الوجوب أوْ لا.\nفالذي من فعل الله، ويتوقف عليه الوجوب: كالعقل، وسلامة الأعضاء التي بها الفعل (^٣).\n_________\n= نهاية السول ١/ ١٩٧، حاشية الشريف الجرجاني على شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٤٥.\n(^١) أي: لا يجب تحصيل قدرة العبد وداعيته المخلوقتين، لأنهما غيرُ مقدورين. والمراد بالداعية هي الإرادة والعزم المُصَمَّم، والفرق بينها وبين القدرة أنَّ الإرادة لا تستلزم القدرة، والقدرة لا تستلزم الإرادة، لأن الإرادة تتعلق بالقلب، والقدرة تتعلق بالجوارح.\n(^٢) قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \"الشرط الثاني: أن يكون ما يتوقف عليه الواجب مقدورًا للمكلف، فإن لم يكن مقدورًا له لم يجب عليه تحصيله، كإرادة الله تعالى لوقوعه؛ لأنَّ فعل العبد لا يقع إلا بها، وكذلك أيضا الداعية على الفعل وهو العزم المصمَّم عليه. وبيانه أنَّ الفعل يتوقف وقوعه على سبب يسمى بالداعية، وإلا لكان وقوعه في وقت دون وقت ترجيحًا من غير مرجِّح، وتلك الداعية مخلوقة لله تعالى لا قدرة للعبد عليها، ولا يصح أنْ يقال احتُرز به عن غير ذلك من المعجوز عنه، كسلامة الأعضاء ونَصْبِ السُّلَّم ونحوهما، فإن العاجز عنه لا يكون مكلَفًا بالأصل بلا نزاع لفقدان شرطه، بخلاف الداعية ونحوها فإنَّ عدم القدرة عليها لا يمنع التكليف، وإلا لم يتحقق له تكليفٌ البتة، فكل شرطٌ للوجوب الناجز لا بد أنْ يكون مقدورًا للمكلف إلا ما قلنا. قال الأصفهاني: وضابط المقدور أن يكون ممكنًا للبشر\" نهاية السول ١/ ٢٠٢ - ٢٠٥، مع اختصار، وانظر: شرح تنقيح الفصول ص ١٦١، نفائس الأصول ٣/ ١٤٧٢.\n(^٣) فالعمل وسلامة الأعضاء هي القدرة التي يتوقف الوجوب عليها.","vol":"2","page":284},{"text":"والذي لا يتوقف عليه الوجوب: خلق (^١) قدرة العبد وداعيته (^٢).\nوالذي مِنْ فعل العبد، ويتوقف عليه الوجوب (^٣) كما سبق، والذي لا يتوقف عليه الوجوب: إما أن يكون مقدورًا أوْ لا، فغير المقدور لا يتحقق معه وجوب الفعل، إلا على القول بتكليف ما لا يطاق، وحينئذ (^٤) يصح وجوبُ غير المقدور مما يتوقف عليه الواجب، فلا يصح اشتراط كونه مقدورًا؛ فلذلك لم أرَ له (^٥) مثالًا يصح اجتماع الوجوب معه إلا القدرة والداعية (^٦). ورأيتُ جماعة خبطوا في ذلك.\nوقولنا: ما لا يتم الشيء إلا به، يشمل بالوضع ثلاثة أشياء: الجزء، والسبب، والشرط.\nلكن الجزء ليس مرادًا هنا؛ لأنَّ الأمر بالكل أمرٌ به تضمنًا، ولا تردد في ذلك.\n_________\n(^١) في (ص): \"كخلق\".\n(^٢) فالذي لا يتوقف عليه الوجوب هو خلق القدرة والداعية، وهذه القدرة المخلوقة لله تعالى والداعية لا يتوقف الوجوب عليهما، كمن يحتج بالقَدَر على ترك الأوامر وفعل النواهي، فاحتجاجه باطل.\n(^٣) كتحصيل نصاب الزكاة، وحضور الجماعة في الجمعة، فهو غير واجب على العبد اتفاقا.\n(^٤) أي: حين القول بتكليف ما لا يطاق.\n(^٥) لم ترد في (ت)، (ص).\n(^٦) يعني: لم ير الشارح مثالًا يصلح للتكليف بغير المقدور مما يتوقف عليه الواجب، سوى التكليف بالقدرة والداعية، وهما غير مقدورين للعبد؛ لأنهما مخلوقتان لله تعالى.","vol":"2","page":285},{"text":"وإنما المراد السبب والشرط، وأن الأمر بالشيء هل يستلزم الأمرَ بسببه أو شرطه أوْ لا (^١)؟ .\nولذلك يُعَبِّر بعضُهم عنه (^٢) بالمقدِّمة، والمقدِّمة خارجة عن الشيء مُتَقَدِّمة (^٣) عليه، بخلاف الجزء فإنه داخل فيه (^٤).\n_________\n(^١) قال في البحر المحيط ١/ ٢٩٦: \"ما يتوقف عليه الواجب إما أن يكون توقفه عليه في وجوبه، أو في إيقاعه بعد تحقق وجوبه، فأما ما يتوقف عليه إيجاب الواجب - فلا يجب بالإجماع؛ لأنَّ الأمر حينئذ مقيَّد لا مطلق، وسواء كان سببًا، أو شرطًا، أو انتفاء مانع. فالسبب: كالنصاب يتوقف عليه وجوب الزكاة، فلا يجب تحصيله على المكلف؛ لتجب عليه الزكاة. والشرط: كالإقامة هي شرط لوجوب أداء الصوم، فلا يجب تحصيلها إذا عَرَض مُقْتَضى السفر؛ ليجب عليه فعل الصوم. والمانع: كالدين فلا يجب نفيه؛ لتجب الزكاة. وأما ما يتوقف عليه إيقاعُ الواجب ودخولُه في الوجود بعد تحقق الوجوب، فإن كان جزءًا فلا خلاف في وجوبه؛ لأنَّ الأمر بالماهية المركبة أمرٌ بكل واحد من أجزائها ضمنًا.\nوإنما الخلاف إذا كان خارجًا كالشرط والسبب، كما إذا تقرر أنّ الطهارة شرط، ثم ورد الأمر بالصلاة، فهل يدل الأمر بها على اشتراط الطهارة؟ هذا موضوع النزاع\" مع تصرف يسير. قال الشيخ المطيعي رحمه الله تعالى: \"ومحل الخلاف إنما هو في مقدمة الواجب المطلق التي يتوقف عليها وجوده لا وجوبه\". حاشية المطيعي على نهاية السول ١/ ١٩٨. وقول الشيخ المطيعي: \"التي يتوقف عليها وجوده لا وجوبه\" - تفسيرٌ لا تقييد؛ إذ سبق بيان أنَّ الواجب المطلق: هو الذي لم يقيَّد إيجابه بما يتوقف وجوده عليه. فلو قال: ومحل الخلاف إنما هو في مقدمة الواجب المطلق - لكفى، ولكنه - ﵀ - أراد بذلك الإيضاح والبيان.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) في (ص)، (ك): \"مُقَدَّمة\".\n(^٤) سقط من (ت).","vol":"2","page":286},{"text":"والمختار وجوبُ السبب والشرط كما ذكره (^١) المصنف (^٢). والجزء إذا لم يكن مقدورًا سقط وجوبه (إذا لم نقل) (^٣) بتكليف ما لا يطاق، ومن ضرورة ذلك عدم وجوب الكل حينئذ، لكن يبقى (^٤) وجوب ما سواه من الأجزاء (^٥)؛ لقوله - ﷺ -: \"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\" (^٦)\n_________\n(^١) في (ص)، (ك): \"ذكر\".\n(^٢) هذا هو رأي أكثر العلماء، كما في جمع الجوامع مع شرح المحلي ١/ ١٩٣، وتيسير التحرير ٢/ ٢١٥، وشرح الكوكب ١/ ٣٥٩، وشرح العضد على ابن الحاجب ١/ ٢٤٥، البحر المحيط ١/ ٢٩٧، الإحكام للآمدي ١/ ١٥٨.\n(^٣) في (ت): \"إذا لم يُقَل\".\n(^٤) في (ص): \"بقي\".\n(^٥) لأنّ وجوب الكل من ضرورته وجوب جميع الأجزاء، فإذا سَقَط الوجوب عن جزء سَقَط وجوبُ الكل؛ لأنّه لا يكون كلًا إلا بجميع الأجزاء، وبقي وجوب باقي الأجزاء.\nوانظر: شرح الكوكب ١/ ٣٦١.\n(^٦) أخرجه البخاري ٦/ ٢٦٥٨، في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -، حديث رقم ٦٨٥٨. ومسلم ٢/ ٩٧٥، في كتاب الحج، باب فرض الحج مرةً في العمر، حديث رقم ١٣٣٧، وفي كتاب الفضائل، باب توقيره ﷺ، وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف ٤/ ١٨٣٠، حديث رقم ١٣٣٧. والنسائي ٥/ ١١٠، في كتاب مناسك الحج، باب وجوب الحج، رقم ٢٦١٩. وابن ماجه ١/ ٣، في المقدمة، باب اتباع سنة رسول الله - ﷺ -، رقم ٢.","vol":"2","page":287},{"text":"وهذا (^١) آخر ما كتبه الشيخ الإمام (^٢) العلامة المجتهد (^٣) شيخ الإسلام والمسلمين تقي الدين بقية المجتهدين أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام السبكي الشافعي - ﵀ - ورحم أموات المسلمين وتَمَّمَه (^٤) ولدُه قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب (فَسَح الله في مدته) (^٥)، ونفع به آمين (^٦).\n_________\n(^١) في (ك): \"هذا\".\n(^٢) في (ك): \"الإمام العالم\".\n(^٣) في (ك): \"المجتهد المطلق\".\n(^٤) في (ك): \"وتلاه\".\n(^٥) في (ك): \"كان الله له\".\n(^٦) إلى هنا انتهى كلام الشيخ تقي الدين حسب المخطوطة (ص) ل ١/ ٨٧، و(ك)، وفي المخطوطة (ت) ل ١/ ٣٥ زيادة صفحة ونصف على ما في المخطوطة (ص) بالنسبة لكلام الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى. وعلى هذا فما أذكره من كلامه هنا إلى آخره ساقط من (ص)، و(ك). ويغلب على الظن أن ناسخ (ت) التبس عليه كلام التاج بكلام والده فانفرد بهذه الزيادة.\nفي (ت): قال: (قيل: يُوجَب السبب دون الشرط، وقيل: لا فيهما.\nلنا: أنّ التكليف بالمشروط دون الشرط محال.\nقيل: يختص بوقت وجود الشرط. قلنا: خلاف الظاهر.\nقيل: إيجاب المقدِّمة كذلك. قلنا: لا، فإن اللفظ لم يدفعه).\nالقول بإيجاب السبب دون الشرط قول الواقفية، والقول بعدم إيجابهما قول بعض الأصوليين، ورُدَّ عليهما بما ذكره من الدليل. وقوله: \"التكليف بالمشروط حال عدم الشرط\". وهذا هو المراد، كما أنَّه ظاهر الكلام من غير إضمار، والأول مصادرة على المطلوب، ويحتاج إلى إضمار. وإذا عرفت المراد فنقول: التكليف بالمشروط إما أنْ يختص بحال عدم الشرط أو بحال وجود الشرط، أو لا يختص، =","vol":"2","page":288},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بل يعم الحالتين. ولسنا نعني أنّ متعلَّق التكليف المشروط المجرد عن الشرط، أو المقترن به أو الأعم منهما، وإنما نعني أنَّ في حال عدم الشرط هل يوجد التكليف أو لا تكليف إلا عند وجود الشرط، والتكليف يكون بالأعم من الحالتين. والأول تكليف بالمحال، فمن منع التكليف بالمحال منعه، ومَنْ جَوَّزه أجازه، ولكنه لم يقع في الشريعة، وأيضًا ليس مُفَرَّعًا عليه، فإن الأصحاب يقررون تكليف ما لا يطاق في موضعه، ثم يأتون في مسائل لا يُفَرِّعون على ذلك ويحيلون ما لَزِم عنه. وقول المصنف: التكليف بالمشروط دون الشرط محال - فيه نظر؛ لأنا نفرق بين التكليف بالمحال، والتكليف المحال، فالأول: هو تكليف العاقل الذي يفهم الخطاب بما لا يطيقه، وهو محل الخلاف في تكليف ما لا يطاق؛ لأنَّ المخاطَب به يَعْلم أنَّه مكلف بذلك. والثاني قيل: تكليف الميت والجماد ومن لا عقل له من الأحياء، فهذا تكليفٌ محالٌ اتفق كل أهل الحق على أنَّه لا يصح، نَقل هذا الاتفاق القاضي أبو بكر، فكان الأحسن للمصنف أنْ يقول: تكليفٌ بمحال، وعذره في ذلك أنَّه إذا فَرَّع على منع تكليف ما لا يطاق - فالتكليف به محال عند المانعين منه، فيصح كلامه. وأما الثاني وهو اختصاص التكليف بحال وجود الشرط، فسنذكره، انتهى.\nقال: قيل: يُوجَب السبب. . . الخ.\nلَمَّا ذَكَر المختارَ أردفه بالخلاف ودليله. والقول بإيجاب السبب دون الشرط قول الواقفية، والقول بعدم إيجابهما قول بعض الأصوليين، ولما اشتركا في عدم إيجاب الشرط ردّ عليهما بالدليل المذكور.\nوقوله: التكليف بالمشروط دون الشرط. هذه العبارة تحتمل ثلاثة معان: أحدها: التكليف بالمشروط دون التكليف بالشرط، وتقرر استحالته بأنه إذا لم يجب الشرط جاز تركه، فيقدَّر هذا الجائز واقعًا فيصير كالمعنى الثاني وسنقرر الاستحالة فيه، ولكن هذا المعنى ليس مراده؛ لأنَّه محل النزاع، فلو أراده لكان مصادرة على المطلوب، ويُحوج إلى إضمار؛ ولأن قوله بعد ذلك: قيل يَختص بوجود الشرط يُرشد إلى خلافه؛ ولأن الإمام صرح بالمقصود، فقال حال عدم المقدِّمة: المعنى الثاني: أنْ يكون التكليف حال عدم الشرط، وهذا هو المقصود، وهو على قسمين أيضًا: أحدهما: وهو الثاني من المعاني أنْ يكلف وقت عدم الشرط بإيقاع المشروط =","vol":"2","page":289},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حينئذ، ولا شك أنّ هذا تكليف بما لا يطاق، والاستحالة جاءت من تضاد متعلّق التكليف ووقته لا من خصوصه ولا من خصوص وقته. وقريب من هذه العبارة أنْ يقول: يختص التكليف وقت عدم الشرط، والثاني من القسمين، وهو الثالث من المعاني أنَّ تكليف وقت عدم الشرط بإيقاع المشروط مطلقا، ومقتضى ذلك ألا يختص التكليف بوقت، بل يوجد حال وجود الشرط وعدمه، والمكلف به في القسمين المشروط من حيث هو، لا بقيد الشرط، ولا بقيد عدمه، والقيد بقيد عدمه مستحيل في نفسه، وبقيد وجوده يلزم منه طلب المشروط كما هو المدعى، أعني إذا كان المطلوب المشروط مع الشرط ووقت طلبه غير مقيد.\nإذا عرفت هذا فمقصود المصنف المعنى الثاني القسم الأول منه، كما بينا ولا شك. وهذا آخر [ما] انتهى إليه الشيخ تقي الدين تغمده الله برحمته، وقد ابتدأ ولده قاضي القضاة تاج الدين في إكماله من أول هذه المسألة، وهو قول البيضاوي: \"الرابعة: وجوب الشيء\"، فكَمَّله وجاء على أحسن أسلوب، والله ﷾ أعلم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.","vol":"2","page":290},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n(وبه نستعين، رب يسر) (^١). قال (سيدنا ومولانا) (^٢) الشيخ الإمام العالم العلامة، (الأوحد البارع، الحافظ شيخ الإسلام، مفتي الأنام، قدوة الأئمة، حبر الأمة، ناصر السنّة، قامع البدعة، علامة العلماء، وارث الأنبياء، فريد دهره، ووحيد عصره) (^٣)، قاضي القضاة، تاج الدين عبد الوهاب (^٤) (ابن سيدنا ومولانا، قاضي القضاة، أوحد العلماء العاملين، آخر المجتهدين) (^٥)، تقي الدين (أبي الحسن السبكي) (^٦) الشافعي (متع الله بحياته المسلمين، وأيده وأمده بعونه، وأدام النفع به آمين) (^٧). ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ (^٨) (^٩).\n_________\n(^١) في (ت): \"اللهم يسر يا كريم\". ولم ترد في (ذلك): \"رب يسر\"، وفي (غ): \"اللهم صلّ على محمد وآله\".\n(^٢) لم ترد في (ت).\n(^٣) لم ترد في (ت).\n(^٤) \"عبد الوهاب\" لم ترد في (ت).\n(^٥) في (ت): ابن الشيخ الإمام شيخ الإسلام قاضي القضاة.\n(^٦) في (ت): \"علي بن عبد الكافي السبكي\".\n(^٧) في (ت): \"كان الله لهما كافيًا ومؤيدًا وحفيًا وحاميًا\".\n(^٨) سورة النمل، الآية: (١٩).\n(^٩) لم ترد الآية في (ص).","vol":"2","page":291},{"text":"(الحمد لله الذي) (^١) جعل لنا من هذا الدين القَيّم (^٢) شرعة ومنهاجًا، وأطلع لنا في (^٣) سماء العلم (^٤) الشريف من الكتاب والسنّة سراجًا وهاجًا، وقَدَّرَ للفقيه أن يكون على الإجماع محتالًا، وإلى القياس محتاجًا، نحمده على نِعَمِهِ التي خَصَّتنا (^٥) بعمومها، ورجَّحتنا على مَنْ سوانا بأدلة مَفْهومِها، واستوعَبتَ لَنا ما وُجدَ منها عند سَبْرها وتقسيمها.\nونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة ظاهرةً غيرَ مُؤَوَّلة، دائمةً نستصحب منها أحكامًا غير مُبدَّلة، ناميةَ الثواب (^٦) يوم المعاد، فلا يُحتاج إلى بيان أحكامها المجملة.\nونشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله الذي نُسخَ شرعُ مَنْ قَبْله بشرعه المؤيَّد، وأمَر ونهَى فأوجب وندب وحَرَّمَ وأباح وأطلق وقَيَّد، واجتهد في إبلاغ ما أُمر به فذبَّ (^٧) العقل عن فعل (^٨) ما قَرَّره وشَيَّد (^٩)،\n_________\n(^١) في (ص): \"الحمد لله رب العالمين، الحمد الذي\".\n(^٢) أي: المستقيم الذي لا زيغ فيه ولا مَيْل عن الحق، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾، أي: مستقيمة تُبَيْن الحقَّ من الباطل على استواء وبرهان. انظر: لسان العرب ١٢/ ٥٠٢، مادة (قَوَم).\n(^٣) في (ت): \"من\".\n(^٤) في (ت): \"المعالم\".\n(^٥) في (ت): \"خصصتنا\".\n(^٦) في (ت): \"للثواب\".\n(^٧) أي: دفع ومنع. القاموس المحيط ١/ ٦٧.\n(^٨) في (ك)، (غ): \"نقل\".\n(^٩) أي: لم يجعل الأفعال حسنة أو قبيحة بالعقل كما قالت المعتزلة، بل بالشرع كما =","vol":"2","page":292},{"text":"صلى الله عليه (^١) وعلى آله وأصحابه الذين فهموا خطابَ وضْعِه، وقاموا بشرائط دينه، وعَلِموا أدلة شَرْعِه واتبعوه. فما منهم إلا مَنْ قال بمُوجِب أصله وفَرْعِه، صلاةً تَصِل أخبارُها إليهم بكرة وعشيا، وتَفِد أجناسها المتنوعة بفصولها المتمَيَّزة عليهم فتسلك صراطًا سويا، وتَخْلصُ (^٢) فتُخَلِّص قائِلَها من الأهوال يوم يموت ويوم يُبعث حيًا، دائمةً ما افتقر فَرْعٌ إلى الرجوع إلى أصله، واحتاج المجادِل إلى تجويد نَصِّه، كما يحتاج المجالد إلى تجريد نَصْلِه، باقيةً لا ينعكسَ طَرْدُها ولا يشتبه محكمُها بتُرَّهات الملحد وزُخْرُفِ قولِه (^٣).\nورضي الله عن التابعين لهم بإحسان، المقتفين آثارهم الحسان، وخَصَّ بمزيد الرضوان العلماءَ الحامين حِمَى الشريعة أن\n_________\n= قال أهل السنة والجماعة.\n(^١) في (ص): \"عليه وسلم\". ولعلها زيادة من الناسخ؛ لأنه قال بعد قال بعد ذلك: صلاة تصل أخبارها. . . إلخ، ولم يقل صلاة وسلامًا.\n(^٢) من باب قعد. المصباح ١/ ١٩٠، مادة (خلص).\n(^٣) قد راعى تاج الدين رحمه الله تعالى في مقدمته براعة الاستهلال: وهي أنْ يأتي الناظم أو الناثر في ابتداء كلامه بما يدل على مقصوده منه بالإشارة لا بالتصريح. انظر: جواهر البلاغة ص ٤٢٠.\nفقد أتى الشارح في مقدمته بكثير من الألفاظ والمصطلحات الأصولية، وفي ذكرها إشارة إلى مقصوده من كلامه، وهو أنه سيشرع في مباحث أصول الفقه. مثل: الإجماع، القياس، خصتنا بعمومها، رجَّحتنا على مَنْ سوانا بأدلة مفهومها، سَبْرها وتقسيمها، ظاهرة غير مؤولة، نستحصب، أحكامها المجملة، نُسخَ شرع مَنْ قبله بشرعه. . . إلخ.","vol":"2","page":293},{"text":"يُضام (^١) أو يضاع، الوارثين بالدرجة الرفيعة هَدْي النبوة الذي لا يُرام (^٢) ولا يُراع (^٣)، الوافدين على حِياطته (^٤) بالهمة الشريفة حتى لا يَنْفَكَّ (^٥) أو يُشَادَّ (^٦) ويُشَاع (^٧) (^٨)، لا سيما الإمام المطَّلِبِيُّ مُسْتخرج علم أصول الفقه محمد بن إدريس الشافعي الذي ساد المجتهدين بما أصَّل وأنشا، وسار نبأ مَجْده والبرق وراءه يَتَحرَّق عَجَلةً وهو أمامَه على مَهْلِ يتمشَّى، وساق إلى سواء السبيل بعلومه التي غَشَّاها مِنْ تقوى الله ما غَشَّى، وقَدَّس أرواح أصحابه الذين زَيَّنوا سماءَ العلوم من أنفسهم بزينة الكواكب،\n_________\n(^١) أي: يُنْقص منه، مِنْ ضامه حقَّه ضَيْمًا نَقَصَه إياه. لسان العرب ١٢/ ٣٥٩، مادة (ضيم).\n(^٢) أي: لا يقدر العدو أن يطلب فيه نقصًا أو عيبًا، مِنْ رام الشيء يرومه رومًا ومرامًا: طَلَبه. لسان العرب ١٢/ ٢٥٨، مادة (روم).\n(^٣) أي: لا يُفزع؛ لأنه لا يُغلب. لسان العرب ٨/ ١٣٦، مادة (روع).\n(^٤) أي: حِفْظه، وتكون \"على\" تعليليَّة، مِنْ قولهم: حاطَه يَحُوطه حوْطًا وحِيطَةً وحِياطَةً: حَفِظه وتعهده. لسان العرب ٧/ ٢٧٩، مادة (حوط).\n(^٥) في (غ): \"يفك\".\n(^٦) أي: يُتَشدد فيه ويُتنَطَّع. انظر: لسان العرب ٣/ ٢٣٣، مادة (شدد).\n(^٧) أي: يَتَفَرَّق. وفي لسان اللسان ٨/ ١٩٢، مادة (شَيَعَ): \"وفي التهذيب في ترجمة شيع: شاع الشيءُ يشيع وشَعَّ يشِعُّ شَعًّا وشَعَاعًا كلاهما إذا تفرق\"، وفيه أيضًا: \"وشاعت القطرة من اللبن في الماء وتشيَّعت: تفرقت\". وفي المصباح ١/ ٣٥٣: \"وشاع اللبن في الماء: إذا تفرق وامتزج به\".\n(^٨) قوله: حتى ينفك. . . إلخ - معناه: حتى لا يتفكك وينهار، إشارة إلى التفلت والتساهل في أحكامه، أو لا يُتشدد فيه ويُتعمق ويُتكلف فيتفرق أهله وأتباعه.","vol":"2","page":294},{"text":"وهاموا باتِّباع مَذْهبه المذَهَّب، وللناس فيما يَعْشقون مذاهب، وذادوا عن بيان ما أجمله وإيضاح ما أشكله والعلومُ عطايا من الله ومواهب، رضًا يتكفل بنجاة كلٍّ منهم ونجاحه، ويمر برَوْض الإيمان فيتعطر بأنفاسه رِيًّا ورياحِهِ، ويَفْخَر عِطْف الجوزاء (^١) إذا كان دُرّةً في وِشَاحِهِ (^٢).\nأما بعد: فإنَّ العلوم وإن كانت تتعالى شَرَفًا، وتَطَّلِعُ في أفق الفخار من كواكبها شُرَفًا (^٣)، فلا مِرْية في أن الفقه نتيجة مقدِّماتها، وغاية نهاياتها، وواسِطَةُ عِقْدها، ورابطةُ حَلِّها وعَقْدِها. به يُعرف (الحرام من الحلال) (^٤)، وتستبين مصابيح الهدى مِنْ ظلام الضلال، وهيهات أن يَتَوصَّل طالبٌ وإِنْ جَدَّ المسير إليه، أو يتحصَّلَ بعد الإعياء والنَّصَب\n_________\n(^١) أي: مَنْكِبُها. وفي اللسان ٩/ ٢٥٠: \"قال الأزهري: مَنْكِب الرجل عِطْفه، وإبطه عِطْفه. والعُطُوف: الآباط، وعِطْفا الرجل والدَّابة: جانباه عن يمين وشمال، وشِقَّاه من لدن رأسه إلى وَرِكِه، والجمع أعطاف وعِطَاف وعُطُوف. وعِطْفا كلِّ شيءٍ: جانباه\".\n(^٢) الوِشَاح: شيء يُنسج من أديم عريضًا ويُرصَّع بالجواهر، وتشده المرأة بين عاتقَيْها. يقال: وِشَاحٌ وإشاحٌ ووُشَاحٌ، والجمع الوُشُحُ والأوشِحةُ، ووشَّحتها تَوْشيحًا فتوشَّحَتْ هي، أي: لَبِستَه. وربما قالوا: توشَّح الرجل بثوبه وبسيفه. الصحاح ١/ ٤٥١، مادة (وشح). وفي المصباح ٢/ ٣٣٧: \"وتوشح بثوبه: وهو أن يُدخله تحت إبطه الأيمن، ويلقيه على منكبه الأيسر، كما يفعله المحرم، قاله الأزهري\"، وانظر: لسان العرب ٢/ ٦٣٢.\n(^٣) جمع شُرْفة، على وزن غُرْفة وغُرَف: وهي ما يوضع على أعالي القصور والمدن. انظر لسان العرب ٩/ ١٧١، المصباح المنير ١/ ٣٣٢، مادة (شرف).\n(^٤) في (ك): \"الحلال من الحرام\".","vol":"2","page":295},{"text":"عليه، إلا بعد العِلم بأصول الفقه، والمعرفة والنهاية فيه، فإنّه صِفَتُه وكيف يفارق الموصوف الصِّفَة! .\nوقد نظرنا فَلم نر مختصرًا أعذب لفظًا، وأسهل حفظًا، وأجدر بالاعتناء وأجمع لمجامع (^١) الثناء - من كتاب \"منهاج الوصول إلى علم (^٢) الأصول\" للشيخ الإمام العالم (^٣) العلامة قاضي القضاة ناصر الدين البيضاوي، بَيَّض الله وجهه يوم تبيضُّ وجوه وتسودُّ وجوه وروَّض تربتَه بغَمَام الغُفْران (^٤) حتى يأتي يوم القيامة وما ثُلِم جانبُه ولا فُضّ فوه، فإنه موضوع على أحسن مِنْهاج، محمول على الأعين وليس له منها مِنْ هَاج، بعبارة أعذبَ من ماء السحاب، وألعبَ مِنَ ابنة الكَرْم (^٥) بعقول أولي الألباب، آل فضلُ البلاغة إليه، وآلى (^٦) فَصْلُ الخطاب (^٧) (أن لا يَتَمَثَّلَ) (^٨) إلا بين يديه.\n_________\n(^١) في (ك): \"بمجامع\".\n(^٢) سقطت من (ص)، و(ت).\n(^٣) لم ترد في (ت).\n(^٤) قوله: \"روَّض تربته\" أي: جعل قبره روضة من رياض الجنة. وقوله: \"بغمام الغفران\"، الباء للمصاحبة، أي: جعل قبره روضة بغمام الغفران، أي سحاب الغفران. انظر: المصباح ٢/ ١٠٨، فليس المراد بالروضة الأشجار والأزهار، وإنما أن تكون روضة بسحاب الغفران.\n(^٥) الكَرْم: هو العنب، وابنته هي الخمر؛ لأنها تتولد منه. انظر المصباح ٢/ ١٩٢\n(^٦) أي: حَلَف. المصباح ١/ ٢٥، مادة (آلى).\n(^٧) أي: الخطاب الذي يَفْصل بين الحق والباطل، ويُمَيِّز بين الحكم وضده. انظر: لسان العرب ١/ ٣٦١، مادة (خطب).\n(^٨) في (ك)، و(غ): \"لا يتمثل\".","vol":"2","page":296},{"text":"وقد رأيت شُرَّاحه على كثرتهم مالوا إلى الإيجاز، وقالوا وكأنما ضاق بهم الفضاء الواسع فَعُدَّ مقالُهم في الإلغاز (^١)، قَنَع كلٌّ منهم (بحاجة في نفسه) (^٢) مِن اسم (^٣) التصنيف قضاها، و(جمع نفسه على ما شتت به شمل الكتاب من تقارير إذا أنصف من نفسه لا يرضاها) (^٤)، فشروحهم تحتاج إلى مَنْ يشرحها، وكلماتهم تريد بسطة في العلم والجسم تُوضِّحها.\nوقد كان والدي أطال الله عمره (^٥) شرع في وضع شرح عليه أبهى وأبهج من الوشي المرقوم (^٦)، وأسرى (^٧) وأسرع إلى الهداية مِنْ\n_________\n(^١) سقطت من (ك).\n(^٢) في (ت): \"بحاجة نفسه\".\n(^٣) في (ت): \"رسم\".\n(^٤) في (ت): \"وجمع نفسه لا برضاها\". وهذا سقط.\n(^٥) في (ص): \"وقد كان الشيخ الإمام والدي ﵀\". وهذا الذي وقع في (ص) في هذا الموطن وغيره من تصرف النساخ، والذي وَرَد في (ت) - في مواطن كثيرة حينما يذْكر والده - كلُّه يشير إلى أنَّ والده كان حيًا حينما شرع في تكميل شرح والده، بل قد صرَّح في \"طبقاته الكبرى\" بذلك ٢/ ١٦٨. وقد نصَّ التاج في آخر شرحه بأنه انتهى منه في ٧٥٢ هـ، ووالده رحمه الله تعالى توفي عام ٧٥٦ هـ.\n(^٦) الوَشْي: نوع من الثياب المُوَشَّية (أي: المطَرَّزة بالألوان)، تسمية بالمصدر، ووَشَيْتُ الثوبَ وَشْيًا، من باب وَعَد: رَقَمْتُه ونَقَشْتُه. والوَشْيُ في اللون: خَلْطُ لونٍ بلون، وكذلك في الكلام. انظر: المصباح ٢/ ٣٣٧، اللسان ١٥/ ٣٩٢، مادة (وشي). وفي الصحاح ٦/ ٢٥٢٤: \"يقال: وشيْتُ الثوب أشِيه وَشْيًا وشِيةً، ووَشَّيْتُه تَوشِيةً شُدِّد للكثرة، فهو مَوْشِيٌّ ومُوَشَّى والوَشْيُ من الثياب معروف، والجمع وِشاءٌ\". والمرقوم: المخطَّط، مِنْ رَقَم الثوب يَرْقُمُه رقْمًا ورقَّمَهُ: خَطَّطه. لسان العرب ١٢/ ٢٤٩.\n(^٧) في المصباح ١/ ٢٩٤، مادة (سرى): \"سَرَيْتُ الليل، وسَرَيْت به، سَرْيا، والاسم =","vol":"2","page":297},{"text":"طوالع النجوم، عديل (^١) شُهُبٍ لائحة، ورَسِيل سُحُبٍ سابحة (^٢) (^٣)، وسماء عِلمٍ يَهْتدي بكوكبه، وعلاءُ قَدْر أخَذ بِلِمَّة (^٤) الفخر (^٥) ولم يزاحمه بمنكبه، لا تنقشع عارضته (^٦)، ولا يُتوقّع مُعارضتُه، خضعت رقاب\n_________\n= السِّراية: إذا قَطَعْتُه بالسَير. أسريت بالألف: لغة حجازية. . . قال أبو زيد: ويكون السَّرَى أول الليل وأوسطه وآخره، وقد استعملت العرب سَرَى في المعاني، تشبيهًا لها بالأجسام، مجازًا واتساعًا، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾ والمعنى: إذا يمضي، وقال البغوى: إذا سار وذهب\". وانظر: لسان العرب ١٤/ ٣٨١. فقول الشارح: وأسرى، أي: وأمضى.\n(^١) العديل: المثيل والمساوي. وفي اللسان ١١/ ٤٣٢: \"وعَدَل الشيءَ يَعْدِله عَدْلًا وعَادَلَه: وَازَنه. وعادَلْت بين الشيئين، وعَدَلت فلانًا بفلان إذا سَوَّيت بينهما. وتعديل الشيء تقويمه. . . والعَدْل والعِدْل والعَدِيل سواء، أي: النظير والمثيل. . . والعديل: الذي يعادلك في الوزن والقدر\".\n(^٢) في (ك)، و(غ): \"سائحة\".\n(^٣) في اللسان ١١/ ٢٨٤، مادة (رسل): \"والرسيل: الموافق لك في النضال ونحوه\"، فالمعنى في كلام المؤلف: أنه يوَافِق عطاءَ السحب في كثرته ووفرته وغزارته، فالسحب بعطاء الماء الذي به حياة الأبدان، وهذا الشرح الذي شَرحه والده بعطاء العلم الذي به حياة القلوب والأرواح والوجدان.\n(^٤) في المصباح المنير ٢/ ٢٢٢، مادة (لمم): \"اللِّمة، بالكسر: الشعر يَلِمُّ بالمنكب، أي: يَقْرُب، والجمع لمام ولِمَمَ، مثل: قِطَّة وقطِاط وقِطَط\". وفي الصحاح ٥/ ٢٠٣٢: \"واللِّمة بالكسر: الشعر يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهي جُمَّةٌ\". وانظر: لسان العرب ١٢/ ٥٥١.\n(^٥) في (غ)، و(ك): \"الفجر\".\n(^٦) في اللسان ٧/ ١٨١، مادة (عرض): \"والعارضة: قوة الكلام وتنقيحه والرأي الجيّد\"، والمعنى: أنّ قوة كلامه وبيانه، وبديع فوائده وفوائده، ونفيس درره =","vol":"2","page":298},{"text":"المعاني لكلامه، وخشعت الأصوات وقَد رأته جاوز الجوزاء وما رَضِيها دارَ مُقامه، لكنه أحسن الله إليه ما غاص في بحره إلى القرار، ولا أوصل هلاله إلى ليلة البدار، بل أضرب عنه صفحًا بعد لأيٍ (^١) قريب، وتركه طَرْحًا وهو الدُّرُّ اليتيم بين إخوانه كالغريب.\nوقد حدثتني النفس بالتذييل على هذه القطعة وأحاديث النفس كثيرة، وأمرتني الأمَّارة بالتكميل عليها (^٢) ولكني استصغرتها عن هذه الكبيرة، وقلت للقلم: أين تذهب، وللفكر: أين تحول (^٣) أطنب (^٤) لسانك أم أسهب، ووقفت وقفة العاجز والنفس تأبى إلا المبادرة بما به أشارت، وجَرَت على شأوها (^٥) منادية: ائت مما أمرتُك بما استطعت. وتوارى اللسانُ وما توارَتْ، فلما تعارض المانع والمقتضي، وعَلمتُ أن الحال إذ حاولت مجهودها قام لها العُذر الواضح، فيما استقبلتْه، ومُضِيٌّ أىُّ مضيٍّ (^٦)، أعملت الفكرة في الدُّجنة والوجه والليل كلاهما كالح،\n_________\n= وجواهره لا ينقشع ولا ينتهي بل لا يزال يتتابع تترى، ويُطرب القاري طُرَّى.\n(^١) اللأيُ: يقال: لأى يَلأَى لأيًا والْتأى يَلْتَئِي إذا أبطأ. لسان العرب ١٥/ ٢٣٧، الصحاح ٦/ ٢٤٧٨، مادة (لأي).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ص)، و(ت): \"أن تجول\". وزيادة \"أن\" غير صحيحة.\n(^٤) أي: بالغ واجتهد. وفي اللسان ١/ ٥٦٢، مادة (طنب): \"وأطنب في الكلام: بالغ فيه، والإطناب: المبالغة في مدحٍ أو ذمٍ والإكثارُ فيه. والمُطْنِب: المَّدَّاح لكل أحد. . . وأطنب في عَدْوِه إذا مضى فيه باجتهاد ومبالغة\".\n(^٥) في (ص): و(ت): \"تيارها\".\n(^٦) أي: مضت وأكملتْ على أية حال رغم الموانع.","vol":"2","page":299},{"text":"وشرعتُ فيه وقلتُ: لعل الغرض يتم ببركته وبقصده (^١) الصالح، وجرّدت همةً ما ردَّ ذائلُها (^٢) إلا وقد سئم من النشاط، ولا أُغْمد مُهَنّدها إلا وقد ترك ألف طريح على البساط، ولا عاد نَصْلُها (^٣) إلا وقد قضى المأمول، ولا فَترتْ عزائمها إلا وقد حصلتْ على نهاية السُّول، وأعْملنا هذه الهمة في مُدْلَهمَّ الدَّيْجور (^٤)، وصرَّفنا قلمها بشهادة النجوم وفلكُها يدور، فلم تَنْشب ليالي أسبلتْ جلبابها، وأرخت نقابَها معدودةً ساعاتُها، ممدودة بالألطاف الخفية أوقاتُها، إلى أن انهزمت تلك الليالي، ودارت الدائرة عليها، وجاء من النسيم العليل بشيرُ الصبح متقدمًّا بين يديها، فوافى الصباح بكل معنى مُبْتكر، وجَلا عرائسَ بدائِعِه فشنَّف السمْعَ (^٥) وشرّف البصر، وجاء كتابًا ساطعًا نورُ شمسه وشمسُ\n_________\n(^١) في (ت)، و(ك): \"ومقصده\".\n(^٢) ذائلها: ذَنَبَها الطويل. وفي الصحاح ٤/ ١٧٠٢، مادة (ذيل): \"وفَرَس ذائلٌ، أي: طويل الذَّنَب، والأنثى ذائلة. وكذلك فَرَسٌ ذَيَّال: طويل الذَّنَب. فإن كان قصيرًا وذَنَبه طويلًا قالوا: ذيَّال الذَّنب، فيذكرون الذّنب\". وفي اللسان ١١/ ٢٦٠: \"وقال ابن قتيبة: ذائلٌ: طويل الذَّيل، وذيَّال: طويل الذيل\".\n(^٣) النصل: السهم العريض الطويل. لسان العرب ١١/ ٦٦٢، مادة (نصل).\n(^٤) الدَّيْجور: الظلمة، والجمع دياجير. انظر: لسان العرب ٤/ ٧٨، مادة (دجر).\n(^٥) أي: زينه وجمَّله. وفي اللسان ٩/ ١٨٣، مادة (شنف): \"الشَّنْف: الذي يُلبس في أعلى الأذن، بفتح الشين، ولا تقل: شُنْفٌ، والذي في أسفلها القُرط، وقيل: الشَّنْفُ والقُرْطُ سواء. . . والجمع أشْناف وشُنُوف. . . وشنَّفْتُ المرأةَ تَشنيفًا فتشنَّفَتْ: هي مثل قرَّطْتُها فتقرَّطَتْ هي\".","vol":"2","page":300},{"text":"السماء في غروب، طالعًا في أفق الفخار على أحسن أسلوب، حائزًا لما يُراد منه في كل طريقة، جائزًا حَقًّا (^١) على مقالات (^٢) المتقدمين والمتأخرين، وحسبك بمنْ مجازُه حقيقة، فأسأل الله تعالى أن يعم النفعَ به، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، موجبًا للفوز لديه، وقد وصل (والدي الشيخ الإمام) (^٣) جزاه الله الخير (^٤) إلى مسألة مقدّمة الواجب، ونحن نتلوه والله الموفق و(^٥) المعين بخفيّ ألطافه، والمحقق لرجاء العبد (^٦) بإسعاده وإسعافه.\nقال المصنف ﵀: (الرابعة: وجوبُ الشيء مطلقًا يوجب وجوبَ ما لا يتِمّ إلا به وكان مقدورًا).\nقال والدي (أطال الله بقاه) (^٧): قوله: \"مطلقًا\" احتراز (^٨) من الوجوب المقيَّد بشرط كالزكاة (^٩) وجوبُها متوقّف على النصاب ولا\n_________\n(^١) سقطت من (ك).\n(^٢) في (ك): \"مثالات\".\n(^٣) في (غ): \"والدي\". وفي (ك): \"الشيخ الإمام\".\n(^٤) في (غ): \"خيرًا\".\n(^٥) سقطت الواو من (ص)، و(ت).\n(^٦) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"المرء\".\n(^٧) في (ص): \"تغمده الله برحمته\". وهذا من تصرف النساخ كما سبق بيانه.\n(^٨) في (ك): \"احترازًا\".\n(^٩) في (ص): \"كشرط الزكاة\". وهو خطأ، وفي (ت): \"بشرط كالزكاة، إلى آخره\". يعني: إلى آخر كلام والد المؤلف، فلم يذكر في هذه النسخة كلام =","vol":"2","page":301},{"text":"يجب تحصيلُه، والجمعة وجوبها متوقّف على الجماعة والإقامة في بلد، ولا يجب تحصيلهما، وهذا متفق عليه.\nوقوله: \"وكان مقدورًا\" احتراز من قدرة العبد على الفعل وداعيته المخلوقَتَين لله تعالى، لا تتم الواجبات المطلقةُ عليه كالصلاة وغيرها إلا بهما، ولا يجب تحصيلهما، ولا يتوقف الوجوب عليهما.\nوجملة ما يتوقف عليه الفعل إما أن يكون من فعل الله تعالى، أو فعل العبد، وكلٌّ منهما إما أن يتوقف عليه الوجوب أوْ لا، فالذي من فعل الله تعالى ويتوقف عليه الوجوب: كالعقل وسلامة الأعضاء التي بها الفعل، والذي لا يتوقف عليه الوجوب: خَلْق قدرة العبد وداعيته.\nوالذي منْ فعل العبد ويتوقف عليه الوجوب كما سبق، والذي لا يتوقف عليه الوجوب إما أن يكون مقدورًا أوْ لا، فغير المقدور لا يتحقق معه وجوب الفعل إلا على القول بتكليف ما لا يطاق، وحينئذ يصح وجوب غير المقدور مما يتوقف عليه الواجب، فلا يصح اشتراطُ كونه مقدورًا، فلذلك لم أرَ له مثالًا يصح اجتماع الوجوب معه إلا القدرةَ والداعية، ورأيتُ جماعة خبطوا في ذلك.\nوقولنا: ما لا يتم الواجب إلا به - يشمل بالوضع ثلاثة أشياء: الجزء، والسبب، والشرط. لكن الجزء ليس مرادًا هنا؛ لأن الأمر بالكل أمرٌ به تضمنًا ولا تردد في ذلك، وإنما المراد السببُ والشرط، وأن الأمر بالشيء\n_________\n= الوالد، وكأن هذا - والله أعلم - اختصار من الناسخ، وإلا فهو مذكور في (ص)، و(غ)، و(ك).","vol":"2","page":302},{"text":"هل يستلزم الأمرَ بسببه أو شرطه أوْ لا؟ ولذلك عبَّر بعضهم عنه بالمقدّمة، والمقدّمة خارجة عن الشيء متقدّمة عليه، بخلاف الجزء فإنه داخل فيه.\nوالمختار وجوب السبب والشرط كما ذكره المصنف، والجزء إذا لم يكن مقدورًا سَقَط وجوبه إذا لم نقل بتكليف ما لا يطاق، ومن ضرورة ذلك عدمُ وجوب الكل حينئذ، لكن يبقى وجوبُ ما سواه من الأجزاء؛ لقوله - ﷺ -: \"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\".\nقلت: هذا ما وقف عنده والدي (^١) أطال الله عمره، ومِنْ هنا أبتدئ وبالله التوفيق.\nفأقول: لا مزيد على حُسْن ما ذَكَره، وأما قوله (^٢): إذًا لم يجب الكل لعدم القدرة على الجزء يبقى (^٣) وجوب ما سواه من الأجزاء - فصحيح (^٤)، ومستنده الحديث الذي أورده وهو القاعدة التي يذكرها الفقهاء: الميسور لا يسقط بالمعسور، وسنلتفت إن شاء الله في ذيل المسألة إليها. (^٥) (^٦)\n_________\n(^١) في (غ)، و(ك): \"الشيخ الإمام\". وفي (ص): \"والدي الشيخ الإمام\".\n(^٢) أي: قول والده.\n(^٣) قوله: \"يبقى\"، جواب الشرط \"إذا\".\n(^٤) قوله: \"فصحيح\"، خبر قوله: \"قوله\".\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) انظر: ص ٣٢٦.","vol":"2","page":303},{"text":"قال: (وقيل: يُوجب السببَ دون الشرط. وقيل: لا فيهما).\nعرفتَ المذهب المختار، وقال قوم: يُوجب السبب، ولا يُوجب الشرط، سواء كان شرطًا شرعيًا: كالوضوء للصلاة، أو عقليًا: كترك ضد الواجب، أو عاديًا: كغسل جزء من الرأس لغَسْل الوجه.\nوقيل: لا يوجبه مطلقًا. هذه المذاهب التي حكاها المصنف.\nوفي المسألة مذهب رابع ارتضاه إمام الحرمين، واختاره ابن الحاجب أنَّ وجوب الشيء مطلقًا يوجب الشرط الشرعي دون العقلي والعادي (^١) (^٢).\nقال: (لنا التكليف بالمشروط دون الشرط محال. قيل: يختص بوقت وجود الشرط. قلنا: خلاف الظاهر. قيل إيجاب المقدمة أيضًا كذلك. قلنا: لا، فإن اللفظ لم يدفعه).\nلما اشترك المذهبان اللذان حكاهما آنفًا في عدم إيجاب الشرط - ردّ عليهما بالدليل المذكور (^٣).\n_________\n(^١) في (ص): \"أو العادي\".\n(^٢) انظر: جمع الجوامع مع شرح المحلي ١/ ١٩٣، تيسير التحرير ٢/ ٢١٥، بيان المختصر ١/ ٣٦٩، البرهان ١/ ٢٥٧، نهاية السول ١/ ١٩٧، السراج الوهاج ١/ ١٦٣، شرح الكوكب ١/ ٣٥٩.\n(^٣) قال الإسنوي عن دليل المصنف هذا: \"هذا دليل لما اختاره المصنف من وجوب السبب والشرط، وإنما استدل على الشرط؛ لأنه يلزم من وجوبه وجوب السبب بطريق الأولى\". نهاية السول ١/ ٢٠٥.","vol":"2","page":304},{"text":"وقوله: \"التكليف (^١) بالمشروط دون الشرط\" هذه العبارة تحتمل ثلاثة معان (^٢):\nأحدها: التكليف بالمشروط دون التكليف بالشرط، ونُقَرَّر استحالة: بأنه إذا لم يجب الشرطُ جاز تركه، فنقدِّر هذا الجائز واقعًا، فيصير كالمعنى الثاني، وسنقرر إن شاء الله استحالته (^٣).\nولكن هذا المعنى ليس مراده؛ لأنه محل النزاع، فلو أراده لكان مصادرًا على المطلوب، ولأنه يُحْوج إلى إضمار؛ ولأن قوله بعد ذلك: \"قيل: (يختص بوقت وجود) (^٤) الشرط\" يُرشد إلى خلافه؛ ولأن الإمام صَرّح بالمقصود فقال: حال عدم المقدِّمة (^٥).\nالمعنى الثاني: أن يكون التكليف حال عدم الشرط - وهذا هو المقصود - وهو على قسمين أيضًا:\nأحدهما وهو الثاني من المعاني: يُكَلَّف وقتَ عدم الشرط بإيقاع\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) في (ت): ل ١/ ٣٧: \"ثلاثة معان، إلى آخره مذكور في كلام والده معادًا هنا، فحذفتُه لكونه مذكورًا إلى قوله: قلت\". وقد نصَّ على بقية الكلام في (ص) ل ١/ ٩٦ - ٩٨.\n(^٣) في (ك)، و(غ): \"الاستحالة فيه\".\n(^٤) في (ت)، و(ك)، و(ص): \"يختص بوجود\".\n(^٥) عبارته في المحصول ١/ ق ٢/ ٣١٨: \"وإنما قلنا: إنَّ إيجاب الفعل على كل حالّ يقتضي إيجاب مقدِّمته؛ لأنه لو لم يقتض ذلك لكان مكلّفًا حال عدم المقدمة، وذلك تكليف ما لا يطاق\".","vol":"2","page":305},{"text":"المشروط حينئذ (^١). ولا شك أن هذا تكليف بما لا يطاق، والاستحالة جاءت من تضاد متعلِّق التكليف ووقته، لا مِنْ خصوصه ولا مِنْ خصوص وقته (^٢). وقريب من هذه العبارة (^٣): أن يختص التكليف بوقت عدم الشرط.\nوالثاني من القسمين وهو الثالث من المعاني: أن يُكَلَّف وقت عدم الشرط بإيقاع المشروط مطلقًا (^٤). ومقتضى ذلك أن لا يختص التكليف بوقت، بل يوجد حال وجود الشرط وعدمه، والمكلَّف به في القسمين: المشروط من حيث هو لا بقيد الشرط ولا بقيد عدمه. والتقييد بقيد عدمه مستحيل في نفسه، وبقيد وجوده يلزم منه طلب الشرط كما هو المدعى (^٥)، أعني: إذا كان المطلوبُ المشروطَ ووقتُ طلبه غيرُ مُقيَّد (^٦).\n_________\n(^١) كأن يكلَّف بالصلاة في حالة عدم الطهارة.\n(^٢) أي: الاستحالة جاءت من تضاد متعلَّق التكليف: وهو فعل الصلاة، ووقت التكليف: وهو حال عدم الطهارة، فالتضاد ناشئ من الأمر بالصلاة وقت عدم الطهارة، لا أن الأمر بالصلاة متناقض مع وقت الصلاة من حيث هو وقت، بل كون الأمر بالصلاة مقارنًا لوقت عدم الطهارة.\n(^٣) وهي قوله: يكلف وقت عدم الشرط بإيقاع المشروط حينئذ.\n(^٤) فالمكلف به - على هذا المعنى - إيقاع الصلاة مطلقًا، أي: سواء كانت صحيحة أو فاسدة، أما على المعنى الذي قبله فالمكلَّف به هو أداء الصلاة صحيحة في وقت عدم شرطها، وهذا تكليف بما لا يطاق.\n(^٥) التقييد بقيد عدم الشرط كأن يُطلب منه الصلاة بقيد عدم الطهارة، فهذا مستحيل، ويسميه المناطقة: بشرط لا شيء. وأما التقييد بوجود الشرط فهو المدَّعى، كأن يُؤمر بالصلاة حال الطهارة، وهو الذي يسميه المناطقة: بشرط شيء.\n(^٦) قوله: أعنى. . . إلخ متعلَّق بقوله؛ ومقتضى ذلك أن لا يختص التكليف بوقت. =","vol":"2","page":306},{"text":"إذا عرفتَ ذلك فنقول: لو لم يُوجب إيجابُ الشيء مطلقًا ما يتوقف عليه ذلك الشيءُ - لكنا قد كُلِّفنا بالمشروط من غير التكليف بالشرط، وهو تكليف بمحال (^١)؛ لأنه إذا كان المشروط مكلَّفًا به دون الشرط لم يجب الإتيان بالشرط، وإذا جاز ترك الشرط لَزِم منه جواز ترك المشروط؛ لأن انتفاء الشرط مستلزم لانتفاء المشروط؛ فيلزم كونُ المشروط جائزَ الترك واجبَ الفعل، وهو تكليف بما يلزم منه المحال، فتعيَّن أن يكون التكليف بالمشروط مُوجبًا للتكليف بالشرط.\n(وإذا ثبت) (^٢) ذلك في الشرط ففي السبب بطريق أولى (^٣)، فإنَّ مَنْ قال بوجوب الشرط قال بوجوب السبب من غير عكس. هذا تقرير الدليل.\nوقول المصنف: \"التكليف بالمشروط دون الشرط محال\" فيه نظرٌ؛ لأنا نفرق بين التكليف بالمحال، والتكليف المحال.\nفالأول: هو تكليف العاقل الذي يَفْهم الخطاب بما لا يُطيقه، وهو محل الخلاف في تكليف ما لا يطاق؛ لأن المخاطَب به يعلم أنه مكلَّف\n_________\n= فالمطلوب المشروط من حيث هو لا بقيد الشرط، لا بقيد عدم الشرط، فالمشروط مطلوب لا بشرط شيء.\n(^١) في (غ): \"محال\". وهو خطأ.\n(^٢) في (ص)، و(ت): \"وإن أثبت\".\n(^٣) ولذلك اقتصر المصنف في دليله على الشرط، ولم يذكر السبب؛ لأنه يَثْب بدليل الشرط، كما سبق بيانه عن الإسنوي.","vol":"2","page":307},{"text":"بذلك.\nوالثاني: مثل تكليف الميت والجماد ومَنْ لا يعقل (^١) من الأحياء، فهذا تكليفُ محالٍ، واتفق أهل الحق قاطبة على أنه لا يصح، نقلَ هذا الاتفاق القاضي أبو بكر ﵀؛ فكان الأحسن للمصنف أن يقول: تكليفٌ بمحالٍ كما قررناه، وعذره في ذلك أنه فرَّع على منع (^٢) تكليف ما لا يطاق، فإنَّ الأصحاب وإنْ أقروا بتكليف ما لا يطاق في موضعه - لا يُفَرِّعون عليه، ويُحيلون (^٣) ما لَزِم عنه؛ لكونه غير واقع في الشريعة، فحينئذ التكليف به محال عند المانعين منه، فيصح كلامه (^٤).\nقوله: \" (قيل: يختص بوقت وجود الشرط) (^٥) \" اعترض الخصم على الدليل المذكور بأنه: لِمَ لا يجوز أن يختص التكليف بالمشروط بحال وجود الشرط، ولا امتناع في ذلك؛ فإن غايته أن يقيَّد الأمر ببعض\n_________\n(^١) في (ك)، و(غ): \"عقل\".\n(^٢) سقطت من (ص)، و(ت).\n(^٣) في (ك) بياض مكان \"ويحيلون\".\n(^٤) المعنى في قوله: وعذره. . . إلخ، أنَّ المصنف رحمه الله تعالى فرَّع وبنى دليله على كون التكليف بما لا يطاق محال عند المانعين منه، فهو وإن كان من حيث حقيقته تكليف بمحال، لكنه لما كان ممنوعًا منه عند مَنْ يقول به - كان محالًا، والأصحاب (وهم الشافعية) وإن كانوا يقولون بتكليف ما لا يطاق، لكنهم يجوزنه فقط ويمنعون وقوعه في الشريعة، فلا يلزم على القول بجوازه لوازم. فالشارح يتأول قول الماتن: \"محال\" حتى يكون صحيحًا، بأنه: محالٌّ جوازه عند المانعين منه.\n(^٥) في (ك)، و(غ): \"قيل: يختص\".","vol":"2","page":308},{"text":"الأحوال لمقتضٍ قام وهو الفرار من تكليف المحال.\nوأجاب المصنف: بأن اللفظ مطلق لا اختصاص له بوقت وجود الشرط فحينئذ يكون تقييده بوقت وجود الشرط خلاف الظاهر (^١).\nواعترض الخصم أيضًا بأنَّ إيجابكم المقَدِّمة أيضًا خلاف الظاهر؛ لأنَّ ظاهر الأمر لا يدل عليه، فإذا جاز مخالفة الظاهر من هذا الوجه فلم لا يجوز من الوجه الذي ذكرناه! .\nوأجاب المصنف: بأن مخالفة الظاهر عبارة عن إثبات ما ينفيه اللفظ، أو نفي ما يثبته اللفظ ظاهرًا، وأما إثبات ما لم يتعرض اللفظ له بنفي ولا إثبات فليس مخالفة للظاهر، وحينئذ لا يكون إيجاب المقدمة مخالفةً للظاهر؛ إذ لم يدل اللفظ عليه بنفي ولا إثبات، بخلاف تخصيص الأمر بوقت وجود الشرط، فإن اللفظ يقتضي الوجوب مطلقًا، فتقييده بوقت وجود الشرط دون ما سواه مخالفة للظاهر.\nفإن قلت: كيف يكون حَمْلُ المطلق - الصادق بصورة - على أحد صُوَرِه خلافَ الظاهر، وليس فيه إثبات ما ينفيه اللفظ، ولا نفيُ ما يثبته (^٢).\n_________\n(^١) قال المطيعي رحمه الله تعالى: \"أقول: وهو خلاف الإجماع أيضًا، لإجماع العلماء على التكليف بالصلاة في حال الحدث، وأنه لا يختص التكليف بها بحال الطهارة\". سلم الوصول شرح نهاية السول ١/ ٢١٠.\n(^٢) إلى هنا محذوف من (ت)، مذكور في (ص)، و(ك)، و(غ)، كما سبق الإشارة إليه في ص. . .","vol":"2","page":309},{"text":"قلت: لما اقتضى الإطلاق التمكنَ من كل صوَرِه - صار تقييده بصورة منافرًا لكونه مطلقًا (^١) (^٢).\nقال: (تنبيه: مقدمةُ الواجب إما أن يتوقف عليها وجودُه شرعًا كالوضوء للصلاة، أو عقلًا كالمشي للحج. أو العلمُ به (^٣)، كالإتيان بالخمس إذا ترك واحدة ونسي، وسَتْرِ شيءٍ من الركبة لستر الفخذ).\nعبَّر الإمام عن هذا \"بالفرع\"، ووَجهُه: أنه مندرج (^٤) تحت أصل كلي. ووجه التعبير عنه \"بالتنبيه\" أن الكلام السابق نَبَّه عليه على سبيل الإجمال (^٥).\nوحاصله أن مقدمة الواجب تنقسم إلى أمرين:\n_________\n(^١) المعنى: أن في الحمل على صورة واحدةٍ نفيَ ما يثبته اللفظ؛ لأن اللفظ يُثبت الإطلاق التمكنَ من كل صورة، والحمل على صورة واحدة ينفي ذلك الإطلاق الذي يثبته اللفظ.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٣١٨، التحصيل ١/ ٣٠٨، الحاصل ١/ ٤٥٦، الإحكام ١/ ١٥٨ بيان المختصر ١/ ٣٧٠، نهاية السول ١/ ٢٠٥، السراج الوهاج ١/ ١٦٣، شرح مختصر الروضة ٢/ ٣٥٣، تيسير التحرير ٢/ ٢١٦، فواتح الرحموت ١/ ٩٥.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ت): \"مدرج\".\n(^٥) في التعريفات للجرجاني ص ٩٥: \"التنبيه في اللغة: هو الدلالة عما غفل عنه المخاطب. وفي الاصطلاح: ما يُفهم مِنْ مجمل بأدنى تأملٍ إعلامًا بما في ضمير المتكلم للمخاطَب. وقيل: التنبيه: قاعدة تُعرف بها الأبحاث الآتيةُ مُجملة\".","vol":"2","page":310},{"text":"أحدهما: أن يتوقف عليه وجود الواجب، وهو نوعان:\nأحدهما: أن يتوقف عليه شرعًا: كالوضوء مع الصلاة.\nوالثاني: أن يتوقف عليه عقلًا: كالسير إلى الحج. وعبارة المصنف: \"المشي\" وقد يُنَاقش فيها، والأمر سهل (^١).\nالقسم الثاني: أن يتوقف عليها العِلم بوجود الواجب لا نفس وجود الواجب، فذلك إما لالتباس الواجب بغيره، كالإتيان بالصلوات الخمس إذا تَرَكَ واحدةً ونَسِي عينَها، فإن العلم بأنه أتى بالصلاة المنسية لا يحصل إلا بالإتيان بالخمس، وإما أن يكون لتقارب ما بين الواجب وغيره بحيث لا يظهر حدٌّ مُفَرِّق (^٢) بينهما، وذلك كستَر شيءٍ من الركبة لستر الفخذ؛ فإنَّ الفخذ والركبة متقاربان، فالعلم بستر جميع الفخذ الذي هو واجب إنما يحصل بستر شيء من الركبة للتقارب المذكور. هذا ما ذكره، وهو مبني على أن الفخذ نفسه عورة، وذلك في المرأة بلا خلاف، وفي الرجل على الصحيح، وعلى أن الركبة نفسها ليست بعورة، وهو الصحيح أيضًا (^٣).\nفإن قلت: القول بإيجاب الخمس على مَن نسي إحداها (^٤) وجهِل\n_________\n(^١) لأن عبارة السير أعم من المشي، فالمقصود السير إلى البيت بأي وسيلة، لا خصوص المشي. والأمر سهل كما ذَكَر.\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"يفرق\".\n(^٣) انظر: المجموع ٣/ ١٦٨، بداية المجتهد ١/ ١١٤.\n(^٤) في (ص)، و(ت): \"أحدها\".","vol":"2","page":311},{"text":"عينَها عند من يُوجب المقدمة واضح (^١)، وأما مَنْ لا يوجبها فماذا يفعل؟ وما فائدة الخلاف؟ .\nقلت: قد لا ينظر الفقيه إلى الخلاف الأصولي في كثير من الفروع، ولا يجعل لها به تعلقًا البتة. وقد يقال بظهور فائدة الخلاف في أنه هل يصلي الخمس بتيمم واحد أو بخمس تيممات (^٢)، لكن الصحيح إيجاب تيمم واحد (^٣). وقضيةُ القول بوجوب المقدِّمة إيجابُ خمس تيممات.\nفإن قلتَ: ما وجه القصور في الإيجاب على تيمم واحد، والخمسُ فرائضٌ ولا يُصَلَّى بتيمم واحد أكثر من فريضة واحدة (^٤).\nقلت: الأربعة من حيث إنها لم تُرَد لنفسها منحطةٌ عن مراتب\n_________\n(^١) يعني: الواجب هو الصلاة المتروكة، لكنها لما لم تكن معروفة - أصبح الإتيان بها مرتبًا على الإتيان بالجميع، فأصبح الإتيان بالجميع مقدِّمة لتلك الصلاة المتروكة.\n(^٢) أي: قد تظهر فائدة الخلاف في هذه المسألة فيما إذا فَقَد الماء هذا الذي ترك الفرض ونسيه، فمن قال بوجوب جميع الصلوات عليه بناء على القاعدة الأصولية إيجاب المقدمة - فإنه يُلزمه أن يتيمم لكل صلاة؛ لأن الشافعية لا يُجيزون فرضين بتيمم واحد، ومَنْ قال بأنَّ الواجب هي الصلاة المتروكة فقط - فإن المصلى لجميع الصلوات الخمس يصليها بتيمم واحد؛ لأن الواجب عليه فرضٌ واحد، والباقي ليس بفرض، فلا يلزمه إلا تيمم واحد، وهو يصلي الجميع - عندهم - لعدم علمه فرضه، لكن الواجب واحد لا غير.\n(^٣) انظر: المجموع ٢/ ٢٩٦.\n(^٤) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).","vol":"2","page":312},{"text":"الفرائض؛ ولذلك قيل (^١): صلاة ركعتين تطوعًا أفضل من إحدى الصلوات الأربع التي هي (^٢) غير واجبة في نفس الأمر، وعُدَّ ذلك موضعًا يَفْضُلُ الندبُ فيه الواجبَ، ونحن لنا في هذا نظر ليس هذا موضعه (^٣).\nقال (^٤): (فروع: الأول لو اشْتَبَهَت المنكوحةُ بالأجنبية حَرُمَتا على معنى أنه يجب الكف عنهما).\nلو اشتبهت عليه منكوحته (^٥) بالأجنبية حرمتا؛ لوجوب الكف عنهما: أما الأجنبية فواضح، وأما المنكوحة فلاشتباهها بالأجنبية. فالكف عنهما هو طريق حصول العلم بالكف عن الأجنبية. وإنما قال (^٦): \"على معنى أنه يجب الكف عنهما\"؛ لأن الحرام عليه في نفس الأمر هي الأجنبية فقط، فمعنى تحريمِها (^٧) عليه: وجوبُ الكف عنهما، فَنَبَّه عليه.\nواعلم أن هذا الفرع (^٨) في الحرمة لما لا يتم الواجب إلا به - شبيهٌ في\n_________\n(^١) القائل هو العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى. انظر: الأشباه والنظائر للشارح رحمه الله تعالى ١/ ١٨٧.\n(^٢) سقطت من (ك).\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٣٢٢، التحصيل ١/ ٣٠٩، الحاصل ١/ ٤٥٨، نهاية السول ١/ ٢١١، السراج الوهاج ١/ ١٦٧، شرح الأصفهاني على المنهاج ١/ ١٠٤، شرح تنقيح الفصول ص ١٦١.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (غ): \"المنكوحة\".\n(^٦) أي: المصنف في المتن.\n(^٧) في (ك)، و(غ): \"تحريمها\". وهو خطأ.\n(^٨) في (ص): \"النوع\".","vol":"2","page":313},{"text":"الوجوب للإتيان بالصلوات (^١) الخمس إذا ترك واحدةً ونَسِي عينها.\nقال: (الثاني: إذا قال: إحداكما طالق - حرمتا؛ تغليبًا للحرمة، والله تعالى يعلم (^٢) أنه سيعيِّن إحداهما، لكن ما لم (^٣) يُعيِّن لم تتعين).\nإذا قال: إحداكما طالق ولم يَنْو إحداهما على التعيين - حرمت الزوجتان عليه إلى حين التعيين؛ لأن كل واحدة منهما يحتمل أن تكون هي المطلقة فتحرم، أو غير المطلقة فلا تحرم، وإذا اجتمع الحلال والحرام غُلِّبَ الحرام. والفرق بين هذا والذي قبله: أنَّ إحدى المرأتين في الصورة الأولى ليست محرمةً بطريق الأصالة، بل للاشتباه، بخلاف الفرع الثاني، فإنهما في ذلك سواء. وأيضًا فالزوج غير (قادر على) (^٤) إزالة التحريم في الأول دون الثاني.\nوهذا الذي جزم به المصنف حكاه الإمام مذهبًا لبعضهم، وقال: \"يَحْتمل أن يُقال (بحلِّ وطئهما) (^٥)؛ لأن الطلاق شيء معيَّن فلا يحصل إلا في محلٍّ معين، فقَبْل التعيين لا يكون الطلاق نازلًا في واحدة منهن، ويكون الموجود قبل التعيين ليس هو الطلاق، بل أمرٌ له\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) في (ت): \"أعلم\".\n(^٣) في نهاية السول ١/ ٢١٢، والسراج الوهاج ١/ ١٧٠: \"لكن لما لم\".\n(^٤) سقطت من (ك).\n(^٥) في (ص): \"يحل وطئهما\". وفي (ت): \"يحل وطئها\". وهو خطأ. وما أثبتُّ من \"المحصول\".","vol":"2","page":314},{"text":"صلاحية التأثير في الطلاق عند اتصال البيان به، لا أنه طلاق، وإذا لم يُوجد الطلاق قبل التعيين وكان الحلُّ موجودًا - وجب (^١) القول ببقائه فَيَحلُّ وطؤهما معًا\" (^٢). هذا كلامه.\nونقل ابن الرِّفعة عن كتاب الوزير ابن هبيرة (^٣) الذي حكى فيه ما أجمع (^٤) عليه الأئمة الأربعة وما اختلفوا فيه: أن ابن أبي هريرة (^٥) من أصحابنا قال: إذا طلَّق واحدة من نسائه لا بعينها، أو\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٣٢٨.\n(^٣) هو: الوزير أبو المظفر يحيى بن محمد بن هُبيرة بن سعيد الشيبانيُّ الدُّوريُّ العراقيُّ الحنبليُّ، صاحب التصانيف. ولد بقرية بني أوقر من الدور أحد أعمال العراق في سنة ٤٩٩ هـ. كان ديِّنًا خيِّرًا، معبِّدًا، عاقلًا وقورًا متواضعًا، بارًا بالعلماء، مكبًّا مع أعباء الوزارة على العلم وتدوينه، كبير الشأن، حَسَنَةُ الزمان، من مصنفاته: \"الإفصاح عن معاني الصِّحاح\" فيه عدة مجلدات، وهو شرح صحيحي البخاريّ ومسلم، ولما بلغ فيه إلى حديث: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\" شرح الحديث وتكلم على معنى الفقه، وآل به الكلام إلى ذكر مسائل الفقه المتفق عليها والمختلف فيها بين الأئمة الأربعة المشهورين، وقد أفرده الناس من الكتاب وجعلوه بمفرده مجلّدة، وسموه بكتاب \"الإفصاح\" وهو قطعة منه. وله كتاب \"العبادات\" على مذهب أحمد، وأرجوزة في المقصور والممدود، وغيرها. مات شهيدًا مسمومًا سنة ٥٦٠ هـ. انظر سير ٢٠/ ٤٢٦، الذيل على طبقات الحنابلة ٣/ ٢٥١، شذرات ٤/ ١٩١.\n(^٤) في (ص): \"اجتمع\".\n(^٥) هو: أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة البغداديُّ القاضي الشافعيُّ، أحد =","vol":"2","page":315},{"text":"بعينها، ثم أُنسيها - طلاقًا رجعيًا: أنه لا يُحال بينه وبين وطئهن، وله وطءُ أيَّتِهن شاء، وإذا وطِئ واحدةً انصرف الطلاق إلى صاحبتها (^١).\nوهذا ما يعضد ما حاوله الإمام، وهو ضعيف؛ لأنا نقول: محل الطلاق القَدْر المُشْترك بينهما: وهو إحداهما لا بعينها، وهو متعيِّن بالنوع وإن لم يكن (^٢) متعيَّنا بالشخص، واستدعاء الطلاق من حيث كونُه وصفًا معيّنًا (^٣) - مَحَلًا مُعَيَّنًا (^٤) (^٥) يكفي فيه التعيين بالنوع.\nسلَّمنا أنه (يستدعي معيَّنًا) (^٦) بالشخص، ولكن نقول: هو عند الله متعيَّن بالشخص، ونحن في الخارج لا نَعْلمه حتى يُعيَّنه العبد، فالطلاق نازل (^٧) لوجوده مِنْ قادر على التصرف في محل قابل فينفذ، ولا نفوذ له إلا بوقوعه في الخارج مُنَجَّزًا؛ لأنه كذلك أوقعه (^٨)، فلو لم يقع كما\n_________\n= عظماء الأصحاب ورُفَعائهم. صنَّف شرحًا لمختصر المزنيّ. توفي ﵀ سنة ٣٤٥ هـ. انظر: سير ١٥/ ٤٣٠، وفيات ٢/ ٧٥، الطبقات الكبرى ٣/ ٢٥٦.\n(^١) انظر: الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة ٢/ ١٥٦، وعزى ابن هبيرة أيضًا هذا المذهب لأبي حنيفة ﵁.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ص): \"متعينًا\".\n(^٤) سقطت من (غ).\n(^٥) لفظ: \"محلًا\" مفعول به لاستدعاء. و\"معيّنًا\": صفة لمحل.\n(^٦) في (ص): \"يقتضي تَعَيُّنًا\"\n(^٧) سقطت من (ك).\n(^٨) لأن المطلِّق قال: إحدى المرأتين طالق. فهذا طلاق منجَّز غير معلَّق، لكنه لم يعيِّن إحدى المرأتين.","vol":"2","page":316},{"text":"أوقعه لما نَفَذ التصرف (^١)، ولكنا لا نحكم ببطلان الزوجية إلا مِنْ حين عِلْمنا بذلك الشخص الذي كان مُبهمًا علينا، ولا ينعطف على ما مضى لجهلنا في الماضي بالحال.\nقوله: \"والله تعالى (يعلم أنه سيعيِّن) (^٢) \" جوابٌ عن سؤال مقدر، ويمكن أن يُقَرَّر على وجهين:\nأحدهما: أن الله تعالى يعلم المرأة التي سيعيِّنها الزوج بعينها، فتكون هي المطلَّقة في علم الله تعالى، وإنما هو مُشْتَبِه علينا.\nوهذا سؤال أورده الإمام على نفسه في قوله بالإباحة، فإن الاشتباه يقتضي التحريم، وهو خلاف ما مال إليه.\nوجوابه: أن الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلا يَعْلم غيرَ المعيَّن معيَّنًا؛ لأن ذلك جهل، وهو محال في حق الله تعالى، بل عِلْمه في الحال بأنه سيعيِّن في المستقبل (^٣).\nوهذا التقرير ماش على ما في \"المحصول\"، إلا أنه يلزم منه أن يكون المصنف أورد سؤالًا على دعوى لم يدّعها، ولم يّذكرها البتة، وهي القول بالإباحة (^٤).\n_________\n(^١) المعنى: لولا أن الطلاق وقع منجزًا - كما أوقعه الزوج - لما نفذ تصرف الزوج بعد ذلك في تعيين الطلاق؛ لأن مجرد التعيين أو الجماع لا يوقع الطلاق بذاته. لكن الطلاق وقع قبل ذلك منجزًا، ثم تعيَّن بتعيين الزوج أو بجماعة.\n(^٢) لم ترد في (ت)، و(ك)، وفي (غ): \"والله يعلم\".\n(^٣) انظر هذا السؤال والجواب في المحصول ١/ ق ٢/ ٣٢٩.\n(^٤) المعنى - والله تعالى أعلم -: أن هذا السؤال أورده الإمام على نفسه، بناء على =","vol":"2","page":317},{"text":"والثاني: أن يُقال: لا فارق بين هذا الفرع والفرع الذي قبله إلا أن إحدى المرأتين في ذلك وهي الأجنبية محرمة في نفس الأمر، وكل واحدة منهما هنا على حدِّ سواء، ونحن لا نسلِّم أن كل واحدة منهما مُحتَملة للحل والحرمة حتى يحصل ما ذكرت، بل الله تعالى يعلم المحرمة فهي معيَّنة في علمه تعالى، فلا فرق (^١)؛ لتعين المحرَّمة في نفس الأمر.\n(وجوابه: أن المتعيِّن في نفس الأمر) (^٢) كونها يقع عليها الطلاق، لا كونها مطلقة الآن لما عرفته (^٣). وهذا التقرير لا مُعْتَرَض فيه على\n_________\n= قوله بإباحة المرأتين قبل التعيين؛ لعلة عدم التعيين؛ لأن الطلاق لا يقع عنده إلا معيّنًا كما سبق ذكره.\nفيُعترض عليه بهذا السؤال: وهو أنّ عدم التعيين بالنسبة لنا للاشتباه، وأما بالنسبة لله تعالى فالمطلقة معيّنة؛ لأنه يعلم ما سيعيِّنه الزوج، فوقع الطلاق معينًا في علم الله تعالى، فلا يصح القول بإباحة المرأتين بمقتضى مذهبه. فأجاب الإمام: بأن الله تعالى لا يعلم غير المعيِّن معيَّنًا؛ وإلا لكان علمه جهلًا، وهو محال، وإنما يعلم بأن غير المعين سيتعين في المستقبل، فأصبح الطلاق في الحال - قبل تعيين الزوج - غير معيَّن في علم الله تعالى، فلزم من ذلك القول بالإباحة، على ما زعمه وادعاه الإمام. وهذا السؤال لا يصح أن يُورده المصنف على نفسه؛ لأنه لا يقول بالإباحة قبل التعيين، بل يقول بالتحريم، فلا علاقة لكلامه بهذا السؤال.\n(^١) أي: فلا فرق بين مسألة اشتباه المنكوحة بالأجنبية، ومسألة طلاق إحدى الزوجتين؛ لأن المحرمة في مسألة الطلاق إحدى الزوجتين معينة في علم الله تعالى، كما أن الأجنبية معينة في علم الله تعالى.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت)، و(ك)، و(غ): \"عرفت\".","vol":"2","page":318},{"text":"المصنف، إلا أنه مع التعسف مخالف لما في \"المحصول\" (^١).\nقال: (الثالث: الزائد على ما ينطلق عليه الاسم في المسح غيرُ واجب وإلا لم يجز تركه).\nوجه تفريع هذا على مقدمة الواجب: أنه لما كان الواجب لا ينفك غالبًا عن حصول زيادة فيه - كانت هذه الزيادة مُقدَّمة للعلم بحصول الواجب.\nوقد أورد على المصنف: أنه إذا كان هذا الزائد عنده مقدمةً للواجب (^٢) فيلزم أن يَحْكم عليه بالوجوب، كستر شيء من الركبة.\nوأجيب عنه: بأنَّ مراده بالمقدّمة هناك غيرُ القِسم الذي يكون التوقف (^٣) فيه من حيث العادة.\nوإذا عرفتَ هذا فنقول: الواجب إما أن يَتَقَدَّر بقَدر، كغَسْل الرجلين واليدين، ولا كلام فيه. أوْ لا، كمسح الرأس، وكإخراج البعير عن\n_________\n(^١) معنى الجواب: بأن المتعيّن في نفس الأمر كون المرأة يقع عليها الطلاق، أي: تصلح لأن يقع عليها الطلاق، لا أنها مطلقة الآن قبل التعيين، لما سبق بيانه بأنّ علم الله تعالى بغير المعيَّن لا بكون حال عدم تعيينه معيّنًا، بل يَعْلمه غيرَ معيَّن حالًا، ويعلم أنه سيعين مستقبلًا، فافترقت المسألتان. وهذا التقرير للسؤال والجواب مع كونه لا مُعترض فيه على المصنف، إلا أنه مع التعسف والتكلف لتصحيحه على وفق كلام المصنف مخالفٌ لما عليه: \"المحصول\" من تقرير السؤال والجواب عنه.\n(^٢) في (ص): \"الواجب\".\n(^٣) في (ص): \"التوقيف\". وهو خطأ.","vol":"2","page":319},{"text":"الشاة الواجبة في الزكاة، وكذبح المتمتع بَدَنَة بدل الشاة، وحَلْقه جميعَ الرأس، وتطويل أركان الصلاة زيادة على ما يجوز الاقتصار عليه، والبَدَنة المضَحَّى بها بدلًا عن الشاة المنذورة - فنقول (^١): اختلفوا في القدر الزائد على الذي يُعاقب على تركه، وهو في أمثلتنا (ما تعدى) (^٢) أقلَّ ما ينطلق عليه الاسم من (^٣) المسح، وقدر قيمة الشاة من (^٤) البعير (والبَدَنة) (^٥)، وفوق الشعرات الثلاث (^٦) في الحلق، وفوق قدر الواجب (^٧) في الطمأنينة، هل يُوصف بالوجوب؟ .\nفذهب الإمام وأتباعه ومنهم المصنف إلى أنه لا يُوصف بذلك؛ لأن الواجب لا يجوز تركه، وهذه الزيادة جائزة الترك.\nوقال آخرون: يُوصف بالوجوب؛ لأنه إذا زاد على القدر الذي يسقط به الفرض لا يتميَّز جزءٌ عن جزءٍ لسقوط الفرض به؛ لصلاحية كلِّ جزء لذلك، فتخصيص بعض الأجزاء بوصف (^٨) الوجوب ترجيحٌ مِنْ غير مرجح.\n_________\n(^١) قوله: \"فنقول\"، متعلق بقوله: \"أوْ لا\"، والتقدير: أوْ لا يتقدر بقدر فنقول.\n(^٢) في (ص): \"ما يعد\". وهو خطأ.\n(^٣) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"في\".\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"في\".\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٦) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٧) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"الوجوب\".\n(^٨) في (ص): \"الواجب\".","vol":"2","page":320},{"text":"فإن قلت: ما محل الخلاف في مسح الرأس، هل هو ما إذا وقع الجميع دَفْعة واحدة، حتى إذا وقع مرتبًا يكون الزائد نفلًا جزمًا، أم هو جارٍ في الصورتين؟ .\nقلتُ: للأصحاب في ذلك وجهان (^١):\nفإن قلتَ: ما فائدة الخلاف في هذه الصور؟ .\nقلتُ: في مواضع:\nمنها: في الثواب، فإنَّ ثواب الفريضة أكثرُ من ثواب النافلة بسبعين درجة، (كما حكى النووي) (^٢) عن إمام الحرمين (^٣).\n_________\n(^١) قال النووي في المجموع ١/ ٤٠٣: \"إذا مَسَح جميع الرأس فوجهان مشهوران لأصحابنا في كتب الفقه وأصول الفقه، أصحهما: أنَّ الفرض منه ما يقع عليه الاسم، والباقي سنة\".\nوالوجه الثاني: أن الجميع يقع فرضًا، فعلى هذا يكون حكمه حكم خصال كفارة اليمين، فأيّ خصلة فعلها حُكِم بأنها الواجب. ثم قال جماعة من أصحابنا: الوجهان فيمن مسح دَفْعة واحدة، أما من مسح متعاقبًا - كما هو الغالب - فما سوى الأول سنة قطعًا، والأكثرون أطلقوا الوجهين ولم يفرقوا\".\n(^٢) في (ت): \"كما حكاه النواوي\". وفي (غ): \"كما حكاه النووي\". وفي (ك): \"كما حكاه الإمام النووي\".\n(^٣) يعني: مَنْ يقول بوجوب الجميع يكون الثواب عنده أكثر من الثواب عند مَنْ يقول بأن الزائد يقع نَفلًا؛ لأن ثواب الفرض يزيد على ثواب النفل بسبعين درجة، كما حكاه الإمام النووي عن إمام الحرمين رحمهما الله تعالى. انظر: الأشباه والنظائر للشارح ١/ ١٨٥. =","vol":"2","page":321},{"text":"ومنها: إذا عجّل البعير عن شاة واقتضى الحالُ الرجوعَ، فهل يرجع بجميعه أم بسُبْعه؟ وفيه وجهان في \"شرح المهذب\" (^١).\nومنها: لو أخرج بعيرًا عن عَشْر من الإبل أو خمسة عشر أو عشرين (^٢)،\n_________\n= قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في تلخيص الحبير ٣/ ١١٨: \"نقل النوويُّ في \"زيادات الروضة\" عن إمام الحرمين عن بعض العلماء: أن ثواب الفريضة يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة، قال النووي: واستأنسوا فيه بحديث. انتهى. والحديث المذكور ذكره الإمام في \"نهايته\" وهو حديث سلمان مرفوعًا: في شهر رمضان مَنْ تقرب فيه بخصلة مِنْ خصال الخير كان كمَنْ أدَّى فريضة فيما سواه، ومَنْ أدَّى فريضة فيه كان كمن أدَّى سبعين فريضة في غيره. انتهى. وهو حديث ضعيف أخرجه ابن خزيمة وعلّق القول بصحته. واعتُرض على استدلال الإمام به، والظاهر أن ذلك من خصائص رمضان؛ ولهذا قال النووي: استأنسوا. والله أعلم\".\n(^١) يعني: لو عَجَّل البعير عن شاة زكاة واجبة في أربعين شاة مثلًا، واقتضى الحال الرجوع في البعير؛ لهلاك النصاب، أو لاستغناء الفقير، فهل يسترجع البعيرَ كلَّه أم بعضه؟ إن قلنا: بأن البعير كلَّه وقع فرضًا استرجع البعير كلَّه، وإن قلنا: بأنَّ بعضه وقع فرضًا وهو سُبْعه، فإنه لا يسترجع إلا السبع فقط وهو الواجب، أما الباقي الذي وقع تطوعًا فلا رجوع فيه؛ لأن التطوع لا رجوع فيه. انظر المجموع ١/ ٤٠٣، ٥/ ٣٩٧.\n(^٢) قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع ٥/ ٣٩٨: \"نصاب الإبل خمسٌ بإجماع الأمة، نقل الإجماع فيه خلائق، فلا يجب فيما دون خمس شيءٌ بالإجماع، وأجمعوا أيضًا على أن الواجب في أربع وعشرين فما دونها الغنم، كما ثبت في الحديث، فيجب في خمس من الإبل شاة، ثم لا يزيد الواجب لزيادة الإبل حتى تبلغ عشرًا، وفي عشر شاتان، ثم لا زيادة حتى تبلغ خمس عشرة، ففيها ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض\".","vol":"2","page":322},{"text":"هل يُجزيه (^١)؟ فيه (^٢) وجهان مبنيان على هذا الخلاف:\nإن قلنا بوقوعه كلّه فرضًا فيما إذا أخرجه عن الخَمْس، فلا يكفي بعير واحد، بل لا بد في العشرة من بعيرين، أو بعير وشاة، وهكذا.\nوإن قلنا: الفرض قَدْر خُمْسِه فيجزئ، ويكون متبرعًا في العشرة (^٣) بثلاثة أخماس (^٤)، على أنَّ إمام الحرمين وغيره أنكروا هذا البناء، وليس\n_________\n(^١) انظر: المجموع ٥/ ٣٩٥.\n(^٢) في (غ)، (ك): \"وفيه\".\n(^٣) في (ت): \"العشر\".\n(^٤) قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: \"وإذا أخرج البعير عن خمس من الإبل، فهل يقع كله فرضًا، أم خُمْسُه فقط؟ فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف والأصحاب:\nأصحهما: باتفاق الأصحاب: الجميع يقع فرضًا؛ لأنه مخيَّر بين البعير والشاة، فأيهما أخرج وقع واجبًا، كمَنْ لبس الخف يتخير بين المسح والغسل، وأيُّهما فعل وقع واجبًا.\nقال أصحابنا: ولأنه لو كان الواجب الخُمْس فقط لجاز إخراجُ خُمْسِ بعيرٍ، وقد اتفق الأصحاب على أنه لا يُجزئ.\nوالثاني: أن خُمْس البعير يقع فرضًا، وباقيه تطوعًا؛ لأن البعير يُجزئ عن خمس وعشرين، فَدَّل على أن كل خُمْسٍ منه على خَمْسةِ أبعرة.\nقال أصحابنا: وهذان الوجهان كالوجهين في المتمتع إذا وجب عليه شاةٌ فنحر بدنه، أو نذر شاةً فنحر بدنة، وفيمن مسح كل رأسه، أو طوَّل الركوع والسجود زيادة على المجزئ، فهل يقع الجميع فرضًا أم سُبْع البدنة، وأقلُّ جزء من الرأس والركوع والسجود؟ فيه وجهان:\nقال أصحابنا: لكن الأصح في البدنة والمسح أن الفرض هو البعض، وفي البعير في =","vol":"2","page":323},{"text":"هذا محلَّ القول فيه.\nواعلم أنه يُضاهِي قاعدةَ: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب - صورٌ في الفقه:\nمنها: مُؤنة الكيل الذي يفتقر إليه القبضُ على البائع، كمؤنة إحضار المبيع الغائب (^١) ومؤنة وزن الثمن على\n_________\n= الزكاة كلِّه، والفرق أن الاقتصار على سُبْع بدنه وبعض الرأس يجزئ، ولا يجزئ هنا خُمْس بعير بالاتفاق؛ ولهذا قال إمام الحرمين: من يقول: البعض هو الفرض - يقول: هو بشرط التبرع بالباقي.\nقال صاحب التهذيب وغيرُه: الوجهان (أي: وقوع الإبل كلِّها فرضًا أو بعضِها) مبنيان على أن الشاة الواجبة في الإبل أصلٌ بنفسها، أم بدل عن الإبل، فيه وجهان:\nفإن قلنا: أصلٌ، فالبعير كلُّه فرض كالشاة، وإلا (أي: وإن لم تكن الشاة أصلًا) فالخُمُس.\nوتظهر فائدة الخلاف فيما لو عَجَّل بعيرًا عن خَمْسٍ من الإبل، ثم ثبت له الرجوعُ لهلاك النصاب، أو لاستغناء الفقير، أو غير ذلك من أسباب الرجوع.\nفإن قلنا: الجميع - رجع في جميعه، وإلا ففي الخُمُس فقط؛ لأن التطوع لا رجوع فيه\". المجموع: ٥/ ٣٩٦ - ٣٩٧، وانظر أيضًا: المجموعه: ١/ ٤٠٣.\n(^١) أي: أن البائع عليه الإقباض، أي: تسليم المبيع للمشتري، فإذا كان المبيع مثلًا حبوبًا كثيرة تحتاج إلى كَيْل كيّال - فمؤنة الكيل وأجرته على البائع؛ لأنه يلزمه الإقباض، والقبض لا يتحقق إلا بكيل كيال، فأجرة الكيال على البائع من باب ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. ومثل هذا إحضار المبيع الغائب فهو على البائع؛ لأنه يلزمه الإقباض، ولا يتم القبض إلا بإحضار الغائب.","vol":"2","page":324},{"text":"المشتري (^١)، وفي أجرة نقد الثمن وجهان (^٢) (^٣).\nومنها: إذا خَفِي عليه موضع النجاسة من الثوب أو البدن - غسله كلَّه (^٤).\nومنها: إذا اكترى دابةً للركوب فأطلق الاكتراء أن على المُكْري الإكاف (^٥) والبَرْدعةَ (^٦) (^٧) والحزامَ وما ناسب ذلك؛ لأنه لا يتمكن من الركوب دونها.\n_________\n(^١) أي: أن المشتري واجب عليه تسليم الثمن، وهذا لا يتحقق إلا بوزن الثمن (كالذهب والفضة مثلًا)، فمؤنة الوزن وأجرته على المشتري.\n(^٢) أي: أجرة مَنْ يميَّز الثمن هل هو جيد أم زائف؟ فهذا فيه وجهان: البعض يرى الأجرة على البائع، وآخرون على المشتري.\nفي اللسان ٣/ ٤٢٥: \"والنَّقْد والتَّنْقاد: تمييز الدراهم وإخراجُ الزَّيف منها. . . ونَقَدْتُ الدراهم وانتقَدتُها: إذا أخرجت منها الزَّيف\". وفي المصباح ٢/ ٢٩١: \"ونقدتُ الدراهم نقدًا، من باب قتل، والفاعل ناقد، والجمع نُقَّاد، مثل: كافر وكفار، وانتقدت: كذلك، إذا نظرتَهَا لتعرف جَيَّدها وزيفَها\". مادة (نقد).\n(^٣) انظر: المجموع ٩/ ٢٧٩.\n(^٤) انظر: المجموع ٣/ ١٤٣.\n(^٥) الإكاف والأكاف من المراكب: شِبْه الرِّحال والأقتاب. لسان العرب ٩/ ٨، مادة (أكف).\n(^٦) في (ص): \"البرذعة\".\n(^٧) البَردعة: الحِلْس الذي يُلقى تحت الرَّحْل. قال شِمْر: هي بالذال والدال. والجمع الراذع، وخَصَّ بعضهم به الحمار. لسان العرب ٨/ ٨، مادة (بردع، برذع).","vol":"2","page":325},{"text":"وهي صور عديدة مِنْ أراد الإحاطة بها فعليه بكتابنا \"الأشباه والنظائر\" أتمه الله تعالى (^١).\nوقد كنا في أول المسألة وَعَدنا بالالتفات إلى قاعدة: \"الميسور لا يسقط بالمعسور\" والصور تحتها كثيرة، ونحن نُحيل طالبها بعد ذكر القليل منها على كتابنا المذكور:\nفمنها: لو عجز عن الركوع والسجود دون القيام لعلةٍ بظهره تمنعه الانحناء - لزمه القيام، خلافًا لأبي حنيفة (^٢).\nومنها: لو لم يقدر على الانتصاب بأن (^٣) تقوس ظهرُه لكِبَر أو زَمانة فصار (^٤) في حد الراكعين - فقد قال الغزالي تَبَعًا لإمامه: إنه يقعد (^٥). وقال غيرهما: لا يجوز له القعود، فإن الوقوف راكعًا أقرب إلى القيام من القعود، فلا ينزل عن الدرجة القُرْبى إلى البُعْدى (^٦).\nومنها: لو وجد الجنبُ من الماء ما لا يكفيه لغُسْله، أو المُحْدِث ما لا يكفيه لوضوئه - فأصح القولين أنه يجب استعماله ثم يتيمم؛ لأن القدرة على البعض لا تسقط بالعجز عن الباقي (^٧).\n_________\n(^١) انظر المسائل السالفة في الأشباه والنظائر للشارح رحمه الله تعالى ٢/ ٨٨ - ٨٩.\n(^٢) انظر: الهداية ١/ ٨٣، باب صلاة المريض، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٥٩.\n(^٣) في (ت): \"بل\".\n(^٤) في (غ)، و(ك): \"وصار\".\n(^٥) انظر: الوسيط ٢/ ٦٠٢، تحقيق: علي محي الدين.\n(^٦) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٦٠.\n(^٧) انظر: المجموع ٢/ ٢٦٨، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٥٩.","vol":"2","page":326},{"text":"ومنها: لو اطلع على عيب المبيع ولم تتيسر (^١) له المبادرة بالرد ولا الإشهاد - ففي وجوب التلفظ بالفسخ وجهان جاريان هنا، وفي الشُفْعة (^٢) (^٣).\nومنها: لو لم يَفْضُل معه في الفِطرْة عما لا يجب عليه إلا بعضُ صاع - لزمه إخراجُه على الأصح (^٤).\nومنها: إذا اشترى الشِّقْص (^٥) بثمن مؤجل، فهل يأخذه الشفيع\n_________\n(^١) في (ص): \"يتيسر\".\n(^٢) الشفعة بإسكان الفاء، وحُكي ضمها، وهى لغةً من الشَّفع ضد الوتر، فكأنَّ الشفيع يجعل نفسه شَفْعًا بضم نصيب شريكه إليه. وشرعًا: حَقُّ تملك قهرىّ يَثْبت للشريك القديم على الشريك الحادث فيما مَلَك بِعوض. انظر: نهاية المحتاج ٥/ ١٩٢، الروض المربع بحاشية ابن قاسم ٥/ ٤٢٦، القاموس الفقهي ص ١٩٩، لسعدي أبو جيب، القاموس المحيط ٣/ ٤٥، المصباح المنير ١/ ٣٤٠، التعريفات للجرجاني ص ١١٢.\n(^٣) يعني: أن المشتري الذي اطلع على عيب في المبيع ولم تتيسر له المبادرة بالرد ولا الإشهاد على ذلك، فإذا أراد أن يرد المبيع بعد ذلك، هل نُوجب عليه حالَ الاطلاع على العيب التلفظَ بالفسخ أم لا؟ فيه وجهان. قال السيوطي: \"لا يلزمه التلفظُ بالفسخ في الأصح\". الأشباه والنظائر ص ١٦٠. وكذا في الشفعة إذا أراد أن يطلب شُفْعَةً ولم يتمكن من الوصول إلى المشتري والبائع ولا الإشهاد على ذلك، هل يجب عليه حالًا التلفظُ بالشفعة ليحتفظ بحق الشفعة في المستقبل، أم لا يجب عليه؟ .\n(^٤) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ١/ ١٥٩.\n(^٥) في اللسان ٧/ ٤٨، مادة (شقص): \"الشِّقْص والشَّقيص: الطائفة من الشيء، =","vol":"2","page":327},{"text":"مؤجلًا كما اشتراه المشتري؟ وأصحّ الأقوال أن الشفيع بالخيار بين أن يعجِّل ويأخذ الشِّقْص في الحال، وبين الصبر إلى حيلولة الأجل (^١). وعلى هذا فهل يجب تنبيه المشتري على الطلب؟ فيه (^٢) وجهان (^٣).\n_________\n= والقطعة من الأرض، تقول: أعطاه شِقْصا من ماله. . . والجمع أشْقاص وشِقَاص. قال الشافعي في باب الشُّفعة: فإن اشترى شِقْصًا من ذلك. أراد بالشقص نصيبًا معلومًا غير مَفْروز. . . قال شِمْر: قال خالد: النصيب والشِّرك والشِّقص واحد. قال شِمْر: والشقيص مثله: وهو في العين المشتركة من كل شيء. قال الأزهري: وإذا فُرز جاز أن يُسمَّى شِقصًا، ومنه تشقيص الجَزَرة: وهو تَعْضِيَتُها وتفصيل أعضائها، وتعديل سهامها بين الشركاء. والشاة التي تكون للذبح تسمى جَزَرة، وأما الإبل فالجَزُور\" مع حذف يسير. وانظر: المصباح المنير ١/ ٣٤٢، القاموس الفقهي ص ١٩٩.\n(^١) صورة المسألة: إنه اشترى المشتري شِقْص رجل من بيت مثلًا بثمن مؤجل، فإذا أراد الشفيع (وهو مَنْ له حق الشفعة) أن يشتري هذا الشقص - فهل يصح) أن يشتريه مؤجلًا كالمشتري (يعني: أن يصبر الشفيع مدةَ انقضاء الأجل، فإذا حلَّ الأجل طالب بالشفعة واشترى الشقص)، أم يلزمه أن يشترى حالًا؟ أصح الأقوال أن الشفيع بالخيار بين أن يُعجِّل ويأخذ الشِّقص في الحال، وبين أن يَصْبر إلى حليولة الأجل.\nانظر: روضة الطالبين ٤/ ١٧١، نهاية المحتاج ٥/ ٢٠٤، كفاية الأخيار ١/ ١٨٤.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) يعني: هناك خلاف في وجوب التنبيه، وصحح النووي رحمه الله تعالى في الروضة ٤/ ١٧٢ وجوب تنبيه المشتري. لكن قال الرملي في نهاية المحتاج ٥/ ٢٠٤: ولا يلزمه إعلام المشتري بالطلب حيث خيَّرناه على ما في الشرحين، وما وقع في \"الروضة\" من اللزوم نُسب لسبق القلم. اهـ. ومثله قال ابن حجر في التحفة ٦/ ٩٦.","vol":"2","page":328},{"text":"ومنها: إذا كان يُحسن آية فلا خلاف أنه يقرؤها، وهل يضيف إليها من الذكر ما يتم به قدرُ الفاتحة أو يكررها سبعًا؟ فيه قولان.\nفإن قلتَ: لِمَ لا جَرَى قولٌ إنه لا يقرأ تلك الآية، بل يأتي ببدل الفاتحة كلها (^١)، كما إذا قَدَر على بعض وضوئه ونظائره؟\nقلت: كل آية من الفاتحة يجب قراءتُها بنفسها، فلا يأتي ببدلها مع القدرة عليها (^٢). والله أعلم.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-209>(الخامسة: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه </span>(^٣)؛ لأنها (^٤) جزؤه. فالدال عليه يدل عليها بالتضمن. قالت المعتزلة وأكثر أصحابنا: الموجب قد يغفل عن نقيضه. قلنا: لا، فإن الإيجاب بدون المنع من نقيضه (^٥) محال، وإنْ سُلِّم فمنقوض بوجوب المقدِّمة).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) يعني: لم لا نقول بقول: إنه لا يقرأ تلك الآية، بل يأتي ببدل الفاتحة كلها من الأذكار؛ لأنه عاجز عن الفرض وهو الفاتحة فتسقط كلها، ويتعيّن بدلها، مثل قول مَنْ يقول بسقوط التوضؤ ببعض الماء غير الكافي لجميع الأعضاء، والمصير إلى البدل وهو التيمم، فلِمَ لا نقول في صورة العاجز عن الفاتحة بمثل هذا القول وهو المصير إلى البدل؟.\nوالجواب: ما ذكروا، وهو أن كل آية واجبة بذاتها، فما دام قادرًا على ذلك الواجب لا يصير إلى البدل. انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ١/ ١٥٩.\n(^٣) مثل: وجوب الصلاة، يستلزم حرمة نقيضه وهو ترك الصلاة.\n(^٤) في (ت): \"لأنه\". وهو خطأ؛ لأن الضمير يعود إلى الحرمة.\n(^٥) في (ت): \"النقيض\".","vol":"2","page":329},{"text":"هذه هي المسألة المعروفة بأنَّ الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده (^١)؟ .\nاعلم أنه لا نزاع في أن الأمر بالشيء نهيٌ عن تركه بطريق التضمن، وإنما اختلفوا في أنه هل هو نهي عن ضده الوجودي (^٢)؟ على مذاهب:\nأحدها: أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده.\nالثاني: أنه غيره ولكنه (^٣) يدل عليه بالالتزام، وهو رأي الجمهور، منهم الإمام وصاحب الكتاب (^٤). وعلى هذا فالأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده؛ (لانتفاء حصول المقصود (إلا بانتفاء كل\n_________\n(^١) والمراد بالضد: ما يستلزم ترك المأمور به. انظر: بيان المختصر ٢/ ٤٩.\n(^٢) فالأمر بالقعود مثلًا دال على النهي عن عدم القعود أو على المنع منه بالاتفاق؛ لأن القعود وعدم القعود نقيضان (نقيض كل شيء رفعه). والنقيضان لا يجتمعان، فالأمر بأحدهما نهي عن الآخر تضمنًا، وهذا لا نزاع فيه، فقول الشارح رحمه الله تعالى: \"نهي عن تركه بطريق التضمن\" أي: نهي عن نقيضه تضمنًا؛ لأن الأمر بالشيء معناه: فعله وعدم تركه. وإنما الخلاف في أن الأمر بالقعود هل هو نهي عن ضده الوجودي كالقيام والرقود، والضدان لا يجتمعان أيضًا. قال الإسنوي رحمه الله تعالى عن الضد الوجودي: \"ووجه منافاته بالاستلزام: أن القيام مثلًا يستلزم عدم القعود، الذي هو نقيض القعود، فلو جاز عدم القعود لاجتمع النقيضان، فامتناع اجتماع الضدين إنما هو لامتناع اجتماع النقيضين، لا لذاتهما. فاللفظ الدال على القعود يدل على النهي عن الأضداد الوجودية كالقيام بالالتزام، والذي يأمر قد يكون غافلًا عنها\". التمهيد ص ٩٥.\n(^٣) في (ص): \"ولكن\".\n(^٤) انظر المحصول ١/ ق ٢/ ٣٣٤، شرح الكوكب ٢/ ٥١.","vol":"2","page":330},{"text":"ضد) (^١)، والنهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده لحصول المقصود) (^٢) (^٣) بفعل ضدٍّ واحد، فالأولى التعبير بهذه العبارة وبها صَرَّح إمام الحرمين (^٤).\nوالثالث: أنه لا يدل عليه أصلًا، ونَقَله في الكتاب عن المعتزلة وأكثر أصحابنا، واختاره ابن الحاجب (^٥).\nواستدل المصنف على اختياره: بأن حرمة النقيض جزء من الوجوب؛ لأن الواجب: هو الذي يجوز فعله ويمتنع تركه (^٦). وإذا كان\n_________\n(^١) قوله: \"لانتفاء. . . ضد\": سقط من (ت). ومعنى العبارة: أن حصول المقصود لا ينتفي إلا في حالة انتفاء جميع الأضداد، فإن المقصود يوجد حينئذ. أي: أن حصول المقصود إنما يوجد في حالة عدم وجود جميع الأضداد، ولو عبَّر المؤلف بقوله: لأن حصول المقصود لا يتم إلا بانتفاء كل ضد - لكان أوضح وأحسن.\n(^٢) سقطت من (ك).\n(^٣) وهو قوله: الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده؛ لأن الشيء قد يكون له أكثر من ضد، فقول المصنف: \"وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه\" فيه قصور.\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٢٥٠. وكذا قال القرافي في نفائس الأصول ٤/ ١٤٨٧: \"قلنا: أحسن من هذه العبارة: الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، فإذا قال له: اجلس في البيت - فقد نهاه عن الجلوس في السوق، والحمام، الطريق، والبحر، وغير ذلك من المواضع التي يضاد الجلوسُ فيها الجلوسَ في البيت. وإذا قال له: لا تجلس في البيت - فقد أمره بالجلوس في السوق، أو في المسجد، أو في غير ذلك، ولا يتعين منها شيء، بل أحد الأمور التي يضاد الجلوسَ في البيت فِعْلُها، وقد خرج عن العُهْدة\".\n(^٥) انظر: بيان المختصر ٢/ ٥١.\n(^٦) فالترك نقيض الفعل، وهو محرم.","vol":"2","page":331},{"text":"كذلك فالدالُّ على الوجوب يدل على حرمة النقيض بالتضمن؛ لأن المراد مِنْ دلالة التضمن: أن اللفظ يدل على جُزء ما وُضع له. والمراد بدلالة الالتزام هنا: دلالة اللفظ على كلِّ ما يُفهم منه غير المسمَّى، سواء كان داخلًا فيه، أو خارجًا عنه. فيصدق قوله: \"يدل بالتضمن\" مع قوله: بالالتزام (^١).\nواحتجت المعتزلة: بأن الموجِب للشيء قد يكون غافلًا عن نقيضه، فلا يكون النقيض مَنْهيًا عنه؛ لأن النهي عن الشيء مشروطٌ بتصوره.\nوأجاب عنه: بأنا لا نسلم أن الموجب للشيء قد يَغْفَل عن نقيضه؛ لأن الموجب للشيء ما لم يتصور الوجوبَ لا يَحْكم به، ويلزم مِنْ تصور الوجوب تصور المنع من النقيض؛ لأنه جزؤه (^٢)، وتصور الكل مستلزمٌ لتصور الجزء. ولو سلمنا أنه يجوز أن يكون الموجِب للشيء قد يغفل عن نقيضه - فذلك لا يمنع حرمة النقيض، بدليل وجوب\n_________\n(^١) قوله: والمراد بدلالة الالتزام هنا. . . إلخ، يعني: المراد بدلالة الالتزام هنا في كلام المصنف في قوله: \"وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؛ لأنها جزؤه. فالدال عليه يدل عليها بالتضمن\". فالمراد بدلالة الالتزام في كلام المصنف: هو دلالة اللفظ على كل معنى تُفهم منه غير ذلك المسمى المطلق عليه اللفظ، سواء كان المعنى المفهوم والذي هو غير المسمى داخلًا في معنى المسمى أو خارجًا عنه، فليس مراد المصنف بدلالة الالتزام المعنى الخارجي فقط كما هو اصطلاح المناطقة، بل مراده كلُّ معنى يلازم اللفظ داخلٌ أو خارجٌ عنه، ولو لم نفسر دلالة الالتزام هنا بهذا - لكان في كلام المصنف تناقض بين قوله: يدل بالتضمن، مع قوله بالالتزام.\n(^٢) أي: لأن تصور المنع من النقيض جزء لتصور الوجوب.","vol":"2","page":332},{"text":"المقدِّمة، أعني: ما لا يتم الواجب إلا به، فإن الموجِب للشيء قد يكون غافلًا عن مقدمته مع استلزام وجوبِه لوجوبِها، كما تقدم. هذا شرح ما في الكتاب.\nواعلم أنه قد تردد كلام الأصوليين في المراد مِنَ الأمر المذكور في هذه المسألة: هل هو النفساني؟ فيكون الأمر النفساني نهيًا عن الضد نهيًا نفسانيًا.\nأو اللساني؟ فيكون نهيًا عن الأضداد بطريق الالتزام، وهذا هو الذي ذكره الإمام حيث صرح بلفظ الصيغة (^١).\nوإذا عرفت هذا فنقول: إنْ كان الكلام في النفساني تعيَّن التفصيل بين مَنْ يعلم بالأضداد ومن لا يعلم (^٢). فالله تعالى بكل شيء عليم، وكلامه واحد، وهو أمر ونهي وخبر، فأمره عَيْن نهيه وعَيْن خبره، غير أنَّ التعلُّقات تختلف، فالأمر عَيْنُ النهي باعتبار الصفة المتعلّقة نفسها التي هي الكلام (^٣)، وهو غيره باعتبار أن الكلام إنما يصير أمرًا بإضافة تعلُّق خاصٍّ: وهو تعلق الكلام بترجيح طلب الفعل، وإنما يصير نهيًا بتعلقه بطلب الترك (^٤). والكلام بقيد التعلق الخاص غيرُه بالتعلق\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٣٣٤.\n(^٢) يعني: إن كان الكلام النفسي صادرًا ممن يعلم الأضداد فالأمر بالشيء نهيٌ عن ضده بلا خلاف، وإن كان صادرًا ممن لا يعلم الأضداد فيأتي فيه الخلاف السابق.\n(^٣) يعني: فالأمر هو عَيْن النهي من حيث كونهما صفة لله تعالى وهي الكلام.\n(^٤) قوله: وهو غيره. . . إلخ، يعني: والأمر غير النهي باعتبار التعلقات الخاصة، فإذا =","vol":"2","page":333},{"text":"الآخر (^١). فهذه الأقسام والتفاصيل لا ينبغي الخلاف فيها لِمَنْ تصورها، فإنَّ (^٢) أمر الله تعالى بالشيء نهيٌ عن ضده باعتبار أنه لا بد من حصول التعلق بالضد المنافي.\nوأما من لا شعور له بضد المأمور فلا يُتصور منه النهي عن جميع الأضداد بكلامه النفسي تفصيلًا؛ لعدم الشعور بها، ولكن يصدق أنه نهيٌ عنها بطريق الإجمال؛ لأنه طالب للمأمور على التفصيل، ولتحصيله (^٣) بكل طريق مفض إلى ذلك، ومن جملتها اجتناب الأضداد.\nوإن كان في اللساني فلا يتجه أن يقال: الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإن صيغة قولنا: \"تَحَرَّك\" ليست صيغة قولنا: \"لا تسكن\". والمكابر في ذلك مُنَزَّل منزلة مُنْكِري المحسوسات، وإنما يتجه الخلاف في\n_________\n= تعلّق الكلام النفساني بترجيح طلب الفعل سُمِّي أمرًا، وإذا تعلَّق بطلب الترك سُمِّي نهيًا.\n(^١) يعني: الكلام النفسي بقيد التعلق بطلب الفعل (وهو تعلق خاص) غير الكلام بقيد التعلق بطلب الترك (وهو تعلق خاص آخر)، فالغَيْريَّة في الكلام النفساني باعتبار التعلقات الخاصة لا باعتبار ذات الكلام من حيث هو صفة لله تعالى، فالكلام النفساني عند الأشاعرة شيء واحد، لا يقال عن أمر ولا نهي ولا خبر ولا غير ذلك، بل هو صفة واحدة، ولكن تسمية هذا الكلام أمرًا أو نهيًا أو خبرًا بالنظر إلى التعلق الخاص، فيقولون: هذا أمر الله تعالى باعتبار تعلق طلب الفعل، وهذا نهي الله باعتبار تعلق طلب الترك. انظر: شرح الجوهرة ص ١١٣، ١١٤.\n(^٢) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"وإن\".\n(^٣) في (ت): \"ولتحصله\".","vol":"2","page":334},{"text":"أن صيغة الأمر هل دلت التزامًا؟ وهذا الذي قررناه هو الذي اقتضاه كلام إمام الحرمين، فإنه حكى اختلاف أصحابنا في أن الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به، ثم قال: \"وأما المعتزلة فالأمر عندهم هو العبارة، وهو قول القائل: افْعَلْ، أصواتٌ منظومة معلومة، وليس هي على نظم الأصوات في قول القائل: لا تَفْعل، ولا يمكنهم أن يقولوا: الأمر هو النهي\" (^١). وهذا هو مقتضى كلامه في \"التلخيص\" (^٢) الذي اختصره من \"التقريب والإرشاد\" للقاضي أبي بكر.\nفَحَصَلْنا مِنْ هذا على أنَّ القائل: بأن الأمر بالشيء هو نفس النهي عن ضده - إنما كلامه في النفسي، وأن المتكلمين في النفسي يقع اختلافهم على مذاهب:\nأحدها: أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده، واتصافه بكونه أمرًا نهيًا بمثابة اتصاف الكَوْن الواحد بكونه قريبًا من شيء بعيدًا من غيره.\nوالثاني: وهو الذي مال إليه اختيار القاضي في آخر مصنفاته أنه ليس هو، ولكن يتضمنه (^٣).\nوالثالث: أنه لا يدل عليه (^٤) أصلًا، وإليه ذهب إمام الحرمين\n_________\n(^١) البرهان ١/ ٢٥١.\n(^٢) انظر: التلخيص ١/ ٤١١.\n(^٣) ذكر هذا عن القاضي إمام الحرمين في البرهان ١/ ٢٥١، والمذهب الأول هو مذهب القاضي أوَّلًا. انظر الإحكام ٢/ ٢٥١.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"2","page":335},{"text":"والغزالي (^١).\nويتعين أن تكون هذه المذاهب في الكلام النفسي بالنسبة إلى المخلوق (^٢)، وأما الله تعالى فكلامه واحد كما عرفت، لا تتطرق (^٣) الغَيْرِيَّة إليه، ولا يمكن أن يأمر بشيء إلا وهو مستحضر لجميع أضداده؛ لعلمه بكل شيء، بخلاف المخلوق فإنه يجوز أن يَذْهل ويَغْفَل عن الضد. وبهذا الذي قلناه صرَّح الغزالي (^٤)، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين والجماهير.\nوأما المتكلمون في اللساني فيقع اختلافهم على قولين:\nأحدهما: أنه يدل عليه بطريق الالتزام، وهو رأي المعتزلة.\nوالثاني: أنه لا يدل عليه أصلًا.\nولبعض المعتزلة مذهب ثالث: وهو أن أمر (^٥) الإيجاب يكون نهيًا عن أضداده، ومُقَبِّحًا لها؛ لكونها (^٦) مانعةً من فعل الواجب، بخلاف المندوب فإن أضداده مباحةٌ غير منهيٍّ عنها (^٧)، لا نهيَ تحريم، ولا نهيَ تنزيه، ولم\n_________\n(^١) انظر: البرهان ١/ ٢٥٢، المستصفى ١/ ٢٧٣.\n(^٢) مثل أن يَطلب في نفسه الحركة، فهل هذا الطلب هو بعينه كراهةٌ للسكون وطلب لتركه؟ . انظر: المستصفى ١/ ٢٧١.\n(^٣) في (ت): \"لا تَطّرَّق\".\n(^٤) انظر: المستصفى ١/ ٢٧٠.\n(^٥) في (ت): \"الأمر\".\n(^٦) في (ص): \"بكونها\".\n(^٧) سقطت من (ت).","vol":"2","page":336},{"text":"يقل أحد هنا: إن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده؛ لكونه مكابرة وعنادًا، كما قررناه (^١).\nواختار الآمدي أن يقال: إنْ جَوَّزنا تكليف ما لا يطاق - فالأمر بالفعل ليس نهيًا عن الضد، ولا مستلزمًا للنهي عنه، بل يجوز أن يُؤمر بالفعل وبضده (^٢) في الحالة الواحدة. وإن مُنع فالأمر بالشيء مستلزمٌ للنهي عن ضده. (^٣)\nهذا خلاصة ما يجده الناظر في كتب الأصول من المنقول في هذه المسألة، وهو هنا على أحسن تهذيب وأوضحه.\nومنهم مَنْ أجرى الخلاف في جانب النهي هل هو أمر بضد المنهي عنه؟ وقال إمام الحرمين: \"مَنْ قال: النهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده فقد اقتحم أمرًا عظيمًا، وباح بالتزام مذهب الكعبي (^٤) في نفي الإباحة، فإنه إنما صار إلى ذلك من حيث قال: لا شيءَ يُقَدَّر مباحًا إلا وهو ضدُّ\n_________\n(^١) في (ص): \"كما قررنا\".\n(^٢) سقطت من (ك).\n(^٣) انظر: الإحكام ٢/ ٢٥٢.\n(^٤) هو: أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي، المعروف بالكعبي، شيخ المعتزلة، ورأس طائفة: \"الكعبية\" منهم. ولد سنة ٢٧٣ هـ. وله تصنيف في الطعن على المحدثين يدل على كثرة اطلاعه وتعصبه. وكان داعية إلى الاعتزال، وكفّره الحافظ عبد المؤمن بن خَلَف التميميّ النسفيّ. من مصنفاته: \"المقالات\"، \"الاستدلال بالشاهد على الغائب\"، \"الجدل\"، وغيرها. توفي سنة ٣١٩ هـ.\nانظر: سير ١٤/ ٣١٣، ١٥/ ٢٥٥، لسان ٣/ ٢٥٥، وفيات ٣/ ٤٥.","vol":"2","page":337},{"text":"محظور؛ فيقع من هذه الجهة واجبًا، ومَنْ قال: الأمر بالشيء نهي عن الأضداد ومتضمن لذلك (^١) [وليس النهي عن الشيء أمرًا بأحد الأضداد] (^٢) مِنْ حيث تَفَطَّنَ لمقالة (^٣) الكعبي - فقد ناقض كلامه؛ فإنه كما يستحيل الإقدام على المأمور به دون الانكفاف عن أضداده، فيستحيل الانكفاف عن المنهي دون الاتصاف بأحد أضداده\" (^٤) (^٥).\nونختم الكلام في المسألة بفوائد:\nإحداها: قال القاضي عبد الوهاب في \"الملخص\" بعد أن حكى عن الشيخ أبي الحسن ﵀ أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه إنْ كان ذا ضِدٍّ واحد، وأضدادِه إنْ كان ذا أضداد: إنَّ الشيخ شَرَط في ذلك أن يكون واجبًا لا ندبًا.\n_________\n(^١) أي: متضمن للنهي عن الأضداد.\n(^٢) هذه الزيادة من البرهان ١/ ٢٥٤، وليست هي في أي نسخة.\n(^٣) في (ص): \"لقائله\". وفي (ك)، و(غ): \"لقائله\". وهذا موافق لما في البرهان ١/ ٢٥٥.\n(^٤) البرهان ١/ ٢٥٤.\n(^٥) انظر ما سبق في: المستصفى ١/ ٢٧٠، المحصول ١/ ق ٢/ ٣٣٤، التحصيل ١/ ٣١٠، الحاصل ١/ ٤٦٠، شرح تنقيح الفصول ص ١٣٥، المعتمد ١/ ٩٧، البرهان ١/ ٢٥٠، شرح جمع الجوامع للمحلي ١/ ٣٨٥، تيسير التحرير ١/ ٣٦٢، بيان المختصر ٢/ ٤٨، شرح الكوكب ٣/ ٥١، نهاية السول ١/ ٢٢٢، السراج الوهاج ١/ ١٧٥.","vol":"2","page":338},{"text":"قال القاضي عبد الوهاب: وقد حُكي عن الشيخ أنه قال في بعض كتبه: إن الندب حسن وليس مأمورًا به. وعلى هذا القول لا يحتاج إلى اشتراط الوجوب في الأمر إذ هو حينئذ لا يكون إلا واجبًا.\nقال القاضي عبد الوهاب: ولا بد أن يشترط الشيخ في ذلك أن يكون مع وجوبه مضيَّقًا مستحق العين؛ لأجل أن الواجب الموسع ليس بنهي (^١) عن ضده. (قال: ولا بد أيضًا من اشتراط كونه نهيًا عن ضده) (^٢) (وضد البدل منه، الذي هو) (^٣) بدل لهما إذا كان أمرًا على غير وجه التخيير (^٤) انتهى.\nوما قاله من اشتراط كونه نهيًا عن ضدِّه وضد البدل منه لا يُحتاج إليه بعد معرفة صورة المسألة، فإنَّ صورتها في الأمر الذي على (^٥) غير وجه التخيير كما صرَّح به القاضي في \"مختصر التقريب والإرشاد\" لإمام الحرمين، فإنَّه قيَّد الكلام بالأمر على التنصيص لا على التخيير (^٦). ثم قال: \"وإنما قيدنا الكلام بانتفاء التخيير؛ لأن الأمر المنطوي على التخيير قد يتعلق بالشيء وضده، ويكون الواجب أحدهما لا بعينه، فلا سبيل\n_________\n(^١) في (ص): \"ينهي\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ص): \"وضد البدل الذي منه\".\n(^٤) نَقَل مقولة القاضي عبد الوهاب القرافي في \"شرح تنقيح الفصول\" مع اختلاف يسير ص ١٣٥، ١٣٦.\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) التلخيص ١/ ٤١١.","vol":"2","page":339},{"text":"لك إلى أن تقول فيما هذا وصفه إنه نهي عن ضده إذا خُيِّر المأمور بينه وبين ضده\" (^١)\nولقائل أن يقول: محل التخيير لا وجوب فيه، فأين الأمر حتى يقال ليس نهيًا عن ضده؟ ومحل الوجوب لا تخيير فيه وهو نهي عن ضده. وما قاله القاضي عبد الوهاب من اشتراط التضييق لم يتضح لي وجهه، فإن الموسَّع إن لم يَصْدق عليه أنه واجب فأين الأمر حتى يستثنى من قولهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ وإن صدق عليه أنه واجب بمعنى أنه لا يجوز إخلاء الوقت عنه، فضده الذي يلزم من فعله تفويتُه منهِيٌّ عنه.\nوحاصل هذا أنه (^٢) إنْ صدق الأمر عليه انقدح كونه نهيًا عن ضده، وإلا فلا وجه لاستثنائه كما قلناه في المخيَّر.\nالثانية: قال النقشواني: لو كان الأمر بالشيء نهيًا عن ضده للزم أن يكون الأمر للتكرار وللفور؛ لأن النهي كذلك (^٣).\nوأجاب القرافي: بأنَّ القاعدة أن أحكام الحقائق التي تثبت لها حالة الاستقلال لا يلزم أن تثبت لها حالة التبعية (^٤).\n_________\n(^١) التلخيص ١/ ٤١٢.\n(^٢) سقطت من (ك).\n(^٣) التعليل كما في نفائس الأصول ٤/ ١٤٩٨: لأن النهي يجب أن يكون للتكرار، ومتى دام اجتناب الضد وجب دوام فعل الضد الآخر. . . ولأن الانتهاء عن المنهي عنه على الفور، فإذا وجب ترك الضد في الحال وجب فعل الضد الآخر في الحال؛ فيكون الأمر للفور لا للفور، وهو جمع بين النقيضين.\n(^٤) انظر: نفائس الأصول ٤/ ١٤٩٨.","vol":"2","page":340},{"text":"الثالثة: سأل القرافي في مسألة مقدمة الواجب عن الفرق بينها وبين هذه المسألة، فإن عدم الضد مما يتوقف عليه الواجب (^١).\nوأجيب: بأن ما لا يتم الواجب إلا به وسيلةٌ للواجب لازم التقدم عليه، فيجب التوصل به إلى الواجب؛ لئلا يعتقد أن حالة عدم المقدم خال عن التكليف؛ لزعمه بأن الأصل ممتنع الوقوع، وهو غير مكلف بالمقدمة. فقلنا: هذا غلط، بل أنت قادر على تحصيل الأصل بتقديم هذه المقدمة، فعليك فِعْلها، فكان إيجاب المقدمة تحقيقًا لإيجاب الأصل مع تقدير عدم المقدمة وترك الضد أمرٌ يَتْبع حصولُه حصولَ المأمور به من غير قصد، وهذا أصلح وجهين أجاب بهما في شرح المحصول.\nالرابعة: سأل القرافي أيضًا (^٢) عن الفرق بين هذه المسألة وقولهم: متعلَّق النهي فعل الضد لا نفس: \"لا تفعل\"، فإن قولهم: نهيٌ عن ضدٍّ (^٣) معناه أنه تَعَلَّق بالضد. وقولهم: متعلَّقُه ضد المنهي عنه - هو الأول بعينه.\nوسنستقصي الجواب عن هذا في كتاب الأمر والنهي إن شاء الله تعالى، فإن المصنف ذكر تلك المسألة ثَمَّ (^٤).\n_________\n(^١) انظر نفائس الأصول ٣/ ١٤٨١. ولم يُجِب القرافي رحمه الله تعالى على هذا السؤال؛ ولذلك عَبَّر الشارح بقوله: وأجيب.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) العبارة كما في نفائس الأصول ٤/ ١٤٩٦: \"فإن قولهم نهي عن ضده\".\n(^٤) قد أجاب القرافي عن هذا السؤال في نفائس الأصول ٤/ ١٤٩٦، وسيذكر الشارح أجوبته في كتاب الأمر والنهي كما وعد. انظر: ص: ١١٦٤.","vol":"2","page":341},{"text":"الخامسة: من فوائد الخلاف في هذه المسألة من الفروع ما إذا قال لزوجته: إنْ خالفتِ نَهيي فأنت طالق. ثم قال: قُومي. فقعدت، ففي وقوع الطلاق خلاف مُسْتَنِدٌ إلى هذا الأصل (^١).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-210>(السادسة: الوجوب إذا نُسخَ بقي الجواز خلافًا للغزالي </span>(^٢)؛ لأنّ الدالَّ على الوجوب يتضمن الجواز والناسخ لا ينافيه، فإنه يرتفع الوجوب بارتفاع المنع من الترك).\nذهب الأكثرون إلى أنه إذا نُسِخ وجوبُ الشيء بقي جوازُه (^٣).\nوخالف الغزالي وقال: \"إنه إذا نُسِخ رجع الأمر إلى ما كان قبل الوجوب من تحريم أو إباحة، وصار الوجوب بالنسخ كأن لم يكن\" (^٤).\nوهذا الذي ذهب إليه الغزالي نقله القاضي في \"التقريب\" عن بعض الفقهاء وقال: \"تشبث صاحبه بكلام ركيك تزدريه أعين ذوي\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول ١/ ٢٢٨، التمهيد للإسنوي ص ٩٧.\n(^٢) سقطت من (ك).\n(^٣) قال الأنصاري في فواتح الرحموت ١/ ١٠٣: \"نَسْخ الوجوب على أنحاء: الأول: نسخه بنص دالّ على الإباحة والجواز، كنسخ صوم عاشوراء. الثاني: نسخه بالنهي عنه، كنسخ التوجه إلى بيت المقدس، فإنه منهي عنه. الثالث: نسخه من غير إبانة جواز وتحريم. ففي الأول: الجواز بالنصّ الناسخ - ثابت البتة. وفي الثاني: لا جواز أصلًا بالإجماع. بقي الكلام في الثالث: وفيه خلاف، فعندنا لا يبقى، وعند الشافعية يبقى\". وانظر: تقسيمات الواجب وأحكامه ص ٢٦٥.\n(^٤) انظر: المستصفى ١/ ٢٤٠. وهذا هو رأي جمهور الحنفية. انظر: فواتح الرحموت ١/ ١٠٣، تقسيمات الواجب وأحكامه ص ٢٦٧.","vol":"2","page":342},{"text":"التحقيق\" (^١).\nواحتج المصنف على اختياره: بأن الجواز جزء من ماهية الوجوب؛ إذ الوجوب مركب من جواز الفعل مع المنع من الترك، فاللفظ الذي دل على الوجوب يدل بالتضمن على الجواز، والناسخ إنما ورد على الوجوب وهو لا ينافي الجواز؛ لارتفاع الوجوب بارتفاع المنع من الترك، ضرورةَ أنَّ المركب يرتفع بارتفاع أحد جزئيه (^٢). (هذا تقريره) (^٣).\nونحن نقول: إنْ أراد القوم بالجواز الذي يُبْقِي التخيير بين الفعل والترك، كما صرَّح به بعضهم، وهو مقتضى كلام الغزالي في الرد عليهم، حيث قال: \"حقيقة الجواز التخيير بين الفعل والترك، والتساوي بينهما بتسوية الشرع\" (^٤) - فالحق مع الغزالي؛ لأن التخيير بين الفعل والترك (والتساوي بينهما بتسوية الشرع) (^٥) قسيم للوجوب، ولم يكن ثابتًا به، فما وجه قولهم: يبقى بعده؟ .\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ١/ ٣٨٦.\n(^٢) قوله: \"ضرورةَ أنّ المركب يرتفع بارتفاع أحد جزئيه\" يقصد بالمركب الوجوب؛ لأنه مركب من جواز الفعل مع المنع من الترك، فإذا ارتفع الجزء الثاني وهو المنع من الترك - ارتفع المركب الذي هو الوجوب، لأن المركب يرتفع بارتفاع أحد جزئيه، ولكن يبقى الجزء الآخر وهو الجواز؛ لأنه ينافي ارتفاع الوجوب.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) المستصفى ١/ ٢٤٠.\n(^٥) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).","vol":"2","page":343},{"text":"وهذا الدليل الذي ذكروه عليه لا يثبت به مُدّعاهم؛ لأن التخيير بين الفعل والترك ليس في ضمن الوجوب، وإنما الذي في ضمن الوجوب رفع الحرج.\nوإن أرادوا رَفْعَ حَرَجِ الفعل فلا ينبغي أن يُخَالَفوا في ذلك؛ فإنَّ الوجوب أخص منه، ولما ثبت بالإيجاب الأول ثبت به الأعم (الذي هو رفع الحرج ضرورة كونه ضِمْنَه، ثم ارتفاعه لا يوجب ارتفاع الأعم) (^١) (^٢).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) قال الشيخ المطيعي رحمه الله تعالى مفصِّلًا الأقوال في المسألة: \"أقول موضوع هذه المسألة أن الشارع إذا أوجب شيئًا ثم نَسخَ وجوبه بدون أن يدل الناسخ على حكم آخر من الأحكام الباقية، فهل يبقى الجواز، بمعنى رفع الحرج؟ قال الأكثرون: نعم، وقال الغزالي: لا يبقى الجواز، بل يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل الإيجاب من تحريم أو إباحةٍ أو براءةٍ أصلية.\nثم اختلف القائلون بأنه يبقى الجواز. فقال الأكثرون منهم - وهو الأصح الأشهر -: إذا نسخ الوجوب يبقى الجواز بمعنى رفع الحرج غير مقيَّد بالتخيير على السواء، ولا برجحان الفعل على الترك. ولا برجحان الترك على الفعل، فيحتمل أن يكون مباحًا، وأن يكون مندوبًا، وأن يكون مكروهًا أو خلاف الأولى.\nوقال فريق منهم: يبقى الجواز بمعنى رفع الحرج عن الفعل مقيَّدًا بالتخيير على السواء، وهو الإباحة. وقال فريق ثالث منهم: يبقى الجواز بمعنى رفع الحرج عن الفعل والترك لا على السواء ولا مطلقًا، بل مع رجحان الفعل على الترك؛ فيكون مستحبًا. . . والفرق بين الأقوال الثلاثة المنسوبة إلى القائلين بأنه يبقى الجواز بمعنى رفع الحرج - أن قول الأكثر منهم وهو الأصح الأشهر يجعل الباقي بعد نسخ =","vol":"2","page":344},{"text":"والظاهر (^١) أنهم لم يريدوا غير هذا القسم حيث جعلوا شُبْهة الخصم فيه (^٢): أن الجنس يَتَقَوَّم بالفصل (^٣)، ولا يحسن ذِكْر هذه الشبهة إلا إذا كان النزاع في رفع الحرج الذي هو جنسٌ غيرُ مقيَّد بالتخيير (^٤)، وحينئذ\n_________\n= الوجوب هو الجواز: بمعنى القدر المشترك بين الندب والإباحة والكراهة وخلاف الأولى - في ضمن أيِّ واحد منها. والثاني جَعْل الجواز معيّنًا في الإباحة. والثالث: جَعْله معيّنًا برجحان الفعل على الترك وهو الاستحباب. أما الأول: فهو قضية كلام صاحب المحصول وأتباعه. . . والثاني: هو قضية كلام الغزالي في المستصفى. . . وأما الثالث: وهو الندب. . . أن الطرطوشي حكاه في العُمَد، وقال: وعليه يدل مذهب المالكية. . . وصار إليه بعض الشافعية\". إلى أن قال: \"فمراد المصنف (أي: الببضاوي) بالجواز في كلامه الجواز بمعنى القدر المشترك بدون قيد بالتخيير ولا بغيره، كما يعلم مما سبق\".\nانظر: سلم الوصول شرح نهاية السول ١/ ٢٣٦ - ٢٣٨.\n(^١) في (ت): \"فالظاهر\".\n(^٢) أي: في رفع الحرج.\n(^٣) قال القطبي في شرح الشمسية ص ١٢٦: \"الفصل له نسبة إلى النوع، ونسبة إلى الجنس، أي: جنس ذلك النوع. فأما نسبته إلى النوع فبأنه مقوّم له، أي: داخل في قوامه وجزء له. وأما نسبته إلى الجنس فبأنه مقسِّم له، أي: مُحَصِّلُ قسم له، فإنه إذا انضم إلى الجنس صار المجموع قسمًا من الجنس ونوعًا له. مثلًا: الناطق إذا نُسِب إلى الإنسان فهو داخل في قَوامه وماهيته، وإذا نسب إلى الحيوان صار حيوانًا ناطقًا وهو قسم من الحيوان\".\n(^٤) أي: النزاع إنما هو في رفع الحرج بغير قَيْد، فلا نقيِّده بقيد التخيير والمساواة بين الفعل والترك، ولا بغيره، بل دعوانا في ثبوته وحده من غير أن نتعرض للمساواة =","vol":"2","page":345},{"text":"قد يضعف قولُ الغزالي في الرد عليهم: \"إن هذا بمنزلة قول القائل: كل واجب فهو ندب وزيادة، فإذا نسخ الوجوب بقي الندب ولا قائل به\" (^١)؛ لأنا نقول: المدَّعى بقاءُ الجواز الذي هو قَدرٌ مشتركٌ بين الندب والإباحة والكراهة - في ضِمْنٍ وَاحدٍ (^٢) من الأنواع الثلاثة، لا بقاء نوع منها على التعيين (^٣)، فإنه لا بدَّ له من دليل خاص، فكيف يكون هذا بمنزلة قول القائل: إذا نُسِخ الوجوب بقي الندب! .\nفإن قلتَ: تَحَرَّر مِنْ هذا أن القوم يقولون ببقاء مطلق الجواز مكتسبًا من دلالة الواجب عليه، (والغزالي ينكر كونه مكتسبًا من دلالة الواجب عليه) (^٤)، ولا تَنَازع (^٥) في بقاء رفع الحرج، فالخلاف حينئذ لفظيٌّ (^٦).\nقلت: الغزالي كما سَلَفَت (^٧) الحكاية عنه يقول: إنَّ الحال يعود إلى ما كان عليه من تحريم وإباحة، فهو منازع في أصل بقاء الجواز. ويظهر\n_________\n= التي هي الإباحة، ولا غيرها مما يتضمن رفع الحرج.\n(^١) انظر: المستصفى ١/ ٢٤٠.\n(^٢) قوله: \"في ضمن واحد\" متعلق بقوله: \"بقاء الجواز\".\n(^٣) أي: لا بقاء بالندب بعينه، أو الإباحة بعينها، أو الكراهة بعينها، بل المدعى بقاء القدر المشترك بين هذه الثلاثة، كما سبق بيانه.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ت): \"ولا يُنازع\".\n(^٦) لأن الجميع يقول ببقاء رفع الحرج عن الفعل المنسوخ وجوبُه. هذا كما يدعيه السائل.\n(^٧) في (ك) بياض مكانها.","vol":"2","page":346},{"text":"فائدة الخلاف فيما إذا كان الحال قبل الوجوب تحريمًا فعند الغزالي الفعلُ الآن يعود محرمًا كما كان، وعند القوم أنَّ مطلق الجواز الذي كان داخلًا في ضمن الوجوب باقٍ يصادم ما دلَّ على التحريم، فوضح أن الخلاف معنوي.\nواعلم أنَّ الغزالي قد يقول: إذا اقتضى الأمر مجموع الشيئين، أعني (^١): الأعم والأخص - فالذي يزيل الواحد نازل منزلة المخصِّص بالقياس إلى اللفظ العام؛ ولذلك يجوز اقترانه بالأمر، بأنْ تَرِد (^٢) صيغة: \"افعل\" ويقترن بها ما يدل على أنه لا حرج في تركه، فإنا نحملها على الندب أو الإباحة، ولو كان ناسخًا لما جاز اقترانه به؛ لأن من شرط الناسخ التراخي.\nفإن قلتَ: نحن نسلم أن هذا القيد إذا اقترن لم يكن نسخًا، ولكن لِمَ قلتَ: إنه إذا تأخر وثبت لا يكون نسخًا! .\nقلتُ: بقي النزاع في هذا، ولعل الغزالي لا يُسَمِّي بالنسخ إلا ما رفع حكمَ الخطاب السابق بالكلية، ويعود النزاع لفظيًا (^٣).\nقال: (قيل: الجنس يَتَقَوَّم بالفصل فيرتفع بارتفاعه. قلنا: لا، وإنْ سُلِّم فيتقوم بفَصْلِ عدمِ الحرج).\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"يعني\".\n(^٢) في (ص): \"يرد\".\n(^٣) لأنهم متفقون على رفع الحكم سواء بالكلية أو بالجزئية.","vol":"2","page":347},{"text":"احتج مَنْ قال: إنَّ الجواز لا يبقى فيما إذا قال: نَسَخْتُ الوجوبَ أو حرمةَ الترك - بأنَّ كل فصل فهو علة لوجود الجنس (^١)؛ لاستحالة وجود جنسٍ مُجَرَّدٍ عن الفصول كالحيوانية المطلقة (^٢)، وإليه أشار بقوله: \"يتقوم بالفصل\". أي: يوجَدُ به. وإذا عُلِم هذا فالجواز جنس للواجب، والمكروه، والمندوب، والمباح، وعلةُ وجودِه في كل منها فَصْلُه، فالعلة في وجوده في الواجب فصل الحرج على الترك، فإذا زال ذلك الفصل زال الجواز ضرورةَ زوالِ المعلولِ بزوالِ علته.\nوأجاب أولًا: بأنا لا نسلم أنَّ الجنس يتقوم بالفصل. وتقرير ذلك مُحَال على الكتب (^٣) الحِكْمية، ولئن سَلَّمنا أنه علة له فلا نسلم أنه يلزم من ارتفاع هذا الفصل ارتفاع الجنس؛ لجواز بقائه بفصل آخر يَخْلُف ذلك الفصل: وهو عدم الحرج على الترك، فإنه إذا ارتفع قَيْدُ الوُجوب بقي جنس الجواز ولا دليلَ على الحرج فيتقوم بفصل عدم الحرج، ولا يكون جنسًا مجرّدًا (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المنهج القويم في المنطق الحديث والقديم ص ٨٣.\n(^٢) لأن الماهيات الخارجية مكونة مِنْ جنس وفصل، فلا توجد ماهية بالجنس فقط.\n(^٣) سقطت من (ص)، و(ت).\n(^٤) انظر ما سبق في: المحصول ١/ ق ٢/ ٣٤٢، التحصيل ١/ ٣١٢، الحاصل ١/ ٤٦٢، المستصفى ١/ ٢٤٠، جع الجوامع مع المحلي ١/ ١٧٣، شرح الكوكب ١/ ٤٣٠، نهاية السول ١/ ٢٣٦، السراج الوهاج ١/ ١٧٨، فواتح الرحموت ١/ ١٠٣، تقسيمات الواجب وأحكامه ص ٢٦٥.","vol":"2","page":348},{"text":"واعلم أنَّ خلاف الأصوليين في هذه المسألة (^١) يناظر اختلاف الفقهاء في أنه إذا بطل الخصوص هل يَبْقَى العموم؟ وذلك فيمن صلى الظهر قبل الزوال فإنها لا تنعقد ظهرًا، وفي انعقادها نفلًا هذا الخلاف (^٢). ويضاهيه مسائل:\nمنها: إذا أحال المشتري البائعَ بالثمن على رجلٍ، ثم وجد بالمبيع عيبًا (^٣) فرده، فالأصح أنَّ الحوالة تبطل، وهل للمُحْتَال (^٤) قبضه للمالك (^٥) بعموم الإذن الذي تضمنه خصوص الحوالة؟ فيه هذا الخلاف (^٦).\nومنها: إذا عَجَّل الزكاة بلفظ: هذه زكاتي المعجَّلة فقط. فهل له الرجوع إذا عَرَض مانع؟ أصح الوجهين: نعم، والثاني: يقع\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) فالظهر خاص، والنفل عام، فإذا زال الظهر وهو خاص، هل يزول النفل وهو عام؟ فالنفل عام في كل الصلوات؛ لأنه المدعو إليه والمرغّب فيه، وجميع الفرائض كذلك، وتزيد بوصف الإلزام، فإذا زال هذا الوصف وهو الإلزام، هل يزول العام الذي هو المدعو إليه والمرغب فيه. قال السيوطي: \"إذا تَحَرَّم بالفرض فبان عدم دخول الوقت - بطل خصوص كونها ظهرًا مثلًا، وتبقى نفلًا في الأصح\" الأشباه والنظائر ص ١٨٢.\n(^٣) أي: وجد المشتري بالبيع عيبًا.\n(^٤) وهو البائع.\n(^٥) أي: للمشتري.\n(^٦) المعنى: أن الحوالة تضمنت إذنًا عامًا وخاصًا، فالإذن الخاص هو قبض هذا المال ثمنًا للمبيع ليمتلكه البائع، والإذن العام هو قبض المال من المُحَال إليه، فهل إذا بَطَل الإذن الخاص يبطل الإذن العام؟ فيه خلاف. انظر: العزيز شرح الوجيز ٥/ ١٣٤ - ١٣٧.","vol":"2","page":349},{"text":"نفلًا. وَقَرَّ بهما إمام الحرمين من القولين فيما إذا نوى الظهر قبل الزوال هل يَنْعقد (^١) نفلًا (^٢).\nومنها: الصحيح أنه لا يصح تعليق الوكالة على شَرْطٍ (^٣)، ولو عَلَّق وتصرف الوكيل بعد حصول الشرط (^٤) فأصح الوجهين الصحة؛ لأن الإذن حاصل وإنْ أفسد (^٥) العقد (^٦).\n_________\n(^١) في (ت): \"تنعقد\".\n(^٢) انظر: العزيز شرح الوجيز، ٣/ ٢٦ - ٢٧.\n(^٣) في نهاية المحتاج ٥/ ٢٨: \"من صفة أو وقت\"، فلا يصح تعليق الوكالة - على الأصح عند الشافعية - بصفة أو وقت.\n(^٤) قال ابن حجر الهيتمي: \"كأنْ وكَّله بطلاق زوجة سينكحها، أو ببيعٍ أو عتقِ عبدٍ سيملكه، أو بتزويج بنته إذا طلقت وانقضت عدتها، فطلَّق بعد أن نكح، أو باع أو أعتق بعد أن ملك، أو زوَّج بعد العدة - نفذ عملًا بعموم الإذن\" تحفة المحتاج ٥/ ٣١١.\n(^٥) في (ص): \"فسد\".\n(^٦) فالوكالة إذا عُلِّقت على شَرْطٍ فهي وكالة فاسدة، فلو حصل هذا وتصرف الوكيل بعد حصول الشرط، فأصح الوجهين الصحة؛ لأن الإذن حاصل وإن فسد عقد الوكالة، فالإذن عام، وفساد عقد الوكالة خاص؛ لأن الإذن يشمل الوكالة من حيث هي صحيحة أو فاسدة، فإذا فسد عقد الوكالة بقي الإذن لأنه عام. قال في نهاية المحتاج ٥/ ٢٨: \"والإقدام على التصرف بالوكالة الفاسدة جائز، كما قاله ابن الصلاح؛ إذ ليس من تعاطي العقود الفاسدة؛ لأنه إنما قدم على عقد صحيح، خلافًا لابن الرفعة\". وانظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٨٢، الأشباه والنظائر للسبكي ١/ ٩٦.","vol":"2","page":350},{"text":"وخالف الشيخ أبو محمد وقال: لا اعتبار بما يتضمنه العقدُ الفاسدُ من الإذن (^١).\nومنها: لو قالت: وَكَّلْتك بتزويجي. قال الرافعي: فالذين لقيناهم من الأئمة لا يعتدون به إذنًا؛ لأن توكيل المرأة في النكاح باطل (^٢). قال: لكن الفرع غير مسطور (^٣)، ويجوز أن يُعتد به إذنًا لما ذكرناه في الوكالة (^٤).\nقلت: ويتجه بناءُ فروعٍ على هذا الأصل لم أَرَ مَنْ بناها:\nمنها: قال الماوردي (^٥): إذا فسدت الشركة بطل أصل الإذن في التصرف، ولم يجز لواحد منهما (^٦) التصرف في جميع المال (^٧). وينقدح لك\n_________\n(^١) انظر: العزيز شرح الوجيز ٥/ ٢٢١.\n(^٢) انظر: العزيز شرح الوجيز ٥/ ٢١٥.\n(^٣) أي: غير منصوص عليه في كتب الفقهاء السابقين.\n(^٤) المعنى: أن توكيل المرأة بتزويجها باطل؛ لأن المرأة لا تملك تزويجها، ولا يصح العقد منها، فكيف يصح توكيلها فيه! لكن فساد التوكيل لا يلزم منه فساد الإذن، لأن التوكيل متضمن للإذن، فإذا فسد الخاص وهو التوكيل لا يلزم منه فساد العام وهو الإذن، أي: أن المرأة راضية بالزواج.\n(^٥) هو علي بن محمد بن حبيب البصريّ، أبو الحسن الماورديّ الشافعيّ، الإمام العلامة صاحب التصانيف. من مصنفاته: \"الحاوي\" الذي لم يُصَنَّف مِثْلُه كما قال الإسنويّ، والأحكام السلطانية، وأدب الدنيا والدين. توفي ﵀ سنة ٤٥٠ هـ، ودفن ببغداد. انظر: الطبقات الكبرى ٥/ ٢٦٧، طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٣٠، وفيات ٣/ ٢٨٢.\n(^٦) أي: من الشريكين.\n(^٧) انظر: الحاوي ٨/ ١٧٠.","vol":"2","page":351},{"text":"أن تحكم بجريان الخلاف في الوكالة (^١).\nومنها: إذا باع بلفظ السَّلم (^٢)، فإنه ليس بسلم قطعًا (^٣)، وفي انعقاده بيعًا قولان: أظهرهما لا، وبناهما الأصحاب على أن الاعتبار باللفظ أو بالمعنى (^٤)، ويتجه بناؤهما، على هذا الأصل أيضًا (^٥).\nومنها: إذا شَرَطا الخيار لثالث وأبطلناه - فهل يكون الخيار لهما؛ لكونهما شَرَطا مطلق الخيار؟ يتجه فيه هذا البناء (^٦).\n_________\n(^١) يعني: لك أن تحكم هنا في الشركة بجريان الخلاف في الوكالة السابق ذِكْره، ففساد الشركة على هذا لا يمنع الإذن العام في التصرف، أي: أن يتصرف كل واحدٍ منهما لمصلحة الآخر بناءً على الإذن العام، لا بخصوص عقد الشركة.\n(^٢) كأن يقول: أسلمت إليك هذا المبيع بالثمن الفلاني.\n(^٣) لأن شرط السلم أن يكون المُسْلم فيه - وهو المبيع - دينًا.\n(^٤) أي: على قاعدة أن الاعتبار باللفظ أو بالمعنى، والراجح هنا الاعتبار باللفظ، أي: فلما كان لفظ \"السلم\" يقتضي كونه دينًا، والبيع بخلافه لم ينعقد بيعًا. ومَنْ نظر إلى المعنى وهو أن كل سلم بيعٌ - قال بانعقاده بيعًا. انظر: شرح المحلي على منهاج النووي ٢/ ٢٤٦، وفي حاشية قليوبي على شرح المحلي: قال البلقيني: وليس لنا عقد يتوقف على لفظٍ بعينه إلا السَّلَم والنكاح والكتابة.\n(^٥) فالسلم خاص، والبيع عام، فهل إذا بطل السلم يبقى البيع؟ فيه خلاف.\n(^٦) يعني: لو اشترط البائع والمشتري خيار رجل ثالث؛ لكونه أعرف بالمبيع مثلًا، فإذا رضي البيعَ لهما أمضياه وإلا فسخاه. وشَرْط خيار الأجنبي في البيع فيه خلاف، فإذا قلنا ببطلان هذا الشرط فهل يبقى حق الخيار لهما أم يسقط؟ يتجه بناء هذه المسألة على قاعدة إذا بطل الخصوص هل يبطل العموم، والخصوص هنا هو خيار الأجنبي، والعموم هو مطلق الخيار؟ قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع ٩/ ١٩٦، ١٩٧: =","vol":"2","page":352},{"text":"ومنها: إذا أحال بالدراهم على الدنانير أو بالعكس - لم يصح، سواء قلنا: الحوالة استيفاء أم اعتياض. قال صاحب \"التتمة\": \"ونعني بقولنا: إنها غير صحيحة أن الحقَّ لا يتحول بها من الدنانير إلى الدراهم وبالعكس، ولكنها إذا جَرَت فهي حوالة على من لا دين عليه وفيها خلاف\" (^١).\nقلت: وإنما تكون حوالةً على مَنْ لا دين عليه ببطلان خصوصِ الحوالة على الوجه الذي أورده - إذا قلنا: إنَّ الخاص إذا ارتفع يبقى العام.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-211>(السابعة: الواجب لا يجوز تركه. قال الكعبي: فعل المباح ترك الحرام وهو واجب. قلنا: لا بل به يحصل)</span>.\nالقصد بهذه المسألة أن ما يجوز تركه لا يكون فعله واجبًا، والخلاف في هذا الفصل مع فرقتين:\n_________\n= \"قال أصحابنا: يجوز شرط الخيار للعاقدَيْن ولأحدهما بالإجماع. فإنْ شَرَطه لأجنبي فقولان مشهوران أصحهما باتفاق الأصحاب: يصح البيع والشرط، وهو الأشهر من نصوص الشافعي ﵀. والقول الثاني: أن البيع باطل. قال أصحابنا: ولا فرق على القولين بين أن يشرطا جميعًا أو أحدهما الخِيارَ لشخصٍ واحد، أو يشرط أحدهما لواحد، والآخرَ لآخرَ، فلو شرطه أحدهما لزيد من جهته، وشرطه الآخر لزيد أيضًا من جهته - صح على قولنا بصحته للأجنبي. قال أصحابنا: فإذا قلنا بالأصح أنه يثبت الخيار للأجنبي المشروط له، فهل يثبت للشارط أيضًا؟ فيه خلاف مشهور على وجهين أو قولين: أحدهما: يثبت له أيضًا، وصححه الرُّوياني. وأصحهما عند الجمهور لا يثبت\" مع اختصار وتصرف.\n(^١) انظر: العزيز شرح الوجيز ٥/ ١٣١.","vol":"2","page":353},{"text":"الأولى: الكعبية (^١): فنقول: لاح من قول أبي القاسم الكعبي وهو البلخي وشيعتِه إنكار المباح، وقد خالفوا في ذلك عصابة المسلمين حيث أجمعوا على انقسام الأحكام إلى الخمسة، ولا بد من تلخيص محل النزاع ليقع الحِجاج على محزٍّ واحد.\nواعلم أن إنكارهم المباح يحتمل وجهين:\nأحدهما: أنه ليس فِعْلٌ مِنْ أفعال المكلفين بمباح أصلًا (^٢)، وقد صرح بحكاية هذا عن الكعبي جماعةٌ، منهم إمام الحرمين في البرهان فإنه قال: إن الكعبي أنكر المباح في الشريعة (^٣). وكذلك نقل أبو الفتح بن بَرْهان في \"الوجيز\" (^٤) والآمدي (^٥) وغيرهم، وهذا ظاهر الفساد.\n_________\n(^١) قال عبد القاهر البغدادي في \"الفرق بين الفرق\" ص ١٨١ - ١٨٢: \"هؤلاء أتباع أبي القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخيّ، المعروف بالكعبي، وكان حاطب ليلٍ يدعي في أنواع العلوم، على الخصوص والعموم، ولم يحظ في شيءٍ منها بأسراره، ولم يُحط بظاهره فضلًا عن باطنه. . . والكعبية تعتقد أنه ليس لله تعالى إرادة على الحقيقة، وأن المقتول ليس بميت، وأنه يجب على الله فعل الأصلح في باب التكليف، وغيرها من العقائد الباطلة\". ثم قال: \"والبصريون من المعتزلة يكفِّرون البغداديين منهم، والبغداديون يكفِّرون البصريين، وكلا الفريقين صادق في تكفير الفريق الآخر كما بيناه في كتاب فضائح القدرية\".\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) عبارته في البرهان ١/ ٢٩٤: \"مما يتعلق بالمناهي الردُّ على الكعبي في مصيره إلا أنه لا مباح في الشريعة\".\n(^٤) انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ١٦٧.\n(^٥) انظر: الإحكام ١/ ١٧٧.","vol":"2","page":354},{"text":"والثاني: وهو الذي أشعر به دليله، أنَّ كل فعل يُوصف بأنه مباح باعتبار ذاته - فهو واجب باعتبار أنه يترك به الحرام، ولا يكون الكعبي حينئذ مفاجئًا بإنكار المباح، وقد نقل عنه القاضي في \"مختصر التقريب\" (^١) والغزالي في \"المستصفى\" (^٢): أن المباح مأمور به دون الأمر بالندب، والندب دون الأمر بالإيجاب. (وقد) (^٣) صَرَّح في \"مختصر التقريب\" بأنه لا يُسمِّي المباح واجبًا، ولا الإباحة إيجابًا (^٤).\nإذا عرفتَ ذلك فقد اسْتَدل الكعبي على (^٥) هذا: بأن فعل المباح تَرْك الحرام؛ لأنه ما مِنْ مباح إلا وهو تركٌ لمحظور (^٦)، وترك الحرام واجب؛ فيلزم أن يكون فِعْل المباح وَاجبًا من جهة وقوعه تَركًا لمحظور (^٧).\nوأجاب عنه المصنف: بأنا لا نسلِّم أن فعل المباح هو نفس ترك الحرام، يعني: أنه يلزم من فعل المباح ترك الحرام، ولا يلزم من ترك الحرام فعل المباح؛ لجواز تَرْكه بواجب أو مندوب، فلا يكون المباح تَرْكَ الحرام، بل شيئًا يحصل به تَرْكُه، لما عرفت من أن تركه قد يحصل به، وقد يحصل بغيره، فلم ينحصر تَرْكه في المباح.\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ١/ ٢٥١.\n(^٢) انظر: المستصفى ١/ ٢٤٢.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: التلخيص ١/ ٢٥١.\n(^٥) في (ت): \"في\".\n(^٦) في (ت): \"المحظور\".\n(^٧) أي: المباح في ذاته ليس واجبًا، ولكنه وسيلة لترك المحظور، فيكون واجبًا بالعَرَض.","vol":"2","page":355},{"text":"وقد ضَعَّف الآمدي وغيره هذا الجواب، وقال (^١): هو صادر ممن لم يَعْلم عَوْر (^٢) كلامه، فإنه إذا ثبت أنَّ تَرْكَ الحرام واجب، وأنه لا يتم بدون التلبس بضد من أضداده، وقد تقرر أنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالتلبس (^٣) بضدٍ من أضداده واجب، غايته أن الواجب مِنَ الأضدادِ غيرُ معين قبل تعيين المكلّف له، ولكن لا خلاف في وقوعه واجبًا بعد التعيين. وقال: \"لا خلاص عنه إلا بمنع وجوب المقدمة. قال: \"وغاية ما أُلْزم أنه لو كان الأمر على ما ذكرت لكان المندوب، بل المحرم إذا تُرِك به محرمٌ آخر، كالزنا إذا حصل به ترك القتل - أن يكون واجبًا، وكان يجب أن تكون الصلاة حرامًا على هذه القاعدة عند ما إذا ترك بها واجبًا آخر، وله أن يجيب: بأنه لا مانع من الحكم على الفعل الواحد بالوجوب والتحريم بالنظر إلى جهتين مختلفتين كما في الصلاة في الدار المغصوبة\" قال: \"وبالجملة إن استُبْعد فهو غاية العَوَص (^٤) والإشكال،\n_________\n(^١) في (ص): \"وقالوا\". وهو خطأ؛ لأن قائل هذا الكلام الآمدي في \"الإحكام\". والظاهر أن ناسخ (ص) تصرف من عنده، لما رأى قوله: \"وقد ضعف الآمدي وغيره\"، فظن أن القائل هو الآمدي وغيره.\n(^٢) في (ص): \"غور\"، وفي (ت): \"محوز\".\nوالمثبت موافق لما في الإحكام: ١/ ١٩٦.\n(^٣) في (غ): \"والتلبس\".\n(^٤) في (غ)، و(ك): \"الغَوْص\". وهو الموافق لما في الإحكام ١/ ١٧٨، والأحسن ما أثبتُّه؛ إذ المعنى أنه في غاية الصعوبة.","vol":"2","page":356},{"text":"وعسى أن يكون عند غيري حَلُّه\" (^١).\nقلت: وهذا صحيح، ولكنا نقول للكعبي: نحن لا ننكر أن الإباحة تقع ذرائع إلى الانكفاف (عن المحظور، كغيرها من الأفعال التي يلزم منها الانكفاف) (^٢) عن غيرها، ووقوعها كذلك لا يخرجها عن أن تكون في نفسها مباحةً، فتَرْك الحرام الذي لَزِم عن فعل المباح ليس هو نفس فعل المباح بل أمرٌ وراءه، وإنْ زعم أنها ذات جهتين فلا ننازعه في ذلك، ولكن ننكر عليه تخصيصَه المباح بذلك، وقد بَيَّنا أنه لا يختص به. ويعظم النكير عليه في إنكاره أصلَ المباح في الشريعة إنْ صَحَّ عنه، وما ذكره من الدليل لا يقتضي ذلك (^٣).\nقال: (وقالت الفقهاء: يجب الصوم على الحائض والمريض والمسافر؛ لأنهم شهدوا الشهر وهو موجب، وأيضًا عليهم القضاء بقَدْره. قلنا: العذر مانع، والقضاء يتوقف على السبب لا الوجوب، (وإلا لما وجب قضاء الظهر على من نام جميع الوقت) (^٤».\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ١/ ١٧٧ - ١٧٨ مع بعض التصرف من الشارح وحذفٍ وزيادة.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) يعني: ما ذكره الكعبي من الدليل لا يقتضى إنكاره المباح، فهو يقول بوجوبه من جهة العَرضَ لا من جهة الذات، ولكن يبقى الإنكار على الكعبي في تخصيصه ذلك الأمرَ بالمباح، لأن ترك الحرام يصح بكل فعل سواء كان واجبًا أو حرامًا أو مندوبًا أو مكروهًا، فتخصيص الكعبي هذا الحكم بالمباح غير صحيح.\n(^٤) سقطت من (ت)، و(ك)، و(غ).","vol":"2","page":357},{"text":"الفرقة الثانية: كثير من الفقهاء، فإنهم خالفوا في ذلك، وزعموا أن الصوم واجب على الحائض (والمسافر والمريض) (^١) مع أنهم يجوز لهم تركه.\nوقد احتجوا على مذهبهم: بأن هؤلاء شهدوا الشهر فيجب الصوم عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٢)، وبأن القضاء يجب عليهم بقدر ما فاتهم، وذلك دليل على أنه بدل عنه.\nوأجاب (عن الأول) (^٣): بأن شهود الشهر إنما يكون موجِبًا للصوم عند انتفاء الأعذار، والعذر هنا قائم، أما في الحائض فلأن الشرع منعها من الصوم، وأما في المسافر فلأنه جعل السفر مانعًا من تحتم الصوم فيه، وأما في المريض فلعدم القدرة إن كان عاجزًا، أو بمنع الشرع إنْ أفضى به إلى هلاك نفسه، أو بمنع الشرع من الإيجاب كالمسافر إن لم يفض إلى ذلك.\nوعن الثاني: بأن القضاء إنما يتوقف على تحقق سبب الوجوب في الوقت، (وسبب الوجوب وهو شهود الشهر متحقق فيما نحن فيه في الوقت) (^٤)، ولا يتوقف على وجوب الأداء، وإلا لما وجب قضاء الظهر على مَنْ نام جميع الوقت؛ لعدم تحقق الوجوب عليه؛ لإفضائه\n_________\n(^١) في (غ)، و(ك): \"المريض والمسافر\".\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١٨٥.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"2","page":358},{"text":"إلى تكليف الغافل (^١).\nوذهب الإمام إلى أنه لا يجب على الحائض والمريض ألبتة، ويجب على المسافر صوم أحد الشهرين: إما الحاضر أو آخر غيره، وأيَّهما أتى به فهو الواجب، كما في الكفارات (^٢). (وهذا هو مذهب القاضي نَصَّ عليه في التقريب) (^٣) (^٤). ونقل الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\" هذا عن بعض الأشعرية (^٥).\nفإنْ قلت: هذا مدخول؛ لأن المريض يجوز له الصوم كالمسافر فلْيُسَوِّ الإمام بينهما.\nقلت: المريض إنْ أفضى به الصوم إلى هلاك نفسه أو عضوه فإنه يحرم عليه الصوم، ويساوي الحائضَ والحالة هذه. وإن لم يفض به إلى ذلك، بل خاف منه مجرد زيادة العلة أو طول البرء - فالمسألة مختلف فيها، وكذا لو خَاف المرض (^٦) المَخُوف، فلعل الإمام يَرَى في كلِّ هذه الصور أنه لا يجوز\n_________\n(^١) ففي هذه الصورة وُجد سبب الوجوب، لكن الواجب القضاء لا الأداء.\n(^٢) المحصول ١/ ق ٢/ ٣٥٠. ويُفهم من كلام الإمام أن وجوب الصوم على المسافر من قبيل الواجب المخيَّر، أما صوم الحائض والمريض فلم يتعلق وجوبه بهما، لا أن المعنى أنه غير لازم عليهما، فهذا متفق عليه، ولكن الخلاف في كون الوجوب هل تعلق بهما حالة العذر أم لا؟ .\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: التلخيص ١/ ٤٢٢ - ٤٢٥.\n(^٥) انظر: شرح اللمع ١/ ٢٥٤.\n(^٦) في (ت): \"المريض\". وهو خطأ.","vol":"2","page":359},{"text":"له الإفطار فلا معترض عليه.\nوقد قال الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\": \"إن الخلاف في هذه المسألة مما يعود إلى العبارة ولا فائدة له؛ لأن تأخير الصوم حالة العذر جائز بلا خلاف، والقضاء بعد زواله واجب بلا خلاف\" (^١).\nقلت: وقد نقل ابن الرفعة أنَّ بعضهم قال بظهور فائدة الخلاف، إذا قلنا: إنه يجب التعرض للأداء أو القضاء في النية. وقد يقال بظهور فائدة الخلاف أيضًا فيما إذا طافت المرأة ثم حاضت قبل ركعتي الطواف هل تقضيهما؟ فقد حكى النووي في \"شرح المهذب\" (^٢) عن ابن القاص (^٣) والجرجاني (^٤) في \"المعاياة\" أن ركعتي الطواف تقضيهما الحائض؛ لأنهما لا يتكرران (^٥) (^٦). قال: وأنكر الشيخ أبو عليٍّ\n_________\n(^١) انظر: شرح اللمع ١/ ٢٥٤، مع تصرف من الشارح.\n(^٢) انظر: المجموع ٢/ ٣٥٣.\n(^٣) أحمد بن أبي أحمد الطبريّ المعروف بابن القاصّ، الإمام الفقيه، شيخ الشافعية. قال الشيخ أبو إسحاق: \"كان ابنُ القاصِّ من أئمة أصحابنا، صَنَّف المصنفات\"، منها: التلخيص، المفتاح، المواقيت، توفي مرابطًا بطرسوس سنة ٣٣٥ هـ.\nانظر: وفيات ١/ ٦٨، سير ١٥/ ٣٧١، الطبقات الكبرى ٣/ ٥٩.\n(^٤) هو أحمد بن محمد بن أحمد، القاضي أبو العباس الجُرْجَانيّ الشافعيّ، كان قاضيًا بالبصرة ومُدَرِّسًا بها، إمامًا في الفقه والأدب. من مصنفاته: المعاياة، الشافي، التحرير. توفي سنة ٤٨٢ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٤/ ٧٤، طبقات ابن هداية الله ص ١٧٨.\n(^٥) في (غ): \"تتكرران\".\n(^٦) انظر: المعاياة للجرجاني ص ٦٣.","vol":"2","page":360},{"text":"السِّنْجيّ (^١) هذا، وقال: الوجوب لم يكن في زمان الحيض فكيف يسمى قضاء! قال النووي: وما قاله الشيخ (^٢) أبو علي: هو الصواب، لأن ركعتي الطواف لا يدخل وقتهما إلا بالفراغ من الطواف، قال: فإن قُدِّر أنها طافت ثم حاضت عقب الفراغ من الطواف (^٣) - صح ما ذكراه إن سُلِّم لهما ثبوتُ ركعتي الطواف في هذه الصورة (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) هو الإمام الحسين بن شعيب بن محمد السِّنْجيّ أبو عليّ الشافعيّ، من قرية سِنْج، وهي من أكبر قُرى مَرْو. كان فقيه العصر، وعالم خراسان، وأول من جمع بين طريقتي العراق وخراسان، وهو والقاضي الحسين أنجب تلامذة القفَّال. من مصنفاته: شرح المختصر، وشرح تلخيص ابن القاص، وشرح فروع ابن الحداد وهو من أنفس كتب المذهب. توفي سنة ٤٣٠ هـ، وقال الذهبي ﵀: سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة. انظر: الطبقات الكبرى ٤/ ٣٤٤، سير ١٧/ ٥٢٦.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: فورًا؛ لأن المسألة مفروضة لتعلق وجوب قضاء ركعتي الطواف بالحائض.\n(^٤) المعنى: أن الصلاة لا تلزم الحائض، ولا يجب عليها القضاء، فقال ابن القاص والجرجاني بوجوب قضاء ركعتي الطواف على الحائض، والعلة في إيجاب قضائهما أن هاتين الركعتين لا تتكرران كالصلوات الخمس، فلعدم تكررهما وجب قضاؤهما. وأنكر الشيخ أبو علي السنجي ذلك وقال: كيف يجب القضاء مع أن الوجوب ساقط في زمن الحيض، لأن الحائض لا تجب عليها الصلاة، فكيف نوجب القضاء مع أن الوجوب ساقط حال الحيض! وهذا الذي قاله السنجي هو الصواب لكن قال النووي: لو قدر أنها طافت ثم حاضت عقب الفراغ من الطواف فورًا يمكن أن يقال: إنها تقضي ركعتي الطواف إنْ سُلِّم وجوب ركعتي الطواف في هذه الصورة.\n(^٥) انظر ما سبق في: المحصول ١/ ق ٢/ ٣٤٨، التحصيل ١/ ٣١٣، الحاصل ١/ ٤٦٣، شرح اللمع ١/ ٢٥٤، المستصفى ١/ ٢٤٢، جمع الجوامع مع المحلي =","vol":"2","page":361},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ١/ ١٦٧ - ١٧٠، ١٧٢، نهاية السول ١/ ٢٥٠، السراج الوهاج ١/ ١٨٠، البحر المحيط ١/ ٣٧٠، البرهان ١/ ٢٩٤، تيسير التحرير ٢/ ٢٢٦، الإحكام ١/ ١٧٧، شرح الكوكب ١/ ٤٢٤.","vol":"2","page":362},{"text":"الباب الثاني: أركان الحكم\nالفصل الأول: الحاكم","vol":"2","page":363},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-212>(الباب الثاني: فيما لا بد للحكم منه. وهو الحاكم، والمحكوم عليه، وبه</span>. وفيه ثلاثة فصول:\nالأول: في الحاكم\nوهو الشرع دون العقل؛ لِمَا بَيَّنَّا من فساد الحُسْن والقبح العقليَّيْن في كتاب \"المصباح\").\nهذا الباب معقودٌ لأركان الحكم، وهي ثلاثة: الحاكم، والمحكوم عليه، والمحكوم به.\nالأول: في الحاكم: وهو الشرع (فلا تَحْسين) (^١) ولا تقبيح لِغيره (^٢). وذهبت المعتزلة إلى أن العقل له صلاحية الكشف عنهما (^٣)، وأنه (لا تَفْتَقر معرفة) (^٤) أحكام الله تعالى إلى ورود الشرائع، وإنما الشرائع مؤكِّدة لما\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص): \"بغيره\".\n(^٣) أي: عن التحسين والتقبيح، وهذا هو مذهب الحنفية، لكنهم يفترقون عن المعتزلة في إثبات الحكم، فالمعتزلة يثبتونه بمقتضى الحسن والقبح العقلي، والحنفية فريقان: بعضهم لا يُثبت به أيَّ حكمٍ، وبعضهم يثبت به وجوبَ الإيمان، وحرمةَ الكفر وكلِّ ما لا يليق بجنابه تعالى. انظر: فواتح الرحموت ١/ ٢٥ - ٢٩. وتأمل عبارة الشارح رحمه الله تعالى في قوله: له صلاحية الكشف عنهما، التي تدل على أن المعتزلة لم يريدوا بحكم العقل إلا كونه دليلًا على حكم الله تعالى، لا أن العقل بحكم بذاته، وإذا وُجد من كلام الأصوليين عبارات تُوهم هذا - فهو نوع من التوسع في التعبير، وإلا فالمراد هو هذا.\n(^٤) في (ت): \"لا يُفتقر إلى معرفة\".","vol":"2","page":365},{"text":"تَقْضِي به العقول، إما بالضرورة: كحُسْن الصدق النافع وقُبْح الكذب الضار، أو بالنظر: كحسن الكذب النافع (^١)، أو باستعانة الشرع: كحسن صوم آخر يومٍ من رمضان، وقُبْح أول يوم من شوال.\nواعلم أنَّ الحسن والقبح قد يُراد بهما: كونُ الشيء ملائمًا للطبع ومنافرًا، أو: كونُ الشيء صفةَ كمالٍ أو صفة نقصٍ، كقولنا: العلم حسن، والجهل قبيح. وبهذا التفسير (^٢) لا نزاع في كونهما عقليين، إنما النزاع في كون الفعلِ متعلَّقَ الذمِّ عاجلًا والعقابِ آجلًا (^٣)؛ ولذلك قال القاضي في \"مختصر التقريب\": \"إنما المقصد (^٤) تحقيق ما يحسن في قضية التكليف ويقبح\" (^٥).\nوتفاصيل هذه المسألة، وحججُ الأصحاب فيها - مبسوطةٌ في الكتب الكلامية (^٦)، والمصنف أحال القول (^٧) في ذلك على كتابه\n_________\n(^١) قال صفي الدين الهندي حاكيًا مذهب المعتزلة ومُوَافقيهم: \"العقل قد يحكم استقلالًا بحسن بعض الأفعال وقبحه، تارة ضرورة: كحسن الصدق النافع، والإيمان، وقبح الكذب الضار. . وتارة نظرًا: كحسن الصدق الضار، أو قبحه، وقبح الكذب النافع، أو حسنه، على قدر اختلاف المضرة والنفع\". نهاية الوصول ٢/ ٧٠٦، ٧٠٧.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: يذم في الدنيا، ويعاقب في الآخرة.\n(^٤) في (ت): \"القصد\". والمُثْبت موافق لما في \"التلخيص\".\n(^٥) التلخيص ١/ ١٥٤.\n(^٦) انظر: المطالب العالية للرازي ٣/ ٢٨٩، شرح جوهرة التوحيد ص ٤٧.\n(^٧) سقطت من (ت)، و(غ).","vol":"2","page":366},{"text":"\"مصباح الأرواح\".\nفإن قلت: قد عُلم مذهبُ أهل السنة ﵃ في أن الأحكام إنما تثبت من جهة الشرع ولا شيء منها عقلي (^١)، فما معنى ما يأتي في عبارة أهل السنة من الفقهاء من قولهم: هذا حرام بالعقل، وهذا جائز بالعقل وما شابه ذلك؟\nقلت: هذا سؤال لنا غرض صحيح في الجواب عنه؛ لوقوف جماعة من الشاذِّين (^٢) في الفقه على أمثال هذه العبارة، ووقوع الريب في قلوبهم من قائلها، والكلام عليه وإنْ كان كالدخيل في هذا الشرح، إلا أنَّ غيرنا لا\n_________\n(^١) يريد بأهل السنة الأشاعرة وموافقيهم، وإلا فقد سبق النقل عن الحنفية أنهم يرون أن الأحكام عقلية بمعنى أنهم يقولون في الأفعال الاختيارية جهةُ حسن أو قبح عقلية، بها تصلح الأفعال للأمر بها تارة، وللنهي عنها تارة أخرى، وفريق من متقدميهم أثبت حكمًا وتكليفًا بذلك (أي: قبل البعثة) وهو وجوب الإيمان وحرمة الكفر، وحرمة ما لا يليق بذات الله تعالى كالكذب والسفه، والمتأخرون منهم لم يثبتوا بالحسن والقبح العقلي أيَّ حكمٍ؛ ولذلك في \"مسلم الثبوت\" وشرحه: (وعندنا) معشر الماتريدية والصوفية الكرام من معظم أهل السنة والجماعة (وعند المعتزلة عقلي، أي: لا يتوقف على الشرع، لكن عندنا) من متأخري الماتريدية (لا يستلزم) هذا الحسنُ والقبح (حكمًا) من الله سبحانه (في العبد، بل يصير موجِبًا لاستحقاق الحكم من الحكيم الذي لا يرجِّح المرجوح) فالحاكم هو الله تعالى، والكاشف هو الشرع (فما لم يحكم) الله تعالى بإرسال الرسل وإنزال الخطاب (ليس هناك حكم).\nانظر: فواتح الرحموت ١/ ٢٥، وانظر: تيسير التحرير ٢/ ١٥٠، سلم الوصول ١/ ٢٥٨.\n(^٢) في (ص): \"الشاكين\".","vol":"2","page":367},{"text":"يقوم به فَلْنُفِدْه طالبَه.\nفنقول: المراد من ذلك إما القياسُ، وإما أن القاعدة الكلية لما ثبتت من الشرع ورأينا الفرع الجزئي من جملة أقسامها - أدرك العقل دخوله في القاعدة، فقيل: ثبت بالعقل، وهذا معناه كما نقول: الوتر يُصَلَّى على الراحلة، وكلُّ ما يُصَلَّى على الراحلة فهو سنّة، فالوتر سنّة بالعقل. بمعنى أن العقل أدرك النتيجة، لا أنه جعل الوتر سنةً.\nومن هذا القبيل أن الشافعي - ﵁ - أطلق القول في \"المختصر\" بتعصية الناجش (^١): وهو الذي يزيد في ثمن السلعة المعروضة للبيع وهو غير راغب فيها؛ ليخدع الناس ويرغبهم فيها (^٢). وشَرَط في تعصية مَنْ باع على بيع أخيه أن يكون عالمًا بالحديث الوارد فيه.\nقال الشارحون: السبب فيه أن النَّجْش خديعة، وتحريم الخديعة واضح لكل أحدٍ، معلومٌ من الألفاظ العامة، وإن لم (^٣) يَعْلم هذا الخبر بخصوصه.\n_________\n(^١) في هامش (ص) ١/ ١١٦، تعليق: هذا الذي أطلقه في \"المختصر\" من تعصية الناجش، قد صَرَّح في \"الأم\" بخلافه، فنصَّ في اختلاف العراقيين على أن النجش لا يحرم إلا على مَنْ علم يمكن النهي، فيحمل إطلاق \"المختصر\" على تقييد \"الأم\". اهـ. وانظر: نَصَّ الشافعي ﵁ في الأم ٣/ ٩١.\n(^٢) في المصباح ٢/ ٢٦١: \"نَجَش الرجل نَجْشًا، من باب قتل: إذا زاد في سلعة أكثر من ثمنها، وليس قصده أن يشتريها، بل ليَغُرَّ غيره، فيُوقعه فيه، وكذلك في النكاح وغيره، والاسم النَجَش، بفتحتين. . . وأصل النجش: الاستتار؛ لأنه يستر قصده، ومنه يقال للصائد: ناجش لاستتاره\". وانظر: لسان العرب ٦/ ٣٥١، القاموس المحيط ٢/ ٢٨٩، مادة (نجش).\n(^٣) سقطت من (ت).","vol":"2","page":368},{"text":"والبيع على بيع الأخ إنما عُرف تحريمه من الخبر الوارد فيه؛ فلا يعرفه من لا يعرف الخبر. وذكر بعضهم أن تحريم الخداع يُعْرف بالعقل وإن لم يرد شرع. واعترض الرافعي ﵀ على هذا بأنه ليس معتقدَنا.\nولك أن تجمع بين كلام الشارحِين وهذا الكلام: بأن الخديعة لما كانت محرمة من الألفاظ العامة أدرك العقل تحريم النجش؛ لأن كل نجش خديعة، وكل خديعة حرام، ينتج: النجش حرام. ومراده بقوله (^١): وإن لم يرد شرع، أي: خبرٌ خاصٌّ لا القول بأن العقل يحسن ويقبح كما فهمه الرافعي.\nفإن قلت: فالبيع على بيع الأخ إضرار، وكما يُعْرف تحريم النجش (من الألفاظ العامة في تحريم الخداع، يعلم تحريم البيع على البيع) (^٢) من الألفاظ العامة في تحريم الإضرار.\nقلت: كذا اعترض به الرافعي ﵀، ولكن لقائل أن يقول: (لا يؤخذ) (^٣) البيع على بيع الأخ من الألفاظ العامة في الإضرار، بخلاف النجش، والفرق أن النجش لا يَجْلب للناجِش مصلحةً؛ لأنه لا غرض له إلا الزيادة في ثمن السلعة؛ ليجلب نفعًا لصاحبها يلزم منه الإضرار بالمشتري، وجلب منفعةٍ لشخصٍ بإضرارِ آخرَ حرامٌ - واضحٌ من القواعد المقررة. وأما البيع على البيع فهو يدعو أخاه إلى فسخ البيع ليبيعه خيرًا منه\n_________\n(^١) أي: هذا القائل الذي قال: إن تحريم الخداع يُعْرف بالعقل وإن لم يرد شرع.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ص): \"لا يوجد\". وهو خطأ.","vol":"2","page":369},{"text":"بأرخصَ - ففيه جلب منفعةٍ له من حيث ترويج سلعته، وللمشتري من جهة شراء الأجود بأرخص، فهاتان مصلحتان لم (^١) يعارضهما إلا مفسدةٌ (وهي غير محقَّقة؛ لجواز (^٢) أن البائع الأول يبيع سلعته إذا فسخ البيعَ) (^٣) فيها - مِن مشترٍ آخر بذلك الثمن أو أزيد، فلا يلزم مِنْ تحريمِ جلبِ منفعةِ واحدٍ، لازمُها وقوعُ مفسدةٍ في صورة النجشِ - تحريمُ جلبِ منفعةِ اثنين بمجرد ظنِّ ترتبِ مفسدةٍ عليها. فوضح أن العقل لم يكن قبل ورود الخبر الخاص في البيع على البيع لِيُدْرك تحريمه؛ لما ذكرناه بخلاف النجش.\nواعلم أيضًا أنه يأتي في عبارات بعض الأصحابِ ما يؤخذ منه قاعدة التحسين والتقبيح، أو يستلزم قاعدة التحسين والتقبيح، كقول أبي العباس بن سريج (^٤) وأبي علي بن أبي هريرة والقاضي أبي حامد المروروذي (^٥):\n_________\n(^١) في (غ): \"لا\".\n(^٢) سقطت من (ك).\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) هو الإمام شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عمر بن سُرَيْج البغداديّ، القاضي الشافعيّ. ولد سنة بضع وأربعين ومائتين. كان ﵀ من عظماء الشافعيين وأئمة المسلمين، قال ابن السبكي: \"البازُ الأشهب، والأسد الضاري على خصوم المذهب\"، ولي القضاء بشيراز. من مصنفاته: الرد على ابن داود في القياس، والرد عليه في مسائل اعترض بها الشافعيَّ، وغيرها كثير. توفي سنة ٣٠٦ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٤/ ٢٨٧، وفيات ١/ ٦٦، الطبقات الكبرى ٣/ ٢١، سير ١٤/ ٢٠١.\n(^٥) هو أحمد بن بشر بن عامر العَامِريِّ، القاضي أبو حامد المَرْوَرُّوذِيّ الشافعيّ، أحد رُفَعاء المذهب وعظمائه. من مصنفاته: \"الجامع\" وهو غاية في النفاسة، شرح =","vol":"2","page":370},{"text":"إنَّ شكر المنعِم واجبٌ عقلًا. وقول القَفَّال (^١): إن القياس يجب العمل به عقلًا وقوله: إنَّ خبر الواحد يجب العمل به عقلًا. إلى غير ذلك من المسائل، وسببه كما قال الأستاذ أبو إسحاق (^٢) في كتابه في أصول الفقه في مسألة شكر المنعم: \"هذه الطائفة من أصحابنا إنما ذهبت إلى هذه الآراء لأنهم كانوا يطالعون كتب المعتزلة لشَغَفهم بمسائل هذا العلم، فربما عَثَرُوا على هذه العبارة وهي شكر المنعِم على النعمة قبل ورود السمع، فاستحسنوها، فذهبوا إليها، ولم يقفوا على القبائح والفضائح التي تحتها\". هذا كلام الأستاذ، وكذلك ذكر القاضي أبو بكر في \"التقريب\" الذي اختصره إمام الحرمين في كتابه \"التلخيص\" في مسألة حكم الأفعال، قبل ورود الشرع فإنه قال: مال بعض الفقهاء إلى الحظر، وبعضهم إلى الإباحة، وهذا لغفلتهم عن تشعب ذلك عن أصول المعتزلة، مع علمنا\n_________\n= مختصر المزنيّ. توفي ﵀ سنة ٣٦٢ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٣/ ١٢، طبقات ابن هداية الله ص ٨٦.\n(^١) هو الإمام الجليل محمد بن علي بن إسماعيل القفَّال الكبير الشاشيّ الشافعيّ. ولد سنة ٢٩١ هـ. قال الحَلِيميّ: \"كان شيخنا القفَّال أعلمَ مَن لقيتُه مِنْ علماء عصره\". كان إمامًا في كل العلوم فردًا من أفراد الزمان. من مصنفاته: كتاب في أصول الفقه، شرح الرسالة. توفي ٣٦٥ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٣/ ٢٠٠، سير ١٦/ ٢٨٣، وفيات ٤/ ٢٠٠.\n(^٢) هو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مِهران أبو إسحاق الإسفراييني، الأستاذ الأصوليّ، الشافعيّ، أحد المجتهدين، الملقَّبُ ركنَ الدين. من تصانيفه: الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين، ومسائل الدور، وتعليقه في أصول الفقه. توفي سنة ٤٢٨ هـ. انظر: سير ١٧/ ٣٥٣، الطبقات الكبرى ٤/ ٢٥٦، وفيات ١/ ٢٨.","vol":"2","page":371},{"text":"بأنهم ما انتحوا مسالكهم، وما ابْتَغَوْا (^١) مقاصدهم (^٢). انتهى. وهذه فائدة عظيمة (^٣) جليلة (^٤) (^٥).\n\nقال ﵀: <span data-type=\"title\" id=toc-214>(فرعان على التَّنَزُّل:</span><span data-type=\"title\" id=toc-215> الأول: شكر المنعم ليس بواجب عقلًا</span>، إذ لا تعذيب قبل الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾؛ ولأنه لوْ وَجَب لَوَجَب إما لفائدة المشكور وهو منزَّه، أو للشاكر في الدنيا وأنه مشقةٌ بلا\n_________\n(^١) في (ص): \"وما أتبعوا\". والمثبت هو الموافق لما في التلخيص ٣/ ٤٧٤.\n(^٢) انظر: التلخيص ٣/ ٤٧٣.\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٤) انظر ما سبق في: المحصول ١/ ق ١/ ١٥٩، التحصيل ١/ ١٨٠، الحاصل ١/ ٢٥٢، نهاية السول ١/ ٢٥٨، السراج الوهاج ١/ ١٨٩، شرح الكوكب ١/ ٣٠٠، تيسير التحرير ٢/ ١٥٠، فواتح الرحموت ١/ ٢٥، شرح تنقيح الفصول ص ٨٨.\n(^٥) ذكر الزركشي هذا الاعتذار لهؤلاء الأئمة فيما صاروا إليه من موافقة المعتزلة، لكنه قال: \"والأحسن عندي تنزيله على ما سنذكره في المنقول عن أبي حنيفة\". البحر المحيط ١/ ١٨٤، والذي نقله عن أبي حنيفة ﵁ هو أنه يقول بالحسن والقبح العقلي، لكنه لا يثبت ثوابًا إلا بالشرع. انظر: البحر المحيط ١/ ١٩١، وهذا الذي قاله الزركشي فيه نظر من جهة أن هؤلاء أثبتوا حكمًا فحكموا بالوجوب أو الحظر أو الإباحة، ولم يقولوا بمجرد الحسن والقبح العقلي كما قال أبو حنيفة - ﵁ -. وأما قوله بأن أبا حنيفة ﵁ لا يثبت ثوابًا إلا بالشرع فهذا مسلَّم في غير وجوب الإيمان وحرمة الكفر، فإن الحنفية اختلفوا في تفسير مذهبه هل يُوجب الإيمان ويُحَرِّم الكفر؟ فمنهم من نسب إليه إثبات ذلك الحكم والثواب والعقاب عليه، ومنهم من نفى عنه ذلك.\nانظر: تيسير التحرير ٢/ ١٥١، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٨.","vol":"2","page":372},{"text":"حَظ، أو في الآخرة ولا استقلال للعقل بها).\nهذان فرعان على قاعدة الحسن والقبح، جرت عوائد الأصحاب بذكرهما بعد إبطال مذهب المعتزلة فيها؛ لشدة سخافة مذهب المعتزلة بالنسبة إليهما؛ ولهذا يقال: إنهما على التَّنزُّل، أي: الافتراض والتكلف (^١) في النزول عن المذهب الحق الذي هو في الذروة إلى مذهبهم الباطل الذي هو في الحضيض.\nالأول: شكر المنعم: غير واجب عقلًا خلافًا للمعتزلة وبعض الحنفية (^٢)، وأما وجوبه شرعًا فمتفق عليه. والمراد بوجوب الشكر عقلًا: أنه يجب على المكلف تجنبُ المُسْتَقْبَحات العقلية، وفعل المستحسنات العقلية. كذا نقله بعض أصحابنا عنهم. قال صفي الدين الهندي (^٣): \"ولا\n_________\n(^١) في (ص): \"والتكليف\". وهو خطأ.\n(^٢) قال في فواتح الرحموت ١/ ٤٧: \"قال الأشعرية (على التنزل شكر المنعم ليس بواجب عقلًا خلافًا للمعتزلة) ومعظم مشايخنا، وقد نَصَّ صدر الشريعة على أن شكر المنعم واجب عقلًا عندنا. وفي الكشف نقلًا عن القواطع: وذهب طائفة من أصحابنا إلى أن الحسن والقبح ضربان: ضرب يُعلم بالعقل كحسن العدل، والصدق النافع، وشكر النعمة، وقبح الظلم، والكذب الضار. ثم قال: وإليه ذهب كثير من أصحاب الإمام أبي حنيفة، خصوصًا العراقيين منهم، وهو مذهب المعتزلة بأسرهم\".\n(^٣) هو محمد بن عبد الرحيم بن محمد، الشيخ صفيُّ الدين الهنديّ الأُرْمَوِيّ، أبو عبد الله الشافعيّ الأشعريّ. ولد سنة ٦٤٤ هـ. كان مِن أعلم الناس بمذهب الشيخ أبي الحسن الأشعريّ. من تصانيفه: \"الزُّبْدة\" في علم الكلام، و\"النهاية\" في أصول الفقه وهو حسنٌ جدًا، و\"الفائق\"، و\"الرسالة السَّيفيَّة\"، وكلاهما في أصول الفقه. توفي سنة ٧١٥ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٩/ ١٦٢، البداية والنهاية ١٤/ ٧٧.","vol":"2","page":373},{"text":"يبعد أن يراد به ما نريد (نحن به) (^١) في الشرع: وهو أن الشكر يكون باعتقاد أنَّ ما به من نعمةٍ فمن الله، وأنه المتفضل بذلك عليه، فإن نعمة الخلق والحياة والصحة غير مُسْتَحَقٍّ عليه وفاقًا. ويكون بالفعل: وهو بامتثال أوامره، واجتناب مناهيه. وبالقول: وهو أن يتحدث بنعمة ربه\" (^٢) (^٣).\nواحتَجَّ في الكتاب على ما ذهب إليه بوجهين:\nالأول: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (^٤). ووجه الدلالة فيه ظاهرٌ، وتقريره: إنا مفرعون على القول بالحسن والقبح، والشرعُ على القول بأن العقل يحكم - كاشف، وقد أخبر أن التعذيب منتف قبل البعثة، فدل على أن العقل اقتضى ذلك، ولو وجب شكر المنعم لحصل التعذيب بتركه، ولم يتوقف على بعثة الرسل. فاضْبط هذا التقرير ولا تعدِل به.\nوالثاني: أنه لو وَجب لوجب لفائدة؛ إذ التفريع على القول بقاعدة الحسن والقبح، والإيجابُ على القول بها يستدعي فائدة.\n_________\n(^١) في (ص): \"به نحن\". والمثبت هو الموافق لما في \"نهاية الوصول\".\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ٢/ ٧٣٦، مع تصرف من الشارح.\n(^٣) ذكر صفي الدين الهندي معاني شكر المنعم في الشرع، وهي ثلاثة: شكر بالاعتقاد، وشكر بالفعل، وشكر بالقول. ولا يبعد أن تُراد هذه المعاني في قوله المعتزلة: شكر المنعم واجب عقلًا.\n(^٤) سورة الإسراء: الآية ١٥.","vol":"2","page":374},{"text":"وإن شئت قلت: لو وجب لوجب إما لا لفائدة وهو عبث مستقبح عقلًا (^١)، ولكن يلزم على هذا أن يكون المصنف أخل بأحد الأقسام (^٢). وإما لفائدة عائدة إلى المشكور وهو الله (^٣) ﷾، وهو محال لتنزهه ﷾ عن الفوائد والأغراض. أو عائدة إلى العبد الشاكر في الدنيا وهو أيضًا باطل؛ لأنه مشقة وكلفة على النفس من غير حظ ونفع، أو عائدة إليه في الآخرة وهو أيضًا باطل؛ إذ لا استقلال للعقل بمعرفة الفوائد الأخروية.\nوقد اعتُرض على هذا بأنه إن أُريد بأن العقل لا يستقل بمعرفة الفوائد الأخروية على وجه التفصيل - فهو مسلَّم، لكن ليس من شرط الوجوب العلم بالفوائد التفصيلية. وإنْ أريد الإجمالية - فلا نسلِّم أن العقل لا يستقل بمعرفتها؛ وذلك لأن القول في هذا مبني على قاعدة الحسن والقبح، وهي تقطع باتصال الثواب بفعل الواجبات العقلية، والعقاب بتركها. ولقائلٌ أن يقول: العقل لا يستقل بإدراك الآخرة، وكيف يستقل بالحكم بوجود دارٍ أخرى مخلوقة للجزاء والإحسان، وإذا لم يستقل بإدراكها لم يحكم بما يترتب عليها.\nقال: (قيل: يدفع ظنَّ ضررِ الآجل. قلنا: قد يتضمَّنُه؛ لأنه تصرفٌ في مِلْكِ الغير، وكاستهزاءٍ لحقارة الدنيا بالنسبة إلى كبريائه؛ ولأنه ربما لا يقع لائقًا. قيل: ينتقض بالوجوب الشرعي. قلنا: إيجاب\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) لأن المصنف لم يذكر احتمال \"بلا فائدة\"، وإنما ذكر الاحتمال الثاني.\n(^٣) سقطت من (ص).","vol":"2","page":375},{"text":"الشرع لا يستدعي فائدة).\nاعترض على الوجه الأخير (^١) بوجهين:\nأحدهما: أنَّا نقول بعَوْد (^٢) الفائدة إلى العبد الشاكر في الدنيا. قوله: مشقة (وكلفة) (^٣) بِلَا حَظٍّ.\nقلنا: لا نسلم أنه لا حظ لها في الشكر، وذلك لأن فائدة الشكر اندفاعُ ظنِّ العقاب في الآخرة على تركه؛ لأن العقاب على ترك الشكر احتمال راجح يُوجب للنفس القلقَ وعدمَ الطمأنينة، بل مجردُ تَوَهُّم العقاب قد يحصل فيه ذلك.\nوأجاب المصنف بأنَّ ترك الشكر كما أنه يستدعي ما ذكرتم، كذلك الإقدام عليه؛ وذلك لأن مَنْ أقدم على الشكر فقد استعمل الأعضاء والقُوَى المملوكة لربه ﷾، وتصرف فيها بغير إذنه، والتصرف في ملك الغير بغير إذنه يوجب ما ذكرتم.\nوأيضًا فالشاكر لأنعمه تعالى مُنَزَّل منزلة المستهزئ بالمنعِم؛ لأن نعم الدنيا وإنْ جَلَّ خَطْبها فهي بالنسبة إلى كبريائه تعالى أقلُّ من لقمةٍ بالنسبة إلى مَلِك عظيم؛ لأن نسبة ما يتناهى إلى مِثْله أقلُّ من نسبته إلى ما لا نهاية له، ولا ريب في أن القائم في المحافل يشكر الملِك بسبب ما أسداه إليه من لقمة خبز - معدودٌ من المستهزئين،\n_________\n(^١) وهو قوله: لو وجب لوجب لفائدة. . . إلخ.\n(^٢) في (ص): \"تعود\".\n(^٣) سقطت من (ت).","vol":"2","page":376},{"text":"مستوجب للتأديب.\nوأيضًا فالشكر للمَلِك العظيم إنما يكون على وجه لائق بجنابه، وقد لا تهتدي العقول إلى ذلك الوجه اللائق بجلاله ﷾، فيستحق العقاب بسببه.\nفإن قلت: لمَّا فسَّر الشكر باجتناب القبيح، وإتيان الحسن عقلًا - اندفع ما ذكرتم؛ للعلم بالشكر اللائق (^١) حينئذ، كما هو معلوم بعد ورود الشرع.\nقلت: هَبْ أنَّ الأمر كما ذكرت، لكن الإتيان بما ذكرتَ من الشكر يتوقف على استقباح العقل وتحسينه، فربما (^٢) يَستقبح الحَسَن، ويستحسن القبيح؛ لأن العقول غير معصومة عن الخطأ.\nلا يقال: قد تعارضت الاحتمالات، والمواظبة على الخدمة أنجى من الإعراض والإهمال؛ لأنا نقول: ذلك في مشكورٍ يَسُرُّه الشكر، ويسوءه الكفران، والله تعالى مبرأ (^٣) عن ذلك.\nالوجه الثاني: أن ما ذكرتم منقوض بوجوب الشكر شرعًا، فلو كان ما ذكرتموه صحيحًا، لم يجب بعين ما قررتم، بأن يقال: لو وجب شكر المنعم شرعًا - لوجب لفائدة، إلى آخر ما أوردتم.\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) في (ت): \"وربما\".\n(^٣) في (ت): \"منزه\".","vol":"2","page":377},{"text":"وأجاب: بأن الدليل المذكور لا يَطَّرِد (^١) في الوجوب الشرعي؛ لأنه لا تُعلل أحكام الله تعالى ولا أفعاله، فإيجاب الشرع ليس لاستدعاءِ فائدةٍ، بل له بحكم المالكية أنْ يفعل ما يشاء.\nوهذا جواب صحيح، ماشٍ على اللائق بأصول المتكلمين؛ فإنهم لا يُجَوِّزون تعليل أفعال الله تعالى، وهو الحق؛ لأن مَنْ فَعَل فِعْلًا لغرض كان حصوله بالنسبة إليه أولى، سواءٌ كان ذلك الغرض عائدًا إليه أم إلى الغير، وإذا كان كذلك يكون ناقصًا في نفسه مستكمِلًا في غيره، تعالى الله عن ذلك.\nوأما قول المصنف في القياس تبعًا للإمام: دلَّ الاستقراء على أن الله تعالى شرع الأحكام لصالح العباد تفضلًا وإحسانًا - فهو من (^٢) كلام الفقهاء وإطلاقاتهم، والصواب ما ذكره هنا.\n(فائدة) (^٣): قال الإمام أبو الحسن الطبري المعروف بـ \"إلكيا\" (^٤) في تعليقه في الأصول، ومِنْ خط ابن الصلاح نَقَلتُ ذلك: \"مسألة شكر المُنْعِم\n_________\n(^١) أي: لا ينطبق ولا يجري.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) هو الإمام عليّ بن محمد بن عليّ، أبو الحسن إلكيا الهَرَّاسِيّ، الملقب عمادَ الدين. ولد سنة ٤٥٠ هـ. تفقّه على إمام الحرمين، وهو أجل تلامذته بعد الغَزَّاليّ، كان أحد الفصحاء، وفحول العلماء، ومن ذي الثروة والحشمة. من مصنفاته: \"شفاء المسترشدين\" وهو من أجود كتب الخلافيات، \"نقض مفردات أحمد\"، كتاب في أصول الفقه. توفي سنة ٥٠٤ هـ، انظر: سير ١٩/ ٣٥٠، الطبقات الكبرى ٧/ ٢٣١.","vol":"2","page":378},{"text":"عينُ مسألة التحسين والتقبيح\"، بيانه:\nأنا نقول: ليس الشكر اللفظ فما معناه؟\nقالوا: المعرفة. قلنا: المعرفة تُراد للشكر، فكيف تكون نفس الشكر! فلا بد أن تتقدم على الشكر، فإنما شَكَرَ مَنْ عَرَف.\nقالوا: فلا نُطَوِّل، نعني بالشكر ما تَعْنون أنتم.\nقلنا: الشكر عندنا امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه. قالوا: فنحن نقول الشكر: هو الإقدام على المستحسنات واجتناب المستقبحات. قلنا: فهذه هي (^١) مسألة التحسين والتقبيح بعينها.\nقال (^٢): ولكننا (^٣) أفردناها بالكلام على عادة (^٤) المتقدمين (^٥).\nقال: (الثاني: الأفعال الاختيارية قبل البعثة مباحةٌ عند البصرية وبعض الفقهاء، محرمةٌ عند البغدادية وبعض الإمامية وابن أبي هريرة، وتوقف الشيخ والصيرفي وفَسَّره الإمام بعدم الحكم، والأَوْلى: أن يُفَسِّرهُ (^٦) بعدم العلم؛ لأن الحكم قديم عنده، ولا يتوقف تَعَلُّقُه على\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (غ): \"ولكنا\".\n(^٤) في (ت): \"قاعدة\".\n(^٥) انظر ما سبق في: المحصول ١/ ق ١/ ١٩٣، التحصيل ١/ ١٨٤، الحاصل ١/ ٢٥٩، نهاية السول ١/ ٢٦٦، السراج الوهاج ١/ ١٩٠، تيسير التحرير ٢/ ١٦٥، فواتح الرحموت ٢/ ٤٧، العضد على ابن الحاجب ١/ ٢١٧، شرح الكوكب ١/ ٣٠٨.\n(^٦) في (ص): \"يفسَّر\".","vol":"2","page":379},{"text":"البعثة؛ لتجويزه التكليف بالمحال).\n\nهذا الفرع في<span data-type=\"title\" id=toc-216> حكم الأشياء قبل ورود الشرع</span>، وقد ذهب أهل السنة والجماعة إلى أنه لا حكم فيها؛ لأن الحكم عندهم عبارةٌ عن الخطاب على ما تقدم تفسيره، فحيث لا خطاب (لا حكم) (^١).\nوأما المعتزلة فقسموا الأفعال إلى اضطرارية واختيارية:\nالأولى: الاضطرارية:\nوهي التي تقع بغير اختيار المكلف، ولا قدرة له على تركها، كالتنفس في الهواء. قال الإمام: \"وذلك مما لا بد من القطع بأنه غير ممنوع إلا إذا جَوَّزنا تكليف ما لا يطاق\" (^٢).\nوالثانية (^٣): الاختيارية:\nوهي الواقعة بإرادة المكلف مع قدرته على تركها. ومثَّل لها بأكل الفاكهة، وبهذا يُعْرف أن القدر الذي لا يعيش المكلف بدونه من الأكل والشرب وغيرهما من قسم الاضطراري، ومنهم مَنْ جعل ما يحصل به الاغتذاء من قسم الاختياري المتنازَع فيه، وتبعهم المصنف كما ستراه في كلامه إن شاء الله، ولعل مرادهم بالاغتذاء ما يقع فوق الضرورة.\n_________\n(^١) سقطت من (ك).\n(^٢) المحصول ١/ ق ١/ ٢٠٩.\n(^٣) في (ص): \"الثانية\".","vol":"2","page":380},{"text":"إذا عرفت ذلك فقد قسموا الاختيارية: إلى ما يَقْضِي فيها العقل بحسن أو قبح، واتبعوا فيها حكم العقل وتقسيمَه إياها إلى الأحكام الخمسة، وإلى ما لا يقضي العقل فيها بواحدٍ منهما، وهذه صورة مسألة الكتاب (^١).\nفقوله: \"الاختيارية\" احتراز عن الاضطرارية، وَفَاتَه أن يقول: التي لا يقضي العقل فيها بحسن ولا قبح.\nفنقول: ذهبت (^٢) معتزلة البصرة (^٣)، وبعض الفقهاء من الشافعية (^٤) والحنفية (^٥)، إلى أنها على الإباحة قبل ورود الشرع (^٦).\nوذهب معتزلة بغداد (^٧)، وبعض الإمامية (^٨)، والشيخ أبو علي بن أبي هريرة من الشافعية (^٩)، إلى أنها محرمة (^١٠).\n_________\n(^١) أي: مسألة الكتاب التي فيها الخلاف: هي الأفعال الاختيارية التي لا يقضي العقل فيها بواحدٍ من الحسن أو القبح.\n(^٢) في (ت) و(غ)، و(ك): \"ذهب\".\n(^٣) انظر: المعتمد ٢/ ٣١٥، المحصو ل ١ / ق ١/ ٢٠٩.\n(^٤) حكاه ابن السمعاني في القواطع عن القاضي أبي حامد المروروذيّ، وأبي إسحاق المروزي، وابن سريج وانظر: البحر المحيط ١/ ٢٠٣.\n(^٥) ذهب إليه أكثر الحنفية. انظر: تيسير التحرير ٢/ ١٦٨، فواتح الرحموت ١/ ٤٩.\n(^٦) وبه قال أبو الفرج من المالكية. انظر: إحكام الفصول ص ٦٨١، البحر المحيط ١/ ٢٠٣.\n(^٧) انظر: المعتمد ٢/ ٣١٥.\n(^٨) وبعض الحنفية. انظر: تيسير التحرير ٢/ ١٦٨.\n(^٩) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٢٠٩ - ٢١٠، البحر ١/ ٢٠٤.\n(^١٠) وبه قال القاضي أبو بكر الأبهريّ المالكيّ، والقاضي أبو يعلى الحنبليّ، وقال: =","vol":"2","page":381},{"text":"وقد سلف اعتذار القاضي والأستاذ عمن قضى في هذه المسألة بإباحة أو حظر من الفقهاء.\nوتوقف الشيخ أبو الحسن الأشعري (^١) وأبو بكر الصيرفي (^٢) في ذلك (^٣).\nوالخلاف في هذه المسألة جارٍ في خطاب التكليف وخطاب الوضع على حدٍ سواء.\nوفَسَّر الإمام توقف الشيخ: بعدم الحكم، أىِ: بانتفاء الأحكام.\n_________\n= قد أومأ إليه أحمد ﵀، وذهب إليه أيضًا ابن حامد والحلواني من الحنابلة. انظر: إحكام الفصول ص ٦٨١، العدة ٤/ ١٢٣٨، المسودة ص ٤٧٤، شرح الكوكب ١/ ٣٢٧.\n(^١) هو الإمام علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق الأشعريّ، أبو الحسن العلامة، والبحر الفهَّامة. ولد بالبصرة سنة ٢٦٠ هـ، وقيل: ٢٧٠ هـ. قال الإمام أبو بكر الصَّيْرفيّ: \"كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله الأشعريّ، فحجزهم في أقماع السِّمْسِم\". من مصنفاته: الفصول في الردِّ على الملحدين، الردُّ على المجسِّمة، الإبانة عن أصول الديانة، وغيرها كثير. توفي سنة ٣٢٤، وقيل غير ذلك. انظر: تاريخ بغداد ١١/ ٣٤٦، وفيات ٣/ ٢٨٤، سير ١٥/ ٨٥، الطبقات الكبرى ٣/ ٣٤٧.\n(^٢) هو محمد بن عبد الله، أبو بكر الصَّيْرَفِيّ، الإمام الجليل الأصوليّ. كان يقال: إنه أعلم خلق الله تعالى بالأصول بعد الشافعيّ. من تصانيفه: شرح الرسالة، كتاب في الإجماع، كتاب في الشروط. توفي سنة ٣٣٠ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٣/ ١٨٦، تاريخ بغداد ٥/ ٤٤٩.\n(^٣) وبه قال كثير من الشافعية، وبعض الحنفية، وأكثر المالكية، وعامة أهل الحديث، وحكاه ابن حزم عن جميع أهل الظاهر، وقال: \"وهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره\" انظر: التبصرة ص ٥٣٢، البحر المحيط ١/ ٢٠٥، إحكام الفصول ص ٦٨١، تيسير التحرير ٢/ ١٦٨، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٢.","vol":"2","page":382},{"text":"وهذا ما قال النووي في أوائل باب الربا في (^١) \"شرح المهذب\": إنه الصحيح عند أصحابنا (^٢). أعني: انتفاء الأحكام. قال صاحب الكتاب: والأَوْلى أن نُفَسِّر التوقف بعدم العلم، أي: بأن لها حكمًا قبل ورود الشرع، ولكنا لا نعلم ما هو. وعلَّل ذلك: بأن الحكم قديم عند الشيخ، فتفسير التوقف بعدم الحكم يلزم منه أن يكون الحكم حادثًا، وهو خلاف مذهبه.\nثم استشعر المصنف سؤالًا فأجاب عنه، وتقريره: أنَّ الحكم وإنْ كان قديمًا عند (^٣) الشيخ لكن تعلقه حادث؛ لأنه متوقف على بعثة الرسل، والمراد بأنه لا حكم قبل ورود الشرع: أنه لا تعلق، فلا يكون تفسير التوقف بعدم الحكم مخالفًا لمذهب الشيخ (^٤).\nوتقرير جوابه: أن التعلق عند الشيخ لا يتوقف على البعثة؛ لتجويزه التكليف بالمحال، فيجوز أن يتعلق الحكم بأفعال المكلفين قبل ورود الشرع مع عدم شعورهم بذلك.\nولقائل أن يقول: هذا حينئذ تكليف الغافل، لا تكليفٌ بالمحال، (والشيخ إنما يجوز الثاني، ثم إن الشيخ لا يقول بوقوع التكليف\n_________\n(^١) في (ت): \"من\".\n(^٢) انظر: المجموع ٩/ ٣٩٥.\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) لأن عدم الحكم - كما بيَّن - معناه عدم التعلق، فلا ينافي قولُنا بعدم الحكم - مذهبَ الشيخ في قِدَم الحكم.","vol":"2","page":383},{"text":"بالمحال) (^١)، بل الحق تفسير التوقف بعدم الحكم، وبه صَرَّح القاضي في \"مختصر التقريب\" فقال: صار أهل الحق إلى أنه لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع، وعبَّروا عن نفي الأحكام بالوقف (^٢)، ولم يريدوا بذلك الوقف الذي يكون حكمًا في بعض مسائل الشرع، وإنما عَنَوْا به انتفاء الأحكام (^٣). انتهى. وهو مُصَرِّح ببطلان ما ذهب إليه المصنف من التفسير، وكذا قال إمام الحرمين في \"البرهان\": \"لا حكم على العقلاء (قبل الشرع) (^٤) \" (^٥). وليس مراده إلا الوقف لعدم الحكم. وقال الغزالي: \"إنْ أراد أصحاب الوقف أن الحكم موقوف على ورود السمع، ولا حكم في الحال - فصحيح. وإنْ أرادوا عدم العلم فهو خطأ\" (^٦).\nفإن قلت: الوقف: هو الإمساك عن الحكم بشيءٍ، فلا يناسبُ تفسيرَه بالجزم بأن لا حكم.\nقلت: معنى الوقف يرجع إلى أنَّ فعل المكلف قبل البعثة لا يوصف بإباحة ولا حرمة؛ لعدم التعلق به. فالتوقف إنما هو في وصْف الفعل، لا في وجود الحكم وعدمه، لكن لما كان السببُ في هذا الوقف القطعَ بعدم الحكم بمعنى عدم التعلق - فَسَّرنا التوقف بعدم الحكم تجوزا.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص): \"بالتوقف\". والمثبت هو الموافق لما في \"التلخيص\".\n(^٣) انظر: التلخيص ٣/ ٤٧٣.\n(^٤) في (غ)، و(ك): \"قبل ورود الشرع\".\n(^٥) البرهان ١/ ٩٩.\n(^٦) المستصفى ١/ ٢٠٩، مع اختصار وتصرف من الشارح.","vol":"2","page":384},{"text":"فإن قلت: هذا لا يجامع اختياركم أن التعلق قديم.\nقلت: المراد بالتعلق هنا هو التعلق الذي يظهر أثره في المحكوم عليه، وهو منتف قبل البعثة؛ فلذلك اخترنا انتفاء الحكم قبل البعثة، وفسرنا توقف الشيخ به (^١).\nفإن قلت: هل الحكم بنفي الحكم قبل البعثة عقلي أم (^٢) شرعي؟ قلت: هو عقلي لا شرعي.\nبقي (مما ننبه) (^٣) عليه هنا: أن ما نقله المصنف عن الإمام ليس بجيد، فإنه حكى في \"المحصول\" قول الوقف، ثم قال: \"هذا الوقف تارة يُفسَّر: بأنه لا حكم، وهذا لا يكون وقفًا بل قطعًا بعدم الحكم. وتارةً: بأنا لا ندري هل هنا حكم أم لا؟ وإنْ كان هناك حكم فلا ندري أنه إباحة أو حظر\" (^٤). انتهى. فليس فيه اختيار ما نقله المصنف عنه (^٥).\nفإن قلت: ما عذر المصنف في ذلك؟\nقلت: الظاهر أنه اتبع (^٦) صاحب \"الحاصل\"، حيث\n_________\n(^١) أي: بانتفاء الحكم.\n(^٢) في (ص): \"أو\".\n(^٣) في (ت): \"ما يُنَبَّه\".\n(^٤) المحصول ١/ ق ١/ ٢١٠.\n(^٥) لأن المصنف نقل عن الإمام أنه يفسِّر الوقف بعدم الحكم، مع أنَّ الإمام ذكر معنيين للوقف ولم يختر أحدهما.\n(^٦) في (ص): \"تبع\".","vol":"2","page":385},{"text":"قال فيه: \"التوقفُ مرةً يفسَّر: بأنا لا ندري الحكم. ومرةً بعدم الحكم، وهو الحق\" (^١) وظَنَّ أن صاحب \"الحاصل\" اتبع الإمام على عادته، فنسب اختيار هذا القول إلى الإمام، ويحتمل أن المصنف وقف للإمام على اختيار ذلك في كلامٍ له غير هذا الموضع، أو أنه أراد بالإمام إمام الحرمين فإنه اختار ذلك في \"البرهان\" حيث قال: \"لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع (^٢) \" (^٣) وهما احتمالان بعيدان (^٤).\nقال: (احتج الأولون: بأنه انتفاعٌ خالٍ عن أمارة المفسدة ومضرة المالك فيباح، كالاستظلال بجدار الغير، والاقتباس من ناره. وأيضًا المواكيل (^٥) اللذيذة خُلقت لغرضنا؛ لامتناع العبث، واستغنائه تعالى. وليس للإضرار اتفاقًا فهو للنفع: وهو إما التلذذ، أو الاغتذاء، أو الاجتناب مع الميل، أو الاستدلال ولا يحصل إلا بالتناول. وأجيب عن الأول: بمنع الأصل، وعِلّية الأوصاف، والدورانُ ضعيف. وعن الثاني: بأن فعله (^٦) لا يُعَلَّل بالغرض، وإنْ سُلِّم فالحصر ممنوع).\n_________\n(^١) الحاصل ١/ ٢٦٧.\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"الشرائع\".\n(^٣) انظر: البرهان ١/ ٩٩.\n(^٤) يعني: فالظاهر أن المصنف اتبع صاحب \"الحاصل\"، وظن أن ذلك هو رأي الإمام.\n(^٥) في هامش (ص): \"المآكل\". وهو الموافق لما في نهاية السول ١/ ٢٩٠، وفي السراج الوهاج ١/ ٢٠٠: المآكل. وفي لسان العرب ١١/ ٢٠: \"وآكل الرجلَ وواكله: أكل معه، الأخيرة على البدل وهي قليلة، وهو أكيل من المُؤَاكلة، والهمز في آكله أكثر وأجود\".\n(^٦) في (غ): \"أفعاله\".","vol":"2","page":386},{"text":"احتج الأولون وهم القائلون بالإباحة بوجهين:\nأحدهما: أنها انتفاع خال عن أمارة المفسدة، فإن الكلام مفروض في فعلٍ لا يظهر له مفسدةٌ، وخالٍ عن مضرة المالك، لأن المالك هو الله المنزه عن المَضَارّ، المبرأ عن المنافع، فتكون مباحةً قياسًا على الاستظلال بجدار الغير، والاستضاءة بناره بغير إذنه، فإنه أبيح لخُلِّوه عن أمارات المفسدة ومضرة المالك، فلما وجدنا الإباحة دائرةً مع هذه الأوصاف وجودًا وعدمًا، والدوران يدل على عليَّةِ المَدَار للدائر - دَلَّ على عِلِّيتها لإباحة الأفعال، وهي موجودة في صورة النزاع؛ فيلزم الإباحة فيها.\nوتمثيل المصنف بالاقتباس فيه نظر؛ لأن الاقتباس أَخْذُ جزءٍ من النار وهو لا يجوز بغير الإذن، فالأولى التمثيل بالاستضاءة كما ذكرناه (^١). وقد ذكر الرافعي جواز الاستظلال بجدار الغير، والاستضاءة بناره، والاستناد وإسناد المتاع (^٢) - في أثناء كلامه في القسم الثاني في الجدار المشترك من كتاب الصلح (^٣). وذكر القَفَّال المسألة في \"الفتاوي\" في واقعةٍ جرت له مع السلطان محمود، وأنه يجوز السعي في أرض الغير إذا لم يخش أن تُتخذ بذلك طريقًا، ولا لَزِم منه ضرر، قال: وكذلك النظر في مرآة الغير، والإيقاد (^٤) من ناره، والاستظلال بجداره، والالتقاط\n_________\n(^١) في (ص): \"ذكرنا\".\n(^٢) في (غ): \"الأمتاع\".\n(^٣) انظر: فتح العزيز شرح الوجيز ١٠/ ٣١٧، ٣١٨، وهو مطبوع مع \"المجموع\".\n(^٤) في (ت): \"والإينار\".","vol":"2","page":387},{"text":"من حبوب الزرع المتناثر. وذكر القفال في \"الفتاوي\" أيضًا أنه يجوز إسناد خشبةٍ إلى جدار الغير.\nالوجه الثاني: أن المواكيل اللذيذة إنْ خُلقت لا لغَرَض كان عبثًا محالًا، وإن خُلقت لغرضٍ فلا جائز أن يعود إلى الباري؛ لتنزهه عن الأغراض، فتعيَّن أن يكون لغرضنا، وليس هو الإضرار باتفاق العقلاء، فهو حينئذ النفع. وذلك النفع إما أن يكون دنيويًا، كالتلذذ والاغتذاء (^١). أو أخرويًا يتعلق بالعمل، كالاجتناب؛ لِكَوْن تناولها مفسدة (^٢) - مع الميل فيستحق الثواب باجتنابها. أو أخرويًا يتعلق بالعلم، كالاستدلال بها على وجود الصانع، وكمال قدرته. وكل ذلك لا يحصل إلا بالتناول: أما توقف الالتذاذ والاغتذاء على التناول فواضح. وأما توقف الاجتناب عليه، فلأن المكلف إنما يستحق الثواب بتجنبها إذا دعت نفسه إليها، وإنما يكون ذلك بعد التناول. كذا قيل. والحق أن تارك المعاصي امتثالًا لأمر الله تعالى مع عدم مَيَلانه إليها يثاب (^٣) على تركها، بل هو عند قوم أعلى درجة من الذي فعلها ثم انزجر عنها.\nوأما توقف الاستدلال فلأنه إنما يكون بعد معرفتها. هذا تقرير الوجهين.\nقال في الكتاب وأجيب عن الأول: بأنا لا نسلم ثبوت الحِكَم في\n_________\n(^١) أي: ما يؤكل للتغذية والتقوية.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) في (غ)، و(ك): \"مثاب\".","vol":"2","page":388},{"text":"المقيس عليه، فإن الاستظلال بجدار الغير، والاقتباسَ من ناره، من جملة الأفعال الاختيارية الداخلة تحت صور النزاع، ولئن سلمنا ثبوتَ الحكم في الأصل فلا نسلم أنه معلَّل بهذه الأوصاف، واستدلالكم على ذلك بالدوران لا يفيدكم؛ لأن الدوران وإن كان حجة فالظن الحاصل منه ضعيف لا يُستدل بمثله على هذه المسألة (^١).\nواعلم أن هذا لا يخالِف قولَه في القياس بحجية الدوران، لأن القائل بحجيته معترِف بأنه جارٍ في مجاري الظنون الضعيفة التي يُستدل بها على الفروع الفقهية الجزئية دون المسائل الأصولية. وأما مَنْ قال بأنه مفيد للقطع فلا مبالاة بمُعْتَقدِه الفاسد.\nوأجيب عن الثاني: بأن الدليل المذكور مبني على تعليل أفعال الله تعالى بالأغراض، وقد بَيَّنَّا فيما سلف أنه لا يجوز تعليلها.\nولقائل أن يقول: إذا كان الكلام في هذا الفرع مفرَّعًا على القول بقاعدة التحسين والتقبيح - وجب المشي فيه على قاعدة القوم، وهم يعلِّلون أفعال الله تعالى، ويزعمون أنها تابعة للمصالح.\nثم قال المصنف: ولئن سلمنا جوازَ تعليلها فلا نسلِّم انحصار الغرض فيما ذكرتم، وجاز أن يكون الغرض في خَلْقِها هو التنزه بمشاهدتها أو غيرُ ذلك.\nقال: (وقال الآخرون: تصرفٌ بغير إذن المالك فيحرم كما في\n_________\n(^١) لأن العلة التي جُعِلت مدارًا للدوران مُتَنَازَعٌ فيها، فهي ضعيفة لا تفيد إلا ظنًا ضعيفًا، والمسائل الأصولية تحتاج إلى القطع.","vol":"2","page":389},{"text":"الشاهد، وَرُدَّ: بأن الشاهد يتضرر به (^١) دون الغائب).\nاحتج القائلون: بأنها مُحَرَّمة بأن الأفعال الاختيارية تصرفٌ في (^٢) مِلْك الغير بغير إذنه (^٣)؛ فيحرم، قياسًا على التصرف في مِلْك الشاهد - الذي هو الإنسان - بغير إذنه، والجامع بَيِّنٌ.\nورُدَّ هذا بالفرق: وهو أن حرمة التصرف في مِلْك الشاهد بغير إذنه إنما كانت؛ لتضرره بذلك، وهذا بخلاف الغائب - وهو الله - لتنزهه عن الأضرار.\nوقد عَلِمَ الواقفُ على هذا برَدِّ المصنفِ على الفريقين: أنه يختار الوقف.\nواعلم أنه لا خلاف في الحقيقة بين الواقفية والقائلين بالإباحة كما قال إمام الحرمين، قال: \"فإنهم لم يَعْنُوا بالإباحة ورودَ خبرٍ عنها، وإنما أرادوا استواء الأمر في الفعل والترك، والأمرُ على ما ذكروه. نعم لو قالوا: حَقٌّ على المالك (^٤) أن يبيح (^٥) - فهذا ينعكس الآن عليهم بالتحكم في تفاصيل النفع والضرر على مَنْ لا ينتفع ولا يَستضر\" (^٦).\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت)، و(ص): \"إذن\".\n(^٤) وهو المولى ﷾.\n(^٥) وهو مقتضى قول المعتزلة بالتحسين والتقبيح العقليين.\n(^٦) البرهان ١/ ١٠٠.","vol":"2","page":390},{"text":"قال: (تنبيه: عدم الحرمة لا يوجب الإباحة؛ لأن عدم المنع أعم من الإذن).\nهذا إشارة إلى جوابٍ عن سؤال مقدَّر ذَكَره الفريقان على الواقفية بمعنى: لا حكم. ولك أن تقول: المصنف غنيٌّ عن ذِكْر هذا؛ إذ هو لا يفسر التوقف بمعنى عدم الحكم، بل بمعنى عدم العلم.\nوتقرير السؤال: أن الأفعال إنْ كانت ممنوعًا منها فهي محرمة، وإلا فهي مباحة.\n(والجواب: أنا لا نسلِّم أنها إذا لم تكن ممنوعًا منها تكون مباحة) (^١)؛ لأن المباح هو ما أُعلم فاعلُه أو دُلَّ على أنه لا حرج في فعله ولا تركه، ولا يلزم من عدمِ المنع (الإذنُ؛ لأن عَدم المنع) (^٢) أعمُّ من الإذن، والعام لا يستلزم الخاص (^٣) (^٤».\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) فوجود العام لا يدل على وجود الخاص، مثل: الحيوان إذا وُجِد لا يلزم منه وجود الإنسان.\n(^٤) انظر ما سبق في: المحصول ١/ ق ١/ ٢٠٩، الحاصل ١/ ٢٦٥، نهاية السول ١/ ٢٧٥، السراج الوهاج ١/ ١٩٦، المعتمد ٢/ ٣١٥، العدة ٤/ ١٢٣٨، شرح الكوكب ١/ ٣٢٢، تيسير التحرير ٢/ ١٦٧، فواتح الرحموت ١/ ٤٨، إحكام الفصول ص ٦٨١.","vol":"2","page":391},{"text":"الفصل الثاني: المحكوم عليه","vol":"2","page":393},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-217>(الفصل الثاني: في المحكوم عليه.\nوفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>الأولى: يجوز الحكم على المعدوم:</span> كما أنَّا مأمورون بحكم الرسول - ﷺ -).\nقال أصحابنا: المعدوم يجوز أن يُحْكم عليه، لا بمعنى أنَّ حال كونه معدومًا يكون مأمورًا، فإنه معلوم الفساد بالضرورة، بل بمعنى: أنه يجوز أن يكون الأمر موجودًا في الحال، ثم إن الشخص الذي يُوجد بعد ذلك يصير مأمورًا بذلك.\nوأما سائر الفِرَق فقد أنكروه وعظَّموا النكير على شيخنا أبي الحسن - ﵁ - حتى انتهى الأمر إلى (^١) انكفاف طائفة من الأصحاب عن هذا المذهب، منهم أبو العباس القلانسي (^٢) مِنْ قدماء الأصحاب.\nوقال: كلام الله في الأزل لا يتصف بكونه أمرًا ونهيًا ووعدًا ووعيدًا، وإنما تثبت (^٣) هذه الصفات فيما لا يزال عند وجود المخاطبين، كما\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) لم أقف على ترجمته، والمذكور في كتب التراجم أبو العز القلانسي، وهو مقرئ، فالله أعلم هل في كلام الشارح تصحيف؟ انظر: ترجمة أبي العز في: الطبقات الكبرى ٦/ ٩٧، سير ١٩/ ٤٩٦، الإعلام ٦/ ١٠١. وقد راجعت طبقات الشافعية للإسنوي، وابن قاضي شهبة، وابن الصلاح، وابن هداية الله، فلم أَعْثُرْ على ذكر لأبي العباس القلانسيّ، وكذا في البداية والنهاية، فالله أعلم.\n(^٣) في (ص): \"ثبتت\".","vol":"2","page":395},{"text":"يتصف الباري بكونه خالقًا رازقًا فيما لا يَزالُ (^١) (^٢)، وجَعَل ذلك مِنْ صفات الأفعال (^٣). وهذا ضعيف؛ لأنه إثباتٌ لكلامٍ خارجٍ عن كونه أمرًا ونهيًا ووعدًا ووعيدًا إلى استتمام أقسام الكلام، وذلك مستحيل قطعًا (^٤)، فلئن جاز ذلك فما المانع من المصير إلى أن الصفة الأزلية ليست كلامًا أزلًا ثم يستَجِدُّ كونها كلامًا فيما لا يزال (^٥).\n_________\n(^١) يعني: وإنما تثبت صفات الخلق والرزق عند وجود الخلق والرزق.\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٢٧٠.\n(^٣) الصفات الفعلية عند الأشاعرة: هي التي يتوقف ظهورها على وجود الخلق. والحدُّ بين صفات الذات وصفات الفعل: أن ما يلزم من نفيه نقيضه فهو من صفات الذات، فإنك لو نفيت الحياة للزم الموت، ولو نفيت القدرة للزم العجز، وكذا العلم مع الجهل، ولو نفيت الإرادة للزم منه الجبر والاضطرار، ولو نفيت عنه سبحانه الكلام للزم الخرس والسكوت، فثبت أنها من صفات الذات. وأن ما لا يلزم من نفيه نقيضه فهو من صفات الفعل، فلو نفيت الإحياء أو الإماتة أو الخلق أو الرزق لم يلزم منه نقيضه. وصفات الأفعال حادثة عند الأشاعرة؛ لأنها عبارة عن تعلقات القدرة، وتعلقاتها حادثة. انظر: شرح الجوهرة ص ١٢٠، ١٢١، في شرح البيت الثلاثين.\n(^٤) يعني: ما قاله أبو العباس القلانسي - رحمه الله تعالى - ضعيف؛ لأنه تكلم عن كلام الله تعالى في الأزل، وهو كلامه النفسي كما هو عند الأشاعرة، فهذا الكلام لا يوصف بكونه أمرًا ونهيًا ووعدًا ووعيدًا، إلى غير ذلك من أقسام الكلام اللفظي. فَوَصْفُ الكلام النفسي بأوصاف الكلام اللفظي مستحيل قطعًا.\n(^٥) يعني: فلئن جاز أن لا يُسَمَّى الله آمرًا إلا بوجود المأمور، ولا خالقًا إلا بوجود المخلوق، فما المانع مِنْ أَنْ نُجري هذا الأمر في الكلام النفسي، ونقول: إن كلامه النفسي ليس كلامًا إلا إذا وُجِد المخاطَب بذلك الكلام. وهذا التضعيف نقله السبكي عن إمام الحرمين في البرهان ١/ ٢٧١.","vol":"2","page":396},{"text":"وذهب بعض الفقهاء كما حكاه القاضي في \"مختصر التقريب\" إلى أن الأمر قبل وجود المأمور أمْرُ إنذار وإعلام وليس بأمر إيجاب (^١).\nوهو ضعيف؛ لأن ما فروا منه في الإيجاب يلزمهم في الإعلام؛ فإنه (^٢) كما يُستبعد إلزام المعدوم (^٣) يُستبعد إعلامه.\nواحتج أصحابنا: بأن الواحد منا يصير مأمورًا بأمر النبي - ﷺ - مع أن ذلك الأمرَ ما كان موجودًا إلا حال عدمنا.\nقال: (قيل الرسول ﵇ أخبر بأنَّ مَنْ سيُولد (^٤) فالله سيأمره. قلنا: أمر الله في الأزل معناه: أن فلانًا إذا وُجِد فهو مأمور بكذا. قيل: الأمر في الأزل ولا سامعَ ولا مأمورَ عبثٌ، بخلاف أمر الرسول ﵇. قلنا: مبني على القبح العقليّ، ومع هذا فلا سَفَه أنْ يكون في النفس طلبُ التعلُّم من ابنٍ سَيُولد).\nاعترض الخصوم على الدليل المتقدم: بأنه لا يصح قياس أمر الله تعالى على أمر الرسول - ﷺ -؛ لأنه ﷺ مبلِّغ لأمر الله تعالى، فيكون مُخْبِرًا عن الله بأن فلانًا إذا وُجد وانخرط في سلك مَنْ يفهم الخطاب فالله يأمره بكذا، وإذا كان كذلك لم يكن أمرًا للمعدوم بشيء.\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ١/ ٤٥٠.\n(^٢) في (ت): \"لأنه\".\n(^٣) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"المأمور\". وهو خطأ، إلا إذا تأولناه بالمأمور قبل وجوده، لكن فيه لبس. والثبت هو الصواب، والموافق لما في التلخيص ١/ ٤٥١.\n(^٤) في (ت): \"ولد\".","vol":"2","page":397},{"text":"وأجاب المصنف: بأنا أيضًا نقول: أمْرُ الله في الأزل معناه: أنه أخبر بأنَّ مَنْ سيوجد ويستعِدُّ لتعلُّق الأمر به - يصير مأمورًا بأمري، كما قلتم في أمر الرسول - ﷺ -.\nفإن قلت: (إذا كان أمْر الله بمعنى الإخبار فلا يكون أمرًا حقيقيًا. قلت) (^١): كذا ذهب إليه بعض الأشاعرة. وضعَّفه الإمام بوجهين:\nأحدهما: أنه إنْ كان مُخْبِرًا لنفسه فهو سَفَه، أو لغيره فمحال؛ إذ ليس ثَمَّ غيره، ولهذا ذهب مَنْ صار إلى أنَّ كلام الله في الأزل (^٢) لم يكن أمرًا ولا نهيًا، ثم صار فيما لا يزال كذلك.\nواعترض عليه القرافي بأنا نقول: \"إنه مخبِر لنفسه، والقائل يُسند (^٣) في فكره طول ليله ونهاره، ولا معنى لذلك (^٤) إلا الإخبارات، وأجمع العقلاء مع ذلك على حسنه، فلا يكون في حق الله تعالى قبيحًا، بل الله تعالى عالم بجميع معلوماته، ويخبر عن كل معلوم بخصائص صفاته، وأحواله، ولا استحالة في ذلك. ولم يزل الله تعالى في الأزل يُخبر عن صفات كماله، ونعوت جلال نفسِه بكلامه النفسي أزلًا وأبدًا، ولا يَسْمع ذلك إلا اللهُ\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) عبارة الرازي في المحصول ١/ ق ٢/ ٤٣٣: \"ولصعوبة هذا المأخذ ذهب عبد الله بن سعيد بن كُلَّاب التميمي من أصحابنا: إلى أن كلام الله تعالى في الأزل. . .\".\n(^٣) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"والعاقل يستند\". وهو تصحيف، والمثبت من نفائس الأصول ٤/ ١٦١٦. والمعنى: أن القائل المتكلم في نفسه يُسند القول ويعوزه وينسبه في نفسه.\n(^٤) أي: الإسناد. وهذا مما تصرف فيه الشارح، وإلا فعبارة القرافي: \"ولا معنى للإسنادات إلا الإخبارات\". نفائس الأصول ٤/ ١٦١٦.","vol":"2","page":398},{"text":"تعالى بسمعه القديم، وإلى هذا الإخبار أشار ﵇ بقوله: \"لا أُحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك\" (^١)، فالله تعالى يثني على نفسه دائمًا أزلًا وأبدًا، ولا معنى للثناء إلا الإخبار\". قال: \"وهذا واجبٌ حقٌّ لا يُنكره إلا مَن لم يُرَيَّض بالعلوم العقلية الكلامية\" (^٢).\nوالثاني: من اعتراضَي الإمام: أنه لو (^٣) كان بمعنى الإخبار ثَمَّ (^٤) لقَبِل الصدقَ والكذب، ولكان يلزم أن لا يجوز العفو؛ لأن الخُلف في خبر الله محال (^٥). وهو ضعيف؛ لأنا نقول: الأمر عبارة عن الإخبار بنزول العقاب إذا لم يحصل عفو. ذكره الأصفهاني في شرح المحصول.\nثم اعترض الخصم على الجواب: بأن الأمرَ بالمعنى الذي ذكرتموه أيضًا محال في حق الله تعالى دون رسول الله - ﷺ -؛ لأنه تعالى إذا أخبر في الأزل يكون قد أخبر ولا سامعَ ولا مأمورَ ومَنْهِيَّ، وصار كمن خلا بنفسه يُحَدِّثها، وذلك عبث، بخلاف أمر الرسول - ﷺ - فإن بين يديه مَنْ يسمع\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٩٦. وأبو داود في سننه ٢/ ١٣٤، كتاب الصلاة، باب القنوت في الوتر، رقم ١٤٩٧. والنسائي ٣/ ٢٤٨، كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الدعاء في الوتر، رقم ١٧٤٧. والترمذي ٥/ ٥٢٤، كتاب الدعوات، باب في دعاء الوتر، رقم ٣٥٦٦. وابن ماجه ١/ ٣٧٣، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في القنوت في الوتر، رقم ١١٧٩.\n(^٢) انظر: نفائس الأصول ٤/ ١٦١٦ - ١٦١٧، مع تصرف من الشارح واختصار.\n(^٣) في (ت): \"إن\".\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) انظر هذين الاعتراضين في المحصول ١/ ق ٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣.","vol":"2","page":399},{"text":"ويمتثل ويُبَلِّغ.\nوأجاب: بأن تقبيح هذا مبني على مسألة التحسين والتقبيح، وهي منهدمة الأركان.\nولقائل أن يقول: إنْ ثبت قُبْح هذا فهو صفة نقص ولا خلاف، كما سلف في أن التحسين والتقبيح على معنى صفات الكمال والنقص عقلي، وما تقدم من كلام القرافي يصلح جوابًا هنا.\nثم أجاب المصنف ثانيًا: بأن أمر الله تعالى هو الطلب القائم بذاته على رأي أهل الحق، ولا سَفَه في قيام طلب الفعل بذاته ممن سيوجد، كما أنه لا سفه في أن يقوم بذات الأب طلبُ تَعَلُّمِ العلم من الولد الذي سيوجد؛ ولو قُدِّر بقاء ذلك الطلب حتى يوجد الولد - صار مطالَبًا بذلك المطلب ومأمورًا، فكذلك المعنى القائم بذات الله تعالى الذي هو: اقتضاء الطاعة من العباد - قديمٌ، تَعَلَّق بعِبادٍ على تقدير وجودهم، فإذا وُجدوا صاروا مأمورين بذلك الاقتضاء.\nوهذا الجواب صحيح، إلا أن قياس الغائب على الشاهد لا يصح (^١)،\n_________\n(^١) قياس الغائب على الشاهد نوع من القياس العقلي، وذهب إلى صحته أكثر المتكلمين. وضعَّفه الإمام وغيره؛ بأنه لا يفيد اليقين والمطلوب في المسائل التي استدلوا به فيها اليقين، مع أن في تعبيرهم عن الباري تعالى بالغائب إساءة أدب. وقال بعدم صحته الحنفية أيضًا. والقائلون به قالوا: لا بد من جامع عقلي، والجامع أربعة: العلة، والحد، والشرط، والدليل. فالجمع بالعلة وهو أقوى الوجوه كقولهم: العالِمية في الشاهد - يعني: المخلوقات - معلَّلةٌ بالعلم، فكذلك في الغائب ﷾. وأما الجمع بالحد فكقولهم: حَدُّ العالِم شاهدًا: مَن له العِلْم، فكذلك في الغائب. وأما الجمع =","vol":"2","page":400},{"text":"فإنا لا نسلم أنه يقوم بذات الأب (طلبٌ للتعلم) (^١) من ابن سيولد، وإن كان الغزالي في طائفة قالوا: إنَّ ذلك ثبت للذاهبين إلى كلام النفس، بل نقول (^٢): إنما يقوم بذاته أنه لو وُجد لَطَلَب منه (^٣).\nفإن قلت: إنما كان (^٤) ذلك لأن الشاهد غالبًا لا يستيقن (وجود ولدٍ لَهُ إذ لا علم له بالغيب، بخلاف مَنْ يعلم أن فلانًا\n_________\n= بالدليل فكقولهم: التخصيص والإتقان يدلان على الإرادة والعِلْم شاهدًا، فكذلك في الغائب. وأما الجمع بالشرط فكقولهم: شرط العلم والإرادة في الشاهد وجودُ الحياة، فكذلك في الغائب. تنبيه مهم: قال المطيعي - ﵀ - في حاشيته على الإسنوي ٤/ ٤٣: \"العالمية: وهي الكون عالمًا - لها علةُ اشتقاقٍ عقلًا وهي العلم، فلا يتصف بالعالِمية إلا مَنْ قام به العِلْم، كالعالم لا يُوصف به إلا من قام به العلم، وهذا المقدار هو الذي يثبت بالقياس، وأما ما عدا ذلك وهو اتحاد حقيقة العلم في الغائب مع حقيقة العلم في الشاهد، مع مخالفة حقيقة الغائب للشاهد - فلا يثبت بالقياس. فمعنى ذلك: أننا اتفقنا مع المعتزلة أنه تعالى يُوصف بالعالمية، ولا يصح أن يُوصف بها إلا مَنْ قام به علة الاتصاف وهي العلم، فيثبت أن لله صفةً هي العلم، لكن مع القطع أن صفة العلم لله تعالى لا تماثل صفة العلم فينا في الكُنْه والحقيقة، سبحانه ليس كمثله شيء\". انظر المسألة في: المحصول ٢/ ق ٢/ ٤٤٩، نهاية الوصول ٧/ ٣٢٣٥، نهاية السول ٤/ ٤٢ - ٤٤، شرح تنقيح الفصول ص ٤١٢، شرح المحلي مع حاشية البناني على جمع الجوامع ٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨، شرح المحلي مع حاشية العطار ٢/ ٢٤٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦.\n(^١) في (ك)، و(غ): \"طلب التعلم\".\n(^٢) في (ص): \"يقول\".\n(^٣) الفرق بين هذا القول والذي قبله: أن الذي قبله جعل الطلب حاصلًا قبل وجود الابن، وهذا القول لا يُثبت الطلبَ إلا بعد وجوده.\n(^٤) في (غ): \"يكون\".","vol":"2","page":401},{"text":"يُوجد) (^١) في الوقت الفلاني لا محالة بتقديري وإرادتي، ونحن نفرض شخصًا أخبره صادق: بأنه يولد لك غلام (^٢)، ولا بِدْع أن يقوم في نفسه والحالة هذه ما ذكرناه (^٣). قلت: ولو فرضتَ ذلك لم نسلِّم صحة قيام ذلك في نفسه، وكيف يَطْلب ولا مطلوبًا منه!\nفإن قلت: فما الفارق والحالة هذه بين الغائب والشاهد، حيث اخترتم (^٤) صحة قيام ذلك بذات الله دون (^٥) الشاهد؟\nقلت: الله تعالى ليس كلامه إلا النفسي ولا يمكن أن يكون قيامه بذاته حادثًا، وإلا يلزم أن يكون محلًا للحوادث، تعالى الله عن ذلك؛ فلذلك لزم من هاتين المقدمتين أعني: امتناع كون كلامه غير نفسي (^٦)، وامتناع كونه محلًا للحوادث (^٧) - أن يكون الأمر قائمًا بالذات في القدم (^٨)، وتعلقه بالمأمور حادث على حسب استعداده.\nوأما الشاهد (^٩) الذي لا يستحيل على ذاته (^١٠) قيام الحوادث بها،\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص): \"عالم\".\n(^٣) وهو طلب التعلم.\n(^٤) في (ص): \"أجزتم\".\n(^٥) في (ص): \"بخلاف\".\n(^٦) هذه المقدمة الأولى.\n(^٧) هذه المقدمة الثانية.\n(^٨) هذه النتيجة.\n(^٩) أي: الإنسان.\n(^١٠) سقطت من (ك).","vol":"2","page":402},{"text":"وأمْرُه يصدق طَوْرًا باللسان وطورًا بالجَنان - فلا ضرورة بنا إلى أن (^١) نقدِّر قيام المطلب بذاته مِنْ معدوم، وما لنا لا نؤخِّره إلى حين يُوجد ذلك المعدوم، فَوَضح السِّر في كون أمر الله تعالى من الأزل، وثبوت الفارق بين الغائب والشاهد، وأنه لا يصح قياس أحدهما على الآخر. وما ذكره الخصوم من الحُسْن والقبح والهذيان والسفه والانتظام والاتساق (^٢) في أمرٍ ولا مأمورَ وغيرِها كلُّها من نعوت المُحْدَثات، والقديم يتقدس عنه، ويُحَقِّق هذا أن مَنْ أحبَّ أن يُحيط علمًا بقَطْر البحار وأوراق الأشجار - عُدَّ سفيهًا واستُقْبح منه ما أتى به، بخلاف الرب ﷾. فالمعدوم الذي وُجد أنه متوقف على أمره، وقد قَدَّر وجودَه في وقتٍ معلومٍ لا يتخلَّف عنه، على صفةٍ معلومةٍ لا انفكاكَ لها دون أمره - نازلٌ عنده مَنْزِلة الموجود، فهو يأمره وينهاه ولا قبح في (^٣) هذا في جانب الباري ﷾، وهذا واضح لمن تدبره، ومَنْ أراد الزيادة فالكتب الكلامية التي وضعها أصحابنا بين أظهرنا.\nوإمام الحرمين قال: إن هذا الموضع مما يستخيرُ اللهَ فيه، ووعدَ بإملاء مجموعٍ عليه (^٤)، وقال: قولُ القائل إنه مأمور على تقدير الوجود تلبيس (^٥)،\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) الاتساق: الانتظام. لسان العرب ١٠/ ٣٨١، مادة (وسق).\n(^٣) سقطت من (ص)، و(ت).\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٢٧٥.\n(^٥) في (ت): \"يلتبس\". وفي (ص): \"تَلَبُّس\". والمثبت هو الموافق لما في البرهان. وفي اللسان ٦/ ٢٠٤ مادة (لبس): \"اللَّبْس واللَّبَس: اختلاط الأمر. . . والتلبيس =","vol":"2","page":403},{"text":"فإنه (^١) إذا وُجِد لم يبق معدومًا، ولا شك أن الوجود شَرْط في كون المأمور مأمورًا، وإذا لاح ذلك بقي النظر في أمرٍ بلا مأمور. وهذا مُعْضِلٌ أرِبٌ (^٢)؛ فإن الأمر من الصفات المتعلِّقة، وفَرْض مُتَعَلِّقٍ ولا متعلَّق له محال (^٣). انتهى. وفيما أوردناه كفاية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>فائدة:</span>\nقال إمام الحرمين في \"التلخيص\" المختصر من \"التقريب والإرشاد\": \"ذهب بعض من لا تحقيق له إلى أن الأمر إنما يتعلق بالمعدوم بشرط أن يتعلق بموجودٍ واحدٍ فصاعدًا، ثم يتبعه المعدومون على شرط الوجود، وسقوط هذا واضح\" (^٤).\n_________\n= كالتدليس والتخليط، شُدِّد للمبالغة، ورجل لَبَّاس ولا تقل مُلَبِّس. . . وتلبَّس بني الأمر: اختلط وتعلق\".\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص): \"أذب\". وفي (غ): \"أزب\". وكل هذا تصحيف وتحريف. والصواب ما أثبتُّه، وهو الموافق لما في البرهان ١/ ٢٧٥، إلا أن فيه: \"معضل الأرب\". هذا في بعض النسخ، وفي بعضها خرم فلم تتضح الكلمة، كما يقول المحقق للبرهان، والصواب بالتنكير: أرِبٌ، كما في (ت)، والمعنى: شديد.\nقال في اللسان ١/ ٢١٢، مادة (أرب): \"يقال: أَرِبَ الدهرُ يأْرَبُ إذا اشتد. . . وفي حديث سعيد بن العاص ﵁ قال لابنه عمرو: لا تَتَأَرَّبْ على بناتي، أي: لا تتشدد ولا تَتَعَدَّ\".\n(^٣) البرهان ١/ ٢٧٤ - ٢٧٥.\n(^٤) التلخيص ١/ ٤٥٧.","vol":"2","page":404},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>تنبيه:</span>\nقد يُسأل عن الفَرْق بين هذه المسألة، وبين قولنا: لا حكم على العقلاء قبل ورود الشرع، فإن الأزل قبل ورود الرسل بالضرورة، وقد نفينا الأحكام قبل ورودهم ثَمَّ، وأثبتناها هنا في الأزل؟\nوالجواب: ما تقدم في خلال الكلام من أن معنى قولنا: لا حكم قبل ورود الشرع - أن الخطاب إنما يتعلق بما بعد البعثة لا بما قبلها، فالمنفي (^١) هناك تَعَلُّقُ الأحكام لا ذواتُها، والذي ندعيه ها هنا في الأزل ذواتُها، فلا تناقض بين الكلامين (^٢).\nقال: (الثانية: لا يُجَوِّز تكليفَ الغافل مَنْ أحال تكليفَ المحال؛ فإن (إتيان (^٣) الفعل) (^٤) امتثالًا يعتمد العلم ولا يكفي (^٥) مجردُ الفعل، لقوله ﵇: \"إنما الأعمال بالنيات\". ونوقض بوجوب المعرفة. وأجيب: بأنه مستثنى).\n_________\n(^١) في (ك): \"فالمنتفي\".\n(^٢) انظر ما سبق في: المحصول ١/ ق ٢/ ٤٢٩، التحصيل ١/ ٣٢٨، الحاصل ١/ ٤٧٩، المستصفى ١/ ٢٨٣، نهاية السول ١/ ٢٩٨، السراج الوهاج ١/ ٢٠٥، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٧٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥، تيسير التحرير ٢/ ١٣١، ٢٣٨، فواتح الرحموت ١/ ١٤٦، شرح الكوكب ١/ ٥١٣.\n(^٣) سقطت من \"ص\"، و(ك).\n(^٤) في نهاية السول ١/ ٣١٥، والسراج الوهاج ١/ ٢١٠: \"الإتيان بالفعل\". وهو أحسن.\n(^٥) في (غ): يكون.","vol":"2","page":405},{"text":"اتفق الكل حتى القائلون بجواز التكليف بما لا يطاق على أنه يُشترط في المأمور أن يكون: عاقلًا، يَفْهم الخطاب، أو يتمكن مِنْ فهمه؛ لأن الأمر بالشيء يتضمن إعلام المأمور بأن الآمر طالبٌ للمأمور به منه، سواء أمكن حصوله منه أم لم يمكن، كما في التكليف بما لا يطاق. وإعلامُ مَنْ لا عقلَ له (ولا فهمَ متناقِضٌ؛ إذ يصير التقدير: يا من لا فَهْم له افهم، ويا مَنْ لا عقل له) (^١) اعقِل المأمور به. فعلى هذا لا يجوز أمر الجماد والبهيمة؛ لعدم العقل والفهم، (وعدمِ استعدادهما. ولا أمرُ المجنونِ والصبيِ الذي لا يميز؛ لعدم العقل والفهم) (^٢) التامَّيْن، وإنْ كانا مُسْتَعِدَّيْن لهما.\n\nوقد نَسَبَ المصنفُ<span data-type=\"title\" id=toc-221> امتناعَ تكليفِ الغافلِ </span>إلى مَنْ يُحيل تكليفَ المحال، وهو يُفْهم أنَّ الذي لا يحيله لا يمنعه، وليس الأمر كذلك، بل المختار مَنْعُه وإن فَرَّعنا على صحة التكليف بالمحال.\nوعلى المصنف في قوله: \"تكليف المحال\" مُعْتَرضٌ آخر: وهو أن تكليفَ المحال: هو ما رجع إلى المأمور، وهو تكليف الغافل. فكان الأَوْلى أن يقول: التكليف بالمحال (^٣).\nواستدل المصنف على المختار: بأن مقتضى التكليف الإتيانُ بالمأمور به\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) فالتكليف المحال: هو تكليف الغافل. والتكليف بالمحال: هو التكليف بالشيء المحال. فيكون قول المصنف: \"لا يُجوِّز تكليف الغافل مَنْ أحال تكليف المحال\" تكرار لنفس المعنى، وهو غير المراد.","vol":"2","page":406},{"text":"على وجه الامتثال للآمر، وذلك (^١) لا يُتصور إلا إذا عَلِم المكلَّف أن المكلِّف أمَرَه به، والغافل لا يَعْلم ذلك؛ فلا يمكنه الإتيان بالمأمور به على جهة الامتثال.\nقوله: \"ولا يكفي مجرد الفعل\" هذا جوابٌ عن سؤال مُقَدَّر تقديره: أنا لا نسلِّم توقفَ الإتيان بالمأمور به على العلم؛ لجواز (^٢) أن يصدر عنه (^٣) ما كُلِّف به مِنْ غير عِلْم.\nوتوجيه الجواب: أن مجرد الإتيان بالمأمور به لا يكفي في حصول الامتثال، بل لا بد معه من النية؛ لما ثبت مِنْ قوله - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنيات\" (^٤).\nوقد نقض الخصم هذا الدليل: بوجوب معرفة الله تعالى فإنها واجبة، ولا يمكن أن يكون وجوبها بعد حصولها؛ للزوم تحصيل الحاصل. وإذا كان\n_________\n(^١) أي: الامتثال للآمر.\n(^٢) في (ك): \"بجواز\".\n(^٣) في (ت)، و(ك): \"منه\".\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٣، كتاب الوحي، باب كيف كان بدء الوحي، رقم ١. وأخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٥١٥، كتاب الإمارة، باب قوله - ﷺ -: \"إنما الأعمال بالنية\" رقم ١٩٠٧. وأخرجه الترمذي في السنن ٤/ ١٥٤، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء فيمن يقاتل رياءً وللدنيا، رقم ١٦٤٧. وأخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٦٥١، كتاب الطلاق، باب فيما عُني به الطلاق والنيات، رقم ٢٢٠١. وأخرجه النسائي في السنن ١/ ٥٨، كتاب الطهارة، باب النية في الوضوء، رقم ٢٢٠١. وأخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ١٤١٣، كتاب الزهد، باب النية، رقم ٤٢٢٧.","vol":"2","page":407},{"text":"قبل حصولها استحال معرفة هذا الأمر؛ لأن معرفة أوامر الله بدون معرفة الله محال. فقد كُلِّف بما هو غافل عنه.\nوأجاب المصنف: بأنه مستثنى من القاعدة؛ لقيام دليلٍ عليه يخصه. وقد ضُعِّف هذا الجواب: بأن النقض ولو بصورةٍ قادحٌ في الدليل.\nوقيل الحق في الجواب أن يقال: نختار أن التكليف بها يَرِد حال حصول العلم ولا يلزم تحصيلُ الحاصل؛ لجواز أن يكون المأمور به معلومًا بوجه ما، ويكونَ التكليفُ واردًا بتحصيل المعرفة من غير ذلك الوجه. وقد نجز شرح ما في الكتاب (^١).\nوالذي نص عليه الشافعي - ﵁ - أنَّ السكران مخاطَب مكلَّف (^٢)، ولكنِ الأصوليون على طبقاتهم منهم القاضي في \"مختصر التقريب\" صرحوا بخروج السكران الخارج عن حد التمييز - عن قضية التكليف، والتسوية بينه وبين سائر مَن لا يفهم (^٣).\nقال الغزالي: \"بل السكران أسوأ حالًا من النائم الذي يمكن تنبيهه\" (^٤). فإما أن يكون ما قاله الشافعي قولًا ثالثًا مُفَصِّلًا بين السكران\n_________\n(^١) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ٢/ ٤٣٧، التحصيل ١/ ٣٣٠، الحاصل ١/ ٤٨١، المستصفى ١/ ٢٨١، نهاية السول ١/ ٣١٥، السراج الوهاج ١/ ٢٠٩، شرح الكوكب ١/ ٥١١، تيسير التحرير ٢/ ٢٤٨، ٢٦٣، بيان المختصر ١/ ٤٣٥، مناهج العقول ١/ ١٣٥.\n(^٢) انظر: الأم ٥/ ٢٥٣.\n(^٣) كالمجنون والنائم. انظر: التلخيص ١/ ١٣٥.\n(^٤) المستصفى ١/ ٢٨١.","vol":"2","page":408},{"text":"وغيره للتغليظ عليه، أو يُحْمل قوله (^١) على السكران الذي لا يَنْسَلُّ عن رتبة التمييز، دون الطافح المغشِيِّ عليه. ولا ينبغي أن يَظُنَّ ظانٌّ مِن (^٢) ذلك أن الشافعي يُجَوِّز تكليف الغافل مطلقًا، فَقدْره - ﵁ - يَجِلُّ (^٣) عن ذلك، وأظهر الرأيين عندنا أن الشافعي فَصَّل بين السكران وغيره. ثم إنا نقول: لعل ذلك هو الحق دالِّين عليه بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^٤).\nفإن قلت: لعل المراد بالسكران في الآية النشوان الذي لا يَنْسَلُّ عن رتبة التمييز.\nقلت: هذا التأويل ينافي سياق الآية، فإن الرب تعالى قال: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، وليس عندي على مَنْ قال إنَّ السكران مكلَّف إلا إشكال دقيقٌ لولاه لجزمت القولَ بأنه مكلَّف: وهو أنه يلزمُ مَنْ قال إنه مكلَّف أن يأمره بالوضوء ويطالبه بالصلاة، ويَرِد عليه إذن قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ فإن تحريم الصلاة عليه لا يُجامِع مطالبتَه بها، فالآية تصلح مُعْتَصَمًا للفريقين، فمَن يكلفه يقول: الله قد (^٥) خاطبه. ومَن يمنع يقول: قد أمره بأن لا يقرب الصلاة.\n_________\n(^١) في (ص) و(ك)، و(غ): \"كلامه\".\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"في\".\n(^٣) بكسر الجيم. انظر: المصباح ١/ ١١٥.\n(^٤) سورة النساء: الآية ٤٣.\n(^٥) سقطت من (ت)، و(ص).","vol":"2","page":409},{"text":"فإن قلت: كيف لا تكلفون النائم وهو يضمن ما يُتْلِفه في نومه، ويقضي الصلوات التي تمر عليه مواقيتُها، إلى غير ذلك من الأحكام؟\nقلت: الذي قلناه: إنه لا يخاطب في حال نومه، ولكن يتوجه عليه الخطاب بعد ذلك؛ لقوله - ﷺ -: \"من ترك صلاةً أو نسيها فليصلها إذا ذكرها\" (^١).\nفإن قلت: إنما يُخَاطب في اليقظة بسبب ما تقدم في النوم.\nقلت: مقصِدُنا نفي الخطاب في حال النوم، فأما ثبوت أسباب يُسْنَد إليها تَثْبِيت (^٢) الأحكام في اليقظة - فمما لا ننكره. ويوضح هذا أن الصبي الذي لا يميز لو أتلف شيئًا لطالبناه ببدله، فوجوب الزكوات، والغُرْم، والنفقات - ليس من التكليف، بل الإتلاف، وملك النصاب - سبب لثبوت هذه الحقوق في ذِمَّة الصبيان، بمعنى: مخاطبة الولي في الحال بالأداء، ومخاطبة الصبي بعد البلوغ. وذلك غير محال،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ١/ ٢١٥، في مواقيت الصلاة، باب مَن نسي صلاة فليصلِّ إذا ذكرها، رقم الحديث ٥٧٢، بلفظ: \"مَن نسي صلاة فليصلِّ إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك\". ومسلم ١/ ٤٧٧، في كتاب المساجد، باب قضاء الصلاة الفائتة، رقم الحديث ٦٨٤، وفي بعض رواياته: \"مَن نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يُصَلِّيَها إذا ذكرها\". وفي رواية: \"إذا رَقَد أحدكم عن الصلاة أو غَفَل عنها فليصلِّها إذا ذَكَرها\" وليس فيهما: \"من ترك\" ولو كان الأمر كذلك لكان نصًّا في موضوع الخلاف ولاستدل به القائلون بوجوب قضاء الفوائت. وانظر: تلخيص الحبير ١/ ١٥٥، ١٨٥، إرواء الغليل ١/ ٢٩١.\n(^٢) في (ص): \"تثبت\".","vol":"2","page":410},{"text":"وليس كقولك لمن لا يفهم: افهم. فإن أهلية ثبوت الأحكام في الذمة تستفاد من الإنسانية التي بها يَستعد لقبول قوة العقل، الذي (به قوة) (^١) فَهْم التكليف في ثاني الحال، حتى إن البهيمة لما لم يكن لها قوةُ فهمِ الخطاب بالفعل، ولا بالقوة - لم تتهيأ لإضافة الحكم إلى ذمتها، بخلاف النطفة التي في الرحم إذْ ثبت لها الملك بالإرث والوصية، والحياة غير موجودة بالفعلِ، ولكن بالقوة. وكذا الصبي مصيره إلى العقل فصح إضافة الحكم إلى ذمته، ومطالبته في ثاني الحال، ولم يصلح للتكليف في الحال.\nفإن قلت: لو انتفخ ميت وتكسَّر بسبب انتفاخه قارورةٌ - فينبغي إيجاب ضمانها، كالطفل يسقط على قارورة.\nقلت: يحتمل أن يُقال بذلك، وأن يُطَالَب به الورثة، كما يجب الضمان على العاقلة، والفعل لم يصدر منهم. ولكن قال الأصحاب: لا يجب، وفرقوا بينه وبين الطفل بأن للطفل فِعْلًا بخلاف الميت، وإيجاب الضمان على من لا فعل له غيرُ معقول، وهو متجه.\nفإن قلت: فالصبي المميز يفهم الخطاب فلِمَ منَعْتَ تكليفَه!\nقلت: العقل لا بمنع منه، ولكن الشرع رفع ذلك عنه بقوله - ﷺ -: \"رفع القلم عن ثلاث\" (^٢) الحديث. وقد قال البيهقي: \"إن الأحكام إنما نيطت\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، وفي (غ)، و(ك): \"به\". والمعنى فيهما صحيح.\n(^٢) أخرجه أبو داود في السنن ٤/ ٥٥٨، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًّا، رقم ٤٣٩٨. والنسائي ٦/ ١٥٦، كتاب الطلاق، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج، رقم ٣٤٣٢. وابن ماجه في السنن ١/ ٦٥٨، كتاب الطلاق، باب طلاق المعتوه والصغير والنائم، رقم ٢٠٤١.","vol":"2","page":411},{"text":"بخمسَ عشرةَ سنة مِنْ عام الخندق، وإنها كانت قبل ذلك تتعلق بالتمييز\".\nوبهذا يجاب عن سؤال مَنْ يقول: الرفع يقتضي تقدم وضع، ولم يتقدم على الصبي وضع.\nفإن قلت: ما الحكمة في تقدير الرفع بالبلوغ وهو إذا قارب البلوغ عَقَل.\nقلت: قال القاضي أبو بكر: \"إنَّ عدمَ بلوغه دليلٌ على قلة عقله\" (^١). وهو تصريح منه بأن العقل يزيد ويكمل بلحظة، وليس يتجه ذلك كما قال الغزالي (^٢)؛ لأن انفصال النطفة لا يزيده عقلًا؛ لكن حُطَّ الخطاب عنه تخفيفًا، وزيادة العقل ونقصانه إلى حدٍّ يُناط به التكليف أمرٌ خفي، لا يمكن الاطلاع عليه بغتة لكونه يزيد على التدريج، وقد عُلِم من عوائد الشرع أنه يعلق الحِكَم على مظانها المنضبطة لا على أنفسها، والبلوغ مَظنَّةُ كمال العقل، فعلَّق الشارعُ الأمرَ عليه، وإنْ جاز وجودُ\n_________\n(^١) لم أجد نص العبارة في التلخيص ١/ ١٤٤، وفي التقريب والإرشاد (الصغير) ما يفيدها. قال ﵀: \"ولو حَصَل لبعض مَن لم يبلغ الحُلم عقلُ البالغين لصح تكليفه التوحيدَ مما دونه، وغير محال في العقل حصولُ بعضهم كذلك، غير أنه معلومٌ بالسمع أنه لا يحصل لأحدٍ منهم بدلالةٍ وهي قوله (ص): \"وعن الطفل حتى يبلغ\". ففي رَفْع القلم عنه دليلٌ على عدم تمييزه لما يعرفه العقلاء. . .\". التقريب والإرشاد ١/ ٢٣٦ - ٢٣٧. ولكن نقل ذلك الغزالي في المستصفى ١/ ٢٧٩، ٢٨٠.\n(^٢) المستصفى ١/ ٢٨٠.","vol":"2","page":412},{"text":"الحكمة (^١) قبله بلحظة أو بعده بلحظة. وفي الشريعة صور كثيرة تضاهي ذلك، بل ربما شذت الصورة عن الحكمة بحيث بقي الوصف فيها كضَرْبٍ من التعبد، وفي ذلك فروع:\nمنها: لو كمَّل وضوءَه إلا إحدى الرجلين ثم غسلها وأدخلها الخف فإنه ينزع الأولى ثم يلبسها؛ ليكون قد أدخلهما على طهارة كاملة (^٢).\nومنها: لو اصطاد صَيْدًا وهو مُحْرِم، ولا امتناع لذلك الصيد - فإنه يُرسِله ويأخذه إذا شاء (^٣).\n_________\n(^١) أي: العمل، لأن حكمة التكليف حال البلوغ كونه عاقلًا، فالبلوغ علة منضبطة، والعَقْل حِكْمة، والحكمة وصف غير منضبط؛ ولذلك علَّق الشارع الحكم على الوصف المنضبط وجعله علة. والحكمة: هي ما يترتب على الحكم الذي رُبِط بعلته من جلب مصلحة أو دفع مضرة. فتكون الحكمة هي المصلحة الحاصلة مِنْ رَبْط الحكم بعلته وسببه، فالحكمة تأتي في الترتيب الوجودي بعد ربط الحكم بالوصف، إذ هي الثمرة والنتيجة الحاصلة من ترتيب الحكم على الوصف، وربطه به. انظر: أصول الفقه للعربي اللوه ص ١٩٨، وانظر أيضًا: مباحث العلة في القياس للسعدي ص ١٠٥.\n(^٢) انظر: المجموع ١/ ٥١١، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٤٠٦.\n(^٣) أي: لو اصطاد صيدًا وهو مُحْرِم، وذلك الصيد ليس له قدرة على الامتناع من الصيد ولا الفرار - فهنا يجب على المحرم إرساله لأنه أخذه بصورة الصيد، لكن لو أرسله، ثم أخذه فله ذلك؛ لأن الحالة الأولى كانت بطريق الصيد، وهو مُحَرَّم، فلما أرسله كان له أخذه بغير طريق الصيد، فالممتنع هو الصيد لا أخذه بغير صيد. وذكر السيوطي رحمه الله تعالى صورة قريبة من هذه الصورة: وهى ما إذا صاد صيدًا وهو مُحْرِم ولم يُرْسِله حتى حَلَّ، ولا امتناع للصيد، فإنه يرسله ثم يأخذه إذا =","vol":"2","page":413},{"text":"ومنها: إذا تيقن عدمَ الماء حوالَيْه فإنه على وجه يلزمه الطلب (^١). وقد عددنا في \"الأشباه والنظائر\" كَمَّله الله تعالى (من ذلك) (^٢) كثيرًا (^٣).\nفإن قلت: كيف أمرتَ الصبي بالصلاة وهو ابن سبع سنين (^٤)، وضربتَه عليها وهو ابن عشر؟ .\nقلتُ: قد علمتَ أن العقل بعد بلوغه سن التمييز لا يمنع من ذلك، ومن محاسن الشريعة النظر في مصلحته وتمرينه على ما يخاطب به حتمًا فيما يؤول، وليس المقصود من هذا الخطاب غيرَ ذلك؛ ولذلك لا نقول: إنها واجبة عليه، بل على الولي أن يأمره (^٥) بها، ولا تَبِعةَ على الصبي في آخرته بتركها. والله أعلم.\n_________\n= شاء. ووجوب إرساله للصيد بعد إحلاله لكونه استدامةً للمُحَرَّم، وهو الصيد حال الإحرام، فإذا أرسله جاز له أن يأخذه إذا شاء.\nانظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٤٠٦.\n(^١) فعلى هذا الوجه يكون الطلب تعبديًا؛ لأن الحكمة من الطلب الوصول إلى الماء، ومع القطع بأن لا ماء لا يمكن الوصول، فيكون الطلب خاليًا من الحكمة، والغرض منه التعبد فقط. لكن الأصح عند الشافعية عدم وجوب الطلب في مثل هذه الصورة.\nانظر: المجموع ٢/ ٢٤٩.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: الأشباه والنظائر للشارح ٢/ ١٨٨ - ١٩٢.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (غ)، و(ك): \"يأمر\".","vol":"2","page":414},{"text":"فإن قلت: كيف منعتم تكليف الغافل الداخل في قالب الموجودات، وجوزتم تكليف المعدوم؟\nقلت: تكليف المعدوم بمعنى: تعلق الخطاب به في الأزل على تقدير وجوده. والمنع من تكليف الغافل إنما هو في زمن غفلته.\nفإن قلت: الدهري مكلَّف بالإيمان وهو لا يعرف المكلِّف، فكيف يفهم التكليف؟\nقلت: المعتبر التمكن من الفهم، وهو متمكن بواسطة النظر.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-222>(الثالثة: الإكراه الملجئ يمنع التكليف؛ لزوال القدرة)</span>.\nالإكراه إنِ انتهى إلى حد الإلجاء، بحيث صارت نسبة فاعله إلى الفعل المكرَه عليه كنسبة المُرْتعِش إلى حركته - مَنَع (^١) التكليفَ في (^٢) المكْرَه عليه أو ضده (^٣). والقول في جوازه مبني على التكليف بما لا يطاق.\nواستدل المصنف على امتناعه بزوال القدرة، فإنَّ الفعل يصير واجبَ الوقوع، ويصير عدمه ممتنعًا، والتكليف بالواجب والمتنع تكليف بما لا يطاق.\n_________\n(^١) قوله: \"منع\" جواب الشرط: \"إن انتهى\".\n(^٢) في (غ): \"من\".\n(^٣) كمن أُكْره على الفطر ووصل إلى حدِّ الإلجاء فهو غير مكلَّف بالفطر ولا بالصيام.","vol":"2","page":415},{"text":"وقال القاضي في \"مختصر التقريب\": \"إن هذا القسم لا يُسَمَّى عند المحققين إكراهًا؛ لأن الإكراه لا يتحقق إلا مع (تصور اقتدارٍ) (^١)، فلا يوسف ذو الرعشة الضرورية بالإكراه، وإنما المُكْره من يُخَوَّف ويُضْطر إلى أن يُحَرِّك يده على اقتدار واختيار\" (^٢). وقد ذهب أصحابنا إلى أن ذلك لا يمنع التكليف، صَرَّح به طوائفهم القاضي (^٣)، وإمام الحرمين (^٤). وأبو إسحاق الشيرازي (^٥)، والغزالي (^٦) وجماعة، ومال إليه الإمام (^٧).\nوذهبت (^٨) المعتزلة إلى أنه يمنع التكليف، وهذا ما أفهمه كلامُ المصنف، كذا نقله جماعة، وحكاية (^٩) إمام الحرمين عنهم: \"أن المكره على العبادة لا يجوز أن يكون مكلفًا بها. قال: وبنوا ذلك على أصولهم في وجوب إثابة المكلَّف، والمحمولُ على الشيء لا يُثاب عليه\"، قال: \"وقد ألزمهم القاضي المُكْرَه على القتل فإنه مَنْهِيٌ عنه وآثم به لو أقدم عليه. وهذه\n_________\n(^١) في (ك): \"الاقتدار\".\n(^٢) انظر: التلخيص ١/ ١٤٠، مع تصرف من الشارح.\n(^٣) انظر: المرجع السابق.\n(^٤) البرهان ١/ ١٠٦.\n(^٥) اللمع ص ٢٠، وشرح اللمع ١/ ٢٧١.\n(^٦) المستصفى ١/ ٣٠٢.\n(^٧) المحصول ١/ ق ٢/ ٤٤٩.\n(^٨) في (ت): \"وذهب\".\n(^٩) في (ت): \"وحكاه\".","vol":"2","page":416},{"text":"هفوة عظيمة فإنهم لا يمنعون النهي عن الشيء مع الحمل عليه، فإن ذلك أشدُّ في المحنة واقتضاء الثواب، وإنما الذي منعوه الاضطرار إلى فعلٍ مع الأمر به\" (^١). انتهى.\nوقد تابع القاضيَ جماعةٌ من الأصحاب على إلزام المعتزلة بذلك وهو صحيح، وما ذكره إمام الحرمين حقٌّ من هذا الوجه، ولكنِ المُلْزِمون لم يوردوه على هذا المأخذ، بل هو من جهة أنهم منعوا أن المكره قادرٌ على عين الفعل المكرَه عليه، فبَيَّن الملزمون أنه قادر؛ لأن المعتزلة كلفوه بالضد، وعندهم أن الله تعالى لا يكلِّف العبد إلا بعد خلق القدرة على الفعل، والقدرة عندهم على الشيء قدرة على ضده، فإذا قَدَر على ترك القتل قَدَر على القتل.\nقال الغزالي: \"وهذا ظاهر، ولكن فيه غَوْر: وهو أن الامتثال إنما يكون طاعةً إذا كان الانبعاث له بباعث الأمر والتكليف دون باعث الإكراه، فالآتي بالفعل مع الإكراه إن أتى به لداعي الإكراه فلا يكون مجيبًا داعي الشرع، وإنْ أتى به لداعي (^٢) الشرع فصحيح (^٣) \".\nقال بعض المتأخرين: وهذا الذي ذكره إنما هو في (^٤) العبادات المشروط فيها النية، أما ما لا يشترط فيه النية: كرد الغصوب، والودائع، وتسليم\n_________\n(^١) البرهان ١/ ١٠٦ - ١٠٧.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: المستصفى ١/ ٣٠٣، مع تصرف من الشارح.\n(^٤) سقطت من (ص)، و(ت).","vol":"2","page":417},{"text":"المبيع، وحبس المعتدة - فالمقصود منه واقعٌ قُصِد أو لم يُقْصد، فيخرج عن عُهدة التكليف به (^١) مع الإكراه. هذا كلام الأصوليين.\nوأما الفقهاء فقالوا: لا يباح بالإكراه الزنا (^٢)، والقتل (^٣). ويباح شربُ الخمر (^٤)، والإفطار (^٥)، وإتلافُ مال الغير (^٦)، والخروج من الصلاة (^٧)، والتلفظ بكلمة الردة (^٨). وقد يجب بعض ذلك. فإنْ قلت: قد قال الفقهاء: إنَّ الإكراه يُسقط أَثَر التصرف.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) قال السيوطي: \"ولا يباح به بالاتفاق أيضًا؛ لأن مفسدته أفحش من الصبر على القتل، وسواءٌ كان المُكْرَه رجلًا أو امرأة\". الأشباه والنظائر ص ٢٠٧.\n(^٣) قال التاج السبكي: \"ويأثم المُكْرَه على القتل بالإجماع، ويجب عليه القصاص على الأصح\". الأشباه والنظائر ٢/ ٩.\n(^٤) قال السيوطي: \"ويباح به قطعًا، استبقاءً للمهجة، كما يباح لمن غُصَّ بلقمةٍ أن يُسيغها به، ولكن لا يجب على الصحيح، كما في أصل الروضة\". الأشباه والنظائر ص ٢٠٧.\n(^٥) قال السيوطي: \"الفطر في رمضان، ويباح به، بل يجب قطعًا، كما يجب على الصحيح\". الأشباه والنظائر ص ٢٠٧.\n(^٦) قال السيوطي: \"ويباح به، بل يجب قطعًا كما يجب على المضطر أكل طعام غيره\". الأشباه والنظائر ص ٢٠٧.\n(^٧) قال السيوطي: \"وهو كالفطر\". الأشباه والنظائر ص ٢٠٧. أي: يباح ويجب.\n(^٨) قال السيوطي: \"التلفظ بكلمة الكفر، فيباح به للآية، ولا يجب، بل الأفضل الامتناع مصابرةً على الدين، واقتداء بالسلف. وقيل: الأفضل التلفظ صيانة لنفسه. وقيل: إن كان ممن يُتوقع منه النكاية في العدو، والقيام بأحكام الشرع - فالأفضل التلفظ؛ لمصلحة بقائه، وإلا فالأفضل الامتناع\". الأشباه والنظائر ص ٢٠٦ - ٢٠٧.","vol":"2","page":418},{"text":"قلت: لا يلزم من كونه مُسْقِطًا أثرَ التصرف أن لا يُجامع التكليف، والضابط في خطاب المكره وتصرفاته، والجمع بين كلام الأصوليين والفقهاء فيه يستدعي مزيد بسط، ولعلنا نستقصي القول فيه في كتابنا \"الأشباه والنظائر\" (^١). على أن الفقهاء قد استثنوا مسائل من هذه القاعدة:\nمنها: الإكراه على القتل على أصح القولين (^٢).\nومنها: الإكراه على الكلام في الصلاة على الأصح (^٣).\nومنها: الرضاع (^٤).\nومنها: في الحدث (^٥) وقد حكى الرافعي عن الحناطي وجهين في انتقاض الوضوء بمس الذكر ناسيًا (^٦)، فلا يبعد أن يقال بجريانهما في حالة الإكراه.\nومنها: الإكراه على الزنا إن قلنا: يُتصور الإكراه عليه (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الأشباه والنظائر للشارح ٢/ ٨.\n(^٢) فيلزمه القصاص بالقتل إكراهًا. انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠٣، ٢٠٥.\n(^٣) أي: يلزمه قضاء الصلاة. انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠٣.\n(^٤) أي: تثبت المَحْرَمِيَّة بالرضاع مع الإكراه. انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي، ص ٢٠٥.\n(^٥) أي: الإكراه على الحدث. وانظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠٣.\n(^٦) قال السيوطي في الأشباه والنظائر ص ٢٠٣: \"وفي مس الفرج وجه ضعيف: أنه لا ينقض ناسيًا\".\n(^٧) فعلى هذا القول يجب عليه الحدُّ ولا يسقط بالإكراه. انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠٣، ٢٠٥. وفيه في ص ٢٠٨: \"قال العلماء: لا يتصور الإكراه على شيءٍ =","vol":"2","page":419},{"text":"ومنها: قال في \"الاستقصاء\" نقلًا عن \"الإيضاح\" إذا تبايعا في عَقْد الصَّرْف (^١) وتفارقا قبل القبض - يبطل، سواء كان في حالة الاختيار أم الإكراه.\nوقد يُعترض على هذا بأن الإكراه لا يُبْطل خيار المجلس في البيع على الصحيح. ويُجاب بضيق باب الربا (^٢). والمسألة في شرح المنهاج لوالدي مبسوطة.\nومنها: إذا أُكره فَفَعَل أفعالًا كثيرة في الصلاة - بطلت بلا خلاف (^٣).\nومنها: لو أكره على التحول عن القبلة، أو على ترك القيام في الفريضة مع القدرة فصلى قاعدًا - لزمه الإعادة؛ لأنه عذر (^٤)، وهذه كالتي قبلها.\n_________\n= من أفعال القلوب. وفي الزنا وجهان: أصحهما: أنه يُتصور؛ لأنه منوط بالإيلاج. والثاني: لا؛ لأن الإيلاج إنما يكون مع الانتشار، وذلك راجع إلى الاختيار والشهوة\".\n(^١) الصرف في اللغة: الدفع والرد. وفي الاصطلاح: بيع الذهب والفضة بذهب، أو فضةٍ، سواء كانا مضروبَيْن، أو كان أحدهما مضروبًا، أو لم يكونا كذلك. وهناك من يعرفه في الاصطلاح بأنه: بيع النقد بالنقد. انظر: القاموس الفقهى لسعدي أبو جيب ص ٢١٠، التعريفات للجرجاني ص ١١٦، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٠١.\n(^٢) أي: لو أكره أحد المتبايعين على مفارقة مجلس البيع - فلا يبطل خيار المجلس بعد الإكراه. أما لو أكره أحد المتعاقدين في بيع الصرف على عدم تسليم العِوَض في المجلس - فإن العقد يفسد، ولا يُنظر إلى الإكراه؛ لضيق باب الربا. وانظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠٤.\n(^٣) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠٤.\n(^٤) هكذا في النُّسَخ، ولعل الصواب: لأنه نَدَر. أي: ندر الإكراه في هذه الصورة، =","vol":"2","page":420},{"text":"ومنها: إذا أكْرِه حتى أكل بنفسه وهو صائم، أو أكرهت المرأة حتى مكَّنت من نفسها - ففي الفطر قولان (^١).\nومنها: إذا حلف بالله مكرهًا انعقدت يمينه على وجه، حكاه ابن الرفعة.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-223>(الرابعة: التكليف يتوجه حال المباشرة. وقالت المعتزلة: بل (^٢) قبلها)</span>.\nهذه (^٣) المسألة من مشكلات المواضع، وفيها اضطراب في المنقول، وغَوْر في المعقول (^٤)، ونحن نذكر مقالات الناس، والتنبيه على جهة الاختلاف، ثم نعمد إلى الرأي الأسَدِّ فنناضل عنه. فنقول:\nقال القاضي في \"مختصر التقريب\" باختصار إمام الحرمين: \"الفعل مأمور به في حال حدوثه. ثم قال المحققون من أصحابنا: الأمر قبل حدوث الفعل المأمورِ به أمرُ إيجابٍ وإلزام، ولكنه يتضمن الاقتضاءَ والترغيبَ والدلالةَ على امتثال الأمور به، وإذا تحقق الامتثالُ فالأمر يتعلق به، ولكن\n_________\n= فأُسقط أثره. وفي الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠٤: \"الإكراه على فعل ينافي الصلاة، فتبطل قطعًا؛ لندوره\".\n(^١) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠٤.\n(^٢) سقطت من (ص)، و(ك)، و(غ).\n(^٣) سقطت من (ص)، و(ك)، و(غ).\n(^٤) قال القرافي رحمه الله تعالى في شرح تنقيح الفصول ص ١٤٦: \"هذه المسألة لعلها أغمض مسألةٍ في أصول الفقه\".","vol":"2","page":421},{"text":"لا يقتضي ترغيبًا مع تحقق المقصود، ولا يقتضي دلالةً، بل يقتضي كونه طاعة بالأمر المتعلِّق. وذهب بعض مَنْ ينتمي إلى أهل الحق إلى أنَّ الأمر إنما (^١) يقتضي الإيجاب على التحقيق إذا قارن حدوث الفعل، وإذا تقدم عليه فهو أمر إنذارٍ وإعلامٍ بحقيقة الوجوب عند الوقوع. وهذا باطل، والذي نختاره تحقق الوجوب قبل الحدوث، وفي حال الحدوث، وإنما تفترق الحالتان فيما قدمناه من الترغيب والاقتضاء والدلالة، فإن ذلك يتحقق قبل الفعل ولا يتحقق معه.\nوزعمت القدرية بأسرها: أن الفعل في حال حدوثه يستحيل أن يكون مأمورًا به، ولا يتعلق به الأمر إلا قبل وجوده. ثم طردوا مذهبهم في جملة الأحكام الشرعية، فلم يَصِفوا كائنًا بحظر ولا وجوب ولا ندب، وإنما أثبتوا هذه الأحكام قبل تحقق الحدوث.\nثم افترقوا فيما بين أظهرهم:\nفقال بعضهم: لا يصحّ تقدمُ الأمر على المأمور به بأكثر من وقت واحد (^٢).\nوصار الأكثرون منهم إلى جواز تقدمه عليه بأوقات (^٣).\nثم الذين صاروا إلى هذا المذهب اختلفوا في أنه: هل يُشترط بقاء المكلَّف في الأوقات المتقدمة على حدوث المأمور به - على أوصاف\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) يعني: فلا يصح أن يُؤمر بالعصر إلا في وقت الظهر، لا قبله.\n(^٣) أي: فيصح أن يؤمر بصلاة العشاء في وقت الفجر مثلًا.","vol":"2","page":422},{"text":"التكليف؟\nفمنهم من شرط كونه مستجمعًا لشرائط (^١) التكليف في كل (^٢) الأوقات المتقدمة.\nوزعم بعضهم أنا لا نشترط ذلك، وإنما نشترط اجتماع الأوصاف عند حدوث الفعل، ويُشْترط (^٣) في الأوقات المتقدمة عليه كونُ المخاطب ممن يفهم الخطاب.\nثم افترقوا بعد ذلك في أصل آخر، وذلك أنهم قالوا: هل يجوز أن يتقدم الأمر على المأمور به بأوقات، من غير أن يكون فيه لطف ومصلحة زائدة على التبليغ من المبلِّغ، والقبولِ من المخاطَب؟\nفمنهم مَنْ شرط أن يكون في ذلك لطف يعلمه الله، ومنهم من لم يشترط ذلك\" (^٤) انتهى.\nوهو أثبت منقول في المسألة، وصريحُ نقلِ إمام الحرمين في \"البرهان\" (^٥): أن مذهب أصحاب (^٦) الشيخ: أن الفعل في حال حدوثه مأمور به. ثم ذكر في تعليله ما يدل على أنه ليس بمأمور به قبل حدوثه،\n_________\n(^١) في (غ): \"بشرائط\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في التلخيص ١/ ٤٤٥: و\"نشترط\".\n(^٤) انظر: التلخيص ١/ ٤٤٣ - ٤٤٥.\n(^٥) البرهان ١/ ٩٧٦.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"2","page":423},{"text":"وهذا هو الذي يقتضيه أصلهم: وهو أن الاستطاعة عندهم مع الفعل لا قبله.\nفإن قلت: أصلهم الآخر وهو تجويز التكليف بما لا يطاق - يقتضي جواز الأمر بالفعل حقيقة قبل الاستطاعة، فعلى هذا يكون المأمور مأمورًا قبل التلبس بالفعل.\nقلت: لعلهم فَرَّعوا هذا على استحالته، أو أنهم وإنْ جوزوه فلم يقولوا بوقوعه، ويكون كلامهم هنا بناء على عدم الوقوع.\nثم اختار إمام الحرمين مذهب المعتزلة من الأمر بالحادث قبل الحدوث، وعدم الأمر به مع الحدوث. وقال: \"أما أنْ يتجه (^١) القول في تعلق الأمر به طلبًا واقتضاءً مع حصولهِ - مذهبٌ لا يرتضيه لنفسه عاقل\" (^٢).\nوأما الغزالي فإنه قال: بوجود الأمر قبل الفعل، وسلَّم مقارنة القدرة للفعل (^٣)، ومن هنا خالف قولَ إمامه، فإن إمامه رأى أنَّ (^٤) القدرة: هي التمكن، وحالةُ الوجود تُنافي التمكنَ من الفعل والترك، فيتعين الوقوع،\n_________\n(^١) في البرهان ١/ ٢٧٩: \"فأما أن ينجزم\"، وعبارة \"يتجه\" أولى وأحسن؛ لأن المعنى: فأما أن يستحسن ويستسيغ عاقل. . . إلخ، ولا علاقة للجزم بالكلام، وإنْ كان يمكن فهم الكلام به، لكن الأقرب هو عبارة: \"يتجه\". وقد أشار محقق \"البرهان\" إلى نسخة فيها: \"يتجه\".\n(^٢) البرهان ١/ ٢٧٩.\n(^٣) فقبل أن يَفْعل هو مأمور، مع أن القدرة على الفعل لا تكون إلا مع الفعل لا قبله.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"2","page":424},{"text":"كذا قال القرافي (^١). وهذه عبارة الغزالي: \"لا أمر إلا بمعدوم يمكن حدوثه، وهل يكون الحادث (في أول حال) (^٢) حدوثِه مأمورًا كما كان قبل الحدوث، أو يخرج عن كونه مأمورًا كما في الحالة الثانية من (^٣) الوجود؟ اختلفوا فيه، وفيه بحث كلامي لا يليق بمقاصد أصول الفقه ذِكْرُه\" (^٤).\nوأما الإمام فقال: \"ذهب بعض أصحابنا إلى أن المأمور إنما يصير مأمورًا حالةَ زمان الفعل، وأما قبل ذلك فلا يكون أمرًا، بل هو (^٥) إعلام له بأنه في الزمان الثاني سيصير مأمورًا (^٦). وقالت المعتزلة: إنما يكون مأمورًا بالفعل قبل وقوعه\" (^٧)، ثم استدل على أنه (لا يمتنع) (^٨) كونه مأمورًا حال\n_________\n(^١) أي: القدرة: هي التمكن من الفعل والترك، وحالة وجود الفعل تنافي التمكن من الفعل والترك؛ لأنه يتعين الوقوع، إذن لا بد أن تكون القدرة سابقة لوجود الفعل؛ لأن التمكن من الفعل والترك لا يكون إلا قبل وجود الفعل. وانظر مقولة القرافي في نفائس الأصول ٤/ ١٦٤٧.\n(^٢) في (ت): \"من أول\".\n(^٣) في (ص): \"في\".\n(^٤) المستصفى ١/ ٢٨٥.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) قال القرافي: \"معناه: أنه إعلام له بأنه مأمور زمن الملابسة، ونعني بالإعلام الإعلام الذي يصحب الأمر على سبيل اللزوم، كما نقول: كل مَنْ أمر شخصًا فقد لزم أمرَه خبرٌ لزوميٌّ: أنه يعاقبه إذا لم يفعل. . . أما الإعلام الصرف فليس مراده\". نفائس الأصول ٤/ ١٦٤٥.\n(^٧) المحصول ١/ ق ٢/ ٤٥٦.\n(^٨) في (ت): \"لا يُمْنع\".","vol":"2","page":425},{"text":"حدوث الفعل.\nوإذا تُؤُمِّل دليله أرشد إلى أنه أختار ما حكاه عن بعض الأصحاب من أن التكليف يتوجه حال المباشرة ولا يتوجه قبلها. وهذا هو المذهب الذي حكاه القاضي عن بعض مَنْ ينتمي إلى (^١) أهل الحق وقال إمام الحرمين: \"لا يرتضيه لنفسه عاقل\".\nولم يتعرض الإمام إلى حكاية القول الذاهب إلى أنه مأمور قبل الحدوث ومع الحدوث، وهو الذي ذهب إليه المحققون من أصحابنا كما قاله القاضي، بل حاصل ما فعل (^٢) أنه اختار أحد مذهبَيِ الأصحاب، واقتصر مع حكايته على حكاية مذهب المعتزلة.\nوقال الآمدي: \"اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل (^٣) قبل حدوثه سوى شذوذ من أصحابنا\" (^٤). انتهى.\nوهذ الذي ادعى الاتفاق على خلافه إلا عن شذوذ - هو أحد شِقَّيْ ما اختاره الإمام، ونَصَبه محلَّ النزاع مع المعتزلة. قال: \"وعلى امتناعه بعد حدوث الفعل، واختلفوا في جواز تعلقه به في أول زمان حدوثه، فأثبته أصحابنا، ونفاه المعتزلة\" (^٥). انتهى.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) أي: الإمام.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) الإحكام ١/ ٢١٢.\n(^٥) الإحكام ١/ ٢١٢.","vol":"2","page":426},{"text":"وهو ما أشعر به كلام الغزالي المتقدم، وهو نَقْلٌ (^١) مُتْقَنٌ مُحَرَّر، واتبعه عليه ابن الحاجب، إلا أنه نَسَب القول بانقطاع التكليف حال حدوث الفعل إلى الشيخ (^٢)، وليس بجيد، فليس للشيخ في المسألة صريح كلام، وإنْ كان ذلك يُتلقى من قضايا مذهبه.\nوقال ابن بَرْهان (^٣) في أصوله: \"الحادث (^٤) في حال حدوثه مأمور به (^٥) خلافًا للمعتزلة\" (^٦). انتهى.\nولم يتعرض له قبل الحدوث، وأما صاحب الكتاب فمِن شعاب الإمام نبع (^٧)، وقد أوردنا من النقول في المسألة ما فيه كفاية للمتبصر.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: بيان المختصر ١/ ٤٣١.\n(^٣) هو أحمد بن علي بن محمد بن بَرْهان الأصوليّ. ولد ببغداد سنة ٤٧٩ هـ على الراجح. كان أولًا حنبلي المذهب ثم انتقل وتفقَّه على الشاشي والغزَّالي وإلكيا. كان حاذق الذهن، عجيب الفطرة لا يكاد يسمع شيئًا إلا حفظه. له ستة كتب في أصول الفقه منها: الأوسط، والوجيز. توفي ببغداد سنة ٥١٨ هـ، وقيل غير ذلك. انظر: الطبقات الكبرى ٦/ ٣٠، شذرات ٤/ ٦١، مقدمة تحقيق \"الوصول إلى الأصول\" للدكتور عبد الحميد أبو زنيد ١/ ٩.\n(^٤) نصُّ ابنِ بَرْهان: \"الفعل الحادث\".\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٦) انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ١٧٤.\n(^٧) في (ت): \"تبع\". وهو خطأ. وفي (ص): \"نبغ\". وهو بمعنى: نبع. انظر: لسان العرب ٨/ ٤٥٣، مادة (نبغ). والمثبت من (غ)، والمعنى: أن كلام المصنف نَبَع وظهر من شعاب كلام الإمام رحمهما الله تعالى، فهو تابع للإمام في كلامه.","vol":"2","page":427},{"text":"قال: (لنا: أن القدرة حينئذ قبل التكليف في الحال بالإيقاع في ثاني الحال. قلنا: الإيقاع إنْ كان نفس الفعل فمحالٌ في الحال، وإنْ كان غيرَه فيعود الكلام إليه (ويتسلسل) (^١). قالوا: عند المباشرة واجب الصدور. قلنا: حال القدرة والداعية كذلك).\nقد علمتَ اتباعه للإمام في اختيار أنَّ التكليف إنما يتوجه حالَ المباشرة ولا يتوجه قبلها.\nواستدل عليه: بأن التكليفَ مشروطٌ بحصول قدرة المكلَّف، وحينئذ يكون (^٢) التكليف متوجهًا حال المباشرة، ولا يكون متوجهًا قبلها. أما تحقق القدرة حال المباشرة (فلأن المراد من القدرة: التمكن من الفعل، والتمكن حاصلٌ حينئذ. وأما انتفاؤها قبل المباشرة) (^٣) فلأن الفعل قبل المباشرة ممتنع الوقوع؛ إذ لو كان ممكن الوقوع لأمكن أن يُفرض وقوعُه، ويكون (ما فرضناه) (^٤) أنه قبل المباشرة هو حال المباشرة، وهذا خلف. فوضح أن الفعل قبل المباشرة ممتنع الوقوع، والممتنع لا قدرة عليه.\nقوله: \"قبل التكليف\". أجاب الخصم عن القول: بأنه إذا كان ممتنعًا قبل المباشرة (فلا يكلف به: بأن التكليف الذي ادعينا أنه ثابت قبل المباشرة) (^٥) ليس هو التكليف بنفس الفعل حتى يلزم ما\n_________\n(^١) سقطت من (ص)، و(ك).\n(^٢) في (ص): \"فيكون\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ت): \"ما فرضنا\".\n(^٥) سقطت من (ت).","vol":"2","page":428},{"text":"ذكرتم، بل التكليف في الحال - يعني: قبل المباشرة - تكليفٌ بالإيقاع في ثاني الحال، يعني: حال المباشرة.\nواعترض المصنف على هذا الجواب: بأن الإيقاع المكلَّفَ به إن كان نفس الفعل فالتكليف به في الحال. أي: حالَ قبلَ الفعل محالٌ؛ وذلك (^١) لأنه يلزم من امتناع التكليف بالفعل قبل مباشرته امتناع التكليف بالإيقاع، إذ الفرض (^٢) أن الإيقاع هو نفس الفعل (^٣).\nوإنْ كان الإيقاع غير الفعل فيعود الكلام إليه، أي: إلى هذا الإيقاع الذي كُلِّف به، ويقال: هذا الإيقاع الذي وقع التكليف به إنْ وقع التكليف به حالَ وقوع الإيقاع - لزم المدعى: وهو توجه التكليف حال المباشرة. وإن وقع التكليف به قبله - لزم أن يكون مكلفًا بما لا قدرة له عليه؛ لأنا قررنا أن القدرة مع الفعل.\nفإنْ قلت: التكليف - قبل الإيقاع - بإيقاع الإيقاع في ثاني الحال.\nقلت: يعود الكلام إليه أيضًا، ويُقال: إيقاع الإيقاع الذي كُلِّف به إما أن يكون نفس الفعل، أو غيره، ويتسلسل؛ فتعيَّن أن يكون توجه التكليف حال المباشرة لا قبلها.\nقوله: \"قالوا\" إشارةٌ إلى حجةٍ ذَكَرها المعتزلة: وهي أنَّ الفعل حال\n_________\n(^١) تعليل لاستحالة التكليف في الحال.\n(^٢) في (ص): \"الغرض\" - بالغين - وهو خطأ.\n(^٣) فكما امتنع التكليف بالفعل قبل المباشرة، لا بد أن يمتنع الإيقاع؛ لأنهما شيء واحد.","vol":"2","page":429},{"text":"المباشرة واجب الصدور عن المكلف (^١)؛ لامتناع الترك منه حينئذ، وكل ما كان واجب الوقوع فليس بمقدور (^٢)، وما ليس بمقدور لا يتوجه التكليف نحوه (^٣)؛ فلا يتوجه التكليف نحو الفعل حال المباشرة (^٤).\nوأجاب: بأنه لما كانت القدرة: هي التمكن من الفعل. والداعية: هي ميل الإنسان إلى الفعل أو الترك إذا عَلِمَ أو ظَنَّ أن له في الفعل مصلحةً أو مفسدة. وإذا اجتمعت القدرة والداعية سميت علةً تامة، وإذا وجدت فقيل: يجب وقوع الفعل، وقيل: لا يجب، بل يكون الفعل أولى.\nإذا (^٥) عرفت هذا فنقول: الفعل يترتب وجوده على وجود القدرة مع الداعية، فيكون مأمورًا حال القدرة والداعية عند الخصم؛ لكونه من جملة الأزمان التي قبل الفعل، مع أنَّ الفعل واجبُ الصدور في تلك الحالة (^٦)؛ فانتفى ما ذكرتموه (^٧).\n_________\n(^١) هذه مقدمة صغرى.\n(^٢) هذه مقدمة كبرى.\n(^٣) هذه مقدمة كبرى ثانية.\n(^٤) هذه النتيجة. وهذا قياسٌ مركب لأنه متكون مِنْ قضايا أكثر من اثنين.\n(^٥) في (ص): \"وإذا\".\n(^٦) أي: في حالة العلة التامة.\n(^٧) يعني: لما أنكر المعتزلة التكليف بالفعل حال المباشرة؛ بعلة أن الفعل حال المباشرة واجب الصدور غير مقدورٍ عليه، فيمتنع التكليف به. ردَّ عليهم: بأنهم يقولون بالتكليف قبل المباشرة، مع أن الفعل قبل المباشرة واجب الصدور أيضًا؛ لوجود العلة التامة، وهي القدرة والداعية، فيلزمهم أن لا يقولوا بالتكليف قبل المباشرة؛ لأن صدور الفعل واحبٌ غير مقدورٍ عليه.","vol":"2","page":430},{"text":"ويمكن أن يقرر على وجه آخر فيقال: القدرة مع الداعي مؤثرة في وجود الفعل، ولا امتناع من (^١) كون المؤثر مقارنًا للأثر، فتكون القدرة مقارنة للفعل مع كونه واجب الوقوع؛ فبطل دعواكم أنَّ ما كان واجب الصدور لا يكون مقدورًا (^٢).\nوالتقرير الأول أقرب إلى كلام المصنف، وهو يتمشى على (تقدير التزام الخصم أن العلةَ مع المعلول (^٣).\nوالثاني (^٤): يتمشى على) (^٥) تقدير (^٦) قوله: العلة قبل المعلول. وتوجيه (^٧) كلام المصنف على التقرير الثاني أن يقال: قلنا (^٨) يكون التكليف حال القدرة والداعية معه، ويلزم من مجموعهما وجوبُ الوقوع.\n_________\n(^١) في (ص): \"في\".\n(^٢) الفرق بن التقرير الأول لكلام المصنف والتقرير الثاني: أن التقرير الأول إلزام للخصم بنفس دعواه لإبطال مذهبه. والتقرير الثاني: إبطالٌ لذات الدليل، وهو امتناع القدرة مع وجوب الوقوع، وأنه لا امتناع في ذلك، مثل المؤثر يجب وقوع أثره، وهو مقارن له.\n(^٣) أي: العلة مقارنة للمعلول لا قبله؛ لأنه لو قَدَّر أن الخصم لا يلتزم بهذا ويقول: بأن العلة قبل المعلول، فإن هذا يعني أن وجود القدرة والداعية لا يوجب وقوع الفعل، فيبطل رد المصنف عليهم.\n(^٤) أي: التقرير الثاني.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في (ص): \"تقرير\". وهو خطأ.\n(^٧) في (ت): \"وتوجه\".\n(^٨) في (ص): \"فإما\". وهو خطأ؛ لأن جواب المصنف: \"قلنا حال القدرة والداعية كذلك\" - بناءً على التقرير الأول، فأراد الشارح أن يُبين كيف يكون جوابه على التقرير الثاني.","vol":"2","page":431},{"text":"وقد اعترض العِبْري (^١): بأنه إذا كان الفعل قبل المباشرة غيرَ مقدور عليه، وعند المباشرةِ واجب الوقوعِ - فيلزم التكليف بالممتنع أو الواجب، وهو محال. هذا شرح ما في الكتاب على الاختصار، والمسألة دخيلة في هذا العلم، والكلام فيها مما لا يكثر جدواه، والذي نقوله: إن الحق في إحدى جهتين إلى الأشاعرة مَرْجِعُهما:\nإحداهما: القول بأن التكليف متوجه قبل المباشرة، وحال المباشرة أيضًا، وهو المنقول عن المحققين.\nوالثانية: أن التكليف لا يتوجه إلا حال المباشرة. وهو مختار الإمام، وصاحب الكتاب، وهو عندنا منقدح (^٢)، لا يمنعنا عن الجزم به إلا ما سنذكره بعد سؤال وجواب سنوردهما (^٣) إن شاء الله تعالى.\nفإن قلت: هذا يؤدي إلى أن المكلَّف لا يَعصي بترك مأمور به؛ لأنه إنْ اتى به كان ممتثلًا، وإن لم يأت كان معذورًا لعدم التكليف.\nقلت: هذا من الأسئلة التي قامت بها الشناعة على القائل بهذه المقالة، وجوابه عندنا دقيق فنقول: إذا كان التكليف متوجهًا حال المباشرة - فهو\n_________\n(^١) هو عبيد الله بن محمد الهاشمي الحسيني الفرغانيّ الشريف المعروف بالعِبْري، الشافعي. كان عارفًا بالأصلين، وشرح مصنفات القاضي ناصر الدين البيضاوى \"المنهاج\"، و\"المطالع\" و\"الغاية\"، و\"المصباح\". ولي قضاء تِبْريز، وتوفي سنة ٧٤٣ هـ. انظر: الدرر ٢/ ٤٣٣، شذرات ٦/ ١٣٩.\n(^٢) أي: متجه، له حظ من النظر.\n(^٣) في (ص): \"نوردهما\".","vol":"2","page":432},{"text":"في حال ترك المأمور به مباشر للترك، والترك فِعْلٌ وهو حرام، فقد باشر الترك؛ فتوجَّه عليه التكليف بالحرمة حال مباشرة الترك، والعقاب ليس إلا على الترك، وهذا في غاية الحسن.\nوقد أشار إليه إمام الحرمين في مسألة تكليف ما لا يطاق (^١)، وهو أجل ما يستفاد من شرحنا في هذه المسألة (^٢)، وليس عندي فيه (^٣) إلا أنه يلزم منه أن يقال: تارك الصلاة مثلًا غير مكلَّف بالصلاة، بل بتَرْك تَرْك الصلاة الذي يلزم منه الصلاة (^٤)، وقد ادَّعى إمام الحرمين اتفاقَ أهل الإسلام على أن القاعد في حال قعوده مأمور بالقيام، فإنْ صح الإِجماع هكذا فهو (^٥) يَصُدُّ عن القول بأن التكليف لا يتوجه إلا حال المباشرة، وإنْ أمكن ردُّه إلى تَرْك التَّرْك كما قررناه فهذا المذهب منقدح (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) انظر: البرهان ١/ ١٠٣.\n(^٢) أي: هذا الذي بيناه: وهو أن الترك فِعْلٌ، فالتارك مكلَّف بترك تركه - أجلُّ ما يستفاد من شرحنا في هذه المسألة.\n(^٣) أي: ليس عندي في هذا الجواب شك أو شبهة.\n(^٤) لأنَّ سَلْبَ السلب إثبات.\n(^٥) في (ص): \"فهل\". وهو خطأ؛ لأن المقامَ مقامُ تقريرٍ لا استفهام.\n(^٦) المعنى والله أعلم: أنه إنْ صَحَّ الإجماع على أن القاعدَ مأمورٌ بالقيامِ حال قعوده - فهذا الإجماع يَصُدُّ عن القول بأن التكليف لا يتوجه إلا حال المباشرة. لكن إنْ أمكن ردُّ هذا الإجماع إلى تَرْك التَّرْك كما قَرَّره الشارح - فنقول: القاعد: مأمور بترك ترك القيام، الذي يلزم منه القيام، فيكون القاعد مكلَّفًا حال مباشرته ترك القيام، لا أنه مكلَّف قبل مباشرة القيام كما ادعى إمام الحرمين، لأن تركه للقيام فِعْلٌ وهو مباشر له، فتكليفه بتركه - تكليفٌ حال المباشرة لا قبله، فعلى هذا يتجه مذهب الإمام والمصنف، ويكون له حظ من النظر.\n(^٧) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ٢/ ٤٥٦، التحصيل ١/ ٣٣٢، الحاصل ١/ ٤٨٥. =","vol":"2","page":433},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الإحكام ١/ ٢١٢، جمع الجوامع مع المحلي ١/ ٢١٦، نهاية السول ١/ ٣٢٩، السراج الوهاج ١/ ٢١٤، بيان المختصر ١/ ٤٣١، شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤، شرح تنقيح الفصول ص ١٤٦، تيسير التحرير ٢/ ١٤١، فواتح الرحموت ١/ ١٣٤، شرح الكوكب ١/ ٤٩٣.","vol":"2","page":434},{"text":"الفصل الثالث: المحكوم به","vol":"2","page":435},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-224>(الفصل الثالث: في المحكوم به.\nوفيه مسائل:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>الأولى: التكليف بالمحال جائز</span>؛ لأن حكمه لا يستدعي غرضًا. قيل: لا يُتصور وجودُه فلا يُطْلب. قلنا: إن لم يُتصور امتنع الحكم باستحالته).\nما لا يقدِرُ العبد عليه قد يكون معجوزًا عنه مُتَعَذِّرًا عادةً لا عقلًا، كالطيران في الهواء. وقد يكون متعذرًا عقلًا ممكنًا عادة، كمن علم الله تعالى أنه لا يؤمن، فإن إيمانه مستحيل والحالة هذه عقلًا؛ لتعلق علم الله به، وإذا سئل ذوو العوائد عنه حكموا بأن الإيمان في إمكانه، وهكذا كل طاعةٍ قُدِّر في الأزل عَدَمُها (^١). وقد يكون متعذرًا عادة وعقلًا، كالجمع بين السواد والبياض.\nإذا عرفتَ هذا فمحل النزاع في التكليف بالمستحيل إنما هو في (^٢) المتعذر عادةً، سواء كان معه التعذر العقلي أمْ لا (^٣).\nأما المتعذر عقلًا فقط؛ لتعلق علم الله به (^٤) - فأطبق العقلاء عليه، وقد كلف الله الثقلين أجمعين بالإيمان مع قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ\n_________\n(^١) أي: هي مستحيلة عقلًا لا عادة.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) فالنزاع في المحال لذاته: وهو الممتنع عادةً وعقلًا. وفي المحال عادةً فقط. وانظر: نفائس الأصول ٤/ ١٥٤٨.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"2","page":437},{"text":"بِمُؤْمِنِينَ﴾ (^١). فنقول: ذهب جماهير الأصحاب (^٢) إلى أنه يجوز التكليف بالمحال.\nوذهبت المعتزلة إلى امتناع التكليف بالمحال مطلقًا، وإليه ذهب بعض أصحابنا كالشيخ أبي حامد (^٣) وإمام الحرمين (^٤) والغزالي (^٥)، واختاره الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد كما صرح به في \"شرح العنوان\" (^٦) (^٧).\nوذهب قوم إلى أنه إنْ كان ممتنعًا لذاته لم يجز، وإلا جاز، واختاره الآمدي، وادَّعى أنَّ الغزالي مال إليه (^٨).\n_________\n(^١) سورة يوسف: الآية ١٠٣.\n(^٢) قال به الطوفي من الحنابلة. شرح الكوكب ١/ ٤٨٦.\n(^٣) الإسفراييني. انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٠٧، البحر المحيط ٢/ ١١٣.\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ١٠٤.\n(^٥) انظر: المستصفى ١/ ٢٩١.\n(^٦) انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٠٧، البحر المحيط ٢/ ١١٣\".\n(^٧) وذهب إليه ابن الحاجب، انظر: بيان المختصر ١/ ٤١٣، شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٩.\n(^٨) قال الآمدي في الإحكام ١/ ١٩٢: \"والمختار إنما هو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته، كالجمع بين الضدين ونحوه. وجوازه في المستحيل باعتبار غيره. وإليه ميل الغزالي ﵀\". والمراد بالممتنع لذاته: هو الممتنع عادةً وعقلًا، كالجمع بين السواد والبياض. ويقابله الممتنع لغيره، وهو نوعان: الأول: الممتنع عادة لا عقلًا، كالمشي من الزَّمِن والطيران من الإنسان. والثاني: الممتنع عقلًا لا عادة، كالإيمان ممن علم الله أنه لا يؤمن. انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٠٦، وقال البناني في =","vol":"2","page":438},{"text":"وذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه لا يجوز أن يَرِد التكليف بالمحال، فإن وَرَد لا نسميه تكليفًا، بل يكون علامةً نصبها الله تعالى على عذاب مَنْ كلَّفه بذلك (^١).\nواستدل في الكتاب على الجواز مطلقًا: بأن امتناع التكليف عند القائل به إنما هو لكونه عبثًا، وذلك مبني على تعليل أفعال الله تعالى بالأغراض وهو باطل. وهذا يصلح ردًا على مَنْ بنى الامتناع على ذلك وهم المعتزلة، وأما مَنْ وافقهم مِنْ أصحابنا فلهم مأخذ آخر.\nواحتج المعتزلة ومَنْ وافقهم: بأن المحال لا يُتَصَوَّر؛ لأَن كل ما يتصور بالعقل فهو معلوم (^٢)؛ إذ التصور مِنْ جملة أقسام العلم.\nوكل معلوم متميز (^٣)، وكل متميز ثابت (^٤)؛ لأن التميز صفة وجودية ولا بد لها من موصوف موجودٍ، ضرورة عدمِ قيامِ الموجودِ بالمعدوم. فلو\n_________\n= حاشيته في المحال لذاته: \"أي: أن استحالته بالنظر لذاته، أي: نفس مفهومه، بمعنى: أن العقل إذا تصوره حَكَم بامتناع ثبوته، كالجمع بين السواد والبياض، فإن العقل يحكم بامتناع ذلك؛ لما يلزم عليه من الجمع بين النقيضين\".\n(^١) انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ٨١، ٨٢.\n(^٢) هذه مقدمة صغرى.\n(^٣) هذه مقدمة كبرى أولى\n(^٤) هذه مقدمة كبرى ثانية. ونتيجة هذا المقياس المركب: كل ما يُتصور ثابت. وهذا القياس المركب حَمْلي؛ لأنه مركب من قضايا حملية: وهي المؤلفة من موضوع ومحمول.","vol":"2","page":439},{"text":"كان مُتَصَوَّرًا لكان ثابتًا (^١)، ولكنه غير ثابت (^٢)، فلا يكون متصورًا (^٣). وإذا كان غير مُتَصَوَّر فلا يكلَّف به؛ لأنه والحالة هذه مجهول. قال الغزالي: \"والمطلوب ينبغي أن يكون مفهومًا للمكلَّف بالاتفاق\" (^٤).\nوأجاب المصنف: بأنه إنْ كان غير متصور كما ذكرتم - فيمتنع منكم الحكم عليه؛ لأن الحكم على الشيء فرع تصوره، فلِمَ حكمتم عليه بالاستحالة (^٥).\nولقائل أن يقول: الحكم باستحالته إنما يَتوقف على تصوره في الذهن، لا على تصور وجوده في الخارج، ولا يمتنع تصوره (^٦) في الذهن، وليس المراد مِنْ قوله: لا يُتصور وجوده، الوجودُ الذهني بل الخارجي. وهذا حق.\nوجوابه: أنا لا نسلم أن كل ما لا يتصور وجوده في الخارج لا يُطْلب، وهل النزاع إلا فيه (^٧)؟ !\nقال: (غير واقع بالممتنع لذاته، كإعدام القديم وقلبِ الحقائق).\n_________\n(^١) هذا مُقَدَّم القضية الشرطية، وهو مستفاد من القياس الحملي السابق.\n(^٢) هذا التالي. ومعنى كونه غير ثابت أنه لا وجود له في الخارج.\n(^٣) هذه النتيجة. وهذا قياس استثنائي كما هو واضح.\n(^٤) المستصفى ١/ ٢٩٢.\n(^٥) فحكمكم عليه بالاستحالة دليل تصوركم له.\n(^٦) أي: المحال.\n(^٧) أي: استدلال الخصم بمثل هذا مصادرة؛ لأنه محل النزاع.","vol":"2","page":440},{"text":"اختلف القائلون بجواز التكليف بالمحال في وقوعه:\nفذهب الجمهور إلى عدم وقوعه، والمختار عند المصنف التفصيل الذي ذكره: وهو عدم الوقوع بالممتنع لذاته، كقلب الحقائق مع بقاء الحقيقة الأولى (^١)، وإعدام القديم. هذا ما ذكره وهو يُفهِم وقوعَ الممتنع لغيره (^٢). والحق فيه التفصيل أيضًا: فإنْ كان مما قضت العادة بامتناعه كحمل الصخرة العظيمة للرجل النحيف - فحُكْمه حكم المتنع لذاته في الجواز وعدم الوقوع، وأما ما امتنع لتعلق العلم به (^٣) فذاك ليس محل النزاع، بل هو واقع بالإجماع، كما سلف.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>فائدة:</span>\nقد عرفت ما عليه جمهور الأصحاب من تجويز التكليف بالمحال، واختلافهم في الوقوع على الوجه الذي رأيت. فأما التجويز فهو المنقول عن أبي الحسن وهو لازمٌ على قضايا مذهبه، وأما الوقوع فقد نقدوا اختلافًا عنه فيه، قال إمام الحرمين: \"وهذا لِسوء (^٤) معرفةٍ بمذهب الرجل (^٥)، فإنَّ\n_________\n(^١) كقلب حقيقة الإنسان طيرًا، مع بقاء الحقيقة الأولى وهي الإنسانية.\n(^٢) أي: لغير ذاته، وهو الممتنع عادة.\n(^٣) وهو الممتنع عقلًا، الممكن عادة.\n(^٤) في (غ)، و(ك): \"سوء\".\n(^٥) يعني: هذا الاختلاف في النقل عنه إنما حصل لسوء معرفةٍ بمذهبه، وإلا فلو عُرف مذهبه لما حصل هذا الاختلاف.","vol":"2","page":441},{"text":"مقتضى (^١) مذهبه أن التكاليف (كلها واقعة) (^٢) عنده على خلاف الاستطاعة\". قال: \"ويتقرر هذا من وجهين:\nأحدهما: أن الاستطاعة عنده لا تتقدم على الفعل، والأمر بالفعل يتوجه على المكلَّف قبل وقوعه، وهو إذ ذاك غير مستطيع\". قال: \"ولا يدفع ذلك قولُ القائل: إن الأمر بالفعل نهي عن أضداده، والمأمور بالفعل قبل الفعل إن لم يكن قادرًا على الفعل فهو قادر على ضدٍّ من أضداده ملابسٌ له، فإنا سنوضح أن الأمر بالشيء لا يكون نهيًا عن أضداده\". قال: \"وأيضًا فإن القدرة إذا قارنت الضد لم تقارن الأمر بالفعل، والفعل مقصود مأمور به، وقد تحقق طلبه قبل القدرة عليه.\nوالثاني: أن القدرة الحادثة غيرُ مؤثِّرة في مقدورها (^٣)، بل مقدورها مخلوق لله تعالى، والعبد مطالب بما هو من فعل ربه\". قال: \"ولا معنى للتمويه بالكسب (^٤) فإنا سنوضح سر ما نعتقده (^٥) في خلق الأفعال\" (^٦) انتهى، ولقائل أن يقول على الأول: قولكم ليس الأمر بالشيء نهيًا عن ضده.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ت): \"واقعة كلها\".\n(^٣) المراد بمقدورها هو الفعل الذي تعلَّق بالقدرة.\n(^٤) أي: كسب العبد للفعل؛ فإنه غير مؤثر في وجود الفعل.\n(^٥) في (غ): \"نعتقد\".\n(^٦) انظر: البرهان ١/ ١٠٣، مع بعض التصرف من السبكي.","vol":"2","page":442},{"text":"قلنا: الكلام على رأي الشيخ وهو يرى ذلك لا على رأيكم، قال صفي الدين الهندي: \"بل الجواب عنه أن ما هو مُتَلَبِّس به عند ورود الخطاب ليس ضدًا له (^١)، (وهذا لأن) (^٢) ضدَّه الوجودي المنهي عنه: هو الذي يستلزم التلبسُ به تَرْكَه في الزمان الذي أُمر بإيقاع الفعل فيه. وهو في زمان ورود الخطاب لم يتلبس به؛ لأن زمان الفعل هو الزمان الثاني إنْ كان الأمر للفور. سلمنا أن ذلك ضده المنهي عنه، لكنه حاصلٌ عند ورود الخطاب، والأمر بترك الحاصل محال (^٣)، اللهم إلا أن يقال إنه مأمور بترك ما هو متلَبِّس به في المستقبل، وذلك (^٤) إنما يكون بإقدامه على المأمور به، وحينئذ يعود المحذور المذكور\" (^٥) (^٦).\nواعلم أن الوجه الأول لا يلزم على الشيخ إلا إذا قال يتوجه الأمر قبل الفعل، وفيه (من النزاع ما تقدم) (^٧) (^٨) في المسألة المتقدمة. وأما الوجه\n_________\n(^١) أي: ليس ضدًا للمأمور به. ويقصد بالتلبس: هو أنه متلبس بالترك للمأمور به.\n(^٢) في (ص): \"وهو الآن\". وهو خطأ.\n(^٣) لأن الحاصل هو الذي وقع وحصل، فالأمر بتركه بعد حصوله محال، لأن رفع ذلك الحصول الذي تَمَّ محال.\n(^٤) أي: ترك التلبس بالضد في الزمان المستقبل.\n(^٥) وهو الأمر بالشيء قبل القدرة على فعله، لأن القدرة مقارنة للفعل عند الأشعري، فإذا كان الإقدام على المأمور به في المستقبل - حصل المحذور المذكور.\n(^٦) انظر: نهاية الوصول ٣/ ١٠٣١.\n(^٧) في (ص): \"ما تقدم من النزاع\".\n(^٨) المعنى - والله أعلم - أن الوجه الأول الذي ذكره إمام الحرمين لا يصح الاستدلال به على إثبات أن الشيخ قائل بأن التكاليف كلها واقعة على خلاف الاستطاعة، إلا =","vol":"2","page":443},{"text":"الثاني فلا يلزم منه (^١) تجويز التكليف بالممتنع لذاته أو الممتنع عادة.\nقال: (للاستقراء، ولقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^٢».\nاستدل على أنه غير واقعٍ بالممتنع لذاته بوجهين:\nأحدهما: الاستقراء، فإنا استقرينا فلم نجد في التكاليف الشرعية (ما هو متعلِّق) (^٣) بالممتنع لذاته.\nوالثاني: قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ والممتنع لذاته غير وُسْع المكلف، أي: غير مقدور له؛ فلا يكلَّف به.\nولك أن تقول: هذه الآية تدل على عدم التكليف بالممتنع لذاته، (والمتنع لغيره، لا المتنع لِذاته) (^٤) فقط؛ فيلزم من استدل بها منعُ الوقوع فيهما، ما لم يأت بدليل يُخْرِج الممتنع لغيره.\nقال: (قيل: أَمَر أبا لهبٍ بالإيمان بما أَنزل، ومِنْه: أنه لا يؤمن. فهو جمع بين النقيضين. قلنا: لا نسلم أنه أَمَر به بعد ما أَنزل: أنه لا يؤمن).\n_________\n= إذا قال الشيخ بتوجه الأمر قبل الفعل، فهنا يصح إلزامه بهذا القول الذي نسبه إليه الجويني، ولكن في نسبة هذا القول إلى الأشعري ما تقدم من النزاع في المسألة السابقة، وقد قال الشارح هناك: \"ليس للشيخ في المسألة صريح كلام\".\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٨٦.\n(^٣) في (ت): \"ما يتعلَّق\".\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"2","page":444},{"text":"هذا دليل القائلين بوقوع التكليف بالمحال لذاته، ويصلح أن يكون اعتراضًا على الدليل الأول وهو الاستقراء. وتقريره: أن أبا لهب مأمور بالجمع بين النقيضين؛ لأنه مأمور بالإيمان، والإيمان عبارة عن: تصديق الرسول - ﷺ - في جميع ما جاء به، ومما جاء به: أنه لا يؤمن؛ فوجب عليه تصديق النبي - ﷺ - في ذلك، ولا يتم تصديقه في ذلك إلا بعدم الإيمان؛ فوجب أن يؤمن وأن لا يؤمن، وهو جمع بين نقيضين.\nوأجاب: بأن أَمْر أبي لهب بالإيمان لم يكن في حال الإخبار بعدم الإيمان بحسب الزمان؛ فلم يقع التكليف بالجمع بين النقيضين (^١).\nوهو (^٢) جواب باطل؛ فإن أبا لهبٍ مأمور بالإيمان قبل الإخبار وبعده بالإجماع (^٣). وإنما الجواب أن هذا ليسَ من باب الممتنع لذاته (^٤)، بل من الممتنع لغيره (^٥)، وذلك أنه تعالى أخبرَ بأنه (^٦) لا يؤمن فاستحال إيمانُه ضرورةَ صدقِ خبرِ الله تعالى، وعدمِ وقوعِ الخُلْف في خبره. فإذا أمره بالإيمان والحالة هذه فقد أمره بما هو ممكن في نفسه، وإن كان مستحيلًا لغيره، كما قلناه فيمن عَلِم الله تعالى أنه لا يؤمن.\n_________\n(^١) يعني: زمان الأمر بالإيمان قبلَ ورودِ الإخبار بأنه لا يؤمن، ومِنْ شرط النقيضين الاتحاد في الزمان.\n(^٢) في (ك): \"وهذا\".\n(^٣) لأنه مأمور بالإيمان إلى أن يموت، كحال كل مكلف.\n(^٤) أي: الممتنع عقلًا وعادة.\n(^٥) أي: الممتنع عقلًا لا عادة، وهو جائز بالاتفاق. وانظر: نفائس الأصول ٤/ ١٥٤٨.\n(^٦) في (ص): \"أنه\".","vol":"2","page":445},{"text":"وها هنا تنبيهان:\nأحدهما: وقد (^١) ذكره القرافي (^٢) أن الجمع بين النقيضين على ما قرره (^٣) إنما يتم أن لو كان مكلفًا بأن يؤمن وبأن لا يؤمن (^٤)، وهو ليس بجيد، بل الصواب حذف الواو فيقال (^٥):\nكُلِّف بأن يؤمن بأن لا يؤمن. وهو (^٦) مدلول الأمر بالإيمان وإذا كان مكلفًا بأن يُصَدِّق الخبر بأنه لا يؤمن - لا يلزم أن يكون مُكَلَّفًا بجعل الخبر صادقًا، ألا ترى أن الصادق إذا أخبرك أن زيدًا سيكفر بالله (^٧)، فإنه يجب\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) في (ت): \"القرافي في\" وهذه الزيادة لا حاجة لها.\n(^٣) في (ص): \"ما قرروه\". وهو خطأ، لأن الضمير يعود على القرافي فقط.\n(^٤) قال القرافي ﵀ في نفائس الأصول ٤/ ١٥٥٧ - ١٥٥٨: \"قلنا: لا نسلم أنه مكلف بأن يؤمن بأنه لا يؤمن، وإنما يلزم ذلك أن لو كُلِّف بجعل الخبر صادقًا، وفَرْقٌ بين التكليف بالتصديق، وبين جعل الخبر صادقًا، فإنَّ جَعْلَ الخبر صادقًا هو وقوع المخبَر عنه، وذلك غير لازم في التكليف بالتصديق. . . فأبو لهب إنما يلزمه ألا يؤمن أن لو كُلِّف بجعل الخبر صادقًا حتى يسعى في عدم إيمانه، إنما هو يُصَدِّق الخبر فقط. وكذلك نقول في جميع الكفار الذين لم يؤمنوا: إنهم أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون، وكلِّفوا بتصديق ذلك الخبر، ومع ذلك لم يقل أحد: إنهم كلِّفوا بأن يكفروا حتى يصير ذلك الخبر صادقًا. . . فبطل قولهم: إنه مكلَّف بأنه لا يؤمن؛ لأن هذا إشارة إلى التكليف بجعل الخبر صادقًا، لا بتصديق الخبر، فما تعلَّق التكليف بالمحال\".\n(^٥) في (ت): \"فنقول\".\n(^٦) في (ك): \"وهذا\".\n(^٧) في (ص) زيادة \"غدًا\" بعد لفظ الجلالة، ولا حاجة إليها.","vol":"2","page":446},{"text":"عليك تصديقه فيما أخبر به، ولا يجب عليك أن تجعل زيدًا كافرًا بل يحرم عليك، وأبو لهب والحالة هذه إنما كُلِّف بأن يُصَدِّق بأنه لا يؤمن، لا بأن يجعل الخبر صادقًا ويسعى في عدم إيمان نفسه.\nوالثاني: تعبير المصنف بالنقيضين غير مستقيم، فإنه نظر إلى وقوع التكليف بالإيمان وعدمه وهما نقيضان، لكن (^١) العدم غير مقدور عليه فلا (^٢) يكلَّف به، بل المكلَّف به على التقدير الذي أشار إليه هو كف النفس عن الإيمان، والكف فعل وجودي، فالصواب (^٣) التعبير بالضدين (^٤)، كما فعل الإمام (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>فائدة:</span>\nناقش القرافي (في التمثيل) (^٦) بأبي لهب، وقال: \"إنما يتوهم أن الله أخبر بعدم إيمانه من قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (^٧) ولا دليل فيه؛ لأن التَّبَّ هو (^٨) الخسران، وقد يخسر الإنسان ويدخل النار وهو مؤمن\n_________\n(^١) في (ص) و(ك)، و(غ): \"ولكن\".\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"ولا\".\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"والصواب\".\n(^٤) لأن الضدين وجوديان، بخلاف النقيضين، فأحدهما وجودي والآخر عدمي؛ لأن نقيض كل شيءٍ رفعه. فأسود نقيضه ليس بأسود، وضده أبيض، وكلاهما وجوديان.\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٣٨٠، وهذا الانتقاد أورده الإسنوي في نهاية السول ١/ ٣٦٦.\n(^٦) في (ت): \"بالتمثيل\".\n(^٧) سورة المسد: الآية ١.\n(^٨) سقطت من (ك).","vol":"2","page":447},{"text":"لمعاصيه (^١)، وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^٢) فمخصوصةٌ\" (^٣).\nولقائل أن يقول: لا مُشاحَحَة في المثال، ولا شك (^٤) أنه تعالى أخبر عن أقوام أنهم لا يؤمنون من الآية التي ذكرها، وإن كانت مخصوصة، وذلك كافٍ في المثال، فإن أولئك الذين أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون مأمورون بالإيمان إجماعًا، بل لِمنْ يشاحِح القرافي أن يقول: إخباره تعالى عن أبي لهب أنه سيصلى نارًا أقلُّ أحواله أن يكون صَلْيه إياها بمعاصٍ صدرت منه كما ذكرتم، والآية نزلت وهو كافر فيكون (^٥)\n_________\n(^١) في (ك): \"بمعاصيه\".\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٦.\n(^٣) انظر: نفائس الأصول ١/ ١٥٥٦ - ١٥٥٧. ونَصُّ عبارة القرافي رحمه الله تعالى هكذا: \"لا نسلم أن الله تعالى أخبر عنه بأنه لا يؤمن، وإنما نتوهم ذلك في موضعين. أحدهما: قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. وثانيهما: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ولا مستند فيهما: أما الأول: فلأن التب: هو الخسران، وقد يخسر الإنسان ويدخل النار وهو مؤمن بسبب معاصيه، فلا ينافي الآيةَ الإيمانُ. أما الآية الأخرى فقد دخلها التخصيص اتفاقًا، وآمن بعض مَنْ كان قد كفر قبل نزول هذه الآية، فإن قلنا: العام المخصوص ليس حجة - فلا كلام. وإن قلنا: هو حجة، فأبو لهب يجوز أن تكون الآية مخصوصة به أيضًا، وإنما الظاهر يتناوله، والوعيد القاطع؛ لحثه على الإيمان، وإذا اجتمع الظاهر والقاطع قُدِّم القاطع، فيؤمن ضرورة\".\n(^٤) في (ك): \"نشك\".\n(^٥) في (ت): \"ويكون\".","vol":"2","page":448},{"text":"العقاب على معاصٍ تصدر منه في حال الكفر، فنقول حينئذ: إنْ قلنا إنّ الكافر غير مكلف بالفروع فهذا منتفٍ، ولا بد وأن تكون النار التي استوجبها بعدم الإيمان. وإنْ قلنا: إنه مُكَلَّف، فلو قُدِّر إسلامه بعد ذلك كما فرضتم لكان غير معاقب على تلك المعاصي التي صدرت منه في حال الكفر؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله؛ فتعيَّن أن يكون العقاب على ترْك الإيمان وهو المطلوب (^١).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-228>(الثانية: الكافر مُكلَّف بالفروع خلافًا للحنفية (^٢)، وفرَّق قوم بين الأمر والنهي)</span>.\nأطبق المسلمون على أن الكفار بأصول الشرائع مخاطَبون، وباعتقادها (^٣) مطالبون، ولا اعتداد بخلاف مبتدع يُشَبِّب (^٤) (^٥) بأن العلم بالعقائد يقع اضطرارًا فلا يُكَلّف به. وأجمعت الأمة كما نقله القاضي أبو بكر على تكليفهم بتصديق الرسل، وبترك تكذيبهم وقتلهم\n_________\n(^١) انظر مسألة التكليف بالمحال في: المحصول ١/ ق ٢/ ٣٦٣، التحصيل ١/ ٣١٦، الحاصل ١/ ٤٦٧، المستصفى ١/ ٢٨٨، الإحكام ١/ ١٩١، نهاية السول ١/ ٣٤٥، السراج الوهاج ١/ ٢١٨، البحر المحيط ٢/ ١٠٩، بيان المختصر ١/ ٤١٣، شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ٩، شرح تنقيح الفصول ص ١٤٣، تيسير التحرير ٢/ ١٣٧، فواتح الرحموت ١/ ١٢٣، شرح الكوكب ١/ ٤٨٤.\n(^٢) في (ت): \"للمعتزلة\". وهو خطأ.\n(^٣) في (ص): \"وباعتبارها\". وهو خطأ.\n(^٤) في (غ): \"شبَّب\".\n(^٥) أي: يُزَيِّن كلامه ويحسنه. انظر: لسان العرب ١/ ٤٨٢، مادة (شبب).","vol":"2","page":449},{"text":"وقتالهم (^١)، ولم يقل أحد: إن التكليف بذلك يتوقف (^٢) على معرفة الله تعالى.\nوأما فروع الدين: فقال الشافعي ومالك وأحمد: إنهم مخاطبون بها، وخالفت الحنفية (^٣)، وهو قول الشيخ أبي حامد الإسفرايني مِنْ أصحابنا (^٤).\nوذهب قوم إلى أن النواهي متعلِّقة بهم دون الأوامر، وربما ادَّعى بعضهم أنه لا خلاف في تعلق النواهي، وإنما الخلاف في الأوامر. قال والدي أيده الله (^٥): وهي طريقة جيدة (^٦).\n_________\n(^١) أي: وترك قتل الرسل وقتالهم. انظر: التلخيص ١/ ٣٨٦.\n(^٢) في (ص): \"متوقف\".\n(^٣) المخالفون من الحنفية هم مشايخ سمرقند، ومَنْ عداهم من المشايخ متفقون على تكليف الكفار بالفروع. وإنما اختلف مَنْ عدا مشايخ سمرقند بعد اتفاقهم على التكليف بالفروع: في أن التكليف في حق الأداء كالاعتقاد، يعني: هل أداء العبادات واجب على الكفار كما أنه يجب عليهم الاعتقاد بوجوب العبادات؟ فهل هم مطالَبون بالأداء والاعتقاد، أو بالاعتقاد فقط؟ فالعراقيون من الحنفية قائلون بأن الكفار مكلفون بالأداء والاعتقاد معًا كالشافعية القائلين بذلك، فيعاقبون على ترك الأداء والاعتقاد معًا، والبخاريون من الحنفية قائلون بأنهم مكلفون بالاعتقاد فقط دون الأداء، فيعذبون على ترك الاعتقاد فقط. انظر: تيسير التحرير ٢/ ١٤٨، فواتح الرحموت ١/ ١٢٨، سلم الوصول للمطيعي ١/ ٣٧١.\n(^٤) انظر: البحر المحيط ٢/ ١٢٧.\n(^٥) في (غ): \"أطال الله بقاءه\".\n(^٦) انظر: البحر المحيط ٢/ ١٣٠، قال الشيخ المطيعي في تعليل هذا القول: \"وذلك لأن الكف عن المنهيِّ عنه ممكن من الكافر حال كفره، بخلاف فعل الطاعات؛ لأن =","vol":"2","page":450},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الكف عن المنهيات لا يتوقف على نيةٍ فصح من الكافر حال كفره، بخلاف فِعْل العبادات فإنه لا بد فيه من النية، فَتَوَقَّف فعلها على الإيمان، فلا تصح من الكافر حال كفره؛ ولذلك هم يُعَاقَبون في الدنيا على ترك لإيمان بالقتل، والسبي، وأخذ الجزية، والحد في الزنا والقذف، والقطع في السرقة، ولا يؤمرون بفعل شيء من العبادات أداءً في حال الكفر، ولا قضاءً بعد زواله بالإسلام\" إلى أن قال رحمه الله تعالى عن هذا المذهب وهو أن الخلاف في الأوامر دون النواهي: \"وهذا المذهب هو قضية بناء المسألة على الأصل: أن اجتناب النواهي لا يتوقف على الإيمان فليس شرطًا فيه\". والمعنى واضح: وهو أن هذا المذهب الذي ينفي الخلاف في النواهي ويجعله في الأوامر هو مقتضى بناء المسألة على الأصل: وهو أن الإيمان هل هو شرط في التكليف بالفروع، أم ليس بشرط؟ وقد اتفقنا على أن المنهيات لا تحتاج إلى نية، فمِنْ ثَمَّ خرجت من الخلاف، والنية كما هو معلوم لا تصح إلا من مؤمن. انظر: سلم الوصول ١/ ٣٧٤. وينبغي أن يُعْلم أن تكليف الكفار بالمنهيات ليس المراد به إثابتهم على الترك، فهذا لا يتأتى إلا بالإيمان، لكن المراد أننا نُجري عليهم العقوبات الدنياوية التي هي من قبيل خطاب الوضع، كالمعاملات سواء. قال المطيعي: \"وقد علمتَ أنه لا خلاف في أنهم مخاطبون في الدنيا بالعقوبات والمعاملات\". سلم الوصول ١/ ٣٧٥، وانظر: فواتح الرحموت ١/ ١٢٨. قال ابن عابدين رحمه الله تعالى في حاشيته \"رد المحتار\" ٣/ ٢٢٣: \"الذي تحرر في المنار وشرحه لصاحب البحر أنهم مخاطبون بالإيمان وبالعقوبات سوى حدِّ الشرب، والمعاملات، وأما العبادات فقال السمرقنديون. . .\". وحَكَى أقوال السمرقنديين والبخاريين والعراقيين السابق ذِكْرُها. فيستثنى من العقوبات عقوبة شرب الخمر لاعتقادهم إباحته. قال السيوطي في الأشباه ص ٢٥٤: \"ولا يُحد لشرب الخمر، ولا تُراق عليه، بل تُرد إذا غُصِبت منه، إلا أنْ يُظهر شربها أو بيعها\"، وانظر: البحر المحيط ٢/ ١٣٩، الأشباه والنظائر لابن السبكي ٢/ ١٠٢. وكذا أكل لحم الخنزير فإنهم يعتقدون إباحته، قال الجصاص: \"قال أصحابنا: أهل الذمة محمولون في البيوع والمواريث وسائر العقود على أحكام الإسلام كالمسلمين، إلا في بيع الخمر والخنزير، فإن ذلك جائز فيما بينهم\". أحكام القرآن ٢/ ٤٣٦، وانظر: الأم ٤/ ٢٠٦، كشاف القناع ٣/ ١٢٦، شرح منتهى الإرادات =","vol":"2","page":451},{"text":"وفي المسألة مذهب رابع: أن المرتد مكلَّف دون غيره؛ لالتزام المرتد أحكامَ الإسلام. ولا معنى لذلك؛ لأن مأخذ المنع فيهما سواء: وهو جهله بالله تعالى (^١).\nوزعم القرافي أنه مَرَّ به في بعض الكتب حكايةُ قول أنَّهم مكلَّفون بما عدا الجهاد دون الجهاد (^٢)؛ لامتناع قتالِهم أنفسَهم (^٣).\nواعلم أن هذه المسألة إنما ذُكِرتْ على صفة المثال لأصل: وهو أنه هل حصول الشرط الشرعي شرطٌ في صحة التكليف أم لا؟ وهي مسألة مشهورة (^٤). وهنا مُبَاحثتان:\nإحداهما: أن تكليف الكافر بالصلاة والصوم والحج ونحوها لا إشكال فيه؛ لتمكنه من إزالة المانع والفعْلِ بعدَه (^٥)،\n_________\n= ٢/ ١٣٢، لكن يُمنعون من إظهارهما، وكذا يُقَرُّون على نكاح المحارم فيما بينهم لاعتقادهم إباحته لكن يمنعون من إظهاره، وإظهار كل منكر، وإقرارنا لهم على هذه المنكرات لا لكونهم غير مخاطبين بتحريمها؛ بل لأن الشارع أمرنا أن نكف عما يَدينون به وإن كان باطلًا، لكن بشرط أن لا يظهروه بين المسلمين. وفي المسألة تفاصيل كثيرة انظرها في رسالة \"تكليف الكفار بأحكام الشريعة الإسلامية\" ص ١٢١ - ١٣٧، للدكتور خالد بكر عابد.\n(^١) انظر: البحر المحيط ٢/ ١٣١.\n(^٢) قوله: \"دون الجهاد\" زيادة تأكيد، أي: دون الجهاد فلا يكلَّفون به.\n(^٣) انظر: شرح تنقيح الفصول ص ١٦٦.\n(^٤) انظر: المستصفى ١/ ٣٠٤، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢١٠، شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٢، الإحكام ١/ ١٤٤، شرح الكوكب ١/ ٥٠٠.\n(^٥) المانع: هو الكفر. والفعل: هو الصلاة والصوم ونحوهما.","vol":"2","page":452},{"text":"كالمُحْدِث (^١)، وحصول الشرط الشرعي غير مشروط في صحة التكليف على الرأي الصحيح. أما الزكاة فقد يقال في تكليفهم بها إشكال؛ لأنَّ شرطها بعد مِلْك النصاب مُضِيُّ الحول وإنما يجب بتمامه، فإذا تَمَّ الحولُ وهو كافر فكيف (^٢) يكلف بزكاته، وهو لا يمكنه فِعْلها في حال الكفر ولا بعده؟ لأنه لو أسلم اشْتُرِط مُضِيُّ حولٍ مِنْ وقت إسلامه، وهذا بخلاف الصلاة حيث يمكن فعلها في الوقت.\nوجواب هذا الإشكال: بأنه إذا تم الحول كُلِّف بإخراجها بأن يُسْلِم ويخرجها بعده، فالتكليف بإخراجها بعد الإسلام الآن متحقِّق، ولكنه إذا أسلم تسقط، ويكون (^٣) بمثابة نسخ الشيء قبل إمكان فعله (^٤)، وذلك جائز؛ فما كَلَّفناه بمستحيل بل بممكن.\nفإن استمر على كفره كان التكليف مستمرًا، وإنْ أسلم سقط. ويظهر بهذا معنى قول الأصوليين كما ستعرفه إن شاء الله تعالى: الفائدةُ تضعيف العذاب في الآخرة. ومُضِيُّ الحول ليس من شرطه الإسلام، والذي يُستأنف حَوْلُه بعد الإسلام زكاةُ الحول الثاني، أما الأول فقد استقر وجوبُه وهو متمكِّن من الإخراج (^٥).\n_________\n(^١) فالمانع: هو الحدث. والفعل: هو الصلاة.\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"كيف\".\n(^٣) أي: سقوط الزكاة.\n(^٤) لأنها تسقط بمجرد الإسلام.\n(^٥) أي: الحول الأول استقر وجوبه على الكافر وهو قادر على إخراجه، لكن سقط عنه بمجرد الإسلام كما سبق بيانه.","vol":"2","page":453},{"text":"وفي الزكاة ثلاثة أشياء:\nالخطاب بأدائها، وهو حاصل لما بيناه (^١).\nوالثاني: ثبوتها في الذمة، وهو حاصل أيضًا لا يفترق الحال بين المسلم والكافر فيه.\nو(^٢) الثالث: تعلقها بالمال، وهذا يظهر أنه في المسلم خاصَّةً دون الكافر لما ستعرفه على الأثر إن شاء الله تعالى.\nفنقول: والمباحثة الثانية: أنَّ إطلاق الخلاف بخطاب الكفار بالفروع ربما يُتوهم منه أنَّ مَنْ يقول بتكليفهم بالفروع يقول: إن (^٣) كلَّ حكمٍ ثبت في حق المسلمين ثبت في حقهم، ومن لا يقول بذلك يقول: لا يثبت في حقهم شيء من فروع الأحكام، وليس الامر على هذا التوهم. وكَشْف الغطاء في ذلك أن الخطاب على قسمين: خطاب تكليف، وخطاب وضع. فخطاب التكليف بالأمر والنهي هو محل الخلاف (^٤)، وليس كل تكليف أيضًا، بل ما لم (^٥) نعلم اختصاصه بالمؤمنين أو ببعض المؤمنين، وإنما المراد العامة التي شَمِلهم لفظُها هل يكون الكفر مانعًا مِنْ تعلقها بهم أو لا؟\n_________\n(^١) أي: والخطاب بالأداء حاصل للكفار، لما بيّنه في المسألة من كونهم مكلفين بالفروع.\n(^٢) سقطت الواو من (ص).\n(^٣) سقطت من (ص) و(ك).\n(^٤) انظر: البحر المحيط ٢/ ١٤٢.\n(^٥) سقطت من (ت).","vol":"2","page":454},{"text":"وأما خطاب الوضع فمنه ما يكون سببًا (^١) لأمر أو نهي، مثل: كون الطلاق سببًا لتحريم الزوجة. قال والدي أطال الله بقاه: فهذا مِنْ محل الخلاف أيضًا، والفريقان مختلفان في أنه هل هو سبب في حقهم أيضًا (^٢)؟ وربما يقول المانع من التكليف هو سبب، ولكن قارنه مانع. والعبارتان وإن (^٣) وقع فيهما تشاجر فهو لفظي.\nومِنْ خطاب الوضع كون إتلافهم وجناياتهم (^٤) سببًا في الضمان (^٥)، وهذا ثابت في حقهم إجماعًا، بل ثبوته في حقهم أولى مِنْ ثبوته في حق الصبي، وكون وقوع العقد على الأوضاع الشرعية سببًا فيه في البيع والنكاح وغيرهما، فهذا لا نزاع فيه، وفي ترتب الأحكام الشرعية عليه في حقهم كما في حق المسلم (^٦). وكذا كون الطلاق سببًا للفرقة فإن الفرقة\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"بسبب\". وهو خطأ. والصواب ما أثبته، وهو الموافق لما في (غ) لكن فيها: سبب. وهو خطأ نحوي.\n(^٢) يعني: المختلفون في مخاطبة الكفار بالفروع مختلفون أيضًا في طلاق الكفار، هل هو سبب في تحريم الزوجة في حقهم أم لا؟ وكذا كل سبب لحكم تكليفي هو من محل الخلاف.\n(^٣) في (ت)، و(غ)، و(ص): \"إن\".\n(^٤) أي: إتلافهم للأموال، وجناياتهم على النفوس وما دونها. انظر شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢١٣.\n(^٥) بمعنى أن الضمان يؤخذ منهم قهرًا، ولا يخاطبون بالوجوب، كما يَضْمن الصبيُّ المتلَفَ في ماله. انظر: تقريرات الشربيني على المحلي والبناني ١/ ٢١٣.\n(^٦) سبق نقل الاتفاق على أنهم مكلفون بالعقوبات والمعاملات، كما في فواتح الرحموت ١/ ١٢٨، وفي تيسير التحرير ٢/ ١٥٠. وقد نازع الزركشي في ثبوت الإجماع =","vol":"2","page":455},{"text":"تثبت إذا قلنا بصحة أنكحتهم (^١)، ومِنْ هذا القبيل الإرث والملك به، ولولا ذلك لما ساغ (^٢) بيعهم لِمَوَاريثهم (^٣)، وما يشترونه، ولا معاملتهم. وكذا صحة أنكحتهم إذا صدرت على الأوضاع الشرعية، والخلاف في ذلك لا وجه له.\nقال والدي أيده الله: بل ما أظن أحدًا يتحقق عنه القول بأن النكاح الصادر منهم على الأوضاع الشرعية يكون فاسدًا (^٤)، والصحة حكم شرعي وهي ثابتة في حقهم، ومَنْ يقول بأن الصحة حكم عقلي مراده مطابقة الأمر، فهي حاصلة في حقهم؛ لمطابقة عَقْدهم الوجه المشروع. وأوضح دليلٍ على ثبوت الصحة في حقهم من غير نزاع أن\n_________\n= في الإتلاف والجناية، وقال: بأن الخلاف جارٍ في الجميع. انظر: البحر المحيط ٢/ ١٤٣، ١٣١، حاشية البناني على المحلي ١/ ٢١٢.\n(^١) يعني: إذا قلنا بصحة أنكحتهم على أوضاع دينهم وطرائقهم في النكاح، لا على أوضاعنا الشرعية. فإذا قلنا بصحة أنكحتهم يتأتى القول بأن الطلاق سبب للفرقة، أما إذا قلنا بفساد أنكحتهم - فلا يتأتى القول بأن الطلاق سبب للفرقة؛ لأن الفرقة لا تتحقق إلا بعد صحة النكاح.\n(^٢) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"شاع\". وفي (ت): \"ساع\". والمراد بها: ساغ، فالنسخة كثيرًا ما تُّهمِل التنقيط. وقد نقل الزركشي في البحر المحيط ٢/ ١٤٣ كلام السبكي دون عَزْوه إليه، وفيه: \"لما ساغ\".\n(^٣) في (ك)، و(غ): \"لموارثهم\". والمعنى: لما جاز بيعهم لما يرثونه.\n(^٤) ذهب المالكية إلى فساد أنكحة الكفار؛ لأن إسلام الزوج عندهم شرط لصحة النكاح، فإذا أسلم الكفار صح نكاحهم ترغيبًا في الإسلام. انظر: الخرشي على خليل ٤/ ٢٤٤.","vol":"2","page":456},{"text":"أبا حنيفة قال بها في الأنكحة، وهو صَدْرُ القائلين بعدم تكليفهم بالفروع (^١). وأما صحة البيع ونحوِه إذا جرى على الوضع (^٢) الشرعي فلا نَعْلم مَنْ يقول بفساده في حقهم.\nومِنْ خطاب الوضع ثبوت المالِ في ذمتهم (^٣) في الديون، وفي الكفارات (^٤) عند حصول أسبابها، ولا نزاع في ثبوت ذلك في حقهم كما ثبتت (^٥) في حق المسلمين (^٦). وكذلك تعلق الحقوق التي يُطَالَبون بأدائها\n_________\n(^١) بَيَّن الحنفية أن مسألة عدم تكليف الكفار بالفروع ليست منقولة عن أبي حنيفة وأصحابه. قال الشيخ المطيعي: \"وليست هذه المسألة منقولةً عن أبي حنيفة وأصحابه كأبي يوسف ومحمد وزفر، وإنما البخاريون استخرجوا هذه المسألة، أي: أن الكافر مكلف بالاعتقاد دون الأداء، من قول محمد في المبسوط. اهـ من مسلم الثبوت وشرحه كشف المبهم. . . قال الكمال بن الهمام: والمسألة ليست بمحفوظة عن المتقدمين، وإنما استنبطها مشايخ بخارى من بعض تفريعاتهم، والعراقيون: أنهم مخاطبون بالكل، وهو القول المنصور الذي تعاضده الأدلة\". سلم الوصول ١/ ٣٧١. وانظر: تيسير التحرير ٢/ ١٤٩، فواتح الرحموت ١/ ١٣٠، أصول السرخسي ١/ ٧٤.\n(^٢) في (ك): \"الوجه\".\n(^٣) في (غ): \"ذممهم\".\n(^٤) مثل كفارة الظهار، واليمين. قال السيوطي رحمه الله تعالى في الأشباه والنظائر ص ٢٥٥: \"ومما يجري عليه في أحكام المسلمين: وجوب كفارة القتل، والظهار، واليمين، والصيد في الحرم، وحد الزنا والسرقة\". وانظر: البحر المحيط ٢/ ١٤١.\n(^٥) في (ت): \"يثبت\".\n(^٦) هناك نزاع في ثبوت الكفارات على الكفار، والذي ذهب إليه الحنفية والمالكية عدم وجوبها عليهم. انظر: تكليف الكفار بأحكام الشريعة الإسلامية ص ١٣٦، ١٥٣.","vol":"2","page":457},{"text":"بأموالهم، مثل تعلق أروش الجنايات (^١) برقاب الجناة من أرقائهم (^٢)، ونحو ذلك. وعكس هذا تعلق الزكاة بالمال تعلق رَهْنٍ كما قاله بعض الفقهاء، أو جناية كما قاله بعضهم، أو شركة كما هو الأصح من مذهب الشافعي (^٣)، فظهر أنه لا يثبت في حقهم وإنْ قلنا: إنهم مخاطبون بالزكاة؛\n_________\n(^١) قال في اللسان ٦/ ٢٦٣، مادة (أرش): \"أرَّش بينهم: حمل بعضهم على بعض وحَرَّش، والتأريش: التحريش. . . وأرشت بين القوم تأريشًا: أفسدت. والأَرْش من الجراحات: ما ليس لها قدر معلوم، وقيل: هو دية الجراحات. . . وأروش الجنايات والجراحات جائزة لها (أي: عطية لها) عما حصل فيها من النقص، وسُمِّي أرشًا لأنه من أسباب النزاع\". وانظر: المصباح المنير ١/ ١٥. وفي أنيس الفقهاء للقونوي ص ٢٩٥: \"الأرْش: اسم للواجب على ما دون النفس. وفي المُغْرب: الأَرْش دية الجراحات، والجمع أروش\". وانظر: التعريفات للجرجاني ص ١١؛ القاموس الفقهي ص ١٩.\n(^٢) يعني: لو جنى رقيق الكافر - فإن سيده الكافر هو المسؤول عن أداء أروش الجنايات.\n(^٣) المعنى: أن تعلق الزكاة بأموال الأغنياء يكون بأحد هذه التعلقات الثلاث: أ - فعند بعض الفقهاء تتعلق الزكاة بأموالهم مثل تَعَلُّق الرهن، تعلَّق به حق المرتهِن، فكذلك الزكاة تعلَّق فيها حقُّ الفقراء بمال الغني. والراهن: هو الدين الذي دفع الرهن. والمرتهن: الدائن الذي أخذ الرهن. ب - وعند بعض الفقهاء تتعلق الزكاة بالمال مثل تعلق أروش الجنايات، تعلق بها حقُّ المجني عليه بمال الجاني، فكذلك الزكاة تعلَّق فيها حق الفقراء بمال الغنى مِنْ هذا القبيل. جـ - وعند بعض الفقهاء وهو الأصح مِنْ مذهب الشافعي ﵁ تتعلق الزكاة بالمال مثل تعلق الشركة، فالمال المشترك فيه لا يمتلكه واحد من الشركاء، بل هم مشتركون في ملكيته، فكذلك الزكاة تتعلق بمال الغنى تعلق الشركة، فيشارك الفقراء الأغنياءَ بقدر الزكاة في امتلاك أموالهم. قال النووي رحمه الله تعالى: \"هل تتعلق الزكاة بالعين أو بالذمة؟ فيه قولان: فإن =","vol":"2","page":458},{"text":"لأمرين:\nأحدهما: أن المقصود أنهم يأثمون بتركها، وليس المقصود أنها تؤخذ منهم في كفرهم، والتعلق المذكور (^١) إنما يقصد به تأكُّد (^٢) الوجوب لأجل الأخذ؛ ليصان الواجب عن الضياع، فلا معنى لإثباته في حق الكافر؛ لأنه إنْ دام على الكفر (لم تؤخذ) (^٣) منه، وإنْ أسلم سقطت، وما كان كذلك لا معنى للتعلق الذي هو\n_________\n= قلنا بالعين فقولان: (أحدهما): أن الفقراء يصيرون شركاء لرب المال في قدر الزكاة؛ لأن الواجب يتبع المال في الصفة، فتؤخذ الصحيحة من الصِّحاح، والمريضة من المِرَاض. ولو امتنع من إخراج الزكاة أخذها الإمام من عين المال قهرًا. (والثاني): أنها تتعلق بالمال تعلق استيثاق؛ لأنه لو كان مشتركًا لما جاز الإخراج من موضع آخر كالمُشْتَرك بين رجلين، وعلى هذا القول في كيفية الاستيثاق قولان: أحدهما: تتعلق به تعلق الدين بالرهن. والثاني: تعلق الأرش برقبة العبد الجاني؛ لأن الزكاة تسقط بتلف المال قبل التمكن، فلو قلنا: تعلقها تعلق المرهون لما سقطت. وإذا قلنا: تتعلق بالذمة فهل المال خُلْو من التعلق، أو هو رهن بها؟ فيه وجهان. قال أصحابنا: فإن قلنا: تتعلق بالعين تعلق الرهن أو الأرش فهل تتعلق بالجميع أم بقدرها فقط؟ فيه وجهان حكاهما إمام الحرمين وغيره: أصحهما بقدرها. قال الإمام: التخصيص بقدر الزكاة هو الحق الذي قاله الجمهور، وما عداه هفوة، وتظهر فائدة الخلاف في بيع مال الزكاة\". المجموع ٥/ ٣٧٧ - ٣٧٨، مع اختصار وتصرف يسير، وانظر الخلاف في بيع مال الزكاة بعد وجوبها فيه في المجموع ٥/ ٤٦٨.\n(^١) أي: تعلق الزكاة بالمال الذي ذكرناه آنفًا، هل هو تعلق رهن، أو جناية، أو شركة؟\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"تأكيد\".\n(^٣) في (ص): \"لم يوجد\". وهو خطأ.","vol":"2","page":459},{"text":"يوثقه (^١) فيه (^٢)، والموجود في حق الكفار إنما هو الأمر بأدائها، وهذا مشترك بينهم وبين المسلمين، وثبوتها في الذمة قَدْرٌ زائد على ذلك قد يقال به في الكافر أيضًا، وإثبات تعلقها بالدَّيْن أمر ثالث يختص بالمسلم لا وجه للقول به في الكافر.\nالثاني (^٣): أن المعتمد في ثبوت الشركة قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (^٤) (^٥)، ولا مِرْية في أن الكافر لا يدخل في ذلك، وكتاب أنس الذي كتبه له أبو بكر - ﵁ - وفيه: \"هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - ﷺ - على المسلمين\" وفيه: \"في كل (^٦) خمسٍ شاةٌ\" (^٧)،\n_________\n(^١) في (ت): \"موثقه\". وفي (ص): \"تَوَثُّقه\": \"تَوْثقة\". والذي في البحر المحيط ٢/ ١٤٤: \"يوثقه\". وقد نقل الزركشي عن الشارح كلامه من غير عزو إليه.\n(^٢) أي: في الواجب. والمعنى: أن الكافر لا يدفع الزكاة في حال كفره وبعد إسلامه، وما دام حاله كذلك فلا معنى لقولنا بأن الزكاة متعلقة بماله؛ لأن المراد بالتعلق هو توثيق وتأكيد الواجب عليه، وهو لا يلزمه دفعه، فأي معنى للتعلق ودفع الزكاة لا يلزمه!\n(^٣) في (غ): \"والثاني\".\n(^٤) سورة التوبة: الآية ١٠٣.\n(^٥) أي: دليل شركة الفقراء للأغنياء في أموالهم بقدر الزكاة هو هذه الآية، التي تأمر بأخذ الصدقة من أموال الأغنياء لتكون للفقراء، فقَدْر الزكاة من مال الغني حق للفقير، فأصبح شريكًا له في ماله.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) أخرجه البخاري ٢/ ٥٢٥، في كتاب الزكاة، باب العرض في الزكاة، حديث رقم ١٣٨٠. وفي باب لا يُجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع ٢/ ٥٢٦، رقم ١٣٨٢. وفي باب ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ٢/ ٥٢٦، رقم =","vol":"2","page":460},{"text":"ولا يلزم من إثبات هذا التعلق في حق المسلمين إثباته في حق الكافرين؛ لظهور (^١) الفرق على ما قدمناه. ولا شك أن الأدلة الواردة في أحكام الشريعة منها ما يتناول لفظُه الكفار مثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ (^٢) ونحوه، فيتعلق بهم حكمُه على القول بتكليفهم بالفروع، ومنها ما لا يشملهم لفظه كما ذكرناه من الآية والحديث، وكالآيات التي فيها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^٣) ونحوه، فلا يتناولهم لفظًا. قال والدي أطال الله بقاه: ولا يثبت حكمها لهم وإنْ قلنا: إنهم مخاطبون بالفروع - إلا بدليل منفصل، أو تبيين عدم الفرق بينهم وبين غيرهم، والاكتفاء بعموم الشريعة لهم ولغيرهم، وأما حيث يظهر الفرق، أو يمكن معنى غير شامل لهم فلا يقال بثبوت ذلك الحكم لهم؛ لأنه يكون إثبات حكم بغير دليل، والتعلق قدر زائد على الوجوب، (فلا يثبت) (^٤) في حقهم بغير دليل ولا معنى.\n_________\n= الحديث ١٣٨٣، وباب مَن بلغت عنده صدقة بنت مخاض وليست عنده ٢/ ٥٢٧، رقم ١٣٨٥. وانظر الأرقام ١٣٨٦، ١٣٨٧، ٢٣٥٥، ٦٥٥٥. وأخرجه أبو داود ٢/ ٢١٤ - ٢٢٤، في الزكاة، باب في زكاة السائمة، حديث رقم ١٥٦٧. وأخرجه النسائي ٥/ ١٨ - ٢٣، في الزكاة، باب زكاة الإبل، حديث رقم ٢٤٤٧. وابن ماجه ١/ ٥٧٥، في الزكاة، باب إذا أخذ المصدق سنًا دون سن أو فوق سن، حديث رقم ١٨٠٠، من حديث ثمامة بن عبد الله بن أنس عند جده أنس أن أبا بكر كتب له فريضة الصدقة. . إلخ.\n(^١) في (ت): \"بظهور\".\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢١.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٠٤.\n(^٤) في (ص): \"فلا نثبته\".","vol":"2","page":461},{"text":"ومِنْ خطاب الوضع كون الزنا سببًا لوجوب الحد، وذلك ثابت في حقهم، ولذلك رجم النبي - ﷺ - اليهوديين (^١)، ولا يحسن القول ببناء ذلك على تكليفهم بالفروع، فإنه كيف يقال بإسقاط الإثم عنهم فيما يعتقدون تحريمه؛ لكفرهم (^٢)! وهذا في الكتابي الذي يَعتقد شرعًا، أما من لا يَعتقد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في عدة مواضع، منها ١/ ٤٤٦، كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنائز بالمُصَلَّى والمسجد، حديث رقم ١٢٦٤. وفي كتاب المحاربين، باب أحكام أهل الذمة ٦/ ٢٥١٠، حديث رقم ٦٤٥٠. وانظر الأرقام الآتية: ٣٤٣٦، ٤٢٨٠، ٦٤٣٣، ٦٩٠١، ٧١٠٤. وأخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٣٢٦، كتاب الحدود، باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنى رقم ١٦٩٩. وأبو داود ٤/ ٥٩٣ - ٥٩٥، في كتاب الحدود، باب في رجم اليهوديين، رقم ٤٤٤٦. والترمذي ٤/ ٣٤، في كتاب الحدود، باب ما جاء في رجم أهل الكتاب، رقم ١٤٣٦. وابن ماجه ٢/ ٨٥٤، في كتاب الحدود، باب رجم اليهودي واليهودية، رقم ٢٥٥٦.\nوفي الباب عن ابن عمر، والبراء، وجابر، وابن أبي أوفى، وعبد الله بن الحارث بن جُزْء، وابن عباس، ﵃ جميعًا.\n(^٢) قوله: \"لكفرهم\" متعلِّق بقوله: \"بإسقاط الإثم عنهم\". والمعنى: أنه لا يحسن بناء مسألة وجوب الحد عليهم بسبب الزنا على مسألة تكليف الكفار بالفروع؛ لأن هذا الخلاف إنما يكون في أحكام ديننا التي لا يعتقدونها ولا يدينون بها، أما إذا كانوا يعتقدون ما نعتقده ويدينون به فهم مكلفون به بمقتضى دينهم الموافق لديننا، فكيف يحصل بعد ذلك خلاف في هذا، ويقول مانعُ تكليفِهم بأن الإثم ساقط عنهم لكونهم كفارًا! الأظهر أن هذه الصورة خارجة عن محل النزاع. هذا ما يدل عليه كلام الشارح رحمه الله تعالى. وقد ذهب المالكية إلى عدم إقامة حد الزنا على الذمي، بل يُرد إلى أهل دينه، لكن يُمنع من إظهاره ويُعاقب إذا أعلنه، وإذا اختاروا أن يَحكم حاكمُنا بينهم حَكَم بحكم الإسلام، لكن لا يقام حد الرجم عليه؛ لأن النكاح في الشرك لا يُحَصِّن عند المالكية؛ لفساد أنكحتهم عندهم، فالإحصان لا يكون إلا =","vol":"2","page":462},{"text":"شيئًا فيجري الخلاف في تعلق التحريم به في جميع المحرمات. وقد قال الأستاذ أبو إسحاق في أصوله: \"لا خلاف أن خطاب الزواجر من الزنا والقذف يتوجه عليهم كما هو على المسلمين، ونَصَّ الشافعي - ﵁ - على أن حد الزنا لا يسقط بالإسلام\" (^١). فانظر هذه المواضع وتأملها ونَزِّل كلام العلماء عليها، (ولا يظننّ) (^٢) الظان مخالفة ما ذكرناه لعبارات الأصوليين؛ لأنهم إنما قالوا: التكليف بالفروع، فلا يرد خطاب الوضع عليهم (والله أعلم) (^٣).\nقال: (لنا: أن الآية الآمرة بالعبادة تتناولهم، والكفرُ غيرُ مانع؛ لإمكان إزالته. وأيضًا: الآيات المُوعدة بترك الفروع كثيرة مثل: ﴿وَوَيْلٌ\n_________\n= في نكاح صحيح ومن شروطه عندهم الإسلام. انظر: الكافي لابن عبد البر ٢/ ١٠٦٨، ١٠٧٣، بداية المجتهد ٢/ ٤٣٥، المدونة ٦/ ٢١١، ٢٧١.\n(^١) يعني: إذا زنا الكافر ثم أسلم، فإن الإسلام لا يُسقط حدَّ الزنا. لكن في الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٥٥: \"ولو زنا ثم أسلم، فعن نَصِّ الشافعي أن حد الزنا يسقط عنه بالإسلام\". وكذا في التمهيد للإسنوي ص ١٢٨. قال الزركشي في البحر المحيط ٢/ ١٤١: \"وأما حدود الله تعالى: فنص الشافعي في \"الأم\" على أن الذمي إذا زنى ثم أسلم لا يسقط عنه الحد. وأما ما وقع في \"الروضة\" من سقوط الحد والتعزير عنه عن نص الشافعي، وأنَّ ابن المنذر نقله في \"الإشراف\" - فقد راجعت كلام ابن المنذر فوجدته نسبه لقوله إذ هو بالعراق، فهو قديم قطعًا، ونصُّ الأم جديد، فحصل في المسألة قولان، حكاهما الدارمي في \"الاستذكار\" وجهين\".\n(^٢) في (ت) و(ك): \"ولا يظن\".\n(^٣) سقطت من (ص).","vol":"2","page":463},{"text":"لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (^١) (^٢). وأيضًا: فإنهم (^٣) كُلِّفوا بالنواهي؛ لوجوب حد الزنا عليهم، فيكونون مكلفين بالأوامر (^٤) قياسًا).\nاسْتُدِلَّ على المختار بأوجه:\nالأول: أن المقتضِي لتناول الكفار قائمٌ مثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ (^٥) وغيرها، والكفر لا يمنع من التناول؛ للتمكن من إزالته، فأشبه الحدَثَ المانعَ من الصلاة، إذ كل منهما مانع ممكِن الزوال، وما قال أحد من المسلمين: إن المُحْدِث لا يكلّف بالصلاة - حتى نبغ أبو هاشم (^٦) وقال مُنْكَرًا من القول وزورًا.\nقلت: والاستدلال بنحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ مستقيم، وأما ما حُكي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: \"كل ما جاء في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فالمراد المؤمنون\" - فلم يصح عنه.\n_________\n(^١) في (غ)، و(ك): \"فويل للمشركين\".\n(^٢) سورة فصلت: الآيتان ٦، ٧.\n(^٣) في (ت): \"إنهم\".\n(^٤) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"بالأمر\". وهو غير مناسب.\n(^٥) سورة البقرة: الآية ٢١.\n(^٦) هو أبو هاشم عبد السلام بن أبي عليٍّ محمد بن عبد الوهَّاب الجبائيّ المعتزليّ، من كبار الأذكياء. ولد سنة ٢٤٧ هـ. كان خبيرًا بعلم الكلام، قويَّ العارضة، له من الكتب: الجامع الكبير، الجامع الصغير، العَرَض، وغيرها. توفي سنة ٣٢١ هـ.\nانظر: وفيات ٣/ ١٨٣، سير ١٥/ ٦٣، الفتح المبين ١/ ١٧٢.","vol":"2","page":464},{"text":"الثاني: أن الآيات الموعِدة بترك الفروع مثل قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ (^١) لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ (^٢) ومثل قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (^٣) - دلت (^٤) على أنهم كُلِّفوا ببعض الفروع، فيكونون مكلَّفين بالباقي؛ إذ لا قائل بالفرق، أو بالقياس.\nالثالث: وهو دليلٌ على من فَصَّل وقال: تتناولهم المناهي دون الأوامر. ولك أن تجعله دليلًا على الفريقين، وبه يُشعر إيرادُ المصنف (^٥)؛ حيث استدل لتناول النهي، ولو جعله دليلًا (^٦) على من وافق في النهي لم يحتج إلى الاستدلال.\nوتقريره (^٧): أنَّ الدليل على أن النهي يتناولهم وجوبُ حَدِّ الزنا عليهم، فيُلحقَ به الأمر بجامع مطلق الطلب.\nفإن قلت: لا نسلم أنه (^٨) يتناول الكافرَ النهيُ ولا يَرِد وجوبُ حد\n_________\n(^١) في المخطوطات: \"فويل\". وهو خطأ.\n(^٢) سورة فصلت: ٦، ٧.\n(^٣) سورة المدثر: ٤٢، ٤٣.\n(^٤) في (غ)، و(ك): \"دلّ\".\n(^٥) أي: أن المصنف أورد هذا الدليل للردِّ على مَنْ فَصَّل وفَرَّق بين الأوامر والنواهي، وعلى مَنْ منع التكليف فيهما.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) أي: وتقرير هذا الدليل.\n(^٨) في (ص): \"بأنه\".","vol":"2","page":465},{"text":"الزنا؛ لأنه التزم أحكامنا بعقد الجزية (أو غيرها) (^١)؛ ولذلك لا نُحِدُّ الحربي. قلت: الالتزام بمجرده لا يُوجب الحد.\nفإن قلت: قال أبو عبد الله بن خوَيْز مِنداد (^٢) المالكي: \"إنهم إنما يُقْطعون في السرقة، ويُقتلون في الحِرَابة من باب الدفع، فهو تعزير لا حَدٌّ؛ لأن الحدودَ كفاراتٌ لأهلها وليست هذه كفارات\" (^٣)، ومقتضى ذلك أن لا يجب حدُّ الزنا؛ لما ذكره.\nقلت: مقالته هذه فاسدة؛ فإن الحدود إنما تكون كفارةً لأهلها إذا كانوا مُسْلمين كما صَرَّح به الشافعي رضوان الله عليه، والكافر ليس من أهل الأجر ولا الثواب ولا الطُّهْرة، وإنما هي في حقه كالديون اللازمة؛ ولذلك نُلْزِمه بكفارة الظهار ونحوها ولا يزول عنه بها إثم (^٤).\n_________\n(^١) في (ت): \"وغيرها\". والمراد بغير الجزية هو عَقْد الأمان الذي يدخل به الكافر ديار الإسلام لمدة محدودة. انظر: بدائع الصنائع ٧/ ١٠٩.\n(^٢) هو محمد بن أحمد بن علي بن إسحاق بن خُوَيْز مِنْداد، أبو عبد الله. قال ابن حجر ﵀: \"وعنده شواذ عن مالك، واختيارات وتأويلات لم يُعَرِّج عليها حُذَّاق المذهب، كقوله: إنَّ العبيد لا يدخلون في خطاب الأحرار، وإنَّ خبر الواحد مفيد العلم، وإنه لا يعتق على الرجل سوى الآباء والأبناء، وقد تكلم فيه أبو الوليد الباجي، ولم يكن بالجيد النظر، ولا بالقوي في الفقه. . . وطعن ابن عبد البر فيه أيضًا، وكان في أواخر المائة الرابعة\". انظر: الديباج المذهب ٢/ ٢٢٩، لسان الميزان ٥/ ٢٩١.\n(^٣) انظر مقولته في البحر المحيط ٢/ ١٢٨.\n(^٤) يعني: لو ظاهر الكافر مِنْ زوجته - فإنا نُلْزمه بالكفارة ليستبيح زوجته، ولكن لا يرتفع إثم الظهار عنه بالكفارة، لأنها ليست بكفارة في حقه، بل هي سبب يستبيح به زوجته.","vol":"2","page":466},{"text":"قال: (قيل: الانتهاء أبدًا ممكن (^١) دون الامتثال. وأجيب: بأن مجرد الفعل والترك لا يكفي فاستويا، وفيه نظر. قيل: لا يصح مع الكفر ولا قضاءَ بعده. قلنا: الفائدة تضعيف العذاب).\nلَمَّا قاس الأمر على النهي بالجامع الذي بيَّنه - اعترض الخصم وزعم ثبوت الفرق من جهة أن النهي من باب التروك، فلا يحتاج إلى النية، بخلاف الأمر، وإذن يمكن الكافر (^٢) الانتهاء عن المنهيات مع كفره، ولا يمكنه الإتيان بالمأمورات.\nوأجيب عن هذا الاعتراض: بأنك إنْ عَنَيْتَ بقولك: يُمكنه الانتهاء عن المنهيات: أنه يتمكن من تركها من غير اعتبار النية - فكذلك المأمورات. وإن عَنَيْت: أنه يتمكن (^٣) (من الانتهاء) (^٤) عن المنهي لغرضِ امتثالِ قولِ الشرع - فهذا حالة الكفر متعذِّر، فاستوى المأمور والمنهي في أن الإتيان بهما من حيث الصورة غير متوقف على الإيمان، والإتيان بهما لغرض الامتثال متوقف على الإيمان؛ فبطل الفرق.\nقال صاحب الكتاب: وفي هذا الجواب نظر. ووَجْهه: أن المكلَّف إذا ترك المنهي عنه سقط عنه العقاب وإن لم يَنْو، بخلاف المأمور به فإنه لا يحصل الأجر إذا لم ينو.\n_________\n(^١) في (غ)، و(ك): \"يمكن\".\n(^٢) في (ك): \"للكافر\".\n(^٣) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"متمكن\".\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"2","page":467},{"text":"واحتج مَنْ قال بعدم تكليف الكفار بالفروع: بأنها لو وجبت عليهم لكانت إما في حال الكفر أو بعده، والأول باطل؛ لامتناع الإتيان بها في تلك الحالة، وكذلك الثاني؛ لإجماعنا على أن الكافر إذا أسلم لا يؤمر بالقضاء، لقوله ﵇: \"الإسلام يَجُبُّ ما قبله\" (^١).\nوأجاب المصنف: بأن فائدة قولنا: إنهم مكلَّفون بالفروع - تضعيفُ العذاب عليهم يوم القيامة.\nولقائل أن يقول: التعذيب في الآخرة متوقف على سبق التكليف لا محالة، ويعود الكلام إلى أن التكليف بها إما في حالة الكفر أو بعده. بل الجواب أنا نقول: هو مكلف بإيقاع ذلك بأن يُسْلم ويُوقع، وأما قوله - ﷺ -: \"الإسلام يَجُبُّ ما قبله\" - فحجةٌ لنا؛ لأن قوله: \"يَجُبُّ\" (^٢) يقتضي سبق التكليف به، ولكن يسقط ترغيبًا في الإسلام. ومن الدلائل الواضحة على أن الكافر مكلّف بالفروع مطلقًا (^٣) ولم أرَ مَنْ ذكره - قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ (^٤) إذْ لا يمتري الفهمُ في أن زيادة هذا العذاب إنما هو بالإفساد الذي هو قَدْرٌ زائدٌ على الكفر، إما الصَدُّ أو غيره. وأما قول الأصوليين:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٠٥، ومسلم في صحيحه ١/ ١١٢، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج، رقم ١٢١.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) سورة النحل: الآية ٨٨.","vol":"2","page":468},{"text":"الفائدة تضعيف العذاب في الآخرة - فصحيح، ولم يريدوا أنه لا تظهر فائدة الخلاف إلا في الآخرة، وإنْ أفْهمتْه عبارةُ طوائفَ منهم، فينبغي أن يُخصص كلامهم، ويُعْلم أنه جواب عما ألْزَم به الخصوم في فروعٍ خاصة لا تظهر فائدةُ الخلاف (^١) فيها، كالزكاة ونحوها. وقد فَرَّع الأصحاب على الخلاف الأصولي مسائلَ عديدة.\nواعلم أنَّ الأقوالَ الثلاثةَ في خطاب الكفار (^٢) بالفروع أوجهٌ (^٣) للأصحاب، حكاها النووي في أوائل الصلاة من (^٤) \"شرح المهذب\" (^٥)، وسبقه الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\" (^٦)، فوضح وجْهُ اختلافهم (في المسائل التي بنوها حسب اختلافهم) (^٧) في الأصول.\nمنها: ذهب الأستاذ أبو إسحاق إلى أنه يجب على الحربي ضمانُ النفس والمال، تخريجًا من أن الكفار مخاطبون بالفروع، وعَزَى هذا إلى المزني في \"المنثور\" (^٨).\nومنها: إذا اغتسلت الذميّة لتَحِلَّ لمَنْ يَحِلُّ له وطؤها من\n_________\n(^١) في (ص): \"للخلاف\".\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"الكافر\".\n(^٣) قوله: \"أوجه\" خبر أن.\n(^٤) في (ك): \"في\".\n(^٥) انظر: المجموع ٣/ ٤.\n(^٦) انظر: شرح اللمع ١/ ٢٧٧.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) انظر: التمهيد للإسنوي ص ١٣٠، البحر المحيط ٢/ ١٣١، ١٤٣.","vol":"2","page":469},{"text":"المسلمين (^١) - فهل يجب عليها إعادة الغُسْل إذا أسلمت؟ فيه وجهان (^٢). وفَرَّق إمام الحرمين بين هذه، وبين ما لو وَجَب على الذمي كفارة فأخرجها ثم أسلم - لا يجب عليه الإعادة قطعًا؛ لأن (^٣) الكفَّارة إنما تكون بالمال (ولا تخلو) (^٤) الكفارة عن قصد شرعي من إطعامِ محتاج، أو كسوة عار، أو تخليصِ رقبةٍ عن قَيْدِ رقٍّ، وهذه المصلحة لا تختلف باختلاف أحوال فاعليها، فإذا وُجدت لا حاجة إلى إعادتها، بخلاف ما تُعبِّد به في حقِّ الشخص نفسه، كمسألتنا وكالصوم.\nومنها: لو اغتسل الكافر عن جنابة أو توضأ أو تيمم ثم أسلم فالمذهب الصحيح وجوب الإعادة (^٥)، والثالث الفرق بين الوضوء والغسل (^٦).\nومنها: هل يمكث (^٧) الكافر الجنب في المسجد؟ فيه وجهان (^٨).\nومنها: هل يُؤخذ في الجزية، وفي ثمن الشِّقْص المشفوع - مما تيقنا أنه من ثمن الخمر؟ المذهب أنا لا نأخذه، وفيه وجه (^٩).\n_________\n(^١) كزوج أو سيد.\n(^٢) انظر: المجموع ٢/ ١٥٢ - ١٥٣.\n(^٣) في (ع)، و(ك): \"بأن\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر: البحر المحيط ٢/ ١٣٨، المجموع ٢/ ١٥٣.\n(^٦) يعني: والمذهب الثاني: أنه لا تجب الإعادة.\n(^٧) في (غ)، و(ك): \"يلبث\".\n(^٨) انظر: البحر المحيط ٢/ ١٣٩، التمهيد ص ١٣٢، قال السيوطي في الأشباه والنظائر ص ٢٥٤: \"ولا يمنع من المكث في المسجد جنبًا، بخلافه حائضًا\".\n(^٩) انظر: التمهيد ص ١٣١، الأشباه والنظائر للشارح ٢/ ١٠١، ١/ ٣٩٠.","vol":"2","page":470},{"text":"ومنها: التصرف في الخمر حرام عليهم عندنا، خلافًا لأبي حنيفة، وصَرَّح في \"التَّتِمَّة\" (^١) ببناء المسألة على الأصل المذكور (^٢).\nفإن قلت: لِمَ لا جَرَى فيها خلافٌ مذهبيٌّ؟ قلت: شفاء الغليل في ذلك من وظائف كتابنا \"الأشباه والنظائر\" فعليك به.\nومنها: إذا دخل الكافرُ الحَرَم وقتل صيدًا لزمه الضمان، وقال في \"المهذب\": يحتمل أن لا يلزمه (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>خاتمة </span>(^٤):\nقول المصنف وغيره: الفائدة تضعيف العذاب - قد يُفْهِم أنَّ الخلاف في تكليفهم بالفروع يختص بما يترتب عليه حرج من مأمور ومنهي، ويقتضي أن الإباحة لا تتعلق بهم (^٥)، لا سيما على قول (^٦): إنها ليست من التكليف. والظاهر تعلق الإباحة بهم فيما هو مباح، قال والدي (أطال الله\n_________\n(^١) كتاب \"التتمة\" لعبد الرحمن بن مأمون النيسابوري المتولِّي الشافعي، وكتابه هذا تَمَّمَ به \"الإبانة\" لشيخه أبي القاسم الفُورانيّ، فعاجلته المنية عن تكميله، وانتهى فيه إلى الحدود.\nانظر: سير ١٨/ ٥٨٥، الطبقات الكبرى ٥/ ١٠٧.\n(^٢) وهو تكليفهم بالفروع. انظر: الأشباه والنظائر للشارح ٢/ ١٠٢.\n(^٣) انظر: المجموع ٧/ ٤٤٦. وعبارة الشيرازي: \"ويحتمل عندي أنه لا ضمان عليه\". قال النووي: \"المشهور في المذهب وجوب الجزاء عليه\".\n(^٤) في (ت): \"فائدة\".\n(^٥) أي: بالكفار.\n(^٦) في (ص)، و(ك): \"قولنا\".","vol":"2","page":471},{"text":"عمره) (^١) وقد يقال: إنَّ إقدامَهم على المباح وهُمْ غيرُ مستندين فيه إلى الشرع الذي يجب عليهم اتباعه - حرام (^٢)؛ لقيام الإجماع على أن المكلف لا يحل له الإقدام على فعلٍ حتى يعلم حكم الله فيه (^٣)، فإنْ (^٤) صح هذا فَهُمْ آثمون على جملة أفعالهم، وهذا البحث عام في الكتابِيِّين والمشركين (^٥). قال والدي: وهو مما لم أره لغيري، وفيه عندي توقف (^٦)، ولا ينافي القولُ به الحكمَ بصحة أنكحتهم ومعاملاتهم؛ لأن أثرها في الدنيا، والمقصود عقابهم في الآخرة (^٧).\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) قوله: حرام، خبر \"إن\".\n(^٣) انظر: البحر المحيط ١/ ٢٢٣، وفيه استشكال البعض لهذا الإجماع؛ للتصريح بالبراءة الأصلية.\n(^٤) في (ك): \"فلئن\".\n(^٥) قال الزركشي في البحر ٢/ ١٤٢ بعد أن نقل كلام الشارح من غير عزو إليه: \"ومقتضى هذا البحث أن يأثموا في جميع أفعالهم حتى يؤمنوا، وفي كلام الشافعي عن بعض أهل العلم ما يشهد له\".\n(^٦) لم يجزم الإمام تقي الدين بالحكم، بل علَّقه على صحة الإجماع.\n(^٧) انظر مسألة تكليف الكفار بالفروع في: المحصول ١/ ق ٢/ ٣٩٩، التحصيل ١/ ٣٢١، الحاصل ١/ ٤٧٣، المستصفى ١/ ٣٠٤، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢١٠، الإحكام ١/ ١٤٤، البحر المحيط ٢/ ١٢٤، نهاية السول ١/ ٣٦٩، السراج الوهاج ١/ ٢٢٤، شرح تنقيح الفصول ص ١٦٢، بيان المختصر ١/ ٤٢٣، تيسير التحرير ٢/ ١٤٨، فواتح الرحموت ١/ ١٢٨، أصول السرخسي ١/ ٧٣، شرح الكوكب ١/ ٥٠٠، شرح مختصر الروضة ٢/ ٢٠٠.","vol":"2","page":472},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-230>(الثالثة: امتثال الأمر يُوجب الإجزاء؛ لأنه إن بقي متعلقًا (^١) به فيكون أمرًا بتحصيل الحاصل</span>، أو بغيره فلم (^٢) يمتثل بالكلية. وقال (^٣) أبو هاشم: لا يوجبه، كما لا يوجب النهيُ الفسادَ. والجوابُ: طلب الجامع ثم الفرق).\nإتيان المكلف بالأمور به على الوجه المشروع مُوجِب للإجزاء عند الجمهور، وخالفهم أبو هاشم وعبد الجبار.\nوحجة الجمهور: أنه لو لم يكن الامتثال موجِبًا للإجزاء - لكان الأمر بعد الامتثال مقتضيًا إما لذلك المأتي به، ويلزم تحصيلُ الحاصل، أو لغيره ويلزم أن لا يكون الإتيان بتمام الأمور به بل ببعضه، والفرض خلافه (^٤).\nواعلم أن الإجزاء له تفسيران:\nأحدهما: سقوط التعبد به، وهو الذي اختاره المصنف في أوائل الكتاب.\n_________\n(^١) في (غ): \"معلقًا\".\n(^٢) في (ت)، و(ص): \"لم\".\n(^٣) في (ص) و(ك)، و(غ): \"قال\".\n(^٤) المعنى: لو لم يكن الامتثال موجبًا للإجزاء - لكان الأمر بعد الامتثال مقتضيًا لأحد أمرين: إما لذلك الفعل الذي امتثله، فأَمْرُه به بعد فِعْله تحصيل حاصل، أو لغير ذلك الفعل، فيلزم على هذا أن يكون ما فَعَله أولًا ليس امتثالًا لجميع المأمور به، بل امتثال للبعض، وهذا يخالف فَرْض المسألة، إذ المسألة مفروضة أنه امتثل جميع المأمور به، ولم يُجزئه ذلك، فأُمِر بعد الامتثال. فثبت بهذا أن الامتثال موجب للإجزاء، وإلا لزم منه أمران باطلان.","vol":"2","page":473},{"text":"والثاني: سقوط القضاء، وقد ضعفه ثَمَّ.\nوالخلاف في هذه المسألة إنما هو مبني على تفسيره بسقوط القضاء، أما إذا فُسِّر بما اختاره المصنف فامتثال الأمر يكون محصِّلًا للإجزاء من غير خلاف، وإنما خالف أبو هاشم وأتباعه إذا بُني على ذلك التفسير، فقالوا: (لا يمتنع) (^١) الأمر بالقضاء أيضًا مع فعله. فحاصل ما يقوله أبو هاشم أنه (^٢) لا يدل على الإجزاء، وإنما الإجزاء مستفاد مِنْ عدم دليل يدل على وجوب الإعادة. ولا خلاف بين أبي هاشم وغيره في براءة الذمة عند الإتيان بالمأمور به.\nوقد شَبَّه القرافي هذا الخلاف بالخلاف في مفهوم الشرط (^٣)، كما إذا قال: إنْ دخلتَ الدار فأنتَ حرٌ. فمَنْ قال: لا مفهوم للشرط - قال عدمُ عتقه ما لم يأتِ بالمشروط مستفادٌ من الملك السابق. ومن قال: له مفهوم - قال: هو مستفاد من ذلك، ومن مفهوم الشرط (^٤) أيضًا. وكذلك الخلاف الذي هنا.\nوإذا عرفتَ ذلك عَلِمتَ أن أبا هاشم لا يقول ببقاء شغل الذمة بعد الفعل؛ لأن (^٥) الأمر بمجرده لا يدل عليه، وحينئذ فدليل المصنف عليه دليل\n_________\n(^١) في (ت): \"لا يمنع\".\n(^٢) أي: فعل المأمور به.\n(^٣) انظر: نفائس الأصول ٤/ ١٥٩٤.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"بل إن\".","vol":"2","page":474},{"text":"في (^١) محل الوفاق لا معترض به عليه (^٢). وهذا هو التحرير في نقل مذهب أبي هاشم، وكذلك نطق به جماعة منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في \"شرح العنوان\".\nواحتج أبو هاشم على مذهبه: بأن النهي لا يدل على الفساد بدليل البيع وقت النداء، فكذلك الأمر لا يدل على الإجزاء.\nوإليه الإشارة بقوله: \"لا يوجبه\"، أي: لا يوجب الأمرُ الإجزاءَ، كما لا يوجب النهيُ الفساد.\nوالجواب: أولًا: طلب الجامع بين المَقِيس والمَقِيس عليه، وهو الأمر والنهي.\nفإن أتى به بأن قال: الجامع أن كلًا منهما طلبٌ لا إشعار له بذلك، أو أنهما متضادان، والشيء محمولٌ على ضده كما هو محمول على مثله - أجبنا ثانيًا: بالفرق: وهو أن مقتضى الأمر الإتيان بالمأمور به، فلو لم يكن موجبًا للإجزاء لم يكن للأمر فائدة؛ لأنه حينئذ\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"من\".\n(^٢) أي: على أبي هاشم. والمعنى: أن المصنف اعترض على أبي هاشم بأنَّ قوله: إن الامتثال لا يوجب الإجزاء، يلزم منه شُغْل الذمة بعد الامتثال، وهذا لا يقوله أبو هاشم، بل هو يوافق على عدم شغل الذمة بعد الامتثال، لكنه يقول بأن الامتثال لا يُسقط القضاء. فكأن المصنف بنى المسألة على ما اختاره من معنى الإجزاء: وهو سقوط التعبد، وهذا المعنى لا يخالف فيه أبو هاشم؛ لأنه يقول بلازمه وهو عدم شغل الذمة، لكن المسألة مبنية على المعنى الثاني للإجزاء: وهو سقوط القضاء، وهو الذي لا يقول به أبو هاشم؛ لأن الامتثال لا يسقط القضاء.","vol":"2","page":475},{"text":"يكون كأنه قال: افعل هذا، وإذا فعلت فكأنك لم تفعل، بخلاف النهي فإن مقتضاه الانكفاف عن المنهي (^١)، وقد يكون الانكفاف بحكم (^٢) آخر، كالنهي عن البيع وقت النداء مع مجامعته للصحة؛ ولهذا يصح أن يقال: لا تفعل هذا، وإن فعلته يكون فِعْلُكَ صحيحًا.\nفإن قلت: الحاج (^٣) إذا أفسد حجه فهو مأمور بالمضي في فاسد الحج، وإذا مضى فيه كما أُمر لزمه في مستقبل الزمان افتتاحُ حجٍّ صحيحٍ، ولم يقع إذن مُضِّيه مجزئًا وإنْ كان مأمورًا به.\nقلت: قال إمام الحرمين: \"هذا قول مَنْ يَتَلقَّى الحقائق في الأصول مِنْ خيالاتٍ في (^٤) مضطرب الظنون المتعلقة بالفروع، فنقول: إنْ كان ما خاض أولًا (حَجًّا مفروضًا) (^٥) - فالخطاب بإيقاع حج صحيح قائم، والإفساد مناف لحق الامتثال، وليس المُضِيُّ (^٦) في الفاسد\n_________\n(^١) في (ك): \"المنهي عنه\".\n(^٢) في (ك): \"لحكم\".\n(^٣) في (ت): \"المجامع\".\n(^٤) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"من\".\n(^٥) في البرهان ١/ ٢٥٦: \"حجًا صحيحًا مفروضًا\". وهذا خطأ؛ لأنه سيقول بعده: \"فالخطاب بإيقاع حج صحيح قائم\". فكيف يكون الخطاب بإيقاعٍ حجٍ صحيح قائم، وما خاض أولًا صحيح! وقد أشار المحقق إلى نسخة ليس فيها \"صحيحًا\" وهي الصحيحة.\n(^٦) في (ت)، و(ص)، و(غ)، و(ك): \"المقتضى\". وهو خطأ، والصواب ما أثبته، وهو الموجود في البرهان ١/ ٢٥٦.","vol":"2","page":476},{"text":"مُقْتضى الأمرِ بالحج الصحيح، وإنما هو مُتَلقَّى من أمر جديد يختص بالحج، فيثبت الجريان في الفاسد بأمرٍ جديد، وبقيَ على المفسِد حقُّ القيام بالأمر الأول. وإنْ كان الحج تطوعًا فيجب القضاء على المفسِد بأمر جديد، وليس ذلك من مقتضى الأمر بالمضي\" قال: \"وهذا لا غموض فيه. وقد يعتاص (^١) على الفقيه الفرق بين الفساد والفوات والتحلل بِعُذْر (^٢) الإحصار، وحظُّ الأصولي من (^٣) هذه المسائل تقديرُ أمرٍ جديد في كل ما لا يُتلقى من (^٤) الأمر الأول، وهذا ليس بالعَسِر (^٥)، بل هو مقطوع به\" (^٦). والله أعلم (وبه التوفيق) (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(ك)، و(غ): \"يتعارض\". والمثبت من البرهان.\n(^٢) في (ت)، و(ص)، و(ك)، و(غ): \"بعد\"، والمثبت من البرهان.\n(^٣) في (ك): \"في\".\n(^٤) في (ك): \"في\".\n(^٥) في (ت): \"بالعسير\".\n(^٦) البرهان ١/ ٢٥٦.\n(^٧) لم ترد في (ت)، و(غ).\n(^٨) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ٢/ ٤١٤، التحصيل ١/ ٣٢٤، الحاصل ١/ ٤٧٥، نهاية السول ١/ ٣٨٣، السراج الوهاج ١/ ٢٣٠، الإحكام ١/ ١٧٥، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٣٨٣، شرح تنقيح الفصول ص ١٣٣، بيان المختصر ٢/ ٦٨، البحر المحيط ٣/ ٣٣٨، المعتمد ١/ ٩٠، مناهج العقول ١/ ١٥٨.","vol":"2","page":477},{"text":"دَوْلة الإمَارَاتْ العَربيّة المتَّحِدة\nحُكومَة دُبيْ\nالإِبْهَاجُ فِي شَرْح الْمِنْهَاجِ\nشرح عَلَى مِنْهَاجِ الوُصُولِ إِلى عِلْمِ الأُصُولِ لِلْقاضِي\nالبَيْضَاويِّ المُتَوَفى سنة ٦٨٥ هـ\nتَأليفُ\nشيخ الإسلام علي بن عبد الكافي السّبكي المتوفى ٧٥٦ هـ\nوولده تاج الدّين عبد الوهاب بن علي السّبكي المتوفى ٧٧١ هـ\nدرَاسَة وَتحقيق\nالدُّكتُور أحْمَد جَمَال الزَّمْزَمى\nالدُّكتُور نُورُ الدِّين عَبْد الجَبَّارِ صَغِيرى\nالجزء الثّالث\nدَار البحُوث للدِّرَاسَات الإسْلَاميّة وَإحْيَاء التّراث","vol":"3","page":478},{"text":"حُقوق الطبْعِ مَحفوظَة\nالطَّبعَة الأولى\n١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م\nدَار البحُوث للدِّرَاسَات الإسْلَاميّة وَإحْيَاء التّراث\nالإمارات العربية المتحدة - دبي - هاتف: ٣٤٥٦٨٠٨، فاكس: ٣٤٥٣٢٩٩، ص ب: ٢٥١٧١\nالموقع www.bhothdxb.org.ae البريد الإلكتروني irhdubai@bhothdxb.org.ae","vol":"3","page":479},{"text":"الكتاب الأول: الكتاب","vol":"3","page":480},{"text":"قال ﵀: <span data-type=\"title\" id=toc-231>(الكتاب الأول: في الكتاب</span>.\nوالاستدلال به يتوقف (^١) على معرفة اللغة، وأقسامها. (وهو ينقسم) (^٢) إلى أمرٍ ونهيٍ، وعام، وخاص، ومجمل، ومبيَّن، وناسخ، ومنسوخ. وبيان ذلك في أبواب).\nالكتاب هو القرآن: وهو الكلام المُنَزَّل للإِعجاز بسورةٍ منه.\nوقد خرج بقولنا: \"المنزل\" الكلامُ النفسي، وكلام البشر.\nو\"بالإعجاز\" الأخبارُ الربانية، وسائر الكتب المنزلة: كالتوراة، والإنجيل، والزبور، إن لم نقل (^٣) إنها معجِزة.\nوقولنا: \"بسورة منه\"، أي: ببعضٍ ولو ساوى أقصر سورة منه كالكوثر، وخرج بذلك سائر الكتب المنزلة إن قيل بإعجازها، فإنها حينئذ وإنْ أُنزلت للإعجاز لكن لم يكن الإعجاز بسورة منها. وهذا التعريف صادق على الآية، وعلى بعضها أيضًا؛ لأنه يصدق عليها أنَّ قَدْر سورة من نوعه مُعْجِز (^٤).\nولما كان الكتاب منزلًا على لغة العرب احتاج المستدل به إلى معرفتها، والاستدلالُ به أيضًا متوقف على معرفة أقسامه، وأقسامُه مِنْ\n_________\n(^١) في (ت): \"متوقف\".\n(^٢) في (ت): \"وهي تنقسم\".\n(^٣) في (ص): \"يقل\".\n(^٤) في (ص): \"معجزة\".","vol":"3","page":481},{"text":"جملة أقسام اللغة. وهو ينقسم إلى خبرٍ وإنشاء. ولا حَظِّ للأصولي (^١) في الخبر، وإنما كلامه في الإنشاء، وهو فيه (^٢) ينقسِم باعتباراتٍ ثلاث:\nالأول: بالنظر إلى ذاتِه: إلى أمرٍ ونهيٍ. فنقول: هذا القول أمر، أو نهي. فَيُجعل مَوْرِد القسمة ذات القول.\nوالثاني: بالنّظر إلى عوارضه، ونَعْنِي بها: مُتَعَلَّقاته، (وبهذا ينقسم: إلى العام والخاص. فنقول: المَعْنِيُّ (^٣) بهذا القول: جميع متعلقاته) (^٤): وهو العام، أو بعضها: وهو الخاص.\nوالثالث: بالنظر إلى النسبة بين الذات والمتعلَّق (^٥)، وبهذا ينقسم: إلى المجمل والمبيَّن. فنقول: دلالة القول على متعلَّقاته إما ظاهرةٌ غنية عن المبيِّن، وذلك المبيَّن. أو غيرُ غنيةٍ وذلك المُجْمَل.\nثم إنَّ أحكام الله تعالى لما كانت تارة في جانب النفي، وطَوْرًا في قالب الإثبات، إما لكونها تابعةً للمصالح تفضلًا وإحسانًا عند مَنْ يعلِّل أحكامه ﷾، أو بحسب إرادته (^٦) وقضاياه التي لا تُعَلَّل\n_________\n(^١) في (ك): \"للأصول\".\n(^٢) سقطت من (ك). والضمير في \"فيه\" يعود على القرآن.\n(^٣) أي: المقصود.\n(^٤) سقطت من (غ).\n(^٥) أي: كيفية الدلالة، كما في المحصول ١/ ق ١/ ٢٢٤.\n(^٦) في (ص)، و(ك): \"إراداته\".","vol":"3","page":482},{"text":"عندنا - فَيَرِد حكمٌ (^١) يرفع (^٢) حكمًا، فالرافع ناسخ، والمرفوع منسوخ.\nفهذا وجه انقسام الإنشاء في الكتاب إلى هذه الأمور، وليس التقسيم مختصًا بالكتاب، بل السنة كذلك، وقد بيّن المصنف ذلك في كتاب السنة بقوله: \"سبق مباحث القول\" (^٣).\n_________\n(^١) قوله: \"فيرد حكم\" جواب الشرط في قوله: \"لما كانت. . .\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر ما سبق في: نهاية السول ٢/ ٢، السراج الوهاج ١/ ٢٣٥، مناهج العقول ١/ ١٦٠، البحر المحيط ٢/ ١٧٨، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٢٢.","vol":"3","page":483},{"text":"الباب الأول: في اللغات\nالفصل الأول: الوضع","vol":"3","page":485},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-232>(الباب الأول: في اللغات</span>. وفيه فصول.\n<span data-type=\"title\" id=toc-233>الفصل الأول: في الوضع)</span>\nوجه تقديم بابِ اللغات على غيره أن معرفة ماهية الشيء سابقة على معرفة أقسامه وأحكامِه، واللغاتُ جمع لغة (^١)، وإنما جَمَعها وإنْ كان الغرضُ الكلامَ في لغة العرب وهي واحدةٌ؛ لاشتراك مباحثه بين جميع (اللغات، وقد أودع هذا الباب تسعة فصول: أولها) (^٢): في الوضع: وهو عبارة عن تخصيص الشيء بالشيء بحيث إذا أُطلق الأول فُهم منه الثاني (^٣). وهذا تعريفٌ سديدٌ، فإنك إذا أطلقتَ قولك: قام زيد فُهِم منه صُدُور القيام منه.\nفإن قلت: مدلول قولنا: قام زيد - صدور قيامه، سواء أطلقنا هذا اللفظ أم لم نطلقه (^٤)، فما وجه قولكم بحيث إذا أطلق؟\nقلت: الكلام قد يخرج عن كونه كلامًا (بالزيادة والنقصان، وقد لا يخرج عن كونه كلامًا) (^٥) ولكن يتغير معناه بالتقييد، فإنك إذا قلت: قام\n_________\n(^١) اللغة: هي الألفاظ الموضوعة للمعاني. نهاية السول ٢/ ١٢، وفي التعريفات للجرجاني ص ١٦٩: هي ما يعبِّر بها كل قوم عن أغراضهم. وانظر: لسان العرب ١٥/ ٢٥١ - ٢٥٢، مادة (لغا).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: نهاية السول ١/ ١٢، السراج الوهاج ١/ ٢٤٣، التعريفات للجرجاني ص ٢٢٥.\n(^٤) أي: سواء أطلقنا هذا اللفظ مِن غير قيد، أو قيَّدناه بقيد.\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ).","vol":"3","page":487},{"text":"الناس - اقتضي إطلاقُ هذا اللفظ إخبارَك بقيام جميعهم، (فإذا قلت: إنْ أقام الناس - خرج عن كونه كلامًا بالكلية، فإذا قلت: قام الناس إلا زيدًا لم يخرج عن كونه كلامًا، ولكن خرج عن اقتضاء قيام جميعهم) (^١) إلى قيام ما عدا زيدًا. فعلمتَ بهذا أنَّ لإفادة: \"قام الناس\" للإخبار بقيام جميعهم شرطين:\nأحدهما: أن لا يبتدئه بما يخالفه.\nوالثاني: أن لا يختمه بما يخالفه.\nوله شرط ثالث أيضًا: وهو أن يكون صادرًا عن قصد، فلا (^٢) اعتبار بكلام الساهي والنائم.\nفهذه ثلاثة شروط لا بد منها، وعلى السامع التنبُّه لها، فوضح بهذا أنك لا (^٣) تستفيد قيام الناس من قوله: قام الناس، إلا بإطلاق هذا القول؛ فلذلك اشترطنا ما ذكرناه.\nفإن قلت: من أين لنا اشتراط ذلك واللفظ وحده كافٍ في ذلك؛ لأن الواضع وضعه لذلك.\nقلت: وَضْعُ الواضعِ له معناه: أنه جعله متهيئًا لأَنْ يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له على الوجه المخصوص، والمفيدُ في الحقيقة إنما هو المتكلم واللفظ كالآلة الموضوعة لذلك.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"ولا\".\n(^٣) في (ك): \"ما\".","vol":"3","page":488},{"text":"فإن قلت: لو سمعنا: قام الناس، ولم يُعْلَم مِنْ قائله هل قصده أوْ لا (أو هل (^١) ابتدأه أو ختمه بما يغيِّره أوْ لا - هل لنا أن نُخبر عنه بأنه قال: قام الناس أوْ لا) (^٢)؟\nقلت: فيه نظر، يحتمِل أن يُقال بجوازه؛ لأن الأصل عدمُ الابتداء والختمِ بما يغيِّره. ويحتمل أن يقال: لا يجوز؛ لأن العمدة ليس هو اللفظ، ولكن الكلام النفساني القائم بذات المتكلم وهو حُكْمه، واللفظ دليل عليه مشروطٌ بشروط ولم تتحقق. ويحتمل أن يقال: إنَّ العلم بالقصد لا بد منه؛ لأنه شرط، والشك في الشرط يقتضي الشك في المشروط، والعلم بعدم الابتداء والختم بما يخالفه لا يشترط؛ لأنهما مانعان، والشك في المانع لا يقتضي الشك في الحكم؛ لأن الأصل عدمه.\nواختار والدي أيّده الله أنه لا بد من أن يُعْلم الثلاثة، ويؤيده ما حكاه الرُّوياني (^٣) عن صاحب الحاوي فيما إذا قال الرجل لزوجته: طلقتك. ثم قال: سَبَق (^٤) لساني، وإنما أردت طَلَبْتُكِ - أن المرأة إنْ ظنت صدقه بأمارةٍ\n_________\n(^١) في (ك): \"وهل\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) هو عبد الواحد بن إسماعيل بن أحمد الرُّويانيّ - بضم الراء وسكون الواو، نسبةً لرُويان: مدينة بنواحي طبرستان - الطبريّ الشافعيّ. ولد سنة ٤١٥ هـ. كان يقول: \"لو احترقت كتب الشافعيِّ لأمليتُها مِنْ حفظي\". من مصنفاته: البحر، الفُرُوق، الحِلْية، وغيرها. قتلته الإسماعيلية سنة ٥٠٢ هـ. انظر: وفيات ٣/ ١٩٨، سير ١٩/ ٢٦٠، الطبقات الكبرى ٧/ ١٩٣.\n(^٤) في (ت): \"سبقني\".","vol":"3","page":489},{"text":"فلها أن تقبل قوله ولا تخاصمه (^١)، وأنَّ مَنْ عرف ذلك منه إذا عرف الحال يجوز أن يقبل قوله ولا يَشْهد عليه. قال الروياني: وهذا هو الاختيار. وهذه الأسْوِلة من إيرادي (في مجلس مُبَاحثةٍ على (الشيخ الإمام) (^٢) والدي) (^٣) والأجوبة له.\nقال: (لَمَّا مست الحاجة إلى (التعارف والتعاون) (^٤)، وكان اللفظ أفيدَ من الإشارة والمثالِ؛ لعمومه، وأيسَرَ؛ لأن الحروف كيفياتٌ تَعْرِض للنَّفَس الضروري - وُضِع بإزاء المعاني الذهنية لدورانه معها).\nيتعلق بالوضع أمور (^٥) ستة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>أحدها: سببه:</span>\nوقد خلق الله تعالى نوع الإنسان، وصيَّره محتاجًا إلى أمور لا يستقل بها، بل يفتقر إلى المعاونة عليها، ولا بد في المعاونة من الاطلاع على (^٦) مُضْمَرات النفوس، وذلك إما باللفظ، أو بالإشارة، أو بالمثال.\nقوله: \"وكان اللفظ\" هذا هو:\n_________\n(^١) لأن شَرْط إفادة القول ناقص، وهو القصد، فخرج عن كونه كلامًا مفيدًا. وقوله: ولا تخاصمه، أي: ولا تقيم الدعوى ضده عند القاضي.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) في (ك): \"على الشيخ الإمام في مجلس مباحثةٍ اتفق لي بين يديه\".\n(^٤) في (غ): \"التعاون والتعارف\".\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"3","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>الأمر الثاني: في الموضوع:</span>\nومِنْ لطف الله تعالى إحداثُ الموضوعات؛ لأنها أفيدُ هذه الثلاثة وأيسرها.\nأما كونها أفيدَ؛ فلأنها تعم كل شيء (^١) معلومٍ، موجودٍ ومعدومٍ، إلى غير ذلك، لإمكان وضع اللفظ بإزاء ما أُريد من تلك المعاني، بخلاف الإشارة فإنها مخصوصة بالموجودات المحسوسة، وبخلاف المثال: وهو أن نجعل لما في الضمير شَكْلًا، فإنه أيضًا كذلك؛ (لأنه يعسر) (^٢)، بل يتعذر أن يُجْعل لكل شيء (^٣) مثال يطابقه.\nوأما كونها أيسر؛ فلأنها موافقةً للأمر الطبيعي؛ لأن الحروف: كيفيات تَعْرِض للنَّفَس الضروري، ولا شك في أن الموافق للأمر الطبيعي أسهلُ من غيره\nقوله: \"وُضِع\" هذا هو (^٤):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>الأمر الثالث: الموضوع له:</span>\nوإذا ثبت ما ذكرناه فنقول: وُضِع اللفظ بإزاء المعاني الذهنية. وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: بل بإزاء الخارجية (^٥).\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٢) في (ص): \"لا يعسر\". وهو خطأ.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سقطت من (غ).\n(^٥) أي: المعاني الخارجية لا الذهنية. انظر: شرح اللمع ١/ ١٨٦، نفائس الأصول ١/ ٥٠٤.","vol":"3","page":491},{"text":"واستدل المصنف على الأول بدوران الألفاظ مع المعاني الذهنية؛ فإن من رأى شَبَحًا من بعيد واعتقده مثلًا حيوانًا مخصوصًا أطلق عليه اسم ذلك الحيوان. فإذا تغيَّر ذلك الاعتقاد باعتقاد آخر أطلق عليه بحسب ذلك الاعتقاد اسمًا آخر. وهذا الدليل (يدل أيضًا) (^١) على بطلان القول بأنها موضوعة بإزاء الخارجية؛ (لأنها لو كانت موضوعة بإزاء المعاني الخارجية) (^٢) لامتنع تسمية ذلك الشَّبَح بحيوان مخصوص، وقد عُرِف أن ذلك لا يمتنع مع عدم الشعور بكونه إنسانًا، ولكان يمتنع اختلاف الألفاظ عند عدم اختلاف الأمر الخارجي (^٣).\nوقد أجيب عن هذا الدليل: بأن هذا (^٤) الاختلاف إنما هو لاعتقاد أنها في الخارج كذلك، (لا لمجرد اختلافها في الذهن) (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"أيضًا يدل\".\n(^٢) في (ت)، و(ك)، و(غ): \"لأنها لو كانت موضوعة بإزائها\".\n(^٣) المعنى: أنه لو كان الموضوع له هو المعاني الخارجية - لامتنع اختلاف الألفاظ عند عدم اختلاف الأمر الخارجي. وهذا كما هو في المثال الذي ضربه، فلو فُرض أن المعنى الخارجي هو إنسان، فرآه الرائي شبحًا عن بُعْدٍ، فظنه بقرة، فقال: هذه بقرة، ثم اقترب وظن أنه ظبي، فقال: هذا ظبي، ثم اقترب منه فقال: هذا إنسان. فلو أن الألفاظ كانت مرتبطة بالمعاني الخارجية - لامتنع الاختلاف في تسمية هذا الشبح؛ لأنه في الخارج واحد. ولَمَّا جاز ذلك دَلَّ على أن المعاني الذهنية هي المعتبرة، وهي التي تتعلق بها الألفاظ.\n(^٤) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٥) في (ت): \"لا لمجرد اختلافها في الذهن، (من غير نظر إلى خصوصية ذهن) \". وهذه العبارة الزائدة تغني عنها التي قبلها، فلا حاجة لوضعها. وفي (غ) الزيادة هكذا: \"من غير نظر\".\n(^٦) هذا الجواب الذي أورده الشارح أورده سراج الدين الأرموي في التحصيل =","vol":"3","page":492},{"text":"قال: (ليُفِيد النِّسَب والمركبات (^١)، دون المعاني المفردة، وإلا فَيَدُور)،\nاللام في قوله: \"ليفيد\" متعلِّقةٌ (^٢) بقوله قبل ذلك: \"وضع\" وهذا هو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>الأمر الرابع: في فائدة الوضع:</span>\nفنقول: ليس الغرض مِنْ وضع الألفاظ المفردة أن يُفاد بها معانيها المفردة؛ لأن إفادتها لها متوقفة على العلم بها، ضرورة أن العلم بالنِّسْبة يستدعي العلم بالمنتسبَيْن (^٣)، فلو اسْتُفِيد العلم بها منها لزم الدور (^٤). بل الغرض منه التمكن من إفادة المعاني المركبة بتركيبها، والدور غير لازم هنا؛ إذ يكفي في (^٥) تلك الإفادة العلمُ بوضع تلك\n_________\n= ١/ ١٩٨، قال الإسنوي في نهاية السول ٢/ ١٦: \"وهو جواب ظاهر، ويظهر أن يقال: إن اللفظ موضوع بإزاء المعنى من حيث هو، أي: مع قطع النظر عن كونه ذهنيًا أو خارجيًا، فإن حصول المعنى في الخارج والذهن من الأوصاف الزائدة على المعنى، واللفظ إنما وضع للمعنى من غير تقييده بوصف زائد\". وهذا هو الذي نقله الشارح عن والده في جمع الجوامع. انظره مع شرح المحلي ١/ ٢٦٧، وانظر: فواتح الرحموت ١/ ١٨٢.\n(^١) في (ت): \"والتركيبات\".\n(^٢) في (ك): \"معلَّقة\".\n(^٣) وهما: المنسوب، والمنسوب إليه. فالمنسوب هنا هو المعاني المفردة، والمنسوب إليه هو الألفاظ المفردة. والنسبة: هي الوضع، أي: وَضْع ذلك اللفظ لذلك المعنى، أو نسبة ذلك المعنى لذلك اللفظ.\n(^٤) لأن إفادة الألفاظ للمعاني متوقفة على معرفة المعاني، فلو عرفنا المعاني من الألفاظ لزم الدور؛ لتوقف معرفة كل واحدٍ منهما على الآخر. انظر تعريف الدور في: التعريفات ص ٩٤.\n(^٥) في (ص): \"من\".","vol":"3","page":493},{"text":"الألفاظ المفردة، وانتسابُ بعضها إلى بعض بالنسبة المخصوصة، والحركات المختصة (^١).\nقال: (ولم يَثْبت تعيين الواضع، والشيخ زعم أنه تعالى وضعه ووقف\n_________\n(^١) المعنى: أن الغرض من وضع الألفاظ المفردة لمعانيها المفردة - هو التوصل بهذا الوضع إلى إفادة المعاني المركبة. لا يقال: إفادة المعاني المركبة موقوفة على الألفاظ المركبة، وأنها وضعت لتلك المعاني المركبة - فيلزم الدور هنا أيضًا؛ لأن إفادة الألفاظ المركبة لمعانيها المركبة متوقف على العلم بتلك المعاني المركبة، ضرورة أن العلم بالنسبة يقتضي العلم بالمنتسبَيْن، كما سبق بيانه في الألفاظ المفردة. لأنا نقول: إفادة المعاني المركبة ليس متوقفًا على الألفاظ المركبة، بل على الألفاظ المفردة، وأنها وضعت لمعانيها المفردة، والعلم بانتساب تلك الألفاظ المفردة بعضها إلى بعض بالنسب المخصوصة، والحركات المختصة لكل لفظ، فهذا نسبته إلى الغير أنه فاعل، والآخر مفعول، وحركة هذا الرفع، وذاك النصب، وهكذا. قال الإمام في المحصول ١/ ق ١/ ٢٦٩: \"لا نسلم أن الألفاظ المركبة لا تفيد مدلولها إلا عند العلم بكون تلك الألفاظ المركبة موضوعة لذلك المدلول (أي: ذلك المعنى).\nبيانه: أنا متى علمنا كون كلِّ واحدٍ من تلك الألفاظ المفردة موضوعًا لتلك المعاني المفردة، وعلمنا أيضًا كون حركات تلك الألفاظ دالة على النسب المخصوصة لتلك المعاني، فإذا توالت الألفاظ المفردة بحركاتها المخصوصة على السمع - ارتسمت تلك المعاني المفردة مع نسبة بعضها إلى بعضٍ في الذهن. ومتى حصلت المفردات مع نسبها المخصوصة في الذهن - حصل العلم بالمعاني المركبة لا محالة. فظهر أن استفادة العلم بالمعاني المركبة لا تتوقف على العلم بكون تلك الألفاظ المركبة موضوعة لها، والله أعلم\".\nوقد اختصر الإسنوى جواب الإمام بقوله: \"وأجاب في المحصول: بأنا لا نسلم أن إفادة المركب لمدلوله متوقفة على العلم بكون موضوعًا له (أي: لمدلوله)، بل على العلم بكون الألفاظ المفردة موضوعةً للمعاني المفردة، وعلى كون الحركات المخصوصة كالرفع وغيره دالةً على المعاني المخصوصة\". نهاية السول ٢/ ٢٢.","vol":"3","page":494},{"text":"عباده عليه (^١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (^٢). ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (^٣). ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ (^٤)؛ ولأنها لو كانت اصطلاحية لاحتاج (^٥) في تعليمها (^٦) إلى اصطلاح آخر، ويتسلسل؛ ولجاز التغيير فيرتفع الأمان عن الشرع.\nوأجيب: بأن الأسماء سِماتُ الأشياء وخصائصُها، أو ما سبق وَضْعُها، والذم للاعتقاد، والتوقيف يُعارضه الإقدار، والتعليم بالترديد والقرائنِ كما للأطفال، والتغييرُ لو وقع لاشْتَهَر.\nوقال أبو هاشم: الكل مُصْطَلح وإلا فالتوقيف: إما بالوحي فتتقدم البعثة وهي متأخرة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (^٧) (^٨)، أو بخَلْق علم ضروري في عاقل فَيُعَرِّفه تعالى ضرورةً فلا يكون مكلفًا (^٩)، أو في غيره وهو بعيد.\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٣١.\n(^٣) سورة النجم: الآية ٢٣.\n(^٤) سورة الروم: الآية ٢٢.\n(^٥) في (ص): \"لاحتيج\". وهو موافق لما في نهاية السول ٢/ ٢٢، والسراج الوهاج ١/ ٢٥١. فالمثبت موافق لما في المنهاج بشرح الأصفهاني ١/ ١٦٨.\n(^٦) في (ص): \"تعريفها\".\n(^٧) سورة إبراهيم: الآية ٤.\n(^٨) سقطت لفظة ﴿قَوْمِهِ﴾ من (ت).\n(^٩) في (ت): \"تكليفًا\".","vol":"3","page":495},{"text":"وأجيب: بأنه يُلهم (^١) العاقل بأن واضعًا وضعها، وإنْ سُلِّم لم يكن مكلَّفًا بالمعرفة فقط. وقال الأستاذ: ما وقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي، والباقي مصطلح).\nهذا الفصل باحث عن الواضع، وهو:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>الأمر الخامس:</span>\nفنقول: ذهب عَبَّاد بن سليمان الصيمري (^٢) ومَنْ وافقه إلى أن دلالة اللفظ على المعنى لمناسبة طبيعية بينهما، وهذا يحتمل وجهين:\nأحدهما: وهو الذي اقتضاه نقل الآمدي عنه، أن تلك المناسبة الطبيعية (حاملةٌ للواضع على الوضع (^٣). وهو أقل نكيرًا، ولا يمكن ادعاؤه في كل الألفاظ واللغات؛ إذ لو كان كذلك لما وقع المُشْتَرَك بين الضدين، ولَمَا اختلفت دَلالات الألفاظِ على معانيها باختلاف الأمم والأزمنة؛ إذ المناسبة الطبيعية لا تختلف باختلافهما (^٤).\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"ألهم\".\n(^٢) هو أبو سهل عباد بن سلمان بن علي البصريّ المعتزليّ، من أصحاب هشام بن عمرو.\nقال الذهبي: \"يخالف المعتزلة في أشياء اخترعها لنفسه\". من مصنفاته: إنكار أن يخلق الناسُ أفعالهم، تثبيت دلالة الأعراض، إثبات الجزء الذي لا يتجزأ. انظر: سير ١٠/ ٥٥١، الفهرست للنديم ص ٢١٥. ملاحظة: هكذا ورد اسمه في المرجعين: عباد بن سلمان.\n(^٣) انظر: الإحكام ١/ ٧٣، ولم يُصَرِّح الآمدي باسم عباد، بل قال: فذهب أرباب علم التكسير وبعض المعتزلة إلى ذلك\".\n(^٤) في (ص)، و(ت): \"باختلافها\".","vol":"3","page":496},{"text":"والثاني: وهو أعظم نكيرًا، أن تلك المناسبة الطبيعية وحدها كافيةٌ في كون تلك الألفاظ دالة على تلك المعاني، من غير احتياج إلى الوضع. وهو معلوم الفساد (^١» (^٢) وهو الذي اقتضاه نقل الإمام عنه (^٣).\nواحتج عباد: بأنه لو لم يكن بين الأسماء والمسميات مناسبةٌ بوجه ما لكان تخصيص الاسم المعيَّن بالمسمَّى المعيَّن ترجيحًا لأحد طرفي الجائز على الآخر من غير مرجح.\nوالجواب: أن الواضع إنْ كان هو الله تعالى كان تخصيص الاسم المعيَّن بالمسمى المعيَّن كتخصيص وجودِ العالم بوقتٍ مقدَّرٍ دون غيره. وإنْ كان الناس فيحتمل أن يكون السبب حضور ذلك اللفظ بالبال في ذلك الوقت دون غَيره.\nوإذا بطلت المناسبة الطبيعية) (^٤)، وظهر أنَّ مستند تخصيص بعض الألفاظ ببعض المعاني إنما هو الوضع الاختياري - حان النظر في الكلام في الواضع، وفيه كلامُ الكتاب.\nفالواضع إنْ كان هو الله تعالى: فهو مذهب الشيخ أبي الحسن ومَنْ وافقه، وهو المسمى بالتوقيف.\nوإن كان هو العبد: فهو مذهب أبي هاشم، وهو المسمّى بالاصطلاح\n_________\n(^١) لأنه يلزم منه أن المناسبة الطبيعية هي الواضع، وهذا واضح الفساد.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٢٤٣، ٢٤٤.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"3","page":497},{"text":"والتواطؤ.\nوإنْ كان منهما: فإما أن يكون ابتداء الوضع من الله، والباقي من العبد، وهو رأي الأستاذ أبي إسحاق.\nأو العكس، وهو مذهب ضعيف لم يَذْكُرْه في الكتاب.\nوأما جمهور المحققين كالقاضي فمَنْ (^١) بعده فقد توقفوا في الكل، وقالوا بإمكان كل واحدٍ من هذه الاحتمالات الأربعة، وهو الذي اختاره في الكتاب، حيث قال: \"ولم يثبت تعيين الواضع\".\nوقال ابن الحاجب: \"الظاهر (^٢) قول الأشعري\" (^٣). ومعنى هذا: القولُ بالوقفِ (^٤)؛ لعدم القطع بواحد من هذه الاحتمالات، وترجيح (^٥) مذهب الأشعري بغلبة الظن.\nوقد كان بعض الفقهاء (^٦) يقول: إنَّ هذا الذي قاله (^٧) ابن الحاجب مذهب لم يقل به أحد؛ لأن العلماء في المسألة بين متوقف وقاطع بمقالته،\n_________\n(^١) في (ك): \"ومن\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: بيان المختصر ١/ ٢٧٨.\n(^٤) أي: معنى قول ابن الحاجب: بأن الظاهر مذهب الأشعري، هو القول بالوقف. فمرد مذهب ابن الحاجب إلى الوقف.\n(^٥) في (ص): \"ويرجح\".\n(^٦) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"الضعفاء\".\n(^٧) في (ك): \"قال\".","vol":"3","page":498},{"text":"فالقول بالظهور لا قائل به.\nوهذا ضعيف؛ فإنَّ المتوقِّف لعدم قاطعٍ قد يرجِّح بالظن، ثم إنْ كانت المسألة ظنية اكتُفي في العمل بها بذلك الترجيح، وإلا تُوقف عن العمل بها (^١).\nوقد احتج الشيخ رضوان الله عليه بأوجه:\nالأول: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (^٢) الآية دلت على أن (^٣) التعليم من الله تعالى، وإذا ثبت هذا في الأسماء ثبت أيضًا في الأفعال والحروف؛ لأنه لا قائل بالفرق؛ ولأن التكلم بالأسماء وحدها متعذر فلا بد مع تعليم الأسماء مِنْ تعليم الأفعال والحروف؛ (ولأن الاسم إنما سُمِّي اسمًا لكونه علامةً على مُسمَّاه، والأفعال والحروف) (^٤) كذلك، فهي أسماء، وأما تخصيص لفظ الاسم ببعض الأقسامُ فهو اصطلاح مُحْدَث للنحاة واللغويين (^٥).\n_________\n(^١) اعتبر الآمدي رحمه الله تعالى المسألة ظنية، ورجَّح مذهب الأشعري رحمه الله تعالى بالظهور. قال في الإحكام ١/ ٧٥: \"والحق أن يقال: إن كان المطلوب في هذه المسألة يقين الوقوع لبعض هذه المذاهب - فالحق ما قاله القاضي أبو بكر؛ إذ لا يقين من شيءٍ منها على ما يأتي تحقيقه. وإن كان المقصود إنما هو الظن، وهو الحق - فالحق ما صار إليه الأشعري؛ لما قيل من النصوص، لظهورها في المطلوب\". وعلى هذا فقول ابن الحاجب سبقه به الآمدي، رحمهما الله تعالى.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٣١.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) يعني: لما كانت الأفعال والحروف علامات على مسمياتها، فهي أيضًا من هذه =","vol":"3","page":499},{"text":"الثاني: قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (^١) ذمهم على تسمية بعض الأشياء (^٢) بما سَمَّوها به من تلقاء أنفسهم، فلولا التوقيف في كلِّها لما استحقوا الذمَّ بذلك (^٣).\nولِقائل أنْ يقول في الاستدلال بهذا اعتراف بكون البعض اصطلاحًا (^٤) (^٥).\nالثالث: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (^٦) ولا يجوز أن يكون المراد اختلاف تأليفات الألسنة وتركيبها؛ لأن ذلك في غير الألسن أبلغ وأكمل، فلا يفيد تخصيص الألسنة بالذكر، فبقي أن يكون المراد اختلاف اللغات: إما بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، أو إطلاق اسم العلة على المعلول، أو اسم المحل\n_________\n= الجهة أسماء، وهو يشير بهذا إلى أن قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ ليس المراد بها الأسماء الاصطلاحية، بل المراد بها العلامات على مسمياتها، وهذا شامل للاسم والفعل والحرف.\n(^١) سورة النجم: الآية ٢٣.\n(^٢) في (ص): \"الأسماء\".\n(^٣) قال الإسنوى في توجيه الدليل: \"فثبت التوقيف في البعض المذموم عليه، ويلزم من ذلك ثبوته في الباقي، وإلا يلزم فساد التعليل بكونه ما أنزله\". نهاية السول ٢/ ٢٣.\n(^٤) في (ك)، و(غ): \"اصطلاحيًا\".\n(^٥) لأنه قال في الآية: ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ فدل هذا على أن البعض اصطلاح من العباد، غاية ما في الأمر أنها تسمية لم يأذن الله تعالى بها، فَذَمَّها من جهة عدم الإذن، وهذا يفيد أن التسمية من العبد إذا وقعت مع الإذن فلا حرج فيها.\n(^٦) سورة الروم: الآية ٢٢.","vol":"3","page":500},{"text":"على الحال، وحينئذ فلولا أنها توقيفية لما امتن علينا بها.\nالرابع: أنها لو كانت اصطلاحيةً لاحتاج الواضع في تعليمها إلى اصطلاح آخر بَيْنه وبين مَنْ يُعلِّمه، ثم إنَّ الفرض أنَّ ذلك الطريق أيضًا لا يفيد لذاته، فلا بد من اصطلاح آخر؛ ويلزم التسلسل (^١).\nولقائل أنْ يقول: هذا الدليل يُبْطل مذهب أبي هاشم، ولا يُثْبِت مذهب الشيخ (^٢).\nالخامس: وهو كالرابع، أنها لو كانت اصطلاحية لجاز التغيير؛ إذ لا حَجْر في الاصطلاح، وحينئذ يرتفع الوثوق عن الشرع، فإن كل لفظ شرعي نستعمله في معنى جاز والحالة هذه أن يكون مستعملًا في عهد النبي - ﷺ - في غير ذلك المعنى (^٣).\nوأجاب في الكتاب عن الوجه الأول: بأن المرادَ من الأسماء في قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ (^٤) علاماتُ الأشياء (^٥)\n_________\n(^١) لأنه لما لم يفد الاصطلاح الأول معناه بذاته؛ لكون السامع خال الذهن عن دلالة ذلك الاصطلاح - لم يفد الاصطلاح الثاني معناه بذاته أيضًا؛ لأنه لا فرق بين الاصطلاحين في خلو الذهن عن دلالة الاصطلاح على معناه، ويلزم من هذا التسلسل، وهو أن كل اصطلاح يحتاج إلى اصطلاح يُبَيِّنه وهكذا.\n(^٢) أي: هذا الدليل يبطل الاصطلاح، ولا يثبت التوقيف. وكذا قال الإسنوي في نهاية السول ٢/ ٢٤.\n(^٣) لأن الاصطلاح يتغير من زمانٍ إلى آخر.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٣١.\n(^٥) في (غ): \"للأشياء\".","vol":"3","page":501},{"text":"وخصائصُها، فيعلِّمه مثلًا أنَّ الخيل تصلح للكَرِّ والفَرِّ، والجمال للحَمْل، والثيران للزرع، وهذا لأن الاسم مشتق من السِّمَة أو من السُّمُو (^١)، وعلى كل تقدير فكل ما يُعرِّف ماهيةً، ويكشِف عن حقيقةٍ - يكون اسمًا، وتخصيص الاسم بهذه الألفاظ عُرْف حادث. ولو سلَّمنا أن المراد بالأسماء ما ذكرتم فلا يلزم التوقيف؛ إذ من الجائز (أن تكون الأسماء) (^٢) التي علمها الله لآدم قد وضعتها (^٣) طائفة مخلوقةٌ قبله.\nوفي هذين الجوابين نظر:\nأما الأول فإنه خلاف الظاهر؛ إذ الظاهر من الأسماء الألفاظ.\nوأما الثاني فالأصل عدم استعمالٍ سابق.\nومنهم مَنْ أجاب بجواب آخر: وهو أن المراد من التعليم أنه تعالى ألْهمه الاحتياج إلى هذه الألفاظ، وأعطاه من العلوم ما لأجله قَدَر على الوضع. قال الإمام: \"وليس لأحد أن يقول: التعليم: إيجاد العلم، بل التعليم: فعلٌ صالحٌ لأن يترتب عليه حصول العلم؛ ولذلك يقال: علَّمته (^٤) فلم يتعلم\" (^٥).\n_________\n(^١) السِّمة: العلامة. والسمو: العلو والرفعة، فهو علامة على المسمى، أو هو تنويه ورِفْعة له. والأول هو مذهب الكوفيين، والثاني مذهب البصريين. انظر: المصباح المنير ١/ ٣١٠، ٢/ ٣٣٦، لسان العرب ١٤/ ٤٠١، مادة (سما، وسم).\n(^٢) في (ص): \"أن يكون من الأسماء\".\n(^٣) في (غ): \"وضعها\".\n(^٤) في (ت): \"علمه\".\n(^٥) المحصول ١/ ق ١/ ٢٥٦.","vol":"3","page":502},{"text":"وهذا أيضًا خلاف الظاهر؛ إذ الظاهر من التعليم (الإيجاد دون الإلهام) (^١) (^٢). قال بعضهم: وأصل التفعيل لإثبات أثر الثلاثي المشتق منه، يقال: سودتُه فتسود، وقول الإمام: يقال: علمتُه فلم يتعلم - ممنوع (^٣).\nقلت: وهذا المنع غير منقدح، وقد كان الإمام علاء الدين الباجي، يقول: لو لم يصح: علَّمتُه فما تعلم - لما صح: علَّمتُه فتعلم؛ لأنه إذا كان التعليم يقتضي إيجاد العلم وهو علة فيه، فمعلوله وهو التعلم (^٤) يوجد معه بناءً على أن العلة مع المعلول، والفاء في قولنا: فتعلم - تقتضي تعقيبَ التعلم (^٥). وإنْ قلنا: إن المعلول يتأخر، فنقول: لا فائدة قي قولنا: فتعلم؛\n_________\n(^١) في (ص): \"الإيجاد الأول للإلهام\". وهو خطأ.\n(^٢) المعنى: أن القائلين بأن المراد بالتعليم في الآية هو أن الله تعالى ألهم آدم ﵇ الاحتياج إلى هذه الألفاظ، وأعطاه العلوم والقدرة على الوضع، بنوا هذا التفسير على معنى التعليم، وأن معناه: هو الفعل الصالح لأن يترتب عليه حصول العلم، وهو هنا إلهام الله تعالى لآدم أن يضع اللغة، وتمكينه من ذلك، وإعطاؤه القدرة عليه حتى حَصَل عن تلك القدرة العلمُ باللغة. هذا ما قاله الرازي. وردَّ عليه الشارح بأن تفسير التعليم بما ذكر خلاف الظاهر؛ إذ الظاهر من التعليم إيجاد العلم، لا الإلهام.\n(^٣) يعني: أن الفعل علَّم (وهو على وزن فَعَّل، ومصدره تفعيل) مشتقٌ من الثلاثي عَلِم. ومعنى التفعيل: إثباتُ أثر الثلاثي، فعلَّمتُه معناه: أتبتُّ فيه العلم، فقول الإمام: عَلَّمتُه فلم يتعلَّم، غير صحيح؛ لأن قوله: علمتُّه - يعني: أثبتُّ فيه العلم، فهذا الإثبات ينافيه قوله: لم يتعلَّم. انظر: معاني فَعَّل في شذا العرف ص ٤٣، ٤٤.\n(^٤) في (ص): \"التعليم\". وهو خطأ.\n(^٥) يعني: أن التعلم جاء بعد التعليم، وهذا ينافي كون العلم معلول للتعليم؛ إذ المعلول مقارن لعلته، والفاء تفيد معنى التعقيب بأن التعلم بعد التعليم، فيكون بين =","vol":"3","page":503},{"text":"لأن التعلُّم قد فُهِم من قولنا: علمتُه. فوضح أنه لو لم يصح: علمتُه فما تعلم - لكان إما أن لا يصح: علمتُه فتعلم، بناءً على أن العلةَ مع المعلول، أوْ لا يكون في قولنا: فتعلَّم - فائدة، بناءً على تأخر المعلول.\nفإنْ قلت: أليس أنه لا يقال: كَسَّرتُه فما انكسر، فما وجه صحة قولنا مع ذلك: علَّمتُه فما تعلم؟\nقلت: فَرَّق والدي أحسن الله إليه بينهما: بأن العلم في القلب من الله يتوقف على أمورٍ من المعلِّم ومن المتعلم، فكأن (^١) علَّمتُه موضوعًا للجزء الذي من المعلِّم فقط؛ لعدم إمكان فعلٍ من المخلوق يحصل به العلم ولا بد، بخلاف الكسر فإنَّ أثره لا واسطة بينه وبين الانكسار (^٢). وهو جواب دقيق.\nوالإنصاف أن هذه ظاهرة فيما ادعاه الشيخ (^٣)، فالمتوقف (إنْ\n_________\n= الكلامين منافاة: علَّمته (أي: أثبت فيه العلم، فالعلم ثابت مع التعليم) فتعَلَّم (وهذا يفيد بأن التعلم حصل بعد التعليم)، فكما لا يصح: علمته فلم يتعلم، كذلك لا يصح: علمته فتعلم، والتنافي في الأول من جهة النفي والإثبات، وفي الثاني من جهة التعقيب وعدمه.\n(^١) في (ص): \"وكأن\": و(المكتوب في (ت)، و(غ)، و(ك): \"فكان\". وفي (ص): \"وكأن\". ولكن النسخ المخطوطة كثيرًا ما تهمل التنقيط ووضع الهمز. فيتعين فيها تقدير الهمز، والله أعلم).\n(^٢) لأن الكسر لا يحتاج إلا إلى فِعْل المكسِّر، وليس هناك أمرٌ ثاني.\n(^٣) يعني: والإنصاف أن هذه الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ظاهرة فيما ادعاه الشيخ أبو الحسن الأشعري من التوقيف، لا قطعية فيه.","vol":"3","page":504},{"text":"توقف) (^١)؛ لعدم (^٢) القطع - فهو مصيب. وإن ادَّعى عدم الظهور فغير مصيب (^٣). هذا هو الحق الذي فاه به جماعة من المتأخرين منهم الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد - ﵁ - في \"شرح العنوان\" (^٤).\nوأجاب (^٥) عن الثاني: وهو التمسك بقوله: ﴿مَا أنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (^٦): بأنا لا نسلم أنه ذمهم على تسميتهم بعضَ الأشياء، إنَّما ذمهم على اعتقادهم كونها آلهة. وإليه أشار بقوله: \"والذم للاعتقاد\".\nوعن الثالث: وهو التمسك بقوله: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ (^٧): بأنه إذا انتفت الحقيقة وهي أن يكون المراد بها (^٨) الجارحة، وثبت العدول إلى المجاز (^٩) - فليس صَرْفُكَ إياه إلى اللغات أولى مِنْ صرفنا إياه إلى الإقدار (^١٠)\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ك): \"بعدم\".\n(^٣) يعني: أن مَنْ توقف عن قولٍ من الأقوال في تحديد مَنْ هو الواضع؛ لعدم القطع في أحدٍ من تلك الأقوال - فتوقفه صحيح، وهو مصيب في هذا. وإنْ توقف لعدم ظهور أحد الأقوال على غيرها - فهو غير مصيب.\n(^٤) سبق النقل أن هذا هو رأي الآمدي ﵁.\n(^٥) أي: المصنف.\n(^٦) سورة النجم: الآية ٢٣.\n(^٧) سورة الروم: الآية ٢٢.\n(^٨) في (ت): \"أنها\".\n(^٩) وهي: اللغات.\n(^١٠) في (ك): \"الاقتدار\".","vol":"3","page":505},{"text":"على اللغات، أو مخارجِ اللغات. وإليه أشار بقوله: \"والتوقيف (^١) يعارضه الإقدار (^٢) \" (^٣).\nولقائل أن يقول: مجاز المستدل أولى؛ لأنه أقل إضمارًا، وما ذكرتموه يلزم منه كثرة الإضمار، أو الإضمار والمجاز معًا؛ إذ يصير تقدير الآية: واختلاف اقتدار ألسنتكم باللغات، أو: اختلاف اقتداركم باللغات، على أنه أطلق اللسان وأراد الاقتدار، كما في إطلاق اليد وإرادة القدرة، فعلى الأول يلزم كثرة الإضمار، وعلى الثاني يلزم المجاز والإضمار معًا. وأما على ما ذكره الشيخ فلا يلزم إلا (^٤) الإضمار الذي هو أقل من إضماركم؛ لأنه يصير تقدير الآية على ما ذكره: واختلاف لغات ألسنتكم فكان أولى (^٥). فإن قلت: لعله مِنْ إطلاق اسم (^٦) العلة على المعلول، أو المحل على الحال، كما ذكرتم في تقرير الاستدلال.\nقلت: حينئذ يقع التعارض بين الإضمار والمجاز، والمجاز\n_________\n(^١) في (غ): \"التوقف\".\n(^٢) في (ك): \"الاقتدار\".\n(^٣) يعني: إن استدل القائلون بالتوقيف بالآية، متأولين معنى الألسن بالمعنى المجازي فللمخالفين أن يعارضوهم في هذا التأويل ويقولون: المراد بالألسن في الآية الإقدار على اللغات أو مخارجها، فلا تكون الآية - على هذا التفسير - متعرضة للواضع من هو؟\n(^٤) سقطت من (ت)، (ك).\n(^٥) لأن الإضمار هنا لكلمة واحدة، وهي اللغات.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"3","page":506},{"text":"أولى (^١). قال صفي الدين الهندي: \"والأولى أن يجاب: بأنا لا نسلم أن اختلاف اللغات إنما يكون آية أن لو كانت اللغات توقيفية، وهذا لأن واضعها وإن كان هو العبد فهي مخلوقة لله تعالى على مذهب أهل الحق في أفعال العباد\" (^٢).\nوأجاب المصنف عن الرابع: بأنا لا نسلم أنه يحتاج (^٣) في تعليمها إلى اصطلاح آخر، بل يحصل العلم بترديد اللفظ: وهو تكراره مرة بعد أخرى، مع القرائن كالإشارة إلى المسمَّى ونحوها، وبهذا الطريق تعلمت الأطفال. ولو سلَّمنا ذلك فما ذكرتم من الدلالة لا يقتضي أن جميعها بالتوقيف كما تدعون، بل بعضها؛ لأنه يمكن تعريف ما هو بالاصطلاح بذلك البعض كما هو قول الأستاذ.\nوعن الخامس: بأنا لا نسلم ارتفاع الأمان عن الشرع، فإن التغيير لو وقع لاشتهر لكونه من مهمات الأمور.\nوأما أبو هاشم فقد احتج على مذهبه: بأنها لو لم تكن اصطلاحية لكانت توقيفية، أو البعض والبعض؛ لعدم الواسطة بينهما. والقول بالتوقيف باطل مطلقًا، فثبت كونها اصطلاحية. وإنما قلنا ببطلان التوقيف؛\n_________\n(^١) المعنى: أن رأي الشيخ أبي الحسن أرجح بكل حال؛ لأننا لو أوَّلنا الآية بالإضمار - كما هو رأي المخالف - فإضماره أقل. ولو أوّلنا الآية بالمجاز - كما هو رأي الشيخ - فيقع التعارض بين التأويل بالمجاز والتأويل بالإضمار، والمجاز أولى، فيكون رأي الشيخ بالتوقيف هو الراجح ..\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ١/ ٨٧.\n(^٣) في (ك): \"محتاج\".","vol":"3","page":507},{"text":"لأنه إما أن يكون بالوحي، أو بخلق علم ضروري في عاقل أو في غير عاقل، والكل باطل.\nأما الأول: فلاقتضائه تقدم البعثة (على اللغة) (^١) وهي متأخرة عنها؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ (^٢).\nوأما الثاني: فلأنه اقتضى أن لا يكون ذلك العاقل مكلَّفًا؛ لأنه إذا علم بالضرورة أنه تعالى وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى - فلا بد وأن يعرف الله تعالى ضرورةً، وإذا عَرَفه ضَرورةً لم يكن مكلَّفًا بالمعرفة لحصولها.\nوأما الثالث: فبعيد جدًا أن يصير غير العاقل عالمًا بهذه الكيفيات العجيبة.\nوالجواب: أنه يجوز أن يكون الله تعالى ألهم العاقل بأنَّ واضعًا ما وضع هذه الألفاظ بإزاء هذه المعاني، لا أن الله تعالى هو الواضع حتى يلزم عدم التكليف. ولو سلَّمنا ما ذكرتم فإنما يلزم رفع التكليف بالمعرفة لا رفع التكليف مطلقًا (^٣).\nوهذا الجواب ضعيف؛ لأن معرفة الله تعالى واجبة قطعًا، والتوقيف بخلق العلم الضروري مستبعد؛ لكونه خلاف المعتاد، فالأولى في الجواب أن يقال: إنه حصل بطريق الوحي، ولا (^٤) يلزم ما ذكره؛ لأن الآية وإنْ دلت\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سورة إبراهيم: الآية ٤.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ك): \"فلا\".","vol":"3","page":508},{"text":"على تقدم اللغة على بعثة الرسل بالرسالة - فلا تدل على ما تقدمها (^١) على بعثة الأنبياء، فيجوز تقدم نبوة آدم وإيحاء اللغات إليه، ثم إنَّ آدم ﵇ يُعَلِّمها لغيره، ثم يُرْسل إليهم باللسان الذي تعلموه منه.\nوأما الأستاذ فذكر في الكتاب مقالتَه مجرَّدة عن الدليل؛ لإمكان استخراج دليله من حجج الفريقين بأن يقال: إذا بطل التوقيف والاصطلاح في الكل - تعين (أن يكون) (^٢) البعض والبعض، وحينئذ (^٣) فنقول: القدر الذي يقع به التنبيه إلى الاصطلاح توقيفي وإلا يلزم التسلسل؛ لاحتياج التعليم في كل اصطلاح إلى اصطلاحٍ سابق عليه، وأما الباقي فمصطلح. وجوابه: يُعْلم مما (^٤) سبق.\nوبتقرير الأجوبة عن أدلة الجازمين يتعين الوقف الذي اختاره صاحب الكتاب.\nوقد يقال بظهور فائدة الخلاف في هذه المسألة في جواز قلب اللغة (^٥)، فعند الشيخ لا يجوز دون القائلين بالاصطلاح. وبنى بعضهم على الخلاف فيها ما إذا عقد (^٦) صداقًا في السر وصداقًا في العلانية المسألة\n_________\n(^١) في (ك): \"تقدمها\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ص)، و(ك): \"فحينئذٍ\".\n(^٤) في (ت): \"بما\".\n(^٥) يعني: قلب استعمالات الألفاظ لغير معانيها المعروفة.\n(^٦) في (ص): \"اعتقد\". وهو خطأ.","vol":"3","page":509},{"text":"المشهورة (^١)، ويلتحق بذلك ما إذا استعملا لفظ المفاوضة وأرادا شركة العِنان حيث نَصَّ الشافعي على جوازه (^٢).\n_________\n(^١) قال الإسنوي رحمه الله تعالى مبينًا وجه انبناء هذه المسألة على مسألة الواضع: \"إذا علمت هذا فمن فروع المسألة: المعروفة بمهر السر والعلانية، وهي ما إذا تزوج الرجل امرأة بألفٍ وكانا قد اصطلحا على تسمية الألف بألفين (يعني يُطْلق لفظ الألف في العقد، ويراد به ألفان، فالألْف اسم للألفين) فهل الواجب ألف، وهو ما يقتضيه الاصطلاح اللغوي؟ أو ألفان نظرًا إلى الوضع الحادث؟ فيه خلاف، والصحيح اعتبار اللغة\". التمهيد ص ١٣٨.\nفائدة: قال في شرح المحلي على المنهاج النووي: (ولو توافقوا على مهرٍ سرًا وأعلنوا زيادة - فالمذهب وجوب ما عُقِد به) فإن عقد سرًا بألف ثم أعيد العقد علانية بألفين تجملًا فالواجب ألف. وإن توافقوا سرًا على ألف من غير عقد، ثم عقد علانية بألفين - فالواجب ألفان. وعلى هاتين الحالتين حُمِل نص الشافعي في موضعٍ على أن المهر مهر السر، وفي آخَرٍ على أنه مهر العلانية. . . ثم المعتبر توافق الولي والزوج، وقد يحتاج إلى مساعدة المرأة. اهـ. انظر إلى الشرح المذكور مع حاشيتي قليوبي وعميرة ٣/ ٢٨١، وانظر: نهاية المحتاج ٦/ ٣٣٩.\n(^٢) انظر نص الشافعي في الأم ٣/ ٢٣١، وفي تحفة المحتاج ٥/ ٢٨٢: (وشركة المفاوضة) بفتح الواو من تفاوضًا في الحديث: شَرَعا فيه جميعًا، أو مِنْ قوم فوضى، أي: مستوين (ليكون بينهما كسبُهما) ببدن أو مالٍ من غير خلط (وعليهما ما يعرض من غُرم) بنحو غصب، أو إتلاف. وهي باطلة أيضًا؛ لاشتمالها على أنواع من الغرر فيختص كل بما كسبه. اهـ مع اختصار يسير. قال في نهاية المحتاج زيادة على ما في التحفة: \"نعم لو نويا هنا شركة العنان وثَمَّ مالٌ بينهما صَحَّت\". نهاية المحتاج ٥/ ٣. وفي التحفة أيضًا ٥/ ٢٨٣: (وشركة العنان). . . وسيعلم أنها: اشتراكهما في مالٍ لهما ليتجرا فيه (صحيحه) إجماعًا؛ ولسلامتها من سائر أنواع الغرر. من عنان الدابة؛ لاستوائهما في التصرف وغيره، كاستواء طرفي العنان. أو لمَنْع كلِّ الآخر مما يريد =","vol":"3","page":510},{"text":"والحق أن بناء المسألتين على هذا الأصل غير صحيح؛ فإن هذا الأصل في أن هذه اللغات الواقعة بين أظهرنا هل هي بالاصطلاح أو التوقيف؟ لا في شخص خاص اصطلح مع صاحبه على إطلاق لفظ الثوب على الفرس (^١)، أو الألْف على الألْفين مثلًا (^٢) (^٣).\nقال: (وطريق معرفتها النقل المتواتر، والآحاد، (واستنباط العقل) (^٤) من النقل، كما إذا نُقل أنَّ الجمعَ المعرَّف باللام يدخله الاستثناء، وأنه إخراج بعض ما يتناوله اللفظ فيحكم بعمومه، وأما العقل الصِّرْف (^٥) فلا يجدي).\nهذا هو: الأمر السادس: في بيان كيفية الطريق إلى (^٦) معرفة وضع\n_________\n= كمَنْع العنان للدابة. أو مِنْ عَنَّ: ظهر؛ لظهورها بالإجماع عليها. أو مِنْ عنان السماء، أي: ما ظهر منها، فهي على غير الأخير بكسر العَيْن على الأشهر، وعليه بفتحها. اهـ. وانظر: نهاية المحتاج ٥/ ٤، شرح المحلي على المنهاج ٢/ ٣٣٣. وهذه المسألة الفرعية مبنية على أنه هل يجوز قلب اللغة أو لا؟ فمن لا يجوِّز وهم القائلون بالتوقيف يلزمهم منع استخدام المفاوضة بمعنى العنان، ومَنْ يجوز قلب اللغة يجوز هذا بناءً على أن اللغة كلها اصطلاحية. هذا على افتراض انبناء هذه المسألة على القاعدة المذكورة.\n(^١) هذا إشارة إلى مسألة المفاوضة والعنان، وأنهما لفظان مختلفان، هل يصح إطلاق أحدهما على الآخر، كإطلاق الثوب على الفرس؟ .\n(^٢) هذا إشارة إلى مسألة الصداق، وأنه هل يصح أن يريد بالألف ألفين؟\n(^٣) انظر: البحر المحيط ٢/ ٢٤٦.\n(^٤) في (غ): \"والاستنباط للعقل\".\n(^٥) أي: الخالص. المصباح ١/ ٣٦٣، مادة (صرف).\n(^٦) في (ك): \"في\".","vol":"3","page":511},{"text":"الألفاظ لمعانيها:\nوذلك بطريق الحَصْر: إما النقل الصِّرف، أو العقل الصرف، أو المركب منهما.\nالأول: النقل: وهو إما متواتر، أو آحاد.\nالأول: المتواتر: كالسماء؛ والأرض، والحر، والبرد. وهو مفيد للقطع.\nوالثاني (^١): الآحاد: كالقرء (^٢)، ونحوه. وهو (^٣) مفيد للظن.\nالثاني: العقل الصِّرْف: قال في الكتاب: \"وهو لا يجدي\" (^٤) أي: لا ينفع؛ إذ لا مجال للعقل في معرفة الموضوعات اللغوية.\nالثالث: المركب منهما: كما إذا نُقل إلينا أن الجمع المُعَرَّف بالألف واللام يجوز أن يدخله الاستثناء، ونُقِل إلينا أن الاستثناء: إخراج بعض (^٥) ما يتناوله اللفظ - فإن العقل يدرك بذلك أن الجمع المُحَلَّى بالألف واللام للعموم.\nوقد بلغنا أن الإمام العلامة زين الدين بن الكتناني (^٦) ﵀ اعترض\n_________\n(^١) في (ص): \"الثاني\".\n(^٢) في (ص)، و(ت): \"كالفرس\"، وهو تصحيف؛ إذ الفرس يدخل في المنقول بالتواتر.\n(^٣) في (ك): \"فهو\".\n(^٤) في (ت): \"فلا يجدي\".\n(^٥) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٦) هو عمر بن أبي الحرم بن عبد الرحمن بن يونس، الشيخ زين الدين بن الكَتْنانِيّ، الفقيه الأصوليّ، شيخ الشافعية. ولد سنة ٦٥٣ هـ. قال ابن السبكي: \"وكان قد =","vol":"3","page":512},{"text":"على التمثيل بهذا، وقال: هاتان المقدمتان نقليتان، وإذا تركب الدليل من مقدمتين نقليتين لم يصح أن يقال: إنه مركب من العقل والنقل. وهذا عجيب (^١)؛ فإنه لولا العقل لما صح الاستنتاج من المقدمتين النقليتين، وتركيبُهما على الوجه المُنْتِج، وبيانُ صحة الإنتاج (^٢) مِنْ فعل العقل، والجزء الصوري (^٣) للقياس عقلي (^٤).\n_________\n= وَلَع في آخر عمره بمناقشة الشيخ محيي الدين النوويّ، وأكثر من ذلك، وكتب على \"الروضة\" حواشِيَ وقف والدي - أطال الله عمره - على بعضها، وأجاب عن كلامه\". توفي سنة ٧٣٨ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ١٠/ ٣٧٧، الدرر ٣/ ١٦١.\n(^١) في (ت): \"عجب\".\n(^٢) أي: صحة نتيجة القياس.\n(^٣) وهو التركيب مِنْ مقدمة صغرى وكبرى.\n(^٤) انظر مسائل فصل الوضع في: المحصول ١/ ق ١/ ٢٤٣ - ٢٩٧، التحصيل ١/ ١٩٤ - ١٩٩، الحاصل ١/ ٢٧٤ - ٢٩٥، الإحكام ١/ ٧٣، نهاية السول ٢/ ١١ - ٣٠، السراج الوهاج ١/ ٢٤٣ - ٢٥٩، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٦١ - ٢٦٧، ٢٦٩ - ٢٧١، نهاية الوصول ١/ ٧٥ - ١١٥، تيسير التحرير ١/ ٤٩ - ٥٦، فواتح الرحموت ١/ ١٧٧ - ١٨٥، بيان المختصر ١/ ٢٧٥ - ٢٨٦، المسودة ص ٥٦٢ - ٥٦٤.","vol":"3","page":513},{"text":"الفصل الثاني: تقسيم الألفاظ","vol":"3","page":515},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-239>(الفصل الثاني: في تقسيم الألفاظ</span>.\nدلالة اللفظ على تمام مسماه مطابقة، وعلى جزئه تضمن، وعلى لازمه الذهني التزام).\nتقسيم دلالة اللفظ (تقسيمٌ لِلَّفظ) (^١)؛ فلذلك صح ذكر تقاسيم دلالة الألفاظ في فصل تقاسيم الألفاظ (^٢) والدلالة معنى يعرض للشيء بالقياس إلى غيره (^٣)، ومعناه: كون الشيء يلزم مِنْ فَهْمِه فهمُ شيءٍ آخر (^٤) (^٥). وهي تنقسم إلى لفظية، وغير لفظية. وغير اللفظية: قد تكون\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \"وإنما قلنا: إن تقسيم الدلالة تقسيم للألفاظ؛ لأن كلامه في الدلالة اللفظية، ويلزم من تقسيم الدلالة اللفظية إلى الثلاث تقسيم اللفظ الدال بالضرورة، فاندفع سؤال مَنْ قال: كلام المصنف في تقسيم الألفاظ فكيف انتقل إلى تقسيم الدلالة\". نهاية السول ٢/ ٣٠.\n(^٣) أي: بالقياس إلى المدلول. فمثلًا لفظ إنسان معناه: حيوان ناطق، فكون لفظ إنسان دالًا على معناه هذا هو المعنى العارض، لأن لفظ إنسان لا يدل بذاته من غير اصطلاحِ الواضع، فتخصيص الواضع لهذا اللفظ بذلك المعنى - هذا معنى عارض للفظ، وهو جعله دالًا على ذلك المعنى.\n(^٤) هذا هو تعريف الدلالة. وكذا هو في نهاية السول ٢/ ٣١، وشرح الأصفهاني على المنهاج ١/ ١٧٨، وشرح الكوكب ١/ ١٢٥.\nوانظر: السراج الوهاج ١/ ٢٦٠، شرح تنقيح الفصول ص ٢٣، تعريفات الجرجاني ص ٩٣.\n(^٥) قال الجاربردي في السراج الوهاج ١/ ٢٦١: \"وإنما قلنا: إنها عبارة عن: كون اللفظ بحيث إذا سُمِع فُهِم منه، ولم نقل: إنها نفس الفهم؛ لأن الدلالة نسبة مخصوصة بين اللفظ والمعنى، ومعناها: مُوجِبِيَّةُ تخيُّلِ اللفظِ لفَهْم المعنى؛ ولهذا يصح تعليل فهم =","vol":"3","page":517},{"text":"وضعيةً: كدلالة وجود المشروط على وجود الشرط، وقد تكون عقلية: كدلالة الأثر على المؤثِّر وبالعكس (^١)، مثل: دلالة الدخان على النار (^٢) وبالعكس. وليس الكلام إلا في اللفظية، وللاحتراز عن هذين القسمين أشار في الكتاب بقوله: \"دلالة اللفظ\" (^٣) ثم إن اللفظية تنقسم إلى أقسام ثلاثة:\nعقلية: كدلالة الصوت على حياة صاحبه.\nوطبيعية: كدلالة أُحْ أُحْ على وجع الصدر.\nووضعية: وهي المرادة هنا. فلو أن المصنف قال: (دلالة اللفظ الوضعية - لكان أحسن. على أن الإمام قال: \"الوضعية (^٤): هي) (^٥) دلالة على (^٦) المطابقة، وأما الباقيتان فعقليتان؛ لأن اللفظ إذا وُضع للمسمى انتقل الذهن من المُسَمَّى إلى لازمه، ولازمه إن كان داخلًا فيه فهو\n_________\n= المعنى من اللفظ عليه، والعلة غير المعلول، وإذا كان الدلالة غير فهم المعنى من اللفظ - لا يجوز تفسيرها به\".\n(^١) في (ص)، و(ت): \"والعكس\".\n(^٢) فالدخان أثر، والنار مؤثر.\n(^٣) لو قال: إنها احتراز عن الأقسام الثلاثة - لكان أحسن؛ لأنه أهمل ذكر الدلالة غير اللفظية الطبيعية، كحمرة الخجل، وصفرة الوجل. كما هو معروف في مبحث الدلالات في المنطق. انظر: حاشية الباجوري على متن السلم ص ٣١.\n(^٤) في المحصول: الدلالة الوضعية.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سقطت من (غ)، و(ك).","vol":"3","page":518},{"text":"التضمن، أو خارجًا فهو الالتزام\" (^١). وهذا واضح لا إشكال فيه.\nوقال بعضهم: دلالة التضمن لفظية أيضًا، وهو ضعيف فإن الحكم عليها بذلك إن استند إلى أنَّ الجزء مفهوم من اللفظ ومُتَلَقَّى بواسطته فدلالة الالتزام كذلك، وإن كان لأجل أن اللفظ موضوع له بالوضع المختص بالحقيقة فهو باطل (^٢)، أو بالوضع المشترك بين الحقيقة والمجاز فكذلك اللازم، وإنْ كان لأجل دخول الجزء في المسمَّى وخروج اللازم عنه - فهو تحكم محض (^٣).\nثم هذه الدلالة عبارة عن: كون اللفظ بحيث إذا أُطلق فَهِم منه المعنى مَنْ كان عالمًا بالوضع.\nوإنما قلنا: إنها عبارة عن: كون اللفظ بحيث (^٤) إذا أُطلق فَهِم منه، ولم\n_________\n(^١) المحصول ١/ ق ١/ ٢٩٩ - ٣٠٠.\n(^٢) يعني: إنْ كان القول بأن التضمن لفظي من جهة أن اللفظ موضوع للتضمن كما هو موضوع للمطابقة بالوضع المختص بالحقيقة - فهذا باطل؛ لأن هذا يلزم منه الاشتراك لكل لفظٍ له تضمن، وهذا باطل.\n(^٣) اتفق العلماء على أن المطابقة وضعية، واختلفوا في التضمنية والالتزامية: فالأصح عند المناطقة أن دلالة التضمن والالتزام وضعيتان، وعامة البيانيين يرون أنهما عقليتان، وهو ما رجَّحه الشارح، وذهب آخرون إلى أن التضمنية وضعية، والالتزامية عقلية، وإليه ذهب الآمدي. انظر: حاشية الباجوري على السلم ص ٣١، آداب البحث والمناظرة للشنقيطي ق ١/ ١٥، ١٦، نفائس الأصول ٢/ ٥٦٣، الإحكام ١/ ١٥.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"3","page":519},{"text":"نقل إنها نفس الفهم كما قال ابن سينا (^١) (^٢)؛ لأن الدلالة نسبة مخصوصة بين اللفظ والمعنى، ومعناها: (موجِبِيَّة تَخَيُّلِ) (^٣) اللفظ لفَهْم (^٤) المعنى (^٥)؛ ولهذا يصح تعليل فَهْمِ المعنى من اللفظ بدلالة اللفظ عليه، والعلة غير المعلول، وإذا كانت الدلالة غير فَهْم المعنى من اللفظ لم يجز تفسيرها به.\nإذا عرفت ذلك فنقول: الدلالات اللفظية منحصرة في المطابقة والتضمن والالتزام؛ لأن اللفظ إما أن يدل على تمام ما وضع له أوْ لا:\nوالأول: المطابقة، كدلالة البيت على المجموع المركب من السقف\n_________\n(^١) هو العلامة الشهير الفيلسوف أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي البلخيّ ثم البخاريّ، صاحب التصانيف في الطب والفلسفة والمنطق. قال عنه الذهبيّ: \"فَلْسَفِيُّ النِّحلة ضالّ\". قال ابن كثير ﵀: \"قد حصر الغزاليُّ كلامَه في \"مقاصد الفلاسفة\"، ثم ردَّ عليه في \"تهافت الفلاسفة\" في عشرين مجلسًا له، كفَّره في ثلاثٍ منها: وهي قوله بِقدَم العالم، وعدم المعاد الجثماني، وأن الله لا يعلم الجزئيات، وبَدَّعه في البواقي، ويُقال إنه تاب عند الموت، فالله أعلم\". من مصنفاته: الإنصاف، البر والإثم، الشفاء، القانون، النجاة، أدوية القلب، المعاد، وغيرها كثير. توفي يوم الجمعة في رمضان سنة ٤٢٨ هـ. انظر: سير ١٧/ ٥٣١، ميزان ١/ ٥٣٩، لسان ٢/ ٢٩١، البداية والنهاية ١٢/ ٤٥.\n(^٢) انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٢٣، نفائس الأصول ٢/ ٥٤٣.\n(^٣) في (ص): \"صفة تجعل\". وهو تحريف.\n(^٤) في (ص): \"يفهم\". وهو تحريف.\n(^٥) المعنى: أن الدلالة نسبة بين اللفظ والمعنى، ومعنى هذه النسبة أنها تُوجب حِينَ تَخَيُّلِ اللفظ فهمَ معناه، لأن مجرد اللفظ بدون الدلالة لا يدل على معناه، بل اللفظ يدل على معناه بواسطة الدلالة، وهي العلم يكون اللفظ مخصوصًا بمعنى ما.","vol":"3","page":520},{"text":"والجدار والأسْ.\nوالثاني: إما أن يكون على جُزْء مسماه أوْ لا:\nوالأول: دلالة التضمن، كدلالة البيت على الجدار فقط.\nوالثاني: أن يكون خارجًا عن مسماه، وهي دلالة الالتزام كدلالة الأسد على الشجاعة.\nواعلم أن ذلك إنما يُتصور في اللازم الذهني: وهو الذي ينتقل الذهن إليه عند سماع اللفظ. سواء كان لازمًا في الخارج أيضًا، كالسرير والارتفاع من الأرض؛ إذِ السرير مهما وجد في الخارج فهو مرتفع ومهما تُصُوِّر في الذهن فهو مرتفع. أم لم يكن لازمًا في الخارج، كالسواد إذا أُخذ بقيدِ كونه ضدًا للبياض؛ فإنَّ تصوره من هذه الحيثية يلزم تصور البياض، فهما متلازمان في الذهن وليسا بمتلازمين في الخارج، بل متنافيين (^١)، ولا يتصور ذلك في اللازم الخارجي فقط كالسرير مع الإمكان؛ فإنه مهما وجد السرير في الخارج فهو ممكن ضرورة، وقد يتصور السرير، ويُذهل عن إمكانه (^٢).\n_________\n(^١) فتصور السواد من حيث إنه ضدٌ للبياض يلزم منه تصور البياض، أما في الخارج فلا يوجدان في مكانٍ واحدٍ معًا، بل إذا وُجد أحدهما انتفى الآخر. ومثل هذا اللازم الذهني فقط الذي لا وجود له في الخارج: لزوم البصر للعمى. فإن معنى العمى هو فقدان البصر، فتصور معنى العمى لا يتحقق إلا بتصور معنى البصر، وهذا التلازم بينهما في الذهن فقط، أما في الخارج فلا يجتمع البصر والعمى في عينٍ واحدة. انظر: آداب البحث والمناظرة للشنقيطي ق ١/ ١٥.\n(^٢) يعني: أن السرير مهما وُجد في الخارج فهو ممكن الوجود، فالإمكان لازم للسرير =","vol":"3","page":521},{"text":"وإذا عرفت هذا علمتَ أن قوله: \"وعلى لازمه الذهني \" غير مستقيم؛ لإيهامه وجود الدلالة مع اللزوم (^١) الخارجي وهو باطل (^٢). وبهذا التقسيم تَعْرف حدَّ (^٣) كل واحد منها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>تنبيهات:</span>\nالأول (^٤): قال الإمام: \"هذا اللزوم (^٥) شرط لا سبب\" (^٦) وقرر القرافي هذا (^٧): بأن الشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم؛ لذاته.\n_________\n= في الخارج لا في الذهن؛ لأن الذهن قد يتصور السرير ويذهل عن الإمكان. قال القرافي: \"لأنا نعني باللازم ما لا يفارِق\". نفائس الأصول ٢/ ٥٥٩.\n(^١) في (ت): \"التلازم\"، وفي (غ)، و(ك): \"اللازم\".\n(^٢) يعني: أن تقييد الماتن اللازمَ بالذهني غيرُ صحيح؛ لأنه يدل على أن دلالة اللفظ على التلازم إما أن تكون ذهنية فهو التلازم المنطقي، أو غير ذهنية - أي خارجية - فهو التلازم غير المنطقي. فالتقييد بالذهني يدل على أن هناك لازمًا خارجيًا يدل عليه اللفظ، وهو باطل؛ إذ اللفظ لا يدل على اللازم الخارجي، وذلك كالسرير مع الإمكان، فتصور السرير لا يلزم منه تصور الإمكان، وقد يذهل الذهن عنه، لكن وجود السرير هو الذي يدل على الإمكان لا لفظ السرير ذاته.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (غ): \"اللازم\".\n(^٦) المحصول ١/ ق ١/ ٣٠١، وعبارة المحصول: \"شرط لا موجب\". والموجِب هو السبب، فقد يكون الشارح نقل بالمعنى، أو أن نسخة الشارح فيها لفظ السبب، لا سيما وأن القرافي عَبَّر بالسبب. انظر: نفائس الأصول ٢/ ٥٦١.\n(^٧) في (غ): \"في هذا\".","vol":"3","page":522},{"text":"فاحتَرز بالقيد الأول من المانع (^١)، وبالثاني من السبب، وبالثالث من مقارنة وجوده للسبب فإنه يحصل الوجود، ولكن ليس (^٢) لذات الشرط بل لوجود السبب.\nوالسبب: ما يلزم من وجوده الوجود، ومن عدمه العدم؛ لذاته.\nفالقيد الأول احتراز عن الشرط، والثاني عن المانع، والثالث عن مقارنة وجودِه فقدانَ الشرط فلا يلزم الوجود، أو مقارنةِ عدمِه إخلافَ سبب آخر فلا يلزم العدم، وذلك ليس لذاته بل لأمر خارج.\nوالمانع: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم؛ لذاته.\nفالقيد الأول احتراز من السبب، والثاني من الشرط، والثالث من مقارنة عدمه عدم السبب (^٣) فيلزم العدم، لكن لا لذاته بل لعدم السبب.\nوإذا اتضحت هذه الحقائق فالملازمة الذهنية يلزم من عدمها العدم (^٤)؛ لأن اللفظ إذا أفاد معنى غيرَ مستلزِم لآخر لا ينتقل الذهن لذلك الآخر إلا بسبب منفصل، فيكون إفادته مضافةً لذلك المنفصل لا للفظ؛ فلا يكون\n_________\n(^١) لأنه لا يلزم من عدمه شيء.\n(^٢) سقطت من (ت). وفي (غ): \"لا\".\n(^٣) في نفائس الأصول ٢/ ٥٦٢: \"عدم السبب أو عدم الشرط\".\n(^٤) يعني: يلزم مِنْ عدم الملازمة الذهنية عدم دلالة الالتزام.","vol":"3","page":523},{"text":"فهمُه دلالةً للفظ بل أثرًا للمنفصل (^١). ولا (^٢) يلزم من وجود الملازمة وجود الدلالة عند عدم الإطلاق (^٣)؛ فإن الملازمة في نفس الأمر، والفهمُ معدومٌ من اللفظ؛ إذ اللفظ معدوم، فهي حينئذٍ شرط والإطلاق هو السبب.\nفإن قلت: هذا التقرير بعينه يتقرر في اللفظ، فإنه يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود الدلالة إذا فُقِدت الملازمة، فيمكن أن يقال: الإطلاق شرط، والملازمة سبب (^٤) فلِمَ لا عكستم أو سَوَّيتم؟ .\nقلت: الإطلاق قد يستقل بالدلالة في المطابقة والتضمن فيثبت له السببية والملازمة لم تستقل في صورة فيترجع (^٥) الإطلاق على\n_________\n(^١) قوله: لأن اللفظ إذا أفاد معنى. . . إلخ - معناه: أن اللفظ إذا أفاد معنى (وهو المعنى المطابقي) ليس له ملازمة بمعنى آخر، فإن الذهن لا ينتقل إلى ذلك المعنى الآخر إلا بسبب منفصل؛ لأن اللفظ لا يدل عليه لعدم الملازمة بينهما، فيكون إفادة اللازم مضافة لذلك المنفصل لا إلى اللفظ، بخلاف ما لو كانت الملازمة ذهنية، فإن الملازمة تكون منسوبة للفظ.\n(^٢) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"فلا\". وهو خطأ؛ لأن هذه جملة جديدة، وليست تفريعًا للجملة قبلها، والمثبت هو الموافق لما في \"النفائس\"\n(^٣) لأن الدلالة لا تكون إلا إذا أُطلق اللفظ، أما إذا لم يطلق فإن الدلالة لا توجد وإن كانت هناك ملازمة ذهنية.\n(^٤) لأنه يلزم من وجود الملازمة وجود دلالة الالتزام، ويلزم مِنْ عدم الملازمة عدم دلالة الالتزام، وهذا هو تعريف السبب.\n(^٥) في (ت): \"فيرجح\".","vol":"3","page":524},{"text":"الملازمة الذهنية؛ لوجوده في الصورتين (^١) (^٢).\nالثاني: في التقسيم الذي ذكره مناقشاتٌ مِنْ وجوه:\nمنها: أن قوله: \"تمام\" ليس بجيد؛ لأنه إن لم يحترز به عن شيء فهو زيادة بلا معنى، وإن احترز به عن جزء المُسَمَّى فليس جزء المسمى نفسَ المسمى. وكذا فعل ابن الحاجب حيث قال: \"كمال مُسَمَّاه\" (^٣)، وكان ينبغي أن يقولا: على مسماه.\nومنها: أن اللفظ جنسٌ بعيد؛ لدخول المستعمل والمهمل فيه، وهو مُجْتَنَب في الحدود (^٤)، فكان ينبغي أن يقول: دلالة القول، كما فعله (^٥)\n_________\n(^١) قوله: الإطلاق قد يستقل. . . إلخ - معناه: أن الإطلاق يثبت له الدلالة على المطابقة والتضمن، بخلاف الملازمة فإنها لم تستقل في صورة واحدة؛ لأن الملازمة لا توجد بدون المطابقة، فيترجح كون الإطلاق سببًا بسبب وجوده في صورتين، والسبب أعلى من الشرط.\n(^٢) هنا انتهى تقرير القرافي؛ ولأن الشارح رحمه الله تعالى لم يلتزم نص القرافي، بل أضاف من عنده على عبارة القرافي موضحًا ومبينًا لها - ونِعْم ما فعل - لم أضع هذا التقرير بين قوسين. وهو موجود في نفائس الأصول ٢/ ٥٦١، ٥٦٢، ٥٦٣.\n(^٣) أي: وكذا تعريف ابن الحاجب مُعْترض عليه؛ لأن قَيْد: \"كمال\" لا حاجة له. انظر: بيان المختصر ١/ ١٥٤، وعبارته: \"ودلالته اللفظية في كمال معناها دلالة مطابقة\". وهو كذلك في شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ١٢٠.\n(^٤) لأن الحد: ما كان بالجنس القريب والفصل القريب. والمراد بالحد التام، لا الناقص؛ لأن الكلام ليس فيه. انظر: حاشية الباجوري على السلم ص ٤٣.\n(^٥) في (ت): \"فعل\".","vol":"3","page":525},{"text":"شيخنا أبو حيان في مختصراته في تعريف الكلمة، معترِضًا على مَنْ ذكر اللفظ (^١) بما قلناه.\nومنها: كان ينبغي أن يقول في المطابقة: من حيث هو تمامه، وفي التضمن: من حيث هو جزؤه، وفي الالتزام: من حيث هو لازمه؛ ليحترز به عن اللفظ المشترك بين الشيء وجزئه، مثل: وضْعِ الممكنِ للعامِّ والخاص (^٢)؛ فإنه يصير به للفظِ المُسَمَّى على جزئه دلالتان: دلالةُ تضمن\n_________\n(^١) أي: مَنْ ذكر اللفظ في تعريف الكلمة. وممن عَرَّف باللفظ ابن مالك رحمه الله تعالى حيث قال في ألفيته: كلامنا لفظٌ مفيدٌ كاستقم. وانظر: قطر الندى ص ١١ - ١٢.\n(^٢) الممكن العام: هو سلب الضرورة عن أحد الطرفَيْن. يعني: إما وجوده ليس بضروري، أو عدمه ليس بضرورى. أي: سلب الضرورة عن الوجود أو عن العدم. فمن كان وجوده غير ضروري كان عدمه ضروريًا كالممتنعات، مثل: اجتماع النقيضين أو الضدين، فيقال للممتنعات: ممكن بالإمكان العام، فاجتماع النقيضين عدمه ضروري، ووجود اجتماع النقيضين ليس بضروري، يعني: وجوده لا يتحقق، وعدمه يتحقق. وكذا اجتماع الضدين، فالعدم ضروري، والوجود غير ضروري، أي: العدم متحقق، والوجود غير متحقق. ومَنْ كان وجوده ضروريًا - كوجود الله تعالى - كان عدمه غير ضروري، فسلب الضرورة هنا عن جانب العدم، فالوجود متحقق، والعدم غير متحقق. أما الممكن الخاص: فهو سلب الضرورة عن الطرفين. يعني عن جانب الوجود والعدم، مثل: وجود الممكنات، وهى جميع المخلوقات كالإنسان والحيوان وغيرهما، فالوجود والعدم مسلوب الضرورة عنها، فوجودنا ليس بضروري، وعدمنا ليس بضروري؛ لأننا بين الوجود والعدم، فوجودنا من الممكنات، وهي موجودة بالإمكان الخاص، بخلاف الواجب الوجود - كذات المولى تعالى وصفاته - والممتنعات - كاجتماع الضدين والنقيضين - فهي موجودة بالإمكان العام. وعلى هذا فالممكن الخاص كُلٌّ؛ لأنه سلب الضرورة عن الطرفين، والممكن العام =","vol":"3","page":526},{"text":"باعتبار الوضع الأول، ومطابقة باعتبار الثاني (^١)، (فقد يدل على بعض) (^٢) (المسمى دلالة مطابقة باعتبار الوضع الثاني) (^٣)، (فلا بد وأن) (^٤) يقول: من حيث هو كذلك (^٥)؛ وليحترز به أيضًا عن\n_________\n= جزء؛ لأنه سلب الضرورة عن أحد الطرفين. فصار لفظ الممكن موضوعًا لمعنيَيْن بالاشتراك، وهما: الإمكان العام، والإمكان الخاص، فلفظ الممكن يدل على الإمكان الخاص بالمطابقة، ويدل على الإمكان العام بالمطابقة والتضمن. انظر: تعريف الممكن العام والخاص في القطبي شرح الشمسية في المنطق ص ٥٣.\n(^١) الوضع الأول: هو دلالة اللفظ على الكل. فبهذا الاعتبار يدل اللفظ على الجزء بالتضمن. والوضع الثاني: هو دلالة اللفظ على الجزء. فبهذا الاعتبار يدل اللفظ على الجزء بالمطابقة. فأصبح الجزء مدلولًا عليه بدلالتين: المطابقة، والتضمن.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) في (ت): \"ولا بد أن\"، وفي (غ): \"فلا بد أن\".\n(^٥) معنى قوله: دلالة اللفظ على تمام مسماه من حيث هو تمامه. أي: دلالة اللفظ على تمام مسماه باعتبار أن هذا المسمى هو التمام، لا باعتبار أنه جزء. وإنما قيَّد بقيد: من حيث هو تمامه؛ ليحترز عن اللفظ المشترك بين الشيء وجزئه، فإن دلالة المشترك على الجزء من حيث إنه جُزْءَ المعنى - تضمن (أي: دلالة المشترك على \"الشيء\" هي دلالة تضمن على الجزء)، ودلالته على الجزء من حيث إنه تمام المعنى مطابقة (أي: دلالة المشترك على الجزء باعتبار الاشتراك مطابقة)، فلا بد من قيد: مِنْ حيث هو تمام؛ حتى تدخل دلالة المشترك على الجزء بالاعتبار الثاني لا بالاعتبار الأول. ولفظ \"الإمكان\" مثلًا لفظ مشترك بين الإمكان العام والإمكان الخاص، فمن جهة دلالته على الإمكان الخاص هو يدل على الإمكان العام بالتضمن، فلا يدخل الإمكان العام بهذا الاعتبار في دلالة المطابقة. ومن جهة دلالته على الإمكان العام هو يدل عليه بهذا الاعتبار دلالة مطابقة، فدلالته على الإمكان العام دلالة على تمام مسماه لكن باعتبار أنه تمام المعنى، أي: بالاعتبار الثاني، لا باعتبار أنه جزء المعنى، أي: بالاعتبار الأول.","vol":"3","page":527},{"text":"المشترك بين اللازم والملزوم، كالشمس بين القرص والضوء المستفاد منه (^١). وهكذا فعل صاحب \"التحصيل\" (^٢). وأما الإمام فلم يقيِّد دلالة المطابقة وقيَّد الباقيتين (^٣)، قال القرافي: \"وهو قيد لم يذكره أحد ممن تقدمه، وإنما اكتفى المتقدمون بقرينة التمامية، والجزئية، واللازمية\". قال: \"فيقال له: إن كانت هذه القرائن كافية فيلزم الاستغناء عن هذه القيود في الدلالات الثلاثة (^٤)، وإلا فيلزم الاحتياج في الثلاث، فما وجه تخصيص التضمن والالتزام؟ فإنا نقول في المطابقة: كما يمكن وضع العشرة للخمسة يمكن وضعها للخمسة عشر أيضًا (^٥)، فيصير لها على العشرة دلالتان:\n_________\n(^١) وكذا في اللازم والملزوم، فإن القرص ملزوم، والضوء لازم، ولفظ \"الشمس\" مشترك بينهما، فلفظ الشمس يدل بالمطابقة على القرص، وعلى الضوء أيضًا، ولذلك لا بد مِنْ قيد: مِنْ حيث هو تمامه؛ ليدخل لازم المعنى (وهو الضوء) المدلول عليه مطابقة؛ لأنه حينذاك يكون هو تمام المعنى بالنسبة لدلالة اللفظ عليه مطابقة، لا بالنسبة لدلالة اللفظ عليه التزامًا.\n(^٢) عبارته في التحصيل ١/ ٢٠٠: \"دلالة اللفظ على تمام مسماه هي المطابقة، وعلى جزئه التضمن، وعلى لازمه الالتزام. ولْيُعْتبر في الكل كونُه كذلك؛ احترازًا عن اللفظ المشترك بين الشيء وجزئه، أو لازمه\". وقول صاحب التحصيل: \"وليعتبر في الكل كونه كذلك\" هو مراد الشارح، والمعنى واضح، أي: دلالة اللفظ على تمام مسماه من حيث كونه تمامًا. وفي التضمن: من حيث كونه جزءًا. وفي الالتزام: من حيث كونه لازمًا.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٢٩٩\n(^٤) في (ت): \"الثلاث\".\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).","vol":"3","page":528},{"text":"مطابقة باعتبار الوضع الأول وتضمن باعتبار الثاني\" (^١).\nالثالث: جميع ما تقدم في دلالة اللفظ، أما الدلالة باللفظ فهي استعمال اللفظ إما في موضوعه وهي (^٢) الحقيقة، أو غير موضوعه لعلاقة وهو المجاز.\nوالباء في قولنا: الدلالة باللفظ، للسببية والاستعانة؛ لأن اللافظ يدلنا على ما في نفسه بإطلاقه اللفظ، فإطلاق اللفظ آلة للدلالة، كالقلم للكتابة، والقَدُوم للنجارة. والفرق بين الدلالة باللفظ ودلالة اللفظ مِنْ وجوه:\nأحدها: المحل: فمحل دلالة اللفظ القلب، ومحل الدلالة باللفظ اللسان (^٣).\nوثانيها: من جهة الوجود: فكلما وجدت دلالة اللفظ وجدت الدلالة باللفظ (^٤)، (وقد توجد الدلالة باللفظ) (^٥) ولا توجد دلالة اللفظ في الألفاظ المجملة والأعجمية (^٦).\n_________\n(^١) انظر نفائس الأصول ٢/ ٥٥٧.\n(^٢) في (ص): \"وهو\".\n(^٣) فدلالة اللفظ (المطابقة، التضمن، الالتزام) محلها القلب؛ لأنه موطن العلوم والظنون. ومحل الدلالة باللفظ اللسان؛ لأن نطق اللفظ يكون باللسان. انظر: نفائس الأصول ٢/ ٥٦٦.\n(^٤) لأن دلالة اللفظ لا توجد إلا بوجود الدلالة باللفظ، كما سيأتي إيضاحه.\n(^٥) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٦) يعني: الدلالة باللفظ توجد في الألفاظ المجملة والأعجمية، أما دلالة اللفظ فلا توجد في الألفاظ المجملة والأعجمية؛ لأن المخاطَب لا يفهم مراد المتكلم الذي محله القلب.","vol":"3","page":529},{"text":"وثالثها: من جهة الأنواع: فلدلالة (^١) اللفظ ثلاثة أنواع: المطابقة، والتضمن، والالتزام.\n(وللدلالة) (^٢) باللفظ نوعان: الحقيقة والمجاز.\nورابعها: (من جهة) (^٣) السببية: فالدلالة باللفظ سبب، ودلالة اللفظ مُسَبَّب عنها (^٤).\nوخامسها: من جهة الموصوف: فدلالة اللفظ صفة للسامع، وباللفظ صفة للمتكلم (^٥) (^٦).\nقال: (واللفظ: إنْ دل جزؤه على جزء المعنى - فمركب، وإلا فمفرد).\n_________\n(^١) في (غ): \"فدلالة\".\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) بهذا الفرق الرابع يتضح مراد الشارح في قوله: فكلما وجدت دلالة اللفظ وجدت الدلالة باللفظ؛ لأن دلالة اللفظ مسبب، والدلالة باللفظ سبب، فكلما وجد المسبب وُجد السبب، ولا يلزم من وجود السبب وجود المسبب؛ لإمكان وجود مانع، كما مَثَّل في الفرق الثاني بالألفاظ المجملة والأعجمية، فالإجمال والعجمة مانعان من وجود المسبب وهو فهم مراد المتكلم من كلامه، وهي دلالة اللفظ.\n(^٥) انظر التنبيه الثالث في: نفائس الأصول ٢/ ٥٦٥.\n(^٦) انظر تقسيم دلالة اللفظ في: المحصول ١/ ق ١/ ٢٩٩، التحصيل ١/ ٢٠٠، الحاصل ١/ ٢٩٦، الإحكام ١/ ١٥، شرح الكوكب ١/ ١٢٥، بيان المختصر ١/ ١٥٤، شرح تنقيح الفصول ص ٢٣، نهاية السول ١/ ٣٠، السراج الوهاج ١/ ٢٦٠، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٣٧، حاشية الباجوري على السلم ص ٣٠، آداب البحث والمناظرة ق ١/ ١١.","vol":"3","page":530},{"text":"هذا تقسيم آخر للفظ باعتبار التركيب والإفراد، وذلك لأنه إنْ دل جزؤه على جزء المعنى المستفاد منه - فهو المركب:\nسواء كان (^١) تركيب إسناد، مثل: قام زيد، وزيد قائم.\nأم (^٢) تركيب مزج، مثل: خمسة عشر.\nأم تركيب إضافة، مثل: غلام زيد.\nوقد أورد بعض الفضلاء على هذا: حيوانٌ ناطق، إذا جُعِل عَلَمًا لإنسان، فإنه مفرد مع أنَّ جزءه يدل على جزء معناه (^٣).\nفمنهم مَنْ قَبِل هذا الإيراد (^٤)، وقال: الصواب أن يزاد في الرسم\n_________\n(^١) في (غ): \"أكان\".\n(^٢) في (ص): \"أو\".\n(^٣) هذا الإيراد أورده القرافي في نفائس الأصول ٢/ ٥٧٧، إذ قال: \"إذا سَمَّى إنسانٌ ولدَه بحيوان ناطق، فجزء هذا اللفظ كان دالًا قبل هذا الوضع على جزء هذا المعنى؛ لأن كل جزء من اللفظ يدل على جزء في المعنى، فحيوان يدل على جنسه، وناطق على فصله، والوضع الثاني لم يُبطل الوضعَ الأول، فيبقى الوضع الثاني يدل جزؤه على جزء المعنى، وهو يُبطل حد المفرد والمركب؛ لاتفاقهم على أن جميع الأعلام مفردات، وهذا (أي اسم: حيوان ناطق) عَلَم فيكون مفردًا، وهو قد اشترط في المفرد عدم الدلالة، وهذا دال، فيكون حد المفرد غير جامع، ويُبطل حد المركب؛ لاندراج هذا فيه وهو مفرد، وكذلك يتصور النقض من كل حَدٍّ جُعِل عَلَمًا لبعض أشخاص أنواعه\".\n(^٤) وهو كون: \"حيوان ناطق\" مفردًا، مع أنه يصدق عليه تعريف المركب.","vol":"3","page":531},{"text":"المذكور: حين هو جزء (^١).\nومنهم مَنْ ردَّه، وقال: دلالة اللفظ على المعنى متعلِّقة بإرادة اللافظ، فما يتلفظ به ويراد به معنى ما، ويفهم عنه ذلك المعنى، يقال: إنه دال عليه، وما سوى ذلك المعنى مما لا يتعلق به (^٢) إرادة اللافظ لا يقال له (^٣) إنه دال عليه، وإنْ كان (^٤) ذلك اللفظ أو جزء منه بحسب تلك اللغة أو لغة أخرى، وحينئذ لا يَرِد \"الحيوان الناطق\" نقضًا لأن المتلفظ به حال كونه عَلَمًا لا يقصد شيئًا من جُزْئَيْه بقيدِ الوَحْدة، وإنما يقصد بمجموع اللفظين الشخص المسمى به، فلا فرق حينئذ بينه وبين عبد الله العَلَم في ذلك (^٥).\n_________\n(^١) يعني: يصبح تعريف المركب: ما دل جزؤه على جزء المعنى حين هو جزؤه. وذلك ليحترز بهذا القيد عن جزء المركب الذي لا يكون جزؤه جزءًا لمعناه في حال العَلَمية، وإن كان جزؤه جزءًا لمعناه قبل العلمية، فهنا ينظر إلى هذا الجزء على أنه جزء المركب، وأما بعد العلمية فليس هذا الجزء جزءًا، بل المركب في حكم المفرد. فحيوان ناطق، قبل العلمية مركب يدل جزؤه على جزء معناه، أما بعد العلمية فلا يدل جزؤه على جزء معناه؛ لأن العلمية هي المجموع، فهذا المركب في حكم المفرد.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) من الواضح أن مَنْ قَبِل الإيراد السابق (الذي أورده بعض الفضلاء) ومَنْ ردَّه كلاهما متفقان على عدم اعتبار معنى الجزء، لكن الفارق بينهما أنّ مَنْ قبل الإيراد قيَّد، ومَنْ ردَّه لم يقيد، وإنما اكتفى بمراد اللافظ في الدلالة على المعنى، وعدم اعتبار المعنى المدلول عليه من اللفظ أو جزئه ما دام يخالف مراد المتكلم.","vol":"3","page":532},{"text":"قوله: \"وإلا فمفرد\" أي: وإن لم يدل جزؤه على جزء المعنى فهو المفرد. فإن قلت: الزاي مثلًا من زيد (لا تدل) (^١) على جزء المعنى فوجب أن لا يكون \"زيد قائم\" مركبًا (^٢).\nقلت: أجاب الجاربردي شارح الكتاب: \"بأن \"جزأه\" (^٣) لا يفيد العموم، فلا يجب أن يدل كل جُزْءٍ من أجزائه على جُزء من أجزاء المعنى\" (^٤).\nوهو ضعيف؛ لأن جُزأه مفرد مضاف، والمختار في ذلك إفادة العموم، بل الحق أن المراد بجزئه: ما صار به اللفظ مركبًا، كزيد وَحْده، وقائم وَحْده (^٥).\n_________\n(^١) في (ت): \"لا يدل\".\n(^٢) لأن الزاي جزء من قولنا: زيد قائم.\n(^٣) أي: المذكور في تعريف المفرد.\n(^٤) انظر: السراج الوهاج ١/ ٢٦٤، وتتمة كلامه: \". . . ليكون مركبًا، وإذا كان كذلك فلو لم يدل الزاى مثلًا من: \"زيد قائم\" على جزء المعنى - لا يلزم أن لا يكون \"زيد قائم\" مركبًا، فإن كل واحد من \"زيد\" و\"قائم\"، يدل على جزء المعنى، وهذا القدر كاف في كونه مركبًا\".\n(^٥) يعني: أن كلمة \"جزأه\"، مفرد مضاف إلى الهاء، فيفيد العموم، أي: أن كل جزء من أجزائه يدل على جزء المعنى. لكن الصواب الذي رجحه ابن السبكي أن هذا العام يراد به الخاص، وهو أن المراد بالجزء ما صار به اللفظ مركبًا، والتركيب إنما يكون بزيد وحده، وقائم وحده، وأما الحروف فهي مرادة؛ لأن المفهوم من إطلاق الجزء جزء الأصل.","vol":"3","page":533},{"text":"فإن قلت: الزاي مثلًا جزء الجزء، وجزء الجزء جزءٌ.\nقلت: صحيح، ولكن المفهوم من إطلاق الجزء جزء الأصل (^١) الذي ليس هو جزء الجزء، والأمر في مثل هذا قريب.\nقال: (والمفرد: إما أن لا يستقل بمعناه وهو الحرف، أو يستقل (^٢) وهو الفعل إنْ دلَّ بهيئته على أحد الأزمنة الثلاثة، وإلا فاسم).\nبدأ بعد تقسيم اللفظ إلى المفرد والمركب بأقسام المفرد، لتقدمه على المركب بالطبع. وتقسيم المفرد يقع من وجوه: منها ما هو باعتبار أنواعه، وهو تقسيمه إلى: الاسم، والفعل، والحرف.\nووجه انحصاره في هذه الثلاثة: أن اللفظ المفرد: إما أن لا يستقل بالمفهومية - فهو الحرف.\nأو يستقل: فإما أن يدل بهيئته - أي: بحالته التصريفية - على أحد الأزمنة الثلاثة: الماضي، والحال، والاستقبال - فهو الفعل، أو لا يدل فهو الاسم، سواء لم يدل على زمان أصلًا كالسماء والأرض وزيد، أو دلَّ لكن لا بهيئته بل بذاته كالصَّبُوح (^٣) والغَبُوقِ (^٤) وأمسِ والآنَ\n_________\n(^١) وهو جزء المركب.\n(^٢) في (ت)، و(ص)، و(غ)، و(ك): \"استقل\".\n(^٣) الصَّبُوح: كل ما أُكل أو شُرب غُدْوةً. واصْطَبَحَ القومُ: شربوا الصَّبُوح. وصَبَحه يَصْبَحَه صَبْحًا وصَبَّحه: سمَاه صَبُوحًا، فهو مُصْطَبَحٌ. انظر: لسان العرب ٢/ ٥٠٣، المصباح المنير ١/ ٣٥٥، مادة (صبح).\n(^٤) الغَبُوق: الشرب بالعشيّ. وخصَّ بعضهم به اللبن المشروب في ذلك الوقت. =","vol":"3","page":534},{"text":"والمستقبلِ.\nقال: (كلي إن اشترك معناه، ومُتَواطِئ إن استوى، ومشكِّك إنْ تفاوت. جنس إنْ دل على ذاتٍ غير (^١) معينة كالفرس، ومشتق إنْ دلّ على ذي صفة معينة كالفارس).\nهذا تقسيم للاسم (^٢) فنقول: هو إما كلي، وإما (^٣) جزئي؛ وذلك لأنه إما أن لا يمنع نفس تصوره من اشتراكِ كثيرينَ فيه، أو يمنع. والأول (^٤) الكلي، وهو تارة يقع فيه الشركة كالحيوان، وتارة لا يقع إما مع الإمكان كالشمس، أو مع الاستحالة كالإله.\nوبهذا يُعْلم أن قول المصنف: \"إن اشترك معناه\" ليس بجيد، وأنه كان الأحسن أن يقول: إن (^٥) قَبِل معناه الشركة (^٦).\nثم الكلي يمكن تقسيمه مِنْ وجهين:\n_________\n= وغَبَق الرجلَ يغبُقه ويَغْبِقه غَبْقًا وغَبَّقَه: سقاه غَبُوقًا فاغْتَبَقَ هو اغْتِباقًا. انظر: لسان العرب ١٠/ ٢٨١، مادة (غبق).\n(^١) سقطت من (ت)، و(ك)، و(غ).\n(^٢) في (ت): \"الاسم\".\n(^٣) في (ك): \"أو\".\n(^٤) سقطت من (غ).\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) لأن مِنْ صور الكلي ما لا يوجد فيه الاشتراك مع الإمكان أو مع الاستحالة كما مثَّل.","vol":"3","page":535},{"text":"أحدهما: وإليه أشار بقوله: \"ومتواطئ\" (^١) إلى قوله: \"تفاوت\"، أن الكلي إما متواطئ أو مشكِّك؛ لأنه إنْ كان حصول معناه في أفراده الذهنية والخارجية على السوية كالإنسان؛ إذ كل فرد من الأفراد لا يزيد على الآخر في الإنسانية - فهو المتواطئ. وإن لم يكن على السوية بل كان في بعض أفراده أقدم أو أولى أو أشد - فهو المشكِّك، وسُمِّي بذلك؛ لكونه يشكِّك الناظرَ هل هو متواطئ لوَحْدة الحقيقة فيه، أو مُشْتَرك لما بينهما من الاختلاف، وذلك كالبياض الذي هو في الثلج أشَدُّ منه في العاج (^٢)، وكالوجود فإن معناه واحد في أشياء كثيرة مع اختلافه في تلك الأشياء؛ فإنَّ وجود الجوهر (^٣) أقدمُ من وجود\n_________\n(^١) في (غ): \"متواطئ\".\n(^٢) العاج: أنياب الفيل. وفي المصباح ٢/ ٨٧: والعاج أنياب الفيل، قال الليث: ولا يسمى غير الناب عاجًا، والعاج ظهر السلحفاة البحرية، وعليه يُحْمل أنه كان لفاطمة ﵂ سِوارٌ مِنْ عاج، ولا يجوز حمله على أنياب الفيلة، لأن أنيابها ميتة بخلاف السلحفاة، والحديث حجة لمن يقول بالطهارة. اهـ وقد نقلتُ ما في المصباح لمزيد الفائدة.\n(^٣) تنقسم الموجودات إلى جواهر وأعراض: فالجوهر: هو ما يقوم بذاته. أي: لا يحتاج في وجوده إلى شيء آخر يقوم فيه، كالأجسام، والأرواح، وكل ما له وجود مستقل قائم بنفسه. وينقسم الجوهر إلى قسمين: القسم الأول: الجوهر الفَرْد: وهو الموجود الذي لا يقبل التجزئة، لا في الواقع ولا في التصور. وهو في الحوادث الجزأ الذي لا يتجزأ. القسم الثاني: الجسم: وهو الموجود المركب من جوهرين فردين فأكثر، ويقبل التجزية ولو في التصور. وأما العَرَض: فهو ما يقوم بغيره. أي: لا يوجد إلا صفةً من صفات الجوهر، وتابعًا وجوده لوجوده، كالألوان، وهيئات الأجسام وأوضاعها، والحركة والسكون، ونحو ذلك. ومن العَرَض ما هو مختص بالحيّ: =","vol":"3","page":536},{"text":"العَرَض (^١)، والموجود بالذات أولى من الموجود بالغير، والوجود القارُّ أقوى (وأشد من غير القار كالحركة (^٢) مثلًا، وتجتمع هذه الأنواع من الاختلاف) (^٣) بالنسبة إلى الخالق والمخلوق.\nفإن قلت: الأبيض (مثلًا إذا أُطلق) (^٤) على الثلج فإما أن يكون استعماله فيه مع ضميمة تلك الزيادة (^٥)، أوْ لا؟ فإن لم يكن فهو المتواطئ (^٦)، وإنْ كان فهو المشترك (^٧)، فإذن لا حقيقة لهذا القسم المسمى\n_________\n= وهي الكيفيات النفسانية، كالحياة والعلم والقدرة والإرادة. ومن العرض ما ليس مختصًا بالحيّ: وهو ما عدا الكيفيات النفسانية، كالأصوات، والألوان، والروائح، والحركة والسكون، وغير ذلك. وكل جوهر حادث؛ لأنه مسبوق بالعدم، وجميع الأجسام متركبة من الجواهر، فهي حادثة أيضًا، والعالم بجميع أجزائه حادث. هذا هو مذهب المسلمين. انظر: ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة ص ٣٣٩ - ٣٤٠، شرح جوهرة التوحيد ص ٤٤٧، البيت رقم ١٢٣، المطالب العالية للرازي ٢/ ١١٥، كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي ١/ ٢٠٣ - ٢٠٧، التعريفات للجرجاني ص ٧٠.\n(^١) لأن العرض لا يقوم إلا بالجوهر، فوجود الجوهر متقدم على العرض.\n(^٢) الوجود القار هو الثابت، والوجود غير القار هو المتحرك، فوجود السماء قار وهو أقوى من وجود النجوم والكواكب؛ لأنها متحركة غير قارة.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ت): \"إذا أطلق مثلًا\".\n(^٥) يعني: زيادة بياض الثلج على بياض العاج.\n(^٦) يعني: فإن لم نأخذ هذه الزيادة في الاستعمال فبياض الثلج وبياض العاج متواطئان؛ لأننا لا نعتبر الزيادة.\n(^٧) يعني: وإن اعتبرنا الزيادة فيكون استعمال الأبيض للثلج والعاج مِنْ قبيل المشترك، فالأبيض مشترك بين الثلج والعاج، فلا وجود لقسم المشكِّك.","vol":"3","page":537},{"text":"بالمشكِّك.\nقلت: كذا أورده ابن التِّلِمْساني (^١) (^٢)، ونحن نقول: المتواطئ: أن يَضَع الواضع للقدر المشترك بقيدِ عدمِ الاختلاف في المَحَالِّ (^٣) مع اختلاف المحالِّ في أمور من غير جنس المسمَّى، كامتياز أفراد الإنسان بالذكورة والأنوثة (^٤)، وهذا (^٥) معنى قولهم: المتواطئ ما استوى محاله (^٦). والمشكِّك: أنْ يَضَع (^٧) للقدر المشترك بقيد الاختلاف في المحال بأمور من جنس المسمى، كأجزاء النور في الشمس (^٨)، واستحالة التغير في الواجب،\n_________\n(^١) انظر: شرح المعالم ١/ ١٦١.\n(^٢) هو عبد الله بن محمد بن علي الفِهْريُّ المصريّ، شرف الدين أبو محمد، المعروف بابن التلمساني. كان أصوليًا متكلمًا ديِّنًا خيِّرًا من علماء الديار المصرية ومُحَقِّقيهم. من مصنفاته: شرح \"المعالم\" في أصول الدين، وشرح \"المعالم\" في أصول الفقه. توفي سنة ٦٥٨ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ١٦٠، طبقات ابن قاضى شهبة ٢/ ١٠٧.\n(^٣) أي: في أفراد المتواطئ.\n(^٤) أي: مع اختلاف الأفراد في أمور من غير مفهوم المسمى، فالمراد بالجنس المفهوم لا الجنس المنطقي، كالإنسان المفهوم منه الإنسانية التي يستوي فيها المذكر والمؤنث وجميع أفراد الإنسان، فهي وإن تمايزت لكنها متحدة في مفهوم المسمى وهو الإنسانية.\n(^٥) في (ك): \"هذا\".\n(^٦) في جنس المسمى لا في غيره.\n(^٧) تقديره: أن يضع الواضع. لأن قوله: والمشكك، معطوف على قوله: المتواطئ أن يضع الواضع.\n(^٨) وفي القمر والكواكب، فإن أجزاء النور في الشمس والقمر والكواكب متفاوتة في النورانية، التي هي جنس المسمى.","vol":"3","page":538},{"text":"فاشترك القسمان في أن الوضع في كل منهما للقدر المشترك، وافترقا بقَيْدَيْهِما (^١).\nالوجه الثاني: الكلي: إما جنس أي: اسم جنس (^٢)، أو مشتق؛ لأنه إما أن يدل على الماهية وهو اسم الجنس كالإنسان والفرس، أو على موصوفية الماهية بصفة دون خصوصية الماهية وهو المشتق، فإنه لا يدل على خصوصية الماهية بل على اتصافها بالمصدر، كالأسْود مثلًا فإنه يدل على ذاتٍ متصفة (بالسواد، وأما على جسمية الذات (^٣) فلا. هذا تقرير ما ذكر.\nوقوله في اسم الجنس) (^٤): \"إنه ما يدل على ذات غير (^٥) معينة كالفرس\" منتقضٌ بعلم الجنس فإنه دال على ذات غير معينة، فإنك تقول: رأيت ثُعالة، أي: ثعلبًا، مع أنه ليس باسم جنس بل علم جنس يُعامل في اللفظ معاملة الأعلام (^٦).\nفإن قلت: وما الفرق بين اسم الجنس وعلم الجنس، مع أن كلًا منهما يصدق على ما لا يتناهى ومسماه كلي؟\n_________\n(^١) فالمتواطئ بقيد عدم الاختلاف في المحال، والمشكك بقيد الاختلاف في المحال.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: جسم الأسود.\n(^٤) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٦) يعني: تعريف البيضاوي لاسم الجنس غير مانع؛ لأنه يدخل في التعريف عَلَم الجنس؛ إذ هو غر معيَّن، واسم الجنس نكرة، وعلم الجنس معرفة يُعامل معاملة الأعلام.","vol":"3","page":539},{"text":"قلت: المختار في التفرقة بينهما أن علم الجنس: هو الذي يُقصد به تمييز الجنس عن غيره من غير نظر إلى أفراده (^١).\nواسم الجنس: ما يُقْصد به مسمى الجنس باعتبار وقوعه على أفراده (^٢). حتى إذا أدخلت (^٣) عليه الألف واللام الجنسية الدالة على الحقيقة ساوى عَلَم الجنس، (كذا ذكره والدي أحسن الله إليه في الفرق بينهما (^٤). قال (^٥): ويستنج منه أن علم الجنس) (^٦) لا يُثنَّى ولا يجمع؛ لأنه إنما يثنى ويجمع الأفراد (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>(فائدة):</span>\nاعلم أنا إذا قلنا على الإنسان حيوان، وأنه كلي فها هنا (^٨) اعتبارات ثلاثة:\n_________\n(^١) أي: أن علم الجنس وضع للماهية الذهنية، بقطع النظر عن الأفراد.\n(^٢) أي: أن اسم الجنس وضع للماهية الذهنية، بدون قطع النظر عن أفراده.\n(^٣) في (ت): \"دخلت\".\n(^٤) وهذا الفرق هو ما ذكره الشنقيطي رحمه الله تعالى في آداب البحث والمناظرة ق ١/ ١٩. وقال: بل لا يكاد يُعقل غيره. اهـ، وقد نقل القرافي رحمه الله تعالى عن الشيخ شمس الدين الخسروشاهي الفرق بين علم الجنس واسم الجنس بخلاف ما قرره الشارح. انظر: نفائس الأصول ٢/ ٦٠١، شرح تنقيح الفصول ص ٣٣.\n(^٥) سقطت من (غ)، و(ك).\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) لأن علم الجنس إنما وضع للماهية الذهنية لا للأفراد، فلا يجمع ولا يُثَنَّى؛ لأن الجمع والتثنية إنما يكونان للأفراد، والماهية الذهنية شيء واحد لا تعدد فيها.\n(^٨) في (ص): \"فهنا\".","vol":"3","page":540},{"text":"أحدها: أن يراد به الحصة من الحيوانية التي شارك باعتبارها الإنسانُ غيرَه، وهذا يقال له: الكلي الطبيعي (^١).\nوتارةً يُراد به أنه غيرُ مانع من الشركة، وهذا هو الكلي المنطقي (^٢).\nوتارة يراد به الأمران، أعني: الحيوانية التي وقعت بها الشركة، مع كونها غير مانعة، وهذا هو الكلي العقلي.\nفلأول: موجود في الخارج؛ لأنه جزء من الإنسان الموجود، وجزءُ الموجود موجود.\nوالثاني: لا وجود له في الخارج؛ لاشتماله على ما لا يتناهى. ومنهم من زعم أنه موجود في الخارج.\nوالثالث: في وجوده في الخارج أيضًا اختلاف، والظاهر (^٣) أنه لا\n_________\n(^١) بمعنى أنه طبعه الله طبيعة مخصوصة، قابلة لعوارض مخصوصة، نحو: الحس، والحركة بالإرادة، وغير ذلك.\nانظر: نفائس الأصول ١/ ٥٠٦.\n(^٢) قول الشارح رحمه الله تعالى: \"يراد به أنه غير مانع من الشركة\" إشارة إلى تعريف الكلي عضد المناطقة: وهو أنه ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه. كإنسان، وحيوان، ونبات، وجماد، ونحوها من النكرات. وقد بَيَّن القرافي هذا النوع بشيء من التفصيل فقال: \". . . هو إشارة إلى الصورة الكائنة في الذهن التي تنطق على أفراد الحيوانات في الخارج، فهذا هو الكلي المنطقي؛ لأن أهل المنطق إنما يتكلمون فيه؛ لأنهم إنما يتكلمون في هذا الموطن في: الجنس، والنوع، والفصل، والخاص، والعرض العام. وهذه صور ذهنية تنطبق على أمور خارجية؛ فلذلك سُمِّى منطقًا\".\nنفائس الأصول ١/ ٥٠٦.\n(^٣) سقطت من (غ).","vol":"3","page":541},{"text":"وجود له أيضًا؛ لاشتماله على ما لا يتناهى. وزعم أفلاطون أنه موجود في الأعيان، وأن الإنسان الكلي (^١) موجود في الخارج (^٢).\nقال: (جزئي إن لم يشترك).\nهذا مقابل لقوله: \"كلي\" أي: الذي لا يشترك في معناه كثيرون هو الجزئي. وإنْ شئت قلت: الجزئي: ما يمنع نفس تصور معناه من وقوع الشركة فيه. كزيدٍ العَلَم مثلًا.\nقال: (عَلَم إن استقل، ومُضْمَرٌ إن لم يستقل).\nالجزئي إما عَلَم أو مضمر؛ لأنه إما أن يستقل في دلالته على المعنى الجزئي فهو العلم كزيد، وإما أن لا يستقل في ذلك بل يحتاج إلى قرينةِ تَكَلُّمٍ أو خطابٍ أو غَيْبةٍ فهو المضمر، كأنا وأنت وهو (^٣). هذا شرح ما أورده، وفيه مناقشات من وجوه:\nأحدها: أن هذا التقسيم كله في الاسم، وقد قَدَّم أن الاسم: هو الذي يستقل، فكيف يقسِّم (^٤) ما يستقل إلى ما لا يستقل! (^٥).\n_________\n(^١) أي: الكلي المنطقي. انظر: نفائس الأصول ١/ ٥٠٥، ٥٠٦.\n(^٢) قال القرافي: \"ومتى قيل: الكلي لا موجود في الخارج صَدَق باعتبار المنطقي، والعقلي، دون الطبيعي. ومتى قيل: موجود في الخارج صدق باعتبار الطبيعي دون الآخَرَيْن\". انظر: نفائس الأصول ١/ ٥٠٦، ٥٠٧، وانظر: البحر المحيط ٢/ ٢٨٦.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ك): \"ينقسم\".\n(^٥) يعني: كيف يجعل من أقسام المستقل وهو الاسم، غيرَ المستقل وهو المضمر! .","vol":"3","page":542},{"text":"الثاني: أن عدم الاستقلال موجود في أسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، وغيرها، وليست مضمرات.\nوالثالث: أن عدم الاستقلال قد جعله أوَّلًا رَسْمًا للحرف، فإنْ أراد بالاستقلال ذلك (^١) فالاعتراض لائح، وإنْ أراد غيره فليبينه (^٢).\nالرابع: أنه أهمل في تقسيم الكلي إلى اسم جنس، ومشتقٍّ - ذِكْرَ عَلَمِ الجنس كما عرفت.\nالخامس: أنه جعل المضمر من أقسام الجزئي (^٣)، ولقائل أن يقول: وَحْدة المضمر بالنوع لا بالشخص (^٤)، فإنَّ أنتَ مثلًا معناه: (المخاطب، المذكر، المفرد) (^٥)، من غير تعيين، فيصح إطلاقه على مَنْ كان كذلك. والناس مختلفون في أنَّ (^٦) المضمر جزئي أو كلي، وحجة المصنف ومَنْ\n_________\n(^١) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"ذاك\".\n(^٢) يعني: إن أراد بالاستقلال هنا الاستقلالَ الذي ذكره في تعريف الحرف، وهو استقلال معناه بالمفهومية - فالاعتراض أيضًا لائح، وهو أن الحرف غير مستقل فيدخل في تقسيم الاسم إلى مستقل وغير مستقل، فيكون الحرف اسمًا، لأنه من أقسامه، كما دخلت المضمرات في التعريف، وإنْ أراد بالاستقلال غير ذلك المعنى فليبيِّنه.\n(^٣) أي: مع أن المضمر كلي؛ لأنه يشترك فيه كثيرون، كما سيبينه الشارح.\n(^٤) يعني: الضمائر واحدة بنوعها لا بشخصها، فتكون كلية؛ لأنها لو كانت واحدة بشخصها لا تطلق إلا على شخصٍ واحد، فتكون جزئية.\n(^٥) في (ت): \"للمخاطب المفرد المذكر\".\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"3","page":543},{"text":"جعله جزئيًا أن الكلي نكرة، والمضمرات أعرف المعارف (^١) (^٢).\nقال: (تقسيم آخر: اللفظ والمعنى إما أن يتحدا وهو المنفرد (^٣)، أو يتكثرا وهي المتباينة (^٤)، تفاصلت معانيها كالسواد والبياض، أو تواصلت كالسيف والصارم، والناطق والفصيح. أو تكثر اللفظ واتحد المعنى (وهي المترادفة، أو بالعكس) (^٥): فإنْ وُضع للكل كالعين (^٦) فمشترك، وإلا فإن نُقِل لِعَلاقة واشتهر في الثاني - سمي بالنسبة إلى\n_________\n(^١) انظر: آداب البحث والمناظرة ق ١/ ٢٠، قال الإسنوي في نهاية السول ٢/ ٥٢: \"ذهب الأكثرون إلى أن المضمر جزئي كما ذهب إليه المصنف. . . ونقل القرافي في شرح المحصول وشرح التنقيح عن الأقلين أنه كلي، وقال: إنه الصحيح. وقال الأصفهاني في شرح المحصول: إنه الأشبه. وهذا القول هو الصواب\". انظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٤، نفائس الأصول ٢/ ٥٩٤، ٥٩٥.\n(^٢) انظر المباحث السابقة في: المحصول ١/ ق ١/ ٣٠١، التحصيل ١/ ٢٠٠، الحاصل ١/ ٢٩٩، نهاية السول ٢/ ٣٩، السراج الوهاج ١/ ٢٦٣، شرح الأصفهاني على المنهاج ١/ ١٧٨، شرح الكوكب ١/ ١٠٩، الإحكام ١/ ١٦، شرح تنقيح الفصول ص ٢٧، حاشية الباجوري على السلم ص ٣٤، آداب البحث والمناظرة ص ١٧.\n(^٣) في (ت)، و(ص)، و(ك)، و(غ): \"المفرد\". وكذا في شرح الأصفهاني للمنهاج ١/ ١٨٢، والسراج الوهاج ١/ ٢٦٨. وهو خطأ؛ لأن المفرد سبق تعريفه، والمراد هنا بيان المنفرد أي اللفظ المنفرد بمعنى واحد، والمثبت من نهاية السول ١/ ٥٦، وسيأتي كلام الشارح وتعبيره بالمنفرد.\n(^٤) في (ت): \"المباينة\". وهو موافق لما في السراج الوهاج ١/ ٢٦٩.\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٦) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).","vol":"3","page":544},{"text":"الأول منقولًا عنه، وإلى الثاني منقولًا إليه، وإلا فحقيقة ومجاز).\nهذا تقسيم ثاني للفظ المفرد، وهو باعتبار وَحْدته وَوَحْدةِ مدلولِهِ، وتعددهما. وينقسم بهذا الاعتبار إلى أربعة أقسام؛ وذلك لأنك إذا نسبت اللفظ إلى المعنى فإما أن يتحدا، أو يتكثَّرا، أو يتكثر اللفظ ويتحد المعنى، أو بالعكس.\nفأما الأول: وهو أن يتحدا. ومثاله: لفظة \"الله\" فإنها واحدة ومدلولها واحد، ويسمى هذا بالمنفرد (^١)؛ لانفراد لفظه بمعناه، وهو ينقسم إلى: كلي، وجزئي، على ما مر في التقسيم السابق.\nوأما الثاني: وهو أن يتكثَّر اللفظ والمعنى - فهي الألفاظ المتباينة، كالإنسان والفرس وغير ذلك من الألفاظ المختلفة، الموضوعة لمعانٍ مختلفةٍ، وحينئذ إما أن يمتنع اجتماعها كالسواد والبياض، أو لا يمتنع بأن يكون بعضها اسمًا للذات، وبعضها اسمًا للذات إذا اتصفت بصفة خاصة، كالسيف والصارم فإن السيف اسم للذات، والصارمَ للسيف القاطع (^٢) كما قاله الجوهري في \"الصِّحاح\" (^٣) وغيرِه، وقد يجتمعان في سيف واحد (^٤). أو يكون بعضها اسمًا للصفة، وبعضها اسمًا لصفة الصفة؛ كالناطق بالفعل (^٥) والفصيح، فإن الناطق بالفعل صفة للإنسان وقد لا يكون\n_________\n(^١) في (ت): \"بالمفرد\". وهو خطأ. كما سبق بيانه.\n(^٢) فالسيف والصارم متباينان. انظر: نهاية السول ٢/ ٥٨.\n(^٣) انظر: الصحاح ٥/ ١٩٦٦، مادة (صرم).\n(^٤) كقولنا: سيف قاطع. انظر: نهاية السول ٢/ ٥٨.\n(^٥) فيخرج الأبكم، والطفل الصغير، فإنهما ناطقان بالقوة.","vol":"3","page":545},{"text":"فصيحًا (^١). فالأُولى التي لا يمكن اجتماعها هي المسماة بالمتباينة (المتفاصلة؛ لتفاصل معانيها بالذات. والثانية التي لا يمتنع اجتماعها هي المسماة بالمتباينة) (^٢) المتواصلة؛ لتواصل معانيها. وقد بيّنّا أنها على نوعين.\nوأما القسم الثالث: وهو أن يكون اللفظ كثيرًا، والمعنى واحدًا - فهى الألفاظ المترادفة، كالإنسان والبشر لواحدٍ سواء كانت من (لغة واحدة، أو من لغات مختلفة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في فصل) (^٣) الترادف.\nوأما الرابع: وهو أن يكون اللفظ واحدًا والمعنى كثيرًا - فلا يخلو إما أن يكون قد وُضع للكل، أي: لكل واحد من تلك المعاني أوْ لا. والأول المشترك كالعَيْن لمدلولاتها المتعددة (^٤).\nوالثاني: وهو أن لا يوضع لكل واحد؛ بل لمعنى، ثم يُنقل إلى غيره، فإما أن يُنقل لعلاقة أوْ لا: فإن لم ينقل لعلاقة وقد أهمله المصنف فهو المرتجل. كذا قاله الإمام (^٥). قال القرافي: \"وفيه نظر؛ لأن المرتجل في\n_________\n(^١) والفصيح صفة النطق التي هي صفة الإنسان، فيكون الفصيح صفة الصفة.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) قال في المصباح ٢/ ٩٢ مادة (عين): \"العين تقع بالاشتراك على أشياء مختلفة: فمنها الباصرة، وعين الماء، وعين الشمس، والعين الجارية، والعين الطليعة، وعين الشيء: نَفْسُه، ومنه يقال: أخذت مالي بعينه، والمعنى: أخذت عين مالي. والعين: ما ضُرِب من الدنانير، وقد يقال لغير المضروب: عين أيضًا. قال في التهذيب: والعين النقد، يقال: اشتريت بالدين أو بالعين\".\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣١٢، ٣١٣.","vol":"3","page":546},{"text":"الاصطلاح: هو اللفظ المخترع الذي لم يتقدم له وضع\" (^١).\nوإن نُقِل لعلاقة: فإما أن يشتهر في الثاني أوْ لا:\nفإن اشْتَهَر في الثاني كالصلاة سُمِّي بالنسبة إلى المعنى الأول منقولًا عنه، وبالنسبة إلى المعنى الثاني منقولًا إليه، إما شرعيًا، أو عرفيًا عامًا، أو خاصًا، بحسب اختلاف الناقلين، كما سيتبين (^٢) لك إن شاء الله تعالى في حَدِّ المجاز.\nوإنْ لم يشتهر في الثاني كالأسد، فهو حقيقة بالنسبة إلى الأول، أعني: الحيوان المفترس، مجازٌ بالنسبة إلى الثاني وهو الرجل الشجاع. هذا تقرير ما في الكتاب. والنظر فيه من وجوه:\nمنها: اشتراطه المناسبة في المنقول، وهو غير شَرْطٍ؛ ألا ترى أن كثيرًا من المنقولات لا مناسبة بينها وبين المنقولة (^٣) عنها، كالجوهر إذ هو في اللغة: الشيء النفيس (^٤)؛ وفي اصطلاحِ المتكلمين: قَسيم العرض (^٥). وأما\n_________\n(^١) انظر: نفائس الأصول ٢/ ٦٠٦، والنقل بالمعنى، وعبارته: \". . . على أن المرتجل هو اللفظ الذي لم يُسبق بوضع، وهو قد اشترط الوضع عكس ما قالوه\". وانظر: شرح التنقيح ص ٣٢.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"سنبين\".\n(^٣) في (ص): \"المنقول\".\n(^٤) انظر: المعجم الوسيط ١/ ١٤٩.\n(^٥) قال الإسنوي في نهاية السول ٢/ ٥٩: \"ثم نقله المتكلمون إلى قسيم العَرَض: وهو القائم بنفسه. وإنْ كان في غاية الخسَّة\".","vol":"3","page":547},{"text":"قول الأصفهاني: إنَّ قيامه بنفسه نفاسةٌ - فهو إن صَحَّ ودفع صحة التمثيل بالجوهر - لا يدفع أصل الدعوى (^١).\nومنها: أن كلامه يقتضي (^٢) أن المجاز لا يَشْتَهِر، وهو مردود بل ربَّ مجازٍ أشهرَ من الحقيقة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح.\nومنها: أن كلامه ناطق بأن المجاز غير (^٣) موضوع، وسوف\n_________\n(^١) يعني: أن كلام الأصفهاني إن سُلِّم في كون الجوهر نُقل لمناسبة، وَدَفع كلامُه هذا صحةَ التمثيل بالجوهر على النقل لغير مناسبة - فإن كلام الأصفهاني لا يدفع أصل الدعوى وهي أن المناسبة لا تشترط في النقل؛ لأن عدم صحة المثال لا يمنع صحة الدعوى؛ لأن التمثيل للتوضيح لا للتدليل، وكما قيل: ليس من دأب الرجال المنازعة في المثال.\n(^٢) في (ت): \"مُقتضي\".\n(^٣) سقطت من (ص). ورحم الله الشيخ المطيعي إذ أدرك أن هناك سقطًا سواء في \"نهاية السول\" أو في \"الإبهاج\" من الطبعة التوفيقية، التي هي أولى الطبعات للكتاب، وما بعدها صورة منها، حيث يقول في تعليقه على كلام الإسنوي رحمه الله تعالى: قال الإسنوي: \"وعُلِم من هذا أن المجاز عند المصنف غير موضوع إلى آخره\". وقال التاج السبكي في تكملة الإبهاج: ومنها أن كلامه ناطق بأن المجاز موضوع، وسوف يأتي ما يخالفه. اهـ وعبارته تنافي عبارة الإسنوي، ولعل في إحدى العبارتين سقطًا أو زيادة، وعلى كل حال فالمختار أن المجاز موضوع بالوضع النوعي، لا الشخصي، ولعل الخلاف لفظي. اهـ. سلم الوصول ٢/ ٥٩، ٦٠. ومن غير شك أن السقط في \"الإبهاج\"، لا في \"نهاية السول\"؛ لأن كلام البيضاوي ناطق - كما قال الشارح - بأن المجاز غير موضوع؛ لأنه قال: \"فإنْ وُضع للكل كالعين فمشترك، وإلا (أي: إن لم يوضع للكل) فإنْ نقل لعلاقة واشتهر. . .\" إلخ.","vol":"3","page":548},{"text":"يأتي (^١) ما يخالفه إن شاء الله تعالى.\nومنها: أنه يقتضي أن المجاز يوضع لا لِعَلاقة (^٢)؛ إذ قال: \"وإلا فحقيقة ومجاز\" أي: وإن لم يوضع لعلاقة فحقيقة ومجاز، وليس كذلك؛ إذ لا بد من العلاقة في المجاز. ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن قوله: \"لعلاقة\" إنما ذكره لتحقيق معنى النقل لا لتنويعه، أي: لا يتحقق النقل ولا يعتبر إلا بالعلاقة (^٣)، لكن يَتَعَيَّن على هذا أن يكون قوله: \"وإلا فحقيقة ومجاز\" معطوفًا على قوله: \"واشتهر\"، أي: وإن لم يشتهر فمجاز (^٤)، ويجيء (^٥) الإيراد الثاني.\nقال: (وأما الثلاثة الأول المتحدة المعنى فنصوص. وأما الباقية: فالمتساوي الدلالة مجمل، والراجح ظاهر، والمرجوح مؤول).\nالثلاثة الأول: المتحدة اللفظ والمعنى، والمتكثرة اللفظ والمعنى، والمتكثرة اللفظ دون المعنى - نصوص؛ لأن لكلِ لفظٍ منها فردَ\n_________\n(^١) سقطت من (ت). وفي (ك): \"سيأتي\".\n(^٢) في (ك): \"بعلاقة\".\n(^٣) أي: لم يقصد بقوله: \"لعلاقة\" التنويع، وهو أن العلاقة مشترطة في النوع الأول: المنقول، والمنقول إليه، ولا تُشترط في النوع الثاني: وهى الحقيقة والمجاز، بل قصد بقوله: \"لعلاقة\" بيان أن النقل لا يتحقق ولا يوجد إلا بالعلاقة، فيكون المجاز على هذا مشترطًا فيه العلاقة.\n(^٤) فيكون المعنى على هذا: وإن لم يشتهر اللفظ في الوضع الثاني فيكون التقسيم بالحقيقة والمجاز، أي: أن الحقيقة هي المشهورة، والمجاز غير مشهور.\n(^٥) في (غ): \"أي ويجيء\".","vol":"3","page":549},{"text":"مَعْنى (^١) لا يحتمل غيرَه، وهذا هو المَعْنِيُّ بالنص، سُمِّي به لارتفاعه على غيره من الألفاظ في الدلالة، مِنْ قولهم: نَصَّتِ الظبية جِيدها، إذا رَفَعَتْ، ومنه مِنَصَّة العروس (^٢) وقد يطلق النص على ما يدل على معنى قطعًا ويحتمل غيره، كصيغ العموم في الجموع (^٣)؛ فإنه لا بد لها من ثلاثة (^٤) ويحتمل الزيادة. وقد جمع الشيخ تقي الدين [ص ١/ ١٧٢] ابن دقيق العيد - ﵁ - في \"شرح العنوان\" الاصطلاحات في النص فقال: هي ثلاث:\nأحدها: أن لا يحتمل اللفظ إلا معنى واحدًا (^٥).\n_________\n(^١) في (ص): \"فردًا معينًا\".\n(^٢) في اللسان ٧/ ٩٧، مادة (نصص): \"النَّصُّ: رَفْعُك الشيء. نَصَّ الحديثَ يَنُصُّه نَصًّا: رَفَعه. وكُلُّ ما أُظْهِرَ فقد نُصَّ. . . يقال: نَصَّ الحديث - إلى فلان، أىِ: رفعه. وكذلك: نَصَصْتُه إليه. ونصت الظبيةُ جيدها: رَفَعَتْه. ووضع على المِنَصَّة، أي: على غاية الفضيحة والشهرة والظهور. والمِنَصّةُ: ما تُظْهَرُ عليه العروسُ لتُرَى، وقد نَصَّها وانتصت هي\".\n(^٣) أي: ألفاظ الجمع الدالة على العموم، قال القرافي في نفائس الأصول ٢/ ٦١١: \"وما يدل على معنى قطعًا ويحتمل غيره كصيغ الجموع في العموم نحو قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. قال القرافي في شرح التنقيح ص ٣٧ عن المشركين في الآية: \"فإنه يقتضي قتل اثنين جزمًا، فهو نص في ذلك مع احتماله لقتل جميع المشركين\". وإنما قال القرافي اثنين جزمًا، مع أن الشارح قال: ثلاثة؛ لأن المسألة خلافية بناءً على ما هو أقل الجمع. وانظر: البحر المحيط ٤/ ١٢٦.\n(^٤) أي: ثلاثة أفراد، فلا تطلق على اثنين ولا واحد.\n(^٥) وهذا هو اصطلاح الأصوليين، ومَثَّل القرافي له بأسماء الأعداد. انظر: نفائس الأصول ٢/ ٦١١.","vol":"3","page":550},{"text":"الثاني: اصطلاح الفقهاء: وهو اللفظ الذي دلالته قوية الظهور.\nقلت: وهو الذي مشى عليه الإمام والمصنف في كتاب القياس (^١) كما سينتهي الشرح إليه إن شاء الله تعالى.\nالثالث: اصطلاح الجدليين فإن كثيرًا من متأخريهم يريدون بالنص: مجرد لفظ الكتاب والسنة.\nوقد احترز في الكتاب بقوله: \"المتحدة المعنى\" عن العين، والقرء، فإنها متباينة مع أنها ليست بنصوص (^٢)؛ لأن كل لفظ منها مشترك بين مَعان. وكذلك الألفاظ المترادفة (^٣) قد تكون مشتركة كلفظة العين والناظر (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المحصول ٢ / ق ٢/ ١٩٣.\n(^٢) إذ الأصل في المتباين أنه من النصوص.\n(^٣) في (ص): \"المترادفة الألفاظ\".\n(^٤) أي: وكذلك احترز المصنف بقوله: \"المتحدة المعنى\" عن الألفاظ المترادفة المشتركة؛ لأنها من حيث كونها مترادفة متحدة المعنى، ولكن من حيث كونها مشتركة غير متحدة المعنى، فلا تكون من النصوص التي يشترط فيها اتحاد المعنى، وذلك مثل لفظ العين والناظر، فإنهما مترادفان، وفي نفس الوقت مشتركان؛ إذ لكلٍ منهما معان متعددة. وقد سبق ذكر معاني العين، وأما معاني الناظر، فالناظر اسم فاعل من نظر، أي: أبصر، فهو بمعنى المبصر. والناظر: النقطة السوداء الصافية التي في وسط سواد العين، وبها يرى الناظر ما يرى. وقيل: الناظِرُ في العين (أي: النقطة السوداء التي في العين) كالمرأة إذا استقبلْتَها أبصرتَ فيها شخصك.\nانظر: لسان العرب ٥/ ٢١٦، المصباح المنير ٢/ ٢٨١، مادة (نظر)","vol":"3","page":551},{"text":"قوله: \"وأما الباقية\" أي: متحدة اللفظ متكثرة المعنى. وإنما قال: \"الباقية\" وأراد القسم الرابع؛ لأن تحته أقسامًا عدة: كالمشترك، والمنقول عنه وإليه، والحقيقة والمجاز. وحاصل هذا أن هذا القسم إما أن تكون دلالته على كل واحد من المعاني على السوية - فهو المجمل، أوْ لا: فإن كانت دلالته على بعض المعاني أرجح فالطرف الراجع ظاهر، والمرجوح مُؤوَّل؛ لانه يَؤُول إلى الظهور عند مساعدةِ الدليل له.\nقال: (والمشترك بين النصِّ والظاهرِ المحكم، وبين المجمل والُمؤَوَّل المتشابه).\nلا شك في اشتراك النص والظاهر في رجحان الإفادة، وإنما النص راجح لا يحتمل غيره. والظاهر راجح يحتمل غيره (^١). والقدر المشترك بينهما من الرجحان يسمى المحكم؛ لإحكام عبارته وإتقانه، فالمحكم جنس لنوعين: النص، والظاهر. ومقابلهما المجمل والمُؤَوَّل، فإنهما اشتركا في أن كلًا منهما يفيد معناه إفادةً غيرَ راجحةٍ إلا أن المؤول مرجوح، والمجمل ليس مرجوحًا بل مساويًا، والقدر (^٢) المشترك بينهما من عدم الرجحان يسمى (^٣) بالمتشابه. فالمتشابه جنس لنوعين: المجمل، والمؤول. وأصل هذا الاصطلاح مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٢) في (ت)، و(غ)، و(ك)، \"فالقدر\".\n(^٣) في (ت): \"مسمى\".\n(^٤) انظر البحوث السابقة في: المحصول ١/ ق ١/ ٣١١، التحصيل ١/ ٢٠١، الحاصل =","vol":"3","page":552},{"text":"قال: (تقسيم آخر: مدلول اللفظ إما معنى، أو لفظ: مفرد، أو مركب. مستعمل، أو مهمل، نحو: الفرس، والكلمة، وأسماءِ الحروف، والخبر، والهذيان).\nاللفظ المفرد باعتبار حقيقة مدلولِه ينقسم إلى خمسة أقسام؛ لأن مدلوله إما: معنى، أو لفظ. والأول: قد تقدم الكلام فيه من كونه كليًا أو جزئيًا. والثاني: إما أن يكون اللفظ الذي هو مدلوله (^١) مفردًا، أو مركبًا، وكلٌ منهما إما أن يكون مهملًا، أو مستعملًا.\nالأول (^٢): كالفرس (^٣)، فإنه لفظٌ مدلولُه معنى.\nوالثاني: نحو الكلمة، فإنها لفظ مدلوله: لفظٌ، مفردٌ، مستعمل. وهو الاسم، والفعل، والحرف. وقد عرفت في التقسيم السابق وجه (^٤) انحصار انقسام (^٥) الكلمة في: الاسم، والفعل، والحرف. وأجمعت (^٦) النحاة على\n_________\n= ١/ ٣٠٠، نهاية السول ١/ ٥٦، السراج الوهاج ١/ ٢٦٨، شرح تنقيح الفصول ص ٢٩، بيان المختصر ١/ ١٥٩، شرح الكوكب ١/ ١٣٦، الإحكام ١/ ١٧، شرح المحلى على جمع الجوامع ١/ ٢٧٥.\n(^١) أي: مدلول اللفظ، فاللفظ دال ومدلول، ومقصوده هنا الكلام على اللفظ الذي مدلوله لفظ فقط.\n(^٢) أي: القسم الأول من الخمسة، وهو أن يكون مدلول اللفظ معنى.\n(^٣) وكزيد، والإنسان، والجماد، والنبات، والحيوان، والألوان، والطعوم، والروائح، وجميع الأعراض غير اللفظ. انظر: نفائس الأصول ٢/ ٦٤٣.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (غ)، و(ك): \"أقسام\".\n(^٦) في (ك): \"واجتمعت\".","vol":"3","page":553},{"text":"انحصارها في ذلك.\nقال شيخنا أبو حيان ﵀: وحكى لنا الأستاذ أبو جعفر بن الزبير شيخنا عن صاحبه أبي جعفر بن صابر (^١) أنه كان يذهب إلى أن ثمَّ رابعًا وهو الذي نسميه نحن: اسم فعل، وكان يسميه: خالفة؛ إذ ليس هو عنده واحدًا من هذه الثلاثة (^٢).\nوالثالث: كأسماء حروف التهجي، فذلك مدلوله: لفظٌ، مفردٌ، مهملٌ. ألا ترى أن حروف جَلَس لم تُوضع لمعنى، مع أن كلًا منها قد وُضع له اسم: فللأول الجيم، وللثاني (^٣) اللام، وللثالث (^٤) السين.\nفإن قلت: فيكون قول الأستاذ لتلميذه: قل: أب ت - عبثًا؛ إذ لا معنى لهذه الألفاظ؟\nقلت: لما كانت آلةً يُتوصل باجتماعها على الترتيبِ المعتبرِ إلى الكلام المفيد - لم يكن تعليمها عبثًا.\nوالرابع: كلفظ الخبر، فإنَّ مدلوله: لفظٌ، مركبٌ، مستعملٌ. نحو: قام زيد.\n_________\n(^١) قال السيوطي: \"أحمد بن صابر أبو جعفر النحويّ، الذَّاهب إلى أنَّ للكلمة قسمًا رابعًا، وسمّاه الخالفة، قرأ عليه أبو جعفر بن الزبير\"، انظر: بغية الوعاة ١/ ٣١١، ولم يزدِ السيوطيُّ على هذا، ولم أقف على ترجمته عند غيره.\n(^٢) انظر: بغية الوعاة ١/ ٣١١.\n(^٣) في (ك): \"والثاني\".\n(^٤) في (ك): \"والثالث\".","vol":"3","page":554},{"text":"والخامس: أن يكون المدلول لفظًا، مركبًا، مهملًا.\nقال الإمام: \"والأشبه أنه غير موجود؛ لأن التركيب إنما يُصار إليه لغرض الإفادة، فحيث لا إفادة لا تركيب\" (^١).\nقال صفي الدين الهندي: \"وهذا حق إن عُنِي بالمركب ما يكون جزؤه دالًا على جزء المعنى حين هو جزؤه (^٢). وإن عُنِي به ما يكون لجزئه دلالة في الجملة ولو في غير معناه، أو ما (^٣) يكون مؤتلفًا من لفظين (^٤) كيف كان التأليف، وإن لم يكن لشيء من أجزائه دلالة - فهو باطل.\nأما الأول (^٥): فمثل \"عبد الله\" إذا كان عَلَمًا فإن اسم العلم يدل عليه، وهو لفظ مركب على هذا التقدير غير دالٍ على المعنى المركب.\nوأما الثاني: فكلفظ (^٦) \"الهذيان\" فإنه يدل على المركب من مُهْملتين، أو من لفظة مهملة ومستعملة، وهو غير دال على المعنى\n_________\n(^١) المحصول ١/ ق ١/ ٣٢٣.\n(^٢) لأن الجزء إذا لم يكن دالًا على جزء المعنى لا يتحقق به التركيب؛ إذ المركب: هو ما دلَّ جزؤه على جزء معناه. فإذا كان كل جزء لا معنى له - لم يكن ذلك المجموع مركبًا، وعلى هذا فليس للمركب المهمل وجود؛ لأن ضابط التركيب إفادة الجزء لجزء معنى المركب.\n(^٣) في (ت): \"وما\".\n(^٤) في (ص): \"لفظتين\". والمثبت موافق لما في \"نهاية الوصول\".\n(^٥) وهو ما يكون لجزئه دلالة في الجملة، ولو في غير معناه.\n(^٦) في (غ): \"فلفظ\".","vol":"3","page":555},{"text":"المركب. هذا إن أراد بعدم دلالته على معنى المعنى المركب، أما إنْ أراد أنه لا يدل على معنى أصلًا وأراد باللفظ المركب المعنى الثاني (^١) فينتقض بالثاني دون الأول\" (^٢) انتهى. والمصنف حاول ذلك فخالف الإمام (^٣) ومثَّل بالهذيان كما قررناه، فإنه لفظ موضوعٌ للمهمل المركب كما عرفت (^٤) (^٥).\nقال: (والمركب صِيغَ للإفهام).\nشرع في تقسيم المركب، ولا رَيْبَ فيما ذكره من أن المتكلم إنما صاغ المركب من المفردات؛ ليُفْهِم ما في ضميره.\nقال: (فإنْ أفاد بالذات طلبًا فالطلب للماهية استفهام، وللتحصيل مع الاستعلاء أمر، ومع التساوي التماس، ومع التسفل سؤال. وإلا فمحتَمِلُ التصديقِ والتكذيب خبرٌ، وغيره تنبيه، ويندرج فيه: الترجي،\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ١/ ١٤٣.\n(^٣) بل خالف أيضًا صاحبي الحاصل والتحصيل، فإنهما ذهبا إلى رأي الإمام.\nانظر: الحاصل ١/ ٣٠٧، التحصيل ١/ ٢٠٣.\n(^٤) قال الإسنوي عن رأي الإمام: \"وهو ضعيف، فإن ما قالوه دليل على أن المهمل غير موضوع، لا على أنه لم يوضع له اسم\". نهاية السول ٢/ ٦٢.\nوانظر: نفائس الأصول ٢/ ٦٤٤.\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٢١، التحصيل ١/ ٢٠٣، الحاصل ١/ ٣٠٦، نهاية السول ١/ ٦٢، السراج الوهاج ١/ ٢٧٢، شرح المنهاج للأصفهاني ١/ ١٨٥.","vol":"3","page":556},{"text":"والتمني، والقَسَم، والنداء).\nالمركب تارةً يفيدَ طلبًا بالذات أي: بالوضع. وإنْ شئتَ قلتَ: إفادةً أولية (^١). وطورًا يفيد غير ذلك.\nفإن أفاد طلبًا بذاته: فإنْ كان الطلب لماهيةٍ في الذهن - وأحسن من هذه العبارة أن تقول (^٢): بطلب (^٣) ذِكْرِ ماهية الشيء - فهو الاستفهام (^٤)، كقولك: ما هذا؟ ومَنْ هذا؟\nوإنْ كان لتحصيل أمرٍ ما من الأمور:\nفإن كان مع الاستعلاء فأمر، كقول المتعاظم المستعلي لآخر: افعل كذا. سواء أكان (^٥) مع الاستعلاء عاليًا في نفس الأمر، أم (^٦) لم يكن.\nوإن كان مع التساوي، كقول القائل لمماثله: افعل كذا - فهو التماس، وتسمية التساوي بالالتماس اصطلاح خاص، كما قال ابن دقيق العيد في \"شرح العنوان\".\nوإنْ كان مع التسفل، كقول مَنْ يجعل نفسه دون المطلوب منه - فهو\n_________\n(^١) قوله: وإنْ شئت. . . إلخ، معناه: لك أن تُعَبِّر عن المعنى الأول بقولك: المركب تارةً يفيد طلبًا إفادة أولية.\n(^٢) في (ص): \"يقول\".\n(^٣) في (غ)، و(ك): \"طلب\".\n(^٤) في (غ): \"للاستفهام \"\n(^٥) في (ت): \"كان\".\n(^٦) في (ك): \"أو\"","vol":"3","page":557},{"text":"سؤال، سواء أكان (^١) دونه في نفس الأمر كقول الداعي: رب اغفر لي. أم (^٢) لم يكن.\nوإن لم يفد بالذات طلبًا: فإما أن يحتمل التصديق والتكذيب أوْ لا.\nالقسم الأول: أن يحتملهما فهو الخبر، وزعم قوم (^٣) أن تعبير المصنف ومَنْ وافقه بالتصديق والتكذيب أحسن من قول غيره: الصدق والكذب؛ لأن من الأخبار ما لا يحتمل إلا الصدق كخبر الصادق، وما لا يحتمل إلا الكذب كقول مَنْ قال: الواحد نصف العشرة، مع احتمال تصديق ذي المكابرة. وقولنا: الواحد نصف الاثنين، ويحتمل التكذيب من الكافر والمعاند (^٤).\nوهذا عندي غير مرضي؛ فإن الحكم على الخبر من حيث هو؛ والخبر من حيث هو خبرٌ محتملٌ لذلك (^٥)، وسقوط أحد الاحتمالين في بعض الأفراد لخصوصيةٍ ومزيةٍ لا يُخرج احتمالَ ماهيةِ الخبر من حيث هي لمحتَمِلاتها (^٦). ثم إن التصديق والتكذيب عبارة عن: الإخبار بكون الكلام\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"كان\".\n(^٢) في (ص): \"أو\".\n(^٣) لعله يقصد به الإسنوي - رحمه الله تعالى - معاصر الشارح رحمه الله تعالى.\n(^٤) انظر: نهاية السول ٢/ ٦٥.\n(^٥) أي: الحكم على الخبر بالصدق أو الكذب من حيث كونه خبرًا (أي: بصرف النظر عن قائله، وعن مطابقته الواقع أو مخالفته) محتمل. وحقيقة الخبر قابلة لكونه صدقًا أو كذبًا، بصرف النظر عن العوارض التي تمنع قبوله لأحدهما.\n(^٦) في (ت): \"بمحتملاتها\".","vol":"3","page":558},{"text":"صدقًا، أو كذبًا. فتعريفه به دور (^١)\nفإن قلت: التصديق والتكذيب، والصدق والكذب، نوعان للخبر، والنوع إنما يُعْرف بعد معرفة الجنس، (فلو عُرِّف الجنس به) (^٢) لزم الدور (^٣).\nقلت: أجاب القرافي بأن الحدَّ: هو شرح ما دل اللفظُ الأول عليه بطريق الإجمال (^٤)؛ لأن من سمع لفظ: إنسان (^٥)، وجهل مُسَمَّاه - يقال له: هو الحيوان الناطق. فإن كان جاهلًا بالحيوان والناطق فَسَد الحد؛ لأن الحد بالمجهول لا يصح، فتعيَّن أن يكونا معلومَيْن له، ومتى كانا معلومين، فمَنْ عَلِم الحيوان والناطق فقد عرف الإنسان؛ لأنه ليس شيئًا غيرهما، فعلمنا أنه كان عارفًا بحقيقة الإنسان، وإنما كان جاهلًا بمسمى اللفظ على التفصيل، وكان يعلمها من حيث الإجمال وأنَّ لها مسمى ما. وإذا كان\n_________\n(^١) لأنه عَرَّف الخبر بأنه: ما احتمل التصديق والتكذيب. والتصديق والتكذيب هما: الإخبار بكون الكلام صدقًا أو كذبًا. فأصبح الخبر موقوفًا على التصديق والتكذيب، والتصديق والتكذيب موقوف على الإخبار، فكان هذا دورًا.\n(^٢) في (ك): \"ولو عرَّفت به الجنس\".\n(^٣) يعني: سواء قلنا بالتصديق والتكذيب، أو بالصدق والكذب - فهما نوعان للخبر، والنوع إنما يُعْرف بعد معرفة الجنس الذي هو الخبر هنا، فلو عُرِّف الجنس الذي هو الخبر بالنوع الذي هو التصديق والتكذيب، أو الصدق والكذب - للزم الدور.\n(^٤) يعني: اللفظ الأول يدل على معنى بطريق الإجمال، والحد يشرح ذلك المعنى الإجمالي بالتفصيل.\n(^٥) فإنسان هو اللفظ الأول، ودلّ على الحقيقة بطريق الإجمال، أي: له معنى ما، من غير أن يَعْرِفه.","vol":"3","page":559},{"text":"الحد هو شرح ما دل اللفظ الأول عليه بطريق الإجمال - جاز أن يكون السائل عالمًا بمدلول لفظ الصدق والكذب، وجاهلًا بمدلول لفظ (^١) الخبر، فَبُيِّن له مدلول (^٢) لفظ الخبر، بمدلول لفظ الصدق والكذب (^٣). قال: ولا يُقال العلم بالنوع يستلزم العلمَ بالجنس لاستلزام العلم بالمركب العلمَ بالمفرد (^٤)؛ لأن الجهل هنا إنما وقع في (^٥) وضع لفظ الخبر للخبر لا في نفس الخبر (^٦) ولا تنافي بين العلم بالخبر والجهل بوضع لفظةٍ له (^٧) فإن المرء قد يَعْلم حقيقةً ولا يعلم اسمها (^٨).\nفإن قلت: الصدق والكذب ضدان يستحيل (^٩) اجتماعهما، فلا يقبل\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(ك).\n(^٢) سقطت من (ت)، و(ك).\n(^٣) بتطبيق ما قاله القرافي يكون الخبر هو اللفظ الأول الذي دلَّ على الحقيقة بالإجمال، ولفظ الصدق والكذب هو اللفظ الثاني الذي دلَّ على الحقيقة بالتفصيل، فعُرِّف اللفظ الأول المجمل، باللفظ الثاني المُفَصَّل.\n(^٤) المعنى: أن النوع مركب من الجنس والفصل، فيكون النوع مركبًا، والجنس مفردًا، وعلى هذا فيستلزم العلمُ بالنوع العلمَ بالجنس؛ لأن العلم بالمركب يستلزم العلم بالمفرد.\n(^٥) في (ص): \"من\".\n(^٦) يعني: أن الجهل في حد الخبر نتج مِنْ تعريف الخبر بالإخبار - كما سبق بيانه - وهو دور، لا أن الجهل في الحد ناشئ من عدم معرفة حقيقة الخبر، فحقيقته معلومة.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) كما سبق بيانه أن المرء قد يعلم الحقيقة على التفصيل، ويجهل أن هذه الحقيقة لها ذلك الاسم، فالجهل بالخبر من حيث الألفاظ الموضوعة له، لا مِنْ حيث ذاته.\n(^٩) في (ك): \"مستحيل\".","vol":"3","page":560},{"text":"مَحَلُّهما إلا أحدَهما، أما هُما معًا فلا، وإذا كان المحلُ لا يقبل إلا أحدهما كان المتعيِّن في الحد صيغة \"أو\" التي لأحد الشيئين دون \"الواو\" التي للشيئين معًا. وهذا هو الذي ارتضاه إمام الحرمين. وقال: \"مَنْ قال الصدق والكذب أَوْهم اتصالَهما بخبر واحد، فإذا (^١) ردَّد ونَوَّع فقال: (ما يدخله) (^٢) الصدق أو الكذب - فقد تحرز\" (^٣).\nقلت: ما ذكرناه هو الصواب وذلك لأنه لا (^٤) يلزم مِن تنافي المقبولين تنافي القبولين (^٥)، ألا ترى أنَّ الممكن قابل للوجود والعدم، ولو وُجد أحد\n_________\n(^١) في (ك): \"وإذا\".\n(^٢) في (ت): \"ما مدخله\". (أي: محل الدخول).\n(^٣) هذا الذي نقله الشارح رحمه الله تعالى عن الجويني رحمه الله تعالى، ذكره الجويني مستدلًا لقول القاضي - الذي عَرَّف الخبر بأو - قال: \"والخبر هو الذي يدخله الصدق والكذب. . . فرأى القاضي: الصدق والكذب على التنويع بلفظ أو؛ إذ ذاك أمثل من الإتيان بهما، فإن من قال: الخبر يدخله الصدق والكذب - أوهم إمكان اتصالهما بخبر واحد، وإذا ردَّد ونوَّع فقال: ما يدخله الصدق أو الكذب - فقد تحرز من ذلك. والذي تقتضيه صناعة الحد ارتياد أبلغ الألفاظ وأبعدها عن الإيهام، وأقربها إلى الأفهام. والذي لم يأت بالكلام على صيغة التنويع قال: لسنا نحاول حَدَّ خبرٍ واحد، وإنما نتعرض لجنس الخبر، والصدق والكذب يجريان في جنس الخبر. والقول في ذلك قريب\". البرهان ١/ ٥٦٤، والظاهر من كلامه تصحيحه للتعريفين، وإن كانت \"أو\" أوضح وأظهر. وانظر تعريف القاضي للخبر في التلخيص ٢/ ٢٧٥.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) المقبولين: الصدق والكذب من حيث التعلق بالحال والواقع. والقبولين: الصدق والكذب من حيث التعلق بالمحل. فعلى هذا لا يلزم من تنافي الصدق والكذب =","vol":"3","page":561},{"text":"القبولين دون الآخر للزم من نفي ذلك القبول ثبوت استحالة ذلك المقبول، فإن كان ذلك المستحيل هو الوجود (^١) لزم كون الممكن مستحيلًا، وإن كان المستحيل هو العدم لزم كون الممكن واجب الوجود، فلا يتصور الإمكان إلا باجتماع القبولين، وأنْ يتنافى المقبولان فتعين (^٢) الواو (^٣).\nوإنما الشبهة التي وقعت لإمام الحرمين التباس القبولين بالمقبولين، وأنه يلزم مِنْ اجتماع المقبولين تعذر اجتماع القبولين وليس كذلك، ولذلك (^٤) نقول: كل (^٥) جسم قابل لجميع الأضداد (^٦)، وقبولاتها كُلُّها مجتمعة له، وإنما المتعاقبة على سبيل البدل هي المقبولات لا القبولات فتأمل ذلك.\n_________\n= في الواقع والحال أن يتنافى قبول المحل للصدق والكذب، فالخبر من حيث مَحَلُّه يقبل الصدق والكذب، وفي هذا القبول لا منافاة بين اجتماعهما، وإنما المنافاة في المقبول، أي: من حيث الحال والواقع، فالخبر على هذا لا يكون إلا صدقًا أو كذبًا.\n(^١) في (غ): \"الموجود\".\n(^٢) في (ص): \"فيتعيَّن\".\n(^٣) قوله: فلا يتصور الإمكان. . . إلخ يعني: فلا يتصور لوجود الإمكان للمكنات إلا باجتماع القبولين (أي: الوجود والعدم من حيث المحل) وأن يتنافى المقبولان (أي: الوجود والعدم من حيث الحال والواقع) فتتعين على هذا الواو الدالة على الاجتماع؛ لأن التعريف للخبر من حيث المحل لا الحال.\n(^٤) في (غ)، و(ك): \"وكذلك\".\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) أي: كل جسم يقبل مثلًا الطول والقصر، والقوة والضعف، والاتصال والانفصال، والوجود والعدم، والكلام والبكم، وغير ذلك.","vol":"3","page":562},{"text":"فإن قلت: لِمَ سَمَّى الأصوليون ما نُقِل عن النبي - ﷺ - أخبارًا ومعظمها أوامر ونواهي؟\nقلت: أجاب القاضي بوجهين:\nأحدهما: أنَّ حاصل جميعها آيل إلى الخبر، فالمأمور به في حكم المُخْبَر عن وجوبه، وكذا القول في النواهي. والسر فيه أنه - ﷺ - ليس آمرًا على سبيل الاستقلال وإنما الآمر (حقًا الله تعالى) (^١)، وصِيَغ الأمر من المصطفى ﵇ في حكم الإخبار عن (^٢) الله تعالى.\nوالثاني: أنها سميت أخبارًا لنقل المتوسطين (^٣) وهم يخبرون عمن يروي لهم، ومَنْ عاصر النبي - ﷺ - كان إذا بلغه أمر (^٤) لا يقول: أخبرنا رسول الله - ﷺ -، (بل يقول: أمرنا) (^٥)، فالمنقول - إذا استجد - اسم الخبر في المرتبة الثانية إلى حيث انتهى (^٦).\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(ك)، و(غ): \"حقًا لله تعالى\". والمثبت من البرهان ١/ ٥٦٥.\n(^٢) في (ك): \"من\".\n(^٣) وهم التابعون ومَنْ بعدهم.\n(^٤) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٥) في (ص): \"بل أمرنا نقول\". وهو خطأ.\n(^٦) قوله: \"فالمنقول إذا استجد اسم الخبر في المرتبة الثانية\". \"اسم الخبر\"، خبر المبتدأ: \"فالمنقول\". والمعنى: أن المنقول هو اسم الخبر إذا استجد (أي: النقل) في المرتبة الثانية، وهي مرتبة ما بعد الصحابة. فالمنقول في المرتبة الثانية اسم الخبر لا لفظ الأمر؛ لأن النقل فيها إخبار عن الأمر. وقوله: \"إلى حيث انتهى\"، أي: إلى آخر الرواة.","vol":"3","page":563},{"text":"القسم الثاني: أن (^١) لا يحتمل التصديق والتكذيب فهو تنبيه.\nويندرج في التنبيه لا على وجه الحصر التمني مثل: ليت الشباب يعود. والترجي، والقَسَم، والنداء، وأمثلتهن معروفة.\nفإن قلت: ما الفرق بين الترجي والتمني؟\nقلت: الترجي لا يكون في المستحيلات، والتمني يكون في المستحيلات وفي الممكنات (^٢).\nوأما لفظ الكتاب فقوله: \"بالذات\" احتراز (^٣) عما يفيد الطلب باللازم، كقولك: أنا طالب منك أن تذكر لي حقيقة الإنسان. فإنه لا يُسمى استفهامًا. وأن (^٤) تسقيني الماء. إذ لا يُسَمَّى أمرًا. وأن (^٥) لا تفعل كذا (^٦). فإنه لا يُسَمَّى نهيًا، بل هذه إخبارات، وكذلك (^٧) الأقسام الباقية من التمني، والترجي، والقسم والنداء، كلها تفيد الطلب باللازم.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: شرح ابن عقيل على الألفية ١/ ٣٤٦.\n(^٣) في (ت)، و(ص)، \"احترازًا\".\n(^٤) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"أو أن\".\n(^٥) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"أو أن\".\n(^٦) يعني: ويقول أيضًا: وأنا طالب منك أن تسقيني ماء، وأنا طالب منك أن لا تفعل كذا.\n(^٧) في (غ): \"وكذا\".","vol":"3","page":564},{"text":"وعلى كلامه اعتراضات:\nمنها: أنه اشترط في حقيقة الأمر الاستعلاء، وذلك مذهبٌ زَيَّفه في باب الأوامر. كذا أورده بعض الشراح (^١)، وسنبين في كتاب الأوامر إن شاء الله وجه صحة كلامه وعدم اضطرابه.\nومنها: أنه جعل التساوي قسيمًا للاستعلاء والتسفل، وإنما هو قسيم للعلو والنزول (^٢)؛ لأن الاستعلاء: جَعْلُ الطالب نفسَه عاليًا، ولا يلزم من ذلك كونه عاليًا في نفس الأمر، والتسفل عكسه.\nومنها: أن قوله: \"وللتحصيل مع الاستعلاء أمرٌ\" إنْ أراد به تحصيل الفعل الذي ليس بكف - فالتقسيم غير حاصر؛ لخروج طلب (^٣) الكف بالنهي عنه (^٤). وإنْ أراد تحصيل الفعل مطلقًا كفًا كان أو غيره - لزم دخول النهي في حد الأمر، وهما حقيقتان مختلفتان.\n_________\n(^١) لعله يقصد الإسنوي في نهاية السول ٢/ ٦٤، والفنري كما في \"مناهج العقول\" للبدخشي ١/ ١٩٣.\n(^٢) فالتساوي معناه المساواة، وهو قسيم للعلو والنزول. وكذا قال الإسنوى في نهاية السول ٢/ ٦٤: \"فإن التساوي ليس قسيمًا للاستعلاء والتسفل، بل للعلو: وهو أن يكون الطالب أعلى مرتبة\".\n(^٣) في (ص)، و(غ): \"طالب\".\n(^٤) أي: لخروج طلب الكفِّ بالنهي عن الفعل بصيغة الكفّ. فلو قلت لشخصٍ: اكفف عن هذا، انته عن هذا. فهذا أمرٌ يراد به النهي، فهو غير داخل في تعريف الأمر الذي ذكره بقوله: وللتحصيل مع الاستعلاء أمر. إذا فسَّرنا التحصيل بطلب الفعل الذي ليس بكفّ.","vol":"3","page":565},{"text":"وقد يقول مَنْ يَنصره بدخول النهي في حقيقة الأمر، وأن مغايرتهما مغايرة العام والخاص، لا مغايرة المتباينين، بناءً على أن الأمر: هو ما يطلب به فعلٌ سواء أكان (^١) الفعل كفًا أم غير كف، والنهي: ما يطلب به فعل خاص وهو الكف (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>خاتمة:</span>\nقال القرافي في \"الفروق\": \"اعتقد جماعة من الفقهاء مِنْ قولنا في حد الخبر: إنه المحتمل للصدق والكذب - أن هذين الاحتمالين مستفادان من الخبر بالوضع اللغوي، وأن الوضع اللغوي (^٣) اقتضى له ذلك\". قال: \"وليس كذلك، بل لا يحتمل الخبر من حيث الوضع إلا الصدق؛ لإجماع ذوي اللسان على أن معنى قولنا: قام زيد - حصول القيام في الزمان (^٤) الماضي، ولم يقل أحد أن معناه صدورُ القيام أو عَدَمُه\" (^٥).\nولقائل أن يقول: لا نسلم أن مدلول قولنا: قام زيد - حصولُ\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"كان\".\n(^٢) قوله: وقد يقول مَنْ ينصره. . إلخ معناه: أنه قد يقول مَنْ ينصر تعريف المؤلف للأمر بأن دخول النهي في حقيقة الأمر لا بأس به؛ لأن مغايرة الأمر للنهي مغايرة العام والخاص، لا مغايرة المتباينين، فالأمر عام، والنهي خاص، والخاص يدخل في العام، فالأمر كما ذَكَر: هو ما يُطلب به فعلٌ سواءً كان. . . إلخ ما قال.\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٤) في (ك): \"الزمن\".\n(^٥) انظر: الفروق ١/ ٢٣ - ٢٤.","vol":"3","page":566},{"text":"القيام، وإنما مدلوله الحكم بحصول القيام، وذلك يحتمل الصدق والكذب (^١)، والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) فهذا الحكم من جهة اللغة محتمل للصدق والكذب.\n(^٢) انظر تقسيمات الركب في: نهاية السول ١/ ٦٢، السراج الوهاج ١/ ٢٧٣، شرح المنهاج للأصفهاني ١/ ١٨٦، مناهج العقول ١/ ١٩٣، البحر المحيط ٢/ ٣٠٤، حاشية الباجوري على السلم ص ٤١، المنهج القويم في النطق الحديث والقديم ص ٥٣.","vol":"3","page":567},{"text":"الفصل الثالث: الاشتقاق","vol":"3","page":569},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-243>(الفصل الثالث: في الاشتقاق</span>.\n(وهو رد لفظ إلى آخر لموافقته) (^١) في حروف الأصلية، ومناسبته في المعنى).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>الاشتقاق في اللغة:</span>\nالاقتطاع (^٢)، وفي الاصطلاح ما ذكره. فقوله: \"رد لفظ\" جنس، وقوله: \"لموافقته في حروفه الأصلية\" فصل احترز به عن الألفاظ المترادفة، كالإنسان والبشر؛ إذ لا اشتراك فيها (^٣) في الحروف، كذا ذكره الشراح (^٤). ولقائل أن يقول: الألفاظ المترادفة لم تدخل في الكلام قبل ذلك حتى تُخْرج بهذا القيد؛ فإن أحد المترادفين ليس مردودَ اللفظ إلى الآخر.\nوقوله: \"الأصلية\" إشارة إلى أن الاعتبار في موافقة الحروف إنما هو بالحروف الأصلية فقط، ولا عبرة بالحروف الزائدة (^٥).\n_________\n(^١) في (ت): \"رد اللفظ إلى لفظ آخر\".\n(^٢) انظر: لسان العرب ١٠/ ١٨٤، الصحاح ٤/ ١٥٠٣، مادة (شقق)، نفائس الأصول ٢/ ٦٥٥، نهاية السول ٢/ ٦٧، شرح الكوكب ١/ ٢٠٤، التعريفات للجرجاني ص ٢١.\n(^٣) أي: في الألفاظ المترادفة.\n(^٤) كالجاربردي ١/ ٢٧٧، والأصفهاني ١/ ١٨٩، والإسنوي ٢/ ٦٩، والبدخشي ١/ ١٩٦.\n(^٥) ولذلك قال الجاربردي: فيكون \"دخل\" مشتقًا من \"الدخول\" وإن لم يوافقه في الحرف الزائد وهو الواو، وكذا \"يدخل\" وإن لم يوافقه في الياء. اهـ. انظر: =","vol":"3","page":571},{"text":"وقوله: \"ومناسبته في المعنى\" احتراز عن المعدول؛ لأن المناسبة تقتضي المغايرة (^١)، ولا مغايرة بين المعدول والمعدول عنه في المعنى (^٢).\nوهذا الحد الذي ذكره أسدّ من تعريف الميداني (^٣) الذي ارتضاه الإمام وهو قوله: أن تجد بين اللفظين تناسبًا في المعنى والتركيب فترد أحدهما إلى الآخر (^٤)؛ إذ يُعترض على هذا بأن الاشتقاق ليس هو نفسُ الوجدان، بل الرد عند الوجدان.\nواعلم أن للاشتقاق أربعة أركان ذَكَرها في الكتاب: المشتق، والمشتق منه، والموافقة في الحروف الأصلية مع المناسبة في المعنى، والرابع: التغيير.\n_________\n= السراج الوهاج ١/ ٢٧٧.\n(^١) أي: لأن المناسبة تعني التشابه في بعض الوجوه، وهذا يفيد التغاير في باقيها. فالمشتق والمشتق منه يتغايران في المعنى الطارئ على المشتق دون المعنى الأصلي الذي يشتركان فيه، فضارب يشترك مع الضرب في الحدوث، ويختلفان في كون ضارب يدل على فاعل الحدث.\n(^٢) فالمعدول والمعدول عنه شيء واحد، مثل عامر وعمر، وزافر وزفر. والعَدْل: هو تحويل الاسم من حالةٍ إلى حالة أخرى مع بقاء المعنى الأصلي. انظر قطر الندى ص ٣١٤ في موانع الصرف، والعدل هو العلة الخامسة.\n(^٣) هو أحمد بن محمد بن أحمد الميدَانيّ النيسابوريّ - والمَيْدَان مَحِلَّة مِن مَحَال نَيْسابُور، كان يسكنها فَنُسِب إليها - أبو الفضل الإمام الفاضل الأديب النحويّ اللغويّ. من مصنفاته: \"الأمثال\" جيد بالغ، السَّامي في الأسامي، نزهة الطَّرْف في علم الصَّرْف، وغيرها. توفي في الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة ٥١٨ هـ. انظر: بغية الوعاة ١/ ٣٥٦، معجم الأدباء ٥/ ٤٥.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٢٥.","vol":"3","page":572},{"text":"فقوله: \"رد لفظ\" هو الركن الأول، ودخل فيه (^١) الاسم والفعل.\nوقوله: \"إلى فظ آخر\" هو الركن الثاني: وهو المشتق منه. ويؤخذ منه الركن الرابع: وهو التغيير؛ لأنه لو انتفى التغيير (بينهما لم يصدق عليه أنه لفظ آخر بل هو هو، ودخل فيه أيضًا الاسم والفعل) (^٢).\nوقوله: \"لموافقته في حروفه الأصلية\" هو الركن الثالث، واحترز به (^٣) عما عَرَفْتَ أَوَّلًا (^٤).\nقال: (ولا بد من تغييرٍ بزيادةٍ أو نقصانِ حرفٍ، أو حركةٍ، أو كليهما. أو بزيادة (^٥) أحدهما ونقصانه، أو نقصان (^٦) الآخر. أو بزيادته أو نقصانه بزيادة الآخر ونقصانه. أو بزيادتهما ونقصانهما. نحو: كاذبٌ، ونَصَر، وضاربٌ، وخَفَّ، وضَرَب، على مذهب الكوفيين. وغلا، ومسلماتٍ، وحذِر، وعادّ، ونَبَت (^٧)، واضْربْ، وخافَ، وعِدْ، وكالٍّ، وَارْم).\n_________\n(^١) أي: في اللفظ.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) أي: للاحتراز عن الأحرف الزوائد، فإن الاختلاف فيها لا يضر كضرب وضارب. قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \"ولم يشترط في الحروف الأصلية أن تكون موجودة؛ لأنه ربما حُذف بعضها لمانع كخف من الخوف\". نهاية السول ٢/ ٦٩.\n(^٥) في (ص): \"أو زيادة\".\n(^٦) في (غ)، (ك): \"ونقصان\". وهو خطأ.\n(^٧) في (ت): \"وثبت\".","vol":"3","page":573},{"text":"لا بُدَّ مِنْ تغييرٍ بين اللفظين (^١)، والتغيير المعنوي إنما يحصل بطريق التبع، والإمام لم يذكر من أقسام التغيير غير تسع، وليست الأقسام منحصرة في تلك، وقد زاد المصنف عليه ستة أقسام فجعلها خمسة عشر وأوْرَدَ لكلٍّ منها مثالًا، وفي أكثر أمثلته نظر. وقد وضع والدي - (أطال الله بقاه) (^٢) - في هذا الفصل أرجوزة حسنة.\nقوله: \"بزيادةِ أو نقصانِ حرفٍ أو حركةٍ أو كليهما\" دخل (^٣) فيه ستة أقسام: أربعة تغييرها فرادى، واثنان ثنائيان. فإن قوله: \"بزيادة\" ليس مُنَونًا بل هو مضاف إلى حرفٍ وحركةٍ وكليهما. وكذا: \"نقصان\" مضاف إلى الثلاثة، فكانت ستة أقسام:\n(زيادة الحرف، وزيادة (^٤) الحركة، و(^٥) زيادتهما معًا. وهكذا النقصان (^٦).\nوقوله: \"أو بزيادة أحدهما ونقصانه، أو نقصان\n_________\n(^١) وهما المُشْتَق والمُشْتق منه.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"أثابه الله\". وقد سبق أن بينا في أول الكتاب أن نسخة (ص) قد كُتب فيها في مثل هذا الموطن: ﵀. لكن في هذا الموطن من (ص) كُتب فيها: أطال الله بقاه، وهذا يؤيد ما ذكرته هناك بأن استبدال هذا بالدعاء بالرحمة مِنْ فعل الناسخ؛ لأن المؤلف أتم شرح والده في حياته.\n(^٣) في (ت)، و(ك): \"داخل\".\n(^٤) في (غ)، و(ك): \"زيادة\".\n(^٥) سقطت الواو من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٦) يعني: نقصان حرف، ونقصان حركة، ونقصانهما.","vol":"3","page":574},{"text":"الآخر (^١) \" يدخل فيه أربعة أقسام) (^٢) ثنائيةٌ أيضًا، إذْ زيادة أحدهما ونقصانُه يدخل فيه: زيادة الحرف ونقصانه، وزيادة الحركة ونقصانها. ويدخل في زيادة أحدهما ونقصانِ الآخر قسمان: زيادة الحرف ونقصان الحركة، وعكسه.\nوقوله: \"أو بزيادته أو نقصانه بزيادة الآخر ونقصانه\" (تقديره: أو بزيادة أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه أو نقصان أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه فيدخل فيه أربعة أقسام ثلاثية التغيير؛ لأن زيادة أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه يدخل فيه صورتان: زيادة الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها. والثانية: زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه) (^٣). (ويدخل في نقصان أحدهما مع زيادة الآخر ونقصانه صورتان أيضًا) (^٤):\nإحداهما: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها.\nوالثانية: نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه.\nوقوله: \"أو بزيادتهما ونقصانهما\". أي: بزيادة الحرف والحركة معًا ونقصانهما معًا، وهو قسم واحدٌ رباعي التغيير، وبه تكملت الأقسامُ خمسةَ عشرَ.\n_________\n(^١) في (غ)، و(ك): \"آخر\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ت): \"يدخل فيه صورتان أيضًا\". وهذا سقط وتحريف.","vol":"3","page":575},{"text":"قوله: \"نحو كاذب\" شرع في المُثُل للأقسام المذكورة:\nالأول: زيادة الحرف فقط، نحو: كاذب من الكذب، زيدت الألف.\nالثاني: زيادة الحركة، نحو: نَصَر الماضي من النَّصْر، زيدت حركة الصاد.\nالثالث: زيادة الحرف والحركة معًا، مثل: ضَارِب من الضَّرْب زيدت (^١) الألف وحركة الراء.\nالرابع: نقصان الحرف، نحو: خِفْ فِعْلُ أمرٍ من الخَوْف نقصت الواو.\nوقد اعتُرض على المصنف بأن الفاء صارت في هذا ساكنة بعد أن كانت متحركة، فاجتمع في هذا المثال نقصان الحرف والحركة معًا.\nفإن اعتذر بأن مثل هذا لا يُعْتبر؛ لكونه نقصانًا لحركة الإعراب.\nقلنا: سيأتي إن شاء الله تعالى في القسم العاشر ما يخالفه (^٢)، فالأَوْلى تمثيله بذَهَبَ من الذَّهَاب أو حَسَبَ، من الحِسَاب (^٣).\n_________\n(^١) في (ص): \"زيد\".\n(^٢) لم يعتبر المصنف الحركة الإعرابية في القسم العاشر، فهذا سهو من الشارح رحمه الله تعالى.\n(^٣) وفي كلا المثالين نقصت الألف. انظر: لسان العرب ١/ ٣٩٣، مادة (ذهب) ١/ ٣١٣، مادة (حسب).","vol":"3","page":576},{"text":"الخامس: نقصان الحركة، نحو: ضَرْبٌ المصدر مِنْ ضَرَب القاضي، نقصت حركة الراء. قال في الكتاب: وهذا لا يتأتى إلا على مذهب الكوفيين. يعني: في اشتقاقهم المصدر من الفعل، عكس مذهب البصريين. وذهب أبو بكر بن أبي طلحة (^١) إلى مذهب ثالث: وهو أن كلًا من المصدر والفعل أصل بنفسه، ليس أحدهما مشتقًا من الآخر. حكاه شيخنا أبو حيان في \"الارتشاف\" (^٢).\nالسادس: نقصان (الحرف والحركة) (^٣) معًا، نحو: غَلَا ماضِي غَلَيَان، نقصت الألف والنون ونقصت فتحة الياء (^٤). ومِنْ أمثلته أيضًا: سِرْ من السَّيَرِ نقصت الياء وحركة الراء، وبِعْ من البَيْع نقصت الياء وحركة العين.\nالسابع: زيادة الحرف ونقصانه، أي: نقصان حرف\n_________\n(^١) هو محمد بن طلحة بن محمد بن عبد الملك الأُمويّ الإشبيليّ، أبو بكر المعروف بابن طلحة. ولد سنة ٥٤٥ هـ. كان إمامًا في صناعة العربية، نظّارًا عارفًا بعلم الكلام وغير ذلك، ودرَّس العربية والآداب بإشبيلية أكثر من خمسين سنة. مات بإشبيلية سنة ٦١٨ هـ. انظر: بغية الوعاة ١/ ١٢١. وعليه فإنَّ زيادة \"أبي\" - كما في الشرح - في اسمه خطأ، ولعلها سهو من الشارح أو من الناسخ، فهو معروف بابن طلحة كما ورد في المراجع في الهامش التالي.\n(^٢) انظر: ارتشاف الضَّرَب من لسان العرب ٣/ ١٣٥٣، الأشموني على الألفية ٢/ ١١٢، شرح ابن عقيل ١/ ٥٥٩.\n(^٣) في (ص): \"الحركة والحرف\".\n(^٤) لأن الياء في \"غليان\" انقلبت إلى ألف في \"غلا\"، وهي ساكنة.","vol":"3","page":577},{"text":"آخر. (ومَثَّل له في الكتاب) (^١): بمسلمات زِيدت الألف والتاء للجمع، ونقصت منه تاء كانت في المفرد في قولك: مسلمة (^٢).\nولك أن تقول: الجمع غير مشتق من مفرده فلا يصح ما ذكره مثالًا، فالأولى التمثيل بقولك: مُدَحْرَج من الدَّحْرجة نقصت هاء التأنيث وزادت الميم، وكذا مُزَخْرَفٌ من الزَّخْرَفَة نقصت التاء وزادت الميم.\nالثامن: زيادة الحركة ونقصانها، أي: (ونقصان) (^٣) حركة أخرى. نحو: حَذِرَ من الحَذَر، زيدت فيه كسرة الذَّال الْمُعْجَمة ونقصت منه فتحته. وكذلك رَمَى من الرَّمْيِ نقصت حركة الياء من الرَّمْي، وزيدت حَرَكة الميم، وسَعَى من السَعْي.\nالتاسع: زيادة الحرف ونقصان الحركة، نحو: عَادّ بالتشديد من العَدَدِ زيدت الألف بَعْدَ العين، ونقصت حركة الدال الأولى (^٤).\nالعاشر: زيادة الحركة ونقصان الحرف، نحو: (نَبَت من النَّبَات) (^٥)\n_________\n(^١) في (ص)، و(غ)، (ك): \"ومَثَّل في الكتاب له\".\n(^٢) وهذا المثال يدل على أن الجمع مشتق من المفرد.\n(^٣) في (ص): \"نقصان\".\n(^٤) لأن أصل عادَّ: عادْدَ، فَأُدغمت الدال الساكنة الأولى في الثانية المتحركة، فأصبحت دالًا مشددة، فنقصت حركة الدال الأولى في عادَّ؛ لأنها ساكنة مدغمة في الثانية - عن الدال المحركة الأولى في العَدَد.\n(^٥) في (ت): \"ثبت من الثبات\".","vol":"3","page":578},{"text":"زيدت فيه فتحة التاء ونقصت منه الألف كذا ذكره في الكتاب.\nولك أن تقول: فتحة التاء جاءت عِوَضَ الكسرةِ فليس ثَمَّ غيرَ نقصانِ الألف، وليس له أن يقول: لا يُعْتَد بالحركة الإعرابية؛ إذ سبق منه في القسم الرابع ما يخالف ذلك (^١) (^٢).\nالحادي عشر: زيادة الحرف والحركة جميعًا مع نقصان حركة أخرى، مثل: اضْرِبْ من الضَّرْب، زيدت فيه ألف الوصل وكسرة الراء، ونقصت منه حركة الضاد.\nالثاني عشر: زيادة الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه، مثل: خاف ماضي (^٣) من الخَوْفِ زيدت الألف وحركة الفاء (^٤) وحذفت (^٥) الواو.\n_________\n(^١) الظاهر في القسم الرابع أن المصنف لم يعتد بالحركة الإعرابية، فهذا مِنْ سهو الشارح رحمه الله تعالى.\n(^٢) مُثِّل في شرح الكوكب ١/ ٢٠٩، لزيادة الحركة ونقصان الحرف بـ: رُجِع من الرُّجْعَى. نقصت الألف، وزيدت حركة الجيم. ومَثَّل الزركشي في البحر ٢/ ٣٢٤ بـ: قَدَر من القُدْرة. زيدت حركة الدال ونقصت التاء، وكذا رَحِم من الرحْمَة.\n(^٣) في (غ)، و(ك): \"ماض\".\n(^٤) في هذا نظر، لأن الفاء في الخوف متحركة حركة إعرابية، وهو قد سبق منه بيان الاعتداد بالحركة الإعرابية، فكان الأولى بالشارح التمثيل بمثال آخر بعد التنبيه على ذلك.\n(^٥) في (ت): \"وحذف\".","vol":"3","page":579},{"text":"الثالث عشر: نقصان الحرف مع زيادة الحركة ونقصانها، مثل: عِدْ فِعْل أمر من الوَعْد زيدت كسرة العين ونقصت الواو وحركة الدال.\nالرابع عشر: نقصان الحركة مع زيادة الحرف ونقصانه، نحو: كالٍّ بتشديد اللام، وهو اسم فاعل من الكلال، نقصت حركة اللام الأولى (^١) وكذلك الألف التي بين اللامين (^٢) وزيدت ألفٌ قبل اللامين (^٣).\nالخامس عشر: زيادة الحرف والحركة معًا ونقصانهما معًا، نحو: اِرْمِ من الرَّمْي زيدت الهمزة (^٤) وحركة الميم، ونقصت الياء وحركة الراء. والله أعلم (^٥).\nقال: (وأحكامه في مسائل: الأولى: شَرْط المشتق (^٦) صِدْقُ أصلِه خلافًا لأبي علي وابنه فإنهما قالا: بعالمية الله تعالى دون\n_________\n(^١) في: \"الكلال\". فاللام الأولى في الكلال مفتوحة، فنقصت في كالّ، إذ اللام الأولى فيها ساكنة؛ إذ أصلها: كاللَ، فأدغمت الساكنة في المتحركة فأصبحت مشددة.\n(^٢) نفس التعليق السابق.\n(^٣) في: \"كالٍّ\".\n(^٤) أي: التي للوصل في: ارْمِ.\n(^٥) انظر البحوث السابقة في: المحصول ١/ ق ١/ ٣٢٥، التحصيل ١/ ٢٠٤، الحاصل ١/ ٣٠٨، نهاية السول ١/ ٦٧، السراج الوهاج ١/ ٢٧٧، البحر المحيط ٢/ ٣١١، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٨٠، بيان المختصر ١/ ٢٤٠، شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ١٧١، فواتح الرحموت ١/ ١٩١، تيسير التحرير ١/ ٦٦، شرح الكوكب ١/ ٢٠٤.\n(^٦) كاسم الفاعل، واسم المفعول، والماضي، والمضارع، والأمر، وغير ذلك.","vol":"3","page":580},{"text":"عِلْمه (^١) وعَلَّلاها فينا به (^٢). لنا: أن الأصل جزؤه (^٣) فلا يوجد دونه).\nشرط صِدْقِ المشتق اسمًا (^٤) كان أو فعلًا - صِدْق أصْله المشتق منه، فلا يصدق قائم على ذاتٍ إلا إذا صَدَق القيام على تلك الذات، وسواء أكان (^٥) الصدق في الماضي أم في الحال أم في الاستقبال، والكلام في أنَّ صِدْق ذلك (^٦) هل هو بطريق الحقيقة أو المجاز من وظائف المسألة التالية لهذه. وهذا هو السر في قول المصنف: \"صدق أصله\" (دون وجود أصْله) (^٧) كما قال غيره، إذ لو قال: وجود أصله - لورد عليه إطلاقه باعتبار المستقبل؛ إذ هو جائزٌ مع عدم وجوده حالة الإطلاق. والكلام في المسألة مع أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم وهما لم يصرحا بالمخالفة في ذلك، ولكن وقع ذلك منهما ضمنًا حيث ذهبا هما ومَنْ تبعهما مِنَ المعتزلة إلى القول: بعالمية الله تعالى دون علمه، أي قالا: إن الله تعالى عالِم، ولم\n_________\n(^١) أي: يثبتون المشتق، وينفون المشتق منه، فينفون الصدر الذي هو الأصل، ويثبتون المشتق الذي هو الفرع.\n(^٢) أي: علَّل أبو علي وابنُه العالِمِيَّةَ في المخلوقات بالعِلْم، والتعليل به لعالمية الله تعالى لا يجوز، بناءً على قولهم بأن عالميته واجبة، وهي لا تقبل التعليل.\n(^٣) أي: جزء المشتق. مثاله: عالم، معناه: ذات مَنْ له العِلْم، والضارب: ذات مَنْ له الضَّرْب، فالمصدر جزء من معنى المشتق، فالمشتق كلٌّ، ولا يوجد الكل بدون جزئه.\n(^٤) كاسم الفاعل، أو اسم المفعول، أو الصفة المشبهة، ونحوها.\n(^٥) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"كان\".\n(^٦) أي: صِدْق ذلك الصدر على تلك لذات.\n(^٧) سقطت من (غ).","vol":"3","page":581},{"text":"يقولا بحصول العِلْم - الذي اشتق منه العالِم له، والحاصل أن هذه الطائفة ينفون عن الله تعالى الصفات الحقيقية الزائدة على الذات: كالعلم، والقدرة، والحياة، ويجمعها قول الشاطبي ﵀:\nحيٌّ عليمٌ قديرٌ والكلام لَهُ ... باقٍ سميعٌ بصيرٌ ما أرادَ جَرَى\nفرارًا من أن تكون الذات قابلًا وفاعلًا، ومِنْ أشياء زعموها لازمة (^١).\nويقولون: بثبوت العالِمية والقادرية والحيية له (^٢) بناءً على أنها نِسَب وإضافات لا وجود لها في الخارج (^٣)، بخلاف العلم والقدرة والحياة فإنها صفات حقيقية.\nويقولون: عالمية الله غير مُعَلَّلة بالعِلْم؛ لأن العالِمية له واجبة، والواجب لا يُعَلَّل بالغير، بخلاف عالميتنا فإنها معلَّلة بالعلم؛ إذ هي غير واجبة.\nوقال أهل السنة وقوم من المعتزلة: إن لله ﷾ صفات مغايرة لذاته تعالى: وهي العلم، والقدرة، والحياة، وغيرها من الصفات\n_________\n(^١) أي: فرارًا من القول بأن الله تعالى قابلٌ للكلام، والقدرة، والعلم، والسمع، والبصر، وفاعلٌ لذلك، وغيرها من الصفات، وكأنهم يرون أن إثبات ذلك يستلزم التشبيه؛ إذ القبول والفِعْل مِنْ صفات الحوادث، هكذا زعموا، وتعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا.\n(^٢) وهي ليست مصادر، بل العالمية والقادرية اسم فاعل، والحيية صفة مشبهة. والصفة المشبهة: هي لفظ مصوغ من مصدر اللازم للدلالة على الثبوت. فَحَيٌّ صفة مشبهة مشتقة من الفعل اللازم حَيَّ. انظر: شذا العرف ص ٧٩.\n(^٣) أي: وجودها ذهني.","vol":"3","page":582},{"text":"الثبوتية (^١).\nثم قال الذين نفوا الحال (^٢): العالِمية والقادرية والحيية نفسُ العلم والقدرة والحياة (^٣).\nوقال مثبتو الحال: عالمية الله: حالةٌ معلَّلة بمعنى قائمٍ به (وهو العلم) (^٤)، وكذا القادرية بالقدرة، والحيية بالحياة (^٥).\nوإذا عرفت هذا ظهر أن الأشاعرة ومَنْ وافقهم قالوا: إن الله تعالى عالم بالعلم، قادر بالقدرة، حي بالحياة. والجبائيان (^٦) قالا: إنه\n_________\n(^١) تنقسم الصفات عند الأشاعرة إلى قسمين: ثبوتية، وسلبية. فالثبوتية قسمان: منها ما يدل على نفس الذات دون معنى زائد عليها وهي الوجود. ومنها ما يدل على معنى زائد على الذات وهي صفات المعاني والمعنوية، إلا أن هذا المعنى الزائد وجودي في المعاني، وثبوتي في المعنوية. فصفات المعاني دلَّت على معنى زائد على الذات، وكذلك المعنوية؛ إذ هي عبارة عن قيام المعاني بالذات. وقد سبق في أول الكتاب الكلام عن صفات المعاني والمعنوية. أما الصفات السلبية فهي عند الأشاعرة خمس صفات: وهي القدم، والبقاء، والقيام بالنفس، والمخالفة للحوادث، والوَحْدانية. والصفات السلبية: هي التي دلَّت على سلب ما لا يليق به سبحانه. أي: تسلب من الذهن أضدادها. انظر: شرح جوهرة التوحيد ص ٨٥، ٨٨.\n(^٢) وهم المعتزلة، ويريدون بنفي الحال: نفي المصادر التي اشتقت منها تلك الصفات.\n(^٣) أي: يريدون بهذا عدم إثبات المصادر، فلا يقولون عالِمٌ بِعِلْم، وقادِرٌ بقدرة، بل تلك المشتقات هي نفس المشتق منه، فلا يُرجعون عالمِيَته إلى العلم، وقادريته إلى القدرة.\n(^٤) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٥) فالصفات موجودة مع مصادرها.\n(^٦) هما أبو علي وابنه أبو هاشم الجبائيان، وقد سبقت ترجمة أبي هاشم. أما أبو علي =","vol":"3","page":583},{"text":"تعالى عالم بالذات لا بالعلم، قادر بالذات لا بالقدرة، حي بالذات لا بالحياة. فقد جوزوا صدق المشتق الذي هو العالِم بدون صدق المشتق منه (الذي هو العلم.\nواستدل في الكتاب على امتناع إطلاق المشتق بدون المشتق منه) (^١): بأنه لو صح المشتق بدون صدق أصله للزم وجود الكل بدون الجزء؛ لأن الأصل الذي هو المشتق منه جزء للمشتق؛ لأن المشتق يدل على الأصل وعلى ذاتٍ متصفة به كالعالِم مثلًا فإنَّ مدلولَهُ ذاتٌ متصفة بالعلم (^٢)، فالعلم الذي هو أصل العالِم جزء من مجموع معناه، فلو صح العالِم بدون العلم للزم ما ذكرناه (^٣). ولا يُنْقض هذا بصحة إطلاق اسم الكل على الجزء؛ لأن ذلك من باب المجاز، والكلام في صحة الإطلاق الحقيقي (^٤).\n_________\n= فهو محمد بن عبد الوهاب البصريّ، شيخ المعتزلة وصاحب التصانيف. ولد سنة ٢٣٥ هـ. كان على بدعته متوسِّعًا في العلم، سَيَّال الذهن، وهو الذي ذلّل الكلام وسَهَّله، ويسَّر ما صعب منه. من مصنفاته: الأصول، النهي عن المنكر، الأسماء والصفات، وغيرها. تُوفي ﵀ سنة ٣٠٣ هـ. انظر: وفيات ٤/ ٢٦٧، سير ١٤/ ١٨٣.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) وهو وجود الكل بدون وجود الجزء، وهو مستحيل.\n(^٤) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ١/ ٣٢٧، التحصيل ١/ ٢٠٤، الحاصل ١/ ٣١٠، نهاية السول ١/ ٧٢، السراج الوهاج ١/ ٢٨٢، البحر المحيط ٢/ ٣٣٥، فواتح الرحموت ١/ ١٩٢، شرح الكوكب ١/ ٢١٩.","vol":"3","page":584},{"text":"قال: (الثانية: شَرْط كونه حقيقة دوامُ أصله، خلافًا لابن سينا وأبي هاشم؛ لأنه يصدق نفيه عند زواله فلا يصدق إيجابه. قيل: مطلقتان فلا يتناقضان. قك: مؤقتتان بالحال فإنَّ أهل العرف تَرْفع أحدهما بالآخر).\nالمسألة السابقة في اشتراط صِدْق المشتق منه في كون المشتق حقيقة، سواء أدام (^١) معنى المشتق منه إلى حالة الإطلاق أم لم يدم. وهذه في اشتراط دوام معنى المشتقِ منه إلى حالة إطلاق المشتق، فهي أخص من تلك.\nفنقول: إطلاق الاسم المشتق باعتبار الحال (^٢) حقيقةٌ بالإجاع، وباعتبار المستقبل مجازٌ بالإجماع (^٣)، وأما إطلاقهُ باعتبار القاضي كإطلاق الضارب على مَنْ صدر منه الضرب وانتهى:\nفقال الجمهور: إنه (غير حقيقة) (^٤). قال (^٥) الإمام: \"وهو الأقرب\" (^٦) واختاره في الكتاب.\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"دام\".\n(^٢) أي: باعتبار كون معناه متحققًا حال النطق والتكلم.\n(^٣) قال القرافي: \"إطلاقُ اللفظ المشتق ومسمى المشتق منه مقارِن - حقيقةٌ إجماعًا، كتسمية الخمر خمرًا. وإطلاقُه وهو مستقبَلٌ مجازٌ إجماعًا، كتسمية العنب خمرًا\". نفائس الأصول ٢/ ٦٦٤.\n(^٤) في (ك): \"مجاز\".\n(^٥) في (غ): \"وقال\".\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٢٩.","vol":"3","page":585},{"text":"وقال ابن سينا وأبو هاشم ووالده أبو علي: إنه حقيقة (^١).\nوفي المسألة مذهبٌ ثالث: أن معنى المشتق منه إنْ كان مما يمكن بقاؤه كالقيام والقعود (^٢) - اشترط بقاؤه (^٣) في كون المشتق حقيقةً وإلا (^٤) فلا. حكاه الآمدي (^٥)، والإمام ذكره بحثًا من جهة الخصم ثم أجاب عنه: بأن أحدًا من الأمة لم يقل بهذا الفرق (^٦) فيكون باطلًا (^٧).\nواعلم أنَّ محل الخلاف في المسألة إنما هو في صِدْق الاسم فقط، أعني: هل يسمى مَنْ ضَرَبَ أمسِ الآن بضارب؟ وهو أمر راجع إلى اللغة، وليس النزاع في نسبة المعنى، أعني: في أن زيدًا الضارب أمس هل هو الآن ضارب؟ فإن ذلك لا يقوله عاقل (^٨).\nوإذا تبين أن محل النزاع إنما هو في صدق الاسم - فاعلم\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول ٢/ ٨٢، الحاصل ١/ ٣١١، ٣١٢.\n(^٢) وكالضرب والأكل. انظر: أصول الفقه لأبي النور زهير ٢/ ٢٢١.\n(^٣) أي: بقاؤه إلى حالة الإطلاق.\n(^٤) أي: وإن لم يمكن بقاؤه كالكلام والخبر والقول، وهي من المصادر السَّيَّالة التي لا تجتمع أجزاؤها في الوجود. انظر أصول الفقه لأبي النور زهير ٢/ ٢٢١، وشرح الكوكب ١/ ٢١٧.\n(^٥) انظر: الإحكام ١/ ٥٤، وشرح الكوكب ١/ ٢١٧.\n(^٦) وهو أنه إن كان معنى المشتق منه يمكن بقاؤه فيشترط، وإلا فلا.\n(^٧) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٣٤، ٣٣٥.\n(^٨) يعني: ليس النزاع في نسبة المعنى، وهو نسبة الفعل الماضي إليه في الحاضر، بل في التسمية له بما صدر منه سابقًا.","vol":"3","page":586},{"text":"أيضًا أن الذي يتجه أن الخلاف أيضًا ليس في الصفات القارة المحسوسة كالبياض والسواد؛ لأنا على قَطْعٍ بأن اللغوي لا يطلق على الأبيض بعد اسوداده أنه أبيض، وقد قال الإمام في آخر المسألة: لا يصح أن يقال لليقظان (^١) إنه نائم، اعتبارًا بالنوم السابق (^٢). وادعى الآمدي في ذلك الإجماع فقال: \"لا يجوز تسمية النائم قاعدًا، والقاعدِ نائمًا (^٣) بإجماع المسلمين وأهل اللسان\" (^٤). وهذا واضح من اللغة، وإنما الخلاف في الضرب ونحوه من الأفعال المُتَقَضِّية (^٥)، فإطلاق (^٦) المشتق (^٧) على محلِّها (^٨) (^٩) من باب الأحكام (^١٠)، فلا يبعد إطلاقه (^١١) حال خلوه (^١٢)\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٤٠.\n(^٣) عبارة الإحكام: \". . القائم قاعدًا، والقاعد قائمًا\".\n(^٤) انظر: الإحكام ١/ ٥٦، والنقل بتصرف كما هو الغالب في نقل الشارح رحمه الله تعالى. وانظر: شرح الكوكب ١/ ٢١٨.\n(^٥) أي: التي تقع وتنقضي كالضرب والكلام والجلوس والقعود والضحك والبكاء، ونحو ذلك.\n(^٦) في (ك): \"وإطلاق\".\n(^٧) وهو الضارب ونحوه.\n(^٨) سقطت من (ت).\n(^٩) وهي الذات التي صدر منها الضرب ونحوه. وأهل الفلسفة يسمون الموصوف محلًا.\n(^١٠) أي: الحكم بصدور الضرب.\n(^١١) أي: المشتق.\n(^١٢) أي: خلو المحل، وهي الذات الموصوفة بالضرب.","vol":"3","page":587},{"text":"عن (^١) مفهومه (^٢)؛ لأنه أمرٌ حُكْمي.\nويتبين (^٣) من هنا وجه انفصال الماضي عن المستقبل حيث كان إطلاقه باعتبار الماضي أولى لأن مَنْ حصل منه الضَّرْب في القاضي قد يُسْتصحب حكمه، وأما المستقبل فلم يثبت له حكمٌ حتى يُستصحب.\nإذا عرفتَ ذلك فنقول: استدل الصنف على ما اختاره من أنه ليس بحقيقة: بأنه يصدق نَفْي المشتق عند زوال المشتق منه، فنقول: زيد ليس بضارب. فلو صدق الإيجابُ حقيقةً (^٤): وهو زيد ضارب - للزم اجتماع النقيضين، أعني: صدق (^٥) نَفْيِ الضرب وإثباتِهِ. فتقرر أنه إنما يصدق مجازًا (^٦)؛ لأن صحة النفي من أمارات المجاز (^٧).\nواعْتُرِض على هذا: بأن قولنا: ضاربٌ وليس بضارب - قضيتان مُطْلَقتان (^٨) لم يتحد وقتُ الحكم فيهما فلا يتناقضان؛ لجواز أن يكون وقت\n_________\n(^١) في (ص): \"من\".\n(^٢) أي: مفهوم المشتق. والمعنى: فلا يبعد إطلاق المشتق حال خلو الذات من مفهوم المشتق، وهو المصدر.\n(^٣) في (ص): \"وتبين\".\n(^٤): في حال زوال المشتق منه.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) أي: إنما يصدق إطلاق المشتق عند زوال المشتق منه مجازًا.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) أي: غير مُوَجَّهتين، يعني: لم تُقَيَّد بجهة معينة، مثل التقييد بالوقت، أو بالضرورة أو بالإمكان، كما هو الحال في القضايا الموجهة. انظر: شرح التهذيب ص ٢٦، =","vol":"3","page":588},{"text":"السلب غيرَ وقت الإثبات.\nوأجاب في الكتاب: بأنهما مؤقتتان بحال التكلم (^١)، وأغنى عن هذا التقييد فَهْمُ أهلِ العُرْف؛ إذ لو لم يكن كذلك لما جاز استعمال كل واحد منهما في تكذيب الآخر ورفعه، لكن أهل العرف يستعملون ذلك فيكونان متناقضين (^٢)، وهو المطلوب.\nفإن قلت: سَلَّمنا أنهما مؤقتتان بالحال، وأنهما متناقضتان، ولكن لا\n_________\n= والمنهج القويم في المنطق الحديث والقديم ص ١١٦.\n(^١) أي: زيد ضارب في وقت التكلم. وزيد ليس بضارب في وقت التكلم. فهنا يحصل التناقض؛ لأن الوقت صار متحدًا. أي: هاتان القضيتان من قبيل القضية الوقتية المطلقة: وهي التي حُكِم فيها بضرورة المحمول للموضوع في وقت معين من أوقات الموضوع. مثاله: كل قمرٍ منخسف بالضرورة وقت حيلولة الأرض بينه وبين الشمس. فالانخساف ضروري الثبوت للقمر في وقت خاص: وهو حيلولة الأرض بينه وبين الشمس. وكذا في مثالنا هنا، فالضرب موقت بالضرورة في وقت التكلم، وعدمُه مؤقت بالضرورة في وقت التكلم. والقضية الوقتية المطلقة هي من أقسام القضايا الموجهة: وهي التي صُرِّح فيها بكيفية النسبة بين الموضوع والمحمول. مثلًا: كل إنسان حيوان. قضية مطلقة؛ لأنه لم يُصَرَّح فيها بكيفية النسبة، هل نسبة المحمول إلى الموضوع ضرورية، أو دائمة، أو ممكنة، هل في وقت خاص، أو في وقت غير معين. والذي يكون به بيان النسبة بين الموضوع والمحمول يسمى جهة. فمثلًا لو قلنا: كل إنسان حيوان بالضرورة. فقولنا: بالضرورة هي جهة جَعَلت القضية موجهة، أي: النسبة بين الموضوع والمحمول ضرورية، فالحيوانية ثابتة بالضرورة، أي: ما دامت ذاته موجودة، فالانفكاك ممتنع، فلا يجوز لك أن تقول: الإنسان ليس بحيوان. انظر: القضايا الموجهة وأقسامها في: شرح التهذيب ص ٢٦، المنهج القويم ص ١١٦.\n(^٢) لأن نقيضَ كلِّ شيءٍ رفعه.","vol":"3","page":589},{"text":"نسلم أنه حينئذ يصح إطلاقُهما؛ لأنه لا يصح: ليس بضارب في الحال، وهل قولكم: إن ذلك يصح، إلا مصادرة على المطلوب!\nقلت: صِدْق \"ليس بضارب في الحال\" لا يَقْبل المنازعة، إلا ممن لم يفهم معنى هذا الكلام، وذلك لأنا لم نعن بذلك سلب إطلاق الاسم حتى يقال: إنه مصادرة على المطلوب، بل إنَّ المَعْنى غير ثابت في الحال؛ وقد قدمنا أنه لا ينازع في ذلك عاقل. ويقرر عندك أنَّ المَعْنِيَّ بقولنا: يصدق \"ليس بضارب في الحال \"تحققُ المعنى لا صِدْق الإطلاق أن الخصوم (^١) سلَّموا هذه المقدمة لَمَّا ذكرها الإمام وغيره، وما اعترض أحدٌ بهذا السؤال (^٢).\nفإن قلت: سَلَّمنا أنه يصح \"ليس بضارب في الحال\" (^٣) ولكن لا نسلم استلزامها صحة \"ليس بضارب\" (^٤).\nقلت: لأن ليس بضارب مطلقة، وليس بضارب في الحال مؤقتة، والمطلقة جزء من المؤقتة. ولتوضيح ذلك فنقول: إذا قَيَّدت في الإيجاب أو\n_________\n(^١) جملة \"أن الخصوم\" فاعل \"يقرر\".\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٢٩.\n(^٣) لأن المراد بها: أن معنى الضرب غير متحقق الآن.\n(^٤) أي: من غير تقييد بالحال، لأن سلب الضرب عن زيد في الحال لا يستلزم سلب الضرب عنه في جميع الأحوال، لأنه لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم. كقولنا: الحمار ليس بحيوان ناطق، فإنه صادق، مع أنه لا يصدق قولنا: إنه ليس بحيوان. انظر: نهاية السول ٢/ ٩٤.","vol":"3","page":590},{"text":"في السلب بزمان، ولم تَجْعل الزمان جزءًا من المحمول - كانت القضية مُوَجَّهةً مؤقتة. وإن لم تُقَيِّد (^١) كانت القضية مطلقة، وهي جزء من المؤقتة. والقيد المذكور في المؤقتة كقولنا: زيد ضارب الآن (أو ليس بضارب الآن - إذا جعلناه جهةً معناه: تقييدُ نسبةِ المحمول الذي هو \"ضارب\" إلى الموضوع الذي هو \"زيد\" إيجابًا أو سلبًا (^٢). فإذا قلت: زيدٌ ضاربٌ الآن - فمعناه (^٣) أن نسبة ضارب إلى زيد ثابتة الآن. وإذا قلت: زيد ليس بضارب الآن) (^٤) فمعناه (^٥): أن نسبة ضارب إلى زيد منتفية (^٦) الآن، والآن ظرف للانتفاء (^٧) لا للنفي، فإن النفي هو الحكم وهو حاصل الآن (^٨)، والانتفاء: مَدْلُولُه (^٩)، وهو بحسبه قد يكون الآن كما في هذا المثال، وقد يكون أمسِ أو (^١٠) غدًا على حسب ما تأتي المؤقتة (^١١).\n_________\n(^١) يعني: إن لم تقيد الإيجاب أو السلب بزمان.\n(^٢) قوله: \"إيجابًا أو سلبًا\" حال من: \"تقييد\". يعني: الضرب ثابت لزيد الآن، أو ليس بثابت لزيد الآن.\n(^٣) في (غ): \"معناه\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ت)، و(غ): \"معناه\".\n(^٦) في (ص): \"ممتنعة\".\n(^٧) في (غ): \"الانتفاء\".\n(^٨) أي: حال التكلم، فالمتكلم نفى الضرب الآن في حال التكلم، لا في الزمان الماضي.\n(^٩) فالنفي: هو الحكم بالانتفاء. والانتفاء (أي: انتفاء مدلول هذا الكلام) هو مدلول النفي.\n(^١٠) سقطت من (غ).\n(^١١) يعني: أن الحكم بالنفي يكون الآن، لكن مدلوله وهو الانتفاء قد يكون الآن، =","vol":"3","page":591},{"text":"وقد يأتي الظرف جزءًا من المحمول كقولك: زيد ضارب الآن، تريد أن ضَرْبَه الآن ثابت، أو ليس بضارب الآن، تريد ضربه الآن منفي (^١). فهذه ليست موجهة والمنفي فيها أخص من المنفي في الموجهة والمُثْبَت أخص من المثبت.\nولنزد ذلك إيضاحًا فنقول: إذا قلت: ليس زيدٌ ضاربًا الآن أو (^٢) يوم الجمعة - فلا يجوز أن يكون الآن أو يوم الجمعة ظرفًا لحكمك (^٣)، ألا ترى أنك تقول: يوم الجمعة - وأنت غير حاكم فيه. وبقي بعد هذا أن يوم الجمعة إما أن يكون ظرفًا لانتفاء الضرب المقيَّد بذلك الوقت أو المطلق. و(^٤) المعنى: أن زيدًا يصدق يومَ الجمعة أنه ليس بضارب، ومن ضرورة انتفائه انتفاء المقيد. وإذا وضح أن المطلقة جزء من المؤقتة (^٥) صح تعبير الإمام في \"المحصول\" بالكل والجزء، ودعواه استلزام الكُلِّ الجزءَ، وليس (^٦) مراده الجزء من حيث اللفظ بل من حيث المعنى.\n_________\n= وقد يكون في الماضي، وقد يكون في المستقبل، فلا يلزم من كون النفي الآن أن يكون الانتفاء الآن، بل قد يكون قبله، وقد يكون بعده.\n(^١) في (ص): \"منتف\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) وهو النفي بليس؛ لأن الظرف وهو \"الآن\" أو \"يوم الجمعة\" ليس ظرفًا للنفي، بل ظرفًا للمحمول، فالنفي للمحمول عن الموضوع حالة كون المحمول مقيدًا بذلك الظرف، فالحكم بالنفي وارد على المحمول وهو مقيد، فلا يجوز جعل القيد للحكم بالنفي.\n(^٤) في (ت): \"أو\". وهو خطأ.\n(^٥) في (غ): \"المقيَّدة\".\n(^٦) في (ص): \"ليس\".","vol":"3","page":592},{"text":"فإن قلت: المطلقة أعم من المؤقتة فكيف تستلزمها المؤقتة؟\nقلت: أصل المطلقة كذلك، ولكن قد يعرض لها ما يقيدها لغة أو عرفًا وقد ادعيناه هنا حيث قلنا: إن العرف يؤقتها (^١) بحال التكلم ودلَّلنا عليه. فالمطلقة (^٢) وإن كانت مطلقة في اللفظ فهي مقيدة بحسب العرف؛ فكأن (^٣) ذلك منطوقًا به فساوت المؤقتة، وإنما دلالة المؤقتة صريحة في الوقت، ودلالة المطلقة ظاهرة، ولهذا المعنى لم يأت الإمام في \"المحصول\" بلفظ الأعم والأخص؛ لأنه يضره، فإنه يدعي تساويهما عرفًا ولغة، فكيف يقول: إن أحدهما أعم من الآخر، بل تَرَك ذلك وعدل إلى الكل والجزء فإنه صحيح على التقديرين، أعني: من حيث العقل والأصل، ومن حيث الاستعمال، والجزء قد يكون مساويًا في الوجود: كالناطق فإنه جزء الإنسان ومساوٍ له بخلاف الأعم، فإنه قد يوجد بدون الأخص.\nفإن قلت: قد فهم أصحاب الإمام أن مراده الأعم والأخص ومنهم صاحب \"التحصيل\"، فقال: يصدق: ليس بضارب؛ لصدق الأخص منه: وهو ليس بضارب في الحال (^٤).\n_________\n(^١) في (ص): \"يؤقتهما\". وضمير التثنية يعود على القضيتين المطلقتين السابقتين الموجبة والسالبة: زيد ضارب، وزيد ليس بضارب. لكن المثبت أحسن؛ لأن الضمير يعود إلى أقرب مذكور وهي القضية المطلقة.\n(^٢) في (ت): \"بالمطلقة\". وهو خطأ.\n(^٣) في (ك): \"وكأن\".\n(^٤) انظر: التحصيل ١/ ٢٠٦.","vol":"3","page":593},{"text":"قلت: قال والدي - ﵁ - في كتابه \"الاتساق في بقاء وجه الاشتقاق\" وهو مختصر وضعه في هذه المسألة: \"إنهم ما فهموا جيدًا\". وأطال النَّفَس في ذلك، وأجاب عن سؤال لصاحب \"التحصيل\" ذَكَره على هذا وعَظُم خطبه ونحن لم نذكر السؤال، لكونه مبنيًا على ما (^١) فهمه صاحب \"التحصيل\" من أن الكل أعم والجزء أخص (^٢). وقد بَيَّنا أنَّ الإمام لم يُرِد بالكل والجزء الأعمَّ والأخصَّ، وأن الجزء قد يكون مساويًا.\nقال: (وعُورض بوجوه:\nالأول: أن الضارب مَنْ له الضَّرْب وهو أعم (من الماضي) (^٣). وَرُدَّ: بأنه أعم من (^٤) المستقبل أيضًا وهو مجاز اتفاقًا.\nالثاني: أن النحاة منعوا عمل النعت للماضي (^٥). ونوقض: بأنهم أعملوا المستقبل.\nالثالث: أنه لو شُرِط لم يكن المتكلم ونحوه حقيقة. وأجيب: بأنه لما تعذر استعمال أجزائه اكْتُفِي بآخر جزء.\nالرابع: أن المؤمن يُطْلَق (^٦) حالة الخلو عن مفهومه. وأجيب: بأنه\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: التحصيل ١/ ٢٠٤.\n(^٣) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٤) في (ص)، و(ك): \"في\". وهو خطأ.\n(^٥) في (غ): \"الماضي\".\n(^٦) في (ت)، (غ)، و(ك): \"يصدق\".","vol":"3","page":594},{"text":"مجاز، وإلا لأُطْلق الكافر على أكابر الصحابة حقيقة).\nعارض الخصمُ دليلَنا بأوجهٍ زعم أنها تدل على مطلوبه:\nالأول: أن الضارب عبارة عمن ثبت له الضرب، وهو أعم من أن يكون دائمًا أوْ لا (^١)؛ فيكون إطلاقه على أفراده على سبيل الحقيقة، كإطلاق العام على أفراده.\nوأجاب: بأن ذلك منقوضٌ بأنه أعم من المستقبل أيضًا؛ فيلزم أن يكون حقيقة فيه، ولا قائل به.\nولقائل أن (^٢) يقول: إذا كان الضارب مَنْ ثبت له الضرب - فهو غير صادق باعتبار المستقبل؛ لأنه ما ثبت له فلا يتجه قولكم (^٣): إنه أعم من المستقبل أيضًا.\nالثاني: أن جمهور النحاة قالوا: النعت أي: المشتق (^٤)، كاسم الفاعل\n_________\n(^١) يعني: أن الضارب هو مَن ثبت له الضَّرْب سواءٌ كان ذلك دائمًا أو منقطعًا.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) أي: جوابكم عن دليلنا.\n(^٤) قال ابن عقيل رحمه الله تعالى: \"لا يُنْعت إلا بمشتق لفظًا أو تأويلًا. والمراد بالمشتق هنا (أي: في باب النعت): ما أُخذ من المصدر للدلالة على معنى وصاحبه: كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة باسم الفاعل، وأفعل التفضيل. والمؤول بالمشتق: كاسم الإشارة نحو: مررت بزيدٍ هذا. أي: المشار إليه وكاسم الموصول، وذو التي بمعنى صاحب، وأسماء النسب\". شرح ابن عقيل ٢/ ١٩٥، مع اختصار وتصرف.","vol":"3","page":595},{"text":"واسم المفعول إذا كان بمعنى الماضي وليس معه \"أل\" (فهو لا) (^١) يَنْصِب مفعوله (^٢)، بل يتعيَّن أن يُجَر بالإضافة إليه تقول: مررت برجلٍ ضاربِ زيدٍ أمسٍ. وهذا يدل على جواز استعماله بمعنى الماضي، والأصل في الاستعمال الحقيقة.\nوأجاب: بأن هذا منتقض بإجماعهم على إعماله إذا كان بمعنى الاستقبال؛ لأن ما قلتموه في الماضي يأتي بعينه في المستقبل مع أنه مجاز اتفاقًا (^٣).\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) اسم الفاعل يعمل عمل فِعْله فيرفع الفاعل، وينصب المفعول، واسم المفعول يعمل عمل فِعْله المبني للمجهول، فيرفع المفعول، وإن كان له مفعولان رفع أحدهما ونصب الآخر، وهما يعملان عمل فعلهما إن كانا مجردين عن \"أل\" بشرط أن يكونا بمعنى الحال أو الاستقبال، وأن يعتمدا على شيء قبلهما كأن يقعا خبرين نحو: هذا ضاربٌ زيدًا الآن، أو غدًا. الزيدان مضروبان الآن، أو غدًا. وإن كانا بمعنى الماضي وهما مجردان لم يعملا، فلا تقول: هذا ضاربٌ زيدًا أمسِ. بل يجب إضافته، فتقول: هذا ضاربُ زيدٍ أمسِ. انظر: شرح ابن عقيل على الألفية ٢/ ١٠٦، ١١٨، ١٢١، جامع الدروس العربية للغلاييني ٣/ ٢٨٢. فائدة: وينبغي أن يُعْلم أن اسم الفاعل العامل عمل فعله يجوز في مفعوله وجهان: الجر بالإضافة، والنصب على المفعولية، فتقول: هذا ضاربُ زيدٍ الآن أو غدًا. وهذا ضاربٌ زيدًا الآن أو غدًا. وفائدة الإضافة التخفيف في اللفظ؛ ولذلك يقال لها الإضافة اللفظية، أي: لا تفيد تخصيصًا ولا تعريفًا. وكذلك اسم المفعول يجوز في معموله الجر والرفع على النيابة عن الفاعل. فتقول: هذا مضروبُ الولدِ. بالجر. وهذا مضروبٌ الولدُ. بالرفع. والإضافة لفظية كما تقدم.\n(^٣) أي: مع أن إطلاق اسم الفاعل واسم المفعول في المستقبل مجاز اتفاقًا، فلزم أن يكونا في الماضي كذلك.","vol":"3","page":596},{"text":"الثالث: لو كان بقاء (^١) \"المشتق منه\" شرطًا في صحة إطلاق \"المشتق\" حقيقة (^٢) - لاستحال إطلاق المتكلم والمخبِر بطريق الحقيقة على شيءٍ أصلًا (^٣)؛ لأن المُشْتق منه (^٤) وهو الكلام والخبر لا يمكن بقاؤهما؛ لأنهما من الموجودات التي هي غير قارة الذات (^٥).\nوأجاب بمنع الملازمة؛ وذلك لأن الشرط أحد الأمرين: إما بقاء المشتق منه وذلك فيما يمكن بقاؤه، أو بقاء آخر جزءٍ من أجزائه، إن لم يُمكن بقاؤه بالكلية، لأن وضع اللغة غير مبني على المضايقة في مثل هذه الأمور (^٦)، وهذا كإطلاقهم الحال على الزمان المعيَّن مع أن الموجود منه\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) قوله: لو كان بقاء. . . إلخ هذا مقدم.\n(^٣) قوله: لاستحال إطلاق. . . إلخ هذا تالي.\n(^٤) سقطت من (ت)، و(ص)، و(غ).\n(^٥) فالمتكلم إذا أطلق عليه هذا اللفظ يكون باعتبار ما مضى من كلامه الذي فني وانتهى؛ لأن الكلام لا يبقى. قال الإسنوى: \". . . لأن الكلام ونحوه اسمٌ لمجموع الحروف، ويستحيل اجتماع تلك الحروف في وقت واحد؛ لأنها أعراض سيالة لا يوجد منها حرف إلا بعد انقضاء الآخر\". نهاية السول ٢/ ٩٦.\n(^٦) فإطلاق الكلام حقيقة على المتكلم لا بد وأن يكون في أخر جزء من أجزاء الكلام، أما إذا انتهى المتكلم من كلامه - فإطلاق المتكلم عليه مجاز لا حقيقة. قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \". . . لما تعذر اجتماع أجزاء الكلام وشبهه اكتفينا في الإطلاق الحقيقي بمقارنته لآخر جزء؛ لصدق وجود المشتق منه مع مقارنته لشيء منه. فمن قال: قام زيد مثلًا، إنما يصدق عليه متكلم حقيقة عند مقارنة الدال فقط، لا قبلها ولا بعدها\". نهاية السول ٢/ ٩٦. ومن الأمثلة أيضًا على الوجود غير القار =","vol":"3","page":597},{"text":"ليس إلا جزءًا واحدًا (^١).\nالرابع: أنه لو اشترط بقاء \"المشتق منه\" في صحة إطلاق \"المشتق\" حقيقةً - للزم أن لا يصح إطلاق المؤمن بطريق الحقيقة على مَنْ خلا عن مفهومه بالنوم مثلًا، ولكن ذلك باطل؛ لأنهم يطلقونه عليه، والأصل في الإطلاق الحقيقة (^٢).\nوأجاب: بأن إطلاقه ليس على سبيل الحقيقة، بل هو مجاز، وإلا لصح إطلاق الكافر على أكابر الصحابة حقيقة بسببِ كفرٍ تَقَدّمَ إذِ الاطراد (^٣) من لوازم الحقيقة.\n_________\n= الحركة، فلا يوصف الجسم بأنه متحرك حقيقة إلا في حال التحرك، أي: في آخر جزء من أجزاء الحركة.\n(^١) أي: مع أن الموجود من الزمان المعيَّن ليس إلا جزءًا واحدًا حال التكلم، وأما قبل التكلم فتلك الأجزاء من الزمان معدومة فانية، فالزمان غير قار الذات، ومع ذلك أطلقنا الحال على الزمان المعيَّن.\n(^٢) قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \"بيانه: أن الواحد منا إذا نام يصدق عليه أنه مؤمن، ولا يصدق عليه الإيمان في تلك الحالة؛ لأنه إما عبارة عن التصديق كما هو مذهب الأشعري، أو عن العمل كما هو مذهب المعتزلة، وكلٌ منهما ليس بحاصلٍ في حال نومه\". نهاية السول ٢/ ٩٦.\n(^٣) والاطراد: هو الانطباق على جميع الصور. وهو المعبر عنه بالتلازم في الثبوت، فكلما وجدت العلة وجد الحكم، فالحكم مطرد مع العلة، أي: جار معها حيث تجري، وموجود معها حيث وجدت. فحيث وجدت الحقيقة وجدت أفرادها، ولا تتخلف الحقيقة عن أفرادها، وإلا لم يكن ذلك الفرد حقيقة. انظر: التعريفات للجرجاني ص ١٢٣، والمصباح المنير ٢/ ١٧، مادة (طرد).","vol":"3","page":598},{"text":"ولقائل أن يقول: إن الإيمان الطارئ بعد الكفر يضاده، فلذلك لم يصح إطلاق الكافر على من صدر منه في الماضي، إذ هو وصف وجودي يضاد الأول، فكان (^١) كإطلاقك على الأسود أنه أبيض باعتبار بياضه المتقدم، وقد قَدَّمنا أن ذلك ليس من محل النزاع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>فوائد:</span>\nإحداها: اعلم أنا لا نعني بالحال حال نطقنا بل حال اتصافه بالمشتق منه (^٢). فإذا قلت: اقتلوا المشركين - فمعناه: الأمرُ بقتل مَن اتصف بالشرك وإن لم يكن وقتَ قولك: اقتلوا المشركين - متصفًا به.\nوقد خَفِي ذلك على (^٣) بعض الفضلاء (فظن (^٤) أنه لا يشمل مَنْ يأتي) (^٥) بعد ذلك إلا مجازًا (^٦).\n_________\n(^١) في (ك): \"وكان\".\n(^٢) أي: قولنا: إطلاق الاسم المشتق باعتبار الحال حقيقة بالإجماع، لا نعني بالحال حال النطق؛ لأنه قد لا يكون المطلق عليه متصفًا بذلك المشتق حال النطق، فكيف يكون الإطلاق حقيقة! بل نعني بالحال: وقت اتصافه بالمشتق منه، فيكون إطلاق المشتق عليه في ذلك الوقت حقيقة، سواء كان ذلك الوقت قي وقت النطق، أو في المستقبل، فمتعلَّق الإجماع هو الإطلاق وقت الاتصاف، سواء في زمن النطق أو بعده، وليس متعلَّقة الإطلاق وقت النطق فقط. وقد فَصَّل الشارح رحمه الله تعالى هذه الفائدة في كتابه \"الأشباه والنظائر\" تفصيلًا بديعًا نفيسًا يحسن مراجعته في ٢/ ٨١.\n(^٣) في (غ): \"عن\".\n(^٤) في (ك): \"وظن\".\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) وهذا الفاضل هو القرافي رحمه الله تعالى، إذ قال: \"إنّ نصوص الكتاب والسنة =","vol":"3","page":599},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= لا تتناول مَنْ كان في زماننا إلا بطريق المجاز، مثل قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ لأن هذه المشتقات لا تتناول على وجه الحقيقة إلا مَنْ كان متصفًا بها وقتَ نزولها، وأما مَنْ بعد ذلك فهي مجاز. لكنه قال ذلك تفريعًا على هذه المسألة ومستشكلًا إياه، إذ قال بعد ذلك: \"وهو خلاف الإجماع، بل أجمع العلماء على أن هذه الألفاظ حقائق في هذه المعاني، فكيف تُتَصور هذه المسألة، وكيف نَجْمع بينها وبين هذه القاعدة الإجمالية؟ \". نفائس الأصول ٢/ ٦٦٥. ثم أجاب عن هذا الإشكال: بأن المشتقات قسمان: محكوم به، ومُتَعَلَّق الحكم، فالمحكوم به هو مثل قولنا: زيد صائم أو مسافر، فقد حكمنا عليه بهذه المشتقات. ومتعلَّق الحكم هو مثل: أكْرِم العلماء، ولم نحكم بأن أحدًا عالم، بل حكمنا بوجوب الإكرام لهم، وهو متعلَّق هذا الحكم، ومرادنا - في هذه المسألة - المشتقُّ إذا كان محكومًا به، أما إذا كان متعلَّق الحكم فهو حقيقة مطلقًا مِنْ غير تفصيل، والله ﷾ لم يحكم في تلك الآيات بأن أحدًا أشرك، ولا زنى، ولا سرق، بل حكم بوجوب القتل، والقطع، والجلد فقط، وهذه الطوائف متعلَّق الأحكام، فاندفع الإشكال عن نصوص الكتاب والسنة بتخصيص الدعوى. أي: دعوانا في مسألة المشتق بأنه حقيقة في حال النطق إذا كان محكومًا به، وأما إذا كان المشتق متعلق الحكم فهو حقيقة مطلقًا بلا تفصيل، سواء في زمن النطق أو بعده. وهذا الذي قاله القرافي رحمه الله تعالى يَرِد عليه أنه لم يقل به أحدٌ غيره إذ قال هو معترفًا بذلك: \"مع أن كل مَنْ رأيته يتحدث في هذه المسألة يذكرها عمومًا، وهو باطل إجماعًا وبالضرورة كما ترى\". نفائس الأصول ٢/ ٦٦٦، ويَرِد عليه أيضًا ما قاله الشارح من أنَّ المراد بالحال هو حال الاتصاف بالمشتق منه، لا حال النطق. والله أعلم. فائدة: قد وجدت بعد ذلك أن الإسنوي رحمه الله تعالى نقل عن القرافي كلامه السابق مُقِرًا له في كتاب التمهيد ص ١٥٤، ولكن هذا لا يمنع حكمنا بأنه لم يقل به أحد سواه؛ لأن الإسنوي متأخر، والقرافي استنبط هذا التقسيم من عنده، فكان منفردًا به. وانظر ردَّ الشارح على القرافي في الأشباه والنظائر ٢/ ٨١.","vol":"3","page":600},{"text":"الثانية: الحقيقة والمجاز إنما هما باعتبار الاستعمال، فإذا قلت: زيد ضارب فهنا أمران:\nأحدهما: استعمال ضارب في معناه أو غير معناه، وهو محل الحقيقة والمجاز.\nوالثاني: حَمْلُ ضاربٍ على زيد (^١)، وهذا لا يوصف بحقيقة ولا مجاز، ولا دلالة له على حالٍ ولا مُضِيٍ ولا استقبال، بل هو مطلق بالنسبة إليها، والقضية إن أطلقت احتملت الثلاثة (^٢) إلا أنا نحمله عند الإطلاق على زمان النطق لغةً وعرفًا؛ ولأنه ليس غيره أولى منه (^٣).\nوأما المحمول الذي هو ضارب فإنْ أريد به معناه ممن هو متصف بالضَّرْب في الحال (^٤) كان حقيقة إما صدقًا إنْ طابق، أو كذبًا إن لم يطابق. وإنْ أريد به غير معناه كان مجازًا (^٥). والأمر في السلب في جميع ذلك على ما قررناه لا يختلف.\nالثالثة: إذا قلت: زيدٌ ضاربٌ أمس أو غدًا - فقد يُطْلِق المُطْلِق أنه مجاز؛ لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال، والتصريح بأمس أو غدًا إنما هو قرينة لإرادة المجاز، كقولك: رأيتَ أسدًا يرمي\n_________\n(^١) أي: جعل ضارب محمول، وزيد موضوع.\n(^٢) أي: قضية: زيد ضارب، إن أُطلقت فلم تُقَيَّد بزمن - احتملت الأزمنة الثلاثة.\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) أي: حال الإطلاق والنطق.\n(^٥) أي: إن أُريد به غير معنى الضرب كان الإطلاق مجازًا.","vol":"3","page":601},{"text":"بالنُّشَّاب، وقد يُطْلِق أنه حقيقة لأنه (^١) اتصل بمعموله (^٢). والحق خلاف الإطلاقين؛ لأن الحَمْل لا حقيقة فيه ولا مجاز كما عرفت، فحكمك على زيدٍ الآن بأنه ضارب غدًا لا حقيقةَ ولا مجاز، والمحكوم به وهو ضارب غدًا إنْ أريد معناه وهو أنه يحصل منه الضرب غدًا كان حقيقة، مثل: زيد سيضرب غدًا. وإن أريد به غير معناه كان مجازًا، وهكذا ضارب أمس. ولا يمكنك أن تُريد أن الضَّرْب الثابت الذي يقع غدًا هو [ص ١/ ١٨٨] ثابت الآن فذلك مستحيل، لكن تريد أنه الآن محكوم عليه بالضَّرْب في غد، والحكم غير موصوف بحقيقة ولا مجازٍ، فإن أردتَ أن تَصِفَه الآن بضَرْبِهِ في غدٍ كان مجازًا (^٣). والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>فروع يتجه بناؤها على الأصل المذكور:</span>\nلو عُزِل القاضي فقال: امرأة القاضي طالق هل يقع طلاقه (^٤)؟ فيه وجهان في فروع الطلاق من الرافعي (^٥).\nآخر (^٦): لو قال: إنْ كانت امرأتي في المأتم فأَمَتي حرة، وإن كانت\n_________\n(^١) أي: ضارب.\n(^٢) وهما ظرفا الزمان: أمسِ، أو غدًا. فأمسِ ظرف زمان مبني على الكسر في محل نصب. غدًا: ظرف زمان منصوب بالفتحة على الظرفية.\n(^٣) فمجمل الكلام في مسألة المشتق هو الإطلاق في حال الاتصاف بالمشتق أو قبله أو بعده، لا في الحكم بالمشتق؛ لأن الحكم لا يوصف بحقيقة ولا مجاز.\n(^٤) بناءً على أنه هل وَصْفُ القاضي لا زال باقيًا باعتبار ما سبق أوْ لا؟\n(^٥) انظر: التمهيد للإسنوي ص ١٥٥، الأشباه والنظائر للشارح ٢/ ٨٣.\n(^٦) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).","vol":"3","page":602},{"text":"أمتي في الحمام فامرأتي طالق. وكانتا عند التعليق كما ذَكَر عَتَقت الأمة ولم تطلق المرأة؛ لأن الأمة (^١) عتقت عند تمام التعليق الأول، وخرجت عن أن تكون أمته فلم يحصل شرط الطلاق، (وهذا لأن) (^٢) أمته لا تكون حقيقةً إلا لمَنْ يملكها في الحال، ولو قَدَّم ذِكْر الأمة فقال: إنْ كانت أمتي في المأتم فامرأتي طالق، وإنْ كانت امرأتي في الحمام فأمتي حرة. وكانتا كما ذكر طَلُقَتْ المرأة، ثم إنْ كانت رجعية عتقت الأمة أيضًا وإلا فلا (^٣). والفرع مسطور في فروع الطلاق أيضًا، وإنما تعتق الأمة في هذه الحالة لصدق لفظ الزوجة على الرجعية.\nآخر (^٤): لو حلف لا رأيتُ منكرًا إلا رفعته إلى القاضي فلان، ولم يَنْوِ أنه يرفعه إليه وهو قاض، وتمكن من الرفع إليه فلم يرفع حتى عُزل ثم رَفَع إليه - ففي الحِنْث وجهان إذا مات ولم يَرْفع إليه إلا وهو معزول (^٥).\nو(^٦) لو حلف: لا يدخل مَسْكن فلانٍ، فدخل مِلْكًا لَهُ لم يكن ساكِنَهُ فثلاثة أوجه، ثالثها: إنْ كان سَكَنَه في القاضي ساعةً مَا - حَنَث، وإلا فلا (^٧).\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"المرأة\". وهو خطأ.\n(^٢) في (ص): \"وهو الآن\". وهو خطأ.\n(^٣) لأن الرجعية امرأته، فالوصف لا زال باقيًا، بخلاف البائنة فإنها وإنْ كانت تعتد منه لكنها ليست بامرأته؛ لأن النكاح قد زال.\n(^٤) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٥) ففريق يقول بالحنث، وآخرون بعدمه.\n(^٦) سقطت الواو من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٧) انظر: الأشباه والنظائر للشارح ٢/ ٨٣.","vol":"3","page":603},{"text":"آخر (^١): قال المتولي: لو وَقَف على عبدِ فلانٍ وقلنا: العبدُ يَمْلِك - صح (^٢) وكان الاستحقاق متعلِّقًا بكونه عبدَ فلانٍ، حتى لو باعه أو وهبه زال الاستحقاق (^٣) (^٤).\nقال: (الثالثة: لا يُشتق اسم الفاعل لشيء والفعلُ قائمٌ بغيره؛ للاستقراء. قالت المعتزلة: الله متكلم بكلام يخلقه في جسم كما أنه الخالق والخلق هو (^٥) المخلوق. قلنا: الخَلْق هو التأثير).\nلا يجوز إطلاق اسم الفاعل - الذي هو المشتق - على شيءٍ والفعل (^٦) - الذي هو المشتق منه - قائم بغيره.\nواستدل الأصحاب على ذلك بالاستقراء، فإنا تتبعنا مواقع استعمال المشتقات فلم نجد موقعًا اشْتُق له اسم الفاعل والفعل المشتق منه قائمٌ بغيره، فدل على أن ذلك خارجٌ عن كلام العرب فيكون ممنوعًا.\n_________\n(^١) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٢) أي: صح الوقف، ومَلَك العبدُ ذلك الوقفَ. ولو قلنا بعدم ملك العبد فيكون الوقف للسيد، كما نقول: وَقَف على ثَوْر فلان.\n(^٣) لأن الوقف معلَّق على الإضافة بكونه عبدَ فلانٍ، فإذا زالت الإضافة زال الاستحقاق.\n(^٤) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ١/ ٣٢٩، التحصيل ١/ ٢٠٥، الحاصل ١/ ٣١١، نهاية السول ٢/ ٧٩، السراج الوهاج ١/ ٢٨٤، البحر المحيط ٢/ ٣٣٨، بيان المختصر ١/ ٢٤٤، شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ١٧٥، فواتح الرحموت ١/ ١٩٣، شرح الكوكب ١/ ٢١٦.\n(^٥) سقطت من (ص)، و(غ).\n(^٦) أي: معنى المصدر. انظر: بيان المختصر ١/ ٢٥١.","vol":"3","page":604},{"text":"وقد لَزِم المعتزلةُ الخلافَ في ذلك حيث قالوا: إن الله تعالى متكلِّم بكلامٍ قائمٍ بغيره لا بذاته، وإلا لكانت ذاتُه مَحَلًا للحوادث. وذلك على أصلهم في أن الكلام حادث؛ لأنهم لا يعترفون بالكلام النفسي.\nواحتجوا على ما ذهبوا إليه مِنْ أنه يجوز إطلاق التكلم على الله تعالى بسبب كلامٍ يخلقه في جسم: بأنه يُطْلَق عليه الخالق بالحقيقة، والخالق مشتق من الخَلْق، والخَلْق لم يقم بذاته ﷾؛ لأن الخَلْق هو المخلوق: وهو الأثر البائن (^١) عن ذات الله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (^٢) أي: (مَخْلُوق الله) (^٣).\nوأجاب: بأن الخَلْق ليس هو الخلوق بل هو تأثير الله تعالى: (في المخلوقات، والتأثير قائم بذات الله تعالى) (^٤)، وأما الإطلاق الواقع في الآية فإنه مجاز.\nقال: (قالوا: يلزم قِدَم العالم، وإلا لافْتَقَر إلى خَلْقٍ آخر وتسلسل (^٥). قلنا: هو نسبةٌ فلم يحتج إلى تأثيرٍ آخر).\nقالت المعتزلة: لو كان الخَلْق (^٦) هو التأثير كما ذكرتم - لزِم أحدُ\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"المباين\".\n(^٢) سورة لقمان: الآية ١١.\n(^٣) في (ك): \"مخلوقة\".\n(^٤) وهي في (ت)، و(غ)، و(ك) بلفظ: في المخلوق. . . إلخ، وفي (ص) بلفظ: في المخلوقات، والتأثير قام. . . إلخ.\n(^٥) في (ت): \"ويتسلسل\".\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"3","page":605},{"text":"محالين: إما - قِدَم العالم أو التسلسل؛ وذلك لأنه إما قديم أو حادث، إذ كل مفهومٍ وجوديًا كان أو عدميًا لا يخلو عن أحدهما؛ لأنه إنْ كانَ مسبوقًا بالعدم سَبْقًا زمانيًا فهو الحادث، وإلا فهو القديم.\nفإن كان قديمًا لزم قِدَم العالم؛ لأن المؤثِّر قديم والتأثير فرضناه قديمًا، وإذا وُجد المؤثِّر والتأثير استحال تخلف الأثر وهو العالم، فيلزم من وجودهما في الأزل وجودُ العالَم فيه. ولأن التأثير نسبة بين الخالق والمخلوق (^١)، وقِدَم النسبة يقتضي: قِدَم المنتسبَيْن (^٢) ضرورة افتقارها إليهما. ولأن العالَم: هو ما سوى الله تعالى، والتأثير غير الله تعالى؛ إذ التأثير غير المؤثِّر (^٣).\nوإن كان حادثًا افْتَقر في حدوثه إلى تأثيرٍ، والكلام فيه كالكلام في الأول؛ فيلزم التسلسل (^٤).\nوأجاب المصنف بأنه نسبة إلى آخره، أي: يختار أنه حادث ويمنع (^٥) لزوم التسلسل؛ وذلك لأن التأثير نسبة، والنسبة لكونها من الأمور الاعتبارية التي لا وجود لها في الخارج غير مفتقرة إلى تأثير مؤثِّرٍ فيها (^٦).\n_________\n(^١) فالخالق: هو المؤثر، والمخلوق: هو المتأثر.\n(^٢) أي: قدم النسبة التي هي التأثير، يقتضي قدم المنتسبَيْن: وهما الخالق والمخلوق.\n(^٣) لأنهم بَيَّنوا بأن التأثير نسبة بين الخالق والمخلوق، والمؤثر هو الله تعالى، فالنسبة غير المؤثِّر.\n(^٤) يعني: فالتأثير الثاني إما أن يكون قديمًا فيلزم قِدَم العالم، وإما أن يكون حادثًا فيحتاج إلى تأثير ثالث، وهكذا يقال في الثالث وما بعده، فيلزم من ذلك التسلسل.\n(^٥) في (ت): \"ونمنع\".\n(^٦) أي: أن النسب والإضافات كالبنوة والأخوة أمور عدمية لا وجود لها في الخارج، وإنما هي أمور اعتبارية، أي: يعتبرها العقل فلا تحتاج إلى مؤثر. انظر: نهاية السول ٢/ ١٠١.","vol":"3","page":606},{"text":"ثم إن (^١) الأمور الاعتبارية لا يمتنع التسلسل فيها كذلك (^٢)، وهذا كما أن الواحد نصف الاثنين، وثُلُث الثلاثة، ورُبُع الأربعة وهلم جرا إلى ما لا نهاية له من الأعداد.\nواعلم أن الإمام لم يُجب عن الشبهة المذكورة (^٣)، ثم قال: \"ومما يدل على أنه ليس من شَرْط المشتق منه قيامُه بمَنْ له الاشتقاق (^٤): أن المفهوم من اسم المُشْتَق (^٥) ليس إلّا أنه ذو ذلك المشتق منه (^٦)، ولفظة (^٧) \"ذو\" لا تقتضي الحلول (^٨)؛ ولأن لفظ اللابن والتامر والمكي والمدني والحداد مشتق من الأمور التي يمتنع قيامها بمن له الاشتقاق\" (^٩) (^١٠) هذا كلامه. وقد أوهم اختيارَ مذهبِ المعتزلة، ومناقضتَه في ذلك لما اختاره في كتبه الكلامية (^١١)، حتى قال الشيخ شمس الدين\n_________\n(^١) في (ت): \"وبأن\".\n(^٢) في (ص): \"لذلك\".\n(^٣) وهي لزوم قدم العالم أو التسلسل.\n(^٤) أي: قيامه بصاحب المشتق، وهذا خلاف ما قرره البيضاوي سابقًا.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) فإذا قلنا: ضارب، أي: ذو ضرب. آكل، أي: ذو أكل، ونحوهما.\n(^٧) في (ك): \"ولفظ\".\n(^٨) أي: لا تقتضي حلول المشتق منه في الذاتِ المُشْتَق لها.\n(^٩) فيمتنع قيام اللبن بالذات التي تبيع اللبن؛ لأن حقيقة اللَّبَن منفصلة عنه، وكذلك التامر الذي هو بائع التمر، والمكي الذي هو من مكة. . . إلخ.\n(^١٠) المحصول ١/ ق ١/ ٣٤٤.\n(^١١) أي: أوهم هذا الكلام اختيار الرازي لمذهب المعتزلة، وأوهم أيضًا مناقضته لنفسه =","vol":"3","page":607},{"text":"الأصفهاني في شرح المحصول: \"الحق مذهب الأشاعرة لا ما اختار المصنفُ تقريرَه ههنا من مذهب المعتزلة\" (^١).\nوالذي نقوله: إنه لا يلزم من عدم ذكر الجوابِ اختيارُ مذهبهم، كيف وقد صرَّح بخلافه. وأما ما قاله من أن المفهوم من الاسم المشتق ليس إلا ذو المشتق منه - فهو مدخولٌ (^٢)؛ لأنه اعترف بأن قولنا: مكي ومدني مشتق من مكة والمدينة، وليس المفهوم من المكي ذو مكة؛ ولأنه يناقض ما التزمه سابقًا من أن بقاء وجه الاشتقاق شَرْطٌ لصدق الاسم المشتق، فإنَّ قولنا: زيد قسِيٌّ أو تميميٌّ، يكون حينئذ مُشْتَقًا مِنْ قيس وتميم، والمشتق منه غير باق (^٣).\nوالحق أن دعواه أن لفظة ذو لا تقتضي الحلول غير مسلمة له على الإطلاق (^٤)؛ لأن المفهوم مِنْ قولنا: زيد ذو علم أو فهمٍ - قيامُهما به، وحلولُهما فيه. فلفظة \"ذو\" تقتضي الحلول في أسماء المعاني (^٥) كما ذكرناه، وكلامنا في المشتقات من المصادر التي هي أسماء المعاني. ويخرج بهذا الجواب عن مثل: مكي ومدني، فإنها مشتقة من أسماء الذوات\n_________\n= فيما اختاره في كتبه الكلامية، حيث اختار فيها مذهب الأشاعرة.\n(^١) انظر: الكاشف ٢/ ١١٢.\n(^٢) أي: دخله الخطأ من حيث لا يشعر. انظر: المصباح ١/ ٢٠٤، مادة (دخل).\n(^٣) يعني: والمشتق منه وهما قيسٌ وتميمٌ، اللذان نسبت إليهما القبيلتان - غير باقيَيْن.\n(^٤) أي: غير مسلمة له في كل الصور، بل في بعضها.\n(^٥) كالعلم، والفهم، والحفظ، والكلام، ونحوها.","vol":"3","page":608},{"text":"فليست في شيء مما نحن فيه (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>فروع يتجه بناؤها على الأصل المذكور:</span>\nلو حلف لا يبيع أوْ لا يضارب، فوكَّل فيه غيره حتى فعل - لم يحنث في أظهر القولين؛ لأنه لم يباشر (^٢).\nوالثاني: إن كان ممن لا يتولى ذلك بنفسه كالسلطان - حنث (^٣).\nولو حلف لا يَحْلِق رأسه فأَمر غيره فحلق - فقد قيل في حنثه القولان، وقيل: يحنث قولًا واحدًا (^٤). وبه أجاب الماوردي وطَرَده في كل ما جرت العادة فيه بالأمر (^٥) دون المباشرة من جميع الناس. كقوله: والله لا احتجمت، أوْ لا افتصدت، أوْ لا بنيت داري (^٦).\n_________\n(^١) فمكة اسم ذات للأرض المقدسة، والمكي المشتق منها لا يقال فيه: ذو مكة، ولا يفيد الحلول، وكذا في المدينة، فالبحث هنا عن أسماء المعاني المتعلقة بالأمور المعنوية، لا بأسماء الذوات الموجودة في الخارج.\n(^٢) لأنه أي: الحالف، لا يوصف بالبائع ولا بالمضارب إلا إذا قام به المشتق منه: وهو البيع أو المضاربة، وهذا لا يكون إلا بالمباشرة، فإذا وكَّل غيره في ذلك فهو لم يباشر، فلم يقم به المشتق منه فلم يحنث. انظر البحر المحيط ٢/ ٣٥٣.\n(^٣) لأن التوكيل في حق السلطان مباشرة.\n(^٤) لأن العادة جرت بأن الإنسان لا يحلق لنفسه، بل يحلق له غيره.\n(^٥) أي: بأمر غيره.\n(^٦) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ١/ ٣٤٠، التحصيل ١/ ٢٠٧، الحاصل ١/ ٣١٥، نهاية السول ٢/ ٩٧، السراج الوهاج ١/ ٩٩٤، البحر المحيط ٢/ ٣٥٠، بيان المختصر ١/ ٢٥٠، شرح العضد على ابن الحاجب ١/ ١٨١، فواتح الرحموت ١/ ١٩٥، تيسير التحرير ١/ ٦٨، شرح الكوكب ١/ ٢٢٠.","vol":"3","page":609},{"text":"الفصل الرابع: الترادف","vol":"3","page":611},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-248>(الفصل الرابع: في الترادف</span>.\nوهو<span data-type=\"title\" id=toc-249> توالي الألفاظ </span>المُفردة الدالة على شيءٍ واحدٍ باعتبار واحدٍ كالإنسان والبشر).\nتوالي الألفاظ:\nهو تتابعها؛ لأن اللفظ الثاني تَبِع الأول في مدلوله.\nوقوله: \"توالي الألفاظ\": جنس يشمل المترادف وغيره.\nوقوله: \"المفردة\": احتراز عن المركبة كالحد مع المحدود، والرسم مع المرسوم، فإن الحدَّ والمحدودَ غيرُ مترادفين على المذهب المختار؛ إذ المحدود دال على الماهية من حيث هي، والحد دال عليها باعتبار دلالته على أجزائها، فالاعتباران مختلفان (^١).\nوقوله: \"الدالة على شيءٍ واحد\": احتراز عن توالي الألفاظ المتباينة المتفاصلة فإنها تدل على الأشياء المتعددة كالإنسان، والفرس، والحمار.\n_________\n(^١) أي: احترز بقوله \"المفردة\" عن أن يكون البعض مركبًا، والبعض مفردًا، كالاسم مع الحد، نحو: الإنسان والحيوان الناطق، فإنهما وإنْ دلَّا على ذات واحدة فليسا مترادفين على الأصح، لأن الحدَّ يدل على الأجزاء بالمطابقة، والمحدود يدل عليها بالتضمن، والدال بالمطابقة غير الدال بالتضمن. انظر: نهاية السول ٢/ ١٠٦، قال الإسنوي: واحترز به أيضًا عن أن يكون الكل مركبًا كالحد والرسم، نحو قولنا: الحيوان الناطق، والحيوان الضاحك، فليسا مترادفين وإن دَلَّا على مسمى واحد وهو الإنسان؛ لأن دلالة أحدهما بواسطة الذاتيات، والآخر بواسطة الخاصة.","vol":"3","page":613},{"text":"وقوله: \"باعتبار واحد\": (يمكن أن يُحْترز به عن الألفاظ المفردة الدالة على شيء واحد لا باعتبار واحد) (^١)، بل (^٢) أحدهما بطريق الحقيقة، والآخر بطريق المجاز، كالأسد والشجاع. لكن قال الإمام: \"احترزنا به عن اللفظين المفردين إذا دَلَّا على شيء واحد باعتبار صفتين، كالصارم والمهند. أو باعتبار الصفة وصفة الصفة، كالفصيح والناطق، فإنهما من المتباينة\" (^٣) يعني: أن كلًا من المهند والصارم يدل على الشكل المعروف، لكن المهند والسيف يدلان عليه سواء أكان (^٤) قاطعًا أمْ لا، والصارم لا يدل عليه إلا إذا كان قاطعًا.\nهذا شرح التعريف، وفيه نظر: فإنه أتى \"بالمفردة\" ليحترز عما أشرنا إليه وهو غير مضرور إلى ذلك، فإن ذلك خرج بقوله: \"باعتبار واحد\"؛ إذِ الحد والمحدود يدلان على معنى واحد لكن باعتبارين كما عرفت. ثم إن هذه اللفظة أعني \"المفردة\" تُصَيِّر الحد غير جامع؛ إذ يخرج بها بعض المترادفات مثل: خمسة، ونصف العشرة (^٥).\nوأيضًا قوله: \"الألفاظ\" جمعٌ وأقله على رأيه ثلاثة، وقد يكون الترادف من لفظين (^٦). ثم إنها جنس بعيد (^٧) فلو أتى بالقول وقال: توالي\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) أي: بل باعتبارين.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٤٨.\n(^٤) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"كان\".\n(^٥) لأن خمسة مفردة، ونصف العشرة مركب، وهما مترادفان.\n(^٦) يعني: فيكون اللفظان المترادفان خارجين من التعريف.\n(^٧) أي: الألفاظ جنس بعيد، يشمل المفيد والمهمل، والجنس البعيد مجتنب في الحدود.","vol":"3","page":614},{"text":"كلمتين فصاعدًا - لسلم من هذين الإيرادين (^١).\nوإنما قال: \"توالي الألفاظ\" ولم يقل: الألفاظ المتوالية؛ لأنه شَرَع في حدِّ المعنى وهو الترادف؛ لا في حدِّ اللفظ وهو المترادف (^٢). وعَبَّر \"بالألفاظ\" ليشمل ترادف الأسماء: كالبرُّ، والقمح. والأفعال: كَجَلَس، وَقَعد. والحروف مثل: في، والباء في بعض المواضع، كما في قوله تعالى: ﴿مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ (^٣) (^٤).\nواعم أن المصنف إنما ذَكَر حَدَّ الترادف مع تقدمه في تقسيم الألفاظ؛ ليفرق بينه وبين التأكيد.\nقوله: \"كالإنسان والبشر\" هذا (^٥) مثال للترادف من جهة اللغة، فإن الإنسان يطلق على الواحد رجلًا كان أو امرأة (^٦)، وكذلك البشر (^٧). وأهمل المصنف التمثيل للمترادف (^٨) بحسب لغتين (^٩)،\n_________\n(^١) وأوردهما الإسنوي كذلك. انظر: نهاية السول ٢/ ١٠٦.\n(^٢) أي: فلو قال: الألفاظ المتوالية - لكان حدًا للألفاظ المترادفة، وهو يحد الآن المعنى وهو الترادف لا اللفظ المترادف.\n(^٣) سورة الصافات: الآيتان ١٣٧، ١٣٨.\n(^٤) فالباء هنا بمعنى \"في\"، فهما حرفان مترادفان. انظر: شرح ابن عقيل على الألفية ٢/ ٢١.\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٦) انظر: المصباح المنير ١/ ٣٠، مادة (أنس).\n(^٧) انظر: المصباح ١/ ٥٦، مادة (بشر).\n(^٨) في (ص): \"للمترادفين\".\n(^٩) مثل: الله، وخداي بالفارسية. انظر: نهاية السول ٢/ ١١٠.","vol":"3","page":615},{"text":"وبحسب الشرع كالفرض والواجب عندنا، وبحسب العُرْف (^١).\nقال: (والتأكيد يُقَوِّي الأول والتابع لا يفيد).\nلما كان التأكيدُ والتابع فيهما شَبَهٌ بالمترادِف حتى ظن بعض الناس أن التابع من قبيل المترادفِ - ذكر المصنف الفرق بينهما. وحاصله: أن المترادفين يفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت. والمؤكِّد لا يفيد غير فائدة الأول بل تقويته (^٢). وهو على نوعين:\nلفظي: وهو ما يكون لفظه لفظَ المؤكَّد (^٣).\nومعنوي: وهو ما يكون بغير ذلك اللفظ، مثل: كُلِّهم (^٤).\n_________\n(^١) كالأسد والسبُع. انظر المرجع السابق. وأما في اللغة فقال صاحب اللسان: \"والسَّبُع: يقع على ما له ناب من السباع ويعدو على الناس والدواب فيفترسها، مثل: الأسد، والذئب، والنَّمِر، والفَهْد، وما أشبهها. والثعلب وإن كان له ناب فإنه ليس بسبع؛ لأنه لا يعدو على صغار المواشي، ولا يُنَيِّب في شيء من الحيوان، وكذلك الضَّبُع لا تُعَدُّ من السباع العادية؛ ولذلك وردت السنة بإباحة لحمها، وبأنها تُجْزَى إذا أصيبت في الحرم، أو أصابها المحرم\". لسان العرب ٨/ ١٤٧، مادة (سبع) والسبع بضم الباء، والإسكان لغة. انظر: المصباح ١/ ٢٨٣. وانظر: بداية المجتهد ١/ ٤٦٨ - ٤٦٩.\n(^٢) قوله: \"لا يفيد غير فائدة الأول\" - نفيان يفيدان الإثبات، أي: والمؤكَّد يفيد فائدة الأول. وقوله: بل تقويته، يعني: بل يزيد على فائدة الأول بالتقوية، فيكون بين المؤكِّد والمؤكَّد التفاوت، على خلاف الترادف مهما يفيدان فائدة واحدة من غير تفاوت.\n(^٣) مثل: جاءني زيدٌ زيدٌ. فاللفظ الأول مؤكِّد، والثاني موكَّد.\n(^٤) كقوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ سورة الحجر: الآية ٣٠. سورة ص: الآية ٧٣.","vol":"3","page":616},{"text":"وأما الفرق بين المترادف والتابع مثل قولنا: شيطان لَيْطَان، ونظائره - فهو أن التابع لا يفيد. كذا أطلقه في الكتاب، وزاد الإمام فقال (^١): \"بل شَرْط كونه مفيدًا تَقَدُّمُ الأوّل عليه\" (^٢). وأما الآمدي فإنه قال: \"التابع قَدْ لا يفيد معنى أصلًا\" (^٣) بإثبات قد، قال: \"ولهذا قال ابن دريد: سألت أبا حاتم عن معنى قولهم: بَسَن، أي: في قولهم حَسَنٌ بَسَنٌ فقال: لا أدري ما هو\" (^٤). والتحقيق أن التابع يفيد التقوية؛ فإن العرب لا تضعه سدى، وجَهْل أبي حاتم بمعناه لا يضر، بل مقتضى قوله: إنه لا يدري - معناه: أن له مَعْنَى وهو لا يعرفه.\nفإنْ قلت: فصار كالتأكيد؛ لأنه أيضًا إنما يفيد التقوية.\nقلت: التأكيد يفيد مع التقوية نفي احتمال المجاز (^٥)، فإنك إذا قلت: قام القوم احتمل أن تريد (^٦) البعض مجازًا، وينتفي هذا الاحتمال بقولك بعد ذلك: كلُّهم.\nوأيضًا فالتابع مِنْ شرطه أن يكون على زِنَة المتبوع، والتأكيد لا يكون كذلك (^٧).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٤٨.\n(^٣) انظر: الإحكام ١/ ٢٥.\n(^٤) الإحكام ١/ ٢٥.\n(^٥) انظر: المصباح ١/ ٢٢، مادة (أكد)، شرح ابن عقيل على الألفية ٢/ ٢٠٦.\n(^٦) في (ص): \"يريد\".\n(^٧) انظر: نهاية السول ١/ ١١٠.","vol":"3","page":617},{"text":"وقول المصنف: \"التأكيد يقوي\" ليس بجيد بل كان ينبغي أن يقول: التأكيد تقوية، أو المؤكِّد يقوي (^١).\nقال: (وأحكامه في مسائل.\nالأُولى: في سببه: المترادفان إما مِنْ واضعين والتبسا، أو واحدٍ لتكثير الوسائل والتوسع في مجال البديع).\nذهب بعض الناس إلى إنكار المترادف في اللغة العربية، وزعم أن كلَّ ما يُظَنُّ (^٢) من المترادفات فهو من المتباينات التي تتباين بالصفات، كما في الإنسان والبشر، فإن الأول موضوع له (^٣)، باعتبار النسيان، أو باعتبار أنه يُؤْنَس (^٤).\n_________\n(^١) لأن التأكيد مصدر أكَّد، فيناسب أن يُعبِّر عنه بالمصدر وهو التقوية، الدال على الحدث فقط لا على الذات، أما يُقَوِّي فهو فعل يحتاج إلى فاعل، فيناسب أن يأتي بالمؤكِّد اسم الفاعل الدال على ذاتِ مَنْ صدر منه الفعل. وكذا اعترض الإسنوي بمثل ما قال الشارح. انظر: نهاية السول ٢/ ١١٠.\n(^٢) في (ك): \"ظُنَّ\".\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) في لسان العرب ٦/ ١٠ - ١٦، مادة (أنس): \"والإنسان أصله إِنْسيانٌ؛ لأن العرب قاطبة قالوا في تصغيره: أُنَيْسِيانٌ، فدلت الياء الأخيرة على الياء في تكبيره، إلا أنهم حذفوها لما كثر \"الناسُ\" في كلامهم. . . وروي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إنما سُمِّي الإنسان إنسانًا لأنه عُهِد إليه فَنَسِي، قال أبو منصور: إذا كان الإنسان في الأصل إنسيانٌ فهو إفْعِلانٌ من النسيان، وقول ابن عباس حجةٌ قوية له. . . والأَنَسُ أيضًا: لغة في الإنْس. . . والأَنَسُ خلافُ الوحشة وهو مصدر قولك أنِسْتُ به بالكسر. . . وفيه لغة أخرى أنَسْتُ به أُنْسًا. . . وقيل: للإنْس إنْسٌ لأنهم يُؤْنَسون =","vol":"3","page":618},{"text":"والثاني: باعتبار أنه بادي البشرة (^١). وكذا الخَنْدريس (^٢) والعُقَار (^٣) فإن الأول باعتبار العِتْق (^٤)، والثاني باعتبار عُقْر الدَّنِّ لشدتها. وتكلَّف لأكثر المترادفات بمثل هذا المقال العجيب.\nوقد اختار هذا المذهب أعني إنكار المترادف أبو الحسين أحمد بن فارس (^٥) في كتابه الذي ألفه في فقه اللغة العربية (^٦) وسنن العرب وكلامها،\n_________\n= أي: يُبْصَرون، كما قيل: للجن جنٌ لأنهم لا يؤنسون أي: لا يُبْصرون\". وانظر: المصباح المنير ١/ ٣٠، وعلى هذا فالإنسان إما مشتق من النسيان، أو من الأُنْس أي: الاستئناس، أو من الإيناس وهو الإبصار كما قال الأزهري: \"وأصل الإنْسِ والأَنسِ والإِنْسان من الإيناس: وهو الإبصار\". لسان العرب ٦/ ١٦.\n(^١) انظر: لسان العرب ٤/ ٥٩، مادة (بشر).\n(^٢) الخَنْدَريس: الخمر القديمة. قال ابن دُرَيد: أحسبه مُعَرَّبًا سميت بذلك لِقدَمها، ومنه حِنْطةٌ خَنْدَريسٌ للقديمة. انظر: لسان العرب ٦/ ٧٣، مادة (خندرس).\n(^٣) العُقَار: الخمر، سميت بذلك لأنها عَاقَرت العقلَ وعاقَرَت الدَّنَّ، أي: لَزِمته، يقال؛ عاقَرَه إذا لازَمَه وداوم عليه. والمُعَاقَرة: الإدمان. والمعاقرة: إدْمان شرب الخمر. انظر: لسان العرب ٤/ ٥٩٨، مادة (عقر).\n(^٤) في المصباح ٢/ ٣٩، مادة (عتق): \"وعَتُقتِ الخمرُ من بابَيْ ضَرَب وقَرُب: قَدُمَتْ، عَتْقا بفتح العين وكسرها\".\n(^٥) هو الإمام العلامة أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القَزْوينيُّ الرازيُّ المحدِّث. كان رأسًا في الأدب، مناظرًا متكلمًا على طريقة أهل الحق، ومذهبه في النحو على طريقة الكوفيين، وكان شافعيًا فتحول مالكيًا. له من التصانيف: المجمل، فقه اللغة، ذم الخطأ في الشعر. توفي سنة ٣٩٥ هـ. انظر: سير ١٧/ ١٠٣، وفيات ١/ ١١٨، بغية الوعاة ١/ ٣٥٢.\n(^٦) في (غ)، و(ك): \"والعربية\". والظاهر أن الواو زائدة.","vol":"3","page":619},{"text":"ونقله عن شيخه أبي العباس ثعلب (^١). وهذا الكتاب كتب منه ابن الصلاح نُكَتًا (^٢) منها هذه، وعلَّقتُ أنا ذلك من خط ابن الصلاح فيما علقته من خطه.\nونحن نقول: أما الجواز فلا يُظَنَّ بعاقل (^٣) المنازعة فيه، ضرورةَ أنه لا يلزم مِنْ فرض وقوعه محال. وأما الوقوع ففي مسمياتٍ تخرج عن حَدِّ الحصر. إذا عرفت ذلك فلوقوع الألفاظ (^٤) المترادفة سببان:\nأحدهما: أن يكون مِنْ واضعين. قال الإمام: \"ويشبه أن يكون هو السبب الأكثري\" (^٥) مثل أن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين، والأخرى الاسم الآخر للمُسَمَّى الواحد من غير أن تَشْعر إحداهما بالأخرى، ثم يشتهر الوضعان ويَخْفى الواضعان، أو يلتبس وَضْعُ أحدِهما بوضع الآخر. ولا يخفى عليك أن هذا السبب مبني على كون اللغات اصطلاحية.\n_________\n(^١) هو أحمد بن يحيى بن يزيد، أبو العباس النحويّ الشيبانيّ، مولاهم المعروف بثعلب، العلامة المحدِّث، إمام الكوفيين في النحو واللغة. ولد سنة ٢٠٠ هـ. كان ثقةً حجةً ديِّنًا صالحًا مشهورًا بالحفظ وصدق اللهجة. له تصانيف كثيرة منها: المَصُون في النحو، اختلاف النَّحْويين، معاني القرآن، وغيرها. توفي سنة ٢٩١ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٥/ ٢٠٤، تذكرة ٢/ ٦٦٦، سير ١٤/ ٥، بغية الوعاة ١/ ٣٩٦.\n(^٢) قال الجرجاني في التعريفات ص ٢٢٠: \"النكتة: هي مسألة لطيفة أُخْرجت بدقة نظر، وإمعان فِكْر، مِنْ نَكَت رُمْحَهُ بأرضٍ: إذا أَثَّر فيها. وسميت المسألة الدقيقة نكتةً لتأثير الخواطر في استنباطها\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٥١.","vol":"3","page":620},{"text":"والثاني: أن يكون مِنْ واضعٍ واحدٍ، وهو السبب الأقلي (^١) كما ذكر الإمام.\nوله فوائد منها: أن تكثر الوسائل أي: الطرق إلى الإخبار عما في النفس، فإنه ربما نَسِي أحد اللفظين أو عَسُر عليه النطق به. وقد كان بعض الأذكياء في الزمن السالف ألثغ، فلم يُحفظ عليه أنه نطق بحرف الراء، ولولا المترادفات تُعينه على ما قَصَده لما قَدَر على ذلك (^٢).\nومنها: التوسع في مجال البديع، أي: في سلوك طرق الفصاحة وأساليب البلاغة في النظم والنثر؛ وذلك لأن اللفظ الواحد قد يتأتى باستعماله مع لفظ آخر السجع (^٣)، والقافية (^٤)، والتجنيس (^٥) (^٦)،\n_________\n(^١) في (ك): \"الأقل\".\n(^٢) هو واصل بن عطاء أبو حذيفة المخزومي مولاهم البصري، كان يَلْثغ بالراء غينًا، فلاقتداره على اللغة وتوسُّعه يتجنَّبُ الوقوعَ في لفظةٍ فيها راء. كما قيل:\nويجعل البُرَّ قمحًا في تصرفه ... وخَالَف الراءَ حتى احتالَ للشِعْر\nولم يُطِقْ مَطَرًا والقولُ يَعْجُلُه ... فعاذ بالغيث إشفاقًا من المطر\nانظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٤٦٤، وفيات الأعيان ٦/ ٨.\n(^٣) السَّجْع: هو توافق الفاصلتَيْن نثرًا في الحرف الأخير. نحو: الإنسان بآدابه، لا بزيِّه وثيابه. والمراد بالفاصلتين الكلمتين اللتين في أخر الفقرتين. انظر: حسن الصياغة شرح دروس البلاغة ص ١٥٩.\n(^٤) قال السكاكي: السجع في النثر كالقافية في الشِّعْر. الظر: تلخيص المفتاح ص ٣٥٩.\n(^٥) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"أو التجنيس\".\n(^٦) الجناس: هو تشابه اللفظين في النطق لا في المعنى. ويكون تامًا وغير تام. فالتام: ما اتفقت حروفه في الهيئة (أي: الحركات والسكنات)، والنوع (بأن يكون اللفظان =","vol":"3","page":621},{"text":"والترصيع (^١) (^٢) وغير ذلك من أصناف البديع، ولا يتأتى ذلك باستعمال مرادفه مع ذلك اللفظ (^٣).\nقال: (الثانية: أنه خلاف الأصل؛ لأنه تعريف المعرَّف ومُحْوِجٌ إلى حفظ الكل).\n_________\n= اسمين، أو فعلين، أو حرفين)، والعدد، والترتيب (أي: عدد الحروف، وترتيبها بالتقدم والتأخر) نحو:\nفَدَارِهمْ ما دُمْتَ في دَارِهِمْ ... وأَرْضِهم ما دمت في أَرْضهم\nوغير التام نحو:\nيَمُدُّونَ من أيْدٍ عَوَاصٍ عَوَاصِمٍ ... تَصُولُ بأسيافٍ قواضٍ قواضبِ\nانظر: حسن الصياغة ص ١٥٧، مختصر المعاني ص ٣٤٩ - ٣٥٠.\nقال التفتازاني في شرح البيت الأخير: \"وقوله: (مِنْ أيدٍ) في موضع مفعول (يمدون) على زيادة (مِنْ) كما هو مذهب الأخفش، أو على كونها للتبعيض، كما في قولهم: هَزَّ مِنْ عِطْفه وحَرَّك مِنْ نشاطه. أو على أنه (أي: قوله: من أيد) صفة محذوف، أي: يمدون سواعدَ مِنْ أيدٍ عَوَاص، جمع عاصية، مِنْ عَصَاه: ضَرَبه بالعصا. وعواصم: مِنْ عَصَمه حفظه وحماه. ومعنى البيت: يمدون أيديًا ضاربات للأعداء، حاميات للأولياء، صائلات على الأقران بسيوف حاكمة بالقتل قاطعة\". مختصر المعاني ص ٣٥٢، مع اختصار وتصرف يسيرين.\n(^١) الترصيع: هو توازن الألفاظ مع توافق الأعجاز، أو تقاربها. مثال التوافق: قوله ﷿: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾. ومثال التقارب: قوله سبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. انظر: جواهر البلاغة ص ٤٠٦\n(^٢) في (ك): \"أو الترصيع\".\n(^٣) يعني: يتأتى بأحد المترادفين السجع والقافية. . . إلخ ولا يتأتى ذلك بالمرادف الآخر.","vol":"3","page":622},{"text":"نقل الإمام أن مِنَ الناس مَنْ قال: الترادف وإنْ كان واقعًا لكنه على خلاف الأصل، وبه جزم في الكتاب، وحينئذ إذا دار اللفظ بين كونه مرادفًا للفظٍ (^١) آخر أو مباينًا له - فحَمْله على المباين له أولى.\nواستدل على كونه على خلاف الأصل بوجهين:\nأحدهما: أن المقصود لما حصل بأحد اللفظين فالأصلُ عدم الثاني لئلا يلزم تعريف المعرَّف.\nوالثاني: أنه موجِبٌ للمشقة؛ لأنه يوجب حفظ جميع تلك الألفاظ؛ إذ لو لم يحفظ جميعها احْتمَل أن يكون الذي اقتصر على حفظه خلاف ما اقتصر عليه الآخر، فعند التخاطب يجهل كل واحدٍ منهما مرادَ صاحبه (^٢).\nقال: (الثالثة: اللفظ يقوم بدل مرادفه من لغته؛ إذ التركيب يتعلق بالمعنى دون اللفظ).\nهل يجب صحةُ إقامةِ كل واحد من المترادفين مكانَ الآخر؟ فيه ثلاثة مذاهب:\nأحدها: أنه غير واجب. قال الإمام: \"وهو الحق\" (^٣).\nوالثاني: أنه واجب بمعنى أنه يصح مطلقًا، وهو اختيار ابن الحاجب. وقال الإمام: \"إنه الأظهر في أول النظر\" (^٤).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٥١.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٥٢.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٥٢.","vol":"3","page":623},{"text":"والثالث: وهو اختيار المصنف وصفي الدين الهندي: إنْ كانا مِنْ لغةٍ واحدة صح وإلا فلا. أما صحته إذا كانا من لغة واحدة فلأن المقصود من التركيب إنما هو المعنى دون اللفظ، فإذا صح المعنى مع أحد اللفظين وجب أن يصح مع الآخر؛ لاتحاد معناهما. وأما عدم صحته إذا كانا من لغتين فلأن اختلاط اللغتين يستلزم ضم مهمل إلى مستعمل؛ فإن إحدى اللغتين بالنسبة (إلى اللغة الأخرى) (^١) بمثابة المهمل.\nفإن قلت: التركيب كما يتعلق بالمعنى كذلك يتعلق باللفظ، كما في أنواع البلاغة من الترصيع والتجنيس وغير ذلك، فإن رعاية هذه الأمور غرض يقصده اللبيب.\nقلت: رعاية هذه الأمور خارجة عن المقصود الأصلي من الكلام، فإنها من مُحَسِّنات الكلام لا مِنْ مصحِّحاته.\nوفي قول المصنف: \"إذ التركيب\"، إشارة إلى أن الخلاف إنما هو في حال التركيب، وأما في حال الإفراد كما في تعديد الأشياء فلا خلاف في جواز ذلك. هذا كلام الأصوليين في المسألة.\nوأما الفقهاء فلا خلاف عندهم في إقامة كل واحد (^٢) من المترادفين المختلفي اللغة مقامَ الآخر فيما تُشترط فيه الألفاظ، كعقود البياعات وغيرها (^٣)، وأما ما وقع النظرُ في أن التعبد هل وقع بلفظه فليس مِنْ هذا\n_________\n(^١) في (ت): \"إلى لغةٍ أخرى\".\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٣) كأن يتبايع رجلان، أحدهما باللغة العربية، والآخر باللغة الإنجليزية، فهذا يصح.","vol":"3","page":624},{"text":"الباب؛ لأن المانع إذ ذاك من إقامة أحد المترادفين مقامَ الآخر ليس أنه لا يصح إقامةُ مترادِفٍ (^١) مقامَ صاحبِه، بل لما وقع من التعبد بسبيكة (^٢) لفظه، كالخلاف في أن لفظ النكاح هل (^٣) ينعقد بالعجمية واللغات للقادر على العربية، ونظائر ذلك (^٤)؟ (^٥).\nقال: (الرابعة: التوكيد: تقوية مدلولِ ما ذَكَرَ بلفظٍ ثانِ. فإما أن يؤكد (^٦) بنفسه مثل قوله ﵇: \"والله لأغزون قريشًا\" ثلاثًا. أو بغيره (^٧): للمفرد: كالنَّفْس والعَيْن، وكلا وكلتا، وكلٍّ وأجمعين وأخواتِه. أو الجملة (^٨) كإنَّ).\n(لك أن تقول الفصل معقود للترادف فلا مدخل لأحكام التوكيد فيه، فكان ينبغي أن يقول: الفصل الرابع في أحكام الترادف والتأكيد كما فعل\n_________\n(^١) في (ص): \"مرادف\".\n(^٢) في (ص): \"بسبيله\": \"لسبيله\". وهو خطأ.\n(^٣) في (ص): \"كلي\". وهو خطأ.\n(^٤) انظر: نهاية المحتاج ٦/ ٢٠٨، شرح منتهى الإرادات ٣/ ١١، ملتقى الأبحر ١/ ٢٣٨. وانظر: البحر المحيط ٢/ ٣٦٥.\n(^٥) انظر مبحث الترادف في: المحصول ١/ ق ١/ ٣٤٧، التحصيل ١/ ٢٠٩؛ الحاصل ١/ ٣١٨، نهاية السول ٢/ ١٠٤، السراج الوهاج ١/ ٢٩٨، البحر المحيط ٢/ ٣٥٥، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٩٠، بيان المختصر ١/ ١٧٥، فواتح الرحموت ١/ ٢٥٣، تيسير التحرير ١/ ١٧٥، شرح الكوكب ١/ ١٣٩.\n(^٦) في (ص): \"يكون\". وهو خطأ.\n(^٧) أي: بغير نفسه، يعني بغير المؤكَّد.\n(^٨) في (ص)، (ك): \"والجملة\".","vol":"3","page":625},{"text":"الإمام (^١)، والخطب في ذلك يسير) (^٢).\nاعلم أن التوكيد عبارة عن: تقوية مدلولِ اللفظِ المذكورِ أَوَّلًا بلفظٍ مذكورٍ ثانيًا. هكذا قاله صاحب \"الحاصل\" (^٣)، وتبعه المصنف.\nوقد أُورِد عليهما أن التابع يدخل في هذا؛ لأنه يفيد تقوية الأول كما حررناه، فكان مِنْ حقه أن يقول: بلفظٍ ثانٍ مستقلٍ بالإفادة.\nوأورد عليه أيضًا القَسَم، وإنَّ، واللام، فإنها تؤكِّد الجملة وليس ذلك بلفظ ثانٍ بل أول. ولا يمكنه أن يقول بدل \"ثان\": بلفظ آخر؛ لأنه يُوهم أنه يشترط في المؤكِّد أن يكون بلفظٍ مغاير لذلك، فيخرج التأكيد اللفظي.\nولك أن تجيب أوَّلًا: بأن الثاني هنا بمعنى: واحد، كما في قوله: ثاني اثنين (^٤).\nوثانيًا: بأن ما يؤكِّد الجملة مما ذكر وإن حصل به التأكيد لم يصطلح النحاة على تسميته تأكيدًا، ولم تُدْخله في باب التأكيد، وليس كل ما يحصل به التأكيد يكون تأكيدًا في الاصطلاح، بل لو قال القائل: أؤكد عليك - لم يكن تأكيدًا، مع صراحته فيه، واشتماله على لفظه.\nإذا عرفت ذلك فقالت النحاة: التوكيد على نوعين: لفظي، ومعنوي.\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٤٧.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: الحاصل ١/ ٣٢٣. وعبارته: تقوية ما فُهِم من اللفظ الأول بلفظٍ ثان.\n(^٤) أي: واحد من اثنين. انظر: شرح ابن عقيل على الألفية ٢/ ٤١٤، ٤١٥.","vol":"3","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>الأول: اللفظي:</span>\nقال في الكتاب: \"وهو أن يؤكِّد بنفسه\". أي: بتكرار ذلك اللفظ الأول، ومَثَّل له بقوله - ﷺ -: \"والله لأغزون قريشًا\" ثلاثًا، والحديث مروي في سنن أبي داود من حديث مسعر عن سماك عن عكرمة مرفوعًا واللفظ: \"والله لأغزون قريشًا\" ثم قال: \"إن شاء الله\" ثم قال: \"والله لأغزون قريشًا إن شاء الله\" ثم قال: \"والله لأغزون قريشًا\" ثم سكت، ثم قال: \"إن شاء الله\" (^١). ورواه أبو داود من طريق أخرى مرسلًا (^٢)، وهو بهذا اللفظ غير صريح في التأكيد لاحتمال أن كل جملة مقصودة بإنشاء الحَلِف في نفسها، ألا ترى إلى استثنائه في كل منها وسكوته في البعض (^٣).\n_________\n(^١) انظر: سنن أبي داود ٣/ ٥٩٠، كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء في اليمين بعد السكوت، رقم ٣٢٨٦\n(^٢) انظر: سنن أبي داود ٣/ ٥٨٩، رقم ٣٢٨٥. قال أبو داود: \"وقد أسند هذا الحديث غير واحدٍ عن شريك عن سِمَاك عن عكرمة عن ابن عباسٍ، أسنده عن النبي - ﷺ -. وقال الوليد بن مسلم عن شريك: ثم لم يغزهم\". السنن ٣/ ٥٩٠. وأخرجه أبو يعلى في مسنده ٥/ ٧٨، حديث رقم ٢٦٧٤، ٢٦٧٥. وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان ١٠/ ١٨٥، حديث رقم ٤٣٤٣. والطبراني في الأوسط ١/ ٣٠٠، حديث رقم ١٠٠٤. والبيهقي في الكبرى ١٠/ ٤٧. وانظر أيضًا: مجمع البحرين ٤/ ٧٣ - ٧٤، حديث رقم ٢١١٧. قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٨٢: \"رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح\". تنبيه: رواية سِمَاك بن حرب عن عكرمة مضطربة كما قال ابن حجر في التقريب ص ٢٥٥.\n(^٣) فالسكوت والاستثناء يفيد احتمال أن كل جملة مستقلة في نفسها، غير مرتبطةٍ بما قبلها، والتأكيد لا بد فيه من ارتباط الجملة الأولى بالثانية.","vol":"3","page":627},{"text":"وقد ذكر النحاة (^١) مَنْ شواهده قولَ الشاعر:\nأيا مَنْ لستُ أقْلاهُ (^٢) ... ولا في البُعْدِ أنْساهُ\nلك اللهُ على ذاكَ ... لك اللهُ لك اللهُ\nهذا شرح ما ذكره (^٣) المصنف في اللفظي.\nوقد قال النحويون: إن إعادةَ اللفظِ بعينه على ضربين:\nالأول: أن يكون ذلك في الجمل:\nوهو إما مقرون بعاطفٍ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ (^٤) وقوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى﴾ (^٥). وإما مُجَرَّدٌ منه كالبيت الذي ذكرناه.\nوالضرب الثاني: أن يكون في المفردات:\nوهو إما أن يكون اسمًا كقولك: قام زيد زيد. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ (^٦).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) أي: أبغضه. لسان العرب ١٥/ ١٩٨، مادة (قلا). قال العيني في شرح الشواهد على الأشموني ٣/ ٨١: \"وأقلاه مِنْ قلاه يقليه قليًا وقلاه: إذا بغضه. ويقلاه لغة طيء، والبيت على لغتهم. والشاهد في تأكيد الجملة الاسمية بإعادة لفظها\". ولم ينسب هذا البيت إلى قائل معين.\n(^٣) في (ت): \"ما ذكر\".\n(^٤) سورة الانفطار: الآيتان ١٧، ١٨.\n(^٥) سورة القيامة: الآيتان ٣٤، ٣٥.\n(^٦) سورة الفجر: الآية ٢١.","vol":"3","page":628},{"text":"أو فعلًا، والأكثر أن يكون مع المؤكِّد فاعلُ الأول (^١)، أو ضميرُه، نحو: قام زيد قام زيد (^٢). (أو قام زيد قام) (^٣) (^٤). وقد يكون فاعل المؤكِّد والمؤكَّد ضميرين، كقولك: صِلْ صِلِ الصديقَ. وقد يُسْتغنى بفاعل أحدهما، وقد اجتمع الأمران (^٥) في قول الشاعر:\n(فأينَ إلى أينَ النجاةُ ببغلتي ... أتاكِ أتاكِ اللاحقون احْبِسِ احْبِسِ (^٦)\nأو حرفًا، كقول الشاعر) (^٧):\nفلا واللهِ لا يُلْفَى لِمَا بِي ... ولا لِلِمَا (^٨) بِهِمْ أبدًا دَوَاءُ (^٩)\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ت): \"قام زيد وقام زيد\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) فمثال: قام زيد قام زيد. مع المؤكِّد - وهو الفعل الثاني - فاعلُ الأول. ومثال: قام زيد قامَ. مع المؤكِّد ضمير الأول العائد على زيد.\n(^٥) أي: اجتمع كون الفاعل ضميرين، والاستغناء بفاعلِ أحدِ الفعلين.\n(^٦) هذا مثال لاجتماع الضميرين، فالفاعل تقديره: احبس أنت، احبس أنت. انظر: شرح ابن عقيل على الألفية ٢/ ٢١٤، وقال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد: \"هذا البيت يكثر استشهاد النحاة به، ولم ينسبه واحد منهم لقائل معيَّن\". لكن قال محقق ارتشاف الضرب ٤/ ١٩٥٧: \"والبيت منسوب للكميت في شفاء الغليل\" ثم ذكر مراجع كثيرة ذكرت البيت من غير نسبة.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) في (ت): \"ولا لما\". وهو خطأ.\n(^٩) ينسب هذا البيت لبعض بني أسد كما في شرح الشواهد للعيني على الأشموني ٣/ ٨٣. قال العيني في شرحه للبيت: \"الفاء\" للعطف، و\"لا\" لتأكيد القسم، =","vol":"3","page":629},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>الثاني (^١): التأكيد المعنوي:</span>\nوهو بغير ذلك اللفظ الأول، وذلك قسمان:\nأحدهما: أن يكون مؤكِّدًا للمفرد:\nفإما أن يكون مؤكِّدًا للواحد مثل: جاء زيد نفسه، ومحمد عينه.\nأو للمثنى مثل: جاء الزيدان كلاهما، أو المرأتان كلتاهما.\nأو للجمع مثل: جاء القوم كلهم، أو أجمعون. قال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (^٢)، ومن ذلك أخوات أجمعين: كأكتعين، وأبْصَعين، وأبْتَعين (^٣).\n_________\n= و\"لا يُلْفى\" جوابه مجهول، أي: لا يوجد، ودواء مسند إليه مفعول ناب عن الفاعل. والشاهد في \"للما بهم\" حيث كُررت فيه اللام، وهي حرف واحد، وهو غاية الشذوذ والقلة. و\"ما\" موصولة. اهـ. وفي شرح شواهد المغني (١/ ٥٠٥) قال السيوطي عن هذا البيت: \"هذا آخِرُ قصيدةِ لمسلم بن معبد الأسديّ، يشكو اعتداء المصدقين (أي: عُمَّال الزكاة) على إبله\".\n(^١) في (ت): \"قال\". وهي غير مناسبة.\n(^٢) سورة الحجر: الآية ٣٠، سورة ص: الآية ٧٣.\n(^٣) في اللسان ٨/ ٣٠٥، مادة (كتع): \"ورأيت المالَ جَمْعًا كَتْعًا، واشتريت هذه الدار جَمْعاء كَتْعاءَ، ورأيت إخوانَك جُمَعَ كُتَعَ، ورأيت القوم أجمعين أكْتَعِين أبْصَعِين أبْتَعِين. تُؤكَّدُ الكلمة بهذه التواكيد كلها، ولا يُقَدَّم كُتَعُ على جُمَعَ في التأكيد، ولا يفرد لأنه إتْباع له. ويقال: إنه مأخوذ من قولهم: أتى عليه حَوْلٌ كتِيعٌ أي: تام\". وانظر: نفائس الأصول ٢/ ٧٠٧.","vol":"3","page":630},{"text":"والثاني: أن يكون مؤكِّدًا للجملة: كإنَّ، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (^١)، ولام الابتداء، والجملة القَسَمية (^٢).\nقال: (وجوازه ضروري ووقوعه في اللغات معلوم).\nأنكر بعض الملاحدة التوكيد والخلاف معه: إما في الجواز وهو ضروري، أو في الوقوع. ومَن استقرأ لغةَ العرب وجدها مشحونة به، وله فوائد تُعْرف مِنْ تتبع خواصِّ تراكيب الكلام، وأدناها بُعْدُ احتمال المجاز أو نفيُه، فإنك إذا قلت: قام زيدٌ - احتمل أن تريدَ غلامَه مجازًا، فإذا قلت: نَفْسُه - فإن لم يقتض ذلك انتفاءَ احتمال المجاز فلا أقلَّ من اقتضائه صيرورة (^٣) هذا الاحتمال (^٤) مرجوحًا ضعيفًا؛ ولذلك نقول: زيد قائم لمن يكتفي بهذا الخبر. فإذا أردت أن تُقَرِّر عنده ذلك لم تجد بُدًّا من التأكيد بإنَّ، فتقول: إن زيدًا قائم. فإذا توهمت منه نكيرًا لم تَلْفَ غِنىً عن زيادة اللام فتقول: إن زيدًا لقائمٌ. ولذلك قال بعض أصحابنا: إذا قال: استأجرتك لكذا، أو لتفعل (^٥) كذا - لم يكن الحاصل به إجارةُ عينٍ بل ذمة، وإن اقتضى ذلك الإضافةَ إلى المخاطَب (^٦)، وأنه لا\n_________\n(^١) سورة الأحزاب: الآية ٥٦.\n(^٢) انظر التأكيد اللفظي والمعنوي في: شرح ابن عقيل على الألفية ٢/ ٢٠٦.\n(^٣) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"ضرورة\".\n(^٤) وهو كون المراد بزيد غلامه.\n(^٥) في (غ): \"لفعل\".\n(^٦) مثل أن يقول له: استأجرتك على خياطة ثوب، أو بناء بيت، أو إصلاح سيارة. فهذه إجارات في الذمة، أي: في ذمة المخاطَب أن يقوم بها، لا أن ذاته تكون =","vol":"3","page":631},{"text":"يحصل إجارة العين إلا إذا قال: استأجرت عينك، أو نفسك، أو لتعمل بنفسك كذا (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>فائدتان:</span>\nإحداهما: عن شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام - ﵁ - أنه (^٢) قال: \"اتفق الأدباء على أن التأكيد في لسان العرب إذا وقع بالتكرار لا يزيد على ثلاث مرات\". قال: \"وأما قوله تعالى في سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (^٣)، (في جميع السورة - فذلك ليس تأكيدًا، بل كل آية قِيل فيها: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في هذه السورة) (^٤) فالمراد المكذبون بما تقدم ذِكْرُه قُبَيْل هذا القول (^٥)، ثم يَذْكُر اللهُ تعالى معنى آخر، ويقول: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: بهذا، فلا يجتمعان على معنى واحد، فلا تأكيد (^٦). وكذلك ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (^٧) في سورة\n_________\n= مستأجرةً، وإن اقتضى ذلك الإضافة إلى المخاطب، إلا أنها ليست صريحةً، فتحمل على استئجار الذمة لا العين.\n(^١) ففي هذه الصور لا يجوز له أن يَعْمل لآخر، لأن ذاته مستأجرة.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سورة المرسلات: الآيات ١٥، ١٩، ٢٤، ٢٨، ٣٤، ٣٧، ٤٠، ٤٥، ٤٧، ٤٩.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) أي: قبيل قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.\n(^٦) لأن من شرط التأكيد الاجتماع على معنى.\n(^٧) سورة الرحمن: الآيات ١٣، ١٦، ١٨، ٢١، ٢٣، ٢٥، ٢٨، ٣٠، ٣٢، ٣٤، ٣٦، ٣٨، ٤٠، ٤٢، ٤٥، ٤٧، ٤٩، ٥١، ٥٣، ٥٥، ٥٧، ٥٩، ٦١، ٦٣، ٦٥، ٦٧، ٦٩، ٧١، ٧٣، ٧٥، ٧٧.","vol":"3","page":632},{"text":"الرحمن\" (^١).\nالثانية: سأل (^٢) بعض الفضلاء فيما إذا قال الزوج: أنت طالق، أنت طالق. وقصد بالثانية التأكيد - فإنه لا يقع إلا واحدةٌ والحالة هذه؟ فقال: الجملة الثانية لا جائز أن تكون خبرية؛ لأن الجملة الخبرية غير الإنشائية، وشَرْط التأكيد أن يكون مِنْ جنس الأول (^٣). ولا أن تكون إنشائية وإلا وقع طلقتان (^٤).\nويمكن أن يجاب باختيار أنها إنشائية ولا يلزم ما ذكر (^٥)؛ فإنها إنشاءٌ للتأكيد، ولا يقع بإنشاء التأكيد شيءٌ، وليست بإنشاء الإيقاع، فاشتركت مع الأولى في أصل الإنشاء، وافترقتا (^٦) فيما أنشأتاه (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) تتمة كلام العز رحمه الله تعالى: \"المراد ما تقدم مِن ذِكْر النعم قبل ذلك اللفظ، فلا يجتمع لفظان على معنى واحد، فلا تأكيد\". انظر: نفائس الأصول ٢/ ٦٩٩ - ٧٠٠، وقد نقله الشارح مع اختصار يسير. وانظر: البحر المحيط ٢/ ٣٧٥، والتمهيد للإسنوي ص ١٧١.\n(^٢) في (ت): \"قال\".\n(^٣) فالأُولى إنشائية، فتكون الثانية كذلك.\n(^٤) والواقع هو طلقة واحدة؛ لأنه قصد بالثانية التأكيد لا الإيقاع.\n(^٥) من وقوع طلقتين.\n(^٦) في (غ): \"وافترقا\".\n(^٧) فالأولى لإنشاء إيقاع الطلاق، والثانية لإنشاء تأكيد الطلاق. وانظر: التمهيد للإسنوي ص ١٧٠.\n(^٨) انظر مبحث التوكيد في: المحصول ١/ ق ١/ ٣٥٤، التحصيل ١/ ٢٠٩، الحاصل ١/ ٣٢٢، نهاية السول ٢/ ١١٠، السراج الوهاج ١/ ٣٠٣، البحر المحيط ٢/ ٣٧١.","vol":"3","page":633},{"text":"الفصل الخامس: الاشتراك","vol":"3","page":635},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-253>(الفصل الخامس: في الاشتراك)</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>المشترك:</span>\nهو اللفظ الواحد الدال على معنيين مختَلِفَيْن أو أكثر دلالةً على السواء عند أهل تلك اللغة. (سواء أكانت (^١) الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال) (^٢)، أو كانت إحداهما مستفادة من الوضع و(^٣) الأخرى من كثرة الاستعمال.\nوفي (^٤) قولنا: \"الواحد\" احتراز عن الأسماء المتباينة، والمترادفة (^٥).\nوقولنا: \"على معنيين مختلفين\" احتراز عن الأسماء المفردة، وعن اللفظ المتواطئ، فإنه يتناول الماهية وهي معنى واحد وإن اختلفت محالُّها.\nوقولنا: \"عند أهل تلك اللغة\" إلى آخره - إشارة إلى أن المشترك قد يكون بين (^٦) حقيقتين لغويتين، أو عرفيتين، أو عرفية ولغوية.\nوالمصنف قدّم حَدّ الاشتراك في تقسيم الألفاظ فلم يحتج إلى إعادته\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"كانت\".\n(^٢) في (ص): زيادة غير صحيحة، وهي الكلام المحبَّر: \"سواء كانت الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال، أو كانت إحداهما مستفادة من الوضع الأول أو من كثرة الاستعمال\".\n(^٣) سقطت الواو من (ت).\n(^٤) في (ص): \"ومن\". وهو خطأ.\n(^٥) لأن المتباينة، والمترادفة، تحتاج إلى لفظين فأكثر.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"3","page":637},{"text":"هنا (^١) (^٢).\n\nقال (وفيه مسائل:<span data-type=\"title\" id=toc-256> الأولى: في إثباته</span>. أوجبه قومٌ لوجهين:\nأحدهما: أن المعاني غير متناهية (^٣)، والألفاظ متناهية (^٤)، فإذا وُزِّع (^٥) لزم الاشتراك. ورُدَّ بَعْدَ تسليم المقدمتين: بأن المقصود بالوضع مُتَنَاهٍ.\nوالثاني: أن الوجود يطلق على الواجب والممكن، ووجود الشيء عينُه. ورُدَّ: بأن الوجود زائد مُشْتَرك (^٦)، وإن سُلِّم فوقوعه (^٧) لا يقتضي وجوبَه (^٨).\nوأحاله (^٩) آخرون؛ لأنه لا يُفْهم الغَرَض فيكون مَفْسَدةً. ونوقض\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر تعريف الاشتراك في: المحصول ١/ ق ١/ ٣٥٩، التحصيل ١/ ٢١٢، نهاية السول ٢/ ١١٤، السراج الوهاج ١/ ٣٠٦، شرح الأصفهاني ١/ ٢٠٨، التعريفات للجرجاني ص ١٩١.\n(^٣) هذه المقدمة الأولى.\n(^٤) هذه المقدمة الثانية.\n(^٥) أي: قُسِّمت الألفاظ على المعاني.\n(^٦) أي: الوجود زائد على الذات والعين، فليس هو الذات، وهو مشترك بين الممكن والواجب.\n(^٧) أي: وقوع الشيء.\n(^٨) أي: أن يكون واجب الوجود.\n(^٩) أي: أحال الاشتراك.","vol":"3","page":638},{"text":"بأسماء الأجناس).\nاختلف الناس في اللفظ المشترك هل هو واجبٌ أم لا؟ وبتقدير أن لا يكون واجبًا فهل هو ممتنع أو (^١) ممكن؟ وبتقدير إمكانه فهل هو واقع؟ فهذه احتمالات أربعة بِحَسْب الانقسام العقلي، وقد صار إلى كل منها صائر.\nواحتج من قال بالوجوب بشيئين:\nأحدهما: أن المعاني غيرُ متناهية، وهذا واضح، فإن منها الأعداد وهي لا تصل إلى نهاية، والألفاظ متناهية؛ لأنها مركبة من الحروف المتناهية، والمركب من المتناهي متناه. وحينئذ فإذا وزَّعنا الألفاظ على المعاني فلا بد وأن تستوعبَها، وإلا يلزم خُلُوُّ بعضِ المعاني المقصودة عن الألفاظ، ومتى كانت مستوعبة لها لَزِم الاشتراك؛ لأنه لا بد حينئذ من لفظٍ واحدٍ بإزاء معانٍ كثيرة وهو الاشتراك.\nوأجاب المصنف أولًا: بمنع المقدمتين، أي: لا نسلم أن المعاني غير متناهية، ولا أنَّ الألفاظ متناهية.\nوسند المنع الأول: أن حصول ما لا نهاية له في الوجود محال (^٢). وأما قوله: \"الأعداد غير متناهية\" فمسلَّم لكن بمعنى: أنه لا مَرْتَبة من مراتبه إلا ويمكن أن يوجد بعدها مَرْتبةٌ أخرى، مع أن المراتب الداخلة في الوجود منه\n_________\n(^١) في (ص): \"أم\".\n(^٢) لأن كل شيءٍ موجودٍ في الدنيا فله نهاية.","vol":"3","page":639},{"text":"أبدًا تكون متناهية (^١)، لا بمعنى أن الحاصل منه في الوجود غير متناه (^٢). ولا يلزم من كون الأعداد غير متناهية بالمعنى الذي تقدم ذِكْرُه أن تكون المعاني الموجودة غير متناهية. وأيضًا فأصولها متناهية وهي: الآحاد، والعشرات، والمئون، والألوف (^٣)، والوضع للمفردات لا للمركبات (^٤) (^٥).\nوسند المنع الثاني: وهو قولهم: \"الألفاظ متناهية، والمركب من المتناهي متناه\" - أن كونها مركبة من الحروف المتناهية لا يقتضي أن تكون متناهية، كما أن أسماء الأعداد غير متناهية، وأصولها متناهية.\nوأجاب ثانيًا: بأن المقصود بالوضع متناه، أي: ولئن سلمنا صحة المقدمتين فلا يلزم ما ذكرتم؛ لأن المعاني التي يَقْصِدُها الواضع بالتسمية متناهيةٌ، إذ الوضع للمعاني فرع تصورها، وتصور ما لا يتناهى محال.\nويمكن أن يُقَرَّر على وجه آخر فيقال: إنما يلزم الاشتراك أن لو حصل استيعابُ جميع المعاني بالوضع، ونحن نقول: الوضع إنما هو لما تشتد الحاجة\n_________\n(^١) يعني: كل عدد يوجد فهو متناه، لأنه ينتهي وينقطع عند هذا الحد، فانقطاعه عما بعده هو النهاية له، فصار العدد متناه.\n(^٢) أي: لا بمعنى أن العدد بعد وجوده غير متناه، فكل موجود متناه، والعدد موجود فهو متناهٍ، والحاصل أن عدم التناهي في الأعداد بالنظر إلى المراتب لا إلى الوجود.\n(^٣) في (ص): \"والآلاف\".\n(^٤) في (ت): \"المركبات\".\n(^٥) يفهم من قوله: \"الأصول متناهية\": أن الفروع غير متناهية باعتبار المراتب لا باعتبار الوجود، كما سبق بيانه.","vol":"3","page":640},{"text":"إليه وهو متناه، وليس الوضع لكل معنى، بل جاز خلو بَعْضِ المعاني عن الوضع، ألا ترى أنَّا لا (^١) نجد لكثير من المعاني، كأنواع الروائح أسماءً مستقلةً: لا مشتركة، ولا مفردة، بعد الاستقراء والبحث التام.\nالثاني: أن الوجود يطلق على وجود الواجب ﷾، ووجود الممكن، بطريق الحقيقة فيهما. ووجودُ كل شيءٍ عينُ ماهيته، كما تقرر في علم الكلام وهو مذهب أبي الحسن (^٢)، ولا ريب في مخالفة حقيقة الواجب لحقيقة الممكن، فيكون إطلاق الوجود (^٣) عليهما بطريق الاشتراك.\nوأجاب أولًا: بأنا لا نسلم أن وجود كل شيء عينُ ماهيته، بل هو زائد عليها، وذلك الزائد معنى واحد يشترك فيه (^٤) الواجب والممكن، فيكون متواطئًا لا مشتركًا (^٥). وهذا المنع منه مَبْنِيٌّ على اختياره وقد نقله في كتابه \"الطوالع\" عن الجمهور، والحق مذهب الشيخ وليس هذا موضع تقريره.\n_________\n(^١) في (ص): \"أن لا\".\n(^٢) انظر: شرح الجوهرة ص ٤٤٧، رقم البيت (١٢٣)، المطالب العالية للرازي ١/ ٢٩٠.\n(^٣) في (ص)، و(غ): \"الوجوب\". وفي (ت): \"الواجب\". وكلاهما خطأ، والصواب: الوجود، وهو في (ك)؛ لأن الكلام عن الوجود، وأنه مشترك بين الواجب (وهو وجود الله تعالى) والممكن (وهو وجود المخلوقات).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) يعني: إطلاق الوجود على الواجب والممكن من قبيل إطلاق الكلي المتواطئ، فالواجب والممكن مشتركان في حقيقة الوجود بالتساوي، مختلفان باعتبار الأفراد.","vol":"3","page":641},{"text":"وأجاب ثانيًا: بأنا سلمنا أن وجود كلِّ شيء عينُ ماهيته، ولا يلزم مطلُوبكم؛ إذ لا يقتضي ذلك غيرَ وقوعِ الاشتراك، ووقوعه لا يقتضي وجوبَه، وأنتم ادعيتم وجوبه (^١).\nقوله: \"وأحاله آخرون\" إلى آخره.\nاحتج مَنْ أحاله وهم فرقة قليلون، ومنهم: ثعلب، وأبو زيد البلخي (^٢)، والأبهري (^٣)، على ما حكاه ابن العارض المعتزلي في كتابه\n_________\n(^١) يعني: كون الوجود واقعًا مشتركًا بين الواجب والممكن، لا يقتضي أنه واجب الوقوع، فالدليل لا يدل على دعواكم وجوبَ الوقوع.\n(^٢) هو أحمد بن سهل أبو زيد البلخيّ، صاحب التصانيف المشهورة. قال ابن حجر ﵀: \"قال النديم في الفِهْرِسْت: كان فاضلًا في علوم كثيرة، وكان يسلك طريق الفلاسفة، ويُقال له: جاحظ زمانه. ركان يُرمى بالإلحاد\". وقال ابن حجر: \"وذكر الفخر الرازي في شرح الأسماء: أنَّ أبا زيد هذا طَعَن في عدة أحاديث صحيحة، منها حديث: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا\". ويظهر في غُضُون كلامه ما يدل على انحلالٍ من الازدراء بأهل العلوم الشرعية، وغير ذلك\". ولأبي زيد من الكتب: فضائل مكة، والقرابين، وشرائع الأديان، ما يصح من أحكام النجوم، السياسة، البحث عن التأويلات، وغيرها. توفي سنة ٣٢٢ هـ. انظر: لسان الميزان ١/ ١٨٣، الفِهْرِسْت ص ١٥٣، معجم البلدان ٣/ ٦٤، الأعلام ١/ ١٣٤.\n(^٣) هو شيخ المالكية أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد التميميّ الأبهريّ، الإمام العلامة، القاضي المحدِّث. قال الدارقطني: \"ثقةٌ مأمونٌ زاهدٌ وَرِع\"، انتهت إليه رئاسة مذهب مالك ﵁. من مصنفاته: شَرْح المختَصَرَيْن الكبير والصغير لابن عبد الحكم، الردُّ على المزنيّ، الأصول، إجماع أهل المدينة، فضل المدينة على مكة، وغيرها. توفي - ﵀ - ببغداد سنة ٣٩٥ هـ. انظر: سير ١٦/ ٣٣٢، الديباج المذهب ٢/ ٢٠٦.","vol":"3","page":642},{"text":"\"النكت\": بأن وقوعه يقتضي المفسدة؛ لأن المقصود من الألفاظ ووضْعِها إنما هو التفاهم، حالة التخاطب، والمشترك لو وقع وسَمِعَه السامعُ لم يحصل له الفهم؛ لأن المشترك متساوي الدلالة بالنسبة إلى معانيه، فلو فُهِم منه المعنى الذي هو غرض المتكلم دون غيره - لزِم ترجيح أحد المتساويين على الآخر من غير مرجِّح، ولو فُهِم غيرُه لأدَّى إلى وقوع المفسدة بفعلِ ما لم يُطْلب منه، وربما كان ممنوعًا منه.\nوأجاب: بالنقض بأسماء الأجناس، وتقريره: أنه إنْ أردتم أنه لا يُفْهِم الغرض على جهة التفصيل فمسلَّم، لكن هذا لا يوجب عدم وضع المشترك؛ فإن أسماء الأجناس أيضًا لا تُفْهِم الغرضَ على وجه التفصيل مع كونها موضوعة. وإنْ أردتم أنه لا يُفْهِم الغرضَ أصلًا فممنوع؛ فإن المشترك يفيد فهمَ الغرضِ على سبيل الإجمال، وذلك مطلوب ليستعد السامع للامتثال قبل البيان.\nفإن قلت: اسمُ الجنس (موضوعٌ للقدر المشترك وهو مفهومٌ من اللفظ، بخلاف المشترك إذ المقصود منه فرد معيَّن وهو غير معلوم من اللفظ) (^١).\nقلت: اسم الجنس، وإنْ دل على القدر المشترك، إلا أنه لا دلالة له على خصوصية الافراد، فساوى المشترك في عدم الدلالة التفصيلية.\n_________\n(^١) في (ت): \"وإن دلّ على القدر المشترك إلا أنه لا دلالة له على اللفظ\". وهو خطأ.","vol":"3","page":643},{"text":"قال: (والمختار إمكانه؛ لجواز أن يقع (^١) مِنْ واضعين، أو واحدٍ لغرض الإبهام حيث يُجْعل التصريح سببًا لمفسدة).\nالمذهب الثالث: وهو ما اختاره الأكثرون منهم المصنف، أنه ممكن الوقوع؛ لجواز أن يقع إما مِنْ واضعَيْن بأن وضع (^٢) أحدهما لفظًا لمعنى، ثم وضعه الآخر لمعنى آخر، ثم اشْتَهر ذلك اللفظ ما بين الطائفتين في إفادته المعنيين. ولا يخفى عليك أن هذا إنما يجيء إذا قلنا: اللغات غير توقيفية.\nوإما مِنْ واضعٍ واحد (^٣) (^٤) لغرض الإبهام على السامع حيث يكون التصريح سببًا للمفسدة، كما روي عن أبي بكر الصديق - ﵁ - وقد سأله رجل عن النبي - ﷺ - وقت ذهابهما إلى الغار: مَنْ هذا؟ قال: هذا رجل (^٥) يهديني السبيل (^٦).\n_________\n(^١) في (ص) زيادة: \"أن يقع من واحد\". وهذه الزيادة خطأ.\n(^٢) في (ت): \"يضع\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ص): \"لواحد\". وهو خطأ.\n(^٥) رجل: اسم جنس، لا مُشْترك، ولعل المؤلف - رحمه الله تعالى - قصد إيراد مثالٍ للإيهام على السامع، حيث يكون التصريح سببًا للمفسدة، لا خصوص التمثيل للاشتراك.\n(^٦) أخرجه البخاري ٣/ ١٤٢٣، في فضائل الصحابة، باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة، رقم ٣٦٩٩، وابن سعد في الطبقات ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤، ٢٣٥، من حديث أنس بن مالك - ﵁ -، بلفظ: \"هذا الرجل يهديني السبيل\". وأخرجه ابن سعد ١/ ٢٣٤، والبيهقي في دلائل النبوة ٢/ ٤٨٩ - ٤٩٠، من حديث أبي هريرة - ﵁ -، بلفظ: \"هاد يهديني\". وظاهر الروايات أن هذا حصل في أثناء الهجرة إلى المدينة، لا وقت الذهاب إلى الغار، فرواية البخاري وابن سعد عن أنس بن مالك =","vol":"3","page":644},{"text":"قال: (ووقوعه للتردد في المراد من القرء ونحوه، ووقع في القرآن مثل: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^١)، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ (^٢».\nقوله: \"ووقوعه\" عطف على قوله: \"والمختار إمكانه\". وهذا هو المذهب الرابع: أنه واقع، والخلاف فيه مع مَنْ سَلَّم إمكان المشترك وَمَنَع وقوعه.\nلنا: أنا نتردد في الراد من \"القرء\" ونحوه عند السماع بغلار قرينة بين الطهر والحيض على السواء، فلو كان حقيقة في أحدهما فقط، أو في القدر المشترك لما كان ذلك.\nوما يقال: لعل التردد حَصَل بسبب عُرْفٍ طارئٍ؛ لكثرة الاستعمال في المجاز - فهو وإنْ كان مُحْتَمَلًا لكنه على خلاف الأصل، إذِ الأصل عدم التغيير، ولأن التردد حاصلٌ في مفهوماتِ ألفاظٍ قَلَّ ما يستعملها أهلُ العرف كما في: عسعس الليل (^٣)، فإنا لا نفهم منه الإقبال والإدبار على التعيين إلا بقرينة، ولا يجوز إحالته إلى استعمال أهل العرف.\nثم إذا ثبت وقوعه فهل وقع في القرآن؟\nمنهم مَنْ منع، والمختار خلافُه بدليل قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ\n_________\n= - ﵁ - قال: \"أقبل نبي الله - ﷺ - إلى المدينة وهو مردِفٌ أبا بكر، وأبو بكر شيخٌ يُعرف، ونبي الله - ﷺ - شابٌّ لا يُعرف\" الحديث.\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.\n(^٢) سورة التكوير: الآية ١٧.\n(^٣) انظر: المصباح المنير ١/ ٥٩، مادة (عس).","vol":"3","page":645},{"text":"قُرُوءٍ﴾ (^١) عند مَنْ يجعل القرء مشتركًا بينهما، كما هو مقتضى اللغة وهو الصحيح. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ أي: أقبل وأدبر.\nوإنما أتى المصنف بهَذين المثالين لأن الأول من الأسماء، والثاني من الأفعال؛ وديان أحدهما مفردٌ والآخر جمع، ليُفْهَم بذلك وقوع النوعين في القرآن، وأنه مشحون بالمشترك على اختلاف أنواعه.\nواحتج مَنْ منع وقوعه في القرآن: بأنه (^٢) إنْ وَقَع مبيَّنًا بذكر قرينة كان تطويلًا من غير فائدة؛ إذ يمكن التعبير عن المراد بلفظ مفردٍ وُضِع له فقط. وإنْ وقع غيرَ مبيَّن كان غيرَ مفيد، وذلك عيب.\nوالجواب: أنا نقول: لا يذكر معه قرينة، ولا نُسَلِّم أن غيرَ المبيَّن غير مفيد (^٣) مطلقًا، بل هو مفيد لفهْمِ المعنى على سبيل الإجمال، والفهم الاجمالي أيضًا مقصودٌ في فهم الألفاظ؛ لاشتماله على فوائد: منها استعداد المكلَّف للبيان وغيرِ ذلك. وأيضًا فإنه كأسماء الأجناس.\nواعلم أن المانع من وقوعه في كلام الله تعالى هو المانع مِنْ وقوعه في كلام الرسول - ﷺ -، وعلَّتُه المذكورة شاملة لذلك (^٤)، وإنما لم يذكر المصنف أن الخصمَ مانعٌ في المكانَيْن بل اكتفى بذِكْر أحدهما لأنه لا قائل بالفصل (^٥)\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"أنه\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أي: لكلام الرسول - ﷺ -.\n(^٥) في (ص): \"بالتفصيل\".","vol":"3","page":646},{"text":"كما صرح به صفي الدين الهندي (^١) وغيره (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-257>(الثانية: إنه خلاف (^٣) الأصل وإلا لم يُفْهم ما لم يُسْتَفْسَر</span>؛ ولامتنع الاستدلال بالنصوص؛ ولأنه أقلُّ بالاستقراء؛ ويتضمن مفسدةَ السامعِ؛ لأنه ربما (^٤) لم يَفْهم، وهاب استفساره أو استنكف، أو فهم غيرَ مراده وحكى لغيره، فيؤدي إلى جهل عظيم. واللافظِ (^٥)؛ لأنه قد (^٦) يُحوجه إلى الإفراد (^٧) أيضًا (^٨)، ويؤدي (^٩) إلى الإضرار، أو (^١٠) يعتمد فهمَه، فيضيع غرضُه فيكون مرجوحًا).\n_________\n(^١) انظر: نهاية الوصول ١/ ٢٢٦، ٢٢٧.\n(^٢) انظر المسألة السابقة في: المحصول ١/ ق ١/ ٣٦٠، ٣٩٢، التحصيل ١/ ٢١٢، ٢١٩، الحاصل ١/ ٣٢٤، ٣٣٥، نهاية السول ٢/ ١١٤، السراج الوهاج ١/ ٣٠٧، شرح الأصفهاني ١/ ٢٠٩، الإحكام للآمدي ١/ ١٩، بيان المختصر ١/ ١٦٣، فوات الرحموت ١/ ١٩٨، شرح الكوكب ١/ ١٣٩.\n(^٣) في (ص): \"بخلاف\".\n(^٤) في (ك): \"لربما\".\n(^٥) معطوف على \"السامع\" في قوله: \"ويتضمن مفسدة السامع\".\n(^٦) سقطت من (غ).\n(^٧) في السراج الوهاج ١/ ٣١٧، ونهاية السول ٢/ ١٢٠، وشرح المنهاج للأصفهاني ١/ ٢١١: \"إلى العبث\". وكلاهما صحيح، ولفهم العبارة بهذه اللفظة، انظر: نهاية السول، وباقي المراجع. قال الإسنوى عن هذا الجزء من المتن: \"على أن نُسَخ الكتاب أيضًا مختلفة هنا\".\n(^٨) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٩) في السراج الوهاج ١/ ٣١٧، ونهاية السول ١/ ١٢٠: \"أو يؤدي\".\n(^١٠) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"إذ\". وهو خطأ. والمثبت من (ت). وهو موافق لما في السراج الوهاج ١/ ٣١٧، ونهاية السول ١/ ١٢٠، وشرح الأصفهاني ١/ ٢١١.","vol":"3","page":647},{"text":"هذه المسألة في تبيين أن الاشتراك على خلاف الأصل (^١)، والمعنى به أن اللفظ إذا دار بين أن يكون مُشْتَركًا أوْ لا يكون كذلك - كان ظنُّ عدمِ الاشتراكِ أغلبَ، ويدل عليه وجوه:\nأحدها: أنه لو كان احتمال الاشتراك مساويًا لاحتمال الانفراد (^٢) - لما حصل التفاهم بين أرباب اللسان حال التخاطب في أغلب الأحوال مِنْ غير استفسار واستكشاف عما أراده المتكلم. وقد علمنا حصول ذلك؛ فإن الفهم يحصل. بمجرد إطلاق اللفظ، فكان الغالب على الظن حصولُ الانفراد.\nالثاني: لو تساوى الاحتمالان لامتنع الاستدلال بالنصوص على إفادة الظن فضلًا عن اليقين؛ لاحتمال أن تَكون الألفاظ مشتركة بين ما ظهر لنا وبين غيره، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يكون المراد غير ما ظهر لنا، فلا يبقى التمسك بالأخبار والآثار مفيدًا ظنًا فضلًا عن يقين.\nالثالث: أنَّ الاستقراء دلَّ على أن الألفاظ في الأكثر مفردةٌ لا مشتركةٌ، والكثرةُ تفيد ظَنَّ الرجحان.\nالرابع: أن المشترك يتضمن مفسدةَ السامعِ واللافظ، ومتضمن (المفسدة على خلاف الأصل؛ لأن الأصل عدمها.\nوالدليل على أنه يتضمن) (^٣) مفسدةَ السامع: أنه ربما لم يَفْهَمِ المقصودَ\n_________\n(^١) المراد بالأصل هنا الغالب. انظر: البحر المحيط ٢/ ٣٨١.\n(^٢) أي: اللفظ واحد، والمعنى واحد.\n(^٣) سقطت من (ت).","vol":"3","page":648},{"text":"وهابَ استفسار اللافظ، لكون اللافظِ مَهيبًا، أو استنكف أي: تعاظم السامعُ عن استفساره، وحينئذ فربما يفهم من اللفظ غير مراد اللافظ ويَحْكي لغيرِه، ويحكي ذلك الغير لآخر وهكذا؛ فيؤدي إلى وقوع جمعٍ كثيرٍ في الغلط وذلك جهل عظيم.\nوالدليل على أنه يتضمن مفسدة اللافظ: أنه قد يحتاج في تفسير اللفظ المشترك إلى اللفظ المنفرد فيكون المشترك ضائعًا. وأيضًا فإنه يؤدي إلى إضراره إذ يصير دائمًا مفتقرًا إلى التفسير. وأيضًا فربما ظَنَّ اللافظُ أنَّ السامع فهمَ المعنى الذي أراده، فيعتمد على ذلك فيضيع غرضه، أي: غرض اللافظ.\nقوله: \"فيكون مرجوحًا\" (أي: إذا ثبت هذا كله كان المشترك مرجوحًا) (^١) أي: على خلاف الأصل (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-258>(الثالثة: مفهوما المشترك إما أن يتباينا كالقرء للطهر والحيض</span>، أو يتواصلا فيكون أحدهما (جزءًا للآخر) (^٣) كالممكن (^٤) للعام والخاص، أَوْ لازِمَه (^٥) كالشمس للكوكب وضوئِه).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ١/ ٣٨١، التحصيل ١/ ٢١٧، الحاصل ١/ ٣٣٢، نهاية السول ٢/ ١١٩، السراج الوهاج ١/ ٣١٥، شرح الأصفهاني ١/ ٢١١، مناهج العقول ١/ ٢٢٦، البحر المحيط ٢/ ٣٨١.\n(^٣) في (ص)، و(غ): \"جزء الآخر\".\n(^٤) \"كالإمكان\". في (ص): \"كالممكن\". وفي هامشها تصحيح: \"كالإمكان\".\n(^٥) في نهاية السول ٢/ ١٢١: \"أو لازمًا له\".","vol":"3","page":649},{"text":"المشترك لا بد له مِنْ مفهومين فصاعدًا: فمفهوماه إما أن يتباينا، أو يتواصلا.\nالقسم الأول: أن يتباينا، أي: لا يمكن اجتماعهما في الصدق على شيء واحد كالحيض والطهر، فإنهما مدلولا القرء ولا يجوز اجتماعهما لواحدٍ في زمنٍ واحد.\nوالثاني: أن يتواصلا فإما أن يكون أحد المعنيين جزءًا للآخرِ أو لازمًا له، والأول كالإمكان العام مع الإمكان الخاص، فإن لفظ الإمكان (^١) موضوع لهما، والإمكان العام جزء للإمكان الخاص؛ لأن الإمكان العام: سلب الضرورة (^٢) المطلقة عن الطرف المخالف للحكم. والإمكان الخاص: سلب الضرورة المطلقة عن الطرفين الموافق للحكم والمخالف له.\nفإذا قلنا: كل ج ب بالإمكان العام - يكون معناه: أن سلب المحمول الذي هو، \"كل ج\" عن الموضوع الذي هو \"ب\" (^٣) غير ضروري.\nوإذا قلنا: كل ج ب بالإمكان الخاص (فمعناه أن ثبوت المحمول\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (غ): \"للضرورة\".\n(^٣) الصواب: أن سلب المحمول الذي هو \"ب\" عن الموضوع الذي هو \"كل ج\"، ولعل هذا خطأ من الناسخ، أو التبس على المؤلف. قال في القطبي شرح الشمسية ص ١٥٨: \". . . فاعلم أن عادة القوم قد جرت بأنهم يعبرون عن الموضوع بـ ج، وعن المحمول بـ ب، حتى أنهم إذا قالوا: كل ج ب، فكأنهم قالوا: كل موضوع محمول\".","vol":"3","page":650},{"text":"للموضوع وسلبه عنه غير ضروري (^١).\nوإذا عرفت ذلك علمت أن الإمكان العام جزء من الإمكان الخاص) (^٢) بالضرورة؛ لأن سلب الضرورة من أحد الطرفين جزء من سلب الضرورة عن الطرَفين جميعًا.\nوالثاني: أن يكون لازمًا له، ومَثَّل له في الكتاب بلفظ: الشمس، فإنه موضوع لجِرْم الكوكب ولضوئه، وضوء الكوكب لازم لجرمه (^٣).\nومن أمثلته أيضًا: الكلام، فإنه عند المحققين مشترك بين النفساني واللساني، مع أن اللساني دليل على النفساني (^٤)، والدليل يستلزم المدلول،\n_________\n(^١) بيّن الإسنوي رحمه الله تعالى مثال الإمكان العام والخاص بشكل أوضح فقال: \". . . وإنْ تواصلا فقد يكون أحدهما جزءًا من الآخر، وقد يكون لازمًا له. مثال الأول: لفظ الممكن، فإنه موضوع للممكن بالإمكان العام، والممكن بالإمكان الخاص. فالإمكان الخاص: هو سلب الضرورة عن طرفي الحكم. أعني: الطرف الموافق والمخالف. كقولنا: كل إنسان كاتب بالإمكان الخاص. معناه: أن ثبوت الكتابة للإنسان ليس بضروري، ونفيها عنه أيضًا ليس بضروري، فقد سلبنا الضرورة عن الطرف الموافق وهو ثبوت الكتابة، وعن المخالف وهو نفيها. وأما الإمكان العام: فهو سلب الضرورة عن الطرف المخالف للحكم. أي: إن كانت موجبة فالسلب غير ضروري، وإنْ كانت سالبة فالإيجاب غير ضروري. كقولنا: كل إنسان حيوان بالإمكان العام. معناه: أن سلب الحيوانية عن الإنسان غير ضروري، بل الإثبات في هذا المثال ضروري\". نهاية السول ٢/ ١٢١.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) فأصبح اللفظ مشتركًا بين الملزوم وهو \"الجرم\"، واللازم وهو \"الضوء\".\n(^٤) انظر: المصباح المنير ٢/ ٢٠٠، مادة (كلم).","vol":"3","page":651},{"text":"فيصدق أنه مشترك بين الشيء ولازمه (^١) (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-259>(الرابعة: جَوَّز الشافعي ﵀، والقاضيان، وأبو علي - إعمالَ المشترك في جميع مفهوماته الغير المتضادة</span>. ومنعه أبو هاشم، والكرخي، والبصري، والإمام).\nاختلف أهل العلم في صحة إطلاق اللفظة الواحدة، من متكلم واحد، في وقت واحد، إذا كانت مُشْتَرَكة (^٣) بين معنيين على المعنيين معًا: فذهب الشافعي (^٤) - ﵁ -، والقاضيان أبو بكر الباقلاني، وعبد الجبار بن أحمد (^٥)، وأبو علي الجبائي - إلى صحة ذلك بطريق الحقيقة، بشرط أن لا يمتنع الجمع لأمرٍ خارج كما في الضدين، والنقيضين (^٦). وإلى هذا أشار\n_________\n(^١) فالكلام النفساني ملزوم، واللساني لازم.\n(^٢) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ١/ ٣٦٧، التحصيل ١/ ٢١٣، الحاصل ١/ ٣٢٦، نهاية السول ٢/ ١٢١، السراج الوهاج ١/ ٣١٨، شرح الأصفهاني ١/ ٢١٣، مناهج العقول ١/ ٢٢٨.\n(^٣) في (ص): \"مشتركًا\".\n(^٤) وكذا مالك ﵁. انظر: شرح تنقيح الفصول ص ١١٤.\n(^٥) هو القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار، أبو الحسن الهَمَذانيّ الأسَداباذِيّ، العلَّامة المتكلم، شيخ المعتزلة، صاحب التصانيف، من كبار فقهاء الشافعية. كان إمام الاعتزال في زمانه، وتخرَّج به خَلْقٌ في الرأي الممقوت. من مصنفاته: دلائل النبوة، التفسير، طبقات المعتزلة، المغني، شرح الأصول الخمسة، وغيرها. توفي بالرَّيِّ سنة ٤١٥ هـ. انظر: سير ١٧/ ٢٤٤، تاريخ بغداد ١١/ ١١٣، الطبقات الكبرى ٥/ ٩٧، طبقات المفسِّرين ١/ ٢٥٦، لسان الميزان ٣/ ٣٨٦.\n(^٦) انظر: التلخيص ١/ ٢٣١، المحصول ١/ ق ١/ ٣٧١، المعتمد ١/ ٣٠١.","vol":"3","page":652},{"text":"المصنف بقوله: \"الغير المتضادة\" أي: أنه ليس محل الخلاف في المتضادة. وإدخال الألف واللام على \"غير\" ليس بشائع (^١) (^٢). ولم يتعرض المصنف للنقيضين (^٣)؛ لأن الإمام زعم أنه لا يجوز أن يكون اللفظ مشتركًا بين الشيء ونقيضه (^٤). (والحق جوازه) (^٥)، وقد مُثِّل لذلك بلفظة \"إلى\" على رأي مَنْ زعم (^٦) أنها مشتركة بين إدخال الغاية وعدمه.\nوما استدل به المانع من أنَّ اللفظ المشترك لا يفيد إلا التردد بين مفهومَيْه، والتردد حاصل قبل وضع اللفظ له وسماعه، فيكون وضع اللفظ لهما عبثًا (^٧) - ضعيف؛ لأنا نمنع حَصْر الفائدة فيما ذكره من التردد، وهذا\n_________\n(^١) في (غ): \"بسائغ\".\n(^٢) قال في المصباح المنير ٢/ ١١٢ مادة (غير): وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾. إنما وصف بها المعرفة (يَقْصد الاسم الموصول في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾)؛ لأنها أشبهت المعرفة بإضافتها إلى المعرفة، فعوملت معاملتها ووُصف بها المعرفة، ومن هنا اجترأ بعضهم فأدخل عليها الألف واللام، لأنها لما شابهت المعرفة بإضافتها إلى المعرفة - جاز أن يدخلها ما يُعَاقِب الإضافة وهو الألف واللام. ولك أن تمنع الاستدلال وتقول: الإضافة هنا ليست للتعريف، بل للتخصيص، والألف واللام لا تفيد تخصيصًا، فلا تعاقب إضافة التخصيص، مثل: سوى وحسب، فإنه يضاف للتخصيص، ولا تدخله الألف واللام. اهـ. وانظر: آداب البحث والمناظرة ق ٢/ ٢٧.\n(^٣) يعني: لم يقل المصنف في متنه: الغير المتضادة والمتناقضة.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٦٨.\n(^٥) سقطت من (ص)\n(^٦) في (ت): \"يزعم\".\n(^٧) هذا دليل الإمام رحمه الله تعالى في مَنْع وَضْع المشترك للنقيضين: وهو أن اللفظ =","vol":"3","page":653},{"text":"لأنه كما يفيد التردد بين مفهوميه، يفيد أيضًا إخراج ما عداهما عن أن يكون مرادَ المتكلم، ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^١) كما يفيد التردد بين دخول المرفق وعدمه على تقدير أن يكون مشتركًا بينهما يفيد أيضًا إخراج العضد عن الأمر بالغَسْل، فدعوى أن الوضع لهما (^٢) عبث عَرِيةٌ عن التحقيق.\nولو سلمنا انحصار الفائدة فيما ذكره لكن يحصل بعد الوضع من الفائدة ما لا يحصل قبله، وهو تَعَيُّن أحدِهما بأدنى قرينةٍ حاليةٍ أو مقالية، بخلاف ما قَبْل الوضع فإنه لا يزول التردد بذلك (^٣).\nسلمنا صحة الدليل (^٤) لكن إنْ كان الواضع الله تعالى فلا يُعَلَّل (^٥)، ولعل فيه فائدة لم نَطَّلِع (^٦) على غامض سرها. وإنْ كان العِبَادَ فالدليل إنما ينفي ما يكون مشتركًا بينهما بوضعِ قبيلةٍ واحدة، لا ما يحصل بوضع\n_________\n= لا بُدَّ وأن يكون بحالٍ متى أُطْلق أفاد شيئًا، وإلا كان عبثًا، والمشترك بين النفي والإثبات لا يفيد إلا التردد بين النفي والإثبات، وهذا معلوم لكل أحد، وحاصل قبل سماع اللفظ، فيكون اللفظ المشترك بين النقيضين خالٍ عن الفائدة، وهو عبث.\n(^١) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٢) أي: للمعنيين المتناقضين.\n(^٣) يعني: قبل وضع اللفظ المشترك بين النقيضين لا يزول التردد بالقرينة الحالية، أو المقالية؛ لأنهما لا تفيدان قبل وضع اللفظ المشترك.\n(^٤) وهو دليل المانع من أن اللفظ المشترك بين النقيضين لا يفيد إلا التردد بين مفهوميه. . . إلخ.\n(^٥) في (ص): \"فلا تعلل\".\n(^٦) في (غ)، و(ك): \"يُطَّلَع\".","vol":"3","page":654},{"text":"قبيلتين (^١).\nوأما المتضادة فَمَثَّل بعضهم لها \"بالقرء\" وهو فاسد؛ لأن الشارع إذا قال: اعْتَدِّي بقرء لم يمتنع أن تعتد بالطهر والحيضة، وإنْ كانا ضدين في نفسهما. والمثال الصحيح لذلك صيغة: افعل، عند مَنْ يجعلها حقيقةً في الطلب، وفي التهديد، فإنها مشتركة إذَنْ بين معنيين متضادين لا يمكن الجمع بينهما، ولا الحمل عليهما. وقد يُمَثَّل له بما إذا قال: اعتدي بقرء في خمسة عشر يومًا (^٢).\nهذا أحد المذاهب في المسألة، أعني: أنه (^٣) يجوز استعمال اللفظ المشترك في معنييه، بشرط أن لا يكونا ضدين ولا نقيضين. وهو المختار عند المصنف.\nوذهب أبو هاشم، والكرخي، وأبو الحسين البصري، والإمام فخر الدين، وغيرهم إلى امتناع ذلك (^٤).\n_________\n(^١) لأن التردد لا يتحقق بوضع قبيلتين، إذ كل قبيلة تقصد معنى معينًا، فلا يصح إطلاق اللفظ على المعنيين في آن واحد؛ لمخالفته للوضع اللغوي.\n(^٢) فهنا لا يمكن الجمع بين الطهر والحيض، وكل منهما يحتمل أن يكون هو المراد، وهذا بناءً على قول الشافعية ومَنْ وافقهم بأن أقصى مدة الحيض خمسة عشر يومًا، وإلا فعلى قول الحنفية الذين يجعلون أقصى مدة الحيض عشرة أيام، يتعين حمل \"القرء\" على الطهر.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) وهو الذي يُعَبَّر عنه بأنه لا عموم للمشترك، وهو مذهب الحنفية. انظر: كشف الأسرار للنسفي ١/ ١٣٩، المعتمد ١/ ٣٠٠، ٣٠١، المحصول ١/ ق ١/ ٣٧١، ٣٧٢.","vol":"3","page":655},{"text":"ثم اختلف المانعون في سبب المنع، فمِنْ قائلٍ: سبب المنع أمر يرجع إلى القصد، أي: لا يصح أن يُقصد باللفظ المشترك جميع مفهوماته من حيث اللغة لا حقيقة ولا مجازًا، ولكنه يمكن أن يُقْصَد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعًا بالمرة الواحدة، ويكون قد خالف الوضع اللغوي وابتدأ بوضع جديد، ولكل أحدٍ أنْ يُطلِق لفظًا ويريدَ به ما شاء (^١). وهذا ما ذهب إليه الغزالي (^٢)، وأبو الحسين البصري (^٣).\nومِنْ قائلٍ سببه (^٤) الوضع الحقيقي [واختاره الإمام] (^٥) أي: أن\n_________\n(^١) يعني: مَنْ أطلق اللفظ المشترك على معنييه - فقد ابتدأ وضعًا جديدًا ليس له أصل في اللغة. وقوله: \"ولكل أحدٍ أن يطلق لفظًا ويريد به ما شاء\"، يعني به أن مثل هذا الإطلاق خارج عن الوضع اللغوي.\n(^٢) انظر: المستصفى ٣/ ٢٩٠ - ٢٩٢.\n(^٣) انظر: المعتمد ١/ ٣٠١.\n(^٤) سبب المنع لعموم المشترك.\n(^٥) عبارة: \"واختاره الإمام\" وردت في (ص)، و(ك)، و(غ): متقدمة على هذا المكان، إذ وردت بعد قوله: \"وهذا ما ذهب إليه الغزالي وأبو الحسين البصرى، واختاره الإمام\". وقد وردت العبارة كذلك في (ت)، إلا أنه سقط منها لفظة \"الإمام\". وهذا العزو إلى الإمام - بناءً على هذه الجملة - غير صحيح؛ فإنه قال في المحصول ١/ ق ١/ ٣٧٣: \"ثم اختلفوا (أي: المانعون): فمنهم مَنْ منع منه لأمر يرجع إلى القصد. ومنهم مَنْ منع منه لأمرٍ يرجع إلى الوضع، وهو المختار\". فاتضح بهذا النقل أن مَحَلَّ هذه الجملة إنما هو بعد قوله: \"ومن قائل: سببه الوضع الحقيقي\". وسيشير الشارح - رحمه الله تعالى - بعد قليل إلى رأي الغزالي وأبي الحسين - رحمهما الله تعالى - من غير أن يضم إليهما ذكر الإمام، وقد ذكر الشارح أيضًا رأي الغزالي =","vol":"3","page":656},{"text":"الواضع لم يضع اللفظ المشترك على الجميع (^١) بل على البدل، فلا يصح إطلاقه بطريق الحقيقة على الجميع، ولكن يجوز أن يُرَاد به جميع محامله على جهة المجاز إذا اتصل بقرينة مشعرةٍ بذلك، وهذا ما اختاره ابنُ الحاجب (^٢).\n_________\n= وأبي الحسين في جمع الجوامع، ولم يَعْزُ ما قالاه إلى الإمام. انظر: جمع الجوامع مع المحلي ١/ ٢٩٦، فَعُلم مِنْ هذا أن تقديم هذه الجملة سهو من النساخ، والله تعالى أعلم بالصواب، على أن نسخة (ت) لم تعز مقالة الغزالي وأبي الحسين إلى الإمام إلا أن فيها ركاكة، إذ الجملة في (ت) كما هو واضح: \"وهذا ما ذهب إليه الغزالي وأبو الحسين البصري واختاره\". ولعل ناسخ (ت) أدرك الخطأ في هذه النسبة وحذف لفظة الإمام، وعلى كل فالصواب في وضع العبارة: إما أن تؤخر كما فعلت، وهو الأقرب والأحسن، والموافق لكلام الشارح في شرحه هذا وغيره. أو توضع الجملة كما في (ت) من غير نسبة إلى الإمام، إلا أن فيها ركاكة لا تليق بالشارح رحمه الله تعالى. تنبيه: وجدت في رفع الحاجب للشارح رحمه الله تعالى أنه قال: \"وقال (أبو الحسين والغزالي) والإمام (يصح أن يراد) من اللفظ المشترك، وذي الحقيقة والمجاز - المعنيان (لا أنه لغة) فإن اللغة مانعة منه\". رفع الحاجب ٣/ ١٣٧. إلا أن المحقق فهم من لفظ الإمام إمام الحرمين، ولذلك ذكر في الهامش الاحالة على \"البرهان\" وهذا على مصطلح ابن الحاجب في \"مختصره\" فإنه يريد بـ \"الإمام\" إمام الحرمين كما قال الزركشي، انظر: تعليق الدكتور محمد مظهر بقا على بيان المختصر ١/ ١٦٤، ولكن كما هو واضح لفظة \"الإمام\" هنا ليست من كلام ابن الحاجب، بل هي من كلام الشارح.\n(^١) في (غ)، و(ك): \"الجمع\".\n(^٢) انظر: بيان المختصر ٢/ ١٦١. وقد نقل الزركشي - رحمه الله تعالى - كلام الشارح من غير عزو إليه كما يفعل ذلك كثيرًا، من قوله سابقًا: \"ثم اختلف المانعون في سبب المنع\" إلى هذا الموطن ولم ينسب قول الغزالي وأبي الحسين إلى الإمام، بل ذكر الإمام في القائلين بأن سبب المنع هو الوضع الحقيقي، ولو كانت نسخة الزركشي =","vol":"3","page":657},{"text":"وقال إمام الحرمَيْن ما نصه: \"الذي أراه في اللفظ المشترك إذا ورد مطلقًا لم يُحْمل في مُوجِب الإطلاق على المحامل، فإنه صالح لإفادة آحاد المعاني على البدل، ولم يُوضَع وَضْعًا مُشْعِرًا بالاحتواء عليها، وادعاء إشعاره بالجميع بعيد عن التحصيل، وهذا القول يجري في الحقائق وجِهات المجاز (^١).\nفإن قيل: أيجوز أن يراد به جميع محامله؟\nقلنا: (لا يمتنع) (^٢) ذلك مع قرينة متصلة مشعرة بذلك، مثل: أن يذكر الذاكر محامل \"العَيْن\" فيذكر بعضُ الحاضرين لفظ \"العين\" ويتبيَّن مِنْ حاله أنه يريد تطبيقه (على ما جرى) (^٣) \". انتهى (^٤). وهو مُحْتَمِل لكل من المقالتين (^٥) المتقدمتين، وسياقه إلى اختيار الغزالي وأبي الحسين أقرب (^٦) (^٧).\n_________\n= من \"الإبهاج\" فيها ذكر الإمام مع الغزالي وأبي الحسين لاستدرك عليه هذا الخطأ الواضح البيِّن، وهذا يؤكد ما أشرت إليه قريبًا، والله تعالى أعلم.\n(^١) يعني: أن المشترك إذا ورد مطلقًا لا يصح أن يراد به جميع معانيه، لا حقيقة ولا مجازًا.\n(^٢) في (ت): \"لا يمنع\". وفي البرهان: \"لا نمنع\". وفي نسخةٍ منه: \"لا يمتنع\".\n(^٣) في البرهان: \"على جميع ما جرى\".\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٣٤٤ - ٣٤٥.\n(^٥) وهما ما سبق ذكرهما في سبب منع المانعين لعموم المشترك.\n(^٦) لاحظ أنه لم يذكر الإمام مع الغزالي وأبي الحسين، مما يدل على خطأ النسخ في المخطوطة في ذكره معهما سابقًا.\n(^٧) لأن قوله: \"وهذا القول يجري في الحقائق وجهات المجاز\" يدل على منعه لعموم المشترك سواء في معانيه الحقيقية أو المجازية، فقوله بعد ذلك: بأنه لا يمتنع حمله =","vol":"3","page":658},{"text":"ومنهم: مَنْ منع من ذلك مطلقًا، وقال: لا يجوز أن يُرَاد باللفظ المشترك أكثر من معنى واحد في حالة واحدة، لا لغة ولا وضعًا جديدًا.\nثم عند المجوِّزين لا فرق بين المفرد والمجموع، والمُثبَت والمنفي. ومنهم من فرَّق، وسيأتي في كلام المصنف في آخر المسألة إن شاء الله تعالى.\nوهنا كلامان نَذْكُرهما قبل الخوض في الحِجاج:\nأحدهما: أن هذا الخلاف في استعمال اللفظ المشترك في معنييه جارٍ في استعماله في مجازَيْه مثل أن يقول: والله لا أشتري. ويريد السوم، وشراء الوكيل (^١)، كما صرح به الإمام أبو المظفر بن السمعاني (^٢) في \"القواطع\" (^٣) وغيرُه. وفي حقيقته ومجازه مثل: أن يُطْلِق النكاح ويريد به العقد والوطء جميعًا، وقد جرى الشافعي - ﵁ - على منوالٍ واحدٍ فجوَّز\n_________\n= على جميع معانيه - يدل على أن هذا الحمل خارج عن الوضع اللغوي. لكن قوله: \"لا يمتنع ذلك مع قرينة متصلة مشعرة بذلك\" فيه إشارة إلى جواز ذلك مجازًا؛ إذ القرينة أمارة المجاز، فلو صَرَّح كما صَرَّح الغزالي وأبو الحسين بأنه لا يمتنع ذلك إذا قصده ويكون خارجًا عن الوضع اللغوي - أمكن أن يُنسب له قولهما، لكن كلامه متردد، وهو إليهما أقرب.\n(^١) أي: يريد بقوله: \"لا أشتري\" سومَ الشراء، وشراءَ الوكيل، وكلاهما مجازان.\n(^٢) هو الإمام العلَّامة أبو المظفَّر منصور بن محمد بن عبد الجبار التميميّ السمعانيّ المروزيّ، مفتي خراسان، وشيخ الشافعية، وحيد عصره، وشافعي وقته. ولد سنة ٤٢٦ هـ. من مصنفاته: الاصطلام، البرهان، الأمالي، منهاج أهل السنة، وغيرها. توفي - ﵀ - سنة ٤٨٩ هـ. انظر: وفيات ٣/ ٢١١، الطبقات الكبرى ٥/ ٣٣٥، سير ١٩/ ١١٤.\n(^٣) انظر: القواطع ٢/ ١٠١.","vol":"3","page":659},{"text":"استعمال اللفظ في حقيقتيه، وفي حقيقته ومجازه، وحَمْله (^١) عند الإطلاق عليهما، وأخرج ابن الرفعة نصه على ذلك من \"الأم\" عند الكلام، فيما إذا عُقِد لرجلين على امرأة ولم يُعْلم السابق منهما، ذَكر ذلك في باب الوصية من \"المَطْلب\" (^٢).\nوأما القاضي ﵀ فَعَظُم نكيره على مَنْ يرى الحمل على الحقيقة والمجاز جميعًا، وقال في تحقيق إنكاره: \"اللفظة إنما تكون حقيقة إذا انطبقت على ما وضعت له في أصل (^٣) اللسان، وإنما تصير مَجَازًا إذا تُجُوِّز بها عَنْ مقتضى الوضع، وتَخَيُّلُ (^٤) الجمع بين الحقيقة والمجاز محاولة (^٥) الجمع بين النقيضين\" (^٦)، وهذا من القاضي تصريح بأنه لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد حقيقته ومجازه معًا؛ لما يلزم منه من الجمع بين النقيضين (^٧).\n_________\n(^١) قوله: \"وحَمْله\"، معطوف على: \"استعمال\"، أي: \"وجَوَّز حَمْلَه\".\n(^٢) انظر: الأم ٥/ ١٦، البحر المحيط ٢/ ٣٩٣.\n(^٣) في (ص): \"أهل\". وهو خطأ.\n(^٤) في (ص): \"ويحيل\". وهو خطأ.\n(^٥) العبارة كما في \"البرهان\": \"كمحاولة\".\n(^٦) انظر: البرهان ١/ ٣٤٤، والعبارة لا توجد في التلخيص ١/ ٢٣٠، ولا في التقريب والإرشاد الصغير ١/ ٤٢٢.\n(^٧) عزو هذا القول للقاضي بهذا الإطلاق فيه نظر، بل القاضي يُجَوِّز إرادة الحقيقة والمجاز إذا قصدهما المتكلم، أما إذا قصد الحقيقة فقط أو المجاز فقط - فهنا يمتنع الجمع بينهما يقول رحمه الله تعالى: \"كل لفظة تنبئ عن معنيين: فإن كانا متناقضين لا يتحقق اجتماعهما - فلا تجوز إرادتهما باللفظة الواحدة. وكل معنيين غير متناقضين تنبئ اللفظة عن كل واحدٍ منهما فتجوز إرادتهما باللفظة وإن أُطلقت مرة واحدة. ثم =","vol":"3","page":660},{"text":"الثاني: أن محل الخلاف في استعمال اللفظ في كل معانيه إنما هو في الكلي العددي، أي: في كل فردٍ فردٍ، وذلك بأن يَجْعَله يدل على كلٍ منهما على حدتِه بالمطابقة في الحالة التي يدل على المعنى الآخر بها، وليس المراد الكلي المجموعي أي: يَجْعَل مجموع المعنيين مدلولًا مطابقيًا (^١) (كدلالة الخمسة على آحادها، ولا الكلي البدلي أي: يجعل كل واحد مدلولًا مطابقيًا) (^٢) على البدل، ذكره صاحب \"التحصيل\" (^٣).\n_________\n= كما يجوز إرادة معنيين بلفظة واحدة وضعت لهما حقيقة، فكذلك يجوز إرادة معنيين بلفظ هو حقيقة في أحدهما مجاز في الثاني\". التلخيص ١/ ٢٣١. وقال أيضًا: \"مُطْلِق هذا اللفظ (أي: المشترك) لو خطر له قَصْر اللفظ على الحقيقة، أو قصر اللفظ على المجاز - لم يُتَصَوَّر الجمع بين المعنيين، فلا يتقرر استعماله على حقيقة مع الجمع بينها (في نسخة التلخيص: بينهما. وهو خطأ) وبين وجه التجوز، فإن الحقيقة تقتضي قَصْرها، والتجوز يقتضي تعديتها عن أصل وضعها فافهم ذلك. واعلم أن إرادة الجمع إنما تصح ممن لم يخطر له التعرض للحقيقة والمجاز، ولكن يقتصر على إرادة المسيس من غير تعرض لوجه الاستعمال حقيقة وتجوزًا\". التلخيص ١/ ٢٣٢. وإذا كان من لم يخطر له التعرض للحقيقة والمجاز يصلح حمل لفظه عليهما - فحمل اللفظ عليهما من قصدهما من باب أولى، ويدل عليه قول القاضي أيضًا بعد ذلك: \"فإنا نعلم قطعًا جواز إرادة المختلِفَيْن غير المتناقِضَيْن معًا، وجاحد ذلك مفصح بالعناد\". التلخيص ١/ ٢٣٤. ويقصد بالمختلفين إرادة الحقيقتين، أو المجازين، أو الحقيقة والمجاز كما هو مُصَرَّح من السياق قبله. وانظر: التقريب والإرشاد الصغير ١/ ٤٢٢ - ٤٢٧، وانظر: البحر المحيط ٢/ ٤٠٢. وكلام القاضي وما نقله الزركشي في تفسيره يحتاج إلى تروٍ وتأمل، حتى لا يُفهم على خلاف مراده، والله أعلم بالصواب.\n(^١) في (ت): \"مطابقًا\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: التحصيل ١/ ٢١٤.","vol":"3","page":661},{"text":"وقال الأصفهاني في \"شرح المحصول\" إنه رأى في تصنيفٍ آخرَ لصاحب \"التحصيل\" أن الأظهر من كلام الأئمة أن الخلاف في الكلي المجموعي، فإن أكثرهم صَرَّحُوا بأن المشترك عند الشافعي كالعام كما سيأتي إن شاء الله تعالى (^١).\nقال: (لنا: الوقوع في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ (^٢) والصلاة (^٣) من الله مغفرة، ومن غيره استغفار. قيل: الضمير (^٤) متعَدِّد فيتعدد الفعل. قلنا: مَعْنًى لا لفظًا، وهو المدعى).\nاستدل على جواز استعمال اللفظ المشترك (^٥) في معنييه بوقوعه (^٦) في آيتين:\nإحداهما: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ فإن الصلاة من الله تعالى المغفرة بالاتفاق (^٧)، ومن الملائكة\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط ٢/ ٣٩٥، ٣٩٦، نهاية السول ٢/ ١٢٧، وقد بَيَّن الشيخ المطيعي بأن القول الأول هو الصحيح، وأما القول بأن الخلاف في الكلي المجموعي فهو ضعيف جدًا، بل وهم.\n(^٢) سورة الأحزاب: الآية ٥٦.\n(^٣) في (ص): \"وهي\".\n(^٤) أي: الضمير في ﴿يُصَلُّونَ﴾ وهو واو الجماعة.\n(^٥) في (ص): \"للمشترك\". وهو خطأ.\n(^٦) في (ص): \"في وقوعه\". وهو خطأ.\n(^٧) للعلماء في تفسير الصلاة من الله تعالى أقوال عدة: كالرحمة، والثناء، والبركة، =","vol":"3","page":662},{"text":"الاستغفار (^١)، وهما مفهومان متغايران؛ فيكون لفظ الصلاة مشتركًا بينهما، وقد أُطْلِق عليهما دفعة واحدة، فإنه أسندها إلى الله تعالى، وإلى الملائكة.\nفإن قلت: لو كان معنى الصلاةِ المغفرةَ والاستغفارَ - لم يُعَدَّ بعَلَى؛ لأنهما لا يُعَدَّيان إلا باللام، تقول: غفرتُ لزيد، واستغفرت له. ولا تقول: غفرت عليه، واستغفرت عليه.\nقلت: لما وقعت موقع التعطف والتحنن حسن تعديتها بعلى.\nواعلم أنه وقع في بعض نسخ المنهاج: \"والصلاة من الله تعالى مغفرة\" كما أوردناه، وهو الذي أورده الغزالي (^٢)، وفي بعضها \"رحمة\" وكذلك ذكر (^٣) الإمام (^٤)، والتعبير \"بمغفرة\" أحسن؛ لأن الصلاة في اللغة: الدعاء بخير (^٥)، وهو محال من الله تعالى، فَحُمِل على المغفرة.\nوأما حَمْله على الرحمة فغير ممكن؛ لأن حقيقة الرحمة: رقة القلب،\n_________\n= وغيرها، ولعل الشارح - رحمه الله تعالى - يقصد بالاتفاق كون هذا المعنى من جملة معاني الصلاة من الله تعالى بالاتفاق. انظر: زاد المسير ٦/ ٣٩٨، ٤١٨، معاني القرآن للفراء ٢/ ٣٤٥، فتح القدير ٤/ ٣٠٠، لسان العرب ١٤/ ٤٦٤، المصباح المنير ١/ ٣٧١، مادة (صلا).\n(^١) ومن معاني صلاة الملائكة أيضًا: الدعاء. انظر: المراجع السابقة.\n(^٢) انظر: المستصفى ٣/ ٢٩٣، وكذا أورده صاحب الحاصل ١/ ٣٣٠.\n(^٣) في (غ): \"ذكره\".\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٧٥.\n(^٥) في (ك): \"بالخير\".","vol":"3","page":663},{"text":"وهى مستحيلة في حق الله تعالى ولا تطلق عليه إلا مجازًا، ومَنْ فَسَّر الصلاة بالرحمة فرارًا من تفسيرها بالدعاء وقع في هذا العظيم، وصار كمن فسر قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^١) بمعنى: جلس، فإنه فسر شيئًا ظاهره محال بالمحال (^٢) (^٣).\nولقائل أن يقول: إذا كانت حقيقة الصلاة الدعاء - فاستعمالها في المغفرة والرحمة مجاز، فيكون الموجود في الآية استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، لا في حقيقتيه، والمحتجون بالآية إنما ساقوها لاستعمال المشترك في معنييه، نعم يلزم من جوازه في حقيقته ومجازه جوازُه في حقيقتيه.\nواعترض المانعون على هذا الاحتجاج بأن قوله: ﴿يُصَلُّونَ﴾ (^٤) فيه ضميران: أحدهما: عائد إلى (^٥) الله تعالى. والثاني: عائد إلى الملائكة، وتعدد الضمائر بمنزلة تعدد الأفعال، فكأنه قال: إن الله يصلي وملائكته (^٦) يصلون. فلا يكون حينئذ اسْتَعْمل (^٧) اللفظ الواحد في معنييه، بل استعمل\n_________\n(^١) سورة طه: الآية ٥.\n(^٢) في (ك): \"بمحال\".\n(^٣) هذا على منهج المؤولة من الأشاعرة، ومال المتقدمون منهم إلى إثبات جميع الصفات مع نفي الظاهر المقتضي للتشبيه، فيثبتون جميع الصفات من غير تأويل ولا تكييف ولا تشبيه، فكما أن ذاته تعالى لا تشبهها الذوات فكذا صفاته تعالى.\n(^٤) سورة الأحزاب: الآية ٥٦.\n(^٥) في (ص): \"على\".\n(^٦) في (ص): \"والملائكة\".\n(^٧) في (ت): \"استعمال\".","vol":"3","page":664},{"text":"لفظين في معنيين، وليس النزع فيه.\nوأجاب في الكتاب: بأن الفعل (^١) لم يتعدد في اللفظ قطعًا، وإنما تعدد في المعنى، فاللفظ واحد والمعنى متعدد، وذلك عين الدعوى.\nواعترض الغزالي على هذا الاحتجاج: بجواز أن تكون الصلاة استعملت في قدر مشترك بين المغفرة والاستغفار: وهو الاعتناء، وإظهار الشرف، فقال: \"الأظهر عندنا أن هذا (^٢) إنما أُطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين: وهو العناية بأمر النبي - ﷺ -، لشرفه، وحرمتِه والعنايةُ من الله تعالى مغفرة، ومن الملائكة استغفار ودعاء\". قال: \"وكذلك العذر عن السجود\" (^٣) يعني: في الآية الثانية التي سنذكرها إن شاء الله تعالى.\nوقد أجيب عن هذا الاعتراض: بأن إطلاق الصلاة على الاعتناء (^٤) مجاز؛ لعدم تبادر الذهن إليه، والأصل عدم المجاز.\nفإن قلت: لو لم نَحمله على الاعتناء لزم إما الاشتراك أو المجاز (^٥)، وإذا دار اللفظ بين التواطؤ وبين الاشتراك والمجاز فحَمْله على التواطؤ أولى.\n_________\n(^١) وهو: ﴿يُصَلُّونَ﴾.\n(^٢) أي: قوله تعالى: ﴿يُصَلُّونَ﴾.\n(^٣) انظر: المستصفى ٣/ ٢٩٤، وكذا في كشف الأسرار للنسفي ١/ ١٣٩.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) يعني: إما أن يكون إطلاق ﴿يُصَلُّونَ﴾ على المغفرة والاستغفار اشتراك أو مجاز.","vol":"3","page":665},{"text":"قلت: إنما يكون التواطؤ أولى إذا دار اللفظ بين الثلاثة، من غير دليل مقتضٍ لأحدها بخصوصه، أما إذا دل دليل على الاشتراك أو المجاز بخصوصه فيتعين، وقد دل الدليل هنا على أن الصلاة مشتركة بين المغفرة والاستغفار؛ لتبادر الذهن إليه عند الإطلاق (^١).\nفإن قلت: سَلَّمنا أنه غير موضوع للاعتناء بإظهار الشرف، وأن استعماله فيه إنما هو بطريق المجاز، ولكن المجاز أولى من الاشتراك، فليُحمل عليه.\nقلت: هذه مغالطة فإن الحمل على الاعتناء لم يدفع الاشتراك؛ إذ الاشتراك ثابت فيه لما بيناه، سواء أحملناه (^٢) على الاعتناء أم لم نحمله. نعم لو حملناه عليه لزم حمل اللفظ المشترك على مفهومه المجازي (^٣).\nواعْتُرِض على الاحتجاج بالآية أيضًا: بأنه يجوز أن يكون قد حُذف الخبر للقرينة، كقوله:\nنحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ، والرأي مختلف (^٤)\n_________\n(^١) أي: ولم يتبادر إلى الاعتناء بإظهار الشرف.\n(^٢) في (ت). و(ص)، و(ك): \"حملناه\".\n(^٣) وحمله على مفهومه المجازي لا يمنع الاشتراك؛ إذ لا تعارض بين المعنى المجازي والاشتراك، فيبقى الاشتراك، ويكون هو المراد باللفظ.\n(^٤) تقدير الكلام: نحن بما عندنا راضون، وأنت بما عندك راضٍ. فراضون خبر \"نحن\" محذوف؛ لدلالة \"راض\" الذي هو خبر \"أنت\" عليه، فكذلك الآية. والبيت قائله قيس بن الخطيم أحد فحول الشعراء في الجاهلية، على الصواب. قاله الشيخ محمد محيي الدين في تعليقه على ابن عقيل ١/ ٢٤٥.","vol":"3","page":666},{"text":"ويكون أصله: إن الله يصلي وملائكتُه يصلون (^١).\nوأجيب: بأن الإضمار خلاف الأصل. وهذا الجواب لا يَحْسن ممن يقول: الحمل على الجميع بطريق المجاز (^٢)؛ فإنه يُعْترض عليه بأن الحمل على المجموع مجاز، وهذا مجاز فلِمَ رَجَّح أحدَ المجازين على الآخر!\nقال: (وفي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ﴾ (^٣) الآية. قيل: حرف (^٤) العطف بمثابة العامل. قلنا: إنْ (^٥) سُلِّم فبمثابته (في العمل) (^٦) بعينه).\n_________\n(^١) وإعراب الجملة كالتالي: إنَّ: حرف ناسخ. ولفظ الجلالة اسم إنَّ منصوب. يصلي: الفعل والفاعل في محل رفع خبر إن. وملائكته: الواو عاطفة. ملائكته مبتدأ، ويصلون: جملة فعلية في محل رفع خبر المبتدأ. وجملة المبتدأ والخبر جملة اسمية معطوفة على جملة: \"إن الله يصلي\" فيكون من باب عطف الجمل لا من باب عطف المفردات، أي: ليست \"ملائكته\" معطوفة على لفظ \"الجلالة\"، هذا في حال تقدير رفع \"ملائكته\" وأن خبر \"إن\" يصلي، وأما في حال النصب فتكون معطوفة على لفظ الجلالة ويكون \"يصلون\" خبر \"إنَّ\"، فيكون العطف من باب عطف المفردات. انظر: شرح ابن عقيل ١/ ٣٧٥.\n(^٢) أي: الجواب بأن الإضمار خلاف الأصل لا يحسن ممن يقول بحمل \"يصلون\" على المغفرة والاستغفار بطريق المجاز.\n(^٣) في (ك): ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى آخر الآية.\n(^٤) في (غ)، و(ك): \"حروف\".\n(^٥) في (ك): \"وإن\".\n(^٦) لم ترد في نهاية السول ٢/ ١٢٣، والسراج الوهاج ١/ ٣٢٣، وشرح الأصفهاني ١/ ٢١٤. وسيشير الشارح رحمه الله تعالى إلى أن هذه الزيادة في بعض النسخ.","vol":"3","page":667},{"text":"الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (^١).\nوجه الاحتجاج: أنه أسند السجود إلى هؤلاء المذكورين، والسجود مشترك بين وضع الجبهة والخضوع (^٢)، فإما أن يراد به معنى غيرهما، أو وَضْع الجبهة وحده، أو الخضوع وحده، (أو يرادا) (^٣) معًا.\nوالكل باطل سوى القسم الرابع، فالأول: لكونه خلاف الأصل، إذ الأصل عدمه (^٤)، والثاني كذلك؛ لامتناع إسناده إلى كل واحد، والثالث كذلك؛ لأنه حينئذ لا يبقى لتخصيص كثيرٍ من الناس (^٥) بالذكر فائدة؛ إذ الخضوع شامل لجميع المخلوقات، فإنها خاضعة بلسان الحال لما فيها من الدلالة على الصانع والوحدانية؛ فتعين الرابع، وحينئذ يكون اللفظ الواحد مستعملًا في مدلولَيْه المختلِفَيْن دفعة واحدة، وهو المدَّعى.\nواعْتُرِض على الاحتجاج بهذا: بأنَّا (^٦) لا نسلم أن هذا استعمال\n_________\n(^١) سورة الحج: الآية ١٨.\n(^٢) انظر: لسان العرب ٣/ ٢٠٤، المصباح ١/ ٢٨٦، مادة (سجد).\n(^٣) في (ت): \"أو إما أن يرادا\".\n(^٤) أي: الأصل عدم معنى غيرهما.\n(^٥) في قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾.\n(^٦) في (ت): \"أنا\".","vol":"3","page":668},{"text":"للفظ (^١) الواحد (^٢) في معانِيه، إنما هو استعمال ألفاظٍ متعددة؛ لأن حرف العطف بمثابة تكرار العامل، فيكون التقدير: أن الله يسجد له من في السموات، ويسجد له من في الأرض، إلى آخره. ولا نزاع في جواز ذلك (^٣).\nوأجاب عنه المصنف: بأنا أولًا لا نسلم أن حرف العطف بمثابة العامل، ولئن سلمنا أن العاطف بمثابة العامل - فيلزم على هذا التقدير أن يكون بمثابة العامل الأول بعينه (^٤)، وهو هنا (^٥) باطل؛ لأنه يلزم أن يكون المراد من سجود الشمس والقمر والجبال والشجر هو وضع الجبهة؛ لأنه مدلول الأول (^٦).\nوفي بعض النسخ: \"فبمثابته في العمل\" أي: يقوم مقامه في الإعراب لا في المعنى (^٧).\n_________\n(^١) في (ت): \"اللفظ\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: لا نزاع في جواز استعمال ألفاظٍ متعددة، في معانٍ مختلفة، والمعنى: ليس في الآية إعمالٌ للفظ المشترك في مدلوليه دفعة واحدة، بل يكون لفظ \"يسجد\" مستعملًا مرة في معنى، ومستعملًا مرة أخرى في معنى آخر. انظر: شرح الأصفهاني ١/ ٢٢٠.\n(^٤) هذا الجواب على نُسَخ \"المنهاج\" التي ليس بها الزيادة المشار لها سابقًا، والجواب بدون الزيادة: إنْ سُلِّم فبمثابته بعينه.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وهم الملائكة ﵈.\n(^٧) وكذا أشار الإسنوي في نهاية السول ٢/ ١٣٢ إلى هذه النُّسَخ. والمعنى: أن المعطوف والمعطوف عليه يشتركان في الإعراب، ولا يلزم من ذلك الاشتراك في المعنى من =","vol":"3","page":669},{"text":"قال: (قيل: يحتمل وضعه للمجموع أيضًا فالأعمال في البعض. قلنا: فيكون المجموع مستندًا (^١) إلى كل واحدٍ وهو باطل).\nهذا اعتراض على الاحتجاج بالآيتين المذكورتين، ووجهه: أنه لا حجة فيما استدللتم به (^٢)؛ لأنه يَحْتَمِل أن يكون استعمال الصلاة والسجود في المجموع إنما هو لكون اللفظ قد وُضَع له (^٣) أيضًا، كما وضع للإفراد بل نقول: لا بد من هذا، وإلا فيكون اللفظ قد استعمل في غير ما وضع له، وحينئذ فيكون السجود موضوعًا لثلاث معان: للخضوع منفردًا (^٤). ولوضع الجبهة منفردًا، ولمجموعهما. وعلى هذا التقدير يكون إعمال اللفظ في المجموع إعمالًا له في بعض ما وُضع له، وهو خلاف المدعى.\nوأجاب: بأنه لو كان كذلك (^٥) للزم أن تكون المغفرة والاستغفار مُسْنَدًا (^٦) إلى كل واحدٍ من الله تعالى والملائكة، وهو واضح البطلان.\n_________\n= كل وجه، إذ قد يحصل الاختلاف من بعض الوجوه. فمثلًا قولنا: جاء زيد وعمرو. الاشتراك في المجيء حاصل، لكن قد يكون مجيء أحدهما يختلف عن مجيء الآخر، إذ قد يكون أحدهما قد جاء راكبًا، والآخر ماشيًا مثلًا.\n(^١) في (ك)، ونهاية السول ٢/ ١٢٣، وشرح الأصفهاني ١/ ٢١٤: \"مسندًا\".\n(^٢) أي: على الاشتراك.\n(^٣) أي: للمجموع.\n(^٤) في (ت)، و(ك): \"مفردًا\".\n(^٥) أي: لو كان حمل اللفظ على المجموع، وعلى الإفراد حقيقة.\n(^٦) في (ص)، و(غ): \"مستندا\".","vol":"3","page":670},{"text":"ويلزم أيضًا أن يكون معنى السجود: الذي هو وضع الجبهة على الأرض، والخضوع مُسْنَدًا (^١) إلى الذواتِ (^٢) وهو باطل أيضًا. وفيه نظر، فإن هذا الذي ذكره إنما يلزم أن لو أُسْنِد المجموع (^٣) إلى واحد فقط، أما إذا اسْتُعْمِل في بعض المعاني مع اتحاد المسند إليه مثل: الطير يسجد، بمعنى يخشع أو في المجموع مع تعدد المسند إليه ليرجع كل واحد (إلى واحد) (^٤) (^٥) فلا يلزم هذا المحذور، والدليلان المذكوران من هذا القبيل، فالأولى في الجواب أن يَمْنَع وَضْعَه للمجموع، وسَنَدُ المنع أنه خلاف الأصل؛ إذ يلزم منه الاشتراك؛ لأنه يكون موضوعًا لكل فردٍ و(^٦) للمجموع، والاشتراك على\n_________\n(^١) في (ص): \"مستندا\".\n(^٢) في (ص): \"الدواب\". ويغلب على الظن أن ناسخ (ص) تصرف من عنده؛ إذ لعله ظن أنها مُصَحَّفة وأن الذوات خاص بالعقلاء وهم البشر، فأبدلها بالدواب، والمراد بالذوات هي الذوات المذكورة في الآية وهي قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾. ويدل على ما قلتُ أن الإسنوي قال في شرحه ٢/ ١٣٣: \"وأجاب عنه المصنف: بأنه يلزم أن يكون المجموع من وضع الجبهة والخضوع مسندًا إلى كل واحدٍ من الشجر والدواب وغيره مما ذُكِر\"، بل كلام الماتن رحمه الله تعالى صريح في هذا إذ يقول في جوابه: \"قلنا: فيكون المجموع مستندًا إلى كل واحد، وهو باطل\". فقوله: \"إلى كل واحد\" يدل على أن الشارح عبر بالذوات الشامل للجميع، لا بالدواب الخاص بواحد فقط. ومن الواضح أن لفظة \"الدواب\" ليست خطأ، والمعنى بها صحيح، ولكن الظاهر من كلام الماتن هو التعميم، فيكون تعبير الشارح بلفظ \"الذوات\" أقرب إلى المتن. والله أعلم.\n(^٣) أي: وَضْع الجبهة والخضوع، والمغفرة والاستغفار.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) أي: ليرجع كل واحدٍ من المعاني إلى واحد من المسند إليه.\n(^٦) سقطت الواو من (غ).","vol":"3","page":671},{"text":"خلاف الأصل.\nقال: (احتج المانع: بأن الواضع إن لم يضع للمجموع (^١) لم يجز استعماله فيه. قلنا: لِمَ لا يكفي الوضع لكل واحد للاستعمال في الجميع).\nاحتج مَنْ منع (^٢) استعمال اللفظ في حقيقتيه معًا: بأن اللفظ الموضوع لهما إما أن يكون موضوعًا لمجموع المعنيين معًا أيضًا (^٣) أوْ لا. إنْ كان الأول فاستعمال اللفظ في المجموع لا يكون استعمالًا له في جميع ما وضع له بل في البعض؛ لأن مدلول اللفظ حينئذ (هذا وحده) (^٤) (وهذا وَحْده) (^٥)، ومجموعهما من حيث هو كذلك، فالمجموع من حيث هو مجموع بعضُ ما وُضع له.\nوإنْ كان الثاني (^٦) لم يجز استعماله فيه؛ لأنه حينئذ يكون استعمالًا للفظ في غير ما وضع له.\nوأجاب في الكتاب: بأنا لا نسلم أنه لو لم يكن موضوعًا للمجموع لم يجز استعماله فيه، بل يكون الوضع لكل واحدٍ كافيًا في الاستعمال في\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"المجموع\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: كما أنه موضوع لكل معنى، فهو موضوع لمجموع المعنيين.\n(^٤) في (ص): \"هذا وهذا وحده\".\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) أي: إنْ كان موضوعًا لكل معنى على حدة، وليس لمجموع المعنيين معًا.","vol":"3","page":672},{"text":"المجموع مجازًا. ولكن في هذا الجواب التزام أن استعمال المشترك في معنييه من باب المجاز، فلا يحسن ممن يجعله (^١) حقيقة.\nويمكن تقرير الجواب على وجه آخر، فيقال: الوضع لكل واحدٍ كافٍ لاستعماله في الجميع، ويكون ذلك الاستعمالُ استعمالًا له (^٢) فيما وضع له؛ لأن كل واحد من تلك المعاني قد وضع له ذلك اللفظ، ولا يلزم من استعماله في المجموع اشتراط الوضع للمجموع، وإنما يُشْترط ذلك أن لو كان المراد أنه (^٣) يكون مستعملًا في المجموع بحيث يكون المجموع مدلولًا مطابَقِيًا واحدًا، كدلالة الخمسة على آحادها (^٤)، ولكن ليس ذلك المدعى (^٥). وهذا التقرير بناء على ما قاله صاحب \"التحصيل\" مِنْ حصر الخلاف في الكلي العددي (^٦).\nقال: (ومن المانعين مَنْ جَوَّز في الجمع (^٧) والسلب، والفرق ضعيف).\nليس كل مَنْ منع استعمال المشترك (^٨) في معنييه مَنَع مطلقًا، بل منهم\n_________\n(^١) أي: ممن يجعل استعماله في معنييه.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) في (غ)، و(ك): \"به\".\n(^٤) فالخمسة تدل على المجموع بالمطابقة، وعلى الأفراد بالتضمن، عكس ما نحن فيه.\n(^٥) أي: لا ندعي أن اللفظ وضع للمجموع بالمطابقة، بل بالتضمن؛ لأنه ما دام أنه وضع للأفراد بالمطابقة، فإنه يتضمن الوضع للمجموع.\n(^٦) انظر: التحصيل ١/ ٢١٤.\n(^٧) في (ص): \"الجميع\". وهو خطأ، لأن المراد الجمع الذي هو ضد المفرد.\n(^٨) سقطت من (ت).","vol":"3","page":673},{"text":"من أطلق مَنْعَه، وقد تقدم البحث معه. ومنهم مَنْ فَرَّق، وافترق هؤلاء إلى فرقتين:\nالفرقة الأولى: فَرَّقت بين النفي والإثبات، فقالت (^١): يجوز استعمال المشترك في معنييه في السلب دون الإثبات.\nواحتجوا: بأن النكرة في سياق النفي تعم؛ فيجوز أن يُراد به مدلولاته المختلفة.\nوأجيب: بأن هذا الفرق ضعيف؛ لأن السلب لا يرفع إلا ما هو مُقْتَضى الإثبات، ومُقْتَضى الإثبات عند هذا القائل أحد المدلولات المختلفة فقط فحينئذ (لا يعم السلبُ الجميع) (^٢). فإنْ أردتم بعمومه أنه يعم مدلولات اللفظ ففاسد لما ذكرناه. وإنْ أردتم أنه (^٣) يعم في أفراد مدلول واحدٍ، لا في أفراد المدلولات المختلفة - فمسلَّم، ولا يُجْديكم شيئًا (^٤).\n_________\n(^١) في (ك): \"وقالت\".\n(^٢) في (ص): \"لا يعم السلب والجمع\". وهو خطأ؛ لأن المعنى أن السلب لا يعم جميع معاني المشترك، بل ينفي المعنى الواحد المثبت فقط، ولا علاقة له بالمعاني الأخرى؛ لكونها غير ثابتة حتى تنفى.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) يعني: إن أردتم بعموم السلب للمشترك أنه: ما يعم أفراد معنى واحد - فهذا العموم مُسَلَّم، ولكن هذا لا يُجْديكم، إذ ليس هو المشترك المصطلح عليه، فالمشترك المصطلح عليه: هو ما شَمَل معاني مختلفة، فعموم السلب له يكون شاملًا لجميع المعاني، لا لأفراد معنى واحد.","vol":"3","page":674},{"text":"الفرقة الثانية: قالت بجوازه في الجمع دون المفرد.\nواحتجوا: بأن الجمع في حكم تعديد الأفراد، فقولك: (ثلاث عيون) (^١) - في قوة قولك: عين، وعين، وعين. فكما يجوز أن تُريد بالأولى (^٢) الجارية مثلًا، وبالثانية الباصرة، وبالثالثة عين الشمس - فكذا في الجمع.\nوأجاب: بأن هذا الفرق ضعيف؛ لأنا لا نسلم أن الجمع في حكم تعديد الأفراد، ولو سلمناه (^٣) لكنه في حكم تعديد أفراد نوعٍ واحد، كما علم من استقراء اللغة. فكما لا يجوز استعمال تلك المفردات في المعاني المختلفة، فكذلك استعمال الجمع (^٤).\nواعلم أن التثنية عند هذا المفصِّل مُلْحَقة بالجمع، والله أعلم.\nقال: (ونُقل عن الشافعي والقاضي الوجوب حيث لا قرينة احتياطًا).\n_________\n(^١) في (ص): \"ثلاثة عيون\". وهو خطأ؛ لأن عيون مؤنث سماعي، لأن كلَّ عضوٍ في الإنسان زوجان فهو مؤنث.\n(^٢) في (ت)، و(ص): \"بالأول\". وهو خطأ، والصواب ما أثبته.\n(^٣) في (ت): \"ولو سلمنا\".\n(^٤) أي: أن المفردات التي هي: عين، وعين، وعين، لم يستعمل واحدٌ منها في أكثر من معنى، بل كل واحدٍ منها يستعمل في معنى مختلف عن الآخر، فكما لا يجوز استعمال المفرد الواحد في أكثر من معنى، فكذلك الجمع لا يجوز استعماله في أكثر من معنى.","vol":"3","page":675},{"text":"الفرق بين الوضع والاستعمال والحمل بَيِّن، وذلك أن الوضع يقال بالاشتراك: على جعل اللفظ دليلًا على المعنى، كتسمية الولد زيدًا. وهذا هو الوضع اللغوي، وعلى غلبة استعمال اللفظ في المعنى حتى (^١) يصير فيه أشْهَرَ من غيره، وهذا هو وضع المنقولات الثلاثة: الشرعي (^٢)، والعرفيين الخاص والعام.\nوالاستعمال: إطلاق اللفظ وإرادة مسماه بالحكم (^٣)، وهو الحقيقة. أو غير مسماه لعلاقة وهو المجاز.\nوالحَمْل: اعتقاد السامع مرادَ المتكلم من لفظه، أو ما اشتمل على مراده (^٤).\nفالمراد (^٥): كاعتقاد الشافعي أن الله تعالى أراد بالقرء الطهر، واعتقاد أبي حنيفة أنه تعالى أراد به (^٦) الحيض والمُشْتَمِل (^٧) نحو: حَمْلُ مَن يَحْمل المشترك على معانيه إذا تجرد عن القرائن؛ لاشتماله على مراد المتكلم احتياطًا.\nإذا عرفت ذلك فالوضع أمرٌ راجع إلى الواضع، وقد\n_________\n(^١) في (ت): \"حيث\".\n(^٢) في (ص): \"الشرعية\".\n(^٣) أي: إرادة معنى اللفظ بما حَكَمَ به المتكلم.\n(^٤) يعني: فالحَمْل اعتقاد للمراد، أو اعتقاد لما يشتمل على المراد.\n(^٥) هذا تمثيل للجزء الأول من التعريف: اعتقاد السامع مراد المتكلم من لفظه.\n(^٦) سقطت من (ص).\n(^٧) هذا تمثيل للجزء الثاني من التعريف: ما اشتمل على مراده.","vol":"3","page":676},{"text":"سلف الكلام في وضع المشترك، والاستعمال من صفات المتكلم وهو الذي انتهينا من كلامه، والحمل من صفات السامع وها نحن نتكلم فيه فنقول: اختلف مستعملو المشترك في معنيَيْه أنه هل يجب حمله على ذلك (^١) إذا تجرد عن قرينة صارفة؟\nفَنُقِل عن (^٢) الشافعي والقاضي وجوبُ ذلك (^٣)، ونقله الإمام في\n_________\n(^١) أي: على معنييه.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في هذا النقل عن القاضي - رحمه الله تعالى - نظر؛ إذ صَرَّح في \"التقريب والإرشاد\" بخلافة، إذ قال: \"فإن قيل: فهل يجب حمل الكلمة الواحدة التي يصح أن يراد بها معنى واحد، ويصح أن يُراد بها معنيان - على أحدهما، أو عليهما بظاهرها، أم بدليل يقترن بها؟ قيل: بل بدليل يقترن بها لموضع احتمالها للقصد بها تارة إليهما، وتارة إلى أحدهما، وكذلك سبيل كل محتَمِل من القول، وليس بموضوع في الأصل لأحد مُحْتَمِلَيْه\". التقريب والإرشاد الصغير ١/ ٤٢٧. وقال في \"التلخيص\" ١/ ٢٣٤: \"فإنا نقول: إذا احتمل إرادةَ المعنيين، واحتمل تخصيصَ اللفظ بأحدهما - فيتوقف في معنى اللفظ على قرينة تدل على الجمع أو التخصيص\"، ولذلك قال الزركشي - رحمه الله تعالى - بعد أن أورد هذا النقل من \"التلخيص\": \"فظهر أن الصواب في النقل عن القاضي المذهب الثالث: وهو التوقف\". البحر المحيط ٢/ ٣٩٥. ولذلك لما قال الشارح رحمه الله تعالى في جمع الجوامع كما في شرح المحلي عليه: (وعن القاضي) هو عند التجرد عن القرائن المعيِّنة والمُعَمِّمة (مجمل) أي غير متضح المراد منه (ولكن يُحمل عليهما احتياطًا). - قال البناني معلِّقًا على قوله: (مجمل ولكن يُحمل عليهما احتياطًا): كذا نقله عن القاضي الإمامُ الرازي، لكن الذي في \"تقريبه\" أنه لا يجوز حمله عليهما، ولا على أحدهما إلا بقرينة، ويبعد أن يقال: هذا مقيِّد لذلك. اهـ. انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٩٦. وقول البناني: \"ويبعد أن يقال: هذا مقيِّد لذلك\" معناه والله أعلم: يبعد أن يقال إن القول بالحمل للاحتياط مقيِّد للإطلاق =","vol":"3","page":677},{"text":"\"مناقب الشافعي\" عن القاضي عبد الجبار أيضًا (^١)، والمصنف في باب العموم في الكلام على الجمع المُنَكَّر (^٢) عن الجبائي، فافهم ذلك. وحجتهم أنه لو لم يجب (^٣) فإما أن لا يُحْمَل على واحدٍ منها، ويلزم تعطيل النص أو يُحْمل على واحدٍ، وهو ترجيح بدون مرجح.\nوقال بعضهم: لا يجب الحمل ويكون مُجْملًا، وبه قال الإمام تفريعًا على القول بجواز الاستعمال (^٤).\n_________\n= بالمنع إلا بقرينة؛ إذ في نسبة هذا القول نظر؛ لأن كلامه في \"التقريب\" و\"التلخيص\" ينافيه. وهذا الذي نسبه الماتن إلى القاضي وتبعه عليه الشارح بل شراح المنهاج كالإسنوي، والجاربردي، والأصفهاني هو في الأصل - كما قال البناني - منقولٌ عن الإمام في المحصول ١/ ق ١/ ٣٨٠، وانظر: نهاية السول ٢/ ١٤٠، السراج الوهاج ١/ ٣٢٩، شرح الأصفهاني ١/ ٢٢٢، بل وهذا النقل عن القاضي موجود في كتب أخرى كالتحصيل ١/ ٢١٧، والحاصل ١/ ٣٣٢، ونفائس الأصول ٢/ ٧٦٣، وغاية الوصول شرح لب الأصول ص ٤٦، وهو كذلك في جمع الجوامع كما نقلت عنه، وهو أمر يدعو للغرابة والتأمل، وربما كَثْرة نقلِ هذا القول عن القاضي دون مراجعة كلامه أوقعت هؤلاء في مثل هذا. هذا ما ظهر للعبد الفقير كاتب هذه السطور، والله تعالى أعلم بالصواب.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) أي: لو لم يجب حمل المشترك على معنييه.\n(^٤) أي: بجواز استعمال اللفظ المشترك في معنييه، فاللفظ يجوز أن يراد به جميع معانيه، ويجوز أن يراد به أحد معانيه، إذن فاللفظ من قبيل المجمل. فالإمام فَرَّع القول بالإجمال على قول مَن يقول بجواز الجمع بين المعنيين، ومذهبه هو المنع من ذلك كما سبق بيانه.","vol":"3","page":678},{"text":"واحتج عليه: \"بأنه إن (^١) لم يكن موضوعًا للمجموع لم يجز استعماله فيه. وإنْ كان موضوعًا له فهو أيضًا موضوعٌ لكلٍ من الأفراد، فاللفظ (^٢) دائرٌ بين كل واحدٍ من الفردين وبين المجموع، فيكون (^٣) الجزم بإفادته للمجموع دون كل واحد من الفردين ترجيحًا من غير مرجح. فإن قلت: حَمْلُه على المجموع أحوط فيجب الأخذ به. قلت: الأخذ بالاحتياط سنتكلم عليه\" (^٤) هذا كلام الإمام.\nواعترض عليه صاحب \"التحصيل\": بأن هذا ينفي جواز الاسنعمال (^٥) فالتمسك به على نفي الوجوب تفريعًا على الجواز لا يستقيم (^٦).\nبقي في المسألة أن وجوب الحمل عند القائل به (هل هو للاحتياط) (^٧) أوْ لأنه عنده من باب العموم؟\n_________\n(^١) في (ت): \"لو\". والمثبت موافق لما في \"المحصول\".\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"واللفظ\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٨٠.\n(^٥) أي: بأن هذا الاستدلال ينفي جواز استعمال المشترك في معانيه مع عدم القرينة؛ لأن المسألة مفترضة عند التجرد من القرينة.\n(^٦) انظر: التحصيل ١/ ٢١٧، والمعنى والله أعلم: أن هذا الاستدلال ينفي جواز استعمال المشترك في معانيه، كما ينفي وجوب حمل المشترك على معانيه، وهذا الاستدلال على نفي وجوب الحمل مبني على القول بجواز الاستعمال، فيكون على هذا قد استدل على نفي جواز الاستعمال بجواز الاستعمال، وهو تناقض.\n(^٧) في (ت): \"هل إنه من باب الاحتياط\".","vol":"3","page":679},{"text":"اضطرب النقل فيه: فمِنْ ناقلٍ أنه من باب الاحتياط، وعليه جَرَى في الكتاب. ومِنْ ناقلٍ أنه عندهم من باب العموم، وبه يُشْعر إيراد إمام الحرمين، فإنه صَدَّر كلامه بقوله: \"ذهب ذاهبون من أصحاب العموم إلى أنه محمولٌ على حميع معانيه\" (^١)، وعليه جرى الغزالي فقال: \"الاسم المشترك بين مسميَيْن لا يمكن دعوى العموم فيه عندنا، خلافًا للشافعي والقاضي\" (^٢)، وتَبِعه الآمدي (^٣)، وقد قَدَّمنا أن القاضي فَصَل بين الحقيقة والمجاز، فلم يقل بالحمل [فيهما] (^٤) وبين المشترك، فقال بالحمل فيه (^٥). ويحصل بهذا التفصيل في الحملِ مذاهب:\nأحدُها: حمل اللفظ على معنييه سواء أكان (^٦) أحدهما مجازًا، أم كانا حقيقتين، وهو رأي الشافعي. والثاني عكسه. والثالث: التفصيل، وهو رأي القاضي (^٧).\n_________\n(^١) انظر: البرهان ١/ ٣٤٣.\n(^٢) انظر: المستصفى ١/ ٢٩٠.\n(^٣) أي: تبعه في نسبة القول بالعموم إلى الشافعي والقاضي. انظر: الآمدي ١/ ٢٢.\n(^٤) في (ت)، و(ص)، و(ك)، و(غ): \"فيها\". وهو خطأ؛ لأن المعنى أنه لم يقل بالحمل على الحقيقة والمجاز معًا في آن واحد، وهذا النقل عن القاضي غير صحيح كما سبق بيانه.\n(^٥) أي: بحمل اللفظ المشترك على حقيقتيه.\n(^٦) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"كان\".\n(^٧) مذهب القاضي رحمه الله تعالى هو مذهب الشافعي ﵁، لكن الفارق بينهما أن الشافعي يحمل عليهما عند التجرد عن القرينة، والقاضي لا يحمل عليهما إلا بقرينة، لأن اللفظ المحتمل عنده من قبيل المجمل، فلا يحمل على معانيه أو أحدها =","vol":"3","page":680},{"text":"وهل هو (^١) للاحتياط أو للعموم؟ فيه هذا الخلاف (^٢).\nوالمختار عندنا أنه (^٣) للاحتياط، وكيف يكون من باب العموم ومسمى العموم واحد، والمشترك مسمياته متعددة! وأيضًا فالمشترك يجب أن يكون أفراده متناهية، ولا كذلك العام (^٤).\nوأما ما يقال: كيف يحسن من القاضي جَعْل الحَمْل (^٥) من باب العموم وهو مِنْ منكري صيغ العموم (^٦)؟ !\nفجوابه: أنه إنما يُنْكِر وَضْعها للعموم، ولا ينكر استعمالها (^٧). والله أعلم (^٨).\n_________\n= إلا بقرينة. انظر: البحر المحيط ٢/ ٣٩٢، ٣٩٥، ٤٠١، الإحكام للآمدي ٢/ ٢٤٢.\n(^١) أي: هل حمل اللفظ على حقيقته ومجازه عند القائل به.\n(^٢) أي: الخلاف في حمل المشترك على معنييه، فمن قائل: يحمل من باب الاحتياط، ومن قائل: يحمل من باب العموم.\n(^٣) أي: حمل اللفظ المشترك على معنييه، وحمل اللفظ على حقيقته ومجازه. انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٩٦، ٢٩٨.\n(^٤) لأن أفراد المشترك معانيه، وهي متناهية. وأفراد العام ما يدخل تحته من المشخصات، وهي غير متناهية.\n(^٥) أي: حَمْل المشترك على معنييه.\n(^٦) أورد هذا الاستشكال القرافي رحمه الله تعالى عن الأبياري في \"شرح البرهان\" ووافقه عليه، ولم يُجب عنه. انظر: نفائس الأصول ٢/ ٧٦٨، شرح تنقيح الفصول ص ١١٧.\n(^٧) أي: استعمالها في العموم، فيمكن أن تستعمل في العموم وإن لم تكن موضوعة له، لأن الاستعمال أعم من الوضع.\n(^٨) انظر مسألة عموم المشترك في: المحصول ١/ ق ١/ ٣٧١، التحصيل ١/ ٢١٤، الحاصل ١/ ٣٢٨، نهاية السول ٢/ ١٢٣، السراج الوهاج ١/ ٣١٩، شرح الأصفهاني =","vol":"3","page":681},{"text":"ونختم المسألة بفوائد:\nإحداها: (^١) قد علمتَ نَقْلَ الناقلين عن الشافعي في استعمال اللفظ في معنييه، وحَمْلِه عند الإطلاق (^٢) عليهما. وقد قال الرافعي في باب التدبير: \"الأشبه أن اللفظ المشترك لا يُراد به جميع معانيه، ولا يحمل عند الإطلاق على جميعها\" (^٣) ذكره في مسألة: إنْ رأيتَ عَيْنًا فأنتَ حرٌّ (^٤). وقال في أوائل الباب الثاني في أحكام الوصية الصحيحة من (^٥) كتاب الوصايا في مسألة الوصايا بالعُوْد: \"في المسألة يعني: هذه نظرٌ للأصوليين\" (^٦) فسياق كلامه لا يقتضي أن الشافعي يرى (^٧) ذلك، وكيف وقد جعل الأشبه خلاف ذلك (^٨)! واعلم أن الخلاف في المسألة مشهور بين أصحابنا، وقد حكى الماوردي في \"الحاوي\" في أوائل كتاب الأشربة في\n_________\n= ١/ ٢١٤، البحر المحيط ٢/ ٣٨٤، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٩٤، الإحكام ٢/ ٢٤٢، بيان المختصر ٢/ ١٦١، فواتح الرحموت ١/ ٢٠١، تيسير التحرير ١/ ٢٣٥، شرح الكوكب ٣/ ١٨٩.\n(^١) في (غ)، و(ك): \"أحدها\".\n(^٢) أي: عند عدم القرينة.\n(^٣) انظر: العزيز شرح الوجيز ١٣/ ٤١٤.\n(^٤) فالعين لفظ مشترك، فلو أريد به جميع معانيه - لم يحصل العتق إلا بعد رؤية جميع المعاني للعين، وفي هذا بُعْد.\n(^٥) في (ت)، و(ك): \"في\".\n(^٦) انظر: العزيز ٧/ ٧٩.\n(^٧) في (ص): \"رأى\".\n(^٨) أي: خلاف القول بعموم المشترك.","vol":"3","page":682},{"text":"المسألة أوجهًا: ثالثها التفرقة بين الجمع والسلب (^١).\nوقد قدمنا أن الفقيه في \"المطلب\" أخرج نص الشافعي على الحقيقة والمجاز، فليكن المشترك كذلك بطريق أولى (^٢).\nالثانية: استدل الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في \"شرح الإلمام\" لاستعمال اللفظ في حقيقته ومجازه بحديث الأعرابي الذي بال في طائفة (^٣) المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي - ﷺ -، فلما قضى بوله أمر النبي - ﷺ - بذَنوبٍ (^٤) من ماء فأهريق عليه، وذلك بالرواية التي جاء فيها: \"صبوا عليه ذنوبًا من ماء\" (^٥) ووجهه: بأن صيغة الأمر توجهت إلى صَبِّ الذنوب،\n_________\n(^١) انظر: الحاوي ١٧/ ٣٠٣.\n(^٢) يعني: إذا حمل الشافعي اللفظ على حقيقته ومجازه - فإنَّ حمله للمشترك على معنييه من بابٍ أولى.\n(^٣) والمراد بطائفة المسجد: ناحيته. والطائفة: القطعة من الشيء. انظر: سبل السلام ١/ ٢٤، والمصباح المنير ٢/ ٢٨، مادة (طوف).\n(^٤) في المصباح ١/ ٢٢٥، مادة (ذنب): \"والذَنُوب وَزَان رسول: الدلو العظيمة. قالوا: ولا تسمى ذَنُوبًا حتى تكون مملوءة ماءً، وتذكر وتؤنث، فيقال: هو الذنوب، وهي الذنوب. وقال الزجاج: مذكر لا غير. وجَمْعه ذِناب، مثل: كتاب\". وانظر: سبل السلام ١/ ٢٤.\n(^٥) أخرجه البخاري ١/ ٨٩، في كتاب الوضوء، باب ترك النبيِّ - ﷺ - والناسِ الأعرابيَّ حتى فَرَغ من بوله في المسجد، رقم ٢١٦، وباب صَبِّ الماء على البول في المسجد، رقم ٢١٧، ٢١٨، وباب يُهريق الماء على البول، رقم ٢١٩. وأخرجه مسلم ١/ ٢٣٦، في كتاب الطهارة، باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، رقم ٢٨٤، ٢٨٥.","vol":"3","page":683},{"text":"والقدر الذي يغمر النجاسة واجب في إزالتها، فتناوُلُ الصيغة له (^١) استعمالُ (^٢) اللفظِ في حقيقته وهو الوجوب. والزائد على ذلك مستحب، فتناوُلُ الصيغة لهُ استعمالٌ (^٣) لها في الندب، وهو مجاز فيه على الصحيح. فقد اسْتُعْملت (^٤) صيغة الأمر في حقيقتها ومجازها، وهذا بناء على زيادة الذنوب على القدر الواجب (^٥).\nالثالثة: أطلق الأصوليون الخلاف في الحمل على الحقيقة والمجاز من غير تبيينٍ لمحله، واعلم أن المتكلم إذا ذكر لفظًا له حقيقةٌ ومجازٌ فتارة يقصد الحقيقة فقط، فيُحْمل على الحقيقة وحدها بلا نزاع، وتارة (يقصد المجاز) (^٦) فقط، فيحمل عليه وحده بلا خلاف أيضًا. وكل هذا يظهر بدلائل تقوم عليه من قرائن وألفاظ. وتارةً يقصد المجاز ويسكت عن الحقيقة، أو يقصدهما معًا، فهذا هو محل النزاع. وقد أفهم كلام بعضهم أن الخلاف جارٍ وإن لم يقصد المجاز ولم ينفه، وهو في غاية البعد؛ فإن اللفظ لا يُحْمل على المجاز إلا بقرينة (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) أي: للقدر الذي يغمر النجاسة.\n(^٢) قوله: \"استعمال\"، خبر المبتدأ: \"فتناول\".\n(^٣) قوله: \"استعمال\"، خبر المبتدأ: \"فتناول\".\n(^٤) في (ت): \"استعمل\".\n(^٥) انظر: البحر المحيط ٢/ ٤٠٦.\n(^٦) في (ص): \"يقصد بها المجاز\".\n(^٧) بخلاف الحقيقة، فإنه وإنْ سكت عنها، فإنها يمكن أن تكون مرادة للمتكلم؛ إذ الأصل الحمل على الحقيقة.\n(^٨) نقل الزركشي كلام الشارح من غير تصريح باسمه، بل عَبَّر عنه ببعض المتأخرين. =","vol":"3","page":684},{"text":"الرابعة: يُضاهي الخلافَ الأصوليَّ في حمل المشترك على (^١) معنييه في الفقه صورٌ (^٢):\nمنها: لو وقف على مواليه، وله موالٍ مِنْ أعلى وموالٍ من أسفل. فأوجهٌ:\nأرجحها: عند الغزالي بطلانه، وهو منقدح (^٣) على رأي مَنْ يمنع (^٤) استعمال المشترك في معنييه.\nوالثاني: يصح (^٥) ويُصرف إلى الموالي من أعلى.\nوالثالث: يصح ويقسم بينهم، وهو الأصح عند الشيخ أبي إسحاق (^٦)، وشيخه القاضي (^٧) أبي الطيب (^٨)، وفقًا لقاعدة الشافعي (^٩).\n_________\n= انظر: البحر المحيط ٢/ ٤٠٤.\n(^١) في (غ): \"في\".\n(^٢) قوله: \"صور\"، فاعل يُضاهي مُؤَخَّر، و\"الخلاف الأصولي\": مفعول به مقدم.\n(^٣) أي: متجه.\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"منع\"\n(^٥) أي: الوقف.\n(^٦) انظر: تكملة المجموع للمطيعي ١٥/ ٣٥٥.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) هو الإمام العلّامة القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله بن طاهر الطبريّ الشافعيّ، شيخ الإسلام، وفقيه بغداد. ولد سنة ٣٤٨. من مصنفاته: شرح مختصر المزنيّ، التعليقة الكبرى، شرح فروع ابن الحداد المصري، وغيرها. توفي - ﵀ - ببغداد سنة ٤٥٠ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٩/ ٣٥٨، سير ١٧/ ٦٦٨، الطبقات الكبرى ٥/ ١٢.\n(^٩) وهو الأصح في المذهب كما في تمهيد الإسنوي ص ١٨٠، وانظر: نهاية المحتاج ٥/ ٣٨١.","vol":"3","page":685},{"text":"والرابع: يُصْرف إلى الموالي من أسفل لاطراد العادة بالاحسان إلى العتقاء.\nوالخامس: الوقف إلى حين يصطلحوا، وهو متجه على رأي مَنْ يُجَوِّز الاستعمال ويمنع الحمل.\nووجه مضاهاة هذا الفرع للمسألة التي انتهينا منها أن لفظ \"الموالي\" مشترك بين الموالي من أعلى والموالي من أسفل. فإنْ قيل بما قاله بعض الأصحاب: بأنّ صِدْقَه عليهما من قبيل التواطؤ: وهو الموالاة والمناصرة - زالت المضاهاة (^١)\nومنها: قال الإمام في باب التدبير من \"النهاية\" ونقله الرافعي عنه: \"الرجل إذا قال لعبده: إن رأيتَ عينًا فأنتَ حر. والعين اسم مشترك بين الباصرة (^٢)، وعين الماء، والدينار (^٣)، وأحد الإخوة من الأب والأم (^٤)، ولم ينو المعلِّق شيئًا - فهل يعتق العبد إذا رأى شيئًا منها؟ فيه تردد\". قال: \"والوجه، الحكم بأنه يعتق به\" (^٥).\nفإن قلت: هلا قلنا: لا يعتق إلا برؤية الجميع جَزْمًا؛ لأنَّ رأيَ صاحب المذهب حمل المشترك على معانيه؟ قلت: كان السبب في عدم الحمل على\n_________\n(^١) لأن لفظ \"الموالي\" يكون متواطئًا لا مشتركًا، فلا يكون هذا الفرع مشابهًا لمسألة المشترك هنا.\n(^٢) في (ص): \"الناظرة\".\n(^٣) سواء ضُرِب أو لم يضرب. المصباح ٢/ ٩٢، لسان العرب ١٣/ ٣٠٥.\n(^٤) أي: يقال للواحد منهم عين، وللجمع أعيان. انظر: لسان العرب ١٣/ ٣٠٦، مادة (عين).\n(^٥) أي: بواحدٍ من تلك المعاني.","vol":"3","page":686},{"text":"جميع معانيه أن الصفة في التعليق تتحقق بأول الأفراد فيقع العتق، كما لو قال: إنْ دخلتَ الدار فأنت حر - يعتق بأول الدخول في بعضها، وإن لم يدخل الجميع (^١).\nومنها: إذا أوصى بعُودٍ من عِيدانه، والعود مشترك بين الخشب، والذي يُضرب به، والذي يُتَبَخَّر به (^٢) - فهل يحمل على الجميع؟ بناه الرافعي على الخلاف الأصولي، والمسألة تحتاج مزيد بسط، ومحل ذلك كتابنا \"الأشباه والنظائر\".\nالخامسة: قال الأصحاب: إذا قال لها: أنتِ طالق في كل قُرءٍ طلقةً. طَلُقت في كل طهر طلقة، وأصح الوجهين عندهم أن القرءَ حقيقةٌ في الطهر والحيض. والثاني: أنه (^٣) مجاز في الحيض حقيقة في الطهر، فقد يقال: لِمَ لا طلقت في الطهر واحدة وفي الحيض أخرى، وفاءً بالأصل المتقدم في حمل اللفظ المطلق على حقيقتيه، أو على حقيقته ومجازه؟ ويمكن أن يقال في جوابه: إنه غلب استعماله في الطهر، فلم يستعمل في الحيض إلا في قليل، مثل: قوله ﵇: \"دعي الصلاة أيامَ أقرائك\" (^٤) فلم يكن\n_________\n(^١) انظر المسألة في: التمهيد ص ١٧٩.\n(^٢) في (ص): \"يُبَخَّر به\".\n(^٣) في (ص): \"أنها\". وهو خطأ.\n(^٤) أخرجه أبو داود ١/ ١٩١ - ١٩٣، في كتاب الطهارة، باب في المرأة تُستحاض، ومَن قال: تدع الصلاة في عدة الأيام التي كانت تحيض، رقم ٢٨٠، ٢٨١. والنسائي ١/ ١٨٣ - ١٨٤، في كتاب الحيض والاستحاضة، باب ذكر الأقراء، رقم ٣٥٦ - ٣٥٨. ومعنى الحديث أخرجه البخاري ١/ ٩١، في كتاب الوضوء، باب غسل =","vol":"3","page":687},{"text":"اللفظ مع هذا الاستعمال الغالب مطلقًا (^١). والله أعلم.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-260>(الخامسة: المشترك إنْ تَجَرَّدَ عن القرينة فمجمل</span>، وإنْ قُرِن به ما يوجب اعتبار واحدٍ تَعَيَّن، أو أكثرَ فكذا عند مَنْ يجوِّز الإعمال في معنيين، وعند المانع مجملٌ، أو إلغاء البعض فينحصر المراد (^٢) في الباقي، أو الكل (^٣) فَيُحْمل على المجاز. فإنْ تعارضت (^٤) حُمِل على الراجح: هو أو أصله. فإنْ تساويا، أو ترجَّح أحَدُهما وأصل الآخر (^٥) - فمجمل).\nاللفظ المشترك على قِسْمين:\nالأول: (أن يتجرد) (^٦) عن القرينة فقال المصنف: إنه مُجْمل. وهذا واضح على رأي مَنْ يمنع حمل المشترك على معنييه، وعليه نبهَ الإمام بقوله: \"فهو مجمل لما بيّنّا من امتناع حمله على الكل\" (^٧). وأما مَنْ يَرَى الحمل\n_________\n= الدم، رقم ٢٢٦، وفي كتاب الحيض، باب الاستحاضة ١/ ١١٧، رقم ٣٠٠، وفي باب إقبال الحيض وإدباره ١/ ١٢٢، رقم ٣١٤، وفي باب إذا حاضت في شهرٍ ثلاث حِيَض ١/ ١٢٤، رقم ٣١٩، وفي باب إذا رأت المستحاضة الطهر ١/ ١٢٥، رقم ٣٢٤. وأخرجه مسلم ١/ ٢٦٢، في كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، رقم ٣٣٣. وانظر: تلخيص الحبير ١/ ١٧٠.\n(^١) يعني: فقد قامت غلبة الاستعمال قرينة للحمل على معنى الطهر دون الحيض.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) يعني: أو إلغاء كل المعاني.\n(^٤) أي: المعاني المجازية.\n(^٥) أي: ترجح أحد المعنيين، وترجح أصل المعنى الآخر.\n(^٦) في (ت)، و(ص): \"إنْ تجرد\".\n(^٧) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٨٧.","vol":"3","page":688},{"text":"فإنْ جَعَله من باب (العموم لم يكن عنده مجملًا، بل محمولًا على المعاني التي لا تتضاد، وإنْ جَعَله من باب) (^١) الاحتياط فقد يقال: لا ينافي الحملُ على معنيين لأجل الاحتياط - كونَه مجملًا بالنسبة إلى الواحد المُعَيَّن، ويكون وجوب العمل به في الجميع؛ لأجل الإتيان بذلك المُعَيَّن، وهذا هو عين الاحتياط. والغرض مِنْ هذا أنه لا يُؤْخذ من كلام المصنف هنا أنه لا يختار الحمل.\nالقسم الثاني: أن تقترن به قرينة، فهو على أربعة أضرب:\nالأول: أن تُوجب تلك القرينةُ اعتبارَ واحدٍ معينٍ، مثل: إنْ رأيت عينًا باصرة (^٢). فيتعيَّن حمل ذلك اللفظ على ذلك الواحد قطعًا، وهذا يناظر ما قاله الأصحاب فيما إذا قال: أعطوه رقيقًا. فإنه لا يتعين العبد ولا الأمة، ويجزي كل منهما. فلو قال: رقيقًا يقاتل أو يخدم (^٣) في السفر تعين العبد، أو رقيقًا يُسْتمتع به، أو يَحْضن ولده تعينت الأمة.\nالثاني: أنْ تُوجِبَ اعتبارَ أكثرَ مِنْ واحدٍ، فَيَتَعَيَّن ذلك الأكثر عند مَنْ يجوِّز إعمالَ المشترك في معنييه وإن لم يُوجب الحمل؛ لأن القرينة هنا توجب الحمل قطعًا عند مَنْ يجوزه، والخلاف (^٤) في أنه هل يُحْمل إنما هو\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص): \"ناظرة\".\n(^٣) في (ت): \"أو للخدمة\". وفي (غ)، و(ك): \"يخدمه\".\n(^٤) أي: الخلاف بين مَنْ يجوز الحمل ومَنْ يوجبه.","vol":"3","page":689},{"text":"إذا تجرد عن القرينة. ويكون مجملًا (^١) عند من لا يجوزه (^٢). ومثاله: إن رأيتَ عينًا صافية. فإنَّ الصفاء مشترك بين الباصرة، والجارية، والشمس، والنقد.\nالثالث: أن توجب تلك القرينة إلغاء البعض فينحصر المراد في الباقي، أي: يتعين ذلك الباقي إنْ كان واحدًا، مثل: \"دعي الصلاة أيام أقرائك\" فإن الأمر بتركها قرينة تلغي الطهر، وتوجب الحمل على الحيض. وكذا إنْ كان أكثرَ عند مَنْ يجوِّز الإعمال في مَعْنيين، وأما عند المانع فمُجْمل.\nالرابع: وإليه الإشارة بقوله: \"أو الكل\" (أي: أنْ تُوجب) (^٣) القرينة إلغاء الكل فيحمل على مجازه، فإنْ كان ذا مجازاتٍ كثيرة وتعارضت فهي إما متساوية، أو بعضها راجح. فإنْ كان بعضها راجحًا، فالحقائق إما متساوية أو بعضها أجلى (^٤):\nفإنْ كانت متساوية (^٥) حُمِل على المجازِ الراجح. وإليه أشار (^٦) بقوله:\n_________\n(^١) قوله: \"ويكون مجملًا\"، معطوف على قوله: \"فيتعين ذلك الأكثر\".\n(^٢) أي: من لا يُجَوِّز حمل المشترك على معنييه، فإنه يعد المشترك في مثل هذه الصورة مجملًا، وإنْ كان هناك قرينة.\n(^٣) في (ت): \"إن لم توجب\". وهو خطأ.\n(^٤) أي: الحقائق متساوية، أو بعضها أجلى على فرض أن القرائن لم تُفد إلغاءها. انظر: شرح الأصفهاني ١/ ٢٢٤.\n(^٥) أي: الحقائق متساوية.\n(^٦) في (غ): \"الإشارة\".","vol":"3","page":690},{"text":"\"حُمِل على الراجح هو أو أصله\" ومثال هذا: القرء، فإنه حقيقة لغوية متساوية بالنسبة إلى مدلولَيْه اللذين هما الطهر والحيض، والحيض لغة: دم يسيل (^١) من رحم المرأة من غير ولادة (^٢). والطهر ضده (^٣). وفي الاصطلاح: الحيض: دم يسيل من الرحم بعد تسع سنين أقله يوم وليلة وأكثره خمسةَ عشر يومًا. وإطلاقه على ما عدا ذلك (^٤) مجازٌ عن المعنى الاصطلاحي. والطهر: هو النقاء المُحْتَوَش بدمَيْن. وإطلاقه على الصغيرة والآيسة مجاز عن هذا (^٥). فظهر أن إطلاق الحيض والطهر بالحقيقة اللغوية أعمُّ منه بالاصطلاحية، فلو قال لها: أنتِ طالق في قرء، وليس هو القرء الاصطلاحي - انقدح أن يقال: تطلق الآيسة والصغيرة (^٦)، دون المستحاضة ومَنْ رأت دمًا دون يوم وليلة؛ لغلبة إطلاق الطاهر عليهما (^٧) وكثرته، وقلة إطلاق الحائض (^٨) على المستحاضة، ومَنْ رأت دمًا دون يوم وليلة،\n_________\n(^١) في (ك): \"سائل\".\n(^٢) انظر: التعريفات للجرجاني ص ٨٤، القاموس الفقهي ص ١٠٧، شرح منتهى الإرادات ١/ ١٠٤. وأما في كتب اللغة فلا يفسرونه لأنه معروف. انظر: لسان العرب ٧/ ١٤٢، القاموس المحيط ٢/ ٣٢٩، المصباح المنير ١/ ١٧٢، مادة (حيض).\n(^٣) في اللسان ٤/ ٥٠٤، مادة (طهر): \"الطهر: نقيض الحيض\"، وانظر: المصباح المنير ٢/ ٢٦.\n(^٤) أي: على ما عدا المعنى الاصطلاحي.\n(^٥) أي: عن المعنى الاصطلاحي للطهر.\n(^٦) لأن الآيسة والصغيرة طاهرتان بالمعنى اللغوي لا الاصطلاحي.\n(^٧) أي: على الآيسة والصغيرة. وفي (ت)، و(ك): \"عليها\". وهو خطأ.\n(^٨) في (ت): \"الطاهر\". وهو خطأ لأن المسألة مفترضة في مجازات متعددة لحقائق متعددة.","vol":"3","page":691},{"text":"والمجاز يُرَجَّح على نظيره بمثل هذا (^١).\nوإن لم تكن الحقائق متساوية بل كان بعضها أجلى، فالأجلى إنْ كان حقيقةَ ذلك المجاز الراجح حُمِل عليه (^٢). وهذا أيضًا يُفْهم من قول المصنف: \"حمل على الراجح هو\" أو مِنْ قوله: \"أو أصله\" ومثاله: ما ذكرناه من القرء إذا قلنا بأنه أجلى بالنسبة إلى الطهر ولم نقل بأنهما متساويان (^٣)، فإنه إذا قال: أنتِ طالق في قرء ليس بطهر ولا حيض بالحقيقة الاصطلاحية - يقع التعارض بين مَجَازَي الحقيقتين (^٤)، فَيُحْمل على مجاز الطهر الاصطلاحي؛ لرجحان أصله (^٥).\nوإن لم يكن الأجلى حقيقة ذلك الراجح (^٦) - فهو مجمل؛ لاختصاص كلِ واحدٍ من المجازين بجهةٍ تُرَجِّحه؛ إذْ أحدهما راجح وأصله غير جلي،\n_________\n(^١) المعنى: أن حَمْل القرء على المعنى اللغوي مجازٌ عن الاصطلاحي، وهنا في المثال رَجَّح وقوع الطلاق بالنسبة للآيسة والصغيرة، ولم يُوقعه بالنسبة للمستحاضة، ومَنْ رأت دمًا دون يوم وليلة؛ لأن إطلاق الطاهر بالمعنى اللغوي على الآيسة والصغيرة - أكثرُ منه في إطلاق الحائض بالمعنى اللغوي على المستحاضة، ومَنْ رأت دمًا دون يوم وليلة، فيكون إطلاق القرء هنا لغة على الصغيرة والآيسة مجازًا راجح، وعلى المستحاضة ومن رأت دمًا دون يومٍ وليلة مجازًا مرجوحًا.\n(^٢) أي: حمل على المجاز الراجح.\n(^٣) فالطهر هو المعنى الحقيقي الراجح، ويعني به: المعنى الاصطلاحي.\n(^٤) وهي المعاني اللغوية للطهر والحيض.\n(^٥) وهو المعنى الاصطلاحي للطهر.\n(^٦) أي: وإن لم يكن المعنى الحقيقي الأجلى حقيقةَ ذلكَ المجاز الراجح.","vol":"3","page":692},{"text":"والآخر بالعكس. وإلى هذا القسم أشار بقوله: \"أو ترجح أحدهما وأصل الآخر فمجملٌ\" ومثاله: لا يخفى مما تقدم، وهذا على تقدير أن يكون بعض المجازات راجحًا.\nوأما إن تساوت المجازات فإن كان بعض الحقائق أجلى حُمِل عليه (^١)، وإن لم يكن بعضها أجلى فمجمل. وأشار إلى هذا بقوله: \"فإن تساويا\" (^٢).\n_________\n(^١) أي: على مجاز الحقيقة الراجحة.\n(^٢) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ١/ ٣٨٦، التحصيل ١/ ٢١٨، الحاصل ١/ ٣٣٣، نهاية السول ٢/ ١٤٢، السراج الوهاج ١/ ٣٣٠، شرح الأصفهاني ١/ ٢٢٢، مناهج العقول ١/ ٢٤١، البحر المحيط ٢/ ٣٨٢، نهاية الوصول ١/ ٢٥٢، شرح تنقيح الفصول ص ١١٨، فواتح الرحموت ١/ ٢٠٢، ٢٠٣.","vol":"3","page":693},{"text":"الفصل السادس: الحقيقة والمجاز","vol":"3","page":695},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-261>(الفصل السادس: في الحقيقة والمجاز</span>.\nالحقيقة: فعيلة من الحق بمعنى الثابت، أو المُثْبَت، نُقِل إلى العَقْد المطابِق، ثم إلى القول المطابِق، ثم إلى اللفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب. والتاء لنقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية).\nقَدَّم على الكلام في مسائل الفصل مقدمةً في الكلام على لَفْظَي الحقيقة والمجاز، ومعناهما لغة واصطلاحًا. والمقصد الأعظم أن إطلاق لفظ الحقيقة والمجاز على المعنى المصطلح بين الأصوليين إنما هو على سبيل المجاز (^١).\nفأما الحقيقة: فوزنها فعيلة، اشْتُقت من الحق: إما بمعنى الفاعل من حَقَّ الشيءُ يَحُقُّ بالضم والكسر إذا وجب وثبت، فمعناها: الثابت. وإما بمعنى المفعول من حَقَّقتُ الشيءَ أَحُقُّهُ إذا أَثْبَتُّهُ، فمعناها (^٢) المثبَت (^٣). ثم إن الحقيقة نُقِلت من معنى الثابت أو المثبَت إلى: الاعتقاد المطابق للواقع، والعلاقة ثبوته وتَقَرُّره.\nثم نقلت من الاعتقاد المطابق إلى: اللفظ المستعمل فيما وضع له (في اصطلاح التخاطب (^٤).\n_________\n(^١) أي: بحسب المعنى اللغوي لكلٍ مِنْ لفظي الحقيقة والمجاز.\n(^٢) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"فمعناه\". وفي (ت): \"بمعنا\". وما أثبته هو الأنسب والأحسن.\n(^٣) انظر: لسان العرب ١٠/ ٤٩، المصباح المنير ١/ ١٥٦، مادة (حقق).\n(^٤) هذا سهو من الشارح رحمه الله تعالى، وإلا فالصواب أن يقول: ثم نقلت من =","vol":"3","page":697},{"text":"قال الإمام: لأن في استعماله فيما وضع له) (^١) تحقيقًا لذلك الوضع. قال: \"فظهر أن إطلاق لفظ الحقيقة على هذا المعنى المعروف ليس حقيقة لغوية، بل مجازًا واقعًا في الرتبة الثالثة، نعم هو حقيقة عرفية\" (^٢).\nولقائل أن يقول: الحق في اللغة موضوع للقدر المشترك بين الجميع: وهو الثبوت، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (^٣) أي: ثبتت. وهو من أسمائه تعالى بهذا الاعتبار؛ لأنه الثابت أزلًا وأبدًا لذاته، بخلاف غيره من الموجودات. ويقال الحق لما يقابل الباطل؛ لأنه جدير بالثبوت، كما أن الباطل جدير بالزهوق. وإذا كان موضوعًا للقدر المشترك فهو موجودٌ في الجميع.\nسَلَّمنا أنه ليس موضوعًا للقدر المشترك، لكنا (^٤) لا نسلم أن كل مجازٍ مأخوذ مما قبله حتى يكون مجازًا واقعًا في المرتبة (^٥) الثالثة، بل كلٌّ مأخوذٌ من الحقيقة بعلاقةٍ معتبرة.\n_________\n= الاعتقاد المطابق إلى القول الدَّال على المعنى المطابق، ثم نقلت من القول المطابق إلى المعنى المصطلح عليه عند الأصوليين: وهو اللفظ المستعمل فيما وُضع له في اصطلاح التخاطب. انظر: نهاية السول ٢/ ١٤٦.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٠٦، والعبارة هنا فيها اختلاف عما في المحصول، وهي موافقة لما في نهاية السول ٢/ ١٤٦.\n(^٣) سورة الزمر: الآية ٧١.\n(^٤) في (غ)، و(ك): \"ولكنا\".\n(^٥) في (ص): \"الرتبة\".","vol":"3","page":698},{"text":"وقد علمت تعريف الحقيقة، فقوله (^١): \"اللفظ\" جنسٌ، وقد قلنا غير مرة: إنه جنسٌ بعيد، وأن الأحسن أن يأتي بالقول.\nوقوله: \"المستعمل\" يخرج به اللفظ الموضوع قبل الاستعمال؛ فإنه ليس بحقيقة (ولا مجاز) (^٢)، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى. ويخرج به (^٣) أيضًا المهمل.\nوقوله: \"فيما وضع له\" يخرج به المجاز؛ فإنه مستعمل في غير ما وضع له. ولك أن تقول: المجاز موضوع فلا يخرج بهذا الفصل، وإنما يخرج لو قال: وَضْعًا أوَّلًا، وهو لا يمكنه أن يزيد هذا القيد مخافة أن يُورد عليه الحقيقة الشرعية والعرفية؛ لأنهما من غير وضعٍ أول (^٤) (^٥).\nوقوله: \"في اصطلاح التخاطب\" يُدْخِل الحقيقتين الشرعية والعرفية. ولقائل أن يقول: إن الفصول لا تكون للإدخال (^٦)، وإنَّ الحدَّ غير مانع لصدقه على العَلَم (^٧) مع أنه ليس بحقيقة ولا مجاز، ولدخول المجاز فيه كما\n_________\n(^١) في (غ): \"بقوله\".\n(^٢) في (ت): \"ولا مجازًا\". فائدة: يجوز الجر والنصب في قوله: \"ولا مجاز\"، فالجر عطف على لفظ: \"حقيقة\" المجرور بحرف الجر، والنصب عطف على محل: \"حقيقة\" ومحلها النصب؛ لأنها خبر ليس. انظر: شرح ابن عقيل ٢/ ١٠٣ - ١٠٥.\n(^٣) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٤) في (ك): \"أولي\".\n(^٥) أي: لو وضع هذا القيد لخرجت الحقيقة الشرعية والعرفية من الحد.\n(^٦) لأن الجنس للإدخال، والفصل للإخراج، فالجنس عام يشمل المحدود وغيره، والفصل خاص بالمحدود فيخرج ما سواه.\n(^٧) فزيد وبكر وعمرو أعلام، ويصدق هذا التعريف للحقيقة عليها، فهي ألفاظ =","vol":"3","page":699},{"text":"عرفت.\nقوله: \"والتاء\" إلى آخره، هذا جوابٌ عَنْ سؤالٍ مقدَّر وتقديرُه (^١) أن يقال: إذا كانت الحقيقة بمعنى المثبَت فينبغي أن تكون مجردة عن تاء التأنيث؛ لأن فعيلًا إذا كان بمعنى مفعول فقياسه أن يُسوَّى فيه بين المذكَّر والمؤنث، تقول: رجل جريح، وامرأة جريح، ورجل قتيل وامرأة قتيل.\nوجوابه: أن الحقيقة وإن كانت صفة في الأصل إلا أن الاسمية غلبت عليها وتُرِكت وصْفيتها، ألا ترى أنك تقول: كلمة حقيقة، ولفظة حقيقة، فإنما جيء بالتاء لذلك (^٢). وفعيل إنما يُسَوَّى (^٣) فيه بين المذكر والمؤنث إذا كان باقيًا على وصفيته، مستعملًا مع موصوفه، استغناء بتأنيث الموصوف عن تأنيثه (^٤). وأما إذا غلبت عليها الاسمية وقُطِعَت عن الموصوف - فقياسه أن تدخل التاء فيه إذا قُصِد به المُؤَنث، كما يقال: أكيلة، ونطيحة (^٥). ويجوز أن يقال: دخول التاء فيه علامة لنقل اللفظ مِنَ الوصفية\n_________\n= مستعملة فيما وضعت له في اصطلاح التخاطب.\n(^١) في (غ)، و(ك): \"وتقريره\".\n(^٢) أي: لغلبة الاسمية.\n(^٣) في (غ): \"سُوِّي\".\n(^٤) كما مَثَّل قبل قليل: امرأة جريح، وامرأة قتيل، فالموصوف مؤنث موجود مذكور مع الوصف، فاسْتُغْني عن تاء التأنيث في الصفة.\n(^٥) انظر المسألة في: شذا العرف في فن الصرف ص ٨٢، ٩٢.","vol":"3","page":700},{"text":"إلى الاسمية. وهو أقرب إلى لفظ الكتاب، إلا أنه مدخول (^١)؛ فإنه (^٢) لا دلالة للتاء على النقل.\nقال: (والمجاز: مَفْعَل من الجواز بمعنى العبور وهو المصدر أو المكان، نُقِل إلى الفاعل، ثم إلى اللفظ المستعمل في معنى (غير موضوع له) (^٣) يناسب المصطلح).\nإطلاق لفظ المجاز على المعنى الصطلح عليه بين الأئمة مجاز لغوي، حقيقة عرفية، وذلك لأن المجاز مشتق من الجواز، والجواز معناه: التعدي والعبور، تقول: جُزْت الدار أي: عبرتها. ووزن المجاز مَفْعَلٌ؛ لأن أصله مَجْوَز فقلبت واوه ألفًا بعد نقل حركتها إلى الجيم، والمَفْعَل (^٤) يستعمل حقيقة في الزمان والمكان والمصدر، تقول: قعدتُ مَقْعَد زيد. وتريد قعوده، أو زمان قعوده، أو مكان قعوده. فيكون لفظ المجاز في الأصل (^٥) حقيقةً إما في المصدر الذي هو الجواز، وإما في مكان التجوز أو زمانه. ونُقِل لفظ المجاز من ذلك (^٦) إلى الفاعل وهو الجائز أعني المُنْتَقِل (^٧) لما بينهما من العلاقة. والعلاقة إنْ نُقِل من المصدر: هي الجزئية؛ لأن المشتق منه جزء من\n_________\n(^١) أي: غير مسلم، بل يدخله الاعتراض.\n(^٢) في (ت): \"بأنه\".\n(^٣) في (ت): \"غير ما وضع له\".\n(^٤) وهو المصدر الميمي.\n(^٥) أي: في معناه اللغوي.\n(^٦) أي: من معناه اللغوي.\n(^٧) سقطت من (ت).","vol":"3","page":701},{"text":"المشتق (^١). كقولك (^٢): هذا رجل عدل. أي: عادل. وإنْ نُقل من المجاز المستعمل في المكان - فهي إطلاق اسم المحل وإرادة الحال (^٣)، مثل: سال الوادي (^٤). وأما المجاز المستعمل في الزمان فقد تَرَك المصنف ذِكْره كأنه للجزم بأن الجائز غير مأخوذ منه؛ إذْ لا علاقة معتبرةً بينهما.\nثم الجائز حقيقةً إنما يطلق على الأجسام؛ إذ الجواز: الانتقال مِنْ حَيِّز إلى حيز. وأما اللفظ فَعَرضٌ يمتنع عليه الانتقال، فَنُقِل لفظ المجاز من معنى الجائز إلى المعنى المصطلح (^٥). قال صاحب الكتاب: وهو اللفظ المستعمل في معنى غير موضوعٍ له يُنَاسب المصطلح. وإطلاقه على هذا المعنى على سبيل التشبيه، فإن تعدية اللفظِ مِنْ معنى إلى معْنَىً، كالجائز يتعدي من مكان إلى مكان، فيكون إطلاق لفظ المجاز على المعنى المصطلح مجازًا في المرتبة (^٦) الثانية (^٧)، حقيقة عرفية (^٨).\n_________\n(^١) أي: المصدر المشتق منه الذي هو الجواز جزء من المشتق الذي هو الجائز، لأن اسم الفاعل يدل على الحدث، وعلى ذاتٍ قام بها الحدث.\n(^٢) في (غ): \"كقول\".\n(^٣) اسم المحل هو المجاز، والحال هو الجائز، فَذُكِر المحلّ وأريد به الحال.\n(^٤) الوادي اسم المحل، وأريد به الحال وهو الماء.\n(^٥) أي: نُقِل لفظ المجاز إلى معنى الجائز في الأجسام، ثم نُقل من الجائز في الأجسام إلى المعنى الاصطلاحي الذي هو الجواز في المعاني والأعراض، فإطلاق لفظ المجاز على المعاني والأعراض لمشابهتها الأجسام في الانتقال، وإلا فالأصل أن الانتقال لا يطلق على الألفاظ.\n(^٦) في (ت): \"الرتبة\".\n(^٧) لأن المرتبة الأولى: هي الانتقال من مكان إلى مكان. والمرتبة الثانية: هي الانتقال من معنى إلى معنى.\n(^٨) سقطت من (غ).","vol":"3","page":702},{"text":"وقوله: \"اللفظ المستعمل\"، قد عرفت شرحهما فيما سبق.\nوقوله: \"في معنى غير موضوع له\" يُخْرِج الحقيقة، ويقتضي أن المجاز غير موضوع، فكان (^١) الأحسن أن يزيد \"بوضعٍ أول\".\nوقوله: \"يناسب المصطلح\" أشار به إلى فوائد:\nإحداها: أن يشمل الحدُّ كلَّ مجاز: من شرعي، وعرفي عام، وخاص، ولغوي. فإن الاصطلاح أعم من أن يكون بالشرع، أو العرف، أو اللغة.\nوالثانية: أن ينبه على اشتراط العلاقة في المجاز (^٢).\nوالثالثة: أن يحترز عن العَلَم المنقول مثل: بكر، وكَلْب؛ فإنه ليس بمجاز؛ لأنه لم ينقل لعلاقة. والله أعلم (^٣).\nقال: (وفيه مسائل: الأولى: الحقيقة اللغوية موجودة. وكذا العرفية العامة: كالدابة ونحوها. والخاصة: كالقلب، والنقض، (والفرق، والجمع) (^٤).\n_________\n(^١) في (ص): \"وكان\".\n(^٢) المفهومة من قوله: \"يناسب\". فالعلاقة هي المناسبة والمشابهة بين المعنى الحقيقي والمجازي.\n(^٣) انظر تعريف الحقيقة والمجاز في: المحصول ١/ ق ١/ ١/ ٣٩٥، التحصيل ١/ ٢٢١، الحاصل ١/ ٣٣٧، نهاية السول ١/ ١٤٥، السراج الوهاج ١/ ٣٣٣، شرح الأصفهاني ١/ ٢٢٥، مناهج العقول ١/ ٢٤٣، جمع الجوامع مع المحلي ١/ ٣٠٠، بيان المختصر ١/ ١٨٣، شرح تنقيح الفصول ص ٤٢، فواتح الرحموت ١/ ٢٠٣، تيسير التحرير ٢/ ٢، شرح الكوكب ١/ ١٤٩.\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"والجمع والفرق\".","vol":"3","page":703},{"text":"الحقيقة متعددة بلا خلاف، وإلى ما تتعدد؟ فيه اختلاف:\nفقال قائلون: إلى ثلاثة: اللغوية، والعرفية بنوعيها، والشرعية.\nوقال آخرون: إلى (^١) الأُولَيَيْن (^٢) فقط.\nوقد علمت مِنْ هذا الاتفاق على إمكان اللغوية والعرفية، وأما الوجود (^٣) فلا نزاع في وجود اللغوية، وكيف ولا شك في وجود ألفاظٍ مستعملة في معان، وذلك إنْ كان بالوضع فقد حَصَل الغرض، وإلا فيلزم أن يكون مجازًا فيها (^٤)، وهو باطل؛ لأن شرط المجاز حصول المناسبة الخاصة بين الموضوع الأصلي والمعنى المجازي، وذلك لا يمكن إلا بعد ثبوت الموضوع الأصلي.\nوأما العرفية: فاعلم أولًا أن اللفظة العرفية: هي التي نُقِلت عن موضوعها الأصلي إلى غيره بعرف الاستعمال.\nوهي منقسمة إلى: خاصة، وعامة بحسب الناقلين. فإن كان الناقل طائفةً مخصوصة سميت خاصةً، وإنْ كانت عامة الناس سميت عامة. وقد ذهب الأكثرون إلى وقوع العرفية العامة، وهي على قسمين:\nأحدهما: أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام ثم (^٥) يُخصص بالعرف\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) في (ص): \"الأولتين\".\n(^٣) الإمكان: هو الوجود بالقوة. والوجود: هو الوجود بالفعل.\n(^٤) أي: وإن لم يكن الاستعمال بالوضع يلزم منه أن يكون الاستعمال مجازًا في المعاني.\n(^٥) في (ص): \"لم\". وهو خطأ.","vol":"3","page":704},{"text":"العام ببعض أنواعه، كلفظ الدابة، فإنه موضوع لكل ما يَدِبُّ على وجه الأرض، وخصصها العرف العام بذات الحوافر (^١).\nوثانيهما: أن يكون الاسم في أصل اللغة قد وضع لمعنى، ثم كثر استعماله فيما له به (^٢) نوعُ مناسبة وملابسة بحيث لا يُفهم المعنى الأول، كالغائط فإنه (موضوع في الماصل: للمكان المطمئن من الأرض (^٣) التي تُقْضَى فيها الحاجة غالبًا. وأطلقه) (^٤) العرف على الخارِج المستقذَر من الإنسان، كناية عنه باسم محله؛ لنفرة الطباع عن التصريح به (^٥).\nوأما الخاصة (^٦): فلا نزاع في وقوعها، إذْ هو معلوم بالضرورة بعد استقراء كلامِ الطوائفِ من ذوي العلوم والصناعات التي لا يعرفها أهل اللغة، كالقلب، والنقض والجمع، والفرق، في اصطلاح النُّظَّار. وستعرف معاني هذه الأمور في كتاب القياس إن شاء الله تعالى (^٧).\n_________\n(^١) انظر: المصباح المنير ١/ ٢٠١، مادة (دب).\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) أي: المكان المنخفض. انظر: المصباح المنير ٢/ ٢٦، مادة (اطمأنَّ).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر: المصباح المنير ٢/ ١١١، ولسان العرب ٧/ ٣٦٤، مادة (غوط)، وفيه: \"ومنه قيل: للمطْمَئِنّ من الأرض غائط، ولموضع قضاء الحاجة غائط؛ لأن العادة أن يَقْضي في المُنْخَفِض من الأرض حيث هو أستر له، ثم اتُّسِع فيه حتى صار يطلق على النَّجْو نفسِه\".\n(^٦) أي: اللفظة العرفية الخاصة.\n(^٧) انظر الحقائق الثلاث في: المحصول ١/ ق ١/ ٤٠٩، التحصيل ١/ ٢٢٣، الحاصل ١/ ٣٤٠، نهاية السول ٢/ ١٥٠، السراج الوهاج ١/ ٣٣٦، شرح الأصفهاني =","vol":"3","page":705},{"text":"قال: (واختلف في الشرعية: فمنع القاضي، وأثبت المعتزلة مطلقًا، والحق أنها مجازات لغوية اشْتَهَرت، لا موضوعات مُبْتدأةٌ، وإلا لم تكن عربية؛ فلا يكون القرآن عربيًا، وهو باطل؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ (^١) قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (^٢) ونحوه).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>الحقيقة الشرعية:</span>\nهي اللفظة التي استفيد وضعها للمعنى من جهة الشرع. وأقسامها الممكنة أربعة:\nالأول: أن يكون اللفظ والمعنى معلومَيْن لأهل اللغة، لكنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى.\nالثاني (^٣): أن يكونا غير معلومين لهم.\nالثالث: أن يكون اللفظ معلومًا لهم والمعنى غير معلوم.\nالرابع: عكسه.\n_________\n= ١/ ٢٢٧، مناهج العقول ١/ ٢٤٨، بيان المختصر ١/ ١٨٥، شرح تنقيح الفصول ص ٤٢، فواتح الرحموت ١/ ٢٠٣، تيسير التحرير ٢/ ٢، المعتمد ١/ ١٤، شرح الكوكب ١/ ١٤٩.\n(^١) سقطت \"وكذلك أنزلناه\" من (ت).\n(^٢) سورة طه: الآية ١١٣.\n(^٣) في (ص): \"والثاني\".","vol":"3","page":706},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>والمنقولة الشرعية:</span>\n(من هذه الأقسام إنما هي الأول والثالث، فالمنقولة (^١) الشرعية) (^٢) أخص من الحقيقة الشرعية (^٣). ثم مِنَ المنقولة ما نُقِل إلى الدين وأصوله، كالإيمان، والإسلام، والكفر والفسق، ويُخَصُّ (^٤) بالدينية؛ فهي (^٥) إذن أخص من المنقولة الشرعية.\nفإن قلت: فهذه الأقسام المكنة هل هي واقعة كلها تفريعًا على القول بالحقيقة الشرعية؟\nقلت: قال صفي الدين الهندي: \"الأشبه وقوعُها. أما الأول فهو كلفظ: \"الرحمن\" لله، فإن هذا اللفظ كان معلومًا لهم (وكذا (^٦) \"صانع العالم\" كان معلومًا لهم) (^٧) بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (^٨) لكن لم يضعوه لله تعالى، ولذلك (^٩) قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة حين نزل قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا\n_________\n(^١) في (ك): \"فالمنقولات\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) لأن الحقيقة الشرعية أربعة أقسام، والمنقولة الشرعية قسمان.\n(^٤) أي: ويخص ما نُقل إلى الدين وأصوله، كالأربعة الممثل بها.\n(^٥) أي: المنقولة الدينية، والمراد بالدينية الاعتقادية.\n(^٦) في (غ): \"وكذلك\".\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) سورة لقمان: الآية ٢٥.\n(^٩) في (ك): \"ولهذا\".","vol":"3","page":707},{"text":"اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (^١) (^٢).\nوأما الثاني (^٣): فهو كأوائل السور عند مَنْ يجعلها أسماء لها أو (^٤) للقرآن، فإنها ما كانت معلومة لهم (^٥) على هذا الترتيب، ولا القرآن، ولا السور.\n_________\n(^١) سورة الإسراء: الآية ١١٠.\n(^٢) نقل الواحدي هذا القول عن ابن عباس - ﵄ - من غير إسناد. انظر: أسباب النزول ص ٢٠٠. وفي الدر المنثور ٥/ ٣٤٨: \"وأخرج ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي قال: كان رسول الله - ﷺ - ذات يوم في حرث في يده جريدة، فسأله اليهود عن الرحمن، وكان لهم كاهن باليمامة يسمونه الرحمن، فأنزلت: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ الآية. وأخرج ابن جرير عن مكحول: \"أن النبي - ﷺ - كان يتهجد بمكة ذات ليلة يقول في سجوده: يا رحمن يا رحيم فسمعه رجل من المشركين، فلما أصبح قال لأصحابه: انظروا ما قال ابن أبي كبشة، يزعم الليلة الرحمن الذي باليمن - وكان باليمن رجل يقال له: رحمن - فنزلت: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ. . .﴾ الآية\". وفي الدر المنثور أيضًا ٥/ ٣٤٩ - ٣٥٠: \"وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباسٍ - ﵄ - قال: كان مسيلمة الكذاب قد تسمَّى الرحمن، فكان النبي - ﷺ - إذا صلَّى فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. قال المشركون: يذكر إله اليمامة. فأنزل الله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد - ﵁ - قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يرفع صوته ببسم الله الرحمن الرحيم. وكان مسيلمة قد تَسَمَّى الرحمن، فكان المشركون إذا سمعوا ذلك من النبي - ﷺ - قالوا: قد ذكر مسيلمةَ إله اليمامة، ثم عارضوه بالمكاء والتصدية والصفير، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ. . .﴾ الآية\".\n(^٣) وهو أن لا يكون اللفظ والمعنى معلومين.\n(^٤) في (ك): \"و\".\n(^٥) سقطت من (ص).","vol":"3","page":708},{"text":"وأما الثالث (^١): فكلفظ: الصلاة، والصوم، وأمثالِهما، فإن هذه الألفاظ كانت معلومة لهم، ومستعملة عندهم في معانيها المعلومة، ومعانيها الشرعية ما كانت معلومة لهم.\nوأما الرابع (^٢): فهو كلفظ: الأبِّ، فإنه قيل: إنَّ هذه الكلمة لم تعرفها العرب، ولذلك قال عمر - ﵁ - لما نزل قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ (^٣) (^٤) هذه الفاكهة فما الأبّ؟ (^٥) ومعناه كان معلومًا لهم بدليل أن له اسمًا آخر\n_________\n(^١) وهو أن يكون اللفظ معلومًا، والمعنى غير معلوم.\n(^٢) وهو أن يكون المعنى معلومًا لهم، واللفظ غير معلوم.\n(^٣) سورة عبس: الآية ٣١.\n(^٤) في النسخ وردت الآية: \"فاكهة وأبًا\".\n(^٥) أخرجه ابن جرير في تفسيره ٣٠/ ٣٨، وابن أبي شيبة في المصنف ١٠/ ٥١٢، والحاكم في المستدرك ٢/ ٥١٤، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. ولفظ ابن جرير: \"عن أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب - ﵁ -: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ فلما أتى على هذه الآية: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ قال: قد عرفنا ما الفاكهة فما الأبّ؟ فقال: لعَمْرُكَ يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلُّف\". وقد صحح ابن كثير - ﵀ - إسنادَ ابن جرير ﵀. انظر: تفسير ابن كثير ٤/ ٤٧٣. قال السيوطي في الدر المنثور ٨/ ٤٢١ - ٤٢٢: \"أخرجه سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي في \"شعب الإيمان\"، والخطيب، والحاكم وصححه عن أنسٍ أن عمر قرأ على المنبر: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَبًّا﴾ قال: كل هذا قد عرفنا فما الأبّ؟ ثم رفع عصا كانت في يده فقال: هذا لعَمْر الله هو التكلف فما عليك أن لا تدري ما الأبّ! اتبعوا ما بُيِّن لكم هداه من الكتاب فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه\". قال ابن كثير ﵀: =","vol":"3","page":709},{"text":"عندهم نحو: العشب (^١) (^٢) هذا كلام صفي الدين الهندي (^٣).\nإذا عرفتَ الحقيقة الشرعية فنقول: أما إمكانها (^٤) فقد نقل جماعة الاتفاق عليه (^٥)، وأبو الحسين البصري لما حكى في \"المعتمد\" عن قومٍ من المرجئة أنهم نفوا الحقائق الشرعية - قال: \"وبعض (^٦) عِلَلِهِم تدل (^٧) على أنهم أحالوا ذلك\" (^٨).\nوأما وقوعها فذهبت المعتزلة والخوارج وطائفة (^٩) من الفقهاء إليه\n_________\n= \"وهذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكلَه وجنسَه وعينَه، وإلا فهو وكلُّ مَنْ قرأ هذه الآية يعلم أنه مِن نبات الأرض؛ لقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾. تفسير ابن كثير ٤/ ٤٧٣. وقول الشارح ﵀: \"ولذلك قال عمر ﵁ لما نزل قوله تعالى\" لم أقف عليه عند غيره، ويغلب على الظن الوهم فيه؛ إذ لو كان كذلك لسأل النبيَّ - ﷺ -، ولاستشكل العلماء الرواياتِ الأُخَر التي مَفَادها أنه قال ذلك وهو خليفة؛ إذ الخطبة من خصائص الخليفة في تلك العصور، والله أعلم.\n(^١) انظر: تفسير ابن جرير ٣٠/ ٦٠، زاد المسير ٩/ ٣٤.\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ١/ ٢٦٦.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أي: إمكان وجود الحقيقة الشرعية بأقسامها الأربعة.\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤١٤، الإحكام ١/ ٣٥، وقد نقل الشارح في جمع الجوامع عن قوم نَفْي إمكان الشرعية. انظر: شرح المحلى على الجمع ١/ ٣٠١.\n(^٦) في (ص): \"ونقض\". وهو خطأ؛ لأن المعنى أن بعض علل المرجئة يدل على أنهم أحالوا الحقائق الشرعية.\n(^٧) في (ص): \"يدل\".\n(^٨) انظر: المعتمد ١/ ١٨.\n(^٩) في (ت): \"وطوائف\".","vol":"3","page":710},{"text":"مطلقًا، وقالوا: نقل الشارع هذه الألفاظ من \"الصلاة\" و\"الصيام\" وغيرهما عن (^١) مسمياتها اللغوية، وابتدأ وَضْعَها لهذه المعاني، فليست حقائق لغوية، ولا مجازات عنها.\nوأنكره القاضي أبو بكر مطلقًا، وزعم أن لفظ \"الصلاة\" و\"الصوم\" وغيرهما في الشرع مستعمل في المعنى اللغوي: وهو الدعاء، والإمساك، لكن الشارع شرط في الاعتداد بهما أمورًا أُخَر نحو: الركوع والسجود، والكف عن الجماع والنية، فهو (^٢) مُنْصَرِف بوضع الشرط لا بتغير (^٣) الوضع (^٤)، وشدد النكير على مخالفيه، وقال: \"قد تبعهم شرذمة من الفقهاء الحائدين عن التحقيق، وما راموا مَرَامهم، بَيْد أنهم زَلُّوا (^٥) عن سواء الطريق\" (^٦).\nوذهب إمام الحرمين والغزالي والإمام وأتباعه - منهم صاحب الكتاب - إلى التفصيل: فأثبتوا من (^٧) المنقولات الشرعية ما كان مجازًا لغويًا كما في الحقائق العرفية، دون ما ليس كذلك، بل كان منقولًا عنها\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص): \"من\".\n(^٢) أي: لفظ الصلاة، ولفظ الصوم.\n(^٣) في (غ): \"بتغيير\".\n(^٤) أي: لفظ الصلاة ولفظ الصوم منصرف - أي: متغيِّر - بوضع الشارع الشروط له، لا بتغير وضعٍ جديد.\n(^٥) في (ت): \"زالوا\".\n(^٦) انظر: التلخيص ١/ ٢١١.\n(^٧) سقطت من (غ).","vol":"3","page":711},{"text":"بالكلية (^١) (^٢)، وهذا معنى قول المصنف: \"مجازات لغوية اشْتَهَرت لا موضوعات مبتدأة\" أي: لم تستعمل في المعنى اللغوي، ولم يقطع النظر عنه حالة الاستعمال، بل اسْتُعملت في هذه المعاني لما بينها وبين المعاني اللغوية من العلاقة، فالصلاة مثلًا لما كانت في اللغة عبارة عن: الدعاء بخير، قال الشاعر:\nتقول بنتي وقد قَرَّبْتُ مُرْتَحَلًا ... يا رب جَنِّب أبي الأوصاب والوَجَعا\nعليكِ مثلُ الذي صليتِ فاغتمضي ... نومًا فإن لجنبِ المرء مُضْطَجعا (^٣)\n- كانت بالمعنى اللغوي جزءًا منها بالمعنى الشرعي؛ لاشتمال ذات الأركان على الدعاء، فكان إطلاقها على المعنى الشرعي من باب تسمية\n_________\n(^١) يعني: إذا كان النقل إلى الحقيقة الشرعية مجازًا لغويًا - صح هذا النقل، مثل: الحقيقة العرفية مجاز لغوي، أما إذا كان النقل إلى الحقيقة الشرعية ليس مجازًا لغويًا، أي: تُرك المعنى اللغوي تركًا كليًا، فلا يصح هذا النقل.\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ١٧٦، المستصفى ٣/ ٢٠، المحصول ١/ ق ١/ ٤١٥، التحصيل ١/ ٢٢٤، الحاصل ١/ ٣٤٣.\n(^٣) قائل هذه الأبيات هو الأعشى كما في اللسان ١٤/ ٤٦٥، مادة (صلا)، ويُروى: عليكِ مثلَ بالنصب، وعليكِ مثلُ بالرفع، وقد نقلتُ الرفع من نسخة (ت)، قال صاحب اللسان مُبْتدِأً ببيان معنى النصب: معناه أنه يأمرها بأن تدعو له مِثْلَ دعائها، أي: تُعيد الدعاءَ له، ويروى: عليكِ مثلُ الذي صليت، فهو ردٌّ عليها، أي: عليك مثلُ دعائِكِ، أي: ينالك من الخير مثلُ الذي أردتِ بي، ودعوتِ به لي. اهـ. وقوله: مضطجعًا أي: موضعًا يضطجع علبه إذا قُبِر مُضْجَعًا على يمينه. لسان العرب ٨/ ٢١٩، مادة (ضجع).","vol":"3","page":712},{"text":"الشيء باسم بعضه، وهو مجاز لغوي اشْتَهَر، وصار بالاشتهار حقيقةً شرعية.\nوكذلك الصوم فإنه في اللغة: الإمساك (^١)، قال الشاعر:\nخَيْلٌ صِيامٌ وَخيلٌ غير صائمة ... تحت العَجاج وأخرى تعلُكُ اللُّجُما (^٢)\nوفي الشرع: اسم للإمساك، عن الطعام والشراب مع انضمام أمورٍ أُخَر إليه (^٣).\nوكذا (^٤) الحج فإنه في اللغة: القصد (^٥)، قال الشاعر:\nوأشْهَدَ مِنْ عَوفٍ حُلُولًا كثيرةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقانِ المُزَعْفَرا (^٦)\n_________\n(^١) انظر: المصباح ١/ ٣٧٧، مادة (صوم).\n(^٢) قائل هذا البيت هو النابغة الذبياني، كما في اللسان ١٢/ ٣٥١، وفيه: \"وصام الفرس صومًا، أي: قام على غير اعتلاف. . . . قال أبو عبيدة: كل مُمسك عن طعام أو كلام أو سيرٍ فهو صائم\". والعَجَاج: هو الغبار. انظر: لسان العرب ٢/ ٣١٩، مادة (عجج).\n(^٣) انظر: التعريفات للجرجاني ص ١١٩، القاموس الفقهي ص ٢١٨.\n(^٤) في (ت): \"وكذلك\".\n(^٥) انظر: المصباح ١/ ١٣٢، مادة (حج).\n(^٦) قائل هذا البيت هو المُخَبَّل السعدي، كما في اللسان ٢/ ٢٢٦، مادة (حجج)، ومعنى: يحجون، أي: يقصدونه ويزورونه، كذا في اللسان. وقبل هذا البيت:\nألم تَعْلمي يا أُمَّ عَمْرةَ أَنَّني ... تَخَاطَأَنِي رَيْبُ الزَّمان لأَكْبَرَا\nقال البغداديُّ في خزانة الأدب ٨/ ٩٩ - ١٠٠: وقوله: \"ألم تعلمي\" إلخ، قال أبو محمد الأسود الأعرابي: معناه: أنه كره أن يعيش ويعمَّر حتى يرى الزِّبرقان من =","vol":"3","page":713},{"text":"قال ابن السكيت (^١): \"يقول: يُكثرون الاختلاف إليه\" (^٢)، وهو في الشرع اسم للمناسك المعروفة ومن جملتها القصد. وكذلك سائر الأسماء الشرعية.\n_________\n= الجلالة والعظمة بحيث يحجُّ بنو سعدٍ عصابتَه. انتهى. وتخاطأني: بمعنى: تخطَّأني وفاتني. و\"ريب الزمان\": حوادثه. وكبر في السِّنِّ من باب فَرِح. وقوله: \"وأشهدَ\" بالنصب عَطْف على لأكبَرَ، وعوف: أبو قبيلة، وهو عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. والحُلول: القوم النُّزول، مِنْ حَلَّ بالمكان إذا نزل. ويحجُّون: يقصدون. . . . والسِّبُّ بكسر السين المهملة: العِمامة. قال ابن دريد في الجمهرة: السِّبُّ بالكسر: الشِّقَّة البيضاءُ من الثيابُ، وهي السَّبِيبة أيضًا. وأنشد هذا البيت، وقال: يريد العِمامة ههنا. وكانت سادات العرب تصبغ العمائم بالزَّعفران. وقد فسَّر قومٌ هذا البيت بما لا يُذكر. انتهى. . . . وقال أبو محمد الأسود: من زعم أن المخبَّل كنى ههنا عن قبيح فقد أخطأ، وإنما قصَد بسبِّ الزِّبْرِقانَ أن بني سعد بن زيد مناة كانوا يحجُّون عصابته إذا استهلُّوا رجبًا في الجاهلية إجلالًا له، وإعظامًا لقدره. وذكر ذلك ربيعةُ بن سعد النَّمري يمدح الزبرقان:\nكانت تحجُّ بنو سعد عصابَتَه ... إذا استهلُّوا على أنصابه رَجَبا\nسِبٌّ يُزَعْفِرُه سعدٌ ويعبده ... في الجاهلية ينتابُونَه عُصَبَا\n(^١) هو أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن السِّكِّيت البغداديّ النَّحْويّ المؤدِّب، ديِّن خَيِّر، حُجَّة في العربية. من مصنفاته: \"إصلاح المنطق\" نفيس مشكور، القلب والإبدال، معاني الشعر الكبير، وغيرها. قتله المتوكِّل ظلمًا لأنه فضَّل الحسن والحسين ابني عليٍّ - ﵃ - على ابني المتوكل المعتز والمؤيَّد لما سأله المتوكل مَنْ أحب إليك؟ والمتوكِّل فيه نَصْب، وكان قَتْله سنة ٢٤٤ هـ. انظر: سير ١٢/ ١٦، بغية ٢/ ٣٤٩، تاريخ بغداد ١٤/ ٢٧٣.\n(^٢) انظر: اللسان ٢/ ٢٢٦.","vol":"3","page":714},{"text":"وذهب الآمدي إلط التوقف في المسألة (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>فائدة:</span>\nقال الشيخ أبو إسحاق: \"هذه أول مسألة نشأت في الاعتزال، وقالت المعتزلة بالمنزلة (^٢) بين المنزلتين، أي: جعلوا الفسق منزلةً متوسطة بين الكفران والإيمان لما علموا أن الإيمان في اللغة: التصديق، (والفاسق موحِّد مصدق (^٣)، فقالوا: هذه (^٤) حقيقة الايمان في اللغة) (^٥)، ونُقِل في الشرع إلى من لم يرتكب شيئًا من المعاصي، فمن ارتكب شيئًا منها خرج عن الإيمان ولم يبلغ الكفر\" (^٦). ثم اختار الشيخ أبو إسحاق أن الإيمان مُبْقى على موضوعه في اللغة، وأن الألفاظ التي ذكرناها من الصلاة والصيام والحج وغير ذلك منقولة (^٧). قال: \"وليس من ضرورة النقل أن يكون في جميع الألفاظ، وإنما يكون على حسب ما يقوم عليه الدليل\" (^٨).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ١/ ٤٤.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (غ): \"ومصدق\".\n(^٤) في (غ): \"هذا\".\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) انظر: شرح اللمع ١/ ١٧٢ - ١٧٣، مع تصرف من الشارح واختصار.\n(^٧) انظر: شرح اللمع ١/ ١٧٣.\n(^٨) انظر: شرح اللمع ١/ ١٨٣.","vol":"3","page":715},{"text":"ورأيت في كتاب \"تعظيم قدر الصلاة\" للإمام الجليل محمد بن نصر (^١) عن أبي عبيد (^٢) أنه استدل على أن الشارع نَقَل الإيمان عن معناه اللغوي إلى الشرعي: بأنه نقل الصلاة والحج ونحوهما إلى معانٍ أخر، قال: فما بال الإيمان! وهذا يدل على تخصيص محل الخلاف بالإيمان وهو الذي وقع فيه النزاع في مبدأ (^٣) ظهور الاعتزال.\nقوله: \"وإلا لم تكن عربية\" استدل على ما اختاره: بأنه لو كانت تلك الألفاظ موضوعات مبتدأة (^٤) - لم تكن عربية (^٥). والملازمة ظاهرة (^٦).\n_________\n(^١) هو شيخ الإسلام محمد بن نصر بن الحجَّاج المروزيّ، أبو عبد الله الحافظ الشافعي ولد ببغداد سنة ٢٠٢ هـ، كان إمامًا مجتهدًا علَّامة، من أعلم أهل زمانه باختلاف الصحابة والتابعين، قَلَّ أن تَرَ العيون مثله. قال ابن حزم ﵀: \"لو قال قائل: ليس لرسول الله - ﷺ - حديثٌ ولا لأصحابه إلا وهو عند محمد بن نصر - لما أبعد عن الصِّدق\". من مصنفاته: \"القَسَامَة\" وهو نفيس جدًا، ما خالف فيه أبو حنيفة عليًا وابن مسعود، تعظيم قدر الصلاة. توفي ﵀ سنة ٢٩٤ هـ. انظر: سير ١٤/ ٣٣، الطبقات الكبرى ٢/ ٢٤٦.\n(^٢) هو الإمام الحافظ المجتهد أبو عبيد القاسِم بن سلَّام بن عبد الله، وأبوه سلَّام مملوكٌ روميّ لرجلٍ هرويّ. قال إسحاق بن رَاهُويَه: \"إن الله لا يستحي من الحق: أبو عبيد أعلمُ مني ومن ابن حنبل والشافعيّ\". وقال الدارقطني: ثمة إمام جبل. من مصنفاته: الأموال، الغريب، فضائل القرآن، الطهور، الأمثال، وغيرها. توفي سنة ٢٢٧ هـ. انظر: سير ١٠/ ٤٩٠، الطبقات الكبرى ٢/ ١٥٣.\n(^٣) في (ص): \"مبتدأ\".\n(^٤) هذا مقدم.\n(^٥) وهذا تالي؛ لأن القضية شرطية متصلة مكونة من مقدم وتالي.\n(^٦) أي: الملازمة بين المقدم والتالي ظاهرة.","vol":"3","page":716},{"text":"وإذا كانت غير عربية يلزم أن يكون القرآن غير عربي؛ لوقوعها فيه، وذلك باطل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (^١) (^٢) ونحوه، كقوله تعالى: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ (^٣) فدل على أنها عربية أعني: الصلاة والصيام والحج ونظائرها.\nوهذا فيه نظر؛ لأنه لا يُبْطِل إلا مذهب المعتزلة فقط.\nوقد رَدَّ إمام الحرمين على القاضي: \"بأن حَمَلَة الشريعة مجمعون على أن الركوع والسجود من الصلاة، وسياق (^٤) ما ذكره أن المسمى بالصلاة الدعاء فحسب، وليس الأمر كذلك (^٥) \".\nقال: (قيل: المراد بعضه، فإن الحالف على أن لا يقرأ القرآن يحنث بقراءة البعض (^٦). قلنا: معارض بما يقال: إنه بعضه. قيل: تلك كلمات قلائل فلا تخرجه عن كونه عربيًا، (كقصيدة فارسية فيها ألفاظ عربية) (^٧). قلنا: تُخْرجه وإلا لما صح الاستثناء. قيل: يكفي في عربيتها استعمالها في لغتهم. قلنا: تخصيص الألفاظ (^٨) باللغات بحسب الدلالة. قيل: منقوض بالمشكاة،\n_________\n(^١) سورة يوسف: الآية ٢.\n(^٢) في (ك): ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾. وهي في سورة طه: الآية ١١٣.\n(^٣) سورة فصلت: الآية ٤٤.\n(^٤) في (ص)، و(غ): \"ومساق\".\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ١٧٥.\n(^٦) في (غ): \"بعضه\".\n(^٧) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٨) في (ص): \"ألفاظ\".","vol":"3","page":717},{"text":"والقسطاس، والإستبرق، والسجيل. قلنا: وَضْع العرب فيها وافق لغة أخرى).\nاعترضت المعتزلة على الدليل (^١) الذي أورده في الكتاب بأربعة أوجه:\nالأول: أن الآية لا تدل على أن القرآن كله عربي، بل على (^٢) أن بعضه عربي؛ لأن \"القرآن\" يطلق على مجموعه، وعلى كل جزء من أجزائه، ويصدق صِدْق المتواطئ (^٣) على جزئياته، ويدل على هذا أن الحالف على أن لا يقرأ القرآن يحنث بقراءة بعضه.\nوأجاب: بأن ما استدللتم به من صورةِ الحلف وإنْ دلَّ على أن المراد بالقرآن البعض فهو (^٤) معارض بقولنا (للآية والسورة) (^٥): بعض القرآن، فإنه لو أطلق القرآن على ذلك حقيقة لم يكن لإدخال البعض معنى (^٦). وأيضًا فبعض الشيء غير الشيء (^٧)، وإذا تعارضا تساقطا وسَلِم ما ذكرنا من الدليل (^٨).\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ص): \"المواطئ\". وهو خطأ.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ص)، و(غ): \"الآية والسورة\".\n(^٦) يعني: لو أطلق \"القرآن\" على الآية والسورة حقيقة - لكان قولنا: الآية والسورة بعض القرآن، ليس صحيحًا. وهذا ليس بصحيح، بل الآية والسورة بعض القرآن.\n(^٧) أي: بعض الشيء غير كل الشيء ومجموعه.\n(^٨) أي: إذا تعارض ما استدللتم به على أن بعض الشيء هو الشيء، بما استدللنا به على أن بعض الشيء غير الشيء - تساقط الدليلان، وسَلِم ما ذكرنا من الدليل قبل هذا.","vol":"3","page":718},{"text":"واعلم أن ما ذكره المصنف من الحنث في هذه الصورة تَبِع فيه الإمام (^١)، وليس كما ذكرا (^٢)، فالذي نص عليه الشافعي - ﵁ - في \"الأم\"، ونقله الرافعي عنه خلاف ذلك، وقد رأيتُ نصه في \"الأم\" في الجزء السابع في (^٣) باب جامع التدبير (^٤)، قال - ﵁ - ما نصه: \"ولو قال رجل لعبدٍ له: متى مِتُّ وأنت بمكة فأنت حر، ومتى مِتُّ وقد قرأتَ القرآن فأنت حر. فمات السيد والعبد بمكة وقد قرأ القرآن كله (كان حرًّا، وإن مات وليس العبد بمكة أو مات ولم يقرأ القرآن كله) (^٥) لم يعتق\" (^٦). هذا لفظه.\nوقال الشيخ أبو حامد في \"التعليقة\": \"إذا قال لعبده إذا قرأت القرآن فأنت حر - لم يعتق إلا بقراءة الجميع\". وكذا قال المحاملي في \"التجريد\". هذا هو المذهب في المسألة ولا يُعْرف (^٧) ما يخالفه (^٨).\nالوجه الثاني: أنا لا نسلم أنه يلزم من كون تلك الألفاظ غير عربية أن لا يكون القرآن عربيًا، فإن تلك كلماتٌ قلائل فلا يَخْرج القرآن عن\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤١٧.\n(^٢) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"ذكر\".\n(^٣) في (ص): \"من\".\n(^٤) في (ص): \"الترتيب\". وهو خطأ.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) انظر: الأم ٨/ ٢٢.\n(^٧) في (ت): \"ولا نعرف\".\n(^٨) انظر: نهاية المحتاج ٨/ ٣٧٣.","vol":"3","page":719},{"text":"كونه عربيًا، كما أن الألفاظ العربية القليلة إذا وقعت في قصيدة فارسية لا تُخرجها عن كونها فارسية.\nوأجاب: بأنها تُخْرجه (عن كونه عربيًا، والكلمات القلائل تخرج القصيدة عن أن تكون فارسية) (^١)، والدليل على ذلك صحة الاستثناء، إذْ لَكَ أن تقول: القصيدة فارسية إلا موضع كذا منها.\nالوجه الثالث: أنه يكفي في كون هذه الألفاظ عربية استعمال العرب لها من حيث الجملة، وحينئذ فاستعمال الشارع لها في غير المعنى اللغوي لا يخرجها عن ذلك (^٢).\nوأجاب: بأن هذا (^٣) المقدار غير كاف في كونها عربية؛ لأن تخصيص الألفاظ باللغات بحسب دلالتها على معانيها، فإن كانت دلالتها من جهة لغة العرب كانت عربية وإلا فلا، ولا شك أن تلك الألفاظ لا تدل على معانيها من تلك الحيثية.\nواعلم أن المصنف لم يرتب هذه الاعتراضات الثلاث على الوجه اللائق؛ فإن مقتضى النظم الطبيعي تقديم هذا الثالث، ثم الإتيان بالثاني، ثم بالأول، فيقال: لا نسلم أنها غير عربية بل يكفي استعمالها عندهم. سلمنا لكن لا تُخْرج القرآنَ عن كونه عربيًا؛ لقلتها. سلمنا ولكن ذلك غير ممتنع؛ لأن المراد من (^٤) قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) أي: عن كونها عربية.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) سقطت من (ص).","vol":"3","page":720},{"text":"عَرَبِيًّا﴾ (^١) هو البعض.\nالوجه الرابع: أنه لو صح ما ذكرتم لَزِم أن لا يشتمل القرآن على لفظ غير عربي، وليس كذلك، فإن \"المشكاة\" فيه وهي عجمية، وكذا \"القسطاس\"، و\"الإستبرق\"، و\"السجيل\". والمشكاة: الكُوَّة التي لا (^٢) تَنْفُذ. والقِسْطاس بالرومية: الميزان. والإستبرق بالفارسية: الديباج الغليظ. والسجيل بالفارسية (^٣): الحجر من الطين.\nوأجاب: بأنا لا نسلم أن هذه الألفاظ غير عربية، بل غايته: أنْ وَضْع العرب فيها وافق لغة أخرى، كالصابون والتنور فإن اللغات فيهما متفقة (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>تنبيه:</span>\nعرفت من هذا أن المصنف يختار أن المُعَرَّب (^٥) لم يقع في القرآن، وقد تبع الإمامَ في ذلك (^٦)، وهو الذىِ نصره القاضي في كتاب \"التقريب\" (^٧)، ونص عليه الشافعي - ﵁ - في \"الرسالة\" في باب البيان الخامس فقال ما نصه: \"وقد تكلم في العلم مَنْ لو أمسك عن بعضِ ما تكلَّم فيه منه لكان\n_________\n(^١) سورة يوسف: الآية ٢.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) انظر: البحر المحيط ٣/ ٣٣.\n(^٥) وهي الكلمات الأعجمية التي أُدخلت في العربية.\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٣١.\n(^٧) انظر: التلخيص ١/ ٢١٧، التقريب والإرشاد الصغير ١/ ٣٩٩.","vol":"3","page":721},{"text":"الإمساك أولى به (وأقرب إلى السلامة) (^١)، فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيًا وأعجميًا. والقرآن يدل على أنه ليس من كتاب الله شيءٌ إلا بلسان العرب. وَوَجَدْنا قائلَ هذا القول ومَنْ قَبِل ذلك منه تقليدًا له، وتَرْكًا للمسألة له عن حُجَّته ومسألة غيره ممنْ خالفه. وبالتقليد أغفل مَنْ أغْفل منهم، والله يغفر لنا ولهم\" (^٢). هذا نصه.\nونُقِل عن ابن عباس وعكرمة (^٣) وقوعه (^٤)، وهو الذي اختاره ابن الحاجب (^٥)، واستدل عليه بإجماع النحاة على أن \"إبراهيم\" لا ينصرف للعَلَمية والعُجْمة. وذلك لا يُجديه (^٦) شيئًا إذا كان محل الخلاف مقصورًا على أسماء الأجناس، غير شامل للأعلام. قال صفي الدين الهندي: \"وهو الذي يجب أن يكون\" (^٧).\nقال: (وعُورض: بأن الشارع اخترع معاني فلا بُدَّ لها من ألفاظ.\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٢) انظر: الرسالة ص ٤١، ٤٢.\n(^٣) هو العلامة الحافظ المفسِّر أبو عبد الله عكرمة بن عبد الله البربريّ ثم المدنيّ الهاشمي مولى ابن عباس. قال ابن حجر في \"التقريب\": ثقة ثبت عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا تثبت عنه بدعة، مات سنة أربع ومائة، وقيل بعد ذلك\". انظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٢٨٧، سير ٥/ ١٢، التقريب ص ٣٩٧.\n(^٤) أي: وقوع غير العربي. انظر: البحر المحيط ٣/ ٣٠، الصاحبي لابن فارس ص ٤٤، الإتقان للسيوطي ١/ ١٧٨.\n(^٥) انظر: بيان المختصر ١/ ٢٣٦.\n(^٦) أي: لا يجدي ابن الحاجب رحمه الله تعالى.\n(^٧) انظر: نهاية الوصول ٢/ ٣٣٦، وانظر: شرح الكوكب ١/ ١٩٢.","vol":"3","page":722},{"text":"قلنا: كفى التجوز).\nقد عَرَفْتَ ما طَعَنت به المعتزلة في مقدمات الدليل الذي احتج به المصنف، وما أجيبوا به، وقد انتقلوا الآن إلى المعارضة بوجهين:\nأحدهما: وهو إجمالي أن الشارع اخترع معانيَ لم تكن مُتعقَّلة (^١) قبل الشَّرْع، بل حَدَث تعقلها (^٢) بعده، فوجب أن يُوضع لها اسم؛ لأنها من جملة المعاني التي تَمَسُّ الحاجة إلى التعبير عنها، وهذه الأسامي التي تطلق عليها (^٣) كالصلاة والحج - لا مَدْخَل للعرب في إطلاقها عليها؛ إذْ وضع الألفاظ مسبوق بتعقل المعاني، وهم لم (^٤) يتعقلوها قبل الشرع، ولا خطرت لهم ببال.\nوأجاب: بأنه إنْ عَنَيْتُم بقولكم: \"ما تعقلوها ولا خطرت لهم\" لا من حيث المجموع، ولا من حيث الجزء (^٥) - فممنوعٌ؛ فإنهم تعقلوها من حيث\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"متعلقة\"، \"تعلقها\". وفي (غ): \"متعلقة\"، \"تعقلها\". فدلّ ما في (غ) على أن الكلمة الأولى فيها خطأ، والصواب: متعقلة، وهو الذي أثبته، ويدل عليه أيضًا ما سيأتي من كلام الشارح وتعبيره بالتعقل لا بالتعلق، فما وقع في باقي النسخ خطأ وسهو من النساخ.\n(^٢) الشرح السابق.\n(^٣) أي: على المعاني المخترعة.\n(^٤) سقطت من (غ).\n(^٥) قوله: لا من حيث المجموع، أي: لا من حيث كل المعنى. وقوله: ولا من حيث الجزء، أي: ولا من حيث بعض المعنى.","vol":"3","page":723},{"text":"الجزء كما في الصلاة.\nوإن عنيتم: أنه لم يخطر لهم من حيث المجموع - فمسلمٌ، ولكن لا نسلم لا أنه مَدْخل للعرب حينئذٍ فيها، فإنه يكون من باب إطلاق الجزء على الكل، وهو أحد أنواع المجاز، والتجوز كافٍ هنا لحصول المقصود الذي هو الإفهام به (^١).\nقال: (وبأن الإيمان لغة: هو (^٢) التصديق، وفي الشرع: فعلُ الواجب (^٣)؛ لأنه الإسلام وإلا لم يُقبل مِنْ مبتغيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (^٤) ولم يجز استثناء المسلم من المؤمن، وقد قال الله (^٥) تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٦) (^٧) والإسلام: هو الدين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (^٨) والدين: فعل الواجبات؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (^٩). قلنا: في الشرع: تصديق خاص، وهو غير\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) في (ت): \"الواجبات\".\n(^٤) سورة آل عمران: ص ٨٥.\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) في (ت): ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.\n(^٧) سورة الذاريات: الآيتان ٣٥، ٣٦.\n(^٨) سورة آل عمران: الآية ١٩.\n(^٩) سورة البينة: الآية ٥.","vol":"3","page":724},{"text":"الإسلام والدين؛ فإنهما الانقياد والعمل الظاهر، ولهذا قال الله (^١) تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^٢) وإنما جاز الاستثناء لصِدْق المؤمن على المسلم؛ بسبب أن التصديق شرط صحة الإسلام).\nالوجه الثاني: مِنْ وَجْهَيْ المعارضة: وهو تفصيلي، وتقريره: أن الإيمان في اللغة: هو التصديق (^٣). وفي الشرع: فعل الواجبات. فتكون الحقيقة الشرعية بمعنى: أنها حقائق مبتدأة واقعة، وهو المُدَّعى. أما المقدمة الأولى: فبالنقل عن أئمة اللغة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ (^٤) أي: بمصدقٍ لنا. وأما الثانية: فلأن الإيمان هو الإسلام، (والإسلام هو الدين، والدين: هو فعل الواجبات. فالإيمان: فعل الواجبات. إنما قلنا: إن الإيمان هو الإسلام) (^٥)؛ لوجهين:\nأحدهما: أنه لو لم يكن كذلك لم يكن مقبولًا من مُبْتغيه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.\nوالثاني: أنه تعالى استثنى بعض المسلمين من المؤمنين في قوله تعالى (^٦): ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) سورة الحجرات: الآية ١٤.\n(^٣) انظر: لسان العرب ١٣/ ٢١، مادة (أمن).\n(^٤) سورة يوسف: الآية ١٧.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"3","page":725},{"text":"بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^١)، ولولا الاتحاد لما صح الاستثناء؛ لأن الاستثناء إخراج بعض الأول.\nفإن قلت: أين الاستثناء وليس هنا إلا لفظة \"غيرَ\"، وهي ظاهرة في الوصفية (^٢).\nقلت: هي هنا بمعنى \"إلا\"؛ لأنها لو كانت على ظاهرها (^٣) لكان التقدير: فما وجدنا فيها المغاير لبيت المؤمنين فيكون المنفي إذ ذاك بيوت الكفار وهو باطل؛ لأنه قد وُجِد فيها بيوتُهم، فتقرر أنه استثناء، ثم إنه استثناء مُفَرَّغ فَيَحْتاج إلى تقدير شيءٍ عام منفي يكون هو المستثنى منه (^٤)، ولا بد من تقييد ذلك العام بكونه من المؤمنين، وإلا يلزم انتفاء بيوت (^٥) الكفار، وقد عرفت بطلانه، فيكون تقدير الآية والله أعلم: فما وجدنا فيها أحدًا من المؤمنين إلا أهلَ بيت من المسلمين، أي: منهم. ويكون قد أوقع الظاهر موقع المضمر (^٦).\n_________\n(^١) سورة الذاريات: الآيتان ٣٥، ٣٦.\n(^٢) أي: هي صفة لموصوف محذوف تقديره: فما وجدنا فيها بيتًا مغايرًا لبيت من المسلمين. وهذا المعنى غير صحيح، لأن بيوت الكفار المغايرة لبيت المسلمين كانت موجودة.\n(^٣) أي: على الوصفية.\n(^٤) القاعدة في الاستثناء المفرغ أن يكون المستثنى منه مقدرًا وشيئًا عامًا، مثل كلمة: أحد، في قولنا: ما جاءني إلا زيد. والتقدير: ما جاءني أحدٌ إلا زيد. انظر: قطر الندى ص ٢٤٧، الكواكب الدرية ٢/ ٣٩٧.\n(^٥) في (ص): \"ثبوت\". وهو خطأ.\n(^٦) الظاهر هو قوله: ﴿مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، أوقعه موقع الضمر الذي تقديره: منهم.","vol":"3","page":726},{"text":"وإنما قلنا: إن الإسلام هو الدين، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وإنما قلنا: الدين فعل الواجبات؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أي: دين الملة المستقيمة. وقوله: \"وذلك\" عائد إلى جميع ما تقدم ذِكْرُه، فوجب أن يكون الكل مُسَمَّى بالدين.\nقوله: \"قلنا في الشرع\" (^١) إلى آخره - هذا هو الجواب عن هذا الوجه الثاني (^٢)، وتقريره: أن يقال: لا نسلم أن الإيمان في الشرع هو الإسلام، وإنما الإيمان في الشرع عبارة عن: تصديقٍ خاص، وهو تصديق الرسول - ﷺ - في جميع ما عُلم مجيئه به بالضرورة. وهو (^٣) بهذا الاعتبار غير الإسلام، وغير الدين، فإنهما في اللغة: الانقياد. وفي الشرع: العمل الظاهر. وهذا هو التحقيق في انفصال الإسلام عن الإيمان، وإنْ كان كلٌّ منهما شَرَطَه الشارع في الاعتبار بالآخر، فإن الإسلام عبارة عن التلفظ، ولا يعتبر به ما لم يساعده القلب بالاعتقاد. والإيمان عبارة عن التصديق بالقلب، ولا يكفي ما لم يتلفظ بالشهادتين إذا أمكنه ذلك. ويدل على انفصال الإسلام عن الإيمان صريحُ قوله تعالى في حق المنافقين: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^٤) أي والله أعلم: إن الذي وقع منكم ليس\n_________\n(^١) في (غ): \"قلنا في الشرع: تصديق\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: الإيمان.\n(^٤) سورة الحجرات: الآية ١٤.","vol":"3","page":727},{"text":"بإيمان حتى تقولوا: نحن مؤمنون. وإنما هو إسلام؛ لأنه فعلٌ ظاهرٌ من غير تصديق بالقلب، فلا تقولوا: آمنا، بل قولوا: أسلمنا؛ لأنه هو الذي وقع منكم.\nفإن قلت: وهل وقع من المنافقين إسلام؟\nقلت: وقع منهم الإسلام باللسان الذي هو غير معتبر شرعًا، ويجوز أن يقال: لم يقع منهم إسلام، ويُجْعل تصديق القلب ركنًا في الإسلام شَرْعًا لا شرطًا (^١)، ولكن يَعْضُدُ الأول قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^٢).\nقوله: \"وإنما جاز الاستثناء\" جواب عن قولهم: لو غاير الإيمانُ الإسلامَ - لم يجز استثناء المسلم من المؤمن، وتوجيهه أن يقال: استثناؤه منه (^٣) لا يدل على أنه هو، وإنما يدل على أنه يصدق عليه، كقول القائل: ملكت الحيوان إلا الفرس. فالحيوان غير الفرس؛ لأنه أعم، والأعم من حيث هو مغاير للأخص، ومع ذلك فقد اسْتُثني منه لصدق (^٤) الحيوان. إذا عرفت هذا فالصدق حاصل في المؤمن مع المسلم؛ لأنَّ شرط صحة الإسلام\n_________\n(^١) أي: حينما نجعل تصديق القلب ركنًا في الإسلام اى: جزءًا منه، لا يتحقق وجود الإسلام إلا بوجود التصديق، لأن الكل لا يوجد بدون وجود الجزء، بخلاف ما لو جعلنا التصديق شرطًا في الإسلام، أي: أمرًا خارجًا عن حقيقة الإسلام، فإن الإسلام يوجد، ولكنه لا يعتبر ولا يقبل لكونه فاقدًا لشرطه.\n(^٢) انظر: زاد المسير ٧/ ٤٧٥، التسهيل لابن جزي ص ٦٥١، فتح القدير ٥/ ٦٧.\n(^٣) أي: استثناء المسلم من المؤمن.\n(^٤) في (ت): \"بصدق\".","vol":"3","page":728},{"text":"الذي هو العمل الظاهر وجود الإيمان الذي هو التصديق، وهذا مسوغ لاستثناء المسلم من المؤمن؛ لأنه كلما صدق المسلم صدق المؤمن لكونه شرطه، ولا ينعكس (^١)، بدليل مَنْ كان مؤمنًا تاركًا للأفعال الظاهرة، فصحة الاستثناء ثابتة (^٢)؛ لصدق المؤمن على المسلم (^٣)، ولا يلزم من كون المسلم مؤمنًا أن يكون الإسلام هو الإيمان، فإن الكاتب ضاحك، والكتابة غير الضحك، والنزاع إنما هو في الإسلام مع الإيمان، لا في المسلم مع المؤمن (^٤).\nولقائل أن يقول: الإيمان على هذا التقرير شَرْطُ صحةِ الإسلام والاعتداد به، لا شرط وجود الإسلام، فلا يلزم أن ينتفي الإسلام بانتفاء الإيمان، إلا أن يجعلوا الإيمان شرطًا في صدق الإسلام لا في صحته، أو ركنًا في الإسلام، وما دلَّلْتم على شيء منهما (^٥). وقد نجز القول في\n_________\n(^١) العكس هو: كلما صدق المؤمن صدق المسلم. هذا غير صحيح.\n(^٢) أي: في الآية: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.\n(^٣) أي: كلما وجد المسلم وجد المؤمن؛ لأنه شرطه، ولا عكس؛ لأن الإسلام ليس شرطًا للإيمان، فقد يوجد الإيمان بدون الإسلام كما مَثَّل.\n(^٤) أي: لا يلزم من كون المسلم مؤمنًا أن يكون الإسلام هو الإيمان، فإن الكاتب ضاحك من حيث كونهما خاصتين للإنسان، ومع ذلك فإن الكتابة غير الضحك، فلا يلزم من اتحاد النهايات اتحاد البدايات، أي: لا يلزم من اتحاد المشتقات اتحاد المصادر، فإذا اتحد المسلم مع المؤمن وهما لفظان مشتقان، فلا يلزم من هذا الاتحاد أن يتحد المصدران وهما الإسلام والإيمان، والنزاع في المصادر لا في المشتقات.\n(^٥) قوله: ولقائل أن يقول. . . إلخ معناه: أن هذا التقرير الذي سبق ذِكْره يدل على أن الإيمان شرطٌ في صحة الإسلام وقبوله، لا شرطٌ في وجود الإسلام؛ لأنه كما بيَّنا =","vol":"3","page":729},{"text":"المسألة.\nولم يذكر المصنف مُتَمَسَّك القاضي أبي بكر، ومِنْ مُتَمَسَّكَاته:\nأن القرآن مشتمل على هذه الألفاظ، فلو كانت حقائق شرعية لكانت غير عربية؛ لفقدان وضعِ العرب إياها لهذه المعاني؛ فيلزم خروج القرآن عن كونه عربيًا بكليته، وقد قررتم بطلانَه. وجواب هذا يُعْلم مما سبق.\nومنها: أنه (^١) لو كانت حقائق شرعية لفَهَّمناها الشارعُ قبل تكليفنا بها، وإلا يلزم أن يكون كلفنا بما لا نفهمه، ولا آحاد تدل على وقوع ذلك (^٢) فضلًا عن التواتر.\nوأجيب عن هذا: بأنه لا يلزم من تفهيم الشارع أن يُنْقَل بتواتر (أو آحاد) (^٣)؛ لجواز حصولِ التفهيم بالقرائن. والله أعلم.\n_________\n= في الهامش السابق أن المصدرين غير متحدين، فالإسلام غير الإيمان، فكلٌ منهما يوجد بدون الآخر. أما المسلم وهو المشتق فلا يوجد بدون المؤمن، فأصبح قبول الإسلام شرطه الإيمان، فلا يلزم على هذا أن ينتفي الإسلام بانتفاء الإيمان، إلا أن يجعلوا الإيمان شرطًا في صدق الإسلام، أي: وجوده، أو ركنًا فيه، لا شرطًا في صحته. ولم يدللوا على شيءٍ منهما، أي: من كون الإيمان شرطَ صدقِ الإسلام، أو ركنه.\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) أي: على التكليف بما لا نفهم.\n(^٣) في (ص): \"ولا آحاد\".","vol":"3","page":730},{"text":"وقد علمت بما (^١) سبق أن الإيمان في الاصطلاح عبارة عن: تصديق الرسول ﵊ بكل ما جاء به. وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن رضوان الله عليه (^٢).\nوقال أكثر السلف وعليه بعض المعتزلة والخوارج: إنه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان.\nوفيه مذاهب أخر كثيرة ليس هذا محلها (^٣)، ورام السهيلي التفرقة (^٤) بين الإيمان والتصديق من وجهين قررهما:\nأحدهما: أن التصديق لا بد وأن يكون في مقابلةِ خبرٍ صادقٍ، وقد\n_________\n(^١) في (ت): \"مما\".\n(^٢) وهو مذهب جمهور الأشاعرة والماتريدية، والمراد بتصديق النبي ﷺ عندهم: هو الإذعان لما جاء به والقبول له، وليس المراد وقوع نسبة الصِّدْق إليه في القلب من غير إذعان ولا قبول، حتى يلزم الحكم بإيمان كثير من الكفار الذين كانوا يعرفون أحقية نبوته ورسالته ﷺ، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾. انظر: شرح الجوهرة ص ٦٧، البيت رقم (١٨)، تبصرة الأدلة للنسفي ٢/ ٧٩٩.\n(^٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ٣٧٣، فتح الباري ١/ ٤٦، وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى الفرق بين مذهب السلف والمعتزلة والخوارج في تعريف الإيمان مع اتحادهم في التعريف فقال: \"فالسلف قالوا: هو اعتقاد بالقلب، ونطق باللسان، وعمل بالأركان. وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله، ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقص. . . والمعتزلة قالوا: هو العمل والنطق والاعتقاد. والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطًا في صحته، والسلف جعلوها شرطًا في كماله\".\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"التفريق\".","vol":"3","page":731},{"text":"يكون عن نظر وفكر، فإذا نظرت في الصَّنْعة وعرفت بها الصانع آمنت به، ولم تكن به مصدقًا بخبرٍ، إذ لا خبر هناك، فإذا جاء الخبر بما آمنت به وأقررت به صدَّقت الخبر.\nونحن نقول في جواب هذا: إنّ الصنعة لما عَرَّفتنا الصانع كانت مُخْبِرةً بلسان الحال، فلم يكن التصديق إلا في مقابلة خبرٍ واقعٍ بلسان الحال.\nفإن قال (^١): التصديق لا يكون إلا في مقابلة خبرٍ بلسان المقال.\nقلنا (^٢): من أين لك هذا التقييد!\nالثاني: أن التصديق قد يكون بالقلب وأنت ساكت، تقول: سمعت الحديث فصدقته، والإيمان لا بد من اجتماع اللفظ مع العَقْد لغةً وشرعًا لِتَعَدِّيه بالباء (^٣) ونحو ذلك.\nونحن نجيب عن هذا: بأن اللفظ شرطٌ في صحة الإيمان لا ركن منه كما علمت فيما تقدم، ويدل عليه مع قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (^٤) إجماعُ الأمة على أن من عرف الله تعالى بقلبه وعجز عن التلفظ بالشهادتين كان مؤمنًا فائزًا، وبالله التوفيق (^٥).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) أي: قوله: آمنت به، يقتضي أن يكون الإيمان باللفظ مع الاعتقاد بالقلب.\n(^٤) سورة الحجرات: الآية ١٤.\n(^٥) انظر مسألة الحقيقة الشرعية في: المحصول ١/ ق ١/ ٤١٤، التحصيل ١/ ٢٢٤، الحاصل ١/ ٣٤٢، نهاية السول ٢/ ١٥١، السراج الوهاج ١/ ٣٣٨، مناهج =","vol":"3","page":732},{"text":"قال: (فروعٌ: الأول: النقلُ خلافُ الأصل؛ إذ الأصلُ بقاء الأول؛ ولأنه يتوقف على الأول، ونَسْخِه، ووضعٍ ثان، فيكون مرجوحًا).\nهذه مسائل مفرعة على جواز النقل:\nالأول: أنه على خلاف الأصل، بمعنى: أنه إذا دار اللفظ بين احتمال النقل واحتمال عدمه - كان احتمال عدمه أرجح لوجهين:\nأحدهما: أنَّ الأصلَ في الوضعِ الأولِ المنقولِ عنه - البقاءُ (^١)؛ إذ الأصل بقاءُ ما كان على ما كان.\nوالثاني: أن النقلَ يتوقف على ثلاثة أشياء: الوضع الأصلي؛ ثم نَسْخُه، ثم وضعٌ ثانٍ. وعَدَمُ النقل لا يتوقف إلا على وضعٍ واحد، وما كان متوقفًا على أمورٍ كان مرجوحًا بالنسبة إلى المتوقِّف على أمرٍ واحد.\nقال: (الثاني: الأسماء الشرعية موجودة: المتواطئة كالحج، والمشتركة (^٢) كالصلاة الصادقةِ على ذاتِ الأركان، وصلاة المصلوب، والجنازة. والمعتزلة سَمَّوْا أسماءَ الذوات دينيةً كالمؤمن والفاسق).\nهذا الفرع في أنَّ الشارع هل نَقَلَ الأسماء والأفعال والحروف، أم نقل البعض دون البعض؟\n_________\n= العقول ١/ ٢٤٨، الإحكام ١/ ٣٥، شرح المحلى على جمع الجوامع ١/ ٣٠١، بيان المختصر ١/ ٢١٤، شرح تنقيح الفصول ص ٤٣، تيسير التحرير ٢/ ١٥، فواتح الرحموت ١/ ٢٢١، شرح الكوكب ١/ ١٥٠، المعتمد ١/ ١٨.\n(^١) خبر أنَّ.\n(^٢) في (ت)، و(ص): \"المشترك\".","vol":"3","page":733},{"text":"فنقول: أما الأسماء فَقَد وُجِد النقل فيها، وقد قدمنا انقسامَها إلى متباينة، ومترادفة، ومتواطئة، ومشترَكة، ومُشَكِّكَة. فلْيُنظر في واحدٍ واحد (^١).\nأما المتباينة: فقد وجدت كالصوم والصلاة، وأهمل في الكتاب ذكر هذا القسم لوضوحه.\nوأما المترادفة: وقد (^٢) أهمل ذِكْرَها أيضًا، فقال الإمام: \"الأظهر أنها لم توجد (^٣)؛ لأنها ثبتت (^٤) على خلاف الأصل، فتتقدر بقدر الحاجة\" (^٥) وتابعه صاحب \"التحصيل\" (^٦)، وقال صفي الدين الهندي: \"الأظهر أنها وجدت\" (^٧). وهذا هو الصحيح لِوُجْدان \"الواجب\" و\"الفرض\" وهما مترادفان عند الشافعي - ﵁ -، والإمام يُوافق على ذلك، و\"الإنكاح\" و\"التزويج\" عند الشافعي أيضًا.\nوأما المتواطئة: فموجودة أيضًا، ومَثَّل لها المصنف بالحج، فإنه يطلق على الإفراد، والتمتع، والقران. وهذه الثلاثة مشتركة في الماهية: وهي الإحرام، والطواف، والوقوف، والسعي.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ت)، و(ص): \"فقد\".\n(^٣) أي: في الشرع.\n(^٤) في (ت): \"تثبت\".\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٣٩.\n(^٦) انظر: التحصيل ١/ ٢٣١.\n(^٧) عبارته في نهاية الوصول ٢/ ٣١٣: \"وأما الترادف: فالأغلب وقوعه\".","vol":"3","page":734},{"text":"وأما المُشتركة (^١): فاختلفوا في وقوعها، وجزم المصنف بوقوعها. قال الإمام: \"وهو الحق؛ لأن لفظَ الصلاة مستعمل في معاني شرعية لا يَجمعها جامع، لأن لفظها يتناول ما لا قراءة فيها: كصلاة الأخرس، وما لا (^٢) سجود فيه ولا ركوع: كصلاة الجنازة، وما لا قيام فيه: كصلاة القاعد، والصلاة بالإيماء على مذهب الشافعي - ﵁ - (وهي التي عَبَّر عنها في الكتاب بصلاة المصلوب) (^٣) فإنه لا شيء من ذلك فيها، وليس بين هذه الأشياء قدر مشترك\" (^٤). (هذا كلام الإمام) (^٥).\nقال الهندي: \"وهو ضعيف؛ لأن كون الفعل واقعًا بالتحرم والتحلل قدر مشترك بين تلك الصلوات، فلِمَ لا يجوز أن يكون مدلولَها (^٦)! \" قال: \"والأقرب أنها متواطئة بالنسبة إلى الكل؛ إذ التواطؤ خير من\n_________\n(^١) في (ص): \"المشترك\". وهو خطأ.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) ما بين القوسين من كلام الشارح ﵀.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٣٨ - ٤٣٩.\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٦) في (ت): \"مدلولها مشترك\". وهذه الكلمة: \"مشترك\"، ليست في \"نهاية الوصول\"، وهي خطأ من جهة النحو؛ لأنها خبر يكون فتكون منصوبة، ومن جهة المعنى؛ لأن المعنى الذي يقصده الهندى - رحمه الله تعالى - هو أنه لِمَ يجوز أن يكون مدلول الصلاة قدرًا مشتركًا،) ما إذا ًا ضفنا كلمة \"مشترك\" فيكونَ المعنى لِمَ يجوز أن يكون مدلول الصلاة مشتركًا، أي: مشتركًا لفظيًا، وهو عين دعوى الإمام التي يرد عليها الشيخ الهندي. وهي أخيرًا مزيدة في هامش (ت) لا في أصل اللوحة، فلعلها من تصرف الناسخ.","vol":"3","page":735},{"text":"الاشتراك\" (^١)، ثم ذكر الهندي أن الأشبه وقوع المُشْتَرَكة. ومَثَّل لها بإطلاق الطَّهُور على الماء، والتراب، وعلى ما يُدْبغ به. فإن (^٢) ذلك ليس باشتراك معنوي؛ إذ ليس بينها معنى مشترك (^٣) يصلح أن يكون مدلول اللفظ (^٤).\nولقائل أن يقول: لِمَ اكتفيت بالتحلل والتحرم في الصلاة قدرًا مشتركًا، ولم تكتف باشتراك الماء والتراب وآلة الدباغ في إزالة المانع قدرًا مشتركًا!\nوأما المشكِّكة: فالظاهر وقوعها أيضًا، وقد أهملها المصنف (^٥) في الكتاب، وهي كالفاسق بالنسبة إلى مَنْ فعل الكبيرة الواحدة، ومَنْ فعل الكبائر العديدة، فإن تناوله للثاني بطريق أولى.\nقوله: \"والمعتزلة\" أي: أن المعتزلة لما أثبتوا الحقائق الشرعية قَسَّموها إلى: أسماء الأفعال، وأسماء الذوات المشتقة من تلك الأفعال. فالأول: كالصوم والصلاة.\nوالثاني: كاسم الفاعل مثل: زيد مؤمن، واسم المفعول مثل (^٦): زيد\n_________\n(^١) انظر: نهاية الوصول ٢/ ٣١٢.\n(^٢) في (ص): \"كان\". وهو خطأ.\n(^٣) أي: ليس إطلاق الطهور على هذه الثلاثة من قبيل المشترك المعنوي، إذ ليس بينها قدر مشترك، بل هو من قبيل المشترك اللفظي.\n(^٤) نهاية الوصول ٢/ ٣١٣.\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٦) في (غ)، و(ك): \"نحو\".","vol":"3","page":736},{"text":"مقروء عليه، وأفعل التفضيل نحو: أفضل من عمرو. وسَمَّوْا (^١) هذا القِسْمَ بـ \"الدينية\" تفرقة بينه وبين الأول، وإن اشترك الكلُّ عندهم في كونه شرعيًا. هكذا نقل الإمام (^٢)، وتبعه صاحب الكتاب.\nوفيه نظر، فإن المنقول عن المعتزلة أن \"الدينية\": هي الأسماء المنقولة شرعًا إلى أصل الدين، كالإيمان والكفر. وأما \"الشرعية\" فكالصلاة والصوم (^٣). كذا عَزَاه إليهم طائفة منهم القاضي (^٤) وإمام الحرمين والغزالي (^٥)، فقال إمام الحرمين: \"قالت المعتزلة. (الألفاظ تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nأحدها) (^٦): الألفاظ الدينية: وهي الإيمان، والكفر، والفسق. فهي عندهم منقولةٌ إلى قضايا في الدين. فالإيمان في اللسان: التصديق. والكفر: من الكَفْر وهو السَّتْر. والفسق: الخروج. وهذا الذي ذكروه على قواعدهم في أن مرتكب الكبيرة ليس مؤمنًا دينًا، وليس كافرًا أيضًا، وإنما هو فاسق.\nوالقسم الثاني: الألفاظ اللغوية: وهي القارَّةُ على قوانين اللسان.\n_________\n(^١) أي: المعتزلة.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤١٤.\n(^٣) أي: هي الأسماء اللغوية التي نُقلت في الشرع إلى أحكام شرعية. انظر: التقريب والإرشاد ١/ ٣٩٠.\n(^٤) انظر: التقريب والإرشاد ١/ ٣٨٨.\n(^٥) انظر: المستصفى ٣/ ١٧.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"3","page":737},{"text":"والقسم الثالث: الألفاظ الشرعية: وهي الصلاة، والصوم، وأخواتها فهي مستعملة في فروع الشرع\" (^١). هذا لفظه في \"البرهان\" وهو الذي ذكره في كتاب \"التلخيص\" (^٢) الذي اختصره من \"التقريب والإرشاد\" للقاضي، وكذلك (^٣) أورده الغزالي، وهذا هو التحقيق في نَقْل مذهب القوم.\nقال: «والحرف لم يُوجد) (^٤)، والفعل وُجد (^٥) بالتبع).\nتقدم الكلام في الاسم، وأما الحرف فلم يوجد. واستدل عليه الإمام بالاستقراء.\nوأما الفعل فلم يوجد بطريق الأصالة للاستقراء، ووجد بطريق التبعية؛ لأن الفعل صيغة تدل على صدور المصدر من الفاعل، فالمصدر إنْ كان شرعيًا كالصلاة (^٦) كان الفعل أيضًا كذلك كصَلَّى. وإنْ كان لغويًا كان مثلَه (^٧). فيكون (^٨) الفعلُ شرعيًا أمْرٌ حصل بالعَرَض لا بالأصالة.\n_________\n(^١) انظر: البرهان ١/ ١٧٤.\n(^٢) انظر: التلخيص ١/ ٢٠٩.\n(^٣) في (غ): \"وكذا\".\n(^٤) في (ص): \"والحروف لم توجد\".\n(^٥) في (ص): \"يوجد\".\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) أي: وإن كان المصدر لغويًا كان الفعل مثله.\n(^٨) لعل الصواب: فكون.","vol":"3","page":738},{"text":"وكلام المصنف مُصَرِّح بأن الحرف لم يوجد لا بطريق الأصالة ولا بطريق التبعية، والحق مساواته للفعلِ، فإنَّ نَقْلَ مُتعلَّقِ معانيَ الحروفِ من المعاني اللغوية إلى المعاني الشرعية مستلزِمٌ لنقلها أيضًا، فلا فرق في ذلك بين الفعل والحرف كما في أنواع المجاز.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>فائدة:</span>\nقد تقرر أن الألفاظ المستعملة من الشارع:\nإما الأسماء وهي على قسمين: منها ما وضعه بإزاء الماهيات الجَعْلية (^١)، وذلك معروف كالصلاة وأمثالها. ومنها الأسماء المتصلة بالأفعال، وسنذكرها إن شاء الله مع الفعل.\nوإما الفعل والحرف: فقد علمت أن التحقيق فيهما أنهما مستويان (^٢). والفعل ينقسم إلى: ماضٍ، وأمرٍ، ومضارع.\nوالأسماء المتصلة بالأفعال (^٣) ثمانية: المصدر (^٤)، واسم الفاعل، واسم المفعولِ، والصفة المشبهة، وأفعل التفضيل، واسم الزمان، واسم المكان،\n_________\n(^١) الماهيات الجعلية: هي الحقائق التي أوجدها الشارع.\n(^٢) أي: مستويان في النقل.\n(^٣) أي: الأسماء المشتقة من الأفعال.\n(^٤) الظاهر أنه يريد بالمصدر ما فوق الثلاثي سواء رباعي مجرد أو ثلاثي مزيد فيه؛ لأن هذه المصادر مأخوذة من الفعل الماضي، وكذلك المصدر الميمي. أما المصدر الثلاثي المجرد فهو أصل للفعل، وغير مشتق من شيء، ومن ثم قالوا بجموده. انظر: جامع الدروس العربية ٢/ ٣.","vol":"3","page":739},{"text":"واسم الآلة.\nأما الفعل المضارع فلم يُستعمل في الشرعية في شيء أصلًا إلا لفظة \"أشهد\" في الشهادة، فإنها تعيَّنت ولم يقم غيرها مقامَها، وكذا في اللعان سواء قلنا: إنه يمين، أو شهادة، أو فيه شائبتان (^١). ويجوز في اليمين (^٢) في: أقسم بالله، وأشهد، ولا يتعين (^٣). ولا مدخل له (^٤) في الإنشاءات.\nوأما الفعل الماضي: فيُعْمل به (^٥) في الإنشاءات خلا الشهادة واللعان، فمن الإنشاءات التي يُعمل به فيها العقود كلها، والطلاق.\nوأما فعل الأمر: فهو مسألة الإيجاب والاستيجاب (^٦) في العقود\n_________\n(^١) انظر: نهاية المحتاج ٧/ ٩٧، بداية المجتهد ٢/ ١١٨.\n(^٢) أي: يجوز المضارع في اليمين.\n(^٣) أي: ولا يتعين قوله: \"أشهد بالله\" يمينًا، بل فيه احتمال لغير اليمين، بخلاف: أقسم بالله، فإنه متعيِّن في اليمين. انظر: نهاية المحتاج ٨/ ١٦٨.\n(^٤) أي: للمضارع.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في (ص): \"والاستحباب\". وهو خطأ. والإيجاب: هو اللفظ الصادر من أحد العاقدين أولًا: أي: سواء من الولي للزوج أو العكس، وسواءٌ من البائع للمشتري، أو العكس. والقبول: هو اللفظ الصادر عن الآخر ثانيًا. هذا عند الحنفية. انظر: ملتقى الأبحر ١/ ٢٣٧، التعريفات للجرجاني ص ٣٥، القاموس الفقهي ص ٣٧٢، ٢٩٤، وعند غيرهم الإيجاب: ما صدر من الولي أو البائع سواء كان أولًا أو آخِرًا. والقبول: ما صدر من الزوج أو المشتري أولًا أو آخرًا. انظر: نهاية المحتاج ٣/ ٣٦٣ - ٣٦٦، الروض المربع ٤/ ٣٢٨. أما الاستيجاب: فهو طلب الإيجاب. فمثال الإيجاب =","vol":"3","page":740},{"text":"والطلاق وفي الوكالة، لو أتى بصيغة أمر نحو: بع واشتر. قال بعض الأصحاب: هنا (^١) لا يشترط القبول، بخلاف ما إذا أتى بصيغة عقد (^٢) نحو: وكّلتك. والصحيح لا فرق، (وفِعْلُ الأمر يُعْمل به في كل موضع يُعمل فيه بالماضي) (^٣) على الصحيح.\nوأما اسم الفاعل: ففي الطلاق في قوله: أنتِ طالق. ويُعمل به في الضمان.\nوأما اسم (^٤) المفعول: فيستعمل في الطلاق، والعتق، والوكالة. ويقرب من هذا: أنتِ حرام. وأنتَ حر. وأنتِ عليَّ كظهر أمي (^٥).\nوأما المصدر: فقد استعمل في الطلاق (في قوله: أنتِ الطلاق) (^٦). وهل هو صريح أو كناية؟ فيه خلاف، ولا يبعد جريان مثل ذلك في العتق. والنظر في هذا الفصل طويل، ولعلنا نستوعبه في كتابنا\n_________\n= بالأمر: تزوج ابنتي. والاستيجاب: زوجني. ومثال الإيجاب بالأمر أيضًا: اشتر. والاستيجاب: بِعْني. انظر: غاية البيان شرح زبد ابن رسلان ص ١٨٢.\n(^١) أي: في حالة الأمر.\n(^٢) أي: صيغة عقد بالماضي.\n(^٣) في (ت): \"وفعل الأمر يَعْمَل في كل موضع يعمل به الفعل الماضي\"، وفي (غ)، و(ك): \"وفعل الأمر يَعْمل في كل موضع يُعمل بالفعل الماضي\".\n(^٤) في (ت): \"الاسم\".\n(^٥) هذه الأمثلة الأخيرة هي بمعنى المفعول، فقوله: أنتِ حرام، أي: مُحَرّمة. وأنتَ حُرٌّ، أي: مُحرَّر. وأنتِ عليَّ كظهر أمي، أي: أنت محرمة عليَّ كظهر أمي.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"3","page":741},{"text":"\"الأشباه والنظائر\" (^١)، فإن الشيخ صدر الدين ابن المرحل رحمه الله تعالى ذكر هذا في كتابه \"الأشباه والنظائر\" (^٢)، وكتابنا كالتهذيب لكتابه أتمه الله تعالى.\nقال: (الثالث (^٣): صيغ العقود كبعت - إنشاء؛ إذ لو كان إخبارًا و(^٤) كان ماضيًا أو حالًا لم يقبل التعليق (^٥) وإلا لم يقع. وأيضًا إنْ كَذَبَتْ لم تُعْتبر وإن صَدَقَتْ فصِدْقُها إما بها فيدور، أو (^٦) بغيرها وهو باطل إجماعًا. وأيضًا لو قال للرجعية: طلقتك - لم يقع، كما لو نوى الإخبار).\nصيغ العقود والفسوخ مثل: بعتُ، واشتريتُ، وتزوجت، وطلقت، وفسختُ، ونحو ذلك (لا مرية) (^٧) في أنها إخبارات عن أمورٍ واقعة في الزمن الماضي، وقد تستعمل في الشرع أيضًا للإخبار كما لو صدر البيع من إنسان ثم قال: بعت، مريدًا الإخبار عما صدر منه في الزمان (^٨) الماضي. أما إذا استعملت هذه الألفاظ لإحداث أحكام لم تكن قبلها فهل هي إخبارات باقية على وضعها اللغوي، أم إنشاءات نقلها الشارع إلى\n_________\n(^١) انظر: الأشباه والنظائر للشارح ٢/ ٢٤٨.\n(^٢) انظر: الأشباه والنظائر لابن المرحل ١/ ١٣٨.\n(^٣) في (ت)، و(ص): \"الثالثة\". وهو خطأ؛ لأن المراد الفرع الثالث.\n(^٤) سقطت الواو من (ت).\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) في (ت): \"وإما\".\n(^٧) في (ص): \"لامرأته\".\n(^٨) في (ت): \"الزمن\".","vol":"3","page":742},{"text":"الإنشاءاتِ المخصوصة؟\nذهب الأكثرون إلى الثاني، وهو ما قطع به المصنف.\nوقالت (^١) الحنفية: إنها (^٢) إخبارات عن ثبوت الأحكام. فمعنى قولك: \"بعتُ\" الإخبار عما في قلبك، فإن أصل البيع هو التراضي، ووضعت لفظة \"بعت\" للدلالة على الرضا، فكأنه أخبر بها عما في ضميره؛ فيقدر وجودها قبيل (^٣) اللفظ للضرورة (^٤)، وغاية ذلك أن يكون مجازًا وهو (^٥) أولى من النقل (^٦). هذا تحرير مذهبهم فافهمه.\nواستدل الأصحاب على كونه إنشاءً بدلائل:\nأحدها: أن اللفظ (^٧) لو كان إخبارًا لكان إما عن ماضٍ، أو حال، أو مستقبل. والأوَّلان باطلان، وإلا يلزم أن لا يَقْبل الطلاق التعليق؛ لأن التعليق: توقُّفُ وجودِ شيءٍ على شيء آخر. والماضي والحال قد وُجِدا فلا يَقْبَله، لكن اللازم منتف؛ لقبوله التعليق إجماعًا (^٨). وإنْ كان عن\n_________\n(^١) في (ت): \"وقال\".\n(^٢) أي: العمود بلفظ الماضي.\n(^٣) في (ت): \"قبل\".\n(^٤) أي: يقدر وجود لفظة \"بعت\" قبل حصول التلفظ من المتكلم بها، للضرورة، أي: لضرورة أن التلفظ بها إخبار لا إنشاء، فالبيع قبل التلفظ موجود، واللفظة دالة عليه.\n(^٥) في (ت): \"وهذا\".\n(^٦) أي: غاية هذا الإخبار أن يكون مجازًا؛ لأنه ليس إخبارًا عن موجود حقيقي، بل مقدَّر، لكن هذا المجاز أولى من النقل الذي يقول به الآخرون.\n(^٧) أي: لفظ العقد إذا كان بصيغة الماضي، كبعت، وطلَّقت.\n(^٨) توضيح الدليل: أن: \"طلقت\" بلفظ الماضي لو كان إخبارًا عن وقوع الطلاق في =","vol":"3","page":743},{"text":"مُسْتَقبل (^١) لم يقع؛ لأن قوله: طلقتكِ إذن، بمنزلةِ قوله: ستصيرين طالقًا، والطلاق لا يقع بذلك.\nوثانيها: لو كانت هذه الصيغ، إخبارات لكانت إما كاذبة أو صادقة:\nفإن كانت كاذبة فلا اعتبار بها.\nوإن كانت صادقة فصِدْقها إما أن يحصل بنفسها (^٢)، أي: يتوقف حصوله (^٣) على حصول الصيغة، أو يَحْصُلَ بغيرها:\nإنْ كان الأول لزم الدور؛ لأن كون الخبر صدقًا: وهو بعتك مثلًا - موقوفٌ على وجود المخبَر عنه (^٤): وهو وقوع البيع، فلو توقف المخبَر عنه: وهو الوقوع، على الخبر: وهو بعتك - لزم الدور (^٥).\n_________\n= الزمان الماضي أو الحاضر - لكان هذا اللفظ لا يقبل التعليق؛ لأن التعليق لا يكون إلا للمستقبل، وقد ثبت إجماعًا صحة تعليق الطلاق، فدلَّ هذا على أن لفظة: طلقت، ليست للإخبار عن ماضٍ ولا حاضر، بل هي إنشاء للطلاق، أي: أن الطلاق يوجد بهذه اللفظة.\n(^١) أي: إخبارًا عن مستقبل.\n(^٢) أي: بنفس الصيغة.\n(^٣) أي: حصول الصدق.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) أي: صدق الصيغة متوقف على التحقق في الخارج، فإذا توقف التحقق في الخارج على الصيغة لزم الدور.","vol":"3","page":744},{"text":"وإنْ كان الثاني وهو أن يحصل الصدق بغيرها - فهو باطل بالإجماع منا ومنهم على عدم الوقوع عند عدم هذه الصيغة.\nوثالثها: أن الزوج لو قال لرجعيته في عدتها: طلقتك، ونوى الإخبار عما مضى لم يقع قطعًا. وإن لم ينوِ شيئًا أو نوى الإنشاء وقع بالاتفاق، فلو كان إخبارًا (^١) لم يقع كما لو نوى به الإخبار (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>فائدتان:</span>\nإحداهما: قال القرافي في \"الفروق\": \"الإنشاء ينقسم إلى متفق عليه، ومختلف فيه. فالمجمع عليه أربعة أقسام:\nالأول: نحو قولنا: أُقسم بالله لقد قَدِم زيد، ونحوه، فإن مقتضى هذه الصيغة - أنه أخبر بالفعل المضارع - سيكون منه قَسَم في المستقبل، فكان ينبغي أن لا يلزمه كفارة بهذا القول؛ لأنه وَعْدٌ بالقسم لا قسم، كقول القائل: سأعطيك درهمًا. لكن لما وقع الاتفاق على أنه بهذا اللفظ أقْسَمَ، وأن موجَب القَسَم يلزمه - دلَّ ذلك على أنه أنْشَأ به القَسَم، لا أنَّه أَخْبَرَ عن وقوعه في المستقبل. وهذا أمرٌ اتُّفِقَ عليه في الجاهلية والإسلام؛ ولذلك\n_________\n(^١) أي: فلو كان لفظ \"طلقتُكِ\" للإخبار لا للإنشاء في حال عدم النية، أو مع نية الإنشاء.\n(^٢) انظر الفروع السابقة في: المحصول ١/ ق ١/ ٤٣٧، التحصيل ١/ ٢٣٠، الحاصل ١/ ٣٥٠، نفائس الأصول ٢/ ٨٤٢، نهاية السول ٢/ ١٥٩، السراج الوهاج ١/ ٣٤٩، شرح الأصفهاني ١/ ٢٣٨، مناهج العقول ١/ ٢٥٩، نهاية الوصول ٢/ ٣١١.","vol":"3","page":745},{"text":"لا يحتمل التصديق (والتكذيب) (^١)، ولا يدخله شيء من لوازم الخبر\".\nقال: \"ولذلك يقول (^٢) فيه مَنْ أحاط به من فضلاء النحاة: القَسَم (^٣) جملة إنشائية يؤكَّد بها جملة خبرية.\nالثاني: الأوامر والنواهي (^٤).\nالثالث: (الترجي والتمني) (^٥) (^٦)، والعَرْض مثل: ألا تنزل عندنا فتصيب خيرًا.\nوالتحضيض، وصِيَغُه أَرْبَع: هَلَّا وألَّا ولوما ولولا (^٧).\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) سقطت من (ت)، و(ك)، وفي (ص): \"نقول\". وهو خطأ. والمثبت موافق لما في \"الفروق\".\n(^٣) في (ت)، و(ك): \"الخبر\". وفي (ص): \"الخبر القسم\". وفي (غ): \"القسم\". وهو الصواب، والموافق لما في \"الفروق\". تنبيه: في (غ): فوق كلمة \"القسم\" مكتوب \"لعله\" ومشار إلى الهامش وفيه كلمة غير واضحة، والظاهر أنها: الخبر. وهذا والله أعلم تصرف من الناسخ.\n(^٤) تتمة كلام القرافي كما في \"الفروق\": \"إنشاء متفق عليه في الجاهلية والإسلام، فإنَّ قول القائل: افعل، لا تفعل - يتبعه إلزام الفعل أو الترك، ويترتب عليه، ولا يحتمل التصديق والتكذيب، ولا يقبل لوازم الخبر، ويلزمه جميع لوازم الإنشاء، فيكون إنشاء\".\n(^٥) في (غ): \"التمني والترجي\".\n(^٦) مثل القرافي للترجي بقوله: لعل الله يأتينا بخير. وللتمني بقوله: ليت لي مالًا فأنفق منه.\n(^٧) تتمة كلام القرافي كما في \"الفروق\": \"نحو: ألا تشتغل بالعلم. وهلا اشتغلت به. ولوما اشتغلت به. ولولا اشتغلت به. فإن هذه الصيغ كلها للطلب، ويتبعها =","vol":"3","page":746},{"text":"الرابع: النداء نحو: يا زيد، اختلف النحاة فيه هل فيه فعل مضمر تقديره: أنادي زيدًا، أو الحرف وحده مفيد للنداء؟ \" (^١).\nقلت: وقد خَطَّأ الإمام في \"التفسير الكبير\" في أوائل البقرة مَنْ فَسَّر قولنا: \"يا زيد\": بأنادي زيدًا - من وجوه:\nمنها: أنَّ \"أنادي زيدًا\" خبر يحتمل التصديق والتكذيب، و\"يا زيد\" لا يحتملهما.\nومنها: أن قولنا: يا زيد - يقتضي صيرورة زيدٍ مخاطبًا منادَىً في الحال، بخلاف أنادي زيدًا (^٢).\n(ومنها: أنَّ \"يا زيد\" يقتضي صيرورة زيد مخاطبًا بهذا الخطاب، بخلاف: أنادي زيدًا) (^٣)، فإنه لا يمتنع أن يُخْبِر إنسانًا آخرُ: بأني أنادي زيدًا (^٤).\nومنها: أنَّ \"أنادي زيدًا\" إخبارٌ عن النداء، والإخبار عن النداء (غير\n_________\n= الطلب ويترتب عليها، ولا تقبل التصديق ولا التكذيب، فهي كالأوامر والنواهي إنشاء كما تقدم\".\n(^١) انظر: الفروق ١/ ٢٧.\n(^٢) أي: فإنه لا يقتضي الحال، بل يقتضي النداء في الاستقبال.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) المعنى: أن قولك: \"أنادى زيدًا\" ليس صريحًا في مخاطبة زيد بهذا الخطاب؛ لأنه يحتمل أن يكون إخبارًا من المتكلم لرجل آخر غير زيد: أني - أي: المتكلم - أنادى زيدًا، بخلاف قولك: \"يا زيد\" فإنه نص في خطاب زيد. أما قولك: \"أنادى زيدًا\" فإنه محتمل لمخاطبة زيد وغيره.","vol":"3","page":747},{"text":"النداء، والنداء هو) (^١) قولنا: يا زيد، فإذًا هو غيره (^٢) \" (^٣).\nولقائل أن يقول: حاصل هذه الأوجه يرجع إلى أن \"يا زيد\" إنشاء، وقولنا: \"أنادي زيدًا\" خبرٌ، ونحن نمنع أن قولنا: \"أنادي زيدًا\" الذي هو بمعنى \"يا زيد\" خبرٌ، وإنما هو إنشاء، نعم الخبر: \"أنادي زيدًا\" الذي ليس هو بهذا المعنى (^٤).\nقال القرافي: \"وأما المختلف فيه هل هو إنشاء أو خبر - فهو صيغ العقود، كما تقدم\" (^٥) (^٦).\nالثانية: ذكر القرافي في التفرقة بين الإنشاء والإخبار وجوهًا:\nأحدها: أن الخبر يقبل التصديق والتكذيب، ولا كذلك الإِنشاء.\nوالثاني: أن الخبر تابع لثبوت مُخْبَره في زمانِه كيفما كان: ماضيًا، أو\n_________\n(^١) في (ت): \"غير النداء وهو\".\n(^٢) قوله: فإذًا هو (أي: الإخبار) غيره (أي: النداء). وعبارة الإمام كما في التفسير الكبير: \"فإذن قولنا: أُنادى زيدًا، غير قولنا: يا زيد\".\n(^٣) انظر: التفسير الكبير ٢/ ٩١، المسألة الثالثة في تفسير آية (٢١، ٢٢) من سورة البقرة.\n(^٤) أي: ليس هو بمعنى: يا زيد.\n(^٥) عبارة القرافي كما في \"الفروق\": \"فهي صيغ العقود نحو: بعت واشتريت، وأنت حر، وامرأتي طالق ونحو ذلك. قالت الحنفية: إنها إخبارات على أصلها اللغوي. وقال غيرهم: إنها إنشاءات منقولة عن الخبر إليه\".\n(^٦) الفروق ١/ ٢٧ - ٢٨.","vol":"3","page":748},{"text":"حالًا، أو مستقبلًا. والإنشاء متبوع لمتعلَّقه فيترتب (^١) بعده (^٢).\nوالثالث: أن الإنشاء سبب لثبوت متعلَّقه (^٣) الذي هو مسبَّبه عقيبَ آخِرِ حرفٍ، أو مع آخِر حرف (^٤) إلا أن يمنع مانعٌ، وليس الخبر سببًا ولا متعلِّقًا بمُخْبَره، وإنما هو مُظهِر فقط (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) في (ت): \"فيرتب\".\n(^٢) قال القرافي عن هذا الوجه الثاني: \"الوجه الثاني: أن الإنشاءات يتبعها مدلولُها، والأخبار تتبع مدلولاتها. أما تبعية مدلول الإنشاءات فإن الطلاق والمِلْك مثلًا إنما يقعان بعد صدور صيغة الطلاق والبيع. وأما أن الخبر تابع لمخبَره فنعني بالتبعية أنه تابع لتقرر مُخْبَره في زمانه ماضيًا كان أو حاضرًا أو مستقبلًا.\nفقولنا: \"قام زيد\" تَبَعٌ لقيامه في الزمان الماضي.\nوقولنا: \"هو قائم\" تبع لقيامه في الحال.\nوقولنا: \"سيقوم الساعة\" تبع لتقرر قيامه في الاستقبال.\nوليس المراد بالتبعية التبعية في الوجود، وإلا لما صدق ذلك إلا في الماضي فقط، فإن الحاضر مقارن فلا تبعية لحصول المساواة، والمستقبل وجوده بعد الخبر فكان متبوعًا لا تابعًا. فكذا ينبغي أن يُفهم معنى قول الفضلاء: الخبر تابع لمخبَره، ومثله قولهم: العلم تابع لمعلومه. أي: تابع لتقرره في زمانه ماضيًا كان المعلوم أو حاضرًا أو مستقبلًا، فإنا نعلم الحاضرات والمستقبلات كما نعلم الماضيات، والعلم في الجميع تبع لمعلومه\". الفروق ١/ ٢٣.\n(^٣) أي: مدلوله. انظر: الفروق ١/ ٢٣.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) أي: ليس الخبر سببًا في ثبوت المُخْبر عنه، ولا متعلِّقًا به على وجه الملازمة، فلا ملازمة بينهما، وإنما الخبر مُظْهِر فقط.\n(^٦) انظر: الفروق ١/ ٢٣، نفاش الأصول ٢/ ٨٤٥.","vol":"3","page":749},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>خاتمة:</span>\nقال القرافي في \"الفروق\": \"مما يُتوهم أنه إنشاء وليس كذلك - الظهار في قول القائل لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي. يعتقد الفقهاء أنه إنشاء للظهار، كقوله: أنت طالق. وأنَّ البابينِ سواء في الإنشاء\" (^١).\nقال: \"وليس كذلك\" (^٢)، ثم أطال في الدلالة على أنه خبر، واستند إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (^٣) (^٤) فكذَّبهم الله تعالى في ثلاثة مواطن بقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾، وأنَّ قولهم منكر، وأنه زور (^٥)، والإنشاء لا يدخله التصديق والتكذيب. واعتضد أيضًا بالإجماع على تحريم الظهار.\nقال: ولا سبب لتحريمه إلا أنه كذب، وإنما يكون الكذب في الأخبار. وأورد على نفسه الطلاق الثلاث حيث كان إنشاءً مع كونه محرمًا (^٦).\n_________\n(^١) الفروق ١/ ٣١.\n(^٢) الفروق ١/ ٣١.\n(^٣) سورة المجادلة: الآية ٢.\n(^٤) في (ص) تتمة الآية: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾. والظاهر أنها من زيادة الناسخ؛ لأنها لم تذكر في باقي النسخ، ولا في \"الفروق\".\n(^٥) فالموطن الثاني هو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ﴾، والموطن الثالث هو قوله: ﴿وَزُورًا﴾.\n(^٦) أي: فلا يستدل بالتحريم على الخبر.","vol":"3","page":750},{"text":"وأجاب: بأن المحرم إنما هو الجمع بين الطلقات الثلاث لا لفظ الطلاق (^١) (^٢). وأمْعن الكلامَ فيما حاوله، والذي نقوله في ذلك: إنَّ قول القائل: أنتِ عليَّ كظهر أمي - يحتمل أن يريد به الخبرَ المحض، ويحتمل أن يريد به أنه يجعلها كذلك، والظاهر أن المراد الثاني وهو الإنشاء ولكن الشرع ألغى حُكْمه، ولما ألغاه وكان مقصودُ الناطق به تحقيقَ معناه الخبري - سَمَّاه الشرع زورًا (^٣). ويناظِرُ هذا مِنْ بعض الوجوه قولُه: أنتِ عليَّ حرام - قَصْدُه به إنشاء التحريم، والشرع لم يرتب مقتضاه من الحرمة (^٤)، فهذان الإنشاءان لم يرتب الشرع عليهما مقتضاهما الذي قصده المتكلم (^٥)، بل جعل المرتَّب على الأول (^٦): أنه إنْ عاد وجبت\n_________\n(^١) يعني: الطلاق الثلاث محرم لا بسبب لفظه، فلفظه إنشاء، ولا يكون محرمًا لذلك؛ لأنه لا يقبل الصدق والكذب، وإنما سبب التحريم هو الجمع بين الطلقات الثلاث، فالتحريم للجمع لا لصيغة الإنشاء.\n(^٢) انظر: الفروق ١/ ٣١، ٣٢.\n(^٣) أي: أن المظاهر أراد بظهاره جَعْلَ زوجته كأمِّه، فهو قَصَد المعنى الإنشائي لا الخبري، لكنه بإنشائه قصد تحقيق المعنى الخبري، فكأن المعنى الخبري متحقِّق في زوجته، فحرمت عليه، فكذَّب الله هذا التحقق، وجعله زورًا.\n(^٤) يعني: أن المتكلم قَصَد بقوله هذا تحريم زوجته، ولم يقصد بقوله هذا طلاقًا ولا ظهارًا؛ لأنه لو قصد أحدهما فإنه يقع، إذ لفظ التحريم كناية في الطلاق وفي الظهار فيقعا بلفظ التحريم إذا قَصَده. أما إذا قصد تحريم زوجته من غير قصد طلاق ولا ظهار - فهنا لا تحرم زوجته، وكذا لو قال: أنت عليَّ حرام. ولم يقصد شيئًا فإنها لا تحرم، فالشارع لم يرتب ولم يثبت مقتضى هذه الكلمة وهي الحرمة. انظر: نهاية المحتاج ٦/ ٤٢٣، وانظر الخلاف في المسألة في بداية المجتهد ٢/ ٧٧.\n(^٥) فالمتكلم قصد في الظهار جَعْل الزوجةِ أمًا، وفي التحريم قصد الحرمة المؤبدة.\n(^٦) وهو الظهار.","vol":"3","page":751},{"text":"الكفارة، وحرم الوطء حتى يكفِّر، والمرتَّب على الثاني: حكم اليمين من التكفير (^١). وغير هذين الإنشائين: من الطلاق، والبيع، والنكاح، ونحو ذلك إذا أنشأه المكلف رتَّب الشرع عليه المقتضى الذي اقتضاه كلام المكلَّف. فصارت الإنشاءات على قسمين:\nأحدهما: ما اعتبره الشرع وأذن فيه فينفذ (^٢) كما أراده المُنْشئ، ويترتب عليه حكمه.\nوالثاني: ما لم يأذن فيه الشرع ولم يعتبره، ولكن رتَّب عليه حكمًا آخر، وهو الظهار والتحريم.\nقال والدي أيده الله تعالى: وينبغي أن يُسَمَّى هذا الإنشاء الثاني باطلًا، وأما الإنشاء الأول فإنْ وقع بشروطه الشرعية فصحيح، وإلا فهو باطل أو فاسد. والباطل لا يترتب عليه أثر أصلًا، بخلاف الباطل في القسم الثاني وهو الظهار والتحريم حيث يترتب (^٣) عليهما حكم شرعي؛ لأن البطلان فيهما لإلغاء الشارع إياهما، لا لفوات شرطٍ أو وجود مُفْسِدٍ، والبطلان في البيع والنكاح وغيرهما إما لفوات شرط، أو لوجود مُفْسِد.\nقال: (الثانية: المجاز إما في المفرد، مثل: الأسد للشجاع. أو في (^٤)\n_________\n(^١) فقوله: أنت عليَّ حرام - إذا قصد به التحريم لا الطلاق ولا الظهار - ليس يمينًا، لكن حكمه حكم اليمين، فتجب فيه الكفارة. انظر: نهاية المحتاج ٦/ ٤٢٣، ٤٢٤.\n(^٢) في (ص): \"فيفيد\".\n(^٣) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"ترتب\".\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"3","page":752},{"text":"المركب، مثل:\nأشاب الصغيرَ وأفنى الكبيـ ... ـر كَرُّ (^١) الغَداة ومَرُّ العشي\nأو فيهما، مثل (^٢): أحياني اكتحالي بطلعتك).\n\nلما تناهى القول في الحقيقة شرع في المجاز، والشرح: أن<span data-type=\"title\" id=toc-271> المجاز إما أن يقع في مفرداتِ الألفاظ فقط، أو في تركيبها فقط (^٣) أو فيهما جميعًا:</span>\nوالأول: كإطلاق الأسد على الشجاع.\nوالثاني: كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (^٤)، ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ (^٥)، ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ (^٦)، ويسمى هذا النوع بالمجاز المركب، والإسنادي، والعقلي (^٧)،\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) في (ص): \"نحو\".\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) سورة الأنفال: الآية ٢.\n(^٥) سورة إبراهيم: الآية ٣٦.\n(^٦) سورة الزلزلة: الآية ٢.\n(^٧) في هذه الآيات الثلاث أُسْنِد الفعل فيها إلى غير ما هو له: وهو السبب، فزيادة الإيمان من الله تعالى حقيقة، وإسنادها إلى الآيات إسنادٌ إلى السبب لا إلى الفاعل الحقيقي، ويسمى هذا الإسناد في البلاغة المجاز العقلي. وكدا الإضلال أُسْنِد إلى الأصنام؛ لأنها سبب الإضلال لا الفاعل الحقيقي، فالمضل هو الله ﷾. وكذلك إخراج الأثقال من الأرض، فالأرض سبب، والفاعل هو الله تعالى، فكل هذه الأمثلة أُسند الفعل فيها إلى غير ما هو له، وهذا هو المجاز العقلي، وحَدُّه: هو إسناد الفعل أو =","vol":"3","page":753},{"text":"ومَثَّل له في الكتاب بقول الشاعر (^١):\nأشاب الصغيرَ وأفنى الكبيـ ... ـر كَرُّ الغَداة ومَرُّ العَشي (^٢)\nفإنَّ مفردات هذا النوع من المجاز كلها مستعملة في موضوعاتها، وإنما التجوز في إسناد بعضها إلى بعض، وذلك حكم عقلي، ألا ترى أن \"أشاب\" و\"الصغيرَ\" مستعملان في موضوعيهما، وكذلك: \"أفنى\" و\"الكبير\"، لكن إسناد \"أشاب\" و\"أفنى\" إلى \"كر الغداة ومر العشي\" هو الذي وقع فيه التجوز؛ لكونهما مسندَيْن إلى الله تعالى في نفس الأمر. ومثْلُه: أنبت الربيعُ البقلَ. والضابط فيه: أنك متى نَسَبْتَ إلى ما ليس بمنسوب إليه لذاته (^٣)، بضَرْبٍ من الملاحظة بين الإسنادين (^٤) - كان ذلك مجازًا في التركيب. وخرج بهذا القيد الأخير (^٥) قولُ الدهري: أنبت الربيعُ البقلَ؛ إذ ذاك (^٦) ليس عنده لضرب من الملابسة، بل هو أصليٌّ عنده،\n_________\n= ما في معناه إلى غير ما هو له عند المتكلم في الظاهر لِعَلاقة. انظر: حسن الصياغة شرح دروس البلاغة للفاداني ص ١٣١، جواهر البلاغة للهاشمي ص ٢٩٦، مختصر المعاني للتفتازاني ص ٣٦.\n(^١) قائل هذا البيت هو قُثَم بن خَبيئَةَ الصَّلَتان العبدي. انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة ص ٥٠١ - ٥٠٢.\n(^٢) فالفعلان: أشاب وأفنى - أُسْنِدا إلى غير ما هو له: وهو كرُّ الغداة ومرُّ العشي، وهما سبب، والذي أشاب وأفنى في الحقيقة هو الله تعالى.\n(^٣) أي: ما ليس بفاعل حقيقي.\n(^٤) أي: بعلاقة بين الإسناد إلى الفاعل الحقيقي، والإسناد إلى الفاعل المجازي.\n(^٥) وهو قوله: بضربٍ من الملاحظة بين الإسنادَيْن.\n(^٦) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"إذ ذلك\".","vol":"3","page":754},{"text":"منتسِبٌ إلى مَنْ ينتسب إليه حقيقة (^١). ولهذا اخترنا التمثيل لهذا النوع بآي الكتاب العزيز، فإن الأبيات التي تذكر، والأمثلة التي تُورد جاز أن يكون قائلها (^٢) دهريًا، على أن البيت المذكور في الكتاب للصَّلَتان العبدي وهو مسلم وفي قصيدته التي هذا البيت منها ما يدل على ذلك، وبهذا القيد ينفصل عنه الكذب أيضًا؛ لأن الكاذب لم يُسْنِد الأثر إلى ما أسنده لمشابهة ذلك الإسنادِ إسنادًا آخر الذي هو أصلي، بل إما لأنه أصلي عنده (^٣)، أو وإن لم يكن كذلك إلا أنه لم (^٤) يلاحظ الملاحظة.\nوالملاحظة قد تكون بأن يَخْتَصَّ الشيءُ بأثرٍ، بأن يوجد الأثر عند وجوده، وينعدم عند عدمه، وهو غير صادر عنه (^٥)، لكن الله تعالى أجرى العادة بأنْ يُوجِده عند وجوده، ويُعْدِمه عند عدمه، كنبات البقل مع الربيع.\nأو بأن يُوجَد عند وجوده، وإن لم ينعدم عند عدمه، كالهلاك مع أكل السم في قولهم: أهلكه السم (^٦).\nأو بأن يكون الشيءُ سببَ السبب، كقولهم: كسا الخليفةُ الكعبة (^٧)،\n_________\n(^١) أي: الدهري يعتقد ذلك القول حقيقة، وأن الفاعل الحقيقي لإنبات البقل هو الربيع.\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"قائلهما\".\n(^٣) أي: إما لأن هذا الإسناد أصلي عند الكاذب.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) قوله: وهو (أي: الأثر) غير صادرٍ عنه (أي: عن الشيء).\n(^٦) سقطت من (ت). والمعنى واضح: وهو أن الهلاك موجود عند وجود السم، لكنه لا ينعدم عند عدم السم، فقد يكون الهلاك بشيء آخر.\n(^٧) فالخليفة لم يكسُ الكعبة، وإنما أمَرَ بكسوتها، فهو سبب السبب، لأن سبب =","vol":"3","page":755},{"text":"وما أشبه ذلك.\nوذهب ابن الحاجب إلى إنكار المجاز في التركيب وهو شاذ (^١).\nوالثالث: وهو أن يقع المجاز فيهما جميعًا، كقول القائل لمَنْ سَرَّته رؤيتُه: أحياني اكتحالي بطلعتك. فإنه اسْتَعْمَلَ الإحياء في السرور، والاكتحال في الرؤية، وذلك مجاز (^٢)، ثم أسْنَد الإحياء إلى الاكتحال مع أن المحيي هو الله تعالى (^٣). هذا شرح ما في الكتاب، ولك هنا مناقشات:\nإحداها: على التمثيل بالبيت الذي ذكره من جهة أنه إنما يصلح مثالًا للقسم الثالث؛ لأن المراد بالصغير مَنْ تقدم له الصِّغَر.\nوثانيها: أن هذا التقسيم إنما يصح عند مَنْ يقول: إنَّ المركبات موضوعة (^٤)، وقد اضطرب رأي المصنف في ذلك في هذا الكتاب.\n_________\n= كسوتها هم المأمورون، وهو آمرهم.\n(^١) انظر: بيان المختصر ١/ ٢٠٤.\n(^٢) أي: في المفرد، فكل لفظٍ على حدةٍ مستعملٌ في غير ما وضع له، فصار مجازًا في المفرد.\n(^٣) فهذا مجاز في المركب.\n(^٤) أي: كما وضعت العرب معاني المفردات، فقد وضعت معاني المركبات، حتى يكون الخروج عن وضع العرب لمعاني المركبات مجازًا في المركب، كما أن الخروج عن وضعهم لمعاني المفردات مجاز في المفرد.","vol":"3","page":756},{"text":"وثالثها: في تعبيره بالمركب، فإن الصواب التعبير بالتركيب؛ وذلك لأنك إذا قلت: هلك الأسد. تريد (^١) أن الشجاع مَرِض مرضًا شديدًا، فهذا (^٢) مجاز واقع في المركب لا في النسبة، وليس هذا هو المراد (^٣)، بل كل مجاز في غير النسبة فهو في مركب، فإن \"الأسد\" مع قولك: (\"رأيت\"، في قولك) (^٤): رأيت الأسد - مركب؛ لانضمام غيره إليه. وهذا الإيراد إذا انقدح على التعبير بالمركب لدخوله فيه، وَرَد على التعبير بالمفرد لخروجه منه (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) في (ت): \"مريدًا\".\n(^٢) في (ت): \"فهو\".\n(^٣) أي: أن الماتن قصد بقوله: المجاز في المركب - مجاز النسبة، أي: أن النسبة بين المسند والمسند إليه مجازية، والتعبير بالمركب لا يؤدي هذا المعنى؛ لأن معنى المجاز المركب هو المجاز الواقع في كلام مركب، لا في لفظ مفرد، فمثلًا قولنا: هلك الأسد، إذا أردنا بالهلاك المرض الشديد، وبالأسد الرجل الشجاع، فإن هذا المجاز مجازٌ مركب، مع أنه ليس واقعًا في النسبة؛ لأن نسبة المرض الشديد إلى الرجل الشجاع حقيقية، وإنما المجاز وقع في لفظَيْ: هلك، والأسد، وهما جملة مركبة. فعلى هذا يكون تعبير المصنف بالمركب ليس مانعًا؛ لأنه يُدخل في القسم الثاني ما ليس منه، فالأولى التعبير: بالتركيب.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر أقسام المجاز في: المحصول ١/ ق ١/ ٤٤٥، التحصيل ١/ ٢٣٢، الحاصل ١/ ٣٥٢، نهاية السول ٢/ ١٦٢، السراج الوهاج ١/ ٣٥٥، مناهج العقول ١/ ٢٦٤، نهاية الوصول ٢/ ٣٤٠، شرح تنقيح الفصول ص ٤٥، بيان المختصر ١/ ٢٠٤، فواتح الرحموت ١/ ٢٠٨، شرح الكوكب ١/ ١٨٤.\n(^٦) قوله: \"لدخوله فيه\" أي: لدخول المجاز في المركب في القسم الثاني الذي هو مجاز =","vol":"3","page":757},{"text":"قال: (ومنعه ابن داود في القرآن والحديث. لنا: قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (^١). قال: فيه إلباس. قلنا: لا إلباس مع القرينة. قال: لا يقال لله تعالى: إنه (^٢) متجوِّز. قلنا: لعدم الإذن، أو لإيهامه الاتساع فيما لا ينبغي).\nاختلف أهل العلم في وقوع المجاز في اللغة على مذاهب:\nأحدها: وهو المنسوب إلى الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، المنع مطلقًا. قال إمام الحرمين في \"التلخيص\" الذي اختصره من \"التقريب والإرشاد\" للقاضي: \"والظن بالأستاذ أنه لا يصح عنه\" (^٣).\n_________\n= التركيب. وقوله: \"لخروجه منه\" أي: لخروج المجاز في المركب عن مجاز المفرد الذي هو القسم الأول. والمعنى: أن هذا الاعتراض الذي أورده الشارح على المصنف في تعبيره عن القسم الثاني بالمجاز في المركب، كما أنه يَنتج عن هذا التعبير دخول ما ليس من القسم الثاني فيه، أي: دخول المجاز في المركب - الواقع في مفردات الجمل - في مجاز التركيب الذي هو مجاز النسبة وهو ليس منه، فإنه ينتج عن هذا التعبير أيضًا خروج المجاز في المركب - الواقع في مفردات الجمل - عن القسم الأول الذي هو المجاز في المفرد، مع أن الصواب دخوله فيه، إذ كل مجازٍ في غير النسبة فهو مجاز في مركب، إذ المجاز في المفرد لا يكون إلا في مركب، فالأولى بالمصنف أن يُعبِّر عن القسم الأول بالمجاز في المركب، وعن القسم الثاني بالمجاز في التركيب. وقد أورد هذه الاعتراضات الثلاث الإسنوي في نهاية السول ٢/ ١٦٣، وقال بمثل ما قال الشارح إلا أنه أجاب عن الاعتراض الأول: بأن الصغير لما وقع مفعولًا لم يكن ركنًا في الإسناد لكونه فضلة، فلم يجتمع المجاز التركيبي والإفرادي. هكذا قال الإسنوي.\n(^١) سورة الكهف: الآية ٧٧.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: التلخيص ١/ ١٩٣، وانظر: البحر المحيط ٣/ ٤٣.","vol":"3","page":758},{"text":"وفيما عَلَّقته (^١) من خط ابن الصلاح: أن أبا القاسم بن كج حكى عن أبي علي الفارسي (^٢) إنكار المجاز، كما هو المحكي عن الأستاذ (^٣).\nوالثاني: أنه غير واقع في القرآن، (وواقع في غيره) (^٤). وإليه ذهب بعض الحنابلة، وطائفة من الرافضة، وحُكِي عن بعض المالكية.\nوأما أبو بكر بن داود الأصفهاني (^٥) الظاهري فالمشهور عنه أنه منع\n_________\n(^١) في (ص): \"علقه\". وهو خطأ\n(^٢) هو أبو علي الحسن بن أحمد الفارسيّ الفسويّ، ولد بمدينة فَسَا سنة ٢٨٨ هـ. كان واحد زمانه في علم العربية، وكان متهمًا بالاعتزال. من مصنفاته: التذكرة، المقصور والممدود، التذكرة، وغيرها. توفي سنة ٣٧٧ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٧/ ٢٧٥، وفيات ٢/ ٨٠، سير ١٦/ ٣٧٩، بغية الوعاة ١/ ٤٩٦.\n(^٣) قال الزركشي بعد حكاية أبي القاسم بن كج عن أبي علي الفارسي: \"وهو غريب، عكس مقالة تلميذه ابن جني، وفيه نظر، فإن تلميذه أبا الفتح ابن جني أعرف بمذهبه، وقد نقل عنه في كتاب \"الخصائص\" عكس هذه المقالة: أن المجاز غالب اللغات، كما هو مذهب ابن جني\". البحر المحيط ٣/ ٤٤، ولم أقف على مقالة أبي علي الفارسي بأن المجاز غالب اللغات، لكن نقل عنه ابن جني في الخصائص (٢/ ٤٤٩) القول بالمجاز.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) هو العلَّامة البارع محمد بن داود بن علي الظاهريّ، أبو بكر، أحد مَنْ يُضرب المثل بذكائه، له بَصَرٌ تامٌّ بالحديث وبأقوال الصحابة، وكان يجتهد ولا يقلِّد أحدًا. من مصنفاته: \"الإنذار والإعذار\"، \"التقصي\" في الفقه، \"الانتصار من محمد بن جرير الطبريّ\"، \"الوصول إلى معرفة الأصول\"، وغيرها. عالق ثلاثًا وأربعين سنة، ومات في سنة ٢٩٧ هـ. انظر: سير ١٣/ ١٠٩، تاريخ بغداد ٥/ ٢٥٦.","vol":"3","page":759},{"text":"وقوعه في القرآن خاصة كما هو رأي هؤلاء، وحَكَى عنه الإمامُ وشيعتُه منهم المصنف اختيارَ المنع في القرآن والحديث (^١).\nوعلى هذا في المسألة أقوال أربعة: المنع مطلقًا، المنع في القرآن وحده، المنع في القرآن والحديث دون ما عداهما، والرابع: أنه واقع مطلقًا في القرآن والحديث وغيرهما، وعليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا.\nوالمصنف استدل على وقوعه في القرآن ليدل على ما عداه بطريقٍ أولى. وقد وقع المجاز في مواضعَ عديدةٍ من الكتاب العزيز، وصنف شيخ الإسلام عز الدين بن عبد السلام في ذلك مصنفًا حافلًا (^٢). اكتفى (^٣) المصنف بذكرِ قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (^٤) ووجه الحجة: أن الإرادة: هي الميل مع الشعور، وهي (^٥) ممتنعة في الجدار لكونه جمادًا، وقد أضافها إليه وأراد بذلك الإشرافَ على الوقوع وهو مجاز.\nفإن قلت: لا نسلم امتناع قيام الإرادة بالجدار؛ لقدرةِ الله تعالى على\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٦٢، التحصيل ١/ ٢٣٥، الحاصل ١/ ٣٥٩.\n(^٢) وهو كتاب \"الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز\" ط/ دار المعرفة، بيروت - لبنان. قال السيوطي في الإتقان ٢/ ٤٧: \"ولخصته مع زيادات كثيرة في كتاب سميته: مجاز الفرسان إلى مجاز القرآن\".\n(^٣) في (غ)، و(ك): \"واكتفى\".\n(^٤) سورة الكهف: الآية ٧٧.\n(^٥) أي: الإرادة.","vol":"3","page":760},{"text":"خلق العلم والقدرة فيه.\nقلتُ: هذا مِنْ خرق العادات التي لا تكون إلا في زمن النبوة لقصد التحدي لا في عموم الأوقات، وهذا لم يكن للتحدي.\nقال الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\": \"واستدل أبو العباس بن سريج على أبي بكر بن داود بقوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ (^١) فقال: الصلوات لا تُهْدم وإنما أراد به مواضع الصلوات، وعَبَّر بالصلوات عنها على سبيل المجاز، فَحَذَف المضاف وأقام المضاف إليه مقامَه\" (^٢)، قال: \"فلم يكن له عنه جواب\" (^٣).\nومَنْ أنصف من نفسه، ونفى العصبية عن كلامه، أقر بأن القرآن مشحون بالمجاز، وكيف لا وهو من توابع الفصاحة، وبدائع كلمات\n_________\n(^١) سورة الحج: الآية ٤٠.\n(^٢) قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في \"زاد المسير\" ٥/ ٤٣٧: \"وفي المراد بالصلوات قولان: أحدهما مواضع الصلوات. ثم فيها قولان: أحدهما: أنها كنائس اليهود، قاله قتادة والضحاك، وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: قوله: \"وصلوات\" هي كنائس اليهود، وهي بالعبرانية \"صلوثا\". والثاني: أنها مساجد الصابئين، قاله أبو العالية. والقول الثاني: أنها الصلوات حقيقة، والمعنى: لولا دفع الله عن المسلمين بالمجاهدين، لانقطعت الصلوات في المساجد، قاله ابن زيد\". وانظر: التفسير الكبير ٢٣/ ٤١. قلت: حمل \"الصلوات\"، على الحقيقة كما قال ابن زيد رحمه الله تعالى لا يمنع القول بالمجاز؛ لأن الهدم لها متأول بالانقطاع، لا بحقيقة الهدم، فحقيقة الهدم: إزالة الموجود، وحقيقة الانقطاع: عدم الوجود، وفرق بينهما. والله أعلم.\n(^٣) انظر: شرح اللمع ١/ ١٧٠.","vol":"3","page":761},{"text":"العرب، ولا يخلو القرآن عن ذلك (^١). وقد قال القاضي في \"مختصر التقريب\": يلزم من إثبات المجاز في اللغة إثباته في القرآن (^٢).\nواحتج ابن داود رحمهما الله على مذهبه بوجهين:\nأحدهما: أن المجاز لا يدل بمجرده لعدم وضعه له، فلو ورد (^٣) في القرآن لأدى إلى الإلباس، وهو لا يقع من الله تعالى.\nوأجاب في الكتاب: بأن الإلباس ينتفي (^٤) مع القرينة.\nفإن قلت: إذا كان مع القرينة ففيه تطويل.\nقلت: التطويل لا يَنْفِي إلا كونه على خلاف الأصل، ونحن مقرون بذلك. نعم لقائلٍ أن يقول: هذا الجواب يقتضي أن المجاز لا يقع في القرآن إلا (^٥) مع القرينة.\nوثانيهما: أنه لو جاز وقوع المجاز في القرآن لجاز أن يُطْلق على الله أنه مُتَجَوِّز؛ لأن المتجوِّز مَنْ يتكلم بالمجاز.\nوأجاب بوجهين:\n_________\n(^١) قال السيوطي في الإتقان ٢/ ٤٧: \"ولو سقط المجاز من القرآن سقط منه شطر الحسن، فقد اتفق البلغاء على أن المجاز أبلغ من الحقيقة\".\n(^٢) انظر: التلخيص ١/ ١٩١.\n(^٣) في (ت): \"وقع\".\n(^٤) في (غ): \"يُنفى\".\n(^٥) سقطت من (ت).","vol":"3","page":762},{"text":"أحدهما: أن أسماء الله تعالى توقيفية عندنا، لا بد في إطلاقها مِنْ ورود الإذن، وهذا لم يَرِد به إذن فلا نطلقه عليه.\nوالثاني: سلمنا أن أسماءه تعالى دائرة مع المعنى، لكن شرطه أن لا يُوهم نقصًا، وما نحن فيه يوهم النقص؛ لأن التجوز يُوهم تعاطي ما لا ينبغي؛ لأنه مشتق من الجواز وهو التعدي.\nوأما مَنْ أنكر المجاز في اللغة مطلقًا: فليس مراده أن العرب لم تنطق بمثل قولك للشجاع: إنه أسد، فإن ذلك مكابرة وعناد، ولكن هو دائر بين أمرين:\nأحدهما: أن يدعى أن جميع الألفاظ حقائق (^١)، ويُكْتَفى في كونها حقائق بالاستعمال في جميعها (^٢). وهذا مسلَّم ويرجع البحث لفظيًا؛ فإنه حينئذ يُطْلِق الحقيقةَ على المُسْتَعْمَل، وإن لم يكن بأصل الوضع (^٣)، ونحن لا نُطْلِق ذلك (^٤).\n_________\n(^١) أي: حقائق في معانيها.\n(^٢) أي: يُكتفي في الدلالة على أن الألفاظ حقائق في معانيها بالاستعمال في جميع تلك المعاني، فالاستعمال يدل على أن الجميع حقيقة.\n(^٣) أي: إذا كان مرادك بالحقيقة: هو اللفظ المستعمل. قَسِيم المهمل، فنحن نسلِّم لك هذا، ويكون الخلاف بيننا لفظيًا؛ إذ الحقيقة عندنا: هي اللفظ المستعمل بأصل الوضع اللغوي، فكل استعمال له لغير هذا الأصل يكون مجازًا، وأنت تعد جميع استعمالاته سواء كان بأصل الوضع أو بغيره حقيقة، فهذا اختلاف في الاصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح.\n(^٤) أي: لا نطلق الحقيقة على مطلق الاستعمال، بل على الاستعمال بأصل الوضع اللغوي.","vol":"3","page":763},{"text":"وإن أراد بذلك استواء الكل في أصل الوضع (^١)، قال القاضي في \"مختصر التقريب\": \"فهذه مُرَاغمة الحقائق (^٢)، فإنا نعلم أن العرب ما وضعت اسم الحمار للبليد، ولو قيل: البليد حمار على الحقيقة، كالدابة المعهودة، وأنَّ تناول الاسم لهما متساوٍ في الوضع - فهذا دُنُّوٌ مِنْ جحد الضرورة\". قال: \"وكذلك مَنْ زعم أن الجدار له إرادة حقيقةً تمسكًا بقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ (^٣) عُدَّ ذلك مِنْ مُسْتشنع الكلام\" (^٤) (^٥).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-272>(الثالثة: شَرْط المجاز العلاقة المعتبرُ نوعُها</span>، نحو: السببية القابلية، مثل: سال الوادي. والصورية كتسميته اليد قدرة. والفاعلية مثل: نزل السحاب. والفائية كتسمية العنب خمرًا).\nلا بد في التجوز من لفظ الحقيقة إلى المجاز مِنْ علاقة بينهما. (ولا\n_________\n(^١) أي: أنَّ مَن يقول بأن جميع الألفاظ حقائق في جميع معانيها إما أن يجعل الحقيقة: هي اللفظ المستعمل، كما سبق بيانه، أو أن يريد بذلك أن جميع الألفاظ مع معانيها متساوية في أصل الوضع اللغوي، فكل معانيها حقيقةٌ بناءً على أنها متساوية في أصل الوضع اللغوي، فالمجاز المدَّعى يساوي الحقيقة في أصل الوضع اللغوي، فليكن الكل حقيقة لعدم الغرق بينهما.\n(^٢) في (ص): \"للحقائق\".\n(^٣) سورة الكهف: الآية ٧٧.\n(^٤) انظر: التلخيص ١/ ١٩٣.\n(^٥) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ١/ ٤٦٢، التحصيل ١/ ٢٣٥، الحاصل ١/ ٣٥٩، نهاية الوصول ١/ ٣٢٢، نهاية السول ٢/ ١٦٣، السراج الوهاج ١/ ٣٥٦، بيان المختصر ١/ ٢٣٠، فواتح الرحموت ١/ ٢١١، شرح الكوكب ١/ ١٩١.","vol":"3","page":764},{"text":"يُكْتَفى بمجرد) (^١) الاشتراك في أمر ما من الأمور، وإلا لجاز إطلاق اسم (^٢) كل شيء على كل (^٣) ما عداه؛ لأنه ما من شيء إلا ويشارك كل (^٤) ما عداه في أمر من الأمور، بل لا بد من المناسبة والمشاركة في أمر (خاصٍ ظاهر) (^٥). وهل يَكْفي وجود تلك العلاقة في التجوز، أم لا بد من اعتبار العرب لها، أي (^٦): بأن تستعملها فيه؟ اختلفوا فيه (^٧) على مذهبين: اختار الإمام والمصنف أنه لا بد من ذلك (^٨)، وهذا ما أشار إليه بقوله: \"المعتبر نوعها\". وصحح ابن الحاجب أنه لا يشترط ذلك (^٩) (^١٠).\nوالخلاف إنما هو في الأنواع، لا في جزئيات النوع الواحد وإنْ أوهمه كلام بعضهم، فالقائل بالاشتراط يقول: لا بد وأن تتجوز العرب بالسبب عن المسبب مثلًا. وخصمه يقول: يكفي وجود العلاقة (^١١). وهذا معنى\n_________\n(^١) في (ت): \"ولا يكفي مجرد\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ت): \"ظاهر خاص\".\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) أي: من استعمال العرب. وانظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٥٦.\n(^٩) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^١٠) انظر: بيان المختصر ١/ ١٨٨.\n(^١١) أي: وإن لم تستعمله العرب.","vol":"3","page":765},{"text":"قول المصنف: \"نوعها\" (^١).\nومما ننبه عليه قبل الخوض في تعدادها: أنا إذا أوردنا مثالًا لجهة من جهات التجوز - فلسنا قاضين عليه بأنه لا يشتمل على جهة أخرى من جهات التجوز، بل يجوز فيه (^٢) اجتماع جهتين وثلاثة، فلا يُفْهم من قولنا: مثال الجهة الفلانية كذا - الاختصاصُ بتلك الجهة، بل شَرْطه أن يشتمل على تلك الجهة مع قطع النظر عن غيرها من الجهات، وإن كان مشتملًا على جهة أخرى فإنما (لم ننبه) (^٣) عليها؛ لأنا نذكر لها مثالًا آخر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>الجهة الأولى: السببية:</span>\nوهي إطلاق اسم السبب على المسبب، وإن شئت قلت: اسم (^٤) العلة على المعلول. وهي أربعة أقسام: قابليةٌ. وقد يقال لهذا القسم: مادة وعنصرًا، وصوريةٌ، وفاعليةٌ، وغائية.\nواعلم أن كل مُتَكَوَّن في الوجود لا بد له من هذه الأسباب الأربعة، نحو: السرير: مادته الخشب والحديد، وفاعله النجار، وصورته الانسطاح،\n_________\n(^١) أي: فاشتراط الاستعمال عند مَنْ يقول به - كالمصنف - إنما هو في استعمال النوع، لا في استعمال جزئيات النوع الواحد. وهذا يفيد أن محل الخلاف في اشتراط الاستعمال إنما هو في استعمال الأنواع، لا في جزئيات النوع الواحد.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) في (ت): \"لم ينبه\".\n(^٤) سقطت من (ص).","vol":"3","page":766},{"text":"وغايته الاضطجاع عليه. فسميت الثلاثة الأُوَل أسبابًا؛ لتأثيرها في الاضطجاع، فلولا الخشب والحديد ما تماسك، ولولا الفاعل ما ترتب (^١)، ولولا الانسطاح لما (^٢) تأتى عليه (^٣) الاضطجاع. وسمى الرابع سببًا؛ لأنه الباعث على هذه الثلاثة، فلولا استشعار النفس راحة الاضطجاع لما وقع في الوجود هذه الثلاثة، وهو معنى قولهم: أول الفكر آخر العمل. ومعنى قولهم: العلة الغائية عِلةُ العِلل الثلاثةِ في الأذهان، ومعلولة العِلل الثلاثة في الأعيان (^٤).\nفإن قلت: ما وجه انحصار الأسباب (^٥) في هذه الأربعة؟\nقلت: لما كان السبب هنا: ما يتوقف عليه وجودُ الشيء - انحصرت في هذه الأقسام؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون داخلًا في ذلك الشيء أو خارجًا، والأول إما أن يكون الشيء معه بالقوة: وهو القابل، أو بالفعل: وهو الصورة العارضة له بعد التركيب. والثاني: إما أن يكون مؤثرًا في وجود ذلك الشيء: وهو الفاعل كالنجار، أو لا يكون: وهو الغاية الحاملة للمؤثِّر على التأثير، أي: الجلوس على السرير.\nمثال الأول: وهو تسمية الشيء باسم سببه القابلي (^٦) - قولُهم: سال\n_________\n(^١) في (ت): \"رتب\".\n(^٢) في (ت): \"ما\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أي: العلة الغائية هي الأول وجودًا في الذهن، والآخِر وجودًا في الخارج.\n(^٥) في (ت): \"السبب\".\n(^٦) أي: ما يكون سببًا بالقوة، مثل مادة الشيء وعنصره.","vol":"3","page":767},{"text":"الوادي. أي: ماء الوادي، فعبروا عن الماء السائل بالوادي؛ لأن الوادي سبب قابل له، إطلاقًا لاسم السبب على المسبب. هكذا مَثَّل به الإمام وأتباعه (^١) منهم المصنف.\nوفيه نظر؛ فإن الوادي ليس جزءًا للماء فلا يكون سببًا قابلًا له، والمادي (^٢) في اصطلاحهم: جنسُ ماهيةِ الشيء. كما عرفت في الخشب مع السرير (^٣).\nمثال الثاني: وهو تسمية الشيء باسم سببه الصوري - إطلاق اليد على القدرة كما في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (^٤) أي: قدرة الله فوق قدرتهم (^٥)، فإن اليد صورةٌ خاصة يتأتى بها الاقتدار\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٤٩، التحصيل ١/ ٢٣٣، الحاصل ١/ ٣٥٤.\n(^٢) نسبة إلى مادة الشيء.\n(^٣) فجنس ماهية السرير الخشب. قال الإسنوي: \"ويظهر أن هذا من باب تسمية الحال باسم المحل، أو من مجاز النقصان الآتي، وتقديره: ماء الوادي\". نهاية السول ٢/ ١٦٥.\n(^٤) سورة الفتح: الآية ١٠.\n(^٥) قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في هذه الآية: \"فيه أربعة أقوال: أحدها: يد الله في الوفاء فوق أيديهم. والثاني: يد الله في الثواب فوق أيديهم. والثالث: يد الله عليهم في المنة والهداية فوق أيديهم بالطاعة. ذكر هذه الأقوال الزجاج. والرابع: قوة الله ونصرته فوق قوتهم ونصرتهم، ذكره ابن جرير وابن كيسان\". زاد المسير ٧/ ٤٢٧، وانظر: تفسير القرطبي ١٦/ ٢٦٧، فتح القدير ٥/ ٤٧، تفسير ابن كثير ٤/ ١٨٥، التسهيل لعلوم التنزيل ص ٦٤٢.","vol":"3","page":768},{"text":"على الشيء (^١)، فَشَكْلها (^٢) مع الاقتدار كشكل السرير مع الاضطجاع، وهو (^٣) سبب صوري، فتكون اليد كذلك (^٤)، فإطلاقها على القدرة إطلاق لاسم السبب الصوري على المسبَّب. وإذا تأملت هذا فاعلم أن المثال انعكس على الإمام وأتباعه إلا الشيخ صفي الدين الهندي، فقالوا ومنهم المصنف: \"كتسمية اليد قدرة\" (^٥) والصواب: كتسمية القدرة يدًا (^٦). وكذا وقع في الآية الكريمة (^٧).\nمثال الثالث: وهو تسمية الشيء باسم سببه الفاعلي (^٨) - قولهم: نزل السحاب. أي: المطر، فإن السحاب في العُرْف سببٌ فاعلي في المطر (^٩)، كما تقول: النار تحرق الثوب.\n_________\n(^١) قال الجاربردي: \"لأن اليد سبب صوري للقدرة؛ إذ بها يظهر البطش، والأخذ، والضرب، والدفع، وغير ذلك من الأفعال التي تخبر عن وجود القدرة\". السراج الوهاج ١/ ٣٦٠.\n(^٢) أي: صورتها: وهو تجويفُ راحتها، وصِغَر عظمها، وانفصال بعضها عن بعض لتلتوي على الأشياء بقوة. نهاية السول ٢/ ١٦٦.\n(^٣) أي: شكل السرير وصورته.\n(^٤) أي: تكون اليد سببًا صوريًا.\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٤٩، التحصيل ١/ ٢٣٣، الحاصل ١/ ٣٥٤. قال الإسنوي: \"وقد ذكره الإمام في المنتخب على الصواب\". نهاية السول ٢/ ١٦٦.\n(^٦) كذا قال صفي الدين الهندي. انظر: نهاية الوصول ٢/ ٣٤٨.\n(^٧) أي: قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾.\n(^٨) في (ص): \"الفاعل\".\n(^٩) أي: فلولا السحاب لما نزل المطر، فالسحاب فاعل للمطر.","vol":"3","page":769},{"text":"مثال الرابع: وهو تسمية الشيء باسم سببه الغائي - تسميتهم العنب بالخمر، كما في قوله تعالى حكايةً: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (^١) فأطلق العنب على الخمر (^٢)؛ لأن الخمرَ غايةٌ مقصودة من زراعة العنب وعصره عند بعض الناس.\nقال: (والمسببية: كتسمية المرض المُهْلِك بالموت، والأول (^٣) أولى للاستلزام (^٤) على التعيين. ومنها: الغائية؛ لأنها علة في الذهن ومعلولة في الخارج).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>العلاقة الثانية: المسببية:</span>\nوهي إطلاق اسم المسبب على السبب، مثل: تسميتهم المرض المُهْلِك موتًا؛ لأن الله تعالى جعل المرض الشديد في العادة سببًا للموت، وهنا بحثان أشار إليهما في الكتاب:\nأحدهما: أن التجوز بلفظ السبب عن المسبب أولى من العكس؛ لأن السبب المعيَّن يستدعي مسبَّبًا معيَّنًا، والمسبب المعيَّن لا يستدعي سببًا معيَّنًا بل سببًا ما، ألا ترى أن اللمس يدل على انتقاض الوضوء (^٥)، وانتقاض\n_________\n(^١) سورة يوسف: الآية ٣٦.\n(^٢) هذا سهو من الشارح رحمه الله تعالى؛ إذ الصواب: فأطلق الخمر على العنب. وهو قد نبَّه على مثل هذا السهو قبل قليل في إطلاق اليد على القدرة.\n(^٣) في (ت): \"والأُولى\".\n(^٤) في (ص): \"للالتزام\".\n(^٥) فاللمس سبب، وانتقاض الوضوء مسبب.","vol":"3","page":770},{"text":"الوضوء لا يدل على اللمس؛ لجواز أن يكون بمسٍّ أو بول أو غيرهما. فلما كان فهمُ المسبَّب من السبب أسرع - كان التجوز به (^١) في حالة الإطلاق (^٢) أولى.\nولقائل أن يقول: هذا (^٣) واضح على رأي مَنْ يجوِّز تعليلَ المعلولين المتماثلين بعلتين مختلفتين (^٤)؛ لأن العلم بالمعلول حينئذ لا يستلزم العلمَ بالعلة، وأما العلم بالعلة المعيَّنة فإنه يستلزم العلم بالمعلول المعيَّن، وأما من لم يجوز ذلك فقد يمنع هذا.\nالبحث الثاني: قد عرفت انقسام العلة الأولى إلى أربع علل، وأوْلاها (^٥) العلة الغائية، وهذا معنى قول المصنف: \"ومنها الغائية\" أي: وأَوْلى منها الغائية؛ لأنها حال كونها ذهنية علة العلل، وحال كونها خارجية معلول العلل (^٦)، فقد حصل لها علاقتا العلية والمعلولية، وكل واحدة منهما علة تُحَسِّنُ التجوز (^٧).\n_________\n(^١) أي: بالسبب عن المسبب.\n(^٢) أي: في حالة التكلم.\n(^٣) أي: كون فهم المسبب عن السبب أسرع.\n(^٤) لو قال: على رأي مَنْ يجوز تعليل المعلول الواحد بعلتين مختلفتين - لكان أوضح للمراد.\n(^٥) أي: أَوْلى العِلل.\n(^٦) فهي في الذهن أول وجودًا، وفي الخارج آخر وجودًا.\n(^٧) أي: كل واحدةٍ مِنْ علاقتا العلية والمعلولية علة يحسن بها التجوز، فإذا أردنا بالغائية كونها علة فيكون المجاز في إطلاق المعلول على العلة، وإذا أردنا بها كونها معلولًا =","vol":"3","page":771},{"text":"قال: (والمشابهة: كالأسد للشجاع والمنقوشِ، وتسمى الاستعارة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>العلاقة الثالثة: المشابهة:</span>\nوهي تسمية الشيء باسم شبيهه (^١)، إما في صفة ظاهرة خاصة بمحل الحقيقة، كإطلاق اسم الأسد (على الشجاع، والحمار على البليد. وإما في الصورة كإطلاق اسم الأسد) (^٢)، أو الفرس مثلًا على المنقوش المصوَّر في الحائط بصورته.\nقوله: \"وتسمى الاستعارة\"، هذا يحتمل أن يعود إلى المنقوشِ وحدَه أي: ويُخَصُّ المنقوشُ الذي هو أحد قسمي المشابهة (بتسميته بالاستعارة) (^٣)، وهذا لم نر أحدًا ذكره. ويحتمل أن يعود إلى أصل المشابهة أي: أن مجاز المشابهة مسمى بالمستعار (^٤).\nوأما الإمام فإنه قال: إن المسمى بالاستعارة ليس إلا المُشَابِه المعنوي (^٥)\n_________\n= فيكون المجاز في إطلاق العلة على المعلول، ففي العلة الغائية مجازٌ من الطرفين: العلة عن المعلول، والمعلول عن العلة.\n(^١) في (ت): \"شبهه\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (غ): \"بتسمية الاستعارة\".\n(^٤) في (ت): \"بالمستعارة\". وهو خطأ وسَبْق قلم من الناسخ. قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \"وهذا النوع يسمى المستعار؛ لأنه لما أشبهه في المعنى أو الصورة استعرنا له اسمه فكسوناه إياه، ومنهم من قال: كل مجاز مستعار، حكاه القرافي\". نهاية السول ٢/ ١٦٧.\n(^٥) كقولك: زيدٌ كالأسد. أما المُشَابِه الحسي وهو المنقوش على صورة الأسد مثلًا، =","vol":"3","page":772},{"text":"كتسمية الشجاع أسدًا (^١). وتبعه عليه صفي الدين الهندي (^٢). وعلى كل حال فالاستعارة بهذا الاصطلاح أخص من المجاز؛ لأنها مختصة ببعض أنواعه. وقيل: هما متساويان؛ لمان اللفظ إذا وضع لمعنى يستحقه ذلك المعنى بسبب الوضع، فيكون استعماله في غيره على وجه العارية.\nقال: (والمضادة مثل: جزاء سيئةٍ سيئةٌ مثلها).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>العلاقة الرابعة: المضادة:</span>\nوهي تسمية الشيء باسم ضده. مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (^٣) أطلق على الجزاء سيئة مع أنه ليس بسيئة، و(^٤) مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (^٥). قال الإمام: ويمكن جعل هذا (^٦) من مجاز المشابهة؛ لأن جزاء السيئة يشبهها (^٧) في كونها (^٨) سيئة بالنسبة إلى مَنْ وَصَل إليه ذلك الجزاء.\n_________\n= فلا يدخل في الاستعارة.\n(^١) هذا مفهوم كلام الإمام، وليس نص كلامه. انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٥١.\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ٢/ ٣٥١.\n(^٣) سورة الشورى: الآية ٤٠.\n(^٤) سقطت الواو من (غ).\n(^٥) سورة البقرة: الآية ١٩٤.\n(^٦) اى: مجاز المضادة.\n(^٧) سقطت من (ت)، و(غ). وقوله: يشبهها، أي: يشبه السيئة.\n(^٨) هكذا عبارة المحصول ١/ ق ١/ ٤٥٢، ولكن لعل الأحسن: في كونه. أي: كون الجزاء.","vol":"3","page":773},{"text":"ومن أمثلة الفصل (^١): تسميتهم البَرِّيَّة المُهْلِكة بالمفازة تفاؤلًا، واستعمالهم صيغة الدعاء على الإنسان بمعنى الدعاء له (^٢) مثل قولهم: قاتله الله ما أحسن ما قال. ومِنْ هذا قوله - ﷺ -: \"عليك بذات الدين تربت يداك\" (^٣) عند مَنْ يقول الممَصود بها الدعاء له (^٤) وبعضهم يقول: إن لم تظفر بذات الدين سُلِبْتَ البركةَ؛ (فافتقرتَ بذلك) (^٥). كذا حكاه الروياني في أوائل كتاب النكاح من البحر، وحكى عن ابن شهاب الزهري (^٦) قولًا ثالثًا: وهو جعل اللفظ على حقيقته (^٧)، وأنه إنما\n_________\n(^١) أي: من أمثلة مجاز المضادة.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) متفق عليه، أخرجه البخاري ٥/ ١٩٥٨، في كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، رقم ٤٨٠٢، ولفظه: \"فاظفر بذات الدين\". ومسلم ٢/ ١٠٨٦ - ١٠٨٧، في كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، رقم ١٤٦٦، ٧١٥، ولفظ أول الحديثين كالبخاري، والثاني: \"فعليك بذات الدين. . .\". وأخرجه بهذا اللفظ الثاني النسائي في السنن ٦/ ٦٥، كتاب النكاح، باب على ما تنكح المرأة، رقم ٣٢٢٦، والترمذي ٣/ ٣٩٦، كتاب النكاح، باب ما جاء أن المرأة تُنكح على ثلاث خصال، رقم ١٠٨٦.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ت): \"فاصفرت يداك\".\n(^٦) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهريّ، الفقيه أبو بكر الحافظ، أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام. ولد سنة ٥٠ هـ. كان من أسخى الناس. توفي سنة ١٢٣ هـ، وقيل غير ذلك. انظر: حلية ٣/ ٣٦٠، تذكرة ١/ ١٠٨، سير ٥/ ٣٢٦، تهذيب ٩/ ٤٤٥.\n(^٧) فيكون على هذا المعنى لا يصلح مثالًا لمجاز المضادة؛ لأنه محمولٌ على حقيقته.","vol":"3","page":774},{"text":"قال له (^١) ذلك لأنه رأى الفقر خيرًا له من الغنى (^٢).\nقال: (والكلية كالقرآن لبعضه).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>العلاقة الخامسة: الكلية:</span>\nوهي إطلاق اسم الكل على الجزء. ومَثَّل له الإمام بإطلاق لفظ العام وإرادة الخاص (^٣)، وفيه نظر؛ لأن دلالة العموم من باب الكلية لا من باب الكل، والفرد منه (^٤) من باب الجزئية لا (من باب) (^٥) الجزء، وتحقيق هذا يُتَلَّقى مِنْ فاتحة كتاب العموم والخصوص من هذا الشرح، وسننتهي إليه إن شاء الله تعالى. والمصنف مَثَّل له بإطلاق لفظ القرآن على بعضه، وليس بجيد أيضًا؛ لأن القرآن من الألفاظ المتواطئة يطلق بالحقيقة على كله، وعلى بعضه عند التجرد من الألف واللام، وعند الاقتران بها إذا أريد بها (^٦) مطلق الماهية (^٧). ويطلق على ما يُراد منه إذا اقترن بالألف واللام وأريد بها\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: شرح مسلم للنووي ٣/ ٢٢١، فتح الباري ٩/ ١٣٥، فيض القدير للمناوي ٣/ ٢٧١، نهاية المحتاج ٦/ ١٨١.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٥٢.\n(^٤) أي: من العام.\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٦) أي: بالألف واللام.\n(^٧) وهي الألف واللام التي للجنسية. والمعنى: أن إطلاق لفظ: \"قرآن\"، أو \"القرآن\" بالألف واللام التي للجنسية - على بعضه ليس من قبيل المجاز.","vol":"3","page":775},{"text":"معهودٌ إما كله وإما بعضه (^١)، فإن اقترن بالألف واللام (ولا أريد بها معهود) (^٢)، ولا أريد مطلق الماهية - كانت الألف واللام للعموم، فيحمل على جميع القرآن؛ لأنه جميع ما يصلح له اللفظ (^٣)؛ لأن لفظ القرآن لم يطلق على غير الكتاب العزيز (^٤) بالحقيقة.\nفإن قلت: لو كان لفظ القرآن من الألفاظ المتواطئة - لحنث الحالف على أن لا يقرأ القرآن بقراءة بعضه، كالحالف على أن لا يشرب الماء والعسل يحنث بقليله وكثيره، وقد ذكرتم في الحقيقة الشرعية أن المذهب المنصوص يقتضي (^٥) خلاف ذلك.\nقلت: ليس هذا (كالحالف على أن) (^٦) لا يشرب الماء والعسل وغير ذلك من الألفاظ المتواطئة، حيث يحنث فيها بالبعض؛ لأن تلك الحقائق أفرادها كثيرة لا تتناهى فلا يمكن الحمل فيها على العموم، بخلاف لفظ القرآن فإن أفراده سور القرآن وآياته، والحَمْل على العموم فيها ممكن؛ فوجب المصير إليه عند عدم العهد؛ لما قدمنا من أنه لم يطلق على غير\n_________\n(^١) فإذا قال شخصٌ: قرأت القرآن، والمعهود منه قراءة بعضه - فُهم منه ذلك لا غيره. وإذا قال آخر: قرأت القرآن، والمعهود منه قراءة جميعه - فهم منه الجميع؛ لأن الألف واللام التي للعهد تدل على المعهود.\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"ولم يكن معهودًا\"، وفي (غ): \"ولا أريد معهود\".\n(^٣) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"اللفظة\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٦) في (ت)، و(غ): \"كالحلف على أنه\".","vol":"3","page":776},{"text":"الكتاب العزيز.\nوإذا تقرر هذا فنقول: كان الأحسن أن يُمَثِّل لهذا النوع من المجاز بقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ (^١) أي: أناملهم (^٢).\nقال: (والجزئية: كالأسْود للزنجي، والأول أقوى للاستلزام).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>العلاقة السادسة: الجزئية:</span>\nوهي إطلاق الجزء وإرادة الكل. كقولهم للزنجي أسود وليس كله أسود، ألا ترى إلى بياض عينيه وأسنانه، فيكون إطلاق الأسود على المجموع المركب من أعضائه ومن الجِلد وغيره - مِنْ باب إطلاق اسم الجزء على الكل. (هكذا مَثَّل) (^٣) به في الكتاب تبعًا للإمام (^٤).\nولقائل أن يقول: إطلاق الأسود على الزنجي إنما يكون مجازًا أن لو كان المراد به وصفُ جميع أعضائه بالسواد، وليس كذلك، بل مفهوم الأسود مَنْ قام السواد بظاهر جلده فقط، لا جميع أعضائه حتى العينين والأسنان؛ لأن ما ثبت له المشتق شيء له المشتق منه (^٥)،\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١٩.\n(^٢) أي: ذُكر الكل وأُريد به الجزء، فالأصابع كل، والأنامل جزء، فأريد بالأصابع الأنامل. وقد اعترض الإسنوي رحمه الله تعالى على تمثيل الإمام وتمثيل المصنف كما فعل الشارح، ومثل بهذه الآية التي مَثَّل بها الشارح. انظر: نهاية السول ٢/ ١٦٧.\n(^٣) في (ت): \"هذا ما مثل\".\n(^٤) انظر المحصول ١/ ق ١/ ٤٥٢.\n(^٥) توضيح الجملة بإعرابها: أن: حرف توكيد ونصب. وما: اسم موصول مبني على =","vol":"3","page":777},{"text":"وذلك (^١) أعم من كونه ثابتًا لكله أو بعضه، كما نقول لمكسور إحدى (^٢) الرجلين: أعرج. والأَوْلى أن يُمَثِّل لهذا النوع بقولهم: فلان يملك كذا رأسًا من الغنم، أو ذَبَح كذا رأسًا من البقر (^٣).\nقوله: \"والأول\" أي: إذا تعارض القسم الخامس والسادس فالأول الذي هو الخامس أولى من السادس؛ لأن الكل مستلزم للجزء (^٤)، والجزء لا يستلزم الكل، فكانت دلالة الأول أقوى لذلك.\nقال: (والاستعداد: كالمسكر للخمر في الدَنِّ).\n_________\n= السكون في محل نصب اسمها. ثبت: فعل ماض. له: جار ومجرور متعلِّق بثبت. المشتق: فاعل ثبت. وجملة الفعل والفاعل صلة الموصول لا محل لها من الإعراب. شيء: خبر أن مرفوع، والعائد على \"ما\" الضمير المجرور؛ باللام في \"له\"، أو الضمير المستتر في اسم المفعول \"المشتق\"، تقديره هو، فهو نائب فاعل لاسم المفعول، وهو عائد على \"ما\" الموصولة. له: جار ومجرور متعلِّق بمحذوف خبر مقدَّم، وتقدير المحذوف: ثبت. المشتق: مبتدأ مؤخر. منه: جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل. ومعنى الجملة: أن ما ثبت للمشتق منه - الذي هو السواد هنا - ثبت للمشتق - الذي هو أسود هنا - ولا يلزم أن يثبت للمشتق ما ثبت للمشتق منه بكامله فقد يثبت بعضه أو كله، فلا يلزم مِنْ وصفنا للزنجي بأسود ثبوت السواد بكامله له، حتى يكون أسود في كل أجزائه، بل يكفي السواد في البعض وهو الجلد.\n(^١) أي: ثبوت المشتق منه \"وهو السواد\" للمشتق \"وهو أسود\".\n(^٢) في (ت)، و(ك)، و(غ): \"أحد\". وما أثبتناه أولى؛ لأن الرِّجْل أنثى. انظر: لسان العرب ١١/ ٢٦٧، المصباح المنير ١/ ٢٣٦، مادة (رجل).\n(^٣) أي: ذُكر الرأس وأريد به الكل.\n(^٤) في (ص): \"للخبر\". وهو خطأ.","vol":"3","page":778},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-279>العلاقة السابعة: الاستعداد</span>.\nوهي تسمية الشيء المُسْتَعِدِّ لأمرٍ باسم ذلك الأمر. مثل: تسمية الخمر حال كونه في الدَّنِّ بالمُسْكِر (^١).\nولقائل أن يقول: إذا كان الخمر اسمًا لما يخامر (^٢) العقل - فلا يصدق حقيقةً إلا حال (^٣) مخامرته للعقل وهي حالة الإسكار؛ فيكون إطلاق الخمر على عصير العنب المودع في الدن مجازَ استعدادٍ، ويكون التمثيل بإطلاق الخمر (على هذا العصير لا بإطلاق المسكر على الخمر) (^٤) (^٥)، وقد يمثل\n_________\n(^١) الدَّنُّ: هو الجرة الضخمة. قال في المصباح ١/ ٢١٥، مادة (دن): \"الدن كهيئة الحُبِّ، إلا أنه أطول منه، وأوسع رأسًا، والجمع دِنان، مثل: سَهْم وسِهام\". وفي لسان العرب ١/ ٢٩٥، مادة (حبب): \"والحُبُّ: الجرة الضخمة. . . وهو فارسي معرب. . وقال أبو حاتم: أصله حُنْبٌ فَعُرِّب، والجمع أحْبَاب وحِبَبةٌ وحِبابٌ\". والمراد أن الخمر حال كونه في الدن لا يُسكر؛ لأنه إنما يسكر حينما يصل إلى جوف الإنسان، فتسميته بالمسكر وهو في الدن مجاز، والعلاقة هي الاستعداد، أي: هو مسكر بالاستعداد.\n(^٢) في (ص): \"خامر\".\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"حالة\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) الماتن لم يطلق هذا، بل قَيَّده فقال: \"كالمسكر للخمر في الدن\". فقوله: في الدن - قيد لا إطلاق. فالخمر حقيقةً هي ما خامر العقل وهذا لا يكون إلا حالة الإسكار، والخمر في الدن ليس بخمرٍ ولا مسكرة حقيقة، لكنها خمر ومسكرة بالاستعداد، فإذا وصلت إلى الجوف خامرت العقل وأسكرت، فمثال الماتن صحيح، ومثال الشارح صحيح أيضًا، ولا تنافي بينهما.","vol":"3","page":779},{"text":"لهذا (^١) أيضًا بإطلاق الكاتب على العارف بالكتابة عند عدم (^٢) مباشرته لها، وكذا استعمال كل مشتق باعتبار الاستقبال (^٣).\nقال: (والمجاوَرَة: كالراوية للقربة).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>العلاقة الثامنة: المجاورة:</span>\nوهي تسمية الشيء باسم ما يجاوره. كإطلاق لفظ \"الراوية\" على \"القربة\" التي هي ظرف للماء، فإن الراوية في اللغة: اسم للجَمَل والبغل والحمار الذي يُستقى عليه، كما قاله (^٤) الجوهري وأنشد لأبي النجم (^٥):\nتمشي من الرِّدَّة مَشْي الحُفَّلِ ... مشْي الروايا بالمزاد الأثْقَلِ (^٦)\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) كقولنا: الضارب غدًا، القادم غدًا، المسافر غدًا. . . إلخ فهذه مشتقات أطلقت مجازًا، وهي من مجاز الاستعداد؛ لأن الوصف وهو المشتق لم يقم حقيقةً حال التكلم، بل يقوم في المستقبل، فالوصوف مستعدٌ الآن للوصف.\n(^٤) في (ت): \"قال\".\n(^٥) هو الفضل بن قُدَامة، أبو النجم العِجْليّ، من عِجْل، من شعراء العهد الأُمَويّ، انظر: الشعر والشعراء ٢/ ٦٠٣.\n(^٦) انظر: الصحاح ٦/ ٢٣٦٥. والحُفَّل جمع حافِل: وهي الناقة أو الشاة الممتلئةُ ضرعُها باللبن، من قولهم: حَفَل اللبن في الضرع يَحْفِل حَفْلًا وحُفُولًا وتحفّل واحتفل: اجتمع. انظر: لسان العرب ١١/ ١٥٦ - ١٥٧، مادة (حفل). والرِّدَّة: هي امتلاء الضرع من اللبن قبل النَّتَاج (أي: الولادة). انظر: الصحاح ٢/ ٤٧٣، لسان العرب ٣/ ١٧٤، تاج العروس ٤/ ٤٥٠، مادة (ردد). والرَّوَايا: جمع راوية: وهو البعير =","vol":"3","page":780},{"text":"ثم إنه (^١) أُطلق على القربة لمجاورتها له.\nقال: (وتسمية الشيء باسم ما كان عليه: كالعبد).\nهذه العلاقة وهي التاسعة ساقطة من (^٢) كثير من النسخ؛ لتقدمها في كلام المصنف في فصل الاشتقاق. وحاصلها: أن من المجازات تسمية الشيء باعتبار ما كان عليه كتسمية العبد الذي عَتَق بالعبد (^٣)، وتسمية مَنْ ضَرَب بعد انقضاء الضرب بالضارب على ما تقدم البحث فيه (^٤).\nقال: (والزيادة والنقصان: مثل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٥) (﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^٦» (^٧».\n_________\n= الذي يُسْتَقَى عليه الماء. انظر: لسان العرب ١٤/ ٣٤٦، مادة (روي). والمزاد، والمزادة: الظرف الذي يُحمل فيه الماء، انظر: لسان العرب ٣/ ١٩٩، مادة (زيد). والمعنى والله أعلم: أن الشاعر يصف ناقته بكثرة اللبن وهي عشراء قبل نتاجها، وأنها بسبب امتلاء ضرعها تمشي مشي الحفَّل، ومشي الروايا اللاتي وُضع عليهن المزاد الأثقل.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص): \"في\".\n(^٣) في (ت): \"العبد\".\n(^٤) ومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ فأطلق عليهم يتامى باعتبار ما سبق، وإلا فهم حال الأمر بإتيانهم أموالَهم ليسوا يتامى.\n(^٥) سورة الشورى: الآية ١١.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) سورة يوسف: الآية ٨٢.","vol":"3","page":781},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>العلاقة العاشرة: الزيادة</span>.\nوهو (^١) أن يكون الكلام ينتظم بإسقاط شيء منه، فيحكم بزيادة ذلك الشيء. (ومثاله) (^٢): قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٣»، فإن الكاف زائدة والتقدير: ليس مثله شيء (^٤)، والدليل على أنها زائدة أنها لو لم تكن كذلك لكان التقدير: ليس مِثْلُ مِثْله شيء إذ الكاف بمعنى: مثل، فيكون له تعالى مِثْلٌ وهو محال، والغرض بالكلام نفيه.\nوقد اعترض الناس على هذا التمثيل بأن الكاف في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ غير زائدة، وأجابوا عما ذُكِر بأجوبةٍ عدة، استحسن الأذكياء منها جوابَ مَنْ قال: لا نسلم أن قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ المراد منه (^٥) نفي\n_________\n(^١) في (غ)، و(ك): \"وهي\".\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"مثاله\" ..\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) قال القرافي رحمه الله تعالى في نفائس الأصول ٢/ ٧٩٠: قال العلماء: \"الكاف\" يجب أن تكون زائدة؛ لأنها لو كانت أصلية لكان معنى الكلام: \"ليس مثلُ مثله شيء\"، فتكون الآية تقضي أن له مثلًا، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا؛ لأنك إذا قلت: ليس مثل ابن زيد أحد، يكون له ابن، فيتعين أن تكون الكاف زائدة، فيصير معنى الكلام: ليس مثله شيء. ولا يكون للكاف معنى ألبتة غير تأكيد نفي المثل عنه ﷾، كما تقدم النقل عن ابن جني أنه قال: \"كل حرف زيد في كلام العرب فهو قائم مقام إعادة الجملة مرة أخرى\"، فيكون معنى هذه الآية: ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، مرتين للتأكيد. اهـ. فظهر من هذا الكلام أنه ليس مراد العلماء بزيادة الحرف عدم الفائدة، بل عدم معنى مضاف إلى معنى الكلام، وفائدته تأكيد معنى الكلام، فهو قائم مقام إعادة الجملة مرتين.\n(^٥) سقطت من (ت).","vol":"3","page":782},{"text":"المثل، بل هو محمول على حقيقته: وهو نفي مِثْلِ مِثْله، ويلزم مِنْ نفي مِثْل المِثْل نَفْيُ المِثْلِ ضرورةَ أنَّ مِثْلَ المِثْلِ مِثْلٌ؛ إذ المماثلة لا تتحقق إلا من الجانبين (^١)، فمتى كان زيدٌ مِثْلًا لعمروٍ - كان عمروٌ مِثْلًا له (^٢)، وقد نفى المثل (^٣).\nوأُورد على هذا الجواب وجهان:\nأحدهما: أنه يلزم أن لا يكون النص مفيدًا لنفي المثل ما لم يُضَم إليه هذه المقدمة (^٤)، والأُمَّة قد عَقَلَتْ منه (^٥) نفيَ المثل بدونها.\nوأجاب عنه صفي الدين الهندي: \"بمنع أن الأُمّة بأسرها قد (^٦) عقلت منه ذلك من غير اعتبار تلك المقدمة، قال: وكيف يقال ذلك وفي الأمة مَنْ يُنْكِر أن يكون في كلام الله تعالى مجاز! ومنهم مَنْ ينكر أن يكون فيه زيادة لا معنى لها، ولا يمكن حمل الآية على نفي المثل إلا بعد الاعتراف بهذين الأصلين (^٧)، (بل القائلون بهذين الأصلين) (^٨) جاز أن يفهموا منه نفي المثل\n_________\n(^١) يعني: انتفاءُ مِثْلِ المِثْل يستلزم انتفاءَ المِثْل بطريق الأولى؛ لأن مِثْل المِثْل مثلٌ، فهما متساويان، لأن كلًا منهما مماثل للآخر في كل شيء، فانتفاء أحدهما انتفاء للآخر.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: فيكون نفيًا لهما.\n(^٤) وهي ما سبق قوله: إنَّ نفي مِثْل المثل يلزم منه نفيُ المثل. . . إذ المماثلة لا تتحقق إلا من الجانبين.\n(^٥) أي: من النص.\n(^٦) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٧) وهما إثبات المجاز، والإقرار بوجود زيادة لا معنى لها.\n(^٨) وعبارة (ت): \"بلى القائلون. . .\" وفي نهاية الوصول ٢/ ٣٣٠: \"على القائلين\". =","vol":"3","page":783},{"text":"على سبيل الاستقلال، وجاز أن يفهموا ذلك منه بواسطة ما ذكرنا من المقدمة\" (^١).\nوالثاني: أنه إذا (^٢) كان قد نَفَى مِثْل المِثْل والذات من جملة مِثْل المثل - لزم أن تكون الذات منفية، وهو أقوى الإيرادين.\nوأجاب بعضهم عن هذا: بأن الذات لما كانت ثابتةً قطعًا بالبرهان القاطع الخارجي بقي ما عداها منفيًا.\nوذكر القرافي في الجواب: أنه (^٣) إنما يلزم نفي الذات من جهة أنها مِثْلٌ، فإنها بقيد المثلية أخصُّ منها من حيث هي هي، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فهذا النفي حق ولا يلزم نفي واجب الوجود (^٤).\nثم إن القرافي اعترض على هذا الجواب بما لا نطيل بذكره (^٥) (^٦).\n_________\n= فقد تحرفت \"بل\" إلى \"على\" ثم تَصَرَّف المحقق فجعل \"القائلون\" مجرورة بالياء \"القائلين\" ظنًا منه أنها مجرورة بعلى، والصواب أنها \"بل\"، والمعنى لا يستقيم إلا بهذا.\n(^١) انظر: نهاية الوصول ٢/ ٣٢٩ - ٣٣٠.\n(^٢) في (ص): \"إنْ\".\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"بأنه\".\n(^٤) فالآية اشتملت على نفي الأخص وهو نفي الذات من حيث المثلية، ولم تشتمل على نفي الأعم وهو نفي الذات من حيث هي هي، أي من حيث حقيقتها وماهيتها بدون أي قيد، فَيَؤُول الحال أن النفي إنما حصل للمماثلة، وذلك ليس بمحال، بل واجب. انظر: نفائس الأصول ٢/ ٧٩١.\n(^٥) في (ت): \"ذكره\".\n(^٦) انظر: نفائس الأصول ٢/ ٧٩٠، ٧٩١.","vol":"3","page":784},{"text":"والتحقيق أن الجوابين خارجان عن صَوْب (^١) التحقيق، وإنما الجواب الدقيق الذي ليس بعده شيء ما قرره لنا (^٢) غيرَ مرةٍ والدي أطال الله بقاه فقال: تقدير الكلام: ليس شيءٌ كمثله، فشيء اسم ليس وهو المبتدأ، وكمثله الخبر، فالشيء الذي هو موضوع، قد نُفِيَ عنه المثل الذي هو محمول، فهو (^٣) منفي عنه لا منفيٌ؛ فيكون (^٤) ثابتًا، فلا (^٥) يلزم أن تكون الذات المقدسة منفية (^٦)، وإنما المنفيُّ مِثْلُ مِثْلِها، ولازمه نفي مثلها، وكلاهما منفي عنها (^٧). والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>العلاقة الحادية عشر: النقصان:</span>\nأي: المجاز بالنقصان في اللفظ (^٨). مثل: قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^٩) تقديره: واسأل أهل القرية، إذ القرية عبارة عن الأبنية وهي لا\n_________\n(^١) صوب بمعنى صواب، يقال: قول صَوْب وصواب. انظر: لسان العرب ١/ ٥٣٥، مادة (صوب).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: الشيء.\n(^٤) أي: الشيء.\n(^٥) في (ك): \"ولا\".\n(^٦) لأن تقدير الآية: ليس ذاتٌ كمثلة، أي: كمثل ذاته. فالذات لله تعالى مثبتة، والمنفي هو المِثْلية.\n(^٧) أي: عن الذات المقدسة.\n(^٨) قال الإسنوي في تعريف هذا النوع: هو أن ينتظم الكلام بزيادة كلمة فيعلم نقصانها. انظر: نهاية السول ٢/ ١٦٨.\n(^٩) سورة يوسف: الآية ٨٢.","vol":"3","page":785},{"text":"تُسأل.\nولقائل أن يقول: يحتمل أن يكون (^١) الله خلق في القرية قدرة الكلام، ويكون ذلك معجزة لذلك النبي، ويبقى اللفظ على حقيقته. لا يقال: الأصل عدم هذا الاحتمال؛ لأنا نقول: هذا مُعَارَض بأن الأصل عدم المجاز، على أن هذا كله (^٢) مُفَرَّع على أن القرية السم للأبنية المجتمعة، أما إنْ قلنا: إنها مُشْتَركة بينها وبين الناس المجتمعين، إما باشتراك لفظي أو معنوي - فالاستدلال ساقط بالكلية. ثم الذي يدل على أن القرية حقيقة في الناس المجتمعين أيضًا قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ (^٣) ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ (^٤) ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ (^٥) (^٦)؛ ولأن القرية مشتقة من \"القَرْء\": وهو الجمع\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) أي: القول بالمجاز، وأن المراد أهل القرية لا القرية.\n(^٣) سورة الأنبياء: الآية ١١.\n(^٤) سورة الحج: الآية ٤٨.\n(^٥) سورة قصص: الآية ٥٨.\n(^٦) فالظلم والبطر لا يكونان من البنيان، بل من الناس، وكذا الإهلاك إنما يقع على الناس لا على البنيان. وهذا الاستدلال بهذه الآيات على أن المراد بالقرية هم الناس المجتمعون يَرِد أيضًا على آية: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فإنها يمكن أن تدل على أن المراد بالقرية هم الناس المجتمعون، لكن دلالة هذه الآيات ليست صريحة؛ إذ يمكن تأويل آية ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾: أي: وكثيرًا قصمنا من أهل قرية. انظر: تفسير أبي السعود ٦/ ٥٨: وكذا آية الحج: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾. قال أبو السعود ٦/ ١١٢: \"أي: وكم من أهل قرية، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه =","vol":"3","page":786},{"text":"ومنه: قرأت الماء في الحوض، أي: جمعته (^١)، ومنه: القِرا (^٢): وهو الضيافة لاجتماع الناس لها. وهذا كله حَرَكة البحث والنظر. والأول هو المُرْتَضى أعني: أن المراد سؤال أهل القرية، كيف والشافعي - ﵁ - قد نص عليه في \"الرسالة\"، ونَقَله عن أهل العلم باللسان وسَمَّى هذه الآية وأمثالها بالصنف (^٣) الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره، فقال ما نصه: \"باب الصنف الذي يدل لفظه على باطنه دون ظاهره (^٤) \" (^٥). قال الشافعي: \"قال الله جل ثناؤه وهو يحكي قول إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١) وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ (^٦) فهذه الآية\n_________\n= في الإعراب ورجع الضمائر والأحكام مبالغة في التعميم والتهويل\". وكذا أيضًا آية القصص: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ أي: وكثير من أهل قرية. فالحاصل أن الاستدلال بهذه الآيات على كون \"القرية\" تطلق حقيقة على الناس المجتمعين ليس صريحًا، بل هو كالاستدلال بآية ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ على أن المراد بالقرية في الآيات الثلاث السابقة: هو الناس المجتمعون، أي: هو استدلال لا يزيد الدلالة وضوحًا، بل كل الآيات دالة على معنى القرية من جهة واحدة محتملة. والله تعالى أعلم.\n(^١) انظر: لسان العرب ١/ ١٢٨، مادة (قرأ)، ١٥/ ١٧٨، مادة (قرا).\n(^٢) في (ص): \"القراء\". وفي اللسان ١٥/ ١٧٩ مادة (قرا): وقَرَى الضيف قِرًى وقَراء: أضافه.\n(^٣) في (ت): \"الصنف\".\n(^٤) فالقرية في الظاهر هي البنيان، وفي الباطن هي الناس.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سورة يوسف: الآيتان ٨١، ٨٢.","vol":"3","page":787},{"text":"في معنى الآيات قبلها لا يختلف أهل العلم باللسان أنهم إنما يخاطِبون أباهم بمسألة أهل القرية وأهل العير؛ لأن القرية والعير لا يُنْبئان عن صدقهم\" (^١). انتهى.\nوهنا (^٢) مباحثتان:\nإحداهما: أن (^٣) العادّين لهذين النوعين (^٤): العاشر والحادي عشر - ذكروه في المجاز الإفرادي، وكيف يكون ذلك (^٥) في مجاز النقصان، والمجاز في المفرد: هو اللفظ المستعمل في غير موضوعه الأول، والمحذوف لم يستعمل البتة (^٦)، والمجاز بالزيادة كذلك؛ لأن الزائد لم يستعمل البتة في شيء (^٧)؟\nوهذا السؤال قد شاع وذاع، وأجاب عنه والدي أحسن الله إليه: بأن هذا (^٨) لفظ (^٩) مستعمل في غير ما وضع له، فصدق عليه تعريف المجاز\n_________\n(^١) انظر: الرسالة ص ٦٤.\n(^٢) في (غ): \"وها هنا\".\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) وهما المجاز بالزيادة، والمجاز بالنقصان.\n(^٥) أي: المجاز الإفرادي.\n(^٦) أي: كيف يجعل المحذوف في المجاز في المفرد، والمجاز في المفرد: هو استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولًا. والمحذوف لم يستعمل أصلًا.\n(^٧) أي: في شيء من المعاني؛ لأن الزيادة تعني عدم المعنى، الذي يعني عدم الاستعمال، فهو في حكم المحذوف.\n(^٨) أي: المجاز بالزيادة أو النقصان.\n(^٩) في (غ): \"اللفظ\".","vol":"3","page":788},{"text":"الإفرادي. قال: وذلك دان قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ موضوع لسؤالها، مستعمل في سؤال أهلها فكان مجازًا (^١). وليس هو مجاز في التركيب، فإن مجاز التركيب مثل قولك: أنبتَ الربيعُ البقلَ، لفظ مستعملٌ في موضوعه مقتضاه إسناد الإنبات إلى البقل (^٢)، ولكنا عَلِمنا بالعقل أنه ليس كذلك، وإنما هو من الله تعالى، فقلنا: إنه مجاز عقلي. ولم نُرد بقولنا: المجاز بالزيادة والنقصان - أن اللفظة الزائدة وحدها، أو الناقصة وحدها مجاز. قال: ومن تأمَّل قول الإمام في قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (^٣) فَهِم ذلك (^٤)، ولا يقال: إنه حينئذ يصير مجازًا في التركيب؛ لأنا لا نعني بمجاز التركيب إلا إسناد الفِعْل إلى الفاعل وهو الذي يكون الإسناد فيه من جهة الموضوع اللغوي صحيحًا، وإنما جاء المجاز من جهة العقل (^٥)، حتى لو فرض هذا الكلام من كافر يعتقد حقيقته لم يكن مجازًا (^٦). وهذا جواب نفيس.\n_________\n(^١) أي: أطلق القرية وأراد أهلها، فاستعمل المحذوف بالمذكور، أي: استعمل المعنى المحذوف باللفظ المذكور؛ لدلالة القرينة عليه. والحاصل أن إرادته للمعنى المحذوف (أهل القرية) استعمالٌ، وتعبيره عنه بحذف بعضه مجاز، فَحَذَف لفظَ \"الأهل\" ذكرًا، واستعمله معنى.\n(^٢) هذا خطأ من الناسخ أو سهو من المؤلف لأن الصواب إسناد الإنبات إلى الربيع.\n(^٣) سورة الشورى: الآية ١١.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٣٩٩، ٤٠٠.\n(^٥) لأن العقل يحيل أن يكون الربيع هو الفاعل الحقيقي.\n(^٦) يعني: لو فُرض أن كافرًا دهريًا يعتقد أن الربيع هو الفاعل الحقيقي - لم يكن ذلك مجازًا عنده، فهذا علامة مجاز التركيب، صحة إرادة المعنى الحقيقي من جهة اللغة، =","vol":"3","page":789},{"text":"الثانية: أن الإمام عدَّ المجاز بالزيادة والمجاز بالنقصان مع تغايرهما وتقابلهما نوعًا واحدًا (^١)، وبه أشعرت عبارة الكتاب، وعليه جرى سائر أتباع الإمام إلا الشيخ صفي الدين الهندي فإنه عَدَّهما نوعين كسائر المحققين (^٢)، وقد يعتذر عن الإمام بأنه لما كان مدار الأمر في هذين المجازين على شيء واحد: وهو أن تستفيد الكلمةُ حركةً لأجل إثبات مزيدٍ مستغنى عنه (^٣)، أو حذف شيء لا بد منه (^٤) - جُعِلا نوعًا واحدًا؛ لأن الكلمة نقلت عن حكمٍ كان لها إلى حكم آخر لم يكن لها في الأصل، وذلك كافٍ في وصفها بالمجاز، كما أنها توصف بالمجاز لنقلها عن معناها الأصلي إلى معنى آخر. وبيان انتقالها عما كان لها من الحكم إلى غيره أن \"المِثْل\" في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ اكتسى الجر بزيادة الكاف، وكان حكمه في الأصل النصب، فالجر فيه مجاز. والقرية في قوله:\n_________\n= ومن جهة الدهري.\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٥٤.\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ٢/ ٣٥٥.\n(^٣) مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فالكاف مزيدة، ولولاها لكانت حركة كلمة \"مثلِه\" الفتحة؛ لأنها خبر \"ليس\" مقدم، فاستفادت كلمة \"مثله\" من الكاف حركة الكسرة.\n(^٤) الضمير في قوله: \"منه\" يعود إلى \"شيء\" لا إلى \"حذف\"، والمعنى: أو حذف شيءٍ لا بد من ذكره، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ فإن تقدير كلمة: \"أهل\" قبل القرية ضروري؛ لتعذر سؤال الأبنية، فهنا استفادت كلمة \"القرية\" حركةً مِنْ حذف كلمة: \"أهل\"، وهي الفتحة، وكان أصل حركتها لو ذكرت كلمة: \"أهل\" الكسرة.","vol":"3","page":790},{"text":"﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ اكتسيت (^١) النصب؛ لأجل حذف المضاف وإقامتها مقامه، وكان واجبها في الأصل الجر، فالنصب (^٢) مجاز. وقد يلوح من هذا التقرير وجهُ عَدِّ هذين النوعين من مجاز الإفراد (^٣)، ويقال: المجاز إنما وقع في الجر والنصب لِسبب (^٤) الزيادة والنقصان، ولكن هذا بعيد (^٥). ومع الجواب التقدم لا يحتاج إلى الشنيع (^٦) بمثل هذه التخيلات.\nقال: (والتعلق: كالخلق للمخلوق).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>العلاقة الثانية عشر: التعلق:</span>\nالتعلق الحاصل بين المصدر واسم المفعول، أو اسم الفاعل. ويدخل فيه أقسام:\nأحدها: إطلاق اسم المصدر على المفعول كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ (^٧) أي: مخلوقًا آخر. ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ (^٨) أي: مخلوق الله.\n_________\n(^١) في (ص): \"اكتسبت\".\n(^٢) في (ص): \"فالنصب فيه\". ولم ترد لفظة \"فيه\" في باقي النسخ، ولعله خطأ من جهة اللفظ؛ لأن الضمائر المتقدمة كلها عائدة على القرية، وهي مؤنثة، والظاهر أنها من زيادة الناسخ.\n(^٣) يعني: لأن التغير في الكلمة ذاتها، لا في نسبتها، فتغيرت من النصب إلى الجر، أو العكس، وكل هذه تغيرات في المفرد.\n(^٤) في (ص): \"بسبب\".\n(^٥) وبُعْده بسبب أن الحركات الإعرابية دالة على النِّسَب.\n(^٦) في (ك): \"الشَّنِع\". وفي (ص): \"التشنع\". وفي (غ): \"التشبع\". وهذه الأخيرة خطأ.\n(^٧) سورة المؤمنون: الآية ١٤.\n(^٨) سورة لقمان: الآية ١١.","vol":"3","page":791},{"text":"﴿كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ (^١) أي: مكتوب. وعلى ذِكْر هذا القسم اقتصر في الكتاب.\nوثانيها: عكسه، ومنه قوله تعالى: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ (^٢) أي: الفتنة. وهذا على رأي مَنْ يقدِّر المصدر، وأما مَنْ يقول الباء زائدة والتقدير: أيكم المفتون، فلا يصح له التمثيل بها (^٣).\nوثالثها: إطلاق اسم الفاعل على المفعول نحو ﴿مِنْ (^٤) مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (^٥) أي: مدفوق. و﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ (^٦) أي: مرضية.\nورابعها: عكسه مثل قوله تعالى: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (^٧) أي: ساترًا. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ (^٨) أي: آتيًا.\nوخامسها: إطلاق المصدر على اسم الفاعل نحو قولهم: رجل عَدْل، أي: عادل. وصَوْم، أي: صائم. ومنهم مَنْ يقول: التقدير: ذو عدل وذو صوم، فعلى هذا يكون مِنْ مجاز الحذف لا مما نحن فيه.\n_________\n(^١) سورة النمل: الآية ٢٩.\n(^٢) سورة القلم: الآية ٦.\n(^٣) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"بهذه\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سورة الطارق: الآية ٦.\n(^٦) سورة الحاقة: الآية ٢١.\n(^٧) سورة الإسراء: الآية ٤٥.\n(^٨) سورة مريم: الآية ٦١.","vol":"3","page":792},{"text":"وسادسها: عكسه مثل: قم قائمًا، أي: قيامًا. واسكت ساكتًا، أي: سكوتًا. وقد نجز شَرْح ما أورده المصنف من العلاقات، وهي وإن كانت (اثنتي عشرة) (^١) علاقة فهي أيضًا في الحقيقة اثنان وعشرون قسمًا؛ لأن العلاقة السببية مشتملة على أربعة أقسام، والمشابَهة على قسمين كما تقدم، والاستعداد أيضًا على قسمين؛ لأن المستعد للشيء تارة يكون ذلك الشيء قريبًا منه كالإسكار بالنسبة إلى العُقَار في الدَّنِّ، وتارة يكون بعيدًا كتسمية الطفل بالكاتب والعالم، ولا يخفى أن القريب أولى من البعيد عند التعارض. والتعلق على ستة أقسام، وأنت قريب العَهْد به.\nولنُوصِل الأقسام إلى ستةٍ وثلاثين فنقول:\nالثالث والعشرون: اسم اللازم على الملزوم كالمس على الجماع.\nالرابع (^٢) والعشرون: عكسه، كقوله تعالى: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ (^٣) أي: يدل، والدلالة لازم من لوازم الكلام (^٤).\nالخامس والعشرون: تسمية الحال باسم المحل، كتسمية الخارج المستقذَر بالغائط، ومنه: لا فُضَّ فُوك، أي: أسنانُك (^٥).\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص): \"اثنتي عشر\". وهو خطأ.\n(^٢) في (ت): \"والرابع\".\n(^٣) سورة الروم: الآية ٣٥.\n(^٤) يعني: أطلق الملزوم وهو الكلام، وأراد اللازم وهي الدلالة.\n(^٥) فالمحل: الغائط، والفم. والحال: الخارج المستقذر، والأسنان.","vol":"3","page":793},{"text":"السادس والعشرون: عكسه، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (^١) أي: في الجنة لأنها محل رحمته (^٢).\nالسابع والعشرون: تسمية البدل باسم المبدل، مثل:\nيأكلن كلَّ ليلةٍ إِكافًا (^٣). أي: ثمن إكاف (^٤).\nالثامن والعشرون: عكسه، كتسمية الأداء بالقضاء في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ (^٥) أي: أديتم (^٦).\nالتاسع والعشرون: إطلاق المُنَكَّر وإرادة المُعَيَّن، مثل: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (^٧) عند مَنْ يقول: كانت معيَّنة (^٨).\n_________\n(^١) سورة آل عمران: الآية ١٠٧.\n(^٢) فذكر الحال وهي الرحمة، وأراد المحل وهي الجنة.\n(^٣) هذا عَجْز بيت ذكره في لسان العرب من غير نسبة، وصَدْرُه: إنَّ لنا أحْمِرةً عجافا لسان العرب ٩/ ٩.\n(^٤) أي: ذكر المبدل، وأراد به البدل. فالإكاف الذي يُوضع على البعير والحمار والبغل - لا يؤكل، وإنما المراد أَكْل ثمنه، فثمن الإكاف بدل عن الإكاف؛ لأن الإكاف هو الذي يباع ويُطعم بثمنه، فالثمن عوض عنه. فائدة: الإكاف يقال له: الوُكاف والوِكاف والأُكاف والإِكاف، أربع لغات. انظر: لسان العرب ٩/ ٨، مادة (أكف)، ٩/ ٣٦٤، مادة (وكف).\n(^٥) سورة النساء: الآية ١٠٣.\n(^٦) فالقضاء بدل، والأداء مبدل؛ لأنه الأصل.\n(^٧) سورة البقرة: الآية ٦٧.\n(^٨) انظر: التفسير الكبير للرازي ٣/ ١٢٢.","vol":"3","page":794},{"text":"الثلاثون: عكسه، مثل: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ (^١) عند مَنْ زعم (^٢) أن المأمور به دخولُ أيِّ بابٍ كان (^٣).\nالحادي والثلاثون: إطلاق النكرة وإرادة الجنس، مثل: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ (^٤) مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (^٥).\nالثاني والثلاثون: إطلاق المُعَرَّف باللام وإرادة الجنس مثل: الرجل خير من المرأة (^٦). والدينار خير من الدرهم.\nالثالث والثلاثون: إطلاق اسم المقيَّد على المطلق، كقول (شريح القاضي) (^٧): \"أصبحتُ ونصفُ الناس عليَّ غضبان\". فإنه أراد بالنصف البعض المطلق، لا المقيد بالتعديل والتسوية (^٨)، ومنه قول الشاعر:\nإذا مِتُّ كان الناس نصفين (^٩) شامتٌ ... وآخرُ مُثْنٍ بالذي كنت أصنعُ (^١٠)\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ١٥٤.\n(^٢) في (ت): \"يزعم\".\n(^٣) انظر: التفسير الكبير ٣/ ٩٤.\n(^٤) فالمراد بالنفس هنا ماهيتها وجنسها، أي: جنس نفس الإنسان، لا الذات المفردة.\n(^٥) سورة الانفطار: الآية ٥.\n(^٦) فالمعنى: ماهية الرجل خير من ماهية المرأة.\n(^٧) في (ت): \"القاضي شريح\".\n(^٨) يعني: أن بعض الناس غضبان عليه، سواء كان هذا البعض نصف الناس أو أقل أو أكثر، فلا يريد بالنصف النصف العددي.\n(^٩) في (غ)، و(ك): \"نصفان\".\n(^١٠) والبيت للعُجير السلولي، كما في خزانة الأدب ٩/ ٧٢، والشطر الأول فيه: =","vol":"3","page":795},{"text":"الرابع والثلاثون: عكسه: كقوله تعالى ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ (^١) عند مَن يقول: المراد بها رقبة مؤمنة. وهذا غير إطلاق المنكَّر وإرادة المعرَّف؛ لأن المطلق غير المنكَّر (^٢)، نعم قد يقال: إن المطلق من حيث كونُه جزءًا للمقيَّد مذكور فيما تقدم من إطلاق الجزء على الكل (^٣).\nالخامس والثلاثون: إطلاق اسم آلة الشيء على الشيء، كإطلاق اللسان على الكلام أو الذكر، كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ (^٤) وقوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ (^٥) فِي الْآخِرِينَ﴾ (^٦).\n_________\n= \"إذا مِتُّ كان الناسُ صنفانِ شامتٌ\". قال البغدادي في الخزانة ٩/ ٧٣: \"وقوله: إذا مِتُّ كان الناسُ\". . إلخ - هو مِنْ شواهد سيبويه على أنَّ كان فيها ضمير الشأن، وهو اسمها، وجملة: الناس صنفان - خبرها. وروى ابن الأعرابي البيت كذا:\nإذا مِتُّ كان الناسُ صِنْفَيْنِ شامتٌ ... ومُثْنٍ بِنِيرَيْ بَعْضِ مَا كنتُ أصنَعُ\nفكان على أصلها. والنِّيرانِ: العَلَمانِ في الثَّوب، وإنما يريدُ أنه يُثْنَى عليه بحُسْنِ فِعْلِه، الذي هو في أفعال الناسِ كالعَلَم في الثوب. وخطَّأه أبو محمد الأسود وقال: الصواب الرواية الأولى في المصراع الثاني\".\n(^١) سورة المجادلة: الآية ٣.\n(^٢) لأن المطلق يقابله المقيَّد، والمنكَّر يقابله المعرَّف، والمعرَّف غير المقيد، فكذا المطلق غير المنكَّر.\n(^٣) أي: قد يُعترض على هذا القسم بأنه داخل فيما تقدم، وهو إطلاق الجزء على الكل؛ إذ \"الرقبة\" جزء، \"ورقبة مؤمنة\" كلٌ، فأطلق الجزء وأراد به الكل، فيكون هذا القسم داخلًا فيما تقدم، لا قسمًا مستقلًا.\n(^٤) سورة الروم: الآية ٢٢.\n(^٥) أي: ذِكْر صدق.\n(^٦) سورة الشعراء: الآية ٨٤.","vol":"3","page":796},{"text":"وكما يقال: كتب القلم (^١) كَيْت (^٢) وكَيْت. وقد يقال برجوع (^٣) ذلك إلى إطلاق اسم المحل على الحال، والتحقيق أنه غيره؛ لأن آلة الشيء (قد تكون مَحَلًا له وقد لا تكون (^٤).\nالسادس والثلاثون: تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه) (^٥)، كتسمية المريض ميتًا في قوله - ﷺ -: \"اقرءوا على موتاكم يس\" (^٦). ومنه: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (^٧) (^٨)، وهذا غير القسم الذي تقدم في كلام\n_________\n(^١) في (ص): \"العلم\". وهو خطأ. والمعنى: أنه أطلق القلم وأراد الكاتب.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت): \"رجوع\".\n(^٤) كالقلم، فإنه ليس محلًا للكتابة، بل محل الكتابة الورق ونحوه.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) أخرجه أبو داود ٣/ ٤٨٩، في كتاب الجنائز، باب القراءة عند الميت، رقم ٣١٢١. وابن ماجه ١/ ٤٦٦ في الجنائز، باب ما جاء فيما يقال عند المريض إذا حضر، رقم ١٤٤٨. وأحمد في المسند ٥/ ٢٦ - ٢٧. والنسائي في عمل اليوم والليلة ١٠٧٤. والطبراني في الكبير ٢٠/ ٢١٩، رقم الحديث ٥١٠، ٥١١. وابن حبان ٧/ ٢٦٩ - ٢٧٠، حديث رقم ٣٠٠٢. والحاكم في المستدرك ١/ ٥٦٥ وقال: أوقفه يحيى بن سعيد وغيره عن سليمان التيمي، والقول فيه قول ابن المبارك، إذ الزيادة من الثقة مقبولة. قال الدارقطني كما في تلخيص الحبير ٢/ ١٠٤: هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث.\n(^٧) سورة يوسف: الآية ٣٦.\n(^٨) فالمراد بالخمر هنا العنب، لأن الخمر لا تعصر، وإنما يعصر العنب، لكن لما كان مآله إلى الخمر سَمَّاه خمرًا، وكذا المريض لما كان مآله إلى الموت سماه ميتًا.","vol":"3","page":797},{"text":"المصنف، أعني: مجاز الاستعداد؛ لأن المستعد للشيء قد لا يؤول إليه، بل هو مستعد له ولغيره، كما أن العصير قد لا يؤول إلى الخمرية وإن كان مستعدًا لها ولغيرها (^١). وابن الحاجب عَبَّر عن مجاز الاستعداد بتسمية الشيء باسم ما يؤول إليه؛ بدليل أنه مثَّل بالخمر (^٢)، وذلك يوهم اتحاد القسمين (^٣)، وكذلك الإمام فإنه عَبَّر بتسمية إمكان الشيء باسم\n_________\n(^١) الصواب أن هذين القسمين - بناءً على ما مَثَّل به الشارح - قسم واحد، وما ذكره الشارح مِنْ فرق بين المثالين ليس صحيحًا، بل المعنى الذي فَرَّق به موجود فيهما، والدليل على ذلك أنه مَثَّل لمجاز ما يؤول إليه الشيء بمثال: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ وهو عينه مثَّل به لمجاز الاستعداد. فإذا قال: المستعدُّ قد يؤول وقد لا يؤول. قلنا: فكذلك الآيل قد يؤول وقد لا يؤول، فالعنب مستعد للخمرية، يعني: آيل إليها، ولكن قد يؤول وقد لا يؤول. وكذا تسمية المريض بالميت كما هو في الحديث يصح أن يكون من مجاز الاستعداد كما هو من مجاز ما يؤول إليه الشيء؛ لأن المريض قد لا يؤول مرضه إلى الموت وقد يؤول، فيكون القسمان قسمًا واحدًا. وأما على التمثيل الصحيح فهما قسمان، وما ذكره الشارح من الفرق صحيح، فمثال التسمية بما يؤول إليه الشيء: تسمية الدنيا بدار الفناء. فالدنيا لا بد وأن تفنى، فتسميتها بدار الفناء تسمية بما تؤول إليه. وكذا تسمية الحي ميتًا كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ تسمية للشيء باسم ما يئول إليه، فالحي لا بد وأن يموت.\nوفي هذين المثالين ونحوهما يصح الفرق بينهما وبين مجاز الاستعداد، والله تعالى أعلم.\n(^٢) انظر: بيان المختصر ١/ ١٨٧، ١٨٨. ونص عبارته: \". . . أو آيل كالخمر\".\n(^٣) أعْجَبُ من كلام الشارح هذا، إذ هو نفسه الآن مَثَّل للقسمين بنفس المثال، وزعم أن القسمين مختلفان، وهو تناقض ظاهر، والعذر فيه السهو الذي لا ينجو منه أحد.","vol":"3","page":798},{"text":"وجوده (^١)، والحق افتراقُ القسمين. والناظر إذا أمعن نظرَه في جزئيات هذه الأقسام، ونَظَر إلى تفاوتها حصل على عدد كثير، وفيما ذكرناه كفاية (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-285>(الرابعة: المجاز بالذات لا يكون في الحرف</span>؛ لعدم الإفادة. والفعلِ و(المشتقِّ؛ لأنهما يتبعان الأصول. والعَلَمِ؛ لأنه لم يُنقل لعلاقة).\nالمجاز الواقع في الكلام قد يكون بالذات، أي: بالأصالة، وقد يكون بالتبعية. فالمجاز بالذات لا يدخل في أشياء:\nأحدها: الحرف؛ وذلك لأن مفهومه غير مستقل بنفسه، بل (^٣) (ولا بد أن) (^٤) يُضم إلى شيء آخر لتحصل الفائدة (^٥).\n_________\n(^١) أي: أن تُطلق اسم الشيء قبل وجوده باعتبار إمكان وجوده، مثل: أن تطلق على الطفل: قارئ، وكاتب، وعالم. ومثل: أن تطلق على العنب خمرًا. ومثل: أن تطلق على الخمر التي في الدن أنها مسكرة. وهكذا. انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٥٢.\n(^٢) انظر أنواع المجاز وأقسامه في: المحصول ١/ ق ١/ ٤٤٩، التحصيل ١/ ٢٣٢، الحاصل ١/ ٣٥٤، نهاية الوصول ٢/ ٣٤٧، نهاية السول ٢/ ١٦٤، السراج الوهاج ١/ ٣٥٩، مناهج العقول ١/ ٢٦٧، بيان المختصر ١/ ١٨٦، ١٨٧، شرح الكوكب ١/ ١٥٧.\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) في (ص)، و(ك): \"ولا بد وأن يضم\".\n(^٥) في نهاية السول توضيح هذا المعنى وبيانه بأكثر مما هنا، قال الإسنوي: \"فالذي لا يدخل فيه المجاز بالذات أمور: أحدها الحرف؛ لأنه لا يفيد معناه وحده، بل لا يفيده إلا بذكر متعلَّقه، فإذا لم يُفد وحده فلا يدخله المجاز؛ لأن دخوله فرع عن كون الكلام مفيدًا. وأما بيان دخوله فيه بالتبع فبأن تستعمل متعلقاتها استعمالًا مجازيًا فيسري التجوز من المتعلقات إليها، كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ فإنَّ تعليل الالتقاط بصيرورته عدوًا لَمَّا كان مجازًا - كان إدخال =","vol":"3","page":799},{"text":"قال الإمام: \"فإن ضُمَّ إلى ما ينبغي ضمه إليه كان حقيقة (^١)، وإلا فهو مجاز في التركيب لا في المفرد\" (^٢) (^٣).\nوقد اعترض عليه النقشواني (^٤): \"بأن الحرف له (^٥) مسمى في الجملة،\n_________\n= لام العلة أيضًا مجازًا. وهذا في الحقيقة يرجع إلى مجاز التركيب؛ لكون الحرف قد ضم إلى ما لا ينبغي ضمه إليه. هكذا قاله في المحصول، وفيه نظر. .\". نهاية السول ٢/ ١٦٩، وما اعترض به الإسنوي سيذكره الشارح ﵀ مفصَّلًا. وانظر: السراج الوهاب ١/ ٣٦٦.\n(^١) يعني: إذا اسْتُعْمل الحرف مضمومًا إلى متعلَّق يناسبه كان الحرف حال الضم حقيقة في معناه. كقولك: سِرْت من البصرة إلى الكوفة. فـ \"مِنْ\" هنا لابتداء الغاية، و\"إلى\" لانتهائها، وهما حقيقتان في معناهما في هذه الجملة؛ لأنهما مضمومتان إلى متعلَّقاتهما المناسبة.\n(^٢) أي: وإن انضم الحرف إلى متعلَّق لا يناسبه - كان مستعملًا في المعنى المجازي، وهذا المعنى المجازي ليس من المجاز في المفرد، بل من المجاز في التركيب؛ لكون الحرف غير مستقل بإفادة معناه، فمعناه يستفاد من متعلَّقه، فيكون المجاز من مجاز التركيب. ومثال هذا قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ \"في\" في الأصل للظرفية، واستعملت مجازًا بمعنى على، لأن متعلَّقها وهو الفعل \"لأصلبنكم\" غير مناسب لها، فكانت مجازًا؛ لأنها استعملت في موضع على.\n(^٣) المحصول ١/ ق ١/ ٤٥٥.\n(^٤) هو نجم الدين أحمد بن أبي بكر بن محمد النخجواني، الشهير بالنقشوان. لقِّب بالفضل والفيلسوف والطيب، وذلك لما قام به من تصنيفات في شتى الفنون. من مصنفاته: حل شكول القانون في الطب، وشرح منطق الإشارات في المنطق، وشرح المحصول. توفي ﵀ بحلب في حدود سنة ٦٥١. انظر: معجم المؤلفين ١/ ١٧٨، ومختصر الدول ص ٢٧٣، مقدمة تحقيق كتاب تلخيص المحصول للنقشواني ص ٢٥ - ٣٧، د. صالح الغنام.\n(^٥) سقطت من (ت).","vol":"3","page":800},{"text":"إذ ما ليس له مسمى فهو مهمل، والكلام في اللفظ الموضوع، وإذا كان له مسمى، واستعمل في موضوعه الأصلي - كان حقيقة، سواء أكان (^١) الاستعمال عند ضمه إلى غيره أو عند عدم الضم، فإن الاستعمال أعم منهما، وقد ذَكَر في حد الحقيقة هذا القدر فكان حقيقة (^٢). وأما إذا استعمله في غير موضوعه لعلاقة كان مجازًا من غير تفاوت\". قال: \"وأقرب مثال لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^٣) فإن الصلب مستعملٌ في موضوعه الأصلي، وكذلك جذوع النخل، ولم يقع المجاز إلا في حرف \"في\" فإنها للظرفية في الأصل، وقد استعملت هنا لغير الظرفية\" (^٤). قال: \"وأيضًا لو لم يدخل المجاز في الحرف بالذات - لما دخلت فيه الحقيقة بالذات (^٥)، ولو كان كذلك لما\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"كان\".\n(^٢) أي: ذكر الإمام في تعريف الحقيقة هذا القدر، وهو أن يُسْتعمل اللفظ في موضوعه الأصلي، ولم يذكر قيد الضم، فيكون الحرف على هذا التعريف حقيقة إذا استُعْمل في موضوعه، سواء ضُمَّ إلى غيره أو لم يُضم.\n(^٣) سورة طه: الآية ٧١.\n(^٤) لأن \"في\" هنا بمعنى على. قال أبو السعود رحمه الله تعالى: \"وإيثار كلمة \"في\" للدلالة على إبقائهم عليها زمانًا مديدًا، تشبيهًا لاستمرارهم عليها باستقرار المظروف في الظرف المشتمل عليه\". إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ٦/ ٢٩.\n(^٥) قوله: لو لم يدخل. . . إلخ هذا مقدم. وقوله: لما دخلت. . . إلخ هذا تالي. والمعنى: أن الإمام خص المنع بالمجاز، فقال: لا يدخل المجاز في الحرف بالذات؛ لأنه غير مستقل بالمعنى، فيقول النقشواني: يلزمك على هذا أن تمنع دخول الحقيقة في الحرف بالذات؛ لأنه غير مستقل بالمعنى.","vol":"3","page":801},{"text":"صح ما ذكره في باب تفسير الحروف، وبيان الملازمة أنه لو تعذر دخول المجاز لكون الحرف غير مستقل، فهو كما لا يفيد المعنى المجازي بالاستقلال، لا يفيد المعنى الحقيقي بالاستقلال، فإذا أوجب ذلك عدم دخول المجاز في الحرف وحده - أوجب عدم دخول الحقيقة\". قال: \"ثم نقول: ما الدليل على أنه إن ضُمَّ إلى ما لا ينبغي ضمه إليه يكون مجازًا في التركيب لا في المفرد! بل الحق أن هذا الضم قرينة على مجاز الإفراد، وهذا كما تقول في لفظ الأسد إذا ضم إلى ما ينبغي ضمه إليه بأن تقول: رأيت أسدًا يثب، فهذا حقيقة. وإن ضم إلى ما لا ينبغي بأن تقول: رأيت أسدًا يرمي بالنشاهب - صار ذلك قرينة دالة على أنه أراد بلفظ الأسد معناه المجازي، وهذا مجاز في المفرد دون التركيب\". هذا آخر كلام النقشواني، وكله مُنْقَدِح حَسَن (^١).\nالثاني: الأفعال والمشتقات؛ لأنهما يتبعان أصولهما، وأصل كل منهما المصدر (فإن كان حقيقةً كانا كذلك، وإلا فلا. هذا كلام المصنف تبعًا للإمام (^٢» (^٣).\nوقد اعترض عليه النقشواني: \"بأن قولكم هنا: لا يدخل المجاز في الفعل إلا بواسطة دخوله في المصدر (^٤) - يناقض قولكم: استعمال المشتق\n_________\n(^١) والحاصل أن قيد الضم لا يعتبر في الحقيقة والمجاز، فقيد الحقيقة الاستعمال فيما وضع له، وقيد المجاز الاستعمال في غير ما وضع له، سواء ضم إلى الغير أو لم يضم.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٥٥.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) مثاله: لو قلنا: قتل زيدٌ عَمْرًا. وأردنا ضَرَبه ضربًا شديدًا، فننظر إلى مصدر قَتَل =","vol":"3","page":802},{"text":"بعد زوال المشتق منه مجاز. فإذا قال القائل (^١): إن زيدًا ضرب عمرًا، بعد انقضاء الضَّرْب - كان هذا مجازًا (^٢)، وليس المجاز في الأسامي إذ كل واحد منهما (^٣) مستعمل في موضوعه، ولا في المصدر (^٤)؛ لأن المصدر لم يستعمل ههنا أصلًا (^٥)، وما لم يستعمل أصلًا يمتنع أن يقال: استعمل مجازًا أو حقيقة. وليس أيضًا مجازًا في التركيب (^٦)، فتعين المجاز ههنا في الفعل، فقد دخل (^٧) في الفعل من غير دخوله في المصدر\". قال: \"وهكذا يرد هذا النقض على (^٨) المشتقات\" (^٩). هذا اعتراضه.\nولقائل أن يقول: إنما صح: إنَّ زيدًا ضرب عمرًا - مجازًا والحالة هذه؛ لأنه يصح أن يقال (^١٠): زيد ذو ضَرْب لعمرو - مجازًا، فما يجوز في الفعل\n_________\n= وهو القَتْل، فإذا كان يصح أن يطلق على الضرب الشديد - صح إطلاق الفعل عليه، وإلا فلا. فالمجاز يقع أولًا وبالذات في المصادر، ويقع بالتبع في الأفعال والمشتقات.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) يعني: كيف أوقع المجاز على المشتق وهو الفعل، بعد زوال المشتق منه وهو المصدر، مع أنه اشترط هنا أن يكون المجاز في الصدر أولًا، ثم يتعدى منه إلى المشتق.\n(^٣) في (ت): \"منها\". أي: بعود الضمير إلى الأسامي.\n(^٤) أي: وليس المجاز في مصدر ضَرَب الذي هو الضَّرْب.\n(^٥) في (ص): \"أيضًا\". وهو خطأ.\n(^٦) لأن فعل الضرب أُسْند إلى ما هو له.\n(^٧) أي: المجاز.\n(^٨) في (ت): \"في\".\n(^٩) أي: فلا يشترط أن يكون المجاز واقعًا أولًا في الصدر ثم في المشتقات.\n(^١٠) سقطت من (ت).","vol":"3","page":803},{"text":"إلا وقد صح إطلاق المصدر مجازًا.\nوقوله: إن المصدر لم يُسْتَعمل، ولا يُوصف بحقيقة ولا مجاز.\nقلنا: صحة استعماله كافية في صحة (^١) دخول المجاز في الفعل؛ وليس المدعى غيرَ ذلك.\nأعني: أن المجاز لا يدخل في الفعل إلا بواسطة صحة دخوله في المصدر، لا بواسطة وقوع دخوله.\nالثالث: العَلَم؛ لأن الأعلام لم تُنْقل لعلاقة، وشرط المجاز العلاقة، وهذا فيما إذا كان العَلَم مُرْتَجَلًا أو منقولًا لغير علاقة، وإنْ نقل لعلاقة كمن سمى ولده بـ \"المبارك\" لِمَا ظَنَّه فيه من البركة فكذلك، بدليل أنه لو كان مجازًا لصح (^٢) إطلاقه عند زوال العلاقة (^٣).\nوبهذا التقرير يُعْلم أن قول المصنف: \"لأنه لم ينقل لعلاقة\" غير كاف في الدليل على مطلوبه، بل كان الأحسن أن يقول: لأنه إنْ كان مرتجلًا أو\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) في (ص) زيادة في أصل الكلام، وهي استدراك من الناسخ على الشارح، وكان ينبغي أن توضع في الهامش، والزيادة هي: \"كذا في خط المصنف، ولعله سبق قلم، والصواب: لما صحَّ\" ولا شك أنه سبق قلم من الشارح ﵀، أو سقط وقع في نسخ الكتاب، والله أعلم.\n(^٣) لأن الأب سمَّى ابنه مباركًا لظنه فيه البركة، فراعى العلاقة في التسمية، فإذا زالت العلاقة لا يزول الاسم، لأن الأعلام لا يدخلها المجاز.","vol":"3","page":804},{"text":"منقولًا لغير علاقة فواضح (^١)، وإلا فَلِصِدْقه عليه مع زوالها (^٢).\nوقد (^٣) قال الغزالي: \"إنَّ المجاز يدخل في الأعلام الموضوعة للصفة، كالأسْوَدِ والحارث (^٤)، دون الأعلام التي لم توضع إلا للفرق بين الذوات\" (^٥).\nواعترض النقشواني على قولهم: إن المجاز لا يدخل في الأعلام - بأن القائل يقول: جاءني تميم أو قيس، وهو يريد طائفة من (^٦) بني تميم، وهذا مجازٌ لا حقيقة. وتميم اسم عَلَم فقد تطرق المجاز إلى العَلَم لِمَا بين هؤلاء وبين المسمَّى بذلك العَلَم (^٧) من التعلق. وفي هذا الاعتراض نظر (^٨) (^٩).\n_________\n(^١) وهذا داخل في كلام المصنف: لأنه لم ينقل لعلاقة.\n(^٢) هذه هي الإضافة التي زادها الشارح على الماتن، وقوله: وإلا. . . إلخ. معناه: وإن كان العَلَم منقولًا لعلاقة فإن المجاز لا يدخله؛ لأنه يصدق على المسمى مع زوال العلاقة.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) عَلَّل هذا في المستصفى (٣/ ٣٥) بقوله: \"إذ لا يراد به الدلالة على الصفة، مع أنه وضع له، فهو مجاز\".\n(^٥) انظر: المستصفى ٣/ ٣٤، ٣٥. وهذا النقل عن الغزالي تصرف فيه الشارح فهو نقل بالمعنى لا بالنص.\n(^٦) سقطت من (ص).\n(^٧) وهم بنو تميم وقيس.\n(^٨) وهذا الاعتراض واضح، ولذلك أهمله الشارح؛ لأن هذا المجاز الذي ذكره النقشواني غير داخل على العَلَم، بل \"تميم\" أو \"قيس\" مستعمل في موضوعه: وهو إطلاقه على الذات المسماة بهذا الاسم، وإنما جاء المجاز من حذف كلمة \"طائفة\" أو \"بعض\" أو نحوهما، فيكون المجاز من مجاز الحذف، والمعنى: جاءني طائفة منتسبون إلى تميم، وهو من تفرعت عنه القبيلة.\n(^٩) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ١/ ٤٥٤، التحصيل ١/ ٢٣٤، الحاصل ١/ ٣٥٧، =","vol":"3","page":805},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-286>(الخامسة: المجاز خلاف الأصل</span>؛ لاحتياجه إلى الوضع الأول، والمناسبة، والنقل، ولإخلاله بالفهم).\nالأصل تارة يُطْلق ويراد به: الغالب، وتارة يراد به: الدليل.\nوقد ادعى المصنف أن المجاز خلافُ الأصل: إما بمعنى خلاف الغالب، والخلاف في ذلك مع ابن جني، حيث ادَّعى أن المجاز غالب على اللغات (^١).\nأو بالمعنى الثاني.\nوالغرض: أن الأصل الحقيقة (^٢)، والمجاز على خلاف الأصل، فإذا دار اللفظ بين احتمال المجاز واحتمال الحقيقة - فاحتمال الحقيقة أرجح لوجهين:\nأحدهما: أن المجاز يحتاج إلى الوضع الأول، وإلى العلاقة يعني: المناسبة بين المعنيين، وإلى النقل إلى المعنى الثاني. والحقيقة محتاجة إلى الوضع الأول فقط، وما يَتَوَقَّفُ على أمرٍ (^٣) واحدٍ كان راجحًا بالنسبة إلى ما هو متوقف\n_________\n= نهاية السول ٢/ ١٦٩، السراج الوهاج ١/ ٣٦٦، شرح الأصفهاني ١/ ٢٥٣، مناهج العقول ١/ ٢٧٤، البحر المحيط ٣/ ٩٧، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٣٢١، الإشارة إلى الإيجاز ص ٢٣، شرح الكوكب ١/ ١٨٦.\n(^١) انظر: الخصائص ٢/ ٤٤٧، ونص عبارته: \"اعلم أن أكثر اللغة مع تأمله مجاز لا حقيقة\".\n(^٢) أي: سواء قلنا: الأصل الغالب، أو الأصل الدليل.\n(^٣) سقطت من (ت).","vol":"3","page":806},{"text":"على أمور متعددة.\nوقد أهمل صاحب الكتاب ذكر الاستعمال؛ لأن الحقيقة والمجاز مشتركان في افتقارهما إليه (^١).\nوالثاني: أن الحقيقة لا تُخِلُّ بالفهم، وذلك ظاهر، والمجاز يُخِلُّ بالفهم؛ فيكون مرجوحًا. والدليل على أنه يُخِلُّ بالفهم وَجهان:\nأحدهما: أن اللفظ إذا تجرد عن القرينة فلا جائز أن يُحْمل على المجاز لعدم القرينة، ولا على الحقيقة وإلا لزم الترجيح بدون مرجِّح؛ إذِ الحقيقة والمجاز متساويان على هذا التقدير (^٢).\nوالثاني: أن الحمل على المجاز يتوقف على قرينة تدل على أنه المراد، وقد تَخْفى هذه القرينة على السامع، فَيَحْمِل اللفظَ على المعنى الحقيقي مع\n_________\n(^١) أي: لا بد في الحقيقة من استعمال العرب لذلك المعنى، وكذا في المجاز لا بد فيه من استعمال العرب له.\nانظر: أصول الفقه لأبي النور زهير ٢/ ٢٦٢.\n(^٢) أي: على تقدير كون المجاز لا يخل بالفهم، فهو مساوٍ للحقيقة في الدلالة. والمعنى: أننا إذا جعلنا المجاز لا يخل بالفهم وساويناه بالحقيقة في ذلك - لزم من ذلك الإخلال بفهم اللفظ المجرد عن القرينة؛ لأنه لا يمكن حمله على المعنى المجازي بسبب عدم القرينة، ولا يمكن حمله على المعنى الحقيقي لأنها ليست بأرجح من المعنى المجازي. وهذا الإخلال باطل؛ لأنه بالاتفاق أن اللفظ يحمل حال تجرده عن القرينة على معناه الحقيقي، فيلزم من هذا أن الحقيقة هي الأصل وأنها لا تخل بالفهم، والمجاز هو الفرع وأنه يخل بالفهم.","vol":"3","page":807},{"text":"إرادة المجاز، أو يَخْتَبِط (^١) عليه الحال فَيَحْمِل على المجاز (^٢) الذي ليس بمراد (^٣).\nقال: (فإنْ غلب كالطلاق تساويا، والأَوْلى الحقيقة عند أبي حنيفة، والمجاز عند أبي يوسف رحمهما الله تعالى).\nما تقدم من رجحان الحقيقة على المجاز إنما هو فيما إذا لم (^٤) تُعارِض أصالة الحقيقة (^٥) غلبةُ المجاز، أما إذا غلب المجازُ في الاستعمال فقال أبو حنيفة: الحقيقة أولى؛ لأن الحقيقة بحسب الأصل راجحة، وكونها مرجوحة أمر عارض لا عبرة به.\nوقال أبو يوسف (^٦): المجاز أولى؛ لكونه راجحًا في الحال.\n_________\n(^١) أي: يختلط ويلتبس. انظر: لسان العرب ٧/ ٢٨٠، مادة (خبط).\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) يُفهم من هذين الوجهين أن المجاز مخل بالفهم في حالة عدم القرينة إذا جعل مساويًا للحقيقة في الدلالة، وفي حالة خفاء القرينة على السامع.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) هو الإمام المجتهد المحدِّث القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاريّ الكوفيّ. ولد سنة ١١٣ هـ. ولي القضاء لثلاثة خلفاء المهدي والهادي والرشيد. وثَّقه ابن معين وابن المديني وأحمد بن حنبل، وأثنى عليه الأئمة، وقد بلغ من رئاسة العلم ما لا مزيد عليه. من مصنفاته: الخراج، أدب القاضي، الفرائض. توفي سنة ١٨٢ هـ ببغداد.\nانظر: تاريخ بغداد ١٤/ ٢٤٢، وفيات ٦/ ٣٧٨، سير ٨/ ٥٣٥، الجواهر المضية ٣/ ٦١١.","vol":"3","page":808},{"text":"ومن الناس مَنْ قال: يحصل التعارض؛ لأن كل واحد راجح على الآخر من وجه فيتعادلان، ولا يُحمل على أحدهما إلا بالنية. وهذا ما اختاره المصنف.\nقال الهندي: \"وعُزِي ذلك إلى الشافعي\" (^١).\nوقد مَثَّل المصنف لذلك بالطلاق، فإنه حقيقةٌ في: إزالة القيد (^٢)، سواء كان عن نكاح أم ملك يمين أم غيرهما (^٣).\nوخَصَّه العُرْف بإزالة قيد النكاح (^٤)، ولذلك كان كناية في باب العتق محتاجًا إلى النية بخلاف الطلاق (^٥). هذا كلام المصنف، وهو فيما اختاره في (^٦) هذه المسألة وفيما مثَّل به متابعٌ للإمام في كتاب \"المعالم\" فإنه كذلك فَعَلَ (^٧)، ثم أَوْرَد على ما ذكر في الطلاق: بأنه يلزم أن لا يُصْرف إلى المجاز الراجح (^٨) إلا بالنية، وليس كذلك، بدليل أنه لو قال لزوجته: أنت طالق -\n_________\n(^١) نهاية الوصول ٢/ ٣٧٧.\n(^٢) هذا معناه اللغوي.\n(^٣) ومنه قولهم: طلَّق البلاد، أي: تركها. وطلَّق القوم، أي: تركهم. والطُّلَقَاء: الأُسَراء العُتَقاء. والطَّليق: الأسير الذي أُطْلِق عنه إسارُه وخُلِّي سبيلُه. وناقة طالق: بلا خِطام، وهي أيضًا التي تُرْسَل في الحي فترعى من جَنابِهم حيث شاءت لا تُعْقل إذا راحت، ولا تُنَحَّى في المسرح. انظر: لسان العرب ١٠/ ٢٢٦، ٢٢٧، مادة (طلق).\n(^٤) انظر: نهاية المحتاج ٦/ ٤١٣، القاموس الفقهي ص ٢٣٠.\n(^٥) أي: بخلاف باب الطلاق، فإنه صريح فيه. انظر: نهاية المحتاج ٨/ ٣٥٧.\n(^٦) في (ت)، و(غ): \"من\".\n(^٧) انظر: المعالم ص ٤٢.\n(^٨) وهو الطلاق في الاصطلاح.","vol":"3","page":809},{"text":"طلقت من غير نية (^١).\nوأجاب: بأن هذا غير لازم؛ لأنه إذا قال لمنكوحته: أنت طالق، فإنْ عَنِيَ بهذا اللفظ الحقيقة المرجوحة: وهو إزالة مطلق القيد - وجب أن يزول مُسَمَّى القيد، وإذا زال هذا المسمى (^٢) فقد زال القيد المخصوص. وإنْ عَنِيَ به المجاز الراجح فقد زال قيد النكاح، فلما كان يفيد الزوال على التقديرين استغنى عن النية. هذا كلام الإمام في \"المعالم\" (^٣).\nوقد اعترض عليه ابن التِّلِمْساني: بأن السؤال لازم؛ إذِ الكلام مفروض فيما إذا ذَكَره ولم يَنْوِ شيئًا، ولا خلاف أنه يحمل على الطلاق، فقوله: إنْ نوى وإنْ نوى - حَيْدٌ عن السؤال (^٤) (^٥).\nولك أن تعترض على الإمام أيضًا: بأنا لا نسلم أنه إنْ عَنِي بذلك الحقيقة المرجوحة يجب زوال مسمى القيد حتى يلزم زوال القيد المخصوص، وإنما يجب ذلك أنْ لو كان المُطْلَق في سياق الإثبات للعموم\n_________\n(^١) يعني: ذكر الإمام اعتراضًا على نفسه في التمثيل بالطلاق، وأن مقتضى ما قاله الإمام (وهو أن اللفظ إذا دار بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الراجح لا يحمل على أحدهما إلا بالنية) امتناع وقوع الطلاق بمعناه العرفي إلا بنية، مع أن حكم الشرع إيقاع الطلاق بغير نية.\n(^٢) وهو المعنى الحقيقي، أي: مطلق القيد.\n(^٣) انظر: المعالم ص ٤٢ - ٤٣.\n(^٤) أي: قول الإمام: إن نوى الحقيقة فهو كذا، وإن نوى المجاز فهو كذا - خروجٌ عن السؤال ومحل الاعتراض.\n(^٥) انظر: شرح المعالم ١/ ١٩٢.","vol":"3","page":810},{"text":"الشمولي، وإنما هو عموم بدلي (^١)، فإذا عَنِيَ الحقيقة المرجوحة فإنما أراد حصول مطلق الحقيقة، وهي أعم من القيد المخصوص، فلا تُحْمَل عليه إلا بدليل.\nواعلم أن التمثيل بالطلاق مِنْ أصله فيه نظر متوقفٌ على تحرير محل النزع في المسألة، وهو مهم، وقد حرره المتأخرون من كتب الحنفية فإن المرجع في المسألة إليهم، فنقول:\nقالت الحنفية: المجاز أقسام:\nالأول: أن يكون مرجوحًا.\nوالثاني: أن يساوي الحقيقة في الاستعمال. فلا ريب في تقديم الحقيقة في هذين القسمين، ولا خلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف في ذلك، وإنْ حصل وَهَم (^٢) مِنْ بعض المصنفين في نقل الخلاف عنهما في القسم الثاني فلا يُعْبأ به.\nوالثالث: أن تُهْجر الحقيقة بالكلية بحيث لا تراد في العُرْف، فقد اتفقا على تقديم المجاز. مثل: مَن حلف لا يأكل من هذه النخلة - فإنه يحنث بثمرها لا بخشبها، وإن كان هو (^٣) الحقيقة؛ لأن المجاز حينئذ إما حقيقة شرعية كالصلاة، أو عرفية كالدابة (^٤).\n_________\n(^١) في (ت): \"بدل\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: الخشب\n(^٤) أي: فيحمل اللفظ على المجاز اللغوي؛ لأنه إما حقيقة شرعية، أو حقيقة عرفية، =","vol":"3","page":811},{"text":"(وإذا عرفت) (^١) هذا فنقول: لا يستقيم التمثيل بالطلاق؛ لأنه صار حقيقةً عرفيةً أو شرعية عامة في حَلِّ قيد النكاح، وهاتان الحقيقتان مُقَدَّمتان (^٢) على الحقيقة اللغوية.\nالرابع: أن يكون المجاز راجحًا، والحقيقة تُتَعاهد في بعض الأوقات، نحو: والله لأشربن من هذا النهر. فإنَّ شُرْبه منه حقيقة في كَرْعه (^٣) من النهر بفيه، وإذا اغترف من (^٤) الكوز فشرب (^٥) فهو مجاز، إذ شُرْبه إنما هو من الكوز لا من النهر، وإنما المجاز هنا راجح متبادِر إلى الفهم، وقد تراد الحقيقة فإن كثيرًا من الناس يَكْرع بفيه. فهذا هو محل النزاع (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>خاتمة:</span>\nقد علمت أن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وقد يصرف اللفظ من حقيقته إلى مجازه لقرينة، في مثل ما لو قال: رهنتُ الخريطة (^٧). ولم يتعرض\n_________\n= والحقيقة الشرعية أو العرفية مقدمة على الحقيقة اللغوية.\n(^١) في (ت)، و(غ): \"وإذا عُرِف\".\n(^٢) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"متقدمتان\".\n(^٣) في اللسان ٨/ ٣٠٨: \"وكَرَع في الماءَ يَكْرَعُ كُرُوعًا وكَرْعًا: تناوله بفيه مِنْ موضعه مِنْ غير أن يشرب بكفَّيْه ولا بإناء\". وانظر: المصباح ٢/ ١٩١، مادة (كرع).\n(^٤) في (ص): \"في\".\n(^٥) في (ص): \"وشرب\".\n(^٦) انظر: فتح الغفار ١/ ١٣٣ - ١٣٥، تيسير التحرير ٢/ ٥٤ - ٦٠، مناهج العقول ١/ ٢٧٨، ٢٧٩.\n(^٧) الخريطة: شبه كيس يُشْرج من أديم وخِرَق. المصباح ١/ ١٧٩، مادة (خَرَط)، =","vol":"3","page":812},{"text":"لما فيها، والخريطة لا يُقصد رهنها في مثل هذا الدَّيْن، فهل يُجْعل رهنًا لما في الخريطة وإنْ كان مجازًا؛ للقرينة الحالية (^١)؟ فيه وجهان (^٢):\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-288>(السادسة: يُعدل إلى المجاز لثِقَل لفظ الحقيقة:</span> كالخنفقيق، أو حقارة معناه: كقضاء الحاجة، أو لبلاغة لفظ المجاز، أو (عظمةِ معناه) (^٣): كالمجلس العالي (^٤)، أو زيادة بيان: كالأسد).\nهذه المسألة في السبب الداعي إلى التكلم بالمجاز، وهو وجوه:\n_________\n= والمعنى: أنها مثل الكيس يخاط من جلد وقماش. وفي المعجم الوسيط ١/ ٢٢٨: الخريطة: وعاء من جلد أو نحوه يُشَدُّ على ما فيه، وفي اصطلاح أصل العصر: ما يرسم عليه سطح الكرة الأرضية، أو جزء منه (ج) خرائط (مو). اهـ. ومعنى (مو) مُوَلّد، فهذا معنى مولد ليس من لغة العرب.\n(^١) يعني: هل يجعل المراد بلفظ \"الخريطة\" في قوله: رهنت الخريطة، هو ما في داخل الخريطة من المال، مع أن ذلك مجاز، ولكن بسبب القرينة الحالية؛ إذ حال الناس في رهن الخريطة أن المرهون هو ما فيها لا هِيَ، فيكون هذا من مجاز إطلاق المحل على الحال، فأطلق المحل وهو الخريطة، وأراد به الحال وهو المال الذي فيها.\n(^٢) انظر المسألة الخامسة في: المحصول ١/ ق ١/ ٤٦٨ - ٤٧٦، التحصيل ١/ ٢٣٧، الحاصل ١/ ٣٦١، نهاية السول ٢/ ١٧٠، السراج الوهاج ١/ ٣٦٨، مناهج العقول ١/ ٢٧٦، شرح تنقيح الفصول ص ١١٨، فواتح الرحموت ١/ ٢٢٠، شرح الكوكب ١/ ١٩٥.\n(^٣) في (ص): \"عظمةٍ في معناه\".\n(^٤) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).","vol":"3","page":813},{"text":"أحدها: أن لا يكون للمعنى الذي عَبَّر عنه بالمجاز لفظ حقيقي (^١) (^٢).\nوثانيها: أن لا يعرف المتكلِّم أو المخاطَبُ لفظَه الحقيقي.\nوثالثها: أنه (^٣) قد يكون معلومًا لغيرِ المتخاطبَيْن كما هو (^٤) معلوم لهما، والمجاز قد لا يكون معلومًا لغيرهما، فَيُعبَّر عنه لئلا يطلع غيرُهما على ذلك المعنى.\nورابعها: أن الإخفاء وإنْ كان غير مطلوب له، لكن قد يثقل لفظ الحقيقة على اللسان، سواء أكان (^٥) ذلك لمفردات حروفه، أو لتنافر تركيبٍ، أو لثقل وزنه. وقد ذَكَر في الكتاب من أمثلة هذا القسم \"الخَنْفَقيق\" بفتح الخاء المعجمة، وإسكان النون، وفتح الفاء بعدها، وكسر\n_________\n(^١) هذا بناءً على مذهب الشارح رحمه الله تعالى في أن المجاز لا يستلزم الحقيقة كالعكس، إلا في المصدر فإن مجازه مستلزم لحقيقته. انظر: شرح المحلى على جمع الجوامع ١/ ٣٠٥، ٣٠٦، فواتح الرحموت ١/ ٢٠٨، بيان المختصر ١/ ٢٠١، الإحكام ١/ ٣٤، شرح الكوكب ١/ ١٨٩.\n(^٢) وهذا يتحقق فيما إذا وُضِع للفظ معنى أول ولم يُستعمل فيه، ثم نقل إلى معنى ثان واسْتُعمل فيه، فإنه يكون مجازًا في المعنى الثاني، ولا يكون حقيقة في المعنى الأول؛ لعدم استعماله في المعنى الأول، إذ شرط الحقيقة والمجاز الاستعمال، كما في تعريف الحقيقة: اللفظ المستعمل فيما وضع له. وفي تعريف المجاز: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة. انظر: المراجع السابقة.\n(^٣) أي: المعنى الحقيقي.\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"كان\".","vol":"3","page":814},{"text":"القاف، بعدها ياء آخر الحروف، ثم قاف: وهو الداهية (^١). فلما كان هذا (^٢) اللفظ أعني: الخنفقيق ثقيلًا على اللسان؛ لاجتماع هذه الأمور الثلاثة فيه أعني: ثقل الحروف (^٣)، والوزن (^٤)، وتنافر التركيب - حَسُن العدول عنه إلى المجاز، بأن نقول: وقع فلان في موت، وما أشبهه (^٥).\nفإن قلت: إذا كان موضع الخنفقيق في اللغة الداهية (^٦) - فلا يحسن العدول عنه (^٧) إلى المجاز، مع وجود هذه اللفظة (^٨) التي ليس فيها شيء من الأشياء الثلاثة.\nقلت: لعل المجاز هو العدول إلى الداهية (^٩).\nفإن قلت: هذا ينفيه قولُ الجوهري وهو ما ذكرتموه: إن الخنفقيق هو الداهية. والداهية: ما يصيب الإنسان من نَوْب الدهر (^١٠)؛ فإن مقتضى هذا\n_________\n(^١) انظر: الصحاح ٤/ ١٤٧٠، اللسان ١٠/ ٨١، مادة (خفق).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) وهو اجتماع الخاء مع الفاء والقاف المكررة.\n(^٤) لأن الكلمة مكونة من ستة أحرف، فوزنها ثقيل.\n(^٥) في (ت)، و(ص): \"أشبه\".\n(^٦) أي: إذا كان معنى الخنفقيق في اللغة الداهية.\n(^٧) أي: عن الخنفقيق.\n(^٨) أي: لفظة الداهية.\n(^٩) قال الإسنوي في نهاية السول ٢/ ١٧٧: \"وزعم كثير من الشارحين أن المجاز هنا هو الانتقال من الخنفقيق إلى الداهية، وهو غلط، فإن موضوع الخنفقيق لغة هو الداهية كما نقلناه عن الجوهري\".\n(^١٠) انظر: الصحاح ٦/ ٢٣٤٤، اللسان ١٤/ ٢٧٥، مادة (دهى).","vol":"3","page":815},{"text":"أن يكون كل واحد من لفظي \"الخنفقيق\" و\"الداهية\" دالًا على النائبة (^١).\nقلت: لمعنى الداهية لفظان: أحدهما: يدل عليها بالحقيقة وهو \"الخنفقيق\". والثاني: بالمجاز وهو \"الداهية\"، ولعل قول الجوهري: \"الخنفقيق: الداهية\" معناه: أن الخنفقيق هو المعنى الذي يطلق عليه \"الداهية\" بطريق المجاز.\nوخامسها: أن يستحقر لفظ الحقيقة عن أن يُتَلفظ به لحقارة معناه كما يعبر بالغائط عن الخِراءة (^٢).\nوسادسها: أنه قد لا يصح لفظ الحقيقة للسجع والتجنيس وسائر أصناف البديع (^٣)، أو لإقامة الوزن والقافية، بخلاف لفظ المجاز، وهذا مراد المصنف بقوله: \"لبلاغة لفظ المجاز\".\nوسابعها: أن التعبير بالمجاز قد يكون أدخل (في التعظيم) (^٤) وأبلغ في\n_________\n(^١) أي: دلالة حقيقية.\n(^٢) في المصباح ١/ ١٨٠، مادة (خر): \"خرئ بالهمزة يَخْرأ، من باب تعب: إذا تغوَّط، واسم الخارج خَرْء، والجمع خُروء، مثل: فَلْس وفُلُوس. وقال الجوهري: هو خُرْء بالضم، والجمع خُروء، مثل: جُنْد وجُنُود، والخِرَاء وزانُ كتاب، قيل: اسم للمصدر، مثل: الصيام اسم للصوم. وقيل: هو جمع خَرْء، مثل: سهم وسهام. والخِرَاءة وزان الحجارة: مثله\". والضمير في \"مثله\" يعود على \"الخِراء\"، أي: اسم مصدر مثله.\n(^٣) البَديع: عِلْمٌ يُعْرف به وجوه تحسينِ الكلامِ المطابِق لمقتضى الحال. وهذه الوجوه ما يرجع منها الى تحسين المعنى يُسَمَّى بالمحسِّنات المعنوية، وما يَرْجع منها إلى تحسين اللفظ يسمى بالمحسنات اللفظية. انظر: حُسْن الصياغة شرح دروس البلاغة للفاداني ص ١٤١، جواهر البلاغة ص ٣٦٠.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"3","page":816},{"text":"المعنى: كالمجلس العالي، والجناب الشريف، وما أشبه هذه الألفاظ؛ فإنها أبلغ من قولك: فلان (^١).\nوثامنها: أن يكون لزيادةِ بيانِ حالِ المذكور، مثل: رأيت أسدًا. فإنه أبلغ في الدلالة على الشجاعة لمَنْ حكمتَ عليه بها من قولك: رأيت إنسانًا كالأسد شجاعةً.\nوتاسعها: أن المجاز قد يكون أدخل في التحقير.\nوعاشرها: أن يكون المجاز أعرف من الحقيقة.\nولم يذكر في الكتاب من هذه الوجوه غير الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، والثامن (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-289>(السابعة: اللفظ قد لا يكون حقيقة ولا مجازًا:</span> كما في الوضع الأول، والأعلام، وقد يكون حقيقة ومجازًا باصطلاحين: كالدابة).\nاللفظ قد لا يكون حقيقةً ولا مجازًا لغويًا، وقد يكون حقيقةً ومجازًا.\nأما الأول: فمنه اللفظ في أول الوضع قبل استعماله فيما وُضِع له أو في غيره (^٣)، ليس بحقيقة ولا مجاز؛ لأن شرط تحقق كل واحدٍ من الحقيقة\n_________\n(^١) أي: بأن تخاطبه باسمه، فالمخاطبة بالمجاز أبلغ.\n(^٢) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ١/ ٤٦٤، التحصيل ١/ ٢٣٦، الحاصل ١/ ٣٦٠، نهاية السول ٢/ ١٧٦، السراج الوهاج ١/ ٣٧٠، مناهج العقول ١/ ٢٨٠، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٣٠٩، العضد على ابن الحاجب ١/ ١٥٨، شرح الكوكب ١/ ١٥٥، الخصائص لابن جني ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٧.\n(^٣) إذا كان واضع اللغة هو الله تعالى فهذا يتصور قبل أن يُعَلِّم الله آدم عليه الصلاة =","vol":"3","page":817},{"text":"والمجاز الاستعمال كما تقدم في تعريفهما، فحيث انتفى الاستعمال انتفيا.\nومنه الأعلام المتجددة بالنسبة إلى مسمياتها (^١): فإنها أيضًا ليست (^٢) بحقيقة؛ لأن مُسْتَعملها لم يستعملها فيما وضعت له (أوَّلًا، بل) (^٣) إما أنه اخترعها من غير سبقِ وَضْعٍ كما في الأعلام المرتجلة (^٤)، أو نقلها عما وضعت له كالمنقولة (^٥)، وليست. . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والسلام اللغة، وقبل استخدامه لها، فيكون اللفظ حينذاك لا حقيقة ولا مجازًا، وإذا كان الواضع هم العباد فهذا يتصور بوضعهم اللفظ قبل أن يستعملوه.\n(^١) أي: الأعلام التي يتجدد إطلاقها على مسمياتها: وهي الأشخاص والذوات المسماة بتلك الأعلام.\n(^٢) في (ك): \"ليس\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) فالأعلام المرتجلة: هي التي لم يسبق لها وضعٌ في غير العَلَمية. كسُعَاد (عَلَم امرأة)، وأُدَد (عَلَم رجل) وغطفان. قال البناني رحمه الله تعالى: \"وقوله في غير العلمية، اللام في العلمية للحضور، أي: في غير العلميهَ الحاضرة ذهنًا. فيخرج عن تعريف المرتجل ما استعمل عَلَمًا ثم نُقل علمًا أيضًا\". انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع وحاشية البناني ١/ ٣٢٢، شرح ابن عقيل على الألفية ١/ ١٢٥، السراج الوهاج ١/ ٣٧٢.\n(^٥) المنقول: هو الذي وُضِع غير عَلَم ثم استعمل عَلَمًا. والنقل إما من صفة كحارث، أو من مصدرٍ كفضل، أو من اسم جنس كأسد، أو من جملة فعلية كـ \"شاب قرناها\"، و\"تأبط شرًا\"، أو من جملة اسمية كـ \"زيد قائم\"، والمنقول من الجمل إلى العلمية هي الأعلام المركبة وهي مبنية، والتي من غير الجمل تكون معربة. ومن أمثلة المعربة: حسن، وزيد، وثور، ومنصور، ومحمد. وأغلب الأسماء منقولة، والمرتجلة نادرة. انظر: شرح ابن عقيل ١/ ١٢٥، الكواكب الدرية ١/ ١٢٢، شرح المحلى على جمع الجوامع ١/ ٣٢٢.","vol":"3","page":818},{"text":"بمجاز (^١)؛ لأنها لم تنقل لعلاقة، كما مر في المسألة الرابعة.\nوقد ظهر أن المراد بالأعلام هنا (^٢): الأعلام المتجددة، دون الموضوعة بوضع أهل اللغة؛ فإنها حقائق لغوية لأسماء الأجناس (^٣)، وعلى هذا لا فرق في ذلك بين الأعلام المنقولة والمرتجلة (^٤) على خلاف ما ظن الجاربردي شارح الكتاب حيث قال: \"الذي يدور في خلدي أن المراد الأعلام المنقولة\" (^٥).\nوأما الثاني: وهو أن اللفظ قد يكون حقيقة ومجازًا فذلك بالنسبة إلى معنى (واحد باعتبار اصطلاحين؛ لأن اللفظ الموضوع للمعنى العام \"كالدابة الموضوعة) (^٦) لكل ما دَبَّ على الأرض\" إذا خصه العرف العام أو الشرع ببعض أنواعه - كان ذلك اللفظ بالنسبة إلى ذلك المعنى العام حقيقة لغوية، ومجازًا عرفيًا أو شرعيًا (^٧)، وبالنسبة إلى ذلك النوع بالعكس (^٨)، ومِنْ هذا يُعْرف أن الحقيقة قد تصير مجازًا وبالعكس.\n_________\n(^١) أي: الأعلام المتجددة ليست بمجاز.\n(^٢) أي: في قول الماتن: \"والأعلام\".\n(^٣) فأسامة عَلَم جنس وهو حقيقة لغوية لاسم الجنس أسد. أي: أسامة علم لغوي على كل فرد من أفراد جنس الأسد.\n(^٤) وكذا قال الزركشي في البحر المحيط ٣/ ١١٥.\n(^٥) انظر: السراج الوهاج ١/ ٣٧٢.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) أي: المعنى العام للدابة وهو المعنى اللغوي، يكون مجازًا عرفيًا أو شرعيًا، بالنظر إلى العرف أو الشرع.\n(^٨) أي: يكون اللفظ بالنسبة للمعنى العرفي أو الشرعي حقيقة عرفية أو شرعية، مجازًا لغويًا.","vol":"3","page":819},{"text":"وأما بالنسبة إلى معنى واحد باعتبار واحدٍ (^١) فذلك (^٢) ممتنع؛ (لاستحالة النفي والإثبات) (^٣) (^٤).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-290>(الثامنة: علامة الحقيقة سبق الفهم، والعراء عن القرينة)</span>.\nاعلم أن الفرق بين الحقيقة والمجاز إما أن يقع بالتنصيص، أو الاستدلال. أما التنصيص فمن وجهين:\nأحدهما: أن يقول الواضع: هذا حقيقة، وذاك مجاز. أو تقول ذلك أئمة اللغة. قال الهندي: \"لأن (^٥) الظاهر أنهم لم يقولوا ذلك إلا عن ثقة (^٦) \" (^٧).\nوالثاني: أن يقول الواضع: هذا حقيقة، أو هذا مجاز. فيثبت (^٨) بهذا أحدُهما، وهو ما نص عليه (^٩).\n_________\n(^١) أي: باعتبار اصطلاح واحد.\n(^٢) أي: اجتماع الحقيقة والمجاز.\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"لاستحالة النفي الجمع والإثبات\". وهي خطأ، وصواب العبارة: \"لاستحالة جمع النفي والإثبات\".\n(^٤) انظر المسألة السابعة في: المحصول ١/ ق ١/ ٤٧٧، التحصيل ١/ ٢٣٩، الحاصل ١/ ٣٦٣، نهاية السول ٢/ ١٧٨، السراج الوهاج ١/ ٣٧١، مناهج العقول ١/ ٢٨٠، بيان المختصر ١/ ٢٠١، العضد على ابن الحاجب ١/ ١٥٣، المحلى على جمع الجوامع ١/ ٣٢٧، فوات الرحموت ١/ ٢٠٨، شرح الكوكب ١/ ١٩٠.\n(^٥) في (ت): \"إنَّ\". والذي في نهاية الوصول: \"إذ\".\n(^٦) في (ص): \"فقه\". وهو تصحيف.\n(^٧) نهاية الوصول ٢/ ٣٨٥.\n(^٨) في (غ)، و(ك): \"فثبت\".\n(^٩) الفرق بين الوجه الأول والثاني أن الأول لا تشكك فيه، بل يثبت للفظ معنى حقيقي ومعنى مجازي، أما الوجه الثاني ففيه تشكك في تحديد المعنى الحقيقي والمجازي.","vol":"3","page":820},{"text":"وزاد الإمام ثالثًا: وهو أن يذكروا خواصهما (^١). وفيه نظر؛ فإنه يندرج في قسم الاستدلال، ولا يعد من التنصيص.\nوأما الاستدلال: فبالعلامات. وهذا القسم هو الذي ذَكَره المصنف، وذكر فيه لكل من الحقيقة والمجاز علامتين:\nالعلامة الأولى: من علامتي الحقيقة: تبادر الذهن إلى فهم المعنى من غير قرينة.\nفإن قلت: ما ذكرتم منقوض طردًا وعكسًا (^٢): أما الطرد؛ فلأن المجاز\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٨٠.\n(^٢) الطرد: كونه غير مانع. والعكس: كونه غير جامع. فالطرد في الاصطلاح: هو الملازمة في الثبوت. وقضيته: كلما وجد الحد وُجد المحدود. والعكس في الاصطلاح: الملازمة في الانتفاء. وقضيته: كلما انتفى الحد انتفى المحدود. فإذا صدقت قضية: كلما وجد الحد وجد المحدود - لزم منع غير المحدود من الدخول قطعًا، كقولك: كلما وجد الحيوان الناطق وجد الإنسان. فهذا الحد مطرد، أي: مانع من دخول غير الإنسان، فإن اختلت قضية الملازمة في الثبوت اختل المنع، فلو قلت: كلما وجد الحيوان وجد الإنسان - فهذا ليس بصحيح؛ لأن وجود الإنسان لا يلزم من وجود الحيوان، فلو عرَّفت الإنسان بأنه حيوان، كان الحد غير مانع من دخول غير الإنسان كالفرس، وإنما كان غير مطردٍ أي: غير مانع؛ لاختلال الملازمة في الثبوت. وكذلك الملازمة في الانتفاء إن اختلت لزم من ذلك اختلال جميع أفراد المحدود، فلو قلت مثلًا: كلما انتفى الناطق انتفى الحيوان فهذا ليس بصادق، ولذلك لو عرفت الحيوان بأنه الناطق كان غير جامع لجميع أفراد الحيوان؛ لأن منها ما ليس ناطقًا. وحاصل إيضاح هذا أن النسبة بين الحد والمحدود إن كانت المساواة كان جامعًا مانعًا. انظر: آداب البحث والمناظرة ق ١/ ٤٢، ٤٣.","vol":"3","page":821},{"text":"المنقول والمجاز الراجح مما يتبادر معنى كل منهما المجازي من غير قرينة دون حقيقتيهما (^١). وأما العكس؛ فلأن المشترك حقيقةٌ في مدلولاته مع عدم تبادر شيء منها إلى (^٢) الفهم (^٣).\nقلت: أما المنقول فغير وارد؛ لأن المنقول إليه إنما يَتَبادر لأنه حقيقة فيه (^٤)، وكونه مجازًا فيه أيضًا (^٥) لا ينافي كونه حقيقة فيه، لما عرفت من أن اللفظ الواحد قد يكون حقيقة ومجازًا (^٦). وأما عدم تبادر الحقيقة الأصلية (^٧)؛ فلصيرورتها الآن مجازًا عرفيًا.\nوأما المجاز الراجح فقال صفي الدين الهندي: \"هو نادر، والتبادر في الأغلب يختص بالحقيقة، وتخلف المدلولِ عن (^٨) الدليل الظني لا يقدح فيه، ألا ترى أن الغيم الرَّطْب في الشتاء دليل وجود المطر وتخلفه في بعض الأوقات لا يقدح في كونه دليلًا عليه، لا سيما في المباحث اللغوية\n_________\n(^١) أي: دخل في الحقيقة المجاز المنقول والمجاز الراجح، فهذا يدل على أن العلامة المذكورة للحقيقة غير مانعة.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: خرج المشترك من الحقيقة؛ لعدم تبادر شيء من مدلولاته إلى الفهم بغير قرينة، مع أنه حقيقة في مدلولاته. فهذا يدل على أن العلامة المذكورة غير جامعة.\n(^٤) أي: اللفظ المنقول إلى معنى هو حقيقة في ذلك المعنى إما عرفية أو شرعية، فكونه داخلًا في علامة الحقيقة لا يضر، لأنه من الحقيقة.\n(^٥) أي: وكون اللفظ النقول مجازًا في المعنى المنقول إليه أيضًا.\n(^٦) فاللفظ بالنسبة للمعنى المنعَول إليه حقيقة ومجاز، ولكن باعتبارين.\n(^٧) أي: للفظ المنقول.\n(^٨) في (ت)، و(ص): \"على\".","vol":"3","page":822},{"text":"والأمارات الإعرابية\" (^١) (^٢).\nوأما اللفظ المشترك فأحسن ما يجاب به عنه: أن التعريف بالعلامة لا يُشترط فيه الانعكاس (^٣).\nوالعلامة الثانية: العَرَاء عن القرينة، يعني: أنا إذا سمعنا أهل اللغة يعبِّرون عن معنى واحد بعبارتين، ويستعملون إحداهما بقرينةٍ دون الأخرى، فنعرف أن اللفظ حقيقة في المستعملة بدون (^٤) القرينة؛ لأنه لولا استقرار أنفسهم على تَعَيُّن ذلك اللفظ لذلك المعنى بالوضع - لم يقتصروا عليه عادة.\nقال: (وعلامة المجاز الإطلاق على المستحيل، مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^٥)، والإعمال في المنسي كالدابة للحمار).\nالعلامة الأولى: من علامتي المجاز: إطلاق اللفظ على ما يستحيل تعلقه به؛ إذ الاستحالة تقتضي أنه غير موضوع له، فيكون مجازًا. ومَثَّل في الكتاب له بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي (^٦): لأنه لما عُلِم امتناع سؤال الأبنية المجتمعة المسماة \"بالقرية\" عُلِم أنه مجاز، والتقدير: واسأل أهل القرية، وفي هذا المثال من النظر ما قدمته.\n_________\n(^١) لأنها ظنية غالبًا.\n(^٢) نهاية الوصول ٢/ ٣٨٧.\n(^٣) يعني: لا يشترط في العلامة أن تكون جامعة لجميع أفراد المعرَّف.\n(^٤) في (ص): \"دون\".\n(^٥) سورة يوسف: الآية ٨٢.\n(^٦) سقطت من (غ).","vol":"3","page":823},{"text":"العلامة الثانية: أن يستعمل اللفظ في المعنى المنسي، بأن يكون موضوعًا لمعنى له أفراد، فَيَتْرك أهلُ العرف استعماله في بعض تلك الأفراد بحيث يصير ذلك البعض منسيًا، ثم يُستعمل اللفظ في ذلك المعنى المنسي، فيكون ذلك (^١) مجازًا عرفيًا.\nمثال ذلك: لفظ \"الدابة\" فإنه موضوع لكل ما يَدِب على الأرض، فيترك (أهل بعض) (^٢) البلدان استعمالها في الحمار بحيث نُسِي، فإطلاقها عليه عندهم مجاز.\nواعلم أن إطلاقها على غير المنسي مجاز لغوي؛ لأن قصرها على الحمار ببلاد مصر، وعلى الفَرَس بالعراق - وَضْع على غير الوضع الأول، كذا ذكروه.\nوقد يقال: إِن استعملها المتكلم ملاحظًا للوضع الأول كان حقيقةً وإلا مجازًا، فالوضع الثاني لا يُخْرِج الأول عما وضع له (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٢) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"بعض أهل\".\n(^٣) يعني: الوضع العرفي لا يُخْرِج الوضع الحقيقي عن معناه، أي: إطلاق اللفظ بوضعه العرفي لا يمنع أن يقصد به الوضع الحقيقي لأنه أصله وليس بينهما منافاة، فيريد بذلك المعنى العرفي أنه معنى حقيقي.\n(^٤) انظر علامات الحقيقة والمجاز في: المحصول ١/ ق ١/ ٤٨٠، التحصيل ١/ ٢٣٩، الحاصل ١/ ٣٦٤، نهاية السول ٢/ ١٧٩، نهاية الوصول ٢/ ٣٨٥، السراج الوهاج ١/ ٣٧٣، مناهج العقول ١/ ٢٨١، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٣٢٣، بيان المختصر ١/ ١٩٤، فواتح الرحموت ١/ ٢٠٥، شرح الكوكب ١/ ١٨٠.","vol":"3","page":824},{"text":"الفصل السابع: تعارض ما يخل بالفهم","vol":"3","page":825},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-291>(الفصل السابع: في تعارض ما يخل بالفهم</span>.\nوهو الاشتراك، والنقل، والمجاز، والإضمار، والتخصيص. وذلك على عشرة أوجه):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>الأحوال اللفظية المخلة بالإفهام:</span>\nالاشتراك، والنقل، والمجاز، والإضمار، والتخصيص.\n\nواعلم أن<span data-type=\"title\" id=toc-293> التعارض بين هذه الاحتمالات الخمسة يقع على عشرة أوجه</span>، فقد اشتمل كلامنا هذا على دعاوٍ:\nالأولى: أن هذه الخَمسة مُخِلَّةٌ بالإفهام. وبيان ذلك: أنه على تقدير الاشتراك يحتمل أن يكون المراد غير ما يُعَيِّنه (^١)؛ وعلى تقدير النقل يحتمل أن يكون المراد المنقول عنه، وعلى تقدير المجاز يحتمل أن يكون المراد الحقيقة، وكذلك على تقدير الإضمار والتخصيص (^٢).\nوالثانية: أنه لا يُخل بالفهم من الألفاظ سواها. وبيانها: حصر المخلات في هذه الأقسام بالدوران، وذلك بأن يقال: كلما حصل (^٣) أحد هذه الخمسة حَصَل الإخلال لما ذكرناه، وكلما انتفت الخمسة انتفى الإخلال، لأن مع زوال الاشتراك والنقل يكون اللفظ حقيقةً واحدة، ومع انتفاء المجاز والإضمار يكون المراد تلك الحقيقة، ومع زوال\n_________\n(^١) في (ص): \"يعنيه\".\n(^٢) أي: يظن أنه يريد أفرادًا معينين وهو يريد العموم.\n(^٣) في (ت): \"وجد\".","vol":"3","page":827},{"text":"التخصيص يكون المراد كلها (^١).\nهذه طريقة تدلك على الحصر (^٢) ولك على ذلك طريقة أخرى وهي (^٣) الترديد الدائر بين النفي والإثبات، وذلك بأن تقول:\nإذا لم يَتَعَيَّن المعنى من اللفظ فلا (^٤) يخلو إما أن يكون لاحتمال معنى آخر داخل في مفهوم اللفظ، أو خارج عنه:\nإن كان الأول: فهو احتمال التخصيص.\nوإنْ كان الثاني: فإما أن يكون لاحتمال حقيقة أخرى أوْ لا:\nوالأول: إنْ كان مسبوقًا بوضع آخر فهو احتمال النقل (^٥)، وإلا فاحتمال الاشتراك.\nوالثاني: إنْ كان (^٦) المصير إليه (^٧) لضرورة لفظية (^٨) فهو احتمال الإضمار، وإلا فاحتمال المجاز.\n_________\n(^١) يعني مع زوال التخصيص يكون المراد كل الحقيقة.\n(^٢) يعني: طريقة الدوران هذه تدل على أن الإخلال بالفهم منحصر في هذه الخمس.\n(^٣) في (ت): \"وهو\".\n(^٤) في (ت): \"لا\".\n(^٥) لأن النقل فيه وضع أول، ووضع ثان، منقول ومنقول إليه.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) أي: إلى المعنى الآخر.\n(^٨) أي: كعدم استقامة المعنى إلا بتقدير لفظ آخر.","vol":"3","page":828},{"text":"والثالثة: أن التعارض بينها (^١) يقع (^٢) على عشرة أوجه. وبيانها: أنه (^٣) إنما يقع التعارض بين الاشتراك وبين الأربعة الباقية، ثم بين النقل وبين الثلاثة الباقية، ثم بين المجاز وبين الوجهين الباقيين، ثم بين الإضمار والتخصيص (^٤)، فكان المجموع عشرة (^٥).\nواعلم أن هذه الدعاوى غير محررة، والاعتراض عليها من وجوه:\nأحدها: أنه إن (^٦) أُريد أنه إذا انتفت الخمسة حَصَل الظن بالمدلول لا الجزم - فليس بصحيح فإن الظن حاصلٌ مع الاحتمالات.\nوإنْ أُريد أن الخمسة تُخل بالجزم بالمدلول لا بظنه - فنقول: لا يلزم من انتفاء الخمسة انتفاء الاحتمال وحصول الجزم، كيف وقد ذكر الإمام أن الأدلة السمعية لا تفيد اليقين إلا بنفي عشرة احتمالات! فذكر هذه الخمسة مع التقديم، والتأخير، والناسخ، والمعارض العقلي، وتغير\n_________\n(^١) أي: بين هذه الخمسة المخلات.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: نهاية السول ٢/ ١٨١.\n(^٥) في (ص): \"عشرًا\". وإنما جاز حذف التاء من العدد مع أن المعدود مذكر وهو \"أوجه\"؛ لأن التمييز قد حذف، والقاعدة أنه إذا حذف التمييز من العدد جاز الرجوع إلى الأصل وهو حذف التاء من عدد المعدود المذكَّر، كقوله ﵊: \"مَنْ صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال\" بلا تاء، مع أن المعدود مذكَّر وهو الأيام. انظر: حاشية الخضري على شرح ابن عقيل للألفية ٢/ ١٣٥.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"3","page":829},{"text":"الإعراب (^١). ومعلوم أن هذه العشرة إنما تخل باليقين لا بالظن، فكان حقه أن يَذْكُرَ ها هنا العشرةَ بعينها، فالحصر في الخمسة باطل.\nفإن قلت: لعل المراد أن انتفاء الخمسة يُحَصِّل غلبة الظن، وتلك رتبة متوسطة بين اليقين وأصل الظن.\nقلت: هذه الغلبة لا ضابط لها، وغلبة الظن لا تَخْرُج عن باب الظن، فإن الظنون تتفاوت وهي مشتركة في مَشْرَع (^٢) واحد.\nوالثاني: أنَّ ما ذَكَر مِنْ أنه إذا انتفى المجاز والإضمار بقي اللفظ مستعملًا فيما وضع له (^٣) (مفهومُه أنه إذا وجد أحدهما لا يكون اللفظ مستعملًا فيما وضع له) (^٤)، وليس كذلك؛ لأن الإضمار على قسمين:\nأحدهما: ما يوجِب مجازًا في اللفظ مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^٥)، فإن إضمار \"الأهل\" هو الذي صَيَّر إسناد السؤال في الظاهر إلى القرية مجازًا.\nالثاني: وهو (^٦) ما لا يوجب مجازًا في اللفظ، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا\n_________\n(^١) قد ذكر الإمام المخلات الخمسة التي ذكرها المصنف هنا في المحصول ١/ ق ١/ ٤٨٧، ولم يذكر هنا بقية العشرة، بل ذكرها في \"معالم أصول الدين\" ص ٤٤ - ٤٦، وانظر: القطع والظن عند الأصوليين للدكتور الشثري ١/ ١٥٨.\n(^٢) أي: مَوْرِد. انظر: اللسان ٨/ ١٧٥، المصباح ١/ ٣٣١، مادة (شرع).\n(^٣) أي: فلا يبقى عند ذلك خلل في الفهم. انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٤٨٨.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سورة يوسف: الآية ٨٢.\n(^٦) في (ص): \"هو\".","vol":"3","page":830},{"text":"الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^١) الآية، فإذا أضمرنا فيها: \"مُحْدِثين\" لا يتجدد في اللفظ مجاز. وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٢) فإذا أضمرنا: \"فأفطرتم\" لا يتجدد في اللفظ مجاز.\nالثالث: أن الكلام في هذه المحتَمِلات إنْ كان في مُطْلَقَاتها وأجناسها، دون أنواعها وأشخاصها - فلا ينبغي أن يُذْكر الإضمار ولا التخصيص؛ لأنهما نوعان للمجاز، فيندرجان تحت مُطَلَقِه كما اندرجت أنواع النقل تحت مطلقه. وعلى هذا تكون الاحتمالات المخلة ثلاثة فقط.\nوإنْ كان الكلام في أنواعها دون مطلقاتها وأجناسها - فلا ينحصر في خمسة؛ لأن أنواع المجاز متعددة كما سبق، وقد ذَكَر فيما تقدم اثني عشر نوعًا، وأنواع النقل ثلاثة فهذه خمسة عشر في (^٣) اثنين منها (^٤)، فَعُلم أن الحصر في الخمسة فاسد.\nالرابع: أنَّ مِنْ (^٥) جملة الاحتمالات المخلة بالفهم النَّسْخ؛ لأن السامع إذا جَوَّز على حكم اللفظ أنه منسوخ لم يجزم بثبوته. ولم يَذْكره (^٦) مع الخمسة، والإمام ذكره بعد ذلك، وزعم أنه مندرج في\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١٨٤.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) أي: من الخمسة، وهما المجاز والنقل.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) أي: المصنف.","vol":"3","page":831},{"text":"التخصيص (^١)، فلذلك لم يُفرده بالذكر، وتبعه المصنف في ذلك. وهذا لا يستقيم لا على أصله (^٢)، ولا على الحق في نفس الأمر، فإن أصله أن صيغة الأمر للقدر المشترك بين المرة والتكرار، فلا عموم في الأزمان (فلا نسخ) (^٣) (^٤). وأما على الحق في نفس الأمر؛ فلأنا إذا سبرنا الأوامر لا نجدها تقتضي بصيغتها فعل المأمور أبدًا، فكان الأحسن أن يعد النسخ (^٥). وقد نظم بعضهم بيتين في هذه الأقسام وذكر النسخ فقال:\nتَجَوُّزٌ ثم إضمارٌ وبَعْدَهما ... نَقْلٌ تلاه اشتراكٌ فهو يَخْلُفُهُ\nوأرجح الكلِّ تخصيصٌ وآخِرُهم (^٦) ... نَسْخٌ فما بَعْدَه قِسْم يُخَلَّفُهُ\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-294>(الأول: النقل أولى من الاشتراك لإفراده </span>في\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٥٠٢.\n(^٢) أي: إدراج النسخ في التخصيص لا يستقيم على أصل المصنف.\n(^٣) سقطت من (ت). وفي (ك): \"ولا نسخ\".\n(^٤) يعني: أن المصنف يرى أن النسخ بيانٌ لا رفع، كما هو مذهب المعتزلة، فالناسخ لم يرفع حكم المنسوخ، وإنما بيَّن نهاية مدته، فَجَعْل النسخ مندرجًا في التخصيص غير مستقيم؛ لأن النسخ لا يرفع عموم الأزمان عند المصنف، أي: لا يخصها بالبعض دون بعض، وإنما هو بيانٌ لانتهاء الحكم السابق، واستئناف حكمٍ جديد، وهذا مخالف للتخصيص الذي هو إخراج بعض أفراد العام من حكمه.\n(^٥) يعني: أن الأوامر لا تقتضي التكرار أبدًا إلى آخر الزمن، حتى يقول المصنف بأن النسخ نوع من التخصيص، فيدرجه في ضمنه، فكان الأحسن بالمصنف عَدَّ النسخ نوعًا مستقلًا من المخلات.\n(^٦) في (غ): \"فآخرهم\".","vol":"3","page":832},{"text":"الحالتين (^١) كالزكاة).\nشرع في ذكر الوجوه العشرة على الترتيب المذكور، فنقول:\nالنقل أولى من الاشتراك:\nلأن المنقولَ مدلوله مفرد في الحالتين، أي: قبل النقل وبعده. أما قبل النقل؛ فلأن مدلولَه المنقولُ عنه: وهو اللغوي. وأما بعده؛ فلأن مدلُولَه المنقول إليه: وهو الشرعي، أو العرفي. وإذا كان مدلوله مفردًا لم يمتنع (^٢) العمل به.\nوأما المشترك فمدلوله متعدد في كل وقت، فيكون كالمجمل لا يعمل به إلا بقرينة، اللهم إلا أن يقال بحمله (^٣) على معنييه، وما لا يمتنع العمل به (^٤) أولى من عكسه (^٥).\nمثال ذلك: لفظ \"الزكاة\" فإنه يحتمل أن يكون مشتركًا بين النماء والقدر المُخْرَج من النصاب، وأن يكون موضوعًا للنماء فقط (^٦). ثم نقله الشرع إلى القدر المخرج من النصاب، فإذا تعارضا فالنقل أولى لما ذكرناه.\n_________\n(^١) في (ت): \"الحالين\".\n(^٢) في (ت): \"لم يمنع\".\n(^٣) في (ص): \"نحمله\".\n(^٤) وهو النقل.\n(^٥) أي: ما يمتنع العمل به وهو الاشتراك.\n(^٦) انظر: المصباح ١/ ٢٧٢، لسان العرب ١٤/ ٣٥٨، مادة (زكا).","vol":"3","page":833},{"text":"ومن أمثلته: أن يقول الشافعي: الفاتحة ركن في الصلاة؛ لقوله - ﷺ -: \"كل صلاة لم يُقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاج\" (^١) (^٢)، ولفظ الصلاة في عرف الشرع منقول إلى (^٣) العبادة المخصوصة، فوجب أن تكون الفاتحة ركنًا.\nفيقول الحنفي: مذهب القاضي أن الشرع لم ينقل شيئًا من الألفاظ، بل الصلاة مشتركة بين الدعاء وبين التابعة، ومشه سُمِّي الثاني في حَلْبة السِّبَاق مُصَلِّيًا؛ لكونه تابعًا لِصَلَوَي (^٤) الذي قبله. وسميت هذه العبادة صلاة لما فيها من المتابعة للأئمة غالبًا. وإذا كانت مشتركة كانت\n_________\n(^١) الخدَاج: النُّقْصَان. يقال: خَدَجَت الناقة إذا ألقتْ ولدَها قبل أوانِه وإن كان تامَّ الخَلْق. وأخْدَجَتْه إذا ولدتْه ناقص الخَلْق وإن كان لتمام الحمل وإنما قال في الحديث: \"فهي خِدَاج\"، والخِدَاج مصدر - على حذف المضاف، أي: ذات خداج، أو يكون قد وَصَفَها بالمصدر نفْسِه مبالغة كقوله: فإنما هي إقبالٌ وإدبارٌ، أي: مُقْبِلة مدبرة. ومثله قولهم: عبدُ الله إقبالٌ وإدبارٌ، أي: مُقْبِلٌ وَمُدْبِرٌ، انظر: النهاية لابن الأثير ٢/ ١٢، لسان العرب ٢/ ٢٤٨، مادة (خدج).\n(^٢) أخرجه أحمد ٢/ ٢٤١، ٤٦٠. ومسلم ١/ ٢٩٦، في كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث رقم ٣٩٥. وابن حبان ٥/ ٨٤، ٩٠، حديث رقم ١٧٨٤، ١٧٨٨.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أي: جانِبَيْ أصل ذَنَب الفرس. وفي المصباح ١/ ٣٧١، مادة (صلى): \"والصلا وزان العصا: مَغْرز الذَّنَب من الفرس، والتثنية صلوان، ومنه قيل للفرس الذي بعد السابق في الحلبة المُصَلِّي؛ لأنَّ رأسه عند صَلا السابق\". وفي اللسان ١٤/ ٤٦٦: \"قال أبو عبيد: وأصل هذا في الخيل، فالسابق الأول، والمصلِّي الثاني، قيل له مُصَلٍّ لأنه يكون عند صَلا الأول، وَصَلاهُ جانبًا ذنبه عن يمينه وشماله\".","vol":"3","page":834},{"text":"مجملة (^١)، فيسقط (^٢) الاستدلال بها حتى يُبَيِّن الخصمُ رجحان اللفظ في أحدهما.\nفنقول: جَعْلُها منقولةً إلى العبادة المخصوصة أولى من الاشتراك لِمَا تقرر.\nومنها: أن يقول الشافعي: الكلب نجس لقوله - ﷺ -: \"طُهُور إناء أحدكم إذا وَلَغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا\" (^٣) والطهارة في عرف الشرع منقولة إلى: إزالة الحدث والخبث (^٤)، ولا حدث فيتعين (^٥) الخبث.\n_________\n(^١) في (ت): \"محتملة\".\n(^٢) في (ت): \"فسقط\".\n(^٣) أخرجه مسلم بهذا اللفظ، لكن فيه: \"أن يغسله سبع مرات، أولاهن بالتراب\". انظر: صحيح مسلم ١/ ٢٣٤، كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، رقم الحديث ٩١/ ٢٧٩. وكذا أخرجه بلفظ مسلم الدارقطني في السمن ١/ ٦٤، كتاب الطهارة، باب ولوغ الكلب في الإناء، رقم ٥. وأخرجه بمعناه البخاري في صحيحه ١/ ٧٥، كتاب الوضوء، باب الماء الذي يُغسل به شعر الإنسان، رقم ١٧٠. وأبو داود ١/ ٥٩، كتاب الطهارة، باب الوضوء بسؤر الكلب، رقم ٧٣، ٧٤. والنسائي ١/ ٥٢، كتاب الطهارة، باب سؤر الكلب، رقم ٦٣ - ٦٧، وانظر رقم ٣٣٥ - ٣٣٩. والترمذي ١/ ١٥١، كتاب الوضوء، باب ما جاء في سؤر الكلب، رقم ٩١. وابن ماجه ١/ ١٣١، كتاب الطهارة وسننها، باب غسل الإناء من ولوغ الكلب، رقم ٣٦٣ - ٣٦٦. وانظر: تلخيص الحبير ١/ ٢٣، ٣٩، رقم حديث ٩، ٣٥.\n(^٤) فالطهارة في اللغة: النظافة والتنزه عن الأقذار. انظر: القاموس الفقهي ص ٢٣٣، المصباح المنير ٢/ ٢٦، ثم نقلها الشارع إلى معنيين مخصوصَيْن.\n(^٥) في (غ): \"فتعيَّن\".","vol":"3","page":835},{"text":"فيقول المالكي: لفظ الطهارة مشترك في اللغة بين إزالة الأقذار وبين الغَسْل على وجه التقرب إلى الله تعالى؛ لأنه مستعمل فيهما حقيقةً إجماعًا، والأصل عدم التغيير، والتقرب إلى الله تعالى كان معلومًا لهم لقوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (^١)، والمشترك مجمل فيسقط الاستدلال به حتى يُبَيِّن الخصم الرجحان.\nفنقول: جَعْلُه منقولًا إلى العبادة المخصوصة أولى من الاشتراك لما مر.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-295>(الثاني: المجاز خير منه</span>؛ لكثرته، وإعمالِ اللفظ مع القرينة ودونَها كذلك).\nالمجاز أولى من الاشتراك؛ لوجهين:\nأحدهما: أنه أكثر في اللغة، والأكثرية دليلُ الرجحان.\nوالثاني: أنه على تقدير المجاز إنْ كان اللفظ مع القرينة وجب حمله على المجاز، وإنْ كان مجردًا عنها وجب حمله على الحقيقة، فهو معمول به على التقديرين، بخلاف الاشتراك فإن اللفظ المشترك إذا تجرد عن القرينة وجب التوقف على المختار عندهم، وإنْ عُمل به عند البعض احتياطًا فليس العمل للاحتياط كالعمل مع التحقق (^٢).\nومن أمثلة الفصل (^٣) قولنا: موطوءة الماب بالزنا يحل للابن نكاحها؛ لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (^٤) وهذه طابت للابن.\n_________\n(^١) سورة الزمر: الآية ٣.\n(^٢) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"التحقيق\".\n(^٣) في (ص): \"الفضل\".\n(^٤) سورة النساء: الآية ٣.","vol":"3","page":836},{"text":"فإن قلت: هذا معارض بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (^١) والنكاح حقيقة في الوطء.\nقلت: بل هو حقيقة في العقد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (^٢) وغيرها من الآيات، وإذا كان حقيقة في العقد لا يكون حقيقة في الوطء وإلا يلزم الاشتراك.\nفإن قلت: لولا ذلك لزم المجاز (^٣).\nقلت: المجاز خير من الاشتراك؛ لما ذكرناه.\nومنها: قولنا: لا يجوز التوضؤ بالنبيذ؛ لأن الله تعالى نَصَّ على سببية الماء، فوجب حصر السبب فيه عملًا بالأصل النافي لسببية غيره. وإنما قلنا: إن الله تعالى نَصَّ على سببية الماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ (^٤) والطَّهُور: هو الذي يُتطهر به، كالحَنُوط والسَّعُوط: الذي يُتَحَنَّط به (^٥)، ويُتَسَعَّط به (^٦).\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ٢٢.\n(^٢) سورة النور: الآيه ٣٢.\n(^٣) أي: لولا جَعْله مشتركًا بين العقد والوطء لزم المجاز، وأن يكون حقيقة في العقد، مجازًا في الوطء.\n(^٤) سورة الفرقان: الآية ٤٨.\n(^٥) أي: الذي يُوضع طيبًا لأكفان الموتى وأجسامهم خاصة. قال في المصباح ١/ ١٦٦، مادة (حنط): والحَنُوط والحِنَاط مثل رَسُول وكِتَاب: طيب يُخلط للميت خاصة. وكلُّ ما يُطَيَّب به الميت من مسك، وذريرة، وصندل، وعنبر، وكافور، وغير ذلك مما يُذَرُّ عليه تطييبًا له، وتجفيفًا لرطوبته فهو حنوط\". وانظر: لسان العرب ٧/ ٢٧٨.\n(^٦) في لسان العرب ٧/ ٣١٤: \"والسَّعُوط بالفتع، والصَّعُوط: اسم الدواء يُصَبُّ في =","vol":"3","page":837},{"text":"فيقول الحنفي: الأصل في فَعُول أن يكون تابعًا لفاعلٍ في القَصْر والتعدية (^١)، وطاهر (^٢) قاصِرٌ فطهورٌ مثله، فلو كان ههنا للذي يُتَطهر به للزم (^٣) الاشتراك (على ما نقوله) (^٤) (^٥)، وعلى ما يقوله تكون صيغته هنا مجازًا، فإنه لا تكرار في طاهرية ماء (^٦) السماء، والمجاز أولى من الاشتراك لما مر (^٧).\n_________\n= الأنف\". وقوله: ويتسعط به أي: الذي يدخل في الأنف. وانظر: المصباح ١/ ٢٩٧، مادة (سعط).\n(^١) أي: الأصل في طَهُورٍ الذي على وزن فَعُول أن يكون تابعًا لطاهِرٍ الذي على وزن فاعل، في اللزوم والتعدية؛ وذلك لأن فعول من صيغ المبالغة لاسم الفاعل، فأصل فَعُول فاعل وحُوِّل إلى هذه الصيغة للدلالة على الكثرة والمبالغة في الحَدَث. قال الشيخ أحمد الحملاوي: \"وقد تُحَوَّل صيغة \"فاعل\" للدلالة على الكثرة والمبالغة في الحدث - إلى أوزان خمسة مشهورة، تُسمى صيَغ المبالغة. . .\". شذا العرف ص ٧٨.\n(^٢) في (غ): \"وفاعل\".\n(^٣) في (ت): \"لزم\".\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) يعني: طهور على وزن فعول، ووزن فعول تابع لوزن فاعل في القصر والتعدية، وطاهر قاصر؛ فيكون طهور قاصرًا مثله، أي: لازمًا لا متعديًا، وعلى هذا فيكون معنى طهور: هو الطاهر في نفسه، لا بمعنى المطهِّر لغيره كما يقول الجمهور، ولو قلنا: إنه بمعنى المطهِّر لغيره فإنه يلزم الاشتراك؛ لأنه يلزم منه أن يكون لازمًا ومتعديًا، أي: طاهرًا ومطهِّرًا، والاشتراك خلاف الأصل.\n(^٦) في (ص): \"بماء\".\n(^٧) يعني: وإذا حملناه على ما يقوله الحنفي - فيكون استعمال \"طهور\" بمعنى مطهِّر مجازًا، وهو أولى من الاشتراك؛ لأن حمل اللفظ \"طهور\" على معنى \"طاهر\" القاصر غير مناسب هنا؛ لأن طهور صيغة مبالغة تفيد التكرار، ولا تكرار في طاهرية الماء؛ =","vol":"3","page":838},{"text":"فنقول هذا الترجيح مدفوع بقوله تعالى: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (^١) والباء للسببية؛ فيدل على أن المراد: الذي يُفعل به التطهير (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-296>(الثالث: الإضمار خيرٌ منه</span>؛ لأن احتياجه إلى القرينة في صورةٍ واحتياج الاشتراك إليها في صورتين).\nالإضمار أولى من الاشتراك:\nلأنه لا يحتاج إلى القرينة إلا في صورة واحدة: وهي صورة إرادة المعنى الإضماري، بخلاف المشترك فإنه مُفْتَقِر إلى القرينة في جميع صُوَرِه؛ إذ ليس البعض فيه أولى من البعض.\nوفي بعض نسخ الكتاب بعد قوله: \"في صورتين\" مثل: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^٣). أي: أن لفظ \"القرية\" يحتمل أن يكون مَقُولًا بالاشتراك على الأهل والأبنية، ويحتمل أن يكون حقيقةً في الأبنية فقط، والأهل مضمر.\n_________\n= إذ طهارة الماء لا تتكرر في ذاتها، فحَمْل اللفظ على مطهِّر القابل للتكرار مجازًا - أولى من حمله على طاهر غير القابل للتكرار، والمجاز أولى من الاشتراك.\n(^١) سورة الأنفال: الآية ١١.\n(^٢) أي: دعوى الترجيح بالمجاز على الاشتراك غير مقبولة؛ لأن هناك آية أخرى تفسِّر معنى \"طهور\" الوارد في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ وهي قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾، والباء للسببية، أي: ينزل عليكم الماء الذي تتطهرون بسببه، فمعنى الطهور: هو الذي يُفعل به التطهير، فيكون إطلاق المطهِّر على ماء السماء من باب الحقيقة، لا من باب ترجيح المجاز على الاشتراك.\n(^٣) سورة يوسف: الآية ٨٢.","vol":"3","page":839},{"text":"فيقول المناظر: الإضمار أولى؛ لما قلناه.\nومن أمثلته: قولنا: لا يجوز للأب أن يتزوج بجارية ابنه؛ لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ (^١) وجارية الابن حليلة له (^٢)؛ لأن الحليلة فعيلة من الحِلِّ: وهي المرأة التي يَحِل وطؤها، (فحليلة الابن: المرأة التي يَحِل له وطؤها) (^٣) والجارية المملوكة للابن كذلك فتكون حليلة له، وإذا كانت حليلةً للابن اندرجت تحت الآية؛ فتكون محرمة على الأب (^٤).\nفيقول الحنفي: حليلة الرجل: هي المرأة التي تحل له بالنكاح، وهي الزوجة (^٥). ودليله النقل، قال الجوهري: \"الحليلة الزوجة\" (^٦).\nفنقول: لا نسلم أن إطلاق الحليلة على الزوجة بطريق الحقيقة.\nفإن قلت: الأصل في الإطلاق الحقيقة.\nقلت: نعم لكن لو جعلناه حقيقة فيما ذكرتم - فإما أن يكون حقيقة فيما ذكرنا أيضًا، أو مجازًا فيه. والثاني (^٧) باطل؛ لأنه يلزم منه ترجيح\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ٢٣.\n(^٢) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٤) انظر: التفسير الكبير ١٠/ ٣٥.\n(^٥) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ١٢٩.\n(^٦) انظر: الصحاح ٤/ ١٦٧٣، مادة (حلل).\n(^٧) أي: كون إطلاق الحليلة على الجارية مجازًا.","vol":"3","page":840},{"text":"الاستعمال في دلالته على الحقيقة على الاشتقاق في دلالته عليها (^١)؛ وذلك لأن الظاهر أن الجوهري إنما أخذ أن الحليلة: هي الزوجة - من استعمال العرب، والاستعمال أعم مِنْ أن يكون على سبيل الحقيقة أو المجاز. ونحن دللنا باشتقاق لفظ \"الحليلة\" المُقْتَضِي لما هو أعم من الزوجة، فليكن (^٢) أرجح لبعد الخطأ فيه. والأول (^٣) أيضًا باطل؛ لأنه يلزم منه الاشتراك.\nفإن قلت: لو لم يكن مشتركًا، بل كان حقيقة فيما ذكرتم (^٤) مجازًا فيما ذكرنا (^٥) - لزم الإضمار؛ لأن جارية الابن لا تحرم على الأب على التأبيد بالإجماع، بل ما دامت مملوكة، والآية إنما سيقت لبيان المحرمات على التأبيد، فلا بد من إضمار ما يصح به تحريم جارية الابن لا على التأبيد؛ لجواز أن يقال: وحلائل أبنائكم بالنكاح، وبملك اليمين ما دامت حليلتهم (^٦). والإضمار أيضًا خلاف الأصل، فوقع التعارض بين الاشتراك\n_________\n(^١) أي: إذا جعلنا إطلاق الحليلة على الجارية مجازًا، وعلى الزوجة حقيقة - فإنه يلزم منه ترجيح الاستعمال في دلالته على الحقيقة، على الاشتقاق في دلالته على الحقيقة؛ لأن كلمة الحليلة مشتقة من الحِلِّ، وهذا شامل للزوجة والجارية، فجَعْلُ الحقيقة موافقةً للمعنى المشتق منه أولى وأرجح مِنْ جعلها موافقة للاستعمال فقط، فكان قول الشافعية أولى.\n(^٢) أي: فليكن تدليلنا بالاشتقاق.\n(^٣) وهو أن يكون قولكم وقولنا حقيقة.\n(^٤) وهم الحنفية الذين يقصرون الحليلة على الزوجة.\n(^٥) وهم الشافعية الذين يجعلون الحليلة للزوجة والجارية، والمعنى: إن جعلنا إطلاق الحليلة على الجارية مجازًا.\n(^٦) قوله: \"ما دامت حليلتهم\" هو الإضمار الذي يصح به تحريم جارية الابن لا على التأبيد.","vol":"3","page":841},{"text":"والإضمار.\nقلت: الإضمار أولى.\nومنها: قولنا (^١): الفاتحة واجبة في صلاة الجنازة، لقوله - ﷺ -: \"كل صلاة لم يُقْرأ فيها بأم القرآن فهي خِداج\" (^٢) وهذه صلاة فوجبت الفاتحة فيها.\nفإن قال الخصم: لفظ \"الصلاة\" مفهومٌ مشترك في عُرْف الشرع؛ لإطلاقه على ما لا ركوع فيه ولا سجود كالجنازة، وعلى ما لا تكبير فيه ولا سلام كالطواف، وعلى ما لا قيام فيه كصلاة المريض، وليس بينها قدر مشترك نجعل اللفظ حقيقةً فيه، فيكون مشتركًا مُجْملًا يسقط (^٣) الاستدلال به.\nقلنا: المشترك عندنا يُحمل على جميع مسمياته عند عدم القرينة، فتندرج صلاة الجنازة تحت عمومِه.\nفإن قلت: وجب جَعْلُ اللفظ غير منقول حذرًا من الاشتراك (^٤)، ويكون ههنا (^٥) إضمارٌ تقديره: كل صلاة من الصلوات\n_________\n(^١) في (ص): \"قراءة\".\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"سقط\".\n(^٤) أي: غير منقول إلى عرف الشرع؛ لأن الاشتراك في لفظ الصلاة من حيث العرف الشرعي.\n(^٥) سقطت من (ت).","vol":"3","page":842},{"text":"الخمس (^١) لم يقرأ فيها بأم القرآن. ويكون إطلاق لفظ \"الصلاة\" على الصلوات الخمس مجازًا لغويًا، والإضمار أولى من الاشتراك.\nفنقول: هذا الترجيح مدفوع بالقياس على الصلوات الخمس (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-297>(الرابع: التخصيص خيرٌ</span>؛ لأنه خير (^٣) من المجاز كما سيأتي، مثل: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ (^٤) فإنه مشترك أو مختص بالعقد، وخص عنه الفاسد).\nالتخصيص خير من الاشتراك:\nلأن التخصيص خير من المجاز (^٥)، والمجاز خير من الاشتراك (^٦)، ينتج ما ادعيناه (^٧). أما الصغرى (فَلِمَا سيأتي) (^٨) إن شاء الله تعالى، وأما الكبرى فلما مَرَّ.\n_________\n(^١) قوله: \"من الصلوات الخمس\" هو الإضمار.\n(^٢) يعني: وإن كنا نسلِّم أن الإضمار أولى من الاشتراك، إلا أننا لو قلنا بالاضمار هنا وجعلنا الحديث واردًا في الصلوات الخمس - لا يمنع هذا أن نقول به في بقية الصلوات قياسًا على الصلوات الخمس، فالقول بالإضمار لا يمنع القياس. هذا كلام الشارح، وعندي أنه لا مانع من إضمار جميع الصلوات الشرعية.\n(^٣) في (ت): \"مثل\". وهو خطأ.\n(^٤) سورة النساء: الآية ٢٢.\n(^٥) مقدمة صغرى.\n(^٦) مقدمة كبرى.\n(^٧) وهو أن التخصيص خير من الاشتراك.\n(^٨) في (ت): \"فلما يأتي\".","vol":"3","page":843},{"text":"مثاله: أن يقول الحنفي: موطوءة الأب بالزنا محرمةٌ على الابن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ وهو حقيقة في الوطء.\nفنقول: بل هو حقيقة في العقد؛ لما قررناه (^١)، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (^٢)، وإذا ثبت أنه موضوع للعقد فلم يبق إلا أن يكون مشتركًا بين العقد والوطء، أو يكون مختصًا بالعقد وخُصَّ عنه الفاسد، حتى إذا نكح الأب نكاحًا فاسدًا - فللابن أن ينكح تلك الموطوءة بالوطء الفاسد (^٣)، والتخصيص أولى من الاشتراك.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-298>(الخامس: المجاز خير من النقل</span>؛ لعدم استلزامه نَسْخ الأول، كالصلاة).\nالمجاز خير من النقل:\nلأن النقل يستلزم نسخ الأول (^٤). مثاله: الصلاة، فإن المعتزلة ادعت أنها منقولة إلى الأفعال الخاصة، وجمهور الأصحاب قالوا: إنها مجازات لغوية اشْتَهَرت. فمذهبهم أولى؛ لأن المجاز أولى من النقل.\nومن أمثلته: أن يقول المالكي: يُجْزِي رمضانُ كلُّه بنية واحدة من\n_________\n(^١) في (ت): \"لما قررنا\".\n(^٢) سورة النور: الآية ٣٢.\n(^٣) لأن العقد الصحيح هو العقد الشرعي المعتبر، أما العقد الفاسد فهو غير معتبر، فلا يناط به الحكم.\n(^٤) أي: النقل يستلزم نسخ المعنى الأول وهَجْرَه بالكلية، فلا يستعمل مطلقًا، بخلاف المجاز فإن المعنى الأول موجودٌ يمكن استعماله.","vol":"3","page":844},{"text":"أوَّلِه؛ لقوله - ﷺ -: \"لا صيام لمن لم يُبَيِّت الصيام من الليل\" (^١)، ووجه (^٢)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٢٨٧، وأبو داود ٢/ ٨٢٣، في كتاب الصوم، باب النية في الصيام، حديث رقم ٢٤٥٤. والترمذي ٣/ ١٠٨، في الصوم، باب ما جاء: لا صيام لمن لم يَعْزِم من الليل، حديث رقم ٧٣٠. والنسائي ٤/ ١٩٦، في الصوم، باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة، حديث رقم ٢٣٣١ - ٢٣٤٢. وابن ماجه ١/ ٥٤٢، في الصيام، باب ما جاء في فرض الصوم من الليل، حديث رقم ١٧٠٠. وابن خزيمة في صحيحه ٣/ ٢١٢، كتاب الصيام، باب إيجاب الإجماع على الصوم الواجب قبل طلوع الفجر، رقم ١٩٣٣. والدارقطني في سننه ٢/ ١٧٢ - ١٧٣، كتاب الصيام، باب الشهادة على رؤية الهلال. ولفظ الحديث كما هو مذكور هنا غير معروف كما نبّه إليه الشارح في ص ١٥٦٨، بل له ألفاظ أخرى منها: \"من لم يُجمع الصيام قبل الفحر فلا صيام له\". وفي لفظ: \"من يُبَيِّت الصيام قبل الفجر فلا صيام له\". وأقرب الألفاظ إلى اللفظ المذكور هنا في الشرح ما رواه النسائي عن حفصة ﵂: \"أن النبي - ﷺ - قال: مَن لم يُبَيِّت الصيامَ من الليل فلا صيام له\". الحديث رقم ٢٣٣٤. وقد اختلف الأئمة في رفع الحديث ووقفه على حفصة أو ابن عمر - ﵃ - جميعًا. قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"واختلف الأئمة في رفعه ووقفه، فقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا أدري أيُّهما أصح. . . لكن الوقف أشبه. وقال أبو داود: لا يصح رفعه. وقال الترمذي: الموقوف أصح. ونَقَل في العِلَل عن البخاري أنه قال: هو خطأ، وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف. وقال النسائي: الصواب عندي موقوف ولم يصح رفعه. وقال أحمد: ماله عندي ذلك الإسناد. وقال الحاكم في الأربعين: صحيح على شرط الشيخين. وقال في المستدرك: صحيح على شرط البخاري. وقال البيهقي: رواته ثقات إلا أنه رُوي موقوفًا. وقال الخطابي: أسنده عبد الله بن أبي بكر، وزيادة الثقة مقبولة. وقال ابن حزم: الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة. وقال الدارقطني: كلهم ثقات\". تلخيص الحبير ٢/ ١٨٨، حديث رقم ٨٨١.\n(^٢) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"وجه\".","vol":"3","page":845},{"text":"الاحتجاج: أن الصيام منقولٌ عن أصل الإمساك إلى الإمساك المخصوص، والمعرَّف بأل يفيد العموم واستغراق الصوم إلى الأبد، ورمضان من جملة ذلك (^١)، فيكون مفهوم ذلك: أن مَنْ بيَّت كان له الصوم (^٢)، وهذا قد بَيَّت (^٣).\nفيقول الشافعي: لا نسلم أنه (^٤) منقول؛ بل مجاز في إمساك جزء مِنَ\n_________\n(^١) يعني: لفظ \"الصيام\" الوارد في الحديث السابق مُعَرَّف بأل، والمعرف بأل يفيد العموم واستغراق كل صومٍ إلى الأبد، فَمَنْ بَيَّت الصيام في ليلةٍ لجميع الدهر فله أن يصوم بهذه النية الدهر كله، ورمضان من جملة الدهر، فيكفيه نية واحدة من أول الشهر.\n(^٢) يعني: فيكون مفهوم حديث: \"لا صيام لمن لم يبيت الصيام\" أنَّ مَنْ بَيَّت الصيام في ليلةٍ فله أن يصوم ولو إلى آخر الدهر. قال الباجي رحمه الله تعالى في المنتقى ٢/ ٤١: \"فإن نوى صومًا متتابعًا، أو مُعَيَّنًا غير متتابع، أو كان شأنه سَرْدَ الصيام - فليس عليه تبييت الصوم لكل يومٍ قاله مالك في المختصر\"، لكن مذهب المالكية أن النية الواحدة إنما تكفي في الصوم الذي يجب تتابعه كرمضان في حق الصحيح، وكفارة القتل، والظهار، أما الصيام المسرود كصيام الدهر أو عام أو شهر أو أسبوع تطوعًا بلا نذر، وما لا يجب تتابعه، كقضاء رمضان وكفارة يمين، وصيام رمضان في السفر أو المرض - فلا بد في ذلك كله من تجديد النية كل ليلة، وكذا صوم يوم مكرر معيَّن ككل خميس أو اثنين ولو عينه بالنذر لا بد من تجديد النية كل ليلة. وتكفي نية واحدة في واجب التتابع إن استمر تتابعه، لا إن انقطع التتابع بمرض أو سفر، فلا بد والحالة هذه من تجديد النية لو استمر في صومه. انظر: مواهب الجليل من أدلة خليل ٢/ ٣١، ٣٢.\n(^٣) في (ص): \"ثبت\". وهو تحريف.\n(^٤) أي: الصيام.","vol":"3","page":846},{"text":"الليل قبل الفجر، ويكون من مجاز التعبير بالأعم عن الأخص؛ فإن الشرع لم يصرح بتبييت النية، وإنما صرح بتبييت الصوم وما ذكرناه مَحْمل صالح له والمجاز أولى من النقل (^١).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-299>(السادس: الإضمار خير منه</span>؛ لأنه مثل المجاز، كقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فإن الأخذ مضمر، والربا نُقِل إلى العقد).\nالإضمار أولى من النقل:\nلأن الإضمار مساوٍ للمجاز لما سيأتي إن شاء الله تعالى، والمجاز أولى من النقل لما مَرَّ.\nومثاله (^٢): قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٣) فإن الربا: هو الزيادة. والزيادة بعينها (^٤) لا توصف بحل ولا حرمة، فلا بد من تأويل، فأضْمَرَت\n_________\n(^١) المعنى: أن الشافعي يقول للمالكي: لا نسلم أن الصيام منقول إلى المعنى المخصوص، بل هو مجاز؛ لأن ظاهر الحديث: \"لا صيام لمن لم يبيت الصيام\" يدل على وجوب صيام الليل كله، مع أن الليل ليس محلًا للصوم، فوجب حَمْل تبييت الصوم على المجاز وهو إمساك جزءٍ من الليل قبل الفجر، ويكون هذا من مجاز إطلاق العام وإرادة الخاص، وليس في الحديث تعرض للنية، فالحديث تَعَرَّض لتبييت الصيام يعني: صيام الليل، لا نية الصيام، فما ذكره الشافعية من المعنى المجازي مَحْمل للحديث، وهو أولى من النقل الذي قاله المالكية؛ لأنهم لما نقلوا الصيام إلى المعنى المخصوص، فسَّروا التبييت بالنية، والمجاز أولى من النقل.\n(^٢) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"مثاله\".\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٧٥.\n(^٤) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"نفسها\".","vol":"3","page":847},{"text":"طائفةٌ الأخذ، (وقالت: التقدير: حَرَّم أخذ الربا، فإذا توافق البائع والمشتري على إسقاط الزيادة صح) (^١).\nوقالت طائفة: الربا نُقِل إلى العقد المشتمل على الزيادة (^٢)، وذلك لقرينةِ قولِه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (^٣) فإذن (^٤) المنهي عنه نفس العقد سواء اتفقا على حطِّ الزيادة أم لا، فالأول أولى (^٥)؛ (لأن الإضمار أولى) (^٦) من النقل.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-300>(السابع: التخصيص أولى لما تقدم</span>، مثل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فإنه: المبادلة مطلقًا، وخُصَّ الفاسد، أو نُقِل إلى المُسْتَجْمِع لشرائط الصحة).\nالتخصيص أولى من النقل:\nلأن التخصيص خيرٌ من المجاز لما سيأتي إن شاء الله، والمجاز خَيْرٌ من النقل لما مر، والخيرُ من الخيرِ خيرٌ.\nمثاله: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ فمِنْ قائِلٍ: البيع موضوع\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) وهو المعنى الشرعي.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٧٥.\n(^٤) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"وإذن\".\n(^٥) وهو إضمار الأخذ.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"3","page":848},{"text":"للمبادلة مطلقًا (^١)، وخُصَّ عنه الفاسد؛ لكونه غيرَ حلال.\nومِن قائل: بل نُقِل إلى المعاوضة المُشْتَمِل على الأركان والشرائط. فالأول أولى؛ لأن التخصيص أولى.\nومن أمثلته: أن يقول المالكي: يلزم الظهار من الأمة وأمِّ الولد؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (^٢) الآية، وهما من جملة النساء.\nفإنْ قال الشافعي: لفظ \"النساء\" صار منقولًا في العرف للحرائر (^٣)، فوجب أن لا يتناول محل النزاع (^٤)، ولو لم يكن منقولًا للزم أن يكون مخصوصًا (^٥) بذوات المحارم؛ فإنهن من نسائهم ولا يلزمهم فيهن ظهار (^٦) - كان للمالكي أن يقول: إذا تعارض النقل والتخصيص فالتخصيص أولى (^٧).\n_________\n(^١) أي: سواء كان صحيحًا أو فاسدًا.\n(^٢) سورة المجادلة: الآية ٣.\n(^٣) أي: الزوجات.\n(^٤) وهي الأمة وأم الولد.\n(^٥) في (غ)، و(ك): \"مخصَّصًا\".\n(^٦) أي: لو لم نجعل لفظ \"النساء\" منقولًا إلى الحرائر - للزم من ذلك تخصيص لفظ النساء؛ لأننا إذا جعلناه عامًا في كل النساء، فلا بد من تخصيصه بالمحارم؛ لأنهن من نسائهم ولا يلحقهن ظهار؛ لأن الظهار من الأجنبية لا من المحارم اتفاقًا.\n(^٧) أي: يقول المالكي: حملي للفظ على العموم مع التخصيص أولى من النقل إلى الحرائر؛ لأن التخصيص خير من النقل.","vol":"3","page":849},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-301>(الثامن: الإضمار مثل المجاز</span>، لاستوائهما في القرينة. مثل: هذا ابني).\nالإضمار مثل المجاز:\nفلا يترجح أحدهما على الآخر إلا بدليل مِنْ خارج، وإنما قلنا: إنهما سِيَّان؛ لاستوائهما في الاحتياج إلى القرينة، واحتمال خفائها. وهذا ما جزم به في الكتاب تبعًا للإمام في \"المحصول\" (^١). وقال الإمام في \"المعالم\": \"يترجح المجاز لكثرته\" (^٢). وهذا ما اختاره صفي الدين الهندي (^٣). وقيل: بالعكس.\nقوله: \"مثل: هذا ابني\". اعلم أن هذا المثال لم يذكره الإمام ولا صاحب \"الحاصل\" (^٤)، والذي عندي في تقريره: أن القائل لعبده: هذا ابني، والعبد لا يمكن أن يكون ابنه، إما لكونه مشهور النسب من غيره، أو لكونه أكبر سنًا منه. فهنا (^٥) قد انتفت الحقيقة (^٦)، وبقي اللفظ دائرًا بين مجازَي الإضمار والمجاز؛ إذ يحتمل أن يكون المراد: مثل ابني في الحُنُو، أو أنه ابني مجازًا لذلك (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٥٠٠.\n(^٢) انظر: المعالم ص ٤٦.\n(^٣) انظر: نهاية الوصول ٢/ ٤٨٧.\n(^٤) انظر: الحاصل ١/ ٣٧٠.\n(^٥) في (غ)، و(ك): \"فههنا\".\n(^٦) وهي البنوة.\n(^٧) أي: لِحُنُوِّه. فذكر البنوة وأراد بها الحنو، أي: عَبَّر عن الحنو بالبنوة.\n(^٨) فرض الإسنوي رحمه الله تعالى المسألة في العبد الأصغر فقال: \"مثاله: إذا قال السيد =","vol":"3","page":850},{"text":"وأما أنه هل يترتب على هذا عِتْقٌ أو لا يترتب - فليس من وظيفة الأصولي التعرض له، ولا أراده المصنف.\nوقد حكى الأصحاب وجهين فيما إذا كان مشهور النسب مِنْ غيره واستلحقه (^١) هل يعتق؛ لكونه أقر بالبنوة التي لازمها العتق (^٢)، فيؤاخذ باللازم وإن لم (^٣) يثبت الملزوم؟ ولكن ليس مأخذ الوجهين الإضمار والمجاز، كيف وهو إنما أراد باللفظ حقيقته (^٤)، ولكن لم تُسْمع (^٥) منه (^٦). وكذا لو قال أحد الوارثين: فلانة (^٧) بنت أبينا، هل يحكم بعتقها؟ وجهان، وليس مأخذهما مجاز الإضمار والتخصيص، بل شيء غيره (^٨). وقد نبهنا على ذلك لئلا يغتر به مُغْتَرٌّ (^٩)، وأما ما ذكره الرافعي في\n_________\n= لعبده الأصغر منه سنًا: هذا ابني. فيحتمل أن يكون قد عَبَّر بالبنوة عن العتق فَيُحْكم بعتقه، ويحتمل أن يكون فيه إضمار تقديره: مثل ابني، أي: في الحنو أو في غيره، فلا يعتق. والمسألة فيها خلاف في مذهبنا، والمختار أنه لا يعتق بمجرد هذا اللفظ\". نهاية السول ٢/ ١٨٣.\n(^١) أي: نسبه إلى نفسه بأن قال: هذا ابني.\n(^٢) لأن ابن الحر حر، فذكر الملزوم وهي البنوة، ولازمها العتق.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) وهي البنوة، أي: ابنًا حقيقيًا له.\n(^٥) في (غ)، و(ك): \"يسمع\".\n(^٦) لأن العبد معروف النسب. انظر: نهاية المحتاج ٨/ ٣٥٧.\n(^٧) أي: الأمة فلانة.\n(^٨) وهو نفس مأخذ المسألة السابقة، وهو هل يؤاخذ باللازم مع عدم ثبوت الملزوم، أو لا يؤاخذه؟\n(^٩) كأن الشارح رحمه الله تعالى يخطّئ بعض الشراح الذين قرروا الخلاف في الصورتين =","vol":"3","page":851},{"text":"الركن الأول من الباب الثاني في أركان الطلاق عن فتاوي القَفَّال من أنه لو قال لامرأته: يا بنتي - وقعت الفرقة بينهما عند احتمال السن (^١)، كما لو قال لعبده أو أمته (^٢). واختار النووي (^٣) أنه لا يعتق بمجرد ذلك؛ لأنه يُذكر في العادة للاستيناس والتحنُّن. فهذه المسألة غير المسألة التي نحن فيها، وهي قوله: هذا ابني. والفرق واضح بينهما، وهو ما ذكره النووي (^٤) من أن \"يا بنتي\" تُذكر (^٥) في العادة للاستيناس والتحنن، و\"هذا ابني\" ليس كذلك (^٦)، فقد وضح أن مسألة \"هذا ابني\" على الوجه المذكور (^٧) غير معروفة في المذهب فافهم ذلك. ونظيرها ما لو قال: أوصيت لزيد بنصيب ابني. وقد اختلف الأصحاب في أن الوصية هل تبطل أو تُحمل على مثل\n_________\n= بناءً على تعارض المجاز مع الإضمار، كما سبق نقله عن الإسنوي في النهاية ٢/ ١٨٣، وبمثله قرره الجاربردي في السراج الوهاج ١/ ٣٨٤.\n(^١) أي: كون المرأة صغيرة يحتمل أن تكون بنتًا له، بخلاف ما لو كانت المرأة كبيرة، فَيُحمل اللفظ على الترحم ونحوه.\n(^٢) يعني: إذا قال لعبده أو أمته ذلك وهما صغيران - عَتَقا، وإلا فلا يعتقان.\n(^٣) في (ت): \"النواوي\".\n(^٤) في (ت): \"النواوي\".\n(^٥) في (ص): \"يذكر\".\n(^٦) قد سبق أن ذكر الشارح أن قول السيد لعبده: \"هذا ابني\" دائر بين مجازَي الإضمار والمجاز؛ لأنه محتمل أن يكون: مثل ابني في الحنو، أو أنه ابني مجازًا لذلك، فكلامه هذا ينقض كلامه هنا، ويكون هذا من التناقض الذي وقع فيه الشارح، ولعل الفارق بين المسألتين أن مسألة \"هذا ابني\" مُفترضة في العبد المعروف النسب أو الكبير، بخلاف مسألة \"يا بنتي\" فإنها مفترضة في الصغيرة.\n(^٧) أي: بتقدير المجاز أو الإضمار.","vol":"3","page":852},{"text":"نصيب ابنه (^١)؟\nومن أمثلة تعارض المجاز والإضمار أن يقول الشافعي: يجوز قتل الرهبان في الحرب؛ لدخولهم في عموم قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٢) (^٣).\nفإنْ قال المالكي: يلزم على ما ذكرته: أن يكون لفظ \"المشرك\" مجازًا؛ إذ المشرك مَنْ جَعَل الشريك، وهذا يصدق على شركاء الزرع والعقار، ويكون قد عبر بلفظ \"المشرك\" عن (^٤) الكافر بالشرك تعبيرًا عن الأخص بلفظ الاعم (^٥)، بل ينبغي أن يكون في الآية إضمار تقديره: اقتلوا مُحَارِبَة المشركين، صَوْنًا له عن المجاز، ولا تندرج صورة النزاع (^٦) حينئذٍ (^٧) - كان للشافعي (^٨) أن يقول: المجاز أولى، ويتجاذبان أطراف الكلام.\n_________\n(^١) بطلان الوصية راجع إلى أن الموصِي جعل زيدًا ابنًا له، والوارث لا وصية له. وصحة الوصية ترجع إلى إضمار \"مثل\".\n(^٢) سورة التوبة: الآية ٥. والآية: ﴿فَاقْتُلُوا﴾ بالفاء.\n(^٣) انظر: نهاية المحتاج ٨/ ٦١.\n(^٤) في (ت): \"على\".\n(^٥) أي: أطلق \"المشركين\" الذي يعم كل مشرك، وأراد مشركًا خاصًا، وهو الكافر بالشرك، وهذا مجاز.\n(^٦) وهي قتل الرهبان من المشركين.\n(^٧) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٠١، مواهب الجليل من أدلة خليل ٢/ ٣٠١، ٣٠٢.\n(^٨) قوله: \"كان للشافعي\" جواب الشرط في قوله: \"فإن قال المالكي. . .\".","vol":"3","page":853},{"text":"ومنها: أن يقول الشافعي: النية شرط في الوضوء للصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^١) الآية. وجه التمسك: أنه تعالى أمر بغَسْل الأعضاء المذكورة لأجل الصلاة؛ (لأنه أَمَر بالغسل لأجل إرادة الصلاة؛ لأن المراد من القيام إلى الصلاة إرادة الصلاة) (^٢) باتفاق المفسرين (^٣)، والأمر بالفعل بشَرْط إرادة فعلٍ آخر - يكون أمرًا بالفعل لأجل الفعل الآخر، كما في قولهم: إذا دخلت على الخليفة فتأدب، أي: لأجل الدخول عليه (^٤).\nومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (^٥) أي: لأجل نجواكم. فَعُلِم أنه أَمَر بغسل الأعضاء لأجل الصلاة وجوبًا، ولا يُعْنى باشتراط النية سوى وجوب غسل الأعضاء الأربعة لأجل الصلاة.\n(فإن قال الحنفي: لِمَ قلت: إن المراد هنا الوجوب (^٦)؟\nقلنا: ظاهر الأمر الوجوب) (^٧).\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) قال القرطبي: ومعنى ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ إذا أردتم، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ أي: إذا أردت؛ لأن الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا يمكن. اهـ. الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٨٢، وانظر: زاد المسير ٢/ ٢٩٨.\n(^٤) فالأمر بالغسل ليس مجردًا، بل لإرادة الصلاة، والإرادة هي النية.\n(^٥) سورة المجادلة: الآية ١٢.\n(^٦) أي: وجوب غسل الأعضاء الأربعة لأجل الصلاة.\n(^٧) سقطت من (ت).","vol":"3","page":854},{"text":"فإن قال (^١): نعم، ولكن لو حملناه على الوجوب لزم إضمار الحدث؛ لأن الوضوء لا يجب إلا على المحدِث، ولو حملناه على الندب لم يلزم الإضمار، وإنما يلزم المجاز في لفظ الأمر (^٢).\nقلنا: الإضمار أولى، وهو منقول هنا عن عكرمة وابن مسعود (^٣)، ويقع النظر بينهما (^٤).\nومنها: إذا تحقق الرجل من امرأته النشوز، ولكنه لم يتكرر، ولم يظهر إصرارها عليه - فله مع الوعظ أن يهجرها في المضجع، وفي ضربها وجهان: رجَّح الشيخ أبو حامد والمحاملي أنه لا يجوز، ومال ابن الصباغ والشيخ أبو إسحاق الشيرازي إلى الجواز واختاره النووي (^٥) (^٦). والمأخذ\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) وذلك بصرف الأمر من الوجوب إلى الندب مجازًا.\n(^٣) المنقول عن عكرمة خلاف هذا، إذ رُوي عنه أنه يرى وجوب الوضوء لكل صلاة سواء كان القائم للصلاة متطهرًا أو محدثًا، وثبت هذا أيضًا عن علي ﵁. وأما نَقْل الشارح رحمه الله تعالى عن ابن مسعود فلم أقف عليه، ولعله يقصد ابن عباس ﵄، فإنه هو الذي نُقل عنه الإضمار، كما نقل عن سعد بن أبي وقاص وأبي موسى الأشعري وغيرهم ﵃ جميعًا.\nانظر: زاد المسير ٢/ ٢٩٨، الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٨٠، تفسير ابن كثير ٢/ ٢١، الدر المنثور ٣/ ٢٦.\n(^٤) أي: يقع التناظر بين الشافعي والحنفي في أيهما أولى: المجاز أم الإضمار.\nانظر: أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٣٢٨، أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٥٧.\n(^٥) في \"ت\": \"النواوي\".\n(^٦) انظر: نهاية المحتاج ٦/ ٣٨٢، تكملة المجموع ١٦/ ٤٤٥.","vol":"3","page":855},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ (^١). (فمن قال بالأول (^٢) قال: في الآية) (^٣) إضمار، والمعنى: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن، فإنْ نشزن (^٤) فاهجروهن في المضاجع، فإنْ أصررن فاضربوهن.\nومن قال بالثاني (^٥) قال: الخوف بمعنى العلم مجازًا، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفً﴾ (^٦) أي: عَلِم، فتعارض المجاز والإضمار.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-302>(التاسع: التخصيص خير</span>؛ لأن الباقي متعيِّن، والمجاز ربما لم (^٧) يتعيَّن. مثل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (^٨) فإن المراد التلفظ، وخُصَّ النسيان أو الذبح).\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ٣٤.\n(^٢) وهو عدم جواز الضرب.\n(^٣) في (ص): \"فمن قال بالأول قال (مجازًا كما في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ أي: علم) وفي الآية\". وهذه زيادة غير صحيحة، وليست مناسبة للكلام. ومثله وقع في \"ك\".\n(^٤) قوله: فإنْ نشزن، فإنْ أصْررن - مُضْمران في الآية.\n(^٥) وهو جواز الضرب.\n(^٦) سورة البقرة: الآية ١٨٢.\n(^٧) في (غ): \"لا\".\n(^٨) سورة الأنعام: الآية ١٢١.","vol":"3","page":856},{"text":"التخصيص أولى من المجاز:\nلأن الباقي من أفراد العام بعد التخصيص متعيِّن؛ بخلاف المجاز فإنه ربما (لا يتعين) (^١)؛ لأن اللفظ وضع ليدل على المعنى الحقيقي، فإذا انتفى بقرينة افتقر (^٢) صَرْفُ اللفظ إلى المجاز إلى تأمل؛ لاحتمال تعدد المجازات.\nولا (^٣) يقال: اللفظ لا يصرف عن الحقيقة إلا بقرينة، وتلك القرينة تَهْدي إلى المجاز، فأين التأمل بعد القرينة!؛ لأنا نقول: قد تجيء القرينة لِصرف (^٤) اللفظ عن ظاهره من غير تعرض إلى تبيين (^٥) المقصود.\nمثال تعارض التخصيص والمجاز: قولُ الحنفي: متروك التسمية عَمْدًا لا يَحِلُّ؛ لقوله (^٦) تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ أي: ولا تأكلوا مِما لم يُتلفظ عليه باسم الله.\nوقول الشافعي: المراد بذكر الله تعالى هو الذبح مجازًا؛ لأن الذبح غالبًا لا يخلو عن التسمية، فيكون نهيًا عن أكل غير المذبوح؛ لأنه لولا ذلك وأَوَّلنا كما قلتم - للزم تخصيص اللفظ؛ إذْ سلمتم أن ذبيحة الناسي حلال.\nفللحنفي أن يقول: التخصيص خيرٌ من المجاز.\n_________\n(^١) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"لم يتعين\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت): \"فلا\".\n(^٤) في (ص): \"بصرف\".\n(^٥) في (ت): \"تَبَيُّن\".\n(^٦) في (ص): \"بقوله\".","vol":"3","page":857},{"text":"ومن أمثلته أيضًا: أن يقول الشافعي: العمرة فرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (^١) و(^٢) ظاهر الأمر الوجوب.\nفيقول المالكي: تخصيص النص بالحج والعمرة المشروع فيهما؛ لأن استعمال الإتمام في الابتداء مجاز (^٣)، والتخصيص أولى من المجاز وللشافعي بعد هذا أن يقول: هذا الترجيح معارَض بأنهما قد استويا في السياق (^٤)، فوجب أن يستويا في الحكم، والحج واجب إجماعًا؛ فيجب الآخر عملًا بالأصل (^٥) المُسَوِّي بينهما.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-303>(العاشر: التخصيص خير من الإضمار</span>؛ (لما مر) (^٦)، مثل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾) (^٧).\nالتخصيص خيرٌ من الإضمار:\nلأن التخصيص خير من المجاز لما مر (^٨)، والمجاز مساوٍ للإضمار،\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) لأن الأمر بالإتمام لا يكون إلا بعد الشروع، فاستعماله في الابتداء مجاز.\n(^٤) أي: الحج والعمرة استويا في سياق الآية من غير تفريق بينهما.\n(^٥) أي: الآية.\n(^٦) في (ت): \"أي كما مر\". والعبارة خطأ كما هو واضح؛ إذ هذه مسألة جديدة لم تمر، ثم وَضْع \"أي\": غير مناسب؛ لأن المتون مبنية على الاختصار، وهي لفظة لا حاجة إليها.\n(^٧) سورة البقرة: الآية ١٧٩.\n(^٨) في (ت): \"كما مر\".","vol":"3","page":858},{"text":"والأَوْلى من المساوي أوْلى.\nمثاله: قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، فإنَّ الأئمة اختلفوا فيه فقال منهم قائل: الخطاب عام اختص بالورثة؛ لأنهم إذا اقتصوا حصلت لهم الحياة بدفع شر هذا القاتل الذي صار عدوًا لهم.\nوقال قائل: بل (^١) هو عام، و\"المشروعية\" مضمرةٌ، أي: ولكم في مشروعية القصاص حياة. وذلك لأن الناس إذا علموا أن القصاص مشروع كان أدعى لاندفاع القتل (فيما بينهم) (^٢)؛ لأن مَنْ هَمَّ بالقتل واستحضر أنه يُقْتص منه انكف عن القتل غالبًا.\nواعلم أن هذا التأويل الثاني هو الصحيح (^٣) وإن كان الأول مترجِّحًا من جهة أولوية التخصيص، وكذلك كل (^٤) ما أوردناه (في هذا الفصل من الأمثلة) (^٥) فإنا غير حاكمين عليه بالترجيح إلا من جهة ما أوردناه له مثالًا، ولا يشترط أن يكون مرجوحًا (^٦) من وجه آخر هو أقوى أو مساو،\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"ما بينهم\".\n(^٣) انظر: زاد المسير ١/ ١٨١، تفسير ابن كثير ١/ ٢١١.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ت)، و(غ): \"من هذا الفصل في الأمثلة\". وفي (ص): \"من هذا الفصل من الأمثلة\"، والمثبت من (ك).\n(^٦) هكذا في جميع النسخ، والصواب: \"مترجحًا\"؛ لأن هذا هو المفهوم من الكلام أن الترجيح إنما هو من جهة واحدة، لا من غيرها من الجهات، وكلامه بعد هذا يدل عليه.","vol":"3","page":859},{"text":"و(^١) لذلك ذكرنا في بعض الأمثلة أن الترجيح يندفع بالأمر الفلاني تنبيهًا على ما أشرنا إليه الآن.\nومن أمثلة هذا الوجه العاشر: أن يقول المالكي: الكلب طاهر؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (^٢) والضمير في ﴿أَمْسَكْنَ﴾ عام في جملة الجوارح، فيندرج فيه الكلب، فيجوز أكل موضع فَمِه عملًا بالظاهر (^٣)؛ فيكون طاهرًا.\nفيقول الشافعي: يلزم على (^٤) ما ذكرتموه جواز أكل ما أمسك بعد القدرة عليه من غير ذكاة، وليس كذلك (^٥)، فيلزم التخصيص (^٦)، بل ههنا إضمارٌ تقديره: كلوا مِنْ حلال ما أمسكن عليكم. وكون موضع فَمِه من الحلال مَحَلَّ النزاع (^٧).\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) سورة المائدة: الآية ٤.\n(^٣) لأن الظاهر أن الكلب إنما يمسك بفمه، والآية تبيح الأكل مما أمسك.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) يعني يقول الشافعي للمالكية: يلزمكم على مقتضى الأخذ بالعموم جواز أكل ما أمسك الكلب بعد القدرة عليه من غير ذكاة؛ لأن النص عام ولم يشترط التذكية، مع أن الحكم على خلاف ذلك.\n(^٦) فيلزمكم أيها المالكية القائلين بالعموم أن تخصصوه بما أمسكن وكان ميتًا، أما ما أمسكنه وهو حي فلا بد من ذبحه. قال ابن العربي: \"إنْ أدركتَ ذكاةَ الصيد فذكِّه دون تفريط، فإنْ فَرَّطت لم يُؤكل؛ لأن النبي - ﷺ - شَرَط ذلك عليك\". أحكام القرآن ٢/ ٥٤٨، وانظر: تفسير آيات الأحكام للسايس ٢/ ١٦٧.\n(^٧) يعني: أن الشافعية لا يرون التخصيص هنا، بل يرون الإضمار، وتقدير الآية =","vol":"3","page":860},{"text":"فللمالكي أن يقول: على (^١) ما ذكرناه يلزم التخصيص، وعلى ما ذكرتموه يلزم الإضمار، والتخصيص أولى.\nومنها: قولنا: لا يصح صوم رمضان إلا بنية الفرض، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يصح بمطلق النية وبنية النفل، ونيةِ واجبٍ آخر (^٢).\nلنا: \"إنما الأعمال بالنيات\" (^٣) يقتضي توقف ذاتِ الأعمال على نياتها، كما يقال: إنما الكتابة بالقلم. ويلزم من توقف ذوات الأعمال توقف صحتها؛ لاستحالة وجود الصحة بدون الذات. والمراد بالنيات نيات الأعمال، فاقتضى توقفَ صحةِ كلِ عملٍ على (^٤) نيته؛ فيتوقف (^٥) الفرض على نية الفرض.\nفإن قلت: \"الكمال\" مضمر في الحديث؛ إذ لو لم يُضْمَر لزم التخصيص بالأعمال التي لا تتوقف على النية، كرد الودائع والغصوب (^٦).\n_________\n= عندهم: كلوا من حلال، فيكون موضع الفم من الكلب غير مدلول على حليته، الأن الأمر في الآية مقيَّد بما حلَّ لا بما حرم، فيكون موضع فم الكلب محلَّ نزاع.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) يعني: لو نوى في ليلة رمضان عن صوم كفارة أو نذرٍ أو قضاءٍ يكون الصيام عن رمضان، وتقع النية عن رمضان. انظر: ملتقى الأبحر ١/ ١٩٧.\n(^٣) سبق تخريج الحديث.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ت): \"فيُوقف\".\n(^٦) لأن لفظ الأعمال في الحديث يشمل كل الأعمال، ومنها ردُّ الودائع والغصوب، مع أن رد الودائع والغصوب لا يحتاج إلى نية، فلا بد من تخصيصها من عموم الأعمال.","vol":"3","page":861},{"text":"قلت: التخصيص أولى.\nقال: (تنبيه: الاشتراك خير من النسخ؛ لأنه لا يُبْطِل).\nالتخصيص الذي سبق ترجيحه على الاشتراك وغيره - هو التخصيص في الأعيان، لا التخصيص في الأزمان الذي هو النسخ، فإن الاشتراك خير منه؛ وذلك لأن الاشتراك لا إبطال فيه، بل غايته التوقف إلى القرينةِ عند مَن لا يحمله على معنيَيْه، بخلاف النسخ فإنه يُبْطِل الحكم السابق بالكلية.\nمثاله (^١): التبييت (^٢) شرطٌ في صحة صوم رمضان، خلافًا لأبي حنيفة، وقياسًا عندنا على القضاء والنذر، فنقيس محل النزاع على محل الوفاق.\nفإن عارض بما رُوي: أنه ﵊ قدم المدينة يوم عاشوراء، فرأى اليهود صائمين، فسأل ﵇ عن صومهم يومَهم فقيل: هذا يومٌ أنجى الله تعالى فيه موسى ﵇، وأهلك عدوه فرعون، وكان موسى ﵇ يصومه شكرًا، ونحن نصومه اتباعًا له. فقال ﵊: \"نحن أحق بموسى منهم\" (^٣)، ثم أمر مناديًا\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص): \"مثال\".\n(^٢) في (ت): \"النية\".\n(^٣) أخرجه البخاري ٢/ ٧٠٤، في كتاب الصوم، باب صيام يوم عاشوراء، حديث رقم ١٩٠٠، وانظر الأرقام ٣٢١٦، ٣٧٢٧، ٤٤٠٣، ٤٤٦٠. ومسلم ٢/ ٧٩٥، في كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء، حديث رقم ١١٣٠.","vol":"3","page":862},{"text":"ينادي: \"ألا مَنْ أكل فلْيُمْسك بقيةَ النهارِ، ومَنْ لم يأكل فليصم\"، أمر بالصوم في أثناء النهار، ومن المعلوم أن الصوم في أثناء النهار لا يكون إلا بنية من النهار.\nقلنا: لا نسلم وجوب صوم ذلك اليوم.\nفإن قال: ظاهر الأمر الوجوب - كان لمن يعتقد أن الأمر مشترك بين الوجوب والندب أن يقول: كما هو حقيقة في الوجوب، فكذلك في الندب، وإذا كان حقيقةً فيهما لا يُحمل على الوجوب إلا بقرينة زائدة، وعندنا صوم النفل يصح بنيةٍ من النهار (^١).\nفإن قلت (^٢): الاشتراك خلاف الأصل.\nقلت: لو لم يكن مشتركًا لزم النسخ، فإن صوم يوم عاشوراء غير ثابت، والاشتراك خير من النسخ (^٣).\nقال: (والاشتراك بين عَلَمين خيرٌ منه بين عَلَم ومعنى، وهو خيرٌ منه بين معنيين).\nهذان فرعان:\nالأول: أنه إذا تعارض المشترك بين عَلَمين، والمشترك بين عَلَم ومعنى -\n_________\n(^١) يعني: هذه قرينة عندنا تجعل الأمر بصيام عاشوراء أمرَ نفل.\n(^٢) في (ك): \"قيل\".\n(^٣) يعني: لو لم نقل بالاشتراك لزم أن نقول بنسخ وجوب صيام عاشوراء، والاشتراك خيرٌ من النسخ. فائدة: الذي رجحه ابن حجر - ﵀ - أن صوم يوم عاشوراء كان واجبًا ثم نسخ الوجوب وبقي الاستحباب. انظر: الفتح ٤/ ٢٤٧.","vol":"3","page":863},{"text":"فالمشترك بين عَلَمين أولى؛ لأن الأعلام إنما تُطلق على الأشخاص المخصوصة: كزيدٍ وعَمْرو؛ إذِ المراد العلم الشخصي لا الجنسي (^١). وهذا بخلاف أسماء المعاني (^٢)؛ إذ تتناول المسمَّى في أي ذات كان، فكان اختلالُ الفهم يحعله مشتَركًا بين علمين - أقلَّ (^٣).\nالفرع الثاني: وإليه أشار بقوله: \"وهو\" أي: المشترك بين علم ومعنى أولى من المشترك بين معنيين؛ لأن الاختلال الحاصل عند الاشتراك في (^٤) الأول أقل من الثاني (^٥).\nهذا ما ذكره المصنف تبعًا للإمام في هذين الفرعين (^٦).\n_________\n(^١) علم الشخص: هو ما وضع لمعيَّن في الخارج لا يتناول غيره من حيث الوضع له. قال المحلي: \"فلا يَخْرج العَلَم العارض الاشتراك كزيد مُسَمَّى به كلٌّ من جماعة\". وعلم الجنس: هو ما وضع لمعيَّنٍ في الذهن. أي: مُلاحِظ الوجود فيه، كأسامة علم للسبع، أي: لماهيته الحاضرة في الذهن. انظر: شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٢٧٨. قال ابن عقيل في شرح الألفية ١/ ١٢٩: \"وحكم علم الجنس في المعنى كحكم النكرة، من جهة أنه لا يَخُصُّ واحدًا بعينه، فكل أسد يصدق عليه أسامة، وكل عقرب يصدق عليها أمُّ عِرْيط، وكل ثعلب يصدق عليه ثُعالة\".\n(^٢) أسماء المعاني: كل ما ليس له وجود خارج الذهن، كالعلم والجهل مثلًا.\n(^٣) قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \"مثاله: أن يقول شخص: رأيت الأسودين. فَحَمْلُه على شخصين كلٌّ منهما اسمه الأسود، أولى من حَمْله على شخص اسمه الأسود، وآخر لونه أسود\". نهاية السول ٢/ ١٨٤.\n(^٤) في (ت)، و(ص): \"من\".\n(^٥) قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \". . . . ومثاله: الأسودين أيضًا، فَحَمْلُه على العَلَم والمعنى أولى من شخصين لونهما أسود\". المرجع السابق بتصرف.\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٥٠٣، ٥٠٤.","vol":"3","page":864},{"text":"وأنتَ إذا نظرت إلى قولهما: \"المشترك بين علمين وبين علم ومعنى\" وعلمت أن المشترك لا بد وأن يكون حقيقة في أفراده، وتذكرت ما قالاه قبل ذلك: من أنَّ العَلَم ليس بحقيقة ولا مجاز - علمت أن الغفلة تطرقت إليهما في ذلك (^١) (^٢). وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) أي: كيف قالا بالاشتراك بين علمين، والمشترك لا بد وأن يكون حقيقة في أفراده، وهما يقولان بأن العلم لا يوصف بحقيقة ولا مجاز! . انظر: نهاية السول ٢/ ١٨٤.\n(^٢) انظر مباحث الفصل السابع في: المحصول ١/ ق ١/ ٤٨٧، التحصيل ١/ ٢٤٢، الحاصل ١/ ٣٦٦، نهاية الوصول ٢/ ٤٦٣، نهاية السول ٢/ ١٧٩، السراج الوهاج ١/ ٣٧٥، مناهج العقول ١/ ٢٨٤، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٣١٢، البحر المحيط ٣/ ١٢٥، شرح تنقيح الفصول ص ١٢١، فواتح الرحموت ١/ ٢١٠.","vol":"3","page":865},{"text":"الفصل الثامن: تفسير حروف يحتاج إليها","vol":"3","page":867},{"text":"قال ﵀: <span data-type=\"title\" id=toc-304>(الفصل الثامن (^١): في تفسير حروف يُحتاج إليها</span>.\nوفيه مسائل:<span data-type=\"title\" id=toc-305> الأولى: الواو للجمع المطلق بإجماع النحاة</span>؛ ولأنها تستعمل حيث يمتنع الترتيب، مثل: تقاتَل زيد وعمرو، وجاء زيد وعمرٌو قبله؛ ولأنها كالجمع والتثنية وهما لا يُوجِبان الترتيب).\nهذا الفصل معقودٌ لتفسير حروفٍ تشتد حاجة الفقيه إلى معرفتها؛ لكثرة وقوعها في الدلائل، وقد أودعه مسائل:\nالأولى: في حكم الواو العاطفة وبدأ بها؛ لأنها أصل الباب، وفيها مذاهب:\nأحدها: أنها للترتيب، وهو الذي اشْتَهر من أصحاب الشافعي، كما (^٢) قال إمام الحرمين (^٣)، وهو قضية كلام الماوردي حيث استدل على الترتيب في الوضوء بآية الوضوء، وقال: \"قد عُطِف بحرف الواو وذلك موجِب للترتيب لغةً وشرعًا\" (^٤).\nوالثاني: أنها للمعية، وعليه الحنفية، كما قال إمام الحرمين (^٥) ثم قال:\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"السادس\". وهو خطأ.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: البرهان ١/ ١٨١، وعبارته: \"فاشتهر من مذهب الشافعي ﵀ المصير إلى أنها للترتيب\".\n(^٤) انظر: الحاوي ١/ ١٦٨.\n(^٥) نص عبارته: \"وذهب أصحاب أبي حنيفة ﵀ إلى أنها للجمع\". البرهان =","vol":"3","page":869},{"text":"\"وقد زل الفريقان\" يعني: القائلين بالترتيب والمعية.\nوالثالث: وهو المختار، أنها لمطلق الجمع لا تدل على ترتيب ولا معية. فإذا قلت: جاء زيد وعمرو فقد أشركت بينهما في الحكم، من غير تعرض لمجيئهما (معًا، أو لمجيء) (^١) أحدهما بعد الآخر، فهي للقدر المشترك بين الترتيب والمعية (^٢). (وهذا ما نقله القاضي أبو الطيب في \"شرح الكفاية\" عن أكثر أصحابنا) (^٣).\n_________\n= ١/ ١٨١. ويقصد إمام الحرمين بالجمع هو المعية كما يَتَبَيَّن من مناقشته لرأي الحنفية. انظر البرهان ١/ ١٨٢، ١٨٣. وقد نقل الإسنوي مذهب الحنفية من \"البرهان\" كما فعل الشارح. والصواب أنها عندهم لمطلق الجمع، قال في تيسير التحرير ٢/ ٦٤: (الواو للجمع فقط) أي: بلا شرط ترتيبٍ ولا معية. اهـ. وفي فواتح الرحموت ١/ ٢٢٩: (الواو للجمع مطلقًا) سواء كان بالمعية أو بالترتيب أو بالعكس. اهـ. وانظر: أصول السرخسي ١/ ٢٠٠، فتح الغفار ٢/ ٤. والعجيب من الشيخ محمد بن بخيت المطيعي الحنفي كيف سكت عن هذا الخطأ، ولم يستدرك على الإسنوي هذا الأمر الظاهر! انظر: نهاية السول مع المطيعي ٢/ ١٨٥. قال الزركشي في البحر المحيط ٣/ ١٤٢: \"وقال ابن برهان: هو (أي: مطلق الجمع) قول الحنفية بأسرهم، ومعظم أصحاب الشافعي. قلت: وهو الذي صح عن الشافعي\". والصواب أنه قول معظم الحنفية. انظر: كشف الأسرار ٢/ ١٠٩.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) قال الزركشي رحمه الله تعالى: \"فتبين بهذا أنها لمجرد الجمع، وأنها كالتثنية لا ترتيب فيها ولا معية؛ فلذلك تأتي بعكس الترتيب، كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾. والمعية: نحو: اختصم زيد وعمرو. وللترتيب نحو: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، ولم توضع لشيءٍ بخصوصه، بل لما يعمها من الجمع المطلق\". البحر المحيط ٣/ ١٤١.\n(^٣) سقطت من (ت).","vol":"3","page":870},{"text":"ونُقل عن الفراء أنها للترتيب حيث يمتنع الجمع، مثل: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (^١)، ويشبه أن لا يكون هذا مذهبًا رابعًا مُفَصِّلًا؛ لأنَّ الموضوع للقدر المشترك بين معنيين (^٢) إذا تعذر حمله على أحدهما يُحْمل على الآخر، ولا يكون حمله عليه لكونه (^٣) موضوعًا له، بل لتعذر الحمل على صاحبه، وانحصار الأمر فيه (^٤). ونقل بعضهم عن الفراء أنها للترتيب (^٥).\nوقد استدل في الكتاب على المذهب المختار بثلاثة أوجه:\nأحدها: إجماع النحاة، قال أبو علي الفارسي: \"أجمع نحاة البصرة والكوفة على أنها للجمع المطلق\"، وذكر سيبويه في سبعة عشر موضعًا من \"كتابه\" أنها للجمع المطلق (^٦).\nالثاني: أنها تستعمل حيث يمتنع الترتيب، فإنك تقول: تقاتَل زيدٌ وعمرو. والتفاعل يقتضي صدور الفعل من الجانبين معًا وذلك\n_________\n(^١) سورة الحج: الآية ٧٧.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ص)، و(ك): \"للقرينة\". وهو خطأ ظاهر؛ لأن المسألة مفروضة عند تعذر الحمل على أحد المعنيين، لا عند وجود قرينة تعيِّن المراد.\n(^٤) أي: الظاهر من كلام الفراء أنه يقول بأن الواو لمطلق الجمع، سواء بترتيب أو بغيره، فحملها على الترتيب حيث يستحيل الجمع ليس قولًا رابعًا مفصِّلًا؛ إذ القاعدة في المشترك المعنوي حَمْلُه على أحد معنييه عند تَعذُّر الآخر، ولا يكون حمله على أحد المعنيين لكونه موضوعًا له، بل لتعذر الآخر.\n(^٥) انظر: البحر المحيط ٣/ ١٤٣، ١٤٨.\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٥٠٧، البحر المحيط ٣/ ١٤٢.","vol":"3","page":871},{"text":"ينافي الترتيب (^١). وتقول: جاء زيد وعمرو قبله. ويمتنع هنا أن تكون الواو للترتيب، وإلا لزم التناقض (^٢)، وإذا استعملت في غير الترتيب وجب أن لا تكون حقيقةً في الترتيب دفعًا للاشتراك.\nوهذا الدليل لا يُثْبِت المُدَّعى وإنما ينفي كونها للترتيب.\nوالثالث: أن النحاة قالوا: واو العطف في المختَلِفات بمثابة واو الجمع وياء التثنية في المتفقات؛ ولذلك أنهم لما لم يتمكنوا من جمع الأسماء المختلفة وتثنيتها (^٣) - استعملوا واو العطف، ثم إن واو الجمع والتثنية لا يُوجبان الترتيب، فكذلك واو العطف.\nوهذا الدليل كالذي قبله لا ينفي القول بالمعية. وهنا أمور:\nأحدها: أنه أطلق الواو، والصواب تقييده بواو العطف؛ لتخرج واو \"مع\"، وواو الحال. مثل: سرت والنيل، فإنهما يدلان على المعية بلا شك.\nوثانيها: حكايته الإجماع قلَّد فيه الإمام (^٤)، والإمام حكاه عن الفارسي، وكذلك نقله السيرافي (^٥) والسهيلي. وفيه نظر، فإن الخلاف\n_________\n(^١) انظر: شذا العرف ص ٤٦.\n(^٢) لأن قوله: \"قَبْله\" ينافي الترتيب بأنه أتى بعده، فالواو هنا لمطلق الجمع.\n(^٣) أي: في كلمة واحدة، مثل: زيد، وعمرو، وبكر، يمتنع أن تجتمع في كل كلمة واحدة، وتثنيتها.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٥٠٧.\n(^٥) هو الإمام العلامة أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المَرْزُبان السِّيرافيّ - نسبةً إلى مدينة سِيرَاف وهي من بلاد فارس - الحنفيّ، شيخ الشيوخ، وإمام الأئمة معرفةً بالنحو =","vol":"3","page":872},{"text":"موجود عند النحويين في ذلك (^١)، كما هو عند غيرهم، وقد سبق النقلُ عن الفراء، ولذلك (^٢) قال شيخنا أبو حيان في \"الارتشاف\": \"ما نقله السهيلي والسيرافي من إجماع النحويين بصريهم وكوفيهم على ذلك غير صحيح\" (^٣).\nوثالثها: وهو المقصود الأعظم والمهم الأكبر، ذكر الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في شرح \"الإلمام\" عن بعض المُبَاحِثين المتعلِّقين بعلم المعقول: أنه فَرَّق بين مطلق الماء، والماء المطلق بما حاصله: أن الحكم المعلَّق بمطلق الماء يترتب على حصول الحقيقة من غير قيد، والمرتب على الماء المطلق مرتب على الحقيقة بقيد الإطلاق، ولا يلزم من توقف الحكم على مطلق الحقيقة توقُّفُه على الحقيقة المقيدة بقيد الإطلاق (^٤).\n_________\n= والفقه واللغة والشعر والعَرُوض والقوافي والقرآن والفرائض والحديث والكلام والحساب والهندسة. صام أربعين سنةً أو أكثر الدهر كلَّه. من مصنفاته: \"شرح كتاب سيبويه\" لم يُسبق إلى مثله، شواهد سيبويه، أخبار النحاة البصريين، وغيرها. توفي ببغداد سنة ٣٦٨ هـ. انظر: سير ١٦/ ٢٤٧، الجواهر المضية ٢/ ٦٦، بغية الوعاة ١/ ٥٠٧.\n(^١) في شرح ابن عقيل ٢/ ٢٢٦: أن الواو لمطلق الجمع عند البصريين، ومذهب الكوفيين أنها للترتيب.\n(^٢) في (ص): \"وكذلك\".\n(^٣) انظر: ارتشاف الضَّرَب ٤/ ١٩٨٢، والنقل بتصرف.\n(^٤) مطلق الماء: الحقيقة من غير قيدٍ، فالماء هنا غير مقيد؛ لأنه قدم الصفة وأخَّر الموصوف، وجَرَّد الموصوف عن الصفة والقيد، فالمراد حقيقة الماء فقط بدون أي قيد. والماء المطلق: الحقيقة المقيدة بقيد الإطلاق، فهنا قدَّم الموصوف، وأخَّر الصفة، فأصبحت قيدًا للموصوف، فالمراد حقيقة الماء المقيدة بقيد الإطلاق.","vol":"3","page":873},{"text":"قلت: و(^١) قد جرى البحث (مع والدي) (^٢) أطال الله بقاه في قاعدة: مطلق الشيء، والشيء المطلق. ولا شك أنه إذا أُخذ المطلق قيدًا في الشيء كان المراد بالأول: حقيقة الماهية، وبالثاني: هي بقيد الإطلاق. فالأول: لا بقيد (^٣)، والثاني: بقيد \"لا\" (^٤)، وقولنا: \"بقيد لا\" يفيد التجرد عن جميع القيود إلا قيدَ \"لا\"، وقد لا يراد ذلك بل يراد التجرد عن قيود معروفة. ولذلك أمثلةٌ:\nمنها: مطلق الماء، والماء المطلق.\nفالأول: ينقسم إلى: الطهور، والطاهر غير الطهور، والنجس. وكل من الطاهر غير الطهور، والنجس، ينقسم بحسب ما يتغير به، ويُخرجه ذلك عن أن يُطلق عليه اسم الماء.\nوالثاني: وهو الماء المطلق لا ينقسم إلى هذه الأقسام، وإنما يصدق على أحدها وهو الطهور؛ وذلك لأنه أُخِذ فيه قيد الإطلاق: وهو التجرد عن القيود اللازمة التي يمتنع بها أن يقال له ماءً إلا مقيَّدًا، كقولنا: ماءٌ متغيِّر بزعفران، أو أشنان، أو نحوه (^٥). وماء اللحم، وماء الباقلاء، وما أشبه\n_________\n(^١) سقطت الواو من (ت).\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"مع الشيخ الإمام\".\n(^٣) أي: هو مجرد عن القيود مطلقًا سواء بالنفي أو الإثبات.\n(^٤) قوله: \"بقيد لا\" هو معنى قولنا: \"الشيء المطلق\"؛ لأن الإطلاق: هو نفي كلِّ قيدٍ، يعني فالشيء المطلق هو المقيد بنفي كل قيدٍ، فلو أردت أن تقيده بأي قيد غير الإطلاق - يقال لك: لا تقيده؛ لأنه مقيَّد بقيد \"لا\"، أي: مقيد بنفي القيد.\n(^٥) في (ت): \"ونحوه\".","vol":"3","page":874},{"text":"ذلك (^١).\nومنها: اسم الرقبة، وحقيقتها (^٢) تصدق على السليمة والمعيبة، والمطلقة (^٣) لا تصدق إلا على السليمة، فلا يجزي في العتق عن الكفارة إلا رقبة سليمة لإطلاق الشارع إياها (^٤)، والرقبة المطلقة مقيدةٌ بالإطلاق، بخلاف مطلق الرقبة.\nومنها: الدرهم المذكور في العقود قد يُقيَّد بالناقص والكامل، وحقيقته (^٥) منقسمة إليهما، وإذا أُطلق (^٦) يتقيد بالكامل المتعارف في الرواج بين الناس.\nومنها: الثمن، والأجرة، والصداق، ونحوها من الأعواض (^٧) المجعولة في الذمة ينقسم إلى: الحال، والمؤجل. وإذا أطلقت إنما تحمل على الحال،\n_________\n(^١) أي: كل هذه لا يقال عنها الماء فقط، بل لا يطلق عليها جميعًا الماء إلا مقيدًا بقيد. أما الماء الطهور فيطلق عليه الماء فقط؛ لأنه ماء مطلق، أي: متجرد عن القيود التي تمنع إطلاق الماء عليه إلا مقيدًا.\n(^٢) أي: مطلق الرقبة.\n(^٣) أي: الرقبة المطلقة.\n(^٤) أي: لأن الشارع أمر بعتق الرقبة ولم يقيِّد بأيِّ قيد، فالمراد منه الرقبة المطلقة، أي: المجردة عن كل قيد، وهي الرقبة السليمة.\n(^٥) أي: حقيقة مطلق الدرهم.\n(^٦) يعني: إذا قلنا: الدرهم. وسكتنا فلم نذكر أيَّ قيد آخر فهو درهم مطلق، ويراد به الكامل المتعارف عليه بين الناس.\n(^٧) في (ص): \"الأعراض\". وهو خطأ.","vol":"3","page":875},{"text":"فالإطلاق قيد اقتضى ذلك (^١).\nومنها: حقيقة القرابة يدخل فيها الأب والابن وغيرهما من القرابات، وعند الإطلاق لا يدخل فيها (الأب والابن) (^٢)؛ لأنهما أَعْلا مِنْ أن يُطْلق فيهما لفظ القرابة؛ لما لهما من الخصوصية المقتضية لمزيدٍ على بقية القرائب، فيقال: إنهما أقرب الأقارب. وأفعل التفضيل يستدعي المشاركة، فلولا ما قلناه من تحقق معنى القرابة فيهما - لما صدق عليهما أنهما أقرب الأقارب، وإنما امتنع إطلاق القرابة عليهما لما يقتضيه الإطلاق من التقييد بالقرابة العامة التي لا مزيد فيها على مجرد القرابة.\nهذا ما حرره والدي أيده الله تعالى حال البحث، وكان أصل البحث في مسألة القرابة فلذلك أوردناها، وقد أوردت عليه إذ ذاك سؤالات وألف مختصرًا لطيفًا في ذلك، وأجاب عنها، فلنذكرها على وجه السؤال والجواب:\nفإن قلت: اللفظ إنما وضع لمطلق الحقيقة، لا للحقيقة المطلقة، فتقييدكم إياه عند الإطلاق بالحقيقة المطلقة من أين؟\nقلت: مِنْ جهة إطلاق المتكلم، فصار إطلاقه قيدًا في اللفظ.\nفإن قلت: من المعلوم أنه ليس في اللفظ (^٣)، فهل\n_________\n(^١) أي: مطلق الثمن والأجرة والصداق ونحوها ينقسم إلى الحال والمؤجل، لكن الثمن والأجرة والصداق المطلقة (أي: التي ذكرت بدون قيد) تُحْمل على الحال.\n(^٢) في (غ): \"الابن والأب\".\n(^٣) أي: ليس في اللفظ قيد الإطلاق، فمِنْ أين جئت بهذا القيد؟ .","vol":"3","page":876},{"text":"يقولون: إنَّ ذلك قرينةٌ حالية أو لفظية؟ .\nقلت: هي من قبيل القرائن اللفظية، وهي متوسطة بين القرائن الملفوظ بها والقرائن الحالية، وهي هيأةٌ صادرة من المتكلم عند كلامه، وذلك أنَّ (^١) الكلام قد يخرج عن كونه كلامًا بالزيادة والنقصان، وقد لا يخرج عن كونه كلامًا، ولكن يتغير معناه بالتقييد، فإنك إذا قلت: قام الناس - كان كلامًا يقتضي إخبارك بقيام جميع الناس. (فإذا قلت: إن قام الناس - خرج عن كونه كلامًا بالكلية) (^٢). فإذا قلت: قام الناس إلا زيدًا - لم يخرج عن كونه كلامًا، ولكن خرج عن اقتضاء قيام جميعهم إلى قيام ما عدا زيدًا (^٣). وقد علمتَ أنَّ لإفادة \"قام الناسُ\" الإخبار (^٤) بقيام جميعهم شرطين:\nأحدهما: أن لا يبتدئه بما يخالفه (^٥).\nوالثاني: أن لا يختمه بما يخالفه (^٦) وله شرط ثالث أيضًا: وهو أن يكون صادرًا عن قصدٍ، فلا عبرة بكلام الساهي والنائم، فهذه ثلاثة شروط.\n_________\n(^١) في (ت): \"لأن\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"ما عدا زيد\". انظر: شرح ابن عقيل ١/ ٦١٧.\n(^٤) في (غ)، و(ك): \"للإخبار\".\n(^٥) كما مَثَّل بقوله: إنْ قام الناس. أو يقول: ما قام الناس.\n(^٦) وذلك كما مثل بقوله: قام الناس إلا زيدًا.","vol":"3","page":877},{"text":"فإن قلت: من أين لنا اشتراط ذلك، واللفظ وحده كافٍ في الإفادة؛ لأن الواضع وضعه لذلك.\nقلت: وَضْع الواضع له معناه: أنه جَعَله متهيئًا (^١) لأن يفيد ذلك المعنى عند استعمال المتكلم له (^٢) على الوجه المخصوص. والمفيد (^٣) في الحقيقة إنما هو المتكلم، واللفظ كالآلة الموضوعة لذلك.\nفإن قلت: لو سمعنا: \"قام الناس\"، ولم نعلم مِنْ قائله هل قَصَده؟ وهل ابتدأه أو ختمه بما يغيِّره؟ - هل لنا أن نُخْبِر عنه بأنه قال: قام الناس؟\nقلت: قد تقدم الجواب عن هذا في أول باب اللغات، وكذلك ما قبله وبالله التوفيق.\nوإنما دعا إلى ذكر هذا البحث جميعِهِ الاعتراضُ على قول المصنف: \"الجمع المطلق\"، وأنَّه كان الأسَدُّ أن يقول: مطلقُ الجمع. فساق النظرُ إلى ذكر هذه المباحث الجليلة.\nقال: (قيل: أنكر \"ومن عصاهما\" مُلَقِّنًا: \"و(^٤) من عصى الله ورسوله\". قلت: ذلك لأن الإفراد أشد تعظيمًا. قيل: لو قال لغير المدخول بها: أنت طالق، وطالق - طلقت واحدة، بخلاف: أنت طالق طلقتين. قلنا: الإنشاءات مترتبة بترتيب اللفظ، وقوله: طلقتين - تفسير لطالق).\n_________\n(^١) في (ت): \"يتهيأ\".\n(^٢) أي: للفظ.\n(^٣) في (ص): \"والمقيد\". وهو خطأ.\n(^٤) سقطت الواو من (ت).","vol":"3","page":878},{"text":"احتج القائلون بأن الواو للترتيب بوجهين:\nالأول: ما رَوَى مسلمٌ في صحيحه، أن رجلًا خطب عند النبي - ﷺ - فقال: \"من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما (^١) فقد غوى\". فقال له رسول الله - ﷺ -: \"بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله\" (^٢). وهذا يدل على أنها (^٣) للترتيب؛ (إذ لو كانت) (^٤) للجمع لما حسن الذم.\nأجاب: بأن ذلك ليس لأنها للترتيب؛ بل لأن الإفراد بالذكر أشد في التعظيم، ومما يدل على هذا أنه لا ترتيب بين عصيان الله وعصيان نبيه - ﷺ -، بل معصيةُ الله هي (^٥) معصيةُ الرسول - ﷺ -؛ لتلازمهما (^٦).\n_________\n(^١) في (ت): \"ومن عصاهما\".\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٥٩٤، كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، رقم ٨٧٠. وأحمد في المسند ٤/ ٢٥٦، ٣٧٩. وأبو داود في السنن ٥/ ٢٥٩، كتاب الأدب، رقم ٤٩٨١. والنسائي في السنن ٦/ ٩٠، كتاب النكاح، باب ما يكره من الخطبة، رقم ٣٢٧٩. والحاكم في المستدرك ١/ ٢٨٩، وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.\n(^٣) أي: الواو.\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"فلو كان\".\n(^٥) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٦) أي: الترتيب في معصية الله ورسوله ﵌ لا يتصور؛ لكونهما متلازمين، فاستعمال الواو هنا مع انتفاء الترتيب دليل لنا عليكم. انظر: نهاية السول ٢/ ١٨٦.","vol":"3","page":879},{"text":"فإن قلت: ما (^١) الجمع بين إنكاره - ﷺ - على هذا الخطيب مع قوله - ﷺ -: \"ثلاثٌ مَنْ كن فيه وَجَد بهن حلاوة الإيمان: مَنْ كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما\" (^٢). وقال في حديث آخر: \"فإن الله ورسوله يُصَدِّقانكم ويَعْذِرانكم\" (^٣)، فقد جمع بينهما في ضمير واحد؟\nقلت: قد أجيب بوجهين:\nأحدهما: أن النبي - ﷺ - أنكر ذلك على الخطيب؛ لكونه عُدولًا عن الأَوْلى والأفضل، لا سيما وهو في مقام الخطابة المقتضي للتعليم. وأما النبي - ﷺ - فلم يفعل إلا الأَوْلى، فإنه في مقامِ تشريعٍ وتبيين، فَفِعْل الأَوْلى له بتبيينه الأَوْلى ليدل على الجواز (^٤).\n_________\n(^١) في (غ): \"فما\".\n(^٢) أخرجه البخاري ١/ ١٤، في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، رقم ١٦. وانظر الأرقام ٢١، ٥٦٩٤، ٦٥٤٢. ومسلم ١/ ٦٦، في كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، رقم ٤٣. والنسائي ٨/ ٩٤ - ٩٧، في كتاب الإيمان وشرائعه، باب طعم الإيمان، وباب حلاوة الإيمان، رقم ٤٩٨٧، ٤٩٨٨. والترمذي ٥/ ١٦، في كتاب الإيمان، باب ١٠، رقم الحديث ٢٦٢٤، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجه ٢/ ١٣٣٨، في كتاب الفتن، باب الصبر على البلاء، رقم ٤٠٣٣. وأحمد في المسند ٣/ ١٠٣، ١٧٤، ٢٤٨، ٢٨٨.\n(^٣) أخرجه مسلم ٣/ ١٤٠٥ - ١٤٠٦، في كتاب الجهاد، باب فتح مكة، رقم الحديث ١٧٨٠، والبيهقي ٩/ ١١٧، في كتاب السير، باب فتح مكة حرسها الله تعالى.\n(^٤) أي: فَفِعْلُ الأَوْلى للرسول ﵌ يكون بتبيينه الأولى في حق غيره؛ ليدل بفعله وبيانه على الجواز، فقد دلَّ - ﷺ - بفعله على الجواز، وببيانه على الأولى، وهو في كلتا الحالتين فاعلٌ للأولى في حقه - ﷺ -؛ إذ هو في مقام التشريع والبيان.","vol":"3","page":880},{"text":"والثاني: أن حُسْن الكلام إيجازًا وإطنابًا مما يختلف باختلاف المقام؛ فرب مقام يقتضي الإطناب وبسط العبارة، وربَّ آخَر لا يقتضي ذلك، والخطيب كان في مقام الترغيب والدعاء إلى طاعة الله وطاعة رسوله - ﷺ -، فناسب بَسْطَ العبارة والمبالغةَ في الإيضاح (^١).\n_________\n(^١) تكلم الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - على حديث: \"أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما\"، وَوَجْه الجمع بينه وبين حديث: \"ومن يعصهما فقد غوى\"، وذكر أوجهًا عديدة، وذكر وجهًا منها بقوله: \"ويجاب بأن قصة الخطيب - كما قلنا - ليس فيها صيغةُ عموم، بل هي واقعة عين، فيحتمل أن يكون في ذلك المجلس مَنْ يُخْشى عليه توهم التسوية\". الفتح ١/ ٦١، ٦٢. والظاهر أن الحافظ رحمه الله تعالى ارتضى هذا الجواب؛ لكونه لم يورد عليه اعتراضًا، بخلاف غيره من الأجوبة، وهذا هو الأقرب والأظهر، وأما تعليل إنكار النبي ﵌ بأن الخطيب عَدَل عن الأولى والأفضل، فهو لا يتناسب مع قوله ﵌: \"بئس الخطيب أنت\"، المفيد بأنه وقع في أمرٍ محرم أو شديد الكراهة. وأما تعليل الإنكار بأن الخطيب في موضع التفصيل والترغيب والدعوة إلى الله تعالى فهو فيما يظهر أضعف من سابقه، كيف وقول النبي ﵌: \"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. . .\" - دعوةٌ وأيُّ دعوة، وترغيب وأي ترغيب، فهو مقتض للتفصيل والترغيب. كيف وقد قال النبي - ﵌ - في خطبة الحاجة: \"من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه. . .\" أخرجه أبو داود بإسناد صحيحٍ، كما قال النووي في شرح مسلم ٦/ ١٦٠، فالأظهر - كما سبق - أن يكون في المجلس من يُخشى عليه توهم التسوية، أو يكون الخطيب ذاتُه خشي النبي ﷺ عليه تَوَهُّمَ التسوية، وعلى هذا يُنهى عن الجمع بين الله ورسوله - ﷺ - في الضمير حيث يُخشى توهمُ التسوية، وحيث لا يُخشى فلا مانع من ذلك، والله تعالى أعلم بالصواب.","vol":"3","page":881},{"text":"الوجه الثاني: للقائلين بأن الواو للترتيب: أن الرجل إذا قال لزوجته التي لم يدخل بها: أنت طالق، وطالق - طلقت واحدةً على المذهب الصحيح (^١)، ولو كانت الواو لمطلق الجمع لكان مثل قوله: أنت طالق طلقتين - حتى تقعا.\nأجاب: بأن قوله: \"وطالق\" معطوف على الإنشاء، فكان إنشاء آخر أتى به بعد تمام الأول وعَمَلُه عَمَلُه؛ لأن معاني الإنشاء مقارنةٌ لألفاظها، فيكون قوله ثانيًا: \"وطالق\" إنشاءً لإيقاع طلقة أخرى في غير وقتٍ قابلٍ للطلاق؛ لأنها بالأُولى بانت، إذ هي غير مدخول بها، بخلاف قوله طلقتين، أو ثلاثًا. فإنه تفسير للكلام الأول، وبيانٌ لما قصَد به، لا إنشاءٌ ثان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>خاتمة:</span>\nقد عرفتَ دعوى إمام الحرمين: أن المُشْتهِر من (^٢) أصحاب الشافعي أن الواو للترتيب، وما قاله الماوردي، وهذا لَعَلَّهُ أُخِذ من مسألة الترتيب في الوضوء، وإنْ كان كذلك فهو لا يكفي في تسويغ النقل على هذه الصورة؛ فإنَّ للأصحاب مُسْتَنَدًا آخر غير كون الواو للترتيب. وقد قيل: إن الناقلين لكون الواو للترتيب (عن الشافعي إنما هم قوم من الحنفية من غير ثَبْت (^٣)، بل بمجرد ظن من مسألة الترتيب) (^٤) في الوضوء؛ ولذلك قال\n_________\n(^١) انظر: نهاية المحتاج ٦/ ٤٥١.\n(^٢) في (ص): \"في\".\n(^٣) أي: من غير تثبت.\n(^٤) سقطت من (غ).","vol":"3","page":882},{"text":"الأستاذ أبو منصور البغدادي: \"معاذ اللهِ أن يصح هذا النقل عن الشافعي، بل الواو عنده لمُطلق الجمع\".\nقلت: وهو اللائق بقواعد مذهبه، وعليه تدل فروعه، وقد اتفق الأصحاب قاطبة على أن قول القائل: وقفتُ على أولادي، وأولاد أولادي - (مقتضٍ للتسوية) (^١) والتشريك بينهم دون الترتيب، ولا نعلم أحدًا قال بالترتيب. وإن أتى في بعض الفروع خلافٌ فمنشؤه اختيارٌ مِنْ صاحب ذلك الوجه أن الواو للترتيب.\nومِنْ ذلك قول الأصحاب فيما لو قال: إنْ دخلتِ الدار وكلَّمْتِ زيدًا فأنتِ طالق - لا بد من وجودهما في وقوع الطلاق، ولا يقع بهما إلا طلقةٌ واحدة (^٢)، ولا فرق بين أن يتقدم الكلام أو يتأخر.\nوفي \"التتمة\" ما يقتضي إثباتَ خلافٍ فيه (^٣)؛ لأنه قال: \"مَنْ جعل الواو للترتيب فلا بد عنده من أن يتقدم الدخول على الكلام\"، قال الرافعي: (\"ومن الأصحاب مَن جعل الواو للترتيب\"، وذكر الرافعي) (^٤) في آخر باب القَسْم والنشوز أنه (^٥) لو قال لوكيله: خذ مالي ثمَّ طَلِّقْها - لم يجز تقديم الطلاق (^٦). ولو قال: خذ مالي وطَلِّق - فهل يشترط\n_________\n(^١) في (ت): \"يقتضي التسوية\".\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) أي: في التقديم والتأخير بين الشرطين. وانظر المسألة في روضة الطالبين ٦/ ١٥٥.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) فلو طلَّق الوكيل قبل أخذ المال لم يقع الطلاق. وانظر المسألة في روضة الطالبين ٦/ ١٥٥.","vol":"3","page":883},{"text":"تقديم أخذ المال، أو لا يشترط ويجوز تقديم الطلاق كما لو قال: طَلِّقها وخذ مالي؟ فيه وجهان، رجَّح صاحب \"التهذيب\" منهما الأول (^١).\nقلت: وليس الوجهان في المسألة ناظرَيْن إلى ما نحن فيه من اقتضاء الواو للترتيب، وإنما القائل بوجوبِ تقديمِ المال ناظرٌ إلى أنَّ الموكِّل قَدَّمه (^٢) في كلامه والوكيل يراعي المصلحة فليقدِّم أخذ المال والمخالف ناظرٌ إلى عدم اقتضاء الواو للترتيب، ويدل على هذا أنه لا خلاف أنه يجوز تقديم المال في عكسه، وهو ما إذا قال: طَلِّقها وخذ مالي. بل لو صَرَّح بـ \"ثم\" التي وضعت للتراخي لجاز له تقديم أخْذِ المال على الطلاق، قال الرافعي: \"لأنه زيادة خير\" (^٣).\nفإن قلت: قد نقل الرافعي في التدبير عن صاحب \"التهذيب\" فيما إذا قال لعبده: إنْ مِتُّ ودخلتَ الدار فأنت حر - لا بد أن يقع دخولُه (^٤) الدار بعد موت السيد، ولم يحك ما يخالفه، فقد جعلوها هنا للترتيب.\nقلت: هذا مشكل، والظاهر أنه مبنيٌ على أن الواو للترتيب، وإلا فأيُّ فرق بين هذه المسألة والمسألة التي قدمناها فيما إذا قال: إن دخلتِ الدار\n_________\n(^١) وهو اشتراط تقديم أخذ المال.\n(^٢) أي: قدم أخذ المال، فتقديم أخذ المال ليس من اقتضاء الواو للترتيب، وإنما من تقديم الموكِّل أخْذَ المال في كلامه، فالوكيل يقدمه تبعًا له.\n(^٣) أي: لأن تأخير الطلاق زيادة خير للموكِّل، إذ قد يتراجع عن الطلاق، فيكون في تأخيره فرصة له.\n(^٤) في (ت): \"دخول\".","vol":"3","page":884},{"text":"وكلمتِ زيدًا. ولم يقل أحدٌ ثَمَّ بالترتيب، إلا ما خَرَّجه صاحب \"التتمة\"، وعلى الجملة إنْ وَضَح معنىً في هذه المسألة (^١) - فقد حصل الغرض من أنَّ الفرع غير مبني على اقتضاء الواو للترتيب (^٢) (^٣)، وإلا فما قاله الأصحاب في مسألة: إن دخلتِ الدار وكلمتِ زيدًا - يناقضها، وهو أصح (^٤).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-307>(الثانية: الفاء للتعقيب إجماعًا</span>، ولهذا رُبِط بها (^٥) الجزاء إذا لم يكن فعلًا. وقوله: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ﴾ (^٦) مجاز).\nالفاء للتعقيب، أي: تدل على وقوع الثاني عقيب الأول من غير\n_________\n(^١) وهي قول السيد لعبده: إن مِتُّ ودخلتَ الدار.\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"الترتيب\".\n(^٣) لعل المعنى هو أن العُرْف في مثل هذا يقضي بالترتيب، ويُستأنس له أيضًا بأنَّ الموتَ ليس مِنْ فعل العبد، فكأنه علَّق الشرط الذي مِنْ فِعْل العبد على الشرط الذي ليس من فعله، فيكون الشرط الذي من فِعْل العبد مؤخرًا عن الشرط الذي ليس من فعله. ومثله قول السيد لعبده: إن سافرتُ ودخلتَ الدار، وإن رزقني الله ولدًا ودخلت الدار، كلها فيها هذا المعنى، بخلاف قول الرجل لزوجته: إن دخلتِ الدار وكلمتِ زيدًا، فكلا الشرطين مِنْ فعلها. والله ﷾ أعلم بالصواب.\n(^٤) انظر مبحث الواو في: المحصول ١/ ق ١/ ٥٠٧، التحصيل ١/ ٢٤٧، الحاصل ١/ ٣٧٢، نهاية الوصول ٢/ ٤٠١، نهاية السول ٢/ ١٨٥، السراج الوهاج ١/ ٣٨٧، كشف الأسرار ٢/ ١٠٩، أصول السرخسي ١/ ٢٠٠، جمع الجوامع مع المحلي ١/ ٣٦٥، شرح تنقيح الفصول ١/ ٩٩، بيان المختصر ١/ ٢٦٦، شرح الكوكب ١/ ٢٢٩، شرح ابن عقيل على الألفية ٢/ ٢٢٦، مغني اللبيب ٢/ ٤٠٨.\n(^٥) في (ص): \"به\".\n(^٦) سورة طه: الآية ٦١.","vol":"3","page":885},{"text":"مُهْلة، (ولكن في (كلٍ شيء) (^١) بحسبه) (^٢)، كقولك: دخلتُ بغداد فالبصرة. وقولك: قمتُ فمشيتُ. فالأَول أفاد التعقيب على ما يمكن (^٣)، والثاني أفاده (^٤) على الأثر (^٥)؛ إذ هو ممكن.\nواستدل في الكتاب على أنها للتعقيب: بإجماع أهل اللغة على ذلك. وقد قَلَّد في نقل هذا الإجماع الإمام (^٦)، وليس بجيد، فقد ذهب الجَرْمي (^٧) إلى أنها للترتيب إلا في الأماكن والمطر فلا ترتيب، تقول: عَفَا مكانُ كذا، فمكان كذا. وإنْ كان عفاهما في وقت واحد. ونزل المطر مكانَ كذا، فمكانَ كذا. وإن كان نزولهما في وقت واحد.\nوزعم الفراء أن ما بعد الفاء يكون سابقًا إذا كان في الكلام ما يدل عليه، وجَعَل من ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا\n_________\n(^١) في (ص): \"كلٍّ\".\n(^٢) في (ت): \"ولكن كل شيءٍ بحسبه\".\n(^٣) يعني: على الوقت الذي يمكن فيه دخول البصرة بعد دخول بغداد.\n(^٤) في (ت): \"أفاد\".\n(^٥) فالتعقيب هنا متصل.\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٥٢٣.\n(^٧) هو صالح بن إسحاق، أبو عمر الجَرْميّ البصريّ، مولى جَرْم بن زَبَّان من قبائل اليمن. كان يلقَّب بالكلب، وبالنَّبَّاح لصياحه حال مناظرة أبي زيد. وكان فقيهًا عالمًا بالنحو واللغة، ديِّنًا وَرِعًا، جليلًا في الحديث والأخبار، انتهى إليه علمُ النّحو في زمانه. من مصنفاته: التنبيه، وكتاب السير، وكتاب العَرُوض، وغريب سيبويه، وغيرها. توفي سنة ٢٢٥ هـ. انظر: سير ١٠/ ٥٦١، بغية الوعاة ٢/ ٨.","vol":"3","page":886},{"text":"بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (^١)، ومعلوم أن مجيء البأس سابق للهلاك (^٢).\nوزعم الفراء أيضًا أن الفعلين إذا كان وقوعهما في وقت واحد، ويَؤُولان إلى معنى واحد - فإنك مخيَّر في عطف أيهما شئت على الآخر بالفاء تقول: أحسنت إليَّ فأعطيتني، وأعطيتني فأحسنتَ إليَّ (^٣).\nقوله: \"ولهذا\" اعلم أن الإمام نَقَل أن مِنْهم مَنِ احتج على (^٤) أن الفاء للتعقيب: \"بأنها لو لم تكن للتعقيب (^٥) - لما دخلت على الجزاء إذا لم يكن بلفظ الماضي والمضارع (^٦)، لكنها تَدخل فهي للتعقيب.\nبيان الملازمة: أن جزاء الشرط قد يكون بلفظ الماضي كقولك: مَنْ دخل داري أكرمتُه. أو بلفظ المضارع: مَنْ دَخَل (^٧) يُكْرم. وقد يكون لا بِهَاتين اللفظتين، وحينئذ (^٨) لا بد من ذكر الفاء كقولك: مَنْ دخل داري فله درهم.\nوأما قول الشاعر:\n(من يفعلِ الحسناتِ اللهُ يَشْكُرُها ... والشَّرُّ بالشَّرِّ عند الله سِيَّانِ\n_________\n(^١) سورة الأعراف: الآية ٤.\n(^٢) لأن مجيء البأس سبب للهلاك.\n(^٣) فالإحسان هو الإعطاء، والإعطاء هو الإحسان.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) هذا مقدم.\n(^٦) وهذا تالي.\n(^٧) في (غ): \"دخل داري\".\n(^٨) أي: في غير الماضي والمضارع.","vol":"3","page":887},{"text":"فقد أنكره المبرِّد (^١)، وزعم أن الرواية الصحيحة) (^٢):\nمن يفعل الخير فالرحمن يشكره (^٣).\nوإذا وجب دخول الفاء على الجزاء، وثبت أن الجزاء لا بد وأن يحصل عقيب الشرط - علمنا أن الفاء للتعقيب\".\nقوله: \"وقوله: لا تفتروا\" جواب عن سؤال مقدر تقديره (^٤) أن يقال: قد جاءت الفاء لا بمعنى التعقيب في قوله تعالى: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا\n_________\n(^١) هو أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزْدي البصريّ النحوي الأخباريّ، إمام العربية ببغداد في زمانه. وثَّقه الخطيب وجماعة. وكان الناس بالبصرة يقولون: ما رأى المبرِّد مِثْلَ نفسِه. ولما صَنَّف المازنيُّ كتاب الألف واللام سأل المبرِّد عن دقيقه وعويصه، فأجابه بأحسن جواب، فقال له: قُمْ فأنت المبرِّد - بكسر الراء - أي: المُثْبِتْ للحق، فغيَّره الكوفيون، وفتحوا الرَّاء. من تصانيفه: معاني القرآن، الكامل، إعراب القرآن، الردّ على سيبويه، وغيرها. توفي ببغداد سنة ٢٨٥ هـ.\nانظر: سير ١٣/ ٥٧٦، بغية الوعاة ١/ ٢٦٩، تاريخ بغداد ٣/ ٣٨٠، لسان الميزان ٥/ ٤٣٠.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) البيت لحسان بن ثابت ﵁ كما في كتاب سيبويه ٣/ ٦٤، ٦٥، وفي شرح شواهد المغني ١/ ١٧٨: \"هو لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت ﵁، وقيل: لكعب بن مالك\"، وفي شرح الشواهد للعيني ٤/ ٢٠: \"قاله عبد الله بن حسان ﵄. . . والشاهد في: الله يشكرها، فإنها جملة وقعت جواب الشرط وقد حذف فيها الفاء للضرورة، وأصلها: فالله يشكرها\".\nوانظر: الخصائص ٢/ ٢٨١، كلام محقِّق المحصول ١/ ق ١/ ٥٢٤.\n(^٤) في (غ): \"تقريره\".","vol":"3","page":888},{"text":"فَيُسْحِتَكُمْ (^١) بِعَذَابٍ﴾ (^٢) والإسحات لا يقع عقيب الافتراء، بل يتراخى إلى الآخرة.\nوجوابه: أن الفاء قد ثبت بما قررناه من الدليلين أنها حقيقة في التعقيب، فوجب حمل ما ذكرتموه (^٣) على المجاز؛ وذلك لأن الإسحات لما كان مُتَحَقَّق الوقوع جزاءً للافتراء - نُزِّل منزلة الواقع عَقِيبه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>فرع:</span>\nقضية اقتضاء الفاء التعقيبَ (^٤) أنه (إذا قال مثلًا: إن دخلتِ الدار فكلمتِ زيدًا فأنتِ طالق - فلا بد في وقوع الطلاق من وقوع كلامها لزيد عقيب دخولها (^٥).\nوحكى الأصحاب وجهين فيما) (^٦) إذا قال لعبده: إذا مِتُّ فشئتَ فأنت حرٌ. أصحهما عند الأكثرين اشتراط اتصال المشيئة بالموت؛ لكون (^٧)\n_________\n(^١) أي: فيستأصلكم. قال أبو السعود في تفسيره ٦/ ٢٥: \"وقُرئ: يَسْحَتَكم، من الثلاثي على لغة أهل الحجاز، والإسْحات لغة بني تميم ونجد\". وانظر: زاد المسير ٥/ ٢٩٦.\n(^٢) سورة طه: الآية ٦١.\n(^٣) من كون الفاء في الآية للتراخي لا للتعقيب.\n(^٤) في (ت): \"للتعقيب\".\n(^٥) انظر: روضة الطالبين ٦/ ١٥٥.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) في (غ): \"بكون\".","vol":"3","page":889},{"text":"الفاء تقتضي التعقيب، وهما (^١) جاريان في سائر التعليقات (^٢) (^٣) (^٤) (^٥).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-309>(الثالثة: \"في\" للظرفية ولو تقديرًا</span>، مثل: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ (^٦)، ولم يثبت مجيئها للسببية).\nلفظة \"في\" للظرفية تحقيقًا (^٧) (نحو: الماء في الكوز) (^٨)، أو تقديرًا مثل: قوله تعالى حكاية: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾؛ لِتَمَكُّن المصلوب على الجذع (^٩) تمكن الشيء في المكان (^١٠). ومن النحاة من يقول: \"في\" هنا\n_________\n(^١) أي: الوجهان.\n(^٢) في (ت)، و(ك): \"التعلقات\".\n(^٣) هذا إذا كان الناس يتفاهمون بالفصحى، أما إذا كان الحديث بالعامية - كما هو الحال الآن - فلا تُبنى الأحكام على التعقيب، بل تُبنى على العُرْف. هذا رأي أكثر من أهل العلم. انظر: العرف والعادة في رأي الفقهاء ص ١٦١، الأشباه والنظائر ص ٩٣ - ٩٤.\n(^٤) انظر: التمهيد ص ٢١٦.\n(^٥) انظر معاني الفاء في: المحصول ١/ ق ١/ ٥٢٢، التحصيل ١/ ٢٥٠، الحاصل ١/ ٣٧٤، نهاية الوصول ٢/ ٤٢٣، نهاية السول ٢/ ١٨٧، السراج الوهاج ١/ ٣٩٢، جمع الجوامع مع المحلي ١/ ٣٤٨، الإحكام ١/ ٦٨، شرح تنقيح الفصول ص ١٠١، كشف الأسرار ٢/ ١٢٧، فواتح الرحموت ١/ ٢٣٤، شرح الكوكب ١/ ٢٣٣، مغني اللبيب ١/ ١٨٣.\n(^٦) سورة طه: الآية ٧١.\n(^٧) قال الزركشي في البحر المحيط ٣/ ١٩٧: \"في: للوعاء إما حقيقة، وهي اشتمال الظرف على ما يحويه، كقولك: المال في الكيس. وإما مجازًا كقولك: فلان ينظر في العلم، والدار في يده\".\n(^٨) سقطت من (ت).\n(^٩) في (غ): \"الجذوع\".\n(^١٠) فالجذوع ليست بظرفٍ حقيقةً بل مجازًا؛ لأنها لم تُعَدَّ لأن تكون مكانًا للإنسان.","vol":"3","page":890},{"text":"بمعنى على، واختاره الشيخ جمال الدين بن مالك (^١)، لكن الذي عليه الجمهور وهو مذهب سيبويه الأول (^٢).\nوقَوْلُ المصنف: \"في للظرفية ولو تقديرًا\" يحتمل أمورًا:\nأحدها: أنها تكون حقيقةً في الظرفية المحقَّقَةِ، مجازًا في المُقَدَّرة. وهذا مذهب سيبويه، والمحققين.\nوالثاني: أن تكون مشتركة بينهما.\nوالثالث: وهو الأقرب إلى الصواب، أن تكون حقيقة في القدر المشترك دفعًا للاشتراك والمجاز، وحينئذ تكون مِنْ قبيل المشكِّك؛ إذ معنى الظرفية في المحققة أوضح (^٣).\nقوله: \"ولم يثبت مجيئها للسببية\". اعلم أن الإمام نقل عن بعض الفقهاء أنها للسببية؛ لقوله ﵊: \"في النفس المؤمنة مائةٌ من الإبل\" (^٤) وضَعَّفه بأن أحدًا من أهل اللغة ما ذكر ذلك، مع أن المرجع\n_________\n(^١) انظر: المساعد على تسهيل الفوائد ٢/ ٢٦٥.\n(^٢) انظر: ارتشاف الضَّرَب ٤/ ١٧٢٥ - ١٧٢٧، كتاب سيبويه ٤/ ٢٢٦.\n(^٣) أي: أوضح من معناها في المقدرة.\n(^٤) ورد أن النبي - ﷺ - كتب إلى أهل اليمن كتابًا فيه الفرائضُ والسُّنَنُ والدِّيَاتُ، وبعث به مع عمرو بن حزم، وفيه: \"وأنَّ في النفس الدِّيَةَ مائةً من الإبل\". خرّجه النسائي ٨/ ٥٧ - ٥٨، في كتاب القسامة، باب ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول، رقم الحديث ٤٨٥٣. وأخرجه مالك ٢/ ٨٤٩، في العقول، باب ذكر العقول. وأحمد ٥/ ٣٢٦ - ٣٢٧، في مسند عبادة بن الصامت ﵁. قال الألباني في إرواء =","vol":"3","page":891},{"text":"في هذه المباحث إليهم (^١).\nوهذا الذي ذكره الإمام ضعيف مِنْ وجهين:\nأحدهما: أنه شهادةُ نفيٍ، وقد رَدَّ هو على ابن جني (^٢) في مسألة \"الباء\" بذلك (^٣). فكيف يَرُدُّ به هنا (^٤)!\nوالثاني: أن ذلك شائع (^٥) ذائع في لسان العرب في القرآن، والسنة، وشعر العرب:\nأما القرآن: ففي قوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ (^٦)، و﴿لَمَسَّكُمْ\n_________\n= الغليل ٧/ ٣٠٣ عن كتاب عمرو بن حزم: \"وهو مرسل صحيح الإسناد، لكن هذا القدر منه (وهو الذي ذكره الشارح هنا) ثابت صحيح؛ لأن له شاهدًا موصولًا من حديث عقبة بن أوس\". مع بعض الاختصار.\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٥٢٩.\n(^٢) هو إمام العربية أبو الفتح عثمان بن جِنِّي الموصليّ. وُلد قبل سنة الثلاثين وثلاثمائة. قال السيوطي: \"مِنْ أحذق أهل الأدب وأعلمهم بالنحو والتصريف، وعِلْمه بالتصريف أقوى وأكمل من علمه بالنحو، وسببه أنه كان يُقرِئ النحو بجامع الموصِل، فمَرَّ به أبو علي الفارسيّ، فسأله عن مسألةٍ في التصريف، فقصَّر فيها، فقال له أبو عليّ: زَبَّبْتَ قبل أن تُحَصْرِمَ، فلزمه من يومئذ مَّدةَ أربعين سنة، واعتنى بالتصريف\". من مصنفاته: الخصائص في النحو، سر الصناعة، شرح المقصور والممدود، شرحان على ديوان المتنبي، وغيرها. توفي سنة ٣٩٢ هـ. انظر: سير ١٧/ ١٧، بغية الوعاة ٢/ ١٣٢، تاريخ بغداد ١١/ ٣١١.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٥٣٣، ٥٣٤.\n(^٤) في (ت): \"ها هنا\".\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سورة النور: الآية ١٤.","vol":"3","page":892},{"text":"فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ (^١).\nوأما السنة: فالحديث الذي أورده، (وما رُوي) (^٢) أيضًا مِنْ قوله - ﷺ -: \"دخلت امرأة النار في هرة\" (^٣) (^٤).\nوأما شعر (^٥) العرب: فقال الشاعر:\nبَكَرَتْ باللَّوْم تَلْحانا ... في بعيرٍ ضَلَّ أوحانا (^٦)\n_________\n(^١) سورة الأنفال: الآية ٦٨.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) ذكر ابن هشام في المغني ١/ ١٩١: أن من معاني \"في\" التعليل، ومَثَّل له بقوله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾، وبقوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾. وبحديث: \"أن امرأة دخلت النار في هرة حبستها\".\n(^٤) أخرج هذا اللفظ ابن ماجه ٢/ ١٤٢١، في كتاب الزهد، باب ذكر التوبة، رقم ٤٢٥٦. وأخرجه البخاري ٢/ ٨٣٤، في المساقاة، باب فضل سقي الماء، رقم ٢٢٣٦، بلفظ: \"عُذِّبت امرأة في هِرَّة حبستها\". وأخرجه في موضعين آخرين، انظر الأرقام ٣١٤٠، ٣٢٩٥. وأخرجه مسلم ٤/ ٢٠٢٢، في كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها، رقم ٢٢٤٢، ٢٢١٩، والحديث الأول عند مسلم بلفظ البخاري، والآخر بلفظ: \"دخلت امرأة النار من جرّاء هرة\".\n(^٥) سقطت من (ص) و(غ)، و(ك).\n(^٦) البيت للنمر بن تولب، من كلمة يرد بها على زوجته، وقد عذلته وعاتبته على كرمه. ويقال: حان البعير، أي: هلك. انظر: كتاب الشعر لأبي علي الفارسي ٢/ ٥٣٥، تحقيق د. محمود الطناحي.","vol":"3","page":893},{"text":"ومثله:\nلَوَى رأسَه عَنِّي ومال بِوُدِّه ... أغانيج (^١) خَوْدٍ كان فينا يَزُورها\nأغانيج: بالغين المعجمة والنون المكسورة، والخَوْد: بفتح الخاء المعجمة، المرأة الجميلة (^٢). وهذا هو الذي اختاره ابن مالك (^٣).\nوالإنصاف في لفظة \"في\" أنها حقيقة في الظرفية، مجازٌ في السببية. (وقد ذكر) (^٤) بعضهم للفظة \"في\" موارد أخرى (^٥). قال الشيخ\n_________\n(^١) والأغانيج جمع غَنِجَة: وهي المرأة حسنة الدَّلّ، أي: التدلل والتكسُّر. وقيل: الغُنْج: ملاحة العينين. انظر: لسان العرب ٢/ ٣٣٧، مادة (غنج).\n(^٢) في اللسان ٣/ ١٦٥، مادة (خود): \"الخَوْد: الفتاة الحسنة الخلق الشَّابة ما لم تَصِرْ نَصَفًا. وقيل: الجارية الناعمة. والجمع خَوْدات وخُود بضم الخاء\".\n(^٣) هو إمام النحاة وحافظ اللغة محمد بن عبد الله بن عبد الله بن مالك، جمال الدين أبو عبد الله الطَّائيّ الجيَّانيّ - نسبة إلى جَيَّان: مدينة بالأندلس - الشافعيّ، نزيل دمشق. قال ابن السبكي ﵀: \"وأخذ العربية عن غير واحد، وهو حَبْرها السائرة مصنَّفاتُه مسيرَ الشمس، ومُقَدَّمُها الذي تُصِغي له الحواسُّ الخمس، وكان إمامًا في اللغة، إمامًا في حِفْظ الشواهد وضَبْطِها، إمامًا في القراءات وعِلَلِها، وله الدين المتين، والتقوى الرَّاسخة\". من مصنفاته: \"الألفية\" في النحو وتسمى \"الخلاصة\"، \"الكافية الشافية\"، وشَرْحها، \"تسهِيل الفوائد وتكميل المقاصد\"، وهو أعظم كتبه، وغيرها. توفي - ﵀ - سنة ٦٧٢ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٨/ ٦٧، بغية الوعاة ١/ ١٣٠، مقدمة محقِّق المساعد على تسهيل الفوائد ١/ أ.\n(^٤) في (ت): \"وذكر\".\n(^٥) أي: معاني أخرى غير الظرفية والسببية. وقد ذكر ابن هشام أن لها عشرة معان. انظر: مغني اللبيب ١/ ١٩١.","vol":"3","page":894},{"text":"أبو حيان:\nوتأول أصحابُنا كلَّ ذلك، وردوه إلى معنى الوعاء (^١) (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-310>(الرابعة: \"مِنْ\" لابتداء الغاية</span>، والتبيين، والتبعيض. وهي حقيقة في التبيين دفعًا للاشتراك).\nلفظة \"مِنْ\" تَرِد لابتداء الغاية، (والتبيين، والتبعيض) (^٣).\nفأما ورودها لابتداء الغاية:\nفهو إما في المكان وهو (^٤) مجمع عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ (^٥).\nوإما في الزمان، مثل: ﴿مِنْ (^٦) أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (^٧) ﴿لِلَّهِ\n_________\n(^١) أي: الظرف، وهو المعنى الحقيقي.\nانظر: ارتشاف الضرب ٤/ ١٧٢٧.\n(^٢) انظر معاني \"في\" في: المحصول ١/ ق ١/ ٥٢٨، التحصيل ١/ ٢٥١، الحاصل ١/ ٣٧٦، نهاية الوصول ٢/ ٤٣٧، نهاية السول ٢/ ١٨٨، السراج الوهاج ١/ ٣٩٥، جمع الجوامع مع المحلي ١/ ٣٤٨، شرح تنقيح الفصول ص ١٠٣، فواتح الرحموت ١/ ٢٤٧، شرح الكوكب ١/ ٢٥١، مغني اللبيب ١/ ١٩١.\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"وللتبيين وللتبعيض\".\n(^٤) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"فهو\".\n(^٥) سورة الإسراء: الآية ١.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) سورة التوبة: الآية ١٠٨.","vol":"3","page":895},{"text":"الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ (^١). وفي الحديث: \"فَمُطِرْنا مِنْ الجمعة إلى الجمعة\" (^٢). وفيه: \"مِنْ نصف النهار إلى صلاة العصر\".\nوقال النابغة:\nتُحُيِّرْنَ مِن أزمانِ يومِ حليمةٍ ... إلى اليومِ قَدْ جُرِّبْن كلَّ التجاربِ (^٣)\nوقال الراجز:\nتنتهض الرِّعْدة في ظُهَيْري ... من لدن الظهر إلى العُصَيْرِ\n_________\n(^١) سورة الروم: الآية ٤.\n(^٢) أخرجه بلفظ النسائي ٣/ ١٥٥، في كتاب الاستسقاء، باب متى يستسقي الإمام، رقم ١٥٠٤. وبمعناه أخرجه النسائي ٣/ ١٥٩ - ١٦٢، رقم ١٥١٥، ١٥١٧، ١٥١٨. والبخاري ١/ ٣١٥، في الجمعة، باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة، رقم ٨٩١، وانظر الأرقام ٨٩٠، ٩٦٧ - ٩٧٣، ٩٧٥، ٩٨٣، ٩٨٦، ٣٣٨٩، ٥٧٤٢، ٥٩٨٢. ومسلم ٢/ ٦١٣، في كتاب صلاة الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء، رقم الحديث ٨٩٧. وأبو داود ١/ ٦٩٣ - ٦٩٤، في كتاب الصلاة، باب رفع اليدين في الاستسقاء، رقم ١١٧٤.\n(^٣) البيت للنابغة الذبياني، و\"يوم حليمة\" يوم من أيام العرب المشهورة، حدثت فيه حرب طاحنة بين لخم وغسان، وحليمة هي بنت الحارث بن أبي شمر الغساني، أضيف اليوم إليها لأن أباها - فيما ذكروا - حين اعتزم توجيه جيشه إلى المنذر بن ماء السماء أمرها فجاءت فطيبتهم، وفي يوم حليمة ورد المثل: \"ما يوم حليمة بِسِرٍّ\" يضرب للأمر المشتهر المعروف، والذي لا يستطاع كتمانه. انظر: منحة الجليل بتحقيق شرح ابن عقيل ٢/ ١٦، حاشية الصبان على الأشموني ٢/ ٢١١. وقوله: \"جُرِّبْن\" بالبناء للمجهول، أي: اخْتُبِرْن وابْتُلين وامْتُحِنَّ. وأراد أنه قد أظهرت التجربة صفاء جوهرهن (أي: السيوف) ونقاء معدنهن وجودة صقالهن وشدة فتكهن. انظر: هداية السالك إلى تحقيق أوضح المسالك ٢/ ١٢٩.","vol":"3","page":896},{"text":"وهذا (^١) قد أثبته الكوفيون وصححه ابن مالك وشيخنا أبو حيان، ومنعه البصريون (^٢). قال شيخنا: \"وتأولُّهم مجيئَها لذلك (^٣) مع كثرته في لسان العرب نَثْرِها ونَظْمها كثرةً تُسَوِّغ القياسَ ليس بشيء\" (^٤).\nواعلم أن: \"مِنْ\" قد (^٥) تدخل لابتداء الغاية في غير المكان والزمان، نحو: قرأت من أول سورة البقرة إلى آخرها. وفي الحديث: \"من محمد رسول الله إلى هِرَقل عظيم الروم\" (^٦).\n_________\n(^١) أي: كون \"من\" تَرِد لابتداء الغاية في الزمان.\n(^٢) انظر: أوضح المسالك بتحقيق الشيخ محمد محيي الدين ٢/ ١٢٨، شرح ابن عقيل بتحقيق الشيخ محمد محيي الدين ٢/ ١٥، ١٦، مغني اللبيب ١/ ٣٤٩. والمراد بمنع البصريين هو جمهورهم وإلا فقد ذهب المُبَرِّد والأخفش وابن دُرُسْتُوَيْه من البصريين إلى أن \"مِنْ\" قد تأتي لابتداء الغاية في الزمان.\n(^٣) أي: تأوُّلُ البصريين مجيء \"مِنْ\" لابتداء الغاية في الزمان، كتأويلهم آية: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أي: من تأسيس أول يوم. وتأويلهم بيت النابغة بتقدير: مِنْ مضي أزمان يوم حليمة. انظر: مغني اللبيب ١/ ٣٤٩، هداية السالك إلى تحقيق أوضح المسالك ٢/ ١٢٨.\n(^٤) انظر: ارتشاف الضَّرَب ٤/ ١٧١٨، والنقل بتصرف.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٦٢ - ٢٦٣. وأخرجه البخاري مختصرًا ومطولًا، ففي كتاب بدء الوحي ١/ ٧ - ١٠، حديث رقم ٧، وفي الإيمان، باب سؤال جبريل النبيَّ - ﷺ - عن الإيمان والإِسلام والإحسان، ١/ ٢٨، حديث رقم ٥١، وفي الجهاد ٣/ ١٠٧٤ - ١٠٧٦، باب دعاء النبي - ﷺ - إلى الإسلام والنبوة. . إلخ، حديث رقم ٢٧٨٢. وانظر الأرقام: ٢٥٣٥، ٢٦٥٠، ٢٧٣٨، ٢٧٧٨، ٢٨١٦، ٣٠٠٣، ٤٢٧٨، ٥٦٣٥، ٥٩٠٥، ٦٧٧١. وأخرجه مسلم ٣/ ١٣٩٣ - ١٣٩٧، في الجهاد والسير، باب كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل يدعوه إلى الإِسلام، حديث رقم ١٧٧٣.","vol":"3","page":897},{"text":"وأما ورودها للتبيين فكقوله ﷾: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ (^٢) وبهذا قال ابن بابشاذ (^٣) وابن النحاس (^٤) وعبد الدايم القيرواني (^٥) وابن مالك. قال شيخنا أبو حيان: \"وقد أنكر ذلك أكثر أصحابنا، وزعموا أنها لم تُرد لهذا المعنى (^٦) \" (^٧)، وقالوا: هي في قوله: ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ لابتداء الغاية وانتهائها؛ لأنَّ الأوثان: نحاسٌ مَصُوغ أو ذهب أو غير ذلك، فليس الرجسُ ذاتَها، ولا الجنسَ الذي صُنعت (^٨) منه، وإنما وقع الاجتناب على عبادتها،\n_________\n(^١) سورة الحج: الآية ٣٠.\n(^٢) سورة النور: الآية ٥٥.\n(^٣) هو طاهر بن أحمد بن باب شاذ - ومعناه: الفرح والسرور - أبو الحسن النحويِّ المصريِّ الجوهريّ. أحد الأئمة والأعلام في فنون العربية وفصاحة اللسان. من تصانيفه: شرح جُمَل الزَّجَّاجيّ، المحتسب في النحو، شرح النخبة، وغيرها. توفي سنة ٤٦٩ هـ. انظر: سير ١٨/ ٤٣٩، بغية الوعاة ٢/ ١٧.\n(^٤) هو أحمد بن محمد بن إسماعيل المراديّ، يعرف بابن النّحاس، أبو جعفر النحويّ المصريّ، إمام العربية، ومِن أهل الفضل الشائع، والعلم الذائع. من مصنفاته: إعراب القرآن، معاني القرآن، الكافي في العربية، وغيرها. مات غريقًا في النيل سنة ٣٣٨ هـ. انظر: سير ١٥/ ٤٠١، بغية الوعاة ١/ ٣٦٢.\n(^٥) قال السيوطيّ ﵀: \"عبد الدائم بن مرزوق القيروانيّ: نحويُّ قديم. روى عنه أبو جعفر محمد بن حكم السَّرَقُسطيّ، وأكثر أبو حيَّان في الارتشاف من النقل عنه، وذُكر في جمع الجوامع في الظروف\". بغية الوعاة ٢/ ٧٥.\n(^٦) أي: التبيين.\n(^٧) انظر: ارتشاف الضَّرَب ٤/ ١٧١٩، مع تصرف.\n(^٨) في (غ): \"صيغت\".","vol":"3","page":898},{"text":"وَوَصْفُ الرجسِ المعبودُ (^١) منها (^٢) و\"مِنْ\" في (^٣) الآية كهي في قولك: أخذته مِنَ التابوت. ألا ترى أن اجتناب عبادة الوثن ابتداؤه وانتهاؤه. وأما ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ (^٤)﴾ (^٥) فنقدِّر أن الخطاب عام للمؤمنين (^٦).\nوأما ورودها للتبعيض فنحو: أخذت من الدراهم. ومنه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ (^٧) وهو كثير.\nوقد زعم الأخفش الصغير (^٨) والمبرد وابن السَّرَّاج (^٩) والسهيلي\n_________\n(^١) في (ك): \"للمعبود\".\n(^٢) أي: ووصف الرجس للمعبود من الأوثان. فـ \"وصف\" مبتدأ، و\"المعبود\" خبر.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) سورة النور: الآية ٥٥.\n(^٦) انظر: مغني اللبيب ١/ ٣٤٩.\n(^٧) سورة البقرة: الآية ٢٥٣.\n(^٨) هو عليّ بن سليمان بن الفضل النحويّ أبو الحسن الأخفش الأصغر، والأخفش: هو الضعيف البصر مع صِغَر العين. قال المرزبانيّ: \"ولم يكن بالمتسع في الرواية للأخبار والعِلْم بالنحو\". من مصنفاته: شرح سيبويه، الأنواء، التثنية والجمع، المهذّب. توفي سنة ٣١٥ هـ. انظر: بغية الوعاة ٢/ ١٦٧، سير ١٤/ ٤٨٠.\n(^٩) هو إمام النحو أبو بكر محمد بن السَّرِيّ البغدادي النَّحْويّ ابن السَّراج. قال المرزبانيّ: \"كان أحدَثَ أصحاب المبرِّدِ سنًّا، مع ذكاءٍ وفطنة، وكان المبرِّد يقرِّبه، فقرأ عليه كتاب سيبويه. . .\". ويقال: \"ما زال النحو مجنونًا حتى عَقَلَه ابنُ السَّرَّاج بأصوله\". من تصانيفه: \"أصول العربية\" ما أحسنه!، شرح سيبويه، الشعر والشعراء، وغيرها. مات شابًا سنة ٣١٦ هـ. انظر: سير ١٤/ ٤٨٣، بغية الوعاة ١/ ١٠٩.","vol":"3","page":899},{"text":"وطائفة: أنَّ \"مِنْ\" لا تكون إلا لابتداء الغاية (^١)، وصححه ابن عصفور (^٢).\nويُعرف كونها لابتداء الغاية بصحة وضع (\"الابتداء\" مكانها، وكونها للتبيين بصحة وضع) (^٣) \"الذي\" مكانها، وكونها للتبعيض بصحة وضع \"البعض\".\nثم قال المصنف تبعًا للإمام: إنها حقيقة في التبيين (^٤)؛ لأنه مشترك بين المعاني المتقدمة كلها، إذ يتبين في الأول ابتداء الخروج، وفي الثاني في مثل: ﴿فَاجْتَنِبُوا (^٥) الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ (^٦) - تبيينُ المُجْتَنَب، وفي الثالث في مثل: أخذتُ مِنَ الدراهم - تبيينُ المأخوذ منه؛ فيكون متواطئًا حقيقة (في القدر المشترك، وإلا فإن كان حقيقة) (^٧) في كل واحدٍ يلزم الاشتراك أو في البعض دون البعض يلزم المجاز، فليكن حقيقة في القدر المشترك دفعًا للاشتراك ودفعًا للمجاز. ولم يذكر المصنف المجاز ولا بد\n_________\n(^١) انظر: ارتشاف الضَّرَب ٤/ ١٧١٩.\n(^٢) الذي في \"المقَّرب\" لابن عُصفور ص ٢١٨: أنَّ \"مِنْ\" تأتي للتبعيض. وَمثَّل لذلك بقولك: قبضتُ من الدراهم.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٥٣٠، وعبارة المحصول: \"والحق عندي أنها للتمييز\"، وكذا في التحصيل ١/ ٢٥١، ونقل الهندي عن الإمام عبارته بلفظ: \". . للتبيين\". نهاية الوصول ٢/ ٤٣٣، وعبارة الحاصل ١/ ٣٧٧: \"والحق أنها للتبيين\".\n(^٥) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"اجتنبوا\".\n(^٦) سورة الحج: الآية ٣٠.\n(^٧) سقطت من (ت).","vol":"3","page":900},{"text":"منه (^١)، وقد ذكروا لمِنْ (^٢) موارد أخرى لا نطيل بتَعدادها (^٣).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-311>(الخامسة: الباء تُعَدِّي اللازم</span>، وتُجَزِّئ المتعدي؛ لما نعلم من الفرق بين: مَسَحْتُ المنديل وبالمنديل. ونُقِل إنكاره عن ابن جني، ورُدَّ: بأنه شهادةُ نفي).\nللباء حالتان:\nإحداهما: أن تدخل على فعل لا يتعدى بنفسه، كقولك: كتبت بالقلم، ومررت بزيد. فلا تقتضي إلا مجرد الإلصاق.\nوهذه الحالة هي التي عَبَّر عنها في الكتاب بقوله: \"الباء تُعَدِّي اللازم\" والتعبير بالإلصاق أحسن (^٤)، ولم يذكر لها سيبويه معنىً غيرَه (^٥)، وأما التعبير بتعدية اللازم فليس بجيد؛ فإنها قد لا تكون كذلك كما في المثالين المذكورين، وقد تكون كذلك كما في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ\n_________\n(^١) أي: لم يذكر احتمال المجاز في بعض المعاني دون بعض إذا لم نَقُل بالتواطؤ، فكان الأولى به أن يقول: دفعًا للاشتراك والمجاز. انظر: نهاية السول ٢/ ١٨٨.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر معاني \"مِنْ\" في: المحصول ١/ ق ١/ ٥٢٩، التحصيل ١/ ٢٥١، الحاصل ١/ ٣٧٧، نهاية الوصول ٢/ ٤٣٢، نهاية السول ٢/ ١٨٨، السراج الوهاج ١/ ٣٩٦، جمع الجوامع مع المحلي ١/ ٣٦٢، فواتح الرحموت ١/ ٢٤٤، كشف الأسرار ٢/ ١٧٦، شرح الكوكب ١/ ٢٤١، مغني اللبيب ١/ ٣٤٩، أوضح المسالك ٢/ ١٢٨.\n(^٤) يعني: لو قال: تُلْصِق اللازم - لكان أحسن. والمعنى أنها تصل المفعول بالفعل اللازم وتُلْصِقه به.\n(^٥) غير الإلصاق. انظر: مغني اللبيب ١/ ١١٨، المساعد على تسهيل الفوائد ٢/ ٢٦١.","vol":"3","page":901},{"text":"بِنُورِهِمْ﴾ (^١) وكـ \"ذهب بسمعهم وأبصارهم\" فيصير الفاعل به مفعولًا (^٢)، فتكون الباء بمعنى الهمزة في قولك: أذهَبَ.\nالثانية: أن تدخل على فعل يتعدَّى بنفسه، وهو مراد المصنف بقوله: \"تُجَزِّئ المتعدي\" أي: تقتضي التبعيض، كقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (^٣) (^٤)، وخالفت (^٥) الحنفية في ذلك.\nلنا: أنا نعلم بالضرورة الفرق بين أن يقال: مسحت يدي بالمنديل، ومسحت المنديل بيدي، فإن الأول يفيد التبعيض، والثاني يفيد الشمول.\nوهذا الاستدلال ضعيف:\nأما أوَّلًا: فلأنه مناقض لما ذكره في المجمل والمبين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوأما ثانيًا: فلأن \"مَسَحَ\" يتعدى إلى المفعول بنفسه، وإلى ما يُمْسَح به (^٦) بالباء، فتقدير مسحتُ المنديل: مسحت المنديلَ بيدي، فالمنديل فيه\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١٧.\n(^٢) أي: فيصير الفاعل الذي هو \"نورهم\"، و\"سمعهم وأبصارهم\" بالباء مفعولًا؛ لأن الأصل: ذهب نورهم، وذهب سمعهم وأبصارهم، فأصبح الفاعل بالباء مفعولًا به للفظ الجلالة؛ لأن ذهب لازم غير متعدي، فعُدِّي بالباء. انظر: نهاية السول ٢/ ١٨٩.\n(^٣) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٤) الأصل: وامسحوا رؤوسكم، فدخلت الباء على الرؤوس، فَجَزَّأته، فجعلت المراد البعض، أي: وامسحوا ببعض رؤوسكم.\n(^٥) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"وخالف\".\n(^٦) وهي آلة المسح، أي: ويتعدى إلى ما يُمسح به بالباء.","vol":"3","page":902},{"text":"ممسوح، واليد آلة. وتقدير مسحت بالمنديل: مسحت وجهي بالمنديل، فالوجه ممسوح والمنديل آلة، فلا تكون الباء فيه للتبعيض، وإنما هي للتعدية (^١)، وفَهْمُ التبعيض منه إنْ سُلِّم إنما هو لكون المنديل فيه آلة، والعمل في جاري العوائد إنما يكون ببعض الآلة، كما تقول: أخذت بثوب زيد. وإنما أخذت ببعض ثوبه، ومنه: ﴿وَأَخَذَ (^٢) بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ (^٣) (^٤)، وقد ذكرنا أن سيبويه لم يذكر لها معنى غير الإلصاق.\nقال البصريون: لا تكون إلا بمعنى الإلصاق والاختلاط حقيقةً أو مجازًا إذا لم تكن زائدة، وقد تتجرد للإلصاق، وقد ينجر معها معانٍ أُخَر، فالإلصاق حقيقة: وَصَلْتُ (^٥) هذا بهذا ومجازًا: مررتُ بزيد. والتصق المرور بمكانٍ بقرب زيد.\nوذكروا أن المعاني التي تنجر مع الإلصاق ستةُ أنواع:\nالنقل: ويُعَبَّر عنه بالتعدية، كما سبق في قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (^٦)، ويكون الفعل قبلها (^٧) لازمًا ومتعديًا نحو:\n_________\n(^١) أي: تَعَدَّى الفعل \"مَسَحَ\" بواسطتها إلى نَصْب: \"بيدي\"، و\"بالمنديل\"، على المفعولية.\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"فأخذ\".\n(^٣) أي: ببعض رأسه.\n(^٤) سورة الأعراف: الآية ١٥٠.\n(^٥) في (ت)، و(ص)، و(ك)، و(غ): \"وصله\". وهو خطأ، والصواب ما أثبته، وهو الموجود في المساعد على تسهيل الفوائد ٢/ ٢٦١، والشارح ناقلٌ كلامه منه.\n(^٦) سورة البقرة: الآية ١٧.\n(^٧) أي: قبل الباء التي للإلصاق.","vol":"3","page":903},{"text":"صككتُ الحجرَ بالحجرِ. أصله: صك الحجرُ الحجرَ، والإلصاق في هذا واضح (^١).\nوالسببية: نحو: مات زيد بالجوع.\nوالاستعانة: نحو: كتبت بالقلم. وأدرج ابن مالك هذا (^٢) في السببية (^٣).\nوالمصاحبة: ويصلح معها \"مع\" نحو: ﴿جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ﴾ (^٤) (^٥). والحال: نحو: وهبتك الفرس بسَرْجه. أي: مُسْرجًا.\nوالظرفية: وهي التي يصلح مكانها \"في\" نحو: زيد بالبصرة.\nوالقَسَمية: نحو: بالله لأقومَنَّ. ألْصَقَتْ فعلَ القسمِ المحذوفَ بالمُقْسم به (^٦).\nهذا كلام شيخنا في \"الارتشاف\".\nوهذه الأقسام سبعة وقد ذكر أنها ستة فما أدري ما أراد؟\nوذكر ابن مالك أنها تأتي للتعليل، قال: \"وهو يَحْسُن غالبًا في موضع\n_________\n(^١) أي: هذا إلصاق حقيقي.\n(^٢) أي: الاستعانة.\n(^٣) انظر: المساعد على تسهيل الفوائد ٢/ ٢٦٢.\n(^٤) أي: مع الحق، أو محقًا. المساعد ٢/ ٢٦٢.\n(^٥) سورة النساء: الآية ١٧٠.\n(^٦) المعنى: أن الباء ألْصَقَت فعلَ القسم المحذوف بلفظ الجلالة المُقْسم به، فتقدير الكلام: أقسم بالله، أو أحلف بالله.","vol":"3","page":904},{"text":"اللام، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ (^١) (^٢).\nقال شيخنا أبو حيان: \"ولم يذكر أصحابنا هذا (^٣)، وكأنَّ السبب والتعليل عندهم واحد\" (^٤).\nوذكر ابن مالك أيضًا: أنها تكون للبدل، قال: \"وهي التي يصلح مكانها \"بدل\" نحو قوله:\nفليتَ لي بِهِمُ قومًا إذا رَكِبُوا ... شَنُّوا الإغارَةَ فُرْسَانًا ورُكْبَانا\" (^٥)\nأي: بدلهم (^٦).\nوللمقابلة: وهي الداخلة على الأثمان والأعواض، نحو: اشتريت الفرس بألف. وقد تُسَمَّى باء العِوَض.\nوذهب الكوفيون إلى أن \"الباء\" قد تأتي بمعنى \"عن\" وذلك بعد السؤال نحو:\nفإنْ تسألوني بالنساء ... فإنني خبيرٌ بأحوال النساء طبيب (^٧)\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٥٤.\n(^٢) الآية في المساعد على التسهيل ٢/ ٢٦٢: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾.\n(^٣) أي: التعليل.\n(^٤) انظر: الارتشاف ٤/ ١٦٩٦.\n(^٥) انظر: المساعد ٢/ ٢٦٣، والبيت عزاه المحقق إلى قُرَيْط بن أنيف من شعراء بَلْعَنْبر، والإغارة مفعول لأجله. انظر: مغني اللبيب ١/ ١٢١، شرح شواهد المغني للسيوطي ١/ ٦٩، ٣١٦، شرح ابن عقيل على الألفية ١/ ٥٧٧.\n(^٦) يعني: فليت لي بدلهم. فالشاهد في قوله: \"بهم\".\n(^٧) البيت لعلقمة بن عبدة التميميّ، شاعرٌ جاهليَّ يقال له: علقمةُ الفَحْلُ، قال هذا =","vol":"3","page":905},{"text":"أي: عن النساء (^١). وقال الأخفش: ومِثْلُه قوله تعالى (^٢): ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (^٣). واستدل ابن مالك لهذا القول بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ (^٤) أي: عن الغمام (^٥). وكان الأستاذ أبو علي يقول: اسأل بسببه خبيرًا، وبسبب النساء، أي: لتعلموا حالهن.\nوذهب الكوفيون أيضًا إلى أن \"الباء\" تكون بمعنى \"على\" (^٦)، وهو الذي عزاه إمام الحرمين إلى الشافعي - ﵁ -، واستدل عليه بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ (^٧) أي: علي دينار (^٨).\nوزعم بعض النحاة أن \"الباء\" تدخل على الاسم حيث يراد\n_________\n= البيت من قصيدة يمدح فيها الحارث بن أبي شمر الغساني، ولفظه كما في ديوانه ص ١٣١:\n. . . . . . . . . . . . . ... خبير بأدواء النساء طبيب\nوقال بعده:\nإذا شاب رأسُ المرءِ أو قَلَّ مالُه ... فليس له في وُدِّهِنَّ نَصِيبُ\nيُرِدْنَ ثَرَاءَ المالِ حَيْثُ عَلِمْنَهُ ... وشَرْخُ الشبابِ عِنْدَهُنَّ عَجيبُ\nوانظر: الشعر والشعراء ١/ ٢١٩.\n(^١) فالشاهد في قوله: \"بالنساء\" ومجيء الباء بمعنى عن.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(ص)، و(ك).\n(^٣) سورة الفرقان: الآية ٥٩.\n(^٤) سورة الفرقان: الآية ٢٥.\n(^٥) انظر: المساعد ٢/ ٢٦٣.\n(^٦) انظر: المساعد ٢/ ٢٦٤.\n(^٧) سورة آل عمران: الآية ٧٥.\n(^٨) انظر: البرهان ١/ ١٨٠.","vol":"3","page":906},{"text":"الشبيه (^١)، نحو: لقيت بزيدٍ الأسد، ورأيت به القمر. أي: لقيت بلقائي إياه الأسدَ أي: شِبْهه. والصحيح أنها للسبب، أي: بسبب لقائه، وبسبب رؤيته. وزعم أيضًا أنها تدخل على ما ظاهره أن المرادَ به غيرُ ذاتِ الفاعل (^٢)، أو ما أُضيف إلى ذاتِ الفاعل، نحو: قول طفيل الغنوي (^٣):\nإذا ما غزا لم يُسْقِطُ الروعُ رمحَه ... ولم يَشْهدِ الهَيْجَا بأَلْوَثَ مُعْصِمِ\nالألوث: الضعيف (^٤). ويقال للرجل الذي يمسك بعُرْف فَرَسه خوفَ السقوط: مُعْصِم، بضم الميم بَعْدَها عينٌ مهملةٌ ساكنةٌ ثم صاد مهملة مكسورة (^٥). وقيل: المعصم: الذي يتحصن بالجبال فيمتنع فيها، فظاهره (^٦) أن فاعل يشهد غير ألوث معصم، والفاعل في الحقيقة هو ألوث معصم.\n_________\n(^١) في (ت): \"التشبيه\".\n(^٢) وفي الحقيقة هو الفاعل.\n(^٣) هو طُفَيْل بن كعب الغَنَوِيّ: شاعرٌ جاهليّ، كان يُقال له في الجاهلية المُحَبِّر لحُسْن شِعْره، وكان مِنْ أوصف الناس للخيل. قال عبد الملك بن مروان: \"مَنْ أراد أن يتعلَّم ركوبَ الخيل فلْيَرْوِ شعرَ طُفَيْل\". وقال معاوية: \"دَعُوا لي طُفَيْلًا، وسائرُ الشعراءِ لكم\". انظر: الشعر والشعراء ١/ ٤٥٣.\n(^٤) في اللسان ٢/ ١٨٥: والألْوث: الأحمق، كالأثْوَل، قال طفيل الغنوي: إذا ما غزا لم يُسْقِطِ الخوفُ رُمحَهُ ولم يشهد الهيجا بألْوَثَ مُعْصِمِ وانظر: ارتشاف الضَّرَب ٤/ ١٦٩٩.\n(^٥) قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة ٤/ ٣٣١: \"والمُعْصِم من الفرسان: السَّيِّئ الحال في فُرُوسَتِه، تراه يَمْتَسِك بُعْرف فرسِه أو غير ذلك\" ثم ذكر البيت. وفي اللسان ١٢/ ٤٠٤: \"وأعْصَمَ بالفرس: امتسك بعُرْفِه، وكذلك البعير إذا امْتَسَكَ بحبل من حباله. . . . وأعصمَ الرجلُ: لم يثبُت على الخيل\".\n(^٦) في (ت): \"وظاهره\".","vol":"3","page":907},{"text":"وتكون الباء زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (^١)، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (^٢)، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ (^٣)، ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (^٤)، ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ (^٥) (^٦). فهذا مِنْ أجمع ما ذكره النحاة في موارد الباء.\nوأما وُرودها للتبعيض فقد ذكره ابن مالك (^٧)، ومِنْ شواهده:\nشُرْبَ النَّزِيفِ ببَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ (^٨)\n_________\n(^١) سورة مريم: الآية ٢٥.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١٩٥.\n(^٣) سورة الحج: الآية ١٥.\n(^٤) سورة المؤمنون: الآية ٢٠.\n(^٥) سورة الحج: الآية ٢٥.\n(^٦) انظر: مغني اللبيب ١/ ١٢٦، المساعد على تسهيل الفوائد ٢/ ٢٦٤.\n(^٧) انظر: المساعد ٢/ ٢٦٤.\n(^٨) هذا عجز بيت، صدره:\nفَلَثَمْتُ فاها آخِذًا بقُرُونها ... . . . . . . . . . . . .\nوعزا البيت ابن منظور إلى عمر بن أبي ربيعة، ثم نقل عن ابن بري أن البيت لجميل بن معمر. والنزيف: المحموم الذي مُنِع من الماء. ولثمت فاها: قبلته. ونصب \"شُرْبَ\" على المصدر المشبه به؛ لأنه لما قبَّلها امتص ريقها، فكأنه قال: شربت ريقها كشرب النزيف للماء البارد. ثم نقل عن الأزهري: الحَشْرَجُ الماء العذب من ماء الحِسْيِ، قال: والحَشْرج الماء الذي تحت الأرض لا يفطن له في أباطح الأرض، فإذا حُفِر عنه ذِراعٌ جاش بالماء، تسميها العرب الأحْساءَ والكِرارَ والحَشَارِجَ. انظر: لسان العرب ٢/ ٢٣٧، مادة (حشرج). وانظر: ارتشاف الضرب ٤/ ١٦٩٧.","vol":"3","page":908},{"text":"أي: مِنْ بَرْد.\nوقال ذلك في \"التذكرة\" الفارسيُّ، وهو مذهب الكوفيين تبعهم فيه الأصمعي والقُتَبيُّ (^١) (^٢) في قوله: شَرِبْن بماء البحر (^٣). وتأوله ابن مالك على التضمين: أي رَوِين بماء البحر. وقال إمام الحرمين: ذهب بعض فقهائنا إلى أن \"الباء\" إذا اتصل بالكلام مع الاستغناء عنه اقتضى تبعيضًا، وزعموا أنه في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (^٤) يتضمن ذلك. وهذا خَلْف (^٥)\n_________\n(^١) في (ت): \"القتيبي\". والظاهر أنه خطأ من الناسخ، فإن الشارح ناقل عن \"المساعد\"، وفيه: القُتَبي.\n(^٢) انظر: المساعد ٢/ ٢٦٤.\n(^٣) البيت:\nشَرِبْن بماء البحر ثم تَرَفَّعتْ ... متى لُجَجٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نئيجُ\nوالبيت لأبي ذؤيب الهذلي يصف به السحاب، والضمير في \"شربن\" يرجع إلى السحب، وضُمِّن معنى رَوِين؛ فلذلك وصلت بالباء، وقيل: شاذ. فموضع الشاهد هنا موافقة الباء لمِنْ التبعيضية في قول: \"بماء البحر\" أي: من ماء البحر. وترفعت أي: تَوَسَّعت. و\"لجج\" جمع لجة وهي معظم الماء. و\"نئيج\" مبتدأ، و\"لهن\" خبره: من نأجت الريح تنأج نئيجًا تحركت ولها نئيج، أي: مَرٌّ سريع مع صوت. انظر: شرح الشواهد للعيني ٢/ ٢٠٥، مغني اللبيب ١/ ١٢٣، ٣٦٧، ١٢٩، المساعد ٢/ ٢٦٤.\n(^٤) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٥) في اللسان ٩/ ٨٥، مادة (خلف): \"ابن السكيت: قال هذا خَلْفٌ، بإسكان اللام: للرديء. والخَلْف: الرديء من القول، يقال: هذا خَلْفٌ من القول، أي: رديء. ويقال في مثل: سَكَت ألْفًا ونَطَق خَلْفًا، للرجل يطيل الصمتَ فإذا تكلم تكلم بالخطأ، أي: سكت عن ألف كلمة ثم تكلم بخطأ. وحُكي عن يعقوب قال: إن أعرابيًا ضَرَط فتَشَوَّر (أي: خَجِل. انظر: اللسان ٤/ ٤٣٦) فأشار بإبهامه نحو اسْتِه فقال: إنها =","vol":"3","page":909},{"text":"من الكلام لا حاصل له، وقد اشتد نكير ابن جني في \"سر الصناعة\" على مَنْ قال ذلك. فلا فرق بين أن يقول: مسحت رأسي، ومسحت برأسي. والتبعيض يُتَلَقَّى من غير الباء كما ذكرتُه في \"الأساليب\" (^١) انتهى.\nقوله: \"ونُقِل\" أي: احتج مَنْ زعم أنها ليست للتبعيض: بأن أبا الفتح بن جني من أئمة اللغة، وقد اشتد نكيره على مَنْ قال: إنها للتبعيض، وقال: إنه (^٢) شيء لا يُعْرف في اللغة.\nوأجاب المصنف تبعًا للإمام: بأن ما ذكره ابن جني شهادةٌ على النفي فلا تُقبل (^٣).\nوهو حَيْدٌ عن سبيل الإنصاف؛ إذِ الواصلُ في فنٍّ إلى نهاياته، والبالغ فيه إلى أقصى غاياته - يُقْبل قوله فيه (^٤) نفيًا وإثباتًا. وقد وافق ابنَ جني على ذلك صاحبُ \"البسيط\" (^٥)، فقال: لم يذكر أحدٌ من النحويين أن الباء للتبعيض. وقال بعضهم (^٦): لو كانت للتبعيض لقلت: زيد بالقوم، تريد من\n_________\n= خَلْفٌ نطقت خَلْفًا. عَنِي بالنطق ههنا الضَّرْط\". وفي المصباح ١/ ١٩٣: \"وقال أبو عبيد في كتاب الأمثال: الخَلْف من القول: هو السقط الرديء، كالخَلْف من الناس\".\n(^١) انظر: البرهان ١/ ١٨٠.\n(^٢) أي: التبعيض.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٥٣٣.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) هو السيد ركن الدين حسن بن محمد الإسترابادي الحسيني، توفي سنة ٧١٧ هـ. انظر: كشف الظنون ٢/ ١٣٧٠.\n(^٦) سقطت من (غ).","vol":"3","page":910},{"text":"القوم. وقبضتُ بالدراهم، أي: منها.\nثم إن المصنف تبعًا للإمام أيضًا شهد على النفي في مسألة \"في\" حيث قال: \"ولم يثبت مجيئها للسببية\" فليست شهادتهما في لغة العرب على النفي أولى بالقبول من شهادة أبي الفتح ابن جني وصاحب \"البسيط\"، معاذَ اللهِ أن يكون ذلك، نعم كان الطريق في الرد على ابن جني أنْ يُعْرَض عليه مواضعُ من كلامهم وَرَد ذلك فيها، كما في قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (^١) أي: منها. وقال عمر بن أبي ربيعة (^٢):\nفلثمتُ فاها آخِذًا بقرونها ... شُرْبَ النزيف ببرد ماءِ الحَشْرَجِ\nوقال غيره:\nشَرِبَتْ بماءِ الدُّحْرُضَيْنِ فأصْبَحَتْ ... زَوْرَاءَ تَنْفِرُ عَنْ حِياضِ الدَّيْلَمِ (^٣)\n_________\n(^١) سورة الإنسان: الآية ٢٨.\n(^٢) هو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزوميّ، من بني مخزوم، ويُكْنَى أبا الخطاب. ولد في الليلة التي قتل فيها عمر بن الخطاب رضي لله عنه، وهي ليلة الأربعاء لأربعٍ بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين للهجرة. وكانت أمُّه نصرانية، ولم يكن في قريش أشعر منه، وكان فاسقًا يتعرَّض للنساء الحَوَاجِّ في الطواف وغيره مِنْ مشاعر الحجّ، ويُشَبِّب بهنَّ، فسَيَّره عمرُ بن عبد العزيز - ﵁ - إلى الدَّهْلَك - وهي جزيرة في بحر اليمن بين اليمن والحبشة، بلدة ضيقة حرجة حارَّة - ثم خُتِم له بالشهادة. قال عبد الله بن عمر ﵁: \"فاز عمر بن أبي ربيعة بالدنيا والآخرة غزا في البحر فأحرقوا سفينتَه فاحترق\"، وذلك في حدود سنة ٩٣ هـ. انظر: الشعر والشعراء ٢/ ٥٥٣، وفيات ٣/ ٤٣٦، معجم البلدان ٢/ ٤٩٢.\n(^٣) البيت لعنترة بن شَدَّاد، وهو في معلَّقته. انظر: شرح القصائد السبع الطوال لأبي بكر الأنباري ص ٣٢٤.","vol":"3","page":911},{"text":"(الدُحْرضان: بضم الدال بعدها حاء مهملة ساكنة ثم راء مهملة مضمومة ثم ضاد معجمة مفتوحة وهما ماءان يقال لأحدهما وَسِيَع، وللآخر الدُّحْرُض (^١)، وهما مما غَلَب فيه أحدُ القرينين على الآخر، كالقمريْن والعُمَريْن (^٢» (^٣). وقال الآخر (^٤):\nشَرِبْن بماءِ البحرِ ثم تَرفَّعَتْ ... متى لججٍ خُضْرٍ لَهُنَّ نئيج\nوقد ذكرنا أن الكوفيين والأصمعي والقُتَبي وابن مالك ذكروا ذلك (^٥).\n_________\n(^١) انظر: اللسان ٧/ ١٤٩، مادة (دحرض)، وفيه: \"وحُكي عن أبي محمد الأعرابي المعروف بالأسود، قال: \"الدُّحْرُضان\" هما دُحْرُضٌ ووَسِيعٌ وهما ماءَان، فدُحْرُضٌ لآل الزِّبرقانِ بن بدر، ووسيع لبني أنْفِ الناقة. وأما قوله: \"عن حياض الدَّيلم\" فهي حياض الديلم بن باسل بن ضَبَّة، وذلك أنه لما سار باسِلٌ إلى العراق وأرض فارس استخلف ابنه على أرض الحجاز، فقام بأمر أبيه وحمى الأَحْماء وحَوَّض الحِياضَ، فلما بلغه أن أباه قد أوغل في أرض فارس أقبل بمن أطاعه إلى أبيه حتى قدم عليه بأدنى جبال جَيْلانَ ولما سار الديلم إلى أبيه أَوْحَشَتْ ديارُه، وتَعَفَّتْ آثاره، فقال عنترةُ البيت يذكر ذلك\".\n(^٢) قوله: \"كالقمرين\" أي: كالشمس والقمر، و\"العمرين\": أبي بكر وعمر ﵄. وانظر أمثلةً لما غلب فيه أحد القرينين على الآخر في \"الطبقات الكبرى\" للشارح ٢/ ١٩٦ - ١٩٨.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (غ): \"آخر\".\n(^٥) انظر معاني \"الباء\" في: المحصول ١/ ق ١/ ٥٣٢، التحصيل ١/ ٢٥٢، الحاصل ١/ ٣٧٨، نهاية الوصول ٢/ ٤٣٩، نهاية السول ٢/ ١٨٨، السراج الوهاج ١/ ٣٩٧، جمع الجوامع مع المحلي ١/ ٣٤٢، شرح تنقيح الفصول ص ١٠٤، فواتح الرحموت =","vol":"3","page":912},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-312>(السادسة: إنما للحصر؛ لأنَّ \"إنَّ\" للإثبات، و\"ما\" للنفي</span>، فيجب الجمع على ما أمكن. وقد قال الأعشى: وإنما العزَّةُ للكاثر. وقال الفرزدق:\nوإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي\nوعُورِض بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (^١). قلنا: المراد الكاملون).\nتقييد الحكم بإنما مِثْل: إنما قام زيد - هل يفيد حَصْرَ الأول في الثاني (^٢)؟ بمعنى: أنها تفيد إثباتَ الحكم في المحكوم عليه ونفيَه عن غيره، فيه مذهبان:\nأحدهما: تفيد الحصر، وبه قالَ القاضي (^٣)، وأبو إسحاق الشيرازي (^٤)، والغزالي (^٥)، وعليه الإمام وأتباعه (^٦) منهم (^٧) صاحب\n_________\n= ١/ ٢٤٢، كشف الأسرار ٢/ ١٦٧، شرح الكوكب ١/ ٢٦٧، مغني اللبيب ١/ ١١٨، المساعد على تسهيل الفوائد ٢/ ٢٦١، أوضح المسالك ٢/ ١٣٥.\n(^١) سورة الأنفال: الآية ٢.\n(^٢) أي: حصر القيام في زيد.\n(^٣) انظر: التلخيص ٢/ ٢٠٣.\n(^٤) انظر: شرح اللمع ١/ ٥٤١.\n(^٥) انظر: المستصفى ٣/ ٤٤٠.\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٥٣٥، التحصيل ١/ ٢٥٣، الحاصل ١/ ٣٧٩، نهاية الوصول ٢/ ٤٥٣.\n(^٧) في (غ): \"ومنهم\".","vol":"3","page":913},{"text":"الكتاب.\nوالثاني: لا، بل تفيد تأكيد الإثبات، واختاره الآمدي (^١).\nواحتج الأولون بوجهين:\nأحدهما: أن كلمة \"إنَّ\" تقتضي الإثبات، و\"ما\" تقتضي النفي، فعند تركيبهما يجب بقاء كلٍّ منهما على أصله؛ لأن الأصل عدم التغيير، وحينئذ يجب الجمع بينهما بقدر الإمكان، فلا بد من إثبات شيءٍ ونَفْي آخرٍ؛ لامتناع اجتماع النفي والإثبات على شيء واحد، وحينئذ إما أن نقول كلمة \"إنَّ\" تقتضي ثبوت غير المذكور، وكلمة \"ما\" تقتضي نفي المذكور وهو باطل إجماعًا، أو نقول: كلمة \"إنَّ\" تقتضي ثبوت المذكور، وكلمة \"ما\" تقتضي نفي غير المذكور، وهذا هو الحصر وهو المراد.\nوقد ضُعِّف هذا الوجه بأن المعروف عند النحويين أن \"ما\" ليست نافية بل زائدة كافَّة مُوَطِّئة لدخول الفعل (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ٣/ ٩٧.\n(^٢) المعنى: أن \"ما\" زائدة لا بمعنى النفي. كافَّة، أي: تَكُفُّ \"إنَّ\" عن العمل، فقولنا مثلًا: إنما زيدٌ قائم. زيد: مبتدأ، وقائم: خبر، والجملة بدون \"ما\": إن زيدًا قائم. فلما دخلت \"ما\" على \"إنَّ\" كفَّت عَمَلَها، يعني منعتها من العمل. مُوَطِّئةً لدخول الفعل، أي: تُهَيئ \"إنَّ\" للدخول على الفعل، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾. انظر: أوضح المسالك ١/ ٢٤٩.","vol":"3","page":914},{"text":"وذُكِرَ في إفادتها الحصرَ وجهٌ آخر أُسْنِد إلى علي بن عيسى الرَّبَعي (^١): وهو أن كلمة \"إنَّ\" لِتأكيد إثبات المُسْنِد للمسند إليه، ثم لما اتصلت بها \"ما\" المؤكِّدة لا النافية كما (^٢) ذكرنا - تَضَاعَفَ تأكيدُها، فناسَب أنْ تُضَمَّن معنى القصر؛ لأن قَصْر الشيء على الشيء ليس (^٣) إلا تأكيدًا للحكم على تأكيدٍ، ألا ترى إلى قولك: (جاء زيدٌ لا عمرو، وكيف يكون (^٤) جاء زيدٌ - إثباتًا للمجيء صريحًا، وقولك:) (^٥) لا عمرو - إثباتًا ثانيًا لمجيئه ضمنًا.\nوهذا الوجه أسدُّ (^٦) من الأول، إلا أن للمعترض عليه أن يقول: وجه مناسبة إضمار معنى القصر لائحة (^٧)، ولكن ذلك إنما يقال بعد ثبوت كونها للحصر، والكلام فيه (^٨)، ومجرد هذه المناسبة لا يدل عليه.\n_________\n(^١) هو أبو الحسن علي بن عيسى بن الفَرَج بن صالح الرَّبَعيّ، أبو الحسن الزُّهريّ، أحد أئمة النَّحْوِيّين وحُذَّاقِهم الجيِّدي النَّظَر. قال السيوطي: \"أخذ عن السِّيرافيّ، ورحل إلى شِيراز، فلازم الفارسيَّ عشر سنين حتى قال له: ما بقي شيءٌ تحتاج إليه، ولو سِرْتَ من المشرق إلى المغرب لم تجد أعرفَ منك بالنحو. فرجع إلى بغداد فأقام بها إلى أن مات\". صَنَّف شرحًا للإيضاح، وشرحًا لمختصر الجَرْميّ. توفي سنة ٤٢٠ هـ. انظر: سير ١٧/ ٣٩٢، بغية الوعاة ٢/ ١٨١.\n(^٢) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"لما\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أي: وألا ترى كيف يكون.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في (ص): \"أشد\". وهو خطأ.\n(^٧) أي: كون \"إنما\" متضمنةً لمعنى القصر فيه مناسبةٌ ظاهرة، كما سبق بيانه.\n(^٨) أي: ولكن هذه المناسبة لا يقال بثبوتها إلا بعد ثبوت كون \"إنما\" للحصر، وهو محل النزاع.","vol":"3","page":915},{"text":"الوجه الثاني: من الوجهين المذكورين في الكتاب: أن العرب استعملتها في الحصر كقول الأعشى وهو عبد الله بن الأعور المازني الصحابي (^١) - ﵁ -:\nولستَ بالأكْثرِ منهم حَصىً (^٢) ... وإنما العزَّةُ للكاثِرِ (^٣)\n_________\n(^١) هذا سهو من الشارح رحمه الله تعالى فالأعشى هو ميمون بن قيس، من سعد بن ضُبيعة بن قيس، ويكنى أبا بصير، وكان أعمى، وكان جاهليًا قديمًا، وأدرك الإِسلام في آخر عمره، ورحل إلى النبي - ﷺ - ليُسْلم، فقيل له: إنه يُحَرِّم الخمر والزنا، فقال: أتمتع منهما سنةً ثم أُسْلِمُ. فمات قبل ذلك بقرية باليمامة. انظر: الشعر والشعراء ١/ ٢٥٧. وفي شرح شواهد المغني (٢/ ٩٠٣) قال السيوطي عن هذا البيت: \"هذا من قصيدة للأعشى ميمون يهجو بها عَلْقَمة بن عُلاثة، ويمدح عامر بن الطفيل\".\n(^٢) أي: عددًا. قال الجوهري ٦/ ٣١٥، مادة (حصا): \"وأحصيتُ الشيءَ عددتُه. وقولهم: نحن أكثر منهم حَصَىً، أي: عددًا\". قال صاحب اللسان ٥/ ١٣٢: \"الأكثر ههنا (يعني في قول الشاعر: ولستَ بالأكثر منهم). بمعنى الكثير، وليست للتفضيل؛ لأن الألف واللام و\"مِنْ\" يتعاقبان في مثل هذا. قال ابن سِيدة: وقد يجوز أن تكون للتفضيل وتكون \"مِن\" غير متعلِّقة بالأكثر\". قال ابن عقيل في شرح الألفية ٢/ ١٨٠ في تخريج كون \"الأكثر\" للتفضيل: \". . . يخرج على زيادة الألف واللام، والأصل ولستَ بأكثر منهم، أو جَعْلِ \"منهم\" متعلِّقًا بمحذوف مجرد عن الألف واللام، لا بما دخلت عليه الألف واللام، والتقدير: ولست بالأكثرِ أكثرَ منهم\". وانظر: شرح الشواهد للعيني ٣/ ٤٧، والحاصل أن \"الأكثر\" هنا للتفضيل ولكن بالتأويل؛ لأنه يمتنع اجتماع \"أل\" مع \"مِنْ\" في التفضيل، أو نقول بأن البيت شاذ ليس على النهج الذي يجري عليه سائر كلام العرب.\n(^٣) أي: للكثير. انظر: الصحاح ٢/ ٨٠٣، لسان العرب ٥/ ١٣٢، مادة (كثر). قال الصبان في حاشيته على الأشموني ٣/ ٤٧: \"وإنما العزة للكاثر: أي للفائق في الكثرة، مِنْ كَثَره بالتخفيف إذا غَلَبَه في الكثرة، فقول البعض تبعًا للعيني، أي: الكثير، فيه مساهلة\". قال الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد: الكاثر: يجوز أن =","vol":"3","page":916},{"text":"ولستَ بفتح التاء ضبطه الجوهري.\nوقال الفرزدق وهو همام بن غالب التابعي (^١) ﵀:\nأنا الذائِدُ (^٢) الحامِي الذِّمَارَ (^٣) وإنما يُدَافِعُ عَنْ أحسابِهِمْ أَنَا أَو مِثْلِي (^٤).\nقوله: \"وعُورِض\" إشارة إلى حجة الخصم وهي (^٥) قوله تعالى:\n_________\n= يكون بمعنى الكثير، ويجوز أن يكون اسم فاعل من: كَثَرتُ بني فلان أكثرهم - من باب نصر - إذا غلبتَهم في الكثرة. قال في القاموس: \"وكاثرهم فكثروهم غالبوهم في الكثرة فغلبوهم\". وهذا المعنى أحسن من الأول. أهـ. انظر: هداية السالك إلى تحقيق أوضح المسالك ٢/ ٣٠٠.\n(^١) هو شاعر عصره أبو فِرَاس همَّام بن غالب بن صعصعة بن ناجية التميميّ البصريّ، المعروف بالفَرَزْدَق، الشاعر المشهور. قال الذهبي: \"ونظمه في الذِّرْوة، كان وجهه كالفرزدق وهي الطُّلْمَةُ (أي: الخبزة) الكبيرة. فقيل: إنه سمع من عليّ، فكان أشعر أهل زمانه مع جرير والأخطل النصرانيّ\". مات في سنة ١١٠ هـ. انظر: سير ٤/ ٥٩٠، وفيات ٦/ ٨٦، الشعر والشعراء ١/ ٤٧١. قال ابن منظور في لسان العرب ١٠/ ٣٠٧: \"الفَرَزْدَقُ: الرغيف. وقيل: فُتات الخبز. وقيل: قِطَع العجين. واحدته فَرَزْدَقَة، وبه سُمِّي الرجل الفَرَزْدَق، شُبِّه بالعجين الذي يُسَوَّى منه الرغيب\".\n(^٢) في اللسان ٣/ ١٦٧، مادة (ذود) الذَّوْد: السَّوْق والطرد والدفع. . . ورجل ذائد، أي: حامي الحقيقة دَفَّاع، من قوم ذُوَّدٍ وذُوَّاد\".\n(^٣) في اللسان ٤/ ٣١٢، مادة (ذمر): \"والذِّمارُ: ذِمارُ الرجل: وهو كل ما يلزمك حفظه وحياطته وحمايته والدفع عنه، وإنْ ضيَّعه لزمه اللوم. أبو عمرو: الذِّمارُ الحَرَمُ والأهل، والذِّمار: الحَوْزة، والذِّمار: الحَشَم، والذِّمار: الأنساب. . . لأنهم قالوا: حامي الذمار، كما قالوا: حامي الحقيقة. وسُمِّي ذمارًا؛ لأنه يجب على أهله التذمر له، وسميت حقيقة؛ لأنه يَحِقُّ على أهلها الدفع عنها\".\n(^٤) انظر: شرح شواهد المغني ٢/ ٧١٨.\n(^٥) في (ص): \"وهو\".","vol":"3","page":917},{"text":"﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (^١) قالوا: فلو أفادت (^٢) الحصر لكان من لا يحصل له الوَجَل عند ذكر الله تعالى لا يكون مؤمنًا.\nوأجاب: بأن المراد بالمؤمنين: الكاملون في الإيمان، جمعًا بين الأدلة، وعلى هذا يكون قد أفادت الحصر كما هو المدَّعى.\nواعلم أن الذي نقله شيخنا أبو حيان عن البصريين المذهبَ الثاني، وكان مصمِّمًا عليه ويتغالى في الرد على من يقول بإفادتها الحصر. والذي اختاره والدي أبقاه الله الأول، وله كلام مبسوط في المسألة، اشتد فيه نكيره على الشيخ (^٣) أبي حيان، وقال: إنه استمر على لَجَاج، وإنَّ اللبيبَ لا يَقْدِر أنْ يدفع عن نفسه فَهْمَ أنَّ (^٤) \"إنما\" للحصر.\nومِنْ أحسن ما وقع له في الاستدلال على أنها للحصر قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ (^٥) فقال: هذه الآية مما تفيد أنَّ (^٦) \"إنما\" للحصر، فإنها لو لم تكن للحصر لكانت بمنزلة قولك: وإن تولوا فعليك البلاغ. وهو عليه البلاغ تولوا أو لم يتولوا، وإنما الذي رتَّب على توليهم نَفْيُ غير البلاغ؛ ليكون تسلية له، ويَعْلمَ أن تَوَلِّيهم لا يضره.\n_________\n(^١) سورة الأنفال: الآية ٢.\n(^٢) سقطت من \"ت\".\n(^٣) لم ترد في (ت).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سورة آل عمران: الآية ٢٠.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"3","page":918},{"text":"قال: وهكذا أمثال هذه الآية مما يَقْطع الناظرُ بفَهْم (^١) الحَصْر منها، كقوله: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ﴾ (^٢) ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (^٣) ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ﴾ (^٤) ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ (^٥) ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ (^٦) ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^٧) ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾ (^٨) ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ (^٩) ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ (^١٠) ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (^١١) ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ (^١٢) ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^١٣) ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ (^١٤) ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (^١٥) قال:\n_________\n(^١) في (ت): \"فهم\".\n(^٢) سورة طه: الآية ٩٨.\n(^٣) سورة النساء: الآية ١٧١.\n(^٤) سورة الرعد: الآية ٧. سورة النازعات: الآية ٤٥.\n(^٥) سورة هود: الآية ١٢.\n(^٦) سورة العنكبوت: الآية ١٧.\n(^٧) سورة يونس: الآية ٢٤.\n(^٨) سورة البقرة: الآية ١٦٩.\n(^٩) سورة البقرة: الآية ٢٧٥.\n(^١٠) سورة محمد: الآية ٣٦.\n(^١١) سورة التغابن: الآية ١٥.\n(^١٢) سورة التوبة: الآية ٩٣.\n(^١٣) سورة التوبة: الآية ٤٥.\n(^١٤) سورة آل عمران: الآية ١٧٥.\n(^١٥) سورة العنكبوت: الآية ٥٠.","vol":"3","page":919},{"text":"فيكادُ فَهْمُ الحصر من جميع هذه الآيات يسبق إلى القلب قبل السمع، لا يُرْتاب فيه ولا يُتَمارى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-313>فائدة:</span>\nإذا قلنا: إنما للحصر - فهل ذلك بالمنطوق أو بالمفهوم؟ فيه مذهبان، والأول (^١) هو قضية كلام مَنِ استدل على ذلك بالوجه المركب من العقل (والنقل) (^٢)، الذي تقدم ذِكْره، ومنهم صاحب الكتاب. والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) وهو كونه بالمنطوق.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) انظر معنى \"إنما\" في: المحصول ١/ ق ١/ ٥٣٥، التحصيل ١/ ٢٥٣، الحاصل ١/ ٣٧٩، نهاية الوصول ٢/ ٤٥٣، نهاية السول ٢/ ١٩٠، السراج الوهاج ١/ ٤٠١، البحر المحيط ٣/ ٢٣٦، تيسير التحرير ١/ ١٠٢، فواتح الرحموت ١/ ٤٣٤، شرح تنقيح الفصول ص ٥٧، شرح الكوكب ٣/ ٥١٥.","vol":"3","page":920},{"text":"الفصل التاسع: كيفية الاستدلال بالألفاظ","vol":"3","page":921},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-314>(الفصل التاسع: في كيفية الاستدلال بالألفاظ</span>.\nوفيه مسائل:<span data-type=\"title\" id=toc-315> الأولى: لا يخاطبنا الله بالمهمل؛ لأنه هذيان</span>.\nاحتجت الحشوية بأوائل السور. قلنا: أسماؤها (^١). وبأن الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٢) واجبٌ وإلا يتخصص المعطوفُ بالحال. قلنا: يجوز حيث لا لَبْس، مثل: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ (^٣). وبقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (^٤). قلنا: مَثَلٌ في الاستقباح).\nهذا الفصل معقود لبيان كيفية الاستدلال بخطاب الله تعالى، وخطاب رسوله - ﷺ - على الأحكام، وفيه مسائل: الأولى والثانية منها يجريان مجرى المبادئ للمقصود.\nأما الأولى: فنقول: لا يجوز أن يخاطبنا الله تعالى بالمهمل، أي: بما ليس له معنى؛ لأنه نقص، والنقص محال على الله تعالى (^٥). هذا كلام المصنف.\nوأما الإمام ففي عبارته قلق، وذلك أنه قال: \"لا يجوز أن يتكلم الله بشيء ولا يعني به شيئًا، والخلاف فيه مع الحشوية. لنا وجهان:\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"أسماء\".\n(^٢) سورة آل عمران: الآية ٧.\n(^٣) سورة الأنبياء: الآية ٧٢.\n(^٤) سورة الصافات: الآية ٦٥.\n(^٥) انظر: جمع الجوامع مع المحلي وما قاله البناني في حاشيته ١/ ٢٣٢.","vol":"3","page":923},{"text":"أحدهما: إن التكلم بما لا يفيد شيئًا هذيان، وهو نقص، والنقص محال على الله تعالى.\nوالثاني: أن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدىً وشفاءً وبيانًا، وذلك لا يحصل فيما (^١) لا يفهم معناه\" (^٢). انتهى.\nووجه القلق: أن أول كلامه يدل على أن الخلاف في جواز التكلم بشيء لا يَعْني به شيئًا، وإنْ كان ذلك الذي تكلم به له معنى يُفْهم منه. وثانيه وثالثه - وهما دليلاه - يدلان على أن الخلاف في جواز التكلم بما لا يفيد شيئًا.\nوعبارة المصنف توافق ما أدته عبارة الإمام ثانيًا وثالثًا لا ما اقتضته أولًا، وبها صَرَّح الآمدي، إذ قال: \"لا يُتَصَوَّر اشتمال القرآن الكريم على ما لا معنى له أصلًا\" (^٣).\nوقد عرفت أن الخلاف في المسألة مع الحشوية: وهم طائفة ضلوا عن سواء السبيل، وعَمِيَت أبصارهم يُجرون آيات الصفات على ظاهرها (^٤)،\n_________\n(^١) في (ت): \"مما\". وفي المحصول: \"مما\".\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٥٤١.\n(^٣) انظر: الإحكام ١/ ١٦٧.\n(^٤) أي: الظاهر في حق الخَلْق، لا الظاهر الذي في حق المولى تعالى أي: المعنى اللائق به تعالى، فإنه مسلَّم ومُفَوَّض علمه إليه تعالى، هو أعلم بما وصف به نفسه، وبمراده من ذلك، والشارح يقصد الأول، وأما الثاني فمع كونه يسلِّم به - كما سيأتي في كلامه - إلا أنه لا يسميه ظاهرًا كما هو حال كثير من أهل العلم؛ لأن الظاهر هو المفهوم =","vol":"3","page":924},{"text":"ويعتقدون أنه المراد. سُمُّوا بذلك؛ لأنهم كانوا في حلقة الحسن البصري (^١) رحمه الله تعالى، فوجدهم يتكلمونَ كلامًا ساقطًا، فقال: ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة. وقيل: سموا بذلك لأنَّ منهم المجسِّمة، أوْ هم هم. والجسم مَحْشُو، فعلى هذا القياسُ فيه الحَشْوية بسكون الشين؛ إذِ النسبةُ إلى الحَشْو. وقيل: المرادَ بالحشوية: الطائفة الذين لا يرون البحث في آيات الصفات التي يتعذر إجراؤها على ظاهرها، بل يؤمنون بما أراده الله مع جَزْمهم المُعْتَقَد بأن (^٢) الظاهر غيرُ مراد، ولكنهم\n_________\n= من اللغة واستعمال العرب، وهو منفيٌّ لأنه تشبيه، والحاصل أننا إذا فهمنا كلامهم ومقصدهم بألفاظهم - تبين أن لا خلاف أصلًا، وانظر في شرح الكوكب ٢/ ١٤١، كيف جَعَل ظاهر الصفات تشبيهًا، وهذا على الاصطلاح في الظاهر من المعنى اللغوي، وأما المعنى اللائق به تعالى فلا يسمونه ظاهرًا، وإن قالوا بأنه هو المراد من اللفظ؛ لأن هذا المعنى غير ظاهر لنا، لا تدركه أفهامنا. فمن قال بإجراء اللفظ على ظاهره لم يقصد المعنى اللغوي الحقيقي، بل قصد إبقاء اللفظ كما ورد، وتفويض علم المراد به إلى قائله ﷾. ومن قال بنفي الظاهر استند إلى أن إرادة الظاهر - وهو ما ظهر لغة - تشبيه، فيكون المراد غيره وهو معنى لائق بالله تعالى، فلا خلاف بين من يقول: نجري على الظاهر، ومن يقول: لا نجري على الظاهر. والله أعلم.\n(^١) هو الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد البصريّ، مولى زيد بن ثابت الأنصاريّ - ﵁ -، وقيل غير ذلك، ولد ﵀ لسنتين بقيتا مِنْ خلافة عمر - ﵁ -. كان سيد زمانه علمًا وعملًا، ثقةً حجةً، من الشجعان الموصوفين، ومن أهل الفصاحة المعروفين. توفي - ﵀ - سنة ١١٠ هـ. انظر: سير ٤/ ٥٦٣، طبقات ابن سعد ٧/ ١٥٦.\n(^٢) في (ت): \"أن\".","vol":"3","page":925},{"text":"يفوضون التأويل إلى الله ﷾ (^١). وعلى هذا فإطلاق الحشوية عليهم غير مستحسن؛ لعدم مناسبته لمعتقدهم؛ ولأن ذلك مذهب طوائف السلف من أهل السنة ﵃.\nإذا عرفتَ ذلك فقد استدل المصنف على امتناع ذلك: بأنه هذيان.\nقال الجاربردي شارح الكتاب: وهو مصادرة على المطلوب؛ لأن الهذيان: هو اللفظ المركب المهمل، وهو الذي ادّعَى امتناعه (^٢).\nوهذا اعتراض منقدح، ولكن المصنف أخذ هذا الدليل من الإمام (^٣)، والإمام إنما استدل (^٤) به على ما صَدَّر به المسألة من قوله: لا يتكلم الله بشيء، و(^٥) لا يعني به شيئًا (^٦). وقد بينا أن هذه الدعوى في الحقيقة غير دعوى المصنف، فليس استدلال الإمام بكونه هذيانًا مصادرة على المطلوب. نعم هو ضعيف من جهة أنه قد يقال: لا نسلم أن الكلام المفيد بالوضع الذي فاه به الناطق إذا لم يَعْن به شيئًا - هذيانٌ، وإنما يكون هذيانًا إذا لم يكن له مدلول في نفسه. وقد يقال: إنَّ قَصْد\n_________\n(^١) فالظاهر الذي في حق المخلوق متعذر، والظاهر أي: المعنى الذي في حق الخالق يُفَوَّض تأويله إليه ﷾، فالشارح يريد بتعذر إجراء الظاهر هو ما كان في حق المخلوق؛ لأنه تشبيه.\n(^٢) انظر: السراج الوهاج ١/ ٤٠٦.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٥٤١.\n(^٤) في (غ): \"يستدل\".\n(^٥) سقطت الواو من (ت)، و(غ).\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٥٣٩.","vol":"3","page":926},{"text":"المتكلم بالكلام معناه - شَرْطٌ في كونه كلامًا مفيدًا، وقد سبق البحث في هذا.\nواحتجت الحشوية على ما ذهبوا إليه بثلاثة أوجه:\nالأول: زعموا أنه ورد في القرآن في قوله تعالى: ﴿الم﴾ (^١) ﴿المص﴾ (^٢) ﴿كهيعص﴾ (^٣) ﴿طه﴾ (^٤) ﴿حم﴾ (^٥) وأمثالها، فإنا لا نفهم لها معنى.\nوالجواب: أن أقوال أئمة التفسير في ذلك كثيرة مشهورة، قال الإمام: \"والحق أنها أسماء للسور\" (^٦)، وتبعه المصنف، وهو ما عليه جماعةٌ من المفسرين (^٧).\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١، سورة آل عمران: الآية ١. سورة الروم: الآية ١. سورة لقمان: الآية ١. سورة السجدة: الآية ١.\n(^٢) سورة الأعراف: الآية ١.\n(^٣) سورة مريم: الآية ١.\n(^٤) سورة طه: الآية ١.\n(^٥) سورة غافر: الآية ١. سورة فصلت: الآية ١. سورة الشورى: الآية ١. سورة الزخرف: الآية ١. سورة الدخان: الآية ١. سورة الجاثية: الآية ١. سورة الأحقاف: الآية ١.\n(^٦) المحصول ١/ ق ١/ ٥٤٣.\n(^٧) رُوي هذا عن زيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن، وأبي فاختة سعيد بن علاقة مَوْلى أم هانئ. انظر زاد المسير ١/ ٢١، وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره ١/ ٣٦: \"قال العلامة محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره: وعليه إطباق الأكثر، ونقل عن سيبويه أنه نَصَّ عليه. ويُعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ -: كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم﴾ السجدة، =","vol":"3","page":927},{"text":"الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (^١). وجه الاحتجاج: أن الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ واجبٌ، وحينئذ فـ ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ مبتدأ و﴿يَقُولُونَ﴾ خبر عنه. والدليل على أنه يجب الوقف على ذلك: أنه لو لم يجب لكان الراسخون معطوفًا عليه، وحينئذ يتعين أن يكون قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ جملة حالية، والمعنى: قائلين. وإذا كانت حاليةً فإما أن تكون حالًا من المعطوف (^٢) والمعطوف عليه، أو من المعطوف فقط. والأول: باطل؛ لامتناع أن يقول الله تعالى: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾. والثاني: خلاف الأصل؛ لأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلَّقات، وإذا انتفى هذا تَعَيَّن ما ادعيناه مِنْ وجوب الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وإذا وجب الوقف على ذلك لَزِم أنه تكلم بما لا يَعْلم تأويله إلا هو، وهو المدَّعى.\nواعلم أن هذا الدليل لا يوافق دعوى المصنف؛ لأنه يقتضي أن الخلاف\n_________\n= و﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال ﴿الم﴾، و﴿حم﴾، و﴿المص﴾، و﴿ص﴾، فواتح افتتح الله بها القرآن، وكذا قال غيره عن مجاهد. وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال: ﴿الم﴾ اسم من أسماء القرآن. وهكذا قال قتادة وزيد بن أسلم، ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنه اسم من أسماء السور، فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن، فإنه يبعد أن يكون ﴿المص﴾ اسمًا للقرآن كله؛ لأن المتبادر إلى فهم سامع مَنْ يقول: قرأت ﴿المص﴾ إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن، والله أعلم\".\n(^١) سورة آل عمران: الآية ٧.\n(^٢) وهم الراسخون في العلم","vol":"3","page":928},{"text":"في الخطاب بلفظٍ له معنى لا نفهمه، ودعواه فإما ليس له معنى مطلقًا. ثم إنَّ هذا - أعني: كَون (^١) القرآن يشتمل على ما لا يُقدر على فَهْمه - مما لا ينازع فيه، فالناس في كتاب الله تعالى على مراتب ودرجات، بحسب تفاوتهم في الأفهام والتضلع من العلوم، فرُبَّ مكانٍ يشترك في فهمه الخاصُّ والعام؛ وآخر لا يفهمه إلا الراسخون، ويتفاوت العلماء إلى ما لا نهاية له، على حسب استعدادهم وأقدارهم، إلى أن يصل الأمر إلى (ما لا يفهمه أحدٌ غير) (^٢) النبي - ﷺ - الذي وقع معه الخطاب، فهو يَفْهم ما خوطب به لا يَخفى عليه منه خافية.\nوقد أجاب المصنف عن هذا الوجه: بأنه إنما يمتنع (^٣) تخصيص المعطوف بالحال إذا لم تقم قرينةٌ تدل عليه، وأما عند قيام القرينة الدافعة لِلَّبْس فلا يمتنع (^٤) حينئذ، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ فإن ﴿نَافِلَةً﴾ حال مِنْ ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ فقط؛ لأن النافلة ولد الولد وما نحن فيه كذلك (^٥)؛ إذ العقل قاض بأنه ﷾ لا يقول آمنا به.\nالثالث: قوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (^٦) فإن العرب\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"ما لا يفهمه إلا\".\n(^٣) في (ت)، و(ك): \"يُمْنع\".\n(^٤) في (ك): \"بمنع\".\n(^٥) انظر: فتح القدير ٣/ ٤١٦.\n(^٦) سورة الصافات: الآية ٦٥.","vol":"3","page":929},{"text":"لا تعلم ما هي رؤوس الشياطين.\nوأجاب: بأنا لا نسلم أنه مهمل، وإنما هو مَثَل كانت العرب العرباء تُمَثِّل (^١) به في الاستقباح، وهو مفيد بهذا الاعتبار (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-316>(الثانية: لا يُعْنَى خلاف الظاهر من غير بيان</span>؛ لأن اللفظ بالنسبة إليه مهمل. قالت المرجئة: يفيد إحجامًا. قلنا: فيرتفع الوثوق عن قوله تعالى).\nقَدْ يُريد الله تعالى بكلامه خلافَ ظاهره إذا كانت هناك قرينة يَحْصُل بها البيان، ولا يمكن أن يَعْني بكلامه خلافَ ظاهره من غير بيان. والخلاف في المسألة مع المرجئة قومٌ جوزوا ذلك، وقالوا: المراد بظواهر الآيات، والأخبار الدالةِ على عقاب الفاسقين، ووعيدِ العصاة والمذنبين: الترهيبُ فقط؛ كيلا يختل نظام العالم، بناءً على مُعْتَقَدهم أن المعصية لا تضر مع الإيمان، كما أن الطاعة لا تنفع مع الكفر. وإنما سُمُّوا مرجئةً؛ لأنهم يرجئون العمل أي: يؤخِّرونه ويُسْقطونه عن الاعتبار، والإرجاء: التأخير (^٣)، قال الله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"تتمثل\".\n(^٢) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ١/ ٥٣٩، التحصيل ١/ ٢٥٤، الحاصل ١/ ٣٨٢، نهاية السول ٢/ ١٩١، السراج الوهاج ١/ ٤٠٥، الإحكام ١/ ١٦٧، جمع الجوامع مع المحلي ١/ ٢٣٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٧، شرح الكوكب ٢/ ١٤٣.\n(^٣) انظر: المِلَل والنِّحل المطبوع مع الفِصَل ١/ ١٨٦، مقالات الإِسلاميين ١/ ٢١٣، الفَرْق بين الفِرَق ص ٢٥.\n(^٤) سورة الأعراف: الآية ١١١، سورة الشعراء: الآية ٣٦.","vol":"3","page":930},{"text":"وقد احتج المصنف: بأن اللفظ بالنسبة إلى المعنى الذي لا يُفهم مهملٌ؛ لعدم إفادته له مِنْ غير بيان، وقد تبين أن الخطاب بالمهمل ممتنع.\nوقالت المرجئة: لا نسلم أنه بالنسبة إليه مهمل؛ إذِ المهمل: ما (^١) لا يفيد شيئًا (^٢)، وهذا ليس كذلك؛ لأنه يفيد الإحجام عن المعاصي، والإقدام على الطاعات (^٣).\nوأجاب: بأنا لو فتحنا هذا الباب لارتفع الوثوق عن جميع أخبار الله تعالى، وأخبار رسوله (^٤) - ﷺ -؛ لأنه لا خبر إلا ويحتمل أن يكون المقصود منه أمرًا وراء الأفهام، ومعلوم أنَّ ذلك ظاهر الفساد (^٥).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-317>(الثالثة: الخطاب إما أن يدل على الحكم بمنطوقه:</span> فَيُحْمل على الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي، ثم المجازي).\nهذه المسألة في بيان كيفية دلالة الخطاب على الحكم الشرعي، وأقسام دلالته عليه. فالخطاب الدال على الحكم إما أن يدل عليه بمنطوقه أي:\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) في (ص): \"الطاعة\".\n(^٤) في (ت): \"رسول الله\".\n(^٥) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ١/ ٥٤٥، التحصيل ١/ ٢٥٥، الحاصل ١/ ٣٨٤، نهاية السول ٢/ ١٩٤، السراج الوهاج ١/ ٤٠٩، شرح الأصفهاني ١/ ٢٨١، مناهج العقول ١/ ٣٠٧، جمع الجوامع مع المحلي ١/ ٢٣٣، شرح الكوكب ٢/ ١٤٧.","vol":"3","page":931},{"text":"بصيغته، أو بمفهومه:\nالحالة الأولى: أن يدل عليه بمنطوقه، فإما أن يكون له مسمَّى شرعي أَوْ لا:\nالأول: يُحمل على المسمَّى الشرعي ما لم يَصْرِف عنه صارف؛ لأنَّ عُرْف الشارع يُعَرِّف المعاني الشرعية لا اللغوية؛ ولأنه مبعوثٌ لبيان الشرعيات.\nوقيل: إذا دار بين الشرعي واللغوي فهو مجمل؛ لصلاحيته لكل منهما.\nوقال الغزالي: إنْ ورد في الإثبات (^١) حُمِل على الشرعي، كقوله - ﷺ -: \"إني إذن أصوم\" (^٢) فإنه إذا حُمِل على الشرعي يدل على صحة الصوم بنيته من النهار (^٣). وإنْ ورد في النهي كان مجملًا، وذلك مِثْل نَهْيه - ﷺ - عن صوم يوم النحر (^٤)، فإنه لا يمكن حَمْلُه على الشرعي وإلا كان دالًا على\n_________\n(^١) في المستصفى ٣/ ٥٥ (١/ ٣٥٩): والمختار عندنا أن ما ورد في الإثبات والأمر ..\n(^٢) أخرجه مسلم ٢/ ٨٠٩ في كتاب الصيام، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال، رقم ١١٥٤. وأبو داود ٢/ ٨٢٤ في كتاب الصوم، باب الرخصة في ذلك، حديث رقم ٢٤٥٥. والترمذي ٣/ ١١١ في الصوم، باب صيام المتطوع بغير تبييت، رقم ٧٣٣، ٧٣٤ وقال: هذا حديث حسن. والنسائي ٤/ ١٩٣ - ١٩٥ في الصيام، باب النية في الصيام رقم ٢٣٢٢ - ٢٣٣٠.\n(^٣) في المستصفى ٣/ ٥٤ (١/ ٣٥٨): وإن حمل على الإمساك لم يدل.\n(^٤) ورد في حديث أبي سعيد الخدري ﵁: \"أن رسول الله - ﷺ - نهى عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم النحر\". أخرجه مسلم بلفظه ٢/ ٨٠٠، في كتاب الصيام، باب النهي عن صوم يوم الفطر ويوم الأضحى، حديث رقم ١١٣٨. وأخرجه =","vol":"3","page":932},{"text":"صحته؛ لأن يستحيل النهي عما لا يُتَصور وقوعه (^١).\nوقال الآمدي: في الإثبات يُحْمل على الشرعي، وفي النهي على اللغوي (^٢).\nوالصحيح الذي عليه الجمهور ما ذهب إليه المصنف، وقولُ الغزالي والآمدي: إن النهي يستلزم (^٣) الصحة - غير صحيح.\nوالثاني: وهو الذي ليس له مُسَمَّى شرعي، إما أن يكون له مُسَمَّى عرفي أَوْ لا:\nوالأول: يُحمل على العرفي إنْ عُلِم اطِّرَاد ذلك العرف في زمن ورود الخطاب؛ لأن الظاهر مِنْ حال الخطاب أن يكون بما (^٤) يتبادر إلى أذهان المخاطبين.\nوالثاني: يُحْمل على اللغوي الحقيقي؛ لتعينه حينئذ، وكذا إن كان له مسمى عرفي ولم يمكن حمله عليه لمانع (^٥). وإن لم يمكن حَمْلُه على اللغوي\n_________\n= البخاري ٢/ ٧٠٢، في كتاب الصوم، باب صوم يوم الفطر، رقم ١٨٩٠. وفي الباب حديث عمر بن الخطاب، وحديث أبي هريرة، وكلاهما في الصحيح.\n(^١) فلا يقال للأعمى: لا تبصر. والنقل عن الغزالي بتصرف من الشارح، ليس هو نص عبارته. انظر: المستصفى ٣/ ٥٣ (١/ ٣٥٧).\n(^٢) الإحكام ٣/ ٢٣.\n(^٣) في (ص): \"مستلزم\".\n(^٤) في (ص): \"مما\".\n(^٥) فيحمل على المعنى اللغوي الحقيقي.","vol":"3","page":933},{"text":"لقرينة صارفة عنه - فيتعين حينئذ حمله على المعنى المجازي (^١)، ويكون الترتيب المذكور في الحقائق جاريًا في مجازاتها.\nواعلم أن من القواعد المشتهرة على ألسنة الفقهاء: أنَّ ما ليس له حد في الشرع ولا في اللغة يُرْجع فيه إلى العرف.\nقال والدي في \"شرح المهذب\": وليس هذا مخالفًا لما يقوله الأصوليون من (^٢) أن لفظ الشارع يُحْمل على المعنى الشرعي، ثم العرفي، ثم اللغوي. قال: والجمع بين الكلامين أن مراد الأصوليين: إذا تعارض معناه في العرف ومعناه في اللغة قدَّمنا العرف. ومراد الفقهاء: إذا لم يُعْرف (^٣) حَدُّه في اللغة فإنا نرجع فيه إلى العرف، ولهذا قالوا: كل ما ليس له حدٌّ في اللغة، ولم يقولوا: ليس له معنى. فالمراد أن معناه في اللغة لم يَنُصُّوا على حَدِّه بما يُبَيِّنه، فَيُسْتدل بالعرف عليه (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>فائدة:</span>\nتنزيل اللفظ على المعنى الشرعي قبل العرفي في مسائل: منها: لو حلف لا يبيع الخمر أو المُسْتَوْلَدَة (^٥)، فإنْ أراد أنه لا يتلفظ\n_________\n(^١) صونًا للفظ عن الإهمال. التمهيد للإسنوي ص ٢٢٩، ٢٣٠، نهاية السول ٢/ ٢٠١.\n(^٢) في (ت): \"في\".\n(^٣) في (ت): \"تعرف\".\n(^٤) انظر: الأشباه والنظائر للشارح ١/ ٥١. انظر: نهاية السول ٢/ ١٩٩، ٢٠٠.\n(^٥) وهي الجارية أم الولد، لا يجوز بيعها.","vol":"3","page":934},{"text":"بلفظ العقد مضافًا إليها (^١) - فإذا باعه حَنَث (^٢)، (وإنْ أطلق (^٣) لم يحنث؛ لأن البيع الشرعي لا يُتصور فيها (^٤). وفيه وجه: أنه يحنث) (^٥)، قال به المزني (^٦). قال الرافعي هنا: \"وسيأتي خلاف في أنه: هل (^٧) يتعين حمل لفظ العبادات: كالصوم والصلاة - على الصحيح منها\" (^٨)؟ وهذا الخلاف الذي (وعد بذكره) (^٩) لم أره حكاه بَعْدُ، ولا خلافَ أنه لو حلف: لا يحج يحنث بالفاسد؛ لأنه منعقدٌ يجب المُضِيُّ فيه كالصحيح.\nومنها: لو حلف: لا يركب دابةَ عبدِ زيدٍ - لا يحنث بالدابة المجعولة باسمه إلا أن يريد (^١٠).\nفإن مَلَّكه السيدُ دابةً فالصحيح أنه يتخرج على أنه هل يملك؟ وقال\n_________\n(^١) أي: إلى الخمر أو المستولدة.\n(^٢) بسبب التلفظ، لا بسبب البيع.\n(^٣) أي: لم يقصد التلفظ.\n(^٤) أيضًا: لا يتحقق البيع الشرعي فيها، فما حلف عليه لم يحنث فيه؛ لأنه لم يُوجد، وإنما وُجد بيعٌ غير شرعي.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) انظر: العزيز شرح الوجيز ١٢/ ٣١٠.\n(^٧) سقطت من (غ).\n(^٨) انظر: العزيز شرح الوجيز ١٢/ ٣١١.\n(^٩) في (ت): \"وعدنا ذِكْره\".\n(^١٠) لأن العبد لا يَمْلك، فكيف تكون الدابة له، فلو ركب ما جُعل باسمه لا يحنث، إلا أن يريد المعنى العرفي فإنه يحنث.","vol":"3","page":935},{"text":"ابن كج (^١): لا يحنث وإنْ قلنا يملك؛ لأن مِلْكه ناقص والسيد متمكن من إزالته.\nوأما الرجوع إلى العُرْف ففي مسائل تخرج عن حد الحصر، وقد أتينا في كتابنا (^٢) \"الأشباه والنظائر\" منها بالعدد الكثير (^٣).\nقال: (أو بمفهومه: وهو إما أن يلزم عن مُفْرد تَوَقَّف (^٤) عليه عقلًا، أو شرعًا. مثل: ارْم، واعتِقْ عبدَك عَنِّي، ويسمى اقتضاء. أو مركبٍ موافِق (^٥) وهو فحوى الخطاب، كدلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب، وجواز المباشرة إلى الصبح على جواز الصوم جنبًا. أو مخالفٍ (^٦) كلزوم نفي الحكم عما عدا المذكور، ويسمى ذلك (^٧) دليلَ الخطاب).\nالحالة الثانية: أن يدل الخطاب على الحكم بمفهومه: فإما أن يكون ما\n_________\n(^١) هو العلامة القاضي أبو القاسم يوسف بن أحمد بن كَجّ الدِّيْنَوَرِيّ. كان أحد أئمة الشافعية، وارتحل الناس إليه من الآفاق، وفَضَّله بعضهم على أبي حامد الإسفراييني. من تصانيفه: التجريد. قتلته الحراميَّة بالدِّيْنَوَر سنة ٤٠٥ هـ. انظر: وفيات ٧/ ٦٥، سير ١٧/ ١٨٣، الطبقات الكبرى ٥/ ٣٥٩.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"كتاب\".\n(^٣) انظر: الأشباه والنظائر للشارح ١/ ٥٠.\n(^٤) والمُثْبَت موافق لما في شرح الأصفهاني ١/ ٢٨٢. وفي نهاية السول ٢/ ١٩٥، والسراج الوهاج ١/ ٤١١ ومناهج العقول ١/ ٣١٠: \"يتوقف\".\n(^٥) أي: أو يلزم عن مركب موافق.\n(^٦) أي: أو يلزم عن مركب مخالف.\n(^٧) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).","vol":"3","page":936},{"text":"دل عليه بالمفهوم لازمًا عن مفرد، أو عن مركب.\nواللازم عن المفرد: قد يكون المقْتَضِي لكونه لازمًا هو العقل، وقد يكون الشرعُ.\nواللازم عن المركَّب: قد يكون موافقًا للمنطوق فيما اقتضاه من الحكم، وقد يكون مخالفًا. فهذه أقسام:\nالأول: اللازم عن المفرد الذي اقتضى العقلُ كونه لازمًا عن المفرد، بأن يكون شرطًا للمعنى المدلول عليه بالمطابقة، مثل قولك: ارم. فإنه يدل بمفهومه على لزوم تحصيل القوسِ والمَرْمِي (^١)؛ لتوقف الرمي الذي هو مفردٌ عليهما عقلًا؛ إذ يُحيل العقلُ الرميَّ بدونهما.\nالثاني: اللازم عن المفرد باقتضاء الشرع كونه لازمًا، كقولك لمالك العبد: أعْتِق عَبْدَك عني. فإنه يدل على استدعاء تمليك العبد إياه (^٢)؛ لأن العتق شرعًا لا يكون إلا في مملوك.\nوهذان القسام اللازمان عن المفرد يسميان في اصطلاح الأصوليين بدلالة الاقتضاء (^٣). وإليه أشار بقوله: \"ويسمى اقتضاءً\".\nومِنَ الأصوليين مَنْ جعل: دلالة اللفظ على مُقَدَّرٍ يتوقف عليه صِدْق الكلام - داخلًا في قسم \"الاقتضاء\" أيضًا (^٤)، كدلالة قوله - ﷺ -: \"رفع عن\n_________\n(^١) أي: الذي يُرْمى كالسهم.\n(^٢) كأنه قال له: بِعْ عبدك عليَّ، ثم كُنْ وكيلي بالإعتاق.\n(^٣) أي: الخطاب يقتضيه. نهاية السول ٢/ ٢٠٢.\n(^٤) ذهب إلى هذا الجاربردي، ومَثَّل له بالحديث الذي ذكره الشارح. انظر: السراج =","vol":"3","page":937},{"text":"أمتي الخطأ والنسيان\" (^١) على رفع الإثم، وعبارة الكتاب لا تنافي ذلك ولا تقتضيه؛ لأنها لا تقتضي انحصار الاقتضاء في المذكور فيه. نعم تقتضي أن يكون ذلك من قبيل ما دل عليه اللفظ بمنطوقه؛ لأنه لم يَعُدَّه في أقسام المفهوم بل في المنطوق، والغزالي عدَّ الاقتضاء بجملة أقسامه من المفهوم (^٢).\nالثالث: اللازم عن اللفظ المركَّب وهو موافق لمدلول ذلك المركب في الحكم، ويُسمى \"فحوى الخطاب\"؛ لأن فحوى الكلام ما يُفْهم منه قطعًا، وهذا كذلك. ويسمى أيضًا \"لحن الخطاب\"؛ لأن لحن الكلام عبارة عن: معناه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْل﴾ (^٣) أي: معناه (^٤). وربما سماه الشافعي - ﵁ - بالجَليّ. واختلفوا في (^٥)\n_________\n= الوهاج ١/ ٤١٢، ٤١٣.\n(^١) رواه ابن ماجه ١/ ٦٥٩، كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي، رقم ٢٠٤٥، بلفظ: \"إن الله وضع عن أمتي\". والدارقطني ٤/ ١٧٠ - ١٧١، كتاب النذور، رقم ٣٣. والحاكم في المستدرك ٢/ ١٩٨، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٣٥٦، كتاب الخلع والطلاق، باب ما جاء في طلاق المكره بلفظ: \"إن الله تجاوز\". وقال البيهقي: جود إسناده بشر بن بكر وهو من الثقات. وانظر: تلخيص الحبير ١/ ٢٨١ - ٢٨٣، الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج ص ١٢٨ - ١٣٠.\n(^٢) انظر: المستصفى ٣/ ٤٠٣.\n(^٣) سورة محمد: الآية ٣٠.\n(^٤) انظر: زاد المسير ٧/ ٤١١، لسان العرب ١٣/ ٣٨٠، ٣٨١: وفيه: \"قال ابن بري وغيره: لِلَّحْن ستة معانٍ: الخطأ في الإعراب، واللغة، والغِناء، والفطنة، والتعريض، والمعنى\". انظر تفصيل هذه المعاني الست في \"اللسان\".\n(^٥) في (ص): \"في أن\".","vol":"3","page":938},{"text":"دلالة النص عليه هل هي لفظية أم قياسية؟ والذي عليه الجمهور أنها قياسية، قال الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\": \"وهو الصحيح؛ لأن الشافعي سماه القياس الجَلِيّ\" (^١).\nوهذا الثالث أعني: مفهوم الموافقة - تارة يكون أولى بالحكم من المنطوق، كدلالة تحريم التأفيف من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (^٢) على تحريم الضرب وسائر أنواع الأذى الذي هو أبلغ من التأفيف.\nوتارةً يكون مساويًا له، كدلالة جواز المباشرة من قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ (^٣) على جواز أن يصبح الرجل صائمًا جنبًا؛ لأنه لو لم يجز ذلك لما جاز للصائم مَدُّ المباشرة إلى طلوعِ الفجر، بل كان يجب قَطْعُها مقدارَ ما يَسَع فيه الغسلُ قبلَ طلوع الفجر.\nوإنما ذَكَر المصنف مثالين ليُعْلم أنَّ مفهوم الموافقة قد يكون أولى بالحكم كالمثال الأول، وقد يكون مساويًا كالثاني، وهذا هو الصحيح (^٤) المختار.\nومنهم من اشترط الأولوية في مفهوم الموافقة، وهو قضية ما نقله إمام الحرمين عن كلام الشافعي - ﵁ - في \"الرسالة\" حيث قال في \"البرهان\": \"نحن نَسْرِد معاني كلامِه في الرسالة\" ثم قال: \"أما مفهوم\n_________\n(^١) انظر: شرح اللمع ١/ ٤٢٤.\n(^٢) سورة الإسراء: الآية ٢٣.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٨٧.\n(^٤) سقطت من (ص).","vol":"3","page":939},{"text":"الموافقة فهو ما يدل على أن الحكم في المسكوت عنه موافق للحكم في المنطوق مِنْ جهة الأَوْلى\" (^١) انتهى. وهو مقتضى كلام الشيخ أبي إسحاق في \"شرح اللمع\" وغَيْرِه (^٢)، وعليه جرى ابن الحاجب (^٣)، لكنه قال بعد ذلك في مفهوم المخالفة: \"شَرْطه أن لا تظهر أولويةٌ ولا مساواة في المسكوت عنه فيكون موافقة\" (^٤) فاضطرب كلامه.\nالرابع: اللازم عن المركب وهو مخالف لمدلول المركب في الحكم، وهذا هو (^٥) مفهوم المخالفة، ويسمى \"دليل الخطاب\"، وهو أصنافٌ ذَكَر المصنفُ منها أربعةً.\nوذهب أبو حنيفة إلى نفي القول بمفهوم المخالفة مطلقًا، ووافقه جَمْع من الأصوليين، قال إمام الحرمين: \"وأما منكرو الصيغ لما يتطرق إليها من تقابل (^٦) الظنون - فلا شك أنهم ينكرون المفهوم، فإنَّ تقابل الظنون فيه أوضح، فهو بالتوقف (^٧) أولى. وشيخنا أبو الحسن مُقَدَّمُ الواقفية وقد نقل النَّقَلَةُ عنه رَدَّ الصيغةِ والمفهوم، وفي كلامه (ما يدل) (^٨) على المفهوم\n_________\n(^١) البرهان ١/ ٤٤٨، ٤٤٩.\n(^٢) انظر: شرح اللمع ١/ ٤٢٤، التبصرة ص ٢٢٧.\n(^٣) انظر: بيان المختصر ٢/ ٤٣٦، وما بعدها.\n(^٤) بيان المختصر ٢/ ٤٤٤.\n(^٥) سقطت من (غ).\n(^٦) أي: تعارض.\n(^٧) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"بالتوقيف\".\n(^٨) سقطت من (ت)، و(غ).","vol":"3","page":940},{"text":"والقول به، فإنه تعلق في مسألة الرؤية بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (^١).\nوقال: لما ذكر الحجاب في إذلال الأشقياء - أشعر ذلك بنقيضه في السعداء. وقد تحققتُ على طول بحثي عن كلام أبي الحسن أنه ليس من منكري الصِّيَغ على ما اعْتَقَده معظمُ النقلة، ولكنه قال في معارضاته (^٢) مع أصحاب الوعيد بإنكار الصيغ، وآل سِرُّ مذهبه إلى إنكار التعلق بالظواهر فيما ينبغي (^٣) القطع فيه، ولا نرى له المنع من العمل بقضايا الظواهر في مظان الظنون. وقد باح القاضي ﵁ بجَحْد الصيغ، وَصَرَّح بنفي المفهوم\" (^٤) (^٥).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-319>(الرابعة: تعليق الحكم بالاسم لا يدل على نفيه عن غيره</span>، وإلا لما جاز القياس، خلافًا (لأبي بكر) (^٦) الدقاق).\n_________\n(^١) سورة المطففين: الآية ١٥.\n(^٢) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"مفاوضاته\".\n(^٣) في (ص)، و(ك): \"يُبْغى\". وفي (غ): \"نبغي\".\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٤٥٠، ٤٥١.\n(^٥) انظر مسألة دلالة الخطاب على الحكم بالمنطوق أو بالمفهوم في: المحصول ١/ ق ١/ ٥٧٦، التحصيل ١/ ٢٥٦، الحاصل ١/ ٣٨٥، نهاية السول ٢/ ١٩٤، السراج الوهاج ١/ ٤١٠، مناهج العقول ١/ ٣٠٩، جمع الجوامع مع المحلي ١/ ٢٣٥، الإحكام ٣/ ٦٤، بيان المختصر ٢/ ٤٣١، تيسير التحرير ١/ ٨٦، فواتح الرحموت ١/ ٤٠٦، شرح الكوكب ٣/ ٤٧٣.\n(^٦) في (غ)، و(ك): \"لابن\".","vol":"3","page":941},{"text":"هذه المسألة في مفهوم الاسم ومفهوم الصفة اللذين هما من جملة أصناف دليل الخطاب.\nأما مفهوم الاسم فنقول: تقييد الحكم أو الخبر بالاسم عَلَمًا كان أو اسمَ جنس، مثل قولك: قام زيد، أو قام الناس لا يدل على نفي الحكم عما عداه، خلافًا لأبي بكر الدقاق (^١) والحنابلة (^٢).\n_________\n(^١) هو أبو بكر محمد بن محمد بن جعفر البغداديّ الشافعيّ القاضي المعروف بالدَّقَّاق، ويلقَّب خباط. كان فقيهًا أصوليًا، عالمًا بعلوم كثيرة، وكانت فيه دُعابة. ولد سنة ٣٠٦ هـ. من مصنفاته: شرح مختصر المزنيّ، كتاب في أصول الفقه. توفي - ﵀ - سنة ٣٩٢ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٣/ ٢٢٩، طبقات الإسنوي ١/ ٢٥٣.\n(^٢) انظر: شرح الكوكب ٣/ ٥٠٩، وبه قال ابن خويز منداد وابن القصار من المالكية، ومال إليه أبو بكر بن فُورك، وأما نسبته إلى مالك ﵁ كما في \"شرح الكوكب\" فغير صحيحة، فإن الباجي والقرافي وابن الحاجب لم ينسبوه إلى مالك، بل ذكر الباجي بأن مالكًا ﵁ إنما يقول بمفهوم الصفة لا بمفهوم اللقب، وقال القرافي في \"شرح التنقيح\": \"وحكى الإمام أن مفهوم الذهب لم يقل به إلا الدقاق\"، ونسبه ابن الحاجب إلى الدقاق وبعض الحنابلة. لكن ذكر الزركشي في البحر (٥/ ١٤٩) قول المازَري بأنه أشير إلى مالك القول به لاستدلاله في \"المدونة\" على عدم إجزاء الأضحية إذا ذُبحت ليلًا بموله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ قال: فذكر الأيام ولم يذكر الليالي. قال العلامة الشنقيطي في نشر الورود ١/ ١١٣: \"الجواب أنه مفهوم ظرف لا مفهوم لقب، وقد قدمنا اعتبار مفهوم الظرف\". وقد نسب الزركشي إلى الباجي القول به، والباجي قد صَرَّح بأن مفهوم اللقب والصفة ليسا حجة عنده. وقد نفى مفهوم اللقب ابن عقيل وابن قدامة من الحنابلة. انظر: إحكام الفصول ص ٥١٤، شرح تنقيح الفصول ص ٢٧٠، بيان المختصر ٢/ ٤٧٨، أصول الفقه للعربي اللوه ص ٨٠١، البحر المحيط ٥/ ١٤٨، شرح الكوكب ٣/ ٥٠٩، نزهة الخاطر ٢/ ٢٢٤.","vol":"3","page":942},{"text":"وقد سَفَّه علماء الأصول الدَّقَّاق ومَنْ قال بمقالته وقالوا: هذا خروج عن حكم اللسان، وانسلال عن مفاوضات الكلام، فإنَّ مَنْ قال: رأيت زيدًا - لم يقتض ذلك أنه لم ير غيره قطعًا.\nقال إمام الحرمين: \"وعندي أن المبالغة في الرد عليه سَرَفٌ؛ لأنه لا يُظَنُّ بذي العقل الذي لا ينحرف كلامُه عن سَنَن الصواب - أن يُخَصِّص بالذكْر مُلَقَّبًا مِنْ غير غَرَض\" (^١) (^٢). وحاصل ما اختاره إمام الحرمين أن التخصيص يتضمن غرضًا مبهمًا، ولا يتعيَّن انتفاءُ غيرِ المذكور (^٣). ثم قال: \"وأنا أقول وراء ذلك: لا يجوز أن يكون مِنْ غرض المتكلم في التخصيص نَفْيُ ما عدا المسمَّى بلقبه، فإن الإنسان لا يقول: رأيت زيدًا، وهو يريد الإشعار بأنه لم يرَ غيره، فإنْ هو أراد ذلك قال: إنما رأيت زيدًا، أو ما رأيت إلا زيدًا\" (^٤) هذا كلامه.\nوحكى ابن بَرْهان في كتابه في أثناء المسألة مذهبًا ثالثًا عن بعض علمائنا: وهو التفرقة بين أسماء الأنواع وأسماء الأشخاص، فقال: \"إنْ تَخَصَّص (^٥) اسمُ النوع بالذِّكْر دَلَّ على نَفْي الحكم عن غيره\". ومَثَّل له ابن\n_________\n(^١) يعني: لا يظن بعاقل أن يعلِّق الحكم على اسم أو لقب بدون غرض.\n(^٢) البرهان ١/ ٤٧٠.\n(^٣) يعني: فيحتمل انتفاء الحكم عن غير المذكور، ويحتمل أن لا ينتفى، ويكون هناك غرض آخر.\n(^٤) البرهان ١/ ٤٧١.\n(^٥) في (ص): \"إنَّ تخصيص\". وعبارة ابن برهان كما في الوصول إلى الأصول ١/ ٣٤١: \"تخصيص اسم النوع بالذكر يدل\".","vol":"3","page":943},{"text":"برهان بما إذا قال: في السود من الغنم زكاة (^١) (^٢).\nوإنْ تَخَصَّص اسمُ الشخص مثل: قام زيدٌ - فلا يدل. ثم قال ابن برهان: \"وهذا ليس بصحيح؛ لأن أسماء الأنواع نازلة في الدلالة منزلة أسماء الأشخاص، إلا أنَّ مدلول أسماء الأنواع أكثر (^٣)، وهما في الدلالة متساويان\" (^٤) (^٥).\nإذا عرفت هذا فقد استدل في الكتاب على مذهب الجمهور: بأن تعليق الحكم على الاسم لو دل على نفيه عن (^٦) غيره - لما جاز القياس. واللازم (^٧) باطل، وبيان الملازمة: أنه لو دلَّ لكان الدليلُ الدال على ثبوت الحكم في الأصل المقيس عليه \"كالنص الدال على أن البُرَّ رِبَويٌّ مثلًا\" دالًا على نفي الحكم عن الفرع المقيس \"كالأرز في مثالنا\"، والفرض أن القياس قاضٍ بإلحاقه، فمتى عَمِل بالمفهوم بَطَل القياس (^٨).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) عبارة ابن برهان رحمه الله تعالى: ولو قال: \"في السود من الغنم زكاة\" نُزِّل منزلة قوله: \"في سود الغنم زكاة\"، ولا شك أن هذا يقتضي نفي الحكم عن البيض، فكذا إذا قال: \"في السود من الغنم زكاة\". اهـ. والمعنى أن قوله: \"في السود من الغنم زكاة\" يقتضي نفي الزكاة عن السود من غير الغنم.\n(^٣) لأن أسماء الأنواع تحتها أفراد كثيرة، أما أسماء الأشخاص فتحت كلِّ واحدٍ منها فردٌ واحد.\n(^٤) يعني: فيكون تعليق الحكم عليهما بدرجة واحدة لا فرق بينهما؛ إذ هما اسمان، فلا يفيدان نفيه عما سواهما.\n(^٥) انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ٣٤١.\n(^٦) في (ت): \"من\".\n(^٧) وهو التالي: لما جاز القياس.\n(^٨) لأن مفهوم تعليق الحكم بالاسم وهو البر مثلًا يقتضي أن لا ربًا في غير البر، والقياس يقتضي وجود الربا في غيره، فلو عملنا بمفهوم اللقب بطل القياس.","vol":"3","page":944},{"text":"وقد ضُعِّف هذا الدليل: بأن التعارض بين مفهوم اللقب والقياس غير متصور؛ لأن من شرط القياس مساواةُ الفرع للأصل، وشَرْط مفهوم المخالفة أن لا يكون المسكوت عنه أولى ولا مساويًا (^١)، فلا مفهوم إذًا مع المساواة، ولا قياسَ مع عدم المساواة.\nوأبدى والدي - أطال الله بقاه - في تضعيفه وجهًا أحسن مِنْ هذا لا مزيد على بلاغته فقال: للدقاق أن يقول: المفهوم يدل على الإباحة فيما عدا البر، والقياس إنما يدل على التحريم فيما شارك البر في المعنى كالأرز والحمص، دون ما لم يشاركه من الرصاص والنحاس وغيرهما. فغاية ما يفعل القياس حينئذ أن يُخَصِّص المفهوم، (ولا بِدْع في تخصيص المفهوم) (^٢) بالقياس، بل ولا في تخصيص المنطوق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>فائدة:</span>\nرأيت (^٣) في كتاب الأستاذ أبي إسحاق في أصول الفقه: أنَّ شيخه ابن الدقاق هذا ادَّعى في بعض مجالس النظر ببغداد صحةَ ما قاله مِنْ مفهوم اللقب، فأُلْزم وجوبَ الصلاة (^٤) فإن الباري تعالى أوجب الصلاة، فهل له\n_________\n(^١) أي: شرط مفهوم المخالفة أن يكون الحكم في المنطوق أقوى من المسكوت عنه، وهذا عكس مفهوم الموافقة الذي يشترط فيه أن يكون المسكوت عنه أقوى من المنطوق أو مساوٍ له.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"3","page":945},{"text":"دليلٌ يدل على نفي وجوبِ الزكاة والصوم وغيرهما؟ قال: فبان له غلطه، وتوقف فيه (^١).\nقال: (وبإحدى صفتي الذات مثل: \"في سائمة الغنم زكاةٌ\" يدل ما لم يظهر للتخصيص فائدة أخرى، خلافًا لأبي حنيفة، وابن سريج، والقاضي، وإمام الحرمين، والغزالي).\nهذا (^٢) مفهوم الصفة وهو مُقَدَّم المفاهيم (ورأسها، وقد قال إمام الحرمين: \"ولو عَبَّر معبِّر عن جميع المفاهيم) (^٣) بالصفة لكان ذلك منقدحًا، فإن المعدودَ والمحدودَ موصوفان بعددهما وحَدِّهما، وكذا سائر المفاهيم\" (^٤).\nوقول المصنف: \"وبإحدى\" هو معطوف على قوله: \"تعليق الحكم بالاسم\" أي: وتعليق الحكم بإحدى صفتي الذات، أوْ أحد أوصافها - يدل على نفي الحكم عن الصفة الأخرى.\nمثال مفهوم الصفة: قوله - ﷺ -: \"في سائمة الغنم زكاة\" (^٥) وهو\n_________\n(^١) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٢٥، التحصيل ١/ ٢٩٦، الحاصل ١/ ٤٣٧، نهاية السول ٢/ ٢٠٥، السراج الوهاج ١/ ٤١٥، الإحكام ٣/ ٩٥، المحلى على جمع الجوامع ١/ ٢٥٢، شرح تنقيح الفصول ص ٢٧٠، بيان المختصر ٢/ ٤٧٨، تيسير التحرير ١/ ١٠١، ١٣١، فواتح الرحموت ١/ ٤٣٢، شرح الكوكب ٣/ ٥٠٩.\n(^٢) في (ك): \"هذا هو\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) البرهان ١/ ٤٥٤.\n(^٥) أخرجه البخاري ٢/ ٥٢٧ - ٥٢٨، في كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، =","vol":"3","page":946},{"text":"حديث معناه ثابت في الصحيح، فإن الغنم ذاتٌ، والسَّوْمَ والعَلَفَ وصفان يَعْتَوِرانها (^١)، وقد عُلِّق الحكم بأحدهما وهو السَّوْم.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (^٢) (^٣).\nوقد اختلفوا في هذا المفهوم: فذهب الجماهير (^٤) وكبيرهم الشافعي، وأبو الحسن، وأبو عبيدة مَعْمر بن المثنى (^٥)، وجَمْعٌ كثير من الفقهاء\n_________\n= رقم ١٣٨٦، بلفظ: \"وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائةٍ شاة\" الحديث. وأبو داود ٢/ ٢١٤، في كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، رقم ١٥٦٧، بلفظ: \"وفي سائمة الغنم إذا كانت أربعين. . .\" الحديث، وهذا اللفظ جزء من الحديث وهو في ٢/ ٢٢١. قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في تلخيص الحبير ٢/ ١٥٧: \"قال ابن الصلاح: أحسب أنَّ قول الفقهاء والأصوليين: في سائمة الغنم الزكاة - اختصار منهم\".\n(^١) أي: يتعاقبانها ويتناوبانها، فأحيانًا تَسُوم، وأحيانًا تُعْلف. انظر: لسان العرب ٤/ ٦١٨، مادة (عور).\n(^٢) سورة النساء: الآية ٢٥.\n(^٣) الطَّوْل: الغنى والسَّعَة. والمحصنات: الحرائر. والمراد بالفتيات هنا: المملوكات. يقال للأمة: فتاة، وللعبد: فتى. والمعنى: من لم يقدر على مهر الحرة فله - إذا خشي العنت على نفسه - أن ينكح الأمة المؤمنة، هذا هو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة: يجوز نكاح الأمة الكتابية. انظر: زاد المسير ٢/ ٥٥، ٥٦.\n(^٤) في (ص): \"الجمهور\".\n(^٥) هو مَعْمَر بن المثنى التيميّ مولاهم، اللغويّ البصريّ، أبو عُبيدة. ولد في سنة ١١٠ هـ ليلة وفاة الحسن البصري ﵀. كان أعلم من الأصمعيُّ وأبي زيد بالأنساب =","vol":"3","page":947},{"text":"والمتكلمين: إلى أنه يدل على النفي (^١)، واختاره المصنف. ثم اختلف هؤلاء في أنه هل يدل على نفي الحكم عما عداه مطلقًا سواء أكان (^٢) من جنس (^٣) المثبت فيه، أم (^٤) لم يكن، أو يختص بما إذا كان من جنسه؟ مثاله: إذا قلنا (^٥): \"في الغنم السائمة زكاة\" هل يدل على نفي الزكاة عن المعلوفة مطلقًا، سواء أكانت (^٦) معلوفةَ الغنمِ، أم (^٧) (الإبل، أم البقر) (^٨)، أو (^٩) يختص بالنفي عن معلوفة الغنم؟\nوهذا الخلاف حكاه الشيخ أبو حامد في كتابه في أصول الفقه عن أصحابنا. وقال: الصحيح تخصيصه بالنفي عن معلوفة الغنم فحسب.\nوَذَهَب أبو حنيفة، والقاضي أبو بكر، وأبو العباس بن سريج إمام\n_________\n= والأيام، وكان شعوبيًا يبغض العرب، لكنه من بحور العلم. له مصنفات تقارب مئتي مصنف، منها: مجاز القرآن، غريب الحديث، مقتل عثمان ﵁، أخبار الحجاج. مات سنة ٢٠٩، أو ٢١٠ هـ. انظر: تاريخ بغداد ١٣/ ٢٥٣، سير ٩/ ٤٤٥، بغية الوعاة ٢/ ٢٩٤.\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٣٠، البرهان ١/ ٤٥٥، الإحكام ٣/ ٧٢.\n(^٢) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"كان\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ت): \"أو\".\n(^٥) في (ت): \"قال\".\n(^٦) في (ص)، و(ك): \"كانت\".\n(^٧) في (ت): \"أو\".\n(^٨) في (ص): \"الإبل والبقر\". وفي (ت): \"الإبل أو الغنم\". وهو سهو من الناسخ.\n(^٩) في (ت)، (غ): \"أم\".","vol":"3","page":948},{"text":"أصحابنا، والقفال الشاشي، والغزالي، وجماعةٌ: إلى أنه لا يدل، واختاره الآمدي (^١).\nوفرق أبو عبد الله البصري (^٢) فقال بالمفهوم في الخطاب الوارد لبيان المجمل كقوله ﵊: \"زكوا عن سائمة الغنم\" فإنه ورد بيانًا لقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^٣)، والوارد للتعليم كقوله ﵊: \"إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة\" (^٤) الحديث، والوارد فيما انتفى عنه الصفة إذا كان داخلًا تحت المُتَّصِفِ بها نحو: الحكم بالشاهدَيْن، والشاهد الواحد؛ فإن الشاهد الواحد داخل تحت الشاهدين (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ٣/ ٧٢، ٨٥، المحصول ١/ ق ٢/ ٢٢٩، المستصفى ١/ ٤١٥، تيسير التحرير ١/ ١٠١.\n(^٢) هو الحسين بن عليّ، أبو عبد الله البصريّ، يعرف بالجعل. ولد سنة ٢٦٣ هـ، وسكن بغداد وكان من شيوخ المعتزلة، وله تصانيف كثيرة على مذاهبهم، وهو في الفروع حنفيّ. قال الصيمري: \"ولم يبلغ أحدٌ مبلَغَه في هذين العِلْمَيْن، أعني: الكلام والفقه، مع سَعَة النفس، وكثرهَ الإفضال، والتقدم عند السلطان، وإيثار الأصحاب\". توفي سنة ٣٦٩ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٨/ ٧٣، الجواهر المضية ٤/ ٦٣، لسان الميزان ٢/ ٣٠٣.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٤٣.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٤٦٦. والدارمي في السنن ٢/ ١٦٦ في كتاب البيوع، باب إذا اختلف المتبايعان. وأبو داود في السنن ٣/ ٧٨٠ - ٧٨٣ في كتاب البيوع، باب إذا اختلف البيِّعان والبيع قائم، رقم ٣٥١١، ٣٥١٢. والنسائي في السنن ٧/ ٣٠٢ - ٣٠٣ في كتاب البيوع، باب اختلاف المتبايعين في الثمن، رقم ٤٦٤٨. وابن ماجه في السنن ٢/ ٧٣٧ في كتاب التجارات، باب البيِّعان يختلفان، رقم ٢١٨٦. والدارقطني في السنن ٣/ ٢١ في كتاب البيوع، رقم ٧٢. والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٥ في كتاب البيوع، وقال: صحيح الإسناد. وأقره الذهبي.\n(^٥) فالشاهد الواحد انتفى عن صفة الحكم التي هي شهادة رجلين، وإن كان الشاهد =","vol":"3","page":949},{"text":"وفَرَّقَ إمام الحرمين بين الوصف المناسب وغير المناسب، فقال بمفهوم الأول دون الثاني (^١). وقد أطلق في الكتاب تَبَعًا للإمام النقلَ عنه (^٢) في إنكار مفهوم الصفة (^٣)، وليس بجيد. وقال الإمام: \"إنه لا يدل على النفي بحَسَب وضع اللغة، لكنه يدل عليه بحَسَب العرف العام\" (^٤).\nهذا تحرير الخلاف في المسألة.\n_________\n= الواحد داخلًا تحت الشاهدين. فانتفت عن الشاهد الواحد صفة الحكم، ولم ينتف عنه الدخول تحت المتصف. انظر: مذهب أبي عبد الله البصري في الإحكام ٣/ ٧٢.\n(^١) قال إمام الحرمين في البرهان ١/ ٤٦٦، ٤٦٧: \"إذا كانت الصفاتُ مناسبةً للأحكام المنوطةِ بالموصوف بها مناسبةَ العِلَلِ معلولاتِها، فَذِكْرها يتضمن انتفاء الأحكام عند انتفائها، كقوله - ﷺ -: \"في سائمة الغنم زكاة\"، فالسَّوْم يُشْعر بخفة المُؤَن، ودرور المنافع، واستمرار صحة المواشي، في صفو هواء الصحاري، وطيب مياه المشارع، وهذه المعاني تشير إلى سهولة احتمال مؤنة الإرفاق بالمحاويج، عند اجتماع أسباب الارتفاق بالمواشي، وقد انبنى الشرع على رعاية ذلك، من حيث خَصَّص وجوب الزكاة. بمقدار كثير، وأثبت فيه مَهَلًا يُتوقع في مثله حصول المرافق. فإذا لاحت المناسبة جرى ذلك على صيغة التعليل\". وقال أيضًا في البرهان ١/ ٤٦٩: \"الحق الذي نراه أن كلَّ صفةٍ لا يُفهم منها مناسبة للحكم - فالموصوفُ بها كالملقَّب بلقبه، والقول في تخصيصه بالذكر كالقول في تخصيص المسميات بألقابها. فقول القائل: زيد يشبع إذا أكل، كقوله: الأبيض يشبع؛ إذ لا أثر للبياض فيما ذُكِر، كما لا أثر للتسمية بزيدٍ فيه\".\n(^٢) عن إمام الحرمين.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٢٩.\n(^٤) ذكر الإسنوي رحمه الله تعالى أن الإمام ذكر هذا في \"المعالم\"، وأما في \"المحصول\" و\"المنتخب\" فذهب إلى أنه لا يدل. انظر: نهاية السول ٢/ ٢٠٩، التمهيد ص ٢٤٥، المحصول ١/ ق ٢/ ٢٢٩.","vol":"3","page":950},{"text":"وأما محل النزاع فهو كما أشار إليه المصنف بقوله: \"ما لم يظهر\" أي: إنما يدل - عند القائلين به - إذا لم يظهر لتعليق (^١) الحكم بالصفة المذكورة فائدةٌ أخرى مغايرةٌ لنفي الحكم عما عداها، ككونه جوابًا عن سؤالِ سائلٍ عن حكم إحدى الصفتين، أو خارجًا مخرج الغالب، أو غير ذلك. مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢) فإنَّ قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لا مفهوم له؛ لأن النهي عن موالاة الكافرين عامٌ (^٣) فيمَنْ والَى المؤمنين ومَنْ لم يُوَالهم، وإنما معنى قوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنَّ لكم في موالاة المؤمنين (^٤) مندوحة عن موالاة الكافرين، فلا تؤثروهم عليهم. ففي هذه الأشياء لا يدل على نفي الحكم عما عدا الصفة المذكورة، كما نقله المتأخرون من الأصوليين.\nوقد نازع إمام الحرمين فيما إذا خَرَج مَخْرج الغالب بعد أن نقل عن الشافعي ما قلناه من أنه لا مفهوم حينئذٍ وأطال الكلام فيه (^٥)، والشيخ عز الدين بن عبد السلام قال: القاعدة تقتضي العكس، وهو أن الوصف إذا خرج مَخْرج الغالب يكون له مفهومٌ بخلاف ما إذا لم يكن غالبًا، وذلك لأن الوصف الغالب على الحقيقة تدل العادة على ثبوته لتلك الحقيقة، فالمتكلم يكتفي بدلالة العادة على ثبوته لها عن ذكر اسمه (^٦)، فإذا\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): لتعلق.\n(^٢) سورة آل عمران: الآية ٢٨.\n(^٣) في (غ)، و(ك): \"عامة\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ٤٧٤ - ٤٧٨.\n(^٦) فمثلًا لو قال الشارع: في الغنم زكاة. وكانت الغنم في وقت ورود الخطاب كلها =","vol":"3","page":951},{"text":"أتى بها (^١) مع أن العادة كافية فيها - دلَّ على أنه إنما أتى بها لتدل على سلب الحكم عما عداه (^٢)؛ لانحصار غرضه فيه. (وأما إذا لم يكن عادة فقد يقال: إنَّ غرض المتكلم بتلك) (^٣) الصفة أن يُفْهِم السامع أن هذه الصفة ثابتة لهذه الحقيقة (^٤).\nوقد أجاب القرافي عن هذا: بأن الوصف إذا كان غالبًا يكون لازمًا لتلك الحقيقة في الذهن بسبب (^٥) الشهرة والغلبة، فذِكْره إياه مع الحقيقة عند الحكم عليها (لَعَلَّه لحضوره) (^٦) في ذهنه لا لتخصيص الحكم به، وأما إذا لم يكن غالبًا فالظاهر أنه لا يُذْكر مع الحقيقة إلا لتقييد الحكم به؛ لعدم مقارنته للحقيقة في الذهن حينئذ، فاستحضارُه معه واستجلابه لذكْره (عند الحقيقة عند الحكم) (^٧) إنما يكون لفائدة، والفَرْض عدم ظهور فائدة أخرى، فيتعين (^٨) التخصيص (^٩) (^١٠). وهذا الجواب صحيح.\n_________\n= سائمة، كان معنى هذا الخطاب أن الزكاة في الغنم السائمة لا غيرها، وإنما لم يذكر وصف السوم ولم ينص عليه اكتفاءً بالعادة الجارية وقت ورود الخطاب.\n(^١) أي: بالصفة.\n(^٢) أي: عما عدا هذا الوصف.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) فليس قصده نفي الحكم عما عدا الصفة.\n(^٥) في (ت): \"لسبب\".\n(^٦) في (غ): \"لعلَّة حضوره\"\n(^٧) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"عند الحكم عند الحقيقة\".\n(^٨) في (غ): \"فتعيَّن\".\n(^٩) أي: تخصيص الحكم بالوصف المذكور.\n(^١٠) انظر: سؤال الشيخ عز الدين، وجواب الإمام القرافي في شرح تنقيح الفصول ص ٢٧٢.","vol":"3","page":952},{"text":"فإنْ قلت: هذا لا يتضح بالنسبة إلى كلام الله تعالى؛ لعِلْمِه بالغالب وغير الغالب على حد سواء.\nقلتُ: هذا السؤال أورده الشيخ صدر الدين بن المرحل في كتابه \"الأشباه والنظائر\". وقد ذكر اختلاف الأصوليين في أن العام هل يشمل الصورة النادرة فقال: \"هذا الخلاف لا يبين لي جريانه في كلام الله تعالى؛ لأنه لا يخفى عليه خافية فهو يعلم ذلك النادر\" قال (^١): \"وإنما يتبين (^٢) لي دخوله في كلام الآدميين\" (^٣).\nوقد أجبت عنه في كتابي \"الأشباه والنظائر\" بما لو عُرِض على ذوي التحقيق لتلقوه بالقبول. فقلت: الخلاف جار في كلام الله تعالى لا للمعنى الذي ذكره ابن المرحل؛ بل لأن كلام الله منزَّلٌ على لسان العرب وقانونهم وأسلوبهم، فإذا جاء فيه لفظٌ عام تحته صورة نادرة، وعادةُ العرب إذا أَطْلَقَتْ ذلك اللفظ لا تمر تلك الصورة ببالها - نقول: هذه الصورة ليست داخلة في مراد الله تعالى من هذا اللفظ، وإن كان عالمًا بها؛ لأن هذا اللفظ يطلق عند العرب ولا يراد هذه الصورة، كما يجيء في القرآن ألفاظ كثيرةٌ يستحيل وقوع معانيها من الله تعالى: كالترجي والتمني، وألفاظ التشكيك، وكل ذلك منتف في جانبه تعالى، وإنما تجيء لِكَوْن (^٤) القرآن على أسلوب كلام العرب (^٥).\n_________\n(^١) في (ص): \"وقال\".\n(^٢) في (غ): \"يبين\".\n(^٣) انظر: الأشباه والنظائر لابن المرحل ١/ ٢١٢، ٢١٣.\n(^٤) في (ص): \"ليكون\".\n(^٥) انظر: الأشباه والنظائر للشارح ٢/ ١٢٨.","vol":"3","page":953},{"text":"قال: (لنا: أنه المتبادر من قوله - ﷺ -: \"مطل الغنيِّ ظلم\" ومن قولهم: \"الميت اليهودي لا يُبْصر\" وأن ظاهر التخصيص يستدعي فائدة، وتخصيصُ الحكم فائدةٌ، وغيرها منتف بالأصل فيتعين (^١). وأن (^٢) الترتيب يشعر بالعلِّية كما ستعرفه، والأصل ينفي علةً أخرى فينتفي بانتفائها. قيل: لو دلَّ لدلَّ إما مطابقة أو التزامًا. قلت: التزامًا لما ثبت أن الترتيب يدلُّ على العلية، وانتفاء العلة يستلزم انتفاء معلولها المساوي. قيل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ ليس كذلك. قلت: غير المدعى).\nاستدل على أن مفهوم الصفة حجة بثلاثة أوجه:\nالأول: أنه يتبادر إلى الفهم حيث كان، كما أن مَنْ سمع ما رواه البخاري (ومسلم) (^٣) من قوله - ﷺ -: \"مَطل الغني ظلم\" (^٤) - فَهِم أنَّ مَطْل\n_________\n(^١) أي: فيتعين تخصيص الحكم. وفي (ت): \"فتعيَّن\".\n(^٢) في (ت): \"ولأن\".\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٤) انظر: صحيح البخاري ٢/ ٧٩٩، في كتاب الحوالات، باب في الحوالة، وهل يرجع في الحوالة، رقم ٢١٦٦. وباب إذا أحال على مليٍّ فليس له ردٌّ، رقم ٢١٦٧. وفي كتاب الاستقراض، باب مطل الغني ظلم، رقم ٢٢٧٠. صحيح مسلم ٣/ ١١٩٧، في كتاب المساقاة، باب تحريم مطل الغني، رقم ١٥٦٤. وأخرجه أبو داود ٣/ ٦٤٠، في كتاب البيوع والإجارات، باب في المطل، رقم ٣٣٤٥. والنسائي ٧/ ٣١٧، في كتاب البيوع، باب الحوالة، رقم ٤٦٩١. وابن ماجه ٢/ ٨٠٣، في كتاب الصدقات، باب الحوالة، رقم ٢٤٠٤.","vol":"3","page":954},{"text":"من ليس بغني ليس ظلمًا. وقد فَهِم ذلك من الحديث أبو عبيدة وهو من أئمة اللغة، وكذلك الشافعي وهو إمام اللغة وابن بَجْدتها (^١)، والتمسك بقول الشافعي وأبي عبيدة أولى من التمسك بقول أعرابي جِلْفٍ.\nوكذلك أهل العرف يتبادر إلى فهمهم مِنْ قول القائل: الميت اليهودي لا يُبْصِر: أن الميتَ الذي ليس هو (^٢) بيهودي يُبْصِر، بدليل أنهم يسخرون من هذا الكلام ويضحكون منه.\nوإنما ذكر المصنف هذين المثالين لِيُبَيِّن (^٣) أنه المتبادر إلى الفهم في الأول عند أهل اللغة، وفي الثاني عند أهل العرف، فيجتمع التبادر من الجهتين، وهذا من محاسنه.\nوقد اعترض إمام الحرمين على التمسك بفهم الشافعي وأبي عبيدة فقال: هذا المسلك فيه نظر؛ فإن الأئمة قد يحكمون على اللسان عن نظر واستنباط، وهم في مسالكهم في محلِّ النزاع مطالبون بالدليل. والأعرابي الجِلف منطقه طَبْعُه، فيغع التمسك بمنظومه ومنثوره.\nالوجه الثاني: أن ظاهر تخصيصِ الحكمِ بالصفة يستدعي فائدةً صَوْنًا للكلام عن اللغو، وتلك الفائدة ليست إلا نَفْي الحكم عما عداه؛ لأن غيرها منتفٍ بالأصل، فتتعين هي؛ ولأن الكلام فيما إذا لم يظهر للتخصيص بالذكر فائدةٌ أخرى.\n_________\n(^١) في اللسان ٣/ ٧٧، مادة (بجد): \"وعنده بَجْدَة ذلك، بالفتح، أي: عِلْمه. ومنه يقال: هو ابن بَجْدَتها، للعالم بالشيء المتقن له المميز له، وكذلك يقال للدليل الهادي\".\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) في (ت): \"ليتبيَّن\".","vol":"3","page":955},{"text":"فإن قلت: هذا يلزمكم في مفهوم اللقب.\nقلت: اللقب له فائدةُ تصحيحِ الكلامِ؛ إذ الكلام بدونه غير مفيدٍ بخلاف الصفة.\nالثالث: أنَّ الحكم المرتب على الخطاب المقيَّد بالصفة معلولُ تلك الصفة، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في كتاب القياس من أن ترتيب الحكم على الوصف يُشْعر بالعلية (^١)، والأصل عدم علةٍ أخرى (^٢)؛ لأنا إنْ جَوَّزنا التعليل بعلتين فلا شك أن الأصَل عدمه، وإذا لم يكن له علة غير الوصف لزم انتفاء الحكم فيما انتفى عنه الوصف؛ لأن انتفاء العلة يستلزم انتفاء المعلول.\nقوله: \"قيل\" أي: احتج الخصم بوجهين:\nأحدهما: أنه لو دل تخصيص الحكم بإحدى الصفتين على نفيه عما عداها - لدل عليه إما بالمطابقة أو بالالتزام؛ ضرورةَ انحصارِ الدلالة فيهما، فإن المراد بدلالة الالتزام هنا دلالة اللفظ على لازم مسماه، واللازم أعم من الجزء والوصف (^٣) فيشمل (^٤) دلالةَ التضمن، لكنه لا يدل (لا بالمطابقة ولا بالالتزام، إنما قلنا: إنه لا يدل بالمطابقة) (^٥)؛ لأن ثبوت الحكم في إحدى\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص): \"العلية\".\n(^٢) أي: لهذا الحكم المرتب على الصفة.\n(^٣) أي: لا يريد باللازم اللازم المنطقي: الذي هو دلالة اللفظ على أمر خارج عن المعنى لازم له لزومًا ذهنيًا.\n(^٤) في (ص): \"فيشتمل\".\n(^٥) سقطت من (ت).","vol":"3","page":956},{"text":"الصفتين ليس عين ثبوته في الأخرى؛ لأن قوله: \"زكوا عن الغنم السائمة\" غير موضوع لنفي الزكاة عن المعلوفة، فالدال على أحدهما بالمطابقة لا يدل على الآخر بها.\nوإنما قلنا: إنه لا يدل بالالتزام؛ لأنه (^١) إنْ كان التضمن (^٢) فواضح؛ لأن نَفْي الحكم عما عدا المذكور ليس جزءًا لثبوته في المذكور (^٣). وإن كان الالتزام المُعَرَّف في تقسيم الألفاظ فلأن شَرْطه سبقُ الذهن من المسمى إليه (^٤)، والسامع قد يتصور وجوبَ الزكاة في السائمة ويَغْفل في تلك الحالة عن استحضار الحكم على المعلوفة بنفيٍ أو إثبات، بل قد يغفل عن تصور المعلوفة.\nوأجاب في الكتاب: بأنه يدل عليه بالالتزام؛ لما ثبت من أن (^٥) ترتيب الحكم على الوصف مُشْعِرٌ (^٦) بالعلية، وأن الأصل عدمُ علةٍ أخرى، فانتفاء الحكم عما عدا تلك الصفة (من لوازم ثبوته لها؛ لأن انتفاء العلة يستلزم انتفاء معلولها المساوي (^٧)، فالدال) (^٨) على ثبوت الحكم للصفة المخصوصة\n_________\n(^١) في (ت): \"فلأنه\".\n(^٢) أي: إن كان المراد من الالتزام هو التضمن.\n(^٣) والتضمن لا بد وأن يكون جزءًا من المذكور.\n(^٤) أي: من المعنى المطابقي.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في (غ): \"يشعر\".\n(^٧) المعلول المساوي: هو الذي وجوده بوجود العلة، وانتفاؤه بانتفائها. أي: لهذا ليس المعلول علةٌ غيرها، فهو مساوٍ لها وجودًا وعدمًا.\n(^٨) سقطت من (ت).","vol":"3","page":957},{"text":"بالذّكر مطابقةً - يدل على نفيه عما عداها التزامًا.\nوقوله (^١): \"المساوي\" أراد به أن لا يكون له علةٌ أخرى، احترازًا عما يكون له علة أخرى، كالحرارة فإنها معلولةٌ للنار، وللشمس (^٢). فلو كانت له (^٣) علةٌ أخرى لم يلزم من انتفاء هذه العلة انتفاء المعلول؛ لجواز ثبوته بالعلة الأخرى. هذا تقرير الجواب.\nولقائل أن يقول: إنما يتأتى هذا (^٤) عند مَنْ لا يشترط في دلالة الالتزام اللزوم البيِّن (^٥)، ويكتفي باللازم الخارجي (^٦) سواء أكان (^٧) لزومه بواسطة أم بغير واسطة.\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص): \"قوله\".\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"والشمس\".\n(^٣) أي: للحكم.\n(^٤) أي: إنما يتأتى نفى الحكم عما عدا الصفة المذكورة.\n(^٥) يعني: اللزوم الذهني، فإنه يسميه المناطقة باللزوم البيِّن. انظر: شرح الباجوري على السلم ص ٣٤. وفي المنهج القويم في المنطق الحديث والقديم ص ٤٧، ٤٨: \"اللزوم: هو امتناع الانفكاك عقلًا أو عرفًا، فاللازم للشيء: هو ما لا ينفك عنه. واللزوم ينقسم إلى: بيِّن، وغير بَيِّن. واللزوم البَيِّن: هو ما لا يحتاج في الجزم به إلى شيءٍ آخر غير تصور الطرفين: الملزوم واللازم. واللزوم غير البَيِّن: هو ما يحتاج في الجزم باللزوم إلى شيءٍ آخر مع تصور الطرفين. مثاله: اللزوم بين العالم والحدوث، فإنه لا يكفى تصور الطرفين، بل لا بد من حد وسط وهو أنه متغير، وكل متغير حادث\" مع تصرف يسير واختصار.\n(^٦) كالسواد للغراب، فإنه لازم خارجي لا ذهني.\n(^٧) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"كان\".","vol":"3","page":958},{"text":"الوجه الثاني: أنه لو دلَّ لما كان حكم المنطوق به ثابتًا مع عدم الصفة، لكنه ثابت (^١)، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ (^٢) فإنَّ قتل الأولاد محرم في الحالتين (^٣).\nوأجاب: بأن هذا غير المدَّعَى؛ لأنا لم ندَّعِ أن مفهوم الصفة حجة إلا فيما إذا لم يظهر له فائدة أخرى كما تقدم، وهنا قد ظهرت له فائدة وهي خروجه مَخْرَج الغالب؛ لأن غالب أحوالهم أنهم لا يقتلون أولادهم إلا عند خشية الفقر. هذا جواب المصنف.\nوالحق أن هذا ليس مما نحن فيه؛ لأن دلالته على حرمة القتل عند انتفاء خشية الإملاق من باب الأولى، فهو من فحوى الخطاب لا من دليله (^٤).\nفإن قلت: هَبْ أن هذه الآية لا تدل لما ذكرناه، ولكن ثَمَّ آية أخرى مؤيدة له (^٥) وهي قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (^٦) فلو كان مفهوم الصفة حجة للزمكم القول بأنَّ لهم شفيعًا لا يطاع.\nقلت: هذه الصفة لها فائدة أخرى غير التخصيص فلا تكون (^٧) من محل\n_________\n(^١) فينتج أنه: لا يدل.\n(^٢) سورة الإسراء: الآية ٣١.\n(^٣) أي: سواء خشي أو لم يخشَ.\n(^٤) لأن الحكم في المسكوت أقوى منه في المنطوق، وشَرْط مفهوم المخالفة أن يكون الحكم في المسكوت أضعف من المنطوق.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سورة غافر: الآية ١٨.\n(^٧) في (ص)، و(ك): \"فلا يكون\". والمعنى على هذا الوجه: فلا يكون الموضع.","vol":"3","page":959},{"text":"النزاع، وقد ذكر والدي أيده الله تعالى في تفسير هذه الآية ست فوائد لهذه الصفة:\nإحداها: أنها الذي تتشوف إليه نفوسُ مَنْ يَقْصُد أن يُشْفع فيه (^١)، فكان التصريح بنفيها نفيًا قطعًا لأطماع الظالمين وفطمًا لهم، ليقطعوا إياسهم؛ لأن مَنْ كان متشوفًا إلى شيء فَصُرِّح له بأنه لا يبلغه - كان أنكى له من أن يُدَلَّ عليه بلفظ عام شامل له أو مستلزم إياه (^٢)، فلم يُقْصَد بهذه الصفة التخصيص، وإنما قُصد ما ذكرناه.\nالثانية: أنَّ من الشفعاء من لا تُقبل شفاعته، فلا غرض فيه أصلًا. ومنهم مقبول الشفاعة وهو المقصود، فَنَصَّ عليه تحقيقًا لمَنْ قَصدَ نَفْيه، وهي صفة مُخَصِّصة، وقَدَّم هذا الغَرَض (^٣) على ما يقتضيه مفهومُ الصفة من وجود غيره؛ لقيام الدليل على عدمه (^٤). وهذه الفائدة مغايرة للأولى؛ لأن هذه في آحاد الشفعاء وتلك في صفة شفاعتهم (^٥).\n_________\n(^١) أي: صفة \"مُطَاع\" تتشوف إليها نفوس الظالمين، الذين يقصدون أن يُشْفع فيهم.\n(^٢) كأن يقول: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ﴾ بدون ذكر: يطاع.\n(^٣) وهو تحقيق نفي مقبول الشفاعة، أي: جَعْل نفي قبول شفاعته أمرًا محققًا قطعيًا لا شك فيه.\n(^٤) أي: لقيام الدليل على عدم مفهوم الصفة، فالظالمون الكافرون ليس لهم شفيع أصلًا، ولو فُرِض فلن يطاع.\n(^٥) أي: القصد بهذه الفائدة تحقيق نفي مقبول الشفاعة لو وقعت، وهي لا تقع. والقصد بالفائدة الأولى نفي صفة الشفاعة، أي: فليس هناك شفاعة مقبولة لهم، وليس هناك شفيع مقبول لهم، وهذا مع كون حصول الشفاعة في حقهم ممتنعة لكن الغرض قطع أملهم، وتحقيق يأسهم من حصول شفاعةٍ مطاعةٍ أو شفيعٍ مطاع في حقهم.","vol":"3","page":960},{"text":"الثالثة: ما يدل عليه مادة ﴿يُطَاعُ﴾ والغالب في الشفاعة استعمال لفظ القبول والنفع وما أشبههما، أما الطاعة فإنما تقال في الأمر (^١)، فكان ذكرها ههنا (^٢) لنكتة بديعة: وهي أنه لما ذكر الظالمين، وشأنُ الظالمين في الدنيا القوة، والمتكلَّم لهم بمنزلة مَنْ يأمر فيطاع - نفى عنهم ذلك في الآخرة تبكيتًا وحسرة، فإن النفس إذا ذُكّرت ما كانت عليه وزال عنها وخوطبت به - كان أشد عليها (^٣).\nالرابعة: أنه إشارة إلى هولِ ذلك اليوم العصيب، وأن شدته بلغت مبلغًا لا ينفع فيه إلا شفيع له قوة ورتبة أن يطاع لو وجد وهو لا يوجد. وهذه قريبة من التي قبلها إلا أنها بحسب الحاضر، وتلك بحسب الماضي (^٤).\n_________\n(^١) يعني: الطاعة تستعمل عند صدور الأمر من الآمر، أما الشفيع فلا يأمر بالطاعة بل يترجى ويتعطف.\n(^٢) في (ك): \"هنا\".\n(^٣) فالظالمون حالهم الأمر والنهي، والطاعة لهم، وها هم يوم القيامة مسلوبي القوة مطلقًا، فلا هم يطاعون، بل وليس لهم شفيع يطاع من أجلهم، فذِكْر عدم طاعة الشفيع من أجلهم تذكيرٌ بحالهم في الدنيا وما كانوا عليه من القوة والأمر والنهي.\n(^٤) أي: ذكر لفظ ﴿يُطَاعُ﴾ له فوائد ومنها فائدتان: الأولى: وهي تذكير الظالمين بما كانوا عليه في الدنيا من طاعة الخلق لهم، وأمرهم ونهيهم، فها هم اليوم لا أمر ولا نهي، ولا يطاع شفيعهم لو وجد. وهذه هي الفائدة التي سبق ذكرها، وهي بحسب الماضي أي: ماضي هؤلاء في الدنيا. والثانية: وهي بحسب الحاضر الذي يخاطبون فيه - وهو يوم القيامة - أنه لا ينفع في ذلك اليوم العصيب إلا شفيع يطاع، أي: له قوة ورتبة حتى يطاع، وهذا لا يوجد يوم القيامة إذ تتلاشى فيه كل القوى، فلا قوة إلا قوة الجبار، ولا مُلْك إلا مُلْك العزيز القهار، فلا أمر ولا نهي ولا طاعة إلا لملك الملوك. . وهذا غاية في تصوير عظمة الجبار، وذلة وضعف الخلائق كلها أمام القهار، وأن هؤلاء الظالمين ليس لهم قوة يلجؤون إليها، ولا جهة يلوذون بها.","vol":"3","page":961},{"text":"الخامسة: التنبيه على ما قُصِد (^١) الشفيعُ لأجله (^٢)، يقول المغلوب الذي ليس عنده أحد: ما عندي أحد ينصرني، تنبيهًا على أن مقصوده النصرة (^٣) (^٤).\nالسادسة: فائدةٌ ذكرها الزمخشري، وفَهْمها يتوقف على تحرير كلامه، وفيه نظر طويلٌ، وقد تكلَّم عليه الشيخ الإمام والدي أبلغ كلام وأحسنه، ولولا خشية التطويل والخروج عن مقصد الشرح لاستوعبنا ذكره، فإنه مما (^٥) يشح به اللبيب، ويُغبط به ذو الذهن السليم (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>قاعدة:</span>\nأصلُ وضع الصفة أن تجيء إما للتخصيص، أو للتوضيح: ويكثر مجيئها للتخصيص في النكرات، وللتوضيح في المعارف، نحو: مررتُ برجلٍ عاقلٍ، وبزيدٍ العالم (^٧).\n_________\n(^١) في (ص): \"ما فضل\". وهو خطأ.\n(^٢) أي: ذكر لفظ ﴿يُطَاعُ﴾ فيه تنبيه على أن الشفيع إنما يقصد ليطاع، أي: لتقبل شفاعته، فالشفيع الذي لا يطاع ليس فيه مقصد أصلًا، وعلى هذا فذكر هذه الصفة لحكاية الواقع لا للتخصيص، فلا مفهوم لها.\n(^٣) في (غ): \"النصر\".\n(^٤) أي: ليس مقصوده وجود أحد عنده، بل مقصوده وجود نصير ينصره، وكذا في الآية، فالمقصود من الشفيع قبول شفاعته.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) انظر: الفوائد الست في فتاوي السبكي ١/ ١٢٣ - ١٢٥.\n(^٧) ففي الأول خصصنا العاقل، وفي الثاني وضحنا مَنْ هو زيد.","vol":"3","page":962},{"text":"وقد تجيء لمجرد الثناء كصفات الله تعالى، أو لمجرد الذم نحو: الشيطان الرجيم. أو للتوكيد مثل: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾. أو للتحنن مثل: زيد المسكين. وهذه الأقسام (^١) لا مفهوم لها.\nوقد يُعَبَّر عن التخصيص بالشرط، وعن التوضيح بالتعريف، والمعنى واحد. ولما احتمل كون كل منهما مرادًا - وقع في مواضع كثيرة من الكتاب والسنة أماكنُ اختلف فيها العلماء، وفي الحكم المرتب عليها؛ لأجل اختلافهم فيها.\nفمن ذلك قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ (^٢)، فقوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ متردد (^٣) بين أن يكون للتوضيح أو للتخصيص، فإن كان الأول كان (^٤) فيه دلالة لمذهب الشافعي - ﵁ - أن العبد لا يملك شيئًا، ويكون معنى الآية: أن هذا شأن العبد كما في قوله: \"مملوكًا\" قبل ذلك، فإنه للتوضيح لا محالة. وإنْ كان قوله: ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ للتخصيص - كان فيه دلالة لمذهب مالك والقديمِ عندنا أن العبد يملك بالتمليك (^٥)؛ (لأن معنى الآية: أن العبد قد يملك) (^٦) وقد لا يملك، والوصفُ خَصَّص المثال (^٧) بمن لا يملك شيئًا،\n_________\n(^١) أي: الأقسام الأربعة: لمجرد الثناء، أو الذم، أو التوكيد، أو التحنن.\n(^٢) سورة النحل: الآية ٧٥.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) أي: بأن يملِّكه سيده.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) وهو العبد في الآية.","vol":"3","page":963},{"text":"ولا يقدر عليه (^١) (^٢).\nومنها: قوله - ﷺ - لصفوانَ بنِ أمية (^٣) لما استعار منه: \"بل عارية\n_________\n(^١) فدل هذا على أن العبد مِنْه مَنْ يملك، ومنه من لا يملك، والمعنى: أن الشافعي ﵀ نظر إلى أن العبد في الآية موصوف بصفة المملوك، فأصبح في حكم المعرفة؛ لأن النكرة إذا وصفت صارت في حكم المعرفة، فكانت جملة: \"لا يقدر على شيء\" للتوضيح، أي: كل عبدٍ لا يقدر على شيء، فلا يملك شيئًا. ومالك ﵁ نظر إلى أن العبد نكرة، ولم ينظر إلى الصفة: مملوك، فجملة: \"لا يقدر على شيء\" أفادت تخصيص العبد، أي: أن العبد قسمان: قسم يقدر على شيءٍ فيملك، وقسم لا يقدر على شيءٍ فلا يملك، وهو الذي خصصته الآية.\n(^٢) قال القرطبي رحمه الله تعالى: \"فهم المسلمون من هذه الآية ومما قبلها نقصانَ رتبة العبد عن الحر في الملك، وأنه لا يملك شيئًا وإنْ مُلِّك. قال أهل العراق: الرِّق ينافي الملك، فلا يملك شيئًا ألبتةَ بحال. وهو قول الشافعي في الجديد، وبه قال الحسن وابن سيرين. ومنهم مَنْ قال: يملك إلا أنه ناقص الملك؛ لأن لسيده أن ينتزعه منه أيَّ وقت شاء. وهو قول مالك ومن اتبعه، وبه قال الشافعي في القديم، وهو قول أهل الظاهر؛ ولهذا قال أصحابنا: لا تجب عليه عبادة الأموال من زكاة وكفارات، ولا مِنْ عبادات الأبدان ما يقطعه عن خدمة سيده كالحج والجهاد وغير ذلك. وفائدة هذه المسألة: أن سيده لو ملَّكه جاريةً جاز له أن يطأها بملك اليمين، ولو ملَّكه أربعين من الغنم فحال عليها الحول لم تجب على السيد زكاتها؛ لأنها مِلْكُ غيره، ولا على العبد؛ لأن ملكه غير مستقر. والعراقي يقول: لا يجوز له أن يطأ الجارية، والزكاة في النصاب واجبة على السيد كما كانت\". الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٤٧. وانظر: أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٦٥، أحكام القرآن للجصاص ٣/ ١٨٦.\n(^٣) هو صفوان بن أمية بن خَلَف بن وهب بن حذافة بن جُمَح القرشيُّ الجُمَحِيّ، أبو وهب، وقيل: أبو أمية. قُتل أبوه يوم بدر كافرًا، وأسلم هو بعد الفتح، وكان من المؤلفة، وشهد اليرموك. وكان من أشراف قريش في الجاهلية والإسلام. مات أيام =","vol":"3","page":964},{"text":"مضمونة\" (^١) (فإن قوله: \"مضمونة\") (^٢) (إنْ كان للتوضيح كان فيه دليل لمذهب الشافعي أن العارية) (^٣) مضمونة، وأن هذا شأنها. وإن كان للتخصيص كان مُسْتَندًا لأبي حنيفة في أنها غير مضمونة ما لم يَشْترط (^٤) (^٥).\nومنها: إذا قال لزوجته: إذا تظاهرتُ من فلانة الأجنبية فأنتِ عليَّ كظهر أمي. ثم تزوجها فَظَاهر (^٦) منها فهل يصير مظاهرًا من الزوجة الأولى؟ فيه وجهان:\nأحدهما: أنه يصير مظاهرًا (ويُجْعل الوصف بالأجنبية توضيحًا،\n_________\n= قتل عثمان، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين، في أوائل خلافة معاوية ﵁. انظر: سير ٢/ ٥٦٢، تهذيب ٤/ ٤٢٤، تقريب ص ٢٧٦، رقم ٢٩٣٢.\n(^١) حديث صفوان بن أمية ﵁: \"أن رسول الله - ﷺ - استعار منه أدراعًا يوم حنين، فقال أغصبٌ يا محمد؟ فقال: \"بل عارية مضمونة\". أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٠٠ - ٤٠١، ٦/ ٤٦٥. وأبو داود ٣/ ٨٢٢ - ٨٢٣، في البيوع، باب في تضمين العارية، رقم ٣٥٦٢، ٣٥٦٣. والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٧، كتاب البيوع.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) فإذا كانت الصفة \"مضمونة\" للتوضيح، فيكون المعنى: كل عارية مضمونة. وإذا كانت الصفة \"مضمونة\" للتخصيص، فيكون المعنى أن العارية قسمان: مضمونة إذا اشْتُرط ضمانُها، وغير مضمونة إذا لم يُشْترط ضمانها.\n(^٥) انظر: بداية المجتهد ٢/ ٣١٣، نهاية المحتاج ٥/ ١٢٤، ١٢٥، الهداية ٣/ ٢٤٧.\n(^٦) في (ت)، (ك): \"وظاهر\".","vol":"3","page":965},{"text":"والثاني: (وهو الأصح عند الرافعي) (^١) أنه لا يصير مظاهرًا) (^٢) ويكون لفظ \"الأجنبية\" للشرط وهو التخصيص، فكأنه علَّق ظهاره من الزوجة على ظهاره من تلك في حال كونها أجنبية، وذلك تعليق على ما لا يكون ظهارًا شرعيًا، فلا يصح ظهاره من الأولى (^٣).\nومنها: إذا حلف لا يأكل من لحم هذا الجمل، فصار كبشًا فأكله، ففيه خلاف، منهم مَنْ خَرَّجه على هذه القاعدة (^٤)، ومنهم من خَرَّجه على تغليب الإشارة والعبارة (^٥). ومن هنا ينعرج القول إلى مسائل الإشارة والعبارة، وقد ذكرنا في كتابنا \"الأشباه والنظائر\" عند ذكر هذه القاعدة من مسائلها ما تَقَرُّ به عين ناظره (^٦). والله أعلم.\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) لأنه ما دام أن الظهار لا يقع من الأجنبية حال كونها أجنبية، فلا يقع من الأُولى. وقد رجَّح الإسنوي في التمهيد ص ٢٥٠ الوجه الأول فقال: \"فإنه يصير مظاهرًا من الأخرى على الصحيح، ويُحْمل وصفها بالأجنبية على تعريفها بالواقع\".\n(^٤) أي: إنْ كان الوصف للتوضيح حنث، وإن كان للتخصيص لم يحنث.\n(^٥) يعني: إذا غلبت الإشارة حنث؛ لأن المقصود هو الذات المشار إليها سواء كانت جملًا أو غيره، وإذا غلبت العبارة فلا يحنث لأنه إنما حلف على لحم الجمل، ولم يحلف على الكبش.\n(^٦) انظر مفهوم الصفة في: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٢٨، والتحصيل ١/ ٢٩٧، الحاصل ١/ ٤٣٩، نهاية السول ٢/ ٢٠٨، السراج الوهاج ١/ ٤١٧، الإحكام ٣/ ٧٢، البحر المحيط ٥/ ١٥٥، شرح تنقيح الفصول ص ٢٧٠، بيان المختصر ٢/ ٤٤٧، تيسير التحرير ١/ ١٠٠، شرح الكوكب ٣/ ٤٩٨.","vol":"3","page":966},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-322>(الخامسة: التخصيص بالشرط مثل: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾</span> (^١) فإنّه ينتفي المشروط بانتفائه. قيل: تسمية \"إنْ\" حرفُ شرطٍ (^٢) اصطلاح. قلنا: الأصل عدم النقل. قيل: يلزم ذلك لو لم يكن للشرط بدل. قلنا: حينئذ يكون أحدهما وهو غير المدعى. قيل: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (^٣) ليس كذلك. قلنا: لا نسلم بل انتفاء الحرمة لامتناع الإكراه).\nهذا مفهوم الشرط وهو أقوى من مفهوم الصفة، ولذلك قال به بعض مَن لا يقول بمفهوم الصفة كابن سريج، وبالغ إمام الحرمين في الرد على منكريه (^٤). وأما الغزالي فإنه صمم على إنكاره فقال (^٥): \"الصحيح عندنا ما ذهب إليه القاضي من إنكاره\" (^٦).\nواعلم أنَّ محل الخلاف في مفهوم الشرط فيما إذا قال: مَنْ جاءني أكرمتُه، وأمثالها مِنْ صيَغ الشرط نحو: متى، وإذا: أنَّ هذه الصيغة الدالة بمنطوقها على إكرام مَنْ يجيء، هل هي دالة بمفهومها على عدم إكرام من لم يجئ؟ هذا محل النزاع، وكذلك في مفهوم الصفة وغيره، فالخلاف إنما هو في دلالة حرف الشرط على العلم عند العلم (^٧)، لا على أصل العلم عند\n_________\n(^١) سورة الطلاق: الآية ٦.\n(^٢) في (ك): \"الشرط\".\n(^٣) سورة النور: الآية ٣٣.\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٤٥٢.\n(^٥) في (ت)، و(ك): \"وقال\".\n(^٦) انظر: المستصفى ٣/ ٤٣٨.\n(^٧) أي: على عدم الجزاء عند عدم الشرط.","vol":"3","page":967},{"text":"العدم (^١)، فإن ذلك ثابت بالأصل قبل أن ينطق الناطق بكلامه، وكذا في سائر المفاهيم.\nمثال مفهوم الشرط: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (^٢) دلَّ بالمنطوق على وجوب النفقة على أولات الأحمال، فهل يدل بالمفهوم على العلم عند العلم، حتى يُسْتدل به على منع وجوب النفقة للمعتدة الحائل (^٣)؟\nوالذي اختاره المصنف تبعًا للإمام (^٤) والجماهير وهو مذهب الشافعي ﵁: أنه يدل. ودليله: أن النحويين قالوا: إنَّ كلمة \"إنْ\" حرف شرطٍ، ويلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط.\nواعترض الخصم (على هذا الدليل) (^٥) بثلاثة أوجه:\nأحدها: أنَّ تسمية \"إنْ\" حرفُ شرطٍ من الاصطلاحات المجازية، كتسميتهم الحركات المخصوصة بالرفع والجر والنصب، وإن لم تكن هذه الأسماء موجودةً في أصل اللغة.\n_________\n(^١) أي: لا على أصل العدم الثابت قبل التكلم بالشرط، أي: هو عدم أصلي عند عدم الكلام المشتمل على الشرط.\n(^٢) سورة الطلاق: الآية ٦.\n(^٣) غير الحامل. في المصباح ١/ ١٧٠، مادة (حول): \"حالت المرأة، والنخلة، والناقة، وكل أنثى، حِيالًا بالكسر: لم تحمل، فهي حائل\".\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٠٥.\n(^٥) في (ص): \"على هذا على الدليل\". وهو خطأ.","vol":"3","page":968},{"text":"وأجاب: بأن الأصل أن تكون تسميتُهم له حرفَ شرطٍ مطابِقةً للوضع اللغوي، وإلا يلزم النقل، وهو خلاف الأصل.\nوهذا الجواب ذكره الإمام وغيره (^١)، وفي النفس منه شيء، فإن المنصف (^٢) لا يكابر في أن هذه الاصطلاحات حادثة بعد أصل الوضع، ولكن سبيل الانفصال عن السؤال أن يقال: نحن إنما كلامنا في المعلَّق على شيء بأداة تَفهم منها العرب ما يُطْلِق عليه المصطلحون الشرط، وهذا الذي يُفْهم من الشرط ليس مكتسبًا من تسميته شرطًا. والحاصل أنَّ المصطلح إنما هو التسمية للمعنى السابق المفهوم عند العرب، والخلافُ في مفهوم الشرط إنما هو في ذلك المعنى الذي كانت العرب إذا أطلقت أداةَ الشرط تفهمه: هل هو الحصول عند الحصول والعدمُ عند العدم، أو مجرد الحصول عند الحصول (^٣)؟ (^٤).\nالاعتراض الثاني: أنا لا نسلم أنه يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط على الإطلاق، وإنما يلزم ذلك إذا لم يكن للشرط\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٠٨، الحاصل ١/ ٤٣٤.\n(^٢) في (ت): \"المصنف\". وهو خطأ.\n(^٣) قوله: أو مجرد الحصول عند الحصول، يعني لا ملازمة بين الشرط والجزاء، فهي قضية اتفاقية.\n(^٤) هذا الذي قاله الشارح رحمه الله تعالى هو عين ما قاله الإمام ولا أرى فرقًا بينهما مطلقًا؛ لأن الإمام إنما يقصد أن التسمية هي التي حصل فيها الاصطلاح، أما معنى الشرط فهو باق على وضعه اللغوي لم يتغير، كالرفع والجر والنصب الذي طرأ عليها هو التسمية، ووضعها لم يتغير.","vol":"3","page":969},{"text":"بدل يقوم مقامه، أما إذا كان ذا بدل فلا يلزم ذلك، كالوضوء، فإنه شرط في الصلاة، ولا يلزم من انتفائه انتفاؤها لجواز أن توجد بالتيمم.\nوأجاب: بأن المدَّعى أن الشرط يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم. وما ذكرتموه لا ينقض هذه الدعوى؛ لأن الشرط في الحالة التي ذكرتموها وهي الصلاة أحدُ الأمرين (^١)، وأحد الأمرين لا ينتفي إلا بانتفائهما جميعًا، وما لم ينتفيا لا ينتفي الشرط؛ لأن مسمى أحدهما باقٍ؛ وهذا غير مُدَّعانا؛ إذِ المدَّعى فيما هو شرط بعينه (^٢).\nويمكن أن يقال: وهذا عَيْنُ (^٣) مُدَّعانا أي: أن الشرط يلزم من انتفائه انتفاء (^٤) المشروط؛ لأن الشرط والحالة هذه أحدهما ولم ينتف، ولو انتفى لم تصح الصلاة. وهذا أحسن من تقريره على لفظة \"غير\" ونُسَخ الكتاب مختلفة؛ لأن \"غيرًا\" تُصَحَّف بعين (^٥).\nالاعتراض الثالث: أنه لو كان مفهوم الشرط حجةً لكان قوله تعالى:\n_________\n(^١) أي: الوضوء أو التيمم.\n(^٢) أي: بذاته وحده.\n(^٣) في (ت)، و(ص): \"غير\". وهو خطأ، والصواب ما أثبته، وهو الموجود في (ك)، و(غ).\n(^٤) سقطت من (غ).\n(^٥) أي: المرجَّح عند الشارح هو لفظة \"غير\" من حيث إنها هي التي أرادها البيضاوي في متنه، وإنْ كانت لفظة \"عَيْن\" هي المرجَّحة عند الشارح من حيث المعنى، فما سبق قوله من الشارح: ويمكن أن يقال: وهذا عين مُدَّعانا. . . إلخ استدراك من الشارح على الماتن، وأن الأحسن وضع \"عين\" مكان \"غير\"، وأن وجود \"عين\" في بعض نسخ المتن إنما هو تصحيف لغَيْر.","vol":"3","page":970},{"text":"﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (^١) دالًا على أنهن إذا لم يُردن التحصن يجوز إكراههن على البغاء.\nوأجاب: بأنا لا نسلم أنه ليس كذلك، أي: لا نسلم عدم انتفاء الحرمة عند عدم إرادة (التحصن (^٢)، بل حُرمة الإكراه عند عدم إرادة التحصن) (^٣) منتفيةٌ لامتناع تصور الإكراه حينئذ، فإن الإكراه إنما يتصور على ما لا يريده الإنسان المُكْرَه؛ لأنه حَمْل الشخص على مقابل مراده، فإذا لم يتصور الإكراه جاز أن يقول: ليس بحرام؛ لأنه ليس بمتصور، والحرمة فرع كونه متصوَّرًا (^٤).\nفإن قلت: ما فائدة قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ حينئذ؟\nقلت: لعل المراد التنصيص على قبيح (^٥) فعلهم، والنداء بشنيع (^٦) أمرهم (^٧).\n_________\n(^١) سورة النور: الآية ٣٣.\n(^٢) أي: لا نسلم وجود الحرمة عند عدم إرادة التحصن. لأن قوله: \"لا نسلم عدم انتفاء الحرمة\" نفي من نفي، فـ \"عدم\" نفي، و\"انتفاء\" نفي، والنفي من النفي إثبات فيكون المعنى: لا نسلم وجود الحرمة.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: تفسير القرطبي ١٢/ ٢٥٤.\n(^٥) في (ص): \"قبح\".\n(^٦) في (ص): \"بتشنيع\".\n(^٧) قال التفتازاني في مختصر المعاني ص ١٠٦: \"ويجوز أن يكون فائدته في الآية (أي: فائدة الشرط) المبالغة في النهي عن الإكراه، يعني أنهن إذا أردن العفة، فالمولى أحق بإرادتها\".","vol":"3","page":971},{"text":"واعلم أن الشرط قد يأتي ولا مفهوم له، وهو فيما إذا ظهرت له فائدة (غير تخصيص الحكم، كما قلنا في مفهوم الصفة، وكما في قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ فإنَّ له فائدة) (^١) وهي ما أشرنا إليه، وكما في قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^٢)، وقول القائل لابنه: أطعني إنْ كنت ابني. والمراد التنبيه على السبب الباعث للمأمور به، لا تقييد الحكم، فكل هذا ليس من محل النزاع (^٣).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-323>(السادسة: التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص)</span>.\nاختلفوا في أنَّ تعليق الحكم بعددٍ مخصوصٍ هل يدل على انتفاء الحكم فيما عدا ذلك العدد زائدًا كان أو ناقصًا؟.\nفذهب طوائف إلى أنه يدل، وهو المنقول عن الشافعي ﵁، ممن نقله الماوردي في باب بيع الطعام قبل أن يُسْتوفى (^٤)، وإمام الحرمين (^٥)،\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١٧٢.\n(^٣) انظر مفهوم الشرط في: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٠٥، التحصيل ١/ ٢٩٢، الحاصل ١/ ٤٣٢، نهاية السول ٢/ ٢١٧، السراج الوهاج ١/ ٤٢٣، مناهج العقول ١/ ٣٢٠، الإحكام ٣/ ٨٨، شرح تنقيح الفصول ص ٢٧٠، بيان المختصر ٢/ ٤٧٤، تيسير التحرير ١/ ١٠٠، فواتح الرحموت ١/ ٤٢١، شرح الكوكب ٣/ ٥٠٥.\n(^٤) انظر: الحاوي ٦/ ٢٦٧ - ٢٦٨.\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ٤٥٣.","vol":"3","page":972},{"text":"والغزالي (^١).\nوقال آخرون: إنه لا يدل، وهو رأي القاضي وإمام الحرمين (^٢)، وبه قطع المصنف.\nوأما الإمام فاختار أنَّ الحكم المقيَّد بعددٍ إنْ كان معلولَ ذلك العدد (^٣) ثَبَت في الزائد؛ لوجوده فيه (^٤)، كما لو (^٥) حَرَّم جَلْد مائة، أو حكم بأن القلتين يدفعان حكم النجاسة (^٦)، وإلا لم (^٧) يلزم كما لو (^٨) أوجب جلد مائة (^٩). والناقص عن ذلك العدد إن كان داخلًا فيه وكان الحكم إيجابًا أو إباحة ثبت فيه (^١٠)، كما لو أوجب أو أباح جلد مائة (^١١)، وإن كان تحريمًا\n_________\n(^١) انظر: المنخول ص ٢٠٩.\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٤٥٨، التلخيص ٢/ ١٩٢.\n(^٣) أي: إن كان حكم ذلك العدد الذي قُيِّد به الحكم.\n(^٤) أي: لوجود ذلك العدد في الزائد، فالعدد المقيد به الحكم جزء من ذلك العدد الزائد عليه.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) فتحريم جلد أكثر من مائة حرام بطريق الأولى، ودفع ثلاث قلل فأكثر للنجاسة من باب أولى، فهنا حكم العدد وُجد في الزائد؛ لوجود العدد المقيد به الحكم في الزائد.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٩) يعني: وإن لم يثبت حكم ذلك العدد المقيَّد به الحكم في العدد الزائد عليه؛ لوجوده فيه، لم يكن حكم الزائد كالمقيد به، وذلك مثل: حد الزنا، قد أوجب الشارع فيه جلد مائة، فهذا لا يدل على أن الزائد على المائة واجب بطريق الأولى.\n(^١٠) أي: ثبت في الناقص الإيجاب أو الحرمة؛ لأنه لا يمكن فعل الكل إلا بفعل الجزء.\n(^١١) أي: فإنه يدل على وجوب أو إباحة جلد خمسين؛ لأن الخمسين داخلة في المائة. =","vol":"3","page":973},{"text":"فلا يلزم (^١). وإن لم يكن داخلًا فيه (^٢) كالحكم بشهادة شاهد واحد، فإنه لا يدخل في الحكم بشهادة شاهدين - فالتحريم قد ثبت فيه بطريق الأَوْلى، والإيجاب والإباحة لا يلزمان (^٣). قال: \"فثبت أنَّ قَصْر الحكم على العدد لا يدل على نفيه عما زاد أو نقص إلا بدليل منفصل\" (^٤).\nومِنْ حُجَج القائلين بهذا المفهوم أنَّه لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (^٥) قال النبي - ﷺ -: \"والله لأزيدن على السبعين\" (^٦) فقد فهم سيدُ العرب العرباء من الآية: أن حكم ما زاد على\n_________\n= وفي (ك) بعد قوله: \"جلد مائة\": \"على الزاني مثلًا يقتضي وحوب خمسين لامتناع الإتيان بالكل دون الإتيان بالجزء، ولا يقتضي وجوب مائتين\".\n(^١) يعني: لو حَرَّم جلد مائة، فلا يلزم منه تحريم جلد تسعين مثلًا، فقد تكون محرمة، وقد لا تكون.\n(^٢) يعني: وإن لم يكن الناقص داخلًا في العدد.\n(^٣) يعني: الحكم بشهادة الشاهد الواحد غير داخل في الحكم بشهادة الشاهدين؛ لأن الحكم بشهادة الشاهدين لا يتحقق إلا بالشاهدين، فشهادة الشاهد الواحد لا تحقق جزءًا من الحكم، فإذا كان الحكم بشهادة الشاهدين محرمة، فالحكم بشهادة الشاهد الواحد محرمة من باب أولى. وإذا كان الحكم بشهادة الشاهدين واجبة أو مباحة فلا يدل هذا على أن الحكم بشهادة الشاهد الواحد واجبة أو مباحة.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٢١. وقد وافق الآمدي الإمام فيما ذهب إليه، وقال بعد تفصيلٍ لما رجَّحه. بمثل ما قال الإمام: \"والمختار فيما كان مسكوتًا عنه، ولم يكن الحكم فيه ثابتًا بطريق الأولى من هذه الصور: أنَّ تخصيص الحكم بالعدد لا يدل على انتفاء الحكم فيه؛ لما ذكرناه في المسائل المتقدمة\". الإحكام ٣/ ٩٤.\n(^٥) سورة التوبة: الآية ٨٠.\n(^٦) لم أقف على هذا اللفظ. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس - ﵄ -: \"أن رسول الله =","vol":"3","page":974},{"text":"السبعين بخلافه.\nومن الناس من أجاب عن هذا: بأن العدد كما لا يدل على نَفْي الحكم عما عداه لا يدل على إثباته، بل هو (^١) مسكوت عنه، فلعل النبي - ﷺ - قال ذلك رجاءً لحصول الغفران لهم، بناءً على حكم الأصل؛ إذْ كان جواز المغفرة ثابتًا قبل نزول هذه الآية.\n(وقال الغزالي: الأظهر أن هذا (^٢) الخبر غير صحيح؛ لأنه - ﷺ - أعرف الخلق بمعاني الكلام، ولفظ: \"السبعين\" إنما جرى مبالغةً في اليأس وقطعًا للطمع عن الغفران؛ فإن العرب تستعمله في ذلك كقول القائل: اشفع أو لا تشفع لو شفعت سبعين مرة لما أفاد) (^٣) (^٤) وقول الغزالي:\n_________\n= - ﷺ - قال لما نزلت هذه الآية: أسمع ربي، قد رخَّص لي فيهم، فوالله لأستغفرن أكثر من سبعين مرة لعل الله أن يغفر لهم. . .\". انظر: تفسير ابن جرير ١٤/ ٣٩٦ - ٣٩٧. وفي رواية أخرى أخرجها ابن جرير في التفسير ١٤/ ٣٩٥، ٣٩٧: \"لأزيدنَّ على السبعين\"، وأخرجها ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤. والحديث مخرَّج في الصحيحين بلفظ: \"وسأزيده على سبعين\". انظر: صحيح البخاري ٤/ ١٧١٥، ١٧١٦، كتاب التفسير، باب: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، وباب: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾، رقم ٤٣٩٣، ٤٣٩٥. صحيح مسلم ٤/ ٢١٤١، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، رقم ٢٧٧٤.\n(^١) أي: ما عدا العدد.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: المستصفى ٣/ ٤٢١، وعبارته في المنخول ص ٢١٢: \"على أنَّ ما نُقل في آية الاستغفار كذب قطعًا؛ إذ الغرض منه التناهي في تحقيق اليأس من المغفرة، فكيف =","vol":"3","page":975},{"text":"إنَّ (^١) الأظهر أنَّ هذا الخبر غير صحيح مُتَلَقَّى من إمام الحرمين، فإنه قال: \"هذا لم يصححه أهل الحديث\" (^٢) وإمام الحرمين تلقى ذلك من القاضي أبي بكر فإنه قال في \"مختصر التقريب\": \"هذا الحديث ضعيف غير مدون في الصحاح\" (^٣) وهذا باطل، فإن الحديث ثابت صحيح مدون في البخاري ومسلم.\nوقول الغزالي: \"السبعين للمبالغة في قطع اليأس\" مُتَلَقَّى من القاضي أيضًا فإنه قال: \"مَنْ شَدَا طَرْفًا من العربية لم يَخْفَ عليه أن المقصود منه قطع موارد الرجاء، دون التعليق على السبعين، وكيف يَخْفَى مَدْرك هذا - وهو مقطوع به - عن أفصح مَن نطق بالضاد\" (^٤).\nوالحق أنَّ (^٥) الجواب الأول أسَدُّ من هذا، وقد ذكره القاضي أيضًا في \"مختصر التقريب\". وأما ما تعلق به القاضي في إنكار الحديث فغير مُعْتَصم؛ لأن السبعين وإنْ نطقت (العرب بها) (^٦) للمبالغة تارةً فقد نطقت بها للتقييد بالعدد المخصوص أخرى، بل العددُ المخصوص هو حقيقتها. وقول القاضي: \"المقصود قطع مواردِ الرجاء دون التعليق على السبعين\".\n_________\n= يُظَن برسول الله - ﷺ - ذهوله عنه! \".\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٤٥٨.\n(^٣) انظر: التلخيص ٢/ ١٩٢، ١٩٣.\n(^٤) انظر: التلخيص ٢/ ١٩٣، والبرهان ١/ ٤٥٨، ٤٥٩.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في (غ): \"بها العرب\".","vol":"3","page":976},{"text":"لا يصح مع ثبوت الحديث.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>خاتمة:</span>\nقال والدي أطال الله بقاه: التحقيق عندي أن مفهوم العدد إنما يكون حجة عند القائل به عند ذكر نفس العدد كاثنين (^١)، وعشرة. أما المعدود فلا يكون مفهومه حجة كقوله - ﷺ -: \"أحلت لنا ميتتان ودمان\" (^٢) فلا يكون عدم تحريم ميتة ثالثة مأخوذًا من مفهوم العدد، لكن الناس يمثلون لمفهوم العدد بقوله - ﷺ -: \"إذا بلغ الماء قلتين\" (^٣) والذي لا يتجه غيره هو ما\n_________\n(^١) في (ت): \"كمائتين\".\n(^٢) أخرجه الشافعي (ترتيب المسند) ٢/ ١٧٣، كتاب الصيد والذبائح، رقم ٦٠٧. وأحمد في المسند ٢/ ٩٧. وابن ماجه ٢/ ١٠٧٣، في الصيد، باب صيد الحيتان والجراد، رقم ٣٢١٨. والدارقطني في السنن ٤/ ٢٧١ - ٢٧٢، في الصيد والذبائح والأطعمة، رقم ٢٥. والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٥٤، في الطهارة، باب الحوت يموت في الماء والجراد، وقال: هذا إسناد صحيح وهو في معنى المسند، وقد رفعه أولاد زيد عن أبيهم. قال الحافظ في التلخيص ١/ ٢٦ بعد نقله قول الدارقطني بأن الموقوف أصح: \"وكذا صَحَّح الموقوف أبو زرعة وأبو حاتم. . . . نعم الرواية الموقوفة التي صَحَّحها أبو حاتم وغيره هي في حكم المرفوع. . .\". وانظر: نصب الراية ٤/ ٢٠١ - ٢٠٢، والبدر المنير لابن الملقِّن ٢/ ١٥٨ - ١٦٤.\n(^٣) أخرجه الشافعي (ترتيب المسند) ١/ ٢١، في كتاب الطهارة، باب المياه، رقم ٣٦. وأحمد في المسند ٢/ ١٢، ٢٧، ٣٨. وأبو داود في السنن ١/ ٥١ في كتاب الطهارة، باب ما ينجس من الماء، رقم ٦٥. والترمذي ١/ ٩٧، في الطهارة، باب في جاء أن الماء لا ينجسه شيء، رقم ٦٧. وابن ماجه ١/ ١٧٢، في الطهارة، باب مقدار الماء الذي لا ينجس، رقم ٥١٧. والنسائي ١/ ١٧٥، في الطهارة، باب التوقيت في =","vol":"3","page":977},{"text":"ذكرناه؛ وذلك لأن العدد شبه الصفة؛ لأن قولك: \"في خمس من الإبل\" في قوة قولك: \"في إبل خمس\" بجعل الخمس (صفة للإبل، وهي إحدى صفتي الذات؛ لأن الإبل قد تكون خمسًا وقد تكون أقل) (^١) أو أكثر، فلما قُيِّدت وجوبُ الشاة بالخمس فُهِم أن غيرها بخلافه، فإذا قَدَّمت لفظ العدد كان الحكم كذلك.\nوالمعدود لم يُذكر معه أمر زايد يُفْهم منه انتفاء الحكم عما عداه فصار كاللقب (^٢)، واللقب لا فرق فيه بين (^٣) أن يكون واحدًا أو مثنى، ألا ترى أنك لو قلتَ: رجالٌ لم يتوهم أن صيغة الجمع عدد (^٤)، ولا يُفْهم منها ما يُفْهم من التخصيص بالعدد، فكذلك المثنى؛ لأنه اسم موضوع لاثنين، كما أن الرجال اسمٌ موضوع لما زاد، فمِنْ ثَمَّ لم يكن قوله:\n_________\n= الماء، رقم ٣٢٨. والدارقطني في السنن ١/ ١٦، ١٧، في كتاب الطهارة، باب حكم الماء إذا لاقته النجاسة، رقم ٨. والحاكم في المستدرك ١/ ١٣٢، ١٣٣، في كتاب الطهارة. والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٦٠ - ٢٦٣ في كتاب الطهارة، باب الفرق بين القليل الذي ينجس، والكثير الذي لا ينجس ما لم يتغيَّر. وقد أفاض الحافظ العلَّامة ابن الملقِّن في ذكر العِلل التي ذكرها بعض أهل العلم، وأجاب عن بعضها وذكر مَنْ صححه، وهو الصواب إن شاء الله. انظر: البدر المنير في تخريج أحاديث الشرح الكبير ٢/ ٨٧ - ١١٤.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) أي: المعدود وهو \"الإبل\" في قولك: في إبلٍ خمس، لم يذكر معه ما يدل على انتفاء الحكم عن غير الإبل من الأنعام، فصار المعدود كاللقب لا مفهوم له.\n(^٣) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٤) يعني لم يُفْهم من صيغة الجمع \"رجال\" عددًا بعينه.","vol":"3","page":978},{"text":"\"ميتتان\" يدل على نفي حل (^١) ميتة ثالثة (^٢)، كما أنه لو قال: أحلت لنا ميتة لم يدل على عدم حل ميتة أخرى.\nنعم هنا بحث ينشأ منه تفصيل: وهو أن المُثَنَّى مِنْ جنسٍ تارةً يراد به ذلك الجنس، ويكون جانب العدد مغمورًا معه (^٣). وتارةً يراد العدد من ذلك الجنس، ويظهر هذا بأنك إذا أردتَ الأول تقول: جاءني رجلان لا امرأتان (^٤). فلا ينافي ذلك أن يكون جاءه رجال ثلاثة. وإذا أردت الثاني تقول: جاءني رجلان لا ثلاثة. فلا ينافي ذلك أنه جاءه نسوة. وكذلك المفرد تقول: جاءني رجلٌ لا امرأة. أو جاءني رجل لا رجلان. فإنْ (^٥) كان في الكلام قرينة لفظية أو حالية تبيِّن المراد اتُّبِعت وعُمِل بحسبها، وإلا فلا دليل فيه لواحد منهما.\nوقوله: \"أحلت لنا ميتتان\" سيق لبيان حِل هاتين الميتتين، وليس فيه إشعار لحكم ما سوى ذلك.\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) لأن التثنية لا مفهوم لها هنا؛ إذ المعدود كاللقب لا مفهوم له، سواء كان مفردًا أو مثنى أو جمعًا.\n(^٣) أي: كأنه غير موجود، فالعبرة بالجنس لا بالعدد، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ فهنا المراد النهي عن الجنس وهو اتخاذ آلهة غير الله تعالى، لا النهي عن العدد؛ إذ ما فوق الاثنين لا يجوز.\n(^٤) لأن جنس الرجال يقابله جنس النساء.\n(^٥) في (ت): \"وإن\".","vol":"3","page":979},{"text":"وقوله: \"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث\" (^١) فيه شرط (^٢) يُسْتَغنى به (^٣) عن التمسك بمفهوم العدد، لكن الإمام وغيره مَثَّلوا به في العدد، وكأنه لِمَا ذكرته من البحث (^٤)؛ لأن قرينة الكلام بقوله: \"إذا بلغ\" تقتضي أنه أراد التقييد بهذا القدر المخصوص، فكانت صفة العدد فيه هي المقصودة؛ فلذلك صح التمسك به (^٥).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-325>(السابعة: النص إما أن يستقل ىإفادة الحكم أوْ لا</span>، والمقارِن له إما نَصٌّ آخر مثل: دلالةِ قوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (^٦) مع دلالة (^٧): ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (^٨) على أن تارك الأمر يستحق العقاب. ودلالة قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (^٩)\n_________\n(^١) في (ت): \"خبثًا\".\n(^٢) وهو قوله: إذا بلغ.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أي: لأن المراد من التثنية العدد من ذلك الجنس، لا مجرد الجنس.\n(^٥) انظر مفهوم العدد في: المحصول ١/ ق ٢/ ٢١٦، التحصيل ١/ ٢٩٥، الحاصل ١/ ٤٣٥، نهاية السول ٢/ ٢٢١، السراج الوهاج ١/ ٤٢٧، مناهج العقول ١/ ٣٢٢، الإحكام ٣/ ٩٤، نشر الورود ١/ ١١٠، الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة ص ١٧٧، تيسير التحرير ١/ ١٠٠، فواتح الرحموت ١/ ٤٣٢، شرح الكوكب ٣/ ٥٠٧.\n(^٦) سورة طه: الآية ٩٣.\n(^٧) في (غ): \"دلالة قوله\".\n(^٨) سورة الجن: الآية ٢٣.\n(^٩) سورة الأحقاف: الآية ١٥.","vol":"3","page":980},{"text":"مع قوله: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (^١) على أن أقل مدة الحمل ستة أشْهر. أو إجماع كدلالة ما دلَّ على أن الخال بمثابة الخالة في إرثها إذا دلَّ نص عليه).\nالنص المُسْتَدَلُّ به على حكم قد يدل بمنطوقه، وقد يدل بمفهومه. وهذان القسمان تقدما، وهما داخلان تحت قول المصنف: \"يستقيل بإفادة الحكم\"، وذلك كقوله: \"زكوا عن الغنم السائمة\" فإن منطوقه مستقل بإيجاب زكاتها، ومفهومه مستقل بعدم إيجاب زكاة المعلوفة.\nوقد يَدُلُّ لا بمنطوقه ولا بمفهومه، بل بانضمامه إلى آخر، وهذا هو الذي لا يستقل بل يحتاج إلى مقارن، فنقول: ذلك الآخر المقارِن إما أن يكون نصًا، أو إجماعًا، أو قياسًا، أو قرينة حال المتكلم. واقتصر في الكتاب على ذكر القسمين الأولَيْن، أعني: النَّصَّ، والإجماع.\nالأول: النص وهو على وجهين: أحدهما: أن يدل أحدُ النصين على مقدمةٍ مِنْ مقدمتي الدليل، والآخر على مقدمة أخرى منه، فيتم بهما الدليل.\nمثاله: قوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ فإنه يدل على أن تارك الأمر عاص، فإذا ضمه المستدل إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ فإن هذا يدل على أن العاصي يستحق العقاب، وقد دلت الأُولى على أن تارك المأمور به عاص، فيحصل من مجموعهما دليل على أن\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٣٣.","vol":"3","page":981},{"text":"تارك المأمور به يستحق العقاب.\nوثانيهما: أن يدل أحدهما على ثبوت حكمٍ لشيئين، والآخر على ثبوت بعض ذلك الحكم (^١) لأحدهما على التعيين، فيتعين الباقي للآخر.\nمثاله: قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (^٢) مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ يدل على أن مدة الفصال حولان (^٣)، فيتعين أن يكون الباقي وهو ستة أشهر مدة الحمل، فَعُلِم من مجموع النصين أن أقلَّ مدةِ الحمل ستة أشهرٍ.\nالثاني: الإجماع كدلالة ما رُوي مِن قوله - ﷺ -: \"الخال وارث من لا وارثُ له\" (^٤) على أن الخال يرث في بعض الأحوال، وانعقد الإجماع على\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) فالآية تدل على حكم لشيئين، وهو مجموع مدة الحمل والفصال.\n(^٣) وهذا بعض حكم الآية الأولى.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٣٣. وأبو داود ٣/ ٣٢٠ - ٣٢١، في الفرائض، باب في ميراث ذوي الأرحام، حديث رقم ٢٨٩٩، ٢٩٠٠، ٢٩٠١. والنسائي في الكبرى ٤/ ٧٦ - ٧٧، في الفرائض، باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر المقدام بن معد يكرب في توريث الخال، رقم ٦٣٥٤، ٦٣٥٥، ٦٣٥٧. وابن ماجه ٢/ ٩١٤ - ٩١٥، في الفرائض، باب ذوي الأرحام، رقم ٢٧٣٨. وابن حبان في صحيحه ١٣/ ٣٩٧ - ٤٠٠، رقم ٦٠٣٥، ٦٠٣٦. والدارقطني في سننه ٤/ ٨٥ - ٨٦. والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٤٤، وقال: على شرط الشيخين. وتعقبه الذهبي بقوله: \"قلت: عليٌّ (يعني ابن أبي طلحة) قال أحمد: له أشياء منكرات. قلت: لم يخرِّج =","vol":"3","page":982},{"text":"أن الخالة بمثابته في الإرث والحرمان (^١)، فيدل هذا النص بواسطة انضمام الإجماع إليه - على أن الخالة أيضًا ترث في حالةِ يرث الخال (^٢).\nالثالث: القياس كإثبات الربا في الأرز بواسطة ثبوته بالنص في البر.\nالرابع: شهادة حال المتكلم، كما إذا جاء في الشرع لفظٌ تردد بين الشرعي وغيره - فإنا نحمله على الشرعي؛ لأن النبي - ﷺ - بُعِث لبيان الشرعيات. مثل: ما روي مِنْ قوله - ﷺ -: \"الاثنان فما فوقهما جماعة\" (^٣)\n_________\n= له البخاري\". والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٢١٤، كلهم من حديث المقدام بن معديكرب. وفي الباب حديث كتابة عمر إلى أبي عبيدة أخرجه الترمذي ٤/ ٤٢١، في الفرائض، باب ما جاء في ميراث الخال، رقم ٢١٠٣. وابن ماجه ٢/ ٩١٤، في الفرائض، باب ذوي الأرحام، رقم ٢٧٣٧. والنسائي في الكبرى ٤/ ٧٦، رقم ٦٣٥١. وأحمد في المسند ١/ ٢٨، ٤٦. وابن حبان في صحيحه ١٣/ ٤٠٠ - ٤٠١، رقم ٦٠٣٧. وفي الباب حديث عائشة أيضًا أخرجه النسائي في الكبرى ٤/ ٧٦ رقم ٦٣٥١. والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٤٤. والدارقطني ٤/ ٨٥.\n(^١) انظر: نهاية السول ٢/ ٢٢٦، السراج الوهاج ١/ ٤٣٢.\n(^٢) أي: في الحالة التي يرث فيها الخال. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ﴾ فيومٌ مضاف للفِعْل. انظر: إرشاد العقل السليم ٣/ ١٠٢، التفسير الكبير ١٢/ ١٤٦، فتح القدير ٢/ ٩٥.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه في السنن ١/ ٣١٢، في كتاب إقامة الصلاة، باب الاثنان جماعة رقم ٩٧٢. والدارقطني في السنن ١/ ٢٨٠، باب الاثنان جماعة، رقم ١. والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٣٤، في كتاب الفرائض. والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٦٩، في كتاب الصلاة، باب الاثنين فما فوقهما جماعة، وهو حديث ضعيف بجميع طرقه. انظر: إرواء الغليل ٢/ ٢٤٨ - ٢٥٠.","vol":"3","page":983},{"text":"فإنه يُحْمل على جماعةِ الصلاة، لا على أقل الجمع؛ لأن الأول أمرٌ شرعيٌ، وهذا لغوي، وقرائن حاله - ﷺ - ترجِّح الحملَ على الشرعي؛ لما ذكرناه من كونه مبعوثًا لبيان الشرعيات. والله أعلم (وبه التوفيق) (^١) (^٢).\n_________\n(^١) لم ترد: في (ت).\n(^٢) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ١/ ٥٧٨، التحصيل ١/ ٢٥٦، الحاصل ١/ ٣٨٥، نهاية السول ٢/ ٢٢٣، السراج الوهاج ١/ ٤٣١، مناهج العقول ١/ ٣٢٤، شرح الأصفهاني ١/ ٢٩٧.","vol":"3","page":984},{"text":"دَولة الإمَارَات العَربيّة المتّحدة\nحُكومَة دُبي\nسلسلة الدّراسَات الأصولية\n\"١٧\"\nالإِبهَاجُ فِي شَرح المِنْهَاجِ\nشرح عَلى مِنْهَاجِ الوُصُولِ إلى عِلمِ الأصُولِ للِقاضِي\nالبَيْضَاويّ المُتَوَفى سنة ٦٨٥ هـ\nتَأليفُ\nشيخ الإسلام علي بن عبد الكافي السبكي المتوفى ٧٥٦ هـ\nوولده تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي المتوفى ٧٧١ هـ\nدرَاسَة وَتحقيق\nالدكتور أحمَد جَمال الزَمْزَمي\nالدكتور نُورُ الدين عَبد الجَبَّارِ صَغِيري\nالجزء الرّابع\nدَار البحُوث للدِّرَاسَات الإسْلَاميّة وَإِحْياء التّراث","vol":"4","page":985},{"text":"الباب الثاني: في الأوامر والنواهي\nالفصل الأول: الأوامر","vol":"4","page":986},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-326>(الباب الثاني: في الأوامر والنواهي</span>. وفيه فصول:\nالأول: في لفظ الأمر\nوفيه مسألتان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-328>الأولى: أنه حقيقة في القول الطالب للفعل</span>، واعتبر المعتزلة العلُوَّ، وأبو الحسين الاستعلاء، ويُفسدهما قولُه تعالى حكاية عن فرعون: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (^١».\nالكلام عند أصحابنا يطلق على اللساني والنفساني، واختلفوا هل هو حقيقة فيهما أو في أحدهما؟ على مذاهب: قيل: في (^٢) اللساني فقط، وذهب المحققون منا كما نقله الإمام في أول اللغات إلى أنه مشترك بينهما (^٣)، وذهب آخرون إلى أنه حقيقة في النفساني فقط، وكلا القولين منقول عن الشيخ، ويدل على أنه حقيقة في النفساني قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (^٤)، وقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) سورة الأعراف: ١١٠. والآية: \"فماذا\" بالفاء. سورة الشعراء: ٣٥. والآية: \"فماذا\" بالفاء.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: بين اللساني والنفساني. انظر: المحصول ١/ ق ١/ ٢٣٥.\n(^٤) سورة المجادلة: الآية ٨.\n(^٥) سورة الملك: الآية ١٣.\n(^٦) قال الشوكاني في فتح القدير ٥/ ٢٦٢: \"هذه الجملة مستأنفة مسوقة لبيان تساوي الإسرار والجهر بالنسبة إلى علم الله سبحانه، والمعنى: إن أخفيتم كلامكم أو جهرتم به في أمر رسول الله ﵌ فكل ذلك يعلمه الله لا تخفى عليه =","vol":"4","page":987},{"text":"وقال عمر يوم السقيفة: كنت زَوَّرت (^١) في نفسي كلامًا (^٢). وقال الأخطل (^٣):\nإنَّ الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جُعِل اللسان على الفؤاد دليلا (^٤)\n_________\n= منه خافية. وجملة: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تعليل للاستواء المذكور، وذات الصدور هي مضمرات القلوب\".\n(^١) زوَّرت: هَيَّأتُ وأصلحت. وفي تاج العروس ٦/ ٤٨٢، مادة (زور): \"زَوَّر الشيء: حَسَّنه وقَوَّمه. . . وكلام مُزَوَّر، أي: مُحَسَّن. . . والتزوير: إصلاح الشيء. . . وقال الأصمعي: التزوير: تهيئة الكلام وتقديره، والإنسان يزوِّر كلامًا، وهو أن يقوِّمه ويُتقنه قبل أن يتكلم به\".\n(^٢) أخرجه البخاري ٣/ ١٣٤١ - ١٣٤٢، في فضائل الصحابة، باب قول النبي - ﷺ -: \"لو كنت متخذًا خليلًا\". رقم الحديث ٣٤٦٧. والبيهقي ٨/ ١٤٢ - ١٤٣، في قتال أهل البغي، باب الأئمة من قريش، من حديث عائشة ﵂. ولفظ البخاري: \"إلا أني قد هَيَّأتُ كلامًا قد أعجبني، خَشِيتُ أن لا يبلغه أبو بكر\". . . إلخ. وأخرجه البخاري ٦/ ٢٥٠٣ - ٢٥٠٧، في كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى في الزنا إذا أحصنت، وأحمد في المسند ١/ ٥٥ - ٥٦، والبيهقي ٨/ ١٤٢، من حديث عبد الله بن عباس عن عمر بلفظ: \"وكنت قد زَوَّرتُ مقالةً أعجبتني أردت أن أقدمها بين يَدَيْ أبي بكر\".\n(^٣) هو شاعر زمانه غياث بن غَوْث التَّغْلبيّ النصرانيّ. قيل للفرزدق: مَنْ أشعر الناس؟ قال: كفاك بي إذا افتخرت، وبجرير إذا هجا، وبابن النصرانية إذا امتدح. وكان عبد الملك بن مروان يُجزل عطاء الأخطل ويفضِّله في الشعر على غيره. مات قبل الفرزدق بسنوات. انظر: سير ٤/ ٥٨٩، الشعر والشعراء ١/ ٤٨٣.\n(^٤) انظر: المصباح المنير ٢/ ٢٠١، مادة (كلم)، ونسبه ابن هشام في شذور الذهب ص ٢٨ إلى الأخطل، وذكر بيتًا قبله وهو: لا يُعْجبَنَّك مِنْ خطيبٍ خُطْبَةٌ حتى يكونَ مع الكلام أصِيلا.","vol":"4","page":988},{"text":"قال أصحابنا: ولسنا نستدل بهذه الأدلة على إثبات الكلام النفسي، فإنَّ هذه الأدلة قابلة للتأويل، ولكنا لما دلَّلنا بالبراهين القاطعة المُودَعة في الكتب الكلامية على إثبات (معنى في النفس) (^١) يزيد على العلوم، والقُدَر (^٢)، والإرادات (^٣)، دللنا بهذه الألفاظ على أنه سُمِّي (^٤) كلامًا، فهي أدلة على إثبات التسمية لا على إثبات الحقيقة (^٥).\nوأما قول الإمام هنا: المختار أنه حقيقة في اللساني فقط (^٦) - فغير مُغَايِر لما نقله في \"اللغات\" عن المحققين؛ لأنه قال هناك: \"الكلام بالمعنى القائم في النفس مما لا حاجة في أصول الفقه إلى البحث عنه، وإنما الذي يبحث عنه اللساني\"، وقوله هنا: فقط، أي: ولا يكون حقيقة في الشيء والقصة (^٧) والشأن والطريق (^٨)، كما ذهب إليه\n_________\n(^١) في (غ): \"معنى النفس\".\n(^٢) جمع قُدْرة. انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ١٢٩.\n(^٣) منها ما ذكره ابن برهان في الوصول إلى الأصول ١/ ١٢٩: \"أن السيد إذا قال لعبده: قم - وجد نفسه اقتضاءً حَتْمًا، وأمرًا جَزْمًا، ليس بإرادة، ولا قدرة، ولا علم، فسماه أهل الحق كلامًا\". وانظر: البرهان ١/ ٢٠٠.\n(^٤) في (غ): \"يسمى\".\n(^٥) نقل الشارح هذا الكلام من ابن برهان في الوصول إلى الأصول ١/ ١٣١.\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٣٦.\n(^٧) هكذا في النسخ، وفي المعتمد ١/ ٣٩، وجمع الجوامع مع المحلى ١/ ٣٦٧: والصفة. وفي البحر المحيط ٣/ ٢٥٩: والصفة والقصة.\n(^٨) أي: لا يكون الأمر بمعنى الشيء، والقصة، والشأن، والطريق، على سبيل الحقيقة. بل تلك معانٍ مجازية له.","vol":"4","page":989},{"text":"أبو الحسين (^١). وحاصل الأمر أن الكلام هنا ليس إلا في اللساني.\nقوله: \"في لفظ الأمر\" أي: لفظ \"أم ر\" (^٢) لا في مدلولها (^٣) الذي هو \"افعل\"، ولا في نفس الطلب (^٤)، وهذا اللفظ يطلق مجازًا على الفعل وغيره مما سيأتي إن شاء الله تعالى. فمسمى الأمر: لفظ وهو صيغة \"افعل\" (^٥). ومسمى صيغة \"افعل\": هو الوجوب أو غيره على الاختلاف فيه.\nفقوله: \"القول\" جنس يدخل فيه الأمر وغيره نفسانيًا كان أو غيره، ويستفاد من هذه العبارة أن الطلب بالإشارة والقرائن المفهمة لا يكون أمرًا حقيقة.\nوقوله: \"الطالب\" فصل يخرج به الخبر وشبهه (^٦).\n_________\n(^١) أي: كما ذهب أبو الحسين إلى أن الأمر حقيقة في الشيء، والصفة، والشأن، والطريق، والفعل، والقول المخصوص. وأنه مشترك بينها. انظر: المعتمد ١/ ٣٩.\n(^٢) أي: اللفظ المنتظم من هذه الأحرف المسماة بألف ميم راء، ويقرأ بصيغة الماضي مفككًا. انظر: شرح المحلي على الجمع ١/ ٣٦٦.\n(^٣) أي: معناها. قال المطيعي: \"موضع الخلاف هنا هذه المادة حيثما وجدت، سواء في مصدر، أو فعلٍ، أو غيره من المشتقات. وهذه المادة مدلولها الحقيقي صيغة افعل، سواء استعملت في الوجوب أو الندب أو غيرهما\". سلم الوصول ٢/ ٢٢٩، ٢٣٠.\n(^٤) لأن الطلب معنى قائم بنفس المتكلم، وهذه الصيغ المخصوصة دالة عليه. انظر: البحر المحيط ٣/ ٢٦٤.\n(^٥) إنما خص الأصوليون \"افعل\" بالذكر لكثرة دورانها في الكلام، وإلا فالمراد بقولهم: صيغة \"افعل\" لفظها وما قام مقامها من اسم الفعل كصَهْ، والمضارع المقرون باللام، مثل: ليقم، وغيرها من الأوزان الدالة على الأمر. انظر: البحر المحيط ٣/ ٢٧٤.\n(^٦) كالظروف، والجار والمجرور. كقولنا: زيد في الدار. وزيد عندك. فقولنا: في الدار، =","vol":"4","page":990},{"text":"وقوله: \"للفعل\" فصل ثاني يخرج به النهي؛ إذ هو طالب للترك. وهذا مدخول من جهة أن النهي طلب فعلٍ أيضًا، ولكن فعلٌ هو كفٌّ، فلو قال: فعل غيرُ كفٍّ، كما فعل ابن الحاجب (^١) - لسلم من هذا الاعتراض.\nويعترض عليه أيضًا بقول القائل: أوجبتُ عليك كذا، أو أنا طالب منك كذا، فإنه يصدق عليه التعريف مع كونه خبرًا، فكان ينبغي أن يقول: بالذات (^٢)، كما فعل في تقسيم الألفاظ.\nواعلم أن هذا التعريف يدخل فيه النفساني فكان ينبغي أن يأتي بفصل يُخْرجه، وليس لقائل أن يقول: النفساني نفس الطلب لا الطالب (فقد خرج بقوله: \"الطالب\"؛ لأنا نقول: يصدق على النفساني أنه طالب) (^٣)، ولئن قلت: إنه ليس بطالب حقيقةً، قلت: وكذا اللساني، إنما الطالب حقيقةً المتكلم.\nوقد زاد الإمام في الحد قيدًا آخر عند قوله: \"إن الحق أن الأمر اسم\n_________\n= ليس كلامًا خبريًا، لأن الكلام الخبري ما كان فيه مسند ومسند إليه، والحرف لا يمَع لا مسندًا ولا مسندًا إليه، فهنا الكلام ليس بخبري، لكنه شبيه بالخبري؛ لأنه مقدر بكائن أو استقر. فتقدير الكلام: زيد كائن في الدار، أو استقر في الدار. وكذا قولنا: زيد عندك. تقديره: زيدٌ كائن عندك. كمثل السابق. انظر: شرح ابن عقيل على الألفية ١/ ٢٠٩ - ٢١١.\n(^١) انظر: بيان المختصر ٢/ ١١.\n(^٢) في نهاية السول ٢/ ٢٣٤: \"فلا بد أن يقول: بالوضع أو بالذات\".\n(^٣) سقطت من (ت).","vol":"4","page":991},{"text":"لمطلق اللفظ الدال على الطلب، لا للفظ العربي الدال على الطلب، بدليل أن الفارسي إذا طلب مِنْ عبده شيئًا بلغته يسميه العربي أمرًا، وأنه لو حلف (لا يأمر) (^١) فأمر بالفارسية حَنِث\". فقال: \"الحق إنه اسم لمطلق اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض، لا لمطلق اللفظ الدال على مطلق الطلب\" قال: \"وذلك إنما يظهر ببيان أن الأمر للوجوب\" (^٢) وهذا ماشٍ على ما اقتضته طريقته من أن لفظ الأمر هو صيغة افعل، والتحقيق أنهما مسألتان كما سبق (^٣) ومما يدل عليه ذهاب الجمهور ومنهم\n_________\n(^١) في (ت): \"أن لا يأمر\".\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٤٠، ٤١.\n(^٣) أي: معنى لفظ الأمر، غير معنى صيغة \"افعل\". فلفظ الأمر: هو القول الطالب للفعل، أي: هو لفظٌ يفيد الطلب بصيغة \"افعل\" سواء كانت للإيجاب أم للندب. ومعنى صيغة \"افعل\" هو الوجوب أو الندب أو غيرهما على الخلاف بين العلماء. فنسمي المندوب مأمورًا به حقيقة كالواجب؛ لأنه يصدق عليهما لفظ الأمر وهو صيغة \"افعل\". أما أن هذه الصيغة حقيقة في الوجوب أو غيره، فهذا غير معنى لفظ الأمر. قال الإسنوى رحمه الله تعالى: \"وقد زاد في المحصول قيدًا آخر فقال قبل المسألة الثالثة: إن الحق في حَدِّه أن يقال: هو اللفظ الدال على الطلب المانع من النقيض؛ لا سيأتي أن الأمر حقيقة في الوجوب، وتبعه عليه صاحب الحاصل وغيره، والصواب ما قاله المصنف، فإن الذي سيأتي أنه حقيقة في الوجوب إنما هو صيغة \"افعل\"، وكلامنا الآن في لفظ الأمر، فهما مسألتان\". نهاية السول ٢/ ٢٣٤، ٢٣٥. والمسألة فيها خلاف هل معنى لفظ الأمر هو معنى صيغة \"افعل\" أوْ لا؟ فذهب قوم إلى أن لفظ الأمر حقيقة في الإيجاب، كصيغة \"افعل\"، وعلى هذا فلا يسمى المندوب مأمورًا به حقيقة، وإلى هذا ذهب الإمام - كما ذكر الشارح - والكرخي من الحنفية، بل هو مذهب كثير من الحنفية كما ذكر المطيعي. وذهب قوم إلى أن معنى لفظ =","vol":"4","page":992},{"text":"القاضي إلى أن المندوب مأمور به (^١) مع قول الجمهور: إن صيغة \"افعل\" حقيقة في الوجوب، وقول القاضي: \"إنها (^٢) مترددة بين الوجوب والندب والإباحة والتهديد\" صَرَّح به في \"مختصر التقريب\" (^٣)، بل صَرَّح في \"مختصر التقريب\" بما قلناه، وهذه عبارته: \"الأمر الحقيقي معنى قائم بالنفس وحقيقته اقتضاء الطاعة ثم ذلك ينقسم إلى ندب ووجوب لتحقق الاقتضاء فيهما وأما العبارة الدالة على المعنى القائم بالنفس نحو قول القائل: \"افعل\" فمترددة بين الدلالة على الوجوب والندب والإباحة والتهديد فيتوقف فيها حتى يثبت بقيود المقال أو بقرائن (^٤) الحال تَخَصُّصُها ببعض المقتضيات، فهذا (^٥) ما نرتضيه من المذاهب\" (^٦) انتهى.\nوقوله (^٧): \"واعْتُبِر\" شرطت المعتزلة في الأمر العلو، وقالوا: لا يصدق إلا به، أي: بأن يكون الطالب أعلا مرتبة من المطلوب منه، فأما (إنْ\n_________\n= الأمر غير معنى صيغة \"افعل\"، وهو مذهب الجمهور كما قال الشارح، وهم يسمون المندوب مأمورًا به حقيقة. انظر: سلم الوصول ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠، ٢٣٤، البحر المحيط ٣/ ٢٦١، ٢٦٢، التمهيد للإسنوي ص ٢٦٥.\n(^١) انظر: التلخيص ١/ ٢٥٧.\n(^٢) أي: صيغة \"افعل\".\n(^٣) انظر: التلخيص ١/ ٢٤٤.\n(^٤) في (ص): \"قرائن\".\n(^٥) في (ص): \"بهذا\". وهو خطأ.\n(^٦) انظر: التلخيص ١/ ٢٦١، ٢٦٢.\n(^٧) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"قوله\".","vol":"4","page":993},{"text":"كان) (^١) مساويًا له فهو التماس، وإنْ كان دونه فهو سؤال. وقد تابعهم على ذلك مِنْ أصحابنا الشيخان أبو إسحاق الشيرازي (^٢) وأبو نصر ابن الصباغ كما نَصَّ عليه في \"عُدَّة العالم\" (^٣).\nوشرط أبو الحسين من المعتزلة الاستعلاء دون العلو (^٤) (^٥). والفرق بين الاستعلاء والعلو واضح، فالعلو أن يكون الآمر في نفسه أعلا درجة، والاستعلاء أن يجعل نفسه عاليًا بكبرياءٍ أو غيره، وقد لا يكون في نفس الأمر كذلك، فالعلو من الصفات العارضة للناطق، والاستعلاء من صفات كلامه. وهذا الذي قاله أبو الحسين صححه الآمدي وابن الحاجب، وكذلك الإمام (^٦) إلا أنه في أوائل المسألة الخامسة قال: \"وقال أصحابنا: لا يشترط العلو ولا الاستعلاء. لنا: قوله تعالى حكاية عن فرعون\" (^٧) وأخذ يستدل للأصحاب بهذه الصيغة، فظن ظانون الاضطراب في كلامه،\n_________\n(^١) في (ت): \"أن يكون\".\n(^٢) انظر: اللمع ص ١٢، شرح اللمع ١/ ١٩١.\n(^٣) ووافقهم أيضًا السمعاني من الشافعية، وأكثر الحنابلة. انظر: شرح الكوكب ٣/ ١١، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٣٦٩.\n(^٤) انظر: المعتمد ١/ ٤٣.\n(^٥) وبه قال أكثر الحنفية، والباجي من المالكية، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب وابن قدامة وغيرهم. انظر: كشف الأسرار ١/ ١٠١، تيسير التحرير ١/ ٣٣٧، فواتح الرحموت ١/ ٣٦٩، إحكام الفصول ص ١٧٢، شرح الكوكب ٣/ ١١.\n(^٦) انظر: الإحكام ٢/ ١٤٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧٧، المحصول ١/ ق ٢/ ٢٢.\n(^٧) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٤٥.","vol":"4","page":994},{"text":"والظاهر أن صيغة \"لنا\" إنما أتى بها لأنها (^١) من جانب أصحابه (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>تنبيه:</span>\nما نقله المصنف هنا عن أبي الحسين لا يناقض ما اختاره في تقسيم الألفاظ (^٣)؛ لأن الكلام هنا في مدلوله اللغوي، وأما هناك فالكلام في مدلوله الاصطلاحي (^٤)، ألا ترى إلى ذكره هناك: المتواطئ، والمشكِّك، والاسم، والفعل، والحرف، وكل هذه أسماء مصطلح عليها بين العلماء.\nوقد رَدَّ المصنف على المذهبين أعني مذهب المعتزلة وأبي الحسين بأنه يُفسدهما قولُه تعالى حكايةً عن قول فرعون لقومه: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ (^٥) فأطلق الأمر على ما يقولونه في مجلس المشاورة، ومن المعلوم انتفاء العلو؛\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) يعني: فقول الرازي: \"لنا\" أي: لأصحابنا، لا لما اختاره، فقد ذهب أكثر الشافعية إلى عدم اشتراط الاستعلاء والعلو. وذهب ابن دقيق العيد والقاضي عبد الوهاب المالكي إلى اشتراط الاستعلاء والعلو، فأصبح في المسألة أربعة مذاهب. انظر: التقرير والتحبير ١/ ٣٠٠، شرح الكوكب ٣/ ١٢، نهاية السول ٢/ ٢٣٦، التمهيد للإسنوي ص ٢٦٥.\n(^٣) أي: نقل المصنف هنا عن أبي الحسين اشتراط الاستعلاء في الأمر، واعترض على هذا الاشتراط، مع أنه في مبحث تقسيم الألفاظ قال بأن اللفظ المركب إذا كان لطلب أمر ما مع الاستعلاء فهو أمر.\n(^٤) ذكر هذا الجاربردي في السراج الوهاج ١/ ٤٣٧، والبدخشي في مناهج العقول ١/ ١٩٣، وانظر: نهاية السول مع سلم الوصول ٢/ ٢٣٨.\n(^٥) سورة الأعراف: الآية ١١٠، وسورة الشعراء: الآية ٣٥.","vol":"4","page":995},{"text":"إذ (^١) كان فرعون في تلك الحالة أعلا رتبة منهم، وقد جعلهم آمرين له. وانتفاء الاستعلاء؛ إذ لم يكونوا مستعلين عليه، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فدل ذلك على عدم اعتبار كل واحدٍ من العلو والاستعلاء.\nومما يدل على ذلك قول عمرو بن العاص لمعاوية ﵄:\nأمرتك أمرًا جازمًا فعصيتني ... وكان من التوفيق قتلُ ابن هاشم (^٢)\nوابن هاشم هذا: رجل من بني هاشم، خرج من العراق على معاوية - ﵁ -، فأمسكه فأشار عليه عمرو بقتله، فخالفه معاوية لشدة حلمه وكثرة عفوه، فأطلقه (^٣)، فخرج عليه مرة أخرى، فأنشده عمرو البيت في ذلك، لا في علي - ﵁ -، وإنما نبهنا على ذلك مخافة أن يتوهمه متوهم.\nوقال دُرَيْد بن الصِّمَّة (^٤) لنظرائه ولمن هو فوقه:\nأمَرْتُهُمُ أَمْري بمُنْعَرَجِ اللِّوَى ... (وهل يُستبان الرشدُ) (^٥) إلا ضُحَى الغدِ (^٦)\n_________\n(^١) في (ص): \"إذا\". وهو خطأ.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٤٦، نهاية الوصول ٣/ ٨٤٣.\n(^٣) في (غ)، و(ك): \"وأطلقه\".\n(^٤) هو دريد بن الصمة، من جُشَم بن معاوية بن بكر بن هوازن. وكان دريد من فخذٍ من جشم يقال لهم: بنو غَزِيَّة. وهو أحد الشجعان المشهورين، وذوي الرأي في الجاهلية. وشهد يوم حُنَيْن مع هوازن وهو شيخ كبير ناهز مائتي سنة، وقتل يومئذٍ فيمن قتل من المشركين. انظر: الشعر والشعراء ٢/ ٧٤٩، مع تعليق أحمد شاكر.\n(^٥) في \"الشعر والشعراء\"، و\"الأصمعيات\": \"فلم يَسْتَبِينُوا الرُّشْدَ\".\n(^٦) بعد هذا البيت:\nفلما عَصَوْني كنتُ مِنهُمْ وقد أَرَى ... غَوَايَتَهُمْ وأنني غَيْرُ مُهْتَدِي =","vol":"4","page":996},{"text":"وقال الآخر (^١) مخاطبًا يزيد بن المهلب (^٢) أمير خراسان والعراق:\nأمرتك أمرًا جازمًا (^٣) فعصيتني ... فأصبحتَ مسلوب الإمارة (^٤) نادمًا (^٥) (^٦)\nوقد قيل في إبطال مذهب أبي الحسين على الخصوص: في الكتاب العزيز آياتٌ في غاية التلطف (^٧)، ونهاية الاستجلاب بتذكير النعم، والوعد بالنعيم، كما في قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا (^٨) رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ\n_________\n= وهل أَنَا إلا من غَزِيَّةَ إنْ غَوَتْ ... غَوَيْتُ وإنْ تَرْشُدْ غَزِيَّةُ أرْشُدِ\nانظر: الشعر والشعراء، ٢/ ٧٥٠، الأصمعيات ص ١٠٧.\n(^١) وهو حضين بن المنذر. انظر: تعليق الأستاذين أحمد أمين وعبد السلام هارون على شرح ديوان الحماسة ٢/ ٨١٤.\n(^٢) هو أبو خالد يزيد بن المُهَلَّب بن أبي صُفْرة الأزديّ. ولد سنة ٥٣ هـ. وَلِيَ المشرق بعد أبيه، ثم وَلِيَ البصرة لسليمان بن عبد الملك، ثم عزله عمر بن عبد العزيز بعديّ بن أرطاة، وطلبه عمر وسجنه. له أخبار في السخاء والشجاعة، وكان الحجَّاج مُزَوَّجًا بأخته. وقد خرج على يزيد بن عبد الملك بن مروان واستولى على البصرة فسار لحربه مسلمة بن عبد الملك فالتقوا، فقتل يزيد في صفر سنة ١٠٢ هـ. انظر: سير ٤/ ٥٠٣، وفيات ٦/ ٢٧٨.\n(^٣) في ديوان الحماسة ٢/ ٨١٤: حازمًا.\n(^٤) في (ت): \"الولاية\". ومكتوب فوقها: \"الإمارة.\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٤٨.\n(^٦) بعد هذا البيت كما في ديوان الحماسة ٢/ ٨١٤:\nفما أنا بالباكي عليك صَبَابَةً ... وما أنا بالداعي لترجع سالما\n(^٧) في (ت): \"التلطيف\". وفي (ك): \"التلاطف\".\n(^٨) في الأصل: \"اتقوا\". وهو خطأ.","vol":"4","page":997},{"text":"قَبْلِكُمْ﴾ (^١) (^٢)، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ (^٣) (^٤) إلى غير ذلك من الآيات المنافية لاشتراط الاستعلاء (^٥)، وإلا يلزم أبا الحسين أن يخرجها عن كونها أوامر، بل يلزمه أن يخرج كل صيغة لا يدل معها دليل على وجود الاستعلاء: الذي هو هيئة قائمة بالآمر، وأكثر الأوامر لا يوجد فيها ذلك.\nقال: (وليس حقيقةً في غيره دفعًا للاشتراك. وقال بعض الفقهاء: إنه مشترك بينه وبين الفعل أيضًا؛ لأنه يطلق عليه مثل: ﴿وَمَا أَمْرُنَا﴾، و﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ﴾ والأصل في الإطلاق الحقيقة. قلت: المراد الشأن (^٦) مجازًا. قال البصري: إذا قيل: أمْرُ فلانٍ - ترددنا بين القول والفعل والشيء والشأن والصفة، وهو آية الاشتراك. قلنا: لا بل يتبادر القول).\nقد عرفت أن لفظ الأمر حقيقة في (القول المخصوص، وذلك باتفاق.\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢١.\n(^٢) فهذه الآية فيها أمر بالتقوى مع التلطف، والاستجلاب بتذكير النعم.\n(^٣) سورة آل عمران: الآية ٣١.\n(^٤) وهذه الآية فيها أمر بالاتباع مع الوعد بالنعيم، وهو قوله بعد ذلك: ﴿يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ لأن مغفرة الذنوب سبب لكل نعيم دنيوي وأخروي.\n(^٥) لأن هذه الأوامر في هذه الآيات فيها علو؛ إذ الآمر هو الله ﷾، وليس فيها استعلاء؛ لأن الاستعلاء لا يجتمع مع التلطف والترغيب، بل يكون مع التهديد والوعيد، وهذه الآيات بخلاف هذا.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"4","page":998},{"text":"قال المصنف: فلا يكون حقيقة في) (^١) غيره دفعًا للاشتراك. وقال بعض الفقهاء: إنه مشترك بين القول المخصوص والفعل. ونقل الأصفهاني في \"شرح المحصول\" عن ابن برهان أنه قال: كافة العلماء ذهبوا إلى أنه حقيقة في الفعل والشأن والقصة والمقصود والغرض. ولم أرَ ذلك في كلام ابن برهان.\nواستدل القائل بأنه حقيقة في الفعل: بأنه يطلق عليه كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (^٢) أي: فِعْلُنا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (^٣) أي: فِعْلُه، والأصل في الإطلاق الحقيقة.\nوأجاب في الكتاب: بأن المراد بالأمر هنا هو الشأن الشامل للقول والفعل (^٤)، ويكون مجازًا من باب إطلاق الخاص وإرادة العام (^٥)، والمجاز خير من الاشتراك.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سورة القمر: الآية ٥٠.\n(^٣) سورة هود: الآية ٩٧.\n(^٤) قال القرطبي في تفسيره ١٧/ ١٤٩: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ أي: إلا مرة واحدة ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ أي: قضائي في خَلْقي أسرع من لمح البصر. واللمح: النظر بالعجلة، يقال: لمح البرق ببصره. وفي الصحاح: لمحه وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف. اهـ. وانظر: تفسير ابن كثير ٤/ ٢٦٨، تفسير النسفي ٤/ ٢٠٦. وقال القرطبي أيضًا في آية: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾. أي: شأنه وحاله، حتى اتخذوه إلهًا، وخالفوا أمر الله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أيضًا: بسديد يؤدي إلى صواب. اهـ. تفسير القرطبي ٩/ ٩٣.\n(^٥) أي: أطلق الأمر الذي هو خاص، وأراد به الشأن الذي هو عام، وهذا مجاز.","vol":"4","page":999},{"text":"وهذا الجواب وإن كان صحيحًا فلا يحتاج إليه مَنْ يقول: المراد بالأمر في هاتين الآيتين هو القول، أما الأُولى (^١): فلأنه لو أريد الفعل للزم أن يكون فعله سبحانه واحدة وهو في السرعة كلمح البصر، وذلك باطل ضرورةَ ثبوتِ تعددِ أفعاله، وحدوث بعضها بالرفق والتدريج (^٢)، وإذا حُمِل على القول لا يلزم منه محذور.\nوأما الثانية: فإرادة القول فيها ظاهرة يدل عليها قوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ (^٣).\nوأبو الحسين وهو المشار إليه بقوله: \"البصري\" زعم أن لفظ الأمر مشترك بين القول المخصوص - كما سبق - وبين الشيء، كقولنا: تحرك هذا الجسم لأمرٍ، أي: لشيء. والصفة (^٤)، كقول الشاعر:\nلأمرٍ ما يُسَوَّد مَنْ يَسُودُ (^٥)\n_________\n(^١) أي: الآية الأولى.\n(^٢) أي: فلو فسَّرنا الأمر في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ بالفعل - لأدى هذا إلى إفادة أن لله تعالى فعلًا واحدًا؛ لأنه قال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ بأداة الحصر، وهذا باطل؛ لأنه معلوم أن لله تعالى أفعالًا متعددة. وكذلك لأدى هذا التفسير إلى إفادة أن فعل الله تعالى لا يكون إلا كلمح البصر، وهذا باطل أيضًا؛ لأن من أفعال الله تعالى ما يقع بالتدريج والرفق.\n(^٣) سورة هود: الآية ٩٧. (في المخطوطات: \"واتبعوا\" وهو خطأ).\n(^٤) قوله: والصفة، معطوف على قوله: وبين الشيء. أي: هو مشترك بين القول المخصوص وبين المشترك والصفة.\n(^٥) هذا عجز بيت، وصدره: عَزَمْتُ على إقامةِ ذي صبَاحٍ =","vol":"4","page":1000},{"text":"أي: لصفةٍ من صفات الكمال والشأن والطريق. كذا نَصَّ عليه في \"المعتمد\" إذ قال ما نصه: \"وأنا أذهب إلى أن قول القائل: \"أمْرٌ\" مشتركٌ بين الشيء والصفة والشأن والطريق، وبين جملة الشأن والطريق، وبين القول المخصوص\" (^١) انتهى. ومقتضى ذلك أنه مشترك عنده بين خمسة أشياء، لكنه في \"شرح المعتمد\" فَسَّر الشأن والطريق بمعنى واحد، فيكون الأقسام عنده أربعة؛ فلذلك حذف المصنف \"الطريق\" وذلك من محاسنه.\nواستدل البصري على ما ذهب إليه: بأنَّ مَنْ سمع قول القائل: هذا أمْرُ فلانٍ - تردد ذهنُه بين هذه المعاني، ما لم يُضَفْ إلى قرينة مُعَيِّنة لواحدٍ منها تُعَيِّن المراد منه (^٢)، وذلك آية الاشتراك، أي: علامته.\nوأجاب عنه المصنف: بمنع تردد الذهن عند عدم القرينة، بل يتبادر\n_________\n= والبيت لأنس بن مدركة الخثعميّ، وهو شاعر جاهليّ. انظر: خزانة الأدب ٣/ ٨٨، ٩١. ونسبه سيبويه في الكتاب (١/ ٢٢٦) إلى رجل من خثعم. قال الأستاذ عبد السلام هارون في تعليقه على \"الكتاب\" ١/ ٢٢٧: أي: عزمتُ على أن أقيم صباحًا، وأؤخر الغارة على العدو إلى أن يعلوَ النهار، ثقةً مني بقوتي وظفري بهم. فإن الذي يُسَوِّده قومه لا يسوِّدونه إلا لأمرٍ عظيم، وخصلةٍ عاليةٍ يلمسونها فيه، وهو جدير بالسيادة لذلك. وكان العرب يختارون الصباح للغارة، التماسًا لغفلة العدوّ، فخالفهم هو لاعتزازه بشجاعته\". وانظر البيت في الخصائص لابن جني ٣/ ٣٢.\n(^١) انظر: المعتمد ١/ ٣٩.\n(^٢) يعني: ما لم يضف \"الأمر\" إلى قرينة معينة تعيِّن المراد منه، مثل أن نقول: هذا أمرٌ بالفعل. أو نقول: أمر فلان مستقيم. أو: جاء زيدٌ لأمر من الأمور. فالأمر في المثال الأول هو القول المخصوص، وفي الثاني هو الشأن، وفي الثالث الشيء، أي: جاء لشيء من الأشياء، أو غرض من الأغراض.","vol":"4","page":1001},{"text":"فهمُ القولِ المخصوصِ منه إلى الذهن.\nوقوله في الكتاب: \"إذا قيل: أمْرُ فلانٍ\" أمْرُ هنا بإسكان الميم لا غير، وما نقله المصنف عن أبي الحسين من أن الأمر موضوع للفعل بخصوصه حتى يكون مشتركًا - غلطٌ، فالذي نَصَّ أبو الحسين عليه أنه غير موضوع له، وإنما يدخل في الشأن (^١)، فقال مجيبًا عن اعتراض لخصومه ما نصه: \"اسم الأمر ليس يقع على الفعل من حيث هو فعل، لا على سبيل المجاز ولا على سبيل الحقيقة، وإنما يقع على جملة الشأن حقيقةً، وهو المراد بقول الناس: أمور فلان مستقيمة\" (^٢) انتهى.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-330>(الثانية: الطلب بديهي التصور وهو غير العبارات المختلفة</span>، وغير الإرادة، خلافًا للمعتزلة. لنا: أن الإيمان من الكافر مطلوب وليس بمرادٍ لما عرفت، وأن المُمَهِّد لعُذْره (^٣) في ضرب عبده يأمره ولا يريد).\nلما ذكر أن مدلول الأمر (^٤): القول الطالب للفعل - احتاج إلى بيان الطلب تتميمًا لإيضاح مدلول الأمر، فقال: \"الطلب بديهي التصور\". وهذا قد صار إليه الجمهور، واستدلوا عليه: بأن كل\n_________\n(^١) أي: وإنما يدخل الفعل في الشأن، الذكما هو أحد معاني الأمر، فالفعل يدخل في معاني الأمر بالتبع.\n(^٢) انظر: المعتمد ١/ ٤٢.\n(^٣) في (ت) و(غ)، و(ك): \"عُذْره\".\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1002},{"text":"عاقل مارَسَ الحدود والرسوم، أو لم يمارس شيئًا البتة - يأمر وينهى، ويُفَرِّق بالبديهة بين طلب الفعل وطلب الترك، وبينهما وبين المفهوم من الخبر.\nوهذا الدليل قد أكثر الإمام التعويل عليه (^١)، وهو مدخول من وجوه:\nأحدها: أنه لا يلزم من الحكم بالتفرقة بين الشيئين بالبديهة معرفةُ كنه حقيقَتَيْهما (^٢)، بل قد لا يَعْرِف الحاكم بالتفرقة ماهيةَ ذلك الشيء، فضلًا عن أن يعرفه بالبديهة (^٣). ألا ترى أن كل أحد (^٤) يعلم مِنْ نفسه أنه موجود بالبديهة، ويفرق بين الإنسان والمَلَكِ والطائر والفرس، ولا يدري ماهية نفسه ولا ماهية الملك ولا الطائر والفرس - معرفةً خاصة (^٥) بالجنس والفصل (^٦).\nوالثاني: أن قوله (^٧): يفرق بين طلب الفعل وطلب الترك بالبديهة،\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٣.\n(^٢) في (ك): \"حقيقتهما\".\n(^٣) ولذلك قال الإسنوي رادًا على دليل الإمام: \"ولك أن تقول: التفرقة البديهية لا تتوقف على العلم البديهي بحقيقة كل واحدٍ منهما، بل على العلم البديهي بهما من وجه، بدليل أنَّا نفرق بالبديهة بين الإنسان والملائكة\". نهاية السول ٢/ ٢٤٢.\n(^٤) في (ك): \"واحد\".\n(^٥) في (ص): \"خاصيته\". وهو خطأ؛ لأن الخصائص هي أمور عرضية وتعرف بالرسوم أي: بالجنس والخاصة، ولا تكون معرفتها بالحدود، أي: بالجنس والفصل.\n(^٦) هذه المعرفة الخاصة يقال لها في المنطق: كنه الشيء وحقيقته، وهي معرفة الشيء بالذاتيات أي: الجنس والفصل. قال في سُلَّم العلوم ص ٦٠: \"فالحد التام: ما اشتمل على الجنس والفصل القريبين. وهو الموصل إلى الكُنْه\".\n(^٧) أي: قول الإمام.","vol":"4","page":1003},{"text":"وكذا بينهما وبين الخبر - يلزم منه أن تكون هذه الأشياء بديهية على ما قرر، وإذا كان كذلك فلِمَ حَدَّ ماهية الأمر قبل ذلك! (^١).\nوالثالث (^٢): أن بحثه عن هذا المعنى هو بحث عن هذا الكلام، وهذا متناقض (^٣).\nثم هو - أعني الطلب - مغاير للعبارات المختلفة باختلاف النواحي والأمم، ومغاير للإرادة.\nأما مغايرته للعبارات: فواضح، فإن ماهية الطلب: معنى قائم بقلب المتكلم لا يختلف بذلك (^٤)، بخلاف العبارات المختلفة. هذا شرح قول المصنف.\nوقوله: \"المختلفة\" ليس لإخراج شيء، بل صفة جاءت للتوضيح، أي: أن شأن العبارات أنها مختلفة، ولو قال بدل ذلك: لاختلافهما - لكان\n_________\n(^١) لأن البديهيات لا تُحَد؛ إذ الغرض من الحد معرفة المحدود، والبديهي مستغنٍ عن الحد.\n(^٢) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"الثالث\".\n(^٣) يعني: أن بحث الرازي رحمه الله تعالى عن معنى الطلب، وتدليله على كونه بديهيًا - يدل على أنه بحث عن معنى الطلب، واستدل بعد بحثه على أنه بديهي، وهذا تناقض؛ إذ البديهي لا يحتاج أن يُبْحث عنه لوضوحه، وإلا لم يكن بديهيًا. والحق أن هذا الوجه الثالث ضعيف؛ إذ الإمام لم يبحث عن معنى الطلب ما هو؟ بل استدل على كون الطلب بديهيًا بفهم كل أحد له، وتفرقته بينه وبين غيره. وهذا ليس بحثًا عن المعنى حتى يكون تناقضًا!\n(^٤) أي: باختلاف النواحي والأمم.","vol":"4","page":1004},{"text":"أصرح وأحسن.\nوأما مغايرته للإرادة والخلاف فيه مع المعتزلة (^١): فلوجهين:\nأحدهما: أن الإيمان من الكفار مطلوب بالإجماع، ومنهم مَنْ أخبر الله تعالى بأنه لا يؤمن، فكان إيمانه ممتنعًا؛ لإخبار الله تعالى بعدمه، كما عرفت في مسألة تكليف المحال. والممتنع لا يكون مرادًا لله تعالى؛ لأن الإرادة: صفةٌ مخصِّصة لحدوث الفعل بوقت حدوثه (^٢). والشيء إذا لم يوجد لكونه ممتنعًا امتنعت إرادته؛ لعدم تخصُّصه (^٣) بوقتِ الحدوث، ويلزم من هذا مغايرة الطلب - الذي هو مدلول الأمر - للإرادة؛ لتحققه دونها.\nهذا تقريره وهو ضعيف؛ لأنَّ حاصلَه الاستدلال على عدم الإرادة بعدم الوقوع، وذلك مصادرة على المطلوب (^٤).\n_________\n(^١) المعتزلة يقولون بأن الأمر هو الإرادة، قال الإسنوي: \"والحاصل أن الأمر اللساني قال على الطلب بالاتفاق، لكن الطلب عندنا غير الإرادة، وعندهم عينها، أي: لا معنى لكونه طالبًا إلا كونه مريدًا، والتزموا أن الله تعالى يريد الشيء ولا يقع، ويقع وهو لا يريده\". نهاية السول ٢/ ٢٤٢، ٢٤٣.\n(^٢) في شرح الجوهرة ص ١٠٨: \"الإرادة لغة: مطلق القصد، وعرفًا: هي صفة قديمة زائدة على الذات، قائمة بها، تخصِّص الممكن ببعض ما يجوز عليه على وفق العلم. ومما يجوز على الممكن: الوجود أو العلم، وكونه في زمن مضى أو في زمن حاضر، أو في زمن مستقبل، وكونه أسود أو أبيض مثلًا، وكونه طويلًا أو قصيرًا، وفي جهة المشرق أو المغرب مثلًا\".\n(^٣) في (ك): \"تخصيصه\".\n(^٤) لأن محل النزاع هو أن الممتنع الوقوع هل يكون مرادًا، كما يكون مأمورًا به، أو لا؟","vol":"4","page":1005},{"text":"الوجه الثاني: أن الطلب قد يتحقق بدون الإرادة؛ وذلك لأنه قد يجتمع مع كراهته، ويستحيل أن تجتمع إرادته مع كراهته؛ فالأمر غير الإرادة.\nوبيان ذلك: أنَّ السيد الذي لامه السلطان على ضرب عبده إذا اعتذر (إلى السلطان) عنه بتمرد العبد وعصيانه عن امتثال أوامره، وكذَّبه السلطان، فأراد إظهار صدقِه بالتجربة - فإنه إذا أمره بشيء عند السلطان لا يريد ذلك الفعل قطعًا؛ لاستحالة أن لا يريد تمهيد عذره حالة كونه مريدًا له، فإنه ما أمره إلا لتمهيد عذره، وفي إرادة فِعْله عدمُ إرادة تمهيد عذره فيستحيل إرادته؛ ولأن العاقل لا يريد (^١) ما فيه مضرته (^٢) مِنْ غير ضرورة ملجئة إليه (^٣).\nوهذا الدليل كما يدل على أن الأمر غير الإرادة كذلك يدل على أنهُ غير مشروط بها.\nوقد اعترض على هذا الدليل بوجهين:\nأحدهما: أنا لا نسلم أنه وُجد الأمر في الصورة المذكورة وإنْ كانت صورتُه صورةَ الأمر، والصورة لا توجب أن يكون أمرًا حقيقيًا كما في التهديد (^٤).\n_________\n(^١) في (ت): \"للسلطان\".\n(^٢) في (ص): \"مضرة\".\n(^٣) فالسيد لو أراد تحقيق طلبه وأمْره لكان مريدًا مضرة نفسه، وهذا محال؛ لأن إضرار النفس بغير ضرورة ملجئة لا يصدر من العقلاء.\n(^٤) فالأمر بدون الإرادة ليس أمرًا حقيقيًا.","vol":"4","page":1006},{"text":"وأجيب عنه: بأن تمهيد العذر إنما يحصل بالأمر لا بغيره؛ فدل على أنه أمر.\n(وهذا جواب ضعيف، فإن قوله: \"التمهيد إنما يحصل بالأمر\" إنْ أراد النفسي فممنوع) (^١)؛ لأن مجرد سماع العبد الأمر اللساني يحصِّل التجربة (^٢)، وإنْ أرادَ اللساني فالفرق بينه وبين الإرادة مسلم.\nوثانيهما: ذكره الآمدي فقال: \"هذا لازم على أصحابنا (^٣) في تفسيرهم الأمر بأنه طلب الفعل، من جهة أن السيد أيضًا أمر في مثل هذه الصورة لعبده، مع علمنا بأنه يستحيل منه طلب الفعل مِنْ عبده (^٤) لما فيه من تحقيق عقابه وكذبه (^٥)، والعاقل لا يطلب ما فيه مضرته وإظهار كذبه\" (^٦).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) أي: الذي يحصل من الأمر اللساني هو التجربة على عصيان العبد، وبه يتحقق التمهيد للعذر، أما أن تمهيد العذر بالأمر اللساني يدل على الأمر النفسي الذي هو الطلب فلا، فالموجود من السيد إنما هو صيغة الأمر لا حقيقة الأمر. وعلى هذا فلو كان هذا الدليل صحيحًا لكان الأمر ينفك عن الطلب كما أنه ينفك عن الإرادة، وليس كذلك. وسيشير الشارح إلى هذا اللازم - أعني انفكاك الأمر عن الطلب - في الوجه الثاني، انظر: نهاية السول ٢/ ٢٤٤.\n(^٣) أي: يلزم الاعتراض بهذا الدليل على أصحابنا.\n(^٤) أي: فهذه الصورة يعترض بها على حد الأمر عند الأصحاب؛ لأن الأمر موجود، والطلب غير موجود.\n(^٥) أي: تحقيق عقاب السلطان للسيد، وتحقيق كذبه عند السلطان.\n(^٦) انظر: الإحكام ٢/ ١٣٨، ١٣٩، وتتمة كلام الآمدي بعد هذا: \"وعند ذلك فما هو جواب أصحابنا في تفسير الأمر بالطلب يكون جوابًا للخصم في تفسيره بالإرادة\".","vol":"4","page":1007},{"text":"قال صفي الدين الهندي: \"وهو اعتراض ضعيف؛ لأنا لا نسلم أنه يستحيل من العاقل أن يطلب ما فيه مضرته إذا لم يكن مريدًا له\" (^١) قال: \"وهذا لأن طلب المضرة لا ينافي غرضه بل قد يوافقه، كما هو واقع فيما ذكرنا من الصورة (^٢)، وإنما المنافي لغرضه وقوع المضرةِ، والطلبُ لا يوجبه (^٣). فالحاصل أن طلب المضرة من (^٤) حيث إنه طلبٌ لا ينافي غرض العاقل لا بالذات ولا بالعرض، بخلاف الإرادة فإنها وإن لم (^٥) تنافه بالذات لكنها منافية له بالعرض (^٦)؛ لكونها توجب وقوع المضرة، ضرورة أن الإرادة صفة تقتضي وقوع المراد. نعم الطلب والإرادة في الأكثر يتلازمان (^٧) فَيُظَنُّ أنه يستحيل (^٨) (أن يجتمع) (^٩) مع الكراهة، كما\n_________\n(^١) أي: إذا لم يكن مريدًا لحصول وتحقق ما فيه مضرته.\n(^٢) يعني: قد يكون لطالب المضرة غرضًا في ذلك الطلب، كما هو الحال في السيد الذي يأمر عبده ليظهر تمرده عليه عند السلطان، فربما يطبع العبد، فيكون السيد آمرًا بما فيه مضرته، لكن السيد لم يرد تحقق تلك المضرة، وإنما أراد بيان عذره عند السلطان، وأن عبده متمرد عليه، فطلب السيد لتلك المضرة موافق لغرضٍ عنده، وليس قصده بهذا الطلب تحقق تلك المضرة.\n(^٣) أي: لا يوجب وقوع المضرة، فالمنافي للغرض هو وقوع المضرة لا طلب المضرة.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في نهاية الوصول: \"بالغرض\". وهو خطأ.\n(^٧) في (ت) و(غ): \"متلازمان\".\n(^٨) في (ت): \"مستحيل\".\n(^٩) في (ص): \"أن تجتمع\". وهو خطأ؛ لأن الضمير عائد إلى الطلب، يعني: لما كان الطلب يلازم الإرادة غالبًا - حصل الالتباس في الطلب، فظن الظانُّ أنه يستحيل أن يجتمع الطلب مع الكراهة، كما يستحيل أن تجتمع الإرادة مع الكراهة. وهذا ليس =","vol":"4","page":1008},{"text":"يستحيل أن تجتمع الإرادة معها\" (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-331>فائدة:</span>\nاستدل القاضي أبو الطيب الطبري (^٢) في \"شرح الكفاية\" وتبعه الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\" على أن الأمرَ مغايرٌ للإرادة: بأنَّ مَنْ حلف ليقضينَّ زيدًا دينَه غدًا، وقال: إن شاء الله، ولم يقضه - لا يحنث في يمينه، مع كونه مأمورًا (بقضاء دينه) (^٣)، فلو كان الله تعالى قد شاء ما أمره به وجب أن يحنث في يمينه (^٤).\nوهذا ظاهر إذا كان الدين حالًا وصاحبه مطالبٌ به (^٥)، أما إنْ كان مؤجَّلًا فإنا لا نسلم وجوبَ الوفاء في غدٍ؛ إذْ (^٦) لم يكن غدٌ محلَّ الأجل.\nوأما إذا كان حالًا وصاحبه غيرُ (^٧) مطالِب له (^٨) ففي وجوب الوفاء على الفور اختلاف معروف في المذهب، مذكورٌ في صَدْر كتاب التفليس\n_________\n= بصحيح، فالإرادة غير الطلب، لأنه لا يستحيل اجتماع الطلب مع الكراهة، وإن كان يستحيل اجتماع الإرادة مع الكراهة.\n(^١) انظر: نهاية الوصول ٣/ ٨٢٦.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت): \"بقضائه\".\n(^٤) انظر: شرح اللمع ١/ ١٩٥.\n(^٥) قد صَرَّح أبو إسحاق رحمه الله تعالى بأن هذا إذا كان الدين حالًا، ولم يصرِّح بالمطالبة.\n(^٦) في (ص)، و(غ): \"إذا\". وهو خطأ.\n(^٧) سقطت من (غ).\n(^٨) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1009},{"text":"من ابن الرفعة عن الروياني، وإمام الحرمين. فإن لم نوجبه (فورًا منع) (^١) الوجوب أيضًا، فينبغي أن يُقْتَصر على الاستدلال بمَنْ عليه دينٌ حال، وصاحبه مطالِبٌ به، والمديون متمكِّن من الإيفاء؛ ليَخْرجَ أيضًا ما إذا لم يتمكن، كالمعسِر، فإنه لا يجب عليه مع عدم التمكن.\nقال: (واعترف أبو علي وابنه بالتغاير، وشَرَطا الإرادة في الدلالة ليتميز عن التهديد. قلنا: كونه مجازًا كاف).\nاعترف أبو علي وابنه أبو هاشم، وتابعهما القاضي عبد الجبار وأبو الحسين: بأن الأمر (^٢) مغايرٌ لإرادة المأمور به، ولكن شَرَطوا إرادة المأمور به في دلالة الأمر عليه، وقالوا: لا ينفك الأمر عن الإرادة، محتجين: بأن الصيغة كما ترد للطلب، ترد للتهديد مع خلوه عن الطلب، فلا بد من مُمَيِّز بينهما (^٣)، ولا مميز سوى الإرادة.\nوالجواب: أن المميِّز (^٤) حاصلٌ بدون الإرادة؛ لأن صيغة الأمر حقيقة في القول المخصوص (^٥)، ومجاز (^٦) في غيره، وهذا كافٍ في التمييز؛ لأنها إنْ وجدت بغير قرينة حُمِلت على مدلولها الحقيقي، أو\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص): \"فقد يمنع\". وفي (غ): \"مدر لمنع\". والظاهر أنها: فورًا منع.\n(^٢) أي: الطلب.\n(^٣) أي: بين الطلب والتهديد.\n(^٤) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"التمييز\".\n(^٥) وهو القول الطالب للفعل.\n(^٦) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"مجاز\".","vol":"4","page":1010},{"text":"بقرينة حُمِلت على ما دلت (القرينة عليه) (^١) (^٢).\nواعلم أن محلَّ الخلاف إنما هو في إرادة الامتثال، وأما إرادة الدلالة بالصيغة على الأمر احترازًا عن التهديد والتسخير وغيرهما من المحامل - فالنزاع فيها ليس مع المعتزلة، بل مع غيرهم من المتكلمين والفقهاء.\nوإما إرادة إحداث الصيغة (^٣) احترازًا عن النائم، ومَنْ جرى لسانه إليه من (^٤) غير قصد - فتلك شَرْط مِنْ غير توقف، وقد حكى قومٌ فيها الاتفاق، ولكن حكى ابن المطهِّر - هذا المتأخر المنسوب إلى الرفض - في كتاب له (^٥) مبسوط في أصول الفقه، وقفتُ عليه من مدة ولم يحضرني حالة (^٦) التصنيف - عن بعضهم أنه لم\n_________\n(^١) في (غ): \"عليه القرينة\".\n(^٢) فإن وُجدت الصيغة مع قرينة التهديد كالغضب دلَّ هذا على أن هذا الأمر مجاز، وهكذا.\n(^٣) أي: قَصْد صدور الصيغة من اللسان، فالإرادة ثلاثة أنواع:\n١ - إرادة الدلالة على الأمر بالصيغة.\n٢ - إرادة الدلالة على الامتثال للأمر.\n٣ - إرادة إحداث الصيغة وهي قصد صدورها من اللسان كما سبق.\nقال الإسنوي في نهاية السول ٢/ ٢٤٤: \"قال ابن برهان: لنا ثلاث إرادات: إرادة إيجاد الصيغة، وهي شرط اتفاقًا. وإرادة صَرْف اللفظ عن غير جهة الأمر إلى جهة الأمر، شَرَطها المتكلمون دون الفقهاء. وإرادة الامتثال، وهي محل النزاع بيننا وبين أبي علي وابنه\"، وقد نقل الزركشي مقولة ابن برهان هذه مفصَّلة، وذكر أنها في كتابه \"الأوسط\". انظر: البحر المحيط ٣/ ٢٦٥، ٢٦٦.\n(^٤) في (ص): \"عن\".\n(^٥) سقطت من (غ).\n(^٦) في (غ): \"حال\".","vol":"4","page":1011},{"text":"يَشْترط إرادة إيجاد الصيغة. وهذا شيء ضعيف لا يُعْتمد عليه، وكيف يُجْعل ما يجري على لسان النائم والساهي أمرًا يترتب عليه مقتضاه، اللهم (^١) إلا أن يلتزم أن مقتضاه لا يترتب عليه، وحينئذٍ يجيء الخلاف النحوي في أنه: هل مِنْ شرط الكلام القصد؟ فابن مالكٍ يشترطه، وشيخنا أبو حيان لا يشترطه (^٢).\n_________\n(^١) في (ت): \"وهذا شيء لا يرتضي المنتسب إلى العلم الفَوْه به إلا لينبه على فساده\". فالكلام بين المخطوطتين متباين.\n(^٢) انظر: المساعد على التسهيل ١/ ٥، النكت الحسان في شرح غاية الإحسان ص ٣٣.","vol":"4","page":1012},{"text":"الفصل الثاني: صيغة الأمر","vol":"4","page":1013},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-332>(الفصل الثاني: في صيغته</span>.\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-333>الأولى: أن صيغة \"افعل\" تَرِد لستةَ عشرَ معنى:</span>\nالأول: الإيجاب: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^١). الثاني: الندب، ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ (^٢)، ومنه: \"كُلْ مما يليك\". الثالث: الإرشاد: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ (^٣). الرابع: الإباحة: ﴿كُلُوا﴾ (^٤). الخامس: التهديد: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (^٥). ومنه: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ (^٦). السادس: الامتنان: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (^٧). السابع: الإكرام: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ (^٨). الثامن: التسخير: ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ (^٩). التاسع: التَّعْجيز: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ (^١٠). العاشر: الإهانة: ﴿ذُقْ﴾ (^١١). الحادي عشر: التسوية: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا\n_________\n(^١) سورة الأنعام: الآية ٧٢.\n(^٢) سورة النور: الآية ٣٣.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٨٢.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٥٧، ٦٠، ١٦٨، ١٧٢.\n(^٥) سورة فصلت: الآية ٤٠.\n(^٦) سورة إبراهيم: الآية ٣٠.\n(^٧) سورة الأنعام: الآية ١٤٢.\n(^٨) سورة الحجر: الآية ٤٦. سورة ق: الآية ٣٤.\n(^٩) سورة البقرة: الآية ٦٥.\n(^١٠) سورة البقرة: الآية ٢٣. سورة يونس: الآية ٣٨.\n(^١١) سورة الدخان: الآية ٤٩.","vol":"4","page":1015},{"text":"تَصْبِرُوا﴾ (^١). الثاني عشر: الدعاء: اللهم اغفر لي. الثالث عشر: التمني: ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي. الرابع عشر: الاحتقار: ﴿بَلْ أَلْقُوا﴾ (^٢). الخامس عشر: التكوين: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٣). السادس عشر: الخبر: \"فاصنع ما شئت\" وعكسه: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ (^٤)، \"لا تُنكح المرأةُ المرأةَ\").\nتقدم أن الأمر: اسم للقول الطالب للفعل، وهذا شروع في ذِكْر صيغته: وهي افعل، ويقوم مقامها اسم الفعل: كصَهْ (^٥)، والمضارع المقرون باللام مثل: لِيَقُم زيدٌ (^٦). وقد نُقِل عن الشيخ أبي الحسن أنه لا صيغة للأمر تختص (^٧) به، وأن قول القائل: افعل - مترددٌ بين الأمر والنهي، وإنْ فُرِض\n_________\n(^١) سورة الطور: الآية ١٦.\n(^٢) سورة طه: الآية ٦٦.\n(^٣) سورة آل عمران: الآية ٥٩.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٢٣٣.\n(^٥) اسم الفعل: كلمة تدل على ما يدل عليه الفعل، غير أنها لا تقبل علامته. وهو إما أن يكون بمعنى الفعل الماضي مثل: هيهات، بمعنى: بَعُد. أو بمعنى الفعل المضارع مثل: أفِّ، بمعنى: أتضجر، وَوَيْ، بمعنى: أعجب. أو بمعنى الأمر مثل: أمين، بمعنى اسْتَجبْ، وصَهْ، بمعنى: اسكت. انظر: جامع الدروس العربية ١/ ١٥٨، شرح ابن عقيل ٢/ ٣٠٢، قطر الندى ص ٢٥٦.\n(^٦) وكقوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧]. وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].\n(^٧) قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى: \"فالنقول عن الشيخ أبي الحسن ﵁ ومتبعيه من الواقفية: أن العرب ما صاغت للأمر الحق القائم بالنفس عبارةً فَرْدَة\". البرهان ١/ ٢١٢.","vol":"4","page":1016},{"text":"حَمْلُه على غير النهي فهو متردد بين جميع محتملاته. ثم اختلف أصحابه في تنزيل مذهبه: فقال قائلون: اللفظ صالح لجميع المحامل صلاحَ اللفظِ المشترك للمعاني التي هُيِّئت (^١) اللفظة لها.\nوقال آخرون: ليس المعنى بتوقف أبي الحسن في المسألة إلا أنا لا ندري على أي وضعٍ جرى قولُ القائلِ: \"افعل\" في اللسان، فهو مشكوك فيه على هذا الرأي (^٢).\nثم نَقَل عن أبي الحسن ناقلون أنه يستمر على القول بالوقف مع فَرْض القرائن. قال إمام الحرمين: \"وهو زللٌ بَيِّنٌ في النقل\"، ثم قال إمام الحرمين: \"الذي أراه في ذلك قاطعًا به: أن أبا الحسن لا ينكر صيغةً مُشْعِرةً بالوجوب، الذي هو مقتضى الكلام القائم بالنفس، نحو قول القائل: أوجبتُ أو الزمتُ، أو ما شاكل ذلك. وإنما الذي تردد فيه مجرد قول القائل: افعل، من حيث ألفاه (^٣) في وضع اللسان مترددًا. وإذا كان كذلك فما الظن به إذا اقترن يقول القائل: \"افعل\" لفظٌ أو ألفاظٌ من القبيل الذي ذكرناه! مثل أن يقول: افعل حتمًا، أو افعل واجبًا.\nنعم قد يتردد المتردد في الصيغة التي فيها الكلام (^٤) إذا اقترنت بالألفاظ\n_________\n(^١) في (ت): \"تثبت\".\n(^٢) يعني: لما كان الأمر في اللسان العربي مشتركًا بين معان كثيرة - كما قال الشيخ أبو الحسن - فإنا لا ندري على أي وضع جرى قول القائل: افعل، فلا نستطيع أن نحمله على معنى من المعاني.\n(^٣) في (ص): \"ألقاه\". وهو خطأ؛ لأن المعنى: من حيث وجد أبو الحسن الأمر مترددًا بين معان كثيرة في وضع اللسان العربي.\n(^٤) أي: صيغة افعل.","vol":"4","page":1017},{"text":"التي ذكرناها (^١) فالمُشْعِر (^٢) بالأمر النفسي الألفاظ المقترنة بقول القائل: افعل، أم هي في حكم التفسير لقول القائل: افعل، وهذا تردد قريب (^٣).\nثم ما نقله النَّقَلة يختص بقرائن المقال على ما فيه من الخَبْط (^٤)، فأما قرائن الأحوال فلا ينكرها أحد (^٥). وهذا هو التنبيه على سر مذهب أبي الحسن، والقاضي، وطبقة الواقفية\" (^٦). هذا كلام إمام الحرمين.\nثم قال المصنف: صيغة \"افعل\" تَرِد لستة عشر معنى:\nالأول: الإيجاب، كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٧).\nالثاني: الندب، كقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ (^٨)\n_________\n(^١) وهي: حتمًا، وواجبًا.\n(^٢) هكذا في جميع النسخ، وفي البرهان ١/ ٢١٤: ما المشعر. وكلاهما صحيح، لأن قوله: \"فالمشعر بالأمر النفسي الألفاظ المقترنة. . .\". تقديره: فالمشعر بالأمر النفسي هل هو الألفاظ المقترنة. . . إلخ.\n(^٣) يعني: هل الأمر النفسي مستفادٌ مِنْ صيغة: افعل، ويكون: حتمًا وواجبًا - تفسيرًا لكلمة: افعل، أم الأمر مستفاد من الألفاظ المقترنة وهي: حتمًا وواجبًا؟ وهذا تردد قريب.\n(^٤) يعني الذين نقلوا مذهب الشيخ يختص نقلهم بقرائن المقال، ونقلهم عن الشيخ فيه خبط.\n(^٥) قرائن المقال: هي الألفاظ الدالة على المعنى. وأما قرائن الأحوال: فهي حال المتكلم، كأن يكون ملكًا فيفيد أمره الوجوب مثلًا.\n(^٦) انظر: البرهان ١/ ٢١٣ - ٢١٥.\n(^٧) سورة الأنعام: الآية ٧٢.\n(^٨) سورة النور: الآية ٣٣.","vol":"4","page":1018},{"text":"فإن الكتابة مستحبة لهذه الآية (^١)، وحكى صاحب \"التقريب\" قولًا للشافعي أنها واجبة إذا طلبها العبد (^٢).\nقوله: \"ومنه\" أي: ومن المندوب التأديب (^٣)، كقوله - ﷺ - لعمر بن أبي سلمة (^٤): \"كُلْ مما يليك\"، رواه البخاري ومسلم (^٥) (^٦)؛ فإن الأدب مندوب إليه، وقد جعله بعضهم قسيمًا للمندوب، والحق أن افتراقهما افتراقُ العامِّ والخاص (^٧)؛ لما ذكرناه.\n_________\n(^١) انظر: التفسير الكبير ٢٣/ ٢١٨، الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٢٤٥.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) وعَبَّر عنه بعضهم بالأدب. انظر: البحر المحيط ٣/ ٢٧٦.\n(^٤) هو عمر بن أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو حفص القرشيُّ المخزوميُّ المدنيُّ الحبشيُّ المولد. ربيب النبي ﵌، وابن أخيه من الرضاع. ولد قبل الهجرة بسنتين أو أكثر. أمَّره علي - ﵁ - في خلافته على البحرين، وطال عمره حتى أصبح شيخ بني مخزوم. توفي في خلافة عبد الملك بن مروان سنة ٨٣ هـ على الصحيح. انظر: سير ٣/ ٤٠٦، تهذيب ٧/ ٤٥٥، تقريب ص ٤١٣، رقم ٤٩٠٩.\n(^٥) انظر: صحيح البخاري ٥/ ٢٠٥٦، كتاب الأطعمة، باب التسمية على الطعام والأكل باليمين، رقم ٥٠٦١. صحيح مسلم ٣/ ١٥٩٩ - ١٦٠٠، كتاب الأشربة، باب آداب الطعام والشراب وأحكامهما، رقم ٢٠٢٢. وأخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٣٤، كتاب صفة النبي - ﷺ -، باب جامع ما جاء في الطعام والشراب، رقم ٣٢.\n(^٦) ومن أمثلة التأديب في القرآن: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ونقل الزركشي عن البعض أنه ليس في القرآن في التأديب إلا هذا المثال. انظر: البحر المحيط ٣/ ٢٧٦.\n(^٧) فالمندوب عام، والتأديب خاص. قال الزركشي عن الأدب: \"وهو أخص من الندب، فإن التأديب يختص بإصلاح الأخلاق، وكل تأديب ندب، من غير عكس\". انظر: البحر المحيط ٣/ ٢٧٦، وانظر: المحلي على الجمع والبناني ١/ ٣٧٣، شرح الكوكب ٣/ ٢٢، فواتح الرحموت ١/ ٣٧٢.","vol":"4","page":1019},{"text":"واعلم أن التمثيل بالأكل مما يليه ليس بجيد، فإنَّ الذي نص عليه الشافعي - ﵁ - في غير موضع: أن مَنْ أكل مما لا يليه عالمًا بنهي النبي - ﷺ - كان آثمًا عاصيًا (^١)، وذكره شارح \"الرسالة\" أبو بكر الصيرفي وأقره عليه، والشافعي نَصَّ على هذه المسألة في أخواتٍ لها غريبات أخرجهن والدي أطال الله بقاه (^٢) وصنف فيهن كتابه المسمى \"بكَشْف اللَّبْس عن المسائل الخمس\" ونصر المنصوص، وقد ذكرنا عيون ذلك المختصر في ترجمة البويطي (^٣) من كتابنا \"طبقات الفقهاء\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الأم ٧/ ٢٩٢، الرسالة ص ٣٤٩ - ٣٥٢، نهاية السول ٢/ ٢٤٧. قال المحلي: \"أما أكل المكلف مما يليه فمندوب، ومما يلي غيره فمكروه، ونَصُّ الشافعي على حرمته للعالم بالنهي عنه - محمولٌ على المشتمل على الإيذاء\". شرح المحلي على الجمع ١/ ٣٧٣.\n(^٢) في (ص): \"أخرجهن والدي ﵀ وأطال الله بقاه\". وهذه زيادة من الناسخ قطعًا، لأنه كيف يجتمع القولان! وقد سبق بيان أن التاج رحمه الله تعالى أتم شرح والده في حياته.\n(^٣) هو يوسف بن يحيى، أبو يعقوب البُوَيْطيّ، المصريّ. وبُوَيط من صعيد مصر. كان أكبر أصحاب الشافعيّ المصريين، وكان إمامًا جليلًا، عابدًا زاهدًا، فقيهًا عظيمًا، مناظرًا، جبلًا من جبال العلم والدين، غالب أوقاته الذكر والتشاغل بالعلم، غالب ليله التهجد والتلاوة، سريع الدمعة. وكان الشافعي - ﵀ - يحيل عليه في الفتوى. له كتاب \"المختصر\" الذي اختصره من كلام الشافعي ﵁، وهو في غاية الحسن. توفي سنة ٢٣١ هـ في سجن بغداد في القيد والغُلِّ؛ لأنه دُعي إلى القول بخلق القرآن فلم يُجب، وثبت ﵀. انظر: تاريخ بغداد ١٤/ ٢٩٩، الطبقات الكبرى ٢/ ١٦٢.\n(^٤) انظر: الطبقات الكبرى ٢/ ١٦٧.","vol":"4","page":1020},{"text":"الثالث: الإرشاد، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ (^١)، والفرق بين الندب والإرشاد أن المندوب مطلوب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، ولا يتعلق به ثواب ألبتة؛ لأنه فِعْلٌ متعلِّق بغرض الفاعل ومصلحة نفسه (^٢).\nوقد يقال: إنه يثاب عليه، لكونه ممتثلًا (^٣)، ولكن يكون ثوابه أنقصَ من ثواب الندب؛ لأن امتثاله مشوبٌ بحظ نفسه. ويكون الفارق إذًا بين الندب والإرشاد إنما هو مجرد أن أحدَهما مطلوبٌ لثواب الآخرة، والآخر لمنافع الدنيا.\nوالتحقيق أن الذي فَعَل ما أُمر به إرشادًا إنْ أتى به لمجرد غرضه فلا ثواب له، وإنْ أتى به لمجرد الامتثال غير ناظر إلى مصلحته (^٤)، ولا قاصدٍ سوى مجرد الانقياد لأمر ربه فيثاب. وإن قصد الأمرين أثيب على أحدهما دون الآخر (^٥)، ولكن ثوابًا أنقص من ثواب من لم يقصد غير مجرد الامتثال.\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٨٢.\n(^٢) عزا الزركشي هذا الفرق إلى القفال الشاشي وغيره. انظر: البحر المحيط ٣/ ٢٧٦، وانظر: نهاية الوصول ٣/ ٨٤٧، كشف الأسرار ١/ ١٠٧، شرح المحلي على جمع الجوامع ١/ ٣٧٢، الإحكام ٢/ ١٤٢، المحصول ١/ ق ٢/ ٥٨.\n(^٣) أي: قد يقترن بالإرشاد نيةُ امتثال المرشِد بفعل ما أرشد إليه. انظر: حاشية البناني على المحلي ١/ ٣٧٢.\n(^٤) في (ك): \"مصلحة\".\n(^٥) أي: أثيب على نية الامتثال، دون نية الغرض.","vol":"4","page":1021},{"text":"واعلم أن صيغة \"افعل\" حقيقة في الوجوب، مجاز في غيرها، على الصحيح، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى، والعلاقة التي بين الواجب والمندوب والإرشاد حتى أُطلقت عليهما (^١) صيغة \"افعل\" هي المشابهة المعنوية (^٢).\nالرابع: الإباحة، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (^٣) (^٤).\nالخامس: التهديد، (كقوله تعالى) (^٥): ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (^٦)، ومن التهديد الإنذار، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ (^٧)، وقد جعله (^٨) جماعة قسمًا آخر، ولا شك في ثبوت الفرق بينهما، إذِ\n_________\n(^١) أي: على المندوب والإرشاد؛ لأنه لا بد من علاقة تربط المعنى المجازي بالحقيقي.\n(^٢) لاشتراكها في الطلب. انظر: حاشية البناني على المحلى ١/ ٣٧٢، نهاية السول ٢/ ٢٤٧.\n(^٣) سورة المؤمنون: الآية ٥١.\n(^٤) التمثيل بهذه الآية من دقة الشارح رحمه الله تعالى، فإن بعض الشراح مَثَّل بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾، قال الإسنوي: \"وفيه نظر، فإن الأكل والشرب واجبان لإحياء النفوس، فالصواب حمل كلام المصنف على إرادة قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، ثم إنه يجب أن تكون الإباحة معلومة من غير الأمر حتى تكون قرينة لحمله على الإباحة كما وقع العلم به هنا\". نهاية السول ٢/ ٢٤٧، ٢٤٨.\n(^٥) سقطت من (ص)، و(غ).\n(^٦) سورة فصلت: الآية ٤٠.\n(^٧) سورة إبراهيم: الآية ٣٠.\n(^٨) أي: الإنذار.","vol":"4","page":1022},{"text":"التهديد: هو التخويف (^١)، والإنذار: هو الإبلاغ، لكن لا يكون إلا في التخويف (^٢). فقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ أمرٌ بإبلاغ هذا الكلام المَخُوف الذي عبَّر عنه بالأمر (^٣).\nوقال صفي الدين الهندي وغيره: \"الفرق بينهما أن الإنذار يجب أن يكون مقرونًا بالوعيد، كما في الآية المذكورة، والتهديد لا يجب فيه ذلك، بل قد يكون مقرونًا وقد لا يكون\" (^٤).\nوقيل في الفرق بينهما: إن التهديد في العرف أبلغ في (^٥) الوعيد والغضبُ من (^٦) الإنذار. وكلها فروق صحيحة (^٧).\nوالعلاقة بين (التهديد والوجوب) (^٨) المضادة؛ لأن المهدَّد عليه إما حرام أو مكروه، كذا قيل (^٩). وعندي أن المُهَدَّد عليه لا يكون إلا حرامًا،\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب ٣/ ٤٣٣، مادة (هدد).\n(^٢) انظر: الصحاح ٢/ ٨٢٥، مادة (نذر).\n(^٣) وهو قوله: ﴿تَمَتَّعُوا﴾.\n(^٤) انظر: نهاية الوصول ٣/ ٨٤٨.\n(^٥) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"من\". وهو خطأ.\n(^٦) في (ك): \"في\". وهو خطأ.\n(^٧) انظر: البحر المحيط ٣/ ٢٢٧، نهاية الوصول ٣/ ٨٤٨، شرح الكوكب ٣/ ٢٤، ٢٥، نفائس الأصول ٣/ ١١٨١.\n(^٨) في (ت): \"الوجوب والتهديد\".\n(^٩) انظر: حاشية البناني على المحلي ١/ ٣٧٢، نهاية السول ٢/ ٢٤٨.","vol":"4","page":1023},{"text":"وكذلك الإنذار (^١)، وكيف وهو مقترن بالوعيد! بل قد ذهب قوم إلى أن الكبائر: هي المُتَوَعَّدُ عليها (^٢).\nالسادس: الامتنان: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ (^٣)، والفرق بينه وبين الإباحة أن الإباحة مجرد إذن، وأنه لا بد من اقتران الامتنان بذكر احتياج الخلق إليه، وعدم قدرتهم عليه، ونحو ذلك (^٤)، كالتعرض في هذه الآية إلى أن الله تعالى هو الذي رزقه. والعلاقة بين الامتنان والوجوب المشابهة في الإذن؛ إذِ الممنون لا يكون إلا مأذونًا فيه (^٥).\nالسابع: الإكرام: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ (^٦)، فإن قرينة قوله: ﴿بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ يدل عليه (^٧). والعلاقة أيضًا الإذن.\n_________\n(^١) كأن الشارح رحمه الله تعالى يرد على صفي الدين الهندي الذي جعل الإنذار = = قد يكون ظاهره التحريم، وقد لا يكون. وتابعه على ذلك الزركشي. انظر: نهاية الوصول ٣/ ٨٤٨، البحر المحيط ٣/ ٢٧٧.\n(^٢) انظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٥.\n(^٣) سورة الأنعام: الآية ١٤٢.\n(^٤) انظر: نهاية السول ٢/ ٢٤٨، شرح المحلي على الجمع ١/ ٣٧٣، شرح الكوكب ٣/ ٢٢، فواتح الرحموت ١/ ٣٧٢.\n(^٥) انظر: نهاية السول ٢/ ٢٤٨، شرح الكوكب ٣/ ٢٢.\n(^٦) سورة الحجر: الآية ٤٦.\n(^٧) أي: على الإكرام في قوله: ﴿ادْخُلُوهَا﴾.","vol":"4","page":1024},{"text":"الثامن: التسخير (^١)، مثل: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (^٢) والفرق بينه وبين التكوين أن التكوين: سرعة الوجود عن (^٣) العلم، وليس فيه (^٤) انتقال إلى حالة ممتهنة، بخلاف التسخير فإنه لغة: الذِّلة والامتهان في العمل.\nوالعلاقة فيه وفي التكوين المشابهة المعنوية وهي تَحَتُّمُ الوقوع.\nوقد سمى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين هذا النوع (^٥) بالتكوين (^٦).\n_________\n(^١) قال الإسنوي: \"التسخير: هو الانتقال إلى حالة ممتهنة؛ إذ التسخير لغة: هو الذلة والامتهان في العمل. ومنه قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ أي: ذلَّله لنا لنركبه، وقولهم: فلان سخره السلطان. والباري تعالى خاطبهم بذلك في معرض التذليل\". نهاية السول ٢/ ٢٤٨. فائدة: قال البناني عن هذا النوع في حاشيته على شرح المحلي ١/ ٣٧٣: \"اعترض بأن اللائق تسميته سخرية - بكسر السين وضمها - لا تسخيرًا؛ فإن التسخير نعمة وإكرام، قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. وجوابه: أن التسخير كما يستعمل في الإكرام كذلك يستعمل في التذليل والامتهان\".\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٦٥.\n(^٣) عن بمعنى: بَعْد. انظر: حاشية البناني على شرح المحلي ١/ ٣٧٣.\n(^٤) في (ص): \"فيها\". وهو خطأ.\n(^٥) في (ص): \"القسم\".\n(^٦) انظر: شرح اللمع ١/ ١٩١، البرهان ١/ ٣١٥. ملاحظة: الذي في النسخة المحققة للبرهان: وترد بمعنى التعجيز، كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. اهـ. وكَتَبَ المحقق د. عبد العظيم الديب، في الهامش معلِّقًا على كلمة \"التعجيز\": \"ع، ت: التكوين\". والذي في الهامش هو الصواب، وكلمة \"التعجيز\" التي وضعها المحقق في أصل الصفحة خطأ، ويدل على ذلك أن المعنى لا يستقيم؛ إذ ليس المقصود تعجيزَهم، فإن المقام ليس مقام تعجيز وتحدٍ، بل المقصود إهانتهم ونقلهم إلى حالة =","vol":"4","page":1025},{"text":"التاسع: التعجيز (^١): ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (^٢)، والعلاقة فيه المضادة؛ إذ لا يكون التعجيز إلا في الممتنع.\nالعاشر: الإهانة: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (^٣) (^٤).\nالحادي عشر: التسوية (^٥): ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ (^٦) (^٧).\nالثاني عشر: الدعاء، مثل قول (^٨) القائل: اللهم اغفر لي. وقوله تعالى:\n_________\n= وصورة ممتهنة ذليلة، وهو ما عَبَّر عنه إمام الحرمين بالتكوين، وقد نظر في هذه التسمية إلى قوله تعالى: ﴿كُونُوا﴾. ويدل على أن لفظ \"التعجيز\" خطأ أيضًا: أن إمام الحرمين ذكر بعد كلامه السابق المنقول - في الصفحة التالية (١/ ٣١٦) - قِسْمَ التعجيز، فقال: وترد بمعنى التعجيز، كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾. اهـ، فدل هذا عَلى أن كلمة \"التعجيز\" خطأ، وصوابها \"التكوين\"، كما هو في الهامش عند المحقق، وكما هو نقل ابن السبكي رحمهما الله تعالى.\n(^١) أي: إظهار العجز.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٣.\n(^٣) سورة الدخان: الآية ٤٩.\n(^٤) قال الإسنوي: \"والعلاقة فيه وفي الاحتقار هو المضادة؛ لأن الإيجاب على العباد تشريف لهم، لما فيه من تأهيلهم لخدمته؛ إذ كل أحدٍ لا يصلح لخدمة الملك، ولما فيه من رفع درجاتهم، قال - ﷺ -: \"وما تقرب إلى المتقربون بمثل أداء ما افترضته عليهم\". نهاية السول ٢/ ٢٤٩، وانظر: شرح الكوكب ٣/ ٢٦، ٢٧.\n(^٥) أي: التسوية بين الشيئين. نهاية السول ٢/ ٢٤٩.\n(^٦) سورة الطور: الآية ١٦.\n(^٧) قال الإسنوي: \"وعلاقته هي المضادة أيضًا؛ لأن التسوية بين الفعل والترك مضادة لوجوب الفعل\". نهاية السول ٢/ ٢٤٩، وانظر: شرح الكوكب ٣/ ٢٨.\n(^٨) سقطت من (ص).","vol":"4","page":1026},{"text":"﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ (^١) (^٢).\nالثالث عشر: التمني، مثل قول امرئ القيس (^٣):\nألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجلي ... (بصبح وما الإصباحُ فيك بأمثلِ) (^٤) (^٥)\nوقد يقال: لِمَ جعل المصنف هذا الشاعر متمنيًا ولم يجعله مترجّيًا، مع أن التمنّي مختصّ بالمستحيل، وانجلاء الليل غير مستحيل؟\nوالجواب: أن المحب ينزل ليلَه لِطُوله منزلةَ ما يستحيل انجلاؤه، ولهذا قال الشاعر:\nوليل المحب بلا آخر (^٦)\n_________\n(^١) سورة الأعراف: الآية ٨٩.\n(^٢) قال الإسنوي: \"والعلاقة فيه وفيما بعده ما عدا الأخير هو الطلب، وقد تقدم لبعضها علاقة أخرى\". نهاية السول ٢/ ٢٤٩.\n(^٣) هو امْرُؤُ القيس بن حُجْر الكِنْديّ، الشاعر الجاهليّ المشهور. كان في زمان كسرى أنُو شَروانَ ملك الفرس، وبين ولاية أنو شروان ومولد النبي ﵌ أربعون سنة. قال ابن قتيبة: \"كأنه وُلد لثلاثِ سنينَ خَلَتْ من ولاية هرمز بن كسرى\". قال لبيد بن ربيعة: أشعر الناس ذو القُرُوح. يعني امرأ القيس. وذكره عمر - ﵁ - فقال: \"سابق الشعراء، خَسَفَ لهم عَيْنَ الشعر\". أي: ذلَّل لهم طريق الشعر وبَصَّرهم بمعانيه، وفَنَّن أنواعه وقَصَّده، فاحتذى الشعراء على مثاله. انظر: الشعر والشعراء ١/ ١٠٥ - ١٣٦.\n(^٤) لم يرد في (ص)، و(ك)، و(غ).\n(^٥) ذكر الزوزني أن في هذا الشطر روايتين: بصبح وما الإصباح منك بأمثل. بصبح وما الإصباح فيك بأفضل انظر: شرح الزوزني للمعلقات السبع ص ٢٧.\n(^٦) هذا عجز بيت لخالد الكاتب صَدْرُه:\nرَقَدْتَ ولم تَرْثِ للسَّاهِرِ ... . . . . . . . . . . . . . =","vol":"4","page":1027},{"text":"الرابع عشر: الاحتقار، كقوله تعالى حكايةً عن موسى ﵇ يخاطب السحرة: ﴿أَلْقُوا﴾ (^١)، يعني: أن السحر وإنْ عَظُم ففي مقابلة ما أتى به موسى ﵇ حقير.\nوالفرق بينه وبين الإهانة أن الإهانة: إنما تكون بالقول أو الفعل، أو بتركهما (^٢) دون مجرد الاعتقاد. والاحتقار: إما مختص بمجرد الاعتقاد (^٣)، أو لا بد فيه من الاعتقاد (^٤)، بدليل أنَّ من اعتقد في شيء أنه لا يُعبأ به ولا يُلتفت إليه يقال: إنه احتقره (^٥)، ولا يقال: إنه (^٦) أهانه، ما\n_________\n= وبعده بيت آخر:\nولم تَدْرِ بَعْدَ ذَهَابِ الرُّقا ... دِ ما صَنَع الدَّمْعُ مِنْ ناظِري\nانظر: دلائل الإعجاز ص ٤٩٢، شرح الكوكب المنير ٣/ ٢٩.\n(^١) سورة الشعراء: الآية ٤٣. وفي النسخ: \"بل ألقوا ما أنتم ملقون\". وهو خطأ؛ إذ ليس في القرآن آية بهذا الترتيب.\n(^٢) أي: ترك قول، أو ترك فعل، كترك إجابته والقيام له عند سبق عادته. انظر: نهاية السول ٢/ ٢٥٠.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أي: لا بد من الاعتقاد إذا كان الاحتقار مع القول أو الفعل، فالاحتقار لا يتحقق إلا بالاعتقاد، سواء كان الاحتقار مع القول والفعل، أو بدونهما. ومقتضى هذا التفريق أن يكون الاحتقار أعم مطلقًا من الإهانة، فكل إهانة احتقار دون العكس. انظر: حاشية البناني على المحلي ١/ ٣٧٤.\n(^٥) في (ت): \"أحقره\".\n(^٦) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).","vol":"4","page":1028},{"text":"لم يصدر منه قول أو فعل يُنبئ عن ذلك (^١).\nالخامس عشر: التكوين: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٢)، وقد سمَّى الغزالي هذا القسم بكمال القدرة، وتبعه الآمدي (^٣).\nالسادس عشر: الحجر، مثل قوله - ﷺ -: \"إذا لم تستح فاصنع ما شئت\" (^٤) أي: صنعت ما شئت (^٥). وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: هو (إما تهكم، أو) (^٦) معناه: اعرضه على نفسك، فإن\n_________\n(^١) قال الإسنوي: \"والحاصل أن الإهانة: هو الإنكاء، كقوله تعالى: ﴿ذُقْ﴾. والاحتقار: عدم المبالاة، كقوله: ﴿بَلْ أَلْقُوا﴾. نهاية السول ٢/ ٢٥٠. ملاحظة: في نسخة \"نهاية السول\" المحال إليها وهي المطبوعة مع حاشية المطيعي رحمه الله تعالى تحرفت كلمة \"الإنكاء\" إلى \"الإنكار\"، وهو خطأ، وكذا تحرفت في النسخة المطبوعة مع شرح البدخشي مناهج العقول ٢/ ١٧، وقد وردت العبارة سليمة في حاشية البناني على المحلي ١/ ٣٧٤، حيث نقل كلام الإسنوي في التفريق بين الإهانة والاحتقار.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١١٧. سورة آل عمران: الآيتان ٤٧، ٥٩ وغيرها من المواطن.\n(^٣) انظر: المستصفى ١/ ١٣٠، الإحكام ٢/ ١٤٣.\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ١٢٨٤ في كتاب الأنبياء، باب \"أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم\" رقم ٣٢٩٦. وفي الأدب المفرد ٥/ ٢٢٦٨، باب \"إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت\" رقم ٥٧٦٩. وأبو داود في السنن ٥/ ١٤٨ - ١٤٩ في كتاب الأدب، باب في الحياء، رقم ٤٧٩٧. وابن ماجه في السنن ٢/ ١٤٠٠ في كتاب الزهد، باب الحياء، رقم ٤١٨٣. وأحمد في المسند ٤/ ١٢١، ١٢٢ و٥/ ٢٧٣.\n(^٥) فهو أمر، والمراد به الخبر، أي: أنت حينما لا تستحي تصنع ما تشاء.\n(^٦) في (ص): \"هنا تهكم إذ\". وهو خطأ.","vol":"4","page":1029},{"text":"استحييت (^١) منه لو اطُّلِع عليه فلا تفعله، وإن لم تستح فاصنع ما شئت مِنْ هذا الجنس (^٢). وعلى هذا التفسير يحتاج هذا القِسْم إلى مثال (^٣)، وأمثلته كثيرة (^٤).\nقوله: \"وعكسه\"، أي: قد يستعمل الخبر ويراد به الأمر، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ (^٥)، المعنى والله أعلم: ليرضع الوالدات أولادهن. وهذا (^٦) أبلغ من عكسه (^٧)؛ لأن الناطق بالخبر مريدًا به\n_________\n(^١) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"استحيت\".\n(^٢) يعني هذا الحديث على تفسير الشيخ عز الدين رحمه الله تعالى ليس من قسم الخبر، بل هو إما تهكم، فيكون داخلًا في القسم العاشر هنا: وهو الإهانة؛ لأن التهكم من الإهانة. قال القرافي عن قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾: \"قال جماعة: هذا يُسمى التهكم، وضابطه: أن يؤتى بلفظٍ دالٍّ على الخير والكرامة، والمراد ضد ذلك. كقوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾، والنزل: ما يصنع للضيف عند نزوله\". نفائس الأصول ٣/ ١١٨٢، ١١٨٣. أو أن معنى الحديث: انظر إلى ما تريد أن تفعله، فإن كان مما لا يُسْتحى منه فافعله، وإن كان مما يستحى منه فدعه. انظر: معاني هذا الحديث في فتح الباري ٦/ ٥٢٣، جامع العلوم والحكم ص ١٨٨.\n(^٣) أي: على تفسير الشيخ عز الدين يحتاج قسم الخبر إلى مثالٍ آخر.\n(^٤) نحو قوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾. انظر: شرح الكوكب ٣/ ٣١، نفائس الأصول ٣/ ١١٨٦.\n(^٥) سورة البقرة: الآية ٢٣٣.\n(^٦) في (ت): \"وهو\".\n(^٧) أي: الخبر الذي يراد به الأمر أبلغ من الأمر الذي يراد به الخبر.","vol":"4","page":1030},{"text":"الأمر كأنه نزَّل المأمور به منزلة الواقع (^١) (^٢).\nقوله: \"لا تُنْكِحُ المرأةُ المرأةَ\"، يعني: أن الخبر قد يأتي مرادًا به النهي كما قد يأتي (^٣) مرادًا به الأمر، وذلك أعني مجيئه مرادًا به النهي كما في الحديث الذي رواه ابن ماجه بإسناد جيد أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تزوجُ المرأةُ المرأةَ ولا تزوجُ المرأةُ نفسَها\" (^٤)، فإن صيغته صيغةُ خبر لوروده مضموم الجيم، ولو كان نهيًا لكان مجزومًا مكسورًا؛ لالتقاء الساكنين، والمراد به النهي (^٥).\nفهذا شرح الأقسام الستة عشر التي في الكتاب، وهي في الحقيقة أكثر؛ لاشتمال بعض أقسامها على نوعين، كما عرفت.\n_________\n(^١) انظر: شرح الكوكب ٣/ ٣٢.\n(^٢) قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \"قال في المحصول: والسبب في جواز هذا المجاز أن الأمر والخبر يدلان على وجود الفعل. وأراد أن بين المعنيين مشابهة في المعنى: وهي المدلولية؛ فلهذا يجوز إطلاق اسم أحدهما على الآخر\". نهاية السول ٢/ ٢٥٠، وانظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٥٢، شرح الكوكب ٣/ ٣٢.\n(^٣) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"يقع\".\n(^٤) أخرجه ابن ماجه ١/ ٦٠٦، في النكاح، باب لا نكاح إلا بولي، حديث رقم ١٨٨٢. والدارقطني في سننه ٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨، والبيهقي في الكبرى ٧/ ١١٠. وانظر: نصب الراية ٣/ ١٨٨، تلخيص الحبير ٣/ ١٥٧. وقد صحح الألباني هذا الحديث كما في إرواء الغليل ٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩.\n(^٥) ووجه المجاز هنا: أن النهي يدل على عدم الفعل، كما أن هذا الخبر يدل على عدمه، فبينهما مشابهة من هذا الوجه. انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٥٤، نهاية السول ٢/ ٢٥١، شرح الكوكب ٣/ ٣١.","vol":"4","page":1031},{"text":"وقد زاد إمام الحرمين في \"البرهان\" الأمر بمعنى الإنعام، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (^١)، قال: \"وهذا وإن كان فيه معنى الإباحة، فإن الظاهر منه تذكير النعمة\" (^٢).\nوزاد أيضًا الأمر بمعنى التفويض (^٣)، كقوله: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (^٤) (^٥).\nوزاد صفي الدين الهندي تاسع عشر: وهو التعجب، ومَثَّل له بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ (^٦) (^٧)، وهذا المثال جعله الآمدي وابن برهان من قسم التعجيز (^٨).\nورأيت في \"طبقات الفقهاء\" لأبي عاصم العَبَّادي (^٩) في ترجمة\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١٧٢. سورة الأعراف: الآية ١٦٠. سورة طه: ٨١.\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٣١٥.\n(^٣) عبارته في البرهان ١/ ٣١٦: \"التحكيم والتفويض\".\n(^٤) سورة طه: الآية ٧٢.\n(^٥) ومن أمثلته أيضًا قول نوح لقومه: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]. انظر: البحر المحيط ٣/ ٢٨٢.\n(^٦) سورة الإسراء: الآية ٥٠.\n(^٧) انظر: نهاية الوصول ٣/ ٨٤٩.\n(^٨) انظر: الإحكام ٢/ ١٤٣، الوصول إلى الأصول ١/ ١٣٩، وكذا جعله من التعجيز إمام الحرمين في البرهان ١/ ٣١٦، وهو كذلك في شرح الكوكب ٣/ ٢٥، ٢٦.\n(^٩) هو أبو عاصم محمد بن أحمد بن محمد العَبَّادِيّ الهَرَويّ الشافعيّ، الإمام الجليل القاضي. ولد سنة ٣٧٥ هـ. كان معروفًا بغُموض العبارة، وتَعْويص الكلام، ضِنَّةً منه بالعلم، وحُبًّا لاستعمال الأذهان الثاقبة فيه. من مصنفاته: الزيادات، وزيادات الزيادات، وطبقات الفقهاء. مات - ﵀ - سنة ٤٥٨ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٤/ ١٠٤، وفيات الأعيان ٤/ ٢١٤.","vol":"4","page":1032},{"text":"أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفارسي زيادات أخر:\nمنها: التعجب، (كما قال صفي الدين الهندي) (^١)، لكن مَثَّل له بقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ (^٢) (^٣).\nومنها: الأمر بمعنى التكذيب، مثل: قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (^٤) (^٥)، وقوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ (^٦) (^٧).\nومنها: الأمر بمعنى المشورة، مثل: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (^٨) (^٩).\nوزاد أبو عاصم أيضًا في غير هذه الترجمة: الأمر بمعنى الاعتبار، مثل: قوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَر﴾ (^١٠) (^١١). والأمر بمعنى\n_________\n(^١) في (ص): \"كما قال الشيخ\".\n(^٢) سورة الإسراء: الآية ٤٨. سورة الفرقان: الآية ٩.\n(^٣) انظر: شرح الكوكب ٣/ ٣٤.\n(^٤) سورة آل عمران: الآية ٩٣.\n(^٥) فهو أمر بالإتيان بالتوراة، والقصد تكذيبهم.\n(^٦) سورة الأنعام: الآية ١٥٠.\n(^٧) انظر: شرح الكوكب ٣/ ٣٣.\n(^٨) سورة الصافات: ١٠٢.\n(^٩) قال الزركشي في البحر ٣/ ٢٨٣: \"والفرق بينه (بين المشورة) وبين المسألة: أن السؤال يحل محل الحاجة إلى ما يُسأل، والمشورة تقع تقوية للعزم\".\n(^١٠) سورة الأنعام: الآية ٩٩.\n(^١١) انظر: شرح الكوكب ٣/ ٣٤، البحر المحيط ٣/ ٢٨١.","vol":"4","page":1033},{"text":"التسليم (^١) مثل: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ (^٢) (^٣)، وهذا قد تقدم عن إمام الحرمين.\nوقد وصلت الأقسام بزيادات أبي عاصم وإمام الحرمين والقسم الذي ذكره الهندي إلى اثنين وعشرين (^٤).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-334>(الثانية: أنها حقيقة في الوجوب مجاز في البواقي</span>. وقال أبو هاشم: إنه للندب. وقيل: للإباحة. وقيل: مشترك بين الوجوب والندب. وقيل: للقدر المشترك بينهما. وقيل: لأحدهما ولا نعرفه، وهو قول الحجة. وقيل: مشترك بين الثلاثة. وقيل: بين الخمسة).\nأجمعوا على أن صيغة \"افعل\" ليست حقيقةً في جميع المعاني التي أوردناها، وإنما الخلاف في بعضها، وقد اختلفوا فيه على مذاهب:\nأحدها: أنها (^٥) حقيقة في الوجوب فقط، مجاز في البواقي. وهو المحكي عن الشافعي - ﵁ -، وقال إمام الحرمين في \"التلخيص\" المختصر من التقريب\n_________\n(^١) وسماه البعض: الاستبسال. انظر: البحر المحيط ٣/ ٢٨٢.\n(^٢) سورة طه: الآية ٧٢.\n(^٣) انظر: شرح الكوكب ٣/ ٣٢.\n(^٤) انظر: معاني صيغة \"افعل\" في: المحصول ١/ ق ٢/ ٥٧، التحصيل ١/ ٢٧٢، الحاصل ١/ ٣٩٨ - ٤٠٢، نهاية الوصول ٣/ ٨٤٦، نهاية السول ٢/ ٢٤٥، السراج الوهاج ١/ ٤٤٥، البرهان ١/ ٣١٤، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٣٧٢، البحر المحيط ٣/ ٢٧٥، شرح الكوكب ٣/ ١٧، كشف الأسرار ١/ ١٠٧، فواتح الرحموت ١/ ٣٧٢.\n(^٥) في (ص): \"أنه\". فبالتأنيث على تقدير: صيغة افعل، وبالتذكير على تقدير: لفظ افعل.","vol":"4","page":1034},{"text":"والإرشاد: أما الشافعي فقد ادعى كلٌ مِنْ أهل المذاهب أنه على وِفَاقه، وتمسكوا بعبارات متفرقة له في كتبه، حتى اعتصم القاضي بألفاظٍ له من كتبه، واستنبط منها مصيره إلى الوقف. وهذا عدول عن سَنَن الإنصاف، فإن الظاهر والمأثور من مذهبه حمل مطلق الأمر على الوجوب (^١). انتهى. ونقله الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\" وابن برهان في \"الوجيز\" عن الفقهاء (^٢)، واختاره الإمام وأتباعه (^٣) منهم المصنف. قال الشيخ أبو إسحاق: \"وهو الذي أملاه الشيخ أبو الحسن على أصحاب أبي إسحاق يعني المروزي (^٤) ببغداد\" (^٥). ثم اختلف القائلون بهذا المذهب (في أنَّ اقتضاءها الوجوب (^٦) هو بوضع اللغة أم بالشرع؟ على مذهبين) (^٧)، وصحح الشيخ أبو إسحاق أنه بوضع اللغة (^٨)، ونقله إمام\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ١/ ٢٦٤.\n(^٢) انظر: شرح اللمع ١/ ٢٠٦، الوصول إلى الأصول ١/ ١٣٣ - ١٣٤.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٦٦، التحصيل ١/ ٢٧٤، الحاصل ١/ ٤٠٤، نهاية الوصول ٣/ ٩١٤.\n(^٤) هو أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المَرْوَزِيّ، صاحب أبي العبَّاس بن سُرَيج، وأكبر تلامذته، شرح المذهب ولَّخصه، وانتهت إليه رئاسة المذهب. أقام ببغداد دهرًا طويلًا يدرِّس ويفتي ثم انتقل في آخر عمره إلى مصر، فأدركه أجله بها سنة ٣٤٠ هـ، ودفن عند قبر الشافعي ﵁. انظر: سير ١٥/ ٤٢٩، تاريخ بغداد ٦/ ١١.\n(^٥) انظر: شرح اللمع ١/ ٢٠٦.\n(^٦) في (غ)، و(ك): \"للوجوب\".\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) انظر: شرح اللمع ١/ ٢٠٦.","vol":"4","page":1035},{"text":"الحرمين عن الشافعي (^١).\nوالثاني (^٢): أنها حقيقة في الندب. قال الغزالي: \"ومنهم مَنْ نقله عن الشافعي\" (^٣)، وقد نقله في الكتاب عن أبي، هاشم، والغزالي نقله عن كثير من المتكلمين دهماؤهم المعتزلة (^٤)، أي: دهماء الكثير من المتكلمين، وجماعة من الفقهاء (^٥). قال الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\" الذي يَحْكى الفقهاء عن المعتزلة أنها تقتضي الندب، وليس هذا مذهبهم على الإطلاق، بل ذلك بواسطة أن الأمر عندهم يقتضي الإرادة، والحكيم (^٦) لا يريد إلا الحسن، والحسن ينقسم إلى واجب ومندوب، فيحمل على المحقَّق من الاسم وهو الندب. فليست الصيغة عندهم مقتضية للندب إلا على هذا التقدير (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) انظر: البرهان ١/ ٢١٦، نهاية السول ٢/ ٢٥١، فواتح الرحموت ١/ ٣٧٧.\n(^٢) في (ت) و(غ)، و(ك): \"الثاني\".\n(^٣) انظر: المستصفى ٣/ ١٤٠.\n(^٤) في اللسان ١٢/ ٢١٢، مادة (دهم): ودهماء الناس: جماعتهم وكثرتهم. اهـ. فأكثر المتكلمين هم المعتزلة.\n(^٥) عبارته في المستصفى ٣/ ١٤٠: \"وقد ذهب إليه كثير من المتكلمين - وهم المعتزلة - وجماعة من الفقهاء\".\n(^٦) في (ص): \"والحاكم\". وهو خطأ. ومرادهم بالحكيم هو الله ﷿، كما هو مُصَرَّح به في شرح اللمع.\n(^٧) انظر: شرح اللمع ١/ ٢٠٦، والنقل بتصرف من الشارح، كما هو حال كثير من نقولاته.\n(^٨) أي: على تقدير أن الأمر يقتضي الإرادة، والحكيم لا يريد إلا الحسن. أما أن الصيغة بمجردها تقتضي عندهم الندب فليس كذلك، ولذلك قالوا: إنْ صدر الأمر من غير حكيم لم يقتضي أكثر من الإرادة. انظر: شرح اللمع ١/ ٢٠٦، المعتمد ١/ ٥١.","vol":"4","page":1036},{"text":"قلت: ويلزمهم أو أكثرهم -على هذا التقدير - القولُ بالإباحة؛ وإن المباح عند أكثرهم حسن، كما سبق في أوائل الكتاب.\nالثالث: أنها حقيقة في الإباحة التي هي أدنى المراتب.\nالرابع: أنها مشتركة بالاشتراك اللفظي بين الوجوب والندب. وهو المَحْكي عن المرتضى من الشيعة، وقال الغزالي: \"صَرَّح الشافعي في كتاب \"أحكام القرآن\" بتردد الأمر بين الوجوب والندب\" (^١).\nالخامس: أنها حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الطلب، فيكون متواطئًا (^٢). وهو رأي الإمام أبي منصور الماتريدي (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) المستصفى ٣/ ١٤٠.\n(^٢) فصيغة افعل حقيقة في القدر المشترك بين الوجوب والندب وهو الطلب، فهي تدل على الطلب، والطلب له فردان: الوجوب والندب. فالطلب كلي متواطئ يدل على كلا الفردين دلالة متساوية، كما هو الحال في الكلي المتواطئ. والفرق بين هذا القول والذي قبله أن صيغة \"افعل\" هنا موضوعة للطلب لا لخصوص الوجوب والندب، وإنما الوجوب والندب فردان للطلب، فاللفظ يدل عليهما حقيقة من حيث كونهما طلبًا، لا من حيث كون كل واحد واجبًا أو مندوبًا، فهذا هو الاشتراك المعنوي وهو الذي يعبر عنه بالكلي المتواطئ، بخلاف الاشتراك للفظي فهو يدل على الواجب من حيث كونه واجبًا، وعلى الندب من حيث كونه ندبًا، فالوجوب والندب موضوعان حقيقة لصيغة \"افعل\". وانظر: شرح المحلي مع حاشية البناني ١/ ٣٧٦.\n(^٣) وعزي أيضًا إلى مشايخ سمرقند من الحنفية. انظر: تيسير التحرير ١/ ٣٤١، فواتح الرحموت ١/ ٣٧٣.\n(^٤) هو أبو منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريديّ - نسبة إلى ماتُرِيد مَحَلَّة بسمرقند - الحنفيّ، كان من كبار العلماء. قال أبو الحسنات اللكنوي ﵀: \"صنف =","vol":"4","page":1037},{"text":"السادس: حقيقه إما في الوجوب، وإما في الندب، وإما فيهما جميعًا بالاشتراك اللفظي، لكنا لا ندري ما هو الواقع من هذه الأقسام الثلاثة، ويُعْرف أن لا رابع وهذا محكي عن طائفةٍ من الواقفية كالشيخ والقاضي (^١)، واختاره الغزالي والآمدي (^٢).\nهذا هو تحرير هذا المذهب، وقول المصنف في حكايته: \"وقيل: لأحدهما ولا نعرفه\" غير مرضي لوجهين:\nأحدهما: تصريحه بتردد هذا المذهب بين شيئين، وليس كذلك، بل بين ثلاثة كما سقناه.\nوثانيهما: أنه على تقدير صحة هذا، بأن يكون بعض الناس ذهب إلى تردده بين شيئين، فليس قولَ الغزالي، إنما اختار الغزالي ما أوردناه، وهذه عبارة المستصفى: وقد ذهب ذاهبون إلى أن وضعه للوجوب. وقال قوم: بل للندب. وقال قوم: يتوقف فيه. ثم منهم من قال: هو مشترك كلفظ\n_________\n= التصانيف الجليلة، وردَّ أكاذيب أقوال أصحاب العقائد الباطلة. له كتاب التوحيد، وكتاب المقالات، وكتاب أوهام المعتزلة. . . وغير ذلك. مات سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة\". انظر: الجواهر المضية ٣/ ٣٦٠، الفوائد البهية ص ١٩٥.\n(^١) عبارة القاضي كما في التلخيص ١/ ٢٦١، ٢٦٢: وأما العبارة الدالة على المعنى القائم بالنفس نحو قول القائل: \"افعل\" فمترددة بين الدلالة على الوجوب والندب والإباحة والتهديد، فيتوقف فيها حتى يثبت بقيود المقال أو قرائن الحال تخصصها ببعض المقتضيات، فهذا ما نرتضيه من المذاهب. اهـ. وانظر: البحر المحيط ٣/ ٢٩١ - ٢٩٣، نهاية السول ٢/ ٢٥٣.\n(^٢) انظر: المستصفى ١/ ٤٢٣، نهاية السول ٢/ ٢٥٢، الإحكام ٢/ ١٤٥.","vol":"4","page":1038},{"text":"العين. ومنهم من قال: لا ندري أيضًا أنه مشترك أو وضع لأحدهما، واسْتُعْمل في الثاني مجازًا. والمختار أنه يُتوقف فيه (^١). انتهى.\nوقد حكى الشيخ صفي الدين (^٢) الهندي عن الشيخ والقاضي وإمام الحرمين والغزالي: التوقفَ في أنه حقيقة في الوجوب فقط، أو الندب فقط، أو فيهما بالاشتراك اللفظي، أو المعنوي (^٣) (^٤). وهذا مغاير لهذا الذي سقناه عن الغزالي لتردده بين أربعة لا ثلاثة، والذي في المستصفى ما رأيته، (وأما الشيخ والقاضي) (^٥) فقد ذكرنا النقل عنهما في أول هذا الفصل من كلام إمام الحرمين، وأما إمام الحرمين فالذي صرح باختياره ما نصه: \"مَنْ أنكر أن العرب ما فصلت بين قول القائل: افعل، وبين قوله: لا تفعل - فليس من التحقيق في شيء؛ فإنا على اضطرار نَعْلم الفصل في ذلك (^٦)، كما نعلم الفصل بين قول القائل: فعل، وبين قوله: ما فعل، ولا معنى لبسط ذلك مع وضوحه. (فإذا سقط هذا) (^٧) (^٨) رَدَدْنا القول إلى الإباحة التي هي تخييرٌ، ولا اقتضاءَ فيها ولا طلب،\n_________\n(^١) انظر: المستصفى ١/ ٤٢٣.\n(^٢) لم ترد \"صفي الدين\" في (ص).\n(^٣) قوله: \"أو المعنوي\" أي: هو حقيقة في الطلب، كما سبق بيانه.\n(^٤) انظر: نهاية الوصول ٣/ ٨٥٦.\n(^٥) في (ت): \"وأما القاضي والشيخ\".\n(^٦) أي: بين افعل، ولا تفعل.\n(^٧) في (غ): \"فإذ أسقطنا هذا\".\n(^٨) أي: سقط عدم الفرق.","vol":"4","page":1039},{"text":"(وقلنا) (^١): لا شك في فَصْلِ العرب بين قول من يقول: لا حرج عليك فعلتَ أو تركتَ، وبين قوله: افعل؛ فإن الصيغة الأخيرة مقتضاها طلب لا محالة، وليس في الإباحة من الطلب شيء. فقد لاح سقوط الإباحة عن متضمَّن الصيغة، ولم يبق إلا الندب، والندب من ضرورةِ معناه التخييرُ في الترك، وليس في قول القائل: افعل - تخييرٌ في الترك أصلًا.\nوقد تعين الآن أن نبوح بالغرض الحق، ونقول: \"افعل\" طلبٌ محضٌ لا مساغ له لتقدير الترك، فهذا مقتضى اللفظ المجرد عن القرائن.\nفإن قيل: فهذا مذهب الشافعي - ﵁ - وأتباعه، وهو المصير إلى اقتضاء اللفظ إيجابًا.\nقلنا: ليس كذلك؛ فإن الوجوب عندنا لا يعقل دون التقييد بالوعيد على الترك، وليس ذلك مقتضى تمحيض الطلب. فإذًا الصيغة لتمحيض الطلب، والوجوب مستدرك (^٢) من الوعيد (^٣). هذا لفظه ثم قال: \"وأنا أبني على منتهى الكلام شيئًا يُقَرِّبُ ما اخترتُه من مذهب الشافعي، فأقول: ثبت في موضوع الشرع أن التمحض (^٤) في الطلب مُتَوَعَّد (^٥) على تركه، وكلما يكون كذلك فلا يكون إلا واجبًا\" (^٦) انتهى.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (غ): \"يستدرك\".\n(^٣) أي: مُحَصَّل من الوعيد.\n(^٤) في البرهان ١/ ٢٢٣: \"التمحيض\".\n(^٥) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"مُوَعَّد\". والمثبت من (ك)، وهو موافق لما في البرهان ١/ ٢٢٣.\n(^٦) البرهان ١/ ٢٢٣.","vol":"4","page":1040},{"text":"وحاصل هذا الذي اختاره حَمْلُ الصيغة على الاقتضاء والطلب، وقصار المستفاد منها من جهة اللسان الطلب الجازم، وكون هذا الطلب مُوَعَّدًا عليه شيءٌ آخر ثابتٌ في أوامر الشرع بالدليل الخارجي، فالوجوب مستفاد بهذا التركيب من (^١) اللغة والشرع. فقد وافق القائلين بالوجوب، وإنْ كان قد خالفهم في هذا التركيب. ونقل المازَري (^٢) في \"شرح البرهان\" هذا الذي اختاره إمام الحرمين عن الشيخ أبي حامد الإسفراييني وقال (^٣): \"إنه صَرَّح به وسبقه إلى اختياره، فأشار إلى أن الأمر يقتضي حصر المأمور على الفعل، فاقتضاه منه اقتضاءً جزمًا، ولكن إذا ثبت هذا مِنْ جهة اللسان ثبت بعده الوعيد\".\nوهذا الذي اختاره الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين هو المختار عندنا (^٤)، فإن الوعيد لا يستفاد من اللفظ بل هو أمر (^٥) خارجي عنه،\n_________\n(^١) في (غ)، و(ك): \"بين\".\n(^٢) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميميّ المازَرِيّ - نسبة لمازَر: بُليدة من جزيرة صِقِلِّيَّة، بفتح الزاي وقد تكسر، وصِقِلِّيَّة: جزيرة من جزر بحر المغرب مقابلة إفريقية - المالكيّ، الشيخ العلَّامة، والبحر المتفنِّن. قال القاضي عياض ﵀: \"لم يكن في عصره للمالكية في أقطار الأرض أفقه منه، ولا أقْوَمُ بمذهبهم. . .\". من مصنفاته: المُعْلِم بفوائد شرح مسلم، وشرح \"البرهان\" لأبي المعالي الجويني، وشرح \"التلقين\" لعبد الوهاب المالكي، وليس للمالكية كتاب مثله، كذا قال ابن فرحون، وغيرها. توفي - ﵀ -. بمدينة المهديَّة من إفريقية سنة ٥٣٦ هـ. انظر: سير ٢٠/ ١٠٤، الديباج المذهب ٢/ ٢٥٠.\n(^٣) في (غ): \"قال\".\n(^٤) وكذا اختاره الزركشي في البحر ٣/ ٢٨٨، ٢٨٩، وانظر: شرح المحلي مع البناني ١/ ٣٧٦، ٣٧٧.\n(^٥) سقطت من (غ).","vol":"4","page":1041},{"text":"ولكنا نقول: المنقول عن الشافعي أن الصيغة تقتضي الوجوب، ومراده الصيغة الواردة في الشرع؛ إذْ لا غرض له في الكلام في شيءٍ غيرها، ولم يصرح الشافعي بأن اقتضاءها للوجوب مستفادٌ منها، فلعله يرتضي هذا التركيب ويقول به، ويكون ما ذهب إليه الشيخ أبو حامد وإمام الحرمين هو الذي ذهب (^١) إليه إمامهما - ﵁ -.\nواعلم أن هذا المذهب المختار مغايرٌ للمذهبين اللذين حكيناهما عند حكاية القول بالوجوب: في أن ذلك هل هو بالشرع أو اللغة؟ فتصير المذاهب أربعة: الوجوب بالشرع، والوجوب باللغة، والوجوب بضم الشرع إلى اللغة، وعدمُ الوجوب.\nفإن قلت: كيف يقال: بأن الوجوب مستفاد مِنْ وضع اللغة؟\nقلت: هو بعيد، كما أشرنا إليه، ولكنه هو مذهب مُصَرَّح به، كما عرفت. وممن ذكره الشيخ أبو إسحاق (^٢)، والقاضي أبو بكر في \"مختصر التقريب\" لإمام الحرمين وقال: \"إن الأكثرين من القائلين بأن الصيغة تقتضي الوجوب عليه، وأنه كذلك بأصل الوضع؛ لأنه قد ثبت في إطلاق أهل اللغة تسمية مَنْ خالف مطلق الأمر عاصيًا، وتقريعه وتوبيخه بالعصيان عند مجرد ذِكْر الأمر، ولا يستوجب التوبيخ إلا بترك واجب، فاقتضى ذلك دلالة الأمر المطلقِ على الوجوب\" (^٣).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) وصححه، كما سبق بيانه. انظر: شرح اللمع ١/ ٢٠٦.\n(^٣) انظر: التلخيص ١/ ٢٦٩، بتصرف واختصار من الشارح.","vol":"4","page":1042},{"text":"وقال المازَري: \"صَرَّح بعض أصحابنا بأن الوعيد مستفاد من اللفظ، كما يستفاد منه الاقتضاء الجازم\"، فقد ثبت هذا المذهب إلا أنه عندنا ساقط.\nقال القاضي في \"مختصر التقريب\": \"ولسنا نسلم أن (^١) في إطلاق اللغة ما يقتضي أن مخالف الصيغة المطلقة المُعَرَّاة عن القرائن يُسَمَّى عاصيًا، ويستوجب التوبيخ. ونقول لهم: بمَ تنكرون على مَنْ يزعم أنهم وإن وَبَّخوا تارك الامتثال بسمة العصيان، فإنما وبخوه عند تركه امتثالَ أمرٍ شاهِدُ قرائنِ أحوالِ الأمر به - دالةٌ على اقتضاء الوجوب. فليس يمكنكم أن تزعموا أنهم يوبخون بالعصيان في الأمر المجرد عن القرائن\". قال: \"واسم الأمر يصدق على المجرد والمقتَرِن، فمن أين لكم أنَّ ما أطلقوه ينصَرف إلى الصيغة المطلقة؟ \" (^٢). قال: \"ثم نقول على وجه التنزل: لسنا نسلِّم أن تثبيت (^٣) سمةِ العصيانِ وصفُ ذمٍ على الإطلاق؛ إذ قد يرد ذلك (^٤) في غير موضع استحقاق الذم، فإنك تقول: أشرتُ على فلانٍ بكذا فعصاني، وعصى مشورتي، و(إن لم تكن بمشورتك) (^٥) موجِبًا على من أشرت عليه\" (^٦).\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) أي: التي بدون القرائن.\n(^٣) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"يَثْبُت\". والمثبت من (ت)، والتلخيص ١/ ٢٧٠.\n(^٤) أي: إثبات سمة العصيان.\n(^٥) في (ص) \"وإن لم يكن لمشورتك\".\n(^٦) انظر: التلخيص ١/ ٢٦٩، ٢٧٠، مع تصرف من الشارح.","vol":"4","page":1043},{"text":"المذْهب السابع: أنها مشتركة بين الثلاثة، أعني: الوجوب، والندب، والإباحة. واختلف القائلون به: فقالت طائفة: بالاشتراك اللفظي، وقال آخرون: بالمعنوي، وكلام المصنف محتمل للأمرين.\nالثامن: أنها مشتركة بين (^١) الخمسة، أعني: الوجوب، والندب، والإباحة، والكراهة، والتحريم. وهو المشار إليه بقول المصنف: \"وقيل: بين الخمسة\" ومراده الأحكام الخمسة، فإن الإمام في \"المحصول\" هكذا حكاه (^٢). هذه المذاهب المذكورة في الكتاب.\nوالتاسع: أنه (^٣) مشترك بين (^٤) الوجوب، والندب، والإباحة، والإرشاد، والتهديد. حكاه الغزالي (^٥).\n_________\n(^١) في (ص): \"من\". وهو خطأ.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٦٢، نهاية السول ٢/ ٢٥٢.\n(^٣) في (ص): \"أنه أمر\".\n(^٤) في (ت): \"في\".\n(^٥) انظر: المستصفى ٣/ ١٣٢. ملاحظة: عبارة \"المستصفى\" المحال عليه: \"فالوجوب، والندب، والإرشاد، والإباحة، والتهديد، خمسة وجوه محصَّلة. . . قال قوم: هو مشترك بين هذه الوجوه الخمسة عشر، كلفظ العين والقرء\". والعبارة في نسخة المستصفى المطبوعة مع فواتح الرحموت ١/ ٤١٩: \"فالوجوب والندب والإرشاد والإباحة أربعة وجوه محصلة. . . . وقال قوم: هو مشترك بين هذه الوجوه الخمسة عشر كلفظ العين والقرء\". ويلاحظ أن النسخة الأولى - التي حققها الدكتور حمزة حافظ - سليمة من جهة ذكر الوجوه الخمسة، أي: ذِكْر الوجه الخامس وهو \"التهديد\" الذي سقط في النسخة القديمة، لكن كلا النسختين وقعتا في خطأ وهو عبارة: \"قال قوم: هو مشترك بين هذه الوجوه الخمسة عشر. . .\"؛ إذ الصواب: بين هذه الوجوه الخمسة. واسم الإشارة \"هذه\" إشارة إلى الخمسة المذكورة قريبًا، لا إلى الخمسة =","vol":"4","page":1044},{"text":"والعاشر (^١): أن أمر الله تعالى للوجوب، وأمر النبي - ﷺ - للندب، إلا ما كان موافقًا لنصٍّ، أو مبينًا لمجمل. حكاه القاضي عبد الوهاب (^٢) في \"الملخص\" عن شيخه أبي بكر الأبهري، وكذلك حكاه عنه المازَري في \"شرح البرهان\"، وقال: \"إن النقل اخْتَلَف عنه، فَرُوي عنه هذا، ورُوِي\n_________\n= عشر وجهًا التي سبق ذكرها بعيدًا، والعبارة وردت في نهاية السول ٢/ ٢٥٢: \". . . والغزالي في المستصفى فقال ما نصه: فالوجوب، والندب، والإرشاد، والإباحة، والتهديد، خمسة وجوه محصلة - ثم قال - فقال قوم: هو مشترك بين هذه الوجوه الخمسة كلفظ العين والقرء. هذا لفظه وترتيبه\"، ويوافق الإسنوي ابن السبكي في إحالته على الغزالي هذا القول، إذ لو لم نحذف كلمة \"عشر\" من مقولة الغزالي هذه، فليس هناك موطن آخر في المستصفى لإحالة هذا القول عليه، وهذا يؤكد أن لفظة \"عشر\" زائدة، وأن الصواب: \"الوجوه الخمسة\". وإنما نبهت على هذا الخطأ حتى لا يَعْترض معترض بأنَّ ما في المستصفى مخالف لما هنا، والله تعالى أعلم.\n(^١) في (ت): \"والعاشر أنها حقيقة في الطلب، مجازًا فيما سواه، قال الآمدي: وهو الأصح. الحادي عشر. . .\" وهذه الزيادة خطأ، ولذلك لم ترد في باقي النسخ، وقد شطب عليها ناسخ (غ): واكتفى بالعبارة التي أثبتناها. وفيها مع الخطأ خلل، أما الخلل فلأنها سبقت في القول الخامس وهو الاشتراك المعنوي الذي يقول به أبو منصور الماتريدي. وأما الخطأ: لأن الآمدي رجح مذهب الواقفية كما سبق بيانه في القول السادس، فكيف يقول هنا عنه: إنه الأصح! انظر: الإحكام ٢/ ١٤٥.\n(^٢) هو القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر أبو محمد البغداديّ المالكيّ، الفقيه الحجة النظار المتفنن، الأديب الشاعر، من أعيان علماء الإسلام. ولد سنة ٣٦٣ هـ. قال الخطيب: \"وكان ثقةً ولم نلقَ من المالكيين أحدًا أفقه منه\". من مصنفاته: النصرة لمذهب إمام دار الهجرة، المعونة لمذهب عالم المدينة، الأدلة، الإفادة، التلخيص، وغيرها. توفي بمصر سنة ٤٢٢ هـ. انظر: الديباج المذهب ٢/ ٢٦، تاريخ بغداد ١١/ ٣١، حسن المحاضرة ١/ ٣١٤، شجرة النور الزكية ص ١٠٣، سير ١٧/ ٤٢٩.","vol":"4","page":1045},{"text":"عنه موافقة مَنْ قال: إنه للندب على الإطلاق\".\nهذا ما حضرنا من المذاهب في هذه المسألة، وقد ادعى الإمام - إذ حكى الاتفاقَ على أن صيغة \"افعل\" ليست حقيقة في جميع المحامل المتقدمة - أن الخلافَ إنما وقع في أمور خمسة: الوجوب، والندب، والإباحة، والتنزيه، والتحريم (^١).\nوأنت إذا تأملت ما حكيناه من المذاهب علمتَ أنَّ حَصْر الخلافِ في ذلك ليس بجيد.\nقال: (لنا وجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾، ذُمَّ على ترك المأمور فيكون واجبًا).\nاستدل على ما ذهب إليه مِنْ أنَّ صيغة \"افعل\" حقيقةٌ في الوجوب بوجوه خمسة (^٢):\nالأول: قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (^٣) ووجه الحجة منه: أن الصيغة وإنْ كانت صيغة استفهام، لكن الاستفهام غير مراد منها؛ لاستحالته على مَنْ يستحيل عليه الجهل، بل المراد منها الذم والتوبيخ، وأنه لا عذر له، في الإخلال بالسجود بَعْدَ ورود الأمر به، ولو لم يكن الأمر للوجوب لما حسن الذم والتوبيخ.\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٦١، ٦٢.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) سورة الأعراف: الآية ١٢.","vol":"4","page":1046},{"text":"ورَدَّ الآمدي هذا الدليل: بأنه لا يلزم من كون هذا الأمر اقتضى الوجوب، أن يكون كلُ أمرٍ كذلك.\nوالجواب: أنه لا قائل بالفصل.\nواعلم أن الشيخ أبا إسحاق في \"شرح اللمع\" أورد من جهة المعتزلة: أن ما ذكرتموه من الآيات يدل على أن أوامر الله ورسوله يدلان على الوجوب، ونحن لا ننازع في ذلك، إنما ننازع في مقتضى اللفظ لغةً.\nوأجاب: بأنهم متى سَلَّموا ذلك حصل المقصود؛ إذِ المطلوب معرفةُ مقتضى أوامر الله وأوامر الرسول - ﷺ -.\nوغرضنا من إيراد هذا السؤال: أنه قد يؤخذ منه أن المعتزلة، أو أن الشيخ أبا إسحاق اعتقد أنهم لا يخالفون في أن (^١) أوامر الله وأوامر رسوله ﵊ تقتضي الوجوب، وذلك عجيب؛ فإن النقل [عنهم] (^٢) بخلاف ذلك مُشْتَهر.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في جميع النسخ: \"عنه\"، والصواب ما أثبتناه؛ لأن المراد بيان خطأ هذا الاعتقاد، وأن النقل عن المعتزلة ومخالفتهم في ذلك مشتهرة، كما سبق بيان رأيهم وأنهم يحملون أوامر الله تعالى وأوامر رسوله - ﷺعند التجرد عن القرائن - على الندب. على أن الشيخ أبا إسحاق - رحمه الله تعالى - أجاب عن سؤال المعتزلة هذا بثلاثة أجوبة: الأول منها: ذكره الشارح رحمه الله تعالى. والثاني: قال فيه: \"وجواب آخر: أن هذا ليس مذهبهم، فإن مَنْ يقول بالوقف يقول: إن الأمر لا يقتضي في الشرع ندبًا ولا إيجابًا، وإنما يُحْمل على أحدهما بدليل يتصل به. والمعتزلة تقول: إنه يقتضي في =","vol":"4","page":1047},{"text":"قال: (الثاني: ﴿ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾. قيل: ذَمَّ على التكذيب. قلنا: (الظاهر أنه) (^١) للترك، والويل للتكذيب. قيل: لعل قرينةً أوجبت. قلنا: رَتَّب الذمَّ على تَرْكِ مجرد افعل).\nالدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ (^٢)، ووجه التمسك: أنه تعالى ذَمَّ أقوامًا على تَرْك ما قيل لهم فيه: \"افعلوا\"؛ إذ الآية بسياقها تدل على الذم، فلو لم تكن الصيغة للوجوب لما حَسُن ذلك.\nوإنما قلنا: إن سياق الآية يدل على الذم؛ لأنه ليس المراد من قوله: ﴿لَا يَرْكَعُونَ﴾ الإعلام والإخبار؛ لأن ترك الركوع من المكذبين معلومٌ لكل أحد (^٣)، فيكون ذمًا لهم.\nواعتُرض عليه بوجهين:\nأحدهما: أنا لا نسلم أن الذم على ترك مقتضي الأمر، بل على تكذيب الرسل، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (^٤).\n_________\n= الشرع الندب، فأما الوجوب فلا يقتضيه وإنما يُحمل عليه. فلا يصح منهم هذا السؤال\". انظر: شرح اللمع ١/ ٢٠٨. فتبين بالجواب الثاني أن أبا إسحاق - رحمه الله تعالى - لا يعتقد هذا الاعتقاد الذي ذكره الشارح رحمه الله تعالى، وأعْجَبُ كيف فات على الشارح قراءة الجواب الثاني الذي فيه بيان معرفة أبي إسحاق أن هذا السؤال لا يصح من المعتزلة؛ إذ هو مخالف لمذهبهم، وإنما جوابه الأول على سبيل التنزل والتسليم، والسهو لا يكاد يسلم منه أحد.\n(^١) في (غ): \"إنه ظاهر\".\n(^٢) سورة المرسلات: الآية ٤٨.\n(^٣) في (ك): \"واحد\".\n(^٤) سورة المرسلات: الآية ٤٩. (وفي النسخ: \"فويل\" وهو خطأ).","vol":"4","page":1048},{"text":"أجاب عنه: بأن الظاهر أن الذم على ترك مقتضي الأمر؛ إذْ رتَّب (الذم على الترك، والترتيب يشعر بالعِلِّيَّة، والويل على التكذيب، فحينئذٍ إما) (^١) أن يكون المكذبون هم التاركين - فلهم الويل بسبب التكذيب، ولهم العقاب بترك المأمور به؛ إذ الكفار مأمورون بالفروع. وإما أن يكونوا غيرهم - فيجوز أن يستحق قوم الويل بسبب التكذيب، وآخرون العقاب بسبب ترك المأمور به. هذا تقرير (^٢) الجواب.\nواعترض النقشواني على الاستدلال بالآية من وجه آخر، فقال: لا نسلم أنه ذمهم على ترك الركوع فقط، بل ذمهم على كونهم بحيث لو قيل لهم: ﴿ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾، والمراد به أنهم غير قابلين للإنذار ونُصْحِ الأنبياء، وغير ملتفتين إلى دعوتهم، قد انطوت جِبِلَّتُهم على ما يمنعهم من ذلك، والرجل قد يتصف بهذه السجية قبل أن يقال له: اركع، فلا يركع، ونحن معترفون بأن هذه المَلَكة مما يوجب (^٣) العذاب.\nهذا اعتراضه، وهو ضعيف، وجوابه: ما ذكرناه من أن الظاهر أن الذم على ترك مقتضى (^٤) مدلول قوله: ﴿ارْكَعُوا﴾، وما ذكره خروج عن حقيقة اللفظ مِنْ غير دليل.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (غ): \"تقدير\".\n(^٣) في (غ): \"توجب\".\n(^٤) سقطت من (ص).","vol":"4","page":1049},{"text":"والوجه الثاني: (وهو يتوجَّه) (^١) على الدليلين المذكورين، هذا الذي نحن فيه، والذي تقدم، وتوجيهه: سَلَّمنا أن الذم على الترك، لكن لعل الأمر اقترنت به قرينة تقتضي إيجابه، فإن الصيغة إذا اقترنت بها قرينة صرفتها إلى ما دلت عليه إجماعًا.\nأجاب عنه: بأنه رتَّب الذم على مجرد ترك المأمور به، وترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعِلِّيَّة، فيكون نفس الترك علةً (^٢)، وما ادعيتم من القرينة - الأصلُ عَدَمُه.\nفإن قلت: هذا الاحتمال وإنْ كان على خلاف الأصل - فهو قادح في القطع (^٣)، والمسألة قطعية (^٤).\nقلت: أما مَنْ قال: إن المسألة ظنية كأبي الحسين البصري وغيره (^٥) - فيجيب بمنع كونها قطعية. وأما مَنْ قال: بأنها قطعيةٌ - فيجيبُ بأن كل واحد مما يُذْكر من الأدلة وإنْ كان لا يفيد القطع، لكن المجموع يفيده.\nقال: (الثالث: تارك المأمور به مخالفٌ له، كما أن الآتي به موافق، والمخالف على صدد العذاب؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٦). قيل:\n_________\n(^١) في (ت): \"والذي يتوجَّه\"، وفي (ص): \"وهو يتجه\".\n(^٢) في (ت): \"علية\".\n(^٣) في (ت): \"المقطوع\". (أي: المقطوع به).\n(^٤) لأن مسائل الأصول قطعية. انظر: نفائس الأصول ٣/ ١٢٤٧.\n(^٥) كالإمام. انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٠٧، نفائس الأصول ٣/ ١٢٤٨.\n(^٦) سورة النور: الآية ٦٣.","vol":"4","page":1050},{"text":"الموافقة: اعتقاد حَقِّيَّة (^١) الأمر، والمخالفة: اعتقاد فساده. قلنا: ذلك لدليل الأمر لا له. قيل: الفاعل ضمير، و﴿الَّذِينَ﴾ مفعول. قلنا: الإضمار خلاف الأصل، ومع هذا فلا بد له (^٢) من مرجع قيل: ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾ (^٣). قلنا: هم المخالفون، فكيف يؤمرون بالحذر عن أنفسهم! وإنْ سُلِّم فيضيع قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾. قيل: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ لا يوجب. قلنا: يحسن وهو دليل قيام المقتضِي. قيل: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ لا يعم. قلنا: عام لجواز الاستثناء).\nالدليل الثالث: أن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر، ومخالفُ ذلك الأمر على صدد العذاب، فتارك المأمور به (^٤) على صدد العذاب.\nإنما قلنا: تارك المأمور به مخالف للأمر؛ لأن موافقة الأمر هي الإتيان (^٥) بمقتضى الأمر. والمخالفة ضد الموافقة، فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه. فثبت أن تارك المأمور به مخالف.\nوإنما قلنا: مخالف الأمر على صدد العذاب؛ لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أَمَر\n_________\n(^١) في (ت): \"حقيقة\". وهو خطأ؛ لأن الحقيقة يقابلها المجاز.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) سورة النور: الآية ٦٣.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ص): \"الإيمان\". وهو تحريف.","vol":"4","page":1051},{"text":"مخالفَ الأمرِ بالحذر عن العذاب، والحذر عنه إنما يكون بعد قيام المقتضِي لوقوعه، بدليل أنه يقبح (^١) الأمر بالحذر عن الشيء بدون وجود المقتضي له، ألا ترى أنه يقبح أن يقال لمَنْ جلس تحت سقفٍ قوي غيرِ مائلٍ: احذر أن يقع عليك. ولا يقبح أن يقال ذلك لمَنْ جلس تحت سقف مائلٍ في مَعْرِض الوقوع؛ وما ذلك إلا لأن المقتضِي للوقوع قائم فيه. فلو لم يكن تَرْك المأمور به مقتضيًا لوقوع العذاب - لما حسن الأمر بالحذر عن العقاب. ولا معنى لقولنا: إن الأمر يقتضي الوجوب إلا ذلك. وفي هذا التقرير نظر سيأتي إن شاء الله تعالى.\nواعترض الخصم بأربعة أوجه:\nأحدها: مَنْع المقدمة الأولى، أي: لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه وإنما هي اعتقاد حَقِّيَّته. يعني: كونه حقًا، مستوجبَ القبول. فالمخالفة: هي إنكار حقيته، يعني: اعتقاد أنه فاسد.\nقلنا: هذا ليس موافقة للأمر (^٢)، بل موافقة للدليل الدال على حقية ذلك الأمر، وهو المعجزة الدالة على صدق الرسول، فاعتقاد (^٣) حقية الأمر موافقة الدليل، لا موافقة الأمر، فإن موافقة الشيء: عبارة عما يستلزم تقرير مقتضاه. فإذا دل الدليل على حقية الأمر كان الاعتراف بحقيته مستلزمًا لتقرير مقتضى ذلك الدليل والأمر لما اقتضى دخول\n_________\n(^١) في (ص): \"يصح\". وهو تحريف\n(^٢) في (ت): \"الأمر\".\n(^٣) في (ت): \"فاعتقاده\".","vol":"4","page":1052},{"text":"فعل المأمور به في الوجود - (كانت موافقته عبارة عما يُقَرِّر دخولَه، وإدخاله في الوجود) (^١) (^٢) يقرِّر دخولَه، فكانت موافقة الأمر عبارة عن: فعل مقتضاه.\nوثانيها: مَنْع المقدمة الثانية، وتقريره: لا نُسَلِّم أنه تعالى أمر المخالِف بالحذر، بل أمر بالحذر عن المخالِف، فيكون فاعل: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ ضميرًا، و﴿الَّذِينَ﴾ في محل النصب بأنه مفعوله (^٣).\nأجاب عنه بوجهين:\nأحدهما: أن الإضمار خلاف الأصل.\nوالثاني: أن الضمير لا بد له من اسمٍ ظاهر يعود إليه، وهو مفقود هنا.\nقال الخصم: لِمَ لا يعود على ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾! والتقدير: فليحذر الذين يتسللون منكم لِواذًا عن الذين يخالفون عن أمره.\nأجاب (المصنف عنه) (^٤) بوجهين:\nأحدهما: أن الذين يتسللون هم المخالفون، وذلك أن المخالفين لما ثقل عليهم المقامُ في المسجد وسماعُ الخطة لاذوا بمَنْ يستأذن للخروج، حتى إذا أُذِن له خرجوا معه من غير إذْن، فنزل قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) أي: إيجاده بفعل فاعل.\n(^٣) في (ت): \"مفعول\".\n(^٤) في (غ): \"عنه المصنف\".","vol":"4","page":1053},{"text":"مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ (^١)، وإذا كان كذلك - فلو أُمِر المتسللون بالحذر عن المخالفين لكانوا قد أُمِروا بالحذر عن أنفسهم، وذلك غير ممكن.\nالثاني: أنا لو سلمنا أن مرجع (الضمير: ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾) (^٢)، كما ادعوه - لكان أمرًا للمتسللين بالحذر عن المخالفين، ويصير تقدير الآية حينئذ: فليحذر الذين يتسللون منكم لواذًا الذين يخالفون عن أمره (^٣)، فيضيع إذ ذاك قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾؛ لأن فاعل ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ حينئذ الضمير، والذين مفعوله، والحذر لا يتعدى إلى مفعولين حتى يكون ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ﴾ مفعولًا ثانيًا له (^٤)، فيصير حينئذ ضائعًا لا تَعَلُّقَ له بما قبله ولا بما بعده (^٥).\n_________\n(^١) قال ابن كثير رحمه الله تعالى في هذه الآية: \"قال مقاتل بن حيان: هم المنافقون كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة - ويعني بالحديث الخطبة - فيلوذون ببعض أصحاب محمد - ﷺ - حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي - ﷺ - في يوم الجمعة بعد ما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشار بأصبعه إلى النبي - ﷺ - فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل؛ لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي - ﷺ - يخطب بطلت جمعته\". تفسير ابن كثير ٣/ ٣٠٧. قال ابن الجوزي في زاد المسير ٦/ ٦٨: التسلل: الخروج في خفية. واللِّواذ: أن يستتر بشيءٍ مخافة مَنْ يراه.\n(^٢) في (غ): \"الضمير للذين يتسللون\".\n(^٣) فقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ﴾ فاعل، و﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ﴾ مفعول به.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) يعني: فالصواب في الإعراب هو أن قوله: ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ﴾ فاعل، وقوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ مفعول به، لأن أنْ وما دخلت عليه في تأويل مصدرٍ تقديره: إصابتهم.","vol":"4","page":1054},{"text":"فإن قلت: لم لا يكون مفعولًا (^١) لأجله؛ إذ الحذر لأجل إصابة الفتنة، أو العذاب الأليم؟ ! (^٢)\nقلت: لو كان كذلك لكان مجامعًا للحذر؛ لأن الفعل يجب أن يجامع علته (^٣)، واجتماعهما محال (^٤). كذا أجاب به الشيرازي شارح الكتاب.\nوقد قال الجاربردي الشارح أيضًا: يمكن أن يجاب عن قولهم أولًا: إن الفاعل ضمير يعود على المتسللين - بأنه لو كان كذلك لوجب إظهاره فيقال: فليحذروا؛ لأنه عائد على جمع (^٥).\nوثالثها: وهو اعتراض على المقدمة الثانية أيضًا، وتقريره: سلمنا أن\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) كذا قال القرافي واعترض به. انظر: نفائس الأصول ٣/ ١٢٣٦.\n(^٣) المفعول لأجله هو علة الفعل.\n(^٤) القاعدة في النحو: هو أنه لا بد أن يكون زمان الفعل والمفعول له واحدًا، مثل: ضربته تأديبًا، فالضرب والتأديب في وقت واحد. وهنا زمان الفعل وهو الحذر، وزمان المفعول لأجله: وهي إصابة الفتنة أو العذاب الأليم - ليسا في وقت واحد، بل لا يمكن اجتماع الحذر مع إصابة الفتنة أو العذاب الأليم؛ لما بينهما من التنافي، وعليه فلا بد أن يكون قوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ مفعولا به ليحذر، وإلا كانت الجملة ضائعة لا تعلق لها بما قبلها ولا بما بعدها، وهو باطل. قال ابن مالك في المفعول له: وهْو بما يَعْمَلُ فيه متحدْ وقتًا وفاعلًا، وإنْ شَرْطٌ فُقِدْ انظر: شرح ابن عقيل ١/ ٥٧٣.\n(^٥) عبارة الجاربردي كما في السراج الوهاج ١/ ٤٥٤: \"ويمكن أن يجاب عنه بوجه آخر لم يذكره المصنف: وهو أن الضمير في \"فليحذر\" مفرد، فكيف يجوز أن يعود إلى \"الذين\"؛ فإن ضمير المفرد لا يعود إلى الجمع\". وقد سبق القرافيُّ الجاربرديَّ في هذا الجواب. انظر: نفائس الأصول ٣/ ١٢٧٦.","vol":"4","page":1055},{"text":"قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾ أَمْر للمخالفين (^١) بالحذر، وأنه لا ضمير في الآية، لكن لِمَ قلتم: إنه يوجب الحذر، وهل غاية ذلك إلا ورود الأمر به، واقتضاء الأمر الوجوب هو محل النزاع، فالاستدلال (^٢) بما ذكرتموه مصادرة على المطلوب (^٣).\nأجاب: بأنا لا ندعي وجوب الحذر من قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ﴾، وإنما ندعي أنه يفيد حُسْنَ الحذر عن مخالفة الأمر، وحُسْن الحذر دليل على قيام المقتضي للوقوع في المحذور (^٤)، وإلا (^٥) لكان الحذر عبثًا (^٦).\nولقائل أن يقول: قد يحسن الحذر مع التردد في قيام المقتضي؛ لمجرد ذلك التردد، عملًا بالأحوط، كالدائر بين أمرين يتردد في اقتضاء أحدهما وقوع الضرر، ولا يتوقع ضررًا من الآخر، فإنه يحسن أن يحذر من الأول. والأمر متردد بين الوجوب وعدمه، فيحسن التحذير منه، ولو لمجرد (^٧) التنازع في مقتضاه (^٨).\n_________\n(^١) في (ص): \"المخالفين\".\n(^٢) في (ص): \"والاستدلال\".\n(^٣) أي: هذا الدليل ينبني على أن الأمر للوجوب، وهو محل النزاع، فالاستدلال به مصادرة على المطلوب.\n(^٤) وهو الوقوع في الفتنة أو العذاب الأليم.\n(^٥) أي: وإن لم يكن الحذر دليلًا على قيام المقتضي.\n(^٦) وذلك محال على الله تعالى، وإذا ثبت وجود المقتضي ثبت أن الأمر للوجوب؛ لأن المقتضي للعذاب هو ترك الواجب دون المندوب. انظر: نهاية السول ٢/ ٢٥٨.\n(^٧) في (ت): \"بمجرد\".\n(^٨) انظر: نفائس الأصول ٣/ ١٢٣٧.","vol":"4","page":1056},{"text":"ورابعها: أنا سلمنا صحة ما ذكرتم من المقدمتين، إلا أن قوله تعالى: ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ في الآية المذكورة - لفظٌ مفرد، فيفيد أن أمرًا واحدًا للوجوب، لا أن كل أمر للوجوب.\nأجاب: بأنه عام؛ لجواز الاستثناء، إذ يصح أن يقال: ليحذر الذين يخالفون عن أمره إلا في الأمر الفلاني. ومعيار العموم جواز الاستثناء، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى. هذا شرح ما في الكتاب.\nوقد اعترض النقشواني على الاحتجاج بالآية فقال: \"الأمر\" هنا بمعنى الشأن: وهو الاجتماع على محاربة الكفار؛ لأنه مذكورٌ (^١) معرَّفٌ بالإضافة إلى النبي - ﷺ -، وقد ذُكِر قبل هذا مُنَكَّرًا في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ (^٢)، وذلك الأمر هو الشأن: وهو الاجتماع على المحاربة، وهو الذي دعاهم النبي - ﷺ - إليه (^٣)، وكان بعضهم يتسلل لواذًا، فأراد بالمخالفة ههنا: الانحراف وهو التسلل لواذًا في المعنى، وإذا كان ذلك (^٤) محمولًا على الانحراف (^٥) استقام دخول \"عن\" فيه، فيقال: انحرف عن كذا. ولا يقال: ترك عن كذا. فإذا كان الأمر محمولًا على الشأن، والمخالفة على الانحراف - لم يبق\n_________\n(^١) سقطت من (ك).\n(^٢) سورة النور: الآية ٦٢.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) أي: الفعل ﴿يُخَالِفُونَ﴾ محمول على الانحراف.","vol":"4","page":1057},{"text":"في الآية احتجاج على المقصود.\nوالإنصاف يُوجب حَمْلَ الأمر والمخالفة على ما ذكرنا؛ اتساقًا للكلام، ورعايةً على أصول العربية.\nقال: (الرابع: تارك الأمور به عاصٍ؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (^١)، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (^٢). والعاصي يستحق النار؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (^٣). قيل: لو كان العصيانُ تركَ الأمر - لتكرر قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (^٤) قلنا: الأول ماض أو حال، والثاني مستقبل. قيل: المراد الكفار بقرينة الخلود. قلنا: الخلود المكث الطويل).\nالدليل الرابع: تارك المأمور به عاصٍ، وكل عاصٍ يستحق العقاب، فتارك المأمور به (^٥) يستحق العقاب. ولا معنى للوجوب إلا ذلك.\nبيان الأول: بقوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾، وقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، وكذا قوله: ﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ (^٦)، وما قدمناه من شعر العرب.\n_________\n(^١) سورة طه: الآية ٩٣.\n(^٢) سورة التحريم: الآية ٦.\n(^٣) سورة الجن: الآية ٢٣.\n(^٤) سورة التحريم: الآية ٦.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سورة الكهف: الآية ٦٩.","vol":"4","page":1058},{"text":"وبيان الثاني: بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، ومَنْ مِنْ صِيَغ العموم.\nواعلم أن المصنف جعل الكبرى مهملةً (^١) إذ قال: \"والعاصي يستحق النار\"، فلم يُسَوِّرها (^٢) بكل، وشَرْطها أن تكون كلية (^٣)، فالصواب في مصطلح القوم أن يقول: وكل عاص. كما أوردناه، وبه عَبَّر الإمام (^٤).\nواعترض الخصم بوجهين: أحدهما: أنا لا نسلم الصغرى: وهي أنَّ تارك المأمور به عاصٍ، وبيانه قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (^٥)، فلو كان العصيان عبارة عن ترك المأمور به - لكان قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُم﴾ معناه: أنهم\n_________\n(^١) القضية المهملة: هي ما كان موضوعها كليًا، وأُهْملت من السور. كقولك: الإنسان حيوان. انظر: حاشية الباجوري على السلم ص ٤٨، إيضاح المبهم من معاني السلم ص ١٠.\n(^٢) السور: هو ما دلَّ على الإحاطة بجميع الأفراد أو بعضها في الحملية ككل وبعض، وما دلَّ على الإحاطة بجميع الأوضاع (أي: الأحوال الممكنة) أو بعضها في الشرطية ككلما. وسميت هذه الأدوات بالسور تشبيهًا لها بسور البلد المحيط بكلها أو ببعضها، بجامع الإحاطة في كل. انظر: حاشية الباجوري ص ٤٨.\n(^٣) أيضًا: شرط المقدمة الكبرى أن تكون كلية حتى يتأتى اندراج المقدمة الصغرى فيها، ومن ثم تصح لنا النتيجة المكونة من الحد الأصغر والأكبر. كما قال الأخضري في \"السلم\": وما مِنَ المقدمات صغرى فيجب اندراجها في الكبرى انظر: شرح هذا البيت وما بعده في حاشية الباجوري ص ٦٢، ٦٣، إيضاح المبهم ص ١٢.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٩١.\n(^٥) سورة التحريم: الآية ٦.","vol":"4","page":1059},{"text":"يفعلون ما يؤمرون، وكان (^١) قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ تكريرًا.\nأجاب عنه: بأن التكرار إنما (يلزم أن لو) (^٢) كان: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ بالنسبة إلى زمان واحد (^٣)، وليس كذلك، بل لا يعصون للزمان الماضي والحال؛ لقرينة قوله: ﴿مَا أَمَرَهُمْ﴾، ﴿وَيَفْعَلُونَ﴾ للمستقبل؛ لقرينة قوله: ﴿مَا يُؤْمَرُونَ﴾، فتقدير الآية: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ في الماضي والحال، ويفعلون ما يأمرهم به في المستقبل. هذا تقرير الاعتراض وجوابه.\nوهنا مناقشتان:\nإحداهما: في قوله: \"لو كان العصيانُ تَرْكَ الأمر\"؛ وذلك لأن (^٤) النزاع إنما هو في أن تارك الأمر عاصٍ أمْ لا؟ لا في أن العصيان هل هو ترك الأمر أم لا؟ وكيف يقال ذلك والعصيان قد يقع بترك الفعل الذي يجب اتباعه (^٥)! فكان الصواب أن يقول: قيل: لو كان تارك الأمر عاصيًا.\nوالثانية: قوله: معنى الآية: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (^٦) في الماضي،\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"فكان\".\n(^٢) في (غ): \"يلزم لو\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ت): \"أن\".\n(^٥) فالعصيان قد يكون بترك الأمر، وقد يكون بترك الفعل الواجب اتباعه، وقد يكون بارتكاب النهي وغير ذلك. انظر: نهاية السول ٢/ ٢٦١.\n(^٦) سورة التحريم: الآية ٦.","vol":"4","page":1060},{"text":"قال القرافي: \"بعيدٌ من جهة أن النحاة نَصُّوا على أن \"لا\" لنفي المستقبل، واستعمالها بمعنى \"لم\" قليل مجازٌ (^١)، فيجتمع المجاز في الفعل المضارع وفي \"لا\" أيضًا (^٢)، فكان الأحسن في الجواب أن يقال: لا نسلم التكرار، بل قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ إخبار عن الواقع منهم، أي: عدم المعصية دائمًا. وقوله تعالى: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ إخبار عن سجياتهم التي طُبعوا عليها، يعني: أن سجيتهم الطاعة (^٣)، فيكون أحدهما خبرًا عن الواقع منهم، والآخر خبر (^٤) عن السجية التي فطروا عليها فلا تكرار، والفعل المضارع قد كثر استعماله في الحالة المستمرة (^٥)، كقولهم: زيدٌ يُعْطِي ويَمْنع، ويَصِل ويقطع. وقول خديجة ﵂ للنبي - ﷺ -: \"إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتُعين على نوائب الدهر\" (^٦). أي: ذلك شأنك في كل وقت. وهو مجاز واحد\n_________\n(^١) نحو قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ أي: لم يصدق. انظر: نفائس الأصول ٣/ ١٢٤٠.\n(^٢) أي: يجتمع على هذا التقدير مجازان: محاز إطلاق المضارع وإرادة الماضي، ومجاز إطلاق \"لا\" على نفي الماضي، وهي في الأصل لنفي المستقبل.\n(^٣) فهم يُلهمون الطاعة والتسبيح كما يُلهم أحدنا النَّفَس.\n(^٤) هكذا في النسخ، والصواب: \"خبرًا\".\n(^٥) أي: المستمرة في الماضي والحال والاستقبال.\n(^٦) أخرجه البخاري ١/ ٥٠٤، في كتاب الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، رقم ٣. وخَرَّجه في مواضع أخرى مختصرًا ومطولًا. انظر الأرقام الآتية: ٣٢١٢، ٤٦٧٠، ٤٦٧٢ - ٤٦٧٤، ٦٥٨١. وأخرجه مسلم ١/ ١٣٩ - ١٤٢، في كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، رقم الحديث ١٦٠.","vol":"4","page":1061},{"text":"في المضارع مشهور، فيكون أولى من مجازَيْن في الفعل والحرف، وأحدهما قليل جدًا (^١) \" (^٢).\nالوجه الثاني: أنا لا نسلم كلية المقدمة الثانية، ونقول: ليس المراد بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (^٣) كلَّ عاصٍ، بل الكفار فقط، ويدل على ذلك قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، فإن غير الكافي لا يخلد في النار.\nأجاب عنه: بأن الخلود في اللغة: المكث الطويل الصادق على الدائم وغيره، وليس هو الدائم فقط، بل هو (^٤) حقيقة في القدر المشترك حذرًا من الاشتراك والمجاز (^٥).\nفإن قلت: فما تفعل في قوله: ﴿أَبَدًا﴾؟ .\nقلت: لا ينافي ذلك؛ إذ قد يُطلق ويراد به المدة الطويلة، كما في قوله: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ (^٦)، والكفار يتمنون الموت في جهنم، ألا ترى إلى قولهم فيها: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) وهو استعمال \"لا\" لنفي الماضي.\n(^٢) انظر: نفائس الأصول ٣/ ١٢٣٩ - ١٢٤١، بتصرف من الشارح، وتقديم وتأخير.\n(^٣) سورة الجن: الآية ٢٣.\n(^٤) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٥) أي: حذرًا من أن نطلق الخلود على الدائم وغيره بطريق الاشتراك، أو نطلقه على الدائم حقيقة وغيره مجازًا.\n(^٦) سورة البقرة: الآية ٩٥.\n(^٧) سورة الزخرف: الآية ٧٧.","vol":"4","page":1062},{"text":"ولقائل أن يقول: أما تفسير الخلود بالمكث الطويلِ - فخلاف (^١) الغالب من استعمال الشرع، وحَمْلُ اللفظ على الغالب أولى (^٢)، لا سيما وقد أردفه بقوله: ﴿أَبَدًا﴾ وقولكم: إن ﴿أَبَدًا﴾ قد يستعمل في الزمن الطويل. قلنا: صحيح، ولكن قرينة اجتماعها معِ الخلود ينفي ذلك هنا، وإلا فكأنه قال: قاطنين فيها مكثًا طويلًا، زمنًا طويلًا. فيكون قد كرر اللفظ لمجرد (^٣) التأكيد الذي هو غير محتاج إليه هنا.\nفإن قلت: التأكيد لا بد منه على التقديرين؛ لأنه إنْ أراد بالخلودِ الدائمَ، كما ذكرتم - فما أتى بقوله: ﴿أَبَدًا﴾ إلا للتأكيد.\nقلت: التأكيد على تقدير إرادة الدائم - مناسبٌ (^٤) مناسبة شديدة؛ لأن المحكومَ به أولًا أعني: المكث الدائم - شيءٌ عظيمٌ يليق بخَطْبه التأكيد، فكان التأكيد دليلًا على ما قلناه: من أن المراد بالخلودِ: الدائمُ؛ للاحتياج إلى التأكيد والحالةُ هذه. ويدل على ذلك أيضًا من الآية قوله (^٥): ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ (^٦)، ولم يقل: فإنه يدخل نار جهنم، بل أتىِ بلام الاختصاص (^٧)\n_________\n(^١) في (ص): \"بخلاف\". وهو خطأ؛ لأن جواب \"أما\" الشرطية لا بد أن يقترن بالفاء.\n(^٢) وكذا قال القرافي. انظر: نفائس الأصول ٣/ ١٢٤٢.\n(^٣) في (ك): \"بمجرد\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سورة الجن: الآية ٢٣.\n(^٧) لام الاختصاص: هي الداخلة بين اسمين يدل كل منهما على الذات، والداخلة عليه لا يملك لآخر، وسواء أكان يملك غيره، أم كان ممن لا يَمْلك أصلًا نحو قولنا: =","vol":"4","page":1063},{"text":"والمِلْكِ الموضوعِ للدوام والبقاء، وصَدَّر الجزاء \"بإنَّ\" المؤكّدة للجزاء (^١)، حيث قال: ﴿فَإِنَّ لَهُ﴾، ولم يقل: فله. ثم أكَّد ثانيًا عند ختام ذِكْر الجزاء بقوله: ﴿أَبَدًا﴾، ولم يبق علينا إلا أن الدائم لا يستحقه غير الكافر، والآية في العاصي (^٢) وهو أعم، إلا أن يكون هذا العام قد أريد به الخاص (^٣).\nوأما النقشواني فقال: ليس العصيان عبارة عن ترك الأمر فقط، بل عن ذلك مع زعم بطلان مقتضاه - وهو ترجيح جانب الفعل على الترك - أو عدم الإيمان بمقتضاه. (وهو معنى قوله تعالى في الملائكة: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (^٤) أي: يجزمون بمقتضاه) (^٥) ويمتثلون، ويمتنع منهم عدم الإتيان بمقتضاه. قال: وكذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ (^٦) معناه: ما ذكرنا؛ لأن موسى ﵇ يقول: أزعمت أن ما أشرتُ به عليك، وأمرتك به باطل غير سديد حتى تركته، وأراد أن يعاقبه. فكان جوابُ هارون ﵇: بأن تركي لم يكن بناءً على زَعْم البطلان، بل بناءً على مصلحةٍ أخرى. ثم إن موسى ﵇ لما سمع ذلك\n_________\n= الجنة للمؤمنين. وهذا الحصير للمسجد. انظر: مغني اللبيب، مع تعليق محمد محيي الدين ١/ ٢٣٣.\n(^١) في (ت) و(غ)، و(ك): \"للجملة\".\n(^٢) في (ص): \"المعاصي\". وهو خطأ.\n(^٣) أي: ذُكر العاصي وأُريد به الكافر.\n(^٤) سورة التحريم: الآية ٦.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سورة طه: الآية ٩٣.","vol":"4","page":1064},{"text":"قَبِل معذرته، وعلم أنه ليس بعاصٍ ما أمره به (^١) مع (^٢) أنه كان تاركًا لما أمره. قال: ولو كان العصيان باقيًا لكان سبب (^٣) العقاب باقيًا، ولَمَا كان يَمْتنع عن عقابه بالعُذْر (^٤) الذي ذكره. قال: وبهذا استحق العاصي الخلود في النار بهذه الآية، وكان ضالًا ضلالًا مبينًا، بدليل قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ (^٥)، وتَرْك المأمور به مع زعم صحة مقتضاه لا يوجب ذلك (^٦).\nهذا كلامه، وهو مدخول: أما قوله: العصيان: ترك الأمر مع زعم بطلان مقتضاه.\nقلنا: هذا خلاف الشائع الذائع في اللغة العربية، ويلزم على هذا أن لا يطلق على مَنْ خالف أوامر الله ورسوله أنه عاص ما لم ينضم إلى ذلك هذا القَيْد، وهو واضح البطلان. وأما قوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ (^٧) فليس معناه إلا أنهم يمتثلون أوامره. وأما قضية هارون ﵇: فهو لم يعص أخاه موسى ﵇، وإنما موسى استفهمه لما رآه لم يفعل ما\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت): \"تثبيت\".\n(^٤) في (ص): \"بالقدر\". وهو خطأ.\n(^٥) سورة الأحزاب: الآية ٣٦.\n(^٦) أي: لا يوجب الخلود في النار، ولا الضلال المبين، فدلَّ هذا على أن العصيان: هو ترك المأمور به مع زعم بطلان مقتضاه.\n(^٧) سورة التحريم: الآية ٦.","vol":"4","page":1065},{"text":"أشار به كأنه يقول: ما كان (^١) يمنعك من ذلك، هل عصيت أمري؟ فقال هارون: لا، ولكن المانع أني خشيت أن تقول: فرقت بين بني إسرائيل. فقبل موسى ﵇ عُذْره، وعَلِم أنه لم يعصه لا باعتقاد بطلان مقتضى أمره، ولا بالمخالفة؛ لأن أمره لم يكن مطلقًا، بل مقيدًا بعدم المانع، وإن لم يكن التقييد موجودًا في اللفظ، كما تقول لوكيلك: اشترِ اللحم. ثم تقول: ما منعك من شرائه، هل عصيت أمري؟ فيقول لك: لا، بل كان السوق غيرَ قائم (^٢)، أو اللحم (^٣) غير موجود. والله أعلم.\nقال: (الخامس: أنه ﵇ احتج لذم أبي سعيد الخدري على ترك استجابته وهو يصلي - بقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (^٤».\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) لو قال: غير قائمة - لكان أحسن. قال في المصباح ١/ ٣١٧: والسوق: يذكر ويؤنث، وقال أبو إسحاق: السوق التي يباع فيها مؤنثة، وهو أفصح وأصح، وتصغيرها سويقة، والتذكير خطأ؛ لأنه قيل: سوق نافقة، ولم يسمع نافق، بغير هاء، والنسبة إليها سوقيّ، على لفظها، وقولهم: رجل سوقة ليس المراد أنه مِنْ أهل الأسواق، كما تظنه العامة، بل السوقة عند العرب: خلاف المَلِك. اهـ. ونقل صاحب اللسان عن ابن سِيده أنه يُذكَّر ويؤنث، ولم يَنْقل ترجيحًا للتأنيث. انظر: اللسان ١٠/ ١٦٧، مادة (سوق).\n(^٣) في (غ): \"واللحم\".\n(^٤) سورة الأنفال: الآية ٢٤.","vol":"4","page":1066},{"text":"الدليل الخامس: ما رواه البخاري من أن النبي - ﷺ - دعا أبا سعيد وهو في الصلاة فلم يجبه، فقال: ما منعك أن تجيب وقد سمعت الله يقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (^١)، وهذا الاستفهام ليس على حقيقته؛ لأنه ﵊ كان يعلم أنه في الصلاة، فدلَّ على أنه لمجرد الذم والتوبيخ، ولولا اقتضاء الأمر للوجوب لما كان ذلك.\nوقد وقع في الكتاب أن أبا سعيد هذا هو الخدري، وكذا (^٢) وقع في \"المحصول\" وغيره من كتب الأصول (^٣) ظنًا من مصنفيها (^٤) أنه لا أبو سعيدٍ في الصحابة إلا الخدريُّ، وهذا الظن نشأ لهم من شهرة (أبي سعيد) (^٥) الخدري وعدم طروق ذِكْر غيره على أسماعهم، وأبو سعيدٍ هذا إنما هو ابن المعلى (^٦) وليس هو بخدري، والقرافي ﵀ نبه على ذلك،\n_________\n(^١) انظر: صحيح البخاري ٤/ ١٦٢٣، كتاب التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب، حديث رقم ٤٢٠٤، وفي باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، رقم الحديث ٤٣٧٠، وانظر الأرقام ٤٤٢٦، ٤٧٢٠. وأخرجه أبو داود في سننه ٢/ ١٥٠، كتاب الصلاة، باب فاتحة الكتاب ١٤٥٨. والنسائي في سننه ٢/ ١٣٩، كتاب الافتتاح، باب تأويل قول الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾، رقم ٩١٣. وابن ماجه في سننه ٢/ ١٢٤٤، كتاب الأدب، باب ثواب القرآن رقم ٣٧٨٥.\n(^٢) في (ت): \"وكذلك\".\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٠١، المعتمد ١/ ٦٧، الإحكام ٢/ ١٤٧، المستصفى ٣/ ١٥١.\n(^٤) في (ص)، و(ت): \"مصنفها\".\n(^٥) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٦) هو أبو سعيد بن المُعَلَّى الأنصاريّ المدنيّ، يقال: اسمه رافع بن أوس بن المعلَّى. =","vol":"4","page":1067},{"text":"ومن كتبه استفدناه (^١)، وهو صحيح. وقد سألت شيخنا الحافظ الذهبي ﵀: هل رُوي هذا الحديث من طريق الخدري في شيء من الكتب والأجزاء؟ فقال: لا.\nووقع الحديث في بعض الكتب منسوبًا إلى أُبيِّ بن كعب، وليس بجيد أيضًا (^٢). وقد نجزت الدلائل الخمس، وهي إنما تفيد عند (^٣) ثبوتها أن\n_________\n= وقيل: الحارث بن أوس بن المعلَّى. ويقال: الحارث بن نفيع الخزرجيّ. روى عن النبي ﵌. مات سنة ٧٣ هـ، وقيل غير ذلك. انظر: تهذيب ١٢/ ١٠٧، تقريب ص ٦٤٤.\n(^١) انظر: نفائس الأصول ٣/ ١٢٤٧. قلت: هذا يدل على أن الشارح - ﵀ - نقل الحديث من غير مراجعة صحيح البخاري، بل لعله ذكره من حفظه أو من كتب الأصول، وإلا لو راجع الصحيح لعلم أن اسم أبي سعيد بن المعلَّى - ﵁ - مصرَّح به في الرواية، وكذا في جميع كتب الحديث التي أخرجت هذه الرواية. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: \"نسب الغزالي والفخر الرازي وتبعه البيضاوي هذه القصة لأبي سعيد الخدري، وهو وهم، وإنما هو أبو سعيد بن المعلى\".\nانظر: الفتح ٨/ ١٥٧. قلت: لينظر طالب العلم كيف كان اطلاع المحدثين الفقهاء كابن حجر رحمه الله تعالى على كتب الأصول، وحرصهم على التعمق فيها؛ إذ لا يستحق لقب الفقيه من لم يتعمق في هذا الفن الوصل إلى علم الدراية، كما أن علم المصطلح موصل إلى علم الرواية، وليقارن هؤلاء المُحدِّثين، ببعض من انتسب إلى الحديث في هذا الزمان، وهجر كتب الأصول، وليس له فيها فهم إلا يسير لا يغني ولا يكفي، ثم تصدى للترجيح، ودعا إلى الأخذ بالدليل، ولو علم هذا حق العلم ما هو فيه من القصور لعلم أن دعواه ما هي إلا جناية على الشريعة، إذ أَخْذ الدليل بغير وجه صحيح يدخل في تحريف الكلم عن مواضعه، وما ضَلَّ من ضلَّ إلا بسبب هذا، فالله المستعان والمسؤول أن يلهمنا الصواب، ويسلك بنا طريق السنة والكتاب.\n(^٢) انظر: فتح الباري ٨/ ١٥٧، تفسير ابن كثير ١/ ٩.\n(^٣) سقطت من (ص).","vol":"4","page":1068},{"text":"الأوامر الصادرة من (^١) الشارع للوجوب، لا أنها حقيقة في الوجوب بأصل الوضع، كما هو المدعى، فلا بد من إقامة الدليل على أنها في اللغة كذلك، لكن لما كان الغرض المهم معرفة مدلولات أوامر الشارع - خُصَّ الاستدلال بها. وقد قدمنا أن المختار عندنا ما ذهب إليه إمام الحرمين، وليس الشَرْحُ موضعَ تقريره والذبِّ عنه.\nقال: (احتج المخالف بأن الفارق بين السؤال والندب هو (^٢) الرتبة، والسؤال للندب فكذا الأمر. قلت: السؤال إيجاب وإن لم يتحقق).\nذكر المصنف لبعض المخالفين دلائل، أولها لأبي هاشم القائل: بأن الأمر للندب لا جرم أن في (^٣) بعض النسخ: \"احتج أبو هاشم\"، لكن ذلك غير مستقيم؛ لأن الثالث والثاني على أحد التقريرين (^٤) - كما سيأتي إن شاء الله تعالى - لا تعلق لها بأبي (^٥) هاشم (^٦).\n_________\n(^١) في (ت): \"عن\".\n(^٢) في (ت) و(ص): \"وهو\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"التقديرين\".\n(^٥) في (ص): \"لأبي\".\n(^٦) قال الإسنوي: \"ذكر المصنف هنا أدلة ثلاثة، واختلف النسخ في التعبير عن المحتج بها، ففي أكثرها: احتج أبو هاشم. . .، وهو غير مستقيم؛ لأن الثالث لا يطابق مذهبه، ولا الثاني، على أحد التقريرين الآتيين. وفي بعضها: احتج المخالف. وهو صحيح مطابق لتعبير الإمام. وفي بعضها: احتجوا. وهو قريب مما قبله، وهما مِنْ إصلاح الناس\". نهاية السول ٢/ ٢٦٣، ٢٦٤.","vol":"4","page":1069},{"text":"وتقرير ما احتج به أبو هاشم: أنه لا فارق بين السؤال والأمر إلا الرتبة، فإن رتبة الآمِر أعلى مِنْ رتبة السائل، والسؤال للندب فكذلك (^١) الأمر؛ لأن الأمر لو دل على شيء غير الندب من إيجاب أو غيره - لكان بينهما فرقا آخر، وهو خلاف ما نقلوه. هذا تقرير الاحتجاج وقد يعبِّر بعض الشارحين: بأن الأمر لو دل على الإيجاب (^٢). وهي عبارة صحيحة في الرد على القائلين بالوجوب، إلا أن أبا هاشم لم يأت بهذا الوجه لإبطال مذهب الوجوب، بل لتقرير مذهبه، فكان الأحسن أن يقال: بأن الأمر لو دل على شيء غير الندب، كما أوردناه، ولا يَخُصُّ الوجوب بالذكر.\nوأجاب المصنف: بأن (^٣) السؤال من (^٤) حيث الوضع يدل على الإيجاب أيضًا؛ لأن صيغةَ \"افعل\" عند القائل بأنها للإيجاب - موضوعةٌ لوجوب الفعل مع المنع من الترك، وقد استعملها السائل، لكن لا يلزم من السؤال الوجوب؛ إذِ الوجوب حُكْم شرعي يستدعي إيجاب الشرع (^٥)، ولذا لا يلزم المسؤول القبول.\nفإنْ قلت: إذا دلَّ السؤال على الإيجاب لزم افتراقهما من وجه آخر؛ إذ إيجاب الأمر يدل على الوجوب بخلاف إيجاب السؤال.\n_________\n(^١) في (ت): \"فكذا\".\n(^٢) يعني: بدل قوله: لو دل على شيء. . . إلخ.\n(^٣) في (ص): \"أن\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) أي: الوجوب لا يثبت إلا بالشرع.","vol":"4","page":1070},{"text":"قلت: إيجاب الأمر أيضًا غير مستلزمٍ للوجوب؛ لجواز أن يوجد بدون الوجوب، كما إذا أمر السيدُ عبده بما لا يقدر عليه حسًا أو شرعًا (^١).\nوقد أجاب الإسفراييني أحد شراح هذا (^٢) الكتاب عن السؤال: بأن المَعْنى بكون الفارق بينهما هو (^٣) الرتبة: هو كون إيجاب الأمر يقتضي الوجوب بخلاف السؤال. وهذا فيه نظر، إذ هما مدلولان متغايران (^٤).\nعلى أنَّ هذه المباحث كلَّها إنما هي على تقدير ثبوت اعتبار الرتبة حتى تكون فارقة، لكنها عند المصنف غير معتبرة؛ إذ العلو والاستعلاء لا يُعْتبران كما تقدم، فالذي أجاب به المصنف على تسليم ثبوت الفرق (^٥)، نعم الفرق بين السؤال والأمر عنده فَرْقُ ما بين العام والخاص، فإن السؤال أمرٌ\n_________\n(^١) مثال الحسي أن يقول: ارفع هذا الحَجَر. ومثال الشرعي أن يقول: اشرب هذا الخمر، أو: كل هذا الخنزير.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) أي: مدلول الإيجاب غير مدلول الوجوب، فلا يلزمه من ثبوت الإيجاب في الأمر ثبوت الوجوب، فالإيجاب يثبت بالصيغة، والوجوب له شروط غير الصيغة حتى يثبت.\n(^٥) فجواب المصنف التحقيقي على دليل أبي هاشم: هو أن يقول: أنا لا أسلم لك بالفرق بالرتبة بين السؤال والأمر؛ إذ الصحيح عندي أنه لا يُشترط في الآمر علو ولا استعلاء.","vol":"4","page":1071},{"text":"صادر بتذلل، والأمر أعم (^١).\nوأما قول بعض الشارحين: قد يترتب الوجوب على السؤال، كسؤال المضطر (^٢)، وقد لا يترتب. وقد يترتب على الأمر وهو ما إذا كان صادرًا ممن هُوَ له (^٣)، و(^٤) كان مقدورًا للمكلف، وقد لا يترتب (^٥) ففي (^٦) تمثيله لترتب الوجوب على السؤال بحالة الاضطرار - نظر؛ لأن وجوبَ إطعام المضطر ليس لسؤاله، بل لكونه مضطرًا، حتى لو لم يَسْأل وعُرِف أنه مضطرٌ وَجَب إطعامُه مِنْ غير سؤال.\nقال: (وبأن الصيغة لما استعملت فيهما، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل - فيكون حقيقةً في القدر المشترك. قلنا: يجب المصير إلى المجاز؛ لِمَا بَيَّنا من الدليل).\nاحتج مَنْ ذهب إلى أن الصيغة موضوعةٌ للقدر المشترك بين الوجوب\n_________\n(^١) يعني: سواء بتذلل أو بغير تذلل، كقولنا: اللهم اغفر لي. وقول السيد لعبده: اسقني. فكلاهما أمران، لكن السؤال لا بد فيه من التذلل، فقولنا: اللهم اغفر لي - سؤال وأمر؛ لأن صيغة الأمر فيه موجودة، وقول السيد لعبده: اسقني - أمرٌ لا سؤال.\n(^٢) كعطشان مثلًا.\n(^٣) أي: ممن له الأمر، كأمر السيد لعبده.\n(^٤) سقطت الواو من (ت).\n(^٥) أي: قد لا يترتب الوجوب.\n(^٦) في (ص): \"وفي\". وهو خطأ؛ لأن جملة \"ففي تمثيله. . .\" جواب الشرط وهو قوله: وأما قول بعض الشارحين.","vol":"4","page":1072},{"text":"والندب: بأنها وردت للوجوب تارة، وللندب أخرى، فوجب أن تكون حقيقةً في القدر المشترك بينهما: وهو رجحان الفعل على الترك، وإلا فإن كان حقيقة فيهما لزم الاشتراك، أو في أحدهما (لزم المجاز، وهما) (^١) على خلاف الأصل.\nويمكن أن يُقَرَّر هذا الدليل على وجه آخر، يصير به دليلًا لأبي هاشم على أنه (^٢) حقيقة في الندب، وذلك بأن تزيد على ما ذكرنا: أن هذه الصيغة (^٣) دالةٌ على أصل الرجحان، وجواز الترك ثابت بمقتضى البراءة الأصلية التي لم يوجد ما يزيلها، فرجحان وجود الفعل مع جواز الترك ثابت حينئذ، ولا نعني بالندب إلا ذلك (^٤).\nوالجواب: أنا قد بَيَّنَّا أن الأمرَ حقيقةٌ في الوجوب، كما سبق، فالمصير (^٥) إلى كونه مجازًا في الندب وغيره من الموارد واجب؛ لئلا يلزم\n_________\n(^١) في (ص): \"لزم المجاز فيهما\". وهو خطأ.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: صيغة الأمر.\n(^٤) قال الإسنوي مبينًا هذا التقرير الثاني بعبارة أوضح: \"التقرير الثاني: وهو تقرير الإمام وأتباعه كلهم، أَنْ نضم إلى التقرير الأول زيادةً أخرى، فنقول: والدَّال على المعنى المشترك وهو الأعم - غيرُ دالٍ على الأخص، فيكون لفظُ الأمر غيرَ دالٍ على الوجوب ولا على الندب، بل على الطلب. وجواز الترك معلوم بالبراءة الأصلية. فتحصلنا على طلب الفعل مع جواز الترك، ولا معنى للندب إلا ذلك\". نهاية السول ٢/ ٢٦٩.\n(^٥) في (ك): \"والمصير\".","vol":"4","page":1073},{"text":"الاشتراك، والمجاز أولى منه.\nواعلم أن التقرير الأول هو الأقرب إلى كلام صاحب الكتاب، والثاني هو ما أورده الإمام وفيه نظر (^١)؛ لأن كوننا لا نحكم عليه (بالوجوب للبراءة الأصلية غير جَعْلنا إياه حقيقة في الندب، وحُكْمنا عليه) بعدم (^٢) الوجوب لا يقتضي أنه حقيقةٌ في الندب (^٣).\nقال: (وبأن تَعَرُّفَ مفهومِها لا يكون بالعقل، ولا بالنقل؛ لأنه لم يتواتر، والآحاد لا تفيد القطع. قلنا: المسألة وسيلة إلى العمل فيكفي فيها الظن، وأيضًا يتَعَرَّف بتركيب عقلي من مقدمات نقلية كما سبق).\nاحتج مَنْ ذهب إلى التوقف (^٤): بأنه لو ثبت في أحدها (^٥) لثبت بدليلٍ؛ لامتناع (^٦) إثبات اللغة بالتشهي، وذلك الدليل إما عقلي، أو نقلي.\nوالأول: لا يمكن؛ إذ لا مجال للعقل في اللغة.\nوالثاني: إما متواتر وهو منتف، وإلا لكان ضروريًا\n_________\n(^١) مع كونه بعيدًا عن كلام المصنف.\n(^٢) في (ص): \"بعد\". وهو خطأ.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ص): \"الوقف\".\n(^٥) في (ص): \"أحدهما\": \"إحداهما\". وهو خطأ؛ لأن الضمير يعود على معاني الأمر، وما هو الحقيقي منها.\n(^٦) في (ت): \"الامتناع\". وهو خطأ.","vol":"4","page":1074},{"text":"حاصلًا لكل أحد من هذه الطوائف، وكان النزاع يرتفع (^١) من بينهم.\nوإما آحاد وهي لا تفيد القطع، إنما تفيد الظن، وهو في المسائل العلمية غير كاف، والمسألة علمية؛ إذ هي من قواعد أصول الفقه، ولم يُجِز الشارع العمل بالظن في أصول الفقه، كما نقله عن العلماء قاطبة الأبياري (^٢) شارح \"البرهان\"، حكاه عنه القرافي (^٣)، وإنما ذلك للاهتمام بالقواعد، وإذا انتفت طرق المعرفة تَعَيَّن الوقف.\nوهذا الذي نقله الأبياري رأيته في كلام القاضي في \"مختصر التقريب والإرشاد\" في غير موضع (^٤).\nأجاب بوجهين:\nأحدهما: أن هذه المسألة وسيلة إلى العمل فيكفي فيها حصول الظن،\n_________\n(^١) في (غ): \"مرتفع\".\n(^٢) هو أبو الحسن عليّ بن إسماعيل بن عليّ الأَبْياريّ - نسبة لأَبْيار: مدينة بمصر على شاطئ النيل بينها وبين الإسكندرية أقل من يومين - المالكيّ، أحد العلماء الأعلام، وأئمة الإسلام، برع في علوم شتى: الفقه، والأصول، والكلام. ولد سنة ٥٥٧ هـ. من مصنفاته: \"شرح البرهان\" لأبي المعالي الجويني، \"سفينة النجاة\" على طريقة إحياء علوم الدين والبعض يفضله عليه، وغيرها. توفي - ﵀ - سنة ٦١٦ هـ.= = انظر: الديباج المذهب ٢/ ١٢١، حسن المحاضرة ١/ ٤٥٤، شجرة النور الزكية ١/ ١٦٦.\n(^٣) انظر: نفائس الأصول ٣/ ١٢٤٧، ١٢٧٠.\n(^٤) انظر: التلخيص ١/ ٢٧٧، ٣٩٥، ٤٣٠، ٤٩٨ - ٤٩٩.","vol":"4","page":1075},{"text":"كما يكفي حصول الظن في مقاصدها، أعني: العمليات.\nوحاصل هذا الجواب: مَنْعُ كون المسألة علمية (^١). (وقد اختلف الأصوليون في أن (^٢) هذه المسألة ظنية أو يقينية) (^٣) (^٤).\nوالثاني: أنَّ هذا الحصر ممنوعٌ، وسند المنع أنه يجوز أن يُعْرف بدليلٍ مركب من العقلي والنقلي، كما سبق في الدليل الرابع: أن تارك المأمور به عاص، وكل عاصٍ يستحق النار. يُنتج العقلُ من هاتين المقدمتين النقليتين (^٥): أن تارك المأمور به يستحق النار (^٦)، ولا معنى للوجوب إلا ذلك.\nوكما سبق أيضًا في الدليل الثالث: وهو أن (^٧) تارك المأمور به مخالفٌ، وكل مخالف معذب، فتارك المأمور به معذب.\nوكما سبق في باب اللغات: الجمع (^٨) المحلَّى بالألف واللام (^٩) يدخله\n_________\n(^١) لأن المقصود من كون الأمر للوجوب إنما هو العمل به لا مجرد اعتقاده، والعمليات مظنونة يُكتفى فيها بالظن، فكذلك ما كان وسيلة إليها. انظر: نهاية السول ٢/ ٢٧٠، نهاية الوصول ٣/ ٩١٣.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) في (ت): \"وقد اختلف الأصوليون في هذه المسألة أظنية أو يقينية\".\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٠٧، ١٥٨، نهاية السول ٢/ ٢٧٠، السراج الوهاج ١/ ٤٦٢، البحر المحيط ٣/ ٢٩٣، نهاية الوصول ٣/ ٩١٣.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"العقاب\".\n(^٧) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٨) في (ت): \"في الجمع\".\n(^٩) كالرجال، والمسلمين، والمسلمات.","vol":"4","page":1076},{"text":"الاستثناء، والاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فيدل على أن الجمع المحلى للعموم.\nفقول المصنف: \"كما سبق\" يحتمل عَوْدُه إلى كل واحدٍ من هذه الثلاث.\nوقد أجيب عن هذا الدليل بجواب ثالث: وهو التزام حصوله بالتواتر، ولا يلزم منه رفع الخلاف؛ لأنه إنما يلزم ذلك أن لو كان العقلي هنا ضروريًا، لكنه نظري، فيحتمل أن يصل إلى بعضهم بكثرة المطالعة في كلامهم وتواريخهم، ولا يصل إلى الآخَر لعدمِ أو قلةِ اشتغاله بذلك.\nوأجاب بعضهم: بأن ما ذكره المتوقف من الدليل لازمٌ عليه؛ وذلك لأن العقل لا يقتضي الوقف، والنقل القطعي غير متحقِّقٍ، والظني لا يفيد (^١)، فما كان جوابه فهو جوابنا (^٢). لكن في هذا نظر؛ إذِ المتوقف لم يحكم بشيء فلا دليل عليه.\nواعلم أن المنع الثاني الذي ذكره المصنف (^٣) قَدَّمه الإمام على الأول (^٤)، وهو أولى على قاعدة أهل النظر مما فعله المصنف، فكان ينبغي أن يقول: لا نسلِّم الحصر، سَلَّمنا نختار معرفته بالآحاد.\n_________\n(^١) أي: النقل القطعي غير متحقق في الوقف، والنقل الظني في الوقف لا يفيد.\n(^٢) ذكر هذا الجوابَ الشيرازيُّ في شرح اللمع ١/ ٢١٢، والتبصرة ص ٣٢، ٣٣.\n(^٣) وهو منع حَصْر معرفة معنى الأمر في العقل أو النقل.\n(^٤) انظر: المحصول ١ / ق ٢/ ١٥٧، ١٥٨.","vol":"4","page":1077},{"text":"والجدليون يعلِّلون مثل ذلك بأن الثاني هنا (^١) مثلًا: فيه تسليم للحصر، فلا يحسن منعه بعد ذلك (^٢). والله أعلم.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-335>(الثالثة: الأمر بعد التحريم للوجوب</span>. وقيل: للإباحة. لنا: أن الأمر يفيده، ووروده بعد الحرمة لا يدفعه. قيل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (^٣). قلنا: معارض بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾) (^٤).\nهذه المسألة مُفَرَّعة على ثبوت أن صيغة \"افعل\" تقتضي الوجوب، فاختلف القائلون بذلك فيما إذا وردت بعد الحظر: هل هي باقية على دلالتها، أو ورودها بعد الحظر قرينة للإباحة، أم كيف الحال؟ على أربعة مذاهب:\nالأول: أنها على حالها في اقتضاء الوجوب. وهو اختيار الإمام وأتباعه (^٥) منهم المصنف، وبه قالت المعتزلة (^٦)، وصححه الشيخ أبو إسحاق\n_________\n(^١) أي: في هذا الترتيب الذي ذكره الشارح، وهو موافق لترتيب الإمام، رحمهما الله تعالى.\n(^٢) انظر المعنى الحقيقي لصيغة \"افعل\" مع الأدلة في: المحصول ١/ ق ٢/ ٦١، التحصيل ١/ ٢٧٣، الحاصل ١/ ٤٠٢، نهاية الوصول ٣/ ٨٥٢، نهاية السول ٢/ ٢٥١، السراج الوهاج ١/ ٤٤٧، البحر المحيط ٣/ ٢٨٥، شرح المحلي على الجمع ١/ ٣٧٥، الإحكام ٢/ ١٤٣، كشف الأسرار ١/ ١٠٧، تيسير التحرير ١/ ٣٤١، شرح تنقيح الفصول ص ١٢٧، بيان المختصر ٢/ ١٩، شرح الكوكب ٣/ ٣٩، تفسير النصوص ٢/ ٢٤٠.\n(^٣) سورة المائدة: الآية ٢.\n(^٤) سورة التوبة: الآية ٥.\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٥٩، التحصيل ١/ ٢٨٦، الحاصل ١/ ٤١٨.\n(^٦) انظر: المعتمد ١/ ٧٥، الإحكام ٢/ ١٧٨. وهو مذهب عامة الحنفية، وبه قال =","vol":"4","page":1078},{"text":"الشيرازي في \"شرح اللمع\" (^١)، والإمام أبو المظفر بن السمعاني في \"القواطع\" (^٢)، ونقله ابن الصباغ في \"عُدَّة العالِم\" عن اختيار القاضي أبي الطيب، ونقله ابن برهان في \"الوجيز\" عن القاضي (^٣)، لكن لم يقل بذلك مطلقًا، وإنما الذي قاله - كما حكاه عنه إمام الحرمين في \"البرهان\" -: \"لو كنت من القائلين بالصيغة لقطعت بأن الصيغة المطلقة بعد الحظر مُجْراةٌ على الوجوب\" (^٤). وكذا قال في \"مختصر التقريب\": الذي نختاره: أن الأمر بعد سبق الحظر (كالأمر من غير سبقه، وإنْ فرضنا الكلام في العبارة فهي بعد الحظر) (^٥) كهي من غير حظر يَسْبِق، وقد فَرَط (^٦) مِنْ أصلنا المصيرُ إلى الوقف، وها نحن عليه في صورة التنازع كما ارتضيناه في صورة الإطلاق من غير تقدم حظر (^٧). انتهى.\nوالثاني: أنها تكون للإباحة ورجَّحه ابن الحاجب (^٨)، ونقله ابن\n_________\n= الباجي ومتقدمي أصحاب مالك ﵁. انظر: فواتح الرحموت ١/ ٣٧٩، أصول السرخسي ١/ ١٩، كشف الأسرار ١/ ١٢٠، شرح تنقيح الفصول ص ١٣٩، إحكام الفصول ص ٢٠٠.\n(^١) انظر: شرح اللمع ١/ ٢١٣.\n(^٢) انظر: القواطع ١/ ١٠٨.\n(^٣) انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ١٥٩.\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٢٦٣.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) أي: سبق.\n(^٧) انظر: التلخيص ١/ ٢٨٧.\n(^٨) انظر: بيان المختصر ١/ ٧٢، وهو قول بعض المالكية. انظر: شرح تنقيح الفصول ص ١٣٩، إحكام الفصول ص ٢٠٠، تيسير التحرير ١/ ٣٤٥.","vol":"4","page":1079},{"text":"برهان في \"وجيزه\" عن أكثر الفقهاء والمتكلمين (^١)، وابن التِّلِمْساني في \"شرح المعالم\" عن نص الشافعي، وكذا (^٢) نقله عن نصه عبد العزيز بن عبد الجبار الكوفي كما نقله الأصفهاني (^٣) في \"شرح المحصول\" (^٤). وقال القاضي في \"مختصر التقريب\": \"إنه أظهر أجوبة الشافعي\" (^٥). وحكاه الشيخ أبو حامد الإسفراييني في باب الكتابة من \"تعليقته\" (^٦) عن الشافعي. وقال الشيخ أبو إسحاق: \"للشافعي كلام يدل عليه\" (^٧). وقال ابن السمعاني: \"عليه دل ظاهر قول الشافعي في أحكام القرآن\" (^٨).\nوالثالث: اختاره الغزالي، وهو أنه (^٩) إنْ كان الحظر السابق عارضًا بعلة (^١٠) (^١١)، وعلق صيغة \"افعل\" بزواله مثل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ\n_________\n(^١) وهو قول الحنابلة وبعض الحنفية. انظر: شرح الكوكب ٣/ ٥٦، التمهيد لأبي الخطاب ١/ ١٧٩، العدة ١/ ٢٥٦، تيسير التحرير ١/ ٣٤٥.\n(^٢) في (ت): \"وكذلك\".\n(^٣) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"الأصبهاني\".\n(^٤) انظر: الكاشف ٣/ ٢٧٦.\n(^٥) انظر: التلخيص ١/ ٢٨٥.\n(^٦) في (ت)، و(غ): \"تعليقه\".\n(^٧) انظر: شرح اللمع ١/ ٢١٣.\n(^٨) انظر: القواطع ١/ ١٠٩، البحر المحيط ٣/ ٣٠٣، ٣٠٤.\n(^٩) سقطت من (ص).\n(^١٠) في (ك): \"لعلة\". وهو موافق لما في المستصفى.\n(^١١) كما في حظر الصيد على المُحْرم، فإنه عارض بعلة الإحرام.","vol":"4","page":1080},{"text":"فَاصْطَادُوا﴾ (^١) (^٢) - فعُرْف الاستعمال يدل على أنه لرفع الذم فقط، حتى يرجع حكمه إلى ما قبله، وإن احتمل أن يكون رَفْعُ هذا الحظر بندب أو إيجاب، لكن هذا هو الأغلب (^٣)، كقوله ﵊: \"كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فادخروا\" (^٤).\nوأما إذا لم يكن الحظر عارضًا بعلة (^٥)، ولا صيغةُ \"افعل\" عُلِّق بزوالها - فيبقى مُوجَبُ الصيغة (^٦) على أصل التردد بين الإيجاب والندب، ويزيد ههنا احتمال الإباحة، وتكون هذه (^٧) قرينة تُرَوِّج هذا الاحتمال (^٨) وإن لم تعيِّنه (^٩).\nوأما إذا لم تَرِد صيغة \"افعل\" ولكن قال: إذا حللتم فأنتم مأمورون بالاصطياد - فهذا يحتمل الوجوب والندب، ولا يحتمل\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٢. (في النسخ: \"فإذا\". وهو خطأ).\n(^٢) المعنى: أن صيغة \"افعل\" وهي قوله تعالى: ﴿فَاصْطَادُوا﴾ مُعَلَّقة بزوال هذا العارض وهو الإحرام، وهو قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ﴾.\n(^٣) أي: الأغلب أنه لرفع الحظر فقط.\n(^٤) فهذا الأمر (فادخروا) لرفع الحظر فقط، وأما ادخار هذه اللحوم هل هو واجب أو مندوب - فهذا شيء آخر.\n(^٥) في \"ك\": \"لعلة\". وهو موافق لما في \"المستصفى\".\n(^٦) موجب: اسم مفعول، أي: ما أوجبته الصيغة.\n(^٧) أي: كون الحظر عارضًا بغير علة، وصيغة افعل لم تعلَّق بزوالها.\n(^٨) أي: الإباحة.\n(^٩) في \"المستصفى\" تعليل عدم تعيين الإباحة بقوله: إذ لا يُمكن دعوى عرف الاستعمال في هذه الصيغة، حتى يغلب العرف الوضع. انظر المستصفى ٣/ ١٥٧.","vol":"4","page":1081},{"text":"الإباحة (^١).\nقال: \"وقوله: أمرتكم بكذا يضاهي قوله: افعل، في جميع المواضع، إلا في هذه الصورة (^٢) وما يقاربها\" (^٣).\nوهذا المذهب أخذه الغزالي مما حكاه إمامه في \"البرهان\" وفي \"التلخيص\" عن بعضهم: \"إنه إنْ ورد الحظر مؤقتًا، وكان منتهاه صيغةً في الاقتضاء (^٤) فهي للإباحة\". قال: \"والغرض من مساق الكلام ردُّ الحظر إلى غايةٍ وهي كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (^٥) \" (^٦). ثم زاد الغزالي ما ذكره. وقد قال في \"التلخيص\" عن هذا المذهب: إنه أسدُّ مذهب لهؤلاء\" (^٧).\nوالرابع: الوقف. وهو مذهب إمام الحرمين (^٨)، واختاره\n_________\n(^١) في المستصفى تعليل ذلك بقوله: لأنه (أي: الوجوب أو الندب) عُرْفٌ في هذه الصورة. انظر: المستصفى ٣/ ١٥٧.\n(^٢) أي: صورة إذا حللتم فأنتم مأمورون.\n(^٣) انظر: المستصفى ١/ ١٥٦، ١٥٧.\n(^٤) أي: ينتهي الحظر بصيغة فيها طَلَبُ وجودِ هذا الفعل المحظور، مثل قوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ فقوله: ﴿فَاصْطَادُوا﴾ صيغة فيها طلب الصيد، وكان الصيد ممنوعًا إلى زوال الإحرام.\n(^٥) سورة المائدة: الآية ٢.\n(^٦) انظر: البرهان ١/ ٢٦٣، ٢٦٤.\n(^٧) انظر: التلخيص ١/ ٢٨٧.\n(^٨) انظر: البرهان ١/ ٢٦٤.","vol":"4","page":1082},{"text":"جماعة (^١) (^٢).\nواستدل المصنف على ما اختاره: بأن الأمر يفيد الوجوب؛ إذِ التفريع على القول بذلك (^٣)، ووروده بعد الحرمة غير صالح لأن يكون معارضًا، فإنه كما لا يمتنع الانتقال من التحريم إلى الإباحة، لا يمتنع الانتقال (منه إلى الوجوب؛ لمنافاة كل واحد منهما (^٤) للتحريم، فإذا جاز الانتقال) (^٥) إلى أحد المتنافيين جاز الانتقال إلى الآخر.\nواحتج القائل بالإباحة: بأنها وردت لذلك، مثل: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (^٦)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ (^٧)، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط ٣/ ٣٠٥، وهو اختيار الغزالي في المنخول ص ١٣١.\n(^٢) وهناك قول خامس: وهو أن صيغة \"افعل\" ترفع الحظر السابق، وتُعيد حال الفعل إلى ما كان قبل الحظر، فإن كان مباحًا كانت للإباحة، أو واجبًا أو مستحبًا كانت كذلك. وإلى هذا القول ذهب المجد ابن تيمية ونسبه للمزني، والكمال ابن الهمام.\nانظر: المسودة ص ١٨، تيسير التحرير ١/ ٣٤٦، فواتح الرحموت ١/ ٣٧٩، قال الزركشي: وهو ظاهر اخيار القفال الشاشي. انظر: البحر المحيط ٣/ ٣٠٦.\n(^٣) أي: الخلاف في هذه المسألة مُفَرَّع على القول بأن الأمر يفيد الوجوب.\n(^٤) أي: من الإباحة والوجوب.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سورة المائدة: الآية ٢.\n(^٧) سورة الجمعة: الآية ١٠.\n(^٨) سورة البقرة: الآية ٢٢٢.","vol":"4","page":1083},{"text":"وفي الحديث: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\" (^١)، \"كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي فكلوا وادخروا\" (^٢).\nوأجاب في الكتاب: بأن هذه الأدلة معارَضةٌ بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، فإنه يفيد الوجوب؛ لأن الجهاد واجب.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (^٣)، وحَلْق الرأس نُسُكٌ وليس بمباح محض. كذا ذكره الإمام (^٤).\nوكذلك قوله ﵊: \"فإذا أدبرت الحيضة فاغسلي\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه بهذا اللفظ في السنن ١/ ٥٠١، كتاب الجنائز، باب ما جاء في زيارة القبور، رقم ١٥٧١. ومسلم في صحيحه ٢/ ٦٧٢، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - ربه ﷿ في زيارة قبر أمه، رقم ٩٧٧، ولفظه: \"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\". وبلفظ مسلم أخرجه النسائي ٤/ ٨٩، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، رقم ٢٠٣٢. وأخرجه الترمذي في السنن ٣/ ٣٧٠، كتاب الجنائز، باب ما جاء في الرخصة في زيارة القبور، رقم ١٠٥٤، وقال: حديث حسن صحيح، وأحمد في المسند ٣/ ٣٨.\n(^٢) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤٨٤، ٤٨٥، كتاب الضحايا، باب ادخار لحوم الأضاحي، رقم ٦، ٨. وأحمد في المسند ٥/ ٧٥، ٧٦، ٣٥٥، ٣٥٩. ومسلم في الصحيح ٢/ ٦٧٢، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي - ﷺ - في زيارة قبر أمه، رقم ٩٧٧. والنسائي في السنن ٤/ ٨٩، كتاب الجنائز، باب زيارة القبور، رقم ٢٠٣٢، ٢٠٣٣. وأبو داود في السنن ٤/ ٩٧، كتاب الأشربة، باب في الأوعية، رقم ٣٦٩٨.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٩٦.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٦١.","vol":"4","page":1084},{"text":"عنك الدم وصلي\".\nوإذا تعارضا (^١) من هذه الجهة بقي دليلنا على أصله.\nولمن يقول بالإباحة: أن يمنع استفادة الوجوب في هذه الصور من الصيغة الواردة بعد الحظر، ويقول: إنَّ الوجوب مستفاد من خارج، فإن قتال المشركين واجب، وكذلك الصلاة بالنسبة إلى المرأة، ثم (^٢) لما مُنِعَ منه حصل الإحجام عنه، فكان ورود الأمر مفيدًا أَنَّ سَبَب الإحجام زائل، وأن هذا الأمر صار مباحًا، ومتى صار مباحًا لزم أن يعود إلى ما كان عليه من الوجوب (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>فائدة </span>(^٤):\nقد (^٥) عرفت الخلافَ في الأمر الوارد بعد الحظر هل يدل على الوجوب أو الإباحة؟ ويضاهيه مسائل:\nمنها: الكتابة، فهي مستحبة وإنْ كانت واردةً بعد حظر (^٦). وعن\n_________\n(^١) أي: تعارضت الإباحة مع الوجوب.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) ولمن يقول بالوجوب أن يقول أيضًا: إن الإباحة لم تُسْتَفد من الصيغة بعد الحظر، بل الصيغة رَفَعَت الحظر السابق، والإباحة استفيدت مِنْ خارج، وهو كون الصيد مباحًا قبل الحظر، وكذا الإتيان قبل الحيض، والانتشار قبل وقت الجمعة، وزيارة القبور قبل التحريم. فالحاصل أن هذا الإيراد يرد على أدلة الفريقين، ويبقى دليل القائلين بالوجوب سالمًا من المعارض.\n(^٤) في (ت): \"بياض في مكانها\".\n(^٥) في (غ): \"وقد\".\n(^٦) وهو أن العبد ممنوع من الملك، فالأمر بالكتابة: وهو أن يملك نفسه بشرائها من =","vol":"4","page":1085},{"text":"صاحب \"التقريب\" حكايةُ قولٍ: أنها (^١) تجب بطلب العبد (^٢).\nومنها: النظر إلى المخطوبة بعد العزم على نكاحها مستحب، وفي وَجْهٍ هو مباح مجرد. والأمر به في قوله - ﷺ - للمغيرة بن شعبة (^٣): \"انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما\" (^٤) أي: يُجْعلُ بينكما المودة - واردٌ بعد الحظر: وهو تحريم النظر إلى الأجنبيات عند خوف الفتنة (^٥).\n_________\n= سيده - أمرٌ بعد حظر. وفي (ك) بعد قوله: \"بعد حظر\" زيادة وهي: \"لأنه في حال كونه عبد السيد ممنوعٌ عن أن يعامله؛ لأن الشخص لا يُعامل مع ماله\".\n(^١) قوله: \"أنها\" بالفتح بدل من قوله: \"حكاية قول\" الواقع مبتدأ مؤخر، وإنْ قلنا: بأنها مقول القول وجب كسرها.\n(^٢) انظر: نهاية المحتاج ٨/ ٣٨٠، التمهيد ص ٢٧٢.\n(^٣) هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفيّ، أبو عيسى، ويقال: أبو عبد الله، وقيل: أبو محمد. كان ﵁ من كبار الصحابة أولي الشجاعة والمكيدة، رجلًا طوالًا، ضخم الهامة، عَبْل الذراعين (أي: ضخمهما)، بعيدَ ما بين المنكبين، أصهبَ الشعر جدًا، أعور، داهيةً يُقال لهُ: مغيرةُ الرأي. وكان نكَّاحًا للنساء يجمع بين أربع. توفي ﵁ سنة ٥٠ هـ وهو أمير على الكوفة. انظر: سير ٣/ ٢١، الإصابة ٣/ ٤٥٢.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٤٦، والدارمي في السنن ٢/ ٥٩، كتاب النكاح، باب الرخصة في النظر للمرأة عند الخطبة، رقم ٢١٧٨. والترمذي في السنن ٣/ ٣٩٧، كتاب النكاح، باب ما جاء في النظر إلى المخطوبة، رقم ١٠٨٧. والنسائي في السنن ٦/ ٦٩ - ٧٠، كتاب النكاح، باب إباحة النظر قبل التزويج، رقم ٣٢٣٥. وابن ماجه في السنن ١/ ٥٩٩، كتاب النكاح، باب النظر إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، رقم ١٨٦٥.\n(^٥) انظر: التمهيد ص ٢٧٢.","vol":"4","page":1086},{"text":"ومنها: إذا قال لعبده: اتَّجِرْ - صار مأذونًا، ويجب عليه امتثال أمر سيده، وهو أمر وارد بعد حظر: وهو الحجر على العبد في التصرف في مال سيده. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>تنبيه:</span>\nصَرَّح الإمام هنا: بأن حكم (الأمر بعد الاستئذان حُكْمُه بعد التحريم، حتى يقع فيه الخلاف) (^١) في إفادة الوجوب (^٢). ومثال ذلك: أن يَسْتأذن على فعل شيء فيقول: افْعَلْه. وهذا حسن متجه ينفع في الاستدلال على وجوب التشهد بقوله - ﷺ - إذ سألوه: \"كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا\" الحديث (^٣).\nقال: (واختلف القائلون بالإباحة في النهي بعد الوجوب).\nالذين قالوا: بأن الأمر الوارد بعد الحظر يفيد الوجوب - جزموا القول: بأن (^٤) النهي بعد الوجوب يفيد التحريم (^٥). وأما الذين قالوا هناك: بأنه (^٦) يفيد الإباحة - فاختلفوا في النهي الوارد بعد\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٥٩.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) هو مذهب الجمهور. انظر: المحلي على الجمع ١/ ٣٧٩.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1087},{"text":"الوجوب، فمنهم مَنْ طَرَد فيه الخلاف، وحكم بالإباحة. ومنهم مَنْ قال: لا تأثير ههنا للوجوب المتقدم بل النهي يفيد التحريم، وبه قال الأستاذ، وقال: لا ينتهض الوجوب السابق قرينةً في حمل النهي على رفع الوجوب (^١). وادَّعى الوِفَاق في ذلك. وفي \"التلخيص\" مختصر \"التقريب والإرشاد\" للقاضي دعوى الوفاق كما ذكر الأستاذ، فإنه قال في أثناء الحِجَاج: \"لو صَحَّ ما قلتموه (^٢) للزم أن تقولوا: إذا فرط الإيجاب وسبق التحتم ثم تعقبته لفظةٌ تقتضي تحريمًا لو قُدِّرت مطلقة (^٣) - أنها لا تُحْمل على التحريم، وقد قلتم جميعًا: إنها محمولةٌ على التحريم (^٤). انتهى. ولكن الخلاف ثابت مُصَرَّح به، وقال إمام الحرمين: \"أما أنا فساحبٌ ذيلَ الوقف عليه، كما قدمته في صيغة الأمر بعد الحظر\" (^٥).\nوقد فرق القائلون: بأن النهي بعد الوجوب للتحريم، مع قولهم: بأن الأمر بعد الحظر للإباحة - بوجوه:\nأحدها: أن النهي لدفع المفاسد المتعلِّقة بالمَنْهي، والأمرَ لتحصيل\n_________\n(^١) يعني: لا يقوى أن يكون الوجوب السابق قرينةً في حمل النهي على رفع الوجوب السابق فقط دون أن يفيد التحريم، بل النهي بعد الوجوب يدل على التحريم.\n(^٢) من كون الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة.\n(^٣) أي: مِنْ غير سبق الإيجاب والتحتم.\n(^٤) انظر: التلخيص ١/ ٢٨٨، ٢٨٩.\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ٢٦٥.","vol":"4","page":1088},{"text":"المصالح المتعلقة بالمأمور، واعتناءُ الشارع بدفع المفاسد أشدُّ من اعتنائه بجلب المصالح.\nوالثاني: أن النهي عن الشيء موافقٌ للأصل الذي هو عدم الفعل، ولا كذلك الأمر لاقتضائه الفعل (^١) (^٢).\nوالثالث: أن القائل بالإباحة ثَمَّ إنما دعاه إليها ورود الصيغة كثيرًا في الآيات والأخبار بمعنى الإباحة، كما سبق، بخلاف النهي بعد الوجوب.\nوالرابع: أنَّ دلالة النهي على التحريم أقوى من دلالة الأمر على الوجوب؛ لأنه إذا اجتمع الحلال والحرام غُلِّب الحرام (^٣). والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-338>فائدة:</span>\nتقدم ما ذكره الإمام (في الأمر) (^٤) عقيب الاستئذان، وأما النهي عَقِيب الاستئذان مثل: قوله - ﷺ - لسعد (^٥)\n_________\n(^١) أي: حمل النهي على التحريم يقتضي الترك، وهو على وفق الأصل؛ لأن الأصل عدم الفعل. وحمل الأمر على الوجوب يقتضي الفعل، وهو خلاف الأصل. انظر: نهاية السول ٢/ ٢٧٤.\n(^٢) انظر هذين الفرقين في: نفائس الأصول ٣/ ١٢٨٢، شرح تنقيح الفصول ص ١٤٠، ١٤١، نهاية السول ٢/ ٢٧٤.\n(^٣) أشار إلى هذين الفرقين الأخيرين صفي الدين الهندي. انظر: نهاية الوصول ٣/ ٩٢١.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) هو سعد بن مالك بن أهيب - ويقال له: وهيب - بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشيّ الزهريّ، أبو إسحاق بن أبي وقاص، أحد العشرة وآخرهم موتًا. كان =","vol":"4","page":1089},{"text":"(وقد) (^١) قال له: \"أُوصِي بمالي كلِّه. قال: لا\" (^٢)، ومِثْلُ: \"أَيُسَلِّم بعضُنا على بعض قال: نعم\"، \"أيصافح بعضُنا بعضًا. قال: نعم. قال (^٣): أينحني بعضنا لبعض. قال: لا\" (^٤)، ووقع في السنة كثير من ذلك. فهذا الاستفهام الأصل فيه أنه استفهام عن الخبر كأنه يقول: أيَقَعُ هذا أوْ لا؟\nوجوابه في الأصل خبرٌ أيضًا، يقول: يقع أوْ لا. كقولك: يقوم زيد؟ فيجيب: نعم أوْ لا. ثم قد تأتي قرينة تدل على أن المراد بذلك الاستفهام عن الحكم الشرعي، كما في هذين الحديثين وأشباههما، فإن القرينة تدل على أن المراد الاستفهامُ عن (^٥) الحكم الشرعي: إما\n_________\n= أحد الفرسان وهو أول مَنْ رمى بسهمٍ في سبيل الله. شهد بدرًا والمشاهد كلَّها. وكان مجاب الدعوة مشهورًا بذلك ﵁ وأرضاه. مات بالعقيق وحُمِل إلى المدينة فصُلِّي عليه في المسجد ودُفِن بالبقيع، سنة خمس وخمسين على المشهور. انظر: الإصابة ٢/ ٣٣، تهذيب ٣/ ٤٨٣، تقريب ص ٢٣٢.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) متفق عليه، أخرجه البخاري في الصحيح ٣/ ١٠٠٦، كتاب الوصايا، باب أن يترك ورثته أغنياء خيرٌ من أن يتكففوا الناس، رقم ٢٥٩١. ومسلم في الصحيح ٢/ ١٢٥٠، كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، رقم ١٦٢٨.\n(^٣) سقطت من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٤) فيه حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أو صديقَه أينحني له؟ قال: \"لا\". قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: \"لا\". قال: أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: \"نعم\". خرَّجه الترمذي ٥/ ٧٠، في كتاب الاستئذان، باب ما جاء في المصافحة، حديث رقم ٢٧٢٨، وقال: هذا حديث حسن. وابن ماجه ٢/ ١٢٢٠، في كتاب الأدب، باب المصافحة، حديث رقم ٣٧٠٢.\n(^٥) في (ك): \"على\". وهو خطأ.","vol":"4","page":1090},{"text":"الوجوب، أو الجواز، أو الاستحباب.\nوقد يكون استرشادًا أيضًا، فيكون الجواب: بلا أو نعم - واردًا على ما فُهِم من السؤال.\nوالظاهرُ في الحديث الثاني: أن المراد الاستفهام عن الجواز؛ ولذلك كان الانحناء حرامًا. وقوله: \"نعم\" في السلام، والمصافحة - فيه جواز ذلك خاصةً، واستحبابه من دليلٍ آخر، (ولا نُقَدِّرُه) (^١) أمرًا بل خبرًا.\nوكذا في حديث سعدٍ الظاهرُ فيه أنه استفهام عن الجواز، وكذلك (^٢) في الثلث، قال: \"الثلث، والثلث كثير\" (فإنَّ نعم (^٣) مقدرة فيه (^٤)، ولا نقدره أمرًا؛ لأنه ليس مستحبًا (^٥)؛ لقوله: إنه كثير) (^٦)، وليس بنا (^٧) ضرورةٌ إلى تقديره أمرًا وصَرْفِه عن ظاهره، فهذا هو القاعدة في ذلك، قررها والدي أطال الله بقاه (^٨)،\n_________\n(^١) في (ت): \"ولا نقدر\". والضمير في \"نقدره\" يعود إلى الجواب بنعم في السلام والمصافحة.\n(^٢) في (ص)، و(غ) و(ك): \"ولذلك\". وهو خطأ؛ لأن المعنى: وكذلك استأذن سعد - ﵁ - في الثلث، وذلك لما لم يؤذن له في الكل.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) فتقدير الكلام: نعم الثلث، والثلث كثير.\n(^٥) انظر: نهاية المحتاج ٦/ ٥٣.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) في (غ): \"هنا\". وفي (ت): \"هذا\".\n(^٨) كذا في (ت)، و(ص). وهذا يدل على ما سبق بيانه أن التاج ﵀ أتم هذا الشرح في حياة والده رحمه الله تعالى، ووجود هذه العبارة في (ص) يدل على أن =","vol":"4","page":1091},{"text":"(وينبني (^١) عليها مباحث في مواضع كثيرة فافهمها) (^٢) (^٣).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-339>(الرابعة: الأمر المطلق لا يفيد التكرار ولا يدفعه</span>. وقيل: للتكرار. وقيل: للمرة. وقيل: بالتوقف للاشتراك، أو للجهل بالحقيقة).\nالأمر إما أن يَرِدَ مُقَيَّدًا وهو نوعان:\nأحدهما: أن يَرِد مقيَّدًا (بالمرة، أو بالتكرار، فَيُحْمل عليه (^٤) قطعًا.\nوالثاني: أن يرد مقيَّدًا) (^٥) بصفة، أو شرط، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.\nوإما أن يرد مطلقًا عاريًا عن القيود، وهو (^٦) مسألة الكتاب، وفيه مذاهب:\n_________\n= ما ورد فيها من الترحم على والده في المواضع السابقة من فعل الناسخ.\n(^١) في (غ): \"ويبنى\"، وفي (ك): \"وبَنَى\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر مسألة الأمر بعد الحظر، والنهي بعد الوجوب، مع أدلتهما في: المحصول ١/ ق ٢/ ١٥٩، التحصيل ١/ ٢٨٦، الحاصل ١/ ٤١٨، نهاية الوصول ٣/ ٩١٥، نهاية السول ٢/ ٢٧٢، السراج الوهاج ١/ ٤٦٣، الإحكام ٢/ ١٧٨، المحلي على الجمع ١/ ٣٧٨، شرح تنقيح الفصول ص ١٣٩، بيان المختصر ٢/ ٧٢، تيسير التحرير ١/ ٣٤٥، فواتح الرحموت ١/ ٣٧٩، كشف الأسرار ١/ ١٢٠، شرح الكوكب ٣/ ٥٦.\n(^٤) أي: على القيد، سواء بالمرة أو بالتكرار.\n(^٥) سقط من (ت).\n(^٦) في (ت): \"وهي\".","vol":"4","page":1092},{"text":"أحدها: أنه لا يدل بذاته لا على التكرار ولا على المرة، وإنما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بالوَحْدة والكثرة. نعم لا يمكن إدخال الماهية في الوجود بأقل من مرةٍ، فصارت المرة من ضروريات الإتيان بالمأمور به (^١)، لا أن الأمر يدل عليها بذاته، واختاره الإمام وأتباعه (^٢) منهم المصنف، والآمدي (^٣)، وابن الحاجب (^٤)، ونَصَّ على اختيار القول به القاضي في \"التلخيص\" (^٥) لإمام الحرمين. وقد عَبَّر المصنف عن المرة بقوله: \"ولا يدفعه\" (^٦)، فإنه إذا لم يدفع التكرار لا يكون للمرة؛ فإنه لو كان للمرة دفع التكرار، إذْ هما متقابلان.\nوالثاني: أنه يدل على التكرار المستوعِب لزمان العُمُر. ونقله الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\" عن شيخه أبي حاتم (^٧) القزويني (^٨)، وعن\n_________\n(^١) وهي الماهية.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٦٢، التحصيل ١/ ٢٨٧، الحاصل ١/ ٤٢١، نهاية الوصول ٣/ ٩٣٩.\n(^٣) انظر: الإحكام ٢/ ١٥٥.\n(^٤) انظر: بيان المختصر ٢/ ٣١.\n(^٥) انظر: التلخيص ١/ ٢٩٩، وهذا القول هو المختار عند الحنفية. انظر: تيسير التحرير ١/ ٣٥١، كشف الأسرار ١/ ١٢٢، ١٢٣، فواتح الرحموت ١/ ٣٨٠، أصول السرخسي ١/ ٢٠.\n(^٦) أي: كأن المصنف قال: لا يفيد التكرار والمرة.\n(^٧) في (ت): \"أبي حامد\". وهو خطأ.\n(^٨) هو الإمام أبو حاتم محمود بن الحسن بن محمد الأنصاريّ الطبريّ القَزْوينيّ الشافعيّ، أحد أئمة أصحاب الوجوه. صَنَّف كتبًا كثيرة في الخلاف والمذهب والأصول =","vol":"4","page":1093},{"text":"القاضي أبي بكر (^١)، وهو مذهب الأستاذ وجماعة من الفقهاء والمتكلمين (^٢).\nوذكر الأصفهاني (^٣) أن العالِمي نقله عن أكثر (أصحاب\n_________\n= والجدل، منها \"تجريد التجريد\". توفي بآمُل سنة ٤١٤، أو ٤١٥ هـ. انظر: الطبقات الكبرى ٥/ ٣١٢، طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١٣٧.\n(^١) انظر: شرح اللمع ١/ ٢٢٠.\n(^٢) انظر: الإحكام ٢/ ١٥٥، نهاية الوصول ٣/ ٩٢٢، المحلي على الجمع ١/ ٣٨٠، وهو مذهب الإمام أحمد ﵁ وأكثر أصحابه. انظر: شرح الكوكب ٣/ ٤٣. ونقل القرافي عن ابن القصار أن استقراء كلام مالك ﵁ يدل على القول بالتكرار، وبمثله قال أبو بكر الباقلاني عن مالك ﵁. انظر: شرح التنقيح ص ١٣٠، مقدمة ابن القصار ص ١٣٦، الإشارة في أصول الفقه ص ٢٨٦، نشر البنود ١/ ١٥٣، نثر الورود ١/ ١٨٢، لكن نقل الباجي عن القاضي أبي محمد أن مذهب مالك ﵁ أن الأمر المجرد لا يقتضي التكرار. انظر: إحكام الفصول ص ٢٠١. والقاضي أبو محمد هو القاضي عبد الوهاب المالكي، ولعل الأرجح هو ما ذكره ابن القصار؛ إذ هو الذي اعتمده القرافي، وحلولو. . . . .، وصاحب نشر البنود، ونثر الورود، وهو الذي اعتمده محقق مقدمة ابن القصار، الدكتور محمد السليماني. لكن المالكية خالفوا مالكًا ﵁ في هذا، وقالوا بأنه يدل على المرة الواحدة. انظر: شرح التنقيح ص ١٣٠، إحكام الفصول ص ٢٠١، نشر البنود ١/ ١٥٢، نثر الورود ١/ ١٨١. ونسب الباجي القول بالتكرار إلى محمد بن خويز منداد، وأبي الحسن ابن القصار، ولكن النسبة إلى أبي الحسن غير صحيحة؛ لأنه صَرَّح = = في مقدمته بقوله: \"وعندي أن الصحيح هو أن الأمر إذا أطلق يقتضي فعل مرة، وتكراره يحتاج إلى دليل\". المقدمة في الأصول ص ١٣٨، وانظر: إحكام الفصول ص ٢٠٢.\n(^٣) في (ك): \"الأصبهاني\".","vol":"4","page":1094},{"text":"الشافعي (^١» (^٢)، لكن شَرْط هذا القول الإمكانُ، دون أزمنة قضاء الحاجة والنوم وضروريات الإنسان، كما صَرَّح به أكثر الأصوليين، منهم الشيخ أبو إسحاق، وإمام الحرمين، وابن الصباغ في \"عُدَّة العالِم\"، والآمدي، وغيرهم (^٣). قال صفي الدين الهندي: \"ثم لا يخفى عليك أنه ليس المراد من التكرار هنا معناه الحقيقي: وهو إعادة الفعل الأول، فإن ذلك غير ممكن من المكَلَّف، (وإنما المراد مثله) (^٤) \".\nولك أن تقول: ما تريد بقولك: ليس المراد إعادة ذلك الفعل الأول؟ أتريد الماهيةَ مع قيد التشخص في الأول، أم الماهية وحدها؟ الأول مسلَّم (^٥)، والثاني ممنوع؛ لأن الماهية الموجودة في الأول موجودة في الثاني بعينها.\nوالثالث: أنه يدل على المَرَّة ولا يحتمل التكرار، وإنما يُحْمل عليه بدليل. ونقله الشيخ أبو إسحاق عن أكثر أصحابنا، وأبي حنيفة (^٦)، وأكثر الفقهاء، وعن اختيار شيخه القاضي أبي الطيب، والشيخ أبي حامد (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الكاشف ٣/ ٢٨٨.\n(^٢) في (غ): \"الأصحاب للشافعي\".\n(^٣) انظر: اللمع ص ١٤، شرح اللمع ١/ ٢٢٠، البرهان ١/ ٢٢٤، الإحكام ٢/ ١٥٥، نفائس الأصول ٣/ ١٢٩١، بيان المختصر ٢/ ٣٢، البحر المحيط ٣/ ٣١٣.\n(^٤) عبارة \"نهاية الوصول\" ٣/ ٩٢٢: \"بل المراد منه: تحصيل مثل الفعل الأول\". وانظر: كشف الأسرار ١/ ١٢٢.\n(^٥) أي: يستحيل إعادته.\n(^٦) لم أجد أحدًا من الحنفية عزى هذا القول لأبي حنيفة ﵁.\n(^٧) أي: أبي حامد الإسفراييني. انظر: شرح اللمع ١/ ٢٢٠.","vol":"4","page":1095},{"text":"ونقل بعض الشارحين تبعًا للأصفهاني في \"شرح المحصول\" عن الآمدي أنه قال: وإليه ميل إمام الحرمين (والواقفية. ثم خَطَّأ هذا الشارحُ الآمديَّ: بأن إمام الحرمين) (^١) إنما يرى الوقف، ولا يَقْضي في الزيادة بنفي ولا إثبات (^٢).\nواعلم أن الآمدي لم ينقل في \"الإحكام\" عن إمام الحرمين إلا الوقف (^٣)، كما هو الواقع، وهذه عبارة الآمدي:\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) يعني: لا يقول في الزيادة على المرة بنفي ولا إثبات؛ لأنه قائل بالوقف، وثبوت المرة الواحدة عند الواقفية ليس مستفادًا من الأمر بالذات - كما هو قول مَنْ ينفي الزيادة على المرة - بل من ضرورة إيجاد الماهية كما سبق بيانه.\n(^٣) أي: الوقف في الزيادة على المرة الواحدة؛ لأن المرة الواحدة من ضرورة إدخال الماهية في الوجود. فقول إمام الحرمين يقارب القول الأول المختار، والفرق بين قوله والقول الأول: أنه يتوقف في الزيادة فلم يقض فيها بنفي ولا إثبات، والقول الأول لا يجعل المرة أو التكرار من معنى اللفظ، بل اللفظ يدل على الطلب فقط، والمرة ضرورية لتحقق الطلب، لا لكون اللفظ يدل عليها بذاته. فأصبح الفرق بين القولين لفظيًا. يقول إمام الحرمين في البرهان ١/ ٢٢٩: \"فإن قيل: فما المختار، وقد أبطلتم بزعمكم مسلك الفريقين، وليس بين النفي والإثبات مرتبة؟ قلنا: الصيغة المطلقة تقتضي الامتثال، والمرة الواحدة لا بد منها، وأنا على الوقف في الزيادة عليها، فلست أنفيه، ولست أثبته، والقول في ذلك يتوقف على القرينة\". وقد زعم الإسنوي رحمه الله تعالى أن مذهب إمام الحرمين هو التوقف، أي: التوقف عن المرة والتكرار، فلا يدل على المرة أو التكرار إلا بالقرينة، وهذا هو المذهب الرابع في ترتيب المصنف والشارح، وسيأتي ذكره بعد قليل، وعجيب من الإسنوي هذا، وهو رحمه الله تعالى إمام في التحقيق. قال في نهاية السول ٢/ ٢٧٥: \"واختار إمام الحرمين التوقف، ونقل عنه ابن الحاجب المذهب الأول تبعًا للآمدي، وليس كذلك فافهمه\"، وكذا قال =","vol":"4","page":1096},{"text":"ومنهم (^١) مَنْ نفى احتمال التكرار، وهو اختيار أبي الحسين البصري وكثير من الأصوليين. ومنهم مَنْ توقف في الزيادة ولم يقضِ فيها بنفي (^٢) ولا إثبات. وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية (^٣). انتهى. والظاهر أن نسخةَ الأصفهانيِّ وكذلك هذا الشارحِ من \"الإحكام\" سقيمةٌ، سقط منها من قوله: \"ومنهم\" إلى قوله: \"وإليه\" (^٤) وهذه النسخة التي عندي صحيحة مقروءة على الآمدي وعليها خطه.\n_________\n= في التمهيد ص ٢٨٢، ٢٨٣، وما حكاه عن ابن الحاجب في نقله عن إمام الحرمين صحيح، انظر: نهاية الوصول ٢/ ٣١، أما أن ابن الحاجب تبع الآمدي في هذا فليس كذلك، وعبارة الآمدي كما هي في الأصل هنا تخالف ما ذكره، ولعل الإسنوي لم يراجع \"الإحكام\"، بل اعتمد على غيره. وأَعْجَبُ من خطأ الإسنوي خطأُ الدكتور محمد حسن هيتو في تحقيقه \"للتمهيد\" ص ٢٨٣، إذ زعم أن الإسنوي تبع في وَهَمه هذا الأصفهاني شارح المحصول، مع أن وَهَم الأصفهاني ومن تبعه في أن الآمدي نسب لإمام الحرمين القول بإفادة الأمر المطلق للمرة الواحدة دون التكرار، وهو القول الثالث هنا، والإسنوي وَهِم في أن ابن الحاجب تبع الآمدي في نسبة القول الأول لإمام الحرمين، لا الثالث، فلا علاقة لوَهَم الإسنوي بوهم الأصفهاني.\n(^١) أي: من القائلين بدلالة الأمر للمرة الواحدة، إذ العبارة في الإحكام (٢/ ١٥٥) هكذا: \"وذهب آخرون إلى أنه للمرة الواحدة، ومحتمل للتكرار، ومنهم من نفى احتمال التكرار. . .\".\n(^٢) في (ت): \"يمنع\".\n(^٣) انظر: الإحكام ٢/ ١٥٥.\n(^٤) فتكون العبارة في هذه النسخة السقيمة هكذا: \"وذهب آخرون إلى أنه للمرة الواحدة، ومحتمل للتكرار. . . وإليه ميل إمام الحرمين والواقفية\"، والنقاط الثلاث وضعتها إشارة إلى الجملة الساقطة.","vol":"4","page":1097},{"text":"واعلم أن صفي الدين الهندي نقل عن أبي الحسين وكثيرٍ من الأصوليين المذهبَ المختار (^١)، وهو خلافُ ما نقله عنه الآمدي كما رأيت. والذي رأيته في \"المعتمد\" يقتضي موافقةَ ما نقله الهندي أو يُصَرِّح (^٢)، بل لم يحك هذا القول الذي نقله عنه الآمدي بالأصالة (^٣).\nوالرابع: التوقف. قالوا: وهو محتمل لشيئين:\nأحدهما: أن يكون مشتركًا بين التكرار والمرة، فيَتَوقَّفُ إعمالُه في أحدهما على قرينة. وهذا قد (^٤) صرح بحكايته صاحب الكتاب في كتابه \"المرصاد\" الذي وضعه على مختصر ابن الحاجب.\nوالثاني: أنه لأحدهما (^٥) ولا نعرفه، فَيُتَوَقَّف لجهلنا بالواقع.\nولقائل أن يقول: وَضْعُه للمرة وللتكرار كلٌّ منهما على حِدَته - وَضْعٌ للنقيضين؛ لأن التكرار وحده مع المرة وحدها مما لا يجتمعان، إذ لا تجتمع الوَحْدة بقيد الوحدة مع الكَثْرة، ولا يرتفعان؛ إذ هو مأمور بشيء لا يخرج ذلك الشيء عن أحدهما. ثم إن الوضع للنقيضين على رأي الإمام ومَنْ نحا\n_________\n(^١) وهو المذهب الأول. انظر: نهاية الوصول ٣/ ٩٢٣.\n(^٢) انظر: المعتمد ١/ ٩٨.\n(^٣) أي: لم يحك أبو الحسين في ضمن ذكره الأقوال في المسألة - قولَ من يقول: إن الأمر المطلق يفيد المرة، ولا يحتمل التكرار. بل حكى قولين: قول من يقول: إن ظاهره يفيد التكرار. وقول من يقول: إنه بفيد إيقاع الفعل فقط، والمرة الواحدة ضرورية لذلك. وعلى هذا فيكون نَقْلُ الآمدي عنه هذا القول، وعَزْوُه إليه - وَهَمًا ظاهرًا.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) أي: هو حقيقة في أحدهما.","vol":"4","page":1098},{"text":"نحوه ممتنع، فكيف يتجه ممن يعتقد اعتقاده، أن يجعل التوقف محتملًا له (^١)!\nوفي المسألة مذهب خامس حكاه صفي الدين الهندي عن عيسى بن أبان (^٢): أنه إنْ كان فِعْلًا له غاية يمكن إيقاعه في جميع المدة فيلزمه في جميعها، وإلا فيلزمه الأقل (^٣) (^٤).\nقال: (لنا: تقييده بالمرة والمرات من غير تكرير ولا نقض، وأنه ورد مع التكرار وعدمه، فيجعل حقيقة في القدر المشترك: وهو طلب الإتيان به؛ دفعًا للاشتراك والمجاز. و(^٥) أيضًا لو كان للتكرار لعم الأوقات، فيكون تكليفًا بما لا يطاق، وينسخه كلُّ تكليفٍ\n_________\n(^١) المعنى: أن وضع اللفظ للنقيضين عند الإمام ومَنْ نحا نحوه ممتنع، فكيف ساغ للإمام أن يُعَلِّل التوقف بأنه يحتمل أن يكون بسبب الاشتراك بين المرة والتكرار، والمرة والتكرار نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان، فكيف يجعل الإمام هذا محتملًا، مع أن مذهبه في الوضع يمنع من هذا! . انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٦٣.\n(^٢) هو عيسى بن أبان بن صَدَقَة، أبو موسى، الإمام الكبير، وفقيه العراق، وقاضي البصرة. تفقَّه على محمد بن الحسن الشيبانيّ، وله تصانيف وذكاءٌ مفرط، وفيه سخاءٌ وجود زائد، وكان يقول: \"والله لو أُتِيتُ برجلٍ يفعل في ماله كفِعْلي لحَجَرْتُ عليه\". توفي - ﵀ - سنة ٢٢١ هـ. انظر: تاريخ بغداد ١١/ ١٥٧، سير ١٠/ ٤٤٠، الجواهر المضيّة ٢/ ٦٧٨، الفوائد البهية ص ١٥١.\n(^٣) يعني: وإن لم يكن له غاية فيلزمه الأقل وهي المرة الواحدة.\n(^٤) انظر: نهاية الوصول ٣/ ٩٢٤، ٩٢٥، ولعل صفي الدين الهندي نقل هذا المذهب من \"ميزان الأصول\" للسمرقندي ص ١١٣.\n(^٥) سقطت الواو من (ت).","vol":"4","page":1099},{"text":"بعده لا يجامعه).\nاستدل على المختار بأوجه:\nأحدها: أنه لو كان الأمر المطلق دالًا على المرة لكان تَقَيُّدُه بها تكرارًا، وبالمرات نقضًا. ولو كان دالًا على التكرار لكان تقييده بالمرات تكرارًا، وبالمرة نقضًا. والملازمة بَيِّنة، واللازم (^١) باطلٌ؛ لصحة قولنا: افعل ذلك مرة، وافعل ذلك مرات، وليس فيه تكرار ولا نقض.\nولا يخفى عليك أن هذا الوجه ليس حجةً إلا على مَنْ يَدَّعِي أنه نَصٌّ في المرة الواحدة ولا يحتمل التكرار، أو مَنْ (^٢) يدعى العكس. أما مَنْ يدعي التوقفَ أو الظهورَ في أحدهما (^٣) - فلا يصلح حجة عليه (^٤).\nالثاني: أنه ورد للتكرار شرعًا، مثل: (قوله تعالى) (^٥): ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^٦)، و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (^٧). وعُرْفًا، مثل: قول القائل لغيره: احفظ دابتي، وأحسن إلى الناس.\nوورد للمرة شرعًا، كآية الحج والعمرة (^٨). وعُرْفًا، مثل: ادخل الدار.\n_________\n(^١) وهو التكرار والنقض.\n(^٢) في (ت): \"ومن\".\n(^٣) أي: يدعي أن الظاهر هو التكرار ويحتمل المرة، أو العكس.\n(^٤) لأن المتوقف ومَنْ يقول بالظهور لا يمتنع عندهما حَمْلُه على المرة أو التكرار بالتقييد.\n(^٥) سقطت من (غ).\n(^٦) سورة البقرة: الآية ٤٣. وفي النسخ: \"أقيموا\" بدون الواو، ولا توجد آية بذلك.\n(^٧) سورة البقرة: الآية ١٨٣.\n(^٨) وهي قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.","vol":"4","page":1100},{"text":"وقول السيد لعبده: اشتر اللحم. فحينئذٍ إما (^١) أن يكون حقيقةً فيهما فيلزم الاشتراك، أو في أحدهما فيلزم المجاز، والمجاز والاشتراك على خلاف الأصل، فيكون للقدر المشترك بينهما: وهو طلب الإتيان بالمأمور به (^٢)، وذلك أعم من أن يكون في المرة الواحدة أو المرات، وحينئذٍ لا يدل على أحدهما بخصوصه إلا بقرينة.\nوهذا الدليل قد استعملوه في مواضع عديدة، وبعض المتأخرين من الأصوليين كالنقشواني وغيره قد ضعفوه، فقالوا (^٣): إذا كان موضوعًا للقدر المشترك: الذي هو مطلق الطلب، ثم استعمل في طلب خاص (^٤) فقد استعمل في غير ما وضع له؛ لأن الأعم مغاير للأخص، لكنه مشتمل على ما وضع له (^٥) فيكون (^٦) مجازًا (^٧). وأيضًا فإن (^٨) الألفاظَ موضوعةٌ بإزاء المعاني الذهنية على رأي الإمام وأتباعه، فإذا استعمل فيما تَشَخَّصَ منها في الخارج يكون مجازًا؛ لأنه غير ما وضع له (^٩). فتقرر أن استعمال الأمر في\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) في (ت): \"قالوا\".\n(^٤) أي: المرة أو المرات.\n(^٥) أي: لكن الأخص مشتمل على ما وضع له العام؛ لأن حقيقة الأخص مشتملة على العام وزيادة.\n(^٦) في (ص): \"فيجوز\".\n(^٧) أي: فيكون استعمال الأعم في الأخص مجازًا.\n(^٨) سقطت من (غ).\n(^٩) المراد بالمعاني الذهنية المعاني الكلية العامة التي لا وجود لها في الخارج، وإنما =","vol":"4","page":1101},{"text":"المقيَّد بالتكرار وبالمرة مجاز لما قلناه (^١).\nوهذا بحث صحيحٌ مطرد في كل أعم استعمل في أخص، وبعضهم يفصِّل فيه فيقول: إن استعمل فيه باعتبار ما فيه من القدر الأعم فهو حقيقة، وإن استعمل فيه باعتبار خصوصه فهو مجاز (^٢).\nوهذا التفصيل لا حاجة إليه، لأنه إذا استعمل فيه باعتبار ما فيه من القدر الأعم لا يخرج عن كونه استعمل العام في الخاص (^٣). وقوله:\n_________\n= وجودها في الذهن، فالألفاظ موضوعة لتلك المعاني الذهنية، فإذا استُعْمل اللفظ في المعاني الخاصة التي تكون متشخصة في الخارج، وهي (أي: المعاني الخاصة) أفراد المعاني الذهنية العامة - فإن هذا الاستعمال يكون مجازًا؛ لأن اللفظ قد استعمل في غير ما وضع له، فهو وضع للمعاني العامة. واستُعْمل في المعاني الخاصة.\n(^١) أي: لما قلناه من أن استعمال الأعم في الأخص مجاز، ولما قلناه أيضًا عن الإمام من أن الألفاظ وُضعت للمعاني الذهنية العامة، ولم توضع للمعاني الخارجية الخاصة (أي: المتشخصة في الخارج)، فالأمر معناه الذهني: هو مطلق الطلب، فإذا قُيِّد الأمر بأنه للتكرار فهو فَرْدٌ من أفراد المعنى الذهني، وكذا إذا قُيِّد الأمر بأنه للمرة فهو فرد من أفراد المعنى الذهني، فيكون استعمال الأمر مقيدًا بالمرة أو بالتكرار مجازًا؛ لأنه استعمال للفظ في غير ما وُضع له. قال الإسنوي رحمه الله تعالى في نهاية السول ٢/ ٢٧٧: \"ففر من مجازٍ واحد، فوقع في مجازين\"، أي: فَرَّ القائل بأن الأمر يدل على مطلق الطلب من مجاز واحد، ووقع في مجازَيْن.\n(^٢) أي: إن استعمل اللفظ في المعنى الخاص (وهي الأفراد الخارجية) باعتبار أن القدر المشترك الأعم موجود فيه - فهو حقيقة؛ لأن اللفظ استعمل من حيث وجود المعنى الأعم لا الأخص. وإن استُعمل اللفظ في المعنى الخاص باعتبار خصوصه لا باعتبار أن القدر المشترك موجود فيه - فهو مجاز؛ لأن اللفظ استُعْمِل من حيث المعنى الخاص لا المعنى العام الموجود في الخاص، فهو استعمالٌ للفظ في غير ما وُضع له.\n(^٣) يعني: فهو مجاز وإن استعمل العام في الخاص باعتبار القدر الأعم الموجود في الخاص.","vol":"4","page":1102},{"text":"\"باعتبار\" سببٌ في الاستعمال، فهو كاستعمال الأسد في الشجاع باعتبار الشجاعة. وإن أراد بقوله: \"باعتبار\" أنه لم يستعمل إلا في الأعم فذلك إحالة لفرض المسألة؛ لأن فرض المسألة أنه استعمل في الأخص (^١).\nالثالث: وهو دليل على ضعف القول بالتكرار، أنه لو كان مقتضيًا للتكرار لعم جميع الأوقات حتى يجب فعل المأمور به فيها؛ وذلك لعدم أولوية وقتٍ دون وقت، لكنه لا يعم جميع الأوقات؛ لوجهين:\nأحدهما: أنه لو عَمَّها للزم وقوع التكليف بما لا يطاق (^٢).\nوالثاني: أنه يلزم أن ينسخه كل تكليف يأتي بعده لا يمكن مجامعته له في الوجود (^٣)؛ وذلك لأن الأمر الأول قد استوعب جميع الأوقات بفعل (^٤) المأمور به، والثاني (^٥) يقتضي الإتيان بالمأمور به، (والإتيان بالمأمور به أولًا\n_________\n(^١) يعني: إن أراد المفصِّل بقوله: باعتبار كذا، وباعتبار كذا، أن اللفظ العام لم يُستعمل إلا في المعنى الأعم، فهذا يبطل المسألة المفروضة؛ لأن المسألة مفروضة في استعمال العام في المعنى الأخص لا الأعم. والمقصود أنه لا يجوز أن يقصد بهذا الترديد الذي قاله: أنه لم يستعمل إلا في المعنى الأعم؛ لكون المسألة مفروضة في المعنى الأخص.\n(^٢) لأن المكلف لا يستطيع أن يفعل المأمور به في كل أوقاته، فهو يحتاج إلى الراحة والنوم، وقضاء الحاجة، والأكل والشرب، ونحو هذا.\n(^٣) وذلك كالأمر بالصلاة أولًا، ثم الأمر بالزكاة والحج والجهاد وكسب النفقة الواجبة بعد الأمر الأول.\n(^٤) في (غ)، و(ك): \"لفعل\".\n(^٥) أي: الأمر الثاني.","vol":"4","page":1103},{"text":"لا يمكن مع الإتيان بالمأمور (^١) به ثانيًا) (^٢)، فيرتفع وجوبه (^٣)؛ لعدم إمكان فعله، فيلزم النسخ وهو باطل قطعًا؛ لأن الأمر ببعض الصلوات ليس نسخًا لغيرها (^٤)، والأمر بالحج ليس نسخًا للصلاة، فثبت (^٥) ما قلناه: من أنه لا يعم كل الأوقات، وحينئذ لا يكون مقتضيًا للتكرار (^٦).\nوإنما قَيَّد المصنف بقوله: \"لا يجامعه\"؛ ليحترز عما يجتمع معه، كالصوم مع الصلاة (^٧).\nوفي هذين الوجهين نظر:\nأما الأول: فلأن القائل بالتكرار يشترط الإمكان كما تقدم (^٨).\nوأما الثاني: فلأن النسخ إنما يلزم إذا كان الأمر الثاني مطلقًا غير\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) أي: وجوب الأول.\n(^٤) أي: الأمر بصلاة الظهر ليس نسخًا لصلاة الفجر، والأمر بصلاة العصر ليس نسخًا لصلاة الظهر، وهكذا. فليس الأمر ببعض الصلوات أمرًا باستيعاب جميع الأوقات فيها، وإلا لأدى إلى النسخ.\n(^٥) في (ت): \"فيثبت\".\n(^٦) سقطت من (ص).\n(^٧) فالصوم يجتمع مع الصلاة، لأنه يمكن أن يكون الإنسان صائمًا ومصليًا، لكن لا يمكن أن يكون مزكيًا ومصليًا ومجاهدًا في وقت واحد، وهكذا.\n(^٨) فخرج تكليف ما لا يطاق.","vol":"4","page":1104},{"text":"مخصَّص (^١) ببعض الأوقات شرعًا أو عقلًا، ومثل هذا غير واقعٍ في الشرع، ولو وقع (^٢) لالتزم الخصمُ وقوعَ النسخ. وأما إذا كان الأمر الثاني مخصوصًا ببعض الأوقات فلا يلزم منه نسخ الأول بل تخصيصه، ولا امتناع في ذلك، على أنه غير واقع على الوجه المفروض (^٣).\nقال: (قيل (^٤): تمسك الصديق - ﵁ - على التكرار بقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ولم يُنْكَر عليه. قلنا: لعله ﵊ بَيَّن تكراره. قيل: النهي يقتضي التكرار فكذا الأمر. قلنا: الانتهاء أبدًا ممكن (^٥) دون الامتثال. قيل: لو لم يتكرر لم يرد النسخ. قلنا: وروده قرينة التكرار).\nاحتج مَنْ ذهب إلى أنَّ الأمر يفيد التكرار بثلاثة أوجه:\nأحدها: أن أبا بكرٍ الصديق - ﵁ - تمسك على أهل الردة في (^٦) وجوب\n_________\n(^١) في (ك): \"مختص\".\n(^٢) أي: لو وقع الثاني مطلقًا غير مخصَّص.\n(^٣) فهذا ردٌّ جدلي؛ لأن الخصم سلَّم أن الأمر الأول للتكرار المستوعب لجميع الأوقات بشرط الإمكان، ولكن لم يسلم مع ذلك وقوع النسخ؛ لأن الأمر الثاني لا بد أن يكون مُخَصَّصًا ببعض الأوقات غير مطلق، فيكون الأمر الثاني مخصِّصًا للأول لا ناسخًا، وكذا كل الأوامر التي تكون بعد الأمر الأول المستوعب لجميع الأوقات، هي مُخَصِّصات للأول لا ناسخة وهذه الصورة المفروضة غير واقعة؛ لأنه ليس هناك أمر مستغرق لجميع الأوقات، بل لا بد أن يقيده الشرع أو العقل، فدعوى النسخ ودعوى التخصيص فرضيتان لا حقيقيتان. انظر: نفائس الأصول ٣/ ١٢٩٣.\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) في (ت) و(غ): \"يمكن\".\n(^٦) في (ص): \"من\". وهو خطأ.","vol":"4","page":1105},{"text":"تكرار الزكاة بقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^١) (^٢)، ولم يُنْكِر عليه أحدٌ من الصحابة، فدل على انعقاد الإجماع على أن الأمر للتكرار.\nوالجواب بعد تسليم أن الإجماعَ السكوتي إجماعٌ: أنه لعل النبيَّ - ﷺ - بَيَّن للصحابة ﵃ أنَّ قوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ يفيد التكرار، فتمسك الصديق رضوان الله عليه بها (^٣) مُسْتَنِدًا إلى ما بَيَّنه (﵇) (^٤) (^٥)، وهذا وإن كان خلاف الأصل؛ إذِ الأصل أنه\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٤٣.\n(^٢) في صحيح مسلم ١/ ٥١ - ٥٢، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، رقم ٢٠، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما تُوفِّي رسول الله - ﷺ - واستخلف أبو بكرٍ بعده، وكفر مَنْ كفر مِنَ العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمَنْ قال لا إله إلا الله - فقد عصم مني مالَه ونفسَه إلا بحقه، وحسابه على الله. فقال أبو بكر: والله لأقاتلن مَنْ فَرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حقُّ المال. . .\" الحديث. فقول أبو بكر ﵁: والله لأقاتلن مَنْ فرق بين الصلاة والزكاة - إشارة إلى الآية: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فمن أقام الصلاة ولم يؤت الزكاة فقد فرَّق بينهما، والآية آمرة بهما.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (غ): \"النبي - ﷺ -\".\n(^٥) أخرج أبو داود بسنده عن عبد الله بن معاوية الغاضري قال: قال النبي - ﷺ -: \"ثلاثٌ مَنْ فعلهنَّ فقد طَعِم طعْم الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله، وأعطى زكاة ماله طيبةً بها نفسه رافدًا عليه كل عام. . .\" الحديث. انظر: سنن أبي داود ٢/ ٢٤٠، كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، حديث رقم ١٥٨٢. وأخرجه الطبراني في =","vol":"4","page":1106},{"text":"لم يُبَيِّن، لكن يجب المصير إليه جمعًا بين الأدلة.\nوقد يجاب: بأن أمر الصلاة والزكاة والصوم معلومُ التكرار بالضرورة من دين محمد ﵇. أو بأن ها هنا مع صيغة الأمر غيرُها، وهو أن القاعدة تكررُ (^١) الحكمِ بتكرر سببه، وسبب وجوب الزكاة نِعْمة المِلْك، فلما تكررت تكرر وجوب الزكاة، وهذا مُقْتضِي (^٢) للتكرار غير الأمر.\nوثانيها: أن النهي يقتضي التكرار فكذلك الأمر قياسًا عليه، والجامع: كونُ كل منهما للطلب.\nوالجواب: أنه يمكن الانتهاء عن الشيء دائمًا؛ لأن فيه بقاءً على العدم، وأما امتثاله أبدًا - أعني: استعماله دائمًا - فغير ممكن.\nوهذا الجواب من المصنف ربما يُفْهِم اختيارَه أن النهي يقتضي التكرار بلا خلاف، وقد صَرَّح بعد ذلك بأن النهي كالأمر (في التكرار وعدمه. ثم لك أن تقول: في هذا الجواب نظرٌ؛ لأن مَنْ قال: الأمر) (^٣) يقتضي التكرار اشترط الإمكان كما سبق، فامتثال الأمر (أبدًا حينئذ) (^٤) كالانتهاء أبدًا من حيث الإمكان، فالصواب في الجواب أن يقال: هذا إثبات اللغة\n_________\n= المعجم الصغير ١/ ٢٠١. وساقه ابن الأثير في أسد الغابة ٣/ ٢٩١ - ٢٩٢، وقال: أخرجه الثلاثة. قال الحافظ في تلخيص الحبير (٢/ ١٥٥) بعد ذكره رواية أبي داود: \"ورواه الطبراني وجَوَّد إسناده، وسياقه أتم سندًا ومتنًا\".\n(^١) في (ت): \"تكرار\".\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"مقتضٍ\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ت) و(غ): حينئذٍ أبدًا\".","vol":"4","page":1107},{"text":"بالقياس، وليس بصحيح. سَلَّمنا صحته، لكنا (^١) لا نسلم أن النهي يقتضي التكرار، بل هو على وَزَان الأمر. سلمنا أنه يقتضي التكرار، لكن مقتضى الأمر إيجاد (^٢) المأمور به، وذلك يصدق بمرةٍ واحدة، بخلاف النهي فإنه لما كان مقتضاه الكفَّ عن المنهي عنه لم يتحقق ذلك إلا بالامتناع المستمر.\nوثالثها: أنه لو لم يدل على التكرار ودَلَّ على المرة لم يرد النسخ؛ لأن وروده إما بَعْدَ فِعْلِها وذلك محال؛ إذ لا تكليف (^٣). وإما قبله وهو يدل على البداء، أي: ظهور المصلحة بعد خفائها، وذلك محال على الله ﷾، وورود النسخ جائز فدل على أنه للتكرار.\nوالجواب: أن النسخ لا يجوز وروده عليه، فإنْ ورد صار ذلك قرينة في أنه كان المراد به (^٤) التكرار، وحَمْلُ الأمر على التكرار لقرينةٍ جائز (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) في (ص): \"لكن\".\n(^٢) في (ت)، و(ص): \"اتحاد\". وهو خطأ.\n(^٣) أي: لا تكليف بعد فعل المأمور به مرةً واحدة؛ لأن المرة الواحدة المأمور بها قد تحققت فلا يمكن نسخها.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) ذكر هذا الجواب الإمام في المحصول ١/ ق ٢/ ١٧٦، وللإسنوي على هذا الجواب ثلاثة اعتراضات، انظرها في نهاية السول ٢/ ٢٨٠.\n(^٦) ظاهر هذا الجواب أن معرفة التكرار إنما حصلت بورود النسخ، فيلزم من هذا أن يكلف بالتكرار من غير علمٍ به؛ إذ العلم حاصل بعد ورود النسخ، وهذا باطل. وهذا أحد اعتراضات الإسنوي الثلاث. ولعل الأقرب أن يقول: فإن ورد النسخ صار ذلك دليلًا في أن المراد بالأمر التكرار. أي: الظن الحاصل بالقرينة السابقة للنسخ، أصبح يقينًا بالنسخ.","vol":"4","page":1108},{"text":"قال: (قيل: حُسْنُ الاستفسار دليل الاشتراك (^١). قلنا: قد يستفسر عن أفراد المتواطئ).\nاحتج مَنْ قال باشتراك الأمر بين التكرار والمرة: بأنه يحسن الاستفهام فيه، فيقال: أردتَ بأمْرِكَ فِعْلَ مرةٍ واحدة أو أكثرَ؟ وحُسْن الاستفهام (^٢) دليل الاشتراك (^٣).\nوالجواب: أنَّ مُدَّعانا التواطؤ (^٤)، ويجوز الاستفسار عن أفراد المتواطئ، كما إذا قلت: اضرب إنسانًا (^٥) فإنه يَحْسُن أن يقال: عَمْرًا أم زيدًا؟ أو أعتق (^٦) رقبة. فإنه يجوز أن يقال: مؤمنةً أم كافرة؟\nوقد تم شرح ما في الكتاب، وليس فيه تَعَرُّضٌ لشيءٍ مِنْ شُبَه القائلين بالمرة:\nومنها: أن مَنْ قال لغيره: ادخل الدار. فدخل مرةً - عُدَّ ممتثلًا.\nومنها: لو قال لوكيله: طَلِّق زوجتي - لم يملك أكثر من واحدة.\n_________\n(^١) في (غ): \"للاشتراك\".\n(^٢) في (ت): \"الاستفسار\".\n(^٣) في (غ): \"للاشتراك\".\n(^٤) أي: مدعانا بأن الأمر يدل على الطلب، وهو كلي متواطئ؛ إذ كل من المرة والتكرار متساوٍ في معنى الطلب.\n(^٥) فإنسان كلي متواطئ؛ لأن صِدْقَه على أفراده بدرجة واحدة، إذ الكل متساوٍ في الإنسانية.\n(^٦) في (ص) و(غ)، و(ك): \"وأعتق\".","vol":"4","page":1109},{"text":"ومنها: لو قيل: صام زيد - صَدَق بمرةٍ، فَلْيَكُنْ مثله في الأمر.\nوالجواب عن الأول (^١): أنَّ ذلك إنما يدل على أن الأمرَ غيرُ ظاهر في التكرار، لا على امتناع احتماله. ولهذا لو قيل: ادخل مِرَارًا - صَحَّ، ولو عَدَم الاحتمالُ (لم يصح هذا التفسير. وهو الجواب عن: طَلِّق زوجتي؛ وذلك لعدم ظهور الأمر فيما عدا الواحدة؛ لا لعدم الاحتمال) (^٢) لغة.\nو(^٣) الجواب عن الثالث: أنه قياس في اللغة فلا يقبل (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-340>فائدة:</span>\nاستحباب إجابة المؤذن هل هو مختص بالمؤذن الأول، حتى لو سمع ثانيًا فلا يُسْتَحبُّ إجابته؟\nيظهر تخريج المسألة على أن (^٥) الأمر هل يقتضي التكرار؟ وقد حكى النووي (^٦) في \"شرح مسلم\" عن حكاية القاضي عياض (^٧) - اختلافَ العلماء في هذه المسألة (^٨)، وحكى بعضهم عن الشيخ عز الدين ابن\n_________\n(^١) وهو قوله لغيره: ادخل الدار.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت الواو من (ص).\n(^٤) أي: قياس الأمر على الماضي في قوله: صام زيد.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في (ت): \"النواوي\".\n(^٧) انظر: الديباج المذهب ٢/ ٤٦، تذكرة ٤/ ١٣٠٤، وفيات ٣/ ٤٨٣.\n(^٨) عبارة القاضي عياض التي نقلها النووي رحمهما الله تعالى: \". . . واختلفوا هل =","vol":"4","page":1110},{"text":"عبد السلام أنه قال: يجيب كل (^١) واحدٍ؛ لتعدد السبب (^٢) (^٣).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-341>(الخامسة: المعلَّق بشرطٍ أو صفةٍ مثل:</span> ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (^٤) ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ (^٥) - لا يقتضي التكرارَ لفظًا، ويقتضيه قياسًا. أما الأول (^٦): فلأن ثبوت الحكم مع الصفة أو الشرط (^٧)\n_________\n= يقوله عند سماع كل مؤذن، أم لأول مؤذن فقط\". انظر: شرح مسلم ٤/ ٨٨.\n(^١) في (غ): \"لكل\".\n(^٢) انظر: \"فتاوى\" العز بن عبد السلام ص ٤٩٤، ونصُّ كلامه: \"وإذا أذَّن المؤذنون معًا كفتهم إجابة واحدة، وإن أذنوا مرتين أجاب كلَّ واحدٍ إجابة؛ لتعدد السبب. وإجابة الأول أفضل، إلا في الصبح والجمعة، فإن الإجابة لا تزيد على إجابة الثاني للاتفاق على أنهما مشروعان\". وقال النووي في المجموع ٣/ ١١٩: \"إذا سمع مؤذنًا بعد مؤذن هل يختص استحباب المتابعة بالأول، أم يستحب متابعة كلِّ مؤذن؟ فيه خلاف للسلف حكاه القاضي عياض في شرح صحيح مسلم، ولم أرَ فيه شيئًا لأصحابنا، والمسألة محتملة، والمختار أن يقال: المتابعة سنة متأكدة، يكره تركها؛ لتصريح الأحاديث الصحيحة بالأمر بها، وهذا يختص بالأول؛ لأن الأمر لا يقتضي التكرار، وأما أصل الفضيلة والثواب في المتابعة فلا يختص، والله أعلم\". وانظر: التمهيد ص ٢٨٣، فتح الباري ٢/ ٩٢، الأشباه والنظائر للشارح ٢/ ١١٥.\n(^٣) انظر مسألة اقتضاء الأمر المطلق للتكرار أو عدمه في: المحصول ١/ ق ٢/ ١٦٢، التحصيل ١/ ٢٨٧، الحاصل ١/ ٤٢١، نهاية الوصول ٣/ ٩٢٢، نهاية السول ٢/ ٢٧٤، السراج الوهاج ١/ ٤٦٧، شرح التنقيح ص ١٣٠، نهاية الوصول ٢/ ٣١، إحكام الفصول ص ٢٠١، تيسير التحرير ١/ ٣٥١، فواتح الرحموت ١/ ٣٨٠، شرح الكوكب ٣/ ٤٣.\n(^٤) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٥) سورة المائدة: الآية ٣٨.\n(^٦) وهو عدم اقتضائه للتكرار لفظًا.\n(^٧) في (ت): \"والشرط\".","vol":"4","page":1111},{"text":"يحتمل التكرار وعدمه؛ ولأنه لو قال: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ - لم يتكرر. وأما الثاني (^١): فلأن الترتيب (^٢) يفيد العلية، فيتكرر الحكم (^٣) بتكررها، وإنما لم يتكرر الطلاق (^٤) لعدم اعتبار تعليله) (^٥).\nالأمر المُعَلَّق بشرطٍ أو صفةٍ هل يقتضي تكرار المأمور به بتكررهما؟ مَنْ قال: الأمر المطلق يقتضي التكرار - فهو هنا أولى (^٦). ومَنْ قال: لا يقتضيه اختلفوا هنا. ولا بد من تحرير محل النزاع قبل الكلام فيها، فنقول: قال الآمدي ومَنْ تبعه: ما عُلِّق المأمورُ به من الشرط أو الصفة إما أن يكون ثبت كونه علةً لوجوب الفعل (^٧)، مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (^٨)، وقولنا: إنْ كان هذا المائع خمرًا فهو حرام - فإنَّ الحكم يتكرر بتكرره اتفاقًا (^٩). وإن لم يثبت كونه علةً، بل تَوَقَّفَ الحكم عليه من غير تأثيرٍ له،\n_________\n(^١) وهو اقتضاؤه للتكرار قياسًا.\n(^٢) أي: ترتب الحكم على الصفة أو الشرط.\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) في قوله: إن دخلتِ الدار فأنتِ طالق.\n(^٥) أي: لعدم اعتبار تعليل الطلاق.\n(^٦) هذا ما ذكره عامة الأصوليون. انظر: نهاية السول ٢/ ٢٨٢، ٢٨٣، شرح التنقيح ص ١٣١، نفائس الأصول ٣/ ١٣٠٥، البحر المحيط ٣١٧٣ /، المعتمد ١/ ١٠٦، التلخيص ١/ ٣٠٩، المحصول ١/ ق ٢/ ١٧٩، الإحكام ٢/ ١٦١، التمهيد لأبي الخطاب ١/ ٢٠٤.\n(^٧) أي: الفعل المأمور به، وهو الجلد في آية الزنا مثلًا.\n(^٨) سورة النور: الآية ٢.\n(^٩) أي: اتفاقًا بين القائسين. انظر: نهاية الوصول ٣/ ٩٤٢.","vol":"4","page":1112},{"text":"كالإحصان الذي يتوقف عليه الرجم - فهو محل الخلاف (^١) (^٢). انتهى. وهو مقتضى كلامِ ابن برهان في \"الوجيز\"، ووافق عليه صفي الدين الهندي مع تمثيله (^٣) للصفة بالسارق والسارقة (^٤).\nواعلم أنه مُنَافٍ لكلامِ الإمام والمصنف؛ إذ مقتضى كلامهما أَنَّ الخلاف جارٍ مطلقًا (^٥)، ألا تراهما (^٦) وقد مَثَّلا للصفة بقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ (^٧) (^٨)، مع ثبوت كون السرقة علةً للقطع، وكذلك قولهما في الدليل الآتي إن شاء الله تعالى: الترتيب يفيد العلية فيتكرر بتكررها (^٩) (^١٠). فعندهما أن المانع هنا (^١١) مانع لإفادة ترتيب الحكم على\n_________\n(^١) فوجوب الرجم المؤثر فيه الزنا لا الإحصان، لكن الرجم موقوف على الإحصان. فمحل الخلاف هو ما إذا كان الوصف أو الشرط يتوقف عليه الحكم من غيرِ تأثيرٍ له في الحكم، أي: ليس بعلةٍ للحكم.\n(^٢) انظر: الإحكام ٢/ ١٦١، والنقل بتصرف من الشارح، وقد وافق ابنُ الحاجب الآمديَّ في هذا التحرير. انظر: بيان المختصر ٢/ ٣٧.\n(^٣) في (ص): \"تمسكه\". وهو خطأ.\n(^٤) انظر: نهاية الوصول ٣/ ٩٤١، ٩٤٢، الوصول إلى الأصول ١/ ١٤٦ - ١٤٧.\n(^٥) أي: في كل الأحوال، مؤثرًا كان أو غير مؤثر، أي: علةً كان أو غير علة.\n(^٦) أي: الإمام والمصنف.\n(^٧) سورة المائدة: الآية ٣٨.\n(^٨) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٧٨.\n(^٩) أي: ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية، فيتكرر الأمر بتكرر العلية.\n(^١٠) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٨٣.\n(^١١) أي: المانع من التكرار في الأمر المعلَّق.","vol":"4","page":1113},{"text":"الوصفِ العلية (^١) (^٢).\nويتجه أن يقال في الجمع بين الطريقتين (^٣): إنَّ الآمدي ومَنْ سلك طريقه فرضوا الكلام مع مَنْ يعترف بأن ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية (^٤)، والإمام تكلم في أصل المسألة مع المخالفين في الموضعين. وأما ما\n_________\n(^١) في (ت): \"العلة\".\n(^٢) أي: عند الإمام والمصنف: أن المانع هنا من التكرار في الأمر المعلَّق مانع من كون ترتيب الحكم على الوصف يفيد العلية، ولذلك لا يتكرر الحكم بتكرر الوصف؛ لأن هذا الوصف ليس بعلة للحكم حتى يتكرر بتكرره.\n(^٣) في (ت): \"الطريقين\".\n(^٤) وهم الجمهور القائلون بالقياس، كما سبق بيانه. انظر: سلم الوصول للمطيعي ٢/ ٢٨٣. تنبيه مهم: قال صاحب \"مُسلَّم الثبوت\" ١/ ٣٨٦: \"فدعوى الإجماع في العلة كما في المختصر وغيره غلط\". ويقصد بالمختصر مختصر ابن الحاجب، قال الشارح صاحب \"فواتح الرحموت\" ١/ ٣٨٦: \"ولا يصح تغليط مُدَّعي الإجماع بأن الحنفية يقولون: لا يتكرر بتكرر الشرط وإنْ كان علة؛ إذ مقصودهم أنه لا يدل بالوضع، وإنما الدلالة من جهة العقل فقط\" أي: من جهة القياس، فالحنفية يقولون بتكرر الحكم مع تكرر علته قياسًا لا وضعًا، والمعنى أن الاتفاق الذي حكاه الآمدي وابن الحاجب لا ينبغي خرقه بمخالفة الحنفية؛ لأنهم لا يخالفون، بل ينبغي أن يُخرق بمخالفة مانعي القياس. ومن ثم يتبيَّن خطأ التعليق الذي في \"شرح الكوكب\" ٣/ ٤٦؛ إذ زعم المحقِّق أن بعض الحنفية يخالف هذا الاتفاق، ونَقَل كلام الحنفية في ذلك ولم يُدرِك مقصودهم، وأعجب كيف نَقَل كلام صاحب \"المسلم\" الذي سبق نقلي له، ثم غفل عن تعليق الشارح صاحب \"الفواتح\" الذي نقلته أيضًا، وهو يلي كلام صاحب \"المسلَّم\" مباشرةً. ونقل محقِّق \"شرح الكوكب\" أيضًا كلام الكمال: ابن الهمام ولم يتمه، قال الكمال: قلنا: الشرط هنا علة فيتكرر بتكررها =","vol":"4","page":1114},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= اتفاقًا. اهـ. واكتفى بهذا المحقق. أما العبارة كاملة مع شرحها فهي: (قلنا: الشرط هنا علة فيتكرر) المأمور به (بتكررها اتفاقًا) ضرورة تكرر المعلول بتكرر علته (لا) يثبت عند ذلك التكرار (بالصيغة. . .). اهـ وواضح أن النص يدل على أن الحنفية لا يخالفون في تكرار الحكم بتكرار علته قياسًا، وإنما يمنعون أن يكون التكرار بالصيغة. وأعجب من خطأ محقِّق \"شرح الكوكب\" خطأ محقق كتاب \"التلخيص\" ١/ ٣١٠، إذ نقض الاتفاق على تكرار الحكم المعلق بالعلة بأن عامة الحنفية يخالفون ذلك، ونقول نقولًا عن \"كشف الأسرار\" لو فهم المقصد منها - كما نقلته - لما قال هذا. ومن النقول الموضِّحة لمراد الحنفية ما قاله صاحب \"كشف الأسرار\" ١/ ١٢٢، ١٢٣: \"وقال بعض مشايخنا: الأمر المطلق لا يوجب التكرار ولا يحتمله، لكن المعلق بشرط كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، أو المقيد بوصف كقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ - يتكرر بتكرره، وهو قول بعض أصحاب الشافعي ممن قال: إنه لا يوجب التكرر ولكن يحتمله. وهذا القول يستقيم على أصلهم؛ لأن الأمر لما احتمل التكرار عندهم كان تعليقه بالشرط أو الوصف قرينة دالة على ثبوت ذلك المحتمل. فأما من قال: إنه لا يحتمل التكرار في ذاته - فهذا القول منه غير مستقيم؛ لأنه لا أثر للتعلق أو التقييد في إثبات ما لا يحتمله اللفظ\". والمعنى أن صاحب \"الكشف\" رحمه الله تعالى يَرُدُّ على بعض الحنفية الذين يقولون بأن الأمر المطلق لا يوجب التكرار (أي: لا يثبت من غير قرينة) ولا يحتمله (أي: لا يثبت بالقرينة)، ثم هم مع ذلك يُثبتون التكرار في الأمر المعلق، وأن اللفظ يفيد ذلك، فيقول بأن هذا لا يستقيم على أصلكم؛ إذ أصلكم أن اللفظ لا يفيد التكرار لا بالقرينة ولا بغيرها، فكيف جعلتم التعليق قرينةً للتكرار! إلى أن قال رحمه الله تعالى: \"والمذهب الصحيح عندنا أنه لا يوجب التكرار ولا يحتمله سواء كان مطلقًا أو معلقًا بشرط أو مخصوصًا بوصف. . .\". وهو يعني: أن اللفظ لا يفيد ذلك؛ لأن اللفظ عندهم لمطلق الطلب فقط، أما التكرار للأمر المعلق بالعلة أو الشرط فهو مستفاد من خارج اللفظ؛ أي: من القياس. فثبت أن التكرار للأمر المعلق بالعلة لا خلاف فيه عند من يقول بالقياس، وأن المخالف فيه هو مَنْ يمنع القياس.","vol":"4","page":1115},{"text":"في شرح هذا الكتاب للإسفراييني من تخصيص محل الخلاف بما إذا كان لكلٍ مِنَ الشرط والصفة صلاحية العلية (^١) - فغير سديد (^٢).\nإذا عرفت هذا ففي المسألة مذاهب:\nأحدهما: أنه لا يقتضي التكرار (^٣). وهو الصحيح عند الشيخ أبي إسحاق الشيرازي (^٤)، واختاره الآمدي، وابن الحاجب (^٥).\nوالثاني: أنه يقتضيه (^٦). ولم يزد الآمدي على حكاية هذين المذهبين؛ لأن الثالث مخالف لما قرره مِنْ تخصيص محل النزاع بما ذَكَر.\nو(^٧) الثالث: مذهبٌ اقتضاه كلامُ القاضي في \"التلخيص\" (^٨) مختصر \"التقريب والإرشاد\": وهو أن المعلَّق بشرطٍ لا يقتضي التكرار دون المعلَّق\n_________\n(^١) في (ت): \"العلة\".\n(^٢) لأن مفهومه أن الحكم المعلَّق على الوصف أو الشرط الذي ليس بعلة لا خلاف فيه. وهذا بعيدٌ جدًا، بل خطأ واضح.\n(^٣) أي: لا من جهة اللفظ، ولا من جهة القياس. انظر: نهاية السول ٢/ ٢٨٣.\n(^٤) انظر: شرح اللمع ١/ ٢٢٨.\n(^٥) انظر: الإحكام ٢/ ١٦١، بيان المختصر ٢/ ٣٧، ونسبه أبو الحسين لأكثر الفقهاء. انظر: المعتمد ١/ ١٠٦، البحر المحيط ٣/ ٣١٨.\n(^٦) أي: من جهة اللفظ. انظر: نهاية السول ٢/ ٢٨٣، وهو قول جمهور المالكية. انظر: شرح التنقيح ص ١٣١، نشر البنود ١/ ١٥٣، نثر الورود ١/ ١٨٢، وفي البحر المحيط ٣/ ٣١٩: \"قال ابن القطان: قال أصحابنا: هو أشبه بمذهب الشافعي\".\n(^٧) سقطت الواو من (ت).\n(^٨) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1116},{"text":"بصفة. قال إمام الحرمين في هذا الكتاب: وهو الذي يصح وارتضاه القاضي (^١).\nفإنْ قلت: هذا مذهبٌ لا يُعْرف في كتب المتأخرين، فما دَلَّك (^٢) من كتاب \"التلخيص\" على وجوده؟\nقلت: دَلَّ على ذلك أن القاضي لما ذكر أن المعلَّق بشرطٍ لا يقتضي التكرار، وحَكَى خلافَ الخصوم فيه (^٣) - قال: ومما ذكروه في هذه المسألة أنْ قالوا: الحكم يتعلق بالعلة والشرط، ثم إذا عُلِّق بالعلة تكرر بتكررها، فكذلك إذا عُلِّق بالشرط.\nوهذا الذي ذكروه اجتراءٌ منهم بدعوى مجردة، فإننا نقول لهم: خلافنا يؤول إلى صيغة عربيَّة (^٤)، وقضية مفهومة، وقد أوضحنا مَنْع إثبات اللغة بالمقاييس، ومعظم كلامهم يتردد على القياس، فَلِمَ قُلتم: إن الصيغة (المنبئة عن (^٥) التعليل تضاهيها الصيغة) (^٦) المنبئة عن (^٧) الشرط! فاكتف بذلك،\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ١/ ٣١٠.\n(^٢) في (ت)، و(ك): \"فما ذلك\". وهو خطأ.\n(^٣) أي: حكى مخالفة الخصوم القائلين بأن الأمر المعلَّق بالشرط يقتضي التكرار.\n(^٤) في (ت): \"غريبة\" وهو خطأ.\n(^٥) في (ص): \"المبنية على\" وفي (ك): \"المثبتة على\" والمُثْبت من \"التلخيص\".\n(^٦) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٧) في (ص): \"المبنية على\" وفي (ت): \"المثبتة عن\" وفي (ك)، و(غ) مثل (ت)، لكن بدون تنقيط: \"المثبتة\". والمُثْبت من \"التلخيص\".","vol":"4","page":1117},{"text":"وسنفرق بين العلة والشرط في أبواب القياس (^١). انتهى كلامه. وهو صريح فيما ذكرناه (^٢)، وإلا فكان يلتزم (^٣) المخالفة في العلة كما فعل الغزالي (^٤)، فإنه فرض المسألة في الشرط، واختار عدم التكرار (^٥)، ثم أورد من جهة الخصم: أن الحكم يتكرر بتكرر العلة، والشرطُ مثلها، فإنَّ عِلَل الشرع أمارات. وأجاب: بأنَّ العلة (إذا كانت شرعية فلا نسلِّم تكرر الحكم بمجرد إضافة الحكم إليها ما لم تقترن (^٦) (^٧» به قرينة التعبد بالقياس (^٨).\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ١/ ٣١٠ - ٣١٢.\n(^٢) مِنْ أنَّ المعلَّق بشرط لا يقتضي التكرار، دون المعلَّق بصفة.\n(^٣) في (ت): \"يلزم\".\n(^٤) يعني: لو لم يفرِّق القاضي بين الشرط والعلة في اقتضاء التكرار - لالتزم مخالفة الخصم في العلة كما خالفه في الشرط، فإنه خالف في الشرط إذ جعله لا يقتضي التكرار، ولو كانت العلة مثل الشرط عنده لالتزم المخالفة فيها أيضًا، لكنه لما لم يقبل إلزام الخصم وقياسه الشرط على العلة - دلَّ على أنه غير مخالف للخصم في العلة، بل في الشرط فقط. وهذا لا كالغزالي - ﵀ - الذي التزم مخالفة الخصم في العلة كما خالفه في الشرط.\n(^٥) أي: في الشرط.\n(^٦) في (غ): \"يقترن\"، وفي (ص): \"يقترف\".\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) تتمة كلام الغزالي رحمه الله تعالى: \"ومعنى التعبد بالقياس الأمر باتباع العلة، وكأن الشرع يقول: الحكم يثبت بها فاتبعوها\". انظر: المستصفى ٣/ ١٧٠. وهذا الكلام من الغزالي يدل على أن منعه لتكرار الحكم المعلَّق بالعلة إنما هو من جهة دلالة =","vol":"4","page":1118},{"text":"وهذا المذهب (الذي ارتضاه) (^١) القاضي (^٢) هو المختار؛ لما سنذكره إن شاء الله تعالى.\nالمذهب الرابع: واختاره الإمام (^٣) وبه جزم المصنف، أنه لا يقتضيه (^٤) مِنْ جهة اللفظ ويقتضيه من جهة القياس (^٥). فها هنا (^٦) مقامان:\nالأول: أنه لا يفيده (^٧) لفظًا، واستدل عليه بوجهين:\nأحدهما: أن ثبوت الحكم مع الصفة أو الشرط (^٨) يحتمل التكرار ويحتمل عدمه، فإن اللفظ إنما دل على تعليق شيء على شيء، وذلك أعم مِنْ تعليقه عليه في كل الصور، أو في صورة واحدة (^٩)، والدليل عليه صحةُ\n_________\n= اللفظ على التكرار، لا من جهة القياس، فدلالة القياس على تكرر الحكم بتكرر علته متفق عليها بين القائسين، وإنما الخلاف في اللفظ هل يدل على ذلك التكرر أم لا؟\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ت): \"كما\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أي: سواء كان شرطًا أو وصفًا، علةً كان أو غير علة؛ لأن الإمام - كما سبق - لم يحرر المسألة على طريقة الآمدي رحمهما الله تعالى.\n(^٥) واختاره صاحبا \"التحصيل\" و\"الحاصل\"، وهو مذهب الحنفية كما سبق بيانه. انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٧٩، التحصيل ١/ ٢٩١، الحاصل ١/ ٤٢٦.\n(^٦) في (ص) و(غ)، و(ك): \"فهنا\".\n(^٧) في (ت)، و(غ): \"لا يفيد\".\n(^٨) في (ص): \"والشرط\".\n(^٩) أي: أعم من التعليق على التكرار أو عدمه.","vol":"4","page":1119},{"text":"تقسيمِ ذلك المفهوم (^١) إلى هذين القسمين (^٢)، ومَوْرِد التقسيم (^٣) مشترك بين القسمين، والمشترك بين الشيئين لا إشعار له بواحدٍ منهما (^٤) فإذا تَعَلَّق الشيءُ على شيءٍ لا يدل على تَكرار التعليق.\nواعترض القرافي على هذا: بأن الخصم قد لا يُسَلِّم صحةَ التقسيم (^٥)، فدعواها مصادرة على المطلوب (^٦).\nوالثاني: أنه لو قال لامرأته: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ - لم يتكرر الطلاق بتكرر الدخول، ولو دَلَّ عليه لفظًا لتَكَرَّر، كما لو قال لها: كلما دخلتِ. ثم إذا لم يدل عليه في الإنشاء فلا يدل عليه (^٧) في الأمر؛ لأنه (^٨) إنشاءٌ معلَّق مِثْلُه (^٩). وأقْرَب مِنْ هذا المثال أن يُمَثَّل بقول الرجل لوكيله: وكَّلْتُك في طلاق زوجتي، ولا تطلِّقها إلا إذا دَخَلَتِ الدار.\n_________\n(^١) وهو تعليق شيء على شيء المفهوم من اللفظ.\n(^٢) وهما: التعليق على كل صورة، أو صورة واحدة.\n(^٣) وهو التعليق.\n(^٤) أي: المشترك بين الشيئين لا يدل على واحدٍ منهما دون الآخر، بل يدل عليهما معًا.\n(^٥) أي: القائل بالتكرار لا يسلم صحة تقسيم المعلَّق على شيءٍ إلى قسمين.\n(^٦) لأن صحة هذا التقسيم هي محل النزاع، فكيف يُبنى عليها هذا الدليل! . انظر: نفائس الأصول ٣/ ١٣٠٨.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) أي: الأمر.\n(^٩) لاحظ أن قوله: إنْ دخلت الدار فأنت طالق، بدون أداة الشرط كلام خبري، ومع دخولها كلام إنشائي. انظر: آداب البحث والمناظرة ١/ ٤٨.","vol":"4","page":1120},{"text":"المقام الثاني: أنه يفيده من جهة القياس، والدليل عليه: أن ترتيب الحكم على الشرط أو الصفة يفيد عِلِّيَّة ذلك الشرطِ وتلك الصفة لذلك الحكم، كما ستعرفه إن شاء الله تعالى في كتاب القياس، فيلزم منه تكرر الحكم بتكرر ذلك، لتكرر المعلول بتكرر (^١) علته (^٢). هكذا قرر هذا المقام شُرَّاح الكتاب، ولم أَرَ مَنْ صَرَّح في كتاب القياس بمساواة ترتيب الحكم على الشرط لترتيب الحكم على الوصف (^٣)، وإنما المذكور هناك ترتيب الحكم على الوصف فقط، فإن كان ترتيب الحكم على الشرط مِثْلَه فهذا الدليل منقدح، إلا أنَّا نمنع ذلك (^٤)؛ ولهذا كان المختار عندنا ما نقلناه عن القاضي من التفرقة بين المعلَّق بشرط فلا يدل على التكرار والمعلَّق بوصف فيدل بطريق القياس.\nفإن قلتَ: عِلَلُ الشرعِ علاماتٌ، والشروط علاماتٌ، فما وجه التفرقة؟\nقلت: لا نُسَلِّم أن الشروطَ علاماتِ بالاعتبار الذي به العِلَل علامات، فإن المعنى من كون العلة علامةً: جَعْلُ الشارعِ إياها علامةَ وجودِ الحكمِ وإن كان الحكم صادرًا من الشارع. ومعلومٌ أن الشرط ليس\n_________\n(^١) في (ص): \"بتكرار\".\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٧٩ - ١٨٣.\n(^٣) هذا اعتراض على الإمام والبيضاوي في كونهما ساويا بين الشرط والصفة في ترتيب الحكم عليهما.\n(^٤) أي: نمنع المساواة بين الشرط والصفة.","vol":"4","page":1121},{"text":"علامةً بهذا الاعتبار، (فإنَّ وجوده لا يدل على وجود المشروط أصلًا، وإنما الشرط علامة باعتبار) (^١) الانتفاء (^٢)، فلا يلزم من كونهما علامتين باعتبارَيْن مختلِفَيْن اتحادُ الحكم.\nسَلَّمنا كونهما علامتين باعتبارٍ واحد، لكن بالاعتبار الذي في الشرط لا بالاعتبار الذي (في العلة، والعلة تتميز عنه حينئذ بالاعتبار الذي) (^٣) فيها، فلا (^٤) يلزم من اشتراكهما في (جهة واحدة من جهة العلامةِ اشتراكُهما في) (^٥) اقتضاء الحكم، وتكرُّرِه عند تكررهما؛ لجواز أن يكون ذلك من لوازم ما به الامتياز (^٦).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) يعني: انتفاء الشرط علامة على انتفاء المشروط، فالشرط علامة بهذا الاعتبار، لا باعتبار الوجود؛ لأن وجود الشرط ليس علامة على وجود المشروط، مثل الوضوء مع الصلاة، فوجود الوضوء لا يدل على وجود الصلاة، وانتفاؤه يدل على انتفاء الصلاة.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ك): \"ولا\".\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٦) أي: لجواز أن يكون اقتضاء الحكم وتكرره من لوازم جهة الامتياز (أي: التي يمتاز بها أحدهما عن الآخر) وهي العلة، لا من جهة الاشتراك. فائدة: يقول المناطقة الجنس للنوع هو ما به الاشتراك، والفصل للنوع هو ما به الامتياز. فحيوان بالنسبة للإنسان جنس؛ لأنه ما به الاشتراك، وناطق فصل؛ لأنه ما به الامتياز. انظر: المطلع على متن إيساغوجي ص ٢٥ - ٣٠، حاشية الباجوري على متن السلم ص ٣٨، آداب البحث والمناظرة ق ١/ ٣٣ - ٣٥.","vol":"4","page":1122},{"text":"قوله: \"وإنما لم يتكرر\" جوابٌ عن سؤال مقدر، تقديره: لو صَح ما ذكرتم (^١) - للزم تكرير وقوع الطلاق المعلَّق على دخول الدار بتكرر الدخول (^٢)، وليس كذلك، والملازمة بَيِّنة (^٣).\nأجاب: قولكم: رتَّب الطلاقَ على الدخول. قلنا: مُسَلَّم.\nقولكم (^٤): (فيكون (^٥) علة (^٦). قلنا: مسلَّم).\nقولكم: فيتكرر (^٧).\nقلنا: إنما يتكرر للتعليل (^٨) المعتبر: وهو تعليل الشارع، لا تعليل آحاد الناس (^٩)، فإنما لم يتكرر الوقوع؛ لعدم اعتبار تعليله، حتى لو صَرَّح بالتعليل بأن قال: طلقتكِ لأجل دخولِكِ الدار، وكانت له امرأة أخرى - لا تَطْلُق\n_________\n(^١) هذا مقدم. والمعنى: لو صح ما قلتم بأن الشرط إذا تكرر تكرر الحكم.\n(^٢) هذا تالي.\n(^٣) أي: الملازمة بين المقدم والتالي واضحة.\n(^٤) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) قوله: فيكون علة - هذا اعتراض من الخصم، والمعنى: إذا سلمتم ترتيب الطلاق على الدخول، فإن الدخول يكون علة للطلاق.\n(^٧) هذا اعتراض من الخصم أيضًا: وهو أنه يلزمكم على كون الدخول علة للطلاق تكرُّرُ وقوع الطلاق بتكرر الدخول.\n(^٨) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"التعليل\". وهو خطأ، لأن المتكرر هو الطلاق لا التعليل.\n(^٩) فتكرر الحكم الشرعي مَنُوطٌ بالعلة الشرعية، لا بغيرها من عِلَل آحاد الناس.","vol":"4","page":1123},{"text":"وإنْ وجدت منها هذه الصفة (^١).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-342>(السادسة: الأمر لا يفيد الفور خلافًا للحنفية</span>، ولا التراخي خلافًا لقوم. وقيل: مشترك. لنا: ما تقدم).\nالأمر المطلق (^٢) هل يفيد الفور، بمعنى: أنه تجب المبادرة عَقِيبه إلى الإتيان بالمأمور به؟\nأمَّا القائل بأنه يفيد التكرار فلا يحتاج إلى قوله: إنه يفيد الفور؛ لأنه من ضرورياته، وإنما الكلام الآن بين القائلين بأنه (^٣) لا يفيد التكرار. وقد اختلف المُسَلِّمون لذلك على مذاهب:\nأحدها: أنه لا يفيد الفور ولا يدفعه (^٤). وهو قول معظم الشافعية، ونُسب إلى الشافعيِّ نفسه. قال إمام الحرمين: \"وهو اللائق بتفريعاته في الفقه، وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول\" (^٥)، وعليه أبو علي\n_________\n(^١) انظر مسألة الأمر المعلق بشرط أو صفة في: المحصول ١/ ق ٢/ ١٧٨، التحصيل ١/ ٢٩١، الحاصل ١/ ٤٢٦، نهاية السول ٢/ ٢٨٢، السراج الوهاج ١/ ٤٧٣، نهاية الوصول ٣/ ٩٤١، الإحكام ٢/ ١٦١، شرح تنقيح الفصول ص ١٣١، بيان المختصر ٢/ ٣٧، نشر البنود ١/ ١٥٣، فواتح الرحموت ١/ ٣٨٦، أصول السرخسي ١/ ٢١، كشف الأسرار ١/ ١٢٢، شرح الكوكب ٣/ ٤٦.\n(^٢) أي: المجرد عن القرائن.\n(^٣) في (ت) و(غ)، و(ك): \"إنه\".\n(^٤) أي: ولا ينفيه بأن يدل على التراخي، فهو لا يقتضي فورًا ولا تراخيًا، وإنما يدل على طلب الفعل. انظر: نهاية السول ٢/ ٢٨٧، البرهان ١/ ٢٣٢.\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ٢٣٢.","vol":"4","page":1124},{"text":"وابنه (^١)، وأبو الحسين (^٢)، واختاره الغزالي (^٣)، والإمام وأتباعه (^٤) منهم المصنف، والآمدي (^٥)، وابن الحاجب (^٦)، وهو المنقول عن القاضي (^٧). قال إمام الحرمين في \"البرهان\": \"وهذا بديعٌ من قياسِ مذهبه، مع استمساكه بالوقف، وتجهيله مَنْ لا يراه\" (^٨)، وهذا الذي قال: إنه بديع مِنْ (^٩) مذهب القاضي، قال في \"التلخيص\": إنه الأصح. وقال: \"قطع القاضي ﵀ بإبطال المصير إلى الوقف في هذا الباب، وهو الأصح؛ إذ المصير إلى الوقف في هذا الباب يعود إلى خرق الإجماع (^١٠) أو يلزم ضربًا من\n_________\n(^١) أي: أبو هاشم.\n(^٢) انظر: المعتمد ١/ ١١١ - ١٢٤.\n(^٣) انظر: المستصفى ٣/ ١٧٢.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٨٩، ١٩٠، التحصيل ١/ ٢٨٧، الحاصل ١/ ٤٢٩، نهاية الوصول ٣/ ٩٥٢ - ٩٥٦.\n(^٥) انظر: الإحكام ٢/ ١٦٥.\n(^٦) انظر: بيان المختصر ٢/ ٤٠.\n(^٧) انظر: التلخيص ١/ ٣٢٣، البرهان ١/ ٢٣٢.\n(^٨) انظر: البرهان ١/ ٢٣٣.\n(^٩) سقطت من (ت).\n(^١٠) لأن الأمة أجمعت على أن الممتثل فورًا قد أدى الواجب الذي عليه، فمن توقف في كون هذا قد أدى الواجب فقد خرق الإجماع. وهذا إنما يصح ردًا على غلاة الواقفية القائلين: بأنا نتوقف في أن الفاعل فورًا أو متأخرًا يُعَدُّ ممتثلًا قد أدى الواجب الذي عليه. أما مَن يتوقف في التأخير لا في الفور - فهذا لا يصح اعتراضًا عليه. انظر: التلخيص ١/ ٣٢٤، ٣٢٥، نهاية الوصول ٣/ ٩٥٥.","vol":"4","page":1125},{"text":"التناقض (^١) \" (^٢).\nالمذهب الثاني: أنه يفيد الفور. وبه قالت (^٣) الحنفية (^٤)، وقد عُزِي كما ذُكر (^٥) في \"البرهان\" إلى أبي حنيفة نفسه (^٦). وقال ابن بَرْهان في \"الوجيز\": \"لم ينقل عن الشافعي ولا أبي حنيفة نَقْلٌ في المسألة، وإنما فروعهما تدل على ما نُقل عنهما\" (^٧). قال: \"وهذا خطأ في نقل المذاهب؛ إذ الفروع تُبْنى على الأصول لا العكس\" (^٨).\nقلت: وفي هذا الكلام نظر، فإنَّ المطلعَ على مذهب إمام إذا استقرأ من كلامه في فروعٍ شتى المصيرَ إلى ما ليس له مأخذ إلا القول بأصل من\n_________\n(^١) لأن المكلف لا يعرف المطلوب منه، فلو امتثل فورًا يقوم عنده احتمال إرادة التأخر، وبالعكس.\n(^٢) انظر: التلخيص ١/ ٣٢٤.\n(^٣) في (ت) و(غ): \"قال\".\n(^٤) الصواب: وبه قال بعض الحنفية، منهم أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى، أما جمهور الحنفية فهو عندهم لمطلق الطلب، كما هو المذهب الأول. انظر: كشف الأسرار ١/ ٢٥٤، فواتح الرحموت ١/ ٣٨٧، تيسير التحرير ١/ ٣٥٦، التقرير والتحبير ١/ ٣١٥، ٣١٦، أصول السرخسي ١/ ٢٦.\n(^٥) في (غ): \"ذكره\".\n(^٦) انظر: البرهان ١/ ٢٣١.\n(^٧) انظر: فتح الغفار ١/ ٦٦.\n(^٨) انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ١٤٩، ١٥٠، وللكلام تتمة: فلعل صاحب المقالة لم يَبْن فروع مسائله على هذا الأصل، ولكن بناها على أدلة خاصة، وهو أصل يُعتمد عليه في كثير من المسائل.","vol":"4","page":1126},{"text":"أصولٍ - جَزَمَ الاعتقاد بأن ذلك الأصلَ مُخْتَارُه، ونَسَبَه إليه. وهذا صنيع أصحابنا على طبقاتهم، يقولون: مذهب الشافعي كذا، وإنما استنبطوا ذلك من قواعده من غير اطلاع على نصه. ومنهم من ينسب إليه القول المُخَرَّج مع كونه نَصَّ على خلافه. وقد اختار هذا المذهب من أصحابنا القاضي أبو حامد المروروذي، وأبو بكر الصيرفي (^١)، وهو مذهب داود (^٢) (^٣)، ومعظم الحنابلة (^٤).\nوالمذهب الثالث: أنه يفيد التراخي. كذا أطلقه جماعةٌ (^٥) منهم المصنف، وقال الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\" وإمام الحرمين في \"التلخيص\" و\"البرهان\": \"إن هذا الإطلاق مدخول؛ إذ\n_________\n(^١) واختاره أيضًا الدقاق. انظر: البحر المحيط ٣/ ٣٢٦.\n(^٢) والظاهرية أيضًا. انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ٣١٣، البحر المحيط ٣/ ٣٢٦.\n(^٣) هو داود بن علي بن خَلَف، أبو سليمان البغداديّ، المعروف بالأصبهانيّ. الحافظ العلَّامة، رئيس أهل الظاهر. وُلد سنة ٢٠٠ هـ. قال الخطيب: \"كان ورعًا ناسكًا زاهدًا، وفي كتبه حديث كثير، لكن الرواية عنه عزيزة جدًا\". من مصنفاته: الإيضاح، الأصول، وغيرهما. توفي سنة ٢٧٠ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٨/ ٣٦٩، سير ١٣/ ٩٧، الطبقات الكبرى ٢/ ٢٨٤.\n(^٤) انظر: شرح الكوكب ٣/ ٤٨، العدة ١/ ٢٨١، نزهة الخاطر ٢/ ٨٥. وهو مذهب مالك وأصحابه ﵃ سوى المغاربة من المالكية فإنهم قالوا بالمذهب الأول. انظر: شرح تنقيح الفصول ص ١٢٨، إحكام الفصول ص ٢١٢، نشر البنود ص ١٥٠، نثر الورود ١/ ١٧٨.\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٨٩، الحاصل ١/ ٤٢٩، التحصيل ١/ ٢٨٧، العدة ١/ ٢٨٢، الوصول إلى الأصول ١/ ١٤٩، البحر المحيط ٣/ ٣٢٩.","vol":"4","page":1127},{"text":"مقتضاه أن الصيغة المطلقة تقتضي التراخي، حتى لو فُرِض الامتثال على البِدَار لم يعتد به، وليس هذا مُعْتقَدُ أحدٍ\" (^١). هذا كلامهما، ورأيت ابن الصباغ في \"عدة العالم\" قال: إن من الواقفية في هذه المسألة مَنْ قال: لا يجوز فعله على الفور. لكن قال: إن (^٢) القائل بهذا (^٣) خالف الإجماع قبله. وعلى الجملة هو مذهب ثابت منسوب إلى خرق الإجماع (^٤). ونقل ابن السمعاني في \"القواطع\" القولَ بأنه على التراخي عن ابن أبي هريرة، وأبي بكر القفال، وابن خيران، وأبي علي الطبريِّ (^٥) صاحب \"الإفصاح\" وصَحَّحه، ثم قال: إن معنى قولنا: إنه على التراخي - أنه\n_________\n(^١) هذه عبارة البرهان ١/ ٢٣٣، وانظر: التلخيص ١/ ٣٢٣، وقال فيه: \"والأحسن في العبارة أن نقول: الأمر يقتضي الامتثال من غير تخصصٍ بوقت\". وقال أبو إسحاق في شرح اللمع ١/ ٢٣٥: \"وربما غلط بعض أصحابنا في العبارة عن هذه المسألة، فقال: الأمر يقتضي الفور والتراخي. وهذه العبارة ليست صحيحة؛ لأن أحدًا لم يقل: إن الأمر يقتضي التراخي. وإنما يقولون: هل يقتضي الفور أم لا؟ \". وانظر: البحر المحيط ٣/ ٣٣١.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) أي: بعدم جواز فعله على الفور.\n(^٤) انظر: نهاية الوصول ٣/ ٩٥٤.\n(^٥) هو الحسن - أو الحسين - بن القاسم، أبو علي الطبريّ، شيخ الشافعية، أصله من طبرستان. ولد سنة ٢٦٣ هـ. قال ابن السبكي: \"له الوجوه المشهورة في المذهب، وصنَّف في أصول الفقه، وفي الجدل، وصنف \"المحرّر\"، وهو أول كتابٍ صنِّف في الخلاف المجرَّد\". ومن مصنفاته أيضًا: \"الإفصاح\" في المذهب. توفي ببغداد سنة ٣٥٠ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٨/ ٨٧، سير ١٦/ ٦٢، الطبقات الكبرى ٣/ ٢٨٠.","vol":"4","page":1128},{"text":"ليس على التعجيل (^١). قال: والجملة إنَّ قوله: \"افعل\" ليس فيه عندنا دليل إلا على طلب الفعل فحسب، من غير تعرض للوقت.\nقلت: وعلى هذا التفسير فهذا الذهب هو المذهب الأول بعينه.\nوالمذهب الرابع: الوقف؛ إما لعدم العلم بمدلوله؛ أوْ لأنه مشترك بينهما. وهو الذي عَبَّر عنه المصنف بقوله: \"وقيل: مشترك\"، وكان الأحسن أن يقول: وقيل: بالوقف؛ ليشمل هذين الاحتمالين (^٢). على أنَّ صفي الدين الهندي نقل أنَّ منهم مَنْ تَوَقَّفَ فيه تَوَقُّفَ الاشتراك (^٣).\nثم افترقت الواقفية: فمِنْ قائل: إذا أتى بالمأمور به في أول الوقت كان ممتثلًا قَطْعًا، وإنْ أخَّر عن الوقت الأول لا يُقْطع بخروجه عن العُهْدة (^٤). واختاره إمام الحرمين في \"البرهان\" (^٥).\nومن قائلٍ: إنه وإن بادر إلى فعله في أول الوقت لا يقطع بكونه ممتثلًا، وخروجِه عن العهدة؛ لجواز إرادة التراخي (^٦) (نقله الآمدي، وابن\n_________\n(^١) يعني: فلو تعجَّل فلا بأس. قال عبد العزيز البخاري: \"ومعنى قولنا: على الفور - أنه يجب تعجيل الفعل في أول أوقات الإمكان. ومعنى قولنا: على التراخي - يجوز تأخيره عنه، وليس معناه: أنه يجب تأخيره عنه، حتى لو أتى به فيه لا يُعتد به؛ لأن هذا ليس مذهبًا لأحد\". كشف الأسرار ١/ ٢٥٤.\n(^٢) أي: احتمال عدم العلم بمدلوله، واحتمال الاشتراك.\n(^٣) عبارته في نهاية الوصول ٣/ ٩٥٤: \"وأما الواقفية: فمنهم من تَوَقَّفَ فيه تَوَقُّفَ الاشتراك. ومنهم من تَوقَّفَ فيه توقُّفَ اللادراية\".\n(^٤) وهؤلاء هم مقتصدو الواقفية.\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ٢٣٢، أي: أن إمام الحرمين يتوقف في المؤخِّر فقط.\n(^٦) هؤلاء هم غلاة الواقفية. قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى: \"وأما الواقفية فقد =","vol":"4","page":1129},{"text":"الحاجب، وغيرهما (^١» (^٢).\n\"قوله: لنا\" أي: الدليل على أن الأمر لا يقتضي الفور ما تقدم في الكلام على أنه لا يقتضي التكرار، وأشار إلى دليلين:\nأحدهما: صحة تقييده بالفور والتراخي من غير تكرير ولا نقض، كصحة تقييده بالمرة والمرات من غيرهما (^٣).\nوالثاني: وروده مع الفور وعدمه، فَيُجْعل حقيقةً في القدر المشترك: وهو طلب الإتيان به، دفعًا للاشتراك والمجاز، كما ورد بالتكرار والمرة وعدمهما (^٤) (^٥)، وجُعِل حقيقةً في القدر المشترك.\nوقد تقدم الكلام في هذين الدليلين مبسوطًا، وتقدم دليلٌ ثالث لا يأتي هنا.\n_________\n= تحزبوا حزبين: فذهب غلاتُهم في المصير إلى الوقف: إلى أن الفور والتأخير إذا لم يتبين أحدهما، ولم يتعين بقرينة، فلو أوقع المخاطَب ما خوطب به عَقِيبَ فَهْمِ الصيغة لم يُقطع بكونه ممتثلًا، ويجوز أن يكون غرضُ الآمر فيه أن يُؤخِّر. وهذا سرف عظيم في حكم الوقف\". البرهان ١/ ٢٣٢.\n(^١) انظر: الإحكام ٢/ ١٦٥، بيان المختصر ٢/ ٤٠، نهاية الوصول ٣/ ٩٥٥، التلخيص ١/ ٣٢٤، البحر المحيط ٣/ ٣٣٠.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: من غير تكرير ولا نقض.\n(^٤) في (ت): \"وعدمها\". وهو خطأ.\n(^٥) المعنى: كما ورد الأمر بالتكرار وعدمه، وبالمرة وعدمها. وهذا نوع من التكرار في الكلام، وإلا فكان يكفيه أن يقول أحدَهما.","vol":"4","page":1130},{"text":"قال: (قيل: إنه تعالى ذَمَّ إبليس على الترك، ولو لم يقتض الفور لما استحق الذم. قلنا: لعل هناك قرينة عَيَّنت الفورية. قيل: ﴿وَسَارِعُوا﴾ (^١) يوجب الفورية (^٢). قلنا: فمِنْه لا مِنَ الأمر. قيل: لو جاز التأخير فإما مع بدلٍ فيسقط، أوْ لا معه فلا يكون واجبًا (^٣). وأيضًا إما أن يكون للتأخير أمدٌ: وهو إذا ظن فواته (^٤)، وهو غير شامل؛ لأن كثيرًا من الشباب يموتون (^٥) فجأة. أوْ لا فلا يكون واجبًا. قلنا: منقوض بما إذا صَرَّح به (^٦). قيل: النهي يفيد الفور فكذا الأمر. قلنا: لأنه (يفيد التكرار).\nاحتج القائلون بالفور بأوجه:\nأحدها: قوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (^٧) عابه على كونه لم يأت في الحال بالمأمور به، (وهو يدل على أنه (وجب عليه) (^٨) الإتيان) (^٩) (بالفعل حين أُمِر به؛ إذ لو لم يجب لكان لإبليس أن\n_________\n(^١) سورة آل عمران: الآية ١٣٣. (وفي النسخ: \"سارعوا\").\n(^٢) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"الفور\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ت)، و(غ): \"يموت\".\n(^٦) أي: بالوقت.\n(^٧) سورة الأعراف: الآية ١٢.\n(^٨) في (ص): \"واجب\".\n(^٩) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1131},{"text":"يقول: ما أوجبتَ عليَّ في الحال، فكيف أستحق الذمَّ بتركه في الحال) (^١).\nأجاب تبعًا للإمام: بأنه يحتمل أن يكون ذلك (^٢) الأمر مقرونًا بما يدل على أنه على الفور (^٣).\nقال الهندي: \"وهو ضعيف؛ لأن ظاهره يدل على ترتب (^٤) الذم بمجرد ترك المأمور به، فتخصيصه بأمر آخر غيرِه خلافُ الظاهر\"، قال: \"وهذا وإن كان لازمًا على كل من يجيب بهذا الجواب (^٥)، إلا أن المَلامَ فيه على الإمام أشد؛ لأنه أجاب عن هذا الجواب لَمَّا اعتُرض به على استدلاله بهذا النص على أن الأمر للوجوب (^٦) \" (^٧)، والمصنف تبعه في الموضعين. ثم قال الهندي: \"والأولى أن يُقَال في جوابه: إن هذا الأمر كان مقرونًا\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٩٣، ٢٠١.\n(^٤) في (غ): \"ترتيب\".\n(^٥) أي: مَنْ يقول بأن إبليس ذُمَّ على ترك السجود فورًا بسبب قرينةٍ تدل على الفورية.\n(^٦) أي: أن الإمام لما استدل بآيةِ: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ على أن الأمر للوجوب - اعتُرض عليه بأن الوجوب لعله مستفاد من القرينة مع الأمر لا من مجرد الأمر فقط. فأجاب الإمام على هذا الاعتراض: بأن الظاهر يقتضي ترتيب الذم على مخالفة الأمر. فكيف يسوغ للإمام أن يعترض على من استدل بهذه الآية على الفورية - باعتراض أجاب عليه هنا، هذا تناقض. انظر: المحصول ١ / ق ٢/ ٦٩، ٧٠.\n(^٧) انظر: نهاية الوصول ٣/ ٩٥٩.","vol":"4","page":1132},{"text":"بما يدل على أنه للفور، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (^١)، فإنَّه جَعَل الأمر بالسجود جزاءً لشرط التسوية والنفخ، والجزاءُ يحصل عَقِيب الشرط، فإنما (^٢) أفاد الأمر هنا الفورَ بهذه القرينة\" (^٣).\nوهذا الجواب (إنْ صح فلك) (^٤) أن تقول: هذه القرينة هي التي أوجبت للإمام أن يقول هنا: لعل قرينةً أوجبت (^٥)، (وأما) (^٦) في مسألة الأمر هل يقتضي الوجوب - (فلا قرينة) (^٧)، فكان ما ادعاه الإمام من القرينة موجودًا، دون ما ادَّعاه الخصم (^٨). ثم إنَّ (^٩) الحاصل أنَّ كلًا منهما ادَّعى قرينةً، والأصل عَدَمُها، وتأيدت دعوى الإمام والمصنف بهذه الآية، فصح ما قالاه (^١٠).\n_________\n(^١) سورة الحجر: الآية ٢٩. سورة ص: الآية ٧٢.\n(^٢) في (ص): \"وإنما\".\n(^٣) انظر: نهاية الوصول ٣/ ٩٦٠، مع تصرف يسير من الشارح رحمه الله تعالى.\n(^٤) في (ت): \"صحيح، لا سيما والفا تقتضي التعقيب إلا أن لك\". وهذه الزيادة خطأ، وسيأتي في كلام الشارح الرد عليها.\n(^٥) ظاهر عبارة الإمام أنه لم يَعْرف هذه القرينة بعينها، وإنْ كان ادَّعى احتمال وجود قرينة.\n(^٦) في (ت)، و(غ): \"أما\".\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) يعني: أن الخصم ادعى القرينة على الوجوب وهي غير موجودة، والإمام ادعى القرينة على الفور وهي موجودة.\n(^٩) سقطت من (غ).\n(^١٠) مِنْ دعوى وجود قرينةٍ على الفور، والمعنى: أن دعواهما على القرينة لها ما يؤيدها.","vol":"4","page":1133},{"text":"(وفي صحة الجواب نظرٌ من جهة أنه قد يُمْنع أنَّ الجزاء يحصل عَقيب الشرط، وليس هنا ما يُتخيل دلالتُه عليه إلا الفاء في قوله: ﴿فَقَعُوا﴾، وهي لا تدل عليه إلا إنْ كانت للتعقيب، وقد نَصَّ النحاةُ على أنها إذا وقعت جوابًا للشرط لا تقتضي تعقيبًا) (^١) (^٢).\nوقال (^٣) بعضهم: إنَّ في الآية قرينةً أخرى وهي فِعْلُ الأمر في قوله: ﴿فَقَعُوا﴾، إذ هو العامل في \"إذا\"؛ لأنها ظَرْفٌ والعامل فيها جوابها، فصار التقدير: فقعوا له ساجدين وقت تسويتي إياه. وهذا صحيح على رأي الجمهور القائلين بأن العامل في إذا جوابها، ولكن قال بعض البصريين: إنَّ العامل فيها ما يليها (^٤) حكاه شيخنا أبو حيان في \"البحر المحيط\" عند قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا﴾ (^٥)، وهو متجه في هذه الآية؛ لأن ما بعد الفاء لا يجوز أن يعمل فيما (^٦) قبلها (^٧)، فكيف\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٢) الفاء إنما تكون للتعقيب مع الترتيب إذا كانت عاطفة، أما فاء السببية، والواقعة في جواب الشرط فلا تقتضي تعقيبًا. انظر: مغني اللبيب ١/ ١٨٣ - ١٨٧.\n(^٣) في (ك): \"ثم قال\".\n(^٤) وهو فِعْل الشرط المتصل بها.\n(^٥) سورة البقرة: الآية ١١.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) فقوله: ﴿فَقَعُوا﴾ واقع بعد الفاء، وما بعد الفاء لا يعمل فيما قبلها، و\"إذا\" قبل الفاء، فلا يعمل فيها ﴿فَقَعُوا﴾. قال: المُبَرِّد: وفاء السببية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. انظر: قطر الندى ص ١٩٤، باب الاشتغال. والفاء الجزائية هي الفاء السببية؛ لأن الشرط سبب، والمشروط مُسَبَّب.","vol":"4","page":1134},{"text":"يتجه في مثل: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (^١) أن يقال العامل في \"إذا\" جوابها! بل هذا وأمثاله يصلح اعتراضًا على الجمهور القائلين بهذه المقالة (^٢).\nالوجه الثاني: في قوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٣)، فإنه يُوجب أن الأمر للفور؛ لأنه أَمَرَ بالمسارعة وهي التعجيل (بالمأمور به، والأمر للوجوب، والمسارعة واجبة، ولا معنى) (^٤) لأن الامر يقتضي الفور إلا ذلك (^٥). وحَمْل المغفرة على حقيقتها في الآية ممتنع؛ لأن المغفرة مِنْ فِعْل الله تعالى، والعبد لا يسارع إلى فعله (^٦)، فَحُمِل على المجاز وهو المأمور به. وفي معنى هذه الآية قوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) سورة الحجر: الآية ٢٩. سورة ص: الآية ٧٢.\n(^٢) هذا الاعتراض غير وجيه؛ لأن ما بعد الفاء لا يمتنع عملُه فيما قبلها، لوجود أدلة على ذلك منها: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ فاليتيم، والسائل كلاهما معمولان لما بعد الفاء. ومنه: قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ فإنَّ ما بعد الفاء عَمِل فيما قبلها. وإن قلنا بقول المبرد فالظروف والمجرورات لا يدخلان فيما ذكره؛ لأنهما يتعلقان بكل ما فيه رائحة الفعل؛ ولأنه يُتوسع فيهما ما لا يُتوسع في غيرهما.\n(^٣) سورة آل عمران: الآية ١٣٣.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) أي: إلا المسارعة والتعجيل.\n(^٦) أي: فعل الله تعالى.\n(^٧) سورة البقرة: الآية ١٤٨.\n(^٨) انظر: نهاية الوصول ٣/ ٩٦٤.","vol":"4","page":1135},{"text":"أجاب: بأن الفورية لم تُسْتَفَد من الأمر، بل من قوله: ﴿وَسَارِعُوا﴾، يعني: من جوهر اللفظ (^١)؛ لأن لفظ المسارعة دال عليه (^٢) كيف ما تَصَرَّف (^٣)، بل لمُبَاحِثٍ أنْ يَقْلِب هذا الدليل ويستدل به على عدم الفورية (^٤)؟، لأن المسارعةَ: مباشرةُ الفعل في وقتٍ مع جواز الإتيان به في غيره.\nولقائلٍ أن يقول: لا نسلم تفسير المسارعة بما ذكرتم، بل المسارعة: عبارة عن التعجيل بالفعل المطلوب. كما تقول: سارعت إلى إنقاذ الغريق، وإنْ كانت المبادرة إلى ذلك واجبة. وذلك أعم من أن يجوز مع ذلك فعلُه في وقتٍ آخر أم لا.\nتم قولكم: الفوريَّة لم تُسْتفد من الأمر بل من مادة ﴿وَسَارِعُوا﴾ فيه (^٥) تسليمٌ لوجوب فعل المأمورات الشرعية على الفور، بما دلَّ على ذلك من قوله: ﴿وَسَارِعُوا﴾ (^٦). فحاصل ما أجبتم به أنكم سلمتم ثبوت الفَوْر في المأمورات، ولكنكم (^٧) قلتم: إنَّ ذلك ليس من مدلول الأمر بل مِنْ دليلٍ منفصلٍ، وهذا يحصل به معظم مقصود الخصم؛ إذ الغرض الأعظم إنما هو\n_________\n(^١) أي: من حروف اللفظ وهي مادة: سَارِعوا، لا من صيغة الأمر.\n(^٢) أي: على الفور.\n(^٣) أي: سواء كان ماضيًا، أم مضارعًا، أم أمرًا.\n(^٤) في (ص): \"الفور\".\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) لأن جميع المأمورات الشرعية مأمور بالمسارعة إليها.\n(^٧) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"ولكن\".","vol":"4","page":1136},{"text":"البحث عن الأوامر الشرعية.\nوقد يقال: دلالته على وجوب المسارعة إلى أسباب (^١) المغفرة (بطريق الاقتضاء (^٢)، فلا يلزم منه وجوبُ المسارعة إلى جميع أسباب المغفرة) (^٣) بناءً على أن المُقْتَضَى: وهو ما أُضْمِر ضرورةَ صِدْقِ المتكلم - لا عمومَ له، فيختص ذلك بما اتفق على وجوب تعجيله، ولا يعم كلَّ مأمور.\nالثالث: لو لم يكن الأمر للفور لكان التأخير جائِزًا، وجوازه إما مع بدل أوْ لا معه، والقسمان باطلان:\nأما الأول: فلأنَّ البدل: هو الذي يقوم مقام المُبْدل من كل الوجوه. فإذا أتى بهذا البدل وَجَب أن يسقط عنه هذا التكليف، وليس كذلك بالاتفاق (^٤).\nوأما الثاني: فلأن ذلك يَمْنَعُ مِنْ كونه واجبًا؛ لأنه لا يُفْهم من قولنا: ليس بواجب - إلا أنه يجوز تركه من غير بدل.\nالرابع: أنه لو لم يكن للفور وجاز التأخير - لكان إما إلى أمدٍ أي:\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) فالنص الذي هو الآية مقتَضِي، والمقدَّر الذي هو: أسباب المغفرة - مُقْتَضى؛ لأنه لما كان لا يمكن المسارعة إلى مغفرة الله حقيقة؛ لأنها فعله تعالى - كان لا بد من تقدير مضمر يصح به المعنى هنا: وهو أسباب المغفرة.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) يعني: فالمأمور لا يسقط مع فِعْل البدل، مثل الصلاة والصيام ونحوهما لا تسقط لو أتى بالبدل.","vol":"4","page":1137},{"text":"(غاية معيَّنة، بحيث إذا وصل المكلف إليها لا يجوز له التأخر (^١) عنها، أوْ لا يكون له أمد أي:) (^٢) بأن يجوز له التأخير أبدًا. والقسمان باطلان، فالقول بجواز التأخير باطل.\nأما الأول: فلأن ذلك الأمد لا بد له من أمارة يعرفه المكلَّف بها؛ لئلا يلزم وقوع التكليف بما لا يطاق، ولذلك لم يكن للخصم أن يقول: يجوز أن يكون الأمد غايةً مجهولةً عند المكلَّف؛ لأنه يصير مكلفًا بأن لا يؤخر الفعل عن وقت معيَّنٍ مع عدم معرفته به (^٣)، وهو تكليف بما لا يطاق.\nوإذا كان لا بد له من أمارة يعرفها المُكَلَّف فتلك الأمارة هي بالاتفاق: ظَنُّ الفوات على تقدير الترك، إما لكبر السن، أو للمرض الشديد وذلك الأمد (^٤) (^٥) غير شامل للمكلفين؛ لأن كثيرًا من الناس يموتون فجأة، ويقتلون بغتة من غير حصول أمارة للموت، فيلزم أن لا يشملهم الأمر (^٦)، وليس كذلك.\nوأما الثاني: فلأن التأخير أبدًا يُجَوِّز الترك أبدًا، (وتجويز الترك أبدًا) (^٧) ينافي الوجوب.\n_________\n(^١) في (ك): \"التأخير\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: مع عدم معرفة المكلف بالوقت المعيَّن.\n(^٤) في (ص): \"الأمر\".\n(^٥) أي: ذلك الأمدُ وهو ظن الفوات، المدلولُ عليه بأمارة كِبَر السن أو المرض الشديد.\n(^٦) أي: فيلزم ألا يكون ذلك الفعل واجبًا عليهم في علم الله تعالى، مع أن ظاهر الأمر يقتضي وجوبه. انظر: السراج الوهاج ١/ ٤٨١، نهاية السول ٢/ ٢٩٠.\n(^٧) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1138},{"text":"وأجاب عن هذين الوجهين: بالنقض بما إذا صُرِّح للمكلَّف بجواز التأخير، مثل: أن يقال له: أوجبت عليك أن تفعل كذا في أي وقت شئت، (أوْ ولك) (^١) التأخير. فإنَّ هذين الوجهين مطردان (^٢) فيه، مع جواز التأخير بالاتفاق (^٣). قال الإمام: \"فكلما جعلوه عذرًا في هذه الصورة فهو عُذْرُنا عما ذكروه (^٤) \" (^٥). وسنذكر ما تحصل به المناقشة في هذا الجواب إن شاء الله تعالى.\nوأجيب عنه (^٦) أيضًا: بالتزام أنَّ الأمد غيرُ معيَّن ولا يلزم التكليف بما لا يطاق؛ لأنه إنما يلزم أن لو لم يجز الإتيان به على الفور، أما إذا جاز فِعْله على الفور فلا يلزم ذلك؛ لتمكن المكلف من الامتثال في الحال، والتكليف بالمحال هو التكليف بالمتعذِّر امتثاله من كل وجه\nالخامس: أن النهي يفيد الفور، فكذا الأمر بالقياس عليه، بجامع الطلب فيهما.\nوأجاب: بأن النهي يفيد التكرار، ويلزم من ذلك وقت الحال (^٧)،\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص): \"أوْ لك\".\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"يطردان\".\n(^٣) أي: ينطبق على هذا الأمر أنه مؤخَّر إلى أمدٍ معين وهو وقت المشيئة، وينطبق عليه أنه يُجَوِّز التأخير أبدًا؛ لأن وقت المشيئة غير محدد بمدة، وجواز التأخير هنا بالاتفاق، فبطل قولهم: والقسمان باطلان.\n(^٤) أي: ما جعلوه عذرًا في هذه الصورة المُصَرَّح فيها بجواز التأخير، فهو عذرنا في صورة الإطلاق.\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٢٠٢.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) يعني: يلزم من إفادة النهي للتكرار - وجوبُ الانتهاء حالًا وفورًا بعد ورود النهي =","vol":"4","page":1139},{"text":"فأفاد النهيُ الفورَ بضرورةِ دخولِ وقتِ الحال في الأوقات، لا لذاته.\nوهذا الجواب قد تقدم مثله، وقد ناقضه بعد هذا حيث يقول: النهي كالأمر في التكرار والفور (^١). فكان الأولى أن يجيب: إما بأن النهي لا يفيد الفور، أو بأن هذا قياس في اللغة فلا يقبل.\nوقد استدل القائلون بالفور أيضًا بوجه سادس لم يذكره في الكتاب: وهو طريقة الاحتياط، فإنا أجمعنا على أنه لو فعل عقيبه (^٢) وقع الموقِع (^٣)، ولا عبرةَ بالمذهب الضعيف المتقدم (^٤) إنْ ثَبتَ؛ لمصادمته للإجماع. واختلفنا في أنه لو فعل بعد ذلك هل يخرج عن العهدة؟ فطريقة الاحتياط تقتضي وجوبَ الإتيان به على الفور؛ ليحصل الخروج عن (^٥) العهدة بيقين.\nوأجاب الإمام: بأنه ينتقض بقوله: افعل في أيِّ وقتٍ شئت (^٦).\nواعترض صاحب \"التحصيل\" على هذا الجواب: \"بأن طريقة الاحتياط غير منقوضة؛ إذ لا خوف ثمة (^٧) \" (^٨).\n_________\n= مباشرةً، وذلك لأن التكرار شامل لكل الأوقات، بما فيه وقت الحال، وهو الوقت الذي يلي ورود النهي مباشرة.\n(^١) أي: مقتضى هذا الكلام أن يكون النهي لغير التكرار ولغير الفور؛ لأنه كالأمر. وهو يناقض ما أجاب به هنا.\n(^٢) أي: عقيب الأمر.\n(^٣) يعني: وقع على الوجه الصحيح.\n(^٤) وهو قول غلاة الواقفية بأن المبادر لا يُقطع بامتثاله.\n(^٥) في (غ): \"من\".\n(^٦) انظر: المحصول ١ / ق ٢/ ٢٠٠، ٢٠٤.\n(^٧) أي: لا خوف هنا لأنه صَرَّح بالتخيير، والاحتياط إنما يكون في غير حالة التصريح.\n(^٨) انظر: التحصيل ١/ ٢٩١، وكذا أجاب صفي الدين الهندي في نهاية الوصول ٣/ ٩٦٣.","vol":"4","page":1140},{"text":"قال الشيخ شمس الدين بن الجزري في شرح أسْوِلة التحصيل: وإنما قال ذلك (^١) لوجهين:\nأحدهما: أن الكلام فيما إذا كان الأمر مطلقًا، واحتمل أن يكون المراد الفور (^٢).\nوثانيهما: أن الفعل على تقدير قوله: افعل في أيِّ وقتٍ شئت - لا خوف في فعله على الفور، ولا على التراخي، حتى تنتقض طريقة الاحتياط (^٣).\nقال: واعلم أن الوجه الأول من وجهي الاعتراض على جواب الإمام في طريقة الاحتياط لم يذكره صاحب التحصيل، (فعلى هذا) (^٤) تنقدح مناقشةٌ تَرِد على كلامه فيقال: إما أن يريد أن طريقة الاحتياط غير منقوضة على تقدير اعتبار قوله: في أي وقت شئت، أو لا (^٥).\n_________\n(^١) أي: إنما قال صاحب التحصيل هذا الاعتراض، وهو أن طريقة الاحتياط غير منقوضة.\n(^٢) يعني: أن الاحتياط بالفعل في أول الوقت إنما يكون إذا كان الأمر مطلقًا، واحتمل أن يكون المراد الفور.\n(^٣) يعني: كلامنا واستدلالنا إنما هو في حالة الخوف، وهي حالة الإطلاق، كما سبق ذكره، أما حالة التقييد بأيِّ وقت شئت - فهذه لا خوف فيها؛ لأنه يستوي فيها الفور والتراخي، فلا تنتقض طريقة الاحتياط بمثل هذه الصورة؛ لأن الاحتياط لا يتأتى فيها.\n(^٤) سقطت من (غ).\n(^٥) يعني: إما أن يريد صاحب التحصيل بقوله: طريقة الاحتياط غير منقوضة، أنها غير منقوضة بسبب التخيير بقوله: في أي وقت شئت. فعدم نقض الاحتياط نظرًا =","vol":"4","page":1141},{"text":"فإن أراد الأول لم يبق احتياطٌ ضرورةَ استواءِ الفعل على الفور والتأخير، فلا يقال طريقة الاحتياط باقية.\nوإنْ أراد الثاني فليس الجواب أن طريقة الاحتياط غير منقوضة إذ لا خوف ثمة، ضرورةَ قيامِ الخوف على تقدير عدم اعتبار ذلك القول (^١) بل الجواب أنَّ ذلك بقوله: افعل في أي وقتٍ شئت، والكلام في الأمر بمجرده. قال: والإشارة بقوله: \"ثمة\" إلى الصورة التي أوردها الإمام وهي الصورة الأخيرة - خارج عن وضع اللغة، فالأولى به أن يقول؛ إذ لا خوف هنا (^٢).\nواعلم أن المنتصر لكلام الإمام أن يقول: مراد الإمام بقوله: افعل في أي وقت شئت - أنَّ هذا القول لا يُعَدُّ منافيًا لقوله: افعل (^٣)، بل يكون موافقًا لمقتضاه، فلا يتصور طريقة الاحتياط إلا إذا كان الفور راجحًا أو مساويًا (^٤) أما إذا كان الراجح التوسعة فلا تأتي طريقة الاحتياط، وإلا (^٥) فالإمام ما يَجْهل أن قوله: افعل في أيِّ وقت شئت - غيرَ\n_________\n= للتصريح بالتخيير. أو أن يريد صاحب التحصيل بقوله: طريقة الاحتياط غير منقوضة، أنها غير منقوضة لا بسبب التخير، فعدم نقض الاحتياط ليس بسبب التصريح بالتخيير. والحاصل أن عدم نقض الاحتياط إما أن يكون بسبب التخيير أو بغيره.\n(^١) في (ص): \"الفور\". وهو خطأ.\n(^٢) لأن الصورة التي يَرُدُّ عليها في كلام الإمام صورة قريبة، وهي آخر الصور، فلا يناسبها كلمة \"ثمة\" التي تدل على البعيد.\n(^٣) يعني: كلاهما للتراخي، وقوله: في أي وقتٍ شئت - تفسير لمقتضى: افعل.\n(^٤) يعني: راجحًا أو مساويًا للتوسعة.\n(^٥) استثناء من قوله: أن هذا القول لا يُعَدُّ منافيًا بقوله: افعل، بل يكون موافقًا لمقتضاه.","vol":"4","page":1142},{"text":"قوله: افعل، من غير ضميمةٍ، هذا كُلُّه كلام ابن الجزري، وفيه نظر يحتاج إلى تطويل.\nوقال التبريزي: التمسك على الفور بطريقة الاحتياط ضعيف؛ لأن الاحتياط ليس من أمارات الوضع (^١)، ولا من مقتضيات الوجوب (^٢)، بل هو من باب الأصلح (^٣). ثم قوله: افعل الآن - يُعَدُّ تأكيدًا (^٤)، وفي أي وقت شئت - يعد تخفيفًا ومسامحة (^٥) (^٦).\nقال القرافي: ويَرِد عليه أن ها هنا قاعدةً خفيةً عادةُ الفضلاء يُوردون بسبب إهمالِها سؤالًا، فيقولون في كل ما يقول المستدل فيه: هذا أرجح، فيجب المصير إليه: إنَّ الرجحان يقتضي أنه أحسن، أما أنه المتعيِّن فلا (^٧)، بل الندب هو اللازم في هذه المواطن التي فيها الرجحان بالاحتياط (^٨)، ونحو ذلك؛ إذ فعل الأحسن مستحب ولا يصل إلى الوجوب، قال:\n_________\n(^١) أي: ليس الاحتياط من القرائن اللفظية التي تحدد معنى اللفظ ودلالته.\n(^٢) أي: الاحتياط لا يقتضي الوجوب، وإلا لأصبح كلُّ مُخْتَلَفٍ فيه واجبًا، وهذا باطل.\n(^٣) يعني: الأفضل والأصلح لدين المكلف أن يحتاط، ولذلك قالوا: الخروج من الخلاف مستحب، من جهة كون الخروج من الخلاف أسلم وأصلح لدين المكلف.\n(^٤) يعني: قوله: \"افعل\" يفيد الفورية بنفسه، وقيد \"الآن\" لا يدل على معنى جديد، بل يؤكِّد المعنى الأول.\n(^٥) يعني: فهذا القيد مخالفٌ لمقتضى \"افعل\"، فيكون نوعًا من التخفيف.\n(^٦) انظر: نفائس الأصول ٣/ ١٣٣٤.\n(^٧) يعني: فالفورية أحسن، لا أنها مُتعيِّنة.\n(^٨) وعلى هذا فنحمل الفورية على الندب لا على الوجوب.","vol":"4","page":1143},{"text":"وأُهملت قاعدةٌ وهي أن الرجحانَ إنْ كان في أفعال المكلفين فكما قالوه (^١)، وإن كان في مدارك المجتهدين وأدلة المناظرين اقتضى ذلك الوجوب والتحتم واللزوم، بل انعقد الإجماع على أن المجتهد يجب عليه اتباعُ الراجح من غير رخصة في تركه، بخلاف الراجح في حق المكلف إنما هو مندوب، وكذلك الراجح في الاجتهاد في طلب القبلة وطهورية الماء من باب الوجوب إجماعًا (^٢). ومنه قِيَم المتلفات وأروش الجنايات قال: فتأمل هذه القاعدة فهي ظاهرة وهي خفية، وبها يظهر بطلان قوله (^٣): إنّ الاحتياط ليس من مقتضيات الوجوب، لأن هذا (^٤) رجحان في ذلك (^٥) لا في فعل المكلف. وأما قوله: افعل الآن تأكيد، وفي أي وقت شئت (^٦) مسامحة - فهو مصادرة على مذهب الخصم بغير دليل (^٧). هذا كلام القرافي والقاعدة التي ذكرها من وجوب اتباع الراجح على المجتهد صحيحة، لكن الكلام في أن الأخذ بالاحتياط هل هو راجح (^٨)؟\nولو صح ما قاله لَكُنَّا نُلْزِم المجتهدين بالأخذ بجميع المآخذ وإن لم\n_________\n(^١) أي: كما قاله الفضلاء.\n(^٢) في حق المجتهد الذي يستطيع أن يعرف القبلة وطهورية الماء بالاجتهاد.\n(^٣) أي: قول التبريزي.\n(^٤) أي: لأن هذا الاحتياط المذكور في المسائل القريبة.\n(^٥) أي: في مدارك المجتهدين، وأدلة الناظِرين، فيكون الاحتياط واجبًا.\n(^٦) سقطت من (ص).\n(^٧) انظر: نفائس الأصول ٣/ ١٣٣٤.\n(^٨) يعني: هل الاحتياط داخل في قاعدة وجوب العمل بالراجح؟ .","vol":"4","page":1144},{"text":"يثبت (^١) عندهم صحتها، ونقول للشافعيِّ: يجب عليك العمل بالاستحسان احتياطًا.\nفالمجتهد الناظر في أنَّ الأمر هل يقتضي الفور ما لم يقم عنده دليل على ذلك (^٢) - ليس له أن يقول بذلك للاحتياط.\nنعم المكلَّف (^٣) الذي توجه الأمر نحوه يستحب (^٤) له المبادرة احتياطًا، أو يجب عليه (^٥) بحسب ما تؤدي إليه قواعد الاحتياط (وهذا قد قاله هو (^٦) حيث قال: إنْ كان في أفعال المكلفين. فكما ذكروه، وما نحن فيه مِنْ أفعال المكلفين) (^٧). وأحسنُ مِنْ دليل الاحتياط في الدلالة على أن الأمر يقتضي الفور أن نقول: (مَنْ تَوَجَّه) (^٨) الأمر المطلق نحوه فقد تحقَّقنا وجوبَ الفعلِ عليه، وشككنا هل يخرج عن العهدة بالتراخي مع القطع بأنه يخرج عنها بالمبادرة، فلتجب المبادرة؛ لأنه مأمورٌ بأمرٍ فلا يخرج عن عهدته إلا بيقين.\n_________\n(^١) في (ص): \"تثبت\".\n(^٢) أي: الفورية.\n(^٣) أي: غير المجتهد.\n(^٤) في (ت): \"تستحب\".\n(^٥) أي: أو يجب عليه المبادرة احتياطًا، فالاحتياط يستحب أحيانًا، ويجب أحيانًا.\n(^٦) أي: القرافي.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1145},{"text":"وهذا إنما يتم إذا قطعنا بأن المبادِرَ (^١) خارجٌ عن العهدة، وفيه ما سلف (^٢). ثم إنه أيضًا يرد في التكرار فيقال للمستدل به: يلزمك بهذه الطريقة أن تقول: إن الأمر للتكرار إلا أن تُبَيِّن دليلًا قائمًا على نفي التكرار بخصوصه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-343>فائدة:</span>\nالقبولُ في الوكالة بمعنى: الرضا وعدم الرد - معتبرٌ بلا خلاف، ولا يجب فيه التعجيل بحالٍ (^٣). قال الرافعي: ولو خُرِّج على أن الأمر هل يقتضي الفور لَمَا بَعُد، وإنْ شرطنا القبول باللفظ ففي اشتراط الفور فيه (^٤) خلاف مشهور يتجه تخريجه على هذه القاعدة فيما إذا كانت الصيغة صيغةَ أمرٍ مثل: بِعْ واشْتَرِ، وما أشبه ذلك (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) في (ت): \"المبادرة\". وهو خطأ.\n(^٢) أي: من الاختلاف.\n(^٣) يعني: قبول الموكَّل الوكالة من الموكِّل أمرٌ متفق عليه، ولكن لا يجب على الموكَّل التعجيل والفورية فيما وُكِّل فيه، فلو قال له الموكِّل: بِعْ واشتر، وزوِّج - فلا يجب أن يفعل ذلك حالًا، مع أنها أوامر.\n(^٤) يعني: في اشتراط الفور في القبول باللفظ.\n(^٥) يعني: فهل يلزم الموكَّل أن يقبل الوكالة فورًا، أو لا يلزمه؟ فيه خلاف.\n(^٦) انظر مسألة اقتضاء الأمر الفور في: المحصول ١/ ق ٢/ ١٨٩، الحاصل ١/ ٤٢٨، التحصيل ١/ ٢٨٧، نهاية الوصول ٣/ ٩٥١، نهاية السول ٢/ ٢٨٦، السراج الوهاج ١/ ٤٧٧، شرح التنقيح ص ١٢٨، بيان المختصر ٢/ ٤٠، تيسير التحرير ١/ ٣٥٦، فواتح الرحموت ١/ ٣٨٧، شرح الكوكب ٣/ ٤٨.","vol":"4","page":1146},{"text":"الفصل الثالث: النواهي","vol":"4","page":1147},{"text":"قال: (^١) <span data-type=\"title\" id=toc-344>«الفصل الثالث: في النواهي</span>.\nوفيه مسائل) (^٢):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-345>الأولى: النهي يقتضي التحريم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾)</span>.\nلم يذكر المصنف حَدَّ النهي؛ لكونه معلومًا من حَدِّ الأمر (^٣). (فكلما قيل في حد الأمر) (^٤) من مُزَيَّف ومختار - فقد قيل مُقَابله في النهي (^٥).\nوصيغة النهي عند القائلين بالصيغة تَرِد لسبعةِ محامل:\nالتحريم: مثل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (^٦).\nوالتنزيه: مثل قوله ﵊: \"لا يُمْسِكَنَّ أحدُكم ذَكَرَه بيمينه وهو يبول\" (^٧).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) فالنهي: هو القول الطالب للترك دلالة أولية. انظر: نهاية السول ٢/ ٢٩٣.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر: الإحكام ٢/ ١٨٧.\n(^٦) سورة الأنعام: الآية ١٥١. سورة الإسراء: الآية ٣٣.\n(^٧) أخرجه مسلم بلفظه ١/ ٢٢٥، في كتاب الطهارة، باب النهي عن الاستنجاء باليمين، رقم ٢٦٧. وأخرجه بمعناه البخاري ١/ ٦٩، في كتاب الوضوء، باب النهي عن الاستنجاء باليمين، وباب لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال، رقم ١٥٢، ١٥٣. وانظر رقم ٥٣٠٧. وأحمد في المسند ٥/ ٣٠٩ - ٣١٠، والدارمي ١/ ١٣٧ - ١٣٨، في كتاب الصلاة والطهارة، باب النهي عن الاستنجاء باليمين، رقم ٦٧٩. وغيرهم.","vol":"4","page":1149},{"text":"والدعاء: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ (^١).\nوالإرشاد: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (^٢).\nوبيان العاقبة: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ (^٣) (^٤).\nوالتحقير: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ (^٥) (^٦).\nواليأس: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ (^٧).\nوالكلام في أنَّ صيغة النهي هل هي حقيقة في التحريم، أو الكراهة، أو مشتركة بينهما، أو موقوفة - على ما سبق في الأمر، فالخلاف في أكثر مسائله (^٨) على وَزَان الخلاف في مقابِلاتها من مسائل النهي (^٩)، والمآخذ كالمآخذ. وقد سبق أنَّ الأمر المجرد عن القرينة\n_________\n(^١) سورة آل عمران: الآية ٨.\n(^٢) سورة المائدة: الآية ١٠١.\n(^٣) سورة آل عمران: الآية ١٦٩.\n(^٤) وكقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا﴾. انظر: نهاية السول ٢/ ٢٩٤.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سورة الحجر: الآية ٨٨.\n(^٧) سورة التحريم: الآية ٧.\n(^٨) في (ص): \"المسائل\". والضمير يعود إلى الأمر.\n(^٩) كان الأولى أن يقول: من مسائل الأمر. فيكون الضمير في قوله قَبْلَه \"مسائله\" عائدًا إلى النهي، كما عبر الآمدي في الإحكام ٢/ ١٨٧؛ لأن الخلاف في الأمر =","vol":"4","page":1150},{"text":"يقتضي الوجوب، فالمختار أن النهي المجرد عن القرينة يقتضي التحريم.\nواعلم أنه إذا ثبت أن الأمر للوجوب والنهي نقيضه - فلا يثبت أن النهي للتحريم، بل أنه ليس للوجوب؛ لأن نقيض الوجوب لا وجوب، ولما كان في الرأي المختار زيادة على ذلك، وهو أن النهي للتحريم - استدل عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (^١)، ووجه الاحتجاج: أنه أمر بالانتهاء عن المنهي، والأمر للوجوب، فكان الانتهاء عن المنهي واجبًا، وذلك هو المراد من قولنا: النهي للتحريم.\nولقائل أن يقول: هذا أولًا لا يتم إلا بعد تسليم أن الأمر (^٢) للوجوب، وثانيًا: أن التحريم حينئذ لا يكون مستفادًا من صيغة النهي، بل بما دَلَّ مِنْ خارجٍ وهو قوله: ﴿فَانْتَهُوا﴾، بل قد يقال: لو كان النهي للتحريم (لما احتيج إلى الأمر باجتناب المنهي عنه، فكان الأمر بذلك دليلًا على أن التحريم) (^٣) غير مكتسب منه. وبهذا يظهر لك أن التحريمَ مستفادٌ من الشرع لا مِنَ اللغة، ولم ترد الصيغة المطلقة من حيث اللغة على تضمن جَزْم الاقتضاء في الانكفاف عن المنهي عنه، كما قدمناه في الأمر إذا قلنا: الصيغة المطلقة تتضمن جزم الاقتضاء في المأمور به (^٤)، وهذا هو مذهب إمام\n_________\n= هو المقيس عليه، والخلاف في النهي مقيس، كما هو واضح.\n(^١) سورة الحشر: الآية ٧.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) المعنى: أننا إذا قلنا بأن الصيغة المطلقة في الأمر تتضمن جَزْمَ الاقتضاء في المأمور به - فليس لنا أن نقول: الصيغة المطلقة في النهي تتضمن جزم الاقتضاء في الانكفاف =","vol":"4","page":1151},{"text":"الحرمين الذي اخترناه، كما علمت (^١).\nثم قال: (وهو كالأمر في التكرار والفور).\nحكمُ النهي حكمُ الأمر في عدم دلالته على التكرار وعلى الفور، وقد اختار الإمام أن النهي لا يقتضي التكرار (^٢)، مع قوله في مسألة الفور: إن النهي يقتضيه، وإيهامِه عدم الخلاف فيه (^٣)، وكذلك (^٤) وقع للمصنف (^٥) كما نبهنا عليه.\nواستدل الإمام على أن النهي لا يقتضي التكرار: بأنه يرد للمرة،\n_________\n= عن المنهي عنه؛ لأن اللغة تفرق بين الحالتين، وعلى هذا فالتحريم مستفاد من الشرع لا من اللغة.\n(^١) انظر حَدَّ النهي ومعانيه في: الإحكام ٢/ ١٨٧، البحر المحيط ٣/ ٣٦٥، نهاية الوصول ٣/ ١١٦٥، المحصول ١/ ق ٢/ ٤٦٩، التحصيل ١/ ٣٣٤، الحاصل ١/ ٤٨٨، نهاية السول ٢/ ٢٩٣، السراج الوهاج ١/ ٤٨٤، تيسير التحرير ١/ ٣٧٤، فواتح الرحموت ١/ ٣٩٥، كشف الأسرار ١/ ٢٥٦، شرح التنقيح ص ١٦٨، بيان المختصر ٢/ ٨٦، شرح الكوكب ٣/ ٧٧.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٤٧٠.\n(^٣) أي: أوهم كلام الإمام في مسألة دلالة الأمر على الفور أن النهي يقتضي التكرار والفور بلا خلاف، مع أنه في باب النهي اختار أنه لا يقتضي التكرار، والاختيار يدل على وجود الخلاف، فهذا نوع من التناقض.\nانظر: المحصول ١/ ق ٢/ ١٩٩، ٢٠٤.\n(^٤) في (ص): \"ولذلك\".\n(^٥) أي: لأجل كون الإمام وقع في هذا الخطأ، وقع فيه المصنف؛ لأنه تابع له.","vol":"4","page":1152},{"text":"كقول الطبيب للمريض الذي يشرب (^١) الدواء: لا تشرب الماء، ولا تأكل اللحم. أي: في هذه الساعة. ويرد للتكرار مثل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ (^٢)، فوجب جَعْلُه حقيقةً في القدر المشترك (^٣).\nوأما الآمدي: فإنه قال: \"اتفق العقلاءُ على أنَّ النهي يقتضي الانتهاء عن المنهي عنه دائمًا، خلافًا لبعض الشَّاذِّين\" (^٤).\nوزعم ابن بَرْهان - كما نقله عنه الأصفهاني - انعقادَ الإجماع عليه، وهذا ما جزم به الشيخ أبو إسحاق قي \"شرح اللمع\" (^٥)، وهو المختار عند ابن الحاجب (^٦).\nونحن نوافق القائلين بأنه للتكرار في المعنى دون العبارة، فنقول: إذا قلتَ مثلًا: لا تضرب - فلا ريب أنك (^٧) منعت المكلَّف من إدخال ماهية الضرب في الوجود، ولا يحصل ذلك إلا بالامتناع عن إدخال كل الأفراد، ولا يتحقق الامتثال إلا بالامتناع؛ فكان التكرار من لوازم الامتثال، لا مِنْ مدلول اللفظ. وينبغي أن يُرَدَّ (^٨) كلام القائل: بأنه\n_________\n(^١) في (غ)، و(ك): \"شرب\".\n(^٢) سورة الإسراء: الآية ٣٢.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٤٧٠، ٤٧١.\n(^٤) انظر: الإحكام ٢/ ١٩٤.\n(^٥) انظر: شرح اللمع ١/ ٢٩٤، ٢٩٥.\n(^٦) انظر: بيان المختصر ٢/ ١٠١.\n(^٧) في (غ)، و(ك): \"في أنك\".\n(^٨) أي: يُحْمل.","vol":"4","page":1153},{"text":"يقتضي التكرار - إلى ما قررناه (^١).\nوما استدل به الإمام مردود؛ لأن قول الطبيب للمريض: لا تأكل اللحم، ولا تشرب الماء - إنما جاء فيه عدم (^٢) التكرار لقرينة المرض، والكلام في النهي المجرد. وكان يمكننا أن نحمل كلام الامام على ما قررناه (^٣)، لولا الاستدلال بهذا (^٤)، ثم إنَّ المصنف اختار أن النهي لا يقتضي الفور جَرْيًا على قاعدته (^٥)، ونحن لا نختار ذلك؛ إذ مِنْ ضرورات ما قررناه وجوبُ الترك على الفور (^٦).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-346>(الثانية: النهي شرعًا يدل على الفساد في العبادات</span>؛ لأن المنهي بعينه لا يكون مأمورًا به، وفي المعاملات إذا رجع إلى نفس العقد، أو أمرٍ داخلٍ فيه، أو لازمٍ له، كبيع الحصاة، والملاقيح، والربا؛ لأن الأوَّلِين تمسكوا على فساد الربا بمجرد النهي من غير نكير. وإنْ رجع\n_________\n(^١) أي: ما قررناه مِنْ كون التكرار مِنْ لوازم الامتثال، لا من الصيغة.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(ص)، و(ك).\n(^٣) أي: ما قررناه مِنْ كون التكرار مِنْ لوازم الامتثال، لا من الصيغة.\n(^٤) أي: لولا استدلال الإمام على المرة بالطبيب والمريض.\n(^٥) أي: جريًا على قاعدته في كونه كالأمر عنده.\n(^٦) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ٢/ ٤٧٠، الحاصل ١/ ٤٨٩، التحصيل ١/ ٣٣٤، نهاية الوصول ٣/ ١١٧٠، نهاية السول ٢/ ٢٩٣، السراج الوهاج ١/ ٤٨٤، البحر المحيط ٣/ ٣٧٠، شرح التنقيح ص ١٦٨، بيان المختصر ٢/ ١٠١، تيسير التحرير ١/ ٣٧٦، فواتح الرحموت ١/ ٤٠٦، شرح الكوكب ٣/ ٩٦، تفسير النصوص ٢/ ٣٨٢.","vol":"4","page":1154},{"text":"إلى أمرٍ مقارِن، كالبيع وقت النداء - فلا).\nهذه المسألة في أن النهي عن الشيء (^١) هل يدل على فساده؟ وقد\n_________\n(^١) أي: النهي عن الشيء لعينه. وكان الأولى بالشارح رحمه الله تعالى أن يُقَيِّد بهذا، وأن يفصِّل مواطن الخلاف كما فعل في \"رفع الحاجب\"؛ إذ إطلاقه هذا يُحدث تشويشًا لدى القارئ، لا سيما وأنه ذَكَر في القول الرابع والخامس ما يوهم أن كل قائل بالفساد هنا قائل به في كل الأقسام وهو باطل قطعًا، ولذلك أدرك الزركشيُّ رحمه الله تعالى موطن الخلل في حكاية الأقوال بالإطلاق من غير تفصيل، كما فعل الشارح هنا وغيرُه، فقال بعد أن قَسَّم النهي إلى ما يكون لغير المنهي عنه، وإلى ما يكون لعين المنهيِّ عنه، والأول يشمل قسمين: وهو ما كان النهي فيه لوصف ملازم، أو لوصف مجاور، ثم ذكر الخلاف في قسم المنهي عنه لغيره، وأردفه بذكر الخلاف في قسم المنهي عنه لعينه، وحكى الأقوال الثلاثة الأُول - التي ذكرها الشارح هنا - في هذا القسم الثاني، ثم قال: \"واعلم أن هذا التقسيم الذي ذكرناه هو أقرب الطرق في المسألة، ومنهم مَنْ جمع بين القسمين، أعني: المنهي عنه لعينه ولغيره وحكوا مذاهب\". البحر المحيط ٣/ ٣٨٧. ثم ذكر القول الرابع والخامس اللذين ذكرهما الشارح هنا، وكان حقهما أن يُذكرا تحت قسم المنهي عنه لغيره. ولعل الزركشي - رحمه الله تعالى - عَنَى بمَنْ جمع بين القِسْمين الشارحَ ومَنْ فعل مِثْله ممن أطلق الخلاف ولم يفصله كالشيرازي، وابن برهان، وغيرهما. انظر: شرح اللمع ١/ ٢٩٧، الوصول إلى الأصول ١/ ١٨٦، وانظر: تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد، للحافظ العلائي ص ٢٨٥ - ٣١٠، فقد أشبع المسألة إيضاحًا، وبيَّن خطأ من أطلق الخلاف فيها دون تقييد.\nوالحاصل أن الأقوال الثلاثة الأُول التي ذكرها الشارح هنا تخص المنهي عنه لعينه، ويدل عليه أنه ذكر أن القول الأول هو قول جمهور المذاهب الثلاثة والظاهرية، وفاته ذكر الحنابلة. ومن المعلوم أن الظاهرية والحنابلة إنما يوافقون الجمهور من المذاهب الثلاثة في المنهي عنه لعينه، أما المنهي عنه لوصفه الملازم أو المجاور فالظاهرية والحنابلة يقولون باقتضاء النهي الفساد فيهما، فدل هذا على أن مراده في النقل عن هؤلاء إنما هو في المنهي عنه لعينه.","vol":"4","page":1155},{"text":"اختلفوا فيه على مذاهب:\nأحدها: أنه يدل عليه مطلقًا (^١). قال الأصفهاني (^٢): (ونقله أبو بكر بن فُورك الأصبهاني (^٣) عن) (^٤) أكثر أصحاب الشافعي، وأبي حنيفة (^٥).\nقلت: ونقلة القاضي في \"التلخيص\" لإمام الحرمين عن الجمهور من أصحاب الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، وأهل الظاهر، وطائفة (^٦) من المتكلمين (^٧). وقال ابن السمعاني: إنه الظاهر مِنْ مذهب\n_________\n= وقد سبق بيان أن الزركشي ذكر الأقوال الثلاثة في قسم المنهي عنه لعينه، وكذا الشارح في \"رفع الحاجب\". وأما القول الرابع والخامس فهما لا يختصان بالمنهي عنه لعينه، بل ذُكِر فيهما التفريق بين المنهي عنه لعينه والمنهي عنه لغيره، فكان الأولى بالشارح تقييد الخلاف حتى لا يُظن أنَّ مَنْ نقل عنهم أولًا يُطلقون القول بالفساد سواء كان النهي للعين أم للوصف مطلقًا.\n(^١) أي: سواء كان المنهي عنه عبادة أو معاملة. انظر: البحر المحيط ٣/ ٣٨٤.\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"الأصبهاني\".\n(^٣) هو الأستاذ محمد بن الحسن بن فُورَك - بضم الفاء وفتح الراء - أبو بكر الأصفهانيّ. كان فقيهًا متكلمًا أصوليًا أديبًا نحويًا واعظًا. عُرف بالمهابة والورع، له تصانيف في أصول الدين، وأصول الفقه، ومعاني القرآن تقرب من المائة. توفي سنة ٤٠٦ هـ مسمومًا، سَمَّته الكَرَّامية وهو عائد مِنْ غَزْنة، وهي مدينة بالهند.\nانظر: وفيات ٤/ ٢٧٢، الطبقات الكبرى ٤/ ١٢٧، الفتح المبين ١/ ٢٢٦.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر: البحر المحيط ٣/ ٣٨٤.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) انظر: التلخيص ١/ ٤٨١، ٤٨٢.","vol":"4","page":1156},{"text":"الشافعي وأن عليه أكثر الأصحاب (^١).\nوالثاني: أنه لا يدل عليه (^٢). ونقله في \"مختصر التقريب\" عن جمهور المتكلمين (^٣)، والإمام عن أكثر الفقهاء (^٤)، قال الشيخ أبو إسحاق: \"وللشافعي كلام يدل عليه\" (^٥) (^٦).\nوالثالث: أنه يدل على الفساد في العبادات دون المعاملات. وهو مذهب أبي الحسين (^٧)، واختاره الإمام وبعض أتباعه (^٨) (^٩).\n_________\n(^١) انظر: القواطع ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦، البحر المحيط ٣/ ٣٨٤.\n(^٢) ويحتاج الفساد إلى دليل غير النهي. انظر: البحر المحيط ٣/ ٣٨٥.\n(^٣) انظر: التلخيص ١/ ٤٨٢، المعتمد ١/ ١٧١.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٤٨٦.\n(^٥) انظر: شرح اللمع ١/ ٢٩٧.\n(^٦) وهو مذهب أبي الحسن الأشعري، والقاضيين أبي بكر وعبد الجبار، وأبي عبد الله البصري، وأبي علي وأبي هاشم الجبائيَّيْن، واختاره من الشافعية القفال الشاشي الكبير، وأبو جعفر السمناني. انظر: رفع الحاجب ١/ ٤٩٣، البحر المحيط ٣/ ٣٨٥، المعتمد ١/ ١٧١، وانظر ما قاله العلائي في تحقيق المراد ص ٣٠٤.\n(^٧) انظر: المعتمد ١/ ١٧١.\n(^٨) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٤٨٦، الحاصل ١/ ٤٩٢، التحصيل ١/ ٣٣٦، ولعله يقصد بالمخالف للإمام هو صفي الدين الهندي، فإن صاحبي الحاصل والتحصيل وافقا الإمام، ولم يصرِّح صفي الدين الهندي باختياره، ولكن يظهر من مناقشته ترجيحُه لقول مَنْ يقول باقتضاء الفساد، لكنه حرر الخلاف في المسألة بأنه في الوصف الملازم فليُعلم هذا. انظر: نهياة الوصول ٣/ ١١٧٦ - ١١٧٩. قال الشارح في \"رفع الحاجب\" ١/ ٤٩٤: \"وأبو الحسين أطلق اختياره في المعتمد، ولم يقيد كلامه بالمنهي عنه لعينه ولوصفه\". قلت: وكذا الإمام وصاحبا الحاصل والتحصيل أطلقوا كلامهم ولم يقيدوه.\n(^٩) قال الزركشي: \"وحكاه ابن الصباغ في \"العدة\" عن متأخري أصحابنا\". البحر =","vol":"4","page":1157},{"text":"والرابع: أن النهي إنْ كان يختص بالمنهي عنه، كالصلاة في السترة النجسة - دل على فساده (^١). وإن كان لا يختص بالمنهي عنه، كالصلاة في الدار المغصوبة، والثوب الحرير، والبيع وقت النداء - فلا يدل على الفساد (^٢). حكاه الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\" عن بعض أصحابنا (^٣).\nوالخامس: وهو اختيار المصنف، وإليه يرجع كلامُ جمعٍ من المحققين (^٤): أنه يدل على فساده في العبادات سواء أنُهي (^٥) عنها لعينها، أم لأمرٍ قارنها (^٦)؛ لأن الشيء الواحد يمتنع أن يكون مأمورًا به منهيًا عنه، كالصلاة المنهي عنها مثلًا، فإنها لو صحت لوقعت مأمورًا بها أمرَ نَدْب؛\n_________\n= المحيط ٣/ ٣٨٦.\n(^١) وذلك لأن النهي إنما كان لمعنى يختص بالصلاة وهي النجاسة، ألا ترى أنه في غير الصلاة لا يمنع من استعمال السترة النجسة. انظر: تحقيق المراد ص ٢٨٨.\n(^٢) لأنه نُهي عن الغصب، واستعمال الثوب الحرير، وهما لا يختصان بالصلاة. وكذا النهي عن البيع وقت النداء لا يختص بالبيع، بل بالتشاغل عن الصلاة، فالنهي عنه لكونه تشاغلًا لا لكونه بيعًا، ويدل عليه أنه يُمْنع عن كل ما يَشْغل عن صلاة الجمعة بعد النداء الثاني.\n(^٣) انظر: شرح اللمع ١/ ٢٩٧.\n(^٤) انظر: البحر المحيط ٣/ ٣٨٧، التمهيد ص ٢٩٣، نهاية السول ٢/ ٣٠٥.\n(^٥) في (ت)، و(ص): \"نُهي\".\n(^٦) أي: سواء كان ملازمًا أو غير ملازم؛ ولذلك قال الجاربردي في شرح كلام الماتن: \"والمختار التفصيل، وهو أن نقول: أما في العبادات: فيدل على الفساد في جميع الصور\". السراج الوهاج ١/ ٤٨٦، وانظر: التمهيد ص ٢٩٣.","vol":"4","page":1158},{"text":"لعموم الدلائل الطالبة للعبادات، والأمر بها يقتضي طلب فِعْلِها، والنهي عضها يقتضي طلبَ تَرْكها، والجمع بينهما غير ممكن (^١).\nوأما المعاملات: فالنهي إما أن يرجع إلى نفس العقد، أو إلى أمرٍ داخل فيه، أو خارج عنه لازم له، أو إلى أمرٍ مقارِن للعقد غير لازم له. هذه أقسام:\nأولها: أن يرجع إلى نفس العقد، فيبطل أيضًا، وذلك كبيع الحصاة: وهو أن يقول: بعتك من هذه الأثواب ما وقعت عليه الحصاة التي أَرْميها. أوْ بعتك هذه الأرض من هنا إلى ما انتهت إليه هذه الحصاة. وقيل: بيع الحصاة أن يقول: بعتك على أنك بالخيار إلى أنْ أرميَ الحصاة. وقيل: أن يجعلا نفس الرمي بَيْعًا، فيقول (^٢): إذا رميتُ هذه الحصاة فهذا (^٣) الثوب مبيع منك بكذا. و(^٤) على الصور كلها البيع باطل (^٥).\nوثانيها: أن يرجع إلى أمرٍ داخلٍ فيه (^٦)، فيبطل أيضًا، وذلك كبيع الملاقيح: وهي ما في بطون الأامهات من الأجنة (^٧). فإن النهي راجع إلى\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول وسلم الوصول ٢/ ٣٠٣.\n(^٢) في (ص): \"فتقول\".\n(^٣) في (غ): \"فهذه\".\n(^٤) سقطت الواو من (ت).\n(^٥) انظر بيع الحصاة في: نهاية المحتاج ٣/ ٤٣٣، الروض المربع ٤/ ٣٥٦، كشاف القناع ٣/ ١٦٧.\n(^٦) أي: في العقد.\n(^٧) انظر بيع الملاقيح في: نهاية المحتاج ٣/ ٤٣٢، كشاف القناع ٣/ ١٦٦، الروض =","vol":"4","page":1159},{"text":"نفس المبيع الذي هو ركنٌ من أركان العقد، والركن (^١) داخل في الماهية، فيكون راجعًا إلى أمرٍ داخل في الماهية.\nوثالثها: أن يرجع إلى أمر خارج عنه لازمٍ له (^٢)، فيفسد أيضًا، وذلك كالربا، فإن النهي فيه راجع إلى أمرٍ خارج عن العقد. أما في ربا النسيئة والتفرّق قبل التقابضِ فكونُ النَّهْي فيه لمعنىً (^٣) خارجٍ ظاهر (^٤). وأما في ربا الفضل فلأن النهي عن بيع درهم بدرهمين إنما هو للزيادة، وهو معنى خارجٌ عن نفس العقد؛ لأن المعقود عليه من حيث هو (^٥) قابل للبيع، وكونه زائدًا أم (^٦) ناقصًا من جملة أوصافه.\nواحتج المصنف على أنه يدل على الفساد: بأن الأَوَّلين تمسكوا على فساد الربا بمجرد النهي من غير نكيرٍ عليهم من أحد؛ فكان ذلك إجماعًا.\nولك أن تقول: هذا سكوتي، وليس عند المصنف (بإجماعٍ (^٧) و) (^٨) لا حجةٍ، فكيف يستقيم منه الاحتجاج به! .\n_________\n= المربع ٤/ ٣٥٣.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (غ): \"بمعنى\".\n(^٤) لأنَّ العِوَضين موجودان متساويان، ولكن الربا جاء من النَّسَاء الذي هو خارجٌ عن العقد.\n(^٥) أي: من حيث كونه درهمًا.\n(^٦) في (ت): \"أو\".\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) سقطت من (غ).","vol":"4","page":1160},{"text":"ورابعها: أن يرجع إلى أمرٍ، مقارِنٍ للعقدِ غيرِ لازم له في جميع الصور، وذلك كالنهي عن البيع وقت نداء الجمعة، فإنه راجعٌ إلى أمرٍ خارجٍ عن العقد وهو تفويت صلاة الجمعة، لا لخصوص البيع، بدليل أن جميع الأعمال المُفَوِّتة للصلاة كذلك (^١)، والتفويتُ أمرٌ مقارِنٌ غيرُ لازمٍ، فهذا القسم لا يدل على الفساد.\nفقد عرفت أنَّ جميع الأقسام سوى هذا (^٢) عند المصنف تدل على الفساد، وقد قال الآمدي: \"إنه لا يعرف خلافًا في هذا إلا ما يُحكى عن مالكٍ ورواية عن أحمد (^٣) \".\n_________\n(^١) أي: منهيٌّ عنها.\n(^٢) أي: سوى هذا الأخير الرابع.\n(^٣) انظر: الإحكام ٢/ ١٨٨، وما حكاه الآمدي عن أحمد ﵁ صحيح، وهي الرواية المعتمدة عند الحنابلة وعليها أكثر أصحابه. انظر: شرح الكوكب ٣/ ٩٣، ٩٤، نزهة الخاطر ١/ ١٢٧ - ١٣٠. وأما ما حكاه عن مالك ﵁ فلم أجد أحدًا من المالكية عزاه إليه سوى العربي اللوه في كتابه \"أصول الفقه\" ص ٣٠٩، ولا أدري ما مرجعه في ذلك؟ وسواه من المالكية عزوا إلى مالكٍ ﵁ خلافه، قال في نشر البنود ١/ ٢٠٢: \"وإنما يدل على الفساد إذا كان النهي لأمرٍ داخلٍ في الذات، أو لازم لها، لا إن كان لأمرٍ منفصل كما تقدم، ودلالته على الفساد مع إثباته شُبْهةَ الملك هو الصحيح من مذهبنا\". وفي نثر الورود ١/ ٢٣٨: \"ودلالته على الفساد إذا كان النهي لأمرٍ داخل في الذات، أو لازم لها، لا إن كان لأمرٍ منفصل، كما تقدم في الوضوء بالماء الغصوب، والصلاة بالحرير ونحو ذلك. والصحيح من مذهب مالك دلالته على الفساد مع إثباته شبهة الملك\". وانظر: شرح التنقيح ص ١٧٣، ١٧٤، بيان المختصر ٢/ ٨٨، ٨٩، مراقي السعود إلى مراقي السعود =","vol":"4","page":1161},{"text":"واعلم بأن (^١) القائلين بأنه يدل على الفساد اختلفوا:\nفمِنْ قائلٍ: يدل شرعًا لا لغة. وهو اختيار المصنف (^٢)، حيث قال: \"يدل شرعًا\". فافهم ذلك. لكن دليله هذا (^٣) الذي قررناه إنما يدل على الفساد من حيث هو، وأما كونه من جهة الشرع فلا يدل.\nوقال قوم: يدل لغة.\nوقال (^٤) ابن السمعاني: \"وأما القائلون بأنه لا يدل على الفساد فافترقوا فمِنْ قائلٍ: يدل على الصحة. ونقله أبو زيد عن أبي حنيفة\n_________\n= ص ١٨٦، ١٨٧. وقد عزا القرافي القول ببطلان الصلاة في الأرض المغصوبة إلى أحمد - ﵁ -، وعبد الحميد من المالكية ﵀، وهذا في معرض ردِّ القرافي على مَنْ قال بالإجماع على عدم بطلانها. انظر: نفائس الأصول ٤/ ١٦٨٠. وقال العلائي في تحقيق المراد ص ٣٠٣: \"والحق أن إطلاق القول بذلك (أي: إطلاق القول بالفساد) من غير تفصيل، إنما هو مذهب الحنابلة والظاهرية\"، وما بين القوسين للتوضيح، وبهذا يُعْلم - والله أعلم - أن ما نسبه الآمدي ﵀ إلى مالك - ﵁ - فيه نظر، وقد أخطأ أيضًا صاحب شرح الكوكب ٣/ ٩٤، في نسبته هذا المذهب للمالكية، ولم يعلق المحقِّق على ذلك.\n(^١) في (ص)، و(غ): \"أن\".\n(^٢) وقال بهذا ابن الحاجب والعلائي والأكثرون، واختاره الشارح في جمع الجوامع. انظر: بيان المختصر ٢/ ٨٨، تحقيق المراد ص ٣٤٩، شرح الكواكب ٣/ ٩٢، تيسير التحرير ١/ ٣٧٦، رفع الحاجب ١/ ٤٩٣، فواتح الرحموت ١/ ٣٩٦، المحلي على الجمع ١/ ٣٩٣.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (غ): \"قال\".","vol":"4","page":1162},{"text":"ومحمد (^١).\nومن قائلٍ: لا يدل\" (^٢).\nوقوله في الكتاب: \"بعينه\" هو بالباء الموحدة مِنْ تحت، أي: بنفسه. وهو متعلِّق بـ \"يكون\"، والله أعلم (^٣).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-347>(الثالثة: مقتضى النهي فِعْلُ الضد</span>؛ لأن العدم غير مقدور. وقال أبو هاشم: مَنْ دُعي إلى زنا فلم يفعل مُدِح. (قلنا: على\n_________\n(^١) هو العلَّامة فقيه العراق أبو عبد الله محمد بن الحسن الشيبانيّ الكوفيّ صاحب أبي حنيفة. ولد سنة ١٣١ هـ بواسط. ولي القضاء للرشيد، وكان مع تبحره في الفقه يُضرب بذكائه المثل. وكان أيضًا مقدَّمًا في العربية والنحو والحساب. دوَّن الموطأ وحَدَّث به عن مالك ﵁. من مصنفاته: الجامع الصغير، السير الكبير. توفي ﵀ سنة ١٨٦ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٢/ ١٧٢، وفيات ٤/ ١٨٤، سير ٩/ ١٣٤، الجواهر المضية ٣/ ١٢٢.\n(^٢) انظر: القواطع ١/ ٢٥٦ - ٢٥٧، المحصول ١/ ق ٢/ ٥٠٠، نهاية الوصول ٣/ ١٢٠٣، الإحكام ٢/ ١٩٢، بيان المختصر ٢/ ٨٩، شرح الكوكب ٣/ ٩٢، نهاية السول مع سلم الوصول ٢/ ٢٩٦، المستصفى ٣/ ٢٠٤.\n(^٣) انظر مسألة اقتضاء النهي الفساد في: المحصول ١/ ق ٢/ ٤٨٦، التحصيل ١/ ٣٣٦، الحاصل ١/ ٤٩٢، نهاية الوصول ٣/ ١١٧٦، المستصفى ٣/ ١٩٩، نهاية السول ٢/ ٢٩٣، السراج الوهاج ١/ ٤٨٥، الإحكام ٢/ ١٨٨، شرح تنقيح الفصول ص ١٧٣، بيان المختصر ٢/ ٨٨، نثر الورود ١/ ٢٣٨، تيسير التحرير ١/ ٣٧٦، فواتح الرحموت ١/ ٣٩٦، كشف الأسرار ١/ ٢٥٧، أصول السرخسي ١/ ٨٠، شرح الكوكب ٣/ ٨٤، التمهيد لأبي الخطاب ١/ ٣٦٩، تحمَيق المراد ص ٢٧٤، تفسير النصوص ٢/ ٣٨٧.","vol":"4","page":1163},{"text":"الكف) (^١).\nهذه المسألة في بيان مُقْتَضى النهي، فالمطلوب عندنا بالنهي: فِعْلُ ضِدِّ المنهي عنه، فإذا قال: لا تتحرك - فمعناه: افعل ما يضاد الحركة.\nوعند أبي هاشم: هو نفس (أن لا تفعل) (^٢) (^٣)، وهو عدم الحركة في هذا المثال. وقد وافقه بعض المتكلمين، ونقله التِّبريزي عن الغزالي (^٤).\nوأما قول إمام الحرمين في الردِّ على الكعبي في مسألة المباح: \"الغرض من النهي عن الزنا أن لا يكون (^٥)، لا أن يكون ضد من أضداده\" (^٦)، فلا\n_________\n(^١) في (ص)، ونهاية السول ٢/ ٢٩٣، والسراج الوهاج ١/ ٤٩٢، ومناهج العقول ٢/ ٥٢: \"قلنا: المدح على الكف\". وسيُصَرِّح الشارح بعبارة الماتن كما هي مثبتة هنا في ص.\n(^٢) في (ت): \"أن لا يفعل\".\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٥٠٥، شرح تنقيح الفصول ص ١٧١ وفيه: وعن أبي هاشم عدم المنهي عنه.\n(^٤) ما نقله التبريزي هو ظاهر كلام الغزالي في المنخول ص ١٣٧، ولذلك قال الزركشي في البحر المحيط ٣/ ٣٧٦: \"ونقل التبريزي عن الغزالي موافقة أبي هاشم، وهو معذور في ذلك، فإنه قال في \"المنخول\" قبيل باب العموم. . .\". ثم قال: \"وظاهر كلامه في \"المستصفى\" في هذه المسألة التفصيل بين الترك المجرد المقصود لنفسه من غير أن يُقصد معه ضده بالمكلَّف فيه بالفعل كالصوم، فالكف منه مقصود، ولهذا وجب فيه النية. وبين الترك المقصود من جهة إيقاع ضده كالزنا والشرب، فالمكلف فيه بالضد\". وانظر: المستصفى ١/ ٣٠٠.\n(^٥) يعني: أن لا يتحقق الزنا.\n(^٦) انظر: البرهان ١/ ٢٩٤.","vol":"4","page":1164},{"text":"ينبغي أن يُفهم منه موافقة أبي هاشم، بل هو حق لا شك فيه. والفرق بينه وبين رأي أبي هاشم أن قوله: \"الغرض\" يعني به المقصود من التكليف، ولم يقل: إنه المكلَّف به (^١)، كما قال أبو هاشم، والمكلَّف به هو المحصِّل لذلك الغرض، فالغرض: هو غاية الشيء الذي طُلب لأجلها (^٢).\nواحتج المصنف على ما ذهب إليه: بأن النهي تكليفٌ، والتكليف إنما يرد بما كان مقدورًا للمكلف، والعدم الأصلي يمتنع أن يكون مقدورًا للمكلَّف؛ وذلك لأن المقدور (ما للقدرة) (^٣) فيه تأثيرٌ ما، والعدم الصِّرْف يستحيل أن يكون أثرًا للقدرة (^٤)، وبتقدير أن يكون العدمُ أثرًا يمكن إسناده إلى القدرة، لكن العدم الأصلي (^٥) لا يمكن إسناده إلى القدرة؛ لأن الحاصل لا يمكن تحصيله ثانيًا (^٦). وإذا تقرر هذا فمُتَعَلَّق النهي أمرٌ وجودي ينافي المنهي عنه، وهو المطلوب.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) قوله: \"لأجلها\" الضمير يعود إلى الغاية، أي: طلب الشيء لأجل تلك الغاية. والمعنى: أن كلام إمام الحرمين عن الغرض من التكليف، وكلام أبي هاشم عن المكلَّف به المحصِّل لذلك الغرض.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) لأن القدرة إنما تؤثر في الموجود لا في المعدوم الخالص.\n(^٥) أي: العدم المستمر. انظر: نهاية السول ٢/ ٣٠٦، ٣٠٧.\n(^٦) يعني هو معدوم أولًا وابتداءً، فكيف يُعْدم بالقدرة ثانيًا!","vol":"4","page":1165},{"text":"وهذا الدليل متوقف على قاعدة: وهي أن اللغات لم يوضع الطلب فيها إلا للمقدور دون المعجوز عنه. ونحن وإن قلنا بجواز تكليف ما لا يطاق - فإنما نقول به في أحكام الربوبية (^١)، لا في الموضوعات اللغوية (فإنما وضعت اللغات) (^٢) لتحصيل المقاصد العادية، والمُحال لا يُحَصَّل عادة.\nواعترض على هذا الدليل: بأنكم إنْ عنيتم بالقدرة ما له أثر يستند ذلك (^٣) إليه - فلا نسلم أن التكليف يعتمد هذه القدرة، بل ذلك في (^٤) الفعل، وأما في الترك فلا (^٥).\nوإنْ عَنَيْتُم بالقدرة ما يجده من (^٦) نفسه كل أحد، وهو أن سليم الأعضاء القوي يُدْرِك من نفسه أنه متى أراد الفعل فَعَل، ومتى أراد الترك ترك، ويجد من نفسه التمكن - فنحن نُسَلِّم ذلك، ونمنع أنه غير قادر بهذا الاعتبار (^٧).\n_________\n(^١) أي: في تكليفات المولى ﷾.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) أي: ذلك الأثر.\n(^٤) في (ص): \"من\". وهو خطأ.\n(^٥) المعنى: أننا لا نُسَلِّم أن التكليف يعتمد هذه القدرة في النهي الذي هو الترك؛ لأن الترك من الأمور العدمية، والعدم ليس للقدرة فيه تأثير، بل التكليف يعتمد هذه القدرة في الأمر بالفعل؛ لأن الفعل من الموجودات، والقدرة تؤثر فيها.\n(^٦) في (ت): \"في\".\n(^٧) يعني: إنْ عَنَيْتُم بالقدرة التمكن: وهو أن المكلف متمكن من الفعل وعدمه، بإرادته واختياره - فنحن نُسَلِّم بهذه القدرة، ونمنع أن المكلف غير قادر على الترك بهذا =","vol":"4","page":1166},{"text":"واعترض أيضًا: بأن ترك الزنا مثلًا ليس بعدمٍ محض، وإنما هو عدمٌ مضافٌ فيكون مقدورًا (^١).\nواحتج أبو هاشم: بأنَّ مَنْ دُعِي إلى زنا فلم يفعله فإن العقلاء يمدحونه على أنه لم يزن، مِنْ غير أن يخطر ببالهم فِعْلُ ضدِّ الزنا، فعلمنا أن هذا العدم يصلح أن يكون مُتَعَلَّق التكليف.\nوأجاب المصنف: بأن المدح ليس على شيءٍ لا يكون في وُسْعه، والعدم الأصلي يمتنع أن يكون في وُسْعه وطاقته، كما عرفت، فإنما (^٢) يمدح على كَفِّه عن ذلك الفعل، وذلك الكَفُّ أمْرٌ وجودي، وهو فعل ضد الزنا. وإلى هذا أشار بقوله: \"قلنا: على الكف\"، (أي: المدح على فعل الكف) (^٣).\nهذا شرح ما ذكره (^٤) ونختم المسألة بفائدتين:\n_________\n= الاعتبار؛ لأن الترك وإنْ كان عدميًا لا يتأثر بقدرة العبد، لكن العبد قادر على إزالته، فكَفُّ العبدِ عن الإزالة هي القدرة على الترك التي نُسَلِّم بها.\n(^١) أي: ترك الزنا ليس عدمًا خالصًا، حتى لا يتأثر بقدرة العبد، بل هو عدمٌ مضاف إلى الزنا، والزنا شيء وجودي، والوجودي يكون مقدورًا على فعله، فيكون تركه ممكنًا مقدورًا للعبد.\n(^٢) في (ص): \"وإنما\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ٢/ ٥٠٥، الحاصل ١/ ٤٩٦، التحصيل ١/ ٣٣٩، شرح تنقيح الفصول ص ١٧١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٣، الإحكام ١/ ١٤٧، المستصفى ١/ ٣٠٠، البحر المحيط ٣/ ٣٧٥، تيسير التحرير ٢/ ١٣٥، المحلي =","vol":"4","page":1167},{"text":"إحداهما (^١): قد عرفت أن الكف فِعْلٌ على (^٢) المختار، وفي فروع الطلاق من الرافعي عن القفال لو قال: إنْ فعلتِ ما ليس لله فيه رِضَىً فأنتِ طالقٌ، (فتركتْ صومًا أو صلاة) (^٣) - ينبغي أن لا تطلق، لأنه تَرْك وليس بفعل، فلو سرقت أو زنت طلقت (^٤).\nالثانية: وهي المقصود الأهم، قد يقال: ما الفرق بين هذه المسألة التي انتهينا منها، وبين المسألة المتقدمة في أن النهي عن الشيء هل هو أمر بضده؟\nوتقرير السؤال: أنك قد علمت أن الجمهور قالوا: المطلوب بالنهي فِعْلُ ضد المنهي عنه، أي: الكف عنه (^٥). وقال أبو هاشم: انتفاء الفعل (^٦).\nواختلفوا أيضًا في النهي عن الشيء هل هو أمر بضده، كما سلف في مكانه؟\n_________\n= على الجمع ١/ ٢١٤، نهاية السول ٢/ ٣٠٥، السراج الوهاج ١/ ٤٩١، شرح الكوكب ١/ ٤٩١.\n(^١) في (ص): \"إحديهما\"\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت): \"فتركت الصلاة\".\n(^٤) قال الإسنوي في التمهيد ص ٢٩٦، بعد نقله هذه الصورة: \"قلت: وعلى قياس ما قاله ينبغي أن لا يَحْنَث في الزنا إذا كان الموجود منها إنما هو مجرد التمكين على العادة؛ لأنه أيضًا ترك للدفع، وليس بفعل من المرأة\".\n(^٥) فكل ما سوى الزنا ضد له، فالكف عن الزنا هو التلبس بضده.\n(^٦) أي: المطلوب بالنهي انتفاء الفعل.","vol":"4","page":1168},{"text":"فإذا قيل: معنى قَوْلنا: \"النهي عن الشيء أمْرٌ بضده\": هو أن مطلوبَ النهي فِعْلُ الضد. وهو أحد القولين في المسألة الأولى. ومعنى \"أنه ليس أمرًا بضده\": هو أن المطلوب انتفاءُ المنهي عنه. وهو القول الثاني في المسألة الأولى. فالمسألتان حينئذ واحدة، وإلا فما الفرق؟\nقلنا: قد كنا وعدنا في الكلام على تلك المسألة بالجواب عن هذا السؤال؛ لضيق المحل هناك عما نُورده هنا. وقد أجيب بأوجه:\nأحدها: أن الكلام في تلك المسألة بحث لفظي، وفي هذه معنوي. ذكره الأصفهاني شارح \"المحصول\" (^١).\nوالثاني: أن قولنا: النهي عن الشيء أمرٌ بضده بحث في المتعلِّقات بكسر اللام، فإن النهي متعلِّق بالمنهي عنه والأمر متعلق بالمأمور.\nوقولنا: المطلوب النهي فعل ضد النهي عنه بحث في المُتَعَلَّقات بفتح اللام.\nوالثالث: أن البحث في تلك المسألة في دلالة الالتزام على ضد المنهي عنه، فنقول: متى نُهي عن الشيء مطابقة دلَّ (^٢) على طلب ضده التزامًا، والبحث في هذه المسألة (^٣) في دلالة المطابقة ما مدلولها الطابِق هل هو العدم أو ضده. ذكرهما القرافي (^٤).\n_________\n(^١) انظر: الكاشف ٤/ ٢٠٠.\n(^٢) في (ص): \"دلَّت\".\n(^٣) لم ترد في (ت)، و(ص)، و(غ).\n(^٤) عبارة القرافي: \"ما مدلولها المطابقي، هل هو العدم الذي سمعه السامع في قوله: لا تتحرك. أو ضده الذي لا يسمعه السامع وهو السكون؟ \". انظر: نفائس الأصول =","vol":"4","page":1169},{"text":"واعلم أنه قد وقع النظر في هذا السؤال وهذه الأجوبة عندي غير مرة، وطال الحِجاج، والذي قُلْتُه أنا في الفرق: أنه إذا نُهِي عن شيءٍ (^١) كالزنا مثلًا فهناك ثلاثة أمور:\nأحدها: انتفاء الزنا.\nوالثاني: الكف عنه (^٢).\nوالثالث: فِعْلُ ضدٍ مِنْ أضداده لا يتم الكف أو الانتفاء إلا به، كالوطء المباح أو غيره مما لا يجامع الزنا في آن واحد.\nإذا تقرر ذلك فنقول: كون المطلوب في النهي \"الكف\" أو \"الانتفاء\" هو مسألة أبي هاشم، والخلاف فيها قد ينبني (^٣) على أن شَرْط المطلوب الإمكان (أم لا؟ وعلى أن الانتفاء مقدورٌ أم لا؟ وهما مسألتان مُخْتَلَفٌ فيهما.\nفإن قلنا: ليس من شرط المطلوب الإمكان) (^٤) - جاز أن يكون مُتَعَلَّق النهي الانتفاء (^٥) كرأي أبي هاشم.\nوإنْ قلنا: شرط التكليف الإمكان، وأن الانتفاء مقدور - فكذلك\n_________\n= ٤/ ١٧١٧.\n(^١) في (غ): \"الشيء\".\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"قد يُبْنَى\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1170},{"text":"أيضًا (^١)، وإلا (^٢) تعيَّن أن يكون المطلوب في النهي هو الكف.\nوأما كون النهي يقتضي الأمر بضده، أو لا - فمعناه: أن طلب الكف عن المنهي عنه، أو طلب انتفائه، على اختلاف القولين، هل يستلزم الأمر بضده الذىِ لا يتم الكف أو الانتفاء إلا به كالوطء (^٣) المباح مثلًا، أم لا؟ وهذه هي المسألة الأخرى، والخلاف فيها مبني على أن (^٤) ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لا على ما انبنت (^٥) عليه المسألة الأولى (^٦). فالمسألتان مختلفتان ليست إحداهما عينَ الأخرى ولا مستلزمةً لها، وليس القولان القولين (^٧) (^٨)، فإن القائلين بأن مطلوب النهي هو الكف يمكن أن يختلفوا في أن النهيَ الذي هو طلبُ الكف أمرٌ بالضد (الذي لا يتم) (^٩)\n_________\n(^١) أي: فكذلك يجوز أن يكون متعلّق النهي الانتفاء.\n(^٢) أي: وإن لم يكن الانتفاء مقدورًا عليه.\n(^٣) في (ص): \"كالواطئ\". وهو خطأ.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (غ): \"ابتنت\".\n(^٦) فالمسألة الأولى انبنت على الخلاف في متعلّق النهي، وما هو المطلوب فيه، أما هذه المسألة فالخلاف فيها مبني على أنها هل هي من لوازم متعلّق النهي، وهل تَحَقُّقُ المطلوبِ بالنهي (وهو الانتفاء أو الكف) يستلزم الأمرَ بالضد الذي لا يتم الكف أو الانتفاء إلا به، وهذا الخلاف مبني على قاعدة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) أي: ليس القولان في المسألة الأولى هما القولان في المسألة الثانية.\n(^٩) في (ص): \"الذي هو لا يتم\". ولعل حذف هو أولى.","vol":"4","page":1171},{"text":"الكف إلا به أم لا؟\nوكذلك القائلون بأن مطلوب النهي انتفاءُ الفعل، يمكن أن يختلفوا في أن طلب الانتفاء هل هو أمر بالضد الذي لا يتم انتفاء الفعل إلا به؟ .\nهذا إذا فَرَّعنا على أن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده، أما إذا فرعنا على أن النهي نفس الأمر بالضد (^١)، وأريد بالضد الكف أو الانتفاء فهي غيرها أيضًا؛ لأن خلاف مسألة أبي هاشم هو في أن مطلوب النهي هل هو الكف أو الانتفاء، و(^٢) خلاف هذه (في أن هذا النهي الذي هو طلب الانتفاء أو الكف أمر أم لا؟ نعم الخلاف في هذه (^٣) (^٤» (^٥) على هذا التفريع (^٦) مرتب على الخلاف في مسألة أبي هاشم.\nحتى إذا قلنا بمذهب أبي هاشم لم يكن النهي أمرًا بلا خلاف؛ لأن الأمرَ طلبُ فعلٍ لا طلب انتفاء اتفاقًا (^٧).\nوإذا قلنا بمذهب غير أبي هاشم أمكن الخلاف في أن النهي الذي هو\n_________\n(^١) فالنهي إما أن يدل على الضد بدلالة الالتزام، أو بدلالة المطابقة.\n(^٢) سقطت الواو من (ت).\n(^٣) أي: أمر بالضد أم لا.\n(^٤) أي: في مسألة النهي عن الشيء هل هو أمر بضده.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) أي: على تفريع أن النهي نفس الأمر بالضد.\n(^٧) لأننا لما فَرَّعنا على أن النهي نفس الأمر بالضد، وأبو هاشم يفسِّر الضد بالانتفاء - كان معنى مذهبه على هذا التفريع: النهي هو نفسي الأمر بالانتفاء، فليس النهي على مذهب أبي هاشم أمرًا بالفعل، بلا خلاف.","vol":"4","page":1172},{"text":"طلب الكف أمر بذلك الكف أم لا؟ لأن الكف فعل، لكن يلزم القائلين بأن النهي أمر بالكف أن يكون النهي نوعًا من الأمر.\nوإن فَرَّعنا على أن النهي عن الشيء نفس الأمر بضده، لكن أُريد بالضد ما لا يتم الكف أو الانتفاء إلا (^١) به كالوطء المباح مثلًا - صارت المسألتان واحدة، إلا أن المبحوث عنه في مسألة أبي هاشم: هو أن مطلوب النهي الكف (أو الانتفاء.\nوالمبحوث عنه هنا: هو أن مطلوب النهي (^٢) فعل الضد الذي لا يتم الكف أو الانتفاء إلا به أم لا (^٣).\nويتلخص من البحثين أن في المسألة حينئذ ثلاثة مذاهب:\nأحدها: مذهب أبي هاشم.\nوالثاني: أن مطلوب النهي هو الكف.\nوالثالث: أن المقصودَ في النهي فعلُ ضدٍ ليس بكف ولا انتفاء (^٤). والله أعلم.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) يعني: أن المقصود من النهي عن الزنا مثلًا هو فعل ضد الزنا كالوطء المباح، وليس المقصود من النهي عن الزنا هو الكفُّ عنه، ولا انتفاؤه، وهو وإن تحقق هذا تبعًا لفعل ضد الزنا، فالنهي عن الزنا يعني فعل ضده فقط.","vol":"4","page":1173},{"text":"ويتضح به ما قررناه من الفرق بأن الكف (^١) فعلٌ أعم من جميع الأضداد؛ لأنه لا ضد إلا وهو مشتمل على الكف.\nفإذا قلنا في هذه المسألة المطلوب بالنهي الكف أردنا الضد الأعم (^٢). وقولنا في المسألة الأخرى: النهي عن الشيء أمر (^٣) بأحد أضداده - المراد به الضد الخاص الذي لا يتم الكف والانتفاء (^٤) إلا به.\nويكون مَنْ نُهِيَ عن شَيءٍ حينئذ عند القائل بأن النهي عن الشيء أمر بضده مأمورًا بشيئين: أعم، وأخص: الكفُّ، وفعلٌ يَحْصُلَ في ضمنه الكف.\nفالمنهي عن الزنا مأمورٌ بالكف عنه، وبفعلٍ يشتمل على ذلك الكف (^٥)، ويلزم على هذا أن يثاب على شيئين: الأعم والأخص؛ لتعلق الأمر بهما، وأن يصح نذره، فلو قال: لله عليَّ أن أفعل فعلًا يضاد الزنا، وهو الفعل الفلاني، وعَيَّن فعلًا لم يطلبه الشرع بخصوصه، كالنوم مثلًا، لزمه الوفاء به لكونه مأمورًا به (^٦) في ضمن النهي عن الزنا.\n_________\n(^١) يعني: ترك الزنا بأي فعل.\n(^٢) فالضد الأعم: هو كل ما سوى الزنا، أما الضد الأخص: فهو كالوطء المباح فقط.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ص): \"أو الانتفاء\".\n(^٥) فالكف ملزوم، والفعل لازم.\n(^٦) أي: بالنوم، لأن النوم ضد أخص، والكف عن الزنا ضد أعم، وأمره بالكف متضمن لأمره بالنوم؛ لأن الأمر بالأعم أمر بالأخص.","vol":"4","page":1174},{"text":"هذا ما كنت أقرره في الفرق. ثم حضر عندي في الحلقة بعض الفضلاء وحصل البحث في هذا الجواب وفي الأجوبة المتقدمة، أعني: جواب شارح المحصول وجوابَي (^١) القرافي وأنها هل هي صحيحة؟ فكتبت أسأل والدي - أطال الله بقاه - عن السؤال من أصله، وذكرت الأجوبة الثلاثة (^٢) وأنه هل يحصل الجواب بشيء منها وهل يمكن أن يقال في الجواب: هذا الوجه الرابع الذي قررتُه، وأنه هل يمكن الاعتراض على هذا الجواب الرابع: بأن الكف عن الزنا مثلًا إذا كان فعلًا يغاير الزنا كان ضدًا له، ويكون حينئذ أخص من مطلق ضده فلا يحسن، (أوْ أن) (^٣) يقال هناك ثلاثة أمور: الانتفاء، والكف، وفعل الضد، لأن الكف حينئذ فعلُ ضدٍ والمغايرة بينهما مغايرة العام والخاص (^٤).\nأو يقال: الكف أعم؛ وإن كل فعل غاير الزنا فقد اشتمل على الكف عن الزنا، أو يقال هما (^٥) متباينان.\nوإذا لم يثبت أنهما متباينان وكانت مغايرتهما مغايرة العام والخاص انقدح الاعتراض على هذا الجواب.\nثانيًا: بأنهم في تلك المسألة قالوا النهي عن الشيء أمرٌ بأحدِ أضداده، والكف الذي جُعِل مطلوب النهي في هذه المسألة يصدق عليه أنه أحد الأضداد.\n_________\n(^١) في (ص)، و(ك): \"وجواب\". وهو خطأ.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) في (ت)، و(ص): \"أو لا أن\". وهو خطأ.\n(^٤) ففعل الضد هو العام، والكف هو الخاص.\n(^٥) في (ت): \"إنهما\".","vol":"4","page":1175},{"text":"فحاصل الأمر أنهم قالوا هناك المطلوب واحد مبهم من أمور متعددة وهي الأضداد، وهنا شَخَّصوه في الكف.\nالمسؤول الجواب عن هذا كله، والمسؤول أيضًا النظر في وجه الصواب في (^١) مسألة أبي هاشم هل هو معه، أو مع الجماهير؟\nفكتب أحسن الله (^٢) إليه ما نصه: الخلاف بين الجمهور وأبي هاشم فالجمهور على أن المطلوب بالنهي فعل ضد المنهي عنه، وعند أبي هاشم نفس أن لا تفعل، وما تضمنه آخِر السؤال هل الصواب معه أو مع الجماهير. فالجواب: أن قول الجمهور المطلوب بالنهي فِعْلُ ضد المنهي عنه ليس بجيد من حيث اللفظ، وقد يكون الخلل في ذلك من جهة مَنْ عَبَّر عنهم؛ فإن النهي قسيم الأمر، والأمر طلب الفعل، فلو كان النهي طلب فعل الضد لكان أمرًا (^٣)، ولكان النهيُ من الأمر.\nوقسيم الشيء لا يكون قِسْمًا منه، ولا شك أن كل متلبس (بفعل هو تارك لضده، وكلٌّ من الفعلين الفعل (^٤) والترك، يصح أن يؤمر به وأن) (^٥) يُنْهى عنه. مثاله: السفر والإقامة ضدان والتارك للسفر متلبس بالإقامة. فهل الترك للسفر نفس الإقامة أو معنى آخر؟ فيه بحث يشبه البحث في\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) لأن الأمر ضد النهي.\n(^٤) سقطت من (غ)، و(ك).\n(^٥) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1176},{"text":"الحركة هل هي الحصول في حيزٍ مسبوقٌ بالحصول في غيره، أو هي نفس الانتقال من حيز إلى حيز؟\nوفيه قولان للمتكلمين (^١)، وإن كان كلٌّ منهما (^٢) يلزم الآخر، فمتى انتقل من حيز فقد حصل في غيره، ومتى حصل في غيره بعد حصول فيه فقد انتقل، فكل من الحصولين أمر ثبوتي يمكن أن يُعْقَل وحده (^٣) حصوله فيه والانتقال أمر نسبي لا يعقل إلا بينهما، فكذلك المنهي عنه (^٤) ارتكابه شيء لا يحتاج في تصوره إلى غيره، وفعل ضده (^٥) (شيء لا يحتاج في تصوره إلى غيره، والانتهاء شيء ثالث، وهو عندي هو المطلوب) (^٦) بالنهي، لا كما قاله الجمهور ولا كما قاله أبو هاشم، وعندي أن الجمهور إنما أرادوا ما قلته، ولكن العبارة عنهم لم تُحَرَّر، فإذا (^٧) قلتَ: لا تُسافر - فقد نهيتَه عن السفر والنهيُ يقتضي الانتهاء؛ لأنه مطاوعة (^٨)، تقول: نهيته\n_________\n(^١) انظر: المطالب العالية للرازي ٤/ ٢٨٨، ٢٨٩.\n(^٢) أي: كل من المعنيين: الحصول، والانتقال.\n(^٣) يعني: يمكن أن يعقل الحصول في الحيز الأول وحده، وكذا الثاني، فَتَعَقُّل كلٍّ من الحصولين مستقل؛ لأنهما ثبوتيان.\n(^٤) كالزنا مثلًا.\n(^٥) كالأكل، أو النوم.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) في (غ): \"وإذا\".\n(^٨) الفعل المطاوع: هو الفعل اللازم الذي يقبل الأثر مِنْ فعلٍ غيره، مثل: كسَّرته فانكسر، فالفعل إنكسر مطاوِع لكسَّرته، أي: متأثر به، وكذا نهيته فانتهى.","vol":"4","page":1177},{"text":"فانتهى.\nوالانتهاء: هو الانصراف عن المنهي عنه، وهو (^١) الترك، وهو (^٢) الانزجار المطاوع لزَجَر، والانكفاف (^٣) وما أشبه ذلك (^٤).\nولغة العرب تشهد لهذا، والمعقول أيضًا يشهد له، ويُفَرَّق في العقل وفي اللغة بين قولنا: لا تسافر، (وبين قولنا) (^٥): أَقِمْ.\nوأنَّ \"أقِم\" أمْرٌ بالإقامة من حيث هي، فقد لا يستحضر معها السفر، وأنَّ \"لا تسافر\" نهيٌ عن السفر وزجر، (فمن أقام قاصدًا تَرْكَ السفر) (^٦) - يقال فيه انتهى عن السفر، ومن لم يخطر له (^٧) السفر بالكلية لا يقال له انتهى عن السفر. ويقال له مقيمٌ، والانتهاء أمرٌ معقول، وهو فِعْلٌ، ويصح التكليف به، وكذلك في جميع المناهي الشرعية كالزنا والسرقة والشرب ونحوها المقصود في جميعها الانتهاء عن تلك الرذائل، ولا يفهم في وضع اللسان وتصور العقل غير ذلك، ومِنْ لازم ذلك الانتهاءِ التلبسُ بفعلِ ضدٍ مِنْ أضداد المنهي عنه.\n_________\n(^١) أي: الانتهاء.\n(^٢) أي: الانتهاء.\n(^٣) أي: المطاوع لكَفَفْتُه.\n(^٤) فكل هذه معانٍ مترادفة للانتهاء.\n(^٥) في (ت)، و(غ)، و(ك) \"وقولنا\".\n(^٦) سقطت من (غ).\n(^٧) في (غ): \"بباله\".","vol":"4","page":1178},{"text":"فالعبارة المحررة أن يقال إن المطلوب بالنهي الانتهاء. ويلزم من الانتهاء فعلُ ضدِ المنهيِّ عنه (^١).\nولا يُعْكَس فيقال: المطلوب ضِدُّ المنهي عنه ويلزم به الانتهاء؛ لأن الانتهاء متقدم في الرتبة في العقل على فعل الضد، فكان معه كالسبب مع المسبب.\nفالكافر إذا أسلم فقد وجد منه ثلاثة أشياء:\nكُفْره أولًا المنهيُّ عنه.\nثم انتهاؤه عنه. والترتيب بينهما في الزمان.\nثم تلبسه بالإيمان. والترتيب بينه وبين الانتهاء عن الكفر ليس في الزمان (^٢)، وإنما هو في الرتبة ترتب المعلولية على العلية وهما في زمان واحد.\nكذلك الانتهاء وفعل الضد في زمان واحد. والانتهاء متقدم بالرتبة تقدم العلية على المعلولية حتى لو فرض أن الانتهاء يحصل بدون فعل الضد حصل المطلوب به، ولم يكن حاجة إلى فعل الضد، لكن ذلك فَرْضٌ غير ممكن، وهذا المعنى حاصل في جميع (^٣) الأفعال، وكلما يتلبس به الإنسان، والمقصود بالذات هو الانتهاء، وأما فعل الضد فلا يقصد إلا بالالتزام بل قد\n_________\n(^١) فقولنا: لا تكفر. المطلوب المطابقي له: هو الكف عن الكفر، وهو الانتهاء، ويلزمه لكي يتحقق الإيمان.\n(^٢) يعني: حصولهما معًا، ليس هناك فاصل زمني بينهما، فإذا انتهى عن الكفر فقد تلبس بالإيمان في لحظة واحدة.\n(^٣) سقطت من (ص).","vol":"4","page":1179},{"text":"لا يُقْصد أصلًا، ولا يستحضره المتكلم، ومتى قَصَد المتكلم (^١) فعلَ الضد وطَلَبه من حيث هو - كان أمرًا لا نهيًا عن ضده، ومتى أتى بصيغة أمْرٍ في معنى الانتهاء كقوله (^٢): اترك - فهذا لفظه لفظ الأمر ومعناه معنى النهي، وبينهما فرق، وهو أنا قلنا: إن الانتهاء له طرفان أحدهما من جانب المنهي عنه، والثاني من جانب ضده الذي به يحصل الانتهاء، فقوله: \"لا تفعل\" جانب المنهي عنه أقوى، وقوله: \"اترك\" الجانب الآخر (^٣) فيه أقوى، ولا مانع أن يترجَّح أحد الجانبين على الآخر، وإن كانا جميعًا مقصودين. أما إذا مُحِّض الأمرُ بهذا للضد، (أو بذلك) (^٤) - فلا نهي البتة (^٥)، وقد لا يستحضر معه الطرف الآخر (^٦) فعلى ما قلناه (^٧) ينبغي أن يُحمل كلام الجمهور، ومَنْ عَبَّر عنهم بتلك العبارة فإما غير متأمل لمعناها، وإما قصده تقريبُ المعاني إلى الطالب المبتدي، فإن التعمق في المعاني يضر المبتدي، ومِنْ آداب المُعَلِّم أنْ يُرَبيَ الناس بصغار العلم قبل كباره.\n_________\n(^١) سقطت من (غ)، و(ك).\n(^٢) في (ت): \"كقولك\".\n(^٣) وهو وفعل الضد.\n(^٤) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"أو بذاك\". والمعنى: أو بضدٍ آخر.\n(^٥) يعني: إذا جعلنا المقصود بالنهي هو فعل الضد، ومحضنا النهي لذلك، فإن معنى النهي ينتفى، ويصبح أمرًا لا نهيًا.\n(^٦) أي: قد لا يُستحضر مع فعل الضد الانتهاء، وهو المقصود بالطرف الآخر، وقد سبق بيان أن الانتهاء لا يتحقق إلا بقصده.\n(^٧) أي: من كون النهي له طرفان: طرف الانتهاء عن المنهي عنه، وطرف فعل الضد.","vol":"4","page":1180},{"text":"وأما قول أبي هاشم: إن المطلوب نفس أن لا تفعل (^١) - فهو وإن كان يبتدر إلى الذهن في الأول؛ لأن حرف النهي ورد على الفعل فقد طلب منه عدمه، لكن نفسَ أن لا تفعل عدمٌ مَحْضٌ فلا يكلَّف به ولا يُطلب، وإنما يُطلب من المكلف ما له قدرة على تحصيله، فلعل مراد أبي هاشم العدم الذي هو من الانتهاء، والانتهاء فِعْل، فإن أراد ذلك تقارب المذهبان، ويكون الجمهور نظروا إلى حقيقة ما هو مكلَّف به، وأبو هاشم نظر إلى المقصود به، وهو إعدام دخولِ المنهي عنه في الوجود.\nوإن لم يرد أبو هاشم ذلك، وأراد [أن] (^٢) العدم المحض (^٣) الذي لا صنع للمكلَّف في تحصيله - فهو باطل.\nإذا عُرِف هذا فَقَوْل شارح المحصول: إن هذه المسألة لا تشتبه بأن النهي عن الشيء أمر بضده؛ لأن الكلام في ذلك لفظي وفي هذه معنوي - ليس بجيد، أما أوَّلًا فلأنه ليس الكلام في تلك لفظيًا فقط، بل لفظيًا ومعنويًا، وحقيقة (النهي والأمر) (^٤) أمران نفسانيان (^٥) يُعبَّر عنهما بلفظٍ، والكلام في حقائقهما (^٦).\n_________\n(^١) في (ت): \"أن لا يفعل\".\n(^٢) حذف (أن) أولى وأحسن.\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"الصِّرف\".\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"الأمر والنهي\".\n(^٥) أي: أنهما معنيان معقولان في النفس، فالخلاف بينهما معنوي.\n(^٦) يعني: الكلام في مسألة النهي عن الشيء أمر بضده: عن حقائق النهي والأمر، وهل هما شيء واحد، أم متلازمان؟ وهذا خلاف معنوي.","vol":"4","page":1181},{"text":"وأما ثانيًا فلأن الأمر بالشيء لفظًا يقتضي أن المطلوب المعنوي مأمور به على ما قال، فيحصل الاشتباه (^١).\nوأما الذي (^٢) قاله القرافي فالوجه الأول صحيح، ولكنه لا يفيده جوابًا، ولا شك أن المتعلِّق بكسر اللام غير المتعلَّق بفتحها، والفرق بينهما صوري، ولا يلزم منه عدم تداخل إحدى المسألتين في الأخرى.\nو(^٣) أما الوجه الثاني فقوله: إنَّ النهي عن الشيء أمرٌ بضده التزامًا - صحيحٌ، وقوله: المطلوب بالنهي فعل الضد مطابقة - ليس بصحيح؛ لما قدمناه، لكنه (^٤) موافقٌ لظاهر كلامِ الأصوليين، فحينئذ هذا الجواب الثاني من كلام القرافي ينبغي أن يكون هو العمدة على ظاهر كلام الأصوليين، لكنا لا نوافق عليه لما قدمناه، فالمختار عندنا في المسألتين أن الكلام في الالتزام لا في المطابقة (^٥)، وحينئذ نقول، وأُقَدِّم على ذلك (^٦) زيادةً في بيان\n_________\n(^١) فالأمر بترك الزنا مثلًا طلب لفظي، والتلبس بضده مطلوب معنوي، أي: مستفاد من معنى اللفظ، فالخلاف في مسألة النهي عن الشيء أمر بضده، خلاف لفظي معنوي، ومن ثم فهي تشتبه بمسألة مقتضى النهي هل هو عدم المنهي عنه، أو التلبس بضده؟\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"ما\".\n(^٣) سقطت الواو من (ت).\n(^٤) في (ت): \"ولكنه\". والضمير في لكنه، يعود إلى قوله: المطلوب بالنهي فِعْل الضد مطابقة.\n(^٥) فالنهي عن الشيء هل هو أمر بضده؟ هذا من جهة الالتزام، ومقتضى النهي هل هو عدم المنهي عنه أو فعل ضده؟ هذا أيضًا من جهة الالتزام؛ لأن مدلول النهي المطابقي هو الانتهاء، كما سبق من الوالد تقريره.\n(^٦) سقطت من (ص).","vol":"4","page":1182},{"text":"ما كنا فيه: أن النفيَ له في اللغة معنيان:\nأحدهما: فِعْلُ الفاعلِ النفي (^١). تقول: نفيتُ الشيءَ فانتفى. وهذا هو أظهر المعنيين.\nوالثاني: نفس الانتفاء. تقول (^٢) نَفَى الشيءُ (^٣). هكذا سُمِع من اللغة (^٤)، وعلى هذا المعنى الثاني يكون النفي والإثبات نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان، ويكون المراد بالإثبات الثبوت، كما أن المراد بالنفي الانتفاء (^٥)، وأما إذا أردت بالنفي نفيَك الشيء وبالإثبات إثباتَك له - فيكونان ضدين لا نقيضين؛ لأنك قد لا تَنْفي ولا تُثْبت (^٦)، وهذا البحث ليس مما نحن فيه، ولكنه يُحْتاج إلى تصوره، وبَحْثٌ آخرُ منه وهو العدم تارة يكون عدم الشيء في نفسه من حيث هو هو، من غير نظر إلى مُعْدِمٍ، وتارة يكون عدمًا بإعدام غيره، والعدمان في حقيقتهما سواء ولكن الأول بلا فاعل، والثاني بفاعلٍ، وفِعْلُ ضده كذلك (^٧).\n_________\n(^١) المراد بالنفي هنا هو الكف؛ لأن العدم لا يدخل تحت القدرة.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) فالفعل في المعنى الأول متعد، وفي الثاني لازم.\n(^٥) يعني: أن الإثبات هو ذات الثبوت، لا أن هناك فاعلًا أثبت الشيء. كما أن النفي هو ذات الانتفاء، لا أن هناك فاعلًا نفي الشيءَ، فالفعلان على هذا المعنى لازمان غير متعديين.\n(^٦) يعني فقد ارتفعا، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان.\n(^٧) أي: أن فعل ضد العدم كذلك على قسمين: فِعْلٌ وجوده في نفسه لا يحتاج إلى فاعل، والثاني. يحتاج إلى فاعل في وجوده.","vol":"4","page":1183},{"text":"فأبو هاشم يرى أن المطلوب بالنهي الأول (^١).\nوالجمهور يرون أن المطلوب بالنهي الثاني (^٢).\nوالحق معهم لأنه الذي يصح به التكليف، فالعدم من حيث هو أمر (^٣)، وعدم الزنا من حيث هو أخص منه (^٤)، ولا فعل معه (^٥) البتة (^٦) وهو الذي يقول أبو هاشم إنه مطلوب.\nوعدم الزنا بفَعْلِ فاعل: وهو كف النفس عنه - شيءٌ ثالث أخص من الثاني، الذي هو أخص من الأول. وفيه (^٧) أمران:\nأحدهما: طرف العدم. والثاني: طرف الفعل المُحَصِّل له (^٨) وهو (^٩) من الطرف الأول ليس بشيء؛ لأنه عدم، ولا يكلف به (^١٠)، ومن الطرف الثاني ثبوت، ولذلك أطلقنا في كلامنا عليه اسم الشيء، فيصح التكليف\n_________\n(^١) أي: العدم بدون فاعل.\n(^٢) أي: العدم بالفاعل.\n(^٣) هكذا في جميع النسخ، والصواب: من حيث هو أعم؛ لأنه قال بعده: \"وعدم الزنا من حيث هو أخص منه\".\n(^٤) أي: من العدم.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) أي: لا فعل يمكن مع عدم الزنا، لأنه عدم خالص، فليس للقدرة عليه سبيل.\n(^٧) أي: في العدم الثالث.\n(^٨) يعني: المحصِّل لهذا العدم، أي الذي يتحقق به هذا العدم.\n(^٩) أي: العدم الثالث الأخص.\n(^١٠) سقطت من (غ).","vol":"4","page":1184},{"text":"به، وهو مراد الجمهور. وفِعْل الفاعلِ من حيث هو مع قطع النظر عن العدم الحاصل به (^١) أمرٌ رابع.\nوهو أمر وجودي لا عدم مَعَه، وهو الذي يُراد غالبًا بالضد، فهذا هو المراد بقولنا: الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده أو بأحد أضداده. وإذا علمتَ هذه الأربعة فاعتبِرْها تَجدها في سائر الأمور.\nفكل أمرٍ لَكَ إقبالٌ عليه، وانصرافٌ عنه، وتلبسٌ بفعلٍ غيرِه، وفي الانصراف عنه نسبتان، والإمام فخر الدين لما كان يرى أن الحركة هي الحصول في الحيِّز الثاني لا جرم قال: إن المطلوب بالنهي فعل الضد (^٢).\nونحن نرى أن الحركة: هي الانتقال من الحيِّز الأول إلى الحيِّز الثاني، لا جرم قلنا: إن المطلوب بالنهي الانتهاء: وهو الانصراف عن المنهي عنه إلى غيره، لا يقصد غيرَه بل يَقْصد عدمَ الأول (^٣)، فإنْ فعل غيرَه قاصدًا به\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) يعني: النهي عن الشيء له حَيِّزان: الأول: المنهى عنه، وهو المحرم. والثاني: فعل ضد المنهي عنه، وهو الواجب. ولما كانت الحركة عند الإمام هي الحصول في الحيز الثاني قال: المطلوب بالنهي فعل الضد؛ لأن فعل الضد هو الحصول في الحيز الثاني، وهي الحركة عند الإمام.\n(^٣) أي: لا يقصد بانصرافه غير المنهي عنه، بل يقصد عدم المنهي عنه، يعني: لا يقصد الوصول إلى ضد المنهي عنه؛ لأن الحركة عند السبكي الانتقال من الحيز الأول إلى الحيز الثاني.","vol":"4","page":1185},{"text":"الانتهاء كان ممتثلًا: (وإن فعل غيره (^١) غير قاصد الانتهاء لم يكن ممتثلًا) (^٢) ولكنه لا يأثم لأنه لم يرتكب المنهي عنه، والمقصود في (^٣) الحقيقة إنما هو عدم المنهي عنه، ولو كان المقصود أن يَضُمَّ إلى العدم شيئًا آخر لكان مَنْ لم يَزْنِ ولا قصد الامتثال.\nولا نقول عدم الذم لكونه غافلًا عن النهي فإنا نفرضه فيمن استحضر النهي ولم يفعل المنهيَ عنه ولا قصد شيئًا فإنه لا يُذَمُّ ولا يُحْمد.\nوهذا يبيِّن لنا الفرق بين تحريم الشيء وإيجاب الكف عنه؛ فإن إيجاب الكف عنه يقتضي أنه لا يخرج عن العهدة إلا بتحصيل الكف الذي من شرطه إقبال النفس عليه ثم كفها عنه، وليس كذلك (^٤)، وإنما الفعل هو المحرَّم فلا يأثم إلا به.\nوقد أطلنا في ذلك فلنرجع إلى غرضنا، ونقول (^٥): قولهم: المطلوب بالنهي فعل ضد المنهي عنه - مرادهم به الضد العام وهو الانتهاء الحاصل بواحدٍ من أضداد المنهي عنه.\nوقولهم: النهي عن الشيء أمر بضده، قد بيّنوا أنه بطريق الالتزام -\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) أي: ليس التكليف في النهي بإيجاب الكف.\n(^٥) في (غ): \"فنقول\".","vol":"4","page":1186},{"text":"مرادهم به الضد الخاص وهو أحد الأضداد الذي يحصل الانتهاء به أو بغيره.\nفإن أرادوا الضد العام لزم مِنْ كلٍّ من المسألتين الأخرى، لكنه لا يكون تكرارًا فلا يكون مسألة واحدة بل هما مسألتان (^١)، وإن لزم من معرفة حكم إحداهما معرفة حكم الأخرى فلا يضرنا ذلك.\nوإنما يحسن السؤال لو كانوا وضعوا مسألة أن النهي عن الشيء هل هو أمر بضده أوْ لا؟ وليس ذلك في \"المحصول\"، وإنما في \"المحصول\" أن الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟ (وتكلم غيره في أن النهي عن الشيء هل هو أمر بضده) (^٢)؟ فلو جعلتا مسألتين مترجمًا عنهما ربما كان يرد السؤال، ولكنا لم (^٣) نعمل كذلك بل نبهنا عن هذا في أثناء مسألة، ولا مانع أن ننبه (^٤) في أثناء مسألة على ما تضمنته مسألة أخرى. ولا يقال: إنهما مسألة واحدة متكررة.\nوالحاصل أنه إن أُريد بالضد الضد العام فالكف أو الانتفاء ضد عام، فيلزم مِنْ إحدى المسألتين الأخرى، ولكن الإمام لم يضعهما مسألتين فلا\n_________\n(^١) يعني: لكن ذكرهم للمسألتين لا يكون تكرارًا، بل هما مسألتان، فيكون مرادهم بالنهي عن الشيء أمر بضده - الضد الخاص، ومرادهم بالمطلوب بالنهي الضد العام، فلا تكرار.\n(^٢) في (ص): \"وتكلم غيره في النهي عن الشيء، وهل هو أمر بضده\".\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) في (ص): \"نبينه\".","vol":"4","page":1187},{"text":"سؤال عليه. وهذا التقرير هو الحق.\nوإن أريد بالضد الضد (^١) الخاص فيصح ما قاله السائل في قوله: هل يمكن أن يقال إلى آخره، والحق أن المراد بالضد الضد العام فلا يمكن أن يقال.\nوإنما الجواب ما قاله القرافي في الوجه الثاني من كلامه مع ما فيه مما قدمناه.\nوأما القول بأن نفس النهي عن الشيء نفس الأمر بضده - فهو قول ضعيف، وقول السائل: إنه يتلخص قول ثالث أن مقصود النهي فعل ضدٍ ليس بكفٍ ولا انتفاء - عجيب؛ لأن الكف أو الانتفاء أعمُّ فكيف يوجد الأخص (^٢) بدونه!\nوتصحيح كلام السائل في ذلك أن نقول: ليس بكف فقط أو انتفاء (^٣) فقط. والله أعلم.\nهذا آخر ما ذكره والدي أيده الله، ولا ينبغي أن يُمَلَّ التطويل في هذه المسألة ففيه من الفوائد ما لا يوجد في سواه.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-348>(الرابعة: النهي عن أشياء إما عن الجمع كنكاح الأختين، أو عن الجميع كالزنا والسرقة)</span>.\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(ص)، و(ك).\n(^٢) وهو فعل الضد.\n(^٣) في (ص): \"وانتفاء\". وهو خطأ.","vol":"4","page":1188},{"text":"النهي عن مُتَعَدِّد ولا أقول عن أشياء؛ لأنها جمع وأقله ثلاثة (^١). والمثال الذي أورده في اثنين إما أن يكون نهيًا عن الجَمْع أعني: الهيئة الاجتماعية، دون المفردات على سبيل الانفراد، كالنهي عن نكاح الأختين، وكالحرام المخيَّر عند الأشاعرة، فإنه يجوز عندنا أن يُحَرَّم واحدٌ لا بعينه، وخالفت المعتزلة (^٢).\n(وأما عكسه (^٣) ولم يذكره في الكتاب، ولا رأيت مَنْ ذكره (^٤)، ومثاله: ما جاء في الحديث الصحيح من النهي أن يلبس المرء نعلًا واحدًا، بل إما أن يلبس نعلين، أو يَنْزَعَهما (^٥). فهذا نهي عن كل فردٍ\n_________\n(^١) وحينئذٍ فالتمثيل الذي مَثَّل به الماتن غير مطابق؛ لأنه مَثَّل بنكاح الأختين، وهما اثنان، وليس الاثنان جمعًا. انظر: نهاية السول مع سلم الوصول ٢/ ٣١١.\n(^٢) تقدمت المسألة في خصال الكفارة.\n(^٣) وهو النهي عن كل واحد بقيد عدم الاجتماع، يعني: النهي عن كل فرد إذا لم يكن معه فرد آخر، وهو عكس الأول وهو النهي عن الجمع دون المفردات.\n(^٤) قد ذكره الإمام في المحصول ١/ ق ٢/ ٥١٠، والأرموي في التحصيل ١/ ٣٤٠، وصفي الدين الهندي في نهاية الوصول ٣/ ١٢١٨، وأبو الحسين في المعتمد ١/ ١٧٠، كلهم ذكروا هذه الصورة من غير تمثيل.\n(^٥) فيه حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يَمْشِ أحدُكم في نعلٍ واحدة، لِيُنْعِلْهُما جميعًا، أو ليَخْلَعْهُما جميعًا\". أخرجه البخاري ٥/ ٢٢٠٠، في كتاب اللباس، باب لا يمشي في نعل واحدة، حديث رقم ٥٥١٨. ومسلم ٣/ ١٦٦٠، في كتاب اللباس والزينة، باب استحباب لبس النعل في اليمنى أولًا، رقم ٢٠٩٧. وفي الباب حديث جابر بن عبد الله في الصحيح أيضًا. انظر: صحيح مسلم ١/ ١٦٦١ - ١٦٦٢، رقم ٢٠٩٩.","vol":"4","page":1189},{"text":"بقَيْد عدم الاجتماع) (^١).\nوإما أن يكون نهيًا عن الجميع (^٢)، أي: عن كل واحدٍ سواء كان مع صاحبه، أو منفردًا، وذلك كالزنا، والسرقة. والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص): \"الجمع\". وهو خطأ.\n(^٣) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ٢/ ٥٠٧، التحصيل ١/ ٣٤٠، الحاصل ١/ ٤٩٧، نهاية الوصول ٣/ ١٢١٧، البحر المحيط ٣/ ٣٧٩، نهاية السول ٢/ ٣٠٩، السراج الوهاج ١/ ٤٩٢، شرح تنقيح الفصول ص ١٧٢، المحلي على الجمع ٣٩٢١ /، المعتمد ١/ ١٦٩، شرح الكوكب ٣/ ٩٨.","vol":"4","page":1190},{"text":"الباب الثالث: في العموم والخصوص\nالفصل الأول: العموم","vol":"4","page":1191},{"text":"قال (^١): <span data-type=\"title\" id=toc-349>(الباب الثالث: في العموم والخصوص</span>. وفيه فصول:\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>الفصل الأول: في العموم</span>.\nالعام: لفظٌ يستغرق (^٢) جميع ما يصلح له بوضع واحد).\nنفتتح البابَ بعد حمد الله تعالى بمقدماتٍ ثم نلتفت إلى ما ذكره:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-351>المقدمة الأولى:</span>\nالعموم لغةً: هو الشمول (^٣). وهو من عوارض الألفاظ حقيقة بلا خلاف (^٤). وأما المعاني فأقوال:\nأبعدها: أنه لا يصدق عليها لا حقيقة ولا مجازًا.\nوثانيها: أنه يصدق عليها مجازًا. وهو المختار، ونقله الآمدي عن الأكثرين واختاره (^٥).\n_________\n(^١) في (ت) بياض في مكان (قال).\n(^٢) في (ك): \"مستغرق\".\n(^٣) في لسان العرب ١٢/ ٤٢٦: وعَمَّهم الأمرُ يَعُمُّهم عُمومًا: شَمِلهم. وانظر: القاموس المحيط ٤/ ١٥٤، ١٥٥. مادة (عمم).\n(^٤) انظر: الإحكام ٢/ ١٩٨، المحلى على الجمع وحاشية البناني ١/ ٤٠٣، فواتح الرحموت ١/ ٢٥٨، شرح الكوكب ٣/ ١٠٦. ومعنى أن العموم من عوارض الألفاظ: هو أن كل لفظٍ عام يصح شركة الكثيرين في معناه. انظر: شرح الكوكب ٣/ ١٠٦.\n(^٥) لم يصرح الآمدي رحمه الله تعالى باختياره، بل مناقشته للمسألة ليس فيها ترجيح، وإنْ كان يحتمل ميله إلى قول من يقول بالحقيقة؛ لأنه ختم المناقشة بردهم على =","vol":"4","page":1193},{"text":"وثالثها: وصححه ابن الحاجب، أنه يصدق عليها حقيقة أيضًا (^١).\nواحتج الأكثرون بأنه: لو كان حقيقة لاطرد (^٢)، لكنه غير مطرد بدليل المعاني الخاصة الواقعة في امتداد الإشارة إليها (^٣) كزيد وعمرو؛ فإنها لا توصف بحقيقةً ولا مجاز (^٤).\nواحتج من قال: يصدق عليه (^٥) حقيقةً - بأن العموم هو شمول أمرٍ\n_________\n= مَنْ يقول بالمجاز. ومِنْ ثَم يشكل عندى قول الإسنوي رحمه الله تعالى عن هذا القول الثاني: \"ونقله في الإحكام عن الأكثرين، ولم يرجِّح خلافه\" نهاية السول ٢/ ٣١٣، وليس في كلام الآمدي ترجيح، بل ذكر حجة مَنْ قال بأنه حقيقة في المعنى، ثم ذكر رَدَّ المخالفين القائلين بأنه مجاز، ثم ذكر أجوبة الأولين عن تلك الردود، فأين الترجيح! . انظر: الإحكام ٢/ ١٩٨، ١٩٩.\n(^١) انظر: بيان المختصر ٢/ ١٠٨.\n(^٢) أي: لاستمر وصح إطلاقه في كل معنى؛ إذ الاطراد لازم الحقيقة.\n(^٣) كزيد وعمرو وبكر يشار إليهم بامتداد الأيدي، فيقال: هذا زيد، هذا عمرو. بخلاف المعاني الكلية لا يشار إليها كإنسان وحيوان، فلا يشار إلى هذه الكليات من حيث هي كليات؛ لأن محلها الذهن. لكن لو قال أحدٌ لآخر: هذا إنسان. أو قال عن حيوان: هذا حيوان - فهذا إشارة إلى المُشَخَّصات، لا إلى الكليات من حيث هي كليات.\n(^٤) أي: معاني الأعلام المشار إليها باليد لا عموم فيها، ولذلك فإنها لا توصف بالعموم لا حقيقة ولا مجازًا، بخلاف المعاني الكلية، فإنها توصف بالعموم. قال الشيخ المطيعي في سلم الوصول ٢/ ٣١٤: \"كما أنه لا عموم في معاني الأعلام كلها لا عموم في ألفاظها كلها، فلا عموم لها لفظا ولا معنى\". ومعنى أن الأعلام لا عموم فى ألفاظها: أنه لا يشترك فيها كثيرون، بل إنما تُطلق في أصل الوضع على واحدة فهي جزئيات، لا كليات. وانظر: الإحكام ٢/ ١٩٩، نهاية الوصول ٣/ ١٢٣٠، ١٢٣١.\n(^٥) أي: يصدق العموم على المعنى.","vol":"4","page":1194},{"text":"واحد لمتعدد، وذلك موجود بعينه في المعنى، تقول: نَظَرٌ عام، وحاجة عامة، وعَمَّ المطرُ الأرض، والأميرُ بالعطاء (^١). والأصل في الإطلاق الحقيقة.\nوأجيب: بأن من لوازم العام أن يكون متحدًا، ويكون مع اتحاده يتناول أمورًا متعددة من جهة واحدة (^٢). والعطاء الخاص بكل واحدٍ من الناس غير الخاص بالآخر، وكذلك المطر فإن كلَّ جزء اختص منه بجزء من الأرض - لا وجود له بالنسبة إلى الجزء الآخر منها، وكذلك الكلام في النظر العام، والحاجة العامة (^٣). وغاية الأمر تعارض الاشتراك والمجاز، والمجاز أولى من الاشتراك لما مَرّ (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) في (ص): \"بالعطايا\".\n(^٢) أي: من لوازم العام أن يكون متحدًا، أي: أن يكون لفظًا واحدًا لمعنى واحد. ويكون مع اتحاده يتناول أمورًا متعددة من جهة واحدة، أي: يتناول أفرادًا متعددة من جهة معنى واحد، لا معانٍ مختلفة، فدلالة العام على أفراده من قبيل الكلي المتوطئ، أي: دلالة معناه على أفراده بنسب متساوية.\n(^٣) أي: هذه الأمثلة التي مثَّل المحتجَ بها لا ينطبق وصف العام عليها؛ لأنها غير متحدة المعنى في جميع الأفراد. فالعطاء الذي يخص زيدًا غير الذي يخص عَمْرًا، والمطر الذي ينزل على مكة مثلًا غير الذي ينزل على الطائف، والنظر يختلف باختلاف الأشخاص والأوقات، فقوم نظرهم إلى أمور خاصة، وآخرون إلى غيرها من الأمور، والحاجة مختلفة من قوم إلى آخرين، فحاجة قوم إلى الطعام، وآخرين إلى الدواء، وهكذا.\n(^٤) يعني: تعارض عندنا كون العموم حقيقة في اللفظ والمعنى فيكون مشتركًا، أو حقيقة في اللفظ مجازًا في المعنى، والحمل على المجاز أولى من الحمل على الاشتراك.\n(^٥) انظر هذه المقدمة في: الإحكام ٢/ ١٩٨، نهاية السول ٢/ ٣١٢، نهاية الوصول ٣/ ١٢٢٨، فواتح الرحموت ١/ ٢٥٨، تيسير التحرير ١/ ١٩٤، المحلي على الجمع =","vol":"4","page":1195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>المقدمة الثانية:</span>\nاصطلحوا على أن المعنى يقال له: أعم وأخص، واللفظ يقال له: عام وخاص. ووجه المناسبة: أن \"أعم\" صيغة \"أفعل\" التفضيل، والمعاني أفضل من الألفاظ، فَخُصّت بصيغة \"أفعل\" التفضيل. قاله القرافي (^١).\nومنهم من يقول فيهما (^٢): عام وخاص أيضًا (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-353>المقدمة الثالثة:</span>\nمدلول العموم كلية، لا كل ولا كلي: وبيان ذلك يتوقف على معرفة الكل والكلي والكلية، والجزء والجزئي والجزئية.\nأما الكل: فهو المجموع الذي لا يبقى بعده فرد، والحكم فيه (على\n_________\n= ١/ ٤٠٣، شرح الكوكب ٣/ ١٠٦.\n(^١) انظر: نفائس الوصول ٤/ ١٧٢٥.\nقال البناني في حاشيته على شرح المحلي ١/ ٤٠٤: (قوله: لأنه أهم) أي: لأنه المقصود، واللفظ وسيلة إليه. وحاصله أن صيغة التفضيل لما كان لها شرفٌ ومزيةٌ بوضعها للتفضيل والزيادة - ناسب عند إرادة التمييز بين الألفاظ والمعاني في الوصفِ بالعمومِ تخصيصُها بالمعاني؛ لأنها أشرف من الألفاظ، ليكون اللفظ الأشرف مستعملًا فيما يتعلق بالأشرف، وليس المقصود من توجيه الشارح المذكور أن صيغة التفضيل استعملت في المعنى للدلالة على التفضيل فيه، كما توهمه بعضهم فاعترض: بأن الأعم لم يُرَدْ به معنى التفضيل، بل الشمول مطلقًا. اهـ.\n(^٢) أي: في اللفظ والمعنى.\n(^٣) انظر: المحلى على الجمع ١/ ٤٠٤، شرح الكوكب ٣/ ١٠٥.","vol":"4","page":1196},{"text":"المجموع) من حيث هو مجموع، لا على الأفراد. كأسماء العدد (^١)، وكقولنا: كل رجل يحمل الصخرة العظيمة. فهذا صادق باعتبار المجموع.\nويقابله الجزء: وهو ما تركب منه ومن غيره كل. كالخمسة مع العشرة، فالجزء بعض الكل.\nوأما الكلي: فهو الذي يشترك في مفهومه كثيرون. وإن شئت قلتَ: القَدْر المشترك بين جميع الأفراد، كمفهوم الحيوان في أنواعه، والإنسان في أنواعه، فإن الحيوان (^٢) صادق على جميع أفراده.\nويقابله الجزئي، كزيد، وحاصله: أنه (^٣) الكلي مع قيدٍ زائد وهو تشخصه (^٤). فلك أن تقول: الكلي بعض الجزئي (^٥).\nوأما الكلية: فهي التي يكون الحكم فيها على كل فردٍ فردٍ بحيث لا\n_________\n(^١) فمائة مثلًا لا يطلق على الواحد والاثنين، إنما يطلق على المجموع، وهكذا باقي أسماء الأعداد.\n(^٢) في (ت): \"الإنسان\".\n(^٣) في (ت): \"أن\". وهو خطأ.\n(^٤) المعنى: أن الجزئي هو نفس الكلي، ولكن بزيادة التشخص صار جزئيًا. قال الباجوري: \"القاعدة أن كلَّ كليٍّ جُزْء من جُزْئيِّه، وكلُّ جزئيٍّ كلٌّ لكليِّه؛ لأن حقيقة الجزئي مركبةٌ من الكلي ومن التشخص، فالجزئي كلٌ للكلي، والكلي جزءٌ للجزئي. مثلًا: حقيقة زيد مركبة من الإنسان والتشخص، فالإنسان كلي، وهو جزءٌ مِنْ جُزْئيِّه كزيد، وزيد جزئي وهو كلٌّ لكليِّه\" انظر: حاشية الباجوري على السلم ص ٣٦.\n(^٥) فالجزئي وهو زيد مركب من الكلي وهو إنسان، والتشخص: وهو الصورة والشكل، فالكلي وهو الإنسان بعض زيد. انظر: نفائس الأصول ٤/ ١٧٣٢.","vol":"4","page":1197},{"text":"يبقى فردٌ. مثل: قولنا: كلُّ رجلٍ يُشْبعه رغيفان غالبًا. فإنه يصدق باعتبار الكلية، أي: كل رجل على حِدَته يُشبعه رغيفان غالبًا، ولا يصدق باعتبار الكل، أي: المجموع من حيث هو مجموع، فإنه لا يكفيه رغيفان ولا قناطير عديدة؛ لأن الكل والكلية يندرج فيهما (^١) الأشخاص الحاضرة والماضية والمستقبلة، وجميع ما في مادة الإمكان (^٢)، وإنما الفرق بينهما أن الكل يَصْدق من حيث المجموع، والكلية تصدق من حيث الجميع، وفَرْق بين المجموع والجميع، فإن المجموع: الحكم على الهيئة الاجتماعية لا على الأفراد، والجميع: الحكم على كل فردٍ فردٍ.\nويقابلها الجزئية: وهي الحكم على أفرادٍ حقيقةٍ من غير تعيين. كقولك: بعض الحيوان إنسان. فالجزئية بعض الكلية.\nإذا عرفتَ ذلك - فمسمى العموم (^٣) كلية لا كل، وإلا لتعذر الاستدلال به (في النفي والنهي على ثبوت حكمه لفرد من أفراده (^٤) كما\n_________\n(^١) في (ت): \"فيها\".\n(^٢) يعني: يندرج في الكل، والكلية - كلُّ شخص في الماضي والحاضر والمستقبل إلى آخر الزمان.\n(^٣) أي: معنى العموم.\n(^٤) فمثلًا قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فلو جعلنا العموم هنا من باب الكل لكان المؤمن الواحد يجوز له أن يوالي الكافر الواحد، وهذا غير مراد. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ لو جعلنا العموم - وهو الضمير في قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا﴾ - من باب الكل لجاز دخول بعض المشركين المسجد الحرام، وهذا غير مراد. وكذلك =","vol":"4","page":1198},{"text":"عرفت، فلا يصح الاستدلال به) (^١) على ثبوت حكمه للفرد المعين في النفي والنهي إلا إذا كان معناه الكلية، التي يُحكم فيها على كلِّ فردٍ فردٍ بحيث لا يبقى فرد، كما عرفت، وحينئذ يستدل بها على أي (^٢) فردٍ شئنا من الأفراد في النفي والنهي، فإنما يختلف الحال بين الكل والكلية في النفي والنهي، لا في الأمر وخبر (^٣) الثبوت (^٤)، فمدلول العموم\n_________\n= قوله - ﷺ -: \"لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة\" فلو جعلنا العموم من باب الكل لتخلف الحكم عن بعض البيوت التي فيها كلب أو صورة، ولجاز دخول بعض ملائكة الرحمة البيت الذي فيه كلب أو صورة؛ لأن النفي أو النهي مخصوص بالمجموع لا بالأفراد، فأصبح يتعذر حمل العموم في حالة النفي أو النهي على فردٍ من أفراده إلا إذا جعلناه من باب الكلية لا الكل.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ص): \"حين\". وفي (ت)، و(غ)، و(ك): \"حيز\". وكلاهما صحيحان، لكن المثبت من نفائس الأصول ٤/ ١٧٣٣، فإن الشارح ناقل منه، وهو أقرب.\n(^٤) لاحظ أن الأمر يقابل النهي، والثبوت يقابل النفي، والمعنى أن في حالة الأمر والثبوت لا يختلف حكم العموم لو جعلناه من باب الكلية أو الكل؛ لأن المقصد أن الحكم شامل لجميع الأفراد، ومطالب به جميع الأفراد، فسواء قلنا عن دلالة العموم أنها كلية أو كل فالحكم واحد. قال البناني: \"لا يتعذر الاستدلال على تقدير الكل في الأمر؛ لأن أمر المجموع بشيء طلبٌ للفعل من المجموع، ولا يتحقق الفعل من المجموع إلا بفعل الجميع؛ إذ المجموع هو المركب من الأفراد باعتبار الهيئة التركيبية، فلو فعل البعض فقط لم يمتثل الأمر، إذ الفاعل البعض لا المجموع، وهذا بخلاف نهي المجموع عن شيء؛ إذ هو طلب أن لا يجتمعوا على ذلك الشيء، فنهي المجموع هو النهي عن الاجتماع، وذلك يتمثل بكف بعضهم دون بعض. والحاصل أن أمر المجموع معناه: اجتمعوا فافعلوا، وذلك لا يتحقق بفعل البعض. ونهي المجموع معناه: لا تجتمعوا =","vol":"4","page":1199},{"text":"كلية لا كل؛ لصحة الاستدلال به على ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده عند القائلين به إجماعًا، فإن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (^١) دال على تحريم قتل كلِّ (^٢) فردٍ من أفراد النفوس بالإجماع، وليس معناه: ولا تقتلوا مجموع النفوس، وإلا لم يدل على كل (^٣) فرد فرد، فلا يكون عاصيًا بقتل الواحد؛ لأنه لم يقتل المجموع (^٤).\nإذا تقرر هذا فهنا سؤال قويٌّ شُغِف به الشيخ (^٥) أبو العباس القرافي وهو أنَّ دلالة العموم على كل فردٍ من أفراده نحو: زيدٌ المشرك (^٦) - مثلًا - من المشركين (^٧)، لا يمكن أن تكون بالمطابقة، ولا بالتضمن، ولا بالالتزام (^٨). وإذا بطل أن يدل لفظ العموم على زيدٍ مطابقةً وتضمنًا\n_________\n= فتفعلوا، وذلك يتحقق بكف البعض. . .\". حاشية البناني ٢/ ٤٠٧، مع اختصار يسير، وواضح من التعليل أن كف البعض في حالة النهي يمنع الاجتماع على الفعل، فيتحقق الامتثال بكف البعض، وأما فعل البعض في حالة الأمر فلا يُحَقِّق الاجتماع على الفعل، فلا يحصل بفعل البعض الامتثال. وانظر نفائس الأصول ٤/ ١٧٣٣.\n(^١) سورة الأنعام: الآية ١٥١. سورة الإسراء: الآية ٣٣.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر المقدمة الثالثة في: نفائس الأصول ٤/ ١٧٣١ - ١٧٣٣، وقد استفادها الشارح من النفائس، وجُلُّ ما ذكره منها، وانظر: شرح المحلي على الجمع ١/ ٤٠٤.\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٦) في (ص): \"المشترك\". وهو خطأ.\n(^٧) في (ص): \"المشتركين\". وهو خطأ.\n(^٨) أي لا يمكن أن تكون دلالة العموم الذي هو المشركون، على فرده الذي هو زيد المشرك، بالمطابقة، ولا بالتضمين، ولا بالالتزام.","vol":"4","page":1200},{"text":"والتزامًا بطل أن يدل لفظ العموم مطلقًا؛ لانحصار الدلالة في الأقسام الثلاثة.\nإنما قلنا: لا يدل عليه بطريق المطابقة؛ لأنها: دلالة اللفظ على مسماه بكماله. ولفظ العموم لم يُوضَع لزيد فقط، حتى تكون الدلالة عليه مطابقة.\nوإنما قلنا: لا يدل بالالتزام؛ لأن دلالة الالتزام: هي دلالة اللفظ على لازم مسماه. ولازم المسمى لا بد وأن يكون (^١) خارجًا عن المسمى، وزيد ليس بخارج عن مسمى العموم؛ لأنه لو خرج لخرج عمروٌ وخالدٌ، وحينئذ لا يبقى في المسمى شيء (^٢). فدلَّ على أنه لا يدل بالمطابقة ولا الالتزام.\nوإنما قلنا: لا يدل بالتضمن؛ لأن دلالة التضمن: هي دلالة اللفظ على جُزْءِ مسماه. والجزء إنما يصدق إذا كان المُسَمَّى كُلًا؛ لأنه مقابله، ومدلول لفظ العموم ليس كلًا كما عرفت، فلا يكون زيدٌ جزءًا، فلا يدل عليه تضمنًا (^٣).\nفتبين بطلانُ دلالةِ لفظِ العمومِ على \"زيد\" بشيء من (هذه الثلاثة، والدلالات منحصرة فيها، فبطل أن يدل لفظ العموم مطلقًا (^٤).\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) أي: تخرج جميع الأفراد.\n(^٣) أي: فلا يدل لفظ العموم \"المشركون\" على زيدِ المشرك تضمنًا؛ لأنه جزئي لا جزء.\n(^٤) انظر: نفائس الأصول ٤/ ١٧٣٣ - ١٧٣٥، شرح تنقيح الفصول ص ٢٦.","vol":"4","page":1201},{"text":"وقد سار) (^١) هذا السؤال غورًا ونجدًا، ولم أر مَنْ أجاب عنه إلا الشيخ شمس الدين الأصفهاني في \"شرح المحصول\" فقال (^٢): إنا حيث قلنا: إن (^٣) اللفظ إما أن يكون دالًا بالمطابقة، أو التضمن، أو الالتزام - فذلك في لفظٍ مفردٍ دالٍ على معنى ليس ذلك المعنى هو نسبة بين مفردين، وذلك لا يتأتى ههنا فلا ينبغي أن يُطْلب ذلك (^٤).\nوإذا عرفت هذا فاعلم أن قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٥) في قوة جملةٍ من القضايا؛ وذلك لأن مدلوله: اقتل هذا المشرك، واقتل هذا المشرك، إلى آخر الأفراد. وهذه الصيغ إذا اعتُبِرت بجملتها فهي لا تدل على قتل زيد المشرك (^٦)، ولكنها تتضمن ما يدل على قتل زيد المشرك لا بخصوص\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٤) أي: قولنا: \"اللفظ يدل بأحد أنواع الدلالات الثلاث\" إنما يقال بالنسبة لدلالة اللفظ المفرد على معناه، فزيد يدل على حيوان بالتضمن، وعلى حيوان ناطق بالمطابقة، وعلى متحرك باللزوم. ولا نريد بقولنا هذا أن اللفظ المفرد يدل على معنى لفظ مفرد آخر بأحد أنواع الدلالات الثلاث، كما هو الحال هنا حينما نقول: لفظ المشركين هل يدل على زيد المشرك بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام؟ هذا غير صحيح، لأن هذه الدلالات الثلاث إنما تكون بالنسبة لدلالة اللفظ على معناه أو جزئه أو لازمه، لا إلى معنى لفظ آخر.\n(^٥) سورة التوبة: الآية ٥ (والآية: ﴿فَاقْتُلُوا﴾ بالفاء).\n(^٦) لأنه ليس فيها تصريح باسم زيد، بل هي تدل على قتل أي مشرك سواء كان زيدًا أو غيره، فقصده بأن هذه الصيغ بجملتها لا تدل على قتل زيد المشرك، أي: لا تدل عليه من حيث خصوص كونه زيدًا، بل هي تدل على قتل الكل.","vol":"4","page":1202},{"text":"كونه زيدًا، بل بعموم كونه فردًا (^١) ضرورة تضمنه (^٢) (اقتل زيدًا) (^٣) المشرك، فإنه من جملة هذه القضايا، وهي جزء من مجموع تلك القضايا، فتكون دلالة هذه الصيغة على وجهين: قتل زيد المشرك لتضمنها ما يدل على ذلك الوجوب، \"والذي هو في ضمن ذلك المجموع هو دال على ذلك مطابقة (^٤) \". قال: \"فافهم ذلك، فإنه من دقيق الكلام، وليس\n_________\n(^١) أي: بعموم الدلالة على قتل كل فردٍ، وزيدٌ فردٌ من الأفراد.\n(^٢) أي: تضمن العموم.\n(^٣) في (ص): \"لقتل زيد\".\n(^٤) أي: دلالة صيغة: ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ تدل على قتل زيد المشرك من جهة تضمنها ما يدل على وجوب قتله، وهو ما سبق بيانه أن هذه الجملة في قوة: اقتلوا هذا المشرك، واقتلوا هذا المشرك، وهكذا بعدد أفراد المشركين، وزيد تشمله أحد هذه الجمل. فصيغة: ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ متضمنة للجملة الدالة على قتل زيد، وهذه الجملة تدل على قتل زيد مطابقة. قال البناني في حاشيته على المحلي ١/ ٤٠٦: \"وحاصل جواب الأصفهاني أن الأقسام الثلاثة المذكورة إنما هي في لفظٍ مفردٍ خالٍ من الحكم، وذلك لا يتأتى هنا، فلا يدل قوله تعالى: ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾ على وجوب قتل زيد المشرك، لكنها تتضمن ما يدل عليه، فدلالتها عليه إنما هو لتضمنها ما يدل عليه، وذلك الدال دلَّ عليه مطابقة. . . . وحاصله أن العام دال على ما ذكر مطابقة بواسطة كونه متضمنًا لما يدل مطابقة، فيرجع الجواب إلى مَنْع أن دلالة العام ليست داخلة في الدلالات الثلاث، بل هي داخلة في المطابقة بواسطة ما تضمنته القضية المندرجة تحت العام. . . وقد جرى الآمدي تبعًا لشيخه التلمساني على أن دلالة العام على الفرد من أفراده تضمنية، ووجَّهه بإلحاق الجزئى بالجزء، فإن كلًا من أفراد العام جزء باعتبار أنه بعض ما صدق عليه العام، وإن كان جزئيًا باعتبار دلالة العام في التركيب على كل فرد\". فوجهة نظر الآمدي وموافقيه في جعل دلالة العام على الفرد تضمنية: أن الفردَ =","vol":"4","page":1203},{"text":"ذلك من قبيل دلالة التضمن، بل هو من قبيل دلالة المطابقة\" (^١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>فائدة </span>(^٢):\nإذا ثبت أن مدلول صيغ العموم كليةٌ لا كُلٌّ - فافهم ذلك في الضمائر بأسرها، وصيغ الجموع للنكرات (^٣).\nفإذا قال السيد لعبيده: لا تخرجوا - ليس المراد: لا يخرج كلُّكم من حيث هو كل، بل المراد بهذه الواو التي هي ضمير في: \"اخرجوا\" كلُّ واحدٍ واحدٍ على حِيَاله (^٤).\nوكذلك الخبر بالنفي، مثل: لا أغضب عليكم. فالمراد ثبوت الحكم لكل فردٍ فردٍ مما دلت عليه هذه الكاف.\n_________\n= بعضٌ من مجموع أفراد العام، فالفرد بالنسبة للمجموع من حيث هو مجموع جزء؛ إذ المجموع لا يتحقق إلا بجميع الأفراد، فالمجموع من جهة كونه مجموعًا كلٌّ وأفراده جُزْء، وإن كان كل فرد جزئيًا باعتبار دلالة العام في التركيب على كل فرد؛ لأن دلالة العام كلية، وأفراده جزئيات. ولا يخفى أن ما قاله الأصفهاني هو الصواب؛ لأنه هو الموافق لاصطلاح المناطقة؛ إذ جَعْل الجزئي جزءًا خروجٌ عن اصطلاحهم، ويلزم منه جعل دلالة العام كلًا فيتعذر الاستدلال به في النفي أو النهي على فردٍ من أفراده، كما سبق بيانه. وانظر: حاشية الباجوري على السلم ص ٣١، شرح الكوكب ٣/ ١١٢، تيسير التحرير ١/ ١٩٣، فتح الغفار ١/ ٨٦.\n(^١) انظر: الكاشف عن المحصول ٤/ ٢١٣ - ٢١٤.\n(^٢) في (ت) بياض بالسطر.\n(^٣) في (ص): \"النكرات\".\n(^٤) أي: بانفراده. انظر: المصباح ١/ ١٧٢، مادة (حيل).","vol":"4","page":1204},{"text":"وكذلك جُمُوع النكرات، فإذا قال: لأُكْرِمَنَّ رجالًا اليوم - فالمراد إكرامُ كلِّ واحدٍ واحدٍ (^١) مما دل عليه \"رجال\". ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٢) أي: على (^٣) كل واحدٍ واحدٍ بنفسه، وليس المراد المجموع (^٤).\nوإذا تقرر ذلك فنقول: إذا قال القائل: اقتلوا زيدًا فقد أمر كلَّ فردٍ فردٍ بقتل زيد؛ لأن في \"اقتلوا\" ضميرًا يعود على كل فردٍ فردٍ كما قلناه.\nوإذا عرفت هذا فهنا سؤال وتقريره: في قوله مثلًا: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٥) عمومان: أحدهما: في ﴿الْمُشْرِكِينَ﴾. والثاني: في المأمورين بقتلهم. ودلالةُ العمومِ كليةً كما عرفت، فيكون أُمِرَ كلُّ فردٍ من (المؤمنين بقَتْل كلِّ فردٍ من) (^٦) المشركين، (والفردُ الواحد لا يقدر أن يقتل كلَّ فردٍ من المشركين) (^٧)، فيكون ذلك تكليفًا بالمستحيل، وهو غير\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سورة المائدة: الآية ١٠٥.\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) أي: المجموع دون الأفراد. ويعترض عليه في هذا المثال بأن \"أنفس\" معرفة بالإضافة فتعم، وقد سبق بيان أن العام في حالة الأمر لا يختلف حكمه إذا جعلنا دلالته كلًا أو كلية؛ لأننا لو أردنا به المجموع فلا يتحقق هذا المجموع إلا بفعل كل فرد. وهذا المثال وما قبله من قوله: \"فائدة\" هذكور في النفائس ٤/ ١٧٣٥.\n(^٥) سورة التوبة: الآية ٥. (والآية: ﴿فَاقْتُلُوا﴾).\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1205},{"text":"واقع؟\nوقد قال الأصفهاني \"شارح المحصول\" في جوابه: إنَّ هذا وإنْ كان ظاهرَ اللفظِ إلا أن العقل دلَّ على خلافه، فيحمل على الممكن دون المستحيل (^١).\nقال والدي أيده الله (^٢): وعندي أن السؤال لا يستحق جوابًا؛ لأن الفرد الواحد من المسلمين لا (^٣) يقدر أن يقتل جميع المشركين (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>المقدمة الرابعة:</span>\nالمتأخرون أو مَنْ قال منهم: زعموا أن العام في الأشخاص مطلق باعتبار الأزمان، والبقاع، والأحوال، والمتعلَّقات. وقالوا: لا يدخلها (^٥) العمومُ إلا بصيغةٍ وُضعت لها، فإذا قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٦) عَمَّ كلَّ مشركٍ بحيث لا يبقى فرد، ولا يعم الأحوالَ حتى يُقْتل في حال الهدنة والذمة، ولا خصوصَ المكان (^٧) حتى يدل على المشركين في أرض\n_________\n(^١) انظر: الكاشف ٤/ ٢١٣.\n(^٢) في (غ): \"أطال الله بقاه\".\n(^٣) سقطت من (ص)، و(ك)، و(غ).\n(^٤) يعني: فعدم قدرة الواحد من المسلمين على قتل جميع المشركين تمنع إرادة هذا المعنى.\n(^٥) أي: لا يدخل الأزمان والبقاع والأحوال والمتعلَّقات.\n(^٦) سورة التوبة: الآية ٥. (والآية: ﴿فَاقْتُلُوا﴾).\n(^٧) أي: ولا يَعُمُّ خصوص المكان، يعني: ولا يجعل الحكم عامًا لكل مكان، بل يكون خاصًا بالمكان الذي ورد بشأنه الحكم.","vol":"4","page":1206},{"text":"الهند مثلًا، ولا الزمان حتى يدل على يوم السبت أو الأحد مثلًا.\nوقد شُغِف الشيخ أبو العباس القرافي بهذا البحث وظن أنه يلزم من هذه القاعدة أنه لا يُعْمل بجميع العمومات في هذا الزمان؛ لأنه قد عُمِل بها في زمان (^١) \"ما\"، والمطلق يُخرج عن عهدته بالعمل به في صورة (^٢).\nوقد وافق على هذه القاعدة الآمدي فإنه قال في الكلام على قول الصحابي هل هو حجةٌ جوابًا عن الاحتجاج بقوله ﵊: \"أصحابي كالنجوم بأيِّهِمُ اقتديتم اهتديتم\" (^٣) ما نصه: الخبر الأول (يعني هذا) (^٤): وإنْ كان عامًا (في أشخاص الصحابة فلا دلالة فيه على عموم الاهتداء (^٥) به في كل ما يُقْتدى فيه) (^٦) (^٧). انتهى.\n_________\n(^١) في (غ)، و(ك): \"زمن\".\n(^٢) انظر: نفائس الأصول ٤/ ١٧٣٥.\n(^٣) أخرجه عبد بن حميد في مسنده. انظر: المنتخب من المسند ٢/ ٢٨، حديث رقم ٧٨١، وفيه حمزة الجزري (حمزة بن أبي حمزة النصيبي) وهو متروك الحديث، وذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٩٠. قال ابن الملقِّن في خلاصة البدر المنير ٢/ ٤٣١: \"رواه عبد بن حميد من رواية ابن عمر، وغيره من رواية عمر وأبي هريرة، وأسانيدها كلها ضعيفة. قال البزار: لم يصح هذا الكلام عن رسول الله - ﷺ -. وقال ابن حزم: خبرٌ مكذوبٌ موضوع باطل لم يصح قط\". انظر: المحلى ٦/ ٨٣، وتلخيص الحبير ٤/ ١٩٠ - ١٩١، والسلسلة الضعيفة للألباني ١/ ١٤٤ - ١٥٣، حديث رقم ٥٨ - ٦٢.\n(^٤) ما بين القوسين من كلام الشارح رحمه الله تعالى ليوضِّح كلام الآمدي، ويعني به حديث: \"أصحابي كالنجوم. . .\".\n(^٥) في \"الإحكام\": \"الاقتداء\".\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) انظر: الإحكام ٤/ ١٥٤.","vol":"4","page":1207},{"text":"وردها (^١) جماعةٌ منهم الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في \"شرح العمدة\" واستدل بحديث أبي أيوب (^٢) لما قدم الشام فوجد مراحيضَ قد بُنيت قِبَل القبلةِ على أن أبا أيوب - وهو من أهل اللسان والشرع - فَهِمَ العمومَ في الأمكنة (^٣)، يعني: فيكون العام في الاشخاص عامًا في الأمكنة، على خلاف ما قرره القرافي (^٤). وهذا هو الذي اقتضاه كلام الإمام، فإنه قال (في كتاب) (^٥) القياس جوابًا عن سؤال سائل: \"قلنا: لما كان أمرًا بجميع الأقيسة - كان متناولًا لا محالة لجميع الأوقات، وإلا قدح ذلك في كونه متناولًا لجميع الأقيسة\" (^٦).\nوقد وقع لي مرةً في التمسك لردِّها (^٧) بحديث ابن المعلى، حيث دعاه\n_________\n(^١) أي: ردَّ هذه القاعدة.\n(^٢) هو خالد بن زيد بن كليب الخزرجيّ النجاريّ البدريّ، أبو أيوب الأنصاريّ، الذي خَصَّه النبي - ﷺ - بالنزول عليه في بني النجار إلى أن بُنيت له حجرة أم المؤمنين سودة، وبنى المسجد الشريف. شهد المشاهد كلَّها، وشهد حرب الخوارج مع عليٍّ ﵄. مات سنة ٥٠ هـ، وقُبِر مع سور القسطنطينية بأصل الحصن. انظر: سير ٢/ ٤٠٢، الإصابة ١/ ٤٠٥.\n(^٣) حديث أبي أيوب أخرجه البخاري ١/ ٦٦ - ٦٧، في الوضوء، باب لا تُستقبل القبلة بغائط أو بول إلا عند البناء جدارٍ أو نحوه، حديث رقم ١٤٤. وأخرجه أيضًا في القبلة، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق ١/ ١٥٤، حديث رقم ٣٨٦. ومسلم ١/ ٢٢٤، في الطهارة، باب الاستطابة، حديث رقم ٢٦٤.\n(^٤) انظر: إحكام الأحكام ١/ ٩٤، ٩٥، شرح الكوكب ٣/ ١١٧ - ١١٩.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٥١.\n(^٧) أي: لردِّ هذه القاعدة التي يقول بها القرافي.","vol":"4","page":1208},{"text":"النبي - ﷺ - وهو في الصلاة فلم يجبه، فقال ﵇: \"ألم يقل الله\" الحديث، فقد جعله (رسول الله) (^١) - ﷺ - عامًا في الأحوال؛ لأنه احتج عليه بالآية وهو في حالة الصلاة (^٢). لكن ظهر لي الآن أن العموم في الأحوال إنما جاء في هذه الآية من صيغة: \"إذا\" فإنها ظرف، والأمر معلَّق بها، وهي شَرْط أيضًا، والمعلَّق على شرط يقتضي التكرار، والظرف يشمل جميع الأوقات، ويلزمها الأحوال (^٣).\nوقررتُ مرةً أخرى أنَّ هذه القاعدة إنما تنقدح في سياق الإثبات كقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٤)، لا فيما إذا كان فعلًا في سياق النفي، كما لو قيل: لا تقتل مسلمًا، فإن الفعل يدل على الزمان؛ إذ هو أحد جزئيه (^٥)، وقد دخل عليه حرف النفي فعم كلَّ زمان، فصار العامُّ في الأشخاص في سياق النفى (عامًا في الأزمان؛ لأن حكم الفعل حكم النكرة، وهي في سياق النفي) (^٦) للعموم.\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) لأنه لو لم يكن عامًا في الأحوال كلها في الصلاة وغيرها لما احتج عليه النبي - ﷺ - بالآية، ولكان مفهوم الآية - على افتراض عدم عموم الأحوال - خاصًا بغير حالة الصلاة التي ينبغي فيها الإتمام.\n(^٣) أي: يلزم عمومَ الأوقات عمومُ الأحوال، يعني: سواء كان في حال الصلاة أو خارج الصلاة وسائر الأحوال.\n(^٤) سورة التوبة: الآية ٥.\n(^٥) يعني: إذِ الزمان أحد جزئي الفعل؛ لأن الفعل مركب من الحدث والزمان.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1209},{"text":"والذي نقوله الآن في هذه القاعدة: إنها حقٌ لا سبيل إلى المصادمة بمنعها (^١)، ولكن ما جعله القرافي لازمًا عليها غير مسلم له (^٢)؛ وذلك لأن المقصود أن العام في الأشخاص (مطلقٌ في الأحوال والأزمنة والبقاع، بمعنى: أنه إذا عُمِل به في الأشخاص) (^٣) في حالة \"ما\" في زمان \"ما\" في مكان \"ما\" - لا يُعْمل به (في تلك الأشخاص مرة أخرى، أما في أشخاصٍ أُخَر فَيُعْمل به؛ لأنه لو لم يُعْمَل به) (^٤) لزم التخصيص في الأشخاص. فالتوفية (^٥) بعموم الأشخاص: أن لا يبقى شَخْصٌ \"ما\" في أي زمانٍ ومكانٍ وحالٍ إلا حُكِم عليه، والتوفية بالإطلاق: أن لا يتكرر ذلك الحكم (^٦). فكلُّ زانٍ يُحَدّ، وإذا جلدناه لا نجلده ثانيًا في مكانٍ آخر، أو زمانٍ آخر، أو حالةٍ أخرى، إلا إذا زنا مرةً أخرى؛ لأن تكرر جَلْده لا دليل عليه، والفعل مُطْلق (^٧). هذا ما قرره الإمام الجليل علاء الدين الباجي، ونقله عنه والدي أطال الله بقاه في كتابه \"أحكام كل\" وهو\n_________\n(^١) أي: سواء في حالة الإثبات أو النفي، فالعام في الأشخاص مطلقٌ في الأزمان والبقاع والأحوال والمتعلَّقات.\n(^٢) سبق بيان أن القرافي جعل من لازم إطلاق العموم في الأزمان والبقاع والأحوال والمتعلقات - أن لا يُعمل بجميع العمومات في هذا الزمان.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ت)، و(غ): \"والتوفية\".\n(^٦) يعني: أن لا يتكرر الحكم على شخص واحد.\n(^٧) أي: فعل الجلد في قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا﴾ مطلق، يُكتفى فيه بمرةٍ واحدة.","vol":"4","page":1210},{"text":"من أنفس مختصراته، قال: وقال الباجي هذا معنى القاعدة، وبه يَظْهر أن لا إشكال عليها، ولم يلزم من الإطلاق في شيء مَنْعُ التعميم في غيره.\nقلت: وغالب ظني أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في \"شرح الإلمام\" ذكر هذا التقرير بعينه. ثم قال (الشيخ الإمام) (^١) والدي أيده الله: وقد يُعْتَرض على هذا التقرير بأن عدمَ تكرارِ الجلد مثلًا معلومٌ من كون الأمر لا يقتضي التكرار، وبأن المطلق هو الحكم (^٢)، والعام هو المحكوم عليه (^٣)، وهما غيران (^٤) فلا يصلح أن يكون ذلك تأويلًا لقولهم: العام مطلق (^٥). قال: فينبغي أن يُهَذَّب هذا الجواب، ويُجْعل العمومُ والإطلاق في لفظٍ واحد بأن يقال: المحكوم عليه وهو \"الزاني\" مثلًا، أو \"المشرك\" فيه أمران: أحدهما: الشخص. والثاني: الصفة كالزنا مثلًا، وأداة العموم لما دخلت عليه (^٦) أفادت عمومَ الشخص، لا عموم الصفة، والصفة باقية على إطلاقها، فهذا معنى قولهم: العام في الأشخاص مُطْلَقٌ في الأحوال، والأزمنة، والبقاع. أي: كلُّ شخصٍ حَصَل منه مُطْلَقُ زنًا (^٧) حُدَّ، وكلُّ شخص حصل منه مُطْلقُ شركٍ قُتِل بشَرْطه، ورَجَعَ العموم\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) وهو وجوب الجلد في الآية: ﴿فَاجْلِدُوا﴾.\n(^٣) أي: الأشخاص المحكوم عليهم، وهم الزناة والزواني في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾.\n(^٤) أي: لفظان متغايران.\n(^٥) لأن المطلق لفظ آخر غير العام.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) أي: حصل منه الزنا مرة واحدة؛ لأن المطلق يتحقق بفردٍ واحد.","vol":"4","page":1211},{"text":"والإطلاق إلى لفظةٍ واحدةٍ باعتبار مدلولَيْها من الصفة والشخصِ المتصف بها، فافهم ذلك. ثم إنه مع هذا لا نقول: كون الصفة مطلقةً تحمل على بعض مُسماها؛ لأنه يلزم منه إخراج بعض الأشخاص (^١). نعم لو حصل استغراق الأشخاص لم يُحَافظ مع ذلك على عموم الصفة لإطلاقها (^٢).\n_________\n(^١) يعني: كون الصفة في العموم مطلقة - كالزنا للزاني - لا يعني هذا أن نحمل هذه الصفة على بعض معانيها، بأن نَحْمل على زنًا خاص، فنُخْرج بإطلاق الصفة زنا الصغير، وزنا المحصن، وزنا المكره، وغيرها من صور الزنا. وهذه الصور المذكورة وإن كانت خارجة عن حكم الآية، ولكن خروجها ليس بإطلاق الوصف، بل بأدلة أخرى، فلو حملنا الصفة المطلقة للعام على بعض معانيها فإنه يلزم منه إخراج بعض الأفراد عن العام، فيكون تخصيصًا بغير مخصص.\n(^٢) يعني: لو فرض أن جميع أفراد العام امتثلوا حكم العام - فحينذاك لا يُحافظ على عموم صفة الإطلاق، فلو امتثل الجميع حكم العام في حالة واحدة، أو مكان واحد - كفى، وأصبح عموم صفة الإطلاق غير مراعى؛ لكون الأفراد قد استغرقت بصورة واحدة من صور الإطلاق، فلم يخرج فرد من أفراد العام. قال البناني في حاشيته على المحلي ١/ ٤٠٨: \"محل الاكتفاء في المطلق بصورة إذا لم يخالِف الاقتصارُ عليها مقتضى صيغة العموم من الاستغراق. فإذا قال: مَنْ دخل داري فأعطه درهمًا. فدخل قوم أول النهار وأعطاهم - لم يجز حرمان غيرهم ممن دخل آخر النهار لكونه مطلقًا فيما ذكر؛ لما يلزم عليه من إخراج بعض الأشخاص بغير مخصِّص. فمحل كونه مطلقًا في ذلك: في أشخاص عُمِل به فيهم، لا في أشخاص آخرين، حتى إذا عُمِل به في شخص \"ما\" في حالة في مكان \"ما\" - لا يعمل به فيه مرة أخرى، ما لم يخالف مقتضى صيغة العموم. فلو جُلِد زانٍ لم يُخلد مرة أخرى إلا بزنا آخر\". والحاصل: أن وصف الإطلاق في لفظ العام لا يجوز أن يكون مخصِّصًا، وذلك بحمل معنى الإطلاق على بعض صوره. وأى فرد من أفراد العام يكتفي فيه للامتثال بذلك العام صورة واحدة من صور الإطلاق، فلا يتكرر الحكم عليه بتكرر الصور الأخرى لمعنى الإطلاق.","vol":"4","page":1212},{"text":"وهكذا الحديث الذي تمسك به الشيخ تقي الدين وهو قوله - ﷺ -: \"لا تستقبلوا القبلة بغائطٍ ولا بول\" (^١) الاستقبال مطلق، وبدخول النهي عليه صار عامًا، فكل استقبال منهي عنه. والاستقبال في الشام أو غيره لو أُخْرج لبطل العموم، فإدراجه (^٢) في النهي مِنْ جهة أداة العموم (^٣) لا من جهة عموم موضوعه (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>المقدمة الخامسة:</span>\nاتفقت النحاة على أن أربع صيغ من جموع التكسير، وأن جموع\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ١/ ٦٦، في كتاب الوضوء، باب لا تُسْتَقْبل القبلة بغائطٍ أو بولٍ إلا عند البناء جدارٍ ونحوه، رقم ١٤٤. وفي كتاب الصلاة، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشَّأم والمشرق، رقم ٣٨٦. ومسلم ١/ ٢٢٤، في كتاب الطهارة، باب الاستطابة، رقم ٢٦٤. وأبو داود ١/ ١٩، في كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، رقم ٩. والترمذي ١/ ١٣، في أبواب الطهارة، باب في النهي عن استقبال القبلة بغائطٍ أو بول، رقم ٨. والنسائي ١/ ٢١، في كتاب الطهارة، باب النهي عن استقبال القبلة عند الحاجة، رقم ٢٠. وفي باب النهي عن استدبار القبلة عند الحاجة ١/ ٢٢، حديث رقم ٢١. وفي باب الأمر باستقبال المشرق أو المغرب عند الحاجة، حديث رقم ٢٢. وابن ماجه ١/ ١١٥، في كتاب الطهارة، باب النهي عن استقبال القبلة بالغائط والبول، رقم ٣١٨.\n(^٢) أي: إدراج الاستقبال في الشام أو غيره.\n(^٣) أي: من جهة النهي الداخل على الفعل: تستقبلوا.\n(^٤) أي: لا من جهة عموم الفعل لغة، فهو ليس بعام بل مطلق، فالعموم مستفاد من النهي الداخل على الفعل.","vol":"4","page":1213},{"text":"السلامة مذكَّرًا كان أو مؤنثًا للقلة (^١): وهي العشرة فما دونها (^٢)، وهي التي يجمعها قَوْلُ الشاعر:\nبأفْعُلٍ وبأفعالٍ وأفْعِلةٍ ... وفِعْلةٍ يُعْرف الأدنى من العددْ\nوسالمِ الجمع أيضًا داخلٌ معها ... فهذه الخمسُ فاحفظها ولا تَزِدْ\nنحو: أفْلُس، وأَحْمال، وأرْغِفَة، وصِبْيَة، ومُسْلمين، ومسلمات. واتفق الأصوليون القائلون بالعموم - وهم أكثر حملة الشريعة - على أنَّ صيغة المشركين وما شابهها للعموم، وكذلك الأحمال، والأرغفة. فقد يقال: هاتان فرقتان عظيمتان تنقل عن العرب، وكل واحدة نقلت عكس ما نقلته الأخرى، فأين العموم الذي هو غير متناهي الأفراد من العشرة فما دونها! ولا سبيل إلى تكذيب كلِّ واحدةٍ من هاتين الفرقتين العظيمتين، فما وجه الجمع بين كلاميهما؟\nوالجواب: ما ذكره إمام الحرمين وقال: إنه الذي استقر عليه نظره في محاولة الجمع بين مسالك الأئمة في ذلك: وهو أن قول النحاة: إنها للعشرة فما دونها - إنما هو فيما إذا كان الجمع مُنَكَّرًا نحو: مشركين، وأحمال. ونَقْلُ الأصوليين إنما هو حالَ التعريف بالألف واللام، فإنه حينئذ يَعُمُّ كلُّ جمع (^٣)، وذلك بمنزلة \"رجل\" المنكَّر، فإنه للواحد من بني آدم، وبالتعريف\n_________\n(^١) انظر: شرح الأشموني على الألفية ٤/ ١٢٠، ١٢١.\n(^٢) انظر: شرح ابن عقيل على الألفية ٢/ ٤٥٢، وفيه: فجمع القلة يدل حقيقةٌ على ثلاثة فما فوقها إلى العشرة. اهـ. وانظر: أوضح المسالك لابن هشام ٣/ ٢٥٤.\n(^٣) أي: سواء كان جمع قلة أو جمع كثرة، فكل جمع معرَّف للعموم، وكل جمع منكَّر لغير العموم.","vol":"4","page":1214},{"text":"يعم كلَّ فرد (^١).\nوأما الجمع حال التنكير (^٢) فلا يقول فيه بالتعميم إلا مَنْ شَذَّ كالجبائي، أو مَنْ (^٣) حمل المشترك على معنييه (^٤) (^٥)، وجَعَل ذلك (^٦) من باب العموم، فالسؤال عليه منقدح يحتاج إلى جواب (^٧).\n_________\n(^١) انظر: البرهان ١/ ٣٣٤ - ٣٣٧. ونقل الشارح رحمه الله تعالى ملخص كلام إمام الحرمين، وحاصل هذا الجمع كما هو واضح أنه لا فرق بين قول الفريقين، فالنحويون يتكلمون عن حال التنكير، والأصوليون عن حال التعريف. وانظر: البحر المحيط ٤/ ١٢١ - ١٢٣.\n(^٢) سواء كان جمع قلة أو جمع كثرة. وستأتي المسألة فيما بعد. وانظر: رفع الحاجب ٣/ ٨٩ - ٩٠، التمهيد ص ٣١٦، ٣١٧، سلم الوصول ٢/ ٣٤٧.\n(^٣) سقطت من (ت)، وفي (ص): \"ممن\".\n(^٤) بأن يجعل مسلمات مثلًا لجمع القلة، وللتعميم، فيكون اللفظ مشتركًا بينهما.\n(^٥) ذهب الجمهور إلى أن الجمع المنكَّر لا يعم، وذهب بعض الشافعية وبعض الحنفية إلى أنه يعم. انظر: اللمع ص ٢٦، تيسير التحرير ١/ ٢٠٥، فواتح الرحموت ١/ ٢٦٨، شرح الكوكب ٣/ ١٤٢.\n(^٦) أي: جَعَلَ حَمْلَ المشترك على معنييه.\n(^٧) يعني: كيف يُجْمع بين قول النحاة الحاملين لجمع القلة حال التنكير على ثلاثة، وبين قوله بالتعميم؟ تنبيه: لاحظ أن الإشكال والسؤال هنا إنما هو في حال التنكير، والسؤال الأول الذي سبقه هو سؤال عام، فبعد أن بيَّن الشارح رحمه الله تعالى أن إطلاق الأصوليين لا ينافي إطلاق النحويين؛ إذ مراد الأولين حال التعريف، ومراد الآخرين حال التنكير - عطف على هذا السؤال بسؤال آخر: وهو أن هناك من الأصوليين مَنْ يقول بالتعميم في حال التنكير، مع أن الجمهور لا يقولون بالتعميم، فمَنْ قال بالتعميم منهم في حال التنكير هو الذي بينه وبين النحويين خلاف؛ إذ =","vol":"4","page":1215},{"text":"ولقائل أن يقول: اتفقت (^١) الفقهاء على أنَّ مَنْ أقرَّ بدراهم (قُبِل منه) (^٢) تفسيرها بثلاثة، وهي جمع كثرة، وأقلُّه باتفاق النحاة أحدَ عشر (^٣)، فما الجمع بين الكلامين؟ (^٤) اللهم إلا أنْ يَدَّعِيَ الفقيه أنَّ العُرْف\n_________\n= كلام النحويين أن جمع القلة في حال التنكير يحمل على الثلاثة، فما وجه الجمع بينهما؟ فحال التعريف للجمع لا خلاف فيها بين النَّحْويين والأصوليين، وإنما الخلاف في حال التنكير. والله تعالى أعلم.\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) في ت: \"قبل منه في\".\n(^٣) للنحويين قولان في جمع الكثرة: أحدهما: ما ذكره الشارح رحمه الله تعالى، وهو أنَّ أقله أحد عشر إلى ما لا يتناهى. والآخر: أقله ثلاثة إلى ما لا يتناهى، وهو قول السعد التفتازاني وغيره، فالفرق بين جمع القلة والكثرة - على هذا القول - من جهة النهاية لا من جهة المبدأ، ويكون الذي ينوب عن الآخر جمع القلة؛ إذ ينوب عن جمع الكثرة في الدلالة على أحد عشر فصاعدًا، أما جمع الكثرة فدلالته حينئذ على الثلاثة إلى العشرة ليست بالنيابة عن جمع القلة، ولكن بالأصالة، ودلالته هذه حقيقة لا مجاز، وبهذا يندفع السؤال الذي أورده الشارح. قال الخضري - رحمه الله تعالى - بعد أن حكى القولين: \"وبذلك يندفع ما أورده القرافي على قول الفقهاء فيمن أقَرَّ بدراهم: أنه يقبل بثلاثة - من أنه جمع كثرة، وأقله أحد عشر، فكيف يُقبل المجاز مع إمكان الحقيقة! ويدفع أيضًا (أي: قول الفقهاء): بأن دراهم ليس مجازًا في الثلاثة؛ لأنه ليس لمفرده (وهو درهم) جمع قلة\". انظر: حاشية الخضري على ابن عقيل ٢/ ١٥٣، وانظر: حاشية الصبان على الأشموني ٤/ ١٢٠، تعليق محمد محيي الدين على ابن عقيل ٢/ ٤٥٢.\n(^٤) لاحظ أن هذا السؤال اعتراض جديد، ولا علاقة له بالسؤال الأول الذي فيه الإشكال بين كلام النحويين وكلام الأصوليين، والمعنى: أننا جمعنا بين كلام =","vol":"4","page":1216},{"text":"شاع في إطلاق دراهم على ثلاثة واشْتَهَر فصارَ حقيقةً عُرفية، وهي مقدمة على اللغوية (^١). ولا يكفيه أن يقول: إطلاق جمع الكثرة على القلة يصح مجازًا، والأصل براءة الذمة (^٢) عما زاد، فقبلنا تفسيره بثلاثةٍ لذلك؛ لأنا نقول: لا يُقْبل من اللافظ بحقائق الألفاظ في الأقارير (^٣) التفسيرُ بالمجاز، ألا ترى أنَّ مَنْ أقرَّ بأفْلُس لا يقبل منه التفسير بفَلْس (^٤) واحد، وإنْ صح إطلاق الجمع على الواحد مجازًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-357>المقدمة السادسة:</span>\nدلالة العموم قطعية عند جماعة، وظنية عند آخرين، واشْتَهَر قول الشافعي إنها ظنية (^٥). وقال إمام الحرمين في أوائل العموم: \"الذي صَحَّ\n_________\n= الفريقين في حال جمع القلة، فكيف نجمع بين كلام الفقهاء والنحويين في حال جمع الكثرة فيمن أقَرَّ بـ \"دراهم\"؟\n(^١) انظر: شرح الكوكب ٣/ ١٤٣، وفي فواتح الرحموت ١/ ٢٧١: (فائدة لا فرق عند القوم) من الفقهاء وأهل الأصول (بين جمع القلة، و) بين جمع (الكثرة وإنْ صَرَّح به النحاة) أي: بالفرق بأن أقل جمع القلة ثلاثة، وأقل جمع الكثرة عشرة (فإن المحلّى منهما) أي: من جمعي القلة والكثرة (للعموم مطلقًا) فلا أقل له ولا أكثر (وأما المنكَّر فالأقل منهما ما تقدم) من غير فرق، ولذا أجمعوا على أنه لو فسَّر قوله: \"له عليَّ دراهم أو أفْلُس\" بالثلاثة - صح. اهـ. وقوله: (وأما المنكر فالأقل منهما ما تقدم يعني: أن أقل الجمع ثلاثة أو اثنان على الخلاف سواء كان جمع قلة أو كثرة؛ لعدم تفريق الأصوليين بينهما. وكذا قال الإسنوي في التمهيد ص ٣١٧.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) جمع إقرار.\n(^٤) انظر: لسان العرب ٦/ ١٦٥، مادة (فلس).\n(^٥) دلالة العموم على أصل المعنى قطعية اتفاقًا، فالعام غير الجمع أصل المعنى فيه واحد =","vol":"4","page":1217},{"text":"عندي من مذهب الشافعي أن الصيغ العامة لو صح تجردها عن القرائن (^١) لكانت نصًا في الاستغراق، وإنما التردد فيما عدا الأقل من جهة عدم القطع بانتفاء القرائن المخصِّصة (^٢) \" (^٣). وكذلك ذَكر إلْكيا في \"تعليقه\" في الأصول.\nوقد نَجَز ما قصدنا إيراده من المقدمات، فَلْنَلْتفت إلى شَرْح الحدِّ الذي أورده في الكتاب، فنقول:\nقوله: \"لفظ\" جنس، ويؤخذ من التعبير به (^٤) أن العموم عنده من\n_________\n= فهو قطعي الدلالة فيه، والعام الذي على صيغة الجمع أصل معناه اثنان أو ثلاثة على خلاف، فهو قطعي الدلالة فيها. والخلاف إنما هو في دلالة العام على كل فرد بخصوصه، فذهب الشافعية والمالكية وأكثر الحنابلة والماتريدي ومشايخ سمرقند من الحنفية: إلى أن دلالة العام على كل فردٍ بخصوصه ظنية. وذهب جمهور الحنفية وبعض الحنابلة إلى أن دلالته على كل فردٍ بخصوصه قطعية. هذا وينبغي التنبيه إلى أن هذا الخلاف إنما هو في العام الذي لم يدخله التخصيص، وأما العام الذي دخله التخصيص فهو ظني اتفاقًا. انظر: شرح المحلي على الجمع ١/ ٤٠٧، أصول السرخسي ١/ ١٣٢، فواتح الرحموت ١/ ٢٦٥، فتح الغفار ٨٦١ /، كشف الأسرار ١/ ٢٩١ - ٢٩٤، نثر الورود ١/ ٢٤٩، نشر البنود ١/ ٢١١، شرح الكوكب ٣/ ١١٤، تفسير النصوص ٢/ ١٠٦.\n(^١) يعني: لو صح عندنا قطعًا بعدم وجود قرائن تخصِّصها.\n(^٢) يعني: وإنما التردد والاختلاف في كون العموم قطعيًا أو ظنيًا - فيما سوى الحد الأقل من العموم، أما الحدُّ الأدنى من العموم الذي لا يتحقق العموم إلا به فهو قطعي لا تردد فيه، أمَّا ما فوق ذلك فهو محل الخلاف والتردد، بسبب عدم القطع بانتفاء القرائن المخصِّصة للعموم.\n(^٣) انظر: البرهان ١/ ٣٢١.\n(^٤) سقطت من (غ).","vol":"4","page":1218},{"text":"عوارض الألفاظ فقط.\nفإن قلت: فقد نَصَّ بعد ذلك على جواز تخصيص العلة والمفهوم (^١)، والتخصيص فَرْع العموم.\nقلت: أجاب الإسفرايني شارح الكتاب: بأنه أطلق العموم هناك على سبيل المجاز، وكلامه هنا في مدلوله الحقيقي.\nوقوله: \"يستغرق\" فَصْلٌ خرج (^٢) به النكرة في سياق الإثبات: سواء كانت مفردةً كرجل، أو مثناةً كرجلين، أو مجموعةً كرجال، أو عددًا كخمسة (^٣)، فإنها لا تستغرق جميع ما يصلح له، وإنما تتناوله على سبيل البدل (^٤). قلنا: عمومان: عموم استغراق وهو الذي نتكلم (^٥) في تعريفه، وعموم بدل كما ذكرناه يصدق على كل واحدٍ بطريق البدلية.\n_________\n(^١) مع أن العلة والمفهوم من المعاني لا من الألفاظ، فالعلة: هو المعنى الذي يدور عليه الحكم، والمفهوم: هو المعنى الذي استفيد من اللفظ.\n(^٢) في (ص): \"يخرج\".\n(^٣) الخمسة خرجت من العموم لأن أفرادها أجزاء، وأفراد العام جزئيات، فالخمسة من قبيل الكل، والعام من قبيل الكلية.\n(^٤) أي: هذه النكرات المذكورة تتناول ما يصلح له اللفظ على سبيل البدل لا على سبيل الاستغراق. قال الشيخ المطيعي في سلم الوصول ٢/ ٣١٧: \"المراد بالعموم استغراق الكلي للجزئيات، وكلٌّ من رجال وعشرة مثلًا لا يصلح لاستغراق الآحاد استغراق الكلي للجزئيات، بل رجال يعم الجموع على البدل ولا يستغرقها، وعشرة تعم العشرات كذلك على البدل ولا تستغرقها\".\n(^٥) في (ك): \"نتكلم عليه\".","vol":"4","page":1219},{"text":"وخرج بهذا الفصل أيضًا المطلق، فإنه لا يدل على شيء من الأفراد فضلًا عن أن يستغرقها (^١).\nوقوله: \"جميع ما يصلح له\" احترازٌ عن ما لا يصلح، فإنَّ عدم استغراق \"ما\" لِمَنْ يعقل إنما هو لعدم صلاحيتها له، أعني: لعدم صدقها عليه (^٢).\nوقوله: \"بوضع واحد\" احترازٌ عن اللفظ المشترك، وما له حقيقة ومجاز. وتقرير ذلك: أن (^٣) العين وُضِعت مرة (^٤) (للعين الباصرة) (^٥)، وأخرى للذهب فهي صالحةٌ لهما، فإذا قال: رأيت العيون. وأراد الباصرة دون الذهَب، أو عكسه - فإنها لم تستغرق جميعَ ما يصلح لها مع كونها عامة؛ لأن الشرط هو استغراق الأفراد الحاصلة من [وضع] (^٦) واحدٍ وقد\n_________\n(^١) لأن المطلق: هو اللفظ الدَّال على الماهية بلا قيد. أي: بلا اعتبار قيد في الواقع من وَحْدةٍ أو كثرة، فالمنفي في التعريف هو اعتبار القيد، لا وجود القيد في الواقع، إذ لا بد منه؛ لامتناع تحقق الماهية بدونه. انظر: شرح المحلي وحاشية البناني على جمع الجوامع ٢/ ٤٤، شرح الكوكب ٣/ ١٠٢.\n(^٢) قال الإسنوي: والمراد بالصلاحية: أن يصدق عليه في اللغة. انظر: نهاية السول ٢/ ٣١٧. والمعنى: أن \"ما\" لفظ عام مستغرق لما لا يَعْقِل، وكونه لا يستغرق من يعقل لا يمنع كونه عامًا فيما لا يعقل؛ لأن عدم استغراقه لمن يعقل لكونه لا يصدق عليه لغة.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"للباصرة\".\n(^٦) في جميع النسخ: \"شخص\". وهو غير صحيح، والصواب: وَضْع؛ لأن الكلام عن =","vol":"4","page":1220},{"text":"وُجِد، والذي لم يدخل فيها هو أفراد وَضْعٍ آخر (^١) فلا يضر. وما له حقيقة ومجاز يُعْمل فيه هذا العمل (^٢). فالمقصود بهذا القيد إدخال بعض الأفراد لا (^٣) الإخراج (^٤). هكذا قَرَّره الإسفرايني شارح هذا الكتاب، وهو تقرير حسن فاجتنب غيره. هذا شرح الحد (^٥).\nوقد أُورد عليه أمور:\nأحدها: أنه أُخِذ فيه لفظة \"جميع\"، وكذلك لفظة \"ما\"، وهما من جملة الُمعَرَّف، وأخْذُ المُعَرَّف قيدًا في المعرِّف باطل (^٦). أورده الأصفهاني في \"جميع\"، وادعى أنَّ جوابَه مُتَعَذِّر.\nوالثاني: أن الاستغراق: هو العموم، والمُسْتَغْرِقُ والعامُّ لفظان مترادفان، فلا يحصل بما ذكره إلا تعريفٌ لفظي: وهو تبديل لفظٍ بلفظٍ\n_________\n= هذا القيد، وهو قول الماتن: \"بوضع واحد\". وكذا قال الإسنوي في نهاية السول ٢/ ٣١٨ في تقرير هذا القيد: \"لأن الشرط إنما هو استغراق الأفراد الحاصلة من وضعٍ واحد\".\n(^١) أي: معنى آخر.\n(^٢) فاللفظ المشترك عام من جهة معنى واحد، لا مِنْ جهة جميع معانيه، وما له حقيقةٌ ومجازٌ عام من جهة الحقيقة أو من جهة المجاز، لا أنه عام فيهما في آن واحد.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) المعنى: أننا لا نريد بقيد \"وضع واحد\" إخراج المشترك، وما له حقيقة ومجاز عن العموم، بل المراد إدخالُ بعض أفراد المشترك، وبعض أفراد مَالَهُ حقيقةٌ ومجازٌ في العموم.\n(^٥) قال الإسنوي: وهذا التقرير قد أشار إليه في \"المحصول\" إشارة لطيفة فقال: \"فإن عمومه لا يقتضي أن يتناول مفهومَيْه معًا\"، وقَلَّ مَنْ قرره على وجهه فاعتمِدْ ما ذكرته، فإنه عزيز مهم. اهـ. نهاية السول ٢/ ٣١٨. وانظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٥١٤.\n(^٦) لأنه يلزم منه الدور. انظر: حاشية الباجوري على السلم ص ٤٥.","vol":"4","page":1221},{"text":"آخر (^١). وليس ذلك بتعريف حقيقي لا حَدِّيٍ ولا رَسْمي (^٢).\nوأجيب عنه: بأنا لا نسلم ترادف العموم والاستغراق، فإنَّ العمومَ لغةً: هو الشمول. والشمول والاستغراق غير مترادفين، وإن اشتركا في بعض اللوازم. سلمنا (^٣) لكن يجوز تعريف العام المُصْطَلح عليه بـ \"المستغرِق\" اللغوي، وحينئذ فهما غير مترادفين؛ لأن الكلام في معنى \"المستغرِق\" لغةً، وفي معنى العام اصطلاحًا (^٤).\nوالثالث: أنه ينتقض بالفعل الذي ذُكِر معه معمولاته، كقولنا: ضَرَب زيدٌ عَمْرًا. فإنه لفظ يستغرق جميع ما يصلح له، (وليس بعام (^٥).\nوهذا ضعيفٌ جدًا؛ لأنه لم يستغرق جميعَ ما يصلح له) (^٦)، إذ ليس\n_________\n(^١) التعريف اللفظي: هو أن تبدل اللفظ بلفظٍ مرادف له أشهر منه. كتعريف الغضنفر بالأسد، والبر بالقمح. انظر: إيضاح المبهم ص ٩، حاشية الباجوري ص ٤٤.\n(^٢) لأن المقصود ههنا في التعريف ليس شرح اسم العام، فيعرَّف بلفظٍ مرادفٍ له أشهر، بل المقصود شرح معنى العام وهذا لا يكون إلا بالحد أو الرسم. أورد هذا الاعتراض الآمدي في الإحكام ٢/ ١٩٥.\n(^٣) أي: سلمنا كونهما مترادفين.\n(^٤) أي: وفي معنى المستَغْرِق اصطلاحًا. فلا مانع من تعريف المستغرِق اصطلاحًا بالمستغرِق لغة؛ لاختلاف معنييهما.\n(^٥) فيكون هذا التعريف غير مانع: وقد أورد هذا الاعتراض الآمدي وابن الحاجب. انظر: الإحكام ٢/ ١٩٥، بيان المختصر ٢/ ١٠٤.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1222},{"text":"شاملًا لجميع أنواع \"الضَرْب\" الصادر من زيدٍ الواقعِ على عمرو، وإنما دَلَّ على مُطْلقِ صُدورِ \"ضَرْب\" من زيدٍ ووقوعِه على عمرو.\nوالرابع: أنه ينتقض بأسماء الأعداد، فإن (^١) لفظ \"المئة\" لفظٌ مستغرِق لجميع ما يصلح له (^٢)، وهو أفراد ذلك (^٣) العدد، وليس بعام (^٤).\nوأجيب عنه (^٥): بأن قولنا: \"ما يصلح له\" يدفعه، فإنَّ لفظ \"المائة\" لا يتناول إلا بعض ما صلح له: وهو المئة الواحدة (^٦)، ليس متناولًا لكل واحدٍ من أفراد المئين على سبيل الاستغراق (^٧).\n_________\n(^١) في (ص): \"لأن\".\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) أورد هذا الاعتراض ابن الحاجب. انظر: بيان المختصر ٢/ ١٠٤.\n(^٥) سقطت من (غ).\n(^٦) المعنى: أن لفظ \"المائة\" يدل على المئة الواحدة مطابقة، وعلى بعض المئة تضمنًا؛ لأن أفراد المئة أجزاء لا جزئيات، فلفظ \"المائة\" يدل عليها تضمنًا، وعلى مجموعها مطابقة. وإذا أطلق لفظ \"المائة\" أريد به المجموع فقط، فيكون اللفظ مستعملًا في بعض ما يصلح له وهو معناه المطابقي، ولا يستعمل لفظ \"المائة\" لإرادة أجزائه مطابقةً، فلا يكون مستغرقًا لما يصلح له (وهو أفراد المائة) استغراق العموم: وهو دلالته على كل فرد مطابقة، بل يستغرقها استغراق الكل للجزء، وهذا ليس بعموم.\n(^٧) والمراد بالاستغراق: هو شمول الجزئيات، فيخرج شمول الأجزاء. انظر: سلم الوصول ٢/ ٣١٩.","vol":"4","page":1223},{"text":"والخامس: أن مراده بقوله: \"المستغرق\" لفظُ العمومِ بلا شك، وهو غير جائز؛ لأن لفظ العموم لا يصلح لواحدٍ واحدٍ من آحاده فإنه لم يوضع لواحد ولا لاثنين، وإنما يصلح للجميع (^١). أورده النقشواني.\nقال الأصفهاني: وهو مندفع بتفسير الصلاحية، فمَنْ أورده لم يفهم معناها، فإنه ليس المراد بالصلاحية إلا أن \"الرجال\" يصلح (^٢) لأفراد هذا الصنف، ولا يصلح لغيرهم (^٣). والله أعلم (^٤).\nقال: (وفيه مسائل:\nالأولى: أن لكل شيء حقيقةٌ هو بها هو (^٥)، فالدال عليها المطلق، وعليها بوحدة مُعَيَّنة المَعْرفة، وغير معيَّنة النكرة، ومع وحداتٍ معدودةٍ\n_________\n(^١) أي: تعريف العموم بالمستغرق غير صحيح، لأن العموم غير مستغرق لآحاده، فإنه لا يدل على الواحد ولا الاثنين من آحاده، بل يدل على المجموع.\n(^٢) في (غ): \"تصلح\".\n(^٣) أي: مَنِ اعترض هذا الاعتراض وزعم بأن العموم لا يدل على أفراده، بل على مجموع أفراده - لم يفهم معنى \"الصلاحية\" الواردة في التعريف؛ إذ المراد بها: أن لفظ العموم يصلح للدلالة على كل فردٍ داخلٍ تحت معنى العموم. فلو قلنا مثلًا: أعطِ الرجال. فالمراد أعط كلَّ متصفٍ بوصف الرجولية. فلفظ \"الرجال\" يدل على كل فرد من أفراد هذا الصنف، لا غيرهم.\n(^٤) انظر تعريف العموم في: المحصول ١/ ق ٢/ ٥١٣، الحاصل ١/ ٤٩٩، التحصيل ١/ ٣٤٣، نهاية الوصول ٣/ ١٢٢١، الإحكام ٢/ ١٩٥، نهاية السول ٢/ ٣١٢، السراج الوهاج ١/ ٤٩٧، شرح تنقيح الفصول ص ٣٨، إحكام الفصول ص ١٧٢، بيان المختصر ٢/ ١٠٤، أصول السرخسي ١/ ١٢٥، تيسير التحرير ١/ ١٩٠، فواتح الرحموت ١/ ٢٥٥، شرح الكوكب ٣/ ١٠١، البلبل ص ٩٧.\n(^٥) أي: هو بتلك الحقيقة ذلك الشيء، فإذا سُلبت تلك الحقيقة فليس هو ذلك الشيء.","vol":"4","page":1224},{"text":"العَدَد، ومع كل جزئياتها العام).\n\nهذه المسألة في<span data-type=\"title\" id=toc-358> الفرق بين العام، والمطلق، والنكرة والمعرفة، والعدد</span>. فنقول: لكل شيءٍ حقيقة هو بها هو، تلك الحقيقة مغايرة لكل ما عداها من الأمور اللازمة لها، والمفارقة، كالإنسانية فإنها من حيث هي حقيقةٌ مغايرةٌ للوَحدة والكثرة، وإن لم تنفك عن إحديهما (^١) (^٢).\nإذا عرفت هذا: فاللفظ الدال على تلك الحقيقة من حيث هي (^٣) من غير اعتبار عارض من عوارضها - هو المطلق، كقولنا: الرجل خيرٌ من المرأة.\nوالدال على تلك الحقيقة مع وَحْدةٍ معيَّنة شخصيةٍ أو نوعيةٍ أو جنسيةٍ (^٤) - المَعْرِفةُ.\n_________\n(^١) فالوَحْدة والكثرة من الأمور اللازمة للحقيقة؛ لأن الحقيقة إما موجودة في ضمن الواحد، أو في ضمن الكثير.\n(^٢) قال الإسنوي موضحًا هذا المثال بشكل أوضح: \"فالجسم الإنساني مثلًا له حقيقة: وهي الحيوان الناطق، وذلك الجسم بتلك الحقيقة إنسان، فإن الانسان إنما يكون إنسانًا بالحقيقة، وتلك الحقيقة مغايرة لما عداها سواء كان ما عداها ملازمًا لها كالوحدة والكثرة، أو مفارقًا كالحصول في الحَيِّز المعين، فمفهوم الإنسان من حيث هو إنسان لا واحد ولا كثير؛ لكون الوحدة والكثرة مغايرة للمفهومِ مِنْ حقيقته، وإن كان لا يخلو عنه\". نهاية السول ٢/ ٣١٩.\n(^٣) أي: من حيث هي حقيقة.\n(^٤) شخصية: كزيد، وعائشة. ونوعية: كإنسان، وفرس. وجنسية: كحيوان. والجنس: هو ما صدق في جواب ما هو على كثيرين مختلفين بالحقيقة. كالحيوان فإنه يصدق =","vol":"4","page":1225},{"text":"والدَّال عليها مع وَحْدة غير مُعَيَّنة النكرةُ، مثل: رأيت رجلًا.\nوالدال عليها مع وَحْدَاتٍ (أي: مع كثرة) إما أن تكون تلك الكثرة معدودةً (أي: محصورة) أوْ لا، فإنْ كانت محصورة فهي العدد، كمائةٍ وعشرة (^١). وإن لم تكن معدودةً بل استوعبت جميعَ جزئيات تلك الحقيقة فهو العام، كالرجال والمسلمين (^٢).\nوقد عَرَفْتَ مِنْ هذا التقسيم الفرق بين المطلق والنكرة (^٣)، ومن الناس\n_________\n= في جواب ما هو على كثيرين. . إلخ، بمعنى أنه يصح حمله على ما ذكر. فلو قلت مثلًا: ما هو الإنسان، وما هو الفرس، وما هو الحمار، وما هو البغل - فالجواب بالقدر المشترك بينها وهو الحيوان، فالحيوان إذًا قد صَدَق (أىِ: حُمِل) في جواب ما هو على كثيرين مختلفة حقائقهم. والنوع: هو ما صدق في جواب ما هو على كثيرين متفقين بالحقيقة. فلو قلت مثلًا: ما هو زيد، وما هو عمرو، وما هو بكر، وما هو خالد، وما هي هند؟ فجواب ذلك بالنوع بأن تقول: إنسان؛ لأنه القدر المشترك بين الأفراد. وقد بيَّن الشيخ الباجوري أن المراد في تعريف النوع: بصدقه على كثيرين - حَمْله على تلك الأفراد وإن لم تُجمع في السؤال، بخلاف صِدْق الجنس على كثيرين فإنه لا بد فيه من جمعها، أي: لا بد في السؤال عن الجنس من ذكر عددٍ من أنواعه، ولا يكفي في السؤال ذِكْرُ نوعٍ واحد. انظر: حاشية الباجوري على السلم ص ٣٨، ٣٩، آداب البحث والمناظرة ص ٣٣، ٣٤.\n(^١) فالعدد محصور لا يتناول ما عداه من جزئيات الماهية، بل يدل على بعض أفرادها.\n(^٢) انظر: نهاية السول ٢/ ٣٢٠، شرح الكوكب ٣/ ١٠١.\n(^٣) فالمطلق: اللفظ الدال على الحقيقة من حيث هي. والنكرة: اللفظ الدال على الحقيقة مع وحدة غير معيَّنة. فالمطلق أعم من النكرة؛ لأنه غير مقيد بأي عارض من العوارض، والنكرة مقيدة بعارض الوحدة غير المعينة.","vol":"4","page":1226},{"text":"مَنْ زعم أنه لا فرق بينهما وعليه جرى الآمدي (^١).\nوهذا التقسيم فيه مناقشات:\nأحدها (^٢): أنه غير حاصر؛ وذلك لأن الماهية على ثلاثة أقسام:\nماهيةٌ بلا شَرْط شيء وهي المطلقة.\nوماهية بشرط لا شيء، وهي المجردة عن جميع الأعراض واللواحق.\n(وماهيةٌ بشرط شيء، وهي المقيدة بشيء من الأعراض واللواحق) (^٣)، كالوحدة والكثرة وغيرهما.\nوالتقسيم المذكور لا يشمل إلا الماهية المطلقة، وأهمل الأُخريين (^٤).\nوالثاني: أنه يقتضي وقوع التقابل بين العدد والمعرفة والعام، أي: لا يصدق أحدهما على الآخر؛ لأن هذا شأن التقسيم، وليس كذلك، فإن العام قد يكون معرفة كالرجال، وقد يكون نكرة نحو: كل رجل. والعدد قد يكون معرفة نحو: الخمسة. أو نكرة كخمسة.\nالثالث: أنه اعتبر الوَحْدة في مدلول المعرفة ومدلول النكرة، وذلك يُوجِب خروجَ نحو: الرجلين والرجال عن حَدِّ المعرفة؛ لأنه اعتبر الوحدة\n_________\n(^١) وكذا ابن الحاجب. انظر: الإحكام ٣/ ٣، بيان المختصر ٢/ ٣٤٩، البحر المحيط ٥/ ٦.\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"إحداها\".\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) في (ص): \"الأخرتين\".","vol":"4","page":1227},{"text":"فيها، وهذا (^١) متعدد، وهو باطل. ويُوجب خروجَ نحو: رجلين ورجال عن حد النكرة، وهو باطل (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-359>(الثانية: العموم إما لغة بنفسه كـ \"أي\" للكل، و\"مَنْ\" للعالِمين، و\"ما\" لغيرهم، و\"أين\" للمكان، و\"متى\" للزمان)</span>.\nالذي يفيد العموم إما أن يفيده من جهة اللغة، أو العرف، أو العقل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>القسم الأول: المفيد لغةً</span>، وهو على ضربين؛ لأنه إما أن يدل عليه بنفسه لكونه موضوعًا له، أو بواسطة اقتران قرينة به.\nالضربُ الأول: ما يدل عليه بنفسه، وهو نوعان؛ لأنه إما أن يكون شاملًا (للكل، أي: لجميع المفهومات، أوْ لا يكون.\nالأول: أن يكون شاملًا) (^٣) لجميع المفهومات، وذلك كلفظة \"أي\" فإنها تشمل العالِمين وغيرَهم (^٤) فتفيد (^٥) العموم في كل ما دخلت عليه من الجنسين.\nوكذلك لفظة \"كل\"، و\"جميع\"، و\"الذي\"، و\"التي\"، و\"سائر\" إنْ\n_________\n(^١) أي: نحو الرجلين والرجال.\n(^٢) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ٢/ ٥٢٠، الحاصل ١/ ٥٠٢، التحصيل ١/ ٣٤٤، نهاية السول ٢/ ٣١٩، السراج الوهاج ١/ ٤٩٩، مناهج العقول ٢/ ٥٧، شرح الكوكب ٣/ ١٠١.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أي: العقلاء، وغير العقلاء.\n(^٥) في (ص): \"فيقبل\". وهو خطأ.","vol":"4","page":1228},{"text":"كانت مأخوذة (^١) مِنْ سُور المدينة: وهو المحيط بها، كما جزم به الجوهري (^٢)، وقد عَدَّها القاضي في \"مختصر التقريب\" من الصيغ (^٣). فإن كانت مأخوذة من السؤر بالهمز: وهو (^٤) البقية - فلا تعم، وذلك هو المشهور في استعمال الفُصَحاء (^٥)، وفي الحديث: \"أمسك أربعًا وفارق سائرهن\"، أي: باقيَهُنَّ.\nقلت: ولا أدري كيف يستفاد العموم من لفظة (^٦) \"جميع\"، فإنها لا تضاف إلا إلى معرفة، تقول: جميع القوم، وجميع قومك. ولا تقول: جميع قوم. ومع التعريف بالألف واللام، أو الإضافة يكون العموم مستفادًا منهما (^٧) لا من لفظة \"جميع\" (^٨).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في الصحاح ٢/ ٦٩٢، مادة (سير): \"وسائر الناس: جميعهم\"، ووافقه على كونها للعموم السيرافي، والجواليقي، وابن بَرِّي، وغيرهم. انظر: البحر المحيط ٤/ ٩٦، شرح الكوكب ٣/ ١٥٩.\n(^٣) انظر: مختصر التقريب ٢/ ١٨.\n(^٤) في (ت): \"وهي\".\n(^٥) وهو مذهب الجمهور. انظر: شرح تنقيح الفصول ص ١٩٠، شرح الكوكب ٣/ ١٥٨.\n(^٦) في (ت): \"لفظ\".\n(^٧) في (ت): \"منها\". وهو خطأ.\n(^٨) قال الزركشي في البحر (٤/ ٩٥) بعد إيراد هذا الإشكال: وقد يقال إن العموم مستفاد من \"جميع\"، والألف واللام لبيان الحقيقة، أو هو مستفاد من الألف واللام، و\"جميع\" للتأكيد. اهـ. وأجاب البناني على هذا الإشكال أيضًا بقوله: =","vol":"4","page":1229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>تنبيه </span>(^١):\nشَرْط (^٢) \"أي\" أن تكون استفهاميةً، أو شرطية. فإنْ كانت موصولة، أو صفة، أو حالًا، أو مناداة - فإنها لا تعم. مثل: مررت بأيِّهم قام، أي: بالذي قام (^٣). ومررت برجل أيَّ رجل، بمعنى: كامل. ومررتُ بزيدٍ أيَّ رجلٍ، بفتح أيٍّ بمعنى: كامل أيضًا. ويا أيُّها الرجلُ.\nوالنوع الثاني: أن لا يكون شاملًا للكل، وهو على وجهين: أحدهما: أن يختص بأولي العلم كلفظة، \"مَنْ\" فإنها وضعًا تختص بالعالِمين (^٤) بكسر\n_________\n= \"لا يلزم من إفادة المضاف إليه العموم - عدمُ إفادة هذا المضاف (أي: جميع) التنصيصَ على العموم؛ لكونه من ألفاظ التوكيد. . . وبأن المعرفة التي تضاف إليها \"جميع\" لا يجب أن تكون من ألفاظ العموم، كما في قولك: جميع العشرة عندي. فإن الظاهر صحة هذا التركيب، وعموم \"جميع\" فيه لصدق تعريف العام عليها، ولا يضر دلالة المضاف إليه على الحصر؛ لأن عدم الحصر إنما يعتبر في اللفظ العام، وهو هنا المضاف، لا المضاف إليه. وكما في قولك: جميع زيد حسن. فإنه لا عموم في المضاف إليه قطعًا. اهـ مع تصرف يسير. انظر: حاشية البناني على المحلي ١/ ٤٠٩، ٤١٠.\n(^١) في (ت): \"فائدة\".\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٤) أي: العقلاء، والتعبير بالعالمين أولى من التعبير بالعقلاء؛ لأن \"مَنْ\" تطلق على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ والمراد بمَنْ هو الله تعالى، والله لا يطلق عليه وصف العاقل، بل يطلق عليه وصف \"العالِم\" ﷾، كما ورد النص، فلو عُبِّر بالعقلاء لكان التعبير غير شامل. انظر: نهاية السول ٢/ ٣٢٥.","vol":"4","page":1230},{"text":"اللام، وقد تستعمل في غير العالِمين للتغليب (^١)، أو غيره، كقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ (^٢). وشرطُ \"مَنْ\" أيضًا أنْ تكون استفهاميةً أو شرطية، فإن كانت نكرةً موصوفة، أو كانت موصولة - فإنها لا تعم (^٣). ومَنْ المشارُ إليها تعم الذكور والإناث والأحرار والعبيد على الصحيح.\nوالثاني: أن يختص بغير أولي العلم، وهو أيضًا على وجهين؛ لأنه إما أن يعمهم، أو يختص ببعضهم:\nالأول: أن يعمهم وهي لفظة \"ما\" الاسمية فإنها تفيد العموم إذا كانت معرفةً، نحو: هات ما رأيت. فتفيد العمومَ فيما عدا العالِمين من الزمان والمكان والجماد والنبات (^٤). وقد (^٥) تتناول أولي العلم أيضًا.\nوالثاني: أن يختص عمومه ببعضهم: فإما أن يختص بالأمكنة نحو: أين تجلس أجلس. ومنه: حيث، وأنَّى. أو بالأزمنة نحو: متى،\n_________\n(^١) أي: لتغليب الأكثر على غيره؛ لأن غير العقلاء أكثر من العقلاء.\n(^٢) سورة النور: الآية ٤٥.\n(^٣) مثالها إذا كانت نكرة موصوفة: مررت بمَنْ معجبٍ لك. بجر معجب، أي: رجل معجب. ومثالها موصولة: مررت بمَنْ قام. أي: بالذي قام. قال الإسنوي: ونقل القرافي عن صاحب \"التلخيص\" أن الموصولة تعم، وليس كذلك، فقد صَرَّح بعكسه، ونقله عنه الأصفهاني في \"شرح المحصول\". اهـ. نهاية السول ٢/ ٣٢٤، ٣٢٥. وانظر: التلخيص ٢/ ١٥.\n(^٤) في (ص): \"والذات\". وهو خطأ.\n(^٥) في (غ)، و(ك): \"وقيل\".","vol":"4","page":1231},{"text":"تقول: متى تقم أقم.\nفإن قلت: قد جعلتم هذه الصيغ للعموم في الأصول، وخالفتم ذلك في الفروع، بدليل أنَّ مَنْ قال لامرأته: متى قمتِ (أو حيث قمت أو أيْن قمتِ) (^١) فأنتِ طالق - لا يقع عليه (^٢) إلا واحدة، ومُقْتضى (^٣) ما قررتم تكرارُ الوقوع بتكرار القيام، كما لو قال: \"كلما\".\nقلتُ: ليس مِنْ لازم العموم التكرار، وإنما هو زمانٌ متسعٌ لا يختص الطلاق بأوله ولا بآخره، (بل أيّ جزء كان منه) (^٤) كفى. وأما التكرار في \"كلما\" فلخصوصية \"كل\" لدلالتها على كل فرد فردٍ، فيتعلق (^٥) به الحكم، وليس ذلك في شيء من صيغ العموم غيرها.\nوهنا مهمات: نَبّه عليها والدي - أطال الله بقاه - في كتابه الموضوع في \"أحكام كل\"، وهو كتاب جليل، ونحن نورد هنا مما يتعلق (^٦) به صنعة الأصولي (^٧) منها ما يتهذب به (^٨) النظر، فنقول: أطلق الأصوليون هذه\n_________\n(^١) في (ص): \"أو حيث أو أَنَّى قمت\".\n(^٢) في (ت)، و(ك): \"عليها\".\n(^٣) في (ص): \"ويقتضي\".\n(^٤) في (ص): \"بل أي حركات\".\n(^٥) في (غ): \"فتعلَّق\" وفي (غ)، و(ك): \"تعلق\".\n(^٦) في (ت): \"تتعلق\".\n(^٧) في (ص): \"الأصول\".\n(^٨) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1232},{"text":"الصيغ وأن مدلولها كل فردٍ، فأما \"كل\" فلا تدخل إلا على ذي جزئيات، أو أجزاء، ومدلولها في الموضعين الإحاطةُ بكل فرد من الجزئيات (أو الأجزاء) (^١)، وقد (^٢) تضاف لفظًا إلى نكرة مثل (^٣): ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (^٤)، و﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ (^٥)، ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ﴾ (^٦) (^٧). وقال (^٨) لبيد (^٩):\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص): \"أوقد\". وهو خطأ.\n(^٣) في (ك): \"نحو\".\n(^٤) سورة الطور: الآية ٢١.\n(^٥) سورة القمر: الآية ٥٢.\n(^٦) سورة الإسراء: الآية ١٣.\n(^٧) وكقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾. انظر: شرح المحلي على الجمع ١/ ٣٤٩، البحر المحيط ٤/ ٨٥.\n(^٨) في (ت): \"وقول\".\n(^٩) هو لَبيد بن ربيعة بن عامر بن مالك الكلابيّ الجعفريّ، أبو عقيل الشاعر المشهور. كان فارسًا شجاعًا شاعرًا سخيًا، قال الشعر في الجاهلية دهرًا وهو من فحول الشعراء، ثم أسلم سنةَ وَفَد قومُه بنو جعفر على رسول الله ﵌. ولما كتب عمر - ﵁ - إلى عامله بالكوفة: سل لبيدًا والأغلبَ العجليَّ ما أحدثا مِنَ الشعر في الإسلام. فقال لبيد: أبدلني الله بالشعر سورةَ البقرة وآلِ عمران. فزاد عمر في عطائه. ويقال: إنه ما قال في الإسلام إلا بيتًا واحدًا:\nما عاتب المرءَ اللبيبَ كنفسه ... والمرء يُصلحه الجليسُ الصالحُ\nويُقال: بل قوله:\nالحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى لَبِستُ من الإسلام سِرْبالا\nمات بالكوفة سنة (٤١) هـ، وصَحَّح ابن الأثير أنه مات في خلافة عثمان ﵁، وقيل غير ذلك. وهو أحد المُعَمَّرِين كان عمره (١٤٥) سنة عاش منها في =","vol":"4","page":1233},{"text":"ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللَّهَ باطلُ ... وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ (^١)\nوقال كعب بن زهير (^٢):\nكلُّ ابنِ أنثى وإنْ طالت سلامَتُه ... يومًا على آلةٍ حدباءَ محمولُ (^٣)\n_________\n= الإسلام ثلاثين سنة أو أكثر. قال البخاري: قال الأويسي: حدثنا مالك قال: عاش لبيد بن ربيعة مائة وستين سنة. انظر: أسد الغابة ٤/ ٢١٤، الإصابة ٣/ ٣٢٦، الشعر والشعراء ١/ ٢٧٤.\n(^١) انظر: الشعر والشعراء ١/ ٢٧٩.\n(^٢) هو كعب بن زُهير بن أبي سُلْمى - واسمه ربيعة - المزنيّ، الشاعر المشهور. كان أخوه بُجَيْر أسلم قبله، وشهد مع رسول الله - ﷺ - فتح مكة، وكان أخوه كعب أرسل إليه ينهاه عن الإسلام، فبلغ ذلك النبيَّ - ﷺ - فقال: \"مَن لقى كعبًا فلْيَقْتُلْه\" وأهدر دَمَه. فكتب بذلك بُجَيْر إلى أخيه وقال له: \"النجاء، وما أراك تفلت\"، ثم كتب إليه: أن رسول الله - ﷺ - لا يأتيه أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا قَبِل منه وأسقط ما كان قَبْل ذلك. فإذا أتاك كتابي هذا فأقبِلْ وأسْلِم. فأقْبَلَ كعب، وقال قصيدته التي مدح فيها رسول الله ﵌، فكساه النبي ﵌ بُرْدةً فاشتراها معاوية مِنْ ولده بعشرين ألف درهم، وهي التي يلبسها الخلفاء في العيدين.\nانظر: أسد الغابة ٤/ ١٧٥، الإصابة ٣/ ٢٩٥، الشعر والشعراء ١/ ٥٤.\n(^٣) آلة حدباء: هو النعش. وقيل: أراد بالآلة الحالة، وبالحدباء: الصعبة الشديدة. انظر: لسان العرب ١/ ٣٠١، مادة (حدب). والبيت من قصيدة كعب - ﵁ - المشهورة، التي مدح فيها رسول الله ﵌، ومطلعها:\nبانَتْ سُعادُ فقلبيَ اليومَ متْبولُ ... مُتَيِّمٌ إثْرَها لم يُفْدَ مَكْبُولُ\nانظر: شرح قصيدة كعب بن زهير لابن حجة الحمويّ ص ٢٧، ٥٤.","vol":"4","page":1234},{"text":"ومعنى العموم في هذا القسم كل فردٍ لا المجموع، و\"كل\" لا دلالة لها إلا على كل فرد، وهي نَصٌّ في كل فرد مما دلت عليه تلك النكرة، مفردًا كان أو تثنية أو جمعًا، ويكون الاستغراق للجزئيات بمعنى أن الحكم ثابت لكل [جزئي] (^١) من جزئيات النكرة.\nوقد يكون مع ذلك الحكم على المجموع لازمًا له (^٢) (^٣) كقولنا (^٤): كل مشرك مقتول (^٥). وقد لا يلزم كقولنا: كل رجل يُشْبعه رغيف. (وكلا الأمرين ليس من لفظ \"كل\" بل يظهر ذلك من معنى الكلام.\nوقد تضافُ) (^٦) \"كل\" لفظًا (^٧) إلى معرفة، كقوله تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (^٨)، وقوله - ﷺ - حكاية عن ربه: \" (يا عبادي كلكم\n_________\n(^١) في جميع النسخ: \"جزء\". والصواب ما أثبته؛ لأن دلالة العموم كلية فيكون استغراقها للجزئيات وهي الأفراد، أما الأجزاء فتكون تحت الكل، ولعل هذا سهو من المؤلف، أو خطأ من الناسخ.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: الحكم على كل فردٍ فردٍ قد يلزم منه الحكم على المجموع.\n(^٤) في (ت): \"كقوله\".\n(^٥) فيلزم منه أن مجموع المشركين مقتولون. ومثاله أيضًا حديث: \"كل مسكر خمر\". أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٥٨٧، كتاب الأشربة، باب بيان أن كل مسكر خمر.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) أي: حال كونه لفظًا، راجع الإضافة المعنوية واللفظية في قطر الندى ص ٢٥٣، ٢٥٤، في باب الإضافة.\n(^٨) سورة مريم: الآية ٩٥.","vol":"4","page":1235},{"text":"جائع إلا مَنْ أطعمته فاستطعموني أُطْعِمْكم) (^١)، يا عبادي كلكم عارٍ إلا مَنْ كسوته فاستكسوني أكْسُكم\" (^٢)، وكلام أكثر الأصوليين يقتضي أن كلًا في هذه الحالة مثلها حالة الإضافة إلى نكرة في الدلالة على كل فرد، واقتضى كلام بعض الأصوليين وابن مالك من النحاة أن مدلولها في هذه الحالة (^٣) المجموع (^٤). قال (الشيخ الإمام) (^٥) والدي أطال (^٦) الله بقاه: والذي يظهر أنها إذا أضيفت إلى معرفة فإن كان مفردًا كانت لاستغراق أجزائه، ويلزم منه المجموع، ولذلك يصدق قولنا: كل رمان مأكول. ولا يصدق: كل الرمان مأكول؛ لدخول قِشْره (^٧). وبعبارة أخرى يصدق قول (^٨): كلُّ رجلٍ مضروب - إذا ضربت كل واحدٍ\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ١٩٩٤، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم ٢٥٧٧.\n(^٣) أي: حالة الإضافة إلى المعرفة.\n(^٤) انظر: البحر المحيط ٤/ ٨٦ - ٨٧.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) يعني: لما أضيفت \"كل\" إلى نكرة وهي رمان، أفادت أن كل فردٍ من أفراد الرمان مأكول، ولما أضيفت \"كل\" إلى المعرفة أفادت استغراق الأجزاء، أي: كل جزءٍ من أجزاء الرمان مأكول، وهو ليس بصحيح. فالمضافة للمعرفة تقتضي جميع الأجزاء، والمضافة للنكرة تقتضي كل الأفراد. وهذا المثال لا ينطبق على الدعوى؛ لأن الدعوى من المفرد المعرفة، و\"الرمان\" جمع. انظر: اللسان ١٣/ ١٨٦، مادة (رمن).\n(^٨) سقطت من (ت)، و(ص)، و(ك).","vol":"4","page":1236},{"text":"ضربًا ما، ولا يصدق: كل الرجل مضروب - إلا إذا ضربتَ جميع أجزائه.\nوإنْ كانت المعرفة المضاف إليها جمعًا احتمل أن يُراد المجموع، كما في قولنا: كُلُّكم بينكم درهم. وأن يُراد كلُّ فرد، كقوله - ﷺ -: \"كلكم راع\"؛ ولذلك فَصَّله بعد ذلك فقال: \"السلطان راع، والرجل راع، والمرأة راعية\" (^١)، والاحتمال الثاني (^٢) أكثر، فيحمل عليه عند الإمكان، ولا يُعْدل إلى الأول إلا بقرينة (^٣). ومِنْ أمثلة بعض الأصوليين: كل أعضاء البدن حيوان. والمراد المجموع (^٤)، كما في: كلُّكم بينكم درهم. وهذا يحتاج إلى سماع من العرب، لكن كلام النحويين منطبق عليه. قال ابن السراج يقول: إن خيرهم كلَّهم زيد، وإنَّ لي قِبَلكُم كلُّكُم خمسين درهمًا. والمراد الجمع لا كل فرد (^٥).\nواعلم أنك إذا أثْبَتَّ حُكْمًا لجزءٍ أو جزئي، ثم أخذت جملةً من تلك الأجزاء أو الجزئيات لا يلزم أن يثبت لها ذلك الحكم (^٦)، بل قد يثبت وقد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ١/ ٣٠٤، في كتاب الجمعة، باب الجمعة في القرى والمدن، رقم ٨٥٣. وأخرجه في عدة مواضع، انظر الأرقام: ٢٢٧٨، ٢٤١٦، ٢٤١٩، ٢٦٠٠، ٤٨٩٢، ٤٩٠٤، ٦٧١٩. ومسلم ٣/ ١٤٥٩، في كتاب الإمارة، باب فضيلة الإمام العادل، رقم ١٨٢٩.\n(^٢) وهو أن يُراد كل فرد.\n(^٣) انظر هذا التنبيه في: شرح المحلي على الجمع ١/ ٣٤٩، البحر المحيط ٤/ ٨٤ - ٨٨.\n(^٤) أي: مجموع أعضاء البدن يقال لها: حيوان، ولا يقال ذلك لكل عضو على انفراده.\n(^٥) فزيد أفضل من المجموع، لا من كل فرد فرد.\n(^٦) أي: الذي ثبت لذلك الجزء الواحد، أو الجزئي الواحد.","vol":"4","page":1237},{"text":"لا يثبت بحسب ما يدل عليه الدليل، وإذا أَدْخَلْتَ \"كلًا\" على ما فيه الألف واللام وأريد الحكم على كل فرد (^١) - فهل نقول (^٢): إن الألف واللام هنا تفيد العموم، وكل تأكيدها، أو أنها هنا لبيان الحقيقة (^٣) حتى يكون تأسيسًا (^٤)؟ كلٌّ مِنَ الأمرين مُحْتَمَلٌ. قال (الشيخ الإمام) (^٥) والدي أعَزَّه الله: وقد يقال بأن الألف واللام تفيد العموم في مراتبِ ما دخلت عليه، و\"كلٌّ\" تفيد العموم في أجزاء (^٦) كلٍ من المراتب. فإذا قلتَ: كُلُّ الرجال أفادت الألف واللام استغراقَ كلِّ مرتبةٍ من مراتب (^٧) جَمْع (^٨) الرجل (^٩)، وأفادت \"كلٌّ\" استغراق الآحاد (^١٠)، فيصيرُ لكلٍ منهما\n_________\n(^١) يعني: أريد العموم.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) يعني: أو أن الألف واللام لبيان الحقيقة، وهي الألف واللام للجنس. فلو قلنا: كل الرجال موجودون - فهل العموم مستفاد من \"الرجال\"، أو من \"كل\"؟ .\n(^٤) بعني: فتكون \"كل\" لإفادة العموم، ويكون وجودها للتأسيس لا للتأكيد.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) الصواب أن يقول: في جزئيات، وقد سبق مثل هذا التنبيه؛ لأن أفراد العموم جزئيات لا أجزاء.\n(^٧) في (ك): \"رتب\".\n(^٨) في (ص): \"جميع\". وهو خطأ.\n(^٩) فالجمع يبدأ باثنين فما فوق، فالألف واللام أفادت كل جمع لرجل: اثنين، ثلاثة، أربعة. . . إلخ.\n(^١٠) أي: الأفراد.","vol":"4","page":1238},{"text":"معنى (^١)، وهو أولى من التأكيد (^٢). ومن هنا يظهر أنها (^٣) لا تدخل على (^٤) المفرد المعَرَّف بالألف واللام إذا أُريد بكل منهما العموم (^٥).\nفإن قلت: فقوله - ﷺ -: \"كل ذلك لم يكن\" (^٦) هل يفيد نفيَ كلِّ واحدٍ أو المجموع؟\nقلتُ: قد ظهر لك بما تقدم أنه يفيد نفي كلِّ واحد (^٧)، فإن \"ذلك\"\n_________\n(^١) فعموم الألف واللام من جهة المراتب، وعموم \"كل\" من جهة الأفراد، وهذا تأسيس وهو أولى من التأكيد.\n(^٢) اعتُرِض على هذا الجواب بأنه يقتضي عدم جواز استثناء زيد في نحو: جاءني الرجال إلا زيدًا؛ إذ لم يتناوله لفظ الجمع؛ ولأن المحققين قالوا في نحو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾: إن معناه كلُّ فرد، لا كل جمع. قال البناني: \"والجواب المرضي أن الجمع المعرَّف يفيد ظهور العموم في الاستغراق، وكلٌّ الداخلةُ عليه تفيد النصَّ فيه. شيخ الإسلام\". انظر: حاشية البناني على شرح المحلي ١/ ٣٥٠. ويظهر لي ضعف هذا الاعتراض؛ لأن الكلام عن الجمع المعرف المسبوق بكل، لا عن الجمع المعرف وحده بدون كل، ومن ثَمَّ نشأ السؤال: هل نحمل \"كل\" على التأسيس أو التأكيد؟\n(^٣) أي: كل.\n(^٤) في (ت): \"في\".\n(^٥) انظر: البحر المحيط ٤/ ٨٨.\n(^٦) أخرجه أبو داود ١/ ٦١٧، في كتاب الصلاة، باب السهو في السجدتين، رقم ١٠١٥، بلفظ: \"كل ذلك لم أفعل\". وهذا جزء من حديث ذي اليدين، وهو في الصحيحين، وسيأتي تخريجه، لكن هذه اللفظة لم ترد فيهما، بل هي في سنن أبي داود ﵀.\n(^٧) انظر: مختصر المعاني للتفتازاني ص ٧٧ - ٨٢، وآداب البحث والمناظرة للشنقيطي ص ٢٤.","vol":"4","page":1239},{"text":"إشارة إلى المذكور وهو قول ذي اليدين: \"أقُصِرَت الصلاة أم نسيت\"، فالمذكور: القَصْر والنسيان، وعاد اسم الإشارة المُفْرد عليه، فيفيد نفي كل واحد؛ لأن دلالةَ العموم إذا أضيفت \"كُلٌّ\" إلى مفردٍ نكرةٍ أو معرفةٍ نَصٌّ في كل واحدٍ؛ لما سبق. وههنا التقدير: كل المذكور لم يكن. وهو مفرد، فلذلك لا يحتمل نفي المجموع فقط، ولو كان موضعه جَمْعٌ مُعَرَّف (^١) لاحتمل نفيَ كلِّ واحدٍ ونَفْيَ المجموع، وإن كان الأظهر نَفْيَ كُلِّ واحدٍ، لما سبق. (ونظير ذلك) (^٢) مما (^٣) يفيد نَفْيَ كل واحدٍ قولُ الشاعر:\nقد أصْبَحَتْ أمُّ الخيار تَدَّعِي ... عَليَّ ذنبًا كُلُّه لم أصْنعِ (^٤)\nفمدلوله أيضًا نَفْيُ كل واحد، ويُعَبَّر عن هذا بعموم السلب، أي: السلب عام لكل الأفراد، وسببه ما قلناه من أنه حكم\n_________\n(^١) أي: لو كان محلَّ هذا المفرد جمعٌ مُعرَّف.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت): \"فيما\".\n(^٤) البيت لأبي النجم العجلي، الفضل بن قُدَامة. وهو أحد رُجَّاز الإسلام المتقدمين في الطبقة الأولى. قال أبو عمر بن العلاء: \"هو أبلغ من العجَّاج في النعت\" يقصد العجَّاجَ الراجز عبد الله بن رؤبة. انظر: خزانة الأدب ١/ ١٠٣، ٣٥٩، الشعر والشعراء ٢/ ٦٠٣. وأمُّ الخيار: هي زوجة أبي النجم. ومعنى البيت: أن هذه المرأة أصبحت تدَّعي عليّ ذنبًا، وهو الشيب والصَّلَع والعجْز وغير ذلك من مُوجبات الشيخوخة. ولم يقل: ذنوبًا، بل قال: ذنبًا؛ لأن المراد كِبَر السن المشتمل على كلِّ عيب، ولم أصنع شيئًا من ذلك الذنب. انظر: خزانة الأدب ١/ ٣٦٢، ٣٦٤.","vol":"4","page":1240},{"text":"بالسلب على كل فرد، وهذا فيما إذا تقدمت \"كلٌّ\" على النفي (^١)، وأما إذا تقدم النفي على كل، كقول المتنبي (^٢):\nما كلُّ ما يتمنى المرء يدركه (^٣)\nوقول الآخر:\nما كلُّ رَأي الفتى يدعو إلى الرشد\nوقولنا: ما جاء كل القوم. وما جاء القوم كلهم. وليس كل بيع حلالًا (^٤) - فإنه لا يفيد العموم، وهو (^٥) المسمى، بسلب العموم، أي: يفيد سلْب العموم (^٦) لا عموم السلب. وذكروا في سببه طرقًا لم\n_________\n(^١) أي: كل عموم مقدم، والسلب مؤخر، فيكون السلب كليًا لكل الأفراد.\n(^٢) هو أحمد بن حسين بن حسن، أبو الطيب الجُعْفيّ الكوفيّ، الأديب، الشهير بالمُتَنَبِّيّ. ولد سنة ٣٠٣ هـ، وأقام بالبادية، يقتبس اللغة والأخبار، وكان مِنْ أذكياء عصره، بلغ الذروة في النظم، وأربي على المتقدمين، وسار ديوانه في الآفاق. ادّعى النبوة فافتضح أمره وحُبِس دهرًا طويلًا، وأشرف على القتل، ثم استتيب وأُشهد عليه بالتوبة وأُطلق. له عدة أبيات فائقة يُضرب بها المثل، منها قوله:\nلولا المشقةُ ساد الناسُ ... كلُّهُمُ الجودُ يُفْقِرُ والإقدامُ قَتَّال\nقتل سنة ٣٥٤ هـ. انظر: سير ١٦/ ١٩٩، تاريخ بغداد ٤/ ١٠٢، وفيات ١/ ١٢٠، لسان ١/ ١٥٩.\n(^٣) هذا صَدْر بيت مشهور، عَجْزه:\n. . . . . . . . . . . . . ... تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفُنُ\nانظر: شرح ديوان أبي الطيب للعَكْبَري ٤/ ٢٣٦.\n(^٤) في (ت): \"حالًا\".\n(^٥) أي: معنى قولنا: \"لا يفيد العموم\" هو. . . إلخ.\n(^٦) لأن السلب مقدم، والعموم مؤخر، فيكون سلبًا للعموم، وهو سلب جزئي لا كلي.","vol":"4","page":1241},{"text":"يرتضها (^١) والدي (الشيخ الإمام) (^٢)، واختار طريقًا غيرها (قررها في \"أحكام كل\") (^٣) وهى أن قولنا مثلًا: ما كل ما يتمنى المرء يدركه - سالبةٌ مُحَصَّلة (^٤)، نقيض الموجَبة المحَصَّلة (^٥)، والموجبة المُحَصَّلة تقتضي (العموم، فلا يقتضيه نقيضها (^٦). وكذلك قولك: لم يقم كل إنسان - سالبةٌ مُحَصَّلة) (^٧)، معناها نقيض لمعنى الموجَبة المُحَصَّلة، وهي قولك: قام كل إنسان. وقولك: قام كل إنسان - معناه: الحكم على كل فرد بالقيام، فيكون المحكوم به في السالبة المحصلة نقيضَ قيامِ كل فرد، ونقيضُ الكلي جزئي (^٨)، فيكون مدلوله (^٩): سَلْبَ القيام عن بعضهم؛ لأنه النقيض. وهذا بخلاف ما إذا تأخر السلب عن \"كلٍّ\" كما تقدم من قوله - ﷺ -: \"كل ذلك لم يكن\"، وقول الشاعر:\n_________\n(^١) في ك: \"يرضها\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) السالبة المحصَّلة: هي التي يكون حرف السلب فيها ليس بجزءٍ لا من الموضوع ولا من المحمول. وفي مقابلتها القضية المعدولة: وهي إذا كان حرف السلب جزءًا من الموضوع أو المحمول. انظر: شرح القطبي على الشمسية ص ١٨٠ - ١٨٤.\n(^٥) وهي قولنا: كل ما يتمنى المرء يدركه.\n(^٦) فقولنا: ما كل ما يتمنى المرء يدركه، لا يدل على عموم السلب، بل على سلب العموم.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) في (ت): \"الجزئي\".\n(^٩) أي: مدلول هذا الجزئي.","vol":"4","page":1242},{"text":"كله لم أصنع\nفقد بان الفرق بين سلب العموم، وعموم السلب.\nواعلم أن النهي والنفي مِنْ وَادٍ واحد، ومقتضى ذلك أن يَطَّرِد حكم النفي في النهي، فإذا قلت: لا تضربْ كلَّ رجل، أو كلَّ الرجال - يكون النهي عن المجموع (^١)، لا عن كل واحد.\nويتعدى هذا إلى سائر صيغ العموم كقولك: لا تضرب الرجال: إلا أن يكون هناك قرينة تقتضي ثبوتَ النهي لكل فردٍ.\nوالأصوليون قالوا: دلالة العموم كليةٌ، ولذلك يُسْتدل بها في النفي والنهي وما ذكرناه يرد عليهم (^٢).\nقلت: وهذا الذي أوردناه من التفرقة بين تقدم النفي على كلٍّ وتأخره عنها هو الذي ذكره البيانيون (^٣)، وارتضاه (الشيخ الإمام) (^٤) والدي أيده الله تعالى، وهو وإنْ كان في غاية الظهور إلا أن لقائل أن يقول: ما بَرِحَت العلماء سلفًا وخلفًا تستدل بقوله تعالى: (﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾) (^٥) (^٦)،\n_________\n(^١) أي: عن العموم، فهو سلب جزئي، فلا يكون نهيًا عن الخصوص، وهو النهي عن كل فرد.\n(^٢) أي: ما ذكرناه من كون صيغ العموم المنفية (أي: المسبوقة بالنفي) كلٌّ لا كلية - يرد على كلام الأصوليين القائلين بأن صيغ العموم كلية، سواء في حالة الإثبات أو النفي والنهي.\n(^٣) انظر: مختصر المعاني ص ٧٧ - ٨٢، وآداب البحث والمناظرة ص ٢٤.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سورة الأنعام: الآية ١٥١. سورة الإسراء: الآية ٣١.","vol":"4","page":1243},{"text":"﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ (^١)، ونظائر ذلك على إثبات الحكم لكل فرد، ولم يقل (^٢) أحدٌ إنَّ ذلك نهيٌّ عن المجموع، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (^٣)، والمراد كلُّ واحد. وكذلك قال أصحابنا: لو قال: والله لا وَطِئتُ كل واحدةٍ منكن - يكون مُوليًا مِنْ كلِّ واحدة، ويتعلق بوطء كلِّ واحدةٍ الحِنْثُ، ولزوم الكفارة (^٤). وهذا كله يشهد لعدم التفرقة بين تقدم النفي وتأخره.\nثم اعلم أن ما قدمناه من أنه إذا تقدم النفي على \"كل\" لا يدل على الاستغراق - شَرْطُه أن لا ينتقض النفيُ بإلا، فلو انتقض قبل المحمول فالاستغراق باق، كما لو لم (^٥) يدخل النفي، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٦) الآية، فالمراد: (أنَّ كلَّ واحد آتيه عبدًا) (^٧)، وإنْ كان النفي متقدمًا، لكن لأجل الاستثناء (^٨). وسببه أن النَّفي إنما هو\n_________\n(^١) سورة الأنعام: الآية ١٥١. سورة الإسراء: الآية ٣٣.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سورة الحديد: الآية ٢٣.\n(^٤) فهذه الصور كلها في عموم السلب، لا سلب العموم، فهي من باب الكلية لا الكل.\n(^٥) في (ت) مكان \"لم\" بياض بالسطر.\n(^٦) سورة مريم: الآية ٩٣.\n(^٧) في (ت): \"إنْ كلُّ واحدٍ إلا آتيه عبدًا\". وفي (ك): \"أن كل واحد آتيه عبدًا يوم القيامة\" فجملة: ﴿كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ موضوع. وجملة: \"آتيه عبدًا\" محمول. و\"إنْ\" قبل الموضوع حرفُ نفي. و\"إلا\" قبل المحمول أداة استثناء، فهنا ينتقض النفي وكأنه غير موجود، والاستغراق باقٍ، والمعنى: أن كلّ واحدٍ آتيه عبدًا.\n(^٨) أي: لأجل الاستثناء ألغي حرف النفي.","vol":"4","page":1244},{"text":"للمحمول وتسلطه عليه (^١)، وما بعد \"إلا\" لا تسلط للنفي (^٢) عليه، فما بعد \"إلا\" مثبت (^٣). وهو (^٤) في الاستثناء المُفَرَّغ (^٥) مُسْند إلى ما قبلها (^٦)، وهو كل (^٧) فرد، كما كان في الجملة قبل دخول النفي والاستثناء (^٨) (^٩)، فهذا ما أردنا إيراده من الكلام على صيغة كل\".\n(قال الشيخ الإمام) (^١٠): ومن لطيف القول فيها أنها (^١١) للاستغراق\n_________\n(^١) أي: أن النفي إذا كان قبل المرضوع - فالمقصود بالنفي هو المحمول لا الموضوع، فمثلًا قولنا: \"ليس زيدٌ قائمًا\" المقصود بالنفي هو القيام، أي: نفي القيام عن زيد.\n(^٢) في (ص): \"للمنفي\". وهو خطأ.\n(^٣) لأن ما بعد \"إلا\" مستثنى من النفي، فهو مثبت.\n(^٤) أي: النفي.\n(^٥) الاستثناء المفرغ: هو الذي حذف فيه المستثنى منه. فيتفرغ ما قبل \"إلا\" للعمل فيما بعدها، كما لو كانت \"إلا\" غير موجودة، ويجب أن يكون الكلام منفيًا أو شبه منفي، مثل: ما جاء إلا علي. وشبه النفي كالنهي، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾، وكالاستفهام، مثل قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾. انظر: جامع الدروس العربية ٣/ ١٣١.\n(^٦) أي: ما قبل أداة الاستثناء.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) مثل قولنا: ما قام إلا زيد. فالنفي في قولنا: ما قام - متوجه إلى المستثنى منه المحذوف وهو: أحد، لا إلى: زيد؛ لأنه مثبت، فنفي القيام يكون لكل أحد إلا زيدًا؛ لأنه أثبت له القيام. انظر: قطر الندى ص ٢٤٧، وشرح ابن عقيل ١/ ٦٠٣.\n(^٩) انظر: البحر المحيط ٤/ ٩١.\n(^١٠) سقطت من (ت).\n(^١١) أي: كلمة \"كل\".","vol":"4","page":1245},{"text":"سواء أكانت (^١) للتأكيد أم لا، والاستغراق لأجزاء ما دخلت عليه إن كان معرفة، ولجزئياته إنْ كان نكرة. فإنك إذا قلت: رأيت زيدًا كلَّه - كانت لاستيعاب أجزائه. وكذلك: أخَذْتُ العشرةَ كلَّها. وقولك: رأيتُ كلَّهم. وكلُّهم قائمٌ. وكلُّ القوم ضاربٌ. ونحوه من سائر صور دخولها على المعرفة من هذا القبيل؛ لأنك لو حَذْفتها لكان الشمول حاصلًا، فكانت لاستغراق تلك الأفراد التي استغرقتها المعرفة، كما هي (^٢) لاستغراق أجزاء العشرة وزيد.\nوإذا قلت: كل رجلٍ قائم. وما أشبهه من دخولها على النكرة - كانت لاستغراق جزئيات تلك الحقيقة (^٣)، التي المضاف إليه (^٤) واحدٌ منها (^٥).\nقلت: وما ذكرناه من التفرقة بين إضافة \"كل\" إلى معرفةٍ فتكون لاستغراق أجزاء ما دخلت عليه، وإضافتها إلى نكرة فتكون لجزئياته - هو ما ذكروه، وقرره والدي - ﵁ - وارتضاه.\nولمُعْتَرِضٍ أن يقول: قد قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (^٦)، والمراد الجزئيات لا الأجزاء (^٧). وقال - ﷺ -: \"كل الطلاق واقع\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"كانت\".\n(^٢) أي: \"كل\".\n(^٣) أي: أفراد تلك الحقيقة، فيدخل كل فردٍ يطلق عليه لفظ الرجل.\n(^٤) وهو: رجل، في المثال السابق.\n(^٥) في (ص): \"منهما\". وهو خطأ؛ لأن الضمير يعود إلى جزئيات الحقيقة.\n(^٦) سورة آل عمران: الآية ٩٣.\n(^٧) فمعنى الآية: كل فرد من أفراد الطعام كان حلًا لبني إسرائيل.","vol":"4","page":1246},{"text":"إلا طلاقَ المعتوه\" (^١) (^٢) الحديث. هذا آخر القول في \"كل\".\nوأما جميع فمثل \"كل\" إذا أُضيفت إلى معرفة، فتكون لإحاطة الأجزاء. ومما يُستفاد في \"جميع\" أن ابن العارض في كتابه \"النكت\" قال: \"جميع\" وإن كانت مثل \"كل\" في إفادة الاستغراق، إلا أنها تفارقها فيما عدا ذلك، فإن الزَّجَّاج (^٣) حكى عن المبرِّد أن (^٤) قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ\n_________\n(^١) أي: كل أفراد الطلاق وصوره واقعة إلا طلاق المعتوه. ولا يصح إرادة الأجزاء؛ لأن الطلاق لا أجزاء له. وهذا يدل على أن كون \"كل\" إذا دخلت على المعرفة تفيد عموم الأجزاء بحسب الغالب.\n(^٢) أخرجه الترمذي ٣/ ٤٩٦، في كتاب الطلاق، باب ما جاء في طلاق المعتوه، رقم ١١٩١، بلفظ: \"كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلا طلاقَ المعتوهِ المغلوبِ على عَقْله\". قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عطاء بن عَجْلان، وعطاء بن عجلان ضعيف ذاهب الحديث. وقد أخرجه البخاري تعليقًا من قول على ﵁ ٥/ ٢٠١٩، كتاب الطلاق، باب الطلاق في الإغلاق والكره والسكران والمجنون وأمرهما. قال ابن حجر في الفتح ٩/ ٣٩٣، عن هذا المعلَّق: \"وصله البغويّ في الجعديات عن علي بن الجعد عن شعبة عن الأعمش عن إبراهيم النخعي عن عابس بن ربيعة: أن عليًا قال: \"كل طلاقٍ جائز إلا طلاق المعتوه\". وهكذا أخرجه سعيد بن منصور عن جماعة من أصحاب الأعمش عنه، صَرَّح في بعضها بسماع عابس بن ربيعة من علي\".\n(^٣) هو إبراهيم بن محمد بن السَّريّ الزَّجَّاج البغدادي، أبو إسحاق، نحوي زمانه. قال الخطيب: \"كان من أهل الفضل والدين، حسن الاعتقاد، جميل المذهب\". وكان يَخْرُط الزُّجاج (أي: يصنعه)، ثم مال إلى النحو فلزم المبرِّد الذي كان يعلِّم بالأجرة، فكان يعطيه كل يومٍ درهمًا، فنصحه في العلم حتى استقل. من مصنفاته: معاني القرآن، الاشتقاق، شرح أبيات سيبويه، وغيرها. توفي سنة ٣١١ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٦/ ٨٩، سير ١٤/ ٣٦٠، وفيات ١/ ٤٩، بغية ١/ ٤١١.\n(^٤) في (ت): \"في\".","vol":"4","page":1247},{"text":"الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ يفيد وقوعَ السجود منهم فقط، وقوله: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ (^١) يفيد أنهم سجدوا مجتمعين (^٢)، ويؤيِّده (^٣) أنه جُعل الافتراق في مقابِلِه (^٤) في قوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ (^٥).\nقلت: والقول بأن لفظ \"جميع\" يَدُلُّ على اتحاد الزمن (^٦) غريبٌ، لم أره في غير هذا الكتاب (^٧)، وإنما يُعرف ذلك في لفظ مجموع.\nوأما الألف واللام والموصولاتُ كلُّها فمثل: \"كل\"، وكذلك \"مَنْ\" و\"ما\" الشرطيتان، والاستفهاميتان مثل (^٨) \"كل\" أيضًا تَعُمُّ كلَّ فرد\n_________\n(^١) سورة الحجر: الآية ٣٠. سورة ص: الآية ٧٣.\n(^٢) فقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ﴾ أي: سواء مجتمعين أو متفرقين، وقوله: ﴿أَجْمَعُونَ﴾ يفيد أنهم سجدوا مجتمعين لا متفرقين.\n(^٣) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"ويؤكده\".\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"مقابلته\". والضمير يعود إلى جميع.\n(^٥) سورة الحشر: الآية ١٤.\n(^٦) أي: مجتمعين في زمانٍ واحد.\n(^٧) ولذلك قال الزركشي في البحر ٤/ ٩٥: والصحيح أن ﴿أَجْمَعِينَ﴾ لا يقتضي الاتحاد في الزمان، بدليل قوله تعالى: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، ولذلك اختلفوا في أنه إذا جُمع في التأكيد بين \"كل\" و\"أجمع\" في أن التأكيد حاصل بهما معًا، أو بكل واحد منهما على حدته، وحينئذٍ فما الذي أفاده الثاني ورَفْع تَوَهُّم المجاز حصل بالأول؟ وإن حَصَل بهما جميعًا، فكيف ذلك من الواحد إذا اقتصر عليه؟ والظاهر أن المقصود زيادة التأكيد وتقويته. اهـ. وقال الأشموني: زعم الفراء أن \"أجمعين\" تفيد اتحاد الوقت، والصحيح أنها كـ \"كل\" في إفادة العموم مطلقًا، بدليل قوله تعالى: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾. اهـ. انظر: الأشموني مع حاشية الصبان ٣/ ٧٧.\n(^٨) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1248},{"text":"وتحيط به. هذا ما ذَكره والدي في \"مَنْ\".\nولقائل أن يقول: \"مَنْ\" صالحة للمذكَّر، والمؤنث (^١)، والمفرد، والمثنى، والمجموع. هذا حظ النحوي منها، وحَظ الأصولي أنها للعموم، فهل العموم في جميع هذه المراتب، أو في الآحاد؟\nويظهر فائدة هذا إذا قال: مَنْ دخل داري مِنْ هذين فأعطه درهمًا. فإن قلنا بالأول أعطينا كل واحد درهما. (وإنْ قلنا بالثاني أعطنا كل واحد درهما) (^٢) بدخوله، ونصف درهمٍ بدخوله مع الآخر.\nوإنْ دخل ثلاثة فعلى الثاني (^٣) نعطيهم ثلاثة بدخول الآحاد كلُّ واحد درهمًا، ودرهمًا بدخول الثلاثة لكل واحد منه الثلث، وثلاثة لأن صيغة (^٤) الاثنينية فيهم ثلاثة (^٥) فيستحقون بها ثلاثة لكل واحد (^٦) درهمًا فمجموع ما يستحقون سبعة (^٧)، وعلى هذا القياس. وفيه احتمال آخر وهو أنه (^٨) لا\n_________\n(^١) في (ت): \"وللمؤنث\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: فعلى القول الثاني بأن العموم خاص بالآحاد.\n(^٤) في (غ)، و(ك): \"صفة\".\n(^٥) صيغة الإثنينية هي قوله: مِنْ هذين، في قوله: من دخل داري من هذين. فصيغة الإثنينية هنا جمع بأن يقول: من دخل داري من هؤلاء. والمراد بالجمع هنا ثلاثة.\n(^٦) سقط من (ص)، و(غ)، و(ك).\n(^٧) في (ص): \"تسعة\". وهو خطأ.\n(^٨) في (ت): \"أن\".","vol":"4","page":1249},{"text":"يُعْطى المجموعُ إلا درهمًا، ومأخذه أن (^١) مَنْ لا تدل على الأفراد واحدًا واحدًا وإنما تستغرق ما صلحت له، وهذا البحث سمعته من والدي ولم يذكره في \"أحكام كل\" ولم أره منقولًا، ولا مَخْلَص عنه فيما يظهر إلا أن يقال إنه (^٢) لا عموم لها إلا في مراتب الإفراد، لكن الأسبق إلى الفهم أنها عامة فيما يصلح وهو ما (^٣) يصلح للأفراد ولمجموع (^٤) الأفراد وإن كانوا لا يتناهون، ولكلٍ مرتبة من مراتب المثنى والمجموع دون النهاية (^٥) (^٦) فليبحث عن ذلك.\nوأما \"أي\" و\"متى\" و\"مهما\" و\"أين\" فمدلولها كلُّ فرد لا (^٧) على سبيل الإحاطة، فهي تخالف \"كلَّا\" في هذا المعنى. والدليل على ذلك أنك تقول: أيُّ الرجال عندك أزيد أم عمرو؟ بأم لا بالواو. وتقول: أكُلُّ الرجال عندك: زيد وعمرو وخالد؟ بالواو لا بأَمْ، فدل على الفرق بين مدلوليهما (^٨)، فكلٌّ تفيد شمول الحكم لكل ما دخلت عليه، وأيٌّ لا تقتضيه. ومن هنا جاء التكرار في \"كل\" و\"كلما\"، ولم يجئ في\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ص).\n(^٤) في (ص): \"ومجموع\".\n(^٥) في (ك): \"انتهائه\".\n(^٦) أي: بدون انتهاء.\n(^٧) سقطت من (غ).\n(^٨) في (ت): \"مدلوليها\". وهو خطأ.","vol":"4","page":1250},{"text":"\"أي\"، ونحوها، حتى لو قال: \"أيَّ وقتٍ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ\" فدخلتْ مرة بعد أخرى - لم يتكرر الطلاق. ولو قال: \"كلما دخلتِ أو كُلَّ وقتٍ دخلتِ\" فدخلتْ مرةً بعد أخرى تكرر الطلاق (^١).\nفإن قلت: فإذا كانت \"أيٌّ\" لا تدل على التكرار، وإنما تدل على أحد ما دخلت عليه لا بعينه - فهي والمطلق سواء، وكلٌّ منهما عمومُه على البدل، لا على الشمول، والكلام إنما هو في عموم الشمول.\nقلت: المطلق والنكرة التي لا عموم فيها لا تَعَرُّض لها للأفراد، وإنما يدل المطلق على الماهية. وإنْ دلت النكرة مع ذلك على وَحْدةٍ فلا عموم فيها. فمطلق الوقت لا دلالة له (^٢) على فرد ولا أفراد (^٣)، و\"وقتٌ\" المُنَكَّر يَدُلُّ على واحدٍ غير معيَّنٍ ولا عام، فإرادة المُقَيِّد فيهما لا تنافي (^٤) اللفظَ بل تزيد عليه (^٥).\nوهذا هو مدلول \"إذا\" فإنها تدل على مطلق الزمان المستقبل، ولا تنافي الحملَ على الفور؛ ولهذا اختلف الفقهاء: هل تحمل عليه، وهل تنصرف إليه بقرينة العِوَضية (^٦)؟\n_________\n(^١) لم ترد في (ت)، و(ص)، و(غ).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) بل يدل على الماهية فقط.\n(^٤) في (غ): \"لا ينافي\".\n(^٥) يعني: إذا قيَّد مقيِّدٌ المطلق أو النكرة بقيد العموم - فالعموم جاء في المطلق أو النكرة من القيد الزائد، لا من ذات المطلق أو النكرة.\n(^٦) أي: في البيوع والمُعَوَّضات.","vol":"4","page":1251},{"text":"وأما \"متى\" و\"أيُّ حينٍ\" و\"أيُّ زمانٍ\" فلم يترددوا فيها، بل جعلوها صريحة (^١) في جواز التراخي. وسببه ما أشرنا إليه، فإنها دالة على الأفراد، وأنَّ كلَّ واحدٍ من الوقت داخل تحت مدلولها، فإرادة بعضها دون بعض مخالف لمقتضى اللفظ. وأما ثبوت الحكم لأحدها مع ثبوته للآخر فهذا أمر زائد على التعميم اختصت به \"كل\"، وهذا أمرٌ معقول لا يُنْكَر، وتأمُّل الألفاظ يدل له (^٢)، فإنك إذا قلت: أحد الرجلين - احتمل أن تريد واحدًا معيَّنًا. فإذا قلت: إما هذا وإما هذا لم يحتمل ذلك، وكان صريحًا في استوائهما في الحكم، فهذا معنى العموم في أي الرجلين، بخلاف أحد الرجلين لا عموم فيه بل هو مطلق، فإن سميتَ هذا عمومَ بدلٍ لا عموم شمول - فلا حرج عليك، غير أنك لا تسمي حينئذ المطلق عامًا لا عموم بدل ولا عموم شمول. وحاصله أن المعاني ثلاثة:\nثبوت الحكم لكل مِنَ الأفراد حالة الجمع وحالة الانفراد.\nوثبوته له (^٣) حالة الانفراد من غير تعرض لحالة الجمع.\nوثبوته للماهية من غير تعرض للأفراد.\nفالأول: العام الشمولي المدلول عليه بـ \"كل\" وما في معناها.\nوالثاني: العام البدلي المدلول عليه بأيٍّ وما في معناها.\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"صالحة\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1252},{"text":"والثالث: المطلق.\nوقد وضح لك بما تقدم أن ألفاظ العموم أنواع:\nأحدها: كل الداخلة على نكرة، كقولنا: كل رجل. وهي نص في كل فرد، واقتضاؤها المجموع بطريق اللازم.\nوالثاني: مَنْ والذي يظهر أنها بالعكس تقتضي المجموع أو المسمى وإنما تقتضي الأفراد من باب اللازم، وهذا ينفع في السؤال المتقدم فيها، ويظهر أثر هذا في النفي إذا قلت (^١): لا نشتم مَنْ شتمك. فالظاهر أن المراد الحقيقة، ومعناه مخالف لمعنى: لا تشتم كل من شتمك.\nوالثالث: أي، وهي مثل \"كل\" في إفادة الأفراد لكن تفارقها في اقتضاء كلٍّ الاستغراق الشمولي، وأيٌّ لا تقتضي إلا الاستغراق البدلي. (والله أعلم) (^٢).\nقال: (أو بقرينة في الإثبات: كالجمع المُحَلَّى بالألف واللام، والمضاف، وكذا اسم الجنس، أو النفي كالنكرة في سياقه).\nهذا هو الضرب الثاني وهو ما يفيد العموم من جهة اللغة، لا من جهة وَضْعه له، بل بواسطة اقتران قرينة (^٣). وهو على وجهين:\n_________\n(^١) في (ت): \"إذا قلنا\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) يعني: إفادة العموم ليست من ذات الوضع اللغوي للفظ، بل بواسطة القرائن اللغوية الأخرى، فالجمع من حيث هو لا يفيد العموم، ولكنه أفاد العموم باقترانه بالألف واللام أو بإضافته، فاللغة تقضي بإفادة الجمع العموم لا من جهة وضعه، بل من جهة اقترانه بالقرائن.","vol":"4","page":1253},{"text":"أحدهما: أن يكون في الإثبات، وذلك كالجمع المُحَلَّى بالألف واللام من غير عَهْد، مثل: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (^١). والجمع المضاف، نحو: عبيدي أحرار. وكذا المفرد إذا دخلت عليه الألف واللام أو الإضافة، وهو الذي عبر عنه المصنف باسم الجنس، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (^٢) (^٣)، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ (^٤)، كما سبق.\nومما يدل على أن المفرد المضاف يعم ولم نر مَنْ ذكره قولُه تعالى: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩) فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ (^٥)، فإن المرادَ موسى المرسَل إلى فرعون، ومعه هارون، ولوط المرسل إلى المؤتفكات (^٦).\n_________\n(^١) سورة التوبة: الآية ٣.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٧٥.\n(^٣) فالبيع اسم جنسٍ يشمل كلَّ نوعٍ من أنواع البيع.\n(^٤) سورة النور: الآية ٦٣.\n(^٥) سورة الحاقة: الآيتان ٩، ١٠.\n(^٦) قرأ أبو عمرو ويعقوب والكسائي وأبان: \"وجاء فرعون ومَنْ قِبَله\" بكسر القاف وفتح الباء. وقرأ الباقون: \"ومَنْ قَبْله\" بفتح القاف وإسكان الباء. فمن كسر القاف أراد: من معه وتبعه من جنوده. ومن فتح القاف أراد: مَنْ كان قبله من الأمم الكافرة. واختار أبو حاتم وأبو عبيد القراءة الأولى؛ لقراءة ابن مسعود وأبيّ: \"ومَن معه\"، ولقراءة أبي موسى: \"ومَنْ تِلْقاءه\". وعلى هذا فما قاله الشارح - رحمه الله تعالى - بأن المراد بالرسول هو موسى وهارون ولوط عليهم الصلاة والسلام إنما يناسب القراءة الأولى، وأما على القراءة الثانية فالأقرب أن المراد برسول جميع الرسل؛ لأنه قال في الآية: ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ فمَنْ قبله شامل لجميع الأمم =","vol":"4","page":1254},{"text":"وهنا تنبيهان:\nأحدهما: أن العموم فيما ذكر مُخْتَلِفٌ، فالداخل على اسم الجنس (^١) يعم الأفراد، أعني كلَّ فردٍ فردٍ. والداخل على الجمع (^٢) يعم الجموع (^٣)؛ لأن الألف واللام والإضافة يعمان أفرادَ ما دخلا عليه، وقد دخلا على جمعٍ فانظر في هذا. وفائدته أنه يتعذر الاستدلال به في النفي والنهي على ثبوت الحكم لفرد؛ لأنه إنما حصل النفي أو النهي عن أفراد الجموع وليس الواحد جمعًا. وهذا معنى قولهم: لا يلزم من النهي عن المجموع النهيُ عن كل فرد، ولا من نفيه نفيُ كلِّ فردٍ. وهذا لا يعارض ما تقدم من أن العموم من باب الكلية، وأنَّ معناه ثبوته لكل فرد سواء أكان (^٤) نفيًا أو نهيًا أم لا؛ لأنا في حالة الجمع أثبتناه أيضًا في النفي والنهي لكل فرد مِنْ أفراد ما دخل عليه: وهي الجموع. وينبغي على مساق هذا التقرير أن تختلف الجموع (^٥) فتشمل جموعُ القلة: ثلاثة ثلاثة، ولا تشمل\n_________\n= السابقة، فيكون المراد بقوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ أي: رسل ربهم، ولهذا قال ابن كثير رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾: \"وهذا جنس، أي: كلٌّ كذَّب رسول الله إليهم، كما قال تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ ومن كذَّب برسول فقد كذب بالجميع\". تفسير ابن كثير ٤/ ٤١٣. وانظر: الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ٢٦١، فتح القدير للشوكاني ٥/ ٢٨٠، زاد المسير ٨/ ٣٤٧.\n(^١) وهو لفظ مفرد كالبيع.\n(^٢) كالمشركين.\n(^٣) في (ت)، و(ص): \"المجموع\".\n(^٤) في (ت)، و(ك)، و(ص): \"كان\".\n(^٥) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1255},{"text":"جموعُ الكثرة إلا (^١): أحد عشر أحد عشر (^٢).\nالثاني: علمت اختيار المصنف أن المفرد المُعَرَّف بـ \"أل\" يعم، وهو قول أبي إسحاق الشيرازي (^٣)، وابن بَرْهان (^٤)، والجبائي (^٥)، والمبرِّد (^٦)، وصَحَّحه ابن الحاجب (^٧)، وهو المنقول عن الشافعي (^٨) - ﵁ -. وأما الإمام\n_________\n(^١) في (ص): \"وإلا\" وهو خطأ.\n(^٢) المعنى: أن العموم من باب الكلية سواء كان في حالة الفرد المعرَّف؛ أم الجمع المعرَّف، ولكنا نفسِّر الكلية في حالة المفرد المعرَّف بغير تفسيرنا لها في حالة الجمع المعرَّف: ففي حالة المفرد المعرَّف المراد عموم كل فردٍ فردٍ، وفي حالة الجمع المعرَّف المراد عموم أفراد الجموع. فالكلية في جمع القلة تكون في كل ثلاثة ثلاثة، والكلية في جمع الكثرة تكون في كل أحد عشر أحد عشر.\n(^٣) انظر: اللمع ص ٢٦، شرح اللمع ١/ ٣٠٣.\n(^٤) انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ٢١٩.\n(^٥) انظر: المعتمد ١/ ٢٢٧، المحصول ١/ ق ٢/ ٥٩٩. وقد عزا أبو إسحاق الشيرازيّ إلى أبي عليّ الجبائيّ خلاف هذا، وأن اللفظ يُحمل على المعهود، ولا يقتضي العموم. انظر: شرح اللمع ١/ ٣٠٣ - ٣٠٤. ولا شك أن نقل أبي الحسين - ﵀ - وهو معتزليّ المعتقد أثبت من نقل أبي إسحاق ﵀.\n(^٦) انظر: المقتضب ٢/ ١٣، المحصول ٢/ ق ١/ ٥٩٩.\n(^٧) انظر: منتهى السول والأمل ص ١٠٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٠٢.\n(^٨) وعن مالكٍ وأحمد ﵄، وجمهور الأصوليين، وكافة الفقهاء، ونَصَّ عليه سيبويه. انظر: الأم ٣/ ٢، البحر المحيط ٤/ ١٣٢، شرح التنقيح ص ١٧٩، إحكام الفصول ص ٢٣١، تيسير التحرير ١/ ١٩٧ - ١٩٨، فواتح الرحموت ١/ ٢٦٠، العدة ٢/ ٥١٩، شرح الكوكب ٣/ ١٣٣.","vol":"4","page":1256},{"text":"وأكثر أتباعه فقالوا: لا يفيد العموم (^١). والمختار الأول.\nفإن قلت: لِمَ لا قال الشافعي - ﵁ - بوقوع الثلاث على مَنْ حلف بالطلاق المُعَرَّف وحنِث.\nقلت: هذا سؤال سأله القرافي للشيخ (^٢) عز الدين بن عبد السلام وأجابه كما ذكر في \"شرح المحصول\": بأن هذه (^٣) يمين فيراعى فيها العُرْف دون الأوضاع اللغوية (^٤). قال والدي أيده الله (^٥) (في الأجوبة عن الأسئلة التي سألته عنها) (^٦): وقد يقال في الجواب: إن الطلاقَ حقيقةٌ واحدةٌ: وهي قطع عصمة النكاح، وليس له أفراد حتى يقال إنها تندرج في العموم، ولكن مراتبه مختلفة:\nمنها: ما يحصل به تشعيث النكاح (^٧) وهو الرجعي، وجَوَّز الشارع فيه أن يكون مرة بعد أخرى، والتشعيث الحاصل من الثانية أكثر من الحاصل بالأولى وإن اشتركا في جواز الرجعة.\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٥٩٩، الحاصل ١/ ٥١٦، التحصيل ١/ ٣٥٥.\n(^٢) في (ص): \"الشيخ\".\n(^٣) في (ص): \"هذا\".\n(^٤) فاللغة تقتضي العموم، والعُرْف لا يقتضيه، والأيمان تُحْمل على العُرْف.\n(^٥) في (ص): \"قال الشيخ الإمام الوالد ﵀\". والترحُّم مِنْ فِعْل النساخ كما سبق التنبيه عليه.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) أي: تغير النكاح ونقصه، بخلاف الطلاق البائن فإنه يرفعه. انظر: المصباح المنير ١/ ٣٣٧، مادة شعث.","vol":"4","page":1257},{"text":"ومنها: ما يحصل به البينونة مع إمكان الرد بغير محلِّل، وهو إذا كان بعوض (^١).\nومنها: ما يحصل به البينونة الكبرى، وهو الثلاث.\nفهذه مراتب وليس أفرادًا. ولكن إذا قال: أنت طالقٌ ثلاثًا - فقد استوعب جملة الطلاق. فإذا لم يذكر الثلاث، ولا نواها - لم يُحمل إلا على أقل المراتب؛ لأن الألف واللام لا دلالة لها على قوة مرتبةٍ أو ضعفها، فلا تُحْمَل (^٢) إلا على الماهية، وليست آحاد المراتب بمنزلة آحاد العموم، حتى نقول بالاستغراق (^٣).\nوأيضًا فلو قال القائل: العتق يلزمني، أو المشي إلى مكة. ونحو ذلك، وقلنا: يجب عليه الوفاء - لم يلزمه إلا المسمى (^٤). فكذلك هذا (^٥). قال:\n_________\n(^١) هذا هو الخلع: وهو فُرْقة بعِوَض بلفظ طلاق أو خلع. والأصح عند الشافعية أن الفرقة بلفظ الخلع طلاق يُنقص العدد إن قلنا بصراحته أو نواه، وفي قول للشافعي ﵁ نصَّ عليه في القديم والجديد: الفرقة بلفظ الخلع أو المفاداة إذا لم يقصد به طلاقًا فسخ لا يُنْقص عددًا، فيجوز تجديد النكاح بعد تكرره من غير حصر. أما الفرقة بلفظ الطلاق بعوض فطلاق يُنقص العدد قطعًا. انظر: نهاية المحتاج ٦/ ٣٨٦، ٣٩٧. وانظر: بداية المجتهد ٢/ ٦٩، ملتقى الأبحر ١/ ٢٨٠، شرح منتهى الإرادات ٣/ ١٠٩.\n(^٢) أي: الألف واللام.\n(^٣) يعني: لو كانت آحاد المراتب في الطلاق كآحاد العموم - لقلنا بأن الألف واللام للاستغراق لتشمل جميع تلك المراتب، ولكن لما كانت هذه المراتب متباينة عن بعضها ولا يمكن أن تشملها دلالة الاستغراق - جعلنا الألف واللام للدلالة على الماهية، فيحمل لفظ \"الطلاق\" على الماهية المتحققة بأقل مرتبة.\n(^٤) أي: الوصول إلى مكة دون المشي بالأقدام، وكذلك العتق يتحقق بأيِّ عبدٍ كان، أعمى أو بصير أو قوي أو ضعيف، فالمقصود حصول العتق، والوصول إلى مكةً؛ لأن الألف واللام في قوله: \"العتق\"، أو \"المشي\" ليس إلا للماهية المتحققة بأي صُورة أو فرد.\n(^٥) أي: فكذلك الطلاق المعرَّف لا يلزمه فيه إلا مسمى الطلاق.","vol":"4","page":1258},{"text":"وهذا شيء يمكن أن يقال، والأدب مع الشيخ عز الدين الاقتصار على جوابه.\nوالثاني: مما يدل بواسطة اقتران قرينة: أن يكون في النفي، وذلك كالنكرة في سياقه، إما بما، أو بلن (^١)، أو ليس، أو لم - فإنها تعم سواء باشرها النفيُ، نحو: ما أحدٌ قائم. أم باشر عاملَها (^٢)، نحو: ما قام أحد.\nومما استدل به الإمام على أن النكرة في سياق النفي تعم: أنه لو لم تكن للنفي (^٣) - لما كان قولُنا: \"لا إله إلا الله\" نفيًا لدعوى من ادعى إلهًا سوى الله تعالى (^٤).\nواعلم أن النكرة إنْ كانت صادقةً على القليل والكثير كشيء (^٥)، أو واقعةً بعد \"لا\" العاملة عمل إنَّ، أعني \"لا\" التي لنفي الجنس، مثل: لا رجلَ في الدار. ببناء \"رجل\" على الفتح. أو داخلًا عليها \"مِنْ\" (^٦)، مِثْل:\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"لن\".\n(^٢) يعني: أم باشر النفيُ عاملَ النكرة وهو فِعْلُها.\n(^٣) يعني: لو لم تكن النكرة عامة للنفي، أي: لأجله وبسببه. وفي (ص)، و(ك): \"لو لم يكن للنفي\". فيكون تقدير الكلام: لو لم يكن العموم للنفي. أي: لأجل النفي وبسببه. وفي (ت)، و(غ): \"لو لم يكن\". (بدون تنقيط)، فرجَّحت أن تكون تاءً لأنها أوضح للمعنى.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٥٦٤.\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) يعني: أو داخلًا على النكرة حرف مِنْ.","vol":"4","page":1259},{"text":"ما جاءني مِنْ رجل - فإن كونها (^١) للعموم من الواضحات، لكن هل استفيد العموم في قولك: \"ما جاءني مِنْ رجل\" من لفظة مِنْ (^٢)، أو كان مستفادًا من النفي قبل دخولها، ودخلت هي لتأكيده؟ .\nالحق الثاني، وهو ما قرره والدي أيده الله غير مرة، ولهذا قال الشيخ جمال الدين بن مالك: \"وتُزاد لتنصيص العموم بعد نفي أو شبْهه\" (^٣). وأراد بتنصيص العموم تقويته، كما ذكرناه، وإنْ كان هو حاصلًا قبلها.\nوقد اعترض عليه شيخنا أبو حيان فقال: \"تقسيمُ المصنفِ وغيرِه \"مِنْ\" هذه الزائدة إلى أنها تكون لاستغراق الجنس، (ولتأكيد استغراق الجنس (^٤» (^٥) - ليس هو (^٦) مذهب سيبويه ﵀، بل قولك: ما جاءني مِنْ أحد، وما جاءني مِنْ رجل. \"مِنْ\" في الموضعين لتأكيد استغراق الجنس (^٧)، وهذا هو الصحيح\". انتهى.\n_________\n(^١) هذا هو جواب الشرط في قوله: إن كانت صادقة. . . إلخ.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) عبارة ابن مالك رحمه الله تعالى كما في \"التسهيل\": \"وتزاد لتنصيص العموم، أو لمجرد التوكيد، بعد نفي أو شبهه\". قال ابن عقيل في شرح \"أو شبهه\": \"وهو النهي والاستفهام، وإنما يحفظ ذلك مع هل، ومنه: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾، ولو قلت: كيف تكرم من رجلٍ أتاك؟ لم يجز\". انظر: المساعد على تسهيل الفوائد ٢/ ٢٤٩، ٢٥٠.\n(^٤) أي: أن مذهب ابن مالك - كما يقول ابو حيان - أنَّ \"مِنْ\" تأتي لاستغراق الجنس، ولتأكيد استغراق الجنس.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) يعني: ليست هي للاستغراق، بل لتأكيد الاستغراق فقط.","vol":"4","page":1260},{"text":"وتنصيص العموم (^١)، فَفَهِم كلامَ ابنِ مالكٍ على خلاف ما أراد، ثم اعترض عليه، والحق ما ذكرناه، وأن العموم قبل دخول \"مِنْ\" ظاهرٌ لا نَصٌّ واحتمالُه للخصوص احتمالٌ كبير وإنْ كان مرجوحًا، وبعد دخول \"مِنْ\" العمومُ نصٌّ، واحتمال الخصوص ضعيفٌ جدًا، بحيث لا يكاد يوجد في كلام العرب، ولا ينبغي أن يكون في ذلك خلاف، بل يُنَزَّل اختلاف كلام العلماء على هذا التنزيل الذي ذكرناه، وأنه متى قلتَ: ما جاءني رجلٌ - أفاد الاستغراق مع جواز إرادة الوَحْدة جوازًا غير مُنكر (^٢).\nوإذا قلتَ: ما جاءني مِنْ رجل - كان الاستغراق نصًّا، وإرادةُ الخصوصِ مستنكرةً.\nوإذا قلت: ما جاءني أحد - كان نصًا أيضًا (^٣) في العموم؛ لأن \"أحدًا\" لا تدخل (إلا في النفي) (^٤) إلا إذ كانت همزتها مبدلة مِنْ واو، فإنها تدخل في الإثبات، فلذلك تحتمل الخصوص أيضًا (^٥)، فإذا دخلت\n_________\n(^١) يعني: ورود العموم غير تنصيص العموم، فالعموم محتمل للتخصيص، فإذا نُصَّ على العموم فلا يكون هناك احتمال للتخصيص.\n(^٢) أي: يجوز أن يراد بالعموم الواحدُ من غير نكير.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) قال في المصباح المنير ٢/ ٣٢٥: وأحد أصله وحد فأبدلت الواو همزة. . .، ويكون أحد مرادفًا لواحد في موضعين سماعًا، أحدهما وصف اسم الباري تعالى، فيقال: هو =","vol":"4","page":1261},{"text":"عليه (^١) \"مِنْ\" كقوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (^٢) - لم يبق لاحتمال الخصوص وجه (^٣).\nوقد تمسك القرافي في أنَّ: \"ما جاءني رجل\" لا يفيد العموم - بقول\n_________\n= الواحد، وهو الأحد، لاختصاصه بالأحدية، فلا يُشْركه فيها غيره، ولهذا لا ينعت به (أي: بأحد) غير الله تعالى، فلا يقال: رجل أحد، ولا درهم أحد، ونحو ذلك. والموضع الثاني: أسماء العدد، للغلبة وكثرة الاستعمال، فيقال: أحد وعشرون، وواحد وعشرون. وفي غير هذين يقع الفرق بينهما في الاستعمال، بأن الأحد لنفي ما يذكر معه، فلا يُسْتعمل إلا في الجحد، لما فيه من العموم، نحو: ما قام أحد. أو مضافًا نحو: ما قام أحد الثلاثة. والواحد اسم لمفتتح العدد كما تقدم، ويستعمل في الإثبات مضافًا وغير مضاف، فيقال: جاءني واحد من القوم. اهـ. وفي لسان العرب ٣/ ٤٤٨: الفرق بين الواحد والأحد أن الأحد شيء بني لنفي ما يذكر معه من العدد، والواحد اسم لمفتتح العدد، وأحد يصلح في الكلام في موضع الجحود، وواحد في موضع الإثبات. يقال: ما أتاني منهم أحد، فمعناه لا واحد أتاني ولا اثنان، وإذا قلت: جاءني منهم واحد، فمعناه أنه لم يأتني منهم اثنان. فهذا حدُّ الأحد ما لم يُضف، فإذا أضيف قرب من معنى الواحد، وذلك أنك تقول: قال أحد الثلاثة كذا وكذا، وأنت تريد واحدًا من الثلاثة. . . الأصمعي: تقول العرب: ما جاءني من أحد، ولا تقول: قد جاءني من أحد. ولا يقال إذا قيل لك ما يقول ذلك أحد: بلى يقول ذلك أحد. اهـ.\n(^١) لو قال عليها - لكان أحسن؛ ليوافق التأنيث السابق في كلامه.\n(^٢) سورة الحاقة: الآية ٤٧. (في (ت)، و(ص)، و(غ): \"ما منكم\").\n(^٣) المعنى: أن \"أحدًا\" لا تدخل إلا في النفي، فلذلك لا تحتاج إلى \"مِنْ\" للتنصيص على الاستغراق، هذا إذا كانت همزة أحد أصلية، أما إذا كانت همزتها غير أصلية بل مبدلة مِنْ واو - فإنها تدخل في الإثبات، وعلى هذا فهي تحتمل الخصوص، فتحتاج هنا إلى \"مِنْ\" للتنصيص على الاستغراق.","vol":"4","page":1262},{"text":"الزمخشري في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (^١): إنما استفيد العموم من لفظة (^٢) \"مِنْ\"، ولو قال: ما لكم إلهٌ غيره - لم يعم، مع أن لفظة \"إله\" نكرة، وقد حَكَم بأنه لا يعم. وكذلك قوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ (^٣) قال: إنما استفيد العموم مِنْ لفظة (^٤) \"مِنْ\".\nوقال: إن لفظة (^٥) \"مِنْ\" تارة (^٦) تكون لإرادة العموم نحو ما تقدم وتارة تؤكد العموم كقولك: ما جاءني من أحد (^٧).\nوهذا الذي قاله الزمخشري يمكن تأويله على أنها أربع مراتب، كما أشرنا إليه: أدناها في إفادة العموم: ما جاءني رجل؛ لعدم دخول \"مِنْ\"؛ ولعدم اختصاص رجل بالنفي. وأعلاها: ما جاءني مِنْ دَيَّار؛ لانتفاء الأمرين (^٨). والمرتبة المتوسطة: ما جاءني مِنْ رجل. وما جاءني أحد. كما أشرنا إليه من قبل. فإن أراد الزمخشري ذلك (^٩) صَحَّ كلامه، وإلا فهو ممنوع؛ لأن مِثْلَ قوله تعالى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (^١٠)، وقوله:\n_________\n(^١) سورة المؤمنون: الآيتان ٢٣، ٣٢.\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"لفظ\".\n(^٣) سورة الأنعام: الآية ٤. سورة يس: الآية ٤٦. (وفي النسخ: \"ما تأتيهم. . .\").\n(^٤) في (غ)، و(ك): \"لفظ\".\n(^٥) في (غ)، و(ك): \"لفظ\".\n(^٦) سقطت من (ص).\n(^٧) انظر: نفائس الأصول ٤/ ١٧٩٧، ١٧٩٨.\n(^٨) وهما: عدمُ دخول \"مِنْ\"، وعدم الاختصاص بالنفي. فدخول \"من\"، واختصاص \"ديَّار\" بالنفي جعل العموم قطعيًا.\n(^٩) وهو أن مِنْ لتأكيد العموم، وجعله نصًا.\n(^١٠) سورة البقرة: الآيات ٤٨، ١٢٣.","vol":"4","page":1263},{"text":"﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ (^١)، ونظائرهما - مما لا شك في إفادته العموم، وليس فيه \"مِنْ\" ولا لفظ مختصٌّ بالنفي. وأيضًا فإن النكرة تدل على الماهية، ولا دلالة لها على قيد الوحدة (^٢) وإنْ كانت محتمِلةً له، والأصل عدمه، فدخول النفي عليها ينفي معناها بطريق الأصالة وهو مطلق الماهية (^٣)، ويلزم منه العموم. وأما احتمال قيد الوحدة فهو سائغ (^٤) ولكنه خلاف الأصل والظاهر، فلا يُجْعَل هو الأصل في الدلالة ولا مساويًا لما هو الأصل. وإذا تُؤمِّل كلامُ العرب حصل القطع بذلك، ولم يثبت في هذه المسألة خلافٌ. ومَنِ ادعى فيها خلافًا يحتاج إلى بيانٍ وَرَدٍّ؛ لما قلناه.\nومع كون \"مِنْ\" هذه تفيد نصيةَ العموم، أو تأكيدَه، هي محتملة لأَنْ تكون للتبعيض، أو لابتداء الغاية. وقال ابن مالك: إن في كلام سيبويه إشارةً إلى أنها للتبعيض. وهو كما قال؛ لأن سيبويه قال بعد تمثيله بـ \"ما أتاني من رجل\": أُدخلت \"مِنْ\" لأن هذا موضعَ تبعيضٍ، فأراد أنه لم يأت بعض الرجال (^٥).\nوقال شيخنا أبو حيان: إن هذا غير مرضي من ابن مالك؛ لأنه يلزم منه أن تكون ألفاظ العموم للتبعيض، وإنما المقصودُ بزيادة \"مِنْ\" في (^٦)\n_________\n(^١) سورة سبأ: الآية ٣.\n(^٢) أي: لا دلالة لها على فردٍ واحد معين.\n(^٣) فالمقصود بنفي النكرة هو نفي الماهية، وإنْ كان نَفْيُ الوَحْدةِ مُحْتَملًا لكن نفيه خلاف الأصل؛ لأن الأصلَ هو نفي الماهية.\n(^٤) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"شائع\". والمعنى: أنه مشتهر بذلك.\n(^٥) انظر: كتاب سيبويه ٤/ ٢٢٥.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1264},{"text":"نحو: ما أتاني من رجل - جَعْلُ المجرور بها نصًا في (^١) العموم. وإنما تكون للتبعيض فيما إذا لم يُقْصَد عمومٌ، وحَسُن في موضعها بعض، نحو: مِنَ الناسِ (^٢) مَنْ يقول.\nوهذا الذي قاله شيخنا (غير مَرْضي، والحق ما قاله ابن مالك، وقد وافق شيخنا) (^٣) في آخر كلامه على جواز إرادة ذلك، وعَجَبٌ قوله: إنه يلزم أن تكون ألفاظ العموم للتبعيض، وإنما حمله على ذلك توهمه أن أصل العموم مستفاد من لفظة (^٤) \"مِنْ\"، وقد بيّنّا خلافه فيما تقدم (^٥). والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>فائدتان:</span>\nالأولى: صَرَّح إمام الحرمين بأن النكرة في سياق الشرط تعم في قول القائل: مَنْ يأتني بمال أُجَازِه. فلا يختص هذا بمال (^٦). هذا كلامه، ومراده العمومُ البدلي لا الشمولي، وهو صحيح.\nالثانية: اختلف (^٧) في أن النكرة في سياق النفي هل عمت لذاتها (^٨)،\n_________\n(^١) في (ت): \"على\".\n(^٢) أي: بعض الناس. فلا يراد بالناس العموم، ويحسن وضع بعض مكان مِنْ.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ت): \"لفظ\".\n(^٥) يعني: فإذا دلَّت \"مِنْ\" على التبعيض لا يؤثِّر هذا؛ لأن العموم مستفادٌ مِنْ غيرها.\n(^٦) انظر: البرهان ١/ ٣٣٧، وعبارته: فلا يختص هذا بمال مخصوص.\n(^٧) في (ت)، و(غ): \"اختلفوا\".\n(^٨) يعني: هل عمومها بالدلالة الوضعية، وهي دلالة المطابقة، بمعنى أن اللفظ وضع =","vol":"4","page":1265},{"text":"أو لنفي المشترك منها (^١)؟ والثاني هو قول الحنفية (^٢)، واختاره والدي أيَّده الله، فلم يحصل العمومُ عندهم إلا لأن حرف النفي اقتضى نَفْيَ الماهية الكلية، ونفي الأعم يلزم منه نفي الأخص (^٣)، فحصلت السالبة الكلية (^٤) بطريق اللزوم، لا لأن اللفظ موضوع في اللغة للسالبة الكلية. (وظاهر) (^٥)، كلام غيرهم من الشافعية الأول: وهو أن اللفظ وُضِع لسلب كلِ فردٍ من أفراد الكلية، وأن سلب الكلي (^٦) حصل بطريق اللزوم؛ لنفي الكلية، عكس تلك المقالة، فإنه يلزم مِنْ نفي كلِ فرد نفيُ الكلي، ومِنْ نفيِ الكلي نفيُ كل فرد، فهما متلازمان. وهذا المذهب هو الظاهر عند القرافي (^٧).\n_________\n= لسلب كل فرد من الأفراد بالمطابقة، كما سبق بيانه من أن الحكم في العام على كل فردٍ مطابقة. انظر: شرح المحلى على الجمع ١/ ٤١٣، شرح الكوكب ٣/ ١٣٧.\n(^١) المعنى: هل العموم في النكرة مستفاد من ذاتها، أو مستفاد من نَفْي القدر المشترك منها. فمثلًا: لا رجلَ في الدار. هل العموم مستفاد من نفي لفظ \"رجل\"، أو من نفي \"الرجولية\" التي هي القدر المشترك بين أفراد الرجال.\n(^٢) انظر: فواتح الرحموت ١/ ٢٦١ أصول السرخسي ١/ ١٦٠.\n(^٣) أي: نفي الأعم الذي هو القدر المشترك، يلزم منه نفي الأخص الذي هو الأفراد.\n(^٤) وهي نفي جميع الأفراد.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) وهو سلب القدر المشترك، وهي الماهية الكلية.\n(^٧) قال رحمه الله تعالى في نفائس الأصول ٤/ ١٨٠٢: والظاهر أن اللفظ موضوع للسالبة الكلية، لا لسلب الكلي؛ لأنه المتبادر إلى الفهم في موارد الاستعمال. ويرد عليهم (أي: على الحنفية) أن الاستثناء يدخل عليها، فعلى رأيهم: لا يكون مِنْ مسمى اللفظ؛ لأن الكلي لا يخرج منه فرد، فيكون مُقْطَعًا من لازم اللفظ. وعلى رأينا: يكون من الأفراد التي هي مدلول اللفظ، والأصل في الاستثناء أن يكون نفس =","vol":"4","page":1266},{"text":"وينبني (^١) على الخلاف التخصيصُ بالنية. فإن قلنا بقول الحنفية مِنْ أنه نفي للكلي - فلا يؤثر (^٢)، حتى لو قال: لا أكلتُ. ونَوَى مُعَيَّنًا لا يُسمع (^٣). وإنْ قلنا بالقول الآخر مِنْ أنه نفي للكلية - فيؤثر تخصيصُ بعضِ الأفراد بالنية.\nقال: (أو عرفًا، مثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (^٤) فإنه يوجب حرمة جميع الاستمتاعات).\n\nهذا هو<span data-type=\"title\" id=toc-363> القسم الثاني: وهو ما يفيد العموم من جهة العرف</span>، مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ فإن أهل العرف نقلوا تحريم العين (^٥) إلى تحريم جميع الاستمتاعات المقصودة من النساء، فتفيد حرمة جميع الاستمتاعات من الوطء ومقدماته. ومنهم من يقول: المقصود في هذه الآية تحريم الوطء خاصة. ومنهم من يدعي إجمالها كما ستعرفه في باب المجمل والمبين؛ لأن المصنف ذكر هناك قوله تعالى:\n_________\n= المدلول. اهـ. وقد اختار الشارح رحمه الله تعالى في \"جمع الجوامع\" رأي الشافعية وكذا الزركشي. انظر: شرح المحلي على الجمع ١/ ٤١٣، البحر المحيط ٤/ ١٥٥.\n(^١) في (ت): \"ويبنى\".\n(^٢) أي: فلا يؤثر التخصيص بالنية.\n(^٣) لأنه نَفْيٌ لماهية الأكل، فنية فردٍ معيَّنٍ من الأكل لا تصلح مخصِّصًا؛ لأن الماهية غير الأفراد، وهو وإن كان يلزم من نفي الماهية نفيُ الأفراد، إلا أن الأفراد شيء خارج عن الماهية، والتخصيص إنما يكون لشيء داخل الماهية.\n(^٤) سورة النساء: الآية ٢٣.\n(^٥) أي: تحريم الذات المقتضي لتحريم النظر، وتحريم التعامل، وكل ما له تعلق بالذات.","vol":"4","page":1267},{"text":"﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ فإنا حملناه على الأكل للعرف، والخلاف في هذه الآية هو الذي في تلك. قال: \"أو عقلًا كترتيب الحكم على الوصف\" هذا هو القسم الثالث وهو ما يدل عليه بالعقل وهو ثلاثة:\nأولها: وعليه اقتصر في الكتاب ترتيب الحكم على الوصف، فإن ترتيبه يشعر بكونه علة له، وذلك يفيد العموم بالعقل، على معنى أنه كلما وجدت العلة وجد المعلول، وكلما انتفت انتفى. فهذا القسم إنما دل بالعقل ولم يدل باللغة ولا بالعرف، أما العرف فواضح، وأما اللغة فلأنه لو دلَّ بها لكان إما بالمنطوق أو المفهوم، وانتفاء المفهوم ظاهر، ولا يدل بالمنطوق؛ لأن تعليق الشيء بالوصف لا يدل على التكرار لفظًا.\nوالثاني: ما يُذْكر جوابًا عن سؤالِ سائلٍ، كما إذا سُئل النبي - ﷺ - عمن أفطر؟ فقال: \"عليه الكفارة\" فيعلم أنه يعم كلَّ مفطر.\nوالثالث: مفهوم المخالفة عند القائلين به (^١)، كقوله - ﷺ -: \"مَطْلُ الغني ظلمٌ\"، فإنه بمفهومه (^٢) يدل على أن مَطْلَ غير الغني لا يكون ظلمًا (^٣).\nوأما مفهوم الموافقة فداخلٌ في القسم الأول (^٤)؛ إذ الحكم إنما ثبت فيه بطريق الأَوْلى؛ لأجل أن العلة فيه أولى. أو لكونه (^٥) مساويًا؛ لأجل أن\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) أي: بمفهومه العقلي، فهذا الفهم بالعقل لا باللغة.\n(^٣) والعموم جاء من قوله: مطل غير الغني، فإن \"مطلَ\" نكرةٌ مضافة إلى معرفة وهي تعم. وكذلك من النكرة في سياق النفي في قوله: لا يكون ظلمًا.\n(^٤) وهو ترتيب الحكم على الوصف.\n(^٥) أي: لكون الحكم في مفهوم الموافقة.","vol":"4","page":1268},{"text":"العلة اقتضت ذلك، فكان من جملة أصناف القسم الأول.\nقال: (ومعيار العموم جواز الاستثناء، (فإنه يُخْرِج ما يجب اندراجه لولاه، وإلا لجاز من الجمع المنكَّر. قيل: لو تناوله لامتنع الاستثناء) لكونه نقضًا. قلنا: (^١) منقوض بالاستثناء (^٢) من العدد).\nذهب قومٌ - وهم الملقَّبون بأرباب الخصوص - إلى أنه ليس للعموم صيغةٌ تخصه، وأنَّ ما سبق ذِكْره من الصيغ موضوع في الخصوص، وهو أقل الجمع إما اثنان أو ثلاثة على الخلاف فيه (^٣)، واستعمل في العموم مجازًا (^٤).\nوذهب الشافعي وسائر المحققين إلى أنَّ له صيغًا مخصوصة به بالوضع، ويستعمل مجازًا في الخصوص (^٥).\nوذهب آخرون إلى الوقف. ونقله القاضي في \"مختصر التقريب\" عن\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٣) هذا بالنسبة لصيغة الجمع، وأما غيره فهي حقيقة في الواحد عندهم. انظر: شرح المحلي على الجمع ١/ ٤١٠، البحر المحيط ٤/ ٢٣، ٢٤، كشف الأسرار ١/ ٢٩٩.\n(^٤) أي: واستعمل صيغ الخصوص في العموم مجازًا.\n(^٥) هذا هو مذهب الجمهور من الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم، والظاهرية، وعامة المتكلمين ويسمون أرباب العموم. انظر: شرح الكوكب ٣/ ١٠٨، نهاية الوصول ٤/ ١٢٦٣، البحر المحيط ٤/ ٢٣، فواتح الرحموت ١/ ٢٦٠، تيسير التحرير ١/ ٢٢٩، مختصر ابن الحاجب مع العضد ٢/ ١٠٢، بيان المختصر ٢/ ١١١، المعتمد ١/ ١٩٤، الإحكام لابن حزم ١/ ٣٦١، تفسير النصوص ٢/ ١٩.","vol":"4","page":1269},{"text":"الشيخ، ومعظم المحققين (^١)، وذهب إليه. قال: \"وحقيقة ذلك أنهم قالوا: سبرنا اللغة ووَضْعها فلم نجد في وَضْع اللغة صيغةً دالة على العموم، سواء أوردت (^٢) مطلقة أو مقيدة بضروبٍ من التأكيد\" (^٣).\nوللواقفية مذهب آخر وهو دعوى الاشتراك، ونُقِل عن الشيخ أيضًا، وعليه الأكثرون من الواقفية.\nومنهم مَنْ فَصَّل بين الأخبار، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، فقال: بالوقف في الأخبار، والوعد والوعيد، دون الأمر والنهي.\nهذه مذاهب خمسة. وحكى القاضي في \"مختصر التقريب\" سادسًا: وهو تسليم العموم حالة التقييد بضروب من التأكيد (^٤)، فلفظ \"الناس\" مثلًا إذا قلنا: إنه لا يعم حالةَ الإطلاق - فنسلم (^٥) أنه عام في مثل قول القائل: الناس أجمعون، عن آخرهم، صغيرهم وكبيرهم، لا يشذ منهم أحد (^٦)، إلى غير ذلك. قال القاضي: والمحققون من الواقفية يقولون: وإنْ قُيِّدت بهذه القيود فليست موضوعةً للاستغراق في اللغة، ولكن قد يُعرف\n_________\n(^١) عبارة القاضي كما في التلخيص ٢/ ١٩: \"وذهب شيخنا - ﵁ - في معظم المحققين من أصحابه إلى التوقف\".\n(^٢) في (ت)، و(ص): \"وردت\".\n(^٣) انظر: التلخيص ٢/ ١٩.\n(^٤) في (ص): \"التقييد\". وهو خطأ.\n(^٥) في (ت): \"فيسلم\".\n(^٦) هذه أربع تأكيدات، ففي مثل هذه الحالة يصح أن يراد بالناس العموم، عند أصحاب هذا القول.","vol":"4","page":1270},{"text":"عمومها بقرائن الأحوال المقترنة بالمقال، وهي مما لا (^١) تنحصر (^٢) بالعبارة، كما يُعْرف بالقرائن وَجَلُ الوَجِل، وإنْ كانت القرائن لا توجب معرفتها، ولكن أجرى الله العادة بخلق العلم الضروري عندها (^٣) (^٤).\nوسابعًا عن بعض الواقفية: أن الخبرَ إذا انطوى على وعيد العصاة من أهل الملة لزم التوقف فيه، ولا يتوقف في غيره (^٥).\nوثامنًا: وهو التوقف في الوعيد دون الوعد. قال: وفُرِّق بينهما بما يليق بالشطح والترهات دون الحقائق (^٦).\nوتاسعًا عن بعض المنتمين إلى الواقفية: وهو أن الأخبار إذا وردت ومَخْرَجُها مخرج العموم عند القائلين به، وَسَمِعها السامع وكانت وعدًا أو وعيدًا، ولم يَسْمع مِنْ آي الكتاب وسنن الرسول - ﷺ - ومواقع أدلة السمع شيئًا - فَيَعْلم أن المراد بها العموم. وإن كان قد سمع قبل اتصالها به أدلةَ الشرع، وعلم انقسامها للخصوص والعموم - فلا يَعْلم حينئذٍ العمومَ في الأخبار الذي (^٧) اتصلت\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (غ): \"ينحصر\".\n(^٣) انظر: التلخيص ٢/ ١٩، ٢٠.\n(^٤) أي: القرائن لا توجب معرفة العموم بذاتها، يعني: ليست دلالة القرائن دلالة عقلية لازمة، بل هي دلالة عادية تجرى بخلق الله تعالى للعلم الضروري عندها.\n(^٥) أي: في غير وعيد العصاة من الأخبار.\n(^٦) انظر: التلخيص ٢/ ٢١.\n(^٧) الذي: فاعل لقوله: \"فلا يَعْلم\". وفي \"التلخيص\" عَدَّل المحقِّق \"الذي\" بـ \"التي\" ظانًا أنها الصواب، والصواب هو \"الذي\"؛ لأنها فاعل يعود إلى السامع. انظر: التلخيص ٢/ ٢٢.","vol":"4","page":1271},{"text":"به. قال (^١): وأعلم أنَّ هذه الفئة بالنسبة إلى القائلين بالعموم أولى منهم بالنسبة إلى الواقفية (^٢) (^٣).\nهذا ما حكاه القاضي في هذا الكتاب، ثم أطنب في الاستدلال على مذهبه، والردِّ على خصومه (^٤).\nوهذه المذاهب التي حكاها ذكرها (^٥) غيرُه، وإنما أردت سَرْدَها من كلام القاضي. واعلم أن هذا الكتاب قد أكثرنا النقل عنه (^٦) في هذا الشرح، وهو كتاب \"التلخيص\" لإمام الحرمين (اختصره من كتاب \"التقريب والإرشاد\" للقاضي، فلذلك أعزو (^٧) النقلَ تارة إلى \"التلخيص\" لإمام الحرمين) (^٨)، وذلك حيث يظهر لي أن الكلام من إمام الحرمين، فإنه زاد مِنْ قِبَلِ نفسه أشياءَ على طريقة المتقدمين في الاختصار وتارة أعزوه (^٩) إلى \"مختصر التقريب\" وهو حيث لا يظهر لي\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) أي: هذه الفرقة أقرب إلى القائلين بالعمومِ من قربها إلى فرقة الواقفية، فَعَدُّهم في فرقة الواقفية بعيد.\n(^٣) انظر: التلخيص ٢/ ٢٢.\n(^٤) انظر: التلخيص ٢/ ١٨ - ٣٩.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) في (غ)، و(ك): \"أعزي\".\n(^٨) سقطت من (ت).\n(^٩) في (ت)، و(ك): \"أعزيه\". وفي المصباح ٢/ ٥٧: \"عزوته إلى أبيه أعزوه: نسبته إليه، وعزيته أعزيه: لغة\".","vol":"4","page":1272},{"text":"ذلك (^١). والذي أقوله ليستفاد: إني على كثرة مطالعتي في الكتب الأصولية للمتقدمين والمتأخرين، وتنقيبي عنها، على ثقةٍ بأني لم أرَ كتابًا أجلَّ من هذا \"التلخيص\" لا لمتقدم ولا لمتأخر، ومَنْ طالعه مع نظره إلى ما عداه من المصنفات عَلِم قَدْرَ هذا الكتاب (^٢).\nوفي المسألة قول عاشر: حكاه المازري في، \"شرح البرهان\" فقال: أشار بعض المتأخرين في بعض ألفاظه إلى طريقة مُسْتَغْرَبة لا يكاد يُصغي إليها أحد من أهل هذه الصناعة، فقال: إن لفظة \"المؤمنين\" و\"الكافرين\" حيث ما وقعت في الشرع أفادت العموم، ويمكن أن يكون هذا مِن احتكام (^٣) الشرع (في بعض الألفاظ اللغوية) (^٤)، كاحتكامه في لفظة: الصلاة، والحج، والصوم.\nوهنا تنبيهان:\nأحدهما: انَّ الواقفية وإنْ قالت: لم يوضع اللفظ لخصوصٍ ولا عموم، قالت: بأنا نعلم أن أقل الجمع لا بد منه ليجوز إطلاقه. قال إمام الحرمين: ومما زلَّ الناقلون فيه أنهم نقلوا عن أبي الحسن ومتبعيه: أن الصيغة وإنْ\n_________\n(^١) هذا يدل - والله أعلم - على أن كتاب \"التقريب والإرشاد\" ليس موجودًا عند الشارح، وإلا لأمكنه أن يميز بين كلام القاضي وإمام الحرمين رحمهما الله تعالى.\n(^٢) انظر واعجب لسعة الاطلاع مع الفهم والتدقيق لشاب في سن الرابعة والعشرين من عمره، يبلغ هذا المبلغ وهو في هذا السن، فلله دره، ومَنْ قرأ بقية مصنفاته ازداد عجبه، وحسبك \"الطبقات الكبرى\".\n(^٣) في (ت): \"أحكام\".\n(^٤) في (ت): \"في الأحكام اللغوية\".","vol":"4","page":1273},{"text":"تَقيَّدت بالقرائن فإنها لا تُشْعر بالجمع، بل تبقى على التردد. قال: وهذا وإنْ صَحَّ النقل فيه - فهو مخصوص عندي بالتوابع المؤكِّدة لمعنى الجمع، كقول القائل: رأيت القوم أجمعين أكتعين أبصعين. فأما ألفاظٌ صريحة تُفْرض مقيدة فلا يُظَنُّ بذي عقلٍ أنه يتوقف فيها (^١) (^٢).\nالثاني: قال (^٣) إمام الحرمين: لا يُنكِر أحدٌ من الواقفية إمكان التعبير عن معنى الجمع بترديد ألفاظ مشعرة به (^٤)، كقول القائل: رأيت القوم واحدًا واحدًا لم يَفُتْني منهم أحد. وإنما كرر هذه الألفاظ قَطْعًا لوهم مَنْ يحسبه خصوصًا إلى غير ذلك. قال: وإنما أنكر الواقفيةُ لفظةً واحدةً مُشْعِرةً بمعنى الجمع (^٥). انتهى. وقد علمتَ فيما (^٦) تقدم من كلامه في \"التلخيص\" أن الذي ادعى فيه الوفاق (^٧) محلُّ خلاف. ولا يُتَوهم أنَّ\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) المعنى: أن هذا النقل الذي نُقِل عن أبي الحسن رحمه الله تعالى إنْ صَحَّ فهو مخصوص عند إمام الحرمين رحمه الله تعالى بالتوابع المؤكدة، فالمؤكِّدات هي التي فيها تردد عند أبي الحسن هل تدل على العموم أو لا؟ أما الألفاظ المتبوعة المقيدة بالقرائن كلفظ القوم في قوله: رأيت القوم أجمعين. . . إلخ فهو عام عنده بلا تردد.\nانظر: البرهان ١/ ٣٢١.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ٣٢٠.\n(^٦) في (غ): \"مما\".\n(^٧) أي: هنا في \"البرهان\" بأن لفظ العموم المقيَّد بالقيود المؤكِّدة، أو ترديد ألفاظ مشعرة بالعموم، لا خلاف في أنها تفيد العموم بذاتها.","vol":"4","page":1274},{"text":"مراده بـ \"الجمع\" القَدْرُ المخصوص: الذي هو ثلاثة أو اثنان، إنما مراده به (^١) العموم، يدل عليه قولُه: إنما كرر هذه الألفاظ قطعًا (^٢) لوهم من يحسبه خصوصًا. وقَوْلُه (^٣): رأيت القوم واحدًا واحدًا لم يفتني منهم أحد.\nوقد أطلنا في حكاية المذاهب، فلنعد إلى الشرح، فنقول: الذي ذهب إليه المصنف - تبعًا للإمام - مذهبُ الشافعي (^٤) (^٥)، وهو المختار. ونقله القاضي عبد الوهاب في \"الملخص\" عن الفقهاء بأسرهم (^٦)، والآمدي قال: المختار إنما هو صحة الاحتجاج بهذه الألفاظ في الخصوص؛ لكونه مرادًا من اللفظ يقينًا: سواء أريد به الكل أو البعض، والوقفُ فيما زاد على ذلك (^٧). هذا كلامه، وهو قريب من مذهب الواقفية، إلا أنه لم يصرِّح بأنه متردد في أن العموم: هل له صيغة، أو هل الصيغة مشتركة؟ وإنما ذَكَر الاحتجاج فقط. وابن الحاجب لم يتابعه على هذا، بل اختار مذهب الشافعي - ﵁ - (^٨).\nواستدل المصنف عليه بوجهين:\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) معطوف على لفظ \"قوله\". في جملة: يدل عليه قولُه.\n(^٤) قوله: \"مذهب الشافعي\" بدل من اسم الموصول في قوله: الذي ذهب إليه.\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٥٢٣.\n(^٦) انظر: البحر المحيط ٤/ ٢٤.\n(^٧) انظر: الإحكام ٢/ ٢٠١.\n(^٨) انظر: بيان المختصر ٢/ ١١١، العضد مع ابن الحاجب ٢/ ١٠٢.","vol":"4","page":1275},{"text":"أحدهما: أنه لو لم تكن هذه الصيغ للعموم (^١) - لما جاز دخول الاستثناء (^٢). لكنه يجوز أن يستثني منها ما يَشَاء من الأفراد (^٣) بالاتفاق، فدل على أنها للعموم (^٤).\nوبيان الملازمة (^٥): أن الاستثناء إخراج ما لولاه لوجب دخوله في المستثنى منه. فلزم أن تكون كل الأفراد واجبة الاندراج (^٦)، ولا معنى للعموم إلا ذلك.\nوإنما قلنا: لولا الاستثناء لوجب اندراج المستثنى في المستثنى منه؛ لأن الاندراج جائز بالاتفاق، فلو لم يكن واجبًا أيضًا (^٧) - لكان يجوز الاستثناء من الجمع المنكَّر، لاشتراكهما (^٨) في إمكان (^٩) اندراج كل فرد من أفرادهما تحته (^١٠)، فنقول: جاء رجال إلا زيدًا. وقد نَصَّ النحاة على منعه.\n_________\n(^١) هذا مقدم.\n(^٢) هذا تالي. ومجموع المقدم والتالي هي المقدِّمة الكبرى.\n(^٣) هذا نقيض التالي. وهي المقدمة الصغرى.\n(^٤) هذا نقيض المقدم، وهي النتيجة المطلوبة. وهذا القياس هو القياس الاستثنائي عند المناطقة.\nانظر: حاشية الباجوري على السلم ص ٧٢، إيضاح المبهم ص ١٦.\n(^٥) أي: بين المقدم والتالي.\n(^٦) لجواز استثناء أي فردٍ من الأفراد.\n(^٧) أي: فلو لم يكن اندراج المستثنى في المستثنى منه واجبًا، كما هو جائز بالاتفاق.\n(^٨) أي: لاشتراك صيغ العموم والجمع المنكَّر.\n(^٩) أي: في جواز.\n(^١٠) أي: تحت الجمع المعرَّف، أو تحت الجمع المنكَّر.","vol":"4","page":1276},{"text":"وأجاب: بأن ما ذكرتموه منقوض بالاستثناء من العدد فإنه يجوز (^١). وهذا الجواب أولًا ضعيف؛ لأن للخصم أن يمنع صحة الاستثناء من العدد كما هو أحد المذاهب للنحاة وصححه ابن عصفور.\nوثانيًا: لا يُحتاج إليه؛ لأنه لم يَدَّعِ وجوب الاندراج مع كونه مستثنى، وإنما ادعاه عند عدمه (^٢) ولهذا قال: ما يجب اندراجه لولاه، وعلى هذا الفرض فالمستثنى ليس داخلًا في المستثنى منه نيةً وإنما هو داخل لغةً؛ لأن المختار أن الحكم على المستثنى منه إنما هو بعد إخراج المستثنى فلا تناقض (^٣).\nواعترض القرافي على الدليل بأن الاستثناء أربعة أقسام:\n_________\n(^١) ففي العدد نقول مثلًا: عندي عشرون درهمًا إلا واحدًا. فالعشرون نكرة، وجاء فيها اندراج كل الأفراد.\n(^٢) المعنى: أنه لا يحتاج إلى هذا الجواب (وهو النقض بالاستثناء من العدد وأنه جائز)؛ لأن الخصم لم يدع وجوب اندراج المستثنى في المستثنى منه في حالة الاستثناء، وإنما ادعى الاندراج في حالة عدم الاستثناء، فقولنا: جاء رجال إلا زيد، لم يدع فيه اندراج زيد في رجال حالة الاستثناء، بل قبل الاستثناء، والكلام فيه.\n(^٣) المعنى: أنه على هذا الفرض (وهو أن دخول المستثنى في المستثنى منه قبل الاستثناء) فإن المستثنى غير داخل في المستثنى منه في نية المتكلم، لكنه داخل من جهة اللغة، لأن المتكلم إذا قال: جاء القوم، فهو ينوى إخراج زيدٍ مثلًا، ولفظ القوم يفيد دخوله، فإذا استثنى زيدًا علمنا أن زيدًا لم يكن داخلًا في القوم لغة كما أنه غير داخل في نية المتكلم، أما كونه غير داخل لغة فلأن القاعدة أن الحكم على المستثنى منه إنما يكون بعد إخراج المستثنى، وعلى هذا فلا تناقض بين اللغة ونية المتكلم.","vol":"4","page":1277},{"text":"ما لولاه لَعُلِم دخوله نحو: عشرةٌ إلا اثنين.\nوما لولاه لَظُنَّ دخوله وهو الاستثناء من العمومات نحو: اقتلوا المشركين إلا زيدًا.\nوما لولاه لجاز دُخُوله من غير علمٍ ولا ظن (^١)، وهو أربعةٌ: الاستثناء من المَحالِّ (^٢) نحو: أكرم رجلًا إلا زيدًا فإن كلَّ أخصٍّ مَحَلٌّ لأعمِّه (^٣).\nوالأزمنة نحو: صَلِّ إلا عند الاستواء. والأمكنة نحو: صَلِّ إلا في الحمام. والأَحْوال كقوله تعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ (^٤) أي (^٥) في كل حالة من الأحوال إلا في حالة الإحاطة بكم.\nوما لولاه لامتنع دخوله نحو الاستثناء المنقطع في قولك: قام القوم إلا حمارَهم، وإذا كان الاستثناء أعم من كل واحد من هذه الأقسام امتنع الاستدلال به على الوجوب (^٦)، فإن الخصم لا يعتقد إلا الجواز في هذه\n_________\n(^١) أي: في درجة الشك، فليس هناك يقين بدخوله، ولا ظن راجح.\n(^٢) المحال: جمع محلٍّ، من الحلول، وهو ما يُحَلُّ فيه، والمراد به هنا المحل المعنوي.\n(^٣) أي: زيدٌ وهو أخص - محلٌّ لرجلٍ وهو أعم؛ لأن رجل يصدق على زيد، وبكر، وعمرو، وجميع الأفراد، فالأخص محلٌّ لتحقق الأعم.\n(^٤) سورة يوسف: الآية ٦٦.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) يعني: لما كان الاستثناء أعم من كل واحدٍ من هذه الأقسام الأربعة، لأنه شامل لها جميعًا - امتنع القول بأن اندراج المستثنى في المستثنى منه واجب، للاختلاف بين هذه الأقسام في العلم والظن وعدمهما.","vol":"4","page":1278},{"text":"الصور. هذا اعتراضه.\nوالجواب: أنَّا لا ندعي أن مطلق الاستثناء لإخراج ما لولاه لوجب دخوله، وإنما ندعي ذلك (^١) في صيغة \"مَنْ\" و\"ما\" والجموع المُعَرَّفة، والدليل عليه إجماع أئمة العربية على أن الاستثناء: إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ، والاتفاق على أنه يصح الاستثناء مِن (^٢) هذه الصيغ (^٣). وهاتان المقدمتان (^٤) تفيدان كون هذه الصيغة للعموم، والمقدمة الإجتماعية لا تُمْنَع، ولا تُعَارَض، سواء أقُلنا (^٥): تفيد العلم أم لا (^٦).\nوأيضًا فالاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، سواء كان معلومَ الدخول أو مظنون الدخول، وذلك هو القدر المشترك، وإلا يلزم الاشتراك أو المجاز (^٧) وهما على خلاف الأصل، وأما استثناء الجائز فممنوع، وقوله في المحال نحو: أكرم رجلًا إلا زيدًا.\n_________\n(^١) أي: وجوب الدخول.\n(^٢) في (ك): \"في\".\n(^٣) أي: مَنْ، وما، والجموع المعرفة.\n(^٤) وهما: إجماع أئمة العربية على معنى الاستثناء، واتفاقهم على أنه يصح الاستثناء من هذه الصيغ.\n(^٥) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"قلنا\".\n(^٦) أي: سواء قلنا بأن هذه المقدمة الإجماعية تفيد العلم بأن هذه الصيغ للعموم أم لا تفيده.\n(^٧) يعني: إن لم نقل بالقدر المشترك يلزم الاشتراك، بأن نجعل دخول المستثنى في المستثنى منه مشتركًا بين العلم بذلك والظن به، أو يلزم المجاز بأن نجعل أحدهما حقيقة، والآخر مجازًا.","vol":"4","page":1279},{"text":"قلنا: قالت النحاة: لا يستثنى المعرفة من النكرة، إلا إنْ عَمَّت، نحو: ما قام أحدٌ إلا زيدًا، أو تخصصت نحو: قام رجال كانوا في دارك إلا زيدًا منهم (^١). وليس في قولكم: أكرم رجلًا إلا زيدًا - واحد من الأمرين. وأما الأزمنة والأمكنة والأحوال فإنما ذلك لتقديرٍ (^٢)، لأنك تُقَدِّر: صَلِّ كل وقت، وصل في كل مكان، ولتأتنني به (^٣) في كل حالة، فالاستثناء بعد ذلك إنما ورد على داخلٍ في اللفظ (^٤) والله أعلم.\nقال: (وأيضًا استدلال الصحابة بعموم ذلك، مثل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ (^٥)، ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (^٦)، \"أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\"، \"الأئمة من قريش\"، \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث\"، شائعًا من غير نكير).\nالوجه الثاني من الاستدلال: أن الصحابةَ ﵃ استدلت بعموم بعض هذه الصيغ، أو بعضَهم (^٧)، وشاع ولم يُنكر فكان إجماعًا.\n_________\n(^١) فقوله: كانوا في دارك، صفة خصصت: رجال، فليس المراد كل الرجال، بل الرجال الذين في دارك.\n(^٢) يعني: العموم مستفاد من اللفظ المقدَّر، لا من ذات قوله: صل.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) يعني: فكانت الكلمة المقدرة هي المستثنى منه، فلأجل ذلك جاز الاستثناء: صل كل وقت إلا وقت الاستواء. صل في كل مكان إلا مكان الحمام. لتأتنني به في كل حالة إلا حالة الإحاطة بكم.\n(^٥) سورة النور: الآية ٢.\n(^٦) سورة النساء: الآية ١١.\n(^٧) أي: أو بعض الصحابة.","vol":"4","page":1280},{"text":"وبيانُ ذلك: أنهم استدلوا بعموم اسم الجنس المُحَلَّى بالألف واللام على العموم، وذلك نحو: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ وعملوا بمضمون ذلك.\nواستدلوا بعموم الجمع المضاف نحو: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (^١).\nواستدل أبو بكر - ﵁ - أيضًا بعمومه (^٢)، فإنه ردَّ على فاطمةَ ﵂ لما طلبت منه ميراثها من النبي - ﷺ - بقوله ﷺ: \"نحن معاشِر الأنبياء (^٣) لا نورث ما تركنا صدقة\". وهذه الواقعة على هذا النسق لا أعرفها (^٤)، وإنما أخرج البخاري من حديث عائشة ﵂: أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من\n_________\n(^١) محل الشاهد قوله: أولادكم.\n(^٢) أي: عموم الجمع المضاف.\n(^٣) فمعاشر: جمع مضاف.\n(^٤) كيف وقد أخرجها البخاري في صحيحه ٣/ ١١٢٦، كتاب الجهاد، باب فرض الخمس، رقم ٢٩٢٦. وفي كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم ٣٩٩٨، ولفظه: \"لا نُورث ما تركنا صدقة\". أي: ليس فيه قوله: \"نحن معاشر الأنبياء\". وأخرجها أيضًا مسلم في صحيحه ٣/ ١٣٨٠، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبي - ﷺ -: \"لا نُورث ما تركنا فهو صدقة\"، رقم ١٧٥٩، ولفظه كالبخاري. وكذا أخرجها أيضًا أبو داود ٣/ ٣٧٦ - ٣٧٧، كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في صفايا رسول الله - ﷺ - من الأموال، رقم ٢٩٦٩، ٢٩٧٠. وكذا النسائي ٧/ ١٣٢، في كتاب قسم الفيء، رقم ٤١٤١. والترمذي ٤/ ١٣٤، كتاب السِّيَر، باب ما جاء في تركة رسول الله - ﷺ -، رقم ١٦٠٨، ١٦٠٩.","vol":"4","page":1281},{"text":"رسول الله - ﷺ -، يطلبان سهمه من فَدَك (^١)، وسهمه من خيبر. فقال لهما أبو بكر: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا نورث ما تركنا صدقة\" (^٢).\n(وروى الترمذي في غير \"الجامع\": \"إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة\") (^٣). قال شيخنا الذهبي: وفي (^٤) صحته نظر.\nواستدل عمر - ﵁ - بعموم اسم الجمع المُحَلَّى: فإنه قال لأبي بكر - ﵁ - (حين عَزَم على قتال مانعي الزكاة: كيف تقاتلهم وقد قال النبي - ﷺ -) (^٥): \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم\". فقال له أبو بكر: \"أليس قد قال إلا بحقها\" (^٦). وهذا الحديث مخرج في الصحيحين.\n_________\n(^١) فَدَك، بالتحريك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة: أفاءها الله على رسوله - ﷺ - في سنة سبع صلحًا. انظر: معجم البلدان ٤/ ٢٣٨.\n(^٢) انظر: صحيح البخاري ٤/ ١٤٨١، كتاب المغازي، باب حديث بني النضير، ومخرج رسول الله - ﷺ - إليهم في دية الرجلين، رقم ٣٨١٠. وأخرجه أيضًا في كتاب الفرائض، باب قول النبي - ﷺ -: \"لا نورث ما تركنا صدقة\" ٦/ ٢٤٧٤، رقم ٦٣٤٦.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (غ): \"في\".\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) متفق عليه، أخرجه البخاري ١/ ١٧، في كتاب الإيمان، باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، الحديث رقم ٢٥. وانظر رقم ٢٧٨٦. وأخرجه مسلم ١/ ٥٣، في كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. . . إلخ، حديث رقم ٢٢. وفي الباب حديث أبي هريرة وجابر، خَرَّجه مسلم وأصحاب السنن.","vol":"4","page":1282},{"text":"وتمسك به (^١) أيضًا أبو بكر - ﵁ -: فإن الأنصار لما قالوا للمهاجرين: \"منا أمير ومنكم أمير\" - رَدَّ عليهم أبو بكر - ﵁ - بقوله - ﷺ -: \"الأئمة من قريش\"، وحديث: \"الأئمة من قريش\" رواه الإمام أحمد والنسائي (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-364>(الثالثة: الجمع المنكَّر لا يقتضي العموم</span>؛ لأنه يحتمل كل أنواع العدد. قال الجبائي: إنه (^٣) حقيقة في كل أنواع العدد، فيحمل على جميع حقائقه. قلنا: لا، بل في القدر المشترك).\nالجمع المنكَّر إذا لم يكن مضافًا لا يقتضي العموم عند الجمهور، بل\n_________\n(^١) أي: بعموم الجمع المحلَّى.\n(^٢) حديث صحيح من رواية جمعٍ من الصحابة، منهم: علي بن أبي طالب، وأنس بن مالك، وأبو بَرْزة الأسلميّ. وقد ادعى الحافظ ابن حجر أنه متواتر، كما نقل عنه العلَّامة الحافظ السخاوي في فتح المغيث ٤/ ٢٠، وعبارته في الفتح ٧/ ٣٢: \"وقد جمعت طرقه عن نحو أربعين صحابيًا\". وانظر: شرح نخبة الفِكَر لملَّا علي قاري ص ١٨٩ - ١٩٠، إرواء الغليل ٢/ ٣٠٠. والحديث أخرجه أحمد في مسنده ٣/ ١٢٩، من حديث أنس، والحاكم في المستدرك ٤/ ٧٥ - ٧٦، ٥٠١ من حديث علي بن أبي طالب، وأنس. والبيهقي في الكبرى ٣/ ١٢١ كتاب الصلاة، باب مَن قال: يؤمهم ذو نسبٍ إذا استووا في القراءة والفقه من حديث أنس. وفي قتال أهل البغي، باب الأئمة من قريش ٨/ ١٤٣ من حديث علي. وانظر: كتاب السنّة لابن أبي عاصم ٢/ ٥٢٧ - ٥٣٤، وإرواء الغليل ٢/ ٢٩٨ - ٣٠١. تنبيه: قال الشيخ الألباني - ﵀ - في إرواء الغليل ٢/ ٢٩٩: \"والحديث عزاه الحافظ العراقيُّ في \"تخريج الإحياء\" ٤/ ٩١ للنسائي والحاكم بإسنادٍ صحيح، فلعله يعني السننَ الكبرى للنسائي\".\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).","vol":"4","page":1283},{"text":"يحمل على ثلاثة أو اثنين، على الخلاف في أقل الجمع. وذهب أبو علي الجبائي إلى أنه يقتضيه (^١).\nقال صفي الدين الهندي: والذي أظنه أن الخلاف في غير جمع القلة، وإلا فالخلاف فيه بعيد جدًا؛ إذ هو مخالف لنصهم على أنه للعشرة (^٢) فما دونها (^٣) انتهى. لكن الحكاية (^٤) في غالب المصنَّفات عن الجبائي ناطقة بأنه يجعل الجمع المُنَكَّر بمنزلة الجمع (^٥) المعرَّف. والقاضي في \"مختصر التقريب\" صَرَّح بحكاية ذلك عنه (^٦)، وقضيةُ ذلك (^٧) عدمُ التفرقة بين جموع القلة والكثرة (^٨).\n_________\n(^١) انظر: المعتمد ١/ ٢٢٩، وإلى هذا القول ذهب بعض الحنفية كالبزدوي وغيره، وبعض الشافعية منهم الآمدي، وابن حزم من الظاهرية، وهو وجه عند الحنابلة، وحكاه ابن برهان عن المعتزلة.\nانظر: كشف الأسرار ٢/ ٢، تيسير التحرير ١/ ٢٠٥، اللمع ص ٢٦، البحر المحيط ٤/ ١٧٩، التبصرة ص ١١٨، الإحكام ٢/ ١٩٧، ٢٠٦، الإحكام لابن حزم ١/ ٤٢٧، التمهيد لأبي الخطاب ٢/ ٥٠، شرح الكوكب ٣/ ١٤٢، بيان المختصر ٢/ ١٢١.\n(^٢) في (ت): \"العشرة\".\n(^٣) انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٣٣٢.\n(^٤) في (ص): \"الحكايات\".\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٦) انظر: التلخيص ٢/ ١٥.\n(^٧) أي: ومقتضى ذلك.\n(^٨) انظر: فواتح الرحموت ١/ ٢٦٨، تيسير التحرير ١/ ٢٠٥.","vol":"4","page":1284},{"text":"لنا: أن لفظ \"رجال\" يحتمل جميع أنواع العدد؛ لأنه يصح نعته بأي جمعٍ شئنا، فنقول: رجال ثلاثة، وأربعة، وخمسة. فصح تقسيمه (^١) إلى ذلك. ومَوْرِد التقسيم (^٢) أعم (^٣) مِنْ كل واحد من تلك الأقسام الخاصة (^٤)، والأعم لا يدل على الأخص، فاللفظ الدال على ذلك المورد، لا يكون له إشعار بتلك الأقسام، فلا يكون دالًا عليها. وفي قول المصنف: \"في (^٥) كل أنواع العدد\" مناقشة؛ إذ يقال: الاثنان عدد باتفاق الحُسَّاب، وليس ذلك بجمع على رأيك لأن أقل الجمع ثلاثة (^٦).\nواحتج الجبائي: بأن حَمْله على الاستغراق حَمْلٌ له على كل حقائقه؛ لأنه يطلق على كل نوع منها، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فصار مشتركًا بينها (^٧)، فيحمل عليها.\nأجاب: بأنا لا نسلم أنه حقيقة في كل نوع بخصوصه حتى يكون\n_________\n(^١) في (ص): \"نقسمه\". وهو خطأ.\n(^٢) أي: مكان التقسيم، وهو مفهوم لفظ: رجال. انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٦١٥.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) فرجال أعم من ثلاثة، وأربعة، وخمسة. فهذه أقسام خاصة، ورجال أعم.\n(^٥) هكذا في جميع النسخ، والصواب حذفها؛ لأن كلام الماتن كما سبق: \"لأنه يحتمل كل أنواع العدد\". ولعل الشارح رحمه الله تعالى سها، واختلطت عليه هذه العبارة بالعبارة التي تليها في المتن، وهي قول الجبائي: \"إنه حقيقة في كل أنواع العدد\".\n(^٦) فرجال لا يدل على اثنين مع أنه عدد باتفاق الحُسَّاب؛ لأن أقل الجمع عند المصنف ثلاثة.\n(^٧) في (ت): \"بينهما\". وهو خطأ؛ لأن الضمير يعود إلى الحقائق.","vol":"4","page":1285},{"text":"مشتركًا، وإنما هو حقيقة في القدر المشترك بين الكل، وهو مطلق الجمع الصادق على الثلاثة والأربعة فما فوقهما (^١)، وقد بَيَّنا أن الدال على ما به الاشتراك غير دال على ما به الامتياز (^٢).\nواعلم أن هذا الدليل الذي أورده الجبائي يستفاد منه أنه عنده من المشتركات، وأنه يَحْمِل المشترك على معانيه، وسبق التنبيه على ذلك في مسألة المشترك.\nوللجبائي دليلٌ آخر يغاير هذه الطريقة: وهو (^٣) صحة الاستثناء من الجمع المنكَّر. حكاه عنه الأصوليون على طبقاتهم، القاضي فمَنْ بعده (^٤)، وهو مع مغايرته لهذه الطريقة ممنوع، فقد أطبقت النحاة (^٥) على أن ذلك لا يصح (^٦).\n_________\n(^١) في (غ)، و(ك): \"فوقها\".\n(^٢) فرجال يدل على ما به الاشتراك: وهو مطلق الجمع، ولا يدل على ما به الامتياز: وهو كل نوع بخصوصه، فلا يدل على ثلاثة فقط، أو أربعة فقط، وإنما يدل على المجموع الشامل لهما ولما فوقهما.\n(^٣) في (ت): \"وهي\".\n(^٤) انظر: التلخيص ٢/ ١٥، التبصرة ص ١١٨، نهاية الوصول ٤/ ١٣٣٢، العدة ٢/ ٥٢٥، شرح المحلي على الجمع ١/ ٤١٩.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) قال الزركشي رحمه الله تعالى عن مسألة الاستثناء من الجمع المنكَّر: \"وهي مسألة خلاف بين النحويين، فمنهم مَنْ جوزه؛ لأن النكرة مترددة بين محالٍّ غير متناهية؛ لأنها عامة على البدل، فحسن الاستثناء من أجل عموم المحال، وعلى هذا فنقول: جاءني رجال إلا زيد. وقيل: بالمنع، وهو الصحيح عند الجمهور؛ لأن النكرة لا =","vol":"4","page":1286},{"text":"وأما جَعْلُ الإمام هنا أقلَّ \"رجال\" ثلاثة - ففيه نظر؛ لأنه جمع كثرة، والأقل في مدلوله إنما هو أحدَ عَشَرَ باتفاق النحاة، وهو المشترك بين جموع الكثرة كلِّها. إلا أنَّ ما ذكره الإمام ماشٍ على ما قاله الفقهاء، فإنهم قالوا: لو قال له: عندي دراهمُ - قُبِل تفسيره بثلاثة، مع أن دراهمَ جمعُ كثرة (^١) (^٢).\nقال: (الرابعة: قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ (^٣) يحتمل نفي الاستواء من كل وجه ومِنْ بعضه، فلا ينتفي الاستواء من كل وجه؛ لأن الأعمَّ (لا يستلزم الأخص) (^٤)؛\n_________\n= تتناول أكثر من فرد بلفظها، فيكون الإخراج منها محالًا، ولهذا كانت في قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ للوصف لا للاستثناء. ويقوِّي الأول قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فإنهم نصوا على أن \"أل\" الجنسية في المعنى كالنكرة، لعدم التعيين\". البحر المحيط ٤/ ١٨١. وذكر الشربيني أن أئمة النحو اتفقوا على عدم جواز الاستثناء من الجمع المنكر ما عدا المبرِّد. انظر: تقريرات الشربيني مع المحلي والبناني ١/ ٤١٧، وانظر: جامع الدروس العربية ٣/ ١٢٤.\n(^١) انظر: شرح التنقيح ص ١٩١، نشر البنود ١/ ٢٢٨.\n(^٢) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ٢/ ٦٠٥، الحاصل ١/ ٥١٩، التحصيل ١/ ٣٥٨، نهاية الوصول ٤/ ١٣٣١، الإحكام ٢/ ٢٠٦، البرهان ١/ ٣٣٦، إحكام الفصول ص ٢٤٢، منتهى السول والأمل ص ١٠٥، فواتح الرحموت ١/ ٢٦٨، تيسير التحرير ١/ ٢٠٥، شرح الكوكب ٣/ ١٤٢.\n(^٣) سورة الحشر: الآية ٢٠.\n(^٤) في (ص): \"لا يستلزم نفي الأخص\" وهو خطأ.","vol":"4","page":1287},{"text":"بخلاف لا آكل، فإنه عام فيحتمل التخصيص، كما لو قيل: لا آكل أكلًا. وفَرَّق أبو حنيفة بأنّ أكلًا يدل على الوحدة وهو ضعيف).\n\nهذه المسألة<span data-type=\"title\" id=toc-365> مشتملة على بحثين:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>الأول: أن نفي المساواة بين الشيئين هل يقتضي العموم</span>، أعنى: نَفْي الاستواء من كل وجه أم لا؟ ذهبت الشافعية ﵃ وجماعة آخرون (^١) إلى الأول (^٢)، وتمسك بها أصحابنا على أن المسلم لا يُقتل بالكافر؛ لأن القصاص مبني على المساواة (^٣).\nوذهبت الحنفية إلى الثاني (^٤)، واختاره المصنف تبعًا للإمام (^٥).\nوالخلاف في المسألة دائر على حرف واحد وهو أن لفظ: \"ساوى\" و\"استوى\"، وماثل زيدٌ عمرًا، أو زيدٌ مثل عمرو. و(^٦) المُمَاثَلاتُ كلها،\n_________\n(^١) كالحنابلة، وابن الحاجب. انظر: شرح الكوكب ٣/ ٢٠٧، بيان المختصر ٢/ ١٦٩.\n(^٢) انظر: الإحكام ٢/ ٢٤٧، البحر المحيط ٤/ ١٦٤، نهاية السول ٢/ ٣٥٢.\n(^٣) قال الشارح رحمه الله تعالى في \"الأشباه والنظائر\" ٢/ ١٤٥: \"وعندي أن التمسك بهذه الآية غير متوجَّه، فإن فيها إشارة إلى تخصيص المساواة بالقول (لعلها بالفوز)، حيث قال: \"أصحاب الجنة هم الفائزون\" أشار إلى أن المعنى: نفي المساواة من هذه الحيثية لا مطلقًا، فالصواب التمثيل بغير هذه الآية\".\n(^٤) انظر: تيسير التحرير ١/ ٢٥٠، فواتح الرحموت ١/ ٢٨٩، كشف الأسرار ٢/ ١٠٣.\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٦١٧، وذهب إليه أيضًا أبو الحسين، والغزالي، والمعتزلة. انظر: المعتمد ١/ ٢٣٢، المستصفى ٣/ ٣٠٤ (٢/ ٨٦، ٨٧)، نهاية الوصول ٤/ ١٣٦٥، البحر المحيط ٤/ ١٦٤، شرح الكوكب ٣/ ٢٠٧.\n(^٦) سقطت من (غ).","vol":"4","page":1288},{"text":"والاستواءات - هل مدلولها في اللغة المشاركة في جميع الوجوه، حتى يكون مدلولُها كُلًا شاملًا (^١)، ومجموعًا (^٢) محيطًا أو مدلولها المساواة في شيء ما (^٣) حتى يصدق بأيِّ وصفٍ كان؟\nواحتج المصنف: بأن نفي الاستواء أعم من نفي الاستواء من كل الوجوه، أو من بعضها (^٤)، والدال على القدر المشترك بين القسمين لا إشعار له فيه بهما (^٥). وهذا معنى قولهم: الأعم لا يستلزم الأخص. فحينئذ نفي الاستواء المطلق (^٦) لا يحتمل نفي الاستواء من كل وجه (^٧).\n_________\n(^١) أي: التساوي في جميع الصفات فتكون من باب الموجبة الكلية.\n(^٢) في (ت): \"ومجموعها\". وعلى هذا فهي معطوفة على قوله: \"مدلولها\". والمعنى: وحتى يكون مجموعها محيطًا. وعلى ما أثبتناه يكون العطف على قوله: كلًا شاملًا. والمعنى: وحتى يكون مدلولها مجموعًا محيطًا. والمعنى واحد، وهو أن المشاركة لا بد أن تكون في جميع الوجوه، لا في بعضها، وهذا هو معنى كون المشاركة كلًا شاملًا، ومجموعها محيطًا، فالكل والمجموع بمعنى واحد، وهما لا يتحققان إلا باجتماع جميع الوجوه. والشارح رحمه الله تعالى نقل هذا الكلام من القرافي في نفائس الأصول ٤/ ١٨٧٦. وعبارة القرافي كما هي موجودة في النسخة: حتى يكون مدلولها كلًا شاملًا، ومجموعًا محيطًا.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) لأن نفي الاستواء مطلق عن القيد، ونفي الاستواء من كل الوجوه، أو من بعضها - مقيدٌ، والمطلق أعم من المقيَّد.\n(^٥) أي: لا إشعار للدال في القدر المشترك بالقسمين على وجه الخصوص، وإن كان مشعرًا بهما على وجه العموم والإجمال.\n(^٦) وهو النفي الأعم.\n(^٧) وهو النفي الأخص.","vol":"4","page":1289},{"text":"فإن قلت: هذا ضعيف؛ لأن الأعم إنما لا يدل على الأخص في طرف الإثبات، أما في طرف النفي فيدل؛ لأن نفي العام يدل على نفي الخاص، وهذا (^١) نَفْيٌ للحقيقة التي هي أعم فتنتفي (^٢) جزئياتها. ألا ترى إلى تكذيبك مَنْ قال: لم أرَ حيوانًا. وكان قد رأى إنسانًا. وهذا يصلح ابتداءً دليلٌ لنا، فإن ﴿لَا (^٣) يَسْتَوِي﴾ نكرة (^٤) دخل عليها حرف النفي فيكون للعموم، لموافقتكم إيانا على أن النكرة في سياق النفي للعموم.\nقلت: هذا بحث صحيح (^٥)، جاء (^٦) مِنْ جهة (^٧) قولنا: إن الاستواء أعمُّ، وكل فردٍ من أفراده أخص. ونحن إنما قلنا ذلك جَرْيًا على متن الكتاب، والذي عندنا أن الاستواء شيءٌ واحد (مدلوله واحد) (^٨): وهو\n_________\n(^١) أي: وهذا المثال فى الآية: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ الآية.\n(^٢) في (ص): \"فينتفي\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) لأن الفعل نكرة، ونفيه نفيٌ لمصدره؛ لأن الفعل يتضمن المصدر والزمن. انظر: البحر المحيط ٤/ ١٦٥. قال الزركشي: \"وقد نقل الزجاجي في \"الإيضاح\" إجماع النحويين على أن الأفعال نكرات، ولهذا امتنع الاضافة إليها؛ لانتفاء فائدة الإضافة. البحر المحيط ٤/ ١٧٥.\n(^٥) وهو كون الأعم لا يدل على الأخص في طرف الإثبات، وأما في طرف النفي فيدل.\n(^٦) في (ص): \"حقًا\" وهو خطأ.\n(^٧) سقطت من (غ).\n(^٨) سقطت من (غ).","vol":"4","page":1290},{"text":"الاستواء من جميع الوجوه. وما يحصل بين زيدٍ وعمرو من المساواة في بعض الوجوه - فليست المساواة المطلقة (^١)، بل مساواة خاصة، فإذا نفيت تلك المساواة التي موضوعها جميع الوجوه - لم يلزم أن لا تثبت مساواةٌ أخرى مقيدة ببعض الوجوه. وإنما يلزم ذلك أن لو كان ثَمَّ أعم وأخص (^٢).\nفإن قلتَ: هل هذا في حالِ النفي على الوجه الذي قررتم (^٣) سلبٌ للعموم (^٤)، فإن مدلولَ المساواة على ما ذكرتم جميعُ الوجوه، فلا يلزم من انتفائها أن لا تثبت من بعض الوجوه؟\nقلت: لو كان مدلوله مُتَعَدِّدًا لكان كذلك (^٥)، ولكنا نجعله شيئًا واحدًا: وهو المساواة المتعلقة بجميع الوجوه، فإذا نفيتَه انتفت تلك\n_________\n(^١) التي هي المساواة في جميع الوجوه، كما اختاره الشارح. أما المساواة المطلقة عند المصنف فهي القدر المشترك، كما سبق بيانه، وهذا المعنى غير مرضي عند الشارح رحمه الله تعالى.\n(^٢) المعنى: أن المساواة المطلقة ليست أعم من المساواة المقيَّدة، حتى يلزم من نفي الأولى نفي الثانية، بل المساواة المطلقة غير المساواة المقيدة؛ إذ يراد بالأولى: المساواة من جميع الوجوه، وبالثانية: المساواة من بعض الوجوه. ونفى الكل لا يلزم منه نفي البعض، كما تقول: لم يأت جميع الناس. فهذا لا ينفي مجيء بعضهم.\n(^٣) أي: هل الاستواء في حال النفي على المعنى الذي بينتموه للاستواء، كما في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾.\n(^٤) فسلب العموم سالبة جزئية؛ لأنه لا يَشمل كل فرد، بل يشمل العموم فقط، فهو نفي للكل لا للكلية، ولا يلزم منه نفي جميع الأفراد، بل يدل على الموجبة الجزئية، أي يدل على ثبوت بعض الأفراد.\n(^٥) أي: لكان نفي الاستواء المطلق سلبًا للعموم، ولا يلزم منه سلب الخصوص.","vol":"4","page":1291},{"text":"المساواة (^١)؛ إذ هي التي كانت مثبتة، ولا يلزم أن لا تثبت مساواة أخرى مقيدة لم يتعرض لها إثباتك ولا نفيك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-367>البحث الثاني:</span>\nوإليه أشار بقوله: \"بخلاف: لا آكل\" تقريره: أنه إذا حلف لا يأكل، وتلفظ بشيء معيَّن مثل: والله لا آكل التمر. أو لم يتلفظ لكن أتى بمصدر (^٢) ونوى شيئًا معينًا - فلا خلاف بين الإمامين الشافعي وأبي حنيفة أنه لا يحنث بغيره (^٣). وأما إذا لم يتلفظ بالمأكول ولا أتى بالمصدر، ولكن خَصَّصه بالنية - كما إذا قال: والله لا أكلت - في النفي (^٤)، ونوى شيئًا معينًا - ففي تخصيص (^٥) الحِنْثِ بالمنوي مذهبان، مأخذهما أن قولك: \"لا آكل\" هل هو سلب للكلي (^٦): وهو القدر المشترك في الأكل، أو أن حرف النفي الداخل على النكرة عَمَّ لذاته؟ وقد تقدم هذا.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) أي: قال: لا آكل أكلًا.\n(^٣) انظر: نهاية المحتاج ٨/ ١٨٨، ١٨٩، الهداية ٢/ ٣٦٤، ملتقى الأبحر ١/ ٣٢٣، السراج الوهاج ١/ ٥١٣، فواتح الرحموت ١/ ٢٨٨، نهاية الوصول ٤/ ١٣٧٥.\n(^٤) قوله: \"في النفي\" متعلِّق بقوله: \"ولكن خصصه بالنية\".\n(^٥) هذا جواب الشرط في قوله: \"واما إذا لم يتلفظ بالمأكول ولا أتى بالمصدر\".\n(^٦) في (ص): \"الكلي\".","vol":"4","page":1292},{"text":"فإنْ قلنا بالأول كما هو قول (أبي حنيفة) (^١) (^٢) فلا يقبل التخصيص؛ لأنه نَفْي الحقيقة (^٣)، وهي (^٤) شيء واحد ليس بعام، والتخصيص فرع العموم.\nوإنْ قلنا بالثاني عَمَّ (^٥)؛ لكونه نكرة في سياق النفي، وإذا ثبت كونه عامًا قَبِل التخصيص كسائر العمومات. والمصنف في هذا البحث اختار مذهب الشافعي - ﵁ - واستدل بالقياس على ما لو قال: لا آكل أكلًا، فإن أبا حنيفة سَلَّم قبوله للتخصيص بالنية ثَمَّ (^٦). قال المصنف: فكذلك لا آكل؛ فإنَّ المصدر موجود فيه لكونه مشتقًا منه (^٧).\n_________\n(^١) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"الحنفية\".\n(^٢) انظر: فواتح الرحموت ١/ ٢٨٦، وهو قول القرطبي من المالكية. انظر: البحر المحيط ٤/ ١٦٧.\n(^٣) والحقيقة تتحقق بأي أكل.\n(^٤) في (ت)، و(ص): \"وهو\".\n(^٥) وهو مذهب الجمهور من الشافعية والمالكية والحنابلة، وأبي يوسف من الحنفية. انظر: الإحكام ٢/ ٢٥١، المحصول ١ / ق ٢/ ٦٢٦، البحر المحيط ٤/ ١٦٧، نهاية الوصول ٤/ ١٣٧٣، بيان المختصر ٢/ ١٧٨، شرح تنقيح الفصول ص ١٨٤، ١٨٥، نشر البنود ١/ ٢١٩، شرح الكوكب ٣/ ٢٠٣، تيسير التحرير ١/ ٢٤٦.\nملاحظة: لم أقف على رأي أبي يوسف رحمه الله تعالى في كتب الحنفية، وإنما نُسب إليه هذا القول في غير كتبهم كالمحصول، والإحكام، ونهاية الوصول، والبحر المحيط، وشرح الكوكب.\n(^٦) سقطت من (ص)، و(ك)، و(غ). والمعنى: سَلَّم قبوله هناك في هذه الصورة التي سبق ذكرها.\n(^٧) أي: فإن المصدر موجود في قوله: لا آكل؛ لكون الفعل مشتقًا من المصدر، فالمصدر مُتَضَمَّنٌ في قوله: لا آكل.","vol":"4","page":1293},{"text":"وقد فَرَّق من اختار مذهب أبي حنيفة: بأن \"لا آكل\" يتضمن المصدر، والمصدر إنما يدل على الماهية من حيث هي، والماهية من حيث هي لا تعدد فيها، فليست بعامة، فلا تقبل التخصيص، فيحنث بالجميع (^١)، قال: وأما \"أكلًا\" (^٢) فليس بمصدر؛ لأنه يدل على المرة الواحدة، وحينئذ يصح تفسير ذلك الواحد بالنية، فلهذا لا يحنث بغيره (^٣).\nقال صاحب الكتاب: وهو ضعيف؛ لأن هذا مصدر مؤكِّد (^٤) بلا نزاع (^٥)، والمصدر المؤكِّد يطلق على الواحد والجمع (^٦) (^٧) ولا يفيد فائدة\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط ٤/ ١٧٣.\n(^٢) في (ص): \"أكل\".\n(^٣) يعني: يكون قوله: \"لا آكل أكلًا\" من باب العموم؛ لأنه نفي للنكرة، لا للماهية، فيقبل التخصيص. وقوله: يصح تفسير ذلك الواحد بالنية - هو التخصيص؛ لأن التخصيص بيان.\n(^٤) المصدر له ثلاثة معاني: التأكيد، والنوع، والعدد. انظر: شرح ابن عقيل على الألفية ١/ ٥٦٢.\n(^٥) قال القرافي: \"لأن النحاة اتفقوا على أن ذكر المصدر بعد الأفعال إنما هو تأكيدٌ للفعل، والتأكيد للفعل لا ينشئ حكمًا، بل ما هو ثابت قبله. فإذا صح اعتبار النية معه (أي: مع ذكر المصدر) وجب اعتبارها قبله\". شرح التنقيح ص ١٨٥.\n(^٦) في (ص): \"والجميع\". وهو خطأ.\n(^٧) وعلى هذا فقول الإمام: بأن \"أكلًا\" يدل على المرة الواحدة - غير صحيح؛ لأنه يطلق على الواحد والجمع. انظر: السراج الوهاج ١/ ٥١٤.","vol":"4","page":1294},{"text":"سوى تقوية المؤكَّد (^١)، فلا فرق حينئذ بين الأول والثاني (^٢).\nواعلم أن الإمام مال في هذه المسألة على أصحابنا وقال: نظر أبي حنيفة فيها دقيق؛ لأن النية لو صَحَّت لصحت إما في الملفوظ أو غيره، والأول باطل؛ لأن الملفوظ هو الأكل، وهو ماهية واحدة لا تقبل التعدد (^٣)، فلا تقبل التخصيص. فإن أُخِذَتْ مع قيودٍ زائدة عليها تعددت (^٤)، وحينئذ تصير محتملة للتخصيص، لكن تلك الزوائد غير ملفوظ بها (^٥)، فالمجموع الحاصل من الماهية ومنها غير ملفوظ (^٦)، فيكون القابل\n_________\n(^١) انظر: جامع الدروس العربية ١/ ١٧٥.\n(^٢) أي: لا فرق بين حذف المصدر وذِكْره؛ لأن الفعل متضمن لمعنى المصدر، والنفي إنما هو وارد على هذا المصدر المتضمَّن في الفعل، أما المصدر المذكور فهو للتأكيد فقط، وعلى هذا فلا فرق بين الجملتين، والمصدر المتضمَّن في الفعل يدل على الماهية، ونفي الماهية يستدعي نفي كل فردٍ من أفرادها، فيكون نفي المصدر قابلًا للتخصيص. انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٣٧٦.\n(^٣) لأن: الماهية قدر مشترك بين أكل هذا الطعام، وأكل ذلك الطعام، والأكل من حيث إنه أكل مغاير لقيد كونه هذا الأكل وذاك، وغير مستلزم له، فلا تعدد في الماهية. انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٦٢٧، ٦٢٨.\n(^٤) يعني: إذا اقترن بالماهية العوارض الخارجية حتى صارت هذا أو ذاك - تعددت. انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٦٢٨.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) لأن القيود الزوائد غير ملفوظ بها، فأصبح المجموع المكون من الماهية والقيود الزوائد غير ملفوظ به.","vol":"4","page":1295},{"text":"لنيةِ التخصيص شيئًا غيرَ ملفوظٍ. وهذا هو القسم الثاني (^١)، وهو وإنْ جاز عقلًا إلا أنا نبطله بالدليل الشرعي فنقول: إضافة ماهية \"الأكل\" إلى الخبز تارة، وإلى اللحم أخرى - إضافاتٌ تَعْرِض لها بحسب اختلاف المفعول به (^٢). وإضافتها إلى هذا اليوم وذاك، وهذا الموضع وذاك - إضافات عارضة لها (^٣) بحسب اختلاف المفعول فيه (^٤). ثم أجمعنا على أنه لو نوى التخصيص بالمكان والزمان - لم يصح، فكذا التخصيص بالمفعول به (^٥)، والجامع: رعاية الاحتياط في تعظيم اليمين (^٦). هذا كلامه.\nوالنظر الدقيق إنما هو نظر أصحابنا، وما ذكره الإمام مدخولٌ لا يتبين به دِقَّةُ نظر الخصم، وقوله: الأكل ماهية واحدة لا تقبل التعدد.\nقلنا: صحيح، ولكن مع قرينة دخول حرف النفي لا نسلم أنه لا دلالة له (^٧) على التعدد، ولو سلَّمنا أن الملفوظ لا يقبل التخصيص - فغير الملفوظ يقبله.\n_________\n(^١) وهو أن تصح النية في غير الملفوظ.\n(^٢) فنقول: أكلت اللحم، أكلت الخبز. . . إلخ.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) وهو ظرف الزمان، وظرف المكان.\n(^٥) يعني: لو قال: لا آكل، وهو يقصد موضعًا خاصًا، أو زمانًا خاصًا - لا يصح ولا يصدق، فكذا لا يصح بمفعول خاص، بأن يقول أقصد بقولي: لا آكل، أي: تمرًا أو خبزًا، ونحوهما.\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٦٢٧ - ٦٢٩، مع تصرف واختصار من الشارح رحمه الله تعالى.\n(^٧) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1296},{"text":"والجواب عما ذكره من القياس: أما أولًا: فبالمنع، فإنا لا نعرف خلافًا في المذهب أنه يجوز تخصيص النية بالمكان والزمان، كما يجوز بالمأكول المُعَيَّن (^١).\nوأما ثانيًا: فقياس المفعول به على المفعول فيه واضح التعسف؛ لأن المفعول به من مُقَوِّمات الفعل في الوجود؛ لأن أكلًا بلا مأكول محال (^٢)، وكذا في الذهن: فَهْمُ ماهية الأكل دون المأكول مستحيل، فالتزام الأكل للمأكول واضح. وأما الزمان والمكان فليسا من لوازم ماهية الفعل، ولا من مقوماته، بل هما من لوازم الفاعل (^٣) (المُحْدِث (^٤)، ولهذا ينفك فعل الله تعالى عن الزمان والمكان (^٥)، ولا ينفك أكل) (^٦) عن مأكول، فالزمان والمكان اتفاقي ليس بلازم (^٧). والحاصل أنَّ\n_________\n(^١) انظر: شرح التنقيح ص ١٨٥، البحر المحيط ٤/ ١٦٩.\n(^٢) أي: الفعل لا يتحقق بدون وجود المفعول به، فلو قال: \"أكلت\" بدون وجود المأكول في الوجود - فهو كلام باطل. وواضح أنه يقصد بالفعل المتعدي؛ لأنه هو الذي لا يُتعقل وجوده بدون المفعول.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) يعني: الفاعل محتاج إلى مكان وزمان لإحداث فِعْله.\n(^٥) مَثَّل صفي الدين الهندي رحمه الله تعالى لهذا بفعل \"الخَلْق\"، فإنه قد انفك عن المفعول فيه من المكان والزمان، فإن خَلْق الله تعالى للعالم لم يكن في زمان ولا في مكان. انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٣٧٩.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) قوله: \"ليس بلازم\" تفسير لقوله: \"اتفاقي\"، يعني: تارة يكون، وتارة لا يكون، فهما ضروريان لأفعال العباد، لا لأفعال الله تعالى.","vol":"4","page":1297},{"text":"دلالةَ الفِعْلِ على المفعول به أقوى من دلالته على المفعول فيه.\nثم إن الإمام قال: \"إنَّ أكلًا غيرُ مصدر في الحقيقة\" (^١). وهذا مخالفٌ لإجماع أهل اللسان على أنه مصدر، وأنَّ إعرابَه النصبُ على المصدر، (ولكن عُذْر الإمام أنه يَدَّعِي أنه يُشْعر بالوحدة، فليس (^٢) المراد به الحقيقة من حيث هي، والمصدر للحقيقة من حيث هي (^٣). ونحن لا نسلم له الإشعار بالوحدة) (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>خاتمة:</span>\nصورة هذه المسألة أن يكون الفعل متعديًا غير مُقَيَّد (^٥) بشيء، كما مثلناه، وهو الذي ذكره إمام الحرمين والغزالي والآمدي وغيرهم (^٦)، وعلى هذا لا تتناول هذه المسألة الأفعال القاصرة.\nوالقاضي عبد الوهاب في كتاب \"الإفادة\" قال: الفعل في سياق النفي\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٦٣٠.\n(^٢) في (غ): \"وليس\".\n(^٣) يعني: عذر الإمام في عدم اعتبار \"أكلًا\" مصدرًا: أنه يدعي أن لفظ \"أكلًا\" يُشْعر بالوحدة، أي: يفيد أكلًا واحدًا منكَّرًا، فليس المراد بـ \"أكلًا\" الحقيقة من حيث هي، كما هو الحال في المصدر.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ك): \"مقيَّد\".\n(^٦) انظر: المستصفى ٣/ ٢٧٢، الإحكام ٢/ ٢٥١، نهاية الوصول ٤/ ١٣٧٣. ملاحظة: لم أقف على كلام إمام الحرمين - رحمه الله تعالى - على المسألة في \"البرهان\"، ولا في \"التلخيص\".","vol":"4","page":1298},{"text":"هل يقتضي العموم، كالنكرة في سياق النفي؛ لأن نَفْيَ الفعل نَفْيٌ لمصدره (^١) (^٢)؟ فإذا قلنا: لا يقوم - كأنا قلنا: لا قيام. وعلى هذا التفسير تعم المسألةُ القاصِرَ (^٣) (والمتعدي) (^٤) (^٥) و(الله أعلم) (^٦).\n_________\n(^١) في (ك): \"المصدر\".\n(^٢) والمصدر نكرة، وهو في سياق النفي. انظر: البحر المحيط ٤/ ١٦٦، وقد بين القرافي أن القاضي عبد الوهاب وجماعة يقولون بأن الفعل القاصر في سياق النفي يعم. انظر: شرح التنقيح ص ١٨٤، ورجح الزركشي أن القاصر يعم فقال: \"والصواب أنه يعم كما في نفي المصدر، مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ الآية، ولا ريب أن النفي في هذا وأمثاله للعموم، وأن المفهوم منه أنه نفي لمصدره، كما لو قال: لا حياة ولا موت\". البحر المحيط ٤/ ١٦٧.\n(^٣) في \"ت\"، و\"ص\": \"القاصرة\". والكلمة بالنسبة لـ \"ت\" صحيحة دون الباقي؛ لأن كلمة \"والمتعدي\" محذوفة من \"ت\"، فعلى هذا يكون المعنى: تعم المسألة الأفعال القاصرة. أما الأفعال المتعدية فهي ليست محل الخلاف، وقد سبق بيانها.\n(^٤) سقطت من \"ت\".\n(^٥) لم ترد في (ت)، و(ص)، و(ك).\n(^٦) انظر المسألة الرابعة في: المحصول ١/ ق ٢/ ٦١٧، الحاصل ١/ ٥٢٠، التحصيل ١/ ٣٥٩، نهاية الوصول ٤/ ١٣٦٤، نهاية السول ٢/ ٣٥٠، السراج الوهاج ١/ ٥١٠، المعتمد ١/ ٢٣٢، الإحكام ٢/ ٢٤٧، المستصفى ٣/ ٣٠٤، المحلي على جمع الجوامع ١/ ٤٢٢، البحر المحيط ٤/ ١٦٤، شرح التنقيح ص ١٨٦، بيان المختصر ٢/ ١٦٩، فواتح الرحموت ١/ ٢٨٩، تيسير التحرير ١/ ٢٥٠، أصول السرخسي ١/ ١٤٣، شرح الكوكب ٣/ ٢٠٧.","vol":"4","page":1299},{"text":"الفصل الثاني: الخصوص","vol":"4","page":1301},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-369>(الفصل الثاني: في الخصوص</span>.\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-370>الأولى: التخصيص: إخراج (^١) بعض ما يتناوله (^٢) اللفظ</span>، والفرق بينه وبين النسخ أنه يكون (للبعض، والنسخ قد يكون) (^٣) عن الكل والمُخَصَّص: المُخْرَج عنه. والمخصِّص: المُخْرِج، وهو إرادة اللافظ. ويقال للدال عليها مجازًا).\nبدأ في هذا الفصل بتعريف التخصيص، والمُخَصَّص والمخصِّص (^٤). أما التخصيص (فقد قال) (^٥) أبو الحسين والإمام: إنه إخراج بعض ما تناوله (^٦) الخطاب (^٧). وتبعهما المصنف، لكنه أبدل \"الخطابَ\" بـ \"اللفظ\".\nفالإخراج: جنس يشمل المحدودَ وغيره، وباقي الحد فصل. والمراد بالإخراج: الإخراجُ عما يقتضيه ظاهرُ اللفظِ من الإرادة والحكم، لا (^٨) عن الإرادة نفسها، ولا عن الحكم نفسه، فإن ذلك الفردَ لم يدخل فيهما حتى\n_________\n(^١) سقطت من \"ت\".\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"تناوله\".\n(^٣) سقطت من \"ت\".\n(^٤) سقطت من (غ).\n(^٥) في \"ك\"، و\"غ\"، و\"ت\": \"فقال\".\n(^٦) في \"ص\"، و\"ك\": \"يتناوله\".\n(^٧) انظر: المعتمد ١/ ٢٣٤، المحصول ١/ ق ٣/ ٧.\n(^٨) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1303},{"text":"يُخرج عنهما (^١). ولا عن الدلالة (^٢)، فإن الدلالة: هي الإفهام عند التجرد.\nوهذا الأمر لا يَبْطلُ بالمُخَصِّص (^٣).\n_________\n(^١) المعنى: أن التخصيص إنما يكون لما يقتضيه ظاهر اللفظ مِنْ دخول المُخَصَّص في إرادة المتكلم والحكم المنوط بالعموم، ولا يكون التخصيص عن إرادة المتكلم نفسها، ولا عن الحكم نفسه الذي قصد المتكلم إثباتَه؛ لأن المُخَصَّص غير داخلٍ في إرادة المتكلم، ولا في الحكم الذي يريد إثباتَه حتى يُخرج عنهما، وإنما التخصيص يكون لما اقتضاه ظاهر اللفظ من الدخول.\n(^٢) هذا عطف على قوله: \"لا عن الإرادة نفسها\".\n(^٣) يعني: ليس التخصيص عن الدلالة: التي هي الإفهام عند التجرد من القرائن (أي: كون اللفظ بحيث إذا أطلق فُهم منه المعنى)؛ لأن هذا الإفهام لا يُبْطل بالمخصِّص، بمعنى أن وجود المخصِّص للفظ العام لا يعني أننا لا نفهم من لفظ العام العموم، بل اللفظ العام - مع وجود المخصِّص - دال على العموم، ولكن المخصِّص دلَّ على أن المتكلم لم يرد العمومَ المفهومَ من اللفظ بالوضع اللغوي. فالعام عمومه الوضعي مراد، والمخصِّص لا ينافيه (أي: لا ينافي إرادته لغة)، بل يُحتاح إليه لضرورة الإخراج وإرادة الباقي باللفظ بعد التخصيص. قال الشيخ المطيعي رحمه الله تعالى: \"شمول اللفظ مراد تناولًا، لا إرادةً ولا حكمًا، وذلك ليصح الإخراج. وهذا اصطلاح الشافعية\". سلم الوصول ٢/ ٣٧٥. وقال القرافي رحمه الله تعالى: \"ورود التخصيص على اللفظ العام لا يُبْطل دلالته على العموم، فإن الدلالة: هي الإفهام عند التجرد. وهذا المعنى لا يبطل بالمخصِّص، فإن لفظ \"المشركين\" يُفْهَم منه الآن المشركُ الذمي وغيره، وإنْ كان الذمي قد خرج منه\". يعني: مع علمنا بأن لفظ \"المشركين\" مخصوص إلا أن دلالته على العموم لا زالت باقية مفهومةً منه، غاية الأمر أن بالتخصيص علمنا أن المتكلم لم يُرد ذلك المخصوصَ المفهومَ من عموم اللفظ اللغوي. ثم قال القرافي: \"وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ يُفهم منه الآن العمومُ، وقد دخله التخصيص إجماعًا بالثابت وغيره ممن يتفضل الله تعالى =","vol":"4","page":1304},{"text":"واللفظُ (^١): يدخل فيه العام وغيره (^٢)، كالاستثناء من العدد، فإنه أيضًا من المُخَصِّصَات، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وكذا بدل البعض كما صَرَّح به ابن الحاجب، مثل: أكلت الرغيفَ ثُلثَه (^٣).\nواعترض القرافي على هذ الحد بوجهين:\nأحدهما: أنه يندرج فيه إخراج بعض العام بعد العمل به، وهو نسخ لا تخصيص.\nوالثاني: أن التخصيص قد يكون من مفهوم (^٤)، كما سيأتي إن شاء الله.\n_________\n= بالمغفرة عليه من غير توبة. فالمخصِّص حينئذٍ ليس مخرجًا له: عن الدلالة. ولا عن الإرادة، فإنه لم يُرد قط بالحكم. ولا ثبوتِ الحكم في نفس الأمر، فإنه لم يثبت فيه، بل مُخْرِجٌ له عن ثبوت الحكم في اعتقادنا؛ لأنا قبل التخصيص نعتقد شمولَ الحكم، وبعد التخصيص لا نعتقد ذلك، فتعيَّن الإخراج من اعتقادنا ليس إلا\". نفائس الأصول ٤/ ١٩٢٥. فوظيفة المخصِّص في الحقيقة هي البيان، ودفع توهم الدخول الناشئ من المعنى اللغوي للفظ العام. وانظر: شرح المحلي على الجمع مع تقريرات الشربيني ٢/ ٤، ٥.\n(^١) أي: كلمة اللفظ الواردة في حد التخصيص.\n(^٢) فيكون التعريف غير مانع.\n(^٣) والعدد ليس عامًا، بل دلالته من باب الكل، وهو محصور أيضًا، والعام غير محصور. وبدل البعض عن الكل ليس تخصيصًا، خلافًا لابن الحاجب الذي جعله تخصيصًا. انظر: بيان المختصر ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٨.\n(^٤) كقوله ﵊: \"إنما الماء من الماء\"، مفهومه أنَّ ما ليس بإنزال لا يجب منه غُسل، وقد أخْرَجَ بعضَ هذا المفهوم قولُه ﵊: \"إذا التقى الختانان فقد وجب الغُسْل\". انظر: نفائس الأصول ٤/ ١٩٢٣.","vol":"4","page":1305},{"text":"قوله: \"والفرق\" التخصيص شديد الشَّبَه بالنسخ، وقد فَرَّق بينهما المصنفُ: بأن التخصيص دائمًا لبعض الأفراد، والنسخ قد يكون لكل الأفراد. وقضية هذه التفرقة أن يكون النسخ أعم من التخصيص. وفي بعض نسخ الكتاب: \"والنسخ عن الكل\" بحذفِ: \"قَدْ يكون\"، ويَرِد على هذه النسخة: أن إخراج البعض بعد العمل نسخ (^١).\nوأما جَعْلُ النسخِ أعمَّ فهو مغايرٌ لما اختاره الإمام، فإنه قال: \"النسخ لا معنى له إلا تخصيصُ الحكم بِزمانٍ مُعَيَّنٍ بطريقٍ خاص، فيكون الفرقُ بين التخصيص والنسخ فرقَ ما بين العام والخاص (^٢) \" (^٣). وما ذكره الإمام في النسخ قد ساعده عليه الأستاذ، فإن إمام الحرمين قال في كتاب النسخ: \"صَرَّح الأستاذ بأن النسخ تخصيصٌ في الزمان\" (^٤).\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول ٢/ ٣٧٨.\n(^٢) أي: أن الإمام يرى أن التخصيص أعم، والنسخ أخص؛ لاُن التخصيص إخراج بعض العام، وهذا شامل لإخراج بعض عموم الزمان، وبعض عموم الأعيان. قال القرافي في \"تنقيح الفصول\": \"وقال الإمام: والتخصيص كالجنس للثلاثة؛ لاشتراكها في الإخراج، فالتخصيص والاستثناء: إخراج الأشخاص، والنسخ: إخراج الأزمان\". ثم قال في الشرح: \"والصواب أن نقول: الإخراج جنس للثلاثة: التخصيص، والنسخ، والاستثناء؛ فإن الشيء لا يكون جنسًا لنفسه، فإذا قلنا: التخصيص جنس للثلاثة - لزم أن يكون التخصيص جنسًا لنفسه، وهو محال\".\nانظر: شرح التنقيح ص ٢٣٠، ٢٣١.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٩، ١٠.\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ١٢٩٤.","vol":"4","page":1306},{"text":"واعْتُرِض على هذا: بأن مِنْ صور النسخ عندنا: النسخَ قبل التمكن، وقبل إتيان زمان الفعل، وحينئذ يكون النسخ إبطالًا للحكم بالكلية، فلا يقال: إنَّ ذبح الذبيح اختص ببعض الأزمنة، بل ما وقع، (ولا يقع) (^١).\nواعْتُرِض على قوله: \"التخصيص أعم\": بأن التخصيص أيضًا قد يقع في الأزمنة (^٢)، كما في قول القائل: والله لا أكلمه الأيام. وأراد أيامًا معدودة (^٣). والنسخ قد يقع في غير الأزمنة، كما في النسخ قبل العمل، ويتطرق إلى كل الأحكام بأي طريق ثبتت (^٤)، والتخصيص لا يتطرق إلا إلى ما ثبت بالألفاظ (^٥).\nوالأصوليون ذكروا الفرق بينهما من وجوه:\nأحدها: أن التخصيص مخصوص بالأعيان، والنسخ مخصوص\n_________\n(^١) قوله: \"بل ما وقع ولا يقع\" أي: ما وقع في الماضي، ولا يقع في الحاضر والمستقبل. فرفع حكم الذبح ليس مختصًا بزمان، بل هو رفع له بالكلية، فلا يكون هذا الرفع تخصيصًا للزمان.\n(^٢) أي: في إخراج بعض الأزمنة.\n(^٣) فقوله: \"الأيام\" شامل لجميع الأيام، فإرادة بعضها تخصيص.\n(^٤) أي: سواء بالألفاظ، أو بالفعل، أو بالإقرار، أو بالقياس.\n(^٥) فيكون النسخ أعم من هذا الوجه، ويكون التخصيص أعم من جهة تناول الأشخاص في بعض صوره دون الأزمنة، ويجتمعان في إخراج بعض الأزمنة، فيكون كل واحدٍ منهما أعمَّ من الآخر من وجه، وأخص من وجه. انظر: نفائس الأصول ٤/ ١٩٣٢، والاعتراضان السابقان ذكرهما القرافي، ومنه استفادهما الشارح رحمهما الله تعالى. انظر: نفائس الأصول ٤/ ١٩٣١، ١٩٣٢.","vol":"4","page":1307},{"text":"بالأزمان، بدليل أنهما المتبادِران إلى الأفهام عند إطلاقهما.\nوالثاني (^١): أن التخصيص لا يكون إلا فيما تناوله اللفظ، والنسخ أعم من ذلك كما عَرَفت.\nوالثالث (^٢): أن النسخ يتطرق إلى كل حكم، سواء كان ثابتًا في حق شخص واحدٍ، أم أشخاصٍ كثيرة. والتخصيص (لا يتطرق إلى النوع الأول) (^٣).\nوالرابع (^٤): أنهم يعدون النسخ إبْطالًا؛ ولذلك يشترطون فيه ما لا يشترطون في التخصيص، بخلاف التخصيص فإنهم يعدونه بيانًا.\nالخامس: أنه يجوز تأخير النسخ عن وقت العمل بالمنسوخ، وأما التخصيص فلا يجوز تأخيره عن وقت العمل بالمخصَّص (^٥) وفاقًا (^٦).\n_________\n(^١) في (غ): \"الثاني\".\n(^٢) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"الثالث\".\n(^٣) في (ص): \"لا يتطرق إلا إلى النوع الأول\". وزيادة \"إلا\" خطأ؛ لأن المعنى ينقلب، فالتخصيص فرع العموم.\n(^٤) في (غ)، و(ص)، و(ك): \"الرابع\".\n(^٥) في (ص): \"بالتخصيص\". وهو مصدر يراد به المَفْعُول وهو المخصَّص، لكن من الواضح أن وضع هذا المصدر من فعل الناسخ لا من الشارح رحمه الله تعالى؛ إذ يبعد هذا عنه، والشارح أخذ هذه الفروق من \"نهاية الوصول\" لصفي الدين الهندي، والعبارة عنده كما هي مثبتة هنا. انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٤٥٤.\n(^٦) يعني: لما كان النسخ إبطالًا - جاز أن يتأخر عن وقت العمل بالمنسوخ. أما التخصيص فلما كان بيانًا، لم يجز تأخيره عن وقت العمل بالمخصَّص؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.","vol":"4","page":1308},{"text":"السادس: أنه يجوز نسخ شريعة بشريعةٍ أخرى، ولا يجوز التخصيص (^١). قال القرافي: وهذا الإطلاق وقع في كتب العلماء كثيرًا، والمراد أن الشريعة المتأخرة قد تنسخ بعض أحكام الشريعة المتقدمة، أما كلها فلا؛ لأن قواعد العقائد لم تُنسخ، وكذلك حِفْظُ الكليات الخمسة (^٢)؛ فحينئذ النسخ إنما يقع في بعض الأحكام الفروعية (^٣)، وإنْ جاز نسخ شريعة بشريعة عقلًا (^٤).\nالسابع: أن النسخ رفْعُ الحكم بعد ثبوته، والتخصيص ليس كذلك، وهذا (^٥) على رأي القاضي. وأما غيره فينبغي أن يقول: هو (^٦) انتهاء حكمٍ\n_________\n(^١) فالتخصيص يكون في شريعة واحدة. قال القرافي مُعَلِّلًا لذلك بقوله: \"عادة الله تعالى جارية بألا يتأخر البيان عن وقت الحاجة، وأهل الشريعة السابقة محتاجون للعمل بمقتضيات نصوصهم في زمانهم، فلو كانت الشريعة المتأخرة مخصِّصةً للمتقدمة - لتأخر البيان عن وقت الحاجة. ولا تخصِّص المتقدمةُ المتأخرةَ؛ لأن الله تعالى أجرى عادته ألا يترك في شريعته إلا ما يختص بتلك الأمة، وذلك القرن، فلا يحصل منه بيان الشريعة الآتية. وهذه عادة أجراها الله تعالى لذلك، ومن الممكن خلافها عقلًا، وهو ممنوعٌ عادة ربانيةً، لا عقلًا\". نفائس الأصول ٤/ ١٩٣٢، ١٩٣٣، شرح التنقيح ص ٢٣١.\n(^٢) فحرم القتل، والسكر، والزنا، والسرقة في جميع الشرائع، وإنما نسخ في بعضها القدر الذي لا يُسكر، أما القدر الذي يُسكر فقد حكى الغزالي إجماع الشرائع على تحريمه. انظر: نفائس الأصول ٤/ ١٩٣٢، شرح التنقيح ص ٢٣٠، المستصفى ٢/ ٤٨٣.\n(^٣) في (ص): \"الفرعية\". والفروعية نسبة إلى الفروع.\n(^٤) انظر: نفائس الأصول ٤/ ١٩٣٢، مع اختصار وتصرف من الشارح رحمه الله تعالى.\n(^٥) في (ص): \"وهو\".\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1309},{"text":"كان ثابتًا، والتخصيص ليس كذلك (^١).\nالثامن: أن الناسخ يجب أن يكون متراخيًا، والمخصِّص لا يجب فيه ذلك، بل يجوز كونه مقارنًا ومتقدمًا.\nالتاسع: أن التخصيص يقع بالإجماع والنسخ لا يقع به.\nالعاشر: أن تخصيص المقطوع بالمظنون واقع، و(^٢) نسخه لا يقع به.\n_________\n(^١) فالنسخ على رأي القاضي رفع، وعلى رأي غيره من الجمهور بيان؛ لأنه به تبينا أن الحكم المنسوخ ثابت إلى حدٍّ ووقت معين، فالنص الناسخ لما ورد لم يرفع الثبوت الكائن قبل حد النسخ؛ لأنه مستمر إليه إجماعًا، ولم يرفع الحكم بعد ورود النسخ؛ لأنه لم يثبت إجماعًا، فما رفع حكمًا بعد ثبوته، بل بَيَّن أن هذا هو حد الثبوت الكائن في نفس الأمر ومنتهاه. والفرق بين النسخ والتخصيص - على رأي القاضي - ظاهر؛ لأن التخصيص بيان لا رفع، فالمخصوص لم يثبت أصلًا، والنسخ رَفْعٌ، فالمنسوخ ثابت ثم رفع. وأما على رأي الجمهور القائلين بأن النسخ بيان، فإن الفرق بينه وبين التخصيص: أن النسخ بيان أن الحكم الثابت قبل النسخ غير مرادٍ بعده، وأما التخصيص فهو بيان أن المخصوص غير مراد ابتداءً، فتوارُدُ الإرادة وعدمها في النسخ على شيء واحد باعتبار زمانين، وفي التخصيص مَوْرد الإرادة غير مَوْرد عدمها (أي: في التخصيص إرادة المتكلم واردة على بعض الأفراد، وعدم إرادته واردة على أفراد آخرين)، قال القرافي: فهذا فَرْق محقق، لكنه لا يلزم منه (أي: من النسخ) رفع الحكم بعد ثبوته؛ لأنه لم يرتفع شيءٌ إلا باعتبار الاعتقاد، وهو (أي: الارتفاع باعتبار الاعتماد) مشترك في التخصيص (أي: حاصل أيضًا في التخصيص). انظر: نفائس الأصول ٤/ ١٩٣٤، وما بين الأقواس في ثنايا كلام القرافي فهو توضيح منى.\n(^٢) سقطت الواو من (غ).","vol":"4","page":1310},{"text":"الحادي عشر: أنه يجوز تخصيص الخبر، والخلاف فيه ضعيف، ولا يجوز نسخه، وهذا على رأي طائفة.\nوهذه الفروق يحتمل أكثرها المناقشة، والتطويل في ذلك مما لا يتعلق به كبيرُ غرضٍ (^١).\nقوله: \"والمخصِّص\" هو بكسر الصاد، و\"المخرِج\" بعده بكسر الراء.\nقوله: \"وهو إرادة اللافظ\" أي: إنه حقيقةً إرادةُ المتكلم؛ لأنه لما جاز أن يرد الخطاب خاصًا وعامًا لم يترجح أحدهما على الآخر إلا بالإرادة. ويطلق المُخَصِّص أيضًا على الدال على الإرادة مجازًا، والدّال (^٢) على الإرادة يحتمل أن يكون: من صفات المتكلم وهو المريد نَفْسُه (^٣)، تسمية للمحل باسم الحال (^٤) أو المجتهد؛ لأنه يدل على الإرادة (^٥). أو دليل (^٦) التخصيص\n_________\n(^١) انظر الفروق بين النسخ والتخصيص في: نهاية الوصول ٤/ ١٤٥٢، البحر المحيط ٤/ ٣٢٧، شرح التنقيح ص ٢٣٠، المحصول ١/ ق ٣/ ٩، المستصفى ٣/ ٣٧٨، فواتح الرحموت ١/ ٣١٠، إرشاد الفحول ص ١٤٢.\n(^٢) في (ت)، و(ص): \"والدليل\".\n(^٣) في (ص): \"بنفسه\".\n(^٤) المحل: هو المتكلم. والحال: هي الإرادة في قلب المتكلم. فإذا قلنا: خصص فلانٌ كلامَه - فقد سمينا المحلَّ: وهو المتكلم، باسم الحال: وهي الإرادة. أي: أطلقنا الحال وأردنا المحل، فأطلقنا المخصِّص، وأردنا به المتكلم، وهو مجاز.\n(^٥) أي: يقيم المجتهد الدلالة على كون العام مخصوصًا، فيدلنا بذلك على الإرادة. يقال: خَصَّص أبو حنيفة - رحمه الله تعالى - عموم الآية بكذا، وخَصَّص الشافعي رحمه الله تعالى عموم الحديث بكذا. وهكذا.\n(^٦) في (ص) \"ودليل\" وهو خطأ، لأن هذا هو الترديد الثالث في معنى الدال على الإرادة.","vol":"4","page":1311},{"text":"لفظيًا كان، أو عقليًا، أو حسيًا. كل ذلك يحتمل أن يكون هو المراد بقوله: \"ويقال للدال عليها مجازًا (^١) \" (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-371>(الثانية: القابل للتخصيص: حكمٌ ثَبَت لمتعددٍ لفظًا</span>، مثل: ﴿فَاقْتُلُوا (^٣) الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٤)، أو معنى وهو ثلاثة: الأول العلة وجُوِّز تخصيصُها كما في العرايا. الثاني: مفهوم الموافقة فَيُخَصَّص (^٥) بشرط بقاء الملفوظ، مثل: جواز حبس الوالد بحق الولد. الثالث: مفهوم المخالفة فَيُخَصَّص بدليل راجح، كتخصيص مفهوم: \"إذا بلغ الماء\" بالراكد).\nهذه المسألة فيما يجوز تخصيصه، فالقابل للتخصيص: حُكْمٌ ثَبَت لمُتعدِّد. فالواحد لا يجوز تخصيصه؛ لأن التخصيص إخراج بعضٍ مِنْ كل،\n_________\n(^١) يعني: فالدلالة على الإرادة تحتمل أن تكون من صفات المتكلم، أو من صفات المجتهد، أو من صفات دليل التخصيص، لفظيًا كان أو عقليًا أو حسيًا. فالدال على الإرادة يحتمل ثلاثة معان: المتكلم بالعام، المجتهد، دليل التخصيص. وكلها يسمى مخصِّصًا مجازًا.\n(^٢) انظر تعريف التخصيص في: المحصول ١/ ق ٣/ ٧، الحاصل ١/ ٥٢٧، التحصيل ١/ ٣٦٦، نهاية الوصول ٤/ ١٤٤٩، نهاية السول ٢/ ٣٧٤، السراج الوهاج ١/ ٥١٥، المعتمد ١/ ٢٣٤، الإحكام ٢/ ٢٨١، شرح تنقيح الفصول ص ٥١، بيان المختصر ٢/ ٢٣٥، تيسير التحرير ١/ ٢٧٢، فواتح الرحموت ١/ ٣٠٠، شرح الكوكب ٣/ ٢٦٧.\n(^٣) في (غ)، و(ك): \"اقتلوا\".\n(^٤) سورة التوبة: الآية ٥.\n(^٥) في (ت)، و(غ): \"ويخصص\".","vol":"4","page":1312},{"text":"ولا يُعقل ذلك في الواحد.\nواعترض القرافي: بأن الواحد يندرج فيه الواحد بالشخص، وهو يصح إخراجُ بعض أجزائه؛ لصحة قولك: رأيت زيدًا. وتريد بعضه (^١)، وإنْ تَعَذَّر إخراج بعض الجزئيات فينبغي التفصيل (^٢) (^٣).\nوالذي يقبل التخصيص إما أن يكون عمومه من جهة اللفظ، أو من جهة المعنى، أي: الاستنباط.\nفالأول: مثل: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٤) (^٥) فإن الحكم يشمل كلَّ مشرك، وخُصَّ عنه الذمي، والمستأمَن، والمعاهَد، والمهادَن.\nوالثاني: ثلاثة أشياء:\nالأول: العلة، واختلف في تخصيصها، كما سيأتي بيانه إن شاء الله\n_________\n(^١) معنى اعتراض القرافي: أن الواحد شامل للواحد بالجنس، وبالنوع، وبالشخص. فالتخصيص للواحد بالجنس والنوع مُسَلَّم؛ لأنه متعدد. وأما الواحد بالشخص فإنه - عند القرافي - قابل للتخصيص بالأجزاء، وإن لم يكن قابلًا للتخصيص بالجزئيات، يعني بالأفراد؛ لأن الجزئيات إنما تكون للكلي سواء كان نوعًا أو جنسًا، فالواحد بالشخص ليس له جزئيات، ولكن له أجزاء، وباعتبارها يكون قابلًا للتخصيص، كما مثل القرافي.\n(^٢) يعني: وإن تعذَّر إخراج بعض الجزئيات - أي: بعض الأفراد - من الواحد بالشخص كزيد؛ لأنه لا جزئيات له، فينبغي على هذا التفصيلُ بين التخصيص بالجزئيات، وبالأجزاء، ومراعاة ذلك في الحد.\n(^٣) انظر: نفائس الأصول ٥/ ١٩٣٨.\n(^٤) سورة التوبة: الآية ٥.\n(^٥) فهذا عموم من جهة اللفظ؛ لأن \"المشركين\" جمعٌ مُعَرَّف.","vol":"4","page":1313},{"text":"تعالى في كتاب القياس، فإن هذه هي (^١) المسألةَ المسماةُ هناك بالنقض، مثل: نَهْيُ الشارع عن بيع الرطب بالتمر، وتعليله إياه بالنقصان عند الجفاف، ووجدنا هذه العلة في العرايا، أعني: بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض (^٢)، مع أن الشارع جَوَّزه فيها.\nالثاني: مفهوم الموافقة، كدلالة حرمة التأفيف على حرمة الضربِ وغيرِه من أنواع الأذى، فالتخصيص فيه جائز بشرط بقاء الملفوظ وهو التأفيف في مثالنا هذا (^٣)، ومنع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من جواز تخصيص مفهوم الموافقة، محتجًا: بأن التخصيص مِنْ عوارض الألفاظ (^٤). وعلى الأول يجوز تخصيص حَبْس الوالد في دين الولد فإنه مُبْقٍ للملفوظ (^٥). وقد صحح الغزالي جواز (^٦) حَبْسِ الوالد في دين الولد، سواء\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٢) انظر معنى العرايا في: بداية المجتهد ٢/ ٢١٦، المغني ٤/ ١٨١، التمهيد ص ٣٦٩، القاموس الفقهي ص ٢٥٠.\n(^٣) فأما إذا أخرج الملفوظ به (وهو التأفيف في مثالنا) فإنه لا يكون تخصيصًا، بل نسخًا للمفهوم؛ لأن رفع الأصل يستلزم رفع الفرع. انظر: نهاية السول ٢/ ٣٨١، التمهيد ص ٣٦٩.\n(^٤) ومحتجًا أيضًا بأن مفهوم الموافقة قياس جلي كما يقول الشافعي رحمه الله تعالى، وتخصيص القياس لا يجوز؛ لأنه نقض له، وذلك يُوجب إبطاله. انظر: شرح اللمع ١/ ٣٤٦.\n(^٥) يعني: يجوز تخصيص مفهوم الموافقة في المثال المذكور (وهو حرمة إيذاء الوالدين)، ما دام الملفوظ (وهو حرمة التأفيف) باقيًا، أي: لا يرتفع بالتخصيص؛ ولذلك جُوِّز حَبْس الوالد في دين الولد؛ لأنه مخصِّص للمفهوم ولا يرفع الملفوظ، فيجوز أن يقال: لا تقل له أف، واحبسه لحق الولد. انظر: السراج الوهاج ١/ ٥٢٠.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1314},{"text":"أكان (^١) دينَ نفقةٍ أو غيرها، صغيرًا كان أو (^٢) كبيرًا (^٣)، وتبعه عليه المصنف في \"الغاية القصوى\" (^٤). وصحح صاحب \"التهذيب\" وغيرُه خلافَه.\nالثالث: مفهوم المخالفة، وقد قال الشيخ أبو إسحاق: يحتمل أن يجوز تخصيصه وأن لا يجوز (^٥). وجزم المتأخرون منهم المصنف بجوازه، فيجوز أن تقوم الدلالة على ثبوت مثل حكم المذكور لبعض المسكوت عنه، الذي ثبت فيه بالمفهوم خلاف ما ثبت للمنطوق، ويُعْمل بذلك جمعًا بين الدليلين (^٦).\nوقد شرَطَ المصنف تبعًا لصاحب \"الحاصل\" في هذا القسم أن يكون المخصِّص راجحًا، وهو شَرْطٌ لم يذكره الإمام (^٧)، والظاهر عدمُ اشتراطه؛ إذْ لا يشترط في المُخَصِّص الرجحان.\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"كان\".\n(^٢) في (ت): \"أم\".\n(^٣) يعني: سواء كان دين الابن على أبيه دين نفقة، بأن يكون الابن عاجزًا فيلزم أباه النفقةُ عليه، فيكون حقُّ النفقة دينًا على الأب للابن يطالبه به إن امتنع عنه. أو كان الدينُ غير دين نفقة، بأن يديِّن الابن أباه، وسواء كان الابن صغيرًا أو كبيرًا، فقد جَوَّز الغزالي في كل هذه الأحوال حبس الوالد بدين ولده.\n(^٤) انظر: الغاية القصوى ١/ ٥١٦، ت/ علي محيي الدين علي القره داغي.\n(^٥) انظر: شرح اللمع ١/ ٣٤٧.\n(^٦) المعنى: أنه قد يُلْحق بعض أفراد مفهوم المخالفة بحكم المنطوق - المخالف لحكم مفهوم المخالفة - بدلالة من الدلالات، فيكون تخصيص مفهوم المخالفة بالدلالة عملًا بالدليلين.\n(^٧) انظر: الحاصل ١/ ٥٢٩، المحصول ١/ ق ٣/ ١٤.","vol":"4","page":1315},{"text":"مثاله: روى الشافعي وأحمد، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والحاكم (^١) في \"المستدرك\" وقال على شرط الشيخين - من حديث ابن عمر: أنه - ﷺ - قال: \"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث\" (^٢). ومفهوم هذا قاضٍ: بأنه إذا لم يبلغهما يحمل الخبث. وروى الدارقطني: أنه - ﷺ - قال: \"إنَّ الماء لا يُنَجِّسه شيء (^٣) إلا ما غَيَّر ريحَه أو طعمه\" (^٤)، فيجمع بينهما، ويُقْصَر مفهوم: \"إذا بلغ الماء\" على الراكد، وهذا على الجاري، فنقول: إذا لم (^٥) يبلغ الماءُ قلتين وكان جاريًا- لم ينجس إلا بالتغير. وهذا هو القول القديم، قال الرافعي: و(^٦) اختاره طائفة من\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٤) انظر: سنن الدارقطني ١/ ٢٨ - ٢٩، كتاب الطهارة، باب الماء المتغيِّر. وأخرجه ابن ماجه ١/ ١٧٤، في كتاب الطهارة وسننها، باب الحياض، رقم ٥٢١. والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٥٩ - ٢٦٠، كتاب الطهارة، باب نجاسة الماء الكثير إذا غيَّرته النجاسة. والحديث ضعيف؛ لضعف رشدين بن سعد، فهو ضعيف متروك، ورُوي من طريق آخر غير رشدين لكنه ضعيف أيضًا. قال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٥: \"قال الدارقطني: ولا يثبت هذا الحديث. وقال الشافعي: ما قلت من أنه إذا تغيَّر طعم الماء وريحه ولونه كان نجسًا يُروى عن النبي - ﷺ - منْ وجهٍ لا يُثبت أهلُ الحديث مِثْلَه، وهو قول العامة لا أعلم بينهم خلافًا. وقال النووي: اتفق المحدثون على تضعيفه. وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فغيرت له طعمًا أو لونًا أو ريحًا - فهو نجس\". وكلام الشافعي - ﵀ - الذي نقله ابن حجر - ﵀ - ذكره البيهقي - ﵀ - بسنده عن الشافعي في السنن الكبرى ١/ ٢٦٠. وانظر: الابتهاج للغماري ص ١٠٩.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سقطت الواو من (ت).","vol":"4","page":1316},{"text":"الأصحاب (^١) (^٢).\nقال: (قيل: يُوهم البداء أو الكذب (^٣). قلنا: يندفع بالمخصِّص).\nذهبت (^٤) شرذمة قليلون إلى امتناع التخصيص مُعْتَلِّين: بأنه إنْ كان في الأمر أوهم البَداء، أي: ظهور المصلحة بعد خفائها، وهو بالدال المهملة والمد (^٥). وإن كان في الأخبار أوهم الكذب، وهما ممتنعان على الله ﷿.\nأجاب: بأنه يندفع بالمخصِّص، أي: بالإرادة، أو بالدليل الدال عليها؛ لأنا إذا علمنا أن الكلام في الأصل محتمل للتخصيص، فقيام الدلالة على وقوعه لا يوجب الكذب ولا البداء، إنما يوجبهما أن لو كان المُخْرَج مُرَادًا.\n_________\n(^١) منهم البيضاوي في الغاية القصوى ١/ ١٩٨، وانظر: نهاية السول ٢/ ٣٨٣. قال النووي رحمه الله تعالى: \"والمشهور في المذهب والذى عليه الجمهور أنه لا فرق بين الجاري والراكد\". انظر: المجموع ١/ ١٤٤، وانظر المسألة في: بداية المجتهد ١/ ٤، المغني ١/ ٢٣، الأم ١/ ٤، الهداية ١/ ١٩، ملتقى الأبحر ١/ ٢٥.\n(^٢) انظر ما يجوز تخصيصه وما لا يجوز في: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٢٨، الحاصل ١/ ٥٢٨، التحصيل ٢/ ٣٦٧، نهاية السول ٢/ ٣٧٩، السراج الوهاج ١/ ٥١٨، مناهج العقول ٢/ ٧٧، المحلي على الجمع ٢/ ٢، البحر المحيط ٤/ ٣٣٩، شرح اللمع ١/ ٣٤٦، نهاية الوصول ٤/ ١٤٦٠، الإحكام ٢/ ٢٨٢، المعتمد ١/ ٢٣٥، نفائس الأصول ٥/ ١٩٣٧.\n(^٣) في (ص): \"والكذب\".\n(^٤) في (ت): \"ذهب\".\n(^٥) قال الجوهري: وبَدَا له في هذا الأمر بَدَاءٌ، ممدودٌ، أي: نشأ له فيه رأي. انظر: الصحاح ٦/ ٢٢٧٨، مادة (بدا).","vol":"4","page":1317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-372>تنبيه:</span>\nكلام الإمام وأتباعه كالمصنف وغيره (^١) يقتضي أن الخلاف في الأمر والخبر. ومُقْتَضى إيراد الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وأبي نصر بن الصباغ، وأبي الحسين البصري في \"المعتمد\"، والآمدي: أن الخلاف إنما هو في تخصيص الخبر، وأنه لا خلاف (في جواز) (^٢) تخصيص الأمر (^٣).\nقال: (الثالثة: يجوز التخصيص ما بقي غيرَ محصورٍ؛ لسماجة: أكلتُ كلَّ رمان. ولم يأكل غير واحدة. وجَوَّز القفال إلى أقل المراتب، فيجوز في الجمع ما بقي ثلاثة، فإنه الأقل عند الشافعي وأبي حنيفة، بدليل تفاوت الضمائر، وتفصيل أهل اللغة. واثنان عند القاضي والأستاذ، بدليل قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (^٤)، فقيل: أضاف إلى المعمولين. وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (^٥)، فقيل: المراد به الميول. وقوله ﵇: \"الاثنان فما فوقهما جماعة\"، فقيل: أراد به (^٦) جواز السفر وفي غيره إلى الواحد. وقَوْمٌ إلى الواحد\n_________\n(^١) وكذا ابن الحاجب. انظر: المنتهى ص ١١٩، نهاية السول ٢/ ٣٨٥.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ٣/ ١٤، التحصيل ١/ ٣٦٧، الحاصل ١/ ٥٢٩، نهاية الوصول ٤/ ١٤٥٦، نهاية السول ٢/ ٣٨٤، السراج الوهاج ١/ ٥٢٢، المعتمد ١/ ٢٣٧، شرح اللمع ١/ ٣٤١، الإحكام ٢/ ٢٨٢، بيان المختصر ٢/ ٢٣٨، فواتح الرحموت ١/ ٣٠١، تيسير التحرير ١/ ٢٧٥، شرح الكوكب ٣/ ٢٦٩.\n(^٤) سورة الأنبياء: الآية ٧٨.\n(^٥) سورة التحريم: الآية ٤.\n(^٦) سقطت من (ت)، و(غ).","vol":"4","page":1318},{"text":"مطلقًا).\n\nهذه المسألة في<span data-type=\"title\" id=toc-373> الغاية التي يجوز أن ينتهي إليها التخصيص</span>، وقد اشتملت على مسألة أخرى وهي الكلام في أقل الجمع.\n<span data-type=\"title\" id=toc-374>المسألة الأولى:</span>\nفي ضابط المقدار الذي لا بد من بقائه بعد التخصيص، وفيها مذاهب:\nالأول: وهو ما ذهب إليه أبو الحسين، وصححه الإمام (^١)، وقال به أكثر أصحابنا: أنه لا بد من بقاء جمعٍ كثير (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) وأتباعه أيضًا. انظر: نهاية السول ٢/ ٣٨٦.\n(^٢) انظر: المعتمد ١/ ٢٣٦، المحصول ١/ ق ٣/ ١٦، الحاصل ١/ ٥٣٠، التحصيل ١/ ٣٦٨، الإحكام ٢/ ٢٨٣، ٢٨٤، نهاية الوصول ٤/ ١٤٦٢. قال الزركشي في البحر ٤/ ٣٤٣: \"وإليه مال إمام الحرمين، ونقله ابن بَرْهان عن المعتزلة\". انظر التلخيص ٢/ ١٧٩ - ١٨٢. وعزا هذا المذهب إلى الأكثر ابن الحاجب، والكمال ابن الهمام، ومحب الله بن عبد الشكور، والشوكاني. انظر: بيان المختصر ٢/ ٢٣٩، تيسير التحرير ١/ ٣٢٦، فواتح الرحموت ١/ ٣٠٦، إرشاد الفحول ص ١٤٤. وإليه ذهب بعض الحنابلة. انظر: شرح الكوكب ٣/ ٢٧٢.\n(^٣) قال الإسنوي: ذهب أبو الحسين إلى أنه لا بد من بقاء جمع كثير، سواء كان العام جمعًا كالرجال، أو غير جمعٍ كمَنْ وما، إلا أن يُستْعمل ذلك العام في الواحد تعظيمًا له، وإعلامًا بأنه يجري مجرى الكثير، كقوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾. اهـ. قال الشيخ المطيعي رحمه الله تعالى: \"قال الإسنوي: كقوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ \". أقول: هذا إشارة إلى أن استعمال العام في الواحد من أول الأمر مجازًا للتعظيم - وهو العام الذي أريد به الخصوص - مستثنى من هذا الخلاف. اهـ. انظر: نهاية السول مع سلم الوصول ٢/ ٣٨٦.","vol":"4","page":1319},{"text":"واختلف في تفسير هذا الكثير: فقيل: لا بد أن يقرب من مدلوله قبل التخصيص (^١). وقال المصنف: لا بد أن يكون غير محصور (^٢). وإليه أشار بقوله: \"ما بقي غير محصور\"، أي: ما بقي المُخْرَجُ عنه غيرَ محصور.\n_________\n(^١) بهذا فسره ابن الحاجب، قال الإسنوي: \"ومقتضى هذا أن يكون أكثر من النصف\". نهاية السول ٢/ ٣٨٦، وكذا قال الأصفهاني في بيان المختصر ٢/ ٢٤٠: \"وأراد بالقريب: ما هو أكثر من نصفه\".\n(^٢) المعنى: أن البيضاوي رحمه الله تعالى عَبَّر عن هذا المذهب: بأنه يجوز تخصيص العام ما بقي من أفراده عدد غير محصور. ففسَّر الكثرة: بالعدد غير المحصور. وعَبَّر عنه ابن الحاجب رحمه الله تعالى: بأن يكون الباقي بعد التخصيص جمعًا يقرب من مدلول العام قبل التخصيص. ففسَّر الكثرة: بالقرب من مدلول العام قبل التخصيص. وهل هناك فرقٌ بين التفسيرين؟ ظاهر كلام الشارح رحمه الله تعالى وجود فرق، وقد بيَّن البناني رحمه الله تعالى في حاشيته على المحلي (٢/ ٤) الفرق بينهما فقال: \"مدلول العام قد يكون متناولًا لأنواعٍ، كلٌّ منها لا يتناهى، وخُصَّ منه إلى أن بقي نوع واحد، كما لو كان العام لفظ \"المعلومات\" مما في السماء والأرض وما بينهما. . . وخُصَّ إلى أن بقي نوع واحد من تلك الأنواع، كنوع \"الإنسان\". . .، فيصدق حينئذ تفسير البيضاوي لا تفسير ابن الحاجب؛ إذ النوع الباقي غير محصور، وليس قريبًا من المدلول. ولو كان المدلول في الواقع مائةً، وخُصَّ إلى أن بقي تسعون مثلًا - صدق تفسير ابن الحاجب لا تفسير البيضاوي؛ إذ الباقي قريب من المدلول وهو محصور. ولو كان المدلول في الواقع مائة حلف، فخص إلى أن بقي ثمانون ألفًا - صدقا جميعًا؛ إذ الباقي قريب من المدلول، وهو غير محصور، وقضية ذلك أن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه. اهـ مع بعض التصرف. وذهب جلال الدين المحلي رحمه الله تعالى إلى أن القولين (أي: التفسيرين) متقاربان، أي: حاصلهما شيء واحد، فالقريب من المدلول هو أن يكون غير محصور.\nانظر: شرح المحلي مع حاشية البناني ٢/ ٣، ٤. والذي يظهر لي أن تفسير ابن الحاجب رحمه الله تعالى أدق؛ إذ العام تارة يكون كثيرًا غير محصور، وتارة يكون كثيرًا محصورًا، والقرب من المدلول شامل لكليهما. والله أعلم.","vol":"4","page":1320},{"text":"و\"ما\" هنا مصدرية (^١)، و(^٢) التقدير: مدة بقاء عددٍ غير محصور، والدليل عليه: أنه لو قال: \"أكلت كلَّ رمانٍ موجود\" ولم يأكل غير واحدة - لكان ذلك سمجًا، أي: رديئًا من الكلام قبيحًا.\nولك أن تقول: هذا الدليل إنما ينفي الواحد فقط (^٣)، فلا يحصل به المدعى (^٤).\nوالثاني: أنه إن كان بلفظِ \"مَنْ\" جَاز التخصيص إلى أقل المراتب وهو الواحد، وفي (^٥) غيرها مِنْ ألفاظ الجموع كالمسلمين - فيجوز (^٦) إلى أقل الجمع، وذلك إما ثلاثة أو أقل على ما سيأتي بيانه (^٧) إن شاء الله تعالى. وهذا هو السبب الذي دَعَى المصنِّف إلى ذكر مسألة أقل الجمع في هذه المسألة. وإلى هذا القول ذهب القفال الشاشي - ﵁ - (^٨)، وما أظن القائل\n_________\n(^١) وهي التي تجعل الفعل بعدها بمعنى المصدر، فقوله: \"ما بقي\" أي: مدة بقاء. فالمصدر بقاء دلَّت عليه \"ما\" والفعل بعدها.\n(^٢) سقطت الواو من (ص).\n(^٣) أي: ينفي صحة تخصيص العموم إلى الواحد فقط.\n(^٤) انظر: نهاية السول مع سلم الوصول ٢/ ٣٨٧ - ٣٨٩.\n(^٥) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"أو في\".\n(^٦) الفاء في قوله: \"فيجوز\" واقعة في جواب الشرط، والتقدير: وإن كان في غيرها من ألفاظ الجموع. . . فيجوز.\n(^٧) في (ص): \"بقائه\".\n(^٨) انظر: نهاية السول ٢/ ٣٨٨، ٣٨٩، البحر المحيط ٤/ ٣٤٤، ٣٤٥، وبه قال المصنف، كما في الجمع مع شرح المحلي ٢/ ٣: (والحق جوازه) أي: التخصيص (إلى واحد إن لم يكن لفظ العام جمعًا) كمن والمفرد المحلى بالألف واللام (وإلى أقلّ =","vol":"4","page":1321},{"text":"بهذا الرأي يقول به في كل تخصيص، ولا يخالف في صحة استثناء الأكثر إلى الواحد، بل الظاهر أنَّ قولَه مقصورٌ على ما عدا الاستثناء من المخصِّصات، بدليل احتجاج بعض أصحابنا عليه بقول القائل: عليَّ عشرة إلا تسعة (^١). ويحتمل أن يعم (^٢) الخلاف (^٣)، إلا أن الظاهر خلافُه؛ لأن المنقول عنه المخالفة هنا لم يُنقل عنه ثَمَّ (^٤).\nالثالث: أنه يجوز في جميع ألفاظ العموم إلى الواحد. وإليه أشار بقوله في ذيل المسألة: \"وقومٌ إلى الواحد مطلقًا\"، وهو رأي (^٥) الشيخ أبي إسحاق الشيرازي (^٦).\n_________\n= الجمع) ثلاثة أو اثنين (إن كان) جمعًا كالمسلمين والمسلمات. اهـ. وإليه ذهب النسفي من الحنفية صاحب \"المنار\". انظر: فتح الغفار ١/ ١٠٨.\n(^١) فاحتجاج بعض الأصحاب على صاحب هذا القول: بصحة هذا الاستثناء: \"عليَّ عشرة إلا تسعة\" يدل على تسليمه بصحته، وإلا لما احْتُج عليه به.\n(^٢) في (ص): \"يعمم\".\n(^٣) أي: في الاستثناء وغيره.\n(^٤) أي: المنقول عنه الخلافُ هنا في هذه المسألة: وهي القدر الواجب بقاؤه من العام بعد التخصيص - لم يُنقل عنه الخلاف في مسألة الاستثناء إلى الواحد، مما يدل على تجويزه لمسألة الاستثناء دون غيرها.\n(^٥) في (ت)، و(غ): \"قول\".\n(^٦) بل هو رأي الجمهور، فإليه صار أكثر الحنابلة، وهو مذهب المالكية والحنفية، وحكاه إمام الحرمين في \"التلخيص\" (٢/ ١٨٠) عن معظم أصحاب الشافعي ﵁، وعزاه ابن السمعاني في \"القواطع\" (١/ ١٨١) إلى سائر الأصحاب ما عدا القفال، وكذا الشيرازي في \"التبصرة\" ص ١٢٥. قال الزركشي في البحر ٤/ ٣٤٦: \"وحكاه الأستاذ أبو إسحاق في أصوله عن إجماع أئمتنا، وحكاه ابن الصباغ في \"العدة\" =","vol":"4","page":1322},{"text":"واسْتُدِل عليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ (^١)، قال بعض المفسرين، وكثير من الأصوليين: المراد نُعَيْم بن مسعود الأشجعي (^٢) (^٣). وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ (^٤)، قيل في التفسير: المراد يحسدون نِعَم رسول الله - ﷺ - (^٥).\nوالرابع: شيء اختاره ابن الحاجب ولا نعرفه لغيره: وهو أن التخصيص إن كان بمتصل:\nفإن كان بالاستثناء أو بالبدل جاز إلى الواحد، نحو: أكرم الناس إلا الزنادقة. (وأكرم الناس تميمًا) (^٦) (^٧).\n_________\n= عن أكثر أصحابنا، وصححه القاضي أبو الطيب، والشيخ أبو إسحاق، وقال ابن برهان في \"الأوسط\": إنه ظاهر المذهب. ونسبه القاضي عبد الوهاب في \"الإفادة\" إلى الجمهور\". انظر: شرح اللمع ١/ ٣٤٢؛ شرح الكوكب ٣/ ٢٧١، نزهة الخاطر ٢/ ١٥٤، شرح تنقيح الفصول ص ٢٢٤، نشر البنود ١/ ٢٣٢، فتح الغفار ١/ ١٠٨، تيسير التحرير ١/ ٣٢٦، فواتح الرحموت ١/ ٣٠٦.\n(^١) سورة آل عمران: الآية ١٧٣.\n(^٢) هو نُعَيْم بن مسعود بن عامر الغطفانيُّ الأشجعيّ، أبو سَلَمة. أسلم ليالي الخندق، وهو الذي أوقع الخلف بين قُريظة وغَطَفان وقريش في وقعة الخندق، وخَذَّل بعضهم عن بعض، فرحلوا عن المدينة. قُتل - ﵁ - في أول خلافة عليٍّ - ﵁ - في وقعت الجمل، وقيل: مات في خلافة عثمان ﵁. انظر: أسد الغابة ٤/ ٥٧٢، الإصابة ٣/ ٥٦٨.\n(^٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٤/ ٢٧٩، فتح القدير ١/ ٤٠٠، زاد المسير ١/ ٥٠٤.\n(^٤) سورة النساء: الآية ٥٤.\n(^٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٢٥١، فتح القدير ١/ ٤٧٨، زاد المسير ٢/ ١٠٩.\n(^٦) في (ص): \"أكرم الناس إلا تميمًا\" وهو خطأ؛ لأن هذا المثال للبدل لا للاستثناء.\n(^٧) أي: لو لم يكن من المسلمين إلا واحد جاز هذا الاستثناء، وكذا في البدل لو لم =","vol":"4","page":1323},{"text":"وإن كان (^١) بالصفة أو الشرط فيجوز إلى اثنين، نحو: أكرم القوم الفضلاء. أو: إذا كانوا فضلاء.\nوإن كان التخصيص. بمنفصل: وكان في العام (^٢) المحصور القليل، كقولك: قتلتُ كلَّ زنديق. وكانوا ثلاثة، ولم تقتل سوى اثنين - جاز إلى اثنين (^٣).\nوإنْ كان غير محصور، أو محصورًا كثيرًا (^٤) - جاز بشرط كون الباقي قريبًا من مدلول العام (^٥) (^٦).\n_________\n= يكن من تميم إلا رجل واحد جاز هذا البدل. قال شيخ الإسلام الشربيني في تقريراته على البناني ٢/ ٤: \"وجه إخراج الاستثناء والبدل: أن الحكم لا يتم إلا بعد الاستثناء، فالحكم إنما أُسْند لما عدا المستثنى فلا لغو. وكذلك البدل؛ لأنه المقصود بالحكم، فكأنه ابتدأ إليه من أول الأمر\".\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص): \"العلم\". وهو خطأ.\n(^٣) قوله: \"جاز إلى اثنين\" جواب الشرط: \"إنْ كان التخصيص بمنفصل، وكان في العام المحصور القليل\".\n(^٤) مثال غير المحصور قولك: قتلت كلَّ من في المدينة. ومثال المحصور الكثير قولك: أكلت كلَّ رمانة. وكان عندك ألف رمانة. انظر: بيان المختصر ٢/ ٢٤١.\n(^٥) أي: إن كان العام غير محصور - فلا بد أن يكون الباقي بعد التخصيص غير محصور. وإن كان العام كثيرًا محصورًا - فلا بد أن يكون الباقي بعد التخصيص كثيرًا محصورًا. انظر: تقريرات الشربيني على البناني ٢/ ٤، سلم الوصول ٢/ ٣٨٩.\n(^٦) قال العضد في شرحه على ابن الحاجب ٢/ ١٣١: \"عموم قولنا: لا يجوز تخصيص العام إلى الواحد مخصوص بالاستثناء ونحوه، أعني: بدل البعض، فإنا قد استثنيناهما عن الكلية المدعاة، فلا يمكن الإلزام بهما، والفرق قائم\". وكذا قال الشيخ =","vol":"4","page":1324},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-375>المسألة الثانية:</span>\nاختلفوا في أقل الجمع على مذاهب، وليس محل الخلاف فيما هو المفهوم من لفظ \"الجمع\" لغةً (^١): وهو ضم شيء إلى شيء؛ فإن ذلك في الاثنين والثلاثة وما زاد بلا خلاف (^٢). وقد أفهم كلامُ ابنِ بَرْهان في \"الوجيز\" خلافَ ذلك، وليس كما أَفْهَمَ، وإنما محل الخلاف في \"اللفظ\" المسمى بـ \"الجمع\" في اللغة (^٣)، مثل: مسلمين، وغيره من جموع القلة، لا جموع الكثرة، فإن أقلها أحدَ عشرَ بإجماع النحاة (^٤).\nالمذهب الأول: أن أقله اثنان. وهو المنقول عن عمر، وزيد بن ثابت - ﵄ -، وبه قال مالك، وداود، والقاضي، والأستاذ، والغزالي (^٥).\n_________\n= المطيعي رحمه الله تعالى في سلم الوصول (٢/ ٣٨٨، ٣٨٩): إن الاستثناء مستثنى من هذه المسألة بلا خلاف على المختار.\n(^١) أي: ليس الخلاف في معنى لفظ \"الجمع\" لغة، وهو اللفظ المركب من: ج، م، ع.\n(^٢) قال سليم الرازي: بل قد يقع على الواحد، كما يقال: جمعت الثوب بعضه إلى بعض. انظر: إرشاد الفحول ص ١٢٣.\n(^٣) أي: الخلاف في الصيغ الموضوعة للجمع، سواء كان للسلامة أو للتكسير. انظر: إرشاد الفحول ص ١٢٣.\n(^٤) سبق بيان أن للنحاة قولين في أقل جموع الكثرة. وانظر محل الخلاف في: نهاية السول ٢/ ٣٩٣، شرح تنقيح الفصول ص ٢٣٣، البحر المحيط ٤/ ١٩٢.\n(^٥) وهو مذهب ابن داود، وجمهور الظاهرية، واختاره الخليل وثعلب، ونفطويه من النحاة وهو قول الأشعري، وبه قال ابن الماجشون والباجي والقرافي من المالكية، وبعض الحنابلة. قال إمام الحرمين في البرهان ١/ ٣٤٩: \"وقد ذهب إليه جمع من المعتزلة\". وانظر: التبصرة ص ١٢٧، المستصفى ٣/ ٣١١ (٢/ ٩١)، الإحكام ٢/ ٢٢٢، البحر المحيط ٤/ ١٨٤، شرح تنقيح الفصول ص ٢٣٣، بيان المختصر =","vol":"4","page":1325},{"text":"والثاني: ثلاثة، ولا يطلق على ما دونها إلا مجازًا. وهو المنقول عن ابن عباس، والشافعي، وأبي حنيفة، واختاره الإمام وأتباعه (^١).\nوالثالث: الوقف. وهذا لم أره مصرحًا بحكايته في كتاب يُعتمد (^٢) عليه، وإنما أشعر به كلام الآمدي، فإنه قال في آخر المسألة: وإذا عُرِف مأخذ الجمع من الجانبين - فعلى الناظر بالاجتهاد في الترجيح، وإلا فالوقف لازم (^٣). هذا كلامه. ورأيت بعض المتأخرين بعده حكاه قولًا ثالثًا (^٤)،\n_________\n= ٢/ ١٢٦، نفائس الأصول ٤/ ١٨٦١، الإحكام لابن حزم ٤/ ٤٢١، فواتح الرحموت ١/ ٢٦٩، كشف الأسرار ٢/ ٢٨، إحكام الفصول ص ٢٤٩، شرح الكوكب ٣/ ١٤٤، إرشاد الفحول ص ١٢٣.\n(^١) وهو منقول أيضًا عن عثمان وابن مسعود ﵄، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن مالك ﵁، قال الباجي في إحكام الفصول ص ٢٤٩: \"أقل الجمع ثلاثة عند أكثر أصحابنا. . . وهو المشهور عن مالك ﵀\". ونقله القاضي أبو الطيب عن أكثر الشافعية، واختاره الغزالي في المنخول ص ١٤٩، وهو مذهب أحمد رحمه الله تعالى وأكثر الحنابلة، وهو أيضًا مذهب الحنفية قاطبة، واختاره ابن حزم رحمه الله تعالى. قال صاحب البحر المحيط ٤/ ١٨٦: وحكاه ابن الدهان عن جمهور النحاة. وقال ابن خروف في \"شرح الكتاب\": إنه مذهب سيبويه. اهـ، ونسبه الآمدي إلى مشايخ المعتزلة، قال البخاري في كشف الأسرار ٢/ ٢٨: \"وهو مذهب عبد الله بن عباس وعثمان وأكثر الصحابة، وعامة الفقهاء والمتكلمين وأهل اللغة\". وانظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٦٠٥، ٦٠٦، الحاصل ١/ ٥١٨، التحصيل ١/ ٣٥٦، نهاية الوصول ٤/ ١٣٤٦، المسودة ص ١٤٩، العدة ٢/ ٦٤٩، التمهيد لأبي الخطاب ٢/ ٥٨، فتح الغفار ١/ ١٠٨، أصول السرخسي ١/ ١٥١، المعتمد ١/ ٢٣١، المراجع السابقة للمذهب الأول.\n(^٢) في (ت): \"معتمد\".\n(^٣) انظر: الإحكام ٢/ ٢٢٦.\n(^٤) حكى هذا المذهب الأصفهاني في \"شرح المحصول\" عن الآمدي. انظر: البحر المحيط ٤/ ١٨٧.","vol":"4","page":1326},{"text":"ومجرد هذا لا يكفي في حكايته مذهبًا (^١).\nوالرابع: أن أقله واحد. أخذه بعضهم (^٢) من قول إمام الحرمين في \"البرهان\": \"والذي أراه أن الرد إلى واحد ليس بدعًا، ولكنه أبعد من الرد إلى اثنين\" (^٣).\nوعندي في هذا نظر، والظاهر أنه أراد أنَّ الرد إلى واحد ليس بِدْعًا بطريق المجاز (^٤). وعند هذا ينقدح للمعترض أن يقول: ليس الكلام في\n_________\n(^١) قد نقل هذا الكلام الزركشي عن الشارح في البحر المحيط ٤/ ١٨٧، ١٨٨، ونقله الشوكاني عن الزركشي في إرشاد الفحول ص ١٢٤، ومع ذلك فقد قال الإسنوي في نهاية السول ٢/ ٣٩١: \"وتوقف الآمدي في المسألة\". والصواب أنه لم يتوقف، بل علَّق التوقف على عدم الترجح، وهذا مما لا ينكر. فإن قيل: هو لم يرجَّح. قلنا: لا يلزم من كونه لم يرجَّح هنا أنه بقي على عدم الترجيح، فربما ظهر له مرجِّح بعد ذلك، ولربما كان عنده - حينما قال هذا الكلام - نوع من ميل لأحد القولين؛ لكنه لم يصرح به لعدم استكماله أوجه الترجيح أو لقوة المعارض، والحاصل أن إثبات مذهب التوقف لا يحسن بمثل هذا الكلام المعلَّق، بل ظاهر هذا الكلام الذي قاله الآمدي يدل على أن البحث عنده لم يستكمل ويحتاج إلى مزيد نظر للترجيح، فإن عجز بعد بذل الوسع كان التوقف.\n(^٢) وهو ابن الحاجب رحمه الله تعالى. انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٠٥، لكن قال الأصفهاني في بيان المختصر ٢/ ١٢٧: \"ورابعها: الثلاثة بطريق الحقيقة، ويصح إطلاقه على الاثنين والواحد بطريق المجاز. وهو مذهب الإمام\". أي: إمام الحرمين. ولكن عبارة ابن الحاجب لا تفيد ما ذكره الأصفهاني، بل تفيد بأن إمام الحرمين يرى صحة إطلاق الجمع على الواحد حقيقة. وهذا ما بينه العضد في الشرح، والتفتازاني في الحاشية، والشارح أيضًا في رفع الحاجب ٢/ ٩٠.\n(^٣) انظر: البرهان ١/ ٣٥٢، وعبارته: \"ولكنه أبعد من الرد إلى اثنين بكثير\".\n(^٤) وقد رجَّح الشارح رحمه الله تعالى في رفع الحاجب (٢/ ٩٥) أن اختيار إمام الحرمين في مسألة الجمع: أن أقله ثلاثة. وذلك من فهمه لكلام إمام الحرمين.","vol":"4","page":1327},{"text":"إطلاق ذلك مجازًا، وإنْ أراد إطلاقه حقيقةً فبعيدٌ.\nولقائل أن يقول: أنت قد قلت: لا بدع فيه. ثم قلت: وهو أبعد من الرد إلى اثنين. وما (^١) نَرَى (^٢) الحقائقَ مختلفةَ المراتب في آحادها، بل لو كان حقيقة لتساوى هو والاثنان والثلاثة (^٣).\nوالخامس: حكاه أبو (^٤) عَمْرو بن الحاجب: أنه لا يُطْلق على اثنين لا حقيقة ولا مجازًا (^٥). وعندي في ثبوت هذا القول نظرٌ؛ فإنه لا نزاع عند القائلين بالمجاز في صحة إطلاق الكل وإرادة الجزء.\nوقد يجاب: بأن الثلاثة: ليست كلًا؛ فإن الكل ماهية يتجزأ منها أجزاء، والثلاثة لا يتجزأ منها أجزاء، بدليل أنه لا يصح إطلاق لفظِ \"واحد\" عليها، ولو كانت كُلًا لصَحَّ؛ لأن إطلاق البعض وإرادة الكل جائز كالعكس (^٦).\n_________\n(^١) في (ت): \"ولا\".\n(^٢) سقطت من (ت)، وفي (ص)، \"تُرَى\".\n(^٣) معنى الاعتراض: أنَّ إمام الحرمين إنْ أراد: بأن أقل الجمع حقيقةٌ في الواحد - فلا يصح أن يقول: ولكنه أبعد من الرد إلى اثنين؛ لأن مفهوم كلامه هذا يُشْعر بأن دلالة اللفظ الحقيقية على الاثنين أقربُ من دلالته على الواحد، وهذا لا يصح؛ لأن الحقائق لا تختلف مراتبُ آحادها، أي: أفرادها، فاللفظ يدل على أفراد معناه الحقيقي دلالة متساوية؛ لأن هذا هو معنى الحقيقة، أما إذا ترجح معنى على آخر، كان الراجح هو الحقيقة، والآخر هو المجاز. وانظر: البحر المحيط ٤/ ١٨٨، إرشاد الفحول ص ١٢٤.\n(^٤) في (ص): \"ابن\". وهو خطأ.\n(^٥) انظر: بيان المختصر ٢/ ١٢٦، ١٢٧، شرح العضد ٢/ ١٠٥، رفع الحاجب ٢/ ٩٠.\n(^٦) قوله: وقد يجاب بأن الثلاثة ليست كلًا. . . إلخ. معناه: أن قول القائل: إطلاق الجمع على الاثنين يصح مجازًا لأنه من باب إطلاق الكل على الجزء - فيه نظر؛ إذ الثلاثة =","vol":"4","page":1328},{"text":"إذا عرفت هذا - فقد استدل أصحابنا بوجوه:\nمنها: أن الضمائر مختلفة، فالضمير في الجمع غير الراجع إلى التثنية (^١)، فدل على تغايرهما، فلا يكون حقيقة في اثنين؛ إذ لو كان لصح إطلاقه عليه (^٢).\nومنها: أن أهل اللغة يفصلون بينهما، ويجعلون كلًا منهما قسيمًا للآخر، فقالوا: الاسم قد يكون مفردًا، وقد يكون مثنى، وقد يكون مجموعًا فدل على التغاير.\nواحتج القاضي أبو بكر في أصحابه بأوجه:\n_________\n= التي هي أقل الجمع - على هذا القول الخامس - ليس كلًا حتى يصح هذا الاعتراض؛ لأن الكل ماهية تتجزأ إلى أجزاء، والثلاثة لا يتجزأ منها أجزاء، والدليل على ذلك أنه لا يصح أن يطلق بعض الثلاثة على الثلاثة، ولا أن تُطلق الثلاثة على بعضها، ولو كانت كلًا لصح ذلك. وعندي في هذا الجواب نظر؛ لأن الثلاثة كل؛ إذ الكل: هو المجموع المحكوم عليه. والثلاثة مجموع محكوم عليه، وكلُّ أسماء الأعداد كلٌّ. انظر: التمهيد ص ٢٩٨. وأما عدم صحة إطلاق الواحد على الثلاثة، أو العكس - فلأن المجاز موضوع، ولم تضع العرب الواحد للثلاثة، أو العكس. وعلى القول بأنه ليس بموضوع فالواحد صريح في معناه لا يحتمل غيره، وكذا بقية الأعداد، فمن ثَمَّ لم يصح إطلاق البعض على الكل أو العكس في الأعداد. ثم إن الخلاف ليس في إطلاق لفظ \"ثلاثة\" على \"اثنين\"، أو \"واحد\"، بل الخلاف في إطلاق صيغة الجمع التي هي حقيقة في الثلاثة على اثنين مجازًا.\n(^١) فضمير المفرد غير بارز، وضمير المثنى ألف، وضمير الجمع واو، نحو: افعل، وافعلا، وافعلوا. وهكذا في بقية الضمائر. انظر: نهاية السول ٢/ ٣٩١.\n(^٢) أي: فلا يكون الجمع حقيقة في اثنين؛ إذْ لو كان حقيقة في اثنين لصح إطلاقه على ضمير التثنية، فنقول عن ضمير التثنية ضمير جمع، وهو باطل اتفاقًا.","vol":"4","page":1329},{"text":"أحدها: قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ (^١)، وأراد داود وسليمان ﵉، فثبت صحة إطلاق الجمع وإرادة الاثنين (^٢)، والأصل في الإطلاق الحقيقة.\nوأجيب كما ذكر في الكتاب: بأن الحكم مصدر، فيصح إضافته إلى معموليه أعني: الفاعل والمفعول، وهما هنا الحاكم والمحكوم عليه (^٣).\nوهذا الجواب ضعيف؛ لأن المصدر إنما يضاف إليهما على البدل، ولا يجوز أن يضاف إليهما جميعًا.\nوأضعف منه قول الشيرازي - شارح الكتاب - في تصحيحه: الردُّ عليه بأن العرب لا تضيف المصدر إليهما جميعًا - ضعيفٌ؛ لأنه شهادةُ نفيٍ (^٤).\n_________\n(^١) سورة الأنبياء: الآية ٧٨.\n(^٢) أي: لو لم يكن أقل الجمع اثنين لوجب أن يقال: لحكمهما. انظر: نهاية السول ٢/ ٣٩٢.\n(^٣) فيكون المراد: داود، وسليمان، والخصمين. قال الإسنوي في نهاية السول ٢/ ٣٩٢: \"هكذا أجاب الإمام، وهو جواب عجيب، فإن المصدر إنما يضاف إليهما على البدل، ولا يجوز أن يضاف إليهما معًا. سمعت شيخنا أبا حيان يقول: سمعت شيخنا أبا جعفر بن الزبير يقول في هذا الجواب: إنه كلام من لم يعرف شيئًا من علم العربية. وقد ذكر ابن الحاجب في المختصر الكبير هذا الاعتراض أيضًا، وتكلف تصحيحه بإخراج الحكم عن المصدرية إلى معنى الأمر. والمصنف كأنه استشعر ضعفه وضعف ما بعده من الأجوبة فعزاها إلى غيره، فإنه عَبَّر عنها بقوله: فقيل، على خلاف عادته\".\n(^٤) المعنى: أن الشيرازي يرد على القائل بأن العرب لا تضيف المصدر إلى معمولَيْه جميعًا: بكونه شهادة نفي، وهي ضعيفة، فلزم من ذلك صحة إضافة المصدر إلى معمولَيْه كما أجاب المصنف.","vol":"4","page":1330},{"text":"وقد علمتَ في فصل الحروف أن مثل هذا ساقط من الكلام غير معدود من صنيع (^١) العلماء، وإنما هو استرواح بما لا يَعْصِم.\nوثانيها (^٢): قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ (^٣)، والمراد: عائشة وحفصة ﵄، فأطلق القلوب وأراد قلبَيْن، والأصل في الإطلاق الحقيقة. قال إمام الحرمين في \"التلخيص\": وهذه الآية أقوى الآيات في الدلالة على الخصوم (^٤).\nوقد أجيب عن الاحتجاج بها كما ذكر في الكتاب: بأن حقيقةَ القلب: الجِرْمُ الحالُّ في الجانب الأيسر. ومجازه: ميوله. ومنه قولهم: لا قلب له إلى فلان، أي: لا ميل، والمجاز هو المراد هنا، والتقدير: فقد صغت ميولكما، يدل على هذا أنَّ الجِرْم لا يوصف بالصغو.\nوهذا الجواب أيضًا ساقط؛ لأن القاعدة عند النحاة أنه (^٥) إذا أضيف شيئان إلى ما تضمنهما - جاز فيه ثلاثة أوجه، نحو: قطعت رأسَي الكبشَيْن، ورأسَ الكبشَيْن، ورؤوس الكبشَيْن (^٦).\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"صُنْع\".\n(^٢) في (ص): \"وثانيهما\" وهو خطأ؛ لأنها ثلاثة أوجه.\n(^٣) سورة التحريم: الآية ٤.\n(^٤) أي: في الاحتجاج على الخصوم القائلين بأن أقل الجمع ثلاثة. انظر: التلخيص ٢/ ١٧٥.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) فالكبشان متضمنان للرأسَيْن، فجاز فيهما الإفراد والتثنية والجمع. والمعنى المراد: أن القلوب في الآية مضافة إلى ما تضمنهما وهما حفصة وعائشة ﵄، فجاز التعبير عن قلبَيْهما بصيغة الجمع. ووجه سقوط الجواب أن الدليل الذي احتج به =","vol":"4","page":1331},{"text":"وثالثها: قوله - ﷺ -: \"اثنان (^١) فما فوقهما جماعة\" رواه الدارقطني (^٢) من حديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي (^٣) عن (^٤) عمرو بن شعيب (^٥) عن أبيه (^٦) عن جده. والوقاصي ضعيف، وكلام المحدثين في عمرو بن شعيب\n_________\n= الخصم لا حجة فيه على مُدَّعاه؛ للقاعدة النحوية المذكورة، فلا حاجة إلى تكلف الجواب بالمجاز. انظر: نهاية السول ٢/ ٣٩٣.\n(^١) في (ص): \"الاثنان\". وهذا مخالف لرواية عمرو بن شعيب التي ذكرها الشارح، وإن كان موافقًا لما في المتن، وهي رواية الربيع بن بدر عن أبيه عن جده عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الاثنان فما فوقهما جماعة\". أخرجه الدارقطني في السنن ١/ ٢٨٠.\n(^٢) انظر: سنن الدارقطني ١/ ٢٨١.\n(^٣) هو عثمان بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن أبي وقاص. قال البخاري: تركوه. وقال ابن حجر: متروك، وكذبه ابن معين. انظر: تهذيب التهذيب ٧/ ١٣٣، تقريب التهذيب ص ٣٨٥.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ جميعًا، الإمام المحدِّث أبو إبراهيم وأبو عبد الله القرشيّ السهمي الحجازيّ، فقيه أهل الطائف ومحدِّثهم، وكان يتردد كثيرًا إلى مكة، وينشر العلم، وله مال بالطائف. قال ابن حجر في التقريب: \"صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومائة\". انظر: سير ٥/ ١٦٥، تهذيب ٨/ ٤٨، تقريب ص ٤٢٣.\n(^٦) هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ جميعًا. قال ابن حجر: \"صدوق ثبت سماعه من جده، من الثالثة\" أي: من الطبقة الثالثة التي وفاتها بعد المائة الأولى من الهجرة، كما هو اصطلاح ابن حجر - ﵀ - في \"التقريب\". قال الذهبي: \"ولم نَعْلم متى تُوفي، فلعله مات بعد الثمانين في دولة عبد الملك\". انظر: سير ٥/ ١٨١، تهذيب ٤/ ٣٥٦، تقريب ص ٢٦٧.","vol":"4","page":1332},{"text":"عن أبيه عن جده مشهور، وحاصل ما فيه بعد أن تَعْرِف (^١) أنه عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن قوله: \"جده\" يحتمل أن يكون جده الأدنى الحقيقي وهو محمد (^٢)، فيكون حديثه مرسلًا، فإن محمدًا تابعيٌّ. ويحتمل أن يكون جده الأعلى المجازي وهو عبد الله، فيكون متصلًا، وقد اختلف العلماء في الاحتجاج به إذا كان هكذا، فاحتج به أكثر من لا يحتج بالمرسل حملًا لَهُ على جده الأعلى (^٣).\n_________\n(^١) في (ص): \"يُعْرف\".\n(^٢) هو محمد بن عبد الله بن عمرو السهميّ، الطائفي. قال ابن حجر: \"مقبول، من الثالثة\". انظر: سير ٥/ ١٨١، تهذيب ٩/ ٢٦٦، تقريب ص ٤٨٩.\n(^٣) قال الإمام الذهبي عن عمرو بن شعيب في سير أعلام النبلاء ٥/ ١٧٣، ١٧٤: \"قلت: الرجل لا يعني بجده إلا جَدَّه الأعلى عبد الله ﵁، وقد جاء كذلك مُصَرَّحًا به في غير حديث، يقول: عن جَدِّه عبد الله. فهذا ليس بمرسل، وقد ثبت سماعُ شعيب والده من جده عبد الله بن عمرو، ومن معاوية، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم. وما علمنا بشعيب بأسًا، رُبِّيَ يتيمًا في حجر جَدِّه عبد الله، وسمع منه، وسافر معه، ولعله ولد في خلافة عليّ، أو قبل ذلك، ثم لم نجد صريحًا لعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده محمد بن عبد الله عن النبي - ﷺ -، ولكن ورد نحوٌ من عشرة أحاديث هيئتها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو، وبعضها عن عمرو عن أبيه عن جده عبد الله. وما أدري هل حفظ شعيبٌ شيئًا من أبيه أم لا؟ وأنا عارفٌ بأنه لازم جَدَّه وسمع منه\". وقال أيضًا عن أحاديثه: \"ولا ريب أن بعضها من قبيل المسند المتصل، وبعضها يجوز أن تكون روايته وجادة أو سماعًا، فهذا محل نظرٍ واحتمال. ولسنا ممن نعدُّ نسخة عمرو عن أبيه عن جده من أقسام الصحيح الذي لا نزاع فيه من أجل الوِجادة، ومن أجل أن فيها مناكير، فينبغي أن يُتأمَّل حديثه، ويتحايد ما جاء منه منكرًا، ويُروى ما عدا ذلك في السنن والأحكام محسِّنين لإسناده، فقد احتج به أئمة كبار، ووثَّقوه في الجملة، وتوقَّف فيه آخرون قليلًا، =","vol":"4","page":1333},{"text":"ورواه ابن ماجه من حديث الربيع بن بدر المعروف بعُلَيْلة وهو أيضًا ضعيف (^١).\nوأجاب الإمام: بأنه إذا أمكن حَمْلُ كلام النبي - ﷺ - على حكم شرعي ولغوي - فالشرعيُّ أولى؛ لكونه مبعوثًا لبيان الشرعيات، فيحمل هنا على إدراك فضيلة الجماعة، وبأنه نَهَى عن السفر إلا في جماعة، فبَيَّن بهذا الحديث أن الاثنين فما فوقهما جماعة في جواز السفر (^٢). وهذا ما اقتصر في الكتاب على ذِكْره.\n_________\n= وما علمتُ أنَّ أحدًا تركه\". سير ٥/ ١٧٥. وكذا قال في ميزان الاعتدال ٣/ ٢٦٨: \"ولسنا نقول: إن حديثه مِنْ أعلى أقسام الصحيح، بل هو من قبيل الحسن\". وانظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٤٨.\n(^١) انظر: سنن ابن ماجه ١/ ٣١٢، رقم ٩٧٢، ولفظه: \"اثنان فما فوقهما جماعة\". قال ابن حجر رحمه الله تعالى عن الربيع بن بدر: متروك. انظر: التقريب ص ٢٠٦. والربيع يروي هذا الحديث عن أبيه عن جده، وأبوه هو بدر بن عمرو بن جَرَاد السعدي، قال عنه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: مجهول. انظر: التقريب ص ١٢٠. وانظر تخريج الحديث في: تحفة الطالب ص ٢٥٢، الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج ص ٨٩، تلخيص الحبير ٣/ ٨١، المقاصد الحسنة ص ٢١، فيض القدير ١/ ١٤٨. والعجيب أن الدكتور شعبان ذكر أن الحديث رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب: الاثنان فما فوقهما جماعة. انظر: الإبهاج بتحقيقه ١/ ١٣٢، والبخاري رحمه الله تعالى إنما عنون به. انظر: الجامع الصحيح ١/ ٢٣٤، رقم ٦٢٧، كتاب الجماعة والإمامة، باب: اثنان فما فوقهما جماعة. وزعم الدكتور أيضًا أن الحديث أخرجه النسائي، وليس كذلك.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٢/ ٦١٣، والنقل بتصرف وزيادة.","vol":"4","page":1334},{"text":"ولقائل: أن يقول: سفر الواحد منفردًا ليس بحرام، إنما هو مكروه، بل الجواب: أن الخلاف ليس في لفظ \"الجمع\" ولا لفظ \"الجماعة\"، كما تقدم (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>فائدة:</span>\nللخلاف في هذه المسألة فائدة أصولية، وفوائد فروعية:\nأما الأصولية: فهي النظر في الغاية التي ينتهي التخصيص إليها، وهي المسألة المتقدمة. وقال الأستاذ أبو إسحاق في أصوله - بعد أن عَزَا (ما ذكرناه) (^٢) إلى بعض الأصحاب: هذه فائدة مُزَيَّفة (^٣)؛ لأن أئمتنا مجمعون\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول ٢/ ٣٩٣، فواتح الرحموت ١/ ٢٧١. قال العلامة المحدث عبد الله الغماري ﵀: وقول البيضاوي: \"فقيل: أراد به جواز السفر\" يرده أمران: الأول: ما ورد في بعض طرق الحديث مما يفيد أن المراد جماعة الصلاة، وذلك ما أخرجه أحمد (المسند ٥/ ٢٥٤): من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة: \"أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا يصلي، فقال: ألا رجل يتصدق على هذا يصلي معه. فقام رجل فصلى معه، فمال رسول الله - ﷺ -: هذان جماعة\". قال الحافظ (التلخيص ٣/ ٨٢): هذا عندي أمثل طرق هذا الحديث؛ لشهرة رجاله وإن كان ضعيفًا. الثاني: ما ورد في بعض الأحاديث مما يفيد النهي عن سفر الاثنين إذا لم يكن معهما ثالث، وذلك ما أخرجه أحمد (المسند ٢/ ١٨٦، ٢١٤)، وأبو داود (٣/ ٨٠)، والترمذي (٤/ ١٦٦)، والحاكم (٢/ ١٠٢) بإسناد صحيح عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﵌ قال: \"الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب\". اهـ. انظر: الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج ص ٩٠ - ٩١، مع بعض الاختصار.\n(^٢) في (ص): \"ما ذكره\". وهو خطأ؛ لأن ضمير المفرد الغائب ليس له مرجع، إنما المرجع لضمير الجمع المتكلم، وهو ما سبق أن ذكره الشارح من الفائدة الأصولية.\n(^٣) في (ص): \"مربعة\" وهو تصحيف.","vol":"4","page":1335},{"text":"على جواز تخصيص الجمع والعموم بما هو دليل إلى أن يبقى تحته واحد. انتهى. وهي فائدة، وقد عرفت الخلاف المتقدم (^١).\nوأما الفوائد الفروعية:\nفمنها: لو قال: له عليَّ دراهم - لزمه ثلاثة. وحُكِي وجهٌ أنه يلزمه درهمان (^٢).\nومنها: قيل (^٣): يُكْتَفى في الصلاة على الميت باثنين. حكاه الرافعي عن \"التهذيب\"، وقال: إنه بناءً على أن أقل الجمع اثنان (^٤).\nومنها: لو أوصى لأقاربه، وليس له إلا قريب واحدٌ - فوجهان في أنه هل يُصْرف إليه الكلُّ أو الثلث. وحكى الأستاذ أبو منصور (^٥) وجهًا أنه\n_________\n(^١) فقول الأستاذ: لأن أئمتنا مجمعون. . . إلخ - مردودٌ بالخلاف المتقدم. وانظر: البحر المحيط ٤/ ١٩٦.\n(^٢) انظر: العزيز شرح الوجيز ٥/ ٣١٣، روضة الطالبين ٤/ ٣٤.\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"هل\".\n(^٤) انظر: فتح العزيز مع المجموع ٥/ ١٨٩، العزيز شرح الوجيز ٢/ ٤٤٢، وحكى الرافعي أيضًا قول من يشترط ثلاثة بناءً على أنه أقل الجمع.\n(^٥) هو عبد القاهر بن طاهر بن محمد التميميّ، أبو منصور البغداديّ. العلّامة البارع، المتفنن الأستاذ. كان أكبر تلامذة أبي إسحاق الإسفراييني، وكان يدرِّس في سبعةَ عشر فَنًّا، ويُضرب به المثل، وكان رئيسًا محتشمًا مُثريًا. قال شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني: \"كان من أئمة الأصول، وصدور الإسلام بإجماع أهل الفضل والتحصيل\". من مصنفاته؛ \"التكملة\" في الحساب، \"التفسير\"، \"الفَرْق بين الفِرَق\"، \"التحصيل\" في أصول الفقه، \"فضائح الكرَّامية\"، وغيرها. توفي سنة ٤٢٩ هـ. انظر: سير ١٧/ ٥٧٢، الطبقات الكبرى ٥/ ١٣٦.","vol":"4","page":1336},{"text":"يكون له النصف، حكاه الرافعي عنه، ولم يُعَلِّله (^١)، قال ابن الرفعة في \"المطلب\": ولم أفهم له معنى، وإنْ تُخُيِّل أنه بناه (^٢) على أن أقل الجمع اثنان - لزمه أن يقول فيما إذا أوصى للفقراء: بجواز الاقتصار عليهما أيضًا (^٣)، ولم نر مَنْ قال به (^٤).\nومنها: في الرافعي في فروع الطلاق: أنه لو (^٥) قال: إن تزوجتُ النساءَ أو اشتريتُ العبيد فهي طالق - لم يحنث إلا إذا تزوج ثلاثَ نسوةٍ، أو اشترى ثلاثة عبيد (^٦). وقياس الخلافِ الأصولي جريانُ وَجْه تحنيثه باثنين. فإن قلتَ: ولِمَ لا يقال في هذه الصورة: إنه لا يحنث بشيء؛ لأنه علَّق على جميع نساء العالمين وعبيدهم، بدليل إدخاله الألفَ واللامَ المقتضيةَ للعموم، وهو تعليقٌ على مستحيل، والصحيح في التعليق على المستحيل أنه لا يقع.\nقلت: لما كان إعمال الكلام أولى من إهماله حُمِل على جنس الجمع في ذلك (^٧).\n_________\n(^١) انظر: العزيز شرح الوجيز ٧/ ١٠٠.\n(^٢) في (ص): \"بناءً\".\n(^٣) أي: بجواز الاقتصار على فقيرين فقط، حَمْلًا على أقل الجمع. انظر: البحر المحيط ٤/ ١٩٥.\n(^٤) انظر: العزيز شرح الوجيز ٧/ ٩١ - ٩٣.\n(^٥) في (ت): \"إن\".\n(^٦) انظر: العزيز شرح الوجيز ٩/ ١٥٩.\n(^٧) أي جعلنا الألف واللام للجنس، فيكون الجمع \"النساء\"، و\"العبيد\" لجنس الجمع، لا للعموم، وجنس الجمع (أي: ماهيته) يتحقق بثلاثة، أو اثنين على الخلاف.","vol":"4","page":1337},{"text":"وقال الرافعي في كتاب الأيمان فيما إذا حلف لا يكلِّم الناس: ذكر ابن الصباغ وغيره أنه يحنث إذا كلم واحدًا، كما إذا قال: لا آكل الخبز. ولو حلف: لا يكلم ناسًا - حُمِل على ثلاثة (^١). انتهى.\nفإن قلت: هذا عجيب، \"ناسٌ\" المنكَّر يحمل على الجمع، فإذا دخلت عليه (^٢) الألف واللام المُعَمِّمَةُ تُخرجه عن ذلك.\nقلت: كأن الألف واللام والحالة هذه المراد بها الجنس من حيث هو، بخلاف ما إذا كان مُنَكَّرًا.\nوأما قياس \"لا يكلم الناس\" على \"لا آكل الخبز\" ففيه نظر؛ لصدق الخبز على القليل والكثير صدقًا واحدًا، كالماء والعسل (^٣).\nقال: (الرابعة: العام المخصوص مجاز وإلا لاشترك. وقال بعض الفقهاء: إنه حقيقة. وفَرَّق الإمام بين (المُخصِّص المتصل) (^٤) والمنفصل؛\n_________\n(^١) انظر: العزيز شرح الوجيز ١٢/ ٣٤٧.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) انظر المسألة الثالثة في: المحصول ١/ ق ٣/ ١٥، الحاصل ١/ ٥٣٠، التحصيل ١/ ٣٦٨، نهاية الوصول ٤/ ١٤٦١، الإحكام ٢/ ٢٨٣، شرح اللمع ١/ ٣٤٢، نهاية السول ٢/ ٣٨٥، السراج الوهاج ١/ ٥٢٢، المحلي على الجمع ٢/ ٣، المستصفى ٣/ ٣١١ (٢/ ٩١)، الوصول إلى الأصول ١/ ٣١٨، المعتمد ١/ ٢٣٦، شرح التنقيح ص ٢٢٤، إحكام الفصول ص ٢٤٨، نشر البنود ص ٢٣٢، تيسير التحرير ١/ ٣٢٦، فواتح الرحموت ١/ ٣٠٦، فتح الغفار ١/ ١٠٨، نزهة الخاطر ١/ ١٥٤، شرح الكوكب ٣/ ٢٧١.\n(^٤) في (ص)، و(ك): \"المخصَّص بالمتصل\". والمثبت هو الموافق لما في نهاية السول ٢/ ٣٩٤، والسراج الوهاج ١/ ٥٢٩، شرح الأصفهاني ١/ ٣٧١.","vol":"4","page":1338},{"text":"لأن المقيَّد بالصفة لم يتناول غيرًا (^١). قلنا: المركب لم يوضع، والمفرد متناول).\n\nاختلفوا في<span data-type=\"title\" id=toc-377> العام إذا خُصَّ هل يكون في الباقي حقيقة</span>؟ على مذاهب:\nأحدها: أنه مجاز. وذهب إليه جمهور أصحابنا، والمعتزلة (^٢) كأبي علي وابنه، واختاره المصنف، وصفي الدين الهندي، وابن الحاجب (^٣)؛ لأنه حقيقة في الاستغراق، فلو كان حقيقة في البعض لزم الاشتراك، والمجاز خير\n_________\n(^١) في السراج الوهاج ١/ ٥٣٠: \"غير الموصوف\". وفي شرح الأصفهاني ١/ ٣٧١: \"غيره\".\n(^٢) أي: وجمهور المعتزلة.\n(^٣) وهو مذهب جماهير الأشاعرة، بل نسبه إلى الجمهور الكمال بن الهمام، والعضد الإيجي، ونسبه إلى الأكثر أيضًا ابن السبكي، واختاره الآمدي وقال: \"وإليه ميل الغزالي\"، وهو قول للمالكية واختاره القرافي، ونصره أبو الخطاب من الحنابلة. وهو مذهب بعض الحنفية كصاحب \"البديع\"، وصدر الشريعة، والكمال بن الهمام، وعيسى بن أبان، إلا أن التخصيص عند أكثر الحنفية لا يكون إلا بمستقل، فإخراج بعض العام بغير مستقل كالصفة والاستثناء حقيقة على قولهم كما صَرَّح به صدر الشريعة. انظر: المحصول ١ / ق ٣/ ١٨، نهاية الوصول ٤/ ١٤٧١، المستصفى ٣/ ٢٥٠ (٢/ ٥٤)، الإحكام ٢/ ٢٢٧، المحلي على الجمع ٢/ ٥، البحر المحيط ٤/ ٣٤٨، القواطع ١/ ١٧٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٠٦، شرح تنقيح الفصول ص ٢٢٦، نشر البنود ١/ ٢٣٧، تيسير التحرير ١/ ٣٠٨، فواتح الرحموت ١/ ٣١١، كشف الأسرار ١/ ٣٠٧، التمهيد لأبي الخطاب ٢/ ١٣٨، المسودة ص ١١٥، شرح الكوكب ٣/ ١٦٠.","vol":"4","page":1339},{"text":"منه (^١).\nوالثاني: أنه حقيقة وهو مذهب كثير من أصحابنا (^٢) وجمهور الحنفية (^٣) والحنابلة (^٤).\nوالثالث: أن المخصِّص إنْ كان مستقلًا: سواء أكان (^٥) عقليًا، كالدليل الدال على أن غير القادر غير مراد من الخطاب في العبادات. أو لفظيًا، كما إذا قال المتكلِّم بالعام: أردتُ به البعضَ الفلاني - فهو مجاز.\n_________\n(^١) في (ص): \"من الاشتراك\".\n(^٢) كالشيرازي، والقاضي أبي الطيب الطبري، وأبي حامد الإسفرايني، وابن الصباغ، والسمعاني، وغيرهم. انظر: شرح اللمع ١/ ٣٤٤، القواطع ١/ ١٧٥، البحر المحيط ٤/ ٣٤٩، الإحكام ٢/ ٢٢٧.\n(^٣) الصواب أنه مذهب بعض الحنفية، كالسرخسي. انظر: تيسير التحرير ١/ ٣٠٨، فواتح الرحموت ١/ ٣١١، التقرير والتحبير ١/ ٢٧٤، البحر المحيط ٤/ ٣٤٩. لكن قال السمرقندي في ميزان الأصول ص ٢٨٨: \"قال عامة أصحابنا، وعامة أهل الحديث: بأنه يبقى حقيقة في الباقي\". والأقرب هو ما ذكره المتأخرون؛ لأنهم يحررون الأقوال والمذاهب غالبًا.\n(^٤) انظر: شرح الكوكب ٣/ ١٦٠، العدة ٢/ ٥٣٣، وهو قول عند المالكية، وذهب إليه منهم أبو تمام وغيره. انظر: إحكام الفصول ص ٢٤٥، شرح التنقيح ص ٢٢٦. قال الزركشي في البحر ٤/ ٣٤٩: \"وقال إمام الحرمين في \"التلخيص\"، وابن القشيري: هو مذهب جماهير الفقهاء\". وانظر: التلخيص ٢/ ٤١، ونقله الغزالي عن الشافعي - ﵁ - في المنخول ص ١٥٣، بل قال أبو حامد الإسفراييني: \"وهذا مذهب الشافعي وأصحابه\". انظر: البحر ٤/ ٣٤٩.\n(^٥) في (ت)، و(ك)، و(ص): \"كان\".","vol":"4","page":1340},{"text":"وإن لم يكن مستقلًا - فهو حقيقة، وذلك كالاستثناء، مثل: قول القائل: مَنْ دخل داري يُكْرَم إلا زيدًا. والشرط، مثل (^١): مَنْ دخل أكرمتُه إنْ كان عالمًا. (والتقييد بالصفة: مَنْ دخل داري من الطوال.\nقال صفي الدين الهندي) (^٢): \"والتقييد بالغاية (^٣) وإن لم يذكروه (^٤) في هذا المقام: حُكْمُه حكم أخواته من المتصلات ظاهرًا؛ إذ لا يظهر فرقٌ بينهما على هذا الرأي. وهذا ما اختاره الكرخي وأبو الحسين البصري والإمام\" (^٥). وعلى حكاية هذه الثلاثة اقتصر المصنف.\n_________\n(^١) سقطت من (ص)، و(غ).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في جميع النسخ: \"العام\" وهو خطأ، والمثبت موافق لما في نهاية الوصول ٤/ ١٤٧٣. وفي هامش (ص) ١/ ٤١٩، تصحيح من الناسخ بقوله: \"لعله الغاية\"، وهو الصواب.\n(^٤) في (ت): \"يذكره\".\n(^٥) نهاية الوصول ٤/ ١٤٧٣، وانظر: المعتمد ١/ ٢٦٢، المحصول ١ / ق ٣/ ١٩، ميزان الأصول ص ٢٨٩. تنبيه: ينبغي أن يتنبه إلى أن أكثر الحنفية يقولون بأن العام المخصوص بمخصِّص غير مستقل - حقيقة في الباقي، وإنما الخلاف بينهم في المخصِّص المستقل، فعلى هذا يمكن أن يقال: ليس هناك فرق بين رأي الكرخي ورأي الحنفية السابق ذكرهم في الهامش القائلين بأن العام المخصوص مجاز في الباقي؛ إذ المقصود المخصوص بمستقل؛ لأن هذا هو التخصيص عندهم، إذ حد التخصيص عندهم: هو قصر العام على بعض أفراده بدليل مستقل مقترن. انظر: كشف الأسرار ١/ ٣٠٦. بل أنكر عبد العلي الأنصاري رحمه الله تعالى أن يكون عند الحنفية خلاف في المخصوص بغير المستقل فقال: \"وما عُرف خلاف بين الحنفية في أن العام المقرون بشرط، أو صفة، أو غاية، أو استثناء: ليس مجازًا ألبتة، وإنما وقع الخلاف فيما خص بمستقل\". فواتح الرحموت ١/ ٣١١. لكن الكمال بن الهمام أثبت الخلاف ونسب =","vol":"4","page":1341},{"text":"والرابع: إنْ خُصَّ بمتصل من شرط أو استثناء فهو حقيقية، وإلا فهو مجاز. وهو المنقول عن القاضي، وقد رأيتُه في \"مختصر التقريب\" إلا أنه لم يصرِّح بذكر الشرط، وهذه عبارته: ولو قررنا القول بالعموم - فالصحيح عندنا من هذه المذاهب أن نقول: إذا تقدر التخصيص باستثناء متصل - فاللفظ حقيقة في بقية المسميات. وإنْ تقدر التخصيص بدلالةٍ منفصلة - فاللفظ مجاز، لكن يستدل به في بقية المسميات (^١). انتهى.\nوالخامس: إنْ خُصَّ بالشرط، والتقييد بالصفة - فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز حتى في الاستثناء (^٢).\n_________\n= الاتفاق إلى الأكثر كما سبق ذكره، وكذا في ميزان الأصول ص ٢٨٩، حيث قال السمرقندي: \"وقال بعض أصحابنا، وهو قول بعض أصحاب الحديث: يكون مجازًا في الباقي، سواء كان دليل الخصوص متصلًا به، أو منفصلًا عنه، سمعيًا، أو عقليًا أو دلالة حال\". وهو يقصد بالمتصل غير المستقل؛ لأنه قبل هذا القول أثبت لعامة أصحابه الحنفية أنهم يقولون: بأنه حقيقة إن كان دليل التخصيص متصلًا غير مستقل، ثم ذكر هذا القول المنقول بلفظه بَعْدَه. ويقصد بالمنفصل المستقل، لا المتراخي؛ لأن شرط التخصيص عندهم الاقتران.\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٤٢. قال الزركشي في البحر ٤/ ٣٥٠: \"والقاضي إنما قال هذا تفريعًا على رأي المُعَمِّمين؛ لأن مذهبه في صيغ العموم الوقوف. وانظر رأي القاضي في: نهاية الوصول ٤/ ١٤٧٣، الإحكام ٢/ ٢٢٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٠٦، تيسير التحرير ١/ ٣٠٨، فواتح الرحموت ١/ ٣١٢.\n(^٢) وهو قول القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي، كما في المعتمد ١/ ٢٦٢، الإحكام ٢/ ٢٢٧، البحر المحيط ٤/ ٣٥٠، نهاية الوصول ٤/ ١٤٧٣، ١٤٧٤، وقال فيه: \"ونَقلَ بعضهم عنه: أنه إنْ خُصَّ بدليل منفصل فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز. وكلامه في \"العمدة\" يدل على أن اختار أنه مجاز كيف كان المخصِّص، فلعله اختار ما نُقِل عنه في غيره\". وانظر: حاشية السعد على شرح العضد ٢/ ١٠٦.","vol":"4","page":1342},{"text":"والسادس: إنْ خُصَّ بدليل لفظي سواء كان متصلًا أم (^١) منفصلًا فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز (^٢).\nوالسابع: إنْ بَقِي بعد التخصيص جَمعٌ فهو حقيقة فيه، وإلا فهو مجاز (^٣).\nوصَرَّح الغزالي: بأنه لا خلاف في أنه مجاز إذا لم يبقَ بعد التخصيص جمع (^٤). وهذا فيه نظر، فقد صَرَّح إمام الحرمين في \"التلخيص\" بحكاية الخلاف في ذلك، فقال: ذكر القاضي عن بعض أصحابنا أن اللفظ حقيقةٌ فيما يَبْقَى وإن كان أقل من (^٥) الجمع، وهذا بعيد جدًا (^٦). انتهى.\n_________\n(^١) في (ت): \"أو\".\n(^٢) انظر: المعتمد ١/ ٢٦٢، الإحكام ٢/ ٢٢٧، نهاية الوصول ٤/ ١٤٧٤.\n(^٣) وإليه ذهب أبو بكر الرازي الجصاص من الحنفية رحمه الله تعالى، وهذا المذهب هو الذي نسبه إليه الحنفية، وبعض الشافعية نسبوا إليه أن العام المخصَّص حقيقة إن بقي غير منحصر (أي: الباقي كثرة يعسر ضبطها)، وإلا فهو مجاز. ولا شك أن أهل المذهب أعرف بمذهب مشايخهم، فتكون نسبتهم أرجح. انظر: فواتح الرحموت ١/ ٣١١، تيسير التحرير ١/ ٣٠٨، وقد ذكر هذه النسبة ابن الحاجب، وتابعه عليها الأصفهاني في بيان المختصر ٢/ ١٣٢، ١٣٣، وكذا العضد الإيجي في شرحه ٢/ ١٠٦، مع أن الآمدي رحمه الله تعالى ذكر النسبة موافِقة للحنفية، وكذا صفي الدين الهندي. انظر: الإحكام ٢/ ٢٢٧، نهاية الوصول ٤/ ١٤٧٤. وقد اختار هذا المذهب الباجي من المالكية. انظر: إحكام الفصول ص ٢٤٦.\n(^٤) انظر: المستصفى ٣/ ٢٥١ (٢/ ٥٤).\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) انظر: التلخيص ٢/ ٤١، ٤٢، البحر المحيط ٤/ ٣٥٢، ٣٥٣، وقد نقل الزركشي عن الماوردي أن أبا حامد الإسفراييني يرى هذا المذهب. وقد حكى الباجي عن أبي تمام وغيره من شيوخ المالكية أن العام يبقى حقيقة وإن انتهى التخصيص إلى واحد. =","vol":"4","page":1343},{"text":"والثامن: أنه حقيقة في تناول ما بقي، مجازٌ في الاقتصار عليه. وهو اختيار إمام الحرمين (^١).\nقوله: \"لأن المقيَّد\" هذا دليل الإمام، وتقريره: أن العام المقيَّد بالصفة لم يتناول غير الموصوف؛ لأنه لو تناوله لضاعت فائدة الصفة (^٢)، وإذا انحصر تناوله فيه، وقد استعمل فيه - فيكون حقيقة. وهذا بخلاف المخصوص بمنفصل، فإن لفظَه متناولٌ للمُخْرَج بحسب اللغة مع كونه لم يُسْتعمل فيه؛ فيكون مجازًا أو مشتركًا، والمجاز أولى؛ فيكون مجازًا.\nوأجاب المصنف: بأن المركَّب من الموصوف والصفة مثلًا غير موضوع، فلا يكون حقيقة فيه، فلم يبقَ إلا المفرد (^٣)، والمفرد الذي هو العام متناول لكل فرد لغة، وقد استعمل في البعض فيكون مجازًا.\nوهذا الجواب مبني على أن المركبات غير (^٤) موضوعة، وفيه نزاع،\n_________\n= انظر: إحكام الفصول ص ٢٤٥.\n(^١) وبعض الحنفية، كصدر الشريعة، لكن على قاعدة الحنفية في التخصيص، وهو إذا كان العام مخصوصًا بمستقل. انظر: البرهان ١/ ٤١٢، فواتح الرحموت ١/ ٣١١، تيسير التحرير ١/ ٣٠٨.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) المعنى: أن الموضوع في لغة العرب - وهو المعنى الحقيقي - هو معاني المفردات حال كونها مفردة، أما معانيها حال تركيبها فلا يدخل تحت الوضع اللغوي، أي تحت المعنى الحقيقي الموضوع.\n(^٤) سقطت من (ت)، و(غ).","vol":"4","page":1344},{"text":"فالأَوْلى الجوابُ: بأنه لو (^١) لم يكن الموصوف ونحوه متناولًا - لم يكن المتصل من المخصصات؛ لأن التخصيص إخراج بعض ما تناوله اللفظ. هذا شرح ما في الكتاب (^٢).\nونختم المسألة بشيئين:\nأحدهما: قال الإمام: \"إذا قال الله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٣) فقال رسول الله - ﷺ - في الحال: إلا زيدًا - فهل هو تخصيص بمنفصل أو متصل؟ فيه احتمال\" (^٤).\nقال صفي الدين الهندي: \"والأظهر أنه منفصل\" (^٥). قلت: وقد ذكر القاضي المسألة في \"مختصر التقريب\" وقال: \"إن من الأصوليين من نَزَّله\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر المسألة الرابعة في: المحصول ١/ ق ٣/ ١٨، الحاصل ١/ ٥٣١، التحصيل ١/ ٣٦٩، نهاية الوصول ٤/ ١٤٧١، نهاية السول ٢/ ٣٩٤، السراج الوهاج ١/ ٥٢٩، المحلي على الجمع ٢/ ٥، الإحكام ٢/ ٢٢٧، البحر المحيط ٤/ ٣٤٨، المعتمد ١/ ٢٦٢، شرح اللمع ١/ ٣٤٤، المستصفى ٣/ ٢٥٠ (٢/ ٥٤)، شرح تنقيح الفصول ص ٢٢٦، بيان المختصر ٢/ ١٣٢، تيسير التحرير ١/ ٣٠٨، فواتح الرحموت ١/ ٣١١، شرح الكوكب ٣/ ١٦٠، المسودة ص ١١٥.\n(^٣) سورة التوبة: الآية ٥.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢١، ٢٢، البحر المحيط ٤/ ٤٠٢، وهذا السؤال وارد على القائلين بالتفصيل بين المخصِّص المتصل والمنفصل. انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٤٨٣.\n(^٥) انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٤٨٤.","vol":"4","page":1345},{"text":"منزلة الاستثناء المصرح به في كلام الله تعالى. قال القاضي: والذي نرتضيه أنه - ﷺ - إن ابتدأ مِنْ تلقاء نفسه كلامًا، ولم يضفه إلى كلام الله تعالى - فيلتحق (^١) ذلك بالمنفصل، ولا يُجْعل كلامه - ﷺ - استثناءً حقيقيًا، بل هو تخصيص سواء قدر متصلًا أو منفصلًا\" (^٢).\nوالثاني: اعلم أن الأصوليين لم يذكروا التفرقة بين العام المخصوص، والعام الذي أريد به الخصوص (^٣)، وهو (تحرير مهم) (^٤). والشافعي - ﵁ - له أقوال في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (^٥)، منها: أنه عام مخصوص. ومنها: أنه عام مراد (^٦) به الخصوص. وقد كثر الكلام في ذلك، وتشعب النظر، ولوالدي - أيده الله تعالى - في ذلك كلام نفيس، ونحن نذكر جميع ما ذكره، فإنه مما ينبغي أن يَغْتبط به الفطن.\nقال أحسن الله إليه: كثر الكلام في العام المخصوص، والعام الذي أريد به الخصوص في الفرق بينهما، وفي أنَّ العام المخصوص مجاز، أوْ لا.\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"فيلحق\".\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٤٥، ٤٦، مع تصرف من الشارح رحمه الله تعالى.\n(^٣) بين الزركشي رحمه الله تعالى: أن التفرقة بينهما وقعت في كلام جماعة من الأصحاب المتقدمين، كأبي حامد، والماوردي. انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٣٦، إلا أن ما ذكراه من التفرقة غير مسلم.\n(^٤) في (ك)، و(غ): \"عزيز مهم\". وفي (ت): \"عزيز موهم\". وكلاهما صحيح.\n(^٥) سورة البقرة: الآية ٢٧٥.\n(^٦) في (ت)، و(غ): \"أريد\".","vol":"4","page":1346},{"text":"وظن جماعة أن هذا الخلاف في أن العام المخصوص مجازٌ أَوْ لا - يجري في العام المراد به الخصوص.\nوالذي أراه في ذلك، وبالله العون والتوفيق: أما العام الذي أريد به الخصوص - فهو العام إذا أطلق وأريد به بعض ما يتناوله: فهو لفظ مستعمل في بعض مدلوله. وبعض الشيء غيره (^١)، فالذي يظهر أنه مجاز قطعًا، إلا إنْ قيل: إنَّ العام دلالته على كل فرد من أفراده دلالة مطابقة، فقد يقال حينئذ على هذا: بأنه حقيقة في كل فرد. فإنْ جاء خلافٌ فيه فإنما يجيء من هذه الجهة، وشَرْطُ الإرادة في هذا النوع على ما ظهر لنا أن تكون مقارنةً لأول اللفظ، ولا يُكْتَفَى بطريانها في أثنائه؛ لأن المقصود منها (^٢) نقلُ اللفظِ عن معناه إلى غيره، واستعماله في غير موضوعه (^٣)، وليست إرادةُ إخراجٍ لبعضِ المدلول، بل إرادة استعمالٍ للفظ (^٤) في شيءٍ آخر غير موضوعه، كما يراد باللفظ مجازه الخارجُ عنه، لا فرق بينهما، إلا أن ذاك خارج وهذا داخل؛ لأن البعض داخل في الكل.\nومَنْ يجعل الدلالة على كل فرد دلالة مطابقة - لا يناسبه أن يقول: إنه\n_________\n(^١) أي: بعض الشيء غير الشيء؛ لأن الجزء لا يكون كالكل.\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"فيها\".\n(^٣) فاللفظ العام معناه كل فرد، ويراد نقله إلى غيره وهو بعض الأفراد، أي: جَعْلُ البعض معنى للكل. وهذا بلا شك استعمال للفظ في غير موضوعه.\n(^٤) في (ك): \"اللفظ\".","vol":"4","page":1347},{"text":"استعمال اللفظ (^١) في غير موضوعه، بل يصير كاستعمال المشترك في أحد معنييه (^٢)، وهو استعمال حقيقي، وإرادة أحد معنيي المشترك - عند مانع استعمال المشترك في معنيَيْه - لا شك أنها لا تخرجه عن موضوعه، ولا تجعله مجازًا، بل هي مُصَحِّحة لاستعماله.\nوأما عند مَنْ يُجَوِّز استعماله في معنيَيْه - فهم مختلفون إذا اسْتُعْمل في معنيَيْه: هل هو مجاز أم لا؟\nفَمَنْ جعله مجازًا - فكذلك (^٣)؛ لأن الاستعمال الحقيقي عنده هو استعماله في أحد المعنيين.\nومَنْ جعله حقيقة كالعام (^٤)، كما هي طريقة السيف الآمدي في النقل عن الشافعي - ﵁ - (^٥) - فيصير البحث فيه كالبحث في العام المراد به الخصوص.\n_________\n(^١) في (غ): \"للفظ\".\n(^٢) وجه الشبه بين المشترك والعام: أن المشترك يدل على كل معنى من معانيه بالمطابقة، والعام عند هؤلاء يدل على كل فردٍ من أفراده بالمطابقة.\n(^٣) أي: فكذلك يجعل المشترك المستعمل في أحد معنييه حقيقة، كالذي قبله؛ لأنه لما كان استعماله في معنييه مجازًا - كان استعماله في أحدهما حقيقة.\n(^٤) أي: مَنْ جعل المشترك حقيقةً إذا اسْتُعْمل في مَعْنَيَيْه - فقد جعله دالًا على معنييه بطريق الشمول، كالعام حقيقة في كل فرد، أي: دالًا على أفراده بطريق الشمول.\n(^٥) قال الآمدي في الإحكام ١/ ٢٢: \"مذهب الشافعي، والقاضي أبي بكر: أن المشترك نوع من أنواع العموم\". ولذلك إذا تجرد المشترك عن القرينة التي تصرفه إلى أحد معنييه وجب حمله عليهما معًا عندهما. انظر: الإحكام ٢/ ٢٤٥.","vol":"4","page":1348},{"text":"وفيه نظر؛ لأنا نعلم أن المشترك وَضَعه الواضع لكلٍ من المعنيين وحده، بخلاف العام (^١)، ولكن أدى مساق البحث على طريقة الآمدي إلى ما قلناه (^٢).\nويُؤْنسك إلى اشتراط مقارنة الإرادة - في هذا النوع - لأول اللفظ ما ذكره الفقهاء في تكبيرة الإحرام (^٣)، وفي كنايات الطلاق (^٤).\n_________\n(^١) أي: دلالة المشترك على معانيه بطريق البدل، ودلالة العام على أفراده بطريق الشمول، فَجَعْل المشترك حقيقة إذا استعمل في مَعْنَيَيْه - أي: دالًا على معانيه بطريق الشمول - بعيد، والمعنى: أن استعمال المشترك في أحد معنييه ليس من قبيل العام المراد به الخصوص؛ لأن المشترك حقيقي في كل معنى على حدة؛ لأن الواضع وضعه لكل معنى على حدة، بخلاف العام فقد وضعه الواضع لجميع الأفراد، فاستعماله للبعض بخلاف الوضع.\n(^٢) أي: أدى مساق البحث على طريقة الآمدي في جعله المشترك كالعام: أن يكون البحث في استعمال المشترك في أحد معنييه، كالبحث في العام المراد به الخصوص، مع أن الفارق بينهما واضح؛ إذ العام موضوع لجميع الأفراد، والمشترك موضوع لكل معنى على حدة. وحاصل ما سبق أنه لما كان استعمال المشترك في أحد معنييه حقيقة - سواء عند مَنْ منع استعماله في معنييه، أو عند مَنْ جَوّز استعماله في معنييه - فكذلك استعمال العام في بعض أفراده حقيقة، أي: قسنا عموم الشمول (وهو العام المستعمل في بعض أفراده) على عموم البدل (وهو المشترك المستعمل في أحد معنييه) بجامع كون كلٍّ منهما دالًا على أفراده بالمطابقة. وواضح أن هذا القياس على قول مَنْ يقول بأن دلالة العام على أفراده بالمطابقة، وكون العام المراد به الخصوص حقيقة إنما هو تفريع على هذا القول.\n(^٣) أي: تكبيرة الإحرام من قبيل العام المراد به الخصوص؛ إذ هي ذكر لله تعالى، يقال في كل حال، أما قوله للدخول في الصلاة فهو ذكر مخصوص، لا بد فيه من نية تنقله من عموم الذكر المقول في كل وقت، إلى ذكر مخصوص مقول في وقت مخصوص، فلا بد من مقارنة النية لأول التكبير. انظر: المجموع ٣/ ٢٧٧.\n(^٤) قال النووي رحمه الله تعالى: \"وشرط نية الكناية اقترانها بكل اللفظ، وقيل: يكفي =","vol":"4","page":1349},{"text":"وإذا حققتَ هذا المعنى اضبطه.\nوأما العام المخصوص: فهو العام إذا أريد به معناه مُخْرَجًا منه بعضُ أفرادِه. فالإرادة فيه (إرادةٌ للإخراج، لا إرادةٌ للاستعمال) (^١)، فهي تشبه الاستثناء، فلا يُشْترط مقارنتها لأول اللفظ، ولا يجوز تأخرها (^٢) عن آخره، بل يُشْترط إن لم تُوجد في أوله - أن تكون في أثنائه. ويؤنسك في هذا ما قاله الفقهاء في مشيئة الطلاق، فإنه يُشْترط اقتران النيةِ ببعضِ اللفظ قبل فراغه (^٣). فالتخصيص إخراج، كما أن الاستثناء إخراج، ولهذا نقول: المخصِّصات المتصلة أربعة: الاستثناء، والغاية، والشرط، والصفة. والمخصِّص في الحقيقة هو الإرادة المُخْرِجة، وهذه (الأربعة، والمخصِّصُ المنفصلُ خمسَتُها - دالةٌ على تلك الإرادة، وتلك) (^٤) الإرادة ليست إرادةَ استعمالِ اللفظِ في غير موضوعه، فلذلك لم يقطع بكونه مجازًا، بل حصل التردد، ومنشأ التردد أنَّ إرادةَ إخراج بعضِ المدلول هل تُصَيِّر (^٥) اللفظَ مرادًا به الباقي، أوْ لا (^٦)؟ والحق لا، وهو يشبه الخلاف في\n_________\n= بأوله\". انظر: المنهاج بشرح المحلي ٣/ ٣٢٧، نهاية المحتاج ٦/ ٤٢٥.\n(^١) في (ص)، و(ك): \"إرادة الإخراج لإرادة الاستعمال\". وهو تحريف.\n(^٢) في (ت): \"تأخيرها\".\n(^٣) انظر: روضة الطالبين ٦/ ٨٣ - ٨٤.\n(^٤) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٥) في (ص): \"يصير\".\n(^٦) يعني: هل تصيِّر معنى اللفظ العام مرادًا به البعض، كما هو الحال في العام المراد به الخصوص، أريد بمعنى العموم الخصوص، وليس هناك إخراج أصلًا؟ فهل العام المخصوص (أي: المخرج منه) يكون البعض فيه هو معنى العموم، كالعام المستعمل =","vol":"4","page":1350},{"text":"الاستثناء، وهذا يُقَوِّي أن العام المخصوص حقيقةٌ، لكنِ الأكثرون على أنه مجاز، ووجهه: أنه يَجْعَل اللفظَ موضوعًا استعمل في معناه بتمامه غير مُخْرَج منه شيء، فمتى استعمله مُخْرَجًا منه شيءٌ كان مجازًا؛ لاستعماله على غير الوجه الذي وضعه الواضع عند الإطلاق (^١)، و(^٢) هذا فيما يحتمل المجاز، وهو ما كان ظاهرًا كالعام، أما ما كان نصًا كالعدد فلا مجاز فيه، وليس إلا الإخراجُ المحض. ويظهر أثر هذا في أن المخصِّص المنفصل يأتي في العام ولا يأتي في العدد، والاستثناء في العام كاشف عن الإرادة المخصِّصة، والاستثناء في العدد هو المخرِج بنفسه لا بدلالته على إرادة متقدمة (^٣)؛ ولهذا لو أراد فقط، ولم يُوجد لفظ الاستثناء - لم يصح في العدد، ويصح في العام. ولو قال أنتِ طالقٌ ثلاثًا، ونوى بقلبه: إلا واحدةً، وماتت قبل نطقه\n_________\n= في البعض؟ يعني: فهل الإخراج يكون بمنزلة الاستعمال في جَعْل معنى العام مرادًا به البعض؟ أو هل التخصيص ينقل معنى العام إلى الخاص، كالاستعمال ينقل معنى العام إلى الخاص؟\n(^١) أي: من غير تخصيص. وينبغي أن ينتبه إلى أن هذا المجاز منشؤه أنه استعمل اللفظ في غير موضوعه بسبب الإخراج، أما العام الذي أريد به المخصوص فهو مجاز؛ لأنه استعمل اللفظ في غير موضوعه بسبب الانتقال لا الإخراج، أي: نقل معنى العموم إلى الخصوص. أما في العام المخصوص فليس هناك نقل بل إخراج؛ ولذلك حصل الخلاف والتردد في كونه مجازًا، أي: هل ينتقل بعد الإخراج فيكون مجازًا، أو لا ينتقل فيكون حقيقة؟ بخلاف العام المراد به الخصوص فهو مجاز قطعًا؛ لأنه نقل للمعنى الموضوع.\n(^٢) سقطت الواو من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٣) لأن العدد نصٌّ في معناه، فلا يصلح أن يريد المتكلم به غير معناه.","vol":"4","page":1351},{"text":"بقوله: إلا واحدةً - تقع (^١) الثلاث (^٢).\nنعم يُشْترط نية الاستثناء قبل فراغ اللفظ؛ لأجل الربط، فالنية فيه شَرْطٌ لاعتبار الاستثناء بعده، وليست مؤثرة.\nوالنية في التخصيص مؤثرةٌ في الإخراج وحدها، ويُدَلُّ عليها تارةً بمخصِّص منفصل، وتارة بمتصل.\nوالنية في العام المراد به الخصوص مؤثرةٌ في نقل اللفظ عن معناه إلى غيره.\nومن هنا يُعْرف أن عَدَّ ابنِ الحاجب البدلَ في المخصِّصات ليس بجيد؛ لأن الأَوَّل في قولنا: \"أكلتُ الرغيفَ ثلثَه\" يُشْبه العامَّ المراد به الخصوص، لا العام المخصوص.\n(فانظر هذه) (^٣) المعاني وتَفَهَّمها، ثم تذكر ما قدمتهُ في العام المراد به الخصوص، تعرف الفرق بينهما، وحكمهما.\nهذا ما ذكره والدي - أحسن الله إليه - وهو في غاية النفاسة (^٤).\n_________\n(^١) في (ص): \"يقع\".\n(^٢) واضح أن هذه صورة نادرة، ولكن أوردها لبيان أن النية وحدها لا تخصِّص العدد. وواضح أيضًا أن الاستثناء بعد موتها لا يفيد؛ لأن الأحكام إنما تناط بالحي.\n(^٣) في (غ): \"فانظر إلى هذه\".\n(^٤) قال شيخ الإسلام البُلْقيني رحمه الله تعالى: الفرق بينهما من أوجه: أحدهما: أن قرينة المخصوص لفظية، وقرينة الذي أريد به الخصوص عقلية. الثاني: أن قرينة المخصوص قد تنفك عنه، وقرينة الذي أريد به الخصوص لا تنفك عنه. انظر: شرح الكوكب ٣/ ١٦٨، ومع وجاهة هذا الكلام إلا أنه عند التأمل تفريق بالخصائص لا بالحقائق، وكلام السبكي رحمه الله تعالى تفريق بالحقائق.","vol":"4","page":1352},{"text":"والذي تحصلت عليه أن العام أنواع:\nأحدها: العامُّ الذي أريد به العامُّ حقيقةً.\nوالثاني: العام الذي أريد به غالبُ الأفراد، ونُزِّل الأكثرُ فيه منزلةَ الكل، فهو مراد به العموم أيضًا.\nوالثالث: ما لم ينزل الأكثر فيه منزلةَ الكل، ولكن الكثرة فيه موجودة (^١).\nوالرابع: ما المراد به القليل، كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (^٢).\nوهذا أخذته من كلام الشافعي - ﵁ - في \"الرسالة\" فإنه قال: \"باب ما نزل من الكتاب عامَّا يراد به العامُّ (ويدخله الخصوص) (^٣) \"، وقوله: يراد به العام أي: الكثرة الغالبة، فلا يناقضه قوله: \"ويدخله الخصوص\". ومثاله: ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (^٤)، وقد ذكره الشافعي في أثناء الباب، فكأنه جعلهم كلَّ أهل القرية (^٥).\nوقال الشافعي في أول الباب: قال الله تعالى جل ثناؤه: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (^٦) (^٧)، وقال: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ\n_________\n(^١) فالأكثر: يكون بالزيادة على النصف، والكثرة تكون بالنصف، وأقل منه.\n(^٢) سورة آل عمران: الآية ١٧٣.\n(^٣) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٤) سورة النساء: الآية ٧٥.\n(^٥) أي: فكأنه جعل أكثر أهل القرية الظالمين في حكم الكل؛ لأنه عَبَّر عن الأكثر بالاستغراق ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ فـ \"أهل\" نكرة مضافة فتعم، والمراد بالقرية مكة المكرمة.\n(^٦) سورة الأنعام: الآية ١٠٢.\n(^٧) في (غ): ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾.","vol":"4","page":1353},{"text":"وَالْأَرْضَ﴾ (^١)، وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (^٢)، فهذا عامّ لا خاصَّ فيه (^٣) (^٤). انتهى.\nوهو كما صرح به (^٥) الشافعي، وإنما ذكره توطئة لما بعده، وليس مما بَوَّب له إلا في كونه أريد به العموم (^٦). فالمراد به العموم قسمان:\nأحدهما: حقيقة لا خصوص فيه، وهو ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٧) (^٨).\nوالثاني: مجاز فيه خصوص، وهو ما ذكره الشافعي بَعْدُ، مثْل: ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (^٩).\n_________\n(^١) سورة الأنعام: الآية ١ و٧٣.\n(^٢) سورة هود: الآية ٦.\n(^٣) أي: ليس فيه خصوص، فليس هو بعام مخصوص، ولا عامٍ أريد به الخصوص.\n(^٤) انظر: الرسالة ص ٥٣، ٥٤.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) أي: هذه الآيات الثلاث التي ذكرها الشافعي ﵁ في أول الباب لا تندرج تحت عنوان الباب؛ لأنها لا يدخلها الخصوص، وإنما ذكرها ﵁ توطئةً وتمهيدًا لما بعدها من الآيات التي فيها عموم يدخله الخصوص.\n(^٧) سورة الأنعام: الآية ١٠٢. سورة الرعد: الآية ١٦. سورة الزمر: الآية ٦٢. سورة غافر: الآية ٦٢.\n(^٨) ومن أمثلته أيضًا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وقوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾، وقوله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾. وقولنا: كل مخلوق له بداية. وكل حادث مخلوق. وكل أهل الجنة خالدون.\n(^٩) سورة النساء: الآية ٧٥","vol":"4","page":1354},{"text":"ولم يلتفت الشافعي إلى ما يقوله الأصوليون من أن ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مخصوصٌ بالعقل، وكأنه لأن العقل لما دل على المراد به - جعله (^١) هو المقصود به في كلام العرب؛ لأنها إنما تضع لما يُعْقل (^٢).\nثم قال الشافعي: وقال الله ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ (^٣)﴾ (^٤) الآية. قال الشافعي: وهكذا قول الله ﷿: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ (^٥)، ففي هذه الآية دلالة على أن (^٦) لمَ يستطعما كل أهل قرية فهي في معناها (^٧). وفيها وفي ﴿الْقَرْيَةِ\n_________\n(^١) أي: جعل الشافعي المراد به.\n(^٢) أي: فالإخراج بالعمل هنا لا ينافي الوضع اللغوي، بل هو دليل على أن هذا هو المقصود في كلام العرب، وهو وضعهم؛ لأنها إنما تضع لما يوافق العقل.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) سورة النساء: الآية ٧٥.\n(^٥) سورة الكهف: الآية ٧٧.\n(^٦) في (ص): \"أنه\". قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى: في النسخة المطبوعة \"على أنه\" وهو مخالف للأصل وغير جيد، بل هي \"أن\" المصدرية. انظر: تحقيق أحمد شاكر على الرسالة ص ٥٥.\n(^٧) أي في معنى آية: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾. فالقرية وردت في آية الكهف والنساء، والمراد بهما واحد. وفي \"الرسالة\" ص ٥٥: \"فهي في معناهما\". والظاهر - والله أعلم - أن الشارح تصرف؛ لأنه لم يذكر آيةً قد ذكرها الشافعي قبل ذلك، فاحتاج الشارح أن يُعَدِّل الضمير.","vol":"4","page":1355},{"text":"الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ خصوصٌ؛ لأن كل أهل القرية لم يكن ظالمًا قد كان فيهم المسلم، ولكنهم كانوا فيها مكثورين، فكانوا فيها أقل. انتهى. فهذا عام أريد به العام، ودخله الخصوص. وليس المعنى هنا مِنْ إرادة العامِّ جميعَ الأفراد، بل الكثرة المنزلة منزلة الكل. ويظهر أنه مجاز، وليس من مجاز استعمال لفظِ الكل في البعض؛ لأن ذلك لا يفترق الحال فيه بين بعض وبعض، وهذا في بعضٍ كثيرٍ غالبٍ على الباقي، فهو أقوى؛ لأنه اجتمع فيه مجاز البعض ومجاز المشابهة، إذِ الأكثر يشبه الكُلَّ في الكثرة، وهو مع ذلك قد دخله التخصيص. فمن جعل العام المخصوص مجازًا - يكون قد اجتمع فيه نوع آخر من المجاز أيضًا، وهذا غريب ينبغي أن يُتَفَطَّن له. ومن لم يجعل العامَّ المخصوص مجازًا - يقتصر على المجاز من الجهة الأولى. وهذا من نفائس البحث، وبه يظهر أن العام المراد به العموم قسمان:\nأحدهما: الحقيقي، كقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^١)، و﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) (^٢) على ما قاله الشافعي.\nوالثاني: المجازي، كقوله: ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ (^٣)، و﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (^٤). وهذا القسم لا يكون في الأمر والنهي، وإنما يكون في الخبر؛\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٨٢. سورة النور: الآية ٣٥، ٦٤. سورة الحجرات: الآية ١٦. سورة التغابن: الآية ١١.\n(^٢) سورة الرعد: الآية ١٦. سورة الزمر: الآية ٦٢.\n(^٣) سورة الكهف: الآية ٧٧.\n(^٤) سورة النساء: الآية ٧٥.","vol":"4","page":1356},{"text":"لأن الأمر والنهي لا يُتَجَوَّز فيهما، بل يُقصد بيان حكم التكليف.\nوالعام المخصوص قسمان:\nأحدهما: ما يراد به (^١) العموم، كما تقدم، وفيه مجاز كما بيناه (^٢).\nوالثاني: ما ليس كذلك، كقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (^٣)، وتخصيصه بالقاتل والكافر، فهذا عام مخصوص. وقد أطلق الشافعي عليه بعد ذلك أنه عام يراد (^٤) به الخصوص كما سنذكره (إن شاء الله) (^٥).\nوقد عرفت أن الجمهور على أنه مجاز، وقد قرر والدي أنه حقيقة كما سبق. والشافعي لم يتعرض للفرق بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص.\nوبما ذكرناه يكون العام المخصوص أنواعًا:\nأحدها: ما نُزِّل الأكثر فيه منزلةَ الجميع، فهو مراد به العموم.\nوالثاني: ما ليس كذلك؛ ولكن الكثرة فيه موجودة، وهو مراد به الخصوص، ومخصوص، كقوله: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ (^٦) لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾.\n_________\n(^١) في (ت)، و(ك)، و(غ): \"فيه\".\n(^٢) أي: هذا العام المخصوص مرادٌ به العموم المجازي المنزل فيه الأكثر منزلة الكل، فهر مجاز من جهة: إطلاق الكل على البعض، ومشابهة الأكثر للكل، وللتخصيص عند من يقوله بذلك، كما سبق بيانه.\n(^٣) سورة النساء: الآية ١١.\n(^٤) في (ت): \"مراد\".\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) أي: فهذا عام أريد به الخصوص، من جهة أنه يراد به الكثرة لا الكل، ومخصوص =","vol":"4","page":1357},{"text":"والثالث: ما (^١) المراد به القليل، كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ (^٢)، وهذا مرادٌ به الخصوص، ومخصوص. والفرق بينه وبين الثاني: أن هذا نقول فيه إنه مجاز، والثاني محتمل لأن يكون حقيقةً وأن يكون مجازًا (^٣)، وهو محل خلاف الأصوليين السابق: في أن العام المخصوص هل هو حقيقة أو مجاز؟ .\nواعلم أن في كلام الشافعي في \"الرسالة\" أيضًا ما يمكن أن يُتمسك به منه على أن كلَّ عامٍ مخصوص مرادٌ به الخصوص، وذلك لأنه قال: باب ما نزل عامًا (^٤) دلت السنة على أنه يراد به الخاص. قال الشافعي: قال الله جل ثناؤه: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ (^٥) إلى قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (^٦)، وقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (^٧) إلى قوله: ﴿فَلَهُنَّ (^٨) الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾، فأبان أن للوالدَيْن والأزواج ما سَمَّى في الحالات، وكان عامَّ المَخرج (^٩)، (فدلت\n_________\n= جهة تخصيصه بالقاتل والكافر.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سورة آل عمران: الآية ١٧٣.\n(^٣) لوجود الكثرة فيه حصل الخلاف.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سورة النساء: الآية ١١.\n(^٦) سورة النساء: الآية ١١.\n(^٧) سورة النساء: الآية ١٢.\n(^٨) في جميع النسخ: \"ولهن\".\n(^٩) أي: أبان ما للوالدين والأزواج من الميراث في الحالات المذكورة، وهذه الأحكام المذكورة في الآية عامة المخرج، أي: شاملة لكل والدين، ولكل زوجين.","vol":"4","page":1358},{"text":"سنة) (^١) رسولِ الله - ﷺ - أنه إنما أريد به بعض (^٢) الوالدَيْن والمولودِين (والأزواج دون بعض، وذلك أن يكون دِينُ الوالدَيْن والمولودِين (^٣» (^٤) والزوجَيْن واحدًا (^٥)، ولا يكون الوارث منهما قاتلًا (^٦)، ولا\n_________\n(^١) في (ص): \"فدل بسنة\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (غ)، و(ك): \"والمولود\". وهو موافق لما في \"الرسالة\" ص ٦٥.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) يشير إلى حديث: \"لا يتوارث أهلُ مِلَّتَيْن\". رواه النسائي في الكبرى ٤/ ٨٢، رقم الحديث ٦٣٨١، ٦٣٨٢، من حديث أسامة بن زيد. قال ابن الملقِّن في خلاصة البدر المنير ٢/ ١٣٥: بإسنادٍ صحيح. وأخرجه أبو داود ٣/ ٣٢٨، في الفرائض، باب هل يرث المسلم الكافر، حديث رقم ٢٩١١، والنسائي في الكبرى ٤/ ٨٢، حديث رقم ٦٣٨٣، ٦٣٨٤، وابن ماجه ٢/ ٩١٢، في الفرائض، باب ميراث أهل الإسلام من أهل الشرك، رقم ٢٧٣١، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وأخرجه الترمذي ٤/ ٣٧٠، في الفرائض، باب لا يتوارث أهل ملتين، حديث رقم ٢١٠٨، من حديث جابر، وقال: \"هذا حديث لا نعرفه من حديث جابر إلا من حديث ابن أبي ليلى\". وسنده ضعيف. وأخرج البخاري ٦/ ٢٤٨٤، في كتاب الفرائض، باب لا يرث المسلمُ الكافرَ ولا الكافرُ المسلمَ، رقم ٦٣٨٣، ومسلم ٣/ ١٢٣٣، في كتاب الفرائض، رقم ١٦١٤، من حديث أسامة بن زيد ﵄: أن النبي - ﷺ - قال: \"لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم\".\n(^٦) يشير إلى حديث: \"القاتل لا يرث\". أخرجه الترمذي ٤/ ٣٧٠، في كتاب الفرائض، باب ما جاء في إبطال ميراث القاتل، رقم الحديث ٢١٠٩، وقال: هذا حديث لا يصح لا يُعرف إلَّا من هذا الوجه. وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قد تركه بعض أهل الحديث منهم: أحمد بن حنبل، والعمل على هذا عند أهل العلم أن القاتل لا يرث كان القتل عمدًا أو خطأ. وقال بعضهم: إذا كان القتل خطأ فإنه يرث وهو قول مالك. وابن ماجه ٢/ ٨٨٣، في كتاب الديات، باب القاتل لا يرث، رقم الحديث ٢٦٤٥. والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأطراف ٩/ ٣٣٣، رقم =","vol":"4","page":1359},{"text":"مملوكًا (^١) (^٢). انتهى. فيمكن التمسك بهذا على ما ذكرنا؛ لأن السنة إنما دلت على عدم توريث (القاتل والكافر) (^٣)، وهو تخصيصٌ مُقْتَضٍ لأن يكون هذا العام مخصوصًا، وقد قال الشافعي: إنَّ السنةَ دلَّت أنه (^٤) إنما أريد به الخصوص. فدل على أنَّ كلَّ عام مخصوصٍ مرادٌ به الخصوص، إذا كان المرادُ غيرَ مُنَزَّلٍ منزلةَ الكل الذي تقدم إطلاقُ الشافعي\n_________\n= الحديث ١٢٢٨٦. والدارقطني في سننه ٤/ ٩٦، ونقل قول النسائي: إسحاق متروك الحديث. والبيهقي ٦/ ٢٢٠، في الفرائض، باب لا يرث القاتل كلهم من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة. قال البيهقي: إسحاق بن عبد الله لا يحتج به إلَّا أن شواهده تقوِّيه والله أعلم. وفي الباب حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. أخرجه أبو داود ٤/ ٦٩١ - ٦٩٤، في كتاب الديات، باب ديات الأعضاء، رقم الحديث ٤٥٦٤. والدارقطني ٤/ ٩٦، والبيهقي ٦/ ٢٢٠. وفي رواية الدارقطني والبيهقي: إسماعيل بن عياش عن ابن جريج وهو ضعيف في روايته عن غير الشاميين وهذه منها، ولكنه لم يتفرد بالحديث لمجيئه من طريق محمد بن راشد ثنا سليمان بن موسى كما في رواية البيهقي وأبي داود. ومحمد بن راشد المكحولي الخزاعي الدمشقي صدوق يَهِم ورُمي بالقدر كما في التقريب، رقم ٥٨٧٥. وسليمان بن موسى الأموي مولاهم صدوق فقيه في حديثه بعض لين وخُولط قبل موته بقليل كما في التقريب، رقم ٢٦١٦. قال الألباني في الإرواء ٦/ ١١٨: \"فهذا الإسناد إلى عمرو بن شعيب إن لم يكن حسنًا لذاته، فلا أقل من أن يكون حسنًا لغيره برواية إسماعيل بن عياش. . . وأما الحديث نفسه فهو صحيح لغيره، فإن له شواهد يتقوّى بها\".\n(^١) انظر: الرسالة ص ٦٤ - ٦٥.\n(^٢) انظر: العذب الفائض شرح عمدة الفرائض ١/ ٢٣، كشاف القناع ٤/ ٤٩٣ - ٤٩٤، شرح المارديني للرحبية ص ٣٦.\n(^٣) في (ت): \"الكافر والقاتل\".\n(^٤) سقطت من (ت) وفي (غ): \"على أنه\".","vol":"4","page":1360},{"text":"عليه أنه أريد به العموم. وبهذا يتبين أن البحث الذي قرره والدي - أحسن الله إليه - في أنَّ العام المخصوص حقيقةٌ؛ لأنه الذي قُصِد عمومُه مُخْرجًا منه بعض الأفراد كالاستثناء - ليس ذلك (^١)، وإنْ كان (^٢) للبحث (^٣) فيه مجال، فإنه نوع يصح إرادته.\nوقد وقف والدي - أيده الله تعالى - على ما أوردتُه مِنْ كلام الشافعي وقال: إن لم يصح ذلك البحث الذي قررناه - فالأمر كما قال الشافعي، وإن صح احتمل في التخصيص بالقاتل والكافر أن يكون عامًا مخصوصًا، وأن يكون مرادًا به الخصوص. ولا يمكن الوصول إلى العلم بحقيقته، إذ لا يعلمه إلا الله تعالى، والمتكلم به (^٤).\nوقد أطلنا الكلام في هذه المسألة، وأنا مِنْ عادتي في هذا الشرح الإطنابُ فيما لا يُوجد في غيره، ولا يُتَلقى إلا منه، من بحث مخترع، أو نقل غريب، أو غير ذلك، والاختصارُ في المشهور في الكتب؛ إذ لا فائدة في التطويل فيما سَبَقنا مَنْ هم سادتنا وكبراؤنا إلى جمعه، وهل ذلك إلا (^٥)\n_________\n(^١) قوله: \"ليس ذلك\" خبر \"أن\" في قوله: \"أن البحث الذي قرره والدي. . .\"، والمعنى: أن كلام والده عن العام المخصوص وأنه حقيقة إنما هو عن العام الذي لا يُنَزَّل فيه الأكثر منزلة الكل.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) في (ص): \"البحث\".\n(^٤) انظر مسألة الفرق بين العام المخصوص، والعام المراد به الخصوص في: البحر المحيط ٤/ ٣٣٦، شرح الكوكب ٣/ ١٦٥، المحلي على الجمع ٢/ ٤، إرشاد الفحول ص ١٤٠.\n(^٥) سقطت من (غ).","vol":"4","page":1361},{"text":"مجرد جمعٍ من كتب متفرقة، لا يصدق اسم المُصَنِّفِ على فاعله!.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-378>(الخامسة: المخصَّص بمعيَّنٍ حجة</span>، ومنعها عيسى بن أبان وأبو ثور، وفَصَّل الكرخي).\nيشبه أن تكون هذه المسألة مفرعةً على قول مَنْ يقول: العام المخصوص مجاز؛ فإنَّ مَنْ قال غير ذلك احتج به هنا لا محالة.\nوحاصل هذه المسألة أن العام إن خُصَّ بمبهم كما لو قيل: اقتلوا المشركين إلا بعضهم - فلا يحتج به على شيء من الأفراد؛ إذ ما مِنْ فرد إلا ويجوز أن يكون هو المخرج. وهذا قد ادعى جماعةٌ فيه الاتفاق (^١)، وهي دعوى غير مسموعة، فقد صَرَّح ابنُ بَرْهَان في \"الوجيز\" بأن محلَّ الخلاف فيما إذا خُصَّ بمبهم، فإن عبارته: العام إذا دخله التخصيص (^٢) لم يصر مجملًا، وقال عيسى بن أبان: إنْ كان التخصيص بدليل مجهول صار مجملًا (^٣). انتهى. وهو مصرِّحٌ بخلاف الدعوى، مع زيادة أن المختار عنده خلافها (^٤)، وهو قضية إيراد المحصول (^٥). والقاضي\n_________\n(^١) كالآمدي في الإحكام ٢/ ٢٣٣، والأصفهاني في بيان المختصر ٢/ ١٤٢، والقرافي في شرح التنقيح ص ٢٢٧.\n(^٢) أي: سواء كان التخصيص بمعيَّن أو مبهم.\n(^٣) انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ٢٣٣.\n(^٤) أي: أن ابن برهان صَرَّح بخلاف دعوى الاتفاق التي ادعاها جماعة، مع زيادة أن المختار عنده خلاف هذه الدعوى، وهو أن العام المخصَّص بمبهم ليس مجملًا.\n(^٥) وهو قوله: \"يجوز التمسك بالعام المخصوص، وهو قول الفقهاء\". فلم يفصِّل في الجواز، بل أطلق. ثم بعد ذلك صرَّح بما يختاره فقال: \"والمختار أنه لو خُصَّ تخصيصًا مجملًا لا يجوز التمسك به، وإلا جاز\". وهذا تصريح من الإمام بوجود الخلاف في المخصَّص بالمجمل. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٢، ٢٣.","vol":"4","page":1362},{"text":"في \"مختصر التقريب\" ذَكَرَ الخلافَ في العمومِ إذا خُصَّ هل يصرِ مجملًا؟ ولم يُقَيِّد بمبهم ولا معيَّن، ونَقَل مذهبَ ابن أبان عن كثير من الفقهاء من أصحاب الشافعي ومالكٍ وأبي حنيفة، وطائفةٍ من المتكلمين منهم الجبائي وابنه (^١). انتهى.\nووجه هذه الطريقة التي ذكرها ابن بَرْهان - كما ذَكَرَ -: أنا إذا نظرنا إلى فرد من الأفراد شككنا (^٢) فيه هل هو من المخْرَج؟ والأصل عدمه، فيبقى على الأصل، ويُعْمل به إلى أن لا يبقى فَرْدٌ (^٣).\nلكن الهندي رَدَّ هذا البحث: بأن المسألة مفروضة في الاحتجاج بالعام المخصوص فيما عدا المخصوص، وهذا البحث يقتضي صحة الاحتجاج في الجميع: المُخَصَّص وغيره (^٤)، ولا قائل به (^٥). انتهى.\n_________\n(^١) فمذهب ابن أبان وهؤلاء المذكورين - كما ذكر القاضي - هو أن العام المخصوص مجمل، سواء خُصَّ بمبهم أو معين؛ لأن القاضي لم يُقيِّد الخلافَ، كما ذكر الشارح. انظر: التلخيص ٢/ ٤٠، وهذا المذهب هو الذي حكاه البخاري عن ابن أبان في كشف الأسرار ١/ ٣٠٧، وكذا أبو الحسين في المعتمد ١/ ٢٦٥.\n(^٢) في (ت): \"وشككنا\".\n(^٣) المعنى: أن كل فردٍ من أفراد العام المخصوص بمبهم يُشَك فيه هل هو مخرج أم لا؟ والأصل عدم الخروج، والشك لا يَرْفع الأصلَ، فَيُعمل بكل فردٍ من أفراد هذا العام. وقوله: ويعمل به إلى أن لا يبقى فرد، معناه: يعمل به في جميع الأفراد حتى لا يبقى فردٌ لا يعمل به؛ لأن الجميع متساوٍ في كونه مشكوكًا، وفي كون الأصل عدم خروجه.\n(^٤) أي: بحث ابن برهان يقتضي صحة الاحتجاج في الجميع: المخصَّص وهو المُخْرَج، وغير المخصَّص وهو الباقي بعد التخصيص.\n(^٥) انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٤٨٦. قال الزركشي رحمه الله تعالى في البحر (٤/ ٣٥٨) رادًا على صفي الدين رحمه الله تعالى: \"وليس كما قال، فقد حكى =","vol":"4","page":1363},{"text":"ويتجه عندي أن يقال: يُحتج به إلى أن يبقى فرد واحد فلا يحتج به، هذا إذا خُصَّ بمبهم. أما إذا خُصَّ بمعيَّنٍ وهي مسألة الكتاب، كما لو قيل: اقتلوا المشركين إلا المستأمن، أو أهلَ الذمة - ففيه مذاهبُ:\nأصحها: عند الإمام وأتباعه منهم المصنف: أنه حجة في الباقي مطلقًا (^١). وهو قول معظم الفقهاء، واختاره الآمدي، وابن الحاجب (^٢).\n_________\n= الخلاف فيه صاحب \"اللباب\" من الحنفية، وعبارته: وقيل: إن كان المخصوص مجهولًا لم يثبت به الخصوص أصلًا، بل يبقى النص عامًا كما كان. كذا حكاه أبو زيد في \"التقويم\". وممن حكى الخلاف أبو الحسين بن القطان\". وفي فواتح الرحموت ١/ ٣٠٨: (و) قال (الجمهور) العام المخصوص (بمبهم ليس حجة خلافًا لفخر الإسلام) الإمام، وشمس الأئمة، والقاضي الإمام أبي زيد، وأكثر مُعْتَبَري مشايخنا (في) المخصِّص (المستقل) بل لا مخصِّص عندهم إلا هو، فإنه عندهم حجة ظنية (وقيل) إذا كان المخصِّص مستقلًا مبهمًا (يسقط المبهم، والعام يبقى كما كان) وإليه مال الشيخ أبو معين مِنّا. اهـ. وانظر: تيسير التحرير ١/ ٣١٣.\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٣، الحاصل ١/ ٥٣٣، التحصيل ١/ ٣٧٠، نهاية الوصول ٤/ ١٤٨٥، ١٤٨٦.\n(^٢) انظر: الإحكام ٢/ ٢٣٣، بيان المختصر ٢/ ١٤١، واختاره إمام الحرمين في البرهان ١/ ٤١٠ - ٤١٢، وصححه الغزالي في المستصفى ٣/ ٢٥٥ (٢/ ٥٧)، ونسبه ابن الهمام إلى الجمهور. انظر: تيسير التحرير ١/ ٣١٣، وكذا في المسلَّم مع الفواتح ١/ ٣٠٨. وهو مذهب أحمد ﵁ وأكثر الحنابلة. انظر: شرح الكوكب ٣/ ١٦١، المسودة ص ١١٦. وقال القرافي في شرح التنقيح ص ٢٢٧: \"وهو حجة عند الجميع إلا عيسى بن أبان، وأبا ثور\"، وكذا في إحكام الفصول ص ٢٤٧. وفي البحر المحيط ٤/ ٣٦٠: \"وقال ابن الصباغ في \"العدة\": إنه قول أصحابنا. . . وقال أبو زيد في \"التقويم\": إنه الذي صَحَّ عنده من مذهب السلف. قال: لكنه غير موجب للعلم قطعًا، بخلاف ما قبل التخصيص. وكذا قال السرخسي\". وانظر: أصول =","vol":"4","page":1364},{"text":"والثاني: أنه (^١) ليس بحجة (^٢). وهو قول عيسى بن أبان، وأبي ثور (^٣) (^٤). وهو مراد المصنف بقوله: \"ومنعها\" أي: ومنع حجيته.\nوالثالث: وبه قال الكرخي والبلخي، إنْ خُصَّ بمتصل كالشرط، والاستثناء، والصفة - فهو حجة. وإن خُصَّ بمنفصل فلا (^٥).\n_________\n= السرخسي ١/ ١٤٤، وإلى هذا القول صار جماهير المعتزلة. انظر: البرهان ١/ ٤١٠، المستصفى ٣/ ٢٥٤.\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) سواء كان المخصِّص مبهمًا أو معينًا. انظر: فواتح الرحموت ١/ ٣٠٨، تيسير التحرير ١/ ٣١٣، كشف الأسرار ١/ ٣٠٧، وكلام الشارح رحمه الله تعالى يدل على هذا التعميم؛ لأن من يجعل العام المخصوص بمعين مجملًا، فالمخصوص بمبهم من باب أولى.\n(^٣) هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان، أبو ثور الكلبي البغداديّ. ولد في حدود سنة ١٧٠ هـ. قال ابن حبان: \"كان أحد أئمة الدنيا فقهًا وعلمًا، وورعًا وفضلًا وخيرًا. ممن صنف الكتب وفرَّع على السنن، وذبّ عنها، وقمع مخالفيها\". توفي - ﵀ - في صفر سنة ٢٤٠ هـ. انظر: سير ١٢/ ٧٢، الطبقات الكبرى ٢/ ٧٤.\n(^٤) انظر: الإحكام ٢/ ٢٣٢، بيان المختصر ٢/ ١٤٤، كشف الأسرار ١/ ٣٠٧. وقد سبق بيان أن التخصيص عند الحنفية هو ما كان بمنفصل مستقل، لا بمتصل غير مستقل، وعلى هذا فقول عيسى بن أبان إنما يكون في المخصِّص المنفصل، بخلاف قول أبي ثور ﵁، فهو عام في المخصِّص المتصل والمنفصل.\n(^٥) كان الأنسب أن يَذْكر رأي عيسى بن أبان رحمه الله تعالى في هذا القول الثالث، كما في فواتح الرحموت ١/ ٣٠٨: (وقيل) العام (حجة إن خُصَّ بمتصل)، غير مستقل، وليس حجة إن خص بمستقل، وهو مختار الشيخ الإمام أبي الحسن الكرخي، والإمام عيسى بن أبان في رواية، وأبي عبد الله الجرجاني، وعندهم ليس المخصِّص إلا المستقل، ولذا لم يفصَّل في كتب مشايخنا، والمصنف إنما احتاج إلى التفصيل بالمتصل وغيره؛ لأنه جرى على اصطلاح الشافعية. ثم اعلم أنهم إنما يقولون ببطلان الحجية إذا كان المستقل كلامًا لا غير من العقل وغيره. اهـ. وانظر: كشف الأسرار ١/ ٣٠٧، تيسير التحرير ١/ ٣١٣. تنبيه: وردت النسبة إلى البلخي في الإحكام =","vol":"4","page":1365},{"text":"وهذا التفصيل يُفْهم من المسألة السابقة (^١)؛ فلذلك أهمل المصنف تبيينه، واقتصر على حكاية هذه الثلاثة.\nوالرابع: أن التخصيص إنْ كان قد منع من تعلق الحكم بالاسم العام، وأوجب تعلقه بشرط لا ينبئ عنه الظاهر - لم يجز التعلق به، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٢)؛ لأن قيام الدلالة على اعتبار النصاب، والحِرْزِ، وكون المسروق لا شبهةَ فيه للسارق (^٣) - يمنع مِنْ تعلق الحكم: وهو القَطْعُ، بعموم اسم السارق\n_________\n= ٢/ ٢٣٢، وفي نهاية الوصول ٤/ ١٤٨٥، وفي مختصر ابن الحاجب. انظر: بيان المختصر ٢/ ١٤١، وفي التحرير لابن الهمام. انظر: التيسير ١/ ٣١٣، لكن في البحر المحيط (٤/ ٣٦٢) وردت النسبة إلى محمد بن شجاع الثلجي، وتبعه على ذلك الشوكاني في إرشاد الفحول ص ١٣٨، وكذا وردت النسبة في ميزان الأصول ص ٢٩٠. وقد نبَّه الزركشي رحمه الله تعالى في \"المعتبر\" (١/ ١١٢) على أن اسم \"الثلجي\" وقع محرفًا بـ \"البلخي\" في مختصر ابن الحاجب، مع أنه بالثاء المثلثة ثم لام ساكنة ثم جيم. والثلجي بهذا اللقب هو الوحيد عند الحنفية كما في الجواهر المضية ٣/ ١٧٣، ونبه المحقق إلى أنه وقع مصحفًا في بعض النسخ بالبلخي. وعلى هذا فما ورد في النسخة المطبوعة للبحر المحيط - السالفة الذكر - محمد بن شجاع البلخي، إنما هو تصحيف، لا سيما وأن الزركشي نبه على ذلك في \"المعتبر\"، والشوكاني نقل عن البحر المحيط \"الثلجي\". وبهذا تعرف أن ما قاله الشيخ عبد الرزاق العفيفي رحمه الله تعالى في تعليقه على الإحكام ٢/ ٢٣٢: \"البلخي - فيه تحريف، والصواب الكرخي، وهو أبو الحسن عبد الله بن دلهم بن دلال الكرخي البغدادي\" ليس بصحيح، بل الصواب أنه إما الكرخي أو الثلجي، والله تعالى أعلم.\n(^١) انظر: ص ١٠٧٩.\n(^٢) سورة المائدة: الآية ٣٨.\n(^٣) انظر: بداية المجتهد ٢/ ٤٤٦ - ٤٥١.","vol":"4","page":1366},{"text":"وموجِبٌ لتعلقه بشرطٍ لا ينبئ عنه ظاهر اللفظ (^١).\nوإنْ كان التخصيص لا يَمْنع من تعلق الحكم به (^٢) - جاز التعلق به، كما في قوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٣)؛ لأن قيام الدلالة على المنع مِنْ قتل أهل الذمة لا يمنع من تعلق الحكم وهو القتل، باسم المشركين (^٤). وهو قول أبي عبد الله البصري (^٥).\nوالخامس: أن العام المخصوص إنْ كان بحيث لو تُرِكْنا وظاهرَه مِنْ غير بيان التخصيص - لكنا نمتثل ما أريد منا، ونضم إليه شيئًا آخرَ لم يُرَد منا، كقوله تعالى: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (^٦)، فإنا لو خُلِّينا وظاهرَه لَكُنَّا نقتل كُلَّ مَنْ صَدَق عليه الاسم: من الحربي، والذمي، والمستأمن. فكنا قد\n_________\n(^١) المعنى: أن حكم القطع منوط باللفظ العام في الآية وهو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، فجاء المخصِّص وألغى هذا التعلق بالعموم، وجعل الحكم منوطًا بشروطٍ لا يدل عليها اللفظ العام، فأصبح الحكم غير منوط بعموم اللفظ، بل بتلك الشروط في كل الأحوال، ففي هذه الحالة لا يجوز التعلق بالاسم العام.\n(^٢) سقطت من (ت)، والضمير في \"به\" يعود إلى اسم العام.\n(^٣) سورة التوبة: الآية ٥. (في النسخ: \"اقتلوا\" بدون الفاء).\n(^٤) أي: أن المخصِّص ألغى التعلق ببعض الأفراد، ولم يلغ التعلق بالاسم العام، فلا زال حكم القتل متعلقًا بلفظ \"المشركين\"، وإن خرج بعض الأفراد. والحاصل أن حالة تقييد العموم بالشروط غير حالة إخراج بعض الأفراد، ففي الأولى إلغاء التعلق بالعموم، وفي الثانية إلغاء التعلق ببعض الأفراد.\n(^٥) انظر: المعتمد ١/ ٢٦٥، ٢٦٦، نهاية الوصول ٤/ ١٤٨٦.\n(^٦) في النسخ \"اقتلوا\". والآية بالفاء.","vol":"4","page":1367},{"text":"امتثلنا في ذلك (^١) ما أريد منا، وما لم يُرَد - جاز التمسك به (^٢).\nوإنْ كان العام بحيث لو تُرِكنا وظاهره من غير بيان التخصيص لم يمكنا أن نمتثل ما أريد منا - لم يجز التمسك به. وهو كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٣)؛ لأنه لو لم يبين مراده - لم يمكنا فعلَ ما أراده من الصلاة الشرعية أصلًا، بخلاف آية السرقة فإنا لو خُلِّينا وظاهرَها - لَكُنَّا قطعنا كلَّ سارق، وفي ذلك امتثال ما أريد منا ولم يُرَدْ (^٤). وهذا قول القاضي عبد الجبار (^٥).\nوالسادس: أنه يجوز التمسك به في أقل الجمع (^٦)، ولا يجوز فيما زاد عليه (^٧). قال الهندي: وهذا يشبه أن يكون قول من لا يُجَوِّز التخصيص إلى أقلَّ مِنْ أقلِّ الجمع (^٨).\n_________\n(^١) أي: في قتل كلِّ مَنْ صدق عليه الاسم.\n(^٢) أي: بالعام، وقوله: \"جاز التمسك به\" جواب \"إن\" الشرطية في قوله: إن كان بحيث لو تُرِكنا. . . إلخ، والجملة الشرطية وفعلها وجوابها، وهي: بحيث لو تُرِكنا. . . إلخ، هي فعل الشرط لقوله: إنْ كان. والمعنى: أنا إذا تُركنا وعمومَ النص من غير بيان التخصيص - فإن عموم النص يجعلنا نمتثل ما أريد منا بقتل الحربي، ونفعل ما لم يُرَد منا وهو قتل الذمي والمستأمن، فهذا العام يجوز التمسك به.\n(^٣) سورة الأنعام: الآية ٧٢.\n(^٤) أي: وما لم يرد. كما هي أصل العبارة في نهاية الوصول ٤/ ١٤٨٨.\n(^٥) انظر: المعتمد ١/ ٢٦٦، نهاية الوصول ٤/ ١٤٨٧.\n(^٦) سقطت الواو من (ت).\n(^٧) انظر: المستصفى ٣/ ٢٥٤ (٢/ ٥٧)، الإحكام ٢/ ٢٣٣، البحر المحيط ٤/ ٣٦٣.\n(^٨) نهاية الوصول ٤/ ١٤٨٨.","vol":"4","page":1368},{"text":"قلت: وإذا تقرر أن الخلاف جار في العام المخصوص مطلقًا، سواء كان بمبهم أو معيَّن - جاء مذهب سابع: وهو التفصيل بين المُعَيَّن والمبهم، كما أورده الإمام (^١).\nقال: (لنا: أن دلالته على فرد لا تتوقف على دلالته على الآخر؛ لاستحالة الدور، فلا يلزم من زوالِها زوالُها).\nاستدل على ما اختاره بأن دلالةَ العام على فرد من أفراده لا تتوقف على دلالته على الآخر؛ لأن دلالتَه مثلًا على الباقي لو توقفت على البَعْضِ المُخْرَج؛ فإن لم تتوقف دلالتُه على المُخْرَج على الباقي - كان ذلك تحكمًا؛ إذ دلالة العام على كل أفراده متساوية. وإن توقفت عليه - لزم الدور؛ لتوقف كل منهما على الآخر، والدور مستحيل؛ فدلالته على كل (^٢) فردٍ لا تتوقف على دلالته على غيره من الأفراد. وإذن لا يلزم من زوال الدلالة عن بعض الأفراد - زوالُها عن البعض الآخر، فلا يكون حجة (^٣).\n_________\n(^١) وهناك مذهب ثامن حكاه الغزالي في المنخول ص ١٥٣، عن أبي هاشم من المعتزلة: وهو أن نتمسك به في واحد، ولا نتمسك به جميعًا. وهذا إذا كان المخصوص معلومًا.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) أي: فلا يكون البعض الآخر حجة في حال تقدير زوال الدلالة عنه بزوال الدلالة عن بعض الأفراد. أو: فلا يكون زوال الدلالة عن البعض حجة في زوالها عن البعض الآخر.","vol":"4","page":1369},{"text":"وهذا الدليل ضعيفٌ من وجهين:\nأحدهما: أن هذا دورُ مَعِيَّةٍ لا سَبْق، فلا استحالة فيه. ويظهر هذا بمعرفة دور السبق والمعية (^١)، فنَقول: تَوَقُّفُ كلِّ واحدٍ من الشيئين على الآخر إن كان (توقُّفَ قبليَّةٍ وبعديَّة) (^٢) - فهو الدور السبقي الذي يستحيل وقوعه.\nومثاله: إذا قال زيد: لا أخرج من الدار حتى يخرج عمرو قبلي. وقال عمرو: لا أخرج منها حتى يخرج زيد قبلي.\nوإن لم يكن سبقيًا، كما إذا قال كلٌّ منهما: لا أدخل حتى يدخل الآخر - فلا استحالة فيه؛ لجواز دخولهما معًا. وهذا هو المَعْنِيُّ، وهو الموجود في دلالة العام (^٣).\nوالثاني: أن دلالةَ العام على كلِ فردٍ مشروطةٌ باستعماله في الموضوع: وهو الاستغراق، فإذا لم يُستعمل فيه جاز في كل واحدٍ أن يكون مرادًا، وأن لا يكون، فلا يكون حجة في شيء منه (^٤).\n_________\n(^١) انظر: آداب البحث والمناظرة للشنقيطي ١/ ٤٤.\n(^٢) في (ص): \"توقف قبله وبعده\". وهو خطأ.\n(^٣) فدلالة العام على الباقي تتوقف على دلالته على المُخْرج وبالعكس، وهذا التوقف مِنْ قبيل الدور المعي لا السبقي، فلا استحالة فيه. انظر: نهاية السول ٢/ ٤٠٢، السراج الوهاج ١/ ٥٣٣، ٥٣٤.\n(^٤) أي: شَرْط دلالة العام على كل فردٍ أن يكون مُسْتَعْملًا بمعنى الاستغراق، فإذا استعمل بغير معنى الاستغراق، بأن يُخَصَّص بمخصِّص - خرج عن كونه عامًا دالًا على كل فردٍ، وجاز في كل واحدٍ من أفراده أن يكون مرادًا، وأن لا يكون، فلا يكون العام حجة بعد التخصيص في أي فردٍ من أفراده.","vol":"4","page":1370},{"text":"والأَولى التمسك بما درج عليه السالفون من الصحابة والتابعين، فإنهم استدلوا بأكثر العمومات المخصوصة من غير نكير، بل لو صح ما ذكروه - لانسد باب التمسك باللفظ العام؛ إذ ما مِنْ عامٍّ في حكمٍ شرعيٍّ إلا وهو مخصوص، وعلى ما قالوه يمتنع الاستدلال به (^١).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-379>(السادسة: يُستدل بالعامِّ ما لم يظهر مخصِّصٌ. وابن سريج أوجب طلبه أوَّلًا)</span>.\nهل يجوز أن يُستدل بالعام قبل البحث عن المخصِّص؟ فيه مذهبان:\nأحدهما: الجواز. وهو قول الصيرفي وإليه مال الإمام (^٢).\nوالثاني: المنع. وهو قول أبي العباس بن سريج (^٣).\n_________\n(^١) انظر حكم الاحتجاج بالعام بعد التخصيص في: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٢، الحاصل ١/ ٥٣٢، التحصيل ١/ ٣٧٠، نهاية الوصول ٤/ ١٤٨٤، نهاية السول ٢/ ٤٠٠، السراج الوهاج ١/ ٥٣١، الإحكام ٢/ ٢٣٢، المحلي على الجمع ٢/ ٦، البحر المحيط ٤/ ٣٥٧، المعتمد ١/ ٢٦٥، الوصول إلى الأصول ١/ ٢٣٣، شرح تنقيح الفصول ص ٢٢٧، بيان المختصر ٢/ ١٤١، تيسير التحرير ١/ ٣١٣، فواتح الرحموت ١/ ٣٠٨، شرح الكوكب ٣/ ١٦١، نزهة الخاطر ٢/ ١٥٠.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٩ - ٣٢، اللمع ص ٢٨، واختاره صاحب الحاصل ١/ ٥٣٤، وصاحب التحصيل ١/ ٣٧٢، وهو مذهب جمهور الحنفية والحنابلة، ورواية عن أحمد ﵁، وهو مذهب ابن حزم رحمه الله تعالى، وجميع الظاهرية. انظر: العدة ٢/ ٥٢٥ التمهيد ٢/ ٦٥، نزهة الخاطر ٢/ ١٥٧، شرح الكوكب ٣/ ٤٥٦، أصول السرخسي ١/ ١٣٢، فواتح الرحموت ١/ ٢٦٧، الإحكام لابن حزم ٣/ ٣٦١.\n(^٣) وجمهور الشافعية منهم: أبو سعيد الإصطخري، وأبو إسحاق المروزي، وأبو إسحاق الشيرازي، والجويني، والغزالي، وصفي الدين الهندي، وغيرهم، وهو مذهب =","vol":"4","page":1371},{"text":"واعلم أن إثبات الخلاف في هذه المسألة على هذا الوجه هو إيراد الإمام وجمهور أتباعه. وادَّعى جمع من المتأخرين أن ذلك غير معروف بل باطل، محتجين بأن الذي قاله الغزالي فَمَنْ بَعْدَه كالآمدي وغيرِه: أنه لا يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصِّص إجماعًا (^١). ثم اختلفوا:\nفمِنْ قائل: يبحث إلى أن يَغْلب على الظن عدمُ المخصِّص (^٢).\n_________\n= المالكية، وبعض الحنفية كابن الهمام، وبعض الحنابلة كأبي الخطاب والمجد ابن تيمية، ورواية عن أحمد ﵁، بل قال المجد: \"ألفاظ أحمد كالصريحة بالرواية التي نصرها أبو الخطاب، لكن إنما هو فيمن لم يسمعه من النبي - ﷺ -\". المسودة ص ١١٠. انظر: اللمع ص ٢٨، شرح اللمع ١/ ٣٢٦، التبصرة ص ١١٩، البرهان ١/ ٤٠٦، المستصفى ٣/ ٣٧٠ (٢/ ١٥٧)، نهاية الوصول ٤/ ١٤٩٩، المحلي على الجمع ٢/ ٨، سلاسل الذهب ص ٢٢٠، الإحكام ٣/ ٥٠، إحكام الفصول ص ٢٤٢، نفائس الأصول ٥/ ١٩٦١، بيان المختصر ٢/ ٤١٢، تيسير التحرير ١/ ٢٣٠، المسودة ص ١١، ١٠٩، شرح الكوكب ٣/ ٤٥٦، إرشاد الفحول ص ١٣٩.\n(^١) انظر: المستصفى ٣/ ٣٧٠ (٢/ ١٥٧)، الإحكام ٣/ ٥٠، وكذا حكاه ابن الحاجب. انظر: بيان المختصر ٢/ ٤١٢، وأقر هذا الإجماع الكمال بن الهمام رحمه الله تعالى، واعتبر خلاف الصيرفي غير معتبر؛ لأنه كما قال إمام الحرمين: ليس هذا القول من مباحث العقلاء، بل صدر عن غباوة وعناد.\nانظر: تيسير التحرير ١/ ٢٣٠ - ٢٣١، وقد رد أمير بادشاه على الكمال في الشرح، وكذا الأنصاري في \"الفواتح\" ١/ ٢٦٧.\n(^٢) وإليه ذهب ابن سريج، وإمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، وصفي الدين الهندي، وابن الحاجب، والكمال ابن الهمام، وأكثر الأصوليين.","vol":"4","page":1372},{"text":"ومِنْ قائل: لا يكفي الظن، ولا يُشْترط القطع، بل لا بد من اعتقادٍ جازم تسكن النفس إليه (^١).\nومِنْ قائل: لا بد من القطع (^٢)، وعليه القاضي. قال: ويحصل ذلك بتكرير النظر والبحث، واشتهار كلام الأئمة (^٣).\nقالوا: وليس خلاف الصيرفي إلا في اعتقادٍ عمومه قبل دخول وقت العمل به، وإذا ظهر مُخَصِّص تغير الاعتقاد. هكذا نقله عنه إمام الحرمين، ثم الآمدي وغيره (^٤).\nواشْتَهَرت هذه المقالةُ حتى تولَّعت الألسنُ: بأن هذا المكان من غَلَطات الإمام.\n_________\n= انظر: المستصفى ٣/ ٣٧٣، ٣٧٤، البرهان ١/ ٤٠٧، ٤٠٨، نهاية الوصول ٤/ ١٤٩٩، بيان المختصر ٢/ ٤١٢، تيسير التحرير ١/ ٢٣١، الإحكام ٣/ ٥١.\n(^١) أي: لا بد من اعتقاد جازم بأن لا مخصِّص، وعلامة هذا الجزم سكون النفس إليه، سواء كان مصيبًا عند الله تعالى أو ليس مصيبًا. أما إذا كان يشعر بجواز دليل يشذ عنه، ويحيك في صدره إمكانه - فلا. انظر: المستصفى ٣/ ٣٧١.\n(^٢) أي: من القطع بعدم المخصِّص في الواقع ونفس الأمر؛ لأن اعتقادَ الجزمِ من غير دليلٍ قاطعٍ سلامةُ قلبٍ وجهلٌ، بل العالم الكامل تشعر نفسه بالاحتمال حيث لا قاطع ولا تسكن نفسه إذ ذاك. انظر: المستصفى ٣/ ٣٧١.\n(^٣) لأن المسألة التي طال خوض العلماء فيها، وكثر بحثهم عنها، يستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم وجود مخصِّص لو وجد، فهذا يفيد القطع بعدم الوجود. انظر: المستصفى ٣/ ٣٧٢، نهاية الوصول ٤/ ١٤٩٨ - ١٤٩٩، تيسير التحرير ١/ ٢٣١.\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٤٠٦، الإحكام ٣/ ٥٠.","vol":"4","page":1373},{"text":"وأنا أقول: قد سبق الإمامَ بهذا النقل الثقةُ الثبتُ الشيخُ أبو إسحاق الشيرازي فقال في \"شرح اللمع\" ما نصه: إذا وَرَدت هذه الألفاظ الموضوعة للعموم هل يجب اعتقاد عمومها (عند سماعها، والمبادرة إلى العمل بمقتضاها، أو يتوقف فيها؟ اختلف (^١) أصحابنا، فقال أبو بكر الصيرفي: يجب اعتقاد عمومها) (^٢) في الحال (عند سماعها) (^٣)، والعمل بموجبها (^٤). انتهى. وكذلك الأستاذ أبو إسحاق في \"أصوله\" الذي انتخبه والدي أيده الله، ولفظه: قيل: يلزم. وقيل: لا يلزم. ويُعرض على الأصول الممهدة (^٥)؛ لجواز أن يكون فيها ما يخصِّصه. وأفاد الأستاذ في هذه المسألة فائدةً جليلةً: وهي أن الخلاف ليس إلا فيما إذا ورد الخطاب العَامُّ بعد وفاة النبي - ﷺ -. أما إذا ورد في عهده وجبت المبادرة إلى الفعل على عمومه؛ لأن أصول الشريعة لم تكن متقررة (^٦).\nوقد بان لك بهذين النقلين أنَّ ما نقله الإمام غير مستنكر، وهو أولى وأوجه من القول بإيجاب اعتقاد العموم على جزمٍ، ثم حين ظهور المخصِّص\n_________\n(^١) في (ت): \"وقد اختلف\". والمثبت موافق لما في \"شرح اللمع\".\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) سقطت من (غ)، و(ك).\n(^٤) انظر: شرح اللمع ١/ ٣٢٦.\n(^٥) المراد بها: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.\n(^٦) انظر: تيسير التحرير ١/ ٢٣١، فواتح الرحموت ١/ ٢٦٧، المحلي على الجمع ٢/ ٨، المسودة ص ١١٠، البحر المحيط ٤/ ٥٣ - ٥٨.","vol":"4","page":1374},{"text":"يتغير الاعتقاد، فإنه مذهب في غاية السقوط، لا وجه له، ولا حاصل تحته.\nوقال إمام الحرمين: إنه عنده غيره معدود من مباحث العقلاء، ومضطرب العلماء. قال: وإنما هو قولٌ صَدَر عن غباوة، واستمرارٍ في عناد (^١). انتهى. وهذا بخلاف القولِ بالعمل بالعام ابتداءً، فإنه ذو وَجْهٍ ظاهرٍ وجيه.\nقال: (لنا: لو وجب - لوجب طلبُ المجاز للتحرز عن الخطأ. واللازم منتف. قال: عارَضَ دلالتَه احتمالُ المخَصِّص. قلنا: الأصل يدفعه).\nهذا دليل على ما اختاره من وجوب العمل بالعام ابتداءً، وتقريره: لو وجب طلب المخصِّص والبحثُ عنه قبل التمسك بالعام - لوجب طلبُ المجاز عند استعمال اللفظ في حقيقته. واللازمُ منتفٍ، فالملزومُ مثله.\nأما وجه الملازمة - فلأن الطلب في الصورة الأولى إنما هو للاحتراز عن المفسدة، واحتمالِ ضررِ الخطأ، وهذا المعنى موجودٌ في الحقيقة.\nوأما انتفاء اللازم - فظاهرٌ؛ إذ لم يزل (^٢) العلماء خلفًا عن سلف - على ممر الدهور وتعاقب الأزمنة - يحملون اللفظَ على حقيقته، من غير بحثٍ عن المجاز. ومنهم من ادعى الإجماعَ على أنَّه لا يجب طلب المجاز، ولكن فيه نظر، فقد نُقِلَ التفات ابنِ سريجٍ إلى\n_________\n(^١) انظر: البرهان ١/ ٤٠٦ - ٤٠٧.\n(^٢) في (ت): \"لم تزل\".","vol":"4","page":1375},{"text":"وجوبه، وصَرَّح القرافي بأنَّ المسألتين على السواء (^١).\nوعلى تقدير صحة الإِجماع فالفرقُ واضح؛ وذلك لأن احتمال وجودِ المخصِّص أقوى (^٢)؛ إذ ما من عام إلا وقد تطرق إليه التخصيص، كما قاله إمام الحرمين (^٣). قال والدي فسح الله في مدته (^٤): ويوضح هذا التفريق أن في العام دلالتين: إحديهما على أصل المعنى وهي نص، والأخرى على استغراق الأفراد وهي ظاهرة (^٥). واحتمال المجاز حاصل في الأولى، وفي كل\n_________\n(^١) أي: على السواء في الخلاف. وعبارته في نفائس الأصول ٥/ ١٩٦١: \"والمسألتان سواء، ولا يجوز الاعتماد على شيء من الحقائق إلا بعد الفحص عن المجاز، ولا شيء من النصوص إلا بعد الفحص عن الناسخ، ولا شيء من الأقيسة إلا بعد الفحص عن المانع من اعتبار ذلك القياس من الفوارق أو النصوص أو غيرها، بل جميع مدارك الشرع كذلك، لا يجوز التمسك بشيء منه إلا بعد بذل الجهد في نفي المُعَارض، وهل له مُعَارِض يُقَدَّم عليه أم لا؟ \".\n(^٢) أي: أقوى من احتمال وجود المجاز، فقياس العام على الحقيقة في عدم البحث عن المُعَارض - قياسٌ مع الفارق.\n(^٣) انظر: البرهان ١/ ٤١١، وعبارته: \". . . جميع الألفاظ المتعلقة بالأحكام من الكتاب والسنة يتطرق إليها الخصوص، وإن استوعب الطالب عمره مُكِبًا على الطلب الحثيث - فلا يطلع على عام شرعي لا يتطرق إليه الخصوص\".\n(^٤) هكذا في جميع النسخ، ما عدا (ص)، وقد نبهت قبل هذا على أن ناسخ (ص) أو مَنْ نقل عنه تصرف في مثل هذا، واستبدله بـ: \"﵀\" ومثل هذه العبارة تدل قطعًا على أن التاج رحمه الله تعالى أكمل شرح والده في حياته.\n(^٥) أي: دلالة اللفظ على أنه عام ليس بخاص قطعية، ودلالته على أنه مستغرق لأفراد عمومه ظاهرة ظنية، فالعام قطعي الحقيقة، ظني الاستغراق.","vol":"4","page":1376},{"text":"حقيقة يدل اللفظ فيها على معنى مُفْرد، والدلالة الإفرادية عليه قطعية؛ فلذلك لم يطلب المجاز (^١). واحتمال التخصيص إنما هو في الثانية (^٢). قال: ومن تأمل هذا الكلام عَلِم أنَّ إيرادَ الحقيقة على العام ساقط؛ لأن في العام حقيقة ومجازًا يشارك (^٣) فيهما غيرَه لا يُتَوقف فيهما، وفيه تخصيص ينفرد به لا يوجد مثله في الحقيقة (^٤). قال: وهذا نفيسٌ جدًا.\nقلت: ونظيره على العكس قولنا: \"لا رجلَ\" بالفتح نَصٌّ في الاستغراق، وإنْ كان يحتمل (^٥) المجاز؛ لإرادة: لا غلامَ\n_________\n(^١) أي: الدلالة الأولى الإفرادية: التي هي دلالة اللفظ على أصل معنى العموم (أي: كونه عامًا ليس بخاص) - قطعية، ولذلك لا تحتمل هذه الدلالة المجاز، فلا يُطلب ولا يُبحث عنه.\n(^٢) أي: الدلالة الثانية للعام: وهي الدلالة على استغراقه لأفراده كلها - ظاهرة ظنية تحتمل المجاز، أي: تحتمل أن تكون لغير معنى الاستغراق فلا تشمل جميع الأفراد، ومن ثَمَّ يدخلها التخصيص.\n(^٣) في (ص): \"شارك\".\n(^٤) المعنى: أن قياس العام على الحقيقة غير صحيح؛ لأن شرط القياس التساوي في العلة، والعام لا يساوي الحقيقة، وبيان ذلك أن العام فيه حقيقة ومجاز كما سبق بيانه، وهو من هذه الجهة كغيره من الألفاظ المشتملة على الحقيقة والمجاز، ولكن الذي ينفرد به العام ولا يوجد في غيره من الألفاظ هو تخصيصه ببعض أفراده، لأن غير العام لا يدل على أفرادٍ متعددة بالشمول، وعلى هذا فإلحاق حكم العام في العمل به قبل البحث عن المخصص، بحكم الحقيقة في العمل بها قبل البحث عن المجاز - غير سديد؛ لاختلافهما في الوصف.\n(^٥) في (ص): \"محتمل\".","vol":"4","page":1377},{"text":"رجلٍ (^١).\nولا رجلٌ: بالرفع ظاهر (^٢) في الاستغراق لا نصٌّ. فهذا نظير العام، والأول نظير الحقيقة (^٣).\nوإنما قلنا: على العكس؛ لأن نصية الاستغراق في الأول لا في الثاني، فلا رجلَ بالفتح: عمومه نَصٌّ مقطوعٌ به، وحقيقته ظاهرة، عكس العام.\nولا رجلٌ بالرفع: عمومه ظاهر، وحقيقته محتملة للمجاز، كغيرها من الحقائق. (والله الموفق) (^٤).\nقوله: \"قال عارض\" أي: احتج ابن سُرَيجٍ على مذهبه: بأنَّ العام وإنْ\n_________\n(^١) فالقطعية هنا في الاستغراق، والظنية في الحقيقة، عكس العام، فقوله: لا رجل، يحتمل أن يريد بحقيقة الرجل المجاز، وهو: غلام رجل.\n(^٢) في (ت)، و(ص): \"ظاهرة\".\n(^٣) أي: قوله: \"لا رجلَ\" بالفتح نظير الحقيقة في احتمالِ الماهيةِ المجاز. وإنما كان قوله: \"لا رجلَ\" بالفتح نصًا في الاستغراق؛ لأن \"لا\" في حالة الفتح تتعين لنفي الجنس، ونفيه في العرف واللغة لا يكون إلا بنفي جميع الأفراد. وأما في حالة الرفع \"لا رجلٌ\" فإن \"لا\" تعمل عمل ليس، ويحتمل أن تكون لنفي الجنس، وأن تكون لنفي الوحدة؛ لأن النكرة المنونة تدل على الجنس مع الوحدة، فالنفي فيه يحتمل أن يتوجه إلى صفة الوحدة فلا ينتفي الجنس، بل يتحقق في ضمن الكثرة، فيصح: لا فيها رجلٌ بل رجلان أو رجال. ويحتمل أن يتوجه إلى الجنس فيفيد العموم. وهذا الاحتمال هو الأرجح. انظر: فتح الغفار ١/ ١٠٠، فواتح الرحموت ١/ ٢٦٠، المحلي على الجمع ١/ ٤١٤، شرح الكوكب ٣/ ١٣٨، شرح التنقيح ص ١٨٢، نفائس الأصول ٤/ ١٧٩٦، البحر المحيط ٤/ ١٤٩ - ١٥٤، نشر البنود ١/ ٢١٧.\n(^٤) سقطت من (ص).","vol":"4","page":1378},{"text":"دلَّ على ثبوت الحكم في جَميع الأفراد - فاحتمال المخصِّص يعارضه؛ لأن العام قبل طلب المخصص يحتمل التخصيص، ويحتمل عدمه احتمالًا على (^١) السواء.\nوأجاب: بأن الأصلَ عدمُ المخصِّص، والاحتمال بمجرده لا يصلح معارضًا لهذا الأصل؛ فيكون مرجوحًا (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>فائدة:</span>\nإذا اقتضى اللفظُ العامُّ عملًا مؤقتًا، وضاق الوقت عن طلبِ الخصوص، فهل يُعمل بالعموم أو يتوقف فيه؟ اختلف أصحابنا في ذلك، كما حكاه ابن الصباغ في كتابه \"عدة العالم\" في آخر مسألة إسماعِ اللهِ المكلفَ اللفظَ العامَّ دون مخصِّصه.\nوللخلاف نظائر كثيرة (^٣) في المذهب:\nمنها: هل للمجتهد التقليدُ عند ضيق الوقت، ليَعْمل به أم لا؟\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٢) انظر المسألة السادسة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٩، الحاصل ١/ ٥٣٤، التحصيل ١/ ٣٧٢، نهاية الوصول ٤/ ١٤٩٥، الإحكام ٣/ ٥٠، البرهان ١/ ٤٠٦، المستصفى ٣/ ٣٧٠ (٢/ ١٥٧)، التلخيص ٢/ ١٦٢، المحلي على الجمع ٢/ ٨، البحر المحيط ٤/ ٤٧، بيان المختصر ٢/ ٤١٢، إحكام الفصول ٢/ ٢٤٢، تيسير التحرير ١/ ٢٣٠، فواتح الرحموت ١/ ٢٦٧، شرح الكوكب ٣/ ٤٥٦، العدة ٢/ ٥٢٥، المسودة ص ١١، ١٠٩، الإحكام لابن حزم ٣/ ٣٦١.\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ).","vol":"4","page":1379},{"text":"فيه (^١) وجهان، الأول منهما: وهو الجواز - قَوْلُ ابن سريج. قال: ولا يجوز له أن يفتي. قال الرافعي: وقياسه أن لا يجوز القضاء وأَوْلى. ومنهم مَنْ طَردَ قول ابن سريج في القضاء. قال الرافعي: ومن قال به فقياسه طَرْدُه في الفتوى.\nومنها: لا يجوز للقادر على الاجتهاد في القبلة أن يُقَلِّد غيره. فإن ضاق عليه الوقت، وظن أن وقت الصلاة ينتهي قبل اجتهاده، فهل يقلِّد ويصلي في الوقت، أو يتمادى في نظره إلى تمام الاجتهاد؟ فيه وجهان.\nومنها: لو (^٢) استيقظ قبيل الوقت، وكان بحيث لو اشتغل بالوضوء لخرج الوقت - فهل يباح له التيمم، أو يتوضأ ويصلي خارج الوقت؟ فيه وجهان.\n_________\n(^١) في (ت)، و(ك)، و(غ): \"وفيه\".\n(^٢) في (ت): \"إذا\".","vol":"4","page":1380},{"text":"الفصل الثالث: المخصص","vol":"4","page":1381},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-381>(الفصل الثالث: في المخصِّص</span>.\nوهو متصل، ومنفصل. والمتصل أربعة: الأول: الاستثناء: وهو الإخراج بإلا غيرِ الصفة، ونحوها. والمنقطع مجاز).\nالمخصِّص في الحقيقة هو إرادة المتكلم كما سبق، ويطلق على الدال على الإرادة مجازًا، وهو المراد هنا. ثم هو إما متصل، أو منفصل؛ لأنه إما أن يستقل بنفسه فالمنفصل، أَوْ لا بل تَعَلَّق معناه باللفظ الذي قبله فالمتصل. وقَسَّمه المصنف تبعًا للأكثر إلى أربعةٍ: الاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية. وزاد ابن الحاجب خامسًا: وهو بدل البعض من الكل. مثل قولك: أكرِم الناسَ عالمهم. ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ (^١).\nالأول: الاستثناء، وعَرَّفه بما ذكر فقوله: \"إخراج\" جنسٌ يندرج تحته كلُّ المخصِّصات.\nوقوله: \"بإلا\" خَرَج به ما عدا الاستثناء.\nقوله: \"ونحوها\" يعني: مثل: خلا، وعدا، وحاشا، وسوى. ثم إنه شَرَط في \"إلا\" أن تكون غيرَ صفةٍ، يعني: بمعنى غير (^٢)، كما في قوله\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٧١.\n(^٢) قال الإسنوي رحمه الله تعالى في نهاية السول ٢/ ٤٠٧: وقوله: \"غير الصفة\" احتراز عن \"إلا\" إذا كانت للصفة بمعنى غير: وهي التي تكون تابعة لجمع منكور غير محصور. اهـ. أي: تابعة لجمع لا يدخل فيه المستثنى لو سُكت عن الاستثناء. انظر: كشف الأسرار ٣/ ١٢١.","vol":"4","page":1383},{"text":"تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (^١)، أي: غير الله، فإنها ليست للاستثناء. ومثله: جاءني رجالٌ إلا زيدًا. فإنه ليس باستثناء أيضًا، إذ لا يمكن أن يكون متصلًا؛ لأن شرط المتصل أن يكون لولا الاستثناء لوجب دخوله، وليس كذلك ها هنا (^٢)؛ لأن بتقدير عدم الاستثناء لا يجب دخول زيد في \"رجال\"؛ لأنه لا يعم كما سبق ولا أن يكون منفصلًا؛ لأن شرط المنفصل أن لا (^٣) يكون المستثنى داخلًا؛ وهنا يجوز أن يكون داخلًا.\nوقد أُورد على هذا التعريف: أنه غير جامع؛ لخروج الاستثناء المنقطع عنه؛ وذلك لأن المستثنى في الاستثناء المنقطع مثل: قام القوم إلا حمارًا - غير داخل في المستثنى منه ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (^٤)، قال القاضي في \"مختصر التقريب\": والأصح أنه ليس من الملائكة (^٥). وكذلك قوله\n_________\n(^١) سورة الأنبياء: الآية ٢٢.\n(^٢) في (ت) و(غ)، و(ك): \"هنا\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سورة الحجر: الآية ٣٠، ٣١. سورة ص: الآية ٧٣، ٧٤.\n(^٥) انظر: التلخيص ٢/ ٦٨، ٦٩. وذكر القرطبي أن الجمهور على أنه من الملائكة، وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، ورجَّحه الطبري. وقال سعيد بن جبير ﵁: إن الجن سبطٌ من الملائكة خُلقوا من نار، وإبليس منهم، وخُلق سائر الملائكة من نور. وقال ابن زيد والحسن وقتادة أيضًا: إبليس أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر، ولم يكن مَلَكًا. ورُوي نحوه عن ابن عباس، وقال: اسمه الحارث.\nانظر: الجامع لأحكام القرآن ١/ ٢٩٤، زاد المسير ١/ ٦٥، تفسير ابن كثير ١/ ٧٥، ٣/ ٨٨، تفسير الطبري ١/ ٥٠٢.","vol":"4","page":1384},{"text":"تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (^١)، و﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (^٢).\nوأجيب: بأن إطلاق الاستثناء على المنقطع مجاز، والحد للاستثناء الحقيقي.\nوإلى الاعتراض وجوابه أشار بقوله: \"والمنقطع مجاز\" على أنَّ منهم من يقول: المنقطع حقيقة (^٣).\nوأُورد على التعريف أيضًا بأنَّ (^٤) لفظة \"إلا\" أُخِذت في لَفْظِهِ، وهي من أدوات الاستثناء، فيكون تعريفًا للشيء بنفسه. وبأنَّه أتى في التعريف بالواو في قوله: \"ونحوها\"، وهو غير سديد، والصواب الإتيان بأو (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ٩٢.\n(^٢) سورة النساء: الآية ١٥٧.\n(^٣) انظر: المحلي على الجمع ٢/ ١٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٣٢، نشر البنود ١/ ٢٤٤، لاستغناء في الاستثناء ص ٤١٥، فواتح الرحموت ١/ ٣١٦، تيسير التحرير ١/ ٢٨٤، فتح الغفار ٢/ ١٢٢، ١٢٧، كشف الأسرار ٣/ ١٢١، إرشاد الفحول ص ١٤٦.\n(^٤) في (ص): \"أنَّ\".\n(^٥) لأن الواو للجمع، والجمع بين أدوات الاستثناء غير ممكن، فالصحيح وضع \"أو\" التي للتقسيم.\n(^٦) انظر تعريف الاستثناء في: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٨، الحاصل ١/ ٥٣٦، التحصيل ١/ ٣٧٣، نهاية الوصول ٤/ ١٥٠٧، نهاية السول ٢/ ٤٠٧، السراج الوهاج ١/ ٥٣٨، المحلي على الجمع ٢/ ٩، البحر المحيط ٤/ ٣٦٨، الإحكام ٢/ ٢٨٦، =","vol":"4","page":1385},{"text":"قال: (وفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>الأُولى: شَرْطه </span>الاتصال عادةً بإجماع الأدباء. وعن ابن عباس - ﵁ - خلافه قياسًا على التخصيص بغيره. والجواب: النقض بالصفة والغاية).\nيُشترط في الاستثناء شيئان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-386>أحدهما: أن يكون متصلًا بالمستثنى منه عادةً</span>. واحْتَرَزَ بقوله: \"عادةً\" عما إذا طال الكلام (^١)، فإن ذلك لا يمنع صحة الاستثناء، كما قاله الإمام. وكذلك قَطْع الكلام بالتنفس والسعال لا يمنع الاتصال (^٢).\nوالدليل على ما قلناه من اشتراط الاتصال: إجماعُ أهل اللغة - وهم الأدباء - على ذلك.\nوهذا الدليل ليس بجيد؛ فإن ابن عباس مِنْ أخبر الناس بلغة العرب، فلا يتجه هذا إن صحَّ المنقولُ عنه (^٣).\nويمكن على بُعْدٍ أن يُجْعل قوله: \"بإجماع الأدباء\" متعلِّقًا بقوله:\n_________\n= بيان المختصر ٢/ ٢٥١، تقريب الوصول ص ٨٠، شرح التنقيح ص ٢٣٧، كشف الأسرار ٣/ ١٢١، تيسير التحرير ١/ ٢٨٢، شرح الكوكب ٣/ ٢٨٢، المسودة ص ١٥٩، العدة ٢/ ٦٥٩.\n(^١) كأن يأتي بالمستثنى منه في أول الكلام، ويأتي بالاستثناء في آخر الكلام، وبينهما فصل طويل من الكلام.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٩ - ٤٠.\n(^٣) يعني: فالصواب في الجواب أن نقول: لم يصح النقل عنه. أما أن نثبت الإجماع، وابن عباس ﵄ مخالف - فهذا لا يتأتى.","vol":"4","page":1386},{"text":"\"عادةً\" أي: لا يضر ما لا يَمْنَعُ الاتصالَ في العادة، كالسعالِ، والتنفس - بإجماعهم.\nونُقِل عن ابن عباس - ﵁ - أنه جَوَّز الاستثناء المنفصل، ولم يصح عنه. ثم اختلف النَّقَلةُ عنه: فَنُقِل عنه أنه يُجَوِّز الاستثناء إلى شهر (^١)، ونَقَل الشيخُ أبو إسحاق عنه الجواز إلى سنة (^٢) (^٣)، ونقل الجواز أبدًا (^٤). فهذه ثلاث روايات (^٥)، فلما لم يصح النقل عنه - عَبَّر المصنفُ بقوله:\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ٢/ ٢٨٩، بيان المختصر ٢/ ٢٦٦.\n(^٢) حديث ابن عباس: أنه يجيز الاستثناء المنفصل ولو إلى سنة، أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٠٣، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. والبيهقي في الكبرى ١٠/ ٤٨، في الأيمان، باب الحالف يسكت بين يمينه واستثنائه سكتة يسيرة لانقطاع صوت أو أخذ نفس. والطبراني في الكبير ١١/ ٦٨، رقم الحديث ١١٠٦٩، والأوسط ١/ ١١٥، رقم ١١٩. كلهم عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس. وفي معجَمَي الطبراني: فقيل للأعمش: سمعتَ هذا من مجاهد؟ قال: حدثني به الليث عن مجاهد. قال الهيثمي في المجمع ٧/ ٥٣: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، ورجاله ثقات. وأخرجه الطبراني في الأوسط ١/ ٥٠٧، رقم الحديث ٩٣٤، من حديث جابر بن زيد عن ابن عباس. وأخرجه الطبراني في الصغير ٢/ ١١٥، رقم ٨٧٦، من حديث الوليد بن مسلم عن عبد العزيز بن حصين، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس. قال الهيثمي في مجمع البحرين ٤/ ٧٤: لم يروه عن ابن أبي نجيح إلَّا عبد العزيز تفرد به الوليد. وقال في المجمع ٤/ ١٨٢: رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه عبد العزيز بن حصين وهو ضعيف.\n(^٣) انظر: شرح اللمع ١/ ٣٩٩.\n(^٤) انظر: اللمع ص ٣٩، البرهان ١/ ٣٨٥، المستصفى ٣/ ٣٧٩، المعتمد ١/ ٢٤٢، نهاية الوصول ٤/ ١٥١٠.\n(^٥) انظر: نهاية السول ٢/ ٤١١، المحلي على الجمع ٢/ ١٠، البحر المحيط ٤/ ٣٨٠.","vol":"4","page":1387},{"text":"\"ونُقِل\" (^١)، ولما لم يُعْرف أقيَّده أم أطلقه، وعلى تقدير التقييد: . بماذا هو - عَبَّر المصنف بقوله: \"خلافه\".\nوقال القاضي في \"مختصر التقريب\" فمَنْ بعده: لعل مراده إنْ صح النقلُ ما إذا نوى الاستثناء متصلًا بالكلام، ثم أظهر نيته بعده - فإنه يُدَيَّن (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) هذه اللفظة لم ترد في المتن في جميع النسخ، ولعل مراد الشارح أن الماتن لم يجزم النقل، بل قال: \"وعن ابن عباس\"؛ ليفيد عدم صحة النقل. وبمثل كلام الشارح رحمه الله تعالى قال الإسنوي في نهاية السول ٢/ ٤١١، مع أن هذه اللفظة \"ونقل\" لم ترد في متن البيضاوي الذي في نهاية السول. ولم ترد كذلك في المتن الذي في شرح الأصفهاني ١/ ٣٨٢، ولا في المتن الذي في السراج الوهاج ١/ ٥٤٠. وفي شرح البدخشي ٢/ ٩٦: (و) نُقِل (عن ابن عباس) ﵄ (خلافه). اهـ ففسر البدخشي العبارة بصيغة التمريض: نُقِل.\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٦٥ - ٦٦، والنقل عنه بالمعنى والتصرف. وعبارته في \"التلخيص\": \"إما أن نقول: لا تصح الرواية عنه، وإما أن تحمله على محمل قريب\" ثم ذكره وقال عنه: \"وهذا لعمرنا أقرب، وإن كان لا يرتضيه معظم الفقهاء\". وبنحوه لحال إمام الحرمين في البرهان ١/ ٣٨٧، وقال عن هذا المحمل: \"فهذا مذهب على كل حال، وإن كان مُزيَّفًا، وقد صار إليه بعض أصحاب مالك\". وبنحوهما قال الغزالي في المنخول ص ١٥٧، والمستصفى ٣/ ٣٧٩ (٢/ ١٦٥)، وكذا قال الرازي في المحصول ١/ ق ٣/ ٤٠، وذكر هذا المحمل أيضًا ابن الحاجب في منتهى الوصول ص ١٢٤، واستبعد الشيرازي ثبوت المنقول عن ابن عباس ﵄، ولم يذكر هذا المحمل. انظر: اللمع ص ٣٩، شرح اللمع ١/ ٣٩٩.\n(^٣) أي: يُصَدَّق فيما بينه وبين الله فيما نواه. ومذهب ابن عباسٍ ﵄: أن ما يُدَيَّن الرجلُ فيه - يقبل منه إبداؤه أبدًا. انظر: المنخول ص ١٥٧.","vol":"4","page":1388},{"text":"وَاحْتُجَّ للمنقول عن ابن عباس بالقياس على التخصيص بغير الاستثناء، بجامع أنَّ كلًا منهما مخصِّص.\nوأجيب بالنقض بالصفة، والغاية، وكذا الشرط، فإن هذا يقتضي جواز انفصالها، وهو باطل اتفاقًا.\nوقد نَقَل الشيخُ أبو إسحاق عن الحسن وعطاء (^١): أنهما جَوَّزا الاستثناء ما دام في المجلس (^٢). وقال قوم بصحة الاستثناء المنفصل في كتاب الله، دون غيره (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) هو عطاء بن أبي رباح واسمه أسلم، أبو محمد القرشيُّ مولاهم المكيّ. يقال: ولاؤه لبني جُمح. ولد لعامَيْن خلوا من خلافة عثمان ﵁. كان - ﵁ - أسودَ أعورَ أفطسَ أشلَّ اليد أعرجَ، ثم عَمِي. وكان ثقةً فقيهًا عالمًا كثير الحديث، أدرك مئتين من أصحاب رسول الله - ﷺ -. وكان أعلمَ أهلِ زمانه. بمناسك الحج. مات سنة ١١٤ هـ على المشهور. انظر: سير ٥/ ٧٨، تهذيب ٧/ ١٩٩، تقريب ص ٣٩١.\n(^٢) انظر: التبصرة ص ١٦٣.\n(^٣) انظر: المنخول ص ١٥٧، البحر المحيط ٤/ ٣٨١، نهاية الوصول ٤/ ١٥١٤، الإحكام ٢/ ٢٨٩، وحجة من قال بهذا: أن كلام الله تعالى في الأزل واحد؛ لا ينقطع، ولا انفصال فيه، والتقدم والتأخر إنما هو في الوصول إلى المخاطبين. قال الغزالي: \"وهذا فاسد؛ لأن القرآن نزل على لسان العرب، ونحن نتكلم في الألفاظ، فلا نفهم منها إلا ما يُفهم من كلام الرسول - ﷺ -\". انظر: المنخول ص ١٥٨.\n(^٤) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٩، الحاصل ١/ ٥٣٧، التحصيل ١/ ٣٧٣، نهاية الوصول ٤/ ١٥١٠، نهاية السول ٢/ ٤١٠، السراج الوهاج ١/ ٥٣٩، البرهان ١/ ٣٨٥، المستصفى ٣/ ٣٧٩ (٢/ ١٦٥)، الوصول إلى الأصول ١/ ٢٤٠، الإحكام ٢/ ٢٨٩، التلخيص ٢/ ٦٣، إحكام الفصول ص ٢٧٣، بيان المختصر ٢/ ٢٦٦، نشر البنود ١/ ٢٤٤، تيسير التحرير ١/ ٢٩٧، فواتح الرحموت ١/ ٣٢١، ميزان الأصول ص ٣١٢، شرح الكوكب ٣/ ٢٩٧، العدة ٢/ ٦٦٠، المسودة ص ١٥٢.","vol":"4","page":1389},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-387>فوائد:</span>\nإحداها (^١): ذكر ابن النجار في \"تاريخ بغداد\" في أثناء حرف الشين المعجمة: أن أبا إسحاق الشيرازي (^٢) أراد الخروج مرة من بغداد، فاجتاز في بعض الطرق، وإذا برجل على رأسه سلةٌ فيها بقل وهو (^٣) يَمْصُل على ثيابه (^٤)، وهو يقول لآخرَ معه: مذهب ابنِ عباسٍ في الاستثناء غيرُ صحيح؛ إذ لو كان صحيحًا لما قال الله تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ (^٥)، بل كان يقول له: استثن، ولا حاجة إلى هذا التَحَيُّل في البَرِّ. قال: فقال الشيخ (^٦) أبو إسحاق: بلدةٌ فيها رجلٌ يحمل البقلَ وهو يرد على ابن عباس - لا تستحق أن يُخرج منها (^٧).\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"أحدها\".\n(^٢) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"المروزي\". والمثبت موافق لما في البحر المحيط ٤/ ٣٨٢، وشرح الكوكب ٣/ ٣٠٢، وقد بحثت في تاريخ ابن النجار الذي هو ذيل على تاريخ بغداد، فلم أجد هذه القصة فيه.\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) أي: يقطر ماء البقل على ثيابه. وفي اللسان ١١/ ٦٢٤: \"مَصَلَ الشيءُ يَمْصُل مَصْلًا ومُصولًا: قَطَر. ومَصَلَتِ اسْتُه، أي: قَطَرت\".\n(^٥) سورة ص: الآية ٤٤.\n(^٦) لم ترد في (غ)، و(ك).\n(^٧) نقل ابن العربي نحو هذه القصة عن أبي الفضل المراغي لما عزم على الخروج من بغداد. انظر: القبس في شرح موطأ مالك بن أنس ٢/ ٦٧٠، نفائس الأصول ٥/ ١٩٨١.","vol":"4","page":1390},{"text":"الثانية: (قال القرافي: المنقول) (^١) عن ابن عباس إنما هو في التعليق على مشيئة الله تعالى خاصة، كمن حلف وقال: إن شاء الله. وليس هو في الإخراج بإلا وأخواتها. قال: ونَقَل العلماءُ أن مَدْرَكه في ذلك قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ (^٢) قالوا: المعنى: إذا نسيتَ قَوْل إن شاء الله - فَقُلْ بعد ذلك، ولم يخصِّص وقتًا (^٣).\nالثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، التقدير: ولا تقولن لشيء قولًا جازمًا إلا أن تَعْلم مشيئة الله تعالى، وهي لا تُعْلم؛ فلا تَقُلْ هذا القول الجازم. فالنهي حالةَ عدم العلم إنما هو عن جَزْم القول بأني فاعلٌ ذلك غدًا، ولا يلزم منه أن لا يقول ذلك غيرَ جازم به، بل يعلِّقه (^٤) (على مشيئة الله) (^٥)، فمن قال: أفعل غدًا إن شاء الله - غير آتٍ بالمنهي عنه. فافهم هذا فهو حسن (^٦).\nفإنْ قلت: مَنْ قال: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾ مع قوله: ﴿إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ - هو\n_________\n(^١) في (ص): \"قال القرافي في المنقول\" وهو خطأ.\n(^٢) سورة الكهف: الآيتان ٢٣، ٢٤.\n(^٣) انظر: نفائس الأصول ٥/ ١٩٧٩، البحر المحيط ٤/ ٣٨١.\n(^٤) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"معلقه\".\n(^٥) في (ص): \"على مشيئة الله فافهم\" والظاهر أن هذه زيادة؛ لأنه قال بعدها: \"فافهم هذا فهو حسن\".\n(^٦) انظر: زاد المسير ٥/ ١٢٧، فتح القدير ٣/ ٢٧٨.","vol":"4","page":1391},{"text":"قائل: ﴿إِنِّي فَاعِلٌ﴾، فيكون آتيًا بالمنهي عنه وإن أَتَى بلفظ: إن شاء الله.\nقلت: لا نسلم أنَّ مَنْ قال ذلك مع قول: إن شاء الله - يكون آتيًا بالمنهي عنه (^١)؛ وذلك لأن الكلام المركب مِنْ أجزاءٍ لا يَصْدق أنه ذلك الكلام إلا بجميع أجزائه، وكذا مَنْ أقَرَّ لرجلٍ بخمسةٍ وعشرين - لا يَصْدق أنه أقر بخمسةٍ؛ لأن الضميرَ العائد على الخمسة غيرُ العائد على الخمسة والعشرين.\nقال: (وعدم الاستغراق).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>الشرط الثاني: عدم الاستغراق</span>؛ فإن المستغرِقَ مثل: عشرة إلا عشرة - باطلٌ (^٢) اتفاقًا، كما نقله الأئمة (^٣)، لكن قال القرافي: نقل ابن طلحة في مختصره المعروف بـ \"المدخل\" فيما إذا قال لامرأته: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلا ثلاثًا - قولين، أحدهما: أنه استثناء وينفعه (^٤) (^٥). وهذا غريب.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) أي: لاغٍ، ويبقى المستثنى منه على حاله؛ لأن الاستثناء تخصيص، والتخصيص يجري في البعض لا في الكل؛ ولأن استثناء الكل نقض للكلام، وإسقاط لفائدته. انظر: القواطع ١/ ٢١٢.\n(^٣) كالآمدي في الإحكام ٢/ ٢٩٧، وابن الحاجب في المنتهى ص ١٢٥، والمختصر، كما في بيان المختصر ٢/ ٢٧١، والإمام في المحصول ١/ ق ٣/ ٥٣، وهو ظاهر إطلاق إمام الحرمين، والغزالي، والسمعاني؛ إذ لم يحكوا خلافًا في المسألة. انظر: البرهان ١/ ٣٩٦، المستصفى ٣/ ٣٨٥، القواطع ١/ ٢١٢.\n(^٤) أي: يرفع حكم الثلاث فلا يقع الطلاق.\n(^٥) تتمة كلامه كما في النفائس ٥/ ١٩٩٩: الآخر: يلزمه الثلاث، ويُعَد نادمًا. اهـ. وانظر: شرح التنقيح ص ٢٤٤. وقال في \"الاستغناء في الاستثناء\" ص ٤٤٣: ولعل =","vol":"4","page":1392},{"text":"قال: (وشَرَط الحنابلةُ أن (^١) لا يزيد على النصف، والقاضي أن ينقص منه. لنا: لو قيل: له عليَّ عشرةٌ إلا تسعة - لزم واحدٌ إجماعًا. وعلى القاضي استثناء الغاوين من المخلصين وبالعكس. قال: الأقل يُنسى فيستدرك. ونوقض بما ذكرناه (^٢».\n_________\n= هذا القول الذي نقله ابن طلحة مسبوق بالإجماع. اهـ. قال الزركشي رحمه الله تعالى في البحر (٤/ ٣٨٤ - ٣٨٦) عن هذا الشرط: \"حكوا فيه الإجماع، وفي هذا الإطلاق والنقل نزاع في المذاهب: أما المالكية: فقد رأيت في كتاب \"المدخل\" لابن طلحة من المالكية حكاية قولين. . . ونقل اللخمي من المالكية عن بعضهم في: أنتِ طالق واحدة إلا واحدة - لا يلزمه طلاق؛ لأن الندم منتفٍ بإمكان الرجعة، بخلاف أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا؛ لظهور الندم. وأما الحنفية: فقيدوا البطلان بما إذا كان الاستثناء بعين ذلك اللفظ، نحو: نسائي طوالق إلا نسائي. أو: أوصيت بثلث مالي إلا ثلث مالي. فإن كان بغيره صح وإن كان مستغرقًا في الواقع، نحو: نسائي طوالق إلا هؤلاء، وأشار إليهن. وأوصيت له بثلث مالي إلا ألف درهم، وهو ثلث ماله. . . ووجَّهوه بأن الاستثناء تصرف لفظي مبني على صحة اللفظ، لا على صحة الحكم، ألا ترى أنه لو قال: أنتِ طالق عشر طلقات، إلا ثماني طلقات - تقع طلقتان، ويصح الاستثناء، وإن كانت العشرة لا صحة لها من حيث الحكم، ومع هذا لا يجعل كأنه قال: أنت طالق ثلاثًا، ويُلغى ما بعده من الاستثناء؛ لما ذكرنا أن صحة الاستثناء تتبع صحة اللفظ دون الحكم. وتحقيقه أن الاستثناء متى وقع بغير اللفظ الأول فهو يصلح لإخراج ما تناوله صدر الكلام وإنما امتنع لعدم ملكه، لا لأمرٍ يرجع إلى ذات اللفظ، ومتصور أن يدخل في ملكه أكثر من هذه النسوة، بخلاف ما إذا وقع الاستثناء بعين ذلك اللفظ - فإنه لا يصلح لإخراج بعض ما تناوله، فلم يصح اللفظ، فلم يصح الاستثناء\". وانظر: فواتح الرحموت ١/ ٣٢٣، سلم الوصول ٢/ ٤١١، نشر البنود ١/ ٢٤٧.\n(^١) في (ت): \"أنه\". فتكون الجملة هكذا: و\"شَرْط الحنابلة أنه\".\n(^٢) في (غ): \"ذكرنا\".","vol":"4","page":1393},{"text":"ذهب الأكثرون إلى صحة استثناء الأكثر (^١)، حتى لو قال: له عليَّ عشرةٌ إلا تسعة - لم يلزمه سوى درهمٍ واحد.\n\nوقالت الحنابلة:<span data-type=\"title\" id=toc-389> يشترط أن لا يزيد على النصف </span>(^٢). وقال القاضي: يشترط أن ينقص عنه (^٣).\nهذا هو المنقول في الكتاب، ونقل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي والآمدي عن الحنابلة امتناعَ المساوي أيضًا، كالمنقول عن القاضي (^٤). ولم تختلف النَّقَلة فيما أسندوه إلى القاضي من امتناع المساوي (^٥)، والذي في\n_________\n(^١) وهو مذهب أكثر أهل الكوفة من النحاة. انظر: الإحكام ٢/ ٢٩٧، بيان المختصر ٢/ ٢٧١، المستصفى ٣/ ٣٨٥ (٢/ ١٧١)، البحر المحيط ٤/ ٣٨٧، تيسير التحرير ١/ ٣٠٠، فواتح الرحموت ١/ ٣٢٤، العدة ٢/ ٦٦٧، نشر البنود ١/ ٢٤٧.\n(^٢) هذا أحد الوجهين عند الحنابلة، وهو ظاهر المذهب كما قال ابن هبيرة وغيره، ونقله ابن السمعاني عن الأشعري. والوجه الآخر: لا يصح استثناء النصف. انظر: شرح الكوكب ٣/ ٣٠٦، نزهة الخاطر ٢/ ١٨١، المسودة ص ١٥٥، العدة ٢/ ٦٦٦، القواطع ١/ ٢١١.\n(^٣) انظر: الإحكام ٢/ ٢٩٧، بيان المختصر ٢/ ٢٧١، المحصول ١/ ق ٣/ ٥٤، نهاية الوصول ٤/ ١٥٢٩، تيسير التحرير ١/ ٣٠٠، فواتح الرحموت ١/ ٣٢٤، وفي شرح التنقيح ص ٢٤٥: \"قال الزيدي وغيره: إنَّ قَصْر الاستثناء على الأقل هو مذهب أكثر النحاة، والفقهاء، والقاضي أبي بكر، ومالك، وغيره من الفقهاء، وهو مذهب البصريين\"، وكذا نسبه لمالك ﵁ صاحب المراقي. انظر: نشر البنود ١/ ٢٤٨، لكن أكثر المالكية على جواز استثناء الأكثر، وهو اختيار القاضي عبد الوهاب والباجي. انظر: إحكام الفصول ص ٢٧٦، شرح التنقيح ص ٢٤٤.\n(^٤) انظر: شرح اللمع ١/ ٤٠٤، الإحكام ٢/ ٢٩٧.\n(^٥) قال ابن برهان في الوصول (١/ ٢٤٨) عن استثناء الأكثر: \"والقاضي متردد\"، لكن بقية الأصوليين على ما قال الشارح.","vol":"4","page":1394},{"text":"\"مختصر التقريب\": كنا على تجويز استثناء الأكثر دهرًا، والذي صح عندنا آنفًا مَنْعُ ذلك (^١). ولم يتعرض لاشتراط الأقلية (^٢).\nوقال قوم: إنْ كان العدد صريحًا لم يجز استثناء الأكثر، مثل: عليَّ (^٣) عشرة إلا تسعة. وإلا جاز، مثل: خذ هذه الدراهم إلا ما في الكيس الفلاني. وكان ما في الكيس أكثر من الباقي (^٤).\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٧٥.\n(^٢) أي: مفهوم كلامه يفيد جواز استثناء المساوي؛ لأنه ليس بأكثر، فالنقل عنه يحتاج إلى توثيق. وانظر: البحر المحيط ٤/ ٣٩٠.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أي: أكثر من الباقي الذي يأخذه. وانظر: المحلي على الجمع ٢/ ١٤، البحر المحيط ٤/ ٣٩١، تيسير التحرير ١/ ٣٠٠، فواتح الرحموت ١/ ٣٢٤، بيان المختصر ٢/ ٢٧٢. وهذا القول الذي حكاه الشارح رحمه الله تعالى - جعله بعض الأصوليين محل النزاع، قال المجد في السودة ص ١٥٥ عن استثناء الأكثر: \"ولا خلاف في جوازه إذا كانت الكثرة من دليل خارج لا من اللفظ\"، ومَثَّل له في شرح الكوكب (٣/ ٣٠٩) بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾. وأشار إلى هذا أيضًا الآمدي في الإحكام (٢/ ٢٩٨) حيث جعل الخلاف في استثناء الأكثر إنما هو فيما إذا كان المستثنى والمستثنى منه عددًا مصرحًا به، كما إذا قال: له عليَّ مائة إلا تسعة وتسعين درهمًا. وأما إذا لم يكن العدد مصرحًا به كما إذا قال له: خذ ما في الكيس من الدراهم سوى الزيوف منها - فإنه يصح، وإن كانت الزيوف في نفس الأمر أكثر في العدد. وكما إذا قال: جاءني بنو تميم سوى الأوباش منهم - فإنه يصح من غير استقباح، وإن كان عدد الأوباش منهم أكثر. قال الشيخ المطيعي رحمه الله تعالى في سلم الوصول ٢/ ٤١٨: \"وهذا عبارة عن تخصيص الدعوى، وقصرها على منع الأكثر في العدد\". وقد اعترض صفي الدين الهندي رحمه الله تعالى على هذا الفصل والتفريق بين الاستثناء المصرح به عددًا، وغير المصرح به: بأن هذا التفريق لم يقل به أحد، وفيه نظر، ولا هو متجه؛ إذ لا فرق =","vol":"4","page":1395},{"text":"وقال آخرون بمَنْع استثناء أكثرِ الجملةِ منها إذا كان المستثنى جملةً، نحو: جاء إخوتك العشرة إلا سبعة. وتجويز استثنائهم تفصيلًا وتعديدًا نحو: إلا زيدًا منهم، وبكرًا، وخالدًا، إلى أن يأتي السبعة. حكاه الأستاذ أبو محمد الحسن بن عيسى العارض المعتزلي في كتابه \"النكت\" في أصول الفقه - عن بعض شيوخ النحو من أهل عصره (^١).\nواعلم أن (^٢) الكلام في الاستثناء من العدد مبني على صحته، وللنحاة فيه مذاهب:\nأحدها: أنه لا يجوز، وصححه ابن عُصْفور (^٣).\nوالثاني: وهو المشهور، الجواز (^٤).\nوالثالث: إنْ كان المستثنى عَقْدًا من العقود (^٥) لم يجز، نحو: عشرين إلا\n_________\n= بينهما في مأخذ الخصم. انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٥٣٤.\n(^١) انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٩١.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٣) وحجته أنها نصوص، فالإخراج منها يُخرجها عن النصية، ألا ترى أنك إذا قلت: ثلاثة إلا واحدًا - كنت قد أوقعت الثلاثة على الاثنين، وذلك لا يجوز، بخلاف قولك: جاء القوم إلا عشرة. وأجاب عن قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾: بأن الألْفَ لما كان يستعمل للتكثير، كقولك: اقعد ألف سنة، تريد بها زمنًا طويلًا - دخل الاحتمال، فجاز أن يبين بالاستثناء أنه لم يستعمل للتكثير. وصحح أبو حيان مذهب ابن عصفور. انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٩٢.\n(^٤) قال الزركشي: وعليه بنى الفقهاء مذاهبهم في الأقارير وغيرها انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٩٢.\n(^٥) العقود عند العرب هي الآحاد، والعشرات، والمئات، والألوف. والمعنى: إذا كان المستثنى واحدًا، أو عشرة، أو مائة، أو ألفًا؛ لأنه اشترط في المستثنى كونه عقدًا =","vol":"4","page":1396},{"text":"عشرة. وإن لم يكن عقدًا جاز نحو: مائة إلا ثلاثة (^١).\nواستدل المصنف على المختار (^٢) بوجهين:\nأحدهما: وهو احتجاجٌ على الفريقين، أعني: من اشترط أن لا يزيد على النصف، ومن اشترط أن ينقص عنه: أن الفقهاء أجمعوا على أنَّ مَنْ قال: لفلانٍ عليَّ عشرة إلا تسعة - يلزمه واحد فقط، ولولا صحة هذا الاستثناء لما كان كذلك.\nونَقْلُ الإجماع مردودٌ، فقد حُكي خلاف أحمد بن حنبل، وبعض المالكية (^٣).\nوالثاني: وهو مختص بمن اشترط الأقلَّ، على أنَّ القاضي أورده في \"مختصر التقريب\" ولم يذكر اشتراط الأقلية، وإنما أورده من جهة الرادين على من اشترط أن لا يكون أكثر (^٤)، وقال: \"هذا أمثل ما يستدلون به،\n_________\n= واحدًا. انظر: شرح منظومة ابن المغربي لعبد القادر العوفي، ت: بسام عبد الوهاب الجابي. وهذا القول بناه قائله على أن كل عقدٍ من عقود العدد مستقل بنفسه، فلا يخرج من غيره لعدم تبعيته له. والصواب أنه لا مانع من استثناء العقد النازل من العقد الأعلى؛ لأن الأعلى يتضمن من النازل عقودًا بحسب ما اشتمل عليه. انظر: حاشية البناني على المحلي ٢/ ١٤، ١٥.\n(^١) انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٩٣، المحلي على الجمع ٢/ ١٤، شرح التنقيح ص ٢٤٤، الإحكام ٢/ ٢٩٧، المستصفى ٣/ ٣٨٦.\n(^٢) وهو جواز استثناء الأكثر.\n(^٣) انظر: شرح الكوكب ٣/ ٣٠٧ - ٣٠٨، الإحكام ٢/ ٢٩٩، وقد سبق ذكر المخالفين.\n(^٤) يمكن أن يقال: لما كان هذا الردُّ على من اشترط أن لا يكون المستثنى أكثر - مختصًا بالرد على اشتراط الأقل: أفهم هذا أن القائلين باشتراط أن لا يكون أكثر =","vol":"4","page":1397},{"text":"مع أن للقول فيه مجالًا\" (^١)، ولم يذكر عنه جوابًا. والشيخ أبو إسحاق قال: \"إنه دليل قاطع لا جواب للخصم عنه\" (^٢).\nوتقريره: أن الله تعالى استثنى الغاوين من المخلَصين في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (^٣)، وبالعكس أي: استثنى جَلَّ وعَزَّ المخلصين من الغاوين (في قوله حكاية عن إبليس: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (^٤» (^٥)، فلو (^٦) كان المستثنى أقل من المستثنى منه لزم أن يكون كلُّ واحدٍ من الغاوين والمخلَصين أقلَّ من الآخر، وهو محال (^٧).\n_________\n= يشترطون الأقلية في المستثنى، وإلا لكان رد المخالفين في غير محل النزاع؛ إذ إن هذا الدليل لا يفيد منع استثناء النصف، بل ما دونه كما سيأتي، فهذا يدل على أن المشترطين لئلا يكون أكثر يعنون به أن يكون أقل، ولو عَنُوا به جواز النصف فلن يكون الدليل ردًا عليهم. ويمكن أن يقال: إن القاضي أورده دليلًا للرد على مانع اشتراط الأكثر، لا للرد على منع اشتراط النصف. وهذا هو الأقرب، ولكن على هذا الاحتمال يكون الدليل منازَعًا فيه؛ إذ يحتمل أن يكون المستثنى هو النصف في كلا الآيتين الآتيتين، أو أحدهما أكثر والآخر أقل، ومع هذا الاحتمال يسقط الاستدلال به على جواز الأكثر.\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٧٨.\n(^٢) انظر: شرح اللمع ١/ ٤٠٥.\n(^٣) سورة الحجر: الآية ٤٢.\n(^٤) سورة ص: الآيتان ٨٢، ٨٣.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في (ك): \"ولو\".\n(^٧) أي: فلا بد أن يكون أحد الفريقين أكثر، والآخر أقل. أو أن يكونا متساويَيْن. انظر: نهاية السول ٢/ ٤١٥.","vol":"4","page":1398},{"text":"واحتج القائل باشتراط الأقل وهو القاضي - على ما ذكر في الكتاب -: بأن الاستثناء خلافُ الأصل؛ لكونه بمنزلة الإنكار بعد الإقرار، وخَالَفْنا هذا الأصل في الأقل؛ لكونه قليلَ الخطور بالبال، فربما نسيه المُقِرُّ فيستدركه في الاستثناء. وهذا بخلاف الأكثر، فلذلك جَوَّزنا في الأقل دون الأكثر.\nوأجاب: بأنه منقوض. بما ذكرناه. وهذا يحتمل وجهين:\nأحدهما: بأنه منقوضٌ بما ذكرناه من الإجماع فيما إذا قال: له عليَّ عشرةٌ إلا تسعة. وقد ذكرنا أنه غير ثابت.\nوالثاني: أنه منقوضٌ بما ذكرناه من استثناء الغاوين من المخلَصين، وبالعكس، فإن النسيان محال في جانب الباري تعالى.\nوهذا الدليل قد (^١) أجيب عنه: بأنا لا نسلم أنَّ إلا في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (^٢) للاستثناء، بل هي بمعنى لكن (^٣).\nسلمنا أنه استثناء، لكنا إنما نمنع من استثناء الأكثر إذا كان عدد المستثنى والمستثنى منه مصرحًا به، مثل: عشرة إلا تسعة. أما إن (^٤) لم يكن مصرحًا به مثل: خُذْ ما في هذا (^٥) الكيس من الدراهم سوى\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) سورة الحجر: الآية ٤٢.\n(^٣) يعني: فالاستثناء في الآية منقطع.\n(^٤) في (ص): \"إذا\".\n(^٥) سقطت من (ت)، و(ص).","vol":"4","page":1399},{"text":"الزيوف - فإنه يصح وإن كانت الزيوف أكثر (^١).\nسَلَّمنا (^٢)، ولكنا نقول: المستثنى في الاثنين (^٣) أقل، أما قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (^٤) فيشمل كلَّ العباد المخلصين من بني آدم؛ لقوله: ﴿مِنْهُمُ﴾ إشارة لبني آدم، ومعلوم أن المخلصين من بني آدم أقل.\nوأما قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ فالمستثنى أقل أيضًا؛ لأن قوله: ﴿عِبَادِي﴾ يشمل الملائكة؛ لكونه اسمَ جنسٍ أضيف، ومعلوم أنَّ كلَّ الغاوين أقلُّ من الملائكة وحدهم، فكيف إذا أضيف إليهم صالحو بني آدم! فتحرر أنه استثنى الغاوين من كل عباده، وهم أقلُّ مِنْ مخلصيهم؛ لدخول الملائكة في المخلصين، ومعلوم أنهم أكثر مِنْ غيرهم. قال ﵇: \"أطَّتِ السماء (^٥)، وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضع شِبْرٍ إلا وفيه مَلَكٌ يسبح الله\" (^٦).\n_________\n(^١) والاستثناء في الآية غير مصرح بعدده.\n(^٢) أي: سلمنا صحة استثناء الأكثر في العدد.\n(^٣) أي: في الموضعَيْن من الآيتين.\n(^٤) سورة ص: الآية ٨٣.\n(^٥) قال النووي رحمه الله تعالى: الأَطِيط: صوت الرَّحْل والقَتَب وشِبْههما. ومعناه: أن كثرة مَنْ في السماء من الملائكةَ العابدين قد أثقلَتْها حتى أَطَّت. اهـ، والرحل: هو ما يشد على البعير، ويوضع عليه الحمل. ومثله القتب. قال ابن علان: \"أجرى المصنف (أي: النووي) الكلام على ظاهره. قال ابن الأثير في \"النهاية\": وهذا مَثَل وإيذان بكثرة الملائكة، وإن لم يكن ثَمَّ أطيط، وإنما هو كلامُ تقريبٍ أريد به تقرير عظمة الله تعالى\". انظر: دليل الفالحين ٢/ ٣٠٢، النهاية ١/ ٥٤.\n(^٦) أخرجه ابن مردويه من حديث أنس ﵁. انظر: صحيح الجامع ١/ ٢٣٥، وأخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٧٣، والترمذي ٤/ ٤٨١ - ٤٨٢، في كتاب الزهد، =","vol":"4","page":1400},{"text":"ولقائل أن يقول: الجواب عن الأول: أنَّ جَعْلَ \"إلا\" بمعنى \"لكن\" فيه خروجٌ عن حقيقتها بلا دليل.\nوعن الثاني: أنَّ الدعوى عامة فيما إذا كان عدد (^١) المستثنى والمستثنى منه مصرحًا به، وفيما إذا لم يكن (^٢).\nوعن الثالث: بأنه تعالى قال في سورة الحجر حكاية عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (^٣) فاستثنى الأقل؛ لأنه استثنى المخلَصين من بني آدم وهم أقل. ثم قال: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (^٤)، والمراد بعباده هنا (^٥) المعهودون (^٦) الذين تقدم ذكرهم، وفيهم وقع الكلام؛ وهم المخلَصون من بني آدم، وليس المراد العموم حتى تدخل الملائكة؛ لأن العهد مقدم على العموم، والآية وقعت في \"الحِجْر\" مُبَيَّنة، والقصة واحدة. والله أعلم.\n_________\n= باب في قول النبي - ﷺ -: \"لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا\"، حديث رقم ٢٣١٢، من حديث أبي ذر ﵁. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/ ٥٣١ - ٥٣٢، حديث رقم ٨٥٢.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر هذين الجوابين في: نهاية الوصول ٤/ ١٥٣٤.\n(^٣) سورة الحجر: الآيتان ٣٩، ٤٠.\n(^٤) سورة الحجر: الآيتان ٤١، ٤٢.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في (ت): \"المعهودين\".","vol":"4","page":1401},{"text":"ومنهم من استدل مع التمسك بقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ بقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (^١) ولم يتعرض للآية الأخرى (^٢). وفيه نظر؛ فإن قوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ إنما يدل على الأكثرين (^٣) من الذين بُعث إليهم النبي - ﷺ -، والألف واللام في الناس للعهد، ولا يلزم من كون الغاوين أكثر في هذه الطائفة أن يكونوا أكثر بالنسبة إلى كل الطوائف من لدن آدم ﵇ إلى يوم القيامة (^٤). . . . . . .\n_________\n(^١) سورة يوسف: الآية ١٠٣.\n(^٢) يقصد الشارح رحمه الله تعالى ابن الحاجب الذي استدل بهاتين الآيتين. انظر: بيان المختصر ٢/ ٢٧٢.\n(^٣) في (ت): \"الأكثر\".\n(^٤) وبمثل هذا اعترض الإسنوي رحمه الله تعالى على ابن الحاجب رحمه الله تعالى. انظر: نهاية السول ٢/ ٤١٦ - ٤١٧. وقد يقول قائل: اعتراضهما على ابن الحاجب فيه نظر؛ لأن هناك جملة آيات تدل على كون الغواة من بني آدم أكثر من المخلصين، من ذلك قوله تعالى عن الأمم السالفة: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، وقوله ﷾ حكاية عن إبليس لعنه الله تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]، وغير هذه من الآيات والأحاديث الدالة على هذا المعنى. والجواب: هو أن اعتراض هذين الإمامين على ابن الحاجب في استدلاله إنما هو بالنظر إلى الآية التي اسْتَدَلَّ بها وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، لا إلى ما سواها من الآيات، أي: اعتراضهما على ابن الحاجب في استدلاله على كون الغاوين من عموم بني آدم أكثر بهذه الآية، ولا يعني هذا أنهما يقولان بأن الغواة من بني آدم أقل من المخلصين، فهذا لا يخفى على أقل الناس علمًا، فضلًا عن هذين الإمامين الجليلين. لكن هذا الاعتراض على ابن الحاجب رحمه الله تعالى إنما هو بالنسبة لما في \"المختصر\"، أما في \"المنتهى\" ص ١٢٥ - فقد جاء بآية ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ مع آية: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ليستدل بهما على كون الغواة أكثر.","vol":"4","page":1402},{"text":"(^١) والله أعلم.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-390>(الثانية: الاستثناء من الإثبات نفيٌ</span>، وبالعكس (^٢)، خلافًا لأبي حنيفة. لنا: لو لم يكن كذلك لم يَكْفِ لا إله إلا الله. احتج بقوله ﵇: \"لا صلاة إلا بطهور\". قلنا: للمبالغة).\nالاستثناء من الإثبات نحو: قام القوم إلا زيدًا - نفيٌ للقيام (^٣) عن زيد بالاتفاق (^٤). وزعم بعضهم أن الخلاف جارٍ فيه أيضًا، قال الهندي: \"وهو\n_________\n(^١) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٣، الحاصل ١/ ٥٤٠، التحصيل ١/ ٣٧٦، نهاية الوصول ٤/ ١٥٢٨، نهاية السول ٢/ ٤١١، السراج الوهاج ١/ ٥٤٢ المعتمد ١/ ٢٤٤، المحلي على الجمع ٢/ ١٤، الإحكام ٢/ ٢٩٧، الوصول إلى الأصول ١/ ٢٤٨، القواطع ١/ ٢١١، البحر المحيط ٤/ ٣٨٤، إحكام الفصول ص ٢٧٦، شرح التنقيح ص ٢٤٤، نشر البنود ١/ ٢٤٧، الاستغناء في الاستثناء ص ٤٤٢، بيان المختصر ٢/ ٢٧١، تيسير التحرير ١/ ٣٠٠، فواتح الرحموت ١/ ٣٢٣، كشف الأسرار ٣/ ١٢٢، شرح الكوكب ٣/ ٣٠٦، المسودة ص ١٥٤، العدة ٢/ ٦٦٦.\n(^٢) في (غ): \"والعكس\".\n(^٣) في (ت): \"القيام\".\n(^٤) حكى الإجماع على هذا صاحب الحاصل ١/ ٥٤١، والتحصيل ص ٣٧٧، والإمام نقل الاتفاق في المعالم، أما كلامه في المحصول فهو يُشْعر بهذا الاتفاق، وكذا الآمدي وابن الحاجب؛ أما الإمام رحمه الله تعالى فقد نقل خلافه في الاستثناء من النفي، لم ينقل خلافه في الاستثناء من الإثبات. وأما الآخران فقد ردَّا عليه في مسألة الاستثناء من النفي، ولم يردا عليه في الاستثناء من الإثبات، مما يفيد بأن محل النزاع معه في =","vol":"4","page":1403},{"text":"الحق، وبه صرح بعضهم\" (^١).\nوأما الاستثناء من النفي (^٢) هل هو إثبات فقال أصحابنا: نعم. وخالفت الحنفية (^٣) فقالت: لا يدل إلا على الحكم على (^٤) المستثنى منه، والمستثنى مسكوت عنه (^٥).\n_________\n= الأولى، لا في الثانية. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٦، الإحكام ٢/ ٣٠٨، بيان المختصر ٢/ ٢٩١، المنتهى ص ١٢٧، نهاية الوصول ٤/ ١٥٤٠، البحر المحيط ٤/ ٤٠٣، نهاية السول ٢/ ٤٢٣، شرح التنقيح ص ٢٤٧، الاستغناء ص ٤٥٤، نفائس الأصول ٥/ ٢٠١٠.\n(^١) انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٥٤١، وما قاله صفي الدين الهندي رحمه الله تعالى هو الصواب، وهو الذي قاله الشارح رحمه الله تعالى في \"منع الموانع\". انظر: تقريرات الشربيني على البناني ٢/ ١٥. وانظر البحر المحيط ٤/ ٤٠٣ - ٤٠٤، قال في شرح الكوكب ٣/ ٣٣٤: \"ومحل الخلاف في الاستثناء المتصل؛ لأنه فيه إخراج. أما المنقطع فالظاهر أن ما بعد \"إلا\" فيه محكوم عليه بضد الحكم السابق، فإن مساقه هو الحكم بذلك، فنحو قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ المراد أن لهم به اتباع الظن لا العلم، وإن لم يكن الظن داخلًا في العلم، وقِسْ عليه\". وانظر: فواتح الرحموت ١/ ٣٢٦، ٣٢٧، نهاية الوصول ٤/ ١٥٤١ - ١٥٤٢، الاستغناء ص ٤٥٤.\n(^٢) ويلحق به ما في معناه كالنهي، والاستفهام الإنكاري. كذا قال البناني في حاشيته على المحلي ٢/ ١٥.\n(^٣) أي: جمهورهم كالصورة الأولى.\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) لأن الاستثناء عندهم لا يدل على حكمٍ في المستثنى، غاية ما فيه أنه مانعٌ من إرادته بحكم الصدر فقط (أي: بحكم المستثنى منه)، فهو مسكوت عنه، غير محكوم عليه بنفي ولا إثبات بدلالة الاستثناء لغة. وانظر: شرح التنقيح ص ٢٤٧، الاستغناء ص ٤٥٨.","vol":"4","page":1404},{"text":"واحتج أصحابنا: بأنه لو لم يكن إثباتًا لم يكف قول القائل: لا إله إلا الله - في توحيده؛ لأن اللفظ حينئذ ليس إلا لنفي الإلهية عما عدا الله، وهو ساكت عن إثباتها لله، فيفوت أحد شرطي التوحيد، فلا يكفي ذلك، ولا قائل بهذا، كيف والنبي - ﷺ - يقول: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\".\nواحتج أبو حنيفة بقوله ﵇: \"لا صلاة إلا بطهور\" (^١) فإن تقديره: لا صحة للصلاة إلا بطهور، فلو كان الاستثناء من النفي إثباتًا - لكان حيث وُجد الطهور وُجدت صحة الصلاة، وليس كذلك؛ لجواز فواتها لفقدان شرطٍ آخر.\nوأجاب المصنف: بأن الحصر قد يُؤتى به للمبالغة لا للنفي عن الغير، مثل: \"الحج عرفة\" (^٢)، والطهارة لما كانت أعظم الشروط صُيِّرت كأنه لا\n_________\n(^١) بهذا اللفظ لم أقف عليه، وأخرجه أحمد في المسند ٥/ ٧٤، بلفظ: \"إن الله ﷿ لا يقبل صلاةً بغير طُهُور\". وأخرجه مسلم ١/ ٢٠٤، في كتاب الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة، حديث رقم ٢٢٤، بلفظ: \"لا تُقبل صلاة بغير طُهُور\". وبلفظه أخرجه الترمذي: ١/ ٥ - ٦، في الطهارة، باب ما جاء لا تُقبل صلاة بغير طُهُور، حديث رقم ١. وقال: هذا الحديث أصح شيءٍ في هذا الباب وأحسن. وأخرجه ابن ماجه ١/ ١٠٠، في الطهارة، باب لا يقبل الله صلاة بغير طهور، حديث رقم ٢٧٢، من حديث ابن عمر. وفي الباب عن أبي المَلِيح عن أبيه، وأبي هريرة وأنس. انظر: سنن أبي داود ١/ ٤٨ - ٤٩، حديث رقم ٥٩، والنسائي ١/ ٨٧ - ٨٨، حديث رقم ١٣٩.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٠٩ - ٣١٠. والدارمي ١/ ٣٨٦، في مناسك الحج، باب بما يتم الحج، حديث رقم ١٨٩٤. والترمذي ٣/ ٢٣٧، في الحج، باب ما =","vol":"4","page":1405},{"text":"شرط إلا هي.\nوأحسن من هذا الجواب ما ذكره صاحب \"التحصيل\" مِنْ أن قولنا: الاستثناء من النفي إثباتٌ - يصدق بإثبات صورةٍ في كل استثناء؛ لأن دعوى الإثبات لا عمومَ فيها، بل هي مطلقة، فتقتضي صحةَ الصلاة عند وجود الطهارة بصفة الإطلاق لا بصفة العموم (^١).\nوإنْ شئتَ قلتَ: \"لا صلاة\" نَفْيٌ كلي (^٢). وقوله: \"إلا بطهور\" إثباتٌ جزئي (^٣)؛ لأن نقيض الكلي جزئي (^٤)، ونحن نقول به؛ إذ قد يوجد الطهور ومعه بقية الشروط والصلاة (^٥).\nواعلم أن هذا الحديث لا يُعْرف بهذا اللفظ، فالأولى أن يُغَيَّر بحديث: \"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب\" (^٦).\n_________\n= جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، رقم ٨٨٩. والنسائي ٥/ ٢٦٤، في الحج، باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، رقم ٣٠٤٤. وابن ماجه ٢/ ١٠٠٣ - ١٠٠٤، في المناسك، باب مَنْ أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، رقم ٣٠١٥. وأبو داود ٢/ ٤٨٥ - ٤٨٦، في المناسك، باب من لم يدرك عرفة، رقم ١٩٤٩. والحديث صحيح.\n(^١) انظر: التحصيل ١/ ٣٧٨.\n(^٢) فهو شامل لنفي كل صور الصلاة.\n(^٣) أي: إثبات صورة واحدة.\n(^٤) انظر: إيضاح المبهم من معاني السلم ص ١١، حاشية الباجوري على السلم ص ٥٧.\n(^٥) انظر: نفائس الأصول ٥/ ٢٠١١.\n(^٦) أخرجه البخاري ١/ ٢٦٣، في صفة الصلاة، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها، حديث رقم ٧٢٣. ومسلم ١/ ٢٩٥، في الصلاة، باب وجوب =","vol":"4","page":1406},{"text":"قلت: وقد وقع لي في بعض المجالس الاستدلال على صحة مذهب أبي حنيفة بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (^١). وجه الحجة: أنه لو كان الاستثناء من النفي إثباتًا لكان المرء مكلفًا بكل ما تسعه نفسه؛ لأن الوُسْع (^٢) مستثنى في قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ (اللَّهُ نَفْسًا) (^٣)﴾، وقد أضيف بقوله: ﴿وُسْعَهَا﴾ فيقتضي العموم بناءً على أن (^٤) المفرد المضاف يعم، والتقدير: لا يكلف الله نفسًا بشيءٍ إلا (بكل ما) (^٥) تسعه، (فيكون كل ما تسعه مكلفة به) (^٦)، وليس كذلك. وكان البحث بين يدي والدي أيده الله، فاستحسن ذلك (^٧).\n_________\n= قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم ٣٩٤، كلاهما من حديث عبادة بن الصامت ﵁، بلفظ: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\". وانظر: نصب الراية ١/ ٣٦٥.\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٨٦.\n(^٢) الوُسْع: بضم الواو، أي: الطاقة والقوة. وبالضم قرأ السبعة قي قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، والفتح لغة، وقرأ به ابن أبي عبلة، والكسر لغة، وبه قرأ عكرمة. انظر: المصباح المنير ٢/ ٣٣٥، مادة (وسع).\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ت): \"بما\". فتكون \"كل\" ساقطة من (ت).\n(^٦) في (ت): \"فيكون كل ما يسعه مكلف به\". والضمير هنا يعود إلى المرء، مع ملاحظة أن لفظ \"مكلف\" خبر يكون، فالصواب نصبه.\n(^٧) انظر مسألة الاستثناء من النفي وبالعكس في: ١/ ق ٣/ ٥٦، الحاصل ١/ ٥٤١، التحصيل ١/ ٣٧٧، نهاية الوصول ٤/ ١٥٤٠، نهاية السول ٢/ ٤٢١، السراج الوهاج ١/ ٥٤٥، الإحكام ٢/ ٣٠٨، المحلي على الجمع ٢/ ١٥، شرح تنقيح الفصول ص ٢٤٧، بيان المختصر ٢/ ٢٩١، الاستغناء ص ٤٥٤، كشف الأسرار ٣/ ١٢٦، فواتح الرحموت ١/ ٣٢٦، فتح الغفار ٢/ ١٢٤، تيسير التحرير ١/ ٢٩٤، شرح الكوكب ٣/ ٣٢٧، المسودة ص ١٦٠.","vol":"4","page":1407},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>فرع:</span>\nلو قال: لا أجامعكِ سنةً إلا مرة. فمضت سنة ولم يطأ - فهل يلزمه كفارة؛ لاقتضاء اللفظ الوطء، أَمْ لا؛ لأن المقصود منع الزيادة؟ وجهان يتجه تخريجهما على هذا الأصل. قال النواوي: أصحهما: لا كفارة (^١).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-392>(الثالثة: المتعددة إنْ تعاطفت أو استغرق الأخير (^٢) الأول عادت إلى المتقدم عليها، وإلا يعود الثاني إلى الأول؛ لأنه أقرب)</span>.\nالاستثناء من الاستثناء جائز، وحُكِي عن بعضهم خلافُه، وهو ضعيف، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ (^٣).\nوإذا ثبت جواز الاستثناء من الاستثناء - فنقول: الاستثناءات المتعددة\n_________\n(^١) قال السيوطي رحمه الله تعالى في الأشباه والنظائر ص ٣٧٩: مسألة: والله لا أجامعك في السنة إلا مرة، فمضت ولم يجامعها أصلًا - حكى ابن كج فيها وجهان: أحدهما: تلزمه الكفارة؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات، ومقتضى يمينه أن يجامع مرة، ولم يفعل، فيحنث. والثاني: لا، وصححه في الروضة؛ لأن المقصود باليمين أن لا يزيد على الواحدة، فرجع ذلك إلى أن العرف يجعل \"إلا\" بمعنى غير. اهـ مع تصرف يسير. أي: على هذا القول الثاني ليس هناك استثناء حتى يثبت لزوم المرة، بل \"إلا\" بمعنى الصفة، فالمحلوف عليه هو أن لا يجامعها غير مرة، أي: أكثر من مرة، أما المرة فمسكوت عنها، ومن ثم فلا تلزمه الكفارة بعدم الوطء، ولا تلزمه بالوطء مرة واحدة، لكن لو وطئ أكثر من مرة لزمته الكفارة لوقوع الحنث.\n(^٢) في (ت): \"الآخر\".\n(^٣) سورة الحجر: الآيتان ٥٩، ٦٠.","vol":"4","page":1408},{"text":"إما أن يكون بعضها معطوفًا على بعض، أوْ لا.\nإنْ كان الأول عاد الكل إلى الأول المستثنى منه، نحو: له عليَّ عشرةٌ إلا أربعة وإلا ثلاثة وإلا اثنين. فإنَّ الكل يرجع إلى الأول، فلا يلزم المُقِرَّ إلا واحدٌ (^١).\nوإنْ كان الثاني فإما أن يكون الاستثناء الثاني مستغرِقًا للأول، أوْ لا.\nفإن كان مستغرقًا، قال الإمام: أو مساويًا له (^٢) - عاد الكل إلى\n_________\n(^١) علة عود الاستثناءات المتعاطفة إلى المستثنى منه: أن العرب لا تجمع بين \"إلا\" وحرف العطف؛ فإن حرف الاستثناء يقتضي الإخراج والمباينة في الحكم، وحرف العطف يقتضي الضم والمجانسة في الحكم، فالجمع بينهما متناقض؛ لأنه يلزم أن يجتمع النقيضان فيما دخل عليه \"إلا\" وحرف العطف، وأن يكون له الحكم المتقدم، وأن لا يكون له ذلك الحكم. انظر: الاستغناء في الاستثناء ص ٤٧٤، شرح التنقيح ص ٢٥٤.\n(^٢) يشير المصنف بهذا إلى أن المستغرق شامل لاستثناء الأكثر، واستثناء المساوي. والإمام لم يعبِّر بلفظ المستغرق بل قال: \"وإن لم يكن كذلك فالاستثناء الثاني إن كان أكثر من الأول أو مساويًا له - عاد إلى الأول\". المحصول ١/ ق ٣/ ٦٠، فلفظ \"المستغرق\" شامل للصورتين، وعلى هذا فالمرجح عند البيضاوي والإمام وغيرهما أن الاستثناءات المتساوية غير المتعاطفة تعود إلى المستثنى منه. قال الإسنوي في نهاية السول ٢/ ٤٣٠: \"ولك أن تقول: الاستثناء خلاف الأصل؛ لكونه إنكارًا بعد اعتراف. والتأكيد أيضًا خلاف الأصل، والمساوي محتمل لكل منهما، فلِمَ رجَّحنا الاستثناء على التأكيد! \" مع اختصار يسير، وانظر: البحر المحيط ٤/ ٤١٠، التمهيد ص ٣٩٧، شرح التنقيح ص ٢٥٤. أما إذا كان الاستثناء الثاني أكثر من الأول فينتفي احتمال التأكيد، ويكون الاستثناء تأسيسًا عائدًا إلى المستثنى منه.","vol":"4","page":1409},{"text":"المتقدم أيضًا. مثل: عَليَّ عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة إلا أربعة. فلا يلزم غير واحد. وإلى هذين القسمين أشار بقوله: \"عادت إلى المتقدم عليها\".\nوإن لم يكن مستغرِقًا - عاد الاستثناء الثاني إلى الأول (^١). مثل: عشرة إلا ثمانية إلا سبعة، حتى يلزم تسعة (^٢)، وإلى هذا أشار بقوله: \"وإلا يعود الثاني إلى الأول\" أي: دون المستثنى منه. وعَلَّله: بأن الأول أقرب إليه من المستثنى منه، والقرب يدل على الرجحان عند البصريين، فإنهم في تنازع العاملَيْن في العمل اختاروا عمل الأقرب (^٣).\nولك أن تقول الأقربيَّة لا تدل على اللزوم، وإنما تدل على الرجحان،\n_________\n(^١) شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٦ - ١٧، شرح الكوكب ٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦. لطيفة: قال القرطبي رحمه الله تعالى في التفسير ١٠/ ٣٧: \"لا خلاف بين أهل اللسان وغيرهم أن الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي. . . فقوله سبحانه: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ فاستثنى آل لوط من القوم المجرمين، ثم قال: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ فاستثناها من آل لوط، فرجعت في التأويل إلى القوم المجرمين كما بيّنّا\".\n(^٢) لاحظ أنه في حالة الاستثناءات المستغرقة لما كان يستحيل رفع كل استثناء بما بعده؛ لأن شرط الاستثناء عدم الاستغراق - كان المصير إلى جمع الاستثناءات ثم استثناؤها من المستثنى منه. وأما في حالة الاستثناء غير المستغرق - يعود كل استثناء إلى الذي قبله، كما بُيِّن في الهامش السابق. قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \"وهذا الذي جزم به (أي: المصنف) من كون كل واحدٍ يعود إلى ما قبله - هو مذهب البصريين والكسائي. . . وقال بعض النحويين: تعود المستثنيات بها إلى المذكور أولًا. وقال بعضهم: يحتمل الأمرين\". نهاية السول ٢/ ٤٣٠.\n(^٣) انظر: شرح ابن عقيل ١/ ٥٤٨.","vol":"4","page":1410},{"text":"كما في تنازع العاملَيْن، فإنه لا نزاع بين البصريين والكوفيين في جواز إعمال كلٍّ منهما، وإنما الخلاف في الأولوية (^١)، فينبغي أن يُقَرَّر بوجهٍ آخرَ فيقال (^٢): إما أن يعود إلى الثاني، أو إلى الأول؛ لاستحالة عوده إليهما معًا، وعدم عوده إلى واحدٍ منهما. وعَوْدُه إلى الأول منتف؛ للزوم الترجيح من غير مرجح في اللزوم؛ لأنهما فيه سواء (^٣)، فيعود إلى الأولوية. ونقول: لا يعود إلى الأول؛ لأنه مرجوح (^٤).\nفرع (^٥):\nلو كان الاستثناء الأول مستغرقًا للمستثنى منه دون الثاني، كقوله عشرة إلا عشرة إلا أربعة - ففيه أوجه للأصحاب:\nأحدها: يلزمه عشرة، ويبطل الأول؛ لاستغراقه، (والثاني؛ لأنه من باطل) (^٦).\n_________\n(^١) انظر: شرح ابن عقيل ١/ ٥٤٨.\n(^٢) في (ت): \"فنقول\".\n(^٣) أي: لأن الاستثناء الأول والثاني متساويان في لزومِ عودِ ما بعدهما من الاستثناءات إلى واحدٍ منهما.\n(^٤) المعنى: فيعود الترجيح إلى الأولوية؛ لأنه لما كان لزوم العود إلى واحد منهما متساوٍ - كان لا بد من المصير إلى الترجيح بالأولوية، والأقرب مُرَجَّح على الأبعد، فيعود الاستثناء إلى الثاني لا إلى الأول؛ لأنه مرجوح، والعمل بالمرجوح ممنوع، كما أن العمل بالراجح لازم.\n(^٥) في (ت) بياض مكانها.\n(^٦) في (ت): بياض في مكانها. والمعنى: أن المستثنى منه يبقى على حاله؛ لأن الاستثنائَيْن باطلان.","vol":"4","page":1411},{"text":"والثاني: يلزمه أربعة، ويصح الاستثناءان؛ لأن الكلام إنما يتم بآخره (^١). قال ابن الصباغ: وهو أقيس.\nوالثالث: يلزمه (^٢) ستة؛ لأن الأول باطل، والثاني يرجع إلى أول الكلام (^٣) (^٤).\nقال (^٥): (الرابعة: قال الشافعي - ﵁ -: المُتَعَقِّب للجمل كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (^٦) يعود إليها. وخَصَّ أبو حنيفة بالأخيرة (^٧)، وتوقف القاضي والمرتضي. وقيل: إنْ كان بينهما تَعَلُّق فللجميع، مثل: أكرم\n_________\n(^١) المعنى: أن الاستثناء الأول اسْتُثْني منه أربعة، فكان الباقي ستة، واستثنيت من العشرة، فكان الباقي أربعة، وقد صُحِّح الاستثناء الأول مع كونه مستغرقًا؛ لأن الاستثناء الثاني أسقط منه أربعة، فزال عنه وصف الاستغراق، فصح استثناء الباقي منه؛ ولذلك عُلِّل هذا القول بقولهم: لأن الكلام إنما يتم بآخره.\n(^٢) في (ص): \"يلزم\".\n(^٣) أي: المستثنى منه. وانظر: المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٧، نشر البنود ١/ ٢٤٩، نثر الورود ١/ ٢٩٣.\n(^٤) انظر مسألة الاستثناءات المتعددة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٦٠، الحاصل ١/ ٥٤٣، التحصيل ١/ ٣٧٨، نهاية الوصول ٤/ ١٥٤٨، نهاية السول ٢/ ٤٢٩، التمهيد ص ٣٩٧، السراج الوهاج ١/ ٥٤٧، المحلي على الجمع ٢/ ١٦، شرح تنقيح الفصول ص ٢٥٤، نشر البنود ١/ ٢٤٨، نثر الورود ١/ ٢٩٢، الاستغناء ص ٤٧٤، مناهج العقول ٢/ ١٠١، شرح الكوكب ٣/ ٣٣٤، المساعد على تسهيل الفوائد ١/ ٥٧٦.\n(^٥) في (ت) بياض في مكانها.\n(^٦) سورة النور: الآية ٥.\n(^٧) في (ت): \"الأخيرة\".","vol":"4","page":1412},{"text":"الفقهاء والزهاد، وأنفق (^١) عليهم إلا المبتدعة. وإلا فللأخيرة) (^٢).\n\nهذه المسألة في<span data-type=\"title\" id=toc-393> حكم الاستثناء الواقع عقيب جملٍ عُطِف بعضها على بعض </span>(^٣)، مثل: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (^٤) فإنَّ هذا استثناء وقع بعد ثلاث جمل: الأولى آمرةٌ بجلدهم، والثانية ناهية عن قبول شهادتهم، والثالثة مخبرة\n_________\n(^١) في نهاية السول ٢/ ٤٣٠، وشرح الأصفهاني ١/ ٣٩٢، ومناهج العقول ٢/ ١٠٤: \"أو أنفق\". والمثبت موافق لما في السراج الوهاج ١/ ٥٥٠.\n(^٢) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"فالأخيرة\". والمثبت موافق لما في نهاية السول ٢/ ٤٣٠، السراج الوهاج ١/ ٥٥٠، شرح الأصفهاني ١/ ٣٩٢.\n(^٣) قال العضد الإيجي رحمه الله تعالى: \"إذا تعاقبت جملٌ عُطِف بعضها على بعض بالواو، ثم ورد بعدها استثناء فيمكن أن يُرَدَّ إلى الجميع، وإلى الأَخيرة خاصة. ولا نزاع فيه، إنما الخلاف في الظهور، فقال الشافعي: ظاهرٌ في رجوعه إلى الجميع، أي: كل واحدٍ من الجمل. وقالت الحنفية: إلى الجملة الأخيرة\". شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٣٩. والنزاع إنما هو فيما تجرد عن القرائن، وأمكن عوده إلى الأخيرة وإلى الجميع، أما إذا وجدت القرينة على عوده للكل أو للبعض فلا خلاف أن العمل بالقرينة. انظر: شرح المحلي على الجمع مع حاشية البناني وتقريرات الشربيني ٢/ ١٨، شرح الكوكب ٣/ ٣١٢، ٣٢٠، الاستغناء ص ٥٧٢. والتعبير بالجُمَل في هذه المسألة إنما وقع على الغالب، وإلا فلا فرق بينها وبين المفردات، كذا قال الإسنوي في التمهيد ص ٣٩٩، وقد أشار الشارح رحمه الله تعالى إلى هذا في جمع الجوامع، ففيه مع شرح المحلي ٢/ ١٩: (و) الاستثناء (الوارد بعد مفردات) نحو: تصدق على الفقراء، والمساكين، وابن السبيل، إلا الفسقة منهم (أولى بالكل) أي: بعوده للكل من الوارد بعد جملٍ؛ لعدم استقلال المفردات. اهـ. فأفهم كلامه بالأولوية بوجود خلاف، وإلا لقال: يعود إلى الكل اتفاقًا، أو نحو هذا من العبارات.\n(^٤) سورة النور: الآيتان ٤، ٥.","vol":"4","page":1413},{"text":"بفسقهم. وقد اختلف العلماء فيها على مذاهب:\nالأول: وهو مذهبنا (^١)، أنه يعود إلى الجميع، لكن بشروط:\nأحدها: أن تكون الجمل معطوفة (^٢).\nوالثاني: أن يكون العطف بالواو الجامعة، فأما إن كان بثم اختَصَّ بالأخيرة (^٣)، ذكره. . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) ومذهب المالكية والحنابلة، وبعض النحويين كابن مالك، وابن حزم من الظاهرية. انظر: الإحكام ٢/ ٣٠٠، البحر المحيط ٤/ ٤١١، شرح التنقيح ص ٢٤٩، شرح الكوكب ٣/ ٣١٢، فواتح الرحموت ١/ ٣٣٢، الإحكام لابن حزم ٤/ ٤٤٠.\n(^٢) فأما من أطلق المسألة، كالرازي حيث قال في المحصول ١/ ق ٣/ ٦٣: \"الاستثناء المذكور عقيب جملٍ كثيرة، هل يعود إليها بأسرها أم لا؟ \" - فمحمول كلامه على الجمل المتعاطفة، وأنه سكت عن ذلك لوضوحه، قال الزركشي رحمه الله تعالى في البحر ٤/ ٤١٩: \"وأمثلتهم وكلامهم يرشد إلى أن المسألة مصورة بحالة العطف\". وكذا قال الإسنوي في نهاية السول ٢/ ٤٣٢: \"واستدلال الإمام والمصنف وغيرهما يقتضيه\". وممن صَرَّح بهذا الشرط القاضي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم. انظر: الإحكام ٢/ ٣٠٠، المنتهى ص ١٢٥، بيان المختصر ٢/ ٢٧٨، نهاية الوصول ٤/ ١٥٥٣، التلخيص ٢/ ٧٨، تيسير التحرير ١/ ٣٠٢. وقد نازع في هذا الشرط القرافي. انظر: شرح التنقيح ص ٢٥٤، الاستغناء ص ٥٧٠.\n(^٣) قال الزركشي في البحر ٤/ ٤٢٠: \"والظاهر أن ثم، والفاء، وحتى - مثل الواو في ذلك، وقد صَرَّح القاضي أبو بكر في \"التقريب\" بالفاء وغيرها، فقال: وهذه سبيل جُمَلٍ عُطِف بعضها على بعض، بأي حروف العطف عُطفت، من: فاء، وواو، وغيرها. انتهى. وأطلق ابن القشيري والشيخ أبو إسحاق أن صورة المسألة: أن يجمع بين الجمل بحرفٍ من حروف العطف جامعٍ في مقتضى الوضع\". وهذا هو الذي ذهب إليه الشارح في جمع الجوامع، أما هنا فهو يَحْكِي شروط الشافعية، ففي الجمع المحلي ٢/ ١٧: (و) الاستثناء (الوارد بعد جملٍ متعاطفةٍ) عائدٍ (للكل) حيث صلح =","vol":"4","page":1414},{"text":"الآمدي (^١)، قال الأصفهاني: ولم أَرَ مَنْ تقدمه به (^٢).\nقلت: وقد تقدمه إمام الحرمين، كما نصَّ عليه في \"النهاية\" (^٣)، وفي مختصرٍ له في أصول الفقه، ونقله الرافعي في كتاب الوقف عنه (^٤).\nوالثالث: نقله الرافعي عن رأي إمام الحرمين أيضًا، أن لا يتخلل بين الجملتين كلامٌ طويل، فإنْ تخلل اختُصَّ بالأخيرة (^٥). قال الرافعي: كما لو قال: وقفت على أولادي، على أنَّ مَنْ مات منهم وأعقب فنصيبه بين أولاده للذكر مثل حظ الأنثيين، وإن لم يُعْقِب فنصيبه للذين في درجته. فإذا انقرضوا فهو مصروف إلى إخوتي إلا أن يفسق واحد منهم - فيختص الاستثناء بالإخوة (^٦) (^٧).\n_________\n= له؛ لأنه الظاهر مطلقًا (وقيل: إن سيق الكل لغرض. وقيل: إن عُطِف بالواو) عاد للكل، بخلاف الفاء، وثم مثلًا - فللأخيرة، وعلى هذا الآمدي حيث فرض المسألة في العطف بالواو. اهـ. وواضح أن تصديره المسألة للجمل المتعاطفة دون التقييد بالواو يدل على أن (ثم، والفاء، وحتى) يجرى فيها خلاف الواو؛ لأنها تفيد الجمع كالواو. وكذا قال ابن الهمام، وصاحب المسلَّم وشارحه. انظر: تيسير التحرير ١/ ٣٠٢، فواتح الرحموت ١/ ٣٣٢، وانظر: سلم الوصول ٢/ ٤٣١، شرح الكوكب ٣/ ٣١٢.\n(^١) لم يصرِّح الآمدي بهذا، لكنه مقتضى تصويره للمسألة، وقوله: \"الجمل المتعاقبة بالواو إذا تعقبها الاستثناء. . .\" انظر: الإحكام ٢/ ٣٠٠ - ٣٠١.\n(^٢) انظر: شرح الأصفهاني على المحصول ٤/ ٤٧٨، البحر المحيط ٤/ ٤٢٠.\n(^٣) انظر: نهاية السول ٢/ ٤٣٢.\n(^٤) انظر: البحر المحيط ٤/ ٤٢٠.\n(^٥) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"بالأخرة\". قال في المصباح ١/ ١١: والأخرة، وزان قصبة، بمعنى الأخير، يقال: جاء بأخرة، أي: أخيرًا.\n(^٦) في (ك): \"بالأخيرة\".\n(^٧) انظر: البحر المحيط ٤/ ٤٢١، التمهيد ص ٣٩٨، ٣٩٩.","vol":"4","page":1415},{"text":"المذهب الثاني: وإليه ذهب أبو حنيفة (^١)، أنه يعود إلى الأخيرة خاصة، حتى لا تُقبل شهادة القاذف وإن تاب وصار من الأبرار.\nوالثالث: التوقف. وإليه ذهب القاضي (^٢)، والغزالي منا (^٣)، والمرتضى من الشيعة، إلا أن القاضي توقف لعدم العلم. بمدلوله لغةً (^٤). وقال الإمام: إنه الذي نختاره في المناظرة (^٥). والمرتضى توقف لكونه عنده مشتركًا بين عوده إلى الكل، وعوده إلى الأخيرة فقط (^٦).\nواعلم أن القول بالاشتراك إنما يكون من باب الاشتراك في المركبات\n_________\n(^١) وأكثر أصحابه، واختاره الإمام في \"المعالم\"، ونقله أبو الحسين عن الظاهرية، وذهب إليه المجد ابن تيمية، وأبو علي الفارسي من النحويين. انظر: تيسير التحرير ١/ ٣٠٢، فواتح الرحموت ١/ ٣٣٢، المعتمد ١/ ٢٤٥، المعالم ص ٩٣، المسودة ص ١٥٦، البحر المحيط ٤/ ٤١٢، الوصول إلى الأصول ١/ ٢٥٦، شرح الكوكب ٣/ ٣١٣.\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٨١.\n(^٣) انظر: المستصفى ٣/ ٣٩١ (٢/ ١٧٧)، وهو مذهب الأشعرية. انظر: التبصرة ص ١٧٣، البحر المحيط ٤/ ٤١٥، العدة ٢/ ٦٧٩.\n(^٤) وكذا الغزالي.\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٦٧.\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٦٤، نهاية الوصول ٤/ ١٥٥٥، قال الزركشي رحمه الله تعالى بعد أن ذكر عزو الأصوليين هذا القول للمرتضى: \"قلت: والذي حكاه صاحب \"المصادر\" عن الشريف المرتضى: أنه يقطع بعوده إلى الجملة الأخيرة، وتوقف في رجوعه إلى غيرها لما تقدم، فَجَوَّز صَرْفه إلى الجميع، وقَصْره على الأخيرة، كمذهبه في الأمر. هذا لفظه، وهو أثبت منقول عنه؛ لأنه على مذهبه الشيعي\". البحر المحيط ٤/ ٤١٦. قلت: ما قاله صاحب \"المصادر\" لا ينافي عزو الأصوليين؛ لأن الخلاف في العود وعدمه إنما هو في غير الجملة الأخيرة، أما هي فمحل اتفاق، كما سيأتي بيانه قريبًا.","vol":"4","page":1416},{"text":"لا في المفردات، ويكون مبنيًا على وضع المركبات، ولا يمكن أن يقال العود من المفردات (^١). ذكره القرافي (^٢).\nولما تغاير توقُّفُ القاضي والمرتضى - حَصَلْنا من التوقف على مذهبين (^٣)، فنقول:\nوالمذهب الخامس: وإليه ذهب أبو الحسين، وقال الإمام: \"إنه داخل في التحقيق. وإنه حق\" (^٤)، أنه إنْ كان بين الجمل تَعَلُّقٌ عاد الاستثناء إليها.\n_________\n(^١) لأن المراد بالعود هنا عود جملة الاستثناء على ما قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، فالقول بالاشتراك هنا مبني على القول بوضع المركبات.\n(^٢) انظر: شرح التنقيح ص ٢٥٣، نفائس الأصول ٥/ ٢٠٣٦، الاستغناء ص ٥٧٢، وقال فيه: \". . . وهو مبني على أن العرب هل وضعت المركبات، كما وضعت المفردات، أم لا؟ وفيه خلاف، والصحيح أنها وضعت المركبات والمفردات معًا\".\n(^٣) قال العضد رحمه الله تعالى عن مذهب القاضي والمرتضى في الوقف: \"وهذان موافقان للحنفية في الحكم، وإن خالفا في المأخذ؛ لأنه يرجع إلى الأخيرة فيثبت حكمه فيها، ولا يثبت في غيرها، كالحنفية، لكن هؤلاء لعدم ظهور تناولها، والحنفية لظهور عدم تناولها\". ومِثْله قال السعد رحمه الله تعالى عن مذهب القاضي والمرتضى: \"مذهبه ومذهب الاشتراك موافقان لمذهب الحنفية في الحكم، وهو أنه إنما يفيد الإخراج من مضمون الجملة الأخيرة دون غيرها، لكن عندهما لعدم الدليل في الغير، وعندهم لدليل العدم، وهذا معنى اختلاف المآخذ\". انظر: شرح العضد على ابن الحاجب مع حاشية التفتازاني ٢/ ١٣٩، وكذا قال الشربيني، ونقله عن العضد والسعد. انظر: تقريرات الشربيني على البناني ٢/ ١٨، وكذا ذكر ابن الهمام أن التوقف إنما هو فيما قبل الأخيرة، أما هي فمحل اتفاق في ظهور عود الاستثناء إليها. انظر: تيسير التحرير ١/ ٣٠٣، ٣٠٥، ٣٠٧.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٦٤، ٦٧.","vol":"4","page":1417},{"text":"والتعلق: أن يكون حكم الأولى أو اسمها مضمرًا في الثانية:\nفي الحكم، نحو: أكرم الفقهاءَ والزهادَ إلا المبتدعة. تقديره: وأكرم الزهاد (^١).\nوفي الاسم، نحو: أكرم الفقهاء، وأنفق عليهم إلا المبتدعة. أي: على الفقهاء (^٢).\nوقد أشار المصنف إلى المثالين، فتيقظ (^٣) لذلك.\nوإن لم يكن بين الجمل تَعَلُّقٌ اختص بالأخيرة؛ لأن الظاهر أنه ما انتقل عن جملة مستقلةٍ بنفسها إلى جملة أخرى إلا وقد تم غرضه من الأولى، فلو رجع الاستثناء إلى الجميع لم يكن مقصوده من الأولى قد تَمّ (^٤).\n_________\n(^١) فلو قال: أكرم الفقهاء وأكرم الزهاد إلا المبتدعة - لم يرجع الاستثناء إلى الكل، بل إلى الجملة الأخيرة، لأن كلًا من الجملتين مستقل، فالظاهر أنه لم ينتقل من إحداهما إلا وقد تم غرضه بالكلية منها. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٦٥.\n(^٢) فلو قال: أكرم الفقهاء وأنفق على الفقهاء إلا المبتدعة - لم يرجع الاستثناء إلا إلى الأخيرة.\n(^٣) في (ت)، و(ص): \"فسقط\": \"فقط\". وكلاهما تحريف.\n(^٤) انظر: المعتمد ١/ ٢٤٦، ٢٤٧، المحصول ١/ ق ٣/ ٦٦، وعلى هذا فرأي أبي الحسين - رحمه الله تعالى - أن لا يعود الاستثناء في آية القذف إلا إلى الجملة الأخيرة؛ لأن كل جملةٍ من الجمل الثلاث مستقلة بنفسها. قال الإمام عن رأي أبي الحسين رحمهما الله: \"والإنصاف أن هذا التقسيم حق، لكنا إذا أردنا المناظرة اخترنا التوقف، لا بمعنى دعوى الاشتراك، بل بمعنى أنا لا نعلم حكمه في اللغة ماذا؟ وهذا هو اختيار القاضي\". المحصول ١/ ق ٣/ ٦٧.","vol":"4","page":1418},{"text":"قال: «لنا: الأصل) (^١) اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في المتعلَّقات، كالحال، والشرط، وغيرهما (^٢). قيل: الاستثناء (^٣) خلافُ الدليل خُولف في الأخيرة للضرورة، فبقيت الأولى على أصلها (^٤). قلنا: (منقوض بالصفة والشر) (^٥».\nاحتج الشافعي رضوان الله عليه: بأن الأصل اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع المُتَعَلَّقات: كالحال، والشرط، وكالصفة، والجار (^٦) والمجرور، والظرف، فيجب أن يكون الاستثناء كذلك. والجامع أنَّ كلًا غيرُ مستقلٍ بنفسه.\nومثال اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الحال: أكرم ربيعة، وأعط مضر نَازِلَيْن بك.\n_________\n(^١) \"لنا ما تقدم أن الأصل\". وكذا في نهاية السول ٢/ ٤٣٠، والسراج الوهاج ١/ ٥٥٠، ومناهج العقول ٢/ ١٠٥، لكن سقطت منه \"أن\"، والمثبت موافق لما في شرح الأصفهاني ١/ ٣٩٢.\n(^٢) في نهاية السول ٢/ ٤٣٠، والسراج الوهاج ١/ ٥٥٠، ومناهج العقول ٢/ ١٠٥، وشرح الأصفهاني ١/ ٣٩٢، زيادة بعد هذا وهي: \"فكذلك الاستثناء\".\n(^٣) لم ترد في (ت)، و(ص)، و(غ).\n(^٤) في نهاية السول ٢/ ٤٣١، والسراج الوهاج ١/ ٥٥١، ومناهج العقول ١/ ١٠٥، وشرح الأصفهاني ١/ ٣٩٢: \"عمومها\" والمثبت موافق لما في \"م\" من شرح الأصفهاني.\n(^٥) في (ص): \"منقوص بالصفة والغاية والشرط\". ولا وجود للغاية في الشرح، فالظاهر أنها زيادة من الناسخ.\n(^٦) في (ص): \"وكالجار\".","vol":"4","page":1419},{"text":"وفي الصفة: الطوال.\nوفي الشرط: إن نزلوا بك.\nوفي الجار والمجرور: اضرب زيدًا، وأهِنْ عَمْرًا في الدار.\nوفي الظرف: صم، وصَلِّ يوم الخميس.\nوقد نَقَل الإمامُ عن الحنفية موافَقَتَنا على عود الشرط إلى الكل (^١). وأما الحال والظرف والمجرور فقال: \"إنا نخصهما بالأخيرة (^٢) على قول أبي حنيفة\" (^٣). وحينئذ لا يحسن استدلال المصنف بها على الحنفية (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٨٠، ٩٦.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"بالأخرة\".\n(^٣) عبارة الإمام في المحصول ١/ ق ٣/ ٨٤: \"لا نسلم التوقف في الحال والظرفين، بل نخصهما بالجملة الأخيرة على قول أبي حنيفة ﵀، أو بالكل على قول الشافعي ﵁\". وكذا الصفة يقول أبو حنيفة بعودها إلى الأخيرة فقط، ولا يقول بالعود إلى الكل إلا في الشرط فقط. انظر: فواتح الرحموت ١/ ٣٣٥.\n(^٤) أي: استدلال المصنف بالحال والظرف والجار والمجرور على الحنفية بأنها تعود إلى الكل، فالاستثناء مثلها - غير صحيح؛ لأن الحنفية لا يسلِّمون بعود الحال والظرف والجار والمجرور إلى جميع الجمل، بل يقولون بعودها إلى الأخيرة فقط، فالاستدلال بها عليهم لا يصح إلا إذا وافقوا على عودها إلى الكل، أما وهم يُجْرون الخلاف فيها فلا يصح. وإنما الذي يصح الاستدلال به عليهم هو الشرط؛ إذ وافقوا على عوده إلى الكل، ولكنهم يفرقون بين الشرط والاستثناء: بأن الشرط إنما يكون للحكم التعليقي، والاستثناء إنما يكون للحكم التنجيزي، فلا يلزم من كون الشرط يعود إلى الكل - عَوْدُ الاستثناء أيضًا. ألا ترى أن الشرط قد يفيد انتفاء الجزاء بالكلية، والاستثناء ليس كذلك. انظر: سلم الوصول ٢/ ٤٣٥.","vol":"4","page":1420},{"text":"و(^١) في الدليل نظر آخر: وهو أنه لا يلزم من اشتراك الشيئين من بعض الوجوه اشتراكهما في جميع الأحكام، واللغة لا تُثْبَت قياسًا، مع أنَّ الفرق ثابت؛ فإن الشرط متقدم على المشروط من جهة المعنى، وإنْ تأخر من جهة اللفظ، بخلاف الاستثناء فإنه مُؤَخَّرٌ من الجهتين (^٢).\nواحتج أبو حنيفة: بأن الاستثناء خلاف الأصل؛ لتنزله منزلة الإنكار بعد الإقرار كما سبق، وإذا كان على خلاف الدليل كان مرجوحًا، لكن خالفنا مقتضى الدليل في الجملة الأخيرة للضرورة؛ لأن الاستثناء غير مستقل، ولا يمكن إلغاؤه، وإنما جعلناه للجملة الأخيرة لأنها أقرب، فبقي ما عداها على الأصل.\nأجاب: بأن هذا الدليل منقوض بالصفة والشرط، فإنهما عائدان إلى الكل مع وجود المعنى الذي قلتموه بعينه فيهما. وفي النقض بالصفة نظرٌ، فإن أبا حنيفة ﵀ لا يقول بعودها إلى الجميع، بل هي عنده كالاستثناء في الاختصاص بالأخيرة، كما نقله عنه جماعة (^٣)، فالأولى\n_________\n(^١) سقطت الواو من (ص).\n(^٢) أي: لو سلَّمنا جواز القياس في اللغة، فإن قياس الاستثناء على الشرط قياس مع الفارق؛ لأن رتبة الشرط التقديم، فهو وإن تأخر لفظًا لكنه مقدَّم تقديرًا؛ لأن له صدارة الكلام باتفاق النحاة، فيصح تعلقه بالأول؛ لأنه مقارن له تقديرًا، بخلاف الاستثناء فإنه مؤخر لفظًا ورتبة، فلا يتعلق إلا بما يليه، فقياسه على الشرط قياس مع الفارق. انظر: سلم الوصول ٢/ ٤٣٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤١.\n(^٣) انظر: فواتح الرحموت ١/ ٣٣٥، سلم الوصول ٢/ ٤٣٤.","vol":"4","page":1421},{"text":"الاكتفاء بالنقض بالشرط.\nفإن قلت: لأبي حنيفة أن يعتذر عن الشرط بأن له صدر الكلام (^١)، كما تقدم.\nقلتُ: سلَّمنا أنَّ رتبته التقدم، ولكن على الجملة الأخيرة التي هي مشروطة لا على جميع الجمل.\nفإنْ قلت: لما حصل الشك في أن الشرط هل هو شرط (^٢) للجميع، أو للأخيرة فقط، بمقتضى اختلاف الأئمة (^٣)، والشك في الشرط يوجب الشك في المشروط - لَمْ يُرَتَّب (^٤) (^٥) الحكم في المشروط إلا بعد وجوده (لأنه ما لم يتحقق وجود الشرط) (^٦) فالمشروط (^٧) مشكوك فيه.\nقلت: قد يُمنع هذا، ويقال: الأصل عدم كونه شرطًا، فيرتب (^٨) الحكم ما لم يثبت شرطيته للجميع (^٩).\n_________\n(^١) أما الصفة والاستثناء فلهما آخر الكلام، أي: فلما كان الأصل في الشرط التقدم على المشروط من جهة المعنى، وإن كان يؤخر عنه من جهة اللفظ - عاد الشرط إلى جميع الجمل؛ لأنه متقدم عليها كلها معنى، كما سبق بيانه.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: اختلافهم في الشرط، وقيل: يعود إلى الكل اتفاقًا. انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ٢٢.\n(^٤) قوله: لم يرتب. . . إلخ جواب الشرط في قوله: لما حصل الشك.\n(^٥) في (ت): \"لِمَ رُتِّب\". والظاهر أنه خطأ.\n(^٦) أي: وجود الشرط.\n(^٧) سقطت من (ص).\n(^٨) في (غ)، و(ص): \"فترتب\". وفي (ت): \"فرتب\".\n(^٩) انظر مسألة الاستثناء من الجمل المتعاطفة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٦٣، الحاصل =","vol":"4","page":1422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-394>فائدة:</span>\nالخلاف (^١) المتقدم في أن الاستثناء هل يختص بالأخيرة، أو يعود إلى الجميع، أو غير ذلك - إنما هو فيما إذا لم يقم دليلٌ على واحد بعينه (^٢). وقد وقع استثناءٌ بعد جملتين، وهو عائد إلى الجملة الأولى وحدها، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ (^٣)، فإن هذا الاستثناء مختص بالجملة الأولى، أعني: قوله: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾، ولا يجوز أن يكون عائدًا إلى الأخيرة، أعني: إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾؛ إذ التقدير حينئذ: إلا من اغترف غرفة بيده فليس مني. والمعنى على خلاف ذلك؛ لأن المقصود أنَّ مَنْ لم يطعمه مطلقًا، ومن اغترف منه غرفة بيده (على حد سواء. ولا يمكن أن يكون التقدير: إلا من اغترف غرفة بيده) (^٤) فإنه مني، على هذا التقدير؛ لأنه لا يُعقل استثناءٌ حينئذ؛ إذ المستثنى\n_________\n= ١/ ٥٤٤، التحصيل ١/ ٣٧٨، نهاية الوصول ٤/ ١٥٥٣، نهاية السول ٢/ ٤٣٠، السراج الوهاج ١/ ٥٤٨، المحلي على الجمع ٢/ ١٧، الإحكام ٢/ ٣٠٠، المستصفى ٣/ ٣٨٨ (٢/ ١٧٤)، البحر المحيط ٤/ ٤١١، شرح التنقيح ص ٢٤٩، بيان المختصر ٢/ ٢٧٨، تيسير التحرير ١/ ٣٠٢، فواتح الرحموت ١/ ٣٣٢، فتح الغفار ٢/ ١٢٨، شرح الكوكب ٣/ ٣١٢، المسودة ص ١٥٦، العدة ٢/ ٦٧٨.\n(^١) في (ت): \"فائدة الخلاف\". وهذه الزيادة خطأ.\n(^٢) انظر: المحلي على الجمع مع البناني ٢/ ١٨، ١٩.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٤٩.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1423},{"text":"لا بد أن يغاير حكمُه حكمَ المستثني منه (^١).\nوكذلك في قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ (^٢)، فإنَّ هذا الاستثناء مختص بالجملة الأولى، أي (^٣): والله أعلم: لا يحل لك النساء، والنساء أعم من الزوجات والإماء، واستثنى ما يملكه اليمين، وحَرَّم أيضًا أن يتبدل بالأزواج، ولا يمكن عود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة؛ إذ تصير: إلا ما قد استثنين من الأزواج، وهن (^٤) لا يمكن كونهن أزواجًا له - ﷺ - (^٥).\nووقع استثناء وهو عائد إلى الجميع بلا اختلاف في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ (^٦)، وهذا يصلح نقضًا على أبي حنيفة، ومُعْتَصَمًا لأصحابنا (^٧).\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط ٤/ ٤٣١، شرح الكوكب ٣/ ٣١٦، شرح التنقيح ص ٢٥٢، الاستغناء ص ٥٧٤.\n(^٢) سورة الأحزاب: الآية ٥٢.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أي: الإماء.\n(^٥) لأنه يلزم من عود الاستثناء على الجملة الأخيرة أن يكون الإماء من زوجاته، وهو ممنوع. انظر: البحر المحيط ٤/ ٤٣٢، شرح الكوكب ٣/ ٣١٦.\n(^٦) سورة المائدة: الآيتان ٣٣، ٣٤.\n(^٧) حكى ابن السمعاني الإجماع على عود الاستثناء في هذه الآية إلى جميع الجمل. انظر: القواطع ١/ ٢١٧. وانظر: المحلي على الجمع ٢/ ١٨، البحر المحيط ٤/ ٤٣٠، شرح الكوكب ٣/ ٣١٩، تفسير القرطبي ٦/ ١٥٨، زاد المسير ٢/ ٣٤٧.","vol":"4","page":1424},{"text":"ووقع استثناء وهو راجع إلى الجملة الأخيرة بلا خلاف، غير راجع إلى الأولى على الصحيح، وفي المتوسطة اختلاف، وذلك في آية القاذف المتقدمة (^١)، فإن الجلد ثابت سواء أتاب (^٢) القاذف أم (^٣) لم يتب، وإنما الخلاف في قبول الشهادة، وهي الجملة المتوسطة.\nفإن قلت: فهذه الآية والآية الأولى ينقضان مذهبكم كما نقضت آية\n_________\n(^١) قد حكى كثير من الأصوليين الاتفاق على عدم عود الاستثناء إلى الجملة الأولى في آية القذف. انظر: الإحكام ٢/ ٣٠٤، بيان المختصر ٢/ ٢٨٦، البحر المحيط ٤/ ٤٣١، شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٩، نهاية السول ٢/ ٤٣٢، شرح الكوكب ٣/ ٣١٨. وانظر: فتح القدير ٤/ ٩، تفسير ابن كثير ٣/ ٢٦٤، لكن قال القرطبي في تفسيره ١٢/ ١٧٨ - ١٧٩: \"فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جَلْده، ورَدُّ شهادته أبدًا، وفسقه. فالاستثناء غير عاملٍ في جلده بإجماعٍ، إلا ما رُوي عن الشعبي على ما يأتي. وعامل في فسقه بإجماع. واختلف الناس في عمله في ردِّ الشهادة. . . ويروى عن الشعبي أنه قال: الاستثناء من الأحكام الثلاثة، إذا تاب وظهرت توبته لم يُحَدّ، وقبلت شهادته، وزال عنه التفسيق؛ لأنه قد صار ممن يُرْضَى من الشهداء، وقد قال الله ﷿: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ الآية\". إلا أن توبة القاذف عند الشعبي لا تكون إلا بأن يُكَذِّب نفسه في ذلك القذف الذي حُدّ فيه، كما فعل عمر - ﵁ -، فإنه قال للذين شهدوا على المغيرة - ﵁ -: \"من أكذب نفسه أجَزْتُ شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أُجِز شهادته\"، وهو مذهب الضحاك وأهل المدينة. انظر: التفاسير السابقة، الدر المنثور ٦/ ١٣١. فعلى هذا كأن الشارح رحمه الله تعالى يشير بقوله: \"غير راجع إلى الأُولى على الصحيح\" إلى خلاف الشعبي ﵁. والله أعلم.\n(^٢) في (ت): \"تاب\".\n(^٣) في (ت): \"أو\".","vol":"4","page":1425},{"text":"قُطَّاع الطريق رأي أبي حنيفة.\nقلت: قد قلنا: إنَّ الأصل عندنا أن الاستثناء يعود على الجميع، وقد يتخلَّف ذلك لدليل، وفي الآية الأولى تخلَّف لعدم الإمكان، وفي آية القاذف لأنه حق آدمي لا يسقط بالتوبة. وأما الحنفية فلا عذر لهم في مخالفة أصلهم.\nقال: (الثاني: الشرط: وهو ما يتوقف عليه تأثير المؤثِّر، لا وجوده. كالإحصان).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>القسم الثاني من أقسام المخصِّصات المتصلة: الشرط</span>.\nوهو في اللغة: العلامة. ومنه أشراط الساعة، أي: علاماتها (^١).\nوفي الاصطلاح: هو الذي يَتَوَقَّف عليه تأثيرُ المؤثِّر لا وجودُ المؤثر.\n_________\n(^١) هذا المعنى بالنسبة للشَّرَط بفتح الراء، كما هو في لسان العرب ٧/ ٣٢٩، والقاموس المحيط ٢/ ٣٦٨، والصحاح ٣/ ١١٣٦، والمصباح المنير ١/ ٣٣١، مادة (شرط). قال الزركشي رحمه الله تعالى عن الشرط: \"قالوا: وهو لغة: العلامة، والذي في الصحاح وغيره من كتب اللغة ذلك في الشَّرَط بالتحريك، وجمعه أشْراط، ومنه أشْراط الساعة، أي: علاماتها. وأما الشَّرْط بالتسكين - فجمعه شروط في الكثرة، وأشْرُطٌ في القلة، كفُلُوس وأفْلُس\". البحر المحيط ٤/ ٤٣٧. وفي القاموس المحيط ٢/ ٣٦٨: \"الشَّرْط: إلزامُ الشيء والتزامُه في البيع ونحوه كالشَّريطَة ج شُرُوط\". وفي اللسان ٧/ ٣٣٠: \"وأشْراط الشيء: أوائلُه. قال بعضهم: ومنه أشراط الساعة، وذكرها النبي - ﷺ -، والاشتقاقان متقاربان؛ لأن علامة الشيء أوَّله. وَمَشارِيط الأشياء: أوائلها كأشْراطها. . . الأصمعي: أشْراط الساعة علاماتها، قال: ومنه الاشْتراط الذي يشترط الناسُ بعضُهم على بعض أي: هي عَلامات يجعلونها بينهم\". فعلى هذا يكون إطلاق الشَّرْط - بالتسكين - بمعنى العلامة مجاز لغوي؛ لأن الشرط أول الشيء، وأول الشيء علامة له.","vol":"4","page":1426},{"text":"كالإحصان لوجوب الرجم. فإن تأثيرَ المؤثِّر في وجوب الرجم وهو الزنا - متوقفٌ عليه، دون وجوده؛ لأنه قد يوجد الزنا ولا يوجد الإحصان. وإنما قال: \"لا وجوده\" ولم يقل: \"لا ذاته\" كما فعل الإمام (^١)؛ لئلا يرد على طَرْده (^٢) العلة التامة: وهي المركبة من المقتضِي، والشرط، وانتفاء المانع. فإن تأثيرها متوقف على ذاتها بالضرورة، فالشرط جزؤها، وذاتها لا تتوقف عليها؛ لأن الشيء لا يتوقف على نفسه. وهذا بخلاف الوجود، فإنه على رأي المصنف وصف عارض للماهية، كما تقدم في الاشتراك، (فلا تدخل) (^٣) تحت الحد (^٤). فافهم\n_________\n(^١) تعريف الإمام للشرط: هو الذي يقف عليه المؤثِّر في تأثيره، لا في ذاته. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٨٩.\n(^٢) الطَّرْد: هو المنع، أي: لئلا يُعْترض على الحد بأنه ليس بمانع.\n(^٣) في (ت)، و(ص): \"فلا يدخل\". وهو خطأ؛ لأن هذا يُوهم أن الفاعل هو الوجود، مع أنه هو العلة التامة. وفي (غ)، و(ك): \"فلا يدخل\" (بدون تنقيط).\n(^٤) المعنى والله أعلم: أنه إذا قلنا في تعريف الشرط بقول الإمام: ما يتوقف عليه تأثير المؤثر لا ذاته - فإن الحد يكون غير مانعٍ؛ لدخول العلة التامة فيه، إذ تأثيرها متوقف على ذاتها، وذاتها غير متوقفة على ذاتها؛ لأن الشيء لا يتوقف على نفسه، فأصبح التأثير متوقفًا على الذات، وذات العلة غير متوقف على ذاتها، وهذا هو تعريف الشرط، كما يقول الإمام. لكن لو قلنا بقول الماتن في تعريف الشرط: ما يتوقف عليه تأثير المؤثِّر لا وجوده، فإن قيد \"لا وجوده\" يُخْرج العلة التامة؛ لأن وجود العلة التامة متوقف على ذاتها، لكونها تامة مستلزمة لوجودها، فتأثير العلة التامة متوقف على ذاتها، ووجودها متوقف على ذاتها أيضًا، فخالفت الشرط الذي يتوقف عليه تأثير المؤثر لا وجوده. وتوقف الوجود على الذات في العلة التامة غير ممتنع؛ لكون الوجود صفةً عارضةً خارجة عن الذات، فليس توقف الوجود على الذات من قبيل توقف الشيء على نفسه، فكان حد المصنف مانعًا، بخلاف حدِّ الإمام، =","vol":"4","page":1427},{"text":"ذلك، فهو من محاسن الصنف (^١) (^٢).\nوهنا فائدتان:\nإحداهما: أن الشرط قد يكون شرعيًا، كما مثلناه في الإحصان. وقد يكون عقليًا، كقولنا: الحياة شَرْطٌ للعلم. وقد يكون لغويًا نحو: إنْ كلمتِ زيدًا فأنت طالق. وقد يكون عاديًا، كالسلم مع صعود السطح. والكلام ليس إلا في الشرعي، ويدل على ذلك تمثيل المصنف بالإحصان (^٣).\nالثانية: أن الشروط اللغوية أسباب (^٤)، بخلاف غيرها من الشروط،\n_________\n= رحمهما الله جميعًا. وقول الشارح رحمه الله تعالى: \"فافهم ذلك فهو من محاسن المصنف\" فيه إشارة إلى أن هذا القيد الذي خالف به تعريف الإمام وصاحبي \"التحصيل\" و\"الحاصل\" مما انفرد به المصنف، وهو معدود من محاسنه رحمه الله تعالى.\n(^١) انظر: نهاية السول ٢/ ٤٣٧ - ٤٣٩.\n(^٢) انظر تعريف الشرط في: المحصول ١/ ق ٣/ ٨٩، التحصيل ١/ ٣٨٣، الحاصل ١/ ٥٥١، نهاية الوصول ٤/ ١٥٨١، نهاية السول ٢/ ٤٣٧، السراج الوهاج ١/ ٥٥٣، المستصفى ٣/ ٣٩٥ (٢/ ١٨٠)، الإحكام ٢/ ٣٠٩، المحلي على الجمع ٢/ ٢٠، البحر المحيط ٤/ ٤٣٧، شرح التنقيح ص ٨٢، ٢٦١، ٢٦٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤٥، بيان المختصر ٢/ ٢٩٦، تيسير التحرير ١/ ٢٧٩، فواتح الرحموت ١/ ٣٣٩، شرح الكوكب ٣/ ٣٤٠، نزهة الخاطر ٢/ ١٨٩.\n(^٣) انظر أقسام الشروط في: المحصول ١/ ق ٣/ ٨٩، نفائس الأصول ٥/ ٢٠٤٢، المستصفى ٣/ ٣٩٥ (٢/ ١٨١)، نزهة الخاطر ٢/ ١٩٠، الإحكام ٢/ ٣٠٩، نهاية السول ٢/ ٤٣٩، البحر المحيط ٤/ ٤٣٩، الموافقات ١/ ٢٦٦، إرشاد الفحول ص ١٥٣.\n(^٤) وفاقًا للغزالي، والقرافي، وابن الحاجب. قال الزركشي: \"ولهذا تقول النحاة في الشرط والجزاء بسببية الأول، ومسببية الثاني\". البحر المحيط ٤/ ٤٣٩ - ٤٤٠. وانظر: شرح التنقيح ص ٨٥، المنتهى ص ١٢٨، إرشاد الفحول ص ١٥٣.","vol":"4","page":1428},{"text":"وقاعدتها مباينة لقاعدة الشروط الأُخَر، ويظهر الفرق بين القاعدتين بتبيين حقيقة السبب، والشرط، والمانع.\nفالسبب: هو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم لذاته.\nوالشرط: هو الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.\nوالمانع: هو الذي يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته.\nوقد أوضحنا ذلك في أوائل تقسيم الألفاظ، فعاوِدْه، فإذا (^١) راجعته وتقرر ذلك - فالمعتبر من المانع وجوده، ومن الشرط عدمه، ومن السبب وجوده وعدمه (^٢).\nولك أن تمثِّل ذلك بالزكاة: فالسبب النصاب، والحَوْل شرطٌ، والدَّيْن مانعٌ عند مَنْ يراه مانعًا (^٣).\nوإذا ظهرت حقيقة كلِّ واحدٍ من السبب، والشرط، والمانع - وضح أن الشروط اللغويةَ أسبابٌ بخلاف غيرها من الشروط العقلية كالحياة مع العلم، أو الشرعية كالإحصان مع الرجم، والعادية (^٤) كالسلم مع الصعود؛\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"وإذا\".\n(^٢) لأن الحكم ينتفي عند وجود المانع، وعند فقدان الشرط، لكن عدم المانع، ووجود الشرط لا يلزم منهما وجود الحكم. والمعتبر من السبب وجوده وعدمه؛ لأن الحكم مُسَبِّبٌ مرتبطٌ بسببه وجودًا وعدمًا.\n(^٣) كالثوري وأبي ثور وابن المبارك وجماعة. انظر: بداية المجتهد ١/ ٢٤٦.\n(^٤) هكذا في جميع النسخ، والأحسن أن يقول: أو العادية.","vol":"4","page":1429},{"text":"فإن هذه الشروط يلزم من عدمها العدم في الشروط، (ولا يلزم من وجودها وجودٌ ولا عدم، فقد يُوجد المشروطُ) (^١) عند وجودها، كوجوب الزكاة عند الحول الذي هو شرطٌ، وقد يقارِن الدَّيْنَ فيمتنع (^٢) الوجوب.\nوأما الشروط اللغوية: التي هي التعاليق، كقوله: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالقٌ - يلزم من الدخول الطلاق، ومن عَدَمِه عَدَمُه، إلا أن يَخْلُفَه سببٌ آخر، (كالإنشاء، أو تعليق آخر بعد التعليق (^٣). وهذا هو شأن السبب أن يلزم من عدمه العدم، إلا أن يخلفه سبب آخر) (^٤).\nفإذا ظهر أن الشروط اللغوية أسبابٌ دون غيرها - فإطلاق لفظ الشرط عليها وعلى ما عداها إما بالاشتراك، أو بالحقيقة في واحدٍ والمجاز في البواقي، أو بالتواطئ؛ إذ بينهما قدرٌ مشترك: وهو مجرد توقف الوجود على الوجود، فإن الشرطَ العقلي وغيرَه يتوقف دخولُ مَشْرُوطه في الوجود على وجوده؛ وإن كان وجوده لا يقتضيه. والمشروط اللغوي يتوقف وجوده على وجود شرطه، ووجود شرطه يقتضيه.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"فيمنع\".\n(^٣) قوله: إلا أن يخلفه سبب آخر. . . إلخ استثناء من قوله: \"ومن عَدَمِه عَدَمُه\". والمعنى: أن الطلاق لا يقع بعدم الشرط وهو عدم الدخول، لكن قد يقع بسبب آخر كأن ينشئ الطلاق وينجزه، أو أن يعلِّق الطلاق على شرط آخر، فيقع الطلاق بوجود الشرط الثاني، وإن لم يقع بوجود الشرط الأول.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1430},{"text":"ثم الشرط اللغوي يمكن التعويض عنه، والإخلاف، والبدل، كما إذا قال لها: إنْ دخلتِ الدارَ فأنتِ طالق ثلاثًا، ثم يقول لها: أنتِ طالقٌ ثلاثًا. فتقع الثلاث بالإنشاء بدلًا عن المعلَّقة (^١). وكقولك: إنْ رددتَ عبدي فلك هذا الدرهم. ولك أن تعطيه إياه قبل أن يأتيك بالعبد هبةً، فتَخْلُفُ الهبةُ استحقاقَه إياه بالإتيان بالعبد. ويمكن إبطالُ شرطيته كما إذا نَجَّز الطلاق، أو اتفقا (^٢) على فسخ الجعالة. والشروط (^٣) لا يقتضي وجودها وجودًا، ولا تقبل البدل، ولا الإخلاف، ولا تقبل الإبطال، إلا الشرعية خاصةً، فإن الشرع قد يُبْطِل شرطية الطهارة والسِّتَارة عند معارضة التعذُّرِ أو غيره (^٤). فهذه ثلاثة فروق: اقتضاء الوجود، والبدل (^٥)، والإبطال. (والله أعلم) (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) في (ت): \"المعلق\". والمعنى: بدلًا عن الطلقات الثلاث المعلقة. أو بدلًا عن الطلاق المعلق.\n(^٢) في (ص)، و(ك): \"أو اتفقتما\".\n(^٣) في (ت)، و(ص)، و(ك)، و(غ): \"والشروط الشرعية\" بزيادة لفظ \"الشرعية\"، وهذه الزيادة خطأ، لأن الشارح يتكلم عن الفرق بين الشروط اللغوية، وباقي الشروط، فلما ذكر ما تمتاز به الشروط اللغوية - ثنى عليها بذكر ما تمتاز به باقي الشروط، ويدل أيضًا على أن هذه الزيادة خطأ قوله بعد ذلك: \". . . ولا تقبل الإبطال إلا الشرعية خاصة\". فكيف يستثني الشرعية من نفسها!\n(^٤) فشرطية الطهارة تسقط عند تعذرها بفقد الماء، أو تعسرها بالمرض ونحوه. وكذا شرطية ستر العورة تسقط عند تعذرها بفقد اللباس، أو تعسرها بمرض ونحوه. فيخلف الماءَ الترابُ، ويخلف سترَ العورة الجلوسُ في الصلاة ويومئ بالركوع والسجود، فقد أبطل الشرع شرطية الطهارة والستارة في هذه الأحوال، وعوض عنهما ببدل.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) انظر: شرح التنقيح ص ٨٥، البحر المحيط ٤/ ٤٣٩.","vol":"4","page":1431},{"text":"قال: (وفيه مسألتان (^١):\nالأولى: الشرط إنْ وُجد دَفْعَةً فذاك، وإلا فيوجد المشروط عند تكامل أجزائه، أو ارتفاع (^٢) جزء إنْ شُرِط عدمه.\nالثانية: \"إن كان زانيًا محصنًا (^٣) فارجم\" يحتاج إليهما، و\"إن كان سارقًا أو نَبَّاشا فاقطع\" يكفي أحدهما. و\"إنْ شُفِيتُ فسالمٌ وغانمٌ حرٌّ\" فَشُفي عَتَقا. وإن قال: أو (^٤) يعتق أحدهما ويُعَيِّن) (^٥).\nذكر في هذا القسم مسألتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>إحداهما (^٦): في وقت وجود المشروط:</span>\nاعلم أن الشرط إما أن يوجد دفعة (^٧)، أو على التدريج. إن وُجِد دَفْعَةً، كالتعليق على وقوع طلاقٍ (^٨) وغير ذلك مما يستحيل أن يدخل في\n_________\n(^١) في (ت)، و(ك)، و(غ): \"مسائل\". والمثبت موافق لما في نهاية السول ٢/ ٤٣٧، السراج الوهاج ١/ ٥٥٤، شرح الأصفهاني ١/ ٣٩٨.\n(^٢) في (ت): \"وارتفاع\".\n(^٣) في (غ)، و(ك): \"ومحصنا\".\n(^٤) سقطت من جميع النسخ المخطوطة، والصواب إثباتها كما هو في نهاية السول بحاشية المطيعي ٢/ ٤٤٠.\n(^٥) في (ت)، و(ص)، و(ك)، و(غ): \"فيعيِّن\". والمُثْبت من النهاية بحاشية المطيعي.\n(^٦) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"إحديهما\".\n(^٧) سقطت من (ص).\n(^٨) بأن يقول: إنْ طلقْتُكِ فأنتِ طالق. فلو طلَّقها نُظِر: إن كانت مدخولًا بها وقعت طلقتان إحداهما المنجَّزة، والأخرى المعلَّقة بالتطليق. وإن لم يكن مدخولًا بها وقع ما نَجَّزه، وحصلت البينونة فلا يقع شيء آخر وتنحل اليمين بما نجَّز، حتى لو نكحها =","vol":"4","page":1432},{"text":"الوجود إلا دفعةً واحدةً - فإنه يُوجد المشروط عند أول أزمنة الوجود إن عُلِّق عليه، أو العدم إن عُلِّق عليه. مثل: إن لم أطلقكِ فأنتِ طالق (^١) وإلى هذين القسمين أشار بقوله: \"فذاك\".\nوإن وُجِد على التدريج، كالتعليق على قراءة سورة مَثَلًا - فإنْ كان على الوجود، كقوله: إنْ قرأتِ الفاتحةَ فأنتِ طالقٌ - فَيُوجد المشروط وهو الطلاق (عند تكامل أجزاء الفاتحة.\nوإن كان على العدم، كقوله: إن لم تقرئي الفاتحة فأنت طالق - فيوجد المشروط وهو الطلاق) (^٢) عند ارتفاع جزءٍ من الفاتحة، حتى (^٣) لو\n_________\n= بعد ذلك وطلَّقها لا يجيء الخلاف في عَوْد الحِنْث. انظر: العزيز شرح الوجيز ٩/ ٧٥، روضة الطالبين ٦/ ١١٧.\n(^١) هذا مثال للتعليق على شرط العدم، فبمجرد أن ينتهي من كلامه يقع الطلاق؛ لأنه أول أزمنة العدم ولو مَثَّل الشارح - ﵀ - بقوله: \"إذا لم أطلقك فأنتِ طالق\" لكان أحسن؛ لأن المذهب عند الشافعية التفريق بين إنْ وإذا. فإذا قال: إن لم أطلِّقكِ فأنت طالق - لم يقع الطلاق، وإنما يقع إذا حصل اليأس عن الطلاق. ولو قال: إذا لم أطلِّقك فأنت طالق - فإذا مضى زمان يمكنه أن يطلِّق فيه فلم يطلِّق طُلِّقت. قال النووي ﵀: \"هذا هو المنصوص في الصورتين، وهو المذهب\". وقال الرافعي ﵀: \"والفرق أنَّ حرف \"إنْ\" يدل على مجرد الاشتراط لا إشعار له بالزمان، و\"إذا\" ظرف زمان نازل منزلة \"متى\" في الدلالة على الأوقات، ألا ترى أن القائل إذا قال لك: متى ألقاكَ - استقام لك أن تقول في الجواب: إذا شئتَ، ووقع موقع قولك: متى شئتَ. ولا يستقيم أن تقول: إن شئت. وإذا كان كذلك فقوله: إن لم أطلقكِ - معناه: إن فاتني طلاقُكِ، ومدة إمكان الطلاق فسيحة، فَيُنتظر الفوات\". انظر: روضة الطالبين ٦/ ١٢١، العزيز شرح الوجيز ٩/ ٨١، مع تصرفٍ يسير.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1433},{"text":"قرأت الجميع إلا حرفًا واحدًا - تطلق؛ لأن المركَّب ينتفي بانتفاء جزئه، وانتفاء الجزء يستلزم انتفاء الكل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-397>المسألة الثانية: في تعدد الشرط والمشروط:</span>\nأما الشرط: فاعلم أنَّ الشرطين إنْ دخلا على جزاء واحد - فإما أن يكونا (^١) على الجمع، أو على البدل.\nفإنْ كانا على الجمع مثل: إن كان زانيًا ومحصنًا فارجم - فلا يوجد المشروط الذي هو الرجم إلا عند وجودهما معًا.\nوإنْ كانا على البدل كفى أيُّهما وُجِد في ترتب الحكم، نحو: إن كان سارقًا أو نباشًا فاقطع.\nوأما المشروط: فاعلم أن الجزاءين إنْ دخلا على شَرْط واحد - فإن كانا على الجمع (^٢) وُجِدا عند وجوده. مثل: إن شُفيتُ فسالمٌ وغانمٌ حرٌّ. فإنهما يعتقان عند شفائه.\nوإنْ كانا على البدل مثل: إن شُفيتُ فسالم أو غانم حُرٌّ - فيعتق عند شفائه أحدُهما، والخِيَرة (^٣) في التعيين إليه. هذا ما ذكره في هذه المسألة، ولم يذكر اتحاد الشرط والمشروط مثل: إن دخلتِ الدار فأنتِ طالقٌ.\n_________\n(^١) في (ص): \"يكون\" وهو خطأ.\n(^٢) في (ص): \"الجميع\" وهو خطأ.\n(^٣) بفتح الياء وسكونها. انظر: لسان العرب ٤/ ٢٦٦، ٢٦٧، المصباح المنير ١/ ١٩٩، مادة (خير).","vol":"4","page":1434},{"text":"بل وَضَع المسألة في التعدد فقط (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>فائدة:</span>\nاتفقوا على وجوب اتصال الشرط بالكلام، لا نعلم في ذلك نزاعًا. وعلى أنه يجوز تقييد الكلام بِشرطٍ يكون الخارج به أكثر من الباقي (^٢). قال الشيخ (^٣) صفي الدين الهندي: \"وهذا يجب تنزيله على ما علم أنه كذلك. وأما ما يجهل الحال فيه - فإنه يجوز أن يُقَيَّد ولو بشرطٍ (لا يُبْقِي) (^٤) مِنْ مدلولاته (^٥) شيئًا، كقولك: أكرم مَنْ يدخل الدارَ إنْ أكرمك. وإنْ اتفق أن أحدًا منهم لم يكرمه (^٦) \" (^٧).\n_________\n(^١) انظر المسألتين في: المحصول ١/ ق ٣/ ٩١، الحاصل ١/ ٥٥٢، التحصيل ١/ ٣٨٣، نهاية الوصول ٤/ ١٥٨٤، نهاية السول ٢/ ٤٤٠، السراج الوهاج ١/ ٥٥٤، مناهج العقول ٢/ ١٠٩، البحر المحيط ٤/ ٤٤٣، الإحكام ٢/ ٣١٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤٥، شرح التنقيح ص ٢٦١ - ٢٦٤، تيسير التحرير ١/ ٢٨٠، فواتح الرحموت ١/ ٣٤٢، شرح الكوكب ٣/ ٣٤٢.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٩٧، شرح التنقيح ص ٢٦٤، البحر المحيط ٤/ ٤٤٦، الإحكام ٢/ ٣١١، نهاية الوصول ٤/ ١٥٨٩. ملاحظة: وقع تصحيف في \"نهاية الوصول\" في الصفحة المذكورة، إذ فيها: \"واتفقوا على أنه يجوز تقييد الكلام بشرط يكون الخارج به أكثر من النافي\"، رالصواب: \"أكثر من الباقي\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في نهاية الوصول ٤/ ١٥٨٩: \"لا ينفي\". وهو خطأ. وانظر: البحر المحيط ٤/ ٤٤٧.\n(^٥) في (ك): \"مدلوله\".\n(^٦) المعنى: أن هذا الشرط لا يتقيد بعدد، فلو أكرمه الجميع أكرمهم، ولو لم يكرمه الجميع لم يكرمهم، ولو أكرمه واحد أكرمه، فهو شرط مجهول العدد لا يتقيد بقليلٍ ولا كثير، ولذا فهو شرط صحيح وإن استغرق نفي جميع مدلولات المشروط.\n(^٧) انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٥٨٩.","vol":"4","page":1435},{"text":"قال: (الثالث: الصفة. مثل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (^١)، وهي كالاستثناء).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>(القسم الثالث) (^٢) من المخصِّصات المتصلة: الصفة </span>(^٣). نحو: أكرم بني تميمٍ الطوال. فإن التقييد بالطِّوال يُخرج غير الطوال. ومَثَّل له المصنف تبعًا للإمام بقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (^٤) (^٥)؛ لأن \"رقبة\" عام، والتقييد بالمؤمنة يخرج الكافرة. وفيه تجوز؛ لأن \"رقبة\" مطلق وعمومه بدلي، والكلام في العموم الشمولي (^٦).\nقوله: \"وهي كالاستثناء\" أي: الصفة كالاستثناء في وجوب\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ٩٢.\n(^٢) في (ص): \"القسم الثاني\". فليتأمل القارئ مثل هذا الخطأ الواضح!\n(^٣) المراد بالصفة الصفة المعنوية لا النعت بخصوصه، ولذلك قال الشارح فيما نقله عنه المحلي: والمراد بها لفظ مقيِّد لآخر ليس بشرط ولا استثناء ولا غاية، لا النعت فقط. أي: أخذًا من إمام الحرمين وغيره، حيث أدرجوا فيها العدد والظرف مثلًا. اهـ. انظر: المحلي على الجمع ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠، وانظر: البحر المحيط ٤/ ٤٥٥، شرح الكوكب ٣/ ٣٤٧.\n(^٤) سورة المجادلة: الآية ٣.\n(^٥) عبارة الإمام في المحصول ١/ ق ٣/ ١٠٥: \"كقولنا: رقبةٌ مؤمنة\".\n(^٦) يعني: فالمثال غير مطابق؛ لأنه من باب تقييد المطلق، لا من باب تخصيص العموم؛ لأن رقبة غير عامة، لكونها نكرة في سياق الإثبات. قال الإسنوي رحمه الله تعالى: ولم يزد الإمام على قوله: \"كقولنا: رقبة مؤمنة\"، وهو محتمل لما أراده المصنف ولغيره من الأمثلة الصحيحة، بأن تكون واقعة في نفي أو شرط، كما تقدم. اهـ. نهاية السول ٢/ ٤٤٢.","vol":"4","page":1436},{"text":"الاتصال، وعودها إلى الجمل فقط، لا في جميع أحكام الاستثناء، حتى يجيء فيها الخلاف في جواز إخراج الأكثر والمساوي. ويحتمل أن يجري الخلاف في هذا أيضًا، وإطلاق الكتاب يقتضيه (^١).\nوقال الإمام: \"إذا تعقبت الصفةُ شيئين - فإما أن يتعلق (أحدهما بالآخر) (^٢)، مثل: أكرم العرب والعجم المؤمنين - فتكون عائدةً إليهما. وإما أن لا يكون كذلك، مثل: أكرم العلماء وجالس الفقهاء الزهاد - فها هنا الصفة عائدة إلى الجملة الأخيرة\". قال: \"وللبحث فيه مجال، كما في الاستثناء\" (^٣) (^٤).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-400>(الرابع: الغاية:</span> هي طَرَفُه. وحكم ما بعدها خلاف ما قبلها، مثل: ﴿ثُمَ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (^٥».\n_________\n(^١) لأنه قال: \"وهي كالاستثناء\"، ولم يقيِّد بقيد.\n(^٢) في (ت)، و(غ)، و(ك)، و(ص): \"إحداهما بالأخرى\". والمثبت من المحصول ١/ ق ٣/ ١٠٥، وهو الصواب؛ لأن الضمير يعود إلى الشيئين، وهما مذكران. وقد سبق ذكر ضابط التعلُّق في المسألة السابقة.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٠٥، ١٠٦.\n(^٤) انظر التخصيص بالصفة في: التحصيل ١/ ٣٨٥، الحاصل ١/ ٥٥٦، نهاية الوصول ٤/ ١٦٠١، نهاية السول ٢/ ٤٤٢، السراج الوهاج ١/ ٥٥٦، مناهج العقول ٢/ ١١١، الإحكام ٢/ ٣١٢، المحلي على الجمع ٢/ ٢٣، البحر المحيط ٤/ ٤٥٥، بيان المختصر ٢/ ٣٠٤، نشر البنود ١/ ٢٥٣، فواتح الرحموت ١/ ٣٤٤، شرح الكوكب ٣/ ٣٤٧.\n(^٥) سورة البقرة: الآية ١٨٧.","vol":"4","page":1437},{"text":"غاية الشيء: طرفه ومنتهاه (^١). وإنما أعاد المصنفُ الضميرَ في طَرَفه على الشيء وهو غير مذكور للعلم به. وألفاظ الغاية: حتى (^٢)، وإلى (^٣)، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (^٤)، ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (^٥)، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^٦)، ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾.\nوحكم ما بعد الغاية مخالفٌ لما قبلها، وإلا لم تكن الغايةُ غايةً، بل وسطًا، هذا خُلْف.\nوأما الغاية نفسها هل تدخل، كقولك: أكلتُ حتى قمتُ، هل يكون القيام محلًا للأكل (^٧)؟ فيه مذاهب:\n_________\n(^١) انظر: لسان العرب ١٥/ ١٤٣، مادة (غيا).\n(^٢) وهو إذا كانت بمعنى إلى. انظر: نهاية السول ٢/ ٤٤٧، مغني اللبيب ١/ ١٤١.\n(^٣) زاد في شرح الكوكب (٣/ ٣٤٩) اللام، كقوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّت﴾ أي: إلى بلد. وأو، كقول الشاعر: لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى. أي: إلى أن أدرك المنى.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٢٢٢.\n(^٥) سورة القَدْر: الآية ٥.\n(^٦) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٧) هذا التحرير لمحل النزاع اتبع فيه الشارح القرافي رحمهما الله تعالى، وسيأتي بعد قليل نَقْلُ الشارح اعتراضَ القرافي على الإمام في جعله محل النزاع فيما بعد الغاية. وكثير من الأصوليين يذكرون محل الخلاف فيما بعد الغاية. وظاهرٌ أن المراد واحد عند الجميع، إذ المراد عندهم - وهو محل الخلاف - هو المذكور بعد أداة الغاية، سواء سميناه الغاية كما يقول القرافي والشارح، أو سميناه ما بعد الغاية، كما هو فعل كثير من الأصوليين، لكن تسمية القرافي والشارح أدلُّ على المقصود، وأدق في تحرير محل النزاع.","vol":"4","page":1438},{"text":"أحدها: أن حكمه يخالف حكم (^١) ما قبله (^٢).\nوالثاني: أنه لا يدل على شيء. واختاره الآمدي (^٣).\nوالثالث: إنْ كان مِنْ جنسه دخل، وإلا فلا. نحو: بعتك التفاح إلى هذه الشجرة (^٤) فَيُنظر في تلك الشجرة أهي من التفاح فتدخل، أمْ لا فلا تدخل (^٥).\nوالرابع: إنْ كان معه لفظة \"مِنْ\" دخل، نحو: مِنْ هذه النخلة إلى\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٢) هذا هو مذهب الشافعي والجمهور.\nانظر: البحر المحيط ٤/ ٤٦٣، شرح الكوكب ٣/ ٣٥١، نهاية السول ٢/ ٤٤٥.\n(^٣) كلام الآمدي في الإحكام (٢/ ٣١٣) بخلاف هذا، بل هو صريح في اختيار المذهب الأول؛ إذ قال: \"ولا بد وأن يكون حكم ما بعدها مخالفًا لما قبلها، وإلا كانت الغاية وسطًا، وخرجت عن كونها غاية\".\nوقد عزى الإسنوي هذا القول الثاني أيضًا إلى الآمدي. انظر: نهاية السول ٢/ ٤٤٦، ومِثْلُه الزركشي، والظاهر أنه تابَعَ الشارحَ على ذلك، فهو كثير النقل عنه من غير تصريح باسمه، ثم قال: \"وهو ظاهر كلام الرافعي في باب الوضوء\".\nانظر: البحر المحيط ٤/ ٤٦٣. ونسب الشوكاني هذا القول أيضًا للآمدي، وعَبَّر عنه بالوقف، وقد قلَّد في هذا الزركشي فهو ناقل عنه، كما هو واضح من كلامه. انظر: إرشاد الفحول ١/ ٥٥١. وكذا ابن النجار في شرح الكوكب ٣/ ٣٥٢، فإن كان لهؤلاء مرجع غير الإحكام في نسبة هذا القول - سُلِّم لهم، وإلا فالعزو خطأ.\n(^٤) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٥) قال الزركشي عن هذا القول: \"قاله الروياني في \"البحر\" في باب الوضوء، وحكاه أبو إسحاق المروزي عن المبرد\". البحر المحيط ٤/ ٤٦٣.","vol":"4","page":1439},{"text":"هذه. وإلا لم يدخل (^١).\nوالخامس: قال الإمام: \"وهو الأولى\" (^٢)، إنْ تميَّز عما قبله بالحس، مثل: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (^٣) - كان حكمُ ما بعدها خلافَ ما قبلها. وإن لم يتميز حسًا استمر ذلك الحكم على ما بعدها، مثل: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^٤)، فإن المرفق غير منفصلٍ عن اليد بمفْصَلٍ محسوس (^٥).\nقال القرافي: \"وقول الإمام: يكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها - مدخولٌ مِنْ جهة أنا لا نعلم خلافًا فيما بعد الغاية، وهذا يقتضي أنه محل خلاف،\n_________\n(^١) الظاهر أن هذا سهو من الشارح رحمه الله تعالى؛ إذ الصواب كما في نهاية السول ٢/ ٤٤٥: إن لم يكن معه \"مِنْ\" دخل، وإلا فلا. إذ لم أجد أحدًا من الأصوليين ذكر هذا القول الذي ذكره الشارح، والزركشي نقل الأقوال عن الشارح كما يظهر من تطابق الكلام بينهما، ولم يذكر هذا القول الذي ذكره الشارح، ولعله عدَّه سهوًا، لكنه ذكر القول السادس وسيأتي أن الشارح سها فيه أيضًا، والله تعالى أعلم.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٠٣.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٨٧.\n(^٤) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٠٣، ١٠٤. قال القرافي عن هذا الفرق الذي ذكره الإمام رحمهما الله تعالى: \"ما قاله في الكتاب من الفرق بين الحسي وغيره، فجعل الليل مما يدرك بالحس؛ لأن سواده يدركه بالبصر، أما مفصل المرفق فإنه الحس لا يدركه، وإنما البصر يدرك حركة اليد، وانتقالها في الأحياز، أما أنها عظم واحد وهو ينعطف وينثني، أو العظم لا ينعطف - إنما يُعلم ذلك بالعقل بواسطة العوائد، وكذلك أن البهيمة التي ليس لها إلا مجرد الحس، لا تفهم أن هناك مفصلًا، وتعلم طلوع الليل برؤيتها السواد، فهذا هو معنى الفَرْق الذي اختاره الإمام\".","vol":"4","page":1440},{"text":"والخلاف ليس (^١) إلا في (^٢) الغاية نفسها\" (^٣).\nوالسادس: إنِ اقترن بمِنْ - دخل، وإلا فيحتمل أن يدخل، وأن لا يدخل ويكون بمعنى \"مع\" (^٤)، كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (^٥)، أي: مع أموالكم.\nوهذا كله في غاية الانتهاء، أما غاية الابتداء - ففيها مذهبان.\nوهنا (^٦) فوائد:\nإحداها (^٧): قول الأصوليين: إن الغايةَ مِنْ جملةِ المخصِّصات. قال والدي أيده الله: إنما هو فيما إذا تقدمها عمومٌ يَشْمَلها لو لم يُؤْت بها، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (^٨)، فلو لم يقله - لقاتلنا المشركين\n_________\n(^١) في (ص): \"ليس هو\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: نفائس الأصول ٥/ ٢٠٦٢، ٢٠٦٣، والنقل بتصرف من الشارح.\n(^٤) هذا النقل سهو من الشارح رحمه الله تعالى، إذ الصواب كما هو في البحر المحيط ٤/ ٤٦٣: إن اقترن بمن لم يدخل، نحو: بعتك من هذه الشجرة إلى هذه الشجرة. فلا يدخل في البيع، وإن لم يقترن جاز أن يكون تحديدًا، وأن يكون بمعنى مع. أي: جاز أن لا يدخل ويكون بمعنى مع، ومفهومه: وجاز أن يدخل. ونسب هذا القول لسيبويه إمامُ الحرمين في البرهان ١/ ١٩٢، وانظر: نهاية السول ٢/ ٤٤٦. قال الزركشي رحمه الله تعالى: \"وأنكره عليه ابن خروف، وقال: لم يذكر سيبويه منه حرفًا، ولا هو مذهبه\". البحر المحيط ٤/ ٤٦٤.\n(^٥) سورة النساء: الآية ٢.\n(^٦) في (ت): \"وها هنا\".\n(^٧) في (غ): \"أحدها\".\n(^٨) سورة التوبة: الآية ٢٩.","vol":"4","page":1441},{"text":"أعطوا الجزية أو (^١) لم يعطوها، ولا يأتي ذلك في مثل قوله - ﷺ -: \"رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق\" (^٢)؛ لأن حالة البلوغ خارجة عن الصبا، وحالة الإفاقة خارجة عن الجنون، والاستيقاظ خارج عن النوم. فلو قال: عن الصبي، والمجنون، والنائم، ولم يذكر الغايات المذكورة - لم يشملها.\nفإن قلت: فما يُقْصد بالغاية في مثل هذا؟\nقلت: تارةً يُقْصد (^٣) تأكيد العموم فيما قبلها، وهذا المعنى هو المقصود في الحديث، فإنَّ عدمَ التكليف في جميع أزمنة الصبا يعمها (^٤) بحيث لا يستثنى منها شيء، وهكذا أزمنة الجنون، والنوم. فالمقصود بهذه الغاية من هذا الوجه تحقيق التعميم لا التخصيص. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (^٥)، وطلوعه (^٦) وزمن طلوعه ليسا من الليل حتى يشملهما قولُه: ﴿سَلَامٌ﴾.\nوتارةً يُقْصد (^٧) ارتفاع ذلك الحكم عند الغاية، فإن اللفظ لو اقتصر\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"أم\".\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) في (ص): \"يقصد به\": \"يقصد بها\". وهو الصواب، لكن لعلها تكون زائدة؛ لعدم ورودها في النسخ الأخرى، والمعنى بدونها مستقيم.\n(^٤) في (ص): \"تعمها\". وهو خطأ، لأن الفاعل هو عدم التكليف، وهو مذكر.\n(^٥) سورة القدر: الآية ٥.\n(^٦) في (غ): \"فطلوعه\".\n(^٧) في (ص): \"يقصد بها\". ولعلها زيادة، وحذفها هنا أولى؛ لأنه صَرَّح بعدها بالغاية.","vol":"4","page":1442},{"text":"على قوله: \"رفع القلم عن الصبي\" - شمل حالة الصبا، ولم يتعرض لحالة البلوغ بإثبات التكليف فيها، ولا نفيه عنها، بل كان ساكتًا عن حكمها، فلما قال: \"حتى يبلغ\"، وقد عُلِم مخالفة ما بعد الغاية لما قبلها - فُهِم إثبات التكليف في حالة البلوغ، فقُصِد بالغاية المذكورة هذا الحكم أيضًا، وهذا يقوله مَنْ يقول بالمفهوم (^١). قال والدي أعزه الله تعالى: وهو إنْ قيل به في نحو قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (^٢) - فهو أقوى من القول به هنا؛ لأن هناك لو لم يقل به لم يكن للغاية فائدة، وهنا فائدتها المقصد الأول، كما بيناه، فلم يكن دليل على الثاني (^٣).\nالثانية: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (^٤) يحتمل أن يكون مثل قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾، فإن الصيام لغةً يشمل الليل والنهار (^٥) (^٦)، فَخُصَّ هذا العموم بقوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾، ويصح تمثيل المصنف حينئذ بهذه الآية للتخصيص بالغاية.\nويحتمل أن يكون مثل قوله: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ (^٧)، وهو الظاهر،\n_________\n(^١) لأن إثبات التكليف في حالة البلوغ لم يُصَرَّح به، بل هو مفهوم قوله: \"رُفِع القلم عن الصبي حتى يبلغ\" فمفهومه: لا يرفع القلم عن الصبي إذا بلغ.\n(^٢) سورة التوبة: الآية ٢٩.\n(^٣) أي: فلم يكن دليل يدل على المقصد الثاني، وهو ارتفاع الحكم عند الغاية.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ١٨٧.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) لأنه في اللغة: مطلق الإمساك، وهو شامل لِلَّيل والنهار. انظر: المصباح ١/ ٣٧٧، مادة (صوم).\n(^٧) سورة القدر: الآية ٥.","vol":"4","page":1443},{"text":"فإن الصيام شرعًا لا يكون إلا نهارًا. وأيضًا عموم قوله: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ إنما هو في أفراد الصيام، أي: أتموا كلَّ صيامٍ، ولا تعرض فيه للوقت. نعم لو قال قائل: أتموا (^١) الصوم في الزمان إلى الليل - كان تخصيصًا راجعًا إلى العموم في الأوقات المستفادة من قوله: \"الزمان\".\nالثالثة: قد عرفت الخلاف في انتهاء الغاية هل يدخل؟\nقال والدي أحسن الله إليه: ولا بد أن يُسْتثنى من هذا الإطلاق شيئان:\nأحدهما: ما تقدم، وهي الغاية التي لو سكت عنها لم يدل عليها اللفظ، كالغايات المذكورة في الحديث (^٢)، وكطلوع الفجر في قوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، وكقوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (^٣)، فإن حالة الطهر لا يشملها اسم المحيض.\nالثاني: ما يكون اللفظ الأول شاملًا لها، مثل قولنا: قطعت أصابعه كلها من الخنصر إلى الإبهام. فإنه (^٤) لو اقتصر على قوله: قطعت أصابعه كلها - لأفاد الاستغراق، فكان قوله: من الخنصر إلى الإبهام - تأكيدًا.\n_________\n(^١) في (غ)، و(ك): \"أتم\".\n(^٢) فالصبا لا يدل على البلوغ، والنوم لا يدل على اليقظة، والجنون لا يدل على العقل.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٢.\n(^٤) في (ص): \"لأنه\".","vol":"4","page":1444},{"text":"وكذلك قوله (^١): قرأت القرآن من فاتحته إلى خاتمته.\nوهو في الحقيقة راجع إلى الأول؛ لأن المقصود فيهما تحقيق العموم واستغراقه لا تخصيصه، وإن افترقا في أنَّ الذي جُعِل غاية في الثاني طرف المُغَيَّا، و(^٢) في الأول ما بعده (^٣). ففي هذين الموضعين الغاية لا خلاف فيها، بل هي في (^٤) الأول خارجةٌ قطعًا، وفي الثاني داخلةٌ قطعًا. وكذا بعتك هذه الأشجار مِنْ هذه إلى هذه (^٥).\nوإنما اختلف الأصحاب فيما إذا قال: بعتك مِنْ هذه النخلة إلى هذه النخلة. هل يدخل الابتداء أو الانتهاء، أوْ لا يدخل واحدٌ منهما؟\nومحلُّ القطعِ بدخول الغاية في قولنا: قطعت أصابعه كلَّها من الخنصر إلى الإبهام. فإن اللفظ الأول صريح في الدخول (^٦)، فلو كان ظاهرًا غير صريح كقولنا: ضربْتُ القومَ حتى زيدًا - فالحكم كذلك ظاهر، مع\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) أي: ما بعد المغيَّا، والمغيَّا: هو المذكور قبل حرف الغاية، ففي الثاني تكون الغاية طرف المغيا؛ لأنه قال في الثاني: ما يكون اللفظ شاملًا لها. وفي الأول الغاية خارجة عن المغيَّا؛ لأنه قال في الأول: هي الغاية التي لو سكت عنها لم يدل عليها اللفظ.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) أي: هذا من قبيل الثاني وهو أن الغاية طرف المغيَّا، فهي داخلة قطعًا؛ لأن قوله: \"بعتك هذه الأشجار\". الأشجار لفظ عام شامل للغاية، فذكر الغاية بعدها للتأكيد.\n(^٦) أي: اللفظ الذي دل على قطعية دخول الغاية في المغيَّا هو اللفظ الأول: \"أصابعه كلها\". فلو قال: \"قطعت أصابعه\" - لم يكن الدخول قطعيًا، بل يكون ظاهرًا.","vol":"4","page":1445},{"text":"احتمال أن يكون انتهاء الضرب إليه ولم يضربْه.\nالرابعة: مِنْ شرط المُغَيَّا أن يَثْبت قبل الغاية، ويتكرر حتى يصل إليها، كقولك: سرت من البصرة إلى الكوفة. فإن السير الذي هو المُغَيَّا ثابت قبل الكوفة ومتكرر في طريقها (^١)، وعلى هذا يمتنع أن يكون قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (^٢) غايةً لغسل اليد؛ لأن غسل اليد إنما يحصل بعد الوصول إلى الإبط، فليس ثابتًا قبل المرفق الذي هو الغاية، فلا ينتظم غاية له (^٣). نعم لو قيل: اغسلوا إلى المرافق، ولم يقل: أيديكم - انتظم؛ لأن مطلق الغَسْل ثابت إلى المرافق (^٤) ومتكرر.\nقال بعض الحنفية: فيتعين (^٥) أن يكون المُغَيَّا غيرَ الغسل، ويكون التقدير: اتركوا مِنْ آباطكم إلى المرافق. فيكون مطلق الترك ثابتًا قبل المِرْفق، ومتكررًا إليه، ويكون الغَسْل نفسه لم يُغَيّا (^٦).\n_________\n(^١) فالسير يتكرر بالخطوات إلى الوصول إلى الكوفة.\n(^٢) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٣) أي: فلا ينتظم المرفق غاية لغسل اليد. والمعنى: أن اليد تبدأ من الأصابع إلى الإبط، وعلى هذا فلا يصلح أن تكود المرافق غايةً لغسل اليد في الآية؛ إذ شَرْط المُغَيَّا أن يثبت قبل الغاية، فكيف يثبت غسل اليد قبل المرفق، والمرفق جزء من اليد!\n(^٤) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"المرفق\".\n(^٥) في (غ): \"فتعيَّن\".\n(^٦) المعنى: أن قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لا بد فيه من إضمار مُغَيَّا يصح به جَعْل المرافق غاية له، ويكون الكلام بتقدير هذا المغيا: فاغسلوا أيديكم واتركوا من آباطكم إلى المرافق. فيكون مطلق الترك مُغَيًّا ثابتًا قبل المرفق ومتكررًا إليه، ويكون الغسل لم يغيا؛ لأن المرافق لا يصح أن تكون غاية له.","vol":"4","page":1446},{"text":"وفي هذا المقام يتعارض المجاز والإضمار، فإن لنا أن نتجوز بلفظ اليد إلى جزئها حتى يثبت المُغَيَّا قبل الغاية، ولا يُضْمَر (^١). ولنا أن نضمر، كما قال هذا الحنفي.\nومِنْ هذا قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (^٢) يقتضي ثبوتَ الصيام بوصف التمام قبل غروب الشمس، ويتكرر إلى غروبها، وليس كذلك، فَيُشْكِل كون الليل غايةً للصوم التام. نعم لو قيل: صوموا إلى الليل انتظم؛ لأن الصوم الشرعي ثابت قبل النيل، ومتكررٌ إليه، بخلاف الصوم بوصف التمام.\nقال القرافي: وهذا السؤال أورده الشيخ عز الدين بن عبد السلام، وأجاب عنه: بأن المراد: أتموا كلَّ جزء من أجزاء الصوم بسننه (^٣) وفضائله، وكَرِّروا ذلك إلى الليل، والكمال في الصوم قد يحصل في جزء من أجزاء الصوم (^٤) دون جزءٍ، مِنْ جهة اجتناب الكذب والغيبة والنميمة، وغير ذلك مما يأباه الصوم. وكذلك (^٥) آدابه الخاصَّة، كترك\n_________\n(^١) أي: ولا يضمر المغيا، بل نريد باليد بعضها مجازًا. ويحتمل أن تكون الكلمة في بعض النسخ: \"نضمر\"؛ لأنها غير منقوطة.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١٨٧.\n(^٣) في (ص): \"سننه\".\n(^٤) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"الليل\". وهو خطأ، والذي في نفائس الأصول ٥/ ٢٠٦٥: \"النهار\".\n(^٥) في (ك): \"وكذا\".","vol":"4","page":1447},{"text":"السواك، والتفكرِ في أمور النساء، وغير ذلك. فأُمِرْنا بتكرير هذا إلى غروب الشمس (^١).\nالخامسة: إذا قال: له عليَّ مِنْ درهم إلى عشرة. أو قال: ضمنتُ مِمَّا لَكَ (^٢) على فلانٍ من درهمٍ إلى عشرة. وصححناه، كما هو الصحيح - لزمه تسعةٌ على الأصح عند العراقيين، والغزالي، والنووي. وقضيته القول بأن غاية الانتهاء لا تدخل دون غاية الابتداء.\nوقيل: عشرة. وصححه البغوي، والرافعي في، \"المُحَرَّر\" في الضمان، ووالدي.\nوقيل: ثمانية.\nولو قال: بعتك مِنْ هذا الجدار إلى هذا الجدار - لم يدخل الجِداران (^٣) في البيع (^٤).\nولو قال: له مِنْ هذه النخلة إلى هذه النخلة، قال الشيخ أبو حامد: تدخل الأولى في الإقرار دون الأخيرة. وقال الرافعي: ينبغي أن لا تدخل الأولى أيضًا، كقوله: بعتك مِنْ هذا الجدار إلى هذا الجدار.\n_________\n(^١) هذه الفائدة الرابعة بكاملها قد نقلها الشارح رحمه الله تعالى من \"النفائس\" للقرافي رحمه الله تعالى، مع تصرف يسير.\nانظر: النفائس ٥/ ٢٠٦٤ - ٢٠٦٥.\n(^٢) في (ص): \"مَا لَكَ\".\n(^٣) في (ص): \"الجدران\".\n(^٤) انظر الصورتين في: نهاية السول ٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧.","vol":"4","page":1448},{"text":"ولو شُرط في البيع الخيار إلى الليل - انقطع الخيار بغروب الشمس، خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: يثبت له الخيار إلى طلوع الفجر. وكذا إذا باعه بثمنٍ إلى شهرٍ - لم يدخل الشهر الثاني في الأجل (^١).\nقال: (ووجوب غسل المرافق (^٢) للاحتياط).\nهذا جوابٌ عن سؤال مقدَّر، تقديره (^٣): لو صح ما ذكرتم منْ مخالفة حُكْم ما بعد الغاية لما قبلها - لم يجب غسل المرافق (^٤). وجوابه: أنه (^٥) إنما وجب للاحتياط، فإنَّ النبي - ﷺ - توضأ فأدار الماءَ على مِرْفقه، فاحتمل أن يكون غَسْله واجبًا، فأُخِذ بالاحتياط (^٦) (^٧). وقد تَمَّ القول في المخصِّصَات\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط ٤/ ٤٦٥ - ٤٦٦.\n(^٢) في (غ)، و(ك): \"المرفق\".\n(^٣) في (غ)، و(ك): \"تقريره\".\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"المرفق\".\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) أي: ليخرج عن الواجب بيقين، فلولا ورود هذا الحديث المحتمل للوجوب - لكان الأصل عدم دخول المرافق في الأيدي. وقولنا عن الحديث محتملٌ للوجوب؛ لأن الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب، إلا إذا اقترنت به قرينة تدل على الوجوب، وذلك قال المصنف: \"للاحتياط\"، أي: رُجِّح الوجوب احتياطًا في العبادة.\n(^٧) انظر التخصيص بالغاية في: المحصول ١/ ق ٣/ ١٠١، الحاصل ١/ ٥٥٥، التحصيل ١/ ٣٨٥، نهاية الوصول ٤/ ١٥٩٥، نهاية السول ٢/ ٤٤٣، السراج الوهاج ١/ ٥٥٧، الإحكام ٢/ ٣١٣، المحلي على الجمع ٢/ ٢٣، البحر المحيط ٤/ ٤٥٩، المنتهى ص ١٢٨، بيان المختصر ٢/ ٣٠٥، نشر البنود ١/ ٢٥٤، تيسير التحرير ١/ ٢٨١، فواتح الرحموت ١/ ٣٤٣، شرح الكوكب ٣/ ٣٤٩، إرشاد الفحول ١/ ٥٤٩.","vol":"4","page":1449},{"text":"المتصلة.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-401>(والمنفصل ثلاثةٌ:</span><span data-type=\"title\" id=toc-402> الأول: العقل</span>. مثل): ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾).\nالمنفصل: هو الذي يستقل بنفسه، ولا يحتاج في ثبوته إلى ذكر لفظِ العامِّ معه، بخلاف المتصل.\nقال المصنف: وهو ثلاثة: العقل، والحس، والدليل السمعي. قال القرافي: \"والحَصْر غير ثابت، فقد بقي التخصيص بالعوائد، كقولك: رأيت الناس فما رأيت أفضلَ مِنْ زيد. والعادةُ تَقْتضي أنك لم تَرَ كُلَّ الناس. وكذا التخصيص بقرائن الماحوال، كقولك لغلامك: إيتني (^١) بمن يحدثني. فإن ذلك لِمَنْ يصلح لحديثه (^٢) في مثل حاله. والتخصيص بالقياس إلا أن يُدَّعى دخوله في السمعي\" (^٣).\n\nالأول: العقل:\nفيجوز التخصيص بدليل العقل ضروريًا كان أو نظريًا:\nفالأول: كتخصيص قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٤)، فإنا نعلم بالضرورة أنه ليس خالقًا لنفسه.\n_________\n(^١) في (ص): \"ائتني\".\n(^٢) فمَنْ عام، وأريد به خاصٌّ بقرائن الأحوال.\n(^٣) انظر: نفائس الأصول ٥/ ٢٠٧٠، والنقل باختصار وتصرف من الشارح، وقوله: \"إلا أن يدعى دخوله في السمعي\" هذه زيادة من الشارح رحمه الله تعالى.\n(^٤) سورة الرعد: الآية ١٦. سورة الزمر: الآية ٦٢.","vol":"4","page":1450},{"text":"والثاني: كتخصيص قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^١)، فإنا نخصِّص الطفل والمجنون؛ لعدم فهمهما الخطاب.\nواعلم أن منهم مَنْ خالف في التخصيص بالعقل، ونقله إمام الحرمين عن بعض الناشئة، أي: الذين نشأوا، وقال: \"أبَوْا أن يسموا هذا الفن تخصيصًا\" (^٢).\nونحن نقول أوَّلًا: هذا هو ظاهر نصِّ الشافعي - ﵁ -، فإنه قال في \"الرسالة\": \"باب ما نزل من الكتاب عامًا يُراد به العام، ويدخله الخصوص\" (^٣)، وبدأ بآياتٍ عامةٍ يُراد بها العام، ولا يدخلها الخصوص، توطئةً لما ذكرهَ بعدها مما يدخله الخصوص، ولذلك (^٤) كانت ترجمة الباب في بعض نسخ \"الرسالة\" كما ذكر شارحها أبو بكر الصيرفي: \"ما نزل عامًا يُراد به العام، وعامًا يدخله الخصوص\". قال الشافعي - ﵁ -: قال الله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٥) - وذكر قوله تعالى -: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (^٦) - (ثم قال) (^٧) -: فهذا عامٌّ لا خاصَّ فيه، فكل شيء من سماءٍ وأرض وذي\n_________\n(^١) سورة آل عمران: الآية ٩٧.\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٤٠٩.\n(^٣) انظر: الرسالة ص ٥٣.\n(^٤) في (ك): \"وكذلك\". وهو خطأ.\n(^٥) سورة الرعد: الآية ١٦. سورة الزمر: الآية ٦٢.\n(^٦) سورة هود: الآية ٦.\n(^٧) سقطت من (غ).","vol":"4","page":1451},{"text":"روحٍ وشجرٍ وغير ذلك فالله خالقه، وكلُّ دابة فعلى الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها (^١). انتهى.\nوثانيًا: كما قال إمام الحرمين: \"هذه المسألة قليلة الفائدة، نَزْرَة الجدوى والعائدة، فإنَّ تَلَقِّي الخصوص من مأخذ العقل غير منكَر، وكون اللفظ موضوعًا للعموم على أصل اللسان - لا خلاف فيه مع منْ يعترف ببطلان مذهب الواقفية، وإن امتنع ممتنعٌ مِنْ تسمية ذلك تخصيصًا - فليس في إطلاقه مخالفةُ عقلٍ أو شرع، والخلاف في المسألة عند التحقيق لفظي\" (^٢)، فإن مقتضى اللفظ العام غير ثابت فيما دلَّ العقل على امتناعه فيه. ثم نقول: يمكن أن يقال: إن (^٣) الآيتين اللتين أوردهما الشافعي - ﵁ - على عمومهما، ودعوى تخصيص العقل فيهما باطلة.\nأما قوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ - فهو ﷿ غيرُ داخلٍ في هذا الخطاب؛ لوجهين:\nأحدهما: أن المخاطِب لا يدخل في عموم خطابه عند جماعةٍ من الأصوليين، ولعله اختيار الشافعي (^٤)، ولذلك لو قال: نساء العالَم (^٥)\n_________\n(^١) انظر: الرسالة ص ٥٣، ٥٤.\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٤٠٩، مع تصرف يسير من الشارح رحمه الله تعالى.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) هو الصحيح من مذهب الشافعي، وهو المذهب عند الشافعية، لكن الأكثرين على دخول المتكلم في عموم خطابه، ورجَّحه الغزالي، والآمدي، وابن الحاجب، والقرافي. انظر: التمهيد ص ٣٤٦، المستصفى ٣/ ٣٠٧ (٢/ ٢٦)، الإحكام ٢/ ٢٧٨، بيان المختصر ٢/ ٢٢٩، شرح التنقيح ص ١٩٨، البحر المحيط ٤/ ٢٦٢، شرح الكوكب ٣/ ٢٥٢.\n(^٥) في (ت)، و(غ): \"العوالم\".","vol":"4","page":1452},{"text":"طوالق - لم تطلق امرأته على أحد الوجهين. وقد أطنب أبو بكر الصيرفي شارح \"الرسالة\" في ذلك، فقال رادًا على ابن داود، وابن أبي داود، ويحيى بن أكثم، حيث اعترضوا على الشافعي في ذلك: قد جهلوا الصواب، وذهبوا عن اللغة، وذلك أن رجلًا لو كان من أهل بغداد فقال: أطعمتُ أهل بغداد جميعًا - لم يُقَل له: خرجتَ أنتَ بخصوص، وإنما العموم في المُطْعَمِين سواه (^١)؛ لأنه هو المُطْعِم لهم. قال: وفي الآية دليلان:\nأحدهما: أن لا خالق سواه.\nوالثاني: أنَّ (^٢) ما سواه مخلوق، وليس هناك خصوص، والكلام صحيح، وينبغي أن يُعرف موضعُ العموم؛ لأن الخطاب عام فيما ليس بمحال.\nوالوجه الثاني: أنَّ (^٣) لفظة \"شيء\" لا تطلق على الله تعالى على أحد المذهبَيْن للمتكلمين (^٤).\nفإن قلت: لا شك أن الشيء يشمل الموجوداتِ لغةً واصطلاحًا، والمنع مِنْ إطلاقه على الباري تعالى عند مانعه إنما هو لعدم الإذن، بناءً على أن أسماءه توقيفية وهذا لا يجيء في الآية (^٥).\n_________\n(^١) واضح أن قوله: \"وإنما العموم في المطعمين سواه\" ليس من كلام المعترض، بل ردٌّ عليه.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) انظر: تفسير الرازي ١٢/ ١٨٦، الفتوحات الإلهية بتوضيح تفسير الجلالين ٢/ ١٤.\n(^٥) يعني: أن الآية لا تفيد إطلاق اسم الشيء على الله تعالى، بل الآية تفيد أن الله تعالى خالق الموجودات جميعًا؛ لأن كل شيءٍ فهو موجود، والله ﷾ موجود، والعقل يخصصه من عموم الآية.","vol":"4","page":1453},{"text":"قلت: قد استند المانعُ من ذلك إلى شيئين:\nأحدهما: عدم الإذن، ويتجه على هذا ما ذكرتَ (^١).\nوثانيهما: وهو الذي عَوَّل عليه أن لفظة \"شيء\" مأخوذة (^٢) من مُشَاء، والمُشَاء: المُحْدَث الذي ليس بقديم. والله تعالى قديم؛ فلا يصدق عليه ذلك، لما ذكرناه.\nفإن قلت: فما تصنع هذا في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ (^٣)؟ .\nقلتُ: لعله لا يرى الوقف على قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ (^٤).\nفإن قلت: لا يخلو المانع من التخصيص بالعقل في هذه الآية مِنْ أن يقول: إن لله عِلْمًا، أو لا عِلْمَ له. فإنْ كان ممن ينفيه - فكتاب الله شاهد عليه، إذ يقول: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (^٥)، وقولُه:\n_________\n(^١) أي: يُعْترض عليه بما ذُكِر من كون الآية لا تفيد تسمية الله تعالى بشيء.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"مأخوذ\".\n(^٣) سورة الأنعام: الآية ١٩.\n(^٤) يعني: فيكون لفظ الجلالة مبتدأ، و\"شهيد\" خبره \"قل الله شهيد\"، فلا يتعلق بما قبله. ولو وقف على لفظ الجلالة - فإن يكون مرتبطًا بما قبله، أي: الله أكبر شهادة، فلفظ الجلالة مبتدأ، وأكبر شهادة خبر محذوف. انظر: الفتوحات الإلهية على الجلالين ٢/ ١٤، فتح القدير ٢/ ١٠٤ - ١٠٥، إرشاد العقل السليم ٣/ ١١٨، التفسير الكبير ١٢/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(^٥) سورة البقرة: الآية ٢٥٥.","vol":"4","page":1454},{"text":"﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ (^١). وإنْ كان يثبته وجب عليه أن يقول: عِلْم الله مخلوق (^٢) ويلزمه أيضًا أن يقول: القرآن مخلوق (^٣).\nقلت: قد أورد ابن داود هذا على الشافعي - ﵁ -، وسَفَّهَ الأئمة مقاله، وقالوا: هو (^٤) اعتراض غير سديد؛ لأن صفات الله ﷿ من العلم والقدرة والكمال ليست بأعيانٍ له (^٥)؛ لأن الصفة ليست هي الموصوف ولا هي غيره.\nوأما قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ (^٦) - فهي أيضًا على عمومها، فكل دابة تَدِبُّ (^٧)\n_________\n(^١) سورة النساء: الآية ١٦٦.\n(^٢) لأنه شيء من الأشياء، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾، والله سبحانه خالق كل شيء.\n(^٣) لأنه من علمه، كما قال أحمد - ﵁ -. انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٢٤٥، ٢٨٦ وأخرج ابن الجوزي - ﵀ - بسنده عن عبد الرحمن العكبري، قال: \"سألت أحمد بن حنبل قلت: يا أبا عبد الله القرآن كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود؟ فقال: منه بدأ عِلْمه، وإليه يعود حُكمه\". انظر: مناقب الإمام أحمد بن حنبل ص ١٥٤ - ١٥٥.\n(^٤) في (غ): \"هذا\".\n(^٥) أي: ليست صفاته تعالى أعيان مستقلة عن ذاته، بل الصفة قائمة بالذات، فليست هي الذات، ولا هي غير الذات.\n(^٦) سورة هود: الآية ٦.\n(^٧) بكسر الدال من باب ضرب.\nانظر: المصباح المنير ١/ ٢٠١، لسان العرب ١/ ٣٦٩، مادة (دبب).","vol":"4","page":1455},{"text":"على وجه الأرض، أو في قعر البحار، أو تحت أطباق الثرى - فاللهُ رازقها دون غيره، ويعلم مستقرها ومستودعها. واعتراض ابن داود بقوله: مِنَ الدوابِّ مَنْ أفناه الله تعالى قبل أن يرزقه - خطأٌ، كما قال أبو بكر الصيرفي، بل لا بد أن يرزقه إلى أن يُفنيه - بما يقيم حياته، وله نفس ثابتة به. وقد جعل الله غذاء طائفةٍ من الطير التنفسُ إلى مدة يصلح فيها للمأكل (^١)، وليس في قوله ﷿: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢) ما يوجب أنه لا يرزق بعض الدواب. قال الصيرفي: لأن هذا رزق التفضيل (^٣) بقوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ (^٤)، والتفضيل وقع، كما رأينا الموسر والمعسر، وأما الرزق الذي (^٥) يقيم الأبدان للعبادة والحياة (^٦) - فلا بد منه، كما قال الله ﷿، وقال النبي - ﷺ -: \"إن الروح الأمين قد ألقى في رُوعي (^٧) أنه لن تموت نفسٌ حتى\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"المأكل\".\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢١٢. سورة آل عمران: الآية ٣٧. سورة النور: الآية ٣٨. سورة الشورى: الآية ١٩.\n(^٣) أي: يفضل بعض الخلق على بعض في الرزق، أما عموم الرزق فهو شامل للجميع.\n(^٤) سورة النحل: الآية ٧١.\n(^٥) سقطت من (غ).\n(^٦) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"أو الحياة\".\n(^٧) الرُّوع: بالضم، القلب والعقل، ووقع ذلك في رُوعي، أي: نفسي وخَلَدي وبالي. انظر: لسان العرب ٨/ ١٣٧، مادة (روع)، النهاية ٢/ ٢٧٧، قال المناوي في فيض القدير ٢/ ٤٥٠: \"أي: ألقى الوحي في خَلَدي وبالي، أو في نفسي، او قلبي، أو عقلي - من غير أن أسمعه، ولا أراه. والنفث: ما يلقيه الله إلى نبيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إلهامًا كشفيًا بمشاهدة عين اليقين\".","vol":"4","page":1456},{"text":"تستوفيَ رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب\" (^١). قال الصيرفي: فهذا نصٌّ من السنة أن كل نفسٍ لا بد من استيفائها (^٢) رزقها.\nواعلم أنَّ الشافعي إنما قال: كل شيءٍ من سماء، وأرض، إلى آخره - ليذْكر أفرادًا مما دخل تحت اللفظ العام، يبين (^٣) بها أن الداخل تحته من جنسها. ولم يتعرض للأشياء التي ذُكرت من العلم والقدرة والكلام؛ لكراهيته للكلام (^٤)، ومحبته (^٥) ترك الخوض فيه (^٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>فرع:</span>\nقال الإمام: يجوز (^٧) النسخ بالعقل، واحتج بأنَّ مَنْ سَقَط رجلاه نُسِخ عنه غسلهما (^٨). وهو مدخول؛ فإن ساقط الرجلين لم ينسخ عنه غسلهما،\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ٧/ ٢٩٩، رقم ١٠٣٧٦. والبغوي في شرح السنة ١٤/ ٣٠٤، رقم ٤١١٢، من حديث عبد الله بن مسعود. وأخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء ١٠/ ٢٧، من حديث أبي أمامة. وقد صحح الحديث الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/ ١٤٩، رقم الحديث ٢٠٨٥. وانظر: فيض القدير ٢/ ٤٥٠ - ٤٥١.\n(^٢) في (ت): \"استيفاء\".\n(^٣) في (ص): \"يتبين\".\n(^٤) في (ص): \"لكراهية الكلام\".\n(^٥) في (ص): \"وتجنبه\". وهو خطأ.\n(^٦) انظر التخصيص بالعقل في: المحصول ١/ ق ٣/ ١١١، الحاصل ١/ ٥٥٧، التحصيل ١/ ٣٨٦، نهاية الوصول ٤/ ١٦٠٥، نهاية السول ٢/ ٤٤٩، السراج الوهاج ١/ ٥٥٩، الإحكام ٢/ ٣١٤، المحلي على الجمع ٢/ ٢٤، البحر المحيط ٤/ ٤٧١، شرح التنقيح ص ٢٠٢، بيان المختصر ٢/ ٣٠٦، تيسير التحرير ١/ ٢٧٣، فواتح الرحموت ١/ ٣٠١، شرح الكوكب ٣/ ٢٧٩، المسودة ص ١١٨.\n(^٧) سقطت من (ص).\n(^٨) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١١٣.","vol":"4","page":1457},{"text":"بل زال الوجوب لعدم القدرة لا غير (^١). ثم إنَّ ما ذكره مخالف لما قاله في النَّسْخ مِنْ أنه لا بد وأن يكون طريق شرعي (^٢).\nقال: (الثاني: الحس. مثل: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-404>المخصِّص الثاني من المخصصات المنفصلة: الحس </span>(^٣).\nمثل: قوله تعالى حكاية عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٤)، فإن مقتضاه: أنها أوتيت مِنْ كلِّ شيءٍ بعضَه (^٥) ونحن نعلم أنها لم تؤت شيئًا مما كنا نشاهده (^٦) في يد سليمان ﵇.\n_________\n(^١) أي: الوجوب كان ثابتًا ومشروطًا بالقدرة والاستطاعة، فلما سقطت الرجلان زالت القدرة والاستطاعة فارتفع الحكم، وارتفاع الحكم بارتفاع الشرط لا يسمى نسخًا، فإنَّ مَنْ سافر في رمضان لم ينسخ عنه الصوم؛ لأنه إنما وجب بشرط الإقامة. وإذا حاضت المرأة لا يقال: نُسخ عنها الصوم والصلاة. بل النسخ إنما يتحقق في حكمٍ ترتب على شرط، فلم يبق مترتبًا على ذلك الشرط. أو في محلٍّ بغير شرط، فلم يبق في ذلك المحل. وحاصله أنه رفع الحكم بعد ثبوته، وهذه الأحكام ما ثبتت في أصل الشريعة إلا مشروطة بهذه الشروط على هذه الأوضاع، فما تغيَّر شيءٌ حتى يقال: إنه نسخ. انظر: نفائس الأصول ٥/ ٢٠٧٣ - ٢٠٧٤.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩.\n(^٣) المراد بالحس المشاهدة، وإلا فالدليل السمعي من المحسوسات أيضًا، وقد جعله المصنف قسيمه. انظر: نهاية السول ٢/ ٤٥١، المحلي على الجمع ٢/ ٢٤، شرح الكوكب ٣/ ٢٧٨.\n(^٤) سورة النمل: الآية ٢٣.\n(^٥) أي ﴿مِنْ﴾ في الآية للتبعيض.\n(^٦) إنما عبَّر الشارح بالمشاهدة ليدل على أن المخصِّص هو الحس. والمعنى: نحن نعلم أنها لم تؤت شيئًا مما كان يشاهده الناس في ذلك الوقت بيد سليمان ﵊، ولو كنا في ذلك الوقت لشاهدنا ذلك، فالمخصِّص هو الشهادة.","vol":"4","page":1458},{"text":"وكذلك قوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (^١)، ونحن نشاهد أشياء كثيرة لا تدمير فيها، كالسماء ونحوِها.\nوقوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ (^٢)، ونحن نرى الجبال أتت عليها وما جعلتها كالرميم. وقوله تعالى: ﴿يُجْبَى (^٣) إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٤)، وما كان مختصًا من الثمار بأقصى المشرق والمغرب لم يُرَ (^٥) أنه يُجبى إليه (^٦) (^٧).\nقال: (الثالث: الدليل السمعي، وفيه مسائل: الأولى: الخاص إذا عارض العام يخصِّصه عُلِم تأخيره أم لا. وأبو حنيفة يجعل المتقدم منسوخًا، وتَوَقَّفَ حيث جُهِلَ. (لنا إعمال الدليلين أولى) (^٨».\n_________\n(^١) سورة الأحقاف: الآية ٢٥.\n(^٢) سورة الذاريات: الآية ٤٢.\n(^٣) في (ص): \"تجبى\". وهي قراءة نافع، وقراءة الجمهور: ﴿يُجْبَى﴾. انظر: فتح القدير ٤/ ١٧٩. والمكتوب في (ص): \"تجنى\". وهو بلا شك خطأ من الناسخ.\n(^٤) سورة القصص: الآية ٥٧.\n(^٥) في (ص): \"لم نر\".\n(^٦) ولذلك قال الإمام في التفسير (٥/ ٢٥) عن هذه الآية: ومعنى الكلية الكثرة، كقوله ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾.\n(^٧) انظر التخصيص بالحس في: المحصول ١/ ق ٣/ ١١٥، الحاصل ١/ ٥٥٨، التحصيل ١/ ٣٨٦، نهاية الوصول ٤/ ١٦٠٩، نهاية السول ٢/ ٤٥١، السراج الوهاج ١/ ٥٦١، مناهج العقول ٢/ ١١٥، المحلي على الجمع ٢/ ٢٤، الإحكام ٢/ ٣١٧، البحر المحيط ٤/ ٤٧٧، شرح التنقيح ص ٢١٥، شرح الكوكب ٣/ ٢٧٨.\n(^٨) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ص)، و(ك)، والمثبت من نهاية السول ٢/ ٤٥٠، والسراج الوهاج ١/ ٥٦٢، وشرح الأصفهاني ١/ ٤٠٦، ومناهج العقول ٢/ ١١٦، ومعراج المنهاج ١/ ٣٨٤.","vol":"4","page":1459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-405>الثالث من المخصصات المنفصلة: الدليل السمعي</span>.\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-406>الأولى: في بناء العام على الخاص</span>. اعلم أنه إذا ورد عامٌّ وخاصٌّ يدل كلُّ واحدٍ منهما على خلاف ما يدل عليه الآخر - فرَأْيُ الشافعي - ﵁ - أن الخاصَّ يخصِّص العام، سواء عُلم أن الخاصَّ متأخرٌ عن العام أم لم يُعلم (^١) (^٢)، أم علم تأخره عن الخاص (^٣). وبه قال أبو الحسين، واختاره الإمام وأتباعه منهم المصنف، واختاره ابن الحاجب (^٤).\nوذهب أبو حنيفة إلى الأخذ بالمتأخِّر سواء كان هو الخاص أم العام. فعلى هذا إنْ تأخر الخاص نَسَخ من العام بقدر ما دلَّ (^٥) عليه (^٦)، وإن تأخَّر\n_________\n(^١) في (غ): \"نعلمه\".\n(^٢) يستثنى من هذا صورة واحدة، وهي إذا تأخر الخاص عن العام بعد حضور وقت العمل به - فإنه يكون نسخًا بالاتفاق، ولا يكون تخصيصًا؛ لأن تأخير البيان عن وقت العمل غير جائزٍ قطعًا. انظر: البحر المحيط ٤/ ٥٤٠، التلخيص ٢/ ٢٠٨.\n(^٣) هذا هو قول الجمهور من الشافعية، والمالكية، والحنابلة، وبعض الحنفية، وابن حزم من الظاهرية. انظر: اللمع ص ٣٥، شرح اللمع ١/ ٣٦٣، إحكام الفصول ص ٢٥٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤٧، شرح الكوكب ٣/ ٣٨٢، فواتح الرحموت ١/ ٣٤٥، تيسير التحرير ١/ ٢٧٢، كشف الأسرار ٣/ ١٠٩، الأحكام لابن حزم ١/ ١٦٢.\n(^٤) انظر: المعتمد ١/ ٢٥٦، المحصول ١/ ق ٣/ ١٦١، التحصيل ١/ ٣٩٧، الحاصل ١/ ٥٦٨، نهاية الوصول ٤/ ١٦٤٤ - ١٦٥٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤٧.\n(^٥) في (ص): \"يدل\".\n(^٦) أما إذا تأخر الخاص وكان موصولًا بالعام - فإنه يخصِّصه. أو تأخر الخاص وكان متراخيًا عن العام الذي خُصَّ بمقارنٍ قبل ذلك - فإنه يخصِّصه أيضًا عندهم. انظر: كشف الأسرار ٣/ ١٠٩.","vol":"4","page":1460},{"text":"العامُّ نَسَخ الخاص، وإن جُهِلَ وَجَب التوقفُ (^١)، إلا أن يترجح أحدهما على الآخر بمرجِّح (^٢) (^٣).\nوذهب ابن العارض إلى التوقف في المسألة (^٤). وابن العارض هذا بالعين المهملة بعدها ألف ثم راء ثم ضاد معجمة (^٥)، واسمه الحسين (^٦) بن عيسى، معتزلي قدري، له كتاب في أصول الفقه سماه \"النكت\"،\n_________\n(^١) أي: في مَوْرد الخاص؛ لأنه هو محل التعارض، أما ما سواه من أفراد العام فلا توقف فيها.\n(^٢) انظر: فتح الغفار ١/ ٨٧، تيسير التحرير ١/ ٢٧١، فواتح الرحموت ١/ ٣٤٥، كشف الأسرار ٣/ ١٠٩، ١/ ٢٩١.\n(^٣) قال السرخسي مبينًا منشأ الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة ﵄: \"وإنما يُبْتنى هذا الخلاف على الأصل الذي قلنا: إن مطلق العام عندنا يوجب الحكم فيما يتناوله قطعًا كالخاص، وعند الشافعي يوجب الحكم على احتمال الخصوص بمنزلة العام الذي ثبت خصوصه بالدليل، فيكون دليل الخصوص على مذهبه فيهما بيان التفسير لا بيان التغيير؛ فيصح موصولًا ومفصولًا. وعندنا لما كان العام المطلق موجبًا للحكم قطعًا - فدليل الخصوص فيه يكون مغيِّرًا لهذا الحكم، فإن العام الذي دخله خصوص لا يكون حكمه عندنا مثل حكم العام الذي لم يدخله خصوص، وبيان التغيير إنما يكون موصولًا لا مفصولًا\". أصول السرخسي ٢/ ٢٩ - ٣٠، وانظر: أصول البزدوي مع كشف الأسرار ٣/ ١٠٩.\n(^٤) وإليه ذهب بعض أهل الظاهر، والباقلاني، والدقاق. انظر: شرح اللمع ١/ ٣٦٣، اللمع ص ٣٥، التبصرة ص ١٥١، التلخيص ٢/ ١٠٩ - ١١٠، ١٤٧، إحكام الفصول ص ٢٥٦، نهاية الوصول ٤/ ١٦٥٠.\n(^٥) هكذا ذكره الإمام في المحصول ١/ ق ٣/ ١٦٥، وصاحب التحصيل ١/ ٣٩٨، وصفي الدين الهندي في نهاية الوصول ٤/ ١٦٥٠، والزركشي في البحر المحيط ٤/ ٥٤١.\n(^٦) في (ت)، و(ك)، و(غ): \"الحسن\".","vol":"4","page":1461},{"text":"ورأيتُ عبارته تشابه عبارة \"المحصول\"، فعلمتُ أن الإمام كان كثير المراجعة له. وقد انتخب ابن الصلاح هذا الكتاب (^١)، ووقفت عليه بخط ابن الصلاح (^٢)، وكتبت منه فوائد.\nوقد وَهِم (^٣) القرافي فظن أنَّ ابن العارض وقع في \"المحصول\" مُصَحَّفًا (^٤). قال: \"وإنما هو ابن القاصّ، بالقاف والصاد المهملة المشددة، وهو الشيخ أبو العباس أحد أئمة أصحاب الشافعي\". هذا كلام القرافي (^٥)، وهو وَهَمٌ (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) أي: اختصره وانتقى أجوده. وفي اللسان ١/ ٧٥١ - ٧٥٢، مادة (نخب): \"انتخَبَ الشيءَ: اختاره. والنُّخْبة: ما اختاره منه. ونُخْبة القوم ونُخَبَتُهم: خيارهم. قال الأصمعي: يقال هم نُخَبة القوم، بضم النون وفتح الخاء. قال أبو منصور وغيره: يقال نُخْبة، بإسكان الخاء، واللغة الجيدة ما اختاره الأصمعي. . . والانتخاب: الاختيار والانتقاء\".\n(^٢) في هذا فائدة مهمة في التحقيق، وهو أنه من المهم معرفة خطوط العلماء؛ ليُتَحقق من صحة نسبة أن هذا الكتاب بخط يده.\n(^٣) أي: غَلط. وفي اللسان ١٢/ ٦٤٣، مادة (وهم): \"وَهِمْتُ في كذا وكذا، أي: غَلِطتُ. ثعلب: وأوهمتُ الشيءَ تركتُه كلَّه أُوهِمُ. . . الأصمعي: أَوْهَمَ إذا أسقط، وَوَهِمَ إذا غَلِطَ. وفي الحديث: أنه سجد للوَهَمِ وهو جالس، أي: للغلط\".\n(^٤) في المصباح ١/ ٣٥٨، مادة (صحف): \"التصحيف: تغيير اللفظ حتى يتغير المعنى المراد من الموضع، وأصله الخطأ، يقال: صَحَّفه فتصحف، أي: غَيَّره فتغيَّر حتى التبس\".\n(^٥) انظر: نفائس الأصول ٥/ ٢١٢٣\n(^٦) في المصباح ٢/ ٣٥٢، مادة (وهم): \"وَهِم في الحساب يَوْهم وَهَما: مثل غَلِط يَغْلَط غَلَطًا، وزنًا ومعنى\".\n(^٧) وتبعه على هذا الوَهَم محقِّق \"المحصول\" الدكتور طه العلواني. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٦٥.","vol":"4","page":1462},{"text":"وحجتنا: أن العام والخاص قد اجتمعا، فإما أن يُعمل بهما، أوْ لا يُعمل بواحدٍ منهما، أو يعمل بالعام دون الخاص، أو بالعكس. والأقسام الثلاثة الأُول باطلة؛ فتعين (^١) الرابع.\nأما الأول والثاني - فلاستحالة الجمع بين النقيضين، ولاستحالة الخلو عنهما (^٢). ويزداد الثاني أنه يستلزم ترك الدليلين من غير ضرورة (^٣) وهو باطل.\nوأما الثالث - فلأَنه يستلزم إبطال أحدهما بالكلية، بخلاف عكسه فإنه لا يستلزم إبطال العام بالكلية بل من وجه؛ فكان العمل به متعيَّنًا؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إبطال أحدهما بالكلية.\nواحتج أصحابنا أيضًا (^٤) بأن الخاص أقوى دلالةً على ما يتناوله مِنَ العام.\nواحتج أبو حنيفة بما رُوي: أن ابن عباس - ﵁ - قال: \"كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أمور رسول الله - ﷺ -\" (^٥).\n_________\n(^١) في (ت): \"فيتعين\".\n(^٢) فالعام والخاص المتعارضان نقيضان، لا يجتمعان، ولا يرتفعان.\n(^٣) أي: من غير أن يتعذر الجمع بين الدليلين من كل الوجوه؛ لأنه إذا تعذر الجمع بين الدليلين من كل الوجوه ولم يمكن ترجيح أحدهما على الآخر لزم ترك الدليلين.\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢٩٤، في كتاب الصيام، باب ما جاء في الصيام في السفر، رقم ٢١، من حديث عبد الله بن عباس ﵄: \"أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكَدِيد، ثم أفطر، فأفطر =","vol":"4","page":1463},{"text":"وأجيب: بأنه يجب حمل الأحدث على غير صورة النزاع، جمعًا بين الدليلين. والله أعلم.\nولا يخفى عليك أن الخاص المتأخر إنما يكون مخصِّصًا للعام المتقدم إذا ورد وَقْتَ العمل بالعام أو قبله، أما إذا ورد بعده - فكذلك عند مَنْ يُجَوِّز\n_________\n= الناس. وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله - ﷺ -\". وأخرجه مسلم ٢/ ٧٨٤ - ٧٨٥، في كتاب الصيام، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان، رقم ١١١٣، ولفظه: \"وكان صحابة رسول الله - ﷺ - يَتَّبِعون الأحدثَ فالأحدثَ من أمره\". وفي رواية أخرى روى مسلم هذه المقولة عن الزهري: \"قال الزهري: وكان الفطرُ آخِرَ الأمرين، وإنما يؤخذ من أمر رسول الله - ﷺ - بالآخِرِ فالآخِر\". وفي رواية أخرى: \"قال ابن شهاب: فكانوا يتبعون الأحدثَ فالأحدثَ مِنْ أمره، ويرونه الناسِخَ المُحْكَم\". وروى مسلم عن سفيان - ﵁ - قال: \"لا أدري مِنْ قول مَنْ هو؟ يعني: وكان يؤخذ بالآخِرِ مِنْ قول رسول الله - ﷺ -\". وأخرج البخاري ٢/ ٦٨٦، في الصوم، باب إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر، رقم ١٨٤٢، حديث ابن عباس ﵄ من غير هذه الزيادة الأخيرة. ولذلك قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في الفتح ٤/ ١٨١: قال الزهري: \"وإنما يُؤخذ بالآخِرِ فالآخِرِ مِنْ أمره - ﷺ -\". وهذه الزيادة التي في آخره مِنْ قول الزهري، وقعت مُدْرَجَةً عند مسلم من طريق الليث عن الزهري، ولفظه: \"حتى بلغ الكديد أفطر، قال: وكان صحابة رسول الله - ﷺ - يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره. وأخرجه من طريق سفيان عن الزهري قال مثله. قال سفيان: لا أدرى مِنْ قول مَن هو؟ ثم أخرجه من طريق مَعْمر ومن طريق يونس كلاهما عن الزهري، وبَيَّنَا أنه من قول الزهري، وبذلك جزم البخاري في الجهاد، وظاهره أن الزهري ذهب إلى أن الصوم في السفر منسوخ، ولم يُوافق على ذلك، كما سيأتي قريبًا. اهـ. وانظر: المصنف لعبد الرزاق ٤/ ٢٦٩، رقم الحديث ٧٧٦٢، شرح الزرقاني على الموطأ ٢/ ١٦٧.","vol":"4","page":1464},{"text":"تأخير البيان عن وقت الحاجة. وعند المانعين يكون الخاص ناسخًا للعام إنْ كان مما يصلح لنسخه، وإلا فلا يُعبأ به (^١).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-407>(الثانية: يجوز تخصيص الكتاب به، وبالسنة المتواترة، وبالإجماع</span>، كتخصيص: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^٢) بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾ (^٣). وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (^٤) بقوله: \"القاتل لا يرث\"، و﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ (^٥) برجمه ﵇ المحصن. وتنصيف حد القذف على العبد).\nهذه المسألة في تخصيص المقطوع بالمقطوع، وذكر فيها ثلاثة مباحث:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-408>الأول: أنه يجوز تخصيص الكتاب به، أي: بالكتاب</span>، خلافًا لبعض أهل الظاهر (^٦).\n_________\n(^١) انظر مسألة معارضة العام للخاص في: المحصول ١/ ق ٣/ ١٦١، نهاية الوصول ٤/ ١٦٤٤، نهاية السول ٢/ ٤٥٢، السراج الوهاج ١/ ٥٦١، البحر المحيط ٤/ ٥٣٩، المحلي على الجمع ٢/ ٤١، إحكام الفصول ص ٢٥٥، بيان المختصر ٢/ ٣١٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤٧، فواتح الرحموت ١/ ٣٤٥، كشف الأسرار ٣/ ١٠٩، ١/ ٢٩١، شرح الكوكب ٣/ ٣٨٢، المسودة ص ١٣٤.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.\n(^٣) سورة الطلاق: الآية ٤.\n(^٤) سورة النساء: الآية ١١.\n(^٥) سورة النور: الآية ٢.\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١١٧، شرح التنقيح ص ٢٠٢، شرح الكوكب ٣/ ٣٦٠، البحر المحيط ٤/ ٤٧٨.","vol":"4","page":1465},{"text":"لنا: أنه وقع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وهذا عام في أولات الأحمال وغيرهن، وقد خُصَّ أولات الأحمال بقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ووقوعه دليل جوازه وزيادة (^١).\nلا يقال: لعل التخصيص وقع بغير هذه الآية؛ لأنا نقول: الأصل عدم غيرها.\nواحتج الخصم بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ (^٢)، فَوَّض البيان إلى الرسول - ﷺ -، فوجب أن لا يحصل البيان إلا بقوله ﵇.\nوالجواب: أن قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٣) يدل على أن الكتاب هو المبيِّن. والجمع بين الآيتين: أن البيان يحصل من رسول الله - ﷺ -، وذلك أعم من أن يكون منه أو على لسانه.\nواعلم أنه يجوز تخصيص السنة المتواترة بها كالكتاب به.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>البحث الثاني: يجوز تخصيص القرآن بالسنة المتواترة</span>. قال الآمدي: \"لا أعرف فيه خلافًا\" (^٤). وصَرَّح الهندي بقيام الإجماع عليه (^٥).\n_________\n(^١) لأن الجواز لا يقتضي الوقوع، والوقوع يقتضي الجواز، فهو زائد عليه.\n(^٢) سورة النحل: الآية ٤٤.\n(^٣) سورة النحل: الآية ٨٩.\n(^٤) انظر: الإحكام ٢/ ٣٢٢.\n(^٥) انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٦١٧.","vol":"4","page":1466},{"text":"ومنهم من حكى خلافًا في السنة الفعلية (^١).\nوقد مَثَّل المصنف للقولية: بأنهم خَصَّصوا عمومَ قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (^٢) بما رَوَى الترمذي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة (^٣) - وهو رجل متروك عند بعض أهل العلم -: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"القاتل لا يرث\". قال الترمذي: لا يصح هذا الحديث، ولا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال البيهقي: شواهده تُقَوِّيه.\nفإن قلتَ: هذا الحديث على تقدير صحته من أخبار الآحاد، والكلام في المتواتر.\nقلت: قال القرافي: \"هذا السؤال إنما يرد لو كان زماننا زمان النسخ والتخصيص، وإنما ذلك زمن الصحابة ﵃، وهذا الحديث وأمثاله كان متواترًا في ذلك الزمان، والمتواتر قد يصير آحادًا، وكم من قضيةٍ كانت متواترةً في الزمن الماضي، ثم صارت آحادًا، بل ربما نُسِيت\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط ٤/ ٤٧٩، وفيه: \"وقال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: لا خلاف في ذلك، إلا ما يُحكى عن داود في إحدى الروايتين\".\n(^٢) سورة النساء: الآية ١١.\n(^٣) هو إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عبد الرحمن الأسود، أبو سليمان الأُمويّ، مولى آل عثمان المدنيّ. أدرك معاوية. قال البخاريّ: تركوه. وقال أحمد: لا تحل عندي الرواية عنه. وقال ابن معين: كذَّاب. وقال أيضًا: بنو أبي فروة ثقات إلا إسحاق. قال ابن حجر في التقريب: \"متروك\". مات سنة ١٤٤ هـ. انظر: تهذيب ١/ ٢٤٠، تقريب ص ١٠٢.","vol":"4","page":1467},{"text":"بالكلية\" (^١).\nومَثَّل للسنة الفعلية: بأنهم حكموا بأن قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (^٢) مخصوصٌ بما تواتر عندهم عن النبي - ﷺ - مِنْ رَجْمه المحصن، والحديث في الصحيحين (^٣).\nولك أن تقول: لعل التخصيص إنما هو بالآية التي نُسخت تلاوتُها، وبقي حكمها، وهي: \"الشيخ والشيخة إذا زَنَيا فارجموهما\"، كما سيأتي في النسخ إن شاء الله تعالى (^٤). والمراد بالشيخ والشيخة: الثَّيِّب، والثَّيِّبة.\nثم إنَّ رَجْمه - ﷺ - المُحْصَن ليس فعلًا، وإنما هو قول، فإنه ﵇ قال: \"اذهبوا به فارجموه\" (^٥)، فلا يصح مثالًا للفعلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-410>فرع:</span>\nيجوز تخصيص السنة المتواترة بالكتاب (^٦)، وعن بعض فقهاء أصحابنا:\n_________\n(^١) انظر: نفائس الأصول ٤/ ٢٠٨٠، ٢٠٨١.\n(^٢) سورة النور: الآية ٢.\n(^٣) انظر: صحيح البخاري ٦/ ٢٥٠٢ - ٢٥٠٣، في كتاب المحاربين، باب هل يقول الإمام للمقِرِّ: لعلَّك لمستَ أو غمزت، وباب سؤال الإمام المقِرَّ: هل أحصنت، وباب الاعتراف بالزنا، رقم ٦٤٣٨ - ٦٤٤٠. صحيح مسلم ٣/ ١٣١٧ - ١٣٢٥، باب رجم الثيب في الزنى، وباب من اعترف على نفسه بالزنى، رقم ١٦٩١ - ١٦٩٨.\n(^٤) انظر: السراج الرهاج ١/ ٥٦٦، نهاية السول ٢/ ٤٥٨.\n(^٥) انظر التخريج السابق.\n(^٦) مفهوم هذا جواز تخصيص خبر الواحد بالكتاب من بابٍ أولى.","vol":"4","page":1468},{"text":"أنه لا يجوز (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>البحث الثالث: يجوز تخصيص الكتاب بالإجماع</span>، وكذا (^٢) السنة المتواترة يجوز تخصيصها بالإجماع (^٣). قال الآمدي: لا أعرف فيهما خلافًا (^٤).\nواستدل في الكتاب، أو مثَّل: بأن الإجماع خَصَّص العبد من آية الجلد، يعني: قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ (^٥)؛ لأنه قام على\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٢٣ - ١٢٤، وإليه صار بعض الحنابلة، وخَرَّج ابن حامد الحنبلي وجهًا بالمنع، بل حكاه القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد ﵁. وقال ابن برهان: هو قول بعض المتكلمين. وقال مكحول، ويحيى بن أبي كثير: السنة تقضي على الكتاب، والكتاب لا يقضي على السنة. انظر: المسودة ص ١٢٢، البحر المحيط ٤/ ٤٨٠، العدة ٢/ ٥٦٩، التمهيد لأبي الخطاب ٢/ ١١٣، شرح اللمع ١/ ٣٤٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤٩، المحلي على الجمع ٢/ ٢٦، الإحكام ٢/ ٣٢١.\n(^٢) في (ت): \"وكذلك\".\n(^٣) سواء نقل بطريق التواتر، أو الآحاد؛ لأن العام عند الجمهور ظني الدلالة فيصح تخصيصه بالظني والقطعي. أما الحنفية فيشترطون في التخصيص بالإجماع أن يكون مشهورًا أو متواترًا، أما المنقول بطريق الآحاد فلا يُخَصِّص إلا العام الذي سبق تخصيصه بقاطع؛ لأن الإجماع الآحادي كخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فلا يُخصَّص به إلا العام الظني وهو الذي سبق تخصيصه. انظر: فواتح الرحموت ١/ ٣٥٢.\n(^٤) انظر: الإحكام ٢/ ٣٢٧، نهاية الوصول ٤/ ١٦٦٩.\n(^٥) سورة النور: الآية ٤.","vol":"4","page":1469},{"text":"أنه يُنَصَّف (^١) على العبد (^٢).\nوأما عكس ذلك: وهو تخصيص الإجماع بالكتاب والسنة المتواترة - فلم يذكره في الكتاب، وهو غير جائز بالإجماع؛ ولأن إجماعهم على الحكم العام مع سبق المُخَصِّص خطأ، ولا يجوز الإجماع على الخطأ (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-412>تنبيه:</span>\nمعنى قولنا: يجوز تخصيص الكتاب بالإجماع: أنهم يجمعون على تخصيص العام بدليلٍ آخر، فالمخصِّص سند الإجماع، ثم يلزم مَنْ بعدهم متابعتُهم وإنْ جَهِلوا المخصِّص. وليس معناه: أنهم خَصُّوا العام بالإجماع؛ لأن الكتاب والسنة المتواترة موجودان في عهده ﵇، وانعقاد الإجماع (^٤) بعد ذلك على خلافه خطأ، فالذي جَوَّزناه إجماعٌ على التخصيص، لا تخصيص بالإجماع (^٥). والله أعلم.\nقال: (الثالثة: يجوز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد، ومنع قوم، وابن أبان: فيما لم يخصَّص بمقطوع (^٦)، والكرخي: بمنفصل).\n_________\n(^١) في (ت): \"تنصف\". والضمير هنا يعود إلى الثمانين، وفي \"ينصف\" يعود إلى الحد.\n(^٢) انظر: نهاية السول ٢/ ٤٥٩، البحر المحيط ٤/ ٤٨١، شرح التنقيح ص ٢٠٢.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٢٤، نهاية الوصول ٤/ ١٦٧٠.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر: نهاية السول ٢/ ٤٥٩، البحر المحيط ٤/ ٤٨١، فواتح الرحموت ١/ ٣٥٢، شرح العضد على ابن الحاجب مع حاشية السعد ٢/ ١٥٠.\n(^٦) سقطت من (ت)، و(ك)، و(غ).","vol":"4","page":1470},{"text":"هذه المسألة في تخصيص المقطوع بالمظنون، وفيها بحثان:\n\nالأول: في جواز تخصيص الكتاب بخبر الواحد (^١).\nوفيه مذاهب:\nأحدها: الجواز مطلقًا. وهو المنقول عن الأئمة الأربعة (^٢)، واختاره الإمام وأتباعه (^٣) منهم المصنف، وبه قال إمام الحرمين (^٤) (وطوائف،\n_________\n(^١) بيَّن ابن السمعاني في \"القواطع\" أن أخبار الآحاد ضربان: أحدهما: ما اجتمعت الأمة على العمل به، كقوله ﵊: \"لا ميراث لقاتل\"، و\"لا وصية لوارث\"، وكنهيه عن الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، وابنة أخيها، فيجوز التخصيص به، ويصير كتخصيص العموم بالسنة المتواترة؛ لأن هذه الأخبار بمنزلة المتواترة؛ لانعقاد الإجماع على حكمها، وإن لم ينعقد الإجماع على روايتها. وأما الضرب الثاني من الآحاد: وهو مما لم تجمع الأمة على العمل به - فهو المسألة التي اختلف العلماء فيها. انظر: القواطع ١/ ١٨٥، البحر المحيط ٤/ ٤٨٨.\n(^٢) وكذا قال الآمدي وابن الحاجب. انظر: الإحكام ٢/ ٣٢٢، منتهى السول والأمل ص ١٣١، بيان المختصر ٢/ ٣١٨. قال الشيخ المطيعي رحمه الله تعالى في بيان مذهب الحنفية: \"المذكور في كتب الحنفية أصولًا وفروعًا: أنه لا يجوز تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وكذا تخصيص السنة المتواترة بخبر الواحد ما لم تُخَصَّ بقطعيٍ دلالةً وثبوتًا. وأجاز الباقون من علماء الأصول مطلقًا، سواء خُصَّ بقطعي قبله أم لا\". سلم الوصول ٢/ ٤٦٠. وانظر: فواتح الرحموت ١/ ٣٤٩. وعلى هذا فما نسبه البيضاوي - ومِنْ قبله الإمام وأتباعه وغيرهم - إلى ابن أبان هو في الحقيقة مذهب جمهور الحنفية كما في كشف الأسرار ١/ ٢٩٤. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٣١، التحصيل ١/ ٣٩٠، الحاصل ١/ ٥٦٢، نهاية الوصول ٤/ ١٦٢٢، الإحكام ٢/ ٣٢٢، المنتهى ص ١٣١، المحلي على الجمع ٢/ ٢٧.\n(^٣) انظر: المراجع السابقة.\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٤٢٧.","vol":"4","page":1471},{"text":"وتبعهم الآمدي (^١). قال إمام الحرمين) (^٢): ومَنْ شك في (^٣) أن الصديق لو رَوَى خبرًا عن المصطفى - ﷺ - في تخصيص عموم الكتاب لابتدره (^٤) الصحابة قاطبة بالقبول - فليس على دراية من قاعدة الأخبار (^٥) (^٦).\nوالثاني: المنع مطلقًا. ونقله ابن بَرْهان في \"الوجيز\" عن طائفة من المتكلمين، وشرذمة من الفقهاء (^٧).\nوالثالث: قاله عيسى بن أبان، أنه لا يجوز في العام الذي لم يُخَصَّص، ويجوز فيما خُصِّص؛ لأن دلالته تضعف، وشَرَط أن يكون الذي خُصِّص به دليلًا قطعيًا (^٨).\nوالرابع: إنْ كان التخصيص بدليلٍ منفصل - جاز، وإن لم يُخَصَّ، أو (^٩) كان بمتصل - فلا يجوز. قاله أبو الحسن\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ٢/ ٣٢٢.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) في (ص): \"لا تبدره\". وهو خطأ؛ لأن الشك في الابتدار، لا في عدمه.\n(^٥) جملة: فليس على دراية. . . إلخ - جواب الشرط: \"ومن شك\".\n(^٦) انظر: البرهان ١/ ٤٢٧ - ٤٢٨.\n(^٧) انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ٢٦٠، البحر المحيط ٤/ ٤٨٣، العدة ٢/ ٥٥٢، التمهيد لأبي الخطاب ٢/ ١٠٦، وقد نقل المجد ابن تيمية عن أبي الخطاب أنه لا يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد على وجه عند الحنابلة. انظر: المسودة ص ١١٩.\n(^٨) قد سبق الإحالة إلى عيسى بن أبان رحمه الله تعالى.\n(^٩) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"وإن\". وهو خطأ.","vol":"4","page":1472},{"text":"الكرخي (^١) (^٢).\nوشبهته: أن تخصيصه بمنفصلٍ يُصَيِّره مجازًا، كما هو رأيه، وإذا كان مجازًا ضعف؛ فيتسلط عليه التخصيص. فمدار ابن أبان والكرخي على القوة والضعف، غير أنَّ مَدْرك الكرخي في القوةِ الحقيقةُ والمجاز (^٣)، ومَدْرَك (^٤) الآخر القطع بالمجاز وعدم القطع (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٣١، الإحكام ٢/ ٣٢٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤٩، شرح التنقيح ص ٢٠٨.\n(^٢) عند التأمل في هذا المذهب لا يظهر فرق بينه وبين مذهب جهور الحنفية المشترطين في التخصيص الاستقلال والمقارنة، أي: أن يكون المخصِّص مستقلًا مقارنًا للمخصِّص، أما إذا كان المخصِّص متصلًا كالاستثناء والشرط ونحوهما - فهذه ليس مخصِّصات عند الحنفية، كما سبق بيانه، وإذا كان المخصِّص متراخيًا كان ناسخًا، كما سبق بيانه قريبًا في بناء العام على الخاص. والحاصل أن الكرخي رحمه الله تعالى لم يخرج عن جمهور الحنفية في هذا الرأي، ومثله ابن أبان؛ ولذلك لم يُفرد الحنفية رأيهما عن بقية آراء جمهور الحنفية. انظر: فواتح الرحموت ١/ ٣٤٩، كشف الأسرار ١/ ٢٩٤، ميزان الأصول ص ٣٢٣، أصول السرخسي ١/ ١٣٣، تخصيص العام وأثره في الأحكام الفقهية ص ٢٨٥.\n(^٣) أي: أن الكرخي يرى أن المخصوص بمتصل يكون حقيقة؛ فيكون قويًا؛ فلا يسلط عليه خبر الواحد بالتخصيص. أما المخصوص بمنفصل فإنه يكون مجازًا، فيكون ضعيفًا؛ فيتسلط عليه خبر الواحد بالتخصيص. انظر: نهاية السول ٢/ ٤٦٠، نفائس الأصول ٥/ ٢٠٩٧.\n(^٤) في (غ): \"والمدرك\".\n(^٥) أي: أن ابن أبان يرى أن المخصوص بمقطوع قُطِع بكونه مجازًا؛ فَقُطِع بضعفه؛ فسُلِّط عليه حينئذٍ خبر الواحد يخصِّصه. وإن لم يُخصَّ بمقطوع - لم يقطع بضعفه؛ فلم يجز تخصيصه بخبر الواحد. انظر: نفائس الأصول ٥/ ٢٠٩٥.","vol":"4","page":1473},{"text":"و(^١) قوله: \"والكرخي: بمنفصل\"، أي: ومنع الكرخي فيما لم يُخَصَّص بمنفصل.\nوقد اقتصر في الكتاب على الأربعة.\nوفي المسألة مذهب خامس: وهو الوقفُ في المحلِّ الذي يتعارض فيه الخبر ومقتضى لفظ الكتاب، وإجراءُ اللفظِ العام (^٢) من الكتاب في بقية مسمياته. ذهب إليه القاضي، كما نقله عنه إمام الحرمين، والغزالي، والإمام، والآمدي (^٣). ونقل عنه ابن بَرْهان في \"الوجيز\": أنهما يتعارضان ويتساقطان، ويجب الرجوع إلى دليل آخر (^٤). وهو عند التحقيق غير القول بالوقف، وكلامه في \"مختصر التقريب\" مُحْتَمِلٌ لكل من النقلين، إلا أنه لِمَا نقله ابن بَرْهان أقرب، فإنه قال: إذا تقابلا يتعارضان في القدر الذي يختلفان فيه، ولا يُتَمسك بواحدٍ منهما، ويتمسك بالصيغة العامة في بقية المسميات التي لم يتناوَلْها الخبرُ الخاص، فَيُنَزَّل الخبرُ مع العموم فيما يَخْتَلِف فيه ظاهرُهما منزلةَ خبرين مختلفي الظاهرِ نُقِلا مُطْلَقَيْن. انتهى.\nوحَكَى في \"مختصر التقريب\" مذهبًا سادسًا: وهو أنه يجوز التعبد بتخصيص العموم بخبر الواحد، وعدمِه (^٥) - عقلًا، لكن لم يدل دليلٌ على\n_________\n(^١) سقطت الواو من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: البرهان ١/ ٤٢٦، المستصفى ٣/ ٣٣٨ (٢/ ١٢٠)، المحصول ١/ ق ٣/ ١٣١، الإحكام ٢/ ٣٢٢.\n(^٤) انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ٢٦٠.\n(^٥) أي: ويجوز التعبد بعدم تخصيص العموم بخبر الواحد، يعني: بأن يُتمسك بالعموم ويترك خبر الواحد.","vol":"4","page":1474},{"text":"أحدِ القسمين (^١). وهذا أيضًا قول بالوقف.\nوهنا فوائد:\nإحداها (^٢): أن هذا الخلاف الذي في تجويز تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، هل هو جارٍ في تخصيص السنة المتواترة به؟\nالظاهرُ وهو الذي صَرَّح به في الكتاب: نعم. والمصنفُ وإن كان منسوبًا في ذلك إلى التفرد عن الإمام وأصحابه (^٣)، وغيرهم من المتأخرين (^٤) - فهو آت بحق، فقد سبقه بذلك القاضي - ﵁ -، فقال في \"مختصر التقريب\": \"القول في تخصيص الكتاب والسنة المقطوع بها بأخبار الآحاد: اعلم وفقك الله أنَّ هذا باب عظم (^٥) اختلاف العلماء فيه\" (^٦)، ثم ساق المذاهب المذكورة (^٧).\nالثانية: لعلك تقول: قد سبق أنَّ ابن أبان يرى أنَّ العام المخصوص ليس بحجةٍ، فكيف الجمع بينه وبين ما ذكره هنا؟ والجواب: أن\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ١٠٩.\n(^٢) في (غ): \"أحدها\".\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٣١، الحاصل ١/ ٥٦١، التحصيل ١/ ٣٩٠، نهاية الوصول ٤/ ١٦٢٢.\n(^٤) انظر: شرح التنقيح ص ٢٠٨، نهاية السول ٢/ ٤٦٠.\n(^٥) في (ص): \"عظيم\".\n(^٦) انظر: التلخيص ٢/ ١٠٦.\n(^٧) وكذا نصَّ على هذه الصورة والخلاف فيها إمام الحرمين في البرهان ١/ ٤٢٩، وابن السمعاني في القواطع ١/ ١٨٥، وانظر: البحر المحيط ٤/ ٤٨٨.","vol":"4","page":1475},{"text":"الجمع بينهما: أنه لا يحتج بالعام المخصوص؛ لكونه صار مجازًا، وليس بعض المحامل أولى من البعض، فيصير مُجْملًا عنده، فإذا جاء مُخَصِّص بعد ذلك - جزمنا بإخراج ما دلَّ عليه، بعد أن كنا لا نحكم عليه بشيء، ويبقى الباقي على ما كان عليه لا يُحْتج به، (ولا يُجْزم) (^١) بعدم إرادته. فالمخصِّص مبيِّن لكون ذلك الفرد غيرَ مرادٍ، وساكتٌ عن الباقي، فلا منافاة بين الكلامين. وهذا الجمع قرره والدي أحسن الله إليه، ورأيت أنا بعد ذلك القاضي في \"مختصر التقريب\" قال بعد حكاية مذهب ابن إبان: هذا مبنيٌّ على أصلٍ له قدمناه، وهو أن العموم إذا خُصَّ بعضُه صار مُجْملًا في بقية المسميات، لا يسوغ الاستدلال به فيها، فَيُجْعل الخبر على التحقيق مُثْبِتًا حكمًا ابتداء، وليس سبيلُه سبيل التخصيص إذا حَقَّقْتَه، فإنه لا يَجُوز الاستدلال باللفظ المجمل في عمومٍ ولا خصوص قبل ورود الخبر وبعده (^٢). انتهى. وهذا حسن نفيس.\nالثالثة: قال القرافي: المحدِّثون والنحاة على عدم صرف \"أبان\". قال: ونقله ابن يعيش في \"شرح المفصل\" عن الجمهور، وقال: إنه بناء على أنَّ وَزْنَه \"أفْعل\"، وأصله \"أبْيَن\" صيغة (^٣) مبالغة في الظهور، الذي هو البيان والإبانة، فنقول: هذا أبْيَن مِنْ هذا. أي: أظهرُ منه وأوضح، فَلُوحظ أصْلُه مع العلمية التي فيه؛ فلم يصرف (^٤).\n_________\n(^١) في (ص): \"ولا نجزم\".\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ١٠٨ - ١٠٩.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أي: الذين منعوا صرفه عَلَّلُوا ذلك بأن أصل \"أبان\" أَبْيَن، أي: أصله على وزن =","vol":"4","page":1476},{"text":"قال (لنا: إعمال الدليلين ولو من وجه أولى. قيل: قال ﵊: \"إذا رُوي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه، وإنْ خالفه فردوه\". قلنا: منقوض بالمتواتر. قيل: الظن لا يُعارِض القطعَ. قلنا: العام مقطوع المتن مظنون الدلالة، والخاص بالعكس؛ فتعادلا. قيل: لو خَصَّص لَنَسَخ. قلنا: التخصيص أهون).\nاحتج على الجواز مطلقًا: بأن فيه إعمالًا للدليلين: أما الخاص ففي جميع ما دل عليه، وأما العام فَمِنْ وجه: وهو الأفراد التي لم تُخَصَّص، دون وَجْهٍ: وهو ما خُصِّص.\nومَنْعُ التخصيص يفضي إلى إلغاء أحدِ الدليلين وهو الخاص، وإعمال الدليلين ولو من وجه أولى من إلغاء (^١) أحدهما. وقد سبق مثل هذا.\nواحتج المانع مطلقًا بثلاثة أوجه:\nأحدها: ما روي أنه - ﷺ - قال: \"إذا رُوي عني حديثٌ فاعرضوه على كتاب الله، فإنْ وافقه فاقبلوه، وإن خالفه فردوه\". وهذا الحديث مخصوص بالكتاب، فلا يدل على السنة المتواترة (^٢)، كما هي طريقة\n_________\n= الفعل المضارع، مثل: أحمد، ويشكر، وتغلب، ونحوها. فاجتمع مع وزن الفعل العَلَمية فَمُنِع من الصرف. وأما مَنْ صَرَفَه فَعَلى أن وزنه \"فَعَال\" من أبان يبين. انظر: نفائس الأصول ٢/ ٢٠٩٥، ٢٠٩٦، نهاية السول ٢/ ٤٠١ - ٤٠٢، المحلي على الجمع ٢/ ٢٩.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) يعني فلا يدل على العرض على السنة المتواترة.","vol":"4","page":1477},{"text":"المصنف (^١). وقد رواه أبو يعلى الموصلي في \"مسنده\" موصولًا من حديث أبي هريرة واللفظ: \"إنه ستأتيكم (^٢) عني أحاديث مختلفة، فما أتاكم عني موافقًا لكتاب الله وسنتي فهو مني، وما أتاكم مخالفًا لكتاب الله وسنتي فليس مني\" (^٣). وفي سنده مقال. ورواه البيهقي في\n_________\n(^١) أي: في جعل المسألة واحدة، فتخصيص الكتاب بخبر الواحد، كتخصيص السنة المتواترة بخبر الواحد، فالخلاف فيهما واحد. ومقتضى هذا أن يُعرض خبر الواحد على السنة المتواترة، كما يعرض على الكتاب، لكن الحديث لا يدل على ذلك، بل هو خاص بالكتاب، فيكون دليل الخصم صالحًا لجزء الدعوى، لا لجميعها.\n(^٢) في (ك): \"سيأتيكم\".\n(^٣) لم أجده في مسند أبي يعلى المطبوع، ولكن في الباب حديث ثوبان: \"اعرضوا حديثي على الكتاب، فما وافقه فهو مني، وأنا قلته\". قال الهيثمي قي المجمع ١/ ١٧٠: \"رواه الطبراني في الكبير، وفيه يزيد بن ربيعة، وهو متروك منكر الحديث\". وانظر: المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٩٤، حديث رقم ١٢٩. وفيه حديث ابن عمر: \"وإنه ستفشو عني أحاديث، فما أتاكم مِنْ حديثي فاقرأوا كتاب الله واعتبروه، فما وافق كتاب الله فأنا قلتُه، وما لم يوافق كتاب الله فلم أقله\". قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٧٠: \"رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو حاضر عبد الملك بن عبد ربه، وهو منكر الحديث\". وانظر: المعجم الكبير للطبراني ١٢/ ٣١٦، حديث رقم ١٣٢٢٤. وفيه حديث أبي هريرة: \"إذا حُدِّثتم عني حديثًا فوافق الحقَّ فأنا قلتُه\". قال الهيثمي في المجمع ١/ ١٥٠: \"رواه البزار، وفيه أشعث بن براز، ولم أَرَ مَنْ ذكره\". قال السخاوي في المقاصد الحسنة ص ٣٦، حديث رقم ٥٩: \"الدارقطني في الأفراد، والعُقيلي في الضعفاء، وأبو جعفر بن البختري في الجزء الثالث عشر من فوائده من حديث محمد بن عون الزيادي حدثنا أشعث بن نزار عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة به مرفوعًا، وقال الدارقطني: إن أشعث تفرد به. انتهى. وهو شديد الضعف. والحديث منكر جدًا، استنكره العقيلي وقال: إنه ليس له إسناد يصح. . . =","vol":"4","page":1478},{"text":"\"المدخل\" من طريق الشافعي - ﵁ - من طريق منقطعة.\nوأجاب المصنف: بأن هذا منقوض بالسنة المتواترة، فإنها مخالفة ويجوز التخصيص بها اتفاقًا، كما سبق (^١).\nوقال الشافعي - رضوان الله عليه - ما هو أحسن من هذا الجواب، وهو ما نصه: وليس يخالف الحديثُ القرآن، ولكنه مبيِّن مَعْنَى ما أراد خاصًا وعامًا، وناسخًا ومنسوخًا. ثم يلزم الناس ما بَيَّن (^٢) بفرض الله ﷿، فمَنْ قَبِل عن رسول الله - ﷺ - فعن الله قَبِل. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (^٣). انتهى.\nالثاني: أن الكتاب مقطوع به، وكذا (^٤) السنة المتواترة، والآحاد مظنون (^٥)، والمقطوع أولى من المظنون.\n_________\n= وقد سُئل شيخنا عن هذا الحديث فقال: إنه جاء من طرق لا تخلو من مقال، وقد جمع طرق البيهقي في كتاب المدخل\". وانظر: الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج ص ١٠٣ - ١٠٤.\n(^١) المعنى: أن ظاهر هذا الحديث يقتضي عدم تخصيص القرآن بالسنة المتواترة، مع أن جواز ذلك متفق عليه، فهذا النقض يضعف الأخذ بظاهر الحديث، ويجعل مَحْمَلَه - على فرض ثبوته- على الحديث الذي يشك فيه. انظر: سلم الوصول ٢/ ٤٦١ - ٤٦٢.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"ما يبين\".\n(^٣) سورة الحشر: الآية ٧.\n(^٤) في (ت): \"وكذلك\".\n(^٥) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"مظنونة\".","vol":"4","page":1479},{"text":"أجاب: بأن العام الذي فيه الكلام وهو الكتاب والسنة المتواترة مقطوع في متنه؛ (إذ لا شك) (^١) في كونه من القرآن إنْ كان من الكتاب، (ولا أن رسول الله) (^٢) - ﷺ - قاله إنْ كان من السنة المتواترَة. وأما الخاص فبالعكس متنه مظنون؛ لأنه من رواية الآحاد، فلا يُقْطع (^٣) بأن رسول الله - ﷺ - قاله، ودلالته مقطوع بها؛ لأنه لا يحتمل إلا ما يَعْرِض له، فكلٌّ منهما مقطوع به من وجه، مظنونٌ من آخر؛ فتساويا.\nفإن قلت: إذا تعادلا فلا ينبغي أن يُرَجَّح أحدهما على الآخر؛ إذ هو حينئذ ترجيحٌ من غير مرجِّح.\nقلت: يُرَجَّح الخاص بأن فيه إعمالًا للدليلين.\nوقد ضَعَّف الأصفهاني شارحُ \"المحصول\" هذا الدليل: بأن خبر الواحد يحتمل المجاز والنقل وغيرهما مما يمنع القطع، غايةُ ما في الباب أنه لا يحتمل التخصيص، وذلك لا ينفع. نعم يمكن أن يُدَّعى قوةُ دَلالةِ الخاصِّ على مدلوله، فإنها أقوى من دلالة العام عليه.\nالثالث: أنه لو جاز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الواحد - لجاز نسخهما به، واللازم منتف بالاتفاق على أنه لا يجوز نسخ المتواتر بخبر الواحد.\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"إذ لا نشك\".\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"ولا أن الرسول\".\n(^٣) في (ت): \"فلا نقطع\".","vol":"4","page":1480},{"text":"وبيان الملازمة أن كل واحد منهما تخصيص، لكن أحدهما وهو النسخ تخصيص في الأزمان، والآخر تخصيص في الأعيان.\nوأجاب: بأن التخصيص أهون من النسخ؛ لأن النسخ يرفع الحكم بالكلية، بخلاف التخصيص، ولا يلزم من تأثير الشيء في الأضعف أن يكون مُؤَثِّرًا في الأقوى.\nقلتُ: وهذا الدليل وجوابه يمشيان على طريقة (^١) المصنف، فإنه قال: \"لا يُنسخ المتواتر بالآحاد\"، وهي طريقة فيها كلام؛ لأن جماعةً نقلوا الاتفاق على الجواز، وجعلوا محل الخلاف في الوقوع. وجماعة جَزَموا بالجواز من غير حكاية خلاف، كالإمام وغيره، كما ستعرف ذلك إن شاء الله في النسخ. فالعجب ليس من المصنف؛ لأنه مشى على طريقته (^٢)، وهي صحيحة كما (^٣) سنبين ذلك في كتاب النسخ، بل من الإمام حيث لم ينبه على ذلك (^٤)، إذ ذَكَر الدليل\n_________\n(^١) في (ص): \"طريق\".\n(^٢) أي: لم يتناقض كلامه هنا مع كلامه في كتاب النسخ، فحكى هنا المنع من نسخ المتواتر بالآحاد، وكذا حكاه في كتاب النسخ.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) أي: حيث لم ينبه على أن هذا الجواب إنما يصح على طريقة مَنْ يقول بمنع نسخ المتواتر بالآحاد، وحيث إن الإمام نفسه - رحمه الله تعالى - يرى جواز نسخ المتواتر بالآحاد عقلًا، وأنه غير واقعٍ شرعًا، فكان المناسب في الجواب أن ينقض دعوى الخصم بالتزام هذا اللازم، وأنه يجوز عقلًا نسخ المتواتر بالآحاد، إلا أنه غير واقعٍ شرعًا. فاكتفاءُ الإمام بالجواب الذي ذكره المصنف هنا من غير تنبيه على أن هذا على طريقة من يمنع نسخ المتواتر بالآحاد - يجعل كلامَه هذا متناقضًا، مع ما ذهب إليه في النسخ. انظر كلامه في النسخ في: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٩٨.","vol":"4","page":1481},{"text":"والجواب (^١) (^٢).\nقال: (وبالقياس، ومَنَع أبو عليٍ، وشَرَط ابن أبان التخصيص، والكرخي بمنفصل، وابن سريج الجلاء في القياس، واعتبر حجةُ الإسلام أرجحَ الظنين، وتوقف القاضي وإمام الحرمين).\n\nالبحث الثاني: في جواز تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بالقياس.\nأي: بقياسِ نصٍّ خاصٍّ، كذا صرح به الغزالي (^٣).\nوقوله: \"و(^٤) بالقياس\" معطوف على قوله: \"بخبر الواحد\"، أي: يجوز تخصيص الكتاب والسنة (^٥) المتواترة بخبر الواحد وبالقياس. والخلاف في هذه المسألة على مذاهب:\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٤٣، ١٤٦ - ١٤٧.\n(^٢) انظر تخصيص الكتاب والسنة المتواترة بخبر الآحاد في: المحصول ١/ ق ٣/ ١٣١، الحاصل ١/ ٥٦١، التحصيل ١/ ٣٩٠، نهاية الوصول ٤/ ١٦٢٢، الوصول إلى الأصول ١/ ٢٦٠، القواطع ١/ ١٨٥، البرهان ١/ ٤٢٦، الإحكام ٢/ ٣٢٢، المستصفى ٣/ ٣٢٢ (٢/ ١١٤)، نهاية السول ٢/ ٤٥٩، السراج الوهاج ١/ ٥٦٨، مناهج العقول ٢/ ١٢٠، البحر المحيط ٤/ ٤٨٢، المحلي على الجمع ٢/ ٢٧، شرح التنقيح ص ٢٠٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٤٩، فواتح الرحموت ١/ ٣٤٩، كشف الأسرار ١/ ٢٩٤، شرح الكوكب ٣/ ٣٥٩، المسودة ص ١١٩، العدة ٢/ ٥٥٠.\n(^٣) انظر: المستصفى ٣/ ٣٤٠ (٢/ ١٢٢).\n(^٤) سقطت الواو من (ت)، و(ص).\n(^٥) سقطت من (غ)، و(ك).","vol":"4","page":1482},{"text":"أحدها: الجواز مطلقًا. وبه قال الأئمة الأربعة (^١)، والشيخ أبو الحسن، وأبو هاشم بعد أن كان يوافق أباه (^٢)، وهو المختار في الكتاب (^٣).\nوالثاني: المنع مطلقًا. قاله أبو علي الجبائي (^٤)، ونقله القاضي عن طائفة من المتكلمين، منهم ابن مجاهد (^٥) من أصحابنا (^٦).\nوالثالث: إن تطرق إليهما التخصيص بغير القياس - جاز تخصيصهما\n_________\n(^١) القياس مخصِّص عند الحنفية بعد التخصيص بغيره؛ لأن العام المخصوص ظني عند الحنفية، بخلاف ما قبل التخصيص، فإنه قطعي لا يصلح القياس مغيِّرًا له عندهم. انظر: فواتح الرحموت ١/ ٣٥٧، سلم الوصول ٢/ ٤٦٣، تيسير التحرير ١/ ٣٢١. ولأحمد ﵁ روايتان في التخصيص بالقياس إحداهما بالجواز، والأخرى بالمنع. ولأصحابه كذلك وجهان. انظر: العدة ٢/ ٥٥٩، المسودة ص ١١٩، نزهة الخاطر ٢/ ١٦٩.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) وإليه ذهب أبو الحسين البصري. انظر: المعتمد ٢/ ٢٧٥، المستصفى ٣/ ٣٤٠ (٢/ ١٢٢)، الإحكام ٢/ ٣٣٧، التلخيص ٢/ ١١٨، المحصول ١/ ق ٣/ ١٤٨، البحر المحيط ٤/ ٤٨٩، شرح التنقيح ص ٢٠٣.\n(^٤) انظر: المراجع السابقة.\n(^٥) هو أحمد بن موسى بن العباس بن مجاهد، أبو بكر البغداديّ، المحدِّث النحويّ، شيخ المقرئين، ومصنف كتاب \"القراءات السبعة\". ولد سنة ٢٤٥ هـ. وكان ثقة حجة انتهى إليه علم القراءات وتصدر مدة. توفي سنة ٣٢٤ هـ. انظر: سير ١٥/ ٢٧٢، معرفة القراء ١/ ٢١٦.\n(^٦) انظر: التلخيص ٢/ ١١٧ - ١١٨، اللمع ص ٣٧. واختاره الإمام في \"المعالم\" ص ١٧١، ١٧٢. قال صاحب البحر ٤/ ٤٨٩: \"وهذا الكتاب موضوع لاختياراته، بخلاف \"المحصول\" فإنه موضوع لنقل الذاهب وتحرير الأدلة\".","vol":"4","page":1483},{"text":"به، وإلا فلا. قاله ابن أبان (^١)، ونقله ابن بَرْهان في \"الوجيز\" عن أصحاب أبي حنيفة (^٢).\nوالرابع: إن تطرق إليهما التخصيص بمنفصل - جاز، وإلا فلا. قاله الكرخي (^٣).\nوالخامس: يجوز تخصيصهما بالقياس الجلي دون الخفي. وهو رأي ابن سريج، وجماعة من أصحابنا (^٤).\nواختلف هؤلاء في تفسير الجلي، والخفي:\nفقيل: الجلي: قياس العلة (^٥). والخفي: قياس الشبه (^٦).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ٢/ ٣٣٧، المحصول ١/ ق ٣/ ١٤٨.\n(^٢) انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ٢٦٦.\n(^٣) انظر: المحلي على المجمع ٢/ ٣٠، مع المراجع في هامش (٦)، ص ٣٩٤. ومذهب ابن أبان، والكرخي في الحقيقة هو مذهب الحنفية؛ إذ مذهبهم كما سبق بيانه أنه لا بد من تخصيص العام بقاطع أولًا؛ ليجوز بعد ذلك تخصيصه بالقياس. وشَرْط المخصِّص أيضًا عند الحنفية أن يكون مستقلًا، أي: منفصلًا، أما قَصْر العام بالمتصل الذي هو غير مستقل فهو ليس بتخصيص عندهم، فلا يجوز التخصيص بعده بالقياس. وقد سبق بيان مثل هذا في التخصيص بخبر الواحد. انظر: سلم الوصول ٢/ ٤٦٤، تخصيص العام وأثره في الأحكام الفقهية ص ٣١٧.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٤٩، الإحكام ٢/ ٣٣٧، شرح التنقيح ص ٢٠٣، وإليه صار الطوفي من الحنابلة. انظر: شرح الكوكب ٣/ ٣٧٨، البلبل ص ١٠٩ - ١١٠.\n(^٥) قياس العلة: هو ما صُرِّح فيه بالعلة. انظر: الإحكام ٤/ ٤.\n(^٦) تعريف الشبه لغة: المثل، قال ابن منظور: الشَبَهُ والشِبْهُ والشَبِيهُ: المثل، والجمع أشباه. وأشبه الشيءُ الشيءَ ماثله، وفي المثل: من أشبه أباه فما ظلم. وقال صاحب القاموس: وأمور مشْتَبِهَة ومشبَّهة: مشكلة، والشُبْهَةُ: بالضم الالتباس والمثل، وفي القرآن المحكم والمتشابه. ينظر: لسان العرب: مادة (شبه)، والقاموس المحيط: ١٦١٠. =","vol":"4","page":1484},{"text":"وقيل: الجلي: ما تتبادر علته إلى الفهم عند سماع الحكم. نحو: تعظيم الأبوين عند سماع قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (^١)، ونحو: اندهاش العقل عن (^٢) تمام الفكر عند سماع قوله ﵇: \"لا يقضي القاضي وهو غضبان\" (^٣). والخفي: ما ليس كذلك.\nوقيل: الجلي: ما يُنْقَض قضاء القاضي بخلافه. والخفي: ما ليس\n_________\n= وفي الاصطلاح: عرفه القاضي أبو بكر الباقلاني، فيما نقله عنه الإمام الرازي في المحصول، والآمدي في الإحكام، والبيضاوي في المنهاج وغيرهم بـ \"أنَّ الوصف: إما أن يكون مناسبًا للحكم بذاته،\nوإما أن لا يناسبه بذاته، لكنه يكون مستلزمًا لما يناسبه بذاته،\nوإما أن لا يناسبه بذاته ولا يستلزم ما يناسبه بذاته.\nفالأول: هو الوصف المناسب، والثاني: هو الشبه، والثالث: هو الطرد\".\nينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣٢٤، شرح الإسنوي مع البدخشي على المنهاج: ٣/ ٦١ - ٦٢.\n(^١) سورة الإسراء: الآية ٢٣.\n(^٢) في نهاية الوصول ٤/ ١٦٨٥: \"عند\". وهو خطأ. والشارح ناقل منه، وانظر العبارة سليمة في المحصول ١/ ق ٣/ ١٥٠.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه ٢/ ٧٧٦، في كتاب الأحكام، باب لا يحكم الحاكم وهو غضبان، رقم ٢٣١٦، بلفظ: \"لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان\". وأخرجه البخاري ٦/ ٢٦١٦، في كتاب الأحكام، باب هل يقضي القاضي أو يُفتي وهو غضبان، رقم ٦٧٣٩، بلفظ: \"لا يقضينَّ حَكَمٌ بين اثنين وهو غضبان\". وبنحوه أخرجه مسلم ٣/ ١٣٤٢ - ١٣٤٣، في كتاب الأقضية، باب كراهة قضاء القاضي يقضي وهو غضبان، رقم ١٧١٧. وكذا أبو داود ٤/ ١٦، في كتاب الأقضية، باب القاضي يقضي وهو غضبان، رقم ٣٥٨٩. وكذا أيضًا الترمذي ٣/ ٦٢٠، في كتاب الأحكام، باب ما جاء لا يقضي القاضي وهو غضبان، رقم ١٣٣٤. والنسائي ٨/ ٢٤٧، في كتاب آداب القضاة، باب النهي عن أن يقضي في قضاء بقضاءَيْن، رقم ٥٤٢١.","vol":"4","page":1485},{"text":"كذلك (^١).\nوالسادس: إنْ تفاوت العام والقياس في إفادة غلبةِ الظن رَجَّحنا الأقوى، وإن تساويا فالتوقف (^٢). وهو مذهب حجة الإسلام الغزالي (^٣). واعترف الإمام في أثناء المسألة بأنه حق (^٤)، واستحسنه القرافي (^٥)، وقال الأصفهاني: إنَّه حق واضح. وكذلك قال الهندي في أثناء المسألة (^٦).\nوالسابع: الوقف. ذهب إليه القاضي، وإمام الحرمين (^٧). واقتصر المصنف على حكاية هذه المذاهب السبعة.\nوالثامن: قاله الآمدي، إنْ كانت العلة منصوصةً أو مُجْمعًا عليها - جاز التخصيص به، وإلا فلا (^٨).\nوالتاسع: إنْ كان الأصل المقيس عليه مُخْرَجًا من عام - جاز\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٤٩ - ١٥٠، المستصفى ٣/ ٣٤٧، شرح التنقيح ص ٢٠٣، نهاية السول ٢/ ٤٦٤، البحر المحيط ٤/ ٤٩٢.\n(^٢) في (ص): \"فالتوقيف\".\n(^٣) انظر: المستصفى ٣/ ٣٤٨ (٢/ ١٣٢).\n(^٤) عبارته في المحصول ١/ ق ٣/ ١٥٧: \"وعند هذا يظهر أن الحق ما قاله الغزالي ﵀\".\n(^٥) انظر: شرح التنقيح ص ٢٠٦، نفائس الأصول ٥/ ٢١٠٧.\n(^٦) انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٦٩٥، ١٦٩٧، وقال القرطبي: \"لقد أحسن في هذا الاختيار أبو حامد، فكم له عليه من شاكرٍ وحامد\". انظر: البحر المحيط ٤/ ٤٩٤.\n(^٧) انظر: التلخيص ٢/ ١١٩، البرهان ١/ ٤٢٨.\n(^٨) انظر: الإحكام ٢/ ٣٣٧.","vol":"4","page":1486},{"text":"التخصيص (^١)، وإلا فلا (^٢) وهذا الخلاف كلُّه في القياس المستنبط من الكتاب، (أو من السنة) (^٣) المتواترة، بالنسبة إلى عموم الكتاب، أو عمومها، أو عموم خبر الواحد. وأما القياس المستنبط من خبر الواحد بالنسبة إلى خبر الواحد - فعلى الخلاف أيضًا. وأما بالنسبة إلى عموم الكتاب - فيرتب على جواز تخصيصه بخبر الواحد:\nفمن لا يُجَوِّز ذلك، لا يُجَوِّز تخصيصه بالقياس المستنبط منه بطريق الأَوْلى.\nوأما مَنْ يُجَوِّزه (^٤) - قال الهندي: \"فيحتمل أن لا يُجيز ذلك؛ لزيادة الضعف. ويحتمل أن يُجَوِّز ذلك، كما في القياس المستنبط من الكتاب، إذ قد يكون قياسه (^٥) أكثر قوة من ذلك العموم بأن يكون قد تطرق إليه (^٦) تخصيصات كثيرة. ويحتمل أن يُتوقف فيه (^٧)؛ لتعادلهما، إذ قد يظهر له ذلك\" (^٨).\n_________\n(^١) يعني: إن كان الأصل المقيس عليه مخصَّصًا من نص عام، ثم يقاس على ذلك الأصل، فيخصَّص بالقياس على المخصَّص بالنص.\n(^٢) انظر: الإحكام ٢/ ٣٣٧، البحر المحيط ٤/ ٤٩٥.\n(^٣) في (ك): \"والسنة\".\n(^٤) في (ص): \"يجوز\".\n(^٥) أي: قياس خبر الواحد.\n(^٦) أي: إلى العموم.\n(^٧) أي: في التخصيص بقياس خبر الواحد.\n(^٨) انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٦٨٨، المستصفى ٣/ ٣٥٠، المحصول ١/ ق ٣/ ١٥١ - ١٥٢. وينبغي أن يتنبه إلى أن هذا الكلام الذي ساقه الشارح أخيرًا لا يتعارض مع =","vol":"4","page":1487},{"text":"قال: (لنا: ما تقدم. قيل: القياس فرع فلا يُقَدَّم. قلنا: على أصله. قيل: مُقَدِّماته أكثر. قلنا: قد يكون بالعكس، ومع هذا فإعمال الكل أحرى).\nاستدل على ما اختاره: بأن فيه إعمالًا للدليلين، وإعمال الدليلين ولو من وجهٍ أولى. وهذا هو الذي تقدم، وقد مضى تقريره. قال الغزالي: \"وهو فاسد؛ لأن القدر الذي وقع فيه التقابل ليس فيه جمع بين الدليلين، بل هو رفع للعموم، وتجريد للعمل بالقياس\" (^١).\nوهذا حسن، وهو مأخوذ من القاضي، فإنه أجاب به عن هذه الشبهة في \"مختصر التقريب\". قال: \"والمقصود مِنْ ذلك أن القدرَ\n_________\n= كلامه في أول المسألة، وهو أن محل الخلاف في التخصيص بالقياس على نصِّ خاص؛ لأن النص الخاص شامل لأن يكون من الكتاب، أو السنة المتواترة، أو خبر الآحاد. لكن يستثنى من صور الخلاف صورة القياس القطعي، فلا ينبغي أن يجرى فيه الخلاف السابق؛ لأن القياس متى كان كذلك فهو أشبه شيءٍ بمفهوم الموافقة المساوي إن لم يكن عينه. قال الزركشي رحمه الله تعالى: \"أطلق أكثر الأصوليين ترجمة المسألة، لكن محل الخلاف ليس القياس المعارِض للنص العام مطلقًا، فإن بعض أنواع القياس يجب تقديمه على عموم النص، وهو ما إذا كان حكم الأصل الذي يستند إليه حكم الفرع مقطوعًا به، وعلته منصوصة أو مجمعًا عليها مع تصادقهما في الشرع من غير صارف قطعًا. فهذا النوع من القياس لا يتصور الخلاف فيه في أنه يُخَصَّص به عموم النص، فيجب استثناء هذه الصورة من ترجمة المسألة، وقد أشار إلى ذلك الأبياري شارح \"البرهان\" وغيره\". البحر المحيط ٤/ ٤٩٦. وانظر: نهاية السول مع سلم الوصول ٢/ ٤٦٣، غاية الوصول شرح لب الأصول ص ٧٩، حاشية البناني على المحلي ٢/ ٢٩، شرح الكوكب ٣/ ٣٧٨.\n(^١) انظر: المستصفى ٣/ ٣٤٦.","vol":"4","page":1488},{"text":"الذي تحقق اجتماع القياس واللفظ فيه - تركتم (^١) فيه قضية اللفظ، والقدر الذي بقي من اللفظ لم يمانعه القياس، فينزل (^٢) اللفظ في باقي المسميات منزلة اللفظ (^٣) الأخرى، فبطل ادعاء استعمال الدليلين في محل الاجتماع في الدليلين\" (^٤).\nواحتج الجبائي على المنع مطلقًا بوجهين:\nأحدهما: أنَّ القياس فرع النص، فلو خَصَّصنا العموم به لقدمنا الفرع على الأصل، وهو ممنوع.\nوأجاب: بأن الممتنع تقديم الفرع على أصله، لا على أصل آخر، وإذا خصصنا العمومَ به لم نقدمه على أصله، وإنما قدمناه على أصل آخر، وهو بالنسبة إلى الأصل الآخر ليس فرعًا، بل هو دليلٌ مثله.\nوالثاني: أن مقدمات القياس أكثر من مقدمات النص؛ لأنه فَرْعه، وكل مقدمة توقَّف النص عليها في إفادة الحكم توقف القياس عليها من غير عكس لاختصاص القياس، بتوقفه على مُقَدمات أخر.\nوبيان ذلك: أن جهة الضعف في العامِّ المقطوع المتن منحصرة في أمرين:\nأحدهما: احتمال التخصيص.\n_________\n(^١) في (ص): \"توهم\". وهو خطأ.\n(^٢) في (ك): \"فَنُزِّل\".\n(^٣) في (غ)، و(ص): \"اللفظة\".\n(^٤) انظر: التلخيص ٢/ ١٢١.","vol":"4","page":1489},{"text":"وثانيهما: احتمال التجوز.\nوفي غيره: الاحتمالان المذكوران مع احتمال كذب الناقل.\nوأما في القياس: فهذه الثلاثة أو الاثنان؛ لأن الأصل في القياس لا بد وأن يكون نصًا.\nورابع: وهو احتمال أن لا يكون الحكم معللًا بعلة أصلًا.\nوخامس: وهو احتمال أن تكون العلة غير ما ظَنَّه القائس علة؛ لأنه ربما لم يستكمل أوصافَ الاجتهاد، وربما قَصَّر في الاجتهاد عامدًا أو مخطأ.\nوسادس: وقد ذكره القاضي في \"مختصر التقريب\": أنه وإن كان ما ظنه علةً فيحتمل أن يكون قد زَلَّ في طريقه فرب مخطئ في الطرق التي تثبت (^١) بها العلل (^٢).\nوسابع: وهو أنه وإن لم يَزِلَّ في الطريق فيحتمل أن لا تكون موجودة في الفرع مع أنه ظن وجودها فيه.\nوثامن: وهو إنها و(^٣) إن وجدت في الفرع، لكن ربما لم يوجد فيه شرط الحكم أو فَقْد مانع وإذا كان كذلك، كان القياس أضعف من العام، لا سيما من المقطوع متنه فلم يجُز تقديمه عليه؛ لامتناع العمل بالمرجوح مع معارضة الراجح. قال القاضي في \"مختصر التقريب\": فإن قالوا: إنما كلامنا في قياس يصح. قلنا: لا (^٤) يتصور في المجتهدات قياس يُقطع بصحته. ثم إنْ\n_________\n(^١) في (ص): \"ثبتت\".\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ١٢٠.\n(^٣) سقطت الواو من (ت).\n(^٤) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"فلا\".","vol":"4","page":1490},{"text":"صَوّرتم قياسًا قاطعًا فصوِّروا صيغة نقطع بعمومها (^١)، هذا تقرير الوجه الثاني من الوجهين اللذَيْن اعتصم بهما الجبائي.\nوأجاب في الكتاب عن هذا (^٢) الثاني بوجهين:\nأحدهما: لا نسلم أن مقدمات القياس أكثر مطلقًا، بل قد يكون بالعكس أي: يكون مقدمات العام أكثر من مقدمات القياس، فإن فيه احتمال التجوز، والنسخ، وخطأ الراوي، وغير ذلك. والقياس لا يحتمل شيئًا مِنْ ذلك.\nوثانيهما: أنا سلمنا أن مقدمات القياس أكثر مطلقًا، لكن في العمل بهما عمل بالدليلين وهو أحرى، أي: أحوط وأولى، كما سبق.\nوقد عرفت ما فيه من النظر، والحق أن الوجهين ضعيفان: أما هذا فلما عرفتَ، وأما الذي قبله فلأن القياس لا بد وأن يستند إلى أصل، وذلك الأصل إن لم يكن مقطوع المتن - تطرقت إليه هذه الاحتمالات، وينضم إليها ما يختص به القياس من المحتملات؛ فيكون الاحتمال فيه أكثر. وإن كان مقطوع المتن فدلالته ظنية، وهي تقبل القوة والضعف، كالقياس. وعند ذلك نقول: الحقُّ في الجواب أن يقال: كميات المقدِّمات قد تُعارِض كيفياتِها فمقدمات (^٣) القياس وإنْ كانت كثيرة، لكنها قد تكون أقوى من مقدمات العام القليلة بحيث تصير مع كثرتها بسبب كيفياتها معادلة\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ١٢١.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ص): \"بمقدمات\". وهو خطأ.","vol":"4","page":1491},{"text":"للمقدمات القليلة التي للعام، أو أرجح. ومِنْ أمثلة ذلك أنه لا يخفى على ذي لب أن إلحاق النبيذ بالخمر بالقياس بعلة الإسكار أغلب على الظن من بقائه تحت قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (^١)، وكذلك دلالةُ قياس الأرز على البر في الربا - أقوى بالنسبة إلى الدلالة المأخوذة من قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (^٢) على جواز بيعه متفاضلًا.\nوإذا فُهِم هذا لاح وجه الحق مع الغزالي، ووضح أن مذهبه هو المرتضى الذي نختاره.\nفإنْ قلت: ما ذَكَره الغزالي من الأخذ بأرجح الظنين يلزمه في خبر الواحد مع العموم، فإنَّ المرجحات المتجهة هنا متجهةٌ ثَمَّ مِنْ جهة غلبة المجاز على أحدهما وقِلَّته في الآخر، وكثرة الإفراد وقلتها ونحو ذلك.\nقلت: أجاب الأصفهاني \"شارح المحصول\": بأن ذلك لا يلزمه، فإنه يرى أن خبر الواحد في دلالته على مَوْرده الخاص كالنص أو هو نص فيه، ودلالة العموم على مورده الخاص ضعيفة؛ لاحتمال الإجمال في صيغة العموم بسبب الاشتراك على رأي قوم، ولا كذلك القياس مع العمومات (^٣).\nفإن قلت: الخلاف في أصل هذه المسألة من جنس الخلاف في القطعيات، أو المجتهدات؟\n_________\n(^١) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٧٥.\n(^٣) انظر: الكاشف عن المحصول ٤/ ٥٣٥ - ٥٣٦.","vol":"4","page":1492},{"text":"قلت: قال الغزالي: \"يدل سياق كلام القاضي على أن القول في تقديم خبر الواحد على عموم الكتاب، وفي تقديم القياس على العموم - مما يجب القطع فيه بخطأ المخالف؛ لأنه من مسائل الأصول. قال: وعندي إلحاق هذا بالمُجْتَهَدات أولى؛ فإن الأدلة فيه من الجوانب متفاوتة، غير بالغة مبلغ القطع (^١) \" (^٢).\nقال: (الرابعة: يجوز تخصيص المنطوق بالمفهوم؛ لأنه دليل، كتخصيص: \"خَلَق الله (^٣) الماءَ طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غيَّر طعمه، أو ريحه، أو لونه\" (^٤) بمفهوم: \"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا\").\n_________\n(^١) انظر: المستصفى ٣/ ٣٥١.\n(^٢) انظر التخصيص بالقياس في: المحصول ١/ ق ٣/ ١٤٨، الحاصل ١/ ٥٦٤، التحصيل ١/ ٣٩٤، نهاية الوصول ٤/ ١٦٨٣، نهاية السول ٢/ ٤٦٣، السراج الوهاج ١/ ٥٧٢، الإحكام ٢/ ٣٣٧، المحلي على الجمع ٢/ ٢٩، البحر المحيط ٤/ ٤٨٩، الوصول إلى الأصول ٢/ ٢٦٦، القواطع ١/ ١٩٠، شرح التنقيح ص ٢٠٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥٣، فواتح الرحموت ١/ ٣٥٧، تيسير التحرير ١/ ٣٢١، أصول السرخسي ١/ ١٣٣، شرح الكوكب ٣/ ٣٧٧، المسودة ص ١١٩، نزهة الخاطر ١٦٩٢ /.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) قال الشيخ الغماري ﵀: \"لا أصل له بهذا اللفظ، لكن في معناه أحاديث\". الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج ص ١٠٦. وكذا قال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٤: \"لم أجده هكذا\". ففي معنى صَدْره حديثُ بئر بضاعة وهو قوله - ﷺ -: \"إن الماء طهور لا يُنَجِّسُه شيء\" وسيأتي تخريجه قريبًا. وفي معنى الاستثناء ما رواه الدارقطني عن راشد بن سعد مرسلًا: \"لا ينجِّس الماء إلا ما غيَّر طعمه أو ريحه\". وفي لفظ له: \"لا ينجس الماء شيء إلا ما غيَّر ريحه أو طعمه\". وقد سبق تخريجه.","vol":"4","page":1493},{"text":"قال الآمدي: لا نعرف خلافًا بين القائلين بالعموم والمفهوم: أنه يجوز<span data-type=\"title\" id=toc-413> تخصيص العموم بالمفهوم</span>، وسواء كان من قبيل مفهوم الموافقة، أم المخالفة (^١) و(^٢) أما الإمام فتوقف في ذلك ولم يختر شيئًا (^٣). وقال سراج الدين: في جوازه نظر (^٤). وجزم في \"المنتخب\" بأنه لا يجوز (^٥). ونقله أبو الخطاب الحنبلي عن بعضهم (^٦)، كما ذكر الأصفهاني (^٧).\nوقال ابن دقيق العيد في الكلام على الحديث الثاني في شرح \"الإلمام\": إنه رأى في كلام بعض المتأخرين ما يقتضي أنه لا تخصيص بالمفهوم.\nوقد حصلنا من هذه النقول على أن الخلاف في تخصيص العموم بالمفهوم موجود.\nوقال صفي الدين: \"لا يُسْتراب في جواز التخصيص بمفهوم الموافقة\" (^٨). وهذا حسن، وينبغي أن يجعل محل الخلاف في مفهوم\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ٢/ ٣٢٨.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) إلا أنه ذكر دليلًا يقتضي المنع على لسان غيره، فقال ما معناه: ولقائل أن يقول: المفهوم أضعف دلالة من المنطوق، فيكون التخصيص به تقديمًا للأضعف على الأقوى. انظر: نهاية السول ٢/ ٤٦٨، المحصول ١/ ق ٣/ ١٥٩ - ١٦٠، البحر المحيط ٤/ ٥٠٥.\n(^٤) انظر: التحصيل ١/ ٣٩٦.\n(^٥) انظر: نهاية السول ٢/ ٤٦٨، البحر المحيط ٤/ ٥٠٥.\n(^٦) انظر: التمهيد ٢/ ١١٨، المسودة ص ١٢٧.\n(^٧) انظر: الكاشف عن المحصول ٤/ ٥٣٩.\n(^٨) انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٦٧٨.","vol":"4","page":1494},{"text":"المخالفة (^١)، ويؤيده أن الإمام صَرَّح في آخر الناسخ والمنسوخ قبل القسم الثالث فيما يظن أنه ناسخ: بأن الفحوى يكون ناسخًا بالاتفاق (^٢). وكذلك الآمدي وادعى الاتفاق أيضًا (^٣).\nواحتج المصنف على الجواز مطلقًا: بأنه دليل شرعي، إذِ القول بجواز التخصيص به مفَرَّعٌ على القول بأنه حجة، وإذا كان كذلك فيخصص به جمعا بين الدليلين.\nومَثَّل له المصنف بقوله ﵇: \"خلق الله الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غَيَّر طعمه أو ريحه\"، مع قوله ﵇: \"إذا بلغ الماء قُلَّتَيْن لم يحمل الخبث\"، فإن الأول دلَّ بمنطوقه على أن الماء لا يَنْجُس عند عدم التغير (^٤) وإن لم يكن قلتين. والثاني دَلَّ بمفهومه الذي هو مفهوم شَرْطٍ وهو\n_________\n(^١) خالف في التخصيص بمفهوم المخالفة الحنفية، وبعض الشافعية منهم الغزالي، وابن حزم وجمهور الظاهرية؛ إذ ليس هو حجة عندهم. وخالف في التخصيص به أيضًا أكثر المالكية على ما نقله الباجي، وبعض الحنابلة.\nانظر: تيسير التحرير ١/ ٣١٦، فواتح الرحموت ١/ ٣٥٣، شرح الكوكب ٣/ ٣٦٩، نشر البنود ١/ ٢٥٧، شرح التنقيح ص ٢١٥، البحر المحيط ٤/ ٥٠٦ - ٥٠٧، المسودة ص ١٢٧، المستصفى ٣/ ٣٢٤، ٤١٤، الإحكام لابن حزم ٢/ ٣٣٥، اللمع ص ٣٤، شرح اللمع ١/ ٣٥٧، ٤٢٨.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٤٠، وإذا كان الاتفاق حصل على كونه ناسخًا - فلأن يحصل على كونه مخصِّصًا من باب أولى.\n(^٣) أي: في كون الفحوى - وهي مفهوم الموافقة - يكون ناسخًا. انظر: الإحكام ٣/ ١٦٥. لكن قال الزركشي في البحر ٤/ ٥٠٦: \"والحق أن الخلاف ثابت فيهما\" أي: في مفهوم الموافقة والمخالفة.\n(^٤) في (ص): \"التغيير\".","vol":"4","page":1495},{"text":"حجة على أن القليلَ ينجس وإن لم يتغير، فيكون هذا المفهوم تخصيصًا لمنطوق الأول. وقد سبق الكلام على الحديثين.\nولم يُمَثِّل لمفهوم الموافقة لظهوره، ومثاله: أن يقول: مَنْ أساء إليك فعاقِبْه. ثم يقول: إنْ أساء إليك زيد فلا تقل له أفّ (^١).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-414>(الخامسة: العادة (التي قَرَّرها رسول الله)</span> (^٢) - ﷺ - تخصيص (^٣)، وتقريره ﵊ على مخالفة العام تخصيص له، فإن ثبت: \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\" رفع (^٤) عن الباقين).\nهذه المسألة مشتملة على بحثين:\nالأول: أن العادة هل تخصِّص العموم؟ واعلم أنَّ كلامَ مَنْ أطلق القولَ في أن العادة هل تخصص - يحتمل شيئين (^٥):\n_________\n(^١) انظر التخصيص بالمفهوم في: المحصول ١/ ق ٣/ ١٥٩، الحاصل ١/ ٥٦٧، التحصيل ١/ ٣٩٦، نهاية الوصول ٤/ ١٦٧٨، نهاية السول ٢/ ٤٦٧، السراج الوهاج ١/ ٥٧٦، الإحكام ٢/ ٣٢٨، المحلي على الجمع ٢/ ٣٠، البحر المحيط ٤/ ٥٠٤، شرح التنقيح ص ٢١٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥٠، تيسير التحرير ١/ ٣١٦، فواتح الرحموت ١/ ٣٥٣، شرح الكوكب ٣/ ٣٦٦، العدة ٢/ ٥٧٨، المسودة ص ١٢٧.\n(^٢) في (ت): \"التي قررها الرسول\".\n(^٣) في (غ): \"تخصِّص\".\n(^٤) في (ك): \"يرفع\".\n(^٥) في (ص): \"نصين\". وهو خطأ.","vol":"4","page":1496},{"text":"أحدهما: أن يكون الرسول - ﷺ - أوجب، أو حَرَّم أشياء بلفظ عام يشملها (^١)، ثم رأينا العادةَ جاريةً بترك بعضها، أو بفعل بعضها (^٢). فهل تؤثر تلك العادة في تخصيص ذلك العام، حتى يقال: المراد من ذلك العامِّ ما عدا ذلك البعض الذي جرت به العادة، أو هو باق على عمومه؟ وهذا القسم هو الذي تكلم فيه الإمام وأتباعه كالمصنف.\nقال الإمام: \"والحق أن نقول: العادات إما أن يُعْلم مِنْ حالها أنها كانت حاصلةً في زمانه ﵇ مع عدم منعه ﵇ إياهم منها، أو يُعلم أنها ما كانت حاصلة (في زمانه) (^٣) أوْ لا يُعلم واحدٌ مِنَ الأمرين.\nفإن كان الأول - صَحَّ التخصيص، وهو في الحقيقة تقريره ﵊ (^٤).\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"شملها\".\n(^٢) هذا يدل على أن محل الخلاف في التخصيص بالعادة إنما هي العادة الفعلية أو العرف الفعلي، لا العادة القولية أو العرف القولي؛ لأن العرف القولي المقارن لورود العام والذي تُهجر معه الحقيقة اللغوية مخصِّص بالاتفاق؛ إذ الشارع إنما يخاطب الناس بما يفهمون من لغتهم. وممن حكى ذلك الغزالي، وأبو الحسين البصري، والآمدي، وابن الحاجب، وابن الهمام، وابن عبد الشكور، والقرافي. انظر: المستصفى ٣/ ٣٢٩ (٢/ ١١١)، المعتمد ١/ ٢٧٨، الإحكام ٢/ ٣٣٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥٢، المنتهى ص ١٣٣، تيسير التحرير ١/ ٣١٧، فواتح الرحموت ١/ ٣٤٥، شرح التنقيح ص ٢١٢، نهاية السول ٢/ ٤٦٩، تخصيص العام ص ٣٩٠.\n(^٣) لم ترد في (ت)، و(ص)، و(ك).\n(^٤) هذه الصورة متفق عليها، إذ التخصيص بتقريره - ﵌ - متفق عليه. انظر: سلم الوصول ٢/ ٤٧١، تخصيص العموم ص ٣٩٣.","vol":"4","page":1497},{"text":"وإنْ كان الثاني - لم يجز التخصيص بها؛ لأن أفعال الناس لا تكون حجة على الشرع، اللهم إلا أن يُجْمعوا عليه فيصح حينئذ، والمخصِّص هو الإجماع لا العادة (^١).\nوإنْ كان الثالث - احْتَمَل، واحْتَمَل (^٢) \" (^٣). وتابعه المصنف على ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>فرع:</span>\nإذا باع شجرة وأطلق - دخل في بيعها أغصانُها إلا اليابس؛ لأن العادة فيه القطع. وقال صاحب \"التهذيب\" (^٤) (يحتمل أن\n_________\n(^١) وهذه الصورة متفق عليها؛ إذ التخصيص بالإجماع متفق عليه. انظر: سلم الوصول ٢/ ٤٧١، تخصيص العموم ص ٣٩٣.\n(^٢) عبارة الإمام في المحصول ١/ ق ٣/ ١٩٩: \"وإن كان الثالث: كان محتملًا للقسمين الأولين، ومع احتمال كونه غير مخصَّص لا يجوز القطع بذلك\". قال القرافي: \"ولا الظن لأن العموم ظاهر لا يَنْصرف عن عمومه إلا لمانع، والأصل عدمه، فالراجح الذي يغلب على الظن عَدَمُه (أي: عدم التخصيص) عملًا بالأصل (وهو ظهور العموم)؛ فلا يكون التخصيص مظنونًا\". نفائس الأصول ٥/ ٢١٤٤.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٩٨ - ١٩٩.\n(^٤) هو شيخ الإسلام الإمام الحافظ أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفَرَّاء البغويّ الشافعيّ المفسِّر. كان يلقَّب بمحيي السنة وبركن الدين. وكان رجلًا مخشوشنًا يأكل الخبز وحده، فعُذِل فصار يأكله بالزيت، وكان لا يُلقي الدرس إلا على طهارة. من مصنفاته: \"شرح السنة\"، \"معالم التنزيل\"، \"التهذيب\" في المذهب، وغيرها. توفي سنة ٥١٦ هـ. انظر: سير ١٩/ ٤٣٩، الطبقات الكبرى ٧/ ٧٥.","vol":"4","page":1498},{"text":"يدخل) (^١)، كالصوف على ظهر الغنم (^٢)، يعني: إذا بيع (وقد) (^٣) استحق الجز.\nالاحتمال الثاني: أن تكون العادة جاريةً بفعلٍ مُعَيَّنٍ كأكل طعامٍ مُعَيَّن مثلًا، ثم إنه ﵇ ينهاهم عنه بلفظٍ يتناوله (^٤)، كما لو قال: نهيتكم عن أكل الطعام. ومنه: نهيه ﵇ عن بيع الطعام بجنسه. فهل يكون النهيُ مقتصرًا على ذلك الطعام فقط، أم يجري على عمومه، ولا تأثير للعادة في ذلك؟ وهذا الاحتمال هو الذي تكلم فيه الآمدي، وتابعه ابن الحاجب (^٥). وهما مسألتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى، ولم يتعرض الآمدي لتلك وقد عرفتَ حكمَها، ولا الإمام لهذه.\nومَنْ قال: إن العادة (^٦) تُخَصِّص حَمَل النهيَ فيها على ذلك المعتاد لا\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص): \"يحتمل أن لا يدخل\". وهو خطأ، والمثبت من العزيز شرح الوجيز ٤/ ٣٣٨، فتح العزيز مع المجموع ٩/ ٣٨.\n(^٢) انظر: العزيز ٤/ ٣٣٨.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) فالصورة في هذا الاحتمال الثاني هي أن تكون العادة سابقة للنص العام، ثم يرد النص بعدها بلفظ يشملها ويشمل غيرها. وعلى هذا فالعادة هنا مقارنة لزمن ورود النص العام لا طارئة عليه.\n(^٥) انظر: الإحكام ٢/ ٣٣٤، المنتهى ص ١٣٣، بيان المختصر ٢/ ٣٣٣.\n(^٦) أي: العادة الفعلية المقارنة لزمن ورود الخطاب العام، ولم يرد من الشارع إقرارٌ لها ولا إنكار. وهي العادة التي تكلم عنها الآمدي وابن الحاجب رحمهما الله تعالى، =","vol":"4","page":1499},{"text":"غير (^١). ومَنْ قال: لا تُخَصِّص - وهو المختار - أجراه على عمومه (^٢).\nهذا تمام القول في التخصيص بالعادة (^٣). وقد أورده (^٤) الهندي كما ذكرناه (^٥) (فلا تعدل به) (^٦)، فإن بعض الضعفاء حاول الجمع بين كلام الإمام والآمدي ظنًا منه أنهما تواردا على محلٍّ واحدٍ، فوقع في خبط كبير (^٧) (^٨).\n_________\n= وهي محل الخلاف في التخصيص بالعادة؛ إذ العوائد الطارئة لا يقضى بها على العام اتفاقًا، إلا إذا كانت مصحوبة بتقرير النبي ﵌، أو إجماع العلماء، فيكون المخصِّص حقيقة هو التقرير أو الإجماع كما سبق بيانه. انظر: نفائس الأصول ٥/ ٢١٤٥، شرح التنقيح ص ٢١١، البحر المحيط ٤/ ٥٢٠، ٥٢٢، تخصيص العام ص ٣٩٢ - ٣٩٥.\n(^١) وإليه ذهب الحنفية وجمهور المالكية، ويظهر من كلام المجد ابن تيمية مَيْلُه إلى هذا المذهب، ونسبته إياه إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى.\n(^٢) وإليه ذهب الشافعية والحنابلة، ونسبه الآمدي وابن الحاجب وغيرهما إلى الجمهور.\n(^٣) انظر مسألة التخصيص بالعادة في: المحصول ١/ ق ٣/ ١٩٨، الحاصل ١/ ٥٧٦، التحصيل ١/ ٤٠٤، نهاية الوصول ٥/ ١٧٥٨، نهاية السول ٢/ ٤٦٩، السراج الوهاج ١/ ٥٧٨، الإحكام ٢/ ٣٣٤، شرح التنقيح ص ٢١١، إحكام الفصول ص ٢٦٩، بيان المختصر ٢/ ٣٣٣، نشر البنود ١/ ٢٥٨، نثر الورود ١/ ٣٠٨، تيسير التحرير ١/ ٣١٧، فواتح الرحموت ١/ ٣٤٥، العدة ٢/ ٥٩٣، المسودة ص ١٢٣، شرح الكوكب ٣/ ٣٨٧، تخصيص العام ص ٣٩٠.\n(^٤) في (ت): \"أورد\".\n(^٥) انظر: نهاية الوصول ٥/ ١٧٥٨.\n(^٦) في (ص): \"فلا يعدل به\".\n(^٧) في (ت): \"كثير\".\n(^٨) انظر: البحر المحيط ٤/ ٥٢٠.","vol":"4","page":1500},{"text":"البحث الثاني: في أن تقرير النبي - ﷺ - واحدًا من المكلَّفين على خلاف مُقْتضي العام هل يكون مُخَصِّصًا؟ .\nأما في حق ذلك الشخص الذي أُقِرَّ: فلا شك فيه؛ ضرورةَ أنه ﵇ لا يقر على باطل.\nوأما في حق غيره: فإنْ ثبت المَرْوِي مِنْ قوله - ﷺ -: \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\" (^١) - فيرتفع حكم العام عن الباقين أيضًا. وعلى هذا يكون نسخًا لا تخصيصًا إنْ خالف ذلك الواحدُ جميعَ ما دلَّ عليه العام، ويكون تخصيصًا إنْ خالف في فردٍ، كما لو قال: لا تقتلوا المسلمين. وقَدَّرنا أن شخصًا قَتَل مسلمًا، وأقره ﵇ على ذلك -\n_________\n(^١) قال الغماري - ﵀ - في تخريج أحاديث اللمع ص ٨١: \"لا أصل له بهذا اللفظ، كما قال جماعة من الحفاظ، منهم المِزِّي، والذهبي، والعراقي، والسخاوي. نعم قده ورد ما يؤدي معناه\"، فروى النسائي من طريق مالك، والترمذي من طريق سفيان، كلاهما عن محمد بن المنكدر، سمعت أُميمة بنت رُقَيْقَة تقول: \"بايعتُ رسول الله - ﷺ - في نسوةٍ فقال لنا: فيما اسْتَطَعْتُنَّ وأَطَقْتُنَّ. قلت: الله ورسوله أرحم بنا منَّا بأنفسنا. قلت: يا رسول الله بايِعْنا. قال سفيان: تعني صافِحْنا. فقال رسول الله - ﷺ -: إنما قولي لمائة امرأةٍ كقولي لامرأةٍ واحدة\" لفظ الترمذي، وقال: حسن صحيح. ولفظ النسائي مقارب له. انظر: سنن الترمذي ٤/ ١٢٩، كتاب السير، باب ما جاء في بيعة النساء، رقم ١٥٩٧. سنن النسائي ٧/ ١٤٩، كتاب البيعة، باب بيعة النساء، رقم ٤١٨١. وأخرجه ابن حبان في صحيحه. انظر: موارد الظمآن ص ٣٤، كتاب الإيمان، باب بيعة النساء، رقم ١٤. والدارقطني في السنن ٤/ ١٤٦، في النوادر، رقم الحديث ١٤. ومالك في الموطأ ٢/ ٩٨٢، كتاب البيعة، باب ما جاء في البيعة، رقم ٢. وأحمد في المسند ٦/ ٣٥٧، في مسند أُميمة بنت رُقيقة ﵂.","vol":"4","page":1501},{"text":"فَيُعْلم أنَّ ذلك المقتولَ كان يجوز قتله لكل أحد (^١).\nوهذا الحديث وهو: \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\" (^٢) - لا أعرف له أصلًا، وسألت عنه شيخنا الحافظ أبا عبد الله الذهبي فلم يعرفه.\nواعلم أنه يُشْتَرط في تقريره ﵇ أن لا يَعْلم من الفاعل اعتقادَه ذلك الفعل، كتردد اليهود إلى كنائسهم، فإن سكوته عن ذلك لا يقتضي إباحته؛ للعلم بتقرير أهل الذمة على ذلك (^٣).\nونختم البحث في التقرير بسؤال: وهو أن الاستدلال بالتقرير على الإباحة كيف يتم مع أنه يحتمل أن يكون التقرير قبل نزول الوحي، فينبغي أن يقال: يستدل به على عدم التحريم، أما إنشاء الإباحة فلا؟\nوهذا السؤال أورده والدي - أحسن الله إليه - قديمًا على الشيخ صدر الدين بن المرحل، ولم يحصل عنه جواب إذ ذاك. قال والدي أيده الله تعالى: وقد ظهر لي بعد ذلك جوابُه: وهو أن التقرير إنما يكون على فعلٍ قد وقع أو هو واقع، ولنا قاعدة قد نقلوها: وهي أنه لا يجوز الإقدام على فعل حتى يُعْرف (^٤) حُكْمه. فذلك الفعل الذي أَقَرَّ عليه لو لم\n_________\n(^١) فهذا تخصيص للعام؛ لأن حكمه على باقي الأفراد باقي.\n(^٢) سبق تخريجه في الصفحة السابقة.\n(^٣) انظر: الإحكام ١/ ١٨٨.\n(^٤) في (ت): \"نعرف\".","vol":"4","page":1502},{"text":"يكن مباحًا (لكان حرامًا؛ للإقدام عليه بلا علمٍ بحكمه) (^١)، فمِنْ هنا دَلَّ التقرير على الإباحة؛ بخلاف السكوت عند السؤال فإنه يُحْمل على عدم نزول الحكم؛ لأن السؤال عما لم يقع أو عما وقع، والسائل ينتظر حكمه، فَيُفْهم من السكوت عَدَمُ الحكم فيبقى واقفًا، بخلاف المقيم على الفعل قد يَعْتَقد إباحته، فهذا فَرْقُ بين المقامين.\nفإن قلت: يكفي في تسويغ الفعل البراءة الأصلية.\nقلت: هذا كافٍ في الإباحة؛ لأن إبقاء الشارع بحكم البراءة الأصلية حكم، وهي دليل شرعي، وإنما نقول بالتحريم إذا أقدم بلا سبب، فهذا يُنْكر عليه سواء كان هناك حكم أمْ لا، فإذا لم يُنْكِر دل على الإباحة، ويُحْمل على أنَّ فاعله أقدم عن علم، بخلاف السائل فإنَّ ظاهر حالِه أنه واقفٌ عن الاعتقاد، منتظرٌ للجواب (^٢)، فلا تحصل (^٣) مفسدة. والله أعلم.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-416>(السادسة: خصوص السبب لا يُخَصِّص (^٤)؛ لأنه لا يعارضه)</span>.\nهذه المسألة مشتملة على بحثين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-417>الأول: في أن خصوص السبب لا يخصِّص عموم اللفظ </span>(^٥). ومن\n_________\n(^١) في (ص): \"لكان حرامًا الإقدام عليه، فلا علم بحكمه\".\n(^٢) في (ص): \"منتظر الجواب\".\n(^٣) في (ص): \"فلا يحصل\".\n(^٤) في (غ)، و(ص)، و(ك): \"لا يخص\".\n(^٥) قال الزركشي رحمه الله تعالى: \"محل الخلاف أن لا تظهر قرينة تُوجب قَصْره على السبب من العادة ونحوها، فإن ظهرت وجب قَصْره بالاتفاق\". البحر المحيط =","vol":"4","page":1503},{"text":"الناس من أطلق الكلام في هذه المسألة، كالمصنف، والتحقيق تفصيلٌ:\nوهو أن الخطاب إما أن يكون جوابًا (^١) لسؤالِ سائلٍ أوْ لا، فإن كان جوابًا فإما أن يستقل بنفسه أوْ لا.\nفإن لم يستقل فلا خلاف أنه على حسب الجواب، إنْ كان عامًا فعام، وإنْ كان خاصًا فخاص (^٢).\nوإن استقل فهو أقسام؛ لأنه إما أن يكون أخص، أو مساويًا، أو أعم.\nوالأخص مثل: قول القائل: مَنْ جامع في نهار رمضان - فعليه ما على المظاهر. في جواب مَنْ سأله عمن أفطر في نهار رمضان. وهذا جائز بشرائط:\nأحدها: أن يكون فيما خرج من الجواب تنبيه (^٣) على ما لم يخرج منه.\nوالثاني: أن يكون السائل مجتهدًا وإلا لم يفد التنبيه (^٤).\n_________\n= ٤/ ٢٨٨، وقال أيضًا: \"ليس المراد بالسبب هنا السبب الموجِب للحكم، كزَنَى ماعزٌ فَرُجِم، بل السبب في الجواب. قاله ابن السمعاني، وسبق منقول أبي الحسين بن القطان عن الفقهاء في ذلك\". البحر المحيط ٤/ ٢٩٢، وانظر: القواطع ١/ ١٩٣.\n(^١) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ص).\n(^٢) انظر: البحر المحيط ٤/ ٢٦٩، المحلي على الجمع مع تقريرات الشربيني ٢/ ٣٧، تخصيص العام ص ٤٠٢، فواتح الرحموت ١/ ٢٨٩، تيسير التحرير ٢/ ٢٦٣، شرح الكوكب ٣/ ١٦٨.\n(^٣) في (ص): \"ينبه\". وهو خطأ.\n(^٤) قال الزركشي رحمه الله تعالى: \"ولعلهم أرادوا بالمجتهد من له قوة التنبه وإن لم يبلغ رتبة الاجتهاد\". البحر المحيط ٤/ ٢٧٢.","vol":"4","page":1504},{"text":"والثالث: أن لا تفوت المصلحة باشتغال السائل بالاجتهاد (^١).\nوأما المساوي: فلا إشكال فيه (^٢).\nوأما الأعم: فهو منقسم إلى قسمين؛ لأنه إما أن يكون أعمَّ منه فيما سُئل عنه، كقوله ﵇ لما سئل عن ماء بئر بُضاعة (^٣): \" (إن الماء طهورٌ) (^٤) لا يُنَجِّسه شيء (^٥) \". (رواه أبو (^٦) داود والترمذي، وقال: حسن) (^٧).\n_________\n(^١) وذلك لئلا يلزم التكليف بما لا يطاق. انظر الشروط الثلاثة في: المحصول ١/ ق ٣/ ١٨٨، ونهاية الوصول ٥/ ١٧٤٢، والبحر المحيط ٤/ ٢٧٢.\n(^٢) أي: فيجب حمله على ظاهره بلا خلاف. انظر: البحر المحيط ٤/ ٢٧١.\n(^٣) قال ابن الأثير ﵀: \"هي بئرٌ معروفة بالمدينة، والمحفوظ ضم الباء، وأجاز بعضهم كسْرها، وحكى بعضهم بالصاد المهملة\". النهاية ١/ ١٣٤.\n(^٤) في (ت): \"خلق الله الماء طهورًا\".\n(^٥) في (ت) زيادة في الحديث: \"إلا ما غيَّر طعمه أو لونه\".\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣١، وأبو داود في السنن ١/ ٥٣ - ٥٥، كتاب الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة، رقم ٦٦، ٦٧. والترمذي ١/ ٩٥ - ٩٦، في الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء حديث رقم ٦٦، وقال: هذا حديث حسن، وقد جَوَّد أبو أسامة هذا الحديث، فلم يرو أحد حديث أبي سعيد في بئر بضاعة أحسن مما روى أبو أسامة. والنسائي ١/ ١٧٤، في المياه، باب ذكر بئر بضاعة، حديث رقم ٣٢٦، ٣٢٧. قال ابن الملقِّن في خلاصة البدر المنير ١/ ٧: \"وصحَّحه أحمد ويحيى بن معين وغيرهما. ونَفْي الدارقطني ثبوته مردود بقول هؤلاء\". وانظر: تلخيص الحبير ١/ ٣ - ٤، إرواء الغليل ١/ ٤٥ - ٤٦.","vol":"4","page":1505},{"text":"وإما أن يكون عامًا في غير ما سئل عنه، كقوله ﵇ حين سئل عن التوضؤ بماء البحر: \"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته\" (^١) (^٢). وحكم هذا القسم التعميم بالنسبة إلى ما سئل عنه، وإلى غيره من غير خلاف (^٣).\nوأما القسم الأول: فقد جعلوه من محل الخلاف، الذي سنستقصي (^٤) القول فيه إنْ شاء الله تعالى. وقال والدي أيده الله تعالى: الذي يتجه القَطْعُ بأنَّ العبرةَ بعمومِ اللفظ؛ لأن عدول المجيب عن الخاص المسئول عنه إلى\n_________\n(^١) فقوله: \"الحل ميتته\" عام في غير ما سئل عنه.\n(^٢) رواه مالك في الموطأ ١/ ٢٢، في كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء، رقم ١٢، وانظر ٢/ ٤٩٥. وأحمد في المسند ٢/ ٣٦١. وأبو داود ١/ ٦٤، في كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، رقم ٨٣. والترمذي ١/ ١٠٠ - ١٠١، في أبواب الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، رقم ٦٩، وقال: حديث حسن صحيح. والنسائي ١/ ٥٠، في كتاب الطهارة، باب ماء البحر، رقم ٥٩. وابن ماجه ١/ ١٣٦، في كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، رقم ٣٨٦. وقد أخرج الحاكم الشطر الأول من الحديث عن ابن عباس قال: \"سُئل النبي ﵌ عن ماء البحر، فقال: ماء البحر طهور\". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. ثم ذكر الحاكم شواهد لرواية مالك ﵁، وذكر أن هذا الحديث أصل صَدَّر به مالك كتابه \"الموطأ\"، وتداوله فقهاء الإسلام - ﵃ - من عصره إلى وقتنا هذا. انظر: المستدرك ١/ ١٤٠ - ١٤٢.\n(^٣) انظر: نهاية الوصول ٥/ ١٧٤٣، البحر المحيط ٤/ ٢٧٤.\n(^٤) في (ص): \"سيستقصى\".","vol":"4","page":1506},{"text":"العام - دليلٌ على إرادة العموم.\nوأما الخطاب الذي لا يرد جوابًا لسؤال سائل، بل واقعة وقعت: فإما أنْ يَرِد في اللفظ قرينةٌ تُشْعر بالتعميم، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ (^١)، والسبب رجلٌ سَرَق رداء صفوان، فالإتيان بالسارقة معه قرينة تدل على عدم الاقتصار على المعهود.\nوكذلك العدول عن الإفراد إلى الجمع، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٢) نزلت في عثمان بن طلحة (^٣)، أخذ مفتاح الكعبة وتغيب به، وأبى أن يدفعه إلى النبي - ﷺ -. وقيل: إنَّ عليًا - ﵁ - أخذه منه وأبى أن يدفعه إليه؛ فنزلت، فأعطاه النبي - ﷺ - إياه، وقال: \"خذوها يا بني طلحة خالدةً مخلدة فيكم أبدًا لا ينزعها منكم إلا ظالم\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٣٨.\n(^٢) سورة النساء: الآية ٥٨.\n(^٣) هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة - واسمه عبد الله - بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار العبدري حاجب البيت. قُتِل أبوه طلحة وعمه عثمان بن أبي طلحة بأحد، ثم أسلم عثمان بن طلحة في هدنة الحديبية، وهاجر مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص ﵃، وشهد الفتح مع النبي ﵌ فأعطاه مفتاح الكعبة. وهو أحد الذين دخلوا الكعبة مع النبي ﵌ يوم الفتح. ثم سكن مكة إلى أن مات بها سنة ٤٢ هـ. انظر: الإصابة ٢/ ٤٦٠، تهذيب ٧/ ١٢٤، تقريب ص ٣٨٤.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الكبير ١١/ ١٢٠، حديث رقم ١١٢٣٤، من حديث ابن عباس ﵄، بلفظ: \"خذوها يا بني طلحة خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم\". وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة =","vol":"4","page":1507},{"text":"وإن لم يكن ثَمَّ قرينة، وكان مُعَرَّفًا بالألف واللام فمقتضى كلامِهم الحملُ على المعهود، إلا أن يُفْهم مِنْ نفس الشرع تأسيسُ قاعدةٍ؛ فيكون دليلًا على العموم.\nوإنْ كان العمومُ لفظًا آخرَ غيرَ الألف واللام - فيحسن أن يكون ذلك هو محل الخلاف.\nإذا عرفت ذلك - فالصحيح الذي عليه الجمهور، وبه جزم في الكتاب: أنَّ العبرةَ بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (^١).\nوخالف في ذلك مالكٌ (^٢)، (والمزني، وأبو ثور) (^٣)، فقالوا: إنَّ خصوصَ السببِ يكون مخصِّصًا لعموم اللفظ.\nقال إمام الحرمين: \"وهو الذي صح عندنا مِنْ مذهب الشافعي\" (^٤).\n_________\n= ابن أبي طلحة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم. كذا قال ابن كثير ﵀. انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٥١٥ - ٥١٦، الدر المنثور ٢/ ٥٧٠ - ٥٧١.\n(^١) انظر: المحلي على الجمع ٢/ ٣٨، البحر المحيط ٤/ ٢٧٦، ٢٧٧، نهاية الوصول ٥/ ١٧٤٤، فواتح الرحموت ١/ ٢٩٠، شرح الكوكب ٣/ ١٧٧.\n(^٢) لمالك ﵁ روايتان: رواية موافقة للجمهور، والأخرى التخصيص بالسبب، ولكن أكثر المالكية على الرواية الأولى الموافقة للجمهور. انظر: شرح التنقيح ص ٢١٦، إحكام الفصول ص ٢٧٠، وفي نشر البنود (١/ ٢٥٩) أن الرواية المشهورة عن مالك ﵁ عدم التخصيص بالسبب.\n(^٣) في (ك): \"وأبو ثور والمزني\".\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٣٧٢.","vol":"4","page":1508},{"text":"وكذلك قال الغزالي في \"المنخول\" (^١). وقال في \"مختصر التقريب والإرشاد\": \"نُقِل المذهبان جميعًا عنه\" (^٢).\nواعلم أن الذي صَحَّ من مذهب الشافعي - ﵁ - موافقة الجمهور، خلاف ما ذكره (^٣) إمام الحرمين. قال الإمام في كتابه الموضوع في \"مناقب الشافعي\" ﵀: \"ومعاذ الله أن يصح هذا النقل عنه (^٤)، وكيف وكثيرٌ من الآيات نزلت في أسباب خاصة، ثم لم يقل الشافعي ﵀ بأنها (^٥) مقصورةٌ على تلك الأسباب! قال: والسبب في وقوع هذا النقل الفاسد عنه (^٦) أنه يقول: إن دلالته على سببه أقوى؛ لأنه لما وقع السؤال عن تلك الصورة - لم يجز أن لا يكون اللفظ جوابًا عنه، وإلا تأخَّر البيان عن وقت الحاجة. وأبو حنيفة عكس ذلك، وقال: دلالته على سبب النزول أضعف، وحَكَم بأن الرجلَ لا يلحقه ولدُ أَمَتِهِ وإنْ وطئها ما لم يُقِر بالولد، مع أن قوله - ﷺ -: \"الولد للفراش وللعاهر الحَجَر\" (^٧) إنما ورد في أَمَةٍ، والقصة مشهورة في قضية (^٨) عبد بن زَمْعة،\n_________\n(^١) لم يعز الغزالي للشافعي ﵁ في \"المنخول\". انظره ص ١٥١.\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ١٥٤.\n(^٣) في (ت): \"ما ذكر\".\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) في (ص): \"إنها\".\n(^٦) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٧) أخرجه البخاري ٢/ ٧٢٤، في البيوع، باب تفسير المُشَبَّهات، رقم ١٩٤٨. ومسلم ٢/ ١٠٨٠، في الرضاع، باب الولد للفراش وتوقِّي الشبهات، رقم ١٤٥٧.\n(^٨) في (ت)، و(غ): \"قصة\".","vol":"4","page":1509},{"text":"فبالغ الشافعي في الرد على مَنْ يُجَوِّز إخراج السبب، وأطْنَبَ في أن الدلالة عليه قطعية؛ لدلالة (^١) العام عليه بطريقين:\nأحدهما: العموم.\nوثانيهما: كونه واردًا لبيان حكمه.\nفَتَوَهَّم المتوهم أنه يقول: إن العبرة بخصوص السبب. هذا حاصل ما ذكره الإمام، وهو بليغ.\nوأما ما ذكره إمام الحرمين فلعله اطلع على نص مرجوح (^٢) عنه، أو غير ذلك، فإن الخلاف فيه غير بعيد عن المذهب (^٣)، ولذلك اختلف الأصحاب في أن العرايا (^٤) هل تختص بالفقراء، أم يشترك فيها الأغنياء والفقراء؟\nوالصحيح التعميم، مع أنها وردت على سبب خاص وهو الحاجة (^٥) والغرض أن الصحيح من مذهبه موافقة الجمهور، وفروعه تدل على ذلك (^٦).\n_________\n(^١) في (ص): \"كدلالة\". وهو خطأ.\n(^٢) في (غ)، و(ك) \"مرجوع\".\n(^٣) انظر: البحر المحيط ٤/ ٢٧٩ - ٢٨٥.\n(^٤) بيع العرايا: هو بيع رطب في رؤوس نخله بتمرٍ كيلًا. انظر: القاموس الفقهي ص ٢٥٠، المغني ٤/ ١٨١؛ بداية المجتهد ٢/ ٢١٦.\n(^٥) انظر: التمهيد ص ٤١٢، الأم ٣/ ٥٦، البحر المحيط ٤/ ٢٧٨، نهاية السول ٢/ ٤٨٠.\n(^٦) انظر: نهاية السول ٢/ ٤٧٩.","vol":"4","page":1510},{"text":"قال الأصحاب في مَنْ دخل عليه صديقه. فقال: تَغَدَّ معي، فامتنع. فقال: إن لم تتغد معي فامرأتي طالقٍ. (فلم يفعل) (^١): لا يقع الطلاق. ولو تَغَدَّى بعد ذلك معه وإنْ طال الزمان - انحلت اليمين. فإنْ نوى الحال فلم يفعل وقع الطلاق. وهو يخالف قولَ الأصوليين: إن الجوابَ الذي يستقل بنفسه، إلا أن العُرْف (^٢) يقتضي عدم استقلاله، مِثْلَ هذه الصورة - في حكم (^٣) الذي لا يستقل بوضعه؛ فيكون على حسب السؤال (^٤). ورأي البغوي حَمْلُ المُطْلق (على الحال للعادة) (^٥)، وهو يوافق\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) في (ص): \"الفرق\". وهو تصحيف.\n(^٣) قوله: \"في حكم. . . .\" شبه الجملة جواب \"إن\" في قوله: \"إن الجوابَ\".\n(^٤) المعنى: أن قول الفقهاء بعدم وقوع الطلاق في صورة ما إذا لم ينو الحال - يخالف قولَ الأصوليين: إن الجوابَ المستقل بنفسه، لكن العرف لا يقتضي استقلاله، مثل الصورة المُمَثَّل بها: أنه في حكم غير المستقل بوضعه؛ فيكون على حسب السؤال، إن كان السؤال عامًا فعام، وإن خاصًا فخاص. يعني: أن قول القائل لصديقه: \"إن لم تتغد معي فامرأتي طالق\" مُطْلقٌ غير مُقَيَّد بزمن من حيث اللفظ، لكنه مُقَيَّد من حيث العرف، فهو كلام مستقل بنفسه لفظًا لا عرفًا، فَيُنَزَّل عند الأصوليين منزلةَ غير المستقل، فيعملون بمقتضى العرف لا بمقتضى اللفظ، فيُوقِعون الطلاق؛ لأن المراد عرفًا هو الغداء الذي في الحال، لا أيَّ غداء. وكلام الفقهاء هنا يخالف مقتضى القاعدة عند الأصوليين في حمل الكلام المستقل على العرف والعادة.\n(^٥) في (ص): \"على إكمال العادة\". وهو خطأ؛ لأن المعنى: أن البغوي يوافق الأصوليين في حمل المطلق - وهو زمن الغداء الوارد في المثال، فإنه مطلق يتحقق بأي زمن - على الحال، أي: على الغداء الذي يكون في حال التكلم، لا أي غداء في المستقبل، وذلك حملًا للكلام على العادة.","vol":"4","page":1511},{"text":"قول الأصوليين هذا.\nوأفتى القاضي الحسين في امرأةٍ صعدت بالمفتاح إلى السطح، فقال زوجها: إن لم تُلْقِ المفتاح فأنتِ طالق، فلم تُلْقه ونزلت: أنه لا يقع. ويُحمل قوله: \"إن لم تُلقه\" على التأبيد، وأَخَذ ذلك مما قاله الأصحاب في المسألة المذكورة.\nوفي الرافعي عن \"المبتدأ في الفقه\" للقاضي الروياني: أنه لو قيل له: كَلِّم زيدًا - فقال: والله لا كلمته. انعقدت اليمين على الأبد، إلا أن ينوي اليوم. فإنْ كان ذلك في طلاق (^١)، وقال: أردتُ اليومَ - لم يُقْبل في الحكم.\nوهذه الصور كلها شاهدةٌ لأن العبرة بعموم اللفظ، ومُخَالِفةٌ لما قال (^٢) الأصوليون في الجواب الذي يقتضي العرفُ عدمَ استقلاله دون الوضع. والحق مع الفقهاء؛ لأن اللفظ عامٌّ، والعادةُ لا تخصِّص. وأما ما وقع في كتابي \"طبقات الفقهاء\" في ترجمة الإمام من أن الشافعيَّ في \"الأم\" في الجزء الرابع من أجزاء تسعة في باب (^٣) ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع، وهو بعد الطلاق الذي يملك فيه الرجعة، وقبل: الحجة في البتة (^٤) وما أشبهها - نصَّ على ما ذكره\n_________\n(^١) بأن يقول: إن كلمته فامرأتي طالق.\n(^٢) في (ك): \"قاله\".\n(^٣) في (ص): \"كتاب\".\n(^٤) في (ت)، و(غ)، و(ص): \"النية\". وهو تصحيف، والمثبت موافق لما في الأم ٥/ ٢٦٠.","vol":"4","page":1512},{"text":"الإمام عنه مِنْ أن العبرة بعموم اللفظ - فذلك (خطأ مني في الفَهْم (^١)، وأردتُ أن أنبه على ذلك) (^٢) هنا؛ لئلا يُغْتَرَّ به، فإنَّ حَذْفه من ذلك الكتاب تَعَذَّر لانتشار النُسَّخ به (^٣).\nوبيان ذلك أنه قال ما نصه: ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع. قال الشافعي - ﵁ -: ذَكَرَ الله تعالى في كتابه الطلاق والفِرَاق والسَّراح فقال ﷿: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ (^٤) (^٥)، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (^٦)، وقال ﷿ لنبيه - ﷺ - في أزواجه: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ (^٧) الآية. قال الشافعي: فمَنْ خاطب امرأته فأفرد لها اسمًا من هذه الأسماء فقال: أنتِ طالقٌ، أو طلقتك، أو فارقتك، أو سَرَّحْتك - لَزِمه الطلاق (وإن لم ينوه) (^٨) في الحكم، ونَوَّيناه فيما بينه وبين الله عز\n_________\n(^١) قوله: \"فذلك خطأ مني في الفهم\" جواب الشرط في قوله: \"وأما ما وقع في كتابي طبقات الفقهاء\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر إلى أمانة السلف وورعهم، وقارِن هذا بحالنا وما صرنا إليه؛ لتعلم أن العلم عندنا أصبح تجارةً وسمعةً ورياءً، فنسألك اللهم أن تلطف بنا، وأن تلحقنا بعبادك الصالحين، وتغفر لنا ولجميع المسلمين.\n(^٤) سورة البقرة: الآيتان ٢٣١، ٢٣٢.\n(^٥) الآية المذكورة في \"الأم\": ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.\n(^٦) سورة الطلاق: الآية ٢.\n(^٧) سورة الأحزاب: الآية ٢٨.\n(^٨) في \"الأم\": \"ولم يُنَوَّ\".","vol":"4","page":1513},{"text":"وجل (^١). ويسعه إن لم يُرِدْ بشيء منه طلاقًا أن يمسكها، ولا يسعها أن تقيم؛ لأنها لا تعرف مِنْ صِدْقه ما يَعْرف مِنْ صدق نفسه. وسواءٌ فيما يلزم من الطلاق ولا يلزم: تَكَلَّم به الزوجُ عند غضب، أو مسألة طلاق، أو رضًا وغيرِ مسألة طلاق. ولا تصنع الأسبابُ شيئًا، إنما تصنعه الألفاظ؛ لأن السبب قد يكون ويحدث الكلام على غير السبب، ولا يكون مُبْتدأَ الكلام (الذي حُكِمَ) (^٢) فيقع (^٣). فإذا لم يصنع السبب بنفسه شيئًا - لم يصنعه بما (^٤) بعده (ولم يمنع ما بعده) (^٥) أن يصنع ما له حكم إذا قيل (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) أي: جعلنا ما نواه من عدم نية الطلاق - فيما بينه وبين الله ﷿، فإن كان صادقًا في دعواه فالطلاق غير واقع، أما في القضاء فلا نحكم بنيته؛ لعدم دليلٍ يدل على صدقه.\n(^٢) في (ص): \"الذي له حُكِم\". وهي موافقة لما في \"الأم\"، لكن العبارة المثبتة نقلها الزركشي في البحر المحيط ٤/ ٢٧٧، والإسنوي في نهاية السول ٢/ ٤٧٩، وقال: \"هذا لفظه بحروفه، ومن الأم نقلته\".\n(^٣) أي: ولا يكون السبب مبتدأ الكلام الذي حُكِم، يعني: أن مُبْتدأ الكلام وحكمه قد لا يكون مقصودًا به السبب، فلا يقع الحكم المذكور في أول الكلام على السبب لهذا الاحتمال. وقول الشافعي ﵁: \"فيقع\": يعني: فيقع لو كان السبب مبتدأ الكلام، لكن السبب - على هذا الاحتمال - ليس مُبْتدأ الكلام فلا يقع حكمُ أول الكلام عليه.\n(^٤) في (ت)، و(ص)، و(غ)، و(ك): \"ما\". والمثبت من \"الأم\"، وفي نهاية السول ٢/ ٤٧٩: \"لما\".\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٦) يعني: لم يمنع السبب ما بعده من الكلام أن يُحمل على حكم العموم إذا قيل.\n(^٧) انظر: الأم ٥/ ٢٥٩.","vol":"4","page":1514},{"text":"انتهى. فتوهمتُ أنا ما توهمتُ مِنْ قوله: \"ولا تصنع الأسباب شيئًا\" إلى آخره، وهو وَهَم، وإنما مراده: أن الغضب وغيره من الأسباب التي يرد عليها الطلاق لا تَدْفع وقوع الطلاق، ولا تعلق لذلك بالمسألة الأصولية (^١).\nوقد احتج المصنف على أن (^٢) العبرة بعموم اللفظ: بأن اللفظ صالح لتناول الأفراد؛ إذ هو عام، وكونه ورد على سببٍ لا يعارضه؛ لأنه لا منافاة بينهما، بدليل أن المُجيب لو قال: احملِ اللفظَ على عمومه، ولا تخَصِّصْه بخصوصِ سببهِ - كان ذلك جائزًا.\nواعترض على هذا: بأنه لا ينافي كونَ السبب يدل بطريق الظهور على تخصيص العام به؛ لأن الذي ذُكِر احتمالٌ، والاحتمال لا ينافي الظهور،\n_________\n(^١) قد ذكر الزركشي اعتراض الشارح وتأويله لقول الشافعي دون أن يُصَرِّح باسم الشارح على عادته في كتابه \"البحر المحيط\" ينقل عنه كثيرًا، ويستفيد من فرائده وتحريراته كثيرًا، ولا يذكر اسمه بل يقول: قال بعضم، أو نحو هذا. وهذا خلاف الأولى، بل لا ينبغي. ثم اعترض على تأويله لكلام الشافعي فقال: ونحن نقول: بل العبرة في كلام الشافعي بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقوله: \"لا عمل للأسباب\" على عمومه، ولا يخصه سياقه. اهـ. انظر: البحر المحيط ٤/ ٢٧٧ - ٢٧٨. وكذا نقل الإسنوي رحمه الله تعالى كلام الشافعي ﵁ مستدلًا به على المسألة الأصولية، ورادًا به على دعوى إمام الحرمين رحمه الله تعالى، وقال بعد أن أورده: \"فهذا نصٌّ بَيِّن دافع لما قاله (أي: ما قاله إمام الحرمين)، ولا سيما قوله: ولم يمنع ما بعده إلخ\". نهاية السول ٢/ ٤٧٩.\n(^٢) سقطت من (غ).","vol":"4","page":1515},{"text":"كما أنه لو صَرَّح بإرادة الخصوص في العمومات من غير سبب - جاز ذلك، مع كون هذا الاحتمال لا ينافي ظهور صيغة العموم في الاستغراق.\nوذكر الإمام دليلًا آخر: وهو إجماع الأمة على أنَّ آية اللعان والظهار وغيرهما إنما نزلت في أقوامٍ مُعَيَّنين، مع تعميم الأمة حكمهما (^١)، وما قال أحدٌ: إنَّ ذلك التعميمَ خلافُ الأصل (^٢).\nواحتج الخصم: بأن الجواب لو عَمَّ لم يكن مطابقًا للسؤال، والمطابقة بين السؤال والجواب شرط؛ ولهذا لم يجز أن يكون الجواب خاصًا.\nوبأن السبب لو لم يكن مُخَصِّصًا - لما نقله الراوي؛ لعدم فائدته.\nوأجيب عن الأول: بأنك إنْ أردتَ بمطابقة الجواب أن يَسْتَوعب السؤالَ، ولا يغادرَ منه شيئًا فمسلم. والأعم يحصل فيه المطابقة بهذا المعنى، بخلاف الأخص.\nوإن أردتُ بالمطابقة اختصاصَ الجواب بالسؤال - فلا نسلم اشتراطها بهذا المعنى.\nوعن الثاني: بأن فائدتَه معرفةُ السبب. وقد صنَّف بعض المتأخرين في معرفة أسباب الحديث، كما صنفت العلماء في معرفة أسباب النزول. ومِنْ فوائد ذلك امتناعُ إخراج صورةِ السببِ عن العموم بالاجتهاد، فإنه لا\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(ك)، و(غ): \"حكمها\" وهو خطأ.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٨٩، الإحكام ٢/ ٢٣٩، شرح التنقيح ص ٢١٦.","vol":"4","page":1516},{"text":"يجوز إخراج تلك الصورة التي ورد عليها السبب بالإجماع، نَصَّ عليه القاضي في \"مختصر التقريب\"، والآمدي (في \"الإحكام\") (^١)؛ وطائفة (^٢). وحُكِي عن أبي حنيفة أنه يُجَوِّز إخراجها (^٣)، وقد عرفتَ ذلك مِنْ قَبْلُ. وقد قال العلماء: إنَّ دخولَ السبب قطعيٌ؛ لأن العام يدل عليه بطريقين كما مر، ومِنْ ذلك نشأ كونه لا يخرج بالاجتهاد (^٤).\nقال والدي أبقاه الله: وهذا عندي ينبغي أن يكون إذا دلت قرائنُ حاليةٌ أو مقالية على ذلك، أو على أن اللفظ العام يشمله بطريق الوضع لا محالة، وإلا فقد ينازع الخصم في دخوله وَضْعًا تحت اللفظ العام، ويَدَّعي أنه قد (^٥) يقصد المتكلم بالعام إخراج السبب، وبيان أنه ليس داخلًا في الحكم، فإن للحنفية أن يقولوا في حديث عبد بن زمعة: إن قولَه - ﷺ -: \"الولد للفراش\" وإنْ كان واردًا في أَمةٍ - فهو واردٌ لبيان حكم ذلك الولد، وبيانُ حُكْمِه إما بالثبوت أو بالانتفاء، فإذا ثبت أن الفراش هي الزوجة؛ لأنها التي (^٦) يتخذ لها الفراش غالبًا، وقال: \"الولد للفراش\" - كان فيه حَصْر أن الولد للحرة، وبمقتضى ذلك لا يكون\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ١٥٨، الإحكام ٢/ ٢٤٠، نهاية السول ٢/ ٤٨٠.\n(^٣) نفى الحنفية عن أبي حنيفة ﵁ هذا القول. انظر: تيسير التحرير ١/ ٢٦٥، فواتح الرحموت ١/ ٢٩٠، سلم الوصول ٢/ ٤٧٩.\n(^٤) انظر: نهاية السول ٢/ ٤٧٨، البحر المحيط ٤/ ٢٩٣.\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٦) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"الذي\".","vol":"4","page":1517},{"text":"للأمة، فكان فيه بيانٌ للحكمين (^١) جميعًا: نَفْي النعسب عن السبب وإثباته لغيره، ولا يليق دعوى القطع هنا، وذلك مِنْ جهة اللفظ. وهذا في الحقيقة نزاع في أن اسم الفراش هل هو موضوع للحرة والأمة (^٢) الموطوءة، أو للحرة فقط؟ والحنفية (^٣) يدعون الثاني (^٤)، فلا عموم عندهم له (^٥) في الأمة (^٦)، فتخرج المسألة من باب أن العبرة بعموم اللفظ (أو بخصوص) (^٧) السبب.\nنعم قوله - ﷺ - في حديث عبد بن زمعة: \"هو لك يا عَبْدُ، وللعاهِر الحَجَر\" (^٨) بهذا التركيب يقتضي أنه ألحقه به على حكم السبب؛ فيلزم أن يكون مرادًا من قوله: \"للفراش\" (^٩). فليتنبه لهذا البحث فإنه نفيس جدًا (^١٠). ولا يقال: إن الكلام إنما هو حيث تَحقَّق دخولُه في اللفظ العام\n_________\n(^١) في (ك): \"الحكمين\".\n(^٢) في (غ): \"وللأمة\".\n(^٣) في (ت): \"فالحنفية\".\n(^٤) انظر: عمدة القاري ١٩/ ٢٢٧، فتح الباري ١٢/ ٣٤.\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) في (ص): \"الآية\". وهو خطأ؛ والمعنى واضح وهو أن الحنفية يعتبرون الفراش خاصًا بالحرة، فلا يعم الأمة.\n(^٧) في (ص): \"وبخصوص\". وهو خطأ.\n(^٨) سبق تخريجه.\n(^٩) في (ص): \"الفراش\".\n(^١٠) المعنى: أن دخول السبب في عموم اللفظ ليس قطعيًا إلا إذا كانت هناك قرائن حالية أو مقالية تدل على القطع. وقد بيَّن والد الشارح - رحمهما الله تعالى - =","vol":"4","page":1518},{"text":"وضعًا؛ لأنا نقول: قد يُتَوهم أن كون اللفظ جوابًا للسؤال يقتضي دخوله، فأردنا أن ننبه على أن الأمر ليس كذلك، والجواب إنما يقتضي بيان الحكم، وإنما أردنا أن دعوى من ادعى أن دلالة العموم على سببه قطعية يمكن المنازعة فيها بالنزاع (^١) في دخوله تحت اللفظ العام وضعًا لا مطلقًا، والمقطوع به أنه لا بد فيه من بيان حكم السبب، أما كونه يُقْطَع بدخوله في ذلك، أو بخروجه عنه - فلا يدل على تعيين واحدٍ من الأمرين.\nونختم المسألة بعد ذكر هذا البحث النفيس بمثليه:\nفأحدهما: أنَّ جميعَ ما تقدم في السبب، وبقية الأفراد التي دل اللفظ العام بالوضع عليها. وبين ذَيْنِك الشيئين رتبةٌ متوسطةٌ، فنقول: قد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة، وتُوضع كلُّ واحدةٍ منها مع ما (^٢) يناسبها من الآي، رعايةً لنظم القرآن، وحسنِ اتساقه. فذلك الذي وُضِعت معه الآية النازلة على سببٍ خاص؛ للمناسبة (^٣) - إذا كان مسبوقًا (^٤) لِما نَزَلَ في معنى، يدخل تحت ذلك اللفظ\n_________\n= بالمثال كيف أن الحنفية أخرجوا السبب من العموم، فهذا يدل على أن دعوى القطع بالإطلاق فيها نظر. وقد نقل هذا البحث بكامله الزركشي في البحر المحيط ٤/ ٢٩٥، وعَبَّر عن والد الشارح رحمهما الله تعالى - كما هي العادة - بقوله: \"وقال بعض المتأخرين\". وانظر أيضًا: المحلي على الجمع ٢/ ٣٩ - ٤٠، شرح الكوكب ٣/ ١٨٧.\n(^١) في (ص): \"فالنزاع\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) قوله: \"للمناسبة\" متعلِّق بقوله: \"وضعت معه\".\n(^٤) في (ص)، و(ك)، و(غ): \"مسوقًا\".","vol":"4","page":1519},{"text":"العام (^١) أو كان من جملة الأفرد الداخلة وضعا تحت اللفظ العام (^٢) فدلالة اللفظ عليه يحتمل أن يقال إنه كالسبب فلا يخرج ويكون مرادًا (^٣) من الآية قطعًا ويحتمل أن يقال إنه لا ينتهي في القوة إلى ذلك لأنه قد يراد غيره وتكون المناسبة لشبهه به والحق أن ذلك رتبة متوسطةٌ دون السبب وفوق العموم المجرد، ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٤) فإن مناسبتها للآية التي قبلها وهى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (^٥) أن ذلك إشارة إلى كعب بن الأشرف كان قَدِم إلى مكة وشاهد قتلى بدر، وحرض الكفار على الأخذ بثأرهم وغَزْوِ النبي - ﷺ -، فسألوه من أهدى سبيلًا النبيُّ - ﷺ - أوْ هُمْ؟ فقال: أنتم (^٦). كَذِبًا منه وضلالة، لعنه الله، فتلك الآية في حقه وحق من يشاركه في تلك المقالة،\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) يعني: إذا كان ذلك المحل مسبوقًا بالآية التي نزلت في معنى، أي: في سبب خاص، يدخل ذلك المعنى وهو السبب الخاص تحت ذلك اللفظ العام الذي في الآية التي بعد آية السبب، وهي آية المناسبة. فالسبب الخاص داخل في عموم الآية التي نزلت من أجله، وداخل في عموم الآية التي بعد آية السبب، وهي آية المناسبة.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) سورة النساء: الآية ٥٨.\n(^٥) سورة النساء: الآية ٥١.\n(^٦) انظر: تفسير الطبري ٨/ ٤٦٦ - ٤٧١، الدر المنثور ٢/ ٥٦٢ - ٥٦٤، أسباب النزول للواحدي ص ١٠٣ - ١٠٤.","vol":"4","page":1520},{"text":"وهم أهلُ كتابٍ يجدون عندهم في كتابهم نعت النبي - ﷺ - وصفته، وقد أُخِذت عليهم المواثيق أن لا يكتموا ذلك وأن ينصروه، و(^١) كان ذلك أمانة لازمة لهم فلم يؤدوها وخانوا فيها، وذلك مناسب لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٢) ولا يَرِد على هذا أن قصة (^٣) كعب بن الأشرف كانت عقب بدر، ونزول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ في الفتح أو قريبًا منه، وبينهما نحو ست سنين؛ لأن اتحاد (^٤) الزمان إنما يشترط في سبب النزول ولا يشترط في المناسبة؛ لأن المقصود منها وضع آية في موضع يناسبها، والآيات كانت تنزل على أسبابها ويأمر النبي - ﷺ - بوضعها في المواضع التي يعلم من الله أنها مواضعها.\nوثانيهما: سؤال عظيم أورده والدي - أحسن الله إليه - في تفسيره في آية الظهار، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (^٥) الآية، وتقريره يتوقف على إعراب الآية، فنقول: ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره: ﴿فَتَحْرِيرُ﴾،\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) فيكون كعب بن الأشرف - لعنه الله - داخلًا في آية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا. . .﴾ الآية، إذ هو سبب نزولها، ويكون داخلًا أيضًا في الآية التي قبلها وهي آية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ودخوله مناسب لها، إذ أُخذ العهد عليه وعلى جميع أهل الكتاب أن لا يكتموا نعت النبي - ﷺ - في كتبهم وأن يظهروه للناس، فكان ذلك أمانة لازمة لهم، ولكنهم خانوا الأمانة فلم يؤدوها، لعنهم الله وغضب عليهم.\n(^٣) في (ت): \"قضية\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سورة المجادلة: الآية ٣.","vol":"4","page":1521},{"text":"أو: فكفارتهم تحرير. وجاز حذف ذلك لدلالة الكلام عليه، وجاز دخول الفاء في الخبر لتضمن (^١) المبتدأ معنى الشرط، وتضمن (^٢) الخبر معنى الجزاء، فإذا أُريد التنصيص على أنَّ الخبر مُسْتَحَقٌّ بالصلة دخلت الفاء حتمًا للدلالة على ذلك فإذا (^٣) لم تدخل احتمل أن يكون مستحقًا به أو بغيره كما لو قيل: الذين يظاهرون عليهم تحرير رقبة. وإن كُنَّا نقول: إنَّ ترتيب الحكم على الوصف مشعر (^٤) بالعلية، ولكن ليس بنص، ودخول الفاء نصٌّ وهذا الموضع من المواضع المتفق على جواز دخول الفاء فيها، لعموم الموصول فلو أريد بالموصول خاص بحيث لا يكون فيه عموم فالصحيح عدم جواز دخول الفاء، وكذلك لو وُصل بماض لم يجز دخول الفاء على الصحيح.\nإذا عرفتَ هذا فالآية على ذلك لا تَشْمل إلا مَنْ وُجِد منه الظهار بعد نزولها لأن معنى الشرط مستقبل (^٥) فلا يدخل فيه الماضي، والنبي - ﷺ - قد أوجب الكفارة على أوس بن الصامت (^٦)، وذلك لا شك (^٧) فيه من جهة\n_________\n(^١) في (ص): \"لتضمين\".\n(^٢) في (ص): \"وتضمين\".\n(^٣) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"وإذا\".\n(^٤) في (ت): \"يشعر\".\n(^٥) وذلك لأن الماضي لا يتأتى فيه الشرط.\n(^٦) هو أوس بن الصامت بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ، أخو عبادة بن الصامت. شهد بدرًا، وهو الذي ظاهر من امرأته خولة بنت ثعلبة. مات في أيام عثمان - ﵁ - وله خمس وثمانون سنة. انظر: الإصابة ١/ ٨٥، تهذيب ١/ ٣٨٣.\n(^٧) في (ص): \"لا يشك\".","vol":"4","page":1522},{"text":"ما عرفت مِنْ كونه هو السبب، إلا أن هذا الإشكال يعتوره من جهة عدم شمول اللفظ له (^١) على ما تقرر مِنْ قاعدة دخول الفاء.\nومِنْ جهة أخرى: وهي أن الحكم إنما يثبت من حين نزول الآية وأوس ظَاهَر قبل نزولها، فكيف ينعطف حكمها على ما سبق، لا سيما إذا كان الحكم قبل نزولها أنه طلاق كما ورد أنه - ﷺ - قال: \"ما أراكِ إلا قد حَرُمْتِ عليه\" (^٢)، فكيف يرتفع التحريم أو الطلاق بعد وقوعه؟ وهذا الإشكال واردٌ في آيةِ اللعان من الجهتين كما هو وارد هنا (^٣)، ووارد في آية السرقة وآية حد الزنا ونحوهما من الجهة الثانية؛ لإثبات أحكامها لمن صدر منه السبب المتقدم على نزولها وإن لم نجعل الفاء فيها\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) رواه ابن جرير الطبري في تفسيره ٢٨/ ٤. قال السيوطي في الدر المنثور ٨/ ٧٧: وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه والبيهقي في السنن عن أبي العالية. . . فرفع النبي - ﷺ - رأسه فقال: \"ما أعلم إلا قد حَرُمْتِ عليه\". وفي الدر المنثور أيضًا ٨/ ٧٢: \"وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس: أن خولة أو خويلة أتت النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله إن زوجي ظاهر مني. فقال لها النبي - ﷺ -: ما أراكِ إلا قد حرمتِ عليه\".\n(^٣) وذلك لأن الخبر في آية اللعان مقترن بالفاء ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ الآية، فلفظ: ﴿فَشَهَادَةُ﴾، خبر للمبتدأ: ﴿وَالَّذِينَ﴾، فأفاد أن الموصول بمعنى الشرط، والشرط معناه للمستقبل، فتكون آية اللعان تفيد الحكم في المستقبل، مع أن سببها الذي نزلت من أجله قد حصل قبل نزولها. والجهة الأخرى أن الحكم إنما يثبت بعد نزول الآية، والسبب قبله، فكيف يدخل السبب في حكم الآية؟","vol":"4","page":1523},{"text":"داخلة على (^١) خبر المبتدأ (^٢). هذا تقرير السؤال وهو قوي.\nوأجاب عنه بما لا يقاومه فقال: أما إثبات أحكام هذه الآيات لمن وجد منه السبب قبل نزولها فنقول: إن السرقة والزنا ونحوهما من الأفعال التي كانت معلومة التحريم عندهم ووجوب الحد فيها لا يتوقف على العلم، والفاعل لها قبل نزول الآية إذا كان هو السبب في نزولها في حكم المقارِن لها؛ لأنها نزلت مبيِّنة لحكمه، فلذلك يثبت حكمها فيه دون غيره ممن تقدمه، وأما دخول الفاء في الخبر فيستدعي العموم في كل مَنْ يتظاهر من امرأته مثلًا وذلك يشمل الحاضر والمستقبل، وسبب النزول حاضر أو في حكم الحاضر، وأما دلالة الفاء على الاختصاص بالمستقبل فقد يُمْنع، وأما كون الظهار كان طلاقًا فلم يكن ذلك شرْعٌ، وأما قول النبي - ﷺ -: \"ما أراكِ إلا قد حَرُمتِ عليه\" فلم يثبت. وقال بعض الناس: إنه منسوخ بالآية، فإن ثبت أن النبي - ﷺ - قاله فالأمر كذلك، ويكون من نسخ السنة بالكتاب.\nقال: (وكذا مذهب الراوي، كحديث أبي هريرة (في الولوغ وعمله) (^٣)؛ لأنه ليس بدليلٍ. قيل: خالف لدليلٍ وإلا\n_________\n(^١) في (ص): \"في\".\n(^٢) المعنى: أن الفاء الداخلة في آية السرقة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ وكذلك في آية الزنا: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ ليست داخلة على خبر المبتدأ؛ لأن الخبر مقدر غيرهما.\n(^٣) في (غ): \"وعمله في الولوغ\".","vol":"4","page":1524},{"text":"انقدحت روايته. قلنا: ربما ظَنَّه دليلًا ولم يكن).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-418>البحث الثاني: فيما إذا عمل الراوي بخلاف العموم هل يكون ذلك (^١) تخصيصًا للعموم</span>؟ وقد اختلفوا فيه:\nفذهب الأكثرون منهم الإمام والآمدي إلى أنه لا يخصِّص (^٢)، وعزاه الإمام إلى الشافعي، قال: \"لأنه قال: إنْ حَمَل الراوي الخبرَ على أحدِ\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٢) ومنهم أيضًا ابن حزم، والغزالي، والقرافي. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١٩١، الإحكام ٢/ ٣٣٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥١، نهاية الوصول ٥/ ١٧٣١، المستصفى ٣/ ٣٣٠ (٢/ ١١٢)، نفائس الأصول ٥/ ٢١٣٩. تنبيه: قال القرافي في شرح التنقيح ص ٢١٩: \"ومذهب الراوي يخصِّص عند مالك والشافعي ﵄\". وهذا النقل عند التأمل يتضح السقط الذي حصل فيه؛ إذ سقطت (لا) منه، فالصواب: \"ومذهب الراوي لا يخصص عند مالك والشافعي ﵄\"، ويدل على هذا التصويب أن الشافعي ﵁ لا يخصص بمذهب الراوي كما هو الجديد من مذهبه، والقرافي رحمه الله تعالى ليس بعيدًا عن \"المحصول\" فهو شارحه، وقد نَصَّ الإمام على أن مذهب الشافعي عدم التخصيص بمذهب الراوي. ويدل على هذا التصويب أيضًا نَقْلُ صاحب \"نشر البنود\" عبارة القرافي هذه صحيحة، كما صوبتُها. انظر: نشر البنود ١/ ٢٦٠، ويوُكد هذا أيضًا صاحب المراقي إذ ذكر في نظمه أن المعتمد عند المالكية هو عدم التخصيص بمذهب الراوي، ومن البعيد أن يعتمد قولًا مخالفًا لصاحب المذهب دون الإشارة إلى مخالفته. وقد ذكر الباجي - رحمه الله تعالى - أن مذهب مالك ﵁ هو المنع من تخصيص العموم بمذهب الراوي. انظر: إحكام الفصول ص ٢٦٨، وذكر أيضًا ابن الحاجب أن الجمهور على أن مذهب الصحابي ليس مخصِّصًا، خلافًا للحنفية والحنابلة. انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥١.","vol":"4","page":1525},{"text":"مَحْمَلَيْه صِرْتُ إلى قوله، وإلا فلا أصير إليه\". هذا كلام الإمام، وهو صريح في أن صورة اختياره في المسألة التفصيل الذي ذكره (^١).\nومنهم: من يُطْلق القول في المسألة، ويجعل هذا قولًا مُفَصِّلًا.\nوذهبت الحنفية والحنابلة إلى أنه يكون مخصِّصًا (^٢).\nوفَصَّل فقال: إنْ وُجد ما يقتضي تخصيصه به لم يخصَّص (^٣) بمذهب الراوي، بل به إن اقتضى نظرُ الناظر فيه ذلك، وإلا خُصَّ بمذهب الراوي. وهو مذهب القاضي عبد الجبار (^٤).\n_________\n(^١) لم يتضح لي الاعتراض الذي اعترضه الشارح على الإمام رحمهما الله تعالى، إذ معنى كلام الشافعي ﵁ كما قرره القرافي في نفائس الأصول ٥/ ٢١٣٩: \"أن اللفظ تارة يكون مجملًا، كالقرء، فيحمله الراوي على الطهر، فَيُصار إليه؛ لأنه لم يخالف ظاهرًا. وإن حَمَل العموم على الخصوص - لم يُصَرْ إليه؛ لأن ظاهر كلام الشارع حجةٌ دون مذهب الراوي\"، فتبين بهذا التقرير أن مذهب الشافعي ﵁ هو عدم التخصيص بعمل الراوي؛ لما فيه من مخالفة الظاهر، لا أن مذهبه التفصيل، كما قال الشارح رحمه الله تعالى.\n(^٢) هذا بالنسبة لمذهب الصحابي العالم بالعموم، أما مذهب غير الصحابي فلا يخصِّص به الحنفية والحنابلة. انظر: فواتح الرحموت ١/ ٣٥٥، تيسير التحرير ١/ ٣٢٦، مناهج العقول ٢/ ١٣٠، شرح الكوكب ٣/ ٣٧٥، العدة ٢/ ٥٧٩، المسودة ص ١٢٧، نزهة الخاطر ٢/ ١٦٨.\n(^٣) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"لم يُخَصَّ\".\n(^٤) ومذهب أبي \"الحسين البصري أيضًا. انظر: المعتمد ٢/ ١٧٥، نهاية الوصول ٥/ ١٧٣١، المحصول ١ / ق/ ١٩٢، تيسير التحرير ٣/ ٧٢، كشف الأسرار ٣/ ٦٦.","vol":"4","page":1526},{"text":"وقال إمام الحرمين: \"إنْ عُلم مِنْ حاله أنَّه فَعَل ما يخالف الحديث نسيانًا - فلا ينبغي (أن يكون) (^١) فيه خلاف؛ إذ لا يظن (^٢) بعاقل أنه يرجح فعْله إذ ذاك. ولو احتمل أن يكون فعله احتياطًا، كما لو رَوَى (ما يقتضى) (^٣) رَفْع الحرج عن الفعل فيما يُظن فيه التحريم - رأيناه متحرجًا عنه (^٤) غير ملابس له: فالتعويل على الحديث (^٥)، ويُحْمل فِعْله على الورع والتعلق بالأفضل. وإن لم يحتمل شيئًا من ذلك - لم يجز التعلق بالحديث\" (^٦).\nقلت: وعندي أن محل الخلاف مخصوص بالقسم الثالث (^٧)؛ إذ لا يتجه في القسمين الأولين.\nوقد مَثَّل المصنف - تبعًا للإمام - لهذه (^٨) المسألة بما روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"طُهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يُغْسل سبع مرات أُولاهن بالتراب\". ورواه البخاري، ولفظه: \"إذا\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ت): \"لا ظن\".\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) قوله: \"رأيناه متحرجًا عنه\" جواب الشرط في قوله: \"كما لو روى. . .\".\n(^٥) قوله: \"فالتعويل على الحديث\" جواب الشرط في قوله: \"ولو احتمل أن يكون فعله احتياطًا\".\n(^٦) انظر: البرهان ١/ ٤٤٢، وقد علل إمام الحرمين هذه الحالة الثالثة بقوله: \"فإنه لا يُظن بمَنْ هو مِنْ أهل الرواية أن يعتمد مخالفة ما رواه إلا عن ثَبَتٍ يوجب المخالفة\".\n(^٧) وهو ما لم يحتمل شيئًا من النسيان أو الاحتياط.\n(^٨) في (ص): \"هذه\".","vol":"4","page":1527},{"text":"شرب\"، مع أن أبا هريرة كما رُوي كان (^١) يغسل ثلاثًا، فلا نأخذ بمذهبه؛ لأن قول الصحابي ليس بدليلٍ؛ إذ نحن مُفَرِّعون على أن قوله غير (^٢) حجة (^٣).\nوهذا المثال على هذا الوجه غير مطابق؛ لأن التخصيص فرع العموم، و\"سبع مرات\" من أسماء الأعداد التي هي نصوصٌ في مسمياتها (^٤)، لا عامة. نعم قد يحسن إيراد ذلك مثالًا إذا صُدِّرت المسألة هكذا: الراوي الصحابي إذا خالف الحديث، وفَعَل ما يضاده - فهل يُعَوَّل على الحديث، أو على فعله، نحو خبر أبي هريرة؟ وأما لِمَا نحن فيه - فلا يحسن إيراده مثالًا.\nومَثَّل له صفي الدين الهندي، وكذا ابن بَرْهان - كما نقله القرافي عنه - بمثال أقرب من هذا (^٥): وهو أن ابن عباس - ﵁ - رَوَى: \"مَنْ بدل دينه فاقتلوه\" (^٦)، وهذا عام في الرجال والنساء؛ وذهب هو إلى أن المرتدة لا\n_________\n(^١) في (ص): \"قال\". وهو خطأ.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"ليس\".\n(^٣) أي: قولنا بمنع التخصيص بمذهب الصحابي - فَرْعُ قولنا: قول الصحابي ليس: بحجة. وعلى هذا فالخلاف في بعض صور هذه المسألة فَرْعُ الخلاف في تلك المسألة. انظر: شرح الكوكب ٣/ ٣٧٥، المسودة ص ١٢٧، التلخيص ٢/ ١٢٨، نزهة الخاطر ٢/ ١٦٨، المستصفى ٣/ ٣٣٠.\n(^٤) والنص لا يقبل التخصيص؛ إذ لا يجوز إطلاق العشرة وإرادة الخمسة منها، وإنما يقبل الاستثناء، وما يجري مجراه. انظر: نهاية الوصول ٤/ ١٧٣٦، نفائس الأصول ٥/ ٢١٤٠.\n(^٥) انظر: نهاية الوصول ٥/ ١٧٣٢، نفائس الأصول ٥/ ٢١٤٠، الوصول إلى الأصول ١/ ٢٩٣.\n(^٦) أخرجه البخاري ٣/ ١٠٩٨، في كتاب الجهاد، باب لا يُعَذِّب بعذاب الله، حديث =","vol":"4","page":1528},{"text":"تُقتل (^١).\nقلت: وفي هذا المثال أيضًا نظر، وهو أن مَنْ الشرطية على رأي لا تدخل فيها النساء (^٢)، فلعل ابن عباس يختار ذلك الرأي. على أن كلَّ هذا\n_________\n= رقم ٢٨٥٤، وأخرجه أيضًا في ٦/ ٢٥٣٧، في كتاب استتابة المرتدين، باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم، حديث رقم ٦٥٢٤، من حديث ابن عباسٍ ﵄.\n(^١) قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - عن هذا الحديث \"مَنْ بَدَّل دينه فاقتلوه\": \"واسْتُدِلَ به على قتل المرتدة كالمرتد، وخَصَّه الحنفية بالذِّكر، وتمسكوا بحديث النهي عن قتل النساء، وحمل الجمهور النهيَ على الكافرة الأصلية إذا لم تُباشر القتال ولا القتل؛ لقوله في بعض طرق حديث النهى عن قتل النساء لما رأى المرأة مقتولة: \"ما كانت هذه لتقاتل\" ثم نهى عن قتل النساء. واحتجوا أيضًا بأن مَن الشرطية لا تعم المؤنث. وتُعُقِّب بأن ابن عباس راوي الخبر قد قال: تقتل المرتدة. وقتل أبو بكر في خلافته امرأة ارتدت، والصحابة متوافرون، فلم ينكِر ذلك عليه أحد، وقد أخرج ذلك كلَّه ابنُ المنذر، وأخرج الدارقطني أثر أبي بكر مِنْ وجه حسن. . .\" فتح الباري ١٢/ ٢٧٢.\nوانظر: سبل السلام ٣/ ٢٦٥، نيل الأوطار ٨/ ٤ - ٥، الحاوي ١٦/ ٤١٢، بداية المجتهد ٢/ ٤٥٩، الإفصاح عن معاني الصحاح ٢/ ٢٢٨، المغني ١٠/ ٧٤. فالرواية الثابتة عن ابن عباسٍ - ﵄ - هي القول بقتل المرتدة، أما رواية عدم القتل فلا تثبت. قال ابن حجر - ﵀ - في الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢/ ١٣٦: \"ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباسٍ رفعه: \"لا تقتلوا المرأة إذا ارتدت\". قال الدارقطني: لا يصح، وفيه عبد الله بن عيسى وهو كذاب\" ثم تكلم الحافظ على روايات أخرى عن ابن عباس - ﵄ - في عدم قتل المرتدة، وبيَّن أنها لا تثبت.\nوانظر: نصب الراية لأحاديث الهداية ٣/ ٤٥٦.\n(^٢) هذا رأي بعض الحنفية، وجمهور العلماء على دخول النساء في \"مَنْ\". انظر: البرهان ١/ ٣٦٠، المحصول ١/ ق ٢/ ٦٢٢، جمع الجوامع مع المحلي ١/ ٤٢٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٢٥، الإحكام ٢/ ٢٦٩، شرح الكوكب ٣/ ٢٤٠.","vol":"4","page":1529},{"text":"عدول عن التحقيق، والتمثيل بحديث أبي هريرة وعَمِله صحيحٌ وإنما جاء الفساد فيه من جهة تقريره على الوجه المتقدم. وكان الإمام النَّظَّار علاء الدين الباجي ﵀ يقرره على الوجه الصحيح: وهو أن الكلب من حيث إنه مُفرد مُعَرَّف للعموم، يشمل كلب الزرع وغيره. وأبو هريرة يرى أن كلب الزرع لا يُغْسل منه إلا ثلاثًا، وغيره يُغْسل منه سبعًا. فقد أخرج بعض أفراد الكلب، هذا هو معنى التخصيص في الحديث.\nوهذه فائدة حسنة، لكن ما أدري (مِنْ أين) (^١) له أن أبا هريرة كان يغسل مِنْ كلب الزرع ثلاثًا، فإن المعروف اختلاف الرواية عن أبي هريرة في أنه هل كان يرى أنَّ الغسلَ من ولوغ الكلب سبعٌ أو ثلاث، فروى الدارقطني بسنده إلى عبد الملك (^٢)، عن عطاء، عن أبي هريرة قال: \"إذا ولغ الكلب في الإناء - فأهْرقهِ، ثم اغسله ثلاث مرات\"، ثم قال الدارقطني: لم يروه غير عبد الملك عن عطاء عنه (^٣)، قال: والصحيح عنه سبع مرات (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) في (ص): \"مِنْ أين كان\".\n(^٢) هو عبد الملك بن أبي سليمان - واسمه ميسرة - أبو محمد، ويقال: أبو سليمان، وقيل: أبو عبد الله، العَرْزمي. أحد الأئمة، روى عن أنس بن مالك وعطاء بن أبي رباح وغيرهما. قال ابن حجر في التقريب: \"صدوق له أوهام\". مات سنة ١٤٥ هـ. انظر: تهذيب ٦/ ٣٩٦، تقريب ص ٣٦٣.\n(^٣) انظر: سنن الدارقطني ١/ ٦٦.\n(^٤) هذه العبارة لم يقلها الدارقطني بعينها، ولكن هي مفهوم كلامه السابق؛ إذ أورده مورد الاعتراض على الرواية.\n(^٥) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح ١/ ٢٧٧: \"ثبت أنه (أي: أبا هريرة - ﵁ -) أفتى بالغَسْل سبعًا، ورواية مَنْ روى عنه موافقة فتياه لروايته - أرجح مِنْ =","vol":"4","page":1530},{"text":"قلت: فإنْ صح أن أبا هريرة كان يفصل بين كلب الزرع وغيره - يكون ذلك جمعًا بين اختلاف الروايات، فمَنْ روى عنه السبع يكون كلامه في غير كلب الزرع، ومَنْ روى الثلاث يكون مراده بكلب الزرع.\nواحتج مَنْ جعل مذهب الراوي مخصِّصًا: بأنه إنما خالف لدليلٍ؛ لأنه لو خالف لا لدليل لَفُسِّق، فلا تُقبل روايته، وإذا كانت مخالفته مستندة إلى دليل - تحتم اتباعه.\nوالجواب: أنه ربما خالف لشيء ظَنَّ في نفسه - بما أداه إليه نظرُه - كونَه دليلًا، ولم يكن كذلك في نفس الأمر، فلا يلزم القدح في روايته؛ لأنه لم يقدم إلا على حسب تأدية اجتهاده، ولا الاتباع؛ لعدم صحة المظنون (^١). بل ولو احتمل: أن ما ظنه حقٌّ في نفس الأمر (^٢) - فليس لنا الانقياد له بمجرد التقليد ما لم يتضح لنا وجه الحق في ذلك. والغرض: أن الذي يتضح لنا خلافُ ما عَمِله؛ لقيام الدليل الذي رواه مُعَارِضًا بحقٍّ لِمَا رآه.\n_________\n= رواية مَنْ روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد ومن حيث النظر. أما النظر فظاهر، وأما الإسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه، وهذا من أصح الأسانيد. وأما المخالفة فمِنْ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير\".\n(^١) قوله: \"ولا الاتباع\" عطف على قوله: \"فلا يلزم القدح\". والمعنى: أنه كما لا يلزم القدح؛ لكونه مجتهدًا، لا يلزمنا اتباعه في اجتهاده؛ لكون اجتهاده مظنونًا، وهو غير صحيح؛ إذ هو مخالف للرواية.\n(^٢) سقطت من (ص).","vol":"4","page":1531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>خاتمة:</span>\nاضطرب النظر في أنه هل صورة هذه المسألة مخصوصة بما إذا كان الراوي صحابيًا، أم الأمر أعم من ذلك؟\nالذي صح عندي وتحرر (^١) أن الأمر أعم من ذلك، ولكن الخلافَ في مَنْ ليس بصحابي أضعف، فليكن القول (^٢) في المسألة هكذا: إن كان الراوي صحابيًا، وقلنا: قول الصحابي حجة - خَصَّ على المختار. قال القاضي في \"مختصر التقريب\": \"وقد يُنسب ذلك إلى الشافعي في قوله الذي يقلِّد الصحابي فيه، ونقل عنه أنه (^٣) لا يخصِّص به إلا إذا انتشر في أهل العصر ولم ينكروه، وجَعَل ذلك نازلًا منزلة الإجماع\" (^٤).\nوإنْ قلنا: قولُه غير حجة - ففيه الخلاف المتقدم.\nوإنْ كان غيرَ صحابي ترتب الخلاف على الصحابي.\nفإن قلنا: لا يخصَّص بقول الصحابي الراوي - لم يُخَصَّص بقول الراوي الذي ليس بصحابي جَزْمًا. وإن قلنا: يُخَصَّص - ففي هذا خلاف.\n_________\n(^١) في (ص): \"ويجوز\". وهو تحريف.\n(^٢) في (ك): \"المختار\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: التلخيص ٢/ ١٢٨ - ١٢٩.","vol":"4","page":1532},{"text":"وأما قول القرافي (^١): \"صورة المسألة أن يكون صحابيًا، وأما غير الصحابي فلا يُخَصِّص قطعًا\" (^٢) - فليس بجيد، والمعتمد ما قلناه (^٣)، ويشهد له الدليل الذي ذُكر من أنه إنما يخالف لدليل (^٤)، وإلا انقدحت روايته، فإن هذا يشمل الصحابي وغيره. وبما ذكرناه صَرَّح إمام الحرمين في \"البرهان\" فقال: وكل ما ذكرناه - يعني في (^٥) هذه المسألة - غير مختص بالصحابي، فلو روى بعض الأئمة حديثًا وعَمِل بخلافه - فالأمر على ما فصَّلناه (^٦). انتهى، (وما ذكرته في كتابي \"الطبقات\" من أني رأيت القاضي صَرَّح بذلك في \"مختصر التقريب\" - وَهَمٌ مني في الفهم عنه، فقد تأملت كلامه بعد ذلك، فلم أجده يعطي (^٧) الذي ذكرت، وإنما نبهت على ذلك هنا؛ لئلا يغتر به) (^٨).\n_________\n(^١) في (ت): \"القرافي\"، وحذف: \"في\"، أولى.\n(^٢) انظر: شرح التنقيح ص ٢١٩.\n(^٣) من الواضح أن الشارح ﵀ يقصد بقوله: \"فليس بجيد، والمعتمد ما قلناه\" هو نفي قطعية عدم التخصيص التي أثبتها القرافي، وذلك بسبب الخلاف في الراوي غير الصحابي أيضًا.\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"الدليل\". وهو خطأ.\n(^٥) في (ص): \"من\".\n(^٦) انظر: البرهان ١/ ٤٤٣. وانظر: البحر المحيط ٤/ ٥٣٣.\n(^٧) سقطت من (ص)، و(ك).\n(^٨) انظر مسألة التخصيص بمذهب الراوي في: المحصول ١/ ق ٣/ ١٩١، الحاصل ١/ ٥٧٤، التحصيل ١/ ٤٠٣، نهاية الوصول ٥/ ١٧٣١، نهاية السول ٢/ ٤٨٠، السراج الوهاج ١/ ٥٨٤، التلخيص ٢/ ١٢٨، البرهان ١/ ٤٤٢، المستصفى ٣/ ٣٣٠ (٢/ ١١٢)، المعتمد ٢/ ١٧٥، الوصول إلى الأصول ١/ ٢٩٢، الإحكام ٢/ ٣٣٣، =","vol":"4","page":1533},{"text":"قال: (السابعة: إفراد فردٍ لا يُخَصِّص، مثل: قوله ﵇: \"أيما إهابٍ دُبغ فقد طهر\" مع قوله - ﷺ - في شاة ميمونة: \"دباغها طهورها\" (^١)؛\n_________\n= المحلي على الجمع ٢/ ٣٣، البحر المحيط ٤/ ٥٢٧، شرح اللمع ١/ ٣٨١، إحكام الفصول ص ٢٦٨، شرح التنقيح ص ٢١٩، نشر البنود ١/ ٢٦٠، بيان المختصر ٢/ ٣٣١، تيسير التحرير ١/ ٣٢٦، فواتح الرحموت ١/ ٣٥٥، شرح الكوكب ٣/ ٣٧٥، العدة ٢/ ٥٧٩، المسودة ص ١٢٧.\n(^١) قال الغماري ﵀: \"هذا الحديث بهذا السياق لا يوجد، بل هو ملفَّق من حديثين: ففي صحيح مسلم من حديث ابن عباس قال: \"تُصُدِّق على مولاةٍ لميمونة بشاةٍ، فماتت، فمر بها رسول الله - ﷺ - فقال: هَلَّا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به. فقالوا: إنها ميتة. فمال: إنما حرم أكلها\". . . . وفي لفظٍ لأحمد: إن داجنة لميمونة ماتت، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ألا انتفعتم بإهابها، ألا دبغتموه فإنه ذكاته\". وكذا رواه الدارقطني، ورواه البزار، والطبراني، والبيهقي بلفظ: \"ماتت شاة لميمونة فقال النبي - ﷺ -: ألا استمتعتم بإهابها، فإن دباغ الأديم طهوره\" وفيه يعقوب بن عطاء ضعَّفه ابن معين وأبو زرعة\". الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج ص ١١٤. وانظر: صحيح مسلم ١/ ٢٧٦، كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، رقم ٣٦٣. مسند أحمد ١/ ٢٢٧. والدارقطني ١/ ٤٨، كتاب الطهارة، باب الدباغ، رقم ٢٢. السنن الكبرى ١/ ١٥ - ١٦، كتاب الطهارة، باب طهارة جلد الميتة بالدبغ. التلخيص الحبير ١/ ٥٠. ثم قال الغماري بعد كلامه السابق ذكره: \"وأما حديث: \"دباغها طهورها\" فرواه النسائي، والطبراني، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، من حديث عائشة. وأخرج أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي، من طريق الجَوْن بن قتادة عن سَلَمة بن المحَبِّق: أن النبي - ﷺ - في غزوة تبوك دعا بماءٍ من عند امرأة. قالت: ما عندي إلا في قربة لي مَيْتة. قال: أليس قد دَبَغْتِها؟ \" قالت: بلى. قال: \"فإن دباغَها طهورُها\". إسناده صحيح، كما قال الحافظ\". وانظر: سنن النسائي ٧/ ١٧٤، كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة، رقم ٤٢٤٤. موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ص ٦١، كتاب الطهارة، باب في جلود الميتة تدبغ، رقم ١٢٣. سنن الدارقطني ١/ ٤٤، كتاب الطهارة، باب الدباغ، =","vol":"4","page":1534},{"text":"لأنه غير منافٍ. قيل: المفهوم منافٍ. قلنا: مفهوم اللقب مردود).\n\nإذا<span data-type=\"title\" id=toc-420> أفرد الشارع فردًا من أفراد العام بالذكر</span>، وحكم عليه بما حكم على العام لا يكون مخصِّصًا للعموم، خلافًا لأبي ثور. مثاله: ما رَوَى مسلم أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أيما إهاب دُبغ فقد طهر\" (^١). وقال ﵇ وقد مر بشاةٍ ميتة لمولاةٍ لميمونة (^٢) (^٣). كما رواه مسلم: \"ألا أخذوا\n_________\n= رقم ١٠. السنن الكبرى ١/ ١٧، كتاب الطهارة، باب طهارة جلد الميتة بالدبغ. وفي ١/ ٢١، كتاب الطهارة، باب اشتراط الدباغ في طهارة جلد ما لا يؤكل لحمه وإنْ ذُكِّي. مسند أحمد ٥/ ٦، ٧، سنن أبي داود ٤/ ٣٦٨ - ٣٦٩، كتاب اللباس، باب في أُهَب الميتة، رقم ٤١٢٥. سنن النسائي ٧/ ١٧٣ - ١٧٤، كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة، رقم ٤٢٤٣. موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان ص ٦١، كتاب الطهارة، باب في جلود الميتة تُدبغ، رقم ١٢٤. سنن الدارقطني ١/ ٤٥، ٤٦، كتاب الطهارة، باب الدباغ، رقم ١٢، ١٤، السنن الكبرى ١/ ١٧، ٢١.\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٤٩٨، كتاب الصيد، باب ما جاء في طهور الميتة. والشافعي (ترتيب المسند ص ١٠). وأحمد في المسند ١/ ٢١٩، ٢٧٠. ومسلم ١/ ٢٧٧، في الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، حديث رقم ٣٦٦. وأبو داود ٤/ ٣٦٧ - ٣٦٨، في اللباس، باب في أهب الميتة، حديث رقم ٤١٢٣. والترمذي ٤/ ٢٢١، في اللباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، حديث رقم ١٧٢٨. والنسائي ٧/ ١٧٣، في كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة، رقم ٤٢٤١. وابن ماجه ٢/ ١١٩٣، في اللباس، باب لبس جلود الميتة إذا دُبغت، رقم ٣٦٠٩. وانظر: نصب الراية ١/ ١١٥ - ١١٦، تلخيص الحبير ١/ ٤٦.\n(^٢) في (ص): \"ميمونة\".\n(^٣) الذي في المتن: \"شاة ميمونة\"، والصواب هو ما ذكره الشارح رحمه الله تعالى، ولذلك قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \"واعلم أن الواقع في الصحيحين من رواية ابن عباس أن الشاة كانت لمولاة ميمونة تُصُدِّق بها عليها\". نهاية السول ٢/ ٤٨٥.","vol":"4","page":1535},{"text":"إهابها (^١) فدبغوه فانتفعوا به\" (^٢).\nوالدليل على أن العام لا يُخَصُّ (^٣) ببعضه إذا أُفرد بالذكر: أن المخصِّص لا بد وأن يكون بينه وبين العام منافاة، ولا منافاة بين كلِّ الشيء وبعضه.\nواحتج أبو ثور: بأن تخصيص الشيء بالذِّكر يُفهم منه نَفْي الحكمِ عما عداه، وإلا فلا تظهر فائدةٌ لتخصيص ذلك الفرد بالذكر (^٤).\nوأجاب المصنف: بأن المفهومَ هنا مفهومُ اسمٍ، وهو غير حجة كما سبق (^٥).\nوعندي في ترتيب المسألة على هذا الوجه نظر، وما أظن أبا ثور يستند\n_________\n(^١) فالضمير في \"إهابها\" يعود إلى الشاة، فكأنه قال: ألا أخذوا إهاب الشاة، فعلَّق الحكم باللقب أي: بالاسم وهو الشاة، فمفهوم اللقب - عند مَنْ يقول به - لهذا الحديث: أن غيرَ إهاب الشاة غيرُ داخلٍ في الحكم، فيكون هذا المفهوم مخصِّصًا لعموم حديث: \"أيما إهاب دُبغ فقد طهر\". انظر: نهاية السول ٢/ ٤٨٥.\n(^٢) انظر: صحيح مسلم ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧، في كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، حديث رقم ٣٦٣، وانظر حديث رقم ٣٦٤، ٣٦٥.\n(^٣) في (ص)، و(غ)، و(ك): \"لا يختص\".\n(^٤) قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \"اختلفوا في تحرير مذهب أبي ثور، فنقل عنه الإمام في \"المحصول\": أن المفهوم مخرجٌ لما عدا الشاة. ونقل عنه ابن بَرْهان في \"الوجيز\"، وإمام الحرمين في باب الآنية من \"النهاية\": أن المفهوم مخرج لما لا يؤكل لحمه\". نهاية السول ٢/ ٤٨٦. وانظر: الوصول إلى الأصول ١/ ٣٢٩.\n(^٥) وفائدة ذكر البعض هو نفي احتمال تخصيصه من العام. انظر: المحلي على الجمع ٢/ ٣٣.","vol":"4","page":1536},{"text":"في ذلك إلى مفهوم اللقب، فإن الظاهر أنه لا يقول به، فإنا لم نر أحدًا حكاه عنه، مع أنه أجلُّ وأقدم من الدقاق، وأولى بأن تُودع آراؤه بطون الأوراق (^١)، ولعله يقول بهذا المفهوم إذا ورد خاصًا بعد عامٍّ تقدمه، ويقول: إنَّ ذلك قرينةٌ في أن المراد بذلك العام هذا الخاص، ويَجْعل العام كالمطلق، والخاص كالمقيَّد، ولا يكون ذلك قولًا منهم بمفهوم اللقب الذي قال به الدقاق (^٢)، وحينئذ ترتيب المسألة على أنَّه استند فيها إلى مفهوم اللقب غير سديد، والرد عليه كذلك (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) قال المجد ابن تيمية رحمه الله تعالى عن حكاية خلاف أبي ثور ﵁ في هذه المسألة: \"وقد ذكر ابن برهان وأبو الخطاب فيه خلافًا عن أبي ثور، ولا أظنه إلا خطأ، وذكره أبو الطيب ولم يذكر فيه خلافًا\". المسودة ص ١٤٢، وانظر: البحر المحيط ٤/ ٣٠١.\n(^٢) فمفهوم اللقب الذي يقول به أبو ثور - ليس هو مفهوم اللقب الذي يقول به الدقاق، وهو الاحتجاج بمفهوم اللقب مطلقًا، بل الذي يحتج به أبو ثور هو مفهوم اللقب الخاص الوارد بعد عام.\n(^٣) فأبو ثور حينما خَصَّص حديث: \"أيما إهاب دُبغ فقد طهر\" بحديث: \"ألا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به\" استند فيه إلى أن هذا الحديث الثاني خاصٌّ واردٌ بعد عام؛ فأفاد التخصيص، لا مجرد كونه لقبًا، بل لقبٌ بالوصف المذكور.\n(^٤) انظر المسألة السابعة في: المحصول ١/ ق ٣/ ١٩٥، الحاصل ١/ ٥٧٦، التحصيل ١/ ٤٠٣، نهاية الوصول ٥/ ١٧٥٥، نهاية السول ٢/ ٤٨٤، السراج الوهاج ١/ ٥٨٧، المعتمد ١/ ٢٨٨، الإحكام ٢/ ٣٣٥، المحلي على الجمع ٢/ ٣٣، البحر المحيط ٤/ ٣٠٠، ٥٣٨، الوصول إلى الأصول ١/ ٣٢٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥٢، شرح التنقيح ص ٢١٩، تيسير التحرير ١/ ٣١٩، فواتح الرحموت ١/ ٣٥٥، شرح الكوكب ٣/ ٣٨٦، المسودة ص ١٤٢.","vol":"4","page":1537},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-421>(الثامنة: (عَطْفُ الخاص) (^١) لا يخصِّص</span>، مِثْلُ: \"ألَا لا يُقتل مسلمٌ بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهده\". وقال بعض الحنفية بالتخصيص، تسويةً بين المعطوف والمعطوف عليه. قلنا: التسوية في جميع الأحكام غير واجبة).\nعَطْف الخاص على العام لا يُوجب تخصيص العام، خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه. وتوقف فيه بعض المتكلمين (^٢).\n_________\n(^١) في نهاية السول ٢/ ٤٨٦، ومناهج العقول ٢/ ١٣٥: \"عطف العام على الخاص\". وهو خطأ. وفي السراج الوهاج ١/ ٥٨٩: \"عطف الخاص على العام\". وفي شرح الأصفهاني ١/ ٤٢٦: \"عطف الخاص عليه\". وكلاهما صحيح. ويؤكد خطأ المتن الذي في نهاية السول ومناهج العقول شرح الإسنوي والبدخشي فإنهما ذكرا المسألة على الوجه الصواب، وفي شرح الكوكب ٣/ ٢٦٢: \"وترجمها الرازي، والبيضاوي، والهندي، وابن قاضي الجبل بقولهم: عطف الخاص على العام لا يقتضي تخصيص المعطوف عليه\". وأعني بالتخطئة أن العبارة: \"عطف العام على الخاص\" لا تناسب المثال المذكور: \"لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهدٍ في عهده\"؛ لأنه من عطف الخاص على العام، ولكن لا يلزم من هذه التخطئة أن هذه الصورة خطأ من حيث هي، بل هي نظير الصورة الأخرى والخلاف فيهما واحد؛ ولذلك قال الشارح والمحلي في شرح الجمع ٢/ ٣٢: (والأصح أن عطف العام على الخاص) وعكسه المشهور (لا يخصِّص) العام. . . مثال العكس: حديث أبي داود وغيره: \"لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهدٍ في عهده\" يعني: بكافرٍ حربي. . . ومثال الأول أن يقال: لا يقتل الذمي بكافر، ولا المسلم بكافر، فالمراد بالكافر الأول الحربي، فيقول الحنفي: والمراد بالكافر الثاني الحربي أيضًا؛ لوجوب الاشتراك المذكور. اهـ.\n(^٢) وذهب إليه أيضًا ابن الحاجب. انظر: المنتهى ص ١١٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٢٠، وإليه ذهب أيضًا القاضي أبو يعلى في \"الكفاية\". انظر: المسودة ص ١٤٠. قال الشيخ محمد بخيت المطيعي رحمه الله تعالى: \"ثقات مذهب الحنفية صَرَّحوا بأن هذه المسألة لا توجد في كتب الحنفية، ويشير إلى ذلك ابن الهمام في \"التحرير\" =","vol":"4","page":1538},{"text":"مثاله: أنَّ أصحابنا لما احتجوا على أن المسلم لا يُقتل بالذمي بما (^١) روى أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: \"لا يقتل مسلمٌ بكافر ولا ذو عهدٍ في عهده\" (^٢) - قالت الحنفيةُ (^٣) أو\n_________\n= أيضًا، وإنما استنبط غير الحنفية من الخلاف بين الحنفية والشافعية في قوله ﵊: ألا لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهدٍ في عهده\" على الوجه الذي سنذكره - مسألةً أصولية عَبَّر عنها بعضهم بقوله: عطف العام على الخاص لا يخصِّص\". سلم الوصول ٢/ ٤٨٦، وهذا الذي ذكره الشيخ مستفاد من الفواتح ١/ ٢٩٨، ٢٩٩، والبدخشي رحمه الله تعالى شرح المسألة، ولم يعترض هذا الاعتراض. انظر: مناهج العقول ٢/ ١٣٥.\n(^١) في \"ت\": \"لما\".\n(^٢) أخرجه البخاري ١/ ٥٣، في كتاب العلم، باب كتابة العلم، رقم الحديث ١١١، وفي الجهاد، باب فكاك الأسير ٣/ ١١٠، رقم الحديث ٢٨٨٢، وفي الديات، باب العاقلة ٦/ ٢٥٣١، رقم ٦٥٠٧، وفي باب لا يقتل المسلم بالكافر ٦/ ٢٥٣٤، رقم ٦٥١٧. وأخرجه الترمذي ٤/ ١٧، في كتاب الديات، باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر، رقم ١٤١٢. وأخرجه النسائي ٨/ ٢٣ - ٢٤، في القسامة، باب سقوط القود من المسلم للكافر، رقم ٤٧٤٤. وابن ماجه ٢/ ٨٨٧، في الديات، باب لا يقتل مسلم بكافر، رقم الحديث ٢٦٥٨، ٢٦٥٩. وليس في رواياتهم كلها لفظة: \"ولا ذو عهدٍ في عهده\". لكن أخرجها النسائي وأبو داود من حديث علي ﵁، وابن ماجه عن ابن عباسٍ عن النبي - ﷺ - بلفظ: \"لا يقتل مؤمن بكافرٍ ولا ذو عهدٍ في عهده\". انظر: سنن النسائي ٨/ ٢٤، رقم الحديث ٤٧٤٥، سنن أبي داود ٤/ ٦٦٦ - ٦٦٩، رقم ٤٥٣٠، سنن ابن ماجه ٢/ ٨٨٨، رقم ٢٦٦٠.\n(^٣) كذا نسبه إليهم الإمام في المحصول ١/ ق ٣/ ٢٠٥، وسراج الدين الأرموي في التحصيل ١/ ٤٠٥، وصفي الدين الهندي في نهاية الوصول ١٤/ ١٧٠١، والآمدي =","vol":"4","page":1539},{"text":"بعضُهم (^١): إنه ﵇ عَطَف عليه قولَه: \"ولا ذو عهدٍ في عهده\"، فيكون معناه: ولا ذو عهد في عهده بكافر. ثم إن الكافر الذي لا يُقتل به ذو العهد هو الحربي، فيجب أن يكون الكافر الذي لا يُقتل به المسلم أيضًا هو الحربي، تسويةً بين المعطوف والمعطوف عليه.\nوأجاب (^٢) المصنف: بأن التسوية بين المعطوف والمعطوف عليه غير واجبة في جميع الأحكام.\nوهو جواب ضعيف؛ لأن الحنفية لا يقولون باشتراك المعطوف والمعطوف عليه في جميع الأحكام، بل باشتراكهما في المتعلَّقات كالحال والشرط، والمصنف يوافق على ذلك، كما نَصَّ عليه في الاستثناء المُتَعَقِّب للجمل (^٣)، بل الجواب الصحيح أن قوله: \"ولا ذو عهد في عهده\" كلامٌ تام؛ لأنه لو قال: ولا يقتل ذو عهد - لكان من الجائز أن يتوهم منه (^٤) متوهِّم أن مَنْ وُجد منه العهد ثم خرج عن عهده لا يجوز قتله، فلما قال: \"في عهده\" - علمنا أن هذا النهي مختصٌّ بكونه في حال العهد. وإذا ثبت كونه كلامًا تامًا فلا يجوز إضمار تلك الزيادة، أعني\n_________\n= في الإحكام ٢/ ٢٥٨، والقرافي في شرح التنقيح ص ٢٢٢، وأبو الخطاب الكلوذاني في التمهيد ٢/ ١٧٢.\n(^١) كذا نسبه إلى بعضهم تاج الدين الأرموي في الحاصل ١/ ٥٧٩.\n(^٢) في (ت)، و(ص)، و(ك): \"أجاب\".\n(^٣) بمثل هذا اعترض البدخشي في مناهج العقول ٢/ ١٣٦.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1540},{"text":"لفظة: \"بكافر\"؛ لأن الإضمار على خلاف الأصل (^١).\nفإن قلت: ما وجه الارتباط بين هاتين الجملتين حينئذ، أعني: قوله: \"لا يقتل مسلم بكافر، ولا يقتل ذو عهد في عهده\"؛ إذ لا يظهر لإحداهما تعلق بالأخرى؟\nقلت: ظني أن أبا إسحاق المروزي - أحد أئمة أصحابنا - أجاب عنه في \"التعليقة\": بأن عداوة الصحابة ﵃ للكفار في ذلك الوقت (^٢) كانت شديدة جدًا، فنبه - ﷺ - على أنَّ صاحبَ العهد إذا كان في عهده لا يُقتل؛ لئلا يتجرد اللفظ الدال على أنَّ المسلم لا يقتل بالكافر، أعني قوله: \"لا يقتل مسلم بكافر\" فتحمل العداوةُ الشديدةُ على الإقدام على قتل كل كافر من مُعَاهَدٍ وغيرِه (^٣).\nوهذا الجواب جديرٌ بأن يُغْتبط به (^٤)، ولا يقال: حرمةُ الإقدام وإن انتفى القصاصُ باقيةٌ، وهي تَحْمِل الصحابةَ الذين هم أهل الورع الشديد على الإحجام؛ لأنا نقول: كان ذلك في صدر الإسلام، فلا (^٥) يلزم من كون المسلم لا يُقتل بالكافر أن يكون قتلُ المعاهَد حرامًا، بل حَكَم أولًا بنفي القصاص بين المسلم والكافر مطلقًا، والدليلُ الدالُّ على جواز قتل الكافر في الجملة قائم، فبَيَّن تخصيصَ ذلك الدليل (بنهيه\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول ٢/ ٤٨٧، شرح الأصفهاني ١/ ٤٢٨.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) انظر: البحر المحيط ٤/ ٣٠٩.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"ولا\".","vol":"4","page":1541},{"text":"عن) (^١) قتل المعاهَد في عهده (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-422>(التاسعة: عَوْد ضميرٍ خاصٍّ لا يخصِّص</span>. مثل: و﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ (^٣) مع و﴿وَبُعُولتهُنَّ﴾؛ لأنه لا يزيد على إعادته).\nعَوْد الضمير إلى بعض العام المتقدم هل يُوجب تخصيص العام؟\nوإنْ شئتَ قلتَ: إذا عُقِّب اللفظُ العام باستثناء، أو تقييد بصفة (^٤)، أو حكم خاص لا يتأتى في كلِّ مدلوله، بل في بعضه، فهل يُوجب ذلك تخصيصَه؟\nاختلفوا فيه:\nفذهب الأكثر مِنْ أصحابنا إلى أنَّ ذلك لا يُوْجب تخصيصَه. وبه جَزَم في الكتاب، واختاره الغزالي، والآمدي، وابن الحاجب، وصفي الدين\n_________\n(^١) في (ص): \"عن نهيه\". وهو خطأ.\n(^٢) انظر مسألة عطف الخاص على العام قي: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٠٥، الحاصل ١/ ٥٧٩، التحصيل ١/ ٤٠٥، نهاية الوصول ٤/ ١٧٠١، نهاية السول ٢/ ٤٨٦، شرح الأصفهاني ١/ ٤٢٦، مناهج العقول ٢/ ١٣٥، السراج الوهاج ١/ ٥٨٩، الإحكام ٢/ ٢٥٨، المحلي على الجمع ٢/ ٣٢، ١/ ٤٢٤، البحر المحيط ٤/ ٣٠٧، شرح التنقيح ص ٢٢٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٢٠، فواتح الرحموت ١/ ٢٩٨، تيسير التحرير ١/ ٢٦١، شرح الكوكب ٣/ ٢٦٢، المسودة ص ١٤٠، التمهيد لأبي الخطاب ٢/ ١٧٢.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.\n(^٤) في (ص): \"بصيغة\". وهو خطأ.","vol":"4","page":1542},{"text":"الهندي (^١).\nوذهب أكثر الحنفية إلى أنَّه يُخصِّصه (^٢)، ولذلك قالوا في قوله ﵇: \"لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلًا بكيل\" (^٣): إنَّ المراد منه ما يُكال من البر، فيجوز بيع الحفنة بالحفنتين؛ لأن ذلك القدر مما لا يكال (^٤).\nوذهب جماعةٌ منهم إمام الحرمين، وأبو الحسين، والإمام إلى\n_________\n(^١) وهو مذهب مالك - ﵁ - وأصحابه، وبه قال أكثر الحنابلة، وإليه ذهب القاضي عبد الجبار. انظر: المعتمد ١/ ٢٨٣، الإحكام ٢/ ٣٣٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥٢، نهاية الوصول ٥/ ١٧٦٣، نشر البنود ١/ ٢٥٨، شرح التنقيح ص ٢١٨، شرح الكوكب ٣/ ٣٨٩.\n(^٢) انظر: تيسير التحرير ١/ ٣٢٠، فواتح الرحموت ١/ ٣٥٦، وهو رواية عن أحمد ﵁، وإليها ذهب القاضي أبو يعلى في \"الكفاية\". انظر: المسودة ص ١٣٨، شرح الكوكب ٣/ ٣٨٩.\n(^٣) لم أقف على هذا اللفظ، ولكن ورد النهي عن بيع البر بالبر إلا سواء بسواء عينًا بعين في حديث عبادة بن الصامت ﵁: \"إني سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرِّ بالبُرِّ، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، إلا سواءً بسواءً، عينًا بعين. فمن زاد أو ازداد فقد أربى\". أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٢١٠، كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا، رقم ١٥٨٧. والنسائي ٧/ ٢٧٤ - ٢٧٥، في كتاب البيوع، باب بيع البر بالبر، رقم ٤٥٦٠، ٤٥٦١. وابن ماجه ٢/ ٧٥٧، في كتاب التجارات، باب الصرف وما لا يجوز متفاضلًا يدأ بيد، رقم ٢٢٥٤. والترمذي ٣/ ٥٤١، في كتاب البيوع، باب ما جاء أن الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل، رقم ١٢٤٠.\n(^٤) انظر: الهدية ٣/ ٦٨.","vol":"4","page":1543},{"text":"التوقف (^١).\nومَثَّل في الكتاب لذلك بقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ثم إنه تعالى قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ (^٢)، وهذا مختص بالمطلقة بالطلاق الرجعي دون البائن. فيقول الأولون: إن ذلك لا يقتضي أن المراد من المطلقات الرجعيات (^٣). وتقول الحنفية: يقتضيه.\nومثال الاستثناء: قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ (^٤) إلى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (^٥)، فاستثناء العفو عنه (^٦) لكناية راجعة إلى النساء، ومعلوم أن العفو لا يصح إلا من البالغات العاقلات دون الصبية والمجنونة، فهل يُوجب ذلك أن يُقال: إن المراد من النساء في أول الكلام البالغات العاقلات فقط (^٧)؟\n_________\n(^١) انظر: المعتمد ١/ ٢٨٣، المحصول ١/ ق ٣/ ٢١٠، نهاية الوصول ٥/ ١٧٦٤، الوصول إلى الأصول ١/ ٢٧٧. وإليه صار ابن عبد الشكور. انظر: فواتح الرحموت ١/ ٣٥٦.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.\n(^٣) يعني: يقول الأولون القائلون بعدم التخصيص: إنَّ ذِكْر حكمِ المطلقة الرجعية: وهو أن بَعْلها أحقُّ بردها - لا يقتضي أن المطلَّقاتِ المذكوراتِ قبل ذلك المرادُ بهن الرجعيات، فَعَوْد الضمير في قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ إلى العام في قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ﴾ - لا يقتضي التخصيص.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٢٢٦.\n(^٥) سورة البقرة: الآية ٢٢٧.\n(^٦) أي: عن الجناح.\n(^٧) انظر: نهاية الوصول ٥/ ١٧٦٤.","vol":"4","page":1544},{"text":"ومثال التقييد بالصفة: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (^١)، ثم قال: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ (^٢) يعني الرغبةَ في مراجعتهن، ولا ريب في أن ذلك لا يتأتى في الطلاق البائن، فهل يقتضي ذلك تخصيصَ الطلاق (^٣) المذكور في أول الكلام بالرجعي (^٤)؟\nومثال التقييد بحكمٍ آخر ما أورده المصنف، وقد شرحناه.\nواحتج المصنف بأن عود الضمير لا يزيد على إعادة ذلك البعض، ولو صَرَّح بالإعادة فقيل: \"وبعولة المطلقات أحق بردهن\" في المثال الأول، أو: \"إلا أن تعفو العاقلات البالغات\" في المثال الثاني، أو: \"يُحْدِثُ أمرًا في الرجعيات\" في المثال الثالث - لم يكن ذلك مُخَصِّصًا اتفاقًا، فكذلك هنا.\nواحتج المتوقف: بأن ظاهرَ العموم يقتضي الاستغراق، وظاهرَ الكناية يقتضي مطابقتها للمَكْني في العموم والخصوص، وليست مراعاة ظاهر العموم بأولى (^٥) من مراعاة ظاهر الكناية، فوجب التوقف.\nوأجيب عنه: بأنا لا نسلم أنه ليست مراعاة أحدهما بأولى من مراعاة الآخر، بل مراعاة إجراء العام على عمومه - أولى مِنْ مراعاة مطابقة الكناية للمَكْني، لأن المكنيَّ أصلٌ، والكناية تابعةٌ؛ لأنها تفتقر في\n_________\n(^١) سورة الطلاق: الآية ١.\n(^٢) سورة الطلاق: الآية ١.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) انظر: نهاية الوصول ٥/ ١٧٦٥.\n(^٥) في (ت)، و(غ): \"أولى\".","vol":"4","page":1545},{"text":"دلالتها على مسماها إليه، مِن غير عكس. ومراعاة دلالة المتبوع أولى من مراعاة دلالة التابع؛ ولأنه أكثر<span data-type=\"title\" id=toc-423> فائدة </span>وأظهر دلالة، فكان بالرعاية أجدر. (والله أعلم) (^١).\nفائدة:\nسألت والدي أطال الله بقاه في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٢)، وقول الشافعي - ﵁ -: إن ذلك في الأحرار، بدليل أن العبد لا يملك (^٣).\nفقلت: إن (^٤) هذا مِنْ عَطْف الضمير الخاص على العام، فلا يقتضي التخصيصَ على الصحيح.\nفقال: ليس هذا من ذلك القبيل؛ لأن ذلك في لفظ عامٍ يتقدم، ويأتي بعده ضمير لا يستقل بنفسه، بل يعود على ذلك اللفظ المتقدم العام. وهنا خطاب، والمخاطَب لم يتحقق فيه عموم ولا خصوص، والمرجع فيه إلى\n_________\n(^١) لم ترد في (ت)، و(ص).\n(^٢) سورة النساء: الآية ٣.\n(^٣) عبارة الشافعي ﵁ كما في \"أحكام القرآن\" ١/ ١٨٠ (جَمْع البيهقي ﵁): فكان بَيِّنًا في الآية والله أعلم: أن المخاطبين بها الأحرار؛ لقوله ﷿: ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾؛ لأنه لا يملك الا الأحرار. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ فإنما يعول من له المال، ولا مال للعبد، وانظر: الأم ٥/ ٤١.\n(^٤) سقطت من (ص)، و(ك).","vol":"4","page":1546},{"text":"قَصْد المتكلم، وما يدل عليه. فقوله (^١): ﴿فَانْكِحُوا﴾ خطابٌ لمخاطَبِين لم يتحقق دخول العبيد في موضوعه، بل بحسب ما يريد التكلم مِنْ مخاطبِه، فإذا دلَّ دليل في آخر الكلام أو في أوله على المراد - حُمِل عليه، وهنا قد دَلَّ دليلٌ في آخره وهو قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وفي أوله وهو: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ (^٢)، فإنه إنما يخاطَب به مَنْ يلي أمرَ اليتيم، والعبد لا يلي أمرَ اليتيم.\nفقلتُ: الخطاب الأول (^٣) لجميع الناس الأحرار والعبيد، بدليل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ (^٤).\nفقال: لنا في الجواب طريقان:\nأحدهما: ما قررناه غير مرة مِنْ أن (^٥) أَيًّا (^٦) نكرة وهي المنادى، (ووُصِفت) (^٧) بالناس، فالألف واللام في \"الناس\" للعهد، والمعهود هي النكرة المقصودة، وهو الذي ناداه المتكلم، والعهد متقدم (^٨) على العموم.\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"بقوله\". وهو خطأ.\n(^٢) سورة النساء: الآية ٣.\n(^٣) وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا. . .﴾.\n(^٤) سورة النساء: الآية ١.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) أي: في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ. . . .﴾.\n(^٧) في (ص): \"وُصِف\" وفي (غ): \"ووصف\" فيكون الضمير عائدًا إلى \"المنادى\".\n(^٨) في (ص): \"مقدم\".","vol":"4","page":1547},{"text":"والثاني: أن يُسَلَّم أنها للعموم، ويقوم دليلٌ على أن الخطاب بعدها لبعضهم مثاله: أن يقول لعشرة: افعلوا كذا. ثم يقول لبعضهم: افعلوا كذا. فليس تخصيصًا للأول، وإنما هو خطاب لغير مَنْ خُوطب أوَّلًا، وهو بعض منه. وهو يشبه الالتفات، فليس من باب عَوْد الضمير المقتضي للتخصيص على خلافٍ فيه، بل هذا لا يقتضي التخصيص قولًا واحدًا، لأن كلَّ واحدٍ من الكلامين مستقل بنفسه، وإنْ كان بينهما التئام. (والله أعلم) (^١) (^٢).\nقال: (تذنيب: المطلق والمقيَّد إن اتحد سببُهما حُمِل المطلق عليه، عملًا بالدليلين. وإلا فإن اقتضى القياسُ تقييدَه قُيِّد، وإلا فلا).\nالمطلق والمقيَّد كالعام والخاي، وكل ما يجوز فيه تخصيص العام من الأدلة إما على الوفاق أو الخلاف - فإنه يجوز به تقييد المطلق من غير تفاوت، ولذلك جعل المصنف الكلام فيهِ ذُنَابَةً (^٣)، وتتمة\n_________\n(^١) لم ترد في (ت)، و(غ)، و(ك).\n(^٢) انظر المسألة التاسعة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٠٨، الحاصل ١/ ٥٨٠، التحصيل ١/ ٤٠٦، نهاية الوصول ٥/ ١٧٦٣، نهاية السول ٢/ ٤٨٩، السراج الوهاج ١/ ٥٩٠، مناهج العقول ٢/ ١٣٦، الإحكام ٢/ ٣٣٦، المحلي على الجمع ٢/ ٣٢، المعتمد ١/ ٢٨٣، شرح التنقيح ص ٢١٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥٢، فواتح الرحموت ١/ ٣٥٦، تيسير التحرير ١/ ٣٢٠، شرح الكوكب ٣/ ٣٨٩، المسودة ص ١٣٨، العدة ٢/ ٦١٤.\n(^٣) أي: مؤخَّرًا. وفي اللسان ١/ ٣٩١، ٣٩٢، مادة (ذنب): \"وذَنَبة الوادي والنهر، وَذُنَابَتُه، وذِنَابَتُه: آخره، الكسر عن ثعلب. . . . وذنابة العين، وذِنابها، وذَنَبُها: مؤخَّرها\".","vol":"4","page":1548},{"text":"للعام والخاص. والأخذ في شرح ما أورده يستدعي تقديمَ مقدِّمةٍ، فنقول: المطلق منقسمٌ إلى حقيقي، وإضافي.\nأما الحقيقي: فهو المطلق من كل وجه. وقد يقال: المطلق على الإطلاق: وهو المجردُ عن جميع القيود، الدالُّ على ماهية الشيء من غير أن يدل على شيءٍ مِنْ أحوالها وعوارضها. على ما ذكرناه (^١) في باب العموم.\nوأما الإضافي، مثل قولك: أعتق رقبة، واضرب رجلًا - فليس هو (^٢) مطلقًا من كل وجه، بل: هو دال على واحدٍ شائع في الجنس. وهما قيدان زائدان على الماهية، وهذا مُطْلق بالنسبة إلى قولنا: رقبة مؤمنة. ومُقيَّدٌ بالنسبة إلى اللفظ الدال على ماهية الرقبة، من غير أن يكون فيها دلالة على كونها واحدة أو كثيرة، أو شائعًا في الجنس، أو مُعَيَّنًا.\nوإذا عرفت انقسام المطلق إلى قسمين - فاعلم أن المُقَيَّد (ينقسم أيضًا) (^٣) إلى قسمين مقابِلَيْهما:\nفالمقيَّد من كل وجه، أو على الإطلاق: هو اللفظ الذي لا اشتراك فيه أصلًا. كأسماء الأعلام.\nوأما المقيَّد من وجه دون وجه - فنَحْو: ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، ورجل عالم (^٤).\n_________\n(^١) في (ص): \"ما ذكرنا\".\n(^٢) في (ت): \"هذا\".\n(^٣) في (ت)، و(غ)، و(ك): \"أيضًا ينقسم\".\n(^٤) انظر تعريف المطلق والمقيد في: نهاية الوصول ٥/ ١٧٧١، الإحكام ٣/ ٣، المحلي =","vol":"4","page":1549},{"text":"إذا (^١) عرفت ذلك فلْنَعُد إلى الشرح، والمقصودِ (من الكلام) (^٢) في حمل المطلق على المقيد.\nاعلم أن مُتعَلَّق حكم المطلق إما أن يكون عَيْن (^٣) متعلَّق حكم المقيَّد، أَوْ لا يكون.\nفإنْ كان الثاني فلا يُحْمل المطلق على المقيد وفاقًا (^٤)؛ لأنه لا مناسبة بينهما، ولا تعلق لأحدهما بالآخر أصلًا. ومثلوا هذا بتقييد الشهادة بالعدالة، وجريان ذِكْر الرقبة في الكفارة مطلقًا مُعَرَّى العدالة.\nوإنْ كان الأول: فإما أن يتحد السبب أو يختلف، وعلى التقديرين: إما أنْ يكون كل واحد من المطلق والمقيد أمرًا، أو نهيًا، أو أحدهما أمرًا والآخر نهيًا. فهذه أقسام ستة:\nأحدها: أن يكون السبب واحدًا، وكل واحد منهما أمرًا. نحو أن نقول: أعتقوا رقبةً مؤمنة إذا حنثتم. ثم نقول مرة أخرى: أعتقوا رقبةً إذا\n_________\n= على الجمع ٢/ ٤٤، البحر المحيط ٥/ ٥، شرح التنقيح ص ٢٦٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥٥، نشر البنود ١/ ٢٦٤، كشف الأسرار ٢/ ٢٨٦، فواتح الرحموت ١/ ٣٦٠، شرح الكوكب ٣/ ٣٩٢، المسودة ص ١٤٧، مختصر ابن اللحام ص ١٢٥.\n(^١) في (ص): \"وإذا\".\n(^٢) في (غ)، و(ص)، و(ك): \"الكلام\".\n(^٣) في (ص): \"غير\" وهو خطأ.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢١٤، نهاية الوصول ٥/ ١٧٧٣، المعتمد ١/ ٢٨٨، البحر المحيط ٥/ ٩، شرح التنقيح ص ٢٦٦، الفواتح ١/ ٣٦١، الإحكام ٣/ ٤، كشف الأسرار ٢/ ٢٨٧، التلخيص ٢/ ١٦٦.","vol":"4","page":1550},{"text":"حنثتم. فها هنا لا خلاف أن المطلق محمولٌ على المقيَّد (^١). وكذا لو قال أوَّلًا: أعتقوا رقبة. ثم قال: أعتقوا رقبة مؤمنة. وكذا لو لم يُعلم التاريخ بينهما؛ لأن مَنْ عمل بالمقيَّد فقد عمل بالمطلق، ضرورةَ أنَّ المطلق جزءٌ من المقيَّد، والآتي بالكل آتٍ بالجزء، فيكون العمل بالمقيَّد عملًا بالدليلين. وأما العمل بالمطلق فليس عملًا بالمقيَّد؛ لأن الآتي بالجزء لا يكون آتيًا بالكل، بل يكون (^٢) تاركًا له، فيكون العمل بالمطلق يستلزم الترك لأحد الدليلين بالكلية، فإذا كان الجمع بين الدليلين واجبًا مع استلزامه الترك لشيء من مدلولات أحدهما فليجب حيث لا يستلزم ذلك بطريقٍ أولى، ولا يُخَرَّج ذلك على الخلاف في تقابل العام المتأخر والخاص المتقدم؛ لهذا الذي ذكرناه.\nفإنْ قلت: مقتضى (^٣) الإطلاق: التمكن مِنْ أي فردٍ شاء المكلَّف. والتقييد يزيل (^٤) التمكن من ذلك، فلِمَ كانَ هذا أولى مِنْ حَمل الأمر بالمقيَّد على الندب؟\nقلت: هذا الحكم الذي هو التمكن حالة الإطلاق - غيرُ مدلولٍ عليه باللفظ؛ لأن اللفظ: وهو أعتق رقبة، مثلًا - إنما دل على\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط ٥/ ١٠، شرح الكوكب ٣/ ٣٩٦، ٣٩٧، المسودة ص ١٤٦، الإحكام ٣/ ٤، كشف الأسرار ٢/ ٢٨٧.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) في (ص): \"فمقتضى\".\n(^٤) في (غ): \"مزيل\".","vol":"4","page":1551},{"text":"إيجاد (^١) عِتْق رقبة، وكون الكافرة في حالة الإطلاق مجزئةً، إنما جاء من تركيب العقل مع النقل؛ لأنك تقول هذه الكافرة تجزئ؛ لأنها رقبة، والرقبة تجزئ، لقوله: أعتق رقبة. فَكَوْن الكافرة تجزئ غير مدلول عليه لفظًا، والمقيد: وهو أعتق رقبة مؤمنة - مدلول عليه باللفظ، فكان أولى بالرعاية.\nالثاني: أن يكون كُلُّ واحدٍ من المطلَق والمقيَّد نهيًا. نحو: أن تقول: لا تعتق رقبة. ثم تقول مرة أخرى: لا تعتق رقبة كافرة. فمن يقول بمفهوم الخطاب يلزمه أن يخصِّص النهي (^٢) العام بالكافرة؛ لأن النهي الثاني عنده يدل على إجزاء من ليست كافرة (^٣).\nولقائل أن يقول: وجود المطلق والمقيد في جانب (النفي والنهي) (^٤) يُصَيِّر المطلق عامًا، والمقيَّد خاصًا؛ لأن ذلك نكرة في سياق النفي فلا يُتَصَوَّران في هذين الجانبين.\nالثالث: أن يكون أحدهما أمرًا والآخر نهيًا، وهو قسمان؛ لأنه إما أن\n_________\n(^١) في (ص): \"اتخاذ\": \"اتحاد\". وكلها خطأ.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) ومن لا يقول بالمفهوم كالحنفية لا يحمل النهي العام على الكافرة. ووافقهم على ذلك الآمدي وابن الحاجب من جهة عدم المنافاة بينهما؛ إذ الرقبة الكافرة فرد من أفراد عموم الرقبة. انظر: كشف الأسرار ١/ ٢٨٧، الإحكام ٣/ ٥، المنتهى ص ١٣٥ - ١٣٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥٥ - ١٥٦، شرح الكوكب ٣/ ٣٩٩ - ٤٠٠، التمهيد لأبي الخطاب ٢/ ١٧٨.\n(^٤) في (ص): \"النهي والنفي\".","vol":"4","page":1552},{"text":"يكون المطلق أمرًا، والمقيَّد نهيًا، نحو: أن تقول: أعتق رقبة. ثم تقول: لا تعتق رقبة كافرة، أو بالعكس، نحو: لا تعتق رقبة. ثم تقول: أعتق رقبة مؤمنة. ففي هاتين الصورتين يُوجب المقيَّدُ تقييد المطلق بضده بلا خلاف (^١).\nالرابع: أن يكون كل واحدٍ منهما أمرًا، ولكن السبب مختلف. نحو: قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ (^٢)، وقوله في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مؤْمِنَةٍ﴾ (^٣)، فها هنا اختلفوا على ثلاثة مذاهب:\nأحدها: أنه (^٤) يحمل عليه من غير حاجةٍ إلى دليل آخر، فإن تقييد أحدهما يوجب تقييد الآخر لفظًا. وبه قال بعض أصحابنا (^٥). قال إمام الحرمين: \"وأقرب طريق لهؤلاء أن كلام الله تعالى في حكم الخطاب الواحد، (وحق الخطاب الواحد أن) (^٦) يترتب المطلق فيه على المقيد\".\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ٣/ ٥، نهاية الوصول ٥/ ١٧٧٨.\n(^٢) سورة المجادلة: الآية ٣.\n(^٣) سورة النساء: الآية ٩٢.\n(^٤) في (ص): \"أن\".\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢١٨، نهاية الوصول ٥/ ١٧٧٩. وإليه صار أيضًا بعض المالكية. انظر: إحكام الفصول ص ٢٨١، وهو رواية عن أحمد - ﵁ -، واختارها القاضي أبو يعلى رحمه الله تعالى. انظر: العدة ٢/ ٦٣٧، ٦٣٨، التمهيد ٢/ ١٨٠. وقال الماوردي والروياني في باب القضاء: إنه ظاهر مذهب الشافعي. انظر: البحر المحيط ٥/ ١٤.\n(^٦) سقطت من (غ).","vol":"4","page":1553},{"text":"قال: \"وهذا من فنون الهَذَيان، فإن قضايا الألفاظ في كتاب الله تعالى مختلفة متباينة، لبعضها حكم التعليق (^١) والاختصاص، ولبعضها حكم الاستقلال والانقطاع فمن ادعى تنزيلَ جهات الخطاب على حكمِ كلامٍ واحد، مع العلم بأن في (^٢) كتاب الله تعالى النفي والإثبات، والأمر والزجر، والأحكام المتغايرة - فقد ادعى أمرًا عظيمًا، ولا مَعْني (^٣) في مثل ذلك الإشارة إلى اتحاد الكلام الأزلي، ومُضْطرب المتكلمين في الألفاظ وقضايا الصيغ، وهي مختلفة لا مِرَاء في اختلافها؛ فيسقط (^٤) هذا الفن\" (^٥).\nوالمذهب الثاني: وعليه الحنفية، أنه لا يجوز الحمل عليه (^٦) بحال (^٧)؛\n_________\n(^١) هكذا في جميع النسخ، والذى في البرهان ١/ ٤٣٥: \"التعلق\". وكذا هو في البحر المحيط (٥/ ١٥) نقلًا عن إمام الحرمين.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) في (ص)، و(ك): \"ولا يعني\". ولعل المقصود به: \"ولا يغني\"، كما هو في البرهان ١/ ٤٣٥، ونسخة (غ) وفي البحر المحيط ٥/ ١٥: \"ولا تغني\".\n(^٤) في (غ)، و(ك): \"فسقط\".\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ٤٣٥. وقال الإمام عن هذا المذهب: إنه ضعيف جدًا. المحصول ١/ ق ٣/ ٢١٩. وقال عنه الغزالي رحمه الله تعالى: \"وهذا تحكم محض، يخالف وضع اللغة\". المستصفى ٣/ ٣٩٩. وانظر: شرح اللمع ١/ ٤١٨.\n(^٦) أي: على المقيَّد.\n(^٧) انظر: فواتح الرحموت ١/ ٣٦٥، كشف الأسرار ٢/ ٢٨٧. وإليه صار أيضًا أكثر المالكية. انظر: شرح التنقيح ص ٢٦٦، نشر البنود ١/ ٢٦٨، وهو رواية عن أحمد ﵁، اختارها أبو إسحاق بن شاقلا، والمجد ابن تيمية. انظر: العدة ٢/ ٦٣٨، التمهيد ٢/ ١٨٠، نزهة الخاطر ٢/ ١٩٤، المسودة ص ١٤٥.","vol":"4","page":1554},{"text":"لأن ذلك الدليل إنْ كان دون المطلق في القوة لم يصلح لنسخه، وإنْ كان مثله - فإن عُلِم شَرْط النسخ كان نَسْخًا له، وإلا كان تعارضًا (^١)، فهو غير محمول على المقيد بحال.\nوالثالث: وهو قول الشافعي وجمهور الأصحاب (^٢) أنه إنْ وُجد قياس، وكذا دليلٌ غيره يقتضي تقييده - قُيِّد، وإلا فلا. وهذا ما جزم به في الكتاب.\nالخامس: أن يكون كل واحدٍ منهما نهيًا، والسبب مختلف. نحو: \"لا تعتق رقبة\" في كفارة الظهار مثلًا، ثم نقول: \"لا تعتق رقبة مؤمنة\"، في كفارة القتل. فالقائل بالمفهوم، وبتقييد (^٣) المطلق بالمقيَّد إنْ وُجِد دليل (^٤) - (يلزمه تخصيص النهيَ العامَّ بالكافرة إنْ وجد دليل) (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) في (ت): \"معارِضًا\".\n(^٢) ومُحَقِّقو المالكية كالقاضي أبي بكر، والقاضي عبد الوهاب، وابن الحاجب، وغيرهم. وهو رواية عن أحمد ﵁ واختارها أكثر الحنابلة. انظر: إحكام الفصول ص ٢٨١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥٦، التلخيص ١/ ١٦٧، ١٦٨، الإحكام ٣/ ٥، نهاية الوصول ٥/ ١٧٧٩، نهاية السول ٢/ ٥٠٥، المحلي على الجمع ٢/ ٥١، المختصر في أصول الفقه لابن اللحام ص ١٢٦، شرح الكوكب ٣/ ٤٠٢.\n(^٣) في (ص): \"وتقييد\".\n(^٤) قوله: \"وبتقييد المطلق بالمقيد إن وجد دليل\" يعني به: الشافعيَّ وجمهور الأصحاب ﵃، كما سبق بيانه في المذهب الثالث من القسم الرابع.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) قوله: \"إن وجد دليل\" هذا خاص بالشافعي وجمهور الأصحاب ومَنْ وافقهم، لا بمن يُجَوِّز ذلك بالمفهوم فقط، كما هو رأي بعض الشافعية، كما سبق في الصورة الرابعة.","vol":"4","page":1555},{"text":"السادس: أن يكون أحدهما أمرًا والآخر نهيًا، والسبب مختلف. وهو قسمان؛ لأنه إما أن يكون المطلق أمرًا، نحو: أعتق رقبة. في كفارة الظهار. (والمقيَّد نهيًا، نحو) (^١): لا تعتق رقبة كافرة. في كفارة القتل.\nأو بالعكس، نحو: لا تعتق رقبة في كفارة الظهار، ثم يقول: أعتق رقبةً مسلمة. في كفارة القتل.\nوحكمهما واحد، لا (^٢) يخفى عليك مما سبق. وقد ذكر المصنف ما إذا اتحد السبب، وما إذا اختلف. ولا يعسر عليك فَهْمُ كلامه بعد الصغو إلى ما ألقيته لك من الشرح (^٣).\nومما أهمله المصنف ما إذا أطلق الحكم في موضعٍ، ثم قَيَّد في موضعين بقيدين متضادين، فمَنْ زعم أن التقييد باللفظ - قال: يبقى المطلق على إطلاقه؛ إذ ليس تقييده بأحدهما أولى مِنْ تقييده بالآخر. ومَنْ حمل المطلق على المقيد بالقياس - حَمَله على ما كان حَمْله عليه أولى (^٤).\nوقد مُثِّل لذلك بقوله - ﷺ - في الغَسَلات من ولوغ الكلب: \"إحداهن بالتراب\"، وفي رواية: \"أولاهن\"، وفي رواية: \"فعفروه (^٥) الثامنة\"، فلا يُحْمل على إحدى الروايتين دون الأخرى؛ للترجيح مِنْ غير مرجح؛ إذ\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص): \"ولا\".\n(^٣) في (ص): \"الشرع\".\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٢٢.\n(^٥) في (ت): \"وعفروه\".","vol":"4","page":1556},{"text":"القياس هنا متعذر، بل يُرْجع إلى أصل الإطلاق، ونقول: يجوز (^١) التعفير في كل واحدةٍ (^٢) من المرات عملًا برواية: \"إحداهن\" المطلقة هكذا ذكروه، وبه أجاب الشيخ أبو العباس القرافي عن اعتراض أورده بعض قضاة الحنفية على الشافعية: بأن (^٣) قاعدتهم حَمْلُ المطلق على المقيد؛ فكان ينبغي أن يوجبوا: \"أولاهن\"؛ لورود: \"إحداهن\"، و\"أولاهن\".\nفأجابه القرافي: بأنه قد عارض روايةَ: \"أولاهن\" روايةُ: أخراهن، يريد بذلك: \"فعفروه الثامنة\"؛ فيرجع إلى أصل الإطلاق (^٤).\nقال بعض المتأخرين: وعلى هذا ينبغي انحصار الوجوب في الأُولى، (أو الثامنة) (^٥)، ويتخير فيهما.\nواعلم أن هذا هو الذي نص عليه الشافعي - ﵁ - في \"الأم\"، فقال ما نصه: وإذا غسلهن سبع مراتٍ جعل أولاهن أو أخراهن ترابًا، لا يطهر إلا بذلك (^٦). انتهى. وفي \"مختصر البويطي\" فقال في أثناء باب غُسْل الجمعة، وهو بعد باب التيمم كيف هو؟ وقبل كتاب الصلاة - ما نصه: وإذا ولغ\n_________\n(^١) في (ت): \"بجواز\".\n(^٢) في (غ): \"واحد\".\n(^٣) في (ت): \"فإن\".\n(^٤) انظر: نفائس الأصول ٥/ ٢١٧٤، شرح التنقيح ص ٢٦٩. والمعنى: يَجْزي أيُّ واحدة من السبع أن تكون بالتراب.\n(^٥) في (غ): \"والثامنة\".\n(^٦) انظر: الأم ١/ ٦.","vol":"4","page":1557},{"text":"الكلب في الإناء غُسِل سبعًا أولاهن أو أخراهن بالتراب، لا يُطَهِّره غير ذلك، وكذلك رُوي عن رسول الله - ﷺ -: والخنزير قياسًا عليه يُغْسل سبعًا (^١). انتهى. وهو في غاية الغرابة، وعليه جرى المرعشي من أصحابنا في كتابه \"ترتيب الأقسام\" وعبارته: ما أصاب الكلبُ بلسانه أو بعضو من أعضائه من الماء القليلِ نَجَّسه، ولم يطهر الإناء إلا بأن يُغْسل سبع مرات، أولاهن أو أخراهن بالتراب.\nلكن في هذا البحث نظرٌ ذكره والدي، وهو أنه إنما ينبغي حينئذ أن يُوجب كلاهما: الأولى والأخيرة؛ لورود الحديث فيهما، ولا تنافي في الجمع بينهما، اللهم إلا أن يراد بالثامنة ثامنة (^٢) العدد، لا الأخيرة، فإنه حينئذٍ يكون مطلقًا كإحداهن، وتكون رواية إحداهن والثامنة واحدة ومعنى رواية أولاهن، فيعود أصل السؤال.\nويناظر هذا السؤال سؤالان آخران:\nأحدهما: أنَّ أبا حنيفة ﵀ قال: لا يجري التحالف بين المتبايعَيْن إلا إذا كانت السلعة قائمة، أما إذا كانت تالفة فالقول قول المشتري (^٣). والشافعي - ﵁ - قال: إذا اختلف المتبايعان - تحالفا، سواء كانت السلعة قائمة أو تالفة (^٤)، مع أنه رَوَى: أنه - ﷺ - قال: (\"إذا اختلف\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول ٢/ ٥٠٧.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) وهو قول أبي يوسف ﵁ أيضًا. انظر: الهداية ٣/ ١٨١، ملتقى الأبحر ٢/ ١١٢.\n(^٤) وهو قول محمد بن الحسن رحمه الله تعالى، كما في المرجعين السابقين. وانظر: =","vol":"4","page":1558},{"text":"المتبايعان تحالفا\"، ورَوَى أنه - ﷺ - قال) (^١): \"إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالفا\" فَلِمَ لا حَمَل المطلق على المقيد مع اتحاد القاعدة.\nوالثاني: إن في كتاب فريضة الصدقة في فريضة الإبل: \"فإنْ زادت على عشرين ومائة\" وهو مطلق في الزيادة، وجاء مقيَّدًا في حديث ابن عمر: \"فإنْ زادت واحدةٌ\" (^٢)، فلا ينبغي أن يجب في مائة وعشرين وبعض واحدة إلا ما يجب في مائة وعشرين فقط.\nوالجواب عن الأول من وجوه:\nأحدها: أنه روي من حديث أبي وائل عن عبد الله أن النبي - ﷺ - قال: \"إذا اختلف المتبايعان والمبيع مُسْتَهْلك فالقول قول البائع\" رواه الدارقطني.\nوالخصوم رَوَوْا أنَّ النبي - ﷺ - قال: \"إذا اختلف المتبايعان (فالقول ما قال) (^٣) البائع، فإنْ اسْتُهْلك فالقول قول المشتري\". وهذا يوافق الحديث المقيد بكون السلعة قائمة (^٤)، وهما قيدان\n_________\n= أصول السرخسي ٢/ ٢٥، العزيز شرح الوجيز ٤/ ٣٧٥، روضة الطالبين ٣/ ٢٣٠ - ٢٣١.\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) هذا جزء من حديث فريضة الصدقة الطويل الذي سبق تخريجه.\n(^٣) في (ت): \"فالقول قول\".\n(^٤) أي: الحديث الأخير يوافق حديث: \"إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة تحالف\" في التقييد بكون السلعة قائمة؛ لأن أول الحديث مقيَّد بقيام السلعة لأنه قال: \"إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع، فإن استهلك فالقول قول المشتري\" فمفهوم قوله: \"فإن استهلك\" أنَّ ما قبله قبل الاستهلاك، يعني: والسلعة قائمة. فهذا الحديث يفيد أنه إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول قول البائع والحنفية لا يقولون =","vol":"4","page":1559},{"text":"متضادان (^١)، فرجعنا إلى أصل الإطلاق (^٢). ثم إن هذا الحديث يقتضي عدمَ جريان التحالف مطلقًا، وهم لا يقولون به، ثم إنه يرويه الحسن بن عمارة وهو متروك رديء الحفظ (^٣).\nوالثاني: أن الحديث المشتمل على التقييد بكون السلعة قائمة - يرويه القاسم بن عبد الرحمن (^٤) عن ابن مسعود، ولم يَلْقَه؛ فيكون مرسلًا، ونحن لا نقول بالمراسيل.\nوالحق أن الحديث الذي رَوَوْه من التقييد (بقيام السلعة ضعيف،\n_________\n= بهذا الحكم، بل يقولون بالتحالف كما ورد في الحديث الآخر، لكنهم يعملون بهذا الحديث في حالة الاستهلاك وهو أن القول قول المشتري، مع أن هذا معارَض بحديث: \"إذا اختلف المتبايعان، والمبيع مُستهلَكٌ - فالقول قول البائع\".\n(^١) أي: حديث: \"إذا اختلف المتبايعان والمبيع مستهلك فالقول ما قال البائع\" مقيد بحالة استهلاك المبيع، والحديث الآخر: \"إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع\" وهو مقيد بحالة قيام السلعة، كما سبق بيانه في الهامش السابق، وهما قيدان متضادان.\n(^٢) أي: فلم يعمل الشافعي بأيٍّ من الحديثين؛ لكون القيدين متضادين، فرجع إلى أصل الإطلاق، وهو اختلاف المتبايعين، وأنهما يتحالفان سواء كانت السلعة قائمة أو تالفة، ولا يترجح قول أحدهما على الآخر.\n(^٣) انظر: تهذيب ٢/ ٣٠٤، تقريب ص ١٦٢.\n(^٤) هو القاسم بن عبد الرحمن الشامي، أبو عبد الرحمن الدمشقي. قال الذهبي: \"يُرسل كثيرًا عن قدماء الصحابة كعليٍّ، وتميم الداريّ، وابن مسعود، ويروي عن أبي هريرة، وفضالة بن عبيد، ومعاوية، وأبي أمامة، وعدة\". وقال أبو حاتم: \"روايته عن عليٍّ وابن مسعود مرسلة\" قال ابن حجر: \"صدوق يُغرِب كثيرًا\". مات سنة ١١٢ هـ. انظر: سير ٥/ ١٩٤، تهذيب ٨/ ٣٢٢، تقريب ص ٤٥٠.","vol":"4","page":1560},{"text":"والذي رويناه من التقييد) (^١) بهلاكها ضعيف (^٢) أيضًا، ولا حاجة إلى التطويل في بيان ذلك، وضَعْف التقييدين يكفي في الرجوع إلى أصل الإطلاق. وقول الغزالي (^٣) في المأخذ فيما يرويه أصحابنا من التقييد بالهلاك: \"أجمع أهل الحديث على صحته\" - باطلٌ، نبهنا عليه لئلا يقع الاغترار به.\nوالثالث: أن التنصيص على قيام السلعة إنما كان تنبيهًا على حالة تلفها؛ لأنه إذا كان التحالف ثابتًا عند حالة قيام السلعة، مع أنه يمكن الاستظهار بالرجوع إلى القيمة وتعرف (^٤) صفاتها - (فلأن يتحالفا مع تلفها ولا يمكن الرجوع إلى صفاتها) (^٥) أولى.\nوعن الثاني: أنه إنما يَرِد على الإصطخري (^٦) من أصحابنا القائل: بأنه يجب ثلاث بنات لبون فيما إذا زادت بعض واحدة. والصحيح أنه (^٧) إنما\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ت): \"ضُعِّف\".\n(^٣) سقطت من (ك).\n(^٤) في (غ): \"ويعرف\".\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) هو الحسن بن أحمد بن يزيد، أبو سعيد الإصْطَخْرِيّ. وُلد سنة ٢٤٤ هـ. قال الخطيب: \"كان أحد الأئمة المذكورين، ومن شيوخ الفقهاء الشافعيين، وكان ورعًا زاهدًا متقلِّلًا\". وقال الداركي: \"ما كان أبو إسحاق المروزيُّ يُفتي بحضرة الإصطخريّ إلا بإذنه\". قال أبو الطيب الطبري: \"وله تصانيف كثيرة، فمن ذلك كتاب أدب القضاء، ليس لأحدٍ مثله\". توفي سنة ٣٢٨ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٧/ ٢٦٨، الطبقات الكبرى ٣/ ٢٣٠.\n(^٧) سقطت من (ت).","vol":"4","page":1561},{"text":"تجب حِقَّتان وفاءً بحمل المطلق على المقيد، فاندفع السؤال (^١) (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المجموع ٥/ ٣٨٢. وانظر: البحر المحيط ٥/ ٢٥ - ٢٦.\n(^٢) في (ت) ١/ ١٨٨: \"والله تعالى أعلم، نَجَز الجزء الأول بحمد الله وعونه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله، ويتلوه الجزء الثاني، وأوله الباب الرابع في المجمل والمبين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم\".\n(^٣) انظر صور حمل المطلق على المقيد في: المحصول ١/ ق ٣/ ٢١٤، الحاصل ١/ ٥٨٢، التحصيل ١/ ٤٠٧، نهاية الوصول ٥/ ١٧٧٢، نهاية السول ٢/ ٤٩٤، السراج الوهاج ١/ ٥٩٥، مناهج العقول ٢/ ١٣٨، الإحكام ٣/ ٤، البرهان ١/ ٤٣١، المستصفى ٣/ ٣٩٨ (٢/ ١٨٥)، شرح اللمع ١/ ٤١٦، البحر المحيط ٥/ ٨، المحلي على الجمع ٢/ ٤٩، شرح التنقيح ص ٢٦٦، بيان المختصر ٢/ ٣٥١، إحكام الفصول ص ٢٨٠، شرح الكوكب ٣/ ٣٩٥، المسودة ص ١٤٤، العدة ٢/ ٦٢٨، التمهيد لأبي الخطاب ٢/ ١٧٧، فواتح الرحموت ١/ ٣٦١، تيسير التحرير ١/ ٣٣٠، أصول السرخسي ١/ ٢٦٧، كشف الأسرار ٢/ ٢٨٧.","vol":"4","page":1562},{"text":"دَوْلة الإمَارَات العَربيّة المُتَّحِدة\nحُكومة دُبي\nسلسلة\nالدِّراسَات الأصوليّة\n\"١٧\"\nالإِبْهَاجُ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ\nشَرح عَلَى مِنْهَاجِ الوُصُوْلِ إِلَى عِلْمِ الأُصُوْلِ لِلْقَاضِي\nالبَيْضَاويّ المُتَوفى سنة ٦٨٥ هـ\nتَألِيفُ\nشيخ الإسلام علي بن عبد الكافي السّبكي المتوفى ٧٥٦ هـ\nوولده تاج الدّين عبد الوهاب بن علي السّبكي المتوفى ٧٧١ هـ\nدرَاسَة وَتحقيق\nالدُكتُور أَحْمَدَ جَمَال الزَّمْزَمِي\nالدُكتُور نُورُ الدِّينِ عَبْدِ الجَبَّارِ صَغِيري\nالجُزْء الخَامِس\nدَار البُحُوث للدِّرَاسَات الإِسْلَامِيَّةِ وَإِحْيَاء التُّرَاثْ","vol":"5","page":1563},{"text":"الباب الرابع: في المجمل والمبين\nالفصل الأول: المجمل","vol":"5","page":1564},{"text":"قال (^١): <span data-type=\"title\" id=toc-424>(الباب الرابع: في المجمل والمبين</span>. وفيه فصول. الأول: في المجمل. وفيه مسائل)\nالمجمل: مأخوذ من الجَمْل، بفتح الجيم وإسكان الميم: وهو الخلط، ومنه قوله ﵇: \"لعن الله اليهود حَرَّم الله عليهم شحومَ الميتة فَجَمَلوها - أي: خلطوها (^٢) - وباعوها، فأكلوا ثمنها\" (^٣)\n_________\n(^١) بدأت المخطوطة التركية الجزء الثاني بباب المجمل والمبين، وبدأ الجزء الثاني ٢/ ٢ بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. قال. . . إلخ. وفي (غ) ١/ ١٨٦: \"تم الجزء الأول بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه، فالحمد لله وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وكرَّم. على يد أقل عبيد الله وأفقرهم إلى رحمته عبد الله بن عمر الضرغامي غفر الله ذنوبه وستر عيوبه، وغفر له ولوالديه ولمالكه ومن نظر فيه، وجميع المسلمين. وذلك في سادس شهر الله المحرم أول شهور عام أربع وستين وسبع مائة وحسبنا الله ونعم الوكيل. يتلوه في الجزء الثاني إن شاء الله ﷿ الباب الرابع في المجمل والمبيَّن\". وفي (ك) ٢٧٤: \"والله أعلم يتلوه إن شاء الله في السِّفْر الثاني الباب الرابع في المجمل والمبيَّن، والحمد لله وحده، وصلواته وسلامه على محمد وآله وصحبه، وحسبنا الله ونعم الوكيل\".\n(^٢) يعني: خلطوها بالإذابة. ولذلك قال القرافي: \"أي: خلطوها بالسبك على النار\". نفائس الأصول ٥/ ٢١٨٠، وكذا قال في شرح التنقيح ص ٣٧. وانظر: القاموس المحيط ٣/ ٣٥١، الصحاح ٤/ ١٦٦٢، النهاية ١/ ٢٩٨، مادة (جمل).\n(^٣) أخرجه البخاري ٢/ ٧٧٤ - ٧٧٥، في كتاب البيوع، باب لا يُذاب شحم الميتة ولا يُباع وَدَكُه، رقم ٢١١٠، ٢١١١. وانظر الأرقام ٢١٢١، ٣٢٧٣. ومسلم ٣/ ١٢٠٧ - ١٢٠٨، في كتاب المساقاة، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، رقم ١٥٨١، ١٥٨٢، ١٥٨٣. وأبو داود ٣/ ٧٥٦، ٧٥٨، في كتاب البيوع، باب في ثمن الخمر والميتة، رقم ٣٤٨٦، ٣٤٨٨. والترمذي ٣/ ٥٩١، في =","vol":"5","page":1565},{"text":"فَسُمِّي اللفظ مجملًا؛ لاختلاط المراد بغيره (^١).\nوالمُبَيَّن: بفتح الياء آخر الحروف، من البيان. يقال: لفظ مُبَيَّن إذا كان نصًا في معناه. بمعنى: أنَّ واضعه ومستعمله وَصَلا بِهِ إلى نهاية البيان؛ فهو مُبَيَّن. وإذا كان اللفظ مجملًا ثم بُيِّن - يقال له: مبيَّن (^٢). وبَيَّنْتُ الشيءَ بيانًا، أي: أوضحته إيضاحًا (^٣). وأما تعريفه اصطلاحًا فقد سبق في تقسيم الألفاظ.\nقال: (الأولى: اللفظ إما أن يكون مجملًا بين حقائقه، كقوله تعالى: ﴿ثَلَاثةَ قُرُوءٍ﴾ (^٤)، أو أفراد حقيقة واحدة، مثل: ﴿أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (^٥)، أو مجازاته إذا انتفت الحقيقة وتكافأت. فإنْ ترجح واحدٌ؛ لأنه أقرب إلى الحقيقة، كنفي الصحة مِنْ قوله: \"لا صلاة\" و(^٦) \"لا صيام\"؛ أو لأنه أظهرُ عرفًا، وأعظمُ مقصودًا، كرفع الحرج وتحريم الأكل مِنْ: \"رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان\" و\"حُرِّمت عليكم الميتة\" - حُمِل عليه).\n_________\n= كتاب البيوع، باب ما جاء في بيع جلود الميتة والأصنام، رقم ١٢٩٧. والنسائي ٧/ ٣٠٩ - ٣١٠، في كتاب البيوع، باب بيع الخنزير رقم ٤٦٦٩. وابن ماجه ٢/ ٧٣٢، في كتاب التجارات، باب ما لا يحل بيعه، رقم ٢١٦٧.\n(^١) انظر: لسان العرب ١١/ ١٢٧.\n(^٢) انظر: شرح التنقيح ص ٢٧٤.\n(^٣) انظر: اللسان ١٣/ ٦٧، المصباح المنير ١/ ٧٧، مادة (بين).\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.\n(^٥) سورة البقرة: الآية ٦٧.\n(^٦) سقطت الواو من (غ).","vol":"5","page":1566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-426>اللفظ المجمل إما أن يكون مجملًا </span>بالنسبة إلى حقائقه إنْ كان ذا (^١) حقائق، أوْ لا.\nوالأول: هو المشترك، كقوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فإنه مجملٌ بالنسبة إلى حقيقتيه، أعني: الطهر والحيض - عند مَنْ يقول: إنَّ القرء موضوعٌ لهما وَضْعًا أوَّلًا، وهو الصحيح.\nوالثاني: إما أن يكون بالنسبة إلى أفراد حقيقة واحدة أوْ لا.\nوالأول: مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، فإن لفظ \"البقرة\" موضوع لحقيقة واحدة معلومة ولها أفراد، والمراد واحدٌ منها مُعَيَّن، على كلامٍ فيه، سيأتي إن شاء الله في الفصل التالي لهذا.\nوالثاني: أن يكون الإجمال في الخارج عما وُضع له اللفظ، وإنما يكون ذلك بأن تنتفي الحقيقة، أي: يَظْهَر إرادةُ عدمها، وتتكافأ مجازاتها، أي: تتساوى و(^٢) أما إذا ترجَّح أحد المجازات فيتعيَّن العملُ به، ولا يكون اللفظ مُجْملًا. وللترجيح أسباب ذَكَرها في الكتاب:\nأحدها: أن يكون أقرب إلى الحقيقة من المجاز الآخر (^٣)، كقوله - ﷺ -: \"لا صلاة إلا بطُهور\" (^٤). . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) سقطت الواو من (ت)، و(غ).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) مثل الأصفهاني في شرحه ١/ ٤٣٨، والإسنوي في نهاية السول ٢/ ٥١٤، والبدخشي في مناهج العقول ٢/ ١٤٣، والجزري في معراج المنهاج ١/ ٤٠٦: بحديث: =","vol":"5","page":1567},{"text":"(^١). وقد تقدم الكلام على هذا الحديث، وقوله: \"لا صيام لمن لم يُبَيِّت الصيام قبل الفجر\" (^٢)، وهذا الحديث لفظه هكذا غير معروف، ولكن رواه (^٣) عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم (^٤) عن ابن شهاب عن سالم (^٥) عن أبيه عن حفصة عن رسول الله - ﷺ - قال: \"من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له\"، وهذا إسناد صحيح. قال الحاكم أبو عبد الله: على شرط البخاري. فحقيقة هذين الخبرين نَفْيُ ذاتِ الصلاةِ عند عدم الطهارة، وذاتِ الصومِ عند عدم النية المبيَّتة، وهذه الحقيقة غيرُ\n_________\n= \"لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب\". وقد مثل الجاربردي في السراج الوهاج (١/ ٦١٥) بنفس الحديث الذي مثل به الشارح، ﵏ جميعًا.\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"روى\".\n(^٤) هو عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري الخزرجي البخاري المدنيّ، أبو محمد الحافظ صاحب المغازي وشيخ ابن إسحاق. قال ابن عبد البر: \"كان من أهل العلم ثقة فقيهًا محدثًا مأمونًا حافظًا، وهو حجة فيما نقل وحَمَل\". مات سنة ١٣٥ هـ. انظر: سير ٥/ ٣١٤، تهذيب ٥/ ١٦٤، تقريب ص ٢٩٧.\n(^٥) هو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدويّ، أبو عمر ويقال: أبو عبد الله المدني الفقيه. وأمه أمُّ ولد، ومولده في خلافة عثمان ﵁. قال ابن المسيب: \"كان عبد الله أشْبَهَ ولد عمرَ به، وكان سالم أشبه ولد عبد الله به\". وقال مالك: \"لم يكن أحدٌ في زمان سالم بن عبد الله أشْبَه بمن مضى من الصالحين في الزهد والفضل والعيش منه\". وهو أحد فقهاء المدينة السبعة. مات سنة ١٠٦ هـ في ذى القَعْدة، أو ذي الحِجة. انظر: سير ٤/ ٤٥٧، تهذيب ٣/ ٤٣٦.","vol":"5","page":1568},{"text":"مرادةٍ؛ لأنا نُشَاهِد الذاتَ قد تقع بدون هذين الشرطين، فتَعيَّن الحملُ على المجاز، وهو إضمار الصحة أو الكمال، وإضمار الصحة أرجح، لكونه أقرب إلى الحقيقة؛ لأن نَفْي الذات يستلزم نفي كل الصفات، ونَفْي الصحة أقرب بهذا المعنى؛ إذ لا يبقى معه وصفٌ ألبتة، بخلاف نَفْي (^١) الكمال، فإن الصحة تبقى معه، وهي وصف (^٢).\nولك أن تقول: ما ذكرتموه في هذين الحديثين منقدحٌ إذا قلنا: إن الصحة والفساد مما يعتوران الماهية الجَعْلية، أما إذا قلنا: إن (^٣) الفساد يزيل اسمها - فَمَعْنى (^٤) الحقيقة موجود (^٥).\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"وصف\". والمعنى: بخلاف نفي وصف الكمال.\n(^٢) انظر: سلم الوصول ٢/ ٥١٤، مناهج العقول ٢/ ١٤٣.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) في (ص): \"فنفي\". وهو تحريف.\n(^٥) المعنى: أن هذا التأويل للحديثين السابقين بحملهما على الصحة لا الكمال منقدح أي متجه وصحيح، إذا قلنا: إن وصف الصحة والفساد مما يتعاقبان على الماهية الجعلية، أي على نفس الذات التي جعلت ماهية، فهذه الذات لا يتحقق كونها ماهية إلا بوصف الصحة، وتنتفي ماهيتها بوصف الفساد. أما إذا جعلنا وصف الصحة والفساد متعاقبان على الماهية الموجودة - فهنا يكون ورود الصحة والفساد على الماهية حال وجودها، أي: الصلاة موجودة ماهيتها أولًا، ثم يرد على هذا الموجود وصف الصحة أو الفساد، فليست الصحة مُثْبِتة للوجود، ولا الفساد نافيًا له، بل مزيلًا للاسم فقط، أي مزيلًا عن هذه الماهية اسم الصلاة، وأما هي فموجودة. وهذا ينافي المراد من الحديث في قوله - ﷺ -: \"لا صلاة إلا بطهور\" وهو أن الصلاة لا وجود لماهيتها إلا بالطهور، فيكون التأويل بالصحة أبعد من التأويل بالكمال إذا قلنا بأن =","vol":"5","page":1569},{"text":"الثاني: أنْ يكون أحد المجازَيْن أظهر عرفًا وأشهر، كقوله - ﷺ -: \"رفع عن أمتى الخطأ والنسيان\" (^١)، فإنَّ ظاهره رفعُ نفسِ [الخطأ] (^٢) ونفسِ النسيان، وليس بمراد (^٣)؛ فتعين حَمْله على المجاز بإضمار الحكم، أي: حكم الخطأ والنسيان أو الحرج (^٤) يعني: الإثم، أي: إثمهما. والحمل على الإثم أظهر من جهة العرف؛ لتبادره إلى الذهن مِنْ قول السيد لعبده: رفعتُ عنك الخطأ والنسيان. ولأنه لو قال ذلك، ثم أخذ يعاقبه على ما أخطأ فيه أو نسيه - عُدَّ مناقِضًا.\nواعلم أن الحديث الذي أورده المصنف رواه الحافظ أبو القاسم التيمي (^٥) من حديث ابن عباس، وروى ابن ماجه معناه، وصححه ابن حبان، وقال أحمد (^٦): لا يثبت.\n_________\n= الصحة ترد على الماهية الموجودة. فجعل الصحة والفساد يردان على الماهية الجعلية هو الذي يُصحح التأويل المذكور، فالصحة تثْبِت الماهية من حيث هي، والفساد يزيل الماهية، ومن ثَمَّ فوجود الماهية متفرع عن الصحة، وعدمها متفرع عن الفساد.\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) في (ص)، و(ت)، و(غ): \"الحرج\". وهو خطأ، والصواب ما أثبته، ولذلك كتب ناسخ (ص) في الهامش: صوابه الخطأ.\n(^٣) لاستحالة رفع الشيء بعد صدوره. انظر: نهاية السول ٢/ ٥١٩.\n(^٤) قوله: \"أو الحرج\" معطوف على \"الحكم\" في قوله: \"بإضمار الحكم\".\n(^٥) هو يوسف بن بحر بن عبد الرحمن، أبو القاسم التميميّ البغداديّ، ثم الطرابلسيّ. قاضي حمص، ثم نزل جَبْلة، الإمام الرَّحَّال. قال ابن عديّ: \"ليس بالقوىّ، رفع أحاديث وأتى عن الثقات بمناكير\". وقال الدارقطني: \"ضعيف\". وقال مرةً: \"ليس بالقويِّ\". انظر: سير ١٣/ ١٢٢، تاريخ بغداد ١٤/ ٣٠٥، لسان ٦/ ٣١٨.\n(^٦) في (ت)، و(غ): \"الحاكم\".","vol":"5","page":1570},{"text":"الثالث: أن يكون أعظم مقصودًا من غيره، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^١)، وقوله ﵇ في البحر: \"الحل ميتته\"، فإن حقيقة اللفظ إضافةُ الحرمة والحل إلى نفس العين (^٢)، كما ذهب إليه الكرخي (^٣)، وهو عندنا باطل؛ إذ الأحكام عندنا إنما تتعلق بالأفعال\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٣.\n(^٢) أي: عين الميتة.\n(^٣) هذه النسبة إلى الكرخي - رحمه الله تعالى - غير صحيحة، فإن الكرخي لا يرى إضافة الحرمة والحل إلى نفس العين، ولذلك نُسب له قوله بأن النصوص التي يضاف فيها الحكم إلى الأعيان - مجملة، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾، ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾، ونحوها، وذلك لأنه لما كان إسناد التحريم أو التحليل إلى العين لا يصح؛ لأنه إنما يتعلق بالفعل، فلا بد من تقديره، وهو محتمل لأمور، ولا حاجة إلى جميعها، ولا مرجِّح لبعضها، فكان مجملًا. هذا هو المشهور عن الكرخي، كما في كثير من المصادر، ولكن نسب له صاحب كشف الأسرار (٢/ ١٠٦) أنه لا يقول بالإجمال، بل يُسنِد الحكم إلى الفعل المقصود، لا إلى مطلق الفعل؛ فلا يكون مجملًا. فمثلًا: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ المراد تحريم فعل مقصود معين، والعرف يدل عليه قطعًا، وهو تحريم الوطء والاستمتاع. وكذلك قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، المراد تحريم أكلها، وعُرْف أهل اللغة يدل على المعنى المقصود المراد من مثل هذا الكلام، فلا إجمال. انظر: فواتح الرحموت ٢/ ٣٣، تيسير التحرير ١/ ١٦٦، المحصول ١ / ق ٣/ ٢٤١، نهاية الوصول ٥/ ١٨١٣، الإحكام ٣/ ١٢، المحلي على الجمع ٢/ ٥٩، البحر المحيط ٥/ ٦٩. والحاصل أن نسبة الشارح هذا القول - إضافة الحرمة والحل إلى العين - إلى الكرخي غير صحيحة قطعًا، بل الصواب أن القائلين بهذا هم بعض الحنفية كالبزدوي والسرخسي وغيرهما، إذ قالوا: بأن التحريم والتحليل المضافان إلى =","vol":"5","page":1571},{"text":"المقدورة للمكَلَّف (^١)، وليست العَيْن كذلك؛ فلا يتعلق بها حِلٌّ ولا حرمة؛ فيتعين المجاز بالإضمار، فيضمر إما: الأكل، أو البيع، أو نحوهما. والأكل أولى؛ لأنه أعظم المقصود من تلك الأشياء عُرْفًا؛ فيحمل اللفظ عليه.\nوقد ذهب جماعة من الأصوليين إلى دعوى الإجمال في الأمثلة المذكورة، متمسكين: بأن الحقيقة غير مرادة، والمجازات متعددة، فلا يُضْمر الجميع؛ لأن الضرورة تندفع بالبعض،\n_________\n= الأعيان هما على وجه الحقيقة، كالتحريم والتحليل المضافين إلى الفعل، فيوصف المحل أولًا بالحرمة، ثم تثبت حرمة الفعل بناءً عليه، فيثبت التحريم عامًا. انظر: كشف الأسرار ٢/ ١٠٦، وفيه أيضًا نقلًا عن عبد القاهر البغدادي: \"يصح وصف العين بالحرمة حقيقة، كما يصح وصف الفعل بها، ومعنى اتصافها بها خروجها من أن تكون محلًا للفعل شرعًا، كما أن معنى وصف الفعل بالحرمة خروجه من الاعتبار شرعًا، فإذا أمكن العمل بحقيقته - لا معنى للإضمار؛ لأنه ضروري يُصار إليه عند تَعَذُّر العمل بظاهر اللفظ. ولأن الحرمة عبارة عن المنع، قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ أي: منعنا، وقال ﷻ: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أي: منعهم شراب الجنة وطعامها\"، ومنه حرم مكة؛ لمنع الناس عن الاصطيادِ فيه وغيرِه، فيوصف الفعل بالحرمة على معنى أن العبد منع عن اكتسابه وتحصيله، فيصير العبد ممنوعًا، والفعل ممنوعًا عنه، وتوصف العين بالحرمة على معنى أن العين منعت عن العبد تصرفًا فيها، فتصير العين ممنوعة، والعبد ممنوعًا عنها، فعرفنا أن وصف العين بالحرمة صحيح\". كشف الأسرار ٢/ ١٠٧، مع اختصار وتصرف يسير. وانظر: أصول السرخسي ١/ ١٩٥.\n(^١) هذا هو رأي الجمهور. انظر: شرح الكوكب ٣/ ٤١٩، شرح التنقيح ص ٢٧٥، نهاية الوصول ٥/ ١٨١٢، فواتح الرحموت ٢/ ٣٣.","vol":"5","page":1572},{"text":"وليس بعضها بأولى (^١) من بعض؛ فيترجح (^٢) الإجمال (^٣).\nوالجواب: أنا نضمر البعض، ولا نسلِّم عدم الأولوية، فإنَّ بعضها أرجح وأولى؛ لما تقدم.\nواعلم أن المجمل ليس منحصرًا فيما ذَكَره، بل بقيَت أشياء أهملها:\nأحدها: الإجمال العارض للفظ بواسطة الإعلال، كالمختار، فإنه صالح لاسم الفاعل واسم المفعول (^٤).\nوالثاني: بواسطة جَمْع الصفات وإرْدافها بما يصلح أن يرجع إلى كلِّها، أو إلى بعضها. نحو قولك: زيد طبيب أديب خياط ماهر.\nفقولك: \"ماهر\" يصلح (^٥) أن يكون راجعًا إلى الكل أو إلى\n_________\n(^١) في (ت): \"أولى\".\n(^٢) في (ت): \"فيرجح\".\n(^٣) قد سبق بيان أن الكرخي قال بهذا القول على ما نسبه الأكثر إليه، وقال به أيضًا تلميذه أبو عبد الله البصري من المعتزلة، وصار إليه أيضًا بعض الشافعية والحنابلة. انظر: الإحكام ٣/ ١٢، البحر المحيط ٥/ ٦٩، نهاية الوصول ٥/ ١٨١٣، اللمع ص ٥١، شرح اللمع ١/ ٤٥٨، المحلي على الجمع ٢/ ٥٩، شرح الكوكب ٣/ ٤٢٠، المسودة ص ٩١.\n(^٤) فـ \"مختار\" ما قبل آخره حرف علة وهي الألف، وهي لا تظهر عليها الفتحة ولا الكسرة، فيستوي اسم الفاعل واسم المفعول، وإنما يُعْرف أحدهما بالسياق، وتقدَّر الفتحة أو الكسرة على الألف. انظر: شذا العَرْف ص ٧٩، المحلي على الجمع ٢/ ٦١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥٨.\n(^٥) في (ت)، و(غ): \"يصح\".","vol":"5","page":1573},{"text":"البعض فقط، وذلك البعض يصح أن يكون هو الأخير أو غيره (^١).\nالثالث: المجمل بواسطة استثناء المجهول، كما تقدم في العام إذا خُصَّ بمجهول، كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (^٢).\nوالرابع: المجمل بواسطة التركيب، كقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ (^٣)، فإنَّ مَنْ بيده العقدة يحتمل أن يكون هو الزوج أو الولي؛ ولذلك اختلف العلماء فيه: فأخذ بالأول الشافعي (^٤)، وبالثاني مالك (^٥) رحمهما الله.\nوالخامس: المجمل بسبب التردد في عود الضمير إلى ما تقدمه، كقولك: كلما عَلِمه الفقيه فهو كما عَلِمه. فإن الضمير في \"هو\" مترددٌّ بين العود إلى الفقيه، وإلى معلوم الفقيه. والمعنى يكون مختلفًا، حتى إنه إذا\n_________\n(^١) فيصح أن يكون هو زيد، أو طبيب، أو أديب. انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ٦٢.\n(^٢) سورة المائدة: الآية ١. سورة الحج: الآية ٣٠.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٣٧.\n(^٤) في قوله الجديد، وأخذ به أيضًا أبو حنيفة وأصحابه، والثوري، وابن شبرمة، والأوزاعي، وأحمد، وابن جرير الطبري ﵃ جميعًا.\n(^٥) والشافعي في القديم، وروي عن علقمة، والحسن، وعطاء، وطاوس، والزهري، وربيعة، وزيد بن أسلم، وإبراهيم النخعي، وعكرمة في أحد قوليه، ومحمد بن سيرين في أحد قوليه. انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢٠٦، تفسير ابن كثير ١/ ٢٨٩، زاد المسير ١/ ٢٨١، أحكام القرآن للجصاص ١/ ٤٣٩، أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٢١٩.","vol":"5","page":1574},{"text":"قيل بعوده (^١) إلى الفقيه - كان معناه: فالفقيه كمعلومه. وإن عاد إلى معلومه كان المعنى: فمعلومه على الوجه الذي عَلِم.\nوالسادس: المجمل بسبب تردد اللفظ بين جَمْع الأجزاء وبين جَمْع الصفات نظرًا إلى اللفظ، وإنْ كان أحدهما يتعيَّن بدليلٍ من خارج. وذلك نحو قولك: الثلاثة زوج وفرد. فإنه بالنظر إلى دلالة اللفظ لا يتعين أحدهما، وبالنظر إلى صدق القائل يتعين أن يكون المراد منه جمع الأجزاء؛ فإنَّ حَمْله على جمع الصفات أو على جمعهما يوجب كذبه (^٢).\nوالسابع: الإجمال بسبب الوقف والابتداء، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾ (^٣)، فالواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ مترددةٌ بين العطف والابتداء، ويختلف المعنى بذلك (^٤).\n_________\n(^١) في (ت): \"يعود\".\n(^٢) يعني: يحتمل أن يكون تقدير الكلام \"الثلاثة زوج وفرد\": أجزاء الثلاثة زوج وفرد؛ لأن أجزاءها واحد واثنان. ويحتمل أن يكون التقدير: صفات الثلاثة زوج وفرد. فالثلاثة يحتمل أن الحكم عليها بهذا الحكم (زوج وفرد) باعتبار أجزائها؛ فلا يلزم اتصافها بالصفتين، بل اتصاف أجزائها، أي: جزأيهما بهما. ويحتمل أن الحكم عليها باعتبار صفاتها؛ فيلزم اتصافها بالصفتين، مع استحالته. وهذه الاستحالة ليست مفهومة من ذات اللفظ، بل من دليل خارج، وهو كون هذا الوصف في الواقع والحقيقة كذبًا، فَرَفْع الإجمال عن اللفظ وتعيين جَمْع الأجزاء لا جَمْع الصفات - ليس من ذات اللفظ، بل من دليل خارج. انظر: حاشية البناني على شرح المحلي لجمع الجوامع ٢/ ٦٢.\n(^٣) سورة آل عمران: الآية ٧.\n(^٤) انظر: جامع البيان عن تأويل آي القرآن ٦/ ٢٠١، تفسير القرطبي ٤/ ١٦، تفسير ابن كثير ١/ ٣٤٦، تفسير النسفي ١/ ١٤٦، زاد المسير ١/ ٣٥٤.","vol":"5","page":1575},{"text":"الثامن: الإجمال بصلاحية اللفظ لمتشابهين بوجهٍ ما، كالنور: للعقل، ونور الشمس (^١).\nالتاسع: بصلاحيته لمتماثلين، كالجسم (^٢): للسماء، والأرض. والرَّجل: لزيد، وعمرو. قال الغزالي: \"وقد يكون موضوعًا لهما من غير تقدم وتأخر (^٣)، وقد يكون مستعارًا لأحدهما من الآخر، كقولك: الأرض أُمُّ البشر. والأم إنما وضعت للوالدة\" (^٤).\nوهذا كله في الإجمال في اللفظ، والمصنف جَعَل اللفظ مَوْرد التقسيم، فأفهم بذلك أن الإجمال لا يكون في الفعل، وليس بجيد، بل قد يكون فيه (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) وجه الشبه بينهما هو الاهتداء بكلٍّ منهما. وقد أُورد على هذا المثال: أن إطلاق النور على العقل مجازي، وعلى نور الشمس حقيقي، ولا إجمال في مجرد ثبوت معنى حقيقي ومعنى مجازي للفظ. وأجيب: بأن استعماله في العقل مجاز مشهور، والمجاز المشهور بمنزلة الحقيقة، فيكون اللفظ بمنزلة المشترك، وإن لم تصر الحقيقة مرجوحة. انظر: حاشية البناني على المحلي ٢/ ٦١.\n(^٢) وهو المركب من جزأين فصاعدًا. انظر: حاشية البناني ٢/ ٦١.\n(^٣) الذي في \"المستصفى\": \"وتأخير\".\n(^٤) انظر: المستصفى ٣/ ٥٧ - ٥٨ (١/ ٣٦١).\n(^٥) انظر صور الإجمال في اللفظ في: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٣٣، الحاصل ١/ ٥٨٧، التحصيل ١/ ٤١٣، نهاية الوصول ٥/ ١٨٠٥، نهاية السول ٢/ ٥٠٨، السراج الوهاج ٢/ ٦١٤، مناهج العقول ١٤٢٢ /، الإحكام ٣/ ٩، المستصفى ٣/ ٥٧ (١/ ٣٦١)، المحلي على الجمع ٢/ ٦٠، البحر المحيط ٥/ ٦٣، البرهان ١/ ٤٢١، نشر البنود ١/ ٢٧٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥٨، فواتح الرحموت ٢/ ٣٢، تيسير التحرير ١/ ١٦٠، شرح الكوكب ٣/ ٤١٥، نزهة الخاطر ٢/ ٤٣.\n(^٦) لأن مجرد وقوع الفعل لا يدل على وجه وقوعه، إلا أنه قد يقترن به ما يدل على =","vol":"5","page":1576},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-427>فوائد:</span>\nالأولى: الصحيح جواز ورود المجمل فى كتاب الله تعالى، وسنة رسوله - ﷺ - (^١). والدليل عليه ما تلونا من الآيات، وفي مسألة ورود المشترك في كتاب الله، وسنة رسوله (^٢) - ﷺ - (^٣).\nالثانية: اختلفوا في جواز بقاء الإجمال بعد وفاة (رسول الله) (^٤) ﷺ (^٥)، واختار إمام الحرمين في \"البرهان\" في أثناءِ بحثٍ: \"أنَّ\n_________\n= الوجه الذي وقع عليه، وحينئذٍ يُستغنى عن البيان. وقد لا يقترن به ذلك؛ فيكون مجملًا. مثال الأول: مداومته ﵊ على الركوع والسجود في الصلاة، فإن مجرد فِعْلهما لا يدل على أنهما من واجبات الصلاة، لكن قرينة المداومة تدل على ذلك؛ إذ لو كان غير واجبٍ لتركه؛ لئلا يعتقد وجوبه، فإن المداومة خصوصًا مع قوله: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" يدل على ذلك. مثال الثاني: تركه التشهد الأول، فإن مجرد تركه لا يدل على أنه ليس من واجبات الصلاة؛ لاحتمال أن يكون تركه ناسيًا، وإنما يدل عليه أن لو عُلم تركه متعمدًا. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٣٦، نهاية الوصول ٥/ ١٨١٠.\n(^١) هو قول جميع العلماء سوى داود الظاهري رحمه الله تعالى. وقد ذهب بعض أصحابه إلى أن له في المسألة قولين أصحهما المنع من ورود المجمل في الكتاب والسنة. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٣٧، نهاية الوصول ٥/ ١٨١٢، المحلي على الجمع ٢/ ٦٣، شرح التنقيح ص ٢٨٠، البحر المحيط ٥/ ٦٠، شرح الكوكب ٣/ ٤١٥.\n(^٢) في (ت): \"نبيّه\".\n(^٣) لأن المشترك من المجمل، فأدلة وروده في الكتاب والسنة - أدلةٌ لورود المجمل أيضًا. انظر: البرهان ١/ ٤٢١.\n(^٤) في (ت): \"الرسول\".\n(^٥) انظر: المحلي على الجمع ١/ ٢٣٣، البحر المحيط ٢/ ٢٠٣، ٥/ ٦٠، شرح الكوكب ٢/ ١٤٩.","vol":"5","page":1577},{"text":"كل ما يثبت (^١) التكليف في العلم به (^٢) - فيستحيل استمرار الإجمال فيه (^٣)، وما لا يتعلق به تكليف لا يستحيل ذلك فيه، ولا يبعد\" (^٤).\nالثالثة: لقائل أن يقول: يجوز التمسك بعموم: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾؛ إذ الاستثناء وَقَع بقوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ (^٥)، والتقدير: فإنه ليس بحلال. وعدم الحل لا يوجب الحرمة فيبقى على البراءة الأصلية (^٦)، ولا يقال: هذا استثناء مجهولٌ، فيصير الباقي من العام مجملًا؛ لأنه إنما يكون كذلك أنْ لو حُرِّم ما يتلى علينا (^٧). والله أعلم.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٤٢٥، مع تصرف واختصار من الشارح رحمه الله تعالى.\n(^٥) سورة المائدة: الآية ١.\n(^٦) فالحل والحرمة متضادان لا يجتمعان، ويمكن أن يرتفعان، فارتفاع الحل لا يوجب ثبوت الحرمة؛ لأنه يمكن أن يكون مكروهًا، فلما رفع الحل عن المستثنى بالنص، بقي على حكم البراءة الأصلية، وهي الإباحة. هكذا قال الشارح رحمه الله تعالى، وفيما قاله نظر؛ إذ إن رفع الحل بالنص يقتضي رفع حكم البراءة الأصلية، ولا يلزم من هذا ثبوت الحرمة، لكن يبقى النص مجملًا.\n(^٧) يعني: إنما يكون الاستثناء مجهولًا إذا قال: \"إلا ما يتلى عليكم تحريمه\". أما وإذ لم ينص على التحريم - فيبقى المستثنى على حكم البراءة الأصلية. وقد بينت في الهامش السابق أن هذا غير صحيح؛ لأن رفع الحل يلزم منه رفع حِلِّ البراءة الأصلية، لكن نتوقف في إثبات التحريم، ومن ثم يبقى حكم المستثنى مجهولًا، فيكون المستثنى منه مجهولًا أيضًا؛ لأننا لا نعرف المستثنى وحكمه حتى نحكم بإباحة المستثنى منه. انظر: التفسير الكبير ١١/ ١٢٨، أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٢٩٨. فائدة: المذهب عند =","vol":"5","page":1578},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-428>(الثانية: قالت الحنفية: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ (^١) مجمل</span>. وقالت المالكية: يقتضي الكل. والحق أنه حقيقة فيما ينطلق عليه الاسم؛ دفعًا للاشتراك والمجاز).\nذهبت الحنفية، أو بعضهم (^٢)، كما في \"المحصول\": إلى أن قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ مجمل؛ لأنه يحتمل مسح جميع الرأس، ومسح بعضه، وإذا قام الاحتمال ثبت الإجمال (^٣).\nوقال آخرون: لا إجمال في الآية. ثم افترقوا فرقتين:\nفقالت المالكية: يقتضي مسح جميع (^٤) الرأس؛ لأن الرأس حقيقة في جميعها (^٥)، والباء إنما دخلت\n_________\n= الحنفية أن العام المخصوص بمجهول لا يبقى قطعيًا، لكنه لا يسقط الاحتجاج به، بل يجب العمل به. لكن قال ابن نجيم رحمه الله تعالى في فتح الغفار (١/ ٩٠) عن مذهب الحنفية هذا: \"وهو وإن كان هو المختار عندنا، كما في \"التلويح\"، لكنه ضعيف من جهة الدليل، فالظاهر هو مذهب الجمهور، وهو أنه إن كان مخصوصًا بمجمل فليس بحجة، كلا تقتلوا بعضهم. وبمعلوم حجة لما ذكرنا\". وانظر: كشف الأسرار للنسفي ١/ ١١٦، تيسير التحرير ١/ ٣١٣.\n(^١) سورة المائدة: الآية ٦.\n(^٢) الصواب بعضهم، كما في فواتح الرحموت ٢/ ٣٥، تيسير التحرير ١/ ١٦٦ - ١٦٧، سلم الوصول ٢/ ٥٢١.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) أي: في جميع أجزاء الرأس. ولا بد من هذا التقدير؛ لأن \"الرأس\" عضو مذكر، كما في المصباح ١/ ٢٦٣، مادة (رأس).","vol":"5","page":1579},{"text":"للإلصاق (^١).\nوقالت طائفة: إنها حقيقة فيما ينطلق عليه الاسم: وهو القدر المشترك بين مسح جميع (^٢) الرأس وبعضها؛ لأنها تارة تأتي لمسح الكل، وتارة للبعض، كما تقول: مسحت برأس اليتيم. ولم تمسح منها إلا البعض. فإن جعلناه حقيقةً فيهما - لزم الاشتراك. أو في أحدهما - لزم المجاز في الآخر. فنجعله حقيقةً في القدر المشترك؛ دفعًا للاشتراك والمجاز الَّذَيْن هما على خلاف الأصل. ونقل الإمام هذا المذهب عن الشافعي ﵀ (^٣). قال المصنف هنا: \"وهو الحق\"، والذي جزم به في تفسير الحروف تبعًا للإمام: أنها للتبعيض، تفيد مسح بعض الرأس (^٤). وهو المحكي عن بَعْض الشافعية (^٥).\n_________\n(^١) وإليه ذهب أحمد ﵁ وأصحابه، والباقلاني، وابن جني، رحمهم الله تعالى.\nانظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٥٩، شرح الكوكب ٣/ ٤٢٣، البحر المحيط ٥/ ٧٢، المحصول ١/ ق ٣/ ٢٤٦، المدونة ١/ ١٦، الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٨٧.\n(^٢) في (ص)، و(غ): \"كل\". وفي (ت) وضعت \"كل\" فوق \"جميع\". فلعلهما نسختان جُمع بينهما.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٤٧، نهاية الوصول ٥/ ١٨٢١، الإحكام ٣/ ١٤. وهو مذهب القاضي عبد الجبار رحمه الله تعالى. انظر: المعتمد ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩.\n(^٤) هذا المناقض لم يقع فيه الإمام؛ لأنه لم يرجِّح هنا خلاف ما جزم به هناك، ولذلك قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \"والإمام وإن كان قد جزم به هناك (أي: أن الباء للتبعيض في باب تفسير الحروف) لكنه لم يصرح بعكسه هنا، كما صَرَّح به المصنف، بل نقله عن الشافعي فقط\". نهاية السول ٢/ ٥٢٣.\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٤٦، البرهان ١/ ١٨٠، نهاية السول ٢/ ٥٢٣.","vol":"5","page":1580},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-429>(الثالثة: قيل: آية السرقة مجملة</span>؛ لأن اليد تحتمل الكل والبعض، والقطع: الشَّق والإبانة. والحق أن اليد للكل، وتُذكر للبعض مجازًا. والقطع: الإبانة (^١)، والشق إبانة).\nقال بعضهم: آية السرقة - يعني: قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^٢) - مجملةٌ في اليدِ والقطع. أما اليد: فلأنها تطلق على العضو من أصل المنكب، وعَلَيْه من الكوع (^٣)، وعليه من أصول الأنامل. وإذا أُطْلقت (^٤) على الكل والبعض، ولم يُعلم المراد؛ فتكون مجملةً.\nوأما القطع: فلأنه قد يراد به (الشَّق، أي: الجَرْح فقط، كما يقال: بَرَى فلانٌ قلمَه فقطع يده. وقد يراد به) (^٥) الإبانة (^٦).\n_________\n(^١) في نهاية السول ٢/ ٥٢٢، والسراج الوهاج ٢/ ٦١٨، وشرح الأصفهاني ١/ ٤٤٢، ومعراج المنهاج ١/ ٤٠٩، ومناهج العقول ٢/ ١٤٧: \"للإبانة\".\n(^٢) سورة المائدة: الآية ٣٨.\n(^٣) أي: من الكوع إلى أطراف الأصابع. والكوع: طرف الزند الذي يلي الإبهام، والجمع أكواع، مثل قُفْل وأقفال. والكاع لغة. قال الأزهرى: الكوع طرف العظم الذي يلي رُسْغ الد المحاذي للإبهام، وهما عظمان متلاصقان في الساعد، أحدهما أدق من الآخر، وطرفاهما يلتقيان عند مفصل الكف، فالذي يلي الخنصر يقال له الكرسوع، والذي يلي الإبهام يقال له الكوع، وهما عظما ساعد الذراع، ويقال في البليد: لا يفرق بين الكوع والكرسوع. انظر: المصباح المنير ٢/ ٢٠٦.\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"أطلق\". أي: لفظ اليد؛ لأن \"اليد\" مؤنثة، كما في اللسان ١٥/ ٤١٩، والمصباح المنير ٢/ ٣٥٦، فلا بد من تقدير \"لفظ\" حتى يصح الكلام.\n(^٥) سقطت من (غ).\n(^٦) نَسَب هذا القول لبعض الحنفية الإمامُ في المحصول ١/ ق ٣/ ٢٤٥، والمحلي في شرح جمع الجوامع ٢/ ٥٩، وغيرهما، ولكني لم أقف على هذه النسبة عند الحنفية، بل =","vol":"5","page":1581},{"text":"وقال الجمهور: لا إجمال فيها، بل حقيقة اليد للكل (^١): وهو العضو من المنكب، وإنما يُذْكر للبعض مجازًا؛ ولهذا يصح: ما قَطَعْتُ يده، بل بعضها.\nوحقيقة القطع: الإبانة (^٢). والشق إبانة أيضًا؛ لأن فيه إبانةً لأجزاء اللحم بعضها عن بعض، فيكون موضوعًا للقدر المشترك بينهما: وهو مطلق الإبانة.\nوأما لفظ السارق والسارقة: فلا إجمال فيه، وذلك متفق عليه (^٣) (^٤).\n_________\n= الظاهر أنهم لا يقولون بها؛ لأنهم أعرف بمذهبهم. انظر: فواتح الرحموت ٢/ ٣٩، تيسير التحرير ١/ ١٧٠، سلم الوصول ٢/ ٥٢٤.\n(^١) في (ت)، و(غ): \"الكل\".\n(^٢) انظر: اللسان ٨/ ٢٧٦، المصباح المنير ٢/ ١٦٨، مادة (قطع).\n(^٣) انظر: المحلي على الجمع وحاشية البناني ٢/ ٥٩.\n(^٤) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٤٥، الحاصل ١/ ٥٩٣، التحصيل ١/ ٤١٦، نهاية الوصول ٥/ ١٨٤٠، نهاية السول ٢/ ٥٢٣، السراج الوهاج ٢/ ٦١٨، الإحكام ٣/ ١٩، المحلي على الجمع ٢/ ٥٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٦٠، تيسير التحرير ١/ ١٧٠، فواتح الرحموت ٢/ ٣٩، العدة ١/ ١٤٩، المسودة ص ١٠١، شرح الكوكب ٣/ ٤٢٥.","vol":"5","page":1582},{"text":"الفصل الثاني: المبيَّن","vol":"5","page":1583},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-430>(الفصل الثاني: في المبيَّن</span>.\nوهو: الواضح بنفسه أو بغيره. مثل: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^١)، ﴿وَاسْأَلِ الْقَريةَ﴾ (^٢)، وذلك الغير يسمى مُبَيِّنًا).\nالمبيَّن، بفتح الياء: وهو (^٣) ما اتضحت دلالتَه بالنسبة إلى معناه (^٤) وهو على قسمين:\nأحدهما: الواضح بنفسه: وهو الكافي في إفادة معناه. وذلك إما لأمر راجع إلى اللغة، مثل: قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، أو بالعقل، مثل: قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَريةَ﴾، فإن حقيقة هذا اللفظ طلب السؤال من الجدران، لكن العقل صَرَفَنا عن ذلك، وقضى بأن المراد به (^٥) الأهل (^٦). وهذا على كلام في القرية تقدم في المجاز بالنقصان. هذا ما ذكره المصنف في الواضح بنفسه، وأهمل ما يكون بسبب التعليل وهو ضربان:\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٨٢. سورة النور: الآيات ٣٥، ٦٤. سورة الحجرات: الآية ١٦. سورة التغابن: الآية ١١.\n(^٢) سورة يوسف: الآية ٨٢.\n(^٣) في (ص)، و(غ): \"هو\".\n(^٤) انظر: لسان العرب ١٣/ ٦٧، مادة (بين).\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) قال الأصفهاني رحمه الله تعالى: \"وإنما سُمِّي هذا القسم (أي: الواضح بالعقل) الواضح بنفسه وإن توقف على العقل؛ لِتَعَيُّن المضمر من غير توقف\". انظر: شرح الأصفهاني على المنهاج ١/ ٤٤٥، نهاية السول ٢/ ٥٢٤.","vol":"5","page":1585},{"text":"أحدهما: أن يكون الحكم في المسكوت عنه أولى.\nوثانيهما: كما في قوله ﵇: \"إنها من الطوافين عليكم والطوافات\" (^١).\nوأهمل مما لا يكون تعليلًا (^٢): أن الأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به.\nالثاني: الواضح بغيره: وهو ما يتوقف فَهْم المعنى منه على انضمام غيره إليه. وذلك الغير - أي: الدليل الذي حصل به البيان - يُسَمى مبيِّنًا، بكسر الياء. وله أقسام تأتي إن شاء الله تعالى على الأثَر بأمثلتها (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢٣، كتاب الطهارة، باب الطهور للوضوء، رقم الحديث ١٣، وفيه قول يحيى: قال مالك: لا بأس به، إلا أن يرى على فمها نجاسة. والشافعي (ترتيب المسند ص ٩). وأحمد في المسند ٥/ ٢٩٦، ٣٠٣، ٣٠٩ وأبو داود في السنن ١/ ١٩ - ٢٠، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، رقم ٧٥. والترمذي في السنن ١/ ١٥٣ - ١٥٤، أبواب الطهارة، باب ما جاء في سؤر الهرة، رقم ٩٢. وأخرجه النسائي في سننه ١/ ٥٥، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، رقم ٦٨، وفي كتاب المياه، باب سؤر الهرة ١/ ١٧٨، رقم ٣٤٠. وابن ماجه ١/ ١٣١، كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء بسؤر الهرة، رقم ٣٦٧. والحاكم في المستدرك ١/ ١٥٩ - ١٦٠، كتاب الطهارة، باب أحكام سؤر الهرة. والدارقطني ١/ ٧٠، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، رقم ٢٢. والبيهقي ١/ ٣٧٢، كتاب الطهارة، باب سؤر الهرة، رقم ١١٥٩. وقد أفاض ابن الملقِّن في ذكر صحة الحديث، وشبهة مَنْ أعلَّه، وردَّ هذه الشبهات، بما لا مزيد عليه. انظر: البدر المنير ٢/ ٣٣٨ - ٣٥٥.\n(^٢) في (ت): \"تعليليًا\".\n(^٣) انظر تعريف المبيَّن وأقسامه في: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٥٩، الحاصل ١/ ٥٩٥، التحصيل ١/ ٤١٨، نهاية السول ٢/ ٥٢٤، السراج الوهاج ٢/ ٦٢٠، مناهج =","vol":"5","page":1586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>تنبيهان:</span>\nأحدهما: إطلاق المبيَّن - بفتح الياء - على الواضح بنفسه صحيحٌ؛ لأن المتكلم أوضحه حيث لم يأت بمجمل. نَبَّه عليه الجاربردي (^١).\nالثاني: جَعَل العِبْري والجاربردي والإسفراييني وغيرهم من الشارحين قوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (^٢) مثالًا للواضح بغيره (^٣)، وهو وَهَمُ؛ لأنه قَسَّم ذلك الغير في المسألة الآتية إلى القول والفعل، وظاهر كلامه حَصْره فيهما، فلو كان هذا من أقسامه لم ينحصر في ذَيْنِك القسمين؛ إذ المبيِّن فيه ليس إلا العقل، وهو غير القول والفعل. والذي حملهم على ذلك أنهم لما رأوه قَدَّم (^٤) قوله: \"أو بغيره\" - تَوَهَّمُوا (^٥) أنه من باب اللف\n_________\n= العقول ٢/ ١٤٨، الإحكام ٣/ ٢٦، البحر المحيط ٥/ ٩٨، المعتمد ١/ ٢٩٤، ٢٩٦، شرح التنقيح ص ٢٧٤ - ٢٧٨، تقريب الوصول إلى علم الأصول ص ٨٥، شرح الكوكب ٣/ ٤٣٧.\n(^١) المعنى: أن إطلاق \"المبيَّن\" على الواضح بنفسه يُشكل عليه أن المبيَّن: هو ما يكون قد بُيِّن بالغير؛ لأن \"المبيَّن\" اسم مفعول، فيكون البيان بغيره لا به. والجواب: هو أن إطلاق المتكلم لهذا اللفظ الواضح بنفسه وإيراده له دون المجمل جَعَله مبيِّنًا بفعل المتكلم، فهو مبيَّن بالغير من جهة تلفظ المتكلم به، وإن كان هو مبيِّن بنفسه. انظر: السراج الوهاج ٢/ ٦٢٠ - ٦٢١، نهاية السول ٢/ ٥٢٤ - ٥٢٥.\n(^٢) سورة يوسف: الآية ٨٢.\n(^٣) انظر: شرح العبري على المنهاج ١/ ٤٦٢، السراج الوهاج ٢/ ٦٢٠، مناهج العقول ٢/ ١٤٨، معراج المنهاج ١/ ٤١١.\n(^٤) في (ص): \"قد مر\".\n(^٥) في (ص): \"فوهموا\".","vol":"5","page":1587},{"text":"والنشر، وليس كذلك (^١).\nقال: (وفيه مسائل: الأولى: أنه يكون قولًا من الله، (ومن الرسول (^٢) وفِعْلًا منه كقوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ﴾ (^٣)، وقوله ﵇: \"فيما سقت السماء العشر\" وصلاته، وحجه، فإنه أدلُّ. فإن اجتمعا وتوافقا فالسابق. وإن اختلفا فالقول؛ لأنه يدل بنفسه).\n\nالمبيِّن، بكسر الياء:<span data-type=\"title\" id=toc-433> قد يكون بالقول وذلك بالاتفاق (^٤)، وقد يكون بالفعل </span>وخالف في ذلك شرذمة قليلون (^٥).\nوالقول إما أن يكون من الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا\n_________\n(^١) المعنى: أن قولَ الماتن في المبيَّن: \"هو الواضح بنفسه أو بغيره، مثل: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ \" - فهم منه كثير من الشراح اللفَّ والنشر المرتب، وهو أن يكون المثال الأول للواضح بنفسه، والمثال الثاني للواضح بغيره. والصواب أن المثال الثاني للواضح بنفسه أيضًا؛ لما ذكره الشارح من التعليل. ولم يُمثِّل الماتن هنا للواضح بغيره؛ لأنه سيأتي الكلام عنه. وقد تنبه لهذا الأصفهاني والإسنوي في شرحيهما. انظر: شرح الأصفهاني ١/ ٤٤٥، نهاية السول ٢/ ٥٢٥.\n(^٢) في (ص): \"والرسول\".\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٦٩.\n(^٤) انظر: البحر المحيط ٥/ ٩٨، شرح الكوكب ٣/ ٤٤١.\n(^٥) انظر: الإحكام ٣/ ٢٧، نهاية الوصول ٥/ ١٨٧٣، تيسير التحرير ٣/ ١٧٥، فواتح الرحموت ٢/ ٤٥، أصول السرخسي ٢/ ٢٧، شرح الكوكب ٣/ ٤٤٢، إحكام الفصول ص ٣٠٣، شرح العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٦٢، التبصرة ص ٢٤٧، البحر المحيط ٥/ ٩٨.","vol":"5","page":1588},{"text":"تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾، فإنه مُبَيِّن لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (^١). وهذا المثال جارٍ على المشهور من (^٢) أن البقرة المأمور بذبحها كانت معيَّنة في نفس الأمر (^٣)، وقد حُكِي عن ابن عباس - ﵁ - خلاف ذلك، وأنه قال:\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٦٧.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) نسب الإمام في \"التفسير الكبير\" (٣/ ١٢٢ - ١٢٣) هذا القول إلى منكري العموم، وإلى مَنْ يُجَوِّز تأخير البيان عن وقت الخطاب. هكذا قال رحمه الله تعالى، والأقرب أن هذه المسألة من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلا يجوز؛ لأن الوقت الذي أُمروا فيه بذبح البقرة كانوا محتاجين إلى ذبحها، فلو كان المأمور به ذبح بقرة معينة، مع أن الله تعالى ما بينها - لكان ذلك تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة، وهو غير جائز. وقد ذكر الجصاص من الحنفية أن تكليفهم بعد كل سؤال نسخ للتكليف السابق، وهذا ماشٍ على طريقة الحنفية في التقييد، وهو أن تقييد المطلق بمتأخر نسخ، كتخصيص العام بمتأخر. أما على طريقة الجمهور فليس هناك نسخ بل هو تقييد للمطلق. والحاصل أن الجمهور - كما يشير إليه كلام المفسرين - على أن المأمور به ذبح أي بقرة، ولكنهم لما لم يمتثلوا، بل تعنتوا وتشددوا - عوقبوا بجنس فعلهم؛ ولذلك قال ابن جرير رحمه الله تعالى (٢/ ٢٠٩): \"وقد زعم بعض مَنْ عظمت جهالته، واشتدت حيرته: أن القوم إنما سألوا موسى ما سألوا بعد أَمْر الله إياهم بذبح بقرة من البقر؛ لأنهم ظنوا أنهم أُمروا بذبح بقرة بعينها خُصَّت بذلك، كما خُصَّت عصا موسى في معناها، فسألوه أن يجليها لهم ليعرفوها\". فقول الشارح رحمه الله تعالى: وهذا المثال جارٍ على المشهور. . . إلخ، لعله يقصد به المشهور عند الأصوليين أو نحوهم.\nوانظر: جامع أحكام القرآن ١/ ٤٤٨، فتح القدير ١/ ٩٧ - ٩٩، التفسير الكبير ٣/ ١٢٣ - ١٢٤، تفسير ابن كثير ١/ ١١٠، تفسير النسفي ١/ ٥٤ - ٥٥، أحكام القرآن للجصاص ١/ ٣٤، أصول السرخسي ٢/ ٣٤.","vol":"5","page":1589},{"text":"\"لو ذبحوا أيَّ بقرةٍ كانت - لأجزأهم ذلك، ولكنهم شددوا فسألوا؛ فشدد الله عليهم\" (^١).\nوإما أن يكون من الرسول - ﷺ -، كقوله: \"فيما سقت السماء، أو كان عَثَريًّا العشرُ. وما سُقي بالنضح نصف العشر\" رواه البخاري (^٢) من حديث ابن عمر - ﵁ -، ولمسلم عن جابر نحوه (^٣)، وهو مبيِّن لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (^٤). واستفدنا مِنْ هذا المثال أن السنة تُبَيِّن مجمل\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى في التفسير (٢/ ٢٠٦) بلفظ: \"لو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا وتعنَّتوا موسى فشدد الله عليهم\". وفي رواية أخرى عنه (٢/ ٢٠٤) قال: \"لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها، لكنهم شددوا فشدد الله عليهم\"، وإسناد هذه الرواية الثانية صحيح، كما قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره ١/ ١١٠. وكذا قال بنحو هذا القول عَبِيدة السلماني، والسُّدِّي، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، وأبو العالية، وغيرهم. انظر: جامع البيان ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٦، تفسير ابن كثير ١/ ١١٠، تفسير عبد الرزاق ١/ ٤٨، ٥٠.\n(^٢) لفظ البخاري: \"فيما سَقَت السماء والعُيُون\".\n(^٣) انظر: صحيح البخاري ٢/ ٥٤٠، كتاب الزكاة، باب العُشر فيما يُسقى من ماء السماء وبالماء الجاري، رقم ١٤١٢. صحيح مسلم ٢/ ٦٧٥، كتاب الزكاة، باب ما فيه العُشر أو نصف العشر، رقم ٩٨١. وأخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣، كتاب الزكاة، باب صدقة الزرع، رقم ١٩٥٦، ١٩٥٧. والنسائي في السنن ٥/ ٤١ - ٤٢، كتاب الزكاة، باب ما يوجب العشر وما يوجب نصف العشر، رقم ٢٤٨٨، ٢٤٨٩. والترمذي ٣/ ٣١ - ٣٢، كتاب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة فيما يُسقى بالأنهار وغيره، رقم ٦٣٩، ٦٤٠. وابن ماجه ١/ ٥٨٠ - ٥٨١، كتاب الزكاة، باب صدقة الزروع والثمار، رقم ١٨١٦، ١٨١٧.\n(^٤) سورة الأنعام: الآية ١٤١.","vol":"5","page":1590},{"text":"الكتاب، وهو الصحيح (^١).\nوالفعل لا يكون إلا من الرسول - ﷺ -، وذلك كصلاته، فإنها مبيِّنة لقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٢) بواسطة قوله ﵇: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" (^٣). وكحجه، فإنه مبيِّن لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (^٤) بواسطة قوله ﵇: \"خذوا عني مناسككم\" (^٥).\n_________\n(^١) هذا مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، خلافًا للكرخي على ما حكاه أبو الحسين البصري، والإمام، وصفي الدين الهندي، وغيرهم، إذ اشترط المساواة في الثبوت، فلا يجوز عنده بيان الكتاب أو السنة المتواترة بخبر الآحاد. لكن الحنفية لم يحكوا هذا الخلاف عنه، فالله أعلم. انظر: المعتمد ١/ ٣١٣، المحصول ١/ ق ٣/ ٢٧٥، نهاية الوصول ٥/ ١٨٨٩، البحر المحيط ٥/ ١٠٣، تيسير التحرير ٣/ ١٧٤، فواتح الرحموت ٢/ ٤٨، شرح التنقيح ص ٢٨١، العدة ١/ ١١٧، شرح الكوكب ٣/ ٤٤٢.\n(^٢) سورة الأنعام: الآية ٧٢. وفي (غ): \"وأقيموا الصلاة\". وهي في سورة البقرة: الآية ٤٣.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه ١/ ٢٢٦، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر، رقم ٦٠٥، وفي ٥/ ٢٢٣٨، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، رقم الحديث ٥٦٦٢.\n(^٤) سورة آل عمران: الآية ٩٧.\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٩٤٣، كتاب الحج، باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، رقم ١٢٩٧ وأبو داود في السنن ٢/ ٤٩٦، كتاب المناسك، باب في رمي الجمار، رقم ١٩٧٠. والنسائي ٢/ ٢٧٠، كتاب مناسك الحج، باب الركوب إلى الجمار واستظلال المحرم، رقم ٣٠٦٢. وابن ماجه ٢/ ١٠٠٦، كتاب المناسك، باب الوقوف بجمع، رقم ٣٠٢٣. وأحمد في المسند ٣/ ٣٠١، ٣١٨، ٣٣٢، ٣٣٧، ٣٦٧، ٣٧٨.","vol":"5","page":1591},{"text":"قوله: \"فإنه أدل\"، أي: علة جواز البيان بالفعل أنه أدلُّ من القول على المقصود؛ لأن فيه مشاهدة. ومن الأمثال: \"ليس الخبر كالمعاينة\"، وهو مروي، رواه أحمد بن محمد المُلْحَمي (^١) - وهو ضعيف - عن علي بن الجعد (^٢) عن شعبة عن قتادة عن أنس: أن النبي - ﷺ - قاله. (ورواه أحمد بن حنبل من حديث ابن عباس بإسناد صحيح، والطبراني من حديث أنس (^٣)، والخطيب في \"التاريخ\" من وجه آخر موضوع) (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) هو أحمد بن محمد بن حرب، أبو الحسن المُلْحَميّ الجرجانيّ. قال ابن عديّ: \"مشهور بالكذب ووضع الحديث\" وقال أيضًا: \"يتعمد الكذب، ويُلَقِّن فيتلقَّن\". انظر: الكامل ١/ ٢٠٣، ميزان ١/ ١٣٤، لسان ١/ ٢٥٨. ملاحظة: بيَّن الذهبي - ﵀ - معنى التلقين في سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢١٠): هو أن الراوي \"يحدِّثهم بالحديث فيتوقَّف فيه، ويَتَغَلَّطُ، فيردُّون عليه، فيقول. ومثل هذا غضٌّ عن رتبة الحفظ؛ لجواز أن فيما رُدَّ عليه زيادةً أو تغييرًا يسيرًا\".\n(^٢) هو علي بن الجعد بن عبيد الجوهريّ، أبو الحسن البغداديّ مولى بني هاشم. قال ابن حجر: \"ثقة ثبت رمي بالتشيع\". قال ابن عدي: \"ما أرى بحديثه بأسًا، ولم أرَ في رواياته إذا حَدَّث عن ثقةٍ حديثًا منكرًا فيما ذكره، والبخاري مع شدة استقصائه يروى عنه في صِحَاحه\". مات سنة ٢٣٠ هـ. انظر: تهذيب ٧/ ٢٨٩، تقريب ص ٣٩٨، الكامل ٥/ ١٨٥٦ - ١٨٥٧.\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٤) انظر: نهاية السول ٢/ ٥٢٨.\n(^٥) انظر: مسند أحمد ١/ ٢٧١، تاريخ بغداد ٣/ ٣٦٠ (عن أنس ﵁)، ٦/ ٥٦، ٨/ ١٢ (عن ابن عباس ﵄)، ٨/ ٢٨ (عن أبي هريرة ﵁). وأخرجه ابن حبان ١٤/ ٩٦ - ٩٧، حديث رقم ٦٢١٣، ٦٢١٤. والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٢١، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. قال الهيثمي =","vol":"5","page":1592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-434>تنبيه:</span>\nالترك منه ﵇ كالفعل، وذلك كتركه التشهد الأول بعد فِعْله إياه، فإنه يبين أنه غير واجب (^١). وإنما لم يذكر المصنف الترك لدخوله في قسم الفعل على الرأي المرتضَى.\nقوله: \"فإن اجتمعا\"، أي: إذا ثبت أنه يجوز البيان بكل واحدٍ من القول والفعل، فورد بعد المجمل قولٌ وفعلٌ، وكل واحد (^٢) منهما صالح لبيانه - فبماذا يكون البيان؟\nالحق التفصيل: وهو أنهما إن اتفقا في غرض البيان، وعُلِم أن أحدهما سابق - فهو المبيِّن، أقولًا كان أم فعلًا، ويكون الثاني (^٣) تأكيدًا له. وإن لم يُعلم فلا يُقْضى على واحد منهما بأنه المبيِّن بعينه، بل يُقْضى بحصول البيان بواحدٍ لم يُطَّلع عليه، وهو الأول في نفس الأمر، والتأكيد بالثاني.\n_________\n= في مجمع الزوائد ١/ ١٥٣: \"عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس الخبر كالمعاينة. . .\" رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحيح، وصححه ابن حبان. وعن أنس: أن النبي - ﷺ - قال: \"ليس الخبر كالمعاينة\". رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله ثقات\". انظر: معجم الطبراني في الأوسط ٧/ ٩٠، حديث رقم ٦٥٤٣، من حديث أنس ﵁. وفي ١/ ١٢، حديث رقم ٢٥، ٧/ ١٠٤ - ١٠٥، حديث رقم ٦٩٨٦، من حديث ابن عباس ﵄. وانظر: المقاصد الحسنة ص ٣٥١، رقم الحديث ٩١٥.\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٦٧، نهاية الوصول ٥/ ١٨٧٩، شرح التنقيح ص ٢٧٩، شرح الكوكب ٣/ ٤٤٥، البحر المحيط ٥/ ١٠٠.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1593},{"text":"وهذا القسم أهمله في الكتاب؛ لوضوحه. وحُكْم القسمين في الحقيقة واحدٌ بالنسبة إلى نفس الأمر. وإن اختلفا (^١)، كما رُوي: أنه - ﷺ - أمر بعد نزول آية (^٢) الحج (في القِرَان) (^٣) بطواف واحد. ورُوى: أنه طاف قارنًا طوافين (^٤). فالمختار عند الجمهور منهم الإمام وأتباعه وابن الحاجب أن المبيِّن هو القول، سواءٌ كان متقدمًا على الفعل أو (^٥) متأخرًا، ويُحْمل الفعل على الندب، أو على الواجب المختص به - ﷺ -؛ وذلك لأن القول يدل على البيان بنفسه، بخلاف الفعل فإنه لا يدل إلا بواسطة انضمام القول إليه، والدال بنفسه أدل (^٦). وقال أبو الحسين: المتقدم هو\n_________\n(^١) أي: في غرض البيان.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"والقِران\".\n(^٤) الصواب: أنه - ﷺ - لم يسع إلا سعيًا واحدًا، لحديث عائشة الذي أخرجه مسلم ٢/ ٨٧٠، في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، رقم ١٢١١، وفيه قول عائشة ﵂: \"فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت وبالصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا\". قال ابن القيم الجوزية في زاد المعاد ٢/ ٣٠٨: \"ومنها وهم مَنْ زعم أنه يومئذ سعى مع هذا الطواف. واحتج بذلك على أن القارن يحتاج إلى سعيين، وقد تقدم بطلان ذلك عنه، وأنه لم يسع إلا سعيًا واحدًا، كما قالت عائشة وجابر ﵄\". وانظر: أضواء البيان ٥/ ١٧٢ - ١٩١.\n(^٥) في (ت): \"أم\".\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٧٢، الحاصل ١/ ٥٩٩، التحصيل ١/ ٤١٩، نهاية الوصول ٥/ ١٨٨٤، نهاية السول ٢/ ٥٢٨، السراج الوهاج ٢/ ٦٢٣، مناهج العقول ٢/ ١٥٠، الإحكام ٣/ ٢٨، المحلي على الجمع ٢/ ٦٨، البحر المحيط ٥/ ١٠١، =","vol":"5","page":1594},{"text":"البيان (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>فائدة:</span>\nقد ذكر المصنف هنا أن الفعل أدل من القول، وأنَّ القول يدل بنفسه، يعني: فيكون أدل. وظاهر هذا التنافي بين الكلمتين، والتحقيق أن الفعل أدل على الكيفية، والقول أدل على الحكم، ففعل الصلاة أدلُّ مِنْ وصفها بالقول؛ لأن فيه المشاهدة. واستفادةُ (^٢) وقوعِها على جهةٍ معيَّنة مِنْ واجب أو ندب أو غيرهما بالقول - أقوى وأوضح من الفعل؛ لصراحته.\nقال: (الثانية: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأنه تكليف بما لا يطاق. ويجوز عن وقت الخطاب. ومنعت المعتزلة. وجَوَّز البصري،\n_________\n= اللمع ص ٦٩، شرح اللمع ١/ ٥٥٧، شرح التنقيح ص ٢٨١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٦٣، تيسير التحرير ٣/ ١٧٦، فواتح الرحموت ٢/ ٤٦، شرح الكوكب ٣/ ٤٤٧.\n(^١) أي: سواء كان قولًا أو فعلًا. هذا إذا علمنا تقدم احدهما. فإن لم نعلم تقدم أحدهما على الآخر - جعلنا القول هو البيان. هكذا قال أبو الحسين في المعتمد ١/ ٣١٣، قال الأنصاري في \"الفواتح\" (٢/ ٤٧) عن قول أبي الحسين: \"اعلم أن الحق هذا القول، واختاره الآمدي، ولم يوجد أيضًا في كتبنا ما ينافيه، فإن المتقدم مُفهم للمراد قطعًا، فلا إجمال بعده\"، وتبعه على هذا المطيعي رحمه الله تعالى في سلم الوصول ٢/ ٥٢٩، ونقل عبارته هذه، ولكن قول الأنصاري: \"واختاره الآمدي\" وَهَم، فإن الآمدي اختار رأي الجمهور.\n(^٢) قوله: \"واستفادة\" مبتدأ، خبره قوله بعده: \"أقوى\".","vol":"5","page":1595},{"text":"ومنا القفال، والدقاق، وأبو إسحاق بالبيان الإجمالي فيما عدا المشترك).\nهذه المسألة تشتمل على بحثين:\n\nالأول: في<span data-type=\"title\" id=toc-436> تأخير البيان عن وقت الحاجة</span>.\nوالثاني: في تأخيره إلى (^١) وقت الحاجة (^٢).\nأما الأول: فاعلم أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الحاجة، أي: الوقت الذي قام الدليل على إيقاع العمل بالمجمل فيه على التضييق من غير فسحة في التأخير؛ لأن الإتيان بالشيء مع عدم العلم به ممتنع، والتكليف بذلك تكليفٌ بما لا يطاق. وقد نقل القاضي في \"مختصر التقريب\" إجماع أرباب الشرائع على ذلك (^٣).\nولقائل أن يقول: التكليف بالمحال جائز عند المصنف، فكان ينبغي أن يفعل كما فعل الإمام (^٤)، فيقول: إنْ منعنا التكليف بما لا يطاق فلا يجوز\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) في (ص): \"الخطاب\". وهو خطأ.\n(^٣) انظر: التلخيص ٢/ ٢٠٨، وكذا قال الغزالي في المستصفى ٣/ ٦٥، والآمدي في الإحكام ٣/ ٣٢، كل الثلاثة استثنى من الإجماع مَنْ يقول بجواز تكليف ما لا يطاق، لكن هذا الاستثناء لا يؤثر في الإجماع بناءً على أنَّ مَنْ يقول بجوازه يقول بعدم وقوعه؛ ولذلك قال الزركشي رحمه الله تعالى في البحر ٥/ ١٠٧: \"ومَنْ جَوَّزه (أي: تكليف ما لا يطاق) أجازه (أي: تأخير البيان عن وقت الحاجة)، لكن لا يقع؛ ولهذا نُقِل إجماع أرباب الشرائع على امتناعه\". وكذا نقل الإجماع ابن السمعاني في القواطع ١/ ٢٩٥، وكذا ابن قدامة. انظر: نزهة الخاطر ٢/ ٥٧، وغيرهم.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٧٩.","vol":"5","page":1596},{"text":"تأخيره عن وقت الحاجة، وإلا جاز، لكن لا يقع؛ لأن التكليف بالمحال غير واقع.\nوأخصر من هذا أن يقول: لا يقع تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nوأما الثاني: وهو تأخيره عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة - فنقدِّم عليه: أن الخطاب المحتاج إلى البيان ضربان:\nأحدهما: ما له ظاهر وقد استعمل في خلافه: كتأخير بيان التخصيص، وتأخير بيان النسخ، وتأخير بيان الأسماء الشرعية إذا استعملت في غير المسميات الشرعية، كالصلاة إذا أريد بها الدعاء، ونحو ذلك. وتأخير بيان اسم النكرة إذا أريد بها شيء معين.\nوالثاني: ما لا ظاهر له: كالأسماء المتواطئة، والمشتركة (^١).\nإذا عرفت هذا - فنقول: في جواز تأخيره عن وقت الخطاب مذاهب:\nأحدها: يجوز في جميع هذه الأقسام. وإليه ذهب أكثر أصحابنا (^٢)،\n_________\n(^١) يعني: دلالة المتواطئ على أفراده، والمشترك على معانيه - متساوية، ليس هناك فرد لمتواطئ، أو معنى لمشترك ظاهر، وآخر غير ظاهر، بل الكل متساوٍ. تنبيه: المتواطئ يطلق على القدر المشترك، كالمطلق. وعلى الفرد المنتشر كالنكرة. فعدم ظهور المتواطئ إنما هو بالنسبة للأفراد المعيَّنة أي: بالنسبة للمعنى الثاني له، أما بالنسبة للقدر المشترك فهو كالمطلق له ظاهر وهو القدر المشترك. انظر: نشر البنود ١/ ٢٨١، البناني على المحلي ٢/ ٧٠.\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ٥/ ١٨٩٤، البحر المحيط ٥/ ١٠٨، المحصول ١/ ق ٣/ ٢٨٠، الإحكام ٣/ ٣٢.","vol":"5","page":1597},{"text":"وجماعة من أصحاب أبي حنيفة (^١)، ونقله القاضي في \"مختصر التقريب\"\n_________\n(^١) المحكى في كتب الحنفية أن هذا مذهبهم، ولم يذكروا خلافًا بينهم في ذلك، إلا أن صاحب كشف الأسرار (٣/ ١٠٨) قال: \"ذكر السمعاني والغزالي: أن طائفة من أصحاب أبي حنيفة ﵏ ذهبوا إليه (أي: إلى المنع، إلى أن قال). . . قول أولئك الطائفة من أصحابنا إن ثبت عنهم غير مستقيم على المذهب\".\nوانظر: أصول السرخسي ٢/ ٢٨، ٣٠، تيسير التحرير ٣/ ١٧٤، فواتح الرحموت ٢/ ٤٩، سلم الوصول ٢/ ٥٣٢. تنبيه: اتفاق الحنفية على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة إنما هو بالنسبة لبيان المجمل، وهو ما يسمونه بيان التفسير، وهو الضرب الثاني الذي ذكره الشارح مما يحتاج إلى بيان. أما الضرب الأول الذي ذكره الشارح: وهو ما له ظاهر - فالحنفية يجوزون تأخير بيان النسخ، وهو ما يسمونه بيان التبديل، أما تأخير تخصيص العام، وتأخير تقييد الطلق وهو ما يسمونه بيان التغيير - فلا يجوزونه؛ لأن شرط التخصيص والتقييد عندهم المقارنة، وإلا كان نسخًا. وكذا تأخير بيان الأسماء الشرعية إذا استعملت في غير المسميات الشرعية - لا يجوز تأخير بيانه عندهم قياسًا على عدم جواز تأخير التخصيص والتقييد؛ لأن الأسماء الشرعية من قسم الظاهر، ولا يجوز تأخير بيان كل ظاهر عندهم؛ لئلا يلزم العمل بخلاف المراد. فتحرر من هذا أن الحنفية إنما يقولون بجواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة بالنسبة للمجمل، وبالنسبة للنسخ. ولما كان بعض الحنفية كما هو قول مشايخ سمرقند يجوزون تأخير بيان التخصيص، وكذا التقييد - قال الشارح: \"وجماعة من أصحاب أبي حنيفة\"؛ لأن هؤلاء كالجمهور يجوزون تأخير البيان في كل صور الضربين اللذيْن ذكرهما الشارح، خلافًا لجمهور الحنفية المجوزين للتأخير في بيان المجمل والنسخ فقط.\nانظر: تيسير التحرير ٣/ ١٧٢ - ١٧٣، فواتح الرحموت ٢/ ٤٢ - ٤٣، أصول السرخسي ٢/ ٢٧، كشف الأسرار ٣/ ١٠٨.","vol":"5","page":1598},{"text":"عن الشافعي نفسه (^١)، واختاره الإمام وأتباعه، وابن الحاجب (^٢).\nوالثاني: وإليه ذهب أكثر متقدمي المعتزلة، أنه لا يجوز إلا في النسخ، فإنهم جَوَّزوا تأخير بيانه (^٣). كذا استثناه الإمام (^٤) (^٥)، وهو مأخوذ من الغزالي، فإنه ادعى الاتفاق على أنه يجوز تأخير بيان النسخ، قال: \"بل يجب تأخيره، لا سيما عند المعتزلة، فإن النسخ عندهم بيانٌ لوقت العبادة، ويجوز أن يرد لفظٌ يدل على تكرر الأفعال على الدوام، ثم يُنسخ ويُقطع الحكم بعد حصول الاعتقاد بلزوم الفعل على\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٢٠٩.\n(^٢) وهو رواية عن أحمد ﵁، اختارها أكثر الحنابلة. وقال به أكثر المالكية، منهم القاضي أبو بكر والقاضي عبد الوهاب. قال الباجي: \"ورواه ابن بكير عن مالك\". إحكام الفصول ص ٣٠٣. انظر: المحصول ١ / ق ٣/ ٢٨٠، الحاصل ١/ ٦٠١، التحصيل ١/ ٤٢١، نهاية الوصول ٥/ ١٨٩٤، المسودة ص ١٧٨، شرح الكوكب ٣/ ٤٥٣، شرح التنقيح ص ٢٨٢، نشر البنود ١/ ٢٨١، التلخيص ٢/ ٢٠٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٦٤.\n(^٣) وبه قال بعض الشافعية كأبي إسحاق المروزي، وبعض المالكية كأبي بكر الأبهري. انظر: شرح اللمع ١/ ٤٧٣، التلخيص ٢/ ٢١٠، إحكام الفصول ص ٣٠٣، نشر البنود ١/ ٢٨١.\n(^٤) سقطت من (غ).\n(^٥) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٨١، وكذا استثناه أيضًا أبو الحسين في المعتمد (١/ ٣١٥) إذ قال: \"ومنع شيخانا: أبو علي وأبو هاشم، وقاضي القضاة من تأخير بيان المجمل والعموم عن وقت الخطاب، أمرًا كان أو خبرًا، وأجازوا تأخير بيان النسخ\".","vol":"5","page":1599},{"text":"الدوام، لكن بشرط أن لا يرد نسخ (^١) \" (^٢). وما ادَّعاه الغزالي ادعاه ابن بَرْهان في \"الوجيز\" أيضًا (^٣). وهذا الكلام من الغزالي مأخوذ من إمام الحرمين، فإنه قال: \"ناقضت المعتزلة أصولهم، إذ النسخ عندهم بيانُ مدة التكليف، ولم يكن هذا البيان مقترنًا بمَوْرِد الخطاب الأول\". قال: \"وليس لهم عن هذا جواب\" (^٤). والقاضي في \"مختصر التقريب\" ذكر ذلك أيضًا، فقال: \"ومما استدل به أصحابنا أن قالوا: النسخ (^٥) تخصيص في الزمان، والتخصيص في الأعيان، ثم يجوز أن ترد اللفظة مطلقة في الأزمان والمراد بعضها، فإن لم يبعد ذلك في الأزمان لم يبعد في الأعيان (^٦). قال القاضي: ولا يستقيم منا (^٧) الاستدلال بذلك؛ فإن النسخ ليس بتخصيص\n_________\n(^١) أي: حصول الاعتقاد بلزوم الفعل على الدوام مقيَّد بشرط عدم ورود ناسخ، فما لم يرد ناسخ يعتقد لزوم الفعل على الدوام.\n(^٢) المستصفى ٣/ ٧٢.\n(^٣) انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ١٢٥، وادعاه أيضًا السمرقندي في ميزان الأصول ص ٣٦٥.\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ١٦٧.\n(^٥) في (غ): \"إن النسخ\".\n(^٦) المعنى: أنه إذا جاز تأخير بيان النسخ، وهو تخصيص في الأزمان؛ إذ ظاهر اللفظ عموم زمن الحكم، فلما جاء النسخ تَخَصَّص هذا العموم ببعضه - فليجز تأخير بيان التخصيص في الأعيان، فيجوز أن يرد العموم أولًا، ثم يرد بعد ذلك بيان تخصيصه ببعض الأفراد؛ إذ لا فرق بين التخصيصين: تخصيص عموم الأزمان، وعموم الأعيان.\n(^٧) في (ص): \"هنا\". وهو خطأ.","vol":"5","page":1600},{"text":"في الأزمان عندي وعند معظم المحققين من أصحابي، وإنما هو رفع\" (^١).\nوالمصنف أهمل استثناء النسخ (^٢)، وكذلك الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\" (^٣)، وابن برهان في \"الوجيز\" (^٤)، والغزالي إلا أنه نقل الاتفاق على النسخ بعد ذلك كما عرفت، ولعل مَنْ أطلق القول تَرَك الاستثناءَ اكتفاءً بالعلم بالاتفاق على النسخ، وأنه خارج عن صور النزاع، إلا أن كلام جماعة يقتضي أن النزاع في النسخ موجود، والذي يظهر من جهة النقل أن النزاع فيه موجود، ولكن ليس من القائلين بامتناع تأخير البيان كلهم، بل من بعضهم.\nوالثالث: أن المجمل إن لم يكن له ظاهر، كالمشترك، قال الإمام:\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٢١٨ - ٢١٩.\n(^٢) أي: استثناءه عن محل الخلاف؛ إذ هو محل اتفاق.\n(^٣) انظر: شرح اللمع ١/ ٤٧٣، ولكنه رحمه الله تعالى أشار إلى الاتفاق على جواز تأخير النسخ بذات الدليل الذي ذكره القاضي.\n(^٤) انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ١٢٣، لكن ابن برهان - رحمه الله تعالى - صَرَّح بالاتفاق، حيث قال (١/ ١٢٥): \"قال علماؤنا: لا خلاف أن تأخير بيان النسخ جائز، فكذا تأخير بيان تخصيص العموم، فإن النسخ تخصيص على التحقيق؛ لأن المخصَّص هو الزمان. قالوا (أي: المعتزلة): عندنا لا يجوز تأخير النسخ إلا أن يتضمن اللفظ الأول إشعارًا بالنسخ، كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾. قلنا: هذا باطل من وجهين. . .\"، ومخالفة المعتزلة هذه لا تنقض أصل الاتفاق؛ لكونها باطلة؛ ولكونها تجوِّز التأخير بشرط الإشعار. والحاصل أن ابن برهان صَرَّح بالاتفاق، على خلاف ما ظن الشارح ﵀.","vol":"5","page":1601},{"text":"\"والأسماء المتواطئة\" (^١) - جاز تأخير بيانه؛ لأنه لا يلزم محذور من تأخيره (^٢). وإنْ كان له ظاهر جاز تأخير البيان التفصيلي دون الإجمالي، فإنه يشترط وجوده عند الخطاب حتى يكون مانعًا من الوقوع في الخطأ، فنقول مثلًا: المراد مِنْ هذا العام هو الخاص، أو بالمطلق المقيَّد، أو بالنكرة المعين (^٣). قال الإمام والآمدي: \"أو هذا الحكم سينسخ\" (^٤). وهذا يدل على أن النسخ من محل الخلاف. وأما البيان التفصيلي: وهو - سَيُخَصُّ (^٥) بكذا مثلًا - فليس بشرط.\nوقد نقل المصنف تبعًا للإمام هذا المذهب عن أبي الحسين البصري من المعتزلة، والدقاق، والقفال، وأبي إسحاق.\nفأما أبو الحسين فالنقل عنه صحيح (^٦). وأما الدقاق فقد نقل عنه الأستاذ أبو إسحاق في أصوله موافقة المعتزلة.\nوأما القفال فالظاهر أن المراد الشاشي، وفي النقل عنه نظر، فقد نقل\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٨١.\n(^٢) إذ لا يلزم من تأخير البيان خلل في الفهم؛ لأنه ليس هناك ظاهر مترجح، فكل المعاني والأفراد متساوية، فيبقى السامع منتظرًا للبيان.\n(^٣) هذه أمثلة للبيان الإجمالي، فنفهم أن العام يراد به الخاص، ولا نعرف ذلك الخاص بالتفصيل. وكذا نفهم أن المراد بالمطلق المقيَّد، ولا نفهم ذلك المقيَّد بالتفصيل. ومثله النكرة.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٨١، الإحكام ٣/ ٣٢.\n(^٥) في (ص): \"تشخيص\". \"تشخص\". وكلاهما خطأ.\n(^٦) انظر: المعتمد ١/ ٣١٦.","vol":"5","page":1602},{"text":"عنه القاضي في \"مختصر التقريب\" (^١)، والشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\" (^٢) وغيرهما موافقةَ سائر الأصحاب على المذهب المختار (^٣).\nوأما أبو إسحاق فإن كان هو المروزي كما صَرَّح به الإمام (^٤) - ففي النقل نظر؛ إذ نقل عنه القاضي في \"مختصر التقريب\" والشيخ أبو إسحاق، والغزالي، والآمدي - القولَ بمذهب المعتزلة (^٥). وإنْ كان مراد المصنف الشيرازي فالنقل أيضًا ليس بجيد؛ لأنه قد صحح في \"شرح اللمع\" الجواز مطلقًا (^٦)، وكذلك الأستاذ (^٧) لا يصح أن يكون هو المراد؛ لتصريحه في كتابه بموافقة الأصحاب. وقد اقتصر في الكتاب تبعًا للإمام على حكاية هذه المذاهب.\nوالرابع: أنه يجوز تأخير بيان المجمل دون غيره، كتخصيص العموم (^٨).\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٢٠٩.\n(^٢) انظر: شرح اللمع ١/ ٤٧٣.\n(^٣) قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \"وفي النقل عن القفال نظرٌ، فقد رأيت في كتاب \"الإشارة\" له أنه يُجَوِّز تأخير البيان مطلقًا. نهاية السول ٢/ ٥٣٣، وكذا قال الزركشي بأنه اطلع على كلامه في موافقة الجمهور. انظر: البحر المحيط ٥/ ١١٦.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٢٨٢.\n(^٥) انظر: التلخيص ٢/ ٢١٠، اللمع ص ٥٤، شرح اللمع ١/ ٤٧٣، المستصفى ٣/ ٦٦ (١/ ٣٦٨)، الإحكام ٣/ ٣٢.\n(^٦) انظر: شرح اللمع ١/ ٤٧٣، اللمع ص ٥٤.\n(^٧) أي: أبو إسحاق الإسفراييني.\n(^٨) نُسب هذا القول لأبي الحسن الكرخي والجصاص من الحنفية، ولأبي حامد =","vol":"5","page":1603},{"text":"والخامس: يجوز التأخير في الأمر وكذا النهي، كما قاله القاضي في \"مختصر التقريب\"، والشيخ أبو إسحاق، والإمام أبو المظفر بن السمعاني، وغيرهم، ولا يجوز في الخبر (^١). قال ابن السمعاني: قال الماوردي: ولم يقل بهذا القول أحد من أصحاب الشافعي (^٢).\nوالسادس: عكسه، يجوز في الخبر ولا يجوز في الأمر والنهي. حكاه الشيخ أبو إسحاق (^٣).\nوالسابع: وإليه ذهب الجبائي (^٤)، ونقله الآمدي عن عبد الجبار، يجوز تأخير بيان النسخ دون غيره (^٥). وبحكاية هذا المذهب يُعلم أن النسخ مِنْ\n_________\n= المَرْوروذي من الشافعية. وهو في الحقيقة مذهب جمهور الحنفية، كما سبق بيانه. انظر: ميزان الأصول ص ٣٦٣ - ٣٦٤، كشف الأسرار ٣/ ١٠٨ - ١٠٩، شرح اللمع ١/ ٤٧٣، التبصرة ص ٢٠٧، البحر المحيط ٥/ ١١٣ - ١١٤، المعتمد ١/ ٣١٥. وقال بعضهم بعكسه: يجوز تأخير بيان العموم، ولا يجوز تأخير بيان المجمل. قال الزركشي رحمه الله تعالى: \"وحكاه الماوردي والروياني وجهًا لأصحابنا\". البحر المحيط ٥/ ١١٥، وبه قال بعض أصحاب الشافعي، كما في القواطع، ونقله ابن برهان عن عبد الجبار. انظر: الوصول إلى الأصول ١/ ١٢٤.\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٢١١، شرح اللمع ١/ ٤٧٣، التبصرة ص ٢٠٨، القواطع ٢/ ١٥٣، المستصفى ٣/ ٦٧، الإحكام ٣/ ٣٢، المعتمد ١/ ٣١٥، البحر المحيط ٥/ ١١٥، نهاية الوصول ٥/ ١٨٩٥.\n(^٢) انظر: القواطع ٢/ ١٥٣.\n(^٣) انظر: اللمع ص ٥٤، شرح اللمع ١/ ٤٧٣، التبصرة ص ٢٠٨.\n(^٤) أبو علي، وابو هاشم الجبائيان، كما في المعتمد ١/ ٣١٥، والإحكام ٣/ ٣٢.\n(^٥) لا أدري لم أفرد الشارح رحمه الله تعالى هذا القول؛ إذ هو مندرج في القول الثاني، =","vol":"5","page":1604},{"text":"محل الخلاف. وابن برهان حكى عن عبد الجبار تجويز (^١) تأخير التخصيص دون المجمل (^٢).\nوالقرافي قال: \"قد يُجْمع بين هذا وبين مَنْ نقل الاتفاق: أن الاتفاق إنما هو على جواز تأخير البيان التفصيلي، والخلاف في الإجمالي\". قال: \"وكذلك حكاه صاحب العُمَد في المعتمد\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>فائدتان:</span>\nأحدهما (^٤): قال الأستاذ في كتابه: هذه العبارة مُزَيَّفة، يعني: تأخير البيان إلى وقت الحاجة. قال: وهي لائقة بمذهب المعتزلة دون مذهبنا؛ لأنَّ عندهم المؤمنون بهم حاجة إلى التكليف نحو: العبادات؛ لينالوا بها الدرجات الرفيعة ويستحقوها على طريق المعاوضة. وعندنا الباري تعالى يُنْزِل المؤمنين الجنة فضلًا، ويُدْخِل الكافرين النار عدلًا (^٥)، فالعبارة الصحيحة على مذهبنا أن نقول: تأخير البيان عن وقت وجوب\n_________\n= والمذكورون كلهم من متقدمي المعتزلة، كما هو العزو في القول الثاني! الظاهر أنه سهو من الشارح ﵀، لأن هذا تكرار.\n(^١) في (غ): \"يجوز\".\n(^٢) سبق الإشارة إلى هذا في هامش (٨) ص ١٦٠٣ - ١٦٠٤.\n(^٣) انظر: نفائس الأصول ٥/ ٢٢٦٨.\n(^٤) في (غ): \"إحداهما\".\n(^٥) انظر: شرح الجوهرة ص ٢٢٦، البيت الخمسين.","vol":"5","page":1605},{"text":"الفعل بالخطاب، وإلى وقت وجوب الفعل (^١).\nالثانية: نقل الجماهير عن أبي بكر الصيرفي موافقة المعتزلة على المنع من تأخير البيان مطلقًا. قال الأستاذ في كتابه: وهذا مذهب كان يذهب إليه الصيرفي قديمًا، فنزل به أبو الحسن الأشعري ضيفًا فناظره في هذا واستنزله عن هذه المقالة، ورجع (^٢) إلى مذهب الشافعي وسائر المتسننة (^٣).\n_________\n(^١) فلفظ الحاجة يصح التعبير به على مذهب المعتزلة القائلين بالمعاوضة، أي: يجب تعذيب العاصي، كما تجب إثابة الطائع، وبنوا ذلك على قاعدتهم من أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية التي منها الطاعة والمعصية. أما أهل السنة فقاعدتهم: أن الله تعالى هو الخالق للأفعال كلها، ومنها الطاعة والمعصية، وبنوا على ذلك أن الإثابة بالفضل، والتعذيب بالعدل، وليسا بواجبين عليه تعالى. وعلى هذا فلا يصح التعبير على مذهبهم بالحاجة المشير لمعنى المعاوضة. هكذا قال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، وأقره الشارح، ولذلك راعى هذا في جمع الجوامع فقال: \"تأخير البيان عن وقت الفعل غير واقع وإن جاز\". انظر: المحلي على الجمع ٢/ ٦٩، وعلَّق المحلي على هذا وقال: وقوله: \"الفعل\" أحسن - كما قال - من قول غيره: \"الحاجة\". . . إلخ، لكن ردَّ عليه البناني بقوله: \"رُدَّ بأنه لا يلزم من التعبير بالحاجة القولُ بمذهب المعتزلة المذكور، فإنه لا يتوقف على الحاجة إلى التكليف، بل على حاجة المكلَّف إلى بيان ما كلِّف به\"، ولذلك قال الزركشي عن كلام أبي إسحاق رحمهما الله: \"وهي مشاحة لفظية، وقد عُرف أن المَعْنِيَّ بالحاجة - كما قال إمام الحرمين -: توجه الطلب\". انظر: البحر المحيط ٥/ ١٠٧، البرهان ١/ ١٦٦.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) نازع الزركشي ﵀ في رجوع الصيرفي هذا، وادعى بأن مذهب الصيرفي هو جواز تأخير بيان المجمل، دون العموم؛ لأنه راجع كتابه المسمى \"الدلائل والأعلام\"، ثم نقل كلامه في هذا، ثم قال الزركشي: \"واعلم أن الصيرفي إنما قال =","vol":"5","page":1606},{"text":"قال: (لنا - مطلقًا: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾ (^١). قيل: البيان التفصيلي. قلنا: تقييدٌ بلا دليل. وخصوصًا أن المراد من قوله: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (^٢) مُعَيَّنةٌ، بدليل: ﴿مَا هِيَ﴾ و﴿مَا لَوْنُهَا﴾، والبيان تأخَّر.\n_________\n= ذلك بناءً على اعتقاده أن الصيغة العامة إذا وردت يجب اعتقاد عمومها، والعمل بموجبها، ويلزم مِنْ رجوعه عن مَنْع التأخير فيما نقله الأستاذ عنه - رجوعُه عن وجوب اعتقاد العموم ضرورة\". انظر: البحر المحيط ٥/ ١١٠ - ١١١، وهذا الذي قاله الزركشي رحمه الله تعالى محتمل ليس بقطعي؛ إذ يحتمل أن الصيرفي ﵀ تراجع عن قوله هذا الذي قاله في الكتاب المذكور بعد مناظرة أبي الحسن له. فإن قيل: أبو الحسن إنما ناظره في اعتقاده المنع كما هو معتقد المعتزلة. قلنا: ما الذي يمنع أن الصيرفي تراجع عن قوله الذي قاله في هذا الكتاب المذكور إلى رأي المعتزلة، ثم تراجع عن رأي المعتزلة إلى رأي الجمهور بعد مناظرة أبي الحسن رحمه الله تعالى. هذا محتمل، والحاصل أن دعوى عدم رجوعه إلى مذهب الجمهور تحتاج إلى تعيين تاريخ تأليف كتابه المذكور، من أجل الحكم برجوعه عن رأي الجمهور. وبالجملة يصعب الجزم بنسبة أي قولٍ إليه مع هذه المحتملات. ثم قول الزركشي بأنه يلزم مِنْ رجوعه عن مَنْع التأخير - رجوعُه عن وجوب اعتقاد العموم ضرورة: غير مسلّم؛ إذ هما مسألتان: مسألة العمل بالعموم قبل البحث عن المخصِّص، ومسألة جواز التخصيص متأخرًا عن العام، وليس بينهما منافاة؛ إذ منشأ وجوب العمل بالعموم قبل البحث عن المخصِّص ليس هو مَنْع التخصيص متأخرًا؛ بل لأن الأصل في النص العمل به حتى يثبت خلافه من مخصِّص أو مقيد أو ناسخ، ويدل على هذا أيضًا أن هناك فريقًا من العلماء مع الصيرفي يوجبون العمل بالعام قبل البحث عن المخصِّص - ومنهم الشارح - وهم يقولون بجواز التخصيص متأخرًا.\n(^١) سورة القيامة: الآية ١٩.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٦٧.","vol":"5","page":1607},{"text":"قيل: يوجب التأخير (^١) عن وقت الحاجة. قلنا: الأمر لا يوجب الفور. قيل: لو كانت مُعَيَّنةً لما عنفهم (^٢). قلنا: للتواني بعد البيان. وأنه تعالى أنزل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ (^٣)، فنقض ابن الزبعرى بالملائكة، والمسيح، فنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾ (^٤) الآية. قيل: ﴿مَا﴾ لا تتناولهم، وإنْ سُلِّم لكن خُصُّوا بالعقل. وأجيب: بقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ (^٥)، وأن عدم رضاهم لا يُعْرف إلا بالنقل).\nاحتج على المذهب المختار بأدلة ثلاثة: أولها مطلق، أي: يدل على جواز التأخير مطلقًا (^٦). والآخران مُقَيَّدان: أحدهما يدل على جواز التأخير (في صورة النكرة، والآخر في صورة العام.\nالدليل الأول الدال على جواز التأخير) (^٧) مطلقًا: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (^٨)، و\"ثم\" في اللغة للتراخي، أي: والله أعلم: علينا بيانه بعد القراءة.\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"التأخر\".\n(^٢) في (ت): \"لما عنفهم الله\".\n(^٣) سورة الأنبياء: الآية ٩٨.\n(^٤) سورة الأنبياء: الآية ١٠١.\n(^٥) سورة الشمس: الآية ٥.\n(^٦) أي: في التخصيص وغيره مما له ظاهر، وما ليس له ظاهر. انظر: نهاية السول ٢/ ٥٣٣.\n(^٧) سقطت من (غ).\n(^٨) سورة القيامة: الآيتان ١٨، ١٩.","vol":"5","page":1608},{"text":"وقوله: \"مطلقًا\" عبارة ركيكة، وليس المراد حقيقة المطلق، بل: إنه عام ينطلق على الصور. ولو قال بدل \"مطلقًا\": \"عمومًا\" - لكان أحسن، لا سيما وقد قال بعد ذلك: \"خصوصًا\".\nواعترض أبو الحسين ومَنْ وافقه: بأن المراد البيان التفصيلي، دون الإجمالي. وأجاب المصنف: بأن هذا تقييدٌ بلا دليل.\nولقائل أن يقول قوله (^١): ﴿بَيَانَهُ﴾ مفردٌ مضاف؛ فيعم البيانَيْن: الإجمالي، والتفصيلي. وحينئذ فليس القول بأنَّ المرادَ البيانُ التفصيليُّ - تقييدًا بلا دليل، بل تقييدًا على خلاف الدليل، وفَرْقٌ بين كون الشيء على خلاف الدليل، أي: يدل الدليل على خلافه، وبين كونه بلا دليل، أي: لم يدل عليه دليل (^٢).\nوهذا الجواب أحسن مِنْ جواب المصنف، وبه يظهر ضعف قول الآمدي: البيان يراد به: الإظهار لغةً، تقول: تبيَّن الحق وتبيَّن الكوكب. فيكون معنى الآية: إن علينا بيانه للخلق، وإظهارَه فيهم واشتهاره في الآفاق؛ فلا يكون فيها حجةٌ على صورة النزاع (^٣)؛ لأنا نقول: البيان مِنْ\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) لأن محل النزاع في تأخير بيان المعنى المراد، وهذه الآية تدل على تأخير إظهار الآية المنزلة وإشهارها بين الخلق؛ بناءً على أن البيان هو الإظهار، وحَمْل الآية على تأخير بيان معنى الآية المنزلة - ليس أولى من هذا المعنى الذي ذكرناه، والدليل إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال. كيف وقد رجَّح المعنى الأول قرائن أخرى ذكرها الآمدي رحمه الله تعالى بقوله: \"فليس حَمْله على ما ذُكر من بيان المراد من المجمل =","vol":"5","page":1609},{"text":"حيث تعميمه بالإضافة: يعم كل ما يصدق عليه أنه بيان.\nو(^١) قوله: \"وخصوصًا\" هذا معطوف على قوله: \"مطلقًا\"، وقد قلنا: إنه يظهر به أنَّ مراده بالمطلق العام؛ لأن الخصوص إنما يقابِل العموم، ولو أراد الإطلاق - لقال: وتقييدًا. وهذا الدليل هو الثاني المختص بالنكرة، أعني: الدال على جواز تأخير البيان في النكرة.\nوتقريره: أنَّ الله تعالى أمر بني إسرائيل بذبح بقرةٍ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ (^٢)، وأراد معيَّنة، بدليل سؤالهم عن صفتها ولونها في قوله: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ (^٣) إلى آخر الآيات، ثم لم يبينها لهم حتى سألوا هذه السؤالات؛ فدل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب.\n_________\n= والعام والمطلق - أولى مما ذكرناه، كيف وأن الترجيح لهذا المعنى من جهة أن المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ إنما هو جميع القرآن، فإنه ليس اختصاص بعضه بذلك أولى من بعض. وأيضًا: فإن أمر النبي - ﷺ - بالاتباع بقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ والأمر بذلك غير خاصٍ ببعض القرآن دون البعض إجماعًا، ولأنه لا أولوية للبعض دون البعض. . . وإذ ثبت أن المراد من قوله من أول الآية: إنما هو جميع القرآن - فالظاهر أن يكون الضمير في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ عائد إلى جميع المذكور السابق، وهو جملة القرآن. . . وإنما يمكن ذلك بحمل البيان على ما ذكرناه، لا على ما ذكروه؛ لاستحالة افتقار كل القرآن إلى البيان بالمعنى الذي ذكروه، فإنه ليس كل القرآن مجملًا، ولا ظاهرًا في معنى وقد استُعمل في غيره؛ فكان ما ذكرناه أولى\". الإحكام ٣/ ٣٣ - ٣٤.\n(^١) سقطت الواو من (ص)، و(غ).\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٦٧.\n(^٣) سورة البقرة: الآيات ٦٨، ٦٩، ٧٠.","vol":"5","page":1610},{"text":"واعترض الخصم على هذا الاستدلال بوجهين:\nأحدهما: أنَّ بني إسرائيل أُمروا بالذبح وقت الخطاب، فكانوا محتاجين إلى البيان ذلك الوقت، فتأخيره عن ذلك الوقت تأخيرٌ عن وقت الحاجة وهو ممتنع. قال الخصم: فحاصل الأمر أنك لم تقل بما يقتضيه الآية، بل بما لا تقتضيه.\nأجاب: بأن الأمر لا يوجب الفور كما سبق.\nفإن قلت: هذا الجواب مبني على أن الأمر لا يقتضي الفور، فلا يعم المذاهب، بل يختص بمَنْ يرى رأي المصنف. ثم إن الأمر بذلك إنما وقع للفصل بين الخصمين اللذَيْن تنازعا في القتل، والفصلُ واجبٌ على الفور.\nقلت: أجاب القرافي: بأن الآية إذا دلَّت على جواز التأخير عن وقت الحاجة - دلت على جواز التأخير عن وقت الخطاب؛ لأن كل مَنْ قال بجواز الأول قال بجواز الثاني، مِنْ غير عكسٍ؛ ولأنه إذا ثبت في الأول ثبت في الثاني بطريقٍ أولى.\nوأما قول القرافي هنا: إنا لا نسلم أنا لم نَقُل بما تقتضيه الآية، بل قلنا به، وهذا هو الصحيح مِنْ مذهبنا، بناءً على تجويز التكليف بما لا يطاق (^١) - فضعيف (^٢)؛ لأنه عندنا غير واقع، والكلام إنما هو في هذا الواقع (^٣).\n_________\n(^١) انظر: نفائس الأصول ٥/ ٢٢٧٤، ٢٢٧٥.\n(^٢) قوله: \"فضعيف\" جواب قوله: \"وأما قول القرافي\".\n(^٣) المعنى: أن قول القرافي بتسليم مقتضى الآية: وهو أنها لتأخير البيان عن وقت الحاجة؛ لأن الصحيح من مذهبنا جواز تأخير البيان عن وقت االحاجة، بناءً على جواز =","vol":"5","page":1611},{"text":"والثاني: أن ما ذكرتم وإنْ دلَّ على أن البقرة كانت مُعَيَّنة - (لكن عندنا ما يدل على أنها لم تكن مُعَيَّنة، وبسببه يمتنع (^١) كونها معينة) (^٢): وهو أنها لو كانت معينة لما عنفهم على السؤال عنها، لكنه عَنَّفهم بقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ (^٣). ومما يدل على أنها لم تكن معيَّنة ما سلف من كلام ابن عباس، وهو قوله: \"شَدَّدوا فشدَّد الله عليهم\".\nوأجاب المصنف: بأنا لا نسلم أنه عنفهم على السؤال، وإنما عنفهم على التواني، أي: التقصير والتأخير بعد البيان. هذا هو الأقرب. واحتمال كون التعنيف على السؤال بعيدٌ؛ لأنه (لو أوْجَب) (^٤) المعيَّنة بعد إيجاب خلافه - لكان نسخًا قبل الفعل، وهو لا يجوز عند الخصم (^٥).\n_________\n= التكليفه بما لا يطاق - ضعيف؛ لأن التكليف بما لا يطاق جائز عندنا، ولكنه غير واقع، والكلام هنا في الوقوع لا الجواز؛ لأن الخلاف في هذه الآية هل هي من قبيل تأخير البيان عن وقت الحاجة، أو من قبيل تأخيره عن وقت الخطاب، فالتبس على القرافي الجواز بالوقوع.\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) في (ص): \"يمنع\".\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٧١.\n(^٤) في (ص): \"لو وجب\". وهو خطأ.\n(^٥) يعني: لو كان التعنيف والتشديد عليهم في الحكم بسبب سؤالهم، لا بسبب كون البقرة الأمور بذبحها ابتداءً معينةً على وفق الأسئلة - لكان الحكم في كل مرة يُشدد عليهم فيها بعد سؤالهم ناسخًا لحكم ما قبل السؤال، وهو نسخ للحكم قبل الفعل، وهو لا يجوز عند المعتزلة.","vol":"5","page":1612},{"text":"قوله: \"وأنه تعالى\" هو معطوف على قوله: \"وخصوصًا أن المراد\"، تقديره: ولنا خصوصًا في النكرة كذا، وفي جواز تأخير بيان التخصيص أنه تعالى أنزل، وتقريره: أن الله تعالى لما أنزل قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعبدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (^١) - قال عبد الله ابن الزبعرى (^٢): \"قد عُبِدت الملائكة، (وعُبد عيسى) (^٣)، وليس هؤلاء من حصب جهنم\". فتأخر بيان ذلك حتى نزل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (^٤).\nفإنْ قيل: لا نسلم أن قوله: ﴿وَمَا تَعبدُونَ﴾ يندرج فيه الملائكة والمسيح، وبيانه مِنْ وجهين:\nأحدهما: أن لفظة \"ما\" لا تتناولهم؛ لكونها مخصوصة بِمَنْ لا يعقل، فلا يتوجه نقض ابن الزبعرى، ولا يحتاج إلى تخصيص، بل كيف يمكن والتخصيص فرع الشمول. ويدل على ذلك ما رواه الأصوليون (^٥) في\n_________\n(^١) سورة الأنبياء: الآية ٩٨.\n(^٢) هو عبد الله بن الزِّبَعْرى بن قيس القرشيّ السهميّ. كان من أشعر قريش، وكان شديدًا على المسلمين ثم أسلم في الفتح. انظر: الإصابة ٢/ ٣٠٨.\n(^٣) في (ت): \"وعبد المسيح\".\n(^٤) سورة الأنبياء: الآية ١٠١.\n(^٥) كالآمدي في الإحكام ٣/ ٣٩، والجاربردي في السراج الوهاج ٢/ ٦٣٢، والأصفهاني في شرح المنهاج ١/ ٤٥٣، وصفي الدين الهندي في نهاية الوصول ٥/ ١٩٢٠، والقرافي في نفائس الأصول ٥/ ٢٢٨١، والإسنوي في نهاية السول ٢/ ٥٣٨، والبدخشي في مناهج العقول ٢/ ١٥٥، كشف الأسرار ٣/ ١١٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٦٥، بيان المختصر ٣/ ٤٠٢.","vol":"5","page":1613},{"text":"كتبهم من قوله - ﷺ - لابن الزبعرى حين قال ما قال: \"ما أجهلك بلغة قومك، أما علمت أنَّ \"ما\" لِمَا لا يعقل ومَنْ لمن يعقل\".\nوالثاني: وهو المشار إليه بقوله في الكتاب: ولو سُلِّم أنا سلمنا أنَّ لفظة \"ما\" تتناولهم، لكن خُصَّ الملائكة والمسيح من هذه الآية بالعقل، لا بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ (^١)، وذلك لأن التعذيب إنما يقع على جريمة، وأيُّ جريمة لهؤلاء بعبادة غيرهم إياهم! وهذا الدليل العقلي كان حاضرًا في عقولهم قبل نزول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ﴾.\nقلنا: الجواب عن الأول: أنا لا نسلِّم أن صيغة \"ما\" مختصة بغير العقلاء، بل هي شاملة للجميع، ويدل على ذلك إطلاقها على الله تعالى في قوله ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا﴾ (^٢)، وكذلك قوله: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ (^٣)، وقوله: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ (^٤)، وأنها تأتي بمعنى الذي اتفاقًا، وكلمة الذي تتناول العقلاء، فكذلك صيغة \"ما\". والحديث المذكور من قوله - ﷺ -: إن ما مختصة بمن لا يعقل - غير معروف، ولو ثبت لسمعنا وأطعنا.\nوعن الثاني: أنَّ العقل إنما يُحيل تَرْك تعذيبهم إذا عُلِم بالعقل أيضًا\n_________\n(^١) سورة الأنبياء: الآية ١٠١.\n(^٢) سورة الشمس: الآية ٥.\n(^٣) سورة الليل: الآية ٣.\n(^٤) سورة الكافرون: الآيات ٣، ٥.","vol":"5","page":1614},{"text":"أنهم غير راضين بالعبادة؛ لأنهم لو رضوا بالعبادة لكان ذلك الرضا موجبًا للسخط، وعدم رضاهم إنما عُلِم بالنقل (^١).\nوهذان الجوابان ضعيفان، أما (الأول فمن وجهين:\nأحدهما: أن المصنف قَدَّم في باب العموم) (^٢) أن \"ما\" مختصة بما لا يعقل.\nوثانيهما: أن \"ما\" في هذه الآيات مصدرية، تقديره: وخَلْقِ الذكر والأنثى. والسماءِ وبنائِها (^٣). ولا أنتم عابدون عِبَادتي، ذكره القرافي (^٤).\nوأما قوله: تَرِد بمعنى الذي فَلْتتناول العقلاء كما تتناول الذي - فساقطٌ؛ لأن \"الذي\" وضعت للقدر المشترك بين (^٥) العقلاء وغيرهم، ولا نسلم أنها تقوم مقامها إذا استعملت في غير العقلاء، وما ذلك إلا أول النزاع.\nوأما الثاني: فإنه غير مستقيم على مذهب مَنْ يقول: عصمة ذوي (^٦)\n_________\n(^١) وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية. انظر: نهاية السول ٢/ ٥٣٩.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) في (ص): \"وما بناها\". وهو خطأ.\n(^٤) انظر: نفائس الأصول ٥/ ٢٢٨٠.\n(^٥) في (ت): \"من\".\n(^٦) في (ت): \"ذي\".","vol":"5","page":1615},{"text":"العصمة ثابتة بالعقل. وهم المعتزلة (^١). ولا على مَنْ يقول: إنها ثابتة بالسمع (^٢)؛ لأنها قد اشْتَهَرت وصار العقل يحيل عدمها، وإن كان الأصل في إحالة هذا العقلِ لذلك - إنما هو السمع؛ لأنا بالضرورة من العقول نُدرك أن الملائكة وعيسى ﵈ غير راضين بعبادة هؤلاء إياهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>فائدة </span>(^٣):\nابن الزبعرى، بكسر الزاي المعجمة، وفتح الباء الموحدة مِنْ تحت بعدها، وقد تكسر أيضًا، بعدها عين مهملة ساكنة، ثم راء مهملة مفتوحة (^٤) كان من أشد الناس على الإسلام وأكثرهم أذى بلسانه فُحْشًا وهجاء، وبنفسه مكابرة وعنادًا، ثم أسلم عام الفتح وحسن إسلامه. وهذا المذكور عنه مشهور في كتب التفسير والسير، وروى الحاكم أبو عبد الله في \"المستدرك\" (^٥) عن الحسين بن واقد عن يزيد النحوي عن عكرمة عن\n_________\n(^١) أي: فلا يحسن الرد عليهم بأن العصمة ثابتة بالنقل، وهم يقولون بأنها ثابتة بالعقل؛ لأن هذا الجواب لا يلزمهم. انظر: المعتمد ١/ ٣٤٢، شرح الكوكب ٢/ ١٦٩، البحر المحيط ٦/ ١٣، ١٤، البرهان ١/ ٤٨٣.\n(^٢) انظر: شرح الجوهرة ص ٢٧٤ - ٢٨١، البيت (٥٩، ٦٠).\n(^٣) في (ت) مكانها بياض.\n(^٤) في اللسان ٤/ ٣١٨، مادة (زبعر): \"رجل زِبَعْرَى: شَكِس الخُلُق سيِّئُه، والأنثى زِبَعْراة، بالهاء. قال الأزهرى: وبه سمي ابن الزَّبَعْرَى الشاعر. والزِّبَعْرى: الضخم، وحكى بعضهم الزَّبَعْرَى، بفتح الزاي\". وفي الصحاح ٢/ ٦٦٨: \"قال الفراء: الزِّبَعْرَى: السيئ الخلق، ومنه سمي الرجل الكثير شعر الوجه والحاجبين واللَحْيَيْن\". وانظر: المصباح المنير ١/ ٢٦٧، القاموس ٢/ ٣٧.\n(^٥) انظر: المستدرك ٢/ ٣٨٥.","vol":"5","page":1616},{"text":"ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (^١) - قال المشركون: \"فالملائكة وعيسى وعُزيرٌ يُعبدون مِنْ دون الله\"، (قوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا (^٢)﴾ (^٣) قال فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (^٤) (^٥). (وهذا سَنَدٌ صحيح) (^٦) (^٧)، لكن ليس فيه ذكر ابن الزبعرى بخصوصه.\nقال: (قيل: تأخير البيان إغراء (^٨). قلنا: كذلك ما يُوجب الظنونَ الكاذبةَ. قيل: كالخطاب (^٩) بلغةٍ لا تُفهم. قلنا: هذا يفيد غرضًا (^١٠) إجماليًا، بخلاف الأول).\n_________\n(^١) سورة الأنبياء: الآية ٩٨.\n(^٢) سورة الأنبياء: الآية ٩٩.\n(^٣) في مستدرك الحاكم: \"فقال: لو كان هؤلاء الذين يُعبدون آلهة ما وردوها\".\n(^٤) سقطت من (ت): ﴿أولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.\n(^٥) سورة الأنبياء: الآية ١٠١.\n(^٦) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٧) قال الحاكم: \"هذا حديث صحيح ولم يخرجاه\". ووافقه الذهبي.\n(^٨) في نهاية السول ٢/ ٥٣١، والسراج الوهاج ٢/ ٦٣٣: \"إغواء\". وقال الإسنوي في النهاية ٢/ ٥٣٩ - ٥٤٠: \"ويقع في كثير من النسخ إغراء، بالراء، أي: يكون إغراءً للسامع بأن يعتقد غير المراد، أي: حاملًا له عليه، وهو إيقاع في الجهل. وقرره في المحصول بتقرير الراء، وفي الحاصل بتقرير الواو\".\n(^٩) في (ت): \"الخطاب\". وهو خطأ.\n(^١٠) سقطت من (غ).","vol":"5","page":1617},{"text":"احتج أبو الحسين على اشتراط البيان الإجمالي فيما له ظاهر: بأن العموم خطاب لنا في الحال إجماعًا، فالمخاطِب إما أن لا يقصد إفهامَنا في الحال وهو باطل؛ لأنه إذا لم يقصد إفهامنا في الحال مع أن ظاهره يقتضي كونه خطابًا لنا في الحال - يكون قد أغْرانا (^١) بأن نعتقد أنه قصد إفهامنا في الحال، فيكون قصد أن نجهل؛ لأن مَنْ خاطب قومًا بلغتهم فقد أغراهم (^٢) بأن يعتقدوا فيه أنه يعني ما يفهمونه منه، فثبت بطلانه.\nوإما أن يقصد وحينئذ - فإما أنْ يريد أن نفهم أن المراد ظاهره فقد أراد منا الجهل، وهو باطل. أو غير ظاهره فقد أراد ما لا سبيل إليه، وهو تكليف بالمحال.\nوهذا التقرير على هذا الوجه هو الذي أورده الإمام (^٣)، و(^٤) هو الصواب فاعْتَمِدْه.\nوأجاب المصنف: بأنا لا نسلم أن ذلك ممتنع، وقد ورد ما أوجب ظاهرُه الظنونَ الكاذبة؛ فدل على الجواز. أما وروده فكثير، قال الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (^٥)، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٦)،\n_________\n(^١) في (ص): \"أغوانا\".\n(^٢) في (ص): \"أغواهم\". وهو خطأ.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٠٧ - ٣١٠.\n(^٤) سقطت الواو من (ت).\n(^٥) سورة الفتح: الآية ١٠.\n(^٦) سورة طه: الآية ٥.","vol":"5","page":1618},{"text":"وقال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (^١) (^٢)، فلو صح ما ذكرتم لزم أن تكون هذه الخطابات للإغواء (^٣)؛ لأنه أطلق وأراد خلاف الظاهر، ومِنْ ها هنا عَمِيت بصائر الحشوية (^٤)، وصمموا على فاسد عقدٍ (^٥)، لو نُشِر الواحد منهم بالمناشير (^٦) لم يَكَعْ (^٧) ولم يرجع، وهو مُعْتَقدٌ لا يعود وباله إلا عليه، ولا\n_________\n(^١) سورة الفجر: الآية ٢٢.\n(^٢) لأن ظاهر هذه الآيات أن يد الله تعالى فوق أيديهم بالملامسة، وأن الرحمن تعالى مستوٍ على عرشه استواء الاستقرار والجلوس، وأن مجيء الرب تعالى هو النقلة والحركة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وتَنَزَّه عن مشابهة الحوادث وتقدس تقدسًا كثيرًا، فهو الواحد الذي ليس له شبيه في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، وكل ما كان للمخلوق فالله تعالى بخلافه. انظر: سنن الترمذي ٣/ ٤٩ - ٥١، كتاب الزكاة، باب ما جاء في فضل الصدقة.\n(^٣) في (ت): \"للإغراء\".\n(^٤) الحشوية: هم الذين كانوا يجلسون في حلقة الحسن البصري - ﵀ - أمامه، فلما وَجَد كلامهم ساقطًا أنكره، وقال: \"ردُّوا هؤلاء إلى حشى الحلقة\" أي: جانبها. ويجوز فتح الشين في \"الحشوية\" وإسكانها، أما الفتح فبالنسبة إلى الحشى بالقصر كالفتى. وأما الإسكان فبالنسبة إلى الحشْو؛ لأنهم يقولون بوجود الحشو الذي لا معنى له في الكتاب والسنة، أو لقولهم بالتجسيم ونحو ذلك. وبالوجهين ضبطها الزركشيُّ والبِرْماويّ. انظر: شرح المحلي الجمع مع البناني ١/ ٢٣٢، شرح الكوكب ٢/ ١٤٧.\n(^٥) إذ حملوا هذه الآيات على ظواهرها المعلومة المعروفة في حق المخلوقين، فوقعوا في التشبيه، عياذًا بالله تعالى.\n(^٦) في (غ): \"بالمناشر\".\n(^٧) أي: لم يَمِلْ. انظر: اللسان ٨/ ٤٠٨، المصباح المنير ٢/ ٣٤٧.","vol":"5","page":1619},{"text":"يرجع نكاله إلا إليه.\nولقائل أن يقول: هذه الأشياء يَحْتَوِشُها براهين عقلية، تُرشد إلى الصواب، بخلاف تأخير البيان (^١).\nواعلم أن ظاهر إيراد المصنف يُفهم أن هذا الدليل الذي أجاب عنه دليل للمانع مطلقًا، وعلى ذلك قرره العِبْري والجاربردي (^٢) وليس كذلك، بل هي حجة أبي الحسين كما قلناه (^٣)، وبه صَرَّح الإمام، وكيف يتجه أن يكون حجةً للمانع (^٤) مطلقًا، والمشترك ليس فيه إيقاع في الجهل؛ فإن نسبته عند عدم القرينة إلى كل معانيه على السوية. وقد تنبه الإسفراييني لهذا، وذَكَر ما أوردناه.\nواحتج مَنْ منع تأخير البيان عن وقت الخطاب مطلقًا: بأنه كالخطاب بلغةٍ لا تُفْهم، (مثل: خطابك العربي باللغة الزنجية، والخطَاب بلغةٍ لا تُفْهم) (^٥) ممنوع، والجامع بينهما كونُ كلِّ (^٦) واحدٍ منهما لا يفيد المقصودَ حالةَ الخطاب.\n_________\n(^١) أي: التمثيل بهذه الآيات على الظاهر المؤخَّر بيانُه فيه نظر؛ لأن هذه الآيات تحوطها البراهين العقلية التي تصرف ظواهر التشبيه عنها، ومِنْ ثَمَّ فلم يُؤخَّر بيانها، وهذا يخالف ما نحن فيه مِنْ تأخير البيان عن وقت الخطاب.\n(^٢) انظر: السراج الوهاج ٢/ ٦٣٣.\n(^٣) وكذا قرره الإسنوي في نهاية السول ٢/ ٥٣٩، والأصفهاني في شرح المنهاج ١/ ٤٥٤.\n(^٤) في (ت): \"المانع\".\n(^٥) سقطت من (غ).\n(^٦) سقطت من (غ).","vol":"5","page":1620},{"text":"وأجاب في الكتاب: بالفرق، وهو أن الخطاب بما لا يفهمه المخاطَب لا يفيد شيئًا، بخلاف الخطاب بالمشترك ونحوه فإنه يُفهِم غَرَضًا إجماليًا يستعد المكلفُ مِنْ أجله لما يراد منه. فإن قيل مثلًا: اعتدِّي بثلاثة أقراء - أفاد أن المراد إما الأطهار أو الحيض، وأن العُدَّة وجبت بأحدهما. وأما الخطاب بما لا يُفْهَم فلا يفيد لا غَرَضًا إجماليًا، ولا تفصيليًا.\nوقد أجاب القاضي في \"مختصر التقريب\" (^١): \"بأن النبي - ﷺ - مبعوثٌ إلى العرب والعجم، (وكان) (^٢) ما يندر منه من الألفاظ العربية إلزامًا للفريقين وفاقًا، وإذا ساغ (^٣) مخاطبة العجم بلغة العرب - لم يبعد عكسه\".\nقلت: وهذا حسن. والتحقيق أن خطاب الغير أضْرُب:\nأحدها: أن يُخاطِب بما يفهمه هو وغيره، وهو جائز إجماعًا.\nوالثاني: عكسه، وفيه الخلاف المتقدم في مسألة أن الله لا يخاطبنا بالمهمل.\nوالثالث: أن يفهمه المخاطَب - بفتح الطاء - دون غيره. فيجوز اتفاقًا، سواء تعلق بخاصة نفسه، أم بغيره، ويصير فيما إذا تعلَّق بغيرهِ كالتَّرْجمان والمبلِّغ.\nوالرابع: أن يفهمه غيرُه، ولا يفهمه هو. وهذا هو (^٤) الذي تكلم فيه\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٢١٢.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) في (ص): \"شاع\". والمثبت موافق لما في التلخيص.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1621},{"text":"القاضي، ويظهر أنه جائز اتفاقًا؛ لاطلاع المخاطَب على مدلول الخطاب مِنْ غيره.\nوالخامس: أن يُخاطِب جَمْعًا (^١) بلغةٍ يفهمها بعضهم دون بعض. وهذا أيضًا لا نزاع في جوازه، كيف والقرآن خطاب للعرب والعجم! .\nقال: (تنبيه: يجوز تأخير التبليغ إلى وقت الحاجة، وقوله تعالى: ﴿بَلِّغْ﴾ لا يوجب الفور).\nالذين منعوا تأخير البيان عن وقت الخطاب - اختلفوا في جواز تأخير تبليغ ما أُوحي به إلى النبي - ﷺ - من الأحكام. والجمهور على جوازه (^٢)؛ لأن امتناعه لا جائز أن يكون لذاته، إذْ لا يلزم مِن فَرْض وقوعه محال. ولا لأمرٍ خارج؛ إذ الأصل عدمه، كيف ويحتمل أن يكون في التأخير مصلحةٌ لا نعلمها نحن.\nواحتج المانع (^٣) بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ\n_________\n(^١) في (ص): \"جميعًا\". وهو خطأ.\n(^٢) انظر: الإحكام ٣/ ٤٨، نهاية الوصول ٥/ ١٩٦٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٦٧، شرح الكوكب ٣/ ٤٥٣، البحر المحيط ٥/ ١١٨، نشر البنود ١/ ٢٨٣، فواتح الرحموت ٢/ ٤٩.\n(^٣) وهو أحمد ﵁ في رواية عنه، اختارها بعض أصحابه، وذهب إليها أبو الخطاب الكلوذاني رحمه الله تعالى، من غير أن يحكي خلافًا في المذهب، ومع كونه أيضًا يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب. انظر: شرح الكوكب ٣/ ٤٥٣، المسودة ص ١٧٩، التمهيد لأبي الخطاب ٢/ ٢٨٩، مختصر ابن اللحام ص ١٣٠، الإحكام ٣/ ٤٨، نشر البنود ١/ ٢٨٣، فواتح الرحموت ٢/ ٤٩.","vol":"5","page":1622},{"text":"رَبِّكَ﴾ (^١).\nوالجواب: أنَّ الأمر لا يقتضي الفور، كما سبق. قال الإمام والآمدي: ولو سلمناه لكن المراد هو القرآن، إذ هو الذي يُطلق عليه القول بأنه منزل (^٢).\nقلت: وفي الفرق بين تبليغ القرآن وغيره نظرٌ.\nوقد يقال: قال المصنف في أول الفصل: \"وفيه مسائل\"، ولم يُورد سوى اثنتين، وهذا التنبيه.\nويجاب: بأن التنبيه هو الثالثة، وليس يشترط أن تُصَدَّر المسألة بلفظ: الثالثة. أو أنه ذكر في الثانية مسألتين: تأخير البيان عن وقت الحاجة، وعن وقت الخطاب. والاشتغال بمثل هذا مما يُضيع الوقت، ولا يُحَصِّل فائدة.\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٦٧.\n(^٢) أي: فهذا الأمر خاص بتبليغ القرآن. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩، الإحكام ٣/ ٤٨.","vol":"5","page":1623},{"text":"الفصل الثالث: المبيَّن له","vol":"5","page":1625},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-439>(الفصل الثالث: في المبيَّن له</span>.\nإنما يجب البيان لمن أُريد فهمُه للعمل، كالصلاة. أو الفتوى (^١)، كأحكام الحيض).\nيجب البيان لمن أُريد فهمه؛ لأن تكليفه بالفهم بدون البيان تكليف بالمحال، ولا يجب بيانه لغيره؛ إذ لا تعلق له به.\nثم إرادة الفهم قد تكون للعمل بما تضمنه المجمل، كآية الصلاة. وقد تكون للإفتاء به، كآية الحيض، فإنَّ تفهيم المجتهدين ذلك إنما هو لإفتاء النساء به.\nهذا ما ذكره المصنف تبعًا للإمام، والإمام تَبِع فيه أبا الحسين (^٢). وفيه نظر مِنْ وجهين:\nأحدهما: إطلاق قوله: \"يجب البيان لمن أُريد فهمه\" - يُشعر بأنه يجب على الله تعالى، وهذا إنما يقوله المعتزلة، فهي عبارة رَدِّية، والأَوْلى التعبير: بأن البيان لمن أُريد فهمه لا بد من وقوعه.\nوالثاني: أن فيه إشعارًا بأنه لا يجب على النساء تحصيل العلم بما كُلِّفْن به (^٣)، وليس كذلك بل النساء والرجال سواء في ذلك (^٤).\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"والفتوى\".\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٣١، المعتمد ١/ ٣٣٠.\n(^٣) لأنه جعل أحكام الحيض تُطلب للفتوى لا للعمل، وهذا إنما يكون في حق الرجال، فهو يُشْعر بأن المرأة غير مطالبة بتعلم أحكام الحيض من النصوص، بل تتعلمها من المفتين.\n(^٤) ولذلك قال القرافي رحمه الله تعالى: \"النساء كالرجال في جميع الشريعة، إلا ما دلَّ =","vol":"5","page":1627},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عليه الدليل، فكما أن المرأة العاجزة عن فهم الخطاب لا يجب عليها لعجزها، فكذلك لرجل الأبله العاجز، وكما أن الرجل الذكي المحصِّل يجب عليه فَهْم الخطاب، كذلك المرأة اليقظة. وهل يجوز أن نقول: إن عائشة - ﵂ - لم يُطلب منها فَهْم الخطاب مع قوله ﵇: \"خذوا شطر دينكم عن هذه الحُمَيْراء\"!، وكم وُجد في هذه الأمة المحمدية من النساء العظيمات المقدار، الجليلات في العلم والعمل ممن رَجَحْن على العلماء المشهورين. . .\". نفائس الأصول ٥/ ٢٢٩٧، وانظر: نهاية السول ٢/ ٥٤٢. وهذا الحديث الذي ذكره القرافي رحمه الله تعالى: \"خذوا شطر دينكم عن هذه الحميراء\" - لا يُعرف له أصل. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: \"لا أعرف له إسنادًا\". وذكر الحافظ عماد الدين بن كثير: أنه سأل الحافظين المزى والذهبي فلم يعرفاه. انظر: المقاصد الحسنة ص ١٩٨، رقم ٤٣٢، المصنوع في معرفة الحديث الموضوع ص ٩٨، رقم ١٢١، الفوائد المجموعة في الأحاديث الوضوعة ص ٣٩٩، رقم ١٣٩.","vol":"5","page":1628},{"text":"الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخ\nالفصل الأول: النسخ","vol":"5","page":1629},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-440>(الباب الخامس: في الناسخ والمنسوخ</span>. وفيه فصلان:\nالأول: في النسخ.\nوهو: بيان انتهاء حكمٍ شرعي بطريقٍ شرعي متراخٍ. و(^١) قال القاضي: رفع الحكم. وَرُدَّ: بأن الحادث ضد السابق، فليس رَفْعه بأولى من دَفْعه).\nالنسخ في اللغة يطلق على: الإزالة، (ومنه) (^٢) نَسَخَت الريحُ أثر القدم، أي: أزالَتْه.\nوعلى النقل والتحويل، ومنه: نَسَخْتُ الكتاب، أي: نقلته (^٣). وهو المَعْنِيُّ بقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٤) (^٥). ومنه المناسخات: وهي انتقال المال مِنْ وارث إلى وارث (^٦).\nثم قال القاضي والغزالي: إنه مشترك بينهما (^٧). وقال أبو الحسين:\n_________\n(^١) سقطت الواو من (غ).\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) انظر: لسان العرب ٣/ ٦١، المصباح المنير ٢/ ٢٧١، مادة (نسخ).\n(^٤) سورة الجاثية: الآية ٢٩.\n(^٥) انظر: زاد المسير ٧/ ٣٦٥.\n(^٦) مع أن أصل الميراث قائم لم يُقسم. انظر: شرح الرحبية للمارديني ص ١٣٧.\n(^٧) انظر: المستصفى ٣/ ٣٥ (١/ ١٠٧)، الإحكام ٣/ ١٠٢، نهاية الوصول ٦/ ٢٢١٣، وإليه ذهب أيضًا القاضي عبد الوهاب. انظر: البحر المحيط ٥/ ١٩٥.","vol":"5","page":1631},{"text":"إنه (^١) حقيقة في الإزالة (^٢). وقال القفال: حقيقة في النقل (^٣) (^٤).\nوأما في الاصطلاح فقال صاحب الكتاب: \"هو بيان انتهاء حكمٍ شرعي بطريق شرعي متراخ\".\nفقوله: \"بيانٌ\" جنس يدخل فيه المحدود وغيره. وبإضافته إلى الانتهاء خرج بعض التخصيصات، والتقييدات، ونحو ذلك مما ليس فيه معنى الانتهاء.\nوقوله: \"حكم شرعي\" يُخْرِج بيانَ انتهاء حكمٍ عقلي كالمباح الثابت بالبراءة الأصلية عند القائل به، فإنه لو حُرِّم فَرْدٌ من تلك الأفراد لم يسم نسخًا.\nوقوله: \"بطريق شرعي\" يُحْترز به عن الطريق العقلي، كالموت؛ فإنه إذا وقع تبيَّن به انتهاء الحكم الشرعي، ولا يُسمى نسخًا في الاصطلاح.\n_________\n(^١) سقطت من (ص)، و(غ).\n(^٢) وكذا الإمام، وإليه ذهب الأكثرون. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٤١٩، المعتمد ١/ ٣٦٤، نهاية الوصول ٦/ ٢٢١٣، شرح الكوكب ٣/ ٥٢٥، البحر المحيط ٥/ ١٩٥، تيسير التحرير ٣/ ١٧٨.\n(^٣) انظر المحصول ١/ ق ٣/ ٤١٩، نهاية الوصول ٦/ ٢٢١٣، الإحكام ٣/ ١٠٢، البحر المحيط ٥/ ١٩٥.\n(^٤) قال الزركشي رحمه الله تعالى: \"وذهب ابن المنير في \"شرح البرهان\" إلى أنه بالاشتراك المعنوي، وهو التواطؤ؛ لأن بين نسخ الشمسِ الظلَّ ونسخِ الكتاب - قدرًا مشتركًا وهو الرفع. . .\". انظر: البحر المحيط ٥/ ١٩٥ - ١٩٦.","vol":"5","page":1632},{"text":"وكمن سقط رجلاه، لا يقال: نُسخ عنه غَسْل الرجلين. وما قاله: الإمام في المخصِّصات (^١) مِنْ أنه نَسْخٌ - واهٍ بلا ريب (^٢).\nوقوله: \"متراخ\" يُخْرج البيانَ المتصل بالحكم: كالاستثناء، والشرط، والصفة، وغير ذلك.\nوقال القاضي: النسخ: هو الخطاب الدالُّ على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجهٍ لولاه لكان ثابتًا مع تراخيه عنه. هذه عبارته في \"مختصر التقريب\" (^٣)، وهو معنى قول المصنف: \"وقال القاضي: رَفْع الحكم\"؛ فإن التشاجر بين التعريفين إنما هو في لفظ: الرفع، والبيان.\nوقد وافق القاضي على هذا الشيخُ أبو إسحاق الشيرازي، والغزالي، والآمدي، وابن الحاجب (^٤).\nورُدَّ قول القاضي: بأنَّ الحكم الحادث ضد السابق، وليس رَفْع الحادث للسابق بأولى مِنْ دَفْع السابق للحادث، بل دَفْع السابق للحادث\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ١١٣.\n(^٢) انظر: المحلى على الجمع والبناني ٢/ ٧٥.\n(^٣) انظر: التلخيص ٢/ ٤٥٢.\n(^٤) أما الشيرازي والغزالي - رحمهما الله - فغد ذكرا تعريف القاضي - ﵀ - بنصه. انظر: اللمع ص ٥٥، شرح اللمع ١/ ٤٨١، المستصفى ٢/ ٣٥ (١/ ١٠٧). وأما الآمدي وابن الحاجب - رحمهما الله - فقد اختارا تعريف القاضي لكن مع التخلص من بعض القيود التي يدل عليها غيرها، فهي من قبيل التكرار والزيادة. انظر: الإحكام ٣/ ١٠٥ - ١٠٧، منتهى الوصول ص ١٥٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٨٥.","vol":"5","page":1633},{"text":"أولى؛ (إذ الدفع أَوْلى) (^١) من الرفع (^٢). وهذا الرد هو المذكور في الكتاب.\nوقد أُجيب عنه: بأنَّ رَفْع الحادث للسابق أوْلى من العكس، بدليل أن عند وجود العلة (^٣) التامة لعدم الشيء، أو لوجوده، (المنافية لوجوده أو لعدم (^٤)؛ ضرورة أن علة عدم الشيء منافية لوجوده) (^٥) وعلة وجود الشيء منافية (لعدمه - يحصل) (^٦) عدمُه (^٧)، أو وجودُه قطعًا، ولولا الأولوية لامتنع حصولُه (^٨) (^٩).\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) لأن الدفع أسهل من الرفع، وهذه قاعدة فقهية ينبني عليها مسائل كثيرة. انظر: الأشباه والنظائر للشارح ١/ ١٢٧، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٣٨.\n(^٣) سقطت من (ص)، و(غ).\n(^٤) المعنى: أنه عند وجود العلة التامة لعدم الشيء، أو التامة لوجود الشيء، فإن العلة التامة لعدم الشيء منافية لوجوده، والعلة التامة لوجود الشيء منافية لعدمه.\n(^٥) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٦) في (ت): \"لعدم تحصيل\". وهو خطأ.\n(^٧) جملة \"يحصل عدمُه\" اسم \"أنّ\" مؤخَّر، في قوله: \"بدليل أن عند وجود العلة التامة لعدم الشيء\"، وجملة الظرف خبرها مقدم.\n(^٨) انظر هذا الجواب في: نهاية الوصول ٦/ ٢٢٣٢.\n(^٩) أي: لولا الأولية للحادث (وهي هنا العلة التامة لعدم الشيء أو وجوده) على السابق (وهو هنا وجود الشيء أو عدمه) - لامتنع بالعلة التامة للعدم حصولُ العدم للموجود، ولامتنع بالعلة التامة للوجود حصولُ الوجود للمعدوم، لكن لما كانت العلةُ التامةُ مؤثرةً في وجود المعدوم، أو في إعدام الموجود - دلَّ ذلك على أنَّ رفع الحادث للسابق أولى. ويمكن تلخيص الجواب كما قال الإسنوي رحمه الله تعالى: =","vol":"5","page":1634},{"text":"وقد أُورد على القاضي غير ما ذكره المصنفُ مِنْ ساقط ومتماثل (^١) ولا نرى في التطويل بذكره كبير (^٢) فائدة (^٣).\nواعْتُرِض على التعريف الذي ارتضاه في الكتاب بوجوه:\nأحدها: أنه غير جامع؛ لأن المنسوخ قد لا يكون حكمًا شرعيًا، بل خبرًا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوهذا الاعتراض ضعيف؛ لأن المنسوخ في الحقيقة إنما هو الحكم الثابت بالخبر، لا نفس الخبر.\nوالثاني: أنه غير مانع؛ لأنه منطبق على قول الراوي: \"هذا منسوخ\"، مع أنه ليس كذلك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوفيه نظر؛ لأن قول الراوي: نُسِخ حكم كذا - ليس بيانًا للانتهاء، وإنما هو إخبارٌ عَنْ وجودِ ما زَعَم أنه بيان للانتهاء (^٤).\n_________\n= \"ولك أن تقول: الحادث أولى بالرفع، ولولا ذلك لامتنع تأثير العلة التامة في معلولها\". نهاية السول ٢/ ٥٥٤.\n(^١) أي: أورد على القاضي ردود بعضها ساقط، وبعضها فيه شيء من القوة. وفي اللسان ١١/ ٦١٢، مادة (مثل): \"وتَماثَل العَليلُ: قارَب البُرْءَ فصار أشبه بالصحيح من العليل المَنْهوك. وقيل: إن قولهم: تَماثَل المريضُ من المُثول والانتصاب، كأنه هَمَّ بالنهوض والانتصاب\".\n(^٢) في (غ): \"كثير\".\n(^٣) انظر تلك الردود في: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٢٥، نهاية الوصول ٦/ ٢٢٣١، الإحكام ٣/ ١٠٥.\n(^٤) في (ص): \"الانتهاء\".","vol":"5","page":1635},{"text":"والثالث: أن الأمة إذا افترقت إلى فرقتين جاز للعامِّيِّ الأخذ بقول أيِّ فرقة شاء. ثم إذا أجمعوا على أحد القولين تَحَتَّم عليه الأخذُ بالمُجْمع عليه، مع أنه ليس بنسخ؛ لأن الإجماع لا يُنْسخ ولا يُنْسخ به (^١) (^٢).\n\nقال (^٣): (وفيه مسائل:<span data-type=\"title\" id=toc-442> الأولى: أنه واقع وأحالته اليهود</span>. لنا: أن حُكْمه إنْ (^٤) تَبِع المصالح فيتغير بتغيرها، وإلا فله أن يفعل ما يشاء. وأن\n_________\n(^١) وهذا الاعتراض فيه نظر أيضًا؛ لأنا لا نسلِّم أن الحكم نفيًا وإثباتًا مُسْتَنِدٌ إلى قول أهل الإجماع، وإنما هو مُسْتَنِدٌ إلى الدليل السمعي الموجِب لإجماعهم على ذلك الحكم. وعلى هذا فيكون إجماعهم دليلًا على وجود الخطاب الذي نَسَخ، لا أن إجماعهم نسخ. ولعل الشارح - رحمه الله تعالى - ترك الرد على هذا الاعتراض؛ لأنه شبيه بما قبله، فقول الراوي، وكذا الإجماع دليلان على وجود خطاب ناسخ، غاية ما في الأمر أن قول الراوي ليس قطعيًا في هذه الدلالة، بل هو محتمل للخطأ، والثاني قطعي الدلالة على وجود الناسخ. انظر: الإحكام ٣/ ١٠٧.\n(^٢) انظر تعريف النسخ في الاصطلاح في: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٢٣، الحاصل ٢/ ٦٣٨، التحصيل ٢/ ٧، نهاية الوصول ٦/ ٢٢١٨، نهاية السول ٢/ ٥٤٨، السراج الوهاج ٢/ ٦٣٩، مناهج العقول ٢/ ١٦١، المستصفى ٢/ ٣٥ (١/ ١٠٧)، البرهان ٢/ ١٢٩٣، المعتمد ١/ ٣٦٦، الوصول إلى الأصول ٢/ ٧، الإحكام ٣/ ١٠٤، شرح التنقيح ص ٣٠١، بيان المختصر ٢/ ٤٨٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٨٥، كشف الأسرار ٣/ ١٥٥، فواتح الرحموت ٢/ ٥٣، تيسير التحرير ٣/ ١٧٨، شرح الكوكب ٣/ ٥٢٦، العدة ١/ ١٥٥، ٣/ ٧٧٨، التمهيد لأبي الخطاب ٢/ ٣٣٦.\n(^٣) في (ت) بياض بالسطر.\n(^٤) سقطت من (غ).","vol":"5","page":1636},{"text":"نبوة محمد - ﷺ - ثبتت بالدليل القاطع وقد نَقَل قولَه: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾. وأنَّ آدم ﵇ زَوَّج بناتِه مِنْ بنيه، والآن محرمٌ اتفاقًا).\nأجمع المسلمون على جواز النسخ، وذهبت فئة من المنتمين إلى الإسلام منهم أبو مسلم الأصفهاني (^١) إلى مَنْع النسخ؛ هَرَبًا مِن البَدَاء (^٢)، واعتقادًا منهم أنَّ النسخ يؤدي إليه (^٣).\n_________\n(^١) هو محمد بن بَحْر الأصفهانيّ الكاتب، أبو مسلم. ولد سنة ٢٥٤ هـ. كان نحويًا كاتبًا بليغًا، مُتَرسِّلًا جَدِلًا، متكلِّمًا معتزليًا، عالمًا بالتفسير وغيره من صنوف العلم، ثم صار عامل أصبهان وعامل فارس للمقتدر. من مصنفاته: \"جامع التأويل لمحكم التنزيل\" أربعة عشر مجلدًا على مذهب المعتزلة، الناسخ والمنسوخ، وكتاب في النحو. توفي سنة ٣٢٢ هـ. انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٣٥، بغية ١/ ٥٩.\n(^٢) البَدَاء: هو الظهور بعد الخفاء. ومنه يقال: بدا لنا سُور المدينة بعد خفائه. وبدا لنا الأمر الفلاني. أي: ظهر بعد خفائه. وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾، ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ﴾، ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾. انظر: الإحكام ٣/ ١٠٩، شرح اللمع ١/ ٤٨٥، البحر المحيط ٥/ ٢٠٦، المصباح المنير ١/ ٤٦، مادة (بدا).\n(^٣) نسب الشيرازي هذا القول إلى شرذمة من المسلمين. انظر: اللمع ص ٥٥، ونسبه الباجي إلى طائفة شاذة من المبتدعة. انظر: إحكام الفصول ص ٣٩١، ونسبه الغزالي وأبو الحسين إلى شذوذ من المسلمين. انظر المستصفى ٣/ ٤٩، المعتمد ١/ ٣٧٠. ونسبه إمام الحرمين إلى غلاة الروافض. انظر: البرهان ٢/ ١٣٠٠، ونسبه الإمام وأتباعه إلى بعض المسلمين. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٤١، الحاصل ٢/ ٦٤١، التحصيل ٢/ ١٠، نهاية الوصول ٦/ ٢٢٤٥، وكذا القاضي في التلخيص ٢/ ٤٦٨. وأشهر من نُسب إليه هذا القول من المسلمين هو أبو مسلم الأصفهاني من المعتزلة، =","vol":"5","page":1637},{"text":"وأما اليهود لعنهم الله فمنهم مَنْ أنكر جوازَه عقلًا ووقوعَه شرعًا (^١). ومنهم من أنكر وقوعه فقط (^٢). وذهبت العِيسوية منهم: وهم أصحاب أبي عيسى الأصفهاني (^٣)، المعترفون بصحة نبوة نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام، لكن إلى بني إسماعيل ﵇ وهم العرب خاصة - إلى\n_________\n= حتى قال الآمدي رحمه الله تعالى: \"اتفق أهل الشرائع على جواز النسخ عقلًا، وعلى وقوعه شرعًا، ولم يخالف في ذلك من المسلمين سوى أبي مسلم الأصفهاني، فإنه منع من ذلك شرعًا، وجَوَّزه عقلًا\". الإحكام ٣/ ١١٥، وكذا في فواتح الرحموت ٢/ ٥٥، وتيسير التحرير ٣/ ١٨١، وشرح الكوكب ٣/ ٥٣٣، والعدة ٣/ ٧٧٠، ومنتهى السول والأمل ص ١٥٤، والعضد على ابن الحاجب ٢/ ١٨٨، وشرح اللمع ١/ ٤٨٢، والتمهيد لأبي الخطاب ٢/ ٣٤١.\n(^١) وهي فرقة الشمعونية. انظر: نهاية السول ٢/ ٥٥٥، فواتح الرحموت ٢/ ٥٥،\n(^٢) وهي فرقة العنانية: وهي فرقة من اليهود نُسبوا إلى عنان بن داود رأس الجالوت، يخالفون سائر اليهود في السبت والأعياد، ويصدقون عيسى ﵇ في مواعظه وإشاراته، ويقولون إنه لم يخالف التوراة ألبتة، إلا أنهم لا يقولون بنبوته ورسالته. انظر: نهاية السول ٢/ ٥٥٥، الإحكام ٣/ ١١٥، الملل والنحل ٢/ ٥٤.\n(^٣) هو أبو عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني، وقيل: اسمه عوفيد الوهيم، أي: عابد الله. كان في زمان المنصور، وابتدأ دعوته في زمن آخر ملوك بني أمية مروان بن محمد، فاتبعه بشر كثير من اليهود، وادعوا له آياتٍ ومعجزات. وقيل: إنه لما حارب أصحاب المنصور بالرَّيِّ قُتل وقُتل أصحابه. وزعم أنه نبي، وأنه رسول المسيح المنتظر، وزعم أن الله تعالى كلَّمه وكلَّفه أن يخلِّص بني إسرائيل من أيدى الأمم العاصين، والملوك الظالمين، وزعم أن المسيح أفضل ولد آدم، وأنه أعلى منزلة من الأنبياء الماضين، وإذ هو رسوله فهو أفضل الكل أيضًا، وكان يوجب تصديق المسيح، وخالف اليهود في كثير من أحكام الشريعة الكبيرة المذكورة في التوراة. انظر: الملل والنحل ٢/ ٥٥، ٥٦.","vol":"5","page":1638},{"text":"جوازه عقلًا ووقوعه سمعًا (^١).\nواعلم أنه لا يحسن ذِكْر هؤلاء المُبْعَدِين في وفاق ولا خلاف، ولكن السبب في تحمل المشقة بذكرهم التنبيه على أنهم لم يخالفوا جميعًا في ذلك (^٢). وأما مَنْ أنكره من المسلمين فهو مُعْتَرِفٌ بمخالفة شرع مَنْ قبلنا (لشرعنا في كثيرٍ من الأحكام، ولكنه يقول: إنَّ شرع مَنْ قبلنا) (^٣) كان مُغَيًّا إلى غايةِ ظهوره ﵇، وعند ظهوره - ﷺ - زال التعبد بشرع مَنْ قبله لانتهاء الغاية، وليس ذلك من النسخ في شيء، بل هو جارٍ مجرى قوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وحينئذ لا يلزم من إنكار النسخ إنكار نبوة محمد - ﷺ - (^٤).\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول ٢/ ٥٥٥، الإحكام ٣/ ١١٥، فواتح الرحموت ٢/ ٥٥، نهاية الوصول ٦/ ٢٢٤٥.\n(^٢) كأن الشارح رحمه الله تعالى يَرُدُّ على مَنْ يعترض بذكر مخالفة اليهود في جواز النسخ: بأن ذكر مخالفتهم لا يحسن، إذ البحث هنا عن آراء المسلمين، لا الكافرين. والجواب كما ذكر: هو أن القصد بهذا بيان أنهم لم يخالفوا جميعًا. والأمر سهل يسير. وانظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٢٤٥.\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) ذكر هذا التوجيه لمخالفة منكري النسخ من المسلمين الإمام في المحصول ١/ ق ٣/ ٤٤٢ - ٤٤٤، والقرافي ﵀ في نفائس الأصول ٦/ ٢٤٣٠، وشرح التنقيح ص ٣٠٦، وسراج الدين في التحصيل ٢/ ١١، وتاج الدين في الحاصل ٢/ ٦٤٢، وصفي الدين الهندي في نهاية الوصول ٦/ ٢٢٣٩ - ٢٢٤٠، وكذا ابن دقيق العيد وابن السمعاني على ما حكاه الزركشي في البحر ٥/ ٢٠٨، ولذلك قال الزركشي: \"وحاصله صيرورة الخلاف لفظيًا\". وانظر: المحلى على الجمع ٢/ ٨٨، كشف =","vol":"5","page":1639},{"text":"وقد ذَكَر في الكتاب مِنْ أدلتنا على النسخ أوجهًا ثلاثة:\nالأول: وهو دليل على الجواز فقط، أنَّ حكم الله تعالى إما أنْ يتبع المصالح، كما هو رأي المعتزلة (^١)؛ فيلزم أن يتغَيَّر بتغير المصالح، فإنا على قَطْع بأن المصلحة قد تتغير بحسب الأشخاص والأوقات والأحوال. وإما أن لا يتبع المصالح (^٢) - فله ﷾ أن يحكم ما يشاء ويفعل ما\n_________\n= الأسرار ٣/ ١٥٧ - ١٥٨، فواتح الرحموت ٢/ ٥٥، المعتمد ١/ ٣٧٥.\n(^١) ورأي الماتريدية أيضًا. انظر: فواتح الرحموت ٢/ ٥٦، تيسير التحرير ٣/ ١٨٢. والفارق بين رأي المعتزلة والماتريدية أن المعتزلة بنوا على هذا وجوبَ أمورٍ على الله تعالى، كوجوب الأصلح للعباد، ووجوب الرزق، ووجوب الثواب على الطاعة، ووجوب العِوَض في إيلام الأطفال والبهائم، ووجوب العقاب بالمعاصي إنْ مات مرتكبها بلا توبة. أما الماتريدية فقالوا: ما ورد به السمع من الكتاب والسنة مِنْ وعد الرزق، ووعد الثواب على الطاعة، وعلى ألم المؤمن، وعلى ألم طفله، حتى الشوكة يُشاكها - فإنما هو محض فضلٍ وتطول منه تعالى دون وجوبٍ عليه ﷿، ولا بد من وجود ذلك الموعود؛ لوعده الصادق. وما لم يرد به دليل سمعي كتعويض البهائم عن آلامها - لم نحكم بوقوعه وإن جَوَّزناه عقلًا. وقد وافق أبو منصور الماتريدي وأكثرُ مشايخ سمرقند - المعتزلةَ في إثبات أحكام خاصة بمقتضى الحسن والقبح العقليين، أي: ثبوت تلك الأحكام قبل ورود الشرع، والتكليف بها. فقالوا: بوجوب الإيمان بالله ووجوب تعظيمه، وحرمة نسبة ما هو شنيع إليه تعالى كالكذب والسفه، ووجوب تصديق النبي ﵇، وحرمة الكذب الضار، وهذا هو معنى شكر المُنْعِم. وقال أئمة بخارى من الحنفية: لا يجب إيمان ولا يحرم كفر قبل البعثة، كقول الأشاعرة؛ إذ الطاعة والمعصية فرع الأمر والنهي. انظر: المسامرة في شرح المسايرة ص ٣٥ - ٤٥.\n(^٢) كما هو رأي الأشاعرة وعامة أهل الحديث؛ لأن الحسن عندهم ما حَسَّنه الشرع، والقبيح ما قَبَّحه، فالمنسوخ كان حسنًا في وقته، والناسخ صار حسنًا في وقته.=","vol":"5","page":1640},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= انظر: تيسير التحرير ٣/ ١٨٢، الوصول إلى الأصول ٢/ ١٤، ٣٧ - ٣٨، كشف الأسرار ٣/ ١٦١، فتح الباري ١/ ٢٢٠ - ٢٢١. والحاصل أن المعتزلة والماتريدية عَلَّلوا أفعاله تعالى بالمصالح، فحيث وجدت المصلحة وُجد أمر الله تعالى. والأشاعرة لم يعلِّلوا أفعال الله تعالى، بل قالوا: له الإرادة المطلقة يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وحيث وُجد أمر الله تعالى وجدت المصلحة. فالمصلحة مقترنة بأمر الله تعالى عند الطرفين، لكن الفارق أن الأولين عللوا بها، وجعلوها سابقة، ومتبوعة لا تابعة. والآخرين وهم الأشاعرة جعلوها معلَّلة لا علة، وتابعة لا متبوعة، فَعِلَّةُ كونِ المصلحة مصلحةً أنها أَمْر الله تعالى، وعِلَّةُ كونِ المفسدة مفسدة أنها نَهْي الله تعالى. ومن أجل هذا كانت العلة عند المعتزلة: هي الباعث على الحكم. وعند الأشاعرة هي الأمارة على الحكم. فليس هناك فرق بين القولين من الناحية الأصولية؛ إذ المصلحة مقارنة لجميع أحكام المولى تعالى، لكن الفارق بين القولين عَقَديٌّ، وهو أنه هل يجوز أن تعلَّل أفعال الله تعالى أو لا يجوز؟ فمن عَلَّل وَرَد عليه أن الله تعالى لا يجب عليه شيء، ولا يَحْكُمُ أمرَه شيء، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، والتعليل يعني كونه تعالى محكومًا بغيره، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. قال تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، فجعل ﷾ إهلاك المسيح ابن مريم ﵊ وأمه ﵍ ومن في الأرض جميعًا - أمرًا لو شاءه جل وعلا لفعله، ومعناه: أنه تعالى ليس بظالم لهؤلاء؛ لأنهم ملك له تعالى يفعل فيهم ما يشاء، ولكنه تعالى لم يشأ إهلاك هؤلاء، ولا يُلزمه شيءٌ على عدم إهلاكهم، ولكنه تعالى بمحض اختياره وإرادته شاء بقاءهم. وقِسْ على هذا. ومن لم يعلِّل أفعال الله تعالى نظر إلى ما سبق ذِكْره من مطلق إرادته ومشيئته التي لا يحكمها شيء، والتي لا تفارقها المصلحة والحكمة مطلقًا، فكل أفعاله تعالى حِكَم ومصالح، ولكن المصالح فَرْعُ أمرِه وفِعْلِه، لا أن أمْرَهُ وفِعْلَهُ فَرْعٌ لها. يقول العلامة مصطفى صبري في كتابه \"موقف العقل والعلم من رب العالمين\": \"أما القول باستلزام كون أفعال الله عبثًا واتفاقًا إذا لم تعلَّل بالأغراض والعِلَل =","vol":"5","page":1641},{"text":"يريد (^١).\nوالثاني: أن نبوة سيدنا محمد - ﷺ - ثبتت بالبراهين القاطعة، التي لا يقبلها شك، ولا يداخلها ريب، وقد نَقَل لنا عن الله تعالى أنه قال: ﴿مَا\n_________\n= الغائية - فوهم محض، منشؤه كون القائلين بهذا يقيسون الله تعالى على أنفسهم، أي: على الإنسان الذي لا يعمل إلا بالمرجِّح والعلة الغائية، فإذا لم يعمل بذلك يكون فِعْله عبثًا واتفاقًا. وكان حَسْبُهم في التنبه لخطئهم في هذا القياس: أن يعلموا أن الله تعالى لا يحتاج إلى التأمل والتفكر، في حين أن أصحاب الرويَّة من البشر العاملين بالمرجِّح والعلة الغائية يعملون بهما من حيث إنهم في حاجة إلى التفكر في عواقب أفعالهم. فنَفْيُ التعليل من أفعاله تعالى معناه: أنه لا يبني أفعاله عليهما؛ لأن ذلك شأن المفكِّرين في عواقب الأمور الذي يجب تنزيه الله تعالى عنه، ولا ينافيه أنّ أفعاله تعالى لا تخلو عن الحِكَم والمصالح من غير بنائها عليها، لكنها لا يُعَبَّر عنها بالعِلَل الغائية؛ لأن العلة الغائية ما يبني الفاعل فِعْلَه عليه في ذهنه ويفكِّر فيه قبل الإقدام على الفعل، ومن هنا قلنا: الحكمة تتبع أفعاله، ولم نقل أفعالُه تتبع الحكمة. . .\" إلى أن قال: \"وخلاصة القول: أن أفعاله تعالى تصدر عنه من غير تفكير في عواقبها، كما نفكر نحن البشر. وعدم التفكير هذا مقتضى كماله تعالى، في حين أنَّ كمالنا في التفكير، وليس كمثله شيء. فإن اعترض معترض: بأن الله تعالى يَعْلم عواقب أفعاله من غير تفكير، فبهذا العلم يكون قد عَلَّل أفعال نفسه. قلنا: ليس العلم بالعواقب والغايات تعليلًا منه تعالى لأفعاله بها، إنما التعليل: بناءُ أفعاله عليها في عِلْمه قبل فِعْلها. وهذا هو التفكير في العواقب بعينه، وهو ما لا يستطيع القائل بالتعليل إنكاره، تعالى الله عنه. ونحن ننفي التعليل بالغايات، لا الغاياتِ ولا العلم بها. فخذ هذا الفرق الدقيق منا، كما أخذناه مِن توفيق الله. . .\".\n(^١) أي: فله أن يحرم في وقت، ثم ينسخ هذا التحريم، وهكذا، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾.","vol":"5","page":1642},{"text":"نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^١)، وصحة التمسك بالقرآن إنْ توقفت على صحة النسخ عاد الأمر إلى أن نبوة محمد - ﷺ - إنما تصح مع القول بالنسخ، ونبوته صحيحة قطعًا فدل على صحة النسخ (^٢). وإن لم تتوقف عليها - صَحَّ الاستدلال بهذه الآية على جواز النسخ (^٣).\nوفي هذا الاستدلال نظرٌ ذَكَره الإمام في \"التفسير\"، وتقريره: أن ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ جملةٌ شرطية معناها: إنْ ننسخ. وصِدْق الملازمة بين الشيئين لا يقتضي وقوعَ أحدِهما، ولا صحةَ وقوعه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١٠٦.\n(^٢) المعنى: أننا إن قلنا: إنَّ حجية القرآن لا تثبت إلا بعد إثبات صحة النسخ؛ بناءً على أن القرآن ناسخ لأحكام الشرائع قبله - لزم من هذا أن نبوة النبي ﵌ لا تثبت إلا بصحة القول بالنسخ؛ لأن نبوته - ﷺ - ناسخة لأحكام النبوات قبله. فلو أثبتنا النسخ بالقرآن لزم من هذا الدور.\nوالجواب: هو أن إثبات نبوته - ﷺ - لا يتوقف على إثبات صحة النسخ؛ لأن نبوته - ﷺ - ثابتة بالبراهين القاطعة وهي المعجزات التي جاء بها، فلزم من قطعية نبوته - ﷺ - ثبوت النسخ. وواضح أن هذا الاستدلال إنما هو بالنسبة لليهود المنكرين لنبوة النبي - ﷺ -، فَيُلْزَمون بقطعية الأدلة على نبوته - على ثبوت النسخ.\nانظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٢٤٨ - ٢٢٤٩، نفائس الأصول ٦/ ٢٤٣٣.\n(^٣) لأن الآية تدل على النسخ من غير دور. وهذا الاستدلال إنما هو في حق المُسَلِّمين بأن هذا القرآن كلام الله تعالى.","vol":"5","page":1643},{"text":"فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (^١) (^٢). وذَكَر القاضي في \"مختصر\n_________\n(^١) سورة الأنبياء: الآية ٢٢.\n(^٢) فقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ﴾ هذا مُقَدَّم. ﴿لَفَسَدَتَا﴾ هذا تالي، ولا يلزم من صِدْق الملازمة وقوعُ الطرفين أو أَحَدُهما، فكذا قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ هذا مقدم. ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ هذا تالي، ولا يلزم من صدق الملازمة بين المقدم والتالي وقوعهما، أو وقوع أحدهما. انظر: آداب البحث والمناظرة للشنقيطي ص ٥١ - ٥٢. ونَصُّ كلام الإمام رحمه الله تعالى كما هو في التفسير الكبير ٣/ ٢٤٧: واعلم أَنَّا. . . في كتاب \"المحصول\" في أصول الفقه تمسكنا في وقوع النسخ بقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾، والاستدلال به أيضًا ضعيف؛ لأن \"ما\" ههنا تفيد الشرط والجزاء، وكما أن قولك: مَنْ جاءك فأكرمه، لا يدل على حصول المجيء، بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ، بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه، فالأقوى أن نعوِّل في الإثبات على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾، وقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، والله تعالى أعلم. اهـ. وانظر: نفائس الأصول ٦/ ٢٤٣٢ - ٢٤٣٣، التحصيل ٢/ ١١، شرح الأصفهاني على المنهاج ١/ ٤٦٦. لكن قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \"وقد يقال: سبب النزول يدل على الوقوع، فإن سببه على ما نقله الزمخشرى وغيره: أن الكفار طعنوا فقالوا: إن محمدًا يأمر بالشيء ثم ينهى عنه؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية\". نهاية السول ٢/ ٥٥٧. وانظر: الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٦١، على أن في الآية قرينة ظاهرة في الدلالة على أن النسخ من الممكنات الجائزات، لا المستحيلات الممتنعات، وهو قوله تعالى في آخر الآية: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ ولذلك قال الشوكاني رحمه الله تعالى: \"وقوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يفيد أن النسخ من مقدوراته، وأن إنكاره إنكار للقدرة الإلهية\". فتح القدير ١/ ١٢٧، بل الإمام رحمه الله تعالى يدل تفسيره لهذا المقطع على هذا المعنى حيث قال: \"أما =","vol":"5","page":1644},{"text":"التقريب\" (^١) مع (^٢) قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ﴾ (^٣) (قوله تعالى) (^٤) ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ (^٥)، وهذه الآية سالمةٌ عن النظر الذي ذكره الإمام؛ لأن \"إذا\" لا تدخل إلا على المتحقِّقِ وقوعُه. وذَكَر أيضًا قولَه تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (^٦)، وقال: \"لهم على هذه الآيات أسئلة وتمويهات يسهل مَدْركها\" (^٧).\nقلت: ومن التمويهات في ذلك قولُ قائلهم: اليهود لا تعتقد نبوة محمد - ﷺ -، فالاستدلال عليهم بذلك - استدلالٌ على الخصم بدليل لا يسلِّم مقدِّماته.\nوهذا ساقط؛ فإن الخصم إنما لا يُعترض عليه بما لا يعتقده إذا كان ذا (^٨) شبهة فيه (^٩)، وأما ما ليس فيه شبهة لِمُشَكِّك (^١٠)، بل هو ثابتٌ\n_________\n= قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ - فتنبيه للنبي - ﷺ - وغيره على قدرته تعالى على تصريف المكلَّف تحت مشيئته، وحُكْمه، وحِكْمته، وأنه لا دافع لما أراد، ولا مانع لما اختار\". التفسير الكبير ٣/ ٢٥٢.\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٤٧٣.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) سورة البقرة: الآية ١٠٦.\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) سورة النحل: الآية ١٠١.\n(^٦) سورة النساء: الآية ١٦٠.\n(^٧) انظر: التلخيص ٢/ ٤٧٣.\n(^٨) سقطت من (ت).\n(^٩) سقطت من (ت).\n(^١٠) في (ت)، و(غ): \"بمشكك\".","vol":"5","page":1645},{"text":"ثبوت المحسوسات - فلا (^١) يُلتفت إلى عدم اعتقاده فيه.\nوالثالث: مما يدل على وقوع النسخ: أنه وَرَد في التوراة: أن آدم ﵇ كان مأمورًا بتزويج بناته من بنيه (^٢). وهو الآن محرم بالاتفاق، ولا نعني بالنسخ إلا ذلك.\nفإن قلتَ: يجوز أن يكون هذا شَرْعٌ لبني آدم إلى غاية معلومة، وهي (^٣) ظهور شريعة أخرى، ومثل هذا لا يكون نسخًا.\nقلتُ: أمْر آدم كان مطلقًا، وتقييده في عِلْم الله لا ينافي النسخ، فإنه تعالى إذا أمر بالفعل مطلقًا - فهو عالم بأنه سينسخه، والوقتِ الذي فيه بنسخه، فتقييده في عِلْم الله تعالى لا يُخْرجه عن حقيقة النسخ.\nولقائل أن يقول: تحريم ذلك في حقنا إنما يكون نسخًا أن لو ثبتت الإباحة قبل ذلك، وهي لم تثبت إلا في حق بنى آدم لصلبه، وثبوتها في حق أولئك لا يُوجب ثبوتَها في حقنا، وهي لم ترتفع في حق أولئك، فأين النسخ! .\nقال: (قيل: الفعل الواحد لا يحسن ويقبح. قلنا: مبني على فاسد، ومع هذا فيحتمل أن يحسن لواحد أو في وقتٍ، ويقبح لآخر أو في آخر).\n_________\n(^١) في (ص): \"بل\". وهو تحريف.\n(^٢) انظر: الإحكام ٣/ ١١٧، منتهى السول والأمل ص ١٥٦، المحصول ١/ ق ٣/ ٤٤٢، نهاية الوصول ٦/ ٢٢٥١.\n(^٣) في (غ): \"وهو\".","vol":"5","page":1646},{"text":"احتج مانعو النسخ: بأن الأمر بالشيء يقتضي حسنه، والنهي عنه يقتضي قبحه، فيلزم من وقوع النسخ اجتماعُ الضدين، أعني: الحسن والقبح، وهو محال.\nأجاب: بأن (^١) هذا مبني على فاسدٍ، وهو قاعدة التحسين والتقبيح، ومع هذا - أي: ولو سلمنا صحة تلك القاعدة - فيحتمل أن يحسن لواحد، ويقبح لآخر. أو يحسن له في وقت، ويقبح عنده في وقت آخر؛ وذلك لأن المصلحة كما تَقَدَّم تتغير بتغير الأوقات والأشخاص (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-443>(الثانية: يجوز نسخ بعض القرآن </span>(^٣)، ومنع أبو مسلم الأصبهاني (^٤). لنا: أن قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ (^٥) نُسخت\n_________\n(^١) في (ص): \"أن\".\n(^٢) انظر أدلة وقوع النسخ وجوازه في: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٤٠، الحاصل ٢/ ٦٤١، التحصيل ٢/ ١٠، نهاية الوصول ٦/ ٢٢٤٤، نهاية السول ٢/ ٥٥٤، السراج الوهاج ٢/ ٦٤٢، المستصفى ٩/ ٤٨ (١/ ١١١)، الإحكام ٣/ ١١٥، المعتمد ١/ ٣٧٠، البرهان ٢/ ١٣٠٠، نهاية الوصول ٢/ ١٣، شرح اللمع ١/ ٤٨٢، التلخيص ٢/ ٤٦٧، البحر المحيط ٥/ ٢٠٨، شرح التنقيح ص ٣٠٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٨٨، إحكام الفصول ص ٣٩١، كشف الأسرار ٣/ ١٥٧، تيسير التحرير ٣/ ١٨١، فواتح الرحموت ٢/ ٥٥، شرح الكوكب ٣/ ٥٣٣، المسودة ص ١٩٥، العدة ٣/ ٧٦٩.\n(^٣) في نهاية السول ٢/ ٥٦٠، والسراج الوهاج ٢/ ٦٤٧، ومناهج العقول ٢/ ١٦٨: \"بعض القرآن ببعض\". أي: بزيادة كلمة (ببعض).\n(^٤) في (ت): \"الأصفهاني\". وكلاهما صحيح؛ لأن أصل الحرف في اللغة الفارسية ب، فالبعض ينطقها باءً، وآخرون ينطقونها فاءً.\n(^٥) سورة البقرة: الآية ٢٤٠.","vol":"5","page":1647},{"text":"بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^١). قال: قد تعتد الحامل بسنة. قلنا: لا بل تعتد (^٢) بالحمل، وخصوص السَّنَة لاغٍ. وأيضًا تقديم (^٣) الصدقة على نجوى الرسول وَجَبَ بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ (^٤) الآية، ثم نُسخ. قال: زَالَ لِزَوال سَبَبِه، وهو التمييز بين المنافق وغيره. قلنا: زال كيف كان. احتج بقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ (^٥). قلنا: الضمير للمجموع).\nاللائق بهذه المسألة أن تُذكر في الفصل التالي لهذا الفصل الذي أودعه: ما يَنْسخ، وما يُنْسخ.\nوحاصلها: أن نسخ جميع القرآن ممتنع إجماعًا، كما صرح به بعضهم (^٦)، وأشار إليه المصنف في آخر المسألة، وكذا الإمام في أثنائها (^٧).\nوأما نسخ بعضه - فجائز، ومنع منه (^٨) أبو مسلم الأصبهاني، كما\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ٢٣٤.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٣) في (غ): \"تقدم\".\n(^٤) سورة المجادلة: الآية ١٢.\n(^٥) سورة فصلت: الآية ٤٢.\n(^٦) انظر: الحاصل ٢/ ٦٤٧، نفائس الأصول ٦/ ٢٤٤١ - ٢٤٤٢، المحلي على الجمع ٢/ ٧٦، فواتح الرحموت ٢/ ٧٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٠٤، نهاية السول ٢/ ٥٦٠، البحر المحيط ٥/ ٢٥١.\n(^٧) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٦٧.\n(^٨) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1648},{"text":"نقله عنه (^١) الإمام وأتباعه (^٢) منهم المصنف. وقد تقدم النقل عنه أنه منع وقوعَه مطلقًا.\nواحتج في الكتاب بوجهين:\nأحدهما: أن الله تعالى أمر المتوفى عنها زوجها بالاعتداد حولًا في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ (^٣)، ثم نُسخ ذلك بأربعة أشهر وعشرًا. وقال أبو مسلم: الاعتداد بالحول لم يَزُل بالكلية؛ لأنها لو كانت حاملًا، ومدة حملها حولٌ كامل - لكانت عدتها حولًا كاملًا، وإذا بقي هذا الحكم في بعض الصور كان تخصيصًا لا نسخًا (^٤).\nوأجاب في الكتاب: بأنا نمنع أن الحامل قد تعتد بسنة، بل إنما تعتد بوضع الحمل، سواء حصل لسنةٍ، أم أقل، أم أكثر، وخصوص السنة إنْ وَقَع لاغٍ لا عبرةَ به.\nوهو (^٥) جواب صحيح، إلا أنَّ أبا مسلم لم يَدَّعِ عدمَ النسخ في الآية بهذا التقرير المذكور، بل بتقريرٍ غيره.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٦٠، الحاصل ٢/ ٦٤٤، التحصيل ٢/ ١٣، شرح التنقيح ص ٣٠٦، البحر المحيط ٥/ ٢٥١، المحلي على الجمع ٢/ ٧٦.\n(^٣) سورة البقرة: الآية ٢٤٠.\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٦١.\n(^٥) في (غ): \"وهذا\".","vol":"5","page":1649},{"text":"فنقول: اختلف العلماء في هذه الآية:\nفذهب جمهور المفسرين إلى أنها منسوخة (^١) بقوله: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^٢)، كما ادعاه الأصوليون (^٣)، وهو الذي رواه البخاري في الصحيح عن ابن عباس (^٤).\nوذهب مجاهد (^٥)، كما رواه البخاري بسنده إليه: إلى أنها غير منسوخة، وأنها إن لم تختر السكنى (^٦) كانت عدتها أربعة\n_________\n(^١) انظر: تفسير القرطبي ٣/ ١٧٤، ٢٢٦، جامع البيان ٥/ ٢٥٤، تفسير ابن كثير ١/ ٢٩٦.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٤.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٦٠، شرح التنقيح ص ٣٠٦، الإحكام ٣/ ١١٧، شرح الكوكب ٣/ ٥٥٧.\n(^٤) انظر: صحيح البخاري ٤/ ١٦٤٧، كتاب التفسير، باب: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ...﴾ رقم ٤٢٥٧، فتح الباري ٨/ ١٩٣، عمدة القاري ١٥/ ٣٧، وكذا أخرجه ابن جرير في التفسير ٥/ ٢٥٥، رقم ٥٥٧٤، ٥٥٨٥، وانظر: تفسير ابن كثير ١/ ٢٩٦، شرح السنة للبغوي ٩/ ٣٠٢.\n(^٥) هو مجاهد بن جَبْر، أبو الحجاج المخزوميّ مولاهم، المكي. ثقةٌ إمام في التفسير وفي العلم، وهو تابعيٌّ متفق على جلالته وإمامته. قاال مجاهد: عرضت القرآن على ابن عباسٍ ثلاثين مرة. وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد. وقال أبو نُعيم: مات مجاهد وهو ساجد سنة ثنتين ومائة. انظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٤٦٦، حلية ٣/ ٢٧٩، سير ٤/ ٤٤٩، تهذيب ١٠/ ٤٢، تقريب ص ٥٢٠.\n(^٦) أي: البقاء في بيت زوجها وأخذ النفقة من ماله، كما هو مقتضى آية: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾. =","vol":"5","page":1650},{"text":"أشهرٍ وعشرًا، كما في إحدى الآيتين. وإن اختارت اعتدت بحول، كما في الآية الأخرى، فَحَمَل الآيتين على حالتين (^١) (^٢).\n_________\n= والمعنى كما قال ابن جرير رحمه الله تعالى: \"والذين يُتوفون منكم ويذرون أزواجًا، كتب الله لأزواجهم عليكم وصية منه لهن أيها المؤمنون: أن لا تخرجوهن من منازل أزواجهن حولًا، كما قال تعالى ذِكْرُه في سورة النساء ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾، ثم تَرَك ذِكْر: (كتب الله)، اكتفاءً بدلالة الكلام عليه\". انظر: جامع البيان ٥/ ٢٥٣.\n(^١) انظر: صحيح البخاري ٤/ ١٦٤٦، فتح الباري ٨/ ١٩٣، عمدة القاري ١٥/ ٣٧. لكن نقل ابن كثير رحمه الله تعالى عن ابن أبي حاتم قولَه: \"وروى عن أبي موسى الأشعري وابن الزبير ومجاهد. . . أنها منسوخة\". أي: آية عدة الحول. انظر: تفسير ابن كثير ١/ ٢٩٦، وقال ابن كثير عن قول مجاهد ﵁: \"وهذا القول له اتجاه، وفي اللفظ مساعدة له، وقد اختاره جماعة منهم الإمام أبو العباس بن تيمية، وردَّه آخرون منهم الشيخ أبو عمر بن عبد البر\". تفسير ابن كثير ١/ ٢٩٧، وانظر: التفسير الكبير ٦/ ١٧٠.\n(^٢) قال البغوي - رحمه الله تعالى - في شرح السنة ٩/ ٣٠٣: \"واختلفوا في السكنى للمعتدة عن الوفاة، وللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا سكنى لها، بل تعتد حيث شاءت، وهو قول علي، وابن عباس، وعائشة، وبه قال عطاء، وجابر بن زيد، والحسن، وإليه ذهب أبو حنيفة، واختاره المزني؛ لأن النبي - ﷺ - أذن لفُريعة أن ترجع إلى أهلها\". وقولُه لها آخِرًا: \"امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتابُ أجلَه\" - استحبابٌ. والقول الثاني: لها السكنى، وهو الأصح، وهو قول عمر، وعثمان، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وإليه ذهب مالك، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق. وقالوا: إذْنه لفُريعة أولًا صار منسوخًا بقوله آخِرًا: \"امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله\". وفيه دليل على جواز نسخ الحكم قبل الفعل\".","vol":"5","page":1651},{"text":"وذهب أبو مسلم الأصبهاني (^١) إلى قولٍ ثالث: وهو أن معنى الآية: أن الذين يُتوفون إنْ كانوا قد وصُّوا وصيةً لأزواجهم بنفقةِ الحول، وسكنى الحول - فالعدة بالحول. فإنْ خرجن قبل ذلك، وخالفن وصيةَ الزوج بعد المدة التي ضربها الله تعالى لهن - فلا حرج فيما فعلن في أنفسهن من معروف، أي: نكاحٍ صحيح؛ لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة. قال: والسبب في ذلك أنهم كانوا في زمان الجاهلية يُوصون بالنفقة والسكنى حولًا كاملًا، وكان يجب على المرأة الاعتداد بالحول، فَبَيَّن الله تعالى في هذه الآية أن ذلك غير واجب.\nوعلى هذا التقدير فالنسخ زائل عند أبي مسلم، ولكن ليس بالطريقة المتقدمة من أن الحامل قد تعتد بسنة، وحينئذ لا يصح الاستدلال بالآية عليه (^٢). وقوله هذا هو الذي اختاره الإمام في \"التفسير\" وقال: إنه في غاية الصحة (^٣).\nوقد وافق والدي أطال الله بقاه (^٤) مجاهدًا وأبا مسلم على أن الآية غير منسوخة، وذهب إلى رأي رابع ارتضاه: وهو أن الله تعالى أنزل في المتوفى عنها زوجها آيتين:\nإحداهما: آية العدة بأربعة أشهر وعشرًا.\n_________\n(^١) في (ت): \"الأصفهاني\".\n(^٢) لأنه تَأَوَّل الآيتين بما يرفع التعارض عنهما الموجِبَ للنسخ.\n(^٣) انظر: التفسير الكبير ٦/ ١٧١.\n(^٤) في (ص): \"أحسن الله إليه\".","vol":"5","page":1652},{"text":"والثانية: آية الوصية، ومعناها: أنه تعالى جَعَل (^١) للأزواج وصيةً منه ﷾ سكنى حول كاملٍ بعد وفاة أزواجهن، سواء أوصى (^٢) الزوج بذلك أم لم يوص، وهذا هو ظاهر الآية فلا يُخرج عنه بلا دليل (^٣).\nالوجه الثاني: أنه تعالى أمر بتقديم الصدقة بين يدي نَجْوى الرسول - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (^٤)، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ (^٥) الآية. قال الواحدي: أجمعوا على أنها منسوخة الحكم بها.\nواعترض أبو مسلم: بأن ذلك إنما زال لزوال سببه، وهو التمييز بين المنافق وغيره؛ لأن المؤمن يمتثل والمنافق يخالف، فلما حصل بعد ذلك التمييز سقط الوجوب.\nوأجاب (^٦): بأن المُدَّعى إنما هو زوال الحكم بعد ثبوته، سواء كان لزوال سببه، أم لم يكن؛ لأن ذلك معنى النسخ.\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) في (ت): \"وصَّى\".\n(^٣) أي: فليس بين الآيتين تعارض؛ لأن الأولى هي آية العدة، والثانية آية الوصية بأحقية سكنى الزوجة في بيت زوجها حولًا كاملًا.\n(^٤) سورة المجادلة: الآية ١٢.\n(^٥) سورة المجادلة: الآية ١٣.\n(^٦) سقطت من (غ).","vol":"5","page":1653},{"text":"وهو جواب ضعيف من وجهين:\nأحدهما: أنه سيأتي في كلامه - إن شاء الله تعالى - أن زوال الشيء لزوال سببه أو شرطه ليس بنسخ.\nوالثاني: أنه إنْ (^١) أراد التمييز للنبي - ﷺ - فهو ﵇ كان عالمًا بأعيانهم، وسَمَّاهم لحذيفة بن اليمان صاحب سره. وإن أراد التمييز للصحابة فلا نُسَلِّم حصولَ التمييز لهم، كيف وقد قيل: ما كانت إلا ساعةً من نهار حتى (^٢) نسخت. ومن البعيد حصول التمييز في ساعةٍ واحدة.\nبل الجواب: أن الإجماع قد قام على أنها منسوخة، كما حكيناه عن الواحدي، وأن التمييز لا يحصل في ساعة من نهار كما ذكرناه.\nوأما قول الإمام في الجواب: لو كان كذلك (^٣) لكان من لم يتصدق صار (^٤) منافقًا، وهو باطل لأنه رُوي أنه لم يتصدق غير علي - ﵁ -، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ (^٥) (^٦) - فهو ضعيف (^٧)؛ لأن عدم الصدقة إنما يدل على النفاق لو وجدت النجوى معه،\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"ثم\".\n(^٣) يعني: لو كان الغرض من الآية التمييز بين المؤمنين والمنافقين.\n(^٤) سقطت من (ص)، و(غ).\n(^٥) سورة المجادلة: الآية ١٣.\n(^٦) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٦٢ - ٤٦٣.\n(^٧) هذا جواب الشرط في قوله: وأما قول الإمام.","vol":"5","page":1654},{"text":"وذلك لم يُوجد لأنه لم يناج أحدٌ من الصحابة بدون التصدق، بل لم يصح (أنَّ أحدًا ناجاه) (^١) غير علي - ﵁ -. وأما علي فقيل: لم يصح أنه ناجاه، واحْتُجَّ بذلك على جواز نسخ الحكم قبل العمل به. وهذا يشهد له قوله تعالى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ إذا جعلتَ إذ على بابها (^٢)، والمعنى: أنكم تركتم ذلك فيما مضى. ولكن روى ليث عن مجاهد قال: قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: \"إن في كتاب الله لآيةً ما عمل بها أحدٌ قبلي ولا يَعْمل بها أحد بعدي آية النجوى، كان عندي دينار، فبعته بعشرة دراهم، فناجيت النبي - ﷺ -، فكنت كلما ناجيت النبي - ﷺ - قدمتُ بين يدي نجواي درهمًا، ثم نُسِخت فلم يَعْمل بها أحدٌ\" (^٣). وعلى هذا يجب إخراج \"إذْ\" عن بابها (^٤)، وإما أن تكون بمعنى إذا، كما قيل في: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ﴾ (^٥)، وإما أن تكون بمعنى إن الشرطية. وسواء أصح (^٦) المنقول عن علي، أم لم يصح -\n_________\n(^١) في (غ): \"أنه ناجاه\".\n(^٢) أي: ظرفًا يدل على الزمان الماضي. انظر: مغني اللبيب ١/ ٩٤، إعراب القرآن الكريم وبيانه ١٠/ ٢٣.\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٨٢، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. وانظر: تفسير ابن كثير ٤/ ٣٢٦، أسباب النزول للواحدي ص ٢٧٦. وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن مجاهد في قوله: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ﴾ قال علي: \"ما عمل بهذا أحد غيري حتى نُسخت\". قال: أحسبه قال: \"وما كانت إلا ساعة\". انظر: تفسير القرآن لعبد الرزاق ٢/ ٢٨٠.\n(^٤) أي: على القول بالنسخ يجب إخراج \"إذ\" عن الدلالة على الزمان الماضي، فتكون دالةً على المستقبل.\n(^٥) سورة غافر: الآية ٧١.\n(^٦) في (ت)، و(غ): \"صح\".","vol":"5","page":1655},{"text":"فعدم الصدقة إنما كان لعدم النجوى (^١)، فلا يحصل الجواب بما ذكره الإمام.\nفإن قلت: كيف لم يعمل غيرُ عليٍّ مِنْ أكابر الصحابة - بالآية قبل نسخها، كأبي بكر، وعمر، وعثمان (^٢) ﵃.\nقلت: إن صَحَّ أنهم لم يعملوا بها - فإما لسرعة نسخها، وإما لأنهم فهموا أن المقصود الكفُّ عن المناجاة تعظيمًا للرسول - ﷺ -؛ لأن سبب نزول الآية: أن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله - ﷺ - حتى شقوا عليه، وأراد الله أنْ يُخفف عن نبيه. كذا ذكره حبر الأمة ابن عباس ﵄ (^٣)، فيكون كَفُّهم عن المناجاة مبالغةً في التعظيم. فإنْ قلتَ: لِمَ لا فَعَل عليٌّ - ﵁ - ما فعلوه مبالغةً في التعظيم؟\nقلت: لعل (^٤) الضرورة ألجأته إلى المناجاة، وذلك غير مستبعد؛ لأنه كان قريبه الأقرب، وزوج ابنته، والعادة تقتضي (^٥) بأن يكون أحوج إلى مناجاته - ﷺ -.\nواحتج أبو مسلم: بأنه تعالى وصف كتابه بأنه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ\n_________\n(^١) أي: فلا يدل على النفاق، كما يقول الإمام؛ لأن النفاق يكون عند عدم الصدقة مع النجوى، وهذا لم يحصل.\n(^٢) في (ص): \"وعثمان وعلي\". وذِكْر عليٍّ ﵁ خطأ واضح.\n(^٣) انظر: تفسير ابن كثير ٤/ ٣٢٧.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ص): \"تقضي\".","vol":"5","page":1656},{"text":"بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (^١)، فلو نُسخ لأتاه الباطل.\nوأجاب المصنف: بأن الضمير في ﴿يَأْتِيهِ﴾ عائد إلى مجموع القرآن، أعني: الهيئة الاجتماعية. لا لجميعه، أعني: كلَّ فردٍ فردٍ (^٢)، سواء كان مجتمعًا مع غيره أم لم يكن. وإذا كان عائدًا إلى المجموع - لم يكن دليلًا على محل النزاع؛ لأن مجموع القرآن لا يُنسخ اتفاقًا كما سلف، وإنما الكلام في بعضه.\nوفي هذا الجواب نظر من وجهين:\nأحدهما: أنَّك لِمَ قلتَ بعوده لمجموعه دون جميعه، ولم لا كان العكس (^٣)!\nالثاني: أن الضمير في \"يأتيه\" عائدٌ إلى القرآن، والقرآن من الألفاظ المتواطئة يطلق على كله وعلى بعضه، كما تقدم في الحقيقة (والمجاز، فليس حَمْله على الكل بأولى من حمله على البعض) (^٤).\nفإن قلت: ولا حَمْلُه على البعض أيضًا بأولى من العكس، وحينئذ يبطل استدلال أبي مسلم بالآية؛ لما ذُكِر مِنْ أنَّ الحمل على واحد يقتضي\n_________\n(^١) سورة فصلت: الآية ٤٢.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) لأن عوده لجميعه يستلزم عوده لمجموعه دون العكس، وهذا أولى؛ إذ القرآن كل آية منه لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، أي: فالقرآن لا يُنسخ بعضه، كما لا يُنسخ كله.\n(^٤) سقطت من (غ).","vol":"5","page":1657},{"text":"الترجيح من غير مرجِّح.\nقلت: الحمل على البعض أولى؛ لوقوع الاتفاق عليه، إذْ مَنْ حمل على الكل حمل على البعض، من غير عكس (^١).\nوقد أجاب الإمام: بأن المراد أن هذا الكتاب لم يتقدمه من كتب الله تعالى ما يُبطله، ولا يأتيه مِنْ بعده (^٢).\nوأجاب غيره: بأن النسخ ليس باطلًا، بل (^٣) هو حق (^٤)، والباطل يضاد الحق، فوجب حمل الباطل على غير النسخ، وكلا الجوابين صحيح حسن (^٥).\n_________\n(^١) أي: مَنْ قال بحمل لفظ \"القرآن\" على الكل، فإنه يحمله على البعض؛ لأن الكل شامل للبعض. ومَنْ حمله على البعض، فإنه لا يحمله على الكل، فأصبح حَمْل القرآن على البعض متفقًا عليه، فيحمل الضمير في ﴿يَأْتِيهِ﴾ على بعض القرآن.\n(^٢) أي: ما يبطله أيضًا. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٦٧. قال ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - في زاد المسير ٧/ ٢٦٢: قوله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: التكذيب، قاله سعيد بن جبير. والثاني: الشيطان. والثالث: التبديل، رُويا عن مجاهد. قال قتادة: لا يستطيع إبليس أن يُنقص منه حقًا، ولا يزيد فيه باطلًا. وقال مجاهد: لا يُدْخِل فيه ما ليس منه. وفي قوله: ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ أقوال: أحدها: بين يَدَيْ تنزيله، وبعد نزوله. والثاني: أنه ليس قبله كتاب يُبْطله، ولا يأتي بعده كتاب يُبْطله. والثالث: لا يأتيه الباطل في إخباره عما تقدم، ولا في إخباره عما تأخر. اهـ.\n(^٣) في (ص): \"إذ\".\n(^٤) لأنه إبطال لا باطل. انظر: نهاية السول ٢/ ٥٦٢.\n(^٥) انظر المسألة الثانية في: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٦٠، الحاصل ٢/ ٦٤٤، التحصيل =","vol":"5","page":1658},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-444>(الثالثة: يجوز نسخ الوجوب قبل العمل خلافًا للمعتزلة)</span>.\nكل نسخ على التحقيق فهو واقع قبل الفعل (^١)، فإنه إنما يَرِد على مستقبل الزمان دون ماضيه، وهذا واضح.\nوإنما الخلاف في أنه هل يجوز أن يُقال: صَلِّ غدًا ركعتين. ثم إنه ينسخه قبل مجيء الغد؟\nفجوَّز ذلك الجماهير من أصحابنا (^٢)، وخالفت المعتزلة (^٣)، وكثير من\n_________\n= ٢/ ١٣، نهاية السول ٢/ ٥٦٠، السراج الوهاج ٢/ ٦٤٧، شرح الأصفهاني ١/ ٤٦٧، مناهج العقول ٢/ ١٦٨، المحلي على الجمع ٢/ ٧٦، شرح التنقيح ص ٣٠٦، نشر البنود ١/ ٢٨٩، فواتح الرحموت ٢/ ٧٣، شرح الكوكب ٣/ ٥٥٣.\n(^١) لأنه سبق في تعريف النسخ: أنه بيان مدة انتهاء الحكم. فالناسخ لم يَنْسخ ما مضى، وإنما نسخ ما يكون في مستقبل الزمان، ومستقبل الزمان لم يقع. ولو قلنا أيضًا بأن النسخ: رفع الحكم - كما هو رأي الباقلاني والغزالي - فإن الرفع لا يكون لما وقع، بل لما لم يقع، أي: منع وقوعه. وانظر: البرهان ٢/ ١٣٠٣، البحر المحيط ٥/ ٢٣٤.\n(^٢) والجماهير من الحنفية والمالكية والحنابلة. قال الباجي رحمه الله تعالى: \"وبه قال القاضي أبو محمد، وبه قال أبو تمام وحكاه عن مالك، وعلى ذلك أكثر الفقهاء والمتكلمين\". إحكام الفصول ص ٤٠٤ - ٤٠٥. وكذا حكاه الآمدي عن الأشاعرة وأكثر الققهاء. وبه قال ابن حزم رحمه الله تعالى. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٢٧٢، الإحكام ٣/ ١٢٦، المحصول ١/ ق ٣/ ٤٦٨، البحر المحيط ٥/ ٢٢٦، تيسير التحرير ٣/ ١٨٧، فواتح الرحموت ٢/ ٦١، ٦٢، شرح التنقيح ص ٣٠٦، نشر البنود ١/ ٢٩٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٠، العدة ٣/ ٨٠٧، التمهيد لأبي الخطاب ٢/ ٣٥٥، المسودة ص ٢٠٧، شرح الكوكب ٣/ ٥٣١، الإحكام لابن حزم ١/ ٥١٢.\n(^٣) انظر: المعتمد ١/ ٣٧٦، نهاية الوصول ٦/ ٢٢٧٢، وباقي المراجع السابقة.","vol":"5","page":1659},{"text":"الحنفية، والحنابلة (^١). وهذه هي المسألة الملقَّبة: بنسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به (^٢). والمصنف عبر عنها: بنسخ الوجوب قبل العمل. وهذا يُوهم اختصاصَ المسألة بالوجوب، وليس كذلك. والتعبير الأول غير وافٍ بالمقصود أيضًا؛ لأنه قد يقال: إنه لا يتناول ما إذا حضر وقتُ العمل به، لكنه لم يمض مقدارُ ما يسعه. وهذه الصورة من صور النزاع.\nوقد يَعْتذر المُعَبِّر بهذه العبارة: بأنه لا يُتصور حضورُ وقت العمل به إلا إذا مضى ما يسعه. ولو عَبَّر عنها: بنسخ الشيء قبل (^٣) مُضِيِّ مقدارِ ما يسعه مِنْ وقته - لتناول (^٤) جميع صور النزاع من غير شك (^٥).\n_________\n(^١) قد تبين أن الجمهور من الحنفية والحنابلة يجوزون ذلك، فالصواب أن بعض الحنفية كالكرخي، والجصاص، والماتريدي، والدبوسي - ذهبوا إلى المنع. وكذا بعض الحنابلة وهو أبو الحسن التميمي، ولم يذكر الحنابلة غيره، ونُقِل عنه أيضًا الجواز، كما في المسودة ص ٢٠٧. وإلى المنع ذهب الصيرفي من الشافعية. وقال القاضي عبد الوهاب: وهو قول شيوخنا المتكلمين. انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٢٧. وانظر المراجع السابقة.\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٢٧٢، المحصول ١/ ق ٣/ ٤٦٧، الحاصل ٢/ ٦٤٧، التحصيل ٢/ ١٥، الإحكام ٣/ ١٢٦، شرح الكوكب ٣/ ٥٣١، نشر البنود ١/ ٢٩٣.\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) في (ت): \"ليتناول\".\n(^٥) كذا قال صفي الدين الهندي في نهاية الوصول ٦/ ٢٢٧٣، وعبارة الشارح رحمه الله تعالى في \"جمع الجوامع\" أخصر من هذه، وهي: \"نسخ الفعل قبل التمكن\". انظر: المحلي على الجمع ٢/ ٧٧. وعبارة ابن برهان رحمه الله تعالى: \"نسخ العبادة قبل التمكن من فعلها\". انظر: الوصول إلى الأصول ٢/ ٣٦. ومعنى التمكن من الفعل: =","vol":"5","page":1660},{"text":"وعلى هذا يجوز النسخ بعد مضي مقدار ما يسعه، وإن لم يكن قد فعل المأمور به (^١). قال الهندي: \"وفي بعض المؤلفات القديمة: أن بعضهم كالكرخي خالف فيه أيضًا، وقال: لا يجوز النسخ قبل الفعل، سواء مضى من الوقت مقدارُ ما يسعه أم لم يمض\" (^٢).\nوالمصنف أطلق قوله: \"قبل العمل\"، وهو يقتضي أن الخلاف جارٍ من غير فرق بين الوقت، وما قبله، وما بعده.\nفأما قبله، وفي معناه ما إذا دخل ولكن لم يمض زمنٌ يسع الفعل (^٣) -\n_________\n= أن يمضي بعد ما وصل الأمر إلى المكلف - زمانٌ يسع الفعلَ المأمور به. انظر: كشف الأسرار ٣/ ١٦٩.\n(^١) لأن هذه الحالة خارجة عن صورة المسألة، وقد حكى الإجماع على جواز النسخ في هذه الحالة القاضي أبو يعلى، وابن عقيل، وأبو الخطاب الكلوذاني، وكذا سليم وابن الصباغ من الشافعية، وابن برهان في \"الأوسط\"، قال الزركشي ﵀: \"وكلام إمام الحرمين في \"البرهان\" مصرِّح به، وجرى عليه العبدري في شرح المستصفى\". البحر المحيط ٥/ ٢٢٩. انظر: العدة ٣/ ٨٠٧، مختصر ابن اللحام ص ١٣٧، التمهيد ٢/ ٣٥٤، البحر المحيط ٥/ ٢٢٨، البرهان ٢/ ١٣٠٣، المسودة ص ٢٠٧.\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٢٧٣، وكذا حكى خلافَ الكرخي الكمالُ بن الهمام في \"التحرير\". انظر: تيسير التحرير ٣/ ١٨٧.\n(^٣) قال الإسنوي رحمه الله تعالى: \"وفي معناه أيضًا: ما إذا لم يكن له وقت معيَّن، ولكن أُمر به على الفور، تم نُسخ قبل التمكن. نعم في جريان الخلاف بعد الشروع نظرٌ يحتاج إلى نقل\". نهاية السول ٢/ ٥٦٣. قال القرافي ﵀: \"وأما بعد الشروع وقبل الكمال فلم أَرَ فيه نقلًا، ومقتضى مذهبنا جواز النسخ\". انظر: شرح التنقيح ص ٣٠٧، نفائس الأصول ٦/ ٢٤٤٨. وقد ذكر البخاري في كشف الأسرار (٣/ ١٧٠) أن صورة الشروع في الفعل وقبل الكمال من محل النزاع، ومَثَّل له =","vol":"5","page":1661},{"text":"فقد عرفتَ أنه محل النزاع.\nوأما بعد خروج الوقت - قال الآمدي: \"فقد اتفق القائلون بجواز النسخ على تجويزه\" (^١).\nوأما وقوع النسخ في الوقت ولكن بعد التمكن من فعله - فقد عرفتَ أنه داخل تحت صور النزاع بما حكاه الهندي عن الكرخي. ولكن صَرَّح ابن بَرْهان في \"الوجيز\" في أواخِر المسألة: \"بأن النزاع لم يقع في جواز النسخ بعد التمكن من الفعل، وإنما وقع في النسخ قبل التمكن من الفعل\" (^٢)، وكذلك الآمدي في أثناء الاستدلال، فإنه قال: \"والخلاف إنما هو فيما قبل التمكن لا بعده\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-445>تنبيه:</span>\nذكره الهندي: \"اعلم أنَّ كل (^٤) مَنْ قال: إنَّ المأمور لا يَعْلم كونه مأمورًا قبل التمكن من الامتثال (^٥) - يلزمه أن يقول بعدم جواز النسخ قبل\n_________\n= بالشروع في الصوم، ثم قيل له قبل انقضاء اليوم: لا تصم. وكلام الشارح ﵀ يقتضي هذا؛ إذ كلامه مطلق غير مقيَّد بالشروع أو عدمه.\n(^١) انظر: الإحكام ٣/ ١٢٦. وانظر: المعتمد ١/ ٣٧٥، البحر المحيط ٥/ ٢٣٢، نهاية السول ٢/ ٥٦٤.\n(^٢) انظر: الوصول إلى الأصول ٢/ ٤١.\n(^٣) انظر: الإحكام ٣/ ١٢٩.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) لأن شَرْط تَوَجُّه الأمر إليه تمكُّنُه من الامتثال (أي: بعد أن يمضي زمان الإمكان)، وقبل التمكن يكون غير مأمور، فلا يتحقق علمُه بكونه مأمورًا إلا بعد التمكن. =","vol":"5","page":1662},{"text":"التمكن من الامتثال؛ إذ النسخ قبله على هذا التقدير يُبَيِّن (أن لا أمر) (^١) في نفس الأمر، وإن كنا نتوهم وجوده والنسخ يستدعي تَحَقُّقَ الأمر السابق، فيستحيل النسخ عند عدمه.\nوأما مَنْ لم يقل بذلك (^٢) - فجاز أن يقول بجوازه، وأن لا يقول بذلك؛ لما يظهر له مِنْ دليل يخصه.\nويتضح عند هذا أن هذه المسألة ليست فرعَ تلك المسألة على الإطلاق، أعني: في الجواز وعدم الجواز، كما وقعت إليه الإشارة في كلام الغزالي (^٣)، بل في عدم الجواز فقط\" (^٤).\nقال: (لنا: أن إبراهيم ﵇ أُمر بذبح ولده بدليل: ﴿افْعَلْ مَا\n_________\n= وهذا هو رأى المعتزلة، قال إمام الحرمين ﵀: \"ومتعلَّقُهم فيه أنه غير عالم ببقاء الإمكان له إلى وقت انقراض زمانٍ يسع الفعلَ المأمور به، والإمكان شرط التكليف، والجاهل بوقوع الشرط جاهل بالمشروط لا محالة\". البرهان ١/ ٢٨٠، وانظر: المستصفى ٢/ ٥٤.\n(^١) في (ت)، و(غ): \"أن الأمر\". وهو خطأ. وهذا الخطأ موجود أيضًا في \"نهاية الوصول\" المحقَّق ٦/ ٢٢٧٣.\n(^٢) أي: مَنْ قال بأن المكلف يعلم كونه مأمورًا قبل التمكن من الامتثال، أي: يعلم كونه مأمورًا في حالة اتصال الخطاب به وهو مستجمعٌ لشرائط التكليف، وإن لم يمض رمن يمكن فيه الامتثال لأنه مأمور بأمرٍ مقيَّد بشرط وهو الإمكان، والأمر المقيَّد بالشرط ثابت في الحال، وُجد الشرط أو لم يُوجد. وهذا هو رأي الجمهور. أما المعتزلة فهم يقولون: إذا لم يُوجد الشرط علمنا انتفاء الأمر مِنْ أصله، وأنا كنا نتوهم وجوبَه، فبان أنه لم يكن. انظر: البرهان ١/ ٢٨٠، المستصفى ٢/ ٥٤، البحر المحيط ٥/ ٢٣٥.\n(^٣) انظر: المستصفى ٢/ ٥٣ - ٥٤.\n(^٤) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٢٧٣.","vol":"5","page":1663},{"text":"تُؤْمَرُ﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (^١)، فنسخ قَبْله. قيل: تلك بناء على ظنه. قلنا: لا يخطئ ظنه. قيل: امتثل: فإنه قطع فَأَوْصَلَ (^٢). قلنا: لو كان كذلك لم يحتج إلى الفداء. قيل: الواحد بالواحد في الواحد لا يُؤمر ويُنهى. قلنا: يجوز للابتلاء).\nاستدل أصحابنا على الجواز بالوقوع في قصة الذبيح ﵇، قالوا: وذلك أن الله تعالى أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، ثم نَسَخ ذلك قبل الفعل.\nأما أنه أَمَره بالذبح - فلثلاثة أوجه:\nأحدها: قول ولده: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ (^٣)، جوابًا لقوله: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (^٤)، فإن قوله؛ ﴿مَا تُؤْمَرُ﴾ لا بد وأن يعود إلى شيء، وليس ثَمَّ غير ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾؛ فوجب صَرْفه إليه.\nوالثاني: قوله تعالى حكايةً عن إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ - يدل (^٥) على أن المأمور به هو الذبح؛ لأن مقدِّمات الذبح لا تُوصف بذلك.\n_________\n(^١) سورة الصافات: الآيتان ١٠٦، ١٠٧. وفي (غ): ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾.\n(^٢) في نهاية السول ٢/ ٥٦٢، والسراج الوهاج ٢/ ٦٥٤، ومناهج العقول ٢/ ١٧٣: \"فوصل\".\n(^٣) سورة الصافات: الآية ١٠٢.\n(^٤) سورة الصافات: الآية ١٠٢.\n(^٥) في (غ): \"فدل\".","vol":"5","page":1664},{"text":"فإنْ قلتَ: متى لا تُوصف بذلك: مع العلم بعدم وجوب الذبح، أو مطلقًا؟ والأول مسلَّم، والثاني ممنوع؛ وهذا لأن الأمرَ بإضجاع الولد، وأَخْذَ المُدْية المستفادَ من الأمر بالذبح، مع غَلَبة الظن بأن الذبح سيؤمر به - بلاءٌ (^١) مبين.\nقلت: متى غلب على ظنه شيءٌ فهو الواقع في نفس الأمر؛ إذ هو نبي فلا يخطئ ظنه.\nوالثالث: قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (^٢)، ولو لم يُؤمر بالذَّبح لما احتاج إلى الفداء.\nوأما كونه نُسخ قبل الفعل - فلأنه لو لم يُنسخ لذَبَح؛ ضرورةَ أنه ﵇ لا يُخِلُّ بأمر رَبِّه، لكنه لم يَذْبَح فدل على أنه نُسِخ. ولم يستدل المصنف على هذا؛ لظهوره.\nواعترض الخصم أوَّلًا: بأنا لا نسلِّم أنه كان مأمورًا الذبح، وإنما كان مأمورًا بالمقدِّمات، فظَنَّ أنه أُمر به. والدلائل التي تمسكتم بها إنما هي بناءًا على ظنِّه.\nوأجاب في الكتاب: بأن ظنون الأنبياء مطابقة، يستحيل فيها الخطأ.\nواعترض ثانيًا: بأنا سلمنا أنه أُمر بالذبح، لكن لا نسلم أنه نُسِخ قبل\n_________\n(^١) قوله: \"بلاءٌ\" خبر \"أن\" في قوله: \"لأن الأمر\".\n(^٢) سورة الصافات: الآية ١٠٧.","vol":"5","page":1665},{"text":"العمل. وبيانه: أن إبراهيم ﵇ كان كلما قطع موضعًا من الحلق، وتعداه إلى غيره - أوصل الله تعالى ما تقدم قَطْعُه.\nوأجاب: بأنه لو كان كذلك لم يحتج إلى الفداء؛ لأن الفداء بدلٌ، والبدل لا يُحتاج إليه مع وجود المُبْدل.\nولقائل أن يقول: لعل (^١) الفداء إنما كان للحياة التي مَنَّ الله تعالى عليه بها مع حصول الذبح، لا لنفس الذبح.\nواستدل الخصم: بأن قوله: \"صَلِّ غدًا ركعتين\" ليس موضوعًا إلا للأمر بالصلاة في ذلك الوقت لغةً وشرعًا. وقوله: \"لا تصل غدًا ركعتين\" ليس موضوعًا إلا للنهي عنها في ذلك الوقت لغة وشرعًا. فلو جاز أن يَرِد الأمر بشيءٍ، ثم النهي عن فعله في ذلك الوقت: لكان الشخص الواحد، بالفعل الواحد، في الوقت الواحد - مأمورًا ومنهيًا.\nأجاب: بأن ذلك لا يستحيل، إلا إذا كان المقصود حصول الفعل. وأما إذا كان الغرض ابتلاء المأمور، أي: اختباره وامتحانه - فيجوز؛ فإن السيد قد يقول للعبد: اذهب غدًا إلى موضع كذا، ولا يريد الفعل، بل امتحان العبد ليتبين رياضته، ثم يقول: لا تذهب.\nقلتُ: ولا يخفى أن هذه الشبهة إنما ترد إذا كان الوجوب قد نُسِخ بالتحريم، أما إذا نُسخ بالجواز - فليس الشيء مأمورًا به ومنهيًا عنه.\nفإنْ قلت: الله تعالى يعلم مَنْ يمتثل ممن (^٢) لا يمتثل، والاختبار إنما يكون ممن يَسْتَدْعي خَبَرًا يستفيد منه ما لم يكن عالمًا به.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (غ): \"ومن\".","vol":"5","page":1666},{"text":"قلت: المراد إظهار ذلك للخلق، والتنويه (^١) بذكر العبد الممتثِل بين العالَم. ألا ترى أن إبراهيم ﵇ صار له بذلك لسانُ صِدْق في الآخِرين، وربما أن بعض مَنْ كان لا يؤمن به رآه قد بادر إلى امتثال هذا الأمر المرير، فصَدَّق به وآمن، وعرف أنه على الحق المبين.\nومنهم مَنْ أجاب (^٢) عن هذه الشبهة: بأنه لم يجتمع الأمر والنهي في وقتٍ واحد، بل بورود النهي انقطع تعلق الأمر. وذكر القاضي في \"مختصر التقريب\" هذا، وطريقةً أخرى وهي أنا نقول: \"كأن الرب تعالى قال: افعل الفعل الفلاني تقربًا منك إليَّ ما دام الأمر متصلًا بك، فإذا نهيتك عنه فلا تفعله تقربًا إليَّ (^٣)، ولا تقربًا إلى غيري؛ ليتبين للعبد أنه\n_________\n(^١) أي: رفع الذكر والتعظيم. وفي المصباح ٢/ ٣٠٤: \"نوَّه به تنويهًا: رفع ذِكْره وعَظَّمه، وفي حديث عمر: \"أنا أول مَنْ نَوَّه بالعرب\" أي: رفع ذكرهم بالديوان والأعطاء\". وانظر: لسان العرب ١٣/ ٥٥٠، مادة (نوه).\n(^٢) وهو ابن الحاجب ﵀. انظر: منتهى السول والأمل ص ١٥٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩١، ١٩٢.\n(^٣) قوله: كأن الرب تعالى قال. . . إلخ، يقصد به أن أمر المولى تعالى وإن كان ظاهره الإطلاق إلا أنه في حكم المقيَّد بالشرط، فإذا قال المولى ﷾: افعل الفعل الفلاني - فمعناه: أنك لا تزال مأمورًا به ما دام الأمر متصلًا بك، أي: تعلُّق الأمر بك مشروط ببقاء الأمر عليك ودوامه، فإذا ورد النهي عن الفعل المأمور به فلا تكون مأمورًا به لكون شَرْط تعلقه بك - وهو بقاء الأمر ودوامه - قد زال، وعلى هذا فليس هناك تناقض في النهي عن الفعل المأمور به؛ إذ شرط التعلق - وهو دوام الأمر - قد زال. والفرق بين هذا الجواب والذي قَبْله: هو أن الذي قَبْله لا يرى لهذا الشرط المذكور فائدة؛ إذ قولنا: فلان مأمور. يعني: أنه مأمور ما دام الأمر باقٍ عليه. فلو قلنا: فلان مأمور ما دام الأمر باقٍ عليه - فكأننا قلنا: فلان مأمور ما دام مأمورًا. =","vol":"5","page":1667},{"text":"عند النهي منهيٌّ عن قصد التقرب بما أُمر به أوَّلًا - إلى الله تعالى، وهو منهيٌ عن أصل فعله أيضًا من غير قصد التقرب\" (^١) (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-446>فائدة:</span>\nالصحيح عند جمهور العلماء أن الذبيح هو إسماعيل ﵇، واحتجوا له بأمورٍ كلُّها ظاهرةٌ غيرُ قطعية. واستنبط والدي - ﵁ - من القرآن دليلًا على ذلك يقارب القطع، أو يقتضي القطع بذلك، لم يسبقه\n_________\n= وهذا من شرط الشيء في نفسه، وهو محال، أي: محال أن يكون الشيء شرطًا لنفسه؛ إذ الشرط غير المشروط، فلا يتأتى جَعْل الشيء شرطًا لنفسه. هذا معنى ما يفيده كلام القاضي ﵀ في \"التلخيص\" ٢/ ٤٩٢ - ٤٩٤، وإليك بعض كلامه، حيث قال: \". . . لا يتصور كونه مأمورًا إلا باتصال الأمر به، فلا معنى لقول القائل: إنه إنما يكون مأمورًا ما دام الأمر متصلًا به، ولا فائدة في جَعْل ذلك شرطًا، فإن كونه مأمورًا عين اتصال الأمر به، فلا فرق بين أن يقول القائل: هو في كونه مأمورًا مشروطًا بكونه مأمورًا، وبين أن يقول: هو في كونه مأمورًا مشروطًا باتصال الأمر به. فهذا إذًا من قبيل شرط الشيء في نفسه، وهو محال غير معقول\". التلخيص ٢/ ٤٩٣.\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٤٩٤.\n(^٢) انظر المسألة الثالثة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٦٧، الحاصل ١/ ٦٤٧، التحصيل ٢/ ١٥، نهاية الوصول ٦/ ٢٢٧٢، نهاية السول ٢/ ٥٦٢، السراج الوهاج ٢/ ٦٥١، المستصفى ٢/ ٥٢ (١/ ١١٢)، المعتمد ١/ ٣٧٥، البرهان ٢/ ١٣٠٣، شرح اللمع ١/ ٤٨٥، الإحكام ٣/ ١٢٦، المحلي على الجمع ٢/ ٧٧، البحر المحيط ٥/ ٢١٩، شرح التنقيح ص ٣٠٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٠، إحكام الفصول ص ٤٠٤، تيسير التحرير ٣/ ١٨٧، فواتح الرحموت ٢/ ٦١، كشف الأسرار ٣/ ١٦٩، شرح الكوكب ٣/ ٥٣١، العدة ٣/ ٨٠٧، المسودة ص ٢٠٧.","vol":"5","page":1668},{"text":"إليه أحد: وهو أنَّ البِشارة (^١) التي وقعت لإبراهيم ﵇ بالولد مِنَ الله تعالى كانت مرتين:\nمرةً في قوله: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (^٢)، فهذه الآية قاطعة في أن هذا (^٣) المبشَّر به هو الذبيح.\nوقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١) قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (^٤)، فقد صَرَّح في هذه الآية أنَّ المبشَّر به فيها إسحاق، ولم يكن بسؤال (^٥) من إبراهيم ﵇، بل قالت امرأته: إنها عجوز، وإنه شيخ. وكان ذلك في الشام لما جاءت الملائكة إليه بسبب قوم لوط، وهو في أواخر أمره (^٦).\n_________\n(^١) بكسر الباء، والضم لغة، وإذا أُطلقت اختُصت بالخير. انظر: المصباح المنير ١/ ٥٦.\n(^٢) سورة الصافات: الآيات ٩٩ - ١٠٢.\n(^٣) لم ترد في (ت)، و(غ).\n(^٤) سورة هود: الآيتان ٧١، ٧٢.\n(^٥) في (ت)، و(ص): \"سؤال\".\n(^٦) أي: لما جاءت الملائكة لإهلاك قوم لوط ﵊، وكان هذا في أواخر حياة إبراهيم ﵊؛ لأن لوطًا ﵊ من قوم إبراهيم ﵊، فلم يُبعث لوط إلا بعد أن هاجر مع عمه عليهما الصلاة والسلام، ومجيء الملائكة لإهلاك قوم لوط ﵊ كان في أواخر =","vol":"5","page":1669},{"text":"وأما البشارة الأولى لما انتقل من العراق إلى الشام حين كان سنه لا يُستغرب فيه (^١) الولد، ولذلك سأله (^٢)؛ فعلمنا بذلك أنهما بشارتان في وقتين بغلامين:\nإحداهما: بغير سؤال، وهو إسحاق صريحًا.\nوالثانية: قبل ذلك بسؤال، وهو غيره؛ فقطعنا بأنه إسماعيل، وهو الذبيح (^٣).\n_________\n= حياة إبراهيم ﵊، كما هو صريح آية هود.\n(^١) في (ت): \"منه\".\n(^٢) أما كون السؤال وقع مبكرًا في السن التي يمكن فيها الولد عادةً - فهذا مسلَّم، لكن لا يُسَلَّم أن البشارة وقعت في ذلك السن، بل صريح القرآن يدل على أن البشارة بإسماعيل ﵊ متأخرة، مثل البشارة بإسحاق ﵊، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾. قال الإمام في التفسير الكبير ١٩/ ١٤١: \"اعلم أن القرآن يدل على أنه تعالى إنما أعطى إبراهيم ﵇ هذين الولدين - أعني: إسماعيل وإسحاق - على الكبر والشيخوخة\". لكن من المقطوع به أن البشارة بإسماعيل هي البشارة الأولى؛ لأن إسماعيل هو الولد الأول إجماعًا.\n(^٣) ما أجمل كلام الإمام رحمه الله تعالى في \"التفسير\" حيث قال في الحجة الخامسة للدلالة على أن الذبيح هو إسماعيل ﵊: \"حكى الله تعالى عنه (أي: عن إبراهيم ﵊) أنه قال: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، ثم طلب من الله تعالى ولدًا يستأنس به في غربته فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، وهذا السؤال إنما يحسن قبل أن يحصل له الولد؛ لأنه لو حصل له ولد واحد - لما طلب الولد الواحد؛ لأن طلب الحاصل محال، وقوله: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ =","vol":"5","page":1670},{"text":"ولا يَرِد على هذا قولُه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ (^١)، ووجه الإيراد: ذِكْرُ هبة إسحاق بعد الإنجاء؛ لأنا نقول: لما ذَكَر لوطًا (^٢) وإسحاق هو المبشَّر به في قضية لوط - (ناسَبَ ذِكْره) (^٣)، ولم يكن في الآية ما يدل على التعقيب (^٤) (^٥)، والبِشارة الأولى لم يكن للوط فيها ذكر. والله أعلم.\n_________\n= لا يفيد إلا طلب الولد الواحد، وكلمة \"من\" للتبعيض، وأقل درجات البعضية الواحد، فكأنه قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ لا يفيد إلا طلب الولد الواحد، فثبت أن هذا السؤال لا يحسن إلا عند عدم كلِّ الأولاد، فثبت أن هذا السؤال وقع حال طلب الولد الأول. وأجمع الناس على أن إسماعيل متقدِّم في الوجود على إسحاق، فثبت أن المطلوب بهذا الدعاء هو إسماعيل، ثم إن الله تعالى ذكر عَقِيبه قصة الذبيح؛ فوجب أن يكون الذبيح هو إسماعيل\". التفسير الكبير ٢٦/ ١٥٤. وفي الدر المنثور للسيوطي رحمه الله تعالى ٧/ ١٠٦: \"أخرج عبد بن حميد وابن جرير والحاكم عن محمد بن كعب القرظي ﵁ قال: إن الذي أَمَر اللهُ إبراهيمَ بذبحه من ابنَيْه إسماعيل، وإنا لنجد ذلك في كتاب الله، وذلك أن الله يقول حين فرغ مِنْ قصة المذبوح: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾، وقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ بابن، وابن ابن، فلم يكن يأمر بذبح إسحاق وله فيه موعود بما وعده، وما الذي أُمر بذبحه إلا إسماعيل\".\n(^١) سورة الأنبياء: الآيتان ٧١، ٧٢.\n(^٢) في (ت): \"لوط\". وعلى هذا تكون الجملة مبنية للمجهول.\n(^٣) في (ص): \"ناسب ذكره ولم يذكره\". وهذه الزيادة خطأ فاحش.\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"على التعقب\".\n(^٥) لأن البشارة بإسحاق ﵊ وردت بالواو ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾، والواو لمطلق الجمع، فليس فيها إشارة إلى تعقيب البشارة بإسحاق بعد الإنجاء =","vol":"5","page":1671},{"text":"واعلم أن هذه الفائدة ليس لها كبير (^١) تعلق بما نحن فيه من الشرح، ولكن (لما (^٢) عظم) (^٣) موقعها حَسُن إيرادها.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-447>(الرابعة: يجوز النسخ بلا بدل</span>، أو ببدل أثقل، كنسخ وجوب تقديم النجوى، والكفِّ عن الكفار بالقتال. استدل بقوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ (^٤). قلنا: ربما يكون عدم الحكم أو الأثقل خيرًا).\nالمسألة مشتملة على بحثين:\nأحدهما: في جواز نسخ الشيء (^٥) لا إلى بدل. ذهب إليه الجمهور، وخالف فيه قوم من أهل الظاهر، وكذلك المعتزلة، كما قال القاضي في \"مختصر التقريب\" (^٦).\n_________\n= مباشرة. وكذلك قوله تعالى في سورة مريم: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ - ليس فيه دلالة على أن هبة إسحاق كانت بعد الاعتزال مباشرة؛ لأن قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ جواب الشرط وجزاؤه، وليس من شرط الجزاء التعقيب، كما نقول: من عمل صالحًا فله الجنة. وآية هود صريحة في أن البشارة بإسحاق متأخرة.\n(^١) في (ت)، و(غ): \"كثير\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (غ).\n(^٤) سورة البقرة: الآية ١٠٦.\n(^٥) سقطت من (غ).\n(^٦) انظر: التلخيص ٢/ ٤٧٨ - ٤٧٩، ونسبه إمام الحرمين لجماهير المعتزلة. انظر: البرهان ٢/ ١٣١٣، ونسبه المحلي في شرحه على الجمع (٢/ ٨٧) إلى بعض المعتزلة، =","vol":"5","page":1672},{"text":"واستدل الجمهور: بأن وجوب تقديم (^١) الصدقة بين يدي مناجاته ﵇ نُسِخ بلا بدل.\nواعلم أن الأصوليين صَدَّروا المسألة بالخلاف في الجواز، وهذا الدليل يدل على أنهم يختارون الوقوع (^٢)، وهو صحيح؛ إذ الظاهر أن نسخ الصدقة قبل النجوى لا إلى بدل، وقول مَنْ قال: وجوب الزكاة هو الناسخ وهو البدل - ضعيفٌ مِنْ وجهين:\nأحدهما: أنه تعالى قال: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (^٣)، فلو كانت الزكاة ناسخة - لزم مساواةُ الصلاة والطاعة لها، وإقام (^٤) الصلاة وطاعة الله ورسوله واجبان قبل ذلك.\n_________\n= وقد وافق أبو الحسين البصري - ﵀ - الجمهور، ولم يحك أن المعتزلة خالفوا. انظر: المعتمد ١/ ٣٨٤. ولذلك شكك الزركشي ﵀ في النسبة إلى المعتزلة التي حكاها القاضي حيث قال: \"لكن المجزوم به في \"المعتمد\" لأبي الحسين: الجواز، وإنما نسب الأصوليون المنع في هذه المسألة لبعض الظاهرية\". البحر المحيط ٥/ ٢٣٦، وقد نسب ابن برهان الخلاف إلى بعض المتكلمين. انظر: الوصول إلى الأصول ٢/ ٢١، وانظر رأي الجمهور وبعض الظاهرية في: نهاية الوصول ٦/ ٢٢٩٣، الإحكام ٣/ ١٣٥، شرح الكوكب ٣/ ٥٤٥، البحر المحيط ٥/ ٢٣٦.\n(^١) في (غ): \"تقدم\".\n(^٢) أي: الوقوع مع الجواز، فالخلاف قائم فيهما. انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٣٦.\n(^٣) سورة المجادلة: الآية ١٣.\n(^٤) في (ت): \"وإقامة\".","vol":"5","page":1673},{"text":"وثانيهما: أنه يُحتاج إلى نقل التاريخ في ذلك، وهو بعيد، بل الظاهر أنه لما نُسخ عنهم وجوب الصدقة أُمروا بلزوم الواجبات التي هي (^١) عليهم باقية؛ تنبيهًا على أنها هي ذروة الأمر وسنامه.\nواستدل القاضي في \"مختصر التقريب\" على تجويز نسخ الشيء لا إلى بدل: \"بأنا نُجَوِّز ارتفاع التكليف عن المخاطبين جملةً، فلأن يجوز ارتفاع عبادة بعينها لا إلى بدل أولى\". قال: والمخالفون في ذلك وهم المعتزلة لا يجوزون ارتفاع التكليف (^٢)؛ (فلهذا خالفونا) (^٣) في هذه المسألة. فهذا هو مثار الخلاف في هذه المسألة (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-448>فائدة:</span>\nقال الشافعي في \"الرسالة\" في ابتداء الناسخ والمنسوخ: وليس يُنْسَخ فرضٌ أبدًا (^٥) إلا إذا (^٦) أُثْبِت مكانَه فرضٌ، كما نُسخت قِبْلةُ بيت المقدس\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٢) لأنه ينافي المصلحة، على قاعدتهم في وجوب مراعاة المصالح. انظر: شرح المحلي وحاشية البناني ٢/ ٨٧، المسودة ص ٢٠٠، البحر المحيط ٥/ ٢٤٢.\n(^٣) في (ت): \"فلذلك خالفوا كما\".\n(^٤) انظر: التلخيص ٢/ ٤٧٩، وقول الشارح: \"قال: والمخالفون. . .\" لا وجود له في \"التلخيص\"، فهل هو تصرف من الشارح، أو نقله من مكان آخر، الله أعلم، لكن الزركشي نقله في \"البحر\" كما حكاه الشارح، كما يفعل هذا كثيرًا في الاعتماد على نقل الشارح وتلخيصه أو تصرفه في النقل لآراء العلماء. انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٣٦.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سقطت من (ص)، و(غ).","vol":"5","page":1674},{"text":"فأُثْبت مكانَها الكعبةُ (^١). انتهى. وظاهر هذه العبارة أنه لا يقع النسخ إلا ببدل، وليس ذلك مراده، بل هو موافق للجماهير على أنَّ (^٢) النسخ قد يقع بلا بدل، وإنما أراد الشافعي بهذه العبارة (^٣)، كما نبه عليه أبو بكر الصيرفي في \"شرح الرسالة\": أنه ينْقل مِنْ حظرٍ إلى إباحة، أو إباحة إلى حظر أو تخيير، على حسب أحوال الفروض. قال: ومَثَلُ ذلك مَثَلُ المناجاة: كان يُناجَى النبي - ﷺ - بلا تقديم صدقة، ثم فَرَض الله تقديم الصدقة، ثم أزال ذلك، فردهم إلى ما كانوا عليه، فإنْ شاءوا تقربوا بالصدقة إلى الله، وإنْ شاءوا ناجَوْه مِنْ غير صدقة. قال: فإذا معنى قول الشافعي: \"فَرْضٌ مكان فَرْضٍ\"، فتفهَّمْه. انتهى. وهذا لا يخالفه فيه الأصوليون، فإنهم يقولون: إذا نُسِخ الأمر بقوله: رفعتُ الوجوبَ، أو التحريم، مثلًا - عاد الأمر إلى ما كان عليه، وهو حكم أيضًا (^٤).\nالبحث الثاني: يجوز عند الجمهور نَسْخ الشيء والإتيان ببدل أثقلَ منه، وخالف بعض أهل الظاهر (^٥). قال ابن بَرْهان في \"الوجيز\": ونقل ناقلون ذلك عن الشافعي، وليس بصحيح (^٦). انتهى. يعني: وليس\n_________\n(^١) انظر: الرسالة ص ١٠٩، فقرة ٣٢٨.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٣٦ - ٢٣٩.\n(^٥) ومنهم أبو بكر بن داود، وإليه ذهب بعض الشافعية. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٢٩٨، العدة ٣/ ٧٨٥، البحر المحيط ٥/ ٢٤٠، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٦، اللمع ص ٥٨.\n(^٦) انظر: الوصول إلى الأصول ٢/ ٢٥. وانظر: البحر المحيط ٥/ ٢٤١.","vol":"5","page":1675},{"text":"بصحيح عنه.\nومنهم (^١) مَنْ أجاز ذلك عقلًا، ومَنَع منه سمعًا (^٢).\nلنا: أن الكفَّ عن الكفار كان واجبًا بقوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ (^٣)، ونحوه، ثم نُسخ بإيجاب القتال، وهو أثقل، أي: أكبر (^٤) مشقة (^٥).\nواستدل الخصم على منعهما، أعني: النسخ بلا بدل، والنسخ ببدل أثقل: بقوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^٦)، فدلَّ على أنه لا بد وأن يأتي بالبدل، وهو المُدَّعى أوَّلًا. وعلى أنَّ البدل منحصر في الأَوْلى والمساوي، وهو المُدَّعى ثانيًا (^٧).\nوأجاب: بأن عدم الحكم قد يكون خيرًا للمكلف منه في ذلك الوقت.\nواعترض الهندي على هذا: بأن العدم الصِّرْف لا يُوصف بقوله:\n_________\n(^١) أي: من الظاهرية. وكذا بعض الشافعية.\n(^٢) انظر: الإحكام ٣/ ١٣٧، نهاية الوصول ٦/ ٢٢٩٨، البحر المحيط ٥/ ٢٤٠، التلخيص ٢/ ٤٨٢.\n(^٣) سورة الأحزاب: الآية ٤٨.\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"أكثر\".\n(^٥) أخرج الحاكم نسخ الكفِّ بالقتال عن ابن عباس ﵄. انظر: المستدرك ٢/ ٦٦ - ٧٧، كتاب الجهاد.\n(^٦) سورة البقرة: الآية ١٠٦.\n(^٧) لأن قوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ هو الأَوْلى، يعني: الأسهل. وقوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ هو المساوي. فدل الحصر على مَنْع النسخ بالأثقل.","vol":"5","page":1676},{"text":"﴿نَأْتِ﴾؛ لأن ما أتى به (فهو شيء (^١).\nوهو صحيح إلا أنا نقول: النسخ يُزيل الحكم، ويعيد الأمر) (^٢) إلى ما كان عليه، فكان (^٣) مشتملًا على الإتيان بالحكم الذي كان مِنْ قبل، ومِنْ هذا يظهر أنه أتى بشيء. وهذا إنما استفدناه من كلام الصيرفي، والأصل فيه كلام الشافعي ﵁. وهذا تقريرُ الجواب عن قولهم: لا يكون النسخ إلا ببدل. والقاضي في \"مختصر التقريب\" قال في الجواب عن هذه الآية: \"هذا (^٤) إخبارٌ عن أن (^٥) النسخ يقع على هذا الوجه، وليس فيه ما يدل على أنه لا يجوز وقوع النسخ على غير هذا الوجه\". قال: \"وهذا واضح عند التأمل\" (^٦).\nقلت: وهذا من القاضي يُفْهِم أنَّ محل الخلاف في الجواز، وأنه يسلِّم أن النسخ لا يقع إلا على هذا الوجه. وهذا ما اقتضاه كلام الآمدي في آخر المسألة، إذ قال: \"إنْ سُلِّم امتناع وقوع ذلك شرعًا، لكنه لا يدل على عدم الجواز العقلي\" (^٧).\n_________\n(^١) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٢٩٦.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سقطت من (غ).\n(^٦) انظر: التلخيص ٢/ ٤٨٠.\n(^٧) انظر: الإحكام ٣/ ١٣٦.","vol":"5","page":1677},{"text":"وقد (^١) قدمنا أن الاستدلال بآية النجوى يدل على أن الخلاف في الوقوع أيضًا (^٢)، وبذلك صرَّح الهندي، إذ قال: الآية وإن لم تدل إلا على عدم الوقوع فذلك كافٍ؛ لأنه إذا ثبت عدم الوقوع ثبت عدم الجواز؛ لأن كل مَنْ يقول بالجواز قال بالوقوع، فالقول بعدم الوقوع مع (^٣) الجواز قولٌ لم يقل به أحد\" (^٤).\nوالأظهر أنَّ مَنْ قال بالجواز قال بالوقوع، كما ذكره (^٥) الهندي، وكلام الآمدي إنما هو على سبيل التنزل؛ إذ صَدَّر المسألة بالجواز. وقد صَرَّح الآمدي بدليلين، وقال: أحدهما: يدل على الجواز العقلي. والثاني: على الجواز الشرعي (^٦).\nوكلام القاضي ليس بالصريح في ذلك؛ إذْ قال بعد ذلك: \"أو نقول: يعنى في الجواب قوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ (^٧) يُحْمل على بعض الأحكام دون بعض\" (^٨). قال: \"ويَقْوى ذلَك على مَنْع صيغة\n_________\n(^١) سقطت من (غ).\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) في (ص): \"من\".\n(^٤) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٢٩٦.\n(^٥) في (ت): \"ذكر\".\n(^٦) انظر: الإحكام ٣/ ١٣٥.\n(^٧) سورة البقرة: الآية ١٠٦.\n(^٨) فَحَمْل القاضي لآية: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ على بعض الأحكام دون بعض (أي: أن بعض الأحكام يكون بدلها أسهل، أو مساويًا، وهو مقتضى هذه الآية، وبعض الأحكام يكون بدلها أثقل وأشقَّ وهو مقتضى آياتٍ أُخر) يُشير إلى أن القاضي يقول بالوقوع والجواز الشرعي.","vol":"5","page":1678},{"text":"العموم (^١) \" (^٢).\nقلت: ومِنْ هنا يُؤخذ من كلام القاضي أن النكرة في سياق الشرط تعم، كما قدمناه في باب العموم عن إمام الحرمين؛ لقوله: \"ويَقْوى ذلك على مَنْع صيغة العموم\"، ومفهوم هذا أنه لا يَقْوى عند تسليمها (^٣).\nوأما الجواب عن استدلالهم بقوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ على أن البدل مُنْحَصر في الأخف، والمساوي - فقد أجاب في الكتاب عنه بقوله: \"أو الأثقل خيرًا\"، يعني: أن الخير يصدق على ما هو أجزلُ ثوابًا، وأصلح لنا في المعاد، وإن كان أثقل في الحال.\nومِنَ الخصوم مَن استدل بقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أي: ويَقْوى هذا التأويل لهذه الآية (وهو حَمْلها على بعض الأحكام المنسوخة دون بعض) على القول بمَنْع صيغة العموم؛ لأن \"ما\" شرطية بمعنى \"إن\" و\"آية\" نكرة، والنكرة في سياق الشرط تعم، لكن لا نحمل الآية على العموم - إن قلنا بصيغ العموم - بل نجعلها مخصَّصة بالآيات التي فيها وقوع النسخ إلى بدل أثقل. وأما على قول مَنْ يمنع أن للعموم صيغة - فإن هذا التأويل يقوى به، ولا يكون هنالك معارضة بين هذه الآية والآيات الأخرى.\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٤٨٠.\n(^٣) أي: عند القول بأن للعموم صيغة - لا يقوى هذا التأويل المذكور؛ لأن الآية تكون بمقتضاه عامة في جميع الأحكام، فَحَملها على بعض دون بعض خروج عن ظاهرها. والحاصل أن قوة هذا التأويل مع القول بمنع صيغة العموم أقوى من قوته مع القول بها، ولا يعني هذا فساد هذا التأويل في حالة القول بالعموم.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ١٨٥.","vol":"5","page":1679},{"text":"واقتصر المتأخرون في الجواب عن (^١) الاستدلال بهذه الآية على قولهم: إن ذلك محمول على اليسر في الآخرة. وما ناسب هذا الجواب.\nوالحق في الجواب عن ذلك ما ذكره القاضي في \"مختصر التقريب\": مِنْ أنَّ ذلك إنما ورد في مخاطبة المرضى من المسلمين، لَمَّا خُفِّف الصيام عنهم (^٢)، ولا تعلق له بمسألتنا (^٣).\nقال: (الخامسة: يُنسخ الحكم دون التلاوة، مثل قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ (^٤) الآية. وبالعكس (^٥)، مثل ما نُقِل: \"الشيخُ والشيخةُ إذا زَنَيا فارجموهما البتة\". ويُنْسخان معًا، كما رُوي عن عائشة ﵂ قالت: \"كان فيما (أنزل الله) (^٦): عشر رضعاتٍ معلومات (^٧).\n_________\n(^١) في (غ): \"على\".\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٤٨٢. وكذا قال الغزالي في المستصفى ٢/ ٨٢.\n(^٣) انظر المسألة الرابعة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٧٩، الحاصل ٢/ ٦٥١، التحصيل ٢/ ١٧، نهاية الوصول ٦/ ٢٢٩٣، نهاية السول ٢/ ٥٦٩، السراج الوهاج ٢/ ٦٥٥، الإحكام ٣/ ١٣٥، اللمع ص ٥٨، شرح اللمع ١/ ٤٩٣، المستصفى ٢/ ٧٨ (١/ ١١٩)، الوصول إلى الأصول ٢/ ٢١، المعتمد ١/ ٣٨٤، المحلى على الجمع ٢/ ٨٧، البحر المحيط ٥/ ٢٣٦، شرح التنقيح ص ٣٠٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٢، فواتح الرحموت ٢/ ٦٩، تيسير التحرير ٣/ ١٩٧، شرح الكوكب ٣/ ٥٤٥، المسودة ص ١٩٨، ٢٠٠.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ٢٤٠.\n(^٥) في (غ): \"والعكس\".\n(^٦) في (ص)، و(غ): \"أنزل\".\n(^٧) في نهاية السول ٢/ ٥٧٠، والسراج الوهاج ٢/ ٦٥٩، ومناهج العقول ٢/ ١٧٦، ومعراج المنهاج ١/ ٤٣٧: \"مُحَرِّمات\". وفي شرح الأصفهاني ١/ ٤٧٣: \"يُحَرِّمن\".","vol":"5","page":1680},{"text":"فَنُسِخْن بخمس\").\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-449>يجوز نسخ الحكم دون التلاوة</span>، وبالعكس، ونسخهما معًا. وخالف في ذلك كله بعض الشاذين (^١). واستدل في الكتاب لكل من الصور بالوقوع.\nأما نسخ الحكم دون التلاوة: فكنسخ الاعتداد بالحول مِنْ قوله تعالى: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^٢)، وقد سبق الكلام في آية الحول، فكان الأولى التمثيل بغير هذه الآية المختلَف في أنها (هل هي) (^٣) منسوخة، والآيات في هذا القسم كثيرة (^٤).\nوأما عكسه، أعنى: نسخ التلاوة دون الحكم: فكما روى سعيد بن\n_________\n(^١) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٣٠٧، المستصفى ٢/ ٩٥، ونسبه الآمدي لطائفة شاذة من المعتزلة. انظر: الإحكام ٣/ ١٤١، وكذا ابن الحاجب. انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٤، وادعى بعض الأصوليين الاتفاق على نسخ الحكم والتلاوة، وإنما الخلاف مع بعض المعتزلة في نسخ الحكم دون التلاوة، وبالعكس. انظر: فواتح الرحموت ٢/ ٧٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٠٤، الوصول إلى الأصول ٢/ ٢٨، شرح الكوكب ٣/ ٥٥٣، البرهان ٢/ ١٣١٢، وقد وافق أبو الحسين البصري - ﵀ - الجمهور في الصور الثلاث، ولم يحك خلافًا عن المعتزلة. انظر: المعتمد ١/ ٣٨٦.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ٢٣٤.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) ومنها آية الوصية للوالدين والأقربين، وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾، نسختها آية الميراث.","vol":"5","page":1681},{"text":"المسيَّب عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: \"إياكم أن تَهْلِكوا (^١) عن آية الرجم أن يقول قائل: \"لا نجد حَدَّين في كتاب الله. فلقد رَجَم رسول الله - ﷺ -، فوالذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتُها: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة\". فإنا قد قرأناها\". رواه الشافعي، وهذا لفظه (^٢) - وروى الترمذي نحوه، والبخاري ومسلم ما يقرب منه (^٣). وروى النسائي عن أبي أُمامة أسعد بن سهل بن حُنِيف (^٤) عن خالته قالت: لقد أقْرْأَناها (^٥) رسولُ الله - ﷺ - آيةَ الرجم: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من لديهما (^٦) \" (^٧). وإسناده\n_________\n(^١) من باب ضرب. المصباح المنير ٢/ ٣١٢.\n(^٢) انظر: ترتيب مسند الشافعي ٢/ ٨١ - ٨٢، رقم ٢٦٦. وهو لفظ مالك - ﵁ - في الموطأ ٢/ ٨٢٤، كتاب الحدود، باب ما جاء في الرجم، رقم ١٠.\n(^٣) انظر: سنن الترمذي ٤/ ٢٩ - ٣٠، كتاب الحدود، باب ما جاء في تحقيق الرجم، رقم ١٤٣١، ١٤٣٢. صحيح البخاري ٦/ ٢٥٠٣ - ٢٥٠٤، كتاب المحاربين، باب رجم الحبلى في الزنا إذا أحْصَنَت، رقم ٦٤٤٢. صحيح مسلم ٣/ ١٣١٧، كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنا، رقم ١٦٩١. سنن أبي داود ٤/ ٥٧٢ - ٥٧٣، كتاب الحدود، باب في الرجم، رقم ٤٤١٨.\n(^٤) هو أبو أُمامة أسعد بن سهل بن حُنيف - بضم الحاء - الأنصاريّ الأوسيّ المدنيّ، الفقيه المعمَّر الحجة. سُمِّي باسم جده لأمه أسعد بن زرارة، وكان قد أدرك النبي - ﷺ - وسَمَّاه وحَنَّكه، ولم يسمع من النبي - ﷺ -. توفي سنة ١٠٠ هـ. انظر: سير ٣/ ٥١٧، تهذيب ١/ ٢٦٣، تقريب ص ١٠٤.\n(^٥) في (غ): \"أقرأنا\".\n(^٦) في (غ): \"لدنهما\".\n(^٧) لم أقف عليه في المجتبى، فلعله في السنن الكبرى.","vol":"5","page":1682},{"text":"جيد، والمراد بالشيخ والشيخة: المحصَن والمحصَنة (^١).\nقلت (^٢): وأنا لا يبين لي معنى قول عمر - ﵁ -: \"لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها\"؛ إذ ظاهر هذا أن كتابتها جائزة، وإنما مَنَعه مِنْ ذلك قولُ الناس. والجائز في نفسه قد يقوم مِنْ خارجٍ ما يمنعه، وإذا كانت كتابتها جائزةً - لزم أن تكون التلاوة باقية؛ لأن هذا شأن المكتوب.\nوقد يقول القائل في مقابلة هذا: لو كانت التلاوة باقيةً لبادر عمر - ﵁ - إلى كتابتها، ولم يُعَرِّج على مقال الناس؛ لأن مقال الناس لا يصلح مانعًا مِنْ فعل هذا الواجب.\nوبالجملة: لا تبين لي (^٣) هذه الملازمة، أعني: لولا قولُ الناس - لكتبتُ (^٤). ولعل الله أن ييسر علينا حَلَّ هذا الأثر بمنه وكرمه (^٥)، فإنا لا\n_________\n(^١) انظر: الموطأ ص ٨٢٤، فتح الباري ١٢/ ١٤٣.\n(^٢) في (ت) بياض بالسطر.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) قوله: \"لولا قول الناس\" مُقَدَّم. وقوله: \"لكتبت\" تالي.\n(^٥) قد يكون مراد أمير المؤمنين عمر ﵁ بقوله: لولا أن يقول. . . إلخ أن هذه الآية التي لم تُثْبت في المصحف الشريف - باقٍ حكمها وإنْ نُسخت تلاوتها، ولخطورة حكمها؛ إذ هو حدٌّ من الحدود، وليس في القرآن نصٌّ عليه، بل ظاهر آية الجلد خلافه - أحَبَّ عمر ﵁ وهو المؤيَّد أن يُثبت هذه الآية في المصحف؛ بيانًا لبقاء حكمها لا تلاوتها، لكنه ﵁ خشي أن يظن ظان بأنه إنما أثبتها لكونها آيةً متلوة، فَيُتَّهم ﵁ بالزيادة في كتاب الله، وهو لم يُرِد ذلك، =","vol":"5","page":1683},{"text":"نشك في أن عمر رضوان الله عليه إنما نطق بالصواب، ولكنا نتهم فهمنا (^١).\n_________\n= بل أراد أنها منسوخة التلاوة لا الحكم. وينبغي على هذا التأويلِ تأويلُ وَضْع عمر لهذه الآية في المصحف: بوَضْعها في حاشية الصفحة من سورة النور مثلًا، لا أنه يضعها بين الآيات في أصل الصفحة، ويشير إلى هذا قول عمر ﵁: \"لكتبتها\"، ولم يقل: \"لزدتها\"، والفرق بينهما واضح، لكنه ﵁ خشي أن تُفهم كتابته زيادة في المصحف، لا سيما وأن الصحابة ﵃ كانوا يتحاشون كتابة أيِّ شيء في المصحف غيره، بل لم يكن منقوطًا ولا مُحَزَّبًا، ولذلك عدل ﵁ عن كتابة هذه الآية المنسوخة التلاوة في المصحف؛ حتى لا يقع الناس في اللبس، ويقع الاتهام له ﵁. وتأمل قولَه ﵁: \"إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم\" يعني: إياكم أن تنسوها وتتركوا حكمها؛ لكونها منسوخة التلاوة. ثم تأمل أيضًا قوله في آخر كلامه: \"فإنا قد قرأناها\" بالفعل الماضي لا المضارع، وهو يفيد بأن قراءتها على أنها آية متلوة من القرآن في الوقت الحاضر غير حاصل. ثم بعد أن كتبتُ هذا التعليق بقرابة عام تقريبًا وقفتُ على جواب لشيخ الإسلام زكريا الأنصاري رحمه الله تعالى، يوافق المعنى الذي ذكرتُه فالحمد لله تعالى على توفيقه ومَنِّه، وقد ذكر هذا الجواب العلامة البناني في حاشيته على شرح المحلي لجمع الجوامع (٢/ ٧٧) قال: \"استُشْكِل: بأنه إن جاز كتابتُها فهي قرآن، فيجب مبادرة عمر ﵁ لكتابتها؛ لأَن قول الناس بمجرده لا يصلح مانعًا مِنْ فعل الواجب. وأجيب: بأن المراد: لكتبتُها منبهًا على أن تلاوتها قد نُسخت؛ ليكَون في كتابتها الأمن من نسيانها، لكن قد تُكتب بلا تنبيه في بعض المصاحف غفلةً من الناسخ، فيقول الناس: زاد في كتاب الله، فترك كتابتها بالكلية؛ دفعًا لأعظم المفسدتين بأخفهما. شيخ الإسلام\".\n(^١) انظر إلى الأدب مع الأئمة ﵃، وحَمْل كلامهم على المحامل الحسنة اللائقة بهم، وإن لم يظهر المعنى ويتضح. وقارن هذا مع مَنْ يتعسف في الفهم والتأويل، ولا يقبل إلا فهمه وتأويله، وأما تأويلات الآخرين وفهومُهم مِنْ مخالفيه - فهي تحريف وتبديل. والحق ما رأه فلان، والباطل ما خالفه، والواجب على =","vol":"5","page":1684},{"text":"وأما نسخهما معًا: فكما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: \"كان فيما (أنزل الله) (^١) عشر رضعاتٍ معلومات، فَنُسِخْنَ بخمسٍ معلومات، فتوفي رسول الله - ﷺ - وهي فيما يقرأ من القرآن\". رواه مسلم (^٢). ونحن نعلم أنه ليس في القرآن اليوم، وَأن حكمه غير (^٣) ثابت.\nوقد تكلم العلماء في قولها: \"وهي فيما يُقرأ من القرآن\"، فإن ظاهره يقتضي أن التلاوة باقية، وليس كذلك. فمنهم من أجاب: بأن المراد قارب الوفاة. والأظهر في الجواب: أن التلاوة نُسِخت أيضًا، ولم يبلغ ذلك كلَّ الناس إلى (^٤) بعد وفاة رسول الله - ﷺ -، فتوفي وبعضُ الناس يَقْرأها، فَيَصْدق أنه توفي وهي فيما يُقرأ (^٥).\n_________\n= الجميع متابعته والانقياد إليه. وهذا حالٌ - والله - يشبه حال اليهود والنصارى، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾. فنعوذ بالله من ضلالتهما: الجهل والهوى، فإنهما يصدان عن الحق.\n(^١) في (غ)، و(ص): \"أنزل\".\n(^٢) انظر: صحيح مسلم ٢/ ١٠٧٥، كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات، رقم ١٤٥٢. وأخرجه الدارمي في سننه ٢/ ٨٠، كتاب النكاح، باب كم رضعة تحرِّم، رقم ٢٢٥٨. وأبو داود في سننه ٢/ ٥٥١، كتاب النكاح، باب هل يحرِّم ما دون خمس رضعات، رقم ٢٠٦٢. والنسائي ٦/ ١٠٠، في كتاب النكاح، باب القدر الذي يحرِّم من الرضاعة، رقم ٣٣٠٧. وابن ماجه ١/ ٦٢٥، في كتاب النكاح، باب لا تحرِّم المصَّة ولا المصتان، رقم ١٩٤٢.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"أي\".\n(^٥) هذا المعنى هو الذي ذكره النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم (١٠/ ٢٩) حيث قال: وقولها: \"فتوفي رسول الله - ﷺ - وهن فيما يقرأ\" هو بضم الياء مِنْ يقرأ، =","vol":"5","page":1685},{"text":"واعترض الهندي: \"بأن ثبوتَ نسخِ تلاوة ما هو من القرآن، وحكمِه معًا - يتوقف على كونه من القرآن، وكونه من القرآن لا يثبت بخبر الواحد، فلا يثبت به [نسخ] (^١) تلاوةُ ما هو من القرآن وحكمِه معًا (^٢).\nقلت: والاعتراض وارد أيضًا في منسوخ التلاوة دون الحكم، فلا ينبغي أن يَقْصُره على هذا القسم.\nثم قال الهندي: \"يمكن أن يُجاب: بأن القرآن المُثْبَت بين الدفتين هو الذي لا بد في نقله من التواتر، وأما المنسوخ فلا نسلم أنه لا يثبت بخبر الواحد.\nسلمنا: لكن الشيء قد يثبت ضمنًا بما لا يثبت به استقلالًا (^٣)، كما\n_________\n= ومعناه: أن النسخ بخمس رضعات تأخَّر إنزاله جدًّا، حتى أنه - ﷺ - تُوفي وبعض الناس يقرأ: خمس رضعات. ويجعلها قرآنًا متلوًا؛ لكونه لم يبلغه النسخ، لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أن هذا لا يُتلى. اهـ.\n(^١) هذه الكلمة ساقطة من (ت)، و(ص)، وأثبتها من نهاية الوصول ٦/ ٢٣٠٩.\n(^٢) يعني: لما لم يثبت بخبر الواحد - كحديث عائشة ﵂، مثلًا - تلاوةُ ما هو من القرآن وحكمُه معًا: لم يثبت به نسخُ التلاوةِ والحكمِ معًا؛ لأن ثبوتَ نسخ التلاوة والحكم معًا فرعُ ثبوت كون المنسوخ قرآنًا أصلًا.\n(^٣) المعنى والله أعلم: سَلَّمنا أن المنسوخ التلاوة لا يثبت بخبر الواحد، لكن استقلالًا، لا ضمنًا، فيمكن أن يثبت المنسوخ التلاوة بخبر الواحد ضمنًا، كما هو الحال في حديث عائشة ﵂، إذ صَرَّح أن نزول آية الخمس رضعات متأخر عن نزول آية العشر رضعات، فتكون العشر رضعات منسوخة قطعًا، فيثبت كونها قرآنًا منسوخًا. فالممتنع في خبر الواحد أن يُقال مثلًا: آية العشر رضعات منسوخة، وناسخها آية الخمس رضعات. لكن لما ورد الحديث بأن آية الخمس متأخرة عن آية العشر علمنا قطعًا بأن آية العشر منسوخة، فثبوت كونها آية منسوخة فرع ثبوت كونها آية =","vol":"5","page":1686},{"text":"قال بعض الأصوليين: إذا قال الصحابي في أحد الخبرين المتواترين: إنه كان قَبْل الآخر - قُبِل، ولزم منه نسخ المتأخِّر، وإن لم يُقبل قولُه في نسخ المعلوم (^١) \" (^٢).\nولقائل أن يقول: لا يندفع السؤال بواحدٍ من الجوابين (^٣):\nأما الأول: فإنا لا نعقل كونه منسوخًا حتى نعقل كونه قبل ذلك من القرآن، وكونه من القرآن لا يثبت (بخبر الواحد) (^٤)، وقوله: \"لا نسلم أن القرآن المنسوخ لا يثبت بخبر الواحد\" - قلنا: لأن نسخه (^٥) لا يكون إلا\n_________\n= متقدمة لا متأخرة، وثبوت كونها متقدمة لا يشترط فيه التواتر. فإثبات نسخ آية العشر رضعات ليس بسبب قول عائشة ﵂: \"ثم نسخن\"؛ لأنه خبر واحد لكن بسبب أنها ﵂ بيَّنت تاريخ نزول الخمس، وأنها متأخرة، حتى أنها كانت تُقرأ بعد وفاة النبي - ﷺ -، فَقَبِلْنا قولَها في تاريخ النزول، وهو يتضمن نسخ المتأخِّر للمتقدم، فثبت نسخ العشر تضمنًا لثبوت التاريخ، وثبوت التاريخ لا يشترط فيه التواتر.\n(^١) المعنى: أن الصحابي إذا أخبر بأنَّ أحد الخبرين المتواترين قَبْل الآخر - قُبِل قوله، ولزم مِنْ قبول قوله نسخ المتأخر للمتقدم، مع أنّ الصحابي لو أخبرنا بأن هذا الخبر المتواتر ناسخ للخبر الآخر المتواتر - لا يُقبل قوله في النسخ، فهذا يدل على أن الشيء قد يثبت ضمنًا بما لا يثبت به استقلالًا، فالنسخ لا يثبت بقول الصحابي استقلالًا، ولكن يثبت بقوله ضمنًا، أي: إذا تضمن قولُه النسخ - قُبِل، وإذا صَرَّح به رُدَّ ولم يُقبل. وتعليل هذا سيأتي إن شاء الله تعالى.\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٣٠٩.\n(^٣) أي: جوابَيْ صفي الدين الهندي ﵀، وهما: مَنْع اشتراط التواتر في إثبات المنسوخ تلاوته، ومع التسليم بالاشتراط فيمكن ثبوت المنسوخ تلاوته بخبر الواحد ضمنًا لا استقلالًا.\n(^٤) في (ص): \"بخبر الواحد قلنا\". وزيادة لفظه \"قلنا\" لا معنى لها.\n(^٥) قوله: لأن نسخه. . . إلخ - تعليلٌ للرد والإبطال، لا للتأييد والانتصار.","vol":"5","page":1687},{"text":"بعد ثبوت كونه من القرآن، ثم يرد النسخ بعد ذلك متأخِّرًا في الزمان، فيصدق إثبات قرآن غير منسوخ بخبر الواحد، ثم إثبات نسخه بخبر الواحد. ويُوضِّح هذا: أن قول الراوي: كانت الكلمة الفلانية من القرآن ثم نُسخت تلاوةً وحكمًا - في قوة خبرين:\nأحدهما: أنها من القرآن.\nوالثاني: أنها منسوخة.\nوكلا الخبرين لا يكفي فيه خبر الواحد (^١).\nوأما الثاني: ففيما نحن فيه (^٢) لم يتعارض دليلان، وفيما استشهد به تعارض دليلان فلذلك رَجَّحْنا في موضع التعارض بمرجِّحٍ ما، وهو قول الصحابي: هذا متقدم (^٣).\n_________\n(^١) المعنى: أن قول الهندي - ﵀ - في جوابه الأول: بأن المنسوخ التلاوة يثبت بخبر الواحد - تناقضٌ منه؛ لأنه سلَّم بأن الذي بين الدفتين لا يثبت إلا بالتواتر، ثم قال: بأن المنسوخ التلاوة يثبت بخبر الواحد. فيقال له: إن المنسوخ التلاوة أصله قرآن غير منسوخ، ثم نُسخ، فلا يثبت ابتداءً إلا بالتواتر، وكذا نسخه؛ لأن المتواتر لا ينسخه إلا متواتر، فيكون شرط المنسوخ كشرط غير المنسوخ؛ لأن طريق ثبوتهما واحد، بل شرط التواتر في المنسوخ أوكد؛ لأنه يحتاجه لإثبات أصله غير المنسوخ، وإثبات نسخه.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٣) أي: ما نحن فيه لم يتعارض دليلان، فحديث عائشة ﵂ خبر آحاد، وهو يُثبت قرآنًا منسوخًا، وليس هناك دليل آخر ينفي كونه قرآنًا منسوخًا، فلو كان هناك نافٍ - لقلنا: بأن قول عائشة ﵂ يرجِّح كونه منسوخًا، وبالتالي تثبت بقولها قرآنيته ضمنًا لا استقلالًا. أما فيما مَثَّل به مِنْ قول الصحابي: هذا =","vol":"5","page":1688},{"text":"وإنما الذي يظهر في الجواب عن هذا السؤال: أن زماننا هذا ليس زمان النسخ، وفي زمان النسخ لم يقع النسخ بخبر الواحد (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-450>فرع:</span>\nقال الآمدي: هل يجوز بعد نسخ تلاوة الآية أن يمسها المُحْدِث، ويتلوها الجنب؟ تردد فيه الأصوليون، والأشبه المنع من ذلك (^٢).\nقلت (^٣): الخلاف (^٤) وجهان لأصحابنا، والصحيح جواز المس والحمل (^٥). وقول الآمدي: إن المنع أشبه - ممنوعٌ، وذَكَر الرافعي في\n_________\n= متقدم، أو هذا متأخِّر - فهنا تعارض دليلان، وجعلنا قول الصحابي مرجِّحًا لتقديم أحدهما على الآخر، فثبوت النسخ ضمنًا في قول الصحابي بعد ثبوت تعارض الدليلين.\n(^١) فحديث عائشة ﵂ هو خبر واحد بالنسبة لنا، أما بالنسبة لذلك الزمان وهو زمان النسخ فلم يكن خبر واحدٍ، بل كان متواترًا، ومن الحديث يدل على هذا: \"فتوفي رسول الله - ﷺ - وهي فيما يُقرأ من القرآن\"، وظاهر هذا انتشار هذه الآية بين الناس حتى وفاته ﵌، وسبب وصولها إلينا بخبر الواحد أنها لما نُسخت لا تتوافر الهِمَم على نقلها كما تتوافر على نقل غير المنسوخ، وبهذا يُعلم ضعف قول مَن لم يعتمد على هذا الحديث في التحريم بخمس رضعات: بأن القرآن لا يثبت بخبر الواحد؛ لأن كونه خبر واحد إنما هو بالنسبة إلينا لا بالنسبة لما كان في ذلك الزمان.\n(^٢) انظر: الإحكام ٣/ ١٤٢.\n(^٣) في (ت) بياض بالسطر.\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"والخلاف\".\n(^٥) انظر: نهاية المحتاج ١/ ١١٠، تحفة المحتاج ١/ ١٤٦، المجموع ٢/ ٧٠.","vol":"5","page":1689},{"text":"أول باب حد الزنا: أن القاضي ابن كج حكى عن بعض الأصحاب وجهًا أنه لو قرأ قارئٌ آية الرجم في الصلاة لم تفسد صلاته (^١)، والصحيح خلافه (^٢) (^٣).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-451>(السادسة: يجوز نسخ الخبر المُسْتَقبل </span>خلافًا لأبي هاشم. لنا: أنه يحتمل أن يقال: لأعاقبن الزاني أبدًا. ثم يُقال: أردتُ سنةً. قيل: يُوهم الكذب. قلنا: ونسخ الأمر يوهم البَدَاء).\nهذه المسألة في نسخ الأخبار: والنسخ إما أن يكون لنفس الخبر، أو لمدلوله وثمرته.\nفإن كان الأول: فإما أن تُنسخ تلاوته، أو تكليفنا بالإخبار به إذا كنا قد كُلِّفنا بأن نخبر بشيء. فهذان جائزان من غير نزاع، سواء كان ما نُسخت تلاوته ماضيًا، أم مستقبلًا. وسواءٌ كان مما لا يتغيَّر مدلوله، كالإخبار بوجود الله تعالى وحدوث العالم. أو يتغير كالإخبار بكفر زيدٍ\n_________\n(^١) انظر: العزيز شرح الوجيز ١١/ ١٢٨.\n(^٢) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٥٦.\n(^٣) انظر المسألة الخامسة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٨٢، الحاصل ٢/ ٦٥٢، التحصيل ٢/ ١٨، نهاية الوصول ٦/ ٢٣٠٧، نهاية السول ٢/ ٥٧٢، السراج الوهاج ٢/ ٦٥٨، الإحكام ٣/ ١٤١، البرهان ٢/ ١٣١٢، المحلى على الجمع ٢/ ٧٦، البحر المحيط ٥/ ٢٥٢، المعتمد ١/ ٣٨٦، شرح التنقيح ص ٣٠٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٤، إحكام الفصول ص ٤٠٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٠٤، فواتح الرحموت ٢/ ٧٣، أصول السرخسي ٢/ ٧٨، شرح الكوكب ٣/ ٥٥٣، العدة ٣/ ٧٨٠، التمهيد لأبي الخطاب ٢/ ٣٦٦.","vol":"5","page":1690},{"text":"وإيمانه؛ لأن جميع ذلك حُكْمٌ من الأحكام الشرعية، فجاز كونه مصلحةً في وقت، ومفسدةً في آخر (^١)\nلكن هل يجوز أن يُنسخ تكليفنا بالإخبار (عما لا يتغير، بتكليفنا بالإخبار) (^٢) بنقيضه؟\nقال الآمدي: قالت المعتزلة: لا يجوز؛ لأنه كذب، والتكليف به قبيح. وهذا مبني على قاعدة الحُسْن والقُبْح الباطلة عندنا. وعلى هذا فلا مانع من التكليف بالخبر بنقيض الحق (^٣). هذا كلام الآمدي.\nولا يقال عليه: إن الكذب نقصٌ، ونحن نوافق على أنَّ قبحه عقلي؛ لأنا نقول: هو في هذه الصورة نقصٌ في المكلَّف - بفتح اللام - وهو المخبِر، لا المكلِّف - بكسرها - وهو الله تعالى، الآمر بالإخبار.\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ٣/ ١٤٤، نهاية السول ٢/ ٥٧٤، البحر المحيط ٥/ ٢٤٤، فواتح الرحموت ٢/ ٧٥، وفيه: \"جاز نسخ إيقاع الخبر بأن يكلِّف الشارع بإخبارٍ بشيءٍ ثم بنهيه عنه (اتفاقًا) وقد وقع أيضًا، فإن رسول الله - ﷺ - أمر أبا هريرة رضي الله تعالى عنه بإخبار مَن لاقاه: مَنْ قال: لا إله إلا الله - دخل الجنة. فبعد بشارته لأمير المؤمنين، وإمام الأعدلين عمر ﵁ - نهاه عنه، كما في صحيح مسلم، والمصلحة في النهى أن لا يتكلوا، فإنه يصل إلى المتكاسلين فيتكلون. وأما ابتداءً فإنما أمره علمًا منه بأنه يخبر أولًا أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه، ومثله لا يتكل، بل يجهد غاية الجهد؛ أداءً للشكر\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: الإحكام ٣/ ١٤٤. وانظر: فواتح الرحموت ٢/ ٧٥، تيسير التحرير ٣/ ١٩٦، المحلي على الجمع ٢/ ٨٥، البحر المحيط ٥/ ٢٤٤، شرح الكوكب ٣/ ٥٤١.","vol":"5","page":1691},{"text":"ويجوز التكليف بما هو نقصٌ في حق العبد؛ لأن له تعالى أن يفعل ما يشاء.\nوأما إنْ كان النسخ لمدلول الخبر: فإنْ كان مما لا يتغير (^١) - فلا خلاف في امتناع نسخه (^٢).\nوإن كان مما يتغير - فهي مسألة الكتاب: ومذهب أكثر المتقدمين (^٣) منهم أبو هاشم (^٤) - فيها المنع، سواء كان الخبر ماضيًا (^٥)، أم مستقبلًا:\n_________\n(^١) كمدلول الخبر بوجود الله تعالى، ومعنى صفاته، ومعنى حدوث العالم، ومدلول خبر ما كان من الأنبياء والأمم، وما يكون من الساعة وآياتها، كخروج الدجال. انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٤٥، الإحكام ٣/ ١٤٤.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٨٦، نهاية الوصول ٦/ ٢٣١٧، الإحكام ٣/ ١٤٤، شرح اللمع ١/ ٤٨٩، البحر المحيط ٥/ ٢٤٥، شرح التنقيح ص ٣٠٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٥، المعتمد ١/ ٣٨٧، كشف الأسرار ٣/ ١٦٣، أصول السرخسي ٢/ ٥٩، فواتح الرحموت ٢/ ٧٥، العدة ٣/ ٨٢٥، شرح الكوكب ٣/ ٥٤٣.\n(^٣) من الفقهاء والمتكلمين، بل هو مذهب الجمهور. انظر: إحكام الفصول ص ٣٩٩، تيسير التحرير ٣/ ١٩٦، فواتح الرحموت ٢/ ٧٥، أصول السرخسي ٢/ ٥٩، المعتمد ١/ ٣٨٧، شرح الكوكب ٣/ ٥٤٣، نشر البنود ١/ ٢٩٧، المسودة ص ١٩٦.\n(^٤) وأبو علي أيضًا، وأبو بكر الصيرفي، وأبو إسحاق المروزي، والقاضي أبو بكر، وعبد الوهاب، وابن السمعاني، والأصفهاني. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٨٧، نهاية الوصول ٦/ ٢٣١٩، الإحكام ٣/ ١٤٤، البحر المحيط ٥/ ٢٤٥، المعتمد ١/ ٣٨٩، التلخيص ٢/ ٤٧٦، القواطع ٣/ ٨٦.\n(^٥) كقوله: آمن زيد. فلا يجوز عند الجمهور نسخه: بأنه لم يؤمن. أو: أنه عَمَّر زيدًا ألف سنة. ثم يدلنا في المستقبل: أنه عَمَّره ألفًا إلا خمسين. فهذا لا يجوز عندهم. انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٥، المعتمد ١/ ٣٨٨.","vol":"5","page":1692},{"text":"وعدًا أم وعيدًا، أو (^١) خبرًا عن حكم، كالخبر عن وجوب الحج (^٢) واختاره ابن الحاجب (^٣).\nوقال عبد الجبار، وأبو عبد الله، وأبو الحسين، والإمام، والآمدي (^٤): يجوز مطلقًا.\nوفَصَّل بعضهم فقال: إنْ كان مدلوله مستقبلًا جاز، وإلا فلا. وهذا هو الذي اختاره المصنف (^٥).\nوليُعْلم أنَّ محل الخلاف: فيما إذا لم يكن الخبر بمعنى الأمر أو النهي، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ (^٦)، وقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا\n_________\n(^١) في (غ): \"أم\".\n(^٢) يعني: الخبر عن المستقبل إما أن يكون وعدًا، أو وعيدًا، أو خبرًا عن حكم. فالوعد: نحو قوله: أولئك يدخلون الجنة. والوعيد نحو قوله: لأعذبن الزاني أبدًا. والخبر عن حكم الفعل في المستقبل مَثَّله: أوجبتُ الحج أبدًا. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٨٦، ٤٨٧، المعتمد ١/ ٣٨٨، شرح الأصفهاني للمنهاج ١/ ٤٧٥، نهاية الوصول ٦/ ٢٣١٩، التحصيل ٢/ ١٩.\n(^٣) وكذا الشارح رحمه الله تعالى. انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٥، المحلي على الجمع ٢/ ٨٦.\n(^٤) وبه قال القاضي أبو يعلى، وأبو العباس ابن تيمية ووالده، ﵏ جميعًا. انظر: المعتمد ١/ ٣٨٧ - ٣٨٨، المحصول ١/ ق ٣/ ٤٨٦، الإحكام ٣/ ١٤٤، ١٤٥، البحر المحيط ٥/ ٢٤٥، العدة ٣/ ٨٢٥، المسودة ص ١٩٦، ١٩٧.\n(^٥) ونسبه ابن السمعاني ﵀ لبعض الأشعرية. انظر: القواطع ٣/ ٨٧، وقال الزركشي ﵀: \"وهذا التفصيل جزم به سليم، وجرى عليه البيضاوي في \"المنهاج\"، وسبقهما إليه أبو الحسين بن القطان\". البحر المحيط ٥/ ٢٤٥.\n(^٦) سورة البقرة: الآية ٢٢٨.","vol":"5","page":1693},{"text":"الْمُطَهَّرُونَ﴾ (^١)، فإنَّ هذا يجوز نسخه، ولا نعرف فيه خلافًا (^٢)، ولا يتجه؛ لأنه بمعنى الأمر والنهي. قال الهندي: \"وما نَقَل الإمامُ وغيرُه مِنَ الخلاف في الخبر عن حكمٍ شرعي - ليس هو هذا؛ لأن ذلك محمول على ما هو خبر في اللفظ والمعنى، وإنما مدلوله حكم شرعي. وما نحن فيه ليس إلا صيغة الخبر استُعْملت في الأمر على وجه التجوز، فهو في معنى الأمر (^٣). ونحن على جزمٍ بأن الصيغة لا مَدْخل لها في تجويز النسخ وعدمه، فهو في معنى الأمر\" (^٤).\nوقد استدل المصنف على ما اختاره: بأنه يصح أن يُقال: لأعاقبن الزاني أبدًا؛ إذ لا يلزم من وقوعه محال. ثم يقال: أردتُ سنةً واحدة، ولا نعني بالنسخ إلا هذا، فإن النسخ إخراج بعض الزمان، وهو موجود هنا.\n_________\n(^١) سورة الواقعة: الآية ٧٩.\n(^٢) هكذا قال صفي الدين الهندي رحمه الله تعالى، والشارح ناقل منه، وكذا قال ابن بَرْهان، وابن الحاجب. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٣١٨، الوصول إلى الأصول ٢/ ٦٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٥، منتهى السول والأمل ص ١٦٠، نهاية السول ٢/ ٥٧٧. لكن قد حكى أبو إسحاق الشيرازي، وابن السمعاني: أن أبا بكر الدقاق - ﵀ - من الشافعية منع نسخ الأمر بلفظ الخبر؛ اعتبارًا بلفظه. انظر: اللمع ص ٥٧، شرح اللمع ١/ ٤٨٩، القواطع ٣/ ٩٠. وقد ورد في البحر المحيط (٥/ ٢٤٧) أن القائل به أبو بكر القفال، ولعل هذا التحريف من الناسخ، فإن الزركشي - ﵀ - نقل ذلك عن الشيرازي وابن السمعاني، وسليم في \"التقريب\".\n(^٣) يعني: استعمل الخبر وأريد به الأمر، فقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ أي: ليتربصن. وقوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ نفي بمعنى النهي.\n(^٤) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٣١٨.","vol":"5","page":1694},{"text":"واستدل المانع: بأن نسخه يُوهم الكذب؛ إذ المتبادر منه إلى الفهم ليس إلا استيعاب المدةِ المُخْبَر بها، وإيهام الكذب قبيح.\nأجاب: بأن نسخ الأمر أيضًا يقتضي أن يظن الظانُّ ظهورَ الشيء بعد خفائه، أي: فلو امتنع نسخ الخبر للإيهام - لامتنع نسخ الأمر، (ولا قائل به من المنازعين في هذه المسألة) (^١). هذا ما في الكتاب.\nوالحق في المسألة ما ذكره القاضي في \"مختصر التقريب\": مِنْ أن (^٢) بناء المسألة على أنَّ النسخ بيانٌ أو رفع، فمَنْ قال بالأول - جَوَّز ذلك فقال: إذا أخبر الله سبحانه عن ثبوت شريعةٍ - فيجوز أن يُخْبر بعدها فيقول: أردتُ ثبوتَها بإخباري الأول إلى هذا الوقت، ولم أُرِد أوَّلًا إلا ذلك. وهذا لا يُفضي إلى تجويز خُلْف، ولا وقوع خَبَرٍ بخلاف مُخْبَر.\nوأما مَنْ قال بالثاني كالقاضي - فلا يُجَوِّز ذلك، كيف ونسخ الخبر حينئذ يستلزم الكذب قطعًا؛ لأن الخبر إنْ كان صادقًا كان الناسخ الذي رفع بعض مدلوله كاذبًا؛ ضرورةَ أنه صِدْق، وإلا فهو كاذب (^٣).\nوبهذا يظهر لك أنَّ مَنْ وافق القاضي على أنَّ النسخ رَفْعٌ - لا يحسن منه الذهاب إلى تجويز نسخ الأخبار (^٤).\n_________\n(^١) في (ت): \"ولا قائل من النازعين في هذه المسألة به\".\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) انظر: التلخيص ٢/ ٤٧٥، ٤٧٦، نهاية الوصول ٦/ ٢٣١٩.\n(^٤) انظر المسألة السادسة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٨٦، الحاصل ٢/ ٦٥٣، التحصيل ٢/ ١٩، نهاية الوصول ٦/ ٢٣١٧، نهاية السول ٢/ ٥٧٤، السراج الوهاج ٢/ ٦٦١، مناهج العقول ٢/ ١٧٦، وانظر المراجع السابقة المذكورة في ثنايا المسألة.","vol":"5","page":1695},{"text":"الفصل الثاني: الناسخ والمنسوخ","vol":"5","page":1697},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-452>(الفصل الثاني: في الناسخ والمنسوخ</span>.\nوفيه مسائل:<span data-type=\"title\" id=toc-453> الأولى: الأكثر على جواز نسخ الكتاب بالسنة</span>، كنسخ الجَلْد في حق المُحْصن. وبالعكس، كنسخ القبلة. وللشافعي - ﵁ - قولٌ بخلافهما. دليله في الأول: قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ (^١). ورُدَّ: بأن السنة وحيٌ أيضًا وفيهما بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ (^٢). وأجيب في الأول: بأن النسخ بيان. وعُورض الثاني بقوله: ﴿تِبْيَانًا﴾ (^٣».\nالمراد هنا بالناسخ والمنسوخ: ما يُنْسخ وما يُنْسخ به من الأدلة.\nاعلم أنه يجوز نسخ الكتاب به، والسنة المتواترة بها، والآحاد بمثله وبالمتواتر (^٤). وأما نسخ الكتابِ بالسنة، والسنةِ بالكتاب - فالجمهور (^٥) على جوازه، ووقوعه (^٦).\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١٠٦.\n(^٢) سورة النحل: الآية ٤٤.\n(^٣) سورة النحل: الآية ٨٩.\n(^٤) بلا خلاف في هذه الصور. انظر: التلخيص ٢/ ٥١٣، المحصول ١/ ق ٣/ ٤٩٥، نهاية الوصول ٦/ ٢٣٢٥، شرح التنقيح ص ٣١١، إحكام الفصول ص ٤١٧، الإحكام ٣/ ١٤٦، اللمع ص ٥٩، شرح اللمع ١/ ٤٩٨، البحر المحيط ٥/ ٢٥٩، أصول السرخسي ٢/ ٦٧، فواتح الرحموت ٢/ ٧٦، فتح الغفار ٢/ ١٣٣، شرح الكوكب ٣/ ٥٥٩، نزهة الخاطر ٢/ ٢٢٣، التمهيد للكلوذاني ٢/ ٣٦٨.\n(^٥) في (غ): \"فالجماهير\".\n(^٦) أي: جوازه عقلًا، ووقوعه شرعًا. انظر رأي الجمهور في: الإحكام ٣/ ١٥٠، شرح التنقيح ص ٣١٢، التبصرة ص ٢٦٤، اللمع ص ٥٩، المستصفى ٢/ ٩٩ (١/ ١٢٤) =","vol":"5","page":1699},{"text":"وذهب ابن سريج كما نقله القاضي عنه في \"مختصر التقريب\": إلى أنه جائز، ولكن لم يرد (^١).\nوذهب قومٌ إلى امتناعهما (^٢)، ونُقِل عن الشافعي - ﵁ -. وقد استنكر\n_________\n= المحلى على الجمع ٢/ ٧٨، البحر المحيط ٥/ ٢٦١، إحكام الفصول ص ٤١٧، بيان المختصر ٢/ ٥٤٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٠٢، فواتح الرحموت ٢/ ٧٨، أصول السرخسي ٢/ ٦٧، العدة ٣/ ٧٨٨، شرح الكوكب ٣/ ٥٥٩، ٥٦٢، الإحكام لابن حزم ٤/ ٥١٨. تنبيه: جَوّز الحنفية نسخ الكتاب بالخبر المشهور؛ لأنه في قوة المتواتر من حيث ظهور العمل به من غير نكير، وظهوره يغني الناس عن روايته. انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٠٣، فواتح الرحموت ٢/ ٨٠، أصول السرخسي ٢/ ٦٧، مناهج العقول ٢/ ١٨٠.\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٥١٤ - ٥١٥، ٥٢٠، التبصرة ص ٢٦٤.\n(^٢) أما نسخ القرآن بالسنة - فلا يجوز عند الشافعي ﵁ قولًا واحدًا، على ما حكه إمام الحرمين والآمدى وغيرهما، وهو مذهب أكثر أصحابه، وهي الرواية المشهورة عن أحمد ﵁ وعليها أكثر أصحابه. وأما نسخ السنة بالقرآن فللشافعي ﵁ قولان على ما حكاه عامة الأصوليين، وإلى المنع ذهب بعض الشافعية. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٣٤٠، سلاسل الذهب ص ٣٠١، شرح اللمع ١/ ٤٩٩، البرهان ٢/ ١٣٠٧، الإحكام ٣/ ١٥٠، نهاية السول ٢/ ٥٧٩، شرح الكوكب ٣/ ٥٥٩، العدة ٣/ ٧٨٨، المسودة ص ٢٠١. والضمير في قول الشارح: \"إلى امتناعهما\" يعود إلى الجواز العقلي والوقوع الشرعي. وقد اختُلف في نسبة عدم الجواز العقلي إلى الشافعي ﵁، فظاهر كلام الآمدي نسبته إليه، وصَرَّح بذلك ابن السمعاني، وسليم في التقريب، وكذلك أبو الحسين البصري، والباجي. انظر: الإحكام ٣/ ١٥٠، ١٥٣، القواطع ٣/ ١٧٧، المعتمد ١/ ٣٩١، ٣٩٢، إحكام الفصول ص ٤١٧، البحر المحيط ٥/ ٢٦٣، ٢٦٨. قال الزركشي: \"مَنْ نقل عنه (أي: عن الشافعي) المنع الشرعي فقط أعظم وأكثر؛ فيرجَّح على نقل هؤلاء، ولو","vol":"5","page":1700},{"text":"جماعةٌ من العلماء ذلك من الشافعي حتى قال إلْكيا الهراسي: \"هفوات الكبار على أقدارهم، ومَنْ عُدَّ خطؤه عَظُم قدره. وقد (^١) كان عبد الجبار بن أحمد كثيرًا ما ينصر مذهب الشافعي في الأصول والفروع، فلما وصل إلى هذا الموضع - قال: هذا الرجل كبيرٌ، لكن الحقَّ أكبر منه. قال: والمغالون في حب الشافعي لما رأوا هذا القول لا يليق بعلو قدره، كيف وهو الذي مَهَّد هذا الفن، ورَتَّبه، وأولُ مَنْ أخرجه - قالوا: لا بد وأن يكون لهذا القول مِنْ هذا العظيم مَحْمَلٌ، فتعمقوا في محامِل ذكروها\"، وأورد إلكيا بعضَها.\nواعلم أنهم صَعَّبوا أمرًا سهلًا، وبالغوا في غير عظيم. وهذا إنْ صح عن الشافعي - فهو غير مستنكر (^٢)، وإن جَبُن جماعةٌ من الأصحاب عن نصرة (^٣) هذا المذهب - فذلك لا يوجب ضعفه. ولقد صَنَّف شيخ الدنيا الإمام (^٤) الجليل أبو الطيب سهل (^٥) ابن الإمام الكبير المتفق على جلالته\n_________\n= قطعنا النظر عن كلِّ من المقاتلين - لرجعنا إلى قول الشافعي، وقد علمتَ أن كلامه في نفي الجواز الشرعي. . . لا المنع مطلقًا؛ ولهذا احتج بأدلة الشرع\". البحر المحيط ٥/ ٢٦٨.\n(^١) في (غ): \"قال: وقد\".\n(^٢) في (ص): \"منكر\".\n(^٣) في (ت): \"نصر\".\n(^٤) في (ص): \"الشيخ\".\n(^٥) هو سهل بن محمد بن سليمان العِجْليّ، الحنفيّ نسبًا، الشافعي مذهبًا، أبو الطيب الصُّعْلوكيّ. اتفق علماء عصره على إمامته وسيادته، وجمعه بين العلم والعمل، =","vol":"5","page":1701},{"text":"وعظمته وبلوغه (في (^١) العلم المبلغ الذي يتضاءل عنده جماعة من المجتهدين أبي سهل الصُّعْلوكي) (^٢) - كتابًا في نصرة هذا القول، وكذلك الأستاذان الكبيران أبو إسحاق الإسفرايني، وتلميذه أبو منصور البغدادي، وهما من أئمة الأصول والفقه، وكانا من الناصرين لهذا الرأي (^٣).\nقال القاضي في \"مختصر التقريب\": \"واختلف الذين منعوا نسخ القرآن بالسنة: فمنهم مَنْ مَنَعه عقلًا. ومنهم مَنْ قال: يجوز [عقلًا] (^٤)، وإنما امتنع بأدلة السمع\". قال القاضي: \"وهذا هو الظن بالشافعي مع علو مرتبته في هذا الفن\" (^٥).\nومنهم مَنْ نقل للشافعي في كلٍّ مِنْ نسخ الكتاب بالسنة وعكسه قولين، وهو ما أورده في الكتاب. والرافعي حكى في باب الهدنة (^٦) وجهين\n_________\n= والأصالة والرياسة، بل عَدَّه بعض العلماء مجدِّد المائة الرابعة. توفي سنة ٤٠٤ هـ بنَيْسابور. انظر: سير ١٧/ ٢٠٧، الطبقات الكبرى ٤/ ٣٩٣.\n(^١) في (غ): \"من\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) قال الزركشي: \"وكذلك الشيخ أبو إسحاق المروزي في كتابه \"الناسخ\"، حكى نَصَّ الشافعي بالمنع وقَرَّره\". البحر المحيط ٥/ ٢٦٦.\n(^٤) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"سمعًا\". وهو خطأ، والمثبت من \"التلخيص\" ٢/ ٥١٥.\n(^٥) هذا هو الصواب في مذهب الشافعي أنه يمنع نسخ القرآن بالسنة من جهة السمع لا من جهة العقل. كذا قال الصيرفي، والشيرازي، وابن بَرْهان، ورجَّحه الزركشي ﵏ جميعًا. انظر: شرح اللمع ١/ ٥٠١، الوصول إلى الأصول ٢/ ٤٣، البحر المحيط ٥/ ٢٦٧ - ٢٦٨.\n(^٦) في (ص)، و(غ): \"الهدية\". وهو خطأ.","vol":"5","page":1702},{"text":"في نسخ السنة بالقرآن، أو قولين. التردد منه (^١). قال: وينسب المنع إلى أكثر الأصحاب.\nفإذا جَرَى الخلاف في نسخ السنة بالقرآن - فليكن في العكس بطريقٍ أولى.\nوقال إمام الحرمين: \"قَطَع الشافعيُّ جوابَه بأن الكتاب لا يُنسخ بالسنة، وتَرَدَّد قولهُ في نسخ السنة بالكتاب\" (^٢).\nقلت: وهذا هو الذي قاله في \"الرسالة\" فإنه قال في باب (^٣) ابتداء الناسخ والمنسوخ ما نَصُّه: \"لا يَنسخ كتابَ الله إلا كتابُه، كما كان المبتدِي بفرضه - فهو المزيل المثبِت لما شاء منه جل ثناؤه، ولا يكون ذلك لأحدٍ من خلقه (^٤)، انتهى. ثم قال ما نصه: وهكذا سنة رسول الله - ﷺ - لا يَنسخها (إلا سنةُ رسول الله) (^٥) - ﷺ -. ولو أحدث الله لرسوله في أمرٍ سَنَّ فيه (غيرَ ما سَنَّ فيه) (^٦) رسولُ الله - ﷺ - لسنَّ فيما أحدث اللهُ إليه، حتى يُبَيِّن للناس أنَّ له سنةً ناسخة للتي قبلها مما يُخالفها (^٧). انتهى. ومِنْ صَدْر هذا الكلام أخذ مَنْ نقل عن (^٨) الشافعي أن السنة لا تُنسخ بالكتاب،\n_________\n(^١) أي: من الرافعي.\n(^٢) انظر: البرهان ٢/ ١٣٠٧.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: الرسالة ص ١٠٧.\n(^٥) في \"ص\": \"إلا سنة رسوله\". وفي \"الرسالة\": \"إلا سنةٌ لرسول الله\".\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) انظر: الرسالة ص ١٠٨.\n(^٨) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1703},{"text":"وليس بجيد، وإنما مراد الشافعي ﵀ أن النبي - ﷺ - إذا سَنَّ سنةً ثم أنزل الله في كتابه ما يَنسخ ذلك الحكم - فلا بد أن يسنَّ النبيُّ - ﷺ - سنةً أخرى موافقةً للكتاب تَنْسخ سنتَه الأُولى؛ لتقوم الحجة على الناس في كل حكم بالكتاب والسنة جميعًا، ولا تكون سنةٌ منفردةٌ تخالف الكتاب. وقولُه: ولو أحدث الله. إلى آخره - صريحٌ في ذلك (^١).\nوكذلك قوله بعد ذلك ما نصه: فإن قال: هل تُنسخ السنة بالقرآن؟ قيل له: لو نُسخت السنة بالقرآن - كانت للنبي - ﷺ - فيه (^٢) سنة تبيِّن أن سنتَه الأُولى منسوخةٌ بسنته (^٣) الأخيرة، حتى تقوم الحجة على الناس بأنَّ الشيء يُنسخ بمثله (^٤). انتهى.\nوكذلك ما ذكره بعد ذلك في باب جُمَل الفرائض التي أحكم اللهُ فرضَها بكتابه، وبَيَّن كيف فَرَضها على لسان نبيه - ﷺ -، فإنه قال لما تكلم على صلاة ذات الرقاع ما نصه: وفي هذا دلالةٌ على ما وصفتُ قَبْلُ (^٥) في\n_________\n(^١) قال الزركشي ﵀ بعد نقله لكلام الشارح - ﵀ - دون عزوه إليه، كما هي عادته: \"والحاصل أن الشافعي يشترط لوقوع نسخ السنة بالقرآن سنةً معاضدة للكتاب ناسخة، فكأنه يقول: لا تُنسخ السنة إلا بالكتاب والسنة معًا؛ لتقوم الحجة على الناس بالأمرين معًا، ولئلا يتوهم متوهِّم انفراد أحدهما من الآخر، فإن الكل من الله، والأصوليون لم يقفوا على مراد الشافعي في ذلك، وهذا أدب عظيم من الشافعي ﵁\". البحر المحيط ٥/ ٢٧٥، مع اختصار يسير.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) في (ص): \"لسنته\".\n(^٤) انظر: الرسالة ص ١١٠.\n(^٥) في \"الرسالة\": \"قبلَ هذا\".","vol":"5","page":1704},{"text":"هذا الكتاب مِنْ أنَّ رسولَ الله - ﷺ - إذا سَنَّ سنةً فأحدث الله في تلك السنة نسخًا، أو مَخْرجًا إلى سَعَةٍ (^١) منها - سَنَّ رسول الله - ﷺ - (بسنة (^٢) تقوم) (^٣) الحجة على الناس بها، حتى يكونوا إنما صاروا من سنته إلى سنته التي بعدها (^٤). انتهى.\nفهذا هو معنى القول المنسوب إلى الشافعي، أعني: أنه لا بد أن يسن النبي - ﷺ - سنةً أخرى، وأكثر الأصوليين الذين تكلموا في ذلك لم يفهموا مراد الشافعي، وليس مراده إلا ما ذكرناه.\nواستدل المصنف على كون السنة المتواترة تَنسخ الكتابَ: بأن النبي - ﷺ - رجم المحصن مع شمول آية الجلد له.\nوفيه نظر؛ فإن هذا تخصيص لا نسخ. والمصنِّف قد ذكره بعينه مثالًا لتخصيص الكتاب بالسنة.\nثم إنه ثابت بالقرآن الذي نُسخت تلاوته، وهو: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما\" (^٥).\n_________\n(^١) في \"الرسالة\": \"سنة\".\n(^٢) في (ص): \"سنة\". وهو خطأ.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: الرسالة ص ١٨٣ - ١٨٤.\n(^٥) ذكر الجاربردي والأصفهاني والإسنوي والبدخشي اعتراضًا آخر: وهو أن رجم المحصن من قبيل الآحاد، فهو غير المدعى، والأكثر على منع نسخ القرآن بالآحاد.\nانظر: شرح الأصفهاني ١/ ٤٧٩، السراج الوهاج ٢/ ٦٦٥، نهاية السول ٢/ ٥٨١، مناهج العقول ٢/ ١٨٠.","vol":"5","page":1705},{"text":"واستدل على أن الكتاب يَنسخ السنة: بأن التوجه إلى بيت المقدس كان ثابتًا بالسنة، ثم نُسخ بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (^١).\nقوله: \"في ليله في الأول\"، أي: دليل الشافعي في امتناع نسخ الكتاب بالسنة قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^٢)، وقد استدل بها الشافعي ﵀ في \"الرسالة\" (^٣)، ويمكن تقرير وجه الدلالة منها بطريقين:\nأحدهما (^٤): أنه تعالى أسند للإتيان بالخير أو المِثْل إلى نفسه، وإنما يكون ذلك إذا كان الناسخ القرآن.\nوالثاني: أنه تعالى قال: نأت بالخير أو المثل، والسنة ليست خيرًا من الكتاب، ولا مثله؛ فدل على أن (^٥) الإتيان إنما هو بالقرآن.\nوالجواب: أن السنة مُنَزلةٌ؛ إذ هي حاصلة بالوحي؛ لِقَوْله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (^٦)، فالآتي بها هو الله تعالى. وأما الخير أو المِثْل فالمراد\n_________\n(^١) سورة البقرة: الآية ١٤٤.\n(^٢) سورة البقرة: الآية ١٠٦.\n(^٣) انظر: الرسالة ص ١٠٨.\n(^٤) في (ت): \"إحداهما\". وهذا على تأنيث الطريق. قال في المصباح ٢/ ١٨: \"والطريق يذكَّر في لغة نجد، وبه جاء القرآن في قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾، ويؤنَّث في لغة الحجاز\".\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) سورة النجم: الآية ٣.","vol":"5","page":1706},{"text":"بهما: الأكثر ثوابًا أو المساوي.\nودليل الشافعي فيهما، أي: في نسخ الكتاب بالسنة، وفي عكسه - قولُه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ (^١).\nفأما نسخ الكتاب بالسنة: فلأن الآية دلت على أنَّ السنة تبيِّن جميع القرآن، بدليل قوله: ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^٢) (^٣)، فلو كانت ناسخة - كانت رافعةً لا مُبَيِّنةً.\nوأما نسخ السنة بالكتاب: فلأنها تدل على أن السنة تبيِّن القرآن، فلو كان القرآن ناسخًا للسنة (^٤) - لكان القرآن بيانًا للسنة؛ فيلزم كون كلِّ واحدٍ منهما بيانًا للآخر (^٥).\nوأجيب عن الأول: بأن النسخ لا ينافي البيان، بل هو عينه، بناءً على أنه بيانُ انتهاء الحكم.\nوعن الثاني: بقوله تعالى في صفة القرآن: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٦)، فإنه يقتضي أن يكون الكتاب تبيانًا للسنة، كما أن قوله:\n_________\n(^١) سورة النحل: الآية ٤٤.\n(^٢) سورة النحل: الآية ٤٤.\n(^٣) لأن \"ما\" تفيد العموم.\n(^٤) في (ص): \"بالسنة\". وهو خطأ.\n(^٥) وهذا دور، وهو ممتنع. وهذا الاستدلال فيه نظر؛ لأنه في الأول (نسخ الكتاب بالسنة) جعل البيان غير النسخ، وفي الثاني (نسخ السنة بالكتاب) جعل البيان هو النسخ. وسيأتي اعتراض الشارح بمثل هذا.\n(^٦) سورة النحل: الآية ٨٩.","vol":"5","page":1707},{"text":"﴿لِتُبَيِّنَ﴾ يقتضي أن تكون السنة مبيِّنةً للكتاب فلما تعارض مقتضاهما (^١) - لم يكن الاستدلال بواحدٍ منهما أرجحَ مِنْ عكسه.\nوفي الاستدلال بقوله: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾ على المقامين معًا نظرٌ آخر؛ لأن البيان إن لم يكن مغايرًا للنسخ لم يتجه الاستدلال به (^٢) على امتناع نسخ الكتاب بالسنة، وإنْ كان مغايرًا لم يتجه أن يُستدل به على العكس.\nوأورد القرافي على الشافعي: بأن قوله تعالى: ﴿مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ عام في الكتاب وفي السنة؛ وإن السنة مُنَزلة أيضًا، فقد يُفهم من الآية: أنه ﵇ يُبَيِّن (^٣) القرآن والسنة بغيرهما وهو خلاف الإجماع، فما تدل عليه الآية لا يقولون به، وما يقولون به لا تدل عليه الآية (^٤).\nوقد يجاب عن هذا: بأن الآية إنما تدل على أنه يبيِّنهما لا تعرض لها المُبَيَّن به، ولعل المُبَيَّن به منهما أو من أحدهما، على أنَّ هذا كله خلاف ما يقتضيه ظاهر الآية وسياقها، فإن المفهوم منها أن التبيين هو التفهيم لا النسخ (^٥).\n_________\n(^١) وهو كون آية: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ تدل على أن السنة مبيِّنة لجميع القرآن، والآية الأخرى تدل على أن القرآن مبيِّنًا لجميع السنة.\n(^٢) أي: بالبيان في قوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ﴾.\n(^٣) في (غ): \"بين\".\n(^٤) انظر: نفائس الأصول ٦/ ٢٤٨٨.\n(^٥) انظر المسألة الأولى في: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٠٨، الحاصل ٢/ ٦٥٧، التحصيل ٢/ ٢٣، نهاية الوصول ٦/ ٢٣٣٩، نهاية السول ٢/ ٥٧٨، السراج الوهاج ٢/ ٦٦٤، شرح الأصفهاني ١/ ٤٧٧، مناهج العقول ٢/ ١٧٩، الإحكام ٣/ ١٥٠، المستصفى ٢/ ٩٩ =","vol":"5","page":1708},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-454>(الثانية: لا يُنسخ المتواتر بالآحاد</span>؛ لأن القاطع لا يُدفع بالظن. قيل: ﴿لَا أَجِدُ﴾ منسوخٌ بما رُوي أنه ﵇: نهى عن أكل كُلِّ ذي ناب من السباع. قلنا: ﴿لَا أَجِدُ﴾ للحال فلا نسخ).\nنسخ المتواتر بالآحاد جائزٌ في العقل، ونقل قوم الاتفاق على ذلك (^١)، وليس بجيد، فقد حكى القاضي في \"مختصر التقريب\" عن بعضهم أنه ذهب إلى منع ذلك عقلًا (^٢). وعبارة المصنف، وهكذا ابن الحاجب تُوهم أن الخلاف فيه (^٣)، وعلى ذلك جرى الجاربردي في شرحه (^٤)، وهو\n_________\n= (١/ ١٢٤)، التلخيص ٢/ ٥١٤، المحلي على الجمع ٢/ ٧٨، البحر المحيط ٥/ ٢٦١، شرح اللمع ١/ ٤٩٩، المعتمد ١/ ٣٩١، البرهان ٢/ ١٣٠٧، شرح التنقيح ص ٣١٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٧، إحكام الفصول ص ٤١٧، أصول السرخسي ٢/ ٦٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٠٢، فواتح الرحموت ٢/ ٧٨، شرح الكوكب ٣/ ٥٥٩، العدة ٣/ ٧٨٨، التمهيد للكلوذاني ٢/ ٣٦٩، المسودة ص ٢٠١.\n(^١) كالآمدي في الإحكام ٣/ ١٤٦، وصفي الدين الهندي في نهاية الوصول ٦/ ٢٣٢٧، وابن بَرْهان في \"الأوسط\"، على ما نقله عنه الزركشي في البحر المحيط ٥/ ٢٦٠.\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٥٢٥، وكذا حكاه ابن برهان في الوصول إلى الأصول ٢/ ٤٨، والباجي في إحكام الفصول ص ٤٢٦، والمجد بن تيمية ﵀ نقل عن الباجي ذلك في المسودة ص ٢٠٧، وكذا حكاه الغزالي رحمه الله تعالى في المستصفى ٢/ ١٠٥.\n(^٣) عبارة ابن الحاجب رحمه الله تعالى في \"المختصر\": \"لنا: قاطعٌ فلا يقابله المظنون\". انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٥، وانظر: منتهى السول والأمل ص ١٦٠. وواضح أن هذا الاستدلال العقلي يدل على أن الخصم لا يسلِّم به عقلًا، وإلا لو سلَّم به لما احتاج أن يُستدل به عليه. وبمثل مقالة الشارح قال الإسنوي في نهاية السول ٢/ ٥٨٧.\n(^٤) انظر: السراج الوهاج ٢/ ٦٦٩.","vol":"5","page":1709},{"text":"صحيح لما حكاه القاضي، إلا أنه ليس مقصود المصنف غيرَ الجواز السمعي، بدليل أنه اختار أنه لا يُنسخ، ولو نَصَب المسألةَ في الجواز العقلي - لكان الظنُّ به أن لا يختار ذلك (^١).\nوإذا عرفتَ وقوعَ الاختلاف في الجواز - فاعلم أن الجماهير وإن قالوا بالجواز إلا أنهم اختلفوا في الوقوع:\nفذهب الأكثرون إلى أنه غير واقع (^٢).\nوذهب جماعة من أهل الظاهر إلى وقوعه (^٣).\n_________\n(^١) أي: أن لا يختار عدم النسخ؛ إذ الجواز العقلي هو رأي الجماهير، والظن به أنه يختار ما اتفقوا عليه، مع أنه لا يترتب على القول بالجواز العقلي محال. وكذا نقول في حق ابن الحاجب ﵀: إنه لو كان مقصوده الجواز العقلي لما اختار عدم النسخ.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٩٨، نهاية الوصول ٦/ ٢٣٢٧، الإحكام ٣/ ١٤٦، الوصول إلى الأصول ٢/ ٤٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٥، منتهى السول والأمل ص ١٦٠، البحر المحيط ٥/ ٢٦٠.\n(^٣) منهم داود وابن حزم رحمهما الله تعالى، وهي رواية عن أحمد - رحمه الله تعالى - احتجاجًا بقصة أهل قباء، حكاها ابن عقيل، واختارها الطوفي. انظر: مختصر الطوفي ص ٨٢. قال الزركشي: \"وأُلزم الشافعي ذلك أيضًا، فإنه احتج على خبر الواحد بقصة قباء\". البحر المحيط ٥/ ٢٦١. وينبغي أن ينتبه إلى أن هذا الإلزام إنما هو في حق نسخ السنة المتواترة بالآحاد، لا في نسخ القرآن بالآحاد؛ لأن الشافعي ﵁ لا يقول بنسخ القرآن بالسنة المتواترة، كما سبق بيانه، فكيف يقوله بخبر الآحاد! على أن المنسوخ في قصة قباء هي السنة المتواترة؛ لأن التوجه إلى بيت المقدس لم يثبت في القرآن. قال المجد بن تيمية رحمه الله تعالى: \"لا يجوز نسخ السنة المتواترة بالآحاد - إلى أن قال - قلت: ويحتمله (أي: جواز النسخ) عندي قولُ الشافعي، فإنه احتج على خبر الواحد بقصة قباء\". المسودة ص ٢٠٦. وانظر: الإحكام لابن حزم ٤/ ٥١٨، والمراجع السابقة في هامش (٤).","vol":"5","page":1710},{"text":"وفَصَّل القاضي في \"مختصر التقريب\" والغزالي بين زمان الرسول وما بعده، فقالا بوقوعه في زمانه ﵇ دون ما بعده (^١). ونقل القاضي إجماع الأمة على مَنْعه بعد الرسول - ﷺ -، قال: \"وإنما اختلفوا في زمانه\" (^٢). وكذا إمام الحرمين. قال: \"أجمع العلماء على أن الثابت قطعًا لا ينسخه مظنون\" (^٣). ولم يَتَعَرَّض لزمان الرسول - ﷺ - (^٤).\nواعلم أن المراد بالمتواتر في هذه المسألة: القرآن، والسنة المتواترة.\nواستدل المصنف على المنع: بأن التواتر قطعي، وخبر الواحد ظني، والظني لا يعارض القطعي؛ لأن ترجيح الأضعف على الأقوى غير جائز.\nوهذا الدليل إنما يتمشى إِذا كان محل النزاع في الجواز العقلي، كذا\n_________\n(^١) وكذا قال الباجي، والقرطبي، والسرخسي، والخبازي. انظر: التلخيص ٢/ ٥٢٦، المستصفى ٢/ ١٠٦ (١/ ١٢٦)، إحكام الفصول ص ٤٢٦، الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٦٦، المغني في أصول الفقه ص ٢٥٧، أصول السرخسي ٢/ ٧٧.\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٥٢٧ - ٥٢٩، وكذا نقل الإجماع على هذا الغزالي في المستصفى ٢/ ١٠٦، والباجي في إحكام الفصول ص ٤٢٧، والقرطبي في الجامع ٢/ ٦٦.\n(^٣) انظر: البرهان ٢/ ١٣١١.\n(^٤) قال الزركشي - ﵀ - معلِّلًا لهذا التفريق بين زمانه - ﷺ -، وما بعده: \"وكأن الفارق أن الأحكام في زمان الرسول - ﷺ - في معرِض التغيير، وفيما بعده مستقرة؛ فكان لا قطع في زمانه\". البحر المحيط ٥/ ٢٦١. وكذا قال السرخسي ﵀: \"وهذا لأن في حياته كان احتمالُ النسخ والتوقيت قائمًا في كل حكم؛ لأن الوحي كان ينزل حالًا فحالًا، فأما بعده فلا احتمال للنسخ ابتداء\". أصول السرخسي ٢/ ٧٨.","vol":"5","page":1711},{"text":"اعترض به الهندي؛ ظنًا منه وقوع الاتفاق على أنه يجوز عقلًا، فإنه مِمَّنْ نَقَل الاتفاق عليه (^١)، وقد عرفتَ أنه محلُ خلاف. إلا أنا نقول: قد (^٢) قررنا أنَّ المصنف إنما تكلم في الوقوع، ودليله هذا يقتضي عدم الجواز، وهو لا يقول به؛ فيكون منقوضًا (^٣).\nثم إنه ضعيف من أوجه أُخَر:\nأحدها: ما ذكره القاضي في \"مختصر التقريب\": مِنْ أنا نقول: \"وجوبُ العمل بخبر الواحد مقطوع به، فما يضرنا التردد في أصل الحديث (^٤)، مع أنا نعلم قطعًا وجوبَ العمل به. فكأن صاحب الشريعة قال: إذا نَقَل مَنْ ظاهره العدالةُ - فاقطعوا بأن (^٥) حكم الله تعالى عليكم العملُ بظاهره، وصِدْقِ الناقل\" (^٦).\n_________\n(^١) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٣٢٧.\n(^٢) سقطت من (غ).\n(^٣) أي: قد قررنا أنَّ المصنف إنما تكلم في الوقوع، ودليله هذا الذي أوردناه يقتضي عدم الجواز العقلي؛ إذ هو استدلال بالعقل لا بالسمع، والمصنف لا يقول بعدم الجواز العقلي؛ فيكون دليله بخلاف مُدَّعاه وهو الجواز العقلي. ثم إن هذا الدليل العقلي لا علاقة له بعدم الوقوع الذي يريد إثباته. فاستعماله هذا الدليل خطأ من جهتين: مِنْ جهة إفادته لعدم الجواز العقلي، وهو ما لا يقول به المصنف. ومن جهة أنه لا يفيد عدم الوقوع الذي يريد إثباته به؛ لأن هذا إنما تفيده الأدلة السمعية لا العقلية.\n(^٤) أي: أن القاعدة الأصولية المقطوع بها هي وجوب العمل بخبر الواحد، ولا يضر هذا القطعَ كونُ خبر الواحد المعيَّن غير مقطوع به؛ لأن القطع بناءً على القاعدة لا على الجزئية.\n(^٥) في (ت): \"أن\".\n(^٦) انظر: التلخيص ٢/ ٥٢٥ - ٥٢٦.","vol":"5","page":1712},{"text":"وثانيها: أنا لا نسلم أن المقطوع لا يُدْفع بالمظنون، ألا ترى أنَّ انتفاء الأحكام قبل ورود الشرائع مقطوعٌ به عندنا، وثبوت الحظر أو الإباحة مقطوعٌ به عند آخرين (^١)، ثم إذا نُقِل خبرٌ عن الرسول - ﷺ - آحادًا - يَثبت العملُ به ويَرتفع ما تقرر قبل ورود الشرائع (^٢). ذكره القاضي أيضًا (^٣).\nوثالثها: أَنَّا مهما جَوَّزنا نسخ النص بخبر الواحد - فلا نسلم مع ورود خبر الواحد كونَ النصِّ مقطوعًا به، فإنا لو قلنا ذلك لَزِمنا أن نقطع بكذب الراوي، وهذا ما (^٤) لا سبيل إليه، ذكره القاضي أيضًا (^٥).\nومراده: أن المقطوع به إنما هو أصل الحكم لا دوامه، (والنسخ لم يرد على أصل الحكم، وإنما قَطَع دوامَه) (^٦) (^٧).\nومنهم مَنْ ضَعَّف هذا الدليل بوجهين آخَرَيْن:\nأحدهما: مَنْع لزومِ ترجيح الأضعف على الأقوى (^٨)، وسنده: أن الكتاب والسنة المتواترة وإنْ كانا مقطوعي المتن، لكنهما مظنونا الدلالة.\n_________\n(^١) وهم المعتزلة، كما سبق في مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع.\n(^٢) أي: من نفي الأحكام، أو ثبوت الحظر أو الإباحة.\n(^٣) انظر: التلخيص ٢/ ٥٢٦.\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"مما\".\n(^٥) انظر: التلخيص ٢/ ٥٢٦.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) يعني: فالتعارض إنما هو بين خبر الواحد وبين دوام الحكم، وكلاهما ظنيان، فجاز رفع الدوام بخبر الواحد.\n(^٨) يعني: منع كون نسخ خبر الواحد للمتواتر مِنْ قبيل ترجيح الأضعف على الأقوى.","vol":"5","page":1713},{"text":"وخبر الواحد بالعكس؛ لكونه خاصًا، فتعادلا (^١). بل خبر الواحد الخاص أقوى دلالةً على مدلوله؛ لأن تطرق الضعف إلى مدلول خبر الواحد الخاص إنما هو من احتمال الكذب والغلط، وتطرق الضعف إلى مدلول الكتاب العام إنما هو من جهة تخصيصه، وإرادةِ بعض مدلولاته دون بعض. ومعلومٌ أنَّ تطرقَ التخصيص إلى العام أكثرُ مِنْ تطرق الكذب والغلط إلى العدل المتحفظ.\nوضَعَّفه الشيخ صفي الدين الهندي: بأنه ليس من شرط المنسوخ من الكتاب والسنة المتواترة أن يكون عامًا، وناسخه من خبر الواحد خاصًا، حتى يتأتى ما ذُكر، بل قد يكونا عامَّيْن، أو خاصَّيْن، والمنسوخ خاصًا والناسخ عامًا، على رأي مَنْ يرى أن العام المتأخِر ينسخ الخاص المتقدم. فإذا (^٢) لم يتأت ما ذُكِر من المنع - لزم ترجيح الأضعف على الأقوى، فلم يجز النسخ في هذه الصور. وإذا لم يجز في هذه الصور - لم يجز في تلك الصورة؛ لعدم القائل بالفصل (^٣). (ولا يُعَارَض بِمِثْله) (^٤)، بأن\n_________\n(^١) هذا الكلام صحيح إذا كان خبر الواحد خاصًا، أما إذا كان عامًا فليس بصحيح؛ ولذلك قال الشارح بعد هذا: \"بل خبر الواحد الخاص\". وسيأتي تضعيف الهندي لهذا التضعيف؛ لهذا السبب.\n(^٢) في (غ): \"وإذا\".\n(^٣) يعني: إذا لم يجز نسخ المتواتر بالآحاد في تلك الصور الثلاث: عامين، أو خاصين، أو المنسوخ خاصًا والناسخ عامًا - لم يجز نسخ المتواتر العام بخبر الواحد الخاص؛ لعدم القائل بالفصل بين هذه الصورة وباقي الصور.\n(^٤) في (ص): \"ولا تعارض بمثله\". وهو خطأ؛ لأن الضمير يعود إلى الإلحاق المفهوم من السياق. والمعنى: أن إلحاق الصورة بالصور - لا يُعارض بمثله، أي: بإلحاقٍ معاكسٍ بأن تلحق الصور بالصورة.","vol":"5","page":1714},{"text":"يقال: إذا جاز النسخ في تلك الصورة؛ لتساويهما (^١) - جاز في هذه الصور (^٢)؛ لعدم القائل بالفصل؛ لأن (^٣) إلحاق الفرد بالأكثر أولى؛ ولأن تحقق المفسدة في صور عديدةٍ أشدُّ محذورًا من تحققها في صورة واحدة (^٤).\nوثانيهما: النقض بجواز تخصيصهما به.\nولقائل أن يقول: التخصيص أهون؛ فلا يلزم من جوازه جواز النسخ. وأيضًا فالتخصيص لا يلزم منه ترجيح الأضعف على الأقوى؛ لما ذُكر من المعنى، فلا يلزم النقض.\nواستدل الخصم بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ (^٥) الآية، فإنه يقتضى حَصْر التحريم فيما ذُكِرِ في الآية (^٦)، وقد نُسخ ذلك بما روت الأئمة الستة ﵏:\n_________\n(^١) أي: لتساوي خبر الواحد مع المتواتر في القوة، كما سبق بيانه.\n(^٢) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"الصورة\". وهو خطأ. والمثبت موافق لما في نهاية الوصول ٦/ ٢٣٣٢. والمحقِّق \"للنهاية\" أثبت في الهامش أن نسخة أخرى فيها: \"الصورة\". وهو خطأ أيضًا، وكان الواجب عليه أن يشير إلى الخطأ، لا أن يثبته قرقًا صحيحًا.\n(^٣) قوله: \"لأن\" وما بعده - تعليل لقوله: \"ولا يُعَارض بمثله\".\n(^٤) يعني: لو فرضنا أن الصواب هو عدم إلحاق الطرفين - فإن المفسدةَ المترتبة على إلحاق الصور بالصورة: أشدُ محذورًا من تحقق المفسدة في صورة واحدة إذا قلنا بإلحاقها بالصور؛ فلما كانت مفسدةُ إلحاق الصورة بالصور أقلَّ - ترجح إلحاقها بالصور\".\n(^٥) سورة الأنعام: الآية ١٤٥.\n(^٦) وهي الأربعة المذكورة: الميتة، والدم المسفوح: وهو الجاري الذي يسيل، بخلاف غيره كالكبد والطحال. قال قتادة: إنما حُرِّم المسفوح، فأما اللحم إذا خالطه دم =","vol":"5","page":1715},{"text":"من نهيه - ﷺ - عن أكل كُلِّ ذي نابٍ من السباع (^١). فقد نُسخ الكتاب بهذا الخبر الظني.\nوأجاب في الكتاب: بأن الآية إنما دلت على أن الرسول - ﷺ - لم يجد في ذلك الوقت من المحرَّم إلا الأربعة المذكورة في الآية، ولهذا قال: ﴿أُوحِيَ﴾ بلفظ الماضي، وبقي ما عداها على أصل الحل، ونهيه - ﷺ - عن أكل كُلِّ ذي ناب - وجد بعد ذلك، فلا نسخ؛ لأن الآية دلت على الحال، ولم تتعرض للاستقبال، والحديث إنما دلَّ في الاستقبال (^٢). ولو قُدِّر تناول الآية للاستقبال - فالحديث مخصِّص لعموم: ليس غير هذه الأربعة بمُحَرَّم. وهو عموم المفهوم مِنْ حَصْر التحريم في\n_________\n= فلا بأس به. ولحم الخنزير، والمذبوح على غير اسم الله تعالى. انظر: زاد المسير ٣/ ١٣٩، الجاء لأحكام القرآن ٧/ ١٢٣، تفسير ابن كثير ٢/ ١٨٣، تفسير الجلالين ص ١٢٠.\n(^١) فيه حديث أبي ثعلبة الخشني جرثوم بن ناشر: نهى رسول الله - ﷺ - عن أكل كل ذي ناب من السباع. أخرجه البخاري ٥/ ٢١٠٣، في كتاب الذبائح والصيد، باب أكل كل ذي ناب من السباع، رقم الحديث ٥٢١٠. ومسلم ٣/ ١٥٣٣ - ١٥٣٤، في الصيد والذبائح، باب تحريم أكل كل ذي نابٍ من السباع، حديث رقم ١٩٣٢ - ١٩٣٤. وأبو داود ٤/ ١٥٩، في الأطعمة، باب النهي عن أكل السباع، حديث رقم ٣٨٠٢. والترمذي ٤/ ٦١، في الأطعمة، باب ما جاء في كراهية كل ذي ناب وذي مِخْلَب، حديث رقم ١٤٧٧. والنسائي ٧/ ٢٠٠، في الصيد والذبائح، باب تحريم أكل السباع، حديث رقم ٤٣٢٥. وابن ماجه ٢/ ١٠٧٧، في الصيد، باب أكل كل ذي ناب من السباع، حديث رقم ٣٢٣٢.\n(^٢) أي: الحديث ورد ودلَّ على حكمه في الاستقبال، أي: بعد زمن ورود الآية الدالة على حكم الحال، لا حكم الاستقبال.","vol":"5","page":1716},{"text":"الأربعة؛ بناءً على أنَّ للمفهوم عمومًا، وحينئذ فهو مخصِّص لا ناسخ (^١) (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-455>(الثالثة: الإجماع لا يُنسخ</span>؛ لأن النصَّ يتقدمه، ولا ينعقد الإجماع بخلافه، ولا القياس بخلاف الإجماع. ولا (ينسخ به) (^٣): أما النص والإجماع فظاهران، وأما القياس فلزواله بزوال شرطه).\nهذه المسألة تشتمل على بحثين:\nالأول: في أن الحكم الثابت بالإجماع لا يُنسخ، وأن الحكم الثابت بإجماعٍ أو غيره من الأدلة لا ينسخ بالإجماع: هذا هو رأي الجماهير، أعني: أن الإجماع لا يُنسخ، ولا يُنسخ به (^٤). وبه جَزَم في الكتاب.\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٧٠.\n(^٢) انظر المسألة الثانية في: المحصول ١/ ق ٣/ ٤٩٨، الحاصل ٢/ ٦٥٥، التحصيل ٢/ ٢١، نهاية الوصول ٦/ ٢٣٢٧، نهاية السول ٢/ ٥٨٦، السراج الوهاج ٢/ ٦٦٩، الإحكام ٣/ ١٤٦، المعتمد ١/ ٣٩٨، البرهان ٢/ ١٣١١، المستصفى ٢/ ١٠٥ (١/ ١٢٦)، شرح اللمع ١/ ٥٠١، ٥٠٧، المحلي على الجمع ٢/ ٧٨، البحر المحيط ٥/ ٢٥٩، شرح التنقيح ص ٣١١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٥، إحكام الفصول ص ٤٢٦، تيسير التحرير ٣/ ٢٠١، فواتح الرحموت ٢/ ٧٦، شرح الكوكب ٣/ ٥٦١، التمهيد للكلوذاني ٢/ ٣٨٢، المسودة ص ٢٠٦.\n(^٣) في (ص): \"به يُنسخ\".\n(^٤) أما أن الإجماع لا يُنسخ فقد خالف فيه البعض، ولم أقف على تسميتهم. وأما أن الإجماع لا يُنسخ به فقد خالف فيه بعض المعتزلة وعيسى بن أبان. انظر: الإحكام ٣/ ١٦٠، المحصول ١/ ق ٣/ ٥٣٤، الوصول إلى الأصول ٢/ ٥١، أصول السرخسي ٢/ ٦٦، فواتح الرحموت ٢/ ٨١، تيسير التحرير ٣/ ٢٠٨.","vol":"5","page":1717},{"text":"ودليله: أنه لو انتسخ - لكان انتساخه إما بالكتاب، أو بالسنة، أو الإجماع، أو القياس. والكل باطل.\nأما بطلانه بالأوَّلَيْن: فلأن نص الكتاب والسنة متقدم على الإجماع (^١)؛ لأن جميع النصوص متلقاة من النبي - ﷺ -، ولا ينعقد الإجماع في زمنه؛ لأنهم إن أجمعوا دونه - لم يصح. وإن كان معهم، أو علم بهم وسكت - فالعبرة بقوله، أو تقريره.\nوأما بالإجماع: فلاستحالة انعقاده على خلاف الإجماع؛ للزوم خطأ أحدِ الإجماعَيْن. وإلى هذا أشار بقوله: \"ولا ينعقد الإجماع بخلافه\".\nوأما بالقياس: فلأن شرط صحته أن لا يخالف الإجماع، فإذا قام القياس على خلاف الإجماع - لم يكن معتبرًا لزوال شرطه.\nوأما أن الإجماع لا يُنسخ به: فلأن المنسوخ به إما النص، أو الإجماع، أو القياس. والأولان باطلان؛ لما عرفت (^٢). وكذا القياس؛ لزواله بزوال شرطه، كما عرفت أيضًا (^٣).\nواعلم أنَّ ما ذكرناه مِنْ أنَّ الإجماع لا ينعقد في زمن النبي - ﷺ - هو ما\n_________\n(^١) أي: متقدم في زمن الورود، فكيف يَنسخ المتقدمُ المتأخِر! وما دام النصُّ متقدمًا فلا يُتصور إجماعهم على خلافه؛ لأنه يكون خطأ، والأمة معصومة من الخطأ. انظر: الإحكام ٣/ ١٦٠.\n(^٢) أي: لكون الإجماع لا يجوز أن يخالف النص، ولا أن يخالف إجماعًا آخر للزوم خطأ أحدهما، وهو باطل.\n(^٣) فالقياس لا يكون منسوخًا بالإجماع؛ لأن شرط القياس عدم مخالفة الإجماع.","vol":"5","page":1718},{"text":"ذكره الأصوليون على طبقاتهم، القاضي في \"مختصر التقريب\" فمن بعده (^١)\nولقائل أن يقول: إذا كانت الأمة لا تجتمع على خطأ انعقد الإجماع بقولها، ولا سيما إذا جَوَّزنا الاجتهاد في زمانه، وهو الصحيح. فلعلهم اجتهدوا في مسألة وأجمعوا عليها، ولم يعلم هو - ﷺ - بهم (^٢). والإمام وإن\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٥٣٢، اللمع ص ٦٠، شرح اللمع ١/ ٤٩٠، الوصول إلى الأصول ٢/ ٥١، المحصول ١/ ق ٣/ ٥٣١، نهاية الوصول ٦/ ٢٣٦٦، المعتمد ١/ ٤٠٠، القواطع ٣/ ٩٠ - ٩١، البحر المحيط ٥/ ٢٨٤، العدة ٣/ ٨٢٦، التمهيد للكلوذاني ٢/ ٣٨٨، شرح الكوكب ٣/ ٥٧٠، أصول السرخسي ٢/ ٦٦، تيسير التحرير ٣/ ٢٠٧، فتح الغفار ٢/ ١٣٣. لكن نقل القرافي - رحمه الله تعالى - عن ابن بَرْهان في \"الأوسط\" بأن الإجماع ينعقد في زمانه ﵊. ونقل أيضًا عن أبي إسحاق جواز انعقاد الإجماع في زمانه - ﷺ -. ونقل الزركشي عن القرافي هذين النقلين. انظر: شرح التنقيح ص ٣١٥، البحر المحيط ٥/ ٢٨٥. وفي نفائس الأصول (٦/ ٢٥٠٣) نقل القرافي عن الشيخ أبي إسحاق عدم جواز انعقاد الإجماع في زمانه ﵊. وهذا النقل هو الصحيح الموافق لما في \"اللمع\" وشرحه، وأما ما ورد في \"شرح التنقيح\" فإما سهو من القرافي ﵀، أو من الناسخ. والعجيب كيف يفوت مِثْلُ هذا الزركشيَّ ﵀، وهو مَنْ هو في سعة الاطلاع ومراجعة المصادر الكثيرة في المسألة الواحدة، والخطأ لا يسلم منه أحد. ونقل أيضًا القرافي في \"نفائس الأصول\" عن ابن برهان بأن الإجماع لا ينعقد في زمانه ﵌، فإن قصد ما في \"الوجيز\" - فهو صحيح، وقد سبق الإحالة إليه في \"الوصول إلى الأصول\" في المراجع السابقة، وهو كتاب \"الوجيز\" لابن برهان، وإن قصد \"الأوسط\" فما نقله في \"شرح التنقيح\" بخلافه، فالله أعلم بالصواب.\n(^٢) وكذا اعترض بمثل هذا الاعتراض الزركشي في البحر ٥/ ٢٨٥. قال القرافي في شرح التنقيح ص ٣١٤: وجود النبي - ﷺ - لا يمنع وجود الإجماع؛ لأنه عليه الصلاة =","vol":"5","page":1719},{"text":"جَرَى هنا على ما ذكره الأصوليون من أن (^١) الإجماع لا ينعقد في زمانه - ﷺ - فقد ذكر ما يناقضه (^٢) بعد ذلك (^٣).\nقال: (والقياس إنما يُنسخ بقياسٍ أَجْلَى منه).\nالبحث الثاني: في نسخ القياس، والنسخ به: وقد اختلفوا في ذلك، والذي ذهب إليه المصنف أن القياس إنما يُنسخ بقياسٍ أجلى من القياس الأول وأظهر (^٤)، ويُعْرف قوة أحد القياسَيْن بما سيأتي إن شاء الله في ترجيح الأقيسة. وإنما حَصَر الذي يَنسخ في القياس الأجلى دون غيره؛ لأن\n_________\n= والسلام شهد لأمته بالعصمة، فقال: \"لا تجتمع أمتي على الخطأ\"، وصفة المضاف غير المضاف إليه. وهو ﵊ لو شهد لواحد في زمانه ﵊ بالعصمة - لم يتوقف ذاك على أن يكون بعده ﵊، فالأمة أولى. اهـ. وانظر: نفائس الأصول ٦/ ٢٥٠٠.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (غ): \"ينقضه\".\n(^٣) وهو قوله في كون القياس يُنسخ: \"فإن كان (أي: نسخ القياس) حالَ حياته - فلا يمتنع رفعُه بالنص، أو بالإجماع، أو بالقياس\". المحصول ١/ ق ٣/ ٥٣٦. وقد ذكر هذه المناقضة القرافي في شرح التنقيح ص ٣١٤، ونفائس الأصول ٦/ ٢٥٠٠.\n(^٤) قال الإسنوي رحمه الله تعالى ممتثِّلًا لهذا القول: \". . كما إذا نَصَّ الشارع مثلًا على تحريم بيع البر بالبر متفاضلًا، فعدَّيناه إلى السفرجل مثلًا لمعنى، ثم نَصَّ أيضًا على إباحة التفاضل في الموز، وكان مشتملًا على معنى أقوى من المعنى الأول، يقتضي إلحاق السفرجل به - فإن القياس الثاني يكون ناسخًا للقياس الأول\". نهاية السول ٢/ ٥٩٢. وقال أيضًا عن مذهب المصنف هذا: \"والذي قاله هو الصواب\". نهاية السول ٢/ ٥٩٤.","vol":"5","page":1720},{"text":"غيره: إما نَصٌّ، أو إجماع. ويمتنع النسخ بهما؛ لزوال شرطه حينئذ، كما تقدم.\nوإما قياسٌ مساوٍ للأول، ويمتنع، للترجيح من غير مرجِّح.\nوإما قياسٌ أخفى، ويمتنع؛ لتقديم المرجوح على الراجح. فقد تحرر من كلام المصنف هذا: أنَّ القياس قد يكون منسوخًا، وقد يكون ناسخًا؛ لأن في نسخ القياس بالقياس ذلك (^١).\nومنهم مَنْ مَنَعَ نسخه والنسخ به مطلقًا (^٢).\nومنهم مَنْ جَوَّز نسخَه بسائر الأدلة، ونَسْخَ جميع الأدلة به (^٣) (^٤).\nوقال الإمام: \"نسخ القياس إما أن يكون في زمان حياة الرسول - ﷺ -، أو بعد وفاته:\nفإن كان حال حياته: فلا يمتنع رفعه بالنص، والإجماع، والقياس.\n_________\n(^١) أي: القول بنسخ القياس بالقياس - يفيد أنَّ القياس قد يكون منسوخًا، وقد يكون ناسخًا. لكنه لا يُنسخ به - كما قال المصنف - إلا قياس آخر أخفى منه، كما لا يَنسخه إلا قياسٌ أجلى. انظر: نهاية السول ٢/ ٥٩٣.\n(^٢) أما منع نسخ القياس - فهو قول بعض الحنابلة، وعبد الجبار في قول. انظر: شرح الكوكب ٣/ ٥٧١، المسودة ص ٢٢٥، العدة ٣/ ٨٢٧، المعتمد ١/ ٤٠٢، الإحكام ٣/ ١٦٣. وأما منع النسخ به - فهو مذهب الجمهور، انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٨٩، المستصفى ٢/ ١٠٩ (١/ ١٢٦)، إحكام الفصول ص ٤٢٩، كشف الأسرار ٣/ ١٧٤، أصول السرخسي ٢/ ٦٦، شرح الكوكب ٣/ ٥٧٢.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: الإحكام ٣/ ١٦٣، ١٦٤، نهاية الوصول ٦/ ٢٣٧٦، البحر المحيط ٥/ ٢٩٠.","vol":"5","page":1721},{"text":"أما بالنص: فبأن ينص الرسول ﵇ في الفرع على خلاف الحكم الذي يقتضيه القياس، بعد استقرار التعبد بالقياس.\nوأما بالإجماع: فلأنه إذا اختلفت الأمة على قولين قياسًا، ثم أجمعوا على أحد القولين - كان إجماعهم على أحد القولين رافعًا لحكم القياس الذي اقتضى القول.\nوأما بالقياس: فبأن ينص في صورةٍ بخلاف ذلك الحكم، ويجعله معلَّلًا بعلةٍ موجودة في ذلك الفرع، وتكون (^١) أمارة عِلِّيَّتها أقوى من أمارة علية الوصف للحكم الأول في الأصل الأول، ويكون كل ذلك بعد التعبد بالقياس الأول.\nوأما بعد وفاة الرسول - ﷺ -: فإنه يجوز نسخه في المعنى، وإن كان ذلك لا يسمى نسخًا في اللفظ. أما بالنص: إذا (^٢) اجتهد إنسان في طلب النصوص، ثم لم يظفر بشيء أصلًا، ثم اجتهد فحرَّم (^٣) شيئًا بالقياس، ثم ظفر بعد ذلك بنصٍّ أو إجماع أو قياس أقوى من القياس الأول - على خلافه.\nفإن قلنا: كل مجتهد مصيب - كان هذا الوِجْدان ناسخًا (لحكم (^٤) الأول من القياس) (^٥)، لكنه لا يُسمى ناسخًا؛ لأن القياس إنما يكون\n_________\n(^١) في (ص): \"ويكون\".\n(^٢) عبارة المحصول ١/ ق ٣/ ٥٣٨: \"فكما إذا\".\n(^٣) في (ص): \"فخرج\". وهو خطأ.\n(^٤) في (غ): \"للحكم\".\n(^٥) عبارة المحصول ١/ ق ٣/ ٥٣٨: \"لحكم القياس الأول\".","vol":"5","page":1722},{"text":"معمولًا به بشرط أن لا يعارضه شيء من ذلك (^١).\nوإنْ (^٢) قلنا: المصيب واحدٌ - لم يكن القياس الأول متعبَّدًا به (^٣)، فلم يكن النص الذي وجدَه آخِرًا ناسخًا لذلك القياس.\nوأما كون القياس ناسخًا - فهو إما أن يَنسخ كتابًا، أو سنة، أو إجماعًا، أو قياسًا. والأقسام الثلاثة الأُول باطلة بالإجماع. وأما الرابع وهو كونه ناسخًا لقياسٍ آخر - فقد تقدم الكلام فيه\" (^٤). هذا كلام الإمام.\nقال صاحب \"التحصيل\": ولقائل أن يقول: في هذه الأقسام نظر، فليتأمله الناظر (^٥).\nوما ذكره صاحب \"التحصيل\" صحيح، فإن النظر فيه مِنْ أوجه:\nأحدها: قولُه: يجوز نسخ القياس حال حياة النبي - ﷺ - بالإجماع - يناقض قولَه قبل ذلك: إن الإجماع لا ينعقد في زمنه - ﷺ -، وأنه يمتنع نسخ (^٦) القياس به أيضًا.\n_________\n(^١) يعني: فالتعارض الذي هو شرط النسخ غير متحقِّق.\n(^٢) في (غ): \"فإن\".\n(^٣) في (ص): \"معتدًا به\". والمعنى وإن كان صحيحًا، لكنه مخالف لما في \"المحصول\". وفي التحصيل ٢/ ٢٧: \"معتدًا به\".\n(^٤) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٣٦ - ٥٣٨. وقد ذهب إلى أن القياس يُنسخ على عهد النبي - ﷺ - دون ما بعده ابن برهان، وأبو الخطاب، وابن عقيل، وأبو الحسين البصري، ﵏ جميعًا. انظر: الوصول إلى الأصول ٢/ ٥٤، التمهيد ٢/ ٣٩٠، المعتمد ١/ ٤٠٢، شرح الكوكب ٣/ ٥٧١.\n(^٥) انظر: التحصيل ٢/ ٢٨. ونحوه قال صاحب الحاصل ٢/ ٦٦٤.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1723},{"text":"والثاني: بناءُ ذلك على أن كل مجتهدٍ مصيب - غير سديد؛ فإن ذلك النص الذي يطلع عليه المجتهد بعد ذلك لا بد وأن يكون كان موجودًا في زمن النبي - ﷺ -؛ ضرورةَ أن النصوص لا تُنْشأ بعده، ولكنه كان قد خفي عليه. فإذا بان له يتبيَّن إذ ذاك أن حكم القياس مرتفعٌ مِنْ أصله، وليس هو من النسخ في شيء لا في اللفظ ولا في المعنى، سواء قيل: كل مجتهد مصيب، أم لم يُقل بذلك (^١).\n_________\n(^١) يعني: فلا علاقة لنسخ القياس بعد وفاة النبيﷺ - بالقول بأن كل مجتهد مصيب. وهذا الاعتراض فيه نظر عندي؛ إذ من الظاهر أن كلام الإمام - رحمه الله تعالى - إنما يقصد به أن الحكم يرتفع عن المجتهد بخصوص نفسه، لا بالنظر إلى غيره من المجتهدين ممن علم بالنص فإن حكم القياس مرتفع عنهم، لكن المجتهد مأمورٌ باتباع اجتهاده شرعًا، فلما تبين له نص مخالف لقياسه - تغيَّر حكم الشرع في حقِّه، فأصبح الحكم الأول في حقه منسوخًا، وهذا لا ينافي كون الحكم مرتفعًا في حق غيره أصلًا؛ لأن هذا الرفع الطارئ إنما هو بالنظر إلى خصوص حكم المجتهد. وأما بناء الإمام للنسخ بعد وفاته ﵌ على القول بأن كل مجتهد مصيب - فإنما هو بناءً على أنَّ من يقول بهذا القول يَعُدُّ أن المجتهد متعبَّد بقياسه الأول، مأمور به في الواقع ونفس الأمر، فقياسه بناءً على ذلك صحيح قطعًا، فتحوله مِنْ حكم هذا القياس إلى حكم النص المخالف للقياس إنما هو من قبيل التحول مِنَ المنسوخ إلى الناسخ. وإنما لم يُسم هذا التحول في حق المجتهد نسخًا لأن شرط النسخ الاصطلاحي غير متوفر، وهو وجود التعارض؛ لأن القياس لا يعارِض النص، بل يَبْطل به، فلما كان رفع حكم القياس لا عن تعارض - لم يكن نسخًا اصطلاحيًا، وإن كان رفعًا لغويًا. وهذا بخلاف مَنْ يقول: بأنَّ المصيب واحد، فإنه لا يعد المخطئ متعبَّدًا بقياسه في الواقع ونفس الأمر، وإن كان معذورًا في فعله، ومأجورًا في اجتهاده. فقياسه بناءً على هذا القول خطأ، وتحوله عنه تحول من خطأ إلى صواب، فليس هناك رفع للحكم بالنظر إلى الواقع ونفس الأمر، بخلاف مَنْ يقول بتصويب كل مجتهد، فهو مصيب في الواقع ونفس الأمر في كلا الحكمين.","vol":"5","page":1724},{"text":"والثالث: أنَّ بناءً ذلك على أنَّ (^١) كل مجتهدٍ مصيب إنْ صح - لم يختص بما بعد وفاة الرسول - ﷺ - (^٢).\nوالرابع: أنه نَقَل الإجماع على بطلان الأقسام الثلاثة الأُول، وليس بجيد؛ لما نقله جماعةٌ منهنْ تجويز نسخ الكتاب والسنة بالقياس عن طائفة.\nوالخامس: في قوله: \"إنْ قلنا: المصيب واحد - لم يكن القياس الأول مُتَعَبَّدًا به\". قلنا: لا نسلِّم؛ فإنَّ المصيب وإن اتحد - فقد انعقد الإجماع على أنه يجب على كلِّ مجتهدٍ أن يعمل هو ومَنْ قلده بما أداه إليه اجتهاده من قياسٍ أو غيره، وإنْ كان قد أخطأ الحكم المقرر (^٣) في نفس الأمر، كما نقول فيمن اجتهد ثم أخطأ الكعبة: يجب أن يصلي إلى الجهة التي استقبلها وإنْ كانت خطأ في نفس الأمر (^٤). واعلم أنَّ الإمام لم\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) لجواز الاجتهاد في عهده ﵌.\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"المقدر\". أي: المقدر عند الله تعالى.\n(^٤) الإمام رحمه الله تعالى يقصد أنه غير متعبَّد بالقياس في نفس الأمر والواقع، لا بالنظر إلى كون المكلف متعبَّدًا بمقتضى اجتهاده، أصاب أم أخطأ. وبالجملة فاعتراض الشارح اعتراض صحيح، إلا أنَّ رفع الحكم عن المجتهد بالنظر إلى الواقع وحقيقة الأمر - على قول المصوِّبة - أقرب إلى حقيقة النسخ مِنْ رفع الحكم بالنظر إلى التكليف بمقتضى الاجتهاد؛ لأن المجتهد - على قول المصوِّبة - لم ينتقل من الخطأ إلى الصواب مطلقًا، أي: لا بالنظر إلى التكليف بمقتضى الاجتهاد، ولا بالنظر إلى الواقع. وعلى قول المخطِّئة فإن المجتهد انتقل من الصواب إلى الصواب باعتبار تكليفه بمقتضى اجتهاده، ومن الخطأ إلى الصواب باعتبار الواقع وحقيقة الأمر، وهذا منافٍ لحقيقة النسخ من هذه الجهة.","vol":"5","page":1725},{"text":"يخترع هذا التفصيل، بل سبقه إليه أبو الحسين في \"المعتمد\" (^١).\nوقال الآمدي: \"العلة الجامعة في القياس إن كانت منصوصة فهي في معنى النص، ويمكن نسخه بنصٍّ، أو قياس في معناه. ولو (^٢) ذهب إليه ذاهب بعد النبي - ﷺ -؛ لعدم اطلاعه على ناسخه بعد البحث، فإنه وإن وجب عليه اتباع ما ظنَّه - فرفع (^٣) حكمه في حقه بعد اطلاعه على الناسخ لا يكون نسخًا متجددًا، بل يتبيَّن أنه كان منسوخًا.\nوإن كانت مستنبطةً فحكمها في حقه غير ثابت بالخطاب، فرَفْعه في حقه عند الظفر بدليلٍ يعارضه ويترجح عليه - لا يكون نسخًا؛ لكونه ليس بخطاب؛ لأن النسخ هو الخطاب\" (^٤).\nو(^٥) أما النسخ بالقياس: فاختار فيه أنه يصح إن كانت العلة منصوصة، وإلا فإن كان القياس قطعيًا، كقياس الأَمَةِ على العبد في السِّراية - فإنه وإن كان مقدمًا لكن ليس نسخًا، لكونه ليس بخطاب، والنسخ عنده هو الخطاب (^٦). وإن كان ظنيًا بأن تكون\n_________\n(^١) انظر: المعتمد ١/ ٤٠٢، وسبقه أيضًا ابن الصباغ، كما قال الزركشي - ﵀ - في البحر ٥/ ٢٩٤.\n(^٢) في (ت)، و(ص): \"لو\". وإثبات الواو من الإحكام ٣/ ١٦٤.\n(^٣) في (ص): \"فوقع\". وهو تحريف.\n(^٤) انظر: الإحكام ٣/ ١٦٣ - ١٦٤، والشارح قد تصرف في النقل واختصر.\n(^٥) سقطت الواو من (ص).\n(^٦) المعنى: أنه وإن لم تكن العلة منصوصةً، وكان القياس قطعيًا، كقياس الأمة على العبد في سراية العتق من البعض إلى الكل؛ لأن العلة هي الرق، وهي موجودة في الأمة =","vol":"5","page":1726},{"text":"العلة (^١) مستنبطة فلا يكون نسخًا (^٢) (^٣).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-456>(الرابعة: نسخ الأصل يستلزم نسخ الفحوى</span>، (وبالعكس) (^٤)؛ لأن نفي اللازم يستلزم نفي الملزوم والفحوى يكون ناسخًا).\nفحوى الخطاب هو مفهوم الموافقة، كما سبق. و(^٥) اختلفوا (^٦) في أن نسخ الأصل، كتحريم التأفيف مثلًا - هل يستلزم نسخ الفحوى، كتحريم\n_________\n= قطعًا، كما هي موجودة في العبد: فإن هذا القياس القطعي وإن كان مقدَّمًا على الدليل المعارض - لكن هذا التقديم لا يسميه الآمدي نسخًا؛ لكون هذا القياس ليس بخطاب. أي: لم ينص الشارع على العلة، فتكون العلة خطابًا يُنسخ، والنسخ هو رفع خطاب بخطاب. وانظر: شرح الكوكب ٣/ ٥٧٣.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: الإحكام ٣/ ١٦٤. وقد ذهب الباجي رحمه الله تعالى إلى أن العلة إن كانت منصوصة جاز النسخ بالقياس، وإلا فلا. انظر: إحكام الفصول ص ٤٢٩ - ٤٣٠.\n(^٣) انظر نسخ القياس والنسخ به في: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٣٦، التحصيل ٢/ ٢٧، الحاصل ٢/ ٦٦٤، نهاية الوصول ٦/ ٢٣٧٣، نهاية السول ٢/ ٥٩١، السراج الوهاج ٢/ ٦٧٣، مناهج العقول ٢/ ١٨٦، المستصفى ٢/ ١٠٩ (١/ ١٢٦)، الوصول إلى الأصول ٢/ ٥٤، شرح اللمع ١/ ٤٩٠، المعتمد ١/ ٤٠٢، المحلي على الجمع ٢/ ٨٠، البحر المحيط ٥/ ٢٨٩، شرح التنقيح ص ٣١٦، إحكام الفصول ص ٤٢٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٩، كشف الأسرار ١٧٤٣ /، أصول السرخسي ٢/ ٦٦، تيسير التحرير ٣/ ٢١١، فواتح الرحموت ٢/ ٨٤، شرح الكوكب ٣/ ٥٧١، العدة ٣/ ٨٢٧، التمهيد ٢/ ٣٩٠، المسودة ص ٢٢٥.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سقطت الواو من (ت).\n(^٦) في (ص): \"واختلف\".","vol":"5","page":1727},{"text":"الضرب؟ وفي عكسه: وهو أن نسخ الفحوى وهو تحريم الضرب هل يستلزم نسخ الأصل وهو تحريم التأفيف؟ على مذاهب:\nأحدها: أنَّ نسخ كلٍّ منهما يستلزم نسخ الآخر (^١). واختاره صاحب الكتاب، واستدل على أنَّ نسخ الفحوى يستلزم (^٢): بأن الفحوى لازمٌ للأصل، ونفي اللازم يستلزم نفي الملزوم (^٣). ولم يستدل على عكسه (^٤)، وسيأتي إنْ شاء الله تعالى.\nوالثاني: أنه لا يلزم من نسخ أحدهما نسخ الآخر (^٥).\nوالثالث: أن نسخ الأصل يستلزم؛ لأن الفحوى تابع له، ولا يتصور بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع. ونسخ الفحوى لا يستلزم (^٦).\n_________\n(^١) وإليه ذهب الأكثرون. انظر: المحلي على الجمع ٢/ ٨٢. نشر البنود ١/ ٢٩٥، نهاية الوصول ٦/ ٢٣٧٩، ٢٣٨١، الإحكام ٣/ ١٦٥.\n(^٢) أي: يستلزم نسخ الأصل.\n(^٣) هذه قاعدة منطقية، وتمامها: أن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم. أما ثبوت اللازم فلا يستلزم ثبوت الملزوم، ونفي الملزوم لا يستلزم نفى اللازم. انظر: إيضاح المبهم ص ١٦، حاشية الباجوري على متن السلم ص ٧٢.\n(^٤) وهو أنَّ نفي الأصل يستلزم نفي الفحوى؛ لأن الأصل ملزوم، والفحوى لازم، ونفي الملزوم لا يلزم منه نفي اللازم؛ فلذلك لم يستدل له بالملازمة المنطقية.\n(^٥) وهذا هو اختيار الشارح رحمه الله تعالى في \"الجمع\". انظر: المحلي على الجمع ٢/ ٨١ - ٨٢. وإليه ذهب الحنابلة، وابن عبد الشكور من الحنفية، ورجَّحه الشيخ المطيعي، وصاحب مراقي السعود، رحمهم الله تعالى. انظر: شرح الكوكب ٣/ ٥٧٦، المسودة ص ٢٢١، مختصر ابن اللحام ص ١٣٩، فواتح الرحموت ٢/ ٨٧، سلم الوصول ٢/ ٥٩٦ - ٥٩٨، نشر البنود ١/ ٢٩٤.\n(^٦) إلى هذا ذهب القاضي عبد الجبار في \"العمد\"، وقال في شرحه: \"يجوز ذلك إلا أن يكون فيه نقض الغرض\". ومَنَع مِنْه في الدَّرْس، كما قال أبو الحسين البصري =","vol":"5","page":1728},{"text":"وجزم الإمام بأن نسخ الأصل يستلزم. وأما أن نسخ الفحوى هل يستلزم - فنقله عن اختيار أبي الحسين، وسكت عليه (^١).\nوقال الآمدي: \"المختار أنَّ تحريم الضرب في محل السكوت إنْ جعلناه من باب القياس: فنسخ الأصل يوجب نسخ الفرع؛ لاستحالة بقاء الفرع دون أصله.\nوإن جعلناه ثابتًا بدلالة اللفظ: فلا شك أنَّ دلالة اللفظ على تحريم التأفيف بجهة صريحِ اللفظ، وعلى تحريم الضرب بجهة الفحوى، وهما دلالتان مختلفتان، غير أنَّ دلالة الفحوى تابعة، فيمكن حينئذٍ أن يُقال: لا يلزم من رفع إحدى الدلالتين رفع الأخرى.\nفإنْ قلت: الفحوى تابع، فكيف يحتمل بقاؤه مع ارتفاع المتبوع؟\nقلت: نسخ حكم المنطوق ليس نسخًا لدلالته، بل نسخًا لحكمه، ودلالة الفحوى تابعة لدلالة المنطوق على حكمه، لا تابعة لحكمه، ودلالته باقية بعد نسخ حكمه، كما كانت قبل ذلك، فما هو أصلٌ لدلالة\n_________\n= - ﵀ - وصححه. انظر: المعتمد ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥. وذهب ابن الحاجب - رحمه الله تعالى - إلى عكس هذا القول: وهو أن نسخ الأصل لا يستلزم نسخ الفحوى، بخلاف العكس. انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٠٠، نهاية السول ٢/ ٥٩٧، وإليه ذهب أيضًا المجد بن تيمية، وابن مفلح، وابن قاضي الجبل رحمهم الله تعالى. انظر: المسودة ص ٢٢١ - ٢٢٢، شرح الكوكب ٣/ ٥٧٧.\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٣٩ - ٥٤٠.","vol":"5","page":1729},{"text":"الفحوى غير مرتفع، وما هو مرتفع ليس أصلًا للفحوى\" (^١).\nقوله: \"والفحوى يكون ناسخًا\". قد ادعى الإمام والآمدي في ذلك الاتفاق (^٢)، وفيه نظرٌ حِجاجًا ونقلًا.\nأما الحجاج: فوقوع الاختلاف في أنه هل هو من باب القياس؟ وإذا كان من باب القياس، وفي النسخ بالقياس ما تقدم من الخلاف - فلا ينفك عن خلاف.\nوأما النقل: فقد قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في \"شرح اللمع\" ما ذكرناه، إذ قال: مِنْ أصحابنا مَنْ جعله بالقياس، فعلى هذا لا يجوز النسخ به (^٣). انتهى، أي: بناءً على أنه لا يجوز النسخ بالقياس، وذلك هو المختار عند الشيخ أبي إسحاق، وكذلك القاضي كما نص عليه في \"مختصر التقريب\" (^٤)، وفاتنا أن نحكي ذلك فيما تقدم، ولكن العهد به قريب.\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ٣/ ١٦٦، مع اختصار من الشارح وتصرف.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٤٠، الإحكام ٣/ ١٦٥، وتابعهما على نقل الاتفاق القرافي في شرح التنقيح ص ٣١٥، وصفي الدين الهندي في نهاية الوصول ٦/ ٢٣٧٩، وسراج الدين الأرموي في التحصيل ص ٢٨.\n(^٣) انظر: شرح اللمع ١/ ٥١٢، والنقل بتصرف.\n(^٤) أي: المختار عند الشيخ أبي إسحاق والقاضي رحمهما الله تعالى أن القياس لا يجوز النسخ به. انظر: شرح اللمع ١/ ٥١٢، التلخيص ٢/ ٥٣٠. والمختار أيضًا عند الشيخ أبي إسحاق رحمه الله تعالى أن الفحوى لا يُنسخ به؛ لأن المترجِّح عند الشيخ أنها قياس، والقياس لا يجوز النسخ به عنده. انظر: اللمع ص ٦٠. أما القاضي رحمه الله تعالى فجزم بجواز النسخ بالفحوى في \"التقريب\"، كما نقله عنه الزركشي - ﵀ - في البحر المحيط ٥/ ٣٠٠، وكذا نقل الجزم بالجواز عن ابن السمعاني =","vol":"5","page":1730},{"text":"واستدل الإمام على أن الفحوى يَنسخ: بأن دلالته إن كانت لفظية فظاهر. وإن كانت عقلية، قال القرافي: يعنى قياسية، أي: أدرك العقل الحكمةَ التي لأجلها وَرَد الحكم، فأَلْحق السكوتَ بالمنطوق قياسًا (^١). قال الإمام: فهي يقينية، فتقتضي (^٢) النسخَ لا محالة (^٣).\nولقائل أن يقول: إن (^٤) القياس ليس يقينيًا؛ لاحتمال غلطنا في أن ذلك الحكم في الأصل مُعَلَّل، وأن العلة هي ما ذكرنا، فلعل العلة غيرها، ولعلها تقتضي نفي ما نريد إثباته. والمسألة خلافية بين العلماء، ولا قاطع\n_________\n= - ﵀ - قال: \"وكذا جزم ابن السمعاني، قال: لأنه مثل النطق أو أقوى منه. قال: لكن الشافعي جعله قياسًا، فعلى قوله لا يجوز نسخ النصِّ به. ونقل الآمدي والإمام فخر الدين الاتفاق على أنه يُنسخ به ما يُنسخ بمنطوقه، وهو عجيب، فإن في المسألة وجهين لأصحابنا، وغيرهم، حكاهما الماوردي في \"الحاوي\"، والشيخ في \"اللمع\"، وسليم، وصححا المنع. قال سليم: وهو المذهب؛ لأنه قياس عند الشافعي، فلا يقع النسخ به. ونقله الماوردي عن الأكثرين، قال: لأن القياس فرع النص الذي هو أقوى، فلا يجوز أن يكون ناسخًا له. قال: والثاني، وهو اختيار ابن أبي هريرة وجماعة: الجواز؛ لأنه لما جاز أن يرد التعبد في فرعه بخلاف أصله - صار الفرع كالنص، فجاز به النسخ. وإن كان أصله نصًا في القرآن جاز أن ينسخ به القرآن، وإن كان أصله نصًا في السنة جاز أن يُنسخ به السنة دون القرآن\". البحر المحيط ٥/ ٣٠١، وانظر: شرح الكوكب ٣/ ٥٧٦.\n(^١) انظر: نفائس الأصول ٦/ ٢٥١٠، مع تصرف.\n(^٢) في (ص): \"فيقتضي\". والمعنى عليه: فيقتضي الفحوى.\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٤٠.\n(^٤) سقطت من (ص).","vol":"5","page":1731},{"text":"مع الخلاف (^١). والله أعلم. وهذا تمام القول في مفهوم الموافقة (^٢).\nوأما مفهوم المخالفة: فيجوز نسخه مع نسخ الأصل وبدونه، وذلك واضح (^٣)، كقوله ﵇: \"الماء من الماء\" (^٤)، فإنه نُسِخ مفهومه بقوله ﵇: \"إذا التقى الختانان\" (^٥)، وبقي أصله: وهو وجوب\n_________\n(^١) هذا الاعتراض استفاده الشارح من القرافي، رحمهما الله تعالى. انظر: نفائس الأصول ٦/ ٢٥١٠.\n(^٢) انظر المسألة الرابعة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٣٩، الحاصل ٢/ ٦٦٤، التحصيل ٢/ ٢٨، نهاية السول ٢/ ٥٩٦، السراج الوهاج ٢/ ٦٧٥، مناهج العقول ٢/ ١٨٨، المحلي على الجمع ٢/ ٨١، الإحكام ٣/ ١٦٥، المعتمد ١/ ٤٠٤، الوصول إلى الأصول ٢/ ٥٥، شرح التنقيح ص ٣١٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٠٠، نشر البنود ١/ ٢٩٤، تيسير التحرير ٣/ ٢١٤، فواتح الرحموت ٢/ ٨٧، شرح الكوكب ٣/ ٥٧٦، المسودة ص ٢٢١، مختصر ابن اللحام ص ١٣٩.\n(^٣) أي: جواز نسخ مفهوم المخالفة بدون نسخ الأصل - واضح؛ لأن نسخه لا يصير نقضًا على الغرض من حكم الأصل، كما هو في مفهوم الموافقة. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٣٨٢.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٤٢. ومسلم ١/ ٢٦٩، في كتاب الحيض، باب إنما الماء من الماء، رقم ٣٤٣. والترمذي ١/ ١٨٦، في كتاب الطهارة، باب ما جاء أن الماء من الماء، رقم ١١٢. وأبو داود ١/ ١٤٨، في كتاب الطهارة، باب في الإكسال، رقم ٢١٧. وابن ماجه ١/ ١٩٩، كتاب الطهارة وسننها، باب الماء من الماء، رقم ٦٠٧. والنسائي ١/ ١١٥، كتاب الطهارة، باب الذي يحتلم ولا يرى الماء، رقم ١٩٩. وابن خزيمة في صحيحه ١/ ١١٢، كتاب الوضوء، باب ذكر نسخ إسقاط الغسل في الجماع من غير إمناء، رقم ٢٢٥.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٢٣٩، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٦٣ - ١٦٤. وانظر: تلخيص الحبير ١/ ١٣٤.","vol":"5","page":1732},{"text":"الغسل من الإنزال (^١). ذكره صفي الدين الهندي، قال: وأما نسخ الأصل بدونه فأظهر الاحتمالين أنه لا يجوز؛ لأنه إنما يدل على العدم باعتبار ذلك القَيْدِ (^٢) المذكور (^٣)، فإذا بطل تأثير ذلك القيد بطل ما يبنى (^٤) عليه، فعلى هذا نَسْخُ الأصل نسخٌ للمفهوم. وليس المعنى منه أن يرتفع العدم ويحصل الحكم الثبوتي (^٥)، بل المعنى منه أن يرتفع العدم الذي كان شرعيًا (^٦)، ويرجع إلى ما كان عليه مِنْ قبل (^٧).\n_________\n(^١) يعني: مفهوم حديث: \"الماء من الماء\": أنه إذا لم يكن ماء فلا غُسْل. فهذا المفهوم نُسخ بحديث: \"إذا التقى الختانان\"، فالغسل واجب بالتقاء الختانين سواء أنزل أو لم يُنزل، وبقي أصل الحديث الأول، أي: منطوقه غير منسوخ، وهو وجوب الغُسْل من الإنزال.\n(^٢) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"القدر\". وهو خطأ.\n(^٣) فالمنطوق يدل على مفهوم المخالفة باعتبار ذلك القيد المذكور، فإذا قال قائل: أعط السائل الصادق. فقيد الصادق يدل على حكم مفهوم المخالفة، وهو أنه لا يُعطي غير الصادق.\n(^٤) في (ص)، و(غ): \"ما ينبني\".\n(^٥) أي: ليس المعنى بنسخ المفهوم: هو رفع العدم بحصول الحكم الثبوتي؛ لأن الثبوت نقيض العدم، فإذا ارتفع حكم العدم وجد حكم الثبوت. والمراد بالحكم الثبوتي هو حكم المنطوق؛ لأن المنطوق حكمه متعلِّق بثبوت القيد وهو الوصف، ومفهوم المخالفة حكمه متعلِّق بعدم القيد، فليس المراد برفع حكم مفهوم المخالفة ثبوت حكم المنطوق لمفهوم المخالفة، فيصبح حكمُ مفهوم المخالفة بعد نسخه - حكمَ المنطوق قبل نسخه.\n(^٦) لأنه عدمٌ باعتبار فقدان القيد الشرعي، لا مطلق العدم. والمعنى: أن يرتفع تعلُّق العدم بالوصف، فلا يدل الوصف على حكم العدم.\n(^٧) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٣٨٣، مع تصرف يسير، البحر المحيط ٥/ ٢٩٩.","vol":"5","page":1733},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-457>(الخامسة: زيادة صلاة ليس بنسخ</span>. قيل: تَغَيَّر الوسط. قلنا: وكذا زيادة العبادة).\nاتفق العلماء على أن (^١) زيادةَ عبادةٍ من غير جنسِ ما سبق وجوبُه، كزيادة وجوب الزكاة مثلًا على الصلاة - ليس بنسخ (^٢).\nواختلفوا في أنَّ زيادة صلاةٍ على الصلوات الخمس هل يكون نسخًا؟\nفذهب الجماهير (^٣) إلى أنه ليس بنسخ (^٤).\nوقال بعض أهل العراق: إنه نسخ؛ لأن زيادة هذه السادسة تغيِّر الوسط، أي أنها تجعل ما كان وسطًا غير وسط، فيكون ذلك نسخًا للأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى (^٥).\nوأجاب: بأن هذا غير سديد؛ (إذ يلزم) (^٦) عليه أن تكون زيادة عبادة على آخِر العبادات نسخًا؛ لأنه يجعل العبادة الأخيرة غير الأخيرة (^٧)، فلو\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٤١، الإحكام ٣/ ١٧٠، نهاية الوصول ٦/ ٢٣٨٧، التلخيص ٥٠١٢ /، البحر المحيط ٥/ ٣٠٥، كشف الأسرار ٣/ ١٩١، شرح الكوكب ٣/ ٥٨٣، شرح التنقيح ص ٣١٧، نزهة الخاطر ٢/ ٢٠٩.\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"الجماعة\".\n(^٤) انظر: المراجع السابقة.\n(^٥) انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٢٠، فواتح الرحموت ٢/ ٩١، والمراجع السابقة.\n(^٦) في (ت): \"ويلزم\".\n(^٧) في (ص): \"الأَخَرة\". وفي المصباح ١/ ١١: \"والأخرة وزان قَصَبة، بمعنى الأخير، يقال: جاء بأخرة، أي: أخيرًا\". وانظر: اللسان ٤/ ١٤، مادة (أخر).","vol":"5","page":1734},{"text":"كان عدد كل الواجبات قبل الزيادة عشرة فبعد الزيادة لا يبقي ذلك، فيكون نسخًا.\nواعلم أن هذا الجواب غير سديد؛ لأن غير الصلاة من العبادات لم يَرِد فيه الأمر بالمحافظة على الوسطى ليقال مِثْلُه فيها (^١)، بل الحق عندي أنهم إنْ أرادوا بكونها تُغَيِّر الوسط: أنها تجعل المتوسط بين الشيئين غير وسط - فذلك غير سديد؛ لأن كون العبادة وَسَطًا أمرٌ حقيقي ليس بشرعي، والنسخ إنما يتطرق إلى الحكم الشرعي (^٢).\nوإن أرادوا به ما ذُكر مِنْ نَسْخ الأمر بالمحافظة على الوسطى - فنقول: إن كانت الوسطى عَلَمًا على صلاة بعينها إما الصبح أو العصر، وليست فُعْلَى من المتوسط بين الشيئين (^٣) - فما ذكرتموه ساقطٌ، إذ لا يلزم من\n_________\n(^١) المعنى: أن القول باللازم: وهو أن الزيادة على العبادات العشر مثلًا يكون نسخًا - غيرُ سديد؛ لأن دليل القوم في حالة الزيادة على الصلاة ليس هو لمجرد الزيادة بل لأن الشارع أمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى، فالزيادة على الصلوات تُلغي هذا الأمر؛ لأنها تجعل الوسط غير الوسط. وأما مجرد الزيادة على مجموع العبادات فليس يرفع الأمر بالمحافظة على العبادة الأخيرة قبل الزيادة. لكن لو أمر الشارع في أي عبادة بالمحافظة على العبادة الوسطى منها - لكانت الزيادة على تلك العبادة نسخًا لذلك الأمر. وانظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٣٨٧، كشف الأسرار ٣/ ١٩١.\n(^٢) يعني: رفع الوسطية ليس بنسخ؛ لأن الوسطية ليست حكمًا شرعيًا، بل أمرًا عقليًا، ورفع العقلي ليس بنسخ. انظر: فواتح الرحموت ٢/ ٩١، سلم الوصول ٢/ ٦٠٢.\n(^٣) يعني: وُسْطى على وزن فُعْلى، ولا يشترط في هذا الوزن التوسط بين شيئين، بل يمكن أن يكون بين ثلاثة واثنين. قال في المصباح ٢/ ٣٣٥: \"وحقيقة الوسط ما تساوت أطرافه، وقد يُراد به ما يُكْتَنف من جوانبه، ولو من غير تساوٍ، كما قيل: =","vol":"5","page":1735},{"text":"زيادة صلاة أن يرتفع الأمر بالمحافظة على تلك الصلاة الفاضلة؛ لعدم منافاته له (^١).\nوإن كانت الوسطى: المتوسطة بين الصلوات (^٢) فنقول حينئذ: الذي يظهر أنَّ الأمر يختلف بما يُزاد والحالة هذه:\nفإن زيدت واحدة - فهي ترفَع الوسط (^٣) بالكلية (^٤)، ويتجه ما ذكروه اتجاهًا واضحًا؛ لأن الوسط حينئذٍ وإنْ كان أمرًا حقيقيًا إلا أنَّ\n_________\n= إنَّ صلاة الظهر هي الوسطى\". وانظر: اللسان ٧/ ٤٣٠، مادة (وسط). قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - عن لفظ \"الوسطى\" الوارد في الآية: \"هي تأنيث الأوسط، والأوسط: الأعدل من كل شيء. وليس المراد به التوسط بين الشيئين؛ لأن فُعْلى معناه التفضيل، ولا ينبني للتفضيل إلا ما يقبل الزيادة والنقص، والوسط بمعنى الخيار، والعدل يقبلهما (أي: يقبل الزيادة والنقص)، بخلاف المتوسط فلا يقبلهما، فلا يُبنى منه أفعل تفضيل\". فتح الباري ٨/ ١٩٥.\n(^١) أي: ليس هناك تعارض بين الزيادة، والأمر بالمحافظة على الصلاة الوسطى، إذا كانت الصلاة الوسطى عَلَمًا على صلاةٍ بعينها، كصلاة الفجر، أو صلاة العصر، فكأنه قال: حافظوا على الصلوات، وصلاة الفجر. أو صلاة العصر. وحينما يأمر الشارع بالمحافظة على صلاةٍ بعينها، لا تكون الزيادة على الصلوات نسخًا للأمر بالمحافظة على تلك الصلاة المعيَّنة، فالمراد بالوسطى على هذا الجواب هو العَلَمية لا الوصف، أي: أنَّ الشارع أراد بقوله: ﴿الْوُسْطَى﴾ هو ذات صلاة الفجر، أو ذات صلاة العصر، لا كونها موصوفة بالوسطى، بل لكونها مقصودة لذاتها، والوصف عَلَم عليها.\n(^٢) فالمراد بالوسطى هنا الوصف لا العلمية.\n(^٣) في (ت): \"الوسطى\".\n(^٤) لأن عدد الصلوات يكون ستًا، وهو لا وسط له.","vol":"5","page":1736},{"text":"الشرع ورد عليه وقرره؛ فيكون نسخًا للحكم الشرعي (^١).\nوإن زيدت ثنتين ونحوها (^٢) مما لا يرفع الوسط - فلا نسخ؛ إذ لم يرتفع الوسط، وإنما خرجت الظهر مثلًا عن أن تكون وسطًا، وكونها كانت الوسط (^٣) إنما هو أمر حقيقي اتفاقي لا يرد النسخ عليه (^٤)، والأمر بالمحافظة على الوسط (^٥) شيء وراء ذلك، وهو لم يزل، بل هو باق (^٦).\nقال: (أما زيادة ركعةٍ ونحوها - فكذلك عند الشافعي - ﵁ -، ونَسْخٌ عند أبي حنيفة ﵀. وفَرَّق قوم بين ما نفاه المفهوم وما لم ينفه. والقاضي عبد الجبار بين ما ينفي اعتداد الأصل وبين ما لا ينفيه.\n_________\n(^١) يعني: وإن كان الوسط أمرًا عقليًا ورفعه ليس بنسخ، لكن الشارع علَّق الحكم عليه، فجعل الأمر منوطًا بوصف الوسطية، فَرَفْعُ الوسطية إلغاءٌ لعلة الحكم، والحكم تابع للعلة، وإذا أُلغي الحكم حصل النسخ.\n(^٢) أي: ونحوها من الأعداد الزوجية.\n(^٣) في (غ): \"الوسطى\".\n(^٤) لأن المراد هو الوصف، لا صلاة بعينها، فالحكم يدور مع الوصف، ولما كان الوصف موجودًا في الظهر كانت هي المقصودة بالأمر، فلما انتقل الوصف إلى صلاة أخرى انتقل الأمر.\n(^٥) في (ت): \"الوسطى\".\n(^٦) يعني: الأمر بالوسط شيءٌ وراء قَصْدِ صلاةٍ بعينها؛ لأن المرادَ الوصفُ لا تعيينُ صلاةٍ بذاتها، فزوال الظهر عن أن تكون هي الصلاة الوسطى - لا ينفي وصفَ الوسط، وأنه متحقق في صلاة أخرى. وعلى هذا فتغيُّر الصلاة الوسطى ليس بنسخ؛ لأن المأمور به هو الوسط، وكون الظهر هو الوسط أو الصلاة الوسطى أمرٌ اتفاقي لا يرد عليه النسخ، وإنما النسخ يكون على وصف الوسط وهو لم يزل باق.","vol":"5","page":1737},{"text":"(وقال) (^١) البصري: إنْ نَفَى ما ثبت شرعًا كان نسخًا، وإلا فلا. فزيادة ركعة على ركعتين نسخ لاستعقابهما التشهد. وزيادة التغريب على الجلد ليس بنسخ).\n\nمضى الكلام في<span data-type=\"title\" id=toc-458> زيادة العبادة المستقلة. أما زيادة غير (^٢) المستقلة، كزيادة ركعة أو ركوع </span>- ففيه مذاهب:\nأحدها: أنها ليست نسخًا. وهو مذهب الإمام الشافعي - ﵁ -، وقول أبي علي، وأبي هاشم (^٣).\nوالثاني: أنها نسخ. وهو قول الحنفية (^٤).\nوالثالث: التفصيل، فقال قوم: إن كانت الزيادة قد نفاها المفهوم (^٥) -\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص): \"عن\".\n(^٣) وإليه صار مالك - ﵁ - وأ كثر أصحابه، والشافعية، والحنابلة. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٣٨٩، الإحكام ٣/ ١٧٠، البحر المحيط ٥/ ٣٠٦، شرح الكوكب ٣/ ٥٨١، المسودة ص ٢٠٧، العدة ٣/ ٨١٤، إحكام الفصول ص ٤١٠ - ٤١١، شرح التنقيح ص ٣١٧، نشر البنود ١/ ٣٠١، المعتمد ١/ ٤٠٥.\n(^٤) انظر: كشف الأسرار ٣/ ١٩١، تيسير التحرير ٣/ ٢١٨، فواتح الرحموت ٢/ ٩١ - ٩٢، أصول السرخسي ٢/ ٨٢. وينبغي أن يُعلم أن محل الخلاف بين الحنفية وغيرهم إنما هو في الزيادة المتأخرة عن المزيد عليه بزمان يصح القول بالنسخ فيه، كزيادة شرط الإيمان في رقبة الكفارة، وزيادة التغريب على الجلد في جلد الزاني. أما إذا وردت الزيادة مقارنة للمزيد عليه فلا تكون نسخًا بالاتفاق، كورود الشهادة في حد القذف مقارنًا للجلد، فإنه لا يكون نسخًا له. انظر: المراجع السابقة.\n(^٥) أي: مفهوم المخالفة. انظر: الإحكام ٣/ ١٧٠.","vol":"5","page":1738},{"text":"فيكون نسخًا، وإلا فلا. كما إذا قال: في سائمة الغنم زكاة. ثم قال: في المعلوفة زكاة (^١).\nوقال القاضي عبد الجبار بن أحمد: إنْ كانت الزيادة قد غَيَّرت المزيدَ عليه تغيرًا شديدًا (^٢)، حتى صار المزيد عليه لو فُعِل بعد الزيادة على ما كان يُفْعل قبلَها - لم يُعْتدَّ به، بل وجوده كعدمه، ويجب استئنافه: فإنه يكون نسخًا، كزيادة ركعة على ركعتين.\nوإن كان المزيد عليه لو فُعل على نحو ما كان يُفعل قبل الزيادة - لصح: لم يكن نسخًا، كزيادة التغريب على الجلد (^٣) (^٤)، وزيادة عشرين\n_________\n(^١) انظر: المعتمد ١/ ٤٠٥، الإحكام ٣/ ١٧٠، البحر المحيط ٥/ ٣٠٧.\n(^٢) هكذا عبارة الإمام في المحصول ١/ ق ٣/ ٥٤٣: \"تغييرًا شديدًا\"، وكذا صفي الدين الهندي في نهاية الوصول ٦/ ٢٣٨٩، وسراج الدين الأرموي في التحصيل ٢/ ٢٩. وعبارة أبي الحسين رحمه الله تعالى: \"تغييرًا شرعيًا\". المعتمد ١/ ٤٠٥، وكذا هي في الإحكام ٣/ ١٧١، وتمهيد أبي الخطاب ٢/ ٣٩٩، والبحر المحيط ٥/ ٣٠٧، وتيسير التحرير ٣/ ٢١٩، وغيرهم. والعبارتان سليمتان، وقد ورد تعليق من ناسخ (ص) أمام هذه العبارة بقوله: \"هنا بخط مصنفه، عبارة الآمدي تغييرًا شرعيًا. وهي أصح، فليتأمل\".\n(^٣) في (ص)، و(غ): \"الحد\".\n(^٤) زيادة التغريب على الجلد أخرجها مسلم في صحيحه ٣/ ١٣١٦، كتاب الحدود، باب حدّ الزنى، رقم ١٦٩٠. وأحمد في المسند ٥/ ٣١٣، وأبو داود في السنن ٤/ ٥٦٩، كتاب الحدود، باب في الرجم، رقم ٤٤١٥. والترمذي في السنن ٤/ ٣٠ - ٣٢، كتاب الحدود، باب ما جاء في الرجم على الثيب، رقم ١٤٣٣، ١٤٣٤. وابن ماجه ٢/ ٨٥٢ - ٨٥٣، كتاب الحدود، باب حد الزنا، رقم ٢٥٤٩، ٢٥٥٠.","vol":"5","page":1739},{"text":"على حد القاذف (^١).\nوقال أبو الحسين البصري: إن كان الزائد رافعًا لحكمٍ ثابت بدليلٍ شرعي - كان نسخًا، سواء ثبت (^٢) بالمنطوق أم بالمفهوم، وإن كان ثابتًا بدليل عقلي كالبراءة الأصلية - فلا (^٣). وهذا هو الأحسن عند الإمام (^٤)، والمختار عند الآمدي وابن الحاجب (^٥).\nقوله: \"فزيادة\"، أي: فَعَلى ما ذكره أبو الحسين زيادةُ ركعةٍ على ركعتين تكون حينئذٍ نسخًا؛ لأنها رفعت حكمًا شرعيًا، وهو وجوب التشهد عَقِيب الركعتين. وزيادةُ التغريب على الجلد في حق الزاني لا يكون نسخًا، لأن عدم التغريب كان ثابتًا بالبراءة الأصلية. وكلام المصنف يُوهم أن هذين المثالين من تتمة كلام أبي الحسين، وليس كذلك، فقد نقل عنه الآمدي في الفرع الثاني من فروع المسألة أن المثالين جميعًا\n_________\n(^١) وإلى هذا القول صار أبو بكر الباقلاني، وأبو الحسن بن القصار، والقاضي عبد الوهاب، والباجي رحمهم الله تعالى، وبه قال القاضي أبو جعفر السِّمْناني الحنفي شيخ الباجي، على ما حكاه الباجي عنه رحمهما الله تعالى. انظر: التلخيص ٢/ ٥٠٤، إحكام الفصول ص ٤١١، المسودة ص ٢٠٨.\n(^٢) أي: المزيد عليه.\n(^٣) انظر: المعتمد ١/ ٤١٠.\n(^٤) وكذا عند سراج الدين الأرموي وصفي الدين الهندي، وهو الحق عند تاج الدين الأرموي. انظر: التحصيل ٢/ ٣٠، نهاية الوصول ٦/ ٢٣٩١، الحاصل ٢/ ٦٦٦.\n(^٥) انظر: الإحكام ٣/ ١٧١، منتهى السول والأمل ص ١٦٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٠١.","vol":"5","page":1740},{"text":"ليسا بنسخ (^١).\nأما الثاني فظاهر. وأما الأول فلأن التشهد ليس محله بعد الركعتين بخصوصهما، بل آخر الصلاة، وذلك غير مرتفع.\nوقال بعضهم واختاره الغزالي: إنْ كانت الزيادة متصلةً بالمزيد عليه اتصال اتحادٍ رافع للتعدد والانفصال، كزيادة ركعتين على ركعتي الصبح - فهو نسخ وإن لم يكن كذلك، كزيادة عشرين على حد القاذف - فلا (^٢). ولم يذكر في الكتاب هذا المذهب (^٣). والله أعلم.\n_________\n(^١) ذكر الآمدي ﵀ المثال الأول (وهو زيادة ركعة على ركعتين) في الفرع الثاني، والمثال الثاني (وهو زيادة التغريب على الجلد) في الفرع الثالث. ولم يتعرض الآمدي لذكر رأي أبي الحسين بالنسبة لزيادة التغريب على الجلد، فما قاله الشارح في هذا وهم على الآمدي. انظر: الإحكام ٣/ ١٧٢، ١٧٣. وقد ذكر أبو الحسين - رحمه الله تعالى - المثالين في \"المعتمد\": مثال زيادة التغريب في (١/ ٤١١) ولم يعد زيادته نسخًا، والمثال الثاني: وهو زيادة ركعة على ركعتين في (١/ ٤١٣) وجعل هذه الزيادة نسخًا.\n(^٢) انظر: المستصفى ٢/ ٧٠ (١/ ١١٧).\n(^٣) انظر المسألة الخامسة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٤١، الحاصل ٢/ ٦٦٥، التحصيل ٢/ ٢٩، نهاية الوصول ٦/ ٢٣٨٧، نهاية السول ٢/ ٦٠٠، السراج الوهاج ٢/ ٦٧٧، مناهج العقول ٢/ ١٨٩، شرح الأصفهاني للمنهاج ١/ ٤٨٩، البرهان ٢/ ١٣٠٩، التلخيص ٢/ ٥٠١، المستصفى ٢/ ٧٠ (١/ ١١٧)، شرح اللمع ١/ ٥١٩، القواطع ٣/ ١٣٥، الإحكام ٣/ ١٧٠، المحلي على الجمع ٢/ ٩١. البحر المحيط ٥/ ٣٠٥، المعتمد ١/ ٤٠٥، الوصول إلي الأصول ٢/ ٣٢، إحكام الفصول ص ٤١٠، شرح التنقيح ص ٣١٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٠١، نشر البنود ١/ ٣٠١، أصول السرخسي ٢/ ٨٢، كشف الأسرار ٣/ ١٩١، تيسير التحرير =","vol":"5","page":1741},{"text":"قال: (خاتمة: النسخ يعرف بالتاريخ. فلو قال الراوي: هذا سابق - قُبِل. بخلاف ما لو قال: هذا منسوخ؛ لجواز أن يقوله عن اجتهاد ولا نراه).\nالمقصود من هذه الخاتمة بيان الطرق التي بها يُعرف الناسخ من المنسوخ، وإنما ذكر ذلك آخر الباب، وجعله خاتمة؛ لتعلقه بجميع أنواع النسخ.\nوجملة القول فيه: أن النسخ يُعرف إما بأن ينص عليه الشارع. ولم يتعرض المصنف لهذا القسم؛ لوضوحه.\nوإما بالتاريخ: بأن يُعلم بطريق صحيح أنَّ أحد الدليلين المتنافيَيْن متأخِّرٌ عن الآخَر؛ فيحكم بأنه ناسخ له. فلو قال الراوي: هذه الآية نزلت قبل تلك الآية، أو في سنة كذا، والأخرى في السنة التي بعدها. أو هذا الحديث سابقٌ على ذلك الحديث، أو كان في سنة كذا (وكذا) (^١)، وهذا في السنة التي بعدها (^٢) - قُبِل قولُه في ذلك وإنْ كان قبولُه يقتضي نَسْخ المتواتر؛ وذلك لأن النسخ حصل بطريق التبع (^٣)، والشيءُ يُغتفر إذا كان\n_________\n= ٣/ ٢١٨، فواتح الرحموت ٢/ ٩١، العدة ٣/ ٨١٤، التمهيد للكلوذاني ٢/ ٣٩٨، المسودة ص ٢٠٧، شرح الكوكب ٣/ ٥٨١.\n(^١) سقطت \"وكذا\" من (ت).\n(^٢) في (ص)، و(غ): \"بعده\".\n(^٣) يعني: وإن كان قبول قول الراوي وهو خبر واحد يقتضي نسخ المتواتر، ونسخ المتواتر بالآحاد لا يجوز، لكن جاز هنا؛ لأنه نسخ بالتبع لا بالأصالة.","vol":"5","page":1742},{"text":"تابعًا، ولا يُغتفر إذا كان أصلًا (^١)، في مسائل كثيرة أصولية وفقهية (^٢):\n_________\n(^١) كذا قال عبد الجبار رحمه الله تعالى: انظر: المعتمد ١/ ٤١٨، المحصول ١/ ق ٣/ ٥٦٤، الإحكام ٣/ ١٧١، وارتضى هذا المذهب الأصفهاني في شرحه للمنهاج ١/ ٤٩٣، والإسنوي في نهاية السول ٢/ ٦٠٨، وهو مذهب الحنابلة، وأومأ إليه أحمد - ﵁ -، كما قال القاضي أبو يعلى رحمه الله تعالى. انظر: العدة ٣/ ٨٣٥، المسودة ص ٢٣٠ - ٢٣١، شرح الكوكب ٣/ ٥٦٦، مختصر ابن اللحام ص ١٤١، ونسب القاضي أبو بكر في \"مختصر التقريب\" (٢/ ٥٤٥) هذا المذهب إلى الأكثر. وهو مذهب الحنفية. انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٢٢، فواتح الرحموت ٢/ ٩٥.\nوذهب الأكثرون - كما قال صفي الدين الهندي - إلى أنه لا يُقبل قول الصحابي في أحد الخبرين المتواترين: إنه قَبْل الآخَر لأنه يتضمن نسخ المعلوم بالمظنون، وهو غير جائز. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٤١٧. قال الزركشي - ﵀ - في البحر ٥/ ٣٢٠: \"وجزم القاضي في \"التقريب\" بأنه لا يُقبل قوله\". أي: في الخبرين المتواترين، وهو الذي رجَّحه في \"مختصر التقريب\" ٢/ ٥٤٦، وهو الذي رجَّحه أيضًا الآمدي في الإحكام ٣/ ١٨١، وتوقف ابن الحاجب رحمه الله تعالى. انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ١٩٦، بيان المختصر ٢/ ٥٤٠. أما بالنسبة لقول الصحابي في أحد الخبرين من أخبار الآحاد: إنه قبل الآخر - فإنه يقبل قوله بلا خلاف. انظر: البحر المحيط ٥/ ٣٢٠، المعتمد ١/ ٤١٨، إرشاد الفحول ٢/ ١٢١، (ص ١٩٧).\n(^٢) هذه القاعدة يُعَبَّر عنها بأكثر من عبارة، فمنها: يُغتفر في الشيء ضمنًا ما لا يغتفر فيه قصدًا. ومنها: يُغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل. ومنها: أوائل العقود يُؤكَّد بما لا تُؤكَّد به أواخرها. وأحسن العبارات كما قال السيوطي رحمه الله تعالى: يُغتفر في التوابع ما لا يُغتفر في غيرها. انظر: الأشباه والنظائر ص ١٢٠، وهو التعبير الذي ذكره الشارح رحمه الله تعالى، ونحوه ذكره ابن الوكيل ﵀: ما لا يثبت ابتداءً ويثبت تبعًا. انظر: الأشباه والنظائر لابن الوكيل ٢/ ٤٢٦.","vol":"5","page":1743},{"text":"كما أن الشفعة لا تثبت في الأشجار والأبنية بطريق الأصالة، وتثبت تبعًا للأرض إذا بيعت معها (^١).\nوكما إذا قُطِعت يدُ المحرِم - فإنه لا فدية عليه للشعر الذي عليها والظفر؛ لأنهما هنا تابعان غير مقصودَيْن بالإبانة، وعلى قياس هذا لو كشط جلدة الرأس - فلا فدية (^٢).\nويُشْبه (^٣) هذا بما لو كان تحته امرأتان صغيرةٌ وكبيرة، فأرضعت الكبيرة الصغيرة - فإنه يبطل النكاح ويجب المهر (^٤). ولو قَتَلَتْها لا يجب المهر؛ لأن البُضْع تابعٌ عند القتل غير مقصود (^٥).\nويلتحق به أيضًا ما في الرافعي عن \"التتمة\" مِنْ أنه: لا يجوز توكيل المرأة في الاختيار في النكاح إذا أسلم الكافر على أكثر مِنْ أربع نسوة؛ لأن الفروج لا تستباح بقول النساء. وفي الاختيار للفِرَاق (^٦) وجهان (^٧)؛ لأنه وإن تضمن اختيار الأربع للنكاح فليس أصلًا فيه، بل تابعًا فاغتُفِر (^٨).\n_________\n(^١) انظر: شرح الكوكب ٣/ ٥٦٧، الأشباه والنظائر لابن الوكيل ٢/ ٤٢٨.\n(^٢) انظر: المجموع ٧/ ٢٤٨.\n(^٣) في (غ): \"وشُبِّه\".\n(^٤) أي: مهر الصغيرة.\n(^٥) انظر: الروضة ٢/ ٤١١، المجموع ٧/ ٢٤٨.\n(^٦) أي: في توكيل المرأة في الفراق لمن أسلم وعنده أكثر من أربع نسوة.\n(^٧) انظر: العزيز شرح الوجيز ٥/ ٢١٨.\n(^٨) انظر: الأشباه والنظائر لابن الوكيل ٢/ ٤٢٧، روضة الطالبين ٣/ ٥٣٣، ورجَّح النووي ﵀ عدم صحة اختيارها للفراق.","vol":"5","page":1744},{"text":"وكذلك إذا أذن السيد للعبد في النكاح وأطْلق، فزاد على مهر المثل - فإنَّ الزيادة تجب في ذمته يُتْبع بها إذا عتق (^١) بلا خلاف.\nولا يقال: هل لا جَرَى في ثبوت هذه الزيادة في ذمة العبد بغير إذن السيد - خلافٌ، كما جَرَى فى ضمان العبد بغير إذن السيد؛ لأن الالتزام ها هنا (^٢) جَرَى في ضِمْن عقدٍ مأذون فيه، وقد يمتنع الشيء مقصودًا (^٣)، وإذا حصل في ضمن عقدٍ لم يمتنع. ونظيره يصح خُلع العبد قولًا واحدًا، ويمتنع من تمليك السيد بعقد الهبة على أصح الوجهين (^٤). ومسائل هذا الفصل تخرج عن حَدِّ العدِّ.\nوأما لو قال الراوي: هذا منسوخ - لم يُقبل؛ لجواز أن يقوله عن اجتهاد منه، ولا يلزمنا ذلك الاجتهادُ، أوْ لا يقتضيه رأيُنا (^٥).\n_________\n(^١) في (ص)، و(غ): \"أعتق\".\n(^٢) أي: لأن التزام العبد ها هنا: وهو ثبوت الزيادة على مهر المثل في ذمته، فتلزمه إذا عتق.\n(^٣) كما في ضمان العبد بغير إذن السيد، فالعبد قصد ان يلتزم وأن يضمن في ذمته، وهذا ممتنع؛ لأن العبد ممنوع من الملك.\n(^٤) أي: أن العبد يملك المال بسبب الخُلْع، ولكنه لا يملك أن يهبه لسيده بعقد الهبة. فَمَلَك العبد بالخُلْع، ولم يُمَلِّك بالهبة؛ لأن مِلكه بالخلع تابع غير مقصود، فالمقصود هو مخالعة الزوجة، ومِلْك المال تابع لذلك، بخلاف الهبة فالتمليك فيها هو المقصود.\n(^٥) هذا هو رأي الجمهور، وسواء عندهم ذَكَر الناسخ أو لم يذكره، وينظر في حالة ذِكْر الناسخ، فإن كان هناك دليل يدل على النسخ عمل به، وإلا فلا. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٦٦، نهاية الوصول ٦/ ٢٤١٦، البحر المحيط ٥/ ٣٢١، الإحكام ٣/ ١٨١، إحكام الفصول ص ٤٢٧، شرح التنقيح ص ٣٢١، نشر البنود ١/ ٣٠٤ نثر الورود ١/ ٣٥٨، الوصول إلى الأصول ٢/ ٦٠.","vol":"5","page":1745},{"text":"وقال الكرخي: إنْ عَيَّن الراوي الناسخ، كقوله: هذا نَسَخ هذا - فالأمر كذلك؛ لجواز أن يقوله عن اجتهاد. وإن لم يُعيِّنه، بل اقتصر على قوله: هذا منسوخ - قُبِل؛ لأنه لولا ظهور النسخ فيه لما أطلق النسخ إطلاقًا (^١).\nقال الإمام: \"وهذا ضعيف، فلعله قاله لقوة ظنِّه في أن الأمر كذلك، وليس كذلك (^٢). وبالله التوفيق والعون\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر: المعتمد ١/ ٤١٨، والمراجع السابقة. قال الزركشي ﵀: \"وحكى الدبوسي في \"التقويم\" هذا التفصيل عن أبي عبد الله البصري\". البحر المحيط ٥/ ٣٢١. ومذهب الحنفية هو وجوب الأخذ بقول الصحابي مطلقًا، عيَّن الناسخ أو لم يعينه. انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٢٢، فواتح الرحموت ٢/ ٩٥، سلم الوصول ٢/ ٦٠٨، الوصول إلى الأصول ٢/ ٦٠. ومذهب الحنفية هو رواية عن أحمد - ﵁ -، ذكرها ابن عقيل وغيره، وصار إليها أبو الخطاب الكلوذاني رحمه الله تعالى، ومذهب الحنابلة عكس مذهب الكرخي، وهو أن الراوي إن عيَّن الناسخ قُبل قوله، وإن لم يعيِّنه لم يُقبل. قال القاضي أبو يعلى: أومأ إليه أحمد. وقال المجد بن تيمية - رحمه الله تعالى - في الصحابي إذا قال: هذه الآية منسوخة، يعني: ولم يُبَيِّن الناسخ: \"وعندي أنه إن كان هناك نص آخر يخالفها - فإنه يُقبل قوله في ذلك؛ لأن الظاهر أن ذلك النص هو الناسخ، ويكون حاصلُ قول الصحابي الإعلامَ بالتقدم والتأخر، وقوله يُقبل في ذلك\". المسودة ص ٢٣٠، وانظر: العدة ٣/ ٨٣٥، المسودة ص ٢٣٠ - ٢٣١، شرح الكوكب ٣/ ٥٦٦ - ٥٦٨، مختصر ابن اللحام ص ١٤٠ - ١٤١.\n(^٢) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٥٦٧.\n(^٣) في [ص ١/ ٥٣٧] بعد هذا: \"تَمَّ الجزء الأول من تجزئة المصنف، فسح الله في مدته\". وفي أسفل اللوحة منها: \"تم بحمد الله وعونه على يد كاتبه محمد علي يس الأجهوري بلدةً، الشافعي مذهبًا، في صباح يوم الخميس ٢١ ربيع الأول، سنة ١٣٣١، غفر له ولوالديه والمسلمين أجمعين يا رب العالمين\". ونقول كما قال البناني رحمه الله تعالى في حاشيته على المحلي (٢/ ٩٤) في آخر النسخ: \"نسخ الله سيئاتنا بالحسنات، وختم أعمالنا بالصالحات\".","vol":"5","page":1746},{"text":"الكتاب الثاني: السنة\nالباب الأول: أفعاله - ﷺ -","vol":"5","page":1747},{"text":"قال ﵀: <span data-type=\"title\" id=toc-459>(الكتاب الثاني: في السنة</span>.\nوهي: قول الرسول - ﷺ - أو فعله. وقد سَبَق مباحث القول. والكلامُ في الأفعال وطرق (^١) ثبوتها، وذلك في بابين: الباب الأول: في أفعاله، وفيه مسائل الأولى: أن الأنبياء ﵈ معصومون لا يَصْدر عنهم ذنب إلا الصغائر (^٢) سهوًا والتقرير مذكور في كتاب \"المصباح\").\nالسنة في اللغة: الطريقة والسيرة (^٣).\nوفي الاصطلاح: ما ترجَّح جانبُ وجوده على جانب عدمه ترجيحًا (^٤) ليس معه المنع من النقيض (^٥).\nوتطلق السنة على: ما صدر عن النبي - ﷺ - من الأقوال والأفعال التي ليست للإعجاز. وهذا هو المراد هنا. ويدخل في الأفعال التقرير؛ لأنه كَفٌّ عن الإنكار، والكفُّ فِعلٌ على المختار، كما سبق (^٦).\n_________\n(^١) في (ص): \"وطريق\".\n(^٢) في (غ): \"صغائر\".\n(^٣) حسنة كانت أو قبيحة. انظر: لسان العرب ١٣/ ٢٢٥، المصباح المنير ١/ ٣١٢، مادة (سنن).\n(^٤) في (ص): \"ترجحًا\".\n(^٥) ذكر الزركشي هذا التعريف بحروفه، ونقله عنه الشوكاني. انظر: البحر المحيط ٦/ ٦، إرشاد الفحول ١/ ١٥٦. والظاهر أن هذا التعريف على اصطلاح الفقهاء فإنهم عرفوها: بأنها ما ليس بواجب. انظر: البحر ٦/ ٥، إرشاد الفحول ١/ ١٥٥، قال الكمال بن الهمام عن تعريف السنة في فقه الحنفية: \"وفي فقه الحنفية: ما واظب على فعله مع تركٍ ما بلا عذر\". انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٠.\n(^٦) ويدخل في الأفعال أيضًا الهمُّ والإشارة، إذ الهمُّ نفسيٌّ كالكف عن الإنكار، والإشارة فعل الجوارح. فإذا هَمّ بشيءٍ وعاقه عنه عائق، أو أشار لشيء - كان ذلك الفعل =","vol":"5","page":1749},{"text":"فإذا أردنا تعريف السنة التي عقد لها هذا الكتاب - قلنا: هي الشيء الصادر عن محمد المصطفى - ﷺ - لا على وجه الإعجاز (^١).\nوقد سبقت مباحث القول بأقسامها: من الأمر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ.\nوكلامنا الآن في الأفعال، والباب الأول معقود لها. وفي الطرق التي يُتوصل بها إلى ثبوت الأفعال، والباب الثاني مَعْقُودٌ لذلك.\nوفي الباب الأول مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-461>(الأولى: في عصمة الأنبياء (^٢) عليهم الصلاة والسلام)</span>.\n_________\n= مطلوبًا شرعًا؛ لأنه لا يَهُمُّ ولا يشير إلا بحق، وقد بعث - ﷺ - لبيان الشرعيات، ومُثِّل الهم بهمه - ﷺ - بجَعْل أسفل الرداء أعلاه في الاستسقاء، فنقل عليه فتركه، كما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما. ومُثِّل للإشارة بإشارته لكعب بن مالك أن يضع الشطر من دَيْنه على ابن أبي حدرد، كما في الصحيحين. انظر: حاشية البناني على المحلي ٢/ ٩٤ - ٩٥.\n(^١) انظر: الإحكام ١/ ١٦٩، منتهى الوصول ص ٤٧، المحلي على الجمع ٢/ ٩٤، شرح الكوكب ٣/ ١٦٠، تيسير التحرير ٣/ ١٩، فواتح الرحموت ٢/ ٩٧، نشر البنود ٢/ ٩.\n(^٢) قال الجرجاني: \"العصمة: ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها\". التعريفات ص ١٣١. وقريب منه ما في التحرير وشرحه التيسير ٣/ ٢٠: \"خلق مانع من المعصية غير ملجئ إلى تركها. وإلا يلزم الاضطرار المنافي للابتلاء والاختيار\". ولهذا قال أبو منصور الماتريدي رحمه الله تعالى: \"العصمة لا تزيل المحنة\". انظر: حاشية البناني على المحلي ٢/ ٩٥. وانظر: البحر المحيط ٦/ ١٧، شرح الكوكب ٢/ ١٦٧.","vol":"5","page":1750},{"text":"واعلم أن الكلام في هذه المسألة محله علم الكلام (^١)، واختيار (^٢) المصنف قد عرفته (^٣)، وهو رأي جماعات (^٤). ويُشترط عند مَنْ يقول\n_________\n(^١) قال الزركشي ﵀: \"وعادتهم (أي: عادة الأصوليين) يقدمون عليها (أي على مبحث الأفعال) الكلام على العصمة؛ لأجل أنه ينبني عليها وجوب التأسي بأفعاله\". البحر المحيط ٦/ ١٣. قال المطيعي ﵀: \"لكن كان الأليق أن تذكر في المبادئ الكلامية؛ لكونها من المبادئ العامة؛ لتوقف الأدلة على عصمة رسول الله - ﷺ -، فكما يتوقف عليها حجية السنة يتوقف عليها حجية القرآن والإجماع والقياس، فالعصمة أصل في حجية القرآن، وحجيته أصل في حجية ما عداه من الثلاثة الأدلة\" سلم الوصول ٣/ ٦، وما قاله المطيعي مستفاد من فواتح الرحموت ٢/ ٩٧.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"والذي اختاره\".\n(^٣) انظره في مطالع الأنظار شرح طوالع الأنوار ص ٤٢٨.\n(^٤) منهم الإمام، يقول في كتاب: \"عصمة الأنبياء\" ص ٤٠: \"والذي نقول: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون في زمان النبوة عن الكبائر والصغائر بالعمد، أما على سبيل السهو فهو جائز\". وانظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٤٤، ونسب المحلي هذا القول إلى الأكثر، باستثناء الصغائر التي تدل على الخسة، كسرقة لقمة، والتطفيف بتمرة. انظر: شرح المحلى على الجمع ٢/ ٩٥. وذهب الأكثرون من الأشاعرة والمعتزلة وابن عقيل والقاضي إلى جواز وقوع الصغائر عمدًا وسهوًا. وقد وقع الإجماع على عصمتهم من فعل الكبائر عمدًا، ولا عبرة بخلاف الحشْوية وبعض الخوارج، حكى القاضي الإجماع على ذلك. وكذا اتفقت الأمة على عصمتهم عن تعمد ما يُوجب الخسة والدناءة لفاعله، واختلفوا في حالة السهو: فذهب الأكثرون إلى جوازه، وقال به القاضي أبو يعلى من الحنابلة، وابن حزم من الظاهرية. انظر: نهاية الوصول ٥/ ٢١١٨، الإحكام ١/ ١٧٠، التلخيص ٢/ ٢٢٦، البحر المحيط ٦/ ١٤، تيسير التحرير ٣/ ٢١، شرح الكوكب ٢/ ١٧٢، نشر البنود ٢/ ١٠، نثر الورود ١/ ٣٦١، السراج الوهاج ٢/ ٦٩١، نهاية السول ٣/ ٦، الوصول إلى الأصول ١/ ٣٥٥، إرشاد الفحول ص ٣٣، الجامع لأحكام القرآن ١/ ٣٠٨، شرح الجوهرة =","vol":"5","page":1751},{"text":"بوقوع ذلك بطريق السهو أن يحصل الذكر (^١).\nوالذي نختاره نحن، وندين الله تعالى به (^٢): أنه لا يصدر عنهم ذنبٌ لا صغير ولا كبير، لا عمدًا ولا سهوًا (^٣) وأن الله تعالى نزَّه ذواتهم الشريفة عن صدور النقائص. (و(^٤) هذا هو اعتقاد والدي أحسن الله إليه) (^٥)، وعليه جماعةً: منهم القاضي عياض بن محمد اليَحْصُبي (^٦)، ونَصَّ على القول به الأستاذ أبو إسحاق في كتابه في (^٧) أصول الفقه (^٨)، وزاد أنه يمتنع عليهم\n_________\n= ص ٢٧٤، رقم البيت (٥٩)، المستصفى ٣/ ٤٥١ (٢/ ٢١٢)، الفصل في الملل والنحل ٤/ ٢، الشفا بشرح القاري ٢/ ٢٥٦.\n(^١) يعني: أن يحصل التذكر بعد السهو، فيتركون ما فعلوه سهوًا. أو ينبهون لينتبهوا ويتداركوا ما وقع لهم من السهو. انظر: الشفا بشرح ملا علي قاري ٢/ ٢٦٩، المسودة ص ١٩٠.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) قبل النبوة وبعدها. انظر: الشفا بشرح القاري ٢/ ٢٦٤.\n(^٤) سقطت الواو من (ت).\n(^٥) في (ص): \"وهذا هو اعتقاد الشيخ الإمام الوالد أيده الله\".\n(^٦) انظر: الشفا بشرح القاري ٢/ ٢٦٤.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) انظر الشفا بشرح القاري ٢/ ٢٦٨، وقال به أيضًا أبو الفتح الشهرستاني. كما قال الشارح في جمع الجوامع. انظر: المحلي على الجمع ٢/ ٩٥. ونسبه الزركشي إلى أبي محمد بن عطية المفسِّر، وكذا ابن النجار، وزاد بنسبته أيضًا إلى شيخ الإسلام البُلقيني، وبعض الحنابلة. انظر: البحر المحيط ٦/ ١٦، شرح الكوكب ٢/ ١٧٤، ١٧٦. وهو الذي اختاره المطيعي في سلم الوصول ٣/ ٨، والبناني في حاشيته على =","vol":"5","page":1752},{"text":"النسيان أيضًا (^١).\nوأما دعوى الإمام في الكلام على (^٢) الطرق الدالة على القطع بصحة الخبر مما عدا المتواتر في الكلام على خبر الرسول - ﷺ -: أنَّه وقع الاتفاق على جواز السهو والنسيان (^٣) - فهي دعوى غير سديدة، لما حكاه الأستاذ وذهب إليه.\nوالمصنف أحال الكلام في هذه المسألة على كتابه \"مصباح الأرواح\".\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-462>(الثانية: فِعْله المجرد يدل على الإباحة عند مالك</span>، والندب\n_________\n= المحلي ٢/ ٩٥. تنبيه: السهو الممنوع في حق الأنبياء عند هؤلاء هو ما لم يترتب عليه تشريع، وأما السهو المترتب عليه تشريع فجائز، كما وقع له - ﷺ - من قيامه من ركعتين، وسلَّم معتقدًا التمام.\nانظر: حاشية البناني ٢/ ٩٥. وقريبٌ من هذا الكلام: أن المعصوم منه هو السهو الشيطاني لا الرحماني.\n(^١) وذهبت إليه طائفة، كما قال القاضي عياض رحمه الله تعالى. انظر: الشفا بشرح القاري ٢/ ٢٧٠. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرح حديث نسيانه ﵌ في الصلاة وقوله: \"إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به،. ولكن إنما أنا بشرٌ مثلكم، أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكِّروني\" الحديث، قال الحافظ: \"فيه دليل على جواز وقوع السهو من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأفعال. قال ابن دقيق العيد: وهو قول عامة العلماء والنظار، وشذت طائفة فقالوا: \"لا يجوز على النبي - ﷺ - السهو، وهذا الحديث يرد عليهم لقوله - ﷺ - فيه: \"أنسى كما تنسون\"، ولقوله: \"فإذا نسيت فذكروني\" أي: بالتسبيح ونحوه\". فتح الباري ١/ ٥٠٤. وانظر: البحر المحيط ٦/ ١٨، المسودة ص ١٩٠.\n(^٢) في (ت): \"في\".\n(^٣) انظر: المحصول ٢ / ق ١/ ٣٩٨.","vol":"5","page":1753},{"text":"عند الشافعي، والوجوب عند ابن سريج وأبي سعيد الإصْطَخْرِيّ، وتوقف الصيرفي وهو المختار؛ لاحتمالها (^١)، واحتمال (أن يكون) (^٢) من خصائصه).\nفعل النبي - ﷺ - (على أقسام) (^٣):\nالأول: أن يدل دليل آخر أو قرينة معه على أنه للوجوب، كقوله - ﷺ - \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" (^٤)، وقوله ﵇: \"خذوا عني مناسككم\" (^٥) فإن هذين الحديثين (^٦) يدلان على وجوب اتباعه في أفعال الصلاة، وأفعال الحج إلا ما خصه الدليل. والقول في هذا القسم متضح، فإنه على حسب ما يقوم الدليل أو القرينة عليه وفاقًا (^٧).\nالثاني: ما عُلم أنه - ﷺ - فَعَله بيانا لشيءٍ، نحو: قَطْعه يدَ السارق من الكوع (^٨)، إذ فَعَله بيانًا لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا\n_________\n(^١) الضمير يعود إلى الإباحة، والندب، والوجوب.\n(^٢) في (ص): \"أن تكون\". وهو خطأ؛ لأن الضمير يعود إلى فعله المجرد.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) سبق تخريجه.\n(^٦) في (ت)، و(غ): \"الخبرين\".\n(^٧) انظر: الإحكام ١/ ١٧٣، نهاية السول ٣/ ١٨، شرح اللمع ١/ ٥٤٥، اللمع ص ٦٨، البحر المحيط ٦/ ٢٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٠، تيسير التحرير ٣/ ١٢٠، شرح التنقيح ص ٢٨٨، التلخيص ٢/ ٢٢٩، إحكام الفصول ص ٣٠٩، شرح الكوكب ٢/ ١٨٥.\n(^٨) جاء في الأحاديث قطعه من المِفْصل وهو بمعناه، أخرجه الدارقطني في سننه في كتاب الحدود ٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥، حديث رقم ٣٦٣. وابن عدي في الكامل ٣/ ٩٠٨، في =","vol":"5","page":1754},{"text":"أَيْدِيَهُمَا﴾ (^١) (^٢).\nالثالث: ما عُرف بالقرينة أنه للإباحة، كالأفعال الجبليَّة نحو: القيام والقعود، والأكل والشرب، وغير ذلك. وأمره واضح، إلا أن التأسي مستحب (^٣). وقد كان ابن عمر﵁ - لما حج يجر خطام ناقته حتى يُبْرِكها في موضعٍ بركت فيه ناقة النبي - ﷺ -؛ تبركًا بآثاره الطاهرة (^٤)، ومواطئ (^٥)\n_________\n= ترجمة خالد بن عبد الرحمن أبي الهيثم الخراساني. وانظر: بيان الوهم والإيهام لابن القطان ٣/ ٢٤١، حديث رقم ٩٧٥، ونصب الراية ٣/ ٣٧٠. قال ابن كثير في تحفة الطالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب ص ١٣٠ - ١٣٢: \"أما القطع من الكوع فلم أَرَ في حديثٍ أن رسول الله - ﷺ - أمر بقطع يدِ سارقٍ من كوعه إلا ما رَوَى ابن عديٍّ من حديث خالد بن عبد الرحمن المروزي الخراساني ثنا مالك عن ليث عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو قال: قطع النبي - ﷺ - سارقًا من المفصل. وهذا إسناد حسن. ومالكٌ هذا هو مالك بن مِغْوَل\".\n(^١) سورة المائدة: الآية ٣٨.\n(^٢) وهذا القسم متفق عليه أيضًا، فحكم فعله ﵌ على حسب حكم المبيَّن. انظر: المراجع السابقة.\n(^٣) قال بهذا قوم، منهم بعض المالكية، وعزاه أبو إسحاق الإسفراييني لأكثر المحدثين.\nانظر: التلخيص ٢/ ٢٢٩، إحكام الفصول ص ٣٠٩، شرح التنقيح ص ٢٨٨، البحر المحيط ٦/ ٢٣، شرح الكوكب ٢/ ١٧٨، العدة ٣/ ٧٣٤، البرهان ١/ ٤٨٧، المنخول ص ٢٢٥، تيسير التحرير ٣/ ١٢٠. وذهب الجمهور إلى أن هذا القسم مباح، أي: لا يندب التأسي به فيه. انظر: المراجع السابقة.\n(^٤) في (ص): \"الظاهرة\".\n(^٥) في (ص): \"ومواطن\".","vol":"5","page":1755},{"text":"نعاله الشريفة (^١).\nالرابع: ما عُرف أنه مخصوص به، كالضُّحى، والأضحى (^٢) (^٣).\nالخامس: ما عُرِف أنه غير مخصوصٍ به كأكثر التكاليف.\nفهذه الأقسام كلها ليس فيها شيء من الخلاف، وأمرها واضح، وكل هذه الأقسام خرجت بقول المصنف: \"فعله المجرد\"، فافهم ذلك.\nالسادس: ما تجرد عن جميع ما ذكرناه، إلا أن قصد القربة ظاهر فيه (^٤). فهذا ليس أيضًا مجردًا من كل وجه.\nولك أن تقول: إنه يخرج أيضًا بقول المصنف: \"المجرد\" (^٥). وفي هذا\n_________\n(^١) انظر: الحلية ١/ ٣١٠، أسد الغابة ٣/ ٢٣٧، سير أعلام النبلاء ٣/ ٢١٣، البحر المحيط ٦/ ٢٣، شرح الكوكب ٢/ ١٧٩. وعن عائشة ﵂ قالت: \"ما كان أحد يتبع آثار النبي - ﷺ - في منازله كما كان يتبعه ابن عمر\". أخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/ ١٤٥. وأخرج أبو نعيم في الحلية (١/ ٣١٠) عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه كان في طريق مكة يأخذ برأس راحلته يَثْنيها ويقول: \"لعل خُفًّا يقع على خُفّ\" يعني: خُفَّ راحلة النبي - ﷺ -.\n(^٢) أي: التضحية يوم النحر. انظر: نهاية المحتاج ٦/ ١٧٥، الخصائص الكبرى للسيوطي ٢/ ٢٢٩، كشاف القناع ٥/ ٢٣.\n(^٣) انظر: البحر المحيط ٦/ ٢٧.\n(^٤) أي: في حقه ﵌.\n(^٥) الأقرب أن المراد بالمجرد: ما لا يدل على حكم بخصوصه من وجوب، أو ندب، أو إباحة. فلا يخرج الفعل مجهول الصفة، والذي ظهر فيه قصد القربة، أي: ظهر فيه وصف مطلق القربة. انظر: سلم الوصول ٣/ ١٩، ٢١.","vol":"5","page":1756},{"text":"القسم اختلاف (^١) لنا غرض في تأخير حكايته إلى سابع الأقسام.\nالسابع: ما لم يظهر فيه قصد القربة، بل كان مجردًا مطلقًا (^٢). فهذا\n_________\n(^١) بل هو العمدة في هذه المسألة.\n(^٢) الفعل المبتدأ غير معلوم الصفة نوعان: أحدهما: ما ظهر فيه قصد القربة. والثاني: ما لم يظهر فيه قصد القربة. قال أبو شامة رحمه الله تعالى في \"المحقَّق من علم الأصول\" ص ٦٢: \"فأما ما ظهر فيه قصد القربة فهو عمدة هذا الباب، والمقصود الأصلي بهذه التقسيمات، والذي اضطرب فيه الفقهاء أرباب المذاهب والأصوليون، ففيه سبعة مذاهب\". ثم قال بعد ذلك في النوع الثاني: وهو ما لم يظهر فيه قصد القربة: \"وقد ألحقه قومٌ بما ظهر فيه قَصْدُ القربة، فأجْرَوا فيه ذلك الخلاف\". ص ٦٩. واكتفى أبو شامة بهذا، وهو يدل على ترجيحه لهذا الإلحاق، بل يدل على عدم وجود خلاف أصلًا في هذا الإلحاق؛ إذ لو كان هناك مخالِفٌ لذكره، وهو في مَعْرِض الاستقصاء وذِكْر كلِّ ما يتعلق بالمسألة، فكيف بهذا الإلحاق المهم، والذي به تتضح صورة المسألة، ومحل النظر فيها، وموطن الترجيح في شقيها! . وغاية ما يدل عليه كلامه السابق - والله أعلم - هو أن كثيرًا من العلماء لم ينصوا على حكم هذا القسم، فقال عن البعض الذي نَصَّ عليه: إنه ألحقه بالقسم الآخر الذي ظهر فيه قصد القربة. وقال أيضًا عن هذين القسمين في ص ٧١: \"وأما القسمان الآخران: وهما الفعل المبتدأ الذي ظهر فيه قَصْد القربة، والذي لم تظهر فيه - فقد نُقلت فيهما سبعة مذاهب\". وهذا التوحيد للأقوال في المسألة للقسمين تصريح بأنهما نوعان لقسم واحد، وأن الذي يقول بقول في أحدهما يقول بمثله في الآخر، ما لم يُصرِّح بخلافه. بل إلحاق ما لم يظهر فيه قصد القربة بما ظهر فيه - هو إلحاق بطريق الأولى؛ لأن الخلاف إذا كان موجودًا فيما ظهر فيه قصد القربة - فلأن يُوجد في الفِعْل الذي لا يظهر فيه قصد القربة، وهو مجهول الصفة بالكلية من باب أولى. فكل خلاف مذكور في أحد القسمين يكون مثله في الآخر، ما لم يُصَرَّح بالتفريق، والجامع بين القسمين هو الجهل بدلالة الفعل على حكمٍ معيَّن. وقد تبع أبو شامة - ﵀ - شيخَه الآمدي - ﵀ - في هذا الإلحاق، إذ قال في الإحكام ١/ ١٧٤: \"وأما ما لم يظهر فيه =","vol":"5","page":1757},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قصد القربة: فقد اختلفوا أيضًا فيه على نحو اختلافهم فيما ظهر فيه قصد القربة، غير أن القول بالوجوب والندب فيه أبعدُ مما ظهر فيه قصد القربة، والوقف والإباحة أقرب\". وقد نقل القرافي - ﵀ - هذا الكلام عن الآمدي، ولم يعترض عليه. انظر: نفائس الأصول ٥/ ٢٣١٧ - ٢٣١٨، وكذا ابن الحاجب - ﵀ - تابع الآمدي في جَعْل الخلاف واحدًا في القسمين، واختار التفصيل. انظر: منتهى السول والأمل ص ٤٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٢. وقد سبقهم بذلك القاضي أبو بكر ﵀، إذ قال: \"ولو صدر فِعْلُ رسول الله - ﷺ - في مَعْرِض القُرَب، أو بَدَر منه مطلقًا، أو لم يتقيَّد بقيود القُرَب ولا بقيود الإباحة، وتقابلت فيه الجائزات - فهذا موقع اختلافهم. . .\". التلخيص ٢/ ٢٣٠. وإمام الحرمين ﵀، حكى القسمين في البرهان (١/ ٤٨٨) وجعل الأقوال المذكورة في القسم الأول هي الأقوال المذكورة في الآخر، واختار ﵀ التفصيل، كما سيأتي النقل عنه. وتبعه الغزالي في المنخول ص ٢٢٦، فذكر القسمين، واختار التفصيل الذي اختاره شيخه. ويدل على هذا الإلحاق أيضًا إطلاق بعض العلماء المسألة فيما جُهلت صفته دون تقييدها بظهور قَصْد القربة أو عدم ظهوره. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٤٥، الحاصل ٢/ ٦٢٣، التحصيل ١/ ٤٣٤، نهاية الوصول ٥/ ٢١٢١ (بل سيأتي النقل عن صفي الدين ﵀ أنه صَرَّح بالتسوية بين القسمين في الخلاف عند العلماء)، المستصفى ٣/ ٤٥٥ - ٤٥٦، العدة ٣/ ٧٣٥، التمهيد ٢/ ٣١٧، تيسير التحرير ٣/ ١٢٢ - ١٢٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٨١ (وفي كلام الحنفية ما يدل على أن الخلاف واحد في القسمين)، مراقي السعود مع نشر البنود ٢/ ١٧. قال عبد الله العلوي في نشر البنود ٢/ ١٨: \"وذكر حلول عن بعض أصحابنا: أنه إن ظهر قصد القربة فللندب، وإلا فللإباحة. والقول الأول القائل بالوجوب سواء عنده ظهر قَصْدُ القربة أم لا\"، فجعل القائل بالوجوب قائلًا به في القسمين، مع أنه من في النظم أطلق ولم يُقَسِّم. وقال الشيخ المطيعي ﵀ في سلم الوصول ٣/ ٢٠: \"لا فرق في هذه المذاهب بين أن يظهر قصد مُطْلق القربة، وبين ما إذا جُهلت صفته بالكلية، ويدل لهذا ما قاله صاحب جمع الجوامع حكاية للخلاف. . .\" وانظر: الجمع مع شرح المحلي ٢/ ٩٩. وقد أطلت في هذه المسألة للحاجة الملحة فيها؛ إذ لم أجد من الباحثين المعاصرين =","vol":"5","page":1758},{"text":"أمره دائر بين الوجوب والندب والإباحة؛ لأن المحرَّم يمتنع صدوره عنه، لما تقرر في مسألة (^١) عصمة الأنبياء ﵈، والمكروه يندر وقوعه من آحاد عدول (^٢) المسلمين، فكيف من سيد المتقين، وإمام المرسلين! والذي نراه أنه لا يصدر منه، وأنه من جملة ما عُصم عنه (^٣)، وإذا دار الأمر بين هذه الأمور - فهل يدل على واحدٍ منها؟ هذه مسألة الكتاب، وفيها مذاهب:\nأحدها: أنه يدل على الإباحة. وهو مذهب مالك (^٤) وتابعه في ذلك\n_________\n= مَنْ تعرض لها، وبعضهم ظن أن كلام بعض العلماء مخصوص بأحد القسمين دون الآخر؛ لأن كلامهم يُوهم ذلك، وهو يرى في نفس الوقت البعض الآخر يُعَمِّمه في القسمين؛ فظن أن هناك تعارضًا ولبسًا في المسألة، والواقع أنه لا تعارض ولا لبس.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٣) انظر: الشفا بشرح القاري ٢/ ٢٥٩، ٢٦١. قال المحلي في شرحه على الجمع ٢/ ٩٧: \"وخلاف الأولى مثل مكروه، أو مندرج فيه\". وقال البناني رحمه الله تعالى في حاشيته على المحلي ٢/ ٩٦: \"وما يفعله مما هو مكروه في حقنا فغير مكروه في حقِّه؛ لأنه يقصد به بيان الجواز، بل قد يجب فعله إذا توقف البيان عليه، وقد حكى النووي عن العلماء في وضوئه ﵊ مرةً مرةً، ومرتين مرتين: أنه أفضل في حقه من التثليث؛ للبيان\". انظر: شرح الكوكب ٢/ ١٩٢، المسودة ص ١٨٩، البحر المحيط ٦/ ٢٢، شرح التنقيح ص ٢٩٢، نشر البنود ٢/ ١٣، أفعال الرسول - ﷺ - ١/ ١٦٦، د. محمد الأشقر.\n(^٤) هذه النسبة ذكرها الإمام في المحصول ١/ ق ٣/ ٣٤٦، وتابعه عليها تاج الدين في الحاصل ٢/ ٦٢٤، وسراج الدين في التحصيل ١/ ٤٣٥، وصفي الدين الهندي في نهاية الوصول ٥/ ٢١٢٢، ونسبها أيضًا الآمدي في الإحكام ٣/ ١٧٤، ونسبها =","vol":"5","page":1759},{"text":"جماعة من الأئمة (^١)، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= العلوي في مراقي السعود بصيغة التمريض فقال: \"وقد رُوي عن مالكِ الأخيرُ\" البيت. انظر: نشر البنود ٢/ ١٩ وأولى من هذا التضعيف التوهيم؛ إذ قال القرطبي - رحمه الله تعالى - عن هذا النقل: \"وليس معروفًا عند أصحابه\". البحر المحيط ٦/ ٣٣، وكذا قال القرافي - رحمه الله تعالى - في نفائس الأصول ٥/ ٢٣١٨: \"الذي نقله المالكية في كتب الأصول والفروع عن مالك هو الوجوب، كذلك نقله القاضي عبد الوهاب في \"الإفادة\"، والباجي في \"الإشارة\"، وكتاب \"الفصول\"، وابن القصار، وغيرهم. والفروع في المذهب مبنية عليه\"، وهو الذي نقله القاضي في \"مختصر التقريب\" ٢/ ٢٣١، وانظر: مفتاح الوصول ص ٩٧ - ٩٨. وهذا التضعيف الذي قاله عبد الله العلوي - ﵀ - في \"مراقي السعود\" سببه ما ذكره الإمام في \"المحصول\" والآمدي في \"الإحكام\"، كما ذكر العلوي هذا في شرحه \"نشر البنود\" ٢/ ١٩، مع أن الذي ذكره: هو أن إمام الحرمين والآمدي رويا عن مالك - ﵁ - ذلك. ولعل هذا سهو من النساخ، إذ إمام الحرمين ﵀ لم يذكر ذلك، وبكل حال فما ذكره الإمام والآمدي نقل مجرد لا رواية يُعتمد عليها في إثبات رأي إمام كمالك - ﵁ -، له أصحابه وأتباعه الذين هم أعرف بأقواله وما رُوي عنه، لا سيما وأن بعض أتباعه نفى ذلك عنه. على أن الشيرازي رحمه الله تعالى نسب الوجوب إلى مالك - ﵁ -. انظر: اللمع ص ٦٨، وشرح اللمع ١/ ٥٤٦، وكذا نسبه ابن السمعاني في القواطع ٢/ ١٧٦، وكذا الزركشي في البحر ٦/ ٣٢، ونَقَل عن القاضي أبي بكر وابن خُوَيْز مَنْداد أنهما صحَّحا الوجوب عن مالك - ﵁ -. فتبيَّن بهذا - والله أعلم - وَهَم هذه النسبة التي ذكرها الشارح متابعًا فيها المذكورين.\n(^١) هو الصحيح عند أكثر الحنفية، وهو مختار أبي بكر الجصاص وفخر الإسلام وشمس الأئمة والقاضي أبي زيد من الحنفية. وهو الراجح عند بعض الحنابلة، واختاره المجد ابن تيمية رحمه الله تعالى ونسبه إلى الجمهور. وبه قال إمام الحرمين، وابن الحاجب. انظر: تيسير التحرير ٣/ ١٢٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٨١، كشف الأسرار ٣/ ٢٠١، المسودة ص ١٨٧، ١٨٩، شرح الكوكب ٢/ ١٨٩، البرهان =","vol":"5","page":1760},{"text":"(وجزم به الآمدي (^١» (^٢).\nوالثاني: أنه يدل على الندب. وهو المنسوب إلى الشافعي (^٣) رضوان الله عليه، واختاره إمام الحرمين (^٤)، وبه قالت طوائف من الأئمة (^٥) ونقله\n_________\n= ١/ ٤٩٤، ٤٩٥، منتهى السول والأمل ص ٤٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، البحر المحيط ٦/ ٣٣.\n(^١) انظر: الإحكام ١/ ١٧٤.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٤٦، الحاصل ٢/ ٦٢٤، التحصيل ١/ ٤٣٤، نهاية الوصول ٥/ ٢١٢١، وقال إمام الحرمين وابن القشيري رحمهم الله تعالى: \"في كلام الشافعي ما يدل عليه\" البرهان ١/ ٤٨٩، البحر المحيط ٦/ ٣٣. لكن يظهر من الزركشي ميله إلى أن رأي الشافعي - ﵁ - هو الوجوب، إذ قال في قول الوجوب: \"وقال سليم: \"إنه ظاهر مذهب الشافعي\". ونصره ابن السمعاني في \"القواطع\"، وقال: \"إنه الأشبه بمذهب الشافعي\"، لكنه لم يتكلم إلا فيما ظهر فيه قصد القربة. واختاره أبو الحسين بن القطان ونَصَر أدلته، قال: وأخذوه من قول الشافعي في الرد على أهل العراق في سنن النبي - ﷺ - وأوامره. . .\". البحر المحيط ٦/ ٣٢، ولم يتعقب الزركشي هذا النقل، ولم يصرِّح في قول الندب بأنه مذهب الشافعي، بل اكتفى بنقل ما قاله ابن القشيري، الذي سبق نقله. وانظر: القواطع ٢/ ١٧٧.\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٤٩١ - ٤٩٣، لكن هذا بالنسبة للمجرد الذي ظهر فيه قصد القربة، أما المجرد الذي لم يظهر فيه قصد القربة فحكمه الإباحة عند إمام الحرمين، وهو الذي عزوته إليه سابقًا. فإمام الحرمين ممن يفصِّل بين الحالتين، ومثله الغزالي في المنخول ص ٢٢٦، والآمدي وابن الحاجب - رحمهم الله تعالى - المجرد الذي لم يظهر فيه قصد القربة حكمه عندهم الإباحة، والذى ظهر فيه قصد القربة فهو مندوب التأسي به ﵌.\n(^٥) هو رواية عن أحمد - ﵁ -، اختارها بعض أصحابه. وذهب إليه بعض المالكية واختاره أبو نصر بن القشيري، وهو مذهب أهل الظاهر، وبه قال ابن حزم رحمه الله تعالى. =","vol":"5","page":1761},{"text":"القاضي أبو الطيب عن أبي بكر القفال، وعن الصيرفي. وسيأتي النقل عن الصيرفي بالوقف (^١).\nوالثالث: أنه يدل على الوجوب. وبه قال ابن سريج، وأبو سعيد الإصْطَخْرِيّ، وابن خَيْران، وابن أبي هريرة (^٢)، والحنابلة (^٣)، وكثير من\n_________\n= قال الزركشي ﵀: \"وقال الماوردي والرُّوياني: إنه قول الأكثرين. وأطنب أبو شامة في نصرته\" البحر المحيط ٦/ ٣٣. وقال أبو شامة في \"المحقق من علم الأصول\" ص ٦٦: \"وهو مذهب المحققين من أهل الآثار\". وانظر: العدة ٣/ ٧٣٧، المسودة ص ١٨٧، شرح الكوكب ٢/ ١٨٨، إحكام الفصول ص ٣١٠، الإحكام لابن حزم ٤/ ٤٥٨، المحقَّق من علم الأصول ص ٦٧.\n(^١) وهو الصحيح عنه، كما نقله الزركشي في البحر ٦/ ٣٣، ٣٤، وكما نقله عنه أبو شامة في المحقق من علم الأصول ص ٦٨.\n(^٢) وأبو علي الطبري، وأكثر متأخري الشافعية، كما قاله الأستاذ أبو منصور. واختاره القاضي أبو الطيب الطبري، وقال: \"هو الأظهر على مذهب الشافعي\". واختاره الإمام في \"المعالم\". انظر: المحقق من علم الأصول ص ٦٣ - ٦٥، البحر المحيط ٦/ ٣٢، المعالم ص ١٠٣.\n(^٣) هو رواية عن أحمد - ﵁ -، اختارها أكثر أصحابه. لكن ابن النجار - ﵀ - قيَّد هذه النسبة للفعل المجرد الذي قُصد به القربة، أمّا ما لم يُقصد به القربة فهو مباح عنده، ولم يحك عن الحنابلة فيه قولًا، وهو متابِع في هذا التقييد والترجيح للمجد بن تيمية ﵀. انظر: شرح الكوكب ٢/ ١٨٧، ١٨٩، المسودة ص ١٨٧، ١٨٩. والذي في العدة ٣/ ٧٣٥ - ٧٣٧، والتمهيد للكلوذاني ٢/ ٣١٧، ومختصر ابن اللحام ص ٧٤: أن هناك روايتين في المذهب: الوجوب والندب، واختار القاضي رواية الوجوب، والكلوذاني التوقف، وجعله مقتضى قول أحمد. وليس هناك تفريق عند هؤلاء بين ما قُصد به القربة وما لم يُقصد، والحكم عندهم واحد، لا فرق بين الحالتين، كما سبق بيانه، والتفريق إنما هو اجتهاد من المجد وتابعه عليه ابن النجار، ولذلك لم ينقلا عن أحدٍ من الحنابلة قال بالتفريق. والله تعالى أعلم.","vol":"5","page":1762},{"text":"المعتزلة (^١). ونقله القاضي في \"مختصر التقريب\" عن مالك (^٢). قال القرافي: \"وهو الذي نقله أئمة المالكية (^٣) في كتبهم الأصولية والفروعية، وفروعُ المذهب مبنية عليه\" (^٤).\nثم قال القاضي: \"واختلف القائلون بالوجوب على طريقين: فذهب بعضهم إلى أنا ندرك الوجوب بالعقل، وذهب بعضهم إلى أنا ندركه بأدلة السمع\" (^٥).\nوالرابع: التوقف (^٦). وعليه جمهور المحققين منا كالصيرفي (^٧)، والواقفية (^٨). واختاره الغزالي، والإمام وأتباعه منهم\n_________\n(^١) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢١٢١، المحقق من علم الأصول ص ٦٤.\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٢٣١.\n(^٣) في (ت): \"المالكيين\".\n(^٤) انظر: نفائس الأصول ٥/ ٢٣١٨. أقول: عجيب من الشارح ﵀ أن ينسب إلى مالك - ﵁ - الإباحة، وهو ينقل كلام القرافي هذا!\n(^٥) انظر: التلخيص ٢/ ٢٣٢، مع تصرف يسير. وانظر: البحر المحيط ٦/ ٣٢، العدة ٣/ ٧٤٩.\n(^٦) معنى التوقف: هو أنه لا يثبت بفعله - ﷺ - علينا حكم أصلًا: لا وجوب، ولا ندب، ولا إباحة، ولا حظر، ولا كراهة. ولا يتعيَّن واحدٌ منها إلا بدليل زائد. والحكم علينا بعد نقل فِعْل الرسول - ﷺكالحكم علينا قبل نقله. انظر: المحقق من علم الأصول ص ٦٨ - ٦٩، التلخيص ٢/ ٢٣٢، نهاية الوصول ٥/ ٢١٢٢، المستصفى ٣/ ٤٥٥.\n(^٧) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٤٦، البحر المحيط ٦/ ٣٤. وبه قال ابن فورك، وأبو إسحاق الشيرازي.\nانظر: المحقق من علم الأصول ص ٦٧ - ٦٨، اللمع ص ٦٨، شرح اللمع ١/ ٥٤٦.\n(^٨) كالقاضي. انظر: التلخيص ٢/ ٢٣٢، والأشعري. انظر: البحر المحيط ٦/ ٣٤، البرهان ١/ ٤٨٩ - ٤٩٠. ونسبه ابن السمعاني إلى أكثر الأشعرية في القواطع ٢/ ١٧٨.","vol":"5","page":1763},{"text":"المصنف (^١). وصححه القاضي أبو الطيب في شرح (^٢) الكفاية، (ونقله) (^٣) عن أكثر الأصحاب (^٤)، وأبي بكر الدقاق، وأبي القاسم بن كج (^٥). وقالوا: لا ندري أنه للوجوب، أو للندب، أو للإباحة؛ لاحتمال هذه الأمور كلها، واحتمال أن يكون أيضًا من خصائصه ﵇.\nوالخامس: أنه على الحظر في حقنا. حكاه الغزالي (^٦). قال الآمدي: \"وهو قول بعض مَنْ جَوَّز على الأنبياء المعاصي\" (^٧).\nقلت: وليس مُسْتَندُ القائل بهذه المقالة تجويزَ المعاصي، بل ما ذكره القاضي في \"مختصر التقريب\" فقال: ذهب قومٌ إلى أنه يحرم اتباعه. (وهذا\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٤٦، الحاصل ٢/ ٦٢٤، التحصيل ١/ ٤٣٥، نهاية الوصول ٥/ ٢١٢١، المستصفى ٣/ ٤٥٥ (٢/ ٢١٤).\nونسبه الإمام إلى أكثر المعتزلة، وتبعه صاحب التحصيل، والقرافي في شرح التنقيح ص ٢٨٨، وصفي الدين الهندي. ونسبه الآمدي إلى جماعة من المعتزلة في الإحكام ١/ ١٧٤، وكذا أبو شامة في \"المحقق\" ص ٦٨.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) وكذا أبو إسحاق في شرح اللمع ١/ ٥٤٦.\n(^٥) انظر: البحر المحيط ٦/ ٣٤. وقد سبق النقل عن أبي الخطاب الكلوذاني رحمه الله تعالى أنه رجَّح مذهب الوقف، وجعله رواية عن أحمد - ﵁ - بمقتضى كلامه.\n(^٦) انظر: المستصفى ٣/ ٤٥٥ (٢/ ٢١٤).\n(^٧) انظر: الإحكام ١/ ١٧٤، وكذا تبعه الهندي في هذه المقولة.\nانظر: نهاية الوصول ٥/ ٢١٢٢.","vol":"5","page":1764},{"text":"بناءً مِنْ هؤلاء) (^١) على أصلهم في الأحكام قبل ورود الشرائع، فإنهم زعموا أنها على الحظر، ولم يجعلوا فِعْل رسول الله - ﷺعَلَمًا في تثبيت حكم، فبقي الحكم على ما كان عليه في قضية العقل قبل ورود الشرائع (^٢). انتهى. وكذلك ذكر الغزالي، وقال: \"لقد صدق هذا القائل في قوله: بقي على ما كان. وأخطأ في قوله: إنَّ الأحكام قبل الشرع على الحظر؛ لما قررناه في موضعه\". (^٣)\nفإن قلت: فهل قَصْدُ القربة في الفعل قرينة الوجوب أو الندب (^٤) (حتى لا يتأتى) (^٥) فيه الخلاف المذكور؟\nقلت: لا؛ لتصريح بعضهم بجريان الخلاف في القسمين جميعًا، أعني: ما ظهر فيه قصد القربة، وما لم يظهر. غير أن القول بالوجوب والندب يَقْوَى في القسم الأول، والقول بالإباحة والتوقف يضعف فيه. وأما القسم الثاني فبالعكس منه (^٦).\n_________\n(^١) في (ص): \"وهذا من هؤلاء بناءً\".\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٢٣٠، وكذا نقل الزركشي عن ابن القشيري - رحمهما الله - أنه قال بمقولة القاضي في بناء هذا القول على الحكم قبل الشرع. انظر: البحر المحيط ٦/ ٣٥، وكذا قال أبو شامة في \"المحقَّق\" ص ٧٢.\n(^٣) انظر: المستصفى ٣/ ٤٥٦، مع تصرف من الشارح ﵀.\n(^٤) في (ت): \"والندب\".\n(^٥) في (ت): \"حتى لا يأتي\".\n(^٦) هذا السؤال والجواب نقله الشارح رحمه الله تعالى من نهاية الوصول ٥/ ٢١٢٥ - ٢١٢٦، وقد سبق أن علقت في أول المسألة بأنه سيأتي النقل عن صفي الدين الهندي - ﵀ - بأنه صَرَّح بالتسوية بين القسمين في جريان خلاف العلماء.","vol":"5","page":1765},{"text":"فإن قلت: فكيف يتجه جريان قولٍ بالإباحة فيما يظهر فيه قصد القربة، فإنَّ قصد القربة لا يُجامع استواء الطرفين؟\nقلت: النبي - ﷺ - قد يُقدم على ما هو مستوي الطرفين؛ ليبين للأمة جواز الإقدام عليه، ويُثاب - ﷺ - بهذا القصدِ وهذا الفعلِ وإن كان مستوي الطرفين، فيظهر في المباح قَصْدُ القربة بهذا الاعتبار (^١)، ولا يتجه جريان القول بالإباحة إلا بهذا التقرير. على أنا لم نَرَ مِن المتقدمين مَنْ صرَّح بحكايته في هذا القسم، أعني: السادس، وهو ما ظهر فيه قصد القربة. نعم حكاه الآمدي ومَنْ تلقاه منه، ولا مساعِدَ للآمدي على (^٢) حكايته، وأنا قد وقفت على كلام القاضي فمَنْ بعده.\nالثامن: ما دار الأمر فيه بين أن يكون جبليًا وأن يكون شرعيًا وهذا القسم لم يذكره الأصوليون، فهل يُحمل على الجبلي؛ لأن الأصل عدم التشريع، أو على الشرعي؛ لأنه - ﷺ - بُعِث لبيان الشرعيات؟\nوهذا القسم قاعدة جليلة، وهي مُفْتَتَح كتابنا \"الأشباه والنظائر\"، وقد ذكرت في كتابي \"الأشباه النظائر\" أنه قد يخرج فيها قولان من القولين في تعارض الأصل والظاهر (^٣)؛ إذ الأصل عدم التشريع،\n_________\n(^١) انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ٩٩، سلم الوصول ٣/ ٢٢.\n(^٢) في (ت): \"في\".\n(^٣) قال الشارح ﵀: \"فإن عارض الأصلَ ظاهرٌ - فقيل: قولان دائمًا. وقيل: غالبًا. وقيل: أصحهما اعتماد الأصل دائمًا. وقيل: غالبًا. والتحقيق: الأخذ بأقوى الظنين\". الأشباه والنظائر ١/ ١٤. وانظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٦٤.","vol":"5","page":1766},{"text":"والظاهر أنه شرعي؛ لكونه مبعوثًا لبيان الشرعيات.\nومن صور هذا القسم أنه - ﷺ - دخل من ثنية كَداء، وخرج من ثنية كُدى (^١). فهل كان ذلك لأنه صادف طريقه، أو لأنه سنة؟ فيه وجهان (^٢).\nومنها: جلسة الاستراحة عندما حَمَل اللحم (^٣). فقيل: ذلك جبلي فلا\n_________\n(^١) فيه حديث عائشة ﵂: \"أن النبي - ﷺ - دخل عام الفتح من كَدَاء، وخرج من كُدًا مِنْ أعلى مكة\". أخرجه البخاري ٢/ ٥٧٢، في كتاب الحج، باب من أين يخرج من مكة، حديث رقم ١٥٠٣، من طريق أبي أسامة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂، أما رواية عمرو عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - دخل عام الفتح مِنْ كَدَاء أعلى مكة. وكذا رواه حاتم عن هشام عن عروة: دخل النبي - ﷺ - عام الفتح مِنْ كَدَاء من أعلى مكة. وكلاهما في الصحيح وهما الصواب. انظر رقم ١٥٠٣، ١٥٠٤. ورواه مسلم من طريق أبي أسامة على الصواب: أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - دخل عام الفتح مِنْ كَدَاء منْ أعلى مكة. انظر: صحيح مسلم ٢/ ٩١٩، كتاب الحج، باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من الثنية السفلى، رقم (٢٢٥/ ١٢٥٨). قال الحافظ ابن حجر - ﵀ - في الفتح (٣/ ٤٣٧) عن رواية أبي أسامة التي في البخاري: قوله: \"من أعلى مكة\" كذا رواه أبو أسامة فقَلَبه، والصواب ما رواه عمرو وحاتم عن هشام: \"دخل من كداء من أعلى مكة\" ثم ظهر لي أن الوهم فيه ممن دون أبي أسامة، فقد رواه أحمد عن أبي أسامة على الصواب. اهـ.\n(^٢) انظر: البحر المحيط ٦/ ٢٦، شرح الكوكب ٢/ ١٨٠، المحقق من علم الأصول ص ٥٠.\n(^٣) ورد في جلسة الاستراحة حديث مالك بن الحُوَيْرث - ﵁ -. أخرجه البخاري ١/ ٢٣٩، في الجماعة والإمامة، باب مَنْ صلَّى بالناس وهو لا يريد إلا أن يعلمهم صلاة النبي - ﷺ - وسنته، حديث رقم ٦٤٥. وانظر الأرقام ٧٦٩، ٧٨٥، ٧٩٠. وانظر: تلخيص الحبير ١/ ٢٥٩، رقم الحديث ٣٨٩، ٣٩٠.","vol":"5","page":1767},{"text":"يستحب، وقيل شرعي (^١).\nومنها: أنه - ﷺ - طاف راكبًا (^٢)، (فهل يُحمل على الجبلي فلا يستحب، أو على الشرعي (^٣)؟\nومنها: حَجُّه راكبًا (^٤» (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المجموع ٣/ ٤٤٣، شرح الكوكب ٢/ ١٨٠.\n(^٢) يدل عليه حديث ابن عباس ﵄: \"أن رسول الله - ﷺ - طاف في حَجَّةِ الوداع على بعير، يستلم الركن بمِحْجَنٍ\". أخرجه مسلم ٢/ ٩٢٦، في كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعيرٍ وغيره، رقم ١٢٧٢. وكذا حديث جابر وعائشة ﵄ وهما في مسلم أيضًا انظر رقم ١٢٧٣، ١٢٧٤.\n(^٣) ذكر الرافعي - ﵀ - في العزيز (٣/ ٣٩٨): أن من سنن الطواف المشي، فقال: \"أن يطوف ماشيًا ولا يركب إلا بعذر مرضٍ ونحوه؛ كيلا يؤذي الناس، ولا يلوِّث المسجد. وقد طاف رسول الله - ﷺ - في الأكثر ماشيًا، وإنما ركب في حجة الوداع ليراه الناس فيَسْتفتيَ المفتون. فإن كان الطائف مترشِّحًا للفتوى فله أن يتأسى بالنبي - ﷺ - فيركب، ولو ركب من غير عذرٍ أجزأه ولا كراهة. هكذا قاله الأصحاب\".\n(^٤) يدل عليه حديث جابر بن عبد الله - ﵁ - الطويل في صفة حجه - ﷺ -، وفيه: \"ثم ركب القَصْواء حتى إذا استوت به ناقته على البَيْداء\"، وفيه أيضًا: \"حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فَرُحِلَتْ له\"، وفيه أيضًا: \"ثم ركب رسول الله - ﷺ - حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصَّخَرات\". أخرجه مسلم ٢/ ٨٨٦ - ٨٩٢، في كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، حديث رقم ١٢١٨. وحديث ابن عباسٍ ﵄: \"كان الفضل رديف رسول الله - ﷺ -. . .\" الحديث. أخرجه البخاري ٢/ ٥٥١، في كتاب الحج، باب وجوب الحج، حديث رقم ١٤٤٢، وانظر الأرقام ٤١٣٨، ٥٨٧٤. ومسلم ٢/ ٩٧٣، في الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة وهرمٍ ونحوهما، رقم ١٣٣٤.\n(^٥) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1768},{"text":"ومنها: ذهابه في العيد في طريق، وإيابه في آخر (^١) (^٢). والقاعدة مستوفاة في كتابنا \"الأشباه والنظائر\" كَمَّله الله.\nقال: (احتج القائل بالإباحة: بأن فِعْله لا يُكره ولا يَحرم، والأصل عدم الوجوب والندب؛ فبقي الإباحة. ورُدَّ: بأنَّ الغالب مِنْ فعله الوجوب أو الندب).\nاحتج القائل بالإباحة: بأنَّ فعله - ﷺ - لا يكون حرامًا؛ لما تقرر في مسألة العصمة. ولا مكروهًا؛ لما قدمناه من أنه نادر بالنسبة إلى آحاد العدول، فكيف إلى أشرف المرسلين! وهذا عند من يُجَوِّز وقوع المكروه، وقد قدمنا ما نراه في ذلك، وذلك في المكروه الذي لا يَقْصد بفعله بيانَ جوازه، أما ما فَعَله ليبيِّن أنه جائز فقد يقال: لم لا يقع الإقدام ويكون مستحبًا أو واجبًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري ١/ ٣٣٤، في كتاب العيدين، باب مَنْ خالف الطريق إذا رجع يوم العيد، حديث رقم ٩٤٣، عن جابر - ﵁ -. وأخرجه أحمد ٢/ ٣٣٨، والترمذي ٢/ ٤٢٤ - ٤٢٥، في أبواب الصلاة، باب ما جاء في خروج النبي - ﷺ - إلى العيد في طريق ورجوعه من طريق آخر، حديث رقم ٥٤١، وابن ماجه ١/ ٤١٢، في كتاب إقامة الصلاة والسنّة فيها، باب ما جاء في الخروج يوم العيد من طريق والرجوع من غيره، رقم ١٣٠١، والحاكم ١/ ٢٩٦، من حديث أبي هريرة - ﵁ -. وقال الترمذي: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب. وأخرجه أحمد ٢/ ١٠٩، وأبو داود ١/ ٦٨٣ - ٦٨٤، في كتاب الصلاة، باب الخروج إلى العيد في طريق ويرجع في طريق، رقم ١١٥٦، وابن ماجه ١/ ٤١٢، رقم الحديث ١٢٩٩، والحاكم ١/ ٢٩٦، عن ابن عمر ﵄. وفي الباب عن سعد القرظ وأبي رواهما ابن ماجه ١/ ٤١٢، رقم ١٢٩٨، ١٣٠٠.\n(^٢) انظر هذه الصورة في: البحر المحيط ٦/ ٢٦، شرح الكوكب ٢/ ١٨٠.","vol":"5","page":1769},{"text":"بالنسبة إليه؛ لما في إقدامه عليه مِنْ تبيين الجواز، كما قدمناه. والذي يظهر أنه لا يُقْدِم على فعله؛ إذ في القول مندوحة عن الفعل. وإذا انتفى المحرم والمكروه - انحصر الأمر في الواجب والمندوب والمباح، والأصل عدم الوجوب والندب (^١)، فلم يبق إلا (^٢) الإباحة.\nوأجاب: بأن الغالب على فِعْله الوجوب أو الندب (^٣)، فيكون الحمل على أحدهما أولى؛ لأن إلحاق الفرد بالأعم الأغلب أرجح وأولى من إلحاقه بخلاف ذلك.\nولقائل أن يقول: الوجوب والندب وإنْ كانا غالبًا إلا أنا لا (^٤) نسلم أنه يقاوم الأصل الذي أشرنا إليه، بل الأصل أولى.\nقال: (وبالندب: بأن قوله تعالى ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (^٥) يدل على الرجحان، والأصل عدم الوجوب).\nواحتج (^٦) القائل بالندب بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، والاستدلال بهذه الآية يُقَرَّر على أربعة أوجه: ثلاثة منها\n_________\n(^١) لأن رفع الحرج عن الفعل والترك ثابت، وزيادة الوجوب والندب لا تثبت إلا بدليل ولم يتحقق. انظر: نهاية السول ٣/ ٢٣.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"غير\".\n(^٣) في (ص): \"والندب\".\n(^٤) في (ت) بياض بالسطر.\n(^٥) سورة الأحزاب: الآية ٢١.\n(^٦) في (ت): \"احتج\".","vol":"5","page":1770},{"text":"تدل على الندبية، والرابع يدل على الوجوب.\nالأول: التمسك بقوله: ﴿لَكُمُ﴾، ووجهه: أنه قال: ﴿لَكُمُ﴾، وما قال: \"عليكم\"، وذلك يفيد أنه مندوب إليه؛ إذ المباح لا نفع فيه، واللام للاختصاص بجهة النفع، والظاهر من جهة الشرع اعتبار النفع الأخروي لا الدنياوي.\nوالثاني: وهو ما أورده الإمام: التمسك بقوله: ﴿أُسْوَةٌ﴾، وتقريره: أن التأسي لو كان واجبًا - لقال: \"عليكم\" كما عَرفتَ، فلما قال: ﴿لَكُمُ﴾ دل على عدم الوجوب. ولا أثبت الأسوة دلَّ على رُجحان جانب الفعل على الترك؛ فلم يكن مباحًا (^١).\nوالثالث: وهو ما أورده في الكتاب: التمسك بقوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾ ووجهه: أن قوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾ يدل على الرجحان (^٢)، والوجوب منتف بالأصل؛ فتعيَّن الندب.\nولم يُجِب عن هذا، بل جمع بينه وبين دليل الإيجاب. وأجاب عنهما: بأن الأسوة والمتابعة مِنْ شرطهما العلم بصفة الفعل (^٣).\nوالرابع: الدال على الوجوب، وتقريره: أنه تعالى قال: ﴿لَقَدْ كَانَ\n_________\n(^١) انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٦٨.\n(^٢) لأن أدنى مراتب الحسنة الرجحان. انظر: السراج الوهاج ٢/ ٦٩٦.\n(^٣) يعني: لم يُجِب المصنف هنا عن هذه الأدلة الدالة على الندب، مع أن المختار عنده التوقف كما تقدم، بل جمع بين هذه الأدلة وأدلة من قال بالوجوب، ثم أجاب عنهما؛ وذلك لأن جوابهما واحد، فلم يكرره.","vol":"5","page":1771},{"text":"لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ (^١) وهذا جارٍ مَجْرى التهديد على ترك التأسي به؛ لأن معنى الآية أن مَنْ يرجو الله واليوم الآخر - فله فيه الأسوة الحسنة، (ومن لا يرجو الله واليوم الآخر - فليس له فيه الأسوة الحسنة) (^٢)، فيكون وعيدًا على ترك التأسي به. أو نقول بعبارة أخرى: إنه جعل التأسي به لازمًا لرجاء الله واليوم الآخر، فيلزم مِنْ عدم التأسي به عدمُ رجاء الله واليوم الآخر، وهو محرم، فكذلك ما يستلزمه. والتأسي به في الفعل إنما هو بإتيان مِثْل فعله، فيكون الإتيان بمثل فعله واجبًا. هذا تقرير الأوجه.\nواعلم أن الذي يظهر في الآية أنَّ الله تعالى جعل للمؤمنين في النبي - ﷺ - أسوة حسنة، وتلك الأسوة: هي الاقتداء به، وليست عامةً في كل شيء؛ إذ هي نكرة في سياق الإثبات فلا تقتضي العموم، فلا يلزم دخول الفعل المجرد تحتها. هذا من حيث اللفظ، وسواء قُرِّر على الوجه المقتضي للوجوب أم للندب.\nوالحق من الدلائل الخارجية والبراهين القاطعة أن الاقتداء به في كل شيء مشروعٌ محبوب؛ لأن الله تعالى جعله قدوة الخليقة، ولكن الاقتداء به يستدعي العلم بصفة الفعل (^٣)، والفعل المجرد لم تُعلم صفته، فلا يدل وجوبُ الاقتداء ولا استحبابُه عليه.\n_________\n(^١) سورة الأحزاب: الآية ٢١.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) لأن الاقتداء به ﵌ في فِعْله الواجبَ يكون بفعله على وجه الوجوب، لا على وجه الندب. وكذا المندوب، والمباح.","vol":"5","page":1772},{"text":"وأما تمسك الإمام بلفظ \"الأسوة\" ففيه نظر؛ إذ المعنى: أن لكم فيه قدوةً وأنه شُرِع (^١) الاقتداء به، وذلك أعم مِنْ أن يكون على سبيل الوجوب أو الندب أو الإباحة، كما تقول: زيد قدوةٌ. وليس المعنى أنه يجب الاقتداء به، ولا يستحب، بل ما هو أعم من ذلك.\nوأما تمسك المصنف بقوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾ - فقد أُورد عليه أن الحسنة لا تدل على الرجحان؛ لما تقرر في أوائل الكتاب من أنَّ المباح حسن (^٢). وهذا إيرادٌ لائح في بادئ (^٣) النظر إلا أن الذهن يُسابِق في هذه الآية إلى فهم الرجحان مِنْ قوله: ﴿حَسَنَةٌ﴾، لا يكاد يتمارى فيه، ولعل سبب ذلك أنه قال: ﴿لَكُمْ أُسْوَةٌ﴾ فأفاد ذلك مشروعية الاقتداء، فلما قال: ﴿حَسَنَةٌ﴾ بعد ذلك اقتضى زيادة على المشروعية، وليست تلك الزيادة إلا الرجحان، كما تقول: زيدٌ إنسان. فإن هذا كلامٌ مفيدٌ يفهم اللبيبُ منه بقولك: \"إنسان\" فوق ما يفهم من مدلول \"إنسانٍ\" من حيث هو، وهو أنه حاوٍ لخصال الإنسانية الشريفة، ولو لم يُفهم زيادةٌ على مدلولِ الإنسان - لم يُعَد الكلام مفيدًا؛ إذ كل زيدٍ إنسان.\nقال: (وبالوجوب: بقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ (^٤)، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ\n_________\n(^١) في (ص): \"يشرع\".\n(^٢) هذا الإيراد ذكره الجاربردي في السراج الوهاج ٢/ ٦٩٦.\n(^٣) في (ص): \"مبادئ\".\n(^٤) هكذا في جميع النسخ، وهي آية الأنعام، رقم ١٥٥: ﴿فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وكذا وردت في السراج الوهاج ٢/ ٦٩٧، وشرح الأَصفهاني ٢/ ٥٠١، ومعراج المنهاج ٢/ ٧. وفي نهاية السول ٢٢/ ٣، ومناهج العقول ٢/ ١٩٩: =","vol":"5","page":1773},{"text":"تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ (^١)، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (^٢)، وإجماع الصحابة على وجوب الغُسْل بالتقاء الختانين؛ لقول عائشة ﵂: \"فعلته أنا ورسول الله - ﷺ - فاغتسلنا\". وأجيب: بأن المتابعة هي الإتيان بمثل ما فَعَل على وجهه. ﴿وَمَا آتَاكُمُ﴾ معناه: وما أمركم، بدليل: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ﴾ واستدلال الصحابة بقوله: \"خذوا عني مناسككم\").\nاحتج القائل بالوجوب: بالنص، والإجماع.\nأما النص: ففي مواضع:\nأحدها: قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ﴾، وظاهر الأمر الوجوب.\nوثانيها: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ دلَّت على أن محبةَ الله تعالى التي هي واجبة إجماعًا مستلزمةٌ لمتابعة الرسول - ﷺ -، ولازم الواجب واجب؛ فمتابعته واجبة.\nوثالثها: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، فإذا فعل فعلًا فقد أتانا بفعل، فوجب علينا أن نأخذه (^٣).\n_________\n= ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾، وهي في سورة الأعراف، رقم ١٥٨، والشارح ﵀ ذكر في شرحه آية الأعراف. وكذا شمس الدين الأصفهاني رحمه لله ذكر في شرحه (٢/ ٥٠٥) آية الأعراف.\n(^١) سورة آل عمران: الآية ٣١.\n(^٢) سورة الحشر: الآية ٧.\n(^٣) أي: أن نمتثله. فالأخذ هنا معناه: الامتثال. انظر: نهاية السول ٣/ ٢٦، والسراج الوهاج ٢/ ٦٩٧.","vol":"5","page":1774},{"text":"وأما الإجماع: فإن الصحابة - ﵃ - اختلفوا في وجوب الغسل من التقاء الختانين، فقالت عائشة ﵂: \"إذا جاوز الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل، فعلتُه أنا ورسول الله - ﷺ - فاغتسلنا\". رواه الإمام أحمد، والترمذي، وقال: حسن صحيح (^١). فرجعوا لِقَوْل عائشة، واتفقوا على وجوب الغسل بالتقاء الختانين.\nوالجواب عن الدليلين الأولين: بأن المتابعة هي الإتيان بمثل فِعْله على الوجه الذي أَتَى به من الندب أو غيره، حتى لو فعله على جهة الوجوب ففعلناه على جهة الندب لم تحصل المتابعة، وحينئذٍ فيلزم توقف الأمر بالمتابعة على معرفة الجهة، (وإذا لم نعلم بها لم نُؤمر بالمتابعة) (^٢).\nواعلم أن المتابعة والتأسي بمعنى واحد، فلذلك جعل المصنف جواب المتابعة جوابًا عن التأسي الذي احتج به الذاهب إلى الندب كما عرفت (^٣).\nوللمتابعة والتأسي شرطٌ آخر مع ما ذُكِر: وهو أن يقع الفعل لكونه فَعَل، ومن هنا يُغَايران الموافقة، فإنه لا يُشترط فيها أن تكون علةُ فِعْله إياه كونَه فَعَلَه (^٤).\n_________\n(^١) انظر: مسند أحمد ٦/ ١٦١، سنن الترمذي ١/ ١٨٠ - ١٨١، في الطهارة، باب ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل، رقم ١٠٨. وجاء هذا الحديث مرفوعًا من رواية سعيد بن المسيَّب عن عائشة مرفوعًا، أخرجه أحمد ٦/ ١٣٥، والترمذي ١/ ١٨٢، في الطهارة في الباب السابق، حديث رقم ١٠٩، وقال: حديث عائشة حديث حسن صحيح. وانظر: مجمع الزوائد ١/ ٢٦٦ - ٢٦٧.\n(^٢) في (ت): \"وإذا لم يُعلم بها لم يؤمر بالمتابعة\".\n(^٣) انظر: نهاية السول ٣/ ٢٦.\n(^٤) المعنى: أنه يشترط: في التأسي والمتابعة أن يقع الفعل منا لكون النبي - ﷺفَعَله، أما =","vol":"5","page":1775},{"text":"وعن الآية الثالثة: أن معنى قوله: ﴿آتَاكُمُ﴾ أمركم، يدل على ذلك أنه قال في مقابِلِه: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ﴾.\nوأما الإجماع على وجوب الغُسل: فليس لمجرد الفعل؛ بل لأنه فِعْلٌ في باب المناسك، وقد كانوا مأمورين بأخذ المناسك عنه بقوله: \"خذوا عني مناسككم\"، واللفظ وإنْ ورد في الحج - فهو عام في كل نُسُكٍ، أي: في (^١) كل عبادة.\nقلت: وفي الجواب نظر، فإن في الحديث بعد قوله: \"خذوا عني مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه\" كذا رواه مسلم، وأحمد، والنسائي (^٢)، وعامة مَنْ رواه، ويتعيَّن بهذا اللفظ حَمْلُه على أعمال الحج دونَ غيرها.\nويمكن أن يقال في الجواب عن الإجماع: إنهم لم يُجمعوا بمجرد فعله ﵇، بل لفعل عائشة ﵂ معه، فإنَّ بفعلها يتبين أن الحكم فيها وفينا واحد، بخلافه؛ لاحتمال الخصوصية فيه.\nثم لقائل أن يقول: هذا القسم مما ظهر فيه قصد القربة، والمصنف إنما تكلم في المتجرد (^٣) (^٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الموافقة فلا يشترط فيها هذه العلة، فيمكن أن يقع الفعل منا، ولم يفعله - ﷺ -، ونكون موافقين له - ﷺ -؛ لأننا ائتمرنا بأمره، أي: بقوله.\n(^١) سقطت من (ص)، و(غ).\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) في (غ): \"المجرد\".\n(^٤) قد سبق أن بيَّنتُ أن حكم القِسمين واحد، وأن الخلاف فيهما واحد. ثم إن =","vol":"5","page":1776},{"text":"(^١).\nقال: (الثالثة: جهة فعله تُعلم: إما بتنصيصه، أو تسويته لما علم جهته، أو بما علم أنه امتثالُ آية دلت على أحدها، أو بيانُها. وخصوصًا الوجوب: بأماراته (^٢) كالصلاة بأذانٍ وإقامة، وكونه موافقة نذرٍ، أو\n_________\n= حكاية الإجماع في الغسل من الجماع بدون إنزال فيها نظر، فإن الخلاف مشهور بين الصحابة ﵃، قال الحافظ ابن حجر ﵀: \"ثبت عن جماعة منهم، لكن ادعى ابن القصار أن الخلاف ارتفع بين التابعين، وهو مُعْتَرض أيضًا، فقد قال الخطابي: إنه قال به من الصحابة جماعة، فسَمَّى بعضهم. قال: ومن التابعين الأعمش. وتَبِعه عياض (أي: تبع الخطابي) لكن قال: لم يقل به أحد بعد الصحابة غيره. وهو مُعترض أيضًا، فقد ثبت ذلك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وهو في سنن أبي داود بإسنادٍ صحيح، وعن هشام بن عروة عن عبد الرزاق بإسنادٍ صحيح. . . لكن الجمهور على إيجاب الغسل وهو الصواب، والله أعلم\". فتح الباري ١/ ٣٩٨ - ٣٩٩، وقد ذهب إلى عدم الغسل من الجماع بغير إنزال داود وبعض الظاهرية، وعمر بن عبد العزيز ﵃ جميعًا، لكن مخالفتهم ضعيفة؛ لصراحة بعض الآثار بنسخ ذلك. انظر: نيل الأوطار ١/ ٢٧٧، إحكام الأحكام ١/ ١٤٣.\n(^١) انظر المسألة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٤٥، الحاصل ٢/ ٦٢٣، التحصيل ١/ ٤٣٤، نهاية الوصول ٥/ ٢١٢١، نهاية السول ٣/ ١٦، السراج الوهاج ٢/ ٦٩٢، الإحكام ١/ ١٧٣، المعتمد ١/ ٣٤٧، شرح اللمع ١/ ٥٤٥، المستصفى ٣/ ٤٥٤ (٢/ ٢١٤)، المحلي على الجمع ٢/ ٩٦، البحر المحيط ٦/ ٢٣، البرهان ١/ ٤٨٧، التلخيص ٢/ ٢٢٥، شرح التنقيح ص ٢٨٨، إحكام الفصول ص ٣٠٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٢، كشف الأسرار ٣/ ٢٠٠، تيسير التحرير ٣/ ١٢٠، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٠، العدة ٣/ ٧٣٤، التمهيد ٢/ ٣١٧، المسودة ص ١٨٧، شرح الكوكب ٢/ ١٧٨.\n(^٢) في (غ): \"بأمارته\".","vol":"5","page":1777},{"text":"ممنوعًا لو لم يَجِبْ كالركوعين في الخسوف. والندب بقصد القربة مجردًا وكونه قضاء لمندوب).\n\nتقدم أنَّ المتابعة مأمورٌ بها، وأنَّ مِنْ شرطها العلمَ بجهة الفعل، وهذه المسألة في<span data-type=\"title\" id=toc-463> بيان الطرق التي تُعرف (^١) بها الجهةُ</span>، وقد عرفتَ أن فعله - ﷺ - منحصر في الواجب، والمندوب، والمباح. فالطريق حينئذٍ قد يعم (^٢) هذه الأمور، وقد يخص البعض منها.\nفالعام أربعة:\nأحدها: أن يُنَصَّ على كونه من القسم الفلاني (^٣).\nوثانيها: أن يُسَوِّيَه بفعلٍ عُلِمت جهتُه، كما إذا قال: هذا الفعل مساوٍ للفعل الفلاني. وكان ذلك الفعل المشار إليه معلومَ الجهة.\nوالثالث: أن يقع امتثالًا لآية دلت على أحد هذه الثلاثة.\nوالرابع: أن يقع بيانًا لآية مجملة دلت على أحدها (^٤). وإلى هذا القسم أشار بقوله: \"أو بيانها\"، وهو مرفوع عطفًا على قوله: \"امتثال\"، أي:\n_________\n(^١) في (ص): \"يعرف\".\n(^٢) في (غ): \"تعم\".\n(^٣) أي: من قسم الواجب، أو المندوب، أو المباح. انظر: نهاية السول ٣/ ٣٠، السراج الوهاج ٢/ ٧٠٠.\n(^٤) كأن يطوف بعد إيجاب الطواف لِتُعْلم صفته، فَيُعْلم وجوب الصفة التي وقعت، ككونه سبعًا، والابتداء بالحَجَر، وجَعْلِ البيت عن يساره. انظر: حاشية البناني على المحلي ٢/ ٩٨.","vol":"5","page":1778},{"text":"وتُعلم (^١) جهةُ فِعْله بسبب عِلْم أن ذلك الفعلَ امتثالُ آية، أو بيان.\nقوله: \"وخصوصًا\"، أي: ويُعلم خصوصًا الوجوبُ بالعلامات الدالة عليه، وذلك في أشياء:\nأحدها: أن يقع على صفةٍ تقرَّر في الشريعة أنها أمارة الوجوب، كالصلاة بأذان وإقامة (^٢).\nوالثاني: أن يكون جزاءَ شرطٍ، كفعلِ ما وَجَبَ بالنذر، بأن يقول مثلًا: لله عليَّ إنْ جَرَى الأمرُ الفلاني صومُ غد. ثم نرى جَرَيَانَ ذلك الأمرِ وصومَه في غدٍ.\nواعلم أن وقوع النذر من النبي - ﷺ - غيرُ متصوَّرٍ إنْ قلنا بكراهته، وهو الذي حكاه الشيخ أبو علي السنجي عن نص الشافعي، كما نقل ابن أبي الدم (^٣).\n_________\n(^١) في (ص): \"ويعلم\".\n(^٢) أي: الصلاة المصحوبة بالأذان والإقامة؛ لأنهما علامة الوجوب، قال جلال الدين المحلي رحمه الله تعالى: \"لأنه ثبت باستقراء الشريعة أنَّ ما يؤذن لها واجبة، بخلاف ما لا يؤذن لها كصلاة العيد والاستسقاء\". شرح المحلي على الجمع ٢/ ٩٨. وانظر: شرح الأصفهاني ٢/ ٥٠٩.\n(^٣) هو أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن عبد المنعم بن أبي الدم الهَمْدانيُّ الحمويُّ الشافعيّ. ولد بحماة سنة ٥٨٣ هـ. ولي القضاء بحماة، وصنَّف \"أدب القضاء\"، و\"مشكل الوسيط\"، وجمع تاريخًا، وألف في الفرق الإسلامية، وغير ذلك. وله نظم جَيّد وفضائل وشُهرة. توفي سنة ٦٤٢ هـ. انظر: سير ٢٣/ ١٢٥، الطبقات الكبرى ٨/ ١١٥، شذرات ٥/ ٢١٣.","vol":"5","page":1779},{"text":"والثالث: أن يكون ممنوعًا لو لم يَجِبْ (^١)، كالإتيان بالركوعين في صلاتي الخسوف والكسوف (^٢)، وكالختان (^٣).\nولقائل أن يقول: هذا ينتقض بسجود السهو، وسجود التلاوة، فإنهما سنتان (^٤) وممنوع منهما لولا المقتضِي لهما (^٥).\n_________\n(^١) أي: فعدم المنع علامة على وجوب ما أصله المنع.\n(^٢) انظر: العزيز شرح الوجيز ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣.\n(^٣) انظر: غاية البيان شرح زبد ابن رسلان ص ٣٩.\n(^٤) في (ص): \"شيئان\". وهو خطأ.\n(^٥) المعنى: أنه جعل ملازمةً بين المنع وعدم الوجوب. فلو لم يجب - لكان ممنوعًا. لكنه غير ممنوع فهو واجب. فعدم المنع علامة على الوجوب. فَتُنْقض الملازمة بسجود السهو والتلاوة فإنهما سنتان وممنوعٌ منهما لولا المقتضي لهما وهو كونهما سنة. فلولا سنية سجود السهو والتلاوة - لكانا ممنوعين. لكنهما غير ممنوعين، فهما سنتان. فعدم المنع علامة على السنية. ملاحظة: ينبغي التنبه إلى التفريق بين المقتضي؛ وسبب المقتضي؛ لأن الأول حكم تكليفي والثاني حكم وضعي، وكلامنا عن التكليفي لا الوضعي. فهنا قلنا: المقتضي لسجود السهو والتلاوة كونهما سنة. ولم نقل: المقتضي لسجود السهو والتلاوة هو السهو وتلاوة آية السجدة؛ لأن هذين سببان في الاقتضاء، أي: في السنية، فهما حكمان وضعيان، وكلامنا هنا عن الحكم التكليفي. فعدم المنع علامة على حكمين تكليفيين: الوجوب والندب. والمقتضي لعدم المنع هما الوجوب والندب، فالوجوب والندب سببان لعدم المنع، وهو مسبب. فهما ملزومان، وعدم المنع لازم، واللازم لا يتخلف عن ملزومه. ويلاحظ أيضًا أن النقض بسجود السهو إنما هو على مذهب الشافعية القائلين بأنه سنة. قال النووي رحمه الله تعالى: \"سجود السهو سنة عندنا ليس بواجب. وقال أبو حنيفة: هو واجب يأثم بتركه، وليس بشرط لصحة الصلاة. وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: هو سنة، كقولنا. وقال القاضي عبد الوهاب المالكي: الذي يقتضيه مذهبنا أنه واجب في سهو النقصان. وأوجبه أحمد في الزيادة والنقصان\". المجموع ٤/ ١٥٢، وقد نص الرملي في نهاية المحتاج ٢/ ٦٢، وابن حجر في تحفة المحتاج ٢/ ١٦٩: على أنه سنة مؤكدة.","vol":"5","page":1780},{"text":"ويعرف الوجوب أيضًا بكونه قضاء لواجب، وهذا قد ذكره المصنِّف في المندوب، ومن العجب إخلاله به هنا (^١).\nويُعرف أيضًا بالمداومة على الفعل، مع عدم ما يدل على عدم الوجوب. وهذا (^٢) دليل ظاهر على الوجوب؛ لأنه لو كان غير واجب لنصب (^٣) عليه دليلًا أو داخل بتركه لئلا يوهم إيجاب ما ليس بواجب (^٤).\nوقوله \"والندب\"، أي: ويختص معرفة الندب بشيئين:\nأحدهما: قصد القربة مجردًا عن أمارةٍ دالةٍ على الوجوب، فإنه يدل على أنه مندوب؛ لأن الرجحان ثبت بقصد القربة، والأصل عدم الوجوب. وفي هذا ما تقدم من الخلاف.\nوالثاني: كون الفعل قضاءً لمندوب.\nويُعْرف الوجوب والندب كلاهما بالدلالة على أنه كان مخيرًا بينه وبين فعلٍ آخر ثَبَت وجوبُه؛ لأن التخيير لا يقع بين الواجب وما ليس بواجب (^٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول ٢/ ٣٢ - ٣٣، المحصول ١/ ق ٣/ ٣٨٤.\n(^٢) في (غ): \"فهذا\".\n(^٣) في (ص): \"لنص\". وهو خطأ.\n(^٤) انظر هذا الطريق في: نهاية الوصول ٥/ ٢١٦٣.\n(^٥) المعنى: أن النبي ﵌ إذا كان مخيَّرًا بين فعلين أحدهما ثبت وجوبه - فهذا يدل على وجوب الآخر؛ لأن التخيير لا يقع بين الواجب وما ليس بواجب؛ لأنه لو فرض وقوع التخيير فإن الوجوب ينتفي، ويجوز الترك بالكلية؛ لأن المندوب يجوز تركه، فلا يصح أن يخير بين الواجب والمندوب. وكذا إذا =","vol":"5","page":1781},{"text":"و(^١) هذا أهمله المصنف (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-464>(الرابعة: الفعلان لا يتعارضان</span>، فإنْ عارَضَ فِعْلُه الواجبُ اتباعُهُ قولًا متقدمًا نَسَخَهُ. وإنْ عارض متأخِّرًا عامًّا فبالعكس. وإن اختص به نسخه في حقه، وإن اختص بنا خصَّنا (^٣) قبل الفعل ونُسِخ عنا بعده. وإن جُهل التاريخ فالأخذ بالقول في حقنا؛ لاستبداده).\nالتعارض بين الشيئين: هو تقابلهما على وجه يمنع كل واحد منهما مقتضى صاحبِه (^٤).\nوالتعارض بين الفعلين غير مُتَصَوَّر؛ لأنهما وإنْ تناقض حكمهما فيجوز أن يكون الفعل في ذلك الوقت (^٥) واجبًا، وفي مثل ذلك الوقت\n_________\n= خُيِّر ﷺ بين فعلين أحدهما ثبتت ندبيته، فهذا يدل على أن الآخر كذلك؛ لأن التخيير لا يقع بين الندب وبين ما ليس بندب. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٨٣، ٣٨٤.\n(^١) سقطت الواو من (ص).\n(^٢) انظر المسألة الثالثة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٨١، الحاصل ٢/ ٦٢٩، التحصيل ١/ ٤٤١، نهاية الوصول ٥/ ٢١٦٢، نهاية السول ٣/ ٢٩، السراج الوهاج ٢/ ٧٠٠، شرح الأصفهاني ٢/ ٥٠٨، مناهج العقول ٢/ ٢٠٢، المحلي على الجمع ٢/ ٩٨، البحر المحيط ٦/ ٣٧، شرح التنقيح ص ٢٩٠، شرح الكوكب ٢/ ١٨٤.\n(^٣) في نهاية السول (طبعة صبيح) ٢/ ٢٠٦، ومناهج العقول ٢/ ٢٠٦: \"خصنا في حقنا\".\n(^٤) ذكر هذا التعريف بحروفه شمس الدين الأصفهاني، والإسنوي، رحمهما الله تعالى. انظر: شرح الأصفهاني ٢/ ٥١٠، نهاية السول ٣/ ٣٥. وانظر: تيسير التحرير ٣/ ١٣٦.\n(^٥) سقطت من (ص).","vol":"5","page":1782},{"text":"بخلافه؛ لأن الأفعال لا عموم لها (^١). ولو فُرِض مع الفعل الأول قولٌ مقتضٍ لوجوب تَكراره - فالفعل الثاني قد يكون ناسخًا أو مخصِّصًا، لكن لذلك القول لا للفعل؛ فالتعارض بين الفعلين ممتنع، بل إما أن يقع بين قولين، أو قول وفعل. ومحل الكلام في الأول كتاب التعادل والتراجيح. وأما الثاني فَذَكره هنا، وله أحوال؛ لأنه إما أن يكون القول متقدمًا، أو متأخرًا، أو يُجهل الحال.\nقوله: \"قولًا متقدمًا\"، هذا هو الحال الأول: وجملة القول فيه أنه\n_________\n(^١) القول بعدم تعارض الفعلين هو الذي جزم به القاضي أبو بكر، وغيره من الأصوليين على اختلاف طبقاتهم. كذا قال الزركشي - ﵀ - في البحر ٦/ ٤٣، وليعلم أن محل الخلاف إنما هو في الأفعال المجردة المطلقة التي سبق ذكر الخلاف فيها. قال القاضي - ﵀ - في التلخيص ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣: \"فأما الأفعال المطلقة التي لم تقع موقع البيان من الرسول - ﷺ -، وهي التي نتوقف فيها فلا يتحقق فيها تعارض. . . وأما الأفعال الواقعة موقع البيان (أي: بيان المجمل) فإذا اختلف، واقتضى كُلُّ فعلٍ بيانَ حكمٍ يخالف ما يقتضيه الفعلُ الآخر، وتنافيا على الوجه الذي صَوَّرنا في القولين - فالتعارض في موجب الفعلين كالتعارض في مقتضى القولين\". والمعنى: أن الفعل المتأخِّر ينسخ الفعل المتقدم إذا كانا ورادين لبيان مجمل، ولم يمكن الجمع بينهما. مثاله: قوله ﵌: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\"، فآخِر الفعلين ينسخ الأول، كآخر القولين، والتعارض بين الفعلين حينذاك صوري وهو راجع إلى المبيَّنات من الأقوال، لا إلى بيانها من الأفعال. ومثل هذا أيضًا الفعل الذي يدل دليل خاص على أن المراد به دوامه وتكراره في المستقبل في حقه - ﷺ - وحق الأمة، فإن الفعل الذي يقع بعده مخالفًا له يكون ناسخًا له؛ لأن الفعل الأول مُنَزَّل منزلة القول، والنسخ في الحقيقة يكون لذلك الدليل الذي دلَّ على الدوام. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن التعارض يقع بين الفعلين المجردين، وذلك بسبب الأدلة العامة الدالة على اقتداء الأمة بفعله - ﷺ - مطلقًا، أو وجوبًا، أو ندبًا على اختلاف الأحوال.","vol":"5","page":1783},{"text":"﵇ إذا فعل فعلًا، وقام الدليل على وجوب اتباعه فيه - فإنه يكون ناسخًا للقول المتقدم عليه، سواء كان ذلك القول: عامًا، كقوله مَثَلًا: صوم يوم عاشوراءِ واجبٌ علينا. ثم إنا نراه أفطر فيه، وقام الدليل على اتباعه فيه. أم كان خاصًا به، أم خاصًا بنا (^١).\nقوله: \"وإن عارض متأخِّرًا\"، هذا هو الحال الثاني: فإذا كان القول متأخرًا عن الفعل الذي دلَّ الدليل على وجوب اتباعه فيه - فإن لم يدل دليل على وجوب تكرر الفعل: فلا تعارض، وتركه المصنِّف لوضوحه.\nوإن دلَّ على وجوب تكرره عليه وعلى أمته: فالقول المتأخر إما أن يكون عامًا يشمله ويشمل أمته - فيكون ناسخًا للفعل المتقدم، كما إذا صام عاشوراء، وقام الدليل على وجوب اتباعه فيه، ووجوب تكرره، ثم قال: لا يجب علينا صومه. هذا شرح قوله: \"فإن عارض متأخرًا عامًا فبالعكس\"، أي: يكون الفعل منسوخًا، عكس حالته الأولى التي كان فيها ناسخًا للقول.\n_________\n(^١) قوله: \"أم كان خاصًا به أم كان خاصًا بنا\" عطف على قوله: \"عامًا\" في قوله: \"سواء كان ذلك القول عامًا\"، والمعنى: وسواء كان القول خاصًا به، كأن يقول: صوم يوم عاشوراء واجب عليَّ. أم كان خاصًا بنا، كأن يقول: صوم يوم عاشوراء واجبٌ عليكم. فإن فطره - ﷺ - يكون ناسخًا لقوله في حقِّه، في حالة تقدم القول العام، أو القول الخاص به ﵌. ويكون ناسخًا في حقنا في حالة تقدم القول العام، أو القول الخاص بنا، إذا قام الدليل على وجوب اتباعه في ذلك الفعل. انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ٩٩ - ١٠١.","vol":"5","page":1784},{"text":"وإما أن يكون خاصًا به ﵇، كقوله في المثال المذكور: لا (^١) يجب عليَّ صيامه - فلا تعارض بالنسبة إلى الأمة؛ لعدم تَعَلُّق القول بهم، فيستمر حكم الفعل الأول عليهم، ويُنسخ في حقه صلوات الله وسلامه عليه.\nوإما أن يكون خاصًا بنا، كقوله: لا يجب عليكم صومه (^٢) - فلا تعارض أيضًا وحكمه - ﷺ - مستمر، وأما نحن فيرتفع عنا التكليف به.\nثم إنْ ورد ذلك قبل صدور الفعل منا - كان مخصِّصًا مبيِّنًا لعدم الوجوب. وهذا يتجه أن يكون بناءً على أنه يجوز التخصيص في اللفظ العام إلى أن يبقى واحد. وإن ورد بعد صدور الفعل كان ناسخًا لفعلنا المتقدم، ولا يكون تخصيصًا لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة.\nواعلم أن هذا التفصيل إنما يأتي إذا كانت دلالةُ الدليل الدال على وجوب اتباع الفعل ظاهرةً، كالإتيان بلفظ عام مثل: هذا الفعل واجبٌ على المكلفين، إذا قلنا المخاطِب داخلٌ في عموم خطابه. أو: علينا معاشر الناس.\nوأما إذا كانت قطعية فلا يمكن حمل القول المتأخر على التخصيص أصلًا، بل يتعيَّن حملُه على النسخ مطلقًا (^٣).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (غ): \"صيامه\".\n(^٣) يعني: وأما إذا كانت دلالة الدليل الدال على وجوب اتباع الفعل قطعية، وذلك كأن يقول: إنه واجبٌ عليَّ وعليكم - فلا يمكن حمل القول المتأخر على التخصيص؛ لأن التخصيص إنما يكون للظني وهو العام، أما القطعي فلا يُخَصِّص، بل يُنسخ. =","vol":"5","page":1785},{"text":"ثم هذا كله فيما إذا كان الفعل المتقدم مما يجب علينا اتباعه، كما عرفت وأما إن لم يكن كذلك - فلا تعارض بالنسبة إلينا؛ لعدم تعلق الحكم بنا. وأما بالنسبة إليه - ﷺ -: فإن دلَّ الدليل على وجوب تكرر الفعل، وكان القول المتأخر خاصًا به، أو مُتَناوِلًا له بطريق (النص (^١) - فيكون القول ناسخًا للفعل (^٢). وإن كان بطريق) (^٣) الظهور (^٤) فيكون الفعل السابق مُخَصِّصًا لهذا العموم (^٥)؛ لأن المُخَصِّص عندنا لا يُشترط تأخره عن العام، ولم يذكر المصنف ذلك لظهوره.\nقوله: \"فإن جُهِل\" هذا هو الحال الثالث: وهو أن يكون المتأخر منهما، أعني: من القول والفعل - مجهولًا. فإن أمكن الجمع بينهما\n_________\n= تنبيه: يقصد الشارح رحمه الله تعالى باللفظ العام هنا: هو ما كان شاملًا له - ﷺ - ولأمته. أما ما كان شاملًا له فقط، أو شاملًا لأمته فقط - فهو الخاص، فالخصوصية باعتبار النوع، لا باعتبار الأفراد.\n(^١) أي: متناولًا له وللأمة بطريق النص، كقوله: لا يجب عليَّ ولا عليكم. انظر: نهاية السول ٣/ ٤٥.\n(^٢) وعليه: فإن لم يدل الدليل على وجوب تكرر الفعل في حقه - ﷺ - فلا نسخ؛ لعدم التعارض بين القول والفعل، لأن الفعل لا عموم له. انظر: نهاية الوصول ٥/ ٢١٧١، شرح الكوكب ٢/ ٢٠١، ٢٠٢.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أي: إن كان القول المتأخر متناولًا له - ﵌ - ولأمته بطريق الظهور، كقوله - ﷺ -: لا يجب علينا. انظر: نهاية السول ٣/ ٤٥.\n(^٥) أي: مخصِّصًا لعموم القول في حقه ﵌، فلا يشمله حكم القول. انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٠١.","vol":"5","page":1786},{"text":"بالتخصيص أو غيره - جُمع؛ لأن الجمع بين الدليلين ولو مِنْ وجه أولى مِنْ خلافه. وإن لم يمكن الجمع بوجه ما، وفيه تكلم المصنف - ففيه مذاهب:\nأحدها: أن الأخذ بالقول؛ لأنه مستقلٌ بالدلالة موضوع لها، بخلاف الفعل فإنه لم يُوضع لها، وإنْ دَلَّ فإنما يدل بواسطة القول، فيقدم القول لاستبداده (^١)، وهذا ما جزم به الإمام وأتباعه، واختاره الآمدي (^٢).\nوالثاني: أنه يقدم الفعل (^٣)؛ لأنه أوضح بالدلالة (^٤)، (ألا ترى أنه) (^٥) يُبَيَّن به القول، كالصلاة والحج.\nوالثالث: الوقف إلى ظهور التاريخ؛ لتساويهما في الدلالة (^٦).\n_________\n(^١) في (ص): \"لاستلزامه\". وهو خطأ؛ لأن المعنى: لاستقلاله وانفراده. انظر: لسان العرب ٣/ ٨١، المصباح المنير ١/ ٤٣، مادة (بدد).\n(^٢) وإليه ذهب الجمهور. انظر: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٨٨، الحاصل ٢/ ٦٣١، التحصيل ١/ ٤٤١، نهاية الوصول ٥/ ٢١٧٣، الإحكام ١/ ١٩٢، ١٩٣، ١٩٤، اللمع ص ٦٩، شرح اللمع ١/ ٥٥٧، البحر المحيط ٦/ ٥١، شرح التنقيح ص ٢٩٢، فواتح الرحموت ٢/ ٢٠٣، شرح الكوكب ٢/ ٢٠٢.\n(^٣) وإليه ذهب بعض الشافعية كما في اللمع ص ٦٩، وشرح اللمع ١/ ٥٥٧، والقواطع ٢/ ١٩٥. قال الزركشي ﵀: \"ونقل عن اختيار القاضي أبي الطيب\". البحر المحيط ٦/ ٥٢، وقال به محمد بن خويز منداد من المالكية. انظر: إحكام الفصول ص ٣١٥.\n(^٤) في (ص): \"الدلالة\".\n(^٥) في (غ): \"ألا ترى إلى أنه\".\n(^٦) وبه قال القاضي أبو بكر، والباجي من المالكية، وبعض الشافعية منهم ابن القشيري، وابن السمعاني، والغزالي ﵏ جميعًا، ونسبه الشيرازي ﵀ إلى طائفة من المتكلمين. انظر: التلخيص ٢/ ٢٥٤، إحكام الفصول ص ٣١٥، القواطع ٢/ ١٩٥، المستصفى ٣/ ٤٧٦ (٢/ ٢٢٦)، البحر المحيط ٦/ ٥٢، اللمع ص ٦٩، شرح اللمع =","vol":"5","page":1787},{"text":"واختار ابن الحاجب قولًا رابعًا من هذه الثلاثة: وهو الوقف بالنسبة إليه - ﷺ -، والقول بالنسبة إلينا؛ لظهور ترجُّحِ القولِ، فيُعْمل به في حقنا، لا في حقه؛ إذ لسنا مكلَّفين في حقه بشيء (^١) (^٢). وهذا هو الذي أشعر به اختيار صاحب الكتاب؛ لأنه قال: \"فالأخذ بالقول في حقنا\"، وسكت عن حقه - ﷺ - (^٣) (^٤).\n_________\n= ١/ ٥٥٧.\n(^١) أي: لسنا مُتَعَبَّدين بالعلم بما كلِّف به ﵌، ومن ثَمَّ فلا ضرورة بنا إلى الترجيح في حقه - ﷺ -. انظر: شرح المحلي وحاشية البناني ٢/ ١٠٠ - ١٠١.\n(^٢) وهذا القول الرابع هو الذي اختاره الشارح رحمه الله تعالى في \"جع الجوامع\". انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٠٠، منتهى الوصول ص ٥١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٦.\n(^٣) كذا قال البدخشي ﵀ في مناهج العقول ٢/ ٢٠٧، وقال الإسنوي ﵀: \"وهو ظاهر في اختيار ما اختاره ابن الحاجب\". نهاية السول ٣/ ٤٦، وجزم الجاربردي - ﵀ - بأن هذا هو اختيار المصنف. انظر: السراج الوهاج ٢/ ٧٠٥، وهذا هو الذي اختاره الأصفهاني في شرحه للمنهاج ٢/ ٥١٥، ولم يتعرض إلى أن المصنف قد أشار إليه، وكأنه - والله أعلم - يعتقد أن هذا ظاهرٌ من كلامه.\n(^٤) انظر المسألة الرابعة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٨٥، الحاصل ٢/ ٦٣٠، التحصيل ١/ ٤٤١، نهاية الوصول ٥/ ٢١٦٧، نهاية السول ٣/ ٣٤، السراج الوهاج ٢/ ٧٠٣، الإحكام ١/ ١٩٠، المعتمد ١/ ٣٥٩، المستصفى ٣/ ٤٧٥ (٢/ ٢٢٦)، المحلى على الجمع ٢/ ٩٩، البحر المحيط ٦/ ٤٣، البرهان ١/ ٤٩٦، التلخيص ٢/ ٢٥٢، شرح التنقيح ص ٢٩٢، إحكام الفصول ص ٣١٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٦، تيسير التحرير ٣/ ١٤٧، فواتح الرحموت ٢/ ٢٠٢، شرح الكوكب ٢/ ١٩٨، التمهيد ٢/ ٣٣٠، أفعال الرسول - ﷺ - ٢/ ١٧١، د/ محمد الأشقر.","vol":"5","page":1788},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-465>(الخامسة: أنه ﵇ قبل النبوة تُعُبِّد (^١) (^٢) بشرع، وقيل: لا)</span>.\nالمسألة مشتملة على بحثين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-466>الأول: فيما كان - ﷺ - عليه قبل أن يبعثه الله تعالى برسالته </span>(^٣):\nقال إمام الحرمين: \"وهذا ترجع (^٤) فائدته إلى ما يجري مَجْرى التواريخ\" (^٥). وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب:\nالأول: أنه كان قبل النبوة مُتعَبَّدًا (^٦) بشرع. واختاره ابن الحاجب، والمصنِّف (^٧). وعلى هذا فقيل: كان على شريعة آدم. وقيل: إبراهيم (^٨).\n_________\n(^١) في (غ): \"متعبَّد\".\n(^٢) بضم التاء والعين، أي: كُلِّف. انظر: نهاية السول ٣/ ٤٦ - ٤٨.\n(^٣) انظر: سلم الوصول ٣/ ٤٦ - ٤٧. وانظر: البحر المحيط ٨/ ٤١، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٤، شرح التنقيح ص ٢٩٧.\n(^٤) في (غ): \"يرجع\".\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ٥٠٦ - ٥٠٧، ونص البرهان: \"وهذا ترجع فائدته وعائدته. . .\". وانظر: شرح التنقيح ص ٢٩٧.\n(^٦) هكذا ضبط الكلمة الشارحُ ﵀ بخطه في جمع الجوامع، كما قال الزركشي ﵀ في تشنيف المسامع ٣/ ٤٣٢، والمحلي في شرحه ٢/ ٣٥٢، والمعنى: أنه كان مكلَّفًا بشرع قبل النبوة، ﵌. وانظر: حاشية التفتازاني على العضد ٢/ ٢٨٦، شرح التنقيح ص ٢٩٥، البحر المحيط ٨/ ٤١.\n(^٧) ونسبه الغزالي - ﵀ - في \"المنخول\" إلى بعض الشافعية. انظر: المنخول ص ٢٣١، منتهى السول ص ٢٠٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٨٦.\n(^٨) اختار هذا التعيين ابن عقيل، والمجد، والبغوي، وابن كثير، وجمع، ﵏ جميعًا. انظر: المسودة ص ١٨٢، وشرح الكوكب ٤/ ٤١٠. وقد قوَّى هذا القول الحافظ =","vol":"5","page":1789},{"text":"وقيل: نوح. وقيل: موسى. وقيل: عيسى. عليهم وعليه صلوات الله وسلامه. وقال بعضهم: ما ثبت أنه شرع من غير تخصيص (^١).\nوالمذهب الثاني: أنه ﵇ (لم يكن) (^٢) قبل المبعث مُتَعَبَّدًا بشيءٍ قطعًا (^٣). قال القاضي في، \"مختصر التقريب\": \"وهذا هو الذي صار إليه جماهير المتكلمين، ثم اختلف القائلون بهذا المذهب: فقالت المعتزلة بإحالة ذلك عقلًا، وذهب عُصْبةُ أهل الحق إلى أنه لم يقع، ولكنه غير ممتنعٍ عقلًا\" قال القاضي: \"وهذا ما نرتضيه وننصره\" (^٤).\n_________\n= ابن حجر ﵀ في الفتح (٨/ ٧١٧) فقال: \"ولا يخفى قوة الثالث (أي: القول الثالث وهو أنه على دين إبراهيم ﵊)، ولا سيما مع ما نُقل من ملازمته للحج والطواف، ونحو ذلك مما بقي عندهم من شريعة إبراهيم ﵊\". وهو الذي مال إليه الأنصارى في فواتح الرحموت إذ قال: \"ثم تعيين ذلك الشرع مما لم يقم عليه دليل، فَيُتَوقَّف، ويُظن أنه شرع إبراهيم، فإن شريعته كانت عامةً، وشرع عيسى كان مختصًا بقوم، فالأشبه اتباعه لشرع إبراهيم\". فواتح الرحموت ٢/ ١٨٤. ومعنى كلامه: أنه ليس عندنا دليل نجزم به، ومِنْ ثَمَّ فنتوقف عن الجزم، لكن نظن أنه كان على شرع إبراهيم عليهما الصلاة والسلام.\n(^١) انظر تفاصيل المسألة في: حاشية البناني على المحلى ٢/ ٣٥٢، ونهاية السول ٣/ ٤٨، وتيسير التحرير، وشرح الكوكب ٤/ ٤٠٩ - ٤١٠، والبحر المحيط ٤/ ٨٠، وفتح الغفار ٢/ ١٣٩، وفواتح الرحموت ٢/ ١٨٤.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) هذا مذهب مالك وأصحابه ﵃ جميعًا، كما قال القرافي في شرح التنقيح ص ٢٩٥، وحكى الغزالي - ﵀ - إجماع المعتزلة عليه. انظر: المنخول ص ٢٣١.\n(^٤) انظر: التلخيص ٢/ ٢٥٩، والنقل بالمعنى.","vol":"5","page":1790},{"text":"والمذهب الثالث: التوقف وبه قال إمام الحرمين، والغزالي، والآمدي (^١)، وهو المختار.\nوقد اعتمد القاضي على ما ذهب إليه: بأنه لو كان على ملةٍ لاقتضى العُرْفُ ذِكْرَه لها لَمَّا بعثه نبيًا، ولتحدَّث بذلك أحدٌ في زمانه وبَعْدُ (^٢).\nوعارض إمام الحرمين ذلك: \"بأنه لو لم يكن على دينٍ أصلًا لَنُقِل؛ فإن ذلك أبدع وأبعد عن المعتاد مما ذكره القاضي\"، قال: \"فقد تعارض الأمران (والوجه أن) (^٣) يقال: كانت العادة انخرقت للرسول - ﷺ - في أمورٍ، منها انصراف هِمَم (^٤) الناس عن أمر دينه والبحث عنه\" (^٥).\nقال: (وبعدها: الأكثر على المنع. وقيل: أمرٌ بالاقتباس. ويكذِّبه انتظارُ الوحي، وعدمُ مراجعتِه ومراجعتِنا. قيل: رَاجَع في الرجم. قلنا: للإلزام. واسْتُدِلَّ بآياتٍ أُمِر فيها باقتفاء الأنبياء السالفة ﵈. قلنا: في أصول الشريعة وكلياتها).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-467>البحث الثاني: في أنه - ﷺ - هل تُعُبِّد بعد النبوة بشرعِ مَنْ قبله:</span>\nوالكلام في ذلك مع مَن (لم يَنْفِ) (^٦) التعبد قبل النبوة، وأما مَن نفاه\n_________\n(^١) انظر: البرهان ١/ ٥٠٩، المستصفى ٢/ ٤٣٥ (١/ ٢٤٦)، الإحكام ٤/ ١٣٧، وبه قال أيضًا القاضي عبد الجبار، كما في الإحكام.\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٢٦٢.\n(^٣) في (ص): \"والوجهان\".\n(^٤) في (ت): \"هم\". ولفظ البرهان: \"انصراف الناس\".\n(^٥) البرهان ١/ ٥٠٩.\n(^٦) في (غ): \"أثبت\".","vol":"5","page":1791},{"text":"قبل النبوة فقد نفاه بعدها (^١) بطريقٍ أولى (^٢).\nوقد ذهب الأكثرون من المعتزلة وأصحابنا (^٣) إلى أنه لم يكن متعبَّدًا\n_________\n(^١) في (ص): \"بعده\".\n(^٢) انظر: البحر المحيط ٨/ ٤٢.\n(^٣) منهم: إمام الحرمين، وابن السمعاني ونسبه لأكثر المتكلمين، والغزالي، والإمام وأتباعه، والآمدي ونسبه للأشاعرة، وابن برهان، والشيرازي في \"اللمع\"، لكنه في \"شرح اللمع\" رجَّح الاحتجاج بشرع مَنْ قبلنا، وهو الذي ذهب إليه في \"التبصرة\". وهذا عجيب، ولم ينتبه له الزركشي في البحر (٨/ ٤٣)، إذ ظن أن قوله في \"اللمع\" هو آخر قولَيْه، والصيرفي، والنووي. وقال به القاضي أبو بكر، وابن حزم، وبعض الحنفية والمالكية، وأصح القولين عن الشافعي - ﵁ - كما قال الإسنوي في نهاية السول ٣/ ٤٩، ورواية عن أحمد - ﵁ -. انظر: البرهان ١/ ٥٠٤، القواطع ٢/ ٢٠٩ - ٢١١، المستصفى ٢/ ٤٣٩ (١/ ٢٥١)، المحصول ١/ ق ٣/ ٤٠١ - ٤١٤، الحاصل ٢/ ٦٣٣، التحصيل ١/ ٤٤٣، الإحكام ٤/ ١٤٠، اللمع ص ٦٣، شرح اللمع ١/ ٥٢٨، التبصرة ص ٢٨٥، البحر المحيط ٨/ ٤٢، التلخيص ٢/ ٢٦٥، الإحكام لابن حزم ٥/ ١٥٣، إحكام الفصول ص ٣٩٤، الوصول إلى الأصول ١/ ٣٨٣، كشف الأسرار ٣/ ٢١٢، العدة ٣/ ٧٥٦. تنبيه: قد جهدت في البحث عن المسألة في \"نهاية الوصول\" لصفي الدين الهندي فلم أعثر عليها، وهذا غريب، إما أنه سها عنها، أو أنها سقطت من النسخ، فالله أعلم. ومناسبة هذا التنبيه أن صفي الدين ﵀ من أتباع الإمام، وقد أشرت إلى أن الإمام وأتباعه يمنعون التعبد بالشرائع السابقة. وتنبيه ثان: وهو أن د/عبد المجيد التركي - حفظه الله - في تحقيقه لشرح اللمع حاول أن يتخلص من التعارض بين \"اللمع\" وشرحه بإضافة كلمة \"الشيرازي\" على الرأي الثاني المذكور في الشرح ١/ ٥٢٨، وهذه الإضافة خطأ؛ لأنها تخالف القول الأول في الشرح حيث قال الشيرازي: \"وأما شرع مَنْ قبلنا: فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة طرق: فمنهم من قال: هو شرع لنا إلا ما نسخه شرعُنا. وهو الذي ننصره. والثاني: ليس بشرع لنا، وهو اختيار الإمام ﵀\"، =","vol":"5","page":1792},{"text":"بشرعٍ أصلًا. ثم افترقوا:\nفقالت معتزلتهم: إن التعبد بشرع مَنْ قبلنا غير جائز عقلًا، زاعمين أن ذلك لو قُدِّر لأشْعر بحطيطةٍ ونقيصةٍ في شرعنا، ولتضمن ذلك أيضًا (^١) إثباتَ الحاجة إلى مراجعة مَن قبلنا، وهذا حطٌّ من رتبة الشريعة (^٢).\nوقال الآخرون: إن العقل لا يحيل ذلك ولكنه ممنوع شرعًا. واختاره الإمام الآمدي.\nوقال قومٌ من الفقهاء: إنه كان مُتَعبَّدًا، أي: مأمورًا بالاقتباس مِن كتبهم، كما أشار إليه المصنف (^٣). وهذا هو اختيار ابن\n_________\n= فأضاف الدكتور كلمة [الشيرازي] بعد \"الإمام\"؛ ليرفع التعارض بين \"الشرح\" و\"اللمع\"، والظاهر أن الشيرازي ﵀ يعني بالإمام الشافعي - ﵁ -، فقد نقل عنه هذا القول. ومما يدل على خطأ هذه الزيادة أن الشيرازي ﵀ في سياقه للأدلة نَصَر القول الأول: وهو أنها شرع لنا إلا ما نسخه شرعُنا. والله أعلم.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٥٠٣.\n(^٣) ذكر هذا المعنى الإمام في المحصول ١/ ق ٣/ ٤٠٢، وتابعه عليه صاحب الحاصل ٢/ ٦٣٣، والتحصيل ١/ ٤٤٣. وهذا المعنى ليس بصحيح، وسيأتي أن الشارح ﵀ بيَّن أن محل الخلاف إنما هو فيما ثبت أنه من شرعهم بطريق صحيح نقبله، ولم نُؤمر به في شريعتنا. وقد اعترض القرافي - رحمه الله تعالى - على هذا المعنى الذي ذكره الإمام، فقال: \"نحن مجمعون على أن المرويَّ عن رسول الله - ﷺ - بطريقٍ لا يُعلم عدالة راويه - أنه يحرم اتباعه، فكيف بالمنقول عن الأنبياء السالفة يُقبل فيها قول الكفار الذين لم يَرْوُوا عن أسلافهم، ولا يَعْرفون الرواية في دينهم! بل الروايةُ =","vol":"5","page":1793},{"text":"الحاجب (^١) وهو معنى قولهم: إذا وجدنا حكمًا في شرع مَنْ قبلنا، ولم يرد في شرعنا ناسخٌ له - لزمنا التعلقُ به. قال إمام الحرمين: \"وللشافعي ميلٌ إلى هذا، وبنى عليه أصلًا من أصوله في كتاب الأطعمة، وتابعه معظم أصحابه\" (^٢).\nقال في الكتاب: ويُكَذِّب هذا المذهب - أي: يبطل ما ذهب إليه بعض الفقهاء - أنه - ﷺ - كان ينتظر الوحي، ولا يقتبس من كتبهم، ولا\n_________\n= واتصالُ الأسانيد من خصائص الإسلام، وغيرنا من الملل يتعذر عليه ذلك؛ لكثرة الخبط والتخليط والتبديل، واختلاف الأهواء، فقبول مثل هذه الكتب وهذه النقول خلاف الإجماع، فنحن إذا نُقلت إلينا التواريخ لا يُعمل بها؛ لعدم صحتها. ولو نقل العدل عن العدل وفي السند واحد مجهول العدالة لا نُثبت به حكمًا، فكيف بقومٍ قَطَعْنا بكفرهم، وأهويتهم الفاسدة، وتبديلهم وتنوع أكاذيبهم! هذا لا ينبغي أن يخطر لأحدٍ من علماء الشريعة\" نفائس الأصول ٦/ ٢٣٧٢ - ٢٣٧٣. وانظر: الإحكام لابن حزم ٥/ ١٥٣ - ١٥٤.\n(^١) هو مذهب مالك - ﵁ - وجمهور أصحابه، وجمهور الشافعية على ما نقله ابن السمعاني وسليم وإمام الحرمين، وجمهور الحنفية، وهو المذهب عند الحنابلة ورواية عن أحمد - ﵁ -، وقال ابن السمعاني: \"وقد أومأ إليه الشافعي في بعض كتبه\". القواطع ٢/ ٢١١، وقال الزركشي: \"وقال ابن الرفعة في \"المطلب\": إن الشافعي نَصَّ عليه في \"الأم\" في كتاب الإجارة، وأنه أظهر الوجهين في الحاوي\". البحر المحيط ٦/ ٤٤، وإليه صارت طائفة من المتكلمين. انظر: شرح التنقيح ص ٢٩٧، منتهى السول ص ٢٠٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٨٦، القواطع ٢/ ٢٠٩، البرهان ١/ ٥٠٣، البحر المحيط ٦/ ٤٣، كشف الأسرار ٣/ ٢١٢، تيسير التحرير ٣/ ١٣١، فواتح الرحموت ١/ ١٨٤، شرح الكوكب ٤/ ٤١٢، العدة ٣/ ٧٥٣، التمهيد ٢/ ٤١١.\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٥٠٣.","vol":"5","page":1794},{"text":"يراجعها؛ إذ لو فَعَل ذلك لاشْتَهر.\nويُكَذِّبه أيضًا عدمُ مراجعتنا؛ إذ لو كان متعبَّدًا لوجب على علمائنا الرجوعُ إلى كتبهم (تأسيًا به) (^١).\nوهذا الوجه هو الذي اعتمد عليه القاضي - ﵁ - (^٢)، وكذلك إمام الحرمين، وقال: \"هو المسلك القاطع، فإن الصحابة كانوا يترددون في الوقائع بين الكتاب والسنة، والاجتهاد إذا (^٣) لم يجدوا مُتَعلَّقًا فيهما، وكانوا لا يبحثون عن أحكام الكتب المنزَّلة على مَنْ قبل نبينا - ﷺ - (^٤)، وكذلك مَنْ بعدهم من التابعين وتابعي التابعين لم يفزعوا قط في جزئية ولا كلية إلى النصارى واليهود، ولا التفتوا نحو التوراة والإنجيل بشَفَةٍ ولا إيماء، مع تقابل الأمارات، وتزاحم المشكلات، ولقد كانوا يَجْتَزون (^٥) بقياس الشبه (^٦)، وطرق الترجيح والتلويح (^٧)، فكان ذلك إجماعًا قاطعًا،\n_________\n(^١) في (ص): \"بأسبابه\".\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٢٦٨ - ٢٧٢.\n(^٣) في (ص): \"إذ\". وهو خطأ.\n(^٤) إلى هنا انتهى كلام إمام الحرمين - ﵀ - في البرهان ١/ ٥٠٤ - ٥٠٥، وما بعده مقتبس من التلخيص (٢/ ٢٧١ - ٢٧٢) بتصرف.\n(^٥) أي: يكتفون. قال في المصباح ١/ ١٠٩: \"وأما أجزأ، بالألف والهمز - فبمعنى: أغنى. . . وأجزأ الشيءُ مَجْزَأ غيرِه: كفى وأغنى عنه، واجْتَزَأتُ بالشيء: اكتفيت\"، مادة (جزى).\n(^٦) في (ت): \"السير\". وهو خطأ من الناسخ؛ لأن نُسَخ الأقدمين غير منقوطة، فظن الشين سينًا، وظن الهاء راءً، هذا مع كون ناسخ (ت) في عصر متقدم حسب ما هو مكتوب على النسخة.\n(^٧) في (ص): \"التلويح والترجيح\". والمراد بالتلويح: الإشارات التي تلوح وتبدو من الكلام.","vol":"5","page":1795},{"text":"وبرهانًا واضحًا، على عدم الرجوع إلى ذلك؛ (إذ لو كنا) (^١) مخاطَبين بشرائع مَنْ قبلنا لبحث علماؤنا عنها، كما بحثوا عن مصادر الشريعة ومواردها\".\nقال القاضي: \"فإن قال الخصوم: بأن (^٢) ذلك امتنع عليهم من جهة أنَّ أهل الأديان السالفة (^٣) حَرَّفوا وَبدَّلوا، ولم يبق مِن نَقَلَة كتبهم مَنْ يُوثق به، (حتى قال أهل التواريخ: لم يبق مَنْ يقوم بالتوراة بعد عُزَير، ولا بالإنجيل بعد بَرْخيا) (^٤).\nقيل: لهم: الجمع بين هذا السؤال والمصير إلى الأخذ بشرع مَنْ قبلنا - تصريحٌ بالتناقض (^٥) (^٦)؛ لأن سياقه يجر إلى أنه لا يجب تتبُّع الشرائع المتقدمة؛ لمكان التباسها، واندراسها، وصيرورةِ التكليف بها تكليفًا بالمستحيل؛ لعدم التمكن من الوصول إليه فكأنكم وافقتم المذهب وخالفتم العلة (^٧).\nوأيضًا: فلو كان لنا تَعَلُّقٌ في شرع مَنْ قبلنا لنبهنا الشرعُ على مواقع\n_________\n(^١) في (ص): \"إذ لو كانوا\" والمثبت موافق لما في \"التلخيص\" ٢/ ٢٧١.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"إن\".\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"السابقة\".\n(^٤) هذه زيادة من الشارح ﵀، ليست في \"التلخيص\".\n(^٥) يعني: وقع الخصوم في التناقض؛ لأنهم يرون الأخذ بشرائع مَنْ قبلنا، مع اعترافهم بعدم القدرة على معرفتها؛ لكونها محرفةً ومبدلة.\n(^٦) ما بعد هذا مقتبس من البرهان ١/ ٥٠٥، مع بعض الزيادة.\n(^٧) أي: فكأنكم، وافقتم مذهب المانعين من التعبد بالشرائع السابقة، ولكن بعلةٍ غير علتهم، فهم يُعَلِّلون المنع بكوننا غعرو مخاطبين بها، وأنتم عللتم المنع بتعذر معرفتها.","vol":"5","page":1796},{"text":"اللبس، حتى لا يتعطل علينا مراجعة الأحكام (^١).\nوأيضًا: فإنا نقول: مِنْ أحكام الأوائل ما نُقِل إلينا نَقْلًا يقع (به العلم) (^٢)، فهَلَّا أخذ أهلُ الأعصار به.\nوأيضًا: فإنَّ مِنْ أهل الكتاب مَنْ أسلم وحسن إسلامه وبلغ مِنَ الأمانة والثقة أعلى الرتبة، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، فهلا رجع الصحابة إلى قولهما في الإخبار عما لم يُبَدَّل من التوراة\" (^٣).\nواعتذر القرافي عن هذا الجواب الأخير: \"بأن الذين أسلموا من الأحبار وإنْ كانوا عدولًا عظماء في الدين، غير أنهم ليس لهم روايةٌ بالتوراة، ولا سند متصل، وليس إلا أنهم وجدوا آباءهم يقرؤون هذا الكتاب، والجميع في ذلك الوقت كفار فلا رواية، ولو وقعت كانت عن الكفار، والرواية عن الكفار لا تصح. ومَنِ اطلع على أهل الكتاب في شرائعهم، ومطالعة أحوالهم - حَصَل على جَزْمٍ بذلك\" (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) إلى هنا انتهى الاقتباس من \"البرهان\"، وما بعده فمن \"التلخيص\".\n(^٢) في (غ): \"العلم به\".\n(^٣) انظر: التلخيص ٢/ ٢٧٢، ٢٧٣.\n(^٤) أي: بأنهم ليس لهم رواية بكتبهم، فعدالتهم لا تفيد ثقةً بكتبهم، ومِنْ ثَمَّ لم يراجعهم الصحابة من أجل ذلك. وحاصل هذا الكلام أن الاستدلال بعدم مراجعة الصحابة لعدولهم وثقاتهم ليس صريحًا في مَنْع التعبد بشرائعهم غير المنسوخة لو ثبتت؛ لأن المانع من مراجعتم أنه لا سند لهولاء العدول بتلك الكتب، فلو ثبت ما في تلك الكتب من طريق شرعي نقبله، ولم يرد في الشرع ناسخ له - لم يكن لعدم المراجعة دلالةٌ في منع الاحتجاج به.\n(^٥) انظر: نفائس الأصول ٦/ ٢٣٧٥، شرح التنقيح ص ٢٩٨، مع بعض التصرف من الشارح رحمه الله تعالى.","vol":"5","page":1797},{"text":"واعترض الخصم: بأنه - ﷺ - رجع إلى التوراة في قضية (^١) الرجم، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: \"إن اليهود جاؤوا إلى رسول الله - ﷺ -، فذكروا له أن امرأةً منهم ورجلًا زَنَيا، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ قالوا: نفضحهم (^٢) ويُجْلدُون فقال عبد الله بن سلام (^٣): كذبتم، فيها آية الرجم. فَأَتَوْا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدُهم (^٤) يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام ارفع يَدَك، فرفع يده فإذا فيها آيةُ الرجم، فقال: صدق يا محمد. فأمر بهما النبي - ﷺ - فَرُجِما\". الحديث (^٥).\nوهذا اعتراض ضعيفٌ؛ لأن الرجوع إليها إنما كان لإلزام اليهود، حيث أنكروا وُجْدان وجوبِ الرجم في التوراة، فأُقيمت الحجة عليهم بوجود ذلك فيما بين أيديهم وأن الحكم فيه موافق لشريعتنا، ووضح\n_________\n(^١) في (ص): \"قصة\".\n(^٢) أي: نكشف مساويهم، وذلك بتسويد وجه الزانيين بالفحم، وحملهما على حمار واحد وتُقَابَل أقفيتُهما ويُطاف بهما. انظر: عمدة القاري ١٣/ ٢٢٧، فتح الباري ١٢/ ١٢٩، ١٦٨.\n(^٣) هو الإمام الحَبْر عبد الله بن سلام بن الحارث أبو يوسف الإسرائيلي، حليف بني الخزرج. أسلم عند قدوم النبي صلى الله عليه وآله المدينة، قيل: كان اسمه الحصين فسمَّاه النبي ﵌ عبدَ الله وشهد له بالجنة. وشهد مع عمر فتح بيت المقدس والجابية. مات بالمدينة سنة ٤٣ هـ. انظر: سير ٢/ ٤١٣، تهذيب ٥/ ٢٤٩، تقريب ص ٣٠٧.\n(^٤) هو عبد الله بن صوريا الأعور. انظر المرجعين السابقين.\n(^٥) سبق تخريجه.","vol":"5","page":1798},{"text":"بُهْتهم وعنادهم، ولم يكن ذلك رجوعًا من النبي - ﷺ - إلى التوراة، بل يتعيَّن اعتقاد أنَّ ذلك كان بوحي إليه (^١)؛ لتعذر الوصول (^٢) إلى ما في التوراة؛ لعدم اتصال السند عن (^٣) الثقاة (^٤)، كما ذكره (^٥) القرافي (^٦).\nواحتج الخصم بآيات من الكتاب العزيز تدل على أنه - ﷺ - كان مأمورًا باقتفاء الأنبياء السالفة ﵈، كقوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ (^٧)، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (^٨)، وقوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ (^٩)، وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ﴾ (^١٠)، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"عليه\".\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"التوصل\".\n(^٣) في (ت) \"إلى\".\n(^٤) المعنى: أن مراجعة النبي ﵌ للتوراة إنما كان بوحيٍ من الله تعالى، وإعلام لنبيه - ﷺ - بأن حكم الرجم للمحصن في التوراة المحرفة لا زال باقيًا. فمراجعة النبي - ﷺ - للتوراة إنما كانت بوحي، والوحيُ هو الذي دلَّه على حكم شريعتهم في رجم المحصن، لا أن الكتاب المحرَّف هو الذي دلَّه على حكم رجم المحصن عندهم؛ لتعذر معرفة ذلك عن طريق كتبهم؛ لعدم اتصال السند عن الثقات فيها.\n(^٥) في (ت): \"ذكر\".\n(^٦) انظر: نفائس الأصول ٦/ ٢٣٧٦، شرح التنقيح ص ٢٩٨ - ٢٩٩.\n(^٧) سورة الشورى: الآية ١٣.\n(^٨) سورة الأنعام: الآية ٩٠.\n(^٩) سورة البقرة: الآية ١٣٠.\n(^١٠) سورة النحل: الآية ١٢٣.","vol":"5","page":1799},{"text":"التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ (^١)، وهو ﵇ سيد النبيين.\nوالجواب: أن المراد بذلك إنما هو وجوبُ المتابعة في الأشياء التي لم تختلف باختلاف الشرائع، وتلك أصول الديانات وكلياتها، كقواعد العقائد المتعلِّقة بذات الله تعالى وصفاته، والقواعد العملية المشتركة بين جميع الشرائع: كحفظ العقول، والنفوس، والأموال، والأنساب، والأعراض.\nفإن قلت: ألستم تقولون إن هذه الكليات لا تجب عقلًا وإنما تجب سمعًا، وإذا ثبت وجوبُ الاتباع فيها - فهو المقصَد (^٢).\nقلت: أجاب القاضي في \"مختصر التقريب\": \"بأنا نقول: إنه تعالى ما أوجب على نبيه التوحيد إلا ابتداء، ثم نَبَّه على أنه كلَّفه، بمثل ما كَلَّف مَنْ قبله\"، قال القاضي - ﵁ -: \"وأقوى ما يُتمسك به في إبطال استدلالهم: أنه - ﷺ - ما بحث عن دين واحدٍ من الأنبياء المُعَيَّنِين (^٣) قط: لا نوح، ولا إبراهيم، ولا غيرهما. ولو كان مأمورًا باتباع شريعةٍ لبحث عنها، فوضح أنه ليس المعنى بأنه: شَرَع لنا من الدين ما وصَّى به نوحًا، وأمثال ذلك - إلا النهيَ عن الإشراك، وما تابعه من الكليات. وأما قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فالمراد به: افعل مِثْلَ فعلهم، واعتَقِدْ في التوحيد مثل ما اعتقدوه\".\n_________\n(^١) سورة المائدة: الآية ٤٤.\n(^٢) انظر: المصباح ٢/ ١٦٣، مادة (قصد).\n(^٣) في (ص): \"المغيبين\". وهو تصحيف.","vol":"5","page":1800},{"text":"قال القاضي: \"ويدل عليه: أنه جَمَع الأنبياء ﵈ في هذه الجملة، ونحن نعلم أنهم لا يجتمعون في قضية الشريعة، والذي اجتمعوا عليه هو التوحيد ومعرفة الله تعالى، وأمثال ذلك.\nفإن قلت: لئن استقام لكم ذلك في هذه الآية التي صيغتها تعميمٌ في أحوال الأنبياء - فلا يستقيم في الآية المنطوية على تخصيص إبراهيم ﵇ بالاتباع، ونحن نعلم أن التوحيد لا يختص به فيتعين حمل هذه الآية على الشريعة التي اختُصت بإبراهيم ﵇.\nقلت: أجاب القاضي: بأنه كما خصص إبراهيم خصص نوحًا، ونحن نعلم اختلاف مِلَّتَيْهما، واستحالة الجمع بينهما (جملة، فدل ذلك على أنه لم يُرِد اتباع الشريعة، وإنما خَصَّص مَنْ خصص) (^١) بالذكر تكريمًا له وتعظيمًا. قال: \"وهذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ (^٢) مع اندراجهما في اسم النبيين، ونظائر ذلك يكثر في الكتاب العزيز\" (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-468>فروع:</span>\nالأول: إنْ قلنا: إنَّ شرع مَنْ قبلنا شَرْعٌ لنا: فالاختلافُ السابق في البحث الأول: أنه هل هو شرع آدم، أو نوح، أو\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سورة الأحزاب: الآية ٧.\n(^٣) انظر: التلخيص ٢/ ٢٦٨ - ٢٧٠، مع بعض التصرف من الشارح.","vol":"5","page":1801},{"text":"إبراهيم، أو موسى، أو عيسى ﵈ - جارٍ ههنا بعينه (^١).\nالثاني: إذا وجدنا حيوانًا لا يمكن معرفة حكمه من كتابٍ (^٢)، ولا سنة، ولا استطابة (^٣) (ولا استخباث) (^٤)، ولا غير ذلك مما قرره علماء شريعتنا من المآخذ، وثبت تحريمه في شرع مَن قبلنا - فهل يستصحب تحريمه؟ فيه قولان: الأظهر أنَّا لا نستصحب، وهو قضية كلام عامة الأصحاب. فإن استصحبناه فشرطه أن يثبت تحريمه في شرعهم بالكتاب، أو السنة، أو يشهد به عدلان أسلما منهم، يعرفان المُبَدَّل مِنْ غيره. كذا ذكره أصحابنا (^٥). ويَخْدِشه ما سلف عن القرافي.\nالثالث: اختلف الفقهاء في أن الإسلام هل هو شرطٌ في الإحصان أم\n_________\n(^١) قال القرافي في نفائس الأصول ٦/ ٢٣٧٠ - ٢٣٧١: \"نقل المازَري الخلافَ بعينه في المسألتين، وعَيَّن الأنبياء بعينهم في الحالين، فلا تظنن أن النقل غلط، وكذلك القاضي عبد الوهاب في \"الملخص\" وزاد في النقل فقال: من الناس من قال: كان متعبَّدًا بشريعة كلِّ نبي تقدَّمه إلا ما نُسخ أو دُرس، وهذا لم ينقله المصنِّف (أي: الرازي ﵀) مع أنه هو غالب أحوال الفقهاء في المبحث إذا قالوا: شَرْع مَنْ قبلنا شرعٌ لنا - لا يعنون نبيًا معيَّنًا\". وانظر: شرح التنقيح ص ٣٠٠.\n(^٢) في (ت): \"كتاب الله\".\n(^٣) أي: تستطيبه النفس وتشتهيه. انظر: كفاية الأخيار ٢/ ١٤١، نهاية المحتاج ٨/ ١٤١ - ١٤٢.\n(^٤) في (ص): \"ولا استحباب\".\n(^٥) نقل الشارح ﵀ المسألة من \"المجموع\"، وتتمة كلام النووي رحمه الله تعالى: \"قال الماوردي: فعلى هذا لو اختلفوا - اعتُبر حُكْمه في أقرب الشرائع إلى الإسلام وهي النصرانية. وإن اختلفوا - عاد الوجهان عند تعارض الأشباه، أصحهما الحِلُّ، والله سبحانه أعلم\". المجموع ٩/ ٢٧، وانظر المسألة في: كفاية الأخيار ٢/ ١٤٢.","vol":"5","page":1802},{"text":"لا؟ ومذهبنا (^١) أنه ليس بشرط، فإذا حكم الحاكم على الذمي المحصَن رَجَمه. ومذهب أبي حنيفة (^٢) أن الإسلام شرط في الإحصان.\nواستدل أصحابنا بحديث رجم اليهوديين المتقدم، واعتذر الحنفية عنه بأنه رجمهما بحكم التوراة. وهذا ضعيف، يظهر بما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-469>فائدة:</span>\nالشرائع المتقدمة ثلاثة أقسام.\nالأول: ما لم نعلمه إلا من كتبهم ونقل أحبارهم الكفار. ولا خلاف أن التكليف لا يقع به علينا.\nوالثاني: ما انعقد الإجماع على التكليف به: وهو ما علمنا بشرعنا أنه كان شرعًا لهم، وأُمِرنا في شرعنا بمثله، كقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (^٣)، وقد قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (^٤) وقام دليل الشرع على القصاص.\nوالثالث: ما ثبت أنه مِنْ شرعهم بطريقٍ صحيح نقبله، ولم نؤمر به في\n_________\n(^١) ومذهب الحنابلة، وأبي يوسف ﵃. انظر: كشاف القناع ٦/ ٩٠، عمدة القاري ١٣/ ٢٢٧، فتح الباري ١٢/ ١٧٠.\n(^٢) ومحمد بن الحسن ومالك وربيعة ﵃ أجمعين. انظر: بداية المجتهد ٢/ ٤٣٥، وعمدة القاري، والفتح.\n(^٣) سورة المائدة: الآية ٤٥.\n(^٤) سورة البقرة: الآية ١٧٨.","vol":"5","page":1803},{"text":"شريعَتنا (^١). فهذا هو موضع الخلاف، فاضبط ذلك (^٢) (^٣). وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) كقوله تعالى حكاية عن شعيب ﵊: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾، فصَرَّح بالإجارة مهرًا للنكاح، فهل نستند نحن بهذا على جواز الإجارة في شرعنا، فإن جوازها مختلف فيه بين العلماء. انظر: نفائس الأصول ٦/ ٢٣٧١. بداية المجتهد ٢/ ٢١.\n(^٢) وهذه الفائدة الجليلة قاعدة ذكرها القرافي رحمه الله تعالى في نفائس الأصول ٦/ ٢٣٧١، وشرح التنقيح ص ٢٩٨، والشارح قد نقلها عنه، والقرافي ﵀ استفادها ممن قبله، فقد نقل عن القاضي عبد الوهاب في \"الملخص\" أنه قال: \"وموضع الخلاف في المسألة: أن الله تعالى إذا أخبر في القرآن أنه شرع لبعض الأمم المتقدمة شيئًا، وأطلق الأخبار، ولم يذكر أنه شَرَعه لنا، ولا أنه لم يشرعه لنا، ولا أنه نسخه - هل يجب علينا العملُ به أم لا؟ \". وقال القرافي أيضًا: \"وكذلك قال القاضي أبو يعلى في كتاب \"العدة\" أن موضع الخلاف فيما إذا ثبت شرعُهم بغير نقلهم، كما قاله القاضي عبد الوهاب\". انظر: نفائس الأصول ٦/ ٢٣٧٦، والعدة للقاضي ٣/ ٧٥٣، وكذا ذكر الآمدي ﵀ في الإحكام ٤/ ١٤٠، وابن حزم في الإحكام ٥/ ١٥٣ - ١٥٤، وابن برهان في الوصول إلى الأصول ١/ ٣٨٤ - ٣٨٦، وأبو إسحاق الشيرازي ﵀ في التبصرة ص ٢٨٧ - ٢٨٨، والسمرقندي في ميزان الأصول ص ٤٦٨ - ٤٦٩، والباجي في إحكام الفصول ص ٣٩٥، ٣٩٨.\n(^٣) انظر المسألة الخامسة في: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٩٧، الحاصل ٢/ ٦٣٢، التحصيل ١/ ٤٤٢، نهاية السول ٣/ ٤٦، السراج الوهاج ٢/ ٧٠٦، الإحكام ٤/ ١٣٧، المعتمد ٢/ ٣٣٦، المستصفى ٢/ ٤٣٥ (١/ ٢٤٥)، البرهان ١/ ٥٠٣، الوصول إلى الأصول ١/ ٣٨٢، القواطع ٢/ ٢٠٨، المحلي على الجمع ٢/ ٣٥٢، البحر المحيط ٨/ ٣٩، شرح اللمع ١/ ٥٢٨، التلخيص ٢/ ٢٥٧، شرح التنقيح ص ٢٩٥، إحكام الفصول ص ٣٩٤، كشف الأسرار ٣/ ٢١٢، تيسير التحرير ٣/ ١٢٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٨٣، العدة ٣/ ٧٥٣، المسودة ص ١٨٢، شرح الكوكب ٤/ ٤٠٨، الإحكام لابن حزم ٥/ ١٥٣.","vol":"5","page":1804},{"text":"الباب الثاني: في الأخبار\nالفصل الأول: فيما عُلِم صدقه من الأخبار","vol":"5","page":1805},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-470>(الباب الثاني: في الأخبار</span>. وفيه فصول:\nالأول: فيما علم صدقه. وهو سبعةٌ:\nالأول: ما عُلم وجود مُخْبَرِه بالضرورة، أو الاستدلال.\nالثاني: خبر الله تعالى، وإلا لكنا في بعض الأوقات (أكمل منه تعالى وتنزه) (^١).\nالثالث: خبر الرسول - ﷺ -، والمعتمد دعواه الصدق، وظهور المعجزة على وَفْقه (^٢).\nالرابع: خبر كلِّ الأمة؛ لأن الإجماع حجة.\nالخامس: خبر جمع عظيم عن أحوالهم.\nالسادس: الخبر المحفوف بالقرائن).\nالخبر قسم من أقسام الكلام، والقول في أنه حقيقة في اللساني، أو النفساني، أو مشترك - على الخلاف السابق. وقد يستعمل الخبر في غير القول، كقوله: تخبرني العينانِ ما القلبُ كاتمُ. لكنه مجاز؛ لعدم تبادره إلى الذهن، وقد سبق الكلام على حد الخبر في باب تقسيم الألفاظ.\n_________\n(^١) في (ت): \"أكمل منه وينزه\".\nولفظة: \"وتنزه\" غر موجودة في نهاية السول ٣/ ٥٤، ومناهج العقول ٢/ ٢١٣، ومعراج المنهاج ٢/ ٢١.\n(^٢) أي: على وفق ما ادعاه.","vol":"5","page":1807},{"text":"واعلم أن الخبر وإن كان من حيث هو يحتمل الصدق والكذب، لكنه قد يُقطع بصدقه أو بكذبه لأمورٍ خارجة، أو لا يقطع بواحدٍ منهما، لفقدان ما يوجب القطع، وحينئذٍ فقد يُظَنُّ الصدق، وقد يظن الكذب، وقد يستوي الأمران. والمصنف تكلم في فصولٍ:\nالأول: فيما يُقطع بصدقه.\nوالثاني: فيما يُقطع بكذبه.\nوالثالث: فيما يُظن بصدقه (^١).\nواقتصر على هذه الفصول، وقد علمتَ مما ذكرناه أن الخبر منحصرٌ في الصدق والكذب؛ لأنه إما مطابق للواقع - وهو الصدق، أوْ لا - وهو الكذب.\nوجعل الجاحظ بينهما واسطة فقال الصادق: هو المطابِق للواقع، مع اعتقاد كونه مطابقًا والكاذب: غير المطابق، مع اعتقاد كونه غير مطابق.\nقال: وأما الذي لا اعتقاد يصحبه - فليس بصدقٍ ولا كذب، سواء طابَق الواقع أم لم (^٢) يطابقه. وهذا قولٌ مُزَيَّف عند الجماهير (^٣).\n_________\n(^١) في (غ): \"صدقه\".\n(^٢) في (ت)، و(ص): \"لا\".\n(^٣) وقال جماعة منهم بأن الخلاف لفظي، وهم: الإمام وأتباعه، والقرافي، والآمدي، وابن الحاجب. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٣١٩، الحاصل ٢/ ٧٣٦، التحصيل ٢/ ٩٤، نهاية الوصول ٧/ ٢٧٠٧، شرح التنقيح ص ٣٤٨، الإحكام ٢/ ١٢، منتهى السول ص ٦٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٠.","vol":"5","page":1808},{"text":"الفصل الأول: فيما يُقطع بصدقه.\nوهو سبعة أقسام:\nالأول: الخبر الذي عُلم وجود مُخْبَرِه، أي: المُخْبَر به، وهو بفتح الباء. وحصول العلم به قد يكون بالضرورة، كقولنا: الواحد نصف الاثنين. وقد يكون بالاستدلال، كقولنا: العالم حادث (^١).\nالثاني: خبر الله تعالى؛ لأنه لو جاز الكذب عليه لكنا في بعض الأوقات وهو وقت صدقنا وكذبه - أكمل منه مِنْ جهة الصدق والكذب؛ إذ الصدق صفة كمال، والكذب صفة نقص، وتنزه الله تعالى، وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا (^٢).\nالثالث: خبر الرسول، والدليل على إفادته العلم: أنه ادعى الصدق، وظهرت المعجزات على وَفْقه، وذلك دليل على صدقه، لامتناع ظهور المعجزة على يد الكافر. وإذا ثبتت نبوته فكل ما يخبر به صحيح قطعًا؛ لامتناع الكذب على الأنبياء: أما إنْ كان فيما يتعلق بالتبليغ والتشريع - فبإجماع الأمة، وأما إذا لم يكن متعلِّقًا بالتبليغ - (فلأنه معصيةٌ، وكل معصيةٍ عندنا) (^٣) من صغيرة أو\n_________\n(^١) وكقولنا: الواحد سدس عشر الستين. انظر: شرح التنقيح ص ٣٥٤.\n(^٢) قال الإسنوي ﵀: \"وهذا القسم وما بعده علمنا فيه أولًا صدق الخبر، ثم استدللنا بصدقه على وقوع المخبر عنه. بخلاف الأول، فإنا علمنا أولًا وقوع المخبر عنه، ثم استدللنا بوقوعه على صدق الخبر\" نهاية السول ٣/ ٥٧ - ٥٨.\n(^٣) في (ص): \"فلأنه معصية عندنا، وكل معصية\". وهو خطأ؛ لأن الكذب معصية عند الجميع، وسواء في حق الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أو غيرهم.","vol":"5","page":1809},{"text":"كبيرة (^١) فهي ممتنعة على الأنبياء ﵈.\nالرابع: خبر كلِّ الأمة؛ لأن الإجماع حجة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وهذا إنما يتم عند مَنْ يقول: إن الإجماع قطعيٌّ. وأما مَنْ يقول: إنه ظني - فهو ينازع في إفادته العلم.\nالخامس: خبر العدد العظيم والجم الغفير عن الصفات القائمة بقلوبهم من الشهوة والنفرة، والجوع، والعطش. كقول زيد: أنا جائع. وعمرٌو: أنا ظام. وخالد: أنا شاكر. وبكر: أنا داع. وهلم جَرَّا؛ فإنا نقطع بأنه لا بد فيه من الصدق، وأنه ليس كله كذبًا (^٢)، ولكنا نجهل الصحيح منه، كما أنا لا نشك في أنَّ بعض المرويِّ (عن الرسول) (^٣) - ﷺ - صِدْقٌ وإنْ جَهِلنا (^٤) عينه. ولا يتوهمن المتوهمُ أن هذا هو التواتر المعنوي الآتي إن شاء الله تعالى في آخر الفصل؛ وذلك لأن الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب إذا أخبروا:\nفتارةً يتفقون في اللفظ والمعنى وهو المتواتر.\nوتارة يختلفون في اللفظ والمعنى مع وجود معنى كلي فيما أخبروا به وقع عليه الاتفاق، كما إذا أخبر واحدٌ عن حاتمٍ: أنه أعطى دينارًا، وآخرُ:\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"وكبيرة\".\n(^٢) لأنه يستحيل تواطؤ هذا الجمع الكثير على الكذب كلهم، فلا بد أن يكون مِنْ بينهم مَنْ هو صادق، انظر: نفائس الأصول: ٧/ ٢٨٧١.\n(^٣) في (ص): \"عنه\".\n(^٤) في (ص): \"جُهل\".","vol":"5","page":1810},{"text":"أنه أعطي جملًا، وآخرُ: فرسًا، وهلم جَرَّا - فإن المخبرِين وإن اختلفوا في اللفظ والمعنى فقد اتفقوا على معنى كلي: وهو الإعطاء، وهذا هو التواتر (^١) المعنوي.\nوتارة تتغاير الألفاظ والمعاني، ولا يقع الاتفاق على معنى كلي ولا جزئي، بل كل واحد (^٢) يُخبِر عن شأن نفسِه بخبرٍ يغاير ما أخبر به الآخر، وهم جمع عظيم تقتضي (^٣) العادة بأنه لا بد فيهم مِنْ صادق في مقاله وهذا هو القسم الذي نتكلم (^٤) فيه.\nفالثابت في المتواتر ذلك الشيء الواحد (^٥) الذي أخبر به أهل التواتر، وفي المعنوي القَدْرُ المشترك: (وهو أمرٌ كلي) (^٦) وقع الاتفاق عليه ضمنًا. وفي هذا القسم أمر جزئي لم يتفقوا عليه.\nالسادس: الخبر المحفوف بالقرائن. ذهب النَّظَّام (^٧)، وإمام الحرمين،\n_________\n(^١) في (ت): \"المتواتر\".\n(^٢) في (ص): \"أحد\".\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"تقضي\".\n(^٤) في (ص): \"يتكلم\".\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) في (ص): \"وهو كل أمر\". وهو خطأ.\n(^٧) هو إبراهيم بن سَيَّار بن هاني النَّظَّام أبو إسحاق البصريّ، من رؤوس المعتزلة متهمٌ بالزندقة، وهو شيخ الجاحظ. كان ينظم الخرز في سوق البصرة ولأجل ذلك قيل له \"النَّظَّام\". ذكر عبد القاهر الإسفراييني عقائده الكفرية التي منها إنكاره إعجاز القرآن في نَظْمه، وإنكار ما روي من معجزات نبينا - ﷺ - من انشقاق القمر وتسبيح =","vol":"5","page":1811},{"text":"والغزالي، والإمام وأتباعه منهم المصنف، والآمدي، وابن الحاجب (^١): إلى أنه يفيد العلم، وهو المختار (^٢). وذهب الباقون إلى أنه لا يفيد (^٣).\nواحتج الأولون: بأن الإنسان إذا سمع أن السلطان غضب على وزيره وأهانه، ثم إنه (^٤) رأى الوزيرَ خارجًا من باب داره على وجه الذِّلة والانكسار، والخوفُ بادٍ على أعطافه (^٥)، والوَجَل يلوح مِنْ حركاته\n_________\n= الحصا في يده، ونبوع الماء من بين أصابعه. وطعن في فتاوي أعلام الصحابة ﵃. قال عبد القاهر ﵀: \"وجميع فِرَق الأمة مِن فريقَي الرأي والحديث - مع الخوارج، والشيعة، والنجارية، وأكثر المعتزلة - متفقون على تكفير النظام. . . . ولشيخنا أبي الحسن الأشعريّ - ﵀ - في تكفير النظام ثلاثة كتب\". مات وهو سكران سنة بضع وعشرين ومائتين. انظر: سير ١٠/ ٥٤١، الفَرْق بين الفِرَق ص ١٣١، لسان الميزان ١/ ٦٧.\n(^١) انظر: البرهان ١/ ٥٧٦، المستصفى ٢/ ١٤٢ (١/ ١٣٥)، المحصول ٢ / ق ١/ ٤٠٠، ٤٠٢، الحاصل ٢/ ٧٦٠، التحصيل ٢/ ١٠٨، نهاية الوصول ٧/ ٢٧٦٣، الإحكام ٢/ ٣٢، منتهى السول ص ٧١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٥. وبه قال القرافي، وابن برهان، وابن قدامة، وابن تيمية، والطوفي، وابن الهمام، والزركشي، ﵏ جميعًا. انظر: شرح التنقيح ص ٣٥٤ - ٣٥٥، نفائس الأصول ٧/ ٢٩٢٠، نزهة الخاطر ١/ ٢٥١ - ٢٥٢، الوصول إلى الأصول ٢/ ١٥٠ - ١٥٢، الفتاوى ١٨/ ٤٠، مختصر الطوفي ص ٥١، تيسير التحرير ٣/ ٧٦، البحر المحيط ٦/ ١١٦.\n(^٢) وكذا صَرَّح باختياره في جمع الجوامع. انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٣٠.\n(^٣) انظر: فواتح الرحموت ٢/ ١٢١، شرح الكوكب ٢/ ٣٤٨، والمراجع السابقة.\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) أي: جوانبه. وفي اللسان ٩/ ٢٥٠، مادة (عطف): \"والعِطف: المَنْكب. قال =","vol":"5","page":1812},{"text":"وسكناته، وحَوَالَيْه الأعوان كالمرسَّمين عليه، وكلامهم له كلام النظير للنظير، بعد أن كانوا خدمًا بين يديه، وهم ذاهبون به نحو حبس السلطان، وعدوُّه يتصرف فيما كان يتصرف فيه - فإنه يَقْطَع بصدق ما سمعه، لا يداخله في ذلك شكٌّ ولا ريب، بل لو أظهر مع قيام هذه القرائن شَكًّا - لَعُدَّ أحمق، وَرَشَقَتْه سهام الملام.\nوكذلك إذا وجدنا رجلًا مرموقًا، عظيم الشأن، معروفًا بالمحافظة على رعاية المروءات حاسرًا رأسَه، شاقًا جيبَه، حافيًا، وهو يصيح بالويل والثبور، ويذكر أنه أصيب بولده أو والده، وشُهدت الجنازة، ورؤي الغسَّال (^١) مُشَمِّرًا يَدْخل ويخرج - فهذه القرائن وأمثالها تفيد العلم بصدق المُخْبِر وإن كان واحدًا.\nواعلم أن هذه العلوم الحاصلة على حكم العادات وجدناها مترتبةً على قرائن الأحوال، وهي لا تنضبط انضباط المحدودات بحدودها (^٢)، وقد قلنا: إنه لا سبيل إلى جَحْدِها إذا وقعت، وهذا كالعلم بخَجَل الخَجِل، ووجَلِ الوِجل، وبَسْطِ الثَّمِل (^٣)، وغضب الغضبان، ونحوها مما لا يُعَدُّ ولا يحصى.\n_________\n= الأزهري: مَنكِب الرجل عِطْفه، وإبْطُه عِطْفُه. والعُطوف: الآباط. وعِطْفا الرجل والدابة: جانباه عن يمين وشمال، وشِقَّا من لَدُنْ رأسه إلى وَرِكه، والجَمع أعْطاف وعِطَاف وعُطُوف\". وانظر: المصباح المنير ٢/ ٦٦.\n(^١) في (ت): \"الغاسل\". والمثبت موافق لما في البرهان ١/ ٥٧٦، والشارح ﵀ ناقلٌ منه.\n(^٢) لأنها تختلف باختلاف الأشخاص، والأزمان، والأحوال. انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٧٦٤.\n(^٣) الثَّمِل: الذي قد أَخَذ منه الشرابُ والسُّكْر، والمعنى: ونشوة الثمل. انظر: لسان =","vol":"5","page":1813},{"text":"فإذا ثبتت هذه القرائن ترتبت عليها علومٌ بديهيةٌ (^١) لا يأباها إلا جاحد، ولَوْ رَامَ امرؤٌ العلمَ بضبط القرائن ووضعِها (^٢) بما يميِّزها عن غيرها لم يجد إلى ذلك سبيلًا، وكأنها تَدِقُّ عن العبارات، وتأبى على مَنْ يحاول ضبطَها بها. وقد قال الشافعي - ﵁ -: \"مَنْ شاهد رضيعًا قد التقم ثديًا من مُرضع ورأى فيه آثار الامتصاص، وحركاتِ الغَلْصمة (^٣)، وجَرْجَرةَ المتجرِّع - لم يسترب في وصول اللبن إلى جوف الصبي، وحَلَّ له أن يشهد له شهادةً باتةً بالرضاع. ولو أنه لم يبت شهادتَه في ثبوت (^٤) الرضاع، ولكنه شهد على ما رأى من القرائن في وصفها، واستعان بالواصفين مُعَرِّفين، فبلغ ذِكْرُ القرائن مجلسَ القضاء لم يثبت (^٥) الرضاع بذلك، وذلك أن ما يسمعه (^٦) القاضي وصفٌ لا يبلغ مبلغ العيان، والذي يقضي بالمعايِن إلى دَرَكِ (^٧) (^٨). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= العرب ١١/ ٩٢، مادة (ثمل).\n(^١) في (غ): \"بدهية\".\n(^٢) في (غ): \"ووصفها\".\n(^٣) الغَلْصمة: رأس الحلقوم، وهو الموضع الناتئ في الحلق، والجمع غلاصم. لسان العرب ١٢/ ٤٤١، المصباح المنير ٢/ ١٠٣ مادة (غلصم).\n(^٤) في (ص): \"بيان\".\n(^٥) في (ت): \"يبت\". والمثبت موافق لما في \"البرهان\".\n(^٦) في (ص): \"ما سمعه\".\n(^٧) في (غ): \"إدراك\".\n(^٨) بفتح الدال، وسكون الراء لغة: اسمٌ منْ أدركتُ الشيء، انظر: المصباح ١/ ٢٠٦، اللسان ١٠/ ٤١٩، مادة (درك).","vol":"5","page":1814},{"text":"اليقين يَدِق مُدْرَكُه (^١) عن عبارة الواصفين\" (^٢).\nقال إمام الحرمين: \"ولو قيل لأذكى خلق الله قريحةً وأحدِّهم ذهنًا: افصل بين حُمْرةِ وجه الغضبان، وبين حمرة المرعوب - لم تساعده عبارة في محاولة الفصل، فإن القرائن لا تبلغها غايات العبارات. وبهذا يتمهد ما قلناه مِنْ أن حصول العلم بصدق المخبِر لن يتوقف على حدٍّ محدود، ولا عددٍ معدود\" (^٣) (^٤) والله أعلم (^٥).\nقال: (السابع: المتواتر: وهو خبر بلغت رواته في الكثرة مبلغًا\n_________\n(^١) بضم الميم، وهو مصدر ميمي، أي: إدراكه. قال في المصباح ١/ ١٠٦: \"والمُدْرك، بضم الميم: يكون مصدرًا، واسم زمان ومكان، تقول: أدركته مُدْركًا، أي: أي إدراكًا. وهذا مُدْركه، أي: موضع إدراكه، وزمن إدراكه. ومَدَارك الشرع: مواضع طلب الأحكام، وهي حيث يُستدل بالنصوص والاجتهاد من مدارك الشرع، والفقهاء يقولون في الواحد مَدْرَك، بفتح الميم، وليس لتخريجه وجه\".\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٥٧٥.\n(^٣) لأن العلم بصدق المخبِر متوقف على أمور، منها القرائن، والقرائن لا حد لها.\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٥٧٥ - ٥٧٦، مع بعض التصرف من الشارح رحمه الله تعالى.\n(^٥) انظر الفصل الأول في: المحصول ١/ ق ٣/ ٣٨٧، الحاصل ٢/ ٧٥٦، التحصيل ٢/ ١٠٦، نهاية الوصول ٧/ ٢٧٥٣، نهاية السول ٣/ ٥٧، السراج الوهاج ٢/ ٧١٥، مناهج العقول ٢/ ٢١٢، الإحكام ٢/ ١٢، ٣٢، البرهان ١/ ٥٧٤، ٥٨٣، المستصفى ٢/ ١٦٢ (١/ ١٤٠)، المحلي على الجمع ٢/ ١٢٤، البحر المحيط ٦/ ٩٣، شرح اللمع ٢/ ٥٧٨، شرح التنقيح ص ٣٥٤، إحكام الفصول ص ٣٢٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥١، ٥٥، تيسير التحرير ٣/ ٧٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٢١، شرح الكوكب ٢/ ٣٤٨، المسودة ص ٢٤٠.","vol":"5","page":1815},{"text":"أحالت العادةُ تواطُؤَهم على الكذب. وفيه مسائل: الأولى: أنه يفيد العلم مطلقًا خلافًا للسُّمَنية. وقيل: يفيد عن الموجود لا عن الماضي. لنا: أنا نعلم بالضرورة وجود البلاد النائية، والأشخاص الماضية. قيل: نجد التفاوت بينه وبين قولنا: الواحد نصف الاثنين. قلنا: للاستئناس).\nالتواتر لغةً: هو التتابع. وتَوَاتَر مجيءُ القوم، أي: جاؤوا واحدًا بعد واحدٍ بفترة بينهما (^١). ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ (^٢) أي: واحدًا بعد واحد بفترة بينهما (^٣).\nوفي الاصطلاح: ما ذكره المصنف (^٤). وفي الفصل مسائل:\nإحداها: أكثر العقلاء على أنه إذا تواتر الخبر أفاد العلم اليقيني، سواء كان خبرًا عن أمور موجودة في زماننا، كالإخبار عن البلدان البعيدة. أو عن أمورٍ ماضية، كالإخبار عن وجود الأنبياء - ﵈ - وغيرِهم في القرون الماضية.\n_________\n(^١) في لسان العرب ٥/ ٢٧٥، مادة (وتر): \"والتواتر: التتابع. وقيل: هو تتابع الأشياء وبينها فَجَوَات وفَتَرات\". وانظر: المصباح ٢/ ٣٢١.\n(^٢) سورة المؤمنون: الآية ٤٤.\n(^٣) انظر: زاد المسير ٥/ ٤٧٣، فتح القدير ٣/ ٤٨٤.\n(^٤) انظر تعريف المتواتر اصطلاحًا في: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٢٣، الحاصل ٢/ ٧٣٧، التحصيل ٢/ ٩٥، نهاية الوصول ٧/ ٢٧١٥، الإحكام ٢/ ١٤، منتهى السول ص ٦٨، شرح التنقيح ص ٣٤٩، تيسير التحرير ٣/ ٣٠، فواتح الرحموت ٢/ ١١٠، شرح الكوكب ٢/ ٣٢٥.","vol":"5","page":1816},{"text":"وقالت السُّمَّنِيَّة بضم السين المهملة، وفتح الميم المشددة (^١)، بعدها نون، ثم ياء (^٢) آخر الحروف، وهم قومٌ مِنْ عبدة الأوثان (^٣): إنه لا يفيد العلم (^٤).\nقال القاضي في \"مختصر التقريب\": \"وهؤلاء قومٌ من الأوائل (^٥)، ولا فَرْق عندهم بين المتواتر والمستفيض والآحاد\" (^٦).\nوفَصَّل قوم (^٧) فقالوا: إنْ كان خبرًا عن موجود (^٨) أفاد العلم، وإن\n_________\n(^١) الصواب: المخففة، كما في القاموس المحيط ٤/ ٢٣٦، واللسان ١٣/ ٢٢٠، والمصباح المنير ١/ ٣١٠، والصحاح ٥/ ٢١٣٨، والمعجم الوسيط ١/ ٤٥٢.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) ويقولون بتناسخ الأرواح، وينكرون وقوع العلم بالأخبار، زاعمين أن لا طريق للعلم سوى الحس، وهم فرقة بالهند، قيل: نسبةً إلى \"سُومَنَات\" بلدة بالهند. انظر: الفرق بين الفرق ص ٢٧٠، والمراجع السابقة. وفي مُسَلَّم الثبوت مع الفواتح ٢/ ١١٣: (هم عبدة سومنات) اسم لصنمٍ كسَّره السلطان محمود بن سبكتكين، والسمنية قوم من الهند منكرو النبوة. اهـ. وليس هناك تعارض، فقد تسمى البلدة باسم الصنم أو العكس.\n(^٤) أي: يفيد الظن. انظر: البحر المحيط ٦/ ١٠٣ - ١٠٤.\n(^٥) أي: من الفرق القديمة التي ظهرت قبل دولة الإسلام. انظر: الفرق بين الفرق ص ٢٧٠.\n(^٦) انظر: التلخيص ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢.\n(^٧) أي: من السمنية. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٢٤، شرح التنقيح ص ٣٥٠، نهاية الوصول ٧/ ٢٧١٦.\n(^٨) كالأخبار عن البلدان النائية، والحوادث الموجودة في زماننا. انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٧١٦.","vol":"5","page":1817},{"text":"كان عن ماضٍ فلا يفيده (^١).\nلنا: أنا بالضرورة نعلم وجودَ البلاد النائية، كنيسابور وخوارزم. والأشخاصَ الماضية، كالشافعي، وأبي حنيفة. ونجزم بذلك جزمًا يجري مَجْرى جزمِنا بالمشاهدات، فيكون المنكِر لها كالمنكر للمشاهدات، ومن أنكر ذلك فقد سقطت مكالمته، ووضحت مجاحدته.\nقال القاضي: \"فإن قالوا المحسوسات لما كانت معلومة ضروريةً لم نجحدها، وإنما جحدنا ما تواترت عنه الأخبار.\nقلنا: وقد جحد المحسوسات السفسطائية (^٢)، وزعموا أن كل ما يسمى محسوسًا فلا حقيقة له، وإنما رؤيتنا له تخيل (^٣) كحكم (^٤) النائم.\n_________\n(^١) في (ت): \"فلا يفيد\".\n(^٢) هم ثلاثة أصناف: فصنف منهم نفى ثبوت الحقائق للأشياء، وصنفٌ منهم شكُّوا فيها (أي: ينكرون العلم بثبوت شيء، ولا ثبوته، فهم شاكُّون، وشاكُّون أنهم شاكون، وهلمّ جرّا)، وصنف منهم قالوا: هي حقٌّ عند مَنْ هي عنده حق، وهي باطل عند من هي عنده باطل. وعمدة ما ذكر من اعتراضهم فهو اختلاف الحواس في المحسوسات، كإدراك البصر مَنْ بَعُد عنه صغيرًا، وَمَنْ قَرُب منه كبيرًا. وكوجود من به حمى صفراء حلوَ المطاعم مرًا، وما يرى في الرؤيا مما لا يشك فيه رائيه أنه حق مِنْ أنه في البلاد البعيدة. قال أمير بادشاه: \"والحق أنهم لا يستحقون الجواب، بل يُقتلون ويُضربون، ويقال لهم: لا تجزعوا فإنه لا ثبوت لشيء. وسوفسطا: اسم للحكمة المموّهة والعلم المزخرف. ويقال: سَفْسَط في الكلام - إذ هذى\". تيسير التحرير ٣/ ٣٢. وانظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل ١/ ٨، تلبيس إبليس ص ٥٣.\n(^٣) في (ص): \"تخييل\".\n(^٤) في \"التلخيص\": \"كحلم\".","vol":"5","page":1818},{"text":"فإن قيل: هذا المذهب يؤثر عنهم، (ولم نر منهم طائفة) (^١) تقوم بهم حجة.\nقال القاضي: فنقول كذلك (لا نزال) (^٢) ننقل (^٣) مذهب السُّمَنية ولم نر حِزْبًا وفئة يكترث بهم\" (^٤).\nواعترض الخصم: بأنا نجد التفاوت بين خبر التواتر وغيره من المحسوسات والبديهيات، كقولنا: الواحد نصف الاثنين. وقيام التفاوت دليلُ احتمالٍ بطريق النقيض، ومع الاحتمال يخرج عن كونه يقينيا.\nوالجواب: أن سببَ التفاوت الحاصل كثرةُ استعمال بعض القضايا، وتصورُ طرفيها، بخلاف غيرها؛ فلهذا يستأنس (^٥) العقل ببعضها دون بعض (^٦).\nوهذا الجواب مبني على أن العلوم لا تتفاوت، والذي اختاره كثيرون\n_________\n(^١) في (ص): \"ولم تر طائفة منهم\".\n(^٢) في (ت): \"لا يزال\".\n(^٣) في (ت): \"ينقل\".\n(^٤) انظر: التلخيص ٢/ ٢٨٣ - ٢٨٤.\n(^٥) في (ت)، و(غ): \"استأنس\".\n(^٦) المعنى: أن المحسوسات والبديهيات كثيرة الاستعمال فيستأنس العقل بها ويألفها ويحكم عليها سريعًا، بخلاف المتواترات فهي قليلة الاستعمال، فلا يستأنس العقل بها، فسبب التفاوت بينهما هو الكثرة والقلة في الاستعمال، وهذا لا يؤثر على القطعية. انظر: نهاية السول ٣/ ٧٠.","vol":"5","page":1819},{"text":"خلافه (^١) (^٢).\nقال: (الثانية: إذا تواتر الخبر أفاد العلم ولا حاجة إلى نظر، خلافًا لإمام الحرمين، والحجة، والكعبي، والبصري. وتوقف المرتضى.\nلنا (^٣): لو كان نظريًا لم يحصل لمن لا (^٤) يتأتى له، كالبُلْه والصبيان. قيل: يتوقف على العلم بامتناع تواطئهم على الكذب، وأن لا داعي لهم إلى الكذب. قلنا: حاصلٌ بقوةٍ قريبة من الفِعل فلا حاجة إلى نظر).\nالجمهور على أنه إذا تواتر الخبر أفاد العلم، ولا حاجة معه إلى كسب، وهو رأي الإمام وأتباعه منهم المصنف، واختاره ابن الحاجب (^٥).\nوذهب أبو القاسم الكعبي من المعتزلة، وقال الشيخ (^٦) أبو إسحاق\n_________\n(^١) انظر: نهاية السول ٣/ ٧٠، نفائس الأصول ٦/ ٢٨١٢، شرح الكوكب ٢/ ٣٣٦.\n(^٢) انظر المسألة الأولى في: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٢٣، الحاصل ٢/ ٧٣٧، التحصيل ٢/ ٩٥، نهاية الوصول ٧/ ٢٧١٦، نهاية السول ٣/ ٦٩، السراج الوهاج ٢/ ٧١٩، الإحكام ٢/ ١٥، المستصفى ٢/ ١٣٢ (١/ ١٣٢)، البحر المحيط ١٠٣٦ /، شرح التنقيح ص ٣٥٠، إحكام الفصول ص ٣١٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٢، تيسير التحرير ٣/ ٣١، فواتح الرحموت ٢/ ١١٣، شرح الكوكب ٢/ ٣٢٦، المسودة ص ٢٣٣.\n(^٣) في (ص): \"أما\". وهو خطأ.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٢٨، الحاصل ٢/ ٧٣٨، التحصيل ٢/ ٩٧، نهاية الوصول ٧/ ٢٧٢٧، منتهى السول ص ٦٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٣، الإحكام ٢/ ١٨.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1820},{"text":"الشيرازي هنا: إنه البلخي وكَنَاه (^١) أبا مسلم (^٢) - إلى أنه كسبي، ووافقه أبو بكر الدقاق وأبو الحسين (^٣)، ونقله المصنف تبعًا للإمام (^٤) عن حجة الإسلام الغزالي. وفيه نظر، فالذي نَصَّ عليه في \"المستصفى\": أن تحقيق القول فيه أنه ضروري، بمعنى: أنه لا يُحتاج في حصوله إلى الشعور بتوسط واسطةٍ مفضية إليه، مع أن الواسطة حاضرة في الذهن وليس ضروريًا، بمعنى: أنه حاصل من غير واسطة، كقولنا: القديم لا يكون مُحْدَثًا، والوجود لا يكون معدومًا؛ فإنه لا بد فيه من حصول مقدمتين في النفس: عدم اجتماع هذا الجمع على الكذب، واتفاقهم على الإخبار عن هذه الواقعة (^٥).\n_________\n(^١) في اللسان ١٥/ ٢٣٤، مادة (كني): \"يقال: كَنَيْتُه، وَكَنَوْتُه، وَأكْنَيْتُه، وكَنَيَّتُه\".\n(^٢) عبارة أبي إسحاق في شرح اللمع ٢/ ٥٧٥: \"وقال أبو مسلم البلخي، ويعرف بالكعبي، وهو من المعتزلة البغداديين. . .\".\n(^٣) وابن القطان، وأبو الخطاب الكلوذاني. انظر: شرح اللمع ٢/ ٥٧٥، المعتمد ٢/ ٨١، البحر المحيط ٦/ ١٠٥، التمهيد ٣/ ٢٢ - ٢٨، شرح الكوكب ٢/ ٣٢٧.\n(^٤) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٢٩.\n(^٥) انظر: المستصفى ٢/ ١٣٣ - ١٣٥ (١/ ١٣٢ - ١٣٣)، وقد اعتبر ابن الحاجب ﵀ هذا القول اصطلاحًا خاصًا للغزالي، حيث قال في منتهى السول ص ٦٨: \"وميل الغزالي إلى إثبات قسم ثالث\". وقد أشار الغزالي ﵀ إلى ذلك حيث قال (٢/ ١٣٥): \"العلم بصدق خبر التواتر يحصل بواسطة هذه المقدمات، وما هو كذلك ليس بأولي، وما ليس بأولي هل يسمى ضروريًا؟ هذا ربما يختلف فيه الاصطلاح. والضروري عند الأكثرين عبارة عن الأوَّليّ، لا عما نجد أنفسنا مضطرين إليه، فإن العلوم الحسابية كلها ضرورية، وهي نظرية، ومعنى كونها نظرية: أنها ليست =","vol":"5","page":1821},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بأولية، وكذلك العلم بصدق خبر التواتر\". فخبر التواتر عند الغزالي ضروري ليس بأولي، ضروري لأننا مضطرون إلى تصديقه، وليس بأولي؛ لأنه حاصل بالواسطة. فالضروري عند الغزالي هو ما نجد أنفسنا مضطرين إليه سواء كان أوليًا أو ليس بأولي، ولذلك قال التفتازاني في حاشيته على العضد ٢/ ٥٣: \"حاصل كلامه أنه ليس أوليًا ولا كسبيًا، بل من القضايا التي قياساتها معها، مثل: قولنا: العشرة نصف العشرين. . .\"، وهذا هو عين كلام الغزالي؛ إذ إنه لا يعني بالضروري الأولي، وليس هو كسبيًا يحتاج إلى تأمل الوسائط، بل تضطر النفس إليه مع حضور الوسائط في الذهن. فتكون الأقسام - كما هو مقتضى كلام الغزالي - ثلاثة: ضروري أولي، ضروري ليس بأولي، كسبي. وينبغي أن يلاحظ أن رأي الغزالي - ﵀ - هو رأي الجمهور، لكن الذي يخالف فيه الغزالي غيرَه من الجمهور هو أمرٌ اصطلاحي، لا علاقة له بمحل النزاع في المسألة، إذ يقول: بأن الضروري يطلق على الأوَّلي الذي لا وسائط فيه أصلًا، وهذا لا ينطبق على المتواتر. ويطلق الضروري على ما نضطر إليه بغير استدلال، وهذا ينطبق على المتواتر. ومحل النزاع في هذه المسألة هو هل هذا العلم حاصل بالاستدلال أو لا؟ وعليه فخلاف الغزالي للجمهور إنما من جهة الاصطلاح في معنى الضروري، لا من جهة أن العلم الحاصل بالمتواتر حاصل بالاستدلال أوْ لا. وقد أقر صاحب فواتح الرحموت (٢/ ١٤٤) بأن الضروري قسمان، وأن الظاهر أن الجمهور أرادوا بالضروري مطلق الضروري، وقد تابعه على هذا التقسيم المطيعي فقال في سلم الوصول ٣/ ٧٢: \"اعلم أن الضروري قسمان: قسم من قبيل القضايا التي قياساتها معها، مثل: قولنا: العشرة نصف العشرين، ومع ذلك لا يحتاج إلى الشعور بتوسط واسطة مفضية إليه، مع أنها حاضرة في الذهن، فيحصل أولًا ثم يلتفت الذهن إلى تلك الواسطة، وقد لا يلتفت إليها. ومن هذا القسم العلم الناشئ من المتواتر. وقسم لا واسطة له أصلًا، كقولنا: الموجود لا يكون معدومًا. وإنما كان المتواتر من الأول؛ لأنه لا بد فيه من حصول مقدمتين. . . . والحاصل أن العلم فيه حاصل بخلق الله تعالى بطريق العادة، لا بتوسط المقدمتين وإن كانتا موجودتين\"، ثم جزم بعد هذا بأن مراد الجمهور بالضروري مطلق الضروري.","vol":"5","page":1822},{"text":"وهذا الذي ذكره الغزالي هو الحق، وهو الذي اختاره الإمام وأتباعه. وأما إمام الحرمين فقد نقل المصنف عنه أيضًا أنه نظري، وهو قد صرح في \"البرهان\" بموافقة الكعبي، كما نقل المصنف، لكنه نَزَّل مذهب الكعبي على محمل يقارب ما ذكره الغزالي، وهذه عبارته: ذهب الكعبي إلى أن العلمَ بصدق المخبِرين تواترًا نظري، وقد كثرت المطاعن عليه من أصحابه ومن عُصْبَة الحق، والذي أراه تنزيلَ مذهبِه عند كثرة المخبِرين على النظر في ثبوت إيالة (^١) جامعة وانتفائها، فلم يَعْنِ الرجلُ نظرًا عقليًا، وفكرًا سَبْرِيًّا على مقدمات ونتائج، فليس ما ذكره إلا الحق (^٢). انتهى.\nوإذا اتحد رأي إمام الحرمين والغزالي، وكان هو رأي الإمام والجمهور، ونُزِّل مذهب الكعبي عليه كما صنع إمام الحرمين - لم يكن بينهم اختلاف. وهذا التنزيل هو الذي ينبغي أن يكون، ولا يُجْعل في المسألة نزاع (^٣).\nوتوقف الشريف المرتضى (^٤). . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) الإيالة: هي الحالة. انظر: تاج العروس ١٤/ ٣٥.\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٥٧٩.\n(^٣) انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٢٢، شرح مختصر الروضة ٢/ ٧٩ - ٨١، شرح الكوكب ٢/ ٣٢٧، المدخل إلى مذهب أحمد ص ٩٠، غاية الوصول ص ٩٦.\n(^٤) هو علي بن حسين بن موسى القرشيُّ الحسينيُّ المرتضى المتكلم الرافضيُّ المعتزليّ. ولد سنة ٣٥٥ هـ. قال الذهبيُّ ﵀: \"وهو المتهم بوَضْع كتاب \"نهج البلاغة\"، وله مشاركة قوية في العلوم، ومَنْ طالع كتابه نهج البلاغة جَزَم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين عليٍّ - ﵁ -، ففيه السبُّ الصُّرَاح والحطُّ على السيِّدَيْن: أبي بكر وعمر =","vol":"5","page":1823},{"text":"والآمدي (^١).\nواحتج الجمهور: بأنه لو كان نظريًا - لما حصل لمَنْ ليس هو من أهل النظر، كالبُلْه والصبيان. (قال الإمام) (^٢): \"ولما حَصَل عَلِمْنا أنه ليس بنظري\" (^٣).\nوفي الدليلين نَظَرٌ، أما الأول فقال النقشواني: نمنع حصول العلم بالمتواتر (^٤) للصبيان حال طفوليتهم، وعدم حصول النظر والتمييز لهم حال كونهم مراهقين. قال: وكذلك نقول في البله باعتبار الحالتين (^٥).\n_________\n= ﵄، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي مَن له معرفة بنَفَس القرشيين الصحابة وبنَفَس غيرهم ممن بعدهم من المتأخرين جزم بأن الكتاب أكثره باطل\". وقال أيضًا: \"وكان من الأذكياء الأولياء، المتبحرين في الكلام والاعتزال، والأدب والشعر، لكنه إماميٌّ جَلْد. نسأل الله العفو. قال ابن حزم: الإمامية كلُّهم على أن القرآن مبدَّل، وفيه زيادة ونقص سوى المرتضى، فإنه كفَّر مَنْ قال ذلك، وكذلك صاحباه أبو يعلى الطوسيُّ، وأبو القاسم الرازيّ\". من مصنفاته: أخبار الزمان، الأوسط، المروج، وغيرها. توفي سنة ٤٣٦ هـ. انظر: سير ١٧/ ٥٨٨، ميزان ٣/ ١٢٤، لسان الميزان ٤/ ٢٢٣.\n(^١) انظر: الإحكام ٢/ ١٩، ٢٣.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٣١.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) يعني: وكذلك البله تارة يكونون مميزين، وتارة غير مميزين، فحكمهم كحكم الأطفال في الحالتين. والمعنى: أن الصبيان والبله غير المميزين لا يحصل لهم العلم بالمتواتر، ولو كان ضروريًا - كما تزعمون - لحصل. وإنما يحصل العلم بالمتواتر =","vol":"5","page":1824},{"text":"وأما الثاني: فلا يلزم مِنْ كونه ضروريًا العلمُ بأنه ضروري ضرورةً؛ إذ العلم بالشيء لا يستلزم العلم بصفته (^١).\nواحتج القائل بأنه نظري: بأن العلم بمقتضاه متوقف على العلم بامتناع تواطؤ المخبِرين على الكذب عادةً، وأنه لا داعي لهم (^٢) إليه (^٣) مِنْ غرض ديني أو دنيوي. وإذا كان متوقفًا على حصول الغير - كان نظريًا لا سيما وهذه المقدمات نظرية، والمتوقف على النظري أولى أن يكون نظريًا.\nوالجواب: أن هذه المقدمات حاصلةٌ بقوة قريبة من الفعل (^٤)، أعني: أنه إذا حصل طرفا المطلوب (^٥) في الذهن - فمِنْ غير نظرٍ تحصل الضرورة\n_________\n= للصبيان المراهقين؛ لكونهم مميزين، وكذا يحصل للبله المميزين، فبطل دعوى أن العلم بالمتواتر ضروري.\nانظر كلام النقشواني في: نفائس الأصول ٦/ ٢٨١٦.\n(^١) هذا اعتراض على ما يُفهمه دليل الجمهور من لزوم حصول العلم بكونه ضروريًا؛ لأنه جعل للعلم الضروري علامةً وهي حصوله للبله والصبيان. فيعترض على هذا بأنه ليس من لازم حصول العلم الضروري العلم بكونه ضروريًا؛ إذ العلم بالشيء لا يلزم منه العلم بصفته.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: إلى الكذب.\n(^٤) أي: هذه المقدمات ليست نظرية، بل هي ضرورية من حيث إنها لا تحتاج بحثًا ونظرًا، فهي حاضرة في الذهن.\nانظر: سلم الوصول ٣/ ٧٤.\n(^٥) المطلوب: هو النتيجة، وطرفا المطلوب هما: المقدمة الصغرى، والمقدمة الكبرى.","vol":"5","page":1825},{"text":"عَقِيبه (^١) (^٢).\nقال: (الثالثة: ضابطه إفادةُ العلم. وشَرْطه أن لا يعلمه السامع ضرورةً، وأن لا يعتقد خلافَه لشبهةِ دليلٍ أو تقليدٍ، وأن يكون سند المخبرين إحساسًا به).\nضابط الخبر المتواتر: إفادة العلم. فمتى أخبر هذا الجمع، وأفاد خبرُهم العلمَ - عَلِمْنا أنه متواتر، ومتى لم يُفده (^٣) تبيَّن لنا أنه غير متواتر، إما لفقدان شرطٍ من شروط المتواتر، أو لوجود مانع.\nوعند هذا يظهر أنه يتعذر الاستدلال (بالتواتر على مَنْ لم يعترف بحصول العلم له (^٤)، ضرورةَ أنه لا مرجع في حصول شرائطه إلا حصولُ\n_________\n(^١) ترتيب طرفا المطلوب مع النتيجة هنا كالتالي: الخبر المتواتر خبرٌ رواه جماعة يُؤمَن تواطؤهم على الكذب في العادة، ولا داعي لهم إلى الكذب مِنْ حصول منفعة، أو دفع مضرة. وكل خبر هو كذلك يفيد العلم الضروري. فالخبر المتواتر يفيد العلم الضروري. وهذه المقدمات حاضرة في الذهن لا تحتاج إلى نظر وتأمل، فيكون العلم بالمتواتر ضروريًا وإن توقف عليها. انظر: سلم الوصول ٣/ ٧٤ - ٧٥.\n(^٢) انظر المسألة الثانية في: المحصول ٢ / ق ١/ ٣٢٨، الحاصل ٢/ ٧٣٨، التحصيل ٢/ ٩٧، نهاية الوصول ٧/ ٢٧٢٧، نهاية السول ٣/ ٧٠، السراج الوهاج ٢/ ٧٢٠، الإحكام ٢/ ١٨، المستصفى ٢/ ١٣٣ (١/ ١٣٢)، القواطع ٢/ ٢٤٨، المحلي على الجمع ٢/ ١٢٢، البحر المحيط ٦/ ١٠٥، التلخيص ٢/ ٢٨٤، شرح التنقيح ص ٣٥١، إحكام الفصول ص ٣٢٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٣، أصول السرخسي ١/ ٢٩١، تيسير التحرير ٣/ ٢٩، ٣٢، فواتح الرحموت ٢/ ١١٤، شرح الكوكب ٢/ ١٦٦، التمهيد ٣/ ٢٢، العدة ٣/ ٨٤٧.\n(^٣) في (ص): \"لم يفد\".\n(^٤) يعني: من لم يُفده الخبرُ العلمَ - فهو عنده غير متواتر، وإن كان متوترًا عند غيره، لأن ضابط التواتر إفادةُ العلم، وهو لم يستفد العلمَ من الخبر.","vol":"5","page":1826},{"text":"العلم به، فمن لم يحصل له العلمُ لا يمكن الاستدلال) (^١) به عليه. ومن قال: لم يحصل لي العلم - لا يقال له: بلى حصل لك العلم.\nوشروط المتواتر أربعة:\nأحدها: أن يكون السامع له غير عالمٍ بمدلوله ضرورةً؛ لأن تحصيل الحاصل مُنَزَّل في الاستحالة منزلة تحصيل الممتنع. ونحن نضرب لذلك مثلًا قائلين: ذو العلم بأن النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان، لو أُخبر بذلك - لم يزدد علمًا، ولم يستفد يقينًا.\nالثاني: أن لا يكون السامع معتقِدًا خلافَه إما لشبهةِ دليلٍ (^٢)، أو تقليد إمامٍ إنْ كان عاميًا (^٣). وهذا الشرط اعتبره الشريف المرتضى واختاره المصنف.\nواحتج الشريف على اشتراطه: بأن حصول العلم عقيب التواتر إنما هو بالعادة (^٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) إن كان من العلماء.\n(^٣) لأن ارتسامَ ذلك في ذهنه واعتقادَه له مانعٌ من قبول غيره والإصغاء إليه، ومن هذا ما ورد في الحديث: \"حُبُّك الشيءَ يُعْمي ويُصِم\". والحديث حَسَّنه الحافظان العراقي وابن حجر، وأخرجه أبو داود ﵀ وسكت عليه. انظر: نهاية السول ٣/ ٨٢، المقاصد الحسنة ص ١٨١، كشف الخفاء ١/ ٤١٠.\n(^٤) أي: العلم الحاصل عقيب التواتر إنما يحصل بالعادة، أي: بما جرى من العادة في خلق الله تعالى ذلك العلم عند وجود التواتر، وعليه فيجوز تخلُّفُ هذا العلم مع وجود التواتر إذا شاء المولى تعالى تخلُّفَه؛ لأن العلمَ وسببَه مخلوقان لله تعالى، والعلم =","vol":"5","page":1827},{"text":"لا بطريق التوليد (^١) (^٢)، فإنه ربما يتوهم حينئذ أنه لا مدخل لما ذكر من الشرط حتى يختلف فِعْلُه بحسب اختلافه، فجاز أن يختلف ذلك باختلاف أحوال السامعين، فيحصل للسامع إذا لم يكن قد اعتقد (نقيض ذلك الحكم قبل ذلك، ولا يحصل له إذا اعتقد) (^٣) نقيضَه.\nثم أورد على نفسه: بأنه يلزمكم على هذا أن تجوِّزوا صِدْق مَنْ أخبركم بأنه لَمْ يَعْلم وجودَ البلدان الكبيرة، والحوادثَ العظام - بالأخبار المتواترة، لأجل تقليدٍ أو شبهةٍ اعتقدها في نفي تلك الأشياء.\n_________\n= يحصل عند التواتر لا به. انظر: إيضاح المبهم ص ١٨، شرح جوهرة التوحيد ص ٢٢٥، بيت رقم (٤٩).\n(^١) في (ت)، و(ص): \"التقليد\". وهو خطأ، والمثبت من نهاية الوصول (٧/ ٢٧٥٠) فإن الشارح ﵀ ناقل عنه.\n(^٢) أي: ليس العلم بالتواتر متولِّدًا عن التواتر ذاته من غير خَلْق الله تعالى لذلك العلم. والقائلون بالتوليد هم المعتزلة البانون له على أصلهم الفاسد وهو أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية، فالتواتر عندهم فعل العباد ومخلوقهم، وما ينتج عنه وهو العلم به مخلوق لهم أيضًا، ولذلك قال شيخ الإسلام الباجوري ﵀ في حاشيته على السلم ص ٧٨: \"وضابط التولد عند القائلين به، وهم المعتزلة قبحهم الله تعالى: أن يُوجب الفعلُ لفاعله فعلًا آخر، كما في حركة الأصبع مع حركة الخاتم. وعلى هذا فالعلم بالدليل مخلوق للشخص، ويتولد عنه العلم بالنتيجة، وهذا كما ترى مبني على مذهبهم الفاسد، وهو أن العبد يخلق أفعال نفسه الاختيارية\". وانظر: إيضاح المبهم ص ١٨، البحر المحيط ٦/ ١٠٧، منتهى السول ص ٦٩، العدة ٣/ ٨٥٠، المسودة ص ٢٣٥.\n(^٣) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1828},{"text":"وأجاب عنه: بأنه لا داعي يدعو العقلاء إلى سَبْق اعتقادِ نفي هذه الأمور، ولا شبهة في نفي تلك الأشياء، والتقليد لا بد وأن ينتهي إلى ما ليس بتقليد دفعًا للتسلسل والدور (^١)، فلا يُتصور فيه اعتقاد نفي موجِب الخبر (^٢)، فلا جرم أنه لا يجوز صِدْقه.\nوهذا باطل: بأنا قد نجد أنفسنا جازمةً بما أخبر به أهل (^٣) التواتر وإن سبق لنا اعتقادُ نَفْي موجِبِه.\nواعلم أن الشريف رَامَ بهذا الاشتراط مرامًا بعيدًا، فإنه اتخذ ذلك ذريعة إلى معتقده فقال: وهذا كما أنَّ النص الدال على إمامة علي - ﵁ - متواتر، ثم لم يحصل العلم به لبعض السامعين؛ لاعتقادهم نَفْيَ النص لشبهةٍ أو تقليد.\nولقد رَمَى الغرض مِنْ أمدٍ بعيد، وأوقع اللبيبَ في أمر عُجاب، ما أدري أيتعجب المرء مِنْ ذي علمٍ يميل إلى معتقده (^٤) فَيُدْخِلُ في الدين أمورًا شامخةً، وقواعد كليةً، يَتَوَصَّلُ إلى إثبات ذلك (^٥) المعتقد الجزئي بها، ولا داعي له إلى ذلك سوى غرضه الجزئي! أو يدعي التواتر في أمر إذا عرضه على أهل الخبرة بالحديث والأثر، وذوي المعرفة بفنون السير - لم\n_________\n(^١) ولمزيد من التفصيل انظر: حاشية الباجوري على السلم ص ٧٠.\n(^٢) في (ت): \"للخبر\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ص)، و(غ): \"معتقد\".\n(^٥) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1829},{"text":"يَلْفَ منهم قائلًا: (إن ذلك) (^١) خبرٌ يُعَدُّ في الآحاد فضلًا عن إلحاقه (^٢) بالمتواترات. وهذا من بَهْت الروافض؛ فإنه لو كان لما خفي على أهل بيعة السقيفة (^٣)، ولتحدثت به امرأة على مِغْزلها، ولأبداه مخالِف أو مُوَالِف، ولخَرَّجه مِنْ رواةِ الحديث ولو حافظٌ واحد.\nالثالث: أن يكون مستند المخبِرين في الإخبار هو الإحساس بالمخبَرِ عنه بإحدى الحواس الخمس؛ لأن ما لا يكون كذلك يجوز دخول الغلط والالتباس فيه، فلا جرم أنه لا يحصل العلم به.\nوقال إمام الحرمين: \"لا معنى لاشتراط الحس، فإنَّ المطلوب صدورُ الخبر عن العلمِ الضروري، ثم قد يترتب على الحواس ودَرْكها، وقد يحصل عن (^٤) قرائن الأحوال، ولا أثر للحس فيها على الاختصاص فإن الحس لا يُميِّز احمرار الخجل والغضبان عن اصفرار المَخُوف والمرعوب، وإنما العقل يُدرك تميز هذه الأحوال\"، قال: \"فالوجه اشتراط صدور الأخبار عن البديهة والاضطرار\" (^٥). هذا كلام إمام الحرمين وتبعه الإمام (^٦)\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص)، و(غ): \"لحاقه\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ت): \"من\".\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ٥٦٨.\n(^٦) وكذا تاج الدين وسراج الدين الأرمويان رحمهما الله تعالى. انظر: الحاصل ٢/ ٧٤٨، التحصيل ٢/ ١٠٣.","vol":"5","page":1830},{"text":"وفيه نظر؛ لأن ما ذكره راجع إلى الحس أيضًا؛ لأن القرائن التي تفيد العلم الضروري مستندةٌ إلى الحس؛ ضرورةَ أنها لا تخلو عن أن تكون حالية أو مقاليةً، وهما محسوسان. وأما القرائن العقلية فهي نظرية لا محالة، فلا يتصور التواتر فيها ولا تفيد إلا عِلْمًا نظريًا، فلو أخبر الزائدون على عدد أهل التواتر بما لا يُحصى عددًا عما علموه نظرًا لم يُفِد خبرُهم عِلْمًا، وكانت طَلَبات العقل قائمةً إلى قيام البرهان (^١). قال إمام الحرمين: \"والسبب في ذلك أن النظر مُضْطَرَبُ العقول، ولهذا يُتصور الاختلاف فيه نفيًا وإثباتًا، فلا يستقل بجميع وجوه النظر عاقلٌ. والعقلاء ينقسمون إلى راكن في الدَّعة والهُوَيْنا مِنْ بُرَحاء (^٢) كَدِّ النظر، وإلى ناظر. ثم النظار ينقسمون ويتحزبون أحزابًا لا تنضبط على أقدار (^٣) القرائح في (^٤) ذكائها واتقادها، وبلادتها واقتصادها. ومن أعظم أسباب اختلافهم اعتراضُ القواطع والموانع قبل استكمال النظر، فلا يتضمن إخبارُ المخبرِين في\n_________\n(^١) يعني: كانت مطالبة العمل قائمة إلى أن يأتي البرهان: وهو الدليل المفيد لليقين؛ لأن البرهان عند المناطقة: هو القياس المؤلف من اليقينيات. انظر: شرح القطبي على الشمسية ص ٣٥٤، إيضاح المبهم ص ١٨. وهذا الاعتراض الذي ذكره الشارح ﵀ على كلام إمام الحرمين ﵀ - منقولٌ من نهاية الوصول ٧/ ٢٧٣٩، وكذا ذكره الإسنوي في نهاية السول ٣/ ٨٤.\n(^٢) البُرَحاءُ: الشدة والمشقة. انظر: لسان العرب ٢/ ٤١٠، مادة (برح).\n(^٣) في (ص): \"أقدام\".\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1831},{"text":"مجاري (^١) النظر صِدقًا ولا كذبًا\" (^٢).\nقال: (وعددهم مبلغًا يمتنع تواطؤهم على الكذب. وقال القاضي: لا يكفي الأربعة، وإلا لأفاد قولُ كلِّ أربعةٍ، فلا يجب تزكية شهود الزنا؛ لحصول العلم بالصدق أو الكذب. وتوقف في الخمسة. ورُدَّ: بأن حصول العلم بفعل الله تعالى، فلا يجب الاطراد، وبالفرق بين الرواية والشهادة. وشُرِط (^٣) اثنا عشر، كنقباء موسى. وعشرون؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ﴾ (^٤). وأربعون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٥) وكانوا أربعين. وسبعون؛ لقوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ (^٦). وثلاثمائةٍ وبضعةَ عشرَ عَدَدُ أهل بَدْر. والكل ضعيف).\nالشرط الرابع: أن يبلغ عدد المخبِرين إلى مبلغٍ يمتنع عادة تواطؤهم على الكذب، وذلك يختلف باختلاف الوقائع، والقرائن، والمخبِرين. ولا يتقيد ذلك بعددٍ معيَّن، بل هذا القدر كافٍ عند الجماهير (^٧)؛ لأنه لا عدد\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"صحاري\". وهو تحريف، والمثبت من \"البرهان\".\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٥٦٧ - ٥٦٨.\n(^٣) في (ت): \"وقيل شرطه\".\n(^٤) سورة الأنفال: الآية ٦٥.\n(^٥) سورة الأنفال: الآية ٦٤.\n(^٦) سورة الأعراف: الآية ١٥٥.\n(^٧) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٧٧، نهاية الوصول ٧/ ٢٧٤١، البحر المحيط ٦/ ٩٦، الإحكام ٢/ ٢٦، شرح التنقيح ص ٣٥١، تيسير التحرير ٣/ ٣٤.","vol":"5","page":1832},{"text":"يُفرض مِنْ ألفٍ أو ألفين إلا والكذب منهم غيرُ مستبعد لذي العقل، بل المرجع في حصول هذا الشرط وغيرِه إلى الوُجْدان، فإن وَجَدَ السامع نفسه عالمًا بما أُخبر به على التواتر - عَلِمَ وجود هذا الشرط وغيرَه، وإلا عَلِم اختلالَه، أو اختلال غيره من الشرائط. وهذا قد تقدم ذِكْرُه، لكن من هؤلاء الجماهير مَنْ قطع في جانب النفي ولم يقطع في جانب الإثبات، فقال بعدم إفادة عددٍ مُعَيَّن له، وتوقف في بعضه (^١). وهو القاضي - ﵁ -، حيث قال: \"أقطع بأن قول الأربعة لا يفيد العلم، وأتوقف في الخمسة\" (^٢).\nواحتج على ذلك: بأنه لو حصل العلم بخبر أربعة صادقين - لحصل بخبر كلِّ أربعةٍ صادقين؛ لأنه لو لم يكن كذلك، مع تساوي الأحوال والقائلين والسامعين في جميع الشروط - لزم الترجيح من غير مرجِّح؛ ولأنه لو جاز ذلك لجاز أن يحصل العلم بأحد الخبرين الصادِرَيْن عن جمعٍ لا يمكن تواطؤهم على الكذب دون الآخر.\nولو حصَل العلم بخبر كل أربعة صادقين لوجب أن يستغني الحاكم فيما إذا شهد عنده أربعة: أن فلانًا زنا بفلانة - عن تزكيتهم؛ لأنهم إن\n_________\n(^١) يعني: مع كونه نفى أن يكون عدد الأربع فما دونه يفيد التواتر - توقف في الخمسة فما فوق.\nانظر: التلخيص ٢/ ٢٨٨، ٣٠٦.\n(^٢) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٧٠، نهاية الوصول ٧/ ٢٧٤١، البرهان ١/ ٥٧٠، ٥٧٣، الإحكام ٢/ ٢٥.","vol":"5","page":1833},{"text":"كانوا صادقين وجب حصولُ العلم بقولهم؛ فاستغنى عن التزكية. وإن لم يحصل القطع بصدقهم وجب أن يحصل العلم بكونهم كاذبين؛ لأن الفَرْضَ أنَّ حصول العلم بالصدق من لوازم قول كلِّ أربعة صادقين، فمتى لم يحصل العلم بالصدق - فقد انتفى اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، ولا يمكن انتفاء حصول العلم؛ لانتفاء كونهم شهدوا، (ولا لكونهم) (^١) أربعة؛ إذ هو خلاف الفَرْض، فتعين أن يكون لانتفاء الصدق، ومتى انتفى الصدق تعيَّن الكذب؛ إذ لا واسطة بينهما، وحينئذ لا يجب تزكيتهم أيضًا للعلم بكذبهم، فتخلوا عن الفائدة.\nفوضح أنه لو أفادت الأربعة العلم - لم تجب تزكية شهود الزنا، وطَلَبُ تزكيتهم واجبٌ بإجماع الأمة، فبطل الأول.\nقال: وأما الخمسة فأتوقف فيها، إذ لا يخفى عدم تأتي هذه الدلالة فيها؛ لأنه إن لم يضطر إلى العلم بصدقهم قَطعَ بعدم صدقهم، ولا يلزم من القطع بعدم صدقهم عدمُ صدق الأربعة منهم؛ لجواز أن يكون الأربعة منهم شاهدوا الزنا دون الخامس، فجاز أن تطلب تزكيتهم؛ لبقاء النصاب. وهذا بخلاف الأربعة؛ لأن كذب أحدهم مُسْقِطٌ للحجة. هذا تقرير حجة القاضي.\nونحن نقول له: إن عَنَيْتَ بقولك: \"أتوقف في الخمسة\" التوقُّفَ في حصول العلم بقولهم وعدم حصوله - فهو صحيح، لكن لا اختصاص لهذه (^٢) الوقفة بالخمسة، بل يتأتى ذلك في الألف والألفين؛ إذ لا\n_________\n(^١) في (ص)، و(غ): \"ولا كونهم\".\n(^٢) سقطت من (ص).","vol":"5","page":1834},{"text":"نقطع (^١) بحصول العلم بصدقهم، ولا بعدمه، فكان يجب أن تتوقف (^٢) في الكل بهذا المعنى (^٣).\nوإنْ عنيتَ به التوقفَ في جواز حصول العلم بقولهم، كما في سائر الأعداد، وعدم جوازه كما في الأربعة - فهو غير صحيح؛ لأنه إذا لم يتأت فيهم الدليل الدال على عدم جواز حصول العلم بقولهم - يجب إلحاقهم بسائر الأعداد التي يجوز أن يحصل العلم بقولهم.\nقوله (^٤): \"وردَّ\" (^٥) أي: رُدَّ قَوْلُ القاضي بوجهين:\nأحدهما: مَنْع الملازمة. وأما قوله: يلزم الترجيح من غير مرجِّح - فممنوعٌ؛ لأنه منسوب إلى الفاعل المختار على مذهبنا ومذهبه، فالعلم الحاصل بخبر التواتر إنما هو بخَلْق الله تعالى، لا بطريق التوليد، حتى يكون الترجيح من غير مرجِّح ممتنعًا.\n_________\n(^١) في (ت): \"لا يقطع\".\n(^٢) في (ت): \"يتوقف\".\n(^٣) قلت: هذا هو الذي صَرَّح به القاضي في \"التلخيص\"، إذ قال: \"ما ارتضاه أهل الحق: أن أقل عدد التواتر مما لا سبيل لنا إلى معرفته وضبطه، وإنما الذي نضبطه ما قدمنا ذِكْره أن الأربع فما دونه ليسوا عدد التوتر، فأما فوق الأربع - فلا نشير إلى عدد ننفي عنه كونه أقل التواتر، وكذلك لا نشير إلى عددٍ محصور فزعم أنه الأقل\" التلخيص ٢/ ٣٠٦، وتأمل قوله: \"فأما فوق الأربع\" وهو شامل للخمسة فما فوق، وراجع تتمة كلامه في \"التلخيص\" فهو يشير إلى أنه لا يتوقف في الخمسة بخصوصها، بل يتوقف فيما فوق الأربع. والله أعلم.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ص): \"وذاد\". وكلها تحريف.","vol":"5","page":1835},{"text":"وأما قوله: لجاز مِثْلُه في أحد الخبرين عن الجمع الكثير دون الآخر - فممنوع؛ لأنه يجوز أن تختلف في ذلك عادة الله تعالى، فاطرد عادته بخلق العلم الضروري عقيب إخبار الجمع الكثير، ولم يطرد ذلك (^١) عقيب إخبار الجمع القليل، بل تختلف فيه عادته، فتارةً يخلق وتارةً لا يخلق، كما أن عادته مطردةٌ بخلق الحفظ عقيب التكرار على البيت الواحد من الشعر ألف مرة، ولم تطرد عادته بخلقه عقيب التكرار عليه مرةً أو مرتين.\nوثانيهما: الفَرْق بين الرواية والشهادة، وذلك أن الشهادة تقتضي شرعًا خاصًا، فتواطؤ الشهود على الكذب في المشهود عليه غير مستبعد، بخلاف الرواية ولذلك يُشترط في الشهادة ما لا يشترط في الرواية (^٢).\nقوله: \"وشُرِط\"، علمتَ مذهب الجماهير، وقد ذهب مَنْ سواهم من الخائضين في هذا الفن إلى اشتراط العدد، ثم تضايقت مذاهبهم فيه، فلم يغادروا على اختلاف الآراء عددًا في (^٣) الشرع هو مُرْتَبَط حكمٍ أو جارٍ وفاقًا في حكاية حالٍ، إلا مال إليه منهم مائل.\nفذهب ذاهبون إلى اشتراط اثني عشر، كعدد نقباء موسى ﵇؛ لأن موسى ﵇ نصبهم ليعرِّفوه أحوال بني إسرائيل، قال الله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (^٤)، وإنما خَصَّهم بذلك العدد\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: الفروق ١/ ٤.\n(^٣) في (ص): \"من\".\n(^٤) سورة المائدة: الآية ١٢.","vol":"5","page":1836},{"text":"لحصول العلم بقولهم.\nوبعضهم شرط عشرين؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ (^١)، وعلى هذا المذهب العَلَّاف (^٢)، وهشام بن عمرو الفُوَطي (^٣)، لكنهما كما ذكر القاضي في \"مختصر التقريب\" شرطا مع ذلك أن يكونوا من المؤمنين الذين هم أولياء الله (^٤). ونقل الإمام اشتراط العشرين عن أبي الهذيل (^٥).\n_________\n(^١) سورة الأنفال: الآية ٦٥.\n(^٢) هو أبو الهُذَيْل محمد بن الهُذَيْل البصرىُّ العلَّاف، رأس المعتزلة، وصاحب التصانيف. من مقالاته الكفرية قوله بفَنَاء مقدورات الله ﷿ حتى لا يكون بعد فناء مقدوراته قادرًا على شيء، ولأجل هذا زعم أن نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار يفنيان ويبقى حينئذٍ أهل الجنة وأهل النار خامدين لا يقدرون على شيء، ولا يقدر الله ﷿ في تلك الحال على إحياء ميت، ولا على إماتة حي، ولا على تحريك ساكن، ولا على تسكين متحرك، ولا على إحداث شيء، ولا على إفناء شيء، مع صحة عقول الأحياء في ذلك الوقت. وأنكر الصفات المقدسة حتى العلم والقدرة وقال: هما الله. تعالى الله عما يقول علوًا كبيرًا. توفي سنة ٢٢٧ هـ.\nانظر: سير ١٠/ ٥٤٢، الفرق بين الفرق ص ١٢١.\n(^٣) هو هشام بن عمرو الفُوَطيُّ - بضم الفاء وسكون الواو أو فتحها - أبو محمد المعتزليُّ الكوفيّ، مولى بني شيبان. من فضائحه قوله بتكفير مَنْ قال إن الجنة والنار مخلوقتان، وحَرَّم على الناس أن يقولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل؛ لزعمه أن \"الوكيل\" يقتضي موكِّلًا فوقه. وهذا من الجهل باللغة؛ لأن الوكيل في اللغة بمعنى الكافي؛ لأنه يكفي موكِّله أمر ما وكَّله فيه. من مصنفاته: خَلْق القرآن، التوحيد، الأصول الخمس. انظر: سير ١٠/ ٥٤٧، الفرق بن الفرق ص ١٥٩، الفهرست ص ٢١٤.\n(^٤) انظر: التلخيص ٢/ ٣٠٠.\n(^٥) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٧٨.","vol":"5","page":1837},{"text":"وبعضهم شرط أربعين مصيرًا إلى عدد الجمعة، و(^١) ذهابًا إلى أن هذا (^٢) العدد هو الذي نزل فيه قوله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣)، فنزلت هذه الآية لما آمن أربعون من الرجال.\nوشرط آخرون سبعين تمسكًا بقوله تعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ (^٤).\nوقال قومٌ: ثلثمائةٍ وبضعةَ عشرَ، عددَ أهلِ بدر (^٥). والبِضْعُ بكسر الباء: هو ما بين الثلاث إلى التسع. والذي في \"مختصر التقريب\" للقاضي، و\"البرهان\" لإمام الحرمين، و\"الوجيز\" لابن بَرْهان، و\"الإحكام\" للآمدي - تقييدُ هذا العدد بثلاثمائة وثلاثةَ عشرَ (^٦)، وهو لا يباين ما نقل المصنف. ولعل الناظر في كتب المحدثين يجد أنهم كانوا ثلاثمائةِ رجلٍ وخمسة رجال، وهو أيضًا غير مباين؛ وذلك لأن الذين خرجوا مع\n_________\n(^١) هذه الواو غير واردة في (ت)، و(ص)، و(غ)، ولكن لا بد منها. والجملة مقتبسة من البرهان ١/ ٥٦٩، وفيه إثبات الواو.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سورة الأنفال: الآية ٦٤.\n(^٤) سورة الأعراف: ١٥٥.\n(^٥) انظر: صحيح البخاري ٤/ ١٤٥٧، كتاب المغازي، باب عدة أصحاب بدر، رقم ٣٧٤٠ - ٣٧٤٢.\n(^٦) انظر: التلخيص ٢/ ٣٠١، البرهان ١/ ٥٧٠، الوصول إلى الأصول ٢/ ١٤٧، الإحكام ٢/ ٢٦، وكذا في القواطع ٢/ ٢٣٩، وشرح اللمع ٢/ ٥٧٤.","vol":"5","page":1838},{"text":"النبي - ﷺ - في غزوة بدر للمقاتلة ثلثمائةِ رجلٍ وخمسةُ رجال، ولم يحضر الغزوة ثمانيةٌ من المؤمنين، أدخلهم النبي - ﷺ - في حكم عِدَاد (^١) الحاضرين، وأجرى عليهم حكمهم، فكانت الجملة ثلثمائةٍ وثلاثةَ عشرَ، فاستفِدْ هذا، فإن جماعةً من المحدثين ذهلوا عنه، حتى حكاه بعضهم خلافًا، فقال: قيل: ثلاثمائةٍ وثلاثة عشر، وقيل: ثَلاثُمائةٍ وخمسُ رجال، كالحافظ شرف الدين الدمياطي وغيره، والجمع بين القولين ما أشرنا إليه (^٢).\nقال المصنف تبعًا للجماهير: \"والكل ضعيف\". وهو كذلك؛ لأنا نعارض بعض هذه المذاهب ببعض، ولا يتجه عند تعارضها ترجيح بعض على بعض. قال إمام الحرمين: \"وإنْ عَنَّ ترجيحٌ فليس ذلك من مدلول الحق المقطوع به، فإن الترجيحات ثمراتُها غَلَباتُ الظنون في مُطَّرِد العادة. وأيضًا فإنه لا تعلق لشيء من هذه الأعداد بالأخبار، وإنما هي في قضايا غايات جرت في حكايةِ أحوالٍ، وليس في العقل ما يَقْضِي (^٣) بمناسبة شيءٍ منها لاقتضاء العلم، فلا وجه لاعتبار شيءٍ منها. وأيضًا فما مِنْ عددٍ مما ذكروه إلا ويمكن فرض تواطؤهم على الكذب. وبالجملة\n_________\n(^١) في (ت): \"عدد\".\n(^٢) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح ٧/ ٢٩٢: \"وعند ابن جرير من حديث ابن عباس: \"أن أهل بدر كانوا ثلاثمائة ستة رجال\"، وقد بين ذلك ابن سعد فقال: \"إنهم كانوا ثلاثمائة وخمسة\"، وكأنه لم يَعُدَّ فيهم رسول الله - ﷺ -، وبَيَّن وجه الجمع بأن ثمانية أنفس عُدُّو في أهل بدر ولم يشهدوها، وإنما ضرب لهم رسول الله - ﷺ - معهم بسهامهم؛ لكونهم تخلفوا لضرورات لهم. . .\".\n(^٣) في (ص): \"ما يقتضي\".","vol":"5","page":1839},{"text":"فالأعداد التي تمسكوا بها منقسمة إلى واقعٍ في أقاصيصَ وحكاياتِ أحوالٍ جَرَت وِفاقًا وكان (^١) لا يمتنع أن يقع أقل من تلك المبالغ أو أكثر، وهي واردة في أحكام لا تعلق لها بالصدق والكذب، فلا معنى للتمسك بها\" (^٢). ويلتحق بهذه المذاهب قول بعضهم باشتراط عدد أهل (^٣) بيعةِ الرضوان (^٤). قال إمام الحرمين: وهم ألف وسبعمائة (^٥). وقال ضرار بن عمرو (^٦): لا بد مِنْ خبر كُلِّ الأمة وهو الإجماع، حكاه القاضي في \"مختصر\n_________\n(^١) في (ص): \"فكان\".\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٥٧١ - ٥٧٢، مع تصرف من الشارح واختصار.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٨٠، نهاية الوصول ٧/ ٢٧٤٦.\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ٥٧٠. وهذا الذي قاله إمام الحرمين أخرجه ابن أبي شيبة في \"التاريخ\" من حديث سلمة بن الأكوع، لكن سند الحديث ضعيف جدًا. انظر: مرويات غزوة الحديبية ص ٥٠، د/ حافظ الحكمي، وقد اختلفت الروايات في عدد الصحابة في غزوة الحديبية وهم أهل بيعة الرضوان، رضوان الله عليهم أجمعين. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: \"والجمع بين هذا الاختلاف: أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال ألفًا وخمسمائة جبر الكسر. ومَنْ قال ألفًا وأربعمائة ألغاه، ويؤيده قوله في الرواية الثالثة من حديث البراء: \"ألفًا وأربعمائة أو أكثر، واعتمد على هذا الجمع النووي. . .\" فتح الباري ٧/ ٤٤٠.\n(^٦) هو ضِرار بن عمرو القاضي، شيخ فرقة الضِّرَارية من المعتزلة. له مقالات خبيثة منها قوله: يمكن أن يكون جميع مَنْ يُظهر الإسلام كفارًا في الباطن؛ لجواز ذلك على كل فردٍ منهم في نفسه. قال ابن حزم: كان ضِرار يُنكر عذابَ القبر. من مصنفاته: كتاب التوحيد، كتاب الرد على جميع الملحدين، كتاب تناقض الحديث. انظر: سير ١٠/ ٥٤٤، الفرق بين الفرق ص ٢١٣، ميزان ٢/ ٣٢٨، الفهرست ص ٢١٤.","vol":"5","page":1840},{"text":"التقريب\" (^١) وحكى عن صاحب أبي الهذيل المعروف بأبي عبد الرحمن أنه اشترط خمسةً من المؤمنين الذين هم أولياء الله، بشرط عصمتهم عن الكذب. قال (^٢): ولا بد معهم من سادسٍ ليس من الأولياء؛ لتلتبس (^٣) أعيانهم فلا نشير (^٤) إلى واحدٍ منهم إلا ويجوز أن يكون هو السادس. قال القاضي: \"وهو مذهبٌ خالف فيه سائر المذاهب\" (^٥).\nومنهم مَنْ شرط خمسةً وأطلق، حكاه الآمدي وابن برهان في \"وجيزه\" (^٦).\nوقال طوائف من الفقهاء: ينبغي أن يبلغوا مبلغًا لا يحويهم (^٧) بلد، ولا يحصرهم عدد (^٨). قال إمام الحرمين: \"وهو سَرَفٌ، ومجاوزةُ حدٍ، وذهولٌ عن مَدْرك الحق\" (^٩).\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٣٠١.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت): \"ليلتبس\".\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"فلا يشير\". وفي (ص): \"فلا يشر\". والمثبت من \"التلخيص\".\n(^٥) انظر: التلخيص ٢/ ٣٠٢.\n(^٦) انظر: الإحكام ٢/ ٢٥، الوصول إلى الأصول ٢/ ١٤٧، وكذا حكاه ابن الحاجب في منتهى السول ص ٧٠، وأبو يعلى الفراء في العدة ٣/ ٨٥٦، والبخاري في كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠.\n(^٧) في (ص): \"تحويهم\".\n(^٨) انظر: الإحكام ٢/ ٢٧، منتهى السول ص ٧٠، نهاية الوصول ٧/ ٢٧٤٦.\n(^٩) انظر: البرهان ١/ ٥٧٠.","vol":"5","page":1841},{"text":"قال: (ثم إنْ أخبروا عن عَيانٍ فذاك، وإلا فيُشترط ذلك في كل الطبقات).\nعدد التواتر إنْ أخبروا عن معاينة - (فذاك، وإن لم يخبروا عن معاينة) (^١) - اشتُرِط وجود هذا العدد، أعني: الجمع الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب في (^٢) كل الطبقات، وهو مَعْنى قول الأصوليين لا بد فيه من استواء الطرفين والواسطة. وبهذا يتبين أن المتواتر قد ينقلب آحادًا، وربما اندرس دهرًا. فالمتواتر من أخبار رسول الله - ﷺ - ما اطردت الشرائط (^٣) فيه عصرًا بعد عصر حتى انتهى إلينا، وهذا لا خفاء به. قال إمام الحرمين: \"ولكنه ليس مِنْ شرط التواتر\"، قال: \"بل حاصل ذلك أن المتواتر قد ينقلب آحادًا، وليس من شرائط وقوع التواتر، فلا يصح تعبيرهم باشتراط استواء الطرفين والواسطة\" (^٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"من\".\n(^٣) في (ت)، و(ص): \"الشرائع\". وهو خطأ، والتصحيح من البرهان ١/ ٥٨١، والجملة مقتبسة منه.\n(^٤) المعنى: أن اشتراط العدد الذي يستحيل تواطؤهم على الكذب في كل طبقة لحصول التواتر - غير صحيح؛ لأن هذا شرط بقاء التواتر أو وصوله، أما حصول التواتر فلا يشترط له هذا، بل يكفي هذا العدد في الطبقة الأولى التي تخبر عن معاينة، لكن بقاء التواتر بعد ذلك إلى الأجيال اللاحقة لا بد فيه من هذا العدد في كل طبعة، فإن انقطع هذا العدد في طبقة من الطبقات انقلب التواتر آحادًا، أي: أحادًا بالنسبة إلى مَن انقطع عندهم. وهذا الذي قاله إمام الحرمين ﵀ ليس محل خلاف، بل هو تصحيح للتعبير فقط، لكن وضوح المراد هو الذي أغنى الأصوليين عن التقييد؛ إذ =","vol":"5","page":1842},{"text":"(^١) (^٢).\nقال: (الرابعة: مثلا لو أخبر واحدٌ بأن حاتمًا أعطى دينارًا، وآخر أنه أعطى فرسًا، وآخر أنه أعطى جملًا، وهلم جَرَّا - تواتر القدر المشترك؛ لوجوده في الكل).\nالتواتر قد يكون لفظيًا وهو ما سبق، وقد يكون معنويًا: وهو أن يجتمع مَنْ يمتنع تواطؤهم على الكذب على الإخبار عن شيء، وتتباين أقوالُهم فيما يُخبرون به، ولكن يكون بينها قدر مشترك، فيحصل له التواتر؛ لوجوده في خبر كلِّ واحدٍ، ووقوع الاتفاق عليه ضمنًا؛ إذ الكل مخبرون عن ذلك المعنى المشترك، ضرورة إخباراتهم عن جزئياته. ومثال ذلك: ما إذا قال زيد: أعطى حاتمٌ دينارًا. وقال عمرو: أعطى فرسًا. وقال خالد: أعطى جملًا. وهلم جَرَّا، حتى بلغ (^٣) عدد التواتر، فإنه يثبت بهذه\n_________\n= شَرْط استواء الطرفين والواسطة هو في حق مَنْ نُقل إليه لا عن معاينة، وأما مَنْ نُقل إليه عن معاينة فليس هذا شرطًا في حقه. على أن اشتراط البعض كالبيضاوي - ﵀ - لهذا الشرط مقيَّد، كما هو واضح. وانظر: شرح التنقيح ص ٣٥٣.\n(^١) انظر: البرهان ١/ ٥٨١.\n(^٢) انظر المسألة الثالثة في: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٦٧، الحاصل ٢/ ٧٤٧، التحصيل ٢/ ١٠٣، نهاية الوصول ٧/ ٢٧٣٩، نهاية السول ٣/ ٧٦، السراج الوهاج ٢/ ٧٢٣، الإحكام ٢/ ٢٥، المعتمد ٢/ ٨٦، المستصفى ٢/ ١٣٨ (١/ ١٣٤)، القواطع ٢/ ٢٣٦، المحلي على الجمع ٢/ ١٢٠، البحر المحيط ٦/ ٩٤، التلخيص ٢/ ٢٨٧، شرح التنقيح ص ٣٥١، إحكام الفصول ص ٣٢٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٣، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، تيسير التحرر ٣/ ٣٤، فواتح الرحموت ٢/ ١١٥، المسودة ص ٢٣٣، العدة ٣/ ٨٥٥.\n(^٣) في (ص): \"يبلغ\".","vol":"5","page":1843},{"text":"الإخبارات القدر المشترك: وهو صدور الإعطاء منه. ولو أن زيدًا ذَكَرَ أنه أعطى وتصدق ووهب مرارًا (^١)، وعمرو قال: أضاف وَوَقَف وأنْعم بالمال مرارًا (^٢) وهلم جرَّا - لتواتر في نحو هذه الصورة شيئان: مجرد الإعطاء، والكرم (^٣).\n_________\n(^١) قوله \"مرارًا\" حالٌ من حاتم المتكلَّم عن، لا من زيد ولا من عمرو المتكلِّمان؛ لأن المعنى: أن الإعطاء والتصدق والهبة. . . تكررت من حاتم، لا أن قول ذلك تكرر من زيد وعمرو.\n(^٢) قوله \"مرارًا\" حالٌ من حاتم المتكلَّم عن، لا من زيد ولا من عمرو المتكلِّمان؛ لأن المعنى: أن الإعطاء والتصدق والهبة. . . تكررت من حاتم، لا أن قول ذلك تكرر من زيد وعمرو.\n(^٣) انظر المسألة الرابعة في: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٨٣، الحاصل ٢/ ٧٥٤، التحصيل ٢/ ١٠٥، نهاية الوصول ٧/ ٢٧٥٢، نهاية السول ٨٧٣ /، السراج الوهاج ٢/ ٧٢٧، مناهج العقول ٢/ ٢٢٢.","vol":"5","page":1844},{"text":"الفصل الثاني: فيما عُلِم كذبه من الأخبار","vol":"5","page":1845},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-472>(الفصل الثاني: فيما عُلِم كذبه</span>.\nوهو قسمان: الأول: ما عُلم خلافُه ضرورةً أو استدلالًا).\nالخبر المقطوع بكذبه ذكر المصنف أنه قسمان:\nالأول: ما عُلم بالضرورة خلافُه، كالإخبار باجتماع النقيضين، أو ارتفاعهما.\nأو بالاستدلال، كإخبار الفيلسوف بِقِدَم العالم.\nقال: (الثاني: ما لو صَحَّ - لتوفرت الدواعي على نَقْله، (كما يُعْلم أنَّه) (^١) لا بلدة بين مكة والمدينة أكبر منهما؛ إذ لو كان لنُقل. وادعت الشيعة: أن النص دَلَّ على إمامة علي - ﵁ - ولم يتواتر (^٢)، كما لم تتواتر الإقامة، والتسمية، ومعجزات الرسول - ﷺ -. قلنا: الأولان من الفروع، ولا كفرَ ولا بدعةَ في مخالفتهما، بخلاف الإمامة. وأما تلك المعجزات فَلِقِلَّةِ المشاهدين).\nالقسم الثاني: الخبر الذي لو كان صحيحًا - لكانت الدواعي متوفرةً على نقله:\nإما لكونه أمرًا غريبًا، كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة.\nأو لتعلق أصل من أصول الدين به، كالنص الذي تزعم (^٣) الروافض\n_________\n(^١) في (ص): \"كما نعلم أنه\". وفي (ت): \"كما يعلم أن\".\n(^٢) في (ص): \"تتواتر\".\n(^٣) في (ت): \"يزعم\".","vol":"5","page":1847},{"text":"أنه دلَّ على إمامة علي بن أبي طالب - ﵁ -، فعدم تواتره دليلٌ على عدم صحته، ولهذا إنا نقطع بأنه لا بلدة بين مكة والمدينة أكبرُ منهما، وليس مستندُ هذا القطع إلا أنه لو كان لتواتر.\nوقالت (^١) الشيعة: ما ندعيه من النص الدال على إمامة علي - ﵁ - لم يتواتر، كما لم تتواتر كلمات الإقامة من أنها مثنى أو فرادى (^٢)، والتسمية في الصلاة (^٣)، ومعجزات رسول الله - ﷺ - التي لم تتواتر: كحنين الجذع\n_________\n(^١) في (غ): \"وقال\".\n(^٢) فيه حديث أنس: \"لما كَثُر الناس ذكروا أن يُعْلموا وقتَ الصلاة بشيء يعرفونه فذكروا أن يُوروا نارًا أو يضربوا ناقوسًا فأُمِر بلالٌ أن يَشْفع الأذانَ وأن يُوتر الإقامة\".\nأخرجه البخاري ١/ ٢٢٠، في كتاب الأذان، باب الأذان مثنى مثنى، حديث رقم ٥٨٠، ٥٨١، وانظر حديث رقم ٥٧٨، ٥٨٢.\nومسلم ١/ ٢٨٦، في كتاب الصلاة، باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة، حديث رقم ٣٧٨.\nوانظر: فتح الباري ٢/ ٨٢ - ٨٣.\n(^٣) قال الإمام النووي - ﵀ - عن الجهر بالبسملة في كتابه خلاصة الأحكام ١/ ٣٦٩ - ٣٧٣: \"هذا الباب واسع جدًا وقد جمع فيه الإمام أبو محمد المقدسي المعروف بأبي شامة - ﵁ - كتابًا مشهورًا نفيسًا، وجمعتُ أنا في \"شرح المهذب\" مقاصده مع نفائس مهمة. ومن عيون ذلك أن الجهر بها رواه عن النبي - ﷺ - أحد وعشرون صحابيًا منها صحيح عن ستة منهم: أبو هريرة وأم سلمة وابن عباس وأنس وعلي وسمرة بن جندب\" ثم ذكر الروايات، ونقل عن ابن خزيمة قوله: صح الجهر بها عن النبي - ﷺ - بإسنادٍ ثابت متصل لا ارتياب في صحته عند أهل المعرفة.\nوانظر: المجموع ٣/ ٣٣٢ - ٣٥٦، تلخيص الحبير ١/ ٢٣٢ - ٢٣٥.","vol":"5","page":1848},{"text":"إليه (^١)، وتسليم الحَجَر عليه (^٢)، ووقوف الشجر بين يديه (^٣)، وتسبيح\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ١٠٩، ٣/ ٢٩٣، ٢٩٥. والبخاري في صحيحه ٣/ ١٣١٣ - ١٣١٤، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، رقم ٣٣٩٠ - ٣٣٩٢. والترمذي في سننه ١/ ٥٥٤، كتاب المناقب، باب في آيات إثبات نبوة النبي - ﷺ -، رقم ٣٦٢٧. وابن ماجه في السنن ١/ ٤٥٤ - ٤٥٥، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في بدء شأن المنبر، رقم ١٤١٤، ١٤١٥، ١٤١٧. والدارمي في السنن ١/ ٢٢، باب ما أكرم النبي - ﷺ - بحنين المنبر.\n(^٢) أخرجه مسلم ٤/ ١٧٨٢، في كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي - ﷺ -، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة، رقم الحديث ٢٢٧٧، من حديث سماك بن حرب عن جابر بن سمرة عن النبي - ﷺ -: \"إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلِّم عليَّ قبل أن أُبعث، إني لأعرفه الآن\". وأخرجه الدارمي في السنن ١/ ١٩، باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر به والبهائم والجن، رقم ٢٠. وعن علي - ﵁ - قال: \"كنت مع النبي - ﷺ - بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله\". أخرجه الدارمي ١/ ١٩، رقم ٢١، والترمذي ٥/ ٥٥٣، في المناقب، باب في آيات إثبات نبوة النبي - ﷺ -، رقم ٣٦٢٦، قال الترمذي: \"هذا حديث غريب\". والحاكم ٢/ ٦٢٠، وصححه ووافقه الذهبي، وليس كما قالا فإن في السند الوليد بن أبي ثور وهو الوليد بن عبد الله بن أبي ثور الهمداني الكوفي، ضعيف كما في التقريب ص ٥٨٢، رقم ٧٤٣١، وفيه عباد بن أبي يزيد، وبعضهم يقول: عباد بن يزيد الكوفي، مجهول كما في التقريب ص ٢٩١، رقم ٣١٥٢.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٢٣. والترمذي ٥/ ٥٥٤، في كتاب المناقب، حديث رقم ٣٦٢٨، وقال: حديث حسن غريب صحيح. والدارمي ١/ ٢٠، باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر به والبهائم والجن، رقم ٢٣، ٢٤. وأبو يعلى في مسنده ٤/ ٢٣٧، رقم الحديث ٢٣٥٠. وابن حبان كما في الاحسان ١٤/ ٤٥٣ - ٤٥٤، حديث رقم ٦٥٢٣. والحاكم في مستدركه ٢/ ٦٢٠، كتاب التاريخ، وقال: صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي. قال الهيثمي في المجمع ٩/ ١٠: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحجاج الشامي وهو ثقة.","vol":"5","page":1849},{"text":"الحصى في يمينه (^١)، مع توفر الدواعي على نقلها، فدل ذلك (^٢) على أن عدم تواتر ما تتوفر الدواعي على نقله ليس دليلًا على عدم صحته.\nوأجاب عن الأوَّلَيْن، أعني: الإقامة، والتسمية: بأنهما من مسائل الفروع، ولا كفر ولا بدعة في مخالفتها، فلم تتوفر الدواعي على نقلهما؛ لذلك، بخلاف الإمامة فإنها من الأصول ومخالفتها بدعة، ومؤثرة في الفتن، فتتوفر الدواعي على نقلها، فلما لم تَتَوفَّر دَلَّ على عدم صحته.\nوعن الثالث: أن تلك المعجزات التي لم تتواتر لم تكن بحضرة جمعٍ عظيم، فعدم تواترها إنما هو لقلة المشاهدين.\nفإن قلت: يُعارَض هذا بمثله، فنقول: إنما لم يتواتر النصُّ الدالُّ على إمامة علي - ﵁ - لقلة السامعين.\nقلت: ما تَدَّعون من النص لا نعرفه بنقلٍ في الآحاد الصحاح فضلًا عن المتواترات، ولو كان له وجود لما خفي على أهل بيعة السقيفة، ولتحدثت\n_________\n(^١) قال ابن حجر في الفتح ٦/ ٥٩٢: وقد اشْتَهَر تسبيح الحصى، ففي حديث أبي ذر قال: \"تناول رسول الله - ﷺ - سبع حصيات فسَبَّحْن في يده حتى سمعت لهنَّ حنينًا، ثم وضعهن في يد أبي بكر فسَبَّحْنَ، ثم وضعهن في يد عمر فسبحن، ثم وضعهن في يد عثمان فسبحن\" أخرجه البزار والطبراني في الأوسط، وفي رواية الطبراني: \"فسمع تسبيحهن مَنْ في الحلقة\" وفيه: \"ثم دفعهن إلينا فلم يُسَبِّحْن مع أحدٍ منا\". اهـ ثم قال الحافظ: وأما تسبيح الحصى فليست له إلا هذه الطريق الواحدة مع ضعفها. اهـ. وانظر: مجمع الزوائد ٨/ ٢٩٨ - ٢٩٩، المواهب اللدنية للقسطلاني ٢/ ٥٣١ - ٥٣٣.\n(^٢) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1850},{"text":"به امرأة في خِدْرها، ولأبداه معاضِدٌ أو مُعانِد (^١)، وقد كان الأمر إذ ذاك مُعْضِلًا أزِمًا يحتاج إلى التلويح فضلًا عن النص الصريح، ولم يكن عن إبدائه غِنًى، بخلاف سائر معجزات النبي - ﷺ -، فإنه ربما اكْتُفِى بنقل القرآن الذي هو أشهرها وأعظمها عن نقلها، وخلافة أبي بكر رضوان الله عليه لم تكن مؤيَّدة بشوكة قاهرة، وإنما كان الأمر فوضى، ومن المعلوم أن أمر الولايات من أخطر الأشياء في العادات، ولا تتشوف النفوس (^٢) إلى شيء تشوفها إلى نقل ما يتعلق بالولايات، ففيها تطير الجماجم عن الغلاصم، وتهلك النفوس (^٣).\nويلوح من هذا فرق آخر واضح بين ما سألوه (^٤) من أمر الإقامة، وبين الإمامة. قال إمام الحرمين: \"وهو من أغمض الأسئلة؛ فإن بلالًا كان يُقيم بعد الهجرة إلى انقلاب رسول الله - ﷺ - إلى رضوانه - في اليوم والليلة خمس مرات، ثم لم يقع التواتر، واختلف (^٥) النقلةُ. فنقول: الإقامة شعار مسنون، ليس بالعظيم الموقع (^٦) في العرف والشرع\" (^٧). قال إمام الحرمين:\n_________\n(^١) انظر: البرهان ١/ ٥٨٧.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: البرهان ١/ ٥٩٥.\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"ما يسألوه\".\n(^٥) في (ص): \"واختلفت\".\n(^٦) في البرهان ١/ ٥٩٦: \"الوقع\".\n(^٧) انظر: البرهان ١/ ٥٩٣، ٥٩٠، ٥٩٦. (هذا الكلام الذي نقله الشارح جَمَعَه من الصفحات المذكورة، فهو ليس متوالي في كلام إمام الحرمين رحمه الله تعالى).","vol":"5","page":1851},{"text":"\"والمعتمد عندي أن الصحابة هَوَّنت أمر الإفراد والتثنية، فلم يعتنوا بالإشاعة، وإنْ أشاعوا - أفضى إلى الدروس، وليس ذلك بِدْعًا فيما ليس من العزائم، وهذا ينضم إليه بِدَعٌ ثارت مع ثوائر (^١) وأصحاب سلطنة واستيلاء وقهر، فإنه جرى في آخر أيام علي - ﵁ - قريبٌ من مائة سنة دواهي (^٢) تُشَيِّب النواصي، واستجرا على تغيير ما كان منوطًا بالأمراء (^٣)؛ إذ كانت الجماعة وإقامةُ شعارها من أهم ما يهتم به الأمراء (^٤)، ثم ألهى الناسَ عنه ما حدث (^٥) \" (^٦).\nفقد تقرر واضحًا: أن من المقطوع بكذبه خبرٌ لو صح لتوفرت الدواعي على نقله، ويتبين به بطلانُ ما ادعاه الروافض من النص، وفسادُ قول العيسوية إن في التوراة أن موسى بن عمران ﵇ آخرُ مبعوث؛ فإن هذا لو كان لذكره أحبار اليهود في زمن رسول الله - ﷺ -، ولما آثروا عنه مَعْدِلا إلى تحريف نعت رسول الله - ﷺ -، وتبديلهم الذي (خانوا به) (^٧) وخسروا (^٨).\n_________\n(^١) في (ت): \"تواثر\". وهو خطأ. والموجود في البرهان ١/ ٥٩٤: \"تواتر\".\n(^٢) في البرهان: \"دواه\".\n(^٣) في (ت)، و(ص)، و(ع): \"بالأمر\". وهو خطأ.\n(^٤) في (ص)، و(غ): \"الأمر\". وهو خطأ.\n(^٥) قوله: واستجرا. . . إلخ - معناه: أن هذه الدواهي استتبعت في تغيير ما كان منوطًا بالأمراء الاهتمام به، وهو الجماعة وإقامة شعارها، لكن تلك الدواهي ألهتهم عن ذلك. انظر: لسان العرب ١٤/ ١٤٢ - ١٤٣، مادة (جرا).\n(^٦) البرهان ١/ ٥٩٤ - ٥٩٥، مع بعض الاختصار.\n(^٧) في (ت): \"خابوا به\".\n(^٨) انظر: البرهان ١/ ٥٨٧.","vol":"5","page":1852},{"text":"واعلم أن المصنف لم يذكر من المقطوع بكذبه غير قسمين، وذكر الإمام ثالثًا: (وهو) (^١) ما نُقل عن النبي - ﷺ - بعد استقرار الأخبار، ثم فتش عنه فلم يُوجد في بطون الكتب، ولا في صدور الرواة (^٢).\nولقائل أن يقول: غاية مُنْتهى المُنَقِّب الجَلِد، والمتفحِّصِ الألدِّ (^٣) - عدمُ الوجدان (^٤)، فكيف ينتهض ذلك قاطعًا في عدم الوجود! وإنما قصاراه ظنٌّ غالبٌ يُوجب أن لا يُلتفت إلى ذلك الخبر. وإنْ فُرِض دليلٌ عقليٌّ أو شرعيٌّ، أو تَوَفُّرُ الدواعي على (^٥) نقله عاد إلى القسمين المذكورين في الكتاب.\nوذكر إمام الحرمين قسمًا رابعًا فقال: \"ومما (^٦) يُذكر من أقسام الكذب: أن يتنبأ متنبئ من غير معجزة، فَيُقْطع بكذبه\". قال: \"وهذا مُفَصَّلٌ (^٧) عندي، فأقول: إنْ تنبأ وزعم أن الخلق كُلِّفوا متابعتَه وتصديقَه من غير آيةٍ - فهذا كذب؛ فإن مساقه يفضي إلى تكليف\n_________\n(^١) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٢) والإمام متابع في هذا القسم لأبي الحسين البصري رحمه الله تعالى. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٤٢٥، المعتمد ٢/ ٧٩. وتابع الإمام على ذكره تاج الدين في الحاصل ٢/ ٧٦٧، وسراج الدين في التحصيل ٢/ ١١٣، وصفي الدين - ﵏ جميعًا - في نهاية الوصول ٧/ ٢٧٩٠.\n(^٣) أي: الشديد الخَصِم. انظر: لسان العرب ٣/ ٣٩٠ - ٣٩١، مادة (لدد).\n(^٤) في (ت): \"الوجود\".\n(^٥) في (غ): \"إِلى\".\n(^٦) في (غ): \"وما\".\n(^٧) في (ص): \"معضل\". وهو تصحيف.","vol":"5","page":1853},{"text":"ما لا يطاق، وهو العلم بصدقه من غير سبيل مؤدٍّ إلى العلم. فأما إذا قال: ما أكلف الخلقَ اتباعي، ولكن أُوحيَ إليَّ - فلا يُقطع بكذبه\" (^١).\nقلت: وهذا كله يجب أن يكون فيما إذا كان من ادعى النبوة قبل محمدٍ - ﷺ -، وأما بعده فيقطع بكذبه؛ لقيام القاطع على أن لا نبي بعده. وهذا راجع إلى القسم الأول، وهو ما علم خلافه استدلالا.\nقال: (مسألةٌ: بعض ما نُسِب إلى الرسول (^٢) - ﷺ - كذب؛ لقوله: \"سَيُكْذبُ عليَّ\"؛ ولأن منها ما لا يقبل التأويل، فيمتنع صدوره عنه).\nبعض الأخبار المروية عن النبي - ﷺ - بطريق الآحاد مقطوعٌ بكذبه؛ لوجهين:\nأحدهما: أنه رُوي عنه - ﷺ - أنه قال: \"سَيُكْذب عليَّ\" (^٣)، فإن صح هذا الحديث - لزم وقوعُ الكذب عليه؛ ضرورةَ صدقه فيما يفوه به.\nوإنْ لم يصح مع كونه رُوي عنه - فقد حصل الكذب فيما رُوي عنه، ضرورةً أن هذا الخبر مِنْ جملة ما رُوي عنه، لكن على هذا التقدير يتعين الموضوع عليه، وهو هذا الخبر، والدعوى كانت مبهمةً في بعضٍ غير معيَّن.\n_________\n(^١) انظر: البرهان ١/ ٥٩٦ - ٥٩٧.\n(^٢) في (ت): \"النبي\".\n(^٣) قال مُلَّا علي قاري - رحمه الله تعالى - في \"الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة\" ص ٢٢١: قال ابن الملقِّن في \"تخريج البيضاوي\": هذا الحديث لم أره كذلك. نعم في أفراد مسلم من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله ﵊ قال: \"يكون في آخر الزمان دجَّالون كذَّابون\". اهـ.","vol":"5","page":1854},{"text":"فإن قلت: نلتزم صحته، ولا يلزم وقوع الكذبِ في الماضي الذي هو المدّعى؛ لأنه قال: \"سَيُكْذب\" بصيغة المضارع، فيجوز أن يقع في المستقبل (^١).\nقلت: السينُ الداخلةُ على \"يُكْذب\" وإن دلت على الاستقبال فإنما تدل على استقبال قليلٍ، بخلاف سوف، كما نصوا عليه (^٢)، وقد حصل هذا الاستقبال القليل بزيادة.\nواعلم أن هذا الحديث لا يُعرف، ويُشبه أن يكون موضوعًا.\nالثاني: أن مِنْ جملة ما رُوي عنه - ﷺ - ما لا يقبل التأويل، إما لمعارضة الدليل العقلي، أو غير ذلك مما يُوجب عدمَ قبوله للتأويل، فيمتنع صدوره عنه ﵇ قطعًا.\nقال: (وسببه: نسيان الراوي، أو غلطه، أو افتراء الملاحدة لتنفير العقلاء).\nسبب وقوع الكذب عليه - ﷺ -:\nإما نسيان الراوي؛ لطول عهدٍ بالخبر المسموع، أو غير ذلك، فربما حَمَل النسيانُ على نَقْص ما يُخِلُّ بالمعنى، أو رفع ما هو موقوف، أو غير ذلك من آفات النسيان.\n_________\n(^١) ولزيادة التفصيل انظر: حاشية البناني على المحلي ٢/ ١١٨.\n(^٢) هذا هو مذهب البصريين، أما مذهب الكوفيين فالسين وسوف مترادفان، وليست المدة مع \"سوف\" أوسع، بل هما مستويان. انظر: مغني اللبيب ١/ ١٥٨، ١٥٩.","vol":"5","page":1855},{"text":"وإما غَلَطُه: بأن أراد النطق بلفظٍ فسبق لسانه إلى سواه، أو وضع لفظًا مكان آخر ظانًا أنه يؤدي معناه.\nوإما افتراء الزنادقةِ وغيرِهم مِنْ أعداء الدين، الذين وضعوا أحاديث تخالف العقول، ونسبوها إلى النبي - ﷺ -؛ تنفيرًا للعقلاء عن شريعته المطهرة.\nوقد يقع الوضع مِنْ متهالك على حب الجاه، كما وضعوا في دولة بني العباس - ﵁ - نصوصًا دالةً على إمامة العباس وذريته.\nومن الغُواة المتعصبين مَنْ وضع أحاديث لتقرير مذهبه، ودَفْع خصومه (^١).\nومنهم مَنْ جَوَّز وضع الأحاديث للترغيب في الطاعة والترهيب عن المعصية، فوقع منه الوضع في ذلك.\nوأسباب الوضع كثيرة (^٢)؛ لأنها تختلف باختلاف أغراض الفسقة المتمردين، والزنا دقة المبتدعين. والله أعلم (^٣).\n_________\n(^١) مثل الكرَّامية، فإنَّ مذهبهم أنه إذا صَحَّ المذهب وظهرت حقيقته جاز وضع الأخبار لتصحيحه؛ لأن فيه ترويجًا للحق. انظر نهاية الوصول ٧/ ٢٧٩٦.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"كثيرة والله أعلم\".\n(^٣) انظر الفصل الثاني في: المحصول ٢/ ق ١/ ٤١٣، الحاصل ٢/ ٧٦٤، التحصيل ٢/ ١١١، نهاية الوصول ٧/ ٢٧٧٩، نهاية السول ٣/ ٨٨، السراج الوهاج ٢/ ٧٢٩، شرح الأصفهاني ٢/ ٥٣٣، مناهج العقول ٢/ ٢٢٥، الإحكام ٢/ ١٢، ٤١، المستصفى ٢/ ١٦٧ (١/ ١٤٢)، المعتمد ٢/ ٧٨، البرهان ١/ ٥٨٦، المحلي على الجمع ٢/ ١١٦، التلخيص ٢/ ٣١٥، شرح التنقيح ص ٣٥٥، منتهى السول ص ٦٧، ٧٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥١، ٥٧، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠، فواتح الرحموت ٢/ ١٠٩، شرح الكوكب ٢/ ٣١٨.","vol":"5","page":1856},{"text":"الفصل الثالث: فيما ظُنَّ صدقه من الأخبار","vol":"5","page":1857},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-473>(الفصل الثالث: فيما ظُنَّ صدقه</span>.\nوهو خبر العدل الواحد. والنظر في طرفين: الأول: في وجوب العمل به. دل عليه السمع، وقال ابن سريج والقفال والبصري: دلَّ العقل أيضًا. وأنكره قومٌ؛ لعدم الدليل، أو للدليل على عدمه شرعًا أو عقلا. وأحاله آخرون. واتفقوا على الوجوب قي الفتوى، والشهادة، والأمور الدنيوية).\nالقسم الثالث من أقسام الخبر: (ما لا يقطع بصدقه ولا بكذبه) (^١).\nوله أحوال؛ لأنه إما أن يترجَّح احتمال صدقه، أو كذبه: كخبر العدل، والفاسق. أو يتساوى الأمران (^٢): كخبر المجهول. وإنما يجب العمل بالقسم الأول؛ فلذلك اقتصر على ذِكْره هنا.\nفقوله: \"العدل\" احترازٌ عن القسمين الآخَرَيْن.\nوقوله: \"الواحد\" احتراز عن المتواتر؛ فإن المراد بخبر الواحد عند الأصوليين: ما لم يبلغ حد التواتر مما لا سبيل إلى القطع بصدقه أو كذبه، سواء نَقَله واحدٌ أم جمع منحصرون (^٣) وقد يُخْبِر واحدٌ فيُعلم صدقه\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"ما لا يقطع بكذبه ولا بصدقه\".\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٨٠٠، الإحكام ٢/ ٣١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٥، شرح الكوكب ٢/ ٣٤٥، المحلي على الجمع ٢/ ١٢٩، اللمع ص ٧٢، شرح اللمع ٢/ ٥٧٨، المستصفى ٢/ ١٧٩ (١/ ١٤٥).","vol":"5","page":1859},{"text":"كالنبي، ولا يُعد ذلك مِنْ أخبار الآحاد (^١).\nويَدخل في خبرِ الواحدِ المستفيضُ (^٢)، قال الآمدي: وهو ما نقله\n_________\n(^١) في هذا نظر، لأن خبر النبي ﵌ خبر آحاد مقطوع بصدقه، فالقطع من جهة كونه - ﷺ - نبيًا معصومًا من الكذب، لا من جهة ذات خبره. ولذلك عَرَّفوا الخبر بأنه: ما احتمل الصدق والكذب لذاته. فقيد \"لذاته\" احتراز عن المقطوع بصدقه، والمقطوع بكذبه، لكن لا لذاته، بل لأمرٍ خارج، كما هو الحال في خبر النبي - ﷺ - مقطوع بصدقه لكونه نبيًا، لا لمجرد الخبر. انظر: شرح السلم للدمنهوري ص ٩ - ١٠، حاشية الباجوري على السلم ص ٤٧. وهذا الذي قاله الشارح ذهب إليه القرافي ﵀، إذا قسَّم الخبر إلى متواتر، وآحاد، ولا متواتر ولا آحاد: وهو خبر الواحد إذا احتفَّت به القرائن، فليس متواترًا؛ لاشتراطنا في التواتر العدد، وليس آحادًا؛ لاشتراطنا في الآحاد الظن، وهذا أفاد القطع بالقرائن، فلا يكون آحادًا.\nانظر: نفائس الأصول ٧/ ٢٩٢٠ - ٢٩٢١، شرح التنقيح ص ٣٤٩، ٣٥٧.\n(^٢) هذا هو مذهب الجمهور، إذ يقسِّمون الأخبار إلى متواتر وآحاد، ولا واسطة عندهم بين التواتر والآحاد، فالمستفيض من أخبار الآحاد. وذهب عامة الحنفية إلى أن المشهور قسم مستقل، فالأقسام عندهم ثلاثة. وإليه ذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، كما نقله عنه إمام الحرمين. وذهب أبو بكر الجصاص وبعض الحنفية وابن فُورك - ﵏ - إلى أن المشهور من قسم المتواتر. انظر: الإحكام ٢/ ٣١، البرهان ١/ ٥٨٤، المحلي على الجمع ٢/ ١٢٩، البحر المحيط ٦/ ١١٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٥، كشف الأسرار ٢/ ٣٦٠ - ٣٧٠، تيسير التحرير ٣/ ٣٧، المغني في أصول الفقه ص ١٩١ - ١٩٤، شرح الكوكب ٢/ ٣٤٥. تنبيه: قد يسمى المستفيض مشهورًا. قال البخاري في كشف الأسرار ٢/ ٣٦٨: \"ويسمى هذا القسم مشهورًا ومستفيضًا\".\nانظر: المحلي على الجمع ٢/ ١٢٩، فواتح الرحموت ٢/ ١١١، شرح الكوكب ٢/ ٣٤٥، تشنيف المسامع ٢/ ٩٥٩، غاية الوصول ص ٩٧.","vol":"5","page":1860},{"text":"جماعةٌ تَزيد على الثلاثة والأربعة (^١).\nوقيل: المستفيض: ما تلقته الأمة بالقبول (^٢).\n(وقال) (^٣) الأستاذ أبو بكر بن فورك: \"الخبر الذي تلقته الأمة بالقبول محكوم بصدقه\". قال إمام الحرمين: \"وفَصَّل ذلك في مصنفاته فقال: إن اتفقوا على العمل به لم يُقطع بصدقه، وحُمِل الأمر على اعتقادهم (^٤) وجوبَ العمل بخبر الواحد. وإنْ تلقوه بالقبول قولًا ونطقًا حُكِم بصدقه. قال القاضي: لا يُحكم بصدقه وإنْ تلقوه بالقبول قولًا ونُطقًا، فإنَّ تصحيح الأئمة للخبر مُجْرى على حكم الظاهر، فإذا استجمع شروطَ\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ٢/ ٣١، وعبارة الآمدي رحمه الله تعالى فيها تسامح، ومقصوده: أنه ما فوق الثلاثة. وهذا هو الذي نقله بعض الأصوليين عنه، وهو الذي ذهب إليه ابن الحاجب وبعض الحنابلة. انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٥، شرح الكوكب ٢/ ٣٤٥ - ٣٤٦، نهاية السول ٣/ ١٠٣. قال شيخ الإسلام ابن حجر رحمه الله تعالى: المشهور: ماله طرق محصورة بأكثر من اثنين، ولم يبلغ حد التواتر. سُمِّي بذلك لوضحه، وسماه جماعة من الفقهاء المستفيض لانتشاره، مِنْ فاض الماء يفيض فيضًا. ومنهم مَنْ غاير بينهما: بأن المستفيض يكون في ابتدائه وانتهائه سواء. والمشهور أعم من ذلك. ومنهم مَنْ عكس\". انظر: تدريب الراوي ٢/ ١٧٣، نزهة النظر ص ٤٣. قال الشيخ زكريا الأنصاري - ﵀ - في غاية الوصول ص ٩٧: (وأقله) أي: المستفيض، أي: أقل عدد راويه (اثنان) وهو قول الفقهاء (وقيل: ما زاد على ثلاثة) وهو قول الأصوليين. وقيل: ثلاثة، وهو قول المحدثين. اهـ.\n(^٢) انظر: البحر المحيط ٦/ ١١٩.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ص): \"اعتقاد\".","vol":"5","page":1861},{"text":"الصحة أطلق عليه المحدثون الصحة، فلا وجه للقطع والحالة هذه\". قال إمام الحرمين: \"ثم لو قيل للقاضي: لو رفعوا هذا الظنَّ، وباحوا بالصدق (^١) - فماذا تقول؟ - لقال (^٢) مجيبًا: لا يُتصور هذا؛ فإنهم لا يَصِلون إلى العلم بصدقه، ولو قطعوا لكانوا مجازفين، وأهل الإجماع لا يجتمعون (^٣) على باطل\" (^٤).\nوقال الأستاذ أبو إسحاق: المستفيض ما تتفق عليه أئمة الحديث. وزعم أنه يقتضي العلم نظرًا، والمتواتر يقتضيه ضرورةً. وضَعَّف إمام الحرمين ما قاله الأستاذ: بأن العرف واطراد الاعتياد (^٥) لا يقتضي الصدق قطعًا، بل قصاراه غلبة الظن (^٦).\nوالمختار: أن المستفيض ما يعده الناس شائعًا، وقد صَدَر عن أصل (^٧)؛\n_________\n(^١) يعني: لو أن الأئمة صَرَّحوا بصدق هذا الخبر، وجزموا بذلك، مع كونه خبر آحاد.\n(^٢) قوله: \"لقال\" جواب \"لو\" الأولى في قوله: \"ثم لو قيل. . .\".\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"لا يجمعون\".\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٥٨٤ - ٥٨٥.\n(^٥) في (ص): \"الاعتبار\". وهو خطأ.\n(^٦) انظر: البرهان ١/ ٥٨٤.\n(^٧) قال البناني رحمه الله تعالى: \"الأصل: هو الإمام الذي ترجع إليه النَّقَلة\". حاشية البناني ٢/ ١٢٩. ويقصد بالإمام: الراوي الأصل الذي روى عنه مَنْ بعده. وفي نشر البنود ٢/ ٣٦: \"وفسر السبكي المستفيض: بأنه الشائع عن أصل، أي: إسناد. فخرج الشائع لا عن أصل\".","vol":"5","page":1862},{"text":"ليخرج الشائعُ لا عن أصل (^١). وأقل المستفيض اثنان (^٢).\nوقد حصر المصنف مقصود هذا الفصل (في طرفين) (^٣):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-474>أحدهما: في وجوب العمل بخبر الواحد</span>.\nقال الجمهور: يجب (^٤) العمل به سمعًا (^٥).\n_________\n(^١) وهذا هو الذي اختاره الشارح ﵀ في جمع الجوامع، والزركشي ﵀. انظر: المحلي على الجمع ٢/ ١٢٩، البحر المحيط ٦/ ١٢٠. بقي أن نبيِّن معنى المشهور عند الحنفية، ففي مسلَّم الثبوت مع شرحه ٢/ ١١١: (وعند عامة الحنفية ما ليس بمتواتر آحادٌ، ومشهور: وهو ما كان آحاد الأصل) بأن يروي عن رسول الله - ﵌ - واحد واثنان، وبالجملة عددٌ غير بالغٍ حد التواتر (متواترًا في القرن الثاني والثالث) ومَنْ بعدهم (مع قبول الأمة) وإن لم يكن كذلك فهو خبر الواحد. اهـ. وانظر: تيسير التحرير ٣/ ٣٧.\n(^٢) وهو الذي اختاره الشيخ أبو حامد الإسفراييني، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وأبو حاتم القزويني، وإليه ميل إمام الحرمين.\nانظر: البحر المحيط ٦/ ١٢١، تشنيف المسامع ٢/ ٩٥٩، تيسير التحرير ٣/ ٣٧، شرح الكوكب ٢/ ٣٤٦. تنبيه: ذكر الزركشي في \"تشنيف المسامع\" أن أبا إسحاق المروزي قائل بهذا المذهب، وفي \"البحر المحيط\" اكتفى بأن الشيخ أبا إسحاق قال به. والمراد به هو الشيرازي، كما هو العادة في إطلاق \"الشيخ\" عليه، رحمه الله تعالى. وقد صرح أمير بادشاه به في \"تيسير التحرير\"، وهو موجود في \"التنبيه\" لأبي إسحاق.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ت): \"ويجب\".\n(^٥) انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٨١٣، الإحكام ٢/ ٥١، المحصول ٢/ ق ١/ ٥٠٧ نهاية السول ٣/ ١٠٤، شرح التنقيح ص ٣٥٦، تيسير التحرير ٣/ ٨٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٣١.","vol":"5","page":1863},{"text":"وقال أحمد بن حنبل، والقفال، وأبو العباس بن سريج منا، (وأبو الحسين) (^١): دلَّ عليه العقل مع السَّمع (^٢).\nوقد عرفت في أوائل الشرح اعتذار القاضي والأستاذ عمن قضى بدلالة العقل على ذلك مِنْ أصحابنا أهل السنة، كأحمد، وابن سريج، والقفال (^٣).\nومن الناس مَنْ أنكر التعبد به، وقد انقسموا ما بينهم إلى مذاهب:\nالأول: أنه لم يوجد ما يدل على أنه حجة، فوجب القطع بأنه ليس بحجة (^٤). وهذا معنى قول المصنف: لعدم الدليل عليه.\nوالثاني: أن الدليل السمعي قام على أنه غير حجة. وهو رأي\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) وقال به طائفة من الحنابلة منهم أبو الخطاب الكلوذاني، وذكر أن أحمد - ﵁ - نَصَّ عليه في رواية جماعة.\nانظر: المعتمد ٢/ ١٠٦ التمهيد ٣/ ٤٤، المسودة ص ٢٣٧، مختصر ابن اللحام ص ٨٤، تيسير التحرير ٣/ ٨٦، والمراجع السابقة.\n(^٣) إذ إن الوجوب العقلي معناه: إثبات حكم الوجوب به، وهذا هو مذهب المعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين، وهؤلاء الفضلاء المذكورون من أهل السنة - رضوان الله عليهم - مُنزهون عن هذا القول الباطل، ولكنهم قالوه ولم يقصدوا معناه ولازمه الباطل، بخلاف أبي الحسين البصري ﵀ فإن معتزلي قائل بالحكم العقلي.\n(^٤) انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٨١٢، المحصول ٢/ ق ١/ ٥٠٨.","vol":"5","page":1864},{"text":"القاساني (^١)، وابن داود، والرافضة (^٢).\nوالثالث: أن الدليل العقلي قام على امتناع العمل به. وعليه جماعة من المتكلمين، منهم الجبائي (^٣).\nفإن قلت: ما وجه (^٤) الجمع بين مَنْع الجبائي هنا التعبدَ به عقلًا، واشتراطِه العدد كما سيأتي - إن شاء الله تعالى - النقلُ عنه؛ فإن قضية اشتراطه العددَ القولُ به؟\nقلت: قد يجاب بوجهين:\nأقْرَبُهما: أنه أراد بخبر الواحد الذي أنكره هنا ما نقله العدل منفردًا به، دون خبر الواحد المصطلح، أعني: الشاملَ لكل خبرٍ لم يبلغ حد التواتر، ولهذا كانت عبارة إمام الحرمين: \"ذهب الجبائي إلى أن خبر الواحد لا يُقبل، بل لا بد من العدد، وأقله اثنان\" (^٥).\n_________\n(^١) هو أبو بكر محمد بن إسحاق القاسانيّ الظاهريّ. حمل العلم عن داود، إلا أنه خالفه في مسائل كثيرة من الأصول والفروع. من مصنفاته: الرد على داود في إبطال القياس، إثبات القياس، الفتيا الكبير. انظر: طبقات الفقهاء ص ١٧٦، تبصير المنتبه بتحرير المشتبه ٣/ ١١٤٧، الفهرست ص ٢٦٧.\n(^٢) وجماعة من القدرية. انظر: الإحكام ٢/ ٥١، العدة ٣/ ٨٦١، المسودة ص ٢٣٨، إحكام الفصول ص ٣٣٤، والمراجع السابقة.\n(^٣) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٠٨، البرهان ١/ ٦٠٠.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ٦٠٧. فإمام الحرمين ﵀ يريد بخبر الواحد هنا: خبر المنفرد، لا خبر الواحد المصطلح عليه.","vol":"5","page":1865},{"text":"والثاني: أنه يجعله من باب الشهادة.\nواعلم أن القائلين بهذا المذهب أحالوه، وقد صَرَّح المصنف بالمغايرة بين مذهب مَنْ منعه عقلًا ومَنْ أحاله. حيث قال بعد قوله عقلًا: \"وأحاله آخرون\"، وهو وَهَم (^١).\nثم إن المصنف أشار إلى تحرير محل النزاع بأنه ليس في (^٢) الفتوى والشهادة والأمور الدنيوية كلها (^٣) (^٤)، بل أطبق علماء الأمة على العمل بخبر الواحد في تلك الأمور (^٥).\nقال: (لنا: وجوه: الأول: أنه تعالى أوجب الحذر بإنذار طائفةٍ من الفِرْقة، والإنذار: الحبر المخوف. والفِرْقة: ثلاثة. فالطائفة (^٦): واحدٌ أو\n_________\n(^١) قال الإسنوي ﵀: \"وذهب آخرون إلى أن ورود العمل به مستحيل عقلًا. واعلم أن كلام المحصول يُوهم المغايرة بين هذا المذهب وما قبله، فتابعه المصنف والذي يظهر أنه متحد به فتأمله\". نهاية السول ٣/ ١٠٤.\n(^٢) في (ص): \"من\". وهو خطأ.\n(^٣) أي: يجب العمل بما يفتي به المفتي، وبما يشهد به الشاهد بشرطه، وبإخبار طبيبٍ بمضرة شيءٍ أو نفعه، ونحو ذلك من الأمور الدنيوية. وليس في هذه الأمور الثلاثة نزاع، إنما النزاع في أخبار الآحاد التي يثبت بها شرع عام، وهذه الأمور الثلاثة ليست كذلك. انظر: المحلي على الجمع مع البناني ٢/ ١٣١، غاية الوصول ص ٩٧ - ٩٨، نهاية الوصول ٧/ ٢٨١٤.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٠٨، شرح التنقيح ص ٣٥٦، تشنيف المسامع ٢/ ٩٦١، البحر المحيط ٦/ ١٢٩، أصول السرخسي ١/ ٣٢١.\n(^٦) في (ت)، و(ص): \"والطائفة\".","vol":"5","page":1866},{"text":"اثنان. قيل: \"لعلَّ\" للترجي. قلنا: تَعَذَّر فَيُحْمل (^١) على الإيجاب لمشاركته (^٢) للتوقع. قيل: الإنذار: الفتوى (^٣). قلنا: يلزم تخصيص الإنذار والقوم بغير المجتهدين، والرواية ينتفع بها المجتهد وغيرُه. قيل: فيلزم أن يُخْرج من كل ثلاثةٍ واحد. قلنا: خُصَّ النَّصُّ فيه).\nإقامة البرهان على وجوب العمل بخبر الواحد صريحة في الرد على مَنْ قال: إنه لم يقم دليل على ذلك، واستند إلى ما لا يَعْصِم فقال: ليس في العقل ما يُوجب ذلك، وليس في كتاب الله ناصٌّ عليه، ولا سنةٌ متواترة تُرشد إليه، ولا مطمع في الإجماع مع قيام النزاع، ويستحيل أن يثبت خبر الواحد (بخبر الواحد) (^٤)، وإذا انحسم المسلك العقلي والسمعي - فقد حصل الغرض.\n(وقد بنى) (^٥) هذا القائل كلامه على أمور هو فيها مُنَازَع بحقٍّ واضح، وهي قوله:\nإن العمل به غير مستند إلى نص كتاب. وما نُورده من الآي رادٌّ عليه. ولا إلى سنةٍ متواترة (^٦)، ولا إجماع. وهو أيضًا باطل؛\n_________\n(^١) في نهاية السول ٣/ ١٠٥، وشرح الأصفهاني ٢/ ٥٣٩: \"فحمل\".\n(^٢) في (ص): \"بمشاركته\".\n(^٣) في (ص)، و(غ): \"للفتوى\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ص): \"وقدمنا\". وهو تحريف.\n(^٦) لاحظ أن رقم اللوحة مكتوب في (ص) ٣٤، وهو خطأ من المرقم، وعلى هذا فسينقص العدد هنا فيما يأتي عن المكتوب في المخطوطة.","vol":"5","page":1867},{"text":"فإنهما قائمان على ذلك، وهما المسلك الذي نختار (^١) الاعتماد عليه في (^٢) إثبات العمل بخبر الواحد (^٣).\nوالرأي الكلام على تقرير ما في الكتاب، ثم إيضاحهما، فنقول: استدل على وجوب العمل بخبر الواحد بأوجه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (^٤). (وجه الاحتجاج: أنه تعالى أوجب الحذر بإخبار طائفة؛ لأنه أوجبه بإنذار الطائفة في قوله: ﴿مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾) (^٥)، وكلمة \"لعل\" للترجي، وهو محال في حقه تعالى (^٦)، فوجب حمله على المجاز: وهو طلب الحذر؛ لأنَّ مِنْ لازم الترجي الطلب (^٧)، وطلب الله: هو الأمر، فثبت الأمرُ بالحذر عند إنذار الطائفة، والإنذار: هو الإخبار؛ لأنه عبارة عن: الخبر المخوف (^٨)، (والخبر داخل في\n_________\n(^١) في (ص): \"يختار\".\n(^٢) في (ت): \"إلى\".\n(^٣) انظر: البرهان ١/ ٦٠٣ - ٦٠٤، والشارح ﵀ مقتبسٌ منه بتصرف.\n(^٤) سورة التوبة: الآية ١٢٢.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) لأن الترجي عبارة عن: توقع حصول الشيء الذي لا يكون المتوقِّع عالمًا بحصوله، ولا قادرًا على إيجاده. انظر: نهاية السول ٣/ ١٠٦.\n(^٧) لأن مَنْ ترجَّى شيئًا طلبه لا محالة. انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٨١٦.\n(^٨) انظر: لسان العرب ٥/ ٢٠٢، المصباح المنير ٢/ ٢٦٧، مادة (نذر).","vol":"5","page":1868},{"text":"الخبر المخوف) (^١). والطائفة ها هنا عدد لا يفيد قولهم العلم؛ لأن كل ثلاثة فرقة (^٢)، وقد أوجب الله تعالى أن يَخْرج من كل فرقة طائفة، والطائفة من الثلاثة واحدٌ أو اثنان، وقول الواحد أو الاثنين لا (^٣) يفيد العلم، وقد أوجب به الحذر، فثبت وجوبُ العمل بالخبر الذي لا يُقْطع بصدقه، ولكن يُظن، وذلك هو خبر الواحد (^٤).\nواعلم أن هذا التقرير مبني على أن المتفَقِّهة هم الطائفة النافرة، وأن الضمير في قوله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا﴾ ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾ راجعٌ إليها. وهذا قولٌ لبعض المفسرين (^٥)، والصحيح أن المتفقهة الفِرَق المقيمة (^٦)، والمراد: أن الفرق التي عند رسول الله - ﷺ - ينفر من كل فرقة منهم (^٧) طائفة إلى الجهاد، وتبقى (^٨) بقيتهم عند رسول الله - ﷺ -؛ ليتفقهوا في الدين (عند رسول الله) (^٩) - ﷺ -؛ ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم من الجهاد. فالطائفة النافرة ليست\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: التفسير الكبير ١٦/ ٢٣٣، المحصول ٢/ ق ١/ ٥١٠، ٥١٩.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٠٩ - ٥١٠.\n(^٥) قاله الحسن البصري - ﵁ -، واختاره ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى. انظر: جامع البيان ١٤/ ٥٧٣.\n(^٦) قاله مجاهد وقتادة ﵄، ورجحه القرطبي رحمه الله تعالى. انظر: الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٩٤ - ٢٩٥.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) في (ت): \"ويبقى\".\n(^٩) في (ت): \"عند النبي\".","vol":"5","page":1869},{"text":"المتفقِّهة، بل هي التي تُنْذَر. ومما يُوَضِّح هذا أن المتفقه (^١) هو المقيم بين يدي رسول الله - ﷺ - يسمع منه ويتلقى عنه، والآية نزلت لأن المؤمنين لما نزلت الآيات في المتخلفين (^٢) بعد تبوك - صار المؤمنون كلما جَهَّز النبي - ﷺ - فرقةً للغزو بادروا إلى الخروج، واسْتَبَقُوا إليه، فأنزل الله هذه الآية (^٣). والمعنى والله أعلم: وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فهلا نفرت طائفة مِنْ كل فرقة منهم؛ ليحصل (^٤) التفقه للباقين عند النبي - ﷺ -.\nواعترض الخصم على الاحتجاج بهذه الآية على التقرير المذكور في الكتاب بثلاثة أوجه:\nأحدها: أن مدلول \"لعل\" الترجي لا الإيجاب.\nوالجواب: ما سبق من أنه لما تَعَذَّر الحمل على الترجي حُمِل على الإيجاب؛ لمشاركته للترجي في الطلب. وقال في الكتاب: \"لمشاركته (^٥) له في التوقع\". وليس ذلك بمستقيم؛ إذ يلزم من اشتراكهما في التوقع - ما يلزم مِنْ حَمْل \"لعل\" على حقيقتها بعينه (^٦)؛ لأن التوقع في حقه تعالى محال.\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"المُفَقِّه\".\n(^٢) في (ت): \"المخلفين\".\n(^٣) انظر: زاد المسير ٣/ ٥١٦، التفسير الكبير ١٦/ ٢٣١، أسباب النزول للواحدي ص ١٧٨ - ١٧٩.\n(^٤) في (ص): \"لتحصيل\".\n(^٥) في (ص): \"بمشاركته\".\n(^٦) أي: بعين اللازم من حمل \"لعل\" على حقيقتها؛ لأن التوقع يمكن أن يقع، ويمكن أن لا يقع، فيكون المانع من حمل \"لعل\" على حقيقتها موجودًا بعينه في الإيجاب. انظر: نهاية السول ٣/ ١١١.","vol":"5","page":1870},{"text":"الثاني: لا نسلم أن المراد بالإنذار في الآية: الخبر المخوف مطلقًا، بل المراد به: التخويف الحاصل من الفتوى، وقول الواحد فيها مقبول اتفاقًا، كما عرف (^١). ويُؤيِّد ذلك أنه أُوجب التفقه من أجل الفتوى، والتفقه إنما يُفتقر إليه في الفتوى لا الرواية (^٢).\nوالجواب: أنه يلزم مِنْ حَمْله على الفتوى تخصيصُ الإنذار المذكور في الآية، وهو عامٌّ فيه وفي الرواية. وتخصيصُ القوم المنذَرين بغير المجتهدين؛ إذ المجتهد لا يقلد مجتهدًا فيما أفتى به (^٣)، بخلاف ما إذا حُمِل على ما هو أعم من (الفتوى والرواية، فإنه لا يلزمه التخصيص:\nأما تخصيص \"الإنذار\": فلأنه الخبر المخوف، وهو أعم من) (^٤) أن يكون بالفتوى أو بغيرها، فانتفاءُ التخصيص منه إذا حُمِل على ما هو أعم - واضحٌ.\nوأما \"القوم\" فلأن الرواية ينتفع بها المجتهد والمقلد: أما المجتهد - ففي\n_________\n(^١) قال المطيعي رحمه الله تعالى: \"حاصل الاعتراض: أن المراد بالإنذار: الفتوى العامة، لا رواية الحديث، فهو خارج عن محل النزاع؛ لأن النزاع إنما هو في رواية الحديث بطريق الآحاد\" سلم الوصول ٣/ ١١١.\n(^٢) أوضح هذا الإسنويُّ بقوله: \"وإنما قلنا: إن المراد الفتوى؛ وذلك لأن الإنذار هنا متوقف على التفقه؛ إذ الأمر بالتفقه إنما هو لأجله (أي: لأجل الإنذار)، والمتوقف على التفقه إنما هو الفتوى لا الخبر\". نهاية السول ٣/ ١١١.\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٤) سقطت من (ت)، و(غ).","vol":"5","page":1871},{"text":"الاستدلال على الأحكام. وأما المقلد - ففي الانزجار، وحصول الثواب لو نقلها لغيره، بل يلزم من انتفاع المجتهد بها انتفاع العاميِّ بها؛ لأنها أصله (^١).\nالثالث: أنه (^٢) لو كان المراد من الفِرْقة ثلاثةً - للزم منه أن يجب على كل ثلاثة أن يَخْرج منهم واحد للتفقه، وذلك باطل بالإجماع.\nوأجاب: بأن ذلك هو ظاهر الآية، إلا أن النصَّ في ذلك خُصَّ بالإجماع؛ لانعقاده على أنه لا يجب على كل ثلاثة أن يخرج منهم واحد، بل يكفي فقيه واحدٌ في خلق كثير لإرشادهم إلى (^٣) ما تُعُبِّدوا به (^٤)، وإذا خُصَّ من هذا الوجه بقي على عمومه فيما عداه.\n_________\n(^١) أي: لأن الآية أصل لانتفاع المجتهد، فالمجتهد ينتفع بها مباشرة، والعامي ينتفع بانتفاع المجتهد، فأصبحت الآية أصلًا لانتفاع الفريقين. ولو قال الشارح ﵀: لأنه أصله، أي: لأن انتفاع المجتهد أصل لانتفاع العامي - لكان هذا أوضح وأحسن. والله أعلم.\n(^٢) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٣) في (غ): \"على\".\n(^٤) قال النووي ﵀: \"ولو خلت البلدة من مُفت - فقيل: يحرم المقام بها، والأصح لا يحرم إنْ أمكن الذهاب إلى مفت. وإذا قام بالفتوى إنسان في مكان سقط به فرض الكفاية إلى مسافة القصر من كل جانب\". المجموع ١/ ٢٧. وانظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٤١٤.\nومن الواضح أن اشتراط الذهاب إلى المفتي في جواز الإقامة بالبلد التي لا مفتي بها ليس بلازم في هذه العصور التي تطورت فيها وسائل الاتصال.","vol":"5","page":1872},{"text":"قال: (الثاني: أنه لو لم يُقْبل لما عُلِّل بالفسق؛ لأن ما بالذات لا يكون بالغير، والتالي باطل؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (^١). الثالث: القياس على الفتوى والشهادة. قيل: يقتضيان شرعًا خاصًّا، والرواية عامًّا. ورُدَّ بأصل الفتوى).\nالدليل الثاني على وجوب العمل بخبر الواحد: أنه لو لم يجز قبول خبر الواحد في الجملة - لما كان عدم قبول خبر الواحد الفاسق مُعَلَّلًا بكونه فاسقًا. والتالي باطل، فالمُقَدَّم مثله.\nأما بيان الملازمة: فإن كون الراوي الواحد واحدًا أمر لازمٍ لشخصه المعيَّن، يمتنع انفكاكه عنه عقلًا. وأما كونه فاسقًا - فهو وصف عرضي يطرأ ويزول، وإذا اجتمع في المحلِّ وصفان: أحدهما لازم، والآخر عَرَضي مفارق، وكان كل واحد منهما مستقلًا باقتضاء الحكم - كان الحكم مضافًا إلى اللازم لا محالة؛ لأنه كان حاصلًا قبل حصول المفارِق وموجِبًا لذلك. وحين حل (^٢) العرضي (^٣) المفارِق كان ذلك الحكم حاصلًا بسبب (^٤) ذلك اللازم، وتحصيل الحاصل مرةً أخرى محال، فيستحيل إسناد ذلك الحكم إلى ذلك المفارق (^٥).\n_________\n(^١) سورة الحجرات: الآية ٦.\n(^٢) في (ت)، و(ص): \"حال\". وهو خطأ، ولعله سهو من الناسخ، والكلام منقول من المحصول ٢ / ق ١/ ٥٢٣، وعبارته: \"جاء\".\n(^٣) في (ص): \"العرض\".\n(^٤) في (ت): \"لسبب\".\n(^٥) أي: يستحيل إسنادُ ردِّ خبر الواحد إلى وصف الفسق - الذي هو وصف مفارق - إذا كان خبر الواحد مردودًا بوصف ملازم وهو كون راويه واحدًا؛ لأن الوصف =","vol":"5","page":1873},{"text":"مثاله: الميت يستحيل ويُستهجن أن يقال: لا يَكْتب لعدم الدواة والقلم عنده؛ لأن الموت لما كان وصفًا لازمًا له إلى حين يبعث، وكان مستقلًا بامتناع صدورِ الكتابة عنه - لم يجز تعليل امتناع الكتابة بالوصف العرضي، وهو عدم الدواة والقلم (^١).\nوإذا أردتَ اعتبارَ ذلك مثالًا بالجزئيات الفقهية - قلتُ: خيار المجلس ثابت، لقوله - ﷺ -: \"المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا\" (^٢) وهو اسم مشتق من معنى، والحكم مهما نيط باسم مشتق من معنى - كان معللًا به (^٣)، فكأنه قيل: المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا؛ لكونهما متبايعين.\n_________\n= الملازم سابق في الوجود على الوصف المفارق، وتحصيل الحاصل ممتنع. ولما كان ردُّ خبر الواحد مُسْنَدًا إلى وصف الفسق - دلَّ على أن الوصف الملازم غير موجود، وهو ردُّه لكونه خبر واحد؛ فثبت المطلوب.\n(^١) انظر هذا الدليل في: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٢٢ - ٥٢٤.\n(^٢) متفق عليه، أخرجه البخاري ٢/ ٧٤٢، في كتاب البيوع، باب كم يجوز الخيار، رقم ٢٠٠١، وفي ٢/ ٧٤٣، باب إذا لم يوقِّت في الخيار هل يجوز البيع، رقم ٢٠٠٣، وانظر الأرقام: ٢٠٠٥، ٢٠٠٧، ٢٠١٠. ومسلم ٣/ ١١٦٣، في كتاب البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين، رقم ١٥٣١. وأبو داود ٣/ ٧٣٢ - ٧٣٥، في كتاب البيوع والإجارات، باب في خيار المتبايعين، رقم ٣٤٥٤. والنسائي ٧/ ٢٤٨، في البيوع، باب ذكر الاختلاف على نافع في لفظ حديثه، رقم ٤٤٦٥ - ٤٤٨٠. والترمذي ٣/ ٥٤٧، في البيوع، باب ما جاء في البيعين بالخيار ما لم يتفرقا، رقم ١٢٤٥. وابن ماجه ٢/ ٧٣٦، في التجارات، باب البيعان بالخيار مالم يتفرقا، رقم ٢١٨١. وفي الباب حديث أبي برزة، وحكيم بن حزام، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو، وسمرة، وأبي هريرة، كما ذكر الترمذي، وبعضها مخرَّج في الصحيح. انظر: جامع الترمذي ٣/ ٥٤٨.\n(^٣) سقطت من (ت). والضمير في \"به\" يعود إلى الاسم المشتق.","vol":"5","page":1874},{"text":"فإن قال الخصم: نحمل الخيار على خيار القبول، فإنه إذا صدر الإيجاب من البائع ولم يتصل به القبول من المشتري - فإن المشتري بالخيار بين أن يقبل وأن لا يقبل، فكذلك البائع بالخيار بين (^١) أن يَثْبت على الإيجاب، وأن يرجع.\nقلنا له: هذا فاسد؛ لأن قبول البيع حق ثابت له (^٢) بكونه آدميًا، لا بمقتضي البيع، فهو (^٣) مستفاد بالذات، أعني: كونه آدميًا، فلا يجوز أن يَستند (^٤) إلى الوصف العرضي وهو البيع.\nوأما بيان بطلان التالي: فإن الله تعالى عَلَّل عدم قبول خبرِ الفاسق بكونه فاسقًا في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (^٥)، أمر بالتبين (^٦) إذا كان المخبر فاسقًا، والحكم المعلَّق على الوصف المشتق المناسب يقتضي كونه معللًا بما منه الاشتقاق، ولا مِرَاء في أن الفسق وصف يناسب عدم القبول، فثبت (^٧) بما ذكرناه: أن خبر الواحد لو وجب أن لا يُقبل - لامتنع تعليلُ عدم قبول نبأ الواحد بكونه فاسقًا، ولكنه قد عُلِّل به؛ فوضح أن خبر الواحد لا يجب أن لا يُقبل، فهو إذن غير مردود، فيكون مقبولًا في الجملة، وهو الغرض.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: قبول البيع.\n(^٤) في (غ): \"يُسند\".\n(^٥) سورة الحجرات: الآية ٦.\n(^٦) في (ت)، و(ص): \"بالتبيين\".\n(^٧) في (غ): \"فيثبت\".","vol":"5","page":1875},{"text":"ومن الناس مَنْ تمسك بالآية على وجه آخر: وهو أن الأمر بالتبين (^١) مشروط بمجيء الفاسق، والمفهوم حجةٌ، وهو قاضٍ بأنه إذا لم يكن فاسقًا يُعمل به.\nواعترض الآمدي: بأن المفهوم وإن كان حجةً لكنه ظني، فلا يكفي في باب الأصول (^٢).\nو(^٣) من المتمسكين بهذا الوجه الشيخ أبو الحسن - ﵁ -، كما نقله القاضي في \"مختصر التقريب\" (^٤) في الكلام على مفهوم الصفة، وذلك يقتضي أنه يقول بالمفهوم، وقد تقدم الكلام فيه في مكانه.\nوالمفهوم هنا شرطٌ وصفةٌ، فالشرط مستفاد من صيغة \"إنْ\"، والصفة مكتسبة من لفظة \"فاسق\".\nواعترض على هذا الاستدلال: بأن ما ذكرتم وإنْ دلَّ على أنَّ عدم القبول معلَّل بكون الراوي فاسقًا، لكن قوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ (^٥) يدل على أنه معلل بعدم إفادته العلم؛ إذ الجهالة هنا عبارة عن: عدم القطع بالشيء، (لا القطع بالشيء) (^٦) مع كونه ليس كذلك،\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص): \"بالتبيين\".\n(^٢) انظر: الإحكام ٢/ ٥٩.\n(^٣) سقطت الواو من (ت).\n(^٤) انظر: التلخيص ٢/ ١٨٥.\n(^٥) سورة الحجرات: ٦.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1876},{"text":"فإن خبر الفاسق لا يفيد ذلك، حتى يحسن أن يقال: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾، بل إنما يفيد النوع الأول (^١)، وخبر الواحد العدل يشاركه في ذلك؛ فوجب أن لا يُقبل.\nوأجيب: بأن الظن كثيرًا ما يطلق على العلم (^٢)، والعلم على الظن (^٣)، فالجهالة والجهل يُستعمل (^٤) فيما يقابل هذين المعنيين (^٥)، فالمَعْنِيُّ من الجهالة هنا: ضد العلم الذي بمعنى الظن، فتكون عبارة عن: عدم الظن، فالعمل بخبر الفاسق عمل (^٦) بجهالة؛ لأنه ليس فيه علم، أي: ظن. وأما العمل بخبر\n_________\n(^١) أي: إنما قلنا: بأن خبر الفاسق لا يفيد القطع بالشيء مع كونه ليس كذلك؛ وذلك ليحسن التعليل بعدم قبوله في قوله تعالى: ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾، والجهالة عبارة عن عدم القطع بالشيء، فيكون خبر الفاسق مفيدًا لذلك، ومن أجله رددناه. وإلا فلو كان مفيدًا للقطع فكيف يستقيم تعليل ردِّه بالجهالة!\n(^٢) ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾.\n(^٣) ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾.\nانظر: التفسير الكبير ٢٩/ ٣٠٦.\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"فيستعمل\". وهو خطأ، والمثبت موافق لما في نهاية الوصول ٧/ ٢٨٢٩، والكلام منقول منه.\n(^٥) المعنى: أن العلم يطلق على الظن، وبالعكس. فالجهالة والجهل يستعمل فيما يقابل هذين المعنيين، يعني: أن الجهالة تستعمل إما مقابل العلم، وإما مقابل الظن، فهي ضد العلم والظن.\n(^٦) في (ص): \"تحمل\". وهو خطأ.","vol":"5","page":1877},{"text":"الواحد العدل فليس كذلك (^١).\nالدليل الثالث: قياس خبر الواحد على الفتوى والشهادة بجامع تحصيل المصلحة المظنونة، أو دفع المفسدة المظنونة.\nواعترض الخصم فقال: الفرق أن الفتوى والشهادة يقتضيان شرعًا خاصًا ببعض الناس، وهو المستفتي والمشهود له أو عليه، بخلاف الرواية فإنها تقتضي شرعًا عامًا لكل الناس، فلا يلزم مِنْ تجويز العمل بالظن الذي هو مَعْرِض الخطأ والصواب في حق الواحد - تجويزُ العمل به في حق كافة الناس.\nوأجيب: بأن هذا مردودٌ بشرعية أصل الفتوى، فإنه أمرٌ لكل الخلق باتباع الظن.\nوفيه نظر؛ فإن عموم شرع الفتوى ليس كعموم شرع الرواية؛ لأن الرواية تشمل المكلفين أجمعين، والفتوى ليست حجة على المجتهدين، فكان العموم فيها دون العموم في الرواية (^٢).\nوأيضًا فالمسألة علمية، والقياس غير كاف فيها.\nوقد ذكر القاضي في \"مختصر التقريب\" هذا الوجه، أعني: القياس\n_________\n(^١) أي: العمل بخبر الواحد العدل ليس عملًا بجهالة؛ ضرورة أنه يفيد الظن، فليس فيه جهالة بمعنى عدم الظن.\nانظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٨٢٩.\n(^٢) يعني: فتوى المجتهد ليست حجة على غيره من المجتهدين، بل حجة على العوام المقلِّدين؛ فكان العموم في الفتوى دون العموم في الرواية.","vol":"5","page":1878},{"text":"على الفتوى والشهادة، وقال: \"لست أختار لك التمسك به (^١)، فإنك تكون في ذلك طاردًا، ولا تستمر دلالتك (^٢) على سير الأصوليين (^٣)، وقصاراه أن يقول لك الخصم: قد ثبتت (الشهادة والفتوى) (^٤) بدلالة قاطعة لم يثبت الخبر بمثلها، فتلجئك الضرورة إلى ذِكْر الأدلة على وجوب العمل بخبر الواحد\" (^٥).\nهذا تقرير الأوجه المذكورة في هذا (^٦) الكتاب.\nوالمختار عندي في ذلك طريقة القاضي وعصبته، كإمام الحرمين، والغزالي، وغيرهما: وهي الاستدلال على وجوب العمل بخبر الواحد بمسلكين قاطعين لا يماري فيهما منصف:\nأحدهما: إجماع الصحابة ﵃ على قبول خبر الواحد، وذلك في وقائع شتى لا تنحصر، وآحادها إن لم تتواتر فالمجموع منها متواتر، ولو أردنا استيعابها لطالت الأنفاس وانتهى القرطاس فلا وجه\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص): \"دلائلك\".\n(^٣) أي: قياسك لخبر الواحد على الفتوى والشهادة يجعلك تقول بطرد هذا القياس، أي: بجريه في جميع أحكام الفتوى والشهادة، وهذا ليس بصحيح. ثم إن استدلالك بهذا القياس لا يتفق مع طريق الأصوليين في القياس؛ إذ يشترطون مساواة الفرع للأصل في العلة، وما أنت فيه ليس كذلك.\n(^٤) في (ص): \"الفتوى والشهادة\".\n(^٥) انظر: التلخيص ٢/ ٣٤٦.\n(^٦) سقطت من (ت)، و(غ).","vol":"5","page":1879},{"text":"لتعدادها؛ إذ نحن على قطع بالقدر المشترك منها: وهو رجوع الصحابة إلى خبر الواحد إذا نزلت بهم المعضلات، واستكشافهم عن أخبار النبي - ﷺ - عند وقوع الحادثات، وإذا رُوي لهم تسرعوا (^١) إلى العمل به، فهذا ما لا سبيل إلى جحده، ولا إلى حصر الأمر فيه. فإن قيل: لئن ثبت عنهم العمل بأخبار الآحاد - فقد ثبت عنهم ردُّها:\nفأول مَنْ ردها رسول الله - ﷺ -، فإنه لما سَلَّم من اثنتين، فقال له ذو اليدين (^٢): أقُصِرت الصلاة أم نسيت - فلم يُعَوِّل رسول الله - ﷺ - على قوله، وسأل أبا بكر وعمر ﵄.\nورَدَّ أبو بكر الصديق رضوان الله عليه خبرَ المغيرةِ بن شعبةَ فيما رواه مِنْ ميراث الجد (^٣) إلى غير ذلك من وقائع كثيرة (^٤).\nقلنا: قال القاضي: \"ليس في شيء من هذا معتصم، فأما قصة ذي\n_________\n(^١) في (ت): \"تشرعوا\". وهو خطأ. والجملة مستفادة من التلخيص ٢/ ٣٣٣.\n(^٢) يقال هو الخرباق السلميّ، وفَرَّق بينهما ابن حبان. انظر: الإصابة ١/ ٤٢٢، ٤٨٩.\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٥١٣، كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، رقم ٤. وأحمد في المسند ٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦. وأبو داود في السنن ٣/ ٣١٦ - ٣١٧، كتاب الفرائض، باب في الجدة رقم ٢٨٩٤. والترمذي في السنن ٤/ ٣٦٥ - ٣٦٦، كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة، رقم ٢١٠٠، ٢١٠١. وابن ماجه في السنن ٢/ ٩٠٩ - ٩١٠، كتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، رقم ٢٧٢٤. والحاكم في المستدرك ٤/ ٣٣٨ - ٣٣٩، كتاب الفرائض، وقال: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي.\n(^٤) انظر: التلخيص ٢/ ٣٣٩ - ٣٤١.","vol":"5","page":1880},{"text":"اليدين - فدليلٌ على الخصم، فإنه - ﷺ - قَبِل فيها خبر أبي بكرٍ وعمر، والخصم إذا أنكر خبر الآحاد ينكر خبر الثلاثة، كما ينكر خبر الواحد\" (^١) هذا جواب القاضي في \"مختصر التقريب\"، وبمثله يجاب عن قضية المغيرة (بن شعبة) (^٢) فإن (^٣) أبا بكر قَبِله لما وافقه عليها محمد بن مَسْلمة (^٤) (^٥).\nولقائل أن يقول: خبر هؤلاء الثلاثة وإن لم يُفد العلم - فقد (^٦) أفاد\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٣٤١. قال صفي الدين الهندي - ﵀ - مجيبًا عن توقف النبي - ﷺ - في خبر ذي اليدين - ﵁ -: \"وجوابه: أنه ﵇ إنما توقف للتهمة، حيث انفرد بذلك مع حضور غيره؛ فإن ذلك مما يُوهم الغلط والسهو، فلما انتفت هذه التهمة بشهادتهما له - قَبِل، ولو كان ذلك لكونه خبر واحد - لما قبل عند شهادتهما له أيضًا؛ لأنه لم يخرج خبره عند انضمام أخبارهما إليه عن أن يكون خبر واحد\". نهاية الوصول ٧/ ٢٨٦٢ - ٢٨٦٣. وانظر هذا الجواب أيضًا في الإحكام ٢/ ٦٩.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) في (ص): \"لأن\".\n(^٤) هو محمد بن مَسْلمة بن سلمة أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن، الأنصاريّ الأوسيّ، من نجباء الصحابة، شهد بدرًا والمشاهد. استخلفه النبي ﵌ في بعض غزواته على المدينة، وآخى بينه وبين أبي عبيدة بن الجراح ﵄. اعتزل الفتنة فلم يشهد الجملَ ولا صِفِّين بل اتخذ سيفًا من خشب. قتله شقيٌّ من أهل الأردن لكونه اعتزل عن معاوية في حروبه، وذلك في سنة ٤٣ هـ، وله من العمر ٧٧ سنة.\n(^٥) انظر: التلخيص ٢/ ٣٤٧.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1881},{"text":"الظن، وإذا ظَنَّ النبي - ﷺ - صِدْقهم حصل القطع بكونهم صادقين، (ضرورة أنَّ) (^١) ظنه - ﷺ - لا يخطئ، فيجب العمل بهذا الظن، ولا يقاس عليه ظَنُّ مَنْ عداه. وهذا بحث حسن يختص بقضية (^٢) ذي اليدين وما أشبهها، ويستفاد منه التفرقة بين ظان وظان، ولا يقال على هذا: أليس أنَّ خبر ذي اليدين يفيد الظن بمجرده؟؛ لأنا نقول: مِنْ أين لكم أن الظن حصل للنبي - ﷺ - بخبره، بل نقول: لو حصل له الظن لاتبعه؛ لِمَا ذكرناه. ثم قال القاضي: إنَّ ما استروح إليه الخصم لا يبلغ أن يكون استفاضةً، بخلاف ما اعتمدنا نحن عليه، فلا يكون مقاوِمًا له (^٣).\nوهذا صحيح، والإنصاف عدم الاعتراض بشيءٍ من هذه الوقائع، فما مِنْ واحدة إلا وفيها جواب يخصُّها، بل لو لم يُعْلم الجواب الخاصُّ بها - لقلنا (^٤): قضية الجمع بين ما رويناه ورويتموه إنْ تم لكم أنه يعارضه أن نقول: رَدُّوا خبرَ الواحد حيث فَقَد شَرْطًا من شروطه، أو حصل الشك فيه بطريقٍ من الطرق. وقَبِلوه حيث سَلِم عن ذلك، ونحن إنما ندعي قبولَه حالة السلامة عن معارِض أو قادِح.\nوالمسلك الثاني: السنة، وذلك أنا نعلم باضطرار من عقولنا أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يرسل الرسل، ويُحَمِّلهم تبليغ الأحكام،\n_________\n(^١) في (ص): \"ضرورةً، إذ\".\n(^٢) في (غ): \"بقصة\".\n(^٣) هذا معنى ما قاله القاضي. انظر كلامه في التلخيص ٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧.\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"لدلنا\".","vol":"5","page":1882},{"text":"وتفصيل الحلال والحرام، وربما كان يُصْحِبُهم الكتبَ وكان نَقْلُهم أوامر رسول الله - ﷺ - على سبيل الآحاد، ولم تكن العصمة لازمةً لهم، بل كان (^١) خبرهم في مَظِنَّة الظنون، قال إمام الحرمين: \"وَجَرى هذا مقطوعًا به متواترًا، لا اندفاع له إلا بدفع التواتر، ولا يدفع التواتر إلا مباهت\". قال: \"وهذا مسلكٌ لا يتمارى فيه إلا جاحد، ولا يدفعه إلا معاند\" (^٢).\nواعترض الآمدي وغيره (^٣) على هذا المسلك بأنا سلمنا أنه - ﷺ - كان يُنْفِذ الآحاد، ولكن لِمَ قلتم: إنَّ (^٤) ذلك لتبليغ الأخبار التي هي مدارك الأحكام الشرعية، بل إنما كان ذلك بطريق الرسالة، والقضاء (^٥)، وأخْذِ الزكوات، والفتوى، وتعليم الأحكام.\n(سلمنا صحة التنفيذ بالأخبار التي هي مدارك للأحكام) (^٦)، ولكن لا نسلم دلالة ذلك على أن خبر الواحد حجة، بل جاز أن يكون ذلك لفائدة حصول العلم للمبعوث إليهم بما تواتر بضمِّ خبرِ غير ذلك الواحد إليه، فإنْ بَعْثَ عددِ التواتر دَفْعةً واحدةً متعذر أو متعسر، ومع هذه الاحتمالات لا يثبت كون خَبر الواحد حجة (^٧).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٦٠٠ - ٦٠١.\n(^٣) سقطت من \"ص\".\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) يعني: كان إنفاذ الآحاد بطريق الرسالة، أي: أن يكون رسولًا يبلِّغ ما أُمر به من أمور خاصة، وكذلك بطريق القضاء، بأن يكون قاضيًا بين القوم المرْسَل إليهم.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) انظر: الإحكام ٢/ ٦٣، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٣٣.","vol":"5","page":1883},{"text":"والجواب: أن المنصف المطلع على الأخبار والسير لا يمتري في أنَّ الآحاد الذين كان النبي - ﷺ - يُرسلهم كان منهم (^١) الذاهب للقضاء، والخارج لتبليغ الأحكام، والسائر لغير ذلك كإرساله معاذًا إلى اليمن (^٢)، وعَتَّاب بن أَسِيد (^٣) إلى أهل مكة، وعثمان بن أبي العاص (^٤) إلى الطائف، ودِحْية (^٥) إلى قيصر ملك الروم، وعبد الله بن حذافة\n_________\n(^١) في (ت): \"بينهم\".\n(^٢) انظر: صحيح البخاري ٤/ ١٥٨٠، في كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ بن جبل ﵄ إلى اليمن قبل حجة الوداع، رقم الحديث ٤٠٨٦، ٤٠٨٨، ٤٠٩٠، ٤٠٩١. وانظر رقم ٦٣٥٣، الإصابة ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧.\n(^٣) هو عَتَّاب بن أَسِيد - بفتح أوله - بن أبي العِيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأمويّ، أبو عبد الرحمن أو أبو محمد المكيّ. له صحبة، وكان أمير مكةَ في عهد النبي - ﷺ -، ومات يوم مات أبو بكر الصديق - ﵁ - فيما ذكر الواقديّ، لكن ذكر الطبريُّ أنه كان عاملًا على مكة لعمر سنة إحدى وعشرين. انظر: تهذيب ٧/ ٨٩، تقريب ص ٣٨٠.\n(^٤) هو عثمان بن أبي العاص بن بشر، أبو عبد الله الثقفيُّ الطائفيّ. قدم في وفد ثقيف على النبي - ﷺ - في سنة تسع، فأسلموا وأمره عليهم لِمَا رأى من عقله وحرصِه على الخير والدين. وكان أصغر الوفد سنًّا. ثم أقرَّه أبو بكر على الطائف، ثم عمر، ثم استعمله عمرُ على عُمان والبحرين سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة حتى مات بها. وكان هو الذي مَنَع ثقيفًا عن الرِّدَّة، خطبهم فقال: كنتم آخرَ الناس إسلامًا، فلا تكونوا أولهم ارتدادًا. توفي - ﵁ - سنة خمسٍ وقيل: سنة إحدى وخمسين. انظر: سير ٢/ ٣٧٤، الإصابة ٢/ ٤٦٠، تهذيب ٧/ ١٢٨.\n(^٥) هو دِحية بن خليفة بن فَرْوة بن فَضالة الكلبيّ القُضاعيّ. صاحبُ النبي - ﷺ - ورسولُه بكتابه إلى عظيم بُصرى ليُوصله إلى هِرَقل. أسلم قديمًا ولم يشهد بدرًا وشهد المشاهد. كان أجمل الناس وجهًا. قال الذهبيُّ ﵀: \"ولا ريب أن دحية كان أجمل =","vol":"5","page":1884},{"text":"السهمي (^١) إلى كسرى، وعمرو بن أمية الضمري (^٢) إلى الحبشة. وبعث إلى المقوقس (^٣) صاحب الإسكندرية، وإلى هوذة بن علي الحنفي (^٤)، وغيرهم.\n_________\n= الصحابة الموجودين بالمدينة، وهو معروف، فلذا كان جبريل ربما نزل في صورته\". نزل دمشق وسكن المِزَّة - قرية من قرى دمشق - وعاش إلى خلافة معاوية - ﵁ -. انظر: سير ٢/ ٥٥٠، تهذيب ٣/ ٢٠٦، الإصابة ١/ ٤٧٣، معجم البلدان ٥/ ١٢٢.\n(^١) هو عبد الله بن حُذافة بن قيس بن عَدِيّ، أبو حذافة السهميّ. أحد السابقين، هاجر إلى الحبشة، ونفَّذه النبي - ﷺ - إلى كسرى، وله رواية يسيرة. قيل: إنه شهد بدرًا. تُوفي بمصر في خلافة عثمان - ﵁ -. انظر: سير ٢/ ١١، تهذيب ٥/ ١٨٥، الإصابة ٢/ ٢٩٦، مسند أحمد ١/ ٢٤٣.\n(^٢) هو عمرو بن أُمَيَّة بن خُويلد، أبو أُمية الضَّمْريّ. أسلم حين انصرف المشركون من أُحد، وكان شجاعًا مِقْدامًا، أول مشاهده بئر معونة. بعثه رسول الله - ﷺ - سريةً وحده، وبعثه إلى النجاشيِّ في زواج أمِّ حبيبة ﵂. مات بالمدينة في خلافة معاوية قبل الستين. انظر: سير ٣/ ١٧٩، تهذيب ٨/ ٦.\n(^٣) المقوقس لَقَبٌ، واسمه جُريج بن مينا بن قرقب، أمير القبط بمصر مِنْ قِبَل ملك الروم. ولما كانت سنة ست من مهاجر رسول الله ﵌ ورجع من الحديبية بعث إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، فبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، فأكرم حاطبًا - ﵁ -، وبعث بهدايا إلى النبي - ﷺ -. وبعث بمال صدقة. لكنه لم يسلم، قال ابن الأثير - ﵀ - في ترجمة المقوقس: \"ذكره ابن مَنْدة وأبو نُعيم، ولا مَدْخل له في الصحابة، فإنه لم يسلم، ولم يزل نصرانيًا، ومنه فتح المسلمون مصر في خلافة عمر - ﵁ -\". انظر: الإصابة ٣/ ٥٣٠، أُسد الغابة ٤/ ٤٨٠.\n(^٤) قال القَسْطَلاني في المواهب اللدنية ٢/ ١٤٨ - ١٤٩: \"وكتب - ﷺ - إلى صاحب اليمامة (وهي من نجد) هُوذة بن عليّ، وأرسل به سليط بن عمرو العامريّ. . . فلما قدم عليه سليط بكتاب رسول الله - ﷺ - مختومًا - أنزله وحَبَاه واقترأ عليه الكتاب، فردَّ ردًّا دون ردّ، وكتب إلى النبي - ﷺ -: ما أحسن ما تدعو إليه وأجلَّه، والعرب تهاب =","vol":"5","page":1885},{"text":"وإنما بعث هؤلاء ليدعوا إلى دينه، وليقيموا الحجة عليهم، وعلى هذا جرت عادته - ﷺ -، وليس يخفى ذلك على العلماء المُبَرِّزين، بل على الجهال الذين لا خبرة لهم بأحوال النبي - ﷺ -.\nولا يَمتري في أنهم بَلَّغوا أخبارًا تلقاها سامعها بالقبول غير ناظرٍ إلى خبرٍ آخرَ يعضدها، ويُصَيِّرها تواترًا، ولا مُلتفتٍ إلى قرينةٍ تساعدها وتُصَيِّر الظن الحاصل بها عِلْما، بل لا يمتري المحدِّث في أنَّ أهل بقاعٍ كثيرةٍ وقرى متفرقةٍ (لم تبلغهم) (^١) الأحكام إلا مع الآحاد، وعملوا بها ممتثلين مكلَّفين بما بلغهم على يد الآحاد منها. هذا (^٢) ما عندنا في جواب هذين السؤالين، وهو جواب لا يقبله إلا منصف، ولا يرده إلا متعسف.\nوقال صفي الدين الهندي: \"يمكن أن يجاب عن الأول (^٣): بأن الإفتاء في الزمان الأول في الأغلب إنما هو برواية الأخبار؛ لاشتراكهم في العلم بما يتوقف عليه استنباط الأحكام من النصوص، كالعلم باللغات، والنحو، والتصريف؛ ولهذا كانوا يسألون عند وقوع الواقعة: مَنْ سمع منكم في هذه الواقعة من النبي - ﷺ - شيئًا، ويبادرون إلى امتثال الخبر عند سماعه، ولو كان\n_________\n= مكاني فاجعل إليّ بعض الأمر أتبعك. وأجاز سليطًا بجائزة، وكساه أثوابًا من نسج هَجَر. فقدم بذلك على النبي - ﷺ - فأخبره وقرأ النبي - ﷺ - كتابه، وقال: لو سألني سِيابة (أي: قطعة) من الأرض ما فعلت، باد وباد ما في يديه. فلما انصرف النبي - ﷺ - من الفتح جاءه جبريل ﵇ بأن هُوذة مات. . .\"\n(^١) في (ت): \"لم يبلغهم\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) هو أنه - ﷺ - كان يبعث الآحاد للفتوى والقضاء وغيرهما، لا لتبليغ الأخبار.","vol":"5","page":1886},{"text":"ذلك بطريق الإفتاء لما كان ذلك (^١).\nوعن الثاني (^٢): أنه لو كان كما ذكرتم - لكان ينبغي أن لا (^٣) يُنكر عليهم عدمَ الامتثال ما لم يتواتر، لكن ذلك خلاف المعلوم منه ﵇، ومن المبعوث\" (^٤).\nقال: (قيل: لو جاز لجاز اتباع النبي (^٥) والاعتقاد بالظن، قلنا: ما الجامع؟ قيل: الشرع يتبع المصلحة. والظن (^٦) لا يجعل ما ليس بمصلحة مصلحة. قلنا: منقوض بالفتوى والأمور الدنيوية).\nقد علمت أنَّ المنكرين لخبر الواحد فريقان:\nقال فريق: لا ننكره لدليل قائمٍ على منعه، بل لعدم دليل على وجوب العمل به. وقد ذكرنا أن هؤلاء تقوم الحجة عليهم بما قررناه من الوجه الدالة على وجوب العمل به.\n_________\n(^١) يعني: لو كان امتثالهم للخبر بطريق الإفتاء - لما سألوا عن الخبر، بل كان يكفيهم فتوى المفتي منهم، فلما سألوا عن الخبر عُلم أنهم غير مقلِّدين في امتثالهم.\n(^٢) وهو أن إرسال الآحاد من أجل أن يتحقق التواتر في الإبلاغ، لا لقبول خبر الواحد بمجرده.\n(^٣) سقطت (لا) من \"نهاية الوصول\" المحقق، وهو بلا شك خطأ.\n(^٤) انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٨٣٤.\n(^٥) في (ص)، و(غ): \"المتنبي\". وفي شعبان ٢/ ٣٤٣: \"المتبني\"، وهو تصحيف. وفي نهاية السول ٣/ ١٠٦، وشرح الأصفهاني ٢/ ٥٤٠: \"الأنبياء\".\n(^٦) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"والشرع\". وهو خطأ. والمثبت من نهاية السول ٣/ ١٠٦، وشرح الأصفهاني ٢/ ٥٤٠، ومناهج العقول ٢/ ٢٣٥.","vol":"5","page":1887},{"text":"وقال فريق: إنَّ الدليل قام على منعه، واحتجوا: بأنه لو جاز العمل بخبر الواحد لمجرد إفادته الظن - لجاز اتباع مَن ادعى نبوةً أو رسالةً بمجرد ظنِّ صدقه مِنْ دون إبداء معجزة، ولجاز إثبات الاعتقاد كمعرفة الله تعالى وصفاته بمجرد الظن. وليس كذلك بالاتفاق، والملازمة ثابتة (^١) بالقياس (^٢).\nوالجواب: أن القياس لا بد فيه من إبداء الجامع بين المقيس والمقيس عليه، وما الجامع هنا بين خبر الواحد، والاعتقاد، واتباع المتنبئين؟ !\nفإن أبْدَوْا جامعًا بأن قالوا: الجامع دفع ضررِ المظنون. وتقريره: أنكم أيها القائلون بالآحاد قلتم: إذا أخبر الواحد عن النبي - ﷺ - أنه أمر بهذا الفعل مثلًا - حَصَلَ ظَنُّ وُجْدانِ الأمر، وعندنا مقدمة يقينية، وهي أن المخالفة سببُ العقاب، فيحصل الظن بأنا لو تَرَكنا - لصرنا مستحقين للعقاب، فوجب العمل به؛ لأنه إذا حصل الظن (^٣) الراجح والتجويز المرجوح - قُدِّم الأول. وهذا بعينه موجود في الصورتين اللتين ذكرناهما.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) أي: قياس اتباع من ادعى النبوة، وإثبات الاعتقاد - على العمل بخبر الواحد، بجامع إفادة الظن في كلٍّ. وحاصل هذا الدليل: إلزام القائلين بوجوب العمل بخبر الواحد، وبأنه حجة: بأنه لو كان حجة في العمليات - لكان حجةً أيضًا في الاعتقاديات قياسًا لها على العمليات. انظر: سلم الوصول ٣/ ١١٧.\n(^٣) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1888},{"text":"فنقول: الفارق قائم وهو أن الاعتقاد والنبوة من أصولِ الدين، والخطأ فيهما يُوجب الكفر والضلال، فلذلك اشترطنا القطع فيهما، بخلاف الروايات المتعلقة بالفروع (^١).\nواحتجوا أيضًا: بأن الشرع على وَفْق مصاع العباد بالإجماع منا ومنكم، وإن اختلفنا في أنه بطريق الوجوب، أو بطريق الإحسان (^٢)، والظن الحاصل مِنْ خبر الواحد لا يجعل ما ليس بمصلحة مصلحةً (^٣) فإن الظن عرضة للخطأ والصواب، فلا يُعَوَّل عليه.\nوالجواب: أن هذا موجودٌ في الفتوى، والأمور الدنيوية، مع قيام الإجماع على قبول قول (^٤) الواحد فيهما (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٨١١.\n(^٢) في (ص): \"الاختبار\". وكلاهما خطأ.\n(^٣) أي: لا يقلب المفسدة مصلحة، وعليه فلا بد من معرفة تلك المصالح بالقاطع، ولا يكفي في ذلك الظن. انظر: سلم الوصول ٣/ ١١٨.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) أي: قبول خبر الواحد موجود في الفتوى، فإن قبول قول المفتي واجب اتفاقًا، مع كونه خبر واحد. وكذا قبول خبر الطيب أو غيره بمضرةِ شيءٍ مثلًا، وإخبار شخصٍ عن المالك أنه منع من التصرف في ثماره بعد أن أباحه، وشبه ذلك من الآراء والحروب ونحوها، مع أن كل هذا خبر واحد. انظر: نهاية السول ٣/ ١٠٤ - ١٠٥، ١١٨.\n(^٦) انظر الفصل الثالث في: المحصول ٢ / ق ١/ ٥٠٧، الحاصل ٧٧٥٢ /، التحصيل ٢/ ١١٧، نهاية الوصول ٧/ ٢٨١٢، نهاية السول ٣/ ٩٧، السراج الوهاج ٢/ ٧٣٨، المعتمد ٢/ ١٠٦، البرهان ١/ ٥٩٩، المستصفى ٢/ ١٨٦ (١/ ١٤٧)، قواطع الأدلة ٢/ ٢٦٤، شرح اللمع ٢/ ٥٨٣، المحلي على الجمع ٢/ ١٣١، البحر المحيط =","vol":"5","page":1889},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-475>(الطرف (^١) الثاني: في شرائط (^٢) العمل به</span>.\nوهي إما في المُخْبِر، أو المخبَر عنه، أو الخبر.\nأما الأول: فصفات تُغَلِّب ظنَّ الصدق، وهي خمس:\nالأول: التكليف، فإن غير المكلف لا يمنعه خشية الله تعالى.\nقيل: يصح الاقتداء بالصبي اعتمادًا على خبره بطُهْره.\nقلنا: لعدم توقف صحة صلاة المأموم على طُهْره).\nللعمل بخبر الواحد شرائط: منها ما هو في المخبِر، بكسر الباء: وهو الراوي. ومنها ما هو في المخبَر عنه: وهو مدلول الخبر. ومنها ما هو في الخبر نفسه: وهو اللفظ.\n_________\n= ٦/ ١٢٨، التلخيص ٢/ ٣٢٥، إحكام الفصول ص ٣٣٤، شرح التنقيح ص ٣٥٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٥٨، تيسير التحرير ٣/ ٨٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٣١، شرح الكوكب ٢/ ٣٥٨، المسودة ص ٢٣٨، العدة ٣/ ٨٥٩.\n(^١) في جميع النسخ: \"الباب\". وهو خطأ، والصواب: \"الطرف\"؛ إذ كيف يكون الباب تحت الفصل، وهذا المبحث تابع للفصل الثالث الذي قال فيه المصنف: \"الفصل الثالث: فيما ظُن صدقه وهو خبر العدل الواحد. والنظر في طرفين\". وقد سبق ذكر الطرف الأول وهو وجوب العمل بخبر الواحد، وبقي الطرف الثاني وهو شرائط العمل به. انظر الطرف الأول في ص ١٥٢٠، ١٥٢٣، وانظر: نهاية السول ٣/ ٩٧، ١١٩، السراج الوهاج ٢/ ٧٣٨ - ٧٣٩، ٧٤٨، شرح الأصفهاني للمنهاج ٢/ ٥٣٩، ٥٤٥، معراج المنهاج ٢/ ٣٧، ٤٤.\n(^٢) في (غ): \"شرط\".","vol":"5","page":1890},{"text":"فأما الأول: وهو شروط الراوي - فالضابط فيه: كونه بحيث يكون ظنُّ صِدْقِه راجحًا على ظن كذبه. وشرائطه عند التفصيل ذكر المصنف أنها خمس، وهو تساهل في العبارة، فإن الخامس ليس شرطًا على المختار عنده وعند الجماهير.\nالأول: التكليف: فلا تقبل رواية المجنون، والصبي مراهقًا كان أو لم يكن، مميزًا كان أو لم يكن (^١).\nأما المجنون والصبي الذي لا يميز: فلعدم الضبط، وعدم التمكن من الاحتراز عن الخلل.\nوأما المميز: فلأن الفاسق إذا لم تقبل روايته مع كونه يخاف الله ويخشى عقابه (^٢) - فالصبي الذي لا يمنعه خشية الله، (ولا يردعه رادع) (^٣) ديني؛ لعدم تعلق التكليف به - أولى بأن (لا تقبل (^٤» (^٥).\n_________\n(^١) أما رواية المجنون والصبي غير المميِّز - فلا تقبل بالإجماع. وأما الصبي المميز فلا تُقبل روايته عند الجمهور.\nانظر: نهاية السول ٣/ ١١٩، المحلي على الجمع ٢/ ١٤٦، غاية الوصول ص ٩٩، شرح الكوكب ٢/ ٣٧٩.\n(^٢) لأن الفاسق مسلم مؤمن باليوم الآخر، فلا بد أن يكون عنده قدر من خشية الله تعالى.\n(^٣) في (غ): \"ولا يزعه وازع\".\n(^٤) المعنى: أن الصبي المميز يعلم أنه غير مكلَّف، فلا عقاب يترتب عليه بكذبه، فيكون متجرئًا على الكذب أكثر من جرأة الفاسق؛ ولذلك لا تقبل روايته من باب أولى. وانظر حاشية البناني ٢/ ١٤٦ - ١٤٧، السراج الوهاج ٢/ ٧٤٩.\n(^٥) في (ت): \"لا يقبل\".","vol":"5","page":1891},{"text":"وقد اعتمد القاضي في رَدِّ رواية الصبي على الإجماع، وفاه بادعاء قيامه على ذلك في كتاب \"التلخيص\"، وقال المُعَلِّق في \"التلخيص\" بعد هذه الدعوى: \"وقد كان الإمام يحكي وجهًا في صحة رواية الصبي، (فلعله أسقطه) (^١) \" (^٢).\nقلت: والوجه المشار إليه صحيح (^٣) موجود، والخلاف معروف مشهور (^٤)، وقد ظهر اختلاف الفقهاء في قبول روايته في هلال رمضان، فلم يجعلوه مسلوب العبارة بالكلية، وسنسرد (^٥) فروعًا من المذهب دالةً على ذلك إن شاء الله تعالى.\nفإن قيل: أليس يُقبل قول المميِّز في إخباره عن كونه متطهرًا، حتى يجوز الاقتداء به في الصلاة؟ .\nقلنا: ذلك؛ لأن صحة صلاة المأموم لا تتوقف على صحة صلاة الإمام، فإن صلاة المأموم ما لم يَظُنَّ حَدَثَ الإمام صحيحةٌ وإن تَبَيَّنَ بعد\n_________\n(^١) في (ت): \"فلعلةٍ أسقطت\". وهو خطأ؛ لأن المعنى: أن الباقلاني - ﵀ - لم يلتفت إلى هذا الوجه، بل أسقطه من الاعتداد، وجعل ردَّ رواية الصبي إجماعًا.\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) قال الإسنوي - ﵀ - في التمهيد ص ٤٤٥: \"الصبي الذي لم يجرب عليه الكذب هل يُقبل خبره؟ فيه خلاف عند الأصوليين، وكذلك عند المحدثين والفقهاء، والأصح عند الجميع عدم القبول\".\nوانظر: البحر المحيط ٦/ ١٤٠.\n(^٥) في (ص): \"وسنزيد\": \"وستزيد\". وكلها خطأ.","vol":"5","page":1892},{"text":"ذلك حَدَثُه (^١)، ففي الحقيقة لم يُقبل قول الصبي (^٢).\nفإن قلت: أتجعلون الصبي مسلوب العبارة بالكلية لا فرق ما بينه وبين المجنون والبهيمة؟ قلت: هذا هو القاعدة في أمره، وفي (^٣) المذهب فروعٌ تَرِد نقضًا على ذلك، وكلُّها مُخْتَلَفٌ فيها، ومنها ما هو على وجهٍ ضعيف:\nفمنها: قبول قوله في رؤية هلال رمضان (^٤).\n_________\n(^١) انظر: المجموع ٤/ ٢٦٠.\n(^٢) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٦٥، وقال صفي الدين الهندي ﵀: \"وإنما يُقبل إخباره عن كونه متطهرًا حتى يجوز الاقتداء به في الصلاة: إما لأن صحة صلاة المأموم غير موقوفة على صحة صلاة الإمام. وإما لأنه يتعذر أو يتعسر معرفة ذلك من غيره، فلا يُعرف إلا من جهته، فيقبل للضرورة. وإما لأن الاحتياط والتحفظ في الرواية أشد منه في الإخبار عن طهارة نفسه وما يترتب عليه من الاقتداء به في الصلاة؛ لكون الرواية تُثْبِت شرعًا عامًا على المكلَّفين بأسرهم، ولهذا يصح الاقتداء بالفاسق والمتعود بالكذب عند ظن الطهارة، ولا تُقبل روايتهما وإن ظُنَّ صدقهما. وإما لأن منصب الرواية أعلى من منصب الإمامة فيُحتاط فيه ما لا يُحتاط في الإمامة\". نهاية الوصول ٧/ ٢٨٧٠، ولا يخفى أن هذا السؤال وارد على مَنْ جَوَّز إمامة الصبي المميِّز في النفل والفرض كالشافعية، أما من لم يجوز إمامته في النفل والفرض إلا لمثله، كما هو مذهب الحنفية، أو جَوَّز إمامته للبالغ في النفل فقط كما هو مذهب الحنابلة والمالكية - فلا يَرِد هذا السؤال. أما بالنسبة للحنفية فواضح، وأما بالنسبة للمالكية والحنابلة - فلأن قبول قوله في النفل فقط دون الفرض يدل على أن قوله لا يُعتمد عليه في الواجبات، بل في المندوبات التي لو فسدت فلا يترتب على ذلك إثمٌ ولا حرج. انظر: المجموع ٤/ ٢٤٨، الهداية ١/ ٦١، بداية المجتهد ١/ ١٤٤، الكافي ١/ ٢١٣، كشاف القناع ١/ ٤٧٩ - ٤٨٠.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) هو وجه عند الشافعية، لكن المذهب عندهم، وبه قطع الجمهور - لا يُقبل قوله =","vol":"5","page":1893},{"text":"ومنها: إذا أخبر الصبي المميز بنجاسة أحد الإناءين - فأصح الوجهين لا يُقبل خبره (^١).\nومنها: إذا شهد صِبْيانٌ بأن فلانًا قتل فلانًا - فهل يكون ذلك لوثًا (^٢)؟ فيه وجهان، ومأخذ القبول أنهم جماعة كثيرة، والغالب أن اتفاقهم يورث الظن (^٣).\nومنها: صحة بيع الاختبار على وجه (^٤).\nومنها: وصيته، وفيها قولان (^٥).\n_________\n= قطعًا. انظر: المجموع ٦/ ٢٧٧، بداية المجتهد ١/ ٢٨٦، التمهيد ص ٤٤٥.\n(^١) انظر: روضة الطالبين ١/ ١٤٥، التمهيد ص ٤٤٥.\n(^٢) هو قرينة تُصَدِّق المدَّعى.\nانظر: نهاية المحتاج ٧/ ٣٦٩، كفاية الأخيار ٢/ ١٠٨، القاموس الفقهي ص ٣٣٤.\n(^٣) الأصح أن قولهم لوث. انظر: روضة الطالبين ٧/ ٢٣٨، كفاية الأخيار ٢/ ١٠٨.\n(^٤) قال النووي - رحمه الله تعالى - في المجموع ٩/ ١٥٥ - ١٥٦: \"وأما الصبيُّ فلا يصح بيعه ولا شراؤه، ولا إجارته وسائر عقوده، لا لنفسه ولا لغيره، سواء باع بغَبْن أو بِغبْطة، وسواءٌ كان مميِّزًا أو غيره، وسواء باع بإذن الوليِّ أو بغير إذنه، وسواء بيع الاختبار وغيره. وبيع الاختبار: هو الذي يمتحنه الوليُّ به ليستبين رُشْدَه عند مناهزة الاحتلام. ولكن طريق الوليِّ أن يُفَوِّض إليه الاستيام، وتدبير العقد، فإذا انتهى الأمرُ إلى العقد أتى به الوليُّ، ولا خلاف في شيء مما ذكرته عندنا إلا في بيع الاختبار، فإن فيه وجهًا شاذًا ضعيفًا حكاه إمام الحرمين وآخرون من الخراسانيين: أنه يصح. والمذهب بطلانه. والله أعلم\".\n(^٥) انظر: العزيز شرح الوجيز ٧/ ٣، ٦، نهاية المحتاج ٦/ ٤١، كفاية الأخيار =","vol":"5","page":1894},{"text":"ومنها: تدبيره (^١)، وفيه قولان (^٢).\nومنها: أمانُهُ، وفيه طريقان (^٣).\nومنها: إسلامه، وأظهر الأقوال المنع (^٤).\nولو سَلَّم على قومٍ - ففي وجوب إجابته وجهان مبنيان على صحة\n_________\n= ٢/ ٢١.\n(^١) التدبير: تعليق عتق بالموت. انظر: كفاية الأخيار ٢/ ١٧٨، القاموس الفقهي ص ١٢٨.\n(^٢) انظر: العزيز شرح الوجيز ١٣/ ٤١٥، نهاية المحتاج ٨/ ٣٧٥، روضة الطالبين ٨/ ٤٤٩، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٢٢، وقال: \"والأظهر بطلانهما\". أي: وصية الصبي المميز وتدبيره، أما غير المميز فلا يصحان قولًا واحدًا.\n(^٣) انظر: نهاية المحتاج ٨/ ٧٦، الأشباه والنظائر لابن الوكيل ١/ ٣٧٠، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٢٢، وقال فيه: \"وجهان، أصحهما: لا يصح\".\n(^٤) أي: لا يجب الإيمان على الصبي المميز، ولا يصح منه استقلالًا، فلو أسلم لم يُحكم بإسلامه في حق أحكام الدنيا، وأما في الآخرة فهو من الفائزين. هذا هو الراجح من مذهب الشافعية. انظر: شرح المحلي على المنهاج، مع قليوبي وعميرة ٣/ ١٢٧، روضة الطالبين ٤/ ٤٩٥، الأشباه والنظائر لابن الوكيل ١/ ٣٧٠، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٢١، وقال فيه: في صحة إسلام الصبي المميز استقلالًا - وجهان، المرجح منهما البطلان، والمختار عند البلقيني الصحة، وهو الذي أعتقده، ثم رأيت السبكي مال إليه، فقال في كتابه إبراز الحكم. . . اهـ. وهذا الذي اختاره البلقيني والمذكوران - رحمهم الله تعالى - هو ظاهر مذهب مالك - ﵁ -، وبه قال الحنابلة، واختاره السرخسي من الحنفية، وجمع من الشافعية. انظر: الخرشي ٨/ ٢٦٧، كشاف القناع ٦/ ١٧٥، أصول السرخسي ١/ ١٠٢، ٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠، تحفة المحتاج ٦/ ٣٥٥، الصغير بين أهلية الوجوب وأهلية الأداء ص ١٨٥ - ١٨٦.","vol":"5","page":1895},{"text":"إسلامه (^١).\nومنها: إذا قلنا: يُؤْذَن له في الإذن في دخول الدار، وحَمْلِ الهدية (^٢). قال الرافعي: فقد جُعِل وكيلًا، وقضية جَعْلِه وكيلًا أن يكون له أن يوكِّل على خلافٍ فيه، كغيره (^٣) (^٤).\nومنها: قال الروياني في \"البحر\": قال الزبيري (^٥): يجوز توكيل الصبي\n_________\n(^١) انظر: الأشباه والنظائر لابن الوكيل ١/ ٣٧٠، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٢١، وقال فيه: \"في وجوب الرد عليه إذا سلَّم وجهان، أصحهما: الوجوب\".\n(^٢) قال النووي - ﵀ - في روضة الطالبين ٣/ ١٠: \"ولو فتح بابًا وأخبر بإذن أهل الدار في الدخول، أو أوصل هديةً وأخبر عن إهداء مهديها - فهل يجوز الاعتماد عليه؟ نُظِر إن انضمت قرائن تُحَصَّل العلم بذلك - جاز الدخول والقبول، وهو في الحقيقة عمل بالعلم، لا بقوله. وإن لم ينضم نُظِر، إن كان غير مأمون القول - لم يُعتمد، وإلا فطريقان: أصحهما: القطع بالاعتماد. والثاني: على الوجهين في قبول روايته\". وانظر: المجموع ٣/ ١٠٠، العزيز شرح الوجيز ٤/ ١٦، التمهيد ص ٤٤٥، الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٢١، الأشباه والنظائر للشارح ٢/ ١٦٥.\n(^٣) في (ص): \"لغيره\".\n(^٤) يعني: مقتضى جَعْل الصبي وكيلًا عن الآذن والمُهْدِي - أن يجوز له أن يوكِّل غيره في ذلك، على خلاف في أن الوكيل هل يوكِّل؟ فإن جاز للوكيل أن يوكِّل - صار الصبي أهلًا للتوكيل، كغيره من المكلفين. انظر: العزيز شرح الوجيز ٥/ ٢١٧، روضة الطالبين ٣/ ٥٣٢.\n(^٥) هو الزبير بن أحمد بن سليمان بن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام الأسديّ، الإمام الجليل أبو عبد الله الزبيريّ. شيخ الشافعية، وكان أعمى يسكن البصرة. من مصنفاته: الكافي، المسكِت، النية، وغيرها. مات سنة ٣١٧ هـ. انظر: =","vol":"5","page":1896},{"text":"في طلاق زوجته. وغَلَّطه فيه (^١).\nومنها: إذا أعتق في مرض موته مُنَجَّزًا - ففي نفوذه وجهان في \"الكفاية\" لابن الرفعة.\nقال: (فإنْ تَحَمَّل ثم بَلَغ وأدَّى قُبِل قياسًا على الشهادة، والإجماع على إحضار الصبيان مجالس (^٢) الحديث).\nما تقدم فيما إذا أدَّى في حالة (^٣) صباه، أما إذا تحمل في صباه وأدى بعد بلوغه - ففيه مذهبان محكيان في \"شرح اللمع\" للشيخ أبي إسحاق، و\"مختصر التقريب\" (^٤) للقاضي، أصحهما وعليه الجمهور (^٥): أنه يُقبل.\nوالدليل على ذلك الإجماع على قبول رواية ابن عباس، وابن الزبير، والنعمان بن بشير - ﵃ - من غير تفرقة بين ما تحملوه قبل البلوغ أو بعده (^٦).\n_________\n= سير ١٥/ ٥٧، الطبقات الكبرى ٣/ ٢٩٥.\n(^١) لأن طلاق الصبي لا يقع لا تنجيزًا ولا تعليقًا، فكيف يصح توكيله بما لا يملك؛ إذ شرط الطلاق أن يقع من مكلَّف. انظر: العزيز ٨/ ٥٠٦ - ٥٠٧.\n(^٢) في (غ): \"لمجالس\".\n(^٣) في (ت): \"حال\".\n(^٤) انظر: اللمع ص ٧٥، شرح اللمع ٢/ ٦٣٠، التلخيص ٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩.\n(^٥) انظر: المحلي على الجمع ٢/ ١٤٧، البحر المحيط ٦/ ١٤١، المسودة ص ٢٥٨، غاية الوصول ص ٩٩.\n(^٦) انظر: المستصفى ٢/ ٢٢٧ (١/ ١٥٦)، المحصول ٢/ ق ١/ ٥٦٥، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٧٢، الإحكام ٢/ ٧٢، المسودة ص ٢٥٨.","vol":"5","page":1897},{"text":"قال القاضي في \"مختصر التقريب\": \"ثم إن ابن عباس كان ابن سبعٍ لما تُوفي رسول الله - ﷺ -، وما بلغ ابن الزبير أيضًا حُلُمَه في حياته - ﷺ -\" (^١).\nقلت: هذا وَهَم، كان ابن عباس لما تُوفي رسول الله - ﷺ - ابن ثلاث عشرة سنة (^٢). وقيل: ابن عشر. وهو ضعيف. وقيل: ابن خمس عشرة سنة (^٣). ورجَّحه أحمد بن حنبل. وأما ابن الزبير فإنه وُلد بعد عشرين شهرًا من الهجرة، فيصح ما ذكره القاضي مِنْ أنه لم يبلغ الحلم في حياة النبي (^٤) - ﷺ -.\nوالمصنف استدل على مذهب الجمهور بوجهين:\nأحدهما: القياس على الشهادة إذا تحملها وهو صغير؛ (فإنها تقبل) (^٥) بإجماعنا (^٦)، والجامع: أنه حال الأداء (^٧) مسلم بالغ عاقل يحترز عن الكذب.\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٣٦٠.\n(^٢) قال ابن حجر رحمه الله تعالى: \"وُلِد وبنو هاشم بالشعب قبل الهجرة بثلاث، وقيل: بخمس. والأول أثبت\".\nانظر: الإصابة ٢/ ٣٣٠.\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) في (ت): \"رسول الله\".\n(^٥) في (ت): \"فإنه يقبل\".\n(^٦) انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٨٧٢، الإحكام ٢/ ٧٢، المحصول ٢ / ق ١/ ٥٦٦.\n(^٧) للشهادة والرواية.","vol":"5","page":1898},{"text":"واعتُرِض عليه: بأن الرواية تقتضي شرعًا عامًّا، فاحتيط فيها، بخلاف الشهادة.\nوقد يجاب: بأن باب الشهادة أضيق؛ فكانت (^١) بالاحتياط أجدر (^٢). والثاني: إجماع الكل على إحضار الصبيان مجالس الحديث.\nوفيه نظر؛ فإن الإحضار لعله لقصد البركة (^٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-476>فائدة:</span>\nالكافر إذا تحمل في حال كفره ثم أدى في الإسلام قُبِل على الصحيح، وممن ذكر المسألة من الأصوليين القاضي في \"مختصر التقريب والإرشاد\" (^٤).\nقال: (الثاني: كونه من أهل القبلة. فتقبل رواية الكافر الموافق كالمُجَسِّمة إن اعتقدوا حرمة الكذب، فإنه يمنعه عنه. وقاسه القاضيان بالفاسق، والمخالف. ورُدَّ: بالفَرْق).\nالكافر إما أن لا يكون منتميًا إلى الملة الإسلامية، كاليهودي، والنصراني - فلا تقبل روايته بالإجماع (^٥).\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ): \"فكان\". بعود الضمير إلى الباب.\n(^٢) انظر: الإحكام ٢/ ٧٢.\n(^٣) انظر: نهاية السول ٣/ ١٢٣، تيسير التحرير ٣/ ٣٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٣٩.\n(^٤) انظر: التلخيص ٢/ ٣٥٠، وانظر أيضًا: شرح التنقيح ص ٣٥٩، المسودة ص ٢٥٨، تيسير التحرير ٣/ ٤١، فواتح الرحموت ٢/ ١٣٩، البحر المحيط ٦/ ١٤٢، ١٤٨، شرح الكوكب ٢/ ٣٨٣، الاقتراح في بيان الاصطلاح ص ٢٣١.\n(^٥) انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٨٧٤، المحصول ٢/ ق ١/ ٥٦٧، المعتمد ٢/ ١٣٥، =","vol":"5","page":1899},{"text":"وإما أن يكون منتميًا إليها وهو معنى قولنا: مِنْ أهل القبلة، وذلك كالمُجَسِّمة إذا قلنا بتكفيرهم (^١). فإن عَلِمنا مِنْ مذهبهم جوازَ الكذب إما لنصرة رأيهم أو غير ذلك - لم تقبل روايتهم. وقد ادعى الاتفاق على ذلك مُدَّعُون (^٢)، وهذا عندي فيه تفصيل: فإن اعتقدوا جواز الكذب مطلقًا - فالأمر كذلك. وإن اعتقدوا جوازه في أمرٍ خاص، كالكذب فيما يتعلق بنصرة العقيدة، أو الترغيب في الطاعة، والترهيب عن المعصية - لم يتجه الاتفاق إلا على رَدِّ روايتهم (^٣) فيما هو متعلِّق بذلك الأمر الخاص فقط (^٤).\n_________\n= الإحكام ٢/ ٧٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٢، المحلي على الجمع ٢/ ١٤٦، أصول السرخسي ١/ ٣٤٦، البحر المحيط ٦/ ١٤٢.\n(^١) انظر: كفاية الأخيار ٢/ ١٢٥، الفرق بين الفرق ص ٢١٥. قال المطيعي رحمه الله تعالى: \"الخلاف في المبتدع المُجَسِّم الذي يلزم من بدعته كفر: وهو القائل بأنه جسم كالأجسام. أما مَنْ قال: إنه جسم لكن لا كالأجسام، فنفى لوازم الأجسام حتى لم يبق منها شيء إلا مجرد التسمية (أي: الابتداع بالتسمية التي لم تثبت بنص) - فهذا كما قال شيخنا (أي: الشربيني ﵀): لا وجه للخلاف فيه؛ لأنه لم يبق إلا مجرد تسميته للجسم\". سلم الوصول ٣/ ١٢٥، وانظر: شرح المحلي مع البناني، وتقريرات الشربيني ٢/ ١٤٧.\n(^٢) كصفي الدين الهندي في نهاية الوصول ٧/ ٢٨٧٥.\n(^٣) في (ص): \"رواياتهم\".\n(^٤) نقل هذا التفصيلَ الزركشيُّ عن الشارح - رحمهما الله تعالى - معبِّرًا عن الشارح بقوله: \"وقيَّده بعضهم. . .\" البحر ٦/ ١٤٣، كما هو دأب الزركشي ﵀ في عدم التصريح باسم الشارح في \"البحر\".","vol":"5","page":1900},{"text":"وإن اعتقدوا حرمة الكذب - ففيه مذهبان:\nأحدهما: أنه لا يُقبل. وهو مذهب القاضي أبي بكر، والقاضي عبد الجبار، والغزالي، والآمدي، والأكثرين (^١).\nوالثاني: يقبل. وهو رأي الإمام وأتباعه، وأبي الحسين البصري (^٢).\nواستدلوا عليه: بأن اعتقادهم حرمة الكذب يزجرهم عن الإقدام عليه، فيحصل ظنُّ صدقه، فيجب العمل به. قال القرافي: وفيه نظر؛ فإنَّ مِن أهل الكتاب (^٣) مَنْ يستقبح الكذب غاية الاستقباح، ومع ذلك لا تُقبل روايته بالإجماع (^٤).\nواحتج القاضيان أبو بكر وعبد الجبار: بقياسه على الفاسق، قالا: فإنه أعظم من الفاسق نكرًا، والفاسق مردودُ الرواية، فليكن هذا هكذا بطريق الأوْلى، وبالقياس على الكافر المخالف في الملة (^٥) بجامع الكفر.\nوالجواب: أن الفرق بينه وبين الفاسق جَهْلُه بفسق نفسه، فَيَحْتَرِزِ عن\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٣٧٧، المعتمد ٢/ ١٣٥، المستصفى ٢/ ٢٣٠ (١/ ١٥٧)، الإحكام ٢/ ٧٣، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٧٥.\n(^٢) وهو اختيار الكمال بن الهمام - ﵀ - من الحنفية. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٦٧، الحاصل ٢/ ٧٨٩، التحصيل ٢/ ١٣١، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٧٥، المعتمد ٢/ ١٣٥، تيسير التحرير ٣/ ٤١.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: نفائس الأصول ٧/ ٢٩٥٢.\n(^٥) في (ت)، و(غ): \"القبلة\".","vol":"5","page":1901},{"text":"الكذب لذلك، بخلاف الفاسق. وأن الفرق بينه وبين المخالف (أن كفر المخالف) (^١) أغلظ (^٢) وقد فرق الشرع بينهما في أمورٍ كثيرة.\nولك أن تقيم هذا جوابًا عن اعتراض القرافي الذي أوردناه، فنقول إنما لم تُقبل رواية أهل الكتاب وإن استقبحوا الكذب غايةً؛ لأن كفرهم أغلظ، فكانوا بزيادة الإهانة أجدر (^٣). والله أعلم.\nقال: (الثالث: العدالة: وهي مَلَكَةٌ في النفس تمنعها عن اقتراف الكبائر، والرذائل المباحة).\nومن شروطه أن يكون عدلًا. ومعرفة كون الراوي عدلًا يتوقف على معرفة العدالة، والعدالة عندنا عبارة عن: استقامة السيرة والدين. وحاصلها يرجع إلى أنها: مَلَكَةٌ في النفس تمنعها عن اقتراف الكبائر، واقتراف الرذائل المباحة. كالأكل في الطريق، والبول في الشارع (^٤).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) لأنه منكر لنبوة نبينا - ﷺ -، والقرآن، وما ينبني عليهما من أصول وفروع، وقد يكون منكرًا للصانع، بخلاف المنتمي إلى الملة. انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٨٧٧.\n(^٣) قلت: قد أورد القرافي ﵀ هذا الجواب اعتراضًا على مَنْ قاس الكافر المتأول على الأصلي. انظر: نفائس الأصول ٧/ ٢٩٥٣.\n(^٤) انظر: تعريف العدالة في: المستصفى ٢/ ٢٣١ (١/ ١٥٧)، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٧٩، المحلي على الجمع ٢/ ١٤٨، البحر المحيط ٦/ ١٤٩، الإحكام ٢/ ٧٦، شرح التنقيح ص ٣٦١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٣، تيسير التحرير ٣/ ٤٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٣، كشف الأسرار ٢/ ٣٩٩، شرح الكوكب ٢/ ٣٨٣.","vol":"5","page":1902},{"text":"والضابط: أن كل ما لا يُؤْمَن معه الجرأة على الكذب تُرَدُّ به الرواية، وما لا فلا (^١).\nفإن قلت: تعاطي الكبيرة الواحدة والرذيلة الواحدة تقدح، وتعبيره بالكبائر والرذائل ينفي ذلك، والإصرار على الصغيرة قادح، ولا ذكر له في التعريف.\nقلت: أما الأول: فالمراد جنس الكبائر والرذائل الصادق بواحدة.\nوأما الثاني: فقد قيل: هذا من محاسن الكلام؛ لأن الصغيرة بالإصرار تصير كبيرة (^٢)، فلو ذكر الإصرار على الصغيرة لأطال وكرر من غير فائدة.\nفإن قلت: التوقي عن الرذائل المباحة من المروءة التي هي شرطٌ في قبول الشهادة (والرواية) (^٣) وليست شرطًا في العدالة، وكلامكم إنما هو (في العدالة) (^٤) نفسها.\n_________\n(^١) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٧١، المعتمد ٢/ ١٣٤.\n(^٢) قال القرافي ﵀: \"الإصرار: أن يكون العزم حاصلًا على معاودة مثل تلك المعصية. أما مَنْ تقع منه الصغيرة فيقلع عنها ويتوب، ثم يواقعها من غير عزم سابق على تكرار الفعل - فليس بإصرار\". شرح التنقيح ص ٣٦١. وقال محمد أمين - ﵀ - في تيسير التحرير ٣/ ٤٤: \"والإصرار: أن تكرر فيه الصغيرة تكرارًا يُشعر بقلة مبالاته بدينه، كما يُشعر به ارتكاب الكبيرة\".\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) في (ص): \"في العدالة والرواية\". وهذه الزيادة خطأ ظاهر.","vol":"5","page":1903},{"text":"قلت: صحيح، ولكن لما كان الغرض الكلام (^١) في مقبول (^٢) الرواية أُخِذ في وصف العدالة شَرْطُ القبول، وهو تساهل (^٣)، ولو كانت العبارة: مقبول الرواية: ذو الملكة النفسية التي تحمل على ملازمة التقوى والمروءة - لكانت أَسَدَّ (^٤) وأوضح.\nثم اعلم أن المروءة التي هي شرطٌ في قبول الشهادة: هي التوقي عن الأدناس (^٥). ومنها ما هو مشترط في أصل العدالة، ومِنْ مجامع القول في\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"قبول\".\n(^٣) المعنى: أن التوقي عن الرذائل المباحة شرطٌ في الشهادة والرواية؛ لأنها من المروءة التي هي شرطٌ فيهما. وليس التوقي عن الرذائل المباحة شرطًا في العدالة، لأن العدالة: هي القيام بالواجبات، وترك المحرمات. فالرذائل المباحة غير داخلة فيها، والكلام هنا في هذا الشرط عن العدالة نفسها، لا عن قبول الرواية التي يُشترط فيها المروءة. فأجاب: بأن هذا الاعتراض صحيح، ولكن لما كان الغرض من الكلام هو بيان مقبول الرواية - أُخِذ في وصف العدالة التوقي عن الرذائل المباحة؛ لأنها شرطٌ لقبول الرواية، ولكن هذا في الحقيقة تساهل، والصواب عدم إدخال ذلك في العدالة.\n(^٤) في (ص): \"أشد\". وهو خطأ.\n(^٥) في تيسير التحرير ٣/ ٤٤: (والمروءة) بالهمز، ويجوز تركه وتشديد الراء: وهي صيانة النفس عن الأدناس، وما يشينها عند الناس. وقيل: أن لا يأتي ما يُعتذر منه مما يَبخسه من مرتبته عند العقلاء. وقيل: السمت الحسن وحفظ اللسان والاجتناب من السخف. أي: الارتفاع عن كل خلقٍ دنيء. اهـ. وقال النووي رحمه الله تعالى: \"المروءة: تَخَلُّقٌ بخُلُق أمثاله في زمانه ومكانه\". قال الرملي في الشرح: \"لاختلاف العُرْف في هذه الأمور غالبًا، بخلاف العدالة: فإنها ملكة راسخة في النفس، لا تتغير بعروضِ منافٍ لها. والمراد بذلك تَخَلُّقُه بخلق أمثاله المباحة غير المزرية\". انظر: نهاية =","vol":"5","page":1904},{"text":"ذلك ما ذكره القاضي الماوردي إذ قال: \"المروءة على ثلاثة أضرب: ضربٌ شَرْطٌ في العدالة، قال: وهو مجانبة ما سخف من الكلام المُودِي إلى الضحك، وتركُ ما قبح من الفعل الذي يلهو به، أو يُستقبح، فمجانبة ذلك من المروءة المشترطة (^١) في العدالة، وارتكابها مفسِّق (^٢).\nوضربٌ لا يكون شرطًا فيها: وهو الإفضال بالمال والطعام، والمساعدة بالنفس والجاه.\nوضربٌ مُخْتَلَف فيه، وهو على ضربين عادات، وصنائع.\nفأما العادات: فهو أن يقتديَ فيها بأهل الصِّيانة، دون أهل البِذْلة (^٣) - في مأكله، وملبسه، وتصرفه. فلا يتعرى من ثيابه في بلدٍ يلبس فيه أهل الصيانة ثيابهم، ولا ينزع سراويله في بلدٍ يلبس فيه أهله السراويلات، ولا يأكل على قوارع الطرق، ولا يخرج عن العرف في مَضْغه، ولا يغالي بكثرة\n_________\n= المحتاج ٨/ ٢٨٣.\nوانظر: شرح التنقيح ص ٣٦١، كتاب: \"المروءة وخوارمها\"، لأبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان.\n(^١) (غ): \"المشروطة\".\n(^٢) عبارة الماوردي رحمه الله تعالى: \"وارتكابها مُفْضٍ إلى الفسق\". الحاوي ٢١/ ١٦٢.\n(^٣) أي: الامتهان. وفي المصباح ١/ ٤٧: \"وبذل الثوب، وابتذله: لبسه في أوقات الخدمة والامتهان. والبِذْلة، مثال سِدْرة: ما يُمتهن من الثياب في الخدمة، والفتح لغة. قال ابن القوطية: بذَلت الثوب بِذْلة: لم أصنه. وابتذلتُ الشيءَ: امتهنتُه. والمبذلة، بكسر الميم: مثله. والتبذل: خلاف التصاون\". وفي اللسان ١١/ ٥٠: \"والبِذْلة والمِبْذلة من الثياب: ما يُلبس ويُمتهن ولا يُصان\". وانظر: الصحاح ٤/ ١٦٣٢، مادة (بذل).","vol":"5","page":1905},{"text":"أكله، ولا يباشر ابتياعَ مأكولِه ومشروبِه، وحَمْلَه بنفسه في بلدٍ تتجافاه (^١) أهلُ الصيانة.\nوفي اعتبار هذا الضرب من المروءة في شرط العدالة أربعة أوجه:\nأحدها: أنه غير معتبر فيها.\nوالثاني: أنه معتبر فيها، وإن لم يُفَسَّق.\nوالثالث: إنْ كان قد نشأ عليها من صِغَره لم تقدح في عدالته، وإن استحدثها في كِبَره قدحت (^٢).\nوالرابع: إن اختصت بالدِّين قدحت، كالبول قائمًا، وفي الماء الراكد، وكشفِ عورته إذا خلا، وأن يتحدث بمساوي الناس. وإن اختصت بالدنيا لم تقدح، كالأكل في الطريق، وكشف الرأس بين الناس (^٣) \" (^٤). هذا كلام الماوردي.\nوتحصلنا منه على أن المروءة شرطٌ في أصل العدالة في الضرب الأول، وفي الضرب الثالث عند بعضهم، فيصح قول المصنف: إن المروءة ركن في\n_________\n(^١) في (ص): \"تتحاماه\".\n(^٢) لأنه يصير بالمنشأ مطبوعًا بها، وبالاستحداث مختارًا لها. انظر: الحاوي ٢١/ ١٦٤.\n(^٣) لأن مروءة الدين مشروعة، ومروءة الدنيا مستحسنة. انظر: الحاوي ٢١/ ١٦٥.\n(^٤) انظر: كلام الماوردي في الحاوي ٢١/ ١٦٢ - ١٦٥، والشارح اختصره، مع بعض التصرف.","vol":"5","page":1906},{"text":"أصل العدالة.\nفإن قلت ما المراد بالكبائر المذكورة في التعريف؟ قلت: في حدِّ الكبيرة أوجه:\nأحدها: أنها المعصية الموجبة لحدٍّ (^١).\nوالثاني: ما لَحِقَ صاحِبَها وعيدٌ شديد بنص كتاب أو سنة (^٢).\nوالثالث: كل جريمة تُؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة (^٣).\nوالرابع: كل فعل نَصَّ الكتاب على تحريمه، أو وجب في جنسه حد (^٤).\nهذا ما ذكروه في الضبط، والتفصيل مستوعب في الفقهيات (^٥).\n_________\n(^١) وبه قال البغوي وغيره. انظر: الزواجر ١/ ٥.\n(^٢) ونسبه الرافعي إلى الأكثر. انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٥٢، شرح الكوكب ٢/ ٤٠٠.\n(^٣) هذا هو ما اختاره الشارح في \"جمع الجوامع\"، ونسبه لإمام الحرمين ﵀، وفي هذه النسبة نظر. انظر: شرح المحلي على الجمع مع البناني ٢/ ١٥٢، غاية الوصول ص ١٠٠، الزواجر ١/ ٦.\n(^٤) انظر: البحر المحيط ٦/ ١٥٣، الزواجر ١/ ٦. قال الزركشي ﵀: \"الظاهر أن كلَّ قائلٍ ذَكَر بعضَ أفرادها، ويجمع الكبائرَ جميعُ ذلك\". البحر ٦/ ١٥٣.\n(^٥) انظر حد الكبيرة في: الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٥، التعريفات للجرجاني ص ١٦١، تيسير التحرير ٣/ ٤٥، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٣، العضد على ابن الحاجب =","vol":"5","page":1907},{"text":"فإن قلت: وما المراد بالصغائر، وبالإصرار عليها؟\nقلت: أما الصغيرة فالمعصية التي ليست كبيرة.\nوأما الإصرار: فقال ابن الرفعة: لم أظفر فيه (بما يثلج الصدر) (^١). وقد عَبَّر (^٢) عنه بعضهم: بالمداومة. وحينئذ هل المعتبر المداومة على نوعٍ واحد من الصغائر، أم الإكثار من الصغائر سواء كانت من نوع واحد (^٣) أو أنواع؟\nقال الرافعي: منهم مَنْ يميل كلامه إلى الأول، ومنهم مَنْ يُفهِم كلامُه الثاني، ويوافقه قول الجمهور مَنْ تغلب معاصيه طاعتَه كان مردودَ الشهادة. قال: وإذا قلنا به لم تضر المداومة على نوع واحد من الصغائر إذا غَلَبت الطاعات، وعلى الأول تضر.\nقال ابن الرفعة: وقضية كلامه أن مداومة النوع تضر على الوجهين، أما على الأول: فظاهر. وأما على الثاني: فلأنه في ضمن حكايته قال: إن الإكثار من النوع الواحد كالإكثار من الأنواع، وحينئذ لا يحسن معه التفصيل (^٤). نعم يظهر أثرهما فيما إذا أتى بأنواع من\n_________\n= ٢/ ٦٣، الفروق للقرافي ١/ ١٢١ شرح التنقيح ص ٣٦١.\n(^١) في (ص): \"بما يبلج الصدر\". وفي (غ): \"بما يثلج الصدور\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ص).\n(^٤) أي: لا يحسن التفصيل في حق المداوم على نوع واحدٍ على مقتضى القولين؛ لأن حكمه واحد، فالمداومة تضره بمقتضى القول الأول، وتضره أيضًا بمقتضى القول الثاني؛ لأن الإكثار من المعاصي من نوع واحد يضر على مقتضى القول الثاني، =","vol":"5","page":1908},{"text":"الصغائر، إن قلنا بالأول - لم تضر، وإن قلنا بالثاني - ضَرَّ (^١).\nواعلم أن الصغائر كما تصير بالإصرار كبيرة، كذلك بعض المباحات تصير بالإصرار صغيرة. قال الغزالي في أثناء كتاب التوبة من \"إحياء علوم الدين\" وهو الكتاب الأول مِنْ رُبْع المُنْجيات: \"الصغيرة تكبر بالمواظبة، كما أن المباح يصير صغيرة بالمواظبة، كاللعب بالشِّطْرَنج (^٢)، والترنم بالغناء على الدوام وغيره\" (^٣).\nفإن قلت: هذا التعريف الذىِ قدمتوه في العدالة قضيته: أنَّ مَن لم يُقْدِم على كبيرة ولا رذيلة، ولم يكن في نفسه ملكة تمنعها عن اقتراف هذين، وإنما كَفَّ عنهما كَفًّا من غير أن يكون في نفسه ملكة\n_________\n= فكيف بالمداومة!\n(^١) يعني: يظهر أثر الفرق بين القولين فيما إذا أتى بأنواع من الصغائر، فإنها تضره على مقتضى القول الثاني، ولا تضره على مقتضى القول الأول، وكذا لو أكثر من نوع واحدٍ من الصغائر بطريق الأَوْلى، فإنها تضره على مقتضى القول الثاني، ولا تضره على مقتضى القول الأول. والحاصل أن الفرق بين القولين يظهر في الإكثار من الصغائر لا في المداومة على نوعٍ واحد.\n(^٢) قال النووي - رحمه الله تعالى - في \"فتاويه\" ص ٢٦١، عن حكم اللعب بالشطرنج: \"إنْ فَوَّت به صلاةً عن وقتها، أو لعب على عِوَضٍ (أي: مال من الجانبين، أو أحدهما) - فهو حرام، وإلا فمكروه عند الشافعي رضي الله تعالى عنه، وحرام عند غيره\". وانظر: نهاية المحتاج ٨/ ٢٨٠، الزواجر ٢/ ٢٠٠، كف الرعاع ص ٣٢٠، الحاوي ٢١/ ١٩١، روضة الطالبين ٨/ ٢٠٣.\n(^٣) انظر: إحياء علوم الدين ٤/ ٢٢.","vol":"5","page":1909},{"text":"تدعوه إلى ذلك - لا يكون عدلًا، فهل في هذا مخالفة لكلام الفقهاء، فإنهم يقولون: إن العدل من لا يُقدم على كبيرة، ولا يصر على صغيرة، ولا (^١) يُقدم على ما يَخْرم المروءة. وذلك أعم مِنْ أن يكون بداعية الملكة النفسية أوْ لا؟\nقلت: ظاهره المخالفة، ولكنا نقول: متى حصلت تلك الملكة - لم يحصل الإقدام على ما يُخِلُّ بالعدالة، ومتى أقدم - علمنا أن الملكة غير حاصلة، فإن الملكة مستقلة بالمنع، فمتى حصلت لا بد وأن يحصل الامتناع.\nفإن قلت: هل يحرم تعاطي المباحات التي تُرَدُّ بها الشهادة؛ لإخلالها بالمروءة؟\nقلت: قد حكى ابن الرفعة: أنه سمع قاضي القضاة تقي الدين أبا عبد الله محمد بن الحسن بن رزين يقول: إن بعض مَن لقيه بالشام من المشايخ كان يحكي في ذلك ثلاثة أوجه.\nثالثها: إنْ تعلقت به شهادةٌ حرمت، وإلا فلا. لكن في \"البسيط\" و\"النهاية\"، الجزم بعدم التحريم، وهو الظاهر.\nقال: (فلا (^٢) تقبل رواية مَنْ أقدم على الفسق عالمًا، وإنْ جَهِل قُبِل. قال القاضي: ضَمُّ جهلٍ إلى فسق. قلنا: الفرق عدم الجرأة).\n_________\n(^١) في (ص) \"فلا\". وهو خطأ.\n(^٢) في (ص): \"ولا\".","vol":"5","page":1910},{"text":"لما كانت العدالة شرطًا - لم يجز قبول رواية مَنْ أقْدَم على الفسق (^١) عالمًا بكونه فسقًا، وقد حُكي الإجماع على هذا (^٢).\nوهذا واضح إن كان ما أقدم عليه مقطوعًا بكونه فسقًا، وأما إن كان مظنونًا - فيتجه تخريج خلافٍ فيه، إذ حُكي وجه فيمن شرب النبيذ وهو يعتقد تحريمه: أن شهادته لا تُرد (^٣). قال صاحب \"البحر\": وهو الذي مال إلى ترجيحه المتأخرون من الأصحاب (^٤). ولا فرق بين الرواية والشهادة فيما يتعلق بالعدالة، وإن افترقا في أمور أُخَر (^٥).\nوأما الجاهل بكونه فسقًا فقد يَجْهل الحال بالكلية، ويكون ساذِجًا (^٦)، والأمر من المظنونات، كما لو شرب النبيذ ساذِج (^٧) لا يعتقد الحِلَّ ولا التحريم (^٨): ففي فسقه ورد شهادته بعد إقامة\n_________\n(^١) في (ص): \"المفسِّق\".\n(^٢) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٧٢، التلخيص ٢/ ٣٧٦، المعتمد ٢/ ١٣٤.\n(^٣) انظر: العزيز شرح الوجيز ١٣/ ٢٠.\n(^٤) قال النووي في روضة الطالبين ٨/ ٢٠٨: \"وأما إذا شربه مَن يعتقد تحريمه - فالمذهب أنه يُحد، وتُرد شهادته\". وانظر: الحاوي ٢١/ ١٩٩.\n(^٥) انظر: البحر المحيط ٦/ ١٥٧.\n(^٦) أي: جاهلًا جهلًا بسيطًا، وهو الجهل الخالص. وفي المعجم الوسيط ١/ ٤٢٤: الساذَج: الخالص غير المَشُوب، وغير المنقوش، وهي ساذَجة. يقال: حُجَّةٌ ساذَجةٌ: غير بالغة. (مُعَرَّب، فارسيَّته: سادَه). اهـ. وانظر: لسان العرب ٢/ ٢٩٧، مادة (سذج).\n(^٧) في (غ): \"ساذجًا\".\n(^٨) هذا يدل على أن المراد بالساذج هنا: هو من لا يعتقد الحِلَّ ولا الحرمة مع علمه =","vol":"5","page":1911},{"text":"الحد (^١) عليه وجهان، حكاهما الماوردي في \"الحاوي\" (^٢) - لا بد من جريان مثلهما في رَدِّ روايته. على أن الوجهين المذكورين لا بد مِنْ فرضهما في رجل جاهل بالقاعدة المشهورة: وهي أن المكلف لا يجوز له أن يُقدم على فعلٍ حتى يعرف حكم الله فيه. وقد حكى الشافعي - ﵁ - في \"الرسالة\" الإجماع على هذه القاعدة، وكذلك حكاه الغزالي (^٣). ثم إنهما، أعني: الوجهين - لا يتجهان إلا تخريجًا على حكم الأشياء قبل ورود الشرع (^٤)، والماوردي كثيرًا ما يُخَرِّج على ذلك.\nوقد يكون ظانًا الحلَّ فتقبل روايته.\n_________\n= بوجود خلافٍ في الحل والحرمة. فقيام الخلاف في المسألة جَعَله لا يعتقد حِلًا ولا حُرْمة. كذا صَوَّر المسألة الماوردي في الحاوي ٢١/ ٢٠٠، ومثله الزركشي في البحر المحيط ٦/ ١٥٨.\n(^١) في (ت)، و(غ): \"البينة\". وهو خطأ.\n(^٢) انظر: الحاوي ٢١/ ٢٠٠.\n(^٣) انظر: شرح الكوكب ٢/ ٤٠٩.\n(^٤) لأن هذا الساذج في حكم مَنْ كان قبل ورود الشرائع، لا يتعلق بهم حكم لعدم تكليفهم بالشرع، فهذا الساذج وإن كان مخاطبًا بحكم النبيذ، إلا أنه لجهله غير مكلّفٍ به، فمن يقول بالتحريم في حقه، أو الإباحة - لا بد أن يخرّج ذلك على قول مَنْ يُثبت حكمًا للأشياء قبل ورود الشرع. فمن يقول بأن حكم الأشياء قبل ورود الشرع التحريم - يُثبت هذا الحكم في حق الساذج، فيرد شهادته. ومَنْ يقول بأن حكم الأشياء قبل ورود الشرع الإباحة - يُثبت هذا الحكم في حقه، ولا يرد شهادته. وكذا لا يرد شهادته مَنْ يقول بأنه لا حكم يتعلق به، بناءً على أن حكم الأشياء قبل ورود الشرع التوقيف. أي: لا يتعلَّق بها حكم، كما بُيِّن في مكانه.","vol":"5","page":1912},{"text":"أما إن كان ما أقدم عليه من المظنونات - فقد حَكَى الإمام فيه الاتفاق (^١). قال الهندي: \"والأظهر أن فيه خلافًا، كما في الشهادة؛ إذ نُقِل وجهٌ في الشهادة أنها ترد به\"، ولكن الصحيح أنها لا تُرَدُّ (^٢). قال الشافعي - ﵁ -: \"أقبل شهادة الحنفي وأحَدُّه إذا شرب النبيذ\" (^٣).\nوإن كان من القطعيات - فكذلك على المختار (^٤)، خلافًا للقاضي أبي بكر، والجبائي، وأبي هاشم، وتبعهم الآمدي (^٥).\nقال الشافعي - ﵁ -: أقبل شهادة أهل الأهواء، إلا الخطابية (^٦) من\n_________\n(^١) أي: الاتفاق على قبول رواية مَنْ أقدم ظانًا الحل، فيما هو من المحرمات المظنونة. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٧٢، شرح التنقيح ص ٣٦٢.\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٨٨١، مع بعض التصرف. وانظر: الإحكام ٢/ ٨٣.\n(^٣) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٧٢، المستصفى ٢/ ٢٤٠. قال القرافي ﵀: \"وقال مالك: أحده، ولا أقبل شهادته. كأنه قطع بفسقه\". شرح التنقيح ص ٣٦٢، وانظر: نشر البنود ٢/ ٤٥. وما قاله مالك - ﵁ - هو رواية عن أحمد - ﵁ -. انظر: شرح الكوكب ٢/ ٤٠٨، لكن قال ابن تيمية ﵀: \"فأما مَنْ فعل محرمًا بتأويل - فلا تُرد روايته في ظاهر المذهب\". المسودة ص ٢٦٥.\n(^٤) وهو مذهب الشافعي - ﵁ -، والأكثرين، واختاره الغزالي، والإمام، وأبو الحسين البصري، ﵏ جميعًا. انظر: الإحكام ٢/ ٨٣، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٨٢، المستصفى ٢/ ٢٤٢، المحصول ٢/ ق ١/ ٥٧٣، المعتمد ٢/ ١٣٥.\n(^٥) انظر: التلخيص ٢/ ٣٧٦، المعتمد ٢/ ١٣٤، الإحكام ٢/ ٨٣.\n(^٦) هم أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع، مولى بني أسد. وهم يقولون: إن الإمامة كانت في أولاد علي، إلى أن انتهت إلى جعفر الصادق، ويزعمون أن =","vol":"5","page":1913},{"text":"الرافضة؛ لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم (^١).\nلنا: أن ظَنَّ صِدْقِه راجح، والعمل بالظن واجب.\nواحتج القاضي ومَن نحا نحوه: لأن الإقدام على الفسق من العالِم قبيح موجب للرد، والجاهل إذا أقدم عليه كان أولى بالرد؛ إذ زاد قبيحًا آخر على الفسق وهو الجهل. فإذا مَنَع الفسقُ بمجرده من القبول - فلأن يمنع والجهل مضافٌ إليه أولى.\nوأجاب المصنف: بأن الفرق بين مَنْ أقدم عالمًا، ومن أقدم جاهلًا: أن إقدام الأول يدل على الجرأة، وقلة المبالاة بالمعصية؛ فيغلب على الظن كذبه، بخلاف الجاهل.\nقلت: ولعل القاضي ﵀ يقول: تَرْك استرشاده في الشبهات تهاونٌ بالدين، فصار فاسقًا. وبهذه الكلمة اعتل مَنْ ذهب إلى تفسيق الساذِج الذي لا يعتقد الحل ولا التحريم، كما تقدمت حكايته\n_________\n= الأئمة كانوا آلهة، وكان أبو الخطاب يزعم أولًا أن الأئمة أنبياء، ثم زعم أنهم آلهة، وأن أولاد الحسن والحسين كانوا أبناء الله وأحباءه. وكان يقول: إن جعفرًا إله، فلما بلغ ذلك جعفرًا لعنه وطرده. وكان أبو الخطاب يدعي بعد ذلك الإلهية لنفسه، وزعم أتباعُه أن جعفرًا إله، غير أن أبا الخطاب أفضل منه، وأفضل من علي. وقد صلبه أبو جعفر المنصور في كناسة الكوفة، وافترق أتباعه بعده إلى خمس فرق، كلُّهم كفار مارقون من دين الإسلام. انظر: الفرق بين الفرق ص ٢٤٧، الملل والنحل ٢/ ١٥.\n(^١) انظر: الكفاية ص ١٩٤، المحصول ٢/ ق ١/ ٥٧٣.","vol":"5","page":1914},{"text":"آنفًا. وهو هنا أبلغ؛ (لأن الأمر هنا قطعي فلا يعذر في ترك استرشاده فيه) (^١)، بخلاف الأمر الظني المجتهد فيه (^٢).\nقال: (ومن لا تُعرف عدالته لا تُقبل روايته؛ لأن الفسق مانع، (فلا بد) (^٣) من تحقق عدمه، كالصبا والكفر، والعدالةُ تُعرف بالتزكية. وفيها مسائل).\nمجهول العدالة (^٤) لا تقبل روايته عند الشافعي، وأحمد، وأكثر أهل العلم (^٥)، بل لا بد من البحث عن سيرته باطنًا (^٦)، وعليه الإمام وأتباعه\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) انظر شروط قبول الراوي في: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٦٣، الحاصل ٢/ ٧٨٧، التحصيل ٢/ ١٣٠، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٦٩، نهاية السول ٣/ ١١٩، السراج الوهاج ٢/ ٧٤٩، الإحكام ٢/ ٧١، المستصفى ٢/ ٢٢٣ (١/ ١٥٥)، البرهان ١/ ٦١١، القواطع ٢/ ٢٩٥، المحلي على الجمع ٢/ ١٤٦، البحر المحيط ٦/ ١٤٠، إحكام الفصول ص ٣٦٢، شرح التنقيح ص ٣٥٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦١، كشف الأسرار ٢/ ٣٩٢، أصول السرخسي ١/ ٣٤٥، تيسير التحرير ٣/ ٣٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٣٨، شرح الكوكب ٢/ ٣٧٩، مختصر الطوفي ص ٥٧، العدة ٣/ ٩٢٤.\n(^٣) في (ص): \"ولا بد\".\n(^٤) وهو المستور: الذي جُهل باطنه دون ظاهره. أي: لم يظهر منه نقيض العدالة، ولم يُعرف منه سوى الإسلام. وقد عَرَّف الحنفية المستور بأنه: الذي لم يُعرف عدالته ولا فسقه. وهو لا يختلف في المعنى عن التعريف السابق. انظر: البرهان ١/ ٦١٤، البحر المحيط ٦/ ١٦١، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٨٦، كشف الأسرار ٣/ ٢٠، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٦، مناهج العقول ٢/ ٢٤٤.\n(^٥) منهم المالكية. انظر: شرح التنقيح ص ٣٦٤، إحكام الفصول ص ٣٦٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٤.\n(^٦) أي: بالنظر في معاملاته. انظر: أصول السرخسي ١/ ٣٥١.","vol":"5","page":1915},{"text":"منهم المصنف (^١).\nوقال أبو حنيفة: يُكْتفى في قبول الرواية بظهور الإسلام، والسلامة عن الفسق ظاهرًا (^٢).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ٢/ ٧٨، شرح اللمع ٢/ ٦٣٩، المحصول ٢/ ق ١/ ٥٧٦، الحاصل ٢/ ٧٩٢، التحصيل ٢/ ١٣٣، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٨٦، البرهان ١/ ٦١٤، المستصفى ٢/ ٢٣٣ (١/ ١٥٧)، البحر المحيط ٦/ ١٥٩، جمع الجوامع مع المحلي ٢/ ١٥٠، شرح الكوكب ٢/ ٤١١، المسودة ص ٢٥٢.\n(^٢) هذا المنقول عنه - ﵁ - هو في غير ظاهر الرواية، والرواية الظاهرة عنه هو عدم قبول رواية مجهول العدالة. وإلى قبول رواية مجهول العدالة ذهب أحمد - ﵁ - في رواية عنه، والأستاذ أبو بكر بن فُورَك، وسليم الرازي، من الشافعية رحمهم الله تعالى. قال ابن الصلاح ﵀: \"ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم، وتعذرت الخبرة الباطنة بهم\". علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٠١. وذهب بعض الحنفية كالسرخسي والبزدوي إلى قبوله إذا كان من أهل الصدر الأول، وهي القرون الثلاثة بشرط أن يشهد الثقات بصحته ويعملوا به، أو إن سكتوا عنه، أو اختلفوا، أو لم يظهر فيما بينهم ولكن يوافقه القياس ولا يرده. قال المطيعي ﵀: \"ظاهر مذهب الحنفية عدم قبول رواية المستور كغيرهم، وما جعله بعضهم قول أبي حنيفة إنما هو رواية عنه على خلاف ظاهر المذهب\". سلم الوصول ٣/ ١٣٩، مع اختصار يسير. وذهب إمام الحرمين وابن حجر رحمهما الله تعالى إلى التوقف في رواية مجهول العدالة، وإن روى تحريمَ شيءٍ يُكف عنه احتياطًا. انظر: تيسير التحرير ٣/ ٤٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٦، كشف الأسرار ٢/ ٤٠٠، ٣/ ٢٠، أصول السرخسي ١/ ٣٥٢، ٣٧٠، كشف الأسرار للنسفي ٢/ ٢٩، شرح الكوكب ٢/ ٤١٢، مختصر الطوفي ص ٥٨، المحلي على الجمع ٢/ ١٥٠، البحر المحيط ٦/ ١٥٩، البرهان =","vol":"5","page":1916},{"text":"مثاله ما رَوَى المخالف عن أم سلمة: أنها قالت: \"كانت النفساء تقعد على عهد رسول الله - ﷺ - أربعين يومًا\" (^١). وهذا رواه أبو سهل (^٢) عن\n_________\n= ١/ ٦١٥، نزهة النظر ص ٩٩. تنبيه: مع كون الحنابلة لا يقبلون رواية المستور إلا أن أبا الخطاب رحمه الله تعالى قال: أما العدالة الباطنة فهل تُعتبر في الخبر؟ يحتمل أن تُعتبر، كما اعتُبرت في الشهادة. ويحتمل أن لا تُعتبر، وهو اختيار شيخنا؛ لأن اعتبارها يشق. . .\" التمهيد ٣/ ١٢٢ - ١٢٣، وانظر: العدة ٣/ ٩٣٧.\n(^١) أخرجه أحمد ٦/ ٣٠٠، ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٩ - ٣١٠. وأبو داود ١/ ٢١٧ - ٢١٩، في كتاب الطهارة، باب ما جاء في وقت النُّفَسَاء، حديث رقم ٣١١، ٣١٢. والترمذي ١/ ٢٥٦، في الطهارة، باب ما جاء في كم تمكث النُّفَسَاء، رقم ١٣٩، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي سهل عن مُسَّة الاُزدية عن أم سلمة. وابن ماجه ١/ ٢١٣، في كتاب الطهارة وسننها، باب النفساء كم تجلس، رقم ٦٤٨. والدارقطني ١/ ٢٢١ - ٢٢٢، في كتاب الحيض، رقم الحديث ٧٦. والحاكم ١/ ١٧٥، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي ١/ ٣٤١.\nوقد صحح الحديث الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي، وذكر أن له إسنادين صحيحين، وذكر تصحيح الحاكم وموافقة الذهبي، وقال: \"ونقل ابن حجر في بلوغ المرام تصحيح الحاكم وأقره فلم يعترض عليه\".\nانظر: سنن الترمذي ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨، بلوغ المرام ص ٤١، تلخيص الحبير ١/ ١٧١، حديث رقم ٢٣٨. وقد حَسَّن الألباني الحديث في إرواء الغليل ١/ ٢٢٢، رقم الحديث ٢٠١.\n(^٢) هو كثير بن زياد، أبو السهل البُرْسانيُّ الأزديُّ العتكيُّ البصريّ. سكن بلخ. قال ابن حجر في التقريب: ثقة.\nانظر: تهذيب ٨/ ٤١٣، تقريب ص ٤٥٩.","vol":"5","page":1917},{"text":"مُسَّة (^١) (^٢) الأزدية عن أم سلمة وأبو سهل ومُسَّة (^٣) مجهولان، ذكره القاضي أبو الطيب. ومثل ذلك كثيرٌ.\nفإن قيل: قد قبلتم المجهول، وذلك أن عبد الرحمن بن وعلة المصري (^٤) رجل مجهول، وقد روى عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: \"أيما إهاب دُبغ فقد طهر\" ونقل عن أحمد بن حنبل أنه ذُكِر له حديثُه هذا، فقال: ومَنِ ابن وعلة! . قلنا: ليس ابن وعلة مجهولًا (^٥)، بل هو ثقة روى عنه زيد بن أسلم (^٦)، ويحيى بن سعيد (^٧) وغيرهما. ووثقه ابن\n_________\n(^١) هي مُسَّة - بضم أولها وتشديد السين - الأزدية، أمُّ بُسَّة، بضم الموحَّدة والتشديد أيضًا. قال ابن حجر في التقريب: \"مقبولة من الثالثة\". أي: وفاتها كانت بعد المائة، كما هو مصطلح ابن حجر ﵀. انظر: تهذيب ١٢/ ٤٥١، تقريب ص ٧٥٣.\n(^٢) في (ت): \"مسية\". وهو خطأ.\n(^٣) في (ت): \"ومسية\". وهو خطأ.\n(^٤) هو عبد الرحمن بن وَعْلة، ويقال: ابن السُّمَيْفع بن وعلة المِصْريُّ السَّبَائيّ. قال ابن معين والعجلي والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في الثقات. وذكره يعقوب بن سفيان في ثقات التابعين من أهل مصر. وضعَّفه أحمد في حديث الدِّباغ. وقال ابن حجر في التقريب: \"صدوق، من الرابعة\". انظر: تهذيب ٦/ ٢٩٣، تقريب ص ٣٥٢، ميزان ٢/ ٥٩٦.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) هو الإمام الحجة القدوة زيد بن أسلم أبو عبد الله العمريُّ المدنيُّ الفقيه. كان والده أسلم مولى عمر - ﵁ -. توفي سنة ١٣٦ هـ. انظر: سير ٥/ ٣١٦، تهذيب ٣/ ٣٩٥.\n(^٧) هو يحيى بن سعيد بن قيس بن عمرو بن سهل، أبو سعيد الأنصاريُّ الخزرجيُّ النجاريُّ المدني القاضي عالم المدينة في زمانه، وشيخ عالم المدينة، وتلميذ الفقهاء =","vol":"5","page":1918},{"text":"معين (^١) والعجلي (^٢) والنسائي (^٣). وروى له مسلم والأربعة.\nفإن قيل: رَوَى خالد بن أبي الصلت (^٤) عن عراك بن\n_________\n= السبعة. مولده قبل السبعين. قال ابن سعد: كان ثقةً كثير الحديث حجة ثبتًا. وقال الثوريُّ: كان أجلَّ عند أهل المدينة من الزهريّ. وقال أحمد: يحيى بن سعيد الأنصاريُّ أثبت الناس. مات سنة ١٤٤، وقيل: ١٤٦ هـ. انظر: سير ٥/ ٤٦٨، تهذيب ١١/ ٢٢١، تقريب ص ٥٩١.\n(^١) هو يحيى بن معين بن عون المريُّ الغطفانيُّ مولاهم، أبو زكريا البغداديّ، أصله من سَرَخْس. إمام الجرح والتعديل. ولد سنة ١٥٨ هـ. قال أحمد بن حنبل: كل حديثٍ لا يعرفه ابن معين فليس هو بحديث. وفي رواية: فليس هو ثابتًا. وقال ابن المديني: ما رأيت في الناس مثله. وقال العجلي: ما خلق الله تعالى أحدًا كان أعرف بالحديث من يحيى بن معين، ولقد كان يجتمع مع أحمد وابن المديني ونظرائهم فكان هو الذي ينتخب لهم الأحاديث لا يتقدمه منهم أحد، ولقد كان يُؤتى بالأحاديث قد خلطت وتلبَّست فيقول: هذا الحديث كذا، وهذا كذا. فيكون كما قال. مات - ﵁ - بمدينة الرسول - ﷺ - سنة ٢٣٣ هـ، وله سبع وسبعون سنة إلا نحوًا من عشرة أيام. انظر: سير ١١/ ٧١، تهذيب ١١/ ٢٨٠.\n(^٢) هو أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم، أبو الحسن العِجْليُّ الكوفيّ. نزيل مدينة أطرابلس المغرب. الإمام الحافظ الأوحد الزاهد. ولد بالكوفة سنة ١٨٢ هـ. وقد ذُكر لعباس بن محمد الدوريّ، فقال: ذلك كنا نعدُّه مثل أحمدَ بن حنبل ويحيى بن معين. له مصنف مفيد في الجرح والتعديل. مات سنة ٢٦١ هـ. انظر: سير ١٢/ ٥٠٥.\n(^٣) انظر: ميزان ٢/ ٥٩٦، تهذيب ٦/ ٢٩٣. ولم أقف على ترجمته في لسان الميزان ٣/ ٤٤١.\n(^٤) هو خالد بن أبي الصلت البصريّ، عامل عمر بن عبد العزيز - ﵁ - مدنيُّ الأصل. قال ابن حجر ﵀: \"وهو مقبول، من السادسة\". أي: الذين ماتوا بعد المائة. انظر: تهذيب ٣/ ٩٧، تقريب ص ١٨٨.","vol":"5","page":1919},{"text":"مالك (^١) عن عائشة أنها قالت: \"بلغ رسولَ الله - ﷺ - أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا القبلة بفروجهم. فقال: أوقد فعلوها، تَحَوَّلُوا بمَقْعَدَتَيَّ إلى القبلة\" (^٢). وخالد مجهول، وحكى أبو بكر بن المنذر (^٣) في \"كتابه\" هذا\n_________\n(^١) هو عِرَاك بن مالك الغفاريُّ الكنانيُّ المدينيّ. قال العِجْليُّ: \"شاميٌّ تابعيٌّ ثقةٌ من خيار التابعين\". وقال عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز: \"ما كان أبي يَعْدِل بعراك بنِ مالكٍ أحدًا\". وكان يصوم الدهر. وكان من أشدِّ أصحاب عمر بن عبد العزيز على بني مروان في انتزاع ما حازوا من الفيء والمظالم من أيديهم، فلما استُخْلِف يزيد بن عبد الملك نَفَى عِراكًا إلى جزيرة دَهْلَك - وهي جزيرة في بحر اليمن ضيِّقة حَرِجة حارة، كان بنو أمية إذا سخطوا على أحدٍ نفوه إليها - فمات هناك ﵀ في إمرة يزيد. انظر: سير ٥/ ٦٣، تهذيب ٧/ ١٧٢.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه ١/ ١١٧، في كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك في الكنيف وإباحته دون الصحاري، رقم ٣٢٤. وأحمد في المسند ٦/ ١٨٣، ٢٢٧، والدارقطني ١/ ٥٩ - ٦٠. والبيهقي في الكبرى ١/ ٩٢ - ٩٣، في الطهارة، باب الرخصة في الأبنية. وقد حسَّن النووي هذا الحديث في شرحه لمسلم ٣/ ١٥٤. وقال في المجموع ٢/ ٧٨: \"وأما حديث عائشة فرواه أحمد بن حنبل وابن ماجه، وإسناده حسن، لكن أشار البخاري في تاريخه في ترجمة خالد بن أبي الصلت إلى أن فيه علَّة\". وانظر: التاريخ الكبير ٣/ ١٥٥ - ١٥٦. ونقل الأثرم عن أحمد بن حنبل قوله: \"أحسن ما في الرخصة حديث عائشة، وإن كان مرسلًا فإنَّ مخرجه حسن. قلت له: فإن عراكًا يرويه مرة، ويقول: سمعت عائشة. فأنكره، وقال: من أين سمع عراك عائشة، إنما يروي عن عروة عنها\". انظر: نصب الراية ٢/ ١٠٦، تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٣ - ١٧٤. والمسألة طويلة الذيل، وقد أفاض في مناقشتها الزيلعي، والمحشِّي عليه. انظر: نصب الراية ٢/ ١٠٢ - ١٠٨.\n(^٣) هو محمد بن إبراهيم بن المنذر، أبو بكر النيسابوريُّ الشافعيّ. الإمام الحافظ =","vol":"5","page":1920},{"text":"عن أبي ثور.\nقلنا: خالد معروف، روى له ابن ماجه، وروى عنه سفيان بن حسين (^١) (^٢)، ومبارك بن فضالة (^٣)، وغيرهما. و(^٤) ذكره ابن حبان في \"الثقات\". قال شيخنا الذهبي: \"وما علمتُ أحدًا تَعَرَّض إلى لينه\" (^٥). وقال القاضي أبو الطيب: إن أبا بكر بن المنذر أجاب عن هذا\n_________\n= العلَّامة، شيخ الإسلام، المجتهد المطلق. ولد في حدود موت أحمد بن حنبل - ﵁ -. وله التصانيف المفيدة السائرة، منها: الأوسط، والإشراف في اختلاف العلماء، والإجماع، والتفسير، وغيرها. توفي سنة ٣١٨ هـ. انظر: سير ١٤/ ٤٩٠، الطبقات الكبرى ٣/ ١٠٢.\n(^١) في (ت): \"حصين\". وهو خطأ.\n(^٢) هو سفيان بن حسين بن الحسن، أبو محمد أو أبو الحسن الواسطيّ. قال ابن معين: \"ثقة، في غير الزهريِّ لا يُدفع، وحديثه عن الزهريِّ ليس بذاك، إنما سمع منه بالموسم\". وقال ابن حجر: \"ثقةٌ في غير الزهريِّ باتفاقهم، من السابعة\". انظر: سير ٧/ ٣٠٢، تهذيب ٤/ ١٠٧، تقريب ص ٢٤٤، ميزان ٢/ ١٦٥.\n(^٣) هو مبارك بن فَضَالة بن أبي أمية، أبو فَضَالة البصريّ، مولى زيد بن الخطَّاب. قال ابن حجر: \"صدوق يدلِّس ويُسَوِّي، من السادسة، مات سنة ست وستين على الصحيح\". أي: سنة ١٦٦ هـ. انظر: ميزان ٣/ ٤٣١، تهذيب ١٠/ ٢٨، تقريب ص ٥١٩.\n(^٤) سقطت الواو من (ص).\n(^٥) انظر: ميزان ١/ ٦٣٢، وتتمة كلام الذهبي ﵀: \"لكن الخبر منكر\". وقال عنه ابن حجر - ﵀ - في التقريب ص ١٨٨: \"مقبول\". وفي التهذيب ٣/ ٩٧ - ٩٨: \"قال البخاري: خالد بن أبي الصَّلْت عن عِراك مرسل. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا في استقبال البائل القبلة وهو معلّل. . . =","vol":"5","page":1921},{"text":"بأن أحمد بن حنبل قال: مَخْرج هذا الحديث حسن. قال: وقال غيره: روى عنه خالد الحذاء (^١)، ومبارك بن فضالة، وواصل مولى أبي عُيَيْنة (^٢). وهؤلاء ثقات، فوجب أن يكون خالدٌ معروفًا.\nوقد استدل المصنف على المختار: بأن الفسق مانع من القبول باتفاق، فلا بد من تحقق ظنِ عدمه قياسًا على الصِّبا والكفر، بجامع دفع (^٣) احتمال المفسدة.\n_________\n= وقال الترمذي في \"العلل الكبير\": سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: فيه اضطراب، والصحيح عن عائشة قولُها. وذكر أبو حاتم نحو قول البخاريّ، وأن الصواب: عِراك عن عروة عن عائشة قولُها، وأنَّ مَنْ قال فيه: عن عراك سمعت عائشة مرفوعًا - وَهِم فيه سندًا ومتنا\".\n(^١) هو الإمام الحافظ خالد بن مِهْران، أبو المَنَازِل - بفتح الميم، وقيل بضمها، وكسر الزاي - البصريّ، المشهور بالحَذَّاء. ولم يكن حَذَّاءً، بل كان يجلس في سوق الحَذَّائين أحيانًا، فعُرِف بذلك. وقال فهد بن حَيَّان: لم يَحْذُ خالدٌ قط، وإنما كان يقول: احْذُ على هذا النحو، فلُقِّب الحَذَّاء. وثَّقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والنسائي وجماعة، وحديثه في الصِّحاح. قال ابن حجر: \"ثقةٌ يرسل، من الخامسة، أشار حماد بن زيد إلى أنَّ حفظه تغَيَّر لما قدم من الشام، وعاب عليه بعضُهم دخولَه في عمل السلطان\". انظر: سير ٦/ ١٩٠، تهذيب ٣/ ١٢٠، تقريب ص ١٩١.\n(^٢) هو واصل مولى أبي عُيَيْنَةَ بن المهلَّب بن أبي صُفرة الأزديّ البصري. وثَّقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والعجلي وابن حبان ﵃ جميعًا. وقال البزار: ليس بالقويِّ، وقد احتمل حديثُه. قال ابن حجر ﵀: \"صدوق عابد، من السادسة\". انظر: تهذيب ١١/ ١٠٥، تقريب ص ٥٧٩.\n(^٣) في (ص): \"رفع\". وهو خطأ؛ لأن الفسق مانع، والمنع دفع لا رفع؛ لأن الرفع يقتضي ثبوت الشيء، ثم رفعه، والمانع يمنع ثبوت الشيء ويدفعه أصلًا. فالدفع لما بعده، يعني: مَنْعُ غير الثابت أن يثبت في المستقبل. والرفع لما قبله، يعني: رَفْعُ ما ثبت في الماضي.","vol":"5","page":1922},{"text":"وهذا الدليل فيه نظر؛ لأنا إذا شككنا في المانع فالأصل عدمه (^١)، فقد حصل ظنُّ عدمه بدليل الأصل؛ لأن عدم المانع ليس شرطًا حتى يُشترط تحقق عدمه، وكثير من الفقهاء يتخيل أنه شرط (^٢)، وليس كذلك، بل عدم المانع ليس بشرط، وعدم الشرط ليس بمانع. ودليله أن الشك في عدم الشرط يمنع ترتب الحكم، والشك في المانع لا يمنع ترتب الحكم؛ لأن القاعدة أن المشكوكات كالمعدومات، فكل شيء شككنا في وجوده أو عدمه جعلناه معدومًا، فلو كان عدمُ الشرط مانعًا، أو عدم المانع شرطًا لزم من الشك فيه أن يرتب (^٣) الحكم؛ لأنه مانع، وأن لا يرتبه (^٤)، لأنه شرط، (فيرتِّبه ولا يرتِّبه) (^٥)، وهذا جمع بين النقيضين (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) يعني: إذا شككنا في الفسق، هل هو موجود أو غير موجود؟ فالأصل عدم الفسق.\n(^٢) كالإمام وأتباعه - رحمهم الله تعالى - حيث قال في المحصول ٢/ ق ١/ ٥٧٩: \"عدم الفسق شرطُ جواز الرواية، فوجب أن يكون العلم به شرطًا لجواز الرواية\". وانظر: الحاصل ٢/ ٧٩٣، التحصيل ٢/ ١٣٣، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٨٨، الإحكام ٢/ ٧٩.\n(^٣) في (ص): \"نرتب\".\n(^٤) في (ص): \"لا نرتبه\".\n(^٥) في (ص): \"فنرتبه ولا نربته\".\n(^٦) يعني لو قلنا: عدم الشرط مانع. ثم شككنا في عدم الشرط، فباعتبار كونه شرطًا نمنع ثبوت الحكم، وباعتبار كونه مانعًا نثبت الحكم، وهذا جمع بين النقيضين. وكذا لو قلنا: عدم المانع شرط. ثم شككنا في عدم المانع، فباعتبار كونه مانعًا نثبت الحكم، وباعتبار كونه شرطًا نمنع ثبوت الحكم، وهذا أيضًا جمع بين النقيضين؛ فثبت أن عدم الشرط ليس بمانع، وعدم المانع ليس بشرط.\n(^٧) هذا الاعتراض الذي ذكره الشارح - ﵀ - استفاده من القرافي ﵀، حيث ذكره قاعدة في نفائس الأصول ٧/ ٢٩٦٤، معترِضًا بها على الإمام رحمه الله تعالى.","vol":"5","page":1923},{"text":"واعلم أن أبا حنيفة إنما يقبل رواية المجهول إذا كان في صدر الإسلام حيث الغالب على الناس العدالة، أما في هذا الزمان - فلا، صَرَّح به بعض المتأخرين من أصحابه (^١) (^٢).\nثم ذكر صاحب الكتاب من الطرق التي تُعْرف بها العدالة التزكية، وأخل بذكر الاختبار، وإن كان هو الأصل؛ إذ ليس مستند التزكية إلا هو، إما بمرتبةٍ، أو بمراتب دفعًا للتسلسل (^٣)؛ لأن مقصود الفصل (^٤) الكلام\n_________\n(^١) كذا قال القرافي في نفائس الأصول ٧/ ٢٩٦٢. وانظر: مناهج العقول ٢/ ٢٤٥.\n(^٢) انظر رواية المستور في: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٧٦، الحاصل ٢/ ٧٩٢، التحصيل ٢/ ١٣٣، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٨٦، نهاية السول ٣/ ١٣٨، السراج الوهاج ٢/ ٧٥٦، الإحكام ٢/ ٧٨، المستصفى ٢/ ٢٣٣ (١/ ١٥٧)، البرهان ١/ ٦١٤، المحلي على الجمع ٢/ ١٥٠، البحر المحيط ٦/ ١٥٩، شرح التنقيح ص ٣٦٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٤، كشف الأسرار ٢/ ٤٠٠، ٣/ ٢٠، أصول السرخسي ١/ ٣٥٢، ٣٧٠، تيسير التحرير ٣/ ٤٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٦، شرح الكوكب ٢/ ٤١٢، مختصر الطوفي ص ٥٨، العدة ٣/ ٩٣٦، التمهيد ٣/ ١٢١.\n(^٣) يعني: التزكية مردها إلى الاختبار: إما بمرتبة، بأن يزكي المزكّي بناءً على سماعه من المختبِر. أو بمراتب بناءً على قول مَنْ سمع من المختبِر؛ دفعًا للتسلسل. والاختبار إنما يحصل باعتبار أحواله، واختبار سره وعلانيته بطول الصحبة والمعاشرة سفرًا وحضرًا، والمعاملةُ معه. ولا يُشترط عدم موافقة الصغيرة، ولكن إذا لم يعثر منه على كبيرة تُهَوِّن على مرلكبها الأكاذيب، وافتعال الأحاديث، ولا تُسقِط الثقة.\nانظر: البحر المحيط ٦/ ١٦٦، شرح التنقيح ص ٢٦٥، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٩٤.\n(^٤) قوله: \"لأن مقصود الفصل. . .\" تعليلٌ لعدم ذكر الاختبار.","vol":"5","page":1924},{"text":"في<span data-type=\"title\" id=toc-477> أحكام التزكية</span>، وقد ذكر المصنف فيه أربع مسائل.\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-478>(الأولى: شُرِط العدد في الرواية والشهادة</span>، ومنع القاضي فيهما. والحق الفرقُ كالأصل).\nفي اشتراط العدد (في التزكية) (^١) في الرواية والشهادة - مذاهب:\nأحدها: يشترط فيهما. وهو رأي بعض المحدثين (^٢).\nوالثاني: لا يشترط، بل يكفي فيهما (^٣) واحد. وهو قول القاضي (^٤).\nوالثالث: وبه قال الأكثرون، أن العدد يشترط في التزكية في الشهادة دون التزكية في الرواية (^٥). وحجته: أن الشهادة نفسها لا بد فيها من العدد، فكذلك ما هو شرط فيها. والرواية لا يشترط فيها العدد فكذا شَرْطها (^٦). وإليه أشار بقوله: \"كالأصل\". ويؤخذ منه\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) وإليه ذهب أكثر فقهاء المدينة، وبعض الشافعية، والحنابلة، وغيرهم. قال الزركشي ﵀: \"وقال الأبياري: هو قياس مذهب مالك\". البحر المحيط ٦/ ١٦٦. وانظر: البرهان ١/ ٦٢٢، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٩٥، المستصفى ٢/ ٢٥٠ (١/ ١٦٢)، الكفاية ص ١٦٠، اللمع ص ٧٨، شرح الكوكب ٢/ ٤٢٥.\n(^٣) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٤) انظر: التلخيص ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢.\n(^٥) انظر: الإحكام ٢/ ٨٥، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٤، كشف الأسرار ٣/ ٣٧، تيسير التحرير ٣/ ٥٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٠.\n(^٦) لأن شرط الشيء لا يزيد على أصله. كذا في المحصول ٢/ ق ١/ ٥٨٦. وقال صفي =","vol":"5","page":1925},{"text":"قبول تزكية المرأة والعبد في الرواية، وهو كذلك (^١).\nقال: (الثانية: قال الشافعي - ﵁ -: يذكر سبب الجرح. وقيل: سبب التعديل. وقيل: سببهما. وقال القاضي: لا فيهما).\nقال الشافعي - ﵁ -: يجب ذكر سبب الجرح دون التعديل (^٢)؛ إذ قد يجرح بما لا يكون جارحًا؛ لاختلاف المذاهب فيه، بخلاف العدالة؛ إذ ليس لها إلا سبب واحد. ولأن الجرح يحصل بخصلة واحدة بخلاف التعديل.\nوقيل: عكسه؛ لأن مطلق الجرح يُبْطل الثقة، ومطلق التعديل لا يُحَصِّل الثقة؛ لتسارع الناس إلى الثناء اعتمادًا على الظاهر، فلا بد من سببه.\nوقيل: لا بد من تبيين السبب فيهما جميعًا، أخذًا بمجامع كلام الفريقين (^٣).\n_________\n= الدين ﵀: \"لأنه لا عهد في الشرع بأن شرط الشيء يزيد في الاحتياط والإثبات على مشروطه، بل إما يساويه وهو كثير، أو ينقص عنه كالإحصان، فإنه شرط لوجوب الرجم، وأنه يثبت بشهادة الاثنين، مع أن الزنا لا يثبت إلا بشهادة الأربعة، فإذا قبلت رواية الواحد - فلأن تقبل تزكية الواحد أو جرحه فيها كان أولى؛ لأن غاية مرتبة الشرط أن يلحق بمشروطه\". نهاية الوصول ٧/ ٢٨٩٥.\n(^١) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٨٦.\n(^٢) وهو قول الجمهور. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٨٦، الإحكام ٢/ ٨٦، التلخيص ٢/ ٣٦٥، تيسير التحرير ٣/ ٦١، فواتح الرحموت ٢/ ١٥١، البحر المحيط ٦/ ١٧٩، شرح الكوكب ٢/ ٤٢٠ - ٤٢٣، تدريب الراوي ١/ ٢٥٨.\n(^٣) وبه قال الماوردي رحمه الله تعالى. انظر: البحر المحيط ٦/ ١٨٠.","vol":"5","page":1926},{"text":"وقال القاضي: لا يجب ذكر السبب فيهما؛ لأنه إن لم يكن بصيرًا بهذا الشأن - لم يصلح للتزكية، وإن كان بصيرًا به - فلا معنى للسؤال (^١). كذا نص عليه في \"مختصر التقريب\" (^٢)، ونقله عنه الآمدي، (والغزالي) (^٣)، والإمام، وأتباعه منهم المصنف (^٤). ونقل إمام الحرمين في \"البرهان\" عنه المذهب الثاني: وهو اشتراط بيان السبب في التعديل دون الجرح، وقال: \"إنه أوقع في مآخذ الأصول\" (^٥).\nوقال إمام الحرمين والإمام وغيرهما: إنْ كان المزكِّي عالمًا بأسباب الجرح والتعديل اكتفينا بإطلاقه فيهما، وإن لم نَعرف (^٦) اطلاعه على شرائطهما استخبرناه عن أسبابهما (^٧). ويشبه أن لا يكون هذا مذهبًا\n_________\n(^١) وهذا القول رواية عن أحمد - ﵁ -، واختاره الآمدي والقرافي رحمهما الله تعالى. انظر: شرح الكوكب ٢/ ٤٢٣، مختصر الطوفي ص ٦١، الإحكام ٢/ ٨٦، شرح التنقيح ص ٣٦٦.\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٣٦٦.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: الإحكام ٢/ ٨٦، المستصفى ٢/ ٢٥٢ (١/ ١٦٢)، المحصول ٢/ ق ١/ ٥٨٧، الحاصل ٢/ ٧٩٥، التحصيل ٢/ ١٣٥، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٩٧.\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ٦٢١. وهذا النقل عن القاضي - رحمه الله تعالى - وَهَم بلا شك. وانظر: البحر المحيط ٦/ ١٧٩ - ١٨٠.\n(^٦) في (ص)، و(غ): \"يُعْرف\".\n(^٧) وهو اختيار الغزالي رحمه الله تعالى، وأتباع الإمام رحمهم الله تعالى. وإليه ذهب الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى.\nانظر: البرهان: ١/ ٦٢١، المحصول ٢/ ق ١/ ٥٨٩، الحاصل ٢/ ٧٩٥، التحصيل =","vol":"5","page":1927},{"text":"خامسًا؛ لأنه إذا لم يكن عارفًا بشروط العدالة لم يصلح للتزكية (^١).\nقال: (الثالثة: الجرح مقدم على التعديل؛ لأن فيه زيادة).\nالجرح يقدم عند التعارض على التعديل؛ فإن فيه اطلاعًا على زيادة لم يطلع عليها المعدِّل، اللهم إلا إذا جَرَحه بقتل إنسان وقت كذا، فقال المزكِّي: رأيتُه حيًا بعد ذلك - فها هنا (^٢) يتعارضان (^٣).\nوهذا إذا كان المعدِّل والجارح في العدد سواء. وقد حَكَى القاضي في \"مختصر التقريب\" إجماع العلماء عليه (^٤)، لكن حكى ابن الحاجب مذهبًا أنهما يتعارضان ولا يترجح أحدهما إلا بمرجِّح (^٥).\n_________\n= ٢/ ١٣٥، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٩٨، المستصفى ٢/ ٢٥٣ (١/ ١٦٣)، الكفاية ص ١٧٨.\n(^١) ولذلك قال الزركشي ﵀: \"ويحتمل أن يكون هذا هو مذهب القاضي. بل جزم الشارح في \"جمع الجوامع\"، والكمال بن الهمام، وصاحب المسلَّم أن هذا هو عين قول القاضي رحمه الله تعالى. انظر: تيسير التحرير ٣/ ٦١ - ٦٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٥١، شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٦٤.\n(^٢) في (ص): \"فهنا\".\n(^٣) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٨٨، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٩٩، شرح التنقيح ص ٣٦٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٤ - ١٥٥، نهاية السول ٣/ ١٤٦.\n(^٤) انظر: التلخيص ٢/ ٣٦٨، وكذا حكى الخطيب - ﵀ - الاتفاق على ذلك. انظر: الكفاية ص ١٧٥.\n(^٥) انظر: بيان المختصر ١/ ٧٠٨، وهذا القول محكي عن ابن شعبان من المالكية، كما ذكر الشارح في \"جمع الجوامع\". انظر: شرح المحلي ٢/ ١٦٤، البحر =","vol":"5","page":1928},{"text":"واعلم أن الاستدلال بالإجماع - إذا كان قد قام كما (^١) حكاه القاضي - أقوى الحجج على المدَّعى؛ لأن الزيادة التي ذكرها الجارح قد ينفيها المعدِّل.\nفإن قلت: لو نفاها لكان (^٢) شاهدًا على النفي فلا تقبل شهادته.\nقلت: إنما كلامنا في الرواية، فهو مخبِرٌ عن النفي، والإخبار نفيًا وإثباتًا مقبول، بخلاف الشهادة (^٣)، فلا يقاس أحدهما (على الآخر) (^٤). نعم قال القاضي: \"الإخبار عن النفي يَضْعف\" (^٥).\nوأما إن كَثُرَ عَدَدُ المعدِّلين وقَلَّ عددُ الجارحين - فقد صار بعض العلماء إلى أن العدالة في مثل هذه الصورة أولى.\nوالحق التسوية؛ فإن كلَّ واحدٍ من الجرح والتعديل يستقل بنفسه لو قُدّر مفردًا، فالزيادة لا تقتضي تغيير (^٦) ذلك. قال القاضي: \"ويوضحه أن\n_________\n= المحيط ٦/ ١٨٤، إحكام الفصول ص ٣٧٩. أما إذا كان عدد الجارحين أكثر من عدد المعدِّلين - فالإجماع على تقديم الجارحين على المعدلين جزم به الشارح في \"جمع الجوامع\". انظر: شرح المحلي ٢/ ١٦٤، البحر المحيط ٦/ ١٨٥.\n(^١) في (ت)، و(غ): \"فما\".\n(^٢) في (ص): \"كان\".\n(^٣) انظر: الكفاية ص ١٧٦ - ١٧٧.\n(^٤) في (ص): \"بآخر\".\n(^٥) انظر: التلخيص ٢/ ٣٦٩.\n(^٦) في (ص): \"بغير\". وهو تصحيف، والعبارة منقولة من التلخيص ٢/ ٣٦٩، وهي =","vol":"5","page":1929},{"text":"عشرة من الشهود لو شهدوا على ثبوت دين، وشهد عدلان على إبراء مُسْتَحِقِّه عنه - فَيُقْضى بالإبراء، فإنهما أخبرا عما أخبر الشهود عنه، وانفردا بزيادة علم، و(^١) شأن الجارح مع المعدِّلين\" (^٢) (^٣).\nقال: (الرابعة: التزكية أن يَحْكم بشهادته، أو يُثْني عليه، أو (^٤) يروي عنه مَنْ لا يروي عن غير العدل، أو يعمل بخبره).\nللتزكية (^٥) أربع مراتب:\nأعلاها: أن يحكم بشهادته (^٦).\nوثانيها: أن يُثْني عليه، بأن يقول: هو عدل. وما أشبهه. وقال بعض الشافعية لا بد وأن يقول: هو عدل عليَّ، ولي.\n_________\n= فيه كما أثبتها هنا.\n(^١) سقطت الواو من (ت).\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠.\n(^٣) انظر المسألة في: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٨٨، الحاصل ٢/ ٧٩٥، التحصيل ٢/ ١٣٥، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٩٨، نهاية السول ٣/ ١٤٥، السراج الوهاج ٢/ ٧٦٢، المستصفى ٢/ ٢٥٣ (١/ ١٦٣)، الإحكام ٢/ ٨٧، المحلي على الجمع ٢/ ١٦٤، غاية الوصول ص ١٠٣، البحر المحيط ٦/ ١٨٣، شرح التنقيح ص ٣٦٦، إحكام الفصول ص ٣٧٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٥، تيسير التحرير ٣/ ٦٠، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٤، شرح الكوكب ٢/ ٤٣٠، المسودة ص ٢٧٢.\n(^٤) في (ص): \"أن\". وهو خطأ.\n(^٥) في (ت)، و(غ): \"التزكية\".\n(^٦) وهذه المرتبة متفق عليها. انظر: الإحكام ٢/ ٨٨، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٠٠.","vol":"5","page":1930},{"text":"وثالثها: إذا رَوَى عنه مَنْ لا يروى عن غير العدل - فإنه يكون تعديلًا على المختار عند الإمام والآمدي (^١)، كالبخاري ومسلم في \"صحيحيهما\".\nوقيل: الرواية تعديل مطلقًا. وقيل: عكسه (^٢). كما أن تركها ليس بجرح.\nورابعها: إذا عمل بمدلول ما أَخْبَرَ به، ولم يُمكن حَمْلُه على الاحتياط، ولا على العمل بدليل آخر - فهو تعديل. وقد نقل الآمدي الاتفاق على ذلك (^٣)، وليس بجيد؛ فإن الخلاف محكي في \"مختصر\n_________\n(^١) وهو الراجح عند أكثر الأصوليين، وبه قال الخطيب البغدادي - ﵀ - وجمع من المحدثين. قال السخاوي: \"وهذا هو الصحيح عند الأصوليين، كالسيف الآمدي، وابن الحاجب، وغيرهما، بل وذهب إليه جمع من المحدثين، وإليه مَيْلُ الشيخين وابن خزيمة في صحاحهم، والحاكم في مستدركه، ونحوه قول الشافعي ﵀ فيما يتقوى به المرسَل: أن يكون المرسِل إذا سَمَّى مَنْ روى عنه - لم يُسَمِّ مجهولًا، ولا مرغوبًا عن الرواية عنه. انتهى\". فتح المغيث ٢/ ٤١ - ٤٢.\nوانظر: الكفاية ص ١٥٤. وانظر: البرهان ١/ ٦٢٣، المستصفى ٢/ ٢٥٤ (١/ ١٦٣)، المحصول ٢/ ق ١/ ٥٨٩، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٠٢، الإحكام ٢/ ٨٩، المحلي على الجمع ٢/ ١٦٤، شرح التنقيح ص ٣٧٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٦، تيسير التحرير ٣/ ٥٠، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٠، شرح الكوكب ٢/ ٤٣٤، المسودة ص ٢٥٣.\n(^٢) وهو رأي جمهور المحدثين، والصحيح عندهم. انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٠٠، تدريب الراوي ١/ ٢٦٦، فتح المغيث ٢/ ٤٠.\n(^٣) الإحكام ٢/ ٨٨. وانظر: البرهان ١/ ٦٢٤، المحصول ٢/ ق ١/ ٥٩٠، المسودة =","vol":"5","page":1931},{"text":"التقريب\" (^١) للقاضي (^٢).\nوأما ترك العمل بما رواه هل يكون جرحًا؟ - فقال القاضي في \"مختصر التقريب\": \"إنْ تحقق تركه للعمل بالخبر مع ارتفاع الدوافع (^٣) والموانع، وتقرر عندنا تركه (^٤) موجب الخبر، مع أنه لو كان ثابتًا للزم العمل به - فيكون ذلك جرحًا. وإن كان مضمون الخبر مما يسوغ تركُه، ولم يتبين قَصْدُه إلى مخالفة الخبر - فلا يكون جرحًا\" (^٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>فائدة </span>(^٦):\nأطلق الإمام أن الحكم بالشهادة تزكية (^٧) كما في الكتاب، وقَيَّده الآمدي بما إذا لم يكن الحاكم ممن يرى قبولَ الفاسقِ الذي لا يكذب (^٨). وهو قيد صحيح إلا أنه لا يختص بهذا القسم، فإن القسم الرابع كذلك.\n_________\n= ص ٢٧٢، نهاية السول ٣/ ١٤٨.\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٣٧١.\n(^٢) رأي جمهور المحدثين أنه ليس بتعديل مطلقًا. انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٠٠، تدريب الراوي ١/ ٢٦٧، فتح المغيث ٢/ ٣٨.\n(^٣) في (ص)، و(ت)، و(غ): \"الروافع\". وهو خطأ. والمثبت من \"التلخيص\".\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"بتركه\". والضمير يعود إلى الراوي.\n(^٥) انظر: التلخيص ٢/ ٣٧٢. وانظر: المحلي على الجمع ٢/ ١٦٤، المستصفى ٢/ ٢٥٦ (١/ ١٦٣)، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٠٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٦، تيسير التحرير ٣/ ٥٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٨، شرح الكوكب ٢/ ٤٣٣، علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٠٠، تدريب الراوي ١/ ٢٦٧، الكفاية ص ١٨٦.\n(^٦) في (ت) بياض مكان هذه الكلمة.\n(^٧) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٨٩.\n(^٨) انظر: الإحكام ٢/ ٨٨.","vol":"5","page":1932},{"text":"قال: (الرابع: الضبط، وعدم المساهلة في الحديث. وشَرَط أبو علي العدد، ورُدَّ بقبول الصحابة خبر الواحد. قال: طلبوا العدد. قلنا: عند التهمة).\nالشرط الرابع من شروط الراوي: أن يكون بحيث يُؤمَن من الكذب والخطأ فيما رواه، وذلك يستدعي حصول أمرين:\nأحدهما: الضبط. فمن يكون مختل الطبع لا يقدر على الحفظ أصلًا - لا يُقبل خبره البتة. وكذا من يعتريه السهو غالبًا، ورب مَنْ يضبط قِصَار الأحاديث دون طوالها؛ لقدرته على ضبطِ تلك دون هذه، فتقبل روايته فيما عُلم ضبطه إياه.\nالثاني: ولعله يدخل في الأول، عدم التساهل. فلو رَوَى الحديثَ وهو غيرُ واثقٍ به - لم نقبله (^١). وإن كان يتساهل في غير الحديث ويحتاط في الحديث - قُبلت روايته على الأظهر، وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: \"في الحديث\".\nوَشَرَط أبو علي الجبائي العدد في كل خبر (^٢)، وقال كما حكى عنه القاضي عبد الجبار: لا يُقبل في الزنا إلا خبرُ أربعةٍ، كالشهادة عليه (^٣).\n_________\n(^١) في (ص)، و(ت): \"لم يقبله\". وهو خطأ.\n(^٢) أي: لا بد من رواية عدلين. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٩٩.\n(^٣) أي: يُشترط في كل رواية من روايات الزنا أربعة رواة، قياسًا على الشهادة عليه.","vol":"5","page":1933},{"text":"ونقل القرافي عن كتاب \"المحصول في الأصول\" لابن العربي (^١): أن الجبائي اشترط في قبول الخبر اثنين، وشرط على الاثنين اثنين إلى أن ينتهي الخبر إلى التاسع (^٢). وهذا الذي قاله مردود بقبول الصحابة خبر العدل الواحد كعمل عليٍّ بخبر المقداد، وتعويلهم على خبر عائشة في التقاء الختانين، وغير ذلك.\nواحتج: بأنهم طلبوا العدد في أماكن، فإن أبا بكرٍ - ﵁ - لم يَقبل خبر المغيرة في الجدة حتى رواه معه محمد بن مَسْلَمة (^٣)، ولم يعمل عمر بخبر أبي موسى في الاستئذان حتى رواه أبو سعيد الخدري (^٤)، وغير ذلك.\nوالجواب: أنهم لم يطلبوا العدد إلا عند الريبة في صحة الرواية، إما\n_________\n(^١) هو محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله، أبو بكر بن العربيّ الأندلسيُّ الإشبيليُّ المالكيّ، الإمام الحافظ العلَّامة القاضي. ولد سنة ٤٦٨ هـ. كان يُقال: إنه بلغ رتبة الاجتهاد. صنف في غير فنٍّ تصانيف مليحة كثيرة، منها: \"أحكام القرآن\"، \"المسالك في شرح موطأ مالك\"، \"المحصول\" في أصول الفقه، \"أنوار الفجر\" في تفسير القرآن، أتى فيه بكل بديع. توفي بفاس سنة ٥٤٣ هـ. انظر: سير ٢٠/ ١٩٧، الديباج المذهب ٢/ ٢٥٢.\n(^٢) انظر: نفائس الأصول ٧/ ٢٩٧٩.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) أخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٩٦٤، كتاب الاستئذان، باب الاستئذان، رقم ٣. والبخاري في صحيحه ٢/ ٧٢٧، كتاب البيوع، باب الخروج في التجارة، رقم ١٩٥٦، وفي كتاب الاستئذان، باب التسليم والاستئذان ثلاثًا ٥/ ٢٣٠٥، رقم الحديث ٥٨٩١. ومسلم ٣/ ١٦٩٤ - ١٦٩٦، في كتاب الآداب، باب الاستئذان، رقم ٢١٥٣، ٢١٥٤.","vol":"5","page":1934},{"text":"لاحتمال نسيان مَنْ روى (^١)، أو غير ذلك. وبهذا يحصل الجمع بين قبولهم تارةً ورَدِّهم أخرى. وحَكَى ابن الأثير في \"جامع الأصول\" أن بعضهم اشترط أربعةً عن أربعة إلى أن ينتهي الإسناد (^٢) (^٣).\nقال: (الخامس: شرط أبو حنيفة فِقْه الراوي إنْ خالف القياس. ورُدَّ: بأن العدالة تُغَلِّب ظَنَّ الصدقِ فيكفي).\nالراوي لا يُشْترط أن يكون فقيهًا عند الأكثرين، سواء كانت روايته مخالفة للقياس أم لم تكن.\nوقال أبو حنيفة - ﵁ -: يُشترط فقهه إن خالف القياس (^٤)؛ لأن الدليلَ نحو قوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ\n_________\n(^١) في (غ): \"يروي\".\n(^٢) انظر: جامع الأصول ١/ ٣٣.\n(^٣) انظر المسألة في: المحصول ٢/ ق ١/ ٥٩١ - ٥٩٣، ٥٩٩، الحاصل ٢/ ٧٩٧، ٧٩٩، التحصيل ٢/ ١٣٠، ١٣٢، ١٣٦، نهاية الوصول ٧/ ٢٨٨٥، ٢٩١٥، نهاية السول ٢/ ١٥٠، السراج الوهاج ٢/ ٧٦٥، مناهج العقول ٢/ ٢٥١، المعتمد ٢/ ١٣٥، الإحكام ٢/ ٩٤، شرح التنقيح ص ٣٦٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٣١ شرح الكوكب ٢/ ٣٦٢.\n(^٤) هذا المنسوب إلى أبي حنيفة - ﵁ - غير صحيح، بل الصواب أنه مذهب عيسى بن أبان، وأبي زيد الدبوسي، والبزدوي، وأكثر المتأخرين من الحنفية، فإنهم يرون أن خبر الواحد إذا كان راويه عدلًا ضابطًا فقيهًا: فإنه يقدم على القياس مطلقًا. أما رواية العدل غير الفقيه: فإنه يقدم على القياس إذا لم ينسد باب الرأي. أما إذا انسد باب الرأي قُدِّم القياس عليه. وقد اشترط فقه الراوي مالك - ﵁ -، وأكثر المالكية. =","vol":"5","page":1935},{"text":"شَيْئًا﴾ (^١)، ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^٢)، ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ (^٣) - ينفي (^٤) جواز العمل بخبر الواحد. خالفناه فيما إذا كان الراوي فقيهًا؛ لأن الاعتماد على روايته أوثق، فوجب بقاء ما عداه على الأصل (^٥).\nورُدَّ: بأن عدالة الراوي تُغَلِّب ظَنَّ صدقه، والعملُ بالظن واجب كما تقرر، وبقوله - ﷺ -: \"نَضَّر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها (^٦) \" إلى قوله: \"فربَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيه\" (^٧)، فهذا صريح في الباب.\n_________\n= وحجة مالك - ﵁ -: أن غير الفقيه يسوء فهمه، فَيَفْهم الحديث على خلاف وضعه، وربما خطر له أن ينقله بالمعنى الذي فهمه معرضًا عن اللفظ، فيقع الخلل في مقصود الشارع، فالحزم أن لا يُروى عن غير الفقيه. انظر: شرح التنقيح ص ٣٦٩، نشر البنود ٢/ ٤٧، إحكام الفصول ص ٣٦٦، كشف الأسرار ٢/ ٣٧٧، تيسير التحرير ٣/ ٥٢، ١١٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٤٤، أصول السرخسي ١/ ٣٣٨، المحصول ٢/ ق ١/ ٦٠٧، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٢٠، الإحكام ٢/ ٩٤، نهاية السول ٣/ ١٥٢، السراج الوهاج ٢/ ٧٦٧.\n(^١) سورة يونس: الآية ٣٦.\n(^٢) سورة الإسراء: الآية ٣٦.\n(^٣) سورة النجم: الآية ٢٨.\n(^٤) جملة \"ينفي\" خبر قوله: لأن الدليل.\n(^٥) أي: وجب بقاء رواية غير الفقيه على الأصل وهو عدم القبول.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٤٣٧. والترمذي في السنن ٥/ ٣٤، كتاب العلم، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، رقم ٢٦٥٦ - ٢٦٥٨. والشافعي في الرسالة ص ٤٠١، باب الحجة في تثبيت خير الواحد، رقم ١١٠٢. وابن ماجه في السنن =","vol":"5","page":1936},{"text":"قال: (وأما<span data-type=\"title\" id=toc-480> الثاني: فأن لا يخالفه قاطع</span>، ولا يقبل التأويل، ولا يضره مخالفة القياس ما لم يكن قطعي المقدمات، بل يُقَدَّم لقلة مقدماته وعمل الأكثر والراوي).\nانقضت شروط المخبِر بكسر الباء، والكلام الآن في شرط المخبَر عنه، وشَرْطُه: أن لا يخالفه دليل قاطعٌ؛ لقيام الإجماع على تقديم المقطوع على (^١) المظنون.\nفإنْ خالفه دليل قاطع فذلك القاطع إما عقلي، أو سمعي.\nفإنْ كان عقليًا: نُظِر فإنْ كان ذلك الخبر قابلًا للتأويل القريب الذي إذا طَرَق أُذُن مَنْ هو مِنْ (^٢) أهل اللسان سَمِعه ولم يَنْبُ عنه طَبْعُه - وَجَب تأويلُه؛ جمعًا بين الدليلين، وإلا قَطَعْنا بأنه لم يصدر من الشارع؛ لأن الدليل القطعي (^٣) لا يحتمل الصَّرْف عما دل عليه بوجه من الوجوه، لا بالتخصيص، ولا بالتأويل، ولا بغيرهما، فيجب القطع بأنه مكذوب على الشارع؛ ضرورةَ أن (^٤) الشارع لا يصدر عنه الكذب، ولو صدر عنه هذا للزم صدور الكذب وهو محال.\n_________\n= ١/ ٨٤ - ٨٦، في المقدمة، باب مَن بلَّغ علمًا، رقم ٢٣٠ - ٢٣٢، ٢٣٦. وفي كتاب المناسك، باب الخطبة يوم النحر، رقم ٣٠٥٦. وابن حبان في صحيحه ١/ ٢٣٦ - ٢٣٩، كتاب العلم، رقم ٦٦ - ٦٩. وانظر: مجمع الزوائد ١/ ١٣٧ - ١٣٩.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (غ): \"العقلي\".\n(^٤) في (ت): \"ضرورةً؛ لأن\".","vol":"5","page":1937},{"text":"وإنْ كان سمعيًا: فإن لم يمكن الجمع بينهما فالحكم كما سبق. هذا إذا عُلم تأخير المظنون عن المقطوع، أو جُهل التاريخ؛ إذ لا يجوز الحمل على النسخ، فإنَّ نسخ المقطوع بالمظنون غير جائز شرعًا.\nفإنْ علم تأخيرُ المقطوع عنه حُمل على أنه منسوخ، ولا يُقْطع بكذبه، وإنْ كان الجمع غير ممكن؛ لِتَحَقُّق شرط النسخ. وبهذا يفارق ما نحن فيه الصورة التي يُجْهل التاريخ فيها، فإنه وإن أمكن في تلك الصورة أن يحمل على أن المظنون منسوخ بالمقطوع، و(^١) لكن لم يتحقق شَرْط النسخ، فلا يقطع به بمجرد الاحتمال، فإنَّ الآفات العارضة للراوي مِنْ كذبٍ أو نسيان (^٢) وغيرهما محتملة، بل ربما يكون الحمل عليها أهون من الحمل على النسخ مع عدم تحقق شرطه. هذا شَرْط خبر الواحد.\nوأما ما ظُنَّ أنه شرط له وليس كذلك:\nفمنه: إذا عارض خبرَ الواحد القياسُ:\nفإما أن يقتضِي أحدُهما تخصيصَ الآخر - فيُخَصِّص (^٣)؛ لأن تخصيص العلة وخبر الواحد بالقياس جائز.\nوإنْ تباينا مِنْ كل وجه، وفيه كلام المصنف - فينظر في مقدِّمات القياس: فإنْ ثبتت (^٤) بدليل قطعي قدمنا القياس على خبر الواحد، وذلك واضح.\n_________\n(^١) سقطت الواو من (ص).\n(^٢) في (ص): \"ونسيان\".\n(^٣) في (ت): \"فنخصِّص\".\n(^٤) في \"ص\": \"ثبت\".","vol":"5","page":1938},{"text":"وإن لم تكن مقدمات القياس قطعية: فإن كانت كلها ظنية قُدِّم الخبر؛ لقلة مقدماته. ولا يتجه أن يكون هذا محل خلاف، وإنْ كان كلام بعضهم وهو طريقة الآمدي يقتضي أنه من صور الخلاف (^١)، لكنه بعيد.\nوإن كان البعض قطعيًا والبعض ظنيًا - فمفهوم كلام المصنف أن خبر الواحد مقدم أيضًا، وهو قول الشافعي - ﵁ -، واختيار الإمام وجماعة (^٢).\nوقال مالك: القياس راجح (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ٢/ ١١٨ - ١١٩.\n(^٢) وإليه صار أحمد وأبو حنيفة وصاحباه - ﵃ جميعًا - وأبو الحسن الكرخي ﵀، ومن تابعهم من الحنفية، انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٩٣٥، الإحكام ٢/ ١١٨، تيسير التحرير ٣/ ١١٦، كشف الأسرار ٢/ ٣٧٧، المحلي على الجمع ٢/ ١٣٦، العدة ٣/ ٨٨٨، شرح الكوكب ٢/ ٣٦٧، المسودة ص ٢٣٩، المحصول ٢/ ق ١/ ٦١٩ - ٦٢٢، الحاصل ٢/ ٨٠٢ - ٨٠٤.\n(^٣) قال القرافي في شرح التنقيح ص ٣٨٧: \"حكى القاضي عياض في \"التنبيهات\"، وابن رشد في \"المقدمات\" في مذهب مالك في تقديم القياس على خبر الواحد قولين، وعند الحنفية قولان أيضًا\". وانظر: نشر البنود ٢/ ١٠٩، قال الشيخ الشنقيطي - ﵀ - في نثر الورود ٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤: \"قلت: التحقيق خلاف ما ذهب إليه المؤلف، والقرافي، والرواية الصحيحة عن مالك رواية المدنيين: أن خبر الواحد مقدم على القياس. وقال القاضي عياض: مشهور مذهبه أن الخبر مقدم، قاله المقَّري، وهو رواية المدنيين، ومسائل مذهبه تدل على ذلك. . .\" وانظر: مذكرته فى أصول الفقه ص ١٧٤. قال الشاطبي ﵀ في الموافقات ٣/ ٢٤: \"إذا جاء خبر الواحد معارضًا لقاعدة من قواعد الشرع هل يجوز العمل به أم لا؟ فقال أبو حنيفة: لا =","vol":"5","page":1939},{"text":"وقال عيسى بن أبان: إنْ كان الراوي ضابطًا عالمًا قُدِّم خبره، وإلا كان في محل الاجتهاد (^١). وتوقف قوم (^٢).\nوالمختار عندنا ما ذهب إليه أبو الحسين: وهو أنه يَجْتهد فإن كانت أمارة القياس أقوى (^٣) وجب المصير إليها، وإلا فبالعكس (^٤). وإن استويا في\n_________\n= يجوز العمل به. وقال الشافعي: يجوز. وتردد مالك في المسألة. قال: ومشهور قوله والذي عليه المعوَّل أنَّ الحديث إنْ عضدته قاعدة أخرى قال به، وإن كان وحده تركه\". قال الباجي في إحكام الفصول ص ٦٦٦: \"قال أكثر أصحابنا: القياس مقدم على أخبار الآحاد\". وانظر: المقدمة في الأصول ص ١١٠، لابن القصار ﵀، البحر المحيط ٦/ ٢٥١.\n(^١) قد سبق نقل مذهب عيسى بن أبان، وأبي زيد الدبوسي، والبزدوي، وأكثر المتأخرين من الحنفية: وهو أنهم يرون أن خبر الواحد إذا كان راويه عدلًا ضابطًا فقيهًا - فإنه يقدم على القياس مطلقًا. أما رواية العدل غير الفقيه: فإنه يقدم على القياس إذا لم ينسد باب الرأي، أما إذا انسد باب الرأي قُدِّم القياس عليه.\nانظر: كشف الأسرار ٢/ ٣٧٧، تيسير التحرير ٣/ ٥٢.\n(^٢) وهو القاضي أبو بكر الباقلاني ﵀، وعلل توقفه بقوله: \"القياس والحديث في مرتبة واحدة، فإن العمل بالحديث والقياس مقطوع به، وكل واحد منهما ظني في نفسه، ففي كل واحد منهم ظن وقطع، فوقفا موقفًا سواءً وتعارضا، ووجب الرجوع إلى طريق آخر\". انظر: الوصول إلى الأصول ٢/ ٢٠٧، إحكام الفصول ص ٦٦٦ - ٦٦٧، وقال فيه: \"والذي عندي أن الخبر مقدم على القياس. وأنه لا يقف الاحتجاج بالخبر إذا عُورض بالقياس. فإن عُورض القياس بالخبر بطل الاحتجاج به، وقد نص على هذا القول أيضًا القاضي أبو بكر - ﵀ - في كتبه\". وانظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٢١، الإحكام ١/ ١١٨، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٣٦.\n(^٣) أي: أقوى من عدالة الراوي. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٢١.\n(^٤) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٢١، المعتمد ٢/ ١٦٣.","vol":"5","page":1940},{"text":"إفادة الظن فالوجه ما ذهب إليه الشافعي - ﵁ - (^١).\nومنه: عملُ أكثرِ الأمة بخلاف خبر الواحد لا يضر خبرَ الواحد، أي: لا يُوجب رَدَّه؛ لأن أكثر الأمة بعض الأمة، وقول بعض الأمة ليس بحجة.\nومَنْ يقول اتفاق الأكثر إجماعٌ، ولا عبرةَ بالمخالف إذا نَدَرَ - فاللائق بمذهبه أن يَرُدَّ به الخبر، وأما عندنا فلا، لكن قول الأكثر من المرجِّحات، فيقدم عند التعارض، بمعنى: أنه إذا عارض خبرَ الواحدِ خبرٌ آخرُ مِثْلُه معتضِدٌ بعمل الأكثر - قُدِّم على الآخر الذي ليس معه عمل الأكثر (^٢).\nومنه: عمل راوي الخبر بخلافه، أي: بخلاف ظاهر الخبر - لا يوجب رَدَّه، كما أشار إليه بقوله: \"والراوي\" عطفًا على \"عمل الأكثر\"، أي:\n_________\n(^١) هذا الذي اختاره الشارح رحمه الله تعالى هنا - هو الذي اختاره في \"جمع الجوامع\"، وهو اختيار الآمدي، وابن الحاجب، واختاره الكمال بن الهمام من الحنفية، وبعض الحنابلة - ﵏ جميعًا -: وهو أن العلة إن كانت ثابتة بنص راجح على الخبر، سواء كان ذلك النص قطعيًا أو ظنيًا، وكان وجود العلة في الفرع قطعيًا - فالقياس مقدم. وإن كان وجود العلة في الفرع ظنيًا فالتوقف. أما إذا لم تكن العلة ثابتة بنص راجح على الخبر فالخبر مقدم. انظر: الإحكام ٢/ ١١٨ - ١١٩، بيان المختصر ١/ ٧٥٢ - ٧٥٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧٣، شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٣٦، تيسير التحرير ٣/ ١١٦، شرح الكوكب ٢/ ٥٦٨.\n(^٢) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٢٧، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٤٨، نهاية السول ٣/ ١٦٦، السراج الوهاج ٢/ ٧٧٠، شرح الكوكب ٢/ ٥٦٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٦٤، تيسير التحرير ٣/ ٧٣.","vol":"5","page":1941},{"text":"ولا يضره مخالفة الراوي (^١).\nوهل المراد بالراوي الصحابي، أو أعمُّ مِنْ ذلك؟ فيه الكلام المتقدم في أثناء الخصوص (^٢). وذهب أكثر الحنفية (^٣) إلى أن عمل\n_________\n(^١) هذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو اختيار الكرخي من الحنفية. انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٩٥٥، المحصول ٢/ ق ١/ ٦٣٠، الإحكام ٢/ ١١٥، شرح التنقيح ص ٣٧١، المحلي على الجمع ٢/ ١٤٦، ميزان الأصول ص ٤٤٤، شرح الكوكب ٢/ ٥٦٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧٢.\n(^٢) قال القرافي ﵀ في شرح التنقيح ص ٣٧١: \"هذه المسألة عندي ينبغي أن تُخَصَّص ببعض الرواة، فتحمل على الراوي المباشر للنقل عن رسول الله - ﷺ -، حتى يحسن أن يُقال: هو أعلم بمراد المتكلِّم. أما مثل مالك ومخالفته لحديث بيع الخيار الذي رواه، وغيره من الأحاديث - فلا يندرج في هذه المسألة؛ لأنه لم يباشر المتكلم حتى يحسن أن يُقال فيه: لعله شَاهَد من القرائن الحالية أو المقالية ما يقتضي مخالفته، فلا تكون المسألة على عمومها\". وكذا قال في نفائس الأصول ٧/ ٢٩٩٨. والمسألة كما قال القرافي - ﵀ - مفترضة في الصحابي؛ لأنه هو الذي يمكن أن يَعْلم من الشارع ما لا يعلمه سواه من قرائن مقالية أو حالية. وكلام الحنفية وهم المخالفون حول ذلك. انظر: أصول السرخسي ٢/ ٥ - ٦، كشف الأسرار ٣/ ١٨، تيسير التحرير ٣/ ٧١، فواتح الرحموت ٢/ ١٦٣، شرح الكوكب ٢/ ٥٦٠ الإحكام ٢/ ١١٥. لكن قال إمام الحرمين - ﵀ - في البرهان ١/ ٤٤٣: \"وكل ما ذكرناه غيرُ مختص بالصحابي، فلو روى بعض الأئمة حديثًا، وعمله مخالف له - فالأمر على ما فصلناه\" ولكن هذا الذي قاله إمام الحرمين - ﵀ - خلاف ما عليه الأكثرون، وقد أشار الشارح - ﵀ - إلى ضعف الخلاف في غير الصحابي في \"جمع الجوامع\". انظر: شرح المحلي ٢/ ١٤٥ - ١٤٦، تشنيف المسامع ٢/ ٩٨٣.\n(^٣) وبعض المالكية، وحكي عن الإمام أحمد - ﵁ -. انظر: أصول السرخسي ٢/ ٥ - ٦، كشف الأسرار ٣/ ١٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٦٣، تيسر التحرير ٣/ ٧١، البحر =","vol":"5","page":1942},{"text":"الراوي بخلاف الخبر يقدح في الخبر، ولا يجوز الأخذ إلا بعمل الراوي (^١).\nوقال عبد الجبار، وأبو الحسين: إن لم يكن لمذهبه وتأويله وجه إلا أنه عَلِم بالضرورة أنه ﵇ أراد ذلك الذي ذهب إليه من ذلك الخبر - وجب المصير إليه. وإن لم يُعْلم ذلك بل جَوَّزنا أن يكون قد صار إليه لنصٍّ، أو قياس - وجب النظر في ذلك، فإن اقتضى ما ذهب إليه - وجب المصير إليه، وإن لم يقتض ذلك، ولم يُطَّلع على مأخذه - وجب المصير إلى ظاهر الخبر؛ وذلك لأن الحجة إنما هي في كلام (رسول الله) (^٢) - ﷺ -، لا مذهب الراوي، وظاهر كلامه - ﷺ - يدل على معنى غيرَ ما ذهب إليه الراوي، فوجب المصير إليه، وعدم الالتفات إلى مذهب الراوي (^٣).\nقال: (وأما الثالث: ففيه مسائل: الأولى: لألفاظ الصحابي سبع درجات: الأولى: حدثني. ونحوه. (ب) (^٤)\n_________\n= المحيط ٦/ ٢٥٥، شرح التنقيح ص ٣٧١، شرح الكوكب ٢/ ٥٦١.\n(^١) هذا مقيَّد عند الحنفية بما إذا عُلم أن عمله المخالِف كان بعد رواية الخبر. أما إذا عُلم أن عمله المخالف قبل الرواية، أو جهل التاريخ - فإنه لا يقدح في الخبر، ويُحمل على أنه كان ذلك مذهبه قبل أن يسمع الحديث، فلما سمع الحديث رجع إليه. انظر: أصول السرخسي ٢/ ٥ - ٦، تيسير التحرير ٣/ ٧٢.\n(^٢) في (ت): \"الرسول\".\n(^٣) انظر: المعتمد ٢/ ١٧٥، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٥٦، المحصول ٢/ ق ١/ ٦٣١.\n(^٤) في نهاية السول ٣/ ١٨٢، وشرح الأصفهاني ٢/ ٥٦٢، ومعراج المنهاج ٢/ ٥٧، ومناهج العقول ٢/ ٢٥٧، وشرح العِبْري ٢/ ٢٥٥: \"الثانية\". ويغلب على ظني أن أحد النساخ تصرَّف ووضع هذا الرمز (ب)، وكذا فيما بعده؛ إذ ليس من المناسب","vol":"5","page":1943},{"text":"قال (^١)؛ لاحتمال التوسط. (ج) (^٢) أمَرَ؛ لاحتمال اعتقاده (^٣) ما ليس بأمرٍ أمرًا، والعموم والخصوص، والدوام واللادوام. (د) (^٤) أُمِرْنا. وهو حجة عند الشافعي؛ لأن مَنْ طاوع أميرًا (^٥) إذا قاله - فهم منه أمره؛ ولأن غرضه بيان الشرع. (هـ) (^٦) من السنة. وعن النبي - ﷺ - (^٧). وقيل: للتوسط. (ز) (^٨) كنا نفعل في عهده).\n\nهذا هو<span data-type=\"title\" id=toc-481> الثالث مِنْ شرائط العمل بخبر الواحد: وهو الكلام في الخبر</span>. وفيه مسائل:\n<span data-type=\"title\" id=toc-482>الأولى: في بيان ألفاظ الصحابي ومراتِبها</span>. وقد أتى المصنف - ﵀ - بلفظ جامع لها، وهو قوله: \"درجات\".\nالدرجة الأولى: أن يقول: حدثني رسولُ الله - ﷺ -. ونحوه، مثل:\n_________\n= أن يقول في الدرجة الأولى: الأولى. ثم يرمز لما بعدها من الدرجات بالأحرف.\n(^١) في المراجع السابقة: \"قال الرسول - ﷺ -\".\n(^٢) في المراجع السابقة: \"الثالثة\".\n(^٣) في (ص): \"اعتقاد\".\n(^٤) في المراجع السابقة: \"الرابعة\".\n(^٥) سقطت من (ت). وفي (ص)، و(غ): \"امرا\". وهو من خطأ النساخ، والمثبت من المراجع السابقة.\n(^٦) في المراجع السابقة: \"\"الخامسة\".\n(^٧) قوله: \"وعن النبي - ﷺ -\" هذه الدرجة السادسة. وقد أدرجها الناسخ مع الدرجة الخامسة المرموز لها بـ (هـ)، وهو خطأ. والصواب كما في النسخ السابقة وكما في الشرح - كما سيأتي - أن تكون درجة مستقلة. ففي المراجع السابقة: \"السادسة: عن النبي - ﷺ -\".\n(^٨) في المراجع السابقة: \"السابعة\".","vol":"5","page":1944},{"text":"سمعت، أو أخبرني (^١)، أو شافهني. فهذا خبرٌ عن الرسول - ﷺ -، واجب القبول اتفاقًا (^٢).\nالثانية: أن يقول: قال رسول الله - ﷺ - كذا. فهذا ظاهره النقل، فيكون حجة، لكنه ليس نصًا صريحًا؛ لاحتمال أن يكون قد وصل إليه بواسطة، فتكون مرتبته دون الأولى (^٣).\nالثالثة: أن يقول أمر النبي - ﷺ - بكذا، أو نهى (^٤) عن كذا. فهذا يتطرق إليه هذا الاحتمال، مع احتمال آخر: وهو احتمال ظنِّه ما ليس بأمرٍ أمرًا، وأيضًا فليس فيه أنه أَمَر الكل أو البعض، ولا أن الأمر به يدوم أوْ لا، فربما اعتقد شيئا لا يوافق اجتهادنا. وقول المصنف: \"لاحتمال\" تعليلٌ لكونه دون الدرجة الثانية، لكن الظاهر من حال الصحابي أنه إنما يطلق هذه اللفظة إذا تيقن المراد؛ فلذلك ذهب الأكثرون إلى أنه حجة،\n_________\n(^١) في (ص): \"وأخبرني\".\n(^٢) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٣٧، نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠٠، الإحكام ٢/ ٩٥، تدريب الراوي ٢/ ٩.\n(^٣) ولذلك ذهب أبو الخطاب الكلوذاني وجمع من العلماء إلى عدم الحكم بالسماع من النبي ﵌ في هذه الصورة، بل هو متردد بين أن يكون سمعه منه أو من غيره (ص). انظر: نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠٠، المحصول ٢/ ق ٦٣٨١ /، المحلي على الجمع ٢/ ٤٨١، الإحكام ٢/ ٩٥، شرح التنقيح ص ٣٧٣، نهاية السول ٣/ ١٨٥، شرح الكوكب ٢/ ٤٨١، تيسير التحرير ٣/ ٦٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٦١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٨، التمهيد ٣/ ١٨٥، المسودة ص ٢٦٠، البحر المحيط ٦/ ٢٩٦.\n(^٤) في (ص): \"ونهى\".","vol":"5","page":1945},{"text":"وخالف داود الظاهري وبعض المتكلمين (^١)، والقاضي في \"مختصر التقريب\" حكى عن داود أنه صار إلى التوقف في ذلك (^٢). وإلى التوقف مال الإمام (^٣).\nالرابعة: أن يَبْنِيَ الصيغة للمفعول فيقول: أُمِرْنا بكذا، أو نُهينا عن كذا، أوْ أُوجب علينا كذا، وما أشبه ذلك. والذي عليه الشافعي رضوان الله عليه، وأكثر الأئمة، وهو اختيار الإمام، والآمدي: أن ذلك يفيد أن الآمر والناهي هو الرسول - ﷺ -، فيكون حجة (^٤).\nوذهب الصيرفي والكرخي (^٥) وغيرهما إلى أن ذلك متردد بين أمر الله الذي اشتمل عليه كتابه المنزل، وأمرِ الرسول - ﷺ -، وأمرِ كلِّ الأمة، أو بعض الوُلاة، وبين أن يكون قال ذلك استنباطًا لقياسٍ أو غيره بحسب تأدية\n_________\n(^١) انظر: نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠١، الإحكام ٢/ ٩٦، المستصفى ٢/ ١٢٣ (١/ ١٣٠)، البحر المحيط ٦/ ٢٩٧، تيسير التحرير ٣/ ٦٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٦١.\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٤١١.\n(^٣) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٣٩.\n(^٤) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٤٠، الإحكام ٢/ ٩٧، نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠٢، البحر المحيط ٦/ ٢٩٩، التلخيص ٢/ ٤١٢، شرح التنقيح ص ٣٧٣ - ٣٧٤، العدة ٣/ ٩٩٢، شرح الكوكب ٢/ ٤٨٣، تدريب الراوى ١/ ١٥٣، شرح النووي على مسلم ١/ ٣٠، الكفاية ص ٥٩١.\n(^٥) والإسماعيلي، وإمام الحرمين، والسرخسي من الحنفية، وابن حزم من الظاهرية. انظر: نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠٢، البحر المحيط ٦/ ٢٩٩ - ٣٠٠، البرهان ١/ ٦٥٠، أصول السرخسي ١/ ٣٨٠، تيسير التحرير ٣/ ٦٩، ميزان الأصول ص ٤٤٦ - ٤٤٧، علوم الحديث لابن الصلاح ص ٤٥، الإحكام لابن حزم ٢/ ٢٠٨.","vol":"5","page":1946},{"text":"اجتهاده، فلا يكون حجة.\nواحتج الأولون بوجهين:\nأحدهما: أن من أُلزم طاعةَ رئيسٍ فإنه إذا قال: أُمرنا بكذا - فُهم منه أمْرُ ذلك الرئيس، لا يُفهم ممن يقول في دار السلطان: أُمِرْنا بكذا - إلا أن الآمر السلطان (^١).\nوالثاني: أنَّ غَرَض الصحابي تعليمُنا الشرع، فيجب حمله على مَنْ صدر الشرع عنه دون الأئمة والولاة (^٢). وأما حمله على أمر الله فمنتفٍ؛ لأن أمر الله تعالى ظاهر للكل لا يستفاد من قول الصحابي. وحمله على الإجماع متعذر؛ لأن ذلك الصحابي من الأمة وهو لا يأمر نفسه. وإنما قلنا: إن (^٣) هذه المرتبة دون الثالثة، لاحتمالها ما تحتمل تلك، مع زيادةِ ما ذكرناه.\nالخامسة: أن يقول: من السنة كذا. وهو حجة عند جماعة (^٤)، يجب\n_________\n(^١) والصحابي بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وآله سلم كذلك المُلزم طاعة ذلك الرئيس، وزيادة، فوجب أن يُفهم من قوله: أمرنا بكذا - أمْرُ الرسول ﵌. انظر: نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠٣.\n(^٢) لأنه لا يُستفاد من قولهم الشرع، ودون ما فَهِمه من الدليل أيضًا؛ لأن فَهْمه ليس بحجة إلا بالنسبة لمَنْ قلده من العوام، فلا يتحقق به حينئذٍ تَعَلُّم الشرع. انظر: نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠٣.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) بل جمهور أهل العلم. انظر: نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠٤، البحر المحيط ٦/ ٣٠١، شرح الكوكب ٢/ ٤٨٥، تيسير التحرير ٣/ ٦٩، المحلي على الجمع ٢/ ١٧٣، المجموع ١/ ٥٩، فتح المغيث ١/ ١٢٧.","vol":"5","page":1947},{"text":"حمله على سنة الرسول ﷺ، وهذا ما عليه الإمام والآمدي والمتأخرون (^١).\nوخالف الكرخي (^٢)، والصيرفي (^٣)، والمحققون (كما ذكر إمام الحرمين في \"البرهان\" (^٤). وقال المازَرِي: أحد قولي الشافعي) (^٥) أنه ليس بحجة (^٦).\n_________\n(^١) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٤١، الإحكام ٢/ ٩٨، البحر المحيط ٦/ ٣٠٣.\n(^٢) والرازي، وأبو زيد، وفخر الإسلام، والسرخسي. انظر: أصول السرخسي ١/ ٣٨٠، تيسير التحرير ٢/ ٦٩. لكن المذهب عند الحنفية كما في فواتح الرحموت (٢/ ١٦٢): أن قول الصحابي: من السنة كذا - شامل لسنة النبي ﵌، وسنةِ الخلفاء الراشدين، فيكون هذا القول حجة؛ لأن سنة الخلفاء الراشدين - ﵃ - حجة عندهم. وكذا قال المطيعي - ﵀ - في سلم الوصول ٣/ ١٨٧ - ١٨٨. والذي ذكره السمرقندي - ﵀ - في ميزان الأصول ص ٤٤٨: أن هذا القول من الصحابي محمول على أنه يريد سنة النبي ﵌. وفي كشف الأسرار ٢/ ٣٠٨ - ٣٠٩: \"الراوي إذا قال: من السنة كذا - فعند عامة أصحابنا المتقدمين، وأصحاب الشافعي، وجمهور أصحاب الحديث يحمل على سنة الرسول ﵇. وإليه ذهب صاحب الميزان من المتأخرين. وعند الشيخ أبي الحسن الكرخي من أصحابنا، وأبي بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي لا يجب حمله على سنة الرسول - ﷺ - إلا بدليل، وإليه ذهب القاضي الإمام أبو زيد، والشيخ المصنف، وشمس الأئمة ومَنْ تابعهم من المتأخرين. وكذا الخلاف في قول الصحابي: أُمرنا بكذا، ونهينا عن كذا\".\n(^٣) انظر: نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠٤.\n(^٤) البرهان ١/ ٦٤٩. قال الزركشي ﵀: \"وجرى عليه ابن القشيري\". البحر المحيط ٦/ ٣٠٣، وكذا ابن حزم رحمه الله تعالى. انظر: الإحكام ٢/ ٢٠٨.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) يقصد في قوله الجديد، وهو حجة في قوله القديم، والمذهب عند الشافعية على =","vol":"5","page":1948},{"text":"وحكى القاضي في \"مختصر التقريب\" اختلاف أصحابنا في ذلك (^١)، وقد قال الشافعي في القديم: إن المرأة تعاقل الرجلَ إلى ثلث الدية، أي: تساويه في العَقْل، فإنْ زاد الواجب على الثلث صارت على النصف (^٢). وذُكر أن هذا القول القديم مرجوع عنه (^٣)، وأن الشافعي - ﵁ - قال: كان مالك يذكر أنه (^٤) السنة، وكنت أتابعه عليه، وفي نفسي منه شُبهة، حتى علمتُ أنه يريد سنةَ أهلِ المدينة، فرجعتُ عنه (^٥).\n_________\n= القديم، ولهذا قال الزركشي ﵀: \"فعلى هذا المسألة عندهم (أي: عند الشافعية) مما يُفتى فيها على القديم، وهو نوع غريب من المسائل الأصولية، وإن كثر ذلك في الفروع. قلت: لكن نَصَّ الشافعي في \"الأم\" وهو من الكتب الجديدة على أنه حجه. . . فيصير في الجديد قولان، والراجح أنه حجة؛ لأنه منصوصٌ عليه في القديم والجديد معًا\" البحر المحيط ٦/ ٣٠٢، ٣٠٣، وانظر: نهاية السول ٣/ ١٨٨. وفي المسألة قول ثالث: أنه في حكم الموقوف على الصحابي. نقله ابن الصلاح والنووي عن الإمام أبي بكر الإسماعيلي. ﵏ جميعًا. انظر: المجموع ١/ ٥٩، علوم الحديث لابن الصلاح ص ٤٥، البحر المحيط ٦/ ٣٠٣.\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٤١٣.\n(^٢) هذا القول القديم هو في حق دية المرأة في غير النفس؛ إذ أجمع العلماء على أن دية نفس المرأة على النصف من دية الرجل، واختلفوا فيما دون النفس من الشجاج والأعضاء. انظر: بداية المجتهد ٢/ ٤١٣ - ٤١٤، نهاية المحتاج ٧/ ٣٠٣. ولمزيد من التفصيل انظر بداية المجتهد ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٦.\n(^٣) انظر: هذا القول القديم للشافعي - ﵁ - في روضة الطالبين ٧/ ١٢١، وقوله الجديد أن دية أطرافها أو جروحها نصف دية ذلك من الرجل، قياسًا على النفس، وبه قال أبو حنيفة والثوري ﵄. انظر: الأم ٦/ ١٠٦، نهاية المحتاج ٧/ ٣٠٣، الهداية ٤/ ٥٢٣، بداية المجتهد ٢/ ٤٢٦.\n(^٤) أي: القول القديم.\n(^٥) انظر: سنن البيهقي ٨/ ٩٦.","vol":"5","page":1949},{"text":"وهذا من الشافعي يدل على أن قوله: من السنة ظاهرٌ في أنَّ المراد به سنةُ الرسول - ﷺ -، ما لم يقم دليلٌ على أن المراد سنة البلد أو غير ذلك. ويدل أيضًا على أن هذا لا يختص بالصحابي، بل يعم كلَّ متكلم على لسان الشرع، كمالكٍ وغيره (^١).\nوحجة الأولين: ما تقدم في \"أُمِرْنا ونُهِينا\".\nوهذه الدرجة دون الرابعة؛ لاحتمالها ما تحتمل تلك مع زيادة احتمال سنةِ البلد، أي: طريقته، أو غير ذلك. وإمام الحرمين قال: \"إنها بمثابة تلك\" (^٢). وكأنه رأى هذا الاحتمال مرجوحًا؛ لبعده من المتكلم على لسان الشريعة، ومالك - ﵁ - وإنْ كان قد وقع منه قوله: \"من السنة\"، مع إرادته سنة البلد - فما ذلك إلا لأن إجماع المدينة عنده حجة، فكانت طريقتها (^٣) عنده من السنة لذلك، فلذلك أطلق قوله: \"من السنة\"، وأراد سنة المدينة، ولا يقع منه ذلك في بلدٍ غيرها.\nالسادسة: أن يقول: عن النبي - ﷺ -. واختلفوا فيه:\nفقال قوم بظهوره في أنه سمعه من النبي - ﷺ -، فيكون حجة، وهو رأي المصنف وصفي الدين الهندي (^٤). وأما الإمام\n_________\n(^١) انظر المجموع ١/ ٥٩ - ٦٠، وانظر: شرح مسلم ١/ ٣٠ - ٣١. وانظر: الأم ٥/ ١٠٧، البحر المحيط ٦/ ٣٠٣ - ٣٠٤.\n(^٢) أي: قوله: \"من السنة كذا\" بمثابة قوله: \"أُمرنا بكذا\". انظر: البرهان ١/ ٦٥٠.\n(^٣) في (ص)، و(غ): \"طريقها\".\n(^٤) والقاضي عبد الجبار، وهو الذي رجَّحه الشارح في \"جمع الجوامع\"، وتابعه =","vol":"5","page":1950},{"text":"وغيره (^١) مِنْ أتباعه فلم يُرجِّح أحدٌ منهم شيئًا (^٢).\nالسابعة: أن يقول: كنا نفعل في عهده - ﷺ - كذا، وكانوا (^٣) يفعلون كذا (^٤) - ومنه قول عائشة ﵂: \"كانوا لا\n_________\n= العلوي في \"مراقي السعود\". انظر: نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠٦، المعتمد ٢/ ١٧٤، شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٧٣، نشر البنود ٢/ ٦٩، نثر الورود ١/ ٤١٣، البحر المحيط ٦/ ٣٠٤. وفي فواتح الرحموت ٢/ ١٦٢: (السادسة: عن النبي صلى الله عليه) وآله وأصحابه (وسلم: فابن الصلاح وجماعة حملوه على السماع) إذ هو الظاهر من حال الصحابي (والأكثر) من أهل الأصول (على احتمال الإرسال) يعني: أن السماع بواسطةٍ مُحْتَمَل، وليس يُظن السماع بلا واسطة، وهو الحق؛ لأن كلمة \"عن\" تدل على أنه مروي عنه، ومنسوب إليه، وأما أنه مسموع منه فأمر زائد لا يحتمله اللفظ، فإثباته من غير دليل، لكن يكون حجة بناءً على مسألة التعديل. اهـ. أي: بناءً على تعديل الواسطة الساقطة؛ إذ الغالب أن الساقط صحابي. قال الشيخ المطيعي ﵀: \"لم يُعرف رواية الصحابي عن تابعي إلا كعب الأحبار، وجلال الدين السيوطي وإن كان صنف رسالة، وجمع الأحاديث المروية من صحابي عن تابعي لكنه قليل جدًا لا يقاس عليه، فالغالب أن الواسطة صحابي مثله، وكلاهما عدل، فكان حجة بهذا الاعتبار، وبهذا تَعْلم أنه لا خلاف في الحجية\". سلم الوصول ٣/ ١٨٨ - ١٨٩.\n(^١) في (ص): \"وغيرهما\". وهو خطأ.\n(^٢) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٤٢، الحاصل ٢/ ٨١٠، التحصيل ٢/ ١٤٥، وكذا القرافي - ﵀ - لم يرجح شيئًا في شرح التنقيح ص ٣٧٤، وإن كان رجَّح في نفائس الأصول (٧/ ٣٠٠٩) السماعَ من النبي - ﷺ -.\n(^٣) في (ص): \"أو كانوا\".\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1951},{"text":"يقطعون في (^١) الشيء التافه\" (^٢). والأكثرون على أنه حجة، وهو اختيار الآمدي (^٣)، ومقتضى اختيار الإمام هنا (^٤)، إلا أنه جعله مرتبة سابعة كما فعل المصنف، ولم يصرح في السادسة بترجيح، وقضية تقديمها ترجيحها.\nوحجة الأكثرين أن قوله: \"كنا نفعل، أو كانوا (^٥) يفعلون\" ظاهرٌ في فِعْل الجماعة وتقريرِ النبي - ﷺ -؛ لأن قصد الصحابي بيان الشريعة. وهذه الدرجة دون التي قبلها؛ لاختصاصها باحتمالِ أن يكون فِعْلَ بعضهم، ولم يطلع عليه النبي - ﷺ -.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه ٩/ ٤٧٦ - ٤٧٧، رقم الحديث ٨١٦٣، بلفظ: \"لم يكن يُقطع على عهد النبي - ﷺ - في الشيء التافه\". وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا في مسنده، وزاد فيه: \"ولم تُقطع في أدنى مِنْ ثمن حَجَفةٍ أو ترس\". انظر: نصب الراية ٣/ ٣٦٠. وأخرجه عبد الرزاق في المصنف ١٠/ ٢٣٤ - ٢٣٥، مرسلًا من قول عروة، بلفظ: \". . . وأن السارق لم يكن يُقطع في عهد رسول الله - ﷺ - في الشيء التافه\".\n(^٣) انظر: الإحكام ٢/ ٩٩، نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٩، تيسير التحرير ٣/ ٦٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٦٢، العدة ٣/ ٩٩٨، شرح التنقيح ص ٣٧٥، نفائس الأصول ٧/ ٣٠١٠، المعتمد ٢/ ١٧٤.\n(^٤) الإمام - ﵀ - صَرَّحَ هنا بظهور علمه ﵌ لذلك الفعل، فيكون حجة، لكن كلامه على قول الصحابي: \"كنا نفعل كذا\" من غير تقييده بزمن النبي ﵌. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٤٣، وكذا الآمدي، والمذكورون في الهامش السابق.\n(^٥) في (ت): \"وكانوا\".","vol":"5","page":1952},{"text":"واعلم أن كلام المصنف ربما يُوهم توقفَ الاحتجاج بقول الصحابي: \"كنا نفعل\" على تقييده بعهد النبي (^١) - ﷺ -، وفيه مخالفة لكلام غيره. والذي عندي في ذلك أن لهذه الدرجة ألفاظًا:\nأعلاها: أن يقول: كنا معاشرَ الناس، أو كانت الناس تفعل ذلك في عهده - ﷺ -. وهذا (^٢) ما لا يتجه في القول بكونه حجة (^٣) خلافٌ؛ لتصريحه بنقل الإجماع المعتضِد بتقرير النبي - ﷺ - (^٤).\nوالثانية: أن يقول: كنا نفعل في عهده - ﷺ -، ولا يصرح بجميع الناس. فهذه دون تلك؛ لأن الضمير في قوله: \"كنا\" يحتمل أن يعود على طائفة مخصوصة (^٥).\nوالثالثة: أن يقول: كان الناس يفعلون كذا، ولا يصرح بعهد النبي - ﷺ -. فهذه دون الثانية من جهة عدم التصريح بعهده - ﷺ -، وفوقها من جهة تصريحه بجميع الناس. فيحتمل أن يقال بتساويهما، والأظهر رجحان تلك؛ لأن التقييد بعهد النبي - ﷺ - ظاهرٌ في أنه قرَّر عليه (^٦)، وتقريره تشريع سواء\n_________\n(^١) في (ت): \"الرسول\".\n(^٢) في (ت): \"مما\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) لكن حكى الشارح - ﵀ - في \"جمع الجوامع\" الخلاف في هذه الصورة، وبيَّن أن الأكثرين يقولون بالحجية، انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٧٣، وتبعه العلوي في نشر البنود ٢/ ٧١.\n(^٥) انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٧٣، وتبعه العلوي في نشر البنود ٢/ ٧٢.\n(^٦) أي: على الفعل.","vol":"5","page":1953},{"text":"كان لواحدٍ أو الجماعة. وأما هذه فغايتها أنها ظاهرة في نقل الإجماع، ونقل الإجماع بخبر الواحد فيه من الخلاف ما هو معروف (^١).\nوالرابعة: أن يقول: كنا نفعل كذا، أو كانوا يفعلون كذا (^٢). وهي دون الكل؛ لعدم التصريح بالنبي - ﷺ -، وبما يعود عليه ضمير قوله: كنا، وكانوا (^٣). فهذه طرق الصحابي في نقل الحديث النبوي.\nوالصحابي عند الأكثرين (^٤): هو مَنْ رأى. . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٧٣، نشر البنود ٢/ ٧٢.\n(^٢) كقول عائشة ﵂ السابق: \"كانوا لا يقطعون في الشيء التافه\".\n(^٣) انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٧٣ - ١٧٤، نشر البنود ٢/ ٧٢، في غاية الوصول ص ١٠٦، والزركشي - ﵀ - في البحر المحيط ٦/ ٣٠٥ - ٣٠٧، المجموع ١/ ٦٠، فواتح الرحموت ٢/ ١٦٢، تيسير التحرير ٣/ ٧٠. وانظر: اللمع ص ٧٠، المستصفى ٢/ ١٢٨ (١/ ١٣١)، القواطع ١٩٨/ ٢، علوم الحديث لابن الصلاح ص ٤٣، إحكام الفصول ص ٣٨٨. تنبيه: إذا قال الصحابي: كنا نفعل كذا، أو نقول كذا ورسول الله - ﷺ - يسمع ولا يُنكر - فهذا لا خلاف فيه، وهو خارج عن محل النزاع. قال الكمال وشارحه رحمهما الله في تيسير التحرير ٣/ ٧١: (و) أما قول الصحابي ذلك (بنحو: وهو يسمع - فإجماعٌ) كونُه رفعًا، وفي بعض النسخ: \"فظاهر\"، كقول ابن عمر. \"كنا نقول ورسول الله - ﷺ - حيٌّ: أفضل هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. ويسمع ذلك رسول الله - ﷺ - فلا يُنكره\". رواه الطبراني في معجمه الكبير. اهـ.\n(^٤) من المحدثين، وإليه ذهب أحمد وأصحابه، وإليه ذهب الآمدي ونسبه لأكثر الشافعية، ولم أجده لغيره، وذهب إليه أيضًا ابن الحاجب ﵏ جميعًا. انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ٢٦٣، تدريب الراوي ٢/ ١٨٦، فتح الباري ٧/ ٣، نزهة النظر ص ١٠٩، العدة ٣/ ٩٨٧، شرح الكوكب ٢/ ٤٦٥، المسودة ص ٢٩٢، الإحكام ٢/ ٩٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٧، نهاية السول ٣/ ١٧٨.","vol":"5","page":1954},{"text":"النبي (^١) - ﷺ - وصَحِبَه ولو لحظةً سواء روى عنه أم لم يَرْوِ (^٢)\nوقيل: مَنْ طالت صحبته (^٣) وإن لم يَرْوِ (^٤).\nوقيل: مَنْ طالت صحبتُه وأخذ عنه العلم وَرَوى (^٥).\nوتثبت الصحبة بالنقل إما بالتواتر، أو الآحاد (^٦).\n_________\n(^١) تابع الشارحُ - رحمه الله تعالى - الآمدي وابنَ الحاجب - رحمهما الله تعالى - في التعبير بالرؤية، وتعبيره في جمع الجوامع: \"من اجتمع مؤمنًا بمحمد - ﷺ - وإن لم يَرْوِ ولم يُطل\". ولا شك أن التعبير بالاجتماع أولى؛ ليدخل في ذلك مَنْ كان أعمى من الصحابة ﵃. انظر: الإحكام ٢/ ٩٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٧، المحلي على الجمع ٢/ ١٦٥ - ١٦٦، البحر المحيط ٦/ ١٩٠ - ١٩٣.\n(^٢) انظر: نزهة النظر ص ١٠٩، وانظر: فتح المغيث ٤/ ٨٣.\n(^٣) عرفًا بلا تحديد لمقدارها على الأصح. انظر: تيسير التحرير ٣/ ٦٦، البحر المحيط ٦/ ١٩١، المستصفى ٢/ ٢٦١ (١/ ١٦٥)، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٨.\n(^٤) وهو مذهب جمهور الأصوليين، وبعض المحدثين. انظر: تيسير التحرير ٣/ ٦٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٨، قواطع الأدلة ٢/ ٤٨٦ تدريب الراوي ٢/ ١٨٨، فتح المغيث ٤/ ٨٥، وذهب سعيد بن المسيَّب - ﵁ - إلى أنه لا يُعَدُّ في الصحابة إلا من أقام مع النبي ﵌ سنة فصاعدًا، أو غزا معه غزوة فصاعدًا. انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ٢٦٣، تدريب الراوي ٢/ ١٨٨، فتح المغيث ٤/ ٨٦.\n(^٥) وإليه ذهب الجاحظ. انظر: العدة ٣/ ٩٨٨، الإحكام ٢/ ٩٢، التمهيد ٣/ ١٧٣، المسودة ص ٢٩٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٥٨، شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٦٦، البحر المحيط ٦/ ١٩٠.\n(^٦) أي: بخبر صحابي آخر معلوم الصحبة. وقد اتفق العلماء على ثبوت الصحبة بالنقل تواترًا أو استفاضة. وفي ثبوتها بقول صحابي معلوم الصحبة مخالفةُ بعض الحنفية، لكن الجمهور على ثبوتها بقوله، وهو الصواب. انظر: العدة ٣/ ٩٩٠، التمهيد =","vol":"5","page":1955},{"text":"وبقول المعاصر (^١) العَدْل: أنا صحابي، أو رأيتُ النبي - ﷺ - وصَحِبْتُه (^٢).\nومن الناس مَنْ توقف في ثبوتها بقوله (^٣)؛ لما في ذلك مِنْ دعواه رتبةً لنفسه. وهو توقف ظاهرٌ (^٤) فإن المرء لو قال: أنا عدل - لم يُلتفت إلى مقاله؛ لدعواه مزيةً لنفسه وخصلة شريفة، فكيف إذا ادعى الصحبة التي هي فوق منصب العدالة بأضعاف مضاعفة! فهذا مما يجب التوقف فيه.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-483>(الثانية: لغير الصحابي أن يروي إذا سمع الشيخ أو قرأ عليه </span>ويقول له: هل سمعت؟ فيقول: نعم. أو أشار أو سكت وظن إجابتَه عند المحدثين. أو كتب الشيخ أو قال: سمعت ما في هذا الكتاب، أو يجيز له).\nهذه المسألة في رواية غير الصحابي وذلك أيضًا على سبع مراتب:\n_________\n= ٣/ ١٧٥، المسودة ص ٢٩٢، شرح الكوكب ٢/ ٤٧٨، البحر المحيط ٦/ ١٩٩، فتح المغيث ٤/ ٨٩.\n(^١) أي: لزمن النبي ﵌.\n(^٢) وإليه ذهب الجمهور. انظر: الإحكام ٢/ ٩٣، المستصفى ٢/ ٢٦١ (١/ ١٦٥)، المحلي على الجمع ٢/ ١٦٧، البحر المحيط ٦/ ١٩٨، القواطع ٢/ ٤٨٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٧، العدة ٣/ ٩٩٠، المسودة ص ٢٩٢، شرح الكوكب ٢/ ٤٧٩، تيسير التحرير ٣/ ٦٧، فواتح الرحموت ٩/ ١٦٠، تدريب الراوي ٢/ ١٨٩، نزهة النظر ص ١١٠، فتح المغيث ٤/ ٨٩.\n(^٣) قال الزركشي ﵀: \"وهو ظاهر كلام ابن القطان المحدِّث، وهو قوي\". البحر المحيط ٦/ ١٩٨، ورجحه الطوفي في \"مختصره\" ص ٦٢.\n(^٤) لكن الشارح - رحمه الله تعالى - رجَّح مذهب الجمهور في \"جمع الجوامع\". انظره مع شرح المحلي ٢/ ١٦٧.","vol":"5","page":1956},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-484>الأولى: أن يسمع من لفظ الشيخ</span>، فيلزمه العمل بالخبر. ثم هو ينقسم إلى إملاء، وتحديث من غير إملاء، وسواء كان مِنْ حِفْظه أم من كتابه (^١).\nوهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير (^٢)، وللسامع في هذا القسم أن يقول: أخبرني، وحدثني، أو سمعت، أو أخبرنا، وحدثنا.\nوهذا إذا قصد الراوي (^٣) إسماعه إما خاصة (^٤)، أو كان في جَمْع قصد الراوي إسماعهم.\nوإن لم يقصد الشيخُ إسماعه لا في جمع ولا وَحْده فليس له أن يقول إلا: سمعتُه يحدث عن فلان (^٥). سأل الخطيب أبو بكر الحافظ شيخه الحافظ أبا بكر البَرْقَاني (^٦) عن السر في كونه يقول فيما رواه لهم عن أبي القاسم\n_________\n(^١) في (ت): \"كتاب\".\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠٧، الإحكام ٢/ ٩٩، العدة ٣/ ٩٧٧، شرح الكوكب ٢/ ٤٩٠، علوم الحديث لابن الصلاح ص ١١٨، تدريب الراوي ٢/ ٩، فتح المغيث ٢/ ١٥٢.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أي: وحده. نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠٧.\n(^٥) أو سمعته يقول كذا. أو: قال فلان كذا. انظر: نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠٧.\n(^٦) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب، أبو بكر الخُوَارَزْميّ، المعروف بالبَرْقانيّ، بكسر الباء وفتحها. الإمام الحافظ الكبير. ولد سنة ٣٣٦ هـ. قال عنه الخطيب: \"كان ثقةً ورعًا مُتقنًا، مُتثبِّتًا، فَهِمًا، لم نَرَ في شيوخنا أثْبتَ منه، حافظًا للقرآن، عارفًا بالفقه. . . وصنَّف مسندًا ضَمَّنه ما اشتمل عليه صحيح البخاري ومسلم\". =","vol":"5","page":1957},{"text":"عبد الله بن إبراهيم الجرجاني الآبندوني (^١) (^٢): سمعتُ، ولا يقول: حدثنا، ولا أخبرنا؟\nفذكر له أن أبا القاسم كان مع علو قدره عَسِرًا في الرواية، وكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يَعْلم بحضوره، فيسمع منه ما يحدث به الشخص الداخل إليه، فلذلك يقول: سمعت. ولا يقول: حدثنا ولا أخبرنا؛ لأنه إنما كان قصده الرواية للداخل إليه وحده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>الثانية: أن يقرأ عليه</span>. وأكثر المحدثين يسمون القراءةَ على الشيخ عَرْضًا، من حيث إن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرأه (^٣)، ويقول له بعد الفراغ من القراءة أو قَبْلها: هل سمعت؟ فيقول الشيخ: نعم. أو يقول بعد\n_________\n= توفي - ﵀ - سنة ٤٢٥ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٤/ ٣٧٣، تذكرة ٤/ ١٠٧٤، الطبقات الكبرى ٤/ ٤٧.\n(^١) هو أبو القاسم عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الجُرجانيُّ الآبندونيّ، وآبندون: قرية من قُرى جُرجان. ولد سنة ٢٧٤ هـ. كان محدِّثًا زاهدًا متقلِّلًا من الدنيا. قال الخطيب: كان ثقةً ثبتًا. وقال الحكم: كان أحد أركان الحديث. وقال البرقاني: كان الآبندوني سيدًا في المحدثين. توفي سنة ٣٦٨ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٩/ ٤٠٧، سير ١٦/ ٢٦١.\n(^٢) في (ص): \"الابنذوبي\". وهو تصحيف.\n(^٣) كما يُعرض القرآن على المقرِئ، وسواء كنتَ أنتَ القارئ، أو قرأ غيرُك وأنت تسمع، أو قرأت من كتاب أو من حفظك، أو كان الشيخ يحفظ ما يُقرأ عليه، أو لا يحفظه لكن يُمسك أصله هو، أو ثقةٌ غيره. انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٢٢، فتح المغيث ٢/ ١٦٧.","vol":"5","page":1958},{"text":"الفراغ: الأمر كما قُرئ عليَّ.\nولا خلاف أنها رواية صحيحة، إلا ما حُكِي عن بعض مَن لا يعتد بخلافه (^١). واختلفوا في أنها مثل السماع من لفظ الشيخ في المرتبة (^٢)، أو دونه (^٣)، أو فوقه. والصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ، والحكم بأن\n_________\n(^١) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٢٢، تدريب الراوي ٢/ ١٣، نزهة النظر ص ١٢٢، البحر المحيط ٦/ ٣١١، الإحكام لابن حزم ٢/ ٢٧٢، جمع الجوامع مع المحلي ٢/ ١٧٤، شرح الكوكب ٢/ ٤٩٣. قال السخاوي في فتح المغيث ٢/ ١٦٩ - ١٧٠: \"وكان مالك يأبى أشدّ الإباء على المخالف، ويقول: كيف لا يُجزيك هذا في الحديث، ويُجزيك في القرآن، والقرآن العظيم أعظم! ولذا قال بعض أصحابه: صَحِبْته سبع عشرة سنة فما رأيتُه قرأ الموطأ على أحد، بل يقرؤون عليه\".\n(^٢) وهو مذهب مالك - ﵁ -، وأصحابه، وأشياخه من علماء المدينة كالزهري - ﵁ -، ومعظم علماء الحجاز والكوفة، والبخاري، ورواية عن أبي حنيفة وغيرهم، ﵃ جميعًا. قال السخاوي - ﵀ - في فتح المغيت ٢/ ١٧١: \"وحكاه البيهقي وعياض عن أكثر أئمة المحدثين، والصيرفي عن نص الشافعي\". قال الزركشي ﵀: \"وبه جزم الماوردي والرُّوياني\". البحر المحيط ٦/ ٣١٢. وانظر: تدريب الراوي ٢/ ١٤، علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٢٢، الكفاية ص ٣٨٣، تيسير التحرير ٣/ ٩١، التقرير والتحبير ٢/ ٢٧٩.\n(^٣) وإليه ذهب ابن أبي ذئب، ومالك في رواية، ﵄. قال السخاوي: \"ولكن المعروف عنه (أي: عن مالك) التسوية\"، وإليه ذهب أيضًا أبو حنيفة - ﵁ -، وأطلق المحدثون نسبة هذا القول إليه، ولكن الحنفية قيدوه بأن الذي رجَّحه أبو حنيفة إنما هو العرضُ على قراءة الشيخ من كتاب، أما إذا حدث الشيخُ من حفظه فهو أرجح من العرض. انظر: تيسير التحرير ٣/ ٩١، ٩٢، التقرير والتحبير ٢/ ٢٧٩، كشف الأسرار ٣/ ٤٠ - ٤١، فواتح الرحموت ٢/ ١٦٤، أصول السرخسي ١/ ٣٧٥، فتح المغيث ٢/ ١٧٢ - ١٧٤، تدريب الراوي ٢/ ١٥، علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٢٢، الكفاية ص ٣٩٨.","vol":"5","page":1959},{"text":"القراءة عليه مرتبة ثانية، وهو مذهب جمهور أهل المشرق (^١).\nوللقارئ هنا أن يقول: قرأتُ على فلان. وللسامع أن يقول: قُرِئ عليه وأنا أسمع فأقَرَّ به. وله أن يقول: حدثنا قراءة عليه، أو: أخبرنا قراءة عليه (^٢). وأما إطلاق: حدثنا، وأخبرنا (^٣) - ففيه مذاهب:\nأحدها: المنع منهما جميعًا. وبه قال ابن المبارك (^٤)، ويحيى بن\n_________\n(^١) وخراسان، وصححه ابن الصلاح والنووي والعراقي ﵏ جميعًا. قال السخاوي عن هذا الترجيح لهذا القول: \"لكن محله ما لم يَعْرض عارض يُصَيِّر العَرْض أولى: بأن يكون الطالب أعلم، أو أضبط، ونحو ذلك، كأن يكون الشيخ في حال القراءة عليه أوعى وأيقظ منه في حال قراءته هو. وحينئذٍ فالحق أن كلما كان فيه الأمنُ من الغلط والخطأ أكثرَ - كان أعلى مرتبة. وأعلاها فيما يظهر أن يقرأ الشيخ من أصله، وأحد السامعين يقابل بأصل آخر؛ ليجتمع فيه اللفظ والعرض\". فتح المغيث ٢/ ١٧٤. وانظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٢٢، تدريب الراوي ٢/ ١٥، الكفاية ص ٣٩٥.\n(^٢) انظر: الإحكام ٢/ ١٠٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٦٩، تيسير التحرير ٣/ ٩٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٦٥، شرح الكوكب، ٢/ ٤٩٤، المسودة ص ٢٨٣، علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٢٢ - ١٢٣، تدريب الراوي ٢/ ١٦، فتح المغيث ٢/ ١٧٤.\n(^٣) في (غ): \"أو أخبرنا\".\n(^٤) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظليُّ مولاهم، التركيّ، ثم المروزيّ، الحافظ الغازي، أحد الأعلام، وشيخ الإسلام. كان أبوه تركيًا عبدًا لرجل من هَمَذان من بني حنظلة، وأمه خُوَارَزمية. ولد سنة ١١٨ هـ. يقول ابن عيينة - ﵁ -: \"نظرت في أمرِ الصحابة وأمرِ عبد الله، فما رأيتُ لهم عليه فضلًا إلا بصُحْبتهم النبيَّ - ﷺ -، وغَزْوِهم معه\". ويقول أبو إسحاق الفَزَاريّ: \"ابن المبارك إمام المسلمين =","vol":"5","page":1960},{"text":"يحيى (^١)، وأحمد بن حنبل (^٢)، والنسائي (^٣).\nوالثاني: التجويز، وأنه كالسماع من لفظ الشيخ في جواز إطلاق: حدثنا، وأخبرنا. وبه قال الزهري، ومالك، وسفيان بن عيينة (^٤)، ويحيى\n_________\n= أجمعين\". ويقول ابن مهدي: \"ابن المبارك أعلم من سفيان الثوريّ\". من مصنفاته كتاب \"الزهد\". توفي - ﵀ - سنة ١٨١ هـ، وله ثلاث وستون سنة. انظر: سير ٨/ ٣٧٨، تهذيب ٥/ ٣٨٢، تقريب ص ٣٢٠.\n(^١) هو يحيى بن يحيى بن بكر بن عبد الرحمن، أبو زكريا التميميُّ المِنْقَرِيُّ النيسابوريُّ الحافظ. ولد سنة ١٤٢ هـ. قال إسحاق بن راهُوية: \"ما رأيتُ مثلَ يحيى بن يحيى، ولا أحْسب أنه رأى مِثْلَ نفسِه\". وبنحوه قال أحمد - ﵁ -، وقال عنه أحمد أيضًا: \"ما أخرجت خراسانُ بعد ابن المبارك مثلَه\". مات سنة ٢٢٦ هـ على الصحيح. انظر: سير ١٠/ ٥١٢، تهذيب ١١/ ٢٩٦، تقريب ص ٥٩٨.\n(^٢) في رواية عنه. انظر: العدة ٣/ ٩٧٨، المسودة: ص ٢٨٣، شرح الكوكب ٢/ ٤٩٤.\n(^٣) قال الخطيب ﵀: \"هو مذهب خلقٍ كثير من أصحاب الحديث\". الكفاية ص ٤٢٨، وصححه القاضي أبو بكر الباقلاني ﵀. انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٢٣، تدريب الراوي ٢/ ١٦، فتح المغيث ٢/ ١٧٦، الكفاية ص ٤٢٧، تيسير التحرير ٣/ ٩٣، البحر المحيط ٦/ ٣١٩.\n(^٤) هو سفيان بن عُيَيْنة بن أبي عمران ميمون مولى محمد بن مُزَاحم، أبو محمد الهلاليُّ الكوفيُّ ثم المكيّ. الإمام الكبير حافظ العصر. ولد بالكوفة سنة ١٠٧ هـ. قال عنه الشافعي - ﵁ -: \"لولا مالك وسفيان بن عيينة لذهب علم الحجاز\". وقال أيضًا: \"ما رأيتُ أحدًا فيه من آلة العلم ما في سفيان بن عيينة، وما رأيتُ أكفَّ عن الفتيا منه\". قال ابن حجر ﵀: \"ثقة حافظ فقيه إمام حجة، إلا أنه تغيَّر حفظه بأَخَرةٍ، وكان ربما دلَّس لكن عن الثقات\". توفي سنة ١٩٨ هـ. انظر: سير ٨/ ٤٥٤، تهذيب ٤/ ١١٧، تقريب ص ٢٤٥.","vol":"5","page":1961},{"text":"ابن سعيد القطان (^١)، والبخاري (^٢). ومِنْ هؤلاء مَنْ أجاز فيها أيضًا أن يقول: سمعت فلانًا. حكاه ابن الصلاح (^٣).\nوالثالث: المنع مِنْ إطلاق: حدثنا. وتجويز (^٤): أخبرنا. وهو قول الشافعي وأصحابه، ومسلم بن الحجاج، وجمهور أهل المشرق (^٥).\n_________\n(^١) هو الإمام القدوة يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ، أبو سعيد التميميُّ مولاهم البصريُّ الأحول القطان، الحافظ، أمير المؤمنين في الحديث. ولد سنة ١٢٠ هـ. قال أحمد - ﵁ -: \"ما رأيتُ بعينيَّ مثل يحيى بن سعيد القطان\". وكذا قال عبد الرحمن بن مهدي. وكان يختم القرآن كل يومٍ وليلة، وإذا قُرئ عنده القرآن سقط حتى يصيب وجهُهُ الأرض. مات سنة ١٩٨ هـ. انظر: سير ٩/ ١٧٥، تهذيب ١١/ ٢١٦، تقريب ص ٥٩١.\n(^٢) وجماعات من المحدثين، ومعظم الحجازيين، والكوفيين، كالثوري، وأبي حنيفة وصاحبيه، والطحاوي وألف فيه جزءًا، وأبي نعيم الأصبهاني، وحكاه عياض عن الأكثرين، وهو رواية عن أحمد - ﵁ - وعنهم أجمعين. قال الزركشي ﵀: \"ونقله الصيرفي والماوردي والروياني عن الشافعي\". البحر المحيط ٦/ ٣٢٠.\nوانظر: تدريب الراوي ٢/ ١٦ - ١٧، الكفاية ص ٤٣٤، فتح المغيث ٢/ ١٧٦ - ١٧٨، تيسير التحرير ٣/ ٩٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٦٥، شرح الكوكب ٢/ ٤٩٤، المسودة ص ٢٨٣، العدة ٣/ ٩٧٧. تنبيه: وقع في \"العدة\" خطأ في حكاية هذه الرواية عن أحمد - ﵁ -؛ إذ فيها \"لا يجوز\"، وهو خطأ ظاهر كما هو صريح الكلام بعد ذلك في العدة. والله أعلم.\n(^٣) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٢٣، وبهذا قال الإمام في المحصول ٢/ ق ١/ ٦٤٥.\n(^٤) في (ت)، و(ص): \"يجوز\".\n(^٥) قال ابن الصلاح في علوم الحديث ص ١٢٤: \"وذكر صاحب كتاب \"الإنصاف\" محمد بن الحسن التميمي الجوهري المصري: أن هذا مذهب الأكثر من أصحاب =","vol":"5","page":1962},{"text":"والاحتجاج له ليس بأمر لغوي، وإنما هو اصطلاح منهم أرادوا به التمييز بين النوعين، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث.\nوقد قرأ أبو حاتم محمد بن يعقوب الهروي صحيح البخاري على بعض الشيوخ عن الفَرَبْرِي (^١)، وكان يقول له في كل حديث: \"حدثكم الفربري\" فلما فرغ من الكتاب سمع الشيخَ يذكر أنه إنما (^٢) سمع الكتاب من الفربري قراءة عليه، فأعاد أبو حاتم قراءة جميع الكتاب عليه (^٣)، وقال له في جميعه: \"أخبركم الفربري\" (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-486>الثالثة: أن يقرأ على الشيخ </span>ويقول له: هل سمعتَه؟ (^٥). فيشير الشيخ بأصبعه أو رأسه. فالإشارة ههنا (^٦) كالعبارة في وجوب العمل بذلك الخبر،\n_________\n= الحديث، الذين لا يحصيهم أحد\". ورُوي عن النسائي أيضًا. انظر: تدريب الراوي ٢/ ١٧، فتح المغيث ٢/ ١٧٩.\n(^١) هو أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر الفَرَبْريُّ - بكسر الفاء وفتحها، والفتح أشهر، قرية من قُرى بخارى - راوي \"الجامع الصحيح\" عن أبي عبد الله البخاريِّ، سمعه من بفَرَبْر مرتين. وكان ثقةً ورعًا. ولد سنة ٢٣١ هـ، ومات سنة ٣٢٠ هـ.، وقد أشرف على التسعين.\nانظر: سير ١٥/ ١٠، وفيات ٤/ ٢٩٠.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٢٤ - ١٢٥، تدريب الراوى ٢/ ١٨، فتح المغيث ٢/ ١٨٠، الكفاية ص ٤٣٦.\n(^٥) في (ت): \"سمعت\".\n(^٦) في (غ): \"هنا\".","vol":"5","page":1963},{"text":"وكذا في جواز الرواية عنه على الصحيح (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-487>الرابعة: أن يقرأ على الشيخ ويقول له: هل سمعته؟ فيسكت الشيخ</span>، ويغلب على ظن القارئ بقرينة الحال إجابته له، فيجب العمل به بلا خلاف. وأما جواز الرواية: فالجمهور من المحدثين (^٢) وغيرهم عليها، لأن سكوته نازلٌ مَنْزلة تصريحه بتصديق القارئ. وَشَرَط قومٌ إقرار الشيخ نطقًا، وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، وسليم الرازي، وأبو نصر بن الصباغ (^٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-488>الخامسة: أن (^٤) يكتب الشيخ إلى شخص:</span> سمعتُ كذا من فلان (^٥). فللمكتوب (^٦) إليه إذا علم خط الشيخ أو ظَنَّه - أن يعمل به، وله أن يروي عنه إذا اقترنت المكاتبة بلفظ الإجازة، بأن يقول: أجزت لك ما كتبته لك (^٧). أو نحو ذلك. وأما إن تجردت المكاتبة فقد أجاز الرواية بها\n_________\n(^١) وهو قول الجمهور، ومنع الإمام من أن يقول في هذه المرتبة: حدثني، أو أخبرني، أو سمعته. وتبعه على هذا صاحب التحصيل، وصفي الدين الهندي، والقرافي، ﵏ جميعًا. انظر: البحر المحيط ٦/ ٣١٧، المحصول ٢/ ق ١/ ٦٤٦، التحصيل ٢/ ١٤٦، نهاية الوصول ٧/ ٣٠١١، شرح التنقيح ص ٣٧٦، فواتح الرحموت ٢/ ١٦٤.\n(^٢) والفقهاء. انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٢٦، فتح المغيث ٢/ ١٨٤.\n(^٣) وبعض المحدثين والظاهرية والمتكلمين. انظر: الكفاية ص ٤٠٨، تدريب الراوي ٢/ ٢٠، البحر المحيط ٦/ ٣١٨، المحصول ٢/ ق ١/ ٦٤٦، نهاية الوصول ٧/ ٣٠٠٨، الإحكام ٢/ ١٠٠، تيسير التحرير ٣/ ٩١، اللمع ص ٨١.\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) وتسمى هذه المرتبة بالمكاتبة، انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٥٣.\n(^٦) في (ت): \"فالمكتوب\".\n(^٧) في (ص)، (غ): \"إليك\".","vol":"5","page":1964},{"text":"كثير من المتقدمين والمتأخرين (^١)، منهم: أيوب السختياني (^٢)، ومنصور (^٣)، والليث بن سعد (^٤)، وجماعة من أصحابنا. وغلا أبو المظفر السمعاني من أصحابنا فقال: إنها أقوى من الإجازة (^٥). وإليه مصير جمعٍ\n_________\n(^١) هو مذهب الجمهور كما قال القاضي عياض رحمه الله تعالى. انظر: البحر المحيط ٦/ ٣٢٣.\n(^٢) هو الإمام الحافظ سيد العلماء أيوب بن أبي تميمة كيسان السَّخْتِيانيُّ، أبو بكر البصريُّ، مولى عَنَزة، ويقال: مولى جُهينة. ولد سنة ٦٨ هـ. قال الحميدي: لقي ابنُ عُيَيْنة ستةً وثمانين من التابعين، وكان يقول: ما رأيت مثلَ أيوب. وقال ابن سعد: كان أيوب ثقة ثبتًا في الحديث جامعًا، كثير العلم، حجةً عدلًا. مات سنة ١٣١ هـ. انظر: سير ٦/ ١٥، تهذيب ١/ ٣٩٧، تقريب ص ١١٧.\n(^٣) هو منصور بن المعتمر، أبو عتَّاب السلميُّ الكوفيُّ، الحافظ الثبت القدوة. قال ابن مهدي: لم يكن بالكوفة أحدٌ أحفظَ من منصور. وقال يحيى بن سعيد القطان: كان منصور من أثبت الناس. توفي سنة ١٣٢ هـ، أو سنة ١٣٣ هـ. انظر: سير ٥/ ٤٠٢، تهذيب ١٠/ ٣١٢، تقريب ص ٥٤٧.\n(^٤) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفهميُّ مولى خالد بن ثابت بن ظاعن الفهمي، وأصله من الفرس من أهل أصبهان. ولد بقَرْقَشَنْدة - قرية من أسفل أعمال مصر - سنة ٩٤ هـ. قال الشافعي - ﵁ -: \"الليث أفقه من مالك إلا أنَّ أصحابه لم يقوموا به\". وقال أيضًا: \"الليث أتبع للأثر من مالك\". وكان لكثرة إنفاقه وجوده يقول عن نفسه: ما وجبت عليَّ زكاةٌ منذ بلغت. أي: لا يحول الحول على ماله حتى تجب فيه الزكاة بل يُنفق كله قبل ذلك. وكان لا يتغدى ولا يتعشى إلا مع الناس. توفي سنة ١٧٥ هـ. انظر: سير ٨/ ١٣٦، تهذيب ٨/ ٤٥٩، تاريخ بغداد ١٣/ ٣.\n(^٥) انظر: القواطع ٢/ ٣٣٥. قال السيوطي في تدريب الراوي ٢/ ٥٤: \"قلت: وهو المختار، بل وأقوى من أكثر صور المناولة\".","vol":"5","page":1965},{"text":"مصير جمعٍ من الأصوليين (^١)، وهو قضية ترتيب المصنِّف حيث أخَّر ذكر الإجازة في التعداد.\nومنع قوم من الرواية بها منهم الماوردي في \"الحاوي\" (^٢).\nوجَوَّز الليث بن سعد ومنصور إطلاق: حدثنا، وأخبرنا - في الرواية بالمكاتبة، والمختار خلافه (^٣)، وأنه إنما يقول: كتب إليَّ فلان (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-489>السادسة: أن يشير الشيخ </span>إلى كتاب فيقول: سمعتُ ما في هذا الكتاب من فلان، أو هو مسموعي مِنْ فلان (^٥)، فيعمل السامع به (^٦). وأما أنه هل يرويه عنه فله أحوال:\n_________\n(^١) منهم إمام الحرمين ﵀. انظر: فتح المغيث ٣/ ٧. ملاحظة: لم أقف على كلام إمام الحرمين في \"البرهان\"، ومحقِّق \"فتح المغيث\" أحال إلى مكان في \"البرهان\" ليس فيه ما يدل على التفضيل.\n(^٢) انظر: الحاوي ٢٠/ ١٤٧، أدب القاضي للماوردي ١/ ٣٨٩، وكذا الرُّوياني. قال الزركشي ﵀: \"وممن نُقل عنه إنكار قبولها أبو الحسن الدارقطني الحافظ\". البحر المحيط ٦/ ٣٢٣.\n(^٣) أي: المنع من الإطلاق، وهو مذهب جمهور المحدثين. انظر: فتح المغيث ٢/ ١٢.\n(^٤) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٥٤ - ١٥٥.\n(^٥) وتسمى هذه المرتبة: إعلام الشيخ الطالب. انظر: فتح المغيث ٣/ ١٢، تدريب الراوي ٢/ ٥٥، علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٥٥، وسماها الإمام والأُرْمويان - ﵏ - بالمناولة. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٤٨، التحصيل ٢/ ١٤٦، الحاصل ٢/ ٨١٢، البحر المحيط ٦/ ٣٢٨.\n(^٦) وجوبًا. قال السيوطي ﵀: \"وادعى عياضٌ الاتفاق على ذلك\". تدريب الراوي ٢/ ٥٦، لكن نقل السخاوي عن البلقيني - رحمهما الله - أنه قال: كلام ابن حزم السابق - يعني في الإجازة - يقتضي منع هذا أيضًا\". فتح المغيث ٣/ ١٧.","vol":"5","page":1966},{"text":"أحدها (^١): أن يُقْرن ذلك بالمناولة والإجازة. وهذه الحالة أعلى الأحوال (^٢).\nومِنْ صورها: أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه، أو فَرْعًا مقابَلًا به، ويقول: هذا سماعي، أو روايتي عن فلان، فارْوه عني. أو أَجَزْتُ لك روايته عني. ثم يَهَبَه إياه، أو يقول: خذه وانسخه وقابِلْ به. ونحو (^٣) هذا.\nومنها: أن يجيء الطالب إلى الشيخ بكتابٍ أو جزءٍ مِنْ حديثه فيعرضه عليه، فيتأمله الشيخ العارف المتيقظ، ثم يعيده إليه، ويقول: وقفتُ على ما فيه، (وهو حديثي) (^٤) عن فلان، فارْوه عني. وهذا يُسمى عَرْضَ المناولة، كما أن القراءة على الشيخ تسمى عَرْضَ القراءة.\nوهذه المناولة المقرونة بالإجازة حالَّةٌ محلَّ السَّماع (^٥) عند الزهري، وربيعة الرأي (^٦) ويحيى بن سعيد، ومالك بن أنس، ومجاهد، وأبي\n_________\n(^١) فى (غ): \"إحداها\".\n(^٢) انظر: علوم الحديث لابن الاصلاح ص ١٤٦. قال السيوطي ﵀: \"ونقل عياض الاتفاق على صحتها\". تدريب الراوي ٢/ ٤٣. وانظر: فتح المغيث ٢/ ٢٨٧، البحر المحيط ٦/ ٣٢٥.\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"أو نحو\".\n(^٤) في \"ص\": \"وهو حدثني\". وهو خطأ.\n(^٥) أي: في القوة والمرتبة. انظر: تدريب الراوي ٢/ ٤٤.\n(^٦) هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن فَرُّوخ القرشيُّ التيميُّ مولاهم، المشهور بربيعة الرأي. قال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أحدًا أفطنَ من ربيعة بن أبي عبد الرحمن. =","vol":"5","page":1967},{"text":"الزبير (^١)، وابن عيينة، وقتادة، وأبي العالية (^٢)، وابن وهب (^٣)، وآخرين (^٤).\n_________\n= وقال يعقوب بن أبي شيبة: ثقة ثبت. وقال مالك - ﵁ -: ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة بن أبي عبد الرحمن. توفي - ﵀ - سنة ١٣٦ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٨/ ٤٢٠، سير ٦/ ٨٩، تهذيب ٢/ ٢٥٨.\n(^١) هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس، أبو الزبير القرشيُّ الأسديُّ المكيُّ، مولى حكيم بن حزام، الإمام الحافظ الصدوق. قال ابن حجر ﵀: \"صدوق، إلا أنه يدلِّس\". مات سنة ١٢٨ هـ. انظر: سير ٥/ ٣٨٠، تهذيب ٩/ ٤٤٠، تقريب ص ٥٠٦.\n(^٢) هو رُفَيْع بن مِهْران، أبو العالية الرِّياحيُّ البصريّ، الإمام المقرئ الحافظ المفسِّر. أدرك زمان النبي - ﷺ - وهو شاب، وأسلم بعد وفاته - ﷺ - بسنتين، ودخل على أبي بكر وصلَّى خلف عمر ﵄. وحفظ القرآن وقرأه على أبيِّ بن كعب، وتصدَّر لإفادة العلم، وبَعُد صيتُه. قال عن نفسه: قرأت القرآن على عمر - ﵁ - ثلاثَ مِرَار. قال أبو بكر بن أبي داود: وليس أحدٌ بعد الصحابة أعلمَ بالقرآن من أبي العالية. صَحَّح ابن حجر أنه مات سنة ٩٠. وقال البخاريّ وغيره: مات سنة ثلاث وتسعين. انظر: سير ٤/ ٢٠٧، تهذيب ٣/ ٢٨٤، تقريب ص ٢١٠.\n(^٣) هو عبد الله بن وهب بن مسلم، أبو محمد الفِهْريّ مولاهم، المصريّ الحافظ. ولد سنة ١٢٥ هـ. لقي بعض صغار التابعين، وكان من بحور العلم، وكنوز العمل. قال أبو حاتم بن حبان: \"جمع ابن وهب وصنَّف، وهو حَفِظ على أهل الحجاز ومصر حديثَهم\". وكان قد قسَّم دهره أثلاثًا: ثلثًا في الرِّباط، وثلثًا يعلِّم الناس بمصر، وثلثًا في الحج. ولما عُرِض عليه القضاء جَنَّن نفسَه ولزم بيته. وقد روى الموطأ عن مالك - ﵁ -، وموطَّأُه يزيد على كلِّ مَنْ روى عن مالك، وله كتاب \"الجامع\"، و\"البيعة\"، و\"المغازي\"، وغيرها. توفي - ﵀ - سنة ١٩٧ هـ. انظر: سير ٩/ ٢٢٣، تهذيب ٦/ ٧١، تقريب ص ٣٢٨.\n(^٤) انظر: علوم الحديث ص ١٤٧، تدريب الراوي ٢/ ٤٤، فتح المغيث ٢/ ٢٩٠ - ٢٩٢.","vol":"5","page":1968},{"text":"والصحيح أن ذلك غيرُ حالٍّ محلَّ السماع، وأنه منحط عن درجة التحديث لفظًا، والإخبار قراءة (^١)، قال الحاكم: \"أما فقهاء الإسلام الذين أفتوا في الحلال والحرام فإنهم لم يَرَوْه سماعًا، وبه قال الشافعي، والأوزاعي، والبويطي، والمزني، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وابن المبارك، ويحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهويه (^٢) \"، قال: \"وعليه عَهِدْنا أئمتنا، وإليه ذهبوا، وإليه نذهب\" (^٣).\nوثانيها: أن يناوله الكتاب مناولةً مجردة عن الإجازة، فيقتصر على قوله: هذا مِنْ حديثي، أو من سماعي. ولا يقول: اروه عني. فهذه مناولة مختلة (لا تجوز) (^٤) الرواية بها (^٥)، وعابها غير واحدٍ من الفقهاء\n_________\n(^١) انظر: علوم الحديث ص ١٤٨، تدريب الراوي ٢/ ٤٥، فتح المغيث ٢/ ٢٩٢، البحر المحيط ٦/ ٣٢٦.\n(^٢) هو إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد بن إبراهيم، أبو يعقوب التميميُّ ثم الحنظليُّ المروزيُّ نزيل نيسابور. ولد سنة ١٦١ هـ. قيل لأبيه راهُويه لأنه وُلد في طريق مكة، فقالت المراوزة: راهُويه. قال أحمد ﵀: \"لا أعرف لإسحاق في الدنيا نظيرًا\". وقال ابن خزيمة: \"والله لو كان إسحاق في التابعين لأقروا له بحفظه وعلمه وفقهه\". وكان آية في الحفظ يقول: ما سمعت شيئًا إلا وحفظتُه، ولا حفظت شيئًا قط فنسيتُه. توفي ليلة النصف من شعبان سنة ٢٣٨ هـ. انظر: سير ١١/ ٣٥٨، تهذيب ١/ ٢١٦، تقريب ص ٩٩.\n(^٣) علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٤٨، معرفة علوم الحديث ص ٢٥٩ - ٢٦٠، تدريب الراوي ص ٤٥، فتح المغيث ٢/ ٢٩٣.\n(^٤) في (ص): \"لا يجوز\".\n(^٥) انظر: الإحكام ٢/ ١٠١.","vol":"5","page":1969},{"text":"والأصوليين (^١) على شرذمةٍ من المحدثين سَوَّغوا الرواية بها (^٢).\nوثالثها: أن لا يناوله ولا يجيزه، بل يقتصر على إعلامه بأن هذا مِنْ سماعي مِنْ فلان، فهذه أولى بالمنع من الثانية، ونُقِل عن ابن جريج (^٣) (^٤) أن ذلك طريق مُجَوِّز لرواية ذلك عنه، وبه قطع ابن الصَّبَّاغ من أصحابنا (^٥).\n_________\n(^١) كالغزالي في المستصفى ١/ ١٦٦، وإمام الحرمين في البرهان ١/ ٦٤٦، وابن القشيري، والعبدري، كما في البحر المحيط ٦/ ٣٢٧، ٣٢٨.\nوانظر: تدريب الراوي ٢/ ٤٦، علوم الحديث ص ١٤٨ - ١٤٩، فتح المغيث ٢/ ٣٠٢.\n(^٢) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٤٩، وفيه ص ١٤٩ - ١٥٠: \"وحكى الخطيب عن طائفة من أهل العلم أنهم صححوها وأجازوا الرواية بها\"، وكلام الإمام في المحصول (٢/ ق ١/ ٦٤٨) صريح في الجواز، بل وحتى مع عدم المناولة، فلو أشار إلى الكتاب، وقال: قد سمعت ما في هذا الكتاب - جاز لغيره الرواية عنه. قال الزركشي ﵀: \"وجَوَّز ابن الصباغ الرواية بها\". البحر المحيط ٦/ ٣٢٧.\n(^٣) وطوائف من المحدثين، والفقهاء، والأصوليين، والظاهريين. انظر: علوم الحديث ص ١٥٥، تدريب الراوي ٢/ ٥٥.\n(^٤) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيج، أبو خالد وأبو الوليد القرشيُّ الأمويُّ مولاهم، المكىّ، أصله روميّ. الإمام العلّامة الحافظ شيخ الحرم، وأول مَنْ دَوَّن العلم بمكة. قال عطاء بن أبي رباح: سيد شباب أهل الحجاز ابن جُريج. قال ابن حجر: \"ثقةٌ فقيه فاضل، وكان يدلِّس ويرسِل\". مات سنة ١٥٠ هـ، أو سنة ١٥١ هـ. انظر: سير ٦/ ٣٢٥، تهذيب ٦/ ٤٠٢، تقريب ص ٣٦٣.\n(^٥) وأبو العباس الغمري والقاضي عياض المالكيان، وحكاه عياض عن الكثير. انظر: المراجع السابقة.","vol":"5","page":1970},{"text":"والصحيح خلافه؛ لأنه قد يكون ذلك مسموعه، ثم لا يأذن في روايته عنه؛ لكونه لا يُجَوِّز روايتَه لخلل يعرفه فيه (^١)، وبهذا تفارق هذه الصورة ما إذا قُرِأ عليه وهو يستمع (^٢) ويُقِرُّ به، حيث يجوز لكل سامعٍ أن يرويه عنه بالطريق المتقدمة، فإنَّ هناك وُجِد منه تحديث وإقرار، فدلَّ على أنه لا خلل عنده فيه يمنع من التحديث به، وإنما هذا (^٣) كالشاهد إذا ذَكَر في غير مجلس الحكم شهادتَه بشيء، فليس لمن سمعه أن يشهد على شهادتَه إذا لم يأذن له، (ولم يُشْهِدْه) (^٤) على شهادته (^٥)، وذلك أمر تساوت فيه الشهادة والرواية؛ لأن المعنى يجمع بينهما في ذلك، وإن افترقا (^٦) في غيره (^٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-490>السابعة: الإجازة</span>. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه يجب العمل\n_________\n(^١) وبهذا قال الغزالي في المستصفى ١/ ١٦٥، وابن الصلاح، ونسبه لغير واحدٍ من المحدثين، وصححه النووي، واختاره الحافظ ابن حجر والسخاوي ﵏ جميعًا. انظر: علوم الحديث ص ١٥٦، تدريب الراوي ٢/ ٥٦، نزهة النظر ص ١٢٥، فتح المغيث ٣/ ١٧.\n(^٢) في (ت): \"يسمع\".\n(^٣) أي: مجرد الإعلام فقط، أو المناولة مع الإعلام فقط.\n(^٤) في (ت): \"ولم يشهد\".\n(^٥) قال الغزالي ﵀: \"لأن الرواية شهادة، والإنسان قد يتساهل في الكلام، لكن عند جزم الشهادة قد يتوقف\". المستصفى ١/ ١٦٥.\n(^٦) في (ص): \"افترقتا\".\n(^٧) انظر: علوم الحديث ص ١٥٦.","vol":"5","page":1971},{"text":"بالمَرْويِّ بها (^١)، وخالف بعض أهل الظاهر (^٢)، وهو خلاف ضعيف؛ لأنه ليس في الإجازة ما يقدح في اتصال المنقول بها، وفي الثقة به (^٣).\nوأما الرواية بالإجازة: فقد اختلف العلماء فيها:\nوالذي استقر (عليه العمل، وقال به جماهير أهل العلم من المحدثين وغيرهم:\nالقولُ) (^٤) بتجويز الإجازة وإباحة الرواية بها (^٥).\nوخالفهم جماعة، منهم: إبراهيم بن إسحاق الحربي (^٦)، وأبو محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني الملقب بأبي الشيخ (^٧)، وهو رواية عن\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط ٦/ ٣٢٨، اللمع ص ٨١، شرح اللمع ٢/ ٦٥٢، الكفاية ص ٤٤٦، علوم الحديث ص ١٣٦، تدريب الراوي ٢/ ٢٨، فتح المغيث ٢/ ٢١٨.\n(^٢) انظر: المراجع السابقة.\n(^٣) أي: بالمنقول.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر: علوم الحديث ص ١٣٥، الكفاية ص ٤٤٦، فتح المغيث ٢/ ٢٢١، تدريب الراوي ٢/ ٢٨، البحر المحيط ٦/ ٣٣٠، شرح الكوكب ٢/ ٥٠٠، الإحكام ٢/ ١٠٠، شرح التنقيح ص ٣٧٨.\n(^٦) هو إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم أبو إسحاق البغداديُّ الحربيّ. الإمام الحافظ شيخ الإسلام. ولد سنة ١٩٨ هـ. قال الدارقطني: \"كان يقاس بأحمدَ بنِ حنبل في زهده وعلمه وورعه\". وقال أيضًا: \"الحربيُّ إمامٌ، مصنِّفٌ، عالم بكل شيء، بارع في كل علم، صدوق\". من مصنفاته: دلائل النبوة، سجود القرآن، ذم الغيبة. توفي سنة ٢٨٥ هـ. انظر: سير ١٣/ ٣٥٦، تاريخ بغداد ٦/ ٢٨، طبقات الحنابلة ١/ ٨٦.\n(^٧) هو عبد الله بن محمد بن جعفر بن حَيَّان، أبو محمد، المعروف بأبي الشيخ. الإمام الحافظ الصادق محدِّث أصبهان. ولد سنة ٢٧٤ هـ. قال الخطيب ﵀: \"كان =","vol":"5","page":1972},{"text":"الشافعي (^١)، واختيار القاضي الحسين والماوردي من أصحابنا (^٢)، وقالا (^٣): لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة (^٤).\nواعلم أن في الاحتجاج لصحة الإجازة غموضٌ. قال أبو طاهر الدباس (^٥) من أئمة الحنفية: مَنْ قال لغيره: أجزت لك أن تروي عني -\n_________\n= أبو الشيخ حافظًا ثبتًا مُتقنًا\". وكان أحدَ عباد الله الصالحين، عرض كتابه \"ثواب الأعمال\" على الطبراني فاستحسنه، ويُروى عنه أنه قال: ما عملتُ فيه حديثًا إلا بعد أَنِ استعملتُه. قال الذهبي: \"قد كان أبو الشيخ من العلماء العاملين، صاحب سنةٍ واتباع، لولا ما يملأ تصانيفه بالواهيات\". من مصنفاته: \"السنة\"، \"العظمة\"، \"السنن\"، وغيرها. توفي سنة ٣٦٩ هـ. انظر: سير ١٦/ ٢٧٦، شذرات ٣/ ٦٩.\n(^١) حمل الخطيب - ﵀ - هذه الرواية على الكراهة للاتكال على الإجازة بدلًا من السماع؛ لأنه قد حُفِظ عنه الإجازة لبعض أصحابه ما لم يسمعه من كتبه. انظر: الكفاية ص ٤٥٥، البحر المحيط ٦/ ٣٣٠، فتح المغيث ٢/ ٢٢٦.\n(^٢) وابن حزم من الظاهرية. انظر: علوم الحديث ص ١٣٥، فتح المغيث ٢/ ٢١٨، الإحكام لابن حزم ٢/ ٢٧٣، البحر المحيط ٦/ ٣٢٩، شرح الكوكب ٢/ ٥٠١. وقال أبو حنيفة ومحمد ﵄، والحنفية: إن كان المجيز والمجاز له كلاهما يعلمان ما في الكتاب من الأحاديث جازت الرواية بهذه الإجازة، وإلا فلا. انظر: تيسير التحرير ٣/ ٩٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٦٥، البحر المحيط ٦/ ٣٣١.\n(^٣) في (ص): \"وقال\". وهو خطأ.\n(^٤) انظر: علوم الحديث ص ١٣٥. وسبقهما شعبة - ﵁ -. بمثل هذا القول، حيث قال: \"لو صحت الإجازة بطلت الرحلة\". انظر: الكفاية ص ٤٥٤، فتح المغيث ٢/ ٢١٩ - ٢٢٠.\n(^٥) هو محمد بن محمد بن سفيان، أبو طاهر الدَّبَّاس الفقيه، إمام أهل الرأي بالعراق، وهو من أقران أبي الحسن الكرخي ﵀. ولي القضاء بالشام، ومات مجاورًا بمكة. انظر: الجواهر المضية ٣/ ٣٢٣، طبقات الفقهاء ص ١٤٨.","vol":"5","page":1973},{"text":"فكأنه يقول: أجزت لك أن تكذِب عليَّ (^١). وكذا قال غيره: تقدير أجزتُ لك: أبحتُ لك ما لا يجوز في الشرع؛ لأن الشرع لا يُبيح روايةَ ما لم يُسْمع (^٢).\nواحتج ابن الصلاح للإجازة: بأنه إذا أجاز له أن يروي عنه مروياته - فقد أخبره بها جملةً، فهو كما لو أخبره بها (^٣) تفصيلًا، وإخباره بها غير متوقف على التصريح نُطْقًا، كما في القراءة على الشيخ على ما سبق (^٤).\nقلت: وتقدير قوله: \"أجزتُ لك\"، أي (^٥): أجزتك أني أروي هذا الكتاب، وأذنتُ لك أن تنقله عني. وقول الراوي: \"أخبرنا فلان إجازةً\" ليس معناه إلا هذا، كأنه يقول: أخبرني أنه يروي الكتاب الفلاني، وأذن لي في نقله عنه، فأنا أنقله عنه بهذا الطريق. هذا هو الذي يتجه في الإجازة، ولا يتضح غيره. وقد يشبه هذا بما إذا كتب وصيته، وقال لشخص: اشهد عليَّ بما في هذا المكتوب. قال محمد بن نصر من أئمة أصحابنا: له أن يَشْهد عليه بما فيه، والرواية أولى بالجواز من الشهادة. وإذا تقرر جواز الإجازة من حيث الجملة فنقول: هي عند التفصيل أنواع:\n_________\n(^١) انظر: علوم الحديث ص ١٣٥، كشف الأسرار ٣/ ٤٣.\n(^٢) انظر: علوم الحديث ص ١٣٥، كشف الأسرار ٣/ ٤٣.\n(^٣) سقطت من (ت)، و(ص).\n(^٤) انظر: علوم الحديث ص ١٣٦.\n(^٥) في (ص): \"انى\".","vol":"5","page":1974},{"text":"الأول: أن يُجيز لمعيَّن في معيَّن. مثل: أن (^١) يقول (^٢): أجزت لك (^٣) الكتاب الفلاني، أو ما اشتملت عليه (^٤) فِهْرِسَتي (^٥) هذه. فهذا أعلى أنواع الإجازة، وزعم بعضهم (^٦) أنه لا (^٧) خلاف في جوازها، وأن الخلاف إنما هو في غير هذا النوع من الإجازة. والصحيح أن الخلاف يطرقها أيضًا (^٨).\nالثاني: أن يجيز لمعيَّن في غير معين. مثل: أجزتُ لك، أو لكم - جميعَ مسموعاتي (^٩). فالخلاف في هذا النوع أقوى وأكثر (^١٠)، والجمهور على\n_________\n(^١) في (ت): \"أي\".\n(^٢) إما بخطه ولفظه، وهو أعلى. أو بأحدها. انظر: فتح المغيث ٢/ ٢١٧.\n(^٣) أو لكم، أو لفلان. انظر: فتح المغيث ٢/ ٢١٧، تدريب الراوي ٢/ ٢٨.\n(^٤) سقطت من \"ت\".\n(^٥) أي: جملة عدد مروياتي، وهي بكسر الفاء والراء. قال السيوطي ﵀: \"قال صاحب تثقيف اللسان: الصواب أنها بالمثناة الفوقية وقوفًا وإدماجًا، وربما وقف عليها بعضهم بالهاء، وهو خطأ. قال: ومعناها جملة العدد للكتب، لفظة فارسية\". تدريب الراوي ٢/ ٢٨.\nوانظر: فتح المغيث ٢/ ٢١٧، لسان العرب ٦/ ١٦٧. وفي المعجم الوسيط ٢/ ٧٠٤: \"الفِهْرِس: الكتاب تجمع فيه أسماء الكتب مرتبة بنظام معيَّن. ولَحَقٌ يُوضع في أول الكتاب أو في آخره، يذكر فيه ما اشتمل عليه الكتاب من الموضوعات والأعلام، أو الفصول والأبواب، مرتبة بنظام معيَّن. (مُعَرَّب فهرست الفارسية) \".\n(^٦) وهو القاضي عياض، وأبو مروان الطبني رحمهما الله تعالى. انظر: فتح المغيث ٢/ ٢١٧.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) انظر: علوم الحديث ص ١٣٤، تدويب الراوي ٢/ ٢٨، فتح المغيث ٢/ ٢١٧ - ٢٢١.\n(^٩) أو مروياتي. وما أشبه ذلك. انظر: فتح المغيث ٢/ ٢٣٠، علوم الحديث ص ١٣٦.\n(^١٠) لأنه لم ينص له في الإجازة على شيء بعينه، ولا أحاله على تراجم كتب بعينها =","vol":"5","page":1975},{"text":"تجويزه (^١).\nالثالث: أن يُجيز لغير معيَّن (بوصف العموم (^٢» (^٣). مثل: أجزتُ للمسلمين (^٤)، أو لمن أدرك حياتي. فقد منعه جماعة (^٥)، وجَوَّزه الخطيب وغيره (^٦).\nوجَوَّز القاضي أبو الطيب الإجازةَ لجميع المسلمين مَنْ كان منهم موجودًا عند الإجازة.\nوالإجازةُ لغير معيَّن بمعين، مثل: أجزت جميع المسلمين أن يرووا عني\n_________\n= من أصوله، ولا من الفروع المقروءة عليه، وإنما أحاله على أمرٍ عام، وهو في تصحيح ما رَوَى الناسُ عنه على خطر، لا سيما إذا كان كل منهما في بلد. قال السخاوي ﵀: \"وحينئذٍ فيجب - كما قال الخطيب - على هذا الطالب التفحص عن أصول الراوي من جهة العدول الأثبات، فما صح عنده من ذلك جاز له أن يحدث به\". فتح المغيث ٢/ ٢٣٠.\n(^١) رواية وعملًا. انظر: تدريب الراوي ٢/ ٣١، والمراجع السابقة.\n(^٢) أي: سواء عيَّن المجاز به، أو أطلق. انظر: فتح المغيث ٢/ ٢٣١.\n(^٣) في (ت): \"في غير معين\". وهو خطأ.\n(^٤) في (ص)، و(غ): \"المسلمين\".\n(^٥) منهم ابن الصلاح، والعراقي، والحافظ ابن حجر، وغيرهم. قال السخاوي في فتح المغيث ٢/ ٢٤٢: \"نقل شيخنا عدم الاعتداد بها عن مُتقني شيوخه، ولم يكن هو يعتد بها. . .\" انظر: علوم الحديث ص ١٣٧، نزهة النظر ص ١٢٦.\n(^٦) كالحافظ أبي عبد الله بن منده، والحافظ أبي العلاء الهمداني، وكثيرون. قال السيوطي: \"جمعهم بعضهم في مجلد، ورتبهم على حروف المعجم لكثرتهم\". تدريب الراوي ٢/ ٣٢. وانظر علوم الحديث ص ١٣٧، فتح المغيث ٢/ ٢٣١.","vol":"5","page":1976},{"text":"الكتاب الفلاني - أقوى من الإجازة لغير معين بغير معين، مثل: أجزتُ جميع المسلمين أن يرووا عني جميع مروياتي (^١).\nالرابع: الإجازة للمجهول، أو بالمجهول. مثل: \"أجزت لمحمد بن خالد الدمشقي\"، وفي وقته ذلك جماعة مشتركون في هذا الاسم والنسب، ثم لا يعيِّن المُجاز له منهم. أو يقول: \"أجزت لفلانٍ أن يروي عني كتاب السنن\"، وهو يروي جماعةً من كتب السنن المعروفة بذلك (^٢)، وليس ثَمَّ قرينةُ عهدٍ ولا غيرِها تُرْشِد إلى المراد من ذلك، فهذه إجازة فاسدة لا فائدة لها. وليس من هذا القبيل ما إذا أجاز جماعةً مُسَمَّيْن مُعَيَّنِين بأنسابهم، والمُجيز جاهلٌ بأعيانهم (^٣)، فإن هذا غيرُ قادح، كما لا يقدح عدمُ معرفته به إذا حضر شخصُه في السماع منه.\nوإنْ أجاز للمسمَّيْن (^٤) المنتسبِين (^٥) في الإجازة، ولم يعرفهم بأعيانهم، ولا بأنسابهم، ولم يعرف عددهم، ولا تصفح أسماءهم واحدًا فواحدًا. قال ابن الصلاح: \"فينبغي أن يصح ذلك أيضًا، كما يصح سماع مَنْ حضر\n_________\n(^١) انظر: فتح المغيث ٢/ ٢٤٤.\n(^٢) كسنن أبي داود، والدارقطني، والبيهقي، وغيرها.\n(^٣) أي: الشيخ لا يعرف ذواتهم، ولكن يعرف أسماءهم.\n(^٤) في (ت): \"للمسلمين\". وهو تصحيف، والعبارة موجودة في علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٣٨.\n(^٥) في (ت): \"المسمين\"، وهو تصحيف أيضًا. والمعنى: إن أجاز للمعينين مع البيان لأنسابهم وشُهَرِهم، بحيث يزول الاشتباه عنهم، ويتميزون عن غيرهم. انظر: فتح المغيث ٢/ ٢٤٧.","vol":"5","page":1977},{"text":"مجلسه للسماع منه، وإن يعرفهم أصلًا، ولا عددهم، ولا تصفح أشخاصَهم\" (^١).\nالخامس: الإجازة المعلَّقة بشرطٍ. مثل: أجزت لمَنْ يشاء (^٢) فلان (^٣). أو نحو ذلك (^٤)، وهو كالنوع الرابع، ففيه جهالة، (وتعليقٌ بشرط) (^٥). وقد أفتى القاضي (^٦) أبو الطيب: بأنه لا يصح (^٧)، وعَلَّل: بأنه إجازةٌ لمجهول، فصار كقوله: أجزت بعضَ الناس.\nوقال أبو يعلى بن الفراء (^٨)، وأبو الفضل بن عُمْرُوسٍ\n_________\n(^١) انظر: علوم الحديث ص ١٣٨، وكذا فتح المغيث ٢/ ٢٤٧.\n(^٢) في (ص): \"شاء\".\n(^٣) أي: لمن يشاء فلانٌ الإجازةَ له.\n(^٤) كأن يقول: مَن شاء فلانٌ أن أجيزه فقد أجزتُه. انظر: فتع المغيث ٢/ ٢٤٩.\n(^٥) في (ص): \"وتعليقُ شرطٍ\".\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) وهو الذي رجَّحه العراقي، وابن حجر رحمهما الله تعالى. انظر: فتح المغيث ٢/ ٢٥٠، نزهة النظر ص ١٢٦.\n(^٨) هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف، أبو يعلى بن الفَرَّاء البغداديّ. الإمام العلَّامة شيخ الحنابلة. ولد سنة ٣٨٠ هـ. قال الذهبي ﵀: \"ولي القضاء بدار الخلافة والحريم، مع قضاء حَرَّان وحُلْوان، وقد تلا بالقراءات العشر، وكان ذا تعبُّدٍ وتهجد، وملازمةٍ للتصنيف، مع الجلالة والمهابة، ولم تكن له يدٌ طولى في معرفة الحديث، فربما احتج بالواهي\". وثَّقه الخطيب ﵀. من مصنفاته: أحكام القرآن، المقتبس، الردُّ على الكرَّامية، الردُّ على الجهمية، وغيرها. توفي - ﵀ - سنة ٤٥٨ هـ.","vol":"5","page":1978},{"text":"المالكي (^١): يجوز ذلك.\nوإذا قال: أجزت لمن يشاء (^٢) - فهو مثل: أجزت لمن يشاء (^٣) فلان. بل هذه (^٤) أكثر جهالة وانتشارًا مِنْ جهة تعليقها بمشيئة مَنْ لا يُحصر عددهم. ثم هذا فيما إذا أجاز لمن شاء الإجازة منه له.\nفإنْ أجاز لمن شاء (^٥) الرواية (عنه (^٦) - فهذا أولى بالجواز؛ من حيث إن قضية كل إجازة تفويضُ الرواية) (^٧) بها إلى مشيئة المُجاز (^٨) له، فكان\n_________\n= انظر: تاريخ بغداد ٢/ ٢٥٦، سير ١٨/ ٨٩.\n(^١) هو محمد بن عبيد الله بن أحمد بن محمد بن عُمْرُوسٍ البغداديُّ، أبو الفضل البزار المالكيّ. الإمام العلَّامة شيخ المالكية. ولد سنة ٣٧٢ هـ. قال أبو إسحاق: كان فقيهًا أصوليًا صالحًا. توفي سنة ٤٥٢ هـ.\nانظر: تاريخ بغداد ٢/ ٣٣٩، سير ١٨/ ٧٣، ترتيب المدارك ٢/ ٧٦٢، تاج العروس ٨/ ٣٧٥، مادة (عمرس).\n(^٢) في (ص): \"شاء\".\n(^٣) في (ص): \"شاء\".\n(^٤) أي: قوله: أجزت لمن يشاء.\n(^٥) في (ت)، (غ): \"يشاء\".\n(^٦) بأن يقول: أجزتُ لمن يشاء الروايةَ عني.\nانظر: تدريب الراوي ٢/ ٣٤ - ٣٥، فتح المغيث للعراقي ص ٢٠٦.\n(^٧) سقطت من (ت).\n(^٨) في (ص): \"الجواز\".","vol":"5","page":1979},{"text":"هذا مع كونه بصيغة التعليق - تصريحًا بما يقتضيه الإطلاق، وحكايةً للحال، لا تعليقًا في الحقيقة (^١)؛ ولهذا أجاز بعض أصحابنا في البيع أن يقول: بعتُك بكذا إن شئت. فيقول: قبلتُ (^٢).\nالسادس: الإجازة للطفل الصغير. قال الخطيب: \"سألت القاضي أبا الطيب: هل يُعتبر في صحة الإجازة للطفل الصغير سِنُّه، أو تمييزه، كما يُعتبر ذلك في صحة سماعه؟ فقال: لا يُعتبر ذلك. قال: فقلت له: إن بعض أصحابنا قال: لا تصح الإجازة لمن لا يصح سماعه. فقال: قد يصح أن يُجيز للغائب عنه، ولا يصح السماع له\" (^٣).\nواحتج الخطيب للصحة: بأن الإجازة إنما هي إباحة المُجيز للمُجاز له أن يروي عنه، والإباحة تصح للعاقل وغير العاقل (^٤).\nالسابع: الإجازة للمعدوم ابتداء (^٥). مثل: أن يقول: أجزتُ لمن يُولد لفلان. وقد أجازها أبو يعلى بن الفراء من الحنابلة، وأبو الفضل بن\n_________\n(^١) يعني: فالمشيئة للرواية موجودة بكل حال، فكان ذكرها وعدم ذكرها سواء، فهي شرط لفظي. انظر: فتح المغيث ٢/ ٢٥٣.\n(^٢) انظر: فتح المغيث للعراقي ص ٢٠٦. قال السيوطي ﵀: \"وكذا قال البُلْقيني في محاسن الاصطلاح\". تدريب الراوي ٢/ ٣٥، وفتح المغيث ٢/ ٢٥٣.\n(^٣) انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٤١، الكفاية ص ٤٦٦، والنقل بتصرف يسير من \"الكفاية\".\n(^٤) قال الخطيب في الكفاية ص ٤٦٦: \"وعلى هذا رأينا كافة شيوخنا يُجيزون للأطفال الغُيَّب عنهم من غير أن يسألوا عن مبلغ أسنانهم، وحال تمييزهم\".\n(^٥) أي: من غير عطف على موجود.","vol":"5","page":1980},{"text":"عُمْرُوس من المالكية، والخطيب من أصحابنا (^١). قال ابن الصباغ: ومأخذ مَنْ أجازها اعتقاده أن الإجازة إذْنٌ في الرواية لا محادثة (^٢). والصحيح وهو الذي استقر عليه رأي القاضي أبي الطيب: أنها لا تصح (^٣)؛ لأن الإجازة في حكم الإخبار جملةً بالمُجاز، كما تقدم، فكما لا تصح الإخبار للمعدوم (لا تصح) (^٤) إجازته (^٥).\nالثامن: الإجازة للمعدوم عطفًا على الموجود. مثل: أجزتُ لك ولولَدِكَ وعَقِبِكَ ما تناسلوا (^٦). وهو أقرب إلى الجواز من\n_________\n(^١) وأبو عبد الله الدامغاني الحنفي. قال عياض: \"إنه أجازه معظم الشيوخ المتأخرين\". انظر: فتح المغيث ٢/ ٢٥٧، ٢٥٨، علوم الحديث ص ١٤٠، تدريب الراوي ٢/ ٣٦.\n(^٢) يعني: فلا يشترط في الإذن الوجود. انظر: فتح المغيث ٢/ ٢٥٧. قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى: \"ولو قدرنا أن الإجازة إذنٌ - فلا يصح أيضًا ذلك للمعدوم، كما لا يصح الإذن في باب الوكالة للمعدوم؛ لوقوعه في حالةٍ لا يصح فيها المأذون فيه من المأذون له\". علوم الحديث ص ١٤١.\n(^٣) قال ابن الصلاح ﵀: \"وذلك هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره\". علوم الحديث ص ١٤١، وكذا قال النووي، والعراقي، وهو الذي اختاره ابن الصباغ والماوردي، والحافظ ابن حجر ﵏ جميعًا. انظر: تدريب الراوي ٢/ ٣٦، فتح المغيث ٢/ ٢٥٦، نزهة النظر ص ١٢٦. قال السيوطي ﵀: \"أما إجازة مَنْ يُوجد مطلقًا فلا يجوز إجماعًا\". تدريب الراوي ٢/ ٣٦.\n(^٤) في (ص): \"لا يصح\".\n(^٥) انظر: علوم الحديث ص ١٤١.\n(^٦) ومثله: \"أجزت لطلبة العلم ببلد كذا متى كانوا\". فإن هذه الإجازة. بمعنى قوله: أجزت لطلبة العلم في هذا الزمان ولمن يأتي بعدهم ببلد كذا. ففيها عطف المعدوم على الموجود. انظر: فتح المغيث ٢/ ٢٥٥.","vol":"5","page":1981},{"text":"الأول (^١)؛ ولهذا أجازه الأصحاب في الوقف، ولم يجيزوا الأول (^٢). وقد فعل هذا أبو بكر بن أبي داود السجستاني (^٣)، فإنه سُئل الإجازة فقال: قد أجزت لك، ولأولادك، ولحَبَل الحَبَلَة يعني: مَنْ يُولد بَعْدُ (^٤).\nالتاسع: الإجازة بما لم يسمعه المُجيزُ، ولم يتحملْه فيما مضى؛ ليرويَه المُجاز له إذا (^٥) تَحَمَّله المُجِيزُ بعد ذلك (^٦).\n_________\n(^١) كذا قال ابن الصلاح والنووي، وهذا ليس اختيارهم، بل على مقتضى قول مَنْ جَوَّز إجازة المعدوم ابتداءً، والخلاف فيها هو الخلاف في هذه، والمخالفون هناك هم المخالفون هنا. انظر: فتح المغيث ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦، نزهة النظر ص ١٢٦، فتح المغيث للعراقي ص ٢٠٧، تدريب الراوي ٢/ ٣٦.\n(^٢) لأن من شرط الوقف عند الشافعية التنجيز، والوقف على المعدوم ليس مُنَجَّزًا. انظر: روضة الطالبين ٤/ ٣٩٢، نهاية المحتاج ٥/ ٣٧١، ٣٧٥.\n(^٣) هو عبد الله بن سليمان بن الأشعث، أبو بكر السِّجِسْتاني. الإمام العلامة الحافظ شيخ بغداد. ولد سنة ٢٣٠ هـ. كان عجيب الحفظ واسع العلم بحيث إن البعض فضَّله على أبيه. قال عنه الدارقطني: \"ثقة، كثير الخطأ في الكلام على الحديث\". من مصنفاته: السُّنن، المصاحف، الناسخ والمنسوخ، وغيرها. مات سنة ٣١٦ هـ، وصلَّى عليه نحو من ثلاثمائة ألف إنسان، وأكثر. وصُلِّي عليه ثمانين مرة. انظر: تاريخ بغداد ٩/ ٤٦٤، سير ١٣/ ٢٢١.\n(^٤) انظر: الكفاية ص ٤٦٥، علوم الحديث ص ١٤٠. وهذا النوع فقط هو الذي أجازه ابن أبي داود رحمهما الله، ولذلك قال الخطيب ﵀: \"ولم أجد لأحدٍ من الشيوخ المحدثين في ذلك قولًا، ولا بلغني عن المتقدمين سواه فيه رواية\". انظر: فتح المغيث ٢/ ٢٥٥.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) مثل أن يقول: أجزت لك فيما أسمعه في المستقبل. أو: أجزتُك بما أُجاز به في المستقبل. ونحو ذلك من أنواع التحمل. انظر: فتح المغيث ٢/ ٢٦٣، تدريب الراوي ٢/ ٣٨.","vol":"5","page":1982},{"text":"قال ابن الصلاح: \"ينبغي أن يُبنى ذلك على أن الإجازة في حكم الإخبار بالمُجاز جُملةً أو هي إذن، فلا تصح إنْ جُعلت في حكم الإخبار، إذ كيف يُخبِر بما لا خَبَر عنده منه. وإنْ جُعِلت إذنًا بُنِي على الخلاف في تصحيح الإذن في باب الوكالة فيما لم يملكه الآذِن المُوَكِّل بَعْدُ. مثل: أن يوكِّل في بيع العبد الذي يريد أن يشتريه. وقد أجاز ذلك بعض أصحابنا (^١)، والصحيح بطلان هذه الإجازة (^٢) \" (^٣).\nالعاشر: إجازة المُجاز. مثل: أجزت لك مُجَازاتي، أو رواية (^٤) ما أُجيز لي روايتُه.\nوقد مَنعَ من ذلك بعضُ المتأخرين (^٥)، والصحيح جوازُه (^٦). وقد كان\n_________\n(^١) كالقفال. انظر: العزيز شرح الوجيز ٥/ ٢٠٥. والمذهب عند الشافعية عدم الجواز. انظر: نهاية المحتاج ٥/ ٢٠ - ٢١.\n(^٢) بل الصواب بطلانها، كما قاله النووي، وسبقه إليه عياض رحمهما الله تعالى. انظر: فتح المغيث ٢/ ٢٦٣، وكذا صححه العراقي والقسطلاني. انظر: فتح المغيث للعراقي ص ٢١٠ تدريب الراوي ٢/ ٣٨ - ٣٩.\n(^٣) انظر: علوم الحديث ص ١٤٢ - ١٤٣.\n(^٤) في (ت): \"ورواية\".\n(^٥) حكاه الحافظ البَرَدَاني عن بعض منتحلي الحديث ولم يسمه، وكذا قال به الحافظ أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي الحنبلي شيخ ابن الجوزي ﵏ جميعًا. انظر: فتح المغيث ٢/ ٢٦٧، تدريب الراوي ٢/ ٣٩، فتح المغيث للعراقي ص ٢١١. لكن خلافهم ضعيف جدًا.\n(^٦) وبه قطع الحفاظ أبو الحسن الدارقطني، وأبو العباس بن عقدة، وأبو نعيم الأصبهاني. انظر: تدريب الراوى ٢/ ٣٩. قال أبو نعيم الأصبهاني ﵀: \"الإجازة على =","vol":"5","page":1983},{"text":"الفقيه الزاهد نصر المقدسي (^١) يروي بالإجازة عن الإجازة، حتى ربما وَالَى بين إجازات ثلاث في روايته (^٢).\nالحادي عشر: الإذن في الإجازة. مثل: أن يقول له: أذِنْتُ لك أن تجيز (^٣) عني مَنْ شئت (^٤). وهذا نوعٌ لم أر مَنْ ذكره، ولكنه وقع في عصرنا هذا، وسألني بعض المحدثين عنه. والذي يتجه أنه يصح، كما لو\n_________\n= الإجازة قوية جائزة\". انظر: علوم الحديث ص ١٤٣ - ١٤٤. قال السخاوي رحمه الله تعالى: \"بل نقل الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: الاتفاق بين المحدثين القائلين بصحة الإجازة - على صحة الرواية بالإجازة على الإجازة\". فتح المغيث ٢/ ٢٧٠.\n(^١) هو نصر بن إبراهيم بن نصر بن إبراهيم، أبو الفتح النابلسيّ المقدسيّ. الإمام العلَّامة القدوة المحدِّث شيخ الإسلام، وشيخ الشافعية بالشام. ولد قبل سنة ٤١٠ هـ. وكان زاهدًا ورعًا يقتات من غلَّةٍ تُحمل إليه من أرضٍ له بنابلس وهو بدمشق، ولا يقبل من أحدٍ صلة. من مصنفاته: الحجة على تارك المحجة، الكافي، التهذيب، وغيرها. توفي سنة ٤٩٠ هـ.\nانظر: سير ١٩/ ١٣٦، شذرات ٣/ ٣٩٥.\n(^٢) انظر: علوم الحديث ص ١٤٤. قال السيوطي ﵀: \"وكذلك الحافظ أبو الفتح بن أبي الفوارس والى بين ثلاث إجازات، ووالى الرافعي في أماليه بين أربع أجائز، والحافظ قطب الدين الحلبي بين خمس أجائز في تاريخ مصر، وشيخ الإسلام في أماليه بين ست\". تدريب الراوي ٢/ ٣٩ - ٤٠.\n(^٣) في (ص): \"تخبر\".\n(^٤) لاحظ أن المأذون له لم يُجِزْه الآذِن، بل أذِن له في الإجازة، فمن ثَمَّ هو يجيز بالوكالة، وليس له إجازة خاصة به.","vol":"5","page":1984},{"text":"قال: وكِّل عني (^١). ويكون مُجَازًا مِنْ جهة الآذِن، وينعزل المأذون له في أن يُجيز (^٢) بموت الآذِن، كما ينعزل الوكيل بموت الموكِّل (^٣).\nوإذا قال: أذنتُ لك أن تجيز عني فلانًا - كان أولى بالجواز مِنْ: أذنتُ أن تجيز عني مَنْ شئت.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-491>(الثالثة: لا يقبل المُرْسل خلافًا لأبي حنيفة ومالك)</span>.\nالمرسل عند جمهور المحدثين: هو أن يترك الراوي (^٤) ذِكْر الواسطة بينه (وبين المروي عنه (^٥). مثل: أن يترك التابعي ذِكْر الواسطة بينه) (^٦) وبين\n_________\n(^١) نقل الزركشي - ﵀ - هذا النوع الأخير من \"الإبهاج\" إلى قوله: \"وكِّل عني\" انظر: البحر المحيط ٦/ ٣٣٥، ولم يشر إلى الشارح رحمه الله تعالى، ولا الاستفادة منه مطلقًا، مع أنه لو عَلِم أن الشارح مسبوق بهذا النوع لذَكَره، ولاستدرك عليه، كما هي عادته، فعجيب جدًا أمر الزركشي رحمه الله تعالى، مع أنه معترف بجلالة قدر الشارح قولًا وعملًا، ولا أدلَّ على ذلك من شرحه لجمع الجوامع، ومن اعتماده الكبير على كلام ابن السبكي - رحمه الله تعالى - في \"البحر المحيط\".\n(^٢) في (ص): \"يخبر\".\n(^٣) انظر: العزيز شرح الوجيز ٥/ ٢٥٣ - ٢٥٥.\n(^٤) أي التابعي. بدليل المثال الذي سيذكره الشارح، وقوله بعد ذلك: \"أما إذا سقط واحدٌ قبل التابعي\". وقيَّد بالتابعي الزركشي في البحر المحيط ٦/ ٣٣٨.\n(^٥) انظر: علوم الحديث ص ٤٧، نزهة النظر ص ٧٩، فتح المغيث ١/ ١٥٥، فتح المغيث للعراقي ص ٦٣، وذكر العراقي أن المشهور وهو قول جمهور المحدثين أن المرسل: \"ما رفعه التابعي إلى النبي - ﷺ -\".\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1985},{"text":"رسول الله - ﷺ -، كقول سعيد بن المسيَّب: قال رسول الله - ﷺ -.\nأما إذا سقط واحدٌ قبل التابعي (^١)، كقول مَنْ روى (^٢) عن ابن المسيب: قال رسول الله - ﵌ - (^٣) فيسمى منقطعًا (^٤). وإنْ سَقَط أكثر سُمِّي معضلًا.\nوعند الأصوليين المرسل: قولُ مَن لم يلق النبي - ﷺ -: قال رسول الله ﷺ (^٥). سواء كان تابعيًا أم منْ تابعي التابعين، وإلى يومنا\n_________\n(^١) هكذا عبر النووي تبعًا لابن الصلاح، وابن الصلاح تبعًا للحاكم، كما قال السيوطي والصواب: قبل الصحابي؛ لأن التابعي لو سقط كان الحديث منقطعًا لا مرسلًا. وقد وقع في هذا الخطأ أيضًا الزركشي ﵀ في البحر المحيط ٦/ ٣٣٨.\nانظر: تدريب الراوي ١/ ١٦٠.\n(^٢) في (ص): \"يروي\".\n(^٣) هذا المثال غير مطابق للتعريف، إذ التعريف أن المنقطع: هو ما سقط منه راوٍ واحدٌ قبل التابعي، والمثال المذكور الساقط فيه التابعي ومَنْ بعده، فيكون الحديث معضلًا. وقد نقل هذا التمثيل الزركشي في البحر المحيط (٦/ ٣٣٨) من الإبهاج.\n(^٤) ذكر الحاكم النيسابوري - ﵀ - في معرفة علوم الحديث ص ٢٧ - ٢٨: أن الحديث المنقطع على ثلاثة أنواع، وذكر منها هذا النوع المذكورة وهو ما إذا سقط واحد قبل التابعي. فلم يقصد الحاكم حصر المنقطع في هذا النوع كما فهم ابن الصلاح ﵀، ولذلك قال السخاوي - ﵀ - في فتح المغيث ١/ ١٨٣: \"فظهر أنه لم يحصر المنقطع في الساقط قبل الوصول إلى التابعي، بل جعله نوعًا منه، وهو كذلك بلا شك\". وانظر: علوم الحديث ص ٤٧ - ٤٨.\n(^٥) أي: هو قول غير الصحابي قال النبي - ﷺ -. انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٦٨، لإحكام ١٢٣، المستصفى ٢/ ٢٨١ (١/ ١٦٩)، نهاية السول ٣/ ١٩٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٤، تيسير التحرير ٣/ ١٠٢.","vol":"5","page":1986},{"text":"هذا (^١).\nفتفسير الأصوليين أعم من تفسير المحدثين (^٢).\nإذا عرفت ذلك فقد اخْتُلف في المرسل:\nوالذي استقر عليه آراء جماهير الحفاظ الجهابذة (^٣) الحكم بضعفه، وسقوطِ الاحتجاج به. ونقله مسلم - ﵁ - في صدر الصحيح عن قول أهل العلم بالأخبار (^٤). وقال بقبوله مالك، وأبو حنيفة، وكذا أحمد في أشهر\n_________\n(^١) انظر: شرح الكوكب ٢/ ٥٧٤، الإحكام ٢/ ١٢٧، ١٢٩، البرهان ١/ ٦٣٢، المنخول ص ٢٧٥، نفائس الأصول ٧/ ٣٠٣٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧٤، ٧٥، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٩٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٦، تيسير التحرير ٣/ ١٠٥.\n(^٢) وذهب بعض الأصوليين إلى أن المرسل بمعنى المنقطع، والمنقطع عند الأصوليين: هو ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه. أي: سواء كان الساقط واحدًا أو أكثر. وإلى هذا ذهب الخطيب، والشيرازي، وابن عبد البر، والباجي، وابن حزم، وغيرهم من المحدثين، ﵏ جميعًا. انظر: تدريب الراوي ١/ ١٦٠، ١٧١، علوم الحديث ص ٤٨، ٥٣، فتح المغيث ١/ ١٥٨، ١٨٣، الكفاية ص ٥٨، الإحكام لابن حزم ٢/ ١٤٥، إحكام الفصول ص ٣٤٩، اللمع ص ٧٤. ملاحظة: نسب ابن الصلاح والنووي - رحمهما الله القولَ بأن المرسل بمعنى المنقطع - إلى الفقهاء والأصوليين، وفي هذا الإطلاق تجوز.\n(^٣) وأهل الظاهر، وكثير من الفقهاء والأصوليين، منهم: القاضي، وابن عبد البر، والغزالي، والإمام وأتباعه. انظر: علوم الحديث ص ٤٩، تدريب الراوي ٢/ ١٦٢، فتح المغيث ١/ ١٦٥ - ١٦٦، المحصول ٢ / ق ١/ ٦٥٠، المستصفى ٢/ ٢٨١ (١/ ١٦٩)، الحاصل ٢/ ٨١٢، التحصيل ٢/ ١٤٧، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٧٦، التلخيص ٢/ ٤١٨، الإحكام لابن حزم ٢/ ١٤٥.\n(^٤) انظر: صحيح مسلم ١/ ٣٠، شرح النووي على مسلم ١/ ١٣٢.","vol":"5","page":1987},{"text":"الروايتين عنه، وجمهور المعتزلة، واختاره الآمدي (^١). ثم غلا بعض القائلين بكونه حجةً فزعم أنه أقوى من المسند (^٢).\nوالشافعي - ﵁ - صَدْرُ القائلين برد المراسيل، إلا أنه نُقِل عنه أنه قَبِل\n_________\n(^١) وبه قال ابن جرير رحمه الله تعالى، لكن اشترطوا أن يكون مُرْسِلُه ثقةً. قال النووي ﵀: \"قال أبو عمر بن عبد البر وغيره: ولا خلاف أنه لا يجوز العمل به إذا كان مُرْسِلُه غير متحرز يرسل عن غير الثقات\". المجموع ١/ ٦٠، وكذا نقل الحافظ ابن حجر الاتفاق على هذا عن أبي بكر الرازي الحنفي، وأبي الوليد الباجي ﵏ جميعًا. انظر: نزهة النظر ص ٨٠، وإحكام الفصول ص ٣٤٩. لكن الحافظ بَيَّن في نكته ٢/ ٥٥٣: أن نقل الاتفاق على هذا فيه نظر، فقال: \"وهذا وإن كان في صحة نقل الاتفاق من الطرفين نظر - فإن قبول مثل ذلك عن جمهورهم مشهور\". وانظر: فتح المغيث ١٦٣١ /. وانظر القائلين بهذا القول في: إحكام الفصول ص ٣٤٩، شرح التنقيح ص ٣٧٩، تيسير التحرير ٣/ ١٠٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٤، شرح الكوكب ٢/ ٥٧٦، العدة ٣/ ٩٠٦، التمهيد ٣/ ١٣١، المسودة ص ٢٥٠، المعتمد ٢/ ١٤٣، الإحكام ٢/ ١٢٣، التمهيد لابن عبد البر ١/ ٣ - ٧.\n(^٢) ولذلك قالوا: مَنْ أسند فقد أحالك، ومَنْ أرسل فقد تكفل لك. انظر: تدريب الراوي ١/ ١٦٣، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٤. قال السخاوي ﵀: \"والقائلون بأنه أعلى وأرجح من المسند وجَّهوه: بأن مَنْ أسند فقد أحالك على إسناده، والنظرِ في أحوال رواته، والبحثِ عنهم. ومَنْ أرسل مع علمه ودينه وإمامته وثقته فقد قطع لك بصحته، وكفاك النظر فيه\". فتح المغيث ١/ ١٦٢ - ١٦٣. وانظر: التمهيد لابن عبد البر ١/ ٣، البحر المحيط ٦/ ٣٤٥، شرح التنقيح ص ٣٨٠، البرهان ١/ ٦٣٤. قال العلائي في جامع التحصيل ص ٣٤: \"وهذا قول كثير من الحنفية، وبعض المالكية فيما حكى ابن عبد البر عنهم\"، أي: عن المالكية. انظر: التمهيد ١/ ٣، وتيسير التحرير ٣/ ١٠٣.","vol":"5","page":1988},{"text":"بعضها في أماكن.\nقال القاضي (﵀) (^١): \"ونحن لا نقبل المراسيل مطلقًا، ولا في الأماكن التي قبلها فيها الشافعي حسمًا للباب\" (^٢).\nوالقول بمذهب الشافعي هو اختيار الإمام، وصاحب الكتاب (^٣).\nقال الآمدي: وفصَّل عيسى بن أبان فقبل مراسيل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، ومَنْ هو مِنْ أئمة النقل مطلقًا (^٤) (^٥).\n_________\n(^١) في (ت): \"- ﵁ -\".\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٤١٨، مع تصرف من الشارح ﵀.\n(^٣) بل هو الذي عليه جمهور الشافعية.\nانظر: الإحكام ٢/ ١٢٣، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٧٦، المجموع ١/ ٦٠، البحر المحيط ٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠، المحصول ٢/ ق ١/ ٦٥٠.\n(^٤) أي: مَنِ اشتهر في الناس بحمل العلم منه بعد القرون الثلاثة. قال السرخسي ﵀: \"وإنما يعني به محمد بن الحسن ﵀ وأمثاله من المشهورين بالعلم، ومن لم يشتهر بحمل الناس العلمَ منه مطلقًا، وإنما اشتهر بالرواية عنه - فإن مسنده يكون حجة، ومرسله يكون موقوفًا إلى أن يُعرض على من اشتهر بحمل العلم عنه\". أصول السرخسي ١/ ٣٦٣. فالعدل بعد القرون الثلاثة غير المشهور بأخذ العلم منه يُوقف مُرْسَلُه إلى أن يُعرض على أهل العلم، ومعنى عَرْضه عليهم أن يقبلوه منه، ويرووه عنه. انظر: كشف الأسرار ٣/ ٧.\n(^٥) أي: عيسى بن أبان - رحمه الله تعالى - يقبل المرسل من القرون الثلاثة مطلقًا، ومن أئمة النقل بعد تلك القرون، وانظر تفاصيل الموضوع في: في فواتح الرحموت ٢/ ١٧٤، وأصول السرخسي ١/ ٣٦٣. وانظر: كشف الأسرار ٣/ ٢، ٧، فتح الغفار ٢/ ٩٥ - ٩٦. وانظر: تدريب الراوي ١/ ١٧١، مع علوم الحديث =","vol":"5","page":1989},{"text":"وهذا هو اختيار ابن الحاجب حيث قال: \"إنْ كان من أئمة النقل قُبِل وإلا فلا\" (^١). وأئمة النقل يدخل فيهم الصحابة، والتابعون، وتابعو التابعين (^٢) وهو (^٣) اختصارٌ حسن، وليس مذهبًا (^٤) مغايرًا لرأي ابن\n_________\n= ص ٥٠، فتح المغيث ١/ ١٧٩، وانظر: فتح الغفار ٢/ ٩٥، أصول السرخسي ١/ ٣٥٩، كشف الأسرار ٣/ ٢.\n(^١) انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧٤. قال العضد في شرح مذهب الحاجب رحمه الله تعالى: \"ورابعها: أنه إن كان الراوي من أئمة نقل الحديث - قُبِل، وإلا لا يُقبل. وهذا هو المختار\". العضد ٢/ ٧٤ - ٧٥. وهذا يدل على أن ابن الحاجب - ﵀ - يعني بأئمة النقل: الثقات العدول، أهل الرواية، المرجوع إلى قولهم في الجرح والتعديل كابن المسيب، والشعبي، والنخعي، والزهري، ومالك، وغيرهم ﵃ جميعًا. لا كما يعني ابن أبان - ﵀ - بأئمة النقل أنهم هم المشهورون بأخذ العلم عنهم، فلا يكفي لقبول مرسله مجرد ثقته وشهرته بالرواية، كما سبق بيانه. وانظر: جامع التحصيل ص ٣٩. وقد اختار مذهب ابن الحاجب الكمال بن الهمام، وابن عبد الشكور من الحنفية، وهما يعنيان بإمامة النقل من له أهلية الجرح والتعديل.\nانظر: تيسير التحرير ٣/ ١٠٢، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٤.\n(^٢) هذا غير مسلّم، فليس كل الصحابة والتابعين وتابعيهم أئمة نقل؛ لأن عدالة الصحابي لا تعني كونه إمامًا في الرواية، ومن أهل الجرح والتعديل، ثم إن الصحابة غير معنيين بهذا الشرط الذي ذكره ابن الحاجب؛ لأن الخلاف هنا إنما هو في مرسل التابعين فمن بعدهم، كما سبق بيانه. وليس جميع التابعين وأتباعهم عدولًا ثقات، فضلًا عن كونهم أئمة نقل، وعليه فابن الحاجب ﵀ يباين ابن أبان في مفهوم إمامة النقل، ويباينه أيضًا في أن اشتراطه عام للتابعين فمن بعدهم. وابن أبان إنما يشترط هذا الشرط فيمن بعد القرون الثلاثة.\n(^٣) في (ت): \"وهذا\".\n(^٤) في (ت): \"مذهبنا\".","vol":"5","page":1990},{"text":"أبان (^١)، كما توهمه بعض الشارحين (^٢).\nومن أمثلة المرسل: احتجاج المخالفين بحديث أبي العالية: أن ضريرًا دخل المسجد فوقع في حفرةٍ في المسجد، فضحك بعض مَنْ كان خلف النبي - ﷺ -، فقال: \"مَن ضحك منكم فليُعِد الوضوء والصلاة\" (^٣).\nفنقول: أبو العالية تابعي، والمرسل عندنا لا حجة فيه.\nفإن قلت: روى الشافعي عن مالكٍ عن الزهري عن سعيدٍ وأبي سَلَمة (^٤): أن النبي - ﷺ - قال: \"الشفعة فيما لم يُقسم، فإذا وقعت الحدودُ فلا شفعة\" (^٥)، وهذا قد احتج به الشافعي، وهو سيد المنكرين للمراسيل.\n_________\n(^١) بل هو مغاير، كما بينته.\n(^٢) كالإسنوي رحمه الله تعالى، والصواب معه. انظر: نهاية السول ٣/ ١٩٩.\n(^٣) انظر: السنن الكبرى ١/ ١٤٨. وتلخيص الحبير ١/ ١١٥.\n(^٤) هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف القرشيُّ الزهريّ. قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل. ولد سنة بضع وعشرين. كان ثقةً فقيهًا، كثير الحديث مجتهدًا، كبير القدر حجة. أرضعته أم كلثوم أخت عائشة ﵄، فعائشة خالته من الرضاعة. كان - ﵁ - كثيرًا ما يخالف ابنَ عباس ﵄، فحُرِم لذلك علمًا كثيرًا. توفي سنة ٩٤ هـ. وهو ابن ٧٢ سنة. انظر: سير ٤/ ٢٨٧، تهذيب ١٢/ ١١٥.\n(^٥) أخرجه البخاري في الصحيح ٢/ ٧٧٠، كتاب البيوع، باب بيع الشريك من شريكه، رقم ٢٠٩٩، وفي عدة مواضع أخرى. انظر الأرقام: ٢١٠٠، ٢١٠١، ٢١٣٨، ٢٣٦٣، ٢٣٦٤، ٦٥٧٥. وأخرجه مسلم ٣/ ١٢٢٩، في كتاب المساقاة، باب الشفعة، رقم ١٦٠٨. وأبو داود ٣/ ٧٨٤، في كتاب البيوع والإجارات، باب الشفعة، رقم ٣٥١٤. والترمذي ٣/ ٦٥٢ - ٦٥٣، كتاب الأحكام، باب ما جاء إذا حُدَّت الحدود ووقعت السهام فلا شفعة، رقم ١٣٧٠، وقال: هذا حديث حسن صحيح. =","vol":"5","page":1991},{"text":"قلت: ستعرف أن مراسيل سعيد عندنا مقبولةٌ؛ لكونها مسانيد، وكذا مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن. وهذا الحديث قد رُوي بهذا الإسناد مسندًا، فروى أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني (^١)، وابن أبي قتيلة وعبد الملك الماجشون (^٢) عن مالكٍ عن الزهري عن سعيدٍ وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: أنه قاله.\nقال: (لنا: أن عدالة الأصل لم تُعلم فلا تقبل. قيل: الرواية تعديل. قلنا: قد يروي عن غير العدل. قيل: إسناده إلى الرسول - ﷺ - يقتضي الصدق. قلنا: بل السماع. قيل: الصحابة أرسلوا وقُبِلت (^٣). قلنا: لِظَنِّ السماع).\n_________\n= وابن ماجه ٢/ ٨٣٤، كتاب الشفعة، باب إذا وقعت الحدود فلا شفعة، رقم ٢٤٩٧.\n(^١) هو الضَّحَّاك بن مَخْلَد بن الضَّحَّاك بن مُسلم بن الضَّحَّاك، أبو عاصم النبيل الشيبانيُّ مولاهم - ويقال: من أنفُسِهم - البصريّ. الإمام الحافظ شيخ المحدثين الأثبات. ولد سنة ١٢٢ هـ. قال أبو يعلى الخليليّ: \"متفق عليه زُهدًا وعلمًا وديانة وإتقانًا\". قال البخاري: سمعت أبا عاصم يقول: منذ عَقَلْتُ أنَّ الغيبة حرامٌ ما اغتبتُ أحدًا قطّ. توفي - ﵀ - سنة ٢١٢ هـ. انظر: سير ٩/ ٤٨٠، تهذيب ٤/ ٤٥٠، تقريب ص ٢٨٠.\n(^٢) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة بن الماجِشُون التيميُّ مولاهم، أبو مروان المدنيُّ المالكيُّ، تلميذ الإمام مالك - ﵁ -. كان مفتي أهل المدينة في زمانه، وكان ضريرًا، قيل: إنه عَمِىَ في آخر عمره. قال ابن حجر ﵀: \"مفتي أهل المدينة، صدوقٌ له أغلاطٌ في الحديث، من التاسعة، وكان رفيق الشافعي، مات سنة ثلاث عشرة\" أي: ٢١٣ هـ. انظر: سير ١٠/ ٣٥٩، تهذيب ٦/ ٤٠٧، تقريب ص ٣٦٤.\n(^٣) في (ت): \"وقُبِل\".","vol":"5","page":1992},{"text":"الدليل على رد المرسل: أن عدالة الأصل غير معلومة، فلا تكون روايته مقبولة؛ لأن رواية المجهول مردودة.\nفإن قيل: روايته عنه مع إخفاء اسمه تعديل، وإلا يكون مُلَبِّسًا غاشًا.\nقلنا: لا نسلم، وسند هذا المنع أن العَدْل قد يروي عن غير العدل. كذا أجاب في الكتاب.\nولقائل أن يقول: إنما يروي عن غير العدل إذا صَرَّح به ليُعْرف، أما إذا أبهمه فذلك تلبيس لا يجوز. و(^١) لأولى الجواب: باحتمال ظَنِّه عدالتَه، وليس في نفس الأمر كذلك، ويجوز أنه لو أظهره لاقتضى نظرُنا أنه غير عدلٍ، بخلاف ما اقتضاه نظرُه.\nفإن قيل: قول هذا العدل: \"قال رسول الله - ﷺ -\" يقتضي أنه عَلِم أو ظن أنه قال، وإلا لم يسنده إليه، وإذا صح أنه قال - تَعَيَّن قبولُه (^٢).\nقلنا: قول الفرع: \"قال رسول الله - ﷺ -\" يقتضي الجزمَ بأن الرسول - ﷺ - قال، ولا شك في ثبوت احتمال أنه لم يقله، والجزم بالشيء مع تجويز (^٣) نقيضه كذب قادحٌ في عدالة الراوي. فإذن لا بد مِن صَرْف هذا اللفظ عن ظاهره، وليس قولُهم: المراد أني أظُنُّ أن رسول الله - ﷺ - قاله - بأولى من قولنا نحن: المراد أني سمعتُ أن رسول الله - ﷺ - قاله. ومعلومٌ\n_________\n(^١) سقطت الواو من (ص).\n(^٢) ومن ثم يكون الأصل الساقط ثقة. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٥١ - ٦٥٢.\n(^٣) في (ت): \"تجوز\".","vol":"5","page":1993},{"text":"أنه لو صرح بهذا القدر (^١) لم يكن تعديلًا (^٢). هذا جواب المصنف.\nولقائل أن يقول: لا نسلم أن قوله: \"قال\" يقتضي الجزم، ولِمَ قلتم: إنه لا يكفي الظنُّ مُسَوِّغًا لإطلاق هذه اللفظة.\nثم لا نسلم أنه ليس أحدهما أولى؛ لأن قوله: \"قال\" تقتضي إسناد القول لرسول الله - ﷺ -، وفي حَمْلِه على أنه يَظُنُّ ذلك تبقيةٌ لذلك الإسناد، بخلاف حمله على السماع؛ إذ قد يَسْمع ويَقْطع بكذب مَنْ سمع منه، ولا يجوز له والحالة هذه أن يقول: \"قال\" فَحَمْله على ظَنِّ القول (أقرب وأوْلى مِنْ حمله على السماع. والحاصل: أن مجرد السماع لا يُسَوِّغ له أن يقول) (^٣): \"قال\"، فلا بد من ضم الظن إليه.\nقوله: \"قيل: الصحابة\" احتج القائلون بالمراسيل: بأن الصحابة ﵃ أرسلوا عدة أحاديث لم يصرحوا فيها بالسماع من النبي - ﷺ -، بل قالوا: \"قال\"، وقَبِلها كُل أحدٍ منهم.\nوالجواب: أنها إنما قُبلت للظن الغالب القاضي بأن الصحابي سمعها من النبي - ﷺ -، والعمل بالظن واجبٌ.\nوهذا في الحقيقة ليس بمرسل؛ لأن المرسل كما عرفت: قولُ من لم يلق\n_________\n(^١) وهو قوله: إني سمعت أن رسول الله - ﷺ - قاله.\n(^٢) تتمة الدليل في المحصول ٢/ ق ١/ ٦٥٦: \"لأنه لو سمعه من كافرٍ متظاهر بالكفر - لحلَّ أن يقول: سمعت أنه قال رسول الله - ﷺ -؛ فعلمنا سقوط ما ذكروه\".\n(^٣) سقطت من (ت).","vol":"5","page":1994},{"text":"زيدًا قال زيدٌ. والصحابي لقي النبي - ﷺ - (^١).\nقال: (فرعان: الأول: المرسل يُقبل إذا تأكد بقول الصحابي، أو فتوى أكثر (^٢) أهل العلم).\nقال إمام الحرمين في \"البرهان\": \"إن الشافعي لا يقول بشيءٍ من المراسيل\" (^٣) و(^٤) القاضي في \"مختصر التقريب\": \"إنه قَبِل المرسل في بعض الأماكن\" (^٥).\nوالحاصل: أن قاعدة الشافعي ردُّ المراسيل، والمواضع المستثناة لم يقبلها لكونها مراسيل، بل لظنِّ عَضْدِها، وقَضَى بكونها مسندةً. فكلام إمام الحرمين صحيحٌ، وما ذكره القاضي أيضًا صحيح. والمواضع المستثناة (^٦):\nمنها: وقد ذكره في الكتاب، أن يعضده قول صحابي (^٧). قال القاضي\n_________\n(^١) ولذلك قال ابن الصلاح: \"ثم إنا لم نعد في أنواع المرسل ونحوه ما يُسمى في أصول الفقه مرسل الصحابي. . .\". علوم الحديث ص ٥٠ - ٥١. وانظر: فتح المغيث ١/ ١٧٨ - ١٧٩.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: البرهان ١/ ٦٣٤، مع تصرف يسير.\n(^٤) سقطت الواو من (ت).\n(^٥) انظر: التلخيص ٢/ ٤١٧.\n(^٦) هذه المواضع المستثناة إنما هي في حق مرسل كبار التابعين، أما صغارهم فقد نَصَّ الشافعي رحمه الله تعالى على عدم قبول مراسيلهم مطلقًا. انظر الرسالة ص ٤٦٥. وانظر هذا التنبيه في: نكت ابن حجر على ابن الصلاح ٢/ ٥٥١، فتح المغيث ١/ ١٦٩، تدريب الراوي ١/ ١٦٣، المحلي على جمع الجوامع ٢/ ١٧٠.\n(^٧) انظر: الرسالة ص ٤٦٢.","vol":"5","page":1995},{"text":"في \"مختصر التقريب\": \"وفيه نظر؛ فإن الصحابي لا يُحتج بقوله كغيره (^١) \" (^٢).\nومنها: أن يعضده مذهب العامة (^٣)، وهو المشار إليه بقوله في الكتاب: \"فتوى أكثر من أهل العلم\".\nقال القاضي: \"فأقول له: إنْ عَنَيْت بالعامة الأمة (^٤) - فكأنك شرطتَ الإجماع في قبول المرسل، وإذا ثبت الإجماع استُغْنِي عن المرسَل، وإنْ أردت مذهب العوام - فأنت أجلُّ قدرًا من ذلك؛ إذ لا عبرة بخلافهم، ولا وفاقهم. وإن أردت معظم العلماء فمصير المُعْظَم مع وجود الخلاف لا يُصَيِّر ما ليس بحجةٍ حجة\" (^٥).\nقلت: والشافعي لم يُرِد الإجماع، ولا قول العوام، وإنما أراد أكثر أهل العلم (^٦)، ولا شك أنَّ الظن يَقْوَى عنده. وكذلك قول الصحابي (^٧). وإذا\n_________\n(^١) في (ص): \"لغيره\". وهو تحريف.\n(^٢) انظر: التلخيص ٢/ ٤٢٧.\n(^٣) عبارته في الرسالة ص ٤٦٣: \"وكذلك إذا وُجِد عوام من أهل العلم يُفتون بمثل معنى ما رَوَى عن النبي\" ﵌، والضمير في \"رَوَى\" يعود إلى المرسِل.\n(^٤) عبارة القاضي كما في التلخيص ٢/ ٤٢٧: \"إن عنيت بالعامة العلماءَ عامة\".\n(^٥) انظر: التلخيص ٢/ ٤٢٧، مع تصرف من الشارح.\n(^٦) انظر: الإحكام ٢/ ١٢٣، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٩٤.\n(^٧) أي: وكذلك قول الصحابي لم يُرد الشافعي - ﵁ - الاحتجاج به، بل أراد أن موافقة قول الصحابي للحديث المرسل تُقوي الظنَّ بأن له أصلًا، كاتفاق الراويَيْن الضعيفَيْن يجعل الظنَّ يقوى بثبوت ما روياه، وعبارة الشافعي في \"الرسالة\" تدل على ذلك. =","vol":"5","page":1996},{"text":"قَوِي الظنُّ وجب العمل به، فالمرسل بمجرده ضعيف، وكذا قول أكثر أهل العلم، وحالة الاجتماع قد يقوم ظنٌّ غالب، وهذا شأن كل ضعيفين اجتمعا.\nومنها: أن يُرسله راوٍ آخر يروي (^١) عن غير شيوخ الأول (^٢).\nوضعَّفه القاضي: بأن كثرة المرسلِين لا يدل على الصحة، كما إذا رُوي عن كثير من الضعفاءِ (^٣).\nقلت: وهو كالأول، فإنَّ ما اتفق جماعة من الضعفاء على روايته أقوى مما انفرد بروايته ضعيف واحد، وكذلك الظنُّ الحاصل بصدق المرسِل الذي عضده مرسِلٌ آخر - أقوى (^٤) منه حالة التجرد، فلا يلزم من عدم الاحتجاج بأضعف الظنين عدمُ الاحتجاج بأقواهما.\nومنها: أن يُسْنِده غيرُ مرسِله (^٥). وكلام القاضي يقتضي أن الشافعي يقول ذلك وإن كان المُسْنَد في تلك الرواية الموافقةِ للمرسَل - حجةٌ؛ لأنه رَدَّ على الشافعي: بأن العمل حينئذ بالمسند دون المرسل (^٦).\n_________\n= انظر: ص ٤٦٣.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر: الرسالة ص ٤٦٢.\n(^٣) انظر: التلخيص ٢/ ٤٢٦.\n(^٤) صفةٌ لقوله: \"الظن الحاصل\".\n(^٥) انظر: الرسالة ص ٤٦٢.\n(^٦) انظر: التلخيص ٢/ ٤٢٥، وانظر إرشاد طلاب الحقائق ١/ ١٧١، وفتح المغيث =","vol":"5","page":1997},{"text":"والإمام في \"المحصول\" قال: \"إنَّ هذا فيما إذا لم تقم الحجة بإسناده\" (^١). لكن في كلامه بعد ذلك ما (^٢) يخالف هذا، فإنه ذكر عن الحنفية ما (^٣) اعترض به القاضي (^٤). وعلى التقديرين فيه نظر:\nأما الأول: فَلِمَا ذكره القاضي.\nوأما الثاني: فلأن الضعيف إذا انضم إليه الضعيف لا يُوجب العملَ به. كذا ذكروه.\nولك أن تقول: قد يحصل الظن بالضعيفين حالة اجتماعهما، كما عرفت.\nومنها: أن يُعلم من المرسِل أنه لو نَصَّ لنَصَّ على مَنْ يسوغ قبول خبره (^٥).\nقال: \"وأقبل مراسيل سعيد بن المسيَّب؛ لأني اعتبرتها فوجدتها كذلك (^٦). قال: ومَنْ هذا حاله أحببتُ مراسيله، ولا أستطيع أن أقول: إن\n_________\n= ١/ ١٧٥، وجامع التحصيل ص ٤١.\n(^١) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٦٠، وقول الحافظ ابن حجر ﵀ مبينًا لهذا الجواب في النكت على ابن الصلاح ٢/ ٥٦٧.\n(^٢) في (ت): \"مما\".\n(^٣) في (ت): \"مما\".\n(^٤) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٦١ - ٦٦٣.\n(^٥) انظر: الرسالة ص ٤٦٣.\n(^٦) قال الشافعي ﵀: \"إرسال ابن المسيب عندنا حسن\". انظر: الكفاية ص ٥٧١.","vol":"5","page":1998},{"text":"الحجة تَثْبت (^١) بها كثبوتها بالمتصل\" (^٢).\nقلت: انظر ما أحسن كلام الشافعي حيث صَرَّح بأن المرسل لا يبلغ درجة المتصل، وإنما هذه الأمور المستثناة تُوجب ظنًا فوق الظن المستفاد من المرسَل المجرد، قد تقوم به الحجة، ولكن تكون حجة دون حجة المُسْنَد.\nوقال الماوردي في باب الشفعة من \"الحاوي\": إن مرسل أبي سلمة بن عبد الرحمن عند الشافعي حسن (^٣).\nقال: (الثاني: إنْ أرسل ثم أسند قُبل. وقيل: لا؛ لأن إهماله يدل على الضعف).\nمَنْ أسند حديثًا أرسله غيره فلا شبهة في قبوله (^٤)، وهذا مما تكاد الفطر (^٥) الزكية أن تدعي فيه القطع، لكن القاضي في \"مختصر\n_________\n(^١) في (ت): \"ثبتت\".\n(^٢) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٦٠، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٩٤، الرسالة ص ٤٦٤.\n(^٣) الذي في الحاوي ٩/ ٦، باب الشفعة: \"فمرسل سعيد عند الشافعي - ﵁ - حسن\".\n(^٤) كذا قال الإمام في المحصول ٢/ ق ١/ ٦٦٢. وهو مذهب الجمهور، وعزاه النووي للمحققين من أصحاب الحديث، منهم البزار، والخطيب، وابن الصلاح، والنووي، والعراقي، وغيرهم. انظر: اللمع ص ٨٢، المحلي على الجمع ٢/ ١٤٣، تيسير التحرير ٣/ ١٠٩، كشف الأسرار ٣/ ٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٣، العدة ٣/ ١٠٠٤، المسودة ص ٢٥١، شرح الكوكب ٢/ ٥٥٠، علوم الحديث لابن الصلاح ص ٦٤، تدريب الراوي ١/ ١٨٤، فتح المغيث ١/ ٢٠٠، شرح النووي على مسلم ١/ ٣٢.\n(^٥) في (ت): \"الفطن\".","vol":"5","page":1999},{"text":"التقريب\" حكى عن بعض الغلاة في رد المراسيل أنه قال: لا يجب العمل به. وهذا كما ذكره القاضي ساقطٌ من القول (^١) (^٢).\nوأما إنْ أرسله هو مرةً وأسنده أخرى - فعبارة المصنف كالصريحة في أن الكلام فيه، وأن فيه خلافًا، وعليه جرى الشارحون، والخلاف فيه ثابت عن بعض المحدثين (^٣)، ولكن الذي جزم به الإمام وأتباعه أنه يُقبل (^٤)، وما نرى المصنف يخرج عن طريقهم (^٥)، ولا نعلم أنه وقف على هذا الخلاف. والذي عندنا أن مرادَه: مَنْ شأنه إرسالُ الأخبار إذا أسند خبرًا - هل يُقْبل أو يُرَدّ (^٦)؟ وهي مسألة ذات خلافٍ مشهور.\nواحتج مَنْ قال لا يُقْبل: بأن إهماله ذِكْرَ الرواةِ في الغالب يدل على\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٤٢٩.\n(^٢) انظر: الكفاية ص ٥٨٠، فتح المغيث ١/ ٢٠٧، ٢٠٢ - ٢٠٣.\n(^٣) بل عن جمهورهم؛ لأن الخلاف هنا في هذه الصورة مُلحق بالخلاف في الصورة الأولى: وهو أن يكون المسنِد غير المرسِل. ورأي الجمهور في الصورتين واحد انظر: علوم الحديث ص ٦٥، فتح المغيث ١/ ٢٠٦، شرح النووي على مسلم ١/ ٣٢، شرح الكوكب ٢/ ٥٤٩، والمراجع السابقة في الصورة الأولى.\n(^٤) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٦٣، التحصيل ٢/ ١٤٩، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٩٦، الحاصل ٢/ ٨١٧، لكن صاحب الحاصل لم ينص على هذه الصورة.\n(^٥) في (ص): \"طريقتهم\".\n(^٦) وافق الإسنويُّ الشارحَ - رحمهما الله - في هذا الترجيح، بخلاف غيرهما من الشراح أخذوا بظاهر كلام الماتن الموهِم غير المراد. انظر: نهاية السول مع سلم الوصول ٣/ ٢٠٧ - ٢٠٨، السراج الوهاج ٢/ ٧٨٠، شرح الأصفهاني ٢/ ٥٧٢، معراج المنهاج ٢/ ٦٦، مناهج العقول ٢/ ٢٦٧.","vol":"5","page":2000},{"text":"ضعف الراوي، فيكون سَتْره له خيانةً وتدليسًا، فلا تقبل روايته.\nولك أن تمنع دلالةَ الإهمال على الضعف، وتقول: لعله آثر الاختصار، أو طَرَقَه النسيان. وإذا قلنا بالقبول وهو الراجح - فقال الشافعي: إنما يُقْبل مِنْ حديثه ما قال فيه: حدثني، أو سمعت. ولا يُقبل ما يأتي فيه بلفظٍ موهِم (^١).\nوقال بعض المحدثين: لا يُقبل إلا إذا قال: سمعت فلانًا (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-492>(الرابعة: يجوز نَقْل الحديث بالمعنى خلافًا لابن سيرين</span>. لنا: أن الترجمة بالفارسية جائزة، فبالعربية أولى. قيل: يؤدي إلى طَمْس الحديث. قلنا: لَمَّا تَطَابقا لم يكن ذلك).\nاتفق الأئمة الأربعة والحسن البصري وعدة من العلماء (^٣) على جواز نقل الحديث بالمعنى إذا لم يَزِد (في المعنى) (^٤)، ولا نقص منه (^٥)، وساوى\n_________\n(^١) أي: محتمل لغير السماع، كأخبرني، أو عن فلان. انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٩٩٧.\n(^٢) لأن \"سمعت\" للمشافهة عندهم، بخلاف \"أخبرني\" فإنها مترددة بين الشافهة، وبين أن يكون إجازة له، أو كتب إليه. وهذا اصطلاح عندهم. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٦٥، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٩٧، البحر المحيط ٦/ ٢٤٩.\n(^٣) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٦٧، الإحكام ٢/ ١٠٣، المحلي على الجمع ٢/ ١٧١، المستصفى ٢/ ٢٧٨ (١/ ١٦٨)، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧٠، شرح التنقيح ص ٣٨٠، أصول السرخسي ١/ ٣٥٥، تيسير التحرير ٣/ ٩٧، فواتح الرحموت ٢/ ١٦٦، شرح الكوكب ٢/ ٥٣٠، المسودة ص ٢٨١، الكفاية ص ٣٠٠، تدريب الراوي ٢/ ٩٢، فتح المغيث ٣/ ١٣٨.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سقطت من (ص).","vol":"5","page":2001},{"text":"الأصلَ في الجلاء والخفاء (^١)؛ لأن الخطاب تارةً يقع بالمُحْكَم، وأخرى بالمتشابه، وغير ذلك مما لله تعالى فيه حِكْمَة، فلا يجوز تغييرها عن وضعها (^٢). قال الأئمة: والأوْلى (^٣) خلافُه. وهذا ما نقله الآمدي، وغيره (^٤).\nونقل المازَرِيّ: أن مالكًا قال: لا يُنقل حديث النبي (^٥) - ﷺ - بالمعنى، بخلاف حديث الناس (^٦).\n_________\n(^١) وهذا إنما يتحقق للعالم بمواقع الخطاب، ومعاني الألفاظ. أما الجاهل بمعنى الكلام، وموقع الخطاب - فلا يجوز له رواية الحديث بالمعنى اتفاقًا.\nانظر: الكفاية ص ٣٠٠، الإحكام ٢/ ١٠٣، تدريب الراوي ٢/ ٩١ - ٩٢، فتح المغيث ٣/ ١٣٧، إحكام الفصول ص ٣٨٤.\n(^٢) من الجلاء أو الخفاء. انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٩٦٧.\n(^٣) في (ت): \"الأولى\".\n(^٤) انظر: الإحكام ٢/ ١٠٣، تيسير التحرير ٣/ ٩٧، ٩٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٦٦، أصول السرخسي ١/ ٣٥٥، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٦٧، نزهة النظر ص ٩٥.\n(^٥) في (ت): \"رسول الله\".\n(^٦) قال القرطبي ﵀: \"وهو الصحيح من مذهب مالك\". انظر: فتح المغيث ٣/ ١٤٠، وروى الخطيب - ﵀ - عدة روايات عن مالك - ﵁ -، تفيد منعه روايةَ حديث رسول الله - ﷺ - بالمعنى. انظر: الكفاية ص ٢٨٨، الجامع الأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/ ٣٣ - ٣٤. وانظر في هذا أيضًا: ترتيب المدارك ١/ ١٤٨، الديباج المذهب ١/ ١١٢، لكن قال الباجي - ﵀ - عن هذا المرويِّ عن مالك - ﵁ -: \"وأراه أراد به من الرواة مَن لا علم له بمعنى الحديث. وقد نجد الحديث عنه في \"الموطأ\" تختلف ألفاظه اختلافًا بينًا، وهذا يدل على أنه يجوز للعالم النقل على المعنى\". إحكام الفصول ص ٣٨٤.","vol":"5","page":2002},{"text":"وذهب محمد بن سيرين (^١) وجماعة من السلف إلى وجوب نقل اللفظ على صورته (^٢)، وهو اختيار أبي بكر الرازي (^٣) (^٤)، ونقله إمام الحرمين في \"البرهان\" عن معظم المحدثين (^٥). وشرذمة من الأصوليين (^٦)، وَوَهِم صاحب \"التحصيل\" فعزاه إلى الشافعي - ﵁ - (^٧). ونقله ابن\n_________\n(^١) هو محمد بن سِيرين، أبو بكر الأنصاريُّ الأَنَسِيُّ البصريّ، مولى أنس بن مالك خادم رسول الله - ﷺ -. رجَّح الذهبي أنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان - ﵁ -. أدرك - ﵁ - ثلاثين صحابيًا، وكان - ﵁ - قصيرًا عظيم البطن، له وَفْرة، يفرق شعره، كثير المزاح والضحك، يخضب بالحنَّاء، إمام وقته علمًا وورعًا، إذا ذكر الموتَ مات كلُّ عضوٍ منه على حِدَة، يصوم يومًا ويفطر يومًا. له في تأويل الرؤى عجائب، وكان له في ذلك تأييدٌ إلهي. توفي سنة ١١٠ هـ. انظر: سير ٤/ ٦٠٦، تهذيب ٩/ ٢١٤، تقريب ص ٤٨٣.\n(^٢) انظر: الإحكام ٢/ ١٠٣، المحصول ٢/ ق ١/ ٦٦٧، الكفاية ص ٢٨٤ - ٢٨٥.\n(^٣) هو أحمد بن علي الرازي الحنفي، أبو بكر الجصاص. العلَّامة المفتي المجتهد، عالم العراق. ولد سنة ٣٠٥ هـ. كان صاحبَ حديثٍ ورحلة، وإليه المنتهى في معرفة المذهب في عصره، وكان مع براعته في العلم ذا زهدٍ وتعبد يزيد على الرهبان، عرض عليه قضاء القضاة فامتنع. قال الذهبي ﵀: \"وقيل: كان يميل إلى الاعتزال، وفي تواليفه ما يدل على ذلك في رؤية الله وغيرها، نسأل الله السلامة\". من مصنفاته: أحكام القرآن، شرح مختصر الطحاوي، شرح الجامع لمحمد بن الحسن، وغيرها. توفي - ﵀ - سنة ٣٧٠ هـ.\nانظر: تاريخ بغداد ٤/ ٣١٤، سير ١٦/ ٣٤٠، الجواهر المضية ١/ ٢٢٠.\n(^٤) انظر: تيسير التحرير ٣/ ٩٨، فواتح الرحموت ٢/ ١٦٧، كشف الأسرار ٣/ ٥٥.\n(^٥) الصواب: أن بعض المحدثين قال به. انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ١٩١، تدريب الراوي ٢/ ٩٢، فتح المغيث ٣/ ١٤٠.\n(^٦) انظر: البرهان ١/ ٦٥٦.\n(^٧) انظر: التحصيل ٢/ ١٥٠.","vol":"5","page":2003},{"text":"السمعاني عن عبد الله بن عمر (^١)، وجماعة من التابعين (^٢)، وعن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب (^٣).\nوفَصَّل قوم فقالوا: يجوز إبدال اللفظ بما يرادفه دون غيره (^٤).\nوالأول هو المختار، وعليه الإمام والآمدي والمتأخرون جميعًا.\nواحتج الجمهور بأوجه:\nأحدها: أنه يجوز شرح الشريعة للعجم بلسانهم، فإذا جاز إبدال العربية بالعجمية - فإبدالها بعربية أخرى أولى بالجواز. ولا شك أن التفاوت بين العربية وتَرْجَمَتِها بالعربية - أقلُّ مما بينها وبين العجمية.\nقلت: وفيه نظرٌ؛ لأن الترجمة بالفارسية جُوِّزت للحاجة، وذلك مما لا يتعلق به استنباط واجتهاد، بل هو من قبيل بيان المشروع، بخلاف تبديل لفظ الحديث؛ إذ هو مناط اجتهادٍ، واختلاف الألفاظ فيه مظنة اختلاف المعاني (^٥).\n_________\n(^١) انظر: الكفاية ص ٢٦٥، ٢٦٨.\n(^٢) انظر: تدريب الراوي ٢/ ٩٣.\n(^٣) انظر: القواطع ٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧، تدريب الراوي ٢/ ٩٢. قال الزركشي ﵀: \"وهو مذهب أهل الظاهر، كما نقله القاضي عبد الوهاب، ونقله صاحب \"الواضح\" عن الظاهرية\". البحر المحيط ٦/ ٢٧٤. وانظر: الإحكام لابن حزم ١/ ٢٢٠.\n(^٤) انظر: فتح المغيث ٣/ ١٤٣، الإحكام ٢/ ١٠٣.\n(^٥) انظر هذا الجواب في: نهاية الوصول ٧/ ٢٩٧٠، نهاية السول ٣/ ٢١٤، ونحوه في نفائس الأصول ٧/ ٣٠٣٥.","vol":"5","page":2004},{"text":"والوجه الثاني: قال الإمام: \"وهو الأقوى، أنا نعلم بالضرورة أن الصحابة الذين رَوَوْا هذه الأخبار عن النبي - ﷺ - ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس، ولا يكررون عليها فيه، بل كما سمعوها تركوها، وما رَوَوْها إلا بعد الأعصار والسنين، وذلك يوجب القطع بتعذر روايتها على تلك الألفاظ\" (^١).\nوالثالث: أن الصحابة ﵃ ربما نقلوا القصة الواحدة بألفاظٍ مختلفة، وكتب الحديث تشهد بذلك، ومن الظاهر أن النبي - ﷺ - لم يذكر تلك القصة بجميع تلك الألفاظ، بل نحن في بعضها (^٢) قاطعون بذلك، وكان هذا شائعًا بينهم ذائعًا غير مُنْكَرٍ من أحد، فكان إجماعًا على نقل الحديث بالمعنى (^٣).\nقال أبو المظفر بن السمعاني: \"ومما يدل على ذلك رواية الصحابى المَنَاهي عن النبي - ﷺ -، مثل: نهيه عن بيعتين في بيعة (^٤)،\n_________\n(^١) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٧١.\n(^٢) أي: في بعض الألفاظ.\n(^٣) انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٩٦٨ - ٢٩٦٩، الإحكام ٢/ ١٠٤.\n(^٤) أخرجه الترمذي ٣/ ٥٣٣، في كتاب البيوع، باب ما جاء في النهي عن بيعتين في بيعة، رقم ١٢٣١. والنسائي ٧/ ٢٩٥ - ٢٩٦، في كتاب البيوع، باب بيعتين في بيعة، من حديث أبي هريرة. وفي الباب حديث عبد الله بن عمرو وابن عمر وابن مسعود ﵃. قال الترمذي: \"حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم. وقد فسَّر بعض أهل العلم قالوا: بيعتين في بيعة أن يقول: أبيعك هذا الثوب بنَقْدٍ بعَشَرة، وبنسيئةٍ بعشرين، ولا يفارقه على أحد =","vol":"5","page":2005},{"text":"ونهيه عن المحاقلة والمزابنة (^١)، وحَبَل الحَبَلة (^٢)،\n_________\n= البَيْعَيْن، فإذا فارقه على أحدهما فلا بأسَ إذا كانت العُقْدة على أحدٍ منهما. قال الشافعي: ومن معنى نَهْيِ النبي - ﷺ - عن بيعتين في بيعة أن يقول: أبيعك داري هذه بكذا على أن تبيعني غلامك بكذا، فإذا وَجَب لي غلامُكَ وجب لك داري. . .\".\n(^١) أخرجه البخاري ٢/ ٧٦٨، في البيوع، باب بيع المخاضرة، رقم ٢٠٩٣. ومسلم ٣/ ١١٧٤، في البيوع، باب النهي عن المحاقلة والمزابنة، رقم ١٥٣٦. وأبو داود ٣/ ٦٩٣ - ٦٩٥، في البيوع، باب في المخابرة، حديث رقم ٣٤٠٤، ٣٤٠٥. والترمذي ٢/ ٥٢٧، في البيوع، باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة، رقم ١٢٢٤، وفي باب ما جاء في المخابرة والمُعَاومة ٢/ ٦٠٥، رقم ١٣١٣. والنسائي ٧/ ٢٩٦، في البيوع، باب النهى عن بيع الثُّنْيا حتى تُعلم، رقم ٤٦٣٣، ٤٦٣٤. والمحاقلة: هي كراء الأرض لبعض ما تنبت. وقيل: هي بيع الطعام في سنبله بالبُرّ. وقيل: هي بيع الزرع قبل إدراكه. وقيل: بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. انظر: فتح الباري ٤/ ٤٠٤، النهاية في غريب الحديث ١/ ٤١٦. والمزابنة: هي بيع التمر بالثمر (أي: بالرطب) وبيع الزبيب بالكَرْم (أي: بالعنب). قال ابن حجر ﵀: \"وهذا أصل المزابنة، وألحق الشافعيُّ بذلك كلّ بيعٍ مجهولٍ بمجهولٍ، أو بمعلوم من جنسٍ يجري الربا في نقده. . . ومن صور المزابنة أيضًا: بيع الزرع بالحنطة كيلًا. . . وقال مالك: المزابنة: كل شيءٍ من الجزاف لا يُعلم كيله ولا وزنه ولا عدده إذا بيع بشيءٍ مسمى من الكيل وغيره، سواء كان من جنسٍ يجري الربا في نقده أم لا. وسبب النهي عنه ما يدخله من القِمار والغَرَر\". فتح الباري ٤/ ٣٨٤. وأصل المزابنة من الزَّبْن: وهو الدفع، كأنَّ كَل واحدٍ من المتبايعين يَزْبِن صاحبَه عن حقِّه بما يزاد منه. انظر: النهاية لابن الأثير ٢/ ٢٩٤.\n(^٢) أخرجه البخاري ٢/ ٧٥٣ - ٧٥٤، في البيوع، باب بيع الغَرَر، وحَبَل الحَبَلة، رقم ٢٠٣٦، وانظر الأرقام ٢١٣٧، ٣٦٣٠. ومسلم ٣/ ١١٥٣، في البيوع، باب تحريم بيع حَبَل الحَبَلة، رقم ١٥١٤. وبيع حَبَل الحبلة المنهيّ له صورتان: إحداهما: أن يبيعَ نَتاج النتاج. والمنع في هذه الصورة من جهة أنه بيع معدوم ومجهول وغير مقدورٍ =","vol":"5","page":2006},{"text":"والنَّجْش (^١)، وبيع حاضر لباد (^٢). وغير ذلك. وقوله: قضى بالشاهد واليمين (^٣)، والشفعة (^٤) فيما لم يُقسم (^٥).\nفمعلوم أن الرواة لم يقصدوا ألفاظه في هذه الأخبار، وإنما حكوا المعنى\" (^٦).\n_________\n= على تسليمه، فيدخل في بيوع الغَرَر. وثانيهما: أن يبيع بثمن إلى نتاج النتاج، أي: أن يبيع بثمنٍ إلى أن يلد ولد الناقة. فيقول مثلًا: بعتُك هذه الدار بثمن عشرة آلاف دينار إلى أن يلد ولد الناقة؛ فيعلِّق البيع بذلك لأجل. والمنع في هذه الصورة لأجل الجهالة في الأجل. انظر: نهاية المحتاج ٣/ ٤٣١ - ٤٣٢، النهاية في غريب الحديث ١/ ٣٣٤، فتح الباري ٤/ ٣٥٦ - ٣٥٨.\n(^١) أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: \"نهى النبي - ﷺ - عن النَّجْش\". انظر: صحيح البخاري ٢/ ٧٥٣، كتاب البيوع، باب النجش، رقم ٢٠٣٥. صحيح مسلم ٣/ ١١٥٦، كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، رقم ١٥١٦. والنجش: هو أن يزيد في ثمن السلعة المعروضة للبيع وهو غير راغبٍ فيها ليغرَّ غيرَه. انظر: روضة الطالبين ٣/ ٨١ - ٨٢، نهاية المحتاج ٣/ ٤٥٣.\n(^٢) أخرجه البخاري ٢/ ٧٥٢، في البيوع، باب لا يبيع على بيع أخيه، رقم ٢٠٣٣. ومسلم ٣/ ١١٥٧، في البيوع، باب تحريم بيع الحاضر للبادي، رقم ١٥٢٠ - ١٥٢٣. وصورة بيع الحاضر للبادي: أن يقدم غريب بمتاع تعم الحاجة إليه ليبيعه بسعر يومه، فيقول له بَلَديٌّ: اتركه عندي لأبيعه على التدريج بأغلى من بيعه حالًا. وسبب التحريم: التضييق على الناس.\nانظر: نهاية المحتاج ٣/ ٤٤٧ - ٤٤٨، فتح الباري ٤/ ٣٧٢.\n(^٣) أخرجه مسلم ٣/ ١٣٣٧، في كتاب الأقضية، باب القضاء باليمين والشاهد، رقم ١٧١٢.\n(^٤) عبارة \"القواطع\": \"وقضى بالشفعة\".\n(^٥) سبق تخريجه.\n(^٦) انظر: القواطع ٢/ ٣٢٨ - ٣٣٠، مع تصرف واختصار يسيرين.","vol":"5","page":2007},{"text":"والرابع: أنا نعلم أن الألفاظ خَدَمٌ للمعاني، وليست مقصودةً بالذات إلا في القرآن العزيز؛ لكونه معجِزًا، والمعنى هو المقصود، فإذا حصل تامًا كاملًا لم يضر اختلافُ الألفاظ.\nوليس للفقيه أن يعترض على هذا: بكلمات الأذان، والتشهد، والتكبير، ولفظي (^١) النكاح والتزويج، وغير ذلك مما تُعُبِّدنا فيه بالألفاظ؛ لأن الألفاظ مقصودة فيه مع المعاني، وكلامنا حيث لا يكون اللفظ مقصودًا (^٢).\nواحتج مَنْ منع نقل الحديث بالمعنى: بأن ذلك مؤدٍ إلى طَمْسه، واندراسه؛ لأن الراوي إذا أراد النقل بالمعنى كان غايته الاجتهاد في طلب ألفاظٍ توافق ألفاظ الحديث، وتؤدي معناها. وأهل العلم على أشد اختلافٍ في معاني الألفاظ، وفهم دقائقها، والوقوع على مواقعها، فيجوز أن يغفل عن بعض تلك الدقائق، وينقله إلى لفظٍ آخر غير دالٍّ على تلك الدقيقة، ثم يتصل الخبر بالطبقة الثانية وهو خالٍ من تلك الدقيقة، فينقلوه أيضًا بالمعنى، ويَدَعون منه نحو ما تَرك الأولُ منه، وهلم جَرَّا حتى يقع التفاوت الكبير (^٣).\nوالجواب: أنه متى أخل بأدنى شيءٍ لم يجز، وتَخْرُج المسألة عن صورتها؛ لأن الفَرْض أنه لم يُخِلَّ بشيءٍ، بل أتى بالمطابِق من كل وجه (^٤).\n_________\n(^١) في (ص): \"ولفظتي\".\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ٧/ ٢٩٧١، ٢٩٧٥.\n(^٣) في (ص): \"الكثير\"، وفي ت: \"الكتر\"، بلا تنقيط، والأحسن هو ما أثبته.\n(^٤) انظر هذا الدليل وجوابه في: نهاية الوصول ٧/ ٢٩٧٤.","vol":"5","page":2008},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-493>فائدة:</span>\nسأل بعضهم عن الفرق بين هذه المسألة، والمسألة المتقدمة في فصل الترادف في جواز إقامة أحد المترادفين مقام الآخر؟ وزعم أن لا فارق، وغَرَّه أنَّ الآمدي لم يذكر تلك المسألة، فظن اكتفاءه بهذه عن تلك.\nوهذا عندي سؤال من لم يَتَرَوَّ من الأصول، وما الجامع بين المسألتين! وإنْ تخيَّل أن الراوي بالمعنى إذا أقام أحد المترادفين مقام الآخر تتحد المسألة من هذه الجهة - فنقول: تلك المسألة في أمرٍ لغوي، وهي أعم من أن يقع في كلام راو الحديث (^١)، أو غيره. فالمانع في تلك يقول: اللغة تمنع منه مطلقًا. ولا يتعرض إلى أن الشرع هل يمنع منه أوْ لا؟ وهذه في أمرٍ شرعي خاص، وهو رواية حديث النبي - ﷺ -، والمانع منه يقول: لا يجوز؛ للاحتياط فيه. وهذا سواء جَوَّزَتْه اللغة أم منعته.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-494>(الخامسة: إن زاد أحد الرواة وتعدد المجلس قُبِلت</span>. وكذا إن اتحد، وجاز الذهول على الباقين، ولم يُغَيِّر إعراب الباقي. وإن لم يَجُز الذهول لم يُقبل. وإن غَيَّر الإعراب، مثل: في أربعين شاةٍ شاةٌ (^٢) أو نصفُ شاة - طُلِب الترجيح. فإن زاد مرة وحُذِف أخرى - فالاعتبار بكثرة المرات).\nالراويان (^٣) فصاعدًا إذا اتفقا على رواية خبرٍ وانفرد أحدهما بزيادة: فإما أن يكون المجلس متعددًا، أو متحدًا.\n_________\n(^١) في (ص): \"للحديث\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ص): \"الروايتان\". وهو خطأ.","vol":"5","page":2009},{"text":"فإنْ كان متغايرًا: قُبلت الزيادة؛ إذ لا امتناع في ذكره - ﷺ - الكلامَ في أحد المجلسين بدون زيادة، وفي الآخر بها، والراوي مقبول القول؛ فقُبِلت (^١).\nوإنْ كان المجلس متحدًا: فالذين لم يَرْوُوا الزيادة إما أن يكونوا عددًا لا يجوز أن يذهلوا عما يضبطه الواحد، أو ليسوا كذلك:\nفإن كان الأول: لم تقبل الزيادة (^٢). (وشرط ابن السمعاني في عدم القبول أن يقول الجماعة: إنهم لم يسمعوه. قال: \"فإنهم إذا لم يقولوا ذلك - يجوز أن يكونوا رَوَوْا بعض الحديث، ولم يَرْوُوا البعض لغرضٍ لهم\" (^٣).\nقلت: وهذا هو المختار، إلا أن تكون الزيادة مما تُوَفَّرُ الدواعي على نقلها) (^٤).\n_________\n(^١) اتفاقًا. انظر: الإحكام ٢/ ١٠٨، تيسير التحرير ٣/ ١٠٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٢، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٥٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧١. وقد نازع الزركشي ﵀ في هذا الاتفاق، وزعم أن كلام ابن السمعاني يقتضي جريان الخلاف في هذه الصورة، وهي تعدد المجلس. وقد قرأت كلام ابن السمعاني، ولم أجده يدل على ما قال.\nانظر: البحر المحيط ٦/ ٢٣٢، ٢٣٤، القواطع ٣/ ١٣ - ١٩.\n(^٢) على الصحيح عند الأكثرين، وعن أحمد - ﵁ - رواية أخرى أنها تقبل. انظر: شرح الكوكب ٢/ ٥٤٢ - ٥٤٣، الإحكام ٢/ ١٠٨ - ١٠٩، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٥٠، المحصول ٢/ ق ١/ ٦٧٧، المعتمد ٢/ ١٢٨ - ١٢٩، تيسير التحرير ٣/ ١٠٨ - ١٠٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٢.\n(^٣) انظر: القواطع ٣/ ١٨.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"5","page":2010},{"text":"وإن كان الثاني: فتلك الزيادة إما أن لا تغيِّر إعراب الباقي، أو تغير:\nفإن لم تغيِّر: قُبِلت عند المصنف والآمدي (^١). وقال الإمام: تقبل إلا أن يكون المُمْسِك عن الزيادة أضبطَ من الراوي لها، وأن لا يُصَرِّح بنفيها، فإن صَرَّح وقع التعارض (^٢).\nوقال بعضهم: لا يقبل مطلقًا (^٣).\nوإن غَيَّرت الإعراب، كما لو رَوَى راوٍ: \"في أربعين شاةً شاةٌ\" (^٤)،\n_________\n(^١) وهو مذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين. انظر: البحر المحيط ٦/ ٢٣٤، القواطع ٣/ ١٣ - ١٩، المستصفى ٢/ ٢٧٥ (١/ ١٦٨)، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٢ - ١٧٣، الإحكام ٢/ ١٠٨ - ١٠٩، علوم الحديث لابن الصلاح ص ٧٧، تدريب الراوي ١/ ٢٠٤، فتح المغيث للعراقي ص ٩٣ - ٩٤، فتح المغيث ١/ ٢٤٥ - ٢٤٦، الكفاية ص ٥٩٧.\n(^٢) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٧٨ - ٦٧٩.\n(^٣) وبه قال بعض المحدثين، وهو رواية عن أحمد - ﵁ -. انظر: العدة ٣/ ١٠٠٧، المسودة ص ٢٩٩، الإحكام ٢/ ١٠٩، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٣، تيسير التحرير ٣/ ١٠٩، الكفاية ص ٥٩٧، فتح المغيث ١/ ٢٤٨، علوم الحديث ص ٧٧.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ١٥، وأبو داود ٢/ ٢٢٤ - ٢٢٦، في كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة، رقم ١٥٦٨. والترمذي ٣/ ١٧، في كتاب الزكاة، باب ما جاء في زكاة الإبل والغنم، رقم ٦٢١. والحاكم في المستدرك ١/ ٣٩٢ - ٣٩٣، كتاب الزكاة. كلهم يرويه من طريق سفيان بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه (أي: ابن عمر ﵄) قال: \"كتب رسول الله - ﷺ - كتاب الصدقة فلم يُخرجه إلى عُمَّاله حتى قُبض، فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتى قُبض، ثم عمل به عمر حتى قُبض، فكان فيه\" وذكر حديثًا طويلًا في صدقة الماشية، وفيه: \"وفي الغنم في كل =","vol":"5","page":2011},{"text":"وروى الآخر: \"نصفُ شاةٍ\" (^١): فالحق عند الجمهور منهم الإمام وأتباعه أنها لا تقبل ويتعارضان، وخالف أبو عبد الله البصري (^٢).\nلنا: أنه حصل التعارض؛ لأن أحدهما إذا روى \"شاةٌ\" فقد رواه بالرفع، والآخر إذا روى \"نصفُ شاةٍ\" فقد رواه بالجر، والرفع والجر ضدان، فوجب المصير إلى الترجيح (^٣).\nونقل إمام الحرمين في \"البرهان\" من غير تعرض لهذه الشروط - عن الشافعي وسائر المحققين قبولَ الزيادة من الراوي الموثوق به (^٤).\n_________\n= أربعين شاةً شاةٌ\". وهذا لفظ أبي داود، والبقية بلفظ مقارب. قال الترمذي: حديث حسن. وقال في العِلَل: \"سألت محمدَ بنَ إسماعيل البخاري عن هذا الحديث فقال: أرجو أن يكون محفوظًا\". وقد صححه الحاكم، وأقره الذهبي. انظر: الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج ص ١٧٦ - ١٧٧.\n(^١) هذا ليس بحديث، وإنما ذكره مثالًا لزيادة أحد الراويين على الآخر زيادةً تُغَيِّر الإعراب. انظر: الابتهاج ص ١٧٧.\n(^٢) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٧٩، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٥١ - ٢٩٥٣، الإحكام ٢/ ١١١، شرح الكوكب ٢/ ٥٤٤، فواتح الرحموت ٢/ ١٧٣، البحر المحيط ٦/ ٢٣٧، ٢٤٢ - ٢٤٣. وانظر: نكت ابن حجر (٢/ ٦٨٦ - ٦٢٤) فهو غاية في الأهمية، والمسألة بالجملة متشعبة، ولها تفاصيل كثيرة، وتستحق الإفراد بالبحث لأهميتها البالغة. انظر: تقريرات الشربيني على حاشية البناني ٢/ ١٤٠ - ١٤١. قال ابن تيمية ﵀: \"هذه المسألة ذات شُعب واشتباه بغيرها\". المسودة ص ٣٠٢.\n(^٣) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٨٠.\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٦٦٢، البحر المحيط ٦/ ٢٣٥.","vol":"5","page":2012},{"text":"وقال بعضهم: إن تساوى الساكت وراوي الزيادة في العدد قُبلت، وإن كان الساكت أكثر فلا.\nوقد سكت المصنف عما إذا لم يُعْلم هل تعدد المجلس أو اتحد؟\nقال الآمدي: \"وحُكْمه حكم المتحد، وأولى بالقبول نظرًا إلى احتمال التعدد\" (^١). ومن أمثلة ذلك حديث ابن عمر في صدقة الفطر رواه جماعة من الثقاة: \"أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نُخرج صدقة الفطر صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر\" (^٢). وروى سعيد بن عبد الرحمن الجمحي (^٣) عن عبيد الله بن عمر (^٤). . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ٢/ ١١٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٧١، نهاية الوصول ٧/ ٢٩٥٣، البحر المحيط ٦/ ٢٣٢.\n(^٢) أخرجه البخاري ٢/ ٥٤٧ - ٥٤٩، في أبواب صدقة الفطر، باب فرض صدقة الفطر، رقم ١٤٣٢. وانظر الأرقام ١٤٣٣، ١٤٣٦، ١٤٣٨، ١٤٤٠، ١٤٤١. ومسلم ٢/ ٦٧٧ - ٦٧٨، في كتاب الزكاة، باب زكاة الفطر على المسلمين، رقم ٩٨٤.\n(^٣) هو سعيد بن عبد الرحمن بن عبد الله الجمحيُّ، أبو عبد الله المدنيّ، قاضي بغداد. قال أحمد ﵀: ليس به بأس، وحديثه مقارب. وقال النسائي: لا بأس به. قال ابن حجر ﵀: \"صدوق له أوهام، وأفرط ابن حبان في تضعيفه، من الثامنة، مات سنة ست وسبعين، وله اثنتان وسبعون\". انظر: تهذيب ٤/ ٥٥، تقريب ص ٢٣٨.\n(^٤) هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵃، أبو عثمان القرشيُّ العدويُّ العمريُّ المدنيّ. الإمام الحافظ أحد الفقهاء السبعة. ولد بعد السبعين أو نحوها. قال ابن معين: عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة: الذهب المُشَبَّك بالدُّرّ. وقال أحمد بن صالح: ثقةٌ ثبتٌ مأمون ليس أحدٌ أثبتَ في حديث نافعٍ منه. مات سنة ١٤٤ هـ، أو ١٤٥، أو ١٤٧ هـ. انظر: سير ٦/ ٣٠٤، تهذيب =","vol":"5","page":2013},{"text":"عن نافع (^١) عن ابن عمر وزاد: \"أو صاعًا من قمح\" (^٢).\nوحديث ابن عمر: أن النبي - ﷺ - قال: \"مَنْ شرب في إناءٍ من ذهب أو فضة فإنما يُجَرْجِرُ في جوفه نار جهنم\" (^٣). ثم روى يحيى بن محمد الجاري (^٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٧/ ٣٨، تقريب ص ٣٧٣.\n(^١) هو أبو عبد الله نافع القرشيُّ ثم العدويُّ العمريّ، مولى ابن عمر - ﵄ - وراويته. قال الذهبي: \"والأرجح أنه فارسيُّ المَحْتِد في الجملة\". قال البخاري: \"أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر\". قال الخليلي: \"نافع من أئمة التابعين بالمدينة، إمامٌ في العلم متفق عليه، صحيح الرواية، منهم مَنْ يقدِّمه على سالم، ومنهم مَن يقارنه به، ولا يُعرف له خطأ في جميع ما رواه\". توفي سنة ١١٧ هـ، وقيل بعدها. انظر: سير ٥/ ٩٥، تهذيب ١٠/ ٤١٢، تقريب ص ٥٥٩.\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٤١٠ - ٤١١، بلفظ: \"أنَّ رسول الله ﵌ فَرَض زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من برّ، على كل حرٍّ أو عبد، ذكرٍ أو أنثى من المسلمين\". وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. والدارقطني في السنن ٢/ ١٤٤ - ١٤٥، في كتاب زكاة الفطر، حديث رقم ٢٧. والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ١٦٦. ورواه الحاكم في علوم الحديث ص ١٣١، من طريق أبي معشر عن نافع عن ابن عمر ﵄، بلفظ: \"أو صاعًا من قمح\". وأبو معشر نَجِيح بن عبد الرحمن السِّندي، ضعيف كما في التقريب ص ٥٥٩، رقم ٧١٠٠.\n(^٣) أخرجه مسلم ٣/ ١٦٣٥، في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال أواني الذهب والفضة، رقم ٢٠٦٥، من حديث أم سلمة ﵂. وأخرجه مسلم أيضًا ٣/ ١٦٣٤، رقم ٢٠٦٥، والبخاري ٥/ ٢١٣٣، في الأشربة، باب آنية الفضة، رقم ٥٣١١، عن أم سلمة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الذي يشرب في آنية الفضة إنما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنم\".\n(^٤) قال الذهبي في الميزان (٤/ ٤٠٦) عن يحيى بن محمد الجاريّ: \"قال البخاري: يتكلمون فيه. . . قال ابن عدي: الجاري ليس بحديثه بأس\".","vol":"5","page":2014},{"text":"حدثنا (^١) زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع (^٢) عن أبيه عن جده عن ابن عمر هذا الخبر، وزاد فيه: \"أو إناءٍ فيه شيء من ذلك\" (^٣).\nوهذا كُلُّه فيما إذا كان راوي الزيادة ثقة، أما إذا كان ضعيفًا فذاك مردود الرواية.\nثم إنَّ صاحب الكتاب ذكر فرعًا في ذيل المسألة: وهو ما (^٤) إذا زاد الراوي الواحد مرةً، ولم يَرْو تلك الزيادة غيرَ تلك المرة، أي: وكان المجلس\n_________\n(^١) في (ت): \"ثنا\".\n(^٢) قال الذهبي في الميزان ٤/ ٤٠٦: \"وزكريا ليس بالمشهور، روى عنه ابن أبي فُدَيْك أيضًا\".\n(^٣) حديث ابن عمر: \"أن رسول الله - ﷺ - قال: مَنْ شرب من إناء ذهب أو فضة، أو إناء فيه شيء من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم\". أخرجه الدارقطني ١/ ٤٠، في كتاب الطهارة، باب أواني الذهب والفضة، رقم الحديث ١. وأخرجه الحاكم في علوم الحديث ص ١٣١. والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٨ - ٢٩، في كتاب الطهارة، باب النهي عن الإناء المفضض. قال الذهبي في الميزان ٤/ ٤٠٦: \"هذا حديث منكر\". وقال ابن الملقِّن في خلاصة البدر المنير ١/ ٢٦: \"رواه الدارقطني والبيهقي والحاكم في علوم الحديث من رواية ابن عمر، وهو حديث ضعيف لا يصح كما قاله ابن القطان في عِلَلِه، قال البيهقي: والمشهور عن ابن عمر في المضبب موقوفًا عليه\". وانظر: تلخيص الحبير ١/ ٥٤. تنبيه: قوله في سند الحديث \"عن أبيه عن جده عن ابن عمر\" كذا ذكر السند الحاكم في علوم الحديث، أما الدارقطني والحاكم فذكراه \"عن أبيه عن ابن عمر\"، وذكر البيهقي أن قوله: \"عن جده\" وهم. انظر: السنن الكبرى ١/ ٢٩.\n(^٤) في (ت): \"فيما\".","vol":"5","page":2015},{"text":"الذي أسْند إليه الزيادة والنقصان متحدًا، والإعراب متحدًا - فالاعتبار بكثرة المرات (^١)؛ لأن حمل الأقل على السهو أولى من حمل الأكثر عليه.\nقال الإمام: \"وإن تساويا (^٢) قُبِلت الزيادة\" (^٣).\nومثال الأول: أن سفيان بن عيينة روى عن طلحة بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله (^٤) عن عمته عائشة بنت طلحة (^٥) عن عائشة ﵂،\n_________\n(^١) يعني فالزيادة غير معتبرة؛ لأن الراوي رواها مرة، وأسقطها مرات، والأكثر مرجَّح على الأقل. قال الهندي في نهاية الوصول ٧/ ٢٩٥٤: \"فإن كانت أقل لم تقبل الزيادة، إلا أن يصرِّح بنسيانه وسهوه في المرات الكثيرة، وبذكره لها في المرات القليلة، فها هنا تقبل للتصريح بذلك\". ومفهوم كلامه: \"وكان المجلس متحدًا\": أنه إن أسند الزيادة إلى مجلسين - قبلت الزيادة، سواء غيَّرت إعراب الباقي، أو لم تغيِّر. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٨٠.\n(^٢) أي: تساوت مرات الزيادة، مع مرات النقصان، من الراوي الواحد الذي أسند الزيادة والنقصان إلى مجلس واحد، والإعراب متحد. قال الإمام: \"وإن أسندهما إلى مجلسٍ واحد فالزيادة إن كانت مغيِّرةً للإعراب: تعارضت روايتاه، كما تعارضتا من راويين\". المحصول ٢/ ق ١/ ٦٨٠. وانظر: شرح الكوكب ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٦، المحلي على الجمع ٢/ ١٤٢.\n(^٣) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٦٨١.\n(^٤) قال ابن حجر - ﵀ - عنه في التقريب ص ٢٨٣: \"صدوق، يخطئ، من السادسة، مات سنة ثمانٍ وأربعين. م ٤\". وانظر: تهذيب ٥/ ٢٧.\n(^٥) هي عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمية، أمها أم كلثوم أخت عائشة أم المؤمنين ﵅. كانت أجملَ نساء زمانها وأرأسَهُنَّ، وحديثها مخرَّجٌ في الصِّحاح. قال عنها ابن معين: ثقةٌ حجة. وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة. وقال أبو زرعة الدمشقي: حَدَّث عنها الناسُ لفضلها وأدبها. بقيت إلى قريب من سنة ١١٠ هـ =","vol":"5","page":2016},{"text":"قالت: \"دخل عليَّ رسولُ الله - ﷺ -، فقلت: إنا خَبَّأنا لك حَيْسًا. فقال: أما إني كنت أريد الصوم، ولكن قَرِّبيه\". أسنده عنه هكذا الشافعي - ﵁ - (^١). ورواه شيخ يقال له محمد بن عمرو بن العباس الباهلي عن سفيان وزاد فيه: \"وأصوم يومًا مكانه\" (^٢).\nقال أحمد: هذه لفظةٌ كان ابن عيينة زادها في الحديث آخِرَ عمره لا يُدْرَى أهي محفوظة، أو شيء وقع في لفظه.\nوقال الشافعي: سمعت سفيان عامةَ مجالسه لا يذكر فيه: \"سأصوم يومًا مكانه\" (^٣)، ثم عرضهُ عليه قبل موته بسنة، فأجاب فيه: \"سأصوم\n_________\n= بالمدينة. انظر: سير ٤/ ٣٦٩، تهذيب ١٢/ ٤٣٦، تقريب ص ٧٥٠.\n(^١) انظر: الأم ٢/ ١٠٣، مسند الشافعي ص ٨٤، ١٠٦، الحاوي ٣/ ٣٣٦، معرفة السنن والآثار ٣/ ٤١٨ - ٤١٢، السنن الكبرى ٤/ ٢٧٥، وقال البيهقي ﵀: \"هكذا رواه جماعة عن سفيان بن عيينة، وكذلك رواه جماعة عن طلحة بن يحيى، لم يذكر أحدٌ منهم القضاء في هذا الحديث\". وأصل الحديث خرّجه مسلم ٢/ ٨٠٨ - ٨٠٩، في الصيام، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال، حديث رقم ١١٥٤، بدون: \"وأصوم يومًا مكانه\".\n(^٢) أخرجه الدارقطني ٢/ ١٧٧، في كتاب الصيام، باب الشهادة على رؤية الهلال، رقم ٢٢. والبيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٧٥) عن الراوي المذكور عن سفيان عن طلحة بن يحيى عن عمته عن عائشة ﵂، ولفظه: \"وأقضي يومًا مكانه\"، قال البيهقي: \"وكان أبو الحسن الدارقطني - رحمه الله تعالى - يحمل في هذا اللفظ على محمد بن عمرو بن العباس الباهليّ هذا، ويزعم أنه لم يروه بهذا اللفظ غيره ولم يتابع عليه، وليس كذلك فقد حَدَّث به ابن عيينة في آخر عمره، وهو عند أهل العلم بالحديث غير محفوظ\".\n(^٣) أخرج البيهقي مقولة الشافعي - ﵀ - في السنن ٤/ ٢٧٥، ثم قال: \"وروايته =","vol":"5","page":2017},{"text":"يومًا مكانه\" آخر كتاب السنة. والله تعالى أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم (^١).\n_________\n= عامة دهره لهذا الحديث لا يذكر فيه هذا اللفظ، مع رواية الجماعة عن طلحة بن يحيى لا يذكره منهم أحد - منهم سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج، وعبد الواحد بن زياد، ووكيع بن الجراح، ويحيى بن سعيد القطان، ويعلى بن عبيد، وغيرهم - تدل على خطأ هذه اللفظة، والله أعلم. وقد رُوي من وجه آخر عن عائشة ليس فيه هذه اللفظة\".\n(^١) لم ترد في (ت).","vol":"5","page":2018},{"text":"الكتاب الثالث: الإجماع","vol":"5","page":2019},{"text":"قال: (﵀) (^١): <span data-type=\"title\" id=toc-495>(الكتاب الثالث: في الإجماع</span>.\nوهو: اتفاق أهل الحَلِّ والعقد من أمة محمدٍ - ﷺ - على أمرٍ من الأمور).\nالإجماع: لغة: العزم، قال الله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ (^٢)، وقال - ﷺ -: \"لا صيام لمن لم يُجْمِع الصيام من الليل\" (^٣). والاتفاق أيضًا، يقال: أجْمَعوا على كذا، أي: صاروا ذا جمعٍ، كما يقال (^٤): ألبن وأتمر، إذا صار ذا (^٥) لبنٍ وتمر (^٦) (^٧).\nوفي الاصطلاح: ما ذكره المصنف.\nفقوله: \"اتفاق\" (^٨) جنس، والمراد به: الاشتراك في الاعتقاد، أو القول، أو الفعل، أو في الكل.\nوقولُه: \"أهلِ الحَلِّ والعقد\" والمراد به المجتهدين - فصلٌ يخرج منه مَن ليس كذلك، كالعوام؛ إذ لا عبرة بوِفاقهم ولا خِلافهم. ويخرج أيضًا\n_________\n(^١) لم ترد في (ت).\n(^٢) سورة يونس: ٧١.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في (ت): \"أو تمر\".\n(^٧) انظر: المصباح المنير ١/ ١١٩، القاموس المحيط ٣/ ١٥، لسان العرب ٨/ ٥٧ - ٥٨، مادة (جمع). وانظر: شرح الكوكب ٢/ ٢١٠، إرشاد الفحول ص ٧١.\n(^٨) سقطت من (ت).","vol":"5","page":2021},{"text":"اتفاق بعض (^١) أهل الحل والعقد (^٢).\nوقوله: \"من أمة محمد - ﷺ -\" احتراز عن اتفاق المجتهدين من الأمم السالفة، فإنه وإنْ قيل بأن إجماعهم حجةٌ كما هو أحد المذهبَيْن للأُصوليين (^٣)، واختيارُ الأستاذ أبي إسحاق، كما حكاه عنه الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\" (^٤) - فليس الكلام إلا في الإجماع الذي هو دليل شرعي يجب العمل به الآن، وذلك (^٥) وإنْ وجب العمل به فيما مَضَى على مَنْ مَضَى لكن انتسخ حكمُه منذ مَبْعث النبي - ﷺ -.\nوقوله: \"على أمرٍ من الأمور\" يشمل الأحكام الشرعية: كحل النكاح، وحرمة قتل النفس بغير حق. واللغوية: ككون الفاء للتعقيب. ولا نزاع في هذين (^٦).\nويشمل أيضًا العقليات: كحَدَث العالَم. وهو كذلك، خلافًا لإمام الحرمين (^٧).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) مذهب جمهور الأصوليين اشتراط اتفاق كل المجتهدين لتحقُّق الإجماع، وهناك من يكتفي باتفاق الأكثر، وستأتي المسألة.\n(^٣) الجمهور على أنَّ إجماع غير هذه الأمة ليس بحجة. انظر: البرهان ١/ ٧١٨ - ٧١٩، الإحكام ١/ ٢٨٤، شرح التنقيح ص ٣٢٣، المحلي على الجمع ٢/ ١٨٤، شرح الكوكب ٢/ ٢٣٦.\n(^٤) انظر: شرح اللمع ٢/ ٦٨١، اللمع ص ٩٠.\n(^٥) في (ت): \"وذاك\".\n(^٦) انظر: نهاية السول ٣/ ٢٣٧ - ٢٣٨، البحر المحيط ٦/ ٤٩٢، كشف الأسرار ٣/ ٢٥١.\n(^٧) فإنه لا يرى حجية الإجماع في العقليات. قال - ﵀ - في البرهان ١/ ٧١٧: =","vol":"5","page":2022},{"text":"وخلافًا للشيخ أبي إسحاق الشيرازي في كليات أصول الدين (^١) كحدث العالم وإثبات النبوة، لا جزئياته (^٢) كجواز الرؤية، فإنه وافق على أنَّ الإجماع في مثلها حجة (^٣).\nويشمل الدنيويات أيضًا: كالآراء، والحروب، وتدبير أمور الرعية. وفيه مذهبان: المختار منهما وجوب العمل فيه بالإجماع (^٤).\n_________\n= \"فأما ما ينعقد الإجماع فيه حجةً ودلالةً - فالسمعيات، ولا أثر للوِفاق في المعقولات، فإن المُتَّبَع في العقليات الأدلة القاطعة، فإذا انتصبت لم يُعارضها شِقاق، ولم يَعضدها وِفاق\"، وصار إلى هذا القول بعض الحنفية منهم صدر الشريعة، والأصفهاني وسليم من الشافعية. انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٦٢، فواتح ٢/ ٢٤٦، البحر المحيط ٦/ ٤٩٣.\n(^١) كليات أصول الدين: هي ما يجب تَقَدُّمُ العلمِ به على الشرع. أو هي ما تتوقف صحةُ الإجماع ونحوه عليها.\nانظر: شرح اللمع ٢/ ٦٨٧، المحلي على الجمع ٢/ ١٩٤.\n(^٢) جزئيات أصول الدين: هي ما لا يجب تَقدُّم العلم به على الشرع. أو هي ما لا تتوقف صحةُ الإجماع ونحوه عليها.\nانظر: اللمع ٢/ ٦٨٨، والمحلي على الجمع ٢/ ١٩٤.\n(^٣) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٩١، الحاصل ٢/ ٧٢٦، التحصيل ٢/ ٨٤، نهاية الوصول ٦/ ٢٦٧٢، شرح التنقيح ص ٣٤٣، الإحكام ١/ ٢٨٣، التلخيص ٣/ ٥٢، المعتمد ٢/ ٣٥، التمهيد لأبي الخطاب ٣/ ٢٨٤، كشف الأسرار ٣/ ٢٥١، تيسير التحرير ٣/ ٢٦٢، شرح الكوكب ٢/ ٢٧٧، فواتح الرحموت ٢/ ٢٤٦، غاية الوصول ص ١٠٨، بيان المختصر ١/ ٦١٨، المحلي على الجمع ٢/ ١٩٤، البحر المحيط ٦/ ٤٩٢ - ٤٩٣.\n(^٤) وهو رأي الجمهور؛ لأن العمومات الدَّالة على عصمة الأمة عن الخطأ ووجوبِ اتباعهم فيما أجمعوا عليه - عامةٌ في كل ما أجمعوا عليه. وقد قيَّد ابن عبد الشكور =","vol":"5","page":2023},{"text":"وفي التعريف نظر: من جهة إشعاره بعدم انعقاد الإجماع إلى يوم القيامة، (فإن أمة محمد - ﷺ - جملةُ مَنِ اتبعه إلى يوم القيامة) (^١)، ولم يقل بذلك أحدٌ من المُعْتَرِفين بالإجماع (^٢)، فكان ينبغي تقييده بعصر من الأعصار.\nومن جهةِ أنه لو لم يكن في العصر إلا مجتهدٌ واحدٌ - فقولُه إجماعٌ (^٣)، وتعبير المصنف بالاتفاق ينفي ذلك؛ إذ حقيقة الاتفاق أن يكون من اثنين فصاعًا.\nولعل المصنف يختار أنَّ ذلك ليس بإجماع، وهو مذهب مشهور منقدح (^٤)؛ لأن الأدلة إنما دلت على عصمة الأمة فيما أجمعوا عليه، فلا بد\n_________\n= ﵀ قول الجمهور ببقاء المصالح التي أجمعوا من أجلها؛ لبقاء حجية الإجماع، وهو تقييد وجيه، ولعله تفسير لقولهم، ففي فواتح الرحموت ٢/ ٢٤٦: (مختار الجماهير) الإجماع فيها (حجة) أيضًا (إلى بقاء المصالح) التي أجمعوا لأجلها، وهو الحق لعموم الأدلة. اهـ. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٩٢، نهاية الوصول ٦/ ٢٦٧٢، الإحكام ١/ ٢٨٤، شرح التنقيح ص ٣٤٤، تيسير التحرير ٣/ ٢٦٢، كشف الأسرار ٣/ ٢٥١، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٤٤، المحلي على الجمع ٢/ ١٩٤، البحر المحيط ٦/ ٤٩٤، شرح الكوكب ٢/ ٢٧٩.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) واختار هذا القول الإمام وأتباعه. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٨٣، الحاصل ٢/ ٧٢٤ - ٧٢٥، نهاية السول ٣/ ٢٤٠ - ٢٤٢. ولم أقف على المسألة في \"التحصيل\".\n(^٤) أي: مُتَّجه، وهو الذي اختاره الشارح في \"جمع الجوامع\"، وانظر البحر المحيط ٦/ ٤٨٦، والمحلي في شرحه على الجمع ٢/ ١٨١، وفواتح الرحموت ٢/ ٢٢١.","vol":"5","page":2024},{"text":"مِنْ صِدْق الإجماع، والإجماع هو الاتفاق، والاتفاق لا بد أن يكون من اثنين (^١).\n_________\n(^١) انظر تعريف الإجماع في: المحصول ٢/ ق ١/ ١٩، الحاصل ٢/ ٦٧٢، التحصيل ٢/ ٣٧، نهاية الوصول ٦/ ٢٤٢١، المستصفى ٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤ (١/ ١٧٣)، اللمع ص ٨٧، الإحكام ١/ ١٩٥، نهاية السول ٣/ ٢٣٧، المحلي على الجمع ٢/ ١٧٦، الحدود للباجي ص ٦٣ - ٦٤، شرح التنقيح ص ٣٢٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٤، كشف الأسرار ٣/ ٢٢٦، روضة الناظر ص ٦٧، مختصر الطوفي ص ١٢٨، شرح الكوكب ٢/ ٢١١، إرشاد الفحول ص ٧١.","vol":"5","page":2025},{"text":"الباب الأول: بيان حجية الإجماع","vol":"5","page":2027},{"text":"قال: (وفيه ثلاثة (^١) أبواب:<span data-type=\"title\" id=toc-496> الباب الأول: في بيان كونه حجة</span>.\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-497>الأولى: قيل: محال كاجتماع الناس في وقتٍ واحد على مأكولٍ واحد </span>(^٢). وأجيب: بأن الدواعي مختلفة ثَمَّ (^٣). وقيل: يتعذر الوقوف عليه؛ لانتشارهم؛ وجواز خَفاء واحدٍ وخُموله؛ (وكذبه خوفًا) (^٤)؛ ورجوعه قبل فتوى الآخر. وأجيب: بأنه (لا يتعذر) (^٥) في أيام الصحابة فإنهم كانوا محصورين قليلين).\nإنما بدأ بالكلام على (^٦) إمكانه، وإمكان الاطلاع عليه؛ لتوقف الاحتجاج به على ذلك. وقد ذهب بعضهم (^٧) إلى أن الإجماع محال (^٨)؛\n_________\n(^١) في (ص): \"ثلاث\". وهو خطأ.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في نهاية السول ٣/ ٢٣٧: \"ثَمة\". أي: هناك.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ت) \"لا تعذر\".\n(^٦) في (ت) بياض مكانها.\n(^٧) في (ت): \"بعض\".\n(^٨) أي: محال وقوعه. والخلاف إنما هو فيما لا يُعلم بالضرورة، أما الأحكام الضرورية فلا خلاف في إمكان الإجماع عليها. انظر: الإحكام ١/ ١٩٦، المحصول ٢/ ق ١/ ٢١ - ٢٢، حجية الإجماع وموقف العلماء منها ص ٦٢. والذين نازعوا في إمكانية وقوع الإجماع هم بعض النظَّامية وبعض الشيعة، وبعض الخوارج. انظر: فواتح =","vol":"5","page":2029},{"text":"لأن اجتماع الخلق على شيء واحد يمتنع (^١) عادةً (^٢)، كما يمتنع عادةً (^٣) اجتماعُهم على مأكولٍ واحدٍ في وقتٍ واحد. وربما قال بعضهم: كما أن اختلاف العلماء في الضروريات محال، كذلك اتفاقهم في النظريات محال.\nوالجواب: أن الدواعي مختلفة ثمة (^٤)، أي: في المواكيل (^٥)، بخلاف الأحكام؛ لإمكان اجتماعهم على معرفةِ برهانٍ أو أمارة (^٦).\nوذهبت طائفة من المعترفين بإمكان الإجماع إلى تعذر الاطلاع عليه، وهو رواية عن الإمام أحمد، حكاها الآمدي وغيرُه (^٧). وقيل: إنما استبعد\n_________\n= الرحموت ٢/ ٢١١، سلم الثبوت ٣/ ٢٤٢، حجية الإجماع ص ٦٤ - ٧١.\n(^١) في (ت): \"ممتنع\".\n(^٢) فالخلاف إنما هو في الاستحالة عادة، لا عقلًا؛ لأن العقل لا يمنع اجتماع الخلق على حكمٍ من الأحكام. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٤٢٩، المحلي على الجمع ٢/ ١٩٥، شرح الأصفهاني على المنهاج ٢/ ٥٨١، نهاية السول ٣/ ٢٤٢، حجية الإجماع ص ٦١.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ص): \"ثَمَّ\".\n(^٥) لاختلافهم في الشهوة والمزاج والطبع، فلذلك يمتنع اجتماعهم عليه. انظر: نهاية السول ٣/ ٢٤٢.\n(^٦) يعني بالبرهان: الدليل القطعي. وبالأمارة: الدليل الظني. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٤٣٠، نهاية السول ٣/ ٢٤٣. والبرهان عند المناطقة: هو القياس المؤلف من اليقينيات. انظر: التعريفات ص ٣٧، حاشية الباجوري على السلم ص ٧٦. والأمارة: لغةً: العلامة. واصطلاحًا: هي التي يلزم من العلم بها الظنُّ بوجود المدلول. انظر: التعريفات ص ٢٩.\n(^٧) انظر: الإحكام ١/ ١٩٨، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل ص ١٢٩، وابن بدران - ﵀ - يرجِّح أن مذهب أحمد - ﵁ - هو الاحتجاج بإجماع =","vol":"5","page":2030},{"text":"وقوعَه ولم يَقُل بتعذر الاطلاع عليه (^١).\nواحتجوا: بانتشار العلماء مَشْرقًا ومغربًا، قالوا: فكيف يُعْرف موافقة مَنْ في أقاصي المشرق لمن (^٢) في أطراف المغرب. قالوا: وأيضًا يجوز خفاء واحدٍ وخمولُ ذِكْره بحيث لا يُعرف أنه مجتهد.\nقالوا: ويحتمل أيضًا كذبه مخافةً مِنْ سلطانٍ جائرٍ، أو مجتهدٍ ذي منصبٍ وبَطْشٍ أفتى بخلاف مُعْتَقَده.\nقالوا: ويحتمل أيضًا أن يرجع قبل فتوى الآخَر، فلا يبرحان مختلِفَيْن، فلا يقع الاتفاق.\nقالوا: فاحتمال الخفاء والخمول ينفي معرفةَ أعيانهم ولا بد منها. واحتمال الكذب ينفي معرفة ما غَلَب على ظنه ولا بد منه. والاحتمال الأخير ينفي معرفة اجتماعهم في وقتٍ واحدٍ ولا بد منه أيضًا.\nوأجاب في الكتاب: بأن ذلك لا يتعذر في أيام الصحابة، فإنهم كانوا\n_________\n= الصحابة ﵃؛ أما إجماع مَنْ بعدهم فإن الاطلاع عليه متعذِّر، يقول ﵀: \"فلا يتوهمن متوهِّم أن الإمام أنكر الإجماع إنكارًا عقليًا، وإنما أنكر العلم بالإجماع على حادثة واحدة انتشرت في جميع الأقطار. . .\".\n(^١) انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٠. والذي نقله بعض الحنابلة أن أحمد - ﵀ - لا يحتج إلا بإجماع الصحابة - ﵃ - في رواية عنه.\nانظر: التمهيد لأبي الخطاب ٣/ ٢٥٦، شرح مختصر الروضة ٣/ ٤٧، نزهة الخاطر ١/ ٣٧٢، نهاية السول ٣/ ٢٤٥. وانظر: فواتح الرحموت ٢/ ٢١٢.\n(^٢) في (ص): \"من\".","vol":"5","page":2031},{"text":"محصورين قليلين.\nوقضية هذا الجواب أنه لا طريق إلى معرفته في زمن غيرهم. قال الإمام: وهو الإنصاف (^١).\nومنهم من أجاب (^٢): بأنهم وإنْ كانوا كثيرين بحيث لا يمكن الواحد أن يعرفهم بأعيانهم فإنه يَعْرف بمشافهة بعضهم، والنقل المتواتر عن الباقين بأن يَنْقُل من أهل كل قطر مَنْ يحصل التواتر بقولهم - عمن فيه من المجتهدينَ مذاهبَهم، وخمولُ المجتهد بحيث لا يَعْرفه أهلُ بلدته مستحيل عادةً (^٣). فوضح إمكان الاطلاع على إجماع مَنْ عدا الصحابة، و(حكم إجماع مَنْ عدا الصحابة) (^٤) حكم إجماع الصحابة في كونه حجة. هذا قول الجمهور.\nوقالت الظاهرية: إن الإجماع مختصٌ بالصحابة (^٥)، وهو رواية عن\n_________\n(^١) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٤٤، نفائس الأصول ٦/ ٢٥٥٠.\n(^٢) ذكر هذا الجواب صفي الدين الهندي في نهاية الوصول ٦/ ٢٤٣٤.\n(^٣) وهو كذلك؛ لأن كونه مجتهدًا لا بد وأن يسبقه تتلمذُه على مشايخ بلده بالأقل، فكيف يَخْفى مع ذلك!\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) وهو مذهب داود، وظاهر كلام ابن حبان في صحيحه، ورجَّحه الشوكاني. أما أبو محمد بن حزم - ﵀ - فقد تشدد في تحديد الإجماع، وانفرد بذلك، فلا إجماع عنده إلا في المعلوم من الدين بالضرورة، مما لا يسع أحدًا إنكارُه ولا الجهلُ به. ولا إجماعَ عنده أيضًا إلا فيما عرفه جميعُ الصحابة أنه فَعَله رسول الله - ﷺ -، ومِنْ ثَمَّ أنكر إجماع الصحابة - ﵃ - بعد تفرقهم في البلاد والأمصار، فإجماع =","vol":"5","page":2032},{"text":"أحمد (^١).\nقال: (الثانية: أنه حجة خلافًا للنَّظَّام والشيعة والخوارج. لنا وجوه:\nالأول: أنه تعالى جمع بين مشاقَّةِ الرسول واتباعِ غيرِ سبيل المؤمنين في الوعيد حيث قال: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ﴾ (^٢) الآية، فتكون مُحَرَّمة (^٣)، فيجب اتباع سبيلهم إذْ لا مَخْرج عنهما (^٤).\nقيل: رتَّب الوعيدَ على الكل.\nقلنا: لا بل على كل واحدٍ (^٥) وإلا لَغَى ذِكْر المخالفة.\n_________\n= الصحابة حجة قبل التفرق. قال ﵀: \"وأما قوله: إن عدد الصحابة - ﵃ - كان محصورًا، ممكنًا جمعه، وممكنًا ضبط أقوالهم، وليس كذلك مَنْ بعدهم، فإنما كان هذا إذا كانوا كلهم بحضرة رسول الله - ﷺ - قبل تفرقهم في البلاد، وأما بعد تفرقهم فالحال في تعذر حَصْر أقوالهم كالحال فيمن بعدهم (أي: مِنَ التابعين ومَنْ بعدهم) سواء لا فرق. هذا أمرٌ يُعرف بالمشاهدة والضرورة\". الإحكام ١/ ٥٥٥. وأبو محمد - ﵀ - معروف بشواذِّه وغرائبه، فالله يغفر له.\nوانظر: اللمع ص ٩٠، المحصول ٢/ ق ١/ ٢٨٣، الإحكام ١/ ٢٣٠، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٥٣، المعتمد ٢/ ٢٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٠، إرشاد الفحول ص ٨١.\n(^١) انظر المسألة في: المحصول ٢/ ق ١/ ٢١، الحاصل ٢/ ٦٧٣، التحصيل ٢/ ٣٧، نهاية الوصول ٦/ ٢٤٢٩، نهاية السول ٣/ ٢٤٢، شرح الأصفهاني ٢/ ٥٨١، السراج الوهاج ٢/ ٧٩١، الإحكام ١/ ١٩٦ - ١٩٩.\n(^٢) سورة النساء: ١١٥.\n(^٣) أي: كلا الخصلتين المشاقة، واتباع غير سبيل المؤمنين.\n(^٤) أي: لا مخرج عن أن يكون فِعْلُه على غير سبيل المؤمنين، أو على سبيلهم، فليس هناك واسطة بين السبيلين.\n(^٥) أي: الوعيد على الكلية لا الكل.","vol":"5","page":2033},{"text":"قيل: الشرط في المعطوف عليه شرط في المعطوف.\nقلنا: لا، وإن سُلِّم لم يضر؛ لأن الهُدى دليل التوحيد والنبوة.\nقيل: لا يُوجب تحريمَ كلِّ ما غاير.\nقلنا: يقتضي لجواز الاستثناء.\nقيل: السبيل دليل الإجماع.\nقلنا: حَمْلُه على الإجماع أولى لعمومه.\nقيل: يجب اتباعهم فيما صاروا به مؤمنين.\nقلنا: حينئذ تكون المخالفة المشاقة.\nقيل: بترك (^١) الاتباع رأسًا.\nقلنا: الترك غير سبيلهم.\nقيل: لا يجب اتباعهم في فعل المباح.\nقلنا: كاتباع الرسول - ﷺ -.\nقيل: المجمعون أثبتوا (^٢) بالدليل.\nقلنا: خص النص فيه.\nقيل: كل المؤمنين الموجودين (^٣) إلى يوم القيامة.\n_________\n(^١) في (ص): \"يترك\".\n(^٢) في (ص): \"أثبتوا الحكم\". وهذه الزيادة غير موجودة في نهاية السول ٣/ ٢٤٦، شرح الأصفهاني على المنهاج ٢/ ٥٨٣، معراج المنهاج ٢/ ٧٦.\n(^٣) في (ص): \"الموجودون\". وهو خطأ؛ لأن \"الموجودين\" صفة لا خبر، فقوله: \"كل المؤمنين\" خبر مبتدأ محذوف تقديره: المراد كل المؤمنين.","vol":"5","page":2034},{"text":"قلنا: بل في كل عصر؛ لأن المقصود العمل، ولا عمل في القيامة).\n\nاتفق أكثر المسلمين على أن<span data-type=\"title\" id=toc-498> الإجماع حجةٌ شرعية يجب العمل به </span>على كل مسلم، وخالف في ذلك الشيعة والخوارج والنَّظَّام (^١). ونقل ابن الحاجب أنَّ النظام يُحيل الإجماع (^٢)، وهو خلاف نقل الجمهور عنه (^٣)، وقد صرح الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\" بأنه لا يُحيله (^٤)، وهو أصح النقلين.\nواعلم أن النظام المذكور هو أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام كان يَنْظِم الخرز (^٥) بسوق البصرة، وكان يُظهِر الاعتزال، وهو الذي تُنسب إليه\n_________\n(^١) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٤٦، نهاية الوصول ٦/ ٢٤٣٦، الإحكام ١/ ٢٠٠، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٧، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٠، شرح التنقيح ص ٣٢٤.\n(^٢) انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٢٩، بيان المختصر ١/ ٥٢٥، وكذا قال ابن بَرْهان. انظر: الوصول إلى الأصول ٢/ ٦٧. وقال المجد - ﵀ - في المسودة ص ٣١٥: \"والمشهور عن النظام إنكار تصوره\"، وكذا عزى إليه ابن النجار في شرح الكوكب ٢/ ٢١٣، والبخاري في كشف الأسرار ٣/ ٢٢٧.\n(^٣) انظر: التلخيص ٣/ ٧ - ٨، القواطع ٣/ ١٩١، البرهان ١/ ٦٧٥، المعتمد ٢/ ٤، العدة ٤/ ١٠٦٤، التمهيد لأبي الخطاب ٣/ ٢٢٤.\n(^٤) انظر: اللمع ص ٨٧، شرح اللمع ٢/ ٦٦٦، ٦٦٨.\n(^٥) في اللسان ١٢/ ٥٧٨: \"النَّظْم: التأليف. نَظَمَه يَنْظِمُه نَظْمًا ونِظامًا ونَظَّمته فانْتَظَم وتَنَظَّم. ونَظَمْتُ اللؤلؤ: أي جمعتُه في السِّلك، والتنظيمُ مِثْله، ومنه نَظَمْت الشِّعر ونَظَّمتُه، ونَظَمَ الأمرَ على المثَل. وكلُّ شيءٍ قرنتَه بآخر أو ضممتَ بعضَه إلى بعض فقد نَظَمْتَه. . . . والنِّظَامُ: ما نَظَمْتَ فيه الشيء من خيطٍ وغيره\". وانظر: المصباح المنير ٢/ ٢٨٢.","vol":"5","page":2035},{"text":"الفرقة النظامية من المعتزلة، لكنه كان زنديقًا، وإنما أنكر الإجماع لقَصْده الطعن في الشريعة. وكذلك أنكر الخبر المتواتر مع خروج رواته عن حدِّ الحَصْر، هذا مع قوله بأن خبر الواحد قد يفيد العلم، فأعجب لهذا الخِذْلان (^١)! وأنكر القياس كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وكل ذلك زندقة، لعنه الله. وله كتاب في نصر التثليث على التوحيد، وإنما أظهر الاعتزال خوفًا من سيف الشرع، وله فضائح عديدة، وأكثرها طعن في الشريعة المطهَّرة، وليس هذا موضع بسطها (^٢).\nواستدل المصنف على حجية الإجماع من ثلاثة أوجه:\nالأول: الآية، وأول مَنْ تمسك بها إمامنا الشافعي - ﵁ - (^٣). قال الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\": \"رُوي أن الشافعي قرأ القرآن ثلاث مرات حتى وجد هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^٤) \" (^٥).\n_________\n(^١) في اللسان ١١/ ٢٠٢، مادة (خذل): \"خَذَله وخَذَل عنه يَخْذُله خَذْلًا وخِذْلانًا: تَرَك نصرتَه وعَوْنه. . . وخِذْلانُ اللهِ العبدَ: أن لا يعصمه من الشُّبَه فيقع فيها، نعوذ بلطف الله من ذلك\".\nوانظر: المصباح ١/ ١٧٨.\n(^٢) في (ت): \"تسطيرها\".\n(^٣) انظر: الطبقات الكبرى ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٥.\n(^٤) سورة النساء: ١١٥.\n(^٥) انظر: شرح اللمع ٢/ ٦٦٨ - ٦٦٩.","vol":"5","page":2036},{"text":"وجه الحجة: أنه تعالى جمع بين مشاقَّة الرسول - ﷺ - واتباع غير سبيل المؤمنين في الوعيد في قوله: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾، فيلزم تحريم اتباع غير سبيلِ المؤمنين؛ لأنه لو لم يكن محرمًا لما جمع بينه وبين المحرم الذي هو مشاقة الرسول - ﷺ -؛ إذ الجمع بين الحرام (^١) ونقيضه لا يحسن في وعيد، ولأجله يُستقبح: إنْ زنيتَ وشربتَ الماء عاقبتُك، فدل على حرمة اتباع غير سبيلهم، وإذا حُرِّم اتباع غير سبيلهم وجب اتباع سبيلهم؛ (لأنه لا مَخْرج (^٢) عنهما) (^٣) (أي: لا واسطة بينهما، وإنْ لزم اتباع سبيلهم) (^٤) ثبتت (^٥) حجية الإجماع؛ لأن سبيل الشخص ما يختار مِنْ قولٍ أو فعل أو اعتقاد.\nوقد اعترض الخصم على هذا الدليل بوجوه:\nالأول: أنه رَتَّب الوعيد على الكل، أي: على المجموع فليست متابعةُ سبيلِ غير المؤمنين محرمةً على الإطلاق، بل كونها محرمةً مشروطةٌ بمشاقة الرسول - ﷺ -، وخرج عن هذا مِثْل: إنْ زنيتَ وشربتَ الماء عاقبتُك؛ لأنَّ شُرْب الماء غير محظور لا مطلقًا ولا بشرط الزنا.\nوجوابه: أنَّ الوعيد إنما رُتِّب على كلِّ واحدٍ منهما كما ادعيناه\n_________\n(^١) في (ص): \"حرام\".\n(^٢) في (ص): \"يخرج\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) في (ص): \"ثبت\".","vol":"5","page":2037},{"text":"وإلا يلزم أن يكون ذِكْرُ المخالفةِ وهو قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١) لغوًا؛ لأمرين:\nأحدهما: المشاقةُ مستلزمةٌ لمخالفة (^٢) سبيل المؤمنين، وحينئذ فلا يُحتاج إلى المخالفة.\nوالثاني: أنْ المشاقَّةَ وحدها مستقلةٌ في ترتيب الوعيد، واللغو محال في كلام الله ﷿.\nالوجه الثاني: سلمنا أن الآية تقتضي المنع من اتباع غيرِ سبيل المؤمنين لا بشرْط (^٣) المشاقة، لكن لا بد فيها من شَرْطٍ آخر وهو تَبَيُّنُ الهدى؛ لأنه تعالى شرط في مشاقة الرسول تَبَيُّنَ الهدى، ثم عطف عليها متابعة غيرِ سبيل المؤمنين، فيجب أن يكون تَبَيُّنُ الهدى شرطًا فيها أيضًا؛ لأنَّ ما كان شرطًا في المعطوف عليه يجب أن يكون شرطًا في المعطوف، والألف واللام في الهُدى للعموم، فيلزم أن لا يحصل التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين إلا عند تبين جميع أنواع الهدى، ومِنْ جملة أنواع الهدى دليلُ الإجماع، وعلى هذا التقدير (لا يبقى للتمسك بالإجماع فائدة) (^٤)؛ إذ يُستغنى بحصول دليل الإجماع عن الإجماع.\n_________\n(^١) سورة النساء: ١١٥.\n(^٢) في (ت): \"مخالفة\".\n(^٣) في (ص): \"لا يشترط\".\n(^٤) في (ص): \"لا ينفى في للتمسك بالإجماع فائدة\". وهو خطأ وتحريف.","vol":"5","page":2038},{"text":"وجوابه: مَنْعُ كونِ جميع ما كان شرطًا في المعطوف عليه شرطًا في المعطوف، والعَطْف إنما يقتضي التشريك في بعض الأحكام دون بعض.\nولو سلمنا أنَّ الشرط في المعطوف عليه شرطٌ في المعطوف لم يضر؛ لأن الهُدى المشروط في حصول الوعيد عند مشاقة الرسول هو الدليل الدالُّ على التوحيد والنبوة، لا أدلة الأحكام الفرعية (^١)، وإذا لم يُشترط تَبَيُّنُ دلائل المسائل الفرعية في لحوق الوعيد على مشاقة الرسول لم يُشترط في لحوقه على اتباع غير سبيل المؤمنين، وإلا لم تكن الجملة الثانية مشروطة بما شُرِط في الأولى، بل بشرطٍ لم يدل عليه الدليل أصلًا.\nالوجه الثالث: سلمنا حرمة المخالفة في الجملة، لكن لا نسلم أنَّ قوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يُوجب تحريمَ جميع ما غاير سبيلهم، بل يُوجب حرمةَ البعض. ودليل ذلك أن كلًا مِنْ لفظِ ﴿غَيْرَ﴾، ولفظ ﴿سَبِيلِ﴾ - مفردٌ لا عموم له، ولا يلزم من حرمةِ بعضِ ما يُغاير سبيلَهم حجيةُ الإجماع؛ لجواز أن يكون ذلك البعض (^٢) هو الإيمان وشِبْهُهُ مما لا خلاف في حُرمة المُخَالَفَةِ فيه.\nوالجواب: أنهما (^٣) يقتضيان العموم لما فيهما من الإضافة، وقد تَقَرَّر\n_________\n(^١) وهذا بالاتفاق؛ لأنَّ قول الرسول - ﷺ -، أو فعلَه، أو تقريرَه لأمرٍ ما هو الدليل الفرعي لحكمه، فالهدى المشترط تبينه في تحريم مشاقته هو دليل التوحيد والنبوة.\nانظر: نهاية السول ٣/ ٢٥٠.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أي: لفظ ﴿غَيْرَ﴾، و﴿سَبِيلِ﴾.","vol":"5","page":2039},{"text":"أنَّ المفرد المضاف يعم، ويدل عليه هنا صحة الاستثناء، فنقول: إلا سبيل كذا، وجواز الاستثناء من لوازم العام، كذا قَرَّرُوه.\nولك أن تنازع في عموم ﴿غَيْرَ﴾ وأمثالها: كـ \"بعض\" و\"جزء\" إذا أُضِفْنَ، مع تسليم أن المفرد المضاف (^١) يعم؛ وذلك لأنَّ إضافة (^٢) ﴿غَيْرَ﴾ ليست للتعريف. وقد يقال: إنَّ العموم تابع للتعريف، ويبعد كل البعد أن يُفهم من قول القائل: أخذتُ جزء المال أو (^٣) بعضه أنه أخذ جميعَه، بل قد يقال: إن أخذه المال جميعَه يكون مناقضًا لهذا اللفظ؛ لأنّ الجزء أو (^٤) البعض صريحان في خلافه، وللبحث فيما نبهنا عليه مجال (^٥).\nوقد أجاب الإمام بجوابين آخَرَيْن:\nأحدهما: أنه لو حملنا الآية على سبيلٍ واحد. وهو غير مذكور في الآية صارت مجملةً، بخلاف ما إذا حملناه على العموم، وحمل كلام الله تعالى على ما هو أكثر فائدة أولى.\nوالثاني: أنَّ ترتب الحكم على الاسم مُشْعِرٌ بكون المسمَّى علةً له، فكانت علة التوعد كونه اتباعًا لغير سبيل المؤمنين، فيلزم عموم الحكم\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت): \"و\".\n(^٤) في (ت): \"و\".\n(^٥) انظر: نهاية السول ٣/ ٢٥٠.","vol":"5","page":2040},{"text":"لعموم هذا المقتضِي (^١).\nالوجه الرابع: أن السبيلَ حقيقةٌ في الطريق الذي يحصل فيه المشي، ولا شك أنه غير مراد ها هنا، فتعيَّن حملُه على المجاز: وهو إما الدليل الذي أجمعوا على الحكم لأجله، أو نفس الإجماع. والأول أولى؛ فإنَّ بين الدليل الذي يدل على ثبوت الحكم وبين الطريق الذي يحصل فيه المشي مشابهةً قويةً، فإنه كما أن الحركة البدنية في الطريق السلوك تُوصِل البدن إلى المطلوب، فكذا الحركة الذهنية في مقدِّمات ذلك الدليل تُوصِل الذهنَ إلى المطلوب، والمشابهة (^٢) إحدى جهاتِ حُسْن المجاز، وإذا كان كذلك فإنما يجب الأخذ بالدليل الذي لأجله أجمعوا، لا بإجماعهم.\nوجوابه: أن السبيل يُطلق على الإجماع أيضًا؛ إذ لا نزاع في أنَّ أهل اللغة يطلقون لفظ السبيل على ما يختاره الإنسان لنفسه من قولٍ أو عملٍ، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ (^٣) وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ (^٤)، وإذا كان مجازًا ظاهرًا في الإجماع حُمِل عليه دون غيره مِنْ مجازاته؛ لظهوره فيه؛ ولعموم فائدة الإجماع، إذِ الإجماع يَعْمل به المجتهد والمقلِّد، والدليل إنما يعمل به المجتهد.\n_________\n(^١) انظر جوابَي الإمام في المحصول ٢/ ق ١/ ٧٦.\n(^٢) في (ت): \"والمشابهات\".\n(^٣) سورة يوسف: ١٠٨.\n(^٤) سورة النحل: ١٢٥.","vol":"5","page":2041},{"text":"الوجه الخامس: سلمنا دلالة الآية على وجوب اتباع سبيل المؤمنين لكن لا في كل شيء؛ لأن المؤمنين إذا اتفقوا على فِعْل شيء من المباحات، فلو وجب اتباع سبيلهم في كل الأمور - لزم التناقض؛ لأنه يجب عليهم فِعْلُه من حيث إنهم فعلوه، ولا يجب لحُكْمهم بعدم وجوبه، وإذا لم يكن اتباعهم واجبًا في كل شيء فإنما يجب في السبيل الذي صاروا به مؤمنين، ويدل عليه أن القائل إذا قال: اتبع سبيل الصالحين - (فُهِم منه الأمرُ باتباعهم فيما صاروا به صالحين) (^١).\nوجوابه: أنها تدل على اتباعهم في كل شيء؛ لجواز الاستثناء كما عرفت. وقولك: يلزم اتباعهم في فعل المباحات. قلنا: هَبْ أنَّ هذه صورةٌ خُصَّت لِمَا ذكرتَ من الضرورة، فتبقى حجةً فيما عداها، ويلزم مِنْ قولك إنما يجب اتباعهم فيما صاروا به مؤمنين أن تكون مخالفةُ سبيلِ المؤمنين هي المشاقة، فإنه لا معنى لمشاقة الرسول - ﷺ - إلا أن يُترك الإيمان، فلو حُمِل على ما ذكرتَ لزم التكرار.\nالوجه السادس: سلمنا حَظْر اتباع غير سبيلهم لكن لا نسلم وجوبَ اتباع سبيلهم، وقولكم لا واسطة بينهما غير مسلم، فبينهما واسطة وهي ترك الاتباع أصلًا، فلا يَتَّبع لا سبيلَ غيرهم ولا سبيلَهم.\nوالجواب: أن ترك الاتباع أيضًا مطلقًا اتباعٌ لغير سبيلهم؛ لأن سبيلَهم الأخذُ بمقالتهم، وتَرْكُ الأخذِ غيرُ سبيلهم، فثبت حرمةُ متابعةِ غيرِ سبيل المؤمنين، ويلزم منه وجوبُ المتابعة وهو المدعى.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).","vol":"5","page":2042},{"text":"الوجه السابع: سلمنا أنه يجب اتباعهم لكن لا في كل شيء، بدليل أنه لا يجب في فعل المباح كالأكل والشرب (^١)، وقد تقدم هذا لكن لا في كلام صاحب الكتاب.\nوالجواب: أنه كقيام الدليل على وجوب متابعة الرسول - ﷺ -، فإنه كما أُخرج منه المباح يُخرج مِنْ متابعة سبيل المؤمنين أيضًا.\nالوجه الثامن: الدليل على أنه لا يجب المتابعة في كل الأمور أنَّ إجماعهم إنما يكون عن دليل، فسبيلهم ليس إثباته بإجماعهم، بل بذلك الدليل، وهذا واضح، فالأخذ بإجماعهم مخالفةٌ لسبيلهم، فوجب أن لا يجوز، وظهر أنه لا يجب المتابعة في كل الأمور.\nوالجواب: أنهم لما أثبتوا الحكم بدليلٍ غير الإجماع فقد فَعلُوا أمرين: إثباتَه بالدليل، وتمسكهم بالإجماع، والآية لما (^٢) دلت على وجوب المتابعة في كل الأمور - تناولت الصورتين لكن تُرِك العملُ بمقتضاها في إحدى الصورتين؛ لانعقاد الإجماع على أنه لا يجب علينا الاستدلال بما استدل به أهلُ الإجماع، فبقي العمل بها في الباقي.\nالوجه التاسع: سلمنا وجوبَ اتباعهم في جميع الأمور ولا يلزم حجيةُ إجماع أهل العصر؛ لأن ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ كلُّ الموجودين إلى يوم القِيامة، بدليل\n_________\n(^١) وإذا لم يجب اتباعهم في الكل - لم يلزم اتباعهم فيما أجمعوا عليه؛ لجواز أن يكون المراد هو الإيمان أو غيره مما اتفقنا عليه.\nانظر: نهاية السول ٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(^٢) في (غ): \"كما\".","vol":"5","page":2043},{"text":"أنه جَمْعٌ مُحَلَّى بالألف واللام، وحينئذٍ الحجةُ في إجماع كل المؤمنين لا مؤمني العصر الواحد.\nوالجواب: أنه إنما المراد مؤمنو العصر؛ لأن المقصود من الإجماع إنما هو العمل به، وإذا كان المراد كل المؤمنين إلى يوم القيامة تَعَذَّر العمل به؛ لأنه لا عمل يوم القيامة؛ لانتفاء التكليف إذ ذاك.\nقال (^١): (الثاني: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ عَدَّلهم فتجب عصمتهم عن الخطأ قولًا وفعلًا، كبيرةً وصغيرةً، بخلاف تعديلنا. قيل: العدالة فعل العبد، والوسط فعل الله تعالى. قلنا: الكل فعل الله على مذهبنا. قيل: عدولٌ وقتَ الشهادة. قلنا: حينئذٍ لا مزية لهم، فإن الكل يكونون كذلك).\nالوجه الثاني: من الأوجه الدالة على حجية الإجماع قولُه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (^٢) أخبر الله (^٣) تعالى بأن هذه الأمة وَسَطٌ، و(^٤) الوسط مِنْ كل شيءٍ خيارُه وأعدله (^٥)، فيكون الله تعالى قد عَدَّل هذه الأمة وأخبر عن خَيْرِيَّتها، فلو أقدموا على شيء من المحظورات لانتفى عنهم هذا الوصف، فتجب عصمتهم عن الخطأ\n_________\n(^١) في (ت): \"قال ﵀\".\n(^٢) سورة البقرة: ١٤٣.\n(^٣) لم يرد في (ص).\n(^٤) سقطت الواو من (ت).\n(^٥) انظر: الصحاح ٣/ ١١٦٧، مادة (وسط).","vol":"5","page":2044},{"text":"كبيرِه وصغيرِه في قول وفعل؛ لأنَّ تعديلهم من الله تعالى، وهو عليم بالسر والعلانية، فلو كان فيهم (^١) عاصٍ لما عَدَّله، بخلاف تعديلنا، فإنه مبني على ظننا وما أدَّى إليه نظرنا، مع احتمال خلافه في نفس الأمر.\nفإنْ قلت: الآية متروكة الظاهر؛ لأن وصف الأمة بالعدالة يقتضي اتصاف كلِّ واحدٍ منهم بها، وخلاف ذلك معلومٌ بالضرورة، فلا بد مِنْ حَمْلها على البعض، (ونحن نحملها) (^٢) على الإمام المعصوم.\nقلت: لا نسلم أنها متروكة الظاهر، قوله: لأنها تقتضي كون كلِّ واحد منهم عدلًا. قلنا: لمَّا ثبت أنه لا يجوز إجراؤه على ظاهره - وجب أن يكون المرادُ امتناعَ خلو الأمة عن العدول. وقوله: نحمله على الإمام المعصوم. قلنا: قوله: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ صيغة جَمْع فحَمْله على الواحد خلافُ الظاهر. هذا كلام الإمام سؤالًا وجوابًا (^٣).\nوقد يقال: لا يجامع قولُ الإمام: لا نسلم أنها متروكة الظاهر - قولَه: لَمَّا ثبت أنه لا يجوز إجراء اللفظ على ظاهره إلى آخره. وهو سؤال قوي.\nويمكن أن يقال في جوابه: إنَّ الخصم ادَّعى أن ظاهرَ الآية موضوعُ اللفظ: وهو تعديل كل واحد، وهو غير مُراد. والإمام أجاب بمنع كونها متروكةَ الظاهر، ومراد الإمام بظاهرها غيرُ مرادِ الخصم. فقوله: لا نسلم أنها متروكة الظاهر، يعني: بالمعنى الذي نعنيه نحن بالظاهر.\n_________\n(^١) في (ت): \"منهم\".\n(^٢) في (ت)، و(ص): \"ونحن فنحملها\". وهو خطأ.\n(^٣) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٩٣.","vol":"5","page":2045},{"text":"وقوله: لَمَّا ثبت أنه لا يجوز إجراء اللفظ على ظاهره، (يعني: ظاهره) (^١) الذي عَنَيْتموه أنتم، وظاهرها عند الإمام: أنَّ الأمة لَا تخلو عن العدول، وهو غير موضوع اللفظ، وظاهرها عند الخصم موضوع اللفظ. وهذا أقصى ما يقال في الجواب. وقد قيل مثله في آيات الصفات فادَّعى بعض المباحثين المأَوِّلين (^٢) من أهل السنة أن ظاهرها هو المعنى الذي أُوِّلت عليه؛ لأنه لَمَّا ثبت أنَّ إجراء اللفظ على موضوعه ممتنع - وجب حمله على ذلك المعنى، فكان (^٣) هو الظاهر. ومَثَّل هذا بقول الملك المتغلب في حال قهره وسطوته على عدوه الخسيس: أنا فوقَك ويدي عليك. قال: فإن ظاهر هذا اللفظ المتبادِر إلى الفهم غير ما هو موضوعه، فليس كلُّ ما هو موضوع اللفظ يكون هو ظاهره. وكذلك قولك: رأيت أسدًا يرمي بالنشاب ليس ظاهره إلا المجاز، وهو غير الموضوع الحقيقي. فقد تقرر كلام الإمام.\nفإنْ قلت: سَلَّمنا أن الآية ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أنَّ الوسط من كل شيء خياره، ويدل عليه وجهان:\nالأول: أن العدالة مِنْ فعل العبد، إذ هي عبارة عن أداء الواجبات واجتناب الموبقات. وقد أخبر الله تعالى أنه جعلهم وسطًا، فاقتضى أنَّ كونهم وَسَطًا مِنْ فعل الله تعالى، فظهر أن العدالة غيرُ الوسط.\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (ص): \"المتأولين\".\n(^٣) في (ص): \"وكان\".","vol":"5","page":2046},{"text":"والثاني: سلمنا أنه تعالى عَدَّلهم، لكن تعديلهم ليشهدوا على الناس يوم القيامة، فيلزم (وجوبُ تَحَقُّق) (^١) عدالتهم يومئذ؛ لأن عدالة الشهود إنما تُعتبر حالةَ الأداءِ لا حالةَ التحمل، وذلك مما لا نزاع فيه، فإن الأمة تصير معصومةً في الآخرة، وأما في الدنيا فَلِمَ قلتم إنها (^٢) كذلك!\nقلت: أما أنَّ الوَسَط مِنْ كل شيء خيارُه فقال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ (^٣)، أي: أعدلهم (^٤). وقال ﵇: \"خير الأمور أوسطها\" (^٥)، أي: أعدلها. وقال أهل اللغة: الوسط:\n_________\n(^١) في (غ): \"تحقق وجوب\".\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"إنهم\".\n(^٣) سورة القلم: ٢٨.\n(^٤) انظر: زاد المسير ٨/ ٣٣٨، الدر المنثور ٨/ ٢٥٢.\n(^٥) أخرج البيهقي بسنده عن عمرو بن الحارث عن سعيد عن هارون عن كنانة: أن النبي - ﷺ - نهى عن الشهرتين: أن يَلْبس الثياب الحسنة التي يُنظر إليه فيها، أو الدنية أو الرئة التي يُنظر إليه فيها. قال عمرو: بلغني أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أمرًا بين أمرين، وخير الأمور أوساطها\". هذا منقطع. انظر: سنن البيهقي ٣/ ٢٧٣. وفي المقاصد الحسنة (ص ٢٠٥) للسخاوي ﵀: حديث: \"خير الأمور أوساطها\"، ابن السمعاني في \"ذيل تاريخ بغداد\" بسندٍ مجهولٍ عن علي مرفوعًا به، وهو عند ابن جرير في التفسير مِنْ قول مُطَرِّف بن عبد الله ويزيد بن مرة الجعفي، وكذا أخرجه البيهقي عن مُطَرِّف، وللديلمي بلا سند عن ابن عباس مرفوعًا: \"خير الأعمال أوسطها\"، في حديث أوله: \"دوموا على أداء الفرائض\"، وللعسكري من طريق معاوية بن صالح عن الأوزاعي قال: \"ما مِنْ أمرٍ أمَر الله به إلا عارض الشيطان فيه بخصلتين لا يبالي أيَّهما أصاب: الغلو والتقصير\"، ولأبي يَعْلى بسندٍ رجاله ثقات عن وهب بن منبه =","vol":"5","page":2047},{"text":"العدل (^١). قال الجوهري: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، أي: عدولًا (^٢).\nوأما ما ذكرتموه فالجواب عن الأول: أنه باطل على مذهبنا، بل الكل مِنْ فعل الله تعالى. قلت: ثم إنَّ العدالة كما مَرَّ في تعريفها ليست عبارةً عما ذَكَر، بل هي مَلَكَةٌ في النفس، وما ذَكَر تتحقق تلك الملكةُ به، والمَلَكة مِنْ فعل الله تعالى.\nوعن الثاني: وإليه أشار في الكتاب بقوله (^٣): \"قلنا: حينئذٍ لا مزية لهم\": أن جميع الأمم عدول في الآخرة، فلو كان المراد صيرورتهم عدولًا في الآخرة - لم يبق في هذه الآية تخصيص لأمة محمد - ﷺ - بهذه المزية والفضيلة، وأيضًا فكان يقول: سيجعلكم (^٤)، لا ﴿جَعَلْنَاكُمْ﴾.\nوقد عَرَض للاعتراض كلامان:\n_________\n= قال: \"إنَّ لكل شيءٍ طرفين ووسطًا، فإذا أمسك بأحد الطرفين مال الآخر، وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطرفان، فعليكم بالأوسط من الأشياء\". ويشهد لهذا كله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾، وقوله: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾. اهـ.\n(^١) انظر: لسان العرب ٧/ ٤٢٧ - ٤٢٨، مادة (وسط).\n(^٢) انظر: الصحاح ٣/ ١١٦٧، مادة (وسط)، والذي في الصحاح: \"أي: عدلًا\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) كذا في (ت)، و(ص)، ولو قال: \"سنجعلكم\" - لكان أحسن؛ لأنه المناسب لقوله: \"جعلناكم\"، وهو الذي في المحصول ٢/ ق ١/ ١٠٠، والحاصل ٢/ ٦٩١، ونهاية السول ٣/ ٢٦٠. وفي نهاية الوصول ٦/ ٢٤٧٤: \"سيجعلكم\".","vol":"5","page":2048},{"text":"أحدهما: لا نسلم أنه يلزم من عدم صدور المحظور عنهم كونُ قولهم حجةً، فربَّ صالحٍ لا يرتكب معصية، جاهل لا يُمنع بقوله في الشريعة ولا يُعطى.\nوالثاني: أن العدالة لا تنافي صدور الخطأ غلطًا.\nوقد يُردُّ هذا: بأن العدالة التي لا تنافي صدورَ الخطأ غلطًا هي تعديلنا، أما العدالة من الله تعالى فتنافي ذلك (^١). والله أعلم.\nقال: (الثالث: قال ﵇: \"لا تجتمع أمتي على الخطأ (^٢) \"، ونظائره، فإنها وإن لم تتواتر آحادها (^٣) لكن القدر (^٤) المشترك بينها (^٥) متواتر).\nهذا الدليل ساقط من (^٦) كثير من النسخ، ولذلك لا تجده مشروحًا في\n_________\n(^١) ذكر الإسنوي - ﵀ - الاعتراض الثاني، مع اعتراض آخر لم يذكره الشارح، ولم يجب عنهما. انظر: نهاية السول ٣/ ٢٦٠.\n(^٢) في (ص)، و(غ): \"خطأ\".\n(^٣) سقطت من (ص)، وهي مذكورة في (ت).\nوفي شرح الأصفهاني ٢/ ٥٨٤، ومعراج المنهاج ٢/ ٨٠، ونهاية السول ٣/ ٢٥٩: \"وإن لم تتواتر آحادها\".\n(^٤) هكذا في (ت)، و(ص)، ولم ترد الكلمة في المراجع الأخرى المذكورة في هامش (٣).\n(^٥) في (ت)، و(ص): \"بينهما\". وهو خطأ، والمُثْبت من المراجع الأخرى المذكورة في هامش (٣).\n(^٦) في (ص): \"في\".","vol":"5","page":2049},{"text":"بعض الشروح (^١)، وهو اعتمادٌ على السنة. وقد قال الآمدي: \"السنة أقرب الطرق في إثبات كون الإجماع قاطعًا\" (^٢).\nوتقريره: أنه رُوي أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تجتمع أمتي على الخطأ (^٣) \"، وأنه قال: \"لا تجتمع على ضلالة\"، وهذان اللفظان لا تجدهما عند المحدِّثين، نعم رَوَى أبو داود من حديث أبي مالك الأشعريّ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله أجاركم من ثلاثِ خلالٍ: أن لا يدعو عليكم نبيُّكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا يظهر أهلُ الباطل على أهل الحق، وأن لا تجتمعوا على ضلالة\" (^٤) وسنده جيد (^٥).\nوروى مُعَان (^٦) بن رِفاعة عن أبي خلفٍ الأعمى عن أنسٍ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن أمتي لا تجتمع على ضلالة\" الحديث أخرجه ابن ماجه (^٧)، . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) في هامش (ص) تعليق لعله من الناسخ: \"كشرح الخنجي، وشرح السيد العِبْري\".\n(^٢) انظر: الإحكام ١/ ٢١٩.\n(^٣) في (ص): \"خطأ\".\n(^٤) أخرجه أبو داود ٤/ ٤٥٢، كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها، رقم الحديث ٤٢٥٣.\n(^٥) قال ابن حجر في تلخيص الحبير ٣/ ١٤١: \"وفي إسناده انقطاع\". وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ٤/ ١٩ - ٢٠، حديث رقم ١٥١٠.\n(^٦) في (ص): \"معاذ\". وهو تصحيف.\n(^٧) انظر: سنن ابن ماجه ٢/ ١٣٠٣، كتاب الفتن، باب السواد الأعظم، رقم ٣٩٥٠. والحديث أخرجه أيضًا الترمذي ٤/ ٤٠٥، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة، رقم ٢١٦٧، والحاكم ١/ ١١٦، كتاب العلم. قال الحافظ ابن حجر =","vol":"5","page":2050},{"text":"ومُعَان (^١) ضَعَّفه ابن معين وغيره. وقال السعدي وأبو حاتم الرازي: ليس بحجة. وقال ابن حبان: استحق الترك. وقال الأزدي: لا يُحتج بحديثه ولا يكتب (^٢).\nوأما أبو خلف فكذبه ابن معين، وقال أبو حاتم: منكر الحديث ليس بالقوي (^٣).\nورُوي عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يَجْمع اللهُ هذه الأمةَ على ضلالةٍ أبدًا\" الحديث (^٤) رواه الترمذي وقال: غريب من هذا الوجه (^٥).\nقلتُ: وفي إسناده سليمان بن سفيان، وهو ضعيف عند المحدثين (^٦).\n_________\n= ﵀: حديث مشهور، له طرق كثيرة، لا يخلو واحدٌ منها من مقال. اهـ، وذكر أن الحاكم أخرج له شواهد، ثم نَقل عن ابن أبي شيبة بسنده عن أبي مسعود - ﵁ - أنه قال: \"وعليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع أمة محمدٍ على ضلالة\"، قال الحافظ: إسناده صحيح، ومِثْله لا يُقال من قبل الرأي. انظر: تلخيص الحبير ٣/ ١٤١، وقد صَحَّح الألباني هذا الحديث. انظر: صحيح الجامع ١/ ٣٧٨.\n(^١) في (ص): \"معاذ\". وهو تصحيف.\n(^٢) انظر ترجمته في: تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٠١، الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٨/ ٤٢١، كتاب المجروحين لابن حبان ٣/ ٣٦، ميزان ٤/ ١٣٤. قال ابن حجر في التقريب ص ٥٣٧: \"ليّن الحديث، كثير الإرسال\".\n(^٣) انظر: كتاب المجروحين ١/ ٢٦٧، ميزان ٤/ ٥٢١، ١/ ٤٤٦، تقريب ص ٦٣٧.\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) الحديث سبق تخريجه قريبًا، ولكن ليس في الترمذيّ لفظةُ \"أبدًا\" في قوله: \"على ضلالةٍ أبدًا\". انظر: السنن ٤/ ٤٠٥.\n(^٦) هو سليمان بن سفيان التيميّ مولاهم، أبو سفيان المدنيّ. انظر: ميزان الاعتدال =","vol":"5","page":2051},{"text":"وقد اختلف أصحابنا في كيفية التمسك بالسنة على الإجماع:\nفقالت طائفة: هذه الأخبار وإن لم يتواتر واحدٌ منها لكن القدر المشترك منها متواتر، وهو عصمة الأمة عن الخطأ. وهذه طريقة المصنف.\nوالإمام استبعد ادعاء التواتر المعنوي من هذا الخبر، وقال: \"لا نسلِّم بلوغ مجموع هذه الأخبار إلى حدِّ التواتر، ولو سُلِّم فالتواتر إنما وقع في مطلق تعظيم هذه الأمة، لا في تعظيم ينافي الإقدام على الخطأ\" (^١).\nوما ذكره الإمام أوَّلًا صحيح، وهو الذي ارتضاه القاضي في \"مختصر التقريب\"، فقال: \"ادعاء الاضطرار في هذه المسألة يقربك من الحَيْد عن الإنصاف، ويُوَسِّع دعوى الضرورة في كثير من المعاني\".\nوأما قوله: التواتر إنما وقع في مطلق التعظيم (لا في التعظيم) (^٢) الخاص - فلقائل أن يقول: مَنْ تأمَّل الأحاديث واحدًا واحدًا عَرَف أنَّ كلًّا منها يدل على هذا التعظيم الخاص (^٣)، وأنها كلها مشتركة في المتن مختلفة الأسانيد (^٤).\n_________\n= ٢/ ٢٠٩، تقريب ص ٢٥١.\n(^١) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ١٢٧ - ١٣١، والشارح ﵀ اختصر كلام الإمام في هاتين الجملتين.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) هذا الجواب على فرض حصول التواتر المعنوي، والشارح - ﵀ - لم يسلم به.","vol":"5","page":2052},{"text":"وسلكت طائفةٌ طريقةً أخرى، قال القاضي: \"وهي الأَوْلى: وهي أنَّا قد علمنا قطعًا (وانتشارًا احتجاجَ) (^١) السلف في الحث على (^٢) موافقة الأمة واتباعها، والزجرِ عن مخالفتها، بهذه الأخبار التي ذكرناها\"، قال القاضي: \"وما أبدع مُبْدِعٌ في العُصُر الخالية بدعةً إلا وبَّخه علماءُ عصره على ترك الاتباع وإيثار الابتداع (^٣)، واحتجوا عليه بالألفاظ التي قدمناها\"، قال: \"وهذا ما لا سبيل إلى جَحْده، وقد تحقق ذلك في زمن الصحابة والتابعين ومَنْ بعدهم، ولم يُظْهِرْ أحدٌ قبل النَّظَّام مَطْعنًا في الأحاديث، فلولا أنهم علموا قطعًا صِدْقَ الرواة - لوجب في مُسْتَقَر العادة أن يُبدوا ضربًا من المطاعن في الأخبار\" (^٤). هذا كلام القاضي.\nولقائل أن يقول: أما أن السلف كانوا يُوَبِّخون على ترك الاتباع وإيثار الابتداع - فمسلَّم، وأما أنهم كانوا يحتجون على ذلك بالألفاظ المتقدمة - فغير مسلَّم، فلم (^٥) تكن هذه الطريقة سالمةً عن الاعتراض.\nوقال الإمام: \"لم يقل أحدٌ: إنَّ الإجماع المنعقد بصريح القول دليلٌ ظني، بل منهم مَنْ نفى كونه دليلًا بالأصالة، ومنهم مَنْ جعله قاطعًا\" (^٦).\n_________\n(^١) في التلخيص ٣/ ٢٧: \"انتشار احتجاج\". وكلاهما صحيح.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت): \"الإبداع\".\n(^٤) انظر: التلخيص ٣/ ٢٧.\n(^٥) في (ص)، و(غ): \"ولم\".\n(^٦) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ١٣٩.","vol":"5","page":2053},{"text":"وأما إمام الحرمين فقد اعترف بأنه ليس في السمعيات قاطع على أن الإجماع واجب الاتباع، وسلك طريقًا آخر عقليًا فقال: \"الطريق القاطع على أنه حجة قاطعة أنا نقول: للإجماع صورتان نذكرهما، ونذكر السبيل المَرْضِي في إثبات الإجماع في كل واحدةٍ منهما:\nإحداهما: أن يُصادف (^١) علماء العصر على توافرهم في أطراف الخُطَّة وأوساطها مُجْمِعون (^٢) على حكمٍ مظنون (والرأي فيه مضطَرِب) (^٣)، فيُعْلم والحالة هذه أن اتفاقهم إنْ وقع فلا يُحمل على وفاق اعتقاداتهم وجريانها على منهاج واحد (^٤)، فإنَّ ذلك مع تطرق وجوه الإمكان واطراد الاعتياد مستحيل (^٥)، بل يستحيل اجتماع العقلاء على معقولٍ مقطوعٍ به في أساليب العقول إذا كان لا يُتطرق إليه إلا (^٦) بانضمام (^٧) نَظَرٍ وسَبْرِ (^٨) فكرٍ؛ وذلك لاختلاف الناظرين في\n_________\n(^١) في البرهان ١/ ٦٨٠: \"نصادف\".\n(^٢) الصواب: \"مجمعين\"، كما في البرهان.\n(^٣) في (ص): \"وللرأي فيه مُضْطَرَب\". والمعنى أن ذلك الحكم المظنون للرأي والعقل فيه اضطراب واختلاف؛ لكونه ظنيًا لا قطعيًا.\n(^٤) يعني: اتفاقهم في تلك المسألة إنْ وقع فلا يُحمل على أنهم اتفقوا على هذا الظني كاتفاقهم على المعتقدات القطعية التي لا تحتمل الخلاف.\n(^٥) في (ت): \"يستحيل\".\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) في البرهان ١/ ٦٨٠: \"بإنعام\". ولعلها: \"بإمعان\".\n(^٨) في البرهان: \"وتسديد\".","vol":"5","page":2054},{"text":"نظرهم، فإذا كان حكم العادة هذا في النظري القطعي، فما الظن بالنظري الظني الذي لا يُفْرض فيه قطع!\nفإذا تقرر أنَّ اطراد الاعتياد يُحيل اجتماعَهم على (فنٍّ في الظن) (^١)، فإذا ألفيناهم قاطعين بالحكم (لا يرجمون) (^٢) فيه رأيًا، ولا يرددون قولًا - فيعلم قطعًا أنهم أسندوا الحكم إلى شيءٍ سمعي قطعي عندهم، ثم لا يبعد سقوط النقل فيه.\nوالصورة الثانية: إذا أجمعوا (^٣) على حكمٍ وأسندوه إلى الظن وصَرَّحُوا به - فهذا أيضًا حجة قاطعة، والدليل عليه أنا وجدنا العصبة الماضين والأئمة المنقرضين متفقين على تبكيت مَنْ يخالف إجماع علماء الدهر، فلم يزالوا ينسبون المخالفَ إلى المروق، والمحادَّة والعقوق، ولا\n_________\n(^١) في (ص): \"قول الظن\". وغالب الظن أنها من تصرف الناسخ؛ إذ هذه العبارة غير موجودة في البرهان، والمثبت من (ت)، و(غ)، وهو موافق لبعض نسخ البرهان، وعبارة بعض النسخ منه: \"فنٍّ من النظر\". انظر: البرهان ١/ ٦٨٠.\n(^٢) في البرهان ١/ ٦٨٠،: \"لا يُرجِّعون\" والمثبت أقرب. ومعنى \"لا يَرْجمون\" أي: لا يظنون، من الرَّجْم وهو الظن. قال في اللسان ١٢/ ٢٢٧: \"والرَّجْم: القول بالظن والحدْس. وفي الصِّحاح: أن يتكلم الرجل بالظن، ومنه قوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾. ومعنى: \"لا يرجِّعون\" أي: لا يردِّدون. ومنه قولهم: رجَّع الرجلُ وترجَّع: ردَّد صوته في قراءة، أو أذان، أو غناء، أو زَمْر، أو غير ذلك مما يترنَّم به. وترجيع الصوت: ترديده في الحَلْق كقراءة أصحاب الألحان. انظر: لسان العرب ٨/ ١١٥. وفيه أيضًا: \"وكلُّ شيءٍ مُرَدَّدٍ من قولٍ أو فعلٍ فهو رَجِيع؛ لأن معناه مَرْجُوعٌ أي: مردود\" ٨/ ١١٧، مادة (رجع). وانظر: المصباح المنير ١/ ٢٣٦.\n(^٣) في (غ): \"اجتمعوا\".","vol":"5","page":2055},{"text":"يَعُدُّون ذلك أمرًا هينًا، بل يرون الاستجراء على مخالفة العلماء ضلالًا بيّنًا، وإجماعهم هذا مع الإنصاف كالقطع في محل الظن عند نظر العقل، فإذا التحق هذا بإجماعهم قطعًا في حكمٍ مظنون قَطَع به المُجْمِعون من غير ترديدِ ظنٍّ - فليكن الإجماعُ على تبكيت المخالف وتعنيفه مستندَ قاطعٍ شرعي، ولا يبعد أن يكون ذلك بعضَ الأخبار التي ذكرناها، تَلَقَّاها مَنْ تلقاها مِنْ فَلْق في رسول الله - ﷺ - (^١) وعلم (^٢) بقرائن الأحوال قَصْدَ النبي - ﷺ - في انتصاب الإجماع حجةً، ثم عَلِموا ذلك وعَمِلوا به واستَجْرُوا (^٣) على القطع بموجبه، ولم يهتموا (بنقلِ سببِ) (^٤) قطعهم، فقد تقرر انتصابُ الإجماع دليلًا قاطعًا، وبرهانًا ساطعًا\" (^٥).\nهذا كلام إمام الحرمين، وحاصله أنه يقول: اتفاق الجمع العظيم على الحكم الواحد يستحيل أن لا يكون لدلالة أو أمارة (^٦)، فإن كان لدلالةٍ كان الإجماع كاشفًا عن ذلك الدليل، وحينئذ يجب اتباع الإجماع؛ لأن مخالفته تكون مخالفة لذلك الدليل. وإن كان لأمارةٍ فقد رأينا الأولين\n_________\n(^١) أي: من شَقِّ فَمِ رسول الله - ﷺ -. الفَلْق: الشَّق، مصدر فَلَقَه يَفْلِقُه فَلْقًا شَقَّه، والتَّفْليق مثله. انظر: لسان العرب ١٠/ ٣٠٩، مادة (فلق).\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) أي: تجرؤوا، ولعل الهمزة حذفت تخفيفًا، كما يحصل هذا كثيرًا، وفي البرهان ١/ ٦٨٢: \"واستمروا\".\n(^٤) في (غ): \"بنقلٍ لسبب\".\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ٦٧٩ - ٦٨٢.\n(^٦) في (ت): \"وأمارة\".","vol":"5","page":2056},{"text":"قاطعين بالمنع عن مخالفة هذا الإجماع، فلولا اطلاعُهم على قاطعٍ يمنع مِنْ مخالفة هذا الإجماع - لاستحال اتفاقُهم على المنع مِنْ مخالفته.\nقال الإمام: \"وهذه الدلالة ضعيفة جدًا؛ لاحتمال أن يقال: (إنهم اتفقوا) (^١) على الحكم لا لدلالة (ولا لأمارة) (^٢)، بل لشبهة، وكم مِنَ المبطلين مع كثرتهم وتفرقهم شرقًا وغربًا قد اتفقت كلمتُهم لأجل الشبهة.\nسلَّمنا الحصر، فَلِمَ لا يجوز أن يكون لأمارةٍ تفيد الظن!\nقوله: رأينا السلف مجمعين (^٣) على المنع مِنْ مخالفة هذا الإجماع (وهذا يدل على اطلاعهم على قاطع مانع من مخالفة هذا الإجماع) (^٤).\nقلنا: لا نسلِّم اتفاق السلف على ذلك.\nسلمناه، لكنك لَمَّا جَوَّزتَ حصولَ الإجماع لأجل الأمارة - فلعلهم أجمعوا على المنع من مخالفة الإجماع الصادر عن الأمارة لأمارةٍ أخرى.\nفإنْ قلت: إنهم لا يتعصبون في الإجماع الصادر عن الأمارة، وقد تعصبوا في هذا الإجماع، فدل على أنَّ هذا الإجماع لم يكن عن أمارة.\nقلت: إذا سلمتَ أنهم لا يتعصَّبون في الإجماع الصادر عن أمارة -\n_________\n(^١) في (ت): \"إنهم إن اتفقوا\". وهذه الزيادة خطأ، ومخالفة لما في \"المحصول\".\n(^٢) في (ص): \"ولا أمارة\".\n(^٣) في (ت): \"مجتمعين\".\n(^٤) سقطت من (ص).","vol":"5","page":2057},{"text":"فقد بطل قولُك: إنهم منعوا من (^١) مخالفة هذا الإجماع (^٢) \" (^٣).\nهذا اعتراض الإمام، وهو واضح والنظر فيه يطول.\nوالذي يظهر لي وهو مُعْتَمَدي فيما بيني وبين الله تعالى: أنّ الظنون الناشئةَ عن الأمارات المزدحمة إذا تعاضدت مع كثرتها تؤدي إلى القطع، وأنَّ على الإجماع آياتٍ كثيرةً من الكتاب، وأحاديثَ عديدةً من السنة، وأماراتٍ قويةً من المعقول، أنتج المجموعُ مِنْ ذلك أنَّ الأمة لا تجتمع على خطأ، وَحَصَل القطعُ به من المجموع، لا من واحدٍ بعينه (^٤).\nقال: (والشيعة عَوَّلوا عليه لاشتماله على قول الإمام المعصوم).\nتقدم أنَّ الشيعة أنكروا كون الإجماع الذي هو اتفاق المجتهدين من الأمة - حجة. واعلم أنهم مع ذلك عَوَّلُوا عليه، واحتجوا به، ولكن لا لكونه قول المجتهدين من الأمة، وإلا لتناقض قولُهم، بل لكونه مشتملًا على قول الإمام المعصوم؛ إذ عندهم أن كل زمان لا يخلو عن إمامٍ معصوم\n_________\n(^١) في (ت): \"عن\".\n(^٢) يبطل قولُ إمام الحرمين - ﵀ - لو قال: إنهم منعوا من مخالفة هذا الإجماع لأجل الأمارة، أما وقد قال: إنهم منعوا من مخالفته لأجل قاطع اطلعوا عليه فكيف يبطل!\n(^٣) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ١٤٠ - ١٤٢.\n(^٤) انظر حجية الإجماع وأدلته: المحصول ٢/ ق ١/ ٤٦، الحاصل ٢/ ٦٧٦، التحصيل ٢/ ٣٩، نهاية الوصول ٦/ ٢٤٣٥، نهاية السول ٣/ ٢٤٥، السراج الوهاج ٢/ ٧٩٢، الإحكام ١/ ٢٠٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٠، شرح التنقيح ص ٣٢٤، تيسير التحرير ٣/ ٢٢٧، فواتح الرحموت ٢/ ٢١٣، شرح الكوكب ٢/ ٢١٤.","vol":"5","page":2058},{"text":"يجب نَصْبُه (^١). وعلى التقدير فمتى اتفق المجتهدون فلا بد مِنْ موافقة الإمام لهم، وإلا لم يوجد اتفاق أهل الحل والعقد، وإذا وجد اتفاقٌ قولُ الإمام معهم كان حجة لا من حيث هو بل بواسطة قول الإمام المعصوم.\nولما كان مذهبُهم في أنَّ كل زمان لا يخلو عن إمام معصوم يجب نصبُه - ظاهرَ السخافة، واضحَ الفساد، والاشتغال بتبيين بُطلانه من وظائف علم الكلام - لم يشتغل صاحب الكتاب بردِّه (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-499>(الثالثة: قال مالك: إجماع أهل المدينة حجة</span>؛ لقوله ﵊: \"إنَّ المدينة لتنفي خَبَثَها\" وهو ضعيف).\nذهب الأكثرون إلى أنَّ البقاع لا تُؤثِّر في كون الأقوال حجة، وذهب مالك بن أنس ﵀ إلى أنَّ إجماع أهل المدينة حجة، فمنهم مَنْ قال: إنما أراد بذلك ترجيح روايتهم على رواية غيرهم (^٣).\nومنهم مَنْ قال: أراد بذلك أصحاب رسول الله - ﷺ - (^٤).\nوقال ابن الحاجب: الصحابةَ والتابعين (^٥).\n_________\n(^١) ومع ذلك فإن الإمامية قد أجازوا لإمامهم المعصوم في حال التَّقِيَّة أن يقول: \"لست بإمام\" وهو إمام، وقد أباحوا له الكذب في هذا مع قولهم بعصمته من الكذب. انظر: الفَرْق بين الفِرَق ص ٣٥٠.\n(^٢) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ١٤٢، نهاية الوصول ٦/ ٢٥١٢.\n(^٣) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٥٧٩، البحر المحيط ٦/ ٤٤١.\n(^٤) انظر: البحر المحيط ٦/ ٤٤١.\n(^٥) انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٥، والصحيح عند ابن الحاجب ﵀ =","vol":"5","page":2059},{"text":"وقيل: محمول على المنقولات المُشْتَهَرة (^١) كالأذان والإقامة دون غيرها (^٢)، وذهب إلى الحمل على هذا القرافي في شرح \"المنتخب\" (^٣). وقرر (^٤) الإمام مذهبَ مالكٍ وقال: \"ليس يُسْتبعد كما اعتقده جمهورُ أهل الأصول\" (^٥).\nقلت: ولا ينبغي أن يُخالَف مالك (^٦) في ذلك إنْ أراد به ترجيحَ روايتهم على رواية غيرهم وكانوا من الصحابة؛ لأنهم شاهدوا التنزيل، وسمعوا التأويل، ولا ريب في أنهم أخَبْرُ بأحوال النبي - ﷺ -، وهذا ضرب من الترجيح لا يُدْفع. ولا ينبغي أن يظن ظانٌّ أنَّ مالكًا - ﵁ - يقول بإجماع أهل المدينة لذاتها في كل زمان، وإنما هي من زمان رسول الله - ﷺ - إلى زمان (^٧)\n_________\n= أن إجماع أهل المدينة حجة مطلقًا، أي: بكل أنواعه وصُوَرِه النقلية والاجتهادية.\n(^١) هكذا عَبَّر المصنف، ومِثْله الإسنوي في نهاية السول ٣/ ٢٦٤، وعَبَّر آخرون بالمنقولات المستمرة أي: المتكررة الوجود من غير انقطاع. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٥٧٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٤.\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٥٧٩، البحر المحيط ٦/ ٤٤٢.\n(^٣) انظر شرح التنقيح ص ٣٣٤، و\"ترتيب المدارك\" ١/ ٦٧ - ٧٥، وانظر أيضًا: الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة ص ٢٠٧، التلخيص ٣/ ١١٣، نيل السول على مرتقى الوصول ص ١٦٨، خبر الواحد إذا خالف عمل أهل المدينة، د. حسان فلمبان، ص ٧٤، ٨٣، ٩٧ - ١٠٢، ١٠٩.\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"وقرب\". والمُثْبت يُقارب ما في \"المحصول\"، إذ قال الإمام: \"فهذا تقريرُ قول مالك ﵀. . .\".\n(^٥) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٣٥.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) في (غ): \"زمن\".","vol":"5","page":2060},{"text":"مالكٍ لم تبرح دارَ العلم، وآثارُ النبي - ﷺ - بها أكثر، وأهلُها بها أعرف. إذا (^١) عُرِف هذا فقد اسْتُدِل على حجية إجماع (^٢) أهل المدينة بما صح وثبت من قوله - ﷺ -: \"إنما المدينة كالكير تَنْفي خَبَثَها وتَنْصَعُ طَيِّبَها\" (^٣)، والاستدلال بهذا كما ذكره المصنف ضعيف؛ لأن الحمل على الخطأ متعذر؛ لأنا نشاهد صدورَ الخطأ من بعض سكانها، وكونها من أشرف البقاع لا يُوجب عصمةَ ساكنيها (^٤).\n_________\n(^١) في (غ): \"وإذا\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٠٦، والبخاري في صحيحه ٢/ ٦٦٥، كتاب الحج، باب المدينة تنفي خبثها، رقم ١٧٨٤، وانظر الأرقام: ٦٧٨٣، ٦٧٨٥، ٦٧٩٠، ٦٧٩١. ومسلم في صحيحه ٢/ ١٠٠٦، كتاب الحج، باب المدينة تنفي شرارها، رقم ١٣٨٣. والترمذي ٥/ ٦٧٧، في كتاب المناقب، باب في فضل المدينة، رقم ٣٩٢٠. والنسائي ٧/ ١٥١، في كتاب البيعة، باب استقالة البيعة، رقم ٤١٨٥. فائدة: قال ابن حجر - ﵀ - في الفتح ٤/ ٩٧: \"قوله: (وتنصع) بفتح أوله وسكون النون وبالمهملتين، من النصوع: وهو الخلوص. والمعنى: أنها إذا نفت الخبثَ تميَّز الطِّيبُ واستقر فيها. وأما قوله: (طيبها) فضبطه الأكثر بالنصب على المفعولية، وفي رواية الكُشْمِيهَنيّ بالتحتانية أوله (أي: بالياء، فيقول: ويَنْصَعُ) ورَفْعِ طيِّبِها على الفاعلية. وطيِّبُها للجميع بالتشديد\".\n(^٤) وقد ضَعَّف الاستدلال بهذا الحديث ابنُ الحاجب ﵀، وقال الأصفهاني في بيان المختصر ١/ ٥٦٧: \"أجاب المصنف: بأن هذا الاستدلال يعيد؛ فإنَّ الحديث الأول ورد لطائفة كرهوا الإقامة بالمدينة، فيكون نَفْي الخبث إشارةً إلى نفي تلك الطائفة، لا إلى نفي الخطأ. ولأنه لا يدل على أن إجماع أهل المدينة دون غيرهم حجة. ولأن الخبث لا يمكن حملُه على الخطأ بطريق العموم؛ لأنا نقطع بخطأ بعض أهل المدينة، =","vol":"5","page":2061},{"text":"وإذا تقرر أنه لا أثر للبقاع عُلم أنَّ إجماع أهل الحرمين مكة والمدينة، والمِصْرين البصرة والكوفة - غيرُ حجة، خِلافًا لمَنْ زَعَم ذلك من المنتمين إلى الأصول (^١).\nقال القاضي في \"مختصر التقريب\": \"وإنما (^٢) صاروا إلى ذلك لاعتقادهم تخصيصَ الإجماع بالصحابة، وكانت هذه البلاد موطن الصحابة، ما خرج منها إلا الشذوذُ منهم\" (^٣). انتهى. فلا يظنن الظانُّ أن القائل بذلك قال به في كل عصر (^٤).\nقال: (الرابعة: قالت الشيعة: إجماع العِتْرة حجةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وهم علي وفاطمة وابناهما ﵃؛ لأنها لما نزلت لَفَّ ﵇ عليهم كساء، وقال: \"هؤلاء أهل بيتي\"؛ ولقوله ﵇: \"إني تارك فيكم ما إنْ تمسكتم به لن تضلوا كتابَ الله وعِتْرَتي\").\n_________\n= وإذا لم يُفد العمومَ لم يكن حجة\".\n(^١) انظر: البحر المحيط ٦/ ٤٤٩، المستصفى ٢/ ٣٤٩ (١/ ١٨٧)، الإحكام ١/ ٢٤٤، نهاية السول ٣/ ٢٦٥.\n(^٢) في (ت): \"فإنما\". والمثبت موافق لما في \"التلخيص\".\n(^٣) انظر: التلخيص ٣/ ١١٣.\n(^٤) انظر المسألة الثالثة في: الإحكام ١/ ٢٤٣، نهاية السول ٣/ ٢٦٣، شرح الأصفهاني ٢/ ٥٩٥، كشف الأسرار ٣/ ٢٤١، أصول السرخسي ١/ ٣١٤، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٤، الإحكام لابن حزم ١/ ٦٠٠، المسودة ص ٣٣١، المحلي على الجمع ٢/ ١٧٩، شرح الكوكب ٢/ ٢٣٧.","vol":"5","page":2062},{"text":"قالت الشيعة:<span data-type=\"title\" id=toc-500> إجماع أهل البيت </span>حجة. وقالوا أيضًا كما نقله الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\": قول عليٍّ وحْدَه حجة.\nواستدلوا على الأول بالكتاب، والسنة، والمعنى.\nأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (^١)، فقد نفى عنهم الرجس، والخطأ رجسٌ، فيكون منفيًا عنهم، وأهل البيت هم علي وفاطمة وابناهما الحسن والحسين ﵃؛ لأنه كما رَوَى الترمذي: لما نزلت هذه الآية لَفَّ النبيُّ - ﷺ - عليهم كِساء، وقال: \"هؤلاء أهل بيتي وخاصتي، اللهم أذهب عنهم الرجس وطَهِّرهم تطهيرا\" (^٢).\nوأما السنة: فما روى الترمذي، وأخرج مسلم في صحيحه معناه، من قوله - ﷺ -: \"إني تاركٌ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتابَ الله\n_________\n(^١) سورة الأحزاب: ٣٣.\n(^٢) انظر: سنن الترمذي ٥/ ٣٢٧ - ٣٢٨، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأحزاب، رقم ٣٢٠٥. وقال: هذا حديث غريب من حديث عطاء عن عمر بن أبي سَلَمة. وفي المناقب ٥/ ٦٢١، باب مناقب أهل بيت النبي - ﷺ -، حديث رقم ٣٧٨٧، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه. وأخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ١٠٧، وفي فضائل الصحابة ٢/ ٥٧٧ - ٥٧٨، رقم الحديث ٩٧٨، من حديث واثلة بن الأسقع. والحاكم في المستدرك ٢/ ٤١٦، في كتاب التفسير، باب تفسير سورة الأحزاب من حديث واثلة بن الأسقع، وقال: على شرط مسلم. وأخرجه من حديث أم سلمة ٢/ ٤١٦، وفي معرفة الصحابة ٣/ ١٤٦، وقال: على شرط البخاري. ووافقه الذهبي. وفي الباب حديث عائشة - ﵂ - أخرجه مسلم ٤/ ١٨٨٣، في الفضائل، باب فضائل أهل بيت النبي - ﷺ -، رقم ٢٤٢٤.","vol":"5","page":2063},{"text":"وعِتْرتي (^١) \" (^٢).\nوأما المعنى ولم يذكره المصنف: فإنَّ أهل البيت مَهْبِط الوحي والنبي - ﷺ - منهم وفيهم، فالخطأ عليهم أبعد.\nولم يذكر المصنف الجوابَ عما استدلوا به:\nوالجواب عن الآية: أنَّا وإنْ سلمنا انتفاء الرجس في الدنيا فلا نسلم أن الخطأ رِجسٌ.\nومنهم مَنْ أجاب: بأنَّ ظاهر الآية في أزواجه ﵈؛ لأنَّ ما قبلها وما بعدها خطاب معهن؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (^٣). قال الإمام: \"ويجري هذا (مجرى قولِ) (^٤) الواحد لابنه: تعَلَّم وأطعني إنما أريد لك الخير. ومعلومٌ أنَّ هذا\n_________\n(^١) قال ابن الأثير - ﵀ - في النهاية ٣/ ١٧٧: \"عِتْرة الرجل: أخَصُّ أقاربه، وعِتْرةُ النبي - ﷺ -: بنو عبد المطلب. وقيل: أهل بيته الأقربون، وهم أولادُه وعليٌّ وأولاده. وقيل: عترته الأقربون والأبعدون منهم\".\n(^٢) أخرجه الترمذي في السنن ٥/ ٦٢١، كتاب المناقب، باب مناقب أهل بيت النبي - ﷺ -، رقم ٣٧٨٦، وقال: \"هذا حديث حسن غريب\". وفيه زيد بن الحسن الأنماطي وهو ضعيف. انظر: تقريب ص ٢٢٣. لكن للحديث شواهد كثيرة من حديث أبي ذر، وأبي سعيد، وزيد بن أرقم، وحذيفة بن أسيد. وحديث زيد بن أرقم أخرجه مسلم ٤/ ١٨٧٣ في فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -، رقم ٢٤٠٨. وانظر: مسند أحمد ٣/ ١٤، ١٧، ٢٦، ٥٩، فضائل الصحابة لأحمد، أحاديث رقم ١٧٠، ١٠٣٢، ١٤٠٣.\n(^٣) سورة الأحزاب: ٣٣.\n(^٤) في المحصول ٢/ ق ١/ ٢٤٢: \"المجرى قولُ\". وعلَّق المحقِّق بأن هذا هو المناسب، وأن =","vol":"5","page":2064},{"text":"القول إنما يتناول ابنه، فكذلك ها هنا\" (^١).\nوهذا الجواب وإن اتضح مِنْ جهة المعنى، واعتضد بما في \"المحصول\" و\"الإحكام\" وغيرهما من كتب الأصول (^٢) من أن (^٣) أم سلمة قالت للنبي - ﷺ -: \"ألستُ مِنْ أهل البيت؟ فقال: بلى إن شاء الله\" (^٤) - فيُبْعِدُه من جهة الخبر ما في صحيح مسلم من أنَّ أم سلمة قالت وقد لَفَّ النبي (^٥) - ﷺ - عليهم الكساء: فأنا (^٦) معهم يا رسول الله؟ قال: \"إنكِ إلى خير\"، وفي الترمذي\n_________\n= هذا نسخة (ص) من \"المحصول\"، وبقية النسخ \"مجرى\". قلت: كلاهما مناسبان، وإن كان \"مجرى قول\" أنسب؛ لأن الإمام يريد أن يستدل بالقول للآية، لا أنه يستدل بالآية للقول.\n(^١) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٤٢.\n(^٢) انظر: الإحكام ١/ ٢٤٧، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٩١.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٥٠، في كتاب الصلاة، باب الدليل على أن أزواجه - ﷺ - من أهل بيته في الصلاة عليهن، بلفظ: \"فقلت: يا رسول الله أمَا أنا مِنْ أهل البيت؟ قال: بلى إن شاء الله\". ثم نقل البيهقي عن الحاكم أنه قال عن هذا الحديث: هذا حديث صحيح سنده، ثقات رواته. قال البيهقي: وقد رُوي في شواهده ثم في معارضته أحاديث لا يثبت مثلها، وفي كتاب الله البيان لما قصدناه في إطلاق النبي - ﷺ - الآل، ومراده من ذلك أزواجه، أو هنّ داخلات فيه. وأخرجه أحمد في المسند ٦/ ٢٩٨، بلفظ: \"قلت: يا رسول الله ألست من أهلك؟ قال: بلى فادْخُلي في الكِساء. قالت: فدخلتُ في الكساء بعد ما قضى دعاءَه لابن عمه عليٍّ وابْنَيْه وابنته فاطمة ﵃\". وفي المسند ٦/ ٢٩٦: \"قالت: فقلت: وأنا يا رسول الله؟ فقال: وأنتِ\".\n(^٥) سقطت من (ص).\n(^٦) في (ت): \"وأنا\".","vol":"5","page":2065},{"text":"قال: \"أنتِ على مكانِكِ وأنتِ إلى خير\" (^١) (^٢)، ومن المعنى أنَّ الكاف والميم (^٣) لا تكون إلا للمذكر (^٤).\nوالجواب عن الحديث: أنه من باب الآحاد، ولا يجوز عندهم العمل بها في الفروع فضلًا عن الأصول، ولو كان قطعيًا فإنما يقتضي وجوبَ التمسك بمجموع الكتاب والعترة، لا بقول العترة وحدهم.\n_________\n(^١) قوله: أخرجه مسلم - لم أقف عليه. والحديث قد أخرجه الترمذي ٥/ ٦٥٦ - ٦٥٧، في المناقب، باب فضل فاطمة بنت محمد - ﷺ -، حديث رقم ٣٨٧١. وقال: هذا حديث حسن، وهو أحسن شيءٍ رُوي في هذا الباب. وأخرجه أحمد في المسند ٦/ ٢٩٢، والطبراني في المعجم الكبير ٩/ ٢٥ - ٢٦، والخطيب في تاريخ بغداد ١٠/ ٢٧٨. والحديث أخرجه مسلم ٤/ ١٨٨٣، في كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بيت النبي - ﷺ -، رقم ٢٤٢٤، من حديث عائشة ﵂، وليس فيه ذِكْر لأم سلمة - ﵂ -، فلعل الشارح التبس عليه حديث عائشة بحديث أم سلمة ﵄.\n(^٢) قال ابن كثير ﵀: \"روى ابن أبي حاتم - ثم ذكر السند إلى - عكرمة عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ قال: نزلت في نساء النبي ﵌ خاصة. وقال عكرمة: مَنْ شاء باهلته أنها نزلت في شأن نساء النبي ﵌. فإن كان المراد أنهن كن سبب النزول دون غيرهن فصحيح، وإنْ أُريد أنهن المراد فقط دون غيرهن ففي هذا نظر؛ فإنه قد وردت أحاديث تدل على أن المرادَ أعمُّ من ذلك\"، وقال أيضًا: \"ولكن إذا كان أزواجه مِنْ أهل بيته - فقرابته أحقُّ بهذه التسمية\". انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٤٨٣، ٤٨٦.\n(^٣) في قوله تعالى: ﴿عَنْكُمُ﴾.\n(^٤) انظر: زاد المسير ٦/ ٣٨١. انظر: تفسير القرطبي ١٤/ ١٨٣.","vol":"5","page":2066},{"text":"والجواب عن المعنى: أنه باطل بزوجاته ﵇، فإنهنَّ شاهَدْن أكثرَ أحواله مع أنَّ قولَهنَّ وحْدَه غيرُ حجة. والله أعلم.\nوقد يقال: قَدَّم المصنفُ أنَّ الشيعة مِنْ منكري الإجماع، (ثم نقل عنهم هنا أن إجماع العترة حجة، ومَنِ اعترف بشيءٍ من الإجماع) (^١) لا يقال: أنكر أصل الإجماع.\nوالجواب: أنَّ الإجماع المصطلح أنكروه مِنْ أصله، وما اعترفوا به ليس منه، وإنْ حصل وِفاقُ بقية الأمة لأهل البيت احتجوا به، لا لوفاق بقية الأمة، بل لأجل العترة، فما قلناه لم يعترفوا بشيء منه، وما قالوه لم نوافقهم عليهم، وقد سبقت الإشارة إلى هذا في قوله: \"والشيعة عَوَّلوا عليه\" (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-501>(الخامسة: قال القاضي أبو خازم: إجماع الخلفاء الأربعة حجة</span>؛ لقوله ﵇: \"عليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين مِنْ بعدي\". وقيل: إجماع الشيخين حجة؛ لقوله: \"اقتدوا باللذَيْن مِنْ بَعدي أبي بكرٍ وعمر\").\nذهب القاضي أبو خازم من الحنفية (^٣) - بالخاء المعجمة - وكذا أحمد\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) انظر المسألة في: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٤٠، الحاصل ٢/ ٧١٣، التحصيل ٢/ ٧٠، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٨٨، شرح التنقيح ص ٣٣٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٦، كشف الأسرار ٣/ ٢٤١، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٨، تيسر التحرير ٣/ ٢٤٢، شرح الكوكب ٢/ ٢٤٣.\n(^٣) هو عبد الحميد بن عبد العزيز، أبو خازِم السَّكُونيُّ البصريّ، ثم البغداديُّ الحنفيّ. =","vol":"5","page":2067},{"text":"ابن حنبل في إحدى الروايتين: إلى أنَّ إجماع الخلفاء الأربعة أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ - حجةٌ (^١)، مُسْتَدِلَّيْن بما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الترمذيُّ والحاكم في \"المستدرك\" وقال: على شرطهما - من قوله - ﷺ -: \"عليكم بسنتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين مِنْ بعدي تمسكوا بها وعَضُّوا عليها بالنواجذ\" الحديث (^٢).\nفإنْ قيل: هذا عامٌّ في كلِّ الخلفاء الراشدين. قيل: المراد الأربعة؛ لقوله\n_________\n= كان ثقةً ديِّنًا ورعًا عالمًا، أحذقَ الناس بعمل المحاضِر والسِّجلَّات، بصيرًا بالجبر والمقابلة، فارِضًا، ذكيًا، كامل العقل. ولي قضاء دمشق والكوفة وكرخ بغداد. توفي سنة ٢٩٢ هـ. انظر: سير ١٣/ ٥٣٩، الجواهر المضية ٢/ ٣٦٦.\n(^١) واختار هذا القول من الحنابلة ابن البنا. انظر: شرح الكوكب ٢/ ٢٣٩. وقال عبد الحليم بن تيمية - ﵀ - مبينًا الروايات عن أحمد - ﵁ -: \"في المسألة - على نقل الحلواني - ثلاث روايات: رواية بأنه إجماع، ورواية بأنه حجة لا إجماع، ورواية لا إجماع ولا حجة، وهذا كله مع مخالفة بعض الصحابة لهم\". انظر: المسودة ص ٣٤٠، مع تصرف يسير. وانظر: أصول السرخسي ١/ ٣١٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٢، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣١.\nملاحظة: قول الشارح - ﵀ - حجة، أي: إجماع محتج به، ولا يقصد به أنه حجة لا إجماع، وهذا مع كونه ظاهرًا لكل متخصِّص، إلا أنني نبهت عليه خشية أن يلتبس هذا على بعض الطلاب المبتدئين، والله أعلم.\n(^٢) انظر: مسند أحمد ٤/ ١٢٦، سنن أبي داود ٥/ ١٣ - ١٥، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، رقم ٤٦٠٧. سنن ابن ماجه ١/ ١٥ - ١٧، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين، رقم ٤٢ - ٤٤. سنن الترمذي ٥/ ٤٣ - ٤٤، كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع، رقم ٢٦٧٦. مستدرك الحاكم ١/ ٩٥ - ٩٧.","vol":"5","page":2068},{"text":"﵊: \"الخلافة مِنْ بعدي ثلاثون سنّة ثم تصير مُلْكًا عَضُوضًا (^١) \" (^٢) وكانت مدة الأربعة هذه، كذا قيل. والصحيح أن المُكَمِّل لهذه المدة (^٣) الحسن بن علي ﵃، وكانت مدة خلافته ستة أشهر بها تكملت الثلاثون، ولكن الحسن - ﵁ - لم تتسع مُهْلَتُه، ولم تبرز أوامره، ولا عُرِفت طريقتُه؛ لقلة المدة.\nوذهب بعضهم إلى أنَّ إجماع الشيخين وحدهما حجة (^٤)؛ لقوله عليه\n_________\n(^١) أي: يُصيب الرعيَّةَ فيه عَسْفٌ وظلم، كأنهم يُعَضُّون فيه عَضًّا. والعَضُوض: من أبنية المبالغة. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٢٥٣، لسان العرب ٧/ ١٩١، مادة (عضض).\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٢٠ - ٢٢١. وأبو داود في السنن ٥/ ٣٦ - ٣٧، كتاب السنة، باب في الخلفاء، رقم ٤٦٤٦، ٤٦٤٧. والترمذي في السنن ٤/ ٤٣٦، كتاب الفتن، باب ما جاء في الخلافة، رقم ٢٢٢٦، وقال: حديث حسن. والحاكم في المستدرك ٣/ ١٤٥، كتاب معرفة الصحابة. وفضائل الصحابة للإمام أحمد، حديث رقم ٧٨٩، ١٠٢٧.\nقال ابن عبد البر في جامع بيان العلم ٢/ ١١٦٩: قال أحمد بن حنبل: حديث سفينة في الخلافة صحيح، وإليه أذهب في الخلفاء.\n(^٣) في (ت): \"العدة\".\n(^٤) قال ابن بدران ﵀: \"ونُقل عن الإمام أحمد أن اتفاق الخلفاء الأربعة حجة، وكذا اتفاق أبي بكر وعمر ﵄؛ لحديث: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ\"، وحديث: \"اقتدوا باللذَيْن من بعدي أبي بكرٍ وعمر\" ولو لم تقم الحجة بقولهم - لما أمرنا باتباعهم. وهذا القول هو الحق\". انظر: المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٢. وانظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٤٨، الإحكام ١/ ٢٤٩.","vol":"5","page":2069},{"text":"السلام: \"اقتدوا باللذَيْن مِنْ بعدي أبي بكرٍ وعمر\" رواه أحمد بن حنبل، وابن ماجه، والترمذي، وقال: حسن. وذكره ابن حبان في صحيحه (^١).\nوأجاب الإمام (وغيره) (^٢) عن الخبرين: بالمعارضة بقوله ﵇: \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" (^٣)، وهو حديث ضعيف.\nوأجاب الشيخ أبو إسحاق في \"شرح اللمع\": بأن ابن عباس خالف جميع الصحابة في خَمْس مسائل انفرد بها، وابن مسعود انفرد بأربع مسائل، ولم يَحْتجَّ عليهم أحدٌ بإجماع الأربعة (^٤) (^٥).\nقال: (السادسة: يُستدل بالإجماع لما لا يَتَوَقَّفُ عليه (كحدوث العالم ووحدة الصانع) (^٦)، لا كإثباته).\n_________\n(^١) انظر: مسند أحمد ٥/ ٣٨٢، ٣٨٥، ٣٩٩، ٤٠٢. سنن ابن ماجه ١/ ٣٧، المقدمة، باب في فضائل أصحاب رسول الله - ﷺ -، رقم ٩٧. سنن الترمذي ٥/ ٥٦٩ - ٥٧٠، كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر ﵄ كليهما، رقم ٣٦٦٢، ٣٦٦٣. فضائل الصحابة للإمام أحمد، حديث رقم ١٩٨، ٥٢٦. والحاكم في المستدرك ٣/ ٧٥، كتاب معرفة الصحابة. وانظر: تلخيص الحبير ٤/ ١٩٠، رقم ٢٠٩٦، تخريج أحاديث اللمع للغماري ص ٢٧١.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٤٩.\n(^٤) انظر: شرح اللمع ٢/ ٧١٥.\n(^٥) انظر المسألة الخامسة في: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٤٦، الحاصل ٢/ ٧١٥، التحصيل ٢/ ٧٢، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٩٧، نهاية السول ٣/ ٢٦٦، السراج الوهاج ٢/ ٨٠٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٦، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٢، شرح الكوكب ٣/ ٢٣٩.\n(^٦) في (ص): \"كوحدة الصانع وحدوث العالم\". وهو خطأ؛ لأن الضمير في قوله: =","vol":"5","page":2070},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>الإجماع وإن كان حجة لكن لا يستدل به على جميع الأحكام</span>، بل علي بعضها: وهو ما لا يتوقف ثبوتُ حجيةِ الإجماع على ثبوته، (سواء كان من الفروع أو الأصول. أما ما يتوقف) (^١) (ثبوت الإجماع على ثبوته) (^٢) فلا يستدل بالإجماع عليه، وإلا فيلزم الدور.\nوقد مَثَّل صاحب الكتاب للأول (^٣) بحدوث العالَم، ووَحْدة الصانع، أي: أنَّ ثبوت الإجماع لا يتوقف على هذين؛ لجواز معرفة الإجماع قبل معرفة حدوث العالم، ووحدة الصانع (^٤) (^٥).\nوقد قال الإسفراييني وغيره من الشُّرَّاح: (إنَّ المثال غير صحيح؛ لأن) (^٦) كون الإجماع المصطلح حجةً متوقِّفٌ على وجود المُجْمِعين الذين هم المجتهدون من الأمة المحمدية، ولا يصير الشخص من هذه الأمة إلا بعد معرفة وحدة الصانع وحدوث العالم، فوضح أنَّ الإجماع\n_________\n= \"لا كإثباته\" يعود إلى الصانع ﷾، لا إلى حدوث العالم، كما سيتضح من الشرح.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ص): \"الأول\".\n(^٤) في (ت)، و(غ) زيادة بعد هذا وهي: \"والمثال غير صحيح\". ورجَّحت حذفها؛ لأن الشارح سَيَرُدُّ على مَنْ ضَعَّف هذا التمثيل، فكيف يقول بالتضعيف!.\n(^٥) وذلك بأن نعلم إثبات الصانع بإمكان العالم وبحدوث الأعراض، ثم نعلم بإثبات الصانع صحة النبوة، ثم نعلم بصحة النبوة كونَ الإجماع حجة، ثم نعلم بالإجماع حدوث العالم ووحدة الصانع. انظر: نهاية السول ٣/ ٢٦٨، المحصول ٢/ ق ١/ ٢٩١.\n(^٦) في (ت)، و(ص): \"إنَّ\".","vol":"5","page":2071},{"text":"متوقِّف على معرفة هذين.\nولك أن تمنع توقُّفَ حجية الاجتماع على وجود المُجْمِعين؛ إذ هو حجة وإن لم يُجمعوا.\nومثال الثاني: وإليه الإشارة لقوله: \"لا كإثباته\"، إثبات الصانع، وإثبات كونه متكلمًا، والنبوة، فإنَّ الإجماع يتوقف على ذلك؛ إذ ثبوته بالكتاب والسنة، وصحةُ الاستدلال بهما موقوفة على وجود الصانع، وعلى كونه متكلمًا، وعلى النبوة، فلو أثبتنا وجودَ الصانع والنبوةَ بالإجماع - لزم الدور؛ لتوقف ثبوتِ المدلول على ثبوت الدليل (^١).\n_________\n(^١) انظر المسألة السادسة في: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٩١، الحاصل ٢/ ٧٢٦، التحصيل ٢/ ٨٤، نهاية الوصول ٦/ ٢٦٧٢، نهاية السول ٣/ ٢٦٧، السراج الوهاج ٢/ ٨٠٩، الإحكام ١/ ٢٨٣، شرح التنقيح ص ٣٤٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٤٤، كشف الأسرار ٣/ ٢٥١، تيسير التحرير ٣/ ٢٦٢، فواتح الرحموت ٢/ ٢٤٦، شرح الكوكب ٢/ ٢٧٧.","vol":"5","page":2072},{"text":"الباب الثاني: أنواع الإجماع","vol":"5","page":2073},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-503>(الباب الثاني: في أنواع الإجماع</span>.\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-504>الأولى: إذا اختلفوا على قولين فهل لمَنْ بعدهم إحداث ثالث</span>؟ والحق أن الثالث إن لم يرفع مُجْمعًا عليه جاز وإلا فلا. مثاله: ما (^١) قيل في الجد مع الأخ: الميراثُ للجَدّ. وقيل: لهما. فلا سبيل إلى حرمانه).\nلك ها هنا (^٢) مناقشتان:\nإحداهما: كان من حُسْن (^٣) الوضع تأخير هذا الباب عن الذي بعده، وهو الثالث في شرائط الإجماع.\nوالثانية: أنَّ الإجماع شيءٌ واحدٌ ليس تحته أنواع، لكنه أراد بالأنواع ما لا يكون إجماعًا عند طائفة دون آخرين، وما هو إجماع بالاتفاق.\nثم غرض الفصل: أنه إذا اختلف أهلُ العصر في مسألةٍ على قولين هل يجوز لمَنْ بعدهم إحداثُ قولٍ ثالث؟ وفيه ثلاثة مذاهب:\nالأول: المنع مطلقًا. وعليه الجمهور (^٤).\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) في (ص): \"هنا\".\n(^٣) في (ص): \"جنس\". وهو تحريف.\n(^٤) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ١٧٩، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٢٧، شرح التنقيح ص ٣٢٦، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٩، شرح الكوكب ٢/ ٢٦٤، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٠.","vol":"5","page":2075},{"text":"والثاني: الجواز مطلقًا. وعليه طائفة من الحنفية، والشيعة، وأهل الظاهر (^١).\nوالثالث: وهو الحق عند المتأخرين، وعليه الإمام وأتباعه والآمدي (^٢): أنَّ الثالثَ إنْ لَزِم منه رفْعُ ما أجمعوا عليه لم يَجُز إحداثه وإلا جاز.\nمثال الأول: إذا مات رَجلٌ وخَلَّف جَدًّا (^٣) وإخوة ذهب بعض العلماء إلى الاشتراك، وذهب الباقون إلى سقوط الإخوة بالجد (^٤)، فلو قال قائل: بإسقاط الجد بالإخوة - لم يجز؛ لأنه رافع لأمرٍ مُجْمَعِ عليه مستفادٍ من القولين المتقدمين: وهو أن الجد يرث (^٥) إما منفردًا أو مشاركًا للإخوة، فإذا أسقطنا الجد فقد رَفعنا أمرًا مجمعًا عليه.\n_________\n(^١) وهو قول بعض المتكلمين. انظر: المسودة ص ٣٢٦، تيسير التحرير ٣/ ٢٥١، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٥، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٦١، التمهيد لأبي الخطاب ٣/ ٣١١، شرح الكوكب ٢/ ٢٦٦، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٢٧.\n(^٢) وابن الحاجب، وأبو الحسين البصريّ، والقرافيّ، والطوفيّ، والشارح في \"جمع الجوامع\"، وابن بدران. قال الزركشي: \"وكلام الشافعي في \"الرسالة\" يقتضيه\". انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ١٨٠، الحاصل ٢/ ٦٩٧، التحصيل ٢/ ٥٩، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٢٧، الإحكام ١/ ٢٦٨، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٩، المعتمد ٢/ ٤٦، مختصر الطوفي ص ١٣٤، المحلي على الجمع ٢/ ١٩٧، البحر المحيط ٦/ ٥١٨، الرسالة ص ٥٩٥ - ٥٩٦، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣١، شرح التنقيح ص ٣٢٦، شرح الكوكب ٢/ ٢٦٤.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: المغني ٧/ ٦٤، بداية المجتهد ٢/ ٣٤٦.\n(^٥) سقطت من (ت).","vol":"5","page":2076},{"text":"وهذا المثال سبق المصنفَ بذكره الإمامُ والآمديُّ (^١) وغيرُهما وهو صحيح وإنْ صَحَّ ما نقله ابن حزم الظاهري مِنْ ذهاب بعضهم إلى انفراد الأخ بالمال؛ لأن الإجماع وقع بعد ذلك على خلافه.\nومن أمثلته أيضًا: الجارية الثيب إذا وَطِئها المشتري ثم وجد بها عيبًا قديمًا. قال بعضهم: نمنع الردّ (^٢). وقال آخرون بالرد مع العُقْر (^٣). فالقول بالردِّ مجانًا ثالث. كذا صَوَّره الآمديُّ في الثيب، وابن الحاجب في البكر (^٤).\nفإن قلت: كيف قال الشافعيُّ - ﵁ - ومالكٌ والليثُ في الثيب (^٥) بالردِّ مجانًا (^٦)؟\nقلت: لم يثبت تَكلُّم جميع الصحابة في المسألة، بل كان القولان ممن تكلم فيها فقط (^٧). ولو فُرض كلام جميعهم فلا نسلم استقرار رأيهم على\n_________\n(^١) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ١٨٠ - ١٨١.\n(^٢) أي: فليس للمشتري إلا الرجوع على البائع بقيمة العيب. وبه قال أبو حنيفة - ﵁ - لكنه قال ذلك أيضًا في البكر. انظر: بداية المجتهد ٢/ ١٨٢.\n(^٣) أي: يردها، ويردُّ مهرَ مِثْلها. وبه قال ابن أبي شبرمة وابن أبي ليلى، سواء عندهما البكر والثيب. انظر: بداية المجتهد ٢/ ١٨٢.\n(^٤) انظر: الإحكام ١/. . .، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٩، البحر المحيط ٦/ ٥١٩.\n(^٥) دون البكر.\n(^٦) وهو إحدى الروايتين عن أحمد - ﵁ -. انظر: بداية المجتهد ٢/ ١٨٢، روضة الطالبين ٣/ ١٥٠، الشرح الكبير ٤/ ٨٨، المحلى ٩/ ٧٢.\n(^٧) ولذلك قال الإسنوي ﵀: \"وصورة هذه المسألة (أي: مسألة إحداث قولٍ ثالث على القولَيْن السابقَيْن): أن يتكلم المجتهدون جميعُهم في المسألة، ويختلفوا فيها على قولين. . . وأما مجرد نقل القولين عن عصرٍ من الأعصار فإنه لا يكون مانعًا من =","vol":"5","page":2077},{"text":"قولين (^١). وهذا الفَرْض على تقدير صحة اختلاف الصحابة على هذا الوجه، فإنَّ المنقول أنَّ عمر - ﵁ - قال بالرد مع الأرش، وأن عليًا - ﵁ - قال بعدم الرد. وهذا الاختلاف ليس بين جميع الصحابة، بل قد رُوي عن زيد بن ثابت مثل قولنا (^٢). ثم إنَّ المنقول عن (عمر وعلي) (^٣) لم يصح. قال والدي أيده الله: \"وقد وقفت على أسانيد وردت في ذلك عنهما فرأيتها كلَّها ضعيفة، وأمْثَلُها الرواية عن عليٍّ (^٤) وهي منقطعة؛ لأنها من رواية علي بن الحسين وهو لم يدرك جده\" (^٥).\nومثال الثاني: وهو ما لم يَرْفع مجمعًا عليه، ولم يمثِّل له في الكتاب. قيل: يجوز فسخ النكاح بأحد العيوب الخمسة (^٦). وقيل: لا يجوز بشيء منها (^٧).\n_________\n= إحداث الثالث؛ لأنا لا نعلم هل تكلم الجميع فيها أم لا؟ فافهمه ينحل به إشكالات أُوردت على الشافعيّ في مسائل\". نهاية السول ٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥.\n(^١) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٥٢٩ - ٢٥٣٠، المستصفى ٢/ ٣٨٢ - ٣٨٣ (١/ ١٩٨ - ١٩٩).\n(^٢) انظر المرويَّ عن عمر وعلي وزيد - ﵃ جميعًا - في الشرح الكبير ٤/ ٨٨.\n(^٣) في (ص): \"علي وعمر\".\n(^٤) وهي أنه لا يرد الجارية الثيب ويرجع بقيمة العيب.\n(^٥) انظر: تكملة المجموع للسبكي ١٢/ ٢٢٤، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٠.\n(^٦) انظر: كفاية الأخيار ٢/ ٣٧، نهاية المحتاج ٦/ ٣٠٢، بداية المجتهد ٢/ ٥٠، شرح الزرقاني على خليل ٣/ ٢٣٥، المغني ٧/ ٥٨٠.\n(^٧) قال ابن قدامة - ﵀ - في المغني ٧/ ٥٧٩: \"وروي عن عليٍّ: لا تُرد الحرة بعيب. وبه قال النخعيّ والثوريُّ وأصحاب الرأي. وعن ابن مسعود لا ينفسخ =","vol":"5","page":2078},{"text":"فالقول بالفسخ بالبعض دون البعض (^١) ليس رافعًا لما أجمعوا عليه، بل هو موافق لكل من القولين في بعض مقالته.\nومثاله أيضًا: قيل: يحل أكل متروك التسمية سهوًا وعمدًا (^٢) (^٣). وقيل: لا يحل لا سهوًا ولا عمدًا (^٤). فالقول بالحل في السهو دون العمد جائز (^٥).\nقال: (قيل: اتفقوا على عدم الثالث. قلنا: كان مشروطًا بعدمه فزال بزواله. قيل: وارد على الوحداني (^٦). قلنا: لم يُعْتبر فيه إجماعًا).\nاحتج الجمهور وهم المانعون مطلقًا بوجهين:\nأحدهما: أنَّ اختلافَهم على قولين إجماعٌ على أنه يجب الأخذ بأحدهما، ولا يجوز العدول عنهما. وتجويز القول الثالث مُبْطل لذلك،\n_________\n= النكاح بعيب، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه إلا أن يكون الرجل مجبوبًا أو عنينًا، فإن للمرأة الخيار. . .\". وانظر: الهداية ٢/ ٣٠٦، ملتقى الأبحر ١/ ٢٨٨.\n(^١) في (ص): \"بعض\".\n(^٢) في (غ): \"أو عمدًا\".\n(^٣) هو قول الشافعي وأصحابه، وهو مرويّ عن ابن عباس وأبي هريرة ﵃، ورواية عن أحمد ﵀. انظر: كفاية الأخيار ٢/ ١٤٨، نهاية المحتاج ٨/ ١١٢، بداية المجتهد ١/ ٤٤٨، المغني ١١/ ٣٣.\n(^٤) وهو قول أهل الظاهر، وابن عمر، والشعبيّ، وابن سيرين. انظر: بداية المجتهد ١/ ٤٤٨، المحلى ٧/ ٤١٢.\n(^٥) وبه قال مالكٌ وأبو حنيفة والثوريُّ ﵃، وهو المشهور من مذهب أحمد ﵀. انظر: بداية المجتهد ١/ ٤٤٨، الهداية ٤/ ٣٩٤، ملتقى الأبحر ٢/ ٢١٥، المغني ١١/ ٣٢ - ٣٣.\n(^٦) في (ت): \"الواحد\".","vol":"5","page":2079},{"text":"فكان مُبْطلًا للإجماع، وذلك باطل.\nوالجواب: أن اتفاقهم على وجوب الأخذ بأحد القولين، وعدمِ جواز غيرِهما - مشروطٌ بعدم حدوث ثالث، فإذا حدث ثالثٌ انتفى شرطُ الاتفاق على وجوب الأخذ بأحد القولين وامتناعِ الثالث.\nواعترض الخصم على هذا الجواب بأنه واردٌ على الوَحْداني؛ إذ الشبهة قائمة بعينها فيه، فيقال: إنما أوجبوا التمسك بالإجماع على القول الواحد بشرط أن لا يظهر الثاني، فإذا ظهر فقد زال شرطه، فيجوز القول بخلافه.\nوأجيب عنه: بأن الاحتمال وإنْ كان قائمًا في الإجماع على القول الواحد لكنهم منعوا فيه مِنْ إحداث ما يخالفه، وجزموا بوجوب الأخذ به دائمًا، بخلاف ما إذا اختلفوا على قولين فلم يقطعوا بنفي الاحتمال المذكور، فليس لنا أن نحكم عليهم بالتسوية (^١).\nوهنا كلامان:\nأحدهما: إنَّ في صحةِ وقوعِ اشتراطِ عدم إحداث الثالث في الإجماع على أحد القولين - نظرًا، ومَنْ نقل ذلك!\nوالثاني: أنه مبني على أنه لا يجوز حدوث إجماع بعد إجماع سبق (^٢) على خلافه، وقد ذهب أبو عبد الله (^٣) إلى أنه يجوز\n_________\n(^١) في (ت): \"بالسوية\". والمعنى: ليس لنا أن نحكم على المجتهدين بأن يُسووا بين الإجماعَيْن: الإجماع على قول، والإجماع على قولين، بأن يجزموا بنفي الاحتمال في الثاني، كما جزموا به في الأول؛ لأن صورة الإجماعين مختلفة.\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"سابق\".\n(^٣) هو أبو عبد الله البصري، كما سيأتي.","vol":"5","page":2080},{"text":"لكن لا يقع (^١). وقال الإمام: \"إنه الأولى\" (^٢) كما سيأتي.\nقال: (قيل: إظهاره يستلزم تخطئة الأولين. وأجيب: بأن المحذور هو التخطئة في واحد. وفيه نظر).\nالوجه الثاني: أن (^٣) الذهاب إلى الثالث إنما يجوز لو أمكن كونه حقًا، ولا (^٤) يمكن ذلك إلا أن يكون القولان باطلين؛ ضرورةَ أنَّ الحقَّ واحدٌ، وحينئذ يلزم إجماع الأمة على الخطأ.\nوأُجيب: بأنَّ المحذور هو (^٥) تخطئة الأمة في حكمٍ واحد أجمعوا عليه، كثبوت حظ الجد مثلًا في الميراث، أما تخطئة كلِّ فريقٍ في حكمٍ فلا محذور فيه.\nقال صاحب الكتاب: \"وفيه نظر\"، ووجهه: أنه إذا أخطأت كلُّ الأمة في شيئين، كلُّ شطرٍ في شيء (^٦) - دخل تحت عموم قوله: \"لا تجتمع أمتي على خطأ\" ومَنْ خَطَّأ كلَّ فريق في قولٍ فقد خَطَّأَ كلَّ الأمة (^٧).\n_________\n(^١) انظر: البحر المحيط ٦/ ٥١٩.\n(^٢) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٠١.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ص): \"ولم\".\n(^٥) في (ص): \"وهو\".\n(^٦) أي: كل شطرٍ من الأمة أخطأ في شيء غير الشيء الذي أخطأ فيه الشطر الآخر، فكل شَطْرٍ عنده خطأ وصواب.\n(^٧) من جهة أن جميع الأمة لم تصب الحق كاملًا، فكلها قد وقع في الخطأ، وقوله ﵌: \"لا تجتمع أمتي على خطأ\" عامٌّ؛ لأن الفعل في سياق =","vol":"5","page":2081},{"text":"وهذا النظر له أصلٌ مُخْتَلَفٌ فيه: وهو أنه هل يجوز انقسام الأمة إلى شَطْرين كل شَطْرٍ مخطئٌ في مسألة؟ والأكثر على أنه لا يجوز، واختار الآمديُّ خلافَه (^١).\nواعلم أن الجواب منْ أصله لم يذكره الإمام، بل قال: \"هذا الإشكال غير واردٍ على القول بأنَّ كل مجتهدٍ مصيب، فإنه لا يلزم من حَقِّيَّة أحدِ الأقسام فسَادُ الباقي. سَلَّمنا لكن لا يلزم (من (^٢) الذهاب) (^٣) إلى القول الثالث كونه حقًا؛ لأن المجتهد يعمل بما أداه إليه اجتهاده وإن كان خطأ في نفس الأمر\" (^٤).\nولك أن تقول على هذا: إذا كان الذاهب إلى الثالث يعلم انقسام الأمة إلى شطرين، والفرض علمه أن الثالث يستلزم التخطئة، وأنها ممتنعة - فقد علم أن الذهاب إلى الثالث خطأ، فلا يذهب إليه (^٥).\n_________\n= النفي يعم، وهذا العموم شامل لاجتماعها على الخطأ المحض، أو على جزء من الخطأ. وانظر: نهاية السول ٣/ ٢٧٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٢.\n(^١) انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٥٢، المحصول ٢/ ق ١/ ٢٩٢.\nوانظر: نفائس الأصول ٦/ ٢٧٦٣، ٢٧٦٤.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) في (ت): \"من القول إلى الذهاب\".\n(^٤) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ١٨٣، مع تصرف من الشارح.\n(^٥) انظر مسألة إحداث القول الثالث في: المحصول ٢/ ق ١/ ١٧٩، الحاصل ٢/ ٦٩٧، التحصيل ٢/ ٥٩، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٢٧، الإحكام ١/ ٢٦٨، المستصفى ٢/ ٣٨٢ (١/ ١٩٨)، المعتمد ٢/ ٤٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٩، شرح التنقيح =","vol":"5","page":2082},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-505>(الثانية: إذا لم يفصلوا بين مسألتين فهل لمَنْ بعدهم التفصيل</span>؟ والحق إن نصُّوا بعدم الفرق، أو اتحاد الجامع، كتوريث العمة والخالة - لم يجز؛ لأنه رَفْعُ مُجْمعٍ عليه، وإلا جاز، وإلا (^١) يجب على مَنْ ساعَدَ مجتهدًا في حكمٍ مساعدتُه في جميع الأحكام).\nلعلك تقول: ما الفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، مع أنَّ القول بالتفصيل إحداثٌ لقولٍ ثالث؟ ويعتضد بأنَّ الآمديَّ لم يُفرد هذه المسألة بالذكر، بل ذكرها في ضمن تلك.\nوحاصل ما ذكره القرافيُّ في الفرق: أنَّ هذه المسألة مخصوصةٌ بما إذا كان محلُّ الحكم (متعدّدًا، والأُولى مخصوصةٌ بما إذا كان محله (^٢» (^٣) متحدًا (^٤).\nوالشرح أنَّ أهل العصر إذا لم يفصلوا بين مسألتين بأن ذهب بعضهم إلى الحِلِّ فيهما، والآخرون إلى التحريم فيهما، وأراد مَنْ بعدهم الفصل - فهذا يقع على أوجه:\n_________\n= ص ٣٢٦، إحكام الفصول ص ٤٩٦، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٠، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٥، شرح الكوكب ٢/ ٢٦٤، التمهيد لأبي الخطاب ٣/ ٣١٠.\n(^١) في (ص): \"ولا\". وهو خطأ.\n(^٢) في (غ): \"محل الحكم\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: نهاية السول ٣/ ٢٧٦، نفائس الأصول ٦/ ٢٦٥٩، شرح التنقيح ص ٣٢٨.","vol":"5","page":2083},{"text":"أحدها: أن يَنُصُّوا على عدم الفرق بأن يقولوا: لا فَصْل بين هاتين المسألتين في كلِّ الأحكام، أو في الحكم الفلاني، فإنه لا يجوز الفصل بينهما. وكلام الكتاب يُوهم أنَّ الخلاف جارٍ فيه، وصَرَّح به الجاربرديُّ (^١)، وهو صحيح (^٢) وإنْ أنكره طوائف مِنْ شارحي الكتاب (^٣)، فقد حكاه القاضي أبو بكر في \"مختصر التقريب والإرشاد\" قال: \"واحتج قائله: بأنَّ الإجماع على مَنْع التفرقة ليس بإجماعٍ على حكمٍ من الأحكام فلا مُعَوَّل عليه\" لكنه كما قال القاضي: \"غَلَطٌ ومراغمةٌ لما قاله الأئمة (^٤) صريحًا، وقوله: ليس من الأحكامِ - باطلٌ؛ لأنهم إذا أجمعوا (^٥) على مَنْع الفصل فقد أجمعوا على منع التحريم في إحداهما، مع التحليل في الأخرى، أو بالعكس. وهذا تَعَرُّض لحكمٍ (^٦) نفيًا وإثباتًا\" (^٧).\nوالثاني: أن لا ينصوا على ما ذُكر (^٨)، بل يُعلم اتحاد الجامع بين المسألتين، فذلك جارٍ مجرى النص على عدم الفرق.\n_________\n(^١) انظر: السراج الوهاج ٢/ ٨١٧.\n(^٢) انظر: البحر المحيط ٦/ ٥٢١ - ٥٢٢.\n(^٣) بناءً على أنَّ الإمام صَرَّح بأن هذه الصورة ليست من محل النزاع. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ١٨٧.\n(^٤) في (ص): \"الأمة\". وهو خطأ.\n(^٥) في (غ): \"اجتمعوا\".\n(^٦) في (ت): \"بحكم\".\n(^٧) انظر: التلخيص ٣/ ٩٤، مع تصرف واختصار من الشارح ﵀.\n(^٨) أي: على عدم الفرق.","vol":"5","page":2084},{"text":"مثاله: مَنْ وَرَّث العمة ورَّث الخالة، ومَنْ منع إحداهما منع الأخرى، وإنما جمعوا بينهما مِنْ حيث إنه انتظمهما حُكْمُ ذوي الأرحام (^١). قال الإمام: \"فهذا مما لا يسوغ خلافهم فيه بتفريق ما جمعوا بينهما، إلا أنّ هذا الإجماع متأخرٌ عن سائر الإجماعات في القوة\" (^٢). وذهب بعض الناس إلى الخلاف فيه.\nوالثالث: وإليه الإشارة بقوله: \"وإلا جاز\" (^٣) أن لا يكون كذلك (^٤). فقيل: لا يجوز الفرقُ. والحقُّ: جوازه (^٥).\nوقوله: \"وإلا يجب\" إشارة إلى الدليل عليه، أي: لو لم يجز لكان الدليل هو أنه وافقه في مسألة، ويلزم على ذلك أنَّ مَنْ وافق مجتهدًا في مسألة لدليلٍ أن (^٦) يوافقه في كلِّ المسائل، وهو باطل. ويلزم\n_________\n(^١) انظر: المغني ٧/ ٨٢، العذب الفائض شرح عُمدة الفرائض ٢/ ١٧، شرح الرحبِيَّة للمارديني ص ١٦٨، بداية المجتهد ٢/ ٣٣٩، ملتقى الأبحر ٢/ ٣٥٠.\n(^٢) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ١٨٥.\n(^٣) يعني: وإن لم يتحد الجامع بين المسألتين جاز الفصل بينهما، كما إذا قال بعضهم: لا زكاة في مال الصبيِّ ولا في الحليِّ المباح، وقال بعضهم بالوجوب فيهما - فيجوز الفصل. انظر: نهاية السول ٣/ ٢٧٩.\n(^٤) قول الشارح: \"أن لا يكون كذلك\" لم يتضح لي معناه، والظاهر أنَّ العبارة فيها سقط.\n(^٥) لأنه لا يكون مخالفًا لما أجمعوا عليه: لا في حكمٍ، ولا في علة حكم. غاية ما في الباب أن يكون موافقًا لكل من الفريقين في مسألة. انظر: سلم الوصول ٣/ ٢٧٩، المحصول ٢/ ق ١/ ١٨٦.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"5","page":2085},{"text":"منه سَدُّ باب الاجتهاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>فائدة:</span>\n(ظاهر كلامِ الإمام والمصنف) (^١) أنَّ نحوَ قولِ بعضهم: لا يُقتل المسلم بالذميّ، ولا يصح بيع الغائب. وقولِ بعضِهم: يُقتل ويصح - جريانُ (^٢) خلافٍ في أنه هل يجوز الفصل؟ فيقال: يُقتل المسلم بالذمي ولا يصح بيع الغائب، أو العكس (^٣). وبه يُشعر إيرادُ القاضي في \"مختصر التقريب\" (^٤). وصَرَّح الآمديُّ بنفي الخلاف\n_________\n(^١) في (ت)، و(غ) زيادة وهي: \"ظاهر كلام الإمام والمصنف (جريان خلاف في) \". وهذه الزيادة ستأتي بعد قليل، فالراجح حذفها من هنا. والله أعلم.\n(^٢) هذا خبر المبتدأ في قوله: \"ظاهرُ كلامِ الإمام والمصنف\".\n(^٣) لأن الإمام - ﵀ - قال: \"وأما إن لم يكن كذلك (يعني: إن لم تكن علة الحكم في المسألتين واحدة) - فالحقُّ جواز الفرق لمَنْ بعدهم؛ لأنه لا يكون بذلك مخالفًا لما أجمعوا عليه لا في حكمٍ، ولا في علة حكم\". المحصول ٢/ ق ١/ ١٨٦، فظاهر كلام الإمام - ﵀ - وجودُ خلافٍ في التفريق بين المسألتين المختلفتين مطلقًا؛ لأن عدم اتحاد العلة شاملٌ لهما، وذلك مثل قتل المسلم بالذمي، وبيع الغائب، فهما مسألتان مختلفتان، لا يجمع بينهما علة، فهناك مَنْ يَمنع الفصلَ بينهما، وهناك مَنْ يجوِّزه كالإمام ﵀.\n(^٤) لأن القاضي - ﵀ - قال في مختصر التقريب ٣/ ٩٤ - ٩٥: \"وأما إذا لم يُنقل ذلك عنهم (أي: لم يُنقل الإجماع على مَنْع الفصل بين المسألتين) - فالصحيح أنه يجوز لبعض العلماء الأخذُ بالتحليل في إحدى المسألتين، والتحريمِ في الأخرى، وذلك أنه إذا أَخَذ بالحلِّ في إحداهما - فقد قال بالتحليل فيها قائلون، وكذلك إذا أخذ بالتحريم في الثانية، ولم يُنقل عن الأمة مَنْعُ الفصل، ولا تَعَلُّق لإحدى المسألتين =","vol":"5","page":2086},{"text":"في ذلك (^١).\nوما اقتضاه كلامُ الإمام غيرُ بعيدٍ؛ لأن التفصيل فيه يؤدي إلى تخطئة كلِّ الأمة، إذ يلزم خطأ شطرهم في جواز قتل المسلم بالذميّ، وخطأ الشطر الآخر في منع بيع الغائب. وقد تقدم أنَّ الأكثرين منعوا انقسام الأمة إلى فرقتين، كلُّ فرقةٍ خاطئة في مسألة.\nوقد يقال: لا يلزم من الذهاب إلى التفصيل كونُه حقًا في نفس الأمر، بل يكفي أن يكون في ظن المجتهد كذلك، وقد سبق هذا.\nقال: (قيل: أجمعوا على الاتحاد. قلنا: عين الدعوى. قيل: قال الثوري: الجماع ناسيًا يُفطر (^٢)، والأكلُ لا. قلنا: ليس بدليل).\nاحتج مَنْ منع الفصل (^٣) مطلقًا: بأن الأمة إذا قال نصفها بالحرمة في\n_________\n= بالأخرى بوجهٍ من الوجوه\"، فقول القاضي ﵀: \"ولا تَعَلُّق لإحدى المسألتين بالأخرى بوجه من الوجوه\" ظاهر في أنه يشمل المسألتين المتباينتين مطلقًا، كمسألة قتل المسلم بالذميّ، وبيع الغائب. وانظر: التمهيد لأبي الخطاب ٣/ ٣١٥.\n(^١) أي: لا خلاف في أنه يجوز الفصل بينهما؛ لعدم الجامع بينهما. وهذا ما صَرَّح به القرافيّ، وقد سبق نَقْلُ كلامه. قال الزركشيُّ في البحر ٦/ ٥٢٢: \"وكلام التِّبْريزيِّ في \"التنقيح\" يدل على أنه إذا وقع الاشتراك في المأخذ - فهو محل الخلاف، وأما إذا لم يشتركا فيه فلا خلاف في أنه (أي: عدم الفصل) ليس بحجة، وهو خلاف كلام الرازيّ\".\n(^٢) في (ص): \"يُفطر الصائم\". وهذه زيادة ليست موجودة في باقي النسخ، ولا في نهاية السول ٣/ ٢٧٥، وشرح الأصفهاني على المنهاج ٢/ ٦٠٩، والظاهر أنها من زيادة ناسخ (ص)، فإنَّ المتون بُنيت على الاختصار، وهذه الكلمة لا حاجة لها؛ لوضوح المعنى.\n(^٣) في (ت): \"التفصيل\".","vol":"5","page":2087},{"text":"المسألتين، وقال النصف الآخر بالحِلِّ فيهما - فقد اتفقوا على اتحاد الحكم في المسألتين، وأنه لا فصل بينهما، فيكون الفصل ردًّا للإجماع.\nوجوابه: أنه إنْ عَنِيَ بقوله: \"اتفقوا على أنه لا فَصْل بينهما\": أنهم نصوا على استوائهما في الحكم وهما مستويان في علة الحكم - فليس كذلك؛ لأنَّ النزاع ليس في هذا. وإنْ أراد أنَّ ذلك لازمه - فليس كذلك؛ لأنه لا يلزم مِنْ عدم التعرض لتحريم التفصيل الحكمُ بتحريمه، واتحادُ الحكم. وهذا عَيْن الدعوى، وأول المسألة (^١).\nواحتج مَنْ أجاز الفصل مطلقًا: بأنه وقع، ألا ترى إلى ذهاب بعض العلماء إلى أن (الجماع ناسيًا والأكل ناسيًا يفطران (^٢» (^٣). وقال بعضهم: لا يفطر واحدٌ منهما (^٤). ثم فَرَّق سفيان الثوريُّ - ﵁ - فقال: الجماعِ ناسيًا يفطر، والأكل لا؛ لبُعْد النسيان في الجماع دون الأكل (^٥).\n_________\n(^١) يعني: فالاستدلال بعدم التفصيل على حرمة التفصيل مصادرةٌ على المطلوب؛ إذ هو استدلال بمحل النزاع، فنحن لا نسلم أن عدم التفصيل إجماع على حرمة التفصيل. وانظر: نهاية السول ٣/ ٢٨٠.\n(^٢) وهو مذهب ربيعة ومالكٍ ﵄، ويجب على الناسي القضاء دون الكفارة. انظر: بداية المجتهد ١/ ٣٠٣، شرح الزرقاني على خليل ٢/ ٢٠٥، المجموع ٦/ ٣٢٤.\n(^٣) في (ص): \"الجماع ناسيًا يُفطر، والأكل ناسيًا يُفطر\".\n(^٤) وبه قال الحسن البصريّ، ومجاهد، وأبو حنيفة، والشافعيّ، وإسحاق، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وغيرهم. انظر: المجموع ٦/ ٣٢٤، الهداية ١/ ١٣٢.\n(^٥) وبه قال عطاء، والأوزاعيّ، والليث، وأحمد، وابن الماجشون من المالكية، إلا أن أحمد وابن الماجشون انفردا بوجوب القضاء والكفارة على مَنْ جامع ناسيًا. انظر: المجموع ٦/ ٣٢٤، المغني ٣/ ٥٦، بداية المجتهد ١/ ٣٠٣، فتح الباري ٤/ ١٦٤.","vol":"5","page":2088},{"text":"وأضرب الإمام عن الجواب عن هذا لوضوحه، وأجاب عنه (^١) المصنف: بأن قول الثوريِّ ليس حجةً علينا.\nوقد يجاب أيضًا: بأنهم لم ينصوا في هذه الصورة على عدم الفرق أو اتحاد الجامع، وبأنَّ فتيا الثوري بذلك لعلها قبل استقرار المجمِعين على القولَيْن المطلقين (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-507>(الثالثة: يجوز الاتفاق بعد الاختلاف خلافًا للصيرفيّ</span>. لنا: الإجماع على الخِلافة بعد الاختلاف. وله: ما سبق).\nللمسألة تشعب (في النظر) (^٣)، وشفاء الغليل فيها أن يقال: هل يجوز أن يُجْمع على شيء سبق خلافه، وذلك على حالتين (^٤):\nالأولى: ولا تعرض في الكتاب لها، أنه هل يجوز انعقاد الإجماع بعد إجماعٍ على خلافه (^٥)؟ ذهب الأكثرون إلى المنع، وذهب أبو عبد الله\n_________\n(^١) سقطت من (ص).\n(^٢) انظر المسألة الثانية في: المحصول ٢/ ق ١/ ١٨٣، الحاصل ٢/ ٦٩٨، التحصيل ٢/ ٥٩، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٣٤، نهاية السول ٣/ ٢٧٥، شرح الأصفهاني ٢/ ٦٠٩، البحر المحيط ٦/ ٥٢١، شرح التنقيح ص ٣٢٧، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٦، تيسر التحرير ٣/ ٢٥١ - ٢٥٢، المسودة ص ٣٢٧، شرح الكوكب ٢/ ٢٦٧.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) في (ت): \"حالين\".\n(^٥) المسألة مفروضة في إجماع أهل عَصْرين، لا في إجماعَيْن لأهل عصر واحد، وذلك بأن يُجمعوا أولًا ثم يتراجعوا، أو يتراجع بعضُهم، فهذه مسألة أخرى مبنية على =","vol":"5","page":2089},{"text":"البصريّ إلى الجواز (^١). قال الإمام: \"وهو الأَوْلى؛ لأنه لا امتناع في إجماع الأمة على قولٍ بشرط أن لا يطرأ عليه إجماع آخر، ولكن لما اتفق أهل الإجماع على أن كل ما أجمعوا عليه فإنه يجب العمل به في كل الأعصار - أَمِنَّا مِنْ وقوع هذا الجائز\" (^٢).\nالثانية: أن يختلف أهل العصر على قولين في مسألة (^٣) ثم يقع الإجماع على أحدهما، فللخلاف حالتان:\nإحداهما: أن لا يستقر (^٤) ولم يتعرض لها الآمديُّ في \"الإحكام\"،\n_________\n= اشتراط انقراض العصر في صحة الإجماع أم لا. انظر: البحر المحيط ٦/ ٥٠١ - ٥٠٢.\n(^١) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٦٧٠، المعتمد ٢/ ٣٧، المحلي على الجمع ٢/ ٢٠٠، البحر المحيط ٦/ ٥٠٢، شرح الكوكب ٢/ ٢٥٨.\n(^٢) هذا الاستدلال ذكره الإمام - ﵀ - دليلًا لأبي عبد الله البصرى لا دليلًا من الإمام، وقول الإمام: \"وهو الأولى\" محلُّها في \"المحصول\" في آخر المسألة إذ قال فيه ٢/ ق ١/ ٣٠١: \"والقول الأول عندنا أولى\"، ويعني بالأول قولَ أبي عبد الله البصري ﵀، فتقديم هذه الكلمة مِنْ تصرف الشارح، فحصل وَهْمٌ أن هذا الدليل من الإمام. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٠٠ - ٣٠١، والدليل بمعناه موجود في المعتمد ٢/ ٣٧. وانظر نهاية الوصول ٦/ ٢٦٧٠. وانظر: البحر المحيط ٦/ ٥٠٢. وانظر: المعتمد ٢/ ٣٧.\n(^٣) في (ت): \"المسألة\".\n(^٤) وذلك بأن يكون المجتهدون في مُهلة النظر، ولم يستقر لهم قول، كخلاف الصحابة لأبي بكرٍ - ﵁ - في قتال مانعي الزكاة، وإجماعهم بعد ذلك. انظر: البحر المحيط ٦/ ٥٠٣، شرح اللمع ٢/ ٧٣٤.","vol":"5","page":2090},{"text":"فالجمهور على جواز وقوع الإجماع بعده، وخالف أبو بكر الصيرفيُّ، كما اقتضاه إطلاق الإمام وشيعته (^١).\nوالثانية: أن يستقر ويمضي أصحاب الخلاف عليه مدة. وفيه مسألتان:\nإحداهما: إذا اختلف أهل العصر على قولين - فهل يجوز لأهل ذلك العصر بعينهم بعد استقرار الخلاف الاتفاقُ على أحد القولين، والمنعُ من المصير إلى القول الآخر؟\nفيه خلافٌ ينبني على اشتراط انقراض العصر في الإجماع، فإن اشترطناه جاز بلا نظر (^٢). وإلا ففيه مذاهب:\nأحدها: وهو اختيار الإمام أنه لا يجوز مطلقًا (^٣).\n_________\n(^١) قال الزركشيُّ في البحر ٦/ ٥٠٣: \"وحكى الهنديُّ تبعًا للإمام أن الصَّيْرفيَّ خالف في ذلك، ولم أره في كتابه، بل ظاهر كلامه يُشعر بالوِفاق في هذه المسألة\". وحكى الشيرازي الإجماع على جواز الإجماع بعد الخلاف غير المستقر، وأنه يرتفع به الخلاف في المسألة، فتصير إجماعية اتفاقًا. انظر: اللمع ص ٩٣، شرح اللمع ٢/ ٧٣٤ - ٧٣٦، المحصول ٢/ ق ١/ ١٩٠، الحاصل ٢/ ٧٠٠، التحصيل ٢/ ٦١، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٤٠.\n(^٢) أي: جاز قطعًا؛ لأن الخلاف المتقدم لا يُعَدُّ إجماعًا؛ لعدم تحقق شرطه. فالحنابلة مثلًا يشترطون انقراض العصر لتحقق الإجماع، فهم يُجيزون الإجماع بعد الخلاف المستقر. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٠٥، شرح الكوكب ٢/ ٢٧٦.\n(^٣) أي: لا يجوز أن يُجمعوا بعد تقدم الخلاف واستقراره. وبه قال القاضي أبو بكر، والغزاليّ. انظر: التلخيص ٣/ ٧٩ - ٨٠، المستصفى ١/ ٢٠٥ - ٢١٠. وما نسبه الشارح - ﵀ - إلى الإمام وَهَمٌ؛ لأن الإمام يقول بالجواز، ولعل الذي =","vol":"5","page":2091},{"text":"والثاني: وهو اختيار الآمديّ - عكسه (^١).\nوالثالث: يجوز إن كان مستندُ اتفاقِهم على الخلاف القياسُ والاجتهاد، لا دليلٌ قاطع (^٢).\n_________\n= أوقع الشارح - ﵀ - في هذا الوَهَم عدمُ التنبه لمرجع الضمير في كلام الإمام ﵀. يقول الإمام: \"وأما مَن لم يعتبر الانقراض فقد اختلفوا: فمنهم: مَنْ أحال وقوعه. (أي: أحال وقوع الإجماع بعد الخلاف). ومنهم: مَنْ جَوَّزه، وزعم أنه لا يكون حجة. (أي: جَوَّز الوقوع، ولكنه لا يكون حجة؛ لأنه مسبوق بالإجماع على الخلاف). ومنهم: مَنْ جعله (وهو الإجماع بعد الخلاف) إجماعًا يحرم خلافُه. وهو المختار\". المحصول ٢/ ق ١/ ٢٠٥. فقول الإمام: \"ومنهم: مَنْ جعله\" لعل الضمير التبس على الشارح بأنه يعود إلى الخلاف، وأنه إجماع يحرم مخالفته بالاتفاق. واستدلال الإمام - ﵀ - على قوله المختار يدل على المعنى المشار، قال الإمام: \"لنا: ما تقدم من أنَّ الصحابة - رضوان الله عليهم - اختلفوا في الإمامة، ثم اتفقوا بعد ذلك عليها. وإذا ثبت وقوعُه وجب أن يكون حجة. . .\". المحصول ٢/ ق ١/ ٢٠٦. وقد ذهب شيعة الإمام إلى القول بالجواز، ولم يحكوا عن الإمام أنه يقول بغير ذلك. انظر: الحاصل ٢/ ٧٠٤، التحصيل ٢/ ٦٣، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٥١ - ٢٥٥٢. وقد نسب الزركشيّ - ﵀ - القول بالجواز إلى الإمام والآمديّ رحمهما الله. انظر: البحر المحيط ٦/ ٥٠٤، وكذا الإسنوي نسب الجواز إلى الإمام وأتباعه وابنِ الحاجب. انظر: نهاية السول ٣/ ٢٨٤. والشارح نسب الجواز إلى الآمديّ في القول الثاني. تنبيه: نسب محقِّق كتاب \"التلخيص\" القولَ بعدم الجواز إلى الإمام، والقول بالجواز إلى الآمديّ. وظاهرٌ أنه تَابَع في هذا العَزْوِ الشارحَ؛ لأنه ذكر \"الإبهاج\" في ضمن المراجع. انظر: التلخيص ٣/ ٨١.\n(^١) انظر: البرهان ١/ ٧١٠، البحر المحيط ٦/ ٥٠٤.\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٥٥٢، البحر المحيط ٦/ ٥٠٤، المحلي على الجمع ٢/ ١٨٥، المستصفى ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧.","vol":"5","page":2092},{"text":"المسألة الثانية: إذا اختلفوا على قولين ومضوا على ذلك - فهل يُتَصَوَّر انعقاد إجماع العصر الثاني بعدهم على أحدهما، حتى يمتنع المصير إلى القول الآخر؟\nذهب الشيخ أبو الحسن الأشعريُّ، وأحمد بن حنبل، والصيرفيُّ، وإمام الحرمين، والغزاليُّ - إلى امتناعه. واختاره الآمديّ (^١).\nوذهب الجمهور إلى الجواز (^٢)، وتبعهم ابن الحاجب (^٣).\n_________\n(^١) وهو قول أكثر الشافعية وأكثر الأشعريّة، وأصح القولين عن الشافعيّ - ﵁ -. قال إمام الحرمين ﵀: \"ومن العبارات الرشيقة للشافعيِّ أنه قال: المذاهب لا تموت بموت أصحابها\". البرهان ١/ ٧١٥. ونسب القاضي أبو بكر هذا المذهب إلى الأكثرين، كما في التلخيص ٣/ ٧٩. قال الزركشي في البحر ٦/ ٥٠٨: \"ونقله القاضي في \"التقريب\" عن جمهور المتكلمين والفقهاء، قال: وبه نقول\". وهو قول عامة أصحاب الحديث، وعامة الحنابلة. انظر: التبصرة ص ٣٧٨، البرهان ١/ ٧١٤، المستصفى ١/ ٢٠٣، التلخيص ٣/ ٧٩ - ٨٠، البحر المحيط ٦/ ٥٠٧ - ٥٠٨، الإحكام ١/. . .، نهاية السول ٣/ ٢٨٨، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٧، شرح الكوكب ٢/ ٢٧٢، المسودة ص ٣٢٥.\n(^٢) هو مذهب جمهور المالكية، وأكثر الحنفية، وبعض الشافعية كأبي الطيب الطبريّ، والرازيِّ وأتباعه، وأبي الخطاب والطوفيّ من الحنابلة، وابن حزم، وأبي الحسين البصريِّ، وأكثر المعتزلة. ونسبه الآمديّ إلى أكثر الشافعية. انظر: شرح التنقيح ص ٣٢٨، إحكام الفصول ص ٤٩٢، أصول السرخسي ١/ ٣١٩، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٧، ٢٤٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٢، الإحكام ١/. . .، الإحكام لابن حزم ١/ ٥٦٠، المحصول ٢/ ق ١/ ٣٠٠، الحاصل ٢/ ٧٠١، التحصيل ٢/ ٦١، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٤٣ - ٢٥٤٤، التمهيد لأبي الخطاب ٣/ ٢٩٧، مختصر الطوفي ص ١٣٥، المعتمد ٢/ ٣٨.\n(^٣) انظر: العضد على ابن الحاجب ٢/ ٤١.","vol":"5","page":2093},{"text":"إذا عرفت ذلك فاستدل المصنف على جواز وقوع الإجماع بعد الاختلاف باتفاق الصحابة على إمامة أبي بكر بعد اختلافهم فيها، وهو دليل على المسألة الأولى (^١).\nومثله الاستدلال بإجماعهم على دفنه - ﷺ - في بيت عائشة بعد اختلافهم.\nولك أن تمنع أنّ كلًا منهم (^٢) كان جازمًا بمقالته، وتقول (^٣): إنما كان اختلافهم على سبيل المشورة، ولم يستقر لأحدٍ منهم الجزمُ بشيء (^٤).\nواسْتُدِل للمسألة الثانية: باتفاق التابعين على المنع مِنْ بيع أمهات الأولاد بعد اختلاف الصحابة فيه (^٥).\nقوله: \"وله: ما سبق\"، أي: وللصيرفيِّ ما سبق في مَنْع إحداث قولٍ ثالث. وتقريره: أنَّ اختلافهم إجماعٌ على جواز الأخذ بأيِّ\n_________\n(^١) وهي أن يتفق أهل العصر الواحد بعد استقرار خلافهم.\n(^٢) في (ص): \"منهما\". وهو خطأ؛ لأن الضمير يعود إلى الصحابة.\n(^٣) في (ص): \"ونقول\".\n(^٤) انظر: نهاية السول ٣/ ٢٨٥.\n(^٥) أخرج أحمد في مسنده ٣/ ٣٢١، حديث جابر - ﵁ - أنه قال: \"كنا نبيع سرارينا أمهاتِ أولادنا والنبي - ﷺ - فينا حيٌّ لا يرى بذلك بأسًا\". وأخرجه ابن ماجه ٢/ ٨٤١، كتاب العتق، باب أمهات الأولاد، رقم ٢٥١٧. وبمعناه أخرجه أبو داود ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤، كتاب العتق، باب في عتق أمهات الأولاد، رقم ٣٩٥٤. والحاكم في المستدرك ٢/ ١٨ - ١٩، كتاب البيوع، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم. ووافقه الذهبي.","vol":"5","page":2094},{"text":"قولٍ كان، فلو انعقد الإجماع الثاني لامتنع الأخذ بما أجمعوا على جواز الأخذ به، فلزم رفع الإجامع بالإجماع.\nوجوابه: ما سبق أنهم إنما جوزوا بشَرْط أن لا يحصل إجماع. والله أعلم.\nوأنتَ إذا انتهى بك التفهمُ فيما أوردناه إلى هنا - علمت أنَّ المسألة في كلام صاحب الكتاب غير مختصة بما إذا أجمع أهل ذلك العصر الذين أجمعوا بعينهم، بل هي أعم من المسألتين، ولم تَغْتَرِرْ بتخصيص بَعض الشارحين لها بالمسألة الأولى (^١)، مغترًا باقتصار المصنف في (^٢) الدليل على مثالٍ وَقَع الإجماع في صورته (^٣) بعد الاختلاف - ممن (^٤) حصل منهم الاختلاف (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) أي: بمسألة إجماع أهل العصر بعينهم بعد اختلافهم، ومن الشارحين الذين خصوا المسألة بها الإسنوي، والجاربردي، والأصفهاني. انظر: نهاية السول ٣/ ٢٨١، السراج الوهاج ٢/ ٨٢٠، شرح الأصفهاني على المنهاج ٢/ ٦١٢.\n(^٢) في (ص): \"من\".\n(^٣) أي: صورة المثال.\n(^٤) الجار والمجرور مُتَعَلَّق للفعل \"وقع\".\n(^٥) والإمام - ﵀ - ذكر للمسألة المثالين: مثال إجماع الصحابة على الإمامة بعد اختلافهم فيها، ومثال اتفاق التابعين على المنع من بيع أمهات الأولاد بعد اختلاف الصحابة فيها. فدلَّ هذا على صحة ما قاله الشارح. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ١٩٠ - ١٩١.\n(^٦) انظر المسألة الثالثة في: ٢/ ق ١/ ١٩٠، الحاصل ٢/ ٧٠٠، التحصيل ٢/ ٦١، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٤٠، نهاية السول ٣/ ٢٨١، السراج الوهاج ٢/ ٨٢٠، الوصول =","vol":"5","page":2095},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-508>(الرابعة: الاتفاق على أحدِ قولي الأولين</span>، كالاتفاق على حرمة بيع أم الولد، والمتعة - إجماعٌ، خلافًا لبعض المتكلمين والفقهاء. لنا: سبيل المؤمنين. قيل: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ أوجب الردَّ إلى الله. قلنا: زال الشرط. قيل: \"أصحابي كالنجوم\". قلنا: الخطاب مع العوام الذين في عصرهم. قيل: اختلافهم إجماع على التخيير. قلنا: (زال لزوال شرطه) (^١».\nمضى الكلام في تصور وقوع الإجماع بعد الاختلاف، والنظر الآن في أنه إذا وقع هل يكون حجة؟ ولوقوعه حالتان:\nإحداهما: أن يقع من أهل العصر الثاني الإجماعُ على إحدى مقالتي أهل العصر الأول، كوقوع الإجماع على مَنْع بيع أمِّ الولد من التابعين (^٢) بعد اختلاف الصحابة فيها (^٣)، وعلى أنَّ نكاح المتعة باطل مع أن ابن عباس - ﵁ - كان يفتي بالجواز (^٤).\n_________\n= إلى الأصول ٢/ ١٠٢، البحر المحيط ٦/ ٥٠١، شرح التنقيح ص ٣٢٨، إحكام الفصول ص ٤٩٢، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٧، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٢، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٦، شرح الكوكب ٢/ ٢٧٢، ٢٧٦، المسودة ص ٣٢٤ - ٣٢٦.\n(^١) في نهاية السول ٣/ ٢٨١: \"ممنوع\".\n(^٢) في (ص): \"البائعين\".\n(^٣) انظر ابن رشد - ﵀ - في بداية المجتهد ٢/ ٣٩٣، والشوكاني - ﵀ - في نيل الأوطار ٦/ ٢٢٤.\nوانظر: المصنف لعبد الرزاق ٧/ ٢٨٧، السنن الكبرى ١٠/ ٣٤٧، المغني ١٢/ ٤٩٢.\n(^٤) انظر ابن حجر - ﵀ - في الفتح ٩/ ١٧٣، وانظر: الحاوي ١١/ ٤٥٣، بداية =","vol":"5","page":2096},{"text":"قال بعض الشارحين: وفي المثالين نظر:\nأما الأول: فلمخالفة بعض الشيعة، (وكونه قولًا للشافعي.\nولك أن تقول: أما مخالفة بعض الشيعة) (^١) فلا اعتداد بها، وأما كونه قولًا للشافعيّ فليس كذلك؛ إذْ لم يَنُصَّ على ذلك لا في القديم ولا في الجديد، وإنما قيل: إنَّ في كلامه ميلًا إليه. وذهب معظم الأصحاب إلى أنه ليس فيه اختلاف قول (^٢).\nقال: وأما الثاني: فلبقاء المخالفة فيه من زفر (^٣) (^٤).\n_________\n= المجتهد ٢/ ٥٨، المغني ٧/ ٥٧١.\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) قال الماورديّ ﵀: \"أما مذهب الشافعيِّ فلم يختلف في قديم ولا جديد في عتق أمهات الأولاد بموت السَّيِّد، وتحريمِ بيعهن في حياته، وقد نَصَّ عليه في الكتب التي ذكرها المزنيّ\". الحاوي ٢٢/ ٣٧٠.\n(^٣) هو زُفر بن الهُذَيل بن قيس بن سَلم، أبو الهُذَيل العنبريُّ البصريّ. الفقيه المجتهد الرباني. ولد سنة ١١٠ هـ. قال يحيى بن معين: ثقة مأمون. وكذا قال أبو نعيم الفضل بن دُكَين. وذكره ابن حبان في الثقات. قال الذهبي ﵀: \"هو من بحور الفقه، وأذكياء الوقت، تفقَّه بأبي حنيفة وهو أكبر تلامذته، وكان ممن جمع بين العلم والعمل، وكان يَدْري الحديث ويُتقنه\". مات ﵀ سنة ١٥٨ هـ.\nانظر: سير ٨/ ٣٨، لسان الميزان ٢/ ٤٧٦، الجواهر المضية ٢/ ٢٠٧.\n(^٤) سبق ذِكْر قوله، وأنه يرى صحة النكاح وبطلان شرط التوقيت. انظر: الهداية ١/ ٢١٢، المغني ٧/ ٥٧١.","vol":"5","page":2097},{"text":"ولك (أن تقول) (^١): إنْ صَحَّ عنه فلا اعتداد بخلافه (بعد قيام الإجماع قبله، وبعد ابن عباس على خلافه) (^٢).\nوفي شرح الجابرديّ أنَّ مراد المصنف بالمتعة التمتع، وشَرَحَه بأنَّ عثمان كان يَنْهى عنه، ثم صار إجماعًا أنه جائز (^٣) (^٤).\nإذا عرفت ذلك فهذه الحالة (^٥) هي مسألة الكتاب، والذي عليه المصنف تبعًا للإمام والجمهور: أنه إجماع تقوم به الحجة، وتحرم مخالفته.\nوذهب كثيرٌ من الشافعية ومن المتكلمين والحنفية إلى خلافه (^٦).\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: السراج الوهاج ٢/ ٨٢٢.\n(^٤) قد صَحَّ عن عمر وعثمان - ﵄ - النهيُ عن التمتع في الحج. قال النوويّ ﵀: \"والمختار أن عمر وعثمان وغيرَهما إنما نَهَوْا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج، ثم الحج من عامه، ومرادهم نَهْيُ أولويةٍ للترغيب في الإفراد؛ لكونه أفضل. وقد انعقد الإجماع بعد هذا على جواز الإفراد والتمتع والقران من غير كراهةٍ وإنما اختلفوا في الأفضل منها\". شرح النووي على مسلم ٨/ ١٦٩، وقال ابن حجر - ﵀ - في الفتح ٣/ ٤٢٥: \"رواية النسائي السابقة مُشْعِرةٌ بأنَّ عثمانَ رجع عن النهي، فلا يصح التمسك به. . . والظاهر أنَّ عثمان ما كان يُبطله، وإنما كان يرى إن الإفراد أفضل منه، وإذا كان كذلك فلم تتفق الأئمة على ذلك، فإنَّ الخلافَ في أيِّ الأمور الثلاثة أفضل - باقٍ. والله أعلم\".\n(^٥) وهي الإجماع من أهل العصر الثاني على إحدى مقالتي أهل العصر الأول.\n(^٦) الخلاف في هذه المسألة فَرْع الخلاف في المسألة الثانية من المسألة السابقة، =","vol":"5","page":2098},{"text":"لنا: أن ما أجمع عليه أهل العصر الثاني سبيل المؤمنين، فيجب اتباعه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).\nاحتجوا بثلاثة أوجه:\nأحدها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (^٢) أَوْجب الرد إلى كتاب الله والرسول عند التنازع، فيجب أَنْ يُرد إليهما دون الإجماع.\nوأجيب بوجهين:\nأحدهما: وهو المذكور في الكتاب، أنَّ وجوب الرد مشروطٌ بالتنازع، والتنازع قد زال بحصول (^٣) الإجماع، فزال وجوبُ الرد؛ لزوال شرطه وهو النزاع.\nولك أن تقول: لا خفاء في وجود النزاع قبل حصول الإجماع، فكان يجب رده ولا يجوز الإجماع.\nوالثاني: وهو حسن، أن الرد إلى الإجماع رَدٌّ إلى الله والرسول - ﷺ -.\nوثانيها: ما رُوي مِنْ قوله - ﷺ -: \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم\n_________\n= والأقوال هناك هي الأقوال هنا، والشارح - ﵀ - استفاد العزو هنا من المحصول ٢/ ق ١/ ١٩٤ - ١٩٥.\n(^١) سورة النساء: الآية ١١٥.\n(^٢) سورة النساء: الآية ٥٩.\n(^٣) في (ت): \"لحصول\".","vol":"5","page":2099},{"text":"اهتديتم\"، جَوَّز الأخذ بقول كلٍّ منهم، ولم يَفْصل بين ما يكون بعده إجماعٌ أوْ لا، فلو وجب الأخذ بقول أهل الإجماع للزم التخصيص.\nواعلم أن هذا الحديث رواه ابن منده في \"أماليه\" فروينا بإسنادنا إلى أبي عمرو عبد الوهاب بن منده (^١) أنا أبي الإمام أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن منده (^٢)، أنا (^٣) أبو الحسين عمر بن الحسن بن (^٤) (علي، حدثنا\n_________\n(^١) هو عبد الوهاب بن محمد بن إسحاق، أبو عمرو بن مَنْدَه العبديُّ الأصبهانيّ، الشيخ المحدِّث الثقة. ولد سنة ٣٨٨ هـ. كان - ﵀ - رحيمًا للفقراء يقال له: أبو الأرامل، اجتمع أهل أصبهان على الثناء عليه. توفي - ﵀ - سنة ٤٧٥ هـ.\nانظر: سير ١٨/ ٤٤٠، شذرات ٣/ ٣٤٨.\n(^٢) هو محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مَنْدَه - واسم منده: الوليد بن إبراهيم - أبو عبد الله العبديُّ الأصبهانيُّ الحافظ الثقة. ولد سنة ٣١٠ هـ، أو ٣١١ هـ. قال أبو إسماعيل الأنصاري: أبو عبد الله بن منده سيد أهل زمانه. وقال أبو نعيم الأصبهاني: كان جبلًا من الجبال. وقال أحمد بن جعفر الحافظ: كتبتُ عن أزيدَ من ألف شيخ، ما فيهم أحفظُ مِنَ ابنِ منده. قال الذهبي: \"إذا روى الحديثَ وسكت أجاد، وإذا بَوَّب أو تكلَّم من عنده انحرف وحَرْفَش (أي: خلَّط)، بلى ذَنْبُه وذنبُ أبي نُعيم أنهما يرويان الأحاديث الساقطة والموضوعة، ولا يَهْتِكانها، فنسأل الله العفو\". من مصنفاته: \"معرفة الصحابة\" فيه أوهام كثيرة كما قال ابن عساكر، الإيمان، التوحيد، الصفات، وغيرها. توفي - ﵀ - سنة ٣٩٥ هـ. انظر: سير ١٧/ ٢٨، شذرات ٣/ ١٤٦، طبقات الحنابلة ٢/ ١٦٧.\n(^٣) في (ص): \"أن\".\n(^٤) هو عمر بن الحسن بن علي بن مالك، أبو الحسين الشيبانيُّ البغداديُّ الأُشنانيّ. ولد سنة ٢٥٩، أو ٢٦٠ هـ. حَدَّث وهو شاب أيام إبراهيم الحربي، وهذا يدل على =","vol":"5","page":2100},{"text":"عبد الله بن رَوْح المدايني (^١)، حدثنا سلام بن سليمان (^٢)، حدثنا الحارث ابن) (^٣) غصين (^٤)، عن الأعمش (^٥)، عن أبي سفيان (^٦)، عن جابر بن\n_________\n= عظم مكانته عند الناس. قال الدارقطني: ضعيف. توفي سنة ٣٣٩ هـ. انظر: سير ١٥/ ٤٠٦، تاريخ بغداد ١١/ ٢٣٦، ميزان ٣/ ١٨٥، لسان ٤/ ٢٩٠.\n(^١) هو عبد الله بن رَوْح بن عبد الله، أبو أحمد المدائني، المعروف بعَبْدوس. ولد سنة ١٨٧ هـ. قال الدارقطني: ليس به بأس. ومات سنة ٢٧٧ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٩/ ٤٥٤، سير ١٣/ ٥، لسان ٣/ ٢٨٦.\n(^٢) لعله: سلَّام بن سليمان بن سوّار، أبو العباس الثقفيُّ المدائنيّ. كان ضريرًا مُعَمَّرًا. قال ابن عدي: منكر الحديث. وقال العقيلي: في حديثه مناكير. وقال النسائي: ثقة مدائني. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ١٧٨.\n(^٣) سقط من (ت).\n(^٤) قال ابن حجر - ﵀ - في لسان الميزان ٢/ ١٥٦: \"الحارث بن غصين. عن الأعمش. وعنه سلام بن سليم. قال ابن عبد البر في كتاب العلم: مجهول. قلت: وذكره الطوسيُّ في رجال الشيعة. وقال: روى عن جعفر الصادق، وسَمَّى جَدَّه ونسبه فقال: الحارث بن غصين بن هنب الثقفيُّ الكوفيّ. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: روى عنه حسين بن علي الجعفيّ\".\n(^٥) هو سليمان بن مهران أبو محمد الأسديُّ الكاهليُّ مولاهم الكوفيّ الأعمش. يقال: أصله من طبرستان وولد بالكوفة. ولد يوم قتل الحسين - ﵁ - وذلك يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ. قال شعبة: ما شفاني أحدٌ في الحديث ما شفاني الأعمش. وقال ابن عمار: ليس في المحدثين أثبت من الأعمش. وكان من النساك لم تفته تكبيرة الإحرام سبعين سنة. لكنه كان يدلِّس. مات - ﵀ - سنة ١٤٧، أو ١٤٨ هـ. انظر: سير ٦/ ٢٢٦، تهذيب ٤/ ٢٢٢، تقريب ص ٢٥٤.\n(^٦) هو طلحة بن نافع القرشيُّ مولاهم، أبو سفيان الواسطيّ، ويقال: المكيُّ الإسكاف. قال ابن حجر ﵀: \"صدوق، من الرابعة\". انظر: سير ٥/ ٢٩٣، تهذيب ٥/ ٢٦، تقريب ص ٢٨٣.","vol":"5","page":2101},{"text":"عبد الله - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مَثَلُ أصحابي في أمتي مثل النجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\".\nوروى نعيم بن حماد الخزاعي (^١) عن عبد الرحيم بن زيد العَمِّيِّ (^٢) عن أبيه (^٣) عن سعيد بن المسيَّب عن عمر مرفوعًا: \"سألت ربي فيما اختلف فيه أصحابي مِن بعدي، فأُوحي إليَّ: يا محمد إنَّ أصحابك عندي بمنزلة النجوم بعضها أضوأ من بعض، فمَنْ أخذ بشيء مما هم عليه على اختلافهم - عِنْدي على هدى\".\nوهذا حديث قال فيه أحمد: لا يصح ثم إنه منقطع، فإن ابن المسيب لم يسمع مِنْ عمر شيئًا.\nوأجاب: بأن الخطاب ليس لجميع الصحابة ولا للمجتهدين (^٤) منهم؛\n_________\n(^١) هو نعيم بن حَمَّاد بن معاوية بن الحارث الخزاعيُّ، أبو عبد الله المروزيّ. نزيل مصر. قال ابن حجر: \"صدوق يخطئ كثيرًا، فقيه عارف بالفرائض، من العاشرة، مات سنة ثمان وعشرين على الصحيح، وقد تتبع ابن عديِّ ما أخطأ فيه، وقال: باقي حديثه مستقيم\". أي: مات سنة ٢٢٨ هـ. انظر: تهذيب ١٠/ ٤٥٨، تقريب ص ٥٦٤.\n(^٢) قال ابن حجر - ﵀ - في التقريب ص ٣٥٤: \"عبد الرحيم بن زيد بن الحواريُّ العَمِّيُّ - بفتح المهملة وتشديد الميم - البصريّ، أبو زيد. متروك، كذَّبه ابن معين، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين\" أي: ١٨٤ هـ. وانظر: تهذيب ٦/ ٣٠٥.\n(^٣) قال ابن حجر في التقريب ص ٢٢٣: \"زيد بن الحَوَارِيُّ، أبو الحواريُّ العَمِّيُّ البصريّ. قاضى هَرَاة، يقال: اسم أبيه مرة. ضعيف، من الخامسة ٤\" أي: توفي بعد المائة، وروى له أصحاب السنن الأربعة. وانظر: تهذيب ص ٤٠٧.\n(^٤) في (ت)، و(غ): \"المجتهدين\".","vol":"5","page":2102},{"text":"إذ ليس اتباعُ واحدٍ منهم للآخر أولى من العكس، فتعيَّن أن يكون الخطاب مشافهةً للعوام الذين في عصر الصحابة (^١)، وإذا كان كذلك وقد انقرضوا فعوامُّ العصر الثاني وخواصُّهم غير مخاطبين بهذا الحديث.\nولم يذكر الإمام هذا الجواب، (بل أجاب بتخصيص الحديث بتوقف الصحابة في الحكم حال الاستدلال) (^٢)، مع عدم جواز الاقتداء في ذلك بعد انعقاد الإجماع، فوجب تخصيص محل النزاع (^٣) عنه، والجامع بينهما تصحيح الإجماع المنعقد أخيرًا (^٤).\nولك أن تقول على جواب المصنف: خطابُ المشافهة يعم كلَّ العوام، (وإلا لزم أن لا يكونوا مخاطبين) (^٥)، وليس كذلك (^٦).\nوعلى جواب الإمام: أنه إذا خُصَّ من العموم صورة لا يلزم تخصيصُ غيرها. وهذا ذكره القرافي (^٧).\n_________\n(^١) أي: عوامُّ الصحابة الذين خُوطبوا بذلك الكلام مشافهةً هم المقصودون بالحديث دون غيرهم؛ لأن خطاب المشافهة لا يتناول مَنْ يَحْدث بعدهم. انظر: نهاية السول ٣/ ٢٩٣.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"الإجماع\". وهو خطأ، والكلمة المثبتة من \"المحصول\"، ولم أضعها بين قوسين؛ لكون هذا خطأ قطعيًا؛ إما من النساخ، أو من المؤلف بسبب سبق القلم. والله أعلم.\n(^٤) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ١٩٩.\n(^٥) في (ص): \"وإلا لزم أن لا يكونوا (كذا يكون) مخاطبين\". وهذه الزيادة خطأ، لا معنى لها.\n(^٦) انظر نهاية السول ٣/ ٢٩٣، وانظر سلم الوصول ٣/ ٢٩٣.\n(^٧) انظر نفائس الأصول ٦/ ٢٦٧١.","vol":"5","page":2103},{"text":"وقد يقول مَنْ ينصر الإمام: إذ خُصَّت صورةٌ لمعنىً وُجِد في صورةٍ أخرى - قيست على المخصوصة، وأُخْرِجت من العموم.\nويُفَرِّق مَنْ يَعضد القرافي: بأن الاقتداء بهم في (التوقف مُخِلٌّ بمقصود التكليف؛ فلذلك امتنع، بخلاف الاقتداء بهم في) (^١) القول الآخر.\nوثالثها: وإليه الإشارة بقوله: \"إجماعٌ على التخيير\"، أنَّ في ضِمْن اختلاف أهل العصر الأول الاتفاقَ على جواز الأخذ بأيهما أُريد، فلو انعقد الإجماع الثاني لتدافع الإجماعان.\nوأجاب: بأنَّ إجماعهم على التخيير بين القولين مشروطٌ بأن لا يحدث إجماع، فلما زال الشرط بحصول (^٢) الإجماع زال المشروط وهو التخيير (^٣).\nالحالة الثانية: وليست في الكتاب، أن يختلف أهل العصر ثم يقع الرجوع منهم بأعيانهم. فقيل: ليس بحجة. وقيل: حجة يحرم مخالفته وهو مختار الإمام (^٤)؛ ولقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ\n_________\n(^١) سقطت من (ت).\n(^٢) في (غ): \"لحصول\".\n(^٣) هذا الجواب الذي ذكره الشارح - ﵀ - موجود في بعض نسخ \"المنهاج\"، وفي بعض النسخ أجاب البيضاويُّ بقوله: \"قلنا: ممنوع\". وانظر الإسنوي - ﵀ - في شرح هذا الجواب، وانظر نهاية السول ٣/ ٢٩٤، وانظر: السراج الوهاج ٢/ ٨٢٤، شرح الأصفهاني ٢/ ٦١٤.\n(^٤) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ١٩٠، وقد سبق ذكر الخلاف في هذه المسألة، في مسألة اتفاق أهل العصر الواحد بعد استقرار الخلاف بينهم، وكنت قد نبهتُ على وَهَمٍ للشارح - ﵀ - هناك في عَزْوه للإمام عدمَ جواز الإجماع لأهل العصر الواحد بعد استقرار الخلاف بينهم، وهنا قد أصاب الشارح في عَزْوه للإمام، فسبحان مَن =","vol":"5","page":2104},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١). وعليك باعتبار الأوجه (^٢) المتقدمة، وأجوبتها هنا.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-509>(الخامسة: (إذا اختلفت الأمة) (^٣) على قولين فماتت إحدى الطائفتين - يصير قول الباقين حجة؛ لأنهم كل الأمة)</span>.\nإذا اختلفت الأمة على قولين، ثم ماتت إحدى الطائفتين أو كفرت، قال الإمام وأتباعه: يصير القول الآخر مجمعًا عليه (^٤)؛ لأنه عند الموت أو الكفر (^٥) يتبين اندراج قول تلك الطائفة الأخرى تحت أدلة الإجماع؛ لصيرورتهم حينئذ كلَّ الأمة.\nوإنما قلت: عند الموت، ولم أقل: بالموت؛ لسؤال يُورَد فيقال: يلزم أن يكون قولُ الباقين حجةً لأجل موت أولئك، وليس موتهم مناسبًا لكون قول الباقين حجة (^٦).\n_________\n= لا يضل ولا ينسى.\n(^١) سورة النساء: الآية ١١٥.\n(^٢) في (ص): \"الأجوبة\". وهو خطأ.\n(^٣) في نهاية السول ٣/ ٢٩٤: \"إذا اختلفوا\". وفي شرح الأصفهاني ٢/ ٦١٦، ومعراج المنهاج ٢/ ٩٩: \"إن اختلفوا\".\n(^٤) وبه قال الباجي وأبو الخطاب الكلوذاني، وأبو الحسين البصري. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٠٣، الحاصل ٢/ ٧٠٣، التحصيل ٢/ ٦٢ - ٦٣، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٥١، إحكام الفصول ص ٤٩٦، التمهيد ٣/ ٣٠٨، المعتمد ٢/ ٤٢.\n(^٥) في (ت): \"والكفر\".\n(^٦) هذا السؤال يرد اعتراضًا على الإمام - ﵀ - الذي عَبَّر بالباء، فقال: \"لأنَّ بالموت ظَهَر اندراجُ قولِ ذلك القسم وحدَه تحت أدلة الإجماع\". المحصول ٢/ ق ١/ ٢٠٣.","vol":"5","page":2105},{"text":"وجوابه: أن قولهم صار حجة عند الموت؛ لأنه إذ ذاك قول كلِّ المؤمنين، لا بالموت (^١).\nوقال الآمديّ: إنه لا يكون إجماعًا (^٢). ذَكَره في آخر المسألة الثانية\n_________\n(^١) استفاد الشارح هذه النكتة من صفي الدين الهندي - ﵀ - حيث يقول: \"والمختار أنه يصير مجمعًا عليه لا بالموت والكفر، بل عندهما؛ لاندراجه تحت أدلة الإجماع\". نهاية الوصول ٦/ ٢٥٥١. ومع هذا فلم ينبِّه إلى هذه النكتة الإسنوي، ولا الجاربردي، ولا العِبْري، ولا الجزري - ﵏ جميعًا - فهي من محاسن هذا الشرح الكثيرة، لكن قال الأصفهاني في شرحه ٢/ ٦١٦: \"لأن عند موت إحدى الطائفتين يصير قول الطائفة الأخرى قول كل الأمة الموجودين\"، فعبَّر - ﵀ - بالتعبير الصحيح دون أن يُشير إلى الملحظ. انظر: نهاية السول ٣/ ٢٩٤، السراج الوهاج ٢/ ٨٢٤، معراج المنهاج ٢/ ٩٩، شرح العِبْري ٢/ ٣٣٩.\n(^٢) وهو قول الأكثرين، وبه قال القاضي أبو بكر، والقاضي أبو يعلى، وذكرا أنه محلُّ وفاق. قال الزركشي: \"وصححه القاضي في \"التقريب\" قال: لأن الميت في حكم الباقي الموجود، والباقون مِنْ مخالفيه هم بعض الأمة لا كلُّها. وقال في \"المستصفى\": إنه الراجح. وجزم الأستاذ أبو منصور البغداديّ في كتاب \"عيار الجدل\"، وكذا الخوارزميّ في \"الكافي\" قال: لأنه بالموت لا يخرج عن كونه من الأمة. ونقل أبو الحسين السهيليّ في \"أدب الجدل\" الخلاف في هذه المسألة ثم قال: وقال بعضهم - وهو أقوى الطرق -: إن هذه المسألة مبنية على أنَّ الصحابة إذا اختلفوا على قولين، ثم أجمع التابعون على أحدهما - فقيل: يصير إجماعًا. وفيه قولان: فإن قلنا: يصير - فكذلك ها هنا. وإن قلنا بالمنع ثَمَّ (أي: هناك في إجماع التابعين) فكذلك ها هنا؛ لأنَّ خلاف مَنْ مات لا ينقطع\". البحر المحيط ٦/ ٥٠٦. وانظر: التلخيص ٣/ ٨٩، نفائس الأصول ٦/ ٢٦٧٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٤١، ٤٢، المستصفى ١/ ٢٠٢، بيان المختصر ١/ ٦٠٦، المسودة ص ٣٢٤، شرح الكوكب ٢/ ٢٧٤.","vol":"5","page":2106},{"text":"والعشرين (^١).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-510>(السادسة: إذا قال البعض وسكت الباقون - فليس بإجماعٍ ولا حجة</span>. وقال أبو علي: إجماعٌ بعدهم. وقال ابنه (^٢): هو حجة.\nلنا: ربما سكت لتوقفٍ أو خوفٍ أو تصويبِ كلِّ مجتهد. قيل: يتمسك بالقول المنتشِر ما لم يُعرف له مُخَالِفًا. وجوابه: المنع وأنه إثبات الشيء بنفسه).\nإذا قال بعض المجتهدين قولًا في المسائل التكليفية الاجتهادية، وعَرَفه الباقون وسكتوا (^٣) عن الإنكار (^٤) - فإن ظهرت عليهم أمارات الرضا بما ذهبوا إليه: فهو إجماع بلا خلاف (^٥). قاله القاضي عبد الوهاب من المالكية، والقاضي الرُّويانيُّ من أصحابنا (^٦).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ١/. . .\n(^٢) في (ص): \"أنه\".\n(^٣) بعد مضِيِّ مُهلةِ النظر عادة. انظر: المحلي على الجمع ٢/ ١٩١، شرح الكوكب ٢/ ٢٥٤، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٢.\n(^٤) وذلك قبل استقرار المذاهب في تلك الحادثة، فأما بعد استقرارها فلا أثر للسكوت قطعًا، كإفتاء مقلِّدٍ سكت عنه المخالفون للعلم بمذهبهم ومذهبه، كشافعي يفتي بنقض الوضوء بمس الذكر، فلا يدل سكوتُ الحنفي عنه على موافقته؛ للعلم باستقرار المذاهب.\nانظر: البحر المحيط ٦/ ٤٧٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٢.\n(^٥) انظر: الحاوي ١/ ٢٦، القواطع ٣/ ٢٧٨، نشر البنود ٢/ ١٠١.\n(^٦) انظر: نفائس الأصول ٦/ ٢٦٩١، البحر المحيط ٦/ ٤٧١.","vol":"5","page":2107},{"text":"وقضية ذلك (^١): أنه إنْ ظهرت عليهم أمارات السخط لا يكون إجماعًا بلا نزاع. وكلام الإمام كالصريح في أنَّ الخلاف جارٍ وإنْ ظهرت أمارات السخط، فإنه قال: \"السكوت يحتمل وجوهًا سوى الرضا\"، وعَدَّ منها أن يكون في باطنه مانعٌ من إظهار القول، قال: \"وقد يظهر عليه قرائن السخط\" (^٢).\nوالأشبه أنَّ هذا ليس من محل الخلاف (^٣) (^٤).\nوإن لم يظهر عليهم شيءٌ سوى السكوت (^٥) ففيه مذاهب:\n_________\n(^١) أي: ومقتضى ذلك.\n(^٢) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢١٦. وجه الدلالة في كلام الرازي ﵀: أنه استدل على نفي الإجماع السكوتي ونفي حجيته بأن سكوت المجتهدين قد يكون مصحوبًا بظهور قرائن السخط، ولولا أن الخصم يقول بالحجية في تلك الحالة - لما استدل الإمام على نفيها؛ إذ الاستدلال على الخصم لا يكون إلا في قول يقول به، ويكون محلَّ نزاعٍ بين الطرفين.\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) انظر: المحلي على الجمع ٢/ ١٩١، شرح الكوكب ٢/ ٢٥٤، البحر المحيط ٦/ ٤٥٦، نشر البنود ٢/ ١٠١.\n(^٥) غير المتكرر، فأما إن تكرار السكوت بتكرر الفتيا مع طول الزمن - فإنَّ ظَنَّ عدمِ مخالفتِهم يترجَّح، بل يُقطع بها. ذكره إمام الحرمين وإلكيا. قال الزركشي ﵀: \"وصَرَّح بذلك أيضًا التِّلِمْسانيّ في \"شرح المعالم\"، وأنه (أي: السكوت المتكرر) ليس من محل الخلاف، بل هو إجماعٌ وحجة عند الشافعيّ ﵀. قال: ولهذا استدل على إثبات القياس وخبر الآحاد بذلك لكونه في وقائع. وتوهم الإمامُ في \"المعالم\" أن ذلك تناقض من الشافعي، وليس كذلك\". البحر المحيط ٦/ ٤٧٢. وانظر: نهاية السول ٣/ ٢٩٦ - ٢٩٧، البرهان ١/ ٧٠٥ - ٧٠٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٠.","vol":"5","page":2108},{"text":"أحدها: أنه ليس بإجماع ولا حجة. وبه قال الغزاليُّ، والإمام وأتباعه (^١)، ونقله هو والآمديُّ عن الشافعيّ (^٢)، لكن قال الرافعيّ: \"المشهور عند الأصحاب أن الإجماع السكوتيَّ حجةٌ؛ لأنهم لو لم يساعدوه لاعترضوا عليه. وهل هو إجماع أوْ لا؟ فيه وجهان\" (^٣).\nوقال الشيخ أبو إسحاق في \"شرح (^٤) اللمع\": \"إنه إجماعٌ على المذهب\" (^٥).\n_________\n(^١) انظر: المستصفى ١/ ١٩١، المحصول ٢/ ق ١/ ٢١٥، الحاصل ٢/ ٧٠٧، التحصيل ٢/ ٦٦، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٦٧، المعالم ص ١٣١.\n(^٢) انظر: الإحكام ١/ ٢٥٢، وكذا نسبه إلى الشافعي إمام الحرمين وقال: \"إنه ظاهر مذهبه\". وقال الغزاليُّ في المنخول ص ٣١٨: \"قال الشافعيّ - ﵁ - في الجديد: لا يكون إجماعًا؛ إذ لا يُنسب إلى ساكتٍ قول\". وقال القاضي أبو بكر: \"وللشافعي - ﵁ - ما يدل على المذهبين، وآخر أقواله استقرَّ على أنه ليس بإجماع، فإنه قال: لا يُنسب إلى ساكتٍ قول\"، وقد اختار هذا القول القاضي، وكذا إمام الحرمين، وبه قال داود والأشعريّ، وعيسى بن أبان من الحنفية، وبعض المعتزلة منهم أبو عبد الله البصريّ.\nانظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٢٩، التلخيص ٣/ ٩٨، ٩٩، البرهان ١/ ٦٩٩، ٧٠١، البحر المحيط ٦/ ٤٥٦ - ٤٦٠، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٦٧، اللمع ص ٩٠.\n(^٣) انظر: البحر المحيط ٦/ ٤٦٠، ٤٦١، وذكر الماورديُّ أن في المسألة قولين. انظر: الحاوي ١/ ٢٦.\n(^٤) سقطت من (ص).\n(^٥) انظر: شرح اللمع ٢/ ٦٩١، اللمع ص ٩٠. قال الزركشيّ في البحر المحيط ٦/ ٤٦٠: \"وقال الرُّويانيّ في أوائل \"البحر\": إنه حجة مقطوعٌ بها، وهل يكون إجماعًا؟ =","vol":"5","page":2109},{"text":"والثاني: أنه إجماع بعد انقراض العصر. وبه قال أبو عليٍّ الجبائي، والإمام أحمد (^١)، وهو أحد الوجهين عندنا (^٢)، كما نقله الرافعيّ (^٣).\nوالثالث: أنه حجة وليس إجماعًا. وذهب إليه أبو هاشم بن (^٤) أبي علي (^٥)، وهو المشهور عند أصحابنا كما نقل الرافعي (^٦). وهل المراد بذلك\n_________\n= فيه قولان، وقيل: وجهان: أحدهما: وبه قال الأكثرون، أنه يكون إجماعًا؛ لأنهم لا يسكتون على المنكر. والثاني: المنع؛ لأن الشافعيَّ - ﵀ - قال: لا ينسب إلى ساكتٍ قول. قال: وهذا الخلاف راجعٌ إلى الاسم؛ لأنه لا خلاف أنه حجة يجب اتباعه، ويحرم مخالفته\". فالشافعية متفقون على الحجية، مختلفون في التسمية. وذهب إلى أنه إجماع وحجة أكثر الحنفية والمالكية. انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٤٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٢، إحكام الفصول ص ٤٧٣ - ٤٧٤.\n(^١) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢١٥، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٦٨، شرح الكوكب ٢/ ٢٥٤، المسودة ص ٣٣٥.\n(^٢) انظر: شرح اللمع ٢/ ٦٩٨.\n(^٣) لكن في البحر المحيط ٦/ ٤٦٣: \"وقال الرافعيّ: إنه أصح الأوجه عند الأصحاب\"، وقال الزركشيُّ أيضًا: \"ونقله الأستاذ أبو طاهر البغداديّ عن الحذّاق من أصحابنا. واختاره ابن القطان\". البحر ٦/ ٤٦٣، وانظر: الحاوي ١/ ٢٥.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) المحصول ٢/ ق ١/ ٢١٥، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٦٨.\n(^٦) ونقله الشيخ أبو إسحاق وابن برهان وصفي الدين الهندي عن الصيرفيّ من الشافعية، وهو مذهب الكرخي من الحنفية. انظر: اللمع ص ٩٠، شرح اللمع ٢/ ٦٩١، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٦٨، البحر المحيط ٦/ ٤٦٠ - ٤٦١، قواطع الأدلة ٣/ ٢٧٢، كشف الأسرار ٣/ ٢٢٩.","vol":"5","page":2110},{"text":"أنه دليل آخر من أدلة الشرع غير الإجماع، أو أنه ليس بإجماعٍ قطعي بل ظني؟\nالنظر مضطرب في ذلك، ويؤيِّد الأول قولُ الماوردي: \"والقول الثاني: أنه لا يكون إجماعًا. قال الشافعي: مَن نسب إلى ساكتٍ قولًا فقد كذب عليه\" (^١)، فاقتضى أن يكون (^٢) الساكت لا يُنسب إليه قولٌ لا ظنًا ولا قطعًا. ويعضد الثاني قولُ أبي عمرو بن الحاجب في \"المختصر الكبير\": هو حجة وليس بإجماع قطعي (^٣).\nوالرابع: وذهب إليه أبو علي بن أبي هريرة: إنْ كان هذا القول مِنْ حاكمٍ لم يكن إجماعًا ولا حجة، وإلا فإجماع؛ لأن الاعتراض على الحاكم ليس من الأدب فلعل السكوت كان لذلك. وأيضًا فالحكم في المختلف فيه لا يُنكر ويصير (^٤) مُجْمعًا عليه، بخلاف الفتيا (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) انظر: الحاوي ١/ ٢٦.\n(^٢) سقطت من (ص).\n(^٣) انظر: منتهى السول والأمل في علمي الأصول والجدل ص ٥٨.\n(^٤) في (ص)، و(غ): \"ويُصَيِّره\".\n(^٥) قال القرافيُّ مُعَلِّلًا قولَ ابن أبي هريرة ﵀: \"لأن الحاكمَ كثيرُ الفحص عن رعيته، فيعلم من الأسباب والأحوال ما لم يطلع عليه غيرُه، فربما كان ظاهر حكمه على خلاف الإجماع؛ لأجل ما خَفِيَ عن غيره، وهو حقّ، فهو يعتمد في حُكمه أسبابًا وأحوالًا ومدارك شرعية، وربما أداه إلى ترجيح ما هو مرجوحٌ في غير هذه الصورة\". ومن أجل هذه العِلَل لا يحسن الإنكار عليه، فربما يكون سكوت المجتهد لذلك، ثم قال القرافي: \"وأما غير الحاكم فلا يحكم إلا بالأدلة الشرعية فقط، وغيره يُشاركه في ذلك، فلو أخطأ لردَّ عليه غيره\". نفائس الأصول ٦/ ٢٦٨٩، وانظر: شرح تنقيح الفصول ص ٣٣١.\n(^٦) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢١٥، البحر المحيط ٦/ ٤٦٣.","vol":"5","page":2111},{"text":"والخامس: عكس ذلك؛ لأن الحكم إنما يصدر بعد بحث واتفاق (^١) بعد الكلام مع العلماء وتصويبهم لذلك، فإذا سكتوا عن الحكم جُعل ذلك (^٢) إجماعًا. وأما الفتيا فلا يُحتاط فيها كالحكم. وذهب إلى هذا (أبو إسحاق المروزي) (^٣).\nثم استدل صاحب الكتاب على ما ذهب إليه هو وإمامه من أنه ليس بإجماع ولا حجة: بأن السكوت يحتمل وجوهًا سوى الرضا، وهي كثيرة:\nأحدُها: أنه كان في مُهلة النظر.\nوالثاني: أن يكون في باطنه مانع من إظهار القول وهو الخوف.\nوالثالث: أن يعتقد أنَّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ فلا يرى الإنكار فرضًا.\nوقد ذَكَر هذه الأوجه في الكتاب.\n_________\n(^١) في (ص): \"وإتقان\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) في (ت)، و(غ): \"الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني\". وقد رجَّع الزركشيُّ أن قائل هذا القول هو أبو إسحاق المروزيّ؛ لأن ابن القطان نقله عن أبي إسحاق المروزيّ، وابن القطان أقدم من أبي إسحاق الإسفراييني. انظر: البحر المحيط ٦/ ٤٦٥. وقد نسب هذا القول لأبي إسحاق المروزي ابنُ السمعاني في القواطع ٣/ ٢٧٧، والشارحُ نفسُه في جمع الجوامع. انظر: المحلي على الجمع ٢/ ١٨٩، ونسبه لأبي إسحاق الإسفراييني الهنديُّ في نهاية الوصول ٦/ ٢٥٦٨، إلا أن الزركشي اعترض عليه بما سبق ذِكْره.","vol":"5","page":2112},{"text":"والرابع: ربما رآه قولًا سائغًا (^١) لمن أداه إليه اجتهاده وإن لم يكن موافقًا عليه.\nوالخامس: ربما أراد الإنكار، ولكنه ينتهز فرصة التمكن منه، ولا يرى المبادرة إليه مصلحةً.\nوالسادس: أنه لو أنكر لم يُلْتفت إليه.\nوالسابع: ربما سكت لظنِّه أنَّ غيره قام مقامَه في ذلك، وإنْ كان قد غَلِط فيه.\nوالثامن: ربما رأى ذلك الخطأ من الصغائر فلم يُنْكِر (^٢).\nوإذا احتمل السكوت هذه الجهات كما احتملِ الرضا - علمنا أنه لا يدل على الرضا لا قطعًا (ولا ظاهرًا) (^٣) وهذا معنى قول الشافعي - ﵁ -: لا\n_________\n(^١) في (ص): \"شائعًا\". وهو خطأ، والمُثْبت موافق لما في المحصول ٢/ ق ١/ ٢١٦، ونهاية الوصول ٦/ ٢٥٦٩. وهما من مصادر الشارح.\n(^٢) أي: فلا يرى في ترك الإنكار قدحًا في عدالته؛ لأن ترك الإنكار على الصغيرة صغيرة. كذا ذكر تعليلَ هذا الاحتمال صفي الدين الهندي. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٥٦٩. لكن قال القرافي في نفائس الأصول (٦/ ٢٦٩١) ردًّا على قول الإمام الذي ذكره الشارح في السبب الثامن: \"هذا غير مُتَّجه؛ فإن الإنكار واجبٌ في الصغائر إجماعًا، وكذلك التعزير، وإنما لا يفسَّق بها العدلُ فقط\". فلا يلزم من عدم القدح في العدالة أن لا يُنكِر؛ لأن الباعث على الإنكار حاصل وهو حرمة السكوت، سواء كانت تقدح في العدالة، أو لا تقدح. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٥٧٢.\n(^٣) في (ص): \"ولا ظنًا هذا\". ويتضح من نسخة (ص) أنَّ ناسخها حَرَّف كلمة =","vol":"5","page":2113},{"text":"يُنسب إلى ساكتٍ قول (^١) (^٢).\nولقائل أن يقول: أما أنها لا تدل على الرضا قطعًا فمسلم، وأما ظاهرًا فممنوعٌ؛ إذ هذه الاحتمالات مرجوحةٌ بالنسبة إلى احتمال الرضا، وذلك ظاهر (^٣). ومنها ما هو ظاهر الفساد كالثامن، فإن الصغيرة يجب إنكارها كما يجب إنكار الكبيرة.\nقال القرافي: وقد اختلف الناس في المندوبات والمكروهات هل يدخلها الأمر والإنكار أمْ لا؟ وأما الواجبات والمحرمات صغائر كانت أم كبائر - فيدخلها الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر إجماعًا (^٤).\n_________\n= \"ظاهرًا\" إلى هذا التعديل؛ لأنه ظن أن \"ولا ظا\" أن النون أُسقطت من بعد الظاء، فعدَّلها إلى \"ولا ظنًا\"، ثم لما كتب \"هرا\" هكذا في نسخة (ص) - عَدَّلها ووضع للراء نبرة الذال ونقطة، لتكون \"هذا\"، ومن الواضح أنَّ كلمة \"هذا\" لا حاجة لها هنا، فهذا يؤكِّد تَصَرُّف ناسخ (ص) وتخريفَه للكلمة. ويزيد هذا التأكيد صحةً أن الشارح - ﵀ - نَقَل كلامَه هذا بحروفه من المحصول ٢/ ق ١/ ٢٢٠، والموجود فيه \"ولا ظاهرًا\" على أن \"ولا ظنًا\" لا تنافي من جهة المعنى \"ولا ظاهرًا\" لأنَّ الظن هو الطرف الراجح، وهو المراد بالظهور، لكن الخطأ جاء من جهة التصرف والتحريف.\n(^١) انظر الزركشي - ﵀ - البحر المحيط ٦/ ٤٥٦ - ٤٥٧، وانظر: البرهان ١/ ٧٠١.\n(^٢) انظر الأوجه الثمانية في: المحصول ٢/ ق ١/ ٢١٦ - ٢٢٠، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٦٩.\n(^٣) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٥٧٠، نفائس الأصول ٦/ ٢٦٩١.\n(^٤) لم أقف على مكان هذا النص. وفي الفروق ٤/ ٢٥٧: \"المندوبات والمكروهات يدخلها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سبيل الإرشاد للورع ولِمَا هو أولى، من غير تعنيف ولا توبيخ، بل يكون ذلك من باب التعاون على البر =","vol":"5","page":2114},{"text":"واحتج أبو هاشم بما ذكره في الكتاب: من أنَّ الناس في كل عَصْر يحتجون بالقول المنتشر في الصحابة إذا لم يُعرف (^١) له مخالف.\nوجوابه: أنَّ ذلك ممنوع (^٢)، ولو سلِّم فالاستدلال به إنما يتم أن لو كان الإجماع السكوتي حجة؛ إذ هو عينه (^٣)، فلو أثبتم الإجماع السكوتي به لأثبتم الشيء بنفسه (^٤). وفي عبارة المصنف - كما قال الجاربردي - تساهل؛ لأنه إثباتٌ للشيء بفردٍ من أفراده لا بنفسه (^٥). ولم يذكر المصنف حجةَ أبي عليٍّ والردَّ عليها؛ لأنه إذا بطل كونه حجةً بطل كونه إجماعًا. وهذا مِنْ حسن الاختصار ﵀ ورضي عنه.\nقال: (فرع: قول البعض فيما تعم به البلوى كقول البعض وسكوت الباقين).\nهذه المسألة فيما إذا قال بعض أهل العصر قولًا، ولم يُعلم له مخالف، ولا أنه بَلَغ جميعَ أهل العصر (^٦). وليست مختصةً بعصر الصحابة، على\n_________\n= والتقوى\".\n(^١) في (ت): \"يظهر\".\n(^٢) نظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٢١.\n(^٣) أي الإجماع السكوتي هو عين القول المنتشر في الصحابة الذي لم يُعرف له مخالف.\n(^٤) انظر: نهاية السول ٣/ ٣٠١، شرح الأصفهاني ٢/ ٦١٩.\n(^٥) انظر: السراج الوهاج ٢/ ٨٢٧.\n(^٦) أي: انتشر ذلك القول، ولكن لا نعلم بأنه بلغ جميعَ أهلِ ذلك العصر. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٥٧٥، التحصيل ٢/ ٦٧. وقال الإسنوي: \"إذا قال بعض المجتهدين قولًا ولم ينتشر ذلك القول بحيث يُعلم أنه بلغ الجميع، ولم يُسمع من أحدٍ ما يخالفه\".","vol":"5","page":2115},{"text":"خلاف ما صَوَّره الإمام (^١). وتلك المسألة فيما إذا نُقِل أنه بَلَغ جميعهم وسكتوا عليه.\nوفي هذه المسألة ثلاثة مذاهب:\nأحدها: أنه ليس بإجماع ولا حجة (^٢)؛ لأنَّ الإجماع السكوتي إنما كان حجة وإجماعًا لأن بعضَهم قال الحكم وسكت الباقون مع العلم به، فلو كان ذلك الحكم خطأ لحرم عليهم السكوت عن الإنكار، فالسكوت دليل الرضا. وهنا لا يمكن حمل السكوت على الرضا؛ لاحتمال أن يكون ذلك لعدم العلم به.\nوثانيها: أنه كالسكوتي حتى يجري فيه الخلاف المتقدم؛ لأن الظاهر مع الاشتهار وصولُه إليهم (^٣).\nوثالثها: وهو الحق عند الإمام وأتباعه - وبه جَزَم - منهم المصنف: أنَّ هذا القول إنْ كان فيما يعم به البلوى، كنقض الوضوء بمس الذكر - كان كالسكوتي؛ إذ لا بد لمن انتشر فيهم من قولٍ لكنه لم يَظْهر، وإلا لم\n_________\n= نهاية السول ٣/ ٣٠١ - ٣٠٢. فقول الإسنوي: \"ولم ينتشر ذلك القول بحيث يعلم أنه بلغ الجميع\" - ليس فيه نفيٌ لأصل الانتشار، بل نفي للانتشار الذي يتحقق به بلوغ الجميع.\n(^١) وكذا صاحب \"الحاصل\". انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٢٣، الحاصل ٢/ ٧٠٩.\n(^٢) وهو رأي الأكثرين، واختاره الآمدي.\nانظر: الإحكام ١/ ٢٥٥، منتهى السول والأمل ص ٥٩، العضد على ابن الحاجب ١/ ٣٧.\n(^٣) انظر: نهاية السول ٣/ ٣٠٢.","vol":"5","page":2116},{"text":"يكن إجماعًا ولا حجة؛ لاحتمال ذهول البعض عنه (^١).\nواعلم أنَّ الآمديَّ صَوَّر المسألة بما إذا ذهب واحدٌ من أهل العصر إلى حكمٍ ولم ينتشر بين أهل العصر، لكنه لم يُعْرف له مخالف. وتبعه ابن الحاجب في شرطه عدمَ الانتشار (^٢). وظاهر كلام الإمام وصَرَّح به صفي الدين الهندي تصويرُ المسألة بما إذا انتشر.\nواعلم أنه لا مخالفة بين الكلامين؛ فإنَّ الانتشار في كلام [الإمام] (^٣) (محمول على الشهرة وإن لم يُعلم أنه بلغ الجميع، والانتشار المنفي في كلام الآمدي) (^٤) هو الانتشار بحيث يبلغ الجميعَ ويسكتون عنه.\n_________\n(^١) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٢٣، الحاصل ٢/ ٧٠٩، التحصيل ٢/ ٦٧، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٧٥.\n(^٢) انظر: الإحكام ١/ ٢٥٥، العضد على ابن الحاجب ١/ ٣٧، منتهى السول والأمل ص ٥٩.\n(^٣) في (ت)، و(ص)، و(غ): \"الآمدي\". وهو خطأ؛ لأن الإمام هو الذي صَوَّر المسألة في حالة الانتشار لا الآمدي، فالظاهر أن التحريف من أحد النساخ. والله أعلم.\n(^٤) سقطت من (ت).","vol":"5","page":2117},{"text":"الباب الثالث: شرائط الإجماع","vol":"5","page":2119},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-511>(الباب الثالث: في شرائطه</span>.\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-512>الأولى: أن يكون فيه قول كلِّ عالمي ذلك الفن</span>؛ فإنَّ قول غيرهم بلا دليلٍ فيكون (^١) خطأ. فلو خالف واحد لم يكن سبيلَ الكل. وقال (^٢) الخياط وابن جرير وأبو بكر الرازيّ: المؤمنون يصدق على الأكثر. قلنا: مجازًا. قالوا: عليكم بالسواد الأعظم. قك: يوجب عدمَ الالتفات إلى مخالفة الثُّلُث (^٣».\nيُشترط في الإجماع في كل فنٍّ من الفنون أن يكون فيه قولُ كلِّ العارفين بذلك الفنِّ في ذلك العصر، فإنَّ قول غيرهم فيه يكون بلا دليلٍ؛ لجهلهم به، فيكون خطأ. فَيُشْترط في الإجماع على المسألة الفقهية قولُ جميع الفقهاء، والأصوليةِ قولُ الأصوليين، وهكذا (^٤).\nولا عبرةَ بقول العوامِّ (^٥) وفاقًا ولا خلافًا عند الأكثرين (^٦).\n_________\n(^١) في (ت): \"يكون\".\n(^٢) في (ت): \"قال\".\n(^٣) في (ص): \"الثلاث\".\n(^٤) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٨١ - ٢٨٢، البحر المحيط ٦/ ٤١٥.\n(^٥) المراد بالعوام: مَنْ عدا المجتهدين من العلماء.\nانظر: حاشية البناني على شرح المحلي للجمع ٢/ ١٧٧، القواطع ٣/ ٢٣٨، بيان المختصر ١/ ٥٤٧.\n(^٦) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٧٩، نهاية الوصول ٦/ ٢٦٤٨، الإحكام ١/ ٢٢٦، اللمع =","vol":"5","page":2121},{"text":"وقال الأقَلُّون: يُعتبر قولهم؛ لأن قول الأمة إنما كان حجةً لعصمتها عن الخطأ، ولا يمتنع (^١) أن تكون العصمة من صفات الهيئة الاجتماعية مِنَ الخاصة والعامة، وحينئذٍ لا يلزم مِنْ ثبوت العصمة للكل ثبوتُها للبعض الآخر (^٢). وهذا ما اختاره الآمديّ (^٣)، وهو مشهورٌ عن القاضي (نقله الإمام وغيره (^٤). وينبغي أن يُتمهل في هذه المسألة، فإنَّ الَّذي قاله القاضي) (^٥) في \"مختصر التقريب\" ما نَصُّه: \"الاعتبار في الإجماع بعلماء الأمة، حتى لو خالف واحدٌ من العوام ما عليه العلماء لم يُكترث بخلافه، وهذا ثابت اتفاقًا وإطباقًا؛ إذ لو قلنا: إنَّ خلاف العوام يقدح في الإجماع، مع أنَّ قولهم ليس إلا عن جهلٍ - أفضى هذا إلى اعتبار خلاف مَنْ يُعلم أنه قال عن غير أصلٍ. على أنَّ الأمة أجمعت علماؤها وعوامُّها أن خلاف العوامِّ لا مُعْتَبر به، وقد مَرَّ على هذا الإجماع عُصُر، فثبت بما قلناه أن لا مُعتبر بخلاف العوام\" انتهى (^٦) (^٧).\n_________\n= ص ٩٢، القواطع ٣/ ٢٣٨.\n(^١) في (ت): \"ولا يمنع\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) وبعض المتكلمين. انظر: القواطع ٣/ ٢٣٩، اللمع ص ٩٢، الإحكام ١/ ٢٢٦.\n(^٤) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٧٩، شرح التنقيح ص ٣٤١، إحكام الفصول ص ٤٥٩، منتهى السول والأمل ص ٥٥، بيان المختصر ١/ ٥٤٦، البحر المحيط ٦/ ٤١١.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في (ص): \"اهـ\".\n(^٧) انظر: التلخيص ٣/ ٣٨ - ٣٩.","vol":"5","page":2122},{"text":"فقد صَرَّح القاضي بقيام الإجماع على عدم الاعتبار بخلاف العوام. وقال في هذا الكتاب في الكلام على الخبر المرسَل: \"لا عبرة بقول العوامِّ وفاقًا ولا خلافًا\" (^١). انتهى.\nفإنْ قلت: فما هذا الخلاف المَحْكِي في (^٢) أنَّ قول العوام هل يُعتبر في الإجماع؟\nقلت: هو اختلاف في أنَّ المجتهدين إذا أجمعوا هل يصدق: أجمعت الأمة، ويُحكم بدخول العوام معهم تبعًا؟\nوهو خلاف لفظي في الحقيقة، وليس خلافًا في أنَّ مخالفتهم تقدح في قيام الإجماع، وكلام القاضي في \"مختصر التقريب\" ناطقٌ بذلك، فإنه حكى هذا الخلاف بعد كلامه المتقدم فقال ما نصه: \"فإنْ قال قائل: فإذا أجمع علماء الأمة على حكم من الأحكام فهل تُطْلِقون (^٣) القول بأن الأمة مُجْمِعَةٌ عليه؟\nقلنا: من الأحكام ما يحصل فيه اتفاق الخاصِّ والعامّ، نحو وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم، وغيرها مِنْ أصول الشريعة، فما هذا سبيله فيطلق القول بأن الأمة أجمعت عليه.\nوأما ما أجمع عليه العلماء من أحكام الفروع التي تَشُذُّ (^٤) عن العوام\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٢/ ٤٢٧.\n(^٢) في (ص): \"من\".\n(^٣) في (ت)، و(ص): \"يطلقون\".\n(^٤) انظر: لسان العرب ٣/ ٤٩٤، مادة (شذذ).","vol":"5","page":2123},{"text":"- فقد اختلف أصحابنا في ذلك:\nفقال بعضهم: العوام يدخلون في حكم الإجماع، وذلك أنهم وإن لم يعرفوا تفصيل الأحكام - فقد عرفوا على الجملة أنَّ ما أجمع عليه علماء الأمة في تفاصيل الأحكام فهو حق مقطوع به، فهذا مساهمةٌ منهم في الإجماع وإن لم يعلموا مواقعه على التفصيل.\nومِنْ أصحابنا مَنْ زعم: أنهم لا يكونون مساهمين في الإجماع؛ فإنه إنما يتحقق الإجماع في التفاصيل بعد العلم بها، فإذا لم يكونوا عالمين بها فلا يتحقق كونهم من أهل الإجماع.\nواعلم أنَّ هذا اختلافٌ يَهُون أمرُه، ويؤول إلى عبارة محضة (^١)، والجملة فيه: أنَّا إذا أدرجنا العوام في حكم الإجماع فيطلق القول بإجماع الأمة. وإن لم ندرجهم في حكم الإجماع، أو بَدَر من بعض طوائفِ العوامِّ خلافٌ - فلا يُطلق القولُ بإجماع الأمة؛ فإنَّ العوامَّ معظمُ الأمة وكثيرُها، بل إجماع (^٢) علماء الأمة (^٣) \". انتهى كلام القاضي (^٤).\nوكلام الغزاليِّ في \"المستصفى\" (^٥) لا ينافيه، فلْيُتأمل ولْيُضْبط ذلك،\n_________\n(^١) في (ص): \"مخصوصة\". وفي \"التلخيص\" ٣/ ٤٠: \"محصنة\". وكلاهما خطأ.\n(^٢) في (ص)، و(غ): \"أجمع\".\n(^٣) سقطت من (ت)، و(غ).\n(^٤) انظر: التلخيص ٣/ ٣٩ - ٤٠.\n(^٥) انظر: المستصفى ١/ ١٨١ - ١٨٢.","vol":"5","page":2124},{"text":"فهو مكانٌ حسنٌ، ولا ينبغي أن يُعتقد أنَّ مخالفة العوام تقدح، وموافقتهم تفتقر الحجةُ إليها، وكيف ذلك وهم يقولون لا عن دليل، فيكون قولهم خطأ، والخطأ لا يفتقر قيامُ الحجة إليه (^١).\nوإنْ شَبَّب مُشَبِّب (^٢) بما سَلَف من أنَّ العصمة إنما تثبت لمجموع الأمة؟\nقلنا: فماذا تقول في البُلْه والأطفال، أليس هم من الأمة! وهذا إلزامٌ لا محيص له عنه.\nهذا في العوام، وقد قلنا: إن الخلاف فيهم لفظي. ويمكن أن يقال: ينبني عليه (^٣) إذا لم يكن في العصر إلا مجتهدٌ واحد، فإن قلنا: العوام داخلون تبعًا (^٤) فهم داخلون معه فيكون إجماعًا، وإلا فلا يكون قوله إجماعًا؛ لما قدمناه في أول كتاب الإجماع مِنْ أنَّ الإجماع لا يصدق إلا من اثنين فصاعدًا.\nوأما الأصوليُّ الماهر المتصرِّف في الفقه:\n_________\n(^١) انظر الزركشي - ﵀ - البحر المحيط ٦/ ٤١٣.\nوانظر كلام الآمديّ - ﵀ - في الإحكام (١/ ٢٢٦)، وانظر: المعتمد ٢/ ٢٥ - ٢٦، المستصفى ١/ ١٨٢، المحصول ٢/ ق ١/ ٢٨٠.\n(^٢) يعني: إن زيَّن مُزَيِّن. انظر: لسان العرب ١/ ٤٨٢، مادة (شبب).\n(^٣) أي: على الخلاف اللفظي في هذه المسألة: هل نسميه إجماع الأمة، أو إجماع العلماء؟\n(^٤) أي: داخلون في الإجماع تبعًا لا استقلالًا، فاتفاق العلماء ينشأ عنه اتفاق العوام؛ لأنهم تَبَعٌ لهم.","vol":"5","page":2125},{"text":"فذهب القاضي إلى أنَّ خلافه معتبرٌ (^١). قال الإمام: \"وهو الحق\" (^٢).\nوذهب معظم الأصوليين إلى خلافه (^٣)؛ لأنه ليس من المفتين، ولو وقعت له واقعة للزمه أنَّ يستفتيَ المفتي فيها.\nواحتج القاضي: بأنه مِنْ أهل التصرف في الشريعة، يُسْتضاء برأيه، ويُستهدَى بنصحه، ويحضر مجلس الاشتوار (^٤)، وإذا كان كذلك فخلافه يشير إلى وجهٍ من الرأي مُعْتبر، وإذا ظهر اعتباره في الخلاف انبنى عليه اعتباره في الوفاق (^٥).\nواستبعد إمام الحرمين مذهب القاضي وقال: \"إذا أجمع المفتون وسكت المتصرِّفون - فيبعد أن يتوقف انعقاد الإجماع على مراجعتهم، فإن الذين لا (^٦) يستقلون بأنفسهم في جواب مسألةٍ، ويتعيَّن عليهم تقليدُ غيرهم - مِنَ المُحَالِ وجوبُ مراجعتِهم. وإنْ فُرض أنهم أبدوا وجهًا في التصرف فإنْ كان سالمًا فهو محمولٌ على إرشادهم وتهديتهم إلى سواء السبيل، وإنْ أبدوا قولهم إبداء مَن يراغم الإجماع فالإنكار يشتد عليهم\"،\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٣/ ٤١ - ٤٢.\n(^٢) وتابعه شيعته، والطوفي من الحنابلة.\nانظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٨٢، الحاصل ٢/ ٧٢٤، التحصيل ٢/ ٨٢، نهاية الوصول ٦/ ٢٦٥٢، مختصر الروضة ص ١٣٠.\n(^٣) انظر: البحر المحيط ٦/ ٤١٦، شرح الكوكب ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦.\n(^٤) في (ص): \"الاشوار\".\n(^٥) انظر: البرهان ١/ ٦٨٥ - ٦٨٦، التلخيص ٣/ ٤١ - ٤٢.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"5","page":2126},{"text":"قال: \"والقول المغني في ذلك أنه لا قول لمن لم يبلغ مبلغ المجتهدين، وليس بين من يقلَّد ومن يُقَلِّد مرتبةٌ ثالثة\"، ثم قال: \"والنظر السديد يتخطى كلامَ القاضي وعَصْرَه، ويترقى إلى العصر المتقدم ويُفْضي إلى مَدْرك الحق قبل ظهور هذا الخلاف. والتحقيقُ - خَالفَ القاضي أَوْ وافق - أنَّ المجتهدين إذا أطبقوا لم يُعَدّ خلاف (^١) المتصرِّفين مذهبًا مُحْتَفلًا به، فإنَّ المذهب لأهل الفتوى.\nفإنْ شَبَّب بأنَّ المتصرِّف الذي ذكره منْ أهل الفتوى - فالقولُ فيه يُشْرح في كتاب الفتوى، والكلام الكافي في ذلك أنه إنْ كان مفتيًا اعتُبِر خلافه\" (^٢).\nوأما المبتدع: (فإنْ كَفَّرناه) (^٣) ببدعته - فلا خلاف في أنه غير داخلٍ في الإجماع؛ لعدم دخوله في مسمى الأمة الشهود لهم بالعصمة، وإن لم يَعْلم هو كُفْرَ نفسِه (^٤). وعلى هذا (فلو خالف) (^٥) في مسألة وبقي مُصِرًّا على المخالفة حتى تاب عن بدعته - فلا أثر لمخالفته؛ لانعقاد إجماع جميع الأمة الإسلامية قبل إسلامه، كما لو أسلم ثم خالف،\n_________\n(^١) في (ت)، و(ص): \"لخلاف\".\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٦٨٦ - ٦٨٨.\n(^٣) في (ت): \"فإنه إن كفَّرناه\".\n(^٤) انظر: الإحكام ١/ ٢٢٩، شرح التنقيح ص ٣٣٥، المستصفى ١/ ١٨٣، أصول السرخسي ١/ ٣١١، التلخيص ٣/ ٤٥، البرهان ١/ ٦٨٩، البحر المحيط ٦/ ٤١٨، شرح الكوكب ٢/ ٢٢٧.\n(^٥) في (ص)، و(غ): \"فلو خالف هو\".","vol":"5","page":2127},{"text":"إلا على رأي مَنْ يشترط في الإجماع انقراضَ المجمعين (^١).\nوإن لم نكفره - فالمختار أنه لا ينعقد الإجماع دونه؛ لكونه من أهل الحل والعقد، ومن الداخلين في مفهوم لفظ \"الأمة\" (^٢).\nوقيل: ينعقد دونه (^٣).\nوقيل: لا ينعقد عليه بل على غيره، فيجوز له مخالفة إجماع مَنْ عداه، ولا يجوز ذلك لغيره (^٤). وفيه نظر؛ فإنه إذا تعذَّر انعقاد الإجماع مِنْ وجهٍ\n_________\n(^١) انظر: اللمع ص ٩٢، شرح اللمع ٢/ ٧٢٤، المستصفى ١/ ١٨٤، البحر المحيط ٦/ ٤٢١.\n(^٢) انظر البرهان ١/ ٦٨٩ - ٦٩٠. انظر: المستصفى ١/ ١٨٣، القواطع ٣/ ٢٤٨، المحصول ٢/ ق ١/ ٢٥٦، الحاصل ٢/ ٧١٧، التحصيل ٢/ ٧٥، نهاية الوصول ٦/ ٢٦٠٩، الإحكام ١/ ٢٢٩، شرح التنقيح ص ٣٣٥، بيان المختصر ١/ ٥٤٩ - ٥٥٠، اللمع ص ٩١، شرح اللمع ٢/ ٧٢٠، تشنيف المسامع ٣/ ٨٦، التمهيد ٣/ ٢٥٣. البحر المحيط ٦/ ٤١٩.\n(^٣) وبه قال الجمهور. وقد أطلق أن هذا مذهب الحنفية ابن عبد الشكور والأنصاريّ رحمهما الله تعالى. انظر: فواتح الرحموت ١/ ٢١٨ - ٢١٩. لكن الكمال ابن الهمام - ﵀ - ذكر بأن الحنفية لا يعتدون بخلاف المبتدع الداعية، ومفهومه أن غير الداعية معتد بخلافه إلا في بدعته فلا يعتد بخلافه فيها، كما قال ابن أمير بادشاه في شرحه لكلام الكمال. ثم نقل ابن أمير بادشاه عن أبي بكر الرازي والسمرقندي الحنفيَّيْن أن الصواب عدم الاعتداد بخلاف المبتدع مطلقًا، وهو الذي اختاره الكمال ابن الهمام ﵀. انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٣٩، فواتح الرحموت ١/ ٢١٩، البحر المحيط ٦/ ٤١٩، شرح الكوكب ٢/ ٢٢٧، أصول السرخسي ١/ ٣١١، كشف الأسرار ٣/ ٢٣٨.\n(^٤) انظر: الإحكام ١/ ٢٢٩، نهاية الوصول ٦/ ٢٦١١، بيان المختصر ١/ ٥٤٩.","vol":"5","page":2128},{"text":"- لم ينعقد من وجه، وسيأتي - إن شاء الله - كلامُ إمام الحرمين فيه.\nوأما الفسقة مِنْ أهل القبلة البالغون في العلم مبلغ المجتهدين: فذهب معظم الأصوليين - كما ذكر إمام الحرمين - إلى أنه لا يُعتبر وِفاقهم ولا خِلافهم (^١). والمختار خلاف ذلك؛ لأنَّ المعصية لا تزيل اسم الإيمان، فيكون قولُ مَنْ عداهم قولَ بعض المؤمنين لا كُلِّهم، فلا يكون حجة (^٢). وهذا ما مال إليه إمام الحرمين فقال: \"الفاسق المجتهد لا يلزمه أن يقلِّد غيرَه، بل يلزمه (^٣) أن يتبع في وقائعه ما يؤدي إليه اجتهاده، وليس له أن يُقَلِّد غيرَه، فكيف ينعقد الإجماعُ عليه في حقِّه، واجتهادُه مخالفٌ (^٤) اجتهادَ مَنْ سواه! \"، قال: \"وإذا بَعُد انعقادُ الإجماع مِنْ وجهٍ لم ينعقد مِنْ وجه\"، قال: \"فإن قيل: هو عالمٌ في حقِّ نفسه باجتهاده، مُصَدَّق (^٥) عليه بينه وبين ربه، وهو مكَذَّب (^٦) في حق غيره، فلا يمتنع لانقسامِ أمره على هذا الوجه\n_________\n(^١) انظر: البرهان ١/ ٦٨٨، القواطع ٣/ ٢٤٥، البحر المحيط ٦/ ٤٢٢، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٨، شرح الكوكب ٢/ ٢٢٨، المسودة ص ٣٣١.\n(^٢) وبه قال الشيرازي، والإسفراييني، والغزالي، والآمدي، وابن الحاجب، والإمام وشيعته، وأبو الخطاب من الحنابلة. انظر: اللمع ص ٩١، شرح اللمع ٢/ ٧٢٠، المسودة ص ٣٣١، المستصفى ١/ ١٨٣، الإحكام ١/ ٢٢٩، بيان المختصر ١/ ٥٥٠، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٣ - ٣٤، المحصول ٢/ ق ١/ ٢٥٧، الحاصل ٢/ ٧١٨، التحصيل ٢/ ٧٥، نهاية الوصول ٦/ ٢٦١٠، التمهيد ٣/ ٢٥٢، مختصر الروضة ص ١٣٠.\n(^٣) في (ص): \"يلزم\".\n(^٤) في (ص): \"يخالف\".\n(^٥) في (ص): \"فَيُصَدَّق\". والمثبت موافق لما في \"البرهان\".\n(^٦) في (ت)، و(ص): \"يُكَذَّب\". والمثبت موافق لما في \"البرهان\".","vol":"5","page":2129},{"text":"أنْ يَنْقسم حكمُ الإجماع.\nقلنا: هذا محال؛ فإن الفاسقَ غيرُ مقطوعٍ بصدقه ولا كذبه، فهو كالعالم في غيبته (^١)، فإن تاب فهو كما لو آب (^٢) الغائب (^٣) \" (^٤).\nواعلم أنَّ الأولين اختلفوا في تعليل عدمِ اعتبارِ قول الفاسق على وجهين:\nأحدهما: وعليه يقوم هذا السؤال، أنَّ إخباره عن نفسه لا يُوثق به لفسقه، فربما أخبر بالوِفاق وهو مُخالِفٌ، أو بالخِلاف وهو موافِقٌ، فلما تعذَّر الوصول إلى معرفة قوله - سقط أثره. وشَبَّه بعضُ المتأخرين ذلك بسقوط أثر قول الخَضِر - ﵇ - على القول بأنه حيٌّ؛ لتعذر الوصول إليه (^٥).\nوالثاني: أنَّ العدالة ركنٌ في الاجتهاد كالعلم (^٦)، فإذا فاتت العدالة\n_________\n(^١) أي: العالم الغائب عن الواقعة التي تكلم فيها المجتهدون.\n(^٢) في (ص): \"أتى\". واعتباري هذه الكلمة خطأ من جهة التبديل، فإن الموجود في (ت)، و(غ)، و\"البرهان\" هو ما أثبته، وغالب الظن أنَّ ناسخ (ص) أو مَنْ نقل عنه تصرف مِنْ عنده، وإلا فالكلمة من جهة المعنى صحيحة، لكنها تنافي أسلوب إمام الحرمين المعروف بالرصانة والمتانة.\n(^٣) في (ت): \"العالم\". وهو خطأ. والمعنى: أن الإجماع لا ينعقد حتى يتوب العالم الفاسق فنجزم حينذاك برأيه، فإنْ وافقهم انعقد، وإلا فلا.\n(^٤) انظر: البرهان ١/ ٦٨٨ - ٦٨٩، مع تصرف من الشارح ﵀.\n(^٥) انظر الفتح ٦/ ٤٣٤ - ٤٣٦، وانظر: المقاصد الحسنة ص ٢١، كشف الخفاء ومزيل الإلباس ٤٩١، تنزيه الشريعة المرفوعة ١/ ٢٣٣ - ٢٣٧.\n(^٦) سقطت من (ت).","vol":"5","page":2130},{"text":"فاتت أهلية الاجتهاد (^١).\nوهذا فيه نظرٌ؛ إذْ أهلية الاجتهاد الذي هو استنباط الأحكام، وتصحيح المقاييس، وترتيب المقدِّمات، إلى غير ذلك - مما لا تعلق لها بالديانة أصلًا.\nفإنْ قلتَ: فهذا يَرِد عليكم في الكافر؛ فإنه قد يجري على علوم الشرع والاجتهاد، و(^٢) لا تعلق له بالديانة.\nقلتُ: الكافر لا يَرِد؛ فإنَّ الحجة في إجماع المسلمين، والفاسق منهم دون الكافر.\nويتفرع على هذين التعليلين: أنَّ الفاسق إذا أداه اجتهادُه في مسألة إلى حكمٍ هل يأخذُ بقوله مَنْ عَلِم صدقَه في فتواه بقرائن (^٣)؟\nوإذا ثبت اشتراطُ قولِ جميع المجتهدين في الاجماع قال صاحب الكتاب: فلو خالف واحدٌ لم يكن قولُ غيرِه إجماعًا؛ لأن قوله: ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يتناول الكلَّ، وليسوا دون الواحدِ كلَّ المؤمنين. هذا مذهب الجمهور (^٤).\n_________\n(^١) انظر الوجهين في البحر ٦/ ٤٢٣.\n(^٢) سقطت الواو من (ص)، و(غ).\n(^٣) انظر: الإحكام ١/ ٢٢٩.\n(^٤) انظر: الإحكام ١/ ٢٣٥، نهاية الوصول ٦/ ٢٦١٤، البحر المحيط ٦/ ٤٣٠، التمهيد لأبي الخطاب ٣/ ٢٦٠، شرح الكوكب ٢/ ٢٢٩، مختصر الروضة ص ١٣١، شرح التنقيح ص ٣٣٦، إحكام الفصول ص ٤٦١، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٧، كشف =","vol":"5","page":2131},{"text":"وقال الإمام الجليل محمد بن جرير (^١)، وأبو الحسين بن أبي عمرو الخياط المعتزليّ (^٢)، وأبو بكر الرازيّ (^٣)، وكذا أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه (^٤): ينعقد إجماعُ الأكثر مع مخالفة الأقل. كذا أَطْلق النقلَ عنهم الآمديّ (^٥)، وهو قضية إيراد المصنف، وخَصَّص الإمام النقلَ عنهم بالواحد والاثنين (^٦).\n_________\n= الأسرار ٣/ ٢٤٥.\n(^١) هو شيخ المفسرين محمد بن جَرِير بن يزيد بن كثير، أبو جعفر الطبريّ، من أهل آمُل طَبَرِسْتان. الإمام العَلَم المجتهد، عالم العصر. ولد سنة ٢٢٤ هـ. قال الذهبي ﵀: \"وطلب العلم بعد الأربعين ومئتين، وأكثر التّرحال، ولقي نبلاء الرجال، وكان من أفراد الدَّهر علمًا وذكاءً، وكثرةَ تصانيف، قَلَّ أن تَرَى العيونُ مِثْله\". من مصنفاته: \"التفسير\" لم يصنِّف مثله، \"تهذيب الآثار\" لم يتمه، قال عنه الخطيب: لم أَرَ سواه في معناه، \"تاريخ الأمم والملوك\"، وغيرها. توفي سنة ٣١٠ هـ. انظر: تاريخ بغداد ٢/ ١٦٢، سير ١٤/ ٢٦٧.\n(^٢) وابن الأخشاد من أصحاب الجبائيّ، وابن حمدان من الحنابلة، وابن خويز مِنْداد من المالكية، ﵏ جميعًا. انظر: البحر المحيط ٦/ ٤٣١، شرح الكوكب ٢/ ٢٣٠، الإحكام ١/ ٢٣٥، المعتمد ٢/ ٢٩، المحصول ٢/ ق ١/ ٢٥٧، إحكام الفصول ص ٤٦١.\n(^٣) مذهب أبي بكر الرازي كمذهب أبي عبد الله الجرجاني، الذي سيذكره الشارح ﵀. انظر: تيسير التحرير ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٧.\n(^٤) أصح الروايتين عن أحمد - ﵁ - مثل الجمهور.\nانظر: المسودة ص ٣٢٩، العدة ٤/ ١١١٧، شرح الكوكب ٢/ ٢٢٩، شرح مختصر الروضة ص ١٣١، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٠.\n(^٥) انظر: الإحكام ١/ ٢٣٥.\n(^٦) وكذا أبو الحسين البصري، وإمام الحرمين، وأبو الخطاب الكلوذاني، =","vol":"5","page":2132},{"text":"قال الآمديّ: \"وذهب قومٌ إلى أنَّ عدد الأقل إنْ بلغ عدد التواتر لم يُعتد بالإجماع دونه، وإلا اعتد به\" (^١).\nقلت: وهذا ما ذكره (^٢) القاضي في \"مختصر التقريب\" أنه الذي يصح عن ابن جرير (^٣).\nوقال أبو عبد الله الجرجانيّ (^٤): إنْ سَوَّغتِ الجماعةُ الاجتهادَ في مذهب المخالِف كان خلافُه معتدًا به، وإلا فلا (^٥).\nومنهم مَنْ قال: اتباع الأكثر أولى، ويجوز خلافه (^٦). وهو مذهبٌ لا تحرير فيه؛ لأنا نسلِّم أنه إذا تعادل الرأيان، وكان القائلون بأحدهما أكثر - رُجِّح جانب الكثرة، وإنما الكلام في التحتم.\n_________\n= وابن السمعاني. انظر: المحمول ٢/ ق ١/ ٢٥٧، المعتمد ٢/ ٢٩، البرهان ١/ ٧٢١، التمهيد ٣/ ٢٦٠ - ٢٦١، القواطع ٣/ ٢٩٦ - ٢٩٧.\n(^١) انظر: الإحكام ١/ ٢٣٥.\n(^٢) في (ص): \"ما ذكر\".\n(^٣) انظر: التلخيص ٣/ ٦١.\n(^٤) لعله: أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر اليَزْديُّ الجرجاني. الشيخ الثقة العالم، مسند أصبهان. ولد بجرجان سنة ٣١٩ هـ، ومات سنة ٤٠٨ هـ. انظر: سير ١٧/ ٢٨٦، شذرات ٣/ ١٨٧.\n(^٥) وهو مذهب أبي بكر الرازيّ، كما سبق الإشارة إليه، ومذهب السرخسيّ، رحمهما الله تعالى. انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٤٥، أصول السرخسي ١/ ٣١٦، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٦. ومثال ما سَوَّغت به الجماعة المخالِف مخالفة ابن عباس - ﵄ - في العَوْل، ومثال ما لم تسوِّغْه مخالفتُه في ربا الفضل، فقد كان يقول بجوازه. انظر: المحلي على الجمع ٢/ ١٧٨.\n(^٦) انظر: الإحكام ١/ ٢٣٥.","vol":"5","page":2133},{"text":"ومنهم مَنْ قال: هو حجة وليس بإجماع. ورجَّحه ابن الحاجب، فإنه قال: \"لو ندر (^١) المخالِف مع كثرة المجمِعين - لم يكن إجماعًا قطعًا\"، قال: \"والظاهر أنه حجة؛ لبُعد أن يكون الراجح مُتَمَسَّك المخالِف\" (^٢).\nقال صفي الدين الهندي: \"والظاهر أنَّ مَنْ قال إنه إجماع فإنما يجعله إجماعًا ظنيًا لا قطعيًا، وبه يُشْعر إيراد بعضهم\" (^٣).\nلنا: أنَّ الصحابة أجمعوا على ترك قتال مانعي الزكاة إلا أبو بكر - ﵁ -، ولم يقل أحدٌ إنَّ خلافَه غيرُ معتدٍّ به، بل رجعوا إليه حين المناظرة.\nواحتج ابن جرير ورفقتُه بوجهين ذكرهما في الكتاب:\nأحدهما: أنَّ لفظي \"المؤمنين\" و\"الأُمة\" يصدق على الأكثر، كما يقال على البقرة: إنها سوداء، وإن كان فيها شعرات بيض، وللزنجي: إنه أسود، مع بياض حَدَقته وأسنانه.\nوالجواب: أنَّ صِدْق إطلاق ألفاظ العموم على الأكثر إنما هو على سبيل المجاز، وليس حقيقة؛ لأنه يجوز أن يقال لمن عدا الواحد من الأمة ليسوا كل الأمة، ويصح استثناؤه منهم. وهذا واضح.\nوالثاني: قوله - ﷺ -: \"عليكم بالسواد الأعظم\" (^٤) أمر باتباع\n_________\n(^١) في (ص): \"نذر\".\n(^٢) انظر: بيان المختصر ١/ ٥٥٤، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٤.\n(^٣) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٦١٦.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه في السنن ٢/ ١٣٠٣، كتاب الفتن، باب السواد الأعظم، رقم ٣٩٥٠. وفي سند الحديث أبو خلف الأعمى وهو حازم بن عطاء، وهو =","vol":"5","page":2134},{"text":"السواد الأعظم، وهم الأكثر، فيكون قولهم حجة.\nوالجواب: أنَّ السواد الأعظم هم (^١) كلُّ الأمة؛ لأنَّ مَنْ عدا الكل فالكل أعظم منه، ولو لم يقصد هذا بل ما صدق أنه أعظم مِنْ غيره - لدخل تحته النصفُ الزائد بفردٍ واحدٍ على (النصفِ) (^٢) الآخر (^٣). وإلى هذا أشار بقوله في الكتاب: \"مخالفة الثُّلُث\" وهو بضم الثاء واللام، أي: حَمْله على ما صَدَق عليه أنه أعظم يُوجِبُ عدمَ الالتفاتِ إلى ثُلُث الأمة إذا خالفوا الثلثين. وقد قرره الجاربرديُّ (^٤) والإسفرايينيُّ على أنَّ الثاء مفتوحةٌ، وأنَّ المراد \"الثلاث\" اسمُ العددِ الخاصّ، وأنَّ ابن جرير ورفقتَه يسلِّمون أنَّ مخالفة الثلاثة قادحة، وهذا ماشٍ على ما اقتضاه إيراد الإمام كما سبق، وما ذكرناه من التقرير أحسن وأسلم (^٥).\nواعلم أنَّ السواد الأعظم وقع مفسَّرًا في الحديث على خلاف ما استدل به الخصم فروى ابن ماجه من حديث مُعَان (^٦) بن\n_________\n= ضعيف. انظر: الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج ص ١٨٤.\n(^١) في (ص): \"يعم\".\n(^٢) في (ت)، و(غ): \"واحد على النصف\". وهذه الزيادة خطأ.\n(^٣) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٦١.\n(^٤) انظر: السراج الوهاج ٢/ ٨٣٤.\n(^٥) وهو الذي ذكره الجزريّ، والأصفهانيّ، وذكر الإسنويُّ التقريرين من غير ترجيح.\nانظر: معراج المنهاج ٢/ ١٠٧، شرح الأصفهاني ٢/ ٦٢٤، نهاية السول ٣/ ٣٠٧.\n(^٦) في (ص): \"معاذ\". وهو خطأ.","vol":"5","page":2135},{"text":"رِفاعة (^١) عن أبي خَلَف الأعمى (^٢) عن أنسٍ - ﵁ - قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم الحق وأهله\" هذا لفظه. وأهل الحق هم جميع الأمة. ولا أعلم لهذا الحديث طريقًا غير الذي (^٣) ذكرت، ومُعَان (^٤) (وأبو خَلَف ضعيفان.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-513>(الثانية: لا بد له من سند؛ لأن الفتوى بدونه خطأ</span>. قيل: لو كان فهو الحجة. قلنا: يكونان (^٥) دليلين. قيل: صَحَّحوا بيعَ المراضاة بلا دليل. قلنا: لا بل تُرِك اكتفاءً بالإجماع).\nرُبَّ مُتراشِقٍ في اللفظ (^٦) يعبِّر عن المسألة: بأنَّ الإجماع لا بد فيه من توقيف. وقيل: قد يقع عن توفيق (^٧).\n_________\n(^١) قال ابن حجر - ﵀ - في التقريب ص ٥٣٧، رقم ٦٧٤٧: \"مُعَان، بضم أوله وتخفيف المهملة، ابن رفاعة السَّلَامي، بتخفيف اللام، الشامي. لين الحديث كثير الإرسال، من السابعة، مات بعد الخمسين. ق.\" أي: مات بعد سنة ١٥٠ هـ، وأخرج له ابن ماجه في السنن.\n(^٢) قال ابن حجر في التقريب ص ٦٣٧، رقم ٨٠٨٣: \"أبو خلف الأعمى، نزيل الموصل، خادم أنس، قيل: اسمه حازم بن عطاء. متروك، ورماه ابن معين بالكذب، من الخامسة. ومَن زعم أنه مروان الأصفر، فقد وهم، ومروان أيضًا يُكْنى أبا خلف فيما قال مسلم، والله أعلم. ق\".\n(^٣) في (غ): \"التي\".\n(^٤) في (ص): \"ومعاذ\".\n(^٥) في (ص)، و(غ): \"قد يكونان\". وهو خطأ.\n(^٦) أي: ربَّ رشيقِ اللفظ، يعني: حَسَنِه.\n(^٧) في (ص): \"توقيف\". وهو خطأ.","vol":"5","page":2136},{"text":"واشتراط السند في الإجماع هو الذي عليه الجماهير (^١).\nوقال قوم (^٢): يجوز أن يوفقهم الله تعالى لاختيار الصواب من غير توقيفٍ على مُسْتندٍ، لكن سَلَّموا أنَّ ذلك غير واقع، كما ذكر الآمدي (^٣).\nلنا: أن الفتوى في الدين بغير دلالة أو أمارة (^٤) (^٥) خطأ، فلو اتفقوا عليه كانوا مجمعين على الخطأ، وذلك يقدح في الإجماع.\nواعترض الآمدي على هذا الدليل: بأنه إنما يكون خطأ إذا لم تتفق الأمة عليه، أما إذا اتفقت عليه فلا نسلم أنه خطأ؛ وذلك لأن مَنْ يجوِّز ذلك مع القول بعصمة الأمة عن الخطأ، يمنع أن يكون ذلك خطأ عند الاتفاق (^٦).\n_________\n(^١) من الأئمة الأربعة وغيرهم. انظر: الإحكام ١/ ٢٦١، البحر المحيط ٦/ ٣٩٧، كشف الأسرار ٣/ ٢٦٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٤، شرح التنقيح ص ٢٣٩، إحكام الفصول ص ٤٥٨، شرح الكوكب ٢/ ٢٥٩.\n(^٢) وهي طائفة شاذّة من المتكلمين. انظر: الإحكام ١/ ٢٦١، المعتمد ٢/ ٥٦، نهاية الوصول ٦/ ٢٦٣٣، المسودة ص ٣٣٠، شرح الكوكب ٢/ ٢٥٩.\n(^٣) انظر: الإحكام ١/ ٢٦١. قال الزركشي: \"وذكر الآمديُّ أنَّ الخلاف في الجواز لا في الوقوع، وليس كما قال، فإن الخصوم ذكروا صورًا، وادَّعَوْا وقوعَ الإجماعِ فيها من غير مُستند\". البحر المحيط ٦/ ٣٩٧ - ٣٩٨.\n(^٤) في (ت): \"وأمارة\".\n(^٥) قال القرافي في شرح التنقيح ص ٢٣٩: \"والمراد بالدلالة: ما أفاد القطع. وبالأمارة: ما أفاد الظن؛ لأن الدليل والبرهان موضوعان في عُرف أرباب الأصول لما أفاد علمًا، والأمارةَ لما أفاد الظن. والطريقُ صادق على الجميع؛ لأن الأولَيْن طريق إلى العلم، والثالث طريق إلى الظن\".\n(^٦) انظر: الإحكام ١/ ٢٦٢.","vol":"5","page":2137},{"text":"وحاول الشيخ صفي الدين الهنديُّ ردَّ هذا الاعتراض فقال: \"القول في الدين بغير دليلٍ وأمارة باطل في الأصل، ولذلك (^١) لو لم يحصل الإجماع عليه كان ذلك باطلًا وفاقًا، والإجماع لا يُصَيِّر الباطل حقًا، بل غاية (^٢) تأثيره (أن يَصير المظنونُ حقًا) \" (^٣).\nقلت: وفيه نظر، فقد يقال: يتبين بحصول الإجماع بعد ذلك أنَّ القول في الأصل كان حقًا هذا إذا وقع قولهم مترتبًا. وإن وقع دفعةً واحدة فلم يقع إلا حقًا.\nثم إنَّ القائل بغير اجتهادٍ قَبْل حصول الإجماع على قوله لا نقول: إنه مخطئ فيما قاله ولا مصيب، بل مخطئ في كونه قال بدون اجتهاد، وهذا الخطأ لا يزول بإجماعهم بعد ذلك على قوله. وأما المقول فيحتمل أنه أخطأ فيه، ويحتمل أنه أصاب. وهذا التردد يزول بالإجماع بعد ذلك على قوله، ويُعْلم أنه كان مصيبًا.\nفإن قلت: إذا كان كل فرد منهم أخطأ في كونه قال - فيلزم خطأ المجموع في كونهم قالوا، وهو محذور.\nقلت: القائل الأخير منهم الذي بقوله يحصل الاتفاق ويتكمل (^٤) الإجماع ليس مخطئًا في كونه قال. وهذا إذا وقع مترتبًا، فإنْ وقع دفعةً\n_________\n(^١) في (ص): \"وكذلك\". والمثبت موافق لما في \"نهاية الوصول\".\n(^٢) عبارة \"النهاية\": \"أن يَصِير المظنونُ مقطوعًا به\".\n(^٣) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٦٣٤.\n(^٤) في (ت): \"ويكمل\". وفي (غ): \"ويتكامل\".","vol":"5","page":2138},{"text":"واحدة فلا نسلم خطأهم في كونهم قالوا، بل نقول: إنما يخطئ مَنْ أقدم على القول وَحْده بغير مستندٍ، أما إذا حصل اتفاقٌ من الأمة على القول فلا.\nواحتج مَنْ قال يجوز (^١) أن يُوفقوا لاختيار الصواب بأمرين:\nأحدهما: أنه لو لم ينعقد الإجماع إلا عن مستندٍ لكان ذلك المستند هو الحجة، وحينئذ فلا (^٢) يبقى في الإجماع فائدة.\nوأجاب المصنف: بأن الإجماع وأصلَه يكونان دليلين، واجتماع دليلين على مدلولٍ واحدٍ جائزٌ حسن.\nوالثاني: أنه وَقَع، بدليلِ إجماعهم على بيع المراضاة بلا دليل.\nوأجاب: بأن له دليلًا، لكن تُرِك ذِكْره لما وقع الإجماع عليه اكتفاءً بالإجماع.\nقلت: وقد ذكر الآمدي في أثناء المسألة أن الخلاف ليس في وقوعه، وتقدم نقلُ هذا عنه، فاحتجاج الخصم ضعيف لذلك أيضًا (^٣).\nوأيضًا فإن أريد ببيع المراضاة المعاطاة (^٤) التي يذكرها الفقهاء -\n_________\n(^١) في (غ): \"بجواز\".\n(^٢) في (ت): \"لا\".\n(^٣) سقطت من (ت).\n(^٤) هي وضع الثمن وأخذ المبيع من غير إيجابٍ ولا قبول، أو من غير أحدهما. انظر: القاموس الفقهي ص ٢٥٢، المجموع ٩/ ١٦٣، المغني ٤/ ٤، ملتقى الأبحر ٢/ ٥، كفاية الأخيار ١/ ١٤٧، شرح الزرقاني على خليل ٥/ ٤.","vol":"5","page":2139},{"text":"فالمذهب الصحيح أنها باطلة (^١) فأين الإجماع! وإنْ كان كما ذكره الشراح: أنه إذا تحقق التراضي من الجانبين فالإجماع منعقد على صحة هذا البيع، لكن اختلفوا في الدليل (^٢) على التراضي: فقال الشافعي ومَنْ وافقه: لا بد من صيغة تدل عليه (^٣). وقال مالك وبعض أصحاب الشافعي: يكفي المعاطاة - فهذا فيه نظر؛ إذ سند الإجماع أشهر مِنْ أن يُذكر، وأكثر من أن يُحصر.\nقال: (فرعان: الأول: يجوز الإجماع عن (^٤) الأمارة؛ لأنها مبدأ الحكم. قيل: الإجماع على جواز مخالفتها. قلنا: قَبْل الإجماع. قيل: اختلف فيها. قلنا: منقوض بالعموم وخبر الواحد).\nعلمتَ أن الإجماع لا بد له من مستند (^٥)، ويجوز أن يكون ذلك المستند (^٦) نصًا بالاتفاق، وكذلك دليلًا ظاهرًا (^٧)، وهل يجوز أن يكون أمارة أي: قياسًا؟ فيه مذاهب:\n_________\n(^١) انظر: فتح القدير ٥/ ٤٥٩، ملتقى الأبحر ٢/ ٥، الهداية ٣/ ٢٤، المغنى ٤/ ٤، بداية المجتهد ٢/ ١٧٠، الشرح الصغير للدردير ٣/ ١٤، شرح الزرقاني على خليل ٥/ ٣.\n(^٢) في (ت): \"الدلائل\".\n(^٣) انظر: نهاية المحتاج ٣/ ٣٦٤.\n(^٤) في (غ): \"من\".\n(^٥) في (ت) \"سند. . . السند\".\n(^٦) في (ت) \"سند. . . السند\".\n(^٧) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٦٨، نهاية الوصول ٦/ ٢٦٣٨، البحر المحيط ٦/ ٣٩٩، القواطع ٣/ ٢٢٢، نهاية السول ٣/ ٣٠٩.","vol":"5","page":2140},{"text":"أحدها: أنه جائز واقع. وعليه الجمهور (^١).\nوالثاني: جائز غير واقع (^٢).\nوالثالث: أنه غير ممكن (وذهب إليه) (^٣) ابن جرير الطبريّ، وكذلك داود الظاهري (^٤) لكنه بناه على أصله في منع القياس.\nوالرابع: إن كانت الأمارة جَلِيَّة (^٥) جاز وإلا فلا (^٦).\nثم اختلف القائلون بالوقوع في أنه هل يحرم مخالفته (إذا وقع، مع إطباقهم على أنه حجة؟ والحق أنه تحرم مخالفته (^٧» (^٨).\n_________\n(^١) انظر: الإحكام ١/ ٢٦٤، نهاية الوصول ٦/ ٢٦٣٨، البحر المحيط ٦/ ٣٩٩، شرح التنقيح ص ٣٣٩، تيسير التحرير ٣/ ٢٥٦، فواتح الرحموت ٢/ ٢٣٩، المسودة ص ٣٢٨، التمهيد ٣/ ٢٨٨، شرح الكوكب ٢/ ٢٦١.\n(^٢) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٦٣٨.\n(^٣) في (ت): \"وعليه\".\n(^٤) وأتباعه، والشيعة، والقاشانيّ وجعفر بن مبشر من المعتزلة. قال الزركشي: \"ثم اختلفت الظاهرية: فمنهم مَنْ أحاله، ومنهم مَنْ سلَّم الإمكان ومنع الوقوع، وادعوا أن العادة تحيله في الجمع العظيم\". البحر المحيط ٦/ ٤٠٠. وانظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٦٣، شرح الكوي ٢/ ٢٦١، الوصول إلى الأصول ٢/ ١١٨، القواطع ٣/ ٢٢٣.\n(^٥) في (ص): \"خلية\". وفي (ت): \"جليلة\".\n(^٦) وبه قال بعض الشافعية، منهم أبو بكر الفارسيّ من الشافعية. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٦٣٩، البحر المحيط ٦/ ٤٠١، المعتمد ٢/ ٥٩.\n(^٧) وبه قال الجمهور. وعن قوم: أنه لا يكون حجة. وبه قال الحاكم صاحب \"المختصر\" من الحنفية. انظر: الإحكام ١/ ٢٦٤، القواطع ٣/ ٢٣١، البحر المحيط ٦/ ٤٠١، المسودة ص ٣٢٨، شرح الكوكب ٢/ ٢٦١.\n(^٨) سقطت من (ت).","vol":"5","page":2141},{"text":"واستدل المصنف على جوازه: بأن الأمارة مبدأ الحكم، أي: تصلح أن تكون طريقًا للحكم، فيجوز الإجماع عليها (^١) قياسًا على الدليل.\nولم يتكلم في الوقوع، وقد استدل عليه الإمام: بأن الصحابة أجمعت في زمان عمر - ﵁ - (على أن حدَّ الشارب ثمانون، وهو بطريق الاجتهاد، لما روى أن عمر - ﵁ -) (^٢) - شاور الصحابة في ذلك، فقال علي - ﵁ -: \"أراه إذا سكر هَذَى، وإذا هَذَى افترى، وحَدُّ المفتري ثمانون\" (^٣).\nوقال عبد الرحمن (بن عوف) (^٤) - ﵁ -: \"هذا حَدٌّ وأقل الحد ثمانون\" (^٥)\n_________\n(^١) في (غ): \"عنها\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) أخرجه الدارقطني ٣/ ١٥٧، في كتاب الحدود، رقم الحديث ٢٢٣، بلفظ: \"فقال علي - ﵁ -: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون\". وكذا الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٧٥ - ٣٧٦، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٣٢٠ - ٣٢١، وفي معرفة السنن ٦/ ٤٥٨. وأخرجه مالك في الموطأ ٢/ ٨٤٢، في الأشربة، باب الحد في الخمر. والشافعي في مسنده ص ٢٨٦. وأبو داود في السنن ٤/ ٦٢٨، في كتاب الحدود، باب إذا تتابع في شرب الخمر، حديث رقم ٤٤٨٩. قال الحافظ في تلخيص الحبير ٤/ ٧٥: \"وهو منقطع؛ لأن ثورًا لم يلحق عمر بلا خلاف، لكن وصله النسائي في الكبرى (٣/ ٢٥٣)، والحاكم من وجه آخر عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق. (انظر: المصنف ٧/ ٣٧٨، رقم الحديث ١٣٥٤٢)، عن معمر عن أيوب عن عكرمة لم يذكر ابن عباس. وفي صحته نظر. . .\".\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) أخرجه مسلم ٣/ ١٣٣٠ - ١٣٣١، في كتاب الحدود، باب حد الخمر، رقم ١٧٠٦، بلفظ: \"فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانين\". وفي رواية: \"فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخفِّ الحدود. قال: فجلد عمر ثمانين\".=","vol":"5","page":2142},{"text":". . . . (^١).\nوهذا تصريح (^٢) منهم بأنهم إنما أثبتوا الحكم بالاجتهاد وضَرْبٍ من القياس؛ لأنه مع وُجدان النص لا يُتعلَّق بمثله. ومِنْ هذا يُعرف اندفاعُ ما يُورَد مِنْ أنه لعلهم أجمعوا عليه لنصٍّ لكنه لم يُنقل؛ استغناءً بالإجماع.\nواستدل عليه قوم أيضًا: بإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياسًا علي لحمه، وعلى إراقة الشَّيْرج (^٣) والدِّبْس (^٤) السَّيَّال (^٥) إذا وقعت فيه فأرة وماتت قياسًا على السمن (^٦).\nواستدل المانعون بوجهين:\nأحدهما: أن الإجماع قائمٌ على جواز مخالفة الأمارة والحكمِ الصادر\n_________\n= وبنحوها أخرجه أبو داود ٤/ ٦٢١، في كتاب الحدود، باب الحدِّ في الخمر.\n(^١) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٦٩.\n(^٢) في (ت): \"صريح\".\n(^٣) قال الفيوميّ في المصباح المنير ١/ ٣٣٠: \"والشَّيْرج: مُعَرَّب مِنْ شَيْره، وهو دهن السمسم، وربما قيل للدهن الأبيض، وللعصير قبل أنْ يتغيَّر: شيرج، تشبيهًا به لصفائه. وهو بفتح الشين، مثال: زينب وصَيْقل وعَيْطل، وهذا الباب باتفاقٍ ملحقٌ بباب فَعْلل، نحو جَعْفر، ولا يجوز كسر الشين؛ لأنه يصير من باب دِرْهم، وهو قليل، ومع قلَّته فأمثلته محصورة، وليس هذا منها\".\n(^٤) الدِّبْس: عصارة الرطب. انظر: المصباح المنير ١/ ٢٠٢.\n(^٥) في (ت)، و(غ): \"السايل\".\n(^٦) انظر: القواطع ٣/ ٢٢٧، شرح اللمع ٢/ ٦٨٤، بيان المختصر ١/ ٥٨٧، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٩.","vol":"5","page":2143},{"text":"عن الاجتهاد، فلو صدر إجماع عنها لكان يجوز مخالفته، وذلك ممتنع.\nوالجواب: أن مخالفتها إنما تجوز إذا لم يُجْمع على الحكم المُثْبت بها، أما بعد الإجماع فلا يجوز مخالفتها.\nوالثاني: أن الأمارة مُخْتَلَف فيها، إذ مِنَ الأمة مَنْ يعتقد بطلان الحكم بها، وذلك يصرفه عن الحكم بها.\nوالجواب: أن ذلك منقوض بالعموم وخبر الواحد؛ إذ وقع الخلاف فيهما كما مَرّ، ويجوز صدورُ الإجماع عنهما اتفاقًا.\nقال: (الثاني: الموافق لحديث لا يجب أن يكون عنه (^١) خلافًا لأبي عبد الله لجواز اجتماع دليلين).\nالإجماع الموافق لمقتضى دليلٍ إذا لم يُعلم له دليل آخر (لا يجب أن يكون مُسْتَنِدًا إلى ذلك الدليل؛ لاحتمال أن يكون له دليل آخر) (^٢) وهو مُسْتَنَدُه، ولم يُنقل إلينا استغناءً بالإجماع. هذا رأي الجماهير (^٣).\nوقال أبو عبد الله البصري: إنه يكون مُسْتَنِدًا إليه (^٤).\n_________\n(^١) في نهاية السول ٣/ ٣٠٩، وشرح الأصفهاني ٢/ ٦٢٦: \"منه\".\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٦٤٤، الوصول إلى الأصول ٢/ ١٢٨، البحر المحيط ٦/ ٤٠٤.\n(^٤) قال المطيعي في سلم الوصول ٣/ ٣١٣: \"هو مذهب الكرخي من الحنفية، وأبي هاشم والبصريّ المعتزليَّيْن، في جماعة معهم\". وانظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٧٤.","vol":"5","page":2144},{"text":"والإنصاف أن أبا عبد الله إنْ أراد أنه كذلك على سبيل غَلَبات الظنون فهو حقٌّ؛ إذ الأصل عَدَمُ دليلٍ غيره، والاستصحابُ حجة (^١).\nوينبغي أن يُحمل على ذلك ما نقله ابن بَرْهان عن الشافعي - ﵁ - مِنْ موافقة مذهبه لرأي أبي عبد الله البصريّ (^٢).\nوقد فَصَّل أبو الحسين في \"المعتمد\" فقال: \"إنْ كان الخبر نَصًّا متواترًا لا يُحتاج معه إلى استدلالٍ طويلٍ واجتهاد فيُعلم أنهم أجمعوا لأجله، وإن احتاج في الاستدلال به إلى استدلال طويل وبَحْثٍ لم يجب أن يكون هو (^٣) المُسْتَنَد.\nوكذلك إنْ كان مِنْ أخبار الآحاد ولم يُرْوَ لنا أنه ظهر فيهم، أو روى أنه ظهر فيهم لكن بخبر واحد أيضًا (^٤). وإنْ رُوي بالتواتر وجب أن يكون عنه (^٥).\n_________\n(^١) أي: لا يصح التمسك بهذا الأصل إلا إذا قلنا بحجية الاستصحاب، فنستصحب عدمَ دليلٍ آخر، فيغلب على الظن أن الإجماع إنما كان بسبب هذا الدليل المنقول. انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٦٤٤.\n(^٢) انظر: الوصول إلى الأصول ٢/ ١٢٨، نهاية السول ٣/ ٣١٣، البحر المحيط ٦/ ٤٠٤ - ٤٠٥.\n(^٣) في (ت): \"هذا\".\n(^٤) أي: فلا يُجزم بأن ذلك الخبر هو مستند إجماعهم، بل يَحْتمل. ولفظ أبي الحسين في المعتمد ٢/ ٥٨: \"فلا يُقطع على أنهم أجمعوا لأجله، ولكن يغلبُ صدقُه على الظن\".\n(^٥) انظر: المعتمد ٢/ ٥٨ - ٥٩. وانظر: نهاية السول ٣/ ٣١٣. وانظر: نفائس الأصول ٦/ ٢٧٤٥.","vol":"5","page":2145},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-514>(الثالثة: لا يُشترط انقراض المُجْمِعين</span>؛ لأن الدليل قام بدونه. قيل: وافق الصحابةَ عليٌّ في (^١) منع بَيْع المستولَدة ثم رجع ورُدَّ بالمنع).\n(اختلفوا في انقراض العصر هل هو شرطٌ في اعتبار الإجماع (^٢» (^٣)؟ على مذاهب:\nأحدها: وعليه أكثر الشافعية والحنفية (^٤)، أنه لا يُشترط. واختاره الإمام وأتباعه وابن الحاجب (^٥).\nوالثاني: يُشترط وهو رأي أحمد (^٦)\n_________\n(^١) في (ت): \"على\".\n(^٢) أي: هل يُشترط لانعقاد الإجماع موتُ جميع مَنْ هو مِنْ أهل الاجتهاد في وقت نزول الحادثة بعد اتفاقهم على حكمٍ فيها؟. انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٤٣، البرهان ١/ ٦٩٢، شرح الكوكب ٢/ ٢٤٦، البحر المحيط ٦/ ٤٨٣.\n(^٣) في (ت) بياض في مكانها.\n(^٤) والمالكية، وذهب إليه أكثر الفقهاء والمتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة. انظر: الإحكام ١/ ٢٥٦، إحكام الفصول ص ٤٦٧، البحر المحيط ٦/ ٤٧٨، كشف الأسرار ٣/ ٢٤٣، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٠، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٤، نشر البنود ٢/ ٨٦، شرح التنقيح ص ٣٣٠، المعتمد ٢/ ٤١.\n(^٥) وأبو إسحاق الشيرازيّ والغزاليّ، وأبو الخطاب والطوفيّ من الحنابلة، وأومأ إليه أحمد ﵀. انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢٠٦، الحاصل ٢/ ٧٠٤، التحصيل ٢/ ٦٣، نهاية الوصول ٦/ ٢٥٥٣، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٨، اللمع ص ٨٩، شرح اللمع ٢/ ٦٩٧ - ٦٩٨، المستصفى ١/ ١٩٢، التمهيد ٣/ ٣٤٦، مختصر الروضة ص ١٣٣، نزهة الخاطر ١/ ٣٦٦.\n(^٦) وأكثر أصحابه. انظر: شرح الكوكب ٢/ ٢٤٦، العدة ٤/ ١٠٩٥.","vol":"5","page":2146},{"text":"وابن فُورك (^١)\nوالثالث: أنه يشترط في السكوتيِّ دون القولي. وهو مذهب الأستاذ، واختاره الآمديّ (^٢).\nوالرابع: نقله ابن الحاجب عن إمام الحرمين، إنْ كان عن قياس اشْتُرِط وإلا فلا (^٣).\nوالذي قاله في \"البرهان\" ما ملخصه: \"إنَّ المَرْضِيَّ عنده أن الإجماع ينقسم إلى: مقطوع به وإنْ كان في مَظِنَّةِ الظن (^٤): فلا يُشترط فيه\n_________\n(^١) وسليم الرازيّ من الشافعية. قال الزركشي في البحر ٦/ ٤٧٩: \"ونقله الأستاذ أبو منصور عن الشيخ أبي الحسن الأشعريّ\". وانظر: شرح الأصفهاني على المنهاج ٢/ ٦٢٨ - ٦٢٩.\n(^٢) انظر: البرهان ١/ ٦٩٣، الإحكام ١/ ٢٥٦. ونقل الزركشي مذهب الأستاذ عن إمام الحرمين - ﵏ - ثم قال: \"واعلم أنَّ ما نقلتُه عن الأستاذ أبي إسحاق تابعتُ فيه إمامَ الحرمين، لكن الذي في \"تعليقة\" الأستاذ عدم الاشتراط فيهما جميعًا\". البحر المحيط ٦/ ٤٨١.\n(^٣) وتابع ابنَ الحاجب في العزو إلى إمام الحرمين ابنُ عبد الشكور، وذكر الكمال بن الهمام هذا العول، ولم يصرِّح بالعزو إلى إمام الحرمين، والظاهر أنه أراده بدليل أن أمير بادشاه شارح \"التحرير\". عزاه إلى إمام الحرمين، وبيَّن وَهَم النسبة، ولا يُعرف أحدٌ عُزِي إليه هذا القول غير إمام الحرمين. انظر: منتهى السول والأمل ص ٥٩، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٣٨، فواتح الرحموت ٢/ ٢٢٤، تيسير التحرير ٣/ ٢٣٠.\n(^٤) أي: أن المجمعين يقطعون بالحكم مع كونه في الأصل ظنيًا، ولا يتأتي هذا القطع في الحكم الظني إلا إذا استند المجمعون إلى أصل قطعي، كذا قال إمام الحرمين. انظر: البرهان ١/ ٦٩٤، ٧١٧ - ٧١٨.","vol":"5","page":2147},{"text":"الانقراض، ولا طولُ المُكْث بعد قوله.\nوإلى حكم مُطْلق يُسنده المجمِعون إلى الظن بزعمهم (^١): فلا بد فيه من أن يطول عليه الزمن، فإذا طال ولم ينقدح على طوله لواحدٍ منهم خلافٌ - فهذا يلتحق بقاعدة الإجماع؛ فإنَّ امتداد الأيام يبين (^٢) التحاقَهم بالمجمِعين، وتَرَفُّعَهم عن رتبة المترددين. فالمعتبر ظهورُ الإصرار بتطاول الزمان، حتى لو قالوا عن ظنٍّ ثم ماتوا على الفور\". قال: \"فلستُ أرى ذلك (^٣) إجماعًا مِنْ جهة أنهم أبدوا وجهًا من الظن ثم لم يتضح إصرارُهم عليه\". انتهى (^٤). وعرفتَ مِنْ كلامه أنَّ الانقراض في نفسه عنده غير مشروط، ولا معتبرٌ في حالةٍ من الأحوال، وهو خلاف (^٥) مقتضى نقل ابن الحاجب عنه.\nوالخامس: أنه إذا لم يبق من المجمِعين إلا عددٌ ينقصون (^٦) عن أقلِّ عدد التواتر فلا يُكْترث ببقائهم ويُحكم بانعقاد الإجماع. حكاه\n_________\n(^١) أي: أن المجمعين يتفقون على الحكم المظنون، ولكن لا يُبدون جزمًا وقطعًا في الحكم، بل يتفقون على الترجيح بغَلَبة الظن. واستبعد إمام الحرمين حصول هذا النوع من الإجماع فقال: \"وهذا عسر التصور، فإنَّ المظنون مع فَرْض طول الزمن فيه يبعد أن يَسْلم عن خلاف مخالفٍ من الظانين، فإذا تُصُوِّر فالحكم ما ذكرناه. . .\" وهو الذي سيذكره الشارح عنه. انظر: البرهان ١/ ٦٩٥.\n(^٢) في (ص): \"تبين\".\n(^٣) أي: قولهم عن ظن ثم ماتوا عَقِبه مباشرة.\n(^٤) بتصرف واختصار من الشارح. انظر: البرهان ١/ ٦٩٤ - ٦٩٦.\n(^٥) سقطت من (ت).\n(^٦) في (ص): \"ينقص\".","vol":"5","page":2148},{"text":"القاضي في \"مختصر التقريب\" (^١) وأشار إليه ابن بَرْهان في \"الوجيز\" (^٢).\nواستدل المصنف على ما اختاره: بأنَّ دليل الإجماع ليس مقيدًا بالانقراض، فلا يكون شرطًا فيه (^٣).\nواحتج الخصم: بأنَّ عليًا - ﵁ - سُئِل عن بيع أمهات الأولاد، فقال: \"كان رأيي ورأي عمر أن لا يُبَعْن، وقد رأيتُ الآن بَيْعهن\". فقال له عَبِيدة السَّلْمانيّ (^٤): \"رأيُك في الجماعة أحبُّ إلينا من رأيك وحدك\" (^٥). فدلَّ قولُ عَبِيدة على أنَّ الإجماع كان حاصلًا مع أنَّ عليًا - ﵁ - خالفه.\n_________\n(^١) انظر: التلخيص ٣/ ٦٩.\n(^٢) انظر: الوصول إلى الأصول ٢/ ٩٧ - ٩٨.\n(^٣) انظر: نهاية الوصول ٦/ ٢٥٥٤.\n(^٤) هو عبيدة بن عمرو السَّلْمانيُّ - بسكون اللام ويقال بفتحها - المراديّ، أبو عمرو الكوفيّ. الفقيه أحد الأعلام. أسلم عام فتح مكة بأرض اليمن ولا صحبة له. وأخذ عن علي وابن مسعود وابن الزبير، وبرع في الفقه، كان شريح إذا أشكل عليه شيء يسأله. وكان ثبتًا في الحديث، قال علي بن المديني وعمرو بن علي الفلاس: أصح الأسانيد ابن سيرين عن عَبيدة عن علي. وكان أعور. توفي قبل سنة سبعين على الصحيح، كما قال ابن حجر ﵀. انظر: سير ٤/ ٤٠، تهذيب ٧/ ٨٤، تقريب ص ٣٧٩، رقم ٤٤١٢.\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٧/ ٢٩١، كتاب أحكام العبيد، باب بيع أمهات الأولاد، رقم ١٣٢٢٤، بسنده عن عبيدة السلماني قال: \"سمعت عليًا يقول: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد أن لا يُبَعْن. قال: ثم رأيت بَعْدُ أنْ يُبعن. قال عبيدة: فقلت له: فرأيُك ورأيُ عمر في الجماعة أحبُّ إليَّ مِنْ رأيك وحدك في الفرقة، أو قال: في الفتنة. قال: فضحك عليّ\". وأخرجه بنحوه البيهقي في الكبرى ١٠/ ٣٤٨، كتاب عتق أمهات الأولاد، باب الخلاف في أمهات الأولاد.","vol":"5","page":2149},{"text":"والجواب: مَنْع ثبوت الإجماع قبل الرجوع، فإنَّ قول عبيدة: \"رأيك في الجماعة\" يدل على أنَّ المنع من بيعهن كان رأي الجماعة، ولا يدل على أنه كان رأيَ كلِّ الأمة، وإنما أراد أن ينضم قولُ عليٍّ إلى قول عمر؛ لأنه رجَّح قولَ الأكثر على الأقل (^١). هذا تقرير قوله: \"ورُدَّ بالمنع\".\nوقد يقال: المراد الردُّ بمنعِ رجوعِ عليٍّ (^٢)، والتقرير الأول هو الذي في \"المحصول\" (^٣).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-515>(الرابعة: لا يُشترط التواتر في نقله كالسنة)</span>.\nالإجماع المرويُّ بطريق الآحاد حجةٌ (^٤) عند الإمام والآمديِّ\n_________\n(^١) أخرج عبد الرزاق بسنده عن أبي إسحاق الهمداني: \"أن أبا بكر كان يبيع أمهات الأولاد في إمارته، وعمر في نصف إمارته، ثم إنَّ عمر قال: كيف تباع وولدها حرٌّ، فحرَّم بيعها، حتى إذا كان عثمان شكوا أو ركبوا في ذلك\". وأخرج أيضًا عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: \"كنا نبيع أمهات الأولاد والنبي - ﷺ - فينا حيٌّ، لا نرى بذلك بأسًا\". انظر: المصنف ٧/ ٢٨٧، ٢٨٨. وكان ابن عباس - ﵄ - يرى جواز بيعهن، وكان يقول: \"والله ما هي إلا بمنزلة بعيرك أو شاتك\" أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٧/ ٢٩٠، وكذا ابن الزبير ﵄، كما في المصنف ٧/ ٢٩٢، ٢٩٣. وانظر: سنن البيهقي ١٠/ ٣٤٧ - ٣٤٨.\n(^٢) يعني: أننا نمنع رجوع علي - ﵁ - عن رأيه الأول، بل لم يثبت لدينا رجوعُه. وقد ذكر التقريرين الإسنوي في نهاية السول ٣/ ٣١٨.\n(^٣) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢١٢. وهو الذي في السراج الوهاج ٢/ ٨٤٠، وشرح الأصفهاني على المنهاج ٢/ ٦٣٠، ومعراج المنهاج ٢/ ١١١، وشرح العِبْري ٢/ ٣٥٣.\n(^٤) أي: يُوجب العمل، لا العلم. وقد اتفق العلماء على أنه لا يوجب العلم، واختلفوا في إيجابه العمل. انظر: كشف الأسرار ٣/ ٢٦٥، الإحكام ١/ ٢٨١.","vol":"5","page":2150},{"text":"وأتباعِهما (^١)؛ لأن الإجماع دليلٌ من الأدلة، فلا يُشترط التواتر في نقله (قياسًا على السنة.\nوخالف أكثر الناس فاشترطوا التواتر في نقله (^٢» (^٣).\n_________\n(^١) وبه قال الماورديّ، وإمام الحرمين، وأبو الحسين البصريّ، والباجيّ، والقرافيّ، والشارح في \"جمع الجوامع\"، والزركشيّ، وهو مذهب الحنابلة وجمهور الحنفية، وعزاه إلى الأكثرين البخاريُّ في \"كشف الأسرار\".\nانظر: البحر المحيط ٦/ ٣٩٠، ٤٨٧، المعتمد ٢/ ٦٧، إحكام الفصول ص ٥٠٣، شرح التنقيح ص ٣٣٢، المحلي على الجمع ٢/ ١٧٩، العدة ٤/ ١٢١٣، التمهيد ٣/ ٣٢٢، المسودة ص ٣٤٤، نزهة الخاطر ١/ ٣٨٧، مختصر الروضة ص ١٣٧، شرح الكوكب ٢/ ٢٢٤، المدخل إلى مذهب أحمد ص ١٣٣، أصول السرخسي ١/ ٣٠٢، كشف الأسرار ٣/ ٢٦٥، تيسير التحرير ٣/ ٢٦١، فواتح الرحموت ٢/ ٢٤٢، المحصول ٢/ ق ١/ ٢١٤، الحاصل ٢/ ٧٠٧، التحصيل ٢/ ٦٥، نهاية الوصول ٦/ ٢٦٦٥، الإحكام ١/ ٢٨١ - ٢٨٢، العضد على ابن الحاجب ٢/ ٤٤.\nملاحظة: قد بحثت عن رأي إمام الحرمين - ﵀ - في \"البرهان\" فلم أعثر عليه، فاكتفيت بالإحالة على \"البحر المحيط\"، والعهدة على النسخة المطبوعة بدار الكتبي، وهي ذات النسخة المطبوعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت. وانظر العزو فيها إلى: إمام الحرمين في ٤/ ٥١٧.\n(^٢) وبه قال القاضي أبو بكر الباقلاني، والغزالي، وأبو جعفر السمناني، وبعض الحنفية، وعزاه لأكثر الناس الإمام وتابعه على هذا العزو تاج الدين وسراج الدين الأُرْمويَّان، والقرافي. وهو مفهوم كلام الغزالي - ﵀ - إذ قال: \"الإجماع لا يثبت بخبر الواحد خلافًا لبعض الفقهاء\"، ومفهومه أن الأكثرين لا يُثبتونه بخبر الواحد. وعزاه الزركشي إلى الجمهور، وتابعه الشوكاني رحمهما الله. انظر: إحكام الفصول ص ٥٠٣، المستصفى ١/ ٢١٥، تيسير التحرير ٣/ ٢٦١، المحصول ٢/ ق ١/ ٢١٤، الحاصل ٢/ ٧٠٧، التحصيل ٢/ ٦٥، شرح التنقيح ص ٣٣٢، البحر المحيط ٦/ ٣٩٠، ٤٨٧، إرشاد الفحول ص ٨٩.\n(^٣) سقطت من (ت).","vol":"5","page":2151},{"text":"قاله الآمديّ: \"والمسألة دائرة على اشتراط كون دليل الأصل مقطوعًا به، وعلى عدم (اشتراطه (^١). فمن اشترط القطع مَنَع أن يكون خبر الواحد مفيدًا في) (^٢) نقل الإجماع (^٣)، ومن (لم يشترط) (^٤) لم يمنع\" (^٥).\nوكلام الإمام يُشعر بأن الخلاف ليس مبنيًا على هذا الأصل، بل هو جارٍ مع القول بأنَّ أصل (^٦) الإجماع (ظني، فإنه استدل: بأنا بَيَّنَّا أنَّ أصل الإجماع) قاعدة ظنية، قال: فكيف القول في تفاصيله (^٧).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-516>(الخامسة: إذا عارضه (^٨) نصٌّ أُوِّل القابلُ له (^٩)، وإلا تساقطا </span>(^١٠».\nإذا عارض الإجماعَ نصٌّ من كتابٍ أو سنةٍ:\n_________\n(^١) يعني: هل يشترط أن يكون دليل الإجماع قطعيًا أو لا يشترط؟. انظر: نهاية السول مع سلم الوصول ٣/ ٣١٩.\n(^٢) سقطت من (ت).\n(^٣) ولذلك قال الغزالي ﵀: \"الإجماع لا يثبت بخبر الواحد خلافًا لبعض الفقهاء، والسِّر فيه أن الإجماع دليلٌ قاطع يُحكم به على الكتاب والسنة المتواترة، وخبر الواحد لا يُقطع به، فكيف يثبت به قاطع! \". المستصفى ١/ ٢١٥.\n(^٤) سقطت من (ت).\n(^٥) انظر: الإحكام ١/ ٢٨٢.\n(^٦) سقطت من (ت).\n(^٧) انظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٢١٤.\n(^٨) في (ت): \"عارض\".\n(^٩) سقطت من (غ).\n(^١٠) في (غ): \"تساقط\". وهو خطأ. والمثبت موافق لما في نهاية السول ٣/ ٣١٥، وشرح الأصفهاني ٢/ ٦٣١، ومعراج المنهاج ٢/ ١١١، وشرح العِبْري ٢/ ٣٥٣.","vol":"5","page":2152},{"text":"فإنْ قَبِل أحدُهما التأويلَ أُوِّل، سواءٌ كان القابلُ الإجماعَ أم النصَّ؛ توفيقًا بين الدليلين، ولا يختص التأويلُ بالنصِّ، على خلاف ما فهم الجاربرديّ (^١).\nوإن لم يقبل أحدُهما التأويلَ تساقطا؛ لأنَّ العمل بهما غير ممكن، والعمل بواحد دون الآخر ترجيح من غير مرجِّح (^٢). (وبتمام هذه المسألة نَجَز كتاب الإجماع. والله الموفق (للصواب وحسبنا الله ونعم الوكيل) (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) ذكر الجاربرديّ - ﵀ - أنَّ النصَّ إنْ كان قابلًا للتأويل أُوِّل، وإن لم يكن قابلًا للتأويل فإن كان أحدهما (أي: الإجماع أو النص) أعمَّ من الآخر خُصَّ به. انظر: السراج الوهاج ٢/ ٨٤١. والتخصيص للأعم نوعٌ من التأويل، لكن التأويل أعم من التخصيص، ومن ثَمَّ اعترض الشارح على الجاربرديِّ بأنه قَصَر التأويلَ على النص؛ لأنه يمكن الجمع بين النص والإجماع بحمل أحدهما على الحقيقة، والآخر على المجاز. والحاصل أن قَصْر الجاربرديِّ للتأويل على النص غير صحيح، مع كونه يقول ببعض التأويل للإجماع وهو تخصيصه إن كان عامًا، فتعبيره فيه قصور.\n(^٢) هذا التعليل يدل على أن المسألة مفترضة في الإجماع الظني والنص الظني، ولذلك قال الإسنوي - ﵀ - بعد أن ذكر تأويلهما أو التساقط: \"وهذا كلُّه إذا كانا ظنيين، فإن كانا قطعيين، أو كان أحدهما قطيًا والآخر ظنيًا - فلا تعارض، كما ستعرفه في القياس\". نهاية السول ٢/ ٣٢٠. وانظر: المحصول ٢/ ق ١/ ٣٠١، الحاصل ٢/ ٧٣٠، التحصيل ٢/ ٨٧، نهاية الوصول ٦/ ٢٦٧١، معراج المنهاج ٢/ ١١١، شرح الأصفهاني ٢/ ٦٣١، المعتمد ٢/ ٥٥، المستصفى ١/ ٢١١، شرح التنقيح ص ٣٣٧، نفائس الأصول ٦/ ٢٧٧٤، الوصول إلى الأصول ٢/ ١١٦، المحلي على الجمع ٢/ ٢٠٠ - ٢٠١، البحر المحيط ٦/ ٤٠٨، المسودة ص ٣٢٤.\n(^٣) قوله: وبتمام. . . إلخ: لم يرد في (غ).\n(^٤) قوله: للصواب. . . إلخ: لم يرد في (ص).","vol":"5","page":2153},{"text":"دَوْلة الإمَارَات العَربيّة المُتَّحِدة\nحُكومَة دُبي\nسلسلة\nالدِّراسات الأصوليَّة\n\"١٧\"\nالإِبْهَاجُ فِي شَرْحِ المِنْهَاجِ\nشرح عَلَى مِنْهَاجِ الوُصُوْلِ إِلَى عِلْمِ الأُصُولِ لِلْقَاضِي\nالبَيْضَاويِّ المُتَوفى سنة ٦٨٥ هـ\nتَأْلِيفُ\nشيخ الإسلام علي بن عبد الكافي السُّبكي المُتَوفى سنة ٧٥٦ هـ\nوولده تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي المُتَوفى سنة ٧٧١ هـ\nدرَاسَة وَتحقيق\nالدُّكْتُوْرُ أَحْمَدَ جَمَال الزَّمْزَمِي\nالدُّكْتُوْرُ نُورُ الدِّينِ عَبْدِ الجَبَّارِ صَغِيري\nالجُزْء السّادس\nدَار البُحُوث للدِّرَاسَات الإِسْلَامِيَّةِ وَإِحْيَاء التُّرَاثْ","vol":"6","page":2154},{"text":"الكتاب الرابع: القياس","vol":"6","page":2155},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-517>(الكتاب الرابع: في القياس </span>(^١).\nوهو إثباتُ حكمِ معلومٍ في معلومٍ آخرَ لاشتراكهما في علّةِ الحكمِ عندَ المثبتِ).\nأقول: القياس في اللغة: التقدير، ومنه قست الأرض بالخشبة أي قدرتها بها، والتسوية، ومنه قاس النعل بالنعل أي حاذاه، وفلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه (^٢)، قال الشاعر:\nخِفْ يا كَرِيمُ عَلَى عِرْضٍ يُدَنِّسُهُ ... مَقَالُ كُلِّ سَفِيهٍ لَا يُقَاسُ بِكَا (^٣)\n_________\n(^١) القياس: أنواع كثيرة يكثر تعدادها فمنها خاص بالأصوليين ومنها ما هو خاص بالمناطقة ويمكن ذكر بعضها على سبيل الإجمال: (القياس الجلي، والقياس الخفي، والقياس البرهاني، والشعري، والشرعي، والعقلي، والاقتراني، والاستثنائي، وقياس الخلف، والمركب والمنفصل، وقياس الدليل والقياس الجزئي الحاجي، وقياس المعنى وقياس الشبه، وقياس التمثيل، وغيرها. .) وللمزيد من معرفة هذه الأنواع من القياسات وتعريفاتها. ينظر: الكليات: ص ٧١٣ - ٧١٦. والتعريفات: ص ١٨١ - ١٨٢، والمبين: ص ٨٤ - ٨٧.\n(^٢) ينظر في التعريفات اللغوية: لسان العرب لابن منظور: ٥/ ٣٧٩٣ مادة: \"قيس\" والصحاح للجوهري: ٣/ ٩٦٧ مادة: \"قوس\". قال الجوهري: \"قست الشيء بالشيء، أي قدَّرْته على مثاله، يقال: قست أقيس وأقوس فهو من ذوات الياء والواو، ونظائره في اللغة كثيرة، والمصدر قيسًا وقوسًا بالياء والواو من بناء أقيس قياسًا وأقوس قوسًا\" وينظر أيضًا هذا المثال (قاس النعل بالنعل) في شفاء الغليل: ص ١٩.\n(^٣) البيت لأبي العلاء المعري وهو من البحر البسيط ويروى البيت مع التكملة كما هو في ديوانه:\nخف يا كريم على عرض تعرضه ... لعائب فلئيم لا يقاس بكا\nإن الزجاجة لما حطمت سبكت ... وكم تكسَّر من در فم سبكا =","vol":"6","page":2157},{"text":"وبهذا المعنى يطلق على القياس المصطلح؛ لأنَّ الفرع يساوي الأصل في الحكم.\nوأمَّا تعريفه في الاصطلاح (^١) بين العلماء فقد ذكروا فيه أمورًا أقربها ما ذكره المصنف وهو الذي أبداه الإمام في المعالم (^٢)، وهو:\nإثباتُ مثلِ حكمِ معلومٍ في معلومٍ آخرَ لاشتراكهما في علَّة الحكمِ عندَ\n_________\n= ينظر ديوان أبي العلاء المعري.\n(^١) اختلف العلماء في تعريف القياس وإمكان حده، فذهب البعض ومنهم إمام الحرمين إلى أنه لا يحدّ. قال في البرهان: ٢/ ٧٤٨: \"يتعذر الحدّ الحقيقي في القياس، فإنّ الوفاء بشرائط الحدود شديد. . . إلخ\"، وذهب الجمهور إلى إمكانه ثمّ اختلفوا في تعريفه تبعًا لاختلافهم في أنه هل هو دليل شرعي كالكتاب والسنة سواء نظر المجتهد أم لم ينظر، أو هو عمل من أعمال المجتهد، فلا يتحقق إلا بوجوده؟\nفمن ذهب إلى الأول كالآمدي، وابن الحاجب عرفه بأنه: مساواة فرع لأصل في علّة حكمه. الإحكام: ٣/ ٢٧٣، ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٠٤.\nومن ذهب إلى الثاني كالقاضي الباقلاني، وأبي الحسين البصري، والشيرازي، والرازي والبيضاوي وغيرهم، عرفه بما يفيد أنه عمل من أعمال المجتهد مثل تحصيل الأصل في الفرع لاشتباههما في علَّة الحكم عند المجتهد. المعتمد: ٢/ ١٩٥، أو إثبات مثل حكم معلوم لمعلوم آخر لأجل اشتباههما في علّة الحكم عند المثبت. المحصول للرازي: ٢/ ق ٢/ ٩.\nوينظر تعرفه في: شرح اللمع للشيرازي: ٢/ ٧٥٥، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٢٢٧، والمنخول للغزالي: ص ٣٢٣، والتلويح على التوضيح: ٢/ ٥٢، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢٤٦.\n(^٢) ينظر المعالم للرازي: ص ١٥٣.","vol":"6","page":2158},{"text":"المثبتِ (^١).\nقال الإمام: ونعني بالإثبات: القدرَ المشترك بين العلم والاعتقاد والظنِّ، سواءٌ أَتَعَلَّقَتْ (^٢) هذه الثلاثة بثبوت الحكمِ أمْ بعَدَمِه (^٣).\nوأمَّا المِثْل (^٤): فبديهي (^٥) التصور (^٦)؛ لأنَّ كلّ عاقل يعرف بالضرورة كون الحار مثلا للحارّ (^٧) في كونه حارًا ومخالفًا للبارد في ذلك (^٨).\nوإنّما قلنا: \"إثباتُ مثلِ حكم\" ولم نقل: \"إثباتُ حكم\"؛ لأنَّ عين الحكم الثابت في الأصل ليس هو عين الثابت في الفرع بل مثله (^٩).\n_________\n(^١) وهذا التعريف هو ما ذكره القاضي أبو بكر واختاره جمهور المحققين، ومنهم الغزالي في المستصفى، والرازي في المحصول وتبعه البيضاوي. ينظر: التلخيص للجويني: ٣/ ١٤٥، والمستصفى: ٢/ ٢٢٨، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٩.\n(^٢) في (ت)، (غ): تعلقت.\n(^٣) ينظر: المحصول: ٢/ ق ٢/ ١٧. والإثبات: هو كالجنس في التعريف، يشمل المعرّف وغيره، وباقي القيود كالفصل. كذا قاله الإسنوي في نهاية السول: ٤/ ٣.\n(^٤) قيد أول احترز به عن إثبات خلاف حكم معلوم، فإنه لا يكون قياسًا. أفاده الإسنوي في نهاية السول: ٤/ ٣.\n(^٥) البديهي: هو الذي لا يتوقف حصوله على نظر وكسب سواء احتاج إلى شيء آخر من حدس أو تجربة أو غير ذلك. أو لم يحتج فيرادف الضروري. التعريفات للجرجاني: ص ٦٨.\n(^٦) التصور: هو حصول إدراك الماهية من غير أن يحكم عليها بنفي أو إثبات. التعريفات للجرجاني: ص ٨٧.\n(^٧) في (غ)، (ت): الجار مثلا للجار. وهو تصحيف.\n(^٨) ينظر: المحصول: ٢/ ق ٢/ ١٨.\n(^٩) ينظر: الإسنوي: ٣/ ٤.","vol":"6","page":2159},{"text":"وأمّا \"الحكم\" فسبق تفسيره في أوّل الأصول (^١).\nوأما \"المعلوم\" فلسنا نعني به مطلق متعلق العلم (^٢) فقط، بل ومتعلق الاعتقاد والظنّ، والفقهاء يطلقون لفظ العلم على هذه الأمور (^٣).\n_________\n(^١) فهو كما عرفه البيضاوي: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير. الإبهاج: ص ١١٧.\n(^٢) (العلم) ليست في (غ). و(بل ومتعلق. . . . . العلم) مثبتة ومصححة في هامش (ص).\n(^٣) المعرفة: هي إدراكٌ مَا لصورِ الأشياء أو صفاتها أو سماتها وعلاماتها، أو للمعاني المجردة سواء أكان لها في غر الذهن وجود أم لا؟ . وكمال المعرفة يكون بمطابقة الإدراك لما عليه المدرَك في واقع نفسه من صورة أو صفة أو سمة وعلامة، أو وجود أو عدم، أو حق أو باطل، أو غير ذلك مما تتعلق به. فإن كان الشيء مما له صورة تُدرَك بالحس الظاهر أو الباطن فمعرفة صورته تكون بانطباع هذه الصورة في نفس المدرِك، وإن كان مما له صفة ما أو سمة ما لا تدرك بالحس، فمعرفة هذه الصفة أو هذه السمة تكون بإدراكها على ما هي عليه في الواقع، وإن كان من المجردات العملية كالوجود والعدم، والحق والباطل، والخير والشر، فمعرفته تكون بإدراك حقيقته المجردة على ما هي عليه في واقع أمرها، وهكذا إلى سائر ما يمكن أن يتناوله الإدراك.\nفالعلم: هو إدراك الشيء أو المعنى على ما هو عليه في الواقع.\nواليقين: وهو حين يجزم المدرِك بأن ما أدركه مطابق للواقع قطعًا، ويكون كذلك في حقيقة أمره، بالدليل القاطع.\nوالاعتقاد: وهو حين يجزم المدرِك بأن ما أدرك مطابق للواقع قطعًا، دون أن يقترن جزمه بالدليل القاطع على مطابقته للواقع.\nوللعلم درجات: فما يلزم الفكر إلزاما لا يحتمل النقيض فهو اليقين، ودون مرتبة اليقين تأتي مرتبة الظنّ الراجح، وتأتي من دونه مرتبة الشك، وهي مرتبة تتساوى فيها الاحتمالات تساويًا تامًا، فلا يكون لبعضها رجحان على بعض. ويأتي بعد هذا الظن المرجوح، أو الوهم، فهو على درجات تقابل درجات الظن الراجح، =","vol":"6","page":2160},{"text":"وإنّما قلنا: \"معلوم\" ولم نقل: موجود، ولا شيء لجريان القياس في المعدوم والموجود، والشيء عند الأشاعرة (^١) لا يطلق على المعدوم (^٢)، وإنَّما لم يذكره (^٣) بدل المعلومين الأصل والفرع؛ لرفع إيهام كون الفرع والأصل وجودِيَيْن، وذلك لأنَّ الأصل ما يُتَوَلَدُ منه شيءٌ، والفرعُ ما تَوَلَدَ عن شيءٍ.\nوإنّما قلنا: \"في معلوم آخر\"؛ لأنَّ القياس كما عرفت هو التسوية بين\n_________\n= فبمقدار رجحان الاحتمال المقابل له تكون نسبة ضعفه، ثم تأتي بعد الظن المرجوح مرتبة الباطل بيقين.\nينظر: ضوابط المعرفة للميداني: ص ١٢٣ - ١٢٦ بتصرف.\n(^١) الأشاعرة أو الأشعرية: هم أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، المتوفى سنة ٣٢٤ هـ، قال أبو الحسن: \"الباري تعالى عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة، مريد بإرادة، متكلم بكلام، سميع بسمع لا بأذن، وباصر ببصر هو رؤية لا عين، ومتكلم بكلام لا من جنس الأصوات والحروف\"، وأجمعوا على أن هذه الصفات السبع أزلية، وسموها قديمة، وقد عرف مذهبهم الكلامي بمذهب أهل السنة والجماعة. انظر: الملل والنحل للشهرستاني: ١/ ٨٢، أصول الدين للبغدادي: ص ٩٠.\n(^٢) وبيان ذلك أنَّ الشيء عند الأشاعرة هو الموجود سواء أكان ممكنًا أم واجبًا، فلا يصدق الشيء على المعدوم أصلًا عندهم، وأمّا المعتزلة، فالشئ عندهم هو الممكن مطلقًا، سواء أكان موجودًا أو معدومًا، فالواجب والمستحيل كل منهما شيء عندهم، وعلى ذلك فالمعدوم عندهم شيء، فلو عبر المصنف بالشيء لخرج المعدوم عند الأشاعرة، ولخرج المستحيل والواجب عند المعتزلة، فلا يجري القياس فيها، وبذلك يكون التعريف غير جامع. ينظر: الشامل لإمام الحرمين: ص ٣٤، ونهاية السول للإسنوي: ٣/ ٤، ونشر البنود: ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥.\n(^٣) في (ص)، (غ): يذكر.","vol":"6","page":2161},{"text":"الأمرين فيستدعي وجود المنتسبين.\nوإنّما قلنا: \"لاشتراكهما في علَّة الحكم\"؛ لأنَّ القياس لا يوجد بدون العلّة (^١).\nوإنَّما قلنا: \"عند المثبت\"؛ ليشمل الصحيحَ والفاسدَ في نفس الأمر.\n_________\n(^١) هذا هو القيد الخامس في التعريف، وهو إشارة منه إلى أن القياس لا يتحقق بغير العلّة، وهو في ذات الوقت احترز به عن إثبات الحكم بالنص أو بالإجماع، فلا يكون قياس حينئذ.\nوقد عبَّر ابن السبكي في جمع الجوامع بالمساواة، ورجح الزركشي في شرح جمع الجوامع التعبير بالمساواة نقلا عن ابن السبكي بأمرين:\nالأول: المناسبة للمعنى اللغوي، فإن من معانيه المساواة.\nالثاني: أن الاشتراك يصدق بوجهين: احدهما: المناصفة، نقول: شارك زيد عَمرًا واشترك زيد مع عمرو في المال، وهذا ليس بمراد لهم في قولهم شارك الفرع الأصل، في علَّة الحكم؛ لأنَّ العلَّة لا تقسط عليهما حتى يكون في كل منهما بعضها. وثانيهما: المساواة كما تقول اشترك زيد مع عمرو في الإنسانية، أي تساويا فيها، وهذا هو المقصود. أما المساواة فلا يستعمل إلا في المعنى الثاني، وقد استحسن الزركشي وجهًا آخر فقال ما خلاصته: التعبير بالمساواة أولى من التعبير بالمشاركة؛ لأنَّ المشاركة في أمر ما لا توجب استواءهما في الحكم ما لم يكن ذلك الأمر فيهما سواء أو قريبًا منه، بخلاف ما لو اختلفا من الجهة التي تقتضى الحكم فإن ذلك يكون فرقًا يمنع التسوية بينهما. ويمكن أن يقال أيضًا: إنّ لفظ المشاركة أولى من لفظ المساواة؛ لأنَّ لفظ المساواة يوهم قصر القياس على المساوي وخروج الأولى والأدون.\nينظر: جمع الجوامع بحاشية البناني: ٢/ ٢٠٢، وتشنيف المسامع شرح جمع الجوامع للزركشي: ٣/ ١٥٣.","vol":"6","page":2162},{"text":"وإنّما لم نقل (^١) بدل \"المثبت\": المجتهد ليعمّ (^٢) كلّ مثبت من مجتهد وغيره (^٣)\nوقوله: \"مِثْلُ حُكْم\" كلاهما مضاف بغير تنوين أعني: \"مثل\" و\"حكم\".\nو\"معلومٍ\" مضاف (^٤) إليه منون، ولهذا قال في المعالم: \"إثبات مثلِ حكمِ صورةٍ لصورةٍ أخرى\" (^٥)، وهو أوضح (^٦).\nقال: (قيل الحكمان غير متماثلين في قولنا: لو لم (^٧) يشترط الصوم في صحة الاعتكاف لما وجب بالنذر كالصلاة.\nقلنا: تلازم، والقياس لبيان الملازمة، والتماثل حاصل على\n_________\n(^١) في (ص): يقل.\n(^٢) في (غ): ليعلم.\n(^٣) فالمثبت هو القائس سواء كان مجتهدًا أو مقلدًا. قال الآمدي وهذا الحد يرد عليه إشكال مشكل لا محيص عنه، وهو أنّ إثبات الحكم هو نتيجة القياس فجعله ركنًا في الحدّ يقتضي توقف القياس عليه وهو دور. وقد يقال: إنما يلزم ذلك أن لو كان التعريف المذكور حدًّا، ونحن لا نسلمه بل ندعي أنه رسم. وقد أشار إليه إمام الحرمين في البرهان: ٢/ ٧٤٨. ينظر الآمدي في الإحكام: ٣/ ٣٧٣، والإسنوي في نهاية السول: ٤/ ٤.\n(^٤) في (غ): ومضاف إليه.\n(^٥) ينظر المعالم: ص ١٥٣.\n(^٦) في (ت): واضح.\n(^٧) في (ت): ولم يشترط.","vol":"6","page":2163},{"text":"التقدير (^١).\nوالتلازم والاقتراني لا نسميهما قياسا)\nاعترض على حدِّ القياس هذا (^٢)، بأنَّه غير جامع، لأنَّه ينتقض بقياس العكس، وهو: تحصيل نقيض حكم معلوم في غيره لافتراقهما في علّة الحكم (^٣)، وقياس التلازم (^٤)، والمقدمتين\n_________\n(^١) في (غ): على التقديرين.\n(^٢) هذا شروع في ذكر الاعتراضات الواردة على حدّ القياس، والقاعدة أنه لا يسلم حدّ من اعتراض، فمهما ادّعى الآتي بالحدّ من كون الحدّ جامعًا مانعًا، إلا ويعترض عليه، وقد ساق المصنف وتبعه الشارح عدَّة اعتراضات مفترضة على هذا الحد وأجاب عنها.\n(^٣) قياس العكس: كما عرَّفه الآمدي: \"فعبارة عن تحصيل نقيض حكم معلوم ما في غيره لافتراقهما في علّة الحكم\" وعرفه الإسنوي بقوله: \"إثبات نقيض حكم معلوم في معلوم آخر، لوجود نقيض علته فيه\". ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٢٦٢، ونهاية السول للإسنوي: ٣/ ٧، والمبين للآمدي: ص ٨٥.\n(^٤) من مبادئ التصديقات في المنطق القضايا وأحكامها، والقضية في الاصطلاح هي: التصديق أو الخبر، وتنقسم القضايا إلى قسمين لا ثالث لهما وهما القضية الحملية والقضية الشرطية، ومثال الأولى زيد قائم. وأما الشرطية فمثالها: لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجودًا، وتنقسم الشرطية إلى قسمين شرطية متصلة وشرطية منفصلة. والمتصلة تنقسم إلى شرطية متصلة لزومية وشرطية متصلة اتفاقية. والذي يهمنا في الباب هو الشرطية المتصلة اللزومية أو (قياس التلازم). وهي التي لا بد من اتصال مقدمها بتاليها في الوجود والعدم لموجب يقتضي ذلك ككون أحدهما سببًا للآخر والآخر سببًا له. أو كون أحدهما ملزما للآخر والآخر لازمًا له، وسواء كان ذطث الارتباط عقليًا أو شرعيًا أو عاديًا =","vol":"6","page":2164},{"text":"والنتيجة (^١).\nأمّا قياس العكس، فكقول الحنفي (^٢): لو لم يكن الصوم شرطًا لصحّة الاعتكاف مطلقًا، لم يصرْ شرطًا بالنَّذر؛ قياسًا على الصلاة، فإنها لمَّا لم تكن شرطًا لصحّة الاعتكاف في الأصل، لم تكن (^٣) شرطًا له بالنّذر؛ إذ لو نَذَرَ أنْ يعتكف مصليًا لم يلزمه الجمع، بخلاف ما لو نذر أنْ يعتكف صائمًا، والثابت في الأصل نفي كون الصّلاة شرطًا لها، وفي الفرع إثبات كون الصوم شرطًا لها، فحكم (^٤) الفرع ليس حكم الأصل، بل يقتضيه (^٥).\n_________\n= مثال العقلي: كلما كان هذا إنسانا كان حيوانا.\nمثال الشرعي: كلما زالت الشمس وجبت صلاة الظهر، وكلما وجد شهر رمضان وجب الصوم.\nمثال العادي: كلما لم يكن ماء لم يكن نبات.\n(^١) المقدمة والنتيجة عند المناطقة: هي القضية التي تنتج ذلك مع قضية أخرى. نحو كلّ مسكر خمر، وكل خمر حرام. فالنتيجة: كل خمر حرام. تعريفات الجرجاني ص ٢٤٢، تحرير القواعد المنطقية للرازي ص ٤ وما بعدها.\n(^٢) هذا المثال ساقه الآمدي في الإحكام ينظر: ٣/ ٢٦٢.\n(^٣) في (ص): لم يكن.\n(^٤) (فحكم) مثبتة في هامش (ص).\n(^٥) وتقريره: كما قال الإسنوي: ٤/ ٥ \"أنه إذا نذر أن يعتكف صائمًا، فإنه يشترط الصوم في صحة الاعتكاف اتفاقًا، ولو نذر أن يعتكف مصليًا لم يشترط الجمع اتفاقًا بل يجوز التفريق. واختلفوا في اشتراط الصوم في الاعتكاف بدون نذره معه، فشرطه أبو حنيفة ولم يشترطه الشافعي، فيقول أبو حنيفة: لو لم يكن الصوم شرطًا لصحة الاعتكاف عند الإطلاق لم يصر شرطًا له بالنذر قياسًا على الصلاة، فإنها لما لم تكن شرطًا لصحة الاعتكاف حالة الإطلاق لم تصر شرطًا له بالنذر، والجامع عدم =","vol":"6","page":2165},{"text":"ونظير هذا المثال أيضًا من مذهبنا قولنا: إنّ المفوضة (^١) يجب لها المهر بالوطء على أصحّ القولين (^٢)، والقول الآخر: أنَّه يجب بالعقد (^٣)، واتفق\n_________\n= كونهما شرطين حالة الإطلاق فالحكم الثابت في الأصل أعني الصلاة عدم كونها شرطًا في صحة الاعتكاف، والعلّة فيه كونها غير واجبة النذر والحكم الثابت في الفرع كون الصوم شرطًا في صحة الاعتكاف، والعلّة فيه وجوبه بالنذر فافترقا حكمًا وعلّة\". وينظر: المحصول فقد ذكر المثال نفسه: ٢/ ق ٢/ ٢٢ - ٢٣.\n(^١) تسمى المفوِّضة على اسم الفاعل؛ لتفويضها أمرها إلى الزوج أو الولي، بلا مهر، أو لأنها أهملت المهر و(المفوَّضة) على اسم المفعول؛ لأن الوليّ فوَّض أمرها إلى الزوج. قال الغزالي: ونعني بالتفويض إخلاء النكاح عن المهر بأمر من يستحق المهر. والتفويض نوعان: تفويض مهر: وهو أن تقول لوليها: زوجني على أن المهر ما شئت، أو ما شاء الخاطب. وتفويض بُضْع: والمراد إخلاء النكاح عن المهر، كأن تقول البالغة الراشدة: زوجني بلا مهر وهذا النوع هو المراد هنا. ينظر روضة الطالبين للنووي: ٥/ ٦٠٣.\n(^٢) أصح القولين: الأصح عند الرافعي والمتقدمين هو الرأي الراجح أي ما هو أكثر صحة من غيره، سواء أكان هذا الرأي قولًا للإمام الشافعي أو وجهًا من وجوه الأصحاب، أو طريقًا من الطرق. وهو يقابل الصحيح. وأما الأصحّ عند النووي فقد جعله خاصًا للترجيح بين الخلاف في الأوجه فقط، وعكس البيضاوي فجعله خاصًّا للترجيح بين الأقوال فقط. ينظر: مقدمة تحقيق الغاية القصوى: ص ١١٨، وتحفة المحتاج: ١/ ٥٠، والمنهاج: ص ٢.\n(^٣) هذه المسألة معقودة في هل تستحق المفوضة المهر بنفس العقد؟ . قال الرافعي: فيه طريقان: أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب أنه على قولين: أنه يجب بنفس العقد شيء؛ لأنّ المهر حقها، والثاني يجب مهر المثل. والثاني: القطع بالقول الثاني. وإذا قلنا بظاهر المذهب، وأوجبنا مهر المثل، فالاعتبار بحال العقد، أم بحالة الوطء فيه وجهان أو قولان. هذان القولان هما اللذان حكاهما الشارح. ينظر: فتح العزيز: ٨/ ٢٧٦.","vol":"6","page":2166},{"text":"القولان على أنّ الوطء في هذا النكاح لا بد له من مهر، إنما الخلاف في أنَّه بماذا يجب (^١)؟ .\nوخَرَّجَ القاضي الحسين وجهًا (^٢) أَنَّه لا يجب مهرٌ أصلًا كما (^٣) إذا وطئ المرتهن الجارية المرهونة بإذن الراهن ظانًا أنها تباح بالإذن، حيث لا يجب المهر في أحد القولين بجامع حصول (^٤) الملك من مالك البُضع (^٥).\nفنقول: في الدليل على أنَّه لا بد من مهر؛ ردًّا على هذا التخريج (^٦).\nالزنا لو شرط فيه مال لم يثبت؛ لأنَّ المال لا يتعلق به شرعًا (^٧) أصلًا، فلم يتعلق به شرطًا، فكذلك الوطء المحرَّم (^٨) إذا نفي عنه، وجب أنْ لا ينتفي؛ لأنَّه يتعلق به المال أصلًا شرعًا (^٩)، فلم ينتف عنه بالشرط، فالثابت في الأصل كون المال لا يجب أصلًا وفي الفرع\n_________\n(^١) ينظر: مختصر المزني: ص ٩٤، والوسيط: ٥/ ٢٣٧ - ٢٤٠، وفتح العزيز: ٨/ ٢٧٣، ومغني المحتاج: ٣/ ٢٣٠، ومنهاج الطالبين: ص ١٠٢.\n(^٢) الوجه: أو الوجوه هي الآراء التي استنبطها أصحاب الإمام الشافعي المنتسبون إليه من الأصول العامّة للمذهب، بتخريجها على ضوء القواعد التي رسمها لهم الإمام الشافعي. ينظر: المجموع: ١/ ١٠٧، وتحفة المحتاج: ١/ ٤٨.\n(^٣) في (غ)، (ص): مما.\n(^٤) في (غ): الأصول.\n(^٥) ينظر تخريج هذا الوجه في: روضة الطالبين عمدة المفتين للنووي: ٥/ ٦٠٤.\n(^٦) في (غ): الترجيح.\n(^٧) (شرعا): ليست في (غ)، (ت).\n(^٨) في (ص): المحترم.\n(^٩) (شرعًا) ليس في (غ).","vol":"6","page":2167},{"text":"الوجوب (^١).\nوالجواب: أنّ هذا في الحقيقة تمسكٌ بنظم التلازم (^٢)،\n_________\n(^١) هذا مثال آخر لقياس العكس أورده الشارح، وهناك أمثلة أخرى نذكر منها على سبيل المثال:\nالوتر يؤدى على الراحلة فهو نفل كصلاة الصبح لم تؤد على الراحلة فكانت فرضًا.\nالمرأة لما ثبت عليها الاعتراض لم يصح منها النكاح، كالرجل لما لم يثبت عليه الاعتراض صح منه النكاح.\nالمجامع لحليلته لما وضع شهوته في حلال كان له أجر كالزاني لما لم يضعها في حلال كان عليه وزر.\nينظر هذه الأمثلة في نبراس العقول: ص ٣٦.\n(^٢) التلازم: هو كل قضية يكون الربط فيها قائمًا على وجود علاقة بين المقدم والتالي توجب ذلك.\nوالعلاقات التي توجب ربط التالي بالمقدم متعددة منها:\nأن يكون المقدم سببًا في التالي. مثال: إذا مرت الرياح الباردة على السحاب المثقل ببخار الماء نزل المطر.\nوإما أن يكون المقدم مسببًا للتالي: مثال: إذا نزل المطر فقد برد جو السحاب الذي كان يحمله.\nوإما أن يكون المقدم علّة للتالي. مثال: إذا كانت الطائرة تطير في الجو، فإن ركابها يتحركون وفق حركتها.\nوإما أن يكون المقدم معلولًا للتالي مثال: إذا كان ركاب الطائرة يسيرون في الجو بسرعة مئة ميل في الساعة فلا بد أن الطائرة التي هم فيها تسير بسرعة مئة ميل في الساعة.\nوإما أن يكون ربط المقدم بالتالي على أساس التضايف العقلي بينهما، كارتباط الأبوة، إذ لا تفهم الأبوة ما لم نفهم البنوة. ولا تتحقق الأبوة إلا بتحقق البنوة. وكارتباط معنى الكل بالجزء. وكارتباط معنى الأصغر بالأكبر.\nمثال: إذا كانت عائشة بنتا لأبي بكر الصديق فأبو بكر أب لها. =","vol":"6","page":2168},{"text":"وإثباتٌ لإحدى مقدمتي التلازم بالقياس. فإنّك تقول في المثال الأول: لو لم يكن الصوم شرطًا للاعتكاف، لم يصر شرطًا له بالنذر، فهو شرطٌ له مطلقًا، فهذا تمسك بنظم التلازم، واستثناء لنقيض اللازم لإثبات نقيض\n_________\n= وقضيتنا التي جاء بها الشارح وهي قوله: \"لو لم يكن الصوم شرطًا لم يصر شرطًا له بالنذر. فهو شرط له مطلقًا\".\nفالمقدم هو قوله: لو لم يكن الصوم شرطًا.\nوالتالي هو قوله: لم يصر شرطًا له بالنذر.\nوالنتيجة هي: فهو شرط له مطلقًا.\nوإنما جاءت هذه النتيجة بعد أن سلطنا الاستثناء على التالي: بقولنا لكنه شرط له في النذر، وهو نقيض اللازم، فينتج نقيض الملزوم، وهو: فهو شرط له مطلقًا.\nوهذا من باب القياس الاستثنائي المتصل. المؤلف من مقدمتين صغرى وكبرى، فالكبرى قضية شرطية متصلة، ويشترط فيها أن تكون لزومية اتفاقية، والصغرى قضية حملية مقترنة بلفظة لكن أو نحوها، وتسمى استثنائية، ويستثنى بالمقدمة الصغرى مقدم الشرطية المتصلة الموجبة اللزومية أو نقيض التالي. والقاعدة أن إثبات الملزوم يقتضي عقلًا إثبات لازمه ونفي اللازم يقتضي عقلا نفي ملزومه.\nومن الأمثلة المبثوثة في الكتاب والسنة قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيْهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ﴾ (مقدم) ﴿لَفَسَدَتَا﴾ (تالي) [كبرى] أي لكنهما لم تفسدا (صغرى) (رفع فيها التالي). إذن فليس فيهما إلا الله (النتيجة) (وقد رفع فيها المقدم).\nوقس على هذا قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ سورة الصافات الآيتان ١٤٣ - ١٤٤. وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ الأحقاف الآية ١١. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ الحاقة الآية ٤٥ - ٤٧.\nوقوله - ﷺ -: \"لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة\". أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٧٩، كتاب الجمعة (١١) باب السواك يوم الجمعة (٨) رقم (٨٨٩) وفي كتاب التمني (٩٤) باب ما يجوز من اللّو (٩) رقم (٧٢٤٠).","vol":"6","page":2169},{"text":"الملزوم، ثمَّ إنّك تثبت المقدمة الشرطية بالقياس، وهو أنّ ما لا يكون شرطًا للشيء في نفسه، لا يصير شرطًا له بالنّذر كما في الصلاة.\nوقيس عدم شرطية الصّوم بالنّذر على عدم شرطية الصلاة بالنذر، بجامع كونهما غير شرطين:\nأحدهما: في الواقع بالاتفاق.\nوالثاني: على تقدير أنْ يكون الصّوم ليس شرطًا في الواقع.\nفوَضُحَ أنّ هذا قياس الطرد (^١) لا قياس العكس، وظهر دخوله في الحدِّ (^٢).\nوهذا الجواب هو المَعْنِيُ بقوله: \"قلنا تلازم\" إلى آخره.\nوأمّا قوله: \"والتلازم والاقتراني لا نسميهما (^٣) قياسًا\"، فهو جواب عن سؤال مقدر، وهو ما أشرنا إليه من أَنَّه ينتقض بقياس التلازم والمقدمتين والنتيجة.\nوتقريره: أمَّا قياس التلازم، وهو القياس الاستثنائي (^٤)، فهو كقولنا:\n_________\n(^١) سيأتي تعريفه عند ذكر مسالك العلة إن شاء الله.\n(^٢) الحدّ: عرفه الجرجاني بأنه \"قول دال على ماهية الشيء\". ينظر: التعريفات للجرجاني بتحقيق عميرة: ص ١١٦.\n(^٣) في (غ): لا يسميهما.\n(^٤) القياس الاقتراني: نقيض الاستثنائي، وهو ما لا يكون عين النتيجة ولا نقيضها مذكورًا فيه بالفعل كقولنا الجسم مؤلف وكل مؤلف محدث، ينتج الجسم محدث فليس هو ولا نقيضه مذكورًا في القياس بالفعل. التعريفات: ص ٢٣١.","vol":"6","page":2170},{"text":"إنْ كان هذا إنسانًا، فهو حيوان، لكنّه إنسان، فهو حيوان، لكنّه ليس بحيوان فليس بإنسان،\nوأمّا المقدمتان والنتيجة وهو القياس الاقتراني (^١) فكقولنا: كلُّ جسم مؤلف وكلّ مؤلف محدث، وكلّ جسم محدث فحكم النتيجة ليس حكم المقدمتين.\nوأجاب: بأن ما ذكرتموه من الاستثنائي والاقتراني لا نسميهما قياسًا في اصطلاحنا، وإن كان المنطقيون يسمونهما قياسًا (^٢). وإنّما لا نسميهما قياسًا؛ لأنَّ القياس التسوية؛ وهى لا تحصل إلا عند تشبيه صورة بصورة، وليس الأمر كذلك في التلازم وفي المقدمتين والنتيجة.\nفإن قلت: بل هي حاصلة في هذين الموضوعين؛ لأنَّ الحكم في كلِّ واحدة من المقدمتين معلومٌ، وفي النتيجة مجهول، فاستلزام المطلوب من هاتين المقدمتين يوجب صيرورة الحكم المطلوب مساويًا للحكم في المقدمتين (^٣) في الصّفة المعلومية.\n_________\n(^١) القياس الاستثنائي: ما كان عين النتيجة أو نقيضها مذكورًا بالفعل كقولنا: إن كان هذا جسمًا فهو متحيز لكنه جسم ينتج أنه متحيز، وهو بعينه مذكور في القياس، أو لكنه ليس بمتحيز ينتج أنه ليس بجسم ونقيضه قولنا إنه جسم مذكور في القياس. التعريفات: ص ٢٣١.\n(^٢) إذ القياس عندهم قول مؤلف من أقوال متى سلمت لزم عنه لذاته قول آخر، والذي يسميه الأصوليون قياسًا يسميه المنطقيون تمثيلًا. أفاده الإسنوي في نهاية السول: ٤/ ٦.\n(^٣) (يوجب صيرورة الحكم المطلوب مساويًا للحكم في المقدمتين) ساقط من (ت).","vol":"6","page":2171},{"text":"قلت: لو كفى هذا الوجه في إطلاق اسم القياس، لوجب أنْ يسمَّى كلُّ دليلٍ قياسًا؛ لأنَّ التّمسك بالنّصِّ جَعَلَ مطلُوبَه (^١) مساويًا لذلك النّص في المعلومية، فَلَوْ صَحَّ ذلك لامتنع (^٢) أنْ يقال: ثبت الحكم في محل النّص بالنّص لا بالقياس، والله أعلم.\nقال الإمام: فإن أردنا أن نذكر عبارة في تعريف القياس شاملة لجميع هذه الصُّوَّر، نقول القياس: قول مؤلف من أقوال (^٣) إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر.\nوقد تمّ شرح التعريف المذكور في الكتاب للقياس المصطلح وما أورد عليه مما أشار إليه صاحب الكتاب.\nولقائل أنْ يقول: يَرِدُ عليه أمران:\nأحدهما: قياس الشبه (^٤)، فإنّه خارج عنه؛ إذ لا علّة فيه معينة لا سيما الشبه الصوري عند من اعتبره.\nوثانيهما: قياس لا فارق (^٥)؛ فإنه ليس فيه علّة عند المجتهد.\nوأورد الآمدي (^٦) اعتراضًا: وقال إنّه مشكل لا محيص عنه، وهو أنّ\n_________\n(^١) في (غ): مطلوبًا.\n(^٢) (لامتنع) ليس في (ت).\n(^٣) فى (ت): من الأقوال.\n(^٤) سبق تعريفه.\n(^٥) سيأتي تعريفه في قوادح العلّة.\n(^٦) الآمدي: هو علي بن أبي علي بن محمد بن سالم التغلبي الآمدي سيف الدين، ولد =","vol":"6","page":2172},{"text":"الحكم في الفرع متفرع على القياس، وليس ركنًا في القياس؛ لأنَّ نتيجة الدليل لا تكون ركنًا (^١) في الدليل لما فيه من الدَّور، وعند ذلك فيلزم من أخذ إثبات الحكم في الفرع في حدِّ القياس أن يكون ركنا في القياس وهو دور (^٢).\nقال الهندي: وهذا الإشكال ضعيف جدًّا؛ لأنَّ المأخوذ في حدِّ القياس إنَّما هو الإثبات لا الثبوت الذي يترتب عليه، ونتيجة القياس (^٣) وهو الثبوت لا الإثبات (^٤).\nقلت وهذا حقّ (^٥).\nوالعجب من الآمدي أنَّه لما ذكر حدّ القاضي وهو قوله (^٦): القياس: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما\n_________\n= بعد سنة ٥٥٠ هـ بمدة قصيرة وتوفي عام ٦٣١ هـ له من المصنفات الإحكام، وأبكار الأفكار في أصول الدين، والمنتهى والحقائق في علوم الأوائل وغيرها. ينظر ترجمته في: وفيات الأعيان: ٢/ ٤٥٥، وطبقات الشافعية للسبكي: ٥/ ١٢٩.\n(^١) (على القياس وليس ركنا في القياس لأنّ نتيجة الدليل لا تكون ركنًا) ساقط من (غ).\n(^٢) ينظر: الإحكام: ٣/ ٢٧٣.\nوالدور هو: توقف الشيء على ما يتوقف عليه، ويسمى الدور المصرح كما يتوقف (أ) على (ب) (وبالعكس، أو بمراتب ويسمى الدور المضمر كما يتوقف (أ) على (ب)، و(ب) على (ج)، و(ج) على (أ). ينظر التعريفات: ص ١٤٠ - ١٤١\n(^٣) (إنَّما هو الإثبات لا الثبوت الذي يترتب عليه، ونتيجة القياس) ساقط من (غ).\n(^٤) ينظر: نهاية الوصول: ٧/ ٣٠٣٣.\n(^٥) وهذا من مواطن ترجيحات الشارح.\n(^٦) في (ص): قول.","vol":"6","page":2173},{"text":"بأمر جامع بينهما من إثبات حكمٍ أو صفةٍ لهما أو نفيهما عنهما (^١).\nقال: حمل الفرع على الأصل معناه التشريك في الحكم (^٢).\nثم اعترض بهذا الإشكال الذي فخَّم أمره، وقال: المختار في حدِّه أن يقال: إنَّه عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في حكم الأصل بناءً على جامع بينهما في نظر المجتهد (^٣).\nقال: وهذه العبارة جامعة مانعة وافية بالغرض، عَرِية عمّا يعترضها من التشكيكات العارضة لغيرها (^٤).\nونحن نقول: إنْ كان الاستواء هو التسوية، والتسوية هي الحمل فهى موافقة لحدِّ القاضي، سواء من غير فرق وقد تقدم قوله، فإنّ قوله: في إثبات حكم لهما إلى آخره شرح لمعنى الحمل، وكذا هو شرح لمعنى الاستواء؛ إذ هو مستلزم لثبوت الحكم في الفرع، فلم يخرج بذلك عن كونه جعل حكم الفرع ركنًا في القياس فيَرِدُ عليه ما أورده وإن كان الاستواء غير التسوية فيرِدُ عليه ما ذكرناه مع اختلاف التسوية والاستواء في المعنى.\nفالعجب منه اختياره لهذا الحدّ بعد اعتراضه على الأوّل بما زعم أنَّه لا محيص عنه وهو لازم له، إنْ كان ما أورده\n_________\n(^١) ينظر: التلخيص: ٣/ ١٤٥، والبرهان: ٢/ ٧٤٥، والمستصفى: ٢/ ٢٢٨، والمحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٩، والإحكام: ٣/ ٢٦٧.\n(^٢) ينظر الإحكام: ٣/ ٢٦٧.\n(^٣) المصدر نفسه: ٣/ ٢٧٣.\n(^٤) المصدر السابق: ٣/ ٢٧٣.","vol":"6","page":2174},{"text":"صحيحًا، وينفرد ما قاله هو بأنَّه جعل الاستواء موضع التسوية وهما غيران (^١).\n_________\n(^١) حاصله أنَّ الآمدي لما اعترض على تعريفات القياس التي أوردها اختار تعريفًا له فقال في: الإحكام: ٣/ ٢٧٣ \"والمختار في حدِّ القياس أن يقال: إنَّه عبارة عن الاستواء بين الفرع والأصل في العلّة المستنبطة من حكم الأصل\" ومن التعريفات التي أوردها واعترض عليها تعريف القاضي الباقلاني والذى قال فيه ٣/ ٢٦٦: \"حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما\" قال الآمدي بعدها: ٣/ ٢٧٠ \". . . والجواب عن الإشكال الأول أنَّ المراد بحمل المعلوم على المعلوم إنّما هو التشريك بينهما في حكم أحدهما مطلقًا. وقوله بعد ذلك: في إثبات حكم أو نفيه) إشارة إلى ذكرها بفاصل ذلك الحكم وأقسامه، وهي زائدة على نفس التسوية في مفهوم الحكم، فذكرها ثانيًا لا يكون تكرارًا\". فاعتراض السبكي حاصله: أن الاستواء إن كان بمعنى التسوية، والتسوية بمعنى الحمل ورد عليه ما أورده على تعريف القاضي الباقلاني، وكذلك إن كان الاستواء غير التسوية يرد عليه ذلك. ويلزمه أيضًا وضع الاستواء موضع التسوية وهما غيران. والله أعلم.","vol":"6","page":2175},{"text":"الباب الأول: بيان حجية القياس","vol":"6","page":2177},{"text":"قال: (وفيه بابان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-518>الباب الأول: في بيان كونه حجة. وفيه مسائل:</span>\nالأولى: في الدليل عليه.\nيجب العمل به شرعًا.\nوقال القفال والبصري: عقلًا.\nوالقاساني والنهرواني: حيث العلةُ منصوصة، أو الفرع بالحكم أولى كتحريم الضرب على تحريم التأفيف.\nوداود: أنكر التعبد به. وأحاله الشيعة والنظَّام)\nيجوز التعبد (^١) بالقياس في الشرعيات عقلًا ويجب العمل به شرعًا (^٢)،\n_________\n(^١) إنّ عبارة الأصوليين تختلف في حكاية هذا النزاع. فمنهم من يحكيه بعنوان الحجية. فيقول: القياس حجة أو غير حجة. ومنهم من يحكيه بعنوان التعبد. فيقول: التعبد بالقياس جائز أو لا. أما حجية القياس فالمعقول في معناها أنّ القياس أصل ودليل نصبه الشارع ليستنبط منه من هو أهل لاستنباط الحكم الشرعي كالكتاب والسنة. قال الإمام في المحصول: ٢/ ٢/ ٢٩ \"والمراد من قولنا: \"القياس حجة\": أنَّه إذا حصل للمجتهد ظنُّ أنّ حكمَ هذه الصورة مثلُ حكمِ تلك الصورة فهو مكلف بالعمل به في نفسه ومكلفٌ أن يفتي غيره به\". وأما التعبد بالقياس فاختلفوا في معناه على قولين: أحدهما: أنه عبارة عن إيجاب الله لنفس القياس، بمعنى إيجاب الله لإلحاق الفرع بالأصل. وهو ما جرى عليه الآمدي وبعض شراح مختصر ابن الحاجب. ثانيهما: أنه عبارة عن وجوب العمل بمقتضى القياس، وهو ما جرى عليه الإمام في المحصول، والعضد في شرح المختصر، والبيضاوي في المنهاج، وتبعه شراحه كالسبكي، وغيره. ينظر: نبراس العقول: ص ٥٢ - ٥٥.\n(^٢) هل التعبد بالقياس جائز عقلا أو ممتنع؟ فالجماهير من السلف والخلف قالوا =","vol":"6","page":2179},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بالجواز، وغيرهم قالوا بالامتناع. والقائلون بالامتناع افترقوا فرقتين: فالأكثر منهم على أنه واقع، وغيرهم أنه لم يقع. فجملة الفرق ثلاثة. القائلون بالجواز والوقوع، والقائلون بالجواز دون الوقوع، والقائلون بعدم الجواز.\nثم إن القائلين بالجواز دون الوقوع افترقوا من جهات ثلاث:\nالأولى: أن الأكثر وقع بدلالة السمع فقط، والقفال من الشافعية، وأبو الحسين البصري من المعتزلة على أنه وقع بدلالة السمع والعقل.\nالثانية: أن الأكثر على أن دلالة السمع عليه قطعية، وأبو الحسين ظنية.\nالثالثة: بعضهم أن التعبد بالقياس وقع مطلقًا من غير تخصيص ببعض الصور أو بعض الحالات أو استثناء بعضها، وبعضهم على أنه وقع في بعض الصور والأحوال. صورتين فقط، وقد حصل اضطراب في النقل عنهما في تعيين هاتين الصورتين. وابن عبدان من الشافعية قال: وقع في حال الاضطرار إليه فقط. وأبو حنيفة أنه وقع في الأسباب والشروط والموانع والكفارات والرخص والتقديرات. والجبائي والكرخي قالا: وقع إلا في أصول العبادات. وبعضهم قال: وقع إلا في الأمور العادية والخلقية. وقوم إلا في النفي الأصلي، وبعضهم إلا القياس الجزئي الحاجي، وآخرون إلا القياس على المنسوخ، وبعضهم إلا في كل الأحكام.\nوالقائلون بالجواز دون الوقوع افترقوا فرقتين:\nفرقة: ذهبت إلى عدم الوقوع لوجود الدليل على الوقوع.\nوفرقة: لم تقنع بذلك، بل ذهبت إلى عدم الوقوع لوجود الدليل على ذلك من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وإجماع العترة.\nوالقائلون بالامتناع عقلا افترقوا فرقتين: فمنهم من ذهب إلى أنه ممتنع في شريعتنا، ومنهم من ذهب إلى أنه ممتنع في سائر الشرائع، وهؤلاء افترقوا ثلاث فرق؛ فمنهم من ذهب إلى أنه ممتنع؛ لأنّ القياس لا يفيد علمًا، ولا ظنًا. ومنهم من ذهب إلى أنه ممتنع؛ لأنّ القياس يفيد الظن والظن قد يخطئ ويصيب، ومنهم من ذهب إلى أنه ممتنع؛ لأنّ القياس وإن أفاد الظن والظن قد يعتد به إلا أن الرجوع إليه رجوع إلى أضعف الدليلين مع وجود أقواهما. =","vol":"6","page":2180},{"text":"وبه قال السلف وجمهور الخلف (^١)، وزاد القفَّال من أصحابنا وأبو الحسين البصري (^٢)، فزعما أن العقل موجب لورود التعبد بالقياس، ووافقهما أبو بكر الدّقاق (^٣) من أصحابنا، كما نقله الشيخ أبو إسحاق في شرح اللّمع (^٤)، ومن النّاس من أنكر التعبد به، وقد نقله في الكتاب عن داود (^٥) وهو قضية نقل غيره، ونقل الإمام عن\n_________\n= هذا مجمل الفرق المختلفة في حجية القياس. ولم يبق إلا قول شاذ لابن حزم الظاهري لا يعول عليه، وهو قوله: إن القياس كان مشروعًا في صدر الإسلام قبل نزول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ثم نسخ. نقله عنه الزركشي في البحر المحيط. لخصته من النبراس لعيسى المنون ص ٥٧ - ٥٨.\n(^١) ينظر: الإحكام: ٤/ ٥ - ٦، والمستصفى: ٢/ ٢٣٩، والمحصول: ٢/ ق ٢/ ٣١، وبيان المختصر شرح ابن الحاجب: ٣/ ١٤١، والمسودة: ص ٣٦٧، وشرح مختصر الروضة: ٣/ ٢٤٦.\n(^٢) حكى إجماع الصحابة على القياس القاصي عبد الجبار من المعتزلة فقال: \"المعتمد في ذلك ما ذكره شيوخنا، من إجماع الصحابة على القياس والاجتهاد\". ينظر: المغني في أبواب التوحيد: ١٧/ ٢٧٦، وتبعه أبو الحسين البصري: \"واختلف من أثبت التعبد به فقال قوم: العقل يدل على ذلك، والسمع، وقال آخرون: السمع فقط يدل عليه، والذي يبيِّن أنّ العقل يدلّ على التعبد به. . .\" ينظر المعتمد: ٢/ ٢١٥.\n(^٣) أبو بكر الدقاق هو القاضي أبو بكر محمد بن جعفر المعروف بـ (ابن الدقاق) البغدادي الأصولي الفقيه الشافعي، ولد عام (٣٠٦ هـ) وتوفي عام (٣٩٢ هـ) له من المصنفات (شرح المختصر). ينظر ترجمته في: طبقات الفقهاء: ص ١١٨، وطبقات الإسنوي: ١/ ٥٢٢، المنتظم: ٧/ ٢٢٢.\n(^٤) ينظر: شرح اللمع: ٢/ ٧٦٠ - ٧٦١.\n(^٥) ينظر: شرح اللمع: ٢/ ٧٦١. وداود: هو داود بن علي بن خلف الأصبهاني إمام أهل الظاهر كان شافعيًا، ثم صار صاحب مذهب مستقل كان زاهدًا كثير =","vol":"6","page":2181},{"text":"داود أنَّه أحاله عقلًا (^١) وفي كل من النقلين نظر.\nفقد قال أبو محمد ابن حزم (^٢) والآمدي: إن داود يقول بالقياس إذا كانت العلة منصوصةً كمذهب القاساني (^٣) والنهرواني (^٤) الآتي ذكره إن شاء الله تعالى (^٥).\nقال ابن حزم وأما نحن فلا نقول بشيء من القياس (^٦).\n_________\n= الورع من مصنفاته: إبطال القياس، والدعاء، والطهارة والصلاة، توفي ببغداد عام (٢٧٠ هـ). ينظر ترجمته: طبقات الحفاظ: ص ٢٥٦، طبقات المفسرين: ١/ ١٦٦.\n(^١) ينظر المحصول: ٢/ ق ٢/ ٣٤.\n(^٢) هو: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم أبو محمد الفارسي الأصل ثم الأندلسي القرطبي الفقيه الحافظ، المتكلم الأديب، الوزير، الظاهري، له المحلِّي، ومراتب الإجماع، والإحكام، والفصل في الملل والنحل، وجوامع السيرة، وغير ذلك كثير، ولد سنة ٣٨٤ هـ وتوفي سنة ٤٥٦ هـ. ينظر ترجمته في: وفيات الأعيان: ٣/ ٣٢٥ - ٣٣٠ رقم (٤٤٨)، وسير أعلام النبلاء: ١٨/ ١٨٤ - ٢١٢ رقم (٩٩)، والإحاطة بأخبار غرناطة: ٤/ ١١١ - ١١٦.\n(^٣) هو محمد بن إسحاق أبو بكر القاساني نسبة إلى قاسان ناحية من نواحي أصبهان، وقيل: القاشاني بالشين نسبة إلى ناحية مجاورة لـ (قم). كان من أصحاب داود ينفي القول بالقياس. توفي سنة ٢٨٠ هـ. ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: ص ١٧٦، معجم المؤلفين: ٩/ ٤١.\n(^٤) هو المعافي بن زكريا بن يحيى يكنى بأبي الفرج ويلقب بالجريري لأنه على مذهب ابن جرير الطبري توفي عام ٣٩٠ هـ وينسب إلى نهروان بلدة قديمة قرب بغداد لها عدة نواح، فقيه أصولي أديب. ينظر ترجمته: تاريخ بغداد: ١٣/ ٢٣٠، وفيات الأعيان: ٤/ ٣٠٩، شذرات الذهب: ٣/ ١٣٤.\n(^٥) ينظر الإحكام: ٤/ ٣١.\n(^٦) ينظر الإحكام لابن حزم: ٧/ ٥٥، ١٤٣. وعبارته: \"ذهب أهل الظاهر إلى إبطال =","vol":"6","page":2182},{"text":"وأمَّا النّظّام والشيعة (^١) فأحالوه عقلا كذا نقل المصنف (^٢).\nوالنقل عن النّظّام ليس بجيد؛ لأنَّه خصّص النع من التعبد بشرعتنا خاصة. قال: لأنَّ مبناها على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات وذلك يمنع من التعبد بالقياس.\nوأما ما ذكره المصنف بعدُ من أنّ القياس الجلي لم ينكره أحد فمدخول، ولو صحَّ لكان وجهًا يرد عليه هنا (^٣).\nوأما القاشاني والنهرواني فقالا: يجب العمل بالقياس في صورتين:\nإحداهما: أن تكون العلّة منصوصة. قالا: وذلك إما بصريح اللفظ أو بإيمائه كذا نقله عنهما القاضي في مختصر التقريب، وإمام الحرمين والغزالي\n_________\n= القول بالقياس في الدين جملة، وقالوا: لا يجوز الحكم - ألبتة في شيء من الأشياء كلها - إلا بنص كلام الله تعالى، أو نص كلام النبي - ﷺ - أو بما صحَّ عنه - ﷺ - من فعل أو إقرار، أو إجماع من جميع علماء الأمة كلها، متيقن أنه قال كل واحد منهم، دون مخالف من أحد. . . . وهذا هو قولنا الذي ندين الله تعالى به\". وقال في موضع آخر: \"فإن لم نجد نصا ولا إجماعا ولا ضرورة، اقتصرنا على ما جاء به النص، ووقفنا حيث وقف، ولا مزيد اقتصرنا\".\n(^١) قال الشريف الجرجاني: ص ١٦٩: \"الشيعة: هم الذين شايعوا عليًا - ﵁ -، وقالوا: إنه الإمام بعد رسول الله - ﷺ -، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده\". وينظر: الملل والتحل للشهرستاني: ص ١٤٩، والفصل في الملل والنحل: ٢/ ١١٣.\n(^٢) ينظر: المحصول: ٢/ ق ٢/ ٣٢.\n(^٣) قلت أنكره الظاهرية فقد صدر ابن حزم كتاب القياس قال فصل في إبطال دعواهم في دليل الخطاب. ينظر: الإحكام لابن حزم: ٧/ ٤٢.","vol":"6","page":2183},{"text":"والإمام والآمدي وغيرهم (^١).\nوالثانية: أن يكون الفرع أولى بالحكم من الأصل، ومثّل له في الكتاب بقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف، وقد سبق منه أنّ هذا من باب المفهوم وسيأتي النظر في أنّ ذلك هل هو متناف؟ إن شاء الله تعالى.\nوهذا إيضاح (^٢) ما في الكتاب مما يتعلق بمذهب القاشاني والنهرواني، وهو في النقل عنهما تابع لأصحابه، وقد نقل عنهما الآمدي أنَّهما لم يقضيا بوقوع القياس، إلا فيما كانت علّته منصوصة أو مُومأً إليها فقط (^٣)، والذي نقله الغزالي أنهما خصّصاه بموضعين:\nأحدهما: النّص والإيماء كما عرفت.\nوالثاني: الأحكام المعلقة بالأسباب كرجم ماعز (^٤) لزناه (^٥)، . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) ينظر: التلخيص: ٣/ ٢٤٦، والبرهان: ٢/ ٧٧٤، والمستصفى: ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥، والمحصول: ٢/ ق ٢/ ٣٢، والإحكام: ٤/ ٣١ وما بعدها.\n(^٢) في (غ)، (ت): أيضًا.\n(^٣) ينظر الإحكام: ٤/ ٣١ وعبارته: \". . . والقاشاني والنهرواني لم يقضوا بوقوع ذلك إلا فيما كانت علته منصوصة أو مومى إليها\" اهـ\n(^٤) هو الصحابي ماعز بن مالك الأسلمي أبو عبد الله واسمه غريب، وماعز لقبه وقد رجم في عهده - ﷺ - تائبًا وقصته مشهورة. ينظر في ترجمته: الإصابة: ٥/ ٧٠٥، والاستيعاب: ٣/ ١٣٤٥، طبقات ابن سعد: ٤/ ٣٢٤.\n(^٥) قصة ماعز بن مالك الأسلمي - ﵁ - رواها جماعة من الصحابة منهم ابن عباس، =","vol":"6","page":2184},{"text":"والمعلّق باسمٍ مشتقٍ (^١) كالسارق والسارقة.\nقال الغزالي: وكأنَّهما يعنيان بهذا القسم تنقيح المناط (^٢)\n_________\n= وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة - ﵃ -.\nوأخرج الحديث البخاري في كتاب الحدود (٨٦)، باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت؟ (٢٨): ص ١٣٠١ رقم (٦٨٢٤). وأخرجه مسلم في كتاب الحدود (٢٩)، باب من اعترف على نفسه بالزنا (٥) (ت): ٧٠٣، رقم (١٩/ ١٦٩٣).\n(^١) الاشتقاق: هو نزع لفظ من آخر بشرط مناسبتهما معنى وتركيبًا ومغايرتهما في الصيغة. التعريفات: ص ٤٩.\nوالاسم المشتق قسيم الاسم الجامد.\n(^٢) وللفرق بين تحقيق وتنقيح وتخريج المناط أورد قول الغزالي في الفرق بينها مع الأمثلة باختصار.\nقال الغزالي: \"اعلم أنَّا نعني بالعلَّة في الشرعيات مناط الحكم، أي ما أضاف الشارع الحكم إليه وناطه به ونصبه علامة عليه.\nوالاجتهاد في العلَّة إما أن يكون في تحقيق مناط الحكم وإما في تنقيح مناط الحكم، وإما في تخريج مناط الحكم واستنباطه.\nفأما تحقيق مناط الحكم: فلا نعرف خلافًا بين الأمة في جوازه. مثاله الاجتهاد في تعيين الإمام بالاجتهاد مع قدرة الشارع في الإمام الأول على النص، وكذا تعيين الولاة والقضاة، وكذلك في تقدير المقدرات وتقدير الكفايات في نفقة القرابات وإيجاب المثل في قيم المتلفات، وأورش الجنايات وطلب المثل في جزاء الصيد. فإن مناط الحكم في نفقة القريب الكفاية، وذلك معلوم بالنَّص، أما أن الرطل كفاية لهذا الشخص أم لا فيدرك بالاجتهاد والتخمين. وينتظم هذا الاجتهاد بأصلين أحدهما: لا بد من الكفاية، والثاني: أن الرطل قدر الكفاية فيلزم منه أن الواجب على القريب؛ أما الأصل الأوّل فمعلوم بالنص والإجماع، وأما الثاني فمعلوم بالظنّ. . . =","vol":"6","page":2185},{"text":"ويعترفان (^١) به (^٢).\nوكلام إمام الحرمين في البرهان قريب من ذلك فإنه قال: المقبول عندهما من مسالك النظر في مواقع الظنون شيئان:\nأحدهما: ما دلّ من كلام الشارع على التعليل به، ولهذا صيغ:\nمنها: ربطه الحكمَ بالأسماء المشتقة كالزانية والزاني، ومن هذا القبيل: سها فسجد (^٣)، زنى ماعز فرجم، فالفاء تقتضي ربطا وتسبيبا وذلك\n_________\n= الاجتهاد الثاني في تنقيح مناط الحكم: وهذا يقر به أكثر منكري القياس مثاله أن يضيف الشارع الحكم إلى سبب وينوطه به ويقترن به أوصاف لا مدخل لها في الإضافة فيجب حذفها عن درجة الاعتبار حتى يتسع الحكم. مثاله إيجاب العتق على الأعرابي حيث أفطر في رمضان بالوقاع من أهله، فإنا نلحق به أعرابيا آخر بقوله - ﷺ -: \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\" أو بالإجماع، على أنّ التكليف يعم الأشخاص.\nالاجتهاد الثالث: في تخريج مناط الحكم واستنباطه: مثاله أن يحكم بتحريم في محل ولا يذكر إلا الحكم والمحل ولا يتعرض لمناط الحكم وعلته، كتحريم شرب الخمر والربا في البر، فنحن نستنبط المناط بالرأي والنظر، فنقول: حرمه لكونه مسكرًا، وهو العلَّة، ونقيس عليه النبيذ، وحرم الربا في البر لكونه مطعومًا ونقيس عليه الأرز والزبيب. . .\" ينظر: المستصفى: ٢/ ٢٣٠ - ٢٣٤.\n(^١) في (ص): يفترقان.\n(^٢) ينظر: المستصفى: ٢/ ٢٧٤.\n(^٣) وهذا قريب من اللفظ الذي أخرجه أبو داود في سننه: ص ١٦٥ كتاب الصلاة (٢) باب سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم (٢٠٢) رقم الحديث (١٠٣٩) (ولفظه \"أن النبي - ﷺ - صلى بهم فسها فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم\". . وأصل هذا حديث ذي اليدين المروي في صحيح البخاري: ٢٤٠ - ٢٤١ كتاب السهو (٢٢) =","vol":"6","page":2186},{"text":"مشعر بالتعليل. قال وربما يلحقون به الفحوى في مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (^١).\nوالأمر الثاني: ما يكون في معنى المنصوص عليه بالمنصوص عليه كقوله - ﷺ -: \"لا يبولن أحدكم في الماء الراكد\" (^٢) قالا: لو جمع جامع بولًا في وعاء وصبه في الماء الراكد كان في معنى البول في الماء انتهى (^٣).\nوكذلك كلامه في مختصر التقريب والارشاد للقاضي أبي بكر وقال: إنَّ القياسيين اختلفوا؛ فذهب قومٌ إلى أنَّ ما صاروا إليه ليس قولًا بالقياس، وإنَّما هو تتبع منهما للنّص. وقال آخرون - وهو الحق - هو قول ببعض القياس (^٤).\n_________\n= باب إذا سلم في ركعتين (٣) رقم الحديث (١٢٢٧)، باب من لم يتشهد في سجدتي السهو (٤) رقم الحديث (١٢٢٨).\n(^١) سورة الإسراء من الآية ٢٣.\n(^٢) رواه مسلم كتاب الطهارة ٢٨ باب النهي عن البول في الماء الراكد رقم (٩٥)، ورواه ابن ماجه في كتاب الطهارة ٢٥ باب النهي عن البول في الماء الراكد رقم ٣٤٤، وأحمد ٢/ ٥٣٢، ٤٦٤، ٢٨٨، ٤/ ٣٥٠، ٣٤١.\nوالحديث المتفق عليه بلفظ: \"لا يبولن أحدكم في الماء الدائم\" رواه البخاري في كتاب الوضوء (٤) باب البول في الماء الدائم (٦٨) رقم (٢٣٩)، ومسلم في كتاب الطهارة (٢) باب النهي عن البول في الماء الراكد (٢٨) رقم (٩٥/ ٢٨٢).\nوينظر: تلخيص الحبير: ١/ ١٥٦ رقم ١٣٣.\n(^٣) ينظر: البرهان: ٢/ ٧٧٤ - ٧٧٥.\n(^٤) ينظر كتاب التلخيص: ٣/ ٢١٤.","vol":"6","page":2187},{"text":"وقال إمام الحرمين في البرهان: إن أبا هاشم قال بهذين الوجهين وزاد ثالثا، وهو ما إذا طولب المكلف بشيء واعتاص (^١) عليه الوصول إليه يقينا فيتمسك بالأمارات المفضية إلى الظنّ، ومثَّل أبو هاشم هذا بوجوب استقبال القبلة عند إشكال جهاتها انتهى (^٢).\nوهذا من أبي هاشم يحتمل أنْ يكون منعًا (^٣) من القياس إلَّا في هذه الأماكن الثلاثة، ويكون حينئذ مذهبًا آخر في القياس لم يتقدم له ذكر، ويحتمل أنْ يكون منعًا من العمل بالظنّ مطلقًا إلا فيها.\nوفي الباب مذهب آخر ذهب إليه أبو الفضل بن عبدان (^٤) من أصحابنا أنّ مِنْ شَرْطِ صحّةِ القياسِ حدوثُ حادثةٍ تؤدي الضرورة إلى معرفة حكمها (^٥).\n_________\n(^١) اعتاص: واعتصت النواة: اشتدت، وتعصّى الأمر اعتاص. والعصيان خلاف الطاعة، عصاه يعصيه عصيًا ومعصية وعاصاه، فهو عاصٍ وعصيّ. القاموس المحيط: ص ١٦٩٢ مادة \"عصى\".\n(^٢) ينظر: البرهان: ٢/ ٧٧٥ - ٧٧٦.\n(^٣) في (ت): ممتنعًا.\n(^٤) هو عبد الله بن عبدان بن محمد بن عبدان الشيخ أبو الفضل شيخ همذان ومفتيها وعالمها، كان ثقة فقيها ورعًا جليل القدر ممن يشار إليه توفي ﵀ سنة (٤٣٣ هـ) من مصنفاته شرح العبادات. ينظر ترجمته في: طبقات الشافعية الكبرى: ٥/ ٦٥ - ٦٦ الترجمة رقم (٤٣١)، شذرات الذهب: ٣/ ٢٥١، طبقات ابن هداية الله: ٤٨.\n(^٥) ينظر: المحصول: ٢/ ق ٢/ ٣٢، الإحكام: ٤/ ٢٤، نهاية الوصول: ٧/ ٣٠٥٤. ورأي ابن عبدان في القياس ذكره صاحب النبراس وعزاه لصاحب البحر المحيط الزركشي =","vol":"6","page":2188},{"text":"تنبيه: ذهب الأكثرون إلى أنّ دلالة الدليل السمعي عليه قطعية، وقال بعضهم: بل ظنية.\nقال (استدل أصحابنا بوجوه:\nالأول: أنَّه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع، والمجاوزة اعتبار وهو مأمور به في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾\nقيل: المراد الاتعاظ فإن القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية.\nقلنا: المراد قدر مشترك.\nقيل: الدّال على الكلي لا يدل على الجزئي.\nقلنا: بلي، ولكن ههنا جواز الاستثناء دليل العموم.\nقيل: الدَّلالة ظنية.\nقلنا: المقصود العمل فيكفي الظن).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-519>استدل أصحابنا على حجية القياس بوجوه أربعة </span>(^١):\n_________\n= وللسبكي في جمع الجوامع. ينظر النبراس: ص ١٢٢، والبحر المحيط، وحاشية البناني على جمع الجوامع: ٢/ ٢٠٥.\n(^١) استدلوا بالكتاب والسنة والإجماع، والمعقول. أما الكتاب فجملة من الآيات أشهرها في كتب الأصول قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾.\nوأما السنة فجملة من الأحاديث أشهرها حديث معاذ بن جبل - ﵁ -.\nوأما الإجماع: وهو الذي عوّل عليه جمهور الأصوليين. وتقريره: القياس مجمع على العمل به بين الصحابة، وكلما كان كذلدً فهو حجة يجب العمل به، فالقياس حجة يجب العمل به. وأتوا بأدلة لكل مقدمة صغرى كانت أم كبرى. =","vol":"6","page":2189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-520>أحدها: أنّ القياس مجاوزة</span>، والمجاوزة اعتبار، والاعتبار مأمور به، فالقياس مأمور به (^١).\nأما المقدمة الأولى؛ فلأنه مجاوزة عن الأصل إلى الفرع.\nوأما الثانية: فلأن الاعتبار مشتق من العبور، وهو المجاوزة والعبور.\nتقول: عبرت عليه وعبرت النهر (^٢).\n_________\n= وأما المعقول: تقريره أن يقال: القياس يفيد ظن حكم الأصل في الفرع. وكلما كان كذلك يجب العمل بمقتضاه، فالقياس يجب العمل بمقتضاه. واستدلوا على صحة المقدمات أيضًا.\n(^١) هذا دليل منطقي مؤلف من ثلاث مقدمات ونتيجة. فالمقدمة الأولى: القياس مجاوزة والمقدمة الثانية والمجاوزة اعتبار، والمقدمة الثالثة والاعتبار مأمور به. والنتيجة القياس مأمور به. فهذا قياس مركب اقتراني مفصول النتائج مؤلف من ثلاث مقدمات كل واحدة منهن يترتب عليها التي بعدها. وضابطه أن تجعل النتيجة مقدمة صغرى وتضم إليها كبرى ثم تجعل النتيجة أيضًا صغرى وتضم إليها كبرى وهكذا. ولذلك طريقان: الطريق الذي يسمى المتصل النتائج. وطريق يسمى مفصول النتائج وهو الذي يهمنا كأن تقول: كل إنسان حيوان وكل حيوان حساس وكل حساس نام، وكل نام جسم ينتج كل إنسان جسم. وفي مثالنا: القياس مجاوز، والمجاوزة اعتبار والاعتبار مأمور به ينتج القياس مأمور به.\n(^٢) ينظر: الصحاح: ٢/ ٧٣٢ \"عبر\" والمصباح المنير: ص ٣٨٩، ولسان العرب: مادة \"عبر\". \"كقولهم عبرت النهر، وعبرت على فلان أي جاوزته ومنه يقال: المعبر للموضع الذي يعبر عليه والمعبر السفينة التي يعبر فيها كأنها أداة العبور، والعبرة الدمعة سميت بذلك لأنها تعبر الجفن ولا تستقر فيه، وعبّر الرؤيا أي جاوزها إلى ما يناسبها\"","vol":"6","page":2190},{"text":"وأما الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^١) أمر بماهية الاعتبار، وهو أمر شامل لجميع أنواع الاعتبار، ومن جملة أفراده القياس، فوجب أنْ يكونَ مأمورًا به (^٢).\nواعترض الخصم أولًا: بأنَّا لا نسلم أنّ الاعتبار المجاوزة، بل المراد من المأمور به الاتعاظ، ودليل ذلك أنّ القياس الشرعي لا يناسب صدر الآية وهو قوله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٣) فإنّه لا يقال بعد ذلك فقيسوا الذّرة على البُر؛ إذ (^٤) هو حينئذ ركيك من الكلام ولا يليق بالشرع.\nوأجاب عنه: بأن المراد بالاعتبار، القدرُ المشتركُ بين الاتعاظ والقياس وهو المجاوزة إذ في كلٍّ منهما معناهما (^٥)، بخلاف ما لو جعلناه مختصًا بالاتعاظ فإنّه يلزم (^٦) إما الاشتراك أو المجاز، وهما على خلاف الأصل، وإذا حملنا الاعتبار على مطلق المجاوزة لا يلزم الركاكة (^٧)؛ لأنها إنما تلزم أن لو خصصنا الاعتبار بالقياس الشرعي وليس كذلك.\n_________\n(^١) سورة الحشر من الآية ٢.\n(^٢) هذه أدلة على صحة المقدمات الثلاث.\n(^٣) سورة الحشر من الآية ٢.\n(^٤) في (غ)، (ت): وهو.\n(^٥) في (ص): معناها.\n(^٦) في (غ)، (ت): فيلزم.\n(^٧) في (غ): الوكالة. وهو تصحيف.","vol":"6","page":2191},{"text":"ثم اعترض الخصم ثانيا: بأنا سلمنا أنّ الاعتبار المجاوزة، لكن لا يلزم منه الأمر بالقياس؛ لأنَّ الآية دالة على وجوب أمر كليّ وهو مطلق الاعتبار، والدّال على ما به الاشتراك غير دال على ما به الامتياز، وغير ملتزم له، وهو معنى قوله: الدّال على الكلي لا يدل على الجزئي. ولا يلزم الأمر بالقياس الذي هو جزئي للكليّ الذي هو مطلق الاعتبار.\nوأجيب: بأنّ (^١) ما ذكر صحيح، ولكن هنا يقتضي العموم لوجهين.\nأحدهما: وهو المذكور في الكتاب أنَّه يحسن أنْ يقول: اعتبروا إلا الاعتبار الفلاني، وقد بينّا في العموم أنّ الاستثناء يخرج ما لولاه لدخل، فوضح أنّ كلّ اعتبار داخلٌ تحت هذا اللفظ.\nوالثاني: أنّ ترتيب الحكم على المسمى يقتضي أنْ يكون علّة ذلك الحكم هو ذلك المسمّي، وذلك يقتضي أنّ علّة الأمر بالاعتبار كونه اعتبارًا فيلزم أنْ يكون كلّ الاعتبار مأمورًا به.\nولقائل أنْ يقول على الأول: لا نسلم جواز الاستثناء إذا فسّر بالتفسير المذكور، وهو ما لولاه لوجب دخوله؛ إذ النكرة في سياق الإثبات لا تعمّ، ثمّ ولو فسّر الاستثناء بأنَّه ما لولاه لصحّ دخوله لم يتأت (^٢) ما ذكر أيضًا؛ لأنَّه ينتقض بالأمر بكلّ ماهية كليّة (^٣) لا يجوز فيه هذا\n_________\n(^١) (بأن) ليست في (غ).\n(^٢) في (غ): لم يأت.\n(^٣) الماهية الكلية: قول القائل في الشيء ما هو؟ طلب لماهية الشيء، والماهية إنما تتحقق بمجموع الذاتيات المقومة للشيء فإذا أشار إلى خمر وقال: ما هو؟ فقولك شراب =","vol":"6","page":2192},{"text":"النوع من الاستثناء نحو صلِّ إلا الصلاة الفلانية مع أنَّ الأمر بالماهية الكلية ليس أمرا يحزئياتها، كذا قاله صفي الدين الهندي وهو صحيح (^١).\nوعلى الثاني: أنّ هذا إثبات للقياس بالقياس، أو أنّ (^٢) كون ترتيب الحكم على الوصف مشعرًا (^٣) بالعليّة قياسٌ، فيتوقف ثبوته على ثبوت أصل القياس، فلا يثبت به أصل القياس، وإلا يلزم الدور.\nفإن قلت: قد قال بحجية هذا النوع من القياس بعض من أنكر أصل القياس؛ لكون العلّة فيه معلومة بالإيماء فيصح إثباته به بالنسبة إليه.\nقلت: صحيح، ولكن لا يصح إثباته به (^٤) بالنسبة إلى منكر أصل القياس. والكلام في هذا المقام ليس إلا معه.\nقال صفي الدّين الهندي ﵀: ويمكن أنْ يجاب عن اعتراض الخصم بوجه ثالث: وهو أنّ الأمر بالماهية الكليّة وإنْ لم يقتض الأمر بجزئياتها، لكن يقتضي تخيير المكلف بالإتيان (^٥) بكل واحد من تلك الجزئيات بدلًا عن الآخر عند عدم القرينة المعينة لواحد منها أو\n_________\n= ليس بجواب مطابق لأنك أخللت ببعض الذاتيات وأتيت بما هو أعمّ بل ينبغي أن تذكر المسكر. ينظر: معيار العلم: ص ٧٢ - ٧٣.\n(^١) ينظر: نهاية الوصول: ٧/ ٣٠٨٧.\n(^٢) (أنّ) ليس في (ت).\n(^٣) في (ت): يشعر.\n(^٤) (به) ليست في (ص).\n(^٥) في (ت): في الإتيان.","vol":"6","page":2193},{"text":"لجميعها ثمّ التخير بينهما يقتضي جواز فعل كلِّ واحد منها ويلزم من جواز فعل القياس وجوبه؛ لأنَّ القول بجوازه مع عدم وجوبه خارق للإجماع (^١).\nثم اعترض الخصم ثالثًا: بأنا ولو سلمنا أنّ (^٢) الآية دالة على الأمر بالقياس، لكنَّ التمسكَ بها ممتنعٌ؛ لأنَّ الاستدلال بالعموم إنما يفيد الظنّ، والتمسك بالظنّ (^٣) في المسائل العلمية التي هي الأصول لا يجوز.\nوأجاب المصنف: بأن المقصود من حجية القياس العمل به لا مجرد اعتقاده، كأصول الدّين، والعمليات (^٤) يكفي فيها الظنّ، فكذلك وسائلها، والله أعلم.\nولم يجب الإمام عن هذا السؤال، بل قال: إنّه عام في كلّ (^٥) السمعيات فلا تعلق له بخاصية هذه المسألة (^٦).\nوأجاب الهندي بمنع أنْ تكون المسألة علمية وجعلها ظنيّة (^٧)، وهذا واضح على أحد الرأيين (^٨) اللذين حكيناهما في أوَّل البابِ.\n_________\n(^١) ينظر نهاية الوصول: ٧/ ٣٠٨٨.\n(^٢) في (ت): بأن.\n(^٣) (والتمسك بالظنّ) ليس في (ت).\n(^٤) في (ت): والعمليات.\n(^٥) (كل) ليس في (ت).\n(^٦) ينظر: المحصول: ٢/ ق ٢/ ٥١.\n(^٧) ينظر: نهاية الوصول: ٧/ ٣٠٨٣.\n(^٨) في (ت): الروايتين.","vol":"6","page":2194},{"text":"قال <span data-type=\"title\" id=toc-521>(الثاني: خبر معاذ وأبي موسى</span>.\nقيل: كان ذلك قبل نزول: ﴿الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^١).\nقلنا: المراد الأصول لعدم النّص على جميع الفروع).\nالوجه الثاني: من الوجوه الدالة على حجيّة القياس السنة، وتلك في قصتين: قصة معاذ وقصة أبي موسى (^٢).\nأما قصّة معاذ فروي عنه أنّ النبي - ﷺ - لما بعثه إلى اليمن قال له: \"كيف تقضي إذا عرض لك قضاء، قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله، قال: فبسنة رسول الله - ﷺ -، قال: فإن لم تجد في كتاب الله ولا في سنة رسول الله - ﷺ - قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب رسول الله - ﷺ - في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله لما يرضي رسول الله\" (^٣). والمراد بالرأي القياس.\n_________\n(^١) في (ص): أكملت. فقط. وهي الآية ٣ من سورة المائدة.\n(^٢) في (ص): قصة أبي موسى وقصة معاذ.\n(^٣) أخرجه أبو داود في كتاب الأقضية (١٨) باب اجتهاد الرأي في القضاء (١١) رقم (٣٥٩٢) ص ٥٥٢. وأخرجه الترمذي في أبواب الأحكام (١٣) باب ما جاء في القاضي كيف يقضي (٣) رقم (١٢٢٧ - ١٣٢٨) ٤/ ٥٥٧. وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل. وأخرجه البيهقي في كتاب القاضي باب ما يقضي به القاضي ١٠/ ١٩٥، والإمام أحمد في مسنده: ٥/ ٢٣٠، وأخرجه الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه: ١/ ١٨٨. ولم يبلغ هذا الحديث درجة الحسن ناهيك عن الصحة غير أنه اشتهر بين الفقهاء وتلقوه بالقبول حيث ذهب كثير من النقاد كالخطيب وابن قيم إلى قبوله والاحتجاج به في باب القياس. ينظر: إعلام الموقعين: ١/ ٢٠٢. والتلخيص الحبير: ٤/ ١٨٢. وقصة أبي موسى الأشعري ومعاذ =","vol":"6","page":2195},{"text":"قال إمام الحرمين: ولا يجوز أنْ يقال: أراد بالرأي الاستنباط من الكتاب والسنة، فإنّ ذلك لو كان على هذا الوجه لكان تمسكًا بالكتاب والسنّة، وقد قال في البرهان أيضًا أنّ الشافعي - ﵁ - احتج ابتداءً على إثبات القياس بحديث معاذ يعني هذا. قال: والحديث مدون في الصّحاح متفق على صحّته لا يتطرق إليه تأويل (^١).\nقلت: وهذا عجيب من إمام الحرمين فقد قال إمام الصناعة أبو عبد الله البخاري: لا يصحّ هذا الحديث (^٢). وقال الترمذي: ليس إسناده عندي بمتصل (^٣).\nوأما قصّة أبي موسى، وقد جمع في المحصول وغيره بين القصتين وجعلهما واحدة (^٤)، ولا أعرف ذلك بل روى\n_________\n= أخرجها البخاري في كتاب المغازي (٦٤) باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع (٦٠) رقم الحديث (٤٣٤١ - ٤٣٤٢) ص ٨٢٠، وأخرجها مسلم في كتاب الجهاد والسير (٣٢) باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير (٣) رقم الحديث (٦/ ١٧٣٢) ص ٧٢١.\n(^١) ينظر البرهان: ٢/ ٧٧٢. قلت: الأولى أن يلتمس له عذر، أو يتأول له، فلعل قصده أن أصل قصة معاذ وأبي موسى الأشعري في الصحيحين.\n(^٢) ينظر التلخيص الحبير: ٤/ ١٥٥٦، فقد نقل الكلام عن البخاري، وينظر البخاري في التاريخ الكبير: ٢/ ٢٧٧.\n(^٣) ينظر: سنن الترمذي كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي يصيب ويخطئ وعبارته: \"هَذَا حدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِن هذَا الْوَجْهِ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ عِنْدِي بِمُتَّصِلٍ. وَأَبُو عَوْنٍ الثَّقَفِيُّ، اسْمُهُ مُحَمَّدُ بنُ عُبَيْدِ الله\".\n(^٤) ينظر المحصول: ٢/ ق ٢/ ٥٢.","vol":"6","page":2196},{"text":"البيهقي أنّ عمر بن الخطاب - ﵁ - كتب إليه كتابًا بليغًا وفيه: ثم قايس الأمور، واعرف الأمثال والأشباه. رواه البيهقي (^١). وقال: هو كتاب معروف مشهور لا بد للقضاة من معرفته والعمل به (^٢).\nوقد اعترض الخصم على هذا الدليل الثاني: فإنّه وإن دلّ على حجيّة القياس وقت تقريره - ﷺ - فلا يدلّ على حجيّته دائمًا في جميع الأزمنة، بل ذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^٣) فإنّ إكمال الدّين إنّما يكون بالتّنصيص على الأحكام فلمّا نزلت هذه الآية استغني عن القياس.\nوالجواب: أنّ الأصل عدم التخصيص بوقت دون وقت، وأيضًا فلم يقل أحد إنَّ القياس كان حجّةً إلى حين نزولِ هذه الآية ثمّ زال.\nوالمراد بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^٤) الأصول أمّا التفاريع فالآية مخصوصة بالنسبة إليها لعدم شمول النّص الصريح (^٥) لجميع الجزئيات، هذا تقرير ما في الكتاب.\n_________\n(^١) رواه البيهقي: ١٠/ ١٩٧ كتاب آداب القاضي، باب ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي، وفي كتاب الشهادات باب لا يحيل حكم القاضي على المقضي له والمقضي عليه ١٠/ ٢٥٣، ورواه الدارقطني في السنن: ٤/ ٢٠٦. وجامع بيان العلم: ٢/ ٥٦.\n(^٢) ينظر سنن البيهقي: ١٠/ ١٩٧.\n(^٣) سورة المائدة الآية ٣.\n(^٤) سورة المائدة الآية ٣.\n(^٥) (الصريح): ليس في (غ).","vol":"6","page":2197},{"text":"ولك أنْ تجيب عن هذا (^١) الاعتراض بما هو أحسن من هذا الجواب، فتقول: المراد من قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (^٢) بيان جميع ما يحتاج إليه في الدّين (^٣)، والآية عامَّة على هذا التقدير.\nثمّ البيان قد يكون بلا واسطة كما في التخصيص، وقدْ يكون بواسطة كما إذا بيَّن المدارك للأحكام (^٤).\n_________\n(^١) (هذا) ليست في (غ).\n(^٢) سورة المائدة الآية ٣.\n(^٣) يقول الطبري في تفسيره: \"اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: يعني جلّ ثناؤه بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: اليوم أكملت لكم أيها المؤمنون فرائضي عليكم وحدودي، وأمري إياكم ونهيي، وحلالي وحرامي، وتنزيلي من ذلك ما أنزلت منه في كتابي، وتبياني ما بينت لكم منه بوحيي على لسان رسولي، والأدلة التي نصبتها لكم على جميع ما بكم الحاجة إليه من أمر دينكم، فأتممت لكم جميع ذلك، فلا زيادة فيه بعد هذا اليوم\". تفسير الطبري: ٢/ ٣٦٥.\n(^٤) البيان بلا واسطة، كما هو التخصيص: فقد عرفه ابن السمعاني بقوله: تخصيص العام بيان ما لم يرد بلفظ العام، وذكروا في الفرق بين النسخ والتخصيص، أنَّ التخصيص بيان ما أريد بالعموم، والنسخ بيان ما لم يرد بالمنسوخ ذكره الماوردي. ينظر: البحر المحيط: ٣/ ٢٤١، ٢٤٤، القواطع لابن السمعاني: ١/ ١٧٤. أما البيان. فعد ذكر الشافعي مراتب البيان للأحكام في أول الرسالة من ص ٢١ وما بعدها خمسة أقسام بعضها أوضح بيانا من بعض: فأولها بيان التأكيد: وهو النص الجلي الذي لا يتطرق إليه تأويل كقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [سورة البقرة من الآية ١٩٦]. وثانيها: النص الذي ينفرد بِدَرْكِه العلماء كالواو وإلى في آية الوضوء. ثالثها: نصوص السنة الواردة بيانًا لمشكل في القرآن، =","vol":"6","page":2198},{"text":"فلِمَ قلتم: إنَّه لا يحصل ذلك إلا إذا كان البيان بلا واسطة؟ وحينئذ لا ينافي إكمال الدّين العمل بالقياس بل يكون من إكماله شرعية القياس (^١) ولا يحتاج على هذا التقرير (^٢) إلى تخصيص الآية، بل تكون باقية على عمومها.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-522>(الثالث أنّ أبا بكر - ﵁ - قال في الكلالة: أقول برأيي</span>، الكلالةُ ما عدا الوالد والولد (^٣)، والرأي هو القياس إجماعًا. وعمر - ﵁ - أمر أبا موسى في عهده بالقياس، وقال في الجدّ أقضي برأيي. وقال له عثمان: إن اتبعت رأيك فسديد. وقال علي: اجتمع رأيي ورأي عمر في أم الولد. وقاس ابن عباس الجدّ على ابن الابن في الحجب ولم ينكر عليهم وإلا لاشتهر، قيل ذموا أيضًا قلنا: حيث فقد شرطه توفيقًا).\nالوجه الثالث: مما يدلّ على أنّ القياس حجّة، وهو معتمد الجمهور: الإجماع (^٤).\n_________\n= كالنص على ما يخرج زمن الحصاد مع تقدم قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ﴿سورة الأنعام: من الآية ١٤١]. ورابعها: نصوص السنة المبتدأة مما ليس في القرآن نص عليها بالاجمال ولا بالتفسير. خامسها: بيان الإشارة وهو القياس المستنبط من الكتاب والسنة. ولمزيد من التفصيل، ينظر البحر المحيط: ٣/ ٤٨٠ - ٤٨١.\n(^١) في (ت): بل تكون من إكماله شريعة القياس، وفي (ص): بل تكون من إكمال شرعية.\n(^٢) في (غ): التقدير.\n(^٣) (الوالد) ليس في (غ).\n(^٤) دليل الإجماع صاغه السبكي كما البيضاوي، في قياس منطقي مؤلف من مقدمتين =","vol":"6","page":2199},{"text":"وتقريره أنّ العمل بالقياس مجمعٌ عليه بين الصحابة؛ لصدوره من\n_________\n= كبرى وصغرى فنتيجة، واستدلوا على صحة المقدمتين بأدلة حتى تصح لهم النتيجة، وصورة القضية على النحو التالي:\nالقياس مجمع على العمل به بين الصحابة. (مقدمة صغرى)\nوكلما كان كذلك فهو حجة يجب العمل بمقتضاه. (مقدمة كبرى)\nفالقياس حجة يجب العمل بمقتضاه (نتيجة)\nأما الصغرى؛ فدليلها أن القياس ثبت العمل به أو القول به من بعض الصحابة، ولم يظهر الإنكار على ذلك من أحد منهم، وكلما كان كذلك فهو مجمع على العمل به بينهم. فالقياس مجمع على العمل به بينهم فتضمنت مقدمتين: إحداهما: أن بعض الصحابة ذهب إلى العمل بالقياس، والثانية: أنه لم ينكر عليه أحد من الباقين. وكبراه مقدمة. فها هنا ثلاث مقدمات تتوقف صحة الصغرى على إثباتها. والكبرى مقدمة فيكون مجموع ما تتوقف صحة دليل الإجماع عليه أربع مقدمات.\nأما المقدمة الأولى: وهي أن بعض الصحابة ذهب إلى العمل بالقياس، فاستدلوا عليه ما نقل عن الصحابة من الوقائع التي حكموا فيها بالقياس، وهي ثلاثة أنواع:\nالنوع الأول: مسائل وقع التصريح منهم فيها بالقياس أو ما يقرب منه.\nالنوع الثاني: مسائل وقع فيها خلاف بينهم وليس فيها نص من الشارع فيتعين مدرك كل واحد فيما ذهب إليه هو القياس.\nالنوع الثالث: مسائل صرح كل واحد بأنه أفتى فيها بالرأي الذي هو القياس.\nوقد جاءوا لكل نوع من هذه الأنواع بدليل من الأحاديث والآثار عن الصحابة ﵃.\nوأما الكبرى فدليلها أن الرأي هو القياس. واستدل صاحب المنهاج بالإجماع. واستدل صاحب المحصول بأن يقال للإنسان: أقلت هذا برأيك أم بالنص فيجعل أحدهما في مقابلة الآخر، وذلك يدل على أن الرأي لا يتناول الاستدلال بالنص جليه وخفيه. ينظر: النبراس: بتصرف. ص ٩٢ - ١٠٥.","vol":"6","page":2200},{"text":"طوائف منهم من غيرِ إنكارٍ، وكلّما كان كذلك كان إجماعًا؛ لما تقدم في كتاب الإجماع.\nوأما صدوره عن طوائف منهم: فلِما روي أنّ أفضل الصحابة الصديق - ﵁ - قال حين سئل عن الكلالة (^١): \"أقول فيها برأيي، فإنْ يكنْ صوابًا فمنَ الله، وإنْ يكنْ خطأً، فمنِّي ومن الشيطان\" (^٢)، والرأي هو القياس؛ لأنَّه يقال: أقُلْتَ هذا برأيك أم بالنص؟ فدلت مقابلته للنّص على أنَّه للاستدلال.\nوادّعى المصنّف في ذلك الإجماع، وكذلك (^٣) ادّعى صفي الدّين الهندي في النِّهاية، واستدل عليه بأنّ أصحابنا روَوْا عن السلف كلامًا كثيرًا\n_________\n(^١) قال تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ (سورة النساء: الآية ١٧٦) والكلالة مَن لم يَرِثْهُ أبٌ أو ابن، وهو مصدرٌ من تَكلله النسب. وجاء في النهاية في غريب الحديث مادة \"كلل\": قد تكرر في الحديث ذكره \"الكلالة\" وهو أن يموت الرجل ولا يدع والدًا ولا ولدًا يرثانه. وأصله: من تكلله النسب، إذا أحاط به. وقيل: الكلالة: الوارثون الذين ليس فيهم ولدٌ ولا والد، فهو واقعٌ على الميت وعلى الوارث بهذا الشرط. وقيل: الأب والابن طرفان للرجل، فإذا مات ولم يخلفهما فقد مات عن ذهاب طرفيه، فسمي ذهاب الطرفين كلالة. وقيل: كل ما احتف بالشيء من جوانبه فهو إكليل، وبه سميت؛ لأنّ الوُرَّاث يحيطون به من جوانبه.\n(^٢) أخرجه الدارمي في كتاب الفرائض باب الكلالة، ٢/ ٣٦٥، والبيهقي: في كتاب الفرائض باب حجب الإخوة والأخوات من قبل الأم والأب والجد وولد الابن: ٥/ ٢٢٣، وتلخيص الحبير: ٣/ ١٠٧٧.\n(^٣) في (ص): وكذا.","vol":"6","page":2201},{"text":"أنَّهم عملوا بالرأي، وقالوا: الرأيُ (^١) هو القياس.\nوروى الخصوم كلامًا كثيرًا في ذمِّ الرأي وقالوا: هو القياس، وساعدناهم على ذلك، فدلّ على أنّ الرأي هو القياس وفاقًا (^٢).\nفإن قلت: هل ذلك باعتبار أصل وضعه، أو باعتبار النقل؟\nقلت: الأظهر أنَّه بطريق النقل، مع أنَّ ذلك مما لا حاجة (^٣) لنا إليه مع ثبوت (^٤) ما ذكرناه.\nوأمر عمر - ﵁ - أبا موسى في عهده بالقياس، حيث قال: \"واعرف الأشباه والنظائر ثمَّ قايِس بين الأمور\" (^٥) وقد تقدم هذا.\nوقال عمر أيضًا في الجد: أقضي برأيي. فقال عثمان لعمر: إن اتبعتَ رأيك فسديد، وإن تتبع رأي من قبلك يعني أبا بكر فنعم الرأي (^٦).\n_________\n(^١) (الرأي) ليس في (غ)، (ت).\n(^٢) ينظر: النهاية: ٧/ ٣١٠٨ - ٣١٠٩.\n(^٣) (مما لا حاجة) ساقط من (غ).\n(^٤) في (ت): (مع ما ثبوت ما)\n(^٥) هذا جزء من كتاب عمر - ﵁ - إلى أبي موسى الأشعري في أصول القضاء أخرجه الدارقطني في كتاب الأقضية والأحكام كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري: ٤/ ٢٠٦، حديث رقم (١٥). وقال ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين: ١/ ٨٦ هذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج إليه وإلى تأمله والتفقه فيه اهـ. وانظر الفقيه والمتفقه: ١/ ٤٩٣.\n(^٦) روى مروان بن الحكم أن عمر - ﵁ - حين طعن قال: إني رأيت في الجد رأيًا، فإن رأيتم أن تتبعوه؟ فقال عثمان: إن نتبع رأيك فهو رشد، وإن نتبع رأي الشيخ =","vol":"6","page":2202},{"text":"وقال علي: اجتمع رأيي ورأي عمر في أمهات الأولاد (^١) على أنْ لا يُبَعْنَ، وقد رأيت الآن بيعهن (^٢).\nوقاس ابن عباس الجدّ على ابن الابن في حجب (^٣) الإخوة، وقال: ألا يتقي الله ابن ثابت يجعل ابن الابن ابنًا، ولا يجعل أبَا الأب أبًا (^٤). فثبت\n_________\n= قبلك فنعم ذو الرأي كان. رواه الحاكم في المستدرك كتاب الفرائض (٤٥) ٤/ ٣٧٧ - ٣٧٨ باب (٣٦) رقم الحديث (٧٩٨٣). وقال الحاكم هذا حديث على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وأخرجه البيهقي في السنن كتاب الفرائض باب من لم يورث الأخوة مع الجد (٤١) ٦/ ٤٠٢ - ٤٠٣ رقم الحديث (١٢٤٢١).\n(^١) أم الولد: هي التي حملت من سيدها وادّعاه، وهي تعتق بموت سيدها من رأس المال، ولا يجوز بيعها ولا التصرف فيها بنقل الملك، وهذا هو مذهب فقهاء الصحابة منهم عمر - ﵁ - وعثمان - ﵁ - وعائشة ﵂ ونقل عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن الزبير - ﵃ - جواز بيعهن. ينظر: المغني مع الشرح الكبير: ١٢/ ٤٩٢ وما بعدها، والأم: ٨/ ٣٣٢.\n(^٢) رواه عبد الرزاق في المصنف الحديث رقم (١٣٢٢٤)، ورواه البيهقي ١٠/ ١٦٠٩ الحديث رقم (٢١٧٩٤)، والتلخيص الحبير: ٤/ ١٦٠٩ رقم (٢١٦١).\n(^٣) الحجب لغة: المنع، وفي الاصطلاح: منع شخص معين عن ميراثه إما كله أو بعضه بوجود شخص آخر ويسمى الأول حجب حرمان، والثاني حجب نقصان. ينظر التعريفات: ص ٨٢.\n(^٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف في كتاب الفرائض باب فرض الجد حديث رقم (١٩٠٥٩) ١٠/ ٢٦٦، حيث روى الحديث من طريق قتادة، قال: دعا عمر - ﵁ - علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس فسألهم عن الجد فذكر الحديث، وفيه قال ابن عباس: هو أب ليس للإخوة معه ميراث. وأورد الأثر أيضًا ابن عبد البر في جامع بيان العلم: ٢/ ١٠٧ بلفظ: \"ليتق الله زيد أيجعل ولد الولد بمنزلة =","vol":"6","page":2203},{"text":"صدور القياس بما قلناه وبغيره من الآثار الكثيرة التي لا ينكرها إلا معاند، وقد تواتر القدر المشترك منها (^١).\nقال القاضي في كتاب التقريب والإرشاد: وقد صار تمسكهم بالرأي وتسويغهم التعلق بطريق الاجتهاد مدركًا ضرورةً (^٢)، كما أدرك اختلافهم على الجملة ضرورة، وإن كانت صورة الاختلاف نقلت آحادًا (^٣).\nواعترض الخصم على هذا الدليل، بأنه معارض بمثله، فإنه نقل عن الصحابة ﵃ أنَّهم ذموه أيضًا، وأنكروه كما روي عن أبي بكر - ﵁ - أنه قال: \"أيُّ سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي\" (^٤).\nوقوله: تظلني أي توقع عليَّ ظلًا، وتقلني معناها تحملني (^٥).\n_________\n= الولد ولا يجعل أب الأب بمنزلة الأب؟ إن شاء باهلته عند الحجر الأسود\".\n(^١) يعني التواتر المعنوي لا اللفظي.\n(^٢) في (ص): مدرك ضرورة.\n(^٣) ينظر: تلخيص التقريب: ٣/ ١٩٤.\n(^٤) قال ذلك لما سئل عن قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ ينظر جامع بيان العلم: ٢/ ٥٢، وقال ابن عبد البر عقيبه: \"وذكر مثل هذا عن أبي بكر الصديق، ميمون بن مهران وعامر الشعبي وابن أبي مليكة\" وقد ساق الأثر ابن حجر في الفتح من طريق التيمي والنخعي وأعلهما بالانقطاع وقال: لكن أحدهما يقوي الآخر. ينظر فتح الباري: ١٣/ ٢٧١. وينظر الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف: ٤/ ١٥٨، وابن كثير في تفسيره ١/ ٥، ٤/ ٤٧٣، ومقدمة أصول التفسير لابن تيمية: ص ١٠٨.\n(^٥) ينظر معاني هذه الكلمات: الصحاح: ٥/ ١٧٥٥ مادة \"ظلل\" و٥/ ١٨٠٤ مادة \"قلل\".","vol":"6","page":2204},{"text":"وعن عمر - ﵁ -: \"إيَّاكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء الدين\" (^١).\nوعن علي - ﵁ -: \"لو كان الدِّين بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره\" (^٢) إلى غير ذلك من آثار كثيرة (^٣).\nوالجواب: أنّ معارضة هذا الذّمّ لما ذكرناه أيضًا عنهم من العمل به إنْ ثبتت، فالجمع بين الدليلين أولى، فيحمل هذا على ما إذا كان القياس غيرَ مستجمع لشرائطه، وذلك على القياس المستجمع لشرائطه توفيقًا بين الدليلين، وهذا (^٤) ما ذكره في الكتاب وهو جواب إجمالي.\nوقد قيل: إن المعارضة غير ثابتة.\nوأجيب: بوجه تفصيلي؛ أمَّا ما نُقِلَ عن أبي بكر فإنّما أراد به قوله\n_________\n(^١) رواه ابن عبد البر في بيان العلم وفضله ٢/ ١٤٤، وأخرجه الدارقطني في سننه في كتاب النوادر: ٤/ ١٤٦ الحديث رقم (١٢) والفقيه والمتفقه: ١/ ٤٥٣.\n(^٢) هذا الأثر أورده أبو داود بزيادة: \"وقد رأيت رسول الله - ﷺ - يمسح على ظاهر خفيه\" رقم (١٦٢) ١/ ١١٤. وأورده الخطيب في الفقيه والمتفقه مرويًا عن عمر - ﵁ - قال: \"أصحاب الرأي أعداء السنن، لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أحق بمسحه من أعلاه\". ١/ ٤٥٥.\n(^٣) منها على سبيل المثال: \"ما رواه ابن عمر وابن عباس - ﵃ - قالا: \"يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ الناس رؤساء جهالًا برأيهم\" أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم ٢/ ١٣٣، وعن ابن عباس أيضًا: \"إياكم والمقاييس، فإنما عبدت الشمس والقمر بالمقاييس\" أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم: ٢/ ١٣٣، وأورد الخطيب آثارًا كثيرة ينظر الفقيه والمتفقه: ١/ ٤٤٩ - ٤٦٦.\n(^٤) في (ت): (وهو).","vol":"6","page":2205},{"text":"في تفسير القرآن، ونحن نسلم أنَّه لا مجال للرأي في ذلك؛ لكونه مستنِدًا إلى محض السمع عن النبي - ﷺ - وأهل اللغة بخلاف الفروع الشرعية.\nوأما قول عمر - ﵁ - فإنّما (^١) قصد به ذمّ من ترك الموجود من الأحاديث وعدل إلى الرَّأيِ، مع أنّ العمل به مشروطٌ بعدمِ النّصوص، ولذلك سمّاهم بأصحاب الرأي، وإلا فمن قال بالكتاب والسنّة والرأي، لا يقال له صاحب الرأي؛ لأنَّه لم يتمحض قوله بالرأي.\nوأما قول علي - ﵁ - لو كان الدِّين بالقياس إلى آخره، فيجب حمله على أنَّه لو كان جميع الدّين بالقياس، ويكون المقصود منه، أنَّه ليس كلّ ما أتت به السنن على ما يقتضيه القياس (^٢).\n\nقال <span data-type=\"title\" id=toc-523>(الرابع: إنّ ظنّ تعليل الحكم في الأصل بعلة توجد في الفرع</span>، يوجب ظنّ الحكم في الفرع.\nوالنقيضان لا يمكن العمل بهما ولا الترك لهما.\nوالعمل بالمرجوح ممنوع، فيبقى الراجح).\nهذا وجه عقلي (^٣) وتقريره: أنّ المجتهد إذا ظن أنّ الحكم في الأصل\n_________\n(^١) في (ت): (فإنه).\n(^٢) هذه الأجوبة عن الآثار الواردة عن الصحابة أوردها إمام الحرمين في التلخيص: ٣/ ٢١٢. قال: \"على أن معظم ما ورد من الأخبار والآثار مطعونة لم يتقبلها أهل الصناعة فإياك أن تكترث بما تمسكوا به من الآثار فإنهم عارضوا بها المستفيض المتواتر\" اهـ.\n(^٣) هذا هو الدليل الرابع على حجية القياس وتقريره كما جاء في شرح السبكي: =","vol":"6","page":2206},{"text":"معلّل بعلّة موجودة في الفرع، حصل له ظنّ ثبوتِ الحكمِ في الفرعِ، والظنُّ بوجودِ الشيءِ يستلزم الوهمَ بعدمِه؛ لعدمِ انفكاك كلٍّ من الظنِّ أو الوهمِ عن الآخرِ، والعملُ بهما أو التركُ لهما يستلزم اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، والعملُ بالوهمِ المرجوح خلاف المعقول والمشروع، فتعين العمل بالراجح؛ لأنَّا استقرينا أمور الشرع كلّها جزئية وكلية، فوجدنا الراجع (^١) يجب العمل به (^٢)؛ لقوله - ﷺ -: \"نحنُ نحكمُ بالظاهر\" (^٣)، وما أشبه ذلك، وهذا معنى قولنا يتعين العمل بالراجح،\n_________\n= القياس يفيد ظنّ حكم الأصل في الفرع. (مقدمة صغرى)\nوكلّما كان كذلك يجب العمل بمقتضاه. (مقدمة كبرى)\nفالقياس يجب العمل بمقتضاه. (نتيجة)\nأما الصغرى: فوجهها؛ أنّ من ظنّ أنّ الحكم في الأصل معلل بوصف، وظنّ وجود ذلك الوصف في الفرع، ظنّ أنَّ حكم الفرع مثل حكم الأصل.\nوأما الكبرى: فوجهها؛ أنَّ حكم الفرع الذي هو مقتضى القياس إذا كان مظنونًا كان نقيضه موهومًا، فإمَّا أنْ يُعملَ بمقتضى القياس ونقيضه معًا، أو لا يعمل بهما، أو يعمل بنقيضه فقط، والأول باطل لاجتماع النقيضين، والثاني باطل لارتفاع النقيضين، والثالث باطل؛ لأنّ بديهة العقل تمنع من العمل بالمرجوح مع وجود الراجح، فتعين العمل بمقتضى القياس وهو المطلوب. ينظر: النبراس مع التصرف: ص ١١٤.\n(^١) (لأنا استقرينا أمور الشريعة. . . . . . الراجح) ساقط من (ت).\n(^٢) ينظر: شرح الأصفهاني للمنهاج: ٢/ ٦٥٢، ومعراج المنهاج: ٢/ ١٢٧، والحاصل: ٢/ ٨٤٩ - ٨٥٠، والتحصيل: ٢/ ١٧٧، ونفائس الأصول: ٧/ ٣١٦٧، ونهاية السول: ٣/ ١٦ - ١٧.\n(^٣) هذا الحديث استنكره المزي فيما حكاه ابن كثير عنه في أدلة التنبيه، وقال النسائي =","vol":"6","page":2207},{"text":"وليس المراد منه أنّ كونه راجحًا صفة يقتضي الثواب على فعله، والعقاب على تركه، حتّى يقال عليه: الأحكام عندنا، إنّما هي من جهة الشّرع دون العقل، وإنّما المراد بتعينه أنّ الشرع تقرر منه ذلك، فالعقل أدرك كونه راجحًا، والشّرع حكم بالعمل بالراجح، وللعقل أهلية الإدراك بلا نزاع بين العقلاء، وقد قيل: إنّ في (^١) هذا الدليل نظرًا؛ لجواز ارتفاعهما بارتفاع محل الحكم، وذلك بألَّا يكون في الواقعة حكم شرعي البتّة، ويكون الأمر فيها محالًا على البراءة الأصلية، بناءً على أنَّه (^٢) لا يجب أنْ يكون في كلّ حادثة حكم شرعي.\n_________\n= في سننه: باب الحكم بالظاهر، ثم أورد حديث أم سلمة. . . - \"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحق بحجته من بعض\". متفق عليه. - وقد ثبت في تخريج أحاديث المنهاج للبيضاوي، سبب وقوع الوهم من الفقهاء في جعلهم هذا حديثًا مرفوعًا، وقال الإمام الشافعي: \"وقد أمر الله نبيه أن يحكم بالظاهر\". وقال ابن عبد البر في التمهيد: \"أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر وأن أمر السرائر إلى الله\". . . . . وفي الباب ما أخرجه البخاري كتاب الشهادات (٥٢) باب الشهداء العدول (٥) رقم الحديث (٢٦٤١) ص ٥٠٠، حديث عمر - ﵁ -: \"إنما كانوا يُؤْخَذُون بالوحي على عهد النبي - ﷺ - وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم\". وفي البخاري أيضًا: في كتاب المغازي (٦٤) باب بعث علي بن أبي طالب - ﵁ - وخالد بن الوليد - ﵁ - إلى اليمن (٦١) رقم (٤٣٥١)، ص ٨٢٢ وهو حديث أبي سعيد: \"إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم\". ينظر تلخيص الحبير باب أدب القضاء: ٤/ ١٥٦٨، وتمييز الطيب من الخبيث: ص ٣١.\n(^١) (في) ليس في (غ).\n(^٢) (على أنه) ساقط من (غ).","vol":"6","page":2208},{"text":"قال: (احتجوا بوجوه الأول قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾، ﴿وَأَنْ تَقُولُوا﴾، ﴿وَلَا تَقْفُ﴾، ﴿وَلَا رَطْبٍ﴾، ﴿إِنَّ الظَّنَّ﴾.\nقلنا الحكم مقطوع والظن في طريقه)\nذكر من شُبَهِ الخصوم ستة:\nأولها: ما تعلقوا به من الكتاب وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^١) والقول بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله، إذ هو قول بغير الكتاب والسنة.\nوأيضًا فالقياس إنَّما يفيد الظنّ، والظنّ منهي عنه لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\nوقوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (^٣) أي ولا تتبع ما لا (^٤) تعلم، نهي عمّا ليس بعلم، ومن جملته الظنّ.\nوأيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٥) يقتضي الاستغناء عن القياس.\nوأيضًا قوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ (^٦).\n_________\n(^١) سورة الحجرات: الآية الأولى.\n(^٢) سورة الأعراف: من الآية ٣٣.\n(^٣) سورة الإسراء: من الآية ٣٦.\n(^٤) في (غ): لم.\n(^٥) سورة الأنعام: من الآية ٥٩.\n(^٦) سورة النجم من الآية ٢٨.","vol":"6","page":2209},{"text":"وأجاب: في الكتاب بأن الحكم مقطوع به لا مظنون، والظنّ وقع في طريقه كما تقرر في أول الكتاب.\nفإنْ قلت: هذا يشعر بأنه سلَّم أنّ الظنّ مذموم، لكنَّه وقع في طريق الحكم لا فيه، وعلى هذا يكون الطريق مذمومًا، ويكون الحكم (^١) كذلك؛ لأنّه مستفاد من الطريق المذموم.\nقلت: حاصل جوابه، أنَّه منع كون الحكم مظنونًا حتَّى لا يستدل الخصم عليه بما استدل، ولا يلزم من هذا المنع تسليم أنَّ الظنّ مذموم، ولا إشعار له به، ولو سلمنا أنَّه يشعر بذلك. فقال الشيرازي (^٢) شارح هذا الكتاب (^٣) لا نسلم أنّ المستفاد من المذموم مذموم ألا ترى إلى جواز كذب المقدمتين مع صدق النتيجة، مثل قولك: كل إنسان حجر، وكلّ حجر حيوان، ينتج كل إنسان حيوان، وهو صحيح مع كذب\n_________\n(^١) (لا فيه، وعلى هذا يكون الطريق مذمومًا، ويكون الحكم) ساقط من (غ) لانزلاق النظر.\n(^٢) الشيرازي: هو شمس الدين محمد بن أبي بكر الأيكي الشِّيرازي، الشافعي، أبو عبد الله كان فقيها إمامًا في الأصلين ورد دمشق ودرس بالغزالية وشرح منطق مختصر ابن الحاجب ثم سافر إلى مصر وولي مشيخة الشيوخ، وعاد إلى دمشق فتوفي بالمزّة توفي سنة ٦٩٧ هـ. ينظر: ترجمته في شذرات الذهب: ٥/ ٤٣٩.\n(^٣) اسم الكتاب: معراج الوصول، توجد منه نسخة مخطوطة بدار الكتب المصرية تحت رقم (١٣٢) كما توجد منه نسخة أخرى تحت رقم (٥٠٠). وقد قام بتحقيقه والتقديم له الدكتور عبد المنعم النّجار. ينظر: فهرس المخطوطات دار الكتب المصرية: ١/ ٣٩٥.","vol":"6","page":2210},{"text":"مقدمتيه.\nولقائل أنْ يقول (^١): كل إنسان حيوان في هذا المثال صورة نتيجة لا نتيجة في نفسه، وصدقه لنفسه لا لكونه نتيجة، فلا نسلم أنّ هاتين المقدمتين ينتجان هذا القول الصادق.\nواعلم أنّ هذا الذي أجاب به المصنف ليس شاملا للآية الأولى ولا للآية الرابعة.\nوالجواب عن الآية الأولى، أنَّا (^٢) لا نسلم أنّ العمل بالقياس تقديم بين يدي الله ورسوله؛ لأنَّه ثبت بالكتاب والسنة كما تقدم.\nوعن الرابعة بأنَّه عام مخصوص؛ لعدم اشتمال الكتاب على جميع الجزئيات.\nوقد أجيب عما استدل به الخصم على المنع من الظنّ بوجهين آخرين لم يذكرهما في الكتاب:\nأحدهما: أنَّه حجة عليه، فإنّ القول ببطلان القياس ليس معلومًا عنده بل مظنون ضرورة أنَّه لا (^٣) قاطع على فساده.\nوالثاني: أنَّه يجب تخصيصه بالأصول دون الفروع؛ لوجوب العمل بشهادة الشهود، وحكم القاضي، وفتوى المفتي، واجتهاد المجتهد في الماء\n_________\n(^١) في (ص): أن يقال.\n(^٢) (أنا) ليس في (غ).\n(^٣) (لا) ليس في (ت).","vol":"6","page":2211},{"text":"والثوب (^١)، والقبلة وقت الصلاة، وهلال رمضان، وقيم المتلفات، وغلبة السلامة في ركوب البحر، وخبر الواحد والعموم، وقول المقدر في أرش (^٢) الجنايات والنفقات، وجزاء الصيد، وصدق الحالف في مجلس الحكم، كلَّ ذلك مظنون، ويرفع (^٣) به النَّفي في الأصل.\nقال: (الثاني: وقوله - ﷺ -: \"تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب وبرهة بالسنة وبرهة (^٤) بالقياس فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا\".\nالثالث: ذمَّ بعض الصحابة له من غير نكير.\nقلنا: معارضان بمثلهما (^٥) فيجب التوفيق.\nالرابع: نقل الإمامية إنكاره عن العترة.\nقلنا: معارض (^٦) بنقل الزيدية.\nالخامس: أَنَّه يؤدي إلى الخلاف والمنازعة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾.\nقلنا: الآية في الآراء والحروب لقوله - ﷺ -: \"اختلاف أمتي رحمة\").\n_________\n(^١) في (ص): التراب.\n(^٢) أرش: اسم للواجب ما دون النفس، وهو دية الجراحات والجمع أروش بوزن فلوس. ينظر: أنيس الفقهاء: ٢٩٥، والمصباح المنير: ١/ ١٣ (أرش)، والتعريفات: ١٧.\n(^٣) في (غ): ويرافع.\n(^٤) (برهة) ليس في (غ).\n(^٥) في (غ): معرض بمثلها، وفي (ص): معارضان بمثليهما، وفي (ت): معارض بمثلهما.\n(^٦) \"نقل الإمامية إنكاره عن العترة. قلنا: معارض\" ساقط من (غ) لسبق النظر.","vol":"6","page":2212},{"text":"الشبهة الثانية للخصوم: ما روي من قوله - ﷺ -: \"تعمل هذه الأمة برهة - أي قطعة - من الزمان بكتاب الله ثم تعمل برهة بسنة رسول الله - ﷺ -، ثمّ تعمل برهة بالرأي، فإذا قالوا بالرأي، فقد ضلّوا وأضلّوا\" (^١).\nالثالثة: الإجماع فإنّه قد نقل عن بعض الصحابة ذمّ الرأي من غير نكير، فكان إجماعًا (^٢).\nوالجواب عن هذين الدليلين بأنَّهما معارضان بمثليهما سنّة وإجماعًا، كما سلف فيجب الجمع بين الدليلين، بأنْ يحمل الذمّ على القياس الفاسد دون الصحيح، كما سبق. هذا ما في الكتاب.\n_________\n(^١) الحديث رواه أبو يعلى في مسنده عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ: \"تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله ثمّ تعمل برهة بسنة رسول الله - ﷺ - ثم تعمل بالرأى فإذا عملوا بالرأي فقد ضلوا وأضلوا\" كما أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه: ١/ ٤٤٩، ومجمع الزوائد: ١/ ١٧٩، جامع بيان العلم وفضله: ص ٤٧٥، وإبطال القياس لابن حزم: ص ٥٧. ودراسة سند الحديث تكلم الشارح فيه عن سنده فكفاني بذلك مؤنة الدراسة. وسيأتي مفصلًا.\n(^٢) وتقريره أن يقال: وقع ذمّ العمل بالقياس من بعض الصحابة، ولم يحصل من الباقي إنكار على ذلك. وكلما كان كذلك فهو مجمع على إنكاره وترك العمل به، وعلى أن الله لم يتعبدنا به، فالقياس لم نتعبد بالعمل بمقتضاه، وهو المطلوب.\nفأما الصغرى: فدليلها ما ذكر من الروايات عن الصحابة في ذم القياس.\nوأما باقي المقدمات فيعلم تقريرها من تقرير الإجماع السابق على الحجية.\nوالجواب كما ذكر الشارح، أن هذا الإجماع معارض بالإجماع السابق على الحجية، فيجب التوفيق بينهما بأن يحمل هذا الإجماع على القياس الفاسد، والإجماع السابق على القياس الصحيح والله أعلم. ينظر: النبراس: ص ١٥٢.","vol":"6","page":2213},{"text":"والحديث المشار إليه لا تقوم به الحجَّة، ولا يصلح معارضًا؛ لأنَّ راويه جبارة بن المغلس (^١) وهو ضعيف، عن حماد بن يحيى الأبح (^٢)، وقد قال فيه البخاري: يهم في الشيء بعد الشيء (^٣).\nقال ابن عدي (^٤): وسمعت ابن حماد يقول: قال السعدي: حماد بن يحيى الأبح روى عن الزهري حديثا معضلًا (^٥)، يعني هذا الحديث، ورواه حماد عن الزهري كما ذكر عن سعيد بن المسيب (^٦) عن أبي هريرة\n_________\n(^١) جبارة بن المغلس الحِمَّانِيّ الكوفي أبو محمد توفي سنة ٢٤١ هـ عن سن عالية روى عن شعيب بن أبي شيبة النهشلي. قال صاحب المغني: جبارة بن المغلس شيخ ابن ماجه: وَاهٍ. وقال ابن نمير: ما هو عندي ممن يكذب، صدوق كان يوضع له الحديث فيحدث به يعني فلا يدري، وما كان عندي ممن يتعمد الكذب. وقال ابن معين: كذَّاب. وقال الحسين بن الحسن الرازي عن يحيى بن معين: كذّاب، وقال البخاري: حديثه مضطرب، وقال ابن أبي حاتم: كان أبو زرعة حدث عنه في أول مرَّة ثُمّ ترك حديثه بعد ذلك. ينظر: المجروحين من المحدثين والضعفاء لابن حبان: ١/ ٢٢١.\n(^٢) حماد بن يحيى الأبح بالموحدة بعد مهملة أبو بكر السَّلمي البصري صدوق يخطئ من الثامنة. ينظر: تهذيب التهذيب: ٣/ ١٩، والجرح والتعديل: ٣/ ١٩، والثقات: ٦/ ٢٢١.\n(^٣) ينظر الكامل في الضعفاء: ٢/ ٢٤٩.\n(^٤) ابن عدي: أبو أحمد عبد الله بن عدي بن عبد الله بن القطان الجرجاني، الحافظ الناقد، ولد سنة ٢٧٧ هـ، له الكامل في ضعفاء الرجال، توفي سنة ٣٦٥ هـ ينظر ترجمته في: تاريخ جرجان: ص ٢٦٦ - ٢٦٨ رقم (٤٤٣)، والأنساب: ٣/ ٢١١ - ٢٢٢، طبقات الشافعية الكبرى: ٣/ ٣١٥ - ٣١٦ رقم (٢٠٢).\n(^٥) الحديث المعضل: هو بفتح الضَّاد، يقولون أعضله فهو معضل: وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر. بشرط التوالي. ينظر: تدريب الراوي: ١/ ١٨٣ - ١٨٤.\n(^٦) في (غ) كما ذكر عن ابن يحيى.","vol":"6","page":2214},{"text":"مرفوعًا (^١) (^٢).\nفإن قلت: سلمنا ضعفَ الحديث (^٣) ومعارضتَه لما تقدم، ومعارضةَ الإجماع أيضًا، وأنَّه يجب التوفيق بينهما.\nولكن لا نسلم أنّ التوفيق متعين بما ذكرت من الطرق، بل جاز أنّ بعضهم كان قائلًا بالقياس، حين كان البعض الآخر منكرًا، ثمّ لما انقلب المنكِر مقِرًّا انقلبَ المقِرُّ مُنكِرًا، وحينئذ يكون كلُّ واحدٍ منهم قائلًا بالقياس ومنكِرًا باعتبار حالتين، فلا تناقض (^٤)، وتكون الروايتان صحيحتين مع أنَّه لا يحصل الإجماع على صحته، ولا على بطلانه، فلا يصحّ لك ولا لنا الاستدلال بالإجماع.\nقلت: ما ذكرناه من التوفيق أولى؛ لأنَّه يقتضي بقاء ما كان على ما كان من استمرار كل ذي قول على قوله، وتوفيقكم يقتضي التعبير.\nوأيضًا فلو وقع ما ذكرتموه لاشتهر؛ لغرابته أو كان في لفظ أحد منهم إشعار بالرجوع.\n_________\n(^١) الحديث المرفوع: وهو ما أضيف إلى النبي - ﷺ - خاصّة لا يقع مطلقه على غيره متصلا كان أو منقطعًا، وقيل هو ما أخبر به الصحابي عن فعل النبي - ﷺ - أو قوله.\nينظر: تدريب الراوي: ١/ ١٥٦.\n(^٢) ينظر: الكامل في الضعفاء لابن عدي: ٢/ ٢٤٦.\n(^٣) الحديث الضعيف: وهو ما لم يجمع صفة الصّحيح أو الحسن.\nينظر: تدريب الراوي: ١/ ١٥١.\n(^٤) في (ت): فلا يتناقض.","vol":"6","page":2215},{"text":"الرابعة: نقل الإمامية (^١) من الشيعة (^٢) إجماع العِترة (^٣) على أنَّه لا يجوز\n_________\n(^١) الإمامية: هم القائلون بإمامة علي - ﵁ - بعد النبي - ﷺ - نصًا وظاهرًا ويقينًا صادقًا من غير تعريض بالوصف بل إشارة إليه بالعين. ينظر الملل والنحل للشهرستاني: ١/ ٢١٨.\n(^٢) سبق التعريف بها.\n(^٣) العترة: قال ابن منظور في اللسان: مادة \"عتر\" \"وعِتْرةُ الرجل: أَقْرِباؤه من ولدٍ وغيرِهِ، وقيل: هم قومُهُ دِنْيًا، وقيل: هم رهطه وعشيرته الأَدْنَون مَنْ مَضى منهم ومَن غَبَرَ؛ ومنه قول أَبي بكر، ﵁: نحن عِتْرةُ رسول الله التي خرج منها وبيضته التي تَفَقَّأَتْ عنه، وإِنما جِيبَت العرَبُ عنَّا كما جِيبَت الرحى عن قُطْبِها؛ قال ابن الأثير: لأنهم من قريش؛ والعامة تَظُنُّ أَنها ولدُ الرجل خاصة وأَن عترة رسول الله ولدُ فاطمة، ﵂؛ هذا قول ابن سيده، وقال الأزهري، ﵀، وفي حديث زيد بن ثابت قال: قال رسول الله: \"إِني تارك فيكم الثَّقَلَينِ خَلْفي: كتابَ الله وعتْرتِي فإِنهما لن يتفرّقا حتى يَرِدا عليَّ الحوض\"؛ وقال: قال محمد بن إِسحاق: وهذا حديث صحيح ورفعَه نحوَه زيدُ بن أرقم وأبو سعيد الخدري، وفي بعضها: إِنِّي تاركٌ فيكم الثَّقَلَيْن: كتابَ الله وعِتْرَتِي أَهلَ بيتي، فجعل العترة أَهلَ البيت. وقال أَبو عبيد وغيره: عِتْرَةُ الرجل وأُسْرَتُه وفَصيلتُه رهطه الأَدْنَون. ابن الأَثير: عِتْرةُ الرجل أَخَصُّ أَقارِبه. وقال ابن الأَعرابي: العِتْرةُ ولدُ الرجل وذريته وعقِبُه من صُلْبه، قال: فعِتْرهُ النبي ولدُ فاطمة البَتُول، ﵍. وروي عن أبي سعيد قال: العِتْرةُ ساقُ الشجرة، قال: وعِتْرةُ النبي عبدُ المطلب وولده، وقيل: عِتْرتُه أهل بيته الأَقْرَبُون، وهم أَولاده وعليٌّ وأَولاده، وقيل: عِتْرَتُه الأَقربون والأَبْعدون منهم، وقيل: عِتْرةُ الرجل أَقْرباؤُه من ولد عمه دِنْيًا؛ ومنه حديث أَبي بكر، - ﵁ -، قال للنبي - ﷺ - حين شاوَرَ أَصحابَه في أُسَارَى بدر: عِتْرتُك وقَوْمُك؛ أَراد بعِتْرتِه العباسَ ومن كان فيهم من بني هاشم، وبقومه قُرَيشًا. والمشهور المعروف أَن عتْرتَه أَهلُ بيته، وهم الذين حُرِّمَت عليهم الزكاة والصدقة المفروضة، وهم ذوو القربى الذين لهم خُمُسُ الخُمُسِ المذكور في =","vol":"6","page":2216},{"text":"العمل بالقياس.\nوالجواب: أنَّ ذلك معارض بنقل الزيدية (^١) منهم، حيث نقلوا إجماع العترة على وجوب العمل به مع أنّ إجماع العترة غير حجة كما سبق (^٢).\nالخامس: أنّ القياس يؤدي إلى الخلاف والمنازعة، وكلّ ما كان كذلك فهو منهي عنه.\nأما الصغرى (^٣)؛ فلأن القياس مبني على الظنّ، وهو مختلف باختلاف القياسين.\nأما بيان الكبرى (^٤)؛ فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ (^٥) نهى عن النزاع، فاستلزم ذلك النهي عمّا يُفضي إليه.\nوالجواب: أنّ الآية إنّما وردت في مصالح الحروب؛ لقرينة قوله: ﴿فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (^٦) أو أنَّها محمولة على النزاع فيما يتعين فيه\n_________\n= سورة الأنفال\" اهـ.\n(^١) الزيدية: أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي - ﵁ - ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة ﵂ ولم يجوزوا ثبوت إمامة في غيرهم. ينظر: الملل والنحل للشهرستاني: ١/ ٢٠٧ - ٢٠٩.\n(^٢) ينظر ص: ٢٠٦٢ وما بعدها.\n(^٣) أي دليل المقدمة الصغرى وهي قوله: \"أنَّ القياس يؤدي إلى الخلاف والمنازعة\".\n(^٤) أما المقدمة الكبرى: فقوله: \"وكلّ ما كان كذلك فهو منهي عنه\".\n(^٥) سورة الأنفال من الآية ٤٦.\n(^٦) سورة الأنفال من الآية ٤٦.","vol":"6","page":2217},{"text":"الحق كمسائل الأصول.\nوأما التنازع فيما عدا ذلك فجائز لما روي من قوله - ﷺ -: \"اختلاف أمتي رحمة\" فيحمل الحديث على ما عدا ذلك.\nواعلم أنّ الحديث المشار إليه غير معروف، ولم أقف له على سند، ولا رأيت أحدًا من الحفاظ ذكره، إلا البيهقي ﵀ في رسالته إلى الشيخ العميد عميد الملك (^١) بسبب الأشعري، وقد ساقها الحافظ ابن عساكر (^٢)\n_________\n(^١) هو محمد بن منصور بن محمد الكندري أبو نصر عميد الملك، ولد سنة ٤١٢ هـ أول وزراء الدولة السلجوقية (التركمانية) وفي أيام القائم بالله العباسي أول سلاطين الدولة احتاج إلى كاتب يجمع بين الفصاحتين العربية والفارسية، فدل على محمد بن منصور فدعا به إليه وقرّبه ثم جعله من وزرائه وثقاته ولقبه بعميد الملك ثم لما تغير السلطان أمر عضد الدولة بالقبض عليه وأنفذه إلى مرو الروذ حيث مكث معتقلا عامًا كاملًا، ثم دخل عليه غلامان وهو محموم فقتلاه وحملا رأسه إلى عضد الدولة وكان ذلك سنة ٤٥٦ هـ. ينظر: وفيات الأعيان: ٢/ ٧٠، الأعلام للزركلي: ٧/ ١١٢. وأخباره أيضًا في تبيين كذب المفتري ص ١٠.\n(^٢) هو علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين بن عساكر أبو القاسم ثقة الدين، ولد بدمشق أول محرم من سنة تسع وتسعين وأربعمائة (٤٩٩ هـ)، تلقى العلم بدمشق عن أبي الحسن السلمي وسمع من والده وقصد مكة فسمع من عبد الله الغزال، وانتقل إلى المدينة فسمع بها من أبي الفتوح عبد الخلاق الهروي، وتوجه إلى الكوفة، عاد إلى بغداد، ومن تلاميذه معمر بن الفاخر وأبو العلاء الهمذاني وأبو سعد السمعاني وحدث عنه ولده وأخوه وغيرهم، ومن أهم مصنفاته الإشراف على معرفة الأطراف، تبيين كذب المفتري، تاريخ مدينة دمشق ومؤلفاته تفوق ٧٠ مصنفا توفي ﵀ في حادي عشر رجب سنة إحدى وسبعين وخمسمائة بدمشق. ينظر: مقدمة المحقق تبيين كذب المفتري، ص ٢ - ٦، وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي: ٧/ ٢١٨ ترجمة رقم (٩١٩)، شذرات الذهب: ٢/ ٢٣٩.","vol":"6","page":2218},{"text":"في التبيين (^١) إلا أنّ البيهقي لم يذكر له إسنادًا، بل قال: روى عن النبي - ﷺ - كذا ولو لم يكن له أصل لما ذكره البيهقي، ثمّ قال البيهقي: سمعت الإمام ناصر العمري (^٢) يقول: سمعت القفال المروزي (^٣) يقول معناه اختلاف هممهم، فهمة واحد في الفقه وآخر في الكلام كاختلاف همم أصحاب الحِرَفِ في حِرَفِهم بما فيه مصالح العباد.\nقلت: وهذا تأويل حسن، وهو أحسن مما نقله إمام الحرمين في النهاية (^٤) عن الحليمي (^٥) من أنّ معناه اختلافهم في الدرجات والمراتب\n_________\n(^١) ينظر تبيين كذب المفتري لابن عساكر ص ١٠٠ وما بعدها، وقد ساق السبكي الرسالة في طبقاته الكبرى: ٣/ ٣٩٥ - ٣٩٩.\n(^٢) ناصر بن الحسين بن محمد العمري المروزي الشافعي، مفتي أهل مرو تفقه على أبي بكر القفال وأبي الطيب الصعلوكي وروى عن أبي سعيد عبد الله الرازي وكان إمامًا ورعًا توفي بنيسابور سنة (٤٤٤ هـ) ينظر: شذرات الذهب: ٢/ ٢٧٢.\n(^٣) هو عبد الله بن أحمد بن عبد الله أبو بكر المروزي القفال الصغير، شيخ الشافعية بخراسان صار إمام الخراسانيين كما القفال الكبير الشاشي شيخ طريقة العراقيين لكن المروزي أكثر ذكرًا في كتب الفقه ويذكر مطلقًا وإذا ذكر الكبير قيّد بالشاشي. وإنما قيل له القفال لأنه كان يصنع الأقفال في ابتداء أمره توفي سنة (٤١٧ هـ) ينظر: شذرات الذهب: ٢/ ٢٠٨، وطبقات ابن قاضي شهبة: ١/ ١٧٥ رقم (١٤٤).\n(^٤) نهاية المطلب في دراية المذهب في الفقه الشافعي مخطوط توجد منه نسخة بمركز إحياء التراث بجامعة أم القرى، وقيل: إنَّ الدكتور عبد العظيم الديب بدأ في تحقيقه.\n(^٥) الحليمي هو الحسين بن الحسن بن محمد بن حليم البخاري الجرجاني، أبو عبد الله ففيه شافعي قاض كان رئيس أهل الحديث في ما وراء النهر، أخذ عن أبي بكر الشاشي، والأودني. له المنهاج في شعب الإيمان مولده بجرجان سنة ٣٣٨ هـ ووفاته =","vol":"6","page":2219},{"text":"والمناصب، وكلا التأويلين على أنَّه ليس المراد اختلافهم في الحلال والحرام.\nقال والدي أيده الله: والقرآن دالٌ (^١) على أنّ الرحمة تقتضي عدم الاختلاف، قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ﴾ (^٣) وكذا (^٤) السنة قال - ﷺ - \"إنما هلكت بنو إسرائيل بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم\" (^٥)، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة.\nوالاختلاف على ثلاثة أقسام:\nأحدها: في الأصول وهو المشار إليه في القرآن ولا شك أنَّه بدعة وضلال.\nوالثاني: في الآراء والحروب، وهو حرام أيضًا لما فيه من تضييع المصالح.\n_________\n= في بخارى سنة (٤٠٣ هـ). ينظر: طبقات الشافعية للسبكي: ٤/ ٣٣٣، وطبقات الشافعية لابن هداية الله: ص ١٢٠، والرسالة المستطرفة: ص ٤٤، والأعلام للزركلي: ٢/ ٢٥٣.\n(^١) في (غ): ذاك.\n(^٢) سورة هود من الآية ١١٨ - ١١٩.\n(^٣) سورة البقرة من الآية ٢٥٣.\n(^٤) في (غ): وكذلك.\n(^٥) رواه الإمام أحمد عن أبي هريرة - ﵁ - بلفظ أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ذروني ما تركتكم فإنه إنما هلكَ من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فما أمرْتُكم به من أمرٍ فأتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فانتهوا\". المسند: ٢/ ٥٠٩ رقم (١٠٦١٥).","vol":"6","page":2220},{"text":"والثالث: في الفروع كالاختلاف في الحلّ والحرمة ونحوهما.\nقال والدي أيده الله (^١): والذي يظهر لنا ويكاد أنْ يقطع به أنّ الاتفاق فيه خير من الاختلاف، لكن هل نقول الاختلاف ضلال كالقسمين المذكورين، أو لا؟ .\nكلام ابن حزم ومن سلك مسلكه ممن منع التقليد يقتضي أَنَّه مثلهما (^٢).\nوأمّا نحن فإنّا نجوّز التقليدَ للجاهل، والأخذَ بالرخصة (^٣) من أقوال العلماء بعض الأوقات عند مسيس الحاجة من غير تتبع الرخص (^٤).\nومن هذا الوجه يصحّ أنْ يقال الاختلاف رحمة إذ الرخص رحمة.\nقال: (السادس: الشارع فضّل بين الأزمنة والأمكنة في الشّرف، والصلاة في القصر، وجمع بين الماء والتراب في التطهير، وأوجب التعفف على الحرّة الشوهاء دون الأمة الحسناء، وقطع سارق القليل دون غاصب الكثير، وجلد في الزنا وشرط فيه شهادة أربعة دون الكفر،\n_________\n(^١) في (غ): أعزّه الله.\n(^٢) ينظر رأي ابن حزم في الإحكام: ٦/ ٥٩ - ٦١.\n(^٣) الرخصة: لغة السهولة واليسر ينظر المصباح المنير: ٢/ ٥٦٥، مادة \"رخص\" القاموس المحيط: مادة \"رخص\" الصحاح: ٣/ ١٠٤١ مادة \"رخص\". واصطلاحًا: ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح. ينظر: شرح الكوكب المنير: ١/ ٤٧٨، كشف الأسرار ٢/ ٢٩٨، الإحكام للآمدي: ١/ ١٣٢، شرح تنقيح الفصول: ٨٥.\n(^٤) في (غ): الرخصة.","vol":"6","page":2221},{"text":"وذلك ينافي القياس.\nقلنا: القياس حيث عرف المعنى)\nالوجه السادس: وعليه اعتمد النظام أنّ مدار شرعنا على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات، فإنّه فرّق بين الأزمنة في الشرف كليلة القدر وليلة الإسراء وليلة الجمعة ويومها وشهر رمضان والأشهر الحرم ويومي العيدين ويوم عرفة، وكذلك بين الأمكنة كمكة والمدينة والمسجد الأقصى مع الاستواء في الحقيقة، وفرّق بين الصلوات في القصر (^١) فرخّص في قصر الرباعيات دون الثنائية (^٢) والثلاثية، وجمع بين الماء والتراب في استباحة الصلاة بهما مع أنّ الماء ينظف والتراب بضدّه، وجعل الحرّة الشّوهاء تحصّن، ويحرم النّظر إليها، دون الجارية الحسناء.\nوعبارة المصنف أوجبت التعفف على الحرّة الشوهاء، فيحتمل (^٣) أن يريد ما ذكرناه، وأن يريد أَنَّه أوجب عليها الستر دون الأمة الحسناء التي يميل الطبع إليها.\nوقطع سارق القليل ما لم ينقص عن ربع دينار، دون غاصب الكثير مع أنّ غاصب الكثير (^٤) أبلغ في الفحش؛ لأنَّه يأخذ المال جهرًا على تغلب، والسارق يأخذه سرًّا على تخوف، وأعظم في الأذى لكثرته.\n_________\n(^١) في (غ): والعصر. وهو خطأ\n(^٢) في (غ): الثانية. وهو خطأ أيضًا.\n(^٣) في (غ): يحمل على.\n(^٤) في (غ)، (ت): الغاصب للكثير.","vol":"6","page":2222},{"text":"وجلد في القذف بالزنا بخلاف القذف في الكفر مع كونه أبلغ، وشرط فيه شهادة أربعة، واكتفى في الشهادة على القتيل والكفر باثنين.\nوإذا ثبت هذا وجب أنْ لا يصحّ القياس لأنَّ (^١) مبناه على أنّ (^٢) الصورتين لما اشتركا في الحكمة وجب اشتراكهما في الحكم، وهو باطل (^٣).\nوالجواب: أنّ القياس إنما يجوز حيث عرف أنّ الحكم في الأصل معلل بعلة معلومة موجودة في الفرع، وامتناع القياس في صور معدودة لا يقتضي امتناعه من أصله (^٤).\nواعلم أنّ ما ذكره النظام من أنّ الشريعة مبنية على الجمع بين المختلفات والفرق بين المتماثلات كذب وافتراء، وإنّما حمله على ذلك زندقته وقصده الطعن في الشريعة المطهرة، وقد كان زنديقا يبطن الكفر ويُظْهِر الاعتزالَ، صنَّف كتابًا في ترجيحِ التثليثِ على التوحيدِ لعنه الله، وقد نبهنا على ذلك في أوَّل كتاب الإجماع (^٥).\n_________\n(^١) في (ت): أنَّ.\n(^٢) (أن) ليس في (غ).\n(^٣) ينظر: نهاية السول: ٣/ ٢٢، وشرح المنهاج للأصفهاني ٢/ ٦٠٥ - ٦٥٧، ومعراج المنهاج: ٢/ ١٣١ - ٣١٢، ونفائس الأصول: ٣١٧٢ - ٣١٧٣، والتحصيل: ٢/ ١٧٩، والحاصل: ٢/ ٨٥٣، وقواطع الأدلة للسمعاني: ٢/ ٧٧، والسراج الوهاج في شرح المنهاج: ٢/ ٨٧٤.\n(^٤) ينظر: المصادر نفسها.\n(^٥) ينظر ص: ٢٣٥.","vol":"6","page":2223},{"text":"وما ذكره من الصُّوَرِ، وكذلك ما يناسبها لها معان يعلمها الشارع لا نَطَّلِعُ عليها، وحِكَمٌ خفيةٌ لا نُدْرِكُهَا، على أنّ الصور المذكورة قد ذكرت معانيها.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-524>(الثانية: قال النظام والبصري وبعض الفقهاء التنصيص على العلّة أمر بالقياس، وفرَّق أبو عبد الله بين الفعل والترك)</span>.\nالنّص على علّة الحكم هل يفيد الأمر بالقياس (^١)؟ فيه مذاهب (^٢):\nأحدها: وإليه ذهب المحققون كالأستاذ والغزالي والإمام وأتباعه ومنهم المصنف وجماعة من أهل الظاهر وجماعة من المعتزلة واختاره الآمدي ومن تبعه: أنَّه لا يفيد الأمر بالقياس سواء كان في الفعل مثل أكرم زيدًا لعلمه، أم الترك مثل الخمر حرام لإسكارها (^٣).\nوالثاني: أنَّه يفيده وبه قال أحمد بن حنبل، والرازي أي أبو بكر (^٤)، والكرخي والقاشاني (^٥) والنهرواني وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو الحسين\n_________\n(^١) هذه المسائل تعتبر كالتتمة لمسائل متعلقة بحجية القياس.\nأولى هذه المسائل: هل التنصيص على العلّة أمر بالقياس؟.\nثانيها: في تقسيم القياس إلى قطعي وظني، وإلى أولى، ومساو وأدون.\nثالثها: جريان القياس في الشرعيات والعقليات واللغات.\n(^٢) ينظر تفاصيل المسألة: المعتمد: ٢/ ٢٧٤، والتبصرة: ص ٤٣٦، والبرهان: ٢/ ٧٧٤، ٧٨٥، والمستصفى: ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٤، والمحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٦٤، والإحكام للآمدي: ٤/ ٧٤، والحاصل: ٢/ ٨٥٧، والتحصيل: ٢/ ١٨٢.\n(^٣) ينظر: المصادر نفسها.\n(^٤) (أبو بكر) ليس في (غ).\n(^٥) في (غ): والفاسي.","vol":"6","page":2224},{"text":"البصري ونقله الأكثرون عن النظام (^١).\nوالثالث: قاله أبو عبد الله البصري إن كانت العلّة علّة للتحريم وترك الفعل كان التنصيص عليها كافيًا في ترك الفعل بها أين وجدت، وإن كان علةً لوجوب الفعل (^٢) أو ندبيته لم يكن ذلك كافيا في إيجابه ولا ندبيته ما لم يرد التعبد بالقياس من خارج (^٣).\nتنبيه: قد عرفت نقل الأكثرين عن النظَّام، ومنهم صاحب الكتاب وكلام الغزالي في النقل عنه صريح في أنَّه يرى تعميم الحكم في جميع موارد العلَّة بطريق اللفظ والعموم (^٤)، وبه صرّح الآمدي في أثناء المسألة (^٥)، وهو مناف لنقل الأكثر، فإنّ التعميم بالقياس لا يجامع التّعميم باللفظ، فحينئذ لا يكون أمرًا بالقياس عنده، وإنْ ثبت الحكم عنده في غير الصورة (^٦) المنصوص عليها.\nفإن قلت: ما الجامع بين إنكار النّظام التّعبد بالقياس وبين مقالته التي نقلتموها عنه هنا؟ .\nقلت: أما على ما نقله الغزالي فواضح؛ لأنَّه جعله من باب العموم،\n_________\n(^١) ينظر المعتمد: ٢/ ٢٣٥، والتمهيد: ٣/ ٤٢٨، والعدّة، والتبصرة: ص ٤٣٦ - ٤٣٧، وتيسير التحرير: ٤/ ١١١.\n(^٢) في (غ): العقل.\n(^٣) ينظر المعتمد: ٢/ ٢٣٥.\n(^٤) ينظر: المستصفى: ٢/ ٢٧٢.\n(^٥) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٧٢.\n(^٦) في (غ): الصور.","vol":"6","page":2225},{"text":"وقال الغزالي: قد ظنّ النظام أنَّه منكر للقياس، وقد زاد علينا؛ إذ قاس حيث لا نقيس، لكنه أنكر اسم القياس (^١).\nوأمَّا على ما (^٢) نقله الأكثرون، فإنّه هنا يقول: إذا وقع التنصيص على العلّة كان مدلولُ اللفظ الأمرَ بالقياس ولم يتعرض لوقوعه من الشارع أو غيره بل لمدلوله لغة وهناك أحال وروده من الشارع فعنده حينئذ أنّ الشّارع لا يقع منه التّنصيص على العلّة لاستحالة القياس عنده ووقوع التنصيص على العلّة (^٣) من حيث هو مدلوله ما ذكرناه، فافهم هذا فإنّ بعض الشراح (^٤) ظنَّ مناقضته في (^٥) مقالته، وذلك سوء فهم (^٦)، فإنّ الكلام في مدلول اللفظ إن ورد، غير الكلام في أنَّه\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى: ٢/ ٢٧٥.\n(^٢) (ما) ليس في (غ).\n(^٣) (لاستحالة القياس عنده ووقوع التنصيص على العلّة) ساقط من (ص).\n(^٤) يقول العبري في شرح المنهاج: ص ٤٠٨ \"واعلم أن في تحرير البحث في هذه المسألة وتقريرها خبطًا. أما في التحرير فلأنَّ النظام لما كان ممن أحال القياس كيف يقول التنصيص على العلّة أمر بالقياس. بل لعل مراد النظام من ذلك ان النص على علَّة الحكم من حيث هي، كاف في العلم بثبوت الحكم بها في غير محل الحكم المنصوص. وهذا الكلام حق، لكنه إثبات للحكم في جميع محالها بالنص لا بالقياس. .\".\n(^٥) في (ت): على.\n(^٦) قال الإسنوي: \". . . وعلى هذا فيكون النقل المتقدم عنه وهو استحالة القياس إنما محله عند عدم التنصيص على العلة\". نهاية السول: ٣/ ٢٣. وقال البدخشي: \"النظام ممن يحيل القياس فكيف يقول التنصيص على العلّة أمر به بل لعل مراده أن ذلك في العلم بثبوت الحكم في غير المنصوص عليه، وهذا ليس بإثبات الحكم بالقياس ففي تحرير المسألة خبط وكذا تقريرها إذ لا حاجة إلى التطويلات\" منهاج العقول: ٣/ ٢٣.\nولمزيد من التقصي في هذه المسألة ينظر: نبراس العقول: ص ١٧٦ - ١٧٩.","vol":"6","page":2226},{"text":"هل يرد (^١)؟ .\nقال: (لنا أنَّه لو (^٢) قال حرمت الخمر؛ لإسكارها يحتمل علّة الإسكار مطلقا وعلّة إسكارها (^٣).\nقيل: الأغلب عدم التقيد.\nقلنا: فالتنصيص وحده لا يفيد.\nقيل: لو قال علة الحرمة الإسكار لاندفع (^٤) الاحتمال.\nقلنا: ثبت الحكم في كل الصور بالنّص).\n_________\n(^١) أي أنَّ ما هنا محمول على الفرض والتقدير، يعني أنه لو فرض ووقع من الشارع التنصيص على العلَّة كان مدلوله لغة الأمر بالقياس، وإن كان بمقتضى إحالة التعبد بالقياس لا يقع منه ذلك، فلا تناقض بين قوليه للفرق بين الكلام في مدلول اللفظ إن ورد، والكلام في أنه هل يرد أو لا؟\nقال صاحب النبراس: ص ١٧٧ معلقًا على كلام السبكي: \"أما ما قاله السبكي من أن ما هنا محمول على الفرض والتقدير ففيه أنه يلزم النظام عليه إنكار ورود التنصيص على العلَّة من الشارع، وذلك إنكار قبيح، فإن في الكتاب والسنة من النّص على علل الأحكام ما لا يجحده إلا أعمى البصر والبصيرة وإلا شخص لا يحاجج إلا بالنَّار. وبالجملة كيفما قلبت مذهب النظام هنا وهناك وجدته سخيفا لا يستحق أن يسطر في الكتب لولا أن صاحبه حامل لواء بدعة إنكار القياس والله أعلم\".\n(^٢) في (غ): إذا.\n(^٣) في (غ): يحتمل علية الإسكار مطلقًا وعلية إسكارها.\n(^٤) في (ص): لا يدفع.","vol":"6","page":2227},{"text":"استدل صاحب الكتاب على المذهب المختار (^١) بأن قوله: حرمت الخمر؛ لكونها مسكرة محتمل لأنْ تكون العلّةُ مطلقَ الاسكارِ، ولا تكون العلّةُ إسكارَها، وهذا لأنَّ لله تعالى أنْ يجعل إسكار الخمر بخصوصه هو العلّة لما يعلم فيه من المفسدة الخاصة به (^٢) التي لا وجود لها في غيره، وإذا احتمل واحتمل لم يجز التعبد به إلا بأمر مستأنف بالقياس، وإذا وضح هذا في جانب الترك ثبت في الفعل بطريق أولى (^٣).\n_________\n(^١) وهو المذهب الأول القائل: إن التنصيص على العلَّة لا يفيد الأمر بالقياس مطلقًا، سواء كان في جانب الفعل أو الترك. استدل المصنف للمذهب المختار بما ذكره الشارح وبيَّنه، ولم يأت بأدلة المذهب الثاني القائل بالإفادة مطلقًا، ولا بأدلة المذهب الثالث القائل بالتفصيل. ودليل المذهب الثاني دليل على قوانين المنطق: لو لم يكن التنصيص على العلَّة مفيدًا للأمر بالقياس لم يكن لذكر العلَّة فائدة لكن التالي باطل، فبطل المقدم، وثبت نقيضه. أما الكبرى وهي قوله: \"لو لم يكن التنصيص على العلَّة مفيدًا للأمر بالقياس\" فوجهها أنّ العلَّة لا تذكر إلا لقصد تعدية الحكم إلى مواقعها، فلو لم يكن للتنصيص إذن بالقياس والتعدية كان ذكر العلَّة عبثًا. وأما بطلان التالي فواضح. والنتيجة بمنع الكبرى لجواز أن تكون الفائدة بيان مدرك الحكم، ليكون أوقع في النفس وأدعى إلى الامتثال. وأما المذهب الثالث، فقالوا: فقد فرّق بينهما بأن تحريم الشيء لعلّة يقتضي ترتب المفسدة على فعل ذلك الشيء لتلك العلَّة بخلاف إيجاب الشيء لعلّة تترتب عليها مصلحة فإن حصول هذه المصلحة لا تتوقف على فعل جميع ما يترتب عليه مثلها. ينظر: نهاية السول: ٤/ ٢٢ - ٢٦، النبراس: ص ١٧٦، ١٧٩.\n(^٢) (به) ليست في (ص).\n(^٣) ينظر دليل المذهب المختار في هذه المسألة: المعتمد: ٢/ ٢٣٥، والمستصفى: ٢/ ٢٧٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٧٢، والمحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٦٤، والبحر المحيط: ٥/ ٣٢، ونبراس العقول: ص ١٦٩ - ١٧٠.","vol":"6","page":2228},{"text":"فإن قلت: مقتضى (^١) ما قررتم بعينه امتناع القياس عند النَّص على العلّة مع ورود الأمر به أيضًا.\nقلت: لعلّ ورود الأمر بالقياس قبل النّص على علّة حكم قرينة تقضي (^٢) بترجيح أحد الاحتمالين، وهو مطلق الإسكار في المثال الذي ذكرناه.\nواعترض الخصم من وجهين (^٣):\nأحدهما: أنّ الأغلب على الظنّ عدم كون خصوص المحل قيدًا في العلّة، وإلا لما صحّ قياسٌ أصلًا، ويحتمل أن يريد (^٤) أنّ الأغلب في العلل التَّعْدِيَة.\nوالجواب: أنَّه حينئذ لا يكون النَّص على العلّة وحده هو المقيد للأمر بالقياس، بل التنصيص مع كون الأغلب عدم التقيد، والنّزاع إنما هو في أنّ التّنصيص وحده هل هو كافٍ؟ .\nوثانيهما: أنَّه لو قال الشارع علّة الحكم الإسكار، لاندفع الاحتمال وثبت الحكم في كلِّ الصّور التي يوجد فيها (^٥) الإسكار.\n_________\n(^١) في كل النسخ ما عدا (ت): يقتضي.\n(^٢) في (ص)، (غ): تقتضي.\n(^٣) في (ت): بوجهين.\n(^٤) (أن يريد) ليس في (ص).\n(^٥) (الإسكار، لاندفع الاحتمال وثبت الحكم في كلِّ الصّور التي يوجد فيها) ساقط من (ت).","vol":"6","page":2229},{"text":"وأجاب: بأن الحرمة حينئذ تثبت في كلِّ الصّور لا (^١) بالقياس بل بالنّص أي بطريق الاستدلال من النّص حيث إنه جعل مطلق الإسكار علّة تحريم الخمر، وهو حاصل في كلّ مسكر، فيلزم ثبوت الحرمة في كل مسكر.\nوعبارة التحصيل: لو قال ذلك لم يكن قياسًا إذ العلم بالعلّة يوجب العلم بالمعلول أي من غير أنْ يتأخر العلم ببعض الأفراد عن العلم بالآخر فلم يتميز الأصل عن الفرع حتّى يقاس أحدهما على الآخر (^٢)، وهذه العبارة نحو عبارة الإمام (^٣).\nوعبارةُ صاحب الكتاب قريبة منهما، إلا أنَّه لم يقل علّة حرمة الخمر بل علّة الحرمة، وهو واحد فإن المقصود حرمة الخمر، إذ ليس الإسكار علّة لكل حُرْمَة، وهذا واضح، ولم يصرح الإمام وسراج الدين بأنّ ذلك بالنّص، ولكن بطريق العلم بالعلّة وهو الاستدلال بالنّص (^٤) وإيّاه أراد المصنف ﵀، وعبارة الآمدي نحو عبارة المصنف، فإنه قال: يكون التحريم ثابتا في كل الصور بجهة العموم (^٥).\nولقائل أنْ يقول: لا نسلم أنّ ذلك ليس بقياس، وقولكم: لم يتميز\n_________\n(^١) (لا) ليس في (غ).\n(^٢) ينظر: التحصيل: ٢/ ١٨٣.\n(^٣) ينظر: المحصول ج ٢/ ق ٢/ ١٦٥.\n(^٤) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٦٥، ينظر: التحصيل: ٢/ ١٨٣.\n(^٥) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٧٢ - ٧٣.","vol":"6","page":2230},{"text":"الأصل عن الفرع مندفع، فإنه إذا قال: علّة حرمة الخمر الإسكار، فالحرمة في الخمر أصل، وحصل العلم بها حال ورود النّص، ثم بعد ذلك يحصل العلم بحرمة كل مسكر، وكل ما كان غير الخمر يكون فرعًا والعلم بحرمته متأخر عن العلم بحرمة الخمر، وربما لا يعلم كون الشيء مسكرًا إلا بعد حين، فلا يعلم حرمته، فإذا جُرِّبَ ووُجِدَ مسْكرًا عُلِم تحريمه فكيف لا يكون العلم به متأخرا؟ (^١).\nفإن قلت: نحن ندعي عدم تأخر العلم بحرمة كلّ مسكر حكمًا كليًّا لا (^٢) العلم بواحد واحد من الجزئيات المندرجة، فإنّها داخلة في الحكم المعلوم، فالعلم بحرمة (^٣) الجزئيات المخصوصة لا يستفاد من الأصل الذي هو الخمر بل من المقدمة الكلية التي هي العلم بتحريم كل مسكر، والعلم بهذه المقدمة لا يتأخر.\nقلت: لا نسلم أنّ العلم بها غير متأخر، لأنَّا لا نعلم أولًا حرمة الخمر، ثمّ كون الإسكار علّة بتنصيص الشارع، ثمّ نحكم بتحريم كلّ مسكر حكمًا مترتبًا على هذا العلم بالعلية، والحكم في كلّ قياس كذلك، فإن المجتهد يعلم حكم الأصل، ثمّ يستنبط العلّة، ثمّ يحكم بمقدمة كلية شاملة لجميع صور تلك العلَّة. هذا شرح ما في الكتاب.\n_________\n(^١) (فإذا جُرِّبَ ووُجِدَ مسْكرًا عُلِم تحريمه فكيف لا يكون العلم به متأخرًا) ساقطة من (غ).\n(^٢) في (غ): إلا.\n(^٣) (المندرجة، فإنّها داخلة في الحكم المعلوم، فالعلم بحرمة) ساقط من (ت).","vol":"6","page":2231},{"text":"وأمّا الدّليل على أنّ التّنصيص على العلّة لا يفيد الحكم في جميع الصور باللفظ خلاف (^١) ما نقله الغزالي، والآمدي عن النظام فإنّا نعلم بالضرورة من اللغة أنّ قوله: حرّمت الخمر؛ لإسكارها لا يدل على تحريم كلّ مسكر كدلالة (^٢) قوله: حرّمت كلّ مسكر، وأنَّه غير موضوع لذلك بل موضوع لتحريم الخمر لعلّة إسكاره، وحرمة ما عدا الخمر من المسكرات ليس جزءًا من هذا المفهوم ضرورةً، فيجب ألا (^٣) يكون دلالته على تحريم كلّ مسكر لفظية؛ لأنَّ الدلالة منحصرة في هذين النوعين عند قوم وفي دلالة المطابقة عند آخرين، ولهذا لو قال الرجل: أعتقت غانما لسواده، لم يعتق من عدا (^٤) من عبيده السود، ولو قام ذلك مقام عتقت عبيدي السود لعتقوا عليه من غير اعتبار نية، ولا علم، بمقصده، وكذا لو قال: لوكيله بع سالمًا؛ لسوء خلقه.\nواحتج أبو عبد الله على مذهبه بأن من ترك أكل رمّانة حامضة؛ لحموضتها وجب عليه أنْ يترك أكْلَ كلِّ رمّانة حامضة بخلاف من أكلها لحموضتها (^٥).\nوأجيب: بأنَّا لا نسلم أَنَّه يجب عليه ترك الكلّ، وذلك لاحتمال أن\n_________\n(^١) في (غ): على خلاف.\n(^٢) في (ص): لدلالة\n(^٣) في (غ): أن يكون.\n(^٤) (من عداه) ليس في (غ).\n(^٥) ينظر دليل أبي عبد الله في المعتمد: ٢/ ٢٣٥، والتبصرة: ص ٤٣٦، وتيسير التحرير: ٤/ ١١١، والحاصل: ٢/ ٨٥٩، والتحصيل: ٢/ ١٨٣.","vol":"6","page":2232},{"text":"يكون الدّاعي لا مطلق حموضة الرّمانة بل حموضة هذه الرمانة الخاصة.\nسلمناه، ولكن لا فرق في ذلك بين الفعل والترك، وإنما لم يجب أكل كلّ رمّانة حامضة على من أكل رمانة حامضة؛ لأنَّه لم يأكلها لمجرد حموضتها، بل لحموضتها مع قيام الاشتهاء الصادق لها، وخلاء المعدة عن (^١) الرّمان وعلمه أو ظنّه بعدم تضرره بها، وهذه القيود غير موجودة في أكل الرّمانة الثانية. وهذا ما ذكره الإمام (^٢).\nولقائل أنْ يقول: التفرقة بين الفعل والترك ثابتة فإنّ جانب النهي يدل على كون المشترك مفسدة مطلوبة العدم، ولا يحصل هذا الغرض إلا بالامتناع عن كل الأفراد، وأما في طرف الفعل فالغرض متعلق بالمصلحة المشتركة بين الأفراد وذلك يحصل بأي فرد كان. كذا ذكره النقشواني (^٣) وهو حسن، وهو وجه التفرقة بين اقتضاء النهي التكرار دون الأمر كما قررناه في موضعه. قال: وقول الإمام مع (^٤) الاشتهاء الصادق\n_________\n(^١) في (غ): من.\n(^٢) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٦٩ - ١٧٠.\n(^٣) النقشواني: هو نجم الدين أحمد بن أبي بكر محمد المخجواني الشهير بالنقشواني لقب بالفضل والفيلسوف والطبيب، وذلك لما قام به من تصنيفات في شتى الفنون من مصنفاته حل شكول القانون في الطب، وشرح منطق الإشارات في المنطق، وشرح المحصول، توفي ﵀ بحلب في حدود ٦٥١ هـ. ينظر: معجم المؤلفين: ١/ ٤٧٨، ومختصر الدول: ص ٢٧٣، ومقدمة تحقيق كتاب تلخيص المحصول للنقشواني للباحث صالح الغنام رسالة دكتوراه بالجامعة الإسلامية. ص ٢٥ - ٣٧.\n(^٤) (مع) ليس في (غ).","vol":"6","page":2233},{"text":"وخلاء المعدة عين (^١) الفرق (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-525>(الثالثة: القياس إما قطعي أو ظني)</span>\nهذه المسألة تشتمل على بحثين:\nالأول: أنّ القياس ينقسم إلى قطعي وظني (^٣).\nالأوّل القطعي: وهو الذي يتوقف على العلم بعلّة الحكم في الأصل، ثمّ العلم بحصول مثل تلك العلّة في الفرع، فإذا علمها المجتهد (^٤) تيقَّن إلحاق ذلك الفرع بالأصل في حكمه ومساواته له، وهذا القياس قطعي كما قال المصنف، وإليه أشار الإمام في المحصول بقوله: قد يكون ظاهرًا جليًا (^٥)، ثمَّ\n_________\n(^١) في (غ): عن.\n(^٢) قال النقشواني في تلخيص المحصول لتهذيب الأصول: ٢/ ٨١٧ \"قوله: [أي الرازي] لا فرق بين الفعل والترك. بعيد؛ وكيف، وجانب النهي يدل على كون المشترك مفسدة مطلوبة العدم، ولا يحصل هذا الغرض إلا بالامتناع عن كل الأفراد، وأما في طرف الفعل، فقد يكون الغرض متعلقًا بالمصلحة المشتركة بين الأفراد، وذلك يحصل بأي فرد كان\". ثمّ قال: \"قوله: مع الاشتهاء الصادق وخلاء المعدة. فهو عين الفرق\".\n(^٣) القطعي: هو ما دلَّ دلالة لا تحتمل التأويل، أو هو اعتقاد الشيء بأنه كذا مع اعتقاد أنه لا يمكن إلا كذا مطابقًا للواقع غير ممكن الزوال. ينظر التعريفات ص ٢٥٩، والإيضاح لقوانين الاصطلاح: ص ٥٠. والظني: هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل في اليقين والشك. ينظر: التعريفات: ص ١٤٤.\n(^٤) (المجتهد) ليست في (غ).\n(^٥) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٧٠ - ١٧٢.","vol":"6","page":2234},{"text":"صرَّح من بعد في أثناء المسألة بأنه يقيني (^١).\nوأما حكمه فقد يكون قطعيًا وقد يكون ظنيًا. ومثال ذلك: من (^٢) الظني قياس التأفيف على الضرب؛ لأنَّا نعلم أنّ العلّة الأذى، فيعلم وجودها في الضرب مع أنّ ثبوت الحكم في التأفيف ظني؛ لأنَّه مستفاد من دلالة اللفظ وقد قرر الإمام أنّ الإنصاف أَنَّه لا سبيل إلى استفادة اليقين منها؛ لتوقفها على الاحتمالات العشرة وهيهات أنْ توجد ذلك (^٣).\nوالثاني الظنيّ: كما إذا كانت إحدى المقدمتين أو كلتاهما مظنونة، كقياس التفاح على البر في الربا، فإنّ الحكم بأنَّ الطُعم هو العلّة ليس قطعيا؛ لاحتمال أنْ يكون الكيل أو القوت (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٧٢.\n(^٢) في (غ): من الظني.\n(^٣) قال الرازي في المحصول: ج ١/ ق ١/ ٥٤٧ - ٥٤٨ \"المسألة الثالثة: في أن الاستدلال بالخطاب هل يفيد القطع أم لا؟ قال: . . . إنّ الاستدلال بالأدلة اللفظية مبني على مقدمات ظنية، والمبني على المقدمات الظنية ظنيّ فالاستدلال بالخطاب لا يفيد إلا الظنّ وإنّما قلنا: إنَّه مبني على مقدمات ظنية؛ لأنّه مبني على نقل اللغات، ونقل النحو والتصريف، وعدم الاشتراك، والمجاز، والنقل، والإضمار، والتخصيص، والتقديم والتأخير، والناسخ، والمعارض، وكل ذلك أمور ظنية\" فهذه الاحتمالات العشر التي أشار إليه الشارح.\n(^٤) اختلف الفقهاء في العلّة التي من أجلها حرم الربا في البر وما ألحق به هل هو الطعم أو الاقتيات أو الكيل أو الادخار، أو كلها أو بعضها دون البعض؟ ينظر تفاصيل ذلك في المغني: ٤/ ٢٦، بداية المجتهد: ٢/ ٩٩، والمهذب: ١/ ٢٧٠.","vol":"6","page":2235},{"text":"قال: (فيكون الفرع بالحكم أولى كتحريم الضرب على تحريم التأفيف أو مساويًا كقياس الأمة على العبد في السراية أو أدون كقياس (^١) البطيخ على البر في الربا).\nالبحث الثاني: في حكم الأصل. فثبوت حكم الأصل: إمّا أنْ يكون يقينًا، قال الإمام فيستحيل أنْ يكون الحكم في الفرع أقوى منه؛ لأنَّه ليس فوق اليقين درجة (^٢).\nواعترض عليه النقشواني بأنَّ اليقين قابل للاشتداد والضعف (^٣)، وهذا الاعتراض بناءً على أنّ العلوم تتفاوت.\nوإنْ لم يكن يقينيًا، فثبوت الحكم في الفرع قد يكون أقوى من ثبوته في الأصل، وذلك في (^٤) النفي كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف فإن تحريم الضرب وهو الفرع أقوى ثبوتًا من تحريم التأفيف (^٥) الذي هو الأصل، وفي الإثبات كقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ\n_________\n(^١) (كقياس) ليست في (غ).\n(^٢) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٧٤.\n(^٣) قال النقشواني في تلخيص المحصول لتهذيب الأصول: ٢/ ٨٢١ \"قال: قوله [أي الرازي] \"إذا كان الحكم في الأصل يقينًا استحال أن يكون الحكم في الفرع أقوى منه\" فيه نظر؛ لأنّ اليقين قابل للاشتداد والضعف، فإن اليقين المستفاد من النظر، ليس في قوة البديهيات والمحسوسات، وكذلك البديهيات بعضها أجلى من بعض فضلًا عن النظريات\".\n(^٤) في (غ)، (ت): نفي النفي.\n(^٥) \"فإن تحريم الضرب وهو الفرع أقوى ثبوتا من تحريم التأفيف\"، ساقط من (ص).","vol":"6","page":2236},{"text":"إِلَيْكَ﴾ (^١) فهذا يفيد تأدية ما دون القنطار بطريق أولى، وقد يكون مساويًا كقياس الأمة على العبد في السراية (^٢) في قوله - ﷺ -: \"ومن أعتق شِركًا له في عبد قُوِّم عليه نصيب شريكه\" (^٣) إذ لا تفاوت بين الأصل والفرع في هذا الحكم وهذا هو المسمى بالقياس في معنى الأصل، وقد يكون أدون.\nقال الإمام: وذلك كجميع الأقيسة التي يتمسك بها الفقهاء في مباحثهم، قال: وأما مراتب التفاوت فهي بحسب مراتب الظنون فلا ينحصر (^٤).\nومثَّل المصنف لهذا القسم بإلحاق البطيخ بالبر في الربا بجامع الطعم مع احتمال كون العلّة الكيل أو القوت هذا تقرير ما ذكره الإمام وهو الذي\n_________\n(^١) سورة آل عمران من الآية ٧٥.\n(^٢) السراية: من السُّرِّية بالضم: الأمة التي بوأتها بيتًا منسوب إلى السر، بالكسر، رهو من تغيير النسب، وهي عند أبي حنيفة ومحمد من أعدت للوطءِ، مشتق من السر، وهو الجماع، حتى ولو وجد التحصين، وهو المنع من الخروج والبروز بدون التحصين، أو وجد الجماع بدون التحصين لا يكون تسريا، ورأى أبو يوسف أن التسري عبارة عن التحصين والجماع مع ترك الماء في الوطء طلبا للولد، وهو مشتق من السر، وهو الشرف، وإنما تصير شريفة إذا جعلها فراشا لتلحق بالمنكوحات. ينظر: الكليات لأبي البقاء: ص ٥١٤.\n(^٣) أصل هذا الحديث متفق عليه أخرجه البخاري: ص ٤٧٧ في كتاب العتق (٤٩) باب إذا أعتق عبدًا بين اثنين أو أمة بين شركاء (٤) رقم الحديث (٢٥٢٢)، ومسلم: ص ٦٠٩، في كتاب العتق (٢٠) رقم الحديث (١/ ١٥٠١). وبهذا اللفظ أخرجه.\n(^٤) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٧٥.","vol":"6","page":2237},{"text":"أورده المصنف وسائر أتباع الإمام، وقد علمت به سداد كلام الإمام وأتباعه وخطأ من اعتقد تناقض كلامه حيث جعل في البحث الأول قياس الضرب على التأفيف مقدماته قطعية، وجعله هنا ظنيا كالنقشواني وغيره (^١)، وسبب الخطأ توهمهم أنّ القياس إنما يكون قطعيًا (^٢) إذا كان (^٣) الحكم في الأصل كذلك وهذا ليس بشيء فقد تقطع بمساواة الشيء للشيء في حكمه المظنون، كما عرفت في البحث الأول، ولك أن تنظر ذلك بإجماعهم على إلحاق الخالة بالخال في الإرث، مع اختلافهم فيه.\nوإذا وضح هذا فإن قلت: تقسيم القياس إلى أدون إن أردتم به أنْ يكون ما في العلّة الموجودة في الفرع من المصلحة دون ما في الأصل فلا نسلم حينئذ جواز القياس؛ لأنَّ شرطه وجود العلة بكمالها\n_________\n(^١) قال النقشواني في تلخيص المحصول لتهذيب الأصول: ٢/ ٨٢٢ \"بل نقول: إن جعل حرمة الضرب لحرمة التأفيف كان اليقين في الفرع أقوى من اليقين في الأصل؛ لأن الأصل وإن صار مصرحًا به لفظًا، لكن نعلم أن المقصود هو الذي نسميه فرعًا: فكان الجزم بحرمته أقوى. ثم جعل هذا القياس قياسًا مظنونًا، وعدُّه من المظنونات بعيد أيضًا؛ لأن الحكم في الأول يقيني ثابت بنص لا يحتمل التأويل، وفي الفرع أقوى منه باعترافه، فكيف يجعل ذلك من أمثلة المظنونات؟ ! ! ثم هذا يناقض ما ذكره جوابًا عن بعض المعارضات في المسألة التي قبيل هذه؛ لأنه جعل هذا القياس مما تكون مقدماته يقينية\" وينظر: الإسنوي ٣/ ٢٩، فقد ذكر توهم النقشواني وغيره من الشراح.\n(^٢) (قطعيا): ليس في (ت).\n(^٣) (كان): ليس في (ت).","vol":"6","page":2238},{"text":"في الفرع، وإن أردتم شيئًا آخر فعليكم بيانه.\nقلت: أردنا شيئًا آخر، وهو عدم القطع بأنّ ما ظنّ عليته علّة كالطعم فإنّ القائل بعليته في الربويات ليس قاطعًا بمقالته لاحتمال أنْ تكون العلّة الكيل أو القوت، فإذا جئنا (^١) إلى قياس التفاح على البر قلنا: هو مساوٍ له في الطعم وثبوت الحكم فيه أدون من ثبوته في البر؛ لأنَّ البر مكيل مقتات مطعوم فهو ربوي على كلّ الاحتمالات، والتفاح ربوي على احتمال واحد وهو كون العلّة الطعم، والثابت على كل الاحتمالات أقوى من الثابت على احتمال واحد.\nقال: (قيل تحريم التأفيف يدل على تحريم أنواع الأذى عرفا، ويكذبه قول الملك للجلاد اقتله ولا تستخف به.\nقيل: لو ثبت قياسًا، لما قال به منكره.\nقلنا: القطعي لم ينكر.\nقيل: نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى، كقولهم فلان لا يملك الحبة ولا النقير ولا القطمير.\nقلنا: أما الأول فلأن نفي الجزء يستلزم نفي الكل، وأما الثاني فلأن النقل (^٢) فيه ضرورة، ولا ضرورة ها هنا).\nنقدِّم على الشرح ما ينبغي تقديمه؛ ثم نلتفت إليه فنقول: اتفق\n_________\n(^١) في (ت): أجبنا.\n(^٢) في (غ): الفعل.","vol":"6","page":2239},{"text":"الأصوليون على أَنَّه لا مستند لثبوت الحكم في القسم الثالث وهو القياس الأدْوَن إلا القياس.\nوأمّا القسم الثاني وهو قياس المساواة؛ فذهب أكثرهم إلى أَنَّه ثابت بالقياس أيضًا، وذهبت الحنفية إلى أَنَّه غير ثابت به الاستدلال (^١) أي هو استدلال على تحرير مناط الحكم، وحذف الحشو منه عن درجة الاعتبار، ولهذا أوجبوا على من أفطر في رمضان بالأكل والشرب الكفارة اعتبارًا بالمجامع فيه، لكن لا بطريق القياس عليه، إذِ القياس لا يجري عندهم في الكفّارات ولكن بطريق الاستدلال (^٢).\nوأما القسم الثالث وهو قياس الأولى وفيه كلام المصنف ففيه مذهبان:\nأحدهما: أنه ثابت فيه بالدلالة اللفظية (^٣)، ثمّ اختلف القائلون بذلك على مذهبين:\nأحدهما: أنه من باب المنطوق (^٤) وهو المشار إليه بقول صاحب\n_________\n(^١) في (ص)، (غ): ثابت به بل الاستدلال.\n(^٢) ينظر: أصول السرخسي: ٢/ ١٥٣، وتيسير التحرير: ٣/ ٢٧٥، ٤/ ٧٧.\n(^٣) الدلالة اللفظية: هي قسيم الدلالة غير اللفظية كالإشارة وغيرها، وأما الدلالة اللفظية فيقسمها المناطقة إلى مطابقة وتضمن والتزام يقول الأخضري:\nدلالة اللفظ على ما وافقه ... يدعونها دلالة المطابقة\nوجزؤه تضمن وما لزم ... فهو التزام إن بعقل التزم\nينظر تفاصيل ذلك: إيضاح المبهم: ص ٦.\n(^٤) المنطوق: هو ما دلّ عليه اللفظ في محل النطق: مثال وجوب الزكاة في الغنم السائمة الذي دلّ عليه حديث (في الغنم السائمة زكاة) أخرجه البخاري ٣/ ٢٥٣ في الزكاة باب زكاة الغنم. ينظر: مختصر ابن الحاجب: ٢/ ١٧٢ - ١٧٤، والإحكام للآمدي: =","vol":"6","page":2240},{"text":"الكتاب قيل: تحريم التأفيف إلى آخره.\nوالثاني: أَنَّه من باب مفهوم الموافقة (^١)، واختاره المصنف في الفصل التاسع من الكتاب الأول (^٢) وكذلك الإمام (^٣).\nوثانيهما: أَنَّه ثابت فيه بالقياس القطعيّ، واختاره المصنف هنا تبعا للإمام (^٤)، وقد نقل إمام الحرمين في البرهان القول: بأنَّه من باب المفهوم عند معظم الأصوليين وعبارته صار معظم الأصوليين أنّ هذا ليس معدودًا من أقسام الأقيسة، بل هو (^٥) متلقى من مضمون اللفظ\n_________\n= ٣/ ٦٩ - ٧٠، والمستصفى: ٢/ ١٨٦ - ١٩١، وتيسير التحرير: ١/ ٩٨، وما بعدها.\n(^١) المفهوم: ما دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق وينقسم إلى موافقة ومخالفة:\nمفهوم الموافقة: هو ما كان المسكوت عنه موافقًا في الحكم للمنطوق ويسمى فحوى الخطاب ولحنه سواء كان المفهوم أولى من المنطوق أو مساويًا. فالأولى: كتحريم التأفيف على الضرب لأنه أشد، والمساوي: كتحريم إحراق مال اليتيم الدال عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [سورة النساء: من الآية ١٠] إذ أن الإحراق مساو للأكل. ومن الأصوليين من يفرق بين فحوى الخطاب ولحن الخطاب فيجعل فحوى الخطاب لما كان مسكوتًا عنه أولى من المنطوق، ولحن الخطاب لا كان المسكوت عنه مساو للمنطوق.\nومفهوم المخالفة: هو ما كان المسكوت عنه مخالفًا في الحكم للمنطوق ويسمى دليل الخطاب وهو أقسام منها: (الحصر، الغاية، الشرط، الوصف، العدد، ظرف الزمان والمكان، واللقب. .) ينظر: المصادر نفسها\n(^٢) ينظر ص: ٩٣٩.\n(^٣) ينظر المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٧٤.\n(^٤) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٧٤.\n(^٥) في (غ): هي.","vol":"6","page":2241},{"text":"المستفاد من تنبيه اللفظ وفحواه، كالمستفاد من صيغته ومبناه، ومن يسمي ذلك قياسًا فمتعلقه أَنَّه ليس مصرحًا به، والأمر في ذلك قريب (^١) انتهى.\nوإنما نقلنا هذه العبارة بنّصها لوقوع غلط بعض الشارحين في النقل عن البرهان، وكلامُ الغزالي نحو من كلام البرهان (^٢)، لكنّه استبعد تسميته قياسًا قال: لأنَّه لا يحتاج إلى فكر واستنباط علّة، وصرح بأنه مقطوع عند من سماه قياسًا ومن لم يسمه (^٣).\nوقد حكى بعض الشراح (^٤) قولا رابعا أَنَّه ثابت بالقياس الظنيّ وهذا وهمٌ سببه ما تقدم.\nفإن قلت: هل من تناف بين ثبوته بالمفهوم وثبوته بالقياس ولم لا يكون إلحاق الضرب بالتأفيف ثابتًا بهما جميعا؟\nقلت: قد يظن ظان عدم تنافيهما لكون المفهوم مسكوتًا عنه، والقياس إلحاق مسكوت عنه بمنطوق، وهذا ما زعم صفي الدِّين الهندي أَنَّه الحقّ، وقال: الدلالة اللفظية إذا لم يرد بها المطابقة ولا التضمن لا تنافي القياس (^٥).\nوقد يقول قائل: هما متنافيان معتضدًا بأنّ المفهوم ما دل عليه اللفظ لا\n_________\n(^١) ينظر: البرهان: ١/ ٤٥١، ٢/ ٧٨٦.\n(^٢) (وكلامُ الغزالي نحو من كلام البرهان) ساقط من (ت).\n(^٣) ينظر المستصفى: ٢/ ٢٨١.\n(^٤) يقصد العبري في شرحه ينظر شرح العبري ص ٤١٣.\n(^٥) ينظر: نهاية الوصول: ٧/ ٣١٧٨.","vol":"6","page":2242},{"text":"في محل النطق، والمقيس ما لا يدل عليه اللفظ البتة. وما قاله الهندي ممنوع غير أنّ هذا النوع (^١) إنْ كان قياسًا فهو من الأقيسة الظاهرة التي لا تحتاج إلى فكر واستنباط، ولكونه كذلك ظنّ الخصم خروجه من أبواب القياس وألحقه بالمفاهيم وهو - لعمري - مصيب ولكن مستند المصنف وإمامه في (^٢) جعله قياسًا ما (^٣) فيه من الأصل والفرع والعلّة الجامعة (^٤).\nجئنا إلى كلام المصنف فنقول: احتج القائل بأن تحريم التأفيف يدل لفظًا على تحريم أنواع الأذى بثلاثة أوجه:\nأحدها: أنّ ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (^٥) وإن كان موضوعًا في اللغة للمنع من التكلم بلفظ (^٦) أف، ولكن نقل عرفًا إلى المنع من أنواع الأذى؛ لتبادر الفهم إليه، فيدل بالعرف على تحريم أنواع الأذى.\nقال المصنف في الجواب: ويكذب ذلك قولُ الملك للجلاد حيث أمره بقتل عدوه: اقتله ولا تستخف به، ولو دلّ نفي الأدنى على نفي الأعلى عرفًا للزم من قوله: ولا تستَخِفَّ به النهي عن قتله، وذلك مناقض لصريح قوله.\n_________\n(^١) (النوع) ليس في (ص).\n(^٢) في (ص): من جعله.\n(^٣) (ما) ليس في (ت).\n(^٤) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٧٤، ونهاية الوصول: ٧/ ٣١٧٨.\n(^٥) سورة الإسراء من الآية ٢٣.\n(^٦) في (غ): بلفظة.","vol":"6","page":2243},{"text":"ولقائل أنْ يقول: إن كان بقتله من ذوي الأنفة والأنفس الأبية، فالاستخفاف عنده أشدّ وقعًا من القتل، ولذلك (^١) قتل كثير من الملوك أنفسهم، حيث أيقنوا بالأسر في يد العدو مخافةَ الاستخفاف، فهو حينئذ ناهٍ عن الأعلى آمرٍ بالأدنى.\nسلمنا ذلك، ولكنّ النهي عن الاستخفاف إنما يدل على النهي عن القتل عرفًا إذا لم يتقدم ما يناقضه كما في محل النزاع، وهو صورة التأفيف وجاز أنْ يتقدم التصريح بخلاف الظاهر، فقد وضح بطلان هذا الجواب.\nوأجيب أيضًا: بأن النقل خلاف الياصل، وضعفه النقشواني معتلًا بأنَّه إذا ثبت كثرة الاستعمال والتبادر إلى الفهم، فلا يفيد التمسك بهذا الأصل (^٢).\nالوجه الثاني: أَنَّه لو كان مستفادًا من القياس لما وافق عليه منكر القياس.\nوأجاب: بأن هذا قياس جلي، ومن أنكر القياس إنما أنكر الخفي، وهو جواب ضعيف، فإن بعضهم أنكر القياس مطلقًا؛ جليًا كان أم خفيًا كما تقدم أوّل الباب، بل الجواب الصحيح أنْ يقال: إنما قال به منكر القياس؛\n_________\n(^١) في (ص): وكذلك.\n(^٢) قال النقشواني في تلخيص المحصول لتهذيب الأصول: ٢/ ٨١٩ \"قوله [أي الرازي]: \"إنما حكمنا فيه بالنقل العرفي ضرورة\" ضعيف؛ لأنَّ الضرورة الداعية إلى الحكم بالنقل العرفي في تلك الصورة هو الاشتهار وكثرة الاستعمال حتى صار المعنى متبادرا إلى الفهم، وهذا بعينه موجود ها هنا\".","vol":"6","page":2244},{"text":"لكونه عنده مفهوم موافقة لا لكونه قياسًا.\nالثالث: أنّ نفي الأدنى يدل على نفي الأعلى، كقولهم فلان لا يملك الحبّة، فإنه يدلّ على أنَّه لا يملك أكثر منها، وكذا قولهم لا يملك النقير والقطمير يدل على أنَّه لا يملك شيئًا البتة من غير نظر إلى القياس، فكذا نفي التأفيف.\nوأجاب: بأنّ دلالة ذلك في كل المثالين إنما هو لأمر خارجي؛ أما الأوّل فلأن الحبة جزء للأعلى، ونفى الجزء يستلزم نفي الكلّ.\nولك أنْ تقول: إنْ كانت الحبّة اسما للواحد مما يزرع فليست جزءا لكل ما هو أعلى منها، وأما الثاني فإنّا نعلم ضرورة أنَّه ليس المراد نفي النقير والقطمير، بل نفي ما له قيمة فدعوى النقل فيهما ضرورية، وأما فيما نحن فيه فلا ضرورة بنا إلى ذلك؛ لجواز الحمل على المعنى اللغوي. ولك أن تقول: ما بك ضرورة إلى النقل مع جواز أن يكون نفي ما عدا النقير والقطمير من فحوى الخطاب.\nتنبيه: النقير: النقرة التي على ظهر النواة، والقطمير: ما في شقّ النواة (^١). كذا قاله في المحصول (^٢).\n_________\n(^١) النقرة: النكتة في ظهر النواة. ينظر: المصباح المنير: ٢/ ٦٣١، مادة (نقر)، والصحاح: ٢/ ٨٣٥. والقطمير: الفوقة التي في النواة، وهي القشرة الرقيقة، ويقال: هي النكتة البيضاء التي في ظهر النواة تنبت منها النخلة. ينظر: الصحاح: ٢/ ٧٣٧ مادة (قطمر)، والمصباح المنير: ٢/ ٥٠٩، مادة (قطمير).\n(^٢) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٧٢.","vol":"6","page":2245},{"text":"والمعروف - وهو الذي في الصحاح - أنّ القشرة الرقيقة هي القطمير وما في شقّ النواة الفتيل اهـ. (^١) (^٢).\nقال: (الرابع: القياس يجري في الشرعيات حتّى الحدود والكفَّارات)\nهذه المسألة معقودة لبيان ما يجري فيه القياس وما لا يجري (^٣)،\n_________\n(^١) (كذا. . . . . الفتيل اهـ) ساقطة من (غ).\n(^٢) ينظر الصحاح: ٥/ ١٧٨٨، مادة (فتل).\n(^٣) حاصل الخلاف في المسألة كما قرره الرازي في المحصول حين قال: \"وحاصل الخلاف في المسألة أنه هل في الشريعة جملة من المسائل لا يجوز استعمال القياس فيها؟ أو ليس كذلك بل يجب البحث عن كل مسألة هل يجري القياس فيها أو لا؟ \"\nولذلك هناك صور يجري فيها القياس على رأي الجمهور وهي على سبيل الإجمال:\n١ - القياس في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات:\n- مثال الحدود: قياس نباش القبور على السارق في وجوب قطع اليد بجامع أخذ مال الغير خفية.\n- مثال الكفارات: قياس القاتل عمدًا على القاتل خطأ في وجوب الكفارة بجامع القتل بغير حق.\n- مثال الرخص: قياس غير الحجر على الحجر في جواز الاستنجاء به بجامع كونهما طاهرين قالعين للنجاسة، واستعمال الحجر رخصة.\n- مثال التقديرات: قياس نفقة الزوجة على الكفارة بجامع أن كلًّا منهما مال يجب بالشروع ويستقر في الذمّة، وأكثر ما وجب في الكفارة لكل مسكين مدّان في الطعام، وذلك كفارة الأذى في الحج، وأقلّ ما وجب له مدٌّ في كفارة الظهار، فأوجبوا على الموسر الأكثر وهو مدّان؛ لأنه قدر الموسع، وعلى المعسر الأقل وهو مدّ؛ لأن المدّ الواحد يكتفي به الزهيد، وأصل التفاوت في النفقة ثابت في قوله =","vol":"6","page":2246},{"text":"وفيها (^١) أبحاث: -\nالأول: أنَّه يجري في الشرعيات بمعنى: أنَّه موجود فيها، ويصح ذلك بوجوده في بعضها وتكون الألف واللام (^٢) في قول المصنف الشّرعيات\n_________\n= تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [سورة الطلاق: الآية ٧].\n٢ - القياس في اللغة:\nالاتفاق جار بين العلماء على أنّ القياس لا يجري في الأعلام لأنها غير معقولة المعنى كما أنه لا يجري فيما ثبت بالاستقراء. وإنما الخلاف في الأسماء الموضوعة للمعاني المنصوصة الدائرة مع الصفات الموجودة وجودًا وعدمًا مثال الخمر فإنها اسم للمسكر المتخذ من عصير العنب فهل يقاس عليه ما اتخذ من غير العنب في كونه مشاركًا في وصف الإسكار ويقال له خمر. فيه خلاف.\n٣ - القياس في العقليات:\nوذلك كإلحاق الغائب بالشاهد بجامع من العلة أو الحد أو الشرط أو الدليل مثاله العالمية في الشاهد معللة بالعلم، فكذلك في الغائب ﷾.\n٤ - القياس في الأمور العادية والخِلْقِيَّة:\nكأقل الحيض أو النفاس أو الحمل وأكثره، وهذه لا تجري فيها؛ لأنها لا تدرك عللها.\n٥ - القياس على حكم منسوخ:\nلا يجوز القياس على حكم قد ثبت نسخه.\n٦ - القياس على ما ثبت بالإجماع:\nيجوز إثبات القياس على ما ثبت حكمه بالإجماع\nينظر تفاصيل ذلك: الملخص في الجدل للشيرازي: ٢/ ٥٥٨ - ٥٧٧، والمعونة في الجدل للشيرازي: ص ٢٢٥ - ٢٣٠، والمنهاج في ترتيب الحجاج للباجي: ص ١٥١ - ١٥٨، ونهاية السول: ٣/ ٣٢ - ٣٦.\n(^١) في (غ): وفيهما.\n(^٢) الألف واللام الأصل من أدوات التعريف.\nوتكون للعهد مثل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي =","vol":"6","page":2247},{"text":"للجنس (^١) دون العموم (^٢).\nقال الغزالي: فكل حكم شرعي أمكن تعليله فالقياس جار فيه (^٣)، وليس المراد أنَّه يجوز إثبات جميع الشرعيات به، فإن ذلك ممتنع خلافًا لبعض الشّاذين (^٤).\nلنا أنّ القياس لا يتحقق إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل، فحكم\n_________\n= زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ فالألف واللام في المصباح والزجاجة للعهد.\nوتكون للجنس: مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ومثل أهلك الناس الدينار والدرهم، والرجل أفضل من المرأة مثلًا. وتسمية (ال) الجنسية أو لبيان الماهية أو لبيان الحقيقة.\nوتكون للاستغراق: وهي إما لاستغراق الأفراد: مثل: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ وإما لاستغراق الصفات: مثل أنت الرجل: أي الجامع لصفات الرجال المحمودة. ينظر قطر الندى: ص ١١٤.\n(^١) الجنس: اسم دال على كثيرين مختلفين بالأنواع كالحيوان بالنسبة للإنسان. ينظر: التعريفات ص ٧٨، والكليات: ص ٣٣٨ - ٣٣٩.\n(^٢) العام: اللفظ المستغرق لما يصلح له بوضع واحد. ينظر ص: ١١٩٣.\n(^٣) ينظر المستصفى: ٢/ ٣٣٢.\n(^٤) قال الآمدي: \"اختلفوا في جواز إجراء القياس في جميع الأحكام الشرعية فأثبته بعض الشذوذ مصيرًا منه إلى أنّ جميع الأحكام الشرعية من جنس واحد ولهذا تدخل جميعها تحت حد واحد، وهو حدّ الحكم الشرعي، وتشترك فيه، وقد جاز على بعضها أن يكون ثابتًا بالقياس، وما جاز على بعض المتماثلات، كان جائزًا على الباقي\" ٤/ ٨٩.","vol":"6","page":2248},{"text":"الأصل إن كان بغير القياس صحّ المدعى، وهو أنَّها لم تثبت كلّها بالقياس، وإن كان بالقياس فالكلام فيه كالأول ويلزم إما الدور وإما (^١) التسلسل، وأنّه ثبت من الأحكام ما لا يعقل معناه كضرب الدية (^٢) على العاقلة (^٣)، والقياس فرع يعقل (^٤) المعنى.\nقالوا: الأحكام متماثلة لدخولها تحت الحكم الشرعي، فيجب تساويها فيما جاز على بعضها من القياس.\nقلنا: قد يمتنع أو يجوز في بعض أفراد النوع أمر لأجل أمر اختص بذلك البعض، ويكون المشترك بين جميع الأفراد بخلاف ذلك البعض في امتناع ذلك الأمر وجوازه.\nفرع: قال الجبائي والكرخي ومن تبعهما لا يجوز إثبات أصول العبادات بالقياس، وبنوا عليه أنَّه لا يجوز الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس (^٥).\n_________\n(^١) في (ص)، (غ): (إما الدور أو التسلسل).\n(^٢) الدية: مصدر وَدَّى القاتلُ المقتولَ، إذا أعطى وليَّه المال الذي بدل النفس ثم قيل لذلك المال الدية تسمية بالمصدر، ولذا جمعت وهي مثل عدَّة من حذف الفاء، وقيل التاء في آخرها عوض عن الواو في أولها. ينظر: المغرب: ٢/ ٣٤٧، والصحاح: ٦/ ٢٥٢١، مادة \"ودّى\"، والمصباح المنير: ٢/ ٦٥٤ \"ودى\"، وأنيس الفقهاء: ص ٢٩٣.\n(^٣) العاقلة: العصبة، وهم القرابة من قبل الأب الذين يعطون دية من قتله خطأ. ينظر الصحاح: ٥/ ١٧٧١، مادة: \"عقل\"، والمصباح المنير: ٢/ ٤٢٣ مادة \"عقل\".\n(^٤) في (ص): تعقل.\n(^٥) ينظر: السرخسي: ٢/ ١٥٧، وتيسير التحرير: ٤/ ١٠٣، وكشف الأسرار: ٣/ ٥٦٧، وجامع الأسرار: ٤/ ٩٩٠، والمغني في أصول الفقه: ص ٢٩٤، والفصول في =","vol":"6","page":2249},{"text":"والحقّ خلافه (^١).\nالبحث الثاني: أنَّه يجري في الحدود والكفَّارات والرخص والتقديرات خلافا لأبي حنيفة (^٢).\nلنا أنّ أدلة القياس دالة على جريانه في الأحكام الشرعية مطلقًا من غير فصل بين باب وباب، ويخص المسألة ما روي أنّ الصحابة اجتهدوا في حدّ شارب الخمر فقال علي: \"أراه ثمانين؛ لأنّه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى وحدّ المفتري ثمانون\"، وهذا قياس في الحدود ثم لم ينكر عليه فكان إجماعًا (^٣) (^٤).\n_________\n= الأصول للجصاص: ص ١١٣.\n(^١) من عبارات الشارح الترجيحية.\n(^٢) ينظر المصادر السابقة.\n(^٣) رواه مالك في الموطأ: ٢/ ٨٤٢، كتاب الأشربة (٤٢) باب الحد في الخمر (١) رقم (٢)، والشافعي في المسند بترتيب السندي كتاب الحدود، باب في حد الشرب (٤) رقم (٢٩٣) وإسناده منقطع لرواية الديلي له، وهو ثور بن زيد الديلي بكسر الدال مولاهم المدني روى عن أبي الغيث، والزهري، وعنه مالك، وثقه ابن معين سنة ١٣٥ هـ لكن وصله الحاكم في المستدرك من طريق الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن وبرة الكلبي، كتاب الحدود رقم (٨١٣١) ٤/ ٤١٧، وقد صححه الذهبي في التلخيص، ورواه النسائي في الكبرى كتاب الأشربة باب ما جاء في عدد حد الخمر، الحديث رقم (١٧٥٣٩) ٨/ ٥٥٥، وينظر: تلخيص الحبير: كتاب حدّ شارب الخمر (٦٧) الحديث رقم (١٧٩٥) ٤/ ١٣٩٧ - ١٣٩٨.\n(^٤) ينظر في حكاية الإجماع: معونة أولي النهى: ٨/ ٤٤٠، قال: ووجه ذلك إجماع الصحابة عليه. وينظر أيضًا: أبو داود في سننه: ٤/ ٢٦٢ رقم (٤٤٧٩)، والترمذي: ٤/ ٤٨ رقم (١٤٤٢).","vol":"6","page":2250},{"text":"إن قلت: إن أردتم أنَّ أدلة القياس تدل على جريانه في الأحكام الشرعية مطلقًا سواءً أوجدت الأركان والشرائط أو لم توجد فهو ممنوع ظاهر الفساد.\nوإن قلتم: إن دلالتها عليه إنما هي عند حصول الشرائط فمسلم، لكن لا نسلم إن كان حصولها فيما نحن فيه؛ سلمناه لكن لا يتم حصولها فيما نحن فيه؛ لأنَّ الحدود والكفارات والتقدير أمورٌ مقدّرة لا يهتدي العقل إلى تعقل المعنى الموجب لتقديرها، فلا نعقل فيها العلّة، والقياس فرع تعقل العلّة، وأمّا الرخص فهي منح من الله تعالى فلا يتعدى بها عن (^١) مواردها.\nوالجواب: أنا نريد جريان القياس فيها عند حصول الأركان والشرائط.\nقوله: لا نسلم إمكان حصولها فيما نحن فيه.\nقلنا: الدليل عليه أنّ صريح العقل حاكم (^٢) بأنّه لا امتناع في أنَّ (^٣) شرع الشارع الحدّ أو الكفارة (^٤) في صورة الأمر مناسب (^٥)، ثمّ إنّه يوجد ذلك المناسب في صورة أخرى فليس وضع الحدّ والكفارة منافيًا (^٦) لهذا المعنى حتّى يمتنع لأجله.\n_________\n(^١) في (ت): غير.\n(^٢) في (ت): حاصل.\n(^٣) (أنَّ) ليس في (ت).\n(^٤) في ص والكفارة.\n(^٥) في (ص)، و(غ): لأمر مناسب.\n(^٦) في (ت): منافيها.","vol":"6","page":2251},{"text":"قوله: سلمنا الإمكان لكن لا نسلم حصوله.\nقلنا: حينئذ ارتفع النزاع الأصولي ويكون الامتناع إنما هو لعدم حصول الشرائط والأركان، ونحن لا نجوز القياس في شيء بدون حصول شرائطه وأركانه. فأمّا ادعاؤكم بعد ذلك عدم حصوله فيها، فذلك إنما يثبت بعد البحث والاستقراء عن كلّ واحدة من مسائلها، فإن وجدت العلّة صحّ القياس فيها، وإلا فلا كغيرها من المسائل فلا فرق حينئذ بين مسائل هذا الباب وغيره من هذا الوجه، فيجب التسوية في جريان القياس.\nقوله: الرخص منحٌ من الله تعالى.\nقلنا: قال إمام الحرمين هذا هذيان، فإنَّ كلّ ما تتقلب فيه العباد من المنافع فهي منح من الله تعالى ﷿، ولا يختص هذا بالرّخص (^١) بل يعمّ الشرائع بأسرها، فكان ينبغي ألا يجري القياس في شيء من أحكامها.\nواعلم أنّ الشافعي - ﵁ - ذكر مناقضاتهم في هذا الباب، فقال: أما الحدود فقد كثرت أقيستهم فيها حتّى عدوها إلى الاستحسان، فأوجبوا الرّجم بشهود الزوايا بالاستحسان مع مخالفته للعقل، وأما الكفارات، فقاسوا الإفطار بالأكل على الإفطار بالوقاع، وقتل الصيد ناسيا على قتله عامدا (^٢).\nفإن قالوا: إنما أثبتنا بالاستدلال على موضع الحكم بحذف الفوارق (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: البرهان: ٢/ ٩٠١.\n(^٢) ينظر: مختصر المزني بهامش الأم: ٥/ ٢٥٩.\n(^٣) في (غ): بالفارق.","vol":"6","page":2252},{"text":"قلنا: فالاستدلال قياس إذ يجب فيه أن يقال حكم الأصل إما غير معلل أو معلل بالفارق أو المشترك، والأولان باطلان (^١) وهذا هو القياس (^٢)، واستخراج العلّة بالتقسيم.\nوأمّا المقدرات فهو كتقدير النصب في (^٣) الزكاة والمواقيت في الصلاة، فقد قاسوا فيها أيضًا كما في تقديراتهم في الدلو والبئر، حيث قالوا: إذا ماتت الدجاجة في البئر تنزح كذا، وفي الفأرة كذا (^٤)، وليس هذا التقدير\n_________\n(^١) في خ باطل.\n(^٢) (وهذا هو القياس) ساقط من (غ).\n(^٣) في (ص): النصب و.\n(^٤) عن عطاء قال: إذا وقع الجرذ في البئر نزح منها عشرون دلوًا فإن تفسخ فأربعون دلوًا فإذا وقعت الشاة نُزح منها أربعون دلوًا فإنْ تفسخت نزحت كلها أو مائة دلو.\nعن عبد الملك عن عطاء أيضًا في البئر تقع فيموت فيها الدجاجة وأشباهها قال: استق منها دلوًا وتوضأ منها فإن هي تفسخت استق منها أربعين دلوًا.\nعن الشيباني عن حماد في البئر تقع فيها الدجاجة والكلب والسنور فتموت قال: ينزح منها ثلاثين أو أربعين دلوًا.\nوعن زاذان وعن عليّ في الفأرة تقع في البئر قال: ينزح إلى أن يغلبهم الماء. تنظر هذه الآثار في مصنف ابن أبي شيبة: كتاب الطهارات: في الفأرة والدجاجة وأشباهها تقع في البئر.\nوعن علي في الفأرة تقع في البئر فتموت، قال: تنزح حتى تغلبهم. فهذا غير قوي، لأن أبا البحتري لم يسمع عليًّا، فهو منقطع.\nقال الزعفراني: قال أبو عبد الله الشافعي: روى ابن أبي يحيى عن جعفر بن محمد عن أبيه أن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: إذا وقعت الفأرة في البئر فماتت فيها نزح منها دلو أو دلوان، يعني فإن تفسخت ينزح منها خمسة أو سبعة. وهذا أيضًا منقطع.","vol":"6","page":2253},{"text":"عن نصّ ولا إجماع ولا أثر، فيكون عن قياس، ولو صحّ في البعض منها أثرٌ كما يزعمه القوم، فلا شك في أنّ ذلك لم يصحّ في جميع مسائلها فيكون القول بذلك في البعض الآخر قياسًا.\nوأمّا الرّخص فبالغوا في القياس فيها (^١)، بأنّ الاقتصار على الأحجار في الاستنجاء من أظهر الرّخص، ثمّ حكموا بذلك في كلّ النجاسات، وانتهوا فيها إلى إيجاب استعمال الأحجار، وقاسوا العاصي بسفره على المطيع مع أنّ القياس ينفي ترخصه إذ الرخصة إعانة والمعصية غير مناسبة لها.\nقال: (وفي العقليات عند أكثر المتكلمين)\nالبحث الثالث: في (^٢) القياس في العقليات، وقد ذهب إلى صحته أكثر المتكلمين (^٣) وأنكره طائفة (^٤)، ومنه نوع يسمَّى إلحاقَ الغائب بالشاهد وبناءَ الغائب على الشاهد وما يجري مجراهما، واتفق القائلون به على أنَّه لا بد فيه من جامع عقليّ وإلا لكان الجمع تحكمًا محضًا ثم حصروا\n_________\n(^١) (فيها) ليس في (ص).\n(^٢) (في) ليس في (ص).\n(^٣) ينظر: الشامل لإمام الحرمين: ص ٦٦٠، والإرشاد: ص ١٦ - ٩١، والمحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٤٤٩.\n(^٤) قال الغزالي: في المنخول: \"والحنبلية ردّوا قياس العقل دون الشرع\" ص ٣٢٤.\nولمزيد من التفصيل عن رأي الحنابلة ينظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨، وشرح العقيدة الطحاوية: ص ٢٢٦.","vol":"6","page":2254},{"text":"الجامع في العلّة والحقيقةِ (^١) والشرطِ والدليلِ (^٢).\nفالأوّل: كقول أصحابنا كون الشيء يصحّ أنْ يكون مرئيا في الشاهد معللا بالوجود، فكذا، في الغائب ومثل إمام الحرمين والإمام (^٣) له بقول أصحابنا: إذا كانت العالمية شاهدًا فيمن له العلمُ معلّلة بالعلم، كانت في الغائب كذلك (^٤)، وهو غير مطابق؛ لأنَّ هذا جمع بالمعلول لا بالعلّة فإنّه جمع فيه بين الشاهد والغائب بكونه عالمًا وهو معلول العلم لا علته (^٥).\nوالثاني: كقولهم حقيقة العالم في الشاهد من له العلم فكذا في الغائب (^٦).\n_________\n(^١) وعبّر عنها الإسنوي وغيره: بالحدّ بدل الحقيقة: ينظر: نهاية السول: ٣/ ٣٥.\n(^٢) قالوا: لا بد من جامع عقلي وحصروه في أربعة: (العلَّة، والحدّ، والشرط، والدليل).\n- أما الجمع بالعلَّة: كقولهم: إذا كانت العالمية شاهدًا معللة بالعلم وجب أنْ يكون كذلك غائبًا.\n- وأما الجمع بالحدّ: كقولهم: حد العلم شاهدًا من له العلم فيطرد الحد غائبًا.\n- وأما الجمع بالشرط: كقولهم: العلم مشروط بالحياة شاهدًا فكذلك غائبًا.\n- وأما الجمع بالدليل: كقولهم: التخصيص والأحكام يدلان على الإرادة والعلم شاهدًا، فكذلك غائبًا.\nينظر: شرح المنهاج، للأصفهاني: ٢/ ٦٦٤.\n(^٣) (والإمام) ليس في (غ).\n(^٤) ينظر: الشامل لإمام الحرمين: ص ٦٦٠، والمحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٤٤٩.\n(^٥) ينظر هذا المثال في المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٤٤٩، والتبصرة: ص ٤١٧.\n(^٦) ينظر هذا المثال في المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٤٤٩، والتبصرة: ص ٤١٧، والتحصيل: ٢/ ٢٣٨.","vol":"6","page":2255},{"text":"والثالث: كقول المعتزلة شرط صحة (^١) كون الشيء مرئيًا في الشاهد أنْ يكون مقابلًا أو في حكم المقابل، فكذا في الغائب، ومثل له إمام الحرمين والإمام بقولنا: العلم مشروط بالحياة شاهدًا، فكذا في الغائب (^٢)، وفيه نظر؛ لأنَّ هذا (^٣) جمع بالمشروط لا بالشرط فإنّ كونه عالما، وهو الذي وقع به الجمع مشروط لا شرط (^٤).\nوالرابع: مثل الإتقان والتخصيص يدلان على العلم والارادة في (^٥) الشاهد، فكذا في الغائب. وادعى إمام الحرمين: أنَّه باطل؛ لأنَّ الجمع بالعلّة والحقيقة أقوى من الآخرين وهما باطلان؛ لأنَّ الجمع بهما مبنيّ على القول بالحال، فإن القائل به يقول كلّ صفة قامت بمحل، فإنها توجب له حالا، والحال صفة لموجود لا توصف بوجود ولا عدم، فيجعلون الصفة القائمة بالمحل علّة للحال (^٦)، والقول بالحال باطل عند جماهير أصحابنا والمعتزلة، ووافقنا على بطلانه إمام الحرمين أخيرًا، وبسط ذلك في كتب الكلام (^٧).\n_________\n(^١) في (ص): صحته.\n(^٢) ينظر هذا المثال في المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٤٥٠، والتبصرة: ص ٤١٧، والتحصيل: ٢/ ٢٣٨، والمنخول: ص ٣٢٤، والمستصفى: ٢/ ٣٣١، وتيسير التحرير: ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦، مسلم الثبوت: ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٣.\n(^٣) (هذا) ليس في (ت).\n(^٤) ينظر: المصادر السابقة.\n(^٥) في (غ): من الشاهد.\n(^٦) ينظر: قول إمام الحرمين في: الشامل: ص ٦٦٠، والإرشاد: ص ٨٦ - ٩١.\n(^٧) ينظر: المصادر نفسها.","vol":"6","page":2256},{"text":"ثمّ المحققون على أنّ هذا القياس ظنيّ، قال الإمام: الجمع بالعلّة أقوى وهو غير مفيد للقطع؛ لأنَّ إفادته للقطع تتوقف على حصول القطع بأن علة الحكم في الأصل موجودة بتمامها في الفرع وهو صعب (^١)، فإن الموجود في الفرع مع الموجود في الأصل لا بد وأن يتغايرا بالتعين والهوية وإلا فهذا عين ذاك وذاك عين هذا، فيكون كلّ واحدٍ منهما عين الآخر، فالاثنان واحد، هذا خلف وإذا حصل التغاير بالتعين والهوية، فلعل ذلك التعينَ في أحد الجانبين جزءُ العلّة أو شرط العلّة وفي الجانب الآخر يكون مانعًا من العلية، ومع هذا الاحتمال لا يحصل القطع (^٢).\nنعم لو دلّ القاطع على أنّ ما به الامتياز لا مدخل له في اقتضاء العلّة للحكم، حصل القطع بثبوت الحكم، لكن لا يكاد يوجد ذلك في العقليات الحقيقية التي لا تختلف باختلاف تفسير اللفظ، مثل العالم شاهدًا من له العلم فكذا غائبًا لأنَّا لا نعني بالعالم إلَّا من له العلم، وهذا لا يختلف موجبه بحسب الواجب والممكن.\nقال: (واللغات عند أكثر الأدباء)\nالبحث الرابع: القياس في اللغات (^٣)، وقد أثبته القاضي أبو بكر وابن\n_________\n(^١) في (غ): وهو ضعيف.\n(^٢) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٤٥٨.\n(^٣) لمزيد من التفصيل في هذه المسألة ينظر: المعتمد: ٢/ ٧٨٩، والتبصرة: ص ٤٤٤، وشرح اللمع: ٢/ ٧٩٧، والبرهان: ١/ ١٧٢، والإحكام للآمدي: ١/ ٥٣، والمستصفى: ١/ ٣٢٢، وشفاء الغليل: ص ٦٠٠، والمنخول: ص ٧١، والمحصول: ج ١/ ق ١/ ٢٤٣، والعضد على ابن الحاجب: ١/ ١٨٣، والخصائص لابن جني: =","vol":"6","page":2257},{"text":"سريج وابن أبي هريرة، وأبو إسحاق الشيرازي والإمام وكثير من فقهائنا وأهل العربية كالمازني (^١) والفارسي (^٢) (^٣) وابن جني (^٤)، وذهب إمام الحرمين (^٥) والغزالي (^٦) ومعظم أصحابنا والحنفية إلى\n_________\n= ١/ ٣٥٧ - ٣٦٩، والصاحبي لابن فارس: ص ٥٧، والبحر المحيط: ٥/ ٢٧٥، وفواتح الرحموت: ١/ ٨٥، ونبراس العقول: ١/ ١٩٧، تخريج الفروع على الأصول للإسنوي: ص ١٨٣، والمسودة: ص ٣٩٢، والروضة: ص ١٧٢.\n(^١) هو بكر بن محمد بن عثمان وقيل: بقية، وقيل عدي بن حبيب المازني البصري النحوي، كان إمام عصره في النحو والأدب، أخذ الأدب عن أبي عبيدة والأصمعي وغيرهما. له مصنفات منها ما تلحن فيه العامة، العروض، والقوافي، والديباج. توفي سنة ٢٤٩ هـ وقيل غير ذلك. ينظر: معجم الأدباء: ٧/ ١١٠، وفيات الأعيان: ١/ ٢٨٣.\n(^٢) هو أبو علي الفارسي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار بن سليمان، ولد سنة (٢٨٨ هـ) سمع على الحسين بن معدان إمام وقته في النحو، دار البلاد وأقام بحلب عند سيف الدولة، له مصنفات منها: الإيضاح في قواعد اللغة العربية توفي سنة (٣٧٧ هـ). ينظر ترجمته: شذرات الذهب: ٣/ ٨٨، ومعجم الأدباء: ٧/ ٢٣٢.\n(^٣) ينظر الصاحبي لابن فارس: ص ٥٧.\n(^٤) وإليه ذهب معظم الشافعية والحنابلة قال القاضي وابن برهان: وهو ظاهر مذهب الشافعي وكما قال به أيضًا ابن فورك والأستاذ أبو منصور البغدادي وبه قال أبو إسحاق الشيرازي وأبو إسحاق الإسفراييني وابن أبي هريرة وابن النجار. ينظر: البرهان: ١/ ١٧٢، والمستصفى: ١/ ٣٢٢، والمحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٤٥٧، والمسودة: ص ٣٩٤، شرح الكوكب المنير: ١/ ٢٢٣، والتمهيد: ٣/ ٤٥٤ - ٤٥٥.\n(^٥) ينظر: البرهان: ١/ ١٧٢. حيث قال \"والذي نرتضيه أن ذلك باطل لعلمنا أن العرب لا تلزم طرد الاشتقاق\".\n(^٦) ينظر: المستصفى: ١/ ٣٢٢، والمنخول: ص ٧٤، قال في المستصفى: \"وهذا غير مرضي عندنا\".","vol":"6","page":2258},{"text":"امتناعه (^١)، وتبعهم الآمدي (^٢) وابن الحاجب (^٣)، واتفق الكلّ على امتناع جريان القياس في أسماء الأعلام؛ لأنها غير معقولة المعاني ولا هي دائرة بدوران وصف في محالّها، والقياس فرعهما فهي كحكم تعبدي لا يعقل معناه.\nفإن قلت: قد شاع قولهم في العرف هذا سيبويه (^٤) وهذا جالينوس (^٥)، وليس إلا بطريق القياس وإلا لم يحصل المدح بذلك.\nقلت: جاز أنْ يكون ذلك بطريق حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والتقدير حافظ كتاب سيبويه، وعلم جالينوس.\nواتفقوا على امتناعه أيضًا في أسماء الفاعلين والمفعولين وأسماء\n_________\n(^١) ينظر: أصول السرخسي: ١/ ٥٦، وفواتح الرحموت: ١/ ١٨٦، وهو قول عامة الحنفية واختاره ابن الهمام منهم.\n(^٢) ينظر: الإحكام: ١/ ٥٣.\n(^٣) ينظر: المنتهي: ص ١٨، وشرح ابن السبكي رفع الحاجب: اللوحة ٤١/ أ - ب.\n(^٤) سيبويه: هو عمر بن عثمان بن قنبر، أبو بشر، المعروف بـ (سيبويه) إمام المدرسة البصرية في النحو بلا نزاع. له (الكتاب) في النحو توفي عام (١٨٠ هـ) وعمره ٥٠ سنة. ينظر ترجمته في: بغية الوعاة: ٢/ ٢٢٩، مرآة الجنان: ١/ ٤٤٥.\n(^٥) جالينوس: طبيب يوناني كان مولده بعد زمان عيسى ﵇ بتسع وخمسن سنة، وكانت مدة حياته سبعًا وثمانين سنة، كان خاتم الأطباء الكبار المعلمين وهو الثامن منهم، صنف كتبا كشف فيها عن مكنون هذه الصناعة وأفصح عن حقائقها ومن تلك المصنفات كتاب في العضل، وآخر في العصب، وكتاب المزاج، وعلاج التشريح. ينظر ترجمته في طبقات الأطباء لابن حيان: ص ٤١ - ٤٥، وعيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة: ١٠٩ - ١٤٢.","vol":"6","page":2259},{"text":"الصفات (^١) كالعالم والقادر (^٢)؛ لأنها واجبة الاطراد نظرًا إلى تحقق معنى الاسم، فإنّ العالم من قام به العلم، فإطلاقه على كلّ من قام به العلم بالوضع لا بالقياس، إذ ليس قياس أحد المسميين المتمثلين في المسمّى على الآخر بأولى من العكس، وإنما النزاع في الأسماء الموضوعة للمعاني المخصوصة الدائرة مع الصفات الموجودة فيها وجودًا وعدمًا كالخمر؛ فإنّها اسم للمسكر المعتصر من العنب، وهذا الاسم دائرٌ مع الإسكار وجودًا وعدمًا فهل يقاس عليه النبيذ في كونه مسمى بذلك الوصف لمشاركته في وصف الإسكار؟ (^٣) وكإطلاق اسم السارق على النباش بواسطة مشاركته للسارق من الأحياء (^٤) في أخذ المال على سبيل الخفية (^٥)،\n_________\n(^١) ينظر: حاشية الجرجاني على العضد: ١/ ١٨٣، والبناني على جمع الجوامع: ١/ ٢٧٣.\n(^٢) في (غ)، (ت): والفساد.\n(^٣) اختلف العلماء في إطلاق الخمر على النبيذ. فذهب الجمهور إلى أنَّ اسم الخمر يقع على الأنبذة حقيقة لأن الاشتراك في الصفة يقتضي الاشتراك في الاسم، ولأنّ كل مسكر خمر وكل خمر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام. وذهبت طائفة من العلماء من أهل الكوفة من أصحاب أبي حنيفة إلى أنه لا يقع عليها إلا مجازًا؛ لأنّ ما أسكر من غير النخل والعنب، فإنما يحرم منه القدر الذي يسكر، أما القليل الذي لا يسكر فلا يحرم. ينظر: الهداية شرح بداية المبتدي: ٢/ ١١١، المغني: ٨/ ٣١٧، المجموع: ١٩/ ٨٩، الكافي لابن عبد البر: ص ٥٧٧.\n(^٤) في (ص): الإخفاء.\n(^٥) اختلف العلماء في قياس النباش على السارق في القطع.\nفذهب جماعة من العلماء منهم: مالك، والشافعي وأحمد والشعبي والنخعي وأبو ثور وغيرهم إلى أنه يقطع قياسًا على السارق، ولأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [سورة المائدة: من الآية ٣٨]. وفي سنن =","vol":"6","page":2260},{"text":"واسم الزاني على اللائط لمشاركته بإيلاج فرج في فرج.\nواحتج المجوزون بدوران تسمية المعتصر من العنب بالخمر مع الشدّة المطربة، فإنّه يفيد ظن عليتها له، فالعلم بوجودها في النبيذ يفيد ظنّ كونه مسمّى بالخمر، وحينئذ يلزم أنْ يثبت (^١) للنبيذ من الأحكام ما ثبت للخمر.\nوالجواب: أنّ إفادة الدوران للعلّة إنّما هو بمعنى الأمارة والعلامة لا بمعنى الداعي؛ إذ لا مناسبة بين الاسم والمسمّى، وحينئذ لا يخلو الدوران عن المزاحم؛ لأنّه كما دار مع ما ذكرتم من الوصف، فكذا مع خصوصية إسكار المعتصر من العنب، والدوران لا يفيد الظنّ مع معارضة المزاحم.\n_________\n= البيهقي: قال: كتب أيوب بن شرحبيل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن نباشي القبور، فكتب إليه عمر: لعمري بحسب سارق الأموات أن يعاقب بما يعاقب به سارق الأحياء. وقد روى ابن حبان في صحيحه عن حذيفة، عن النبي - ﷺ - قال: \"توفي رجل كان نباشًا، فقال لولده: احرقوني، ثم اسحقوني فذروني في الريح، فسئل: ما صنعت؟ قال: مخافتك يا رب، قال: فغفر له\".\nوفي مصنف عبد الرزاق قال: عن أشعث قال: سألت الحسن عن النباش، قال: يقطع، وسألت الشعبي فقال: يقطع. وفيه أيضًا عن الشَّيْبَانِيِّ عن الشَّعْبيِّ قالَ: النباشُ سارقٌ. وفيه أيضًا عن مغيرة عن حماد وأصحابه قالوا: يقطع النبَّاش لأنه قد دخل على الميت بيته. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي إلى أنه لا يجب القطع؛ لأن القبر ليس بحرز. ومنهم من فصل فقال: إن سرق من مقبرة تلي العمران قطع، وإن كان في برية لم يقطع لأن البرية ليست بحرز. ينظر: المغني: ٨/ ٢٧٢، المجموع: ١٩/ ٢٠.\n(^١) في (ت): ما يثبت.","vol":"6","page":2261},{"text":"فإن قلت: لو كان لا يفيد مع معارضته مثل هذا الواجب أن لا يفيد في الشرعيات أيضًا لعدم خلوه عنه.\nقلت (^١): القاطع دلّ على جواز القياس في الشرعيات، فعلمنا بذلك أنّ تلك الخصوصيات لا مدخل لها في إثبات تلك الأحكام، ولا قاطع في اللّغات يدلّ على جريان القياس فيها، ولئن سلمنا أنَّه يفيد ظنّ العلية فما يجعله العبد علّة لا (^٢) يفيد الحكم أينما وجد كقول القائل أعتقت غانمًا لسواده لا يطرد في عبيده السود، فلعل الواضع هو العبد.\nوقول الإمام: هنا (^٣) بيّنا أنّ اللّغات توقيفية مدخول باختياره التوقف (^٤).\nواحتجوا أيضًا: بعموم قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ (^٥).\nوأجاب صفي الدين الهندي: بأنَّه يقتضي وجوب القياس في اللغات، ولا قائل به، إنّما الاختلاف في الجواز (^٦) وفيه نظر؛ لأنَّه إذا ثبت الجواز وجاء تحريم الخمر مثلا لزم من يقول بالقياس في اللغة أنّ النبيذ داخل تحت هذا المسمّى فيجب عليه أنْ يعمّمها بالحكم الواحد الوارد على\n_________\n(^١) (مثل هذا الواجب أن لا يفيد في الشرعيات أيضًا لعدم خلوه عنه قلت:) ساقط من (غ).\n(^٢) (لا) ليس في (غ)، (ت).\n(^٣) (هنا) ليس في (غ).\n(^٤) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٤٥٩.\n(^٥) سورة الحشر من الآية ٢.\n(^٦) ينظر: نهاية الوصول: ١/ ١٨٩.","vol":"6","page":2262},{"text":"لفظ الخمر وبذلك صرح الإمام بقوله: يلزم أنْ يثبت للنبيذ من الأحكام ما يثبت للخمر (^١).\nقال: (دون الأسباب والعادات كأقلّ الحيض وأكثره)\nالبحث الخامس: القياس في الأسباب وفيه مذهبان (^٢):\nأحدهما: وهو الذي زعم الإمام أنَّه المشهور (^٣) وجزم (^٤) به صاحب\n_________\n(^١) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٤٥٨.\n(^٢) إذا أضاف الشارع حكمًا إلى سبب وعلمت فيه علّة السبب فإذا وجدت في وصف آخر هل يجوز أن ينصب سببًا هذه مسألة جريان القياس في الأسباب، ومثلوا لها بقياس اللواط على الزنا بجامع إيلاج فرج في فرج محرم شرعا مشتهى طبعًا. فيكون اللواط سببًا للحد بالقياس على الزنى. وفيها مذهبان:\nالأول: المنع، وهو مذهب الحنفية والمالكية واختاره أبو زيد الدبوسي والآمدي وابن الحاجب والبيضاوي تبعًا للإمام الذي شهّره.\nالثاني: الجواز، واختاره الغزالي وإلكيا.\nينظر تفاصيل المسألة: البحر المحيط: ٥/ ٦٦، المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٤٩٥، الإحكام للآمدي: ٤/ ٨٦، وبيان المختصر: ٣/ ١٧٣، والمستصفى: ٢/ ٣٣٢، وشرح التنقيح: ص ٤٧٤، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣١٩، ونشر البنود: ٢/ ١١١، والمعتمد: ٢/ ٧٩٤ - ٧٩٧، والآيات البينات: ٤/ ٨، والعضد على المختصر: ٢/ ٢٥٥، وشفاء الغليل: ص ٦٠٤، وأصول السرخسي: ٢/ ١٥٦، والبرهان: ٢/ ٨٩٦، والمسودة: ص ٣٩٩، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٢٢١.\n(^٣) قال الإمام في المحصول: \"المشهور أنه لا يجوز إجراء القياس في الأسباب\" ج ٢/ ق ٢/ ٤٦٥.\n(^٤) في (غ): وزعم.","vol":"6","page":2263},{"text":"الكتاب واختاره الآمدي (^١) وابن الحاجب (^٢) أنَّه لا يجري القياس فيها.\nوالثاني: وبه قال أكثر الشافعية جريانه فيها (^٣) ومثاله: قياس اللواط على الزنا في إيجاب الحدّ بجامع كونه إيلاج فرج في فرج محرمٌ شرعًا، مشتهى طبعًا، فجعل (^٤) اللواط سببًا وإن كان لا يسمى زنا (^٥).\nواحتج الأولون بأن قياس الشيء على الشيء يقتضي أنْ يكون بينهما وصف مشترك وهو العلّة فلو قسنا اللواط مثلًا على الزنا فلا بد بينهما من وصف مشترك هو علّة للموجبية والسببية وحينئذ يكون السبب ذلك المشترك، لا ذلك الزنا على سبيل الخصوصية،\n_________\n(^١) قال الآمدي في الإحكام: \"ذهب أكثر أصحاب الشافعي إلى جواز إجراء القياس في الأسباب، ومنع ذلك أبو زيد الدبوسي وأصحاب أبي حنيفة وهو المختار\" ٤/ ٨٦.\n(^٢) ينظر: بيان المختصر: ٣/ ١٧٣.\n(^٣) (والثاني: وبه قال أكثر الشافعية جريانه فيها) ساقط في (غ).\n(^٤) في (غ): فيجعل.\n(^٥) هذه من المسائل التي رجحها السبكي وخالف فيها ما رجحه البيضاوي والإمام قبله. يقول الغزالي في الوسيط: ٦/ ٤٤٠ - ٤٤١ \"فأما قولنا: إيلاج فرج في فرج فيتناول اللواط وفيه أربعة أقوال. . .\".\nومن الأمثلة أيضًا عن القياس في الأسباب:\nقياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد بجامع القتل العمد العدوان، والمحدد سبب لوجوب القصاص فالمثقل يقاس عليه ويكون سببًا لوجوب القصاص.\nوهناك القياس في الشروط أيضًا.\nمثاله: قياس الوضوء على التيمم بجامع الطهارة، والنية شرط في التيمم فتكون شرطًا في الوضوء كذلك.\nينظر: إحكام الأحكام: ٤/ ٨٧ - ٨٩، ونهاية السول: ٣/ ٣٦، وشفاء الغليل: ص ٦٠٣.","vol":"6","page":2264},{"text":"فلا يكون كل واحد من الزنا واللواط موجبًا وسببًا؛ لأنَّ الحكم باستناده (^١) إلى المشترك بينهما استحال أنْ يكون معه مستندًا إلى خصوصية كل واحد منهما.\nومن شرط القياس بقاء حكم الأصل وهو زائل؛ لأنَّ المقيس عليه حينئذ يخرج أنْ يكون مقيسا عليه فإذن جريان القياس في الأسباب يقتضي أنْ لا يكون السبب الذي هو أصلٌ سببًا.\nهذا خلف ولا ينتقض هذا بالقياس في الأحكام؛ لأنَّ الأصل فيه غير موجب للحكم فإضافة الموجب إلى القدر المشترك بينه وبين الفرع لا ينافي كونه أصلًا بخلاف السبب فإنّه موجب للحكم، فإضافة الموجب (^٢) إلى القدر المشترك لا بجامع الإضافة إلى السبب الذي هو الأصل على سبيل الخصوصية.\nفإن قلت: الجامع بين الموضعين لا يكون له تأثير في الحكم بل في علية الوصف، وأمّا الحكم فإنما يحصل من الوصف.\nقلت: ما صلح لعلية العلّة كان صالحًا لعلّة الحكم، فلا حاجة حينئذ إلى الواسطة.\nوقد أجاب النقشواني: عن هذا الاحتجاج بما تقريره (^٣): أنْ يقال العلة الحقيقة هي الحكمة والحاجة كما هو مقرر في مكانه لكنها لما كانت\n_________\n(^١) في (غ): بإسناده.\n(^٢) في (ص): الموجبة.\n(^٣) في (غ): يقرره.","vol":"6","page":2265},{"text":"غير مضبوطة وغير مقدرة في ذاتها جعل الوصف علّة بمعنى أنَّه يُعرِّف العلّة المؤثرة، فصلاحية الوصف للضبط وتعريف (^١) العلّة المؤثرة بهذا المحض هي العلَّة في جعله علّة وبهذا لا تصلح الحكمة لعلية الحكم من غير واسطة الحكم والوصف معًا (^٢).\nويظهر حينئذ قوةُ السؤال الذي أورده (^٣) وضعف الجواب، فيقال: نقيس اللواط على الزنا ونقول إنّ الزنا إنّما أوجب الحدّ للوصف المشترك بينهما، فنعدي (^٤) الموجبية من الزنا إلى اللواط، وذلك لأنَّ الزنا إنّما صار موجبًا وعلّة لكونه معرفًا للحكمة الموجبة للحدّ وهي الحاجة المناسبة إلى شرعيته واللواط يشارك الزنا في هذا المعنى، فيلزم من كون الزنا علّة معرفة كون اللواط كذلك.\nوقوله: على هذا التقدير يكون الموجب للحد إنّما هو المشترك.\n_________\n(^١) في (غ): وتعرّف.\n(^٢) وعبارة النقشواني في تلخيص المحصول لتهذيب الأصول: ٢/ ٩٤٤ \"قد سبق أنّ العلّة هي الحكمة والحاجة، لكنها لما كانت غير مضبوطة، وغير مقدرة في ذاتها، وإنما يمكن تقديرها وضبطها بالوصف، فالوصف علّة بمعنى أن يعرف العلّة المؤثرة ويدل عليها، وسبب عليتها بهذا المعنى هو كونها صالحة للضبط وتعريف العلّة المؤثرة، وهذه الصلاحية علّة لعلية الوصف، لكن لا تصلح أن تكون علّة للحكم من غير واسطة الحكمة والوصف جميعًا\".\n(^٣) في (غ): أورد.\n(^٤) في (غ): فعندي.","vol":"6","page":2266},{"text":"قلنا: ممنوع، فإنّ هذا المشترك الذي ذكرنا يصلح أنْ يكون علّة لعلية الوصف لكن لا يصلح أنْ يكون علّة للحكم على ما وضّح، ولأنا سلمنا أنّ ذلك المشترك (^١) يكون علّة للحكم، لكنْ لِمَ (^٢) لا يجوز أنْ يكون علّة لعلية الوصف أيضًا؟ فإنّها تكون علّة مؤثرة للحكم وعلَّة مؤثرة لصيرورة الوصف علّة مُعَرّفة (^٣) ويكون الحكم مستندًا إلى ذلك المشترك استناد الأثر إلى المؤثر وإلى الوصف استناد الشيء إلى المعرف له ولا يمتنع ذلك بل هو الواقع في سائر الأحكام، فإنّ الحكم مستند إلى الحاجة استناد الأثر إلى المؤثر وإلى الوصف استناد الشيء إلى المعرّف (^٤).\nواعلم أنّ الحِجَاج في هذه المسألة طويل لا يحتمله هذا الشرح، لا سيما وصاحب الكتاب أومأ إلى الاختصار حيث اقتصر فيها على مجرد الدعوى.\nوالحق عندي جريان القياس فيها إنْ قلنَا برجوع السببية (^٥) إلى الأحكام الشرعية على ما تقدم ذلك في أوائل الكتاب (^٦)، فإنّه حينئذ\n_________\n(^١) قلنا ممنوع فإن هذا المشترك الذي ذكرنا. . . . . . ولأنا سلمنا أنَّ ذلك المشترك) ساقط من (غ).\n(^٢) في (غ): لكن ما لا يجوز.\n(^٣) في (غ): مؤثرة.\n(^٤) في (غ): العرف.\n(^٥) في (ص): التشبيه.\n(^٦) ينظر ص: ١٧٥ وما بعدها.","vol":"6","page":2267},{"text":"يشملها دلائل العمل بالقياس في الأحكام ثمّ إنْ اعترف الخصوم بإمكان معرفة العلّة وتعديتها ثم توقفوا عن التعدية كانوا متحكمين بالفرق بين حكم وحكم كمن يقول: نجري القياس في حكم الضمان لا في حكم القصاص وفي البيع لا في النكاح، وإن ادعوا الإحالة فمن أين عرفوا ذلك؟ (^١)\nفإن قلت: الإمكان مسلم في العقل لكنه غير واقع؛ لأنَّه لا يتيقن للأسباب علّة مستقيمة تتعدى (^٢).\nقلت: الآن قد ارتفع النزاع الأصولي إذ لا ذاهب إلى تجويز القياس حيث لا تعقل العلّة أو لا تتعدى وهم قد ساعدونا على تجويز القياس (^٣) حيث أمكن معرفة العلّة وتعديتها فارتفع الخلاف وهذا ذكره الغزالي فذكرناه هنا (^٤)، وأمّا إن لم نقل برجوع السببية إلى الأحكام فعندي توقف.\nالبحث السادس: القياس في الأمور العادية والخِلْقِية كأقلّ الحيض وأكثره وكذا الحمل والنفاس (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى: ٢/ ٣٣٢.\n(^٢) المصدر نفسه.\n(^٣) حيث لا تعقل العلّة أو لا تتعدى وهم قد ساعدونا على تجويز القياس) ساقط من (ت).\n(^٤) ينظر: المستصفى: ٢/ ٣٣٣.\n(^٥) وهذه الأمور لا يجري فيها القياس كما نصَّ على ذلك، لأنها لا تدرك عللها وتختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والأمزجة، فلا يقاس أقل الحيض على أقل النفاس، وإنما يرجع فيها إلى النص أو الاستقراء أو العرف، والعادة.","vol":"6","page":2268},{"text":"فقال المصنف لا يجري فيه القياس، ونقله الإمام عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، والذي قاله الشيخ في شرح اللمع إنّما طريقة العادة إن كانت عليه أمارة جاز إثباته بالقياس (^١).\nقال: وذلك كالشَّعْرِ هل يحلّ فيه الروح؟ والحامل هل تحيض؟ فإنّا نستدل في مسألة الشّعر والعظمِ بالنّماء والاتصال، ونقيس على سائر الأعضاء. والخصم يقيس على أغصان الشجرة من حيث إنّه لا يحسّ ولا يألم، وفي مسألة الحامل بأن الحمل لو منع دم الحيض لمنع دم الاستحاضة، ألا ترى أنّ الصِّغَر لما منع أحدهما منع الآخر فكذا الكبر، والخصم يقول: لو كان دم الحيض، لانقضت به العدّة، وحرم الطلاق، وإنْ لم يكن عليه أمارة كأقلّ الحيض وأكثره فلا يجوز إثباته بالقياس كما نقله الإمام؛ لأنَّ أشباهها غير معلومة لا قطعًا ولا ظاهرًا فوجب الرجوع فيها إلى قول الصادق. قال الشيخ أبو إسحاق: ومن استدل في هذا بالقياس عالمًا به فقد كذب على دين الله وفسق بذلك (^٢).\n_________\n(^١) ينظر: شرح اللمع: ٢/ ٧٩٧.\n(^٢) ينظر: المصدر السابق: ٢/ ٧٩٧ - ٧٩٨. وبهذا تم الكلام عن الباب الأول والذي جعله المصنف لحجية القياس، وسيشرع بعده في الباب الثاني والذي خصصه لأركان القياس.","vol":"6","page":2269},{"text":"الباب الثاني: أركان القياس","vol":"6","page":2271},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-526>(الباب الثاني: في أركانه</span>.\nإذا ثبت الحكم في صورة لمشترك بينها (^١) وبين غيرها تسمى الأولى أصلًا والثانية فرعًا والمشترك علّةً وجامعًا.\nوجعل المتكلمون دليل الحكم في الأصل أصلًا.\nوالإمام: الحكم في الأولى (^٢) أصلًا والعلّة فرعًا وفي الثانية بالعكس وبيان ذلك في فصلين)\nأركان (^٣) القياس أربعة: الأصل، والفرع، والجامع بينهما، وحكم الأصل، وأما حكم الفرع فهو حكم الأصل بالحقيقة، وإن كان غيره باعتبار المحل، لذلك لم تكن الأركان خمسة.\nوقول الآمدي: حكم الفرع، ثمرة القياس وليس ركنًا منه؛ لأنَّ الحكم في الفرع متوقف على صحة القياس، فلو كان ركنًا منه لتوقف على نفسه (^٤)، مدخول؛ فإنَّ المتوقف على صحة القياس هو العلم بثبوت الحكم في الفرع الذي هو ثمرة القياس، لا نفس حكم الفرع،\n_________\n(^١) في (غ)، (ت): بينهما.\n(^٢) في (ص): الأول.\n(^٣) ركن الشيء في اللغة: جانبه الأقوى، وفي الاصطلاح: ما لا وجود لذلك الشيء إلا به. وأركان الشيء أجزاؤه في الوجود التي لا يحصل إلا بحصولها داخلة في حقيقته محققة لهويته.\nينظر: الكليات: ص ٤٨٠، والعضد على المختصر: ٢/ ٢٠٨.\n(^٤) ينظر: الأحكام: ٣/ ٢٧٧.","vol":"6","page":2273},{"text":"ثمّ إنّ المصنف اكتفى بتعريف الحكم في أوّل الكتاب عن إعادته هنا.\nوقد اختلف اصطلاح الأئمة في الأركان الثلاثة فذهب الفقهاء والنظّار إلى ما صدّر المصنف كلامه فقالوا: إذا ثبت الحكم في صورة كالذُرة مثلًا لأمر مشترك بينها وبين البُرِّ وهو الطُعم، سميت الأولى وهي البر أصلًا، والثانية وهي الذُّرَة فرعًا والمشترك وهو الطُعْم علّةً وجامعًا. وزعم الآمدي أنّ هذه المقالة هي الأشبه (^١).\nقال المتكلمون: الأصل هو دليل الحكم أي النّص الدّال (^٢) على ثبوت أنّ (^٣) البرَّ ربوي مثلًا، وضعف الإمام هاتين المقالتين (^٤).\nأما الأولى؛ فلأنّ أصل الشيء ما تفرع عليه غيره، والحكم المطلوب إثباته في الذُّرَة لا يتفرع على البر؛ لأنَّ البر لو لم يوجد فيه ذلك الحكم، وهو تحريم الربا لم يمكن تفريع حرمة الربا في الذُّرة عليه، ولو وجد ذلك الحكم في صورة أخرى ولم يوجد في البر، أمكن تفريع الذرة عليه، فإذن الحكم المطلوب إثباته غير متفرع (^٥) على البر بل على الحكم الحاصل فيه،\n_________\n(^١) قال الآمدي: \"والأشبه أن يكون الأصل هو المحل على ما قاله الفقهاء. . .\" ٣/ ٢٧٥.\n(^٢) (والأشبه قال المتكلمون: الأصل هو دليل الحكم أي النّص الدّال) ساقط من (ت).\n(^٣) (أن) ليس في (غ).\n(^٤) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢٤ - ٢٥ قال الإمام: \"أما قول الفقهاء فضعيف. . . . . وأما قول المتكلمين فضعيف أيضًا. . .\".\n(^٥) في (غ)، (ت): مفرع.","vol":"6","page":2274},{"text":"فلا يكون البُّر أصلًا للحكم المطلوب.\nوأما الثانية: فمن هذا الوجه؛ لأنَّا لو قدرنا كوننا عالمين حرمة الربا في البر بالضرورة أو بالدليل العقلي، لأمكن تفريع الذُّرة عليه، ولو قدرنا أنّ النّص لم يدل على حرمة الربا في صورة خاصة، لم يكن تفريع الذُّرة عليه تفريعًا قياسيًا، وإن أمكن تفريعًا نصيًّا.\nثمّ ذهب الإمام إلى رأي ثالث فقال: الحكم أصلٌ في محل الوفاق، فرعٌ في محل الخلاف، والعلّة فرعٌ في محل الوفاق أصلٌ في محل الخلاف (^١)، فتحريم الربا في البر أصل وعلّته (^٢)، وهي الطُعم فيه فرعٌ، وفي الصورة الثانية وهي الذُّرةُ بالعكس، فصار القياس عنده مشتملًا على أصلين وفرعين باعتبار الصورتين المحل المقيس والمقاس عليه.\nقال الإمام: ولقول المتكلمين وجه؛ لأنَّ الحكم الحاصل في محل الوفاق أصل كما وضح، والنّص أصل لذلك الحكم، فكان أصلًا للأصل، فحسُنت لذلك تسميته بالأصل (^٣).\nولك أنْ تقول: الكلام فيما هو أصل بالذات من غير وساطة (^٤) شيء لا فيما هو أصل بالعرض، ولقول الفقهاء وجه؛ لأنَّ النّص والحكم\n_________\n(^١) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢٥.\n(^٢) في (غ): وعليه.\n(^٣) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢٦ - ٢٧.\n(^٤) في (ت): واسطة.","vol":"6","page":2275},{"text":"يتوقف (^١) على حصول المحل ضرورة، وحصول المحل لا يتوقف عليهما.\nقال النقشواني: وقول الإمام في الردّ عليهم البر لو لم يوجد فيه ذلك الحكم لم يمكن (^٢) تفريع الذرة عليه: ممنوع؛ لأنَّ المجتهد إذا تأمل حال البر والذّرة قبل ورود النّص بتحريم الربا في شيء منهما ووجدهما مشتركين في الطعم، وأنّهما مما يتوقف البقاء عليهما، وأنّ بيع بعضه ببعض متفاضلًا فيه مفسدة، فتلك المفسدة إن كانت موجبة (^٣) لربا الفضل وجب حرمة ربا الفضل فيهما، وإلا فلا؛ لعدم الفرق بينهما في هذا المعنى فقياسه قبل العلم بالنّص، وثبوت الحكم في أحدهما (^٤).\n_________\n(^١) في (ت): متوقف.\n(^٢) في (غ)، (ت): لم يكن.\n(^٣) في (غ): موجبًا.\n(^٤) وعبارة النقشواني في تلخيص المحصول لتهذيب الأصول تحقيق صالح الغنام: ٢/ ٧٧٣ - ٧٧٤ \"قوله [أي الإمام]: البر لو لم يوجد فيه ذلك الحكم وهو حرمة الربا لم يمكن تفريع حرمة الربا في الذرة عليه. قلنا: هذا ممنوع؛ لأنّ الفقيه إذا تأمل حال البر والذرة قبل ورود النص بتحريم الربا في شيء منهما، ووجدهما مشتركين في كونهما مطعومين، وأنهما مما يتوقف البقاء عليهما، وأن بيع بعضه ببعض متفاضلًا لا يخلو عن مفسدة، فتلك المفسدة إذا كانت موجبة لربا الفضل يجب حرمة ربا الفضل فيهما، وإن لم تكن محرمة فلا يحرم فيهما، إذ لا فرق بينهما في أحدهما، وكل واحد منهما كان أصلًا من وجه وفرعًا من وجه، بحسب تقديره للحكمين ونفيه، في أنهما قدر يقبل وجدان النص كل واحد من الصورتين صالح لأن يكون أصلًا، وبعد =","vol":"6","page":2276},{"text":"وقيل: وجد أن النّص كلّ واحدة من الصورتين صالحة لأنْ تكون أصلًا وبعده تسمى المنصوصة أصلًا؛ لأنَّ علمه بشمول هذا الحكم المعين إنما نشأ من حكم هذه الصورة بعينها فسميت أصلا بهذا الاعتبار.\nقوله: لو وجد ذلك الحكم في صورة أخرى ولم يوجد في البر أمكن تفريع الذرة عليه ممنوع؛ لأنّه لو ورد الشرع بربوية الحديد لم يفرع الذّرة عليه لبعد الاشتراك في مناط الحكم.\nقلت: والمنع الأول حسن وأما الثاني ففيه نظر؛ لأنَّ الصورة الأخرى التي فرض الإمام وجود الحكم فيها لا بد وأن تشارك الذرة في العلّة فإن فرضنا أنّ العلّة وصف يشمل الحديد والذّرة فلا نسلم بعد الاشتراك في مناط الحكم.\nواعلم أنّ هذه أمور اصطلاحية لا طائل تحت المنازعة فيها (^١).\nوالذي نقوله: أنّ هناك أربعة أشياء: أحدهما: البر، والثاني: النّص الوارد بتحريم الربا فيه، والثالث: الحكم المستفاد من ذلك\n_________\n= وجدان النص تسمى الصورة المنصوصة أَصْلًا؛ لأنّ علمه بشمول الحكم المعين إنما نشأ من حكم هذه الصورة بعينها، فسميت أصلًا بهذا الاعتبار. وأيضًا قوله: لو وجد ذلك لحكم في صورة أخرى، ولم يوجد في البر. أمكن تفريع حرمة الربا في الذرة عليه. ممنوع؛ لأن الشرع لو ورد بحرمة الربا في الحديد لا يمكن تفريع حرمة الذرة عليه لبعد الاشتراك في الخطاب القديم، فلا يرد ما ذكره من الاعتراض\".\n(^١) لكنه لا يخلو من فوائد جدلية.","vol":"6","page":2277},{"text":"النّص، والرابع: العلم به. والحكم في الذُّرة ليس متفرعًا عن البر من حيث هو بُرٌّ، وهذا (^١) واضح ولا عن الحكم من حيث هو حكمٌ؛ لأنَّ تحريم الربا من حيث هو هو (^٢) شيء واحد، لا يختلف بالمحل، وإنّما إذا أخذ مضافًا إلى محله فيمكن أنْ يقال: إنّ الحكم في الذّرة متفرعٌ عن الحكم في البّر (^٣)، ويمكن أنْ يقال إنّ الذّرة (^٤) مع ثبوت الحكم فيها يتفرع عن البر مع ثبوت الحكم فيه.\nفالفقهاء نظروا إلى هذا، والإمام نظر إلى الأوّل، وهما متقاربان، ونظر الفقهاء أقرب إلى الاصطلاح وأوفق لمجاري (^٥) الاستعمال بين (^٦) الجدليين (^٧)، ولقولنا القياس حمل معلوم على معلوم (^٨) والمحمول المحل لا\n_________\n(^١) في (ص): وهذا هو.\n(^٢) (هو) ليس في (ت).\n(^٣) وفي (غ): عبارته هكذا (هو شيء واحد واضح ولا عن الحكم من حيث هو حكمٌ؛ لأنَّ تحريم الربا من حيث هو يقال إن الحكم في الذّرة متفرعٌ عن الحكم في البّر).\n(^٤) (متفرعٌ عن الحكم في البر. . . . أن يقال إن الذرة) ساقط من (ت).\n(^٥) في (غ): ووافق بمجاري.\n(^٦) في (غ): بمعنى.\n(^٧) الجدليون: هم من يمارسون علم الجدل، والجدل: هو عبارة عن دفع المرء خصمه عن فساد قوله بحجة أو شبهة، وهو لا يكون إلا بمنازعة غيره. ينظر: الكليات: ص ٣٥٣.\n(^٨) هذا تعريف القياس على طريقة القاضي أبي بكر الباقلاني وارتضاه المحققون كالآمدي وإمام الحرمين والإمام الرازي ومن وافقه كالبيضاوي قال الآمدي: \"حمل معلوم على معلوم آخر في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما\" ينظر: الإحكام: ٣/ ٢٦٦، والبرهان: ٢/ ٧٤٥، والمحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٩، وشرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٦٣٤.","vol":"6","page":2278},{"text":"الحكم، ولقول من قال القياس (^١): ردُّ فرع إلى أصل لعلّة جامعة (^٢)، والفرع والأصل هما المعلومان المذكوران في الحدّ.\nولو قال قائل: إنّ المتفرع هو العلم بالحكم في الذّرة على العلم بالحكم في البر لكان أولى من قول الإمام (^٣) وليس مخالفًا لقول الفقهاء.\nوبيان الأولوية: أنّ الحكم قديم (^٤) في الأصل، والفرع والنّص الوارد دال عليه، والعلم به هو الذي اقتضى تعديته من محل ورود النّص إلى الفرع وينبغي أنْ يحقق أنَّه هل يتعقل (^٥) تفرع حكم الذّرة على حكم البر، وهما قديمان أو لا يعقل بل هما سواء؟ والتفرع في علمنا، والأدّلة الدّالة على ذلك هذا موضع نظر يحتاج إلى زيادة فكر.\nثمّ (^٦) قال الإمام: وبعد التنبيه على هذه الاصطلاحات نساعد الفقهاء على مصطلحهم لئلا يفتقر إلى تغييره (^٧)، ثمّ إنّ المصنف لما بين الأركان الثلاثة على سبيل الإجمال تصدّى لتبيينها مفصلة فعقد لذلك فصلين.\n_________\n(^١) (حمل معلوم على معلوم والمحمول المحل لا الحكم، ولقول من قال القياس) ساقط من (غ).\n(^٢) هذا تعريف أبي بكر الرازي الجصاص من الحنفية قال: \"لا يكون القياس إلا بردّ فرع إلى أصل لمعنى يجمعهما\". ينظر: الفصول في الأصول (أبواب الاجتهاد والقياس): ص ١١٠.\n(^٣) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٩.\n(^٤) (قديم) ليس في (ت).\n(^٥) في (ت): ينعقد.\n(^٦) (ثم) ليس في (غ).\n(^٧) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢٨. وعبارته \"واعلم: أنا بعد التنبيه على هذه الدقائق، نساعد الفقهاء على مصطلحهم وهو أنّ الأصل محل الوفاق والفرع محل الخلاف، لئلا نفتقر إلى تغيير مصطلحهم\".","vol":"6","page":2279},{"text":"الفصل الأول: العلَّة","vol":"6","page":2281},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-527>(الفصل الأول: في العلّة</span>. وهي المعرّف للحكم.\nقيل: المستنبطة، عرفت به فيدور.\nقلنا: تعريفه في الأصل، وتعريفها في الفرع فلا دور).\n\nإنما أفرد بيان العلّة (^١) بفصل مقدّم على بيان الأصل والفرع ومتعلقاتهما (^٢)، لكثرة تشعب الآراء عندها وعِظَم موقعها، ولتشتت (^٣) المباحث فيها، قد<span data-type=\"title\" id=toc-528> اختلفت مقالات الناس في تفسيرها على مذاهب </span>(^٤):\n_________\n(^١) العلّة في اللغة: تأتي بفتح العين وكسرها. أما بالفتح: فإنها تأتي بمعنى الضرة، وبنو العلات، بنو رجل واحد من أمهات شتى، وإنما سميت الزوجة الثانية علّة، لأنها تعل بعد صاحبتها من العلل الذي يعني به الشربة الثانية عند سقي الإبل، والأولى منهما تسمى النهل. أما بالكسر: فإنها تأتي بمعنى المرض، يقال اعتل العليل علة صعبة، من علّ يعلّ واعتل، أي مرض فهو عليل وأعله الله. كما تأتي بمعنى السبب، تقول هذا علّة لهذا أي سبب، ولعل هذا الأخير هو المناسب للمعنى الاصطلاحي. ينظر اللسان: ٤/ ٣٠٨٢، مادة علل، والصحاح ٥/ ١٧٧٣ مادة علل.\n(^٢) هذا الفصل معقود للركن الثالث وهو العلة وقد جعله في مقدمة وثلاثة أطراف.\nفالمقدمة: في بيان حقيقة العلّة، وبيان المذاهب فيها.\nوأما الطرف الأول: قي الطرق الدالة على العلية، (وهي مسالكها).\nوالطرف الثاني: في الطرق الدالة على إبطالها (وهي قوادحها).\nوالطرف الثالث: في شروط العلّة وأقسامها.\nوكان الأولى أن يتكلم عن شروطها قبل أن يتكلم عن مسالكها وقوادحها. فالحكم عن الشيء فرع عن تصوره.\n(^٣) في (ت): لسبب.\n(^٤) تعريف العلّة اصطلاحًا اختلفوا في تعريفها تبعا لتفسرها وسأوجزها باختصار:\nالفريق الأول قالوا: إنّه يراد بها المعرف للحكم. وممن اختاره البيضاوي وكثير من =","vol":"6","page":2283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-529>الأول: وبه جزم المصنف واختاره الإمام (^١) وأكثر الأشاعرة أنّها المعرِّف للحكم</span>، وقد يقال: العلامة، والأمارة.\nواعترض على هذا: بأن المستنبطة لم تعرف إلا من الحكم (^٢)؛ لأنَّ معرفة كونها علّة للحكم تتوقف (^٣) على معرفة الحكم\n_________\n= الحنفية وبعض الحنابلة.\nالفريق الثاني: قالو: العلّة هي الوصف المؤثر في الأحكام بجعل الشارع لا لذاته. واختاره الإمام الغزالي.\nالفريق الثالث: قالوا: العلّة هي الوصف المؤثر بذاته في الحكم. أو الموجب للحكم، وهو رأي المعتزلة.\nالفريق الرابع: العلّة الصفة الموجبة للحكم على سبيل العادة. وهو اختيار الرازي ذكره الزركشي في البحر.\nالفريق الخامس: قالوا: العلّة هي الباعث على التشريع، وهو ما ذهب إليه الآمدي وابن الحاجب.\nالفريق السادس: قالوا: هي الصفة التي يتعلق الحكم الشرعي بها وهو منقول عن مالك وفقهاء المذاهب.\nالفريق السابع: هي اسم لكل صفة توجب أمرًا ما إيجابا ضروريا. وهو قول ابن حزم. ينظر هذه الأقوال: شرح الإسنوي والبدخشي: ٣/ ٣٧، روضة الناظر: ص ١٦٩، وشفاء الغليل: ص ٢٠ - ٢١، المستصفى: ٢/ ٣٣٦، والمعتمد: ٢/ ٤٤٧، والبحر المحيط: ٣/ ١٦٥، والمحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٧٩ - ١٩٠، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣٤٤، وشرح مختصر المنتهى: ٢/ ٢١٣، الحدود للباجي: ص ٧٢، والإحكام للآمدي: ٨/ ١١١٠ - ١١٢٨.\n(^١) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٧٩.\n(^٢) (وقد يقال: العلامة، والأمارة. . . بأن المستنبطة لم تعرف إلا من الحكم) ساقط من (ت).\n(^٣) في (ت): متوقف.","vol":"6","page":2284},{"text":"ضرورة فلو عرف الحكم بها لتوقف العلم بالحكم عليها وهو دور، وإنّما قيدنا السؤال بالمستنبطة؛ لعدم توقف معرفة العلّة المنصوصة على معرفة الحكم؛ لكونها معروفة من النّص.\nوأجاب: بأن تعريف الحكم للعلّة بالنسبة إلى الأصل؛ وتعريف العلّة للحكم بالنسبة إلى الفرع (^١) فلا دور؛ لاختلاف المحل، وقضية هذا القول أنْ تكون العلّة عبارةً عن معرفة حكم الفرع فقط، ولا مدخل لها في تعريف حكم الأصل؛ لكونه حينئذ معلومًا بالنّص أو دليلٍ آخر وبهذا اعترض عليه صفي الدين الهندي. وقال: يخدشه ما هو المشهور من قول أصحابنا من أنْ حكم الأصل معلل بالعلّة المشتركة بينها وبين الفرع مع كونه على هذا القول غير معرّف بها (^٢).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-530>المذهب الثاني: أنها الموجب لا لذاته بل بجعل الشارع إياه </span>موجبا للأحكام وهو رأي الغزالي (^٣). وقال صفي الدين الهندي: هو قريب لا بأس به (^٤).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-531>الثالث: وهو قول المعتزلة أنّها المؤثر في الحكم بذاته</span>، وهو باطل؛ لأنه مبني على التحسين والتقبيح؛ ولأنّ الحكم قديم والوصف حادث فيستحيل تعليله (^٥).\n_________\n(^١) في (غ): الفور.\n(^٢) ينظر النهاية: ٨/ ٣٢٥٨.\n(^٣) ينظر: شفاء الغليل: ص ٢١، والمستصفى: ٢/ ٣٣٦.\n(^٤) ينظر: النهاية: ٨/ ٣٢٥٨.\n(^٥) ينظر: المغني لعبد الجبار (الشرعيات): ١٧/ ٣٣٠ - ٣٣١، المعتمد: ٢/ ٤٤٧.","vol":"6","page":2285},{"text":"و<span data-type=\"title\" id=toc-532>الرابع: واختاره الآمدي (^١) وابن الحاجب (^٢) أنّها الباعث</span>، أي مشتملة على حكمة صالحة أنْ تكون مقصودة للشارع من شرع الحكم، وهو ضعيف؛ لاستحالته في حق الله تعالى؛ لأنَّ من فعل فعلًا لغرض فلا بد وأن يكون حصول ذلك الغرض بالنسبة إليه أولى من لا حصوله، وإلا لم يكن غرضًا، وإذا كان حصول الغرض أولى وكان حصول تلك الأولوية متوقفًا على فعل ذلك الفعل كان حصول تلك الأولوية (^٣) لله تعالى متوقفة على الغير، فتكون ممكنة غير واجبة لذاته، ضرورة توقفها على الغير فيكون كماله تعالى ممكنًا غير واجب لذاته وهو باطل (^٤).\nلا يقال: حصول ذلك الغرض ولا حصوله، وإن كان مستويا بالنسبة إليه فمتفاوت بالنسبة إلى غيره؛ لأنَّ حصوله لهم أولى فيفعله تعالى لا لغرضه بل لغرضهم، وحينئذ لا يلزم منه استكمال (^٥) ذاته تعالى بصفة ممكنة؛ لأنّا نقول: فعله لذلك الفعل لتحصيل غرضهم إن كان أولى له من لا فعله جاء حديث الاستكمال وإن لم يكن فتحصيل الغرض إن كان لتحصيل غرض آخر لهم كان الكلام فيه كالأوّل\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام: ٣/ ٣٤٤.\n(^٢) ينظر: شرح العضد لمختصر المنتهى: ٢/ ٢١٣.\n(^٣) (متوقفًا على فعل ذلك الفعل كان حصول تلك الأولوية) ساقط من (غ) لسبق نظر.\n(^٤) ينظر: الآيات البينات: ٤/ ٤٩. وانظر رفع الحاجب شرح السبكي على ابن الحاجب: اللوحة ١٣٧ أ، ب.\n(^٥) في (غ): استعمال ذاته.","vol":"6","page":2286},{"text":"وتسلسل، وإن لم يكن لغرض آخر لهم (^١) مع أنَّه ليس فيه أولويّة استحال أنْ يكون غرضًا (^٢).\nوقد نجز من القول في هذه المسألة ما لا يحتمل هذا الشرح أطول منه، وبقي سؤال يورده الشيوخ، وهو أنّ المشتهر عن المتكلمين أن أحكام الله تعالى لا تعلل، واشتهر عن الفقهاء التعليل، وأنّ العلّة بمعنى الباعث، وتوهم كثير منهم منها (^٣) أنَّها باعثة للشارع على الحكم كما هو مذهبٌ قد بينا بطلانه، فيتناقض كلام الفقهاء وكلام المتكلمين.\nوما زال الشيخ الإمام (^٤) الوالد والدي أطال الله عمره (^٥) يستشكل الجمع بين كلاميهما إلى أن جاء ببديع من القول فقال: في مختصر لطيف كتبه على هذا السؤال وسماه (ورد العلل في فهم العلل) ولا تناقض بين الكلامين؛ لأنَّ المراد أنّ العلّة باعثة على فعل المكلف مثاله: حفظ النفوس فإنّه علّة باعثة على القصاص الذي هو فعل المكلف المحكوم به من جهة الشرع فحكم الشرع لا علّة له ولا باعث عليه؛ لأنّه قادرٌ أنْ يحفظ النفوس بدون ذلك، وإنما تعلق أمره بحفظ النفوس وهو مقصود في\n_________\n(^١) (كان الكلام فيه كالأوّل وتسلسل، وإن لم يكن لغرض آخر لهم) ساقط في (غ).\n(^٢) ينظر: رفع الحاجب شرح السبكي على ابن الحاجب: اللوحة ١٣٧ أ، ب.\n(^٣) (منها) ليس في (غ).\n(^٤) (الإمام) ليس في (غ).\n(^٥) في (غ): بقاءه. وفي (ص): ﵀ وأطال عمره. وهو خطأ، إذ كيف يترحم على الحي. وإن كان ذلك جائزا لكن لم تجر به العادة والأعراف.","vol":"6","page":2287},{"text":"نفسه، وبالقصاص لكونه وسيلة إليه فكلا المقصد والوسيلة مقصود (^١) للشرع، وأجرى الله تعالى العادة أنّ القصاص سبب للفظ فإذا فعل المكلَف من السلطان والقاضي وولي الدم القصاص وانقادَ إليه القاتل امتثالًا لأمر الله به ووسيلةً إلى حفظ النفوس كان لهم أجران أجرٌ على القصاص وأجرٌ على حفظ النفوس، وكلاهما مأمورٌ به من جهة الله تعالى.\nأحدهما: بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (^٢).\nوالثاني: إما بالاستنباط وإما بالإيماء في قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (^٣) وهكذا يستعمل ذلك في جميع الشريعة ومن هنا يتبين أن كل حكم معقول المعنى فللشارع فيه مقصودان: أحدهما: ذلك المعنى، والثاني: الفعل الذي هو طريق إليه، وأمر المكلف أنّ يفعل ذلك الفعل قاصدا به ذلك المعنى، فالمعنى باعث له لا للشارع، ومن هنا يعلم أنّ الحكم المعقول المعنى أكثر أجرًا من الحكم التعبدي.\nنعم التّعبدي فيه معنى آخر، وهو أنّ النّفس لاحظ لها فيه، فقد يكون أجر (^٤) الواحد يعدل الأجرين اللذين في الحكم غير التعبدي، ويعرف أيضًا أن العلّة القاصرة سواءً كانت منصوصة أم مستنبطة فيها فائدة، وقد ذكر النّاس لها فوائدَ وما ذكرناه فائدةٌ زائدةٌ، وهي قصد\n_________\n(^١) (في نفسه، وبالقصاص لكونه وسيلة إليه فكلا المقصد والوسيلة مقصود) ساقط من (غ).\n(^٢) سورة البقرة: من الآية ١٧٨.\n(^٣) سورة البقرة من الآية ١٧٩.\n(^٤) في (غ): أجره.","vol":"6","page":2288},{"text":"المكلف فعله لأجلها فيزداد أجره فانظر هذه الفائدة الجليلة واستعمل في كلّ مسألة ترِد عليك هذا الطريق وميّز بين المراتب الثلاث، وهي حكم الله بالقصاص، ونفس القصاص، وحفظ النفوس وهو باعث على الثاني لا على الأول، وكذا حفظ المال بالقطع في السرقة وحفظ العقل باجتناب المسكر فشدّ يديك بهذا الجواب.","vol":"6","page":2289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-533>الطرف الأول: مسالك العلة</span>","vol":"6","page":2291},{"text":"قال: (والنظر في أطراف: الأول في الطرق الدالة على العلية.<span data-type=\"title\" id=toc-534> الأول: النص القاطع كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾</span>، وقوله - ﷺ -: \"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر\"، وقوله: \"إنما نهيتكم عن لحم الأضاحي لأجل الدّافة\").\nالمراد بالنّص (^١) (^٢) كما قال الإمام وغيره: ما كانت دلالته ظاهرةً\n_________\n(^١) النّص: لغةً نص الحديث إليه رفعه وناقته استخرج أقصى ما عندها من السير والشيء حركه ومنه فلان ينص أنفه غضبا وهو نصاص الأنف والمتاع جعل بعضه فوق بعض وفلانا انتقص مسألته عن الشيء والعروس أقعدها على المنصة بالكسر وهي ما ترفع عليه فانتصت والشيء أظهره والشواء ينص نصيصا صوت على النار والقدر غلت والمنصة بالفتح الحجلة من نص المتاع والنص الإسناد إلى الرئيس الأكبر والتوقيف والتعيين على شيء ما.\nينظر: القاموس المحيط: ص ٧١٦ مادة \"نصّ\".\n(^٢) يقال الطرق الدالة على العليّة، وعبّر عنها آخرون بمسالك العلّة، وغيرها، وقد اقتصر صاحب المنهاج على تسعة وهي: النص، والإيماء، والإجماع، والمناسبة، والسبر والتقسيم، والدوران، والطرد، وتنقيح المناط. وبين مواطن النزاع والوفاق.\nوقد دأب بعض الأصوليين على تقديم الإجماع قبل النص وتقديمه على النص ليس تقديما على الكتاب والسنة بل لأن الإجماع لا يتطرق إليه النسخ والتأويل، بخلاف الظواهر من النصوص، وبعضهم قدم النص على الإجماع كما فعل المصنف لشرفه عليه، وقد فعل السبكي في جمع الجوامع بالراي الأول فقدم الإجماع على النص تبعا لابن الحاجب لتقدمه عليه عند التعارض على الصحيح.\nينظر على سبيل المثال: التمهيد لأبي الخطاب: ٤/ ٢١، والبحر المحيط: ٥/ ١٨٥، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ١١٥، حاشية البناني علة جمع الجوامع: ٢/ ٢٦٢. وقد =","vol":"6","page":2293},{"text":"سواء كانت قاطعة أم محتملة (^١)، وتقسيم المصنف النّص إلى قاطع وظاهر يخالف ما تقدم منه في تقسيم الألفاظ من جعل الظاهر قسيمًا (^٢) للنّص لا قسما (^٣) منه (^٤) (^٥).\n_________\n= قال صاحب البحر: ٥/ ١٨٥ \"واعلم أنّ كون الإجماع من طرق العلّة حكاه القاضي في مختصر التقريب عن معظم الأصوليين\".\n(^١) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٩٣، والبرهان:\n(^٢) القسيم: قسيم الشيء هو ما يكون مقابلًا للشيء ومندرجًا معه تحت شيء آخر، كالاسم فإنه مقابل للفعل ومندرج تحت شيء آخر وهي الكلمة التي هي أعمّ منهما. التعريفات: ص ٢٢٤.\n(^٣) القسم: قسم الشيء: ما يكون مندرجًا تحته وأخص منه كالاسم فإنه أخص من الكلمة ومندرج تحتها. التعريفات: ص ٢٢٤.\n(^٤) وقد نبه الشارح على ذلك عند الكلام عن النص والظاهر في مباحث الألفاظ، فقال: \"وقد جمع الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد - ﵁ - في شرح العنوان الاصطلاحات في النص فقال هي ثلاث: أحدها: ألا يحتمل اللفظ إلا معنى واحدًا، الثاني: اصطلاح الفقهاء وهو اللفظ الذي دلالته قوية الظهور، قلت: وهو الذي مشى عليه الإمام والمصنف في كتاب القياس، كما سينتهي الشرح إليه إن شاء الله تعالى، والثالث: اصطلاح الجدليين فإن كثيرًا من متأخريهم يريدون بالنص مجرد لفظ الكتاب والسنة\" ينظر ص: ٥٥٠ وما بعدها.\n(^٥) ولعل هذا المصطلح الذي اختاره المصنف هنا غير المصطلح الذي اختاره هناك، فالنص له معنى هناك وهو قسيم الظاهر، وله معنى هنا وهو ما يشمل القاطع والظاهر، وهو شائع بين العلماء، ألا ترى أن أهل النحو يصطلحون مثلا على الإضافة في باب الإضافة، غير الذي يصطلحون به في باب المنادى. أو لفظ المفرد فهو قسيم المثنى والجمع في بابها، وهو في باب آخر قسيم المركب. والعلّة عند الأصوليين تعني في باب العلل في القياس غير ما تعنيه مثلا في باب الحكم الوضعي فقد تكون =","vol":"6","page":2294},{"text":"وحاصل ما ذكره هنا: أنّ النَّص على قسمين:\nالأول: القاطع وعبّر عنه الآمدي والهندي وغيرهما بالصريح (^١) وله ألفاظ منها (^٢):\n- (كي) كقوله تعالى في الفيء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ (^٣) أي إنما وجب تخميسه كي لا يتداوله الأغنياء منكم، فلا يحصل للفقراء شيء (^٤).\n_________\n= مرادفة للسبب.\n(^١) إنّ صاحب المنهاج تبعًا للإمام في المحصول أراد بالنص ما قابل الإيماء، وقسمه إلى قاطع أي صريح كما في عبارة غيره وإلى إيماء، وأراد ابن الحاجب ما يشمل الإيماء وقسمه إلى صريح وإيماء وأدخل الإيماء في النّص. فبين النّص عند ابن الحاجب والنّص عند غيره العموم والخصوص المطلق. وكذا بين الصريح عنده والصريح عند غيره العموم والخصوص المطلق. والنّص عنده يرادف الصريح عند غيره.\nأما ما سلكه صاحب المنهاج وتبعه الشارح، فقد أراد بالنّص - كما قلت سابقًا - ما قابل الإيماء. وقد عرفوه بأنه ما دلّ على عليّة الوصف للحكم من الكتاب أو السنة، وينقسم إلى قسمين: قاطع، وظاهر؛ فالقاطع: ما لا يحتمل غير العليّة، والظاهر ما يحتمل غير العليّة احتمالا مرجوحًا. ينظر الأحكام للآمدي: ٣/ ٣٦٤، ونهاية الوصول: ٨/ ٣٢٦٣، والنبراس: ص ٢٢٧ - ٢٢٨.\n(^٢) قال الزركشي في البحر المحيط: ٥/ ١٨٧: \"الأوّل منه التصريح بلفظ الحكمة كقوله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾، وقد أهمله الأصوليون وهو أعلاها رتبة\".\nويأتي في الرتبة الثانية لعلّة كذا، لسبب كذا ولموجب كذا ولمؤثر كذا، ولم يذكر الأصوليون لهذه أمثلة ولعلهم لم يظفروا بذلك في الكتاب ولا في السنة.\n(^٣) سورة الحشر من الآية ٧.\n(^٤) قال ابن كثير في تفسيره: \"وقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ =","vol":"6","page":2295},{"text":"- ومنها (لأجل كذا) أو من أجل كذا كقوله - ﷺ -: \"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر\" رواه البخاري ومسلم (^١)، وقوله: \"إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت فكلوا وادخروا\" (^٢) رواه مسلم وأبو داود والنسائي، أي لأجل التوسعة على الطائفة التي قدمت المدينة أيام التشريق والدّافة: القافلة السائرة (^٣).\n_________\n= أي جعلنا هذه المصارف لمال الفيء كيلا يبقى مأكله يتغلب عليها الأغنياء ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء ولا يصرفون منه شيئا إلى الفقراء\" تفسير ابن كثير: ٤/ ٣٣٧.\n(^١) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان (٧٩) باب الاستئذان من أجل البصر (١١) ص ١٢٠٢ رقم (٦٢٤١)، وأخرجه مسلم في كتاب الأدب (٣٨) باب تحريم النظر في بيت غيره (٩) ص ٨٩٠ رقم (٢١٥٧)\n(^٢) رواه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن واقد: ص ٨١٧، في كتاب الأضاحي (٣٥)، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، الا السنّ والظفر وسائر العظام (٤) رقم الحديث (٢٨/ ١٩٧١)، وأبو داود في سننه عن عائشة، ص ٤٣٧، في كتاب الضحايا (١٠) باب في حبس لحوم الأضاحي (١٠)، رقم الحديث (٢٨١٢). والنسائي في سننه ص ٢٣٧٦ من موسوعة الكنب الستة، كتاب الضحايا (٤٣)، باب الادخار من الأضاحي (٣٧) رقم الحديث (٤٤٣٦).\n(^٣) الدافَّة: القوم يَسيرون جماعة سَيْرًا ليس بالشديد، يقال: هم يَدِفُّون دَفِيفًا والدافَّة قوم من الأعراب يَرِدُون المِصْر، يُريد أنهم قَوم قَدِموا المدينة عند الأضْحَى فنَهاهم عن ادّخار لُحوم الأضاحي؛ لِيُفَرِّقوها ويتصدَّقوا بها، فيَنْتفِع أولئك القادمون بها، ومنه الحديث: \"إن في الجنة لنَجائبَ تَدِفُّ بِرُكْبانِها\" أي تَسِير بهم سَيْرًا لَيِّنًا.\nينظر: النهاية في غريب الأثر: ٢/ ١٢٤. والقاموس المحيط: ص ١٠٤٧ مادة: (دفف).","vol":"6","page":2296},{"text":"- ومنها (لعلّة كذا أو لسبب أو لمؤثر أو لموجب) وأهمل المصنف ذلك لكونه في معنى الأجل.\nقال: (والظاهر اللام كقوله تعالى لدلوك الشمس فإن أئمة اللغة قالوا اللام للتعليل.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾\nوقول الشاعر: لدّوا للموت وابنوا للخراب للعاقبة مجازا،\nوإنّ: مثل \"ولا تقربوه طيبا فإنّه يحشر يوم القيامة ملبيا\" والباء مثل: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾).\nالثاني: من قسمي النّص: الظاهر (^١) وهو اللام، وإنّ، والباء.\nأمّا (اللام): فكما في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (^٢) فإنّ أهلَ اللغة نصّوا على أنَّه للتعليل، وإنما لم يكن صريحًا لاحتمال الاختصاص، أو المِلك وغير ذلك (^٣).\n_________\n(^١) ويراد بالظاهر هنا أي أنّ ما يحتمل غير العلية احتمالا مرجوحًا. كالحروف التي ذكرها. اعترض الإسنوي على البيضاوي على تقسيمه النَّص إلى قاطع وظاهر باعتراضين:\nأحدهما: كيف يكون النّص قاطعًا، مع أن دلالات الألفاظ ليست يقينية عند الإمام.\nالثاني: كيف جعل الظاهر قسما من النّص، مع أنه ذكر في تقسيم الألفاظ أن الظاهر قسيم النّص أي أنه قد جعل هنا قسيم الشيء قسمًا منه وذلك باطل بالبداهة.\nينظر إجابة هذه الاعتراضات في: نهاية السول: ٤/ ٥٩ - ٦١.\n(^٢) سورة الإسراء من الآية ٧٨.\n(^٣) ينظر معاني اللام في: مغني اللبيب: ٢/ ٢٠٧ - ٢٣٤.","vol":"6","page":2297},{"text":"قوله: وفي قوله هذا جواب عن سؤال مقدَّر تقديره اللام ليست للتعليل كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (^١) فإنّ ذلك ليس غرضًا بالإجماع، فإنّ النّاس على قولين: منهم من لم يعلل أفعال الله لشيء أصلًا، ومنهم من يعللها بالمصالح، فأمّا تعليلها بالمضار والعقوبات فلم يقل به عاقل.\nولقول الشاعر:\nلَهُ مَلِكٌ يُنَادِي كلّ يومِ ... لِدُوا لِلمَوْتِ وابْنُوا لِلْخَرَابِ (^٢)\nوذلك ليس للعلية (^٣) إذ الولادة والبناء ليس لغرض الموت والخراب.\nوجوابه: أنّ اللام في هذه الأماكن مستعملة على جهة التجوز للعاقبة، فإنّ عاقبة كثير من المخلوقات جهنّم، وعاقبة الولادة الموت، والبناء للخراب (^٤)، والعلاقة بين العلّة والعاقبة، أنّ عاقبةَ الشيءِ\n_________\n(^١) سورة الأعراف من الآية ١٧٩.\n(^٢) البيت لأبي العتاهية ينظر: ديوان أبي العتاهية: ص ٢٣. وجاء في كشف الخفاء: ٢/ ١٤٠ \"أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أبي هريرة والزبير مرفوعًا من حديث طويل، وفيه: \"وأن ملكا بباب آخر في الجنة يقول: يأيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى، وأنّ ملكا بباب آخر ينادي يا ابن آدم: لدوا للموت وابنوا للخراب\"، وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الواحد بن زياد أن عيسى بن مريم قال: (يا بني آدم لدوا للموت وابنوا للخراب تفنى نفوسكم وتبلى دياركم) \".\n(^٣) في (ص): للغلبة.\n(^٤) في (غ): الخراب.","vol":"6","page":2298},{"text":"مترتبةٌ عليه في الحصول كترتبِ العلّةِ الغائبةِ على معلولها، واستعمالُها على جهة المجاز لا ينفي كونها ظاهرة في (^١) التعليل الذي هو حقيقتها.\nفإن قلت: استعمالُها في غير التعليل لا ينفي كونها ظاهرةً فيه، لو ثبت كونها حقيقةً له لكن لم يثبت بعد فإنّكم إنّما استدللتم عليه بالاستعمال وعارضناه (^٢) بمثله فليس الاستدلال بذلك الاستعمال على حقيتها في التعليل أولى من العكس.\nقلت: الاستدلال بما ذكرنا من الاستعمال أولى لموافقته (^٣) قول أهل اللغة أنّها للتعليل ولكونه أسبق إلى الفهم.\nوأما (إنّ) فكقوله ﵊ في المحرم الذي وقصته ناقته: \"ولا تمسوه طيبا ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا\" (^٤) أخرجاه في الصحيحين.\n_________\n(^١) (في) ليس في (غ).\n(^٢) في (غ): وعارضنا.\n(^٣) في (ت): (وعارضناه) بدل (أولى لموافقته) لسبق النظر.\n(^٤) رواه ابن عباس مرفوعًا بلفظ: بينما رجل واقف مع رسول الله - ﷺ - بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته فذكر للنبي - ﷺ - فقال: \"اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيًا\" أخرجه البخاري في صحيحه: ص ٢٤٨، في كتاب الجنائز (٢٣) باب كيف يكفن المحرم (٢٢) رقم (١٢٦٧ - ١٢٦٨)، ومسلم في صحيحه: ص ٤٧٣، في كتاب الحج (١٥) باب ما يفعل المحرم إذا مات (١٤) رقم (٩٣/ ١٢٠٦).","vol":"6","page":2299},{"text":"وفي هذا الحديث جهتان تدلان على التعليل [بـ] (^١) (إنّ) لما تقرر. من ترتيب (^٢) الحكم على الوصف كما سيأتي في كلام المصنف إن شاء الله تعالى (^٣).\nوأما (الباء) ففي قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ (^٤).\nفإن قلت: أصل الباء للإلصاق (^٥)، فلم قلتم بأنها ظاهرة في التعليل؟ .\nقلت: قال الإمام: ذات العلّة لما اقتضت وجود المعلول حصل معنى الإلصاق هناك فحسن استعماله فيه مجازًا (^٦)، لكن قال صفي الدين الهندي: هذا مخالف لما ذكره غيره، ولما أشعر به كلامه أيضًا، إذ صرح بأنَّ دلالة اللام، وإنّ، والباء على التعليل ظاهرة من غير تفرقة بينها، ثم إنّه صرّح بأنّ دلالةَ اللامِ حقيقةٌ، فأشعر بالتسوية في الدلالة؛ ولأنّ دلالة المجاز لا تكون ظاهرة إلا بطريق غلبة الاستعمال أو القرينة، فكان يجب عليه أنْ يقيد ظهور دلالته بغلبة الاستعمال لا في أصل الوضع (^٧) (^٨).\n_________\n(^١) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.\n(^٢) في (ص): كما تقرر وترتيب الحكم.\n(^٣) ذكرها في الكلام عن المسلك الثاني وهو الإيماء، وهو بعد صفحات معدودة.\n(^٤) سورة آل عمران: من الآية ١٥٩.\n(^٥) ينظر: مغني اللبيب: ١/ ١٠١.\n(^٦) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ١٩٦.\n(^٧) (لا في أصل الوضع) ساقط في (غ).\n(^٨) ينظر: نهاية الوصول: ٨/ ٣٢٦٦.","vol":"6","page":2300},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-535>(الثاني الإيماء:</span> وهو خمسة أنواع: الأول ترتيب الحكم على الوصف بالفاء، ويكون في الوصف (^١) أو الحكم وفي لفظ الشارع أو الراوي مثاله: السارق والسارقة، لا تقربوه طيبًا، زنى ماعز فرجم).\nالثاني: من الطرق الدالة على العليّة: الإيماء والتنبيه (^٢).\nقال الآمدي، وصفيّ الدّين الهندي: دلالته على العليّة بالالتزام (^٣):\n_________\n(^١) في (ت): في الوصفية.\n(^٢) الإيماء والتنبيه والإشارة: ألفاظ متقاربة المعنى في اللغة. فالإيماء في اللغة بمعنى الإشارة مأخوذ من وَمَأَ إليه يمأُ ومئًا، أشار ويأتي الإيماء بمعنى الإشارة بالرأس أو اليد. ينظر اللسان: ٦/ ٤٩٢٦ مادة \"ومأ\"، والصحاح: ١/ ٨٢. أما التنبيه: فإنه يستعمل لغة للقيام والانتباه، يقال: نبهه وأنبهه من النوم فتنبه وانتبه. ينظر: اللسان: ٦/ ٤٢٣٢ مادة \"نبه\".\nوأما الأصوليون: فيختلفون في عدد هذه الأنواع فبعضهم يدمج نوعًا في آخر، وبعضهم يقتصر على بعضها، والضابط الجامع فيه أنّ كل ما يتحقق فيه اقتران الوصف بالحكم فهو من قبيل الإيماء. والتنويع إنما جاء من الحالات التي يكون عليها هذا الاقتران، وهو اعتباري، فبعضهم يعتبر عدّة حالات متقاربة نوعًا واحدًا وبعضهم يعتبرها أنواعًا، وهكذا.\nينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٢٣٥، ونهاية الوصول: ٨/ ٣٢٦٧، العضد على مختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٣٤، تيسير التحرير: ٤/ ٤٠، فواتح الرحموت: ٢/ ٢٩٦. المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢٠٣، والنبراس: ص ٢٤٣.\n(^٣) دلالة الالتزام: دلالة اللفظ عن أمر خارج المعنى لازم له كدلالة الإنسان على كونه ضاحكا أو قابلا صنعة الكتابة. ينظر: إيضاح المبهم في شرح السلم: ص ٧.","vol":"6","page":2301},{"text":"لأنّه يفهم التعليل فيه من جهة المعنى لا من جهة اللفظ (^١).\nقال الهندي: إذ اللفظ (^٢) لو كان موضوعًا لها لم يكن دلالته من قبيل الإيماء، بل كان صريحًا (^٣). وهذا الذي قالاه فيه نظر، سنذكره. وهو أنواع:\nالأول: أنْ يَذْكُرَ (^٤) حكمًا ووصفًا وتدخل الفاء على أحدهما وهو أقسام أربعة (^٥):\nأولها: دخول الفاء على الوصف في كلام الشارع (^٦) كقوله - ﷺ -: \"فإنّه يبعث يوم القيامة ملبيا\" (^٧).\nالثاني: دخولها في كلام الراوي ولم يمثل له المصنف (^٨).\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٣٦٦، ونهاية الوصول: ٨/ ٣٢٦٧.\n(^٢) (إذ اللفظ): ليس في (ت).\n(^٣) ينظر: نهاية الوصول: ٨/ ٣٢٦٧.\n(^٤) في (ت): أن نذكر.\n(^٥) (أربعة) ليس في (غ)، (ص).\n(^٦) فالوصف في المثال بعثه يوم القيامة ملبيًا، والحكم حرمة إمساسه الطيب.\n(^٧) سبق تخريجه قريبًا.\n(^٨) قال الإسنوي في نهاية السول: ٤/ ٦٥: \"لم يظفروا له بمثال\" وكذا في المحلي على جمع الجوامع ما يقتضي عدم إمكانه، وعلله الشربيني بأنّ الراوي من حيث إنه راو يريد حكاية ما وقع، فلا بد أن يحكيه على ترتيبه ثم السامع ينتقل منه إلى فهم التعليل، وليس هو كالشارع حتى يؤخر ما كان مقدما في الوجود بناء على فهم السامع التعليل. ينظر: حاشية البناني مع تقريرات الشربيني: ٢/ ٢٦٤.","vol":"6","page":2302},{"text":"الثالث: دخول الفاء على الحكم في كلام الشارع مثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (^١)\nالرابع: دخولها عليه في كلام الراوي مثل: \"زنى ماعز فرجم\" (^٢) وقد تقدم الكلام على حديث: زنى ماعز في (^٣) التخصيص (^٤)، وليس فيه وقوع هذا اللفظ في كلام الراوي ومثاله أيضًا: \"سها رسول الله - ﷺ - فسجد\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة المائدة من الآية ٣٨.\n(^٢) قصة ماعز بن مالك الأسلمي - ﵁ - رواها جماعة من الصحابة منهم ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة - ﵃ -.\nأخرج الحديث البخاري في صحيحه ص ١٣٠١ في كتاب الحدود (٨٦)، باب هل يقول الإمام للمقر: لعلك لمست أو غمزت؟ (٢٨) رقم (٦٨٢٤) وأخرجه مسلم في صحيحه ص ٧٠٣، في كتاب الحدود (٢٩)، باب من اعترف على نفسه بالزنا (٥) رقم (١٦٩٣). وأخرجه أبو داود في كتاب الحدود (٣٢)، باب رجم ماعز بن مالك (٢٤). رقم (٤٤٢٥). وأخرجه الترمذي في أبواب الحدود، باب ما جاء في درء الحد عن المعترف إذا رجع. ٣/ ٤٤٠، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الحدود باب الرجم: ٢/ ٨٦، وأخرجه الإمام أحمد في المستند: ١/ ٣٢٥، ٢٨٩، ٢٧٠، وأخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب الحدود، باب أحاديث رجم ماعز: ٤/ ٣٦١.\n(^٣) في (ص): من.\n(^٤) ينظر ص: ١٤٦٨.\n(^٥) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة (٢) باب سجدتي السهو فيهما تشهد وتسليم (١٩٥) ١/ ٢٣٩ رقم (١٠٣٩) عن عمران بن حصين - ﵁ -، وأخرجه عنه الترمذي في أبواب الصلاة (٢) باب ما جاء في التشهد في سجدتي السهم (١٧٣) ١/ ٢٤٥، رقم (٣٩٢) وقال: هذا حديث حسن غريب. وأخرجه عنه النسائي في كتاب السهو (١٣) باب ذكر الاختلاف على أبي هريرة في السجدتين (٢٩) رقم (١٢٣٨) =","vol":"6","page":2303},{"text":"وهنا كلمات:\nإحداها (^١): قال الإمام: يشبه أنْ يكون تقدم العلّة على الحكم أقوى في الإشعار بالعليّة من الثاني؛ لأنَّ إشعار العلّة بالمعلول أقوى من إشعار المعلول بالعلّة؛ لأنَّ الطرد واجب في العلل دون العكس (^٢)، وعكس النقشواني الأمر معترضًا على الإمام بأنّه إذا تقدم الحكم لطلب نفس السامع العلّة، فإذا سمع وصفًا معقبًا بالفاء سكنت نفسه عن الطلب وركنت إلى أنَّ ذلك هو العلّة، وأمّا إذا تقدّم معنى لم يعلم بعد حكمه مثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ فالنفس تطلب الحكم فإذا صار الحكم مذكورًا فبعد ذلك قد يكتفى في العلّة بما سبق إن كان شديدَ المناسبة، مثل: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ وقد لا يكتفى بل يطلب العلّة بعد ذلك (^٣) بطريق آخر، بأن يقول: إذا أقمتم الصلاة (^٤) فاغسلوا وجوهكم تعظيمًا للمعبود، وأما فيما إذا تأخر ذكر العلّة فلا يجوز ذكر علّة أخرى. قال ولو ذكر علّة (^٥) عدَّ مناقضًا فكان الإشعار بالعليّة على عكس ما قاله الإمام (^٦). . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٣/ ٢٥.\n(^١) (وهنا كلمات إحداها) ساقط من (ص).\n(^٢) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢٠٣.\n(^٣) (بعد ذلك) ليس في (ص).\n(^٤) (الصلاة) ليس في (ت).\n(^٥) (علّة) ليس في (غ)، (ت).\n(^٦) (الإمام) ليس في (ت).","vol":"6","page":2304},{"text":". (^١)، كيف، وترتيب (^٢) الحكم على الوصف عند الإمام يقتضي العلّة وإن لم يكن مناسبا؟ ويلزمه أنْ يقول إشعار قول القائل: أما الطِّوَال فأكرموهم بالعلّة (^٣) أقوى من أكرموا هؤلاء فإنّهم طوال (^٤)، وليس كذلك؛ لإمكان قول القائل: في الأول لم أجعل الإكرام علّة دون الثاني، وأمّا قول الإمام إشعار العلّة بالمعلول أقوى، فهذا لا يتأتى (^٥) إلا في شيء عرف كونه علّةً قبل الكلام أو قبل الحكم. أمّا ما كانت العلّة فيه مستنبطة من ذلك الكلام فلا يتأتى فيه ذكر (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) يقول الإمام: \". . . وأما القسمان الباقيان فيشبه أن يكون الذي تقوم العلّة فيه على الحكم أقوى في الإشعار بالعليَّة من القسم الثاني؛ لأنّ إشعار العلّة بالمعلول أقوى من إشعار المعلول بالعلّة؛ لأنّ الطرد واجب في العلل، والعكس غير واجب فيها\". ينظر رأي الإمام في المحصول: ٢/ ق ٢/ ٢٠٣.\n(^٢) في (غ): ورتب.\n(^٣) في (غ)، (ت): بالعلية.\n(^٤) في (ت): الطوال.\n(^٥) في (ت): لا ينافي.\n(^٦) في (ت): فلا ينافي فيه ما ذكر.\n(^٧) يظهر أن السبكي إما ينقل بالمعنى أو يتصرف في عبارة النقشواني لذا نذكر عبارته بتمامها. يقول في تلخيص المحصول لتهذيب الأصول: ٢/ ٨٣٨ - ٨٣٩: \"والسبب فيه: أنه لما تقدم الحكم طلبت نفس السامع العلّة، فلما سمع المعنى الذي عقبه بحرف الفاء سكنت عن الطلب وعلمت أن ذلك هو العلّة، وأما إذا تقدم معنى لم يعلم بعد حكمه مثل قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ أو قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ فالنفس تطلب الحكم وتنتظره، فإذا صار الحكم مذكورًا، فبعد ذلك قد يقنع في العلّة بما سبق إن كان شديد المناسبة كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا =","vol":"6","page":2305},{"text":"الثانية: ما ورد في كلام الله تعالى أو كلام رسوله - ﷺ - فهو أقوى دلالة على العليّة من (^١) كلام الراوي لتطرق احتمال الخطأ إليه دون الله ورسوله.\nوجعل الآمدي الوارد في كلام الله أقوى من الوارد في كلام رسوله - ﷺ - (^٢).\n_________\n= مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وقد لا يقنع بل يطلب العلة بعد ذلك، ولهذا يصح ان يذكر العلة بعد ذلك بطريق آخر، بأن يقول إذا قمتم للصلاة فاغسلوا وجوهكم تعظيما للمعبود. وفي القسم الآخر: وهو ما إذا تأخر ذكر العلّة عن الحكم، لا يجوز ذكر علّة أخرى ولو ذكر علّة عدّ متناقضًا. فيعلم من هذا أن إشعار ذلك القسم بالعليّة أقوى، وكيف والمختار عند المؤلف: أن الوصف إن لم يكن مناسبًا فإن ترتيب الحكم عليه يوجب عليته. ويلزمه أن يقول: لو قال القائل: اما الطوال فأكرمهم، يكون إشعار هذا بالعليّة أقوى من أن يقول: أكرموا هؤلاء فإنهم طوال، وليس كذلك.\nفإنه لو قيل للقائل في الأول: لم جعلت الطوال علّة للإكرام؟ كان له أن ينكر، وأما لو قيل له في القول الثاني: لم جعلت الطوال علّة للإكرام؟ لم يكن له الإنكار، وكل ذلك يدل على عكس ما ذكره. أما قوله: \"إشعار العلّة بالمعلول أقوى\" قلنا: هذا مغلطة؛ لأنّ هذا إنما يتأتى في الشيء الذي عرف كونه علّة قبل الكلام، ثمّ ذكر الشيء الذي عرف كونه علة قبل الحكم، كان الإشعار بالحكم أقوى مما إذا ذكر الحكم قبل العلّة واما فيما لم تعرف عليته، بل العلّة مستنبطة من هذا الكلام، فكيف يتأتى فيه ما ذكره\".\nقال المحشي الدكتور صالح الغنام: إن هذا المسألة لا تستحق كل هذه المشادة الكلامية بين الإمام المصنف والفاضل الشارح، وذلك لأن الإمام فخر الدين لم يجزم بما ذهب إليه بل قال: يشبه أن يكون تقدم العلة على الحكم أقوى من تقدم الحكم على العلّة. والله أعلم. هامش: (٦) ٢/ ٨٣٩.\n(^١) في (غ)، (ت): في.\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٣٦٧.","vol":"6","page":2306},{"text":"والحقّ مساواتهما؛ لعدم احتمال تطرق الخطأ. قاله الهندي (^١)، وهو صحيح (^٢)، وما كان من (^٣) كلام الراوي الفقيه أقوى مما هو من (^٤) كلام من ليس بفقيه (^٥).\nالثالثة: استدل الآمدي على إفادة هذا النوع من الإيماء العلية بأنّ الفاء للتعقيب، ودخولها على الحكم بعد الوصف يقتضي ثبوت الحكم عقيب الوصف، ويلزم كون الوصف سببًا، إذ لا معنى لسببيته إلا ثبوت الحكم عقيبه (^٦).\nوقد ذكر الهندي هذا التعليل واعترض عليه بأنّا نسلم أنّ كلّ سبب يعقبه الحكم، لكن لا نسلم أنّ كلّ ما يعقبه الحكم سبب، فإن القضية الكلية (^٧). . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) ينظر: نهاية الوصول: ٨/ ٣٢٦٩.\n(^٢) هذه من ترجيحات الشارح وآرائه.\n(^٣) في (غ)، (ت): في.\n(^٤) في (غ)، (ت): في.\n(^٥) ينظر: نهاية الوصول: ٨/ ٣٢٦٩.\n(^٦) ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٣٦٥ - ٣٦٦.\n(^٧) القضية مشتقة من القضاء، والقضاء هو الحكم، وظاهر أنّ كلّ جملة خبرية لا بد أن تتضمن حكما موجبا أو سالبًا. وكل قضية لا بد وأن يتعلق الحكم فيها بمقدار ما من الأفراد، واحدا فما فوق، معينًا أو غير معين، ولا بد أيضًا أن تكون النسبة موجبة أو سالبة. إذن فمن عوارض القضية الكم والكيف. وبالتالي يكون مجموع القضايا بالنظر إلى هذه الحيثية أربعة أنواع: شخصية، كلية، جزئية، مهملة. والذى يهمنا منها النوع الثاني. فالقضية الكلية: أن يكون المحكوم عليه فيها مسورًا بسور كليّ أي مقترنا =","vol":"6","page":2307},{"text":"لا تنعكس كنفسها (^١) (^٢)، وهو اعتراض صحيحٌ (^٣)، ثم هذا الدليل (^٤) على ضعفه يختص بدخولها على الحكم بعد الوصف دون عكسه.\nوقد جعل ابن الحاجب دلالةَ الأقسام التي ذكرناها في هذا القسم (^٥) من باب الصريح دون الإيماء (^٦).\nوالحق عندي (^٧): في هذا أنْ يقال ترتيب الحكم على الوصف يفيد العليّة بوضع اللغة، ولم تضع العرب ذلك دالًا على مدلوله بالقطع والصراحة بل بالإيماء والتنبيه، ولا بدع في مثل هذا الوضع. وإنّما نجعله من باب الصريح لتخلفه في بعض محاله عن أنْ يكون إيماءً وهو حيث تكون الفاء، بمعنى الواو، فكانت دلالته أضعف، وإذا وضح هذا علمت أن دلالته ليست التزامية كما زعم الآمدي والهندي، وهذا هو النظر الذي أشرنا إليه أوّل الفصل (^٨)، وإنها ليست صريحة على خلاف ما ظنَّ ابن\n_________\n= بما يدل على أن الحكم فيها يشمل جميع أفراد الكليّ. ينظر: شرح الكوكب المنير: ٢/ ٣٠٠، وضوابط المعرفة: ص ٦٨ - ٧١.\n(^١) في (غ): كيفيتها، وفي (ت): كفتيها.\n(^٢) ينظر: نهاية الوصول: ٨/ ٣٢٧٠.\n(^٣) من ترجيحات الشارح.\n(^٤) في (غ): التعليل.\n(^٥) (التي ذكرناها في هذا القسم) ساقط من (غ).\n(^٦) ينظر: شرح العضد لمختصر المنتهى: ٢/ ٢٣٤.\n(^٧) من ترجيحاته.\n(^٨) ينظر ص: ٢٣٠١ - ٢٣٠٢.","vol":"6","page":2308},{"text":"الحاجب.\nالرابعة: قد يقال كيف يعتمد قول الراوي هنا مع جواز أنْ يكون ترتيبه (^١) للحكم على الوصف لفهمه أو ظنّه ما ليس بعلّةٍ علّةً (^٢).\nوقد قال الجمهور: لا يعتمد قوله: هذا منسوخ، ولا عمله بخلاف ما رواه؛ لاحتمال ذلك، ولا قوله: أمر رسول الله - ﷺ - عند بعض الأصوليين، وقد يقال: يعتمد قوله في فهم مدلولات الألفاظ كالرواية بالمعنى.\nويجاب: بأنّ العمل بقوله هذا منسوخ، يلزم منه رفع دليل ثابت بقول جاز أنْ يقوله عن اجتهاد لا نراه، بخلاف مثل قوله: \"سها فسجد\" فإنه لا يلزم من إثبات هذا الحكم الذي جاء به رفع ثابت بالدليل (^٣) وكذا الآخذ بما رآه دون ما رواه.\nوأما قوله: أمر رسول الله - ﷺ - بكذا فالأكثرون على اعتماده والعمل به، ومن لم يعتمده مستنده احتمال أنّ الحكمَ كان غيرَ دائمٍ وظنَّه دائمًا أو مختصًا بواحد وظنّ عدم اختصاصه لا من جهة ظنّه ما ليس بأمر أمرًا، فإن ذلك بعيد من العربي.\nوحاصل هذا كلِّه أنّ الرّاوي يرجع إليه في مدلولات الألفاظ لا في الاجتهاد.\n_________\n(^١) في (ت): ترتيب.\n(^٢) في (غ)، (ت): علمه.\n(^٣) في (غ): الدليل.","vol":"6","page":2309},{"text":"والحق عندي (^١) في هذا أنْ يقال: إن كان الراوي صحابيًا اعتمد فهمه؛ لأنَّ الصحابة - ﵃ - كلّهم فقهاء ومن صميم العرب وإن كان غيرَ صحابيّ، فالظاهر أيضًا اعتماده إذا كان كذلك، وإن كان ممن قد يخفى عليه أنّ ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعليّة فلا يعتمد (^٢).\nقال: (فرع (^٣): ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية\nوقيل: إذا كان مناسبًا.\nلنا: لو قيل أكرم الجاهل وأهن العالم قَبُحَ، وليس لمجرد الأمر فإنه قد يحسن فهو لسبق التعليل.\nقيل: الدلالة في هذه الصورة لا تستلزم دلالته في الكل.\nقلنا: يجب دفعًا للاشتراك).\nاختلفوا في اشتراط المناسبة (^٤) في الوصفِ المومَى إليه، فذهب\n_________\n(^١) هذا من ترجيحاته.\n(^٢) هذا الاعتراض والجواب عليه، لم أقف عليه غير أنّ بعض المتأخرين كصاحب شرح الكوكب المنير، ذكر كلاما يشبه هذا الاعتراض. ينظر: شرح الكوكب المنير: ٤/ ١٢٧ - ١٢٨.\n(^٣) في (ت): فروع.\n(^٤) المناسبة: وهي لغة الملائمة، واصطلاحًا ملاءمة الوصف المعين للحكم. أو يقال: إبداء الملاءمة بينه وبين الحكم مع السلامة من القوادح. ينظر: مصطلحات أصول الفقه عند المسلمين رفيق العجم: ٢/ ١٥٦٤ - ١٥٦٥. سيأتي تعريفها عند الكلام =","vol":"6","page":2310},{"text":"الأكثرون إلى عدمِ اشتراطه.\nوقيل: يشترط، وتوجيه تفريع هذا الفرع على ما قبله أنْ يقال: إذا ثبت أنّ ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعليّة فهل يشترط مناسبة الوصف؟\nواستدل المصنف على أنَّه لا يشترط بأنّ القائل لو قال: أكرم الجاهل وأَهِنِ العالم استقبح هذا الكلام منه عرفًا، وليس الاستقباح لمجرد الأمر بذلك، فإنّ الجاهل قد يحسن إكرامه في الجملة لنسب (^١) أو دِين أو غير ذلك.\nوالعالم قد يحسن إهانته لفسق أو بخل أو غيره، فثبت أنّ (^٢) استقباح ذلك إنما هو لسبق الفهم إلى تعليل إكرام الجاهل بالجهل، وإهانة العالم بالعلم؛ لأنَّ الأصل عدم غيره، فيكون حقيقة في أنّ ترتيب الحكم على الوصف يقتضي العليّة مطلقًا.\nواعلم أنّ عبارة الإمام: أَكْرِمِ الجُهَّال وأهن العلماء (^٣)، وفهم عليّة الوصفين (^٤) في هذه الصورة أسبق إلى الذهن من فهمه في قولنا: أكرم الجاهل وأهن العالم؛ لأنّه قد يقال: إنّه في حالة الجمع يكون\n_________\n= عن المسلك الرابع من مسالك العلّة بشيء من التفصيل.\n(^١) في (ص): لسبب.\n(^٢) أنّ: ليس في (غ).\n(^٣) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢٠٠.\n(^٤) في (غ)، (ت): الوصف. بالإفراد.","vol":"6","page":2311},{"text":"ناظرًا إلى جهة الجهل والعلم دون الإفراد، إذ (^١) يكون الشخص فيه مقصودًا فإتيان المصنف بصيغة الإفراد أحسن، إذ يلزم من ثبوته فيه ثبوته في تلك الصورة بطريق أولى. وهكذا فعل الآمدي (^٢).\nوقد اعترض الخصم على هذا الدليل بأنّ دلالةَ الترتيب على العليّة في هذه الصورة لا تستلزم دلالته في جميع الصور؛ لأنَّ المثال الجزئي لا يدل على القاعدة الكليّة، فيحتمل أن يكون ذلك؛ لخصوصية هذه الصورة.\nوأجاب: بأنَّه إذا ثبت في هذه الصورة لزم في جميع الصور، وإلا يلزم الاشتراك في هذا النوع من التركيب.\nولقائل أنْ يقول: الترتيب تركيب والمركب غير موضوع عنده فأين لزوم الاشتراك؟ .\nسلمنا: أنّه موضوع، ولكن (^٣) إنّما يلزم الاشتراك أنْ لو قلنا: إنّه يدل في غير هذه الصورة على غير العليّة ونحن نقول: لا يدلّ في غير هذه الصّورة على (^٤) شيء وفرْق بين الدلالة على العدم وعدم الدلالة، والاشتراك لازم على الأول الممنوع دون الثاني المسلم ولا يقال: الترتيب الدّال في هذه الصورة لا بد أنْ يدل على شيء في غيرها؛ لأن ذلك مجرد دعوى.\n_________\n(^١) في (غ)، (ت): ويكون.\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٣٧٧.\n(^٣) (ولكن) ليس في (ت).\n(^٤) (غير العليّة ونحن نقول: لا يدل في غير هذه الصورة على) ليس من (ص).","vol":"6","page":2312},{"text":"قال: الثاني: (أنْ يحكم (^١) عقيب علمه بصفة المحكوم عليه كقول الأعرابي: واقعت يا رسول الله. فقال: \"أعتق رقبة\" (^٢)؛ لأنَّ صلاحيةَ جوابه تغلب ظنّ كونه جوابًا والسؤال معاد فيه تقديرًا فالتحق بالأول).\nالثاني: من أنواع الإيماء أنْ يحكم الرسول (^٣) - ﷺ - بحكم في محلّ عند علمه بصفة فيه، فيغلب على الظنّ أنّ تلك الصفة علّةٌ لذلك الحكم، مثاله: ما روي \"أنّ أعرابيا جاء إلى النّبي - ﷺ - فقال هلكت وأهلكت، واقعتُ أهلي في نهار رمضان عامدًا فقال: أعتق رقبة\" (^٤).\nوأصل الحديث في الكتب الستّة كلّها، لكن بغير صيغة أعتق رقبة وبهذه الصيغة في سنن ابن ماجه (^٥).\n_________\n(^١) في (غ): الحكم.\n(^٢) (فقال: أعتق رقبة) ساقط من (ت).\n(^٣) في (غ): أنّ الحكم للرسول - ﷺ -.\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب الصوم (٣٠) باب إذا جامع في رمضان (٢٩) ٣/ ٢٩ رقم (١٩٣٦)، ومسلم في كتاب الصوم (١٣)، باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان (١٤) ٢/ ٧٨١، رقم (٨٢)، وأبو داود في كتاب الصوم، (١٤) باب كفارة من أتى أهله في رمضان (٣٧) ٢/ ٧٨٣، حديث رقم (٢٣٩٠)، والترمذي في أبواب الصيام، باب ما جاء في كفارة الفطر في رمضان (٢٨) ٣/ ٤١٥ حديث (٧٢٠)، وقال حديث أبي هريرة حسن صحيح. ورواه ابن ماجه في أبواب ما جاء في الصيام (٧) باب كفارة من أتى أهله في رمضان (١٤) حديث رقم (٢٣٩٣). وينظر التلخيص الحبير: ٢/ ٨٠٧ - ٨٠٨.\n(^٥) رواه ابن ماجه في أبواب الصوم (٧) باب كفارة من أتى أهله في رمضان (١٤) حديث رقم (٢٣٩٣).","vol":"6","page":2313},{"text":"فيظنّ أنّ الوقاع في نهار رمضان سببٌ لوجوب عتق الرقبة؛ لأنَّ ما ذكره الرسول - ﷺ - من الكلام يصلح أنْ يكون جوابًا لهذا السؤال وصلاحيته لذلك تغلب على الظنّ كونه جوابًا؛ لأنَّ الاستقراء يدل على أنّ الغالبَ فيما يصلح (^١) للجواب أنْ يكون جوابًا.\nفإن قلت: يحتمل أنْ يكون جوابًا عن سؤال آخر، أو ابتداء كلام، أو زجرًا له عن الكلام كقول السيد لعبده إذا سأله عن شيء: اشتغل بشأنك.\nقلت: غلبة الظنّ توجب إلحاق (^٢) هذا الفرد بالأعمّ والأغلب، ولأنّه لو لم يكن جوابًا خلا السؤال عن الجواب، ولزم تأخير البيان عن وقت الحاجة (^٣)، وما يقال عليه لعله - ﷺ - عرّف أنَّه لا حاجة للمكلف إلى ذلك الجواب في ذلك الوقت فلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، فهو احتمال مرجوح لكونه نادرًا إذ الغالب من (^٤) السؤال كونه وقت الحاجة، وإذا كان ما ذكره الرسول - ﷺ - جوابًا عن السؤال كان السؤال معادًا في الجواب تقديرًا، فيصير تقدير الكلام إذا واقعت فأعتق، فيرجع إلى نوع ترتيب الحكم على الوصف بالفاء،\n_________\n(^١) في (ت): صلح.\n(^٢) (إلحاق) ليس في (ت).\n(^٣) تأخير البيان عن وقت الحاجة يراد به: لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الحاجة أي الوقت الذي قام الدليل على إيقاع العمل بالمجمل فيه على التضييق من غير فسحة في التأخير؛ لأن الإتيان بالشيء مع عدم العلم به ممتنع، والتكليف بذلك تكليف بما لا يطاق، وقد أجمع أرباب الشرائع على ذلك. ينظر ص: ١٥٩٥ وما بعدها.\n(^٤) في (غ)، (ص): في.","vol":"6","page":2314},{"text":"لكنه أضعف منه؛ لأنَّ الفاء وإعادة السؤال مقدرٌ فيه والمقدّر وإن ساوى المحقق في أصل الثبوت، فلا يساويه في القوّة وما وقع من هذا النوع في كلام الراوي فهو حجّة أيضًا؛ لأنَّ معرفة كون الكلام المذكور جوابًا عنه أو ليس جوابًا لا يحتاج إلى دقيق نظر، وظاهر حال الراوي العدل لا سيما العارف أنْ لا يجزم بكونه جوابًا إلا وقد تيقن ذلك.\nقال: (الثالث أنْ يذكر وصفًا لو لم يؤثر لم يفد مثل: \"إنّها من الطوافين عليكم والطوافات\"، \"ثمرةٌ طيبة وماءٌ طهور\"، وقوله: \"أينقص الرطب إذا جف؟ فقال: نعم فقال: فلا إذًا\"، وقوله لعمر وقد سأل عن قبلة الصائم: \"أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته؟ \").\nإذا ذكر الشارع وصفًا لو لم يؤثر في الحكم أي لو لم يكن علّة فيه لم يكن لذكره فائدة دلّ على عليته إيماء وإلا كان ذكره عبثًا ولغوًا ينزّه هذا المنصب الشريف عنه (^١) وهو على أربعة أقسام:\nالأول: أنْ يدفع السؤال في صورة الإشكال بذكر الوصف كما روي أنَّه - ﷺ - امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب فقيل: إنّك تدخل على بني فلان وعندهم هرّة فقال - ﷺ -: \"إنّها ليست بنجسة إنّها من الطوافين عليكم والطوافات\" (^٢) رواه الأربعة أصحاب السنن فلو لم يكن لكونها من الطوافات أثر في طهارتها لم يكن لذكره عقيب الحكم بطهارتها فائدة.\n_________\n(^١) في (ت): تنزه هذا المصنف الشريف عنه.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"6","page":2315},{"text":"الثاني: أنْ يذكر وصفًا في محل حكم لا حاجة إلى ذكره ابتداءً، فتعلم أنَّه إنما ذكره لكونه مؤثرًا في الحكم كما روي أنّ النبي - ﷺ - قال ليلة الجنّ (^١) لابن مسعود \"ما في إدواتك قال نبيذ قال: ثمرةٌ طيبةٌ وماء طهور\" (^٢) وهو حديث ضعيف (^٣) رواه الترمذي وابن ماجه.\n_________\n(^١) ليلة الجنّ: هي تلك لليلة التي التقى فيها رسول الله - ﷺ - بالجن، والقصة في: صحيح مسلم بشرح النووي: ٤/ ١٦٩، وتفسير ابن كثير: ٤/ ١٦٩، وتفسير القرطبي: ١٦/ ٢١٣.\n(^٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة (١) باب الوضوء بالنبيذ (٤٢) ١/ ٦٦ رقم (٨٤)، والترمذي في كتاب الطهارة (١) باب الوضوء بالنبيذ (٦٥) ١/ ١٤٧ رقم (٨٨)، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها (١) باب الوضوء بالنبيذ (٣٧) ١/ ١٣٥ رقم (٣٨٤) وأحمد في المسند ١/ ٤٠٢.\n(^٣) قال الزيلعي في نصب الراية: ١/ ١٣٧ \"الحديث التاسع والأربعون حديث التوضي بنبيذ التمر قلت روى من حديث ابن مسعود ومن حديث ابن عباس أما حديث ابن مسعود فرواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث أبي فزارة عن أبي زيد مولى عمرو بن حريث عن عبد الله بن مسعود أن النبي - ﷺ - قال له ليلة الجن عندك طهور قال لا إلا شيء من نبيذ في إداوة قال ثمرة طيبة وماء طهور انتهى. زاد الترمذي قال فتوضأ منه قال الترمذي وإنما روى هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث لا يعرف له غير هذا الحديث انتهى. ووهم شيخنا علاء الدين فعزاه للأربعة والنسائي لم يروه أصلا والله أعلم، ورواه أحمد في مسنده وزاد في لفظه فتوضأ منه وصلى وقد ضعف العلماء هذا الحديث بثلاث علل أحدها جهالة أبي زيد والثاني التردد في أبي فزارة هل هو راشد بن كيسان أو غيره والثالث أن ابن مسعود لم يشهد مع النبي - ﷺ - ليلة الجن أما الأول فقد قال الترمذي أبو زيد رجل مجهول لا يعرف له غير هذا الحديث وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء أبو زيد شيخ يروى عن ابن مسعود ليس يدرى من هو ولا يعرف أبوه ولا بلده ومن كان =","vol":"6","page":2316},{"text":"قال القرافي في تعليقه على المنتخب: وهذا المثال غير مطابق؛ لأنَّ ذكره - ﷺ - طيب الثمرة ليس إشارةً إلى العلّة في بقاء الطهورية، بل إلى عدم المانع، والمعنى لو كانت الثمرة مستقذرة، أمكن أنْ تكون نجسة تمنع من بقاء الطهورية لكن ليست كذلك (^١).\nالثالث: أنْ يسأل الرسول - ﷺ - عن شيء فيسأل - ﷺ - عن وصف له، فإذا أخبر عنه حكم فيه بحكم كما روي عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - وقد سئل عن اشتراء (^٢) الرطب بالتمر فقال: \"أينقص الرطب إذا يبس؟ قالوا نعم، قال - ﷺ -: فلا إذن\" (^٣) رواه الأربعة وقال الترمذي حسن صحيح وصحّحه ابن\n_________\n= بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرا واحدا خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس استحق مجانبة ما رواه انتهى. قال ابن أبي حاتم في كتابه العلل سمعت أبا زرعة يقول حديث أبي فزارة في الوضوء بالنبيذ ليس بصحيح وأبو زيد مجهول وذكر ابن عدي عن البخاري قال: أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ مجهول لا يعرف بصحبته عبد الله ولا يصح هذا الحديث عن النبي ﷺ وهو خلاف القرآن\" انتهى. وينظر: علل الحديث: ١/ ١٧ حديث رقم (١٤). وينظر الخلاف في جواز الوضوء بالنبيذ وعدمه المجموع: ١/ ٩٣.\n(^١) لم أقف على كتاب القرافي التعليقة على المنتخب. ولكن ذكر ما يشبهه في نفائس الأصول: ٨/ ٣٢٥٠.\n(^٢) في (ت): أن نشتري الرطب بالتمر؟\n(^٣) الحديث رواه سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، وأخرجه أبو داود في كتاب البيوع والإجارات (٢٢) باب ما في بيع التمر بالتمر ٣/ ٦٥٤، رقم (٣٣٥٩)، والترمذي، في كتاب البيوع (١٢) باب ما جاء في النهي عن المحاقلة والمزابنة (١٤) ٤/ ٤١٨، وقال حديث حسن صحيح، رقم (١٢٢٥)، والنسائي في كتاب البيوع (٤٤) باب =","vol":"6","page":2317},{"text":"خزيمة (^١) والحاكم، فلو لم يكن نقصانه علّة في المنع لم يكن للتقديم عليه فائدة، وهو يدل على العليّة بوجهين آخرين من حيث (الفاء) ومن قوله (إذن) فهي من صيغ التعليل وقد عدّها ابن الحاجب مما يدل بالنّص على العليّة مثل من (^٢) أجل كذا وشبهه (^٣).\nالرابع: أنْ يسأل عن حكم فيتعرض لنظيره وينبه على وجه الشبه بينه وبين المسؤول عنه، فيفيد أنّ وجه الشبه هو العلّة كما روى أبو داود والنسائي أنّ عمر - ﵁ - قال هششت فقبَّلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا قبّلت وأنا صائم قال: \"أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم؟ قلت لا بأس قال: فَفيمَ؟ \" (^٤).\n_________\n= اشتراء التمر بالرطب ٧/ ٢٣٦ رقم (٤٥٤٩)، وابن ماجه في كتاب التجارات (١٢) باب بيع الرطب بالتمر ٢/ ٧٦١ رقم (٢٢٦٤)، والحاكم في كتاب البيوع باب النهي عن بيع الرطب بالتمر وقال حديث صحيح، ٢/ ٣٨، ورواه الدارقطني: ٣/ ٤٦ - ٥٠، والبيهقي: ٥/ ٢٩٤ - ٢٩٥، والبزار: رقم ١٢٣٢. وينظر: التلخيص الحبير: ٣/ ٩٥٤.\n(^١) لم أقف على الحديث في صحيح ابن خزيمة، ولعل المصنف اعتمد نسخة غير النسخة المتداولة في هذا العصر، ومما يقوي احتمال اعتماده على نسخة أخرى أن ابن حجر خرج الحديث أيضا عن ابن خزيمة في التلخيص الحبير: ٣/ ٩٥٤.\n(^٢) (من) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر: شرح العضد على ابن الحاجب: ٢/ ٢٣٥.\n(^٤) أخرجه أبو داود في كتاب الصيام (١٤) باب القبلة للصائم (٣٣) ٢/ ٧٧٩ رقم (٢٣٨٥)، والنسائي في السنن الكبرى: ٢/ ١٩٨ رقم (٣٠٤٨)، ومسند أحمد ١/ ٢١ رقم (١٣٨) و١/ ٥٢ رقم (٣٧٢)، والحاكم في كتاب الصوم (١٥) ١/ ٥٩٦ رقم (١٥٧٢)، وقال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري =","vol":"6","page":2318},{"text":"قال النسائي هذا الحديث منكر (^١)، وقال أحمد بن حنبل ضعيف (^٢).\nفنبه - ﷺ - بهذا على أنَّه لا يفسد الصوم بالمضمضة لمشابهتها للقبلة في أنّ كلًّا منهما، وإن كان مقدمة للشرب والوقاع المفسدين فلم يحصل منه (^٣) المطلوب من الشرب والوقاع، وفيه إشارة إلى أركان القياس الأربعة: لأنَّه - ﷺ - جعل المضمضة أصلا والقبلة فرعًا وكون كل منهما مقدمة المفسد جامعًا، وعدم الإفساد حكمًا.\nواعترض الآمدي على التمثيل بهذا الحديث بأنّه ليس من قبيل ما نحن فيه إذ ليس فيه ما تتخيل أنْ يكون مانعًا من الإفطار بل غايته ألا يفطر قال بل هو نقض لما (^٤) توهمه عمر - ﵁ - من إفساد مقدمة الإفساد (^٥).\nقال الهندي: وهو ضعيف (^٦)؛ لأنَّ في (^٧) قوله - ﷺ -: \"أرأيت لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربه\" تنبيهًا على\n_________\n= ومسلم، والدارمي في كتاب الصوم باب الرخصة في القبلة للصائم ٢/ ١٣.\n(^١) ينظر: تهذيب الكمال: ٨/ ٣١٦ رقم (٣٥٣٠)\n(^٢) ينظر: العلل.\n(^٣) في (ت): به.\n(^٤) في (ت): إلى.\n(^٥) ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٣٧٣.\n(^٦) وعبارة الهندي: ٨/ ٣٢٧٣ في تضعيف رأي الآمدي: \"وما قيل: إن هذا ليس من قبيل ما نحن فيه؛ إذ ليس فيه ما يتخيل أن يكون مانعًا من الإفطار بل هو نقض لما توهمه عمر من إفساد مقدمة الإفساد ضعيف. . .\".\n(^٧) (في) ليس في (ت).","vol":"6","page":2319},{"text":"الوصف المشترك بين المضمضة والقبلة وهو عدم حصول المقصود منها (^١) وهو يصلح للعليّة لعدم اشتراط المناسبة في الوصف المومى إليه (^٢).\nقال: (الرابع أنْ يفرق الحكم بين شيئين بذكر وصف مثل: \"القاتل لا يرث\" وقوله: \"إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدًا بيد\").\nإذا فرّق الشارع بين شيئين في الحكم بذكر صفة كان إيماءً إلى عليّة الصفة، وإلا لم يكن لذكرها معنى؛ وهو ضربان:\nأحدهما: ألَّا يكون حكمُ أحدِهما مذكورًا في الخطاب بل في خطاب آخر مثل قوله - ﷺ -: \"القاتل لا يرث\" (^٣) وقد تقدم الكلام على الحديث في الخصوص (^٤) مع تقدم بيان إرث الورثة ففرق بقوله القاتل لا يرث بينه\n_________\n(^١) (على الوصف المشترك بين المضمضة والقبلة وهو عدم حصول المقصود منها) سقط من (غ). وفي (ت): منهما.\n(^٢) ينظر: نهاية الوصول: ٨/ ٣٢٧٣.\n(^٣) روى هذا الحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أخرجه أبو داود في كتاب الديات (٣٨) باب ديات الأعضاء (١٨) ٤/ ٦٩٤، رقم (٤٥٦٤)، وأخرجه الترمذي في كتاب الفرائض (٢٧) باب ما جاء في إبطال ميراث القاتل (١٧) ٦/ ٢٩٠ رقم (٢١٩٢)، قال أبو عيسى: هذا حديث لا يصح، ولا يعرف هذا إلا من هذا الوجه، وإسحاق بن عبد الله بن أبي فروة أحد رواة الحديث قال: قد تركه بعض أهل العلم منهم أحمد بن حنبل. وأخرجه ابن ماجه في كتاب الديات (٢١) باب القاتل لا يرث (١٤) ٢/ ٨٨٣، وأخرجه الدارقطني في كتاب الفرائض ٤/ ٩٦، وأخرجه البيهقي في كتاب الفرائض باب لا يرث القاتل: ٦/ ٢٢٠.\n(^٤) ينظر ص: ١٣٥٩ حيث يقول هناك \". . . بما رواه الترمذي وابن ماجه =","vol":"6","page":2320},{"text":"وبين جميع الورثة بذكر القتل الذي يجوز جعله علّة قي نفي الإرث (^١).\nوثانيهما: أنْ يذكر حكمهما (^٢) في الخطاب وهو على خمسة أوجه اقتصر في الكتاب على الأول منها:\nوهو أنْ تقع التفرقة بلفظ يجري مجرى الشرط كقوله - ﷺ - في حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - وهو في صحيح مسلم: \"فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد\" (^٣) بعد نهيه عن بيع البر بالبر متفاضلًا (^٤).\nوالثاني: أن تقع التفرقة بالغاية مثل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ (^٥).\nوالثالث: بالاستثناء: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ (^٦).\n_________\n= والدارقطني والبيهقي من حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة وهو رجل متروك عند بعض أهل العلم أن رسول الله - ﷺ - قال: \"القاتل لا يرث\" قال الترمذي: لا يصح هذا الحديث ولا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال البيهقي شواهده تقويه.\n(^١) (لا يرث بينه وبين جميع الورثة بذكر القتل الذي يجوز جعله علّة في نفي الإرث) ساقط من (ت).\n(^٢) في (غ): حكمها.\n(^٣) أخرجه مسلم في كتاب المساقاة (٢٢) باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا (١٥) رقم (١٥٨٤) ٣/ ١٢١١.\n(^٤) يقصد بداية الحديث: \"الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد. فإذا اختلفت. . . الحديث\".\n(^٥) سورة البقرة من الآية ٢٢٢.\n(^٦) سورة البقرة من الآية ٢٣٧.","vol":"6","page":2321},{"text":"والرابع: بلفظ يجري مجرى الاستدراك مثل: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (^١) يدل على عليّة التعقيد للمؤاخذة.\nوالخامس: استئناف أحد الشيئين بذكر صفة من صفاته بعد ذكر الآخر صالحة للعلية كقوله - ﷺ -: \"للراجل سهم وللفارس سهمان\" (^٢).\nواعلم أنّ اعتماد هذين النوعين على أنَّه لا بد لتلك التفرقة من سبب ولذكر الوصف من فائدة وجعل الوصفِ سببَ التفرقة فائدة.\nقال: (الخامس: النهي عن مفوت الواجب مثل: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾).\nإذا نهى عن فعل يمنع الإتيان به حصول ما تقدم وجوبه علينا كان إيماءً إلى أنّ علّة (^٣) ذلك النهي كونه مانعًا من الواجب كقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (^٤) فإنّه لما أوجب السعي ونهى عن\n_________\n(^١) سورة المائدة من الآية ٨٩.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عمر: ص ٥٥١، في كتاب الجهاد (٥٦) باب سهام الفرس (٥١) رقم (٢٨٦٣) وفي كتاب المغازي (٦٤) باب غزوة خيبر (٣٨) رقم (٤٢٢٨). وأخرجه مسلم في صحيحه ص ٧٣١، في كتاب الجهاد والسير (٣٢) باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين رقم (١٧٦٢)\nوأخرجه داود بهذا اللفظ عن مجمع بن يزيد الأنصاري: ١٢/ ٣٤٠ في كتاب الخراج والإمارة والفيء (١٤) باب ما جاء في حكم أرض خيبر (٢٤) رقم (٣٠١٥). ومعنى الحديث أن للفارس سهمين أحدهما لفرسه والآخر له، وللراجل سهم واحد.\n(^٣) في (غ)، (ت): علية.\n(^٤) سورة الجمعة من الآية ٩.","vol":"6","page":2322},{"text":"البيع مع علمنا بأنّه لو لم يكن النهي عنه لمنعه من السعي الواجب لما جاز ذكره في هذا الموضع؛ لكونه يخلّ بجزالة الكلام وفصاحته دلّ على إشعاره بالعليّة.\nوقد نَجَزَ القول في أقسام الايماء الذي هو الثاني من الطرقِ الدَّالةِ على العليّةِ، ونَعْقُبُه إنْ شاءَ الله بالثالثِ، وبالله التوفيق.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-536>(الثالث الإجماع </span>كتعليل تقديم الأخ من الأبوين في الإرث بامتزاج النسبين)\nإذا اجتمعت (^١) الأمّة على عليّة وصف لحكم (^٢) ثبتت عليّته له (^٣)، كإجماعهم على أنّ العلّة في تقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب في الارث (^٤) هو امتزاج النسبين (^٥)، فيلحق به تقديمه في ولاية النّكاح وصلاةِ الجنازة، والحضانةِ والوصيةِ، لأقرب الأقارب، والوقفِ عليه وتحملِ الدّية، قياسًا بجامع امتزاج النسبين.\nفإنْ قلت: قد وقع خلاف في المذهب في أكثر هذه الصور هل يستويان\n_________\n(^١) في (ص): اجمعت.\n(^٢) في (غ): بحكم.\n(^٣) ينظر كلام الأصوليين على هذا المسلك في: الفقيه والمتفقه: ١/ ٢١٣، والمستصفى: ٢/ ٢٩٣، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣٦٤، وتيسير التحرير: ٤/ ٣٩، وشرح العضد على ابن الحاجب: ٢/ ٢٣٣، وشفاء الغليل: ص ١١٠، والتلويح على التوضيح: ٢/ ٥٦٥، ونهاية السول: ٣/ ٤٩، نشر البنود: ٢/ ١٥٤.\n(^٤) (في الإرث) ليس في (غ)، (ت).\n(^٥) أي كونه من الأبوين وهو الأخ الشقيق.","vol":"6","page":2323},{"text":"أو يقدم الأخ من الأبوين كولاية النكاح وصلاة الجنازة وتحمل العقل والوصية والوقف؟ وإنّما لم يقع في الحضانة؛ لأنَّ الأنوثة في بابها أقوى من الذكورة ولذلك قال بعض الأصحاب بتساوي الأخ للأم والأخ للأب فكيف ذلك مع الإجماع؟ (^١)\nقلت: لا يلزم من إجماعهم على علية وصف أنْ لا يقع خلاف معها؛ لجواز أنْ يكون وجودها في الأصل أو الفرع متنازعًا فيه أو يكون في حصول شرطها أو مانعها نزاع وهذا على رأي من يجوز تخصيص العلّة، وإنما لا يتصور الخلاف إذا وقع الاتفاق على ذلك كله.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-537>(الرابع المناسبة</span>. المناسب: ما يجلب للإنسان نفعا أو يدفع عنه ضررًا).\nعرف المناسب (^٢): بأنَّه الذي يجلب للإنسان نفعًا (^٣) أو يدفع عنه ضررًا (^٤).\n_________\n(^١) ينظر هذا الاعتراض والإجابة عليه في: نهاية الوصول: ٨/ ٣٢٦٣، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ١١٦. وغيرهم\n(^٢) المناسب أو المناسبة أطلق عليها العلماء مصطلحات مختلفة تؤدي في غالبها إلى نفس المعنى، فقيل عنها الإخالة، والمصلحة، ورعاية المقاصد، والاستدلال، والملاءمة، وتخريج المناط. وهي عمدة كتاب القياس وغمرته ومحل غموضه ووضوحه. ينظر البحر المحيط: ٥/ ٢٠٦.\n(^٣) (نفعا) ليس في (ت).\n(^٤) عرف المناسب لغة: بمعنى المشاكلة للشيء يقال: ليس بينهما مناسبة أي: مشاكلة، وتأتي بمعنى أشرك في النسب، يقال ناسبه: أي شاركه في نسبه. ينظر: اللسان: =","vol":"6","page":2324},{"text":"وغيره قال: إنّه (^١) الوصف المفضي إلى ما يجلب للإنسان نفعًا أو يدفع عنه ضرَرًا (^٢) (^٣) وهما متغايران؛ لأنَّ المصنف جعل المقاصد أنفسها أوصافًا.\nوهذا التعريف هو قول من يعلل أفعال الله تعالى بالمصالح.\nوالنفع: عبارة عن اللذة وما كان طريقًا إليها (^٤).\nوالضرر: الألم وطريقه (^٥).\nوقيل في حدّ اللذة: إدراك الملائم والألم إدراك المنافي (^٦).\nقال الهندي: وهو لا يخلو من شائبة الدور، يعني لأنَّ إدراك أحدهما\n_________\n= ٦/ ٤٠٥، ٥/ ٣٩٧٦، الصحاح: ١/ ٢٢٤، ٥/ ٢٠٢٦، ومختار الصحاح: ٦٥٦، ٥٨٨.\nأما في الاصطلاح فعرف بتعريفات كثرة وهذا تبعًا لتفسير المصلحة وحسب من يجوز تعليل الأحكام بالمصالح ومن لا يجوز ذلك. وعلى كل حال فقد عرف بأنه: \"وصف ظاهر منضبط يحصل عقلا من ترتب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصودا من حصول مصلحة أو دفع مفسدة\" وإلى هذا ذهب ابن الحاجب، والآمدي وبعض الأصوليين. ينظر: شرح العضد على المختصر: ٢/ ٢٣٩، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩، ونهاية الوصول: ٨/ ٣٢٨٧.\n(^١) (إنه) ليس في (غ)، (ت).\n(^٢) في (ص): ضرًا.\n(^٣) هذا تعريف الرازي في المحصول: ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢١٨.\n(^٤) ينظر التعريف اللغوي: في القاموس المحيط مادة (نفع) ص ٩٩١.\n(^٥) ينظر التعريف اللغوي في: القاموس المحيط: مادة (ضرّ) ص ٥٥٠.\n(^٦) ينظر تعريفها اللغوي في: القاموس المحيط مادة (اللذّة) ص ٤٦١.","vol":"6","page":2325},{"text":"تتوقف معرفته على إدراك الآخر، وهذا فيه نظر، إذ قد (^١) يدرك المنافي من لم يدرك الملائم ويعرفه وكذا العكس.\nقال الإمام: والصواب عندي أنّهما لا يحدّان لكونهما من الأمور الوجدانية (^٢).\nأمّا من لم يعلل أفعال الله تعالى فقال المناسب: الملائم لأفعال العقلاء في العادات (^٣) (^٤).\nقال: (وهو حقيقي دنيوي ضروري كحفظ النفس بالقصاص، والدّين بالقتال والعقل بالزجر عن المسكرات والمال بالضمان والنسب بالحدّ على الزنا، ومصلحي كنصب الولي للصغير، وتحسيني كتحريم القاذورات، وأخروي كتزكية النفس، وإقناعي بظنّ مناسب فيزول بالتأمل فيه)\nهذا تقسيم أوّل للمناسب (^٥)، المناسب إمّا حقيقي أو إقناعي.\n_________\n(^١) في (ت): وقد يدرك.\n(^٢) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢١٨، ونهاية الوصول: ٨/ ٣٢٨٨.\nوالمراد بالأمور الوجدانية، أي الأمور المتعلقة بأحاسيس وعواطف الإنسان التي يصعب التعبير عنها، فهي أمور داخلية تختلج في النفس البشرية، كالجوع والعطش والحب والبغض، والألم واللذة. . وغيرها.\n(^٣) (في العادات) ليس في (ت).\n(^٤) هذا التعريف ذكره الرازي في المحصول. ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢١٩، ونهاية الوصول: ٨/ ٣٢٨٧.\n(^٥) قسم الأصوليون المناسب من وجوه عدّة يمكن أن نلخصها فيما يلي: =","vol":"6","page":2326},{"text":"الأوّل الحقيقي: وهو إمّا لمصلحة تتعلق بالدنيا أو بالآخرة، والمتعلق بالدّنيا إمّا أن يكون في محل الضرورة، وهو الضروريّ أو في محل الحاجة وهو المصلحيّ، أو لا في محل الضرورة ولا الحاجة، بل كان مستحسنًا في العادات فهو التحسينيّ.\nفالضروري: ما تضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمس التي اتفقت الملل على حفظها وهي: النّفس والدّين والعقل والمال والنسب (^١).\n- فحفظ النفس بمشروعية القصاص قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ (^٢).\n_________\n= التقسيم الأول: من حيث النظر فيه وهو قسمان: مناسب حقيقي وهو أقسام، ومناسب إقناعي.\nالتقسيم الثاني: من حيث حصول المقصود من شرع الحكم به وهو قسمان أيضا: ما يحصل به الحكم يقينًا وما يحصل به الحكم ظنًا.\nالتقسيم الثالث: من حيث شهادة الشرع له بالاعتبار وعدمه، وهو ثلاثة أقسام:\n١ - ما علم أن الشارع اعتبره\n٢ - ما علم أن الشارع ألغاه\n٣ - ما لم يعلم أن الشارع اعتبره أو ألغاه. وهو المناسب\nالتقسيم الرابع: من حيث التأثير وعدمه، وهو قسمان: مؤثر وغير مؤثر، وله وجوه.\n(^١) الضروري عرفه الشاطبي في الموافقات: ٢/ ٨ بقوله: \"أما الضرورية فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدّين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين\".\n(^٢) سورة البقرة من الآية ١٧٩.","vol":"6","page":2327},{"text":"- وأمّا الدّين فبقتال الكفار وعليه نبه قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (^١).\n- وأمّا العقل فبتحريم المسكرات، وعليه نبه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ﴾ (^٢).\n- وأما حفظ المال فبالضمان على الغاصب والاختلاس والسرقة.\n- وأما النسب: فبوجوب الحدّ على الزاني فهذه الخمسة هي الضرورية.\nويلتحق بها ما كان مكملا لها كتحريم البدعة والمبالغة في عقوبة الداعي إليها وفي تحريم شرب القليل من المسكر ووجوب الحدّ فيه وفي حفظ النسب بتحريم النظر والمس وترتيب التعزير على ذلك.\nوأما المصلحيّ (^٣) فكنصب الولي للصغير فيمَكَّن من تزويج الصغيرة؛ لأنَّ مصالح النكاح غير ضرورية، ولكن واقعةٌ في محل الحاجة، فإنّها داعية إلى الكفء الموافق، وهو لا يوجد في كل وقت، فلو (^٤) لم يقيّد بالنّكاح\n_________\n(^١) سورة التوبة من الآية ٢٩.\n(^٢) سورة المائدة من الآية ٩١.\n(^٣) عبر عنه الشاطبي بالحاجي وعرفه في الموافقات: ٢/ ١٠ بقوله: \"وأما الحاجيات: فمعناها أنها مفتقر إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب. فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة\".\n(^٤) في (ت): فلم يقيد.","vol":"6","page":2328},{"text":"لأوشك فواته لا إلى بدل، ومثله تجويز الإجارة فإنّها مبنية على مسيس الحاجة إلى المساكن مع القصور عن تملكها وضنّةِ مالكها ببذلها عارية.\nقال إمام الحرمين: فمن قال الإجارةُ خارجة عن مقتضى القياس فليس على بصيرة من قوله، فإنّها إن خرجت فخروجها عن الاستصلاح (^١)، فهي خارجة على مقتضى الحاجة، والحاجة أصل والاستصلاح بالإضافة إليه فرع (^٢) انتهى.\nومراده بالاستصلاح كما نبه هو عليه: الحملى على الأصلح والأرشد كاشتراط مقابلة الموجود بالموجود فليست (^٣) الإجارة من الأقيسة الجزئية التي هي الاستصلاح لأنها (^٤) مقابلة موجودٍ بمعدومٍ.\nقال إمام الحرمين: وليس المراد بكونه قياسًا جزئيًا جريانه في شخص أو جزء، ولكن الأصل الذي لا بد من رعايته الضرورةُ ثمّ الحاجةُ والاستصلاحُ في الوجوه الخاصة في حكم الجزء عند النظر في المصالح والضوابط الكلية (^٥) انتهى.\nوكالإجارة المساقاة (^٦) لاشتغال بعض الملاك عن تعهد أشجاره\n_________\n(^١) في (غ): الاصطلاح في جميع المواضع.\n(^٢) ينظر: البرهان: ٢/ ٩٣٢.\n(^٣) في (ص): فليس.\n(^٤) (مقابلة الموجود. . . . . . التي هي الاستصلاح لأنها) ساقط من (غ).\n(^٥) ينظر: البرهان: ٢/ ٩٣٢.\n(^٦) المساقاة: دفع شجر إلى من يصلحه بجزء من ثمره. ينظر: التعريفات: ص ٢١٢، =","vol":"6","page":2329},{"text":"والقراض (^١) وذكر بعضهم البيع في هذا القسم.\nوقال إمام الحرمين: تصحيح البيع آيل إلى الضرورة؛ فإنّ النّاس لو لم يباذلوا ما بأيديهم لجرَّ ذلك ضرورة ظاهرة (^٢)، فيلتحق بمشروعية القصاص (^٣).\nواعلم أنَّه قد تتناهى بعض جزئيات هذا القسم فيخرج عنه إلى حدّ الضرورة كتمكين (^٤) الوليّ من شراء الطعام والملبوس للصغير الذي في معرض التلف من الجوع والبرد، واستئجار المرضعة له.\nويلتحق بقسم المصلحيّ ما كان مكمِّلًا له، كرعاية الكفاءة ومهر المثل في التزويج؛ فإنّه أفضى إلى دوام النكاح، وتكميل مقاصده، وإن حصلت أصل الحاجة بدون ذلك.\n- وأمّا التحسينيّ (^٥) فقسمان:\n_________\n= والتوقيف على مهمات التعاريف: ص ٦٥٣.\n(^١) القراض: لغة من القرض وهو القطع، وشرعًا: دفع جائز التصرف إلى مثله دراهم أو دنانير ليتجر فيها بجزء معلوم من الربح. ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف: ص ٥٧٧.\n(^٢) في (ص)، (غ): لم يباذلوا ما بأيديهم لجرِّ ذلك إلا لضرورة ظاهرة.\n(^٣) ينظر: البرهان: ٢/ ٩٢٣.\n(^٤) في (غ): لتمكن.\n(^٥) قال الشاطبي في الموافقات: ٢/ ١١ \"وأما التحسينات فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات. وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العمول الراجحات ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق\".","vol":"6","page":2330},{"text":"أحدهما: وعلى ذكره اقتصر المصنّف ما يقع على (^١) غير معارضة (^٢) قاعدة معتبرة كتحريم القاذورات، فإنّ نفرة الطباع عنها لقذارتها معنىً يناسب حرمة تناولها حثًّا على مكارم الأخلاق ومحاسن الشِّيَّم؛ ومن هذا إزالة النجاسات فإنّها متقذرة في الجبلات واجتنابها أهمّ في المكارم والمروءات، ولهذا يحرم على الصحيح أنْ يتضّمّخ المرء بالنجاسة من غير حاجة.\nقال إمام الحرمين في البرهان: والشافعي نصّ على هذا في الكثير (^٣). ثمّ إنّه في النهاية عند الكلام في وطء المرأة في دبرها قال: لا يحرِّم (^٤)، ويحرم أيضًا على الصحيح لبس جلد (^٥) الميتة، ولا يجوز أنْ يلبس دابته جلد الكلب أو الخنزير، وقال بعض الأصحاب يمنع الاستصباح بالدّهن النجس، وأما إيجاب الوضوء فليس ينكر العاقل ما فيه من إفادة النظافة، والأمر بالنظافة على استغراق الأوقات يعسر الوفاء به، فوظف الشرع الوضوء في أوقات، وبنى الأمر على إفادته المقصود وعَلِمَ الشارع أنَّ أرباب العقول لا يعتمدون نقل الأوساخ والأدران إلى\n_________\n(^١) (على) ليس في (ت).\n(^٢) في (ت): معاوضة.\n(^٣) ينظر: البرهان: ٢/ ٩٣٩ وعبارته: \"والشافعي نصّ في الكثير وقد ردد في مواضع من كتبه تحريم لبس جلد الميتة قبل الدباغ، وحرام على المرء أن يلبس جلود الكلاب والخنازير. . .\".\n(^٤) ينظر نهاية المطلب (مخطوط توجد منه نسخة بمركز إحياء التراث ولم أعثر عليها).\n(^٥) (جلد) ليس في (غ)، (ت).","vol":"6","page":2331},{"text":"أعضائهم (^١) البادية منهم، فكان ذلك النهاية في الاستصلاح، ومحاولةُ الجمع بين تحصيل أقصى الإمكان في هذه المكرمة ورفع التضييق في التّدنس والتوسخ إذا حاول المرء ذلك.\nقال (^٢) إمام الحرمين: ولكنَّ (^٣) إزالة النجاسة أظهر في هذا من النظافة الكليّة المترتبة (^٤) على الوضوء من حيث إنَّ الجبلة تستقذرها، والمروءةُ تقتضي اجتنابها فهي أظهر من اجتناب الشعث والغبرات (^٥).\nقال: ولهذا خصّ (^٦) الشافعي - ﵁ - الوضوء بالنيّة من حيث التحق بالتعبدات العرية عن الأغراض (^٧) وضاهى العبادات الدينية (^٨).\nومن هذا القسم التحسينيّ أيضًا سلب أهلية الشهادة عن الرقيق؛ لأجل أنّها منصب شريف والعبد نازل القدر والجمع بينهما غير ملائمٍ.\nوأما سلب ولايته فهو محل (^٩) الحاجة؛ إذ ولاية الأطفال تستدعي\n_________\n(^١) في (ت): عصيانهم.\n(^٢) (قال) ليس في (غ).\n(^٣) (ولكن) ليس في (ت).\n(^٤) في (ت): المرتبة.\n(^٥) ينظر: البرهان: ٢/ ٩٣٩.\n(^٦) في (غ)، (ت): ولهذا جعل الشافعي.\n(^٧) في (غ): الإعدام.\n(^٨) ينظر: البرهان: ٢/ ٩٤٠.\n(^٩) في (ت): في محل الحاجة.","vol":"6","page":2332},{"text":"استغراقًا وفراغًا، والعبد مستغرق بخدمة سيده، فتفويض أمر طفله إليه إضرارٌ بالطفل، أمّا الشهادة فتتفق أحيانًا كالرواية والفتوى (^١).\nقال الغزالي: وقول القائل سلب منصب الشهادة لخسّة قدره، ليس كقولنا: سلب ذلك لسقوط الجمعة عنه، فإنّ ذلك لا يشمّ منه رائحة مناسبة أصلًا، وهذا لا ينفك عن الانتظام ولو صرح به الشارع، وليس تنتفي مناسبته بالرواية والفتوى بل ذلك نقض (^٢) على المناسب إلى أنْ يعتذر (^٣) عنه.\nوالمناسب قد يكون منقوضًا فيترك أو يحترز عنه بعذرٍ أو تعبدٍ، وكذلك تقييد النكاح بالولي فلو علل بفتور رأيها في انتقاد الأزواج وسرعة الاغترار بالظواهر لكان مصلحيًا (^٤) في محل الحاجة، ولكن لا يصحّ ذلك في (^٥) سلب عبارتها، وفي نكاح الكفء فهو في رتبة التحسيني؛ لأنَّ\n_________\n(^١) أي أنّ سلبَ الولايةِ عنِ العبدِ من قبيل الحاجيات؛ لأنّ الولاية عن الطفل تستدعي الخلو والفراغ والنظر في أحواله. واستغراق العبد فيما هو الواجب عليه من خدمة مالكه وسيده مانع من ذلك، وليس الأمر كذلك في الشهادة لاتفاقها في بعض الأحيان كالرواية والفتوى. أي لا تمنع خدمته لسيده ومالكه من أن يشهد. قال صاحب البحر المحيط: ٥/ ٢١٢ \"وقد نبه بعض أصحاب الشافعي لإشكال المسألة فذكر أنه لا يعلم لمن رد شهادة العبد مستندًا أو وجهًا\".\n(^٢) في (غ): يقضي.\n(^٣) في (غ): تعذّر.\n(^٤) في (ت): مصلحًا.\n(^٥) (في) ليس في (غ).","vol":"6","page":2333},{"text":"الأليق بمحاسن العادات استحياء النّساء عن مباشرة العقد؛ لأنَّ ذلك يشعر بتوقان نفسها إلى الرجال، وذلك غير لائق بالمروءة، ففوضه الشرع (^١) إلى الولي حملًا للخلق على أحسن المناهج. وكذلك تقييد النكاح بالشهادة لو علل بالإثبات عند النزاع لكان واقعًا في محل الحاجة ولكن سقوط الشهادة (^٢) على رضاها يضعف هذا المعنى فهو لتفخيم أمر النّكاح وتمييزه عن السّفاح بالإعلان والإظهار عند من له رتبة ومنزلة على الجملة (^٣).\nوالثاني: من قسمي التحسيني ما يقع على (^٤) معارضة قاعدة معتبرة، وذلك كالكتابة فإنها من حيث كونُها مكرمة في العوائد مستحسنة احتمل الشرع فيها خرم قاعدة ممهدة وهي: امتناع معاملة السيد عبده وامتناع مقابلة المِلك بالمِلك على صيغة المعاوضة، ولم يجز ذلك في الضرب (^٥) المتقدم، ولكن اختصّ ذلك الضرب بإيجاب الطهارة، ولا تجب الكتابة على السيد على رأي معظم العلماء (^٦)، وحكى صاحب التقريب وجهًا (^٧) أنّها تجب إذا طلبها العبد ووجد السيد\n_________\n(^١) (الشرع) ليس في (ت).\n(^٢) (لو علل بالاثبات عند النزاع لكان واقعا في محل الحاجة ولكن سقوط الشهادة) ساقط من (غ) لسبق النظر. و(الشهادة) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر: المستصفى ص ١٧٥. (طبعة جديدة بدون فواتح الرحموت).\n(^٤) (على) ليس في (ت).\n(^٥) في (ص): الصرف.\n(^٦) ينظر فتح العزيز: ١٣/ ٤٤٢\n(^٧) في (ص): قولًا.","vol":"6","page":2334},{"text":"فيها خيرًا (^١)، وهذا تمام القول في المتعلق بالدّنيا.\nوأمّا المتعلق بالآخرة فكتزكية النفس ورياضتها وتهذيب الأخلاق المؤدي إلى امتثال الأوامر واجتناب النواهي الموصل إلى رضى الرحمن ﷾ (^٢).\nوبقي قسم ثالث: لم يورده المصنف تبعًا للإمام وهو ما يتعلق بمصالح الدارين معًا، وذلك ما يحصل برعايته بعض ما تقدم من مصالح الدّنيا والآخرة، كإيجاب الكفارات إذ يحصل بها الزجر عن تعاطي تلك الأفعال التي وجبت الكفارة بسببها ويحصل تلاقي التقصير وتكفير الذنب الكبير الذي حصل من فعلها (^٣).\nواعلم أنّه قد يقع في كلّ قسم من هذه الأقسام ما يظهر كونه منه، وما يظهر كونه ليس منه، وما يستوي الأمران فيه (^٤).\nأمّا الأوّل: فكوجوب (^٥) القصاص بالمثقل؛ إذ يظهر أنَّه من المصالح\n_________\n(^١) ينظر: تهذيب الأسماء واللغات: ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩ ذكره صاحب التقريب، وقال هو القفال الشاشي. وينظر رأيه في فتح العزيز: ١٣/ ٤٤٢.\n(^٢) وهكذا انتهت الأقسام الثلاثة، ومن نافلة القول أنَّ هناك مثالًا تجتمع فيه هذه المراتب الثلاث، وهو النفقة، فالنفقة على النفس ضرورية، وعلى الزوجة حاجية، وعلى الأقارب تحسينية.\n(^٣) ينظر: نهاية الوصول: ٨/ ٣٢٩٨ - ٣٢٩٩، والبحر المحيط: ٥/ ٢١٢.\n(^٤) ذكر ذلك صاحب المحصول واستقصاها صاحب البرهان. ينظر البرهان: ٩/ ٩٢٦ وما بعدها، والمحصول: ٢/ ق ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤.\n(^٥) في (ص): فلوجوب.","vol":"6","page":2335},{"text":"الضرورية في حفظ النفوس؛ لأنّه لو لم يجب به القصاص لفات المقصود من حفظ النّفوس؛ لأنَّ من يريد قتل إنسان، والحالة هذه يَعْدِل عن المحدّد (^١) إلى المثقل درءًا للقصاص عن نفسه، والمثقل ليست فيه زيادة مؤنة على المحدد حتّى يقال: لا يكثر به القتل (^٢) بسبب تلك المؤنة كما يكثر في المحدد (^٣) فعدم وجوب القصاص فيه لا يفضي إلى الهرج والمرج بل المثقل أسهل من المحدد لوجوده غالبًا من غير عوض (^٤).\nوأما الثاني: فكإيجاب القصاص على أحد الوجهين عندنا بالقتل بغرز الإبرة في غير مقتل بحيث لا يعقب ألمًا وورمًا (^٥) ظاهرًا، وكذا إبانة فلقة (^٦) خفيفة من اللّحم على ما ذكره إمام الحرمين (^٧) ونظائر ذلك فإنّه يظهر منه أنَّه ليس من قبيل رعاية المصالح الضرورية، إذ لا يفضي ذلك إلى الهلاك إلا نادرًا فأشبه السوط (^٨) الخفيف (^٩).\n_________\n(^١) في (ت): المحدّ.\n(^٢) في (غ): النقل.\n(^٣) في (ت): المحدود.\n(^٤) ينظر المثال في نهاية الوصول: ٨/ ٣٢٩٩.\n(^٥) والورم: محركة: نتوء، وانتفاخ. ورِمَ كورث: انتفخ (القاموس المحيط: ص ١٥٠٦ مادة \"ورم\").\n(^٦) والفلقة: فَلَقَهُ يَفْلِقُه شقه وفي رجله فلوق شقوق، و﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [سورة الأنعام ٩٥] خالقه أو شاقه بإخراج الورق منه. (القاموس المحيط: ص ١١٨٦ مادة \"فلق\").\n(^٧) ينظر: روضة الطالبين: ٩/ ١٢٤، ومغني المحتاج للشربيني: ٤/ ٥.\n(^٨) (السوط) ليس في (غ).\n(^٩) ينظر المثال في نهاية الوصول: ٨/ ٣٢٩٩.","vol":"6","page":2336},{"text":"وأمّا الثالث: فكإيجاب القصاص على الجماعة بقتل الواحد (^١) لاحتمال إلحاقه بالمصالح الضرورية؛ إذ لو لم يوجب ذلك لاستعان كلّ من أراد قتل إنسان بصديق يشاركه فتبطل فائدة شرعية القصاص، واحتمال خروجه عنه لاحتياجه إلى مشاركة غيره، والظاهر أنّ ذلك الغير لا يشاركه فلم تساوِ المصلحة هنا (^٢) المصلحة في وجوب القصاص في (^٣) المنفرد؛ ولنزول هذا القسم عن الأول كان في المذهب قول استنبطه أبو حفص بن الوكيل (^٤) من كلام الشافعي - ﵁ - أنّ الجماعة لا يقتلون\n_________\n(^١) لما رواه البخاري في صحيحه عن نافع عن ابن عمرَ ﵄ أنَّ غلامًا قُتلَ غِيلةً، فقال عمرُ: لو اشتركَ فيها أهلُ صنعاء لَقتلتهم. وقال مغيرةُ بن حَكيم عن أبيه: \"إِنَّ أربعةً قَتلوا صبيًا فقال عمر. . . مثله\". وأَقادَ أبو بكر وابنُ الزُّبير وعَليٌّ وسُوَيدُ بن مقرِّن من لَطمةٍ. وأَقادَ عمرُ من ضربةٍ بالدِّرة. وأقاد عليٌّ من ثلاثةِ أسواط. واقتصَّ شُرَيحٌ من سَوطٍ وحموش.\n(^٢) (المصلحة هنا) ليس في (غ). وفي (ت): المصلحة هذا.\n(^٣) (في) ليس في (ت).\n(^٤) هو أبو حفص عمر بن عبد الله المعروف بابن الوكيل ويعرف أيضا بالباب الشامي منسوب إلى باب الشام وهي إحدى المحال الأربعة بالجانب الغربي من بغداد كان فقيها جليلا من نظراء ابن سريج وكبار المحدثين والرواة. قال أبو حفص المطوعي في كتابه المذهب في ذكر شيوخ المذهب هو فقيه جليل الرتبة من نظراء أبي العباس وأصحاب الأنماطي وممن تكلم في المسائل وتصرف فيها فأحسن ما شاء ثم هو من كبار المحدثين والرواة وأعيان النقلة وقال العبادي هو من أصحاب أبي العباس وذكر عنه مسألة حكاها عن أبي العباس. مات بعد العشر وثلاثمائة.\nينظر ترجمته في طبقات الفقهاء للشيرازي: ٢/ ٢٠٠، وطبقات الشافعية لابن شهبة: ٢/ ٩٧.","vol":"6","page":2337},{"text":"بالواحد (^١).\nوقول آخر عن القديم: أنّ ولي الدم يقتل واحدًا يختاره من الجماعة، ويأخذ حصّة الآخرين، ولا يقتل الجميع (^٢).\nولا خلاف عندنا في وجوب القصاص بالمثقل، ولتعاليه عن الثاني كان الخلاف فيه أضعف منه في الثاني (^٣)، وقد نجز القول في تقسيم الحقيقي.\nوأما الإقناعي: فهو الذي يظنّ مناسبته في بادئ الرأي، وإذا بحث عنه (^٤) حقّ البحث وضح أنَّه غير مناسب (^٥) (^٦) مثل تعليل بعض أصحابنا تحريم بيع الخمر والميتة والعذرة بنجاستها وقياس الكلب والسرقين (^٧) عليها، قال لأنَّ كونه نجسًا يناسب إذلاله ومقابلته بالمال في البيع يناسب\n_________\n(^١) ينظر روضة الطالبين: ٩/ ١٥٩\n(^٢) قال النووي في روضة الطالبين ما نصه ٩/ ١٥٩: \"ونقل الماسرجسي عن القفال قولا قديما أن الولي يقتل واحدًا من الجماعة أيّهم شاء، ويأخذ حصة الآخرين من الدية، ولا يقتل الجميع ويكفي للزجر كون كل واحد منهم خائفًا من القتل. وهذان القولان شاذان والمشهور قتل الجماعة بالواحد\".\n(^٣) أي ولتعالي القول الأول وهو قول أبي حفص الوكيل: إنّ الجماعة لا تقتل بالواحد، كان الخلاف فيه أضعف منه في القول الثاني وهو القول القديم للشافعي القائل إن ولي الدّم يقتل واحدًا يختاره من الجماعة ويأخذ حصة الآخرين ولا يقتل الجميع. لكن المشهور عند الشافعية كما سبق وأن قلت: هو قتل الجماعة بالواحد.\n(^٤) في (ت): عن.\n(^٥) في (ت): مناف.\n(^٦) ينظر: هذا التعريف في نهاية الوصول للهندي: ٨/ ٣٣٠٠.\n(^٧) والسرقين: الزبل. القاموس المحيط: ١٣٠٣ \"زبل\".","vol":"6","page":2338},{"text":"إعزازه والجمع بينهما متناقض (^١). فهذا وإن تخيلت مناسبته أولًا فليس الأمر كذلك؛ لأنَّ المعنى بكونه نجسًا مع (^٢) منع الصلاة معه، ولا مناسبة بين بيعه واستصحابه في الصلاة كذا ذكره الإمام (^٣).\nولقائل أنْ يقول: لا نسلم أنّ المعنى بكونه نجسًا منعُ الصلاة معه بل ذلك من جملة (^٤) أحكام النّجس، وحينئذ فالتعليل بكون النجاسة تناسب الإذلال ليس بإقناعي. نعم مثال هذا استدلال الحنفية على قولهم: إذا باع عبدًا من عبدين أو ثلاثة يصحّ، غررٌ قليلٌ تدعو الحاجة إليه فأشبه خيار الثلاث فإن الرؤساء لا يحضرون السوق لاختيار المبيع، فيشتري الوكيل واحدًا من ثلاثة، ويختار الموكل ما يريد (^٥)، فهذا وإن تخيلت مناسبته أولًا فعند التأمل يظهر أنَّه غير مناسب؛ لأنّا نقول لا حاجة إلى ذلك، لأنّه يمكنه أنْ يشتريَ ثلاثة في ثلاثة عقود بشرط الخيار فيختار منها ما يريد.\nقال (والمناسبة تفيد العلية إذا اعتبرها الشارع فيه كالسكر في الحرمة أو في جنسه كامتزاج النسبين في التقديم أو بالعكس كالمشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في (^٦) سقوط (^٧) الصلاة، أو جنسه في جنسه\n_________\n(^١) ينظر هذه الأمثلة في: نهاية الوصول للهندى: ٨/ ٣٣٠٠.\n(^٢) (مع) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر: المحصول: ٢/ ق ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦.\n(^٤) (جملة) ليس في (ت).\n(^٥) ينظر: البحر الرائق: ٥/ ٣٠٧، والهداية شرح البداية: ٣/ ٢٣.\n(^٦) (في) ليس في (غ).\n(^٧) في (ت): بسقوط الصلاة.","vol":"6","page":2339},{"text":"كإيجاب حدّ القذف على الشارب لكون الشرب مظِنّة للقذف والمظنّة قد أقيمت مقام المظنون)\nهذا تقسيم ثانٍ للمناسب من جهة شهادة الشرع لاعتباره وعدم اعتباره (^١).\n_________\n(^١) هذا التقسيم من أهم مباحث المناسبة، والمقصود منه بيان ما هو مقبول منه وما هو مردود منه وما هو محل خلاف بين العلماء.\nوقد اختلف الأصوليون في حكاية هذا التقسيم لا فرق بين متكلمين وحنفية وغيرهم، فكل واحد منهم يحكيه بطريقة يخالف غيره فيها وإن كانوا في آخر المطاف يصلون إلى هدف واحد.\nولنختر من بين هذه المدارس مدرسة ابن الحاجب، ومدرسة الآمدي ومدرسة الفخر الرازي.\nفمدرسة ابن الحاجب تقول عن المناسب: المناسب أربعة أقسام: مؤثر وملائم وغريب ومرسل، وذلك لأنه إما معتبر شرعًا أو لا. أما المعتبر، فإما أن يثبت اعتباره أي اعتبار عينه في عين الحكم بنص أو إجماع أو لا. بل بترتيب الحكم على وفقه، وهو ثبوت الحكم معه في المحل، فإن ثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في عين الحكم فهو المؤثر كالصغر لولاية المال فإن عليته ثابتة بالإجماع. وإن لم يثبت اعتبار عينه في عين الحكم بنص أو إجماع بل ثبت بترتيب الحكم على وفقه، فلا يخلو إما أن يثبت بنص أو إجماع اعتبار عينه في جنس الحكم أو جنسه في جنس الحكم، أو عينه أو لا. فإن ثبت فهو الملائم، وإن لم يثبت فهو الغريب، وإن لم يعتبر لا بنص ولا إجماع ولا بترتيب الحكم على وفقه فهو المرسل.\nوالمرسل ينقسم إلى ما علم إلغاؤه وإلى ما لم يعلم إلغاؤه. والثاني ينقسم إلى ملائم قد علم اعتبار عينه في جنس الحكم أو جنسه في عينه الحكم أي بنص أو إجماع.\nفعند ابن الحاجب الملائم نوعان: ملائم المناسب وملائم المرسل. والفرق بينهما أن الأول قد اعتبر عينه في عين الحكم بالترتيب، والثاني لم يعتبر ذلك. والغريب أيضا نوعان غريب المناسب، وغريب المرسل والفرق بينهما كالفرق بين الملائمين. =","vol":"6","page":2340},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما مدرسة الآمدي فلها طريقة أخرى وخلاصتها أن المناسب إن كان معتبرًا بنص أو إجماع فهو المؤثر وإلا فإن كان معتبرًا بترتيب الحكم على وفقه فتسعة أقسام؛ لأنه إما يعتبر خصوص الوصف أو عمومه أو خصوصه وعمومه معا في عين الحكم أو في جنسه أو في عينه وجنسه جميعًا، وإن لم يكن معتبرًا فإما أن يظهر إلغاؤه أو لا. فهذه جملة الأقسام. إلا أن الواقع في الشرع منها لا يزيد على خمسة:\nالأول: ما اعتبر خصوص الوصف في خصوص وعمومه في عمومه في محل آخر ويسمى هذا الملائم.\nالثاني: ما اعتبر الخصوص في الخصوص فقط لكن لا بنص ولا إجماع ويسمى بالمناسب الغريب\nالثالث: ما اعتبر جنسه في جنسه ولا نص ولا إجماع وهذا أيضا من جنس المناسب الغريب إلا أنه دون ذلك.\nالرابع: ما لم يثبت اعتباره ولا إلغاؤه ويسمى بالمناسب المرسل.\nالخامس: المناسب الذي ثبت إلغاؤه اهـ ملخصًا.\nوأما مدرسة الرازي ومن تبعه كالبيضاوي فهي كما عُرِضت في الكتاب، وتبعه الشراح وذكروا لكل نوع مثالًا ومنهم شارحنا السبكي.\nإلا أنّ السبكي ارتأى أن يختار طريقة ابن الحاجب في جمع الجوامع، ولعله تأثر به عند شرحه لمختصر ابن الحاجب. فهو في جمع الجوامع سلك طريقة ابن الحاجب إلا أنه خالفه في أمرين: الأول أنه لم يذكر غريب المناسب، والثاني أنه أخرج الملغى من المرسل وقصر المرسل على ما لم يعتبر ولم يدل الدليل على إلغائه ولم يقسمه إلى ملائم وغيره.\nهذا ما يتعلق بحكاية هؤلاء الأئمة لهذا التقسيم والخلاف في هذه الألقاب أمور اصطلاحية فلا يترتب عليها فائدة.\nينظر: مختصر ابن الحاجب: ٢/ ٣٤٠ - ٣٤١، والآمدي في الإحكام: ٣/ ٣٨٨ - ٣٩٠، والسبكي في جمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٥.","vol":"6","page":2341},{"text":"فنقول المناسب: إمّا أنْ يعتبره الشارع (^١) أو لا.\nالضرب الأول: ما علم اعتبار الشارع له والمراد بالعلم هنا ما هو أعمّ من الظنّ وبالاعتبار إيراد الحكم على وِفقه لا التنصيص عليه، ولا الإيماء إليه وإلا لم تكن العلية مستفادة من المناسبة. وهو أربعة أحوال لأنَّه إما أنْ يعتبر نوعه في نوعه (^٢) أو في جنسه أو جنسه في نوعه أو جنسه.\nالحالة الأولى: أن يعتبر نوعه في نوعه ومثّل له المصنف: بالسكر في الحرمة أي أنّ حقيقة السكر إذا اقتضت حقيقة التحريم، فإنّ النبيذ يلحق بها؛ لأنّه لا فارق بين العلّتين وبين الحكمين إلا اختلاف المحلين، واختلاف المحل لا يقتضي ظاهرًا اختلاف الحالين.\nومثاله: أيضًا قياس المثقّل على الجارح في وجوب القصاص بجامع كونه قتلًا عمدًا محضًا عدوانًا وأنّه عرف تأثير نوع كونه قتلًا عمدًا عدوانًا في نوع الحكم الذي هو وجوب القصاص في النّفس في المحدد.\nالحالة الثانية: أن يعتبر نوعه في جنسه وإليه الإشارة بقوله أو في جنسه. الأخوة من الأب والأم لما اقتضت التقدم في الميراث قيس عليها التقدم في النكاح وما أشبهه، والأخوة من الأب والأم نوع واحد في الموضعين إلا أنّ ولاية النّكاح ليست مثل ولاية الإرث، ولكن\n_________\n(^١) (لاعتباره وعدم اعتباره، فنقول المناسب: إمّا أنْ يعتبره الشارع) ساقط من (غ).\n(^٢) النوع: اسم دال على أشياء كثيرة مختلفة بالأشخاص. التعريفات: ص ٣٠٣.","vol":"6","page":2342},{"text":"بينهما مجانسة في الحقيقة، وهذا القسم دون الأوّل، لأنَّ المفارقة بين المثلين بحسب اختلاف المحلين أقلّ من المفارقة (^١) بين نوعين مختلفين (^٢).\nالحالة الثالثة: أنْ يعتبر جنسه في نوعه: وإليه الإشارة بقوله أو بالعكس، إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض، إذا قيس على إسقاط الركعتين الساقطتين (^٣) عن المسافر في الرباعية تعليلا بالمشقة، فالمشقة جنس وإسقاط قضاء الصلاة نوعٌ واحدٌ يشتمل على صنفين: إسقاط قضاء الكل وإسقاط قضاء البعض، وقد ظهر تأثيرها في هذا النوع ضرورةَ تأثيرها في\n_________\n(^١) في (ص): المفارق.\n(^٢) يقول الشيخ عيسى منون في النبراس: ص ٣٠٨: \"عبارة شراح المنهاج تقتضي أن التقديم في ولاية النكاح مقيس، والتقديم في الإرث مقيس عليه مع أن التقديم هو الحكم، وامتزاج النسبين هو الوصف، والمقيس عليه الأخ الشقيق في حالة الميراث والمقيس نفس الأخ الشقيق في حالة ولاية النكاح أو الصلاة أو تحمل الدية. . . .\nووجه كون التقديم جنسًا تحته أنواع وليس بنوع أن التقديم في الإرث عبارة عن الحكم بكون الأخ الشقيق يرث دون الأخ لأب والتقديم في الصلاة عبارة عن الحكم بأن يصلي على أخيه الميت دون الأخ لأب وهكذا. ولا شك أن هذه الحقائق مختلفة يجمعها جنس وأحد وهو التقديم. ثم إن هذا المثال بناء على أن المراد بالاعتبار هو الاعتبار بالترتيب تقديري؛ لأن امتزاج النسبين مجمع على أنه علّة في التقديم في الميراث\".\nوعبارة الشارح الأخير في قوله \"لأن المفارقة. . . الخ\" يعني أن المفارقة في بين ولاية النكاح وولاية الإرث بحسب اختلاف المحلين أي النكاح والإرث، أقل من المفارقة بين نوعين مختلفين، لأن الأخوة هنا نوع واحد وهي كونه شقيقًا، وليس لأب أو لأم. والله أعلم.\n(^٣) في (ص): الساقطين.","vol":"6","page":2343},{"text":"إسقاط قضاء الركعتين، ولو فرض ورود النّص بسقوط قضاء الصلاة على الحرائر الحيض، وقسنا عليهنّ الإماء، لكان ذلك من الحالة الأولى؛ لظهور تأثير نوعه في نوع الحكم.\nومثال هذا القسم أيضًا قولنا: قليل النبيذ حرام وإن لم يسكر قياسًا على قليل الخمر، وتعليلنا (^١) قليل الخمر بأنّ ذلك يدعو إلى كثيره، فهذا مناسب لم يظهر تأثير نوعه، لكن ظهر تأثير جنسه، إذ الخلوة لما كانت داعية إلى الزنا حرمّها الشارع بتحريم الزنا، وهذا القسم والذي قبله متقاربان لكنّ ذلك أولى؛ لأنَّ الابهام في العلّة أكثر محذورا من الإبهام في المعلول.\nالحالة الرابعة: وإليها الإشارة بقوله: أو جنسه في جنسه اعتبار جنس الوصف في جنس الحكم.\nمثل ما روي أنّ عليًا - ﵁ - أقام الشُرب مقام القذف فقال: أرى أنَّه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى (^٢)، وأوجب عليه حدّ القذف إقامة لمظنة الشيء مقامه قياسًا على الخلوة فإنّها لما كانت مظنة الوطء أقيمت مقامه في الحرمة، ولقائل أنْ يقول كان الوفاء بإقامة المظنّة مقام المظنون أنْ يوجب الحدّ بالخلوة، ولا قائل به، وبتفريع مظنة القذف على مظنّة الوطء أنْ يقال بتحريم ما هو مظنة القذف. كما هو الواقع وكما هو في الأصل ولا يوجب الحدّ فإنّ فيه زيادةً في الفرع\n_________\n(^١) في (غ)، (ت): وتعليل قليل.\n(^٢) سبق تخريجه.","vol":"6","page":2344},{"text":"على الأصل الذي هو (^١) إلحاق الخلوة بالوطء، إذ لم يلحق به في غير الحرمة.\nثمّ اعلم أنّ للجنسية مراتب فأعمّ الأوصاف كونها حكمًا، ثمّ ينقسم الحكم إلى أقسامه من تحريم وإيجاب وغيره والواجب إلى عبادة وغيرها، والعبادة إلى صلاة وغيرها، وتنقسم الصلاة إلى فرض ونفل، فما ظهر تأثيره في الفرائض أخصّ مما ظهر في الصّلاة، وهكذا. وكذا في جانب الأوصاف أعمّ أوصافه كونه وصفًا يناط به الأحكام حتّى تدخل فيه الأوصاف المناسبة وغيرها، وأخصّ منه المناسب الضروري وأخصّ منه ما (^٢) هو كذلك في حفظ النفوس، وبالجملة فإنّما (^٣) يلتفت إلى الأوصاف بعد ظنّ التفات الشرع إليها، وكلّما كان التفات الشرع (^٤) إليه أكثر كان الظنّ كونه معتبرًا أقوى وكلّما كان الوصف والحكم أخصّ كان ظنّ كون ذلك الوصف معتبرًا في حقّ ذلك الحكم آكد فيكون مقدمًا على ما هو أعمّ منه.\nقال: (لأنَّ الاستقراء دلّ على أنّ الله تعالى شرع أحكامه لمصالح العباد تفضلا وإحسانا فحيث ثبت حكم وهناك وصف ولم يعلم غيره ظنّ كونه علّة).\n_________\n(^١) (هو) ليس في (ت).\n(^٢) (ما) ليس في (ص)، (غ).\n(^٣) في (ت): فإنّا.\n(^٤) (الشرع) ليس في (ت).","vol":"6","page":2345},{"text":"هذا دليل على (^١) أنّ ما تقدم من المناسب يفيد العليّة، وتقريره أنّا استقرينا (^٢) أحكام الشرع فوجدناها على وفق مصالح العباد، وذلك من فضل الله تعالى وإحسانه لا بطريق الوجوب عليه، خلافًا للمعتزلة، فحيث ثبت حكم وهناك وصف صالح لعلية ذلك الحكم ولم يوجد غيره يحصل ظنّ أنّ ذلك الوصف علّة لذلك الحكم والعمل بالظنّ واجب.\nوقد ادّعى بعضهم الإجماع على أنّ الأحكام مشروعة لمصالح العباد (^٣)، قال: وذلك إما بطريق الوجوب عند المعتزلة أو الإحسان عند الفقهاء من أهل السنّة (^٤) وهذه الدّعوى باطلة؛ لأنَّ المتكلمين لم يقولوا بتعليل الأحكام\n_________\n(^١) (على) ليس في (ت).\n(^٢) الاستقراء: هو تتبع جزئيات الشيء وهو قسمان:\nاستقراء تام: وهو الاستقراء بالجزئي على الكلي نحو كل جسم متحيز، فإنه لو استقريت جميع جزئيات الجسم من جماد وحيوان ونبات لوجدتها متحيزة. وهذا الاستقراء دليل يقيني فيفيد اليقين.\nوالاستقراء الناقص: هو الاستقراء بأكثر الجزئيات نحو كل حيوان يحرك فكه الأسفل عند المضغ وهذا دليل ظني فلا يفيد إلا الظن، لجواز وجود جزئي لم يستقرأ ويكون حكمه مخالفا لما استقرئ كالتمساح فإنه يحرك فكه الأعلى عند المضغ.\nينظر: الكليات: ص ١٠٥ - ١٠٦، والتعريفات: ص ١٨، ومعيار العلم: ١٦٠، والوقيف على مهمات التعاريف: ص ٦٠.\n(^٣) يعني به الآمدي في الأحكام: ٣/ ٤١١ فقد قال: \"الفصل الثامن في إقامة الدلالة على أنّ المناسبة والاعتبار دليل كون الوصف علة وذلك لأن الأحكام إنما شرعت لمقاصد العباد. أما أنها مشروعة لمقاصد وحكم، فيدل عليه الإجماع والمعقول. . .\".\n(^٤) ينظر الإحكام للآمدي: ٣/ ٤١١.","vol":"6","page":2346},{"text":"بالمصالح لا بطريق الوجوب ولا الجواز، وهو اللائق بأصولهم، وكيف ينعقد الإجماع مع مخالفة جماهير المتكلمين؟\nوالمسألة من مسائل علمهم وقد قالوا لا يجوز أنْ تعلل أفعال الله تعالى؛ لأنَّ (^١) من فعل فعلًا لغرض كان حصوله بالنسبة إليه أولى، سواء كان ذلك الغرص يعود إليه أم إلى الغير، وإذا كان كذلك يكون ناقصًا في نفسه مستكملًا في غيره ويتعالى الله سبحانه عن ذلك (^٢).\nقال: (وإن لم يعتبر فهو (^٣) المناسب المرسل اعتبره مالك).\nتقدم الكلام في المناسب إذا اعتبره الشارع، وإن لم يعتبره فوراء ذلك حالتان:\n_________\n(^١) في (غ): لا من فعل.\n(^٢) وقد أجاب عليه الآمدي في الإحكام حين قال: إن المتكلمين إنما نفوا العلّة والباعث بالمعنى الحقيقي. ولا أظن أحدًا من العقلاء ينفي أن الله حكيم لا يفعل إلا لحكمة، ولا يشرع حكما إلا لحكمة من غير أن تكون باعثة له بحيث يعد بذلك مستكملًا بغيره بل على معنى أنها غاية وحكمة مترتبة على فعله وحكمه. ثم قال أيضا: وأما المعقول فهو أن الله حكيم في صنعه فرعاية الغرض إما أن يكون واجبا أو لا يكون واجبًا، فإن كان واجبًا فلم يحل عن المقصود ففعله للمقصود يكون أقرب إلى موافقة المعقول من فعله بغير مقصود، فكان لازما من فعله ظنًا وإذا كان المقصود لازما في صنعه فالأحكام من صنعه فكانت لغرض ومقصود والغرض إما أن يكون عائدًا إلى الله تعالى أو إلى العباد ولا سبيل إلى الأول لتعاليه عن الضرر والانتفاع ولأنه على خلاف الإجماع فلم يبق سوى الثاني. . . . وخشية الإطالة لسردت جميع أدلته في الردّ على المقولة التي ساقها السبكي. ينظر الإحكام للآمدي: ٣/ ٤١١ - ٤١٢.\n(^٣) في (ت): وهو المناسب.","vol":"6","page":2347},{"text":"إحداهما: أنْ لا يعلم أنّ الشارع اعتبره ولا ألغاه، وفيها كلام المصنف، وذلك هو المناسب المرسل وقد قال به مالك بن أنس ﵀ وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى مبسوطًا في الكتاب الخامس فإنّ صاحب الكتاب هناك ذكره (^١).\nوالثانية: أنْ يلغيه الشارع ولم يذكرها المصنف، فهذا لا يجوز التعليل به باتفاق القياسيين ومثاله: قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان عليك صوم شهرين متتابعين (^٢)، فلما أنكره (^٣) عليه حيث لم يأمره (^٤) بالإعتاق مع اتساع ماله، قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه، واستحقر عتق رقبة في قضاء شهوته، فكانت المصلحة عندي في إيجاب الصوم لينزجر، فهذا قول باطل (^٥)، ومخالف لنص الكتاب بما\n_________\n(^١) سيأتي في الأدلة المختلف فيها وهو الخامس من الأدلة.\n(^٢) يحكى أن عبد الرحمن بن الحكم الأموي الأمير المعروف واقع جاريته في نهار رمضان فأفتى الإمام يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي بأن لا كفارة له إلا صيام شهرين متتابعين قال: لأن ذلك أدعى لزجره فأنكر العلماء على الإمام يحيى بسبب هذه الفتوى. ينظر: المستصفى: ١/ ١٨٥، والمحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢٢٩، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٨٥، فواتح الرحموت: ٢/ ٢٦٦.\n(^٣) في (ت): أنكر.\n(^٤) في (غ): لم يأت.\n(^٥) إنما أفتاه بذلك لأن كفارة الصيام عند المالكية على التخيير فلا وجه للإنكار.\nقال السعد: وإنما خصّ كفارة الظهار بالذكر مع أن كفارة الصوم كذلك؛ لأنَّ ثبوت الإلغاء في كفارة الظهار أظهر لأن الصوم قبل العجز عن الاعتاق ليس بمشروع في حقه أصلا لكونه مترتبة بالنص القاطع والإجماع بخلاف كفارة الصوم فإنها على =","vol":"6","page":2348},{"text":"اعتقده مصلحةً (^١) وفتحُ هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصه، بسبب (^٢) تغير الأحوال، ثمّ إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم يحصل الثّقة بقولهم للمستفتين ويظنّ الظانّ أنّ فتياهم بتحريف من جهتهم بالرأي.\nفإن قلت: قولكم آنفًا هذه الحالة لم يذكرها المصنف مدخول؛ لأنّها داخلة في عموم قوله: وإن لم يعتبر، ولا يقال: هي وإنْ دخلت في كلامه فلم يردها؛ لعدم الاختلاف في بطلانها؛ لأنَّ ابن الحاجب قد جعل المرسل هو ما لم يعتبر سواءً علم إلغاؤه أم لا (^٣).\nونقل بعضهم القول بالمرسل عن مالك فتركب من ذلك إنْ كان مالكًا يخالف فيما علم إلغاؤه أيضًا.\nقلت: هذا التركيب غير صحيح؛ لأنَّ الذي نقَلَ عن مالك أنَّه اعتبر المرسل، لم يقل: إنّ المرسل ما لم يعتبر سواءً عُلِم إلغاؤه أم لا؟ . ومن قال: إنّ المرسل أعمّ مما علم إلغاؤه كابن (^٤) الحاجب صرّح بوقوع الاتفاق على\n_________\n= التخيير عند مالك وبالجملة فإيجاب الصوم ابتداء على التعيين مناسب، لكن لم يثبت اعتباره بنص أو بإجماع ولا ترتيب الحكم على وفقه فهو مرسل ومع ذلك فقد علم أن الشارع لم يعتبره ولم يوجب الصوم على التعيين في حق أحد. اهـ. ينظر: حاشية التفتازاني على العضد شرح مختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٤٤.\n(^١) في (غ): بما اعتقد مصلحته.\n(^٢) (بسبب) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر ابن الحاجب: ٢/ ٢٤٣.\n(^٤) في (غ): كان.","vol":"6","page":2349},{"text":"ما علم إلغاؤه (^١).\nوقد قال إمام الحرمين: في باب ترجيح الأقيسة من كتاب الترجيح ولا نرى التعليق عندنا بكل مصلحة، ولم ير ذلك أحد من العلماء. قال: ومن ظنّ ذلك بمالك فقد أخطأ (^٢) انتهى.\nفإذا كان مالك لا يرى التعليق بكلّ مصلحة مع أنّ من حملة ذلك ما لم يعلم إلغاؤه فكيف يقول بما علم إلغاؤه؟ .\nقال: (والغريب: ما أثّر هو فيه، ولم يؤثر جنسه في جنسه كالطعم في الربا (^٣).\nوالملائم: ما أثّر جنسه في جنسه (^٤) أيضًا.\nوالمؤثر: ما أثّر جنسه فيه).\nهذا تقسيم (^٥) للضرب الأوّل من المناسب وهو ما علم أنّ الشارع اعتبره وقد قسّمه المصنف إلى غريب (^٦). . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) ينظر ابن الحاجب: ٢/ ٢٤٣.\n(^٢) ينظر: البرهان: ٢/ ١٢٠٤.\n(^٣) (كالطعم في الربا) ليس في (غ).\n(^٤) (كالطعم في الربا والملائم: ما أثّر جنسه في جنسه) ساقط من (ت).\n(^٥) في (ت): هذا القسم.\n(^٦) الغريب: هو الذي أثر نوعه في نوع الحكم، ولم يؤثر جنسه في جنسه، وسمي به لكونه لم يشهد غير أصله المعيّن باعتباره، ومثاله الطعم في الربا، فإن نوع الطعم =","vol":"6","page":2350},{"text":"وملائم (^١) ومؤثر (^٢).\nوعبارات المصنفين في التعبير عن هذه الأقسام مضطربة، والأمر فيه قريب لكونه أمرًا اصطلاحيًا، ونحن نأتي بما ذكره المصنف ونشير إلى قليل من كلام غيره.\nفنقول: الوصف إمّا أنْ يؤثر نوعه في نوع الحكم ولا يؤثر جنسه في جنسه أو لا يكون كذلك.\nوالأول: هو الغريب وهو مقبول عند جماهير القياسيين وسمي بذلك؛ لأنّه لم يشهد غير أصله المعين باعتباره، وذلك كالطعم في الربا فإنّ كلّ واحدٍ من نوع الطعم يؤثر في نوع من الأحكام، وهو حرمة الربا إذا بيع ذلك النوع بمثله كالبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر،\n_________\n= مؤثر في حرمة الربا، وليس جنسه مؤثرًا في جنسه.\nينظر: نهاية السول مع حاشية بخيت: ٤/ ١٠١. وينظر جميع تعاريفه عند جميع الأصوليين في موسوعة مصطلحات أصول الفقه عند المسلمين: ٢/ ١٠٦٣ - ١٠٦٥.\n(^١) الملائم: هو ما أثر جنسه في جنسه، كما أثر نوعه في نوعه، كالقتل العمد العدوان مع وجوب القصاص، فإن نوعه مؤثر في وجوب القصاص، وكذا جنسه وهو الجناية مؤثر في جنس القصاص وهو العقوبة.\nينظر: نهاية السول مع حاشية بخيت: ٤/ ١٠١. وينظر جميع تعاريفه عند جميع الأصوليين في موسوعة مصطلحات أصول الفقه عند المسلمين: ٢/ ١٥٤٣ - ١٥٤٥.\n(^٢) المؤثر: ما أثر جنسه في نوع الحكم لا غر كالمشقة مع سقوط الصلاة.\nينظر: نهاية السول مع حاشية بخيت: ٤/ ١٠٢. وينظر جميع تعاريفه عند جميع الأصوليين في موسوعة مصطلحات أصول الفقه عند المسلمين: ٢/ ١٥٦٠ - ١٥٦٤.","vol":"6","page":2351},{"text":"ولا يؤثر جنس هذه الأنواع وهو الطعم في جنس الربا وهو زيادة أحد العوضين على الآخر، بدليل جواز بيع بعض الأنواع كالشعير مثلًا ببعض آخر كالبر مثلًا متفاضلًا مع وجود الطعم فيهما.\nوالثاني: أنْ لا يكون كذلك، فإمّا أنْ يكون أثر نوعه (^١) في نوع الحكم وجنسه أيضًا في جنس الحكم أو لَا.\nوالأول الملائم وقد اتفق القياسيون على قبوله كالقتل العمد العدوان في وجوب القصاص، إذا أثّر نوعه في وجوب القصاص الذي هو نوع من الحكم، وكذلك جنسه وهي الجناية التي هي أعمّ من القتل، حيث أثّرت في جنس المؤاخذة (^٢) وجوبًا أو جوازًا وذلك أعمّ من وجوب القصاص.\nوالثاني أنْ يكون جنسه مؤثرًا في نوع الحكم لا غير كالمشقة المشتركة بين الحائض والمسافر في سقوط قضاء الصّلاة على ما تقدم بيانه، وكقياس الجمع بين الصلاتين في الحضر بعذر المطر على الجمع في السفر بجامع الحرج فإنّ جنس الحرج مؤثر في نوع الحكم وهو إباحة الجمع، وكقياس من شذّ من أصحابنا وجوّز الجمع للمرض (^٣)، فهو المؤثر\n_________\n(^١) في (ص): نوعيه.\n(^٢) في (غ): حده.\n(^٣) قال القفال الشاشي في حلية العلماء بتحقيق ياسين درادكة: ٢/ ٢٧ \"ولا يجوز الجمع لمرض ولا خوف، وقال أحمد مجوز الجمع للمرض والخوف وحكى ابن المنذر عن ابن سيرين أنه قال يجوز الجمع من غير مرض ولا خوف واختاره ابن المنذر\".","vol":"6","page":2352},{"text":"عند صاحب الكتاب (^١) وسماه غيره بالملائم.\nوقال قوم المؤثر: هو ما دلّ نص أو إجماع على عليته سواء كان مناسبًا كما تقدم من الأمثلة أو غير مناسب كالمني؛ لإيجاب الغسل واللّمس لنقض الوضوء، وقالوا: إنّما سُمِّي بذلك؛ لأنّه ظهر تأثيره فلم يحتج مع ذلك إلى المناسبة.\nوأمّا الإمام - ﵁ - فإنّه قال في تعريف الغريب الملائم ما قاله المصنف، وقال في المؤثر عكس مقالته، فجعله ما يكون الوصف فيه مؤثرًا في جنس الحكم دون غيره (^٢)، كامتزاج النسبين مع تقديم الأخ من الأبوين، وكالبلوغ فإنّه يؤثر في رفع الحجر عن المال، فيؤثر في رفعه عن النكاح دون النيابة، فإنّها لا تؤثر في جنس هذا الحكم، وهو رفع الحكم ثم قال الإمام: إنّ ذلك إنّما يتمّ بالمناسبة (^٣) أو السبر (^٤).\nقال: (مسألة المناسب: لا تبطل المعارضة؛ لأنَّ الفعل وإن تضمّن ضررًا أزيَدَ من نفعه لا يصير نفعه غير نفع، لكن يندفع مقتضاه).\nإذا تضمّن الوصف المشتمل على مصلحة مقتضية لمناسبة مفسدة هل يكون تضمنه لها موجبًا لبطلان مناسبته (^٥)؟ فيه مذهبان: -\n_________\n(^١) أي البيضاوي.\n(^٢) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢٣١.\n(^٣) في (ص): المناسب.\n(^٤) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦.\n(^٥) المراد من بطلان المناسبة أن لا يقضي العقل بمناسبتها للحكم عند وجود =","vol":"6","page":2353},{"text":"أحدهما: واختاره صفي الدّين الهندي وابن الحاجب نعم (^١).\nوالثاني: وبه جزم في الكتاب تبعًا للإمام أنّها لا تبطل (^٢).\nواحتج عليه بأنّ الفعل إذا تضمن مصلحة ومفسدة (^٣)، فإمّا أن تترجح مصلحته على مفسدته، فالرّاجح لا يَبْطُل بالمرجوح، أو تكون مساوية لها فيلزم الترجيح من غير مرجح، أو أنقص منها، فالفعل وإنْ تضمن ضررًا أزيد من نفعه، لا يصير نفعه بذلك التّضمن غير نفع، ولا يخرج عن حقيقته، وغاية الأمر أنّ مقتضاه لا يترتب عليه، وذلك غير قادحٍ في المناسبة؛ لأنَّ انتفاء (^٤) المانع شرط في ترتب المقتضى، والمانع هنا موجود (^٥).\nوقد اقتصر المصنف على هذا القسم الثالث؛ لأنَّ المناسبة إذا لم تبطل فيه بمعارضة المفسدة الراجحة لم تبطل في غيره بطريق أولى.\nواعترض على هذا الدليل: بأنّا على تقدير كونها مساويةً\n_________\n= ما يعارضها، وهذا يعني أن لا يكون لها أثر في اقتضاء الحكم، وليس المراد من بطلانها أن يكون الوصف خاليا عن استلزام المصلحة ونفيها عنه. ينظر تعليقات الشيخ بخيت على شرح الإسنوي: ٤/ ١٠٥.\n(^١) ينظر: نهاية الوصول: ٨/ ٢٣٠٩، والعضد على مختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٤١، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣٩٦.\n(^٢) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢٣٢.\n(^٣) في (غ): أو مفسدة.\n(^٤) في (غ): لانتفاء.\n(^٥) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣.","vol":"6","page":2354},{"text":"لها لا نسلم لزوم الترجيح من غير مرجّح، وهذا لأنَّ إبطال مناسبة المصلحة بإعمالِ مناسبة المفسدة أولى؛ لأنَّ دفع المفاسد مقدّم (^١) على جلب المصالح، ولقائل أنْ يقول تقديم درء المفاسد على جلب المصالح (^٢) عند التعارض، إنّما هو فيما إذا تساويا من حيث المصلحةُ والمفسدةُ، أمّا لو ترجح جانب المصلحة مثل إنْ عظم وقعها (^٣) وجلّ خطبها على جانب المفسدة (^٤)، فإنْ حقر أمرها وقلّ، فلا نسلم هنا أنّ درءَ هذه المفسدة أولى من جلب تلك المصلحة (^٥)، ولعلّ هذه الحالةَ هي المرادة بالمساواة في الدليل وإلا فعلى تقدير مطلق كونها مصلحة مع كونها مفسدة أين المساواة؟ مع ترجح درء المفاسد.\nواعترض عليه أيضًا (^٦): بأنّ العقلاء يَعُدُّون فعل ما فيه مفسدة مساوية للمصلحة عبثًا وسفهًا، فإنّ من سلك مسلكًا يفوت درهمًا ويحصّل آخر مثله، أو أقلّ منه عدّ عابثًا وسفيهًا.\nواعلم أنّ كلّ من قال بتخصيص العلّة (^٧) يقول ببقاءِ المناسبتين\n_________\n(^١) (مقدم) ليس في (غ).\n(^٢) (ولقائل أنْ يقول تقديم درء المفاسد على جلب المصالح) ساقط في (ت).\n(^٣) في (ت): وفقها.\n(^٤) (أمّا لو ترجح جانب المصلحة مثل إنْ عظم وقعها وجلّ خطبها على جانب المفسدة) ساقط من (غ).\n(^٥) (فإن حقر أمرها وقلّ، فلا نسلم هنا أنّ درءَ هذه المفسدة أولى من جلب تلك المصلحة) ساقط من (ت).\n(^٦) (أيضا): ليس في (غ).\n(^٧) تخصيص العلّة: قد يعبر عنه بعدم النقض أو المناقضة، بمعنى أن الحكم إذا تخلف =","vol":"6","page":2355},{"text":"للمصلحة والمفسدة؛ لأنَّ القول بإحالة انتفاء الحكم على تحقق المانع مع وجود المقتضى، إمّا أنْ يكون مناسبته راجحة أو مساوية أو مرجوحة، فإنْ كان الأولَّ أو الثاني فقد لزم منه تحقيق مناسبة المقتضى المرجوحة أو المساوية، وإلّا فقد كان الحكم منتفيًا؛ لانتفاء المقتضى لا لوجود المانع، فإنّ المقتضى إذا لم يكن مناسبًا لم يكن مقتضيًا، فكان الانتفاء مضافًا إليه؛ لأن إضافةَ انتفاء الحكم إلى عدم المقتضى أولى من إضافة انتفائه إلى وجود المانع، لكنّه خلفٌ، إذ التقدير أن انتفاء الحكم إنما هو لوجود المانع، وإن كان الثالث؛ فلأنّه لا بد أن يكون المانع مناسبًا لانتفاء الحكم إذ لو جاز انتفاء الحكم بما ليس بمناسب للانتفاء لجاز ثبوته بما ليس مناسبًا للثبوت مع عدمِ جهة أخرى للعليّة، ويلزم من ذلك القول ببقاء المناسبة المرجوحة مع المعارضة إذ الفرض أنّ مفسدة المانع مرجوحة، وأمّا من لم يقل بتخصيص العلّة فهم المختلفون في المسألة (^١).\n_________\n= عن العلة في موضع سمي هذا التخلف نقضًا لها. وصارت غير مطردة ويصدق عليها حينئذ أنها خصت بغير هذا المحل للدليل الذي منع من وجود الحكم هنا وهو المانع. فالذي شرط الطرد منع صحة المنقوضة كما منع جواز تخصيصها، والذي لم يشترط ذلك اعترف بصحة المنقوضة وجوز التخصيص فيها. ينظر: المعتمد: ٢/ ٢٨٣، والبرهان: ٢/ ٩٨٢ - ٩٨٧، والمستصفى: ٢/ ٣٣٦، الإحكام للآمدي: ٣/ ٣١٥، وأصول السرخسي: ٢/ ٢٤٦ وما بعدها.\n(^١) يقول السرخسي في أصوله: ٢/ ٢٠٨ \"وزعم بعض أصحابنا أن التخصيص في العلل الشرعية جائز وأنه غير مخالف لطريق السلف ولا لمذهب أهل السنة وذلك خطأ عظيم من قائله فإن مذهب من هو مرضي من سلفنا أنه لا يجوز التخصيص في العلل =","vol":"6","page":2356},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-538>(الخامس الشبه</span>. قال القاضي: المقارن للحكم إن ناسبه بالذات كالسكر للحرمة فهو المناسب أو بالتبع كالطهارة لاشتراط النيّة فهو الشبه وإن لم يناسب فهو الطرد كبناء القنطرة للتطهير.\nوقيل: ما لم يناسب إن علم اعتبار جنسه فهو المناسب. وإلا فالطرد).\nاسم الشبه (^١) ينطلق على كلّ قياس فإنّ الفرع يلحق بالأصل بجامع لشبَهِه (^٢) فيه، فهو إذن تشبيه، ولكن اصطلح على تسمية بعض الأقيسة به (^٣)، وقد اختلف في تعريف الشبه المصطلح على مقالات ذكر منها المصنف مقالتين:\nالأولى: مقالة القاضي أبي بكر وهي (^٤): مقتضى إيراد إمام الحرمين في البرهان (^٥) أنّ الوصف المقارن للحكم إمّا أنْ يناسبه بالذات فهو المناسب كالسكر للتحريم إذ السكر مناسب بالذات لتحريم المسكر أو لا.\n_________\n= الشرعية ومن جوز ذلك فهو مخالف لأهل السنة مائل إلى أقاويل المعتزلة في أصولهم\".\n(^١) في (ص): الشبيه.\n(^٢) في (ص): يشبهه.\n(^٣) كقياس الدلالة. قال إمام الحرمن: \". . . . وهذا القسم سماه بعض المتأخرين قياس الدلالة من حيث إنه يتضمن شبيها دالا على المعنى\". ينظر: البرهان: ٩/ ٨٦٧، والإحكام للآمدي: ٣/ ٤٢٥.\n(^٤) في (ص): وهو.\n(^٥) ينظر: البرهان: ٢/ ٨٧٠ - ٨٧٧.","vol":"6","page":2357},{"text":"فإمّا أن يناسبه بالتبع أي بالالتزام فهو الشبه كالطهارة لاشتراط النيّة فإنّ الطهارة من حيث هي لا تناسب اشتراط النيّة لكن تناسبها من حيث إنّها عبادة والعبادة مناسبة لاشتراط النية (^١).\nأو لا يناسبه مطلقًا فهو الطرد، وهو حكم لا يعضده معنى ولا شبه، كقول بعضهم الخلّ مائع لا تُبْنَى القنطرة على جنسه، فلا تزال النجاسة به كالدّهن فكأنّه علل إزالة النجاسة بالماء بأنّه تبنى القنطرة على جنسه، واحترز عن الماء القليل وإن كان لا تُبنى القنطرة عليه، لأنّه يبنى على جنسه فهذه علّة مطردة لا نقض عليها، وليس فيها خصلة سوى الاطراد، ونعلم أنّها لا تناسب الحكم ولا تستلزم ما يناسبه، فإنّا نعلم أنّ الماء جعل مزيلًا للنجاسة لخاصية (^٢) وعلل وأسباب يعلمها الله تعالى وإن لم نعلمها، ونعلم أنّ بناء القنطرة مما لا يوهم الاشتمال عليها ولا يناسبها، وقد علم من هذا التقسيم أنّ الشبه هو الوصف المقارن للحكم المناسب له بالتبع، دون الذّات.\nوإنْ شئت قلت: المستلزم لما يناسبه وهو الذي نقلوه عن القاضي كما عرفت والذي رأيته في مختصر التقريب والإرشاد من كلامه أنّ قياس الشبه هو (^٣) إلحاق فرعٍ (^٤) بأصلٍ؛ لكثرة أشباهه للأصل\n_________\n(^١) (لكن تناسبها من حيث إنها عبادة والعبادة مناسبة لاشتراط النية) ساقط من (غ).\n(^٢) في (ص): بخاصة.\n(^٣) (هو) ليس في (ص).\n(^٤) في (ت): نوع.","vol":"6","page":2358},{"text":"في الأوصاف من غير أنْ يعتقد أنّ الأوصاف التي شابه الفرع فيها الأصل علّة حكم الأصل (^١).\nالمقالة الثانية: أنّ الوصف الذي لا يناسب الحكم إنْ علم اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب لذلك الحكم فهو الشبه؛ لأنّه من حيث كونُه غير مناسب يظنّ (^٢) عدم اعتباره ومن حيث إنّه عرف تأثير جنسه القريب (^٣) في الجنس\n_________\n(^١) ينظر: التلخيص: ٣/ ٢٣٥ - ٢٣٦.\n(^٢) في (ت): فظنّ.\n(^٣) الجنس القريب: سبق وأن عرفنا الجنس، وبقي أن نقول أنه ينقسم إلى أقسام منها: الجنس القريب والجنس البعيد. يقول المناوي في التوقيف على مهمات التعاريف ص ٢٦٤: \"الرسم التام ما تركب من الجنس القريب والخاصة كتعريف الإنسان بالحيوان الضاحك الرسم الناقص ما يكون بالخاصة وحدها أو بها وبالجنس البعيد كتعريف الإنسان بالضاحك، وبالجسم الضاحك وبعرضيات تختص جملتها بحقيقة كقولنا في تعريف الإنسان إنه ماش على قدميه عريض الأظفار بادي البشرة مستقيم القامة ضحاك بالطبع\".\nقال الرازي في المحصول: ٢/ ق ٢/ ٢٢٨ \"ثم أعلم أنّ للجنسية مراتب فأعم أوصاف الأحكام كونها حكما ثم ينقسم الحكم إلى تحريم وإيجاب وندب وكراهة والواجب ينقسم إلى عبادة وغيرها والعبادة تنقسم إلى الصلاة وغيرها والصلاة تنقسم إلى فرض ونفل فما ظهر تأثيره في الفرض أخص مما ظهر تأثيره في الصلاة وما ظهر تأثيره في الصلاة أخص مما ظهر تأثيره في العبادة وكذا في جانب الوصف أعم أوصافه كونه وصفا تناط به الأحكام حتى تدخل فيه الأوصاف المناسبة وغير المناسبة\" وينظر: نهاية السول مع حاشية بخيت: ٤/ ٩٧، والمدخل لابن بدران: ص ٣٢٩، وروضة الناظر: ٢/ ٣٠٤.","vol":"6","page":2359},{"text":"القريب (^١) للحكم مع أنّ غيرَه من الأوصاف ليس كذلك لظنِّ أنَّه أولى بالاعتبار وتردد بين أنْ يكون معتبرًا أو لا يكون، وإن لم يعلم اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب للحكم فهو الطرد (^٢).\nوعلم من هذا التقسيم أنّ الشبه هو الوصف الذي لا يكون مناسبًا للحكم المعلوم اعتبارُ جنسه القريب في الجنس القريب للحكم.\nومثال هذا: إيجاب المهر بالخلوة على القديم (^٣)، فإنّ الخلوة لا تناسب وجوب المهر؛ لأنَّ وجوبه في مقابلة الوطء إلّا أنّ جنس هذا الوصف وهو كون الخلوة مظنّة للوطء معتبرًا في جنس الوجوب وهو الحكم بتحريم الخلوة بالأجنبية.\nواعلم أنّ تعبير المصنف عمّا ليس بمناسب ولا مستلزم للمناسب بالطرد، موافق (^٤) لعبارة الإمام (^٥) وأتباعه ومن قبلهم إمام الحرمين (^٦)\n_________\n(^١) (في الجنس القريب) ليس في (ت).\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٤٢٥ - ٤٢٦، وسيأتي تعريف الطرد قريبًا في مسالك العلّة.\n(^٣) قال الغزالي في الوسيط: \"ولا يتقرر كمال المهر إلا بالوطء. . . فأما الخلوة، فلا تقرِّر على الجديد من القولين، ومنهم من قطع بأن الخلوة لا تقرر وجها واحدا، وحمل نص القديم على أن الخلوة تؤثر في جعل القول قولها إذا تنازعا في الوطء؛ لأجل التقرير\" ينظر: الوسيط: ٥/ ٢٢٦، ومختصر المزني: ص ١٣.\n(^٤) في (غ)، (ت): هو موافق.\n(^٥) ينظر: المحصول للرازي: ٢/ ق ٢/ ٣٠٥.\n(^٦) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ٧٨٨.","vol":"6","page":2360},{"text":"والغزالي (^١) وغيرهما، وعبّر عنه الآمدي بالطردي (^٢) بزيادة الياء، وهو أحسن، فإنّ الطرد (^٣) عند المصنف من جملة طرق العلّة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nقال (واعتبر الشافعي - ﵁ - المشابهة في الحكم.\nوابن عليّة في الصورة.\nوالإمام ما يظن استلزامه.\nولم يعتبر القاضي مطلقًا).\nالمختارُ أنّ قياس الشبه (^٤) حجّة والخلاف فيه مع القاضي أبي بكر، والصيرفي، وأبي إسحاق المروزي (^٥)، وأبي إسحاق الشيرازي، فإنّهم لم\n_________\n(^١) ينظر المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٠٧.\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٤٢٦.\n(^٣) في (ت): فإن الياء.\n(^٤) قياس الشبه: قال ابن قدامة في الروضة ٢/ ٣١٢: \"فصل في قياس الشبه واختلف في تفسيره ثم في أنه حجة؛ فأمّا تفسيره فقال القاضي يعقوب: هو أن يتردد الفرع بين أصليين حاظر ومبيح مثلا ويكون شبهه بأحدهما أكثر نحو: أن يشبه المبيح في ثلاثة أوصاف ويشبه الحاظر في أربعة فلنلحقه بأشبههما به. ومثاله تردد العبد بين الحر وبين البهيمة في أنه يملك فمن لم يملكه قال: حيوان مجوز بيعه ورهنه وهبته وإجارته وإرثه أشبه بالدابة\".\n(^٥) هو إبراهيم بن أحمد المروزي الفقيه الشافعي الأصولي، تفقه على أبي العباس بن سريج، ونشر مذهب الشافعي في العراق، انتهت إليه طريقة العراقيين والخراسانيين في المذهب الشافعي، له شرح على مختصر المزني، توفي ﵀ سنة (٣٤٠ هـ) =","vol":"6","page":2361},{"text":"يعتبروه وأنكروا حجيته، ولكن هو عند القاضي صالح لأنْ يُرَجح به (^١) كما ذكر في باب ترجيح العلل من التقريب (^٢).\nثمّ القائلون بأنّه حجّة اختلفوا في أنَّه في ماذا يعتبر؟ فاعتبر الشافعي - ﵁ - المشابهة في الحكم ولهذا ألحق العبد المقتول بسائر المملوكات في لزوم قيمته على القاتل، بجامع أنّ كلّ واحد منهما يباع ويشترى (^٣).\nومن أمثلته: أنْ نقول في الترتيب في الوضوء عبادة يبطلها الحدث فكان الترتيب فيها مستحقًا، أصله الصلاة، فالمشابهة في الحكم الذي هو البطلان بالحدث، ولا تعلق له بالترتيب وإنّما هو مجرد شبه.\n_________\n= بمصر، ودفن عند الشافعي.\nينظر ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات: ٢/ ١٨٥، وطبقات الشافعية للإسنوي: ٢/ ٣٧٥ - ٣٧٦، وسير أعلام النبلاء: ١٥/ ٤٢٩ - ٤٣٠.\nومما ينبغي أن ننبه عليه في هذا المقام من باب تعميم الفائدة:\nأنه حيث أطق أبو إسحاق في المذهب الشافعي فالمراد به المروزي المترجم له آنفًا.\nوإذا قيد الكنية بلفظ الشيخ فالمراد به الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الشيرازي صاحب المهذب. وإذا قيد الكنية بلفظ الأستاذ فالمراد به الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الإسفراييني وهو الأصولي المشهور.\n(^١) (به) ليس في (غ).\n(^٢) ينظر: التلخيص للجويني: ٣/ ٣٢٥ حيث قال \"ومنها الترجيح بكثرة الأشباه على ما قدمناه في أقسام القياس وإلا ظهر أنا وإن لم نجوز التمسك به ابتداءً، فيجوز الترجيح به\".\n(^٣) قال الشافعي في الأم: ٦/ ٢٣ \"قال الشافعي: وهكذا لو أن حرا وعبدا قتلا عبدا عمدا كان على الحر نصف قيحمة العبد المقتول وعلى العبد القتل\".","vol":"6","page":2362},{"text":"ومنها: الأخ لا يستحق النفقة (^١) على أخيه؛ لأنّه لا تحرمُ منكوحة أحدهما على الآخر، فلا يستحق النفقة كقرابة بني العمّ.\nواعتبر ابن علية (^٢) المشابهة في الصورة دون الحكم ومقتضى ذلك قتل الحرّ بالعبد وهذا ما نقله إمام الحرمين في البرهان عن أبي حنيفة في إلحاقه التّشهد الثاني بالأوّل في عدم الوجوب حيث قال: تشهد فلا يجب كالتّشهد الأوّل (^٣) فكذلك قوله: يقتل الحرِّ بعبد (^٤) الغير (^٥).\nوعن أحمد أيضا في إلحاقه الجلوس الأوّل بالثاني في الوجوب، حيث قال: أحد الجلوسين في الصلاتين فيجب كالجلوس الأخير (^٦).\nوقال الإمام: المعتبر حصول المشابهة فيما يظنّ أنَّه مستلزم لعلّة الحكم\n_________\n(^١) في بقية النسخ: التقدم.\n(^٢) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي بالولاء، البصري، أبو بشر، ولد سنة ١١٠ هـ، وكان من أكابر حفاظ الحديث، كوفي الأصل، ثقة مأمون، وَلِيَ صدقات البصرة، ثم المظالم ببغداد في آخر خلافة هارون الرشيد وتوفي بها سنة ١٩٣ هـ وكان يكره أن يقال له ابن علية وهي أمه.\nينظر ترجمته في: طبفات ابن أبي يعلى: ١/ ٩٩ - ١٠٢، تاريخ بغداد: ٦/ ٢٢٩، تهذيب التهذيب: ١/ ٢٧٥ - ٢٧٩.\n(^٣) ينظر: البرهان: ٢/ ٨٦١\n(^٤) (تشهد فلا يجب كالتّشهد الأوّل فكذلك قوله يقتل الحر بعبد) ساقط في (غ).\n(^٥) ينظر: بدائع الصنائع للكساني: ٧/ ٢٣٢.\n(^٦) ينظر: الروض المربع: ص ٥٩.","vol":"6","page":2363},{"text":"أو علة (^١) للحكم فمتى كان كذلك صحّ القياس سواء كانت المشابهة في الصورة أو المعنى (^٢).\nواعلم أنّ صاحب الكتاب لم يصرّح بذكر قياس عليّة الأشباه، وهو أنْ يكون الفرع مترددًا بين أصلين لمشابهته لهما، فيلحق بأحدهما لمشابهته له في أكثر (^٣) صفات مناط الحكم، ولعله ظنّه قسمًا من قياس الشبه، أو هو هو، وهو ظنّ صحيح، فالنّاس فيه على هذين الاصطلاحين ولم يقل أحدٌ إنّه قسيم للشبه، بل إمّا قسم منه أو هو هو، وحينئذ يكون قضية كلام المصنف بقوله: ولم يعتبر القاضي مطلقًا أنّ الخلاف جار فيه. وهذا الذي اقتضاه كلام المؤلف صحيح (^٤)\n_________\n(^١) في (ت): علم.\n(^٢) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٢٧٩.\n(^٣) في (ص): أكبر.\n(^٤) لكن الإسنوي حين ذكر مخالفة القاضي الباقلاني في الشبه وفي قياس الأشباه. اعترض على البيضاوي في توهمه كلام الإمام، كما اعترض على كثير من الشراح الذين لم يفهموا كلامه وحملوه على غير محمله.\nيقول الإسنوي في نهاية السول ٤/ ١٢ - ١١٥: \"وقد أخذ الشارحون بظاهره فصرحوا به وليس كذلك فقد صرح الغزالي في المستصفى بأنّ قياس الأشباه ليس فيه خلاف، لأنه متردد بين قياسين مناسبين، ولكن وقع التردد في تعيين أحدهما. . . وكلام المحصول لا يرد عليه شيء فإنه نقل خلاف القاضي في الشبه خاصة، ولكن الذي أوقع المصنف في الوهم أن الإمام بعد فراغه من تفسير الشبه، قال: واعلم أن الشافعي ﵀ يسمى هذا قياس غلبة الأشباه، وهو أن يكون الفرع واقعًا بين أصلين إلى آخر ما قال، فتوهم المصنف أنه أشار بقوله هذا إلى ما تقدم من تفسير قياس الشبه وليس كذلك بل هو إشارة إلى وقوع الفرع بين أصلين\".","vol":"6","page":2364},{"text":"واقتضاه كلام غيره وقد صرّح به القاضي في مختصر التقريب والإرشاد لإمام الحرمين (^١).\nوالذي تحصّل لي من كلامه في هذا الكتاب: أنّ في قياس الشبه مذاهب:\nأحدها: بطلانه.\nوالثاني: اعتباره.\nثمّ قال: إنّ ذلك يؤثر عن الشافعي - ﵁ - ولا يكاد يصحّ عنه مع علو رتبته في الأصول (^٢).\nوهذا الذي قاله القاضي قاله الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع، وقال: كلام الشافعي متأولٌ محمولٌ على قياس العلّة، فإنّه ترجح بكثرة الأشباه، ويجوز ترجيح العلل بكثرة الأشباه (^٣).\nثم قال القاضي: وأجمع القائلون بقياس الشبه على أنَّه لا يصار إليه مع إمكان المصير إلى قياس العلّة.\nوالثالث: أنّه لا يعمل بالشبه إلا بشرطين.\nأحدهما: ما ذكرناه من عدم إمكان المصير إلى قياس العلّة.\nوالثاني: أنْ يجتذب الفرع أصلان، فيلحق بأحدهما\n_________\n(^١) ينظر التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٢٣٦.\n(^٢) ينظر التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٢٣٧.\n(^٣) ينظر: شرح اللمع للشيرازي: ٢/ ٨١٤.","vol":"6","page":2365},{"text":"بعليّة الأشباه.\nقال: وممّا اختلفوا فيه أنْ قال بعضهم الأشباه الحُكْمية أولى، ثمّ الأشباه الراجعة إلى الصيغة (^١). وذهب (^٢) آخرون: إلى أنَّه لا فرق بينهما (^٣).\nوهذان مذهبان لم يتقدم لهما حكاية؛ لأنَّ الذي تقدّم أنّ الشافعي يعتبر الحكم وغيره الصورة، والإمام ما يظنّ استلزامه. وهذان القولان متفقان (^٤) على اعتبار الحكم والصفة، وإنّما الخلاف عند القائلين بهما في أنّ الحكم أولى أو أنّهما مستويان.\nوبهما (^٥) يحصل في (^٦) قياس الشبه سبعةُ مذاهب: -\nأحدها: بطلانه.\nوالثاني: اعتباره في الحكم ثم الصورة.\nوالثالث: اعتباره فيهما على حد سواء.\nوالرابع: اعتباره في الحكم فقط.\nوالخامس: اعتباره في الصورة فقط.\nوالسادس: فيمّا يظن استلزامه للعلّة.\n_________\n(^١) في (ص): الصفة.\n(^٢) في (ت): ومذهب آخرون.\n(^٣) ينظر: التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٢٣٨.\n(^٤) في (غ): متيقنان.\n(^٥) في (ص): ولهما.\n(^٦) في (ت): من قياس.","vol":"6","page":2366},{"text":"والسابع اعتبار قياس عليّة الأشباه دون غيره.\nورأيت نصّ الشافعي - ﵁ - في الأمّ في باب اجتهاد الحاكم وهو بعد باب الأقضية (^١) وقبل باب التثبيت في الحكم وغيره، قال - ﵁ - ما نصه: والقياس قياسان: أحدهما يكون في معنى الأصل (^٢)، فذاك الذي لا يحلّ لأحد خلافه، ثمّ قياس أنْ يشَبّه الشيء بالشيء من الأصل، والشيء من الأصل غيرُه، فيشبه هذا بهذا (^٣) الأصل ويشبه غيره بالأصل غيره.\nقال الشافعي: وموضع الصواب فيه عندنا - والله أعلم - أنْ ينظر فأيّهما كان أولى بشبهه صيّره إليه إنْ أشبه أحدهما في خصلتين والآخر في خصلة ألحقه بالذي هو أشبه في خصلتين انتهى هذا لفظه بحروفه. وهذا الباب في مجلد ثامن من الأمّ من أجزاء تسعة (^٤).\nواعلم أنّ القاضي بنى قياس الشبه على أنّ المصيب واحد من المجتهدين أو كلّ مجتهد مصيب، وقال: إن كنت تذّب عن القول بأنّ المصيب واحد من المجتهدين، فالأولى بك إبطال قياس الشبه. وإن قلنا: بتصويبهم فلو غلب على ظنّ المجتهد حكم من قضية اعتبار الأشباه، فهو مأمور به قطعًا عند الله تعالى (^٥).\n_________\n(^١) في (ت): باب في الأقضية.\n(^٢) (الأصل) ليس في (ص).\n(^٣) في (ت): هذا هذا الأصل.\n(^٤) ينظر الأم للشافعي: ٧/ ٩٤.\n(^٥) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٨١ - ٨٨.","vol":"6","page":2367},{"text":"قال إمام الحرمين: وأومأ، يعني القاضي إلى أنّ (^١) ردّ قياس الشبه والقول به، لا يبلغ إلى القطع وهو من مسائل الاحتمال (^٢).\nقال: وهذا فيه (^٣) نظر عندنا، فإنّ (^٤) الأليق بما مهّده من الأصول أن يقال: كلّما آل إلى إثبات دليل من الأدلة فيطلب فيه القطع. قال: على أنّ ما قاله من أنّ المجتهد مأمورٌ بما غلب على ظنّه سديد فيما رامه فإنّا (^٥) ربما نقول: إنّ المجتهد المتمسك بضرب من القياس إذا غلب على ظنّه شيء وفي الحادثة نص لم يبلغه، فهو مأمور قطعًا بما أدّى إليه اجتهاده وإنْ كان القياس في مخالفة النّص مردود انتهى (^٦).\nقلت: وحاصل هذا أنّ إمام الحرمين لم يوافق القاضي على أنّ المسألة ظنية، ووافقه على البناء على مسألة تصويب المجتهدين على تقدير ثبوت كونها ظنية.\nوفي هذا البناء على (^٧) هذا التقدير أيضًا نظر، فإنّ قياس الشبه إنْ كان باطلًا، فكيف يغلب على ظنّ المجتهد حكم مستند إليه مع\n_________\n(^١) (أنّ) ليس في (ت).\n(^٢) في (ت): الاجتهاد.\n(^٣) (فيه) ليس في (غ).\n(^٤) (فإن) في (غ): (فلأن).\n(^٥) (قاله من أنّ المجتهد مأمورٌ بما غلب على ظنّه سديد فيما رامه فإنّا) ساقط من (ت).\n(^٦) ينظر: التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٢٤٢.\n(^٧) (مسألة تصويب المجتهدين على تقدير كونها ظنية وفي هذا البناء على) ساقط من (غ). لسبق النظر.","vol":"6","page":2368},{"text":"كونه عنده باطلًا؟، وكيف يجوز له العمل بما هو مبني على باطل؟، وإن فرض حصول ظنّ مستند إليه، فلا عبرة به لبنائه على فاسد، وإنْ كان قياس الشبه صحيحًا، فهو معمول به كسائر الأدلة من غير تعلق بتصويب المجتهدين.\nوقول إمام الحرمين: \"إذا غلب على ظنه شيء وفي الحادثة نصّ لم يبلغه فهو مأمور به، وإن كان القياس في مقابلة النّص مردودًا\" من غير ما نحن فيه؛ لأنَّ الذي غلب على ظنّه حكم مستند إلى اجتهاده، ولم يبلغه النص فغلب على ظنّه أنّ الاجتهاد الذي جاء به دليل يجب عليه العمل به بخلاف قياس الشبه، فإنّه يظنّ بطلانه فكيف يستند إليه أو يبني اجتهاده عليه؟ .\nقال: (لنا أنَّه يفيد ظنّ وجود العلية فيثبت الحكم.\nقالوا: ما ليس بمناسب فهو مردود بالإجماع.\nقلنا: ممنوع).\nاحتجّ على أنّ قياس الشبه حجّة؛ بأنّه يفيد (^١) ظنّ وجود العليّة:\nإمّا على التفسير المنقول عن القاضي؛ فلأنه مستلزم للمناسب.\nوإمّا على الثاني؛ فلأنه لما أثّر جنس الوصف في جنس الحكم دون غيره من الأوصاف أفاد ظنّ إسماد الحكم إليه، وإذا ثبت كونه مفيدًا للظنّ وجب العمل به.\n_________\n(^١) (يفيد) ليس في (ت).","vol":"6","page":2369},{"text":"واحتج القاضي بأن الشبه ليس مناسبًا وغيرُ المناسب مردود بالإجماع، فلا يعتبر (^١).\nوأجاب: بالمنع، فإنّ ما ليس بمناسب ينقسم إلى الشبه (^٢) وغيره، والشبه غير مردود بالإجماع، وهو محل النزاع.\nوذكر القاضي من وجوه إلاحتجاج القائلين ببطلان الشبه:\nإن الأشباه التي ألحق الفرع بها إن كانت علّة في الأصل فذاك إذن، قياس (^٣) علّة لا شبه، وإن لم يكن فما وجه إلحاق الفرع بأشباه لم تجب لها في الأصل؟ ولو ساغ ذلك لساغ أنْ يجمع بينهما من غير وصف أصلًا (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-539>فروع:</span>\nالأول: الظهار (^٥) لفظ محرّم، وهو كلمة زور، فيدور بين القذف\n_________\n(^١) ينظر: التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩.\n(^٢) في (ت): السبر.\n(^٣) في (ص): فذاك ذا كان قياس.\n(^٤) ينظر: التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٢٣٩.\n(^٥) الظهار: لغة: مقابلة الظهر بالظهر، يقال: تظاهر الموم إذا تدابروا كأنه ولّى كل واحد منهم ظهره إلى صاحبه إذا كان بينهم عداوة.\nوفي الشرع: قول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر أمّي.\nينظر: المصباح المنير: ص ٣٨٨، القاموس المحيط: ص ٥٥٧ - ٥٥٨، والصحاح: ٣/ ٨٩٩، والتعريفات: ٩٧، والمطلع: ص ٣٤٥، أنيس الفقهاء: ص ١٦٢، شرح حدود ابن عرفة للرصاع: ص ٢٨١.","vol":"6","page":2370},{"text":"والطلاق: ويبنى على هذا مسائل:\nمنها: لو قال: عيْنُك طالق، طلقت، كَيَدُك وجِسْمُك وجميع الأجزاء، ولو قال لرجل زنت عينك وما أشبه ذلك من الأعضاء دون الفرج، فإنّه في (^١) هذا الباب (^٢). فالمذهب أنَّه كناية وقيل: صريح أيضًا.\nولو قال لامرأته: أنتِ عليَّ كعيْنِ أمي، فإن أراد الكرامة فليس بظهارٍ وإن أراد الظهارَ فظهارٌ على المذهب. وإن أطلق فعلى أيّهما يحمل؟ وجهان: أرجحهما أنَّه يحمل على الإكرام.\nويتجه أنْ يقال إنما جرى الوجهان هنا في حالة الإطلاق؛ لتردد الظهار بين مشابهة الطلاق والقذف فقضية مشابهته (^٣) للطلاق (^٤) أنْ يحمل الإطلاق هنا على الظهار، ومقتضى مشابهته للقذف أنْ يحمل على الإكرام ولا يجعل صريحًا في الظهار.\nوالثاني: زكاة الفطر تتردد بين المؤنة (^٥) والقربة (^٦).\n_________\n(^١) في (غ)، (ت): من هذا الباب.\n(^٢) في (ص): في هذا الباب صريح.\n(^٣) في (ت): مشابهة الطلاق.\n(^٤) (لتردد الظهار بين مشابهة الطلاق والقذف فقضية مشابهته للطلاق) ساقط من (غ).\n(^٥) المؤنة: بهمز ولا همز، وهي فعولة. وقال الفراء من الأين وهو الشعب والشدّة، وقيل من الأون: الخرج، ويقال مأنتهم بالهمز ومنتهم بتركه بناء على معنى المؤنة.\nينظر: المطلع: ص ١٦١ - ١٦٢، والقاموس المحيط: ص ١٥٩٠ \"مانة\".\n(^٦) القربة: القيام بالطَّاعة، والقربة والقربى: القَرَابَة، وهو قريبي وذو قرابتي عشريتك الأدنون. =","vol":"6","page":2371},{"text":"الثالث: الكفارة (^١) تتردد بين العبادة والعقوبة.\nالرابع: الحوالة (^٢) تتردد بين الاستيفاء والاعتياض.\nفإذا تناقض حكم الشائبتين ولم يمكن إجلاء (^٣) الواقعة عن أحد الحكمين، وظهر ترجيح إحدى الشائبتين، ولم يظهر له (^٤) معنى مناسب (^٥) في أحد الطرفين ينبغي أنْ يحكم بالأغلب الأشبه. وأمّا ما يتفرع على تردد هذه الأبواب بين معانيها فكثير لا نطيل بذكره.\n_________\n= والقربة ما يتقرب به إلى الله بواسطة غالبًا وقد تطلق ويراد بها ما يتقرب به بالذات، والقربة: أخص من الطاعة لاعتبار معرفة المتقرب إليه فيها.\nينظر: القاموس المحيط: ص ١٥٩ \"قرب\"، الكليات: ص ٥٨٣، ٧٢٤، التوقيف على مهمات التعاريف: ص ٥٧٨.\n(^١) الكفارة: ما وجب على الجاني جبرًا لما منه وقع، وزجرًا عن مثله.\nينظر: القاموس المحيط: ص ١٢٧٩ \"حول\" والمصباح المنير: ص ٥٣٥ \"كفر\". القاموس المحيط: ص ٦٠٠ - ٦٠١ \"كفر\"، الكليات: ص ٥٨٣، ٧٢٤، التوقيف على مهمات التعاريف: ص ٦٠٧.\n(^٢) الحوالة: هي من قولك: تحول فلان عن داره إلى مكان كذا وكذا، فكذلك الحق تحول من ذمة إلى ذمة.\nوشرعًا: إبدال دين بآخر للدّائن على غيره رخصة، أو نقل الدّين وتحويله من ذمّة المحيل إلى ذمة المحال عليه.\nينظر: المطلع: ص ٢٤٩، والتعريفات: ص ٩٣، وشرح حدود ابن عرفة للرصاع: ص ٤٤٣، التوقيف على مهمات التعاريف: ص ٢٩٩.\n(^٣) في (غ): إخلاء.\n(^٤) (له) ليس في (غ)، (ص).\n(^٥) في (غ): يناسب.","vol":"6","page":2372},{"text":"وفي كتابنا الأشباه والنظائر تممه الله تعالى منه ما لا مزيد على حسنه ولا مطمع للطالب في الإحاطة في أكثر منه (^١).\nالخامس: اللعان (^٢) يشبه اليمين (^٣) والشهادة (^٤)، ولفظهما (^٥) فيه (^٦)\n_________\n(^١) ينظر: الأشباه والنظائر: ٢/ ١٨٨ - ١٨٩.\n(^٢) اللعان: لغة من اللعن وهو الطرد والإبعاد وهو مصدر لاعن يلاعن ملاعنة ولعانا في الشرع عبارة عما يجري بين الزوجين من الشهادات الأربعة وركنه الشهادات الصادرة منهما وشرطة قيام الزوجية وسببه قذف الرجل امرأته قذفا يوجب الحد في الأجنبي وأهله من كان أهلا للشهادة عندنا وعند الشافعي ﵀ من كان أهلا لليمين وحكمة حرمة الاستمتاع لما فرغا من اللعن.\nينظر: أنيس الفقهاء: ص ١٦٢، التعريفات للجرجاني: ص ٢٤٣ - ٢٤٤، وتحرير ألفاظ التنبيه: ص ٢٧٢.\n(^٣) اليمين: الأيمان وهو جمع يمين وهو لغة القوة وشرعا تقوية أحد طرفي الخبر بذكر اسم الله تعالى أو التعليق فإن اليمين بغير الله ﷿ ذكر الشرط والجزاء حتى لو حلف أن لا يحلف وقال إن دخلت الدار فعبدي حر يحنث فتحريم الحلال يمين لقوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله ﴿تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وفي الصحاح اليمين القسم والجمع الأيمن والأيمان وفي الطَّلِبَة واليمين اليد اليمنى وكانوا إذا تحالفوا تصافحوا بالأيمان تأكيدا لما عقدوا فسمي القسم يمينا لاستعمال اليمين فيه.\nينظر: أنيس الفقهاء: ص ١٧١، التعاريف للمناوي: ص ٧٥١.\n(^٤) الشهادة: هي في الشريعة إخبار عن عيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على آخر فالإخبارات الثلاثة إما بحق للغير على آخر وهو الشهادة أو بحق للمخبر على آخر وهو الدعوى أو بالعكس وهو الإقرار\nينظر: التعريفات: ص ١٦٩، وأنيس الفقهاء: ص ٢٣٥، والتوقيف على مهمات التعاريف: ص ٤٣٩\n(^٥) في (ت): ولفظيهما.\n(^٦) (فيه) ليس في (غ).","vol":"6","page":2373},{"text":"وهو مركب منهما فليس يمينا محضًا، فإنّ يمين المدعي لا تقبل والملاعن مدع وليس بشهادة محضة، فإنّ الشاهد يشهد لغيره وهو إنما يشهد لنفسه وينبني على ذلك لعان الذمّي والرقيق فإنّهما ليسا من أهل الشّهادة وإنْ صحت منهما اليمين.\nوقال الأصحاب: بصحة لعانهما؛ لأنّ المعروف عندهم أنّ (^١) اللّعان يمين مؤكدة بلفظ الشهادة. وقيل: هو يمين فيها شوب (^٢) الشهادة (^٣).\nالسادس: الجنين يشبه بعض أعضاء الأمّ في الحكم؛ لأنّه يتبعها في البيع المطلق، والهبة ونحوها ويشبه إنسانًا منفردًا في الصورة؛ لأنّه مستقل بالحياة والموت، فإذا قال: بعتك هذه الجارية إلا حملها، فعلى الأوّل يبطل البيع كاستثناء عضو من الأعضاء، وعلى الثاني يصحّ كما لو قال بعتك هذه الصيعان إلا هذا الصاع، والمذهب فيما إذا استثنى حملها أنَّه لا يصحّ البيع. وقيل: وجهان (^٤).\n\nقال <span data-type=\"title\" id=toc-540>(السادس الدوران:</span> وهو أن يحدث الحكم بحدوث وصف ينعدم بعدمه وهو يفيد ظنًّا.\nوقيل: قطعًا.\n_________\n(^١) (أنّ) ليس في (غ).\n(^٢) في (ت): ثبوت.\n(^٣) ينظر: الوسيط: ٦/ ٨٩، وروضة الطالبين: ٨/ ٣٣٤.\n(^٤) ينظر: روضة الطالبين: ٤/ ٣٨٢، وحاشية البجيرمي: ٣/ ٨٣.","vol":"6","page":2374},{"text":"وقيل: لا ظنًّا ولا قطعًا)\nعرَّف الدوران (^١): بحدوث الحكم بحدوث الوصف وانعدامه بعدمه، فذلك الوصف يسمى مدارًا والحكم دائرًا. والمراد بالحكم تعلقه عند من يجعل المحلق حادثًا ومنهم المصنف.\nثمّ قول المصنف: \"يحدث بحدوثه وينعدم بعدمه\" عبارة فيها نظر؛ لأنَّ ثبوت الحكم بثبوته هو كونه علّة فكيف تستدل به على عليّة الوصف لثبوت الحكم؟ وقد سبق الغزالي إلى هذه العبارة، وقال: هذا هو الدوران الصحيح (^٢)، وأمّا ثبوته عند ثبوته وعدمه عند عدمه ففاسد واعترض عليه بما ذكرناه. والعبارة المحررة ما زعم الغزالي فسادها (^٣).\n_________\n(^١) الدوران: لغة: مأخوذ من دار الشيء يدور دورًا ودورانًا، بمعنى طاف ويقال: دوران الفلك: أي توار حركاته بعضها إثر بعض من غير ثبوت ولا استقرار.\nينظر: الصحاح: ٢/ ٦٥٩، المصباح المنير: ص ٢٠٢ \"دار\".\nوفي الاصطلاح: عرفه بعضهم بأنه: (أن يوجد الحكم عند وجود الوصف وينعدم عند عدمه) وسماه بعضهم بالدوران الوجودي والعدمي والدوران المطلق. أما إذا كان بحيث يوجد الحكم عند وجود الوصف، ولا ينعدم عند عدمه، فإن هذا ما يسمى بالدوران الوجودي أو الطردي، وأما العكس: بأن ينعدم الحكم عند الوصف ولا يوجد عند وجوده، فهو ما يطلق عليه الدوران العدمي أو العكسي.\nينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٢٨٥، البرهان: ٢/ ٨٣٥، التقرير والتحبير: ٣/ ١٩٧، نشر البنود: ٢/ ٣٠٠.\n(^٢) ينظر: المستصفى: ٢/ ٣٠٧ - ٣٠٨.\n(^٣) ينظر: المصدر نفسه.","vol":"6","page":2375},{"text":"ثم الدوران يقع على وجهين: -\nأحدهما: أنْ يقع في صورة واحدة كالتحريم مع السكر في العصير؛ فإنّه لما لم يكن مسكرًا لم يكن حرامًا. فلمّا حدث السكر فيه وجدت الحرمة ثمّ لما زال السكر بصيرورته خلًّا صار حلالًا، فيدل على أنّ العلّة في تحريمه السكرَ، ومثل الحبّ يجري فيه الربا وهو مأكول فإذا زرع صار قصيلًا (^١) غير مطعوم لا ربا فيه، فإذا عقد الحبّ فيه صار مطعومًا وعاد الربا فيه، فيدل على أنّ عليّة الربا فيه الطعم.\nوالثاني: أنْ يوجد في (^٢) صورتين، وهو كوجوبِ الزكاةِ مع مِلك نصابٍ تامّ في صورةِ أحدِ النّقدين وعدمِهِ مع عدمِ شيءٍ منها كمَا في ثيابِ البذْلةِ والمهنة، حيث لا يجب فيها الزكاة لفقد (^٣) شيء مما ذكرناه.\nواختلف الأصوليون في إفادة الدوران العليّة (^٤).\n_________\n(^١) قصلته قصلًا من باب ضرب قطعته فهو قصيل، ومنه القصيل: وهو الشعير يجزُّ أخضر لعلف الدّواب قال الفارابي: سمي قصيلًا لأنه يقصل وهو رطبٌ وسيف قصَّالٌ أي قطاع ومقصل، ولسان مقصل أي حديد ذَرِبٌ. المصباح المنير: ص ٥٠٦ \"قصل\"، والقاموس المحيط: ١٣٥٤ \"قصل\".\n(^٢) في (ت): من صورتين.\n(^٣) في (ت): لعقد.\n(^٤) العلماء الأصول في حجية الدوران وإفادته العليّة مذاهب أربعة:\nالمذهب الأول: يفيد اليقين والقطع بالعليّة، وهو منقول عن المعتزلة وبعض الشافعية.\nالمذهب الثاني: يفيد ظنّ العليّة، بشرط عدم المزاحم وعدم المانع، وهو مذهب الجمهور ورجحه الصفي الهندي. =","vol":"6","page":2376},{"text":"فذهب الجمهور كإمام الحرمين وغيره (^١)، ونقله عن القاضي أمما بكر بعضهم وليس بصحيح عنه إلى إفادته ظنّ العليّة بشرط عدم المزاحم (^٢)، وهو اختيار الجدليين (^٣) والإمام وأتباعه (^٤)، ومنهم المصنف.\nوذهب بعض المعتزلة: إلى أنَّه يفيد يقين العلّة (^٥).\nوذهب الباقون إلى أنَّه لا يفيد ظنّ العليّة ولا يقينها وهو اختيار\n_________\n= المذهب الثالث: لا يفيد العليّة بمجرده لا قطعًا ولا ظنًا وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب وهو مذهب عامة الحنفية وظاهر مذهب المالكية.\nالمذهب الرابع: تفصيل الإمام الغزالي وهو تقسيمه الطرد والعكس إلى فاسد وصحيح. ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٧٥، وشفاء الغليل: ص ٢٦٦، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٠٢، ونشر البنود: ٢/ ٢٠١، ونهاية الوصول: ٨/ ٣٣٥٢.\n(^١) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ٨٣٥.\n(^٢) وهو نقل الصفي الهندي: \"فذهب الجمهور كالقاضي أبي بكر وغيره إلى أنه يفيد ظنّ العليّة بشرط عدم المزاحم\" ٨/ ٣٣٥٢.\n(^٣) الجدليون: وهم كل من مارس علم الجدل والجدل هو: القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات، والغرض منه إلزام الخصم، وإفحام من هو قاصر عن إدراك مقدّمات البرهان. ينظر: التعريفات: ص ٧٤، المبين في شرح معاني ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي: ص ٩١، والكليات: ص ٣٥٣\n(^٤) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٢٨٥، والحاصل: ٢/ ٩٠٢، والتحصيل: ٢/ ٢٠٦.\n(^٥) ينظر: المعتمد: ٢/ ٧٨٤. من هذه النقطة بدأ الاعتماد للمعتمد على الطبعة الكاثوليكية بدمشق.","vol":"6","page":2377},{"text":"الآمدي (^١).\nقال إمام الحرمين: وذهب القاضي أبو الطيب الطبري، إلى أنَّه أعلى (^٢) المسالك المظنونة (^٣) وكَادَ يدّعِي إفضاءَه إلى القطع (^٤).\nقال: (لنا أنّ الحادث له علّة وغير المدار ليس بعلّة؛ لأنّه إن وجد قبله فليس بعلّة للتخلف وإلا فالأصل عدمه. وأيضًا عليّة بعض المدارات مع التخلف في شيء من الصّور لا يجتمع مع عدم عليّة بعضها؛ لأنَّ ماهية الدوران إمّا أنْ تدل على عليّة المدار فيلزم عليّة هذه المدارات أو لا تدل فيلزم عدم علية تلك للتخلف السالم عن المعارض.\nوالأوّل ثابت فانتفى الثاني، وعورض (^٥) في مثله.\nوأجيب: بأن المدلول قد لا يثبت لمعارض)\nاسْتُدِل على عليّة الدوران بوجهين:\nأحدهما: أنّ الحكم لا بد له من علّة على ما تقرر فتلك العلّة إما المدار أو غيره، الثاني: باطل؛ لأنَّ ذلك الغير إنْ كان موجودًا قبل الحكم لزم\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام: ٣/ ٤٣٠. وعبارته \"والذي عليه المحققون من أصحابنا وغيرهم أنّه لا يفيد العلية لا قطعًا ولا ظنًّا وهو المختار\". وتبعه ابن الحاجب: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٤٦.\n(^٢) في (ت): إلى أنه أعني أعلى.\n(^٣) في (ت): المطلوبة.\n(^٤) ينظر: البرهان: ٢/ ٨٣٥.\n(^٥) في (غ): ويجوز.","vol":"6","page":2378},{"text":"تخلف الحكم عن العلّة وهو خلاف الأصل، وإن لم يكن موجودًا قبله لم يكن علّة لذلك الحكم إذ ذاك، والأصل بقاؤه على ما كان عليه من عدم عليته، فيحصل ظنّ (^١) عدم عليّته باستصحاب هذا الأصل، وبحصول هذا الظنّ يحصل ظنّ عليّة المدار إذ ليس غيره.\nفإن قلت: كما دار الحكم مع ذلك الوصف وجودًا وعدمًا كذلك دار مع تعينه وحصوله في ذلك المحل، فيحصل المزاحم حينئذ، وتمتنع الإضافة إلى الوصف أو يقال: العلّة مجموع الوصف مع التّعين والحصول في المحل عملا بالدورانين، وحينئذ لا يجوز تعديته عن (^٢) ذلك المحل.\nقلت: التّعين والحصول في المحل أمران عدميان؛ إذ لو (^٣) كانا وجوديين لزم أنْ يكون للتّعين تعين آخر، وللحصول في المحل حصول آخر، فيتسلسل (^٤) ضرورةَ مشاركة التعيين حينئذ لسائر التعيينات في كونه تعينًا، وامتيازه عنها بخصوصية وكذا الحصول في المحل فإنّه (^٥) حينئذ يكون له حصول في المحل، إذ ليس هو بجوهر قائم بنفسه وهو معلوم بالضرورة، فيكون له حصول في المحل (^٦) فثبت أنّهما أمران عدميان، حينئذ\n_________\n(^١) في (ت): عدم ظنّ.\n(^٢) (مع التّعين والحصول في المحل عملا بالدورانين، وحينئذ لا يجوز تعديته عن) ليس في (ت).\n(^٣) في (غ): أو.\n(^٤) في (ص): فيتسلل.\n(^٥) في (ت): فله.\n(^٦) (إذ ليس هو بجوهر قائم بنفسه وهو معلوم بالضرورة، فيكون له حصول في المحل) ليس في خ، (ت).","vol":"6","page":2379},{"text":"لا يجوز أنْ يكونا جزئي علّة ولا مزاحمًا لها كذا ذكر السؤال والجواب.\nولك أنْ تقول المختار عند صاحب الكتاب كصا صرح به في الطوالع (^١) أنّ التّعيّن أمر وجودي فالسؤال وارد عليه وقد استدل على كونه وجوديًا أنَّه جزء من المعين الموجود إذ الموجود ليس هو الماهية الكلية بل المعينة وكل ما هو جزء الموجود فهو موجود.\nولقائل: أنْ يقول إن أريد بالمعين (^٢) معروض التّعين فيمنع أنّ التعين جزؤه، وإن كان المراد به المركبّ من العارض (^٣) والمعروض (^٤) فيمنع أنَّه موجود في الخارج على أنّ هذا العلم ليس موضع البسط في مسألة التعين.\nواعترض النقشواني على هذا الدليل بأوجه أخر:\nمنها: أنَّه لا يختص بصورة الدوران بل لو قيل: ابتداء هذا (^٥) الحكم لا بد له من علّة حادثة وما كان موجودًا قبل هذا الحكم لا يصلح علّة له للتّخلف المذكور فوضح أنّ العلّة التي هي غير هذا الوصف لم تكن\n_________\n(^١) أي الإمام البيضاوي.\n(^٢) في (ت): المعيّن.\n(^٣) في (ت): المعارض.\n(^٤) العارض والمعروض: العارض للشيء ما يكون محمولا عليه خارجًا عنه. وهو أعمّ من العَرَض، إذ يقال للجوهر عارض، ولا يقال عَرَض. ينظر: التعريفات: ص ١٤٥، والتوقيف على مهمات التعاريف: ص ٤٩٥\n(^٥) (الدليل بأوجه أخر: منها: أنَّه لا يختص بصورة الدوران بل لو قيل: ابتداء هذا) ساقط من (ت).","vol":"6","page":2380},{"text":"موجودة قبل هذا الحكم فوجب بقاؤها على العدم بالاستصحاب فتعين كون هذا الوصف علّة، فهذه طريقة مستقلة لا تحتاج إلى الدوران.\nومنها: أنّه يمكن معارضته بأنْ يقال: ليس هذا الوصف علّة؛ لأنّه إن (^١) وجد قبل هذا الحكم لا يكون علّة للتخلف، وإن لم يوجد قبله لا يكون علّة (^٢) أيضًا؛ لأنَّ الأصل استمرارُه على العدم. وهما اعتراضان صحيحان.\nوأجاب عنهما بعض شرَّاحِ المحصول بما لا أرتضيه (^٣).\nالوجه الثاني: مما يدلّ على عليّة الدوران أنّ عليّة بعض المدارات للحكم (^٤) الدائر مع تخلف الدائر عنه في شيء من صور الدوران لا يجتمع مع عدم عليّة بعض المدارات (^٥) للدائر، وذلك لأنَّ ماهية الدوران من حيث هي إمّا أنْ تدلّ على عليّة المدار للدائر أو لا، فإن دلت لزم علية المدارات التي فرضنا عدم عليتها لوجود ماهية الدوران فيها فيكون جميع المدارات علّة لاشتراكها في وجود ماهية الدوران، وإن لم تدل لزم عدم علية البعض الذي فرضنا عليته وتخلف الدائر عنه في صورة من\n_________\n(^١) (إن) ليس في (غ).\n(^٢) (وجد قبل هذا الحكم لا يكون علّة للتخلف، وإن لم يوجد قبله لا يكون علّة) ساقط من (ت).\n(^٣) يريد ببعض الشراح كالقرافي في نفائسه فقد أجاب عن اعتراضات النقشواني. ينظر: نفائس الأصول: ٨/ ٣٣٤٣ - ٣٣٤٤.\n(^٤) (للحكم) ليس في (غ)، (ت).\n(^٥) (الدائر مع تخلف الدائر عنه في شيء من صور الدوران لا يجتمع مع عدم عليّة بعض المدارات) ساقط من (غ)، (ت).","vol":"6","page":2381},{"text":"صور الوجود المقتضي لعدم العلية وهو تخلف (^١) الدائر عن المدار مع سلامته عن المعارض الذي هو دلالة ماهية الدوران على العليّة إذ الغرض ماهية الدوران لا يدل (^٢) على العليّة فلا تعارض، وهذا بخلاف ما لو دلّت ماهية الدوران على العليّة (^٣) إذا كانت تعارض التخلف لاقتضائه عدم العليّة فوضح أنّ عليّة بعض المدارات مع التخلف لا يجتمع مع عدم علية بعضها. لكنّ الأوّل وهو عليّة بعض المدارات مع التخلف في صورة من صوره ثابت.\nفإنّ تناول السقمونيا (^٤) علّة للإسهال مع تخلفه عنه بالنسبة إلى بعض (^٥) الأشخاص في بعض الأوقات فينتفي الثاني وهو عدم عليّة بعض المدارات للدائر، ويلزم من انتفائه ثبوت عليّة جميع المدارات للدائر وهو المطلوب.\nوإنّما قيّد المصنف عليّة بعض المدارات بالتخلف المذكور ليحتج به على عدم عليّة تلك على التقدير الثاني وهو عدم دلالة ماهية الدوران على العلية.\nقوله: \"وعورض\"، أي عورض هذا الدليل الثاني بمثله.\n_________\n(^١) (عنه في صورة من صور الوجود المقتضى لعدم العلية وهو تخلف) ساقط من (غ).\n(^٢) (لا يدل) ليس في (غ)، (ت).\n(^٣) (على العليّة فلا تعارض، وهذا بخلاف ما لو دلّت ماهية الدوران) ساقط من (غ)، (ت).\n(^٤) السقمونيا: شراب مسهل للبطن. التعريفات: ص ١٤٠ عند تعريف الدوران.\n(^٥) (بعض) ليس في (ت).","vol":"6","page":2382},{"text":"وتقرير المعارضة: أنْ يقال: عليّة بعض المدارات مع التخلف في شيء من صوره مع عدم عليّة البعض مما لا يجتمعان؛ لأنَّ ماهية الدوران وإنْ دلت على العليّة لزم عليّة ذلك البعض المفروض عدم عليّته كما تقدم. وإنْ لم يدلْ لزم عدم عليّة البعض المفروض كونه علّة كما عرفت. لكن الثاني ثابت وهو عدم عليّة البعض؛ لأنَّ الأبُوةَ مع البنوة والعلمَ مع المعلوم، والجزء الأخير من العلّة المركبة مع المعلول ونظائرها من الأشياء المتلازمة تدور وجودًا أو عدمًا ولا علّة ولا معلول، وإذا ثبت الثاني انتفى الأوّل وهو عليّة البعض ويلزم منه عدم عليّة جميع المدارات للتنافي بين عليّة البعض وعدم عليّة البعض الآخر وذلك هو المطلوب.\nوأجاب: عن هذه المعارضة بأنّ غاية ما يلزم مما ادعيناه من عليّة جميع المدارات للدائر (^١) مع التخلف في بعض الصّور أنْ يوجد الدليل بدون المدلول وهذا أمر لا بدع فيه فإنّ المدلول (^٢) قد يتخلف لمانع وأمّا ما قلتموه من عدم عليّة المدارات فيلزم منه أنْ يوجد المدلول بدون الدليل وهو محال.\nقال: (قيل الطرد لا يؤثر والعكس لم يعتبر.\nقلنا: يكون للمجموع ما ليس لأجزائه).\nهذه شبهة لمن منع الدوران، وتقريرها (^٣) أنَّه مركب من الطّرد وهو:\n_________\n(^١) (للدائر) ليس في (ت).\n(^٢) (أن يوجد الدليل بدون المدلول وهذا أمر لا بدع فيه فإن المدلول) ساقط من (غ).\n(^٣) في (ت): وتقريره.","vol":"6","page":2383},{"text":"ترتُب وجود الشيء على وجود غيره والعكس، وهو ترتب عدمه على عدم غيره وكلّ منهما لا يدل على العليّة.\nأما الطرد؛ فلأن حاصله يرجع إلى سلامة الوصف عن النّقص وسلامته عن مفسد واحد لا يوجب سلامته عن كلّ مفسد، ولو سلم عن كلّ مفسد لم يلزم من ذلك صحته، فإنّه كما يعتبر عدم المفسد يعتبر وجود المقتضي للعليّة.\nوالطرد من حيث هو طرد لا يشعر بالعلية، بل بعدم النقص (^١)، فلا يفيد العليّة، والعكس غير معتبر في العلل الشرعية فمجموعها أيضًا كذلك.\nوأجاب: بأنّه لا يلزم من عدم دلالة كلِّ واحدٍ منهما على الانفراد عدم دلالة المجموع، فإنّه يجوز أنْ يكون للهيئة الاجتماعية ما ليس لكلّ واحدٍ من الأجزاء. ألا ترى أنّ كلّ واحد من أجزاء العلّة ليس بعلّة مع أنّ المجموع علّة؟ .\nوهذا ما أجاب به إمام الحرمين في البرهان بعد أنْ ذكر أنّ الشبهة المذكورة من فنّ التشدق والتفيهق (^٢) الذي يستدل به من لا يعدّ من الراسخين (^٣).\n_________\n(^١) في (غ): النقض.\n(^٢) التشدق: مأخوذة من الشدق؛ وهو الفم من باطن الخدين، وتشدق لوى شدقه للتفصح. ينظر: القاموس المحيط: ص ١١٥٨ مادة \"شدق\".\nوالتفيهق: تفيهق في كلامه: تنطع وتوّسع كأنه ملأ به فمّه. القاموس المحيط: مادة (فهق) ص ١١٨٨.\n(^٣) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ٨٤٠.","vol":"6","page":2384},{"text":"وقال: من زعم أنّ مجموعهما لا يغلب على الظنّ انتصاب ما اطرد وانعكس علمًا، فقد انتسب إلى العناد (^١).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-541>(السابع: التقسيم الحاصر </span>كقولنا: ولاية الإجبار، إمّا ألا تعلل أو تعلل بالبكارة أو الصّغر أو غيرهما والكلّ باطل سوى الثاني فالأوّل والرابع للإجماع والثالث لقوله - ﷺ -: \"الثيب أحق بنفسها\".\nوالسبر غير الحاصر مثل أن يقول علّة حرمة الربا إمّا الطعم أو الكيل أو القوت.\nفإن قيل: لا علّة لها أو العلّة غيرها.\nقلنا: قد بينا أنّ الغالب على الأحكام تعليلها والأصل عدم غيرها)\nمن طرق العلّة التقسيم الحاصر والتقسيم الذي ليس بحاصر، ويعبر عنهما بالسبر والتقسيم (^٢)؛ لأنَّ النّاظر في العلّة يقسّم الصّفات ويختبر\n_________\n(^١) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ٨٣٩.\n(^٢) السبر والتقسيم: يراد بالسبر عند الأصوليين اختبار الوصف في صلاحيته وعدمها للتعليل به. ويراد بالتقسيم: حصر الأوصاف المحتملة للتعليل، بأن يقال: العلّة إما كذا وإما كذا. ومثال ذلك البُرُّ وعلّة ربويته يحتمل أن تكون الكيل، أو الطعم، أو الاقتيات أو كونه مالًا، فجمع هذه الأوصاف المحتملة للتعليل تسمى تقسيمًا. ثم إذا اختبرناها وأسقطنا ما لا نجده مناسبًا: بحيث نبقي على ما يمكن التعليل به في نظرنا فهذا يسمى السبر.\nوقد جرت عادة الأصوليين بتقديم السبر على التقسيم في الذكر مع أن الواقع ونفس الأمر متأخر عنه. فلا يمكن السبر إلا بعد تقسيم وجمع للأوصاف المحتملة للتعليل.\nوعرفه الأصوليون بأنه: \"هو حصر الأوصاف الموجودة في الأصل الصالحة للعلية =","vol":"6","page":2385},{"text":"صلاحية كلِّ واحدة (^١) منهما للعليّة.\nوالسبر في اللغة: الاختبار (^٢)، ثمّ التقسيم (^٣) إما أنْ يكون دائرًا بين النفي والإثبات، وهو التقسيم المنحصر أو لا يكون كذلك وهو التقسيم المنتشر (^٤) وإليه أشار المصنف بقوله: \"والسبر غير الحاصر\".\n_________\n= في عدد ثم إبطال بعضها، وهو ما سوى الذي يدعى أنه العلّة واحد كان أو أكثر\".\nينظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٣٦، والبرهان: ٢/ ٨١٥، تيسير التحرير: ٤/ ٤٦، التقرير والتحبير: ٣/ ١٦٥.\n(^١) في (ص): واحد. وفي (ت): واحدة منهما.\n(^٢) السبر: لغة امتحان غور الجرح وغيره، تقول سبرت القوم سبرا تأملتهم واحدا بعد واحد لتعرف عددهم.\nينظر: القاموس المحيط: ص ٥١٧ مادة \"سبر\"، والمصباح المنير: ص ٢٦٣ مادة \"سبر\".\n(^٣) والتقسيم في اللغة قسّم الشيء جزأه وفرّقه. ينظر: القاموس المحيط: ص ١٤٨٣ مادة \"قسم\"، والمصباح المنير: ص ٥٠٣ مادة \"قسم\".\n(^٤) قسم علماء الأصول التقسيم إلى قسمين: التقسيم المنحصر أو الحاصر. والتقسيم المنتشر.\nوالتقسيم المنحصر أو الحاصر: هو ما كان دائرًا بين النفي والإثبات.\nوالتقسيم المنتشر: هو ما لا يكون دائرًا بين النفي والإثبات، أو كان دائرًا بينهما، ولكن الدليل على نفي علته فيما عدا الوصف المبين فيه ظني.\nينظر: مختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢٣٦، والبرهان: ٢/ ٨١٥، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠.","vol":"6","page":2386},{"text":"أمّا الأول؛ فهو لإفادته العلمَ حجةٌ في العمليات والعلميات (^١) من (^٢) غير اختلاف إن كان الدليل الدّال على نفي عليّة (^٣) ما عدا الوصف المعيّن فيه قطعيًا أيضًا وإلا فهو، والقسم الثاني حجّة في العمليات لإفادته الظنّ دون العلميات (^٤).\nوطريق إيراد النّوع الأوّل أنْ يقال: الحكم إمّا أنْ يكون معللا بعلّة أو لا، والثاني باطل فتعيّن الأوّل وتلك العلّة إمّا الوصف الفلاني أو غيره والثاني باطل.\nونذكر على ذلك دليلًا قاطعًا وحصول هذا القسم في (^٥) الشرعيات عَسِرٌ جدًّا.\nومثّل المصنف للتقسيم الحاصر في الشرعيات بقولنا: ولاية الإجبار على النّكاح إمّا أنْ لا تعلل أو تعلل، وحينئذ فإمّا أنْ تكون العلّة البكارةَ أو الصغرَ أو غيرَهما، وما عدا القسم الثاني من الأقسام باطلٌ، أمّا الأوّل وهو عدمُ تعليلها مطلقًا والرابع وهو تعليلها بغير (^٦) البكارة والصغر فبالإجماع. وأما الثالث فلأنّها لو عللت بالصغر لثبت على الثيّب الصغيرة لوجود\n_________\n(^١) فى (غ)، (ت) العمليات والعمليات. وهو خطأ.\n(^٢) في (غ)، (ت): في غير.\n(^٣) في (ص): علته.\n(^٤) في (غ)، (ت): دون العمليات.\n(^٥) في (غ)، (ت): من.\n(^٦) في (ت): بين.","vol":"6","page":2387},{"text":"الصغر فيها وهو باطل لقوله - ﷺ -: \"الثيب أحق بنفسها\" أخرجه مسلم (^١)، ولفظه الأيِّم (^٢).\nومثّل للتقسيم المنتشر وهو الذي ليس بحاصر بقولنا: علّة حرمة الربا فيما عدا النقدين من الربويات إمّا الطّعم أو الكيل أو القوت، والثاني والثالث باطلان فتعيّن أنْ تكون العلّة الطُعمَ. والدليلُ على بطلان الثاني والثالث أنَّه - ﷺ - علّق الحكم باسم الطعام في قوله: \"الطعام بالطعام\" (^٣) وهو مشتق من الطُعم والحكم المعلّق بالاسم المشتق (^٤) معلل بما منه الاشتقاق، وهذا دليل على أنّ غير الطُعم ليس بعلّة وهو صالحٌ لأنْ يكون دليلًا أصليًا على عليّة الطعم من غير نظر إلى طريقة السبر والتقسيم.\nفإن قيل: في الإيراد على الاستدلال بالتقسيم المنتشر لا نسلم أنّ تحريم الربا معللٌ ولئن سلمنا أنَّه معلل فلا نسلم انحصار العلّة فيما ذكرتم؛ لجواز\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عباس في كتاب النكاح (٩) باب استئذان الثيب بالنطق والبكر بالسكوت (٦٦) ٢/ ١٠٣٧ رقم الحديث ٤١٢١. وقد أخرجه مسلم بألفاظ منها هذا اللفظ (الثيب أحق ..).\n(^٢) الأيم: من لا زوج لها، تزوجت قبل أم لا.\nينظر: المصباح المنير: ص ٣٣ \"أيم\"، والتوقيف على مهمات التعاريف ص ١٠٦، ومعجم لغة الفقهاء: ٩٩\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب المساقاة (٢٢) باب بيع الطعام مثلا بمثل (١٨) رقم الحديث (٩٤).\n(^٤) الاسم المشتق: ردّ لفظ إلى لفظ آخر أعم من أن يكون اسما أو فعلًا.\nينظر: نزهة الطرف في علم الصرف: ص ٥، وشذا العرف: ص ٦٨، شرح الأصفهاني للمنهاج: ١/ ١٨٩.","vol":"6","page":2388},{"text":"أنْ تكون العلّة غيرَ هذه الثلاثة.\nوأجاب المصنف عن الأول: بأنّا بيّنا فيما سبق (^١) أنّ الغالب أنّ أحكام الله تعالى معللة بمصالح العباد تفضلًا منه وإحسانًا، فيلحق هذا الحكم بالغالب. وعن الثاني بأنّ الأصل عدم علّة أخرى غير الأمور المذكورة، واستصحابُ هذا الأصل كافٍ في حصول الظنّ بعليّة أحدها، وقد صرح إمام الحرمين في كتاب الأساليب (^٢) بأن السبر والتقسيم لا يحتج به إلا إنْ قام الدليل على أنّ الحكم معلل، وأنّ العلّة منحصرة في أحد أوصاف معينة ومتحدة، ثمّ يبطل ما عدا الوصف المدّعى علّة فيثبت حينئذ عليّة ذلك الوصف، وهذا هو المختار (^٣).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-542>(الثامن الطرد </span>وهو أن يثبت معه الحكم فيما عدا المتنازع فيه، فيثبت فيه (^٤) إلحاقًا للفرد (^٥) بالأعمّ الأغلب.\nوقد (^٦) قيل: يكفي مقارنته في صورة وهو ضعيف)\nالطرد (^٧) هو: الحكم الذي لم يعلم كونه مناسبًا ولا مستلزمًا للمناسب\n_________\n(^١) ينظر ص: ٢٢٨٦ وما بعدها.\n(^٢) كتاب في علم الجدل.\n(^٣) (وقد صرح إمام الحرمين في كتاب الأساليب. . . . . . . . . . . وهذا هو المختار) ساقط من (غ)، (ت).\n(^٤) (فيه) ليس في (ت).\n(^٥) في (ت): المفرد.\n(^٦) (قد) ليس في (ت).\n(^٧) الطرد: لغة يأتي بمعنى الإبعاد، يقال طرده طردًا، أي أبعده، أما الاطراد فهو بمعنى =","vol":"6","page":2389},{"text":"إذا كان الحكم حاصلًا مع (^١) الوصف في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع، فإنّ النّزاع (^٢) في حصوله فيه (^٣).\n_________\n= التتابع يقال اطرد الشيء اطرادًا أي تبع بعضه بعضًا وجرى، واطردت الأشياء إذا تبع بعضها بعضًا واطراد الكلام: إذا تتابع. ينظر: الصحاح ٢/ ٥٠١، ٥٠٢ مادة \"طرد\".\n(^١) (مع) ليس في (غ).\n(^٢) (فإن النزاع) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر المعنى الاصطلاحي: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٠٥، والحدود للباجي: ص ٧٤، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٣٧١.\nوخلاصة المذاهب والأقوال في الطرد ما يلي:\n- قول جمهور الفقهاء وهو عدم صحة الاستدلال به. وهو قول الشيرازي وإمام الحرمين وابن السبكي وأبي الخطاب وابن عقيل والباجي.\n- وقال الرازي والبيضاوي: إنه يصح الاستدلال به إذا كان الوصف مقارنًا للحكم في جميع الصور المغايرة. وعزاه الشيرازي وابن تيمية إلى أبي بكر الصيرفي.\n- وقال السمعاني في القواطع: \"وسمى أبو زيد الذين يجعلون الطرد حجّة والاطراد دليلا على صحة العلّة حشوية أهل القياس. قال ولا يعد هؤلاء من جملة الفقهاء\" (قواطع الأدلة: ٢/ ١٤١)\n- وقيل: هو مقبول جدلًا ولا يسوغ التعويل عليه عملا ولا الفتوى به. نسبة إمام الحرمين إلى الكرخي من الحنفية.\n- وقيل يكفي في عليّة الوصف الطردي أن يكون الحكم مقارنا له ولو في صورة واحدة. ذكره الرازي والبيضاوي ولم يعينا القائل به.\nوقال بعض الشافعية: إذا لم يرده نص ولا أصل دلّ على صحته، ذكره الشيرازي في التبصرة.\nينظر: التبصرة: ص ٤٠٦، والمحصول للرازى: ج ٢/ ق ٢/ ٣٠٥، وقواطع الأدلة: =","vol":"6","page":2390},{"text":"هذا هو المراد من الاطراد على قول الأكثر (^١).\nواختلف من قال بحجية الدوران في حجية الطرد فذهب المعتبرون من النّظار إلى أنّ التّمسك به باطل (^٢).\nقال إمام الحرمين: وتناهى القاضي في التغليظ على من يعتقد ربط أحكام (^٣) الله تعالى به (^٤).\nوذهب طوائف من أصحاب أبي حنيفة إلى أنَّه حجّة وإليه مال الإمام وجزم به المصنف (^٥).\n_________\n= ٢/ ١٤١، والتمهيد: لأبي الخطاب: ٤/ ٣٠، والمسودة لآل تيمية: ص ٤٢٧، والبرهان للجويني: ٢/ ٧٨٨، والمعتمد: ٢/ ٢٥٩، والمستصفى: ٢/ ٣٠٧، والإحكام للآمدي: ٣/ ٩٤، وشرح تنقيح الفصول: ص ٣٩٨، وكشف الأسرار للبخاري: ٣/ ٣٦٥، وتيسير التحرير: ٤/ ٥٢، المنهاج للباجي: ص ١٧٢، والجدل لابن عقيل: ص ٥٢.\n(^١) قال القاضي أبو الطيب: ذهب بعض متأخري أصحابنا إلى أنه يدل [أي الطرد] على صحة العلية، واقتدى به قوم من أصحاب أبي حنيفة في العراق، فصاروا يطردون الأوصاف على مذاهبهم ويقولون إنها قد صحت كقولهم في مس الذكر مس آلة الحرث فلا ينقض الوضوء كما إذا مس الفدان وأنه طويل مشقوق فأشبه البوق، وفي السعي بين الصفا والمروة أنه سعي بين جبلين فلا يكون ركنا في الحج كالسعي بين جبلين بنيسابور. ولا يشك عاقل أن هذا سخف. ينظر: البحر المحيط: ٥/ ٢٤٩.\n(^٢) وهو مذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين. قال الزركشي: والمعتبرون من النظار على أن التمسك به باطل؛ لأنه من باب الهذيان. ينظر: البحر المحيط: ٥/ ٢٤٩.\n(^٣) في (ت): حكم. بالإفراد.\n(^٤) ينظر: البرهان: ٢/ ٧٨٨.\n(^٥) ينظر: تيسير التحرير: ٤/ ٤٩، والتبصرة: ص ٤٦٠، والمنخول: ص ٣٤٠، والمحصول =","vol":"6","page":2391},{"text":"وقال الكرخي: هو مقبول جدلًا ولا يسوغ التعويل عليه عملًا ولا الفتوى به (^١).\nوبالغ قوم وقالوا: يفي في عليّة الوصف الطردي أنْ يكون الحكم مقارنًا له ولو في صورة واحدة قال صاحب الكتاب: وهو ضعيف وسنبين وجه ذلك إن شاء الله تعالى.\nواحتج المصنف على أنَّه حجةٌ بأنّ الحكم إذا ثبت فيما عدا صورة النزاع مع الوصف ووجد الوصف في صورة النّزاع لزم ثبوت الحكم معه فيه إلحاقًا للفرد بالأعمّ الأغلب، فإنّ الاستقراء يدلّ على إلحاق النّادر بالغالب. وهذا معتصم ضعيف، فإنّه إنْ أريد بالاستقراء إلحاق كلّ نادر بالغالب في جميع الأشياء (^٢)، فهو ممنوع؛ لما يرد عليه من النقوض الكثيرة؛ ولأنّ من جملة تلك الصّور محل النزاع ولو ثبت هذا الحكم في محل النزاع لاستغنى عن هذه المقدمة، وإن أريد به أنَّه في بعض الصّور كذلك، فلا يلزم (^٣) من تسليمه شيء، وإن أريد به أنَّه كذلك فيما عدا محل النزاع فيصعب إثباته لما ذكرناه من النقوض.\nولو سلم فلقائل أنْ يقول: لم يلزم فيما نحن فيه إلحاق النادر بالغالب؟ وهل هذا إلا إثبات (^٤) الطرد بالطرد؟ .\n_________\n= للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٠٥.\n(^١) حكاه الغزالي في المنخول: ص ٣٤٠.\n(^٢) (وهذا معتصم ضعيف. . . . . . في جميع الأشياء) ساقط من (غ).\n(^٣) في (غ): يلزمه.\n(^٤) في (ت): ثبات الطرد.","vol":"6","page":2392},{"text":"ولو سلمنا أنا (^١) إذا رأينا حكمًا في أغلب صور وصف يغلب على ظننا أنَّه في جميع صور الوصف كذلك. فلقائل أنْ يقول: إنّ المعلوم فيما نحن فيه في أغلب صور الوصف إنما هو مقارنة الحكم مع الوصف لا كون الحكم معللا بذلك الوصف فإنّ هذا غير معلوم لي ولا في صورة واحدة ولا يلزم من عليّة الاقتران كونه علّة للحكم، ولو لزم ذلك لما كان الوصف بكونه علّة للحكم أولى من الحكم بأنْ يكون للوصف.\nواحتج من أبطله بوجوه: أوجَهها أنّ أقيسة المعاني لم تقتض الأحكام لأنفسها وإنما تعلّق بها الصحابة إذا عدموا متعلقًا من الكتاب والسنة، فإجماعهم على ذلك ومستند العمل بالأقيسة الصحيحة كما سبق والذي تحقق لنا من مسالكهم النّظر إلى المصالح والمراشد، والاستحثاث على اعتناق محاسن الشرع.\nفأمّا الاحتكام بطردٍ لا يناسب الحكم، ولا يثير شبهًا، فلم يثبت عنهم الاعتماد عليه، بل نظرهم إلى ما ذكرناه دليل على أنّهم كانوا يأبونه (^٢) ولا يرونه ولو كان الطرد مناطًا لأحكام الله تعالى لما أهملوه ولا عطّلوه.\nولسنا نطيل بالردّ على القائل (^٣) بالطرد ففي هذا الدليل مقنع.\nوقد قال القاضي والأستاذ من طرد عن غيره فهو جاهل غبي، ومن\n_________\n(^١) (أنا) ليس في (غ).\n(^٢) في (غ): يأتونه.\n(^٣) في (غ)، (ت): القائلين.","vol":"6","page":2393},{"text":"مارس قواعد الشرع واستجاز الطرد فهو هازئ بالشريعة مستهين بضبطها، مشير إلى أنّ الأمر إلى القائل (^١) كيف أراد (^٢) وإذا وضح بطلان القول بالطرد بان فساد قول من يقول يكفي ولو في صورة واحدة بطريق الأولى.\nوقد قال المصنف: إنّه ضعيف مع قوله بالطّرد وهذا صحيح؛ لأنَّ القائل بالطّرد يستند إلى ضرب من الظنّ، وهو حصول التكرار والصورة الواحدة لا تكرار فيها فمن أين الظنّ؟.\nوأمّا الكرخي فقد ناقض بقوله كما قال إمام الحرمين، فإنّ المناظرة مباحثة عن مأخذ أحكام الشريعة، والجدال استياقها على أحسن ترتيب وأقربِه إلى المقصود، وليس في أبواب الجدل ما يسوغ استعماله في النظر مع الاعتراف بأنّه لا يصلح أنْ يكون مناطًا لحكم.\nوغاية المعترض أن يثبت ذلك فيما تمسك به خصمه فإن اعترف به فقد كفي المؤنة (^٣) وعاد الكلام نكدًا وعنادًا وأضحى لجاجًا وخرج عن كونه حجاجًا (^٤).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-543>(التاسع تنقيح المناط </span>بأن يبين إلغاء الفارق، وقد يقال العلّة إما المشترك أو المميز والثاني باطل فثبت الأوّل ولا يكفي أنْ يقال محل\n_________\n(^١) في (ت): بالقائل.\n(^٢) عزاه إمام الحرمين الجويني إليهما ينظر البرهان: ٢/ ٧٩١\n(^٣) في (ت): بالمؤنة.\n(^٤) ينظر البرهان: ٢/ ٧٩٤ - ٧٩٥.","vol":"6","page":2394},{"text":"الحكم إما المشترك أو (^١) مميز الأصلي؛ لأنّه لا يلزم من ثبوت المحل ثبوت الحكم)\nإلحاق المسكوت عنه بالمنصوص عليه بإلغاء الفارق يسمى تنقيح المناط (^٢) وهو أنْ يقال لا فرق بين الفرع والأصل إلا كذا وكذا، وذلك لا\n_________\n(^١) (أو) ليس في (ت).\n(^٢) تنقيح المناط: التنقيح في اللغة: التهذيب ومنه تنقيح الجذع أي تهذيبه وتشذيبه حتى يخلص من الشوائب وكل ما نحيت عنه شيئًا فقد نقحته، وتنقيح الشعر تهذيبه، وتنقيح العظم استخراج مخّه. ينظر: الصحاح: ١/ ٤١٣ مادة \"نقح\".\nوالمناط: مأخوذ من ناطه نوطا أي علقه. وانتاط تعلّق، والأنواط المعاليق، وهذا منوط به معلّق. ينظر: القاموس المحيط: ص ٨٩٢ مادة \"ناط\".\nوتنقيح المناط: عند الأصوليين: تهذيب علّة الحكم، وقد عرفوه تعريفات كثيرة وباعتبارات مختلفة.\nفالبيضاوي يرى أن تنقيح المناط عبارة عن إلغاء الفارق. (الإسنوي: ٣/ ٧٤).\nوالآمدي يرى أنه النظر والاجتهاد في تعيين ما دل النص على كونه علة من غير تعيين بحذف ما لا مدخل له في الاعتبار مما اقترن به من الأوصاف كل واحد بطريقة. (الإحكام: ٣/ ٢٧٩)\nوتاج الدين السبكي (الشارح) يقول في جمع الجوامع: تنقيح المناط هو أن يدل نص ظاهر على التعليل بوصف، فيحذف خصوصه عن الاعتبار بالاجتهاد ويناط الحكم بالأعم، أو تكون أوصاف في محل الحكم، فيحذف بعضها عن الاعتبار بالاجتهاد، ويناط الحكم بالباقي. (حاشية البناني على شرح جمع الجوامع للمحلي: ٢/ ٣٣٧).\nومثلوا له بحديث الأعرابي الذي واقع أهله في نهار رمضان. فإن الأوصاف التي يمكن أن يشير إليها النص كون المواقع أعرابيا، وكون الموطوءة زوجته، وكون الوقاع في رمضان معينًا، وكون الوطء في القبل، وكون الوقاع بخصوصه هو العلّة.","vol":"6","page":2395},{"text":"مدخل له في الحكم البتة، فيلزم اشتراكهما في الحكم لا اشتراكهما في الموجب له.\nومثاله: قياسُ الأَمَةِ على العبد في السراية في قوله - ﷺ - \"من أعتق شركًا له في عبد قوّم عليه الباقي\" (^١) بأنّه لا فارق بين الأمة والعبد إلا الذكورة، وهو ملغى بالإجماع إذ (^٢) لا مدخل له في العليّة، وهذا هو الذي تسميه الحنفية بالاستدلال، ويفرِّقون بينه وبين القياس بأن يخصّوا اسم القياس بما يكون الإلحاق فيه بذكر الجامع الذي لا يفيد إلا الظنّ، والاستدلال بما يكون الإلحاق فيه بإلغاء الفارق الذي يفيد القطع حتى أجروه مجرى القطعيات في النسخ به ونسخه فجوزوا الزيادة على النّص به، ولم يجوزوا نسخه بخبر الواحد (^٣).\nوالحقّ أنَّ تنقيح المناط قياس خاص مندرج تحت مطلق القياس، وكل من القياسين أعني ما يلحق فيه بذكر الجامع وبإلغاء الفارق قد يكون ظنيًّا وهو الغالب إذ قلّما بقوم القاطع على أنّ الجامع علّة أو (^٤) أنّ ما به الامتياز لا مدخل له في العليّة، وقد يكون قطعيًا بأن يوجد ذلك.\nنعم حصول القطع فيما فيه الإلحاق بإلغاء الفارق أكثر من القسم الآخر لكن ليس ذلك فرقًا في المعنى بل في الوقوع.\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) في (غ): أو.\n(^٣) ينظر: البحر المحيط: ٥/ ٢٥٥.\n(^٤) في (غ): وأنّ.","vol":"6","page":2396},{"text":"واعلم أنَّه قد يقال في إيراد تنقيح المناط هذا الحكم لا بد له من علّة لما (^١) تقدم وهي إمّا المشترك بين الأصل والفرع كالرّق في المثال الذي ذكرناه أو المختص بالأصل كالذكورة والثاني باطل؛ لأنَّ الفارق ملغى فتعين الأول فيلزم ثبوت الحكم في الفرع لثبوت عليته فيه.\nفإن قلت: هذه الطريقة بعينها هي طريقة السبر والتقسيم.\nقلت: كذا قال الإمام (^٢) ولكن يمكن أن يفرق بينهما بأن السبر والتقسيم لا بد فيه (^٣) من تعيين الجامع والاستدلال على العليّة، وأمّا هذا فلا يجب فيه تعيين العلّة ولكنّ ضابطه أنّه لا يحتاج إلى التّعرض للعلّة الجامعة بل يتعرض للفارق ويعلم أنّه لا فارق إلّا كذا، ولا مدخل له (^٤) في التأثير مثل: من أعتق شركًا له في عبد كما أوضحناه كقوله - ﷺ -: \"أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه\" (^٥) فالمرأة في معناه وقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (^٦)\n_________\n(^١) في (ص): كما تقدم.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازى: ج ٢/ ق ٢/ ٣١٧.\n(^٣) (فيه) ليس في (ت).\n(^٤) (له) ليس في (ت).\n(^٥) الحديث رواه أبو داود في سننه في كتاب البيوع (٢٢) باب في الرجل يفلس فيجد الرجل متاعه بعينه، الحديث رقم ٣٥٢٣. ورواه الحاكم في المستدرك في كتاب البيوع (١٩) ٢/ ٥٨. رقم الحديث (٢٣١٤) وقال: هذا حديث عال صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذا اللفظ. قال الذهبي في التلخيص: صحيح. ورواه الدارقطني في سننه: ٣/ ٣٠. ورواه البيهقي في سننه: ٦/ ٧٤ الحديث رقم (١١٢٤٠). ولمزيد من التفصيل ينظر تلخيص الحبير: ٣/ ١٠٠٢ - ١٠٠٣.\n(^٦) سورة النساء من الآية ٢٥.","vol":"6","page":2397},{"text":"فالعبد في معناها وقوله - ﷺ -: \"من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع\" (^١) فالجارية في معناه وقوله - ﷺ - في موت الحيوان في السمن: \"أنَّه يراق المائع ويقور ما حوالي الجامد\" (^٢) فإنّ العسل وكلّ جامد في معناه.\nولا يكفي أن يقال: في إيراده هذا الحكم لا بد له من محل وهو إمّا المشترك أو مميز الأصل عن الفرع، والثاني باطل؛ لأنَّ الفرق ملغى فوجب أن يكون محله المشترك ويلزم ثبوت الحكم في الفرع ضرورة حصوله في الأصل وذلك لأنّه لا يلزم من وجود المحل وجود الحال فيه. ومثاله: قول الحنفي وجوب كفارة الإفطار له محل وهو إمّا المفطر بالوقاع بخصوص الوقاع أو المفطر لا بخصوص الوقاع، والأوّل باطل؛ لأن خصوص الوقاع ملغى، كخصوص القتل بالسيف في وجوب القصاص فتعين الثاني فتجب الكفارة على من أفطر بالأكل.\nفنقول: سلمنا أن المفطر بالأكل يصدق عليه أنّه مفطر لكن لا يلزم من ثبوت الحكم في المفطر ثبوته في كلّ مفطر، وهذا كما أنَّه إذا صدق هذا\n_________\n(^١) متفق عليه من حديث ابن عمر - ﵁ -: رواه البخاري: ص ٤٤٦ في كتاب المساقاة (٤٢)، باب الرجل يكون له ممر، أو شرب في حائط (١٧) رقم الحديث (٢٣٧٩)، ورواه مسلم: ص ٦٢٤ في كتاب البيوع (٣١) باب من باع نخلا عليها تمر (٧٧) رقم الحديث (٧٢/ ١٥٤٢).\n(^٢) كذا ذكره بمعناه، والحديث أخرجه البخاري وغيره، وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأطعمة باب الفأرة تقع في السمن (٤٧) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا وقعت الفأرة في السمن، فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فلا تقربوه\".","vol":"6","page":2398},{"text":"الرجل طويل يصدق الرجل طويل (^١) ضرورة كون الرجل جزءًا (^٢) من هذا الرجل، واستلزم حصول المركب حصول المفرد، ولا يلزم منه صدق كل رجل طويل.\nفائدة: قد اقتصر المصنف على ذكر تنقيح المناط دون تحقيق المناط وتخريج المناط ونحن لا نطيب قلبًا بإخلاء هذا الشرح عن الكلام فيهما ليحصل التفرقة بينهما وبين تنقيح المناط فنقول:\nأمّا تنقيح المناط: فقد عرفت أنّه الاجتهاد في تعيين السبب الذي ناط الشارع (^٣) الحكم به وأضافه إليه ونصبه علامة عليه بحذف غيره من الأوصاف عن درجة الاعتبار.\nوأما تحقيق المناط: فهو أنْ يتفق على عليّة وصف بنص أو إجماع، ويجتهد في وجودها في صورة النزاع كالاجتهاد في تعيين الإمام بعد ما علم من إيجاب نصب الإمام، وكذا تعيين القضاة والولاة، وكذا في تقدير التعزيرات، وتقدير الكفاية في نفقة القريب. وإيجاب المثل في قيم المتلفات، وأروش الجنايات، وطلب المثل في جزاء الصيد، فإنّ مناط الحكم في نفقة القريب الكفاية وذلك معلوم بالنّص أمّا أن الرطل كفاية لهذا الشخص، أم لا فيدرك بقول المقومين، وهو مبني على الظنّ والتخمين وينتظم هذا الاجتهاد بأصلين:\n_________\n(^١) (طويل) ليس في (ت).\n(^٢) (جزءًا) ليس في (ت).\n(^٣) في (ص): التنازع.","vol":"6","page":2399},{"text":"أحدهما: أنَّه لا بد من الكفاية.\nوالثاني: أن الرطل قدر الكفاية فيلزم منه أنه الواجب.\nأمّا الأصل الأول فمعلوم بالنّص (^١) والإجماع (^٢).\nوأمّا الثاني: فبالظنّ.\nوكذا نقول يجب في حمار الوحش بقرة لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (^٣) فنقول: المثل واجب والبقرة مثل فإذن هي الواجب فالأوّل معلوم بالنّص وهي المثلية التي هي مناط الحكم أما تحقيق المثلية في البقرة فمعلوم بنوع من المقايسة والاجتهاد.\nوكذلك من أتلف على إنسان فرسًا فعليه ضمانه (^٤)، والضمان هو المثل في القيمة أمّا كون مائة درهم مثلا له في القيمة، فيعرف بالاجتهاد.\nومن هذا القبيل الاجتهاد في القبلة فإنه يجب استقبال جهتها بالنّص أمّا\n_________\n(^١) في (غ): التنصيص.\n(^٢) تجب نفقة الوالدين وإن علوا لقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ومن الإحسان الانفاق عليهما عند حاجتهما ولقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ ومن المعروف القيام بكفايتهما عند حاجتهما ولقوله: \"إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم\" رواه ابو داود والترمذي وحسنه وقال ابن المنذر ولا مال واجبة في مال الولد. ينظر: كشاف القناع: ٥/ ٤٨٠.\n(^٣) سورة المائدة من الآية ٥.\n(^٤) في (ت): ضمان.","vol":"6","page":2400},{"text":"أنّ هذه هي جهة القبلة فيعلم بالاجتهاد عند تعذر اليقين.\nوكذا العدالة فإنّ كونها مناط قبول الشهادة معلوم بالإجماع وتحققها في كل واحد من الشهود مظنون وكلّما عُلم وجوبه أو جوازه من حيث الجملةُ وإنما النظر في تعينه (^١) وتقديره (^٢).\nقال الغزالي: وهذا لا خلاف فيه بين الأمّة وهو نوع اجتهاد، قال: والقياس مختلف فيه فكيف يكون هذا قياسًا؟ وكيف يكون مختلفًا فيه؟ وهو (^٣) ضرورة كلّ شريعة، لأنَّ التنصيص على عدالة الأشخاص وقدر كفاية كلّ شخص محال، فمن ينكر القياس ينكره حيث يمكن التعريف للحكم بالنّص المحيط بمجاري (^٤) الحكم (^٥).\nوأما تخريج المناط: فهو الاجتهاد في استنباط علّة الحكم الذي دلّ النّص أو الإجماع عليه من غير تعرض لبيان علية (^٦)، لا بالصراحة ولا بالإيماء نحو قوله: \"لا تبيعوا البر بالبر إلا مثلا بمثل\" (^٧) فإنّه ليس فيه ما\n_________\n(^١) في (غ): تعيينه.\n(^٢) تعريف تحقيق المناط نقله الشارح نقلا حرفيا من المستصفى: ٢/ ٢٣٠ - ٢٣١.\n(^٣) في (ص): وهي.\n(^٤) في (غ): بمحادي.\n(^٥) ينظر: المستصفى: ٢/ ٢٣١.\n(^٦) في (ص): علته.\n(^٧) لم يرد الحديث بهذا اللفظ بل تركيب على عادة الفقهاء وأصل الحديث \"لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة بالفضة ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا الملح بالملح. . .\" الحديث. وأخرج الحديث الشافعي في مسنده: ص ١٤٧، والبيهقي في سننه: =","vol":"6","page":2401},{"text":"يدلّ على أنّ علّة تحريم الربا الطُعم، لكن المجتهد نظر واستنبط العلّة بالطرق العقلية من المناسبة وغيرها، فكأنّ المجتهد أخرج العلّة من خفاء، فلذلك سمي تخريج المناط، بخلاف تنقيح المناط فإنّه لم يستخرجه لكونه مذكورًا في النّص، بل نقّح المنصوص وأخذ منه ما يصلح للعليّة، وترك ما لا يصلح.\nقال الغزالي وهذا هو الاجتهاد القياسي الذي عظم فيه الخلاف (^١).\nقال: (تنبيه قيل: لا دليل على عدم عليته فهو علة.\nقلنا: لا دليل على عليته فليس بعلة.\nقيل: لو كان علّة لتأتى القياس المأمور به.\nقلنا: هو دور).\nهذان طريقان ظنّ بعض الأصوليين أنّهما مفيدان للعلية فعقد المصنف هذه الجملة منبهة على فساد هذا الظنّ.\nأحدهما: أنْ (^٢) يقال لم يقم الدليل على أن هذا الوصف غير علّة فيكون\n_________\n= ٥/ ٢٧٧ رقم ١٠٢٦١، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ٤/ ٧٦، كلهم عن عبادة بن الصامت، وأما لفظ مسلم: عن عبادة بن الصامت \"سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر\" مسلم في صحيحه: ص ٤٦٤ كتاب المساقاة (٢٢)، باب الصرف وبيع الذهب بالورق (١٥) رقم (٧٩/ ١٥٨٦).\n(^١) ينظر: المستصفى: ٢/ ٢٣١.\n(^٢) في (ت): أنّه.","vol":"6","page":2402},{"text":"علّة؛ لأنّه إذا انتفى الدليل على عدم عليّته ثبت كونه علّة للزوم انتفاء المدلول بانتفاء الدليل وقد اختار الأستاذ أبو إسحاق هذه الطريقة كما هو محكي في مختصر التقريب (^١) (^٢)\nوالجواب: أن يعارض هذا بمثله، ويقال: لم يقم الدليل على عليته، فليس بعلّة لما (^٣) ذكرتم، وقد بالغ القاضي في مختصر التقريب في الردّ على من استدل بهذا الطريق وهذا الجواب هو حاصل ما ذكره (^٤). (^٥)\nوالثاني: أنْ يقال هذا الوصف على تقدير عليته يتأتى معه العمل بالقياس المأمور به و(^٦) على تقدير عدم عليّته لا يتأتى معه ذلك، فوجب أنْ يكون علّة؛ لتمكن الإتيان معه بالمأمور به وهذا إيضاح هذا الطريق على الوجه الذي ساقه المصنف ولو قال: (إذا كان علّة) بدل قوله: (لو كان) لأحسن، فإنّ عبارته (^٧) هذه توهم أنّ هذا طريق في نفي العليّة لا فى إثباتها، وقد فهم الشيرازي - شارح الكتاب هذا - ومشى عليه\n_________\n(^١) (وقد اختار الأستاذ أبو إسحاق هذه الطريقة كما هو محكى في مختصر التقريب) ساقط من (غ)، (ت).\n(^٢) ينظر مختصر التقريب: ٣/ ٢٥٤.\n(^٣) في (ص): كما.\n(^٤) (وقد بالغ القاضي في مختصر التقريب. . . . هو حاصل ما ذكره) ساقط من (غ)، (ت).\n(^٥) ينظر مختصر التقريب: ٣/ ٢٥٤.\n(^٦) (على تقدير عليته يتأتى معه العمل بالقياس المأمور به و) ساقط من (غ)، (ت).\n(^٧) في (ص): عبارة.","vol":"6","page":2403},{"text":"وليس بجيد.\nوأجاب المصنف بأنّ هذا دور، لأنَّ تأتي القياس يتوقف (^١) على ثبوت العلّة فلو أثبتنا العلّة به لتوقف ثبوت العلّة عليه. ولزم الدور والله أعلم.\n_________\n(^١) في (غ): متوقف.","vol":"6","page":2404},{"text":"الطرف الثاني: نواقض العلة","vol":"6","page":2405},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-544>(الطرف الثاني: فيما يبطل العليّة </span>وهو ستة:\n<span data-type=\"title\" id=toc-545>الأول: النقض </span>وهو إبداء الوصف بدون الحكم مثل أنْ يقول لمن لم يبيّت يعرى أوّل صومه عن النيّة، فلا يصحّ فينتقض بالتطوع).\nهذا مبدأ القول في الأمور المبطلة للعلية وهي ستة: النقض، وعدم التأثير، والكسر، والقلب، والقول بالموجب، والفرق (^١).\n_________\n(^١) الاعتراضات الواردة على القياس عموما أوصلها بعض الأصوليين إلى ما يزيد على الثلاثين اعتراضًا. وتناولوها بالتفصيل في باب مستقل حيث جمعوا الاعتراضات الواردة على الحكم وعلى الأصل المقيس عليه، وعلى الفرع وعلى العلة، وبعضهم اقتصر على الاعتراضات الواردة على العلّة وأفردها في بحث مستقل وسماها قوادح أو مبطلات العلّة، أو غيرها من التسميات والبيضاوي وشراحه ارتأوا الطريقة الثانية.\nيقول الزركشي في البحر المحيط: \"وتنقسم في الأصل إلى ثلاثة أقسام مطالبات، وقوادح ومعارضات؛ لأنه إما أن يتضمن تسليم مقدمات الدليل أو لا، فالأول: المعارضة، والثاني: إما أن يكون جوابه ذلك الدليل أو لا. والأول المطالبة والثاني القادح\". ينظر: البحر المحيط: ٥/ ٢٦٠.\nيقول الفتوحي ابن النجار: \"قال أهل الجدل: الاعتراضات راجعة إما إلى منع في مقدمة من المقدمات، أو معارضة في الحكم. . .\" ثم قال: \"ولم يذكر الغزالي في المستصفى شيئًا - غير أنه ذكرها في المنخول ص ٤٠١ وما بعدها - من القوادح وقال إن موضع ذكرها علم الجدل. . . . وعدّة القوادح عند ابن الحاجب وابن مفلح والأكثر خمسة وعشرون قادحًا. وقيل اثنا عشر\". ينظر: شرح الكوكب المنير: ٤/ ٢٣٠.\nومما تجدر الإشارة إليه أنّ طريقة المتكلمين في تناول هذا الموضوع تختلف عن طريقة الحنفية فلكل منهما منهج خاص في مباحث الأصول عموما، وفي تناولهم لمبحث نواقض العلة على وجه الخصوص.\nفالحنفية من منهجهم تقسيم العلل إلى نوعين: طردية ومؤثرة. وذكروا لدفع العلل =","vol":"6","page":2407},{"text":"الأول: النقض (^١): وهو عبارة عن إبداء الوصف الذي ادّعى المستدل\n_________\n= الطردية: القول بالموجب والممانعة وبيان فساد الوضع، والمناقضة. وأما العلل المؤثرة فقد ذكروا لدفعها طريقان فاسد وصحيح، والفاسد: له أوجه أربعة: المناقضة، وفساد الوضع، وقيام الحكم مع عدم العلة، والفرق بين الفرع والأصل. والطريق الصحيح: له أوجه أربعة: الممانعة، والقلب المبطل، والعكس الكاسر والمعارضة بعلّة أخرى. ينظر: المغني للخبازي: ص ٣١٤ وما بعدها.\n(^١) النقض: لغة هو إفساد ما أبرمت من عقد أو بناء أو عهد، ويأتي بمعنى الهدم، يقال نقض البناء أي هدمه.\nينظر: المصباح المنير: ص ٦٢١ \"نقض\"، والقاموس المحيط: ص ٨٤٦ مادة \"نقض\".\nوفي الاصطلاح كما ذكره الشارح، أو تقول: أن يوجد الوصف المدّعَى عليته، ويتخلف الحكم عنه.\nويسميه الحنفية المناقضة وتخصيص العلة وقد عرفه الدبوسي بقوله: المناقضة حدها: أن توجد العلّة على الوجه الذي جعلت علّة بلا مانع ولا حكم معها. ينظر: تقويم الأدلة للدبوسي: اللوحة ٦٦٦ - ٦٦٧.\nوالكلام في هذه المسألة ورد في المصادر التالية: المعتمد للبصري: ٢/ ٤٥٣، ٢٨٤، والتبصرة: للشيرازي: ص ٤٦٦، واللمع له: ص ٦٤، والتلخيص له أيضًا: ٢/ ٦٧٣ وما بعده، والكافية في الجدل للجويني: ص ١٧٢، والبرهان: ٢/ ٩٧٧، والمنهاج للباجي: ص ١٨٥، والجدل لابن عقيل: ص ٥٦، والتمهيد لأبي الخطاب: ٤/ ١٣٧، والمنخول للغزالي: ص ٤٠٤، والمستصفى له: ٢/ ٣٣٦، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٢٣، والإحكام للآمدي: ٤/ ١١٨، ونهاية السول للإسنوي: ٣/ ٧٨، ومناهج العقول: للبدخشي: ٣/ ٧٦، وشرح العضد على ابن الحاجب: ٢/ ٢١٨، ٢٦٨، وشرح تنقيح الفصول: للقرافي ص ٣٩٩، والمسودة لآل تيمية: ص ٤١٠، ٤١٢ - ٤١٦، والمختصر لابن اللحام: ص ١٥٤، وأصول السرخسي: ٢/ ٢٠٨، ٢٣٣، وكشف الأسرار على أصول البزدوي: ٤/ ٣٣، ٤٣، وتيسير التحرير لأمير بادشاه: ٤/ ١٣٨، والتوضيح لصدر الشريعة: ٢/ ٨٥، والمغني للخبازي: ص ٣١٨، وميزان الأصول للسمرقندي: ص ٧٧٠.","vol":"6","page":2408},{"text":"حجّة عليته في بعض الصور مع تخلف الحكم عنه فيها وربما يعبر عنه المعبرون بتخصيص العلّة،\nومثاله قولنا: من لم يبيت النّية يعرى أوّل صومه عنها، فلا يصح؛ لأنَّ الصوم عبارة عن إمساك النّهار جميعه مع النية، فيجعل العراء عن النيّة في أوّل الصّوم علّة بطلانه.\nفيقول الخصم: ما ذكرت منقوض بصوم التطوع، فإنّه يصحّ من غير تبييت.\nوأمثلة هذا الفصل تخرج عن حدّ الحصر، فلا نطل باستقصائها (^١).\nقال: (قيل: يقدح.\nوقيل: لا مطلقا.\nوقيل: في المنصوصة.\nوقيل: حيث مانع وهو المختار قياسا على التخصيص. والجامع جمع الدليلين؛ ولأنَّ الظنّ باق بخلاف ما لم يكن مانع).\n_________\n(^١) منها أن يقول الشافعي: في الوضوء والتيمم، إنهما طهارتان فينبغي أن لا يفترقا في وجوب النية فيهما، فقد علل وجود النية في الوضوء بكونه طهارة فلا ينبغي التفريق بينه وبين التيمم الذي هو طهارة أيضا، لكن هذا يمكن أن ينتقض بغسل الثوب والبدن عن النجاسة الحقيقية فإن كل واحد منهما طهارة واجبة عند الصلاة مع أن النية في طهارتها ليست بفرض فيهما.\nينظر: البحر المحيط: ٥/ ٢٧١.","vol":"6","page":2409},{"text":"الكلام في النقض من عظائم المشكلات أصولًا وجدلًا، ونحن نتوسط في تهذيبه فلا نسهب ولا نوجز بل نأتي بالمقنع.\nفنقول: اعلم أولًا أنّ الصور (^١) في النقض تسع؛ لأنَّ العلّة إمّا منصوصة قطعًا أو ظنًّا أو مستنبطة، وتخلف الحكم؛ إمّا لمانع أو فوات شرط أو دونهما، فصارت تسعًا من ضرب ثلاثة في ثلاثة (^٢)، فالقائل بأنّ النقض قادحٌ مطلقًا قائل به في التسع، ومقابله مانع في جميع ذلك ولنذكر صورها:\nالأولى: القطعية المتخلف (^٣) الحكمِ عنها لوجود مانع.\nالثانية: القطعية المتخلف الحكم عنها (^٤) لفوات شرط.\nالثالثة: القطعية المتخلف الحكم عنها لا لمانع ولا لفوات شرط، وإنّما يكون ذلك بعض تعبدي (^٥) أو إجماع مع عدم ظهور مانع أو شرط.\n_________\n(^١) في (ت): أن صور النقض.\n(^٢) أي ضرب الثلاثة الأولى: وهي المنصوصة قطعًا والمنصوصة ظنًّا، والمستنبطة في الثلاثة الثانية: تخلف الحكم لمانع، أو لفوت شرط، أو دونهما. فيصير الناتج تسعة حسب ما تناولها الشارح.\n(^٣) في (ت): المختلف في الجميع.\n(^٤) (لوجود مانع. الثانية القطعية المتخلف الحكم عنها) ساقط من (غ)، (ت).\n(^٥) (المتخلف الحكم عنها لا لمانع ولا لفوات شرط، وإنّما يكون ذلك بعض تعبدي) ساقط من (غ).","vol":"6","page":2410},{"text":"الرابعة والخامسة والسادسة الظنيّة كذلك (^١).\nالسابعة والثامنة والتاسعة: المستنبطة كذلك (^٢).\nوعلى الفقيه طلب أمثلتها وسنذكر في أثناء الفصل من أمثلتها الكثير إن شاء الله تعالى.\nوقد اختلف النّاس في النّقض هل يكون قادحًا في العليّة على (^٣) مذاهب (^٤):\n_________\n(^١) أي بالترتيب السابق: الظنية المتخلف الحكم عنها لفوات شرط، أو لوجود مانع أو لا لمانع ولا لفوات شرط بل لبعض تعبدي أو إجماع مع عدم ظهور مانع أو شرط.\n(^٢) وهذه كسابقتيها.\n(^٣) (وقد اختلف النّاس في النّقض هل يكون قادحًا في العليّة على) ساقط من (ت).\n(^٤) اقتصر الشارح على بعض المذاهب وهنا أقوال أخرى وإليك الأقوال على سبيل الاختصار:\nالأول: أنه يقدح مطلقا في المنصوصة والمستنبطة، وهو قول الرازي ونسبه الشارح إلى أبي الحسين البصري. كما نسبه عبد العزيز البخاري لعبد القاهر الجرجاني وأبي إسحاق الإسفراييني وقال ابن قدامة: \"نصره القاضي أبو يعلى\".\nالثاني: أنه لا يقدح مطلقًا، حكاه البخاري عن أبي زيد الدبوسي والكرخي، وأبي بكر الرازي والعراقيين من الأحناف ونسبه لمالك وأحمد وحكى ابن تيمية عن أبي يعلى أنه المذهب الصحيح لدى الحنابلة. وقال ابن قدامة \"اختاره أبو الخطاب\".\nالثالث: لا يقدح في المنصوصة مطلقًا ويقدح في المستنبطة مطلقًا، ذكره الرازي والشارح وابن قدامة، وهو قول تقي الدين ابن تيمية، ومال إليه الشيرازي في التبصرة واللمع والملخص.\nالرابع: أنه لا يقدح حيث وجد مانع مطلقا، سواء كانت العلة منصوصة أو مستنبطة ويقدح إن لم يكن مانع مطلقا، وهو اختيار المصنف البيضاوي. =","vol":"6","page":2411},{"text":"أحدها: أنَّه يقدح مطلقًا (^١) وهو اختيار أبي الحسين البصري، والإمام وإليه ذهب أكثر أصحابنا (^٢).\nوالثاني: لا يقدح مطلقًا وعليه أكثر أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد (^٣).\n_________\n= الخامس: أنه يقدح إذا كان الوصف علة للحظر مطلقًا، ولا يقدح إذن كان لغير ذلك كالوجوب والحل وغيرهما، وهو محكي عن بعض المعتزلة كما عزاه الشارح.\nالسادس: أنه يقدح في المنصوصة ولا يقدح في المستنبطة، ذكره ابن الحاجب.\nالسابع: أنه لا يقدح في المستنبطة إذا كان التخلف لمانع أو انتفاء شرط ويقدح في غير ذلك. وأما إن كان دليلها قطعيا، فلا يجوز ولا يمكن وقوع النقض حينئذ، لأن دليل محل النقض لا يمكن أن يكون قطعيًا لاستحالة تعارض القطعيين، وإن كان ظنيًا، فالظني لا يعارض القطعي، وهذا اختيار الآمدي وابن الحاجب.\nالثامن: لا يقدح في المنصوصة مطلقًا، وفي المستنبطة إذا كان لفوات شرط أو وجود مانع أو ما علم أنه مستثنى تعبدًا، ويقدح في المستنبطة إذا كان التخلف لغير ذلك. وهذا ذكره تقي الدين ابن تيمية عن أبي محمد البغدادي.\nوأما إمام الحرمين والغزالي فلكل منهما رأي مفصل في المسألة وقد ذكر الشارح شيئا منه. وقد أوصل الزركشي في البحر المحيط الأقوال في المسألة إلى ثلاثة عشر قولا. (البحر المحيط: ٥/ ٢٦٢ - ٢٦٤. وينظر: هذه الأقوال أيضًا في المصادر السابقة.\n(^١) وجه الإطلاق: أنه يستوي ما إذا كانت العلّة منصوصة أو مستنبطة وسواء كان تخلف الحكم لمانع أو غيره. وهو مذهب المتكلمين ومنهم أبو إسحاق الإسفراييني وهو مذهب بعض علماء المالكية والحنابلة والحنفية.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٢٣، ونشر البنود: ٢/ ٢١٠ - ٢١١، والمسودة: ص ٤١٥، ٤١٢، والآيات البينات: ٤/ ١٦١ - ١٦٥، ومسلم الثبوت: ٢/ ٢٧٧، ونهاية السول للإسنوي: ٣/ ٧٨.\n(^٣) ينظر: فواتح الرحموت: ٢/ ٢٧٨، والمسودة: ٤١٢، ونشر البنود: ٢/ ٢١١. وقال =","vol":"6","page":2412},{"text":"والثالث: لا يقدح في المنصوصة مطلقًا في صورها الستّ، ويقدح في المستنبطة مطلقًا في صورها الثلاث (^١) (^٢).\nوالرابع: واختاره المصنف لا يقدح حيث وجدَ مانعٌ مطلقًا سواءً كانت العلّة منصوصة أو مستنبطة فإن لم يكن مانع قدح مطلقًا (^٣).\nوإلى المذهبين الأخيرين (^٤) أشار بقوله: \"وقيل: في المنصوصة، وقيل: حيث مانع\" وتقديره وقيل: لا يقدح في المنصوصة وقيل:\n_________\n= الزركشي صاحب البحر المحيط: ٥/ ٢٦٢ \"ولم أر أحدًا من أصحابنا [أي الشافعية] أقرّ به ولا نصره\".\n(^١) نسبه إمام الحرمين إلى معظم الأصوليين يقول في البرهان: ٢/ ٩٧٧ \"ذهب معظم الأصوليين إلى أن النقض يبطل العلّة المستنبطة\" وقال الزركشي \"هذا هو اختيار القرطبي\" ينظر البحر المحيط: ٥/ ٢٦٢.\n(^٢) أي المستنبطة المتخلف الحكم عنها لمانع أو لفوات شرط، أو دونهما.\n(^٣) ومفاد هذا الرأي: أن تخلف الحكم عن العلّة إن كان واردًا على سبيل الاستثناء فإنه لا يقدح، وأما إن لم يكن كذلك فإنه لا يعد قادحًا متى وجد مانع مطلقًا سواء في ذلك العلّة المنصوصة أو المستنبطة.\nأما إن كان التخلف لا لمانع فإنه يعد قادحًا في العليّة. وهو ما نصره البيضاوي وبمثله قال صفي الدين.\nومثلوا لما ورد التخلف فيه على سبيل الاستثناء بمسألة العرايا وهو بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر فإنها ناقضة لعلّة تحريم الربا.\nينظر: نهاية السول للإسنوي: ٣/ ٧٦ - ٨٠، ونهاية الوصول: ٨/ ٣٣٩٤، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٤٩، ونشر البنود: ٢/ ٢١٤.\n(^٤) في (غ): الآخرين.","vol":"6","page":2413},{"text":"لا يقدح حيث مانع ولم يصرح بالنّفي؛ لأنّه معطوف على منفي.\nوحكى القاضي أبو بكر في التلخيص الذي اختصره إمام الحرمين من كتابه التقريب والإرشاد مذهبا خامسا عن بعض المعتزله أنّه يجوز تخصيص علّة الحلّ والوجوب ونحوهما مما لا يكون حظرًا.\nقال: وحملهم على ذلك قولهم لا تصح التوبة عن قبيح مع الإصرار على قبيح ويصح الإقدام على عبادة مع ترك أخرى (^١).\nوحكى ابن الحاجب مذهبًا سادسا أنّه لا يقدح في المستنبطة، ويقدح في المنصوصة عكس الثالث (^٢).\nواختار مذهبًا سابعا وهو أنّه يجوز في المستنبطة في صورتين فلا يقدح فيهما وهما ما إذا كان التخلف لمانع أو انتفاء شرطٍ ولا يجوز في صورةٍ واحدةٍ، ويقدح فيها وهي ما إذا كان التخلف دونهما. وأما المنصوصة فإذا كان النّص ظنيًّا وقدر مانع أو فوات شرط جاز، ولا يجوز في القطعيّ في صوره الثلاث أي لا يمكن وقوعه؛ لأنَّ الحكم لو تخلف لتخلف الدليل وهو لا يمكن أنْ يكون قطعيًا؛ لاستحالة تعارض القطعيين إلا أنْ يكون أحدهما ناسخًا ولا ظنيًّا لأنَّ الظنيَّ لا يعارض القطعي (^٣). وهذا الذي اختاره ابن الحاجب نحو ما اختاره الآمدي (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٢٧٩.\n(^٢) ينظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣٦٨.\n(^٣) المصدر نفسه.\n(^٤) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ١٢٠ - ١٢١.","vol":"6","page":2414},{"text":"والمنعُ في النّصِ القطعيِّ إذا لم يكن مانعٌ ولا فواتُ شرط ظاهر. وأمّا إذا كان مانعٌ أو فواتُ (^١) شرط فلا وجه للمنع، إذا كان ذلك المانع أو الشرط عليه دليل؛ لأنّه حينئذ يكون ذلك الدليل مخصصًا للنّص القطعيّ اللهمّ إلّا أن تقدّر دلالة النّص على جميع الأفراد قطعيةً، فيصحّ ما قاله؛ لأنّه حينئذ لا يمكن التّخلف.\nوحاصله أنَّه في النّص القطعي لا يمكن ورود النّقض وفي الظنيّ يمكن. وقال: إنّه يقدّر مانع، ولا حاجة إلى ذلك، فقد يكون تعبديًا بالدليل الدال على التخصيص من غير ظهور معنى، فيمكن النّقض ولا يكون قادحًا، وفي المستنبطة يجوز حيث مانعٌ، أو فقدانُ شرطٍ ولا يجوز فيما سواهما، ففيما سواهما يكون قادحًا، ولا يكون النّقض قادحًا في شيء من المواضع إلا في هذا المكان وهو إذا استنبطت علّة وتخلفَ الحكم عنها لا لمانع ولا لفوات شرطٍ، فيستدل حينئذ بالتّخلف على فسادها. فينبغي أن يختصرَ الكلام، ويقالَ: النّقض يقدح في العليّة إذا كانت مستنبطة ولم يكن (^٢) مانع ولا فوات شرط ولا يقدح فيما سواه.\nوأمّا إمام الحرمين فذهب إلى رأي ثامن فقال: في المستنبطة إن انقدح من جهة المعنى فرّق بين ما وَرَد نقضًا وبين ما نصبه المستنبِط (^٣) علّة بطلت علته (^٤)؛ لأنّه يتبين بهذا أنّه ذكر في الابتداء بعض\n_________\n(^١) في (ت): فات.\n(^٢) (يكن) ليس في.\n(^٣) في (ص)، (ت): المستنبطة.\n(^٤) (بكلت علته) ليس في (ت).","vol":"6","page":2415},{"text":"العلّة وأظهر أنّه علّة مستقلة وإن لم ينقدح فرْق فإنْ لم يكن الحكم فيها مجمعًا عليه أو ثابتًا بمسلك قاطع سمعي بطلت (^١) علته أيضًا فإنه مناقض بها وتارك للوفاء بحكم العلّة فإذا لم يف بحقّ طردها فكيف يُلزم الخصمَ حقّ طردها في موضع قصده، وإن طرد مسألة إجماعية لا فرق بينها وبين محل العلّة فهذه موضع الأناة (^٢) والاتئاد، فإنْ كان الحكم الثابت فيها على مناقضة علّة المعلل (^٣) معللًا بعلّة معنوية جارية فورودها ينقض العلّة من جهة أنّها منعت العلّة من الجريان (^٤) وعارضتها بفقه.\nوإن كانت (^٥) المسألة قاطعة للطرد ولا فرق وكان لا يتأتى تعليلُ الحكم فيها على المناقضة بعلّة فقيهة، فهذا موضع التّوقف، هذا رأيه في المستنبطة (^٦).\nوحاصله أنّ النّقض قادحٌ فيما إذا انقدح فرق، أو لم يمكن الحكم في الصورة مجمعًا عليه أو لم يكن ثابتًا بقطعيٍّ، أو كان ثابتًا بإجماع وفي محل النّقض معنىً يعارض العلّة التي ذكرها المستدل، ويمنعها من الجريان وإنْ لم يكن كذلك فالتّوقف.\nوأمّا المنصوصة فإن كان بنصٍّ ظاهر فيظهر بما أورده المعترض أنّ\n_________\n(^١) في (غ): بطلب.\n(^٢) في (ص): الإباء.\n(^٣) في (ت): العلل.\n(^٤) في (غ): الحيوان.\n(^٥) في (غ): طارت، وفي (ت): ضرب.\n(^٦) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ٩٨٧ - ٩٨٨.","vol":"6","page":2416},{"text":"الشارع لم يرد التعليل وإن ظهر ذلك من مقتضى لفظه. وتخصيص الظواهر ليس بِدْعًا وإن كان بنص لا يقبل التأويل فإن عمّم (^١) بصيغة لا يتطرق إليها تخصيص ببعض الصور التي تطرد العلّة فيها فلا مطمَع في تخصيصها لقيام القطع على العليّة، وجريانها على اطراد ونصُّ الشارع لا يصادم، وإن نصّ الشارع على شيء وعلى تخصيصه في كونه علّة لمسائل معدودة، فلا يمتنع ذلك (^٢) ولا معترض عليه في تنصيصه وتخصيصه ولو نصّ على نصب علّة على وجه لا يقبل أصل النّصب تأويلًا، ولم يجر في لفظ الشارع بتنصيص على التّعميم على وجه لا يؤول (^٣) ولا على التخصيص بمواقع مخصوصة فهذا عام، ولا يمتنع فيه تخصيص العلّة (^٤).\nوأمّا حجّة الإسلام الغزالي فذهب إلى مقالة تاسعة فقال: تخلف الحكم عن العلّة يفرض (^٥) على ثلاثة أوجه: الأول أنْ يعرض في صوب جريان العلّة ما يمنع اطرادها وهو الذي يسمّى نقضا وهو قسمان:\nأحدهما: ما يظهر أنَّه ورد مستثنى عن القياس مع استبقاء القياس، فلا يفسد العلّة بل يخصصها بما وراء المستثنى، ويكون علّة في غير محل الاستثناء، ولا فرق بين (^٦) أنْ يرِد ذلك على علّة مقطوعة أو مظنونة.\n_________\n(^١) في (غ): عمّ.\n(^٢) (ذلك) ليس في (ت).\n(^٣) في (ت): تأويل.\n(^٤) ينظر تفاصيل رأي الجويني في البرهان: ٢/ ٩٩٩ - ١٠٠١.\n(^٥) (فذهب إلى مقالة تاسعة فقال: تخلف الحكم عن العلّة) ساقط من (غ).\n(^٦) (بين) ليس في (ت).","vol":"6","page":2417},{"text":"مثال الأوّل: إيجاب صاع من التمر في لبن المصراة فإنّ علّة إيجاب المثل في المثليات تماثل الأجزاء، والشرع لما أوجب ذلك لم ينقض هذه العلّة، إذ عليها تعويلنا في الضمانات، لكن استثنى هذه الصورة، فهذا الاستثناء لا يبين للمجتهد فساد هذه العلّة ولا ينبغي أنْ يكلف الناظر الاحتراز عنه، حتّى نقول في علّته تماثل الأجزاء في غير المصراة، فيقتضي إيجاب المثل، لأنَّ هذا تكليف قبيح (^١).\nومثال الثاني: مسألة العرايا كما سيأتي إن شاء الله تعالى في كلام المصنف.\nوثانيهما: ما لم يرد مورد الاستثناء فلا يخلو إمّا أنْ يرد على المنصوصة أو المظنونة، فإنْ ورد على المنصوصة فلا يتصور هذا إلّا بأن ينعطف منه قيد على العلّة، ويتبين أنّ ما ذكر لم يكن تمام العلّة.\nمثاله: قولنا: خارج فينقض الطهر، أخذًا من قوله: الوضوء مما خرج، ثمّ بان بأنّه لم يتوضأ من الحجامة، فيعلم أنّ العلّة ليس مطلق كونه خارجًا بل خارج عن المخرج المعتاد فكان مما ذكر بعضَ العلّة، فإنْ لم يكن كذلك، فيجب تأويل التعليل إذ قد يرد بصيغة التعليل ما لا يراد به التعليل، أو يراد به التعليل، لكن لا لذلك الحكم المذكور، قال\n_________\n(^١) ومثّل الغزالي بمثال آخر تركه السبكي رغبة منه في الاختصار يقول الغزالي: ٢/ ٣٣٧ \"وكذلك صدور الجناية من الشخص علّة وجوب الغرامة عليه، فورود الضرب على العاقلة لم ينقض هذه العلّة ولم يفسد هذا القياس، لكن استثنى هذه الصورة فتخصصت العلّة بما وراءها\".","vol":"6","page":2418},{"text":"الله تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١) ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (^٢) وليس كلّ من شاقق الله ورسوله يخرِب بيته فتكون العلّة منقوضة (^٣) ولا يمكن أنْ يقال: (^٤) إنّه علّة في حقّهم خاصّة؛ لأنّ هذا يعدّ تهافتًا في الكلام، فإذن الحكم المعلل بذلك ليس هو التخريب المذكور، بل هو لازمه أو جزؤه الأعمّ وهو كونه عذابًا ولا شك أنّ كلّ من يشاقق الله ورسولَه فإنّه معذّب إمّا بخراب البيت أو غيره.\nوهذا وإن كان خلافَ الظاهر وتأويلًا للنّص، لكن يتعين المصير إليه رعايةً لعدم انتقاض الكلام، وإن ورد على العلّة المظنونة، وانقدح جواب عن محل النقض من طريق الإخالة إنْ كانت العلّة مخيلة أو من طريق الشبه (^٥) إن كانت شبهًا. فهذا يبين أنّ ما ذكر (^٦) لم يكن تمام العلّة، وانعطف قيد على العلّة من مسألة النقض به يندفع النقض.\nأمّا إذا كانت العلّة مخيلة (^٧)، ولم ينقدح جواب مناسب، وأمكن كون النّقض دليلًا على فساد العلّة، وكونه معرفًا اختصاص العلّة بمجراها بوصف من قبيل الأوصاف الشبهية (^٨) بفصلها عن غير مجراها فهذا\n_________\n(^١) سورة الحشر من الآية ٢.\n(^٢) سورة الحشر من الآية ٣.\n(^٣) في (ت): منصوصة.\n(^٤) في (ص): يقول.\n(^٥) في (ت)، (غ): التشبيه.\n(^٦) في (ت): ذكرتم.\n(^٧) في (ت): مختلة.\n(^٨) في (ت): التشبيهية، وفي (ص): الشبيهة.","vol":"6","page":2419},{"text":"الاحتراز عنه مهمٌّ في الجدل للمناظر لكنَّ المجتهدَ الناظرَ ماذا عليه أن يعتقد (^١) في هذه العلّة الانتقاض والفساد والتخصيص؟ .\nهذا عندي في محل الاجتهاد، ويتبع كلّ مجتهد ما غلب على ظنّه.\nومثاله: قولنا: إنّ صوم رمضان يفتقر إلى تبييت النيّة؛ لأنَّ النّية لا تنعطف على ما مضى وصوم جميع النّهار واجب، وأنّه لا يتجزأ فينتقض هذا بالتطوع، فإنّه لا يصح إلا بنيّة، ولا يتجزأ على المذهب الصحيح، ولا مبالاة بمذهب من يقول: إنّه صائمٌ بعض النّهار فيحتمل أنْ ينقدح عند المجتهد فساد هذه العلّة بسبب التطوع ويحتمل أنْ ينقدح له أنّ التطوع ورد مستثنى رخصةً؛ لتكثير النوافل فإنّ الشرع قد يسامح في النفل بما لا يسامح به في الفرض فالمخيل (^٢) الذي ذكرناه يستعمل في الفرض ويكون وصف الفرضية فاصلًا بين مجرى العلّة وموقفها. ويكون ذلك وصفًا شَبَهيًا اعتبر في استعمال المخيل، وتمييز مجراه عن موقفه ومن أنكر قياس الشبه جوّز الاحتراز عن النقض بمثل هذا الوصف الشبهيِّ، فأكثر العِلل المخيلة خصص الشرع اعتبارها بمواضع لا تنقدح في تعيين المحل معنى مناسب على مذاق أصل العلّة، وهذا التردد إنّما ينقدح في معنى مؤثر لا يحتاج إلى شهادة الأصل فإنّ مقدمّات هذا القياس مؤثرة بالاتفاق من قولنا: إنّ كلَّ (^٣) الصوم واجب وإنّ النّية عزم لا تنعطف على\n_________\n(^١) في (ص): يعتقده.\n(^٢) في (ت): فالمختل في الجميع.\n(^٣) (كل) ليس في (غ)، (ت).","vol":"6","page":2420},{"text":"الماضي وإنّ الصّوم لا يصحّ إلا بنيّة فإنْ كانت العلّة مناسبة بحيث تفتقر إلى أصل يستشهد به فإنها تشهد لصحتها ثبوت الحكم في موضع واحد على وِفْقها فتنتقض هذه الشهادة بتخلف الحكم عنها في موضع آخر، فإنّ إثبات الحكم على وِفْق المعنى إنْ دلّ على التفات الشرع إليه، فقطع الحكم أيضًا يدلّ على إعراض الشرع عنه.\nوقول القائل: إنّي اتبعته إلّا في محل إعراض الشّرع بالنّص ليس (^١) بأولى من قول خصمه أعرض عنه إلا في محل اعتبار الشرع إيّاه (^٢) بالتنصيص على الحكم.\nوعلى الجملة يجوز أنْ يصرح الشّرع بتخصيص العلّة واستثناء صورة عنها ولكن إذا لم يصرح واحتمل نفي الحكم مع وجود العلّة أنْ يكون لفساد العلّة، وأنْ يكون لتخصيصها (^٣) فإنْ كانت العلّة قطعيةً كان تنزيلها على التخصيص أولى من التنزيل على نسخ العلّة وإن كانت مظنونة ولا مستند للظنّ إلّا إثباتُ الحكم على وفقها في موضع فينقطع هذا الظنّ بإعراض الشرع عن إثباتها في موضع وإن كانت مستقلة مؤثرة كما ذكرناه في مسألة التبييت كان ذلك في محل الاجتهاد.\nالوجه الثاني: لانتفاء حكم العلّة: أنْ ينتفي لا لخلل (^٤) في نفس العلّة\n_________\n(^١) (ليس) ليس في (ت).\n(^٢) (إياه) ليس في (ت).\n(^٣) في (ت): التخصيص.\n(^٤) في (غ): أن ينتفي الخلل.","vol":"6","page":2421},{"text":"لكن يندفع الحكم عنه بمعارضةٍ علّةٍ أخرى دافعةٍ كما سيأتي تمثيله (^١) في كلام المصنف في أنّ علة رقّ الولدِ مِلك الأمّ، وتخلف في ولد المغرور فهذا لا يَرِد نقضًا؛ لأنَّ الحكم هنا كأنّه حاصل تقديرًا.\nالوجه الثالث: أن يكون النّقض مائلًا عن صوب جريان العلّة، ويكون تخلف الحكم لا لخلل في ركن العلّة، لكن لعدم مصادفتها محلّها أو شرطها أو أهلها كقولنا: السرقة علّة القطع وقد وجد في حقّ النّباش فقيل: تبطل بسرقة الصبي، وسرقة ما دون النصاب، والسرقة من غير حرز، أو نقول والتبع علّة الملك وقد جرى فلا يثبت الملك في زمن الخيار، فيقال: باطل ببيع المستولدة (^٢)، والموقوف، والمرهون وأمثال ذلك فهذا جنس لا يلتفت المجتهد إليه؛ لأنَّ نظره في تحقيق العلّة دون شرطها ومحلها فهو مائل عن صوب نظره.\nأمّا المناظر فهل يلزمه الاحتراز عنه أم يقبل منه العذر بأنّ هذا منحرف عن مقصد النظر؟ وليس البحث عن المحل والشرط فيه اختلاف بين الجدليين. والخطب فيه يسير والجدل شريعة وضعها أهلها فإليهم (^٣) وضعها (^٤) كيف شاءوا. أو تكليف الاحتراز أجمع لنشر الكلام وذلك بأنْ يقول: بيعٌ صَدَرَ من أهله وصادَفَ محلَه، وجميع شروطه (^٥) فيفيد المِلْكَ بأنْ\n_________\n(^١) في (غ): بمثله.\n(^٢) في (غ): المتولدة.\n(^٣) في (ت): فالمبهم.\n(^٤) فى (غ): وضعًا.\n(^٥) في (غ)، (ص): شرطه. بالإفراد.","vol":"6","page":2422},{"text":"سَرَقَ نصابًا كاملًا من حرز لا شبهة له فيه (^١) اهـ. هذا تمام كلام الغزالي - ﵁ -.\nوهو عندنا كلامٌ جيدٌ مرضيّ، فلذلك احتملنا طوله وأوردناه (^٢) وفيما ذكرناه من تفاصيل المذاهب شفاء للعليل فلنلتفت إلى كلام صاحب الكتاب وقد علمت أنّ اختياره أنّ التخلف إن كان لمانع لا يقدح وإلا قدح سواء كانت العلّة منصوصة أو مستنبطة.\nفإن قلت: كيف يتصور تخلف الحكم لا لوجود مانع، أو لفوات شرط في محل فيه وصف نصّ الشّارع قطعًا أو ظاهرًا على عليّته أو استنبط ذلك استنباطًا صحيحًا.\nقلت: هو لعمر الله بعيد الوجود، والمجوز لذلك إنما مستنده جواز تخصيص العلّة منصوصةً كانت أو مستنبطةً، والتّخصيص لا يكون بغير مخصص، ذلك المخصص إنْ كان حيث يوجد (^٣) مانع أو يفوت (^٤) شرط لم يكن صورة المسألة، وإنْ كان بدونهما (^٥) أمكن وهو محتمل على بعد بأنْ يحصل نصّ على عدم الحكم في محل الوصف فيه موجود، وليس فيه معنى يدّعى أنَّه مانع أو عدمه شرط وهيهات أنْ يوجد ذلك.\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى: ٢/ ٣٣٦ - ٣٤١. نقل كلام الغزالي على طوله.\n(^٢) بالرغم من أنه لم ينقله حرفيا بل تصرف في عبارته بالحذف أحيانا أو تغيير التعبير.\n(^٣) فى (ت): وجد.\n(^٤) في (ت): تفوت.\n(^٥) في (ص): بدونها.","vol":"6","page":2423},{"text":"وإذا عرفت (^١) هذا فقد استدل المصنف على ما اختاره بوجهين.\nأحدهما: قياس النّقض على التخصيص، حيث لا يقدح في حجية العام في الباقي على ما سبق في مكانه، والجامع الجمع بين الدليلين المتعارضين، فترتب الحكم على العلّة فيما عدا صورة وجود المانع، إذ الوصف بالنسبة إلى موارده كالعام بالنسبة إلى أفراده، والمانع المعارض للوصف كالمخصص المعارض للعام، وهذا الوجه يختص بأحد شقي المدعى، وهو أنّ التخلف إذا كان لمانع لا يقدح.\nوالثاني: أنّ التّخلف إذا كان لمانع فظنّ عليّة الوصف باق، والعمل بالظنّ واجب بخلاف ما إذا لم يكن التخلف لمانع، فإنّ ظنّ العليّة ينتفي، وذلك لأنَّ انتفاء الحكم إذا لم يكن لمانع يتعين أنْ يكون لعدم المقتضى، فيكون التخلف لا لمانع قادحًا في العليّة.\nقال ﵀: (قيل: العلّة ما يستلزم الحكم، وقبل انتفاء المانع لم يستلزمه.\nقلنا: بل ما يغلب على ظنّه، وإن لم يخطر المانع وجودًا وعدمًا).\nهذه حجة من حجج القائلين بأنّ النّقض يقدح مطلقًا، وتقريرها أنّ العلّة ما تستلزم الحكم وقبل أنْ ينتفي المانع أي مع وجوده لا يستلزم الحكم، فلا تكون علّة وحينئذ يكون تخلف الحكم مع وجود المانع قادحًا\n_________\n(^١) في (غ)، (ت): عرف.","vol":"6","page":2424},{"text":"في العليّة، وإذا كان كذلك كان التخلف لا لمانع قادحًا بطريق أولى.\nوالجواب: أنّا لا نسلم كونَ العلّةِ ما تستلزم الحكم بل هي ما يغلب على الظنّ (^١) وجود الحكم بمجرد النظر إليه، وإنْ لم يخطر وجود المانع أو عدمه بالبال.\nوهذا الجواب يستدعي تحديد (^٢) العهد بالكلام في العلّة وقد بنى المصنف كلامه على المختار من أنّ العلّة المعرِّفُ.\nولقائل أنْ يقول: إن قلنا: إنّ (^٣) العلّة مؤثرةٌ أو باعثةٌ فلا ريب في أنّها تستلزم، وإنْ قلنا: إنّها معرِّفَة فقد (^٤) نصبت أمارة فتعريفها للحكم موجب ظنّ حصوله فصار مستلزمًا لحصول الظنّ، والعمل بالظنّ واجبٌ، فهي مستلزمة على الأقوال جميعها، وإن اختلفت جهة الاستلزام وحكمها.\nوقال أبو الحسين في المعتمد: إنّ أقوى ما يحتج به هؤلاء أنْ يقال: تخصيص العلّة مما يمنع كونها أمارة على الحكم في شيء من الفروع سواءً ظنّ كونها جهة المصلحة أو لا يظنّ ذلك لكن ذلك باطل؛ لأنّ العلّة فائدتها كونها (^٥) توجب العلم أو الظنّ، لثبوت الحكم في الفرع وإلا ففي\n_________\n(^١) (الظن) ليس في (غ).\n(^٢) في (ص): تجديد.\n(^٣) (إن) ليس في (ص).\n(^٤) (فقد) ليس في (ص).\n(^٥) (جهة المصلحة أو لا يظنّ ذلك لكن ذلك باطل؛ لأنَّ العلّة فائدتها كونها) ساقط من (غ).","vol":"6","page":2425},{"text":"الأصل لا حاجة إليها؛ لثبوت الحكم فيه بالنّص، وإذا لم يحصل هذا بطل كونه علّة.\nوبيانُ أنَّه يمنع كونها أمارة على الحكم أنّا إذا علمنا أنّ علّة حرمة التفاضل في بيع الذهب بالذهب هي كونه موزونًا، ثمّ علمنا إباحةَ بيع الرصاص بالرصاص متفاضلًا (^١) مثلًا مع أنه موزون فلا يخلو إمّا أن يعلم ذلك بعلّة أخرى يقتضي إباحته أو بنّص، فإنْ علِمنا إباحتَه بعلّة أخرى (^٢) يقاس بها الرصاص على أصل ثبت فيه ذلك الحكم لكونه أبيضَ مثلًا فإنّا إذا علمنا في شيء أنَّه موزون وشككنا في كونه أبيضَ مثلًا لم يعلم قبح بيعه متفاضلًا ما لم يعلم أنَّه ليس بأبيض كما لو شككنا في كونه (^٣) موزونًا فظهر أنَّه لا يعلم بعد التخصيص تحريم بيع شيء متفاضلًا لكونه موزونًا فقط، فبطل أنْ يكون كونه موزونًا وحده علّة بل كونه موزونًا مع كونه غير أبيض (^٤).\nوإن علمنا إباحته بالنّص، فالكلام فيه كما في القسم الأول.\nوأجيب: عن هذا الوجه بأنا نسلم أنَّه مهما انتفى الحكم عن العلّة في بعض الصور لمعارض (^٥) فما لم يعلم أو يظن انتفاء ذلك المعارض في غيره\n_________\n(^١) (متفاضلًا) ليس في (ت).\n(^٢) (يقتضي إباحته أو بنّص، فإن علمنا إباحته بعلّة أخرى) ساقط من (ت).\n(^٣) (أبيضَ مثلًا لم يعلم قبح بيعه متفاضلًا ما لم يعلم أنَّه ليس بأبيض كما لو شككنا في كونه) ساقط من (غ).\n(^٤) ينظر المعتمد: ٢/ ٢٨٤.\n(^٥) في (ت): المعارض.","vol":"6","page":2426},{"text":"من الصور لا يمكننا إثبات ذلك الحكم فيه، لكن لم قلتم أنَّه يلزم منه أنْ يكون إثبات ذلك الحكم فيه داخلا في ذات العلّة؟ بل جاز أنْ يكون شرطًا.\nواحتج القائلون: بأنّ النّقض لا يقدح مطلقًا بأوجه:\nمنها: ما روي عن ابن مسعود أنَّه كان يقول: \"هذا حكم معدول به عن سنن القياس\" (^١) وعن ابن عباس - ﵄ - مثله (^٢) واشتهر ذلك فيما بين الصحابة من غير نكير فصار إجماعًا.\nوأجيب عنه بوجهين:\nأحدهما: أنَّه لا دلالة لقول ابن مسعود وابن عباس - ﵃ - على أنّ القياس الذي ثبت الحكم على خلافه أنَّه (^٣) حجّة، فالإجماع على ذلك لا يكون مفيدًا.\nوالثاني: سلمنا أنَّه حجة، لكن يمكن حمل ذلك على ما إذا كان تخلف الحكم عنه بطريق الاستثناء، ويجب الحمل عليه جمعًا بين الأدلة.\nواعترض صفي الدين الهندي على الأول بعد أن ذكر أنَّه إشكال قوي، بأنّ إطلاق القياس عليه يشعر إشعارًا ظاهرًا لكونه (^٤) حجة وتسميته\n_________\n(^١) نقله الرازي في المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٣٩، والآمدي في الإحكام: ٣/ ٢٤٨، وصفي الهندي في النهاية: ٨/ ٣٤٠٣. وقد تتبعت كتب الآثار المتاحة فلم أقف عليه.\n(^٢) لم أقف أيضًا على أثر ابن عباس.\n(^٣) (أنّه) ليس في (ص).\n(^٤) في (ص)، (غ): بكونه.","vol":"6","page":2427},{"text":"بذلك اعتبارًا بما (^١) كان قبل ذلك الحكم المعدول به مجازًا على خلاف الأصل والقياس الذي لا يعمل به من المنسوخ والفاسد لا نسلم أنَّه يسمى قياسًا إذ ذاك (^٢) على الإطلاق في العرف وإنْ سمي به مقيدًا (^٣).\nومنها: أنّ العلّة الشرعية أمارة على الحكم في الفرع فوجودها في موضع من غير حكم لا يخرجها عن كونها أمارة، إذ ليس من شرط الأمارة أنْ يصحبها الحكم ولا يتخلف عنها أصلًا، وإلا لكان دليلًا قاطعًا لا أمارةً، ولهذا، إنّ جميع الأمارات الشرعية موجودة قبل ورود الشرع وإنْ لم تكن الأحكام ملازمة لها والغيمُ الرطب أمارة على وجود المطر وإن تخلف عنه المطر آونة. وخبر الواحد العدل (^٤) علامةٌ على وجود الحكم (^٥) وإن تخلف عند وجود القاطع.\nوجوابه: أنا لا نسلم أنّ تخلف الحكم عن الأمارة لا يقدح في كونها أمارة.\nقوله: لو صحبها الحكم في كل الصور لم تكن أمارة بل قاطعًا.\nقلنا: ممنوع وهذا؛ لأنَّ القاطع هو الذي لا يجوز أنْ ينفك الحكم عنه ولو لمانع، لا أنَّه الذي لا ينفك الحكم عنه. فإنّ الدليل الظني قد لا ينفك\n_________\n(^١) في (ت): أنّ ما كان.\n(^٢) في (غ)، (ت): ذلك.\n(^٣) ينظر: النهاية للصفي: ٨/ ٣٤٠٣، وينظر المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٤٢.\n(^٤) (العدل) ليس في (غ)، (ت).\n(^٥) (الحكم) ليس في (ص).","vol":"6","page":2428},{"text":"الحكم عنه (^١) وإن كان يجوز انفكاكه لمانع.\nوما ذكروه من الأمثلة فنحن نمنع كونه لا يقدح في غلبة الظنّ في كونه أمارة وإنما لا يقدح ذلك إذا غلب على ظنّه حصول ما يلازم انتفاء الحكم في صورة التخلف، فأمّا إذا لم يحصل ذلك، فلا نسلم أنه لا يقدح ذلك فيه ثمّ الذي يؤيد ما ذكرناه من الاحتمال أنّ الدليل الدال على كون الأمارة أمارة للحكم الفلاني إنْ اعتبر في كونها أمارة صورًا مخصوصةً وصفةً مخصوصةً وهيئةً مخصوصةً فلا يكون تخلف الحكم في غير تلك الصور وفي غير تلك الصفة والهيئة تخلف الحكم عن الأمارة بل عن بعضها؛ لأنَّ تلك الخصوصيات معتبرة في ماهية الأمارة حينئذ وإن لم يعتبر ذلك بل دلّ على كونها أمارة في سائر الصور كيف حصلت فيمتنع التخلف وإلا (^٢) يلزم الترك لمقتضى دليل الأمارة وهو باطل.\nواحتج القائلون بأن النقض يقدح في المستنبطة دون المنصوصة بأنّ دليل العلّة المستنبطة اقتران الحكم بها في بعض الصور فكما أنّ اقتران الحكم بالوصف في بعض الصور يدل على العلية، فعدم الاقتران به في بعض الصور يدلّ على عدم العلية فتعارضا وتساقطا، بخلاف العلّة المنصوصة فإنّ دليل عليتها النّص، فكما أنّ تخلف حكم النّص عنه في بعض الصّور لمعارض لا يوجب إبطال العمل به فيما عداها (^٣) فكذلك العلّة\n_________\n(^١) (ولو لمانع لا أنَّه الذي لا ينفك الحكم عنه. فإنّ الدليل الظني قد لا ينفك الحكم عنه) ساقط من (غ)، (ت).\n(^٢) في (غ): ولا يلزم.\n(^٣) في (ت): فيما عداه.","vol":"6","page":2429},{"text":"المنصوصة التي في معناه.\nوأجيب: عنه بأنَّه ليس دليل علية المستنبطة مجردُ الاقتران بل شهادةُ المناسبة أو غيرها من الطرق المذكورة، والتخلفُ لمانع أو فواتُ شرط لا يدلّ على عدم العليّة لما سبق فلا يعارض دليل العليّة كما في المنصوصة.\nقال: (والوارد استثناء لا يقدح كمسألة العرايا؛ لأنَّ الإجماع أدلّ من النقض).\nما تقدم في كلام المصنف هو فيما إذا لم تكن صورة النقض واردة على سبيل الاستثناء، أمّا إذا كانت واردةً على سبيل الاستثناء فإنّه لا يقدح على المختار خلافًا لبعض المانعين من جواز تخصيص العلّة سواءً كانت العلّة معلومةً كمسألة الصاع في المصراة (^١) أو مظنونةً وهي (^٢) كمسألة العرايا،\n_________\n(^١) المصراة: التصرية: مصدر صرّى كعلّى تعلية، وسوّى تسوية والمصرّاة التي تصر أخلافها، ولا تحلب أيامًا حتى يجتمع اللبن في ضرعها فإذا حلبها المشتري استغزرها. أو هي: جمع اللبن في ضرع بهيمة الأنعام. ينظر: المطلع على أبواب المقنع ص ٢٣٦، الصحاح: ٢/ ٧١٠. ولفظ الحديث كما هو في البخاري ومسلم: \"لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعا من تمر\". وحديث المصراة أخرجه الشيخان: أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع (٣٠) باب النهي للبائع أن لا يحفل الإبل (٦٤) ٢/ ٤١٠، ومسلم في صحيحه، كتاب البيوع (٢١) باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه (٤) رقم (١٥١٥) ٣/ ١١٥٥.\n(^٢) (وهي) ليس في (ص).","vol":"6","page":2430},{"text":"وهي بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر والعنب في الكرم بالزبيب، فإنّها واردة نقضًا على تحريم الربا؛ لأنَّ العلّة في تحريمه إمّا الطعم أو الكيل أو القوت أو المال وكلّ منها (^١) موجود في العرايا وإنما لا يقدح ذلك (^٢) في العلّة؛ لأنه إنما يعلم كونه وَرَدَ على سبيل الاستثناء إذا كان النّقضُ لازمًا على جميع المذاهب كما ذكرنا في مسألة العرايا؛ وحينئذ يكون معارضًا للإجماع فإنّه منعقد على أنّ علّة الربا أحد الأمور الأربعة، والإجماع أقوى في الدلالة منه فيقدّم عليه، ويعمل بمقتضاه.\nواعلم أنّ الإمام مَثَّل للوارد على سبيل الاستثناء في المظنونة بمسألة العرايا، وفي المعلومة بضرب الدية على العاقلة، فإنّها لا تنقض علمنا بأنّ من لم يقدم على الجناية لم يؤاخذ بضمانها (^٣).\nوقد سبق الإمام بهذا المثال إمامُ الحرمين وغيره واعترض على التمثيل (^٤) به بأنّه عكس (^٥) النّقض؛ لأنَّه أبدَى الحكم بدون العلّة، وذلك أنّ الجناية سبب لوجوب الضمان وهنا وجب بدون الجناية، وهو اعتراض غير منقدح؛ لأنَّ تقرير التمثيل بذلك أنْ يقال: الجناية سببُ الضمان، وقد تخلف الحكم في القاتل خطأَ أو عمدَ خطأ مع وجود العلّة وإنْ قرر على الوجه المذكور كان بمعنى (^٦) أنْ يقول: عدم الجناية سبب لعدم الضمان.\n_________\n(^١) في (غ): منهما.\n(^٢) فى (ت): في ذلك.\n(^٣) ينظر: المحصول للرازى: ج ٢/ ق ٢/ ٣٥٢.\n(^٤) في (غ): التمسك.\n(^٥) في (ت): من عكس.\n(^٦) في (غ)، (ت): بمعين.","vol":"6","page":2431},{"text":"وقد وجد هذا السبب في العاقلة مع تخلف عدم الضمان (^١).\nوالمصنف اقتصر على التمثيل بمسألة العرايا؛ لأنها واردة نقضًا على علّة مظنونة، فإذا لم يقدح فيها لم يقدح في المعلومة بطريق الأولى.\nوفي التمثيل بمسألة العرايا دقيقة أخرى وهي الإشارة إلى أنّ ما ورد مستثنى جاز أنْ يكون معقولَ المعنى كمسألة العرايا، فإنّها استثنيت رخصةً وتسهيلًا على المعسرين، ولذلك يختص بها الفقراء على أحد القولين (^٢). وهذا ما عليه الجمهور؛ وأعني أنّ المستثنى يجوز أنْ يعقل له معنى وألا يعقل.\nوادعى إمام الحرمين أنّ الصورة المستثناة لا تكون معقولة المعنى وأنَّ ما يعقل معناه لا يستثنى، ثمّ أورد تحمل العاقلة ومسألة المصراة فقال إذا أردنا إجراء علّة (^٣) في تخصيص الغرامة بمختص بسببها ومقتضاها طردناها غير مكترثين بتحمل العاقلة على قطع، وتحملهم لا يعترض على ما تمهد من المعنى، ولو ظنّ ظانّ أنَّه ينقدح في تحمل العاقلة معنى يصحّ على السبر\n_________\n(^١) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ٩٩١.\n(^٢) قال الشيرازي في التهذيب: ١/ ٢٧٥ \"وهل يجوز للأغنياء فيه قولان:\nأحدهما: لا يجوز وهو اختيار المزني لأن الرخصة وردت في حق الفقراء، والأغنياء لا يشاركونهم في الحاجة فبقي في حقهم على الحظر.\nوالثاني: أنه يجوز لما روى سهل بن أبى حثمة قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع التمر بالتمر إلا أنه رخص في العرايا أن تبتاع بخرصها تمرا يأكلها أهلها رطبا\" ولم يفرق ولأن كل بيع جاز للفقراء جاز للأغنياء كسائر البيوع\".\n(^٣) (ثمّ أورد تحمل العاقلة ومسألة المصراة فقال إذا أردنا إجراء علّة) ساقط من (غ).","vol":"6","page":2432},{"text":"مأخوذًا من المعاونة فهذا غير سديد، فإنّ ذلك لا يجري فيما يتفق تلفه من الأموال وهو أعمّ وجودًا وأغلب وقوعًا من القتل الواقع خطأ أو على شبه (^١) العمد، ثمّ الإعانة إنما تجري في الشريعة إذا كان المعان معسرًا وعلى هذا انتظمت أبواب النفقات والكفارات والقاتل خطأ يتحمل عنه وإن كان من أيسر أهل زمانه فليس بمثل هذه التخيلات اعتبار.\nوكذلك إذا طردنا طريقة في إيجاب المثل في (^٢) المثليات التي تتشابه أجزاؤها فيلزمنا عليه إيجاب رسول الله - ﷺ - صاعًا من التّمر في مقابلة لبن المصراة لم يحتفل بمثل هذا الإلزام، ولا تعويل على قول المتكلفين (^٣) إذ زعموا أنّ اللبن المحتلب في أيام احتيار الغزارة والبكاءة يقع مجهول القدر فرأي الشارع فيما يقلّ ويكثر إثبات مقدر من جنس درءًا للنزاع.\nفإنّ هذا لا جريان له أصلًا ويلزم طرد مثله في كلّ مثلي جهل مقداره وليس لبن المصراة مما يعمّ ويغلب الابتلاء بالحكم به. فإنّ أمثال هذه المعاني البعيدة إنما تثبت بعض الثبوت إذا تقيدت وتأيدت بعموم البلوى على أنَّها لو كانت كذلك أيضًا كانت من المعاني الكليّة التي لا تتخلص في مسالك العرض على السبر ثم تعيين جنس التّمر كيف يهتدي إلى تعليله. وإنما المطلوب فيما فرضناه الكلام في الجنس المعدول إليه لا في\n_________\n(^١) في (غ): سببه.\n(^٢) في (ت): إلى.\n(^٣) في (ت): المتكلمين.","vol":"6","page":2433},{"text":"المقدار فإنّ ما ذكروه من دوام النزاع يقدَّر (^١) انقطاعه بذكر مقدار من النقدين وهما أثمان الأشياء إذا عسر تقدير الثمن (^٢). انتهى.\nوإمام الحرمين أجلّ من أنْ يصادم كلامه بكلمات أمثالنا ولكنا نقول على جهة الاستشكال دون المناظرة مسألة العاقلة معقولة المعنى واتفاق الجاهلية على ذلك قبل ورود الشرع يرشد إلى ذلك؛ لأنَّ التعبدي لا تهتدي إليه العقول وإنما يُتلقى من الشرع.\nفإن قلت: وما ذلك المعنى؟ .\nقلت: المعاونة على حمل الجناية.\nقولكم: ذلك لا يجري فيما يتفق تلفه من الأموال.\nقلنا: أولًا: هذا نقض، والكلام في أنّ النقض يقدح.\nوثانيًا: أنّ الأموال غالبًا لا تتلف ما يشقّ (^٣) مؤنة، وإنّما يكون ذلك في أمور (^٤) يسيرة، وأمّا إتلاف النّفوس، فالأمر فيها مشقّ وإذا ثبت التحمل (^٥) في موضع يعظم العزم فيه لم يلزم إثباته في موضع لا يعظم فيه ولا يشقّ.\n_________\n(^١) في (غ): بقدر.\n(^٢) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ٩٩١ - ٩٩٢.\n(^٣) في (ص): سيق.\n(^٤) في (ت): أشياء.\n(^٥) في (ص): الحمل.","vol":"6","page":2434},{"text":"وأيضًا: فوقوع إتلاف النّفوس لا يكثر بخلاف الأموال، فلم يلزم من تحمل ما يقع نادرًا تحمل ما يغلب وقوعه.\nوأيضًا: فقد كانت العرب تتناضل أبطالها، وتتجاول فرسانها، وبهم إلى ذلك حاجة ويقع القتل الخطأ عند الطراد، فرجعت الفائدة إلى العاقلة فناسب توزيع الغرم الذي لا يشقّ عليهم.\nقولكم: وهو أعمّ وجودًا وأغلب وقوعًا من قتل الخطأ وشبه العمد.\nقلنا: لعل ذلك هو السبب في عدم التحمل فيه كما بيناه؛ فإنّ الشيء إذا كان وقوعه نادرًا تناسبت فيه المعاونة.\nقوله: الإعانة إنما تكون إذا كان المعان معسرًا.\nقلنا: الإعانة من حيث هي مطلوبة محبوبة، والصدقة على الأغنياء عندنا (^١) جائزة ولكن الإعانة حالة الإعسار آكد وربما شبه إعانةَ الأقارب بتحمل الدية عنهم بإعانة الأجانب الذين غرموا لإصلاح ذات (^٢) البين بصرف سهم من الزكاة إليهم.\nوأما مسألة المصرّاة فمعقولة المعنى أيضًا من جهة ما ذكره إمام الحرمين.\nوقوله: يلزم طرد مثله في كلّ مثلي جهل مقداره إلى قوله كيف يهتدى إلى تعيين جنس التمر.\n_________\n(^١) (عندنا) ليس في (ص).\n(^٢) (ذات) ليس في (ت).","vol":"6","page":2435},{"text":"قلنا: قد رجع الشرع إلى البدل من غير مثل ولا يقوم في أماكن منها الحرّ يضمن بمائة من الإبل.\nومنها: الجنين يضمن بالغرّة (^١) ويستوي فيه الذكر والأنثى.\nومنها: المقدرات الشرعية في الشجاج (^٢) كالموضحة (^٣) مع اختلافها في الصغر (^٤) والكبر.\nومنها: جزاء الصيد فليس من شرط الضمان أنْ يكون بالمثل أو القيمة من النقدين ولا من شرط المثل أنْ يضمن بالمثل والعدول في الأمور التي لا تنضبط إلى شيء مقدر لا يختلف من محاسن الشريعة قطعًا للتشاجر والتخاصم.\nوالتمر كان أغلب أقواتهم كما أنّ الإبل غالب\n_________\n(^١) الغرّة: العبد نفسه، أو الأمة، وأصل الغرة: البياض في وجه الفرس، فالغرة: أول الشيء وخياره، والعبد وبياض فى وجه الفرس. فإدا قال: في الجنين غرة، احتمل كل واحد منها، فإذا قال غرة عبد تخصصت الغرة بالعبد. والغرّة في الجناية: عبد أو أمة ثمنه نصف عشر الدية. ينظر: المطلع: ص ٣٦٤، والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوي: ص ٥٣٦.\n(^٢) الشجة: الجراحة وإنما تسمى بذلك إذا كانت في الوجه أو الرأس والجمع شجاج وقد يستعمل في غير ذلك من الأعضاء. ينظر: المصباح المنير: ص ٣٠٤ \"شجة\"، والمطلع على أبواب المقنع: ص ٣٦٦.\n(^٣) الموضحة: التي تبدي وضح العظم أي: بياضه، والجمع المواضح. ينظر: المطلع على أبواب المقنع: ص ٣٦٧.\n(^٤) فى (ت): بالصغر.","vol":"6","page":2436},{"text":"أموالهم، وقد انتهى ما تخيلناه وأوردناه إيراد المستشكل وعند الإنصاف لا يخفى التعسف والتكلف فيما أوردناه ولكنّا نطرق سبيلا للبحث يسلكه الفطن غير ناظرين إلى الجزم بصحته.\nوقد تعرض ابن الأبياري شارح البرهان لما أوردناه في مسألة العاقلة (^١). والذي نقوله أخيرًا: إنّ الظاهر أنّ الحقّ في جانب إمام الحرمين ولو عقل في العاقلة معنى المعاونة لعدى إلى الجيران ولكان أبعاض الجاني من آبائه وبنيه أولى من بقية العصبات في تحملها مع كونهم لا يتحملونها، وأما تشبيه تحمل الأقارب الدّية بإعانة الأجانب للغارمين، فأين أحدهما من الآخر؟ . والغارمون قد ثبت في ذمتهم وناسب قضاء دينهم في ذلك. أمّا (^٢) القاتل خطأً أو عمدَ خطأ فلم يشغل الشارع ذمته بشيء، فلا ريب في أنّ هذا حكم تعبدي نتلقاه على الرأس والعين وكذلك القول في مسألة المصرّاة.\nثم ألحق إمام الحرمين بتحمل العاقلة الكتابة الفاسدة حيث نزّلها منزلة الكتابة الصحيحة.\nوإذا قلنا في البيع الفاسد: الملك لا ينتقل (^٣) بدون سبب شرعي، والفاسد حائد عن سبيل الصحّة غير واقع الموقع المطلوب في الشريعة فلا وقع له في مقصود العقد الصحيح لم يمكن للخصم نقض\n_________\n(^١) ينظر شرح البرهان للأبياري.\n(^٢) في (غ): وأما.\n(^٣) في (ت): ينفك.","vol":"6","page":2437},{"text":"ذلك بالكتابة الفاسدة، لكونها مستثناة شاذة عن القاعدة كتحمل العاقلة وَرَأَى ذو البصائر ألا يحكموا بالشّاذ على الكليِّ، ولكن يتركون (^١) الشّاذ على شذوذه يعتقدونه كالخارج عن المنهاج (^٢).\nولقائل: أنْ يقول: إذا كانت الكتابة مستثناة والمستثنى عندك تعبديّ خارج عن القياس فلم قست الفاسد منها على الصحيح؟ ولا محيص عن هذا إلا أنْ يحصل (^٣) نص أو ينعقد إجماع على إلحاق الكتابة الفاسدة بالصحيحة، فتصير مستثناة بذلك وإلا فللحنفي أنْ يقول: وقع الاتفاق على إلحاق الكتابة الفاسدة بالصحيحة، فكذلك فاسد البيع يلحق بصحيحه.\nفإن قلت: هذا مستثنى.\nقلت: أين دليله الذي خرج به (^٤)؟ ثمّ نحرر عبارةً فنقول: ما اتسعت طرقه كان الفاسد أحد طرقه. الدليل عليه العتق، وبيان هذا في الفرع أنّ الملك يحصل بأسباب: البيع والهبة والإرث والاغتنام والاحتطاب والاحتشاش والالتقاط والمعدن، وفي الأصل العتق يحصل بأسباب مباشرة وتسببًا وفي الثمن وبالاستيلاد والتدبير والكتابة فلما استويا في اتساع الطرق جاز أنْ يكون الفاسد أحد الطرق وتأثير\n_________\n(^١) في (غ): يتولون.\n(^٢) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ٩٩٣ مع شيء من التصرف في العبارة.\n(^٣) في (ت): حصل.\n(^٤) (به) ليس في (ت).","vol":"6","page":2438},{"text":"هذا الكلام أنّ الطرق إذا اتسعت في تحصيله فقد دخله نوع من المسامحة والمساهلة فجاز أنْ يكون الفاسد من طرقه.\nولا يقال: الكتابة حصل العتق فيها بالتعليق دون المعاوضة؛ لأنّا نقول: لو كان كذلك وجب اشتراط التّنصيص على التعليق ولا يجب التّنصيص عليه. وتقول: فإن أدّيت إليّ فأنت حرّ. وأيضًا فإنّه مستحق فسخ هذه الكتابة ولو كان التعليق هو الذي يحصل به العتق لما قبل الفسخ كسائر التعاليق. وأيضًا فإكسابه وأولاده تتبعه في العتق ولو عتق بالتعليق لم يكن ذلك. وأيضًا فلو كاتبه على خمر وأداه وجب عليه قيمة نفسه ولو عتق بالتعليق لما وجب عليه قيمة نفسه فما هذا الرجوع بالقيمة إلا حكم المعاوضة.\nوقد تناهينا في الاحتجاج للخصم ولسنا ممن يغادر هذه الكلمات سالمة عن الإبطال وإن طال بها الفصل وخرج عن المقصود من الشرح.\nفنقول: قد أجاب أصحابنا عن قياسهم البيع الفاسد على الكتابة الفاسدة بطرق (^١) ونحن نزيف منها ما لا نرتضيه حتّى لا نتجاوز حدّ الإنصاف.\nأحدها: قولهم البدل في الكتابة غير مقصود لتمكن السيد من أخذ اكتساب العبد دون الكتابة ولما كان كذلك لم ينظر إلى فساده وصحته وهذا غير مرضي فإن العبد قد لا يكون كسوبًا ويكاتبه السيد طمعًا فيما لعله يصل إليه من سهم الرقاب.\n_________\n(^١) في (غ): بطريق.","vol":"6","page":2439},{"text":"وأيضًا كان ينبغي ألا يفسد العقد كما إذا تزوجها على صداق فاسد فإنّه لما كان البدل غير مقصود في النكاح لم يؤثر في فساده فتأثيره في الكتابة يدل على أنَّه مقصود.\nوثانيها: قولهم العتق في الكتابة مضاف إلى التعليق، فإنّ الكتابة الصحيحة اشتملت على تعليق ومعاوضة، ولا بد فيها من ذكر التعليق فنقول: كاتبتك على ألف فإن أدّيت فأنت حرّ وفي الفاسدة لا بد من التّعليق، والتّعليق لا فساد فيه، وعلى هذا تمنع المسائل كلّها التي لزمت من أحكام المعاوضات كقبول الفسخ ولزوم القيمة له واستتباع الإكساب والأولاد.\nوهذا الجواب أمثل من الأوّل إلّا أنّ لقائل أنْ يقول: العتق مضاف إلى المعاوضة لا إلى التعليق.\nقولكم: يشترط أنْ ينص على التعليق.\nقلنا: لا نسلم بل لو (^١) نواه بقوله: كاتبتك على كذا صحت الكتابة أيضًا. وهذا واضح وأبلغ منه قول مخرّج من التدبير أنّ لفظ الكتابة صريح مغن عن التصريح بالتعليق ونيته. ونظيره قول أبي إسحاق إن كان الرجل فقيهًا صحت الكتابة وإلا فلا بد من التعليق أو نيته (^٢)، ثمّ كيف يشترط التنصيص على التعليق والعتق عند الأداء يحصل لا محالة بعقد المعاوضة وتسليم العوض يقتضي تسليم ما يقابله فلا يحتاج أن يشترطه (^٣)\n_________\n(^١) (لو) ليس في (غ)، (ت).\n(^٢) ينظر قول أبي إسحاق في: العزيز شرح الوجيز للرافعي: ١٣/ ٤٤٤.\n(^٣) في (غ): يشترط.","vol":"6","page":2440},{"text":"في العقد ويصير بمثابة البيع لما (^١) اقتضى بنفسه الملك لم يحتج إلى أنْ يقول بعتك على أنْ تتسلم أو تتملك (^٢).\nوأما المسائل فلا منع فيها وإنما منع أصحابنا استتباع الكسب والولد فحسب وأمّا الفسخ فغير ممتنع وقيمة نفسه واجبة وذلك من أحكام العوض دون التعليق.\nوثالثها: قول بعضهم الكتابة في الأصل خارجة عن القياس فألحقنا فاسدها بصحيحها؛ لأنَّ ما ثبت على خلاف القياس لا يقاس عليه بخلاف البيع وهذا عندنا كلام (^٣) رديء فإنّ إلحاق فاسدها بصحيحها عين القياس ثمّ إنّها وإن عدل بها عن القياس إلا أنَّه بعد ورود الشرع بها وصفت بالصّحة فينبغي وصف فاسدها بالفساد، وإذا ثبت فسادها والفساد عند الشافعي مرادف للباطل وجب إلغاؤها وأن لا يكون لها حكم.\nألا ترى أنّ السلم والإجارة ثبتا على خلاف القياس لورودهما على معدوم ثمّ لما ثبت الصحيح منهما ونُعِتَ بالصّحة يؤدي على الفاسد بالفساد حتّى لا يثبت لفاسد كلّ منهما ما لصحيحه.\nوالحق عندنا في الجواب رأي رابع فنقول: الكتابة عقد إرفاق لا يقصد بها غير العتق وأن يخلص العبد من الرّق فألفينا معنى الفساد ولم ننظر\n_________\n(^١) (لما) ليس في (ت).\n(^٢) في (غ)، (ت): تملك.\n(^٣) في (غ): حلم.","vol":"6","page":2441},{"text":"إليه وعمدنا إلى العتق الذي هو المقصود، ورأينا الشارع متشوفًا إلى تحصيله ما أمكن ولهذا يكمل مبعضه ويجعل بعض الملك كجميعه وبعض اللفظ كجميعه ويعتق القريب على قريبه وننزله في أبواب الكفارات في أوّل الدرجات ونضرب صفحًا عن إيجاب الصوم على ذي الميسرة العظمى وإن كان الصوم أشقّ عليه وما ذلك إلا تشوف إلى تحصيل العتق كيف قدر الأمر ولهذا إذا أدّى الأمر إلى العتق وعَتَقَ بعد هذا لا ينقض ولا يرفض وفي البيع الفاسد إذا تأدّى الأمر إلى الملك بالقبض يجب نقضه عندهم ورفضه واسترجاعه كل ذلك تغليبًا لتحصيل العتق.\nفإن قلت: فما دعاك إلى أن تُتْبِعه ولده؟ .\nقلت: في ثبوت الكتابة لولد المكاتبة من زنى أو نكاح أجنبي قولان فإن قلنا لا يثبت اندفع السؤال وإن قلنا بالصحيح وهو أنَّه يثبت فنقول: نحن إذا ألغينا معنى المعاوضة الفاسدة ولم ننظر إليها طلبًا لتحصيل العتق صححنا ما هو تابع طلبًا لتكثير العتق (^١) ولهذا كان هذا (^٢) القول الصحيح هو الأحبُّ إلى الشافعي - ﵁ - وإنما أحبه (^٣) للزومه تكثير العتق وقطع به أبو إسحاق ﵀ وقال إذا اختاره الشافعي كان الآخر ساقطًا (^٤).\n_________\n(^١) (العتق) ليس في (ت).\n(^٢) (هذا) ليس في (ت).\n(^٣) في (ت): وجب.\n(^٤) قال النووي في روضة الطالبين: ١٢/ ١٨٦ \"ولد المكاتبة فإذا كاتب أمة لها ولد فالولد باق على ملك السيد فإن شرط دخوله في عقد الكتابة فسدت فإن أدت عتق الولد =","vol":"6","page":2442},{"text":"فرعان:\nأحدهما: في وجوب الاحتراز عن النقض مذاهب ثالثها يجب في المستثنى دون غيره.\nالثاني: ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ مسألة النقض من القطعيات، قال القاضي: وليس الأمر كذلك عندي بل هي من المجتهدات وكلّ مأمور بما (^١) غلب على ظنّه (^٢).\nقال: (وجوابه منع العلّة لعدم قيد)\nهذه الجملة معقودة لبيان دفع النّقض وجوابه.\nقال صاحب الكتاب: وهو يتأتى بأحد أمور ثلاثة:\n_________\n= أيضا بموجب التعليق، وإن كان في يدها مال وشرط أن يكون المال لها فهو جمع بين البيع والكتابة بعوض واحد، وإن كانت حاملا وتيقنا الحمل بانفصاله لدون ستة أشهر فإن قلنا الحمل لا يعرف فهو كالولد الحادث بعد الكتابة وسنذكره إن شاء الله تعالى قريبا، فإن قلنا يعرف فوجهان: أصحهما أن عقد الكتابة متوجهة إليهما فإذا عتقت عتق، والثاني لا يثبت للولد كتابة وإن حدث الولد بعد الكتابة فإن كان من السيد فسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى، وإن كان من أجنبي بزنا أو نكاح فهل ثبتت له الكتابة قولان: أظهرهما وأحبهما إلى الشافعي وهو نصه في المختصر تثبت فيعتق بعتق الأم بالأداء أو الإبراء أو الإعتاق، وقطع أبو إسحاق بهذا القول وقال إذا اختاره الشافعي كان الآخر ساقطا واتفق الأصحاب على أنه لا يدخل في الكتابة ولا يطالبه بشيء من النجوم لأنه لم يوجد منه التزام\".\n(^١) في (غ): بها.\n(^٢) ينظر: التلخيص: ٣/ ٢٧٤.","vol":"6","page":2443},{"text":"- الأول: منع وجود العلّة في محل النقض وفيه بحثان:\nأحدهما: أنّ ذلك لا يكون معاندةً وضدًّا (^١) بالمكابرة بل يكون بناءً على وجود قيد مناسب أو مؤثر في العلّة، وهو غير حاصلٍ في صفة النقض ولم يتعرض المصنف للكلام في تقسيم القيد.\nفنقول: لا يخلو ذلك القيد إمّا أنْ يكون جليًا أو خفيًا.\nالأول الجلي وله أمثلة:\n- منها: أن نقول في نصرة القول الصحيح: هذا الحُلِيُّ مالٌ معدّ لاستعمال مباح فلا تجب فيه زكاة (^٢) كثياب البذلة (^٣) وعبيد الخدمة (^٤) فإنْ نُقض بالمعدّ لاستعمال مُحَرَّمٍ أو مكروه فدفعه واضحٌ؛ لأنَّه غيرُ معدٍّ لاستعمال مباح.\n- ومنها قولنا: طهارة عن حدث فيشترط فيها النّية كالتّيمم، فإن نقض بالطهارة عن النجاسة قلنا: ليس الحدث النجاسة.\n- ومنها قولنا: من لم ينو في رمضان ليلًا تعرَّى أوّل صومه عن النّية فلا يصحّ فإنْ نقض بالتطوع قلنا: العلّة عَرْي أوَّل الصوم الواجب لا مطلق الصوم.\n_________\n(^١) في (ت): معاندًا، وضدًا.\n(^٢) في (ت): الزكاة.\n(^٣) البِذْلَة: كسدرة: ما يمتهن من الثياب في الخدمة. وبذل الثّوب وابتذله: لبسه في أوقات الخدمة والامتهان. ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف ص ١٢١.\n(^٤) تمييزا لغيره من العبيد الذين لا يشترون لغرض الخدمة.","vol":"6","page":2444},{"text":"- ومنها قولنا في المتولد من (^١) الظباء والغنم: حيوان متولد بين ما لا يجب فيه الزكاة بحال وما يجب فيه، فلا يجب. كما إذا كانت الأمهات ظباءً، فإن نقض بالمتولدة بين السائمة والمعلوفة قلنا: المعلوفة تجب فيها الزكاة في بعض الأحوال.\n- ومنها أنْ نقول في نصرة المذهب الصحيح: النّباش آخذٌ لنصاب تامٍّ خفيةً من حرزِ مثلِه عدوانًا فيكون سارقًا يجب قطعه فإن نقض بما إذا سرق الكفن من قبر في مفازة (^٢) (^٣) حيث لا يجب القطع على أصحّ الوجهين (^٤). قلنا: ليس ذلك في حرز مثلِه.\nوالثاني الخفي: فإمّا أنْ يكون معناه: واحدًا أو متعددًا إمّا بطريق المتواطئ أو المشكك أو الاشتراك فهذه أقسام أربعة:\nأولها: أنْ يكون معناه واحدًا:\nوذكر من أمثلته قولنا: السلم (^٥) عقد معاوضة فلا يشترط فيه الأجل\n_________\n(^١) في (ص): المستولد بين.\n(^٢) في (ص): مغارة.\n(^٣) المفازة: الموضع المهلك مأخوذة من فوَّزَ بالتشديد إذا مات لأنها نظنة الموت وقيل من فاز إذا نجا وسلم وسميت به تفاؤلا بالسَّلامة. ينظر: المصباح المنير: ص ٤٨٣ \"فاز\".\n(^٤) قال النووي في روضة الطالبين ٧/ ٣٤٣: \"ولو كان القبر في مفازة وبقعة ضائعة فوجهان، أحدهما: ليس بحرز، وبه قطع صاحب التهذيب والغزالي وعزاه إلى جماهير الأصحاب؛ لأن السارق يأخذ من غير خطر، والثاني: واختاره القفال والقاضي ورجحه العبادي: القبر حرز للكفن حيث كان؛ لأن النفوس تهاب الموتى\". وينظر أيضًا: الحاوي للماوردي: ١٧/ ١٨٩.\n(^٥) السلم: في اللغة التقديم والتسليم وفي الشرع اسم لعقد يوجب الملك للبائع في =","vol":"6","page":2445},{"text":"كالبيع (^١) فإن نقض بالكتابة قلنا: ليست عقد معاوضة (^٢) إذ هي بيع مال الإنسان بمال نفسه وذلك لا يجوز بل هي عقد إرفاق (^٣) ولذلك لا يحيل مقصودها لفساد العوض.\nوفي هذا المثال نظر، والحقّ أنّ الكتابة معاوضة ضمنت تعليق عتق وقيل: تعليق عتق بصفة ضمنت معاوضة معدولة عن القياس بل الجواب عن هذا النقض أنْ نقول الكتابة وردت مستثناة فلا ترد نقضًا لما تقدم.\n- ومنها قولنا في قصر الصلاة: رخصة شرعت للتخفيف فلا يتحتم الأخذ بها كالإفطار في الصّوم فإن نقض بأكل الميتة حال\n_________\n= الثمن عاجلا وللمشتري في المثمن آجلا فالمبيع يسمى مسلما فيه والثمن يسمى رأس المال والبائع يسمى مسلما إليه والمشتري يسمى رب السلم. ينظر: التعريفات: ص ١٥٩ - ١٦٠. وأنيس الفقهاء: ٢/ ٢١٨ - ٢١٩.\n(^١) قال الماوردي في الحاوي الكبير: ٧/ ١٢ \"والدلالة على جوازه حالًا: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [سورة البقرة من الآية ٢٧٥]؛ ولأنه عقد معاوضة محضة فجاز أن يصح مؤجلا ومعجلًا كالبيع. . .\".\n(^٢) قال الماوردي - شارحا لقول المزني نقلا عن الشافعي قوله: وما جاز بين المسلمين في البيع والإجارة جاز في الكتابة -: \"لأن الكتابة عقد معاوضة، فلم تصح إلا بعوض معلوم، وأجل معلوم، كالبيع والإجارة\". ٢٢/ ١٦٦.\n(^٣) عقد الإرفاق: الإرفاق لغة: نفع الغير وهو مصدر أرفق ومعنى رفق وأرفق واحد والرفق ضد العنف.\nواصطلاحًا: إعطاء منافع العقار والإرفاق أحد نوعي الإقطاع؛ لأنه تمليك أو إقطاع إرفاق، ويذكر الفقهاء الإرفاق في العارية والهبة والصدقة. ينظر: الموسوعة الفقهية: ٣/ ١٣٥ - ١٣٦.","vol":"6","page":2446},{"text":"الاضطرار حيث يجب على أصح الوجهين (^١). قلنا: لا نسلم أنّه حينئذ شرع للتخفيف بل للضرورة وقيام البينة.\nوثانيها: أنْ يتعدد معناه بطريق التواطؤ.\nومن أمثلته قولنا: الصوم عبادة متكررة فتفتقر إلى تعيين النية كالصلاة فإن نقض بالحج لأنه يتكرر على الأشخاص.\nقلنا: المراد من التكرار التكرار بحسب الأزمان والأشخاص أو بحسب الأزمان وما ذكرتم من النقض ليس كذلك بل هو متكرر بحسب الأشخاص فقط.\n- ومنها قولنا: يحج عن الميت المستطيع وإن لم يوص؛ لأنّه حق لازم عليه، فيقضى عنه سواءً أوصى به (^٢) أم لم يوص كالدّين فإن نقض بالصلاة والصوم.\nقلنا: بعد تسليم الحكم وعدم الفرق الإجمالي الحقّ اللازم مقول على الحقّ المالي وعلى غيره بالتواطؤ والأوّل هو المقصود هنا دون الثاني الذي (^٣) هو المراد من النّقض.\nوثالثها: أن يتعدد معناه بطريق التشكيك (^٤) كقولنا: في المتولد بين\n_________\n(^١) قال الرافعي في فتح العزيز: ١٢/ ١٥٨ \"يباح للمضطر، إذا لم يجد الحلال أكل المحرمات من الميتة والدم ولحم الخنزير وما في معناهما. . . وهل يجب عليه الأكل؟ وفيه وجهان. أصحهما: نعم\".\n(^٢) (به) ليس في (غ)، (ت).\n(^٣) في (غ): والذي.\n(^٤) في (غ): التشكك.","vol":"6","page":2447},{"text":"الظباء والغنم حيوان متولد بين ما لا زكاة فيه وما فيه زكاة فلا تجب فيه (^١) الزكاة قياسًا على ما إذا كانت الأمهات ظباءً فإنّ الخصم وافق في هذه الحالة فإنْ نقض بالمتولد بين السائمة والمعلوفة من البقر أو الغنم.\nقلنا: ما لا يجب فيه الزكاة مقول بالتشكيك على ما يجب فيه مجال كالظباء وعلى ما يجب فيه من حيث الجملة كالمعلوفة، فإنّه يجب فيها الزكاة إذا صارت سائمة وكذا إذا علفت قدرًا تعيش الماشية بدونه كاليومين مثلا، فإنّها معلوفة ولا زكاة فيها والحالة هذه على أصح الأوجه (^٢) وكذا إذا لم يقصد العلف على أحد الوجهين (^٣) وقد تقدم ذكر هذه المسألة مثالًا للقيد الجلي ولكن على غير هذا الوجه فإنّها ثَمَّ مقيّدة بقولنا لا يجب فيها (^٤) الزكاة بحال.\nوقد قال بعض الأصوليين: إنّ النّقض يندفع أيضًا بتفسير اللفظ وذكر هذا المثال وقال إذا صارت من سائمة وجبت زكاتها ويكون اللفظ (^٥) غير متناول لها عرفًا أو شرعًا (^٦).\n_________\n(^١) في (ص): فيها.\n(^٢) ينظر: فتح العزيز: ٢/ ٥٣٥.\n(^٣) ينظر: المصدر نفسه: ٢/ ٥٣٦.\n(^٤) في (غ)، (ت): فيه.\n(^٥) (وذكر هذا المثال وقال إذا صارت من سائمة وجبت زكاتها ويكون اللفظ) ساقط من (غ)، (ت).\n(^٦) ينظر: الملخص في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي يقول: \"وأما دفع النقض. . . فقد =","vol":"6","page":2448},{"text":"وذكر إمام الحرمين في التلخيص الذي اختصره من التقريب والإرشاد للقاضي أبي بكر هذا المثال ثم قال: وهذا الضرب مقبول ولا تظنّنّ أنّ النّقض يندفع بالتفسير؛ ولكنّه يندفع بقضية اللفظ لاقتضاء عموم اللفظ النفي، والتفسير إيضاح له، وكلّ تفسير لا ينبني عليه قضية اللفظ في إطلاقه فلا معوّل عليه في دفع النّقض مثل أنْ يقول القائل: مطعوم فلا يباع بعضه ببعض متفاضلًا فإذا نقض عليه اعتلاله بالبر مع الشعير فلا يجديه في دفع النّقض أنْ يقول اسم المطعوم ينطلق على ما يتّحد جنسه وعلى ما يختلف جنسه فإذا خصّصه وفسره بجهة من جهات احتماله وهي ما إذا اتحد الجنس فلا يقبل ذلك منه إذ ظاهر لفظه لا ينبني عن هذا التفسير (^١). وأطال القاضي في هذا الفصل وما ذكره حق متقبل.\nوحاصله أنّ التفسير إذا كان لا ينبئ (^٢) عنه اللفظ لم يقبل وإلا قبل ويكون حينئذ راجعًا إلى هذه الأقسام التي نحن في ذكرها.\nورابعها: أنْ يتعدد بطريق الاشتراك كقولنا: جمع الطلاق في القرء الواحد فلا يكون مبتدعًا كما لو طلقها ثلاثًا في قرء واحد مع الرجعة بين الطلقتين فإن نقض بما لو طلقها ثلاثًا في الحيض فإنّه جمع الطلاق في الطهر\n_________\n= يكون ذلك لفظا ظاهرًا وقد يكون تفسيرًا للفظ. . . فأما التفسير فهو مثل أن يذكر هذه العلة ولا يقول فيها (بحال) فإذا نقض بالمتولدة بين السائمة والمعلوفة قال قول: (لا زكاة في أحدهما) أريد به (بحال) وذلك قد تجب فيه الزكاة\". ٢/ ٦٨٦ - ٦٨٧.\n(^١) ينظر: التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٢٨٠.\n(^٢) في (ص): ينبني، وفي (غ): لا يبنى.","vol":"6","page":2449},{"text":"الواحد مع أنّ الطلاق بدعي (^١) وفاقًا.\nقلنا: المراد من القرء هنا الطهر.\nقال: (وليس للمعترض الدليل على وجوده؛ لأنَّه نقل ولو قال ما دللت على وجوده هنا دلّ عليه ثمة فهو نقل إلى نقض الدليل).\nالبحث الثاني: في أنّ المستدل إذا منع حصول وجود العلّة في صورة النقض فهل للمعترض إقامة الدلالة عليه؟ فيه مذاهب:\nأحدها: وبه قال الأكثرون، وجزم به الإمام (^٢) والمصنف أنَّه (^٣) لا يُمَكَّن من ذلك؛ لأنّه انتقال من مسألة قبل تمامها إلى أخرى؛ لأن وجود العلّة في صورة النّقض مسألة تغاير المسألة التي أقام المستدل عليها الدليل، وأيضًا فإنّ فيه قلب القاعدة، فإنّ المعترض يصير مستدلًا والمستدل معترضًا.\nوالثاني: أنَّه يمكّن من ذلك (^٤)؛ لأنَّ فيه تحقيق النّقض فكان من متمماته.\nوالثالث: قاله الآمدي إنّه إنْ تعين ذلك طريقًا للمعترض في هدم كلام المستدل وجب قبوله (^٥) منه تخفيفًا لفائدة المناظرة، وإن أمكنه القدح بطريق\n_________\n(^١) في (غ): يدعي.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤.\n(^٣) في (غ): لأنه. وهو خطأ.\n(^٤) في (غ)، (ت): يمكن منه.\n(^٥) في (غ): قوله.","vol":"6","page":2450},{"text":"آخر هو أفضى إلى المقصود، فلا (^١).\nوهذا التفصيل عندي داخل في مجاري التحقيق.\nوالرابع: يمكّن المعترض ما لم يكن حكمًا شرعيًا كذا حكاه ابن الحاجب، وقال قطب الدّين الشيرازي: ما وجدته في شيء من الكتب ولعل تقريره أنْ يقال يمكّن المعترض في الحكم العقلي؛ لأنَّه يقدح فيه فيحصل فائدة، ولا يمكّن في الحكم الشرعي إذ (^٢) التمكين فيه انتقال من الاعتراض إلى الاستدلال ولا ينفعه؛ لأنَّه بعد بيان المعترض وجود العلّة في صورة النقض يقول المستدل: يجوز أنْ يكون تخلف الحكم (^٣) لوجود مانع أو فوات شرط فيجب الحمل عليه جمعًا بين الدليلين دليل العلّة ودليل التخلف، فلا تبطل العلّة بخلاف الحكم العقلي فإنّه لا يتمشَّى ذلك فيه.\nقال قطب الدّين: ويحتمل أنْ يكون المراد ما لم يكن الوصف المدعى علّة حكمًا شرعيًا فإنّه إن مُكِّن (^٤) من إثباته لزم قلبُ القاعدة لصيرورة المعترض مستدلًا لإثباته الحكم الشرعي بخلاف ما لو لم يكن الوصف حكمًا شرعيًا فإنّه لا يلزم ذلك قال وهذا الاحتمال أظهر (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ١١٩.\n(^٢) في (غ)، (ت): لأنّ.\n(^٣) في (غ): عن الحكم.\n(^٤) في (ت): يكن.\n(^٥) لم أتمكن من العثور على شرح الشيرازي على ابن الحاجب حتى أوثق منه.","vol":"6","page":2451},{"text":"قلت: وقد حكى صفي الدّين الهندي هذا المذهب وفرّق بين الحكم الشرعي وغيره بأنّ الحكم الشرعي ينتشر الكلام فيه جدًّا بخلاف غيره، فإنّ الأمر فيه (^١) قريب (^٢).\nقوله: فلو قال: أي: فلو (^٣) قال المعترض: ما ذكرت من الدلالة (^٤) على وجود العلّة في الفرع فهو بعينه دالّ على وجود العلّة في محل النّقض فهو نقل أي انتقال من نقض (^٥) العلّة إلى نقض الدليل (^٦) أي دليل وجود العلّة في الفرع ولم يتعرض المصنف بعد قوله إنّ هذا نقل إلى أنَّه هل يكون مسموعًا (^٧) أو لا؟\nولك أن تقول: قوله: \"أنَّه نقل\" إشارة إلى أنَّه لا يكون مسموعًا؛ لأنّه قدّم أولًا أنَّه ليس للمعترض الدليل على وجوده لكونه نقلًا فأومأ بذلك إلى أن النَّقل لا يجوز، ويحتمل أنْ يريد أنّ مثل هذا النّقل يسمع.\nوعلى هذا مشى الشيرازي شارح الكتاب وكلام الإمام (^٨) أيضا محتمل للأمرين وظاهره الإشارة إلى أنَّه لا يكون مسموعًا فإنّه قال لا يمكن\n_________\n(^١) في (غ): فإن فيه الأمر.\n(^٢) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٤٢٩ - ٣٤٣٠.\n(^٣) في (ت): لو قال.\n(^٤) في (ت): الأدلة.\n(^٥) في (ت): نقيض في الموضعين.\n(^٦) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٤٢٩.\n(^٧) في (غ)، (ت): ممنوعًا.\n(^٨) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤.","vol":"6","page":2452},{"text":"المعترض من إقامة الدليل على وجود العلّة في صورة النّقض لكونه انتقالًا إلى مسألة أخرى بلى (^١) لو قال: المعترض ما دللت به إلى آخره قال فيكون انتقالا من السؤال الذي ابتدأ به إلى غيره.\nهذا كلامه وكأنَّه لما قال في تلك الصورة إنّها انتقال من مسألة إلى أخرى، أراد التنبيه على أنّ ما يقوله المعترض في هذا الفرع انتقال من السؤال الأوّل (^٢) إلى غيره لا من مسألة إلى أخرى فأتى بلفظة (بلى) لذلك ولم يرد أنّ هذا انتقال مسموع.\nوعلى هذا مشى الشيخ صفي الدّين الهندي وقال: يعد منقطعًا (^٣)، وبه جزم الآمدي أعني بأنَّه لا يكون مسموعًا (^٤).\nنعم لو قال ذلك ابتداء أو قال يلزمك إمّا نقض العلّة أو نقض الدّليل الدّال على وجودها في الفرع كان مسموعًا يحتاج المستدل إلى الجواب عنه.\nقال: (أو دعوى الحكم مثل أن يقول: السلم عقد معاوضة فلا يشترط فيه التأجيل كالبيع فينتقض بالإجارة.\nقلنا: هناك لاستقرار المعقود عليه (^٥) لا لصحة العقد ولو تقديرًا\n_________\n(^١) في (غ): بل.\n(^٢) (على أنّ ما يقوله المعترض في هذا الفرع انتقال من السؤال الأوَّل) ساقط من (ت).\n(^٣) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٤٢٩.\n(^٤) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ١١٩.\n(^٥) (عليه) ليس في (ص)، (غ).","vol":"6","page":2453},{"text":"كقولنا رقّ الأمّ علّة رق الولد وثبت في ولد المغرور تقديرًا وإلا لم تجب قيمته).\nالأمر الثاني من الأمور الثلاثة التي يتأتى بها دفع النّقض: أن يمنع المعلل عدم الحكم في صورة النّقض ويدعي ثبوته (^١) فيها وذلك قد يكون ظاهرًا؛ بأن يكون الحكم ثابتًا فيها جزمًا على رأي المستدل إنْ كان مجتهدًا، أو رأي إمامه إن كان مقلدًا ناصرًا لمذهبه، أو على أحد قوليه غير المرجوع عنه أو غير ذلك، ولم يتعرض المصنف لهذا القسم لكونه كما قال الإمام معلومًا (^٢)، وقد يكون خفيًا وفيه كلام المصنف وذلك قد يكون تحقيقيًا (^٣) وقد يكون تقديرًا.\nالأول التحقيقي: مثل السلم: عقد (^٤) معاوضة، فلا يشترط فيه التأجيل كالبيع فإنْ نقض بالإجارة. قلنا: الأجل ليس شرطًا لصحة عقد الإجارة وإنما جاء فيها لتقرير المعقود عليه وهو الانتفاع بالعين (^٥).\nومن أمثلته أيضًا: الإجارة عقد معاوضة فلا تنفسخ بالموت كالبيع فإن نقض بالنّكاح قلنا: بعد تسليم كونه عقد معاوضة هناك لا ينفسخ بالموت\n_________\n(^١) في ص: \"ثبوتها\".\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٤٦.\n(^٣) (قد يكون تحقيقًا) ليس في (ت).\n(^٤) في (غ): عند.\n(^٥) في (ت): بالمعين.","vol":"6","page":2454},{"text":"لكن انتهى.\nومنها: الثيب الصغيرة ثيب فلا يجوز إجبارها كالبالغ فإن نقض بالثيب المجنونة بحيث يجوز تزويجها على الوجه الصحيح (^١)، قلنا: لا نسلم صحة إجبارها كما لو كانت عاقلة وهو وجه في المذهب (^٢).\nومنها: أنْ يقول في تحالف المتبايعين بعد هلاك السلعة أنَّه فسخ بيع يصح مع ردّ العين فصحّ مع ردّ القيمة، كما لو اشترى ثوبًا بعبد وتقابضا (^٣) ثمّ هلك العبد ثم علم مشتري الثوب بالثوب عيبًا فيقول الحنفي: هذا ينتقض بالإقالة (^٤) فإنّها فسخ بيع يصح مع ردّ العين ولا يصحّ مع رد القيمة فنقول: لا نسلم ذلك فإن الإقالة عندنا تصحّ بعد هلاك السلعة ويرجع فيها بالقيمة.\nوالثاني التقديري: وإليه أشار بقوله: ولو تقديرًا وهو دافع للنقض على الرأي الأظهر لأنَّ المقدر كالمحقق.\nمثاله قولنا: رقّ الأمّ علّة رقِّ (^٥) الولد، فيكون هذا الولد رقيقًا، فإنْ\n_________\n(^١) ينظر: العزيز شرح الوجيز: ٨/ ١٢ - ١٣.\n(^٢) ينظر: العزيز شرح الوجيز: ٨/ ١٢ - ١٣.\n(^٣) في (غ): تقياضا.\n(^٤) الإقالة: في اللغة رفع وإسقاط، وفي الشرع: رفع العقد بعد وقوعه. ينظر: الصحاح: ٥/ ١٨٠٨، والمصباح المنير: ص ٨٠٤ \"قول\"، وأنيس الفقهاء: ص ٢١٢، والتوقيف على مهمات التعاريف: ص ٨١.\n(^٥) في (غ): لرقّ.","vol":"6","page":2455},{"text":"نقض بولد المغرور بحرية الجارية حيث كان رقّ الأمّ موجودًا مع انعقاد الولد حرًّا.\nقلنا: رقّ الولد موجود تقديرًا أو مقدر وجوده إذ لو لم يقدر رقّه لم نوجب قيمته (^١)؛ إذ لا قيمة في الحرّ، ولذلك حكي وجه (^٢): أنَّه ينعقد رقيقًا ثمّ يعتق على المغرور، حكاه الرافعي في كتاب العتق وجزم في النكاح بخلافه (^٣).\nواعلم أنّ الأوّل أعني التحقيقي دافع للنّقض إذا كان الحكم متفقًا عليه بين المستدل وخصمه، وكذا إن كان مذهبًا للمستدل فقط؛ لأنّه إذا لم يف بمقتضى علته في الاطراد، فلأنْ لا يجب على غيره كان أولى، وإنْ كان مذهبًا لخصمه فقط كما يقول هذا الوصف مما لا يطرد على أصل فإنّه ثابت في الصورة الفلانية والحكم غير ثابتٍ فيها عندي، ولسْتُ بالمنقاد إليه لم يتوجه النّقض (^٤)؛ لأنَّ خلاف الخصم في تلك المسألة كخلافه في المسألة المتنازع فيها وهو محجوج بذلك الدليل في المسألتين معًا وأما تمكين المعترض في إقامة الدلالة على عدم الحكم ففيه الخلاف السابق في منع وجود العلّة في صورة النقض.\n_________\n(^١) (إذ لو لم يقدر رقّه لم نوجب قيمته) ساقط من (ت).\n(^٢) (إذ لا قيمة في الحر ولذلك حكي وجه) ما بين قوسين ورد بعد قوله يعتق على المغرور.\n(^٣) ينظر: العزيز شرح الوجيز: ١٣/ ٥٥٧ - ٥٥٨.\n(^٤) (النقض) ليس في (ت).","vol":"6","page":2456},{"text":"ومن فروع هذا القسم أعني منع عدم الحكم ما إذا ذكر المعترض صورة فقال المستدل المنتصر لمذهب إمامه لا أعرف في هذه نصًا، فلا يلزمني النقض فهل يندفع النقض بذلك؟ ذكر الشيخ أبو إسحاق هذا في كتابه الملخص في الجدل (^١).\nومثّل له بأن يستدل الحنفي في (^٢) القارن إذا قتل صيدًا أنَّه يلزمه جزاءان؛ لأنَّه أدخل النّقض على إحرام الحج والعمرة فلزمه جزاءان كما لو أحرم بالحج فقتل صيدًا ثمّ أحرم بالعمرة فقتل صيدًا (^٣).\nفيقال له: هذا ينتقض به إذا أحرم المتمتع بالعمرة فجرح (^٤) صيدًا ثمّ أحرم بالحج فجرحه ثمّ مات، فإنّه أدخل النقض على إحرام الحج والعمرة ثمّ لا يلزمه جزاءان. فيقول المخالف: لا أعرف نصًّا في هذه المسألة، ثمّ قال: رأيت القاضيَ أبا الطيب يقول: في مثلِ هذا إذا جوّزت أنْ يكون مذهبك على ما ألزمته، وجب أنْ لا يحتج بهذا القياس. قال: وعندي أنَّه لا يلزمه النّقض؛ لأنّه وإنْ احتمل ما قال، إلّا أنّ القياس يقتضي أنَّه (^٥) يلزمه كفَّارَتَان فيعمل به ما لم\n_________\n(^١) ينظر: الملخص في الجدل لأبي إسحاق للشيرازي: ص ٦١٥.\n(^٢) في (ت): على.\n(^٣) يلزم عند الحنفية على القارن والمتمتع - الذي ساق الهدي أو لم يسقه ولكن لم يحل من العمرة حتى أحرم بالحج - إذا قتل صيدًا جزاءان لجنايته على إحرام الحج وإحرام العمرة. ينظر: حاشية رد المختار لابن عابدين: ٢/ ٥٧٧، والهداية مع شرح فتح القدير: ٣/ ٣٥.\n(^٤) في (غ): فقتل.\n(^٥) في (غ): أن تلزمه.","vol":"6","page":2457},{"text":"يمنع مانع، كالعموم قبل ظهور المخصِّص (^١).\nقلت: وحاصل هذا أنّ المعلل له أنْ يلتزم بصورة النقض عند الشيخ، وعند القاضي ليس له الالتزام بها مع احتمال أنْ لا يكون مذهب إمامه، وهذا أمر راجع إليه في نفسه، ولا خلاف بينهما في أنَّه لا يكتفي منه بأنْ يقول لا أعرف نصًّا في هذه المسألة. وهذا هو الحق وكيف يكون خلافه والمعترض ينادي يلزمك إما انتقاض علّتك أو دعوى ثبوت الحكم. أجب وإلا فلست أهلًا للمناظرة (^٢)\nقال: (أو إظهار المانع).\nالأمر الثالث مما يجاب به عن النّقض: أنْ يُظْهر المعلل مانعًا من ثبوت الحكم في صورة النّقض فيندفع النّقض بذلك عند من يجعل تخلف الحكم لمانع لا يقدح ومنهم المصنف كما علمت.\nمثاله: يجب القصاص في القتل بالمثقل قياسًا على المحدد (^٣) بجامع القتل العمد العدوان، فإن نقض بقتل الوالد ولده فإنّ الوصف فيه مع تخلف الحكم. قلنا: تخلف لمانع وهو أنّ الوالد (^٤) سبب لوجود الولد، فلا يحسن أنْ يكون الولد سببًا لعدمه، وإذا تخلف المانع فلا يقدح في العليّة.\n_________\n(^١) ينظر: الملخص في الجدل: للشيرازي: ٢/ ٦٨٢، والجدل لابن عقيل: ص ١٣٥.\n(^٢) (أجب وإلا فلست أهلا للمناظرة) ساقط من (ص).\n(^٣) في (ت): المحدود.\n(^٤) (ولده بأن الوصف فيه مع تخلف الحكم. قلنا: تخلف لمانع وهو أنّ الوالد) ساقط من (غ).","vol":"6","page":2458},{"text":"ولم يذكر المصنف مما يدفع به النقض غير هذه الثلاثة، وكان ينبغي أنْ يذكر دفعه بورود (^١) صورة النّقض مستثناة (^٢) فإنّه دافع أيضًا.\nقال: (تنبيه دعوى ثبوت الحكم أو نفيُه عن صورة معينة أو مبهمة ينتقض بالإثبات أو النفي العامين وبالعكس).\nهذه الكلمة منبهة على ما يتجه من النقوض ويستحق الجواب وما ليس كذلك.\nاعلم أنّ المقصود من ثبوت الحكم إما إثباته ونفيه معًا أو أحدهما. فإنْ كان الأوّلَ - ولم يتعرض له المصنف - وجب أنْ يكون الحكم مطردًا ومنعكسًا مع علته كالحدّ مع المحدود فمتى ثبت عند عدمه أو عدم عند وجوده توجه عليه النقض.\nوإن كان الثاني فالمدعى إمّا ثبوت الحكم أو نفيه وكل منهما إمّا (^٣) أنْ يكون في بعض الصور أو جميعها وإذا كان في بعض الصور فإمّا أنْ يكون في صورة معينة أو مبهمة فهذه أربعة (^٤) أقسام داخلة في كل من\n_________\n(^١) في (ص): يورد.\n(^٢) وهو كما قال الآمدي: \"أن يبين أنّ تخلّف الحكم عن العلّة في معرض الاستثناء، والمستثنى لا يقاس عليه ولا يناقض به، كما في صورة العرايا المذكورة.\" الإحكام: ٤/ ١٢١.\n(^٣) (إما) ليس في (غ).\n(^٤) في (ص): ثلاثة.","vol":"6","page":2459},{"text":"القسمين أعني ثبوت الحكم أو نفيه في صورة وثبوته أو نفيه مطلقًا.\nالأوّل: دعوى ثبوت الحكم في صورة معينة فينقضه النفي عن جميع الصور؛ لأن السالبة الكلية تناقض الموجبة الجزئية (^١) ولا\n_________\n(^١) اعلم أنّ القضية في فن المنطق هي عبارة عن جملة خبرية. فالقضية مشتقة من القضاء وهو الحكم، وظاهر أن كلّ جملة خبرية لا بد أن تتضمن حكمًا موجبًا أو سالبًا.\nفالكلية: هي القضية المسورة بسور كلي أي مقترنة بما يدلّ على أنّ الحكم فيها سيشمل جميع أفراد الكلّي.\nوالقضية الجزئية: هي القضية التي تكون مسورة بسور غير كلي، أي مقترنة بما يدل على الحكم يشمل بعض أفراد الكلّي فقط دون تعيين لأفراد هذا البعض، وربما يكون البعض هو الأكثر في عدد الأفراد من البعض الذي لا يشمله الحكم.\nوكون القضية موجبة أو سالبة هو: إذا نظرنا إلى جانب الكيف في القضايا وجدنا أن النسب فيها إما أن تكون موجبة، وذلك إذا كانت هذه النسب خالية عن أدوات السلب (النفي) وإما أن تكون سالبة، وذلك إذا كانت هذه النسب منفية بتسليط أداة من أدوات السلب عليها.\nمثال الكلية الموجبة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾، \"كل بني آدم خطاء\".\nمثال الكلية السالبة: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾، ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾.\nمثال الجزئية الموجبة: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾، ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾.\nمثال الجزئية السالبة: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾، ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.\nينظر التفاصيل في: إيضاح المبهم: ص ٣٠، وضوابط المعرفة: ص ٦٨ - ٨٥.","vol":"6","page":2460},{"text":"ينقضه النفي عن صورة؛ لأنَّ الجزأين لا يتناقضان فالثبوت في صورة لا يناقضه النفي في صورة.\nمثاله: قول الحنفي في جريان القصاص بين المسلم والذمي في حالة العمد محقونا الدم فجرى بينهما القصاص كالمسلمَيْن (^١)، وينقضه الأب والابن فإنّهما لا يجري بينهما القصاص بحال، ولا ينقضه إذا بُيِّن عدم جريان القصاص بينهما حالة الخطأ (^٢).\nوالثاني: دعوى ثبوته في صورة مبهمة وهو كالأوّل.\nومثاله: قولنا الصبي حرّ مسلم مالك للنصاب، فتجب الزكاة في ماله كالبالغ فإن نقض بالحلي وثياب البذلة لم يتجه (^٣) لما عرفت.\nالثالث والرابع: دعوى نفي الحكم عن صورة معينة أو مبهمة وهو كما تقدم يناقضه الإثبات العام دون الإثبات في صورة لما عرفت.\nومثال المعيّن المنفي أنْ يقال: هذا النبيذ ليس بنجس قياسًا على خلّ الزبيب، فينتقض بأنّ كلّ نبيذ مسكر وكلّ مسكر نجس.\nومثال المبهم المنفي أنْ يقال: إذا اشتبه عليه نهر غيره بأنهار نفسه لا يحلّ له الشرب من نهر واحد لا بعينه كما لو اشتبه عليه ظرف ماء غيره\n_________\n(^١) ينظر: المبسوط: ٢٦/ ١٣٧.\n(^٢) في (غ): الخطاب.\n(^٣) في (ص): لم يجبه.","vol":"6","page":2461},{"text":"بظروف مائه بجامع الاشتباه فينقض بأنّه يحل الشرب من النهر الجاري وإن كان لغيره فإنّه لا يجوز المنع من الشرب (^١) على أظهر الوجهين (^٢) وادّعى الشيرازي شارح الكتاب في هذا الإجماع، وليس بسديد (^٣).\nوإذا علمت هذه الأقسام الأربعة فهي المشار إليها بقوله: \"دعوى ثبوت الحكم\" إلى قوله: \"العامين\"، وتقدير الكلام دعوى ثبوت الحكم في صورة معينة أو مبهمة ينتقض بالنفي العام ودعوى نفيه عن صورة معينة أو مبهمة ينتقض بالإثبات العام ففيه لفّ ونشر (^٤) على جعل الأوّل للثاني والثاني للأول.\nقوله: وبالعكس إشارة إلى القسم الآخر وهو أنْ يدعي ثبوت الحكم أو نفيه عامًا وقد قلنا: إنّه يدخل فيه أقسام أربعة (^٥) أيضًا:\nالأول: نقض دعوى ثبوت الحكم عامًا (^٦) بالصورة المعينة.\n_________\n(^١) (من النهر الجاري وإن كان لغيره فإنّه لا يجوز المنع من الشرب) ساقط من (غ).\n(^٢) ينظر في مظانه.\n(^٣) ينظر الشيرازي.\n(^٤) اللف والنشر: هو أن تلف شيئين، ثم تأتي بتفسيرهما جملة، ثقةً بأن السامع يَرُد إلى كلّ واحد منهما ما له. كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. ينظر: التعريفات: ص ١٩٣.\n(^٥) في (ص): ثلاثة.\n(^٦) (وقد قلنا إنه يدخل فيه أقسام. . . . . . . الأول: نقض دعوى ثبوت الحكم عامًا) ساقط من (ت).","vol":"6","page":2462},{"text":"مثاله قولنا: كل شريك فدعواه ردّ المال على شريكه مقبولة قياسًا على الوكيل إذا ادّعى الردّ على من وكّله وكذا المودع، والجامع أنّ كلًّا من الشريك والوكيل والمودع أمين، فينتقض هذا بالمرتهن حيث لا يقبل دعواه الردّ عند العراقيين وهو الأصحّ (^١)، وكذلك ينتقض بالمستأجر.\nومن أمثلته أيضًا قولنا: يقتل كلّ رقيق بمثله، والمدبر بالمدبر وأمّ الولد بأمّ الولد، قياسًا على الحرّ بالحرّ بجامع الكفاءة (^٢) فينتقض بما إذا قتل المبعض مثله مع التساوي في قدري الرقّ والحرية حيث لا يجب القصاص على أحد الوجهين ولا ينتقض بما إذا قتل الأب الرقيق عبد ابنه؛ لأنَّ المستدل يقول: تخلف الحكم ثمّ المانع (^٣) وهو أنّ قصاص العبد لابن القاتل فلو ثبت لأدّى إلى ثبوت القصاص للولد على الوالد.\nالثاني: نقض هذه الدعوى المذكورة بالصورة المبهمة ولا أستحضر له مثالًا.\nالثالث: نقض دعوى نفي الحكم عامًا بالصورة المعينة.\nكما إذا قال قائل: فيما إذا قطع مملوك طرف مملوك آخر. مملوكان فلا يجري بينهما القصاص كالصغيرين فينتقض بجريان القصاص بينهما في النفس.\n_________\n(^١) ينظر: فتح العزيز: ٤/ ٥١٠.\n(^٢) في (غ): الكفاءة.\n(^٣) في (ص): لمانع.","vol":"6","page":2463},{"text":"ومن أمثلته أيضًا أنْ يقال: بيع النحل في الكوارة (^١) والحمامِ في البرج إذا لم يشاهد (^٢) غير صحيح، قياسًا على بيع الغائب بجامع عدم الرؤيا للمشتري، فينتقض بأنّ العبد الأعمى يصحّ أنْ يشتري نفسه من سيده مع أنّ المبيع غير مرئي للمشتري وبأنّه لو كان مرئيًا قبل العقد ولم يحتمل التغير صحّ بيعه وإن لم يشاهد في الحال ولئن قال المعلل لا يصحّ بيع (^٣) السمك في الماء والطير في الهواء قياسًا على بيع الغائب بجامع الغرر كان تعليلًا صحيحًا وليس للمعترض نقضه ببيع النحل وهو طائر حيث يصحّ على أصحّ الوجهين (^٤)، وبيع الحَمَام وهى طائرة اعتمادًا على عودها ليلًا على (^٥) أحد الوجهين (^٦) لأنَّ المعلل يمنع الغرر والحالة هذه.\nالرابع: نقض هذه الدعوى بالصورة المبهمة ولا يحضرني مثاله. والله تعالى أعلم.\nقال: (الثاني: عدم التأثير بأن ينفي الحكم بعده وعدم العكس بأن يثبت الحكم في صورة بعلّة أخرى.\n_________\n(^١) الكوارة: وهي ما عسّل فيه النحل، وهي الخلية أيضًا، وقيل الكوارة من الطين، والخلية من الخشب. ينظر: المطلع على أبواب المقنع: ص ٢٢٨.\n(^٢) في (غ): لم يكن يشاهد.\n(^٣) (بيع) ليس في خ، ص.\n(^٤) ينظر فتح العزيز: ٤/ ٢٨.\n(^٥) (أصح الوجهين وبيع الحَمَام وهى طائرة اعتمادًا على عودها ليلًا) ساقط من خ، ص.\n(^٦) ينظر فتح العزيز: ٤/ ٣٦.","vol":"6","page":2464},{"text":"فالأول: كما لو قيل: مبيع لم ير، فلا يصحّ كالطير في الهواء.\nوالثاني: الصبح لا تقصر فلا يقدم أذانها كالمغرب، ومنع التقديم ثابت فيما قصر).\nعدم التأثير (^١) وعدم العكس من واد واحد، فلذلك جمع بينهما والذي عليه الجدليون (^٢) أنّ عدم التأثير أعمّ من عدم العكس، فإنّهم قالوا: كما نقله إمام الحرمين وغيره عدم التأثير ينقسم إلى ما يقع في وصف العلة وإلى ما يقع في أصلها، وجعلوا الواقع في الوصف هو عدم الانعكاس وسيتضح إن شاء الله ذلك بالمثل. وقال إمام الحرمين: الذي نراه في أنّ القسمين ينشآن من الأصل (^٣).\n_________\n(^١) والكلام في هذه المسألة ورد في المصادر التالية: المعتمد للبصري: ٢/ ٤٥٢، ٢٦١، والتبصرة: للشيرازي: ص ٤٦٦، واللمع له: ص ٦٤، والتلخيص له أيضًا: ٢/ ٦٥٤ وما بعده، والكافية في الجدل للجويني: ص ٦٨، ٢٩٠، والبرهان: ٢/ ١٠٠٧، والمنهاج للباجي: ص ١٩٥، والجدل لابن عقيل: ص ٥٤، والتمهيد لأبي الخطاب: ٤/ ١٣٧، والمنخول للغزالي: ص ٤١١، والمحصول للرازى: ج ٢/ ق ٢/ ٣٥٥، والإحكام للآمدي: ٤/ ١٥١، ونهاية السول للإسنوي: ٣/ ٨٨، ومناهج العقول: للبدخشي: ٣/ ٨٦، وشرح العضد على ابن الحاجب: ٢/ ٢٦٥، وشرح تنقيح الفصول: للقرافي ص ٤٠١، والمسودة لآل تيمية: ص ٤٢٠، والمختصر لابن اللحام: ص ١٥٨، وتيسير التحرير لأمير بادشاه: ٤/ ١٣٣، والتقرير والتحبير لابن أمير الحاج: ٣/ ٢٦١، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٣٨.\n(^٢) الجدليون: هم الممارسون لعلم الجدل، والجدل: هو دفع المرء خصمه عن إفساده بحجة أو شبهة أو يقصد به تصحيح كلامه وهو الخصومة في الحقيقة.\nينظر: التعريفات: ص ١٠٦\n(^٣) ينظر: البرهان: ٢/ ١٠٠٧.","vol":"6","page":2465},{"text":"وإذا عرفت هذا فقد عرف المصنف تبعًا للإمام (^١) عدم التأثير بأنْ ينفى الحكم بدون ما فرض علّة له. وعدم العكس بحصول الحكم في صورة بعلّة أخرى.\nواعترض على هذا؛ بأنَّ قوله ينفي الحكم بدون ما فرض علّة له، إنْ أُريد به أنَّه كذلك في المحل الذي ادّعى أنَّه علّة فيه وهو ظاهر مراده فهو غير لازم؛ لأنَّ عدمَ التأثير قد يكون بأنْ يبين ثبوت الحكم في غير ذلك المحل بدون ما جعل علّة له، وإنْ أراد أنَّه كذلك في غير ذلك المحل فقط ففاسد؛ لأنّه إذا بين بقاءَ الحكم في ذلك المحل بعينه بدون ما جعل علّة له كان ذلك عدم التأثير بطريق أولى، وإنْ عنى به ما هو الأعمّ من هذين فباطل؛ لأن العكس أيضًا كذلك إذ ليس من شرط العكس حصول الحكم في صورة أخرى، بل لو حصل في تلك (^٢) الصورة بعينها بعلّة أخرى كان ذلك عكسًا أيضًا، وهو اعتراض منقدح إذا كان الإمام قد مشى على مراسم الجدليين.\nوعلمك محيط بأنّ القوم ذوو اصطلاح (^٣) فليساعدوا عليه ما لم يخرج عن قانون معتبر وإن لم يف الإمام باصطلاحهم كان له أنْ يقول: المراد من عدم التأثير القسم الأول.\nوقولكم: قد يكون بغير ذلك.\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازى: ج ٢/ ق ٢/ ٣٥٥.\n(^٢) في (غ): ذلك.\n(^٣) في (غ): إصلاح.","vol":"6","page":2466},{"text":"قلنا: في مصطلحي لا يكون كذلك (^١) بل له أنْ يقول المراد القسم الثالث.\nقولكم: ليس من شرط العكس حصول الحكم في (^٢) صورة أخرى.\nقلنا: بل هو من شرطه في مصطلحنا.\nوإذا علمت هذا، فقد مثّل المصنف لعدم التأثير بقولنا: في الغائب مبيع غير مرئي فلا يصحّ كالطير في الهواء والسمك في الماء بجامع (^٣) عدم الرؤية، فينقدح للمعترض أنْ يقول عدم الرؤية لا تأثير له في الحكم؛ لبقاء الحكم المذكور بعد زواله فيما إذا صار البيع مرئيًا (^٤) ولكن غير مقدور على تسليمه، وهذا المثال واقع لعدم التأثير في أصل العلّة دون وصفها كما وضح.\nومثّل لعدم العكس باستدلال الحنفي على منع تقديم أذان الصبح بقوله: الصبح صلاة لا تقصر فلا يجوز تقديم أذانها على وقتها كالمغرب بجامع عدم جواز القصر (^٥).\nفيقول: هذا الوصف لا ينعكس؛ لأنَّ الحكم الذي هو منع تقديم الأذان على الوقت موجود فيما قصر من الصلوات بعلّة أخرى وهذا المثال\n_________\n(^١) في (غ): ذلك.\n(^٢) في (ت): في كلّ.\n(^٣) في (ت): لجامع.\n(^٤) في (غ): مرتبًا.\n(^٥) ينظر: الحجة لمحمد بن الحسن: ١/ ٧٢.","vol":"6","page":2467},{"text":"واقع لعدم التأثير في الوصف كما ظهر.\nومن أمثلة الأوّل أيضًا أنْ يقال على لسان الشافعي في منع نكاح الأمة الكتابية: أمةٌ كافرةٌ، فلا يحل للمسلم نكاحها كالأمة المجوسية (^١).\nفيقال لا أثر للرقّ (^٢) في الأصل فإنّ الحرة المجوسية محرمة (^٣) (^٤) والتمجس مستقل بإثارة منع النكاح والرقّ مستغنى عنه فذكره عديم (^٥) التأثير في الأصل وقد تمّ شرح ما في الكتاب.\nوقد قسم أرباب النظر عدم التأثير أقسامًا عديدة.\nأولها وثانيها: عدم التأثير في الأصل والوصف وهما المتقدمان في كلام المصنف.\nوالثالث: عدم التأثير في الأصل والفرع جميعًا فإذا قلنا بأنّ عدم التأثير في الأصل فقط يقدح كما ستعرفه إن شاء الله كان هذا قادحًا (^٦) بطريق\n_________\n(^١) ينظر حكم المسألة في: المهذب للشيرازي: ١/ ٧٢، والوسيط للغزالي: ٥/ ١٢، وروضة الطالبين للنووي: ٧/ ١٣٢، ومغني المحتاج: ٣/ ١٨٥.\n(^٢) في (غ)، (ت): للفرق.\n(^٣) (محرمة) ليس في (ت).\n(^٤) يقول محمد الخطيب الشربيني في مغني المحتاج: ٣/ ١٨٥ \"ورابع الشروط إسلامها أي الأمة التي ينكحها الحر فلا يحل لمسلم نكاح الأمة الكتابية وإن كانت لمسلم لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ ولأنه اجتمع فيها نقصان لكل منهما أثر في منع النكاح وهما الكفر والرق كما أنه لا يجوز له نكاح الحرة المجوسية لاجتماع نقصي الكفر وعدم الكتاب\".\n(^٥) في (ت): فذكر عدم التأثير.\n(^٦) في (غ): قدح.","vol":"6","page":2468},{"text":"أولى.\nومثال هذا قول من اعتبر العدد في الاستجمار بالأحجار (^١): عبادة متعلقة بالأحجار لم يتقدمها معصية، فينبغي أنْ يعتبر فيها العدد قياسًا على رمي الجمار، وإذا اعتبر العدد وجب أن يكون ثلاثة ضرورةَ أنَّه لا قائل بالفصل.\nوقوله: لم يتقدمها معصية عديم التأثير (^٢) في الأصل والوصف معًا بخلاف قولنا أمّة كافرة، فلا (^٣) تحلّ للمسلم كالأمة المجوسية، فإنّ كونها أمة لا أثر له في الأصل، لكن له تأثير في الفرع فلئن قال مثلا: إذا سقط قولي لم يتقدمها معصية انتقض بالرجم فإنّه عبادة تتعلق بالأحجار ثمّ لا يعتبر فيه العدد.\nفنقول قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: هذا أصعب ما يجيء (^٤) في هذا الباب قال: وعندي أنّ مثل هذا لا يجوز تعليق الحكم عليه. ذكره في الملخص (^٥).\n_________\n(^١) يجب عند الشافعية في الاستجمار بالحجر ثلاث مسحات، بثلاثة أحجار أو بأطراف حجر واحد، ولو حصل الإنقاء بدون ثلاث وجب الثلاث، وإذا لم يحصل الإنقاء وجبت الزيادة. ينظر: الروضة للنووي: ١/ ٦٩، والمهذب للشيرازي: ١/ ٢٧، ومغني المحتاج للشربيني: ١/ ٤٥.\n(^٢) في (ت): عدم التأثير.\n(^٣) في (ت): لا تحل.\n(^٤) في (ت): مما نحن فيه.\n(^٥) ينظر: الملخص في الجدل: ٢/ ٦٥٩.","vol":"6","page":2469},{"text":"والرابع: عدم التأثير في الفرع دون الأصل وهو قسمان:\nأحدهما: أنْ يذكر وصف في الفرع يتحقق الخلاف فيه بدونه كقولهم: نوى صوم رمضان قبل الزوال فصحّ كما لو نوى من الليل فقيل كونه من رمضان لا مدخل له في تحقيق (^١) الخلاف إذ يتحقق بدونه فإنه لو نوى مطلق الصّوم كان فيه الخلاف أيضًا وقد اختلف في قبول هذا القسم أيضًا.\nوثانيهما: أن يلحق الفرع بالأصل بوصف لا تأثير له على إطلاقه في الفرع وفاقًا كقولنا في إثبات فسخ النكاح بالعيوب الخمسة عيب ينقص الرغبة في المعقود عليه فوجب ثبوت الفسخ به (^٢) كما في البيع فالوصف المذكور في الإلحاق لا تأثير له في الفرع على إطلاقه وفاقًا ولهذا (^٣) لا يثبت الخيار في النكاح بكلّ عيب شابه ما ذكر وفاقًا وقول القاضي حسين ومن شذّ عن الأصحاب بدعواه ثبوت الخيار بكلّ عيب منفر يكسر سَوْرَة (^٤) التوقان (^٥) لا يرد على دعوانا الوفاق هنا فمن العيوب ما ينقص الرغبة ولا يكن منفرًا يكسر سورة التوقان ولا عبرة به على العموم إجماعًا وإن اختلف في أفراد خاصة.\n_________\n(^١) في (غ): تحقق.\n(^٢) (به) ليس في (ت).\n(^٣) في (ت): وهذا.\n(^٤) سورة الخمر حدتها (ينظر: القاموس المحيط ٥٢٧ مادة \"سور\").\n(^٥) ينظر: العزيز شرح الوجيز: ٨/ ١٣٢. والتوقان: من تاق إليه تَوْقًا وتُؤوقًا وتِياقة وتوقانًا: اشتاق. ينظر: القاموس المحيط مادة \"تاق\" ص ١١٢٤.","vol":"6","page":2470},{"text":"والخامس: عدم الثأثير في الحكم وهو أن يذكر في الدليل وصفًا لا تأثير له في الحكم المعلل به كما إذا قيل في مسألة المرتدين إذا أتلفوا أموالنا في دار الحرب: طائفة مشركة فلا يجب عليهم الضمان بتلف أموالنا في دار الحرب كأهل الحرب، فالإتلاف في دار الحرب (^١) لا تأثير له (^٢) في نفي الضمان وإثباته فإنّ من أوجب (^٣) الضمان أوجبه مطلقًا سواء كان في دار الحرب أم في غيرها ومن نفاه نفاه مطلقًا.\nوالفرق بين هذا والثالث فرق ما بين العام والخاص؛ لأنَّه يلزم من أنْ لا يكون له تأثير في الحكم أنْ لا يكون له تأثير في الأصل والفرع من غير عكس.\nوقال الآمديُّ: حاصل هذا القسم يرجع إلى عدم التأثير في الوصف بالنسبة إلى الحكم المذكور، قال: وإذا بطل عدم التأثير في الفرع كما هو أحد الرأيين، ورجع حاصل هذا القسم إلى عدم التأثير في الوصف فلم يبق غير عدم التأثير في الوصف وفي الأصل (^٤).\nوالآمدي لم يذكر القسم الثالث الذي أوردناه ولعله أهمله لكون الخامس أعمّ منه.\nوإذا تفهمت ما ألقيته لك من الشرح وعلمت عود\n_________\n(^١) (كأهل الحرب، فالإتلاف في دار الحرب) ساقط من (ت).\n(^٢) (له) ليس في (غ)، (ت).\n(^٣) في (غ): واجب.\n(^٤) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ١١٥.","vol":"6","page":2471},{"text":"الأقسام كلّها إلى عدم التأثير في الأصل وفي الوصف عرفت أنّ اقتصار صاحب الكتاب على ذكرهما نوع حسن من الاختصار والله أعلم.\nقال: (والأول يقدح إن منعنا تعليل الواحد بالشخص بعلتين:\nوالثاني: حيث يمتنع تعليل الواحد بالنوع بعلتين، وذلك جائز في المنصوصة كلإيلاء واللعان والقتل والردّة، لا في المستنبطة؛ لأنَّ ظنّ ثبوت الحكم لأحدهما يصرفة عن الآخر وعن المجموع).\nتقدّم تصوير عدم التأثير وعدم العكس والكلام هنا في أنّهما هل يقدحان في العلية؟\nوقد تشاجر القوم في ذلك وبنى المصنف الأول على أنَّه هل يجوز تعليل الحكم الذي هو واحد بالشخص بعلتين فيقدح عند مانعه؛ لأنَّه إذا لم يوجد الوصف المفروض علّة مع بقاء الحكم والفرض أنَّه ليس ثابتًا بعلة أخرى يحصل العلم بأنّ ذلك الوصف ليس علّة؟ .\nوبنى الثاني على أنَّه هل (^١) يمتنع تعليل الحكم الواحد بالنوع بعلتين؟ وبناؤه ظاهر مما تقدم؛ لأنَّ النّوع باق فيه ويعلم من هذا أنّ الحكم الواحد إن بقي شخصه بعد زوال العلّة فهو عدم التأثير، وإن بقي نوعه فهو عدم العكس، فامتناع بيع الطير في الهواء يبقي شخصه بعد زوال الرؤية، كما كان قبلها وامتناع نكاح الأمة المجوسية باق\n_________\n(^١) (هل) ليس في (ص).","vol":"6","page":2472},{"text":"بالشخص بعد زوال الرقّ كما كان. أما منع تقديم الأذان فالباقي منه بعد زوال العلّة وهي كون الصلاة لا تقصر إنّما هو في الرباعية وما كان ثابتًا مع العلّة إنّما هو مع غيرها لكنهما اشتركا في النوعية وهو منع تقديم الأذان.\nواعلم أنّ المبني عليه من أعظم ما خاض فيه الأصوليون، والمصنف اختصر القول فيه جدًّا ونحن نأخذ في شرح ما في الكتاب على الاختصار ثمّ نعود إلى الكلام في ذلك على حسب التوسط فنقول: يجوز تعليل الحكم الواحد نوعًا المختلف شخصًا بعلل مختلفة وفاقًا كتعليل إباحة قتل زيد بردته وعمرو بالقصاص، وخالد بالزنا بعد الإحصان وربما أومأ بعضهم إلى جريان الخلاف فيه وعلى ذلك مشى صاحب الكتاب حيث جعل عدم العكس مبنيًا عليه والأشبه ما ذكرناه وبه صرح الآمدي (^١) وصفي الدّين الهندي (^٢) وهذا في العلل الشرعية.\nأما العقلية فظاهر نقل بعضهم أنّ الخلاف في تعليل المعلول الواحد بعلل عقلية يختص بالواحد بالنوع دون الواحد بالشخص، فإنّه يمتنع تعدد علّته بلا خلاف وأمّا تعليل الحكم الواحد في شخص واحد بعلل مختلفة، نحو تحريم وطء المعتدة المحرمة الحائض وزاد إمام الحرمين الصائمة (^٣) وهو سهو لأنَّ الصّوم يستحيل أن يجامع الحيض\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ١١٤ - ١١٥.\n(^٢) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٠٠.\n(^٣) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ١٠٠٨.","vol":"6","page":2473},{"text":"شرعا وكذا إباحة قتل الشخص الواحد بردته وقتله الموجب للقصاص هل يجوز بهذه الأمارات المزدحمة؟ اختلفوا فيه على مذاهب (^١):\nأحدها: المنع من ذلك مطلقا (^٢).\nوالثاني: الجواز مطلقا وإليه ذهب الجماهير.\nوالثالث: أنَّه يجوز في المنصوصة دون المستنبطة، وهو اختيار الأستاذ أبي بكر بن فورك (^٣) والغزالي (^٤)، والإمام (^٥) والمصنف، قال إمام الحرمين: وللقاضي إليه صغو (^٦). . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) هذه المسألة توسم عند الأصوليين بتعليل الحكم بأكثر من علّة. وأخرها المصنف والشارح لما لها من صلة بموضوع القادح الثاني وهو: عدم التأثير. وإن كان قد جرى عند بعض الأصوليين أن تفرد بالبحث عند الكلام عن العلة عمومًا. وينظر تفاصيل المذاهب فيها في المصادر التالية: البرهان: ٢/ ٨١٩، والمستصفى: ٢/ ٣٤٤، والمحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٣٧٥، والإحكام: ٣/ ٣٤٠، والمعتمد: ٢/ ٧٩٩، والمسودة: ص ٤١٦، وكشف الأسرار: ٤/ ٤٥، ومختصر المنتهى مع شرح العضد: ٢/ ٢٢٣، والبحر المحيط: ٥/ ١٧٤.\n(^٢) منصوصة كانت أو مستنبطة، حكاه القاضي عبد الوهاب عن متقدمي المالكية، وجزم به الصيرفي واختاره الآمدي، وهو ما أشار إليه إمام الحرمين في البرهان: ٣/ ٨٢٠ بقوله: إنه جائز عقلا ولكنه لم يقع.\n(^٣) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ٨٢٠.\n(^٤) ينظر: المستصفى: ٢/ ٣٤٢ - ٣٤٣.\n(^٥) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٦٧.\n(^٦) الصغو: من صغا ويصغى صُغُوًّا أي مال، وصغت النجوم إذا مالت للغروب وأصغت الناقة إذا أمالت رأسها إلى الرحل قال ذو الرمة: =","vol":"6","page":2474},{"text":"ظاهر في كتاب التقريب (^١).\nقلت: وظاهر ما في التلخيص مختصر التقريب تجويزه مطلقا (^٢).\nوأما ما ذهب إليه الغزالي هنا من التفصيل فيخالف ما ذكره في الفقه فإنّه قال في كتاب البيع من الوسيط عند الكلام في زوائد المبيع: والحكم الواحد قد يعلل بعلتين (^٣).\nوالرابع: عكسه (^٤).\nوذهب إمام الحرمين إلى رأي خامس وهو أنَّه جائز غير واقع (^٥).\nقوله: وذلك هذا دليل على التفصيل الذي اختاره.\nوتقريره: أنَّه قد وقع تعليل الواحد بالشخص بعلتين منصوصتين فدلّ على جوازه ودليل وقوعه اللعان والايلاء فإنّهما علتان مستقلتان في تحريم\n_________\n= تصغى إذا شدّها بالكور جانحة ... حتّى إذا ما استوى في غرزها تثب\nومنها قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾. ينظر: الصحاح: ٦/ ٢٤٠٠ - ٢٤٠١، مادة \"صغا\"، والقاموس المحيط: ص ١٦٨٢ مادة \"صغا\"، والمختار: ص ٣١٩.\n(^١) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ٨٢٠.\n(^٢) ينظر: التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٢٨١. (وللفائدة ينظر تعليق المحقق).\n(^٣) ينظر الوسيط للغزالي: ٣/ ١٣٩، وعبارته: \"والحكم قد يعلل بعلتين\".\n(^٤) الجواز في المستنبطة دون المنصوصة حكاه ابن الحاجب في مختصر المنتهى: ٢/ ٢٢٣.\n(^٥) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ٨٢٠.","vol":"6","page":2475},{"text":"وطء المرأة ولك أنْ تقول: الإيلاء لا تحرم به الزوجة، فلا يصح التمثيل به ولا يمكن أنْ يبدل الإيلاء بالظهار؛ لأنَّ الظهار وإنْ كان محرمًا إلّا أنَّه لا يمكن اجتماعه مع اللعان، إذ اللعان يقطع الزوجية فلا تجتمع علتان على معلول واحد، فينبغي التمسك بالطلاق الرجعي مع الظهار فإنّهما علتان في تحريم الوطء وقد يجتمعان في المرأة فتكون رجعية ومظاهرًا منها.\nودليل وقوعه أيضًا المرتد الجاني فإنّ كلا من الارتداد والجناية علّة مستقلة في إراقة دمه وكذلك الصوم والعدّة والإحرام في تحريم وطء الزوجة.\nومثّل الغزالي بأنّ من لمس ومس وبال في وقت واحد انتقض طهره، ولا يحال على واحد من هذه الأسباب ومن أرضعتها زوجة أخيك وأختك أيضًا وجمع لبنهما وانتهيا إلى حلق المرتضعة في لحظة واحدة حرمت عليك، لأنَّك خالها وعمُّها والنكاح فعل واحد وتحريمه حكم واحد ولا يمكن أنْ يحال على (^١) الخؤولة دون العمومة أو بعكسه ولا يمكن أن يقال هما تحريمان وحكمان بل التحريم له حدّ واحد وحقيقة واحدة ويستحيل اجتماع المثلين (^٢) انتهى.\nوإذا ثبت هذا (^٣) في الواحد بالشخص وضح ثبوته في الواحد بالنوع\n_________\n(^١) في (غ): إلى\n(^٢) ينظر: المستصفى: ٢/ ٣٤٢ - ٣٥٣.\n(^٣) (هذا) ليس في (ت).","vol":"6","page":2476},{"text":"بطريق أولى.\nوأما المنع في المستنبطة فاستدل عليه بأنّ ظنّ ثبوت الحكم لأجل أحد الأمرين مانع من ظنّ ثبوته لأجل الأمر الآخر بمفرده أو لأجل المجموع وما لا يحصل الظنّ بثبوت الحكم لأجله لا يحكم بعلته بالاستنباط والاجتهاد فلا نحكم بعلية أمور متعددة لشيء واحد بالاستنباط والاجتهاد وهذا كما إذا تصدق على فقيه فقير قريب فإنّه يحتمل أنْ يكون الداعي إلى الصدقة مجموع الأوصاف أو بعضها أو فرد منها والاحتمالات متنافية لما ذكرناه.\nهذا تقرير ما في الكتاب وفي الدليل المذكور نظر نذكره من بعد إن شاء الله تعالى.\nعدنا إلى الكلام في أصل المسألة فنقول: اختلفوا في أنّ العكس هل يجب في العلة؟\nفقالت المعتزلة وبعض أصحابنا كالإمام: لا يجب سواء كانت عقلية أم شرعية (^١)، وادّعى القاضي في مختصر التقريب والإرشاد الاتفاق في العلل (^٢) العقلية على خلاف ذلك فإنّه قال يشترط في العلّة العقلية الاطراد والانعكاس باتفاق العقلاء القائلين بالعلل انتهى (^٣).\nوقال قوم: إنّه واجب مطلقًا وأوجبه قوم في العقلية دون الشرعية وعليه أكثر أصحابنا.\n_________\n(^١) ينظر: المحصول: ٢/ ق ٢/ ٣٥٦.\n(^٢) (العلل) ليس في (غ)، (ت).\n(^٣) ينظر: التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٢٢٣.","vol":"6","page":2477},{"text":"وقال آخرون: يجب ذلك في المستنبطة دون المنصوصة (^١).\nوقال الغزالي: إن لم يكن للحكم إلا علّة واحدة فالعكس لازم؛ لا لأنَّ انتفاء العلّة يوجب انتفاء الحكم؛ بل لأنَّ الحكم لا بد له من علّة فإذا اتحدت العلّة وانتفت فلو بقي الحكم لكان ثابتًا بغير سبب، أما حيث تعددت العلّة فلا يلزم انتفاء الحكم عند انتفاء بعض العلل بل عند انتفاء جميعها.\nقال: والذي يدل على لزوم العكس عند اتحاد العلّة أنّا إذا قلنا: لا نثبت الشفعة للجار؛ لأنَّ ثبوتها للشريك معلل بعلّة الضرر اللاحق من التزاحم على المرافق المتحدة من المطبخ والخلاء ومطرح التراب ومصعد السطح وغيره.\nفلأبي حنيفة أنْ يقول لا مدخل لهذا في التأثير فإنّ\n_________\n(^١) هذء المسألة توسم أيضا بالخلاف في جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين.\nوقد ذكر الإسنوي مذاهب العلماء فيها: ٤/ ١٩٥ - ١٩٦ فقال: \"اختلفوا في جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين على مذاهب:\nأحدها: يجوز مطلقًا واختاره ابن الحاجب.\nوالثاني: لا يجوز مطلقًا واختاره الآمدي\nوالثالث: يجوز في المنصوصة دون المستنبطة. واختاره الإمام كما نص عليه. . .\".\nثم قال بعد أن ذكر المذاهب: \"ثم إن مقتضى كلام المصنف أن الخلاف جار في الواحد وهذا الخلاف هو المعبر عنه بأن العكس، هل هو معتبر في العلل أم لا. لكن الإمام لما حكاه هنا ذكر العلل الشرعية لا يشترط فيها العكس، قال وفي العقلية خلاف بين أصحابنا والمعتزلة، ثم اختار مذهب المعتزلة، وهو أنه لا يشترط\".","vol":"6","page":2478},{"text":"الشفعة ثابتة في العرصة (^١) أيضًا وما لا مرافق له فهذا إلزام عكس وهو لازم؛ لأنّه يقول [لو كان هذا مناطا للحكم لا ينفي الحكم عند انتفائه فنقول: السبب فيه ضرر مزاحمة الشركة فنقول: لو كان كذلك لثبت في شركة العبيد والحيوانات والمنقولات. فإن قلنا ضرر الشركة] (^٢) فيما يتأبد ويبقى.\nفنقول: فليجر في الحمام وما لا ينقسم كما هو عندكم قول قديم أو وجه فلا يزال يؤاخذنا بالطرد والعكس، وهو مؤاخذة صحيحة إلى أن يعلل بضرر مؤنة القسمة ونأتي بتمام قيود العلة (^٣) بحيث يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها وهذا المكان أنا أثبتنا هذه العلة بالمناسبة وشهادة الحكم لها بوروده على وفقها وشرط مثل هذه العلّة الاتحاد وشرط الاتحاد العكس (^٤). انتهى.\nقال صفي الدّين الهندي: وينبغي أن لا يكون فيما ذكره الغزالي خلاف ونزاع لأحد (^٥)\n_________\n(^١) العرصة: العَرْصُ: العَرْسُ، والمحدّثُونَ يَلْحَنونَ فَيُعْجِمونَ الصادَ. والعَرْصَةُ: كل بُقْعَةٍ بينَ الدُّورِ واسِعَةٍ ليس فيها بِناءٌ ج: عِراصٌ وعَرَصاتٌ وأعْراصٌ. والعَرْصَتَانِ كُبْرَى وصُغْرَى: بِعَقِيقِ المَدِينةِ. ينظر: القاموس المحيط: ص ٨٠٣ - ٨٠٤.\n(^٢) (فنقول: لو كان كذلك لثبت في شركة العبيد والحوانات والمنقولات. فإن قلنا ضرر الشركة) ساقط من جميع النسخ وأثبته من المستصفى المطبوع ٢/ ٣٤٤.\n(^٣) (العلة) ليس في (غ).\n(^٤) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥.\n(^٥) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٤٧٠.","vol":"6","page":2479},{"text":"ويظهر عند هذا أنّ هذه المسألة فرع مسألة تعليل الحكم الواحد بعلل مختلفة فلذلك لم يشتغل صاحب الكتاب بالكلام فيها بل تكلم في تعليل الحكم (^١) الواحد بعلل فليكن كلامنا نحن (^٢) أيضًا في ذلك.\nوقد عُلمت المذاهب فيها وما احتج به صاحب الكتاب على اختياره، وهو مدخول عندنا (^٣)؛ لأنَّا نقول على استدلاله في المنصوصة: لا دلالة لما ذكرت إلا على اجتماع سببين (^٤) أو أكثر على حكم واحد، وليس فيه دلالة على أنّ ذلك الحكم معلل بكلّ منها أو بواحد منها فلئن قال: أعود وأقرره على وجه آخر، فأقول: العلل إذا اجتمعت في الشخص الواحد كالقتل والردّة والزنا فإمّا أنْ يقال: لا يثبت الحكم فيه أصلًا وهو باطل، أو يثبت (^٥) بواحدة معينة منها (^٦)، وهو أيضًا باطل للزوم الترجيح من غير مرجح، أو بواحدة لا بعينها وهو كذلك؛ لأنَّ ما لا تعين له لا وجود له في نفسه، وما لا وجود له (^٧) لا يصلح أنْ يكون علّة أو بمجموعها وهو كذلك؛ لأنّه حينئذ تكون كلّ واحدة منها (^٨) جزءًا لعلة وليس كلامنا فيه فيتعين أنْ يعلل الحكم بكلّ\n_________\n(^١) (الحكم) ليس في (غ)، (ص).\n(^٢) (نحن) ليس في (ص).\n(^٣) من المواطن التي يعترض فيها الشارح على الماتن الإمام البيضاوي.\n(^٤) في (ت): شيئين.\n(^٥) (فإمّا أنْ يقال لا يثبت الحكم فيه أصلا وهو باطل أو يثبت) ساقطة من (غ).\n(^٦) (منها): ليس في (ت).\n(^٧) (له) ليس في (غ).\n(^٨) في (غ) يكون كل واحد منها.","vol":"6","page":2480},{"text":"واحدة منها.\nلا يقال: نمنع وجود العلل دفعة واحدة، ونقول: فيما إذا ترتب الحكم معلل بالسابق منها وشيء من تلك المفاسد المذكورة غير لازم حينئذ؛ لأنّا نقول منع وجودها مكابرة، إذ نحن على قطع أنَّه لا منافاة بين تلك الأمور، فيصح اجتماعها ووجودها دفعة واحدةً، إذ يمكن صدور الزنا والردّة من واحد - والعياذ بالله - في ساعة واحدة.\nفنقول: قاربت الإصابة بالتقرير على هذا الوجه، ولكنّا لا نسلم بعد ذلك أنّ الحكم هناك حكمٌ واحد بل أحكامٌ كثيرة، فإنّ الإباحة الحاصلة بالقتل غير الحاصلة بالردّة والدليل عليه وجهان:\nالأول: أنّ الرجل إذا عاد إلى الإسلام زالت الاباحة الحاصلة بسبب الردّة وبقيت الإباحة الحاصلة بالقتل والزنا. ثم إذا عفا وليّ الدم زالت الإباحة الحاصلة بالقتل، وبقيت الإباحة الحاصلة (^١) بالزنا.\nوالثاني: أنّ القتل المستحق بالقتل يجوز لولي الدم العفو عنه، والمستحق بالردّة لا يتمكن الولي من إسقاطه فدلّ على تغاير الحكمين.\nوهذا المنع الذي ذكرناه هو الذي اعتمد عليه إمام الحرمين في ردّ هذه الحجة (^٢)، وهو عندنا منعٌ صحيحٌ. وإن كان القاضي في مختصر التقريب والإرشاد قال: إنّه هذيان يدني قائله من جحد الحقائق.\n_________\n(^١) (بالقتل والزنا. ثم إذا عفا وليّ الدم زالت الإباحة الحاصلة بالقتل، وبقيت الإباحة الحاصلة) ساقط من (ت).\n(^٢) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ٨٣٢.","vol":"6","page":2481},{"text":"ونحن نذكر (^١) ما ردّ به ونزيفه بعد ذلك. وأجمع كلام في الردّ عليه كلام الإمام.\nفقال: قلنا: الدليل على أنّ الحكم واحد أنّ إبطال حياة الشخص الواحد أمر واحد فهو إمّا أنْ يكون ممنوعًا منه من جهة الشرع بوجه ما فهو الحرمة أو لا فهو الحلّ. وإذا كانت الحياة واحدة كانت إزالتها واحدة فكان الإذن في تلك الإزالة واحدا.\nفإن قلت: الفعل الواحد يجوز كونه حلالا من وجه حراما من آخر، وحينئذ يجوز أن يتعدد حكم الحلّ لتعدد جهاته فيكون الشخص الواحد مباح الدم من حيث إنّه مرتد وإنّه زان وإنّه قاتل.\nقلت: حرمة الشيء من وجه وحلّه من آخر (^٢) غير معقول؛ لأنَّ الحلّ هو تمكين الشرع من الفعل ولا يتحقق هذا المعنى إلا إذا لم يكن فيه وجه يقتضي المنع أصلًا. بلى ليس من شرط الحرمة أنْ يكون حرامًا من جميع جهاته؛ لأنَّ الظلم حرام مع أنّ كونه حادثًا وعرضًا وحركة لا يقتضى الحرمة وحينئذ نقول حل الدم على هذا الوجه يستحيل تعدده؛ لأنّ هذا الإطلاق يستحيل أن يتعدد، والعلم بذلك ضروري (^٣). هذا ما ذكره الإمام (^٤).\n_________\n(^١) في (غ)، (ت): نرد ما ردّ به.\n(^٢) في (ت): وحله من وجه.\n(^٣) ينظر: المحصول للرازى: ج ٢/ ق ٢/ ٣٧١ - ٣٧٢. ذكره في القادح الخامس: الفرق.\n(^٤) (الإمام) ليس في (ت).","vol":"6","page":2482},{"text":"وقد اعترض النقشواني على قوله: إبطال حياة الشخص الواحد أمر واحد بالمنع. وفيه نظر، ثمّ بعد التسليم بأنّك لم قلت أنّ ما يكون طريقًا إلى الشيء يجب أنْ يكون واحدًا؛ لأنَّ الحكم الذي كلامنا فيه ليس نفس إبطال حياة الشخص بل الطريق إليه. ألا ترى أنّ حياة الشخص الواحد يمكن إبطالها بضرب عنقه وقدّه نصفين، وأمور لا تعدّ فيما نحن فيه. لم ادعيت أنّه ليس كذلك فإنّ إباحة القتل بالردّة هو طريق واحد إلى إبطال الحياة وحكمه أنْ يقتله الإمام ما لم يتب، وليس له إسقاطه وإباحته بالقصاص أنْ يتمكن الولي من قتله بمثل الطريق التي صدرت عنه أو بالسيف، وله العفو وإباحته بالزنا أن يرجم ولا يتبع إذا هرب ولا يسقط فهذه طرق مختلفة غير أنّها اشتركت في أمر واحد وذلك لا يوجب اجتماع العلل على حكم واحد.\nوأيضًا عصمة دم المرء حكم شرعي وهو مشروط بأمور منها الإسلام ويضاده الكفر ومنها العفة ويضادها الزنا ومنها العدل ويضاده القتل (^١) ظلما ويختل كلّ واحد منها بواحد من هذه الأفعال (^٢).\nوكما قال إمام الحرمين لن يعدم الآنس بالفقه استمساكًا من تقدير التعدد في الموجبات بوجوه ترشد إلى التغاير والاختلاف (^٣)\nونظير هذا في الأمور العقلية أنّ حياة الشخص الواحد مشروطة\n_________\n(^١) (الكفر ومنها العفة ويضادها الزنا ومنها العدل ويضاده القتل) ساقط من (غ).\n(^٢) ينظر: تلخيص المحصول لتهذيب الأصول للنقشواني: ٢/ ٩٠٠ - ٩٠١.\n(^٣) ينظر: البرهان للجويني: ٢/ ١٠٠٨.","vol":"6","page":2483},{"text":"بشروط منها بقاء الأعضاء الرئيسية على أمزجتها المعينة ومنها اتصال بعضها ببعض وغير ذلك وكلّ ما يحصل في البدن مبطلا لواحد من هذه الشروط تصير سببا لإبطال الحياة ولا جرم أن تعددت أسباب إبطال الحياة فإذا فرضنا اجتماع عدّة منها لا نقول: إنّ العلل الكثيرة تواردت على معلول واحد وإذا فرضنا دفعة واحدة جزّ رقبة شخص وقدّه بنصفين من شخصين معًا لا يقال اجتمع هاتان العلتان على معلول واحد إذ لا يتصور ذلك في العلل العقلية التّامّة (^١) المؤثرة فكلّما ذكره عذرًا في هذه الصورة كان عذرًا لنا في دفع ما ذكر من الدليل ولسنا بالمعتذرين عن العلل العقلية فإنّ العلّة العقلية لا حقيقة لها عندنا ومن طلب الإحاطة بذلك فهو محال على دقيق الكلام في العلّة والمعلول ولكنا نحيل الأمر إلى الإمام.\nثم قال الإمام: قولكم الدليل على التغاير إنه لو أسلم زال أحد الحلين وبقي الآخر.\nقلنا: لا نسلم أنّه يزول أحد الحلين بل يزول كون ذلك الحكم معللا بالردّة فالزائل ليس هو نفس الحلّ بل وصف كونه معللا بالردة.\nولقائل أن يقول: لو لم يزل ذلك الحلّ لكان مستمرًا بدون علته فإنّه لا أثر للزائل في المستمر بل التحقيق أنّ الحلَّ المضاف إلى الردّة زال وبقي حلّ آخر ثَمَّ.\nقال قولكم: ولي الدم مستقل بإسقاط أحد الحلين.\n_________\n(^١) في (غ): الثامنة.","vol":"6","page":2484},{"text":"قلنا: ممنوع بل هو متمكن من إزالة أحد الأسباب، فإذا زال ذلك السبب زال انتساب ذلك الحكم إليه لا الحكم نفسه (^١).\nواعترض عليه النقشواني أيضًا بأنّا نعلم أنّ الولي كان متمكنًا من إزالة الحل الثابت له وهذا الزوال يستدعي سببًا ولا سبب غير عفوه.\nوبأنّا نقول: إنْ كان الزائل بالعفو شيئًا آخر غير حلّ القتل فموجب قتل القاتل ظلمًا هو ذلك الشيء؛ لأنّ العفو يسقط موجب الجناية فإذا كان موجب الجناية غير الحلّ فلا يلزم اجتماع العلل على حكم واحد.\nوهكذا نقول في سائر الصّور المذكورة من (^٢) اجتماع العدّة والحيض في الزوجة وصورة الرضاع في زوجة الأخ والأخت وغيرها وإنّ كلّ هذه الأحكام مشروطة بشروط على ما تقرر.\nثم إنّا نقول: ما ذكرتم من الصور التي فرضتم الكلام فيها فيه أمر عجاب، فإنّ بعضها مستنبطة وبعضها مومأ إليها، فإنّ عليّة ما أوردتم إنّما جاء من الاستنباط وإيماء النصوص لا من النّص (^٣) وأنتم لا تجوزون اجتماعها على المعلول الواحد إذ (^٤) فرقتم بين المستنبطة والمنصوصة فكيف يحصل الغرض من هذا؟ (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣.\n(^٢) في (ت): في اجتماع.\n(^٣) (لا من النص) ليس في (غ).\n(^٤) في (غ)، (ت): إذا.\n(^٥) ينظر: تلخيص المحصول لتهذيب الأصول للنقشواني: ٢/ ٩٠٣ - ٩٠٤.","vol":"6","page":2485},{"text":"وعليهم في هذا الدليل اعتراضات أخر أضربنا عنها إذ قد أطلنا بعض الإطالة (^١).\nولإمام الحرمين هنا كلمات لا نرى إخلاء هذا الشرح منها فلا يطولنّ الفصل عليك ففيه كبير (^٢) فائدة.\nقال: قد يظنّ الظانّ الفطن في هذا المقام أنّ المسؤول إذا فرض الكلام في طرف من المسألة لغرض إيضاح كلام ولصورة الفرض تعلقٌ بالعلّة من حيث العمومُ وليست مقصود الفارضي ومن حيث الخصوصُ وهي مقصود الفارض وإذا كان كذلك فقد تعلق الحكم في هذا الطرف بعلتين.\nقال: وهذا على حسنه غير صاف عن القذى والكدر (^٣) وأنا أضرب في ذلك أمثلة توضح الغرض فنقول إذا قدّم الغاصب الطعام المغصوب إلى ضيف فأكله الضيف ظانّا أنّ الطعام ملك هذا المقدم المضيف فقرار الضمان في قول الشافعي على المضيف ومعتمد هذا الفنّ تقرير (^٤) التغرير وكون الغرور مناطًا للضمان (^٥).\nوقد قال أبو حنيفة: لو أكره الغاصب إنسانًا على تناول ذلك الطعام فالقرار على الطاعم وإن كان مجبرًا أو موجرًا كما إذا كان مختارًا في التناول (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: المصدر نفسه: ٢/ ٩٠٤.\n(^٢) في (ت): كثير.\n(^٣) في (ت): والقذر.\n(^٤) في (ت): تقدير.\n(^٥) ينظر: روضة الطالبين: ٣/ ٥٠٠.\n(^٦) ينظر: المبسوط: ٣/ ٥٠٠، وحاشية ابن عابدين: ٣٦٧.","vol":"6","page":2486},{"text":"فإذا فرض الفارض في صورة الإكراه فليس يجبر؛ لأنّه إنّما يصح أن لو كان في الصورة عموم وخصوص، والغرور (^١) ليس أعمّ من الإجبار إذ الإجبار ينافي الاغترار ومن ضرورة الاغترار فرض إجبار (^٢) في المغرور مع استناد اختياره إلى الاغترار فأمّا المجبر المكره فلا يتصور بصورة (^٣) مغتر وإن فرض منه ظنّ فليس ذلك الاغترار المعنيّ.\nقال: فهذا النوع ليس بمرضي من جهة أنَّه مجانب لمحل السؤال أو لا إذ لا عموم وخصوص فيه والفرض المستحسن هو ما اشتمل على ذلك.\nثمّ قال: وليس للفرض في هذه المسألة وجه أيضًا فإنّه إذا ثبت الضمان لا يستقر على المكره فكيف ينبني عليه عدم القرار على المختار الطاعم في مسألة التقرير ولا معتمد في التقرير على المختار إلا الاغترار.\nوحاصل هذا أنَّه لا عموم وخصوص في هذه الصورة وليس للشافعي إلزام الحنفي بها؛ لأنَّ الضمان إذا ثبت لا يستقر على المكره، وهو كلام صحيح، إلا أنّ المذهب الصحيح المشهور في الجديد أنّ قرار الضمان في مسألة التغرير على الآكل دون المضيف، والصحيح في مسألة الإكراه استقرار الضمان على المكْرِه بكسر الراء على خلاف ما قاله فيهما.\nثم ذكر إمام الحرمين صورة من الفرض المستحسن فقال: إذا سأل\n_________\n(^١) في (ت): المغرور.\n(^٢) في (ت): اختيار.\n(^٣) في (ت): تصوره.","vol":"6","page":2487},{"text":"السائل (^١) عن نفوذ عتق الراهن فسؤاله يعمّ المعتق الموسر والمعسر، فإذا فرض المسؤول كلامه في المعسر كان مندرجًا تحت سؤال السائل ويستفيد الفارض بالفرض في المعسر أمرين:\nأحدهما: دفع أسئلة قد لا يحضر عنده الجواب عنها كسريان العتق إلى ملك الشريك فلا يلزمه إذا فرض كلامه في هذه الصورة؛ لأنَّ عتق المعسر غير سار عند الشافعي.\nوأحسنهما (^٢) أنّ الخصم قد يتمسك في كلامه على أنّ قيمة العبد في غرض المالية منزل منزلة العبد فليس الراهن المعتق مفوتا على المرتهن غرضه من الاستيثاق فإنه إذا أقام قيمة العبد مقامه هنا لم يكن معترضًا على محل حق المرتهن.\nقال وهذا لا حقيقة له إذ ليس هو مبني على مذهب من ينفذ عتق الراهن فإن عتقه لا ينفذ عند من ينفذه لإمكان إقامة القيمة مقام المقوم بل سبب نفوذه الملك وصحة العبارة فاستفاد الفارض بفرضه المسألة في المعسر قطع هذا الكلام الواقع فضلة لا أثر لها.\nقال: فليكن قصد المحقق إذا فرض مثل ذلك ويتجه للفارض في المعسر أنْ يقول يستأصل المعسر المعتق لو نفذ عتقه حقّ المرتهن بكماله ويشير إلى أنَّه لا يجد ما يقيمه مقام المرهون فيظهر كلامه من جهة الاستئصال والتسبب إلى قطع حق المرتهن من الاستيثاق بالكلية.\n_________\n(^١) في (ت): سائل.\n(^٢) في (غ): أحسنها.","vol":"6","page":2488},{"text":"قال وهنا وقفة محتومة على طالب الغايات فنقول: من منع نفوذ العتق يكتفي فيما يقرره بأنّه لو نفذ أدى إلى قطع حق لازم للمرتهن في عين الرهن وإذا كفى هذا فأي حاجة للتعرض لقطع المالية وحسم الطلب في القيمة قال: ويوشك لو لم يتفطن الفارض أنَّه يقع في المحذور الذي ذكرناه وهو التعلق بما لا اعتبار به ولا وقع له.\nفإن قال قائل ما المانع من ازدحام علتين في هذه الصورة قطع المالية بالكلية وقطع حق المرتهن من العين المخصوصة فيعلل امتناع النفوذ بعلة خاصة وهي قطع المالية وأخرى عامة وهي قطع الحق من عين العبد فإن هذا شيء يعم المعسر والموسر.\nفنقول هذا هو الغرض من سياق هذا الكلام وهذا ليس بشيء فإنّ المالية ليست مرعية في حقّ المرتهن وإنما المعتبر اختصاص استحقاق استيثاقه بعين يستمسك بها إذا عرضت له توقعات العسر في الدّين الذي يقع في الذمّة وهو تأثر مسبوق بالعين التي (^١) استمسك بها فهذا غرض الرهن (^٢) وإذا كان الراهن مطالبًا بالدّين فقد خرج عن (^٣) مقصود الرهن.\nقال: ولهذا السّر لا يجوز رهن الدّين. نعم لو فرض من الراهن إتلاف المرهون فالشرع يتقاضاه أنْ يقيم قيمته مقامه إذ مسلك (^٤) الشرع إثبات\n_________\n(^١) في (غ): الذي.\n(^٢) في (ت): الراهن.\n(^٣) في (ت): من.\n(^٤) في (ت): ملك.","vol":"6","page":2489},{"text":"الضمان جبرانًا لكلّ بدل فائت فلا ينبغي أنْ تعدّ قضايا الشرع في مظانّ الضرورات من القضايا الوضعية في تأسيس الأصول اهـ. (^١)\nوهو بليغ لا معترض عليه ومراده أنّ هذه الصورة إن أوردها عليه من يقول باجتماع العلتين خلص (^٢) عن إيراده بأن يقول: العلّة عندي واحدة وهي (^٣) ما ذكرت وإن اعتقد الخصم أنّ المالية مرعية فلا مبالاة بمعتقده.\nثم قال: وهذا يناظر عندي مسلكي في توزيع العوض على مختلفين في أحد شقى العقد عند مسيس الحاجة في شفعة لو فرض تلف في أحد عوضين وقد زلّ جماهير الفقهاء فاعتقدوا أنّ التوزيع مقصود العقد كما نبهت عليه في مسألة العجوة [في الأساليب] (^٤) وهذا زلل وسوء مدرك فإنّ العقد ما أنشئ على التوزيع. وإنما هو أمر ضروري أحوج إثبات الشفعة (^٥) إليه (^٦) اهـ.\nومناظره ما ذكر؛ لأنَّ قضايا الشرع في محل الضرورة لا يعدّ من القضايا الوضعية في تأسيس الأصول ظاهرة على مسلكه كما ذكر ولكن هو مسلك حاد به عن سبيل الأصحاب ومع ذلك هو مدخول.\n_________\n(^١) ينظر: البرهان: ٢/ ١٠٠٧ - ١٠١٤.\n(^٢) (خلص) ليس في (ت).\n(^٣) (وهي) ليس في (غ).\n(^٤) ما بين المعكوفين، من كتاب البرهان المطبوع: ٢/ ١٠١٤. وهو كتاب مخطوط لم يطبع بعد على علمي.\n(^٥) في (ت): الشقص.\n(^٦) ينظر: البرهان: ٢/ ١٠١٤ - ١٠١٥.","vol":"6","page":2490},{"text":"ومن وجوه الاعتراض عليه ما ذكره الرافعي فقال: أليس قد ثبت التوزيع المفصّل في مسألة الشفعة وهي ما إذا باع شقصًا من عقار وسيفا بألف ولولا أنَّه قضية العقد لكان ضمّ السيف إلى الشقص من الأسباب الدافعة للشفعة فإنّها قد تندفع بأسباب وعوارض (^١).\nواعترض عليه أيضًا حيث قال المعتمد عندي في التعليل أنّا تعبدنا بالمماثلة تحقيقًا وإذا باع مدًّا ودرهما بمدّين لم تتحقق المماثلة، فيفسد العقد فإنّ للخصم أنْ يقول تعبدنا بتحقيق المماثلة فيما إذا تمحضت مقابلة شيء منها بجنسه أم على الإطلاق إنْ قلنا بالثاني فممنوع وإن قلنا: بالأوّل فمسلم، ولكنّه ليس صورة المسألة إلّا أنّ هذا اعتراض ضعيف ولا سيما في الغرض الذي فرضه وهو إذا باع مدّا ودرهما بمدين فإنّه يصحّ في هذه الصورة أنَّه باع تمرا بتمر؛ لأنَّ التمر الذي مع الدرهم مبيع قطعًا ولا مقابل له إلا تمر ومتى صدق أنَّه باع تمرا بتمر وجبت المماثلة بالنّص، وتمحضُ المفاضلة قيدٌ زائد لم يدلّ عليه دليل فالكلام في هذا دخيل في الكتاب. ولعلنا: نأتي إن شاء الله تعالى منه في كتابنا الأشباه والنظائر بالعجب العجاب.\nثم قال: وإن اعتقد الفارض في الراهن المعسر الفصل بينه وبين الموسر صائرًا إلى أنّ الراهن إذا كان موسرًا ينفذ إعتاقه ويلزمه إحلال القيمة موضع العبد وإن كان معسرًا لا ينفذ إعتاقه لتعذر تغريمه وإفضاء الإعتاق فيه بتقدير نفوذه إلى إبطال اختصاص المرتهن باستيثاقه بالكلية وشبه ذلك\n_________\n(^١) ينظر العزيز: ٥/ ٥١٠.","vol":"6","page":2491},{"text":"بتفصيل مذهبه في تسرية عتق الشريك إذا كان موسرًا دون ما إذا كان معسرًا فاتحاد العلّة على هذا المذهب أوضع (^١) فإنّ صاحبه متشوف إلى اعتبار انقطاع علقة الرهن من عرض (^٢) الوثيقة بالكلية وليس لبطلان حق المرتهن من عتق الرهن عنده وقع أصلا فلذلك ينفذ عتق الراهن الموسر فلم ينتظم على المسلكين علّتان عامة وخاصة في صورة الفرض.\nثمّ قال: إذا فرض الشافعي الكلام في مسألة ضمان منافع المغصوب في طرف الإتلاف طرد ما يرتضيه في الباب؛ فقد يعتقد الفطن أنَّه يجتمع في هذا الطرف معنيان:\nأحدهما: الإقدام على الإتلاف وهو من أقوى أسباب الضمان ولذلك اختار القاضي (^٣) تعيين هذا الطرف وتخصيصه بالكلام المختص به (^٤). وقد اجتمع فيه الإتلاف والتلف تحت يد العادية وهذا أقرب مسلك في تخيل اجتماع معنيين بحكم واحد.\nونحن نقول فيه: العلّة في الضمان الإتلاف في هذه الصورة فحسب فإنّ المتلف (^٥) الحاصل تحت اليد العادية إنّما يضمن من جهة اعتداء ذي اليد بمنع الحق مستحقه فصار الضياع الذي يقع سماويًا في اطراد منع\n_________\n(^١) (أوضح) ليس في (ت).\n(^٢) في (ت): عوض.\n(^٣) في (ص): الفارض.\n(^٤) (به) ليس (ت).\n(^٥) في (ت): التلف.","vol":"6","page":2492},{"text":"المتعدي مشبها بإتلافه وإذا تحقق الإتلاف لم يبق لتخيل التلف على دوام المنع المشبّه بالإتلاف معنى والإتلاف هو المشبّه به واعتقاد اجتماع المشبّه والمشبّه به في صورة واحدة محال أهـ (^١).\nوهو بليغ لا يخدشه شيء وهذا ما أردنا إيراده من كلام إمام الحرمين.\nولنعد إلى الكلام على ما استدل به صاحب الكتاب على اختياره فنقول: وأما ما استدل به على المنع في المستنبطة فلولا مراعاة الإنصاف (^٢) لما رددناه لأنَّه ماش على معتقدنا ولكنّا نقول للخصم أنْ يقول: لا نسلم أنّ ظنّ ثبوت الحكم لأجل أحد الأمرين يمنع ظنّ ثبوته لأجل الأمر الآخر أو المجموع وإنما يكون ذلك أن لو تاقت عليّة أحدهما للحكم عليّة الآخر وهو أول النزاع.\nفإن قلت: قد تحصل لنا من اختيارك موافقة إمام الحرمين على عدم وقوع اجتماع العلل على المعلول الواحد وما دللت عليه بل زدت على هذا أنْ أبطلت الدليل على المنع في المستنبطة وهو بعض مطلوبك.\nقلت: طال الفصل وما بقي الشرح يحتمل أكثر من هذا التطويل ولذلك لم يشتغل بالكلام في حجج بقية المذاهب، ولعلنا نقرر اختيارنا في مجموع آخر (^٣) وبالله الوفيق.\n_________\n(^١) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ١٠١٥ - ١٠١٧.\n(^٢) في (ص): الاتفاق.\n(^٣) ولعله يقصد جمع الجوامع.","vol":"6","page":2493},{"text":"قال ﵀: <span data-type=\"title\" id=toc-547>(الثالث الكسرُ </span>وهو عدم تأثير (^١) أحد الجزئين ونقض الآخر.\nكقولهم: صلاة الخوف صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها.\nقيل: خصوصية الصلاة ملغى؛ لأنَّ الحجّ كذلك فبقي كونه عبادة، وهو منقوض بصوم الحائض).\nاتفق أكثر أهل العلم كما ذكره الشيخ أبو إسحاق في الملخص (^٢) وغيره على صحّة الكسر وإفساد العلّة به، وهذا ما اختاره (^٣) الإمام (^٤) والمصنف والآمديّ (^٥)، وهو نقض من طريق (^٦) المعنى وإلزام من سبيل (^٧) الفقه، وعبَّر عنه الآمدي وابن الحاجب بالنّقض المكسور وجعلا الكسر قسمًا آخر غيره (^٨)، وهو تعبير حسن (^٩).\n_________\n(^١) (تأثير) ليس في (ت)، وفي (ص): تأخير.\n(^٢) ينظر: الملخص للشيرازي: ٢/ ٦٩٧.\n(^٣) (اختاره) ليس في (ت).\n(^٤) ينظر: المحصول: ٢/ ق ٢/ ٣٥٣.\n(^٥) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ١٢٣.\n(^٦) (طريق) ليس في (ت).\n(^٧) في (ت): سبل.\n(^٨) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ١٢٣، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٦٩.\n(^٩) اختلفت تعابير الأصوليين وهم يعرفون الكسر، ويرجع ذلك إلى النظر إلى العلّة وأقسامها فالعلّة قد تكون مركبة وقد تكون بسيطة. فالمركبة يتحقق الكسر فيها بتخلف الحكم عن حكمة العلّة ومعناها، ولمزيد من بيان هذا التخلف يسقط =","vol":"6","page":2494},{"text":"وعبَّر عنه المصنف بأنَّه عدم تأثير أحدِ جزأي المركب الذي ادّعى المستدل عليّته ونقض الآخر.\nومثّل له تبعًا للإمام (^١) بما إذا قيل: على لسان الشافعية في (^٢) إثبات صلاة الخوف صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها كصلاة الأمن (^٣).\nفيقول: المعترض خصوصية كونها صلاة ملغاة لا أثر لها؛ لأنَّ الحجّ أيضًا كذلك فلم يبق غير كونها عبادة وهو منقوض بصوم الحائض حيث\n_________\n= المعترض جزءا من العلّة بعد التأثير ثم يبين النقض لفظا في الجزء الآخر.\nمثاله: كما جاء في الشرح. وخصّ البيضاوي اسم الكسر لهذا النوع فقط.\nومثال البسيطة: أن يقول الحنفي في العاصي بسفره: يترخص له في القصر والإفطار لأنه مسافر، كغير العاصي، ثم المناسبة في العلّة بأن في السفر مشقة. فيعترض عليه الشافعي: بأنّ الحمّال مع صنعته الشاقّة في الحضر لا يترخص له وقد وجدت المشقة. وخص الآمدي وابن الحاجب وابن الهمام وابن عبد الشكور اسم الكسر بهذا النوع فقط.\nولعلّ تعريف الشيرازي والباجي وأبو الخطاب والبصري أقرب إلى الصواب لكونه جمع بين الكسر في العلل البسيطة والمركبة ومن ثم تضمن نوعي الكسر: وهو قولهم بأنه: (وجود معنى العلّة ولا حكم).\nينظر: شرح اللمع، والمنهاج للباجي: ص ١٤، والمعتمد: ٢/ ٢٨٣ -، والإحكام: ٤/ ١٢٣، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٢٩، والتمهيد لأبي الخطاب: ٤/ ١٦٨، والتحرير لابن الهمام مع التيسير: ٤/ ٢٢، ١٩، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢٨١، ٢٨٢.\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٥٣.\n(^٢) (في) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر: مغني المحتاج: ١/ ٣٠١.","vol":"6","page":2495},{"text":"كان عبادة يجب قضاؤها ولا يجب أداؤها بل يحرم فيكون ذلك قدحًا في تمام العلّة بعدم التأثير وفي جزئها بالنّقض.\nفنقول (^١): واعترض بأنّ العلّة إذا كانت مركبة فكلّ جزء من أجزائها يكون ملغى بالنسبة إلى ذلك الحكم، وحينئذ فالكسر غير صحيح؛ لأنَّ العلّة المجموعُ، ولم يرد النقض عليه وهو ضعيف؛ لأنَّ المعترض أزال الوصف الخاص بالنّقض وألزم بالوصف العام فصار المستدل عنده معللا بالوصف العام مع الوصف الآخر فوجَّه النقضّ عليه بعد ذلك فلم يرد إلا على المجموع هذا شرح ما في الكتاب.\nوتعبيره عن الكسر بأنّه عدم تأثير أحد الجزأين ونقض الآخر تعبير لم يصرح به الإمام وإنْ دلّ عليه قوله، فيكون ذلك قدحًا في تمام العلّة بعدم التأثير وفي جزئها بالنقض والأمر فيه قريب.\nومن أمثلته أيضًا أن يقال على لسان الشافعية في بيع ما لم يره المشتري: مبيع مجهول الصفة عند العاقد فلم يصحّ، كما لو قال: بعتك ثوبا (^٢).\nفيقول: المعترض ينكسر بهذا ما (^٣) إذا نكح امرأة لم يرها، فإنّه يصحّ نكاحها مع كونها مجهولة الصفة عند العاقد فهذا كسر؛ لأنّه نقض من طريق المعنى بدليل أنّ النّكاح في الجهالة كالبيع بدليل أنّ الجهل بالعين في كلّ منهما يوجب الفساد.\n_________\n(^١) (فنقول) ليس في (ص).\n(^٢) ينظر: المهذب للشيرازي: ١/ ٢٦٤.\n(^٣) ليس في (غ)، (ت) ينكسر بهذا إذا نكح.","vol":"6","page":2496},{"text":"وإذا أردت تنزيل هذا المثال على عبارة المصنف. قلت: خصوص (^١) كونه مبيعًا ملغى؛ لأنَّ المرهون كذلك فبقيَ (^٢) كونه عقدًا وهو منقوضٌ بالنّكاح وليس للمعترض إيراد الوصية بدل النّكاح؛ لأنّها ليست في (^٣) معنى البيع في باب الجهالة ألا ترى أنّ شيئًا من الجهالات لا ينافيها بخلاف النّكاح؟ .\nومنها: أنْ يقال على لسان الشافعية في إيجاب الكفارة في قتل العمد: قتلُ مَن يضمن بدية أو قصاص بغير إذن شرعي فيجب كفارته كالخطأ.\nفيقول المعترض: خصوص كونه يضمن بالدّية أو القصاص ملغى لأنّها تجب على السيد في قتل عبده فبقِي كونه آدميًا، وهو منقوضٌ بالحربيِّ والمرتد وقاطع الطريق والزاني المحصن ولو أنّ المستدل قال: قتل معصوم الدم لما توجه عليه كسر.\nومنها: أن يقال على لسان الشافعية: صلاةُ الجمعة صلاة مفروضة فلم تفتقر (^٤) إقامتها إلى إذن السلطان كالظهر (^٥).\nفيقول: المعترض خصوص كونها مفروضة ملغى؛ لأنَّ التطوع كذلك فبقي كونها صلاة مطلوبة وهو منقوض بصلاة الاستسقاء، وإنما قلنا\n_________\n(^١) في (ت): خصوصية.\n(^٢) في (ت): مع كونه\n(^٣) في (غ)، (ت): من معنى.\n(^٤) تقارب نهاية اللوحتين بسبب إعادة الناسخ فقرات بكاملها لسبق النظر.\n(^٥) ينظر: حاشية إعانة الطالبين للدمياطي: ٢/ ٥٨، وفتح المعين للمليباري: ١/ ٥٨.","vol":"6","page":2497},{"text":"مطلوبة ولم نقتصر على قولنا صلاة لتكون العلّة مركبة كما أتى بها المستدل.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-548>(الرابع القلب </span>وهو أن يربط خلاف قول المستدل على علّته إلحاقًا بأصله)\nعرف القلب بأن يربط المعترض خلاف قول المستدل على علّته (^١) التي ذكرها إلحاقًا بالأصل الذي جعله مقيسًا عليه (^٢).\nوإنما قال خلاف قوله ولم يقل نقيض قوله كما فعل الإمام (^٣)؛ لأنَّ الحكم الذي يثبته القالب جاز أنْ يكون مغايرًا لا نقيضًا، ولكنْ للعبارة التي ذكرها الإمام فائدة ستعرفها إن شاء الله تعالى.\nولقائل أنْ يقول: هذا ليس بجامع؛ لأنّه يخرج بقوله على علّته القلب\n_________\n(^١) (عرف القلب بأن يربط المعترض خلاف قول المستدل على علّته) ساقط من (ت).\n(^٢) ينظر: المنهاج للباجي: ص ١٧٤، والجدل لابن عقيل: ص ٦٢، واللمع للشيرازي: ص ٦٥، والتبصرة له: ص ٤٧٥، والبرهان: ٢/ ١٠٣٢، والمعتمد للبصري: ٢/ ٤٥٢، ٢٨٢، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٥٧، ونهاية السول للإسنوي: ٣/ ٩٥، ومناهج العقول للبدخشي: ٣/ ٩٢، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٧٨، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٠١، والتمهيد للكلوذاني: ٤/ ٢٠٢، والمختصر لابن اللحام: ص ١٥٦، والمسودة: ص ٤٤٥، وكشف الأسرار: ٤/ ٥١، وتيسير التحرير: ٤/ ١٦٠، والتقرير والتحبير: ٣/ ٢٧٧، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٥١، والتوضيح لصدر الشريعة: ٢/ ٩١، وميزان الأصول للسمرقندي: ص ٧٧١، والمغني للخبازي: ص ٣٢٢.\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٥٧.","vol":"6","page":2498},{"text":"في غير القياس.\nوالمصنف تبع الإمام حيث قال: \"في قياس\" ولعلهما أرادا تعريف قلب خاص وهو الواقع في القياس؛ لأنَّ الكلام في مبطلات العلّة، وليس بمانع لجواز أنْ يربط المعترض مسألة أخرى غير التي ذكرها المستدل على علّته ويصدق ربط خلاف قوله على علّته وليس ذلك بقلب فكان ينبغي أنْ يزيد في (^١) التعريف، ويقول: أنْ يربط خلاف قول المستدل في مسألته على علّته ويزيد أيضًا على ذلك الوجه وإلّا لم يكن مانعًا أيضًا؛ لجواز أنْ يثبته في تلك المسألة لكن على غير ذلك الوجه.\nمثل أنْ يستدل بنص بطريق الحقيقة والمعترض يستدل عليه في تلك المسألة بطريق التجوز وإنْ أريد (^٢) تعريف القلب مطلقًا فيقال: هو بيان أنّ ما ذكره المستدل يدلّ (^٣) عليه في تلك المسألة على ذلك الوجه.\nقال: (وهو إمّا نفي مذهبه صريحًا كقولهم: المسح ركن من الوضوء، فلا يكفي أقلّ ما ينطلق عليه الاسم كالوجه.\nفنقول: ركن منه فلا يتقدر منه بالربع كالوجه.\nأو ضمنًا كقولهم: بيع الغائب عقد معاوضة فيصح كالنّكاح.\n_________\n(^١) (ربط خلاف قوله على علّته وليس ذلك لقلب فكان ينبغي أنْ يزيد في) ساقط من (ت).\n(^٢) (أريد) ليس في (ت).\n(^٣) (يدلّ) ليس في (ص).","vol":"6","page":2499},{"text":"فنقول: لا يثبت فيه خيار الرؤية.\nومنه قلب المساواة كقولهم: المكره مالك مكلف فيقع طلاقه كالمختار.\nفنقول: فيسوى بين إقراره وإيقاعه.\nأو إثبات مذهب المعترض كقولهم: الاعتكاف لبث مخصوص فلا يكون (^١) بمجرده قربة كالوقوف بعرفة.\nفنقول: فلا يشترط الصوم فيه كالوقوف بعرفة).\nقسم القلب إلى ثلاثة أقسام (^٢):\n_________\n(^١) في (ت): فلا يكفي.\n(^٢) هذا تقسيم الجمهور للملب وهو كما ذكر البيضاوي قلب لتصحيح مذهبه ولا يتعرض لمذهب المستدل، وقلب لإبطال مذهب المستدل صريحا، وقلب لإبطاله بالالتزام، ويلحق بهذا القسم قلب التسوية أيضًا.\nوذكر الجويني في أقسام القلب: القلب في مقصود الحكم، وقلب فرض وتصوير، وقلب التسوية، وقلب فرق، وقلب اعتبار، وقلب تغيير، وقلب التقديم والتأخير.\nوالحنفية قسموا القلب إلى: جعل المعلول علّة والعلّة معلولًا، وإلى القلب بجعل وصف الستدل شاهدًا للمعترض، وهو يرادف القلب المصطلح عليه عند الأصوليين.\nوالغزالي قسمه إلى: قلب مصرح، وقلب مبهم، وهو قلب التسوية، وقسمه الشيرازي إلى أربعة أقسام في الملخص: القلب بحكم مقصود، قلب التسوية، جعل المعلول علة والعلة معلولا، القلب بالتقديم والتأخير. أما صنيعه في المعونة فلم يذكر القسم الرابع. (التقديم والتأخير)\nوذكر الباجي وأبو الخطاب ما ذكره الشيرازي في القلب، إلا أن أبا الخطاب أنكر =","vol":"6","page":2500},{"text":"الأول: أنْ يكون لنفي (^١) مذهب المستدل صريحًا وهو قسمان: -\nأحدهما: وعلى ذكره اقتصر المصنف أنْ لا يدل مع النفي على صحة مذهب المعترض صريحًا.\nكقولهم مسح الرأس ركن من أركان الوضوء، فلا يكفي أقلّ ما ينطلق عليه الاسم كالوجه.\nفنقول: ركن من أركان الوضوء (^٢) فلا يتقدر بالربع كالوجه فهذا نفي لمذهب المستدل بالصراحة، ولا إثبات فيه لمذهب المعترض بالصراحة؛ لجواز أنْ يكون الحقّ في جانب ثالث وهو الاستيعاب كما هو قول المالكي، نعم يدلّ عليه بواسطة اتفاق الإمامين على أحد الحكمين ونفي ما عداهما.\nوثانيهما: أنْ يدلّ على الأمرين معًا.\n_________\n= إدخال القسم الرابع تحت القلب وقال هو معارضة، وأنكر الباجي القسم الثالث وقال إنه ليس من القلب.\nتنظر المسألة في: الكافية في الجدل للجويني: ص ٢٣٦ وما بعدها، وتيسير التحرير: ٤/ ١٦١، وأصول السرخسي: ٢/ ٢٣٨، وكشف الأسرار: ٤/ ٥٣، ٥٦، نهاية السول: ٣/ ٩٦، الإحكام للآمدي: ٣/ ١٦٦، والمنخول: ص ٤١٤ - ٤١٥، والتمهيد لأبي الخطاب: ٤/ ٢١٤، ٢٠٨، والمنهاج للباجي: ص ١٧٦، والتلخيص للشيرازي: ٢/ ٧٤٤، والمعونة له: ص ٢٥٩ - ٢٦١.\n(^١) في (غ): نفي. والتقدير أن يكون القلب لنفي.\n(^٢) (فلا يكفي أقل ما ينطلق عليه الاسم كالوجه. فنقول: ركن من أركان الوضوء) ساقط من (ت).","vol":"6","page":2501},{"text":"كما إذا قيل على لسان الشافعية في البيع الموقوف: عقد عقده قي حقّ الغير من غير ولاية ولا استنابة، فلا يصحّ كما إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه (^١).\nفيقول الخصم: عقد عقده في حقّ الغير من غير ولاية ولا استنابة، فكان صحيحًا كما إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه.\nالقسم الثاني: أن يكون لنفي مذهب المستدل ضمنًا أي لنفي لازم من لوازم مذهب المستدل؛ لانتفاء الحكم بانتفاء لازمه.\nكقولهم: بيع الغائب صحيح (^٢) كنكاح الغائبة (^٣) بجامع أنّ كلّ واحدٍ منهما عقد معاوضة.\nفيقول: فلا تثبت الرؤية في بيع الغائب قياسًا على النكاح بجامع المذكور، ويلزم من نفي خيار الرؤية نفي صحة بيع الغائب إذ خيار الرؤية لازم لصحة بيع الغائب بدليل أنّ من قال بصحته قال بثبوت خيار الرؤية فإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم فالحكمان أعني الصحة ونفي الخيار لا تنافي بينهما في الأصل وهو النّكاح لاجتماعهما فيه وهما متنافيان في الفرع وهو\n_________\n(^١) هذا عند الكلام على أركان العقد، ومن أركانه أن يكون مملوكا لمن وقع العقد له، فبيع الفضولي مال الغير لا يقف على إجازته على المذهب الجديد، والقديم أنه ينعقد موقوفًا على إجازة المالك إن أجاز نفذ. . أما الحنفية فينعقد موقوفا كقول الشافعي القديم. ينظر: العزيز شرح الوجيز: ٤/ ٣١، حاشية ابن عابدين: ٥/ ١٠٩، ١١٣.\n(^٢) ينظر: فتح العزيز شرح الوجيز: ٤/ ١٧٢.\n(^٣) ينظر: فتح العزيز شرح الوجيز: ٧/ ٥١٢.","vol":"6","page":2502},{"text":"بيع الغائب.\nقوله: \"ومنه\": أي ومن هذا القسم الثاني: قلب المساواة وهو أنْ يكون في الأصل حكمان\nأحدهما: منتف في الفرع بالاتفاق من الخصمين والآخر متنازع فيه بينهما فإذا أراد أنْ يثبته في الفرع بالقياس على الأصل.\nفيقول المعترض: تجب التسوية بينهما في الفرع بالقياس على الأصل (^١) ويلزم من وجوب التسوية بينهما في الفرع عدم ثبوته فيه.\nكقولهم في طلاق المكره: مكلف مالك للطلاق فيقع طلاقه كالمختار (^٢).\nفنقول: مكلف مالك فيسوى بين إقراره بالطلاق وإيقاعه إياه كالمختار (^٣) ويلزم من هذا أنْ لا يقع طلاقه ضمنًا؛ لأنّه إذا ثبتت المساواة بين إقراره وإيقاعه، وإقرارُه غير معتبر بالاتفاق فيكون إيقاعه أيضًا غير معتبر.\n_________\n(^١) (فيقول المعترض: تجب التسوية بينهما في الفرع بالقياس على الأصل) ساقط من (غ).\n(^٢) يقع بشروط معينة، والصحيح في المذهب أنه لا يقع. وينظر التفاصيل في: العزيز شرح الوجيز: ٨/ ٥٥٦ - ٥٦٠.\n(^٣) (فنقول: مكلف مالك فيسوى بين إقراره بالطلاق وإيقاعه إياه كالمختار) ساقط من (ت).","vol":"6","page":2503},{"text":"فإن قلت: الحاصل في الأصل اعتبارهما معًا وفي الفرع عند المعترض عدم اعتبارهما بمقتضى القلب فأين التسوية بينهما في الحكم؟ وكيف يسمى هذا بقلب المساواة؟ .\nقلت: القياس على الأصل إنّما هو من حيث عدم الاختلاف وهو ثابت فيه لكن عدم اختلاف الأصل في ثبوت الصحة فيهما وفي الفرع في عدم ثبوت الصحة فيهما وهو غير متناف للاشتراك في أصل الاستواء فظهرت التسوية وصحة التسمية.\nالقسم الثالث: أنْ يكون لإثبات مذهب المعترض صريحًا.\nكقولهم: الاعتكاف مكث في محل مخصوص (^١)، فلا يكون بمجرده قربة كالوقوف بعرفة حيث لم يكن قربة بغير الإحرام وغرضهم التعرض لاشتراط الصوم فيه (^٢) ولكنهم لم يستمكنوا من التصريح باشتراطه؛ لأنّه لو صرح بذلك لم يجد أصلًا.\nفنقول: مكث في محل مخصوص فلا يشترط في وقوعه قربة صوم كالوقوف بعرفة فهذا القسم يتعرض للعلّة تعرضًا كليًا، ويثبت مذهب المعترض صريحًا وهو عدم اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف.\nقال: (قيل: المتنافيان لا يجتمعان.\nقلنا: التنافي حصل فى الفرع لغرض الإجماع)\n_________\n(^١) ينظر تعريف الاعتكاف: الوسيط للغزالي: ٢/ ٥٥٩، وروضة الطالبين للنووي: ٢/ ٣٨٩.\n(^٢) (فيه) ليس في (ص).","vol":"6","page":2504},{"text":"أنكر بعض الناس إمكان القلب على الوجه الذي تقدم تعريفه محتجًا بأنّ الحكمين أعني ما يثبته المستدل وما يثبته القالب، إن لم يتنافيا فلا قلب إذ لا امتناع (^١) في أنْ تكون العلّة الواحدة مقتضية لحكمين غير متنافيين فلا تفسد به العلّة وهذا يعرفك فائدة قول الإمام في التعريف نقيض الحكم كما سبقت (^٢) الإشارة إليه وإن تنافيا استحال اجتماعهما في صورة واحدة فلم يمكن الردّ إلى ذلك الأصل بعينه فلا يكون قلبًا إذ لا بد فيه من الردّ إلى ذلك الأصل.\nوالجواب: أنّ الحكمين غير متنافيين لذاتيهما فلا جرم يصحّ اجتماعهما في الأصل لكن دلّ دليل (^٣) منفصل (^٤) على امتناع اجتماعهما في الفرع وهو إجماع (^٥) الخصمين على أنّ الثابت فيه إنّما هو أحد الحكمين.\nفالتنافي (^٦) حصل في الفرع بعرض الإجماع، والعَرض بالعين المهملة أي بالأمر العارض (^٧) للفرع وهو إجماع الخصمين وإنما نبهنا عليه لوقوع الغلط\n_________\n(^١) في (غ): الامتناع.\n(^٢) في (غ)، (ت): سلفت.\n(^٣) (دليل) ليس في (غ).\n(^٤) في (غ): مفصل.\n(^٥) في (غ): اجتماع.\n(^٦) في (غ): الشافعي.\n(^٧) العرض: تثلث فاؤها: عَرْض عِرْض، عُرْض، فالعَرْض بالفتح ثم السكون المتاع قالوا: الدراهم والدنانير عين وما سواهما عَرْضٌ والجمع عُرُوضٌ مثل فلس وفلوس، وهو =","vol":"6","page":2505},{"text":"فيه.\nوهذا الكلام كما أنَّه جواب فهو ابتداء دليل على القلب.\nوالمختار عند جماهير الأصوليين أنّ القلب حجّةٌ قادح في العلّة وإن اختلفوا في بعض أنواعه وذكر الشيخ أبو علي الطبري (^١) من أئمة أصحابنا أنَّه من ألطف ما يستعمله المناظر (^٢).\nقال الشيخ أبو إسحاق وسمعت القاضي أبا الطيب يقول: إن هذا القلب إنّما ذكره المتأخرون من أصحابنا حيث استدل أبو حنيفة بقوله - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضرار\" في مسألة السّاجة (^٣)، قال: وفي هدم البناء ضرر\n_________\n= أيضا خلاف الطول، والعِرْض: بالكسر فسكون النفس والحسب وهو نقي العرض أي بريء من العيب. والعُرْض: بضم فسكون وزان قُفْلٍ الناحية والجانب واضرب به عرض الحائط أي جانبا منه. والعَرَضُ: بفتحتين متتاليتين متاع الدنيا وفي اصطلاح المتكلمين ما لا يقوم بنفسه ولا يوجد إلا في محل يقوم به وهو خلاف الجوهر نحو حمرة الخجل وصفرة الوجل. ينظر: المصباح المنير: ص ٤٠٢ مادة \"عرض\".\n(^١) هو الحسن وقيل الحسين بن القاسم أبو علي الطبري، صاحب الإفصاح، تفقه ببغداد على أبي علي بن أبي هريرة ودرس بها بعده وصنف في الأصول والجدل والخلاف، وهو أول من صنف في الخلاف المجرد وكتابه فيه يسمى المحرر، مات ببغداد سنة خمسين وثلاثمائة (٣٥٠ هـ). ينظر: سير أعلام النبلاء: ١٦/ ٦٢، وطبقات الفقهاء للشيرازي: ٢/ ١٢٣.\n(^٢) وتمام عبارة الشيخ أبي علي الطبري: \"إن القلب من ألطف ما يستعمل، وهو سؤال حسن\" ينظر: شرح اللمع للشيرازي: ٢/ ٩١٧، والملخص له: ٢/ ٧٤٢.\n(^٣) الساج: شجر يعظم جدًا قالوا لا ينبت إلا ببلاد الهند ويجلب منها وقوله: استعار ساجة ليقيم بها الحائط يعني الخشبة المنحوتة المهيأة للأساس ونحوه. ينظر أنيس =","vol":"6","page":2506},{"text":"بالغاصب.\nفقال له: أصحابنا وفي منع صاحب الساجة من ساجته إضرار به.\nفقال: يجب أنْ يذكر مثل هذا في القياس (^١).\nثم أعلا مراتبه ما يدل على بطلان مذهب الخصم وإثبات مذهب المعترض وهو الذي عليه المعظم ولا يخفى عليك الترتيب مما تقدم.\nوأما قلب التسوية فذهب القاضي في مختصر التقريب والإرشاد وغيره إلى بطلانه مع القول بأصل القلب (^٢).\nقال: (تنبيه: القلب: معارضة إلا أنّ علة المعارضة وأصلها قد يكون مغايرًا لعلة المستدل وأصله).\nالقلب في الحقيقة معارضة؛ وذلك أنّ المعارضة تسليم دليل الخصم وإقامة دليل آخر على خلافه وهذا صادق على القلب إلّا أنّ الفرق بينهما فرق ما بين العموم والخصوص؛ وذلك أنّ العلّة المذكورة في المعارضة والأصل المذكور فيها (^٣) قد تغاير العلّة والأصل اللذين أتى بهما المستدل\n_________\n= الفقهاء: ص ١٧٧، والصحاح: ١/ ٣٢٣، والمصباح المنير: ص ٢٩٣ - ٢٩٤ مادة \"سوج\". والغريب من محقق شرح اللمع أنه قال: وفيما رجعنا إليه من معاجم لا ذكر لساجة.\n(^١) ينظر: شرح اللمع للشيرازي: ٢/ ٩١٧ - ٩١٨.\n(^٢) وعبارته: \"ومن ضروب القلب قلب التسوية. . . فالذين ردوا الضرب الأول من القلب، ردوا هذا الضرب الثاني وهو أولى بالإبطال\". ينظر: التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩\n(^٣) في (غ): فيهما.","vol":"6","page":2507},{"text":"بخلاف القالب فإنّ علّته وأصله هما علتا المستدل وأصلُه.\nومنْ النّاس من لم يجعل القلب معارضة، بل مناقضة لبعض مقدمات الدليل (^١).\nفيقال: لو كان الوصف المذكور علّة لِما ذكرت لم يكن علّة لما ينافيه معنى ما ذكرت والشيء الواحد لا يعلل به المتنافيان وإلا لاجتمعا.\nوقال الشيخ: أبو إسحاق إنّ هذا يكثر في إيراد القلب (^٢).\nقلت: وهذا القول لازم لهؤلاء الذين عدّوا القلب من مفسدات العلّة ولا يغتر (^٣) بهم وإلا فالقالب كيف يفسدها مع احتجاجه بها.\nومنهم من يقول: القلب شاهد زور كما يشهد لك يشهد عليك.\n\nقال <span data-type=\"title\" id=toc-549>(الخامس: القول بالموجب </span>وهو تسليم قول المستدل مع بقاء الخلاف.\nمثاله في النفي: أن يقول التفاوت في الوسيلة لا يمنع القصاص.\nفيقول: مسلم، ولكن لما لا يمنعه غيره ثم لو بينا أنّ الموجب قائم ولا\n_________\n(^١) قال أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع: \"إذا ثبت. . . أن القلب سؤال صحيح فهل طريقه طريق الإفساد لعلّة المعلل أم طريقه طريق المعارضة؟ \" وأجاب على هذا السؤال بأنه خلاف بين الأصحاب في المسألة. ينظر: شرح اللمع للشيرازي: ٢/ ٩٢٠.\n(^٢) ينظر: التلخيص للشيرازي: ٢/ ٧٤٧.\n(^٣) في (غ)، (ت): ولائق بهم.","vol":"6","page":2508},{"text":"مانع غيره لم يكن ما ذكرنا تمام الدليل.\nوفي الثبوت قولهم: الخيل يسابق عليها فيجب فيها الزكاة (^١) كالإبل.\nفيقول: مسلم في زكاة التجارة).\nالقول بالموجب (^٢): هو تسليم مقتضى ما نصبه (^٣) المستدل دليلًا لحكم مع بقاء الخلاف بينهما فيه، وذلك بأن نظر المعلل أنّ ما أتى به مستلزم لمطلوبه من حكم السألة المتنازع فيها مع كونه غير مستلزم فلا ينقطع النزاع بتسليمه.\nوهذا التعريف أولى من قول الإمام: تسليم ما جعله المستدل موجب العلّة (^٤) لكونه لا يتناول غير القياس.\n_________\n(^١) في (غ): فتجب الزكاة فيها.\n(^٢) اتفق الأصوليون على صحة هذا السؤال إلا ما حكاه الغزالي في المنخول: ص ٤٠٢ بصيغة التضعيف: \"قيل: لا يسمى اعتراضًا، لأنه مطابقة للعلة والخلاف عائد إلى العبارة\". ينظر الكلام على القول بالموجب في: الجدل لابن عقيل: ص ٦٠، الكافية في الجدل: ص ١٦١، والمنهاج للباجي: ص ١٧٣، والمعتمد للبصري: ٢/ ٢٨٣، والبرهان للجويني: ٢/ ٩٧٣، والمنخول للغزالي: ص ٤٠٢، والمحصول للرازى: ج ٢/ ٢/ ٣٦٥، والإحكام للآمدي: ٤/ ١٥١، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٧٩، ونهاية السول: ٣/ ٩٨، شرح تنقيح الفصول: ص ٤٠٢، والتمهيد لأبي الخطاب: ٤/ ١٨٦، والمختصر لابن اللحام: ص ١٥٩، تيسير التحرير: ٤/ ١١٧، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٥٦، ميزان الأصول: ص ٧٧١، والمغني للخبازي: ص ٣١٥.\n(^٣) في (ص): نصه.\n(^٤) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٦٥.","vol":"6","page":2509},{"text":"والقول بالموجب لا يختص بالقياس وليت المصنف عمل كذلك (^١) في القلب إلا أنّا اعتذرنا عنه ثمّ بما هو عذرٌ للإمام هنا. والقول بالموجب من أحسن ما يجيء به المناظر.\nوقد وقع في الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (^٢) فإذا كان الأعزّ يخرج الأذلّ فأنتم المخرَجون بفتح الراء (^٣) وهو قادح في الدليل؛ لأنّه إذا كان تسليم موجب ما ذكره من الدليل لا يرفع الخلاف علمنا أنّ ما ذكره ليس بدليل الحكم الذي رام إثباته أو نفيه، كذا ذكره صفي الدّين الهندي (^٤) وغيره، وهو مقتضى كلام الآمدي (^٥). والمراد بهذا التقرير جعله من مفسدات العلّة.\nولقائل أنْ يقول هذا التقرير يخرج لفظ القول بالموجب عن إجرائه على قضيته بل الحق أنّ القول بموجب الدليل تسليم له وهذا ما اقتضاه كلام الجدليين وإليهم المرجع في ذلك وحينئذ لا يتجه عنده من مبطلات العلّة.\nثمّ القول بالموجب له حالتان:\nإحداهما: أنْ يكون في جانب النفي كقولنا: في القتل بالمثقل (^٦)\n_________\n(^١) في (ت): ذلك.\n(^٢) سورة المنافقون من الآية ٨.\n(^٣) في (ص): الواو وهو خطأ.\n(^٤) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٤٥٩.\n(^٥) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ١٥١.\n(^٦) في (ص): بالمقتل.","vol":"6","page":2510},{"text":"التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص كالتفاوت في المتوسل إليه فإنّ الوضيع والشريف وغير ذلك على السواء في القصاص.\nفيقول: الخصم أقول (^١) بموجبه لكن لم لا (^٢) يجوز أنْ يمنعه مانعٌ آخر غير التفاوت في الوسيلة؟ بأن يكون في المثقل وصفٌ مانعٌ (^٣) من القصاص غير ذلك أو (^٤) فقدان شرط فإنّه لا يلزم من عدم مانعية ذلك عدم مانعية ما عداه. ثم أنّا لو ادعينا بعد ذلك أنَّه يلزم من تسليم ذلك الحكم تسليم محل النزاع وبينّاه: بأنّ المقتضي للقصاص قائم في محل النزاع وأنّه لا مانع فيه غير التفاوت في الوسيلة بالأصل أو بغيره من الأدلة لم يكن ما ذكرناه أولا تمام الدليل بل جزءا منه فيكون ذلك انقطاعًا (^٥).\nوالثانية: أنْ يكون في جانب الثبوت نحو قولهم: الخيل يسابق عليها فيجب فيها الزكاة كالإبل.\nفنقول: بالموجب إذ يجب فيها زكاة التجارة والنّزاع ليس إلا في زكاة العين ودليلكم إنما يقتضي وجوب الزكاة في الجملة.\nفلئن قال المعلل: إنّ هذا ليس قولا بالموجب؛ لأنَّ كلامنا في زكاة\n_________\n(^١) في (ص): أقوال.\n(^٢) (لا) ليس في (غ).\n(^٣) (مانع) ليس في (غ)، (ت).\n(^٤) في (ت): وفقدان.\n(^٥) ينظر المثال في: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٤٦٣.","vol":"6","page":2511},{"text":"العين والألف واللام التي في الزكاة المذكورة للعهد فينصرف إليه. وحينئذ ليس ما التزمتوه قولًا بالموجب.\nقلنا: العبرة بدلالة اللفظ لا بالقرينة وشيء من ألفاظ القياس في (^١) العلّة وغيرها لا يأبى ذلك بل يصدق عليه فكان قولًا بالموجب كذا أجاب الهندي (^٢).\nولك أنْ تقول الحمل على العهد مقدّم على الجنس والعموم على ما هو مقرر في موضعه (^٣) ومدلوله غير مدلولهما وإنّما يصح ما ذكرتم أنْ لو\n_________\n(^١) في (غ): من العلة.\n(^٢) ينظر الإجابة في: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٤٦٣.\n(^٣) لا بد لي أن أطنب شيئا ما في معرفة لام التعريف. لشدة الحاجة إليها فأقول: لام التعريف قسمها النحويون وكذا الأصوليون إلى قسمين: اللام الجنسية، واللام العهدية.\nأما اللام الجنسية: فهي ثلاثة أنواع:\n- اللام التي لبيان الحقيقة والماهية: مثل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [سورة الأنبياء من الآية ٢١] أي وجعلنا من ماهية جنس الماء كل شيء حي.\n- اللام التي لاستغراق أفراد الجنس كلهم حقيقة وعرفًا: وهي التي تدل على ما تدل عليه لفظة (كل) لو كانت بدلها. ومثال قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [سورة النساء من الآية ٢٨] أي خلق كل فرد من أفراد جنس الإنسان ضعيفًا.\n- اللام التي لاستغراق صفات الجنس مجازا على سبيل المبالغة: كأن تقول لمن تريد الثناء عليه باستجماعه صفات الرجولة الكاملة (أنت الرجل) أي أنت المستغرق في صفاتك صفات جنس الرجل. =","vol":"6","page":2512},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأما اللام العهدية: فهي ثلاثة أنواع أيضا.\n- اللام التي للعهد الذكري: وهي التي يتقدم المعرف بها ذكر في الكلام وضابطها أن يسد الضمير مسده، والمعهود في الذكر قد يكون مذكورًا صراحة، وقد يكون مذكورا على سبيل الكناية.\nمثال المذكور صراحة: قول تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [سورة النور الآية ٣٥]. فاللام في المصباح والزجاجة عهدية.\nومثال المذكور كناية: قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [سورة آل عمران الآية ٣٥، ٣٦] إنه لم يسبق ذكر لفظ الذّكر صراحة لكنه سبق ذكره على سبيل الكناية لأنها قالت: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ وعتق الوليد لخدمة بيت المقدس لم يكن إلا للذكور، فلفظ ما في كلامها قد كنت به عن وليد ذكر. فلما جاء الوليد أنثى قالت: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾.\n- اللام التي للعهد الذهني، ويسمى أيضًا العهد العلمي وهي التي تسبق العلم بالمعرف بها. مثاله قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [سورة طه الآية ١١، ١٢] فإنه لم يسبق ذكر للفظ الوادي لكن سبق العلم به فهو معهود ذهنًا.\n- اللام التي للعهد الحضوري، وهى التي يكون المعرف بها حاضرًا عند التكلم. ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة من الآية ٣] فاللام التي في لفظ اليوم المعرفة له تشير إلى اليوم الحاضر الذي نزلت فيه الآية، وكان يوم عرفة في حجة الرسول - ﷺ -. ينظر تفاصيل كل ما تقدّم في: البلاغة العربية للميداني: ١/ ٤٣٧ - ٤٤٤.","vol":"6","page":2513},{"text":"أمكن حمله على غير العهد.\nثمّ (^١) إنّ العلّة في المثال المذكور كون الخيل يسابق عليها وليس هذا الوصف المقتضي لزكاة التجارة إنّما الوصف المقتضي لذلك النّماء الحاصل فيها هذا شرح ما في الكتاب.\nوقد علمت به أنّ المستدل إمّا أنْ ينصب دليله على إبطال مذهب خصمه، فيقول الخصم بموجبه وهو الأغلب ورودًا في المناظرات كالمثال الأول، وإمّا أنْ (^٢) ينصبه على تحقيق مذهبه كالمثال الثاني.\nومن أمثلة الفصل: ما لو قيل على لساننا (^٣): الجاني الملتجئ إلى الحرم وجد فيه سبب جواز استيفاء القصاص، فكان استيفاؤه جائزًا (^٤).\nفيقول: الخصم أقول بموجب هذا الدليل فإن الاستيفاء عندي جائز بعد الخروج من الحرم، والنزاع ليس إلا في الاستيفاء في الحرم فإنّي أدعي أنّ (^٥) الاستيفاء فيه هتك لحرمته.\n_________\n(^١) (ثم) ليس في (غ).\n(^٢) في (ت): ما ينصبه.\n(^٣) (على لساننا) ليس في (غ)، (ت).\n(^٤) وصورة المسألة في ما إذا قتل في غير الحرم ثم دخل إلى الحرم هل يقتص منه ما دام فيه أو ينتظر إلى حين خروجه، مسألة خلافية فأبو حنيفة وأحمد يريان لا يقتص منه ما دام في الحرم ولكن يضيق الأمر عليه، فلا يؤاكل ولا يطعم ولا يعامل حتى يخرج فيقتل. وذهب مالك والشافعي إلى أنه يقتص منه في الحرم. ينظر: العزيز شرح الوجيز: ١٠/ ٢٦٩. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: ٤/ ٢٦١، الدر المختار: ٦/ ٥٤٧، والمبسوط للسرخسي: ١٠/ ٩٥. وكشاف القناع: ٢/ ٢١.\n(^٥) (أنّ) ليس في (ت).","vol":"6","page":2514},{"text":"ومنها: لو قيل: في نصرة أحد الوجهين الملتجئ إلى المسجد الحرام وجد فيه سبب استيفاء القصاص فتبسط الانطاع (^١) ويستوفى منه فيقول: ناصر الوجه الأصحّ يستوفى منه بعد الإخراج. وهذا تأخير يسير وفيه صيانة للمسجد.\nومنها: لو قال من نصر القول القديم (^٢) من ضلّ ماله أو غصب أو سرق وتعذر انتزاعه أو أودعه فجحد أو وقع في بحر فلا زكاة فيه، وإلا لوجب أداؤه؛ لأنّه مال يجب زكاته فيجب أداؤها قياسا على سائر الأموال الزكوية.\nفيقول ناصر الجديد (^٣): أقول بموجبه فإنه يجب أداؤها إذا وجده. والكلام فيما قبله ولا قائل به.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-550>(السادس الفرق </span>وهو جعل تعيين الأصل علّة والفرع مانعًا والأول يؤثر حيث لم يجز التعليل بعلتين والثاني عند من جعل النقض مع\n_________\n(^١) النطع: بساط من الأديم. ينظر القاموس المحيط ص ٩٩١ \"نطع\". المصباح المنير: ص ٦١١ \"نطع\".\n(^٢) قال الماوردي: \"إذا كان في ملكه نصاب وكان من ورق أو ماشية فضلّ منه أو غصب أو دفنه في موضع فنسيه، أو غرق في بحر فلم يجده، فلا زكاة عليه قبل عوده إليه، فإن عاد الضال، واسترجع المغصوب ووجد المدفون ووصل إلى الغريق بعد حول أو أحوال ففي إيجاب زكاة ما مضى من المدة قولان: أحدهما: قاله في القديم: لا زكاة عليه، والقول الثاني قاله في الجديد إن الزكاة واجبة فيما مضى من المدة\".\nينظر: الحاوي الكبير للماوردي: ٤/ ٨٥ - ٨٦.\n(^٣) ينظر: الحاوي الكبير للماوردي: ٤/ ٨٦.","vol":"6","page":2515},{"text":"المانع قادحًا).\nذهب جماهير الفقهاء إلى أنّ الفرق (^١) أقوى الاعتراضات\n_________\n(^١) الفرق، ويسميه الحنفية المفارقة: وقد اختلفت كلمة الأصوليين في قبوله قادحا في العلّة من عدم قبوله على مذاهب.\nالمذهب الأول: غير مقبول، ولا يعد قادحًا، وهو مذهب جمهور الحنفية وبعض الشافعية. (ينظر: كشف الأسرار: ٤/ ٤٦، وأصول السرخسي: ٢/ ٢٣٤، التلويح على التوضيح: ٢/ ٨٩).\nالمذهب الثاني: الفرق يؤثر في العلّة ويقدح فيها مطلقًا وهو مذهب جمهور الشافعية وكثير من الأصوليين. لكنهم مختلفون قي بناء هذا القول إلى فرقين:\nالفريق الأول ويمثله أبو إسحاق الشيرازي، وتبعه الباجي: يرى أن الفرق ليس سؤالا مستقلًا بل هو سؤالان، فهو من باب المعارضة في الأصل والفرع لأن لكل معارضة سؤالًا.\n(ينظر: الملخص: ٢/ ٧٥٨ - ٧٦٦، المعونة: ص ٢٦٢ - ٢٦٥، والمنهاج للباجي: ص ٢٠١).\nالفريق الثاني: وهم الأكثرون ويمثله إمام الحرمين وصاحبنا ابن السبكي وابن الحاجب والإسنوي والصفي الهندي، يرون أنه اعتراض صحيح وقادح سواء قلنا بأنه سؤال أو سؤالان.\nيقول الجويني في (البرهان: ٢/ ١٠٦٧) \"المذهب الثالث وهو المختار عندنا وارتضاه كل من ينتمي إلى التحقيق من الفقهاء والأصوليين: إن الفرق صحيح مقبول وهو إن اشتمل على معارضة معنى الأصل ومعارضة علة الفرع بعلة فليس المقصود منه المعارضة وإنما الغرض منه مناقضة الجمع\" وابن السبكي يقول في جمع الجوامع مع حاشية البناني ٢/ ٢٣٠: \"والصحيح أنه قادح وإن قيل إنه سؤالان\".\nالمذهب الثالث: ذكره الإسنوي وهو عبارة عن تفصيل للفرق حيث قسموا الفرق إلى قسمين: =","vol":"6","page":2516},{"text":"وأجدرها بالاعتناء به وقال ابن السمعاني: جعل كثير من فقهاء الفريقين الفرق أقوى سؤال وظنوّه فقه المسألة قال وبه يتمسك المناظرون من فقهاء غزنة (^١) وكثير من بلدان خراسان (^٢). قال وهو\n_________\n= الأول: أن يجعل المعترض تعين الأصل علّة لحكم ذلك الأصل، ويعني بتعين الأصل، الخصوصية التي فيه.\nوالثاني: أن يجعل المعترض تعين الفرع مانعًا من ثبوت حكم الأصل في ذلك الفرع.\nفعلى المعنى الأول فإن الخلاف في تأثيره وإفادته القدح مبني على الخلاف في جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين مستقلتين. فعند من يجوز ذلك يكون هذا الفرق غير قادح في التعليل. وعند من لم يجوز تعليل الحكم الواحد بعلتين مستقلتين، فإن الفرق يعد قادحًا في تعليل المعلل.\nوأما على المعنى الثاني فمن ذهب إلى أن النقض مع المانع قادح يرى أن الفرق قادح، ومن ذهب إلى أن النقض مع وجود المانع ليس بقادح، يرى أن الفرق لا يقدح في التعليل.\n(ينظر: الإسنوي: ٣/ ١٠٠ - ١٠١، وتعليقات الشيخ بخيت على الإسنوي: ٤/ ٢٣٢ - ٢٣٤.\nينظر كلام الأصوليين عن الفرق في: البرهان: ٢/ ١٠٦٠، وأصول السرخسي: ٢/ ٢٣٤، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٦٧، والإحكام للآمدي: ٤/ ١٠٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٤٦٩، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٠٣، وكشف الأسرار: ٤/ ٤٦.\n(^١) غزنة: بفتح أوله وسكون ثانيه ثم نون هكذا يتلفظ بها العامة، والصحيح عند العلماء غزنين ويعربونها فيقولون جزنة ويقال لمجموع بلادها زابلستان وغزنة قصبتها، وقد نسب إلى هذه المدينة من لا يعد ولا يحصى من العلماء وما زالت آهلة بأهل الدين ولزوم طريق أهل الشريعة والسلف الصالح. ينظر معجم البلدان للحموي: ٤/ ٢٠١.\n(^٢) خرسان: بلاد واسعة أول حدودها مما يلي العراق أزاذوار قصبة جوين وبيهق وآخر حدودها مما يلي الهند طخارستان وغزنة وسجستان وكرمان وليس ذلك منها إنما =","vol":"6","page":2517},{"text":"عند المحققين أضعف سؤال يذكر (^١).\nوهو ضربان.\nالأول: أنْ يجعل المعترض تعين أصل القياس علّة لحكمه.\nكما لو قال الذائد عن الشافعية: النية في الوضوء واجبة؛ لأنها طهارة عن حدث فوجبت كالتيمم والجامع أنّهما طهارتان. قال الشافعي - ﵁ -: طهارتان فأنى يفترقان (^٢).\nفيقول الخصم: الفرق ثابت بين الأصل والفرع، فإنّ العلّة في وجوب النيّة في التيمم خصوصيته التي لا تعدوه وهي كونه ترابًا.\nوقد (^٣) وقع في كلام بعض الشارحين أنّ الخصوصية كونه طهارة ضعيفة وهذا عريٌّ عن التحقيق، فإن ضعف الطهارة لا تختص بالتيمم فإنّ\n_________\n= هو أطراف حدودها وتشتمل على أمهات من البلاد منها نيسابور وهراة ومرو وهى كانت قصبتها وبلخ وطالقان ونسا وأبيورد وسرخس وما يتخلل ذلك من المدن التي دون نهر جيحون ومن الناس من يدخل أعمال خوارزم فيها ويعد ما وراء النهر منها وليس الأمر كذلك وقد فتحت أكثر هذه البلاد عنوة وصلحا ونذكر ما يعرف من ذلك في مواضعها وذلك في سنة ١٣ في أيام عثمان ﵁ بإمارة عبد الله بن عامر بن كريز. . ينظر معجم البلدان للحموي: ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١.\n(^١) ينظر: قواطع الأدلة للسمعاني بتحقيق (ص). علي بن عباس الحكمي: ٤/ ٤٠٦.\n(^٢) لم أقف على هذه العبارة للشافعي في المصادر المتاحة كالأم ومسند الشافعي، واختلاف الحديث، وغيرها.\n(^٣) (قد) ليس في (ص).","vol":"6","page":2518},{"text":"وضوء المستحاضة ومن به سلس البول وسلس الذيّ كذلك، ثمّ إنّ ضعف الطهارة لا يمنع من وجوب النيّة إذ تجب النيةّ على ما ذكرناه في وضوئه عند من يوجبها في مطلق الوضوء.\nوقد بنى المصنف القول في أنّ هذا الضرب هل يقدح على تعليل الحكم الواحد بعلتين فصاعدًا، وقد سلف القول البليغ فيه وهو في هذا البناء تابع للجماهير من المتقدمين والمتأخرين ووجه البناء واضح.\nفإنّ السائل إذا عارض علّة الأصل التي جعلها المسؤول رابطة القياس بعلّة أخرى فمن منع التعليل بعلتين رآه اعتراضًا واقعًا يجب الجواب عنه، وإلا (^١) يلزمه تعدد العلّة ومن لم يمنع لم ير ذلك قادحًا، إذْ لا امتناعَ في إبداءِ معنىً آخرَ، واجتماع علتين؛ القدرِ المشتركِ والتعيينِ (^٢) الخاصِ، وبهذا ضَعَّفَ ابنُ السمعاني الفرقَ (^٣).\nوفي تضعيفه بذلك نظر؛ لأنا إذا بنينا الأمر على مسألة التعليل بعلتين نقول له: إنّما يضعف الفرق لو جعلنا التعليل بالعلتين جائزًا، أمّا إنْ منعناه فلا.\nوينقدح عندي قبل هذا البناء بناءٌ آخر لم أرَ من ذكره، وهو تفريغ المسألة أولًا على التعليل بالعلّة القاصرة. فإن قلنا بمنعها فالفرق مردود؛ لأنَّ التعيين يختّص بالمحل الذي هو فيه، وهذا هو القصور، ولعل من لم\n_________\n(^١) في (غ)، (ت): ولا يلزمه.\n(^٢) في (غ): أو التعين.\n(^٣) ينظر: قواطع الأدلة لابن السمعاني بتحقيق (ص). علي عباس الحكمي: ٤/ ٤٠٦.","vol":"6","page":2519},{"text":"يذكر ذلك لم ير التفريع على منع القاصرة لضعفه وإلا فيبين على التعليل بعلتين فإن معناه امتنع وإلا فيحتمل أنْ يقال: وإن وقع التعليل بعلتين لكن لا بد وأنْ يكون من واد واحد فلا تكون إحداهما متعدية والأخرى قاصرة؛ لأنَّ المتعدية تقتضي إلحاق فرع بالأصل، والقاصرة تقتضي الجمود فيتنافيان فيما يقتضيان.\nويحتمل أنْ يقال: يجوز (^١) اجتماع القاصرة والمتعدية ولا تنافي، ويكون مقتضى القاصرة عدم التعدية بها لا بغيرها فيجوز التعدية بغيرها من دون تنافٍ.\nوهذا هو الحقّ وهو مقتضى كلام ابن السمعاني (^٢) وغيره من أصحابنا في العلّة القاصرة (^٣).\nالضرب الثاني: أنْ يجعل تعين الفرع مانعًا من ثبوت حكم الأصل فيه.\nكقولهم: يقاد المسلم بالذّمّيّ قياسًا على غير المسلم بجامع القتل العمد المحض العدوان.\nفنقول: الفرق أنّ تعين الفرع وهو الإسلامُ مانعٌ من وجوبِ القصاصِ عليه.\n_________\n(^١) في (غ): بجواز.\n(^٢) ينظر: قواطع الأدلة لابن السمعاني بتحقيق (ص). علي عباس الحكمي: ٤/ ٤٠٦.\n(^٣) (وهذا هو الحق وهو مقتضى كلام ابن السمعاني وغيره من أصحابنا في العلة القاصرة) ساقط من (غ)، (ت).","vol":"6","page":2520},{"text":"ولك أنْ تقول: هذا أيضًا إنّما يأت على القول بالقاصرة.\nوقد وقع في بعض الشروح أنّ تعين المسلم مانعٌ لشرفه، وهو محمول على شرفه الخاص وهو الإسلام لا مطلق شرفه وإلا لم يكن تعينًا.\nثمّ إن صاحب الكتاب بنى القول في هذا الضرب على أنّ النّقض مع المانع هل يقدح؟ فإن قلنا: بقدحه كان هذا قادحًا؛ لأنَّ الوصف الذي علّق المستدل الحكم به إذا وجد في الفرع وتخلف الحكم عنه لمانع وهو التعين فقد وجد النّقض مع المانع. والفرض أنَّه قادحٌ وإلا لم يقدح.\nوقد أنهينا الكلام في المبني عليه غاية الفصل القول عنها.\nهذا شرح ما في الكتاب وإذا جددت العهد بما تقدم من كلامه في المسألتين اللتين بنى عليهما القول هنا علمت أنّ الفرق بتعين الأصل، إنّما يقدح عنده في المستنبطة دون المنصوصة. وأنّ الفرق بتعين الفرع لا يقدح مطلقًا.\nواعلم أنّ الفرق عند بعض المتقدمين عبارة عن مجموع الضربين المذكورين حتّى أنَّه لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقًا، واختلفوا في أنَّه سؤالٌ واحدٌ أو سؤالان لاشتماله على معارضة علّة الأصل بعلّة ثمّ على معارضة الفرع بعلّة مستقلة في جانب الفرع؟ .\nوالحقّ الذي قال إمام الحرمين أنَّه المختار (^١) عنده وارتضاه كل مُنتمٍ إلى التحقيق من الفقهاء والأصوليين: أنّ الفرقَ صحيحٌ ومقبولٌ، وهو وإنْ\n_________\n(^١) في (ص)، (غ): اختار.","vol":"6","page":2521},{"text":"اشتمل على معنى معارضة الأصل وعلى معارضة الفرع وعلى معارضة علّته (^١) بعلة مستقلة، فليس المقصود منه المعارضة وإنما الغرض منه المناقضة للجمع (^٢)، فالكلام في الفرق وراء المعارضة، وخاصيته وسرّه فقه تناقض قصد الجمع، ومن ردّ الفرق لا يردّ المعارضة بل خاصية الفرق.\nوذكر إمام الحرمين أنّ من الفروق ما يلحق جمع الجامع (^٣) بالطرد وإن كان لولاه لكان الجمع فقهيًا قال: وما كان كذلك فهو مقبولٌ مجمعٌ عليه لا محالة غير معدود من الفروق التي يختلف فيها (^٤).\nقال: ومن (^٥) هذا القسم أنْ يعيد الفارق جمع الجامع ويزيد فيه ما يوضح بطلان أثره مثل (^٦): قول الحنفي في البيع الفاسد: معاوضة جرت على تراض فيفيد ملكًا كالصحيحة (^٧).\nفيقول الفارق: المعنى في الأصل أنّها معاوضة جرت على وفق الشرع\n_________\n(^١) في (غ): علة.\n(^٢) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ١٠٣٧ - ١٠٦٨.\n(^٣) في (ت): الجمع. واخترت الجامع لتوافقها مع نص البرهان: ٢/ ١٠٦٣. فقرة (١٠٦٧).\n(^٤) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ١٠٦٣.\n(^٥) في (غ)، (ص): ومن أنه.\n(^٦) في (ص): قيل.\n(^٧) وفي البرهان: ٢/ ١٠٦٣ كالصحيح، وكأنه شبه البيع الفاسد بالصحيح، والشارح أرجع الصفة إلى معاوضة.","vol":"6","page":2522},{"text":"فنقلت الملك بالشرع بخلاف المعاوضة الفاسدة فينتهض الكلام إذا وفّى صاحبه بتحقيقه مبطلًا إخالة كلام المعلل وما ادعاه مشعرًا بالحكم (^١).\nقال: ومن خصائصه إمكان البوح منه بالغرض لا على سبيل الفرق (^٢) بل على سبيل المفاقهة (^٣) بأن يقول السائل: لا تعويل على التراضي بل المتبع الشرع والطرق الناقلة على ما يعرفه الفقيه.\nثم ذكر مثالًا لا (^٤) ينحط عن هذا وثالثًا يضادهما فلا يكون الفرق فيه مبطلًا بالكلية والأمثلة الجزئية يختلف الحكم فيها باختلاف الإخالة فلا وجه للتطويل بتعداد الأمثلة والإخالة لا تنضبط.\nوقد أتى إمام الحرمين بعد ذلك بكلام جامع فقال: الفرق والجمع إذا ازدحما على فرع وأصل في محل النزاع. فالمختار عندنا فيه اتباع الإخالة فإن كان الفرق أخيل أبطل الجمع وعكسه وإن استويا أمكن أنْ يقال هما كالعلتين المتناقضتين إذا ثبتتا على صيغة التساوي وأمكن أنْ يقدم الجمع من جهة وقوع الفرق بعده غير مناقض له وكلّ\n_________\n(^١) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ١٠٦٣.\n(^٢) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ١٠٦٣.\n(^٣) المفاقهة: المباحثة في العلم وفاقهه، باحثه، ويقال للشاهد كيف فقاهتك لما أشهدناك، ولا يقال لغيره.\nينظر: لسان العرب: مادة (ف. ق. هـ)، والقاموس المحيط: ١٦١٤ مادة (فقه).\n(^٤) (لا) ليس في (ت).","vol":"6","page":2523},{"text":"هذا فيما إذا كان الفرق لا يحيط (^١) فقه الجمع بالكلية فإن كان ذلك ليس من الفرق المختلف فيه على ما عرفت وقد نجر تمام هذا القول فيما يفسد (^٢) العلّة (^٣).\nواعلم أنّ صاحب الكتاب لم يذكر كيفية دفع الفرق وما قبله من القلب والكسر وعدم التأثير وخصّ النقض من بين المفسدات بذلك لتشعب الآراء وكثرة النظر فيه، ونحن تابعناه على ما فعل، فإن ذلك نظر متمحض جدلًا لا تعلق له بصوب نظر المجتهد، وإنما هو تابع لشريعة الجدل التي وضعها أهلها باصطلاحاتهم، فإن لم يتعلق بها فائدة دينية فينبغي أنْ نشح على الأوقات أنْ نضيعها بها وبتفصيلها وإن تعلق بها فائدة من ضمّ نشر الكلام ورد مباحث المناظرين إلى محزّ الخصام؛ لئلا يذهب كلّ واحد في كلامه طولًا وعرضًا وينحرف عن مقصود نظره بما لا يرضى، فتلك فائدة ليست من أصول الفقه، فينبغي أنْ يفرد بعلم النظر، وهو عندنا من أكيس العلوم وأعظمها كفالة بتدقيق المنطوق والمفهوم، ولكن لا ينبغي أنْ يمزج بالأصول التي مقصدها تذليل سبل الاجتهاد للمجتهدين، لا تعليم طرق الخصام للمتناظرين ولهذا حذف الغزالي هذه الاعتراضات بالأصالة (^٤). وبالله التوفيق.\n_________\n(^١) في (غ): يحبط.\n(^٢) في (غ): يفيد.\n(^٣) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ١٠٦٥.\n(^٤) يقول الغزالي في هذا الصدد المستصفى: ٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠ \"ووراء هذا اعتراضات مثل المنع وفساد الوضع وعدم التأثير والكسر والفرق والقول بالموجب والتعدية =","vol":"6","page":2524},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والتركيب وما يتعلق فيه تصويب نظر المجتهدين قد انطوى تحت ما ذكرناه، وما لم يندرج تحت ما ذكرناه، فهو نظر جدلي يتبع شريعة الجدل التي وضعها الجدليون باصطلاحهم فإن لم يتعلق بها فائدة دينية فينبغي أن تشحّ على الأوقات أن تضيعها بها وتفصيلها وإن تعلق بها فائدة من ضمّ نشر الكلام ورد كلام المناظرين إلى مجرى الخصام كيلا يذهب كل واحد عرضًا وطولًا في كلامه منحرفًا عن مقصد نظره، فهي ليست فائدة من جنس أصول الفقه بل هي من علم الجدل فينبغي أن تفرد بالنظر ولا تمزح بالأصول التي يقصد بها تذليل طرق الاجتهاد للمجتهدين\".","vol":"6","page":2525},{"text":"الطرف الثالث: أقسام العلة","vol":"6","page":2527},{"text":"قال ﵀: <span data-type=\"title\" id=toc-551>(الطرف الثالث في أقسام العلّة</span>.\nعلّةُ الحكمِ إمّا محله أو جزؤه أو خارج عنه عقلي حقيقي أو إضافي أو سلبي أو شرعي أو لغوي متعدية أو قاصرة وعلى التقديرات إما بسيطة أو مركبة).\nهذا الطرف معقود لبيان ما يظنّ أنَّه من (^١) مفسدات العلّة مع أنَّه ليس كذلك وذُكِرَ قبل الخوض فيه تقسيمات للعلّة.\nاعلم أنَّ كلَّ حكمٍ ثبَتَ في محلِ فعله ذلك الحكم؛ إمّا نفس ذلك المحل أو ما يكون جزءًا من ماهيته؛ إمّا العام أو الخاص أو ما يكون خارجًا عنه والخارج؛ إمّا أنْ يكون أمرًا عقليًا أو شرعيًا أو لغويًا أو عرفيًا ولم يذكره المصنف.\nوالعقلي: إمّا أنْ يكون حقيقيًا وهو الذي يعقل باعتبار نفسه. أو إضافيًا وهو الذي يعقل باعتبار غيره.\nوالحقيقي والإضافي ثبوتيان فيقابلهما السلب فحصل في العقلي ثلاثة أقسام مع الأربعة المذكورة فالأقسام سبعة:\nالأول: التعليل بالمحل، مثل الذهب ربوي لكونه ذهبًا.\nالثاني: بجزء المحل الخاص وهو مع الأول لا يكون إلّا في العلّة القاصرة لاستحالة وجود خصوصية المحل أو جزئه الخاص في غيره أو بجزئه\n_________\n(^١) (من) ليس في (ت).","vol":"6","page":2529},{"text":"العام كتعليل إباحة البيع بكونه عقد معاوضة فعقد المعاوضة من حيث إنّها جنسه جزء له لا يختص به.\nالثالث: بأمر خارج عقلي (^١) حقيقي كتعليل الربوي بالطعم.\nالرابع: بأمر خارج عقلي حقيقي إضافي كتعليل ولاية الإجبار بالأبوة.\nالخامس: بأمر خارج عقلي (^٢) سلبي كتعليل بطلان بيع الآبق والضال بعدم القدرة على التسليم وقد يجتمع التعليل بهذه الأقسام الثلاثة مثل القتل العمد بغير حق فإنّ القتل حقيقي والعمد إضافي وقولنا بغير حق سلبي.\nالسادس: بأمر شرعي كتعليل حرمة بيع الكلب لنجاسته.\nالسابع: بأمر لغوي كقولنا: في النبيذ: أنَّه يسمَّى بالخمر فيحرم كالمعتصر من العنب هذه الأقسام التي في كلام المصنف.\nوالثامن: ما أشرنا إليه وأهمله: التعليل بأمر عرفي (^٣) كقولنا: هذا عيب عرفًا فيثبت به الردّ.\nثم العلّة تنقسم باعتبار آخر إلى متعدية وهي التي توجد في غير المحلّ المنصوص أو قاصرة وهي التي تختص بذلك المحلّ،\n_________\n(^١) (عقلي) ليس في (غ).\n(^٢) (حقيقي كتعليل الربوي بالطعم. الرابع: بأمر خارج عقلي. . . . . . . . . خارج عقلي) ساقط من (ت).\n(^٣) (عرفي) ليس في (ت).","vol":"6","page":2530},{"text":"وعلى التقديرات كلّها إمّا أنْ تكون بسيطة وهي التي لا جزء لها كالإسكار والطعم أو مركبة وهي التي لها جزء كالقتل العمد العدوان.\nقال: (قيل لا يعلل بالمحلّ لأنَّ القابل لا يفعل.\nقلنا: لا نسلم ومع هذا فالعلّة المعرّف)\nشرع في مسائل الفصل وهي ست:\nالأولى: اختلفوا في جواز التعليل بمحل الحكم أو جزئه الخاص.\nوالمختار عند المصنف والأكثرين جوازه (^١) وقول الآمدي المختار التفصيل وهو امتناع ذلك في المحلّ دون الجزء ليس مذهبًا ثالثا؛ لأنَّ مرادَه الجزء العام بدليل قوله بعد ذلك وأمّا الجزء فلا يمتنع التعليل به لاحتمال عمومه للأصل والفرع (^٢).\nقال صفيّ الدّين الهندي: الحقّ أنّ الخلاف في المسألة مبنيّ على جواز التعليل بالقاصرة فإن جوز ذلك جوز هذا سواء عرفت عليته بنصّ أو غيره؛ إذ لا يبعد أنْ يقول الشارع: حرمت الربا في البر لكونه برًّا، أو تعرف مناسبة محلّ الحكم له لاشتماله على حكمة داعية إلى إثبات ذلك الحكم فيه (^٣).\n_________\n(^١) ينظر الخلاف في المسألة: المحصول: ٢/ ق ٢/ ٣٨٦، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٠٥، ونهاية السول مع بخيت: ٤/ ٢٥٧.\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٢٨٨. وينظر أيضًا البرهان: ٢/ ١٠٨٠، والمستصفى: ٢/ ٣٤٥، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢٧٦.\n(^٣) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٤٩٢.","vol":"6","page":2531},{"text":"وهذا صحيح وهو مقتضى كلام الإمام وغيره (^١).\nواحتجّ من منع التعليل بالمحل بأنّ المحل قابل للحكم فلو كان علّة له لكان فاعلًا له أيضا لتأثير العلّة في المعلول، والمؤثر لا بد أنْ يفعل فيه ويمتنع كون الشيء قابلًا وفاعلًا معًا لشيء واحد؛ لأنَّ نسبة القابل إلى المقبول بالإمكان ونسبة الفاعل إلى المفعول بالوجوب فبينهما تناف.\nوأجاب: بأنّا لا نسلم أنّ الشيء الواحد لا يكون قابلًا وفاعلًا، ألا ترى أنّ الجسم المتحرك قابل للحركة وفاعل لها؟ ولو سلم امتناع كون الشيء الواحد قابلًا وفاعلًا ولكن ذلك إذا كان الفاعل بمعنى المؤثر، أمّا إذا كان بمعنى المعرّف فلا يمتنع قطعًا، وإلى هذا أشار بقوله: \"ومع هذا فالعلة المعرّف\".\nقال (قيل لا يعلل بالحِكَم الغير المضبوطة كالمصالح والمفاسد؛ لأنّه لا يعلم وجود القدر الحاصل في الأصل والفرع.\nقلنا: لو لم يجز لما جاز بالوصف المشتمل عليها، فإذا حصل ظنّ أنّ الحكم لمصلحة وجدت في الفرع يحصل ظنّ الحكم فيه)\nالمسألة الثانية: جوز قوم التعليل بالحكمة (^٢)، واختاره المصنف تبعًا\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٨٦.\n(^٢) تنحصر أقوال الأصوليين في التعليل بالحكمة في ثلاثة مذاهب:\nالمذهب الأول: المنع مطلقا وهو مذهب بعض الأصوليين، ونسبه الآمدي لأكثرهم.\nالمذهب الثاني: جواز التعليل بالحكمة مطلقًا. وهذا ما ذهب إليه الرازي والبيضاوي والغزالي من الشافعية وبعض الأصوليين. =","vol":"6","page":2532},{"text":"للإمام (^١).\nومنع (^٢) منه آخرون (^٣).\nوفصّل قوم فقالوا: إنْ كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها جاز التعليل بها وإلا فلا.\nواختاره الآمدي وصفي الدين الهندي (^٤) وأطبق الكلّ على جواز التعليل بالوصف المشتمل عليها ما حاد عن ذلك قياس كالقتل والزنا والسرقة وغير ذلك.\n_________\n= المذهب الثالث: التفصيل: وهو رأي بعض الأصوليين، فأجازوا التعليل بالحكمة إن كانت ظاهرة منضبطة بنفسها، ومنعوا التعليل بها إن كانت مضطربة خفية. وهذا ما ذهب إليه الآمدي، وابن الحاجب والصفي الهندي، وهو ظاهر مذهب الحنابلة.\nينظر تفاصيل هذه المسألة: ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٨٩، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٩٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٤٩٤، وشفاء الغليل: ص ٦١٤، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٠٦، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢١٣، نهاية السول: ٤/ ٢٦٠، والمسودة: ص ٤٢٣ - ٤٢٤، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٤٧.\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٨٩. وشفاء الغليل للغزالي: ص ٦١٤، ونهاية السول مع بخيت: ٤/ ٢٦٠.\n(^٢) في (ت): ومنه.\n(^٣) نسبه الآمدي إلى الأكثرين. ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٢٩٠، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٠٦،\n(^٤) ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٢٩٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٤٩٤. ومختصر ابن الحاجب: ٢/ ٢١٣، والمسودة: ص ٤٢٣ - ٤٢٤، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٤٧.","vol":"6","page":2533},{"text":"واحتج المفصّل بما أشار إليه في الكتاب من أنّ الحِكَمَ التي لا تنضبط كالمصالح، والمفاسد لا يعلم لعدم انضباطها أنّ القدر الحاصل منها (^١) في الأصل حاصل في الفرع أم لا؟ . فلا يمكن التعليل بها لأنَّ القياس فرعُ ثبوتِ ما في الأصل من المعنى في الفرع.\nوأجاب: بأنّه لو لم يجز التّعليل بالحِكَم التي لا تنضبط، لم يجز بالوصف (^٢) المشتمل عليها أيضًا، واللازم باطل بالاتفاق فبطل الملزوم.\nوبيان الملازمة أنّ الوصف بذاته ليس بعلّة للحُكم بل بواسطة اشتماله على الحِكمة، فعليَّةُ الوصف بمعنى أنَّه علامة على الحكمة التي هي علَّة غائية باعثة للفاعل، والوصف هو المُعَرِّف فإذا لم تكن تلك الحكمة علّة للحكم لم يكن الوصف بواسطته علّة له وإذا بطل الملزوم فيجوز التعليل بالحِكم التي لا تنضبط؛ لأننا إذا ظننا استناد (^٣) الحكم المخصوص في مورد النّص إلى الحِكم المخصوصة ثمّ ظننا حصول تلك الحكمة في صورة تولد لا محالة من ذينك الظنين؛ ظنّ (^٤) حصول الحكم في تلك الصورة، والعمل بالظنّ واجب.\nوإذا أقام الدليل على جواز التعليل بالحكم التي لا تنضبط فليكن جائزًا فيما تنضبط بطريق أولى، وهذا هو السّر في إعراض المصنف\n_________\n(^١) في (ص): منهما.\n(^٢) في (غ): الوصف.\n(^٣) في (ت): حصول تلك.\n(^٤) (ظن) ليس في (ت).","vol":"6","page":2534},{"text":"عن الكلام مع مانع التعليل بالحِكم مطلقًا.\nوالذي نختاره نحن في هذه المسألة التفصيل (^١) (^٢).\nوقولهم: إذا ظننا استناد (^٣) الحكم المخصوص إلى الحكمة المخصوصة ثمّ حصول تلك الحكمة في صورة ظننا حصول الحكم فيها.\nقلنا: هذا لا يتأتى إلا إذا كانت الحكمة مضبوطة (^٤) يمكن معرفة مقاديرها، فإنّها إذا لم تنضبط لا يمكن معرفة مقاديرها، فيتعذر حصول الظنّ بالمقدمتين.\nوقولهم: لو لم يجز بالحكمة، لم يجز بالوصف المشتمل عليها.\nقلنا: العلّة في الحقيقة (^٥) هي الحكمة والحاجة، فإنّها الغائبة الباعثة للفاعل كما ذكرتم، ولكنّها لما كانت في الغالب لا تنضبط ولا تتقدر في ذاتها جعل الوصف علّة بمعنى أنَّه يعرف العلّة بصالحية (^٦) الوصف للضبط، وتعريف العلة التي هي الحكمة هي العلّة في جعله علّة، وهذا قد قررناه مرّة من قبل.\nوإذا وضح هذا، فالحكمة لا تصلح لأنْ يعلل بها ما لا ينضبط (^٧) إلا\n_________\n(^١) في (غ): في التفصيل.\n(^٢) أي قوله: وفصل قوم فقالوا: إنْ كانت الحكمة ظاهرة منضبطة بنفسها، جاز التعليل بها وإلا فلا.\n(^٣) في (ت): إسناد.\n(^٤) في (ت): بعينها.\n(^٥) في (غ)، (ت): العلّة الحقيقية.\n(^٦) في (غ)، (ت): فصالحية.\n(^٧) في (ت): ما لم تنظبط.","vol":"6","page":2535},{"text":"بواسطة الوصف (^١)؛ لأنَّ الشارع أقامه حينئذ ضابطًا لها، ولا مبالاة بوجدانها والحالة هذه دون الوصف، فإنّنا نعلم بالاستقراء من محاسن الشريعة ردّ النّاس فيما يضطرب، ويختلف باختلاف الصور والأشخاص والأزمان والأحوال إلى المظانّ الواضحة التي يكشف غيبها ويجلى غيهبها ردًّا لما تَدَّعِ العامة تخبطّ عشواء ونفيًا للحرج والضراء، ألا ترى إلى حصر القصر والفطر في مظنته الغالبة وهي السَّفر وإن كانت الحكمة المشقة التي قد توجد في حقّ الحاضر وتنعدم في حقّ المسافر.\nقال (قيل العدم لا يعلل به لأنَّ الأعدام لا تتميز وأيضا ليس على المجتهد سبرها.\nقلنا: لا نسلم فإن عدم اللازم متميز عن عدم الملزوم، وإنما سقطت عن المجتهد لعدم تناهيها).\nالمسألة الثالثة: ذهب قوم إلى أنَّه يجوز التعليل بالعدم ثبوتيًا كان الحكم أو عدميًا (^٢)؛ لأنّه قد يحصل دوران الحكم مع بعض العدميات، والدوران يفيد الظنّ؛ ولأن العلّة المعرف وهو غير مناف للعدم فإنّ العدم قد يعرف وجود الحكم الثبوتي فإن عدم امتثال العبد لأمر سيده يعرفنا سخطه عليه والحكم العدمي فإنّ عدم العلّة يعرف\n_________\n(^١) (الوصف) ليس في (ت).\n(^٢) وهو مذهب الرازي وأتباعه ومنهم البيضاوي وهو مذهب الحنابلة. ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٠٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٠٢، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٠٧، والمسودة: ص ٤١٨، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٤٨.","vol":"6","page":2536},{"text":"عدم المعلول وكذا عدم اللازم وعدم الشرط فيصحّ (^١) قيام العلية (^٢) بالعدم كما بالموجود واختاره الإمام (^٣) وأتباعه ومنهم المصنف.\nومنع منه قوم إذا كان الحكم ثبوتيًا واختاره الآمدي وابن الحاجب (^٤).\nواحتج هؤلاء بوجهين أشار إليهما في الكتاب.\nأحدهما: أنّ العلَّة لا بد أن تتميز عمَّا ليس بعلّة سواءً أريد بها المؤثر أو المعرِّف أو الدّاعي، والتمييز عبارة عن كون كلّ واحد من المتميزين مخصوصًا في نفسه بحيث لا يكون تعيين هذا حاصلًا لذاك ولا تعيين ذاك لهذا، وهذا غير معقول في العدم الصرف؛ لأنّه نفي محض.\nوالثاني: أنّ المجتهد إذا بحث عن علّة الحكم لم يجب عليه سبر الأوصاف العدمية، فإنّها غير متناهية، مع أنَّه يجب عليه سبر كلّ وصف يصلح للعلية، وهذا يدل على أنّ الوصف العدمي لا يصلح للعلية.\nوأجاب: عن الأول بأنّا لا نسلم أنّ الأعدام لا تتميز؛ لأنَّ كلامنا في الأعدام المضافة وبعضها يتميز عن بعض؛ بدليل أنّ عدم اللازم متميز عن عدم الملزوم؛ لأنَّ الأوّل يستلزم الثاني من دون عكس، وكذا عدم أخذ الضّدين عن المحل يصحّ حلول الآخر فيه. نعم العدم\n_________\n(^١) (فيصح): ليس في (غ).\n(^٢) في (غ): قيام الشرط.\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٠٠.\n(^٤) ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٢٩٥، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢١٤، وتيسير التحرير: ٤/ ٢، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢٧٤.","vol":"6","page":2537},{"text":"المطلق لا يتميز (^١) وليس فيه كلامنا.\nوعن الثاني: بأنه إنما أسقط عن المجتهد سبرها لتعذره؛ لأنَّ العدميات لما كانت غير متناهية تعذر سبرها.\nوقد يجاب بأنّا لا نسلم أنَّه لا يجب عليه سبر ما تتخيل المناسبة فيه أو الدوران أو ما يقرب من العلية.\nقال (قيل: إنما يجوز التعليل بالحكم المقارن وهو أحد التقادير الثلاثة فيكون مرجوحًا.\nقلنا: ويجوز بالمتأخر لأنّه معرّف)\nالمسألة الرابعة: ذهب الأكثرون إلى أنَّه يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي (^٢) وهو اختيار الإمام (^٣) وأتباعه ومنهم المصنف؛ لأنَّ الحكم قد يدور مع الآخر وجودًا وعدمًا؛ لأنَّ العلّة هي المعرف فلا بدع في جعل حكمه معرفًا لآخر كأن يقول الشارع مهما رأيتموني أثبت الحكم الفلاني في الصورة الفلانية، فاعلموا أني أثبت الحكم الفلاني فيها أيضًا.\n_________\n(^١) (لأنَّ كلامنا في الأعدام المضافة وبعضها. . يصحّ حلول الآخر فيه نعم العدم المطلق لا يتميز) ساقط من (ت).\n(^٢) ينظر: المعتمد: ٢/ ٧٨٩، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٠٨، والمسودة: ص ٤١١، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٣٠، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣٠١، وتيسير التحرير: ٤/ ٣٤، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٠٩.\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٠٨.","vol":"6","page":2538},{"text":"وذهب الأقلّون إلى امتناع ذلك (^١).\nواحتجوا بأنّ الحكم إذا كان علّة لحكم آخر فلا بد وأن يكون مقارنًا له؛ لأنّه إن لم يقارنه فإمّا أنْ يكون متقدمًا عليه فيلزم وجود العلّة مع تخلف المعلول عنها وهو غير جائز ولو سلم جوازه فلا ريب في أنَّه مخالف للأصل فلا يجوز إثبات العلّة بهذه الصفة إلا عند قيام الدليل عليه (^٢) أو (^٣) يكون متأخرًا عنه والمتأخر لا يكون علّة للمتقدم فثبت أنَّه لا بدّ له في كونه علّة من المقارنة وعلى هذا فلا يكون الحكم علّة إلا على تقدير (^٤) واحد من ثلاثة وهو احتمال المقارنة والاحتمالان أغلب من واحد والتعليل به لا يصحّ على تقديرهما فكان عدم التعليل به راجحًا على التعليل به؛ لأنّه ثابت على احتمالين من ثلاثة والعبرة بالراجح دون المرجوح.\nوأجاب: بأنا لا نسلم أنّه يمتنع كونه علّة على تقدير تأخره فإنّ العلّة هي المعرف ويجوز أنْ يكون المتأخر معرفًا للمتقدم كالعالم للصانع، وحينئذ يندفع ما ذكرتم ويكون التعليل به ثابتًا على احتمالين من ثلاثة فيكون راجحًا.\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٠٨، والمسودة: ص ٤١١، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٣٠، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣٠١، وتيسير التحرير: ٤/ ٣٤، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٠٩.\n(^٢) في (غ)، (ت): علمًا.\n(^٣) في (ت): ويكون متأخرًا.\n(^٤) في (غ): بتقدير.","vol":"6","page":2539},{"text":"وقد ذهب الآمدي في المسألة إلى تفصيل مبني على ما لا نوافقه عليه فلذلك لم نورده (^١).\nقال (قالت: الحنفية لا يعلل بالقاصرة لعدم الفائدة.\nقلنا: معرفة كونه على وجه المصلحة فائدة.\nولنا: أنّ المتعدية توقفت على العلة (^٢) فلو توقفت هي عليها لزم الدور).\nالمسألة الخامسة (^٣): أطبق النّاس كافةً على صحة العلّة القاصرة (^٤)، وهي المقصورة على محل النّصّ المنحصرة فيه التي لا تتعداه\n_________\n(^١) ينظر: رأي للآمدي في الإحكام: ٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥. ولطوله اكتفينا بالعزو.\n(^٢) في (غ): العلية.\n(^٣) تفاصيل هذه المسألة: في المعتمد لأبي الحسين: ٢/ ٨٠١، والعدة لأبي يعلى: ٤/ ١٣٧٩، والتبصرة للشيرازي: ص ٤٥٢، وشرح اللمع له: ٢/ ٨٤١، والمستصفى: ٢/ ٣٤٥، والوصول: لابن برهان: ٢/ ٢٦٩، والتمهيد لأبي الخطاب: ٤/ ٦١، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٢٣، والتحصيل للسراج الأرموي: ٢/ ٢٣١، والحاصل للتاج الأرموي: ٢/ ٩٣٨، وروضة الناظر لابن قدامة: ص ٢/ ٣١٥، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣١١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥١٩. ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢١٧. وكشف الأسرار: ٣/ ٣١٥، والمسودة: ص ٤١١، والتحرير مع التيسير: ٤/ ٥، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٥٣، ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت: ٢/ ٢٧٦، وشرح التلويح: ٢/ ٦٦، نشر البنود: ٢/ ١٣٨، مفتاح الوصول للتلمساني: ص ٦٨٦، وتخريج الفروع للزنجاني: ص ٤٧، إحكام الفصول: ص ٥٥٦، رفع الحاجب على مختصر ابن الحاجب لابن السبكي: ٢/ اللوحة ١٣٩ - ١٤٠.\n(^٤) العلّة القاصرة: هي التي لم تتجاوز محل النص الذي وجدت فيه سواء كانت منصوصة أم مستنبطة كتعليل حرمة الربا في النقدين بالجوهرية والثمنية. =","vol":"6","page":2540},{"text":"إذا كانت منصوصةً أو مجمعًا عليها (^١)، كما نقله جماعة ومنهم القاضي أبو بكر في التقريب والإرشاد (^٢)، فيما إذا كانت منصوصةً وجعلوا محل الخلاف في المستنبطة.\nوالذي ذهب إليه الأكثرون منهم الشافعي والأصحاب (^٣) ومالك (^٤) وأحمد (^٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والعلّة المتعدية: هي ما تجاوزت المحل الذي وجدت فيه إلى غيره كالإسكار في الخمر والنبيذ، والطعم في المطعومات والقياس لا يتحقق إلّا بالعلّة المتعدية. ينظر: المعتمد: ٢/ ٨٠١، والمستصفى: ٢/ ٣٤٥، ونهاية السول: ٤/ ٢٧٧.\n(^١) وممن حكى الاتفاق على ذلك الآمدي وابن الحاجب وأبو الخطاب، وعبد العزيز البخاري، وابن الهمام، وابن النجار وابن عبد الشكور وغيرهم، يقول الآمدي: ٣/ ٣١١ \"اتفق الكلّ على أنّ تعدية العلة في صحة القياس وعلى صحة العلّة القاصرة، كانت منصوصة أو مجمعًا عليها، وإنما اختلفوا في صحة العلّة القاصرة إذا لم تكن منصوصة ولا مجمعًا عليها\". وينظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢١٧. وكشف الأسرار: ٣/ ٣١٥، والمسودة: ص ٤١١، والتحرير مع التيسير: ٤/ ٥، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٥٣، ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت: ٢/ ٢٧٦.\n(^٢) ينظر: التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٢٨٤.\n(^٣) ينظر: البرهان: ٢/ ١٠٨٠، والتبصرة: ص ٤٥٢، والمستصفى: ٢/ ٣٤٥، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٢٣، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣١١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥١٩.\n(^٤) ينظر: إحكام الفصول للباجي: ص ٥٥٦، شرح تنقيح الفصول: ص ٤٠٩ - ٤١٠. ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢١٧.\n(^٥) ينظر: التمهيد لأبي الخطاب: ٤/ ٦١، والمسودة: ص ٤١١، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٥٣.","vol":"6","page":2541},{"text":"والقاضيان أبو بكر (^١) وعبد الجبار (^٢) وأبو الحسين (^٣) وعليه المتأخرون كالإمام (^٤) وأتباعه ومنهم المصنف أنّها صحيحة معول عليها.\nوذهب أبو حنيفة وأصحابه وأبو عبد الله البصري والكرخي (^٥) إلى امتناعها وحكاه الشيخ محيي الدين النووي في شرح المهذب وجهًا لأصحابنا (^٦)، وكذلك الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع (^٧).\nوأغرب القاضي عبد الوهاب في الملخص فحكى مذهبًا ثالثًا أنّها لا تصح على الإطلاق سواءً كانت منصوصةً أم مستنبطةً. وقال هو قول أكثر فقهاء العراق (^٨).\nوهذا يصادم ما نقلناه من وقوع الاتفاق في المنصوصة، ولم أر هذا القول في شيء مما وقفت عليه من كتب الأصول سوى هذا (^٩).\n_________\n(^١) ينظر: التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٢٨٤.\n(^٢) ينظر: المغني (الشرعيات): ١٧/ ٣٣٩.\n(^٣) ينظر: المعتمد: ٢/ ٨٠١.\n(^٤) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٢٣.\n(^٥) ينظر: كشف الأسرار: ٣/ ٣١٥، والتحرير مع التيسير: ٤/ ٥، ومسلم الثبوت مع فواتح الرحموت: ٢/ ٢٧٦.\n(^٦) ينظر المجموع للنووي: ٩/ ٣٧٨.\n(^٧) ينظر: شرح اللمع للشيرازي: ٢/ ٨٤١.\n(^٨) ينظر: شرح تنقيح الفصول للقرافي: ص ٤٠٩، البحر المحيط: ٥/ ١٥٧، ونشر البنود: ٢/ ١٣٨.\n(^٩) وما علمه القاضي عبد الوهاب حجة على ما فات ابن السبكي، فإن عدم العلم بالشيء ليس علمًا بالعدم.","vol":"6","page":2542},{"text":"واحتجت الحنفية على (^١) امتناع التعليل بها بما أشار إليه المصنف من أنَّه لا فائدة فيها؛ لأنَّ الفائدة من العلّة التوسل بها إلى معرفة الحكم، وهذه الفائدة مفقودة هنا؛ لأنَّ الحكم في الأصل معلوم بالنّص، ولا يمكن التوسل بها إلى معرفة الحكم في غيره؛ لأنَّ ذلك إنمّا يمكن إذا وجد ذلك الوصف في غير الأصل، والفرضُ خلافه لأنّها قاصرة.\nوأجاب بأنّ لها فائدة وهي معرفة أنّ الحكم الشرعي مطابق لوجه الحكمة والمصلحة وهذه فائدة معتبرة؛ لأنَّ النفوس إلى قبول الأحكام المطابقة للحكم والمصالح أميل وعن قبول الحكم المحض والتّعبد الصِّرف أبعد.\nوقد ذُكر لها فوائد أخرى:\nمنها: أنَّه إذا ثبت كون القاصرة علّة للحكم في محل، فلو وجد فيه وصف آخر مناسب متعد يمتنع تعدية الحكم به لمعارضة القاصرة، ما لم يدل دليل على استقلاله بالعليّة بخلاف ما لو لم يثبت كون القاصرة علّة (^٢) له فإنّه حينئذ كان تعدي الحكم بالوصف المناسب المتعدّي من غير افتقار إلى دلالة دليل على استقلاله (^٣).\nوحاصله أنّها تفيد منع حمل الفرع على الأصل كما أنّ تعديها يفيد\n_________\n(^١) في (ت): إلى.\n(^٢) في (ت): علة للحكم له.\n(^٣) وفي (غ): بخلاف ما لو لم يثبت التعدي من غير افتقار إلى حينئذ كان تعدي الحكم بالوصف.","vol":"6","page":2543},{"text":"وجوب الحمل.\nومنها: أنّا بإطلاعنا على علّة الحكم نزداد علمًا بما كنّا غافلين عنه، والعلم بالشيء أعظم فائدة كما أنّ الجهل أخسُّ (^١) خسرانٍ وأقبحُه.\nومنها: أنّ العلّة إذا طابقت النّص زادته قوّة ويتعاضدان وكذلك سبيل كلّ دليلين اجتمعا في مسألة واحدة ففائدتها فائدة اجتماع دليلين ذكره القاضي في التقريب والإرشاد باختصار إمام الحرمين (^٢).\nومنها: ما نبه عليه والدي أيدّه الله تعالى من أنّ المكلف يقصد الفعل لأجلها فيزداد أجره كما قررناه في الكلام على العلّة (^٣)، فجدد العهد به.\nوذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من فوائدها أنَّه إذا حدث هناك فرع فيعلّق على العلّة ويلحق بالمنصوص عليه (^٤).\nوهذا فيه نظر إذ المسألة مفروضة في القاصرة ومتى حدث فرع (^٥). يشاركها في المعنى خرجت عن أنْ تكون قاصرة.\nوقد ذكر إمام الحرمين ذلك فقال: قال من يصحح القاصرة: فائدة\n_________\n(^١) في (ت): أخسر.\n(^٢) ينظر: التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٢٨٥.\n(^٣) ينظر ص: ٢٢٨٧. قاله والده في مختصر سماه (ورد العلل في فهم العلل) كما نبه عليه الابن.\n(^٤) ينظر: شرح اللمع: ٢/ ٨٤٣٢.\n(^٥) في (غ): ما يشاركها.","vol":"6","page":2544},{"text":"تعليل تحريم التفاضل في النقدين تحريم التفاضل في الفلوس إذا ضربت نقودًا وضعّفه بأن المذهب أنّ الربا لا يجري في الفلوس، وإن استعملت نقودًا (^١) فإنّ النقدية الشرعية مختصة بالمطبوعات من التبرين. والفلوسُ في حكم العروض وإنْ غلب استعمالها.\nثمَّ إنْ صحّ هذا المذهب قيل: لصاحبه إن كانت الفلوس داخلةً تحت اسم الدراهم والنصّ متناول (^٢) لها فالطِّلَبة (^٣) بالفائدة قائمة، وإنْ لم يتناولها النّص فالعلّة إذن متعدية لا قاصرة (^٤).\nقوله: \"ولنا\" أي دليلنا على صحة القاصرة أنّ صحة تعدية العلّة إلى الفرع فرع صحتها في نفسها فلو توقفت صحتها في نفسها على صحة تعديتها إلى الفرع لزم الدور، وإذا لم تتوقف صحتها في نفسها على صحة التعدية صحّت وإن لم تتعد وهو المطلوب.\nواعترض الآمدي على هذا الدليل بوجهين:\nأحدهما: أنَّه إن أريد بالتعدية الموقوفة على صحة العلّة ثبوت الحكم بها في الفرع وهو مسلم، ولكن لا نسلم أنّ التعدية بهذا الاعتبار شرط في صحة العلّة، وإن أريد بهذه التعدية وجودها في الفرع لا غير فهو غير\n_________\n(^١) (وضعّفه بأن المذهب أنّ الربا لا يجري في الفلوس، وإن استعملت نقودًا) ساقط من (ت).\n(^٢) في (ت): مناول.\n(^٣) في (ت): فالطلب.\n(^٤) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ١٠٨٣.","vol":"6","page":2545},{"text":"مفضٍ إلى الدور فإنّ صحة العلّة وإنْ كان مشروطًا بوجودها في غير محلّ النّص فوجودها فيه غير متوقف على صحتها في نفسها فلا دور (^١).\nسلمنا لزوم الدور، لكن دور معية أو غيره.\nوالثاني: ممنوع، والأول مسلم وهو صحيح كما في المتلازمين والمتضايفين (^٢).\nفإن قلت: ليس دور معية بدليل أنّ صحة تعديتها إلى الفرع فرع صحتها في نفسها؛ لأنّه يصحّ دخول ما يقتضي التراخي عليه إذ يصح أنْ يقال صحّت العلّة في نفسها ثمّ عديت أو عديت بعد أنْ صحت أو فعديت ولو كانا معًا لما صحّ بهذا القول إذ لا يجوز إدخال كلمةٍ تقتضي التأخير ما بين المضافين والمتلازمين فلا يجوز أنْ يقال حصلت الأبوة ثمّ البنوة أو حصل العلو ثم السفل وبالعكس.\nقلت: دخول ثمّ ههنا إنما هو لحصول الترتيب في التّعدية التي هي فعل المعدّي ولا نسلم جواز دخول ما يقتضي التأخير في التّعدية التي أريد بها وجود الوصف في صورة، فلا يقال صحت العلّة في كذا فعديت أو ثمّ عديت بمعنى وجدت وإنّما يصح بمعنى الإثبات.\n\nفائدتان:\nإحداهما: قال إمام الحرمين إنْ كان كلام الشارع نصًّا لا يقبل التأويل\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٣١٢.\n(^٢) ينظر: المصدر نفسه.","vol":"6","page":2546},{"text":"فلا يرى للقاصرة وقعًا، ولكن يمتنع عن الحكم بفسادها لما سبق وإنما يفيد إذا كان قول الشارع ظاهرًا يتأتى تأويله ويمكن حمله على الكثير مثلًا دون القليل، فإذا سنحت علّة توافق الظاهر فهي تعصمه من التّخصيص بعلّة أخرى لا تترقى مرتبتها إلى المستنبطة القاصرة.\nثمّ في ذلك سرّ وهو أنّ الظاهر إن كان متعرضًا للتأويل ولو أوّل لخرج بعض المسميات ولا ارتد الظاهر إلى ما هو نص فيه، فالعلّة في محل الظاهر كأنّها (^١) ثابتة في مقتضى النّص منه متعدية إلى ما اللفظ ظاهر فيه عاصم له عن التّخصيص والتأويل فكان ذلك إفادة وإن لم يكن تعديًا حقيقيا ولا يتجه غير ذلك في العلّة القاصرة (^٢).\nثم قال: فإن قيل قول رسول الله - ﷺ -: \"لا تبيعوا الورِقَ بالوَرِقِ\" (^٣) الحديث نصّ أم ظاهرٌ، فإنْ زعمتم أنّه نصّ بطل التعليل بالنقدية وإنْ كان ظاهرًا فالأمّة مجمعة على إجرائه في القليل والكثير فقد صار بقرينة الإجماع نصًّا فأي حاجة إلى التعليل؟ فنقول: أما الخط الأصولي فقد وفينا به والأصول لا تصححّ على الفروع فإن تخلفت مسألة\n_________\n(^١) في (ص): فإنها.\n(^٢) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ١٠٥٨ - ١٠٨٦.\n(^٣) متفق عليه أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري: ص ٤٠٧ كتاب البيوع (٣٤) باب بيع الفضة بالفضة (٧٨) رقم الحديث (٢١٧٦)، ومسلم في صحيحه: ص ٦٤٥ - ٦٤٦، كتاب المساقاة (٢٢) باب الربا (١٤) رقم الحديث (٧٦/ ١٥٨٤).","vol":"6","page":2547},{"text":"فلتمتحن (^١) بحقيقة الأصول فإنْ لم يصحّ فلتطرح (^٢). هذا كلام إمام الحرمين.\nولقائل أنْ يقول: القاصرة مفيدة مطلقًا سواءً كانت مستنبطةً من ظاهر أم نصّ لما عرفت. ولكن هذا الذي ذكره في منعها من التّخصيص في الظاهر فائدة أخرى جليلة ولا تنحصر الفائدة فيها.\nوأمّا قوله: أنّ الأمّة مجمعة على إجرائه في القليل والكثير فصار كالنّص.\nفنقول: إذا انتهى القليل إلى حدّ لا يوزن (^٣)، فلا نسلم حصول الإجماع بل أبو حنيفة يخالف فيه كمخالفته في بيع تمرة بتمرتين (^٤) فيجوز عنده بيع ذرّة بذرّتين (^٥) من الذهب والفضّة كذا حكاه والدي في تكملة شرح المهذب (^٦) عن شرح الهداية للسغناقي (^٧) من كتب أصحابه فيمكن\n_________\n(^١) في (ت): فلتمتحق.\n(^٢) ينظر البرهان: ٢/ ١٠٨٦ - ١٠٨٧.\n(^٣) في (ص): يورث.\n(^٤) في (ت): ثمرة بثمرتين.\n(^٥) في (ص)، (ت): ذرة بذرة.\n(^٦) ينظر تكملة المجموع لابن السبكي:\n(^٧) السغناقي وقيل بالصاد بدل السين، هو الحسين بن علي بن حجاج بن علي الملقب بحسام الدين الصِّغْناقيّ نسبة إلى سنغاق بكسر السين المهملة وسكون الغين المعجمة ثمّ نون بعدها ألف بعدها قاف: بلد في تركستان. الإمام الفقيه الحنفي تفقه على الإمام محمد بن محمد بن نصر وعلى الإمام فخر الدين محمد بن إلياس المايمرغي، له النهاية في شرح الهداية (مخطوط) وهو أول شروح الهداية، وله شرح التمهيد في قواعد التوحيد، وله الكافي في شرح أصول الفقه للبزدوي، دخل بغداد ودرّس بها =","vol":"6","page":2548},{"text":"استعمال العلّة وهي جنس الأثمان في ذلك ومنع تخصيص العموم فيه.\nوتحصل الفائدة التي حاولها إمام الحرمين وإلا فآخر كلامه يشير إلى الامتناع من الحكم بصحة العلّة المذكورة، فإنّه قال:\nفإن قيل: هذا تصريح بإبطال التعليل بالنقدية.\nقلنا: الصحيح عندنا أنّ مسائل الربا شبهية والشبه على وجوه:\nمنها: التعلق بالمقصود، والمقصود من الأشياء الأربعة الطعم ومن النقدين النقدية وهي مقتصرة وليست هي علّة (^١) إذ لا شبه فيها ولا إخالة، ولكن لما انتظم منها اتباع المقصود عدّ من مسالك (^٢) الأشياء الأربعة انتهى (^٣).\nفقد امتنع من لكم بصحة العلّة المذكورة لعدم الجريان على القانون الذي مهّده وهو مع ذلك لا يرى التعليل بالوزن كقول أبي حنيفة لبطلان التعليل به من أوجه تخصه.\n_________\n= بمشهد أبي حنيفة، ثمّ توجه إلى دمشق حاجًا فدخلها في سنة عشر وسبعمائة. توفي بحلب سنة ٧١١ هـ.\nينظر ترجمته: تاج التراجم: ص ٢٥، والفوائد البهية: ص ٦٢، والطبقات السنية: برقم ٧٦٨، والجواهر المضيئة: ٢/ ١١٤ - ١١٦، كشف الظنون: ٢/ ٢٠٣٢ - ٢٠٣٣، الأعلام للزركلي: ١/ ٢٤٧.\n(^١) في (ت): له.\n(^٢) (إذ لا شبه فيها ولا إخالة، ولكن لما انتظم منها اتباع المقصود عدّ من مسالك) ساقط من (ت).\n(^٣) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ١٠٨٧.","vol":"6","page":2549},{"text":"الثانية: رجّح الجمهور المتعديّة على القاصرة وامتنع قوم من الترجيح ورجّح الأستاذ أبو إسحاق القاصرة بشهادة (^١) النّص بحكمها (^٢) ويتضح بذلك مذهب الشافعي فيما إذا أفسد صوم رمضان بجماع وترجيح كون العلّة الجماع وهي قاصرة على الإفساد (^٣) وفي تعليل النقدين بالنقدية على الوزن (^٤) وفي نفقة الوالد على الولد وبالعكس (^٥) وعتق الأصول على\n_________\n(^١) في (غ)، (ت): لشهادة.\n(^٢) ينظر: شرح اللمع: ٢/ ٨٤١.\n(^٣) قال الرافعي: \"وفي الضابط قيود: منها: الإفساد، فمن جامع ناسيا لا يفسد صومه على الصحيح\". ينظر: العزيز شرح الوجيز: ٣/ ٢٢٦.\n(^٤) قال الماوردي في الحاوي: ٦/ ١١٠ - ١١٥: \"فأما علّة الربا في الذهب والفضة، فمذهب الشافعي: أنها جنس الأثمان غالبا، وقال بعض أصحابنا: قيم المتلفات غالبًا. ومن أصحابنا من جمعهما، وكل ذلك قريب. وقال أبو حنيفة: العلة فيهما أنه موزون جنس، فجعل علَّة الذهب والفضة الوزن\" ثمّ أورد أدلة الحنفية ثمّ ردّ عليها ثمّ جاء بكلام في أصول الفقه استغرق فيه خمس صفحات كله في مسالك العلة وقوادحها وما يتعلق بها. وقال الرافعي في العزيز شرح الوجيز: ٤/ ٧٤ \"وأما النقدان فعن بعض الأصحاب: أن الربا فيهما لعينهما لا لعلة والمشهور أن العلّة فيها لصلاح التنمية الغالبة، وإن شئت قلت: جوهرية الأثمان غالبًا، . . . . وقال أبو حنيفة وأحمد: العلّة فيهما الوزن، فيتعدى الحكم إلى كل موزون\".\n(^٥) فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن النفقة على الأب استصحابًا لما كان في الصِّغر، وأيضا فنفقة الولد على الأب منصوص عليها في قصة هند وغيرها بخلاف نفقة الأب على الولد وهذا اختيار أبي عبد الله الحسين.\nوأصحهما على ما ذكر صاحب التهذيب والقاضي الروياني وغيرهما، وهو اختيار صاحب التلخيص أنها على الابن لأن عصوبته أقوى، ولأنه أولى بالقيام بشأن أبيه، =","vol":"6","page":2550},{"text":"الفروع وبالعكس بالبعضية على القرابة (^١) وأما على المذهبين الأولين فللشافعي في هذه المسائل أدلة تخصها كالشمس وضوحًا.\nقال: (قيل: لو علل بالمركب فإذا انتفى جزء تنتفي العلية ثمّ إذا انتفى جزء آخر يلزم التخلف أو تحصيل الحاصل.\nقلنا: العلة عدمية فلا يلزم ذلك).\nالمسألة السادسة: التعليل بالوصف المركّب (^٢) جائز عند\n_________\n= لعظم حرمته.\nوثالثها: أنها عليهما لاستوائهما في القرب، ولتعارض المعاني.\nينظر: العزيز شرح الوجيز: ١٠/ ٨١.\n(^١) ينظر: العزيز شرح الوجيز: ١٣/ ٣٤٢.\n(^٢) خلاصة المسألة أنه وقع الخلاف بين الأصوليين في اشتراط التعليل بالعلّة ذات وصف واحد لا مركبة.\nفالجمهور: ذهبوا إلى عدم اشتراط ذلك، وجوزوا ان تكون العلّة مركبة من أوصاف، بل هو واقع شرعًا، كما في تعليل وجوب القصاص بالقتل بكونه قتلا عمدًا عدوانًا.\nوذهب بعض الأصوليين إلى اشتراطه، فلم يجوزوا التعليل بالأوصاف المركبة، بل ينبغي عندهم أن تكون العلّة وصفًا واحدًا وهو منقول عن الإمام الأشعري وبعض المعتزلة.\nينظر تفاصيل ذلك: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤١٣، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٠٩، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٣٠، وتيسير التحرير: ٤/ ٣٤، وأصول السرخسي: ٢/ ١٧٥، وكشف الأسرار: ٣/ ٣٤٨، والمنخول للغزالي: ص ٣٩٥، والمستصفى له: ٢/ ٣٣٦، والروضة: ص ٣١٩، ونشر البنود: ٢/ ١٣٤، ومسلم الثبوت: ٢/ ٢٩١، والإسنوي: ٣/ ١١٢ - ١١٣، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣٠٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥١٣.","vol":"6","page":2551},{"text":"المعظم وبه قال المتأخرون ومنهم الإمام (^١) وأتباعه، ومنهم صاحب الكتاب؛ لأنَّ ما يدلّ على عليّة الوصف من الدوران والسبر والتقسيم والمناسبة مع الاقتران لا تختص بمفرد بل دلالته عليه وعلى المركب على حدٍّ سواء فعُمِلَ به في المركب كما عُمِلَ به في المفرد.\nوقال قوم لا يجوز، معتلين بأنّ جوازه يؤدي إمّا إلى تخلف المعلول عن العلّة العقلية أو تحصيل الحاصل وهما محالان، فكذا ملزومهما (^٢) والدليل على أنّه مؤد إلى ذلك أنّ الوصف المركّب إذا كان علّة كالقتل العمد العدوان في إيجاب القصاص مثلًا كان عدم كلّ جزء من أجزائه علّة مستقلة لعدم عليته لانعدام كلّ واحد من أجزائه ضرورة، إذ عليته من جملة صفات ماهيته المنعدمة بانعدام كلّ واحد من أجزائه وانعدام الوصف (^٣) يستلزم انعدام الصفة.\nفإذا انتفى جزء من أجزاء المركّب يترتب عليه انتفاء عليته ثمّ إذا انتفى جزء آخر منه؛ فإمّا أن يترتب عليه عدم عليته فيلزم تحصيل الحاصل أو لا (^٤) فيلزم (^٥) تخلف المعلول عن العلّة.\nوأجاب: بأنّ العليّة صفة عدمية؛ لأنّها من النسب والإضافات تعتبرها\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤١٣.\n(^٢) في (ت): يلزمهما.\n(^٣) في (غ)، (ت): الموصوف.\n(^٤) في (غ): وإلا فيلزم.\n(^٥) (منه فإمّا أن يترتب عليه عدم عليته فيلزم تحصيل الحاصل أو لا فيلزم) ساقط من (ت).","vol":"6","page":2552},{"text":"العقول ولا وجود لها في الخارج.\nويلزم من كونها عدمية أنْ يكون انتفاؤها وجوديا فإنّ العدم والوجود نقيضان ولا بد وأن يكون أحد النقيضين وجوديًا وإذا كان انتفاؤها وجوديا فلا يجوز أنْ يكون (^١) عدم كلّ جزء علّة له (^٢)، لأنَّ الأمور العدمية لا تكون علّة للأمر الوجودي (^٣) هكذا قرره العبري (^٤) وغيره من شارحي الكتاب (^٥)، وهو أولًا: ضعيف؛ لأنّه ليس بأولى من قول المعترض: العلية أمر وجودي؛ لأنَّ نقيضها وهو عدم العلية عدمي\n_________\n(^١) (أحد النقيضين وجوديًا وإذا كان انتفاؤها وجوديا فلا يجوز أنْ يكون) ساقط من (غ).\n(^٢) (له) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر شرح العبري على المنهاج (الجزء الثاني) بتحقيق محمود حامد محمد عثمان: ص ٥٣٨.\n(^٤) والعبري هو عبيد الله بن محمد الهاشمي الحسيني الفرغاني الشريف المعروف بالعبري بكسر العين المهملة وسكون الباء الموحدة الملقب ببرهان الدين. سمي بالعبري نسبة إلى عبرة بطن من الأزد ولد بتهريز ودخل بغداد. ومن مصنفاته: شرح طوالع الأنوار للبيضاوي وشرح الغاية القصوى في دراية الفتوى في فقه الشافعية للبيضاوي وغيرها. توفي ﵀ في غرة ذي الحجة سنة ٧٤٣ هـ وقيل في شهر رجب من نفس العام.\nينظر ترجمته في: الدرر الكامنة لابن حجر: ٣/ ٤٧ - ٤٨، وشذرات الذهب: ٦/ ١٣٩، والبدر الطالع للشوكاني: ١/ ٤١١ - ٤١٢.\n(^٥) ينظر: نهاية السول للإسنوي: ٣/ ١١٢، ومنهاج العقول للبدخشي: ٣/ ١١٢، ومعراج المنهاج للجزري: ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤، والسراج الوهاج للجاربردي: ٢/ ٩٦٢، وشرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٧٣٥.","vol":"6","page":2553},{"text":"وأحد النقيضين واقع لا محالة.\nوثانيا: مخالف لما في المحصول فإنّه جعله جوابًا لشبهة أخرى لهم غير هذه (^١)، ولكن صاحب الحاصل ترك ذكر تلك الشبهة ونقل جوابها إلى هذه الشبهة التي أوردها صاحب الكتاب (^٢) فتبعه المصنف على ذلك.\nوقد أجيب عن هذه الشبهة بأمور:\nمنها: أنّ عدم الجزء ليس علّة لعدم العلية بل كلّ جزء فوجوده شرط لها وعدمه يكون عدمًا لشرطها.\nومنها: أنَّه يقتضي أنْ لا يوجد ماهية مركبة لما ذكر من التقرير بعينه فإنّ عدم كلّ واحد من أجزائه علّة لعدم تلك الماهية المركبة فإذا انعدم جزء انعدمت تلك الماهية وإذا انعدم جزء آخر لزم إمّا انعدامها وهو تحصيل الحاصل أو نقض (^٣) العلّة العقلية وكلاهما محال (^٤).\nفرع: قال الإمام: نقل الشيخ أبو إسحاق الشيرازي عن بعضهم أنَّه قال لا يجوز أنْ تزيد الأوصاف على سبعة (^٥). وهذا الحصر لا أعرف له\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤١٣ - ٤١٤.\n(^٢) ينظر: الحاصل: ٢/ ٩٣٦ - ٩٣٧.\n(^٣) في (ت): بعض.\n(^٤) وهذان الجوابان مذكوران في نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥١٥ - ٣٥١٦.\n(^٥) والذي في النسخة المطبوعة خمسة وليس سبعة. ينظر: شرح اللمع للشيرازي: ٢/ ٨٣٧.","vol":"6","page":2554},{"text":"حجة (^١).\nقلت: والذي نقله الشيخ في شرح اللمع عن بعض الفقهاء أنَّه لا يجوز أنْ تزيد على خمسة وغلّط قائله ورأيته في عدّة نسخ من الشرح وكأنّ الخمسة تصحفت بسبعة في نسخة الإمام (^٢).\n\nقال: (وهنا مسائل:<span data-type=\"title\" id=toc-552> الأولى يستدل بوجود العلّة على الحكم لا بعليتها لأنها نسبة يتوقف عليه)</span>.\nالاستدلال قد يكون بذات العلّة على الحكم كما يقال: في القتل بالمثقل (^٣) قتل عمد عدوان فيجب به القصاص وهو طريق صحيح بخلاف الاستدلال بعليّة العلّة للحكم على الحكم فإنّه فاسد.\nومثاله: أنْ يقال علية القتل العمد العدوان علّة لوجوب (^٤) القصاص وقد وجد في المثقل فيجب.\nواحتج عليه المصنف تبعا للإمام بأنّ العلية أمر نسبي بين العلّة والحكم فيتوقف ثبوتها على ثبوت المنتسبين اللذين هما العلّة والحكم فتتوقف على\n_________\n(^١) ينظر تعليق د. طه جابر على هذه العبارة في هامش المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤١٨.\n(^٢) والغريب أن محقق المحصول د. طه جابر العلواني قال معلقا على لفظ سبعة: كذا فيما عدا ج، وهو الصحيح، ولفظها خمسة وهو ما قاله المصنف في الرسالة البهائية، وليس في المحصول. فقد صحح السبعة.\n(^٣) في (ت): في المثقل.\n(^٤) في (غ): وجود.","vol":"6","page":2555},{"text":"ثبوت الحكم فيكون إثبات الحكم بها دورًا (^١).\nواعترض عليه صاحب التحصيل بأن صدق قولنا: القتل سبب لوجوب القصاص لا يتوقف لا على وجود القتل ولا على وجود القصاص (^٢) وهو اعتراض منقدح؛ لأنَّ النّسبة لا تتوقف على وجود المنتسبين في الخارج بل في الذهن. وحينئذ لا يلزم الدور.\nقال: ولو سلمناه، لكن لمّا فسّرت العلّة بالمعرّف، انقطع الدور (^٣). وهو أيضًا متجه ومراده انقطع الدور الممتنع وإلا فلزوم الدور على تفسير (^٤) العلّة بالمعرّف أيضًا واضح.\nوللاعتراف بصحة هذين الاعتراضين فرّ صفي الدين الهندي من تعليل فساد هذه الطريق بهذا الوجه إلى وجه تَكَلَّفَه، وهو أنّ علية العلّة للحكم تتوقف على اقتضاء العلّة للحكم وكونه مرتبًا عليها لولا المانع بحيث يجب أنْ يكون، فلو استفيد اقتضاؤها بها وترتبه عليها من\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨.\n(^٢) ينظر: التحصيل للسراج الأرموي: ٢/ ٢٣٥.\nولكن الإسنوي ارتضى تضعيف القاضي الأرموي لدليل الإمام. قال الإسنوي تعقيبًا على كلام الرازي: \"وهذا الجواب ضعيف بوجهين ذكرهما صاحب التحصيل. . .\" ينظر: نهاية السول: ٣/ ١١٦.\n(^٣) المصدر نفسه.\n(^٤) في (ت): تقدير تفسير.","vol":"6","page":2556},{"text":"العلية لزم الدور (^١).\nفإن قلت: كيف تتوقف علية العلة على اقتضاء العلّة للحكم وكونه بحيث يجب أنْ يترتب عليها لولا المانع ولا معنى للعلية إلا هذا والشيء لا يتوقف على نفسه.\nقلت: هو مغاير له؛ لأنَّ اقتضاء الشيء للحكم وكونه مرتبًا عليه لولا المعارض أعمّ من أنْ يكون بطريق العلّة أو غيرها.\nنعم إذا أضيف الاقتضاء إلى العلّة تخصص لكن ذلك لا يقتضي أنْ يكون عينه فإنّ هذا التّخصيص خارج عن ماهية الاقتضاء وداخل في ماهية العلية فهما متغايران.\nسلمنا: أنَّه عينه، لكن نقول إنّ كون الحكم مترتبًا على العلية وكونها مقتضية له إمّا أنْ يكون عين العلية فيلزم (^٢) الاستدلال بالشيء على نفسه أو غيرها فيلزم (^٣) الدور على ما سبق فثبت (^٤) المقصود على التقديرين وهو امتناع الاستدلال بالعليّة على ثبوت الحكم وترتبه على العلّة.\nقال: (الثانية التعليل بالمانع لا يتوقف على المقتضى؛ لأنّه إذا أثر معه فدونه أولى.\n_________\n(^١) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٣٦.\n(^٢) في (غ): فلزم.\n(^٣) في (ت): فلزم.\n(^٤) في (ت): فيثبت.","vol":"6","page":2557},{"text":"قيل: لا يسند (^١) العدم المستمر.\nقلنا: الحادث يعرّف الأزلي كالعالم للصانع)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-553>تعليلُ الحكم العدميِّ بالوصف الوجوديّ </span>يسمَّى تعليلًا بالمانع (^٢)،\n_________\n(^١) في (ت): لا يستدل.\n(^٢) الكلام عن التعليل بالعدم يجرنا إلى الحديث عن أمور ثلاثة:\nأحدها: تعليل الحكم العدمي بالوصف العدمي\nثانيها: تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي\n\nثالثها: تعليل الحكم العدمي بالوصف الوجودي\nوهذه الثلاثة اتفق الأصوليون في بعضها واختلفوا في البعض الآخر.\nأما الأولى: فقد نقل القاضي عضد الدين الإيجي الاتفاق على جوازه ومثلوا له: بعدم نفاذ التصرف بالنسبة للمجنون. ينظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٣/ ٣١٤.\nوأما الثاني: فإنه موضع خلاف بين الأصوليين حيث يرى أكثر المتقدمين منهم القاضي أبو بكر الطبري، والشيخ أبو إسحاق، وأبو الوليد الباجي الجواز، والبعض الآخر كالقاضي أبي حامد المروروذي كما نقله صاحب التبصرة يرى عدم صحة التعليل بالوصف العدمي. ومثلوا له بعلَّة تحريم متروك التسمية عدم ذكر اسم الله.\nوأما الثالث: - وهو ما نحن بصدده - فهو ما حكاه الشارح يسمى تعليلًا بالمانع لكن محل الاختلاف في هل يشترط في صحة هذا التعليل بيان وجود المقتضى، وحكى الخلاف.\nينظر تفاصيل هذه المذاهب: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٣٨، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣٥٠، والتبصرة: ص ٤٥٦، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٣٢، والبحر المحيط: ٥/ ١٤٩، شرح تنقيح الفصول: ص ٤١١، والأشباه والنظائر لابن السبكي: ٢/ ١٩٢، ومناهج العقول للبدخشي: ٣/ ١٥٥، ونهاية السول للإسنوي: ٣/ ١٥٨، وشرح الكوكب المنير للفتوحي: ٤/ ١٠١، وفواتح الرحموت للأنصاري: ٢/ ٢٩٢.","vol":"6","page":2558},{"text":"واختلفوا في أنَّه هل يشترط في صحّة هذا التعليل بيان وجود المقتضى؟ .\nفذهب جمع إلى اشتراطه، وهو اختيار الآمدي (^١)، وأباه الآخرون (^٢)، وعليه الإمام (^٣) وشيعته كالمصنف، واختاره ابن الحاجب (^٤)، ولا يخفى عليك أنّ هذا الخلاف إنّما يتأتى إذا جوزنا تخصيص العلّة، فأمّا إذا لم نجوز ذلك، فلا يتصور هذا الخلاف؛ لأنَّ التعليل بالمانع حينئذ لا يتصور فضلًا عن أن يختلف في أنَّه مشروط ببيان وجود المقتضى. كذا قال صفي الدّين الهندي (^٥)، وهو متلقى من قول الإمام: إنّ هذه المسألة من تفاريع تخصيص العلّة، فإنّا إن أنكرناه امتنع الجمع بين المقتضى والمانع (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٣٥٠.\n(^٢) كالرازي، وتبعه البيضاوي، وابن الحاجب، والصفي الهندي. ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٣٨، ونهاية السول: ٣/ ١١٦، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٣٢، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٣٧.\nقال الشارح ابن السبكي في الأشباه والنظائر: ٢/ ١٩٢ \"وهذا هو الراجح عند الإمام الرازي وابن الحاجب، واختياري في جمع الجوامع أولًا يجوز التعليل بها عند انتفاء المقتضى لأن الإحالة عليه أولى، وهذا هو الراجح عند الآمدي، واختياري في شرح المختصر والذي أراه الآن التعليل بالمانع لمن لم يدر بانتفاء المقتضى سواء أظن وجوده على تقدير وجود المقتضى. . . .\"\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٣٨.\n(^٤) ينظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٣٢.\n(^٥) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٣٧ - ٣٥٣٨.\n(^٦) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٣٨.","vol":"6","page":2559},{"text":"ولقائل أن يقول: هذا غير لازم فإنّ المانع من تخصيص العلّة جاز أنْ يقول شرط تعليل الحكمِ العدميّ بالوصفِ الوجوديّ وجود المقتضى في تلك الصورة، ويكون مراده أنّ هذا الشرطَ ممتنع، ويمتنع بامتناعه تعليلُ الحكم العدميّ بالوصف الوجوديّ.\nواحتج المصنف بأنّ بين المقتضى والمانع معاندة ومضادة. والشيء لا يتّقوى بضدّه بل يضعف به فإذا كان المانع مؤثرًا حال ضعفه وهو وجود المقتضى، فلأن يكون ذلك حال قوّته وهو عدم المقتضى أولى (^١).\nواحتج المشترطون بأنّ المعلول الذي هو عدم الحكم؛ إمّا أنْ يكون هو (^٢) العدم المستمر وذلك باطل؛ لأنَّ المانع حادثٌ والعدم المستمر أزلي، ويمتنع استناد الأزلي إلى الحادث، وإن كان هو العدم المتجدد فهو المطلوب؛ لأنَّ العدم المتجدد إنما يتصور بعد قيام المقتضى.\nوأجاب: بأنّا لا نسلم امتناع تعليل المتقدم بالمتأخر بمعنى المعرّف، وحينئذ المعلل هو العدم المستمر، وهو جائز بهذا المعنى، كما أنّ العالم معرّف للصانع (^٣).\nوأجيب أيضًا: بأنّا نقول المعلل هو العدم المتجدد.\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٣٩، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٢٣، وشرح تنقيح الفصول: ض ٤١١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٤١.\n(^٢) في (ت): أن يكون ذلك هو.\n(^٣) في (ص): الصنايع.","vol":"6","page":2560},{"text":"قولكم: لا يتحقق إلا عند قيام المقتضى.\nقلنا: ممنوع لأنّا لا نعني بالعدم (^١) المتجدد إلا أنَّه حصل لنا العلم بعدم الحكم من قِبَل الشرع، ومعلوم أنّ هذا لا يقتضي تحقق المقتضى.\nولقائل أنْ يقول: ما حكم فيه بالعدم بناءً على البراءة الأصلية لا يكون معروفًا من قبل الشرع؛ لأنَّ الشرع لم يرد فيه بشيء.\nوقولهم: إنّ العلّة المعرّف والمتأخر يعرّف المتقدم.\nقلنا: لا يصحّ أنْ تكون العلّة بمعنى المعرّف في هذا المقام؛ لأنّكم اعترفتم من قبل بأنّ الوصف ليس معرِّفًا للحكم في الأصل، بل هو معرّف بالحكم في الأصل معرّف للحكم في الفرع، فالوصف معرَّفٌ إمّا بالنّص إنْ ورد فيه نصّ كما قلتم أو بالبراءة الأصلية وعلى التقديرين لا يكون الوصف معرّفًا له.\nوالكلام لم (^٢) يقع إلا فيه، فامتنع استناد العدم في الأصل إلى هذا العدم المتجدد سواء جعلناه معرّفًا أو مؤثرًا.\nإذا عرفت ضعْفَ ما أجاب به فنقول: وما استدل به أيضًا ضعيف؛ لأنَّ للخصم أنْ يقول: لا يلزم من جواز تعليل عدم الحكم بالمانع حال وجود المقتضى الذي هو شرط التعليل به جواز تعليله به حال عدم المقتضى الذي هو مناف لتعليله به.\n_________\n(^١) في (ص): العدم.\n(^٢) في (ت): لا يقع.","vol":"6","page":2561},{"text":"وأما قولكم: إنّه قويّ حال عدمه، ضعيف حال وجوده، فلسنا نسلم ذلك وسند هذا المنع أنّ وجود المقتضى لما كان شرط تأثيره في عدم الحكم استحال أنْ يقال: إنّه يضعف إذ ذاك وكيف يضعف الشيء حال وجود شرط تأثيره.\nولئن سلمناه، فلا يلزم منه أيضًا عدم الجواز؛ لأنَّ المأخذ في هذا ليس هو القوة والضعف حتّى يلزم ما ذكرتم بل غيرها (^١) من أدلة نقيمها ومن جملتها الدليل الذي أشرتم إليه وبيّنا ضعف ما أجبتم به عنه (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-554>(الثالثة لا يشترط الاتفاق على وجود العلّة في الأصل بل يكفي انتهاض الدليل عليه)</span>.\nشذَّ بعض الأصوليين (^٣) فقال: وجود الوصف الذي جعل علّة في الأصل لا بد وأنْ يكون متفقًا عليه (^٤)، وهذا ضعيف؛ لأنّه لما أمكن إثباته بالدليل حصل الغرض وكان اشتراط الاتفاق تعيثًا (^٥) بل الحقّ أنّه قد\n_________\n(^١) في (غ): غيرهما، وفي (ت): في غيرها.\n(^٢) ينظر هذه الأدلة وأجوبتها: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٣٩، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٤١ - ٣٥٤٢.\n(^٣) لعله بشر المريسي كما نسبه المجد ابن تيمية في المسودة: ص ٤٠١، والمحلي في شرحه على جمع الجوامع: ٢/ ٢١٣.\n(^٤) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦، والحاصل: ٢/ ٩٤٤، ونهاية السول: ٣/ ١١٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٤٣، والنفائس: ٨/ ٣٥٧٣.\n(^٥) العيث: الإفساد من عاث يعيث عيثا وتعيثًا (ينظر: الصحاح: ١/ ٢٨٧ \"عيث\"، والقاموس المحيط: ص ٢١١ \"عيث\").","vol":"6","page":2562},{"text":"يكون ضروريًا ومعلومًا بالبرهان اليقيني ومظنونًا (^١).\nواستدل الشيخ أبو إسحاق على بطلان هذا المذهب بأنّ قائله إن أراد بالاتفاق الذي اشترط (^٢) إجماع الأمّة كلّها أدّى إلى إبطال (^٣) القياس؛ لأنَّ نفاة القياس من جملة الأمّة وأكثرهم يقولون: إنّ (^٤) الأصول غير معلّلة، وإنْ أراد إجماعَ القياسيين فهم بعضُ الأمّة وليس قولهم بدليل (^٥).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-555>(الرابعة الشيء يدفع الحكم كالعدّة أو يرفعه كالطلاق أو يدفع ويرفع كالرضاع)</span>.\nالوصف المجعول علّةً على ثلاثة أقسام (^٦):\nالأول: أن يكون دافعًا للحكم فقط: ومثّل له المصنف بالعدّة فإنّها دافعة لحلّ النّكاح إذا وُجِدت في ابتداء النّكاح، وليست رافعة له إذا\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٤٥ - ٤٤٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٤٣.\n(^٢) في (غ)، (ت): اشترطه.\n(^٣) في (ت): بطلان.\n(^٤) (إن) ليس في (ت).\n(^٥) ينظر: شرح اللمع: ٢/ ٨٢٦.\n(^٦) هذا تقسيم للعلّة باعتبار الرفع والدفع، وقد أطلق عليها بعضهم الابتداء والدوام كما هو صنيع الزركشي في البحر. ينظر: المحلي على جمع الجوامع بحاشية البناني: ٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤، المحلي على جمع الجوامع بحاشية العطار: ٢/ ٢٧٥، والبحر المحيط، ونهاية السول للإسنوي: ٣/ ١١٦ - ١١٧، والسراج الوهاج: ٢/ ٩٦٦، ومعراج المنهاج للجزري ٢/ ٢٠٦، والبحر المحيط للزركشي: ٥/ ١٧٣ - ١٧٤.","vol":"6","page":2563},{"text":"وجدت في أثنائه فإنّ الموطوءة بشبهة تعتدّ وهي باقية على الزّوجية (^١).\nوكذا الإحرام يمنع ابتداء النّكاح ولا يقطعه وهذا يلتفت على أنَّه يغتفر في الدّوام ما لا يغتفر في الابتداء (^٢).\nوكذلك الأصحّ صحة رجعة المحرم لتنزيلها منزلة الدوام وتوقيت النكاح مانع في ابتدائه ولا يمتنع في دوامه. فإذا قال: أنت طالق غدًا أو بعد شهر صحّ (^٣).\nوعقد الذمّة لا يجوز مع تهمة الخيانة ولو اتهمهم بعد العقد لم ينبذ إليهم عهدهم بخلاف الهدنة فإنّه ينبذ العقد فيها بالتهمة (^٤).\nولو نكح أمة بشروطه ثمّ أيسر (^٥) ونكح حرّة لا ينفسخ نكاح الأَمَة خلافا للمزني (^٦).\nولو رأى المتيمم الماء في أثناء صلاته أتمها إنْ كانت مما يسقط فرضها\n_________\n(^١) ينظر: روضة الطالبين: ٧/ ١٤٧، ومغني المحتاج: ٣/ ٣٣٧.\n(^٢) ينظر: الأشباه والنظائر للسبكي: ١/ ١٢٧، والأشباه والنظائر للسيوطي: ص ١٨٦، والمنثور للزركشي: ٢/ ١٥٥.\n(^٣) ينظر: روضة الطالبين: ٨/ ١٢٣، ومغني المحتاج: ٣/ ٣١٥.\n(^٤) ينظر: مغني المحتاج: ٤/ ٢٤٣.\n(^٥) في (ت): أسر.\n(^٦) ينظر: روضة الطالبين: ٧/ ١٣٣.","vol":"6","page":2564},{"text":"بالتيمم وهو مانع في ابتداء الصلاة (^١).\nولو ملك عبدًا له عليه دين ففي سقوط الدّين وجهان: أصحهما لا (^٢). وإنْ كان لا (^٣) يثبت له على عبده ابتداء؛ لأنَّ للدوام من القوة ما ليس للابتداء (^٤).\nوهذه قاعدة في الفقه عظيمة كثرت مسائلها، ومن أراد الإحاطة بفروعها فعليه بكتابنا الأشباه والنظائر أتمه الله (^٥).\nالثاني: أنْ يكون رافعًا للحكم فقط كالطلاق فإنّه يرفع حلّ الاستمتاع (^٦) ولكن لا يدفعه؛ إذ الطلاق لا يمنع وقوع نكاح جديد.\n_________\n(^١) ينظر: الوسيط: ٢/ ٢٨٩، وروضة الطالبين: ٢/ ٤٠.\n(^٢) (لا) ليس في (ت).\n(^٣) (لا) ليس في (ت).\n(^٤) قال النووي في روضة الطالبين ما نصه: ٧/ ٢٣٢ \"حالة الثانية أن يجري البيع بعين الصداق بعد الدخول فيبنى على الخلاف في أن من ملك عبدا له عليه دين هل يسقط ذلك الدين إن قلنا بالأصح إنه لا يسقط صح البيع وتصير مستوفية للمهر المستقر بالدخول ولا شيء لواحد من المتبايعين على الآخر وإن قلنا يسقط وتبرأ ذمة العبد فهل يصح البيع أم لا وجهان: أصحهما الصحة وبه قطع الشيخ أبو حامد ونقله القفال عن شيوخ الأصحاب إذ ليس هو كما قبل الدخول فإن سقوط المهر هناك بانفساخ النكاح بدليل أنه لو كان مقبوضا وجب رده فلا يمكن جعله ثمنا وهنا السقوط بحدوث الملك\".\n(^٥) ينظر الأشباه والنظائر: ١/ ١٢٥ - ١٢٦.\n(^٦) في (ص): الاستماع.","vol":"6","page":2565},{"text":"ولك أن تقول: الرّفع أشدّ من الدّفع (^١)؛ فإذا صلح الوصف (^٢) لأنْ يكون رافعًا فيصلح أنْ يكون دافعًا بطريق أولى، والطلاق كما رفع حلّ الاستمتاع دفعه، ولكن ليس هذا الدفع والرفع مؤبدًا بل قد يزولان بنكاح جديد.\nوالمصنف أراد بكونه لا يدفعه أنَّه لا يمنع من طريانه، فإنّه في القسم الأول منع من الابتداء دون الدوام وفي هذا المنع من الدوام دون الابتداء.\nوينعرج هذا إلى أنَّه قد يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام عكس القاعدة الأولى وهو في مسائل معدودة غير عديدة استقصيناها في كتابنا الأشباه والنظائر كمله الله تعالى (^٣).\nمنها: في الملك الضمني؛ لو اشترى قريبه الذي يعتق عليه صحّ وعَتَقَ عليه، فالقرابة منافية لدوام الملك دون ابتدائه (^٤).\nومنها: لو قتل عتيق زوجته وله منها ولد ثمّ ماتت قبل الاستيفاء وبعد البينونة فهل نقول: وجب لولدها هذا القصاص ثمّ سقط أو لم يجب\n_________\n(^١) وهي عكس القاعدة الفقهية القائلة الدفع أسهل من الرفع: ينظر: الأشباه والنظائر للتاج السبكي: ١/ ١٢٧، والأشباه والنظائر: للسيوطي: ص ١٣٨، والمنثور للزركشي: ٢/ ١٥٥.\n(^٢) (الوصف) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر: الأشباه والنظائر: ١/ ٣١٥ - ٣١٧.\n(^٤) ينظر: الأشباه والنظائر: ١/ ٣١٧.","vol":"6","page":2566},{"text":"أصلًا؟، ظاهر قول الأصحاب وَرِث القصاصَ ولدُه (^١) أنَّه وجب ثمّ سقط فقد (^٢) قارن المسقط وهو البنوة سبب الملك، ولم يمنع ابتداء دخول الملك ومنع الدوام (^٣).\nوحكى إمام الحرمين عن شيخه أنّ القصاص لا يجب، وقس على هذا لو زوَّج عبده بأمته هل نقول: وجب المهر ثم سقط أو لم يجب؟ (^٤).\nومنها: المفلس يصح أنْ يستدين مؤجلًا على المذهب ولو حجر عليه بالفلس حلّ ما عليه من الدّين على قول (^٥).\nومنها: أنّ (^٦) الجنون، فإنّه يحلّ به الدّيون على وجه، ولو أنّ ولي المجنون استدان له مؤجلا حيث لا يجوز له الاستقراض له لجاز ذلك (^٧).\nومنها: لو تكفل ببدن ميت صحّ، ولو تكفل ببدن حيّ فمات انقطعت الكفالة على وجه (^٨).\nومنها: إذا أذن لجاريته ثم استولدها ففي بطلان الإذن اختلاف بين\n_________\n(^١) في (ت): وله.\n(^٢) (فقد) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر: الأشباه والنظائر: ١/ ٣١٧.\n(^٤) ينظر: المصدر نفسه.\n(^٥) ينظر: المصدر نفسه.\n(^٦) كذا في (ص).\n(^٧) ينظر: الأشباه والنظائر: ١/ ٣١٧.\n(^٨) ينظر: المصدر نفسه.","vol":"6","page":2567},{"text":"الأصحاب (^١). قال الرافعي: واتفقوا على أنَّه يجوز ابتداء أن يأذن للمستولدة (^٢) (^٣).\nالثالث: أن يكون دافعًا ورافعًا (^٤) كالرضاع فإنّه يمنع من ابتداء النكاح ومن دوامه إذا طرأ.\nوكذا اللعان إذا طرأ قطع ومنع الابتداء وحرم على التأبيد.\nوألحق بهذا أم زوجتك فإنّ نكاحك بنتها إذا وجد (^٥) مانع من أن يبتدئ عليها عقدًا، ولو كنت قد عقدت على أمّها ولم تدخل بها لجاز لك نكاح بنتها وانقطع به نكاح الأم.\nوأقسام هذا النوع كثيرة أعني كون الشيء يمنع من الدوام والابتداء.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-556>(الخامسة: العلة قد يعلل بها ضدان ولكن بشرطين متضادين)</span>.\nهذه المسألة مبنية على جواز تعدد الحكم لعلّة واحدة. (^٦) فلنذكر المبني\n_________\n(^١) ينظر: المصدر نفسه.\n(^٢) (ومنها أنّ الجنون فإنّه يحلّ به الدّيون. . . . . . . . واتفقوا على أنَّه يجوز ابتداء أن يأذن للمستولدة) ساقط من (غ)، (ت).\n(^٣) ينظر: الأشباه والنظائر: ١/ ٣١٧.\n(^٤) (رافعًا) ليس في (ت).\n(^٥) (إذا وجد) ليس في (غ)، (ت).\n(^٦) هذا تقسيم آخر للعلة وهو تقسيم من حيث ثبوت الحكم الواحد بها أو الأحكام وبهذا الاعتبار تنقسم إلى أربعة أقسام:\nالأول: أن يثبت بها حكم واحد، مثل القتل الخطأ المنسوب إلى ذات واحدة فإن فيه الدية فقط. =","vol":"6","page":2568},{"text":"عليه ثم نعود إلى المبني.\nفنقول ذهبت الجماهير إلى أنّ العلة الواحدة الشرعية يجوز أنْ يترتب عليها حكمان شرعيان مختلفان معًا (^١). وخالف شرذمة قليلون (^٢).\n_________\n= الثاني: أن يثبت لها أحكام متعددة مثماثلة، وذلك من جانبين:\nإما أن تكون الأحكام المتعددة في ذات واحدة، وهذا محال؛ لأنه لا يجوز أن يجتمع المثلان في ذات واحدة.\nوإما أن تكون الأحكام المتعددة في ذاتين وهذا جائز، ومثال ذلك القتل الخطأ إذا كان واقعا على ذاتين، فإنه يوجب بكل ذات دية على القاتل.\nالثالث: أن يكون لها أحكام مختلفة ولكنها ليست متضادة، وهذا جائز أيضًا سواء بالنسبة إلى ذات واحدة، كما هو الشأن في الحيض فإنه علَّة في تحريم الصوم والصلاة والوطء والإحرام بالحج، أم بالنسبة إلى ذاتين وهذا واضح فإن القاتل لشخصين أحدهما عمدا والآخر خطأ يجب بالخطأ الدية وبالعمد القصاص.\nالرابع: أن يكون لها أحكام مختلفة متضادة ويكون هذا في محلين مختلفين، ولا يتصور ذلك في محل واحد إلّا بشرطين مختلفين لا يمكن اجتماعهما. وهذا الذي ذكره المصنف والمقصود بالشرح.\nينظر: شرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٧٣٩ - ٧٤٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٤٤، ونهاية السول: ٣/ ١١٧، ونهاية السول مع تعليقات بخيت: ٤/ ٢٩٩ - ٣٠٠، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣٤٤، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٢٨، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢٨٨، المحلي على جمع الجوامع مع البناني: ٢/ ٢٤٦، الآيات البينات: ٤/ ٦٩ - ٧٠.\n(^١) ينظر: المصادر السابقة.\n(^٢) ينظر: البحر المحيط للزركشي: ٥/ ١٧٥، ونسب هذا القول إلى الصيرفي قال: وجزم به في الدلائل، وحكاه القاضي عبد الوهاب عن متقدمي أصحابه.","vol":"6","page":2569},{"text":"وحجة الجمهور أنّ العلّة إن فسرت بالمعرّف فجوازه ظاهر؛ إذ لا يمتنع عقلًا ولا شرعًا نصب أمارة واحدة على حكمين مختلفين (^١). قال الآمدي: وذلك مما لا نعرف فيه خلافًا كما لو قال الشارع: جعلت طلوع الهلال أمارة على وجوب الصوم والصلاة.\nوإن فسرت بالباعث فلا يمتنع أيضًا أن يكون الوصف الواحد باعثًا على حكمين مختلفين أي مناسبًا لهما بأمر مشترك بينهما كمناسبة الربا (^٢) والشرب للتحريم ووجوب الحدّ (^٣) والقتل للقصاص والكفارة وحرمان الميراث.\nوإن فسرت بالموجب وكانت العلّة مركبة لم يمتنع ذلك أيضًا لجواز أنْ يكون الموجب المركب مصدرًا لأثرين مختلفين كما في العلل العقلية المركبة.\nوإنْ كانت بسيطة فكذلك إذ لا يمتنع أنْ تكون (^٤) العلّة البسيطة موجبة لأثرين مختلفين؛ لأنَّ القول بأنّ الواحد لا يصدر عنه إلا واحد مقطوع ببطلانه على أنّ القول بكون العلّة الشرعية موجبة باطل. وأيضًا دليل الجواز الوقوع وقد وقع كما عرفت.\nواعتل المانع بما لا يعصم ولا يرتضى ذكره (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: المصادر السابقة.\n(^٢) في (ت): الزنا.\n(^٣) هنا ينتهي كلام الآمدي. ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٣٤٥.\n(^٤) (تكزن) ليس في (ت).\n(^٥) ينظر: البحر المحيط للزركشي: ٥/ ١٧٥.","vol":"6","page":2570},{"text":"إذا عرفت ذلك فإن قلنا بمذهب الجماهير فقد يعلل بالعلّة متماثلان ولكن في محال متعددة (^١) كالقتل الصادر من زيد ومن عمرو، فإنّه يوجب القصاص على كلّ واحد منهما، ولا يتأتى ذلك في الذات الواحدة لاستحالة اجتماع المثلين.\nوقد يعلل بها مختلفان غير متضادين كالحيض لحرمة الوطء ومسّ المصحف، وقد يعلل بها معلولان متضادان.\nوعلى ذكر هذا القسم اقتصر في الكتاب وذلك لا يكون إلا بشرطين متضادين كالجسم يكون علّة للسكون بشرط البقاء في الحيز وعلّة للحركة بشرط الانتقال عنه.\nوإنما قلنا يشترط فيهما شرطان لأنّه لا يمكن اقتضاؤهما لها بلا شرط أصلا أو لبعضهما بشرط دون الآخر وإلا يلزم اجتماع الضدين وهو محال وإنما قلنا يشترط التضاد في الشرطين لأنّه لو أمكن اجتماعهما كالبقاء (^٢) في الحيز مع الانتقال مثلا فعند حصول ذينك الشرطين إن حصل الحكمان أعني السكون والحركة لزم اجتماع الضدين، وإن حصل أحدهما دون الآخر لزم الترجيح دون مرجح وإن لم يحصل واحد منهما خرجت العلة عن أنْ تكون علة فتعين التضاد (^٣) في الشرطين فاعتمد على هذا التقرير (^٤).\n_________\n(^١) (ولكن في محال متعددة) ساقط من (غ).\n(^٢) في (ت): النكاح.\n(^٣) في (ت): التضاد به.\n(^٤) ينظر: الآيات البينات: ٤/ ٦٩ - ٧٠.","vol":"6","page":2571},{"text":"الفصل الثاني: الأصل والفرع","vol":"6","page":2573},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-557>(الفصل الثاني: في الأصل والفرع</span>.\nأمّا الأصل فشرطه ثبوت الحكم فيه بدليل غير القياس؛ لأنّه إن اتحدت العلّة فالقياس على الأصل الأول، وإن اختلفت لم ينعقد الثاني).\nللأصل شرائط (^١):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>الأول: ثبوت الحكم فيه بدليل غير القياس</span>؛ لأنَّ القياس عبارة عن إثبات مثل حكم الأصل في الفرع كما عرفت ولا يتأتى ذلك إلا بعد ثبوت الحكم في الأصل (^٢).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-559>الثاني: أنْ يكون ذلك الثبوت بدليل</span>؛ لأنَّ الحكم لا بد له من دليل وأن يكون شرعيا وهذا في الحقيقة شرط ثالث ولكن لما كان الحكم عندنا لا يكون إلا شرعيا لعدم القول بالحسن والقبح اكتفى المصنف بقول:\n_________\n(^١) لما فرغ من الركن الأساسي في القياس وهو العلّة شرع في الركنين الباقيين وهما الأصل والفرع، فذكر شروط الأصل وعدَّها ستة وذكر شروطًا أخرى للكرخي. وأوصلها الهندي إلى ثمانية شروط، وإن كان المصنف والشارح أدمج بعض الشروط، وقد نبه الشارح على ذلك في الشرط الثاني فهي ثلاثة شروط في واحد (دليل شرعي سمعي).\nوينظر هذه المسألة: شرح اللمع: ٢/ ٨٢٥، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٨٤، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٢٥، وشفاء الغليل له: ص ٦٣٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٧/ ٣١٨٣، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٠٩.\n(^٢) ينظر: المصادر نفسها.","vol":"6","page":2575},{"text":"\"بدليل\" وأن يكون الدليل على معرفته سمعيًا.\nوهذا وإن صلح لأنْ يكون شرطًا رابعًا فاكتفى المصنف عن ذكره بقوله: \"بدليل\" أيضًا؛ لأنَّ رأينا أنّ ما لا يكون طريق معرفته سمعيا لا يكون حكما شرعيا وهذا ظاهر على مذهبنا (^١).\nوقال صفي الدين الهندي: يحترز بالحكم الشرعي عن اللغوي والعقلي فإنا بتقدير أن يجري القياس التمثيلي فيهما فإنه ليس قياسًا شرعيًا بل لغويًا وعقليًا وكلامنا في الشرعي (^٢).\nولقائل أنْ يقول إذا قلت بجريان القياس فيهما ترتب على ذلك أمر شرعي وهو تحريم النبيذ مثلا لصدق الخمر عليها قياسًا (^٣).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-560>الثالث: هو المشار إليه بقوله: \"غير القياس</span>\"، وأنت إذا تأملت كلامنا مضيت عليه بأنه خامس، أن لا يكون الدليل الدال على حكم الأصل قياسًا.\nوهذا الشرط معتبر عند الجماهير من أصحابنا (^٤). . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) خلافا للمعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين.\n(^٢) في جميع النسخ: اللغوي، والصحيح ما أثبته. ويؤيده ما جاء في نص النهاية \"وكلامنا في القياس الشرعي\". ينظر النهاية: ٧/ ٣١٨٣ - ٣١٨٤.\n(^٣) ينظر: الإحكام للآمدي: ٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٠٩.\n(^٤) ينظر: التبصرة للشيرازي: ص ٤٥٠، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٢٥، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٨٤، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٧٨، ونهاية الوصول للصفي = الهندي:","vol":"6","page":2576},{"text":"والحنفية (^١).\nوخالف فيه بعض المعتزلة (^٢) والحنابلة (^٣) وأبو عبد الله البصري (^٤).\nلنا أنّ العلّة الجامعة بين القياسين؛ إمّا أنْ تكون متحدة أو مختلفة، فإنْ كان ذكر الأصل الثاني تطويلًا بلا فائدة؛ لأنّه يستثنى عنه بقياس الفرع الثاني على الأصل الأول.\nمثاله: كما لو قيل: من جانبنا الوضوء عبادة، فيشترط فيها النية قياسًا على الغسل، ثم نقيس الغسلَ في أنَّه يشترط فيه النية على الصلاة والصوم بجامع كونه عبادة، فَرَدُّ الوضوءِ إلى الصلاةِ والصومِ بهذا الجامع أولى (^٥).\nوإن كان الثاني لم ينعقد القياس الثاني لعدم اشتراك الأصل والفرع فيه في علة الحكم كما يقال من جانبنا: الجذام (^٦) عيب يفسخ به البيع فيفسخ\n_________\n= ٧/ ٣١٨٥.\n(^١) ينظر: تيسير التحرير: ٣/ ٢٨٧، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢٥٣.\n(^٢) ينظر: المعتمد: ٢/ ٧٠٠، والتبصرة للشيرازي: ص ٤٥٠، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٧٨.\n(^٣) ما نقله الشارح عن الحنابلة هو أحد قوليهم، إذ لهم قولان في المسألة عدم الجواز، والجواز. ينظر: التمهيد للكلوذاني: ٣/ ٤٤٣، والمسودة: ص ٣٩٥ - ٣٩٦، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٢٦، والمدخل: ص ٣٠٨.\n(^٤) هو من باب عطف الخاص على العام فهو معتزلي يرى مذهب أصحابه، وكان الأولى أن يذكر بعد ذكر المعتزلة، ثمّ يعطف عنهم الحنابلة.\n(^٥) ينظر الدليل والمثال: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٧/ ٣١٨٥.\n(^٦) الجُذَامُ: كغُرَاب: علّة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج =","vol":"6","page":2577},{"text":"به النكاح قياسًا على القرن (^١) والرتق (^٢) ثم يقاس القرن على الجب (^٣) في الحكم المذكور بجامع فوات الاستمتاع فإن علة ثبوت الحكم في القرن فوات الاستمتاع، وهو غير موجود في الجذام فلا يصح قياسه عليه (^٤).\nفرع: قد علمت أنّ حكم الأصل لا بد وأنْ يكون ثابتًا بدليل سوى القياس، ولا ينحصر الدليل المشار إليه في الكتاب والسنة بل جاز أنْ يكون إجماعًا؛ لأنّه أصل في إثبات الأحكام فجاز القياس على ما ثبت به؛ ولأنه إذا جاز القياس على ما ثبت بخبر الواحد فلأن يجوز على ما ثبت بالإجماع بطريق أولى.\nومن أصحابنا من قال لا يجوز القياس على ما ثبت بالإجماع، بل يشترط أنْ يكون كتابًا أو سنةً حكاه الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع (^٥).\n_________\n= الأعضاء وهيأتها، وربما انتهى إلى كل الأعضاء وسقوطها عن تقرح. ينظر: القاموس المحيط: ص ١٤٠٥ مادة: جذم\".\n(^١) القرن: في الفرج مانع يمنع سلوك الذكر فيه إما عدّة غليظة أو لحمة مرتتقة أو عظم. وامرأة قرناء بها ذلك. ينظر: أنيس الفقهاء: ص ١٥١، والصحاح: ٦/ ٢١٨٠، والمغرب: ٢/ ١٧٢.\n(^٢) الرَّتَق: بفتح التاء انسداد الرحم بعظم ونحوه، والمرأة الرتقاء التي لا يصل إليها زوجها.\nينظر: أنيس الفقهاء: ص ١٥١، والصحاح: ٤/ ١٤٨٠، والمغرب: ١/ ٣٢٠.\n(^٣) الجبُّ: القطع، واستئصال المذاكير. ومنه المجبوب وهو المقطوع الذكر والأنثيين. ومن شلّ في حكمه. ينظر: القاموس المحيط: ص ٨٢ مادة: جبب\"، والنظم المستعذب: ٢/ ٥٠، والروض المربع مع حاشية النجدي: ٦/ ٣٣٤.\n(^٤) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٧/ ٣١٨٦.\n(^٥) ينظر: شرح اللمع: ٢/ ٨٢٩.","vol":"6","page":2578},{"text":"قال: (وأن لا يتناول دليل الأصل الفرع وإلا لضاع القياس).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-561>الشرط الرابع: أنْ لا يكون دليل الأصل بعينه دليل الفرع</span>، أي متناولًا له، وإلا لضاع القياس لخلوه عن الفائدة حينئذ بالاستثناء بدليل الأصل عنه؛ ولأنه حينئذ لا يكون جعل أحدهما أصلًا والآخر فرعًا أولى من العكس (^١).\nمثاله: ما لو قيل من جانبنا فضل القاتل القتيل بالإسلام فلا يقتل به، كما لو قتل المسلم الحربي، ثم استدل على علية الكفر لذلك بقوله - ﷺ -: \"لا يقتل مؤمن بكافر\" (^٢).\nوكذا لو قسنا السفرجل على البر بجامع الطعم دالين عليه بقوله ﵊: \"لا تبيعوا الطعام بالطعام. . . . الحديث\" (^٣) (^٤).\nقال (وأن يكون حكم الأصل معللا بوصف معين)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-562>الخامس: لا بد وأن يظهر كون ذلك الأصل معللا بوصف معين</span>؛ لأنَّ رد الفرع إليه لا يصح إلا بهذه الواسطة فلو ادعى عليه بشيء مشترك بين الأصل والفرع. منهم لم يقبل منه، إلا عند بعض المتحذلقين من متأخري الجدليين حيث قبلوه في مجلس المناظرة (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٧/ ٣١٨٨.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أصل هذا الحديث في صحيح مسلم (ت): ٦٤٩ كتاب المساقاة (٢٢) باب بيع الطعام مثلا بمثل (١٨) رقم (٩٣/ ١٥٩٢)\n(^٤) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٧/ ٣١٨٨.\n(^٥) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٨٦، وكشف الأسرار: ٣/ ٣٠٢، ونهاية =","vol":"6","page":2579},{"text":"قال: (غير متأخر عن حكم الفرع دليل سواه).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>السادس: أنْ لا يكون حكم الأصل متأخرا عن حكم الفرع وهو كقياس الوضوء على التيمم في اشتراطه النية</span>؛ لأنَّ التعبد بالتيمم إنما ورد بعد الهجرة والتعبد بالوضوء كان قبله (^١).\nقال المصنف تبعا للإمام (^٢) وهذا يستقيم إذا لم يكن للفرع دليل سوى القياس على ذلك الأصل المتأخر؛ لأنَّ قبل ذلك المتأخر، إن كان الحكم ثابتا في الفرع مع أنَّه لا دليل عليه سوى القياس عليه، لزم تكليف ما لا يطاق، وأمَّا إذا كان عليه دليل آخر سوى القياس عليه فيجوز كونه متأخرًا لزوال المحذور المذكور، وترادف الأدلة على المدلول الواحد جائز مليح وكتب الأصوليين إلا من نحا نحو الإمام ساكتة عن هذا التفصيل (^٣).\nولقائل أنْ يقول: إذا كان للفرع دليل آخر سواه فكيف يكون هذا الذي سميتموه بالأصل أصلًا له وهو لم يتفرع عنه ولم ينبن عليه؟\nنعم، هو صالح لأنْ يكون أصلًا، بمعنى أنَّه لو لم يوجد حكمة المستند إلى غير هذا الأصل لوجد مستندا إليه.\n_________\n= السول: ٣/ ١٢٠، وشرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٧٤٣.\n(^١) ينظر: المصادر نفسها.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٨٦.\n(^٣) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٧/ ٣١٨٩، والمعتمد: ٢/ ٨٠٦، والمستصفى: ٢/ ٢٣١، وكشف الأسرار: ٣/ ٣٣٠، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٨٦.","vol":"6","page":2580},{"text":"قال: (وشرط الكرخي عدم مخالفة الأصول أو أحد ثلاثة: التنصيص على العلة والإجماع على التعليل مطلقا وموافقة أمور أخر والحق أنَّه يطلب الترجيح بينه وبين غيره)\nجعل الكرخي من شروط الأصل كونه غير مخالف في الحكم للأصول الثابتة في الشرع، أو وجدان أحد أمور ثلاثة على تقدير مخالفته لها.\nأولها: تنصيص الشارع على علّة ذلك الحكم. قال: فإن التنصيص على عليته كالتصريح بوجوب القياس عليه.\nوثانيها: إجماع الأمّة على تعليل ذلك ولا يضر مع هذا الإجماع أن يختلفوا في علته وإلى هذا أشار المصنف بقوله مطلقًا.\nوثالثها: أنْ يكون القياس عليه موافقًا للقياس على أصول أخر كالتحالف عن اختلاف المتبايعين في قدر الثمن إذا لم يكن لأحد منهما بينة فإنه وإن كان مخالفا لقياس الأصول لأنَّ قياس الأصول يقتضي قول المنكر إذ الأصل عدم شغل ذمته بما يدعيه البائع من القدر الزائد لكن ثم أصل آخر يوافقه وهو أنّ المشتري ملك المبيع عليه فالقول قول من ملك عليه، أصله الشفيع من المشتري إذا اختلفا في قدر ثمن الشقص فإن القول قول المشتري لأنَّ الشفيع يملك عليه الشقص ولذلك قسنا في التحالف على الاختلاف ثمن المبيع ما عدا المبايعات من عقود المعاوضات كالسلم والإجازة والمساقاة والقراض والجعالة والصلح عن الدم والخلع والصداق والكتابة.","vol":"6","page":2581},{"text":"وذهب أكثر أصحابنا (^١) وبعض الحنفية (^٢) إلى جواز القياس على ما خالف قياس الأصول مطلقًا (^٣).\nوالمختار عند المصنف تبعا للإمام أنَّه يطلب الترجيح بين ذلك الأصل وبين غيره من الأصول المخالفة له ويلحق الفرع بالراجح منهما (^٤).\nهذا شرح ما في الكتاب والموضع يزيد بسطة في الكلام.\nوقد أحسن الغزالي في هذا الفصل ونحن لا نعتد بكلامه فنقول من شروط حكم الأصل أن لا يكون خارجا عن قاعدة القياس وهذا مما أطلق وهو محتاج إلى تفصيل فاعلم أنّ وصف الحكم بهذه الصفة باعتبارات.\nالأول: القاعدة المستفتحة المشروعة ابتداء من غير أنْ تقطع عن أصل آخر التي لا يعقل معناها فلا يقاس عليها لتعذر العلة.\nقال الغزالي: فيسمى هذا خارجا عن القياس تجوزًا إذ معناه أنه ليس منقاسا؛ لأنّه لم يدخل في القياس حتى يخرج عنه ومثاله المقدرات في أعداد الركعات ونصب الزكوات ومقادير الحدود والكفارات وجميع التحكمات\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٨٩، ونهاية السول للإسنوي: ٤/ ٣٢١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٧/ ٣١٩٤.\n(^٢) ينظر: فواتح الرحموت: ٢/ ٢٥٠.\n(^٣) وهو رأي الحنابلة أيضًا في القول الراجح عندهم. ينظر: المسودة: ص ٣٩٩، والمدخل: ص ٣١٥، والروضة: ٢/ ٣٣١ - ٣٣٣.\n(^٤) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٨٩.","vol":"6","page":2582},{"text":"المبتدأة التي لا ينقدح فيها معنى (^١).\nالثاني: ما استثني عن قاعدة عامة ولا يعقل معناه من غير أنْ تنسخ تلك القاعدة فلا يقاس عليه أيضًا لأنّه فهم ثبوت الحكم في المستثنى على الخصوص وفي القياس إبطال الخصوص مثل تخصيصه ﵊ خزيمة (^٢) بقبول شهادته وحده (^٣) وتخصيص أبي بردة في\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى: ٢/ ٣٢٨، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٨٦، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢١١، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٢١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٧/ ٣١٩١.\n(^٢) هو خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الأنصاري أبو عمارة صحابي، من أشراف الأوس في الجاهلية والإسلام. ينظر: الإصابة: ١/ ٤٢٥، وصفة الصفوة: ١/ ٢٩٣.\n(^٣) الحديث أخرجه أبو داود في سننه: ص ٥٥٥، كتاب الأقضية (١٨) باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به (٢٠) رقم الحديث (٣٦٠٧)، وأخرجه النسائي في سننه كتاب البيوع (٤٤) باب التسهيل في ترك الإشهاد على البيع (٨) رقم الحديث (٤٦٥١) ٧/ ٣٠١. وأخرجه أحمد في المسند: ٥/ ٢١٥، ٢١٦ إسناده صحيح. وأخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب البيوع ٢/ ١٧ - ١٨ وقال هذا حديث صحيح الإسناد ورجاله ثقات ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في كتاب الشهادات باب الأمر بالإشهاد: ١٠/ ١٤٥.\nوقصته: أن رسول الله - ﷺ - اشترى ناقة من أعرابي وأوفاه ثمنها، ثمّ جحد الأعرابي استيفاءه، وجعل يقول: هلم شهيدًا فقال ﵊: من يشهد لي فقال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد يا رسول الله أنك أوفيت الأعرابي ثمن الناقة فقال - ﷺ -: كيف تشهد لي ولم تحضرني فقال: يا رسول الله أنا أصدقك فيما تأتيني به من خبر السماء أفلا أصدقك فيما تخبر به من أداء ثمن الناقة. فقال رسول الله - ﷺ - \"من شهد له خزيمة فهو حسبه\".","vol":"6","page":2583},{"text":"الأضحية بالعناق (^١) (^٢).\nالثالث: ما استثني عن قاعدة لمعنى يعقل فهذا يقاس عديه، مثاله استثناء العرايا فإنه لم يرد ناسخًا لعلة الربا وإنما استثني فنقيس عليه العنب على الرطب وهذا القسم هو ما وقع فيه كلام المصنف واختلاف العلماء على الأقوال الثلاثة التي قد عرفها ولا يتجه جريان الخلاف في غيره.\nوالرابع: ما شرع مبتدأ غير مقتطع عن أصول أخر وهو معقول المعنى لكنه عديم النظر فلا يقاس عليه لأنّه لا يوجد له نظير خارج مما\n_________\n(^١) عن البراء بن عازب قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - يوم النحر بعد الصلاة قال: \"من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم\" فقام بردة بن نيار، فقال: يا رسول الله والله لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فتعجلت فأكلت وأطعمت أهلي وجيراني فقال رسول الله: \"تلك شاة لحم\" قال: فإن عندي عناق جذعة هي خير من شاتي لحم، فهل تجزئ عني؟ قال: \"نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك\".\nأخرجه البخاري في كتاب العيدين (١٣) باب كلام الإمام والناس في خطبة العيد (٢٣) ١/ ٣٣٤ الحديث رقم (٩٨٣). وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الأضاحي (٣٥) باب وقتها (١) ٣/ ١٥٥٢ رقم (١٩٦١)\nوالعَنَاق: بفتح العين هي الأنثى من المعز ما لم تستكمل سنة وجمعها أعنق وعنوق. ينظر: المصباح المنير: ص ٤٣٢ \"عنق\".\n(^٢) ينظر: المستصفى: ٢/ ٣٢٧، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٨٦، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢١١، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٢١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٧/ ٣١٩١.","vol":"6","page":2584},{"text":"يتناوله النص والإجماع فالمانع من القياس فقد العلة في غير المنصوص فكأنه معلل بعلة قاصرة (^١).\nومثاله: رخص السفر والمسح على الخفين ورخصة المضطر في أكل الميتة وتعلق الأرش برقبة العبد وإيجاب غرة الجنين والشفعة في العقار وخاصية الإجارة والنكاح وحكم اللعان والقسامة ونظائرها.\nوعدّ الغزالي من جملتها ضرب الدية على العاقلة (^٢).\nوذلك قول منه بأنها معقولة المعنى مخالف إمامه.\nويساعد ما أوردناه بحثا فيما تقدم: (^٣) فإنّ هذه القواعد متباينة المأخذ فلا يقال بعضها خارج عن قياس البعض، بلى لكل واحد معنى ينفرد به لا يوجد له نظير فليس البعض بأن يوضع أصلا ويجعل الآخر خارجا عن قياسه بأولى عن عكسه ولا ينظر فيه إلى كثرة العدد وقلته. وتحقيقه أنا نعلم أنَّه إنما جوز المسح على الخف لعسر النزع ومسيس الحاجة إلى استصحابه فلا نقيس عليه القفازين وما لا يستر جميع القدم، لا لأنَّه خارج عن القياس لكن لأنَّه لا يوجد ما يساويه في الحاجة\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى: ٢/ ٣٢٧، والإحكام للآمدي: ٣/ ٢٨٦، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢١١، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٢١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٧/ ٣٢٠٠.\n(^٢) وتعلق الأرش برقبة العبد وإيجاب غرة الجنين والشفعة في العقار وخاصية الإجارة والنكاح وحكم اللعان والقسامة ينظر: المستصفى: ٢/ ٣٢٧.\n(^٣) من هنا يبدأ كلام الغزالي.","vol":"6","page":2585},{"text":"وكذا رخصة السفر ثابتة للمشقة ولا يقاس عليها مشقة أخرى لأنّه لا يشاركه غيرها في جملة معانيها ومصالحها لأنَّ المرض لا يحوج إلى الجمع بل إلى القصر وقد قصر في حقه بالرد من القيام إلى القعود ولما ساواه في حاجة الفطر سوى الشرع بينهما، وكذلك قولهم: تناول الميتة للمضطر رخصة خارجة عن القياس غلط لأنّه إن أريد بأنه لا يقاس عليه غير المضطر؛ فلأنه ليس في معناه وإلا فنقيس الخمر على الميتة والمكره على المضطر فهو مُنْقَاس، وكذلك بداية الشرع بأيمان المدعي في القسامة لشرف أمر الدم ولخاصية لا يوجد مثلها في غيره ولأنه عديم النظير وأقرب شيء إليه البضع. وقد ورد تصديق المدعي باللعان على ما يليق به وكذلك ضرب الدية على العاقلة كان ذلك رسم الجاهلية قرره الشرع؛ لكثرة وقوع الخطأ وشدَّة الحاجة إلى ممارسة السلاح، ولا نظير له في غير الدية، وهذا مما يكثر فبهذا (^١) يعرف أنّ قول الفقهاء: تأقت الإجارة خارج عن قياس البيع والنكاح. خطأ كقولهم: تأبد البيع والنكاح خارج عن قياس تأقت المساقاة؛ فإذن هذه الأقسام الأربعة لا بد من فهم تباينها بحصول الوقوف على سر هذا الأصل (^٢).\nالخامس: ما شرع مبتدأ من غير اقتطاع عن أصول أخر وهو معقول المعنى وله نظائر وفروع فهذا هو الذي يجري فيه القياس وفي جزئياته تنافر القياسيين واضطراب آراء الجدليين (^٣).\n_________\n(^١) فبهذا، في (ت)، (غ)، (ص): وهو، والمثبت من المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٢٩.\n(^٢) انتهى كلام الغزالي. ينظر: المستصفى: ٢/ ٣٢٩.\n(^٣) ينظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢١١، ونهاية الوصول للصفي =","vol":"6","page":2586},{"text":"قال: (وزعم عثمان البتي قيام ما يدل على جواز القياس علية وبشر المريسي الإجماع علية أو التنصيص على العلة وضعفهما ظاهر).\nهذان بحثان:\nالأول: لا يشترط في الأصل أنْ يقوم دليل على جواز القياس عليه بحسب الخصوصية نوعية كانت أو شخصية بل كل حكم انقدح فيه معنى مخيل غلب على الظن اتباعه فإنه يجوز أن يقاس عليه (^١).\nوالثاني: لا يشترط في الأصل انعقاد الإجماع على أنّ حكمه معللا وإن ثبت عليته بالنص (^٢).\nوخالف عثمان البتي (^٣) في الأول فزعم اشتراط قيام ما\n_________\n= الهندي: ٧/ ٣٢٠٠.\n(^١) ينظر: المستصفى: ٢/ ٣٢٦، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٩٣ ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٧/ ٣٢٠٢.\n(^٢) ينظر: المعتمد: ٢/ ٧٦١، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٩٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٧/ ٣٢٠٢.\n(^٣) هو أبو عمرو عثمان بن سليمان البتي، تابعي كوفي بصري، نُسب إلى ما كان يبيعه ويتاجر فيه وهي البتوت والبت: الكساء الذي يتخذ من الوبر أو الصوف كما قال الشاعر:\nمَنْ يَكُ ذَا بَتٍّ فَهَذَا ... بَتِّي مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتِّي\nأو موضع بنواحي البصرة، أو قرية من قرى العراق وهو شيخ أهل الرأي بالبصرة توفي سنة ١٤٣ هـ.\nينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي: ص ٩١، طبقات ابن سعد: ٧/ ٢٥٧.","vol":"6","page":2587},{"text":"يدل على جواز القياس عليه بحسب الخصوصية النوعية فإن كانت المسألة من مسائل البيع مثلا فلا بد من دليل على جواز القياس في أحكام البياعات أو في النكاح فكذلك.\nوخالف بشر بن غياث المريسي (^١) في الثاني فزعم اشتراط قيام الإجماع عليه أو التنصيص على العلّة.\nقال صاحب الكتاب: وضعفهما ظاهر يعني مذهب عثمان وبشر وهو كما قال فقد استعملت الصحابة - ﵃ - القياس من غير بحث عن ذلك وأيضا أدلة القياس مطلقة من غير تقييد باشتراط شيء مما ذكراه.\nقال: (وأما الفرع فشرطه ثبوت العلة فيه بلا تفاوت وشرط العلم به والدليل على حكمه إجمالا ورد بأن الظن يحصل بدونهما).\nذكر المصنف مما اشترط في الفرع واحدًا يوافق عليه وآخرين لا يوافق عليهما (^٢).\n_________\n(^١) وهو بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي العدوي بالولاء. فقيه معتزلي عارف بالفلسفة تفقه على أبي يوسف صاحب أبي حنيفة ثم اشتغل بعلم الكلام، حكي عنه أقوال شنيعة ومذاهب منكرة وإليه تنسب الطائفة من المرجئة التي يقال لها المريسية من تصانيفه التوحيد والإرجاء والرد على الخوارج ولد سنة ١٣٨ هـ توفي سنة ٢١٨. ينظر: الفوائد البهية: ص ٥٤، وشذرات الذهب: ٢/ ٤٤، وتاريخ بغداد: ٧/ ٥٦، ووفيات الأعيان: ١/ ٩١.\n(^٢) ذكر الغزالي والآمدي والصفي الهندي للفرع خمسة شروط وأوصلها صاحب البحر إلى ثمانية شروط واكتفى المصنف ببعضها:\n١ - وجود العلّة الموجودة أي قيامها ولا يشترط القطع بوجودها بل يكفي الظن.\n٢ - أن تكون العلة الموجودة فيه مثل على الأصل بلا تفاوت أي بالنسبة إلى =","vol":"6","page":2588},{"text":"أما الأول: فأن تكون العلّة الموجودة فيه مثل علة حكم الأصل من غير تفاوت ألبتة لا في الماهية ولا في القدر أي في النقصان.\nفأمّا في الزيادة فلا يشترط إذ قد يكون في الفرع أولى كقياس الضرب على التأفيف.\nوالدليل على هذا الشرط أنّ القياس إثبات حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علّة الحكم فإذا لم توجد علّة حكم الأصل في الفرع لا يحصل إثبات حكمه فيه (^١).\n_________\n= النقصان.\n٣ - أن يساوي حكمه حكم الأصل فيما يقصد من عين أو جنس ليتأدى به مثل ما يتأدى بالحكم في الأصل. فإن كان حكم الفرع مخالفا لحكم الأصل فسد القياس.\n٤ - أن يكون خاليًا عن معارض راجح يقتضي نقيض ما اقتضته على القياس.\n٥ - أن لا يتناول دليل الأصل، لأنه يكون ثابتا به.\n٦ - انتفاء نص أو إجماع يوافقه وهذا شرط شرطه الغزالي والآمدي.\n٧ - أن لا يكون الحكم في الفرع ثابتا قبل الأصل.\n٨ - وهو ما شرطه أبو هاشم دلالة دليل غر القياس على ثبوت الحكم في الفرع بطريق الإجمال، ويكون حظ القياس إبانة فيصله والكشف عن موضوعه وحكاه إلكيا الطبري عن أبي زيد أيضًا.\nانتهى ملخصًا من البحر المحيط: ٥/ ١٠٧ - ١١٠. وينظر أيضًا: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٣٠، والمحصول للرازى: ج ٢/ ق ٢/ ٤٩٧، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣٥٩، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٥٩، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٣٢٩.\n(^١) ينظر: المستصفى للغزالي: ١/ ٣٣٠، والمحصول للرازى: ج ٢/ ق ٢/ ٤٩٧، والإحكام للآمدي: ٣/ ٣٥٩، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٥٩، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٣٢٩.","vol":"6","page":2589},{"text":"وأما الثاني: فشرط دلالة دليل غير القياس على ثبوت الحكم في الفرع بطريق الإجمال حتى يدل القياس عليه بطريق التفصيل.\nوهذا ذكره أبو هاشم وقال: لولا أنّ الشرع ورد بميراث الجدّ جملة لما نظر الصحابة - ﵃ - في توريث الجدّ مع الإخوة (^١).\nورد المصنف هذين القولين بأنّ ظنّ ثبوت الحكم في الفرع يحصل بدون حصول هذين الأمرين والعمل بالظنّ واجب فلا يشترطان.\nوردّ الغزالي على قولي أبي هاشم بأن الصحابة - ﵃ - قاسوا قوله: أنت عليّ حرام على الطلاق والظهار واليمين ولم يكن ورد فيه حكم لا على العموم ولا على الخصوص (^٢)\nوقد أهمل المصنف من شروط الفرع كون حكمه مماثلا لحكم الأصل إمّا نوعًا كقياس وجوب القصاص في النفس في صورة القتل بالمثقل على وجوبه فيها في القتل بالمحدد أو جنسا كإثبات ولاية النكاح على البنت الصغيرة بالقياس على إثبات الولاية في مالها فإن المماثلة إنما هي في جنس الولاية لا في نوعها وهذا شرط معتبر بلا شك ويدل عليه قولنا: القياس إثبات مثل حكم معلوم في معلوم (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٤٩٨.\n(^٢) ينظر المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١.\n(^٣) ينظر هذا الشرط الذي أضافه الشارح في: الإحكام للآمدي: ٣/ ٣٥٩، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٥٩، والبحر المحيط: ٥/ ١٠٨.","vol":"6","page":2590},{"text":"فإن قلت: كلامكم هنا ناطق بأن كون حكم الفرع مماثلا لحكم الأصل شرط وكذا وجود العلّة فيه بلا تفاوت، وظاهر ما ذكرتم في تعريف القياس يقتضي أنهما ركنان إذ قلتم: إنّه إثبات مثل حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علّة الحكم وإنما يذكر في الحدّ الأركان دون الشرائط.\nقلت: الذي ذكرناه هنا أنَّه شرط للفرع وما ذكرناه في التحديد يقتضي أنْ يكون ركنًا في القياس ولا امتناع في أنْ يكون الشيء ركنًا لمجموع ويكون شرطًا لبعض أجزائه كقراءة الفاتحة ركن في الصلاة وشرط لصحة القيام وكذلك التشهد بالنسبة إلى القعود بل أركان الصلاة كلها بهذه المثابة فإن بعضها شرط لصحة البعض الآخر (^١).\nقال: (تنبيه: يستعمل القياس على وجه التلازم ففي الثبوت يجعل حكم الأصل ملزوما وفي النفي نقيضه لازما مثل لما وجبت الزكاة في مال البالغ للمشترك بينه وبين مال الصبي وجبت في ماله ولو وجبت في الحلي لوجبت في اللآلئ قياسا عليه واللازم منتفٍ فالملزوم مثله).\nالقياس أكثر ما يستعمل لا على وجه التلازم (^٢)، ولما اشتمل الباب\n_________\n(^١) ينظر هذا الاعتراض والرد عليه في: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٦٢ - ٣٥٦٣.\n(^٢) هذا بيان أنواع الأقيسة وأصنافها وإن تقدم ذكر بعضها فنبه على قسم واحد.\nوقد جعلها الصفي خاتمة بحث الأركان في القياس وجعل القسمة سداسية وأذكرها على وجه الاختصار. =","vol":"6","page":2591},{"text":"على الكثير منه نبه المصنف بهذه الجملة على أنَّه لا ينحصر في ذلك بل قد يستعمل أيضًا على وجه التلازم وذلك بأنه يصرح فيه بصيغة الشرطية وذلك قد يكون في الإثبات وقد يكون في النفي فإذا استعمل في الثبوت يجعل حكم الأصل ملزومًا لحكم الفرع وحكم الفرع لازمًا والعلّة مشتركة بيانًا للملازمة حتى يلزم من ثبوت حكم الأصل حكم الفرع وإذا استعمل في النفي جعل حكم الفرع ملزومًا ونقيض حكم الأصل لازمًا والعلّة المشتركة دليلًا على الملازمة حتى يلزم في الأول من وجود اللازم وفي الثاني من نفي اللازم نفي الملزوم (^١).\n_________\n= القسمة الأولى: القياس إما أن يكون بذكر الجامع، أو بإلغاء الفارق.\nالقسمة الثانية: القياس ينقسم إلى مؤثر وملائم.\nالقسمة الثالثة: القياس ينقسم إلى ما يكون ثبوت الحكم في الفرع مساويا لثبوته في الأصل والثاني مطلقا من غير تقييد.\nالقسمة الرابعة: القياس إما تكون العلّة فيه منصوصة أو مستنبطة والاستنباط لا يخلو أن يكون عن طريق المناسبة أو الإخالة أو السير والتقسيم أو الشبه أو الطرد والعكس أو الطرد فقط.\nالقسمة الخامسة: القياس ينقسم إلى قياس التلازم وإلى غيره، وهذا هو المقصود عند الشارح.\nالقسمة السادسة: القياس ينقسم إلى ما يكون الحكم في الأصل المقيس عليه ثابتا بعلتين مختلفتين.\nينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٦٦ - ٣٥٧١.\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٠١، ٥٠٢، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٧٠ - ٣٥٧١.","vol":"6","page":2592},{"text":"مثال الأول: لما وجبت الزكاة في مال البالغ للعلة المشتركة بينه وبين مال الصبي وهي دفع حاجة الفقراء لزم أن تجب في مال الصبي ولو لم يستعمله على وجه التلازم لقلت تجب الزكاة في مال الصبي قياسًا على البالغ بجامع دفع حاجة الفقراء فجعلت في التلازم ما كان أصلا وهو مال البالغ ملزوما لما كان فرعا وهو مال الصبي والعلة المشتركة دليل الملازمة (^١).\nومثال الثاني: لو وجبت الزكاة في الحلي لوجبت في اللآلئ واللازم منتف لأنها بإجماع الخصمين لا تجب في اللآلئ فالملزوم الذي هو الوجوب في الحلي مثله وبيان الملازمة اشتراكهما في المشترك وهو الزينة ولو لم يستعمله على وجه التلازم لقلت لا زكاة في الحلي قياسا على اللآلئ بجامع الزينة واعلم أنّ المقدمة المنتجة في جانب الثبوت قد استعمل المصنف فيها لما لإفادتها ذلك واستعمل في المنتجة في جانب النفي لفظة (لو) لدلالتها على امتناع الشيء لامتناع غيره (^٢).\nوهذا منتهى القول في كتاب القياس والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل.\n_________\n(^١) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٥٧١، شرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٧٤٨.\n(^٢) ينظر: المصدران أنفسهما.","vol":"6","page":2593},{"text":"الكتاب الخامس: الأدلة المختلف فيها","vol":"6","page":2595},{"text":"الباب الأول: الأدلة المختلف فيها (المقبولة منها)","vol":"6","page":2597},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-564>(الكتاب الخامس: في دلائل اختلف فيها</span>. وفيه بابان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-565>الباب الأول: في المقبولة منها</span>\nوهي ست:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-566>الأولى: الأصل في المنافع الإباحة </span>لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ وفي المضار التحريم لقوله - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضرار في الإسلام\").\nهذا الكتاب معقود للمدارك التي وقع الاختلاف (^١) بين المجتهدين المعتبرين في أنّها هل هي مدارك للأحكام أم لا (^٢)؟\nأولها: الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع خلافا لبعضهم.\n_________\n(^١) في (ت): الخلاف.\n(^٢) لما فرغ المصنف والشارح من الكتاب الرابع المعقود للقياس شرع في الكتاب الخامس والمعقود لدلائل اختلف فيها المجتهدون وذكروها في بابين: الأول: في المقبول منها، والثاني: في المردود منها. والباب الأول منها وهي ستة: القول بمقتضى الأصل، والاستصحاب، والاستقراء والأخذ بأقل ما قيل، والمناسب المرسل، وفقد الدليل. وهذا أولها: الأصل في الأفعال إذا كانت من باب المنافع الإباحة. وهذا الذي فعله المصنف والشارح خالف به الإمام الرازي حيث أخر الكلام عنه بعد التراجيح، ولا يخلو من مناسبة في تقديمه، وكذا فعل الصفي الهندي فقد جعله آخر باب في أصول الفقه بعد الاجتهاد والتقليد، ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات.","vol":"6","page":2599},{"text":"وهذا بعد (^١) ورود الشرع فأمّا قبله، فقد تقدّم تقريره في مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع (^٢).\nواستدل المصنف على أنّ الأصل في المنافع الإباحة بآيات:\nالأولى: قوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (^٣) واللام (^٤) تقتضي التّخصيص بجهة الانتفاع، فيكون الانتفاع (^٥) بجميع ما في الأرض جائزًا إلّا الخارج بدليل.\nوالثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (^٦) أنكر على من حرّم زينته، فوجب أن لا تثبت حرمتها ولا حرمة شيء منها وإذا انتفت الحرمة ثبتت الإباحة.\nوالثالثة: قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (^٧) واللام في لكم للاختصاص (^٨) على جهة الانتفاع كما عرفت، وليس المراد بالطيبات\n_________\n(^١) ورود الشرع فأمّا قبله، فقد تقدّم تقريره في مسألة حكم الأشياء قبل) ساقط من (ت).\n(^٢) ينظر ص: ٣٨٠ وما بعدها.\n(^٣) سورة البقرة من الآية ٢٩.\n(^٤) في (ص): واللازم.\n(^٥) (الانتفاع) ليس في (ت).\n(^٦) سورة الأعراف من الآية ٣٢.\n(^٧) سورة المائدة من الآية ٥.\n(^٨) اللام المفردة ثلاثة أقسام: عاملة للجر، وعاملة للجزم، وغير عاملة. والذي يعنينا الأولى. فاللام الجارة لها اثنان وعشرون معنى: نذكر بعضها على سبيل الاختصار:\nأحدها: الاستحقاق، وهي الواقعة بين معنى وذات، نحو الحمد لله، والعزة لله، =","vol":"6","page":2600},{"text":"الحلال، وإلا يلزم التكرار بل المراد ما تستطيبه النفوس (^١).\nواستدل على أنّ الأصل في المضارّ التّحريم:\nبما روى الدارقطني من قوله - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضرار\" (^٢).\n_________\n= والملك لله، و: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾.\nوالثاني: الاختصاص، نحو الجنة للمؤمنين، والحصير للمسجد، والمنبر للخطب، والقميص للعبد.\nوالثالث: الملك، نحو: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nوالرابع: التمليك، نحو وهبت لزيد دينارًا.\nوالخامس: شبه التمليك، نحو: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾.\nوالسادس: التعليل، نحو ويوم عقرت للعذارى مطيتي: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾.\nوالسابع: توكيد النفي وهي الداخلة في اللفظ على الفعل مسبوقة بما كان أو بلم يكن نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾، ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾.\nوالثامن: موافقة إلى نحو قوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾، ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.\nوالتاسع: موافقة على في الاستعلاء الحقيقي نحو: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾، ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾، ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾.\nوغيرها ينظر: مغنى اللبيب: ١/ ٢٢٨ - ٢٤٤.\n(^١) ينظر هذه الأدلة الثلاثة في: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٣٨ - ٣٩٥٢.\n(^٢) الحديث رواه أبو سعيد الخدري، وعبادة بن الصامت، وابن عباس وأبو هريرة وجابر ابن عبد الله وعائشة - ﵂ - أخرجه الدارقطني في كتاب البيوع حديث (٢٨٨) ٣/ ٧٧، والحاكم في كتاب البيوع باب النهي عن المحاقلة والمنابذة: ٢/ ٥٧ - ٥٨، وقال حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجه، وأقره الذهبي، والبيهقي في كتاب الصلح باب لا ضرر ولا ضرار ٦/ ٦٩ - ٧٠، ومالك في الموطأ في كتاب الأقضية باب القضاء في المرافق ٢/ ٢١٨ عن عمرو بن يحيى عن أبيه مرسلًا.","vol":"6","page":2601},{"text":"قال النووي في الأذكار حديث حسن (^١)، وجه الاحتجاج: أنّ الحديث دال على نفي الضرر، وليس المراد نفي وقوعه ولا إمكانه فدلّ على أنَّه لنفي الجواز.\nويدل عليه قوله - ﷺ - في لفظ آخر للحديث رواه أبو داود (^٢) والترمذي (^٣) وابن ماجه (^٤): \"من ضارّ أضرّ الله به\" (^٥). وإذا انتفى الجواز ثبت التحريم وهو المدعى.\nتنبيه: الضرر ألم القلب كذا قاله الأصوليون واستدلوا عليه بأن الضرب يسمى ضررًا، وكذا تفويت المنفعة والشتم والاستخفاف (^٦) فجعل اللفظ اسمًا للمشترك بين هذه الأمور وهو ألم القلب دفعا للاشتراك والذي قاله أهل اللغة أنّ الضرر خلاف النفع وهو أعمّ من هذه المقالة (^٧).\n_________\n(^١) قال النووي: حديث حسن رواه ابن ماجه والدارقطني وغيرهم مسندًا ورواه مالك في الموطأ مرسلا فأسقط أبا سعيد وله طرق يقوي بعضها بعضا. ينظر: الأربعين النووية ص ٧٤ حديث رقم ٣٢، وفيض القدير: ٦/ ٤٣١، ونصب الراية: ٤/ ٣٨٥.\n(^٢) في السنن كتاب الأقضية (١٨) باب أبواب القضاء (٣١) ٤/ ٤٩ - ٥٠.\n(^٣) في السنن كتاب البر والصلة (٢٨) باب ما جاء في الخيانة والغش (٢٧) ٤/ ٣٣٢.\n(^٤) في السنن كتاب الأحكام (١٣) باب من بني في حقه (١٧) ٢/ ٧٨٥.\n(^٥) والحديث بتمامه: \"من ضارَّ أضرّ الله به، ومن شاقّ شقّ الله عليه\". وقد أخرجه أيضًا أحمد في المسند: ٣/ ٤٥٣، والبغوي في شرح السنة: كتاب البيوع (١١) باب إحياء الموات والشرب (١٤) الحديث (٢٢١٨) ٢/ ٣٧١.\n(^٦) (الاستخفاف) ليس في (غ)، (ت).\n(^٧) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٤٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٤٨، وقواطع الأدلة: ٢/ ٥٠ - ٥٤.","vol":"6","page":2602},{"text":"قال: (قيل على الأول اللام تجيء لغير النفع كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nقلنا: مجاز لاتفاق أئمة اللغة على أنها للملك ومعناه الاختصاص النافع بدليل قولهم الجلّ للفرس.\nقيل: المراد الاستدلال.\nقلنا: هو حاصل من نفسه فيحمل على غيره).\nاعترض على دليل إباحة المنافع بوجهين:\nأحدهما: أنّا لا نسلم أنّ اللام تقتضي الاختصاص بجهة الانتفاع ويدلّ عليه قوله: تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (^١) وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (^٢) إذ يمتنع في هاتين الآيتين أن تكون لاختصاص المنافع.\nأمّا الأولى؛ فلاستحالة حصول النفع في الإساءة.\nوأمّا الثانية؛ فلتنزهه تعالى عن عودة النفع إليه.\nوأجاب: بأنّ استعمال اللام فيما ذكرتم من الآيتين مجاز؛ لاتفاق أئمة اللغة على أن اللام موضوعة للملك (^٣) ومعنى الملك الاختصاص النافع (^٤)؛\n_________\n(^١) سورة الإسراء من الآية ٧.\n(^٢) سورة البقرة من الآية ٢٨٤.\n(^٣) ينظر: مغني اللبيب: ١/ ٢٢٨ - ٢٤٤.\n(^٤) (النافع) ليس في (غ)، (ت).","vol":"6","page":2603},{"text":"لأنّه يصح إطلاقها عليه كما تقول: الجلّ للفرس فيكون حقيقة في الاختصاص النافع ويحمل في غيره على المجاز دفعًا للاشتراك.\nواعترض القرافي على هذا الجواب بأنَّ جعلها حقيقة في مطلق الاختصاص أولى من الاختصاص النافع حذرًا من الاشتراك والمجاز وموافقة لقول النحاة: اللام للاختصاص؛ فإن تقييد قولهم اللام للاختصاص بالنافع خلاف الأصل وهو منقدح.\nوقولهم: الجل للفرس لا دلالة فيه إلا على صحة استعمالها في الاختصاص النافع ولا يدلّ على نفي استعمالها في الاختصاص الذي لا ينفع ثمّ إنّه (^١) ادعى أنّ اللام للملك وفسره بالاختصاص النافع، والملك أخصّ من الاختصاص النافع.\nألا ترى أنّ من لا يملك كالعبد يقدر على الاختصاصات من الاصطياد والاحتطاب وغيرها. وأيضًا فهذه الدعوى تخالف قوله في القياس: اللام للتعليل.\nالثاني: سلمنا أنّ اللام للاختصاص النافع، ولكن لا يلزم منه إباحة جميع الانتفاعات بل المراد مطلق الانتفاع ويحمل على الاستدلال بالمخلوقات على وجود الخالق.\nوأجاب بأن الاستدلال على الخالق يحصل لكل عاقل من نفسه إذ يصح أنْ يستدل بنفسه على خالقه فليحمل الانتفاع في الآيات على غيره\n_________\n(^١) (إنّه) ليس في (ت).","vol":"6","page":2604},{"text":"ولا يحمل عليه لامتناع تحصيل الحاصل.\nفإن قلت: لا نسلم أنَّه يلزم تحصيل الحاصل وهذا لأنَّ الانتفاع بالاستدلال الثاني غير الانتفاع بالاستدلال بنفسه ضرورة أنَّه يحصل تأكيد العلم الأول.\nقلت: الدليل على كونه تحصيلًا للحاصل أنّ الحاصل بالاستدلال الأول هو العلم بوجود الصانع وما هو من لوازمه والحاصل بالثاني هو هذا.\nوقولك: يحصل تأكيد العلم ممنوع بناءً على أنّ العلم لا يقبل التأكيد.\nسلمناه لكن الحمل على غير هذه الفائدة فائدة تأسيسية وهي أولى من التأكيدية.\nسلمنا أنّ المراد مطلق الانتفاع ولكنه كما ذكرتم يصدق بصورة وإذا كان الانتفاع بفرد من أفراد الانتفاعات مأذون فيه لزم الإذن في الكلّ؛ لأنّه لا قائل بالفصل هذا شرح ما في الكتاب.\nواعترض القرافي بعد تسليم أنّ الأخبار عن اختصاص الخلق بالمنافع بأنّ الانتفاع لا يدل على أنَّه لا حجر فيها؛ لأنّه صادق بأنّ الانتفاع لا يصدر إلا منًّا سواءً كان مباحًا أم محرمًا فجاز أنْ يصدق الاختصاص بالانتفاع مع الثواب على تركه أو ترك بعضه أو فعل بعضه كما تقول: وطء النساء حلال لبني آدم لم يجعل لغيرهم في الوجود وإن عُوقِب على (^١)\n_________\n(^١) في (غ)، (ت): عليه.","vol":"6","page":2605},{"text":"البعض.\nولقائل أن يقول: لا يصدق اختصاصهم بها مع صدق المعاقبة ولا تحصل المنّة مع ذلك أيضًا (^١).\nواعترض صفي الدّين الهندي على الاستدلال بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (^٢) بأنه لا يفيد العموم؛ لأنّه يجوز أنْ يكون للعهد، وهو ما أحلّ في الشرع مما يستطاب طبعًا، وحينئذ لا يحمل على العموم لتقدم العهد عليه (^٣).\nولك أنْ تقول يلزم مما قررت أنْ يكون قوله: ﴿أُحِلَّ﴾ خبر إنشاء والحمل على الإنشاء أولى لكونه أكثر فائدة على أنّا لا نسلم أنّ ما أحلّ في الشرع يجوز أن يكون معهودًا هنا لأنّه لم يتقدم له ذكر في الكلام ولا تعلق بحال الخطاب والمعهود ليس إلا ما كان كذلك.\nوأما الاستدلال بقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (^٤) فهو مبني على أنّ المفرد المضاف يفيد العموم (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: نفائس الأصول للقرافي: ٩/ ٣٩٩٨.\n(^٢) سورة المائدة من الآية ٥.\n(^٣) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٤٥، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٣٩، ونهاية السول مع حاشية بخيت: ٤/ ٣٥٤.\n(^٤) سورة الأعراف من الآية ٣٢.\n(^٥) من صيغ العموم: المفرد المضاف، وهو هنا في الآية كلمة (زينة) فهي لفظ مفرد أضيفت للفظ الجلالة (الله) فعمَّت كل ما من شأنه أن يتخذ للزينة.","vol":"6","page":2606},{"text":"فإن قلت: لا (^١) نسلمه ولو سلمناه فالدليل خاص بالزينة والدعوى عامة.\nقلت: أمّا الأول فمبين في موضعه.\nوأما الثاني فإذا دلّ على الزينة دلّ على ما لا زينة فيه من المنافع ضرورةَ أنَّه لا قائل بالفصل كما علمت.\nنعم لقائل أنْ يقول الآية دالة على عدم الحرمة ولا يلزم من ذلك الإباحة إلا أن يستدل مع ذلك باللام في قوله: ﴿أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ من حيث إنّها للاختصاص النافع على ما سلف.\nفائدة: قد علمت قول الجماهير أنّ الأصل في المنافع الإباحة ولك أن تقول: الأموال من جملة المنافع، والظاهر أنّ الأصل فيها التحريم لقوله - ﷺ -: \"إن دماءكم وأموالكم\" (^٢) الحديث وهو أخصّ من الدلائل المتقدمة التي استدلوا بها على الإباحة فيكون قاضيًا عليها إلّا أنَّه أصل طارئ على أصل سابق فإنّ المال من حيث كونُه من المنافع الأصل فيه الإباحة بالدلائل السابقة، ومن خصوصية الأصل فيه التحريم بهذا الحديث.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-567>(الثاني الاستصحاب حجة خلافًا للحنفية والمتكلمين)</span>\n_________\n(^١) (لا) ليس في (ت).\n(^٢) هذا جزء من حديث جابر - ﵁ - الطويل في خطة حجة الوداع. أخرجه مسلم في الصحيح ٢/ ٨٨٦ - ٨٩٢، كتاب الحج (١٥) باب حجة النبي - ﷺ - (١٩) الحديث (١٤٧/ ١٢١٨).","vol":"6","page":2607},{"text":"الاستصحاب (^١) يطلق على أوجه (^٢):\nأحدها: استصحاب العدم الأصلي وهو الذي عرف العقل (^٣) نفيه\n_________\n(^١) الاستصحاب لغة: طلب الصحبة، والصحبة هي الملازمة، وكل شيء لازم شيئًا فقد استصحبه، يقال استصحبت الكتاب وغيره حملته صحبتي. ينظر القاموس المحيط: ص ١٣٤، المصباح المنير: ص ٣٣٣ مادة \"صحب\".\nوفي الاصطلاح: اختلفت عبارات الأصوليين في تعريفه لكن أقربها إلى الصواب - والله أعلم - تعريف الإسنوي، والأصفهاني في شرح المنهاج: \"بأنه عبارة عن الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني، بناء على ثبوته في الزمان الأول\" ينظر نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٣٥٨، شرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٧٥٦. كما ينظر في تعريفه وأنواعه وحجية كل نوع: كشف الأسرار: ٣/ ١٠٩، والتبصرة: ص ٥٢٦، والمستصفى للغزالي: ١/ ٢١٧، ولباب المحصول لابن رشيق: ص ٣٦٠، والعدّة: ٤/ ١٢٦٢، والبرهان: ٢/ ١١٣٥، والتمهيد للكلوذاني: ٤/ ٢٥١، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٨٤، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٤٧، والمحصول: ٢/ ق ٣/ ١٤٨، وتيسير التحرير: ٤/ ١٧٧، وشرح اللمع، ٢/ ٩٨٦، ٩٧٥، وروضة الناظر بتحقيق النملة: ٢/ ٥٠٤، والإحكام: ٤/ ١٧٢.\n(^٢) قال الصفي الهندي: ٨/ ٣٩٥٥ - ٣٩٥٦ \"أطلق الأصحاب الاستصحاب على أربعة أوجه:\nأحدها: استصحاب العدم الأصلي وهذا متفق عليه.\nثانيها: استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص، ضرورة أنَّ العموم حجة وكذا استصحاب مقتضى النص إلى أن يرد النسخ.\nثالثها: استصحاب حكم دلّ الشارع على ثبوته ودوامه لوجود سببه كالمالك عند خصوص السبب المملك. . .\nورابعها: استصحاب حال الإجماع.\n(^٣) (العقل) ليس في (ت).","vol":"6","page":2608},{"text":"بالبقاء على العدم الأصلي كنفي وجوب صلاة سادسة، وصوم شوال، فالعقل يدلّ على انتفاء وجوب ذلك لا لتصريح الشارع، لكن لأنّه لا مثبت للوجوب فبقي على النفي الأصلي لعدم ورود السمع به.\nوالجمهور (^١) على العمل بهذا وادعى بعضهم فيه الاتفاق (^٢).\nفإنْ قلت: قصارى دلالة الاستصحاب الظنّ وعدم وجوب الصلاة السادسة وصوم شوال قطعي، فكيف يستفاد من الاستصحاب؟ .\nقلت: عدم السمعي الناقل قد يكون معلومًا كما في هذين المثالين، ويدل الاستصحاب فيه على القطع، وقد يكون مظنونًا كعدم وجوب الوتر والأضحية وزكاة الخيل والحلي (^٣).\n_________\n(^١) من المالكية والشافعية والحنابلة وأكثر الظاهرية، ومال إليه بعض الحنفية.\nينظر: المستصفى للغزالي: ١/ ٢١٨، والمحصول: ٢/ ق ٣/ ١٤٨، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٤٧، وإحكام الفصول: ص ٦٠٨، ومفتاح الوصول: ص ٦٤٨، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٨٤، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص ١٣٣، وشرح الكوكب للفتوحي: ٤/ ٤٠٤، وكشف الأسرار: ٣/ ٣٧٧، وأصول السرخسي: ٢/ ٢٢٥، وميزان الأصول للسمرقندي: ٦٥٨، والإحكام لابن حزم: ٢/ ٥٩٠.\n(^٢) حكى السبكي نفسه الاتفاق بين الأصحاب في هذا النوع في شرحه لمختصر ابن الحاجب رفع الحاجب: ل ٢٧٠/ أ. وقال الزركشي في تشنيف المسامع: ل ١٢٩/ أ \"ولا يعرف في الثلاثة [أي الصور الثلاثة] خلاف عندنا\".\n(^٣) فحيث يجزم بنفي هذا الاحتمال وجب القطع بالنفي. ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٥٤.","vol":"6","page":2609},{"text":"والثاني: استصحاب العموم إلى أن يرد مخصص (^١) وهو دليل عند القائلين به واستصحاب النّص (^٢) إلى أن يرد ناسخ، وهو دليل على دوام الحكم ما لم يرد النّسخ كما دلّ العقل على البراءة الأصلية بشرط أن لا يرد سمع مغير (^٣).\nالثالث: استصحاب حكم دلّ الشرع على ثبوته ودوامه (^٤) كالملك عند جريان فعل الملك وكشغل الذهة عند جريان إتلاف أو إلزام فإنّ هذا وإن لم يكن حكمًا أصليًا فهو شرعي دلّ الشرع على ثبوته ودوامه جميعًا ولولا دلالات الشرع على دوامه إلى حصول براءة الذمة لما جاز (^٥) استصحابه فالاستصحاب ليس بحجة إلا فيما دلّ الدليل على ثبوته ودوامه بشرط عدم المغير كما دلّ على البراءة العقلية وعلى الشغل السمعي وعلى الملك الشرعي (^٦).\nومن هذا القبيل الحُكْمُ بتكرر الأحكام عند تكرر\n_________\n(^١) ضرورة أنّ العموم حجة عند القائلين به. أفاده صفي الدين ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٥٥.\n(^٢) (النص) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر: المستصفى للغزالي: ١/ ٢١٨، ولباب المحصول لابن رشيق: ص ٣٦٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٥٥.\n(^٤) لوجود سببه. ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٥٥.\n(^٥) (جاز) ساقط من (ت).\n(^٦) ينظر: المصدر نفسه.","vol":"6","page":2610},{"text":"أسبابها كشهود رمضان ونفقات الأقارب عند مسيس الحاجات وأوقات الصلوات؛ لأنّه لما عرف حملة الشريعة قصد الشارع صلوات الله عليه إلى نصبها أسبابًا وجب استصحابها ما لم يمنع منه مانع (^١).\nفإذن الاستصحاب عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي وليس راجعًا إلى عدم العلم بالدليل بل إلى دليل مع العلم بانتفاء المغير أو مع ظنّ انتفاء المغير عند بذل الجهد في الطلب.\nوالرابع: استصحاب حال الإجماع في محل الخلاف (^٢) مثاله: من قال إنّ المتيمم إذا رأى الماء في خلال الصلاة مضى في الصلاة؛ لأنَّ الإجماع منعقد على صحة صلاته ودوامها وطريان وجود الماء كطريان هبوب الريح وطلوع الفجر وسائر الحوادث فنحن نستصحب دوام الصلاة حتّى يدل الدليل على أنّ رؤية الماء قاطعة فهذا ليس بحجة عند كافة المحققين (^٣).\nوذهب الصيرفي والمزني وأبو ثور إلى صحته وهو مذهب داود (^٤).\n_________\n(^١) المستصفى للغزالي: ٢/ ٢٢٢، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٥٦.\n(^٢) وهو أن تجمع الأمّة على حكم، ثمّ تتغير صفة المجمع عليه، ويختلف المجمعون فيه فهل يجب استصحاب حكم الإجماع بعد الاختلاف حتى ينقل عنه الدليل أم لا؟ أفاده أبو يعلى في العدة: ٤/ ١٢٦٥.\n(^٣) وهو اختيار أبي العباس بن سريج، وأبي بكر بن القفال، والغزالي، وهو قول الأكثر.\nينظر: التبصرة: ص ٥٢٦، والمستصفى للغزالي: ١/ ٢٢٣، والإحكام: ٤/ ١٨٥، وتيسير التحرير: ٤/ ١٧٧، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٥٧.\n(^٤) وهو قول أبي إسحاق بن شاقلا، وابن حامد من الحنابلة، وذكر الزنجاني أنه مذهب الشافعي، واختاره الآمدي ورجحه ابن القيم. ينظر: التبصرة: ص ٥٢٦، =","vol":"6","page":2611},{"text":"قال الشيخ أبو إسحاق: وكان القاضي يعني أبا الطيب يقول: داود لا يقول بالقياس الصحيح وهنا يقول بقياس فاسد؛ لأنّه يحمل حالة الخلاف على حالة الإجماع من غير علّة جامعة (^١).\nوللخصم في هذا أن يقول: أجمعنا على أنّ رؤية الماء قبل الدخول في الصلاة مبطلة فكذا بعد الدخول استصحابًا للحال وكذا إذا كان الكلام في زوال مِلك المرتد بالردة ويؤدي ذلك إلى تكافؤ الأدلة.\nوهذه الأقسام الأربعة أوردها الغزالي كما ذكرناها (^٢).\nوالخامس: الاستصحاب المقلوب (^٣) وهو استصحاب الحال في الماضي كما إذا وقع البحث في أنّ هذا المكيال مثلا هل كان على عهد رسول الله - ﷺ -؟ فيقول القائل: نعم إذ الأصل موافقة الماضي للحال.\nوكما إذا رأيت زيدًا جالسًا في مكان وشككت هل كان جالسًا فيه أمس فيقضى بأنّه كان جالسًا فيه أمس استصحابًا مقلوبًا.\n_________\n= والمستصفى للغزالي: ١/ ٢٢٣، والروضة: ٢/ ٥٠٩، والإحكام للآمدي: ٤/ ١٨٥، التمهيد: ٤/ ٢٥٥، والعدّة: ٤/ ١٢٦٥. الإحكام: لابن حزم: ٥/ ٥٩٠، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني: ص ٧٣، وشرح اللمع: ٢/ ٩٨٧.\n(^١) ينظر: شرح اللمع: ٢/ ٩٨٨.\n(^٢) ينظر: المستصفى: ١/ ٢٢٣، ولباب المحصول لابن رشيق: ص ٣٦٣.\n(^٣) ذكر السبكي هذا النوع من الاستصحاب في جمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ٣٥٠ - ٣٥١. وعرفه بقوله: \"ثبوث الأمر في الأول لثبوته في الثاني\". وينظر: الأشباه والنظائر للسبكي: ١/ ٣٩، والآيات البينات على شرح جمع الجوامع للمحلي: ٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧.","vol":"6","page":2612},{"text":"واعلم أنّ الطريق في إثبات الحكم به يعود إلى الاستصحاب المعروف وذلك لأنّه لا طريق له إلا قولك: لو لم يكن جالسًا أمس لكان الاستصحاب يفضي بأنّه غير جالس الآن لكنه جالس الآن فدلّ على أنَّه كان جالسًا أمس (^١).\nوقد قال به الأصحاب في صورة واحدة وهي ما إذا اشترى شيئًا وادعاه مدع وأخذه منه بحجة مطلقة، فإنّ الذي أطبق عليه الأصحاب ثبوت الرجوع له على البائع بل لو باع المشتري أو وهب وانتزع المال من المنتهب أو المشترى منه فإنّ للمشتري الأول الرجوع أيضًا وهذا استصحاب للحال في الماضي. فإنّ (^٢): البيّنة لا توجب الملك ولكنّها تظهره فيجب أن يكون الملك سابقًا على إقامتها ولو بقدر لحظة لطيفة ومن المحتمل انتقال الملك من المشتري إلى المدعي ولكنّهم استصحبوا مقلوبًا وهو عدم الانتقال منه فيما مضى استصحابًا للحال.\nوقال الأصحاب: فيما إذا وجدنا ركازًا مدفونًا في الأرض ولم يعرف هل هو من دفين الجاهلية أو الإسلام؟ فالمنقول عن نصه أنَّه ليس بركاز وفيه وجه أنَّه ركاز؛ لأنَّ الموضع يشهد له وعلى هذا الوجه فقد استصحبنا مقلوبًا؛ لأنّا استدللنا بوجدانه في الإسلام على أنَّه كان موجودًا قبل\n_________\n(^١) هذا قياس استثنائي متصل كبراه: المقدم فيها: لو لم يكن جالسًا أمس. وتاليها: لكان الاستصحاب يفضي بأنه غير جالس الآن. والصغرى: لكنه جالس الآن (وقد رفع فيها التالي) النتيجة: فدلّ على أنّه كان جالسًا أمس (وقد رفع فيها المقدم). وينظر هذا المثال للشارح في رفع الحاجب شرح مختصر ابن الحاجب: ل ٢٧٧/ ب.\n(^٢) في (ص): فإن قيل.","vol":"6","page":2613},{"text":"ذلك (^١).\nإذا عرفتَ هذه الأقسام فنقول: اختلف الناس في استصحاب الحال المشار إليه في القسم الثاني والثالث وكذا الأوّل إن لم نجعله محل وفاق على مذاهب بعد اتفاقهم على أنَّه لا بد من استفراغ الجهد في طلب الدليل وعدم وجدانه.\nأحدها: أنَّه حجة، وبه قال الأكثرون وهو مختار الإمام وأتباعه منهم المصنف (^٢).\nوالثاني: أنّه ليس بحجة. وبه قال الحنفية (^٣) كما نقله في الكتاب تبعًا لغيره وكثير من المتكلمين (^٤).\nوالثالث: ما اختاره القاضي أبو بكر في كتابه التقريب والإرشاد أنَّه حجة على المجتهد فيما بينه وبين الله تعالى فإنّه لم يكلف إلا أقصى الطلب الداخل في مقدوره على العادة فإذا فعل ذلك ولم يجد دليلًا أخذ بنفي الوجوب ولا يسمع منه إذا انتصب مسؤولًا في مجالس (^٥) المناظرة فإنّ\n_________\n(^١) ينظر مسألة الركاز في فتح العزيز: ٣/ ١٣٨ - ١٣٩.\n(^٢) ينظر: التبصرة: ص ٥٢٦، والمستصفى للغزالي: ١/ ٢٢٣، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٤٨، والإحكام: ٤/ ١٨٥، وتيسير التحرير: ٤/ ١٧٧، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٥٧.\n(^٣) ينظر رأي الحنفية في: أصول السرخسي: ٢/ ٢٢٣، وكشف الأسرار: ٣/ ٣٧٨، وتيسير التحرير: ٤/ ١٧٧.\n(^٤) ينظر: المعتمد: ٢/ ٨٨٢.\n(^٥) في (ت) هو لا في مجالس.","vol":"6","page":2614},{"text":"المجتهديْن إذا تناظرا وتذاكرا (^١) طرق الاجتهاد فما يفي (^٢) المجيب. قوله: لم أجد دليلًا على الوجوب، وهل هو في ذلك إلا مدع فلا يسقط عنه عهدة الطلبة بالدلالة؟ وهذا التفصيل عندنا حق متقبل (^٣).\nوالرابع: وهو المعمول به عند الحنفية كما صرح به أصحابهم في كتبهم أنَّه لا يصلح حجّة على الغير ولكن يصلح لإبداء العذر والدفع ولذلك قالوا حياة المفقود باستصحاب الحال تصلح حجّة لإبقاء ملكه لا في إثبات الملك له في مال مورثه (^٤).\nوالخامس: أنّه يصلح للترجيح فقط (^٥).\nقال: (لنا أنّ ما ثبت ولم يظهر زواله ظنّ بقاؤه، ولولا ذلك لما تقررت المعجزة لتوقفها على استمرار العادة ولم تثبت الأحكام الثابتة في\n_________\n(^١) في (ت): تناظروا وتذكروا.\n(^٢) في (ت): نفي.\n(^٣) ينظر قول القاضي أبي بكر الباقلاني في: التلخيص لإمام الحرمن: ٣/ ١٣٠ - ١٣١.\n(^٤) وهو رأي بعض المتأخرين من الحنفية كالقاضي أبي زيد الدبوسي وأبي اليسر البزدوي إلا أنه لا يصلح حجة على الغير ولا لإثبات حكم مبتدأ ولكن يصلح لإبداء العذر والدفع. ينظر: كشف الأسرار: ٣/ ٣٧٨، وتيسير التحرير: ٤/ ١٧٧ والتوضيح والتلويح: ٢/ ١٠١، والأشباه والنظائر لابن نجيم: ص ٧٣.\n(^٥) نقله الأستاذ أبو إسحاق عن الشافعي وقال: \"إنه الذي يصح عنه، لا أنه يحتج به\". قال الزركشي: \"ويشهد له قول الشافعي - ﵁ -: والنساء محرمات الفروج، فلا يحللن إلا بأحد أمرين: نكاح أو ملك يمين، والنكاح ببيان الرسول - ﷺ -. قال الروياني في البحر: وهذا استدلال من الشافعي باستصحاب الحال في جميع هذه المسائل\". ينظر: البحر المحيط: ٦/ ١٩.","vol":"6","page":2615},{"text":"عهده - ﷺ - لجواز النسخ ولكن الشك في الطلاق كالشك في النكاح ولأن الباقيّ يستغني عن سبب أو شرط جديد، بل يكفيه دوامها دون الحادث ويقل عدمه لصدق عدم الحادث على ما لا نهاية له فيكون دوامها راجحا).\nاستدل على حجية الاستصحاب بأوجه:\nأحدها: أنّ ما علم حصوله في الزمان الأول ولم يظهر زواله ظنّ بقاؤه في الزمن الثاني ضرورة، وحينئذ فيجب العمل به لما علم من وجوب العمل بالظن (^١) (^٢).\nالثاني: أنَّه لو لم يكن حجة لما تقررت المعجزة؛ لأنّها فعل خارق للعوائد ولا يحصل هذا الفعل إلا عند تقرير العادة ولا معنى للعادة إلا العلم بوقوعه على وجه مخصوص في الحال يقتضي اعتقاد أنَّه لو وقع لما وقع إلا على ذلك الوجه وهذا عين الاستصحاب (^٣).\n_________\n(^١) (ضرورة، وحينئذ فيجب العمل به لما علم من وجوب العمل بالظن) ساقط من (ت).\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٤٨، والإحكام للآمدي: ٤/ ١٧٢ - ١٧٣، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٨٥، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٣٦٧، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٥٧.\n(^٣) كمن خرج من داره وترك أولاده فيها على حالة مخصوصة كان اعتقاده لبقائهم على تلك الحالة التي تركهم عليها راجحًا على اعتقاده لتغير تلك الحالة. أفاده الرازي في المحصول. ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٦٤ - ١٦٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٧٧.","vol":"6","page":2616},{"text":"الثالث: أنَّه لو لم يكن حجة لم تكن الأحكام الثابتة في عهد النبي - ﷺ - ثابتة في زماننا واللازم باطل فكذا الملزوم.\nووجه الملازمة أنّ دليل ثبوت تلك الأحكام في زماننا هو اعتقاد استمرارها على ما كانت عليه وهذا هو الاستصحاب، فإذا لم تكن حجة لم يمكن الحكم بثبوتها لجواز تطرق (^١) النسخ (^٢).\nالرابع: لو لم تكن حجة لتساوى الشك في الطلاق والشك في النكاح لاشتراكهما في عدم حصول الظنّ بما مضى وهو باطل اتفاقًا إذ يباح للشاك في الطلاق دون الشاك في النكاح (^٣).\nولك أن تجعل هذه الأوجه الأربعة وجهًا واحدًا في الدليل فتقول: ما ثبت ولم يظهر زواله ظنّ بقاؤه وتجعل الأوجه الثلاثة دليلًا على ظنّ البقاء فتقول: لو لم يظنّ بقاؤه لما تقررت المعجزة ولم تثبت الأحكام الثابتة في عهده - ﷺ - ولتساوى الشك في الطلاق والنكاح وعلى ذلك جرى العبري في شرحه (^٤).\n_________\n(^١) في (ت): طريق.\n(^٢) قال الإسنوي في نهاية السول: ٣/ ١٣١ \"لجواز النسخ فإنه إذا لم يحصل الظنّ من الاستصحاب يكون بقاؤها مساويًا لجواز نسخها، فلا يمكن الجزم بثبوتها وإلا يلزم الترجيح من غير مرجح\".\n(^٣) قال الإسنوي في نهاية السول: ٣/ ١٣٢: \"وحينئذ فيلزم أن يباح الوطء فيهما أو يحرم فيهما وهو باطل اتفاقًا\".\n(^٤) ينظر: شرح العبري على المنهاج (الجزء الثاني) بتحقيق محمود حامد محمد عثمان: ص ٥٦٨.","vol":"6","page":2617},{"text":"وكلام المصنف محتمل للأمرين فإنّ قوله ولولا ذلك يحتمل أن يريد ولولا حجية الاستصحاب وأن يريد ولولا ظنّ البقاء.\nالخامس: أنّ الباقي لا يفتقر إلى سبب جديد وشرط جديد بل يكفيه دوام السبب والشرط أي لا يحتاج إلى مؤثر والحادث مفتقر إلى هذين فيكون الباقي راجحًا في الوجود على الحادث والعمل بالراجح واجب فيجب العمل بالاستصحاب لاستلزامه العمل بالباقي وإنما قلنا إنّ الباقي مستغن عن المؤثر؛ لأنّه لو افتقر إليه فإما أنْ يصدر منه والحالة هذه أثر أو لا وهذا الثاني محال؛ لأنّ فَرْضَ مؤثرٍ مفتقر إليه مع أنَّه لم يصدر منه أثر البتة جمع بين النقيضين والأول إن كان أثره عين ما كان حاصلا قبله فيلزم تحصيل الحاصل وإن كان غيره فيقتضي أن يكون الأثر الصادر عنه حادثًا لا باقيًا والفرض خلافه.\nولما كان افتقار الباقي إلى المؤثر يفضي إلى هذه الأقسام الباطلة كان باطلًا وأما كون الحادث مفتقرًا إليه فمتفق عليه بين العقلاء هذا تقرير الدليل المذكور (^١).\nوعليه من الاعتراضات والأجوبة عنها ما لا يحتمل هذا الشرح ذكره.\nقوله: \"ويقل عدمه\" هذا يصلح أن يكون دليلًا سادسًا وأنْ يكون دليلًا على أنّ الباقي راجح في الوجود على\n_________\n(^١) ينظر هذه الاعتراضات والإجابة عنها في: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٦٢ - ٣٩٦٤.","vol":"6","page":2618},{"text":"الحادث.\nوتقريره أنّ عدم الباقي أقلّ من عدم الحادث؛ لأنَّ عدم الحادث صادق على ما ليس له نهاية بخلاف عدم الباقي فإنّه مشروط بوجود الباقي وهو متناه فلا يصدق على ما لا نهاية له، وإذا وضح أنّ عدم الباقي أقلّ من عدم الحادث كان وجوده أكثر من وجوده والكثرة مرجحة والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-568>خاتمة:</span>\nقد علمت أنّ الاستصحاب هو ثبوت أمر في الثاني لثبوته في الأول لعدم وجدان ما يصلح أنْ يكون مغيرًا بعد البحث التام وينشأ من هذا البحث في أنّ مجرد الظهور هل يصلح أن يكون معارضًا له وهذه هي قاعدة الأصل والظاهر المشهورة في الفقه، وللشافعي فيما إذا تعارض أصل وظاهر غالبًا قولان (^١).\nوقد أتينا في كتابنا الأشباه والنظائر أتمه الله تعالى في هذه القاعدة بعد تحققها من سرد فروعها ما تقرّ الأعين فعليك به (^٢).\nوعلمت أيضًا أنّ الأصل لا يندفع بمجرد الشك والاحتمال أخذًا بالاستصحاب، وهذا معنى القاعدة المشهورة أيضًا في الفقه أنّ اليقين لا يرفع بالشك (^٣) فإنه مع وجدان الشك لا يقين،\n_________\n(^١) ينظر الأشباه والنظائر للسبكي: ١/ ٣٢، والأشباه والنظائر للسيوطي: ص ٧٥، والمنثور للزركشي: ١/ ٣٣٠.\n(^٢) ينظر الأشباه والنظائر للسبكي: ١/ ١٣ - ٣٥.\n(^٣) ينظر: هذه القاعدة: الأشباه والنظائر للسبكي: ١/ ١٣، والأشباه والنظائر =","vol":"6","page":2619},{"text":"ولكن استصحاب لما تيقن في الماضي وهو الأصل، وأطلق عليه اليقين مجازًا.\nوقد قال أبو العباس ابن القاص: \"لا يستثنى عن هذه القاعدة إلا إحدى عشرة مسألة فيترك اليقين فيها بمجرد الشك (^١). وقد سردناها في الأشباه والنظائر وزدنا ما أمكن مع التحري والتحرير في كلّ ذلك فلا نطول بذكره هنا\" (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-569>(الثالث الاستقراء مثاله:</span> الوتر يؤدَّى على الراحلة فلا يكون واجبًا لاستقراء الواجبات وهو يفيد الظنّ، والعمل به لازم لقوله - ﷺ - نحن نحكم بالظاهر)\nالاستقراء (^٣) ينقسم إلى تام وناقص:\nفأمّا التام: فهو إثبات الحكم في جزئي لثبوته في الكلي وهذا هو القياس المنطقي وهو يفيد القطع (^٤).\n_________\n= للسيوطي: ص ٥٧.\n(^١) ينظر قول ابن القاص في الأشباه والنظائر: ١/ ٢٩.\n(^٢) ينظر: المصدر نفسه: ١/ ٣١ - ٣٣.\n(^٣) الاستقراء: أحد الوسائل التي اعتمد عليها علماء المسلمين في تصنيف العلوم من نحو وعروض وفقه وحديث وتاريخ وأدب وحكم، وفي العلوم التجريبية، ومع تفجر الثورة العلمية المادية الحديثة أخذ الاستقراء دورًا أكبر في العالم الغربي وتحدّدت له مفاهيم أكثر دقة وأكثر ضبطًا من الناحية العلمية. ينظر: ضوابط المعرفة: ص ١٨٨ - ١٩٠ بتصرف.\n(^٤) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢١٧، شرح تنقيح الفصول: ص ٤٤٨، نهاية =","vol":"6","page":2620},{"text":"مثاله: كلّ جسم متحيز فإنا استقرينا جميع جزئيات الجسم وجدناها منحصرة في الجماد والنبات والحيوان وكلّ منها متحيز فقد أفاد هذا الاستقراء الحكم يقينًا في كليّ وهو قولنا: كل جسم متحيز بوجود التحيز في جميع جزئياته.\nوأمّا النّاقص: وفيه كلام المصنف فهو إثبات الحكم في كلي لثبوته في أكثر جزئياته وهذا هو المشهور بإلحاق الفرد بالأعمّ والأغلب ويختلف فيه الظنّ باختلاف الجزئيات فكلما كانت أكثر كان الظنّ أغلب (^١).\nوقد اختلف في هذا النوع واختار المصنف أنَّه حجة تبعًا لتاج الدين صاحب الحاصل (^٢) وهو ما اختاره صفي الدين الهندي (^٣) وبه نقول (^٤).\nوقال الإمام الأظهر أنَّه لا يفيد الظنّ إلا بدليل منفصل ثمّ بتقدير الحصول بكونه حجة (^٥). وهذا يعرفك أنّ الخلاف الواقع في أنَّه هل يفيد الظنّ لا في أنّ الظن المستفاد منه هل يكون حجة؟ .\n_________\n= السول للإسنوي: ٣/ ١٣٣، وشرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٧٥٩.\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢١٧، وشرح تنقيح الفصول: ص ٢٠٠، ونهاية السول: ٣/ ١٣٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٥٠.\n(^٢) ينظر: الحاصل لتاج الدين الأرموي: ٢/ ١٠٦٨.\n(^٣) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٥٠.\n(^٤) وهو رأيه في جمع الجوامع: ٢/ ٣٤٥.\n(^٥) ينظر: المحصول للرازي: ج ١/ ق ٣/ ٢١٨. وتبعه صاحب التحصيل سراج الدين الأرموي: ينظر التحصيل: ٢/ ٣٣١","vol":"6","page":2621},{"text":"ولقائل أن يقول: الدليل المنفصل لا يُصَير (^١) ما لا يفيد الظنّ مفيدًا للظنّ فإن أراد بالدليل المنفصل ما يعضد (^٢) الاستقراء، فالمفيد للظنّ حينئذ هو مجموع المنفصل والاستقراء لا الاستقراء بالدليل المنفصل، وإن أراد بالدليل المنفصل (^٣) ما يدل على أنَّه مفيد للظن أو أنَّه حجّة فسوف يأتي به إن شاء الله.\nوقد مثل المصنف له بقولنا: \"الوتر يصلى على الراحلة\" بالإجماع منّا ومن الخصم أو بالدليل الذي يدل عليه ولا شيء من الواجبات يؤدَّى على الراحلة؛ لأنّا استقرأنا القضاء والأداء من الظهر والعصر وغيرهما من الواجبات فلم نر شيئا منها يؤدى على (^٤) الراحلة، والدليل على أَنَّه يفيد الظنّ أنا إذا (^٥) وجدنا صورًا كثيرة (^٦) داخلة تحت نوع واحد وقد اشتركت في حكم ولم نر شيئا مما نعلم أنَّه منها خرج عن ذلك الحكم أفادتنا هذه الكثرة بلا ريب ظنّ أنّ ذلك الحكم وهو عدم الأداء على الراحلة في مثالنا هذا من صفات ذلك النوع وهو الصلاة الواجبة.\n_________\n(^١) (لا يصير) ليس في (ت).\n(^٢) في (غ): ما يقصد.\n(^٣) (المنفصل) ليس في (غ).\n(^٤) الراحلة لأنا استقرأنا القضاء والأداء من الظهر. . . . . . فلم نر شيئا منها يؤدى على) ساقط من خ، ص.\n(^٥) (إذا) ليس في (ت).\n(^٦) في (ت): صورة كبيرة.","vol":"6","page":2622},{"text":"ومنهم من استدل عليه بأن القياس التمثيلي حجة عند القائلين بالقياس في الحكم الشرعي وهو أقلّ مرتبة من الاستقراء؛ لأنّه حكم على (^١) جزئي لثبوته في جزئي آخر والاستقراء حكم على كليّ لثبوته في أكثر الجزئيات، فيكون أولى من القياس التمثيلي ولكنّ هذا مدخول؛ لأنه يشترط في إلحاق الجزئي بالجزئي الآخر أن يكون بالجامع الذي هو علّة الحكم وليس الأمر كذلك في الاستقراء بل هو حكم على الكلّ بمجرد ثبوته في أكثر جزئياته. ولا يمتنع عقلا أنْ يكون بعض الأنواع مخالفًا للنوع الآخر في الحكم وإن اندرجا تحت جنس واحد. وإذا كان مفيدًا للظنّ كان العمل به لازمًا (^٢).\nواستدل المصنف على ذلك مما روي من قوله - ﷺ -: \"نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر\" (^٣).\n_________\n(^١) (على) ليس في (غ).\n(^٢) ينظر الاعتراض والإجابة في نهاية الوصول للصفي الهندى: ٨/ ٤٠٥١.\n(^٣) قال ابن الديبع الشيباني في كتابه تمييز الطيب من الخبيث \"حديث: \"أمرت أن أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر\" اشتهر بين الأصوليين والفقهاء وقد وقع في شرح مسلم للنووي في شرح قوله - ﷺ -: \"إني لم أؤمر ان أنقب عن قلوب الناس\" والحديث لا وجود له في كتب الحديث المشهورة ولا الأجزاء المنثورة وجزم العراقي بأنه لا أصل له. وكذا أنكره المزي. اهـ\" ص ٣١. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص: ٤/ ١٥٦٨ \"هذا حديث استنكره المزي فيما حكاه ابن كثير عنه في أدلة التنبيه\". والحديث معناه صحيح حيث عقد له النسائي: بابًا خاصا في سننه أخرجه النسائي في كتاب آداب القضاء (٤٩) باب الحكم بالظاهر رقم (٥٤٠١) فقال: باب الحكم بالظاهر ثمّ أورد تحته حديث أم سلمة: \"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ ولعلّ بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق =","vol":"6","page":2623},{"text":"وهو حديث لا أعرفه (^١) وقد سألت عنه شيخنا أبا عبد الله الذهبي فلم يعرفه.\nولو استدل بأنّ العمل بالظنّ واجب لما تقدم من الأدلة لكفاه ذلك والله أعلم.\n_________\n= أخيه شيئًا فلا يأخذه إنما أقطع له قطعة من نار\" متفق عليه رواه البخاري في كتاب المظالم (٤٦) باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلم رقم (٢٤٥٨)، ورواه مسلم في كتاب الأقضية (٣٠) باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (٣) رقم (٤).\nويشهد له أيضًا ما أخرجه البخاري من قول عمر - ﵁ -: \"إنما كانوا يؤخذون بالوحي على عهد النبي - ﷺ -، وأن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم\" رواه البخاري في كتاب الشهادات (٥٢) باب الشهداء العدول رقم (٢٦٤١).\nويشهد له أيضًا حديث أبي سعيد المرفوع: \"إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق على بطونهم\" أخرجه البخاري في كتاب المغازي (٦٤) باب بعث علي بن أبي طالب - ﵁ - وخالد بن الوليد إلى اليمن رقم (١٠٦٤).\nوقال الحافظ ابن حجر: بعد أن أورد الإمام الشافعي ﵀ حديث أم سلمة في كتاب القضاء من كتابه الأم: ٦/ ١٩٩ قال: \"فأخبرهم النبي - ﷺ - أنه إنما يقضي بالظاهر وأن أمر السرائر إلى الله\" فبعضهم ظنّ هذا حديثا منفصلًا فنقله كذلك، والحال أنه تفسير من الشافعي ﵀ ولهذا يوجد هذا الحديث كثيرًا في كتب أصحاب الشافعي دون غيرهم.\nينظر: المقاصد الحسنة: ص ٩١، وتلخيص الحبير ٤/ ١٥٦٨، وكشف الخفاء: ١/ ٢٢١، وتمييز الطيب من الخبيث: ص ٣١، ولمزيد الفائدة يراجع هامش محقق المحصول: ١/ ق ٢/ ١٣٢ - ١٣٦.\n(^١) (\"نحن نحكم بالظاهر والله متولي السرائر\" وهو حديث لا أعرفه) ساقط في (غ).","vol":"6","page":2624},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-570>(الرابع أخذ الشافعي بأقلّ ما قيل إذا لم يجد دليلًا</span>؛ كما قيل: دية الكتابي الثلث، وقد قيل: النصف وقيل: الكلّ بناءً على الإجماع والبراءة الأصلية.\nقيل: يجب الأكثر ليتيقن (^١) الخلاص.\nقلنا: حيث يتيقن الشغل والآن لم يتيقن).\nذهب إمامنا الشافعي رضوان الله تعالى عليه إلى أنَّه يجوز الاعتماد في إثبات الأحكام على الأخذ بأقلّ ما قيل.\nووافقه القاضي أبو بكر والجمهور (^٢). وخالفه قوم (^٣).\nمثاله اختلاف العلماء في دية اليهودي.\nقال بعضهم: كدية المسلم (^٤) وقال آخرون نصف. . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) في (ت): لتبين.\n(^٢) منهم الباجي وأبو إسحاق الشيرازي والغزالي والرازي والمصنف، قال القاضي عبد الوهاب: وحكى بعض الأصوليين إجماع أهل النظر عليه. الاحكام لابن حزم: ٥/ ٥٠، وإحكام الفصول: ص ٦٩٩، وشرح اللمع: ٢/ ٩٩٣، والمستصفى: ١/ ٢١٦، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢٠٨، والحاصل: ٢/ ١٠٦٤، والإحكام للآمدي: ١/ ٤٠٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٣٢، والبحر المحيط: ٦/ ٢٧.\n(^٣) منهم ابن حزم أنكر الأخذ بأقل ما قيل. ينظر: الإحكام لابن حزم: ٥/ ٦٣٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٣٢.\n(^٤) وهو قول الحنفية ينظر المبسوط: ٢٦/ ٨٤، ومختصر الطحاوي: ص ٢٤٠، الهداية: ٢/ ٣٠٧.","vol":"6","page":2625},{"text":"ديته (^١) (^٢) وقال آخرون بل الثلث فقط (^٣). وأخذ به الشافعي - ﵁ - (^٤).\nونحوه أيضًا زكاة الفطر قال بعضهم خمسة أرطال وثلث (^٥) وقال آخرون ثمانية أرطال (^٦) فأخذ بالأوّل.\nونحوه أيضًا النِّفاس (^٧).\nواعلم أنّ هذه المسألة كما أشار إليه المصنف بقوله: \"بناءً\" إلى آخره مبنية على قاعدتين:\n_________\n(^١) (وقال آخرون نصف دية) ليس في (غ)، (ت).\n(^٢) وهو قول المالكية. ينظر الشرح الصغير: ٤/ ٣٧٦، وبداية المجتهد: ٢/ ٤٠٦، وهو ظاهر مذهب الحنابلة أيضًا: ينظر المغني: ٧/ ٧٩٣.\n(^٣) وهو مذهب الشافعية ورواية عن أحمد: ينظر: الأم ٦/ ٩٦، والمجموع: ٢/ ١٩٨، والمغني: ٧/ ٧٩٣.\n(^٤) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٣٢.\n(^٥) هذا مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف وأحمد بن حنبل وسائر فقهاء الحرمين وأكثر فقهاء العراقيين. ينظر: الحاوي للماوردي: ٤/ ٤٢٢.\n(^٦) وهو قول أبي حنيفة ومحمد: استدلالا برواية أنس بن مالك قال: \"كان رسول الله - ﷺ - يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمدّ والمد رطلان\". وروت عائشة بنت عجرة عن أم أنفع امرأة أبي السفر قالت: \"كان رسول الله يغتسل بالصاع والصاع ثمانية أرطال\". ينظر: الحاوي للماوردي: ٤/ ٤٢٣.\n(^٧) اختلف العلماء في أقل النفاس. قال أبو حنيفة: أقل النفاس خمسة وعشرون يوما. وقال أبو يوسف: أقله أحد عشر يومًا. وقال سفيان الثوري أقله ثلاثة أيام. وروى أبو ثور عن الشافعي أنه قال أقل النفاس ساعة وأقله مجة من دم وبه قال مالك والأوزاعي، وأحمد وإسحاق. ينظر: الحاوي للماوردي: ١/ ٥٣٥.","vol":"6","page":2626},{"text":"أحدهما: الإجماع.\nوالثانية: البراءة الأصلية.\nفإن الأمة لما أجمعت على ذلك الأوّل كالثلث في المثال الأول فإنّ من أوجب الكلّ أو النصف فقد أوجب الثلث ضرورة كونه بعضه فالكلّ مطبقون على وجوب الثلث (^١) (^٢).\nوأما البراءة الأصلية: فإنّها تدل على عدم الوجوب في الكلّ، ترك العمل بها في الثلث لحصول الإجماع عليه فيبقى الباقي على أصله ويصار إليه وإنما يتم هذا إذا لم يكن في الأمّة من يقول بعدم وجوب شيء منها أو بوجوب أقلّ من الثلث، فإن بتقدير ذلك لا يكون القول بوجوب الثلث (^٣) قول كل الأمّة، وأن لا يكون هناك دليل دال على الأكثر، فإن بتقدير ذلك لا يصح أنْ يتمسك بالبراءة الأصلية فإنها ليست بحجة مع الناقل السمعي (^٤).\nفإن قلت: هل الأخذ بأقل ما قيل تمسك بالإجماع؟ .\nقلت: قال بعض الفقهاء ذلك وعزاه إلى الشافعي. وهو خطأ\n_________\n(^١) في (غ): على ترك لعمل بها في الثلث.\n(^٢) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٣٢.\n(^٣) (أو بوجوب أقلّ من الثلث فإن بتقدير ذلك لا يكون القول بوجوب الثلث) ساقط من (ت).\n(^٤) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢٠٩ - ٢١١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٣٣، ونهاية السول للإسنوي مع حاشية المطيعي: ٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣.","vol":"6","page":2627},{"text":"عليه - ﵁ -.\nقال القاضي أبو بكر: ولعل الناقل عنه زلّ في كلامه (^١).\nوقال الغزالي: هو سوء ظن به فإنّ المجمع عليه وجوب هذا القدر ولا مخالفة فيه، والمختلف فيه سقوط الزيادة ولا إجماع فيه (^٢).\nوقد علمت مما قررناه أنَّه ليس تمسكًا بالإجماع وحده.\nفإن قلت: حاصل ما قررته أنه مركب من الإجماع وهو دليل بلا ريب ومن البراءة الأصلية وهي كذلك فما وجه جعله دليلا مستقلا برأسه؟ وكيف يتجه ممن يوافق على الدليلين المذكورين مخالفة الشافعي ﵀ فيه؟ فما هو إلا تمسك بمجموع هذين (^٣) الدليلين الدال أحدهما على إثبات الأقل والآخر على نفي الزيادة.\nقلت: هذا سؤال لم نزل نورده ولم يتحصل لنا عنه جواب.\nفإن قلت: ما بال الشافعي اشترط أربعين في الجمعة؟ وقد اكتفى بعض العلماء بثلاث، واشترط سبعًا في عدد الغسل من ولوغ الكلب وقد اكتُفي فيه بثلاث مرات (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ١٣٥.\n(^٢) ينظر: المستصفى: ١/ ٢١٦.\n(^٣) (هذين) ليس في (ت).\n(^٤) هذه الأسئلة واردة على أصل الشافعي في الأخذ بأقل ما قيل، فإنهم في هاتين المسألتين لم يأخذوا بأقل ما قيل. حيث اختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال كثيرة: =","vol":"6","page":2628},{"text":"قلت: هذا سؤال من لم يحط بالحقائق فإنَّ الشافعي لم يخالف أصله؛ لأنَّ أصله الأخذ بالمتيقن وطرح المشكوك. واتفق العلماء في صورة الجمعة والغسل من ولوغ الكلب بالخروج (^١) عن العهدة بالأربعين وبالسبع واختلفوا في الخروج عنها بما دون ذلك فالأربعون والسبع بمنزلة الأقلّ إذ أخذ الشافعي فيهما بالمتيقن، فلا يتوهمن متوهم أنَّه أخذ بالأكثر فيما ذكر وإنما أخذ بالمتيقن (^٢).\n_________\n= القول الأول: أنها تنعقد بثلاثة أحدهم الإمام وهو مذهب أبي يوسف.\nالقول الثاني: أنها تنعقد بأربعة أحدهم الإمام، وبه قال أبو حنيفة.\nالقول الثالث: أنها تنعقد بأربعين وهو مذهب الإمام أحمد في المشهور عنه، وهو مذهب الإمام الشافعي.\nوالقول الرابع: تنعقد بجمع كثير من غير قيد، وهذا مذهب الإمام مالك.\nينظر هذه الأقوال وتفاصيلها بأدلتها: بداية المجتهد: ١/ ١٦١، ١٦٢، والإفصاح: ١/ ١٦٠، والمغني: ٢/ ١٧٢، والمجموع: ٤/ ٥٠٢ - ٥٠٥، وفتح القدير: ٢/ ٦٠.\nكما اختلفوا في وجوب غسل ما ولغ فيه الكلب.\nالقول الأول: ذهب الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد إلى وجوب غسل ما ولغ فيه الكلب سبعًا إحداهن بالتراب.\nالقول الثاني: وذهب أبو حنيفة إلى أنه يغسل من ولوغه كما يغسل من سائر النجاسات فإن غلب على ظنه زواله بغسلة أجزأه، وإلا فبثلاث، أو حتى يغلب على ظنه أن النجاسة قد ذهبت.\nينظر المسألة: بداية المجتهد: ١/ ٨٨، والإفصاح: ١/ ٦٤، وفتح القدير: ١/ ١٠٩، والمهذب: ١/ ٤٨.\n(^١) في (غ): والخروج.\n(^٢) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٣٥.","vol":"6","page":2629},{"text":"ولا يقال: قد اشترط بعض العلماء الخمسين في الجمعة وكان قياس هذا الأخذ (^١) بالخمسين؛ لأنا نقول: وصحّ له دليل ينفي اشتراط الخمسين.\nهذا ما انقدح لنا في جواب هذا السؤال وهو ما اقتضاه إيراد (^٢) الإمام أبي المظفر ابن السمعان في القواطع حيث قال (^٣) الأخذ بأقلّ ما قيل على ضربين:\nأحدهما: أن يكون فيما أصله براءة الذمة فيختلف في قدره بعد الاتفاق على وجوبه كدية اليهودي وحكى وجهين للأصحاب فيه.\nوالثاني: أن يكون فيما هو ثابت في الذمة كالجمعة الثابت فرضها فلا يكون الأخذ بالأقل دليلا لارتهان الذمة بها ولا تبرأ الذمة بالشك. وهل يكون الأخذ بالأكثر دليلا فيه وجهان؟ انتهى (^٤). فجعل الأكثر هنا بمنزلة الأقلّ (^٥).\nومن النّاس (^٦) من أجاب عنه بأنّ الشافعي لم يخالف أصله لأنَّ شرطه عدم ورود دليل سمعي على الأكثر كما عرفت ولم يوجد هذا الشرط عنده فيما ذكرته بل دلّ الدليل على الأكثر فلم يمكن التمسك فيه\n_________\n(^١) في (ص): الأصل القول.\n(^٢) في (غ): ولأجل ذلك قال.\n(^٣) (حيث قال) ليس في (غ).\n(^٤) ينظر: قواطع الأدلة: ٢/ ٤٤ - ٤٥.\n(^٥) (فجعل الأكثر هنا بمنزلة الأقل): ليس في (غ)، (ت).\n(^٦) ومن، في (ص): ثم ومن.","vol":"6","page":2630},{"text":"بالبراءة الأصلية (^١).\nويوضح ذلك أنّ بعض العلماء اشترط في الجمعة خمسين فلو أنّ الشافعي أخذ بالأكثر لاشترط الخمسين.\nفإن قلت: فهل يقضون فيما إذا أحدث مجتهد أداه اجتهاده إلى إيجاب قدر أقل من الثلث بأن ذلك يصير مذهبًا للشافعي ﵀ لأنّه أقل ما قيل حينئذ؟ .\nقلت: هذا غير متصور؛ لأنَّ الاجتهاد مع قيام الإجماع خطأ ولو صدر من واحد لسفهنا كلامه وقضينا عليه بما نقضي على خارق الإجماع.\nفإذا قلت: هب أنَّه لم يوجد دليل سمعي سوى الإجماع لكن لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول.\nقلت: إنما لا (^٢) يلزم من عدم الدليل عدم المدلول في الأمور الحقيقة لا في الشرعية التكليفية فإن تجويز ذلك يستلزم تكليف ما لا يطاق (^٣).\nفإن قلت: لا يلزم من عدم وجدانه عدم وجوده.\nقلت: هذا ساقط إن قلنا كل مجتهد مصيب وإلا فيصير حكم الله في حقه إذ ذاك ذلك الذي غلب على ظنّه فيخرج عن العهدة، وإلا يلزم التكليف بما لا يطاق (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٣٤.\n(^٢) (لا) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٣٥.\n(^٤) ينظر: المصدر نفسه.","vol":"6","page":2631},{"text":"قوله: \"قيل يجب الأكثر\" تقرير هذا الاعتراض أنَّه ينبغي أنْ يجب الأكثر ليستيقن المكلف الخلاص حينئذ.\nوجوابه: أنّ ذلك إنما يجب حيث تيقنا شغل الذمة لا حيث الشك والزائد على الأقلّ لم يتيقن فيه ذلك لعدم ثبوت الدليل عليه (^١).\nواعلم أنّ هذا الاعتراض يناسب من يقول بقاعدة الاحتياط، والاحتياط أن يجعل المعدوم كالموجود والموهوم كالمحقق، وما يبرئ على بعض التقديرات يلزم به وما لا يبرئ على كلّ التقديرات لا يلزم به ونأخذ بأثقل القولين وأكثرهما، ولعلنا نتعرض لهذه القاعدة في الأشباه والنظائر (^٢) كمّله الله تعالى وقد عضدت القول بها مرّة بقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (^٣) وهو استئناس حسن ذكرته لأبي (^٤) أيده الله فأعجبه (^٥).\nقال: (الخامس المناسب المرسل إن كانت المصلحة ضرورية قطعية كلية كتترس الكفار الصائلين (^٦) بأسرى المسلمين اعتبرت وإلا فلا، وأما مالك فقد اعتبرها مطلقًا لأنَّ اعتبار جنس المصالح يوجب\n_________\n(^١) ينظر هذا الاعتراض وجوابه في نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٣٤.\n(^٢) ينظر: الأشباه والنظائر: ١/ ١١٠.\n(^٣) سورة الحجرات من الآية ١٢.\n(^٤) في (ت): لوالدي.\n(^٥) ينظر: الأشباه والنظائر: ١/ ١١٠.\n(^٦) في (ص): القاتلين.","vol":"6","page":2632},{"text":"ظن اعتبارها ولأن الصحابة - ﵃ - قنعوا بمعرفة المصالح).\n\nتقدّم في كتاب القياس أنّ<span data-type=\"title\" id=toc-571> المناسب </span>إمّا أن يعلم أنّ الشارع اعتبره أو ألغاه أو يجهل حاله، وانفصل القول البليغ في القسمين الأولين والنظر هنا في الثالث وقد يعبر عنه بالمصالح المرسلة وبالاستصلاح (^١) وفيه مذاهب:\n_________\n(^١) المصلحة لغة كالمنفعة وزنًا ومعنى، فهي مصدر بمعنى الصلاح، كالمنفعة بمعنى النفع، او اسم لواحدة من المصالح، والمصلحة والصلاح والمصلحة واحدة المصالح قال ابن منظور: \"فكل ما كان فيه نفع سواء كان بالجلب والتحصيل، كاستحصال الفوائد واللذائذ أو بالدفع والاتقاء كاستبعاد المضار والآلام فهو جدير بأن يسمى مصلحة\". ينظر: الصحاح: ١/ ٣٨٣ - ٣٨٤، والمصباح المنير: ص ٣٤٥، ولسان العرب: ٣/ ٣٤٨ مادة \"صلح\".\nوأما في اصطلاح علماء الشريعة فهي كما عرفها الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي بقوله: \"المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده، من حفظ دينهم، ونفوسهم وعقولهم ونسلهم، وأموالهم، طبق ترتيب معين فيما بينها\" ضوابط المصلحة ص ٢٣.\nوقال الغزالي في تعريفها: \"فهي عبارة في الأصل عن جلب منفعة أو دفع مضرة، ولسنا نعني به ذلك، فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد الخلق وصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم. لكننا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهي: أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما تضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة\". ينظر المستصفى ١/ ٢٨٦ - ٢٨٧.\nوالمصالح المرسلة من أعوص الموضوعات فقد زلت فيها أقدام، وقد كتب فيه قديما وحديثا، وأخطر ما كتب فيه ما كتبه الإمام نجم الدين الطوفي الحنبلي المتوفى سنة (٧١٦ هـ) حيث اعتبر المصالح مطلقا وركب متن الغلو فيها. وقد تصدى للرد =","vol":"6","page":2633},{"text":"أحدها: المنع منه مطلقًا وهو الذي عليه الأكثرون (^١). - ﵃ -\nوالثاني: أنَّه معتبر مطلقًا وهو المنقول عن مالك بن أنس ﵀ (^٢).\n_________\n= عليه علماء من عصره ومتأخرون. والمؤلفات الحديثة المعاصرة التي كتبت في المصالح المرسلة كثرة لكن أهمها: ضوابط المصلحة للدكتور البوطي، المصلحة في التشريع الإسلامي لمصطفى زيد، وله أيضًا ملحق في تحقيق رسالة للطوفي في شرح الأربعين حديثا للنووي وركز فيه على حديث \"لا ضرر ولا ضرار\". وأدلة التشريع المختلف في الاحتجاج بها، وتعليل الأحكام لمحمد مصطفى شلبي وهو من أحسنها، وأثر الأدلة المختلف فيها في الفقه الإسلامي لمصطفى البغا. وغيرها. . .\nوالقول بالمصلحة أمر يقتضيه العصر الذي نعيشه لكثرة النوازل والقضايا، فكثير من المشاريع التي تقوم بها الدول سواء الخاصة بكل دولة على حدة كالخطط التنموية ذات المدى القريب والمتوسط أو البعيد بحاجة إلى النظر فيها إلى المصالح والمفاسد الناجمة عن تلك الخطط. وكذا العامة بين الدول من العلاقات الدولية فهي قائمة على المصالح المتبادلة، ونظرية المصلحة نافذة في تسيير هذه العلائق. والله أعلم.\n(^١) رجحه الآمدي قال: \"وهو الحق الذي اتفق عليه الفقهاء من الشافعية والحنفية وغيرهم\". واختاره إمام الحرمين، وقال ابن الحاجب، وهو المختار. ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٢١٦، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٤٢، والبرهان: ٢/ ١١٣، شرح تنقيح الفصول: ص ٤٤٦، الاعتصام للشاطبي: ٢/ ١١ - ١١٢، والروضة: ٢/ ٧٣٧.\n(^٢) ينظر رأي المالكية في شرح تنقيح الفصول: ص ٤٤٦، الاعتصام للشاطبي: ٢/ ١١ - ١١٢.\nقال ابن دقيق العيد: \"الذي لا شك فيه أن لمالك ترجيحًا على غيره من الفقهاء في هذا النوع ويليه أحمد بن حنبل، ولا يكاد غيرهما من اعتباره في الجملة، ولكن لهذين ترجيح في الاستعمال لها على غيرهما\". ينظر: إرشاد الفحول: ص ٢٤٢.\nوقال القرافي: \"وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا وإذا تفقدت المذاهب =","vol":"6","page":2634},{"text":"والثالث: ما اختاره المصنف أنَّه إن كانت تلك المصلحة ضرورية قطعية كليّة اعتبرت، وإن فات أحد هذه القيود الثلاثة لم تعتبر (^١).\nوالضرورية: ما تكون في الضروريات الخمس أعني الدين والعقل والنفس والمال والنسب.\nوالقطعية: التي تجزم بحصول المصلحة فيها.\nوالكلية: هي التي تكون موجبة لفائدة تعمّ جميع المسلمين (^٢).\nومثل لذلك: بما إذا تترس الكفار حال التحام الحرب بأسارى المسلمين وقطعنا بأنّا لو امتنعنا عن التترس (^٣) لصدمونا واستولوا على ديارنا وقتلوا كافة المسلمين ولو رمينا الترس لقتلنا مسلمًا من دون جريمة صدرت منه فيجوز والحالة هذه رميه.\nوهذا التفصيل مأخوذ من الغزالي ﵀ (^٤) ونحن نشبع القول فيه ثم نلتفت إلى الكلام مع مالك - ﵁ -.\n_________\n= وجدتهم إذا قاسوا أو جمعوا أو فرقوا بين المسألتين لا يطلبون شاهدًا بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا أو فرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة فهي حينئذ في جميع المذاهب. .\" ينظر شرح تنقيح الفصول: ص ٣٩٣، ٤٤٦.\nومن خلال هذه النقول يتبين أن الأخذ بالمصلحة المرسلة لا يخلو منه مذهب من المذاهب ولمزيد من التفاصيل ينظر: المصلحة في التشريع الإسلامي للدكتور مصطفى زيد: ص ٤٥، ٤٦، ٤٨.\n(^١) وهو رأي الغزالي ينظر: المستصفى: ١/ ٢٨٤.\n(^٢) (المسلمين) ساقط من (ت).\n(^٣) في (غ)، (ص): الترس.\n(^٤) ينظر: المستصفى: ١/ ٢٩٤.","vol":"6","page":2635},{"text":"فنقول: ما ذكرناه من المثال لا عهد به في الشريعة قال الغزالي: \"فلا يبعد أنْ يؤدي إليه اجتهاد مجتهد فنقول هذا الأسير مقتول بكل حال لأنا لو كففنا عن الترس لسلطنا الكفار على جميع المسلمين فيقتلونهم ثم يقتلون الأسارى أيضًا، فحفظ المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع لأنا على قطع نعلم أنّ الشرع يقصد تقليل القتل كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم فقد قدرنا على التقليل وكان هذا التفاتا إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة بالشرع لا بدليل واحد بل بأدلة خارجة عن الحصر ولكن تحصيل هذا المقصود بهذا الطريق وهو قتل من لم يذنب لم يشهد له أصل معين فينقدح اعتبار هذه المصلحة باعتبار الأوصاف الثلاثة وهي كونها ضرورية قطعية كلية، فليس في معناها ما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم بأنّه لا يحل رمي الترس إذ لا ضرورة بنا إلى أخذ القلعة فيعدل عنها وليس في معناها إذا لم يقطع بظفرهم بنا (^١) فإنها ليست قطعية بل ظنية\". كذا قال الغزالي (^٢) وهو إشارة إلى اعتبار القطع بحصول المصلحة، وفي اشتراط القطع به وعدم الاكتفاء بالظنّ الغالب نظر.\nوقد حكى الأصحاب في مسألة الترس وجهين من غير تصريح منهم باشتراط القطع، وعللوا وجه المنع بأنّ غاية الأمر أن نخاف على أنفسنا،\n_________\n(^١) (إلى أخذ القلعة فيعدل عنها وليس في معناها إذا لم يقطع بظفرهم بنا) ساقط من (غ).\n(^٢) ينظر: المستصفى: ١/ ٢٩٤ - ٢٩٦.","vol":"6","page":2636},{"text":"ودم المسلم لا يباح بالخوف. وهذا تصريح بجريان الخلاف في صورة الخوف ولا قاطع فيه.\nوقد يقال: إنّ المسألة في حالة القطع مجزوم باعتبارها والخلاف إنما هو في حالة الخوف.\nوقد صرح الغزالي بذلك في المستصفى وقال: \"إنّه إنما يجوز ذلك عند القطع أو ظنّ قريب من القطع. وليس في معناها جماعة في سفينة لو طرحوا واحدًا لنجوا وإلا غرقوا بجملتهم لأنها ليست كلية إذ يحصل بها هلاك عدد محصور. ولعل مصلحة الدين في بقاء من طرح أعظم منها في بقاء من بقي ولأنه ليس يتعين واحد للإغراق إلا أن يعين بالقرعة ولا أصل لها في الشرع، وكذلك جماعة في مخمصة لو أكلوا واحدًا بالقرعة لنجوا فلا رخصة فيه، وليس في معناها قطع اليد للأكلة حفظًا للروح فإنّه ينقدح الرخصة فيه؛ لأنه إضرار به (^١) لمصلحته (^٢) وقد شهد الشرع بالإضرار لشخص في قصد صلاحه كالفصد والحجامة وغيرهما. وكذلك قطع المضطر فلقة من فخذه إلى أن يجد الطعام هو كقطع اليد لكن ربما يكون القطع سببًا ظاهرًا في الهلاك ويكون الخوف منه كالخوف في ترك الأكل أو أشدّ فيمنع منه وليس كذلك ما إذا كان الخوف منه دون الخوف من ترك الأكل فإنه يجوز على الأصح بشرط أنْ لا يجد شيئا غيره\" (^٣).\n_________\n(^١) (به) ليس في (ت).\n(^٢) (لمصلحته) ليس في (غ).\n(^٣) ينظر: المستصفى: ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧.","vol":"6","page":2637},{"text":"فإن قلت: فهل يجوزون أن يقطع لنفسه من معصوم غيره أو أنْ يقطع الغير للمضطر من نفسه.\nقلت: لا نجوزه لأنّه ليس رعاية مصلحة أحدهما بالقطع له أولى من رعاية الآخر بترك القطع.\nفإن قلت: فالضرب بالتهمة للاستنطاق بالسرقة مصلحة فهل تقولون به؟ .\nقلت: قد قال به مالك ﵀ ولكنا لا نقول به لا لإبطال النظر إلى جنس المصلحة لكن لما علمت (^١) من معارضة هذه المصلحة لمصلحة أخرى وهي مصلحة المضروب فربما يكون بريئًا من الذنب فترك الضرب في مذنب أهون من ضرب بريء وإن كان فيه فتح باب يعسر معه انتزاع الأموال ففي الضرب فتح أبواب إلى تعذيب البرءاء.\nفإن قلت: فالزنديق المتستر إذا تاب فالمصلحة في قتله وأن لا تقبل توبته وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\" (^٢) فماذا ترون؟ (^٣).\n_________\n(^١) في (ت): غلب.\n(^٢) الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري في الصحيح ١/ ٧٥، كتاب الإيمان (٢) باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (١٧) الحديث رقم (٢٥). ومسلم في الصحيح: ١/ ٥٣، كتاب الإيمان (١) باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله (٨) الحديث (٣٦/ ٢٢). واللفظ للبخاري.\n(^٣) ينظر: المستصفى: ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩.","vol":"6","page":2638},{"text":"قلت: المسألة في محل الاجتهاد والذي نراه قبول توبته جريًا على تعميم كلام رسول الله - ﷺ - فإنّ غاية ظننا فيه أنَّه أسرّ الكفر ولسنا على قطع بذلك وقد صادم هذا الظهور بلفظه بكلمة الشهادة العاصمة عن القتل فلا يرجع إليه.\nوهذا الذي رأيناه هو الذي نصّ عليه الشافعي - ﵁ - في المختصر (^١) وقطع به العراقيون وصححه المتأخرون (^٢).\nوخالف فيه بعض الأصحاب واستعمل هذه المصلحة في تخصيص عموم الحديث (^٣).\nوزعم الروياني أنّ العمل على ذلك (^٤)، وفي المسألة أوجه أخر ناظرة إلى ما يقوي الظنّ (^٥).\nفقال القفال الشاشي (^٦) لا تقبل توبة المتناهين في الخبث كدعاة\n_________\n(^١) أي مختصر المزني.\n(^٢) كذا أظهره الرافعي فقال: \"أظهر الوجوه: أنه لا فرق، وتقبل توبة الزنديق وإسلامه، وهذا هو المنصوص في المختصر ولم يورد العراقيون غيره\". العزيز شرح الوجيز: ١١/ ١١٤.\n(^٣) الحديث السابق: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\".\n(^٤) قاله في الحلية أفاده الرافعي في العزيز شرح الوجيز: ١١/ ١١٥.\n(^٥) ينظر: العزيز شرح الوجيز: ١١/ ١١٥.\n(^٦) والشاشي: هو أبو بكر بن علي بن إسماعيل القفال الشاشي، الفقيه الشافعي، المولود عام (٢٩١ هـ) والمتوفى عام (٣٣٦ هـ) وقيل ٣٦٥ هـ وقيل ٣٧١ هـ بمرو له من المصنفات: شرح الرسالة، وكتاب في أصول الفقه. والشاشي نسبة إلى مدينة شاش =","vol":"6","page":2639},{"text":"الباطنية وتقبل من عوامهم (^١).\nوقال الأستاذ أبو إسحاق: إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل وإن جاء تائبًا ابتداء وظهرت أمارات الصدق قبلت وهو حسن (^٢).\nوقال أبو إسحاق المروزي: لا يقبل إسلام من تكررت ردته (^٣).\nفإن قلت: رب ساع في الأرض بالفساد بالدعوة إلى البدعة أو بإغراء الظلمة بأموال النّاس وجرحهم وسفك دمائهم بإثارة الفتنة والمصلحة قتله لكفّ شره فماذا تقولون؟ .\nقلت: إذا لم يقتحم جريمة موجبة لسفك الدم فلا سبيل إلى قتله إذ في تخليد الحبس عليه كفاية شرّه فليست هذه المصلحة ضرورية.\nفإن قلت: فلو كان زمان فتنة لم يقدر على تخليد الحبس فيه مع تبديل الولايات على قرب فليس في حبسه إلا إيغار صدره وتحريك داعيته.\nقلت: هذا رجم ظنّ وحكم بالوهم فربما لا يفلت ولا تتبدل الولاية\n_________\n= وهي واقعة وراء نهر سيحون. ينظر ترجمته في: طبقات الفقهاء: ص ١١٢، والنجوم الزاهرة: ٣/ ٢٩٦، ومعجم البلدان: ص ٢٣٣.\n(^١) ينظر: الوسيط للغزالي: ٦/ ٤٢٨، والعزيز شرح الوجيز: ١١/ ١١٥.\n(^٢) صرح باسمه الرافعي في العزيز أبو إسحاق الإسفراييني، وهو من يطلق عليه الأستاذ عند الشافعية. ينظر: العزيز شرح الوجيز: ١١/ ١١٥، والوسيط للغزالي: ٦/ ٤٢٨.\n(^٣) الوسيط للغزالي: ٦/ ٤٢٨","vol":"6","page":2640},{"text":"والقتل بتوهم المصلحة لا سبيل إليه (^١).\nفإن قلت: إذا توقعنا من الساعي في الأرض بالفساد بتعريض أموال المسلمين ودمائهم للهلاك وغلب ذلك على الظنّ بما عرف من طبيعته وعادته المجربة (^٢) طول عمره.\nقلت: قال الغزالي لا يبعد أنْ يؤدي اجتهاد مجتهد إليه. قال بل هو أولى من التترس فإنّ هذا ظهرت جرائمه الموجبة للعقوبة فكأنه التحق بالحيوانات الضارية لما عرف من طبعه وسجيته (^٣).\nونحن نقول فيما ذكره الغزالي نظر بل الفرق بين هذا ومسألة التترس أنّ التترس دعت الضرورة إلى المبادرة بحيث أنا لو لم نبادر في الوقت الحاضر لاستأصلونا.\nوأمّا هذا فجاز أنْ يهلكه الله تعالى قبل أنْ يصدر منه ما يتوقع في المستقبل ولا يتصور قطع في (^٤) ذلك.\nفإن قلت: كيف يجوز هذا في مسألة التترس وها هنا على ما ذكر الغزالي وقد قدمتم في كتاب القياس أنّ المصلحة إذا علم إلغاؤها بمخالفة النّص لم تتبع كإيجاب صوم شهرين على الملك المجامع في نهار رمضان (^٥)\n_________\n(^١) هذه المناظرة بكاملها من المستصفى: ١/ ٣٠٠ - ٣٠١.\n(^٢) المسلمين ودمائهم للهلاك وغلب ذلك على الظنّ بما عرف من طبيعته وعادته المجربة) ساقط من (غ).\n(^٣) ينظر المستصفى: ١/ ٣٠١.\n(^٤) (في) ليس في (ت).\n(^٥) ينظر: المستصفى: ١/ ٢٨٥، والاعتصام: ٣/ ٩٧.","vol":"6","page":2641},{"text":"وهذا يخالف قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ﴾ (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (^٢) فإن زعمتم أنا نخصص العموم بصورة ليس فيها خطر كلي فليخصص العتق بصورة يحصل بها الانزجار عن الجناية (^٣).\nقلت: جعل الغزالي المسألة في محل الاجتهاد قال: ولا يبعد المنع من ذلك ويتأيد بمسألة السفينة فإنه يلزم منه قتل ثلث الأمّة في استصلاح ثلثيها ترجيحا بالكثرة إذ لا خلاف في أنّ كافرًا لو قصد قتل عدد مخصوص كعشرة مثلا وتترسم بمسلم فلا يجوز لهم قتل الترس في الدفع، بل حكمهم حكم عشرة أكرهوا على قتل أو اضطروا إلى أكل أحدهم. وإنما نشأ هذا من الكثرة ومن كونه كليا لكن الكلي الذي لا يحصره حكم آخر أقوى من الترجيح بكثرة العدد.\nولهذا لو اشتبهت أخته بنساء بلدة حلّ له النكاح ولا يحلّ له إذا اشتبهت بعشرة أو عشرين. ولا خلاف أنهم لو تترسوا بنسائهم أو ذراريهم قتلناهم وإنْ كان التحريم عامًا لكن تخصيصه بغير هذه الصورة، بل أبلغ من هذه الصورة أنَّه لو لم تكن المصلحة ضرورية. وإنما كانوا يدفعون بهم عن أنفسهم واحتمل الحال تركهم لجاز رميهم على أحد قولي الشافعي ﵀ لئلا يتخذ ذلك ذريعة للجهاد، فإذا خصص العموم بما\n_________\n(^١) سورة النساء: من الآية ٩٣.\n(^٢) سورة الإسراء من الآية ٣٣.\n(^٣) ينظر: المستصفى: ١/ ٣٠٢.","vol":"6","page":2642},{"text":"ذكرناه كذلك ها هنا التخصيص ممكن.\nوقول القائل: هذا سفك دم معصوم، يعارضه أن في الكف عنه إهلاك دماء معصومة لا حصر لها. ونحن نعلم أنّ الشرع يؤثر حفظ الكلي على الجزئي وأن حفظ أصل الإسلام عن اصطدام الكفار أهمّ في مقصود الشرع من دم مسلم واحد فهذا مقطوع به من جهة الشرع (^١) والمقطوع به (^٢) لا يحتاج إلى شهادة أصل.\nفإن قلت: فتوظيف الخراج من المصالح فهل إليه سبيل أم لا؟\nقلت: لا سبيل إليه مع كثرة الأموال في أيدي الجنود.\nأما إذا خلت الأيدي ولم يكن من مال المصالح ما يفي بخراجات العسكر ولو تفرق العسكر أو اشتغلوا بالكسب لخيف دخول الكفار بلاد الإسلام أو خيف ثوران الفتنة من أهل العرامة (^٣) في بلاد الإسلام فيجوز للإمام أنْ يوظف على الأغنياء مقدار كفاية الجند ثمّ (^٤) إنْ رأى في طريق التوزيع التخصيص بالأراضي فلا حرج لأنا نعلم أنَّه إذا تعارض ضرران دفع أشدهما وما يؤديه كلّ واحد منهم قليل\n_________\n(^١) (من دم مسلم واحد فهذا مقطوع به من جهة الشرع) ساقط من (ت).\n(^٢) في (ت): والمقصود لا يحتاج.\n(^٣) أهل العرامة بفتح العين: أهل البطر والشر والفساد. لسان العرب: ١٢/ ٣٩٥ مادة \"عرم\".\n(^٤) (ثمّ) ليس في (ت).","vol":"6","page":2643},{"text":"بالإضافة إلى ما يخاطر به من (^١) نفسه وماله، لو خلت خطة الإسلام عن ذي شوكة بحفظ نظام الأمور وبقطع مادة الشرور وكان هذا لا يخلو عن شهادة أصول معينة فإن لولي الطفل عمارة القنوات وإخراج أجرة الفصاد وثمن الأدوية وكلّ ذلك تنجيز خسران لتوقع ما هو أكثر منه وهذا أيضا يؤيد مسلك الترجيح في مسألة التترس لكن هذا تصرف في الأموال، والأموال بذلة يحوز ابتذالها في الأغراض التي هي أهمّ منها. وإنما الخطر سفك دم معصوم من غير ذنب (^٢).\nفإن قلت: أجرة الجلاد في الحدود والقاطع في السرقة إذا قلنا بأحد الوجهين (^٣)، وهو إنّما تجب من بيت المال لا على المجلود والسارق المقطوع ولم يكن في بيت المال ما يمكن صرفه إليه فهل للإمام أخذها من الأغنياء؟ .\nقلت: إنما يأخذ من الأغنياء إذا لم تكن مندوحة (^٤) عن ذلك وهنا\n_________\n(^١) في (ت): في نفسه.\n(^٢) ينظر: المستصفى: ١/ ٣٠٤ - ٣٠٥.\n(^٣) قال الرافعي في شرحه العزيز: ١٠/ ٢٦٨: \"ونقل جماعة من الأئمة منهم المسعودي والفوراني تولد الخلاف بين الصورتين من ذمَّتين نقلوهما عن الشافعي - ﵁ - قالوا: نصّ في القصاص على أنّ الأجرة على المقطوع والمقتول، وفي الحدود على أنّ الأجرة على بيت المال، فقررهما مقررون، وتصرف فيهما آخرون بالنقل والتخريج وأثبتوا فيهما قولين: أحدهما الوجوب على الجاني، والثاني أنه تجب في القصاص على المستحق، وفي الحدود فى بيت المال\".\n(^٤) مندوحة: من الندح وهو الموضع المتسع من الأرض والجمع أنداح مثل قفل وأقفال ومنه يقال عنه مندوحة بفتح الميم أي سعة وفسحة. (المصباح المنير: ص ٥٩١ \"ندح\").","vol":"6","page":2644},{"text":"مندوحة فليستقرض على بيت المال إلى أن يجد سعة فإن لم يجد من يقرضه فعل ذلك على أنّ القاضي الروياني جوز أنْ تستأجر بأجرة مؤجلة أو من يستسخر من يقوم به على ما يراه (^١).\nقال الرافعي (^٢): \"والاستئجار قريب والتسخير بعيد وبتقدير أنْ يجوز ذلك فيجوز أن يأخذ الأجرة ممن يراه من الأغنياء ويستأجر به\" (^٣).\nفإن قلت: فما قولكم في المصالح الجزئية المتعلقة بالأشخاص مثل المفقود زوجها؟ وكذلك (^٤) إذا عقد وليان أو وكيلان نكاحين وأحدهما سابق واستبهم الأمر ووقع اليأس عن البيان هل ينفسخ النكاح بالمصلحة أم تبقى المرأة محبوسة طول العمر عن الأزواج ومحرومة في الصورة الثانية عن\n_________\n(^١) ينظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي: ١٠/ ٢٦٨.\n(^٢) والرافعي: هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن الفضل بن الحسين بن الحسن أبو القاسم الرافعي القزويني شيخ الشافعية عالم العرب والعجم، كان متضلعًا من علوم الشريعة تفسيرًا وحديثًا وأصولًا، تفقه على والده وعلى أبي الفتح بن البطي، وأبي سليمان الزبيري، وأبي العلاء الهمذاني، وعبد الله بن أبي الفتوح، وتتلمذ عليه كثيرون منهم: أحمد بن خليل المهلبي، والمنذري. ومن مصنفاته: العزيز شرح الوجير، وشرح المسند للشافعي، والمحمود في الفقه، والإيجاز في أخطار الحجاز، والأمالي الشارحة على مفردات الفاتحة، والمحرر في فروع الشافعية، والتدوين في أخبار قزوين. ولد سنة ٥٥٥ هـ وتوفي ﵀ في ذي القعدة سنة ٦٢٣ هـ.\nينظر: طبقات السبكي: ٨/ ٢٨١، وطبقات ابن هداية ص ٢١٨، وطبقات ابن قاضي شهبة: ٢/ ٧٥، وشذرات الذهب: ٣/ ١٠٨، طبقات الإسنوى: ١/ ٢٨١.\n(^٣) ينظر: المصدر نفسه.\n(^٤) (وكذلك) ساقط من (ت).","vol":"6","page":2645},{"text":"زوجها المالك في علم الله؟ وكذلك المرأة إذا تباعد حيضها ما شاء الله وتعوقت عدتها وبقيت ممنوعة عن النّكاح هل يجوز لها الاعتداد بالأشهر أو تكتفي بتربصها أربع سنين؟ فكل ذلك مصلحة ودفع ضرر، ونحن نعلم أنّ دفع الضرر مقصود شرعًا (^١).\nقلت: المسألتان الأوليان (^٢) مختلف فيهما، فهما في محل الاجتهاد فقد قال في القديم تنكح زوجة المفقود بعد أربع سنين (^٣) ولكن الجديد هو الصحيح (^٤) فإنه يبعد الحكم بموته من غير بينة إذ لاندارس الأخبار أسباب سوى الموت لا سيما في حق الخَامِل الذِكْر النازل القدر، وإن فسخنا فالفسخ إنما يثبت بنص أو قياس والمنصوص أعذار وعيوب من جهة الزوج من إعسار وجُبِّ وعنّة وإذا كانت النفقة في دائمة فغايته الامتناع من الوطء وذلك في الحضر لا يؤثر فكذا في الغيبة.\nلا يقال: سبب الفسخ دفع الضرر عنها ورعاية جانبها؛ لأنّه معارض برعاية جانبه وفي تسليم زوجته إلى غيره بغيبته ولعله محبوس أو غير ذلك إضرارا به فقد تقابل الضرران وما من ساعة إلا وقدوم الزوج فيها\n_________\n(^١) هذه المسائل ذكرها الغزالي في المستصفى: ١/ ٣٠٧.\n(^٢) أي مسألة المفقود زوجها، ومسألة الوليين لا يعلم أيهما سبق الآخر.\n(^٣) وعن القديم، وبه قال مالك وأحمد: أنها تتربص أربع سنين، وتعتد عدة الوفاة، ثمّ تنكح، ويروى ذلك عن عمر وعثمان وابن عباس - ﵃ -. أفاده الرافعي في العزيز شرح الوجيز: ٩/ ٤٨٤، وينظر: الوسيط ٦/ ١٤٨.\n(^٤) والجديد: أنه لا يجوز للمرأة أن تنكح زوجًا آخر؛ حتى يتيقن موته أو طلاقه، وتعتد. ينظر: العزيز شرح الوجيز: ٩/ ٤٨٤. والوسيط ٦/ ١٤٨.","vol":"6","page":2646},{"text":"ممكن (^١).\nوأما مسألة الوليين فإن علم سبق أحدهما ولم يعلم عينه فباطلان على المذهب المنصوص وإن سبق معين ثم خفي فالمذهب الوقف حتى يتبين وقيل فيه قولان فلو قيل بالفسخ من حيث تعذر إمضاء العقد لم يكن حكمًا بمجرد مصلحة بل معتضدًا بأصل معين (^٢).\nوأما تباعد الحيضة فلا خلاف فيها في مذهب الشافعي. وقد أوجب الله تعالى التربص بالأقراء إلا على اللائي يئسن وليس هذه منهن وما من لحظة إلا ويتوقع هجوم الحيض فهذا عذر نادر لا يسلطنا على تخصيص النّص (^٣).\nقال الغزالي: وكان لا يبعد عندي لو اكتفى بأقصى مدّة الحمل وهو أربع سنين لكن لما وجبت العدّة مع تعليق الطلاق على يقين البراءة غلب التعبد (^٤).\nقلت: وقد قال في القديم فيما إذا انقطع دمها لا لعلة تعرف أنها تتربص بتسعة (^٥) أشهر. وفي قول أربع سنين وفي قول مخرّج ستة أشهر، ثمّ تنتقل إلى الأشهر (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى للغزالي: ١/ ٣٠٨.\n(^٢) ينظر: الوسيط: ٥/ ٨٧ - ٨٨، المستصفى: ١/ ٣٠٩ - ٣١٠\n(^٣) ينظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي: ١/ ٣٣٤.\n(^٤) ينظر: المستصفى للغزالي: ١/ ٣١٠.\n(^٥) في سائر النسخ سبعة ما عدا (غ) وهو الصحيح.\n(^٦) ينظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي: ٩/ ٤٣٨ - ٤٣٩.","vol":"6","page":2647},{"text":"فإن قلت: فقد ملتم في أكثر هذه المسائل إلى القول بالمصالح فلم لم تلحقوا هذا الأصل بالكتاب والسنة والإجماع (^١) والقياس وتجعلوه أصلًا خامسًا.\nقلت: من ظنّ أنَّه أصل خامس أخطأ؛ لأنّا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع وهي معروفة بالكتاب والسنّة والإجماع، فكلّ مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه مقصودًا بهذه الأدلة فليس هذا خارجًا عن هذه الأصول لكنّه لا يسمى قياسًا بل مصلحة مرسلة، إذ القياس له أصل معين وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد، بل بأدلة كثيرة من الكتاب والسنّة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات فتسمى لذلك مصلحة مرسلة (^٢).\nقال الغزالي: وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع فلا وجه للخلاف فيها بل نقطع بكونها حجة، وحيث جاء خلاف، فهو عند تعارض مصلحتين ومقصودين وعند ذلك يرجح الأقوى.\nولذلك قطعنا بكون الإكراه مبيحًا لكلمة الكفر والشرب لأنَّ الحذر من سفك دم أشدّ من هذه الأمور ولا يباح به الزنا لأنَّه في مثل محذور الإكراه، فإذن منشأ الخلاف في مسألة التترس الترجيح؛ إذ الشرع ما رجح الكثير على القليل في مسألة السفينة ولا رجح الجزئي على الكلي في قطع اليد المتآكلة، وهل يرجح الكلي على الجزئي في مسألة التترس؟ فيه\n_________\n(^١) (بالمصالح فلم لم تلحقوا هذا الأصل بالكتاب والسنة والإجماع) ساقط في (غ).\n(^٢) ينظر: المستصفى للغزالي: ١/ ٣١٠ - ٣١١.","vol":"6","page":2648},{"text":"خلاف.\nفإن قلت: لا ننكر أنّ مخالفة مقصود الشرع حرام ولكن لا نسلم أنّ هذه مخالفة.\nقلت: قهر الكفار واستعلاء الإسلام مقصود (^١) وفي هذا استئصال الإسلام واستعلاء الكفر.\nفإن قلت فالكف عن المسلم الذي لم يذنب مقصود.\nقلت: اضطررنا إلى مخالفة أحد المقصودين ولا بد من الترجيح والجزئي محتقر بالإضافة إلى الكلي.\nفإن قلت: لا نسلم أن الجزئي محتقر بالإضافة إلى الكليّ، فإنّ ذلك لا يعرف إلا بنص أو قياس.\nقلت: عرف ذلك لا بنص واحد بل بتفاريق أحكام واقتران دلالات لم يبق معها الشك في أنّ حفظ خطة الإسلام ورقاب المسلمين أهمّ في مقاصد الشرع من حفظ شخص معين في ساعة أو نهار وسيعود إليه الكفار بالقتل.\nوهذا كما أبحنا أكل مال الغير بالإكراه لعلمنا بحقارة المال في ميزان الشرع بالإضافة إلى الدماء.\nوكما قلنا في مسألة السفينة: إنّه لو كان فيها مال لوجب إلقاؤه؛ لأنَّ المفسدة في فواته أخف من المفسدة في (^٢) فوات أرواح\n_________\n(^١) (مقصود) ساقط من (ت).\n(^٢) (فواته أخف من المفسدة في) ساقط من (ت).","vol":"6","page":2649},{"text":"النّاس (^١).\nفإن قلت: لو علمنا أنّهم لا يقتلون الترس بعد استئصال الإسلام فما ترون؟ .\nقلت: الذي لاح من كلام الغزالي أولًا وآخرًا أنّ الجواز إنما هو حالة العلم باستئصال الأسارى أيضًا، ولكن كلام الأصحاب في حكاية الخلاف مطلق.\nوالذي يظهر لي إطلاق الجواز فإن حفظ الجَمْعِ العظيم الخارج عن حدِّ الحصر مع خطة الدّين وإعلاءِ كلمة الإسلام أهمّ في مقاصد الشرع من حفظ عشرة أنفس مثلا يصيرون مستأسرين تحت ذلّ الكفر.\nفإن قلت: فهلا فهمتم أنّ حفظ الكثير أهمّ من حفظ القليل في مسألة السفينة والإكراه والمخمصة.\nقلت: لأنّ الإجماع قام وهو لا يصادم، على أنَّه لو أكره شخصان على قتل شخص لا يحل لهما قتله وأنَّه لا يحل لمسلم أكل مسلم في المخمصة فمنع الإجماع من ترجيح الكثرة بمجردها أما ترجيح الكلي فمعلوم إمّا على القطع أو بظن قريب منه لم يقم دليل على خلافه (^٢).\nفقد علمت بما أوردناه وغالبه من كلام الغزالي (^٣) أنَّه يجوز اتباع\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى للغزالي: ١/ ٣١١ - ٣١٤.\n(^٢) المصدر نفسه: ١/ ٣١٥.\n(^٣) بدأ النقل عن مستصفى الغزالي من ص ٢٩٠ - ٣١٥. وقد تخللت عبارة السبكي =","vol":"6","page":2650},{"text":"المصالح بالشروط التي سردناها، وبان لك أنّ الاستصلاح ليس أصلًا (^١) خامسا برأسه بل من استصلح فقد شرع. كما أنّ من استحسن فقد شرع.\nفلنلتفت إلى الكلام مع إمام دار الهجرة مالك - ﵁ - حيث اعتبر جنس المصالح مطلقًا، وقد نقل ناقلون هذا عن الشافعي ﵀ ولم يصحّ عنه، والذي نقله عنه إمام الحرمين أنَّه لا يستجيز التنائي والإفراط في البعد وإنما يسوغ تعليق الأحكام بمصالح يراها شبيهة بالمصالح المعتبرة وفاقا، وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول قارّة في الشريعة.\nواختار إمام الحرمين ذلك أو نحوًا منه وإذا حقق التفصيل الذي ذكرناه عن الغزالي لم يكن بعيدًا من هذا.\nإذا عرفت هذا فنقول: قال إمام الحرمين: الذي ننكره من مذهب مالك ترك رعاية ذلك وجريانه على استرساله في الاستصواب من غير اقتصاد، ونحن نعرض على مالك واقعة وقعت نادرة لا يعهد مثلها، ونقول له: لو رأى ذو نظر فيها جدع أنف أو اصطلام شفة وأبدى رأيًا لا تنكره العقول صائرًا إلى أنّ العقوبات مشروعة لحسم الفواحش وهذه العقوبة لائقة بهذه النازلة للزمك التزام هذا؛ لأنك تجوز لأصحاب الإيالات القتل (^٢) في التّهم العظيمة حتى نقل عنك الثقات أنك قلت: قتل ثلث الأمّة في استبقاء ثلثيها.\n_________\n= بين الأسطر ويعبر بقلت: بعد فإن قيل وهو من باب الزيادة في الإيضاح والشرح.\n(^١) في (غ): اصلاحًا.\n(^٢) في خ: العقل.","vol":"6","page":2651},{"text":"ثمّ إنّا نقول له ثانيا: أيجوز التعلق (^١) بكل رأي فإنْ أبى ذلك لم نجد مرجعا يفرّ عنه إلا ما ارتضاه الشافعي من اعتبار المصالح المشبهة بما علم اعتباره، وإن لم يذكر ضابطًا وصرح بأنّ ما لا نص فيه (^٢) ولا أصل له فهو مردود إلا الرأي واستصواب ذوي العقول، فهذا الآن اقتحام عظيم وخروج عن الضبط كما ذكر القاضي أبو بكر (^٣) حيث قال: المعاني إذا حصرتها الأصول وضبطتها المنصوصات كانت منحصرة في ضبط الشرع فإذا لم يشترط استنادها إلى الأصول لم تنضبط ويتسع الأمر ويرجع إلى اتباع وجوه الرأي واقتفاء أثر حكمة الحكماء ويصير ذوو الأحلام بمثابة الأنبياء حاش لله ثمّ (^٤) لا ينسب ما يرونه إلى رِبقة الشريعة وهذه ذريعة في الحقيقة إلى إبطال أبهة الشريعة ومصير إلى أنّ كلا يفعل ما يرى ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق وهو في الحقيقة خروج عمّا درج عليه الأولون (^٥).\nوألزم إمام الحرمين مالكًا - ﵁ - أنْ قال بالتمسك بكل رأي من غير قرب ومداناة بأن العاقل ذا الرأي العالم بوجوه الإيالات إذا راجع (^٦) المفتيين في واقعة فأعلموه أنها ليست منصوصة ولا أصل يضاهيها بأن\n_________\n(^١) في (غ): التعليق.\n(^٢) (فيه) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر: البرهان: ٢/ ١١١٩.\n(^٤) (ثم) ليس في (غ).\n(^٥) ينظر: البرهان: ١/ ١١١٥.\n(^٦) في جميع النسخ: (رجع)، والمثبت من البرهان: ٢/ ١١٢٠.","vol":"6","page":2652},{"text":"يسوغ له والحالة هذه أنْ يعمل بالصواب عنده والأليق بطرق الاستصلاح، قال: وهذا مركب صعب مساقه ردّ الأمر إلى عقول العقلاء واحتكام (^١) الحكماء ونحن على قطع نعلم أنّ الأمر بخلاف ذلك، ثمّ وجوه الرأي تختلف بالبقاع والأصقاع والأوقات وعقول العقلاء تتباين فيلزم اختلاف الأحكام باختلاف كل ذلك (^٢).\nوهذا لا يلزم فيما له أصل وتقريب، قال: ولو ساغ هذا لاتخذ العقلاء أيام كسرى أنو شروان في العدل والإيالات معتبرهم وهذا يجر (^٣) خبالًا لا استقلال (^٤) به.\nوهذه الجملة التي أوردناها مجموعة من كلام إمام الحرمين في البرهان (^٥)، وهذا الإلزام الذي ذكره أخيرًا لا يلزم مالكًا لأنه يشترط في اتباع المصلحة أنْ لا يناقض أمرًا مفهومًا من الشريعة، والعامي من أين يعلم هذا؟ وما المانع من مناقضة ما يراه من الرأي لقواعد الشريعة؟\nوقد احتج مالك بوجهين (^٦): أشار إليهما في الكتاب.\n_________\n(^١) في (ت): وأحكام.\n(^٢) ينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ١١٢٠.\n(^٣) يجر، في (ت)، (غ): يخرجنا، والمثبت من (ص) وينظر: البرهان لإمام الحرمين: ٢/ ١١٢١.\n(^٤) لا استقلال في (ت)، (غ): لاستقلال.\n(^٥) (في البرهان) ليس في (ت).\n(^٦) يرى المالكية ﵏ العمل بالمصلحة المرسلة حتى أن مالكًا جوز ضرب المتهم بالسرقة ليقر. فجوز الضرب وهو الحكم، وتوقع الاقرار هو المصلحة المرسلة، وإنما =","vol":"6","page":2653},{"text":"أحدهما: أنَّ الشارع اعتبر جنس المصالح في جنس الأحكام واعتبار جنس المصالح يوجب ظنّ اعتبار (^١) هذه المصلحة لكونها من (^٢) جملة أفرادها والعمل بالظنّ واجب (^٣).\nوالثاني أنّ المتتبع لأحوال الصحابة رضوان الله عليهم يقطع بأنهم كانوا يقنعون بمجرد معرفة المصالح في الوقائع ولا يبحثون عن وجود أمر آخر وراءها فكان ذلك منهم إجماعًا على وجوب اعتبار المصالح كيف كانت (^٤).\n_________\n= جوز المالكية العمل بالمصلحة لعمل الصحابة - ﵃ - بها، فإن المقطوع به أنهم كانوا يتعلقون بالمصالح في وجوه الرأي ما لم يدل الدليل على إلغاء تلك المصلحة، ككتابتهم للمصاحف، وجمع الناس على مصحف واحد خوف الاختلاف، وحرق المصاحف أي جواز ذلك هو الحكم، والمصلحة المبيحة له هي الحفظ وخوف الاختلاف، وكتولية أبي بكر الصديق الخلافة لعمر الفاروق لكونه أحق بها، وكهدم البيت المجاور للمسجد وقفا أو غيره لأجل توسعة المسجد إذا ضاق بأهله، وكعمل السكة للمسلمين عملها عمر بن الخطاب - ﵁ - لتسهل على الناس المعاملة، وكتجديد عثمان ذي النورين - ﵁ - للأذان الثاني في الوضع يوم الجمعة وهو الأول في الزمن أحدثه بالزوراء دار له قرب المسجد لكثرة الناس، وكاتخاذ عمر بن الخطاب - ﵁ - السجن لمعاقبة أهل الجرائم، ولم يكن كل ذلك في زمن رسول الله - ﷺ -.\nينظر: فتح الودود على مراقي السعود: ص ٣٠٨ - ٣٠٩، ونيل السول على مرتقى الوصول: ص ٣٠٨ - ٣٠٩.\n(^١) في (غ): اعتبار ظن.\n(^٢) (من) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢٢٢، ونهاية السول للإسنوي: ٣/ ١٣٧.\n(^٤) ينظر: المصدران نفسهما.","vol":"6","page":2654},{"text":"ولم يتعرض المصنف للجواب عن هاتين الشبهتين (^١).\nونحن نقول في الجواب:\nعن الأولى: ليس اعتبار المصالح المرسلة بمجرد مشاركتها للمصالح التي اعتبرها الشارع في كونها مصالح بأولى من إلغائها لمشاركتها للمصالح التي ألغاها الشارع في ذلك فيلزم اعتبارها وإلغاؤها.\nوعن الثانية: لا نسلم أنّ الصحابة - ﵃ - قنعوا بمجرد معرفة المصالح وسند (^٢) المنع: أنَّه لو كان كذلك لم ينعقد الإجماع بعدهم على إلغاء بعض المصالح؛ فدلّ على أنهم لم يعتبروا من المصالح إلا ما اطلعوا على اعتبار الشرع نوعه أو جنسه القريب فإنّ الشارع لم يعتبر المصالح مطلقًا بل بقيود وشرائط لا تهتدي العقول إليها إذ غاية العقل أنْ يحكم بأنّ جلب المصلحة مطلوب لكن لا يستقل بإدراك الطريق الخاص لكيفيته فلا بد من الاطلاع على تلك الطريق بدليل شرعي مرشد إلى المقصد فقبله لا يمكن اعتبار المصالح (^٣).\nفإن قيل: فبأي طريق أبلغ الصحابة - ﵃ - حدّ الشرب إلى ثمانين فإن كان مقدرًا فقد زادوا بالمصلحة وإن كان تعزيرًا غير مقدّر فلِمَ افتقر إلى التشبيه بحدّ القذف وكيف بلغ به مبلغ الحدّ؟ .\n_________\n(^١) وقد تبع في ذلك الإمام في عدم الجواب على هذين الدليلين. أفاده الإسنوي في نهاية السول: ٣/ ١٣٧.\n(^٢) في (ت): وسببه.\n(^٣) ينظر الجوابان في نهاية السول للإسنوي: ٣/ ١٣٧.","vol":"6","page":2655},{"text":"قلنا: الصحيح أنَّه لم يكن مقدرًا لكن ضُرِب الشاربُ في زمنِ رسول الله - ﷺ - بالنعالِ وأطرافِ الثيابِ، فَقُدِرَ ذلك على سبيل التعديل والتقويم بأربعين، فرأوا المصلحة في الزيادة فزادوا. والتعزيرات مفوضة إلى رأي الأئمة فكأنه يثبت بالإجماع أنّهم أمروا بمراعاة المصلحة. وقيل: اعملوا بما رأيتموه أصوب بعد صدور الجناية الموجبة للعقوبة، ومع هذا فلم يريدوا الزيادة على تقرير فعل رسول الله - ﷺ - إلّا بتقريب من منصوصات الشرع فرأوا الشرب مظنة القذف؛ لأنَّ من سكر هذى ومن هذى افترى ومظنّة الشيء تقام مقام الشيء، كما يقام النوم مقام الحدث، والوطء مقام شغل الرحم، والبلوغ مقام نفس العقل والله أعلم (^١).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-572>(السادس فقد الدليل بعد التفحص البليغ يغلب ظنّ عدمه</span>، وعدمه يستلزم عدم الحكم لامتناع تكليف الغافل).\nالاستدلال على عدم الحكم بعدم الدليل حق متقبل عند المصنف.\nوتقريره أنّ فقدان الدليل (^٢) بعد بذل الوسع في التفحص يغلب ظن عدم الدليل، وظن عدمه يوجب ظنّ عدم الحكم؛ لأنَّ عدم الدليل يستلزم عدم الحكم؛ لأنّه لو ثبت حكم شرعي ولا دليل عليه للزم منه تكليف الغافل وهو ممتنع (^٣).\n_________\n(^١) هذه الإجابة منقولة باختصار من شفاء الغليل للغزالي: ص ٢١١ - ٢١٤.\n(^٢) (على عدم الحكم بعدم. . . . . فقدان الدليل) ساقطة من (غ).\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢٢٥، ونهاية السول للإسنوي: ٣/ ١٣٧ - ١٣٨، وشرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٧٦٦.","vol":"6","page":2656},{"text":"الباب الثاني: الأدلة المختلف فيها (المردودة منها)","vol":"6","page":2657},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-573>(الباب الثاني: في المردودة</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-574>الأول: الاستحسان</span>.\nقال به أبو حنيفة وفسّر بأنه: دليل ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته.\nوردّ بأنّه لا بد من ظهوره ليتميز صحيحه عن فاسده، وفسره (^١) الكرخي بأنّه: قطع المسألة عن نظائرها لما هو أقوى كتخصيص أبي حنيفة قول القائل: مالي صدقة بالزكاة لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾.\nوعلى هذا فالتخصيص الاستحسان.\nوأبو الحسين بأنه: ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لأقوى يكون كالطارئ فخرج التخصيص ويكون حاصله تخصيص العلّة).\nذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى القول بالاستحسان (^٢) وأنكره\n_________\n(^١) (وفسره) ليس في (غ)، (ت).\n(^٢) الاستحسان: لغة، استفعال، من الحسن، وهو عدّ الشيء واعتقاده حسنًا على ضدّ الاستقباح، تقول: استحسنت كذا، أي اعتقدته حسنًا، ويقال: استحسن الرأي أو القول أو الطعام أو الشراب أي عده حسنا. ينظر: القاموس المحيط: ص ١٥٣٥ مادة \"حسن\". أما في الاصطلاح فقد تكفل به الشارح. وممن قال بالاستحسان أيضًا المالكية: قال القاضي عبد الوهاب: لم ينص عليه مالك، وكتب أصحابنا مملوءة منه، كابن القاسم، وأشهب، وغيرهما. ينظر: شرح الكوكب المنير: ٤/ ٤٢٨ - ٤٢٩، والمسودة: ص ٤٥١، ومختصر ابن الحاجب مع العضد: ٢/ ٢٨٨. =","vol":"6","page":2659},{"text":"الباقون (^١) حتى قال الشافعي: من استحسن فقد شرع (^٢).\nوردُّ الشيء قبل فهمه محال، فلا بد أولًا من فهم الاستحسان (^٣). وقد ذكر المصنف ثلاث مقالات لهم: -\nالمقالة الأولى: أنَّه عبارة عن دليل ينقدح في نفس المجتهد وتقصر عنه عبارته فلا يقدر أن يفوه به (^٤).\nوردّها صاحب الكتاب بأنّه لا بد من ظهوره ليتبين صحيحه من فاسده فإن ما ينقدح في نفس المجتهد قد يكون وهمًا لا عبرةَ به.\nوهذا الردّ يتضح به أنَّه لا يجدي شيئا في مجلس المناظرة.\n_________\n= ينظر رأي الحنفية والحنابلة في: أصول السرخسي: ٢/ ١٩٩، وكشف الأسرار: ٤/ ٢، وتيسير التحرير: ٤/ ٧٨، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٢٠، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٨٨، والروضة: ٢/ ٥٣١، والتمهيد للكلوذاني: ٤/ ٩٣، والعدّة لأبي يعلى: ٥/ ١٦٠٧.\n(^١) ينظر: الرسالة: ص ٥٠٧، ومختصر المزني: ٥/ ١٦٩، والأم: ٧/ ٢٧٠، والمعتمد: ٢/ ٨٣٨، والتبصرة: ص ٤٩٢، والمستصفى للغزالي: ١/ ٢٧٤، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٠٩، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٦٩، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٨٨، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٠٣ - ٤٠٠٤، وجمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ٣٥٣.\n(^٢) نقله الغزالي في المستصفى عن الشافعي: ١/ ٢٧٤،\nوينظر: الرسالة: ص ٥٠٧ حيث قال: \"والاستحسان تلذذ\"، والأم: باب إبطال الاستحسان: ٧/ ٢٧٠.\n(^٣) أي اصطلاحًا، وقد ذكر الشارح له ثلاث تعريفات.\n(^٤) وينسب للحنفية كما أفاده الآمدي في الإحكام: ٤/ ٢٠٩ - ٢١٠، والروضة: ٢/ ٥٣٥، ونهاية السول للإسنوي: ٤/ ٣٩٨.","vol":"6","page":2660},{"text":"وأمّا أنّ المجتهد لا يعمل به فللقوم منعُ (^١) ذلك وأنْ يقولوا: إذا انقدح له دليل على حادثة وهو جازم بها أفتى بها المقلد.\nولكن سبيل الردّ عليهم أنْ يقول: هذا الدليل المنقدح في نفس المجتهد إنما يمتاز عن غيره من الأدلة لكونه لا يمكن التعبير عنه وذلك أمر لا يؤول إلى القدح في كونه دليلا فجاز التمسك به وفاقًا فأين الاستحسان المختلف فيه؟ .\nالمقالة الثانية: قال الكرخي: الاستحسان قطع المسألة عن نظائرها. أي أنّ المجتهد يعدل عن الحكم في مسألة بما حكم به في نظائرها إلى الحكم بخلافه لوجه أقوى من الأوّل يقتضي العدول عنه (^٢).\nومثاله: تخصيص أبي حنيفة - ﵁ - قول القائل: مالي صدقة بمال الزكاة، فإنّ هذا القول منه عام في التصدق بجميع أمواله. وقال أبو حنيفة: يختص بمال الزكاة لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ (^٣) والمراد من الأموال المضافة إليهم أموال الزكاة فعدل عن أنْ يحكم في مسألة (^٤) المال الذي ليس هو بزكوي بما حكم به في نظائرها من الأموال الزكوية إلى خلاف ذلك الحكم لدليل أقوى اقتضى\n_________\n(^١) في (ت): منع في ذلك.\n(^٢) ينظر: كشف الأسرار: ٤/ ٣، والتلويح على التوضيح: ٢/ ٨١، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢١٠.\n(^٣) سورة التوبة من الآية: ١٠٣.\n(^٤) في (غ): في مثله.","vol":"6","page":2661},{"text":"العدول وهو الآية (^١).\nوردّ المصنف هذا بأنّه يلزم منه (^٢) أنْ يكون التخصيص استحسانًا، لأنّه عدول بالخاص عن بقية أفراد (^٣) العام بدليل، ونحن موافقون على التخصيص فأين الاستحسان المختلف فيه (^٤)؟ .\nويلزم منه أيضًا أنْ يكون الناسخ استحسانًا؛ لكونه كذلك إذا كان نسخًا في بعض الصّور (^٥).\nوالثالثة: قال أبو الحسين (^٦): هو ترك وجه من وجوه الاجتهاد غير شامل شمول الألفاظ لوجه أقوى منه وهو في حكم الطارئ على الأول (^٧).\nواحترز بقوله: \"غير شامل شمول الألفاظ\" عن التخصيص فإن الوجه الأول فيه شامل شمول الألفاظ.\n_________\n(^١) ينظر المعتمد: ٢/ ٨٣٩، والمستصفى: ١/ ٢٨٣، والإحكام للآمدي: ٤/ ١٥٨، ومختصر ابن الحاجب وشرحه للعضد: ٢/ ٢٨٨، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٠٦.\n(^٢) (منه) ليس في (ت).\n(^٣) (أنْ يكون التخصيص استحسانًا، لأنّه عدول بالخاص عن بقية أفراد) ساقط من (غ).\n(^٤) في (ص): به.\n(^٥) ينظر هذا الردّ في نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٠٦.\n(^٦) أي البصري صاحب المعتمد.\n(^٧) المعتمد: ٢/ ٨٤٠.","vol":"6","page":2662},{"text":"وبقوله: \"وهو في حكم الطارئ على (^١) الأول\" عن ترك أضعف القياسين للأقوى فإنّ أقوى القياسين ليس في حكم الطارئ على الأضعف فإنْ (^٢) فرض أنَّه طارئ فذاك الاستحسان.\nومثال ذلك: العنب حيث يحرم بيعه بالزبيب سواءً كان على رؤوس الشجر أم لا قياسًا على الرطب، ثم إنّ الشارع أرخص في بيع الرطب على رؤوس النخل بالتمر فقيس عليه العنب وترك القياس الأوّل لكون (^٣) الثاني أقوى فلمّا اجتمع في الثاني القوة والطريان كان استحسانًا.\nوردّه صاحب الكتاب بأنّ حاصله راجع إلى أنّ الاستحسان هو تخصيص العلّة ونحن موافقون على ذلك (^٤).\nولك أنْ تقول هو بهذا التفسير أعمّ من تخصيص العلّة فإنّه رجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابلة بدليل طارئ عليه أقوى منه وذلك أعمّ (^٥) (^٦).\nوردّه الإمام بأنه يقتضي أنْ تكون الشريعة كلّها استحسانًا؛ لأنّ\n_________\n(^١) (الأول فيه شامل شمول الألفاظ. . . . . وهو في حكم الطارئ على) ساقط من (ت).\n(^٢) في (ت): فإن.\n(^٣) في (ص): لكن.\n(^٤) ينظر: التبصرة: ص ٤٩٣، والمستصفى: ١/ ٢٨٣، وأصول السرخسي: ٢/ ٢٠٠، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٦٩، والإحكام للآمدي: ٤/، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٨٨، وكشف الأسرار: ٤/ ٣\n(^٥) (أعم) ليس في (غ).\n(^٦) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٠٧.","vol":"6","page":2663},{"text":"البراءة الأصلية مقتضى العقل، وإنّما يترك ذلك لدليل أقوى منه وهذا الأقوى في حكم الطارئ على الأول.\nثم قال: ينبغي أنْ يزاد في حكم الحدّ قيد آخر فيقال: ترك وجه من وجوه الاجتهاد مغاير للبراءة الأصلية والعمومات اللفظية بوجه أقوى منه وهو في حكم الطارئ على الأول (^١).\nقال صفي الدين الهندي: وفي قوله ترك وجه من وجوه الاجتهاد ما ينبئ عن أنّ ذلك الوجه مغاير للبراءة الأصلية (^٢) فإنّها ليست وجهًا من وجوه الاجتهاد إذ هي معلومة أو مظنونة من غير اجتهاد فلا حاجة إلى ما ذكره الإمام من القيد (^٣).\nومن وجوه الردّ على هذا التفسير أنَّه يقتضي أن يكون العدول من حكم القياس إلى النّص الطارئ عليه استحسانًا والخصم لا يقول به. ذكره الهندي قال: ثم إنه لا نزاع في هذا أيضًا فإنّ حاصله يرجع إلى تفسير الاستحسان بالرجوع عن حكم دليل خاص إلى مقابلته بدليل آخر أقوى منه وهو طارئ عليه من نص أو إجماع، أو غيرهما (^٤).\nوقد ذكر للاستحسان تفاسير أخر مزيفة لا نرى التطويل بذكرها. وحاصلها يرجع إلى أنَّه لا يتحقق استحسان مختلف فيه.\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٧١.\n(^٢) (الأصلية) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠١٠.\n(^٤) ينظر: المصدر نفسه.","vol":"6","page":2664},{"text":"ثمّ إنّا نقول لهم بعد ذلك: إن عنيتم ما يستحسنه المجتهد بعقله ورَأْيِ نفسه من غير دليل، وذلك هو ظاهر لفظة الاستحسان، الذي حكاه بشر المريسي والشافعي عن أبي حنيفة ﵀ وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي هو الصحيح عنه (^١)، فهذا - لعمر الله - اقتحام عظيم وقول في الشريعة بمجرد التشهي وتفويض الأحكام إلى عقول ذوي الآراء ومخالفة لقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (^٢). ولكن أصحابه ينكرون هذا التفسير.\nوإن عنيتم جواز استعمال لفظ الاستحسان فأنّى ينكر ذلك والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (^٣) والكتاب والسنّة مشحونان بذلك والقوم لا يعنون بالاستحسان ذلك فلا نسهب في الإمعان فيه.\nفإن قلت: قد وقع في كلام الشافعي - ﵁ -:\nأستحسن في المتعة أن تكون ثلاثين درهما (^٤).\nوأستحسن أنْ تثبت الشفعة للشفيع إلى ثلاثة أيام (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: شرح اللمع للشيرازي: ٢/ ٩٦٩.\n(^٢) سورة الشورى من الآية ١٠.\n(^٣) سورة الزمر من الآية: ١٨.\n(^٤) ينظر الأم: ٥/ ٦٢، و٧/ ٢٣٧، ٢٣٨، ومختصر المزني بهامش الأم: ٤/ ٣٨، ويراجع السنن الكبرى: ٧/ ٢٥١ وما بعدها، وفي أحكام القرآن: ١/ ١٩٩ - ٢٠٣.\n(^٥) ينظر: الأم: ٣/ ٢٣١ - ٢٣٢.","vol":"6","page":2665},{"text":"وأستحسن أنْ يترك شيء للمكاتب من نجوم الكتابة (^١).\nوأستحسن في أن يضع أصبعيه في صماخي أذنيه إذا أذن (^٢).\nوقال الغزالي: استحسن الشافعي - ﵁ - التحليف على المصحف (^٣).\nوقال في السارق إذا أخرج يده اليسرى بدل اليمنى: القياس أنْ تقطع يمناه والاستحسان أنْ لا يقطع (^٤).\nوقال الأودني (^٥) في اختلاف الأصحاب في مسألة الجارية المغنية وهي التي اشتريت بألفين ولولا الغناء لساوت ألفًا (^٦) كل هذا استحسان والقياس الصحة (^٧).\n_________\n(^١) ينظر: الأم ٧/ ٣٦٤، ومختصر المزني بهامش الأم: ٥/ ٢٧٦.\n(^٢) قال المزني: \"قال الشافعي - ﵁ -: وحسن أن يضع أصبعيه في صماخي أذنيه\" ينظر: مختصر المزني: ١/ ٦٠، والحاوي للماوردي: ٢/ ٥٧.\n(^٣) قال الغزالي في الوسيط: ٧/ ٤١٨ \"ثمّ قال الشافعي - ﵁ - رأيت بعض الحكام يستحلف بالمصحف، فاستحسنت ذلك\".\n(^٤) ينظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي: ١١/ ٢٤٦.\n(^٥) الأودني هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن بصير بن ورقة البخاري أبو بكر الأودني نسبة إلى أودن قرية من قرى بخارى، سمع أبا الفضل يعقوب بن يوسف العاصمي، وأقرانه، فمن مشايخه الهيثم بن كليب الشاشي، وعبد المؤمن النسفي، وروى عنه أبو عبد الله الحاكم حديثين، وروى عنه أيضًا الحليمي، قال فيه الحاكم: إمام الشافعيين بما وراء النهر في عصره بلا مدافعة، توفي الأودني ببخارى سنة ٣٨٥ هـ ينظر ترجمته في: الطبقات للسبكي: ٣/ ١٨٢ رقم (١٤٨)، طبقات ابن هداية الله: ص ٣٢، تبيين كذب المفتري لابن عساكر: ص ١٩٨.\n(^٦) (ألفًا) ساقط من (ت).\n(^٧) قال الرافعي في العزيز شرح الوجيز: ٤/ ٣٠: \"الجارية المغنية إذا اشتراها بألفين، =","vol":"6","page":2666},{"text":"وقال الرافعي في التغليظ على المعطّل في اللعان: استحسن أنْ يحلف ويقال قل: بالله الذي خلقك ورزقك. فقد قيل: إن المعطل وإن غلا في إنكاره فإذا رجع إلى نفسه وجدها مذعنة لخالق مدبر (^١).\nوقال القاضي الروياني فيما إذا امتنع المدعي من اليمين المردودة وقال: أمهلوني لأسأل الفقهاء: استحسن قضاة بلدنا إمهاله يوما (^٢).\nوقال أبو الفرج السرخسي (^٣) في تقدير نفقة الخادم على الزوج\n_________\n= ولولا الغناء لكانت لا تطلب إلا بألف. حكى الشيخ أبو علي المحمودي: أفتي ببطلان البيع؛ لأنه بذل مال في معصية. وعن الشيخ أبي زيد: أنه إن قصد الغناء بطل، وإلا فلا. وعن الأودنيّ: أن كل ذلك استحسان، والقياس الصحة\". وقال النووي في روضة الطالبين ٣/ ١٦: \"الأصح قول الأودني. قال إمام الحرمين: هو القياس السديد ولو بيعت بألف صح قطعًا\".\n(^١) العزيز شرح الوجيز: ٩/ ٤٠٣.\n(^٢) وجه الإمهال هو اختيار للقاضي الروياني. ينظر: العزيز شرح الوجيز: ١٣/ ٢١٣ - ٢١٤.\n(^٣) أبو الفرج السرخسي هو: عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن زاز الأستاذ أبو الفرج السرخسي إمام الشافعية بمرو وأحد الأجلاء الزاهدين مولده سنة ٤٣٢ هـ تفقه على القاضي الحسين وسمع أبا القاسم القشيري، والحسن بن علي المطوعي، وأبا المظفر محمد بن أحمد التميمي، وآخرين. وممن روى عنه أبو طاهر السنجيّ وعمر بن أبي مطيع، وأحمد بن محمد بن إسماعيل. قال فيه ابن السمعاني: يحفظ مذهب الشافعي الإمام، ومعرفته، وتصنيفه الذي سماه الإملاء سار في الأقطار مسير الشمس. توفي ﵀ سنة ٤٩٤ هـ. ينظر ترجمته: طبقات الشافعية للسبكي: ٥/ ١٠١ - ١٠٤ رقم (٤٤٨)، طبقات ابن هداية الله: ص ٦٥، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: ١/ ٢٩٠ رقم (٢٣١)، وشذرات الذهب: ٢/ ٤٠٠.","vol":"6","page":2667},{"text":"المتوسط: استحسن الأصحاب أنْ يكون عليه مدّ وسدس لتفاوت المراتب في حق الخادمة فإنّ الموسر عليه لها مدّ وثلث، والمعسر مدّ فليكن المتوسط كذلك كما تفاوتت المراتب في حق المخدومة (^١).\nوقال الأصحاب ليس لولي المجنونة والصبية المراهقة إذا آلى عنهما الزوج وضربن المدّة وانقضت أنْ يطالب بالفيئة لأنَّ ذلك لا يدخل تحت الولاية وحَسُنَ أنْ يقول الحاكم للزوج على سبيل النصيحة: اتق الله فئ إليها أو طلقها (^٢).\nوقال أبو العباس ابن القاص في التلخيص: لم يقل الشافعي بالاستحسان إلا في ثلاثة مواضع وذكر ثلاثا من هذه الصور المعدودة (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: العزيز شرح الوجيز: ١٠/ ١٠.\n(^٢) ينظر: المصدر نفسه: ٩/ ٢٣٨.\n(^٣) ذكر ابن القاص في التلخيص: ص ٧٤ - ٧٥ ما نصه: \"ولم يذهب [أي الشافعي] إلى الاستحسان إلّا في ثلاث مسائل:\nإحداها: أن يطلق الرجل امرأة قد تزوجها بغير مهر ولم يدخل بها، لها المتعة: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [سورة البقرة من الآية ٢٣٦]. قال: فإن كان غنيًا فخادم، وإن كان فقيرًا فمقنعة، أو وقاية، وإن كان وسطًا فأستحسن بقدر ثلاثين درهمًا، وعلى ما يرى الحاكم في حال الزوجين.\nوالثانية: قال في كتاب السنن: إذا علم صاحبه الشفعة، فأكثر ما يجوز له ترك طلب الشفعة في ثلاثة أيام، وهذا استحسان مني وليس بأصل، حكاه المزني في جامع الكبير.\nوالثالثة: قال في كتاب الربيع: وقد كان من الحكام من يستحلف على المصحف، =","vol":"6","page":2668},{"text":"ونحن أيضا نقول: ما الاستحسان الذي قال به الشافعي؟ .\nقلت: قد عرفت أنَّه لا نزاع في ورود هذه اللفظة على الألسنة استعمالا.\nوقول ابن القاص: \"لم يقل به إلا في ثلاث مسائل\" يجب أنْ يكون المراد منه لم يرد على لفظة فيما اطلعت عليه لما هو المعروف المشهور من قاعدته في (^١) الردّ على الاستحسان.\nثم نقول: في هذه الصور الدليل على أنَّه ليس فيها إلا استعمال اللفظ أنّ أحدًا من الأصحاب لم يقدر المتعة (^٢) بثلاثين درهمًا بل منهم من استحسن (^٣) هذا القدر لأجل ذهاب ابن عمر وابن عباس ﵄ إليه (^٤).\n_________\n= وذلك عندي حسن\".\n(^١) في (ت): على.\n(^٢) المتعة: ثلاثة أنواع متعة النكاح، ومتعة الطلاق، ومتعة الحج.\nوقد عرفها المناوي في التوقيف على مهمات التعاريف ص ٦٣٣ قال: \"المتاع لغة كل ما ينتفع به وأصله ما يتبلغ به من الزاد ومنه متعة الطلاق ونكاح المتعة وهو الموقت في العقد\". وقال صاحب القوانين الفقهية: ص ١٥٩ ما يلي: \"الفصل الخامس في متعة المطلقات وهي الإحسان إليهن حين الطلاق بما يقدر عليه المطلق بحسب ماله في القلة والكثرة وهي مستحبة\".\n(^٣) في (غ): استحب.\n(^٤) جاء في سنن البيهقي أثران عن ابن عمر وابن عباس ونصهما بعد حذف الأسانيد ما يلي: \"عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الآية قال: هو الرجل يتزوج المرأة ولم يسم لها صداقا ثم طلقها من قبل أن ينكحها فأمر الله تعالى أن يمتعها على قدر =","vol":"6","page":2669},{"text":"وقال في التتمة (^١): المستحب أنْ يمتعها بخادم فإن لم يكن فثلاثين أو مقنعة، ولم يقل الشافعي ولا أحد من الأصحاب إنّ دليل ذلك الاستحسان (^٢).\nولم يوجب أحد منهم على السيد أنْ يترك للمكاتب شيئا من نجوم الكتابة بل أوجبوا الإيتاء إمّا حطًّا من نجوم الكتابة أو إيتاء من غيرها واستحبوا (^٣) أنْ يكون حطًّا من النجوم (^٤) وكل مستحب\n_________\n= يسره وعسره فإن كان موسرا متعها بخادم أو نحو ذلك وإن كان معسرا فبثلاثة أثواب أو نحو ذلك. وعن نافع أن رجلا أتى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فذكر أنه فارق امرأته فقال أعطها كذا واكسها كذا فحسبنا ذلك فإذا هو نحو من ثلاثين درهما قلت لنافع: كيف كان هذا الرجل؟ قال: كان متسددا. وروينا من وجه آخر عن نافع عن ابن عمر قال أدنى ما يكون من المتعة ثلاثين درهما.\n(^١) هي من كتب المتولي، وهو أبو سعد عبد الرحمن بن مأمون بن علي ولد سنة ٤٢٦، وقيل سنة ٤٢٧ هـ والتتمة سميت بذلك لأنه أتم فيها كتاب شيخه الفوراني الإبانة التي لم يتمها، وافته المنية، وكلا الكتابين مخطوط موجود بمركز التراث بمعهد البحوث العلمية إلا أنّ التتمة غير كامل فلا يوجد منها سوى الجزء الأول مسجل في دفتر الإهداءات. أما الإبانة فتوجد منها نسخة كاملة في مركز إحياء التراث بجامعة أم القرى. أما صاحب الترجمة وكتابه فينظر ترجمته في: طبقات الشافعية للسبكي: ٥/ ١٠٦ - ١٠٨ رقم ٤٥٣، وطبقات الشافعية للإسنوي: ١/ ٣٠٥ - ٣٠٦ رقم ٢٧٧، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥ رقم ٢١١.\n(^٢) ينظر: العزيز شرح الوجيز: ٨/ ٣٣٢.\n(^٣) في (غ): استحسنوا. وما أثبته أليق بالسياق فقد قال بعدها وكل مستحب مستحسن.\n(^٤) في (ت): النجم بالإفراد.","vol":"6","page":2670},{"text":"مستحسن. فلذلك قال الشافعي: أستحسن أنْ يترك شيء للمكاتب من نجوم الكتابة ولم يقل إن مستنده الاستحسان (^١).\nوأما (^٢) مسألة السارق فلم يقل أيضًا لا تقطع يمناه للاستحسان بل الاستحسان أنْ لا يقطع فيلزم من يقول به أنْ لا يقطعها، وكذلك القول في سائر الصور المذكورة.\nفإن قلت: ولم جرى الخلاف المذهبي في مسألتي الشفعة والسارق؟.\nقلت: لا لأجل الاستحسان - معاذ الله - لا نجد في عبارة أحد من الأصحاب ذلك (^٣) بل لمعان أخر نجدها مسطورة في الفقهيات.\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-575>(الثاني قيل: قول الصحابي حجة</span>.\nوقيل: إن خالف القياس.\nوقال الشافعي في القديم: إن انتشر ولم يخالف.\nلنا: قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ يمنع التقليد.\nوإجماع الصحابة على جواز مخالفة بعضهم بعضًا.\nوقياس الفروع على الأصول.\nقيل: \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\".\n_________\n(^١) لم أقف على هذا القول الشافعي في كتب الشافعي كالأم ومسند الشافعي وأحكام القرآن، وإبطال الاستحسان، وبعض كتب الشافعية.\n(^٢) في (ت): ولنا.\n(^٣) (ذلك) ليس في (غ).","vol":"6","page":2671},{"text":"قلنا: المراد عوام الصحابة.\nقيل: إذا خالف القياس اتبع الخبر.\nقلنا: ربما خالف لما ظنّه دليلا (^١) ولم يكن).\nاتفق أهل العلم على أنّ قول الصحابي (^٢) ليس حجة على صحابي\n_________\n(^١) في (ص): ذلك.\n(^٢) المراد بقول الصحابي أو مذهب الصحابي، هو ما نقل إلينا وثبت لدينا عن أحد أصحاب رسول الله - ﷺ - من فتوى أو قضاء، في حادثة شرعية، لم يرد فيها نص من كتاب أو سنة، ولم يحصل عليها إجماع.\nفإذا نقل إلينا شيء من هذا بطريق صحيح، هل يجب العمل به، ويعتبر حجة في بناء الأحكام تقدم على القياس؟ أقوال: وقبل سرد الأقوال يجدر بي أن أبين محل النزاع في قول الصحابي.\nأولًا: لا خلاف بين العلماء: أن مذهب الصحابي في مسائل الاجتهاد إمامًا كان أو حاكمًا أو مفتيًا ليس بحجة على صحابي مجتهد آخر.\nثانيًا: لا خلاف أن قول الصحابي ليس بحجة إذا ظهر رجوعه عن ذلك القول، أو خالفه فيه غيره من الصحابة.\nإذن، أين محل الخلاف؟ محل الخلاف فيما إذا ورد عن الصحابي قول في حادثة لم تحتمل الاشتهار بين الصحابة بأن كانت مما لا تعم بها البلوى، ولا مما تقع به الحاجة للكل، ثمّ ظهر نقل هذا القول في التابعين ومن بعدهم من المجتهدين، ولم يرد عن غيره من الصحابة خلاف ذلك، فهل قوله في مثل هذا حجة أو لا؟\nتراجع المسألة في المصادر التالية: المعتمد: ٢/ ٥٣٩، الإحكام لابن حزم: ٤/ ٢١٩، والبرهان: ٩/ ١٣٥٨، والتبصرة للشيرازي: ص ٣٩٥، وشرح اللمع له: ٩/ ٧٤٩، والمستصفى للغزالي: ١/ ٢٦٠، العدة لأبي يعلى: ٤/ ١١٨١، والتمهيد لأبي الخطاب: ٣/ ٣٣٢ - ٣٣٣، والمسودة: ص ٩٧٦، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٤٢٢، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٤٥، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٨٧، =","vol":"6","page":2672},{"text":"آخر مجتهد كما صرح به القاضي أبو بكر في التقريب والإرشاد باختصار إمام الحرمين (^١)، والمتأخرون منهم الآمدي (^٢) وغيره واختلفوا في كونه حجةً على التابعين ومن عداهم من المجتهدين.\nفذهب الشافعي - ﵁ - في الجديد (^٣) والأشاعرة (^٤) والمعتزلة (^٥) وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين (^٦). . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ومفتاح الأصول للتلمساني: ص ٧٥٣، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٧٨، وأصول السرخسي: ٢/ ١٠٥، ميزان الأصول للسمرقندي: ص ٤٨١، كشف الأسرار: ٣/ ٢١٧، بيان المختصر للأصفهاني: ٣/ ٢٧٤، تخريج الفروع للزنجاني: ص ١٧٩، تيسير التحرير: ٣/ ١٣٢، فواتح الرحموت: ٢/ ١٨٦.\n(^١) ينظر: التلخيص: ٣/ ٤٥٠ - ٤٥١، وفي ٣/ ٩٨ - ٩٩.\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٠١.\n(^٣) الرسالة: ص ٥٩٨، ٥٩٩، والبرهان: ٢/ ١٣٦٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٠١، ينظر نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٨١.\nوكلام ابن القيم في إعلام الموقعين يشير إلى التشكيك في نسبة هذا القول للشافعي، ولمزيد من التفصيل ينظر: إعلام الموقعين: ٤/ ١٢٠ - ١٢١.\n(^٤) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٠١.\n(^٥) ومنهم أبو الحسين البصري، ينظر: المعتمد: ٢/ ٥٣٩ - ٥٤٠.\n(^٦) واختارها أبو الخطاب في التمهيد: ينظر التمهيد: ٣/ ٣٣٢، والمسودة: ص ٢٧٦، والروضة: ٣/ ٤٥٢. والعدة لأبي يعلى: ٤/ ١١٨١، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٤٢٢.\nوالرواية الثانية المشهورة الراجحة عن أحمد، أنه حجة مطلقًا مقدم على القياس، وبها قال أكثر أصحابه، ورجحها المتأخرون خاصة ابن تيمية وابن القيم، ينظر: التمهيد: ٣/ ٣٣٢، والمسودة: ص ٣٣٧، وأعلام الوقعين: ٢/ ٣١، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٤٢٢، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص ١٣٥، وأصول مذهب الإمام أحمد: =","vol":"6","page":2673},{"text":"والكرخي (^١) إلى أنه ليس بحجة مطلقا وهو اختيار الإمام (^٢) والآمدي (^٣) وعليه جرى صاحب الكتاب.\nوقال آخرون: هو حجة مطلقًا (^٤) وعليه الشافعي ﵀ في القديم (^٥) ومالك (^٦) وأكثر الحنفية (^٧).\nوقال قوم: إنْ خالف القياس كان حجةً وإلا فلا (^٨).\n_________\n= ص ٣٩٥.\n(^١) ينظر: أصول السرخسي: ٢/ ١٠٥، وكشف الأسرار: ٣/ ٢١٧ - ٢١٩، وفواتح الرحموت: ٢/ ١٨٦، وميزان الأصول للسمرقندي: ص ٤٨١، وتيسير التحرير: ٣/ ١٣٢.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٧٤.\n(^٣) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٠١.\n(^٤) (وهو اختيار الإمام والآمدي وعليه. . . . . . . . . وقال آخرون: هو حجة مطلقًا) ساقط من (ت).\n(^٥) هكذا عزاه أصحابه إليه، وينظر: التبصرة: ص ٣٩٥، والبرهان: ٢/ ١٣٦٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٠١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٨٢.\n(^٦) ينظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٨٧، وتنقيح الفصول: ص ٤٤٥، ومفتاح الأصول للتلمساني: ص ٧٥٣، ونشر البنود للعلوي: ٢/ ٢٦٤، الجواهر الثمينة للمشاط: ص ٢١٥، والمذكرة للشنقيطي: ص ١٦٤\n(^٧) ينظر: السرخسي: ٢/ ١٠٥، وكشف الأسرار: ٣/ ٢١٧، ٢١٩، وفواتح الرحموت: ٢/ ١٨٦، وتيسير التحرير: ٣/ ١٣٢.\n(^٨) وهو اختيار البزدوي وابن الساعاتي وغيرهما من الحنفية. ينظر: كشف الأسرار ٣/ ٢١٧، وفواتح الرحموت: ٢/ ١٨٢.","vol":"6","page":2674},{"text":"وقال الشافعي ﵀ في القديم كما نقل المصنف: إنَّه حجة بشرط أنْ ينتشر ولا يخالف، كذا حكى الميسنف هذا المذهب وهو وهمٌ. وإنما هذا قول من مسألة أخرى، وهي أنَّه هل يجوز للعالم تقليده؟ وفيها مذاهب: أحدها هذا.\nوقد ذكر الإمام هذه المسألة فرعًا بعد ذكر المسألة التي نحن فيها فنقل المصنف هذا القول منها إلى هنا وليس بجيّد (^١).\nوفي المسألة التي نحن فيها قول آخر:\nإن قول أبي بكر وعمر - ﵄ - حجة دون غيرهما (^٢).\nوهذا القول (^٣) ليس هو الذي تقدم في الاجماع وإن توهم ذلك بعض الشارحين فإنّ ذلك في أنّ قول مجموعهما إجماع لا كلّ واحد منهما على حدته، وهذا في أنّ قول كلّ واحد منهما وحده حجّة ولا يشترط اتفاقهما (^٤).\n_________\n(^١) حكاها الرازي في المحصول: ٢/ ق ٣/ ١٧٨ - ١٧٩، وجعله أحد فرعي مسألة حجة أقوال الصحابة، فعال: \"فرعان:\nالأول: اختلف قول الشافعي - ﵁ - في تقليد الصحابي فقال في القديم يجوز تقليده، إذا قال قولًا وانتشر، ولم يخالف، وقال في موضع آخر يقلّد وإن لم ينتشر، وقال في الجديد: لا يقلد العالم صحابيا، كما لا يقلد عالمًا آخر، وهو الحق المختار. . .\".\nفوهم المصنف كما قال السبكي فجعلها قولا آخر في مسألة قول الصحابي وحجيته.\n(^٢) ينظر: المستصفى: ١/ ٢٦١، ونهاية السول للإسنوي: ٣/ ١٤٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٨٢، والروضة: ٢/ ٥٢٦.\n(^٣) (إن قول أبي بكر وعمر - ﵁ - حجة دون غيرهما. وهذا القول) ساقط من (غ).\n(^٤) ينظر ص: ٢٠٦٩، ٢٠٧٠.","vol":"6","page":2675},{"text":"وذهب قوم إلى أنّ قول الخلفاء الأربعة حجّة إذا اتفقوا وهذا هو القول الذي تقدم في الإجماع (^١).\nفإن قلت: ما دلّك على أنّ القائل (^٢) بأنّ قول الشيخين حجّة لا يشترط اتفاقهما هنا بخلاف القائل ثَمَّ. وإنّ القائل بأنّ قول الأربعة حجة هنا يشترط اتفاقهم كما فعل ثَمَّ. وعبارة الإمام وغيره لا تعطي ذلك.\nقلت: أما الثاني فصرح به الغزالي في المستصفى (^٣) والإمام (^٤) وغيرهما.\nوأما الأول: فهو مقتضى عدم تقييد من حكاه ولا سيما الغزالي والإمام حيث قيد أحد القولين دون الآخر.\nوالآمدي لم يحك هنا القول باتفاق الأربعة وكأنّه اكتفى بحكايته في كتاب الإجماع (^٥).\nوحكى القول بحجية قول الشيخين مع حكايته في كتاب الإجماع\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى: ١/ ٢٦١، ونهاية السول للإسنوي: ٣/ ١٤٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٨٢، والروضة: ٢/ ٥٢٦.\n(^٢) (الذي تقدم في الإجماع. . . . على أنّ القائل) ساقط من (غ).\n(^٣) ينظر: المستصفى: ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦.\n(^٤) ينظر: الإحكام للآمدي: ١/ ٣٥٧، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٧٦.\n(^٥) قال الآمدي في الإحكام ١/ ٣٥٧: \"لا ينعقد إجماع الأئمة الأربعة مع وجود مخالف لهم من الصحابة عند الأكثرين، خلافا لأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه. وللقاضي أبي حازم من أصحاب أبي حنيفة. وكذلك لا ينعقد إجماع الشيخين أبي بكر وعمر مع مخالفة غيرهما لهما، خلافا لبعض الناس\".","vol":"6","page":2676},{"text":"القول بأنّ إجماعهما (^١) حجّة (^٢) وذلك دليل على ما قلناه، وإلا فكان حكاية قول الشيخين تكريرًا وهو قد فرَّ منه في قول الأربعة.\nثمّ إنّ الخلاف هنا في أنّ قول الشيخين حجّة، لا في أنَّه إجماع، والخلاف هناك في كونه إجماعًا، وقد يكون الشيء حُجَةً ولا يكون إجماعًا، كما قيل في الإجماع السكوتي (^٣) وغيره.\nإذا عرفت ذلك فقد احتج المصنف على أنّ قول الصحابي ليس بحجة مطلقًا بثلاثة أوجه:\nأولها: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ (^٤) أمر بالاعتبار وذلك ينافي التقليد (^٥) كذا قرره الإمام (^٦).\nواعترض عليه صفي الدين الهندي بأن الأخذ بقول الصحابي عند\n_________\n(^١) في (ص): إجتماعهما.\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي: ١/ ٣٥٧.\n(^٣) الإجماع السكوتي: يقول السبكي: \"إذا قال بعض المجتهدين قولًا في المسائل التكليفية الاجتهادية وعرفه الباقون وسكتوا عن الإنكار، فإن ظهرت عليهم أمارات الرضا بما ذهبوا إليه فهو إجماع\" وحكى فيه خمسة مذاهب. قال: \"الثالث: أنه حجة وليس إجماعًا، وذهب إليه أبو هاشم بن أبي علي وهو المشهور عن أصحابنا كما نقله الرافعي\". ينظر: الإبهاج شرح المنهاج للسبكي: ٢/ ٣٧٩ - ٣٨٠.\n(^٤) سورة الحشر من الآية ٢.\n(^٥) في (ت): جواز التقليد.\n(^٦) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٧٤.","vol":"6","page":2677},{"text":"القائلين به ليس على سبيل التقليد، بل هو أخذ بمدرك من المدارك الشرعية فلا ينافي وجوب النظر (^١) والقياس كالأخذ بالنص وغيره (^٢).\nولك أنْ تقول قي تقريره قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ (^٣) يقتضي وجوب الاجتهاد؛ خالفناه فيما إذا وجد نص أو إجماع فبقي ما عداهما على الأصل.\nوالثاني: أنّ الصحابة أجمعوا على مخالفة كل واحد من آحاد الصحابة (^٤).\nفإن قلت: هذا دليل على غير محل النزاع.\nقلت: لا؛ لأنَّه إذا كان حجة، ومن مذهبهم جواز مخالفة بعضهم بعضًا جاز لغيرهم ذلك أيضًا، أعني مخالفة كل منهم؛ لأنّ مذهبهم جواز المخالفة، والغرض أنّ مذهبهم حجّة. كذا أجاب به العبري (^٥).\n_________\n(^١) في (ت): النص.\n(^٢) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٨٣، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٨٨، وإجمال الإصابة في أقوال الصحابة للحافظ العلائي تحقيق محمد سليمان الأشقر: ص ٦٩.\n(^٣) سورة الحشر من الآية ٢.\n(^٤) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٨٤، وإجمال الإصابة: ٦٧، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٠٢.\n(^٥) قال العبري في شرح المنهاج: ص ٥٩٤ \"أقول: وهذا لا يضرنا؛ لأن مذهب الصحابي إن لم يكن واجب الاتباع جاز مخالفته، وإن كان واجب الاتباع ومذهبهم جواز مخالفة كل واحد منهم فجاز لغيرهم أيضًا مخالفة كل واحد منهم وهو المطلوب\"","vol":"6","page":2678},{"text":"وفيه نظر؛ لأنّ الاقتداء بهم عند القائل به إنما هو فيما لم يختصّوا به وهم مخصوصون بعدم حجيّة قول بعضهم على بعض.\nولك أنْ تضايق في تصوير (^١) وقوع إجماعهم على مخالفة بعضهم بعضًا؛ لأنَّ الإجماع لا بدّ (^٢) وأنْ يكون من الكلّ والمجمع على (^٣) مخالفته غير داخل في المجمعين، فلا يتصور الإجماع دونه.\nوإذا فهمت هذا، فنقول يمكن أنْ يقرر الاجماع على وجه آخر يغاير لفظ الكتاب وهو أنّهم سكتوا على مخالفة التابعين لبعضهم وذلك اتفاق منهم على تجويزه.\nوالثالث: قياس الفروع التي هي محل الخلاف على الأصول لامتناع كون قولهم حجّة فيها على غيرهم من المجتهدين اتفاقًا والجامع كون المجتهد متمكنًا من إدراك الحكم بطريقه.\nوقد اعترض على هذا بالفرق بين الفروع والأصول، إذ الظنّ الذي هو مطلوب في الفروع يحصل بقول صحابي دون القطع الذي هو مقصود في الأصول. وبأنّ الخصم لا يسلم أنّ قول (^٤)\n_________\n(^١) في (ت): تصور.\n(^٢) (لا بد) ليس في (ت).\n(^٣) (مخالفة بعضهم بعضًا؛ لأنَّ الإجماع لا بد وأن يكون من الكل والمجمع على) ساقط من (غ).\n(^٤) (صحابي دون القطع الذي هو مقصود في الأصول. وبأنّ الخصم لا يسلم أنّ قول) ساقط من (غ).","vol":"6","page":2679},{"text":"الصحابي في الأصول ليس هو حجّة (^١) بل هو دليل من الأدلة يعمّ الأصول والفروع (^٢).\nواحتج من قال بأنّ قول الصحابي حجّة مطلقًا بما روي من قوله - ﷺ -: \"أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم\" (^٣) فدلّ على أنّ الاقتداء بهم هدى وطلب الهدى واجب.\nوقد سلف في الإجماع الكلام على هذا الحديث (^٤).\nوأجاب المصنف: بأنّ الخطاب هنا خطاب مشافهة للعوام لا يجوز أن يدخل فيه غيرهم ولا يجوز أنْ يكون لمجتهديهم؛ لأنّه (^٥) ليس محل الخلاف فتعين أنْ يكون لعوامهم. ونحن نسلم أنّ العامي منهم يهتدي بالاقتداء بأيّ مجتهد كان منهم (^٦).\nفإن قلت على هذا: لا يختص هذا الحكم بهم (^٧).\n_________\n(^١) في (ت): ليس بحجة.\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤، وإجمال الإصابة: ص ٧١.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) ينظر ص: ٢٠٩٩.\n(^٥) في (ت): بل لأنه.\n(^٦) ينظر: التبصرة: ص ٣٩٦، والمستصفى للغزالي: ١/ ٢٦٢، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٧٥ - ١٧٧، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٨٨، نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٨٧، وإجمال الإصابة: ص ٥٨، وفيه أيضا التنبيه على عدم ثبوت الحديث المحتج به.\n(^٧) هذا الاعتراض أورده الهندي في النهاية: ٨/ ٣٩٨٧.","vol":"6","page":2680},{"text":"قلت: نعم من هذا الوجه ولكن فيه فائدة تميزهم عن غيرهم بتقليد أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين شاركوهم في الصحبة التي هي أعظم مناقبهم وهذا الوصف لم يحصل لغيرهم فإنّه لولا الدليل الدال على أنّ عامي الصحابة يقلد العالم منهم كهذا الحديث وغيره لكان ينقدح للباحث أنْ يقول: لا يقلد الصحابي صحابيًا آخر وإن قلد العامي مجتهدًا (^١).\nوالفرق أنْ المجتهد يتميز عن العامي برتبة العلم ولا وصف في العامي يقاومه به.\nوأمّا عاميّ الصحابة فقد قاوم مجتهدهم بمشاركته في وصفه الأعظم (^٢).\nوأجاب الآمدي (^٣) عن الحديث: بأنّه وإن عمّ في الأشخاص فلا دلالة له على عموم الاهتداء في كلّ ما يقتدى فيه فيحمل على الاقتداء بهم فيما يروونه عن النبي - ﷺ - (^٤).\nواعترض الهندي على (^٥) هذا بأنّ ترتيب الحكم على الوصف وهو\n_________\n(^١) وهذا الجواب أورده الآمدي في الإحكام: ٤/ ٢٠٥، والهندي في النهاية: ٨/ ٣٩٨٧.\n(^٢) (وأمّا عاميّ الصحابة فقد قاوم مجتهدهم بمشاركته في وصفه الأعظم) ساقط من (غ).\n(^٣) يقول الآمدي: ١/ ٣٣٤ \"وقوله - ﷺ -: \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" لا يدل على عدم الاهتداء بغيرهم إلا بطريق مفهوم اللقب والمفهوم ليس بحجة فضلا عن مفهوم اللقب\".\n(^٤) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧.\n(^٥) في (غ): في هذا.","vol":"6","page":2681},{"text":"كونهم صحابة يشعر بالعلية (^١).\nومن وجوه الاعتراض عليه أيضًا أنا نقول العام في الأشخاص عام في الأحوال وقد سبق في أوّل كتاب العموم من البحث في هذا ما تقرّ به عين المسترشد (^٢).\nواحتج من قال قول الصحابي حجّة إذا خالف القياس بأنّه ثقة فلا يحمل مخالفته للقياس إلّا على اطلاعه على خبر، مخافة القدح في عدالته لو لم يكن ذلك فيعتمد حينئذ على قوله.\nوأجاب: بأنه ربما خالف لشيء ظنّه دليلا وليس في الأمر كذلك.\nثم إنّا لو سلمنا أنَّه في نفس الأمر كذلك فالحجة حينئذ ليست في قول الصحابي بل في الخبر (^٣).\nولم يتعرض المصنف للقول المفصل بين أن ينتشر أم لا لكونه سبق في كتاب الإجماع (^٤).\nقال: (مسألة منعت المعتزلة تفويض الحكم إلى رأي النبي - ﷺ - أو العالم لأنّ الحكم يتبع المصلحة وما ليست بمصلحة لا يصير مصلحة.\nقلنا: الأصل ممنوع وإن سلم فلم لا يجوز أن يكون اختياره أمارة\n_________\n(^١) ينظر النهاية للهندي: ٨/ ٣٩٨٧.\n(^٢) ينظر ص: ١٢٠٦.\n(^٣) ينظر الدليل والإجابة في: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٧٧، ١٧٨، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٨٩.\n(^٤) ينظر ص: ٢١١٤ وما بعدها.","vol":"6","page":2682},{"text":"المصلحة؟\nوجزم بوقوعه موسى بن عمران، لقوله بعد ما أنشدت ابنة النضر بن الحارث: \"لو سمعت لما قتلت\".\nوسؤال الأقرع في الحج أكل عام؟ فقال: \"لو قلت ذلك لوجبت\" ونحوه.\nقلنا: لعلها ثبتت بنصوص محتملة للاستثناء.\nوتوقف الشافعي).\nأوّل ما نقدمه تحرير محل الخلاف في المسألة فنقول: الحكم المستفاد من العباد على أمور:\nأحدها: ما جاء على (^١) طريق التبليغ عن الله تعالى وهذا مختص بالرسل ﵈ وهم فيه مبلغون فقط.\nوالثاني: المستفاد من اجتهادهم وبذلهم الوسع في المسألة وهذا من وظائف المجتهدين من علماء الأمّة وفي جوازه للنبي - ﷺ - خلاف يأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الاجتهاد.\nوالثالث: ما يستفاد بطريق تفويض الله إلى نبي أو عالم (^٢). بمعنى أنْ\n_________\n(^١) في (ت): في.\n(^٢) اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال: الأول: جواز التفويض للنبي والعالم مطلقًا. الثاني: عدم الجواز مطلقًا. الثالث: التوقف. الرابع: جواز التفويض للنبي دون العالم. وتعتبر هذه المسألة من مسائل علم الكلام التي تتعلق بالبحث عن حكم صفة من =","vol":"6","page":2683},{"text":"يجعل له أن يحكم بما شاء في مثله ويكون ما يجيء به هو حكم الله الأزلي في نفس الأمر لا بمعنى أنْ يجعل له أن ينشئ الحكم فهذا ليس صورة المسألة وليس هو لأحد غير رب العالمين.\nقال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلّهِ﴾ (^١) أي لا ينشئ الحكم غيره.\nإذا عرفت هذا، فقد اختلف العلماء في أنّه هل يجوز أنْ يفوض الله تعالى حكم حادثة إلى رأي نبي من الأنبياء أو عالم من العلماء فيقول له: احكم بما شئت فما صدر عنك فيها من الحكم فهو حكمي في عبادي. ويكون إذ ذاك قوله من جملة المدارك الشرعية؟ .\nفذهب جماهير المعتزلة إلى امتناعه (^٢).\nوجوزه الباقون منهم ومن غيرهم وهو الحق (^٣).\nوقال أبو علي الجبائي: في أحد قوليه يجوز ذلك للنبي دون\n_________\n= صفات الله تعالى الفعلية المتصلة بالتشريع، وبالقدر توقيفًا وتسديدًا.\nينظر: هذه الأقوال ونسبتها إلى قائليها وتفصيلات أخرى في: المعتمد لأبي الحسين: ٢/ ٨٨٩، واللمع: ص ٧٦، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٨٤، الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٨٢، وتيسير التحرير: ٤/ ٢٣٦، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢٩٧، والمسودة: ص ٥١٠، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٥١٩، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣٠١، ونهاية السول: ٣/ ١٤٧، والبحر المحيط: ٦/ ٤٨.\n(^١) سورة يوسف من الآية ٤٠.\n(^٢) ينظر: المعتمد: ٢/ ٨٩٠.\n(^٣) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٨٢، والمسودة: ص ٥١٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠١٦.","vol":"6","page":2684},{"text":"العالم (^١)، وهذا هو الذي اختاره ابن السمعاني. قال: وذكر الشافعي في كتاب الرسالة ما يدلّ عليه (^٢).\nوجزم بوقوعه موسى بن عمران (^٣) من المعتزلة (^٤).\nوتوقف الشافعي - ﵁ - كما نقله المصنف وهذا التوقف يحتمل أنْ يكون في الجواز وأنْ يكون في الوقوع مع الجزم بالجواز. وبالأوّل صرح الإمام (^٥) وكذلك الآمدي فقال: ونقل عن الشافعي في\n_________\n(^١) ينظر: المعتمد: ٢/ ٨٩٠.\n(^٢) قال ابن السمعاني في القواطع: ٥/ ٩١ - ٩٢ \". . . قال بعضهم: يجوز للنبي - ﷺ - على الخصوص، ولا يجوز لغيره، وهذا هو المختار وقد ذكر الشافعي في كتاب الرسالة ما يدل عليه\". أشار إلى ذلك صاحب المعتمد: ٢/ ٨٩٠، ومن عبارات الشافعي التي تدل على ذلك في الرسالة قوله \"ولم يجعل الله لأحد بعد رسول الله - ﷺ - أن يقول إلّا من جهة علم مضى قبله. .\" الرسالة: ص ٥٠٨. أفاده د. علي عباس الحكمي في تعليقه على كتاب قواطع الأدلة: ٥/ ٩٢.\n(^٣) هو موسى بن عمران متكلم من المعتزلة ومن الطبقة السابعة ولم تذكر له وفاة وإن كان معظم تلك الطبقة في الربع الأول من القرن الثالث وقد نقل عنه الجاحظ، وأغلب كتب الأصول ذكرته بموسى، وقيل مويس ابن عمران كما في فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: ص ٧٦، والمعتمد: ٢/ ٨٩٠. وهذا الأخير أثبته د. طه جابر العلواني في الأصل، ورجحه.\nينظر هامش رقم ٢ من المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٨٤.\n(^٤) ينظر: المعتمد: ٢/ ٨٩٠، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٨٤، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٨٢.\n(^٥) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٨٤.","vol":"6","page":2685},{"text":"كتابه الرسالة ما يدل على التردد بين الجواز والمنع (^١)، ولكنّ الثاني أثبت نقلا وعليه جرى الأصوليون من أصحابنا الشافعية (^٢).\nواحتجت المعتزلة على المنع بأنّ الأحكام تابعة لمصالح العباد فلو فوض ذلك إلى اختيار العبد لم يكن الحكم تابعًا للمصلحة بل إلى اختياره الذي جاز أنْ لا يكون مصلحة فإنّ ما ليس بمصلحة في نفس الأمر لا يصير مصلحة بتفويضه إلى المجتهد.\nوأجاب بمنع الأصل وهو كون الحكم يتبع المصلحة. وبأنّا ولو سلمناه لا يلزم ما ذكرتم لأنّه لما قال له إنّك لا تحكم إلا بالصواب أمنَّا من اختياره المفسدة وكأن الله تعالى جعل اختياره أمارة على المصلحة وقدّر له ألا يختار سواها (^٣).\nواحتج موسى بن عمران على الجزم بوقوعه بأمرين:\nأحدهما قضية: النضر بن الحارث (^٤) التي رواها أهل المغازي والسير\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٨٢.\n(^٢) وهو اختيار الآمدي: قال في الإحكام: ٤/ ٢٨٢ \"والمختار جوازه دون وقوعه\". واختيار ابن الحاجب أيضًا. ينظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣٠١. والشارح في جمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ٣٩٢.\n(^٣) ينظر الدليل وجوابه في: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠١٧.\n(^٤) النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي، وابنته قتيلة صاحبة القصيدة المشهورة التي ذكر منها الشارح البيتين، صاحب لواء المشركين، كان من شياطين قريش، وممن يؤذي رسول الله - ﷺ - له اطلاع على =","vol":"6","page":2686},{"text":"فروينا بإسناد إلى عبد الملك بن هشام (^١).\nقال ثنا زياد بن عبد الله البكائي (^٢) عن محمد بن إسحاق المطلبي (^٣)\n_________\n= كتب الفرس وأخبارهم وغيرهم، وكان كلما جلس الرسول - ﷺ - في مجلس يخلفه ويحدث قريشًا بأخبار الأمم السابقة وملوك الفرس، وكان يقول: أنا والله - يا معشر قريش - أحسن حديثًا منه فهلم إلي فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، أسر في معركة بدر، وأمر به الرسول - ﷺ - فقتل بالصفراء على مقربة من المدينة. ينظر: سيرة ابن هشام: ٢/ ٣٤٧.\n(^١) عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين، مؤرخ كان عالما بالأنساب واللغة وأخبار العرب، ولد ونشأ في البصرة، توفي بمصر، أشهر مصنفاته: السيرة النبوية المعروف بسيرة ابن هشام رواه عن ابن إسحاق، وشرح ما وقع في أشعار السير من الغريب، وغير ذلك، وتوفي ﵀ سنة ٢١٣ هـ. ينظر ترجمته في: وفيات الأعيان: ١/ ٢٩٠، والبداية والنهاية: ١٠/ ٢٦٧، والروض الأنف شرح السيرة: ١/ ٥.\n(^٢) زياد بن عبد الله بن طفيل القيسي العامري البكائي، أبو محمد: راوي السيرة النبوية عن محمد بن إسحاق، وعنه رواها عبد الملك بن هشام الذي رتبها، وهو من أهل الكوفة، كان ثقة في الحديث. نسبته إلى البكاء بن ربيعة بن عامر بن صعصعة توفي سنة ١٨٣ هـ. قال ابن حجر في التقريب: \"صدوق ثبت في المغازي، وفي حديثه عن غير أبي إسحاق لين، ولم يثبت أن وكيعًا كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة، من الثامنة\". ينظر ترجمته في: وفيات الأعيان: ١/ ١٩٥، تقريب التهذيب: ص ٢٢٠ رقم (٢٠٨٥).\n(^٣) محمد بن إسحاق بن يسار المطلبي بالولاء، المدني من أقدم مؤرخي العرب من أهل المدينة له السيرة النبوية هذبها ابن هشام، وكان من حفاظ الحديث، زار الإسكندرية سنة ١١٩ هـ وسكن بغداد ومات فيها ودفن بمقبرة الخيزران أم الرشيد، قال ابن حبان: لم يكن أحد بالمدينة يقارب ابن إسحاق في علمه أو يوازيه في جمعه وهو من =","vol":"6","page":2687},{"text":"قال بعد أنْ ذكر غزوة بدر الكبرى وعدد القتلى بها: وكان من شياطين قريش قتله علي بن أبي طالب في خمسة نفر، ومن بني عبد الدار بن قصي: النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار قتله علي بن أبي طالب صبرًا عند رسول الله - ﷺ - بالصفراء (^١) فيما يذكرون.\nقال ابن هشام: بالأثيل (^٢)، قال ابن هشام: ويقال النضر بن الحارث بن كلدة بن عبد مناف ثم ذكر ابن هشام بعد ذلك أبياتًا (^٣) قالتها قتيلة بنت الحارث أخت النضر (^٤) تبكيه أولها:\n_________\n= أحسن الناس سياقا للأخبار. وقال عنه ابن حجر في التقريب: \"إمام المغازي، صدوق يدلّس ورمي بالتشيع والقدر، من صغار الخامسة، مات سنة ١٥٠ هـ ويقال بعدها\".\nينظر: تقريب التهذيب: ٤٦٧، ترجمة رقم (٥٧٢٥)، ووفيات الأعيان: ١/ ٤٨٣، وميزان الاعتدال: ٣/ ٢١.\n(^١) الصفراء: موقع قريب من المدينة يراجع فيما بعد في معاجم البلدان القديمة والحديثة. ينظر: معجم البلدان: ١/ ١٣٤\n(^٢) الأُثَيْل: هو موقع وهو تصغير أثل والأثل شجر يقال له الطرفاء. ينظر: معجم البلدان: ١/ ٩٣ - ٩٤.\n(^٣) ينظر هذه الأبيات بكاملها في السيرة لابن هشام: ٣/ ٦٢ - ٦٣.\n(^٤) قتيلة بنت الحارث: قتيلة بنت النضر بن الحارث القرشية كانت زوج عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر، قال الحافظ لم أر التصريح بإسلامها لكن إن عاشت إلى الفتح فهي من جملة الصحابيات، وزعم الجاحظ في البيان والتبيين أن اسمها ليلى وذكر أنها جذبت رداء النبي وهو يطوف وأنشدته الأبيات المذكورة: الإصابة ٤/ ٣٧٨، والبيان والتبيين: ٤/ ٤٢ - ٤٣.","vol":"6","page":2688},{"text":"يا راكبًا إن الأُثَيْلَ مظنَّةٌ ... من صُبح خامسة وأنت مُوَفق\nومنها تخاطب النبي - ﷺ -:\nما كان ضرّك لو مننت وربما ... مَنَّ الفَتى وهو المغيظ المحنق\nقال ابن هشام: فيقال: والله أعلم إنّ رسول الله - ﷺ - لما بلغه هذا الشعر قال: \"لو بلغني هذا قبل قتله لمننت عليه\" (^١) انتهى.\nوقال الزبير بن بكّار (^٢) في النسب: سمعت بعض أهل العلم يقولون: إنها مصنوعة (^٣) انتهى.\nفقوله - ﷺ -: \"لمننت عليه\" يدلّ على أنّ الحكم كان (^٤) مفوضًا إلى رأيه فإنّه لو كان قتله بأمر الله، لقتله ولو سمع شعرها ألف مرة (^٥).\nوقد قال المصنف تبعا للإمام (^٦): إن هذه المرأة ابنة النضر، وهو\n_________\n(^١) ذكره ابن إسحاق: قال فلما بلغ رسول الله - ﷺ - ذلك - أي شعرها ورثاؤها - بكى حتى اخضلت لحيته، وقال لو بلغني شعرها قبل أن أقتله ما قتلته. ينظر: السيرة لابن هشام: ٣/ ٦٣، وتراجع القصة في: الإصابة: ٤/ ٣٨٩، والبيان والتبيين: ٤/ ٤٣.\n(^٢) الزبير بن بكار بن عبد الله القرشي الأسدي المكي، من أحفاد الزبير بن العوام، أبو عبد الله عالم بالأنساب وأخبار العرب، راوية، ولد بالمدينة سنة ١٧٢ هـ وولي قضاء مكة فتوفي بها سنة ٢٥٦ هـ له تصانيف منها: أخبار العرب وأيامها، وجمهرة نسب قريش، وغيرها. ينظر ترجمته: وفيات الأعيان: ١/ ١٨٩، تاريخ بغداد: ٨/ ٤٦٨.\n(^٣) وهو كتابه المعروف بجمهرة نسب قريش: (ت).\n(^٤) (كان) ليس في (غ).\n(^٥) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٢٧.\n(^٦) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٩٤.","vol":"6","page":2689},{"text":"مخالف لما ذكره ابن هشام في رواية أخرى لا تقوم لها الحجة أنها ابنته كما ذكر.\nوثانيهما: ما روى مسلم من حديث أبي هريرة قال خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: \"يأيها النّاس قد فرض عليكم الحج فحجوا، قال: رجل أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتّى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله - ﷺ -: لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم\" (^١).\nوهذا الرجل هو الأقرع (^٢) كما ذكر المصسنف وهو ابن حابس والأقرع في الصحابة أربعة (^٣) هذا أشهرهم.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الحج (١٥)، باب فرض الحج مرة في العمر (٧٣): ٢/ ٩٧٥ رقم الحديث (١٣٣٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ - وليس فيه التصريح باسم الأقرع كما أتى به الشارح. وأخرجه أبو داود في كتاب المناسك (٥)، باب فرض الحج (١)، حديث رقم (١٧٢١): ١/ ٤٠٠ من حديث ابن عباس - ﵄ - وفيه التصريح باسم الأقرع بن حابس. وأخرجه الترمذي في أبواب الحج (٧) باب ما جاءَ كَمْ فُرِضَ الحج (٥) رقم الحديث (٨١٤) ٢/ ١٥٤ عن علي بن أبي طالب - ﵁ -. وأخرجه النسائي في كتاب مناسك الحج (٢٤)، باب وجوب الحج (١) رقم الحديث (٢٦٢٠) ٥/ ١١٠، عن أبي هريرة - ﵁ - وفيه التصريح باسم الأقرع بن حابس - ﵁ -، وأخرجه ابن ماجه في أبواب المناسك (٢٥)، فرض الحج (٢) رقم الحديث (٢٨٨٤) ٢/ ١٥٤ عن ابن عباس - ﵄ - وقال هذا إسناد صحيح ووافقه الذهبي.\n(^٢) الأقرع بن حابس بن عقال التميمي المجاشعي الدارمي، وفد على النبي - ﷺ - وشهد فتح مكة وحنينًا والطائف وهو من المؤلفة قلوبهم، قيل إنه قتل باليرموك. ينظر ترجمته في الإصابة: ١/ ٥٨.\n(^٣) وهم: الأقرع بن شفي العكي عاده النبي - ﷺ - في مرضه ينظر الإصابة: ١/ ٥٩ =","vol":"6","page":2690},{"text":"وهذا الحديث أيضًا يدل على أنّ الأمر كان مفوضًا إلى اختياره - ﷺ -.\nقوله: \"ونحوه\"، أو نحو هذين الأمرين كقوله - ﷺ -: \"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة\" (^١).\nوكما قال - ﷺ - في مكة \"لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها. فقال العباس إلا الإذخر فقال: إلا الإذخر\" (^٢). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= رقم (٢٣٠). والأقرع بن عبد الله الحميري بعثه رسول الله - ﷺ - إلى ذي مرّان وذي رود وإلى طائفة من اليمن. ينظر الإصابة: ١/ ٥٩ رقم (٢٣١).\nوالأقرع الغفاري ينظر الإصابة: ١/ ٥٩ رقم (٢٣٢ - ٢٣٣).\nوهناك أقرع خامس مختلف في صحبته، وهو أقرع مؤذن عمر - ﵁ -. قال ابن حجر وذكره ابن حبان من ثقات التابعين. ينظر الإصابة: ١/ ١١٣ رقم (٤٧٩).\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة باب السواك يوم الجمعة من حديث أبي هريرة ١/ ٣٠٣، وأخرجه مسلم عنه في كتاب الطهارة باب السواك ١/ ٢٢٠، وأخرجه أبو داود عنه في كتاب الطهارة باب السواك ١/ ١١، وأخرجه الترمذي عنه في كتاب الطهارة باب ما جاء في السواك ١/ ٣٤، وأخرجه النسائي عنه في كتاب الطهارة ١/ ١٢، وأخرجه ابن ماجه عنه في كتاب الطهارة باب السواك ١/ ٥٨، وأخرجه أحمد عنه في المسند: ٢/ ٢٤٥.\n(^٢) متفق عليه أخرجه البخاري عن ابن عباس في كتاب جزاء الصيد (٢٨) باب لا يحل القتال بمكة (١٠) الحديث رقم (١٨٣٤) ٤/ ٤٦ - ٤٧، وفي كتاب الجزية والموادعة (٥٨)، باب إثم الغادر للبر والفاجر (٢٢) الحديث رقم (٣١٨٩) ٦/ ٢٨٣.\nوأخرجه مسلم في الصحيح في كتاب الحج (١٥) باب تحريم مكة وصيدها. . (٨٢)، الحديث (٤٤٥/ ١٣٥٣) ٢/ ٩٨٦.\nوالخلى: الرطب من النبات، واختلاؤه قطعه واحتشاشه، يعضد: أي يقطع، والإذخر نبات معروف عند أهل مكة طيب الريح له أصل مندفن وقضبان دقاق. المصباح المنير: ص ١٨١ \"خلا\"، ص ٤١٥ \"عضد\"، ص ٢٠٧ \"ذخر\".","vol":"6","page":2691},{"text":"وغير ذلك (^١).\nوأجاب المصنف عن الكلّ بأنّه يجوز أنْ تكون هذه الأحكام ثابتة بنصوص محتملة للاستثناء على وفق سؤال بعض النّاس أو حاجتهم فلا يدلّ على التفويض (^٢). ولك أنْ تجيب عمّا وقع في قضية النضر بأنّه لم (^٣) يصحّ، وابن هشام لم يجزم القول به.\nوقد قال الزبير بن بكار ما قدمته، وسمعت والدي أيده الله تعالى يجيب عنه على تقدير صحته بأنّ النضر كان أسيرًا، والإمام مخير في الأسارى بين القتل والاسترقاق والمنّ والفداء.\nوعندي في هذا نظر، فإنّ الإمام وإن خير بين هذه الأشياء، فلا خلاف بين الأصحاب أنَّه يجب عليه رعاية المصلحة (^٤)، والنبي - ﷺ - لا يخفى عليه وجه المصلحة وما قتل النضر إلا وقد كان قتله مصلحة. ولا تزول هذه المصلحة بإنشاد أخته أبياتها هذه، ولا يقال: لعل الحال كان مستويًا؛ لأنا نقول لا سبيل إلى ذلك إذ لو فرض استواء لكان الواجب عدم القتل فإنّه متى لم يظهر وجه الصواب في الحال حبسهم إلى حين يظهر نصّ عليه أصحابنا.\n_________\n(^١) وهناك أمثلة أوردتها كتب الأصول. ينظر على سبيل المثال: القواطع لابن السمعاني: ٩٣ - ٩٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٢٦ - ٤٠٣١، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤، المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٩٠ - ٢٠٠.\n(^٢) ينظر هذا الجواب في: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٣١.\n(^٣) في (غ): وإن لم.\n(^٤) \"فيكون خيار نظر واجتهاد، لا خيار شهوة وتحكم\" الحاوي للماوردي: ١٨/ ١٩٧.","vol":"6","page":2692},{"text":"وأجيب عن قوله: \"لو قلت نعم لوجبت\"، بأنّها قضية شرطية لا تقتضي وقوع مشروطها وهو منقدحٌ.\nوعن قوله: \"إلا الإذخر\"، بأنّه يحتمل نزول الوحي سريعًا عليه والله أعلم (^١).\n_________\n(^١) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٤٠٣١. ومن المستحسن أن نختم هذه المسألة بما ختم به ابن السمعاني في القواطع ٥/ ٩٦ حين قال: \"واعلم أنّ هذه المسألة أوردها متكلمو الأصوليين، وليست معروفة بين الفقهاء، وليس فيها كثير فائدة؛ لأن هذا في غير الأنبياء لم يوجد ولا يتوهم وجوده في المستقبل، فأما في حق النبي - ﷺ - فقد وجد، فقلنا على ما قد وجد\".","vol":"6","page":2693},{"text":"دَوْلة الإمَارَاتْ العَربيّة المتّحدة\nحُكومَة دُبي\nسلسلة\nالدّراسَاتْ الأصولية\n\"١٧\"\nفي\nالإِبْهَاجُ شَرح المِنهَاجِ\nشرح عَلَى مِنْهَاجِ الوُصُولِ إلىْ عِلمِ الأصُوْلِ لِلقاضِي\nالبَيْضَاوي المُتَوَفى سنة ٦٨٥ هـ\nتَألِيْفُ\nشيخ الإسلام على بن عبد الكافي السبكي المتوفى ٧٥٦ هـ\nوولده تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي المتوفى ٧٧١ هـ\nدرَاسَة وَتحقيق\nالدكتور أحْمَد جَمال الزَّمْزَمي\nالدكتور نُورُ الدِّيْن عَبد الجَبَّارِ صَغِيرى\nالجزْء السَابع\nدَار البُحُوث للدِّرَاسَات الإسْلَاميّة وَإحْياء التّراثْ","vol":"7","page":2694},{"text":"الكتاب السادس: التعادل والتراجيح\nالباب الأول: تعادل الأمارتين في نفس الأمر","vol":"7","page":2695},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-576>(الكتاب السادس: في التعادل (^١) والتراجيح</span>.\nوفيه أبواب:\nالأول: في تعادل الأمارتين في نفس الأمر منعه الكرخي وجوزه قوم، وحينئذ فالتخيير عند القاضي وأبي علي وابنه والتساقط عند بعض الفقهاء، فلو حكم القاضي بإحديهما مرّة لم يحكم بالأخرى لقوله - ﷺ - لأبي بكر: \"لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين\").\nالتعادل (^٢) بين القاطعين المتنافيين ممتنع كما ستعرفه إن شاء الله تعالى\n_________\n(^١) في (غ): تعاديل.\n(^٢) التعادل: في اللغة التساوي، و(عِدْلُ الشيء) بالكسر مثله من جنسه أو مقداره، قال في المصباح المنير: ص ٣٩٦ مادة \"عدل\" \"والتعادل التساوي، .. والتعديل قسمة الشيء باعتبار القيمة والمنفعة\" وينظر: القاموس المحيط: ص ١٣٣٢، مادة \"عدل\".\nوأما التعارض: لغة التمانع ومنه تعارض البينات؛ لأنّ كل واحدة تعترض الأخرى وتمنع نفوذها. ينظر: القاموس المحيط: ص ٨٣٣ مادة \"عرض\".\nوالجمهور من الأصوليين دأبوا على استعمال التعادل بمعنى التعارض في نفس المعنى، حيث لا تعادل إلَّا بعد التعارض. فالأدلة إذا تعارضت ولم يكن لبعضها مزية على البعض الآخر فهو التعادل، أي التكافؤ والتساوي.\nلكنّ شارح الكوكب المنير الفتوحي من الحنابلة يرى التفريق بين التعادل والتعارض حيث يقول: \"وأما التعارض فهو تقابل دليلين ولو عامين في الأصح على سبيل الممانعة، وذلك إذا كان أحد الدليلين يدل على الجواز والدليل الآخر يدل على المنع، فدليل الجواز يمنع التحريم، ودليل التحريم يمنع الجواز، فكل منهما مقابل الآخر، ومعارض له، ومانع له. . . وأما التعادل فهو التساوي\" (شرح الكوكب المنير: ٤/ ٦٠٥ - ٦٠٦). =","vol":"7","page":2697},{"text":"عقليين كانا أو نقليين، وكذلك بين القطعي والظني لتقدم القطعي (^١).\nوأما التعادل بين الأمارتين في الأذهان فصحيح، وأمّا في نفس الأمر، فمنعه الكرخي (^٢) والإمام أحمد (^٣) وجمعٌ من فقهائنا (^٤).\nوجوزه الباقون (^٥). هذا هو النقل المشهور.\n_________\n= وينظر في تعريف التعادل: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٠٥، والروضة: ٣/ ١٠٢٩، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٣٢، وجمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ٣٨٢، وفواتح الرحموت: ٢/ ١٨٩.\n(^١) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٩٣، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٢٠، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٩٨، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٣٢، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦١٦.\nويرى الكمال بن الهمام من الحنفية جواز التعارض بين الدليلين القاطعين؛ لأن التعارض بينهما، إنما يكون في الظاهر فقط، وحينئذ يكون أحدهما محمولًا على غير ما حمل عليه الآخر، أو أنّ أحدهما ناسخًا، والآخر منسوخًا، وقالوا: إنّ إجازة التعارض في الظنيين فقط، ومنعه بين القطعيين تحكم. ينظر: تيسير التحرير: ٣/ ١٣٦، ومسلم الثبوت: ٢/ ١٨٩.\n(^٢) وحكاه الإسفراييني عن أصحابه، وصححه السبكي في جمع الجوامع، كما حكاه ابن عقيل عن أكثر الفقهاء ينظر: كشف الأسرار: ٤/ ٧٧، وفواتح الرحموت: ٢/ ١٨٩، وجمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ٣٥٩، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٠٦، وتيسير التحرير: ٣/ ١٣٦.\n(^٣) ينظر: المسودة: ص ٤٤٨.\n(^٤) ينظر: التبصرة للشيرازي: ص ٥١٠، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٩٢ - ٣٩٤، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٢٠، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٣٤، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦١٧.\n(^٥) وهو مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني والجبائي وابنه ونسبه الآمدي إلى أكثر الفقهاء. ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٩٢ - ٣٩٤، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٢١.","vol":"7","page":2698},{"text":"وكلام الغزالي يدلّ على أنّ من قال: المصيب واحد، لم يجوز تعادل الأمارتين، وأنّ الخلاف بين المصوّبة، حيث قال: إذا تعارض دليلان عند المجتهد فالمصوبة يقولون: هذا لعجزه وإلا فليس في أدلة الشرع تعارض انتهى (^١).\nواختار الإمام أن تعادل الأمارتين في حكمين متنافيين (^٢)، والفعل واحد ككون الفعل الواحد واجبًا وحرامًا جائزٌ في الجملة، غير واقعٍ شرعًا، أي غير جائز الوقوع شرعًا (^٣).\nيظهر ذلك بتأمل كلامه وأنّ تعادلهما في فعلين متنافيين والحكم واحد جائز (^٤) كوجوب التوجه إلى جهتين قد غلب على الظنّ أنّهما جهتا القبلة (^٥).\nوقد احتج مَنْ مَنَعَ مِنْ تَعَادل الأمارتين مطلقًا، بأنّه لو وقع فإمَّا أنْ يعمل بهما، وهو جمع بين المتنافيين أو لا يعمل بواحد منهما، فيكون وضعهما عبثًا، أو يعمل بأحدهما على التعيين وهو ترجيح من غير مرجح أو لا على التعيين، بل على التخيير والتخيير بين المباح وغيره يقتضي ترجيح أمارة الإباحة بعينها؛ لأنّه لما جاز له الفعل\n_________\n(^١) ينظر المستصفى: ٢/ ٣٩٢.\n(^٢) في (غ): متناقضين.\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٠٧.\n(^٤) (جائز) ساقط من (ت).\n(^٥) ينظر: المصدر السابق: ج ٢/ ق ٢/ ٥٠٧.","vol":"7","page":2699},{"text":"والترك مع أنَّه لا معنى للإباحة إلا ذلك، لزم أنْ يكون ذلك الفعل مباحًا له فيكون ترجيحًا لأحد (^١) الأمارتين بعينها وقد وضح فساده (^٢).\nوأجيب: بأنه لم لا يجوز أنْ يعمل بأحدهما على التعيين؟ (^٣).\nقوله: ذلك ترجيح لأمارة الإباحة بعينها.\nقلنا: ممنوع وهذا لأنَّ الإباحة هي التخيير بين الفعل والترك مطلقًا لا التخيير بينهما بناءً على الدليلين اللذين يدلّ أحدهما على الإباحة والآخر على الحظر، إذ يجوز أنْ يقول الشارع للمكلف أنت مخير في الأخذ بأمارة الإباحة أو بأمارة الحظر إلا أنك متى أخذت بأمارة الإباحة فقد أبحت لك الفعل أو بالحظر فقد حرمت منه (^٤) وتصرح له بأن الفعل على أحد التقديرين إباحة وعلى الآخر حرام. ولو كان ذلك إباحة (^٥) للفعل لما جاز ذلك، ويؤكده أنَّه يجب عليه اعتقاد كلّ منهما على تقدير الأخذ بأمارته فلو كان ترجيحًا لأمارة الاباحة لما اختلف وجوب الاعتقاد.\n_________\n(^١) في (ص): لأخذ.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٠٧ - ٥٠٨، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٢٣، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٩٨.\nوينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦١٩ - ٣٦٢٠.\n(^٣) ينظر هذه الإجابة في: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٢٠.\n(^٤) في (ص): حرمته.\n(^٥) (إباحة) ليس في (ص).","vol":"7","page":2700},{"text":"ومثاله في الشرع: أنّ المسافر مخير بين أنْ يصلي أربعًا فرضًا وبين أنْ يترك ركعتين، ولا يقال: لما خير بين فعل الركعتين وتركهما كانتا مباحتين وكذلك الصلاة المعادة على الوجه الذاهب إلى أنها فرض (^١).\nوفي الدليل وجوابه مواقف أخر لا نطول بذكرها.\nواحتج من جوز تعادل الأمارتين في نفس الأمر.\nبالقياس على التعادل في الذهن.\nوبأنّه لو امتنع لم يكن امتناعه لذاته إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال أو لدليل والأصل عدمه.\nوأجيب عن الأول بأنّ التعادل الذهني لا يمنع إمكان التوصل فيه إلى رجحان إحدى الأمارتين فلا يكون نصبهما عبثًا.\nوعن الثاني: بأنّه إثبات للجواز بعدم ما يدل على الفساد، وليس أولى من عكسه وهو إثبات الفساد بعدم ما يدل على الجواز (^٢).\nوأما اختيار الإمام فعليه كلام طويل (^٣) ولا نرى الاشتغال بذكره لأن صاحب الكتاب أهمل حكايته؛ واقتصر في المسألة كلّها عن مجرد حكاية المذاهب فلنتبعه في الاختصار.\n_________\n(^١) ينظر هذا الإجابة في: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٢٠ - ٣٦٢١.\n(^٢) ينظر أدلة المجوزين والإجابة عنها: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٢٨ - ٣٦٢٩.\n(^٣) لكن صاحب النهاية ذكره على طوله وأجاب عنه. ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٢٩ - ٣٦٣١.","vol":"7","page":2701},{"text":"قوله: \"وحينئذ\" أي إذا قلنا بتجويز تعادل الأمارتين في نفس الأمر وتعادلهما (^١).\nفذهب القاضي أبو بكر وأبو علي وابنه أبو هاشم إلى التخيير (^٢) فيعمل المجتهد في شأنه بما شاء ويخير العامي في الاستفتاء، ويختار أحد الأمرين في الحكم للمتخاصمين ولا يخيرهما درءًا للتخاصم.\nوذهب قوم إلى أنّ حكمه التساقط كالبينتين إذا تعارضتا ويرجع إلى البراءة الأصلية (^٣).\nوقال قوم إنْ وقع هذا التعادل بالنسبة إلى الواجبات بالتخيير إذ لا يمتنع التخيير في الشرع بين الواجبات (^٤).\nكما أنّ من ملك مائتين من الإبل يجب عليه أنْ يخرج ما شاء من الحقائق (^٥) وبنات اللبون (^٦) عند من يجعل الخيرة للمالك من\n_________\n(^١) في (ت): وتعادلا.\n(^٢) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٩٥، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٠٦.\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٠٦، وتيسير التحرير: ٣/ ١٣٦، وكشف الأسرار: ٤/ ٧٦، والمدخل إلى مذهب أحمد: ص ١٩٧.\n(^٤) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٨٠، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥١٧ - ٥١٨، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٣٠ - ٣٦٣١.\n(^٥) الحقاق: جمع حقة وهي من الإبل الداخلة في الرابعة، سميت بذلك لأنها استحقت أن تركب، أو استحقت الضراب. القاموس المحيط \"حقق\" ص ١١٣٠.\n(^٦) وابن اللبون أو بنت اللبون، ولد الناقة إذا كان كان في العام الثاني، واستكمله، أو إذا دخل في الثالث. القاموس المحيط مادة \"لبن\" ص ١٥٨٦.","vol":"7","page":2702},{"text":"أصحابنا (^١).\nومن دخل الكعبة استقبل ما شاء من جدرانها (^٢).\nوإن وقع بالنسبة إلى حكمين متنافيين (^٣) كالإباحة والتحريم فحكمه التساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية (^٤).\nقوله: \"فلو حكم\" أي إذا اختار القاضي إحدى الأمارتين وحكم بها لم يكن له أنْ يحكم بالأخرى.\n_________\n(^١) لقوله - ﷺ - في زكاة الإبل: \"في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة\" فمن ملك مائتين فقد ملك أربع خمسينات، وخمس أربعينات، فإن أخرج الحقاق فقد أدّى الواجب إذ عمل بقوله - ﷺ -: \"في كل خمسين حقة\" وإن أخرج بنات اللبون فقد عمل بالحديث الآخر وليس أحدهما بأولى من الآخر فتخير بينهما. أفاده الصفي الهندي في النهاية: ٨/ ٣٦٣٠.\nوقال الرافعي في العزيز: \"فقد روينا في الخبر أنه - ﷺ - قال: \"في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة\" فما الواجب فيها؟ نص في الجديد على أنّ الواجب أربع حقاق أو خمس بنات لبون. وفي القديم على أنه يجب أربع حقاق واختلفوا على طريقين. .\" العزيز شرح الوجيز: ٢/ ٤٨١.\nوالحديث: أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة باب في زكاة السائمة: ١/ ٣٥٨، والترمذي في أبواب الزكاة باب في زكاة الإبل والغنم. وقال حديث حسن والعمل على هذا الحديث عند عامة الفقهاء. ٢/ ٦٦، وأخرجه ابن ماجه في كتاب الزكاة، باب صدقة الابل: ١/ ٣٣٠.\n(^٢) قال الغزالي في الوسيط: ٢/ ٧١ \"جوف الكعبة: فالواقف فيها له أن يستقبل أي جدار شاء\". وينظر: العزيز شرح الوجيز: ١/ ٤٤١.\n(^٣) في (ت): متناقضين.\n(^٤) ينظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٩٨، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤١٧، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٢٩.","vol":"7","page":2703},{"text":"وقد استدل على ذلك بما روي أنَّه - ﷺ - قال لأبي بكر - ﵁ -: \"لا تقض في شيء واحد بحكمين مختلفين\" (^١) وهذا الحديث لا أعرفه وقد سألت عنه شيخنا الذهبي فلم يعرفه (^٢).\nولا يكاد المجتهد يحيط علمًا بتعادل الأمارتين في نفس الأمر ويخير المسافر في الركعتين، وكونهما مع جواز تركهما يقعان على وجه الوجوب، إنما هو في ظنّ المجتهد ومن أين لنا أنّ الحال في نفس الأمر كذلك؟ .\nفمن يوجب القصر من العلماء لا يجوز فعلهما، ومن لا يوجبه لا يقطع بوقوعه على وجه الوجوب، إذ القطع (^٣) بوقوعه على وجه الوجوب، فرع كونه جائز الوقوع. وكذا القول في الصلاة المعادة.\nوقد يعلل ما ادعاه المصنف في الحاكم بأنه لو حكم بخلافه مرّة أخرى لاتُّهِم، والحاكم يتوقى مظانّ التُّهَم، ويجري مثل هذا في\n_________\n(^١) هكذا في كتب الأصول عن أبي بكر، والصواب عن أبي بكرة، نفيع بن الحارث كما رواه النسائي بلفظ: \"لا يَقْضِيَنَّ أحدٌ في قضاءٍ بقضاءين مختلفين، ولا يقض أحد بين خصمين وهو غضبان\" كتاب آداب القضاء (٤٩) باب النهي عن أن يقضي في قضاءين مختلفين (٣٢) رقم الحديث (٤٥٢٣) ٨/ ٣٤٧، ورواه الدارقطني: ٤/ ٢٠٥، وإرواء الغليل: ٨/ ٢٥٣.\nوذكر الزركشي حكاية عن الذهبي كحكاية الشارح السبكي قال ذكر الذهبي وغيره قالوا: إنه غير معروف.\n(^٢) هذا هو الموضع الثاني الذي يذكر فيه شيخه الذهبي ويسأله فيه عن درجة الحديث.\n(^٣) في (ت): النطوع.","vol":"7","page":2704},{"text":"المفتي، وفيما إذا عمل بأحد الأمرين في شأن نفسه واطلع عليه الناس كيلا يتناقض فعله فيتهمه العامي ولا يرجع إلى فتواه (^١).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-578>(مسألة إذا نقل عن مجتهد قولان في موضع واحد </span>يدل على توقفه، ويحتمل أنْ يكونا احتمالين أو مذهبين، وإن نقل في مجلسين وعلم المتأخر فهو مذهبه وإلا حكي القولان).\nهذه المسألة في حكم تعارض قولين لمجتهد واحدٍ وهو بالنسبة إلى المقلدين كتعارض الأمارتين عند المجتهدين فلذلك أعقبه لتعادل الأمارتين.\nومضمون المسألة أنَّه إذا نقل عن مجتهد واحد في مسألة واحدة قولان متنافيان فإمّا أنْ يكون ذلك في موضع واحد أو لا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-579>الحالة الأولى: إذا كان في موضع واحد </span>بأن يقول في هذه المسألة قولان مثلا، وهو قسمان:\nأحدهما: ولم يذكره في الكتاب أنْ يعقب ذلك بما يشعر بترجيح أحدهما ولو بالتفريع عليه فيكون ذلك قولًا له؛ لأنَّ قول المجتهد ليس غير ما يترجح عنده.\nوالثاني: أنْ لا يفعل ذلك، فيدل على توقفه في المسألة لعدم ترجيح دليل أحد الحكمين في نظره.\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٢٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٣٢.","vol":"7","page":2705},{"text":"وقوله: فيها قولان، محتمل لأنْ يريد بالقولين احتمالين على سبيل التجوز أي فيها احتمال قولين لوجود دليلين متساويين؛ ولأن يريد بهما مذهبين لمجتهدين وعلى التقديرين لا ينسب إليه قول في المسألة لتوقفه فيها.\nوإلى هذا القسم أشار المصنف بقوله: \"يدل على توقفه\" ويحتمل أي وهذا التوقف محتمل، لأنْ يكونا احتمالين ولأن يكونا مذهبين.\nوذهب قوم إلى أنّ (^١) إطلاق القولين يقتضي التخيير وهو ضعيف (^٢).\nواعلم أنّ وقوع ذلك في مجلس واحد من دون ترجيح قليل.\nنقل الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع عن القاضي أبي حامد المروزي (^٣)؛ أنَّه ليس للشافعي مثل ذلك إلا في بضعة عشر موضعًا ستة عشر أو سبعة عشر (^٤).\n_________\n(^١) (التوقف محتمل لأنْ يكونا احتمالين ولأن يكونا مذهبين. وذهب قوم إلى أنّ) ساقط من (ت).\n(^٢) قال القاضي أبو بكر في التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٤١٨: \"والوجه عند أنه قال في مثل هذا الموضع بالتخيير\".\n(^٣) أبو حامد المروزي: هو أحمد بن بِشْر بن عامر العامري، صدر من صدور الفقه كبير، وبحر من بحور العلم غزير وهو من أصحاب أبي إسحاق وعنه أخذ فقهاء البصرة، وشرح مختصر المزني وصنف في الأصول، ومن أخصائه وتلاميذه: أبو حيّان التوحيدي، مات ﵀ سنة ٣٦٢ هـ.\nينظر ترجمته في: طبقات الشيرازي: ص ٩٤، وطبقات ابن هداية الله: ص ٢٧، وطبقات السبكي: ٣/ ١٢.\n(^٤) قال أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع: ٢/ ١٠٧٩ \". . فهذا النوع ذكره القاضي أبو حامد المرْوَروذِي: أنه ليس للشافعي إلّا بضعة عشر موضعًا، ستة عشر أو سبعة عشر\".","vol":"7","page":2706},{"text":"وقد وقع في المحصول بدل القاضي أبي حامد المروزي الشيخ أبو حامد الإسفراييني وكأنه اشتبه أبو حامد بأبي حامد، ووقع فيه الجزم بأن المواضع سبعة عشر (^١)، وهو وَهْمٌ، والذي نقله الشيخ أبو إسحاق ما ذكرناه.\nوقال القاضي أبو بكر في مختصر التقريب قال المحققون إنّ ذلك لا يبلغ عشرًا (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-580>الحالة الثانية: أنْ يكون نقل القولين عن المجتهد في موضعين </span>بأن ينص في كتاب أو في وقت على إباحة شيء وفي آخر على تحريمه فهو قسمان:\nأحدهما: أنْ يعلم المتأخر منهما، فهو مذهبه ويكون الأول مرجوعًا عنه.\nوذهب بعض الأصحاب إلى أنَّه لا بد وأنْ ينصّ على الرجوع، فلو لم ينص في الجديد على الرجوع عن القديم لم يكن رجوعًا. حكاه الشيخ أبو إسحاق (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٢٦.\n(^٢) ونص القاضي في التلخيص لإمام الحرمين: ٣/ ٤١٨ \"حتى قال المحققون: إنّ هذا الفن لا يكاد يبلغ عشرًا\".\n(^٣) قال أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع: ٢/ ١٠٧٩: \"ومنها أن يذكر الشافعي قولًا في القديم وينص عليه ثمّ يذكر في الحديث قولًا يخالفه، ولا ينص على الرّجوع، فهذا قد اختلف أصحابنا فيه: فمنهم من قال: الثاني يعتبر رجوعًا عن الأوّل ومذهبه هو الثاني، ومنهم من قال: لا يكون ذلك رجوعًا إلّا أن ينصّ على الرجوع. والأوّل هو الصحيح\".","vol":"7","page":2707},{"text":"والثاني: أنْ يجهل الحال فيحكى عنه القولان من غير الحكم على أحدهما بالترجيح (^١).\nقال: (وأقوال الشافعي - ﵁ - كذلك وهي دليل على علو شأنه في العلم والدين).\nوقد وقع الحالان المتقدمان للإمام المطلبي قدوتنا أبي عبد الله الشافعي ابن عمّ المصطفى - ﷺ -، وذلك من الأدلة الواضحة على علو شأنه في العلم والدّين في الحالتين.\nأمّا الدليل على العلم في الأولى؛ فإنّه كلما زاد المجتهد علمًا وتدقيقًا، وكان نظره أتمّ تنقيحًا وتحقيقًا ووقوفه (^٢) على الأدلة المزدحمة مستقيمًا، وإدراك وجه الازدحام فيها وكيفية الانفصال عنها عظيمًا، تكاثرت الإشكالات الموجبة للتوقف لديه وتزاحمت المعضلات بين يديه (^٣).\nوأمّا في الدّين؛ فلم يكن ممن إذا ظهر له وجه الرجحان صمّم على مقالته الأولى، ولا قام بنصرتها وشال (^٤). . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) ينظر هذه التفاصيل في قولي المجتهد: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٢٢، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٩٩، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٤٧، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٣٤ - ٣٦٣٥.\n(^٢) في (ت): ووقوعه.\n(^٣) ينظر: المحصول ٢ ج/ ق ٢/ ٥٢٧.\n(^٤) شال: شالَ الميزانُ يشول إذا خفت إحدى كفّتيه فارتفعت، وشالت نعامتهم =","vol":"7","page":2708},{"text":"بضبعها (^١) حتى ينادي أولى لك فأولى (^٢)، بل صرّح ببطلان تلك واعترف بالخطأ فيها وقصور النظر (^٣).\nوأما الحالة الثانية: وهي تنصيصه على القولين في موضعين فدليل (^٤) على علمه أيضًا؛ لأنّه مبني على اشتغاله طوال عمره القصير بالنظر، والمباحث واشتماله على التدقيق في الوقائع والحوادث، وعلى دينه لإظهاره الشيء إذا لاح له، غير مبال بما صدر منه أولًا، ولا واقف عند كلام عَبِيٍّ ينسبه إلى التناقض في المقال، ولا مرجوح لمذهبه وإن كان ذا القدرة العظمى على ما يرومه، واليد الطولى فيما يحاوله، وقد عاب القولين على الشافعي من لا خلاق له، وأتى بزخرف من القول زكاه ونمقه، والله لا سواه ولا عدله، وذلك لنقصان وقصور، وحسد كامن في الصدور. وقال في العلماء قولًا كبيرًا، وفاه بألسنة حداد ستصلى سعيرًا، وأضمر في نفسه من الذابين عن ملّة سيّد المرسلين عقيدة لا يغسل السيف عارها، ولا يواري الليل غوارها، ونحن لا نحفل بكلمه ولا نقول بكلامه\n_________\n= طاشوا خوفًا فهربوا، وشال يده رفعها يسأل بها. المصباح المنير: ص ٣٢٨ \"شول\"، والقاموس المحيط: ص ١٣٢٠ \"شول\".\n(^١) الضبع: والضَبْعُ العضد والجمع أضباع كلّها وأوسطها مثل فرخ وأفراخ، والاضطباع والتأبط والتوشح سواء. المصباح المنير: ص ٣٥٨ \"ضبع\".\n(^٢) من العبارات الأدبية التي يستعملها أحيانا حن يستطرد في الكلام. ومعناها: أنه لا يأخذ بأي مسألة تعن له ولا يرفع لها عضديها - وهو معنى مجازي - إلّا بعد التأكد منها.\n(^٣) ينظر: المحصول ج ٢/ ق ٢/ ٥٢٧.\n(^٤) في (ت): فدليلين. وهو خطأ.","vol":"7","page":2709},{"text":"ولا نرى أنْ يشتمل مثلُ هذا الشرح على مثل ذلك الهذيان الذي هو خيال طرق ذا الخبال في منامه (^١) ونكتفي بما صنفه أصحابنا قديمًا وحديثًا في نصرة القولين ونحيل الفطن على ذهنه والبليد على الوقوف عليها ولكنّا نورد أسئلة قد تختلج في الصدور وتعتور بني الزمان فيجد بها الغبي نفثة مصدور (^٢) فيقول: قد علمت صفة القولين وكيفية وقوعهما، فإن قلت: التردد في القولين منبئ عن نقصان النظر عن إدراك الأرجح.\nقلت: معاذ الله بل يخبر عن كمال (^٣) ذلك؛ لأنَّ قوة النظر كلما زادت توالت عليها التشكيكات (^٤) كما عرفت.\nفإن قلت: من سبق الشافعي إلى ذلك من المجتهدين، وقد كان قبله أبو بكر الصديق - ﵁ -، وهو أفضل من طلعت عليه الشمس بعد النبيين (^٥).\nقلت: الفاروق الذي أعزّ الله به الإسلام بدعوة النبي - ﷺ - حيث نصّ في الشورى على ستّة (^٦) وحصر الخلافة فيهم تنبيهًا على أنّ الاستحقاق\n_________\n(^١) (ولا نرى أنْ يشتمل مثلُ هذا الشرح على. . . . . . . . . . هو خيال طرق ذا الخيال في منامه) ساقط من (غ)، (ت).\n(^٢) النفث: نَفَثَ مِنْ فِيهِ نفْثًا، من باب ضرب، رمى به، ونفث إذا بزق ولا ريق معه، ونفث في العُقْدَة عند الرقى وهو البصاق اليسير، والفاعل نافث ونفّاث مبالغة، ونفث الله الشيء في القلب ألقاه. المصباح المنير: ص ٦١٥ - ٦١٦ \"نفث\". والمصدور: من يشكو صدره. المصباح المنير: ص ٣٣٥ \"صدر\".\n(^٣) في (ص): حال.\n(^٤) في (ت): التشكيلات.\n(^٥) ينظر: المحصول ج ٢/ ق ٢/ ٥٢٧، والبرهان: ٢/ ١١٤٧.\n(^٦) وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن =","vol":"7","page":2710},{"text":"منحصر فيهم وأنّ غيرهم ليس أهلًا لذلك، ولم يعترض أحد عليه بل اتبعوا رأيه واقتفوا أثره.\nفإن قلت: فما فائدة ذكر القولين؟ .\nقلت التنبيه: على أنّ الحق لا يعدوهما، وقصر نظر المتمذهب له على التدقيق فيهما، وعدم الالتفات إلى غيرهما.\nفإن قلت: من جملة أقواله، أنْ يذكر قولين مع الإشارة إلى ترجيح أحدهما، وأيُّ فائدة من التنبيه على الراجح في ذكر المرجوح؟ .\nقلت: ليعلم طرق الاجتهاد والاستنباط والتمييز بين الصحيح والفاسد، ومخافة أنْ يؤدي اجتهاد غيره من متابعته إليه ولا ينتبه لفساده (^١) فيتخذه مذهبًا.\nوقد عدَّ الأصحاب لأبي حنيفة - ﵁ - أمثال ذلك، وطالما قال القياس كذا، لكني تركته استحسانًا، وليس لأحد أنْ يعيب عليه ذلك، ولا أنْ يقول ما فائدة ذكرك القياس مع عدم اعتمادك إيّاه؟ .\nفإن قلت: أي معنى في إطلاق القولين في وقت واحد من غير ترجيح؟ .\nقلت: هذا هو الذي لم يوجد منه سوى النزر اليسير.\n_________\n= العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص - ﵃ - أجمعين. ينظر: طبقات ابن سعد: ٣/ ٣٣٨، والبداية والنهاية: ٤/ ١٨٢، وتاريخ الخلفاء للسيوطي: ص ١٣٤.\n(^١) (ومخافة أنْ يؤدي اجتهاد غيره من متابعته إليه ولا ينتبه لفساده) ساقط من (غ).","vol":"7","page":2711},{"text":"وقد قلنا: إنّه فيه متوقف، وأنّه دليل على غزارة العلم، والمنتهى في الديانة، وفيه من الفوائد التنبيه على المآخذ، وانحصار جهتها في ذينك القولين، ولذلك جعل عمر - ﵁ - الأمر شورى في ستة، ولم ينص على واحد بعينه، وكان قصده أنّ الخلافة لا تعدوهم، ولو لم يفاجئه هاذمُ اللذات (^١)، لميز الأصحّ عن غيره.\nفإن قلت: فلا معنى لقولكم في هذا القسم للشافعي في هذه المسألة قولان؛ إذ ليس له (^٢) على ما زعمتم في مثل هذه المسائل قولٌ واحد، ولا قولان، بل هو متوقف غير حاكم بشيء.\nقلت: قال إمام الحرمين في التلخيص: هكذا القول ولا نتحاشى منه وإنما وجه الإضافة إلى الشافعي ذكره لهما واستقصاؤه وجوه الأشباه فيهما (^٣).\nوقد كان الشافعي رضوان الله عليه حديث السنّ، لم تتسع مهلته كثيرًا لآلام لم تطل راحته ولا يشغله ذلك عمّا هو فيه من حياطة الدّين والنظر المتين والانجماع على طرائق المتقين (^٤).\n_________\n(^١) ومفرق الجماعات كناية عن الموت. وهذم من باب ضرب، هذمت الشيء أهذمه أي قطعته بسرعة ومن أكثروا هاذم اللذات. المصباح المنير: ص ٦٣٦ \"هذم\" ..\n(^٢) (له) ليس في (غ).\n(^٣) ينظر: التلخيص للجويني: ٣/ ٤٢١، وينظر: تشنيف المسامع للزركشي: ٣/ ٤٨٢، والبحر المحيط له: ٦/ ١٢٠.\n(^٤) في (ت): اليقين.","vol":"7","page":2712},{"text":"وقد سئل بعضهم ما السبب في قصر عمر الشافعي؟ فقال: حتى لا يزالون مختلفين، ولو طال عمره لرفع الخلاف، ولسنا نمعن القول فيما لا يحصره مختصر (^١) ولا مطول من مناقب هذا (^٢) الخبر ولكن القلم استطرد ووجد للمقال مجالا.\nفقال: ونختم الفصل بما هو من توابع أبواب الترجيح وأمور المقلدين فنقول: إنّ قصر نظر بعض المصنفين (^٣) عن فهم مراتب المجتهدين فلا عليه لو اقتدى بقوله - ﷺ -: \"الأئمة من قريش\" (^٤) وقوله - ﷺ -: \"قدّموا قريشا ولا تقدموها\" (^٥) ولم يكن أحد من أصحاب المذاهب معتريًا إلى صليبة قريش بالمسلك الواضح إلّا الشافعي ولا خلاف في اختصاصه بذلك وأنه المقصود بقوله - ﷺ -: \"عالم قريش يملأ طباق الأرض علمًا\" (^٦)؛ لأنّه الذي طبق الأرض وتخلق بالطيب وردّ ليلها المسود وجبين نهارها المبيض وصار اسمه في مشارقها ومغاربها، وعلا على أنجم السماء طوالعها وغواربها.\n_________\n(^١) في (غ): منحصر.\n(^٢) (هذا) ليس في (ت).\n(^٣) في (غ): المنصفين.\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) أخرجه الشافعي في مسنده: ص ٢٦٨، وأحمد في فضائل الصحابة: ٢/ ٦٢٢ رقم (١٠٦٦)، والبيهقي في السنن الكبرى: ٣/ ١٢١، رقم (٥٠٨٠).\n(^٦) أخرجه الشافعي في المسند حديث رقم: (٦٩١)، والبيهقي: ٣/ ١٧٢ في كتاب الصلاة، باب من قال يؤمهم ذو نسب (٧٤١). رقم (٥٢٩٧). قال ابن حجر في تخليص الحبير: ٢/ ٥٣٧ الحديث رقم (٥٧٩) \"وقد جمعت طرقه في جزء كبير\".","vol":"7","page":2713},{"text":"وقد فاه إمام الحرمين مناديًا بما لوح به جماعة من الأصحاب من وجوب تقليد الشافعي فقال في كتابه الترجيح بين المذهبين أنَّه يدّعي أنَّه يجب على كافة المسلمين وعامة المؤمنين شرقًا وغربًا بعدًا وقربًا انتحال مذهب الشافعي بحيث لا يبغون عنه (^١) حِوَلًا ولا يريدون به بَدَلًا.\nوالذي نقوله: نحن إنّ كتابنا هذا شارح لمختصر أصوليّ (^٢) لا نرى أنْ نخرج عنه إلى ما لا يتعلق به من الترجيح بين المذاهب، ولكن الذي نفوه به هنا أنَّه يتعين على المقلد النظر بعين التعظيم إلى قدوته والإيماء بطرف التقديم نحو إمامه ونحن نراعي ذلك في حق إمامنا رضوان الله عليه ونقول بجمع الكلام فيما نحاوله أمور ثلاثة:\nأولها: أنّ السابق وإن كان له حقّ الوضع والتأسيس فللمتأخر الناقد حقّ التهذيب والتكميل، وكلّ موضوع على الافتتاح فقد يتطرق إلى مبادئه بعد التسبيح ثمّ يندرج الناقد إلى التهذيب والتكميل (^٣) فيكون المتأخر أحق أن يتبع وهذا واضح في الحِرَف والصناعات فضلا عن العلوم ومسالك الظنون.\nفإن قلت: فيلزمكم على هذا أنْ توجبوا الاقتداء بمن بعد\n_________\n(^١) (عنه) ليس في (ص).\n(^٢) يكفي هذا دليلا على نسبة شرح هذا المختصر الأصولي إليه.\n(^٣) (وكلّ موضوع على الافتتاح فقد يتطرق. . . . . . . الناقد إلى التهذيب والتكميل) ساقط من (ت).","vol":"7","page":2714},{"text":"الشافعي من الأئمة.\nقلت: إن ثبت لأحد بعده رتبة الاجتهاد والتنحل وترتيب ما لم ينظم والاطلاع على مقاصد الشريعة والخوض في بحارها فيلزم ذلك.\nولكنا لسنا نرى أحدًا من الأئمة بعده بلغ هذا المحل، كذا أجاب إمام الحرمين، وتغالى غيره وقال: لم يبلغ أحد بعد الشافعي منصب الاجتهاد المطلق فضلا عن الوصول إلى ما وصل إليه الشافعي.\nوثانيها: أنّ المذاهب تمتحن بأصولها لأنَّ الفروع تستند إليها وتستقيم بتقومها وتعوج باعوجاجها ولا يخفى على الشادي في العلم (^١) رجحان نظر الشافعي في الأصول التي هي أهمّ ما (^٢) ينبغي للمجتهد وأنّه أوّل من أبدع ترتيبها ومهّد قوانينها وألف فيها رسالته ولم لا يكون ذلك؟ وأعظم ما يستمد منه أصول الفقه اللغة، والشافعي كان من صميم العرب العرباء ممن تفقأت عنه بيضة بني مضر (^٣) وأصول الشريعة الكتاب والسنة والإجماع ثم الأقيسة بالأمارات المنصوبة علامات على الأحكام (^٤).\nولهذه الأصول مراتب ودرجات، فأمّا الكتاب فهو عربي مبين والشافعي إذا أنصف الناظر عرف أنَّه المميز\n_________\n(^١) في (ص): الظلم. وهو خطأ.\n(^٢) (ما) ليس في (ت).\n(^٣) قال ابن حاتم الرازي في آداب الشافعي ومناقبه: ص ١٣٧ \"كان الشافعي عربي النفس عربيّ اللسان\"\n(^٤) في (ص): الإجماع.","vol":"7","page":2715},{"text":"عن غيره فيما يحاوله منه؛ لأنّه القرشي البليغ ذو اللغة التي يحتج بها، الواصل إلى الذروة في معرفة الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول ومعرفة الروايات.\nوأما الحديث فلا والله لا ينكر منصف مقامه في الأخبار وإلقاءه الأحاديث من حفظه ولذلك ربما قال أخبرني الثقة ومن لا يحضرني اسمه الآن أنّ ذلك من آيات حفظه وشدّة ضبطه وتحريه لا كما زعمه غبي في غمرته ساهي وفي غباوته متناهي (^١) حتى قال أبو زرعة: ما عند الشافعي حديث غَلَطَ فيه (^٢). وقال أبو داود: ما أعلم للشافعي حديثًا خطأ (^٣) (^٤).\nوهو في معرفة الرجال وغير ذلك من فنون الحديث الواصل إلى النهاية ينزل الأحاديث منازلها ويقبل كل ما صحّ منها ويجعله مذهبه لا يفرق بين كوفي ومدني.\nولذلك قال لأحمد: أنتم أعلم بالحديث منّا فقل لي: كوفيه وبصريه، يعني أنّكم يا أهل العراق أعلم منا معشر الحجازيين بأحاديث الكوفة والبصرة، من حيث إنّكم أهل تلك البلاد فقل لي: كوفيه وبصريه (^٥) حتى أنظره، فإن كان صحيحًا عملت به (^٦).\n_________\n(^١) (لا كما زعمه غبي في غمرته ساهي وفي غباوته متناهي) ساقط من (ت)، (غ).\n(^٢) ينظر: سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٤٧.\n(^٣) (حتى قال أبو زرعة ما عند الشافعي. . . . . وقال أبو داود ما أعلم للشافعي حديثًا خطأ) ساقط من (ت).\n(^٤) ينظر: سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٤٨.\n(^٥) (من حيث أنكم أهل تلك البلاد فقل لي: كوفيه وبصريه) ساقط من (ص).\n(^٦) ينظر: أدب الشافعي ومناقبه للرازي: ص ٢٤ - ٩٥.","vol":"7","page":2716},{"text":"ولا يظنن به ظان الاقتصار على أحاديث المدينة والحجاز من حيث إني من أصحاب مالك، وأتى بصيغة (^١) الجمع في المخاطب، والمخاطب بقوله: أنتم ومنا ولم يرد الشافعي أن ابن حنبل أعلم منه بالحديث كما ظنّ بعض الأغبياء حاشا لله، وإنما أراد ما ذكرناه، والملك العظيم إذا أتاه رسول من أخيه الملك من بلدة أخرى يقول له: أنتم أعلم بأخبار أخي منا.\nوأما الإجماع فيتلقى من معرفة الآثار وما يصح نقله من الوفاق والخلاف وهو المنتهي في ذلك.\nهذا بيان الأصول وأما تنزيلها منازلها فهو شوف (^٢) الشافعي فإنه قدم كتاب الله ثم سنة نبيه - ﷺ - مع نهاية التأدب والوقوف عندما ينبغي الوقوف (^٣) عنده للناظر في الشريعة، فإذا لم يجدها تأسى بأصحاب رسول الله - ﷺ - في التعلق (^٤) بالرأي الناشئ من قواعد الشريعة المنضبطة بأصولها ولم ير التعلق بكل وجه في الاستصواب ولا الاستحسان بما يهواه، ثم رأى قواعد الشريعة منقسمة إلى ما يعلل وما لا يعلل فانسحب على الاتباع فيما لا يعقل معناه. وقد يقيس إذ لاحت الأشباه وأما ما يعقل معناه فمغزاه فيه المعنى المختل المناسب وهو\n_________\n(^١) في (ت): بصفة.\n(^٢) شوف في (ت): شرف.\n(^٣) الوقوف في (ص): الشوف.\n(^٤) التعلق في (ص): التعليق، وغير واضحة في (غ).","vol":"7","page":2717},{"text":"في كل ذلك يلتفت إلى قواعد الشرع لا (^١) يبغي بها بدلا ويقول: إذا صح الحديث فهو مذهبي (^٢).\nوثالثها: أنّ المذاهب كما يمتحن بأصولها يستخبر بفروعها، ولينظر المنصف (^٣) في كتب الخلافيات المنتشرة في الآفاق فإنْ كان مع اتصافه أهلًا للنظر، فليعرضها على الشريعة من كتاب وسنة وإجماع وقياس، وليحكم بما أراه الله وإن لم يكن أهلًا للنظر فلا كلام له معنا وبالله التوفيق.\nوآخر ما نذكره دليلًا لم نَر من سبقنا باستنباطه يدل على ما نحاوله وهو حديث: \"يبعث الله على رأس كل مائة من يجدد لها أمر دينها\" (^٤).\n_________\n(^١) لا في (ص): ثم لا.\n(^٢) ينظر: آداب الشافعي ومناقبه أبي حاتم الرازي: ص ٣٢٥.\n(^٣) المنصف في (ص)، (غ): المصنف.\n(^٤) الحديث رواه الحاكم في المستدرك ٤/ ٥٦٨، في كتاب الفتن والملاحم (٥٠) رقم الحديث (٨٥٩٢/ ٣٠١ - ٨٥٩٣/ ٣٠٢). وأورد قصة قال: \"فسمعت الوليد في مجلس أبي العباس بن شريح إذ قام إليه شيخ يمدحه، فسمعته يقول: حدثنا أبو طاهر الخولاني، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني سعيد بن أبي أيوب، عن شرحبيل بن يزيد عن أبي علقمة، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: وذكر الحديث. فأبشر أيها القاضي فإن الله بعث على رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وبعث في المائة الثانية محمد بن إدريس الشافعي، وأنت على رأس الثلاثمائة. أنشأ يقول:\nاثنان قد مضيا وبورك فيهما ... عمر الخليفة ثم خلف السؤدد\nالشافعي الأبطحي محمد ... إرث النبوة وابن عم محمد\nأبشر أبا العباس إنك ثالث ... من بعدهم سقيا لتربة أحمد =","vol":"7","page":2718},{"text":"واتفق الناس على أنّ المبعوث على رأس الأولى عمر بن عبد العزيز.\nوعلى الثانية الشافعي، ويأبى الله أن يبعث مخطئا في اجتهاده، أو يختص ناقص المرتبة بهذه المزية، بل هذا صريح في أنّ ما يأتي به المبعوث فهو دين الله الذي شرعه لعباده.\nومن الغرائب الواقعة في هذا الأمر المؤيدة لما ذكرناه وما حاولناه تأييدًا لشرع ينثلج به الصدر أنّ الله تعالى خصّ أصحاب الشافعي بهذه الفضيلة (^١):\nفكان على رأس الثلاثمائة ابن سريج وهو أكبر أصحابه.\nوعلى رأس الأربعمائة الشيخ أبو حامد إمام العراقيين من أصحابه.\nوعلى رأس الخمسمائة الغزالي القائم بالذب عن مذهبه والداعي إليه بكل طريق.\nوعلى السادسة الإمام فخر الدين الرازي أحد المقلدين له والمنتحلين مذهبه والذابين عنه.\nوعلى السابعة الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد الذي رجع إلى مذهبه\n_________\n= قال فصاح القاضي أبو العباس رحمه الله تعالى بالبكاء، وقال: قد نعى إلي نفسي هذا الشيخ .. \"المستدرك: ٤/ ٥٦٨، وينظر: طبقات الشافعية للسبكي: ١/ ٢٠٠ - ٢٠٦، فقد نظم السبكي كل من جاء على رأس كل مائة وذكر القصة بكاملها.\n(^١) ينظر: الطبقات الشافعية للسبكي: ١/ ٢٠٠ - ٢٠٦، فقد ذكر فيها من جاء على رأس كل سنة والخلاف فيهم.","vol":"7","page":2719},{"text":"وانتحله وتولى القضاء له، وحكم به بعد أنْ كان في أول نشأته مالكيًا (^١).\n_________\n(^١) بل كان إمام المذهبين.","vol":"7","page":2720},{"text":"الباب الثاني: الأحكام الكلية للتراجيح","vol":"7","page":2721},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-581>(الباب الثاني: في الأحكام الكلية للتراجيح</span>.\nالترجيح: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليعمل بها كما رجحت الصحابة خبر عائشة على قوله - ﷺ -: \"إنما الماء من الماء\").\nالأحكام الكلية للتراجيح (^١) هي الأمور العامة لأنواعها التي لا تخص فردًا منها.\nوالباب مشتمل على مقدمة معرفة لماهية الترجيح وأربع مسائل.\nوقد عرّف الترجيح بأنّه: تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليعمل بها أي بالأمارة التي قويت، وهو مأخوذ من الإمام إلا أنّ الإمام أبدل الأمارتين بالطريقين (^٢).\n_________\n(^١) الترجيح في اللغة: التمييل والتغليب، مأخوذ من قولهم: رجح الميزان إذا مال. (المصباح المنير: ص ٢١٩ مادة \"رجح\".\nوفي الاصطلاح: اختلف الأصوليون في تعريفه:\nفعرفه بعضهم كالآمدي بما يفيد معنى الرجحان وهو وصف قائم بالدليل. ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٢٠.\nوعرفه بعضهم كالرازي بما يفيد أنه فعل المجتهد. ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٥٢٩. وتبعه البيضاوي والظاهر أن تعريف الرازي ومن وافقه أرجح؛ لأنّ الترجيح على القول الصحيح فعل من أفعال المجتهد. وأما الرجحان فهو صفة قائمة بالدليل.\nوينظر المسألة في: مختصر ابن الحاجب وشرحه للعضد: ٢/ ٣٠٩، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٦١٦، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢٠٤، وجمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ٣٦١، وتشنيف المسامع للزركشي: ٣/ ٤٨٥.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٢٩. قال محقق المحصول: \"يريد بالطريق ما =","vol":"7","page":2723},{"text":"وما فعله المصنف أصرح بالمقصود، إذ يمتنع الترجيح في غير الأمارتين، والإمام قال ليعلم الأقوى فيعمل به (^١). وحذف المصنف لفظة العلم وهو حسن (^٢) إذ يكتفى في الترجيح بالظنّ (^٣).\nولقائل أن يقول: جعلتم الترجيح عبارة عن التقوية التي هي مستندة إلى الشارع أو المجتهد حقيقة، أو إلى ما به الترجيح مجازًا، وهو غير ملائم له (^٤) بحسب الاصطلاح. وهو في الاصطلاح عبارة عن نفس ما به الترجيح، فلا يجوز أنْ يجعل عبارة عن التقوية ذكره الهندي (^٥).\nوقد اتفق الأكثرون على جواز التمسك بالترجيح (^٦).\nوأنكره بعضهم (^٧)، وقال: عند التعارض يلزم التخيير أو الوقف ولا\n_________\n= هو أعمّ من أن يكون دليلًا أو أمارةً\". ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٢٩ وينظر: المحصول للرازي: ج ١/ ق ١/ ٩٤.\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٢٩.\n(^٢) هذا من المواضع التي صرح فيها باختياراته.\n(^٣) في (ص): يكتفى في الظن بالترجيح.\n(^٤) (له) ليس في (ص).\n(^٥) ينظر: نهاية الوصول لصفي الهندي: ٨/ ٣٦٤٧ - ٣٦٤٨.\n(^٦) وهو القول الراجح، ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٢٩، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٢، جمع الجوامع مع البناني: ٢/ ٣٦١، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٤٦، وتشنيف المسامع للزركشي: ٣/ ٤٨٦.\n(^٧) قال السبكي في جمع الجوامع. قال: \"وقال القاضي: إلا ما رجح ظنًّا. إذ لا ترجيح بظن عنده\" والمقصود بالقاضي أبو بكر الباقلاني. ينظر تشنيف المسامع للزركشي: ٣/ ٤٨٦.","vol":"7","page":2724},{"text":"يرجح أحد الظنين وإن تفاوتا وهو قول مردود.\nقال إمام الحرمين في البرهان: وقد حكاه القاضي عن البصري وهو الملقب بجُعَل (^١)، قال: ولم أر ذلك في شيء من مصنفاته مع بحثي عنها (^٢).\nواستدل المصنف على وجوب تقديم الراجح بإجماع الصحابة ﵃ وذلك في وقائع كثيرة.\nمنها: أنّهم قدّموا خبر عائشة ﵂ في التقاء الختانين حيث قالت: \"فعلته أنا ورسول الله - ﷺ - فاغتسلنا\" (^٣) على خبر أبي سعيد الخدري عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: \"إنما الماء من الماء\" أخرجه مسلم (^٤) وتقدم في كتاب السنّة حديث عائشة (^٥)\n_________\n(^١) هو الحسين بن علي بن إبراهيم البصري الحنفي وكان رأس المعتزلة، مولده في البصرة سنة ٢٨٨ ووفاته ببغداد سنة ٣٦٩ هـ، من مصنفاته الإيمان والإقرار والمعرفة.\nينظر ترجمته في: المنتظم: ٧/ ١٠١، وشذرات الذهب: ٣/ ٦٨.\n(^٢) ينظر: البرهان: ٢/ ١١٤٢.\n(^٣) ولفظه عن عائشة ﵂: \"إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا\" الحديث أخرجه الشافعي في الأم: ١/ ٣٦ - ٣٧، كتاب الطهارة، باب ما يوجب الغسل. وأحمد في المسند: ٦/ ١٦١، والترمذي في السنن: ١/ ١٨٠ - ١٨٢، كتاب الطهارة (١) باب إذا التقى الختانان وجب الغسل (٨٠)، الحديث رقم (١٠٨، ١٠٩) وقال حديث عائشة حديث حسن صحيح. وابن ماجه في السنن: ١/ ١٩٩، كتاب الطهارة (١) باب في وجوب الغسل إذا التقى الختانان (١١١) الحديث رقم (٦٠٨)، وينظر التلخيص الحبير: ١/ ٢٠١ - ٢٠٢.\n(^٤) في الصحيح: ١/ ٢٦٩، في كتاب الحيض (٣)، باب إنما الماء من الماء (٢١) الحديث رقم (٨٠/ ٣٤٣) و(٨١/ ٣٤٣).\n(^٥) ينظر ص: ١٧٧٥.","vol":"7","page":2725},{"text":"وأنّ الترمذي قال حسن صحيح (^١)، والوقائع في هذا كثيرة وعليه درج السابقون (^٢) قبل اختلاف الآراء.\nوقد تعلق الخصم على نفي الترجيح بالبينات في الحكومات (^٣)، فإنّه لا ترجح بينة على بينة بعد استقلال كلّ واحدة لو انفردت وهو مردود، فإنّ مالكًا ﵀ يرى ترجيح البيّنة على البيّنة (^٤). ومن لا يرى ذلك يقول: البيّنة مستندة إلى توقيفات تعبدية، ولذلك لا تقبل بغير لفظ الشهادة، حتى لو أتى العدد الكثير بلفظ الأخبار لم يقبل، ولو شهد ألف\n_________\n(^١) في السنن: ١/ ١٨٠ - ١٨٢، كتاب الطهارة (١) باب إذا التقى الختانان وجب الغسل (٨٠)، الحديث رقم (١٠٨، ١٠٩) وقال: حديث عائشة حديث حسن صحيح.\n(^٢) في (غ)، (ت): السالفون.\n(^٣) الحكومة: بضم الحاء: القضية المحكوم فيها. ينظر: المطلع على المقنع: ص ٣٩٨، وعرفها بعض المالكية بقوله: \"الاجتهاد والفكر فيما يستحقه المجني عليه من الجاني\" ينظر: بلغة المسالك لأقرب المسالك: ٢/ ٣٠٧، وبين صاحب المغني المحتاج من الشافعية سبب تسميتها: ٤/ ٧٧ فقال: \"وسميت حكومة لاستقرارها بحكم الحاكم حتى ولو اجتهد غيره في ذلك\" وتجب الحكومة في الجنايات ما دون النفس، مما لا قصاص فيه وليس له أرش مقدر، كما تجب في لسان الأخرس واليد الشلاء، وفي سن الصغير إذا عادت أكبر مما كانت عليه وغير ذلك. ينظر ذلك مفصلًا في كتب الفروع.\n(^٤) قال القاضي عبد الوهاب في المعونة ٣/ ١٥٦٨: \"إن من أقام البينة منهما [المدعي والمدعى عليه] حكم له به لقوله - ﷺ -: \"البينة على من ادعى\" وقوله: \"شاهداك أو يمينك\" ولأنه قد أتى بالسبب الدال على صدقه فيما ادعاه فوجب الحكم به له، وإنما قلنا إن الآخر إذا أتى ببينة نظر إلى أعدلهما فرجحت على الأخرى خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما إن الزيادة في العدالة لا يقع بها ترجيح.","vol":"7","page":2726},{"text":"امرأة وعبد على باقة بقل لردوا (^١).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-582>(مسألة لا ترجيح في القطعيات </span>إذ لا تعارض بينها وإلا ارتفع النقيضان أو اجتمعا).\nقدمنا أنّ الترجيح مختص بالدلائل الظنية، ولا جريان له في الدلائل اليقينية عقلية كانت أو نقلية.\nوالحجّة على ذلك أنّ الترجيح فرع وقوع التعارض وهو غير متصور فيها؛ لأنّه لو وقع لزم اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، وذلك لأنَّ الدليل القطعي ما يفيد العلم (^٢) اليقيني، فلو تعارض قطعيان لم يمكن إثبات مقتضى أحدهما دون الآخر للزوم (^٣) التّحكم، فإن الرأي السديدَ، والقولَ الذي عليه المحققون أنَّ العلوم (^٤) لا تتفاوت، وليس بعضها أقوى وأغلب من بعض، وإن كان بعضها أجلى وأقرب حصولًا، وأشدّ استغناء عن التأمل، بل بعضها لا يحتاج فيه إلى تأمل كالبديهيات (^٥)، لكنه بعد حصول تحقق يقيني لا تفاوت في كونه محققًا،\n_________\n(^١) ينظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي: ١٣/ ٢٣١ - ٢٣١.\n(^٢) (النقيضين أوارتفاعهما وذلك لأنَّ الدليل القطعي ما يفيد العلم) ساقط من (غ).\n(^٣) في (غ)، (ت): للزم التحكم.\n(^٤) في (ص): العلم.\n(^٥) البدهي: هو الذي لا يتوقف حصوله على نظر وكسب سواء احتاج إلى شيء آخر من حدس أو تجربة أو غير ذلك، أو لم يحتج فيرادف الضروري، وقد يراد به ما لا يحتاج بعد توجه العقل إلى شيء أصلًا، فيكون أخص من الضروري كتصور الحرارة والبرودة، وكالتصديق بأن النفي والإثبات لا يجتمعان.\nينظر: التعريفات للجرجاني: ص ٤٣ - ٤٤.","vol":"7","page":2727},{"text":"فلا ترجيح لعلم على علم، فتعين إمّا رفع مقتضاهما، أو إثباته وهو جمع بين النقيضين أو رفع لهما.\nولقائل أنْ يقول: هذا دليل على منع التعارض بين القاطعين في نفس الأمر أو على منع التعارض بين القاطعين (^١) في الأذهان.\nإن كان على الأول فهو منقدح ولكن لا كلام فيه، وأنى يتصور جريان الترجيح في المتعادلين في نفس الأمر، ولو جرى لم يكن المتعادلان متعادلين هذا خلف.\nوإن كان على الثاني فممنوع؛ لأنَّه قد يتعارض عند المجتهد شيئان يعتقد أنهما دليلان يقينيان ويعجز عن القدح في أحدهما، وإن كان يعلم بطلان أحدهما في نفس الأمر.\nوإذا كان الأمر (^٢) كذلك فنحن نقول: يجوز تطرق الترجيح إليها بناءً على هذا التعارض بالنظر في أحوال المقدمات وأحوال التركيب ويرجح بقلّة المقدمات والتراكيب وهذا طريق يقبله العقل ولا يدفعه ما ذكرتم (^٣).\nقال: (مسألة إذا تعارض دليلان لي لعمل بهما من وجه أولى بأن\n_________\n(^١) (في نفس الأمر أو على منع التعارض بين القاطعين) ساقط من (ص).\n(^٢) (الأمر) ليس في (ص).\n(^٣) ينظر هذه الاعتراضات والإجابة عنها في نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٥٤ - ٣٦٥٥.","vol":"7","page":2728},{"text":"يتبعض الحكم فيثبت البعض أو يتعدد فيثبت بعضها أو يعم فيوزع كقوله - ﷺ -: \"ألا أخبركم بخير الشهود فقيل: نعم فقال: أنْ يشهد الرجل قبل أن يستشهد\"، وقوله: \"ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أنْ يستشهد\" فيحمل الأول على حق الله تعالى والثاني على حقنا).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-583>إنما يترجح (^١) أحد الدليلين على الآخر إذا لم يمكن العمل بكل واحد منهما</span>، فإن أمكن ولو من وجه دون وجه، فلا يصار إلى الترجيح بل يصار إلى ذلك، لأنّه أولى من العمل بأحدهما دون الآخر، إذ فيه إعمال الدليلين والإعمال أولى من الإهمال، ثم العمل بكل واحد منهما يكون على ثلاثة أنواع:\nأحدها: أن يتبعض حكم كلّ واحد من الدليلين بأنْ يكون قابلا للتبعيض فيبعض بأن يثبت بعضه دون بعض، وعبر الإمام عن هذا النوع بالاشتراك والتوزيع.\nومن أمثلته: دار بين اثنين تداعياها وهي في يدهما فإنّها تقسم بينهما نصفين؛ لأنَّ ثبوت الملك قابل للتبعيض فيتبعض (^٢). ومنها إذا تعارضت البينتان في الملك على قول القسمة (^٣).\nالثاني: أنْ يتعدد حكم كل واحد من الدليلين، أي يقتضي كل\n_________\n(^١) في (ص): يرجح.\n(^٢) (فيتبعض) ساقطة من (ت).\n(^٣) ينظر: نهاية الوصول لصفي الهندي: ٨/ ٣٦٦٣، وينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٤٣، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٥٠.","vol":"7","page":2729},{"text":"واحد من الدليلين أحكامًا متعددة فيحمل كلّ واحد منهما على بعض تلك الأحكام (^١).\nومثاله: ما روي أنّ أعرابيًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: إني رأيت الهلال فقال: \"أتشهد أن لا إله إلا الله؟ \" قال نعم قال: \"أتشهد أنّ محمدا رسول الله؟ \" قال: نعم قال: \"فأذن في الناس يا بلال فليصوموا غدا\" (^٢).\nفهذا الخبر يقتضي ثبوت رمضان بشهادة الواحد، ويترتب عليه وجوب الصوم، وحلول الدّين المؤجل، ووقوع الطلاق والعتاق المعلقين به، وهو معارض للقياس، فإنّه يقتضي عدم ثبوته يقول الواحد، كما في سائر الشهور ويترتب على عدم ثبوته عدم ترتب شيء مما ذكرناه، فيحمل الأوّل على وجوب الصوم، والقياس على عدم\n_________\n(^١) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٦٣.\n(^٢) أخرجه الدارمي في السنن: ٢/ ٥، كتاب الصوم، باب الشهادة على رؤية هلال رمضان، وأبو داود في السنن: ٢/ ٧٥٤، كتاب الصوم (٨) باب في شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان (١٤)، الحديث رقم (٢٣٤٠)، والترمذي في السنن ٣/ ٧٤، كتاب الصوم (٦) باب ما جاء في الصوم بالشهادة (٧)، الحديث (٦٩١)، والنسائي في المجتبى من السنن ٤/ ١٣١ - ١٣٢، كتاب الصوم (٢٢)، باب قبول شهادة الرجل الواحد على هلال شهر رمضان (٨)، وابن ماجه في السنن: ١/ ٥٢٩، كتاب الصيام (٧) باب ما جاء في الشهادة على رؤية الهلال (٦) الحديث رقم (١٦٥٢)، والحاكم في المستدرك: ١/ ٤٢٤، كتاب الصوم، باب قبول شهادة الواحد على رؤية هلال رمضان. والبيهقي في السنن الكبرى: ٤/ ٢١١ - ٢١٢، كتاب الصيام، باب الشهادة على رؤية هلال رمضان. واللفظ لأبي داود.","vol":"7","page":2730},{"text":"حلول الأجل والطلاق والعتاق، وهذا قد صرح به القاضي الحسين والبغوي، لكن قال الرافعي: لو قال قائل: هذا يثبت ذلك ضمنًا كما سبق نظيره لأحوج إلى الفرق (^١).\nوالذي سبق أنا إذا قلنا بالقول الصحيح، وصُمْنَا بقول الواحد، ولم نر الهلال بعد ثلاثين أفطرنا على أحد الوجهين وإن كنّا لا نفطر يقول واحد ابتداء ولا يثبت به هلال شوال على المذهب الصحيح؛ وذلك لأنَّه لا يجوز أنْ يثبت الشيء ضمنا بما لا يثبت به أصلًا ومقصودًا، ألا ترى أنّ النسب والميراث لا يثبتان بشهادة النساء ويثبتان ضِمنًا للولادة إذا شهدن عليها (^٢).\n_________\n(^١) كذا عزاه الرافعي لصاحب التهذيب حيث قال: \"واعلم أن صاحب التهذيب [أي البغوي] ﵀ ذكر تفريعًا على الحكم بقبول قول الواحد أنا لا نوقع به العتق والطلاق المعلقين بهلال رمضان، ولا نحكم بحلول الدّين المؤجل به، ولو قال قائل: هلا ثبت ذلك ضمنًا كما سبق نظيره لأحوج إلى الفرق والله أعلم\" العزيز شرح الوجيز: ٣/ ١٧٩.\n(^٢) قال الرافعي في العزيز شرح الوجيز ٣/ ١٧٦: \"وإذا صمنا بقول الواحد تفريعًا على أصح القولين، ولم نر الهلال بعد ثلاثين فهل نفطر؟ فيه وجهان:\nأحدهما: لا، لأنا لو أفطرنا لكُنّا مفطرين يقول واحد، والإفطار يقول واحد لا يجوز، ألا ترى أنه لو شهد على هلال شوال ابتداء لم نفطر بقوله.\nوالثاني: يفطر، [وهو الوجه الذي اختاره السبكي في الشرح] لأن الشهر يتم بمضي ثلاثين، وقد ثبت أوله يقول الواحد، ويجوز أن يثبت الشيء ضمنا بما يثبت به أصلًا ومقصودا، ألا ترى أن النسب والميراث لا يثبتان بشهادة النساء ويثبتان ضمنا للولادة إذا شهدن عليها\".","vol":"7","page":2731},{"text":"وفرق ابن الرفعة بأن النّسب والميراث وكذا الإفطار عقيب الثلاثين لازم للمشهود فلا يتعقل ولادة منفكة عن النسب والميراث ولا صوم ثلاثين يومًا بوصف كونها رمضان منفكة عن الفطر بعدها (^١)، والدّين والطلاق والعتاق ليس يلزم استهلال الشهر ويعقل انفكاكه عنه. قال: وقد أشار إلى مثله ابن الصباغ.\nالثالث: أنْ يكون كل واحد من الدليلين عامًا أي مثبتًا لحكم (^٢) في موارد متعددة فتوزع ويحمل كلّ واحد منهما على بعض أفراده.\nومثاله ما روي عن زيد بن خالد الجهني (^٣) أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها\" (^٤). رواه مسلم وهذا لفظه، وهو معنى اللفظ الذي أورده المصنف وروى المصنف من قوله - ﷺ -: \"ثم يفشو الكذب فيشهد الرجل قبل أنْ يستشهد\" (^٥). وهذا اللفظ لا أعرفه ولكن في الصحيحين عن عمران بن\n_________\n(^١) (عن النسب والميراث ولا صوم ثلاثين يومًا بوصف كونها رمضان منفكة عن الفطر بعدها) ساقطة من (ت).\n(^٢) في (غ): مثبتا بحكم.\n(^٣) زيد بن خالد الجهني مدني صحابي مشهور شهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح، مات سنة ٧٨ هـ بالمدينة. ينظر ترجمته: في الإصابة: ٣/ ٢٧ رقم (٢٨٨٩)، وتقريب التهذيب: ص ٢٢٣ رقم (٢١٣٣).\n(^٤) أخرجه مسلم في الصحيح: ٣/ ١٣٤٤، كتاب الأقضية (٣٠)، باب بيان خير الشهود (٩) رقم (١٩/ ١٧١٩). أخرجه من رواية زيد بن خالد الجهني - ﵁ -.\n(^٥) أخرجه بهذا اللفظ الطحاوي في شرح معاني الآثار: ٤/ ١٥٠، والنسائي في السنن الكبرى: ٥/ ٣٨٧ رقم (٩٢١٩).","vol":"7","page":2732},{"text":"حصين (^١) - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم إنّ من بعدهم قومًا يشهدون ولا يستشهدون\" (^٢) الحديث. فيحمل الأوّل على حقوق الله تعالى، والثاني على حقوق العباد.\nومن أمثلته أيضًا قوله - ﷺ -: \"من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له\" (^٣) مع ما روي أنَّه - ﷺ - كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: \"هل\n_________\n(^١) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد، صحابي، أسلم عام خيبر كان صاحب راية خزاعة يوم الفتح توفي سنة ٥٢ وقيل ٥٣ بالبصرة. ينظر ترجمته في: الإصابة: ٥/ ٢٦ - ٢٧ رقم (٦٠٠٥)، وتقريب التهذيب: ص ٤٢٩ رقم (٥١٥٠).\n(^٢) متفق عليه: أخرجه البخاري في الصحيح: ٧/ ٣، كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ - (١) رقم (٣٦٥١، وأخرجه مسلم في الصحيح: ٤/ ١٩٦٣، كتاب فضائل الصحابة (٤٤)، باب فضل الصحابة (٥٢) رقم (١٢١/ ٢٥٣٣). واللفظ\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند: ٦/ ٢٨٧، والدارمي في السنن: ٢/ ٦ - ٧، كتاب الصوم، باب من لم يجمع الصيام من الليل، وأبو داود في السنن: ٢/ ٨٢٣، كتاب الصوم (٨)، باب النية في الصيام (٧١) الحديث رقم (٢٤٥٤) والترمذي في السنن: ٣/ ١٠٨، كتاب الصوم (٦) باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من الليل (٣٣) رقم (٧٣٠)، وأخرجه النسائي مرفوعًا في المجتبى من السنن: ٤/ ١٩٦ - ١٩٧ كتاب الصيام (٢٢) باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر حفصة في النية في الصيام (٦٨)، وأخرجه ابن ماجه في السنن: ١/ ٥٤٢، كتاب الصيام (٧)، باب ما جاء في فرض الصوم من الليل (٢٦) رقم (١٧٠٠)، وأخرجه ابن خزيمة في الواجب قبل طلوع الفجر (٤٦) رقم (١٩٣٣)، وأخرجه الدارقطني في السنن: ٢/ ١٧٢ - ١٧٣، كتاب الصيام، باب تبييت النية في الليل وغيره، رقم (٢، ٣، ٤)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: ٤/ ٢٠٢، كتاب الصيام، باب الدخول في الصوم بالنية. ولمزيد من التفصيل ينظر: تلخيص الحبير لابن حجر: ٢/ ٧٧٨ رقم (٨٨١).","vol":"7","page":2733},{"text":"من غداء فإن قالوا لا، قال: إني صائم\" (^١) ويروى \"إني إذن أصوم\" (^٢) فيقتصر (^٣) على الأوّل، وإنْ كان عامًا في كل صوم على صوم الفرض. ويحمل الثاني على صوم النفل.\nومنها قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^٤) مع قوله في آية أخرى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (^٥) فظاهر الأولى وضع السيف فيهم حيث يثقفون (^٦)، وظاهر الآية الثانية يقتضي جواز أخذ الجزية من أصناف الكفار من غير فصل.\nوقال - ﷺ -: \"خذوا من كل حالم دينارًا\" (^٧) وقال: \"أمرت أنْ أقاتل\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الصحيح: ٢/ ٨٠٩، كتاب الصيام (١٣)، باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال. . (٣٢) رقم (١٧٠/ ١١٥٤).\n(^٢) رواه الدارقطني: ٢/ ١٧٦، ١٧٥، والبيهقي: ٤/ ٢٠٣.\n(^٣) في (ص): فيقصر.\n(^٤) سورة التوبة من الآية ٥ كذا في الأصل، وصوابها: ﴿فَاقْتُلُوا﴾.\n(^٥) سورة التوبة من الآية ٢٩.\n(^٦) ثقف: ثقفت الشيء ثقفًا من باب تعب أخذته وثقفت الرجل في الحرب أدركته وثقفته ظفرت به. المصباح المنير: ص ٨٢. مادة \"ثقف\".\n(^٧) حديث معاذ بن جبل لما أرسله رسول الله - ﷺ - إلى اليمن. يقول معاذ: \"بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل حالم دينارًا أو عدله معافر\" الحديث رواه أحمد في المسند: ٥/ ٢٣٠ - ٢٣٣، وأبو داود في السنن: ٣/ ٤٢٨، كتاب الخراج والإمارة (١٤)، باب في أخذ الجزية (٣٠) رقم (٣٠٣٨، ٣٠٣٩، والترمذي في السنن: ٣/ ٢٠، كتاب الزكاة (٥)، باب ما جاء في زكاة البقر (٥)، رقم (٦٢٣)، والنسائي في المجتبى من السنن: ٥/ ٢٦، كتاب الزكاة (٢٣)، باب زكاة البقر (٨)، والحاكم في المستدرك: ١/ ٣٩٨، كتاب الزكاة، باب زكاة البقر، وقال (صحيح على شرط الشيخين) وأقره الذهبي.","vol":"7","page":2734},{"text":"الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله\" (^١) الحديث، وظاهر هذا أنّ الجزية لا تؤخذ، وأن ليس بيننا وبين الكفار إلا السيف أو الإِسلام فيجمع بين الظاهرين ونأخذ الجزية من أهل الكتاب بآية الجزية ونضع السيف فيمن ليس مستمسكًا (^٢) بكتاب ولا شبهة كتاب لظاهر الآية الواردة في القتل (^٣).\nواعلم أنّ بعض الفقهاء زعم أنّ هذا يتضمن استعمال مقتضى كل واحد من الدليلين ورأي هذا الجمع مستقلا بنفسه غير محتاج إلى إقامة دليل (^٤).\nقال إمام الحرمين: وهذا مردود عند الأصوليين بل لا بد من دليل من خارج على ذلك (^٥) وأمّا أنْ يجعل أحدهما دليلًا في تخصيص الثاني والثاني في تخصيص الأول فهذا ما لا سبيل إليه (^٦).\nقال: (مسألة إذا تعارض نصان وتساويا في القوة والعموم وعلم المتأخر فهو ناسخ وإن جهل فالتساقط أو الترجيح).\n_________\n(^١) سبق تخريجه.\n(^٢) في (غ): متمسكًا.\n(^٣) ينظر: البرهان: ٢/ ١١٩٣.\n(^٤) ينظر: المصدر نفسه.\n(^٥) (ذلك) ليس في (غ).\n(^٦) ينظر: البرهان: ٢/ ١١٩٣ - ١١٩٤. (من المواطن التي نقل السبكي فيها بالتصرف في العبارة).","vol":"7","page":2735},{"text":"النّصان المتعارضان (^١) على ضربين:\n[الضرب] (^٢) الأول: أنْ يكونا متساويين في القوة باشتراكهما (^٣) في العلم أو الظنّ، وفي العموم بأنْ يصدق كلٌّ منهما على ما يصدق عليه الآخر وله ثلاثة أحوال:\nأولها: أنْ يتأخر ورود أحدهما على الآخر ويكون معروفًا بعينه فينسخ المتأخر المتقدم سواءً أكانا معلومين أم مظنونين، آيتين أم خبرين، أم أحدهما آيةً والآخر خبرًا عند من يجوز النسخَ عند اختلاف الجنْس، وأمَّا من يمنعه فيمتنع عنده النسخ في هذا القسم الأخير. وهذا إذا كان حكم المتقدم قابلًا للنسخ.\n_________\n(^١) إذا تعارضا دليلان:\nفإما أن يكونا: عامين أو خاصين أو أحدهما عامًّا والآخر خاصًا. أو كلّ واحد منها عامًّا من وجه خاصًا من وجه.\nوعلى التقديرات الأربعة، فإمَّا أن يكونا معلومين، أو مظونين، أو أحدهما معلومًا والآخر مظنونًا.\nوعلى التقديرات كلّها: فإمّا أن يكون المتقدم معلومًا والمتأخر معلومًا، أو لا يكون واحدًا منهما معلومًا.\nينظر: تفاصيل هذه التقسيمات وأحكام كل قسم في المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٥٤٤ - ٥٤٥، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٢١، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٥٥ - ٤٦٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٦٥ - ٣٦٦٨ ..\n(^٢) زيادة يقتضيها السياق، وإن كانت الجملة تصحّ بدونها على حذف المضاف. لكن لكونه ذَكَرَها في الثاني، اقتضت المنهجية أن يذكرها في الأول أيضًا.\n(^٣) في (غ): فاشتراكهما.","vol":"7","page":2736},{"text":"أمّا إذا لم يقبل النسخ، ولم يذكره في الكتاب كصفات الله تعالى:\nفإنْ كانا معلومين؛ قال الإمام: فيتساقطان ويجب الرجوع إلى دليل آخر (^١).\nواعترض عليه النقشواني بأنّ المدلول إن لم يقبل النسح يمتنع العمل بالمتأخر فلا يعارض المتقدم بل يجب إعمال المتقدم كما كان قبل ورود المتأخر (^٢).\nوإنْ كانا مظنونين (^٣) طلب الترجيح.\nولو كان الدليلان خاصين فحكمهما حكم المتساويين في القوّة والعموم من غير فرق، ولم يذكر المصنف ذلك.\nوثانيها: أنْ يجهل المتأخر منهما:\nفإنْ كانا معلومين فيتساقطان، ويرجع إلى غيرهما؛ لأنَّه يجوز في كل واحد منهما أنْ يكون هو المتأخر.\nوإنْ كانا مظنونين تعين الترجيح.\nوإلى هذا أشار المصنف بقوله: \"وإن جهل فالتساقط\" أي فيما إذا كانا معلومين، أو الترجيح، أي فيما إذا كانا مظنونين.\nوثالثها: أنْ يعلم مقارنتهما، ولم يذكره في الكتاب.\n_________\n(^١) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٧.\n(^٢) ينظر: تلخيص المحصول لتهذيب الأصول للنقشواني: ٢/ ٩٦٨.\n(^٣) في (ت): معلومين.","vol":"7","page":2737},{"text":"فإن كانا معلومين فقد قال الإمام: إنْ أمكن التخيير بينهما تعين القول به، فإنّه إذا تعذّر الجمع، لم يبق إلا التخيير، ولا يجوز أنْ يرجح أحدهما على الآخر بقوة الإسناد لما عرفت أنّ العلوم لا تقبل الترجيح.\nقال: ولا يجوز الترجيح بما يرجع إلى الحكم نحو كون أحدهما حاضرًا (^١) أو مثبتًا حكمًا شرعيًا؛ لأنّه يقتضي طرح المعلوم بالكليَّة وهو غير جائز (^٢) انتهى.\nولم يذكر حكم (^٣) القسم الآخر وهو عدم إمكان التخيير بينهما، وإنْ كانا مظنونين تعين الترجيح فيعمل بالأقوى، فإن تساويا في القوة قال الإمام فالتخيير (^٤).\nقال: (وإن كان أحدهما قطعيا أو أخص مطلق عمل به وإن تخصص بوجه طلب الترجيح).\nالضرب الثاني: أنْ لا يتساويا في القوة والعموم جميعًا فإمَّا أنْ يتساويا في العموم ولم يتساويا في القوة أو عكسه أو لم يحصل بينهما تساوٍ، لا في العموم ولا في القوة فهذه أحوال ثلاثة: -\nأولها: التساوي في العموم والخصوص مع عدم التساوي في القوة بأنْ\n_________\n(^١) في (ص): حاضرًا.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٤٦.\n(^٣) (حكم) ليس في (ت).\n(^٤) المصدر نفسه.","vol":"7","page":2738},{"text":"يكون أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا، فيعمل بالقطعي سواء أعُلِم تقدم أحدهما على الآخر، أم لم يعلم، وسواء تقدم القطعي أم الظني. وهذا الإطلاق يشمل ما إذا كان المقطوع عامًا والمظنون خاصًا (^١).\nوالصحيح (^٢) أنّ المظنون يخصص المقطوع (^٣) كما سبق في التخصيص (^٤).\nوثانيها: أنْ يتساويا في القوّة مع التساوي في العموم والخصوص بأنْ يكونا قطعيين أو ظنيين، ويكونا عامين لكن أحدهما أعمّ من الآخر، إمّا مطلقًا أو من وجه، أو يكونا خاصين.\nفإنْ كانا عامين أو كان أحدهما أعمّ من الآخر مطلقًا عمل بالأخصّ سواءً كانا قطعيين من جهة السند أم ظنيين علم تقدم أحدهما على الآخر أم لم يعلم، اللهمّ إلا أنْ يعلم تقدم الأعمّ وورود الأخص بعد العمل به. فإن الأخصّ حينئذ يكون ناسخًا له فيما تناوله الأخص، لا مخصصا لامتناع تأخير البيان عن وقت العمل، وإن كان أحدهما أعمّ من الآخر من وجه وأخص من وجه (^٥) كقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٤٩ - ٥٥٠، وينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٦٨ - ٣٦٦٩.\n(^٢) من مواطن التصحيح عند الشارح.\n(^٣) في (غ)، (ت): المعلوم.\n(^٤) ينظر ص: ١٤٧١.\n(^٥) (أخص من وجه) ساقط من (ت)، (غ).","vol":"7","page":2739},{"text":"الْأُخْتَيْنِ﴾ (^١) مع قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (^٢) فيصار إلى الترجيح بينهما سواء كانا قطعيين أم ظنيين، لكن لا يمكن الترجيح في القطعيين بقوة الإسناد، بل يرجح يكون حكم أحدهما حظرًا والآخر إباحة وأنْ يكون أحدهما شرعيًا والآخر عقليًا أو مثبتًا والآخر نافيًا ونحو ذلك. وفي الظنيين يرجح بقوة الإسناد (^٣) (^٤).\nوثالثها: أنْ لا يحصل بينهما تساو لا في العموم والخصوص ولا في القوة.\nفإنْ (^٥) اختلفا في كل واحد من هذين بأن يكون أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا وهما عامان ولكن أحدهما أعمّ من الآخر مطلقًا أو من وجه، أو خاصان فإنْ كانا عامين أو أحدهما أعمّ من الآخر (^٦) مطلقًا عمل بالقطعي. إلّا إذا كان القطعي هو الأعمّ فإنّه يخصّ بالظني عند الأكثرين، وإن كان أحدهما أعمّ من الآخر من وجه صير إلى الترجيح، فإنّه قد يترجح الظني بما يتضمنه الحكم من كونه حظرًا أو نفيًا أو غير ذلك سواءً\n_________\n(^١) سورة النساء من الآية ٢٣.\n(^٢) سورة النساء من الآية ٢٤.\n(^٣) (بل يرجح بكون حكم أحدهما حظرًا. . . . . . . . . . وفي الظنيين يرجح بقوة الإسناد) ساقط من (ت).\n(^٤) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٥١، وينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٧١.\n(^٥) في (غ): بأن اختلفا.\n(^٦) (من الآخر) ليس في (ت).","vol":"7","page":2740},{"text":"عُلِم تأخر القطعي عن الظني، أم تقدمه أم جهل الحال، وأمّا إن كانا خاصين فالعمل بالقطعي مطلقا (^١).\nقال: (مسألة قد يرجح بكثرة الأدلة لأنَّ الظنيين أقوى.\nقيل: يقدم الخبر على الأقيسة.\nقلت: إن اتحد أصلها فمتحدة وإلا فممنوع).\nذهب الشافعي ومالك إلى أنَّه يجوز الترجيح بكثرة الأدلة (^٢)، والخلاف مع الحنفية (^٣).\nواستدل المصنف بأنّ كل واحد من الدليلين يفيد ظنًّا مغايرًا للظنّ المستفاد من صاحبه، والظنَّان أقوى من الظنّ الواحد، فيعمل بالأقوى؛\n_________\n(^١) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٧١ - ٣٦٧٢.\n(^٢) وهو مذهب الإمام أحمد أيضًا ينظر: شرح تنقيح الفصول: ص ٤٢١، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٣٤، وتخريج الفروع على الأصول للإسنوي: ص ٣٧٦، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٦٣٤، وهو رأي محمد بن الحسن من الحنفية كما في فواتح الرحموت: ٢/ ٢١٠.\n(^٣) وهو مذهب الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف والكرخي: ينظر: كشف الأسرار: ٤/ ٧٨، وتيسير التحرير: ٣/ ١٥٤، والتوضيح على التلويح: ٢/ ٢٣٢، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢١٠، والأقوال الأصولية للإمام الكرخي لشيخنا (ص). حسين الجبوري: ص ١٢٠ ذكرها في مسألة الترجيح بكثرة الرواة وهي إحدى صور المسألة التي نحن بصددها كما نوه عنها الصفي الهندي في نهاية الوصول: ٨/ ٣٦٥٦، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٣٤.","vol":"7","page":2741},{"text":"لكونه أقرب إلى القطع، كما رجحنا الكتاب على السنّة، والسنّة على الإجماع، والإجماع على القياس (^١).\nفإن قلت: الفرق (^٢) بين الترجيح بكثرة الأدلة والترجيح بالقوّة والوصف الذي يعود إليه أنّ الزيادة حصلت مع المزيد عليه في محل واحد بخلاف الترجيح بقوة (^٣) الأدلة (^٤).\nقلت: هذا ضعيف لأنَّه لا أثر لذلك.\nواحتج الخصم بأنّ كثرة الأدلة، لو كانت سببًا للرجحان لكانت الأقيسة المتعددة مقدمة على خبر الواحد إذا عارضها، وليس الأمر كذلك.\nوأجاب: بأنّ أصل تلك الأقيسة إنْ كان متحدًا، وهذا كما قيل: في معارضة ما روي من قوله - ﷺ -: \"أحلت لنا ميتتان السمك والجراد\" (^٥)\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٣٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٥٧، ونهاية السول: ٤/ ٤٧٣.\n(^٢) (الفرق) ساقط من (ت).\n(^٣) في (ت): بكثرة.\n(^٤) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٥٩.\n(^٥) ولفظه: \"أحلت لنا ميتتان ودمان، الميتتان الحوت والجراد والدّمان الكبد والطحال\". أخرجه الشافعي في المسند: ٢/ ١٧٣، كتاب الصيد والذبائح، الحديث رقم (٦٠٧)، وأحمد في المسند: ٢/ ٩٨، وابن ماجه في السنن: ٢/ ١١٠١ - ١١٠٢، كتاب الأطعمة (٢٩) باب الكبد والطحال (٣١) الحديث رقم (٣٣١٤)، والدارقطني في السنن: ٤/ ٢٧١ - ٢٧٢، كتاب الصيد والذبائح والأطعمة، الحديث رقم (٢٥)، والبيهقي في السنن الكبرى: ١/ ٣٥٤، كتاب الطهارة باب الحوت يموت في الماء =","vol":"7","page":2742},{"text":"السمك الميت حرام قياسًا على الغنم الميتة، وعلى الطائر الميت، والبقر والإبل والخيل، بجامع الموت (^١) في كلّ ذلك. فتلك الأقيسة حينئذ تكون أيضًا متحدة، وتكون قياسًا واحدًا لا أقيسة متعددةً لوحدة الجامع، فإنّها لا تتغاير إلا أنْ يعلل حكم الأصل في كلّ قياس منها بعلّة أخرى وتعليل الحكم الواحد بعلتين مختلفتين ممنوع على ما سلف فيكون الحقّ من تلك الأقيسة واحدًا وإذا قدمنا عليها الخبر لم يكن قد قدمناه إلا على دليل واحد.\nوإن لم يكن أصلها متحدًا بل متعددًا، فلا نسلم تقديم خبر الواحد عليها، كذا أجاب المصنف تبعًا للإمام (^٢).\nوالحقّ (^٣) أنّ خبر الواحد مقدم على الأقيسة وإن تعددت أصولها ما لم تصل إلى القطع، ولا يفرض اللبيب صورة تحصل فيها من الأقيسة ظنّ يفوق الظنّ الحاصل فيها من خبر الواحد.\nونقول: هذا رجحت أرجح الظنين؛ لأنّه لا تجد ذلك إلا والقياس جليّ مقدّم دون ريب ولا خصوصية إذ ذاك لتعدد الأقيسة بل لقوة الظنّ.\nوقد ذكر الإمام أنّ من صور المسألة ترجيح أحد الخبرين على الآخر بكثرة الرواة ولكن قد وافق في هذا الفرع بعض المخالفين في المسألة ولا\n_________\n= والجراد، وفي ٩/ ٢٥٧، كتاب الصيد والذبائح، باب ما جاء في أكل الجراد.\n(^١) (الموت) ليس في (غ).\n(^٢) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٥٣٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٥٦.\n(^٣) من ترجيحات السبكي.","vol":"7","page":2743},{"text":"شك أنّ الخلاف فيه أضعف (^١).\nوقد نقله إمام الحرمين عن بعض المعتزلة، وقال: الذي ذهب إليه الأكثرون الترجيح بكثرة العدد (^٢).\nثمّ نقل أنّ القاضي قال: ما أرى تقديم الخبر بكثرة الرواة قطعيًا والوجه فيه أنّ المجتهدين إذا لم يجدوا متمسكًا إلا الخبرين، واستوى رواتهما في العدالة والثقة وزاد أحدهما بعدد الرواة فالعمل به (^٣).\nقال: وهذا قطعي لأنا نعلم أنّ الصحابة لو تعارض لهم (^٤) خبران بهذه الصفة لم يعطلوا الواقعة بل كانوا يقدمون هذه.\nقال: وأمّا إذا كان في المسألة قياس وخبران متعارضان كثرت رواة أحدهما، فالمسألة الآن ظنية.\nوهذا الذي ذكره القاضي حقّ ويشبه أنْ لا يكون محل الخلاف إلا في الصورة التي جعلها ظنية فإنه كما ذكر قد يقال: فيها بالنزول عنها والتمسك بالقياس وقد يظنّ أنّ الصحابة كانوا يقدمون الخبر الكثير الرواة ويضربون عن القياس، فالخلاف في هذه الصورة متجه وأما في الأولى فلا مساغ له.\n_________\n(^١) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٥٤١ - ٥٤٢.\n(^٢) ينظر: البرهان للجويني: ٢/ ١١٦٢.\n(^٣) ينظر: المصدر نفسه: ٢/ ١١٦٣.\n(^٤) في (غ)، (ت): لهما.","vol":"7","page":2744},{"text":"نعم إذا اجتمع مزية الثقة وقوة العدد بأن روى أحد الخبرين ثقة وروى الآخرَ جمع لا يبلغ آحادهم مبلغ راوي الخبر إلا في الثقة والعدالة فهذه صورة أخرى (^١).\nوقد اعتبر بعض أهل الحديث مزيد العدد، وبعضهم مزيد الثقة (^٢).\nقال إمام الحرمين: والمسألة لا تبلغ مبلغ القطع والغالب على الظن التعلق بمزية الثقة، فإن الذي يغلب على الظنّ (^٣) أنّ الصدّيق - ﵁ - لو روى خبرًا وروى جمع على خلافه لكان أصحاب رسول الله - ﷺ - أجمعين يؤثرون رواية الصديق (^٤) انتهى.\nوأبلغ قول في ذلك ما ذكره الغزالي من أنّ الاعتماد في ذلك على ما غلب على ظنّ المجتهد فإنّ الكثرة وإنْ قوّت الظنّ فرب عدل أقوى في النفس من عدلين ويختلف ذلك باختلاف الأحوال والرواة، وأمّا تقديم خبر الصديق رضوان الله عليه فلأنّ الظنّ الحاصل بخبره أقوى من الحاصل بخبر الجمع الكثير وقد لا يتأتى ذلك في غيره.\nومن صور مسألة الكتاب أيضًا إذا انضم إلى أحد الخبرين قياس، والذي ارتضاه الشافعي - ﵁ - تقديم الحديث الذي وافقه القياس؛ لأنَّ الترجيح يجوز بما يوجب تغليب الظنّ تلويحًا مع أنّ مجرد التلويح لا يستقل\n_________\n(^١) ينظر: البرهان للجويني: ٢/ ١١٦٨.\n(^٢) ينظر: المصدر نفسه: ٢/ ١١٦٨.\n(^٣) (التعلق بمزية الثقة فإن الذي يغلب على الظنّ) ساقط من (غ).\n(^٤) ينظر: البرهان للجويني: ٢/ ١١٦٨.","vol":"7","page":2745},{"text":"دليلًا فإذا اعتضد أحد الخبرين بما يستقل دليلًا فلأن يكون مرجحًا أولى.\nوقال القاضي: يتساقط الخبران، ويرجع إلى القياس والمسلكان مفضيان إلى موافقة حكم القياس، ولكن الشافعي - ﵁ - يرى متعلق الحكم بالخبر المرجح بموافقة القياس والقاضي يعمل بالقياس ويسقط الخبرين مستدلًا بأنّ الخبر مقدّم على القياس، ويستحيل تقديم خبر على خبر بما يسقط الخبر. وما يقدم على القياس إذا خالفه فهو مقدّم عليه إذا وافقه (^١).\nوقال إمام الحرمين: القول عندي في ذلك لا يبلغ مبلغ الإفادة، ولمن نصر الشافعي أنْ يقول إنما يقدم الخبر إذا لم يعارضه خبر فإذا تعارضا افتقر أحدهما إلى التأكيد بما يغلب على الظنّ (^٢).\nقلت: ويناظر هذا الخلافَ الخلاف الذي ذكره الأصحاب في البينتين إذا تعارضتا ومع أحدهما يد، فإنّ الحكم لذات اليد، ولكن هل القضاء للداخل باليد أم بالبينة المرجحة باليد؟ اختلفوا فيه، وينبني على الخلاف أنَّه هل يشترط أنْ يحلف الداخل مع بينته ليقضى له؟ فيه وجهان أو قولان أصحّهما لا، كما لا يحلف الخارج مع بينته (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: البرهان للجويني: ٢/ ١١٧٨.\n(^٢) ينظر: المصدر السابق: ٢/ ١١٧٩.\n(^٣) قال الرافعي: في العزيز شرح الوجيز: ١٣/ ٢٣١ \". . . . وعلى هذا فلو كانت اليد مع صاحب الشاهد واليمين وجهان: أحدهما: أن اليد وقوّة الحجّة الأخرى يتقابلان. وأشبههما: أن جانب صاحب اليد يرجح؛ لاعتضاده باليد المحسوسة. هكذا نقله =","vol":"7","page":2746},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الإمام وصاحب الكتاب، وحكى في التهذيب الخلاف في المسألة قولين، ولم يحل التعادل، لكن قال: أحد القولين ترجيح صاحب اليد. والثاني: ترجيح الآخر لقوة حجته، ويمكن بناء القولين على أن صاحب اليد هل يحلف مع البينة أم لا؟","vol":"7","page":2747},{"text":"الباب الثالث: ترجيح الأخبار","vol":"7","page":2749},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-584>(الباب الثالث: في ترجيح الأخبار</span>.\nوهو على وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-585>الأول: بحال الراوي </span>فيرجح بكثرة الرواة وقلة الوسائط وفقه الراوي وعلمه بالعربية وأفضليته وحسن اعتقاده وكونه صاحب الواقعة وجليس المحدثين ومختبرًا ومعدلًا بالعمل على روايته وبكثرة المزكين وبحثهم وعلمهم وحفظه وزيادة ضبطه ولو لألفاظه - ﷺ - ودوام عقله وشهرته وشهرة نسبه وعدم القياس اسمه وتأخر إسلامه).\nاعلم أنّ تعارض الأخبار إنما يقع بالنسبة إلى ظنّ المجتهد، أو بما يحصل من خلل بسبب الرواة، وأمّا التعارض في نفس الأمر بين حديثين صحّ صدورهما عن النبي - ﷺ - فهو أمر - معاذ الله - أنْ يقع؛ ولأجل ذلك قال الإمام أبو بكر بن خزيمة - ﵁ -: لا أعرف أنَّه روي عن رسول الله - ﷺ - حديثان بإسنادين صحيحين متضادين فمن كان عنده فليأت به حتّى أؤلف بينهما (^١).\n_________\n(^١) انظر: الكفاية ص ٦٠٦؛ والتقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح للعراقي: ص ٢٨٥؛ وفتح المغيث ج ٤ ص ٦٥.\nوللشافعي قول يشبه هذا حيث قال في الرسالة: \"ولم نجد عنه [ﷺ] شيئًا مختلفا فكشفناه إلا وجدنا له وجهًا يحتمل به ألا يكون مختلفا، وأن يكون داخلا في الوجوه التي وصفت\". وقال: \"ولم نجد عنه [ﷺ] حديثين مختلفين إلا ولهما مخرج، أو على أحدهما دلالة بأحد ما وصفت: إما موافقة كتاب أو غيره من سنته أو بعض الدلائل\". الرسالة ص ٢١٦ - ٢١٧. وينظر كلام ابن خزيمة في: البحر المحيط للزركشي: ٦/ ١٤٩.","vol":"7","page":2751},{"text":"إذا عرفت هذا فنقول ترجِيح (^١) الأخبار على سبعة أوجه:\nالأول: بحسب حال الراوي وذلك باعتبارات:\nأولها: بكثرة الرواة وقد مرّ هذا آنفًا (^٢).\nمثاله: لو قال الحنفي لا يجوز رفع اليدين في الركوع وعند الرفع منه لما روى إبراهيم (^٣) (^٤) عن علقمة (^٥) عن ابن مسعود أنّ النبي - ﷺ - كان يرفع يديه عند تكبيرة الافتتاح ثمّ لا يعود (^٦).\n_________\n(^١) في (ص): ترجح.\n(^٢) مرت في المسألة التي قبل هذا في الترجيح بكثرة الأدلة وهذا أحد صورها. وينظر: رفع الحاجب للسبكي: اللوحة ٣٠٥/ ب.\n(^٣) (إبراهيم) ليس في (غ).\n(^٤) هو إبراهيم بن يزيد بن عمرو بن الأسود، أبو عمران النخعي، أحد الأعلام يرسل عن جماعة وكان لا يحكم العربية وربما لحن، واستقر الأمر على أن إبراهيم حجة وأنه إذا أرسل عن ابن مسعود وغيره فليس بحجة، رأى إبراهيم زيد بن أرقم وغيره من الصحابة، ولم يصح له سماع من صحابي، وكان فقيه أهل الكوفة. توفي سنة ٩٥ هـ، وقيل ٩٦ هـ. ينظر ترجمته في: طبقات الفقهاء: ص ٧٩، وسير أعلام النبلاء: ٤/ ٣٢٢، وشذرات الذهب: ١/ ١١١.\n(^٥) هو علقمة بن قيس بن عبد الله بن علقمة، أبو شبل النخعي، الكوفي، التابعي أحد الأعلام، فقيه العراق، وكان أكبر أصحاب ابن مسعود، وأشبههم هديًا ودلالة، سمع عمر بن الخطاب وعثمان وعليا وابن مسعود وسلمان وخبابًا وحذيفة وأبا موسى الأشعري وعائشة وغيرهم، وأخذ عنه إبراهيم النخعي والشعبي وابن سيرين وغيرهم وأخرج أحاديث أصحاب الكتب الستة توفي سنة ٦٢ هـ. ينظر: ترجمته في: طبقات الفقهاء: ص ٧٦، شذرات الذهب: ١/ ٧٠، سير أعلام النبلاء: ٤/ ٥٣.\n(^٦) أخرجه الترمذي من حديث عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن ابن مسعود - ﵁ -: قال: لأصلين بكم صلاة رسول الله - ﷺ - فصلى، فلم يرفع =","vol":"7","page":2752},{"text":"فنقول: روى ابن عمر أنَّه - ﷺ - كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك. وروي رفع اليدين كما روى ابن عمر ووائل بن حجر (^١) وأبو حميد الساعدي (^٢) في عشرة من أصحاب رسول الله - ﷺ - منهم أبو قتادة (^٣) وأبو أسيد (^٤)، وسهل\n_________\n= يديه إلا مرّة واحدة. كتاب الصلاة (٢) باب ما جاء أن النبي - ﷺ - لم يرفع إلا في أول مرّة حدث رقم (٢٥٧) وقال: حديث حسن. وأخرجه أحمد في المسند: ١/ ٣٨٨، وأبو داود في كتاب الصلاة (٢) باب من لم يذكر الرفع عند الركوع، حديث رقم (٧٤٨) وقال أبو داود: هذا حديث مختصر من حديث طويل، وليس هو بصحيح على هذا اللفظ. وينظر تخريج الحديث والكلام عنه التلخيص الحبير: ١/ ٣٦٤ - ٣٦٥.\n(^١) هو وائل بن حجر بن ربيعة بن يعمر الحضرمي، أبو هنيد، كان من ملوك حمير، وفد على رسول الله - ﷺ - وكان رسول الله - ﷺ - قد بشر أصحابه بقدومه قبل أن يصل بأيام، وعند وصوله رجب به وقربه ودعا له، وأقطعه أرضًا، ثمّ نزل الكوفة، وشهد صفين مع عليّ - ﵁ -، وكان على راية حضرموت، ثم قدم على معاوية في خلافته، فتلقاه وأكرمه، وروى عدّة أحاديث في مسلم والسنن الأربعة، مات في آخر خلافة معاوية. ينظر ترجمته في: الإصابة: ٦/ ٣١٢ رقم (٩١٠١)، وأسد الغابة ٥/ ٤٣٥.\n(^٢) هو عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن مالك، أبو حميد الساعدي، الأنصاري الصحابي، وقيل في اسمه واسم أبيه غير ذلك، روى عن رسول الله - ﷺ - عدّة أحاديث،. قيل إنه شهد أحدًا وما بعدها، توفي في آخر خلافة معاوية، أو أول خلافة يزيد. ينظر ترجمته في: الاستيعاب، والإصابة: ٧/ ٤٦ رقم (٣٠١)، وأسد الغابة ٦/ ٧٨.\n(^٣) هو الحارث بن ربعي بن بلدمة، أبو قتادة الأنصاري الخزرجي السلمي، فارس رسول الله - ﷺ -، اخلف في شهوده بدرًا، وشهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، توفي سنة ٥٤ هـ، وقيل: قبل ذلك في سنة ٤٠ هـ. ينظر ترجمته في: الاستيعاب: ٤/ ١٧٣١ - ١٧٣٢، رقم (٣١٣٠)، وأسد الغابة: ٦/ ٢٥٠ - ٢٥١ رقم (٦١٦٦)، والإصابة: ٧/ ٣٢٧ - ٣٢٩ رقم (١٠٤٠٥).\n(^٤) هو مالك بن ربيعة بن البَدَن، الخزرجي، أبو أُسَيْد الساعدي، الأنصاري، =","vol":"7","page":2753},{"text":"ابن سعد (^١) ومحمد بن مسلمة (^٢) ورواه أيضًا أبو بكر الصديق - ﵁ - وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله وابن الزبير وأبو هريرة وجمعٌ بلغ عددهم ثلاثة وأربعين صحابيًا (^٣).\n_________\n= الصحابي، مشهور بكنيته، شهد بدرًا وأحدًا وما بعدها، وكان معه راية بني ساعدة يوم الفتح، وروى عن النبي - ﷺ - أحاديث، وروى عنه أولاده وبعض الصحابة، وأضر في آخر عمره، مات بالمدينة سنة ٦٠ هـ، وهو آخر البدريين موتًا، وقيل غير ذلك. ينظر ترجمته في: الإصابة: ٦/ ٢٣ - ٢٤ رقم (٧٦٢٢)، وأسد الغابة ٥/ ٢٣.\n(^١) هو سهل بن سعد بن مالك الأنصاري الساعدي، أبو العباس عمّر طويلًا، وهو آخر من بقي في المدينة من أصحاب رسول الله - ﷺ - توفي سنة ٨٨ هـ وقيل: سنة ٩١ هـ. ينظر ترجمته في: الاستيعاب: ٢/ ٦٦٤ - ٦٦٥، رقم (١٠٨٩)، وأسد الغابة: ٢/ ٤٧٢ - ٤٧٣ رقم (٢٢٩٣)، والإصابة: ٣/ ٢٠٠ رقم (٣٥٣٥).\n(^٢) هو محمد بن مسلمة بن خالد الأنصاري الأوسيّ، ثمّ الحارثيّ، من فضلاء الصحابة شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلّها مع رسول الله - ﷺ - إلا تبوك، وهو أحد الذين قتلوا كعب بن الأشرف، واستخلفه رسول الله - ﷺ - على المدينة في بعض غزواته، قيل هي غزوة تبوك، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان، ومات بالمدينة سنة ٤٦ هـ أو سنة ٤٧ هـ. ينظر ترجمته في: الاستيعاب: ٣/ ١٣٧٧، رقم (٢٣٤٤)، وأسد الغابة: ٥/ ١١٢ - ١١٣ رقم (٤٧٦١)، والإصابة: ٦/ ٣٣ - ٣٥ رقم (٧٨١١).\n(^٣) قال أحمد الغماري في (الهداية في تخريج أحاديث البداية (بداية المجتهد): ٣/ ١٠٦ - ١٠٧): \"قلت: بل رواه من الصحابة نحو خمسين رجلًا منهم العشرة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وطلحة والزبير، وسعد وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، ومالك بن الحويرث وزيد بن ثابت، وأبي بن كعب، وابن مسعود، وأبو موسى، وابن عباس، والحسين بن علي، والبراء بن عازب، =","vol":"7","page":2754},{"text":"واعلم أنا قد نذكر المثال الواحد للحكم وهو يصلح مثالًا لأحكام كثيرة، وأنا قد نذكر مثالًا لما اشتمل عليه من ضرب من الترجيح وإن عارضه أقوى منه، أو ساعده فلا يضرنا ذلك، وهنا ليس مستندنا مجرد الكثرة، بل والعلل المذكورة فيما رواه القوم مما ليس من غرض الشرح التطويل بذكره.\nالثاني: بقلة (^١) الوسائط وعلو الإسناد (^٢)؛ لأنّ احتمال الغلط والخطأ فيما قلّت وسائطه أقلّ، وما برحت الحفاظ الجهابذة (^٣) تطلب علو\n_________\n= وزياد بن الحارث، وسهل بن سعد، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وسليمان بن صرد، وعمرو بن العاص، وعقبة بن عامر، وبريرة، وأبو هريرة، وعمّار بن ياسر، وعدي بن عجلان، وعمير الليثي، وأبو مسعود الأنصاري، وعائشة، وأبو الدرداء، وابن عمر، وابن الزبير، وأنس، ووائل بن حجر، وأبو حميد، وأبو أسيد، ومحمد بن مسلمة، وجابر، وعبد الله بن جابر البياضي، وأعرابي. ذكر أسماءهم التقي السبكي بدون عزو، ثم قال: فهؤلاء ثلاثة وأربعون صحابيًا - ﵃ -. قلت: وبقي أيضًا معاذ بن جبل، والفلتان بن عاصم، والحكم بن عمير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأم الدرداء مرسلًا عن سليمان بن يسار، والحسن البصري وقتادة\". وذكر أسانيد ما وقع له منهم. وذكر ابن حجر في (فتح الباري: ٢/ ٢٨٠) قال: \"وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ أنه تتبع من رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلًا\"، وينظر لزيادة الفائدة التلخيص الحبير: ١/ ٣٦٤ - ٣٦٥.\n(^١) في (غ)، (ت): بكثرة.\n(^٢) ينظر: العدة: ٣/ ١٠١٩، والمستصفى: ٢/ ٣٩٧، والمحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٥٥٣، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٢٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٢٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٧٧.\n(^٣) الجهابذة: جمع جهبذ، النّقاد الخبير. (القاموس المحيط: ص ٤٢٤ مادة \"جهبذ\"","vol":"7","page":2755},{"text":"الإسناد وتفتخر به وتركب القفار وتنأى عن الديار في تحصيله.\nومن أمثلته: أنْ يقول: الحنفي الإقامة مثنى كالأذان لما روى عامر الأحول (^١) عن مكحول (^٢) أنّ ابن محيريز (^٣) حدثه أنّ أبا محذورة (^٤) حدثه: \"أنّ رسول الله - ﷺ - علمه الأذان وعلمه الإقامة. . الحديث\" (^٥)\n_________\n(^١) هو عامر بن عبد الواحد الأحول، البصري، صدوق يخطئ من السادسة، يروي عن عائذ بن عمرو المزني الصحابي ولم يدركه. ينظر ترجمته في: تقريب التهذيب: ص ٢٨٨ رقم (٣١٠٣).\n(^٢) هو مكحول الشامي، أبو عبد الله، وقيل أبو أيوب، وقيل: أبو مسلم، الدمشقي، عالم أهل الشام، عداده في أوساط التابعين، كثير الإرسال، فقيه الشام، اختلف في وفاته فقيل: سنة ١١٢ هـ أو سنة ١١٣، أو سنة ١١٦ هـ. وينظر ترجمته في: الطبقات الكبرى: ٧/ ٤٥٣ - ٤٥٤، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ١٥٥ - ١٦٠ رقم (٥٧)، وتقريب التهذيب: ص ٥٤٥ رقم (٦٨٧٦).\n(^٣) هو عبد الله بن مُحَيْرِيز بن جنادة بن وهب الجمحي، المكي كان يتيمًا في حجر أبي محذورة بمكة، ثم نزل بيت المقدس، ثقة عابد من الثالثة، مات سنة تسع وتسعين، وقيل قبلها. ينظر: تقريب التهذيب: ص ٣٢٢ رقم (٣٦٠٤).\n(^٤) هو أبو محذورة أوس بن مِعْيَر القرشي الجمحي المكي مؤذن رسول الله - ﷺ - بمكة بعد الفتح، صحابي جليل، غلبت عليه كنيته، وقال أبو نعيم: إن اسمه سمرة. توفي بمكة سنة ٥٩ هـ. ينظر ترجمته في: معرفة الصحابة لأبي نعيم: ٢/ ٣٦٥، رقم (١٩٠)، والاستيعاب: ١/ ١٢١، رقم (١١٦)، وأسد الغابة: ١/ ١٧٧، رقم (٣٢٤)، والإصابة: ١/ ١٦٠، رقم (٣٥٨).\n(^٥) أخرجه مسلم في الصحيح: ١/ ٢٨٧، كتاب الصلاة (٤)، باب صفة الأذان (٣) رقم (٣٧٩). والشافعي في الأم: ١/ ٨٤ كتاب الصلاة، باب حكاية الأذان، وأبو داود في السنن: ١/ ٣٤٣، كتاب الصلاة (٢)، باب كيف الأذان (٢٨)، رقم (٥٠٣)، والنسائي في المجتبى من السنن: ٢/ ٦، كتاب الأذان (٧)، باب كيف =","vol":"7","page":2756},{"text":"وذكر فيه الإقامة مثنى مثنى.\nفيقول الشافعي: بل هي فرادى لما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة (^١) عن أنس بن مالك قال: أمر بلال أن يشفّع الأذان ويوتر الإقامة (^٢).\nوهذا الحديث من حديث خالد كما رأيت وبينه وبين النبي - ﷺ - فيه اثنان، والحديث الذي أورده من حديث عامر الأحول وبينه وبين النبي - ﷺ - فيه ثلاثة وخالد وعامر متعاصران (^٣) روى عنهما شعبة (^٤).\n_________\n= الأذان (٥)، وابن ماجه: ١/ ٢٣٤، كتاب الأذان (٣) باب الترجيح في الأذان (٢)، والدارقطني في السنن: ١/ ٢٣٣، كتاب الصلاة، باب في ذكر أذان أبي محذورة. رقم (١).\n(^١) هو عبد الله بن زيد بن عمرو، أو عامر، الجَرْمي، أبو قلابة البصري، وجرم بطن من الحاف بن قضاعة، قدم الشام وانقطع بداريا، ثقة فاضل، مات بالشام وأدرك خلافة عمر بن عبد العزيز، ثم توفي سنة ١٤٠ هـ. ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: ٤/ ٤٦٨ - ٤٧٥ رقم (١٧٨)، وتقريب التهذيب: ص ٣٠٤ رقم (٣٣٣٣)، وشذرات الذهب: ١/ ١٢٦.\n(^٢) متفق عليه، أخرجه البخاري في الصحيح: ٢/ ٧٧، كتاب الأذان (١٠) باب بدء الأذان (١) رقم (٦٠٣)، ومسلم في الصحيح: ١/ ٢٨٦، كتاب الصلاة (٤)، باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة (٢)، رقم (٣/ ٣٧٨).\n(^٣) في (غ)، (ت): متعارضان. وما أثبته أولى.\n(^٤) شعبة بن الحجاج بن الورد، أبو بسطام الأزدي العتكي، مولاهم الواسطي، ثم البصري، عالم أهل البصرة وشيخها، الحافظ، قال عنه الثوري: أمير المؤمنين في الحديث، ولد سنة ٨٠ هـ، وهو أول من فتش في العراق عن الرجال، توفي سنة ١٦٠ هـ. ينظر ترجمته في: تاريخ بغداد: ٩/ ٢٥٥ - ٢٦٦ رقم (٤٨٣٠)، وسير =","vol":"7","page":2757},{"text":"الثالث: بفقه الراوي (^١) سواء كانت الرواية بالمعنى أم باللفظ ومنهم من قال: إن روى باللفظ فلا يرجح بذلك (^٢).\nوالحقّ (^٣) ما ذكرناه؛ لأنَّ للفقيه مرتبةَ التمييز بين ما يجوز وبين ما لا يجوز، فإذا سمع ما لا يجوز إجراؤه على ظاهره بحث عنه، واطلع على ما يزول به الإشكال بخلاف الجاهل (^٤).\nوحكى علي بن خشرم (^٥). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أعلام النبلاء: ٧/ ٢٠٢ - ٢٢٨ رقم (٨٠)، وتقريب التهذيب: ص ٢٦٦ رقم (٢٧٩٠)\n(^١) ومثل السبكي له في رفع الحاجب اللوحة ٣١٠/ ب بقوله: \"ولذلك رجحنا ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ليس على المسلم في عبده ولا قريبه صدقة\" على حديث غورك السعدي عن جعفر بن محمد عن عائشة عن جابر عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"في كل فرس سائمة دينار\" فإن أبا يوسف رواه عن غورك السعدي وترك العمل به\".\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٢٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٧٩ - ٣٦٨٠، ونهاية السول للإسنوي مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٧٨.\n(^٣) من تصحيحات الشيخ السبكي.\n(^٤) ينظر التعليل لما رجحه: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٥٥٤ - ٥٥٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٨٠، ونهاية السول للإسنوي مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٧٧، والبحر للزركشي: ٦/ ١٥٣.\n(^٥) هو علي بن خشرم بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال الإمام الحافظ الصدوق، أبو الحسن المروزي، ابن أخت بشر الحافي. انتهى له علو الإسناد بما وراء النهر، وبمرو، وهراة. توفي في رمضان سنة ٢٥٧ هـ. ينظر ترجمته في: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي: ٢/ ٥٦، وسير أعلام النبلاء: ١١/ ٥٥٢ - ٥٥٣ رقم (١٦٥)، وتقريب التهذيب: ص ٤٠١ رقم (٤٧٢٩).","vol":"7","page":2758},{"text":"قال: قال لنا وكيع: (^١) أيُّ الإسنادين أحبّ إليكم؟ الأعمش عن أبي وائل (^٢) عن عبد الله، أو سفيان عن منصور (^٣) عن إبراهيم (^٤) عن علقمة عن\n_________\n(^١) هو وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي، أبو سفيان الرُّؤاسيّ الكوفي، الإمام الحافظ، محدّث العراق ولد سنة ١٢٩ هـ، كان من بحور العلم وأئمة الحفظ، توفي سنة ١٩٧ هـ. ينظر ترجمته في: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم الرازي: ١/ ٢١٩ - ٢٣٢، وحلية الأولياء لأبي نعيم: ٨/ ٣٦٨ - ٣٨٠ رقم (٤٣٧)، وسير أعلام النبلاء: ٩/ ١٤٠ - ١٦٨ رقم (٤٨).\n(^٢) هو شقيق بن سَلمة أبو وائل الأسدي أسد خزيمة الكوفيُّ، صاحب ابن مسعود، شيخ الكوفة مخضرم أدرك النبي - ﷺ - وما رآه. قال الأعمش: قال لي إبراهيم النخعي: عليك بشقيق فإني أدركت الناس وهم متوافرون، وإنهم ليعدونه من خيارهم. وقال محمد بن فضيل عن أبيه عن أبي وائل أنه تعلم القرآن في شهرين. وقال عمرو بن مرَّة: من أعلم أهل الكوفة بحديث ابن مسعود؟ قال أبو وائل. توفي سنة ٨٢ هـ ينظر: الإصابة: ٣/ ٢٥ رقم (٣٩٧٧)، وسير أعلام النبلاء: ٤/ ١٦١ رقم (٥٩)، والتقريب: ص ٢٦٨ رقم (٢٨١٦).\n(^٣) منصور بن المعتمر أبو عتاب السُّلمي الكوفي من بني بهثة بن سليم من رهط العباس بن مرداس السلمي، أحد الأعلام الحافظ الثبت القدوة، وذكر سفيان بن عيينة منصورًا، فقال قد كان عمش من البكاء. وقال العجلي: كان منصور أثبت أهل الكوفة، لا يختلف فيه أحد صالح متعبد. مات سنة ١٣٢ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: ٥/ ٤٠٢ رقم (١٨١)، وتقريب التهذيب: ص ٥٤٧ رقم (٦٩٠٨)، وشذرات الذهب: ١/ ١٨٩.\n(^٤) هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، مولاهم المدني الفقيه العالم المحدث أحد الأعلام المشاهير ولد في حدود سنة ١٠٠ هـ حدث عن صالح مولى التوأمة، وابن شهاب ويحيى بن سعيد وخلق كثير، وصنّف الموطأ، حدّث عنه جماعة قليلة منهم الشافعي، والحسن بن عرفة، وإبراهيم بن موسى الفرّاء. توفي ﵀ سنة ١٨٤ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: ٨/ ٤٥٠ - ٥٤٥ رقم (١١٩)، والجرح والتعديل: ٢/ ١٢٥، وتقريب التهذيب: ص ٩٣ رقم (٢٤١).","vol":"7","page":2759},{"text":"عبد الله (^١). فقلنا الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله فقال: يا سبحان الله الأعمش شيخ، وأبو وائل شيخ. وسفيان فقيه ومنصور فقيه، وإبراهيم فقيه وعلقمة فقيه، وحديث يتداوله الفقهاء خير من حديث يتداوله الشيوخ (^٢).\nالرابع: بعلم الراوي بالعربية؛ لأنَّ العالم بها يمكنه التحفظ عن مواقع الزلل فكان الوثوق بروايته أكبر (^٣).\nقال الإمام ويمكن (^٤) أنْ يقال: هو مرجوح؛ لأنَّ العالم بها يعتمد على معرفته، فلا يبالغ في الحفظ، والجاهل بها يكون خائفًا فيبالغ في الحفظ (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) قيل: أصح الأسانيد مطلقًا: سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود. ينظر: فتح المغيث شرح ألفية الحديث للسخاوي: ١/ ٢٣ - ٢٤، قال شيخنا أحمد نور سيف: \"هذا أصح الأسانيد مطلقا بالنسبة للكوفيين\"، وينظر: تدريب الراوي للسيوطي: ١/ ٧٦، والتقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح للعراقي: ص ٢٣.\n(^٢) ينظر: الكفاية للبغدادي: ص ٦١١.\n(^٣) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٨٠.\n(^٤) (التحفظ عن مواقع الزلل فكان الوثوق بروايته أكبر، قال الإمام ويمكن) ساقط (ت).\n(^٥) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٥٥٥، ونهاية الوصول: ٨/ ٣٦٨٠، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٧٨.\n(^٦) فعلى الرأي الأول تكون رواية الأعلم بالعربية راجحة على رواية العالم بها كما مضى في الفقه. وعلى الثاني: روايته مرجوحة بالنسبة إلى رواية العالم بها على قياس رواية الجاهل بها.","vol":"7","page":2760},{"text":"الخامس: الأفضلية لأنَّ الوثوق يقول الأعلم أتمّ، فيقدم رواية الخلفاء الأربعة في رفع اليدين عند الركوع وعند الرفع منه على رواية ابن مسعود (^١).\nوالسادس: حسن اعتقاد الراوي فرواية غير المبتدع (^٢) أولى من رواية المبتدع.\nولقائل أنْ يقول: إذا كانت بدعتُهُ بِذَهَابِه إلى أنّ الكذبَ كفرٌ، أو كبيرة لكان ظنُّ صدقِه أغلبَ (^٣)، ولكن الذي جزَم به الأكثرون ما قلناه (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٥٦١ - ٥٦٢، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٢٢، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٨٩، وجمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ٣٦٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٢٦٨٥.\n(^٢) البدعة: لغة من أبدع الله تعالى الخلق إبداعًا خلقهم لا على مثال وأبدعت الشيء وابتدعته استخرجته وأحدثته ومنه قيل للحالة المخالفة بدعة، وهي اسم من الابتداع كالرفعة من الارتفاع ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدّين أو زيادة، وفلان بدع في هذا الأمر أي هو أول من فعله فيكون اسم الفاعل بمعنى مبتدع. (المصباح المنير: ص ٣٨ مادة \"أبدع\").\nوفي الاصطلاح: هي الفعلة المخالفة للسنة، أو هي الأمر المحدث الذي لم يكن عليه الصحابة والتابعون، ولم يكن مما اقتضاه الدليل الشرعي. (التعريفات للجرجاني: ص ٤٣).\n(^٣) ينظر هذا الاعتراض في النهاية للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٧٨.\n(^٤) ينظر المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٥٥٩، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٢٣، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٨٧، ٤٨٠، ٤٧٥، والإحكام: ٤/ ٣٢٦.","vol":"7","page":2761},{"text":"ومثاله إذا قيل: صوم الدهر سنة كما اختاره الغزالي (^١) لما روى إبراهيم بن أبي يحيى بسنده أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من صام الدهر كله فقد وهب نفسه لله\" (^٢) فيجيب من يقول بأنّه مكروه، كصاحب التهذيب، وغيره بأنه روي أنّ النبي - ﷺ - قال لعبد الله بن عمرو: \"لا صام من صام الدهر، صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر\" (^٣) وبأنه روي أنّه - ﷺ - \"نهى عن صيام الدهر\" (^٤) والحديث الذي أورده الخصم لا يعارض هذين الحديثين؛ لأنَّ إبراهيم بن أبي يحيى وإنْ سلمنا أنَّه ثقة كما قاله الشافعي (^٥) وابن الأصبهاني وابن\n_________\n(^١) قال الغزالي في الوسيط: ٢/ ٥٥٥ \"وفي الجملة صوم الدهر مسنون بشرط الإفطار يوم العيدين\".\n(^٢) بهذا اللفظ لم أقف عليه.\n(^٣) متفق عليه: رواه البخاري في صحيحه، كتاب الصيام (٣٠) باب حق الأهل في الصوم (٥٩)، حديث رقم (١٩٧٧)، ومسلم في صحيحه: ٢/ ٨١٥، ٨١٦ كتاب الصوم (١٣)، باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به (٣٥) حديث رقم (١٨٧/ ١١٥٩) بلفظ الأبد بدل الدهر،\nوينظر التلخيص الحبير: ٢/ ٨٢٤ رقم (٩٣٩، ٩٤٠).\n(^٤) رواه مسلم في صحيحه: في كتاب الصيام (١٣) باب النهي عن صوم الدهر لمن تضرر به (٣٥)، رقم (١٨١).\n(^٥) قال ابن عدي في الكامل: ١/ ٢٢١: \"ثنا يحيى بن زكريا، ثنا ابن حيويه قال: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: كان إبراهيم بن أبي يحيى قدريًا، قلت للربيع: فما حمل الشافعي على أن روى عنه؟ قال: كان يقول: لأن يخر إبراهيم من بعد أحبّ إليه من أن يكذب، وكان ثقة في الحديث\".","vol":"7","page":2762},{"text":"عقدة (^١) وابن عدي إلا أنَّه كان مبتدعًا قال البخاري: كان يرى القدر وكان جهميًا (^٢).\nوالسابع: كون الراوي صاحب الواقعة؛ لأنّه أعرف بالقصّةِ، وبهذا رجَّح الشافعي - ﵁ - خبر أبي رافع (^٣) (^٤) على خبر ابن عباس في تزويجه\n_________\n(^١) هو أحمد بن محمد بن سعيد بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن زياد بن عبد الله بن عجلان مولى عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهَمْداني، وحفيد عجلان، هو عتيق عبد الرحمن بن الأمير عيسى بن موسى الهاشمي، أبو العباس الكوفي الحافظ العلامة أحد أعلام الحديث، ونادرة زمانه وهو المعروف بالحافظ ابن عقدة. وعقدة لقب لأبيه النّحوي البارع محمد بن سعيد، ولقب بذلك لتعقيده في التصريف. ولد أبو العباس في سنة ٢٤٩ هـ بالكوفة وتوفي لسبع خلون من ذي القعدة سنة ٣٤٩ هـ. ينظر: تاريخ بغداد: ٥/ ١٤ - ٢٢، وسير أعلام النبلاء: ١٥/ ٣٤٠ - ٣٥٥ رقم (١٧٨)، وشذرات الذهب: ٢/ ٣٣٢.\n(^٢) قال ابن عدي في الكامل: ١/ ٢٢٠ \"سمعت ابن حماد يقول: قال البخاري: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي مولاهم مدني كان يرى القدر وكان جهميًا تركه ابن المبارك والناس\".\n(^٣) هو أبو رافع مولى رسول الله - ﷺ -، اختلف في اسمه فقيل: أسلم، وقيل: إبراهيم، غلبت عليه كنيته، توفي في خلافة علي بن أبي طالب - ﵁ -. ينظر ترجمته في: الاستيعاب: ١/ ٨٣ - ٨٥ رقم (٣٤)، ٤/ ١٦٥٦ - ١٦٥٧ رقم (٢٩٤٨)، وأسد الغابة: ٦/ ١٠٦ - ١٠٧ رقم (٥٨٦٧)، والإصابة: ٧/ ١٣٤ - ١٣٥ رقم (٩٨٧٥).\n(^٤) وأما خبر أبي رافع فنصه: \"أنّ رسول الله تزوّج ميمونة حلالًا، وبنى عليها حلالًا وكنت الرسول بينهما\". والحديث أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٣٤٨ في كتاب الحج (٢٠) باب نكاح المحرم (٢٢) رقم (٦٩)، والشافعي في المسند: ١/ ٣١٧، في كتاب الحج، الباب الخامس فيما يباح للمحرم وما يحرم. رقم (٨٢٦ - ٨٢٧)، وأحمد في المسند: ١/ ٣٩٢ - ٣٩٣، والدارمي: ١/ ٣٦٩، في كتاب المناسك (٥) باب في =","vol":"7","page":2763},{"text":"ميمونة أنَّه - ﷺ - نكحها وهو محرم (^١)، لأنَّ أبا رافع كان السفيرَ في ذلك (^٢) فكان أعرفَ بالقصّة (^٣) كذا قيل.\nوالحقّ (^٤) أنّ هذا من باب الترجيح يكون أحد الروايين مباشرًا لما رواه، وهو قسم آخر فصَله الآمدي (^٥) وغيره عن هذا (^٦).\nبل مثال هذا قول ميمونة: \"تزوجني رسول الله - ﷺ - ونحن\n_________\n= تزويج المحرم (٢١) رقم (١٨٣٢)، والترمذي في سننه: ٣/ ٢٠٠ في كتاب الحج (٧)، باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم (٢٣) رقم (٨٤)، والنسائي في الكبرى: ٣/ ٢٨٨، في كتاب النكاح (٤٣)، باب ذكر الاختلاف في تزويج ميمونة (٣٨) رقم (٥٤٠٩)، والبيهقي في السنن الكبرى: ٥/ ٦٦ في كتاب الحج، باب المحرم لا ينكح ولا ينكح.\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: ٢/ ٢١٤ كتاب جزاء الصيد (٢٨)، باب تزويج المحرم (١٢)، وفي ٥/ ٨٦ كتاب المغازي (٦٤) باب عمرة القضاء (٤٣). وأخرجه مسلم في صحيحه: ٢/ ١٠٣١ - ١٠٣٢ في كتاب النكاح (١٦) باب تحريم نكاح المحرم (٥) رقم (٤٦ - ٤٧).\n(^٢) ينظر التعليل في المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٥٥٦، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٢٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٨٢.\n(^٣) في (ص)، (ت): القضية.\n(^٤) من ترجيحات الشيخ السبكي.\n(^٥) قال الآمدي في الإحكام: ٤/ ٣٢٦ \"السابع: أن يكون راوي أحد الخبرين مباشرًا لما رواه، والآخر غير مباشر، فرواية المباشر تكون أولى، لكونه أعرف بما روى، وذلك كرواية أبي رافع أن النبي - ﷺ - نكح ميمونة وهو حلال فإنه يرجح على رواية ابن عباس أنه نكحها وهو حرام؛ لأن أبا رافع كان هو السفير بينهما\".\n(^٦) كذا صنيع الزركشي في تشنيف المسامع: ٣/ ٥١٠ - ٥١١.","vol":"7","page":2764},{"text":"حلالان\" (^١) فتقدم على رواية ابن عباس (^٢) وقد خالف في هذا الجرجاني (^٣) من أصحاب أبي حنيفة (^٤).\nالثامن: يكون الراوي جليس المحدثين أو أكثر مجالسةً من الراوي الآخر؛ لأنّه أقرب إلى معرفة ما يعتور الرواية ويداخلها من الخلل (^٥). ويمكن (^٦) أنْ يمثل لهذا برواية عبد الرحمن بن القاسم (^٧) عن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه: ٢/ ١٠٣٢، في كتاب النكاح (١٦) باب تحريم نكاح المحرم (٥) رقم (٤٨).\n(^٢) السابق تخريجها.\n(^٣) هو يوسف بن علي بن محمد الجرجاني أبو عبد الله كان عالمًا بفقه أبي حنيفة وأصحابه، ومن تصانيفه: خزانة الأكمل في ست مجلدات. ينظر ترجمته في: تاج التراجم: ص ٨٢، والفوائد البهية: ص ٢٣١، والجواهر المضية: ٣/ ٦٣٠ رقم (١٨٤٨)، والطبقات السنية: رقم (٢٧٤٤).\n(^٤) ينظر: البحر المحيط للزركشي: ٦/ ١٥٤.\n(^٥) ينظر المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٥٥٧، ونهاية الوصول للهندي: ٨/ ٣٦٨٢ - ٣٦٨٣، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٨٠.\n(^٦) في (غ): يكون.\n(^٧) هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن خليفة رسول الله - ﷺ -، أبي بكر الصديق - ﵁ -، الإمام المثبت الفقيه، أبو محمد القرشي التّيمي، البكري، المدني. سمع من أبيه ومحمد بن جعفر بن الزبير وطائفة سواهم، وحدّث عنه شعبة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ومالك وسفيان بن عيينة وآخرون. وهو خال جعفر بن محمد الصادق. قال عنه ابن عيينة: كان أفضل زمانه. طلبه الخليفة الوليد بن يزيد إلى الشام في جماعة ليستفتيهم، فأدركه الأجل بحوران في ١٢٦ هـ وهو في عشر السبعين. ينظر ترجمته في: الجرح والتعديل: ٥/ ٢٧٨، وسير أعلام النبلاء: ٦/ ٥ رقم (١)، وتقريب التهذيب: ص ٣٤٨ رقم (٣٩٨١).","vol":"7","page":2765},{"text":"أبيه (^١) عن عائشة أنّ زوج (^٢) بريرة (^٣) كان عبدًا (^٤).\n_________\n(^١) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق - ﵁ -، أبو محمد وأبو عبد الرحمن القرشيّ التيمي البكري المدني الإمام القدوة الحافظ الحجة، أحد فقهاء المدينة ولد في خلافة الإمام علي، رُبِيَّ القاسم في حجر عمته أمّ المؤمنين عائشة ﵂ وتفقه منها وأكثر عنها. حدّث عنه ابنه عبد الرحمن، والشعبي ونافع، وسالم بن عبد الله وغيرهم كثير. توفي سنة ١٠٦ هـ ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: ٥/ ٥٣ - ٦٠ رقم (١٨)، وتقريب التهذيب: ص ٤٥١ رقم (٥٤٨٩)، طبقات الفقهاء للشيرازي: ص ٥٣، وشذرات الذهب: ١/ ١٣٥.\n(^٢) زوج بريرة كما جاء في صحيح البخاري، كتاب الطلاق، باب شفاعة النبي - ﷺ - في زوج بريرة عن ابن عباس - ﵁ - \"أنّ زوج بريرة كان عبدًا يقال له مغيث، كأنِّي انظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته؛ فقال النبي - ﷺ - لعباس: يا عباس ألا تعجب من حبِّ مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثًا. فقال النبي - ﷺ - لو راجعته. قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أتشفع، قالت: لا حاجة لي به\". فتح الباري شرح صحيح البخاري: ٩/ ٥١٠ - ٥١١ كتاب الطلاق (٦٨)، باب شفاعة النبي - ﷺ - في زوج بريرة (١٦). رقم (٥٢٨٣). وفي سنن الترمذي: من طريق سعيد بن أبي عروبة عن أيوب \"كان عبدًا أسود لبني المغيرة\". وفي سنن أبي داود: بسند فيه ابن إسحاق \"وهي عند مغيث عبد لآل أبي أحمد\".\n(^٣) بريرة مولاة عائشة ﵂ قيل كانت مولاة لقوم من الأنصار، وقيل لآل عتبة. ينظر ترجمتها في: الاستيعاب: ٤/ ١٧٩٥، وأسد الغابة: ٧/ ٣٩، والإصابة: ٨/ ٢٩ رقم (١٧٧).\n(^٤) ذكر ابن حجر في الفتح كلاما طويلًا حول زوج بريرة هل كان حرًّا أم كان عبدًا عند الإعتاق؟ نذكره على طوله للفائدة وتحقيقًا للمسألة. قال ابن حجر ﵀ في فتح الباري ٩/ ٥١٣ - ٥١٤ \". . . قال الأسود وكان زوجها حرًّا. قال البخاري: قول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: \"رأيته عبدًا\" أصح. وقال في الذي قبله في قول الحكم نحو ذلك، وقد أورد البخاري عقب رواية عبد الله بن رجاء هذه عن =","vol":"7","page":2766},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= آدم عن شعبة ولم يسق لفظه لكن قال: وزاد فخيرت زوجها\"، وقد أورده في الزكاة عن آدم بهذا الإسناد، فلم يذكر هذه الزيادة، وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر عن آدم شيخ البخاري فيه فجعل الزيادة من قول إبراهيم ولفظه في آخره قال الحكم: قال إبراهيم: وكان زوجها حرًّا فخيرت زوجها، فظهر أن هذه الزيادة مدرجة، وحذفها في الزكاة لذلك، وإنما أوردها هنا مشيرًا إلى أن أصل التخيير في قصة بريرة ثابت من طريق أخرى، وقد قال الدارقطني في العلل: لم يختلف على عروة عن عائشة أنه كان عبدًا، وكذا قال جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن عائشة، وأبو الأسود وأسامة بن زيد عن القاسم. قلت: وقع لبعض الرواة فيه غلط، فأخرج قاسم بن أصبغ في مصنفه وابن حزم من طريقه قال: أنبأنا أحمد بن يزيد المعلم حدثنا موسى بن معاوية عن جرير عن هشام عن أبيه عن عائشة: \"كان زوج بريرة حرًّا\" وهذا وهم من موسى أو من أحمد، فإن الحفاظ من أصحاب هشام ومن أصحاب جرير قالوا: كان عبدًا، منهم إسحق بن راهوية وحديثه عند النسائي، وعثمان بن أبي شيبة وحديثه عند أبي داود، وعلي بن حجر وحديثه عند الترمذي، وأصله عند مسلم وأحال به على رواية أبي أسامة عن هشام، وفيه كان عبدًا. قال الدارقطني: وكذا قال أبو معاية عن هشام بن عروة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه. قلت: ورواه شعبة عن عبد الرحمن فقال كان حرًا، ثم رجع عبد الرحمن فقال: ما أدري، وقد تقدم في العتق. قال الدارقطني: وقال عمران بن حدير عن عكرمة عن عائشة كان حرًا وهو وهم، قلت: في شيئين في قوله: حر، وفي قوله عائشة، وإنما هو رواية عكرمة عن ابن عباس، ولم يختلف على ابن عباس في أنه كان عبدًا، وكذا جزم به الترمذي عن ابن عمر وحديثه عند الشافعي والدارقطني وغيرهما، وكذا أخرجه النسائي من حديث صفية بنت أبي عبيد. قالت: \"كان زوج بريرة عبدًا\" وسنده صحيح. وقال النووي: يؤيد قول من قال: إنه كان عبدًا قول عائشة: كان عبدًا، ولو كان حرًا لم يخيرها، فأخبرت وهي صاحبة القصة بأنه كان عبدًا، ثم عللت بقولها: ولو كان حرًا لم يخيرها. ومثل هذا لا يكاد أحد يقوله إلا توقيفًا، وتعقب بأن هذه الزيادة في رواية جرير عن هشام بن عروة في آخر الحديث، وهي =","vol":"7","page":2767},{"text":"وهكذا رواه هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.\nوروى الأسود بن يزيد (^١) عن عائشة: \"أنّ زوج بريرة كان حرًّا\" (^٢).\n_________\n= مدرجة من قول عروة، بين ذلك في رواية مالك وأبي داود والنسائي. نعم وقع في رواية أسامة بن يزيد عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قال: \"كانت بريرة مكاتبة لأناس من الأنصار، وكانت تحت عبد\". الحديث أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي، وأسامة فيه مقال، وأما دعوى أن ذلك لا يقال إلا بتوقيف فمردودة فإن للاجتهاد فيه مجال، وقد تقدم قريبًا توجيهه من حيث النظر أيضًا، قال الدارقطني: وقال إبراهيم عن الأسود عن عائشة: كان حرًا. قلت: وأصرح ما رأته في ذلك رواية أبي معاوية حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: \"كان زوج بريرة حرًا\". الحديث أخرجه أحمد عنه، وأخرج ابن أبي شيبة عن إدريس عن الأعمش بهذا السند عن عائشة قالت: كان زوج بريرة حرًا. ومن وجه آخر عن النخعي عن الأسود أن عائشة حدثته: \"أن زوج بريرة كان حرًا حين أعتقت\". فدلت الروايات المنفصلة التي قدمتها آنفًا على أنه مدرج من قول الأسود أو من دونه فيكون من أمثلة ما أدرج في أول الخبر، وهو نادر، فإن الأكثر أن يكون في آخره ودونه أن يقع في وسطه. وعلى تقدير أن يكون موصولًا فترجح رواية من قال كان عبدًا بالكثرة، وأيضًا أن المرء أعرف بحديثه، فإن القاسم ابن أخي عائشة وعروة ابن أختها. وتابعها غيرهما فروايتهما أولى من رواية الأسود فإنهما أقعد بعائشة، وأعلم بحديثها والله أعلم\".\n(^١) هو أبو عمرو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي، الإمام القدوة، كان مخضرمًا أدرك الجاهلية والإِسلام ولم ير النبي - ﷺ -، كان رأسًا في العلم والعمل، وهو معدود من كبار التابعين، ومن أعيان ابن مسعود، ومن كبار أهل الكوفة، توفي سنة ٧٥ هـ. ينظر ترجمتها في: الاستيعاب: ١/ ٩٢، وأسد الغابة: ١/ ٨٨، والإصابة: ١/ ١٠٨ - ١٠٩ رقم (٤٥٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه: أخرجه أحمد في المسند: ٦/ ٤٢، ١٧٠، =","vol":"7","page":2768},{"text":"فحديث عروة والقاسم عن خالتهما أولى؛ لمجالستهما لها وسماعهما منها الحديث شفاهًا داخل الستر.\nالتاسع: بكون الراوي مختبرًا، فيرجح المعدل بالممارسة والاختبار على من عرفت عدالته بالتزكية أو برواية من لا يروي عن غير العدل؛ لأنَّ الخبر أضعف من المعاينة (^١).\nالعاشر: يكون الراوي معدلا بالعمل على روايته، أي يكون ثبوت عدالته بعمل من روى عنه، فيرجح على الذي يكون راويه معدلا بغير ذلك (^٢).\nوقد أتى صاحب الكتاب بقوله: \"ثم معدلًا\" ليفهم أنّ التعديل بالاختبار مقدّم على هذا الضرب.\nفالمراتب ثلاثة التعديل بالاختبار ثمّ بالعمل ثم بغير ذلك.\nولقائل أنْ يقول: إنْ أردتم بغير ذلك صريحَ القول في التزكية فلا نسلم أنّ التعديل بالعمل أرجح منها كيف وقد اختلف في كونها تعديلًا.\nقد جزم بهذا الآمدي وغيره وقالوا: يرجح صريح المقال في التزكية على العمل بروايته والحكم بشهادته (^٣).\n_________\n= ١٨٦، ١٧٥، والدارمي في سننه: ٢/ ١٦٩، كتاب، وأبو داود في سننه، وابن ماجه في سننه، والنسائي في سننه، والبيهقي في سننه الكبرى: ٧/ ٢٢٣.\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٥٨، نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٧٨، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٨٦، وشرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٧٩٨.\n(^٢) ينظر: المصادر نفسها.\n(^٣) ينظر: الأحكام للآمدي: ٤/ ٣٢٩، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٧٨.","vol":"7","page":2769},{"text":"الحادي عشر: كثرة المزكين للراوي (^١) وقد سبق ما يناظره.\nومن أمثلته حديث بسرة بنت صفوان. (^٢) في مسّ الذكر (^٣) مع ما يعارضه من حديث (^٤). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٥٨، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٧٨، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٢٩.\n(^٢) هي بسرة بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية بنت أخي ورقة بن نوفل صحابية لها سابقة وهجرة، عاشت إلى خلافة معاوية.\nينظر ترجمتها في: الإصابة: ٨/ ٣٠ رقم (١٨٠).\n(^٣) حديث بسرة: \"إذا مس أحدُكم ذَكرَه فليتوضأ\" أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٤٢، كتاب الطهارة (٢)، باب الوضوء من مسّ الفرج (١٥) رقم (٥٨)، والشافعي في الأم: ١/ ١٩ كتاب الطهارة، باب الوضوء من مسّ الذكر، وأحمد في المسند: ٦/ ٤٠٦ - ٤٠٧، والدارمي في السنن: ١/ ١٨٤ - ١٨٥، كتاب الوضوء، باب الوضوء من مسّ الذكر، وأبو داود في السنن: ١/ ١٢٦ كتاب الطهارة (١)، باب الوضوء من مسّ الذكر (٧٠)، رقم (١٨١)، والترمذي في السنن: ١/ ١٢٦، كتاب الطهارة (١)، باب الوضوء من مسّ الذكر (٦٢) رقم (٨٢). وقال: (هذا حديث حسن صحيح)، والنسائي في المجتبى من السنن: ١/ ١٠٠ كتاب الطهارة (١)، باب الوضوء من مسّ الذكر (١١٨)، وابن ماجه في السنن: ١/ ١٦١، كتاب الطهارة (١)، باب الوضوء من مسّ الذكر (٦٣) رقم (٤٧٩).\n(^٤) حديث طلق: \"أنّ النّبي - ﷺ - سئل عنه فقال: هل هو إلَّا بضعةٌ منك\" أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٢٢، ٢٣، وأبو داود في السنن، كتاب الطهارة (١)، باب الرخصة في الوضوء من مسّ الذكر (٧٠) رقم (١٨٢)، والترمذي في السنن: ١/ ١٣١ كتاب الطهارة (١)، باب ترك الوضوء من مسّ الذكر (٦٢) وقال: (وهذا الحديث أحسن شيء روي في هذا الباب)، والنسائي في المجتبى من السنن: ١/ ١٠١ كتاب الطهارة (١)، باب ترك الوضوء من مسّ الذكر (١١٩)، وابن ماجه في السنن: ١/ ١٦٣، كتاب الطهارة (١)، باب الرخصة في الوضوء من مسّ الذكر (٦٤) رقم (٤٨٣).","vol":"7","page":2770},{"text":"طلق (^١) فحديث بسرة رواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عروة بن الزبير، وليس فيهم إلّا من هو متفق على عدالته، وأمّا رواة حديث طلق فقد قلّ مزكوهم بل اختلف في عدالتهم فالمصير إلى حديث بسرة أولى.\nالثاني عشر: كثرة بحث المزكين عن أحوال الناس لزيادة الثقة بقولهم حينئذ (^٢)\nالثالث عشر: كثرة علمهم؛ لأنَّ كثرة العلم تؤدي إلى الصواب (^٣).\nالرابع عشر: حفظ الراوي (^٤)، وقد أطلقه في الكتاب، وهو يحتمل أمرين كلاهما حق معتبر:\nأحدهما: أنْ يكون قد حفظ لفظ الحديث، واعتمد الآخر على المكتوب فالحافظ أولى؛ لما لعلّه يعتور الخطّ من نقص وتغيير.\nقال الإمام وفيه احتمال (^٥).\n_________\n(^١) هو طلق بن علي بن طلق بن عمرو بن عبد العزى بن سحيم مشهور له صحبة ووفادة ورواية.\nينظر ترجمته في: الإصابة: ٣/ ٢٩٤ رقم (٤٢٧٦).\n(^٢) ينظر: شرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٧٩٨، نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٧٨.\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٥٨.\n(^٤) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٦٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٨٣ - ٣٦٨٤.\n(^٥) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٦٠.","vol":"7","page":2771},{"text":"قلت: وهو احتمال بعيد (^١).\nوقد ذهب بعض العلماء إلى أنَّه لا يحتج برواية من يعول على كتابه (^٢).\nقال أشهب (^٣): سئل مالك أيؤخذ ممن لا يحفظ وهو ثقة صحيح الحديث أتؤخذ عنه (^٤) الأحاديث؟ . فقال لا يؤخذ منه، أخاف أنْ يزاد في كتبه بالليل (^٥).\nوعن هشيم (^٦) من لم يحفظ الحديث فليس هو أولى (^٧) من أصحاب\n_________\n(^١) من المواطن التي يرد فيها كلام الإمام.\n(^٢) ينظر: التقييد والإيضاح: ص ١٧١، ٢٢٣.\n(^٣) هو أشهب بن عبد العزيز بن داود بن إبراهيم، أبو عمرو القيسيّ العامريّ المصري، الفقيه، مفتي مصر، وقيل اسمه مسكين، وأشهب لقب له، ولد سنة ١٤٠ هـ، تفقه بمالك، له كتاب الاختلاف في القسامة، وله كتاب يعرف أيضًا بالمدونة غير المدونة المعروفة لمالك برواية سحنون، توفي سنة ٢٠٤ هـ. ينظر: ترجمته في: ترتيب المدارك لعياض: ٣/ ٢٦٢ - ٢٧١، وسير أعلام النبلاء: ٩/ ٥٠٠ - ٥٠٣ رقم (١٩٠)، = = والديباج المذهب: ١/ ٣٠٧ - ٣٠٨ رقم (٣).\n(^٤) في (ص): كذا عنه.\n(^٥) ينظر: فتح المغيث للسخاوي على ألفية العراقي: ٣/ ١٢٥.\n(^٦) هو هشيم بن بشير بن أبي خازم، قاسم بن دينار، أبو معاوية السلمي، مولاهم الواسطي، محدث بغداد وحافظها، ولد سنة ١٠٤ هـ، حدث عن شعبة وسفيان وحدّثا عنه، وهو ثقة ثبت إلا أنَّه كثير التدليس والإرسال الخفي، توفي سنة ١٨٣ هـ. ينظر ترجمته في: الجرح والتعديل: ٩/ ١١٥ - ١١٦ رقم (٤٨٦)، وتاريخ بغداد: ١٤/ ٨٥ - ٩٤ رقم (٧٤٣٦)، وسير أعلام النبلاء: ٨/ ٢٨٧ - ٢٩٤ رقم (٧٦).\n(^٧) (أولى) ليس في (ت).","vol":"7","page":2772},{"text":"الحديث يجيء أحدهم بكتاب كأنّه سجل مكاتب (^١).\nوثانيهما: أنْ يكون أحدُهما أكثرَ حفظًا، فإنّ روايته راجحة على من كان نسيانه أكثر وسيأتي على الأثر.\nمثال هذا في حديثي شعبة وإسماعيل بن عياش (^٢) فإنَّ (^٣) شعبة: أحفظ منه بلا ريب.\nومن أمثلته أيضًا احتجاجنا (^٤) على أنّ المسْح يتأقت بيوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر بحديث عاصم (^٥) عن زِرِّ\n_________\n(^١) ينظر: فتح المغيث للسخاوي على ألفية العراقي: ٣/ ١٢٦، والكفاية للخطيب: ص ٢٢٨.\n(^٢) هو إسماعيل بن عياش بن سُلَيم، أبو عتبة، الحافظ محدِّث الشام الحمصي العنْسي، مولاهم. ولد سنة ١٠٨ هـ كان من بحور العلم توفي ﵀ سنة ١٨١ هـ. ينظر ترجمته في: تاريخ بغداد: ٦/ ٢٢١ رقم (٣٢٧٦)، سير أعلام النبلاء: ٨/ ٣١٢ - ٣٢٨ رقم (٨٣)، وتقريب التهذيب: ص ١٠٩ رقم (٤٧٣).\n(^٣) في جميع النسخ: قال، ما عدا (غ). والذي أثبته أدعى للسياق.\n(^٤) في (ص): اجتجاجًا، وما أثبته أليق بالسياق.\n(^٥) عاصم بن أبي النجود أبو بكر الأسدي مولاهم الكوفي واسم أبيه بهدلة، إمام كبير مقرئ العصر، قرأ القرآن على أبي عبد الرحمن السّلمي، وزرّ بن حبيش الأسدي، وحدّث عنها. وعنه أخذ عطاء بن أبي رباح، وأبو صالح السمان وهما من شيوخه، وشعبة والثوري، وحماد بن سلمة وغيرهم. كان ذا أدب ونسك وفصاحة وصوت حسن. وهو معدود من التابعين توفى ﵀ ١٢٧ هـ. ينظر ترجمته في: معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار للذهبي: ١/ ٨٩ رقم (٣٥)، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ٢٥٦ رقم (١١٩)، وتقريب التهذيب: ص ٢٨٥ رقم (٢٠٥٤).","vol":"7","page":2773},{"text":"ابنِ حُبَيْش (^١) قال أتيت صفوان بن عسّال (^٢) فسألته عن المسح على الخفين فقال: \"كنّا نكون مع رسول الله - ﷺ - فيأمرنا أنْ لا ننزع خِفافنا ثلاثة أيام إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم\" (^٣).\n_________\n(^١) هو زِرُّ بنُ حُبَيْش بن حباشة بن أوس أبو مريم الأسدي الكوفي، ويكنى أبا مطرف، الإمام القدوة مقرئ الكوفة أدرك أيام الجاهلية. وحدّث عن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب، وعثمان، وعلي، والعباس - ﵃ - وغيرهم. تصدر للإقراء وقرأ على عاصم بن أبي النجود. توفي ﵀ وهو ابن اثنتين وعشرين ومائة سنة ٨١ هـ. ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: ٤/ ١٦٦ - ١٧٠ رقم (٦٠)، وتقريب التهذيب: ص ٢١٥ رقم (٢٠٠٨).\n(^٢) صفوان بن عسال المرادي من بني زاهر بن عامر له صحبة سكن الكوفة روى عن النبي - ﷺ - أحاديث روى عنه زر بن حبيش وعبد الله بن سلمة وغيرهما وذكر أنه غزا مع رسول الله - ﷺ - اثنتي عشرة غزوة. ينظر ترجمته في: الإصابة: ٣/ ٢٤٨ رقم (٤٠٧٥).\n(^٣) رواه الشافعي فى الأم: ١/ ٣٤، ٣٥، وأحمد في المسند: ٤/ ٢٣٩، والترمذي: ١/ ١٥٨، في كتاب الطهارة (١)، باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم (٧١) رقم (٥٩)، وقال حديث حسن صحيح. وقال: هو أكثر قول العلماء من أصحاب النبي - ﷺ - والتابعين ومن بعدهم من الفقهاء مثل سفيان الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد وإسحاق قالوا: يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن. وقال: وقد روى عن بعض أهل العلم: أنهم لم يوقتوا في المسح على الخفين، وهو قول مالك بن أنس. وقال: والتوقيت أصح. ورواه الترمذي: ٥/ ٥٠٩، في كتاب الدعوات (٤٩)، باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله لعباده (٩٩) رقم (٣٥٣٥) وقال حديث حسن صحيح، ورواه النسائي: ١/ ٨٣ - ٨٤ في كتاب الطهارة (١)، باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر (٩٨) رقم (١٢٦ - ١٢٧)، ورواه ابن ماجه: ١/ ١٦١، في كتاب الطهارة (١) باب =","vol":"7","page":2774},{"text":"فإنّ للخصم في المسألة وهو مالك ﵀ أنْ يقول: قد تُكُلِّمَ في حفظ عاصم بن أبي النجود. قال العقيلي: لم يكن فيه إلا سوء الحفظ (^١)، وقال الدارقطني: في حفظه شيء (^٢). فليرجح عليه حديث أنس أنّ النبي - ﷺ - قال: \"إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما وليصل فيهما ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة\" (^٣).\nالخامسَ عشرَ: زيادة ضبط الراوي (^٤) وشدّة اعتنائه؛ فليرجح من كان أشدّ اعتناء به وأكثر اهتمامًا، ولو كان ذلك الضبط لألفاظ الرسول - ﷺ - بأنْ يكونَ أكثرَ حرصًا على مراعاة كلامِه وحروفِه؛\n_________\n= الوضوء من النوم (٦٢، رقم (٤٧٨)، ورواه البيهقي: ١/ ٢٧٦، ١١٤، ١١٨، وابن خزيمة: ١/ ٩٨، ٩٩، والدارقطني: ١/ ١٩٦، ١٩٧. ولمزيد من الفائدة في تخريج الحديث ينظر: التلخيص الحبير: ١/ ٢٤٦ - ٢٤٧. والهداية في تخريج أحاديث البداية للغماري: ١/ ٢١٣ - ٢٣٦.\n(^١) ينظر الضعفاء للعقيلي: ٣/ ٣٣٦ رقم الترجمة: ١٣٥٨.\n(^٢) قال الذهبي في معرفة القراء ص ٩٣: \"وثقه أبو زرعة وجماعة، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وقال الدارقطني: في حفظه شيء\" وقال الذهبي في السير: ٥/ ٢٦٠ \"وقال النسائي: عاصم ليس بحافظ\".\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك: ١/ ٢٩٠ رقم ٦٤٣، وقال هذا إسناد صحيح على شرط مسلم، والدارقطني في السنن: ١/ ٢٠٣، رقم (١، ٢) والبيهقي في سننه الكبرى: ١/ ٢٧٩، رقم (١٢٤٢، ١٢٤٣). وينظر أيضًا: المنتقى للباجي: ١/ ٧٨ - ٧٩، والقبس في شرح موطأ مالك بن أنس لابن العربي: ١/ ١٥٨ - ١٦١.\n(^٤) قال الإسنوي في نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩ \"والضبط هو شدّة الاعتناء بالحديث والاهتمام بأمره\".","vol":"7","page":2775},{"text":"لأنّه حينئذ يكون أقربَ إلى الروايةِ باللفظِ، وقد تقدّم أنّها راجحة على الرواية بالمعنى (^١).\nومن أمثلته (^٢) احتجاجنا على أنّ الدمَ الخارجَ من غيرِ السبيلين لا ينقضُ الوضوءَ. مما رواه شعبة عن سهيل بن أبي صالح (^٣) عن أبيه (^٤) عن أبي هريرة - ﵁ - أنّ النبي - ﷺ - قال: \"لا وضوء إلا من صوت أو\n_________\n(^١) ينظر: نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩، وشرح العبري: ص ٦٢٨، السراج الوهاج للجاربردي: ٢/ ١٠٤٤، ومعراج المنهاج للجزري: ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٢٦٨٤.\n(^٢) ومثل له السبكي في رفع الحاجب: اللوحة ٣٠٩/ أ - ٣١٠ ب بقوله: \"ولذلك رجح أصحابنا رواية مالك وسفيان عن أبي حازم عن سهل بن سعد أن النبي - ﷺ - قال للرجل: \"زوجتكها بما معك من القرآن\" على ما رواه عبد العزيز بن أبي حازم وزائدة عن أبي حازم عن سهل أن النبي - ﷺ - قال له: \"ملكتها بما معك من القرآن\"، لأنّ مالكًا وسفيان أعلم منهما وأوثق وأضبط\".\n(^٣) هو سهيل بن أبي صالح أبو يزيد المدني مولى جويرية بنت الأحمس الغطفانية، حدث عن أبيه أبي صالح ذكوان السمان وغيره، وحدث عنه الأعمش، وربيعة، وهم من التابعين. وكان من كبار الحفاظ لكنه مرض مرضة غيّرت من حفظه. توفي ﵀ في خلافة المنصور. ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: ٧/ ٤٥٨ - ٤٦٢ رقم (٢٠٥)، وتقريب التهذيب: ص ٢٥٩ رقم (٢٦٧٥)، شذرات الذهب: ١/ ٢٠٨.\n(^٤) هو ذكوان بن عبد الله أبو صالح السمان مولى أم المؤمنين جويرية الغطفانية، القدوة الحافظ الحجة، كان من كبار علماء المدينة، وكان يجلب الزيت والسمن إلى الكوفة، ولد في خلافة عمر، وشهد يوم الدار وحصر عثمان، سمع من عائشة وأبي هريرة، وابن عباس، حدّث عنه ابنه سهيل، والأعمش والزهري وخلق سواهم. توفي سنة ١٠١ هـ. ينظر ترجمته في: طبقات ابن سعد: ٥/ ٣٠١، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ٣٦ - ٣٧ رقم (١٠)، وتقريب التهذيب: ص ٢٠٣ رقم (١٨٤١).","vol":"7","page":2776},{"text":"ريح\" (^١) فإن عارضه الخصم بما روى إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة (^٢) عن عائشة مرفوعًا: \"من قاء أو رعف فأحدث في صلاته فليذهب فليتوضأ ثم ليَبْنِ على صلاته\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه أحمد في مسنده: ١/ ٤٧١، ورواه الترمذي في سننه: ١/ ١٠٩، كتاب الطهارة (١)، باب ما جاء في الوضوء من الريح (٥٦) رقم (٧٤). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه: ١/ ١٧٢، في كتاب الطهارة (١) باب لا وضوء إلا من حدث (٧٤) رقم (٥١٥) ورواه البيهقي في السنن الكبرى: ١/ ٨٨، ٣٣٨، ورواه ابن خزيمة في صحيحه: ١/ ١٨ كتاب الوضوء باب ذكر خبر روي مختصرا. . . (٢١) رقم (٢٧)، وينظر التلخيص: ١/ ١٧٧ لمزيد من الفائدة.\n(^٢) هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة بالتصغير زهير بن عبد الله بن جُدعان الإمام الحجة الحافظ أبو بكر وأبو محمد القرشي ولد في خلافة علي، حدّث عن عائشة وأختها أسماء وابن عباس وغيرهم كثير، وكان عالما ومفتيا صاحب حديث وإتقان توفي سنة ١١٧ هـ. ينظر ترجمته في: طبقات ابن سعد: ٥/ ٤٧٣، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ٨٨ رقم (٣٠)، وشذرات الذهب: ١/ ١٥٣.\n(^٣) وتتمة الحديث \". . . ما لم يتكلم\" أخرج الحديث ابن ماجه: ١/ ٣٨٥ - ٣٨٦ في كتاب الإقامة (٥)، باب ما جاء في البناء على الصلاة (١٣٧) رقم (١٢٢١)، والدارقطني: ١/ ١٥٣. قال ابن حجر في التلخيص الحبير: \"وأعله [أي الحديث] غير واحد بأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج، ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب ابن جريج فرووه عنه عن أبيه عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وصحح هذه الطريقة المرسلة محمد بن يحيى الذهلي، والدارقطني في العلل وأبو حاتم، وقال: رواية إسماعيل خطأ، وقال ابن معين: حديث ضعيف، وقال ابن عدي: هكذا رواه إسماعيل مرّة، وقال مرّة عن ابن جريج عن أبيه عن عائشة، وكلاهما ضعيف، وقال أحمد: الصواب عن ابن جريج عن أبيه عن النبي - ﷺ - مرسلًا، ورواه الدارقطني من حديث إسماعيل بن عياش أيضًا عن عطاء بن =","vol":"7","page":2777},{"text":"قلنا: ليس إسماعيل كشعبة في الضبط. كيف لا؟ وشعبة أمير المؤمنين في الحديث وابن عياش خلط على المدنيين.\nالسادس عشر: بدوام عقل الراوي؛ فيرجح رواية دائم العقل على من اختلط آونة من عمره ولم يعرف أنَّه روى الخبر حالة سلامة العقل أو حال اختلاطه (^١).\nالسابع عشر: شهرة الراوي بالعدالة والثقة؛ فيرجح رواية المشهور على الخامل؛ لأنَّ الدّين كما يمنع من الكذب كذلك الشهرة والمنصب (^٢).\nومن أمثلته في مسألة القهقهة من أحاديثنا رواية شعبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"لا وضوء إلا من\n_________\n= عجلان وعباد بن كثير عن ابن أبي مليكة عن عائشة، وقال بعده: عطاء وعباد ضعيفان، وقال البيهقي: الصواب إرساله، وقد رفعه سليمان بن أرقم عن ابن أبي مليكة، وهو متروك\".\n(^١) لكن المصنف أطلقه تبعا لصاحب الحاصل والتحصيل دونما تقييد إلا أن الإمام قيده وكذا شارحنا بقيد عدم معرفة أنه روى الخبر حالة سلامة العقل أو حال اختلاطه. ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٦٠، والحاصل: ٢/ ٩٧٨، والتحصيل: ٢/ ٢٦٤، وشرح العبري على المنهاج: ص ٦٢٩، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٨٥، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٨٩، ومعراج المنهاج للجزري: ٢/ ٢٦٤، والسراج الوهاج للجاربردي: ٢/ ٢٠٤٤.\n(^٢) كأن يكون الراوي من كبار الصحابة كالخلفاء الأربعة؛ لأن دينه كما يمنعه من الكذب، فكذا منصبه العالي يمنعه عنه، ولذلك كان علي - ﵁ - يحلف الرواة، وكان يقبل رواية الصديق من غير تحليف أفاده صاحب نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٨٥.","vol":"7","page":2778},{"text":"صوت أو ريح\" (^١).\nفلا يعارضه الخصم برواية بقية (^٢) عن محمد الخزاعي (^٣) عن الحسن عن عمران بن حصين أنّ النبي - ﷺ - قال لرجل ضحك: \"أعد وضوءك\" (^٤) فإنّ محمدًا الخزاعي ليس مشهورًا بل هو من مجهولي مشايخ بقية (^٥).\n_________\n(^١) سبق تخريجه قريبًا.\n(^٢) بقية بن الوليد بن صائد بن كعب أبو يحمد الحميري، الكلاعي الحافظ العالم، محدث حمص أحد المشاهير الأعلام ولد سنة ١١٠ هـ روى عن كثيرين وروى عنه الكثيرون، كان من أوعية العلم، لكنه كدَّر ذلك بالإكثار عن الضعفاء والعوام، والحمل عمّن دبَّ ودرج. قال أبو حاتم الرازي: سألت أبا مسهر عن حديث بقية فقال: احذر أحاديث بقية وكن منها على تقيَّة فإنها غير نقية. مات بقية سنة ١٩٧ هـ بعد سبع وثمانين سنة. ﵀. ينظر: الكامل في الضعفاء لابن عدي: ٢/ ٥٠٤ - ٥١٢، وسير أعلام النبلاء: ٨/ ٥١٨ - ٥٣٤ رقم (١٣٩)، تقريب التهذيب: ص ١٢٦ رقم (٧٣٤).\n(^٣) هو محمد الخزاعي. ينظر: ضعفاء العقيلي: ٤/ ٨٢ رقم (١٦٣٧)، ولسان الميزان: ٥/ ١٨٢.\n(^٤) الحديث أخرجه الدارقطني: عن إسماعيل بن عياش عن عمر بن قيس عن عمرو بن عبيد عن الحسن عن عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من ضحك في الصلاة قرقرة فليعد الوضوء والصلاة\" ١/ ١٦٥، باب أحاديث القهقهة في الصلاة وعللها. رقم (١٢). ولابن عدى طريق آخر أخرجه عن بقية عن محمد الخزاعي عن الحسن عن عمران بن حصين: أن النبي - ﷺ - قال لرجل ضحك في الصلاة \"أعد وضوءك\". ينظر: الكامل الضعفاء لابن عدى: ٣/ ١٠٢٦ - ١٠٢٧، وينظر: نصب الراية: ١/ ٤٩.\n(^٥) قاله ابن عدي في الكامل: ٣/ ١٠٢٧ \"ومحمد الخزاعي هذا هو من مجهولي مشايخ بقية\".","vol":"7","page":2779},{"text":"والخصم وإن احتج به على قاعدته في العمل بخبر المجهول (^١)، لكن لا ينكر أنّه غير مشهور وأنّ شعبة من الأئمة المشهورين العظماء.\nالثامن عشر: بشهرة نسبه فإنّ من ليس بمشهور النسب قد يشاركه ضعيف في الاسم (^٢).\nالتاسع عشر: بعدم التباس اسمه (^٣) فيرجح رواية من لا يلتبس اسمه\n_________\n(^١) قال السخاوي في فتح المغيث شرح ألفية الحديث: ٢/ ٤٤ - ٤٥ \"ونحوه قول ابن المواق لا خلاف أعلمه بين أئمة الحديث في ردّ المجهول الذي لم يرو عنه إلا واحد، وإنما يحكى الخلاف عن الحنفية. . . وقد قبل أهل هذا القسم مطلقًا من العلماء من لم يشترط في الراوي مزيدًا على الإسلام، وعزاه ابن المواق للحنفية حيث قال: إنهم لم يفصلوا بين من روى عنه واحد وبين من روى عنه أكثر من واحد، بل قبلوا رواية المجهول على الإطلاق\" قال محققه على ابن المواق ذكر قوله هذا وذاك في بغية النقاد. وقال ابن السبكي في جمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ١٥٠ \"فلا يقبل المجهول باطنا وهو المستور خلافًا لأبي حنيفة وابن فورك وسليم\".\nولمزيد من التفاصيل ينظر: المغني للخبازي: ص ٢١١ - ٢١٢، وكشف الأسرار: ٣/ ٤٢ - ٤٤، تيسير التحرير: ٣/ ٤٨.\n(^٢) ينظر: رفع الحاجب للسبكي: اللوحة ١١١/ ب. وقال الآمدي: فإن الذي لا يلتبس اسمه ببعض الضعفاء أغلب على الظنِّ ممن يلتبس. قال السبكي في رفع الحاجب تعليقًا على كلام الآمدي: قلت: ولا يحصل الالتباس إلا عند تقارب زمانهما واجتماعهما في شيخ واحد ولذلك شرط الإمام في المحصول: أن يصعب التمييز\" وينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٢٨ والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٦٢.\n(^٣) هذا الفن يعرف عند المحدثين بالمؤتلف والمختلف، والمتفق والمفترق، وقد ألفت فيه كتب كثيرة كالإكمال لابن ماكولا والمختلف والمؤتلف لابن التركماني، وللدارقطني أيضًا، والمتفق والمفترق للخطيب البغدادي، وقد ذكرها صاحب =","vol":"7","page":2780},{"text":"باسم غيره على رواية من يلتبس اسمه باسم غيره من الضعفاء (^١).\nومن أمثلته أنَّه لو وقع إسنادان متعارضان في أحدهما محمد بن جرير الطبري أبو جعفر الإمام المشهور، وفي الآخر ثقةٌ مثله في العلم والعدالة وصفات الترجيح. لقلنا الإسناد الذي فيه محمد بن جرير مرجوح لالتباس اسمه بمحمد بن جرير بن رستم بن جعفر الطبري (^٢)، وكذلك وقع الغلط لبعض الأئمة فنقل على ابن جرير الإمام أنَّه قال بوجوب المسح على الرجلين بدل غسلهما، وإنما القائل بذلك ابن جرير هذا، وهو رجل رافضي (^٣).\nوكذلك الليث بن سعد الإمام المشهور مع الليث بن سعد النصيبي أحد الضعفاء.\nالعشرون: بتأخر إسلامه؛ فيرجح رواية من تأخر إسلامه على رواية من تقدم إسلامه لأنَّ تأخر الإسلام دليل على روايته\n_________\n= الرسالة المستطرفة، ولمزيد من التفصيل عن هذا الموضوع. ينظر: الرسالة المستطرفة: ص ١١٥ - ١١٧، وفتح المغيث للسخاوي: ٤/ ٢٦٨، وتدريب الراوي: ٢/ ٣١٦، والتقييد والإيضاح: ص ٣٨١.\n(^١) ينظر: رفع الحاجب للسبكي: اللوحة ١١١/ ب، المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٦١ - ٥٦٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٢٨، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٢٢، جمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ٣٦٣.\n(^٢) تراجع ترجمته في طبقات الشيعة.\n(^٣) كما فعل من المتأخرين الشوكاني في نيل الأوطار: ١/ ١٦٩.","vol":"7","page":2781},{"text":"أخيرًا هكذا نطق به المصنف وصرّح به الشيخ أبو إسحاق في شرح اللمع (^١) وهو حقّ متقبل (^٢).\nوجزم الآمدي بعكسه معتلا بعراقة المتقدم في الإسلام ومعرفته (^٣)، وليس بشيء (^٤)،\nوقال الإمام: الأولى أنْ يفصَّل ويقال: المتقدم إذا كان موجودًا مع المتأخر، لم يمنع أنْ تكون روايتُه متأخرةً عن روايةِ المتأخر، فأمّا إذا مات\n_________\n(^١) قال في اللمع: ص ٨٤: \"والثامن: أن يكون أحدهما متأخر الإسلام فيقدم؛ لأنه يحفظ آخر الأمرين من النبي - ﷺ -\".\n(^٢) من ترجيحات ابن السبكي.\n(^٣) قال الآمدي في الإحكام: ٤/ ٣٢٧: \"الحادي عشر: إذا كان أحد الراويين متقدم الإسلام على الراوي الآخر فروايته أولى، إذ هي أغلب على الظن لزيادة أصالته في الإسلام وتحريره فيه. وتبعه ابن الحاجب والصفي الهندي. ينظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٨٦. وذكر الزركشي في تشنيف المسامع: ٣/ ٥٠٩ أن الصفي الهندي ذكر في الترجيح بما يرجع إلى أمر خارج، أن متأخر الإسلام يقدم مطلقًا قال: \"وهذا منه رجوع إلى قول الجمهور\"، ولما تتبعت مباحث المسألة السادسة في ترجيح الخبر بالأمور الخارجية في نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٣٩ - ٣٧٤٤.\nلم أعثر على ما نوه إليه الزركشي. بل الذي وجدته هو في المسألة الثالثة في الترجيح بحال وروده وهو من وجوه، فالوجه الرابع: \"أن يكون أحد المخبرين متأخر الإسلام، ويعلم أن سماعه كان بعد إسلامه، وراوي الخبر الآخر متقدم الإسلام، فيقدم الأول لأنه أظهر تأخرًا\" ٨/ ٣٦٩٧ - ٣٦٩٨. ولعل هذا وهم من الزركشي.\n(^٤) هذا رد من السبكي على الآمدي.","vol":"7","page":2782},{"text":"المتقدمُ قبل إسلامِ المتأخر، وعلمنا أنّ أكثر رواة المتقدمِ متقدمٌ على رواة المتأخر منهما، هنا (^١) نحكم بالرجحان؛ لأنَّ النادر يلحق بالغالب (^٢).\nولقائل أنْ يقول: قولكم لا يمنع أنْ تكون روايته متأخرة فيما إذا لم يمت قبله مسلمٌ ولكن هي مشكوكة ورواية متأخر الإسلام مظنونة التأخر فليرجح على المشكوكة فيها.\nولهذا قال ابن عباس: \"كنا نأخذ بالأحدث فالأحدث من أمور رسول الله - ﷺ -\" (^٣).\nومن أمثلةِ الفصلِ قال الشافعي في مسألة المسِّ (^٤)، قيس بن\n_________\n(^١) في (ت): فههنا.\n(^٢) المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٦٨ - ٥٦٩.\nوينظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٠، وجمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ٣٦٤، ورفع الحاجب للسبكي: اللوحة: ٣١٠/ أ - ٣١١/ ب، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٦٤٤ - ٦٤٧.\n(^٣) سبق تخريجه.\n(^٤) قال البيهقي في سننه الكبرى: ١/ ١٣٥ ما نصه: \"وأما قيس بن طلق فقد روى الزعفراني عن الشافعي أنه قال: سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا قبول خبره، وقد عارضه من وصفنا ثقته ورجاحته في الحديث وتثبته فيما أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه ثنا علي بن عمر الحافظ ثنا محمد بن الحسن النقاش ثنا عبد الله بن يحيى القاضي السرخسي ثنا رجاء بن مرجا الحافظ في قصة ذكرها قال فقال يحيى بن معين: قد أكثر الناس في قيس بن طلق ولا يحتج بحديثه، وأخبرنا أبو بكر الفقيه أنا علي بن عمر الحافظ قال قال ابن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث محمد بن جابر هذا فقالا: قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة ووهناه ولم يثبتاه، ثم إنه إن كان صح في ابتداء الهجرة حين كان رسول الله - ﷺ - يبني مسجده وسماع =","vol":"7","page":2783},{"text":"طلق (^١) راوي حديث الخصم وهو ممن تقدم إسلامه وأبو هريرة من رواة أحاديثنا وكان إسلامه بعد الهجرة بست سنين فرَأيْنا إمكانَ النسخ متطرقًا إلى ما رواه قيس.\nقال: (الثاني بوقت الرواية فيرجح الراوي في البلوغ على الراوي في الصبا وفي البلوغ، والمتحمل وقت البلوغ على المتحمل في الصبا أو فيه أيضا).\n_________\n= أبي هريرة وغيره ممن روينا عنه في ذلك كان بعده وهو فيما أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المقري المهرجاني بها ثنا الحسن بن محمد بن إسحاق أنا يوسف بن يعقوب ثنا محمد بن أبي بكر ثنا حماد بن زيد عن محمد بن جابر قال حدثني قيس بن طلق عن أبيه قال: قدمت على النبي - ﷺ - وهو يبني المسجد فقال: \"اخلط الطين فإنك أعلم بخلطه، فسألته أو سأله رجل فقال: أرأيت الرجل يتوضأ ثم يمس ذكره فقال: إنما هو منك\" ثم قد حمله بعض أصحابنا على مسه إياه بظهر كفه، ففيما أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان ثنا علي بن الحسن نا عبد الله بن يزيد المقري ثنا همام ثنا محمد بن جابر قال حدثني شيخ لنا من أهل اليمامة يقال له قيس بن طلق عن أبيه أنه سأل النبي - ﷺ - أو سمع رجلا يسأله فقال: \"بينما أنا أصلي فذهبت أحك فخذي فأصابت يدي ذكرى فقال النبي - ﷺ -: إنما هو منك\" والظاهر من حال من يحك فخذه وأصابت يده ذكره أنه إنما يصيبه بظهر كفه والله أعلم\".\n(^١) قيس بن طلق بن علي الحنفي، اليمامي، تابعي مشهور وقال صاحب التقريب: صدوق من الثالثة، وهم من عده من الصحابة.\nينظر ترجمته في: الإصابة: ٥/ ٢٩٠ رقم (٧٣٥٠)، وتقريب التهذيب: ص ٤٥٧ رقم (٥٥٨٠)، الثقات: ٥/ ٣١٣ رقم (٥٠٠٤)، ولسان الميزان: ٨/ ٣٥٦ رقم (٧١٠)، وطبقات خليفة: ص ٢٨٩، والجرح والتعديل: ٧/ ١٠٠ رقم (٥٦٨).","vol":"7","page":2784},{"text":"الخبر الذي لم يرو رَاوِيه شيئًا من الأحاديث إلا بعد بلوغه (^١) راجح على خبر من لم يروها إلا في صباه؛ لأنَّ البالغ أقرب إلى الضبط (^٢).\nويرجح أيضًا على خبر من روى البعض فى صباه والبعض في بلوغه لاحتمال أنْ يكون من مروياته في الصغر (^٣).\nقوله: \"والمتحمل\" أي يرجح الخبر الذي لم يَتَحَمّل رَاوِيهِ الأحاديث إلَّا في زمن بلوغه على من لم يتحمل إلا في زمن صباه.\nقوله: \"أو فيه أيضا\": أي ويرجح هذا أيضا على من يتحمل البعض في صباه والبعض في بلوغه لاحتمال أنْ يكون هذا الخبر من الأحاديث المتحملة في الصغر.\nولهذا (^٤) قدم ابن عمر روايته في الإفراد في الحج (^٥) على رواية\n_________\n(^١) ينظر في الترجيح بحال الراوي وطرقه: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٩٧، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٥٢ وما بعدها، وجمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ٣٦١، الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٢٨، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢١٠، والمنهاج فى ترتيب الحجاج للباجي: ص ٢٢٣، مختصر المنتهى مع شرح العضد: ٢/ ٣١٠، شرح تنقيح الفصول: ص ٤٢٢، المنخول: ص ٤٣٠، ونهاية السول: ٣/ ١٦٧، والعدة: ٣/ ١٠٢٤، والمسودة: ص ٣٠٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٨٧، شرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٨٠٠، وشرح المنهاج للعبري: ص ٦٣١.\n(^٢) قال العبري في شرح المنهاج ص ٦٣١: \"لأن البالغ أكمل من الصبي فيحتاط في الرواية ما لا يحتاط الصبي\".\n(^٣) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٨٧.\n(^٤) ينظر المثال في رفع الحاجب: اللوحة ٢١١/ أ.\n(^٥) أخرجه مسلم صحيحه: ص ٤٩٢ كتاب الحج (١٥) باب في الإفراد والقران في الحج (٢٧) رقم (١٨٤/ ١٢٣١). ورواية جابر - ﵁ - الطويلة التي في صحيح =","vol":"7","page":2785},{"text":"أنس (^١) وقال: إنّه كان صغيرًا ويتولج (^٢) على النساء وهنّ متكشفات (^٣) وأنا آخذ بزمام ناقة رسول الله - ﷺ - يسيل عليّ لعابها (^٤).\nهكذا ينبغي تقرير ما في الكتاب فلا يعدل عنه، وبه يتبين لك أنّ الكلام هنا في بحثين أحدهما: بوقت الرواية في زمن الصبا، والثاني: بوقت التحمل.\nقال: (الثالث بكيفية الرواية فيرجح المتفق على رفعه والمحكي\n_________\n= مسلم: ص كتاب الحج (١٥) باب في المتعة بالحج والعمرة (١٨) رقم (١٤٧/ ١٢١٨). تؤيد ما رجحه ابن عمر، وكذا رواية ابن عباس ﵄ في صحيح مسلم: ص كتاب الحج (١٥) باب جواز العمرة في أشهر الحج (٣١) رقم (١٩٨/ ١٢٤٠).\n(^١) وهي أنه قرن في الحج. والحديث متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه: ص ٨٢٢ كتاب المغازي (٦٢) باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن (٦١) رقم (٤٣٥٣، ٤٣٥٣). وأخرجه مسلم في صحيحه: ص ٤٩٢، كتاب الحج (١٥) باب في الإفراد والقران في الحج (٢٧) رقم (١٨٥/ ١٢٣٢).\n(^٢) في (ت): وكنت أدخل.\n(^٣) (في الحج على رواية أنس وقال إنّه كان صغيرًا وكنت أدخل على النساء وهنّ متكشفات) ساقط من (غ).\n(^٤) \"حدثنا أحمد ابن مسعود المقدسي ثنا عمرو بن أبي سلمة ثنا سعيد بن عبد العزيز عن زيد بن أسلم عن ابن عمر: أن رجلا أتاه فقال بم أهل رسول الله ﷺ؟ قال: أهل بالحج، فانصرف عنه ثم جاءه من العام المقبل فقال: بم أهل رسول الله - ﷺ -؟ قال: ألم تأتني عام أول؟ قال: بلى ولكن أنس بن مالك زعم أنه قرن، فقال ابن عمر: إن أنسا كان يتولج على النساء مكشفات الرؤوس فإني كنت تحت ناقة رسول الله - ﷺ - يمسني لعابها أسمعه يلبي بالحج\". مسند الشاميين: ١/ ٢٨٤.","vol":"7","page":2786},{"text":"بسبب نزوله وبلفظه وما لم ينكره راوي الأصل)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>الترجيح بكيفية الرواية </span>(^١) أقسام:\nأولها: يرجح الحديث المتفق على كونه مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - على المختلف في كونه مرفوعًا، أو المتفق على كونه موقوفًا.\nمن أمثلته أنّ عبادة بن الصامت روى أنه - ﷺ - قال: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" (^٢) وهو مدون في الصحاح متفق على رفعه دال على أن المأموم يقرأ خلف الإمام، فإن احتج الخصم بما روى يحيى بن سلام قال ثنا مالك بن أنس ثنا وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله أنّ النبي - ﷺ - قال: \"كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهى خداج إلا أنْ تكون وراء الإمام\" (^٣).\n_________\n(^١) ينظر الترجيح بكيفية الرواية في: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٦٣، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٣٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٨٨.\n(^٢) متفق عليه من رواية عبادة من الصامت - ﵁ - أخرجه البخاري في الصحيح: ص ٧٥٩ كتاب الأذان (١٠)، باب وجوب القراءة للإمام والمأموم (٩٥) رقم (٧٥٦)، وأخرجه مسلم في الصحيح: ص ١٦٩، كتاب الصلاة (٤)، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة (١١) رقم (٣٤/ ٣٩٤).\n(^٣) أخرج الحديث بهذا اللفظ الدارقطني في سننه ١/ ٣٢٧ في كتاب الصلاة باب ذكر قوله - ﷺ -: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة، رقم (٣) \"حدثنا أبو بكر النيسابوري ثنا بحر بن نصر ثنا يحيى بن سلام ثنا مالك بن أنس ثنا وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله أن النبي - ﷺ - قال: \"كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج إلا أن يكون وراء إمام\" قال الدارقطني: يحيى بن سلام ضعيف والصواب موقوف\". وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ٢١٨، كتاب الصلاة =","vol":"7","page":2787},{"text":"قلنا: لم يرفعه عن مالك غير يحيى بن سلام (^١) وهو في الموطأ موقوف (^٢).\nوقد قيل: وَهمَ يحيى بن سلام عن مالك في رفعه، ولم يتابع عليه، ويحيى كثير الوهم (^٣).\nوثانيها: يرجح الخبر الذي حكى الراوي سبب نزوله (^٤) على ما لم\n_________\n= باب القراءة خلف الإمام، والبيهقي في السنن الكبرى: ٢/ ٢٢٨ كتاب الصلاة، باب من قال لا يقرأ خلف الإمام رقم (٢٨٩٨). ثم قال البيهقي بعد هذا الحديث: ٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩ \"هذا هو الصحيح عن جابر من قوله غير مرفوع، وقد رفعه يحيى بن سلام وغيره من الضعفاء عن مالك، وذاك لا يحل روايته على طريق الاحتجاج به، وقد يشبه أن يكون مذهب جابر في ذلك ترك القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه بالقراءة دون ما لا يجهر\".\n(^١) هو يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة أبو زكريا البصري نزيل أفريقية حدث عن سعيد بن أبي عروبة والثوري ومالك، وأخذ القراءة عن أصحاب الحسن البصري وجمع وصنف قال أبو حاتم صدوق، وقال ابن عدى: يكتب حديثه مع ضعفه. مات بمصر بعد أن حجّ في صفر سنة ٢٠٠ ﵀. ينظر ترجمته في: الجرح والتعديل: ٩/ ١٥٥، والكامل في الضعفاء لابن عدي: ٧/ ٢٧٠٨، وسير أعلام النبلاء: ٩/ ٣٩٦ - ٣٩٧ رقم (١٢٨).\n(^٢) قال ابن عدي في الكامل في الضعفاء: ٧/ ٢٧٠٨ \"وهذا الحديث عن مالك بهذا الإسناد يرفعه عن مالك بهذا الإسناد لم يرفعه غير يحيى بن سلام، وهذا الحديث في الموطأ من قول جابر موقوف\". وينظر الهداية في تخريج أحاديث بداية المجتهد: ٣/ ٢٣٧ - ٢٤١ الحديث رقم (٤٣٦).\n(^٣) قال عنه ابن عدي في الكامل في الضعفاء: ٧/ ٢٧٠٩ \"زهز ممن يكتب حديثه مع ضعفه\".\n(^٤) قال الإسنوي في نهاية السول: ٣/ ١٧٢: \"لو عبر المصنف بالورود عوضا عن =","vol":"7","page":2788},{"text":"يحك سبب نزوله لزيادة الاهتمام من حاكي سبب النزول بمعرفة ذلك الحكم (^١) (^٢).\nوثالثها: الخبر المؤدَى بلفظ مرجح على المروي بمعناه أو المشكوك في كونه مرويا باللفظ أو المعنى وينبغي أنْ يرجح المشكوك منه على ما علم أنَّه مروي بالمعنى (^٣).\nولم أظفر بحديثين متعارضين أحدهما مروي باللفظ والآخر بالمعنى فأمثل به.\nورابعها: إذا أنكر الأصل رواية الفرع عنه، وجزم بالإنكار، فرواية الفرع غير مقبولة، وإن تردد قبلت على المختار. فإن قبلناها فالخبر الذي لم ينكره الأصل راجح على ما أنكره (^٤).\n_________\n= النزول لكان صريحًا في تناول الأخبار\".\n(^١) ينظر: شرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٨٠١، شرح العبري للمنهاج: ص ٦٣٢، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٨٩.\n(^٢) محل ترجيح الخبر الذي ذكر معه سبب وروده على الذي لم يذكر معه سببه إذا كان كل من الخبرين خاصًا، فإن كانا عامين قدم الذي لم يذكر معه السبب على العام الذي ذكر السبب معه عند الشافعي لأن السبب لا يخصص عنده. أفاده الإسنوي: في نهاية السول: ٣/ ١٧٢\n(^٣) ينظر: شرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٨٠١، شرح العبري للمنهاج: ص ٦٣٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٨٩.\n(^٤) ينظر المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٦٤، الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٣٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٨٩ وشرح العبري: (ص)، وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨٠١، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢٠٦، وتيسير التحرير: ٣/ ١٦٠، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٦.","vol":"7","page":2789},{"text":"وقد اتبع المصنف الإمام في تعبيره براوي الأصل، والصواب زيادة (أل) في الراوي أو حذفه بالكلية (^١).\nومن أمثلته هذا الفصل أنّ سفيان بن عيينة روى عن عمر، وعن أبي معبد (^٢) عن ابن عباس قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله - ﷺ - بالتكبير (^٣). قال عمرو بن دينار (^٤) ثم ذكرته لأبي معبد بعد فقال: لم أحدثكه. قال عمرو وقد حدثنيه قال: وكان من أصدق موالي ابن عباس (^٥).\nقال الشافعي - ﵁ -: كأنّه نسيه بعد ما حدثه إياه (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٣٦٤.\n(^٢) أبو معبد مولى ابن عباس سمع ابن عباس وروى عنه عمرو بن دينار اسمه نافد. ينظر ترجمته في كنى البخاري: ص ٩٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه: ص ١٧١ كتاب الأذان (١٠) باب الذكر بعد الصلاة (١٥٥) رقم (٨٤٢)، وأخرجه مسلم في صحيحه: ٢٣٢ - ٢٣٣ في كتاب المساجد (٥) باب الذكر بعد الصلاة (٢٣) رقم (١٢٠/ ٥٨٣).\n(^٤) هو عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم، الجمحي مولاهم، شيخ الحرم في زمانه، ولد سنة ٤٥ أو سنة ٤٦ هـ ثقة ثبت، سمع من ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وغيرهم توفي سنة ١٢٦ هـ.\nينظر ترجمته فى: الجرح والتعديل: ٦/ ٢٣١ رقم (١٢٨٠)، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ٣٠٠ - ٣٠٧ رقم (١٤٤)، تقريب التهذيب: ص ٤٢١ رقم (٥٠٢٤).\n(^٥) ينظر الكفاية للبغدادي: ص ٥٤١.\n(^٦) ينظر المصدر نفسه.","vol":"7","page":2790},{"text":"وهذا مثال لما أنكره راوي الأصل (^١).\nومنها ما روى محمد بن جعفر (^٢) حدثنا شعبة عن صدقة (^٣) قال سمعت ابن عمر وسأله رجل فقال: إني أهللت بهما جميعا، قال (^٤): \"لو كنت اعتمرت كان أحبّ إليّ\" ثمّ أمره فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، قال: ولا تحلّ منهما بشيء دون يوم النحر (^٥)، ثم شعبة نسي هذا الحديث فقلت: إنّك حدثتني به، قال إنْ\n_________\n(^١) ينظر هذا المثال في الكفاية: ص ٥٤١.\n(^٢) هو غندر الحافظ المتقن المجود أبو عبد الله محمد بن جعفر الهذلى مولاهم البصري، سمع حسينا المعلم وعبد الله بن سعيد بن أبي هند وعوفا الأعرابي ومعمر بن راشد وسعيد بن أبي عروة ولزم شعبة فأكثر عنه جدا حدث عنه أحمد وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين وأبو خيثمة وقتيبة وأبو بكر بن أبي شيبة والفلاس وبندار ومحمد بن المثنى ومحمد بن الوليد البسري وآخرون قال يحيى بن معين: كان غندر أصح الناس كتابا أراد بعض الناس أن يخطئه فلم يقدر، وقال أحمد بن حنبل: قال غندر: لزمت شعبة عشرين سنة، قلت: ابن جريج هو الذي لقبه غندرا لكونه شغب عليه وذلك.\nينظر ترجمته في: تذكرة الحفاظ: ١/ ٣٠٠ رقم (٢٨١)، ومعرفة الثقات: ٢/ ٢٣٥ رقم (١٥٨٢).\n(^٣) صدقة بن يسار من الأبناء مولى لبعض أهل مكة توفي في أول خلافة بني العباس قال سفيان بن عيينة: قلت لصدقة بن يسار يزعمون أنكم خوارج، قال: قد كنت منهم ثم إن الله عافاني قال وكان أصله من أهل الجزيرة وكان ثقة قليل الحديث.\nينظر ترجمته في: طبقات خليفة: ص ٢٨٢، والطبقات الكبرى لابن سعد: ٥/ ٤٨٥، وتهذيب الكمال: ١٣/ ١٥٥.\n(^٤) ابتداء سقط في النسخة (غ).\n(^٥) رواه البيهقي في السنن الكبرى: ٤/ ٣٤٨، والدارقطني في سننه: ٢/ ٢٦٥.","vol":"7","page":2791},{"text":"كنت حدثتك فهو كما حدثتك. وهذا مثال لما لم ينكر (^١).\nومنهم من كان يقول بعد ذلك: حدثني فلان عني، كما روى عبد العزيز بن محمد (^٢) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن (^٣) عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة: أنّ النبي - ﷺ - \"قضى باليمين مع الشاهد\" (^٤).\n_________\n(^١) يقول البغدادي في الكفاية: ص ٢٢١ \". . . قال ثنا محمد بن الوليد البسري قال ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة عن صدقة قال: سمعت ابن عمر وسأله رجل فقال: إني أهللت بهما جميعا قال لو كنت اعتمرت كان أحب إلي ثم أمره فطاف بالبيت وبالصفا وبالمروة وقال لا يحل منك شيء دون يوم النحر ثم إن شعبة نسي هذا الحديث فقلت له: إنك حدثتني به، قال: إن كنت حدثتك به فهو كما حدثتك\".\n(^٢) هو عبد العزيز بن محمد بن عبيد، أبو محمد الجهني، مولاهم المدني الدَّراوَرْدِي قيل: أصله من دراورد قرية بخرسان، حدّث عن صفوان بن سليم وسهيل بن أبي صالح، وجعفر الصادق، وروى عنه شعبة والثوري وإسحاق بن راهويه، أحاديثه في الستة لكن البخاري روى له مقرونًا بشيخ آخر، وحديثه لا ينحط عن رتبة الحسن. توفي الدراوردي سنة ١٨٧ هـ بالمدينة. ينظر ترجمته في: طبقات خليفة بن خياط: ص ٢٧٦، وسير أعلام النبلاء: ٨/ ٣٦٦ - ٣٦٩ رقم (١٠٧) التقريب: ص ٢٥٩ رقم (٢٦٧٥).\n(^٣) هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن فرّوخ التيمي مولاهم أبو عثمان المدني المعروف بربيعة الرأي روى عن أنس بن مالك، والسائب بن يزيد وسعيد بن المسيب وعدّة، وكان من أئمة الاجتهاد، وعنه يحيى بن سعيد القطان، وسهيل بن أبي صالح وهم من أقرانه، ومالك وعليه تفقه. كان ربيعة عالمًا حافظًا للفقه والحديث توفي ﵀ سنة ١٣٦ هـ بالمدينة. ينظر ترجمته في: تاريخ بغدد: ٨/ ٤٢٠ رقم (٤٥٣١)، وسير أعلام النبلاء: ٦/ ٨٩ - ٩٦ رقم (٢٣)، والتقريب: ص ٢٠٧ رقم (١٩١١).\n(^٤) أخرجه مسلم عن ابن عباس ﵄ في صحيحه: ص ٧١١، كتاب =","vol":"7","page":2792},{"text":"قال عبد العزيز: فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه. قال عبد العزيز: وقد كان أصاب سهيلا علّة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه وكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه (^١).\nوروي عن أنس بن مالك - ﵁ - أنَّه قال: حدثني ابني عني أنّ النبي - ﷺ - \"نهى أنْ يجعل فصّ الخاتم من غيره\" (^٢).\n_________\n= الأقضية (٣٠)، باب القضاء باليمين والشاهد (٢) رقم (٣/ ١٧١٢). وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأقضية (٢٣)، باب القضاء باليمين رقم (٣٦١٠)، ورواه الترمذي في سننه: ٣/ ٦٢٧ كتاب الأحكام (١٣) باب ما جاء في اليمين مع الشاهد (١٣) رقم (١٣٤٣) وقال: حديث حسن غريب، ورواه ابن ماجه: ٢/ ٧٩٣ في كتاب الأحكام (١٣) باب القضاء بالشاهد واليمين (٣١) رقم (٢٣٦٨)، ورواه البيهقي: ١٠/ ٢٨١ كتاب الشهادات باب القضاء باليمين مع الشاهد رقم (٢٠٦٣٤).\n(^١) ينظر: الكفاية للبغدادي: ص ٥٤٢ - ٥٤٣. قال ابن حجر في فتح الباري: ٢/ ٣٢٦ ما نصه: \"ولأهل الحديث فيه تفصيل قالوا: إما أن يجزم برده أو لا وإذا جزم فإما أن يصرح بتكذيب الراوي عنه أو لا فإن لم يجزم بالرد كأن قال: لا أذكره فهو متفق عندهم على قبوله لأن الفرع ثقة والأصل لم يطعن فيه وإن جزم وصرح بالتكذيب فهو متفق عندهم على رده لأن جزم الفرع بكون الأصل حدثه يستلزم تكذيب الأصل في دعواه أنه كذب عليه وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر، وإن جزم بالرد ولم يصرح بالتكذيب فالراجح عندهم قبوله، وأما الفقهاء فاختلفوا فذهب الجمهور في هذه الصورة إلى القبول وعن بعض الحنفية ورواية عن أحمد لا يقبل قياسا على الشاهد\".\n(^٢) روى البخاري في صحيحه: ص ١١٤٥، كتاب اللباس (٧٧) باب هل يجعل =","vol":"7","page":2793},{"text":"وقال سعيد بن أبي عروبة (^١) حدثني بعض أصحابي عن أبي معشر (^٢) عن إبراهيم (^٣) في الرجل يقر بالولد ثم ينفيه،\n_________\n= نقش الخاتم. . (٥٥) الحديث رقم (٥٨٧٠) قال حدثنا إسحاق أخبرنا معتمر قال سمعت حميدًا عن أنس - ﵁ - \"أنّ النبي - ﷺ - كان خاتمه من فضة، وكان فصه منه\". ولم أجده بهذا اللفظ فيما تيسر لي من كتب الأحاديث.\n(^١) هو سعيد بن أبي عروبة مهران اليشكري مولاهم، أبو النضر البصري، عالم أهل البصرة وأوّل من صنف السنن النّبوية، من أثبت النّاس في قتادة، توفي سنة ١٥٦ هـ وقيل سنة ١٥٧ هـ. ينظر ترجمته في: الجرح والتعديل: ٤/ ٦٥ - ٦٦ رقم (٢٧٦)، وسير أعلام النبلاء: ٦/ ٤١٣ - ٤١٨ رقم (١٧٠)، والتقريب: ص ٢٣٩ رقم (٢٣٦٥).\n(^٢) هو زياد بن كليب التميمي الحنظلي أبو معشر الكوفي، روى عن إبراهيم النخعي والشعبي وسعيد بن جبير وعنه قتادة وخالد الحذاء وسعيد بن أبى عروبة ومنصور وشعبة وغيرهم من أقرانه ومن دونه، قال العجلي: كان ثقة في الحديث قديم الموت، وقال أبو حاتم: صالح من قدماء أصحاب إبراهيم ليس بالمتين في حفظه وهو أحب إلي من حماد بن أبي سليمان وقال النسائي: ثقة قال ابن أبي عاصم: مات سنة عشرين ومائة، وقال ابن حبان: مات سنة تسع عشرة ومائة وكان من الحفاظ المتقنين وقال ابن سعد: توفي في ولاية يوسف بن عمر على العراق وكان قليل الحديث وهذا يرجح أنه مات سنة عشرين. قلت: وقال ابن المديني وأبو جعفر السبتي: ثقة نقله ابن خلفون. ينظر ترجمته في: طبقات خليفة: ص ١٦١، وتهذيب الكمال: ٩/ ٥٠٤، وتهذيب التهذيب: ٣/ ٣٢٩.\n(^٣) هو إبراهيم الإمام الحافظ فقيه العراق أبو عمران إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود بن عمرو بن ربيعة بن ذهل بن سعد بن مالك بن النخع النخعي اليماني ثم الكوفي أحد الأعلام وهو ابن ملكية أخت الأسود بن يزيد، روى عن خاله ومسروق وعلقمة بن قيس وعبيدة السلماني وأبي عبد الرحمن السلمي وخاله عبد الرحمن =","vol":"7","page":2794},{"text":"قال: يلاعن بكتاب الله ﷿ ويلزم الولد بقضاء رسول الله - ﷺ - (^١).\nوقال (^٢) جرير (^٣) حدثنيه عن ابن مجاهد (^٤) عني وهو عندي ثقة عن\n_________\n= ابن يزيد وهمام بن الحارث وخلق سواهم من كبار التابعين ولم نجد له سماعا من الصحابة المتأخرين الذين كانوا معه بالكوفة، وفي سن إبراهيم قولان أحدهما عاش تسعا وأربعين سنة والثاني أنه عاش ثمانيا وخمسين سنة مات سنة ست وتسعين. ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: ٤/ ٤٢٠ - ٤٢٧.\n(^١) قال ابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ٤٠ \"حدثنا عبدة عن سفيان عن أبى معشر عن إبراهيم في الرجل يقر بولده ثم ينتفي منه قال: يلاعن بكتاب الله ويلزم الولد بقضاء رسول الله - ﷺ -\".\n(^٢) هذا الإسناد من باب (من حدث ونسي) فإن جريرًا روى الأثر عن ثعلبة، ثم حدّث به فسمعه منه علي بن مجاهد، ثم نسبه جرير وسمعه من عليّ فحدث عنه عن نفسه عن ثعلبة به.\n(^٣) هو جرير بن عبد الحميد بن جرير بن قرط بن هلال بن أقيس الضبي الرازى، كنيته أبو عبد الله مولده بالكوفة، انتقل إلى الري وسكنها، يروى عن أبي إسحاق والأعمش وكان مولده سنة عشر ومائة في السنة التي مات فيها الحسن وابن سيرين ومات سنة سبع وثمانين ومائة بالري روى عنه ابن المبارك والناس وكان من العباد الخشن. ينظر ترجمته في: طبقات خليفة: ص ١٧٠، والثقات: ٦/ ١٤٥، وتقريب التهذيب: ١/ ١٣٩.\n(^٤) هو علي بن مجاهد بن مسلم بن رفيع الكابلي أبو مجاهد الرازي الكندي ويقال العبدي مولاهم القاضي روى عن أبي معشر المدني وموسى بن عبدة الربذي ومسعر والثوري وجماعة وعنه جرير بن عبد الحميد وهو من أقرانه ومحمد بن عيسى بن الطباع وأبو صالح سلمويه وأحمد بن حنبل وغيرهم، وقال الترمذي في جامعه: حدثنا محمد بن حميد الرازي ثنا جرير قال حدثنيه علي بن مجاهد وهو عندي ثقة عن ثعلبة عن الزهري قال: إنما كره المنديل بعد الوضوء لأن الوضوء يوزن. وذكره =","vol":"7","page":2795},{"text":"ثعلبة (^١) عن الزهري قال: إنما كرِه المنديل بعد الوضوء لأنَّ الوضوء يوزن (^٢).\nوقد جمع الحافظ أبو بكر الخطيب جزءًا ضخما فيمن حدث ونسي (^٣).\nقال: (الرابع بوقت وروده فيرجح المدنيات والمشعر بعلو شأن\n_________\n= ابن حبان في الثقات، قلت: قال أحمد بن حنبل أنه سمع منه سنة ٨٢ وكأنه مات سنة بضع وثمانين أي ومائة. ينظر: تهذيب التهذيب: ٧/ ٣٣٠، ولسان الميزان: ٧/ ٣١٣، والجرح والتعديل: ٦/ ٢٠٥.\n(^١) هو ثعلبة بن سهيل التميمي الطهوي أبو مالك الكوفي كان يكون بالري وكان متطببا روى عن الزهري وليث بن أبي سليم وجعفر بن أبي المغيرة ومقاتل بن حيان وغيرهم وعنه محمد بن يوسف الفريابي وجرير بن عبد الحميد وأبو أسامة ويعقوب بن عبد الله القمي وعدة قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين ثقة وقال أيضا لا بأس به روى له الترمذي أثرا موقوفا في الوضوء وذكره ابن حبان في الثقات وقال الأزدي عن ابن معين ليس بشيء. ينظر ترجمته في: التقريب: ص ١٣٣ رقم (٨٤١)، وتهذيب التهذيب: ٢/ ٢١، وتهذيب الكمال: ٤/ ٣٩٢.\n(^٢) قال الترمذي في سننه: ١/ ٧٦ - ٧٧، كتاب الطهارة (١) باب ما جاء في التمندل بعد الوضوء (٤٠) رقم (٥٤): \"وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - ومن بعدهم في التمندل بعد الوضوء. ومن كرهه إنما كرهه من قبل أنه قيل: إن الوضوء يوزن. وروى ذلك عن سعيد بن المسيب والزهري. حدثنا محمد بن حميدٍ (الرازي) حدثنا جرير قال: حدثنيه علي بن مجاهدٍ عني، وهو عندي ثقة، عن ثعلبة عن الزهري قال: إنما كره المنديل بعد الوضوء لأن الوضوء يوزن\".\n(^٣) ينظر: الكفاية، باب القول فيمن روى حديثا ثم نسيه هل يجب العمل به أم لا؟: ص ٥٤١ - ٥٤٦.","vol":"7","page":2796},{"text":"رسول الله - ﷺ - والمتضمن للتخفيف والمطلق على متقدم التاريخ والمؤرخ بتاريخ مضيق والمتحمل في الإسلام).\n\nذكر في<span data-type=\"title\" id=toc-588> الترجيح بوقت ورود الخبر </span>أقسامًا ستّةً، والإمام قد ذكرها أيضًا، وقال: هذه الوجوه في الترجيح ضعيفة (^١)؛ أي إفادتها للرجحان إفادة غير قويّة، لا بمعنى أنّ القول بإفادتها الرجحان ضعيف، يدل عليه قوله بعد ذلك، وهي لا تفيد إلا خيالًا ضعيفًا في الرجحان (^٢).\nأحدها: الخبر المدني مرجح على المكي لأنَّ المدنيات متأخرة عن الهجرة والمكيات متقدمة عليها إلا قليلًا والقليل ملحق بالكثير (^٣).\nوثانيها: يرجح الخبر الدال على علو شأن الرسول - ﷺ - على ما ليس كذلك؛ لأنَّه يدلّ على تأخره، فإنّ الزيادة العظمى في علو شأنه، وظهور أمره كانت في آخر عمره (^٤) (^٥).\nوقال الإمام: إن دلّ الأوّل على علو الشأن والثاني على الضعف ظهر\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧١.\n(^٢) ينظر: المصدر نفسه.\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٦٧، نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٩٧، نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٩٥، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢٠٨، شرح العبري على المنهاج: ص ٦٣٣ - ٦٣٤.\n(^٤) في (ت): أمره.\n(^٥) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٦٨، نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٩٧، نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٩٥، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢٠٨، شرح العبري على المنهاج: ص ٦٣٤.","vol":"7","page":2797},{"text":"تقديم الأوّل على الثاني، أمّا إذا لم يدل الثاني لا على القوّة ولا على الضعف فمن أين يجب تقديم الأول عليه؟ (^١).\nواعترض عليه بأنّ المشعر بعلو شأن الرسول معلوم التأخر أو مظنونه وما (^٢) لم يشعر بذلك مشكوك فيه فليرجح الأول (^٣).\nوثالثها: يرجح المتضمن للتخفيف على المتضمن للتغليظ؛ لأنَّه أظهر تأخرًا فإنَّ النبي - ﷺ - كان يغلظ في ابتداء أمره زجرًا لهم عن عوائد الجاهلية، ثمّ مال إلى التخفيف، هكذا ذكره صاحب الحاصل (^٤) واتبعه المصنف.\nوالحقّ خلافه (^٥)؛ فإنّ النبي - ﷺ - كان يرأف بالنّاس ويأخذهم شيئا\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٦٨.\n(^٢) في (ص): ومن.\n(^٣) هذا الاعتراض والجواب عنه للصفي الهندي.\nينظر نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٦٩٧.\n(^٤) ينظر: الحاصل: ٢/ ٩٨٢.\n(^٥) وهو ما رجحه أيضا في رفع الحاجب. يقول السبكي في رفع الحاجب شرح مختصر ابن الحاجب اللوحة ٣١٥/ ب: \"فإن كان في أحد الخبرين تشديد دون الآخر وكان أحدهما أشد قدم لتأخير التشديدات فإن الدّين كانت قوته تزداد شيئًا فشيئًا وكان - ﷺ - لرأفته بالخلق وتدريجه إياهم لا ينذر بالتغليظ بل يلوح ويعرض ثم يصرح، والقرآن أكثره هكذا وانظر آيات تحريم الخمر، واختيار صاحب التحصيل تاج الدين الأرموي أن المتضمن للتخفيف أرجح، وتبعه البيضاوي في المنهاج وهو شيء ذكره الإمام الرازي بحثا، والأرجح خلافه والله أعلم\".","vol":"7","page":2798},{"text":"فشيئا ولا يبدر بالتغليظ، وهذا دأب الشرع يلوح، ثمّ يعرض ثم يصرح والقرآن أكثره هكذا وانظر إلى آيات تحريم الخمر (^١) وغيرها.\nوقد صرح الآمدي بما ذكرناه، وقال: احتمال تأخر التشديد أظهر (^٢)، وتبعه ابن الحاجب (^٣) والإمام ذكره على سبيل الاحتمال بعد أنْ ضعّف الأول (^٤).\nونحن لا ريب عندنا (^٥) فيه كيف، وسيأتي إن شاء الله تعالى أنّ المحرِّم مرجح على المبيح.\n_________\n(^١) فآيات التحريم جاءت متدرجة في التحريم. قال بعض المفسرين: إن الله تعالى ما خلق شيئًا من الكرامة والبرّ إلا أعطاه هذه الأمة ومن كرامته وإحسانه أنه لم يوجب عليهم الشرائع دفعة واحدة، ولكن أوجب عليهم مرة بعد مرة، فكذلك تحريم الخمر فأول آية نزلت قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [سورة البقرة من الآية ٢١٩]، ثم بعده: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [سورة النساء من الآية ٤٣] ثم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [سورة المائدة من الآية ٩١]، ثم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [سورة المائدة من الآية ٩٠].\nينظر: جامع الأحكام الفقهية للإمام القرطبي من تفسيره جمع فريد الجندي: ٣/ ٢٧٩.\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٥٧ - ٣٥٨.\n(^٣) ينظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٦، ورفع الحاجب للسبكي: اللوحة ٣١٥/ ب.\n(^٤) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧١.\n(^٥) من ترجيحات السبكي.","vol":"7","page":2799},{"text":"ورابعها: يرجح الخبر المروي مطلقًا على الخبر المروي بتاريخ متقدم؛ لأنَّ المطلق أشبه بالمتأخر (^١).\nوخامسها: يرجح الخبر المؤرخ بتاريخ مضيق أي في آخر عمره - ﷺ - على المطلق؛ لأنّه أظهر تأخرًا (^٢).\nومن أمثلته صحّ عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: \"إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسا\" (^٣).\nولكن الشافعي تعلق بجلوس النبي - ﷺ - في مرض موته، والمقتدون به قيام وراءه (^٤)، وهذا من أواخر أفعاله، والحديث الذي رويناه مطلق يغلب\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٠ - ٥٧١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٠٠، وشرح العبري للمنهاج: ص ٦٣٤ - ٦٣٥.\n(^٢) ينظر المصادر نفسها.\n(^٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه: ص ١٤٦ كتاب الأذان (١٠) باب إنما جعل الإمام ليؤتم به (٥١) رقم (٦٨٩) ولفظه: \"حدّثنا عبدُ الله بنُ يوسفَ قال: أخبرَنا مالكٌ عن هِشامِ بن عُروةَ عن أبيهِ عن عائشةَ أُمِّ المؤمنينَ أنها قالت: \"صلّى رسولُ الله - ﷺ - في بيتهِ وهو شاكٍ، فصلَّى جالسًا وصلَّى وَراءَهُ قومٌ قيامًا، فأشارَ إِليهم أَنِ اجلِسوا. فلمَّا انصرفَ قال: إِنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتمَّ به، فإذا ركعَ فاركعوا، وإِذا رفعَ فارفَعوا، وإِذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جُلوسا\". ورواه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة (٤) باب ائتمام المأموم بالإمام (١٩) رقم (٧٧/ ٤١١).\n(^٤) قال البخاري: في صحيحه: ص ١٤٦ كتاب الأذان (١٠) باب إنما جعل الإمام ليؤتم به (٥١) رقم (٦٨٩). قال الحميدي: \"قوله \"إذا صلى جالسا فصلوا جلوسًا\" هو في مرضه القديم، ثمّ صلى بعد ذلك النبيّ - ﷺ - جالسًا، والناس خلفه قيامًا، لم يأمرهم بالقعود، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي - ﷺ -\". =","vol":"7","page":2800},{"text":"على الظنّ أنَّه كان قاله في صحته (^١).\nقال إمام الحرمين: ومن هذا القبيل أخبار الدِّباغ مع ما رواه عبد الله بن عُكَيم الجهني (^٢) قال ورد علينا كتاب رسول الله - ﷺ - قبل وفاته بشهر: \"ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب\" (^٣). وأحاديث الدّباغ كانت\n_________\n= وأخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂: ص ١٤٤ - ١٤٥ في نفس الكتاب (٤٦)، باب من قام جنب الإمام لعلة (٤٧) رقم (٦٨٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه: من كتاب الصلاة (٤) باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض أو سفر وغيرها من يصلى بالنّاس، وأنّ من صلى خلف إمام جالس لعجزه عن القيام لزمه القيام إذا قدر عليه، ونسخ القعود خلف القاعد في حق من قدر على القيام. (٢١) رقم (٩٠/ ٤١٨). والخلاف في هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: إذا ابتدأ الإمام الصلاة قاعدًا صلى من خلفه قعودًا وإذا ابتدأ الإمام الصلاة قائما ثم عجز في أثناء الصلاة عن القيام صلى من خلفه قيامًا، وبه قال الإمام أحمد. ينظر: الروض المربع: ص ٧٣.\nالقول الثاني: أنهم يصلون وراءه قيامًا وبه قال الإمامان أبو حنيفة والشافعي. ينظر الاختيار لتعليل المختار: ١/ ٦٠، والحاوي للماوردي: ٢/ ٣٨٧.\nالقول الثالث: أنّ الصلاة لا تصح خلفه وبه قال الإمام مالك، انظر: الخرشي على مختصر خليل: ٢/ ٤٩.\n(^١) ينظر: البرهان للجويني: ٢/ ١١٥٩.\n(^٢) هو عبد الله بن عُكَيْم الجهني قيل له صحبة وقد أسلم بلا ريب في حياة النبي - ﷺ - وصلى خلف أبي بكر توفي في ولاية الحجاج ﵀ سنة ٨٨ هـ ينظر ترجمته في: الإصابة: ٤/ ١٠٦ رقم (٤٨٢٢).\n(^٣) الحديث رواه أحمد في المسند: ٤/ ٣١٠ - ٣١١، وأبو داود: ٤/ ٣٧٠ - ٣٧١ في كتاب اللباس (٣١) باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة (٤٠) رقم =","vol":"7","page":2801},{"text":"مطلقة غير مقيدة بتاريخ، والغالب على الظنّ جريانها قبل هذا التاريخ، ولكن الشافعي ردّ حديث عبد الله؛ لأنَّه كان محالًا على الكتاب، وناقل الكتاب ليس بمذكور فالتحق الحديث بالمرسلات (^١).\nومن وجوه العلل فيه أنَّه روي عن عبد الله بن عُكَيْم من طريق أخرى قال حدثنا مشيخة لنا من جهينة أنّ النبي - ﷺ - كتب إليهم الحديث. رواه البخاري في تاريخه (^٢) وأبو حاتم في صحيحه (^٣).\nوسادسها: إذا حصل إسلام راويين معًا كإسلام خالد وعمرو بن العاص ﵄ وعلم أنّ أحدهما تحمل الحديث بعد إسلامه، فيرجح بخبره على الخبر الذي لا يعلم هل تحمله الآخر قبل الإسلام أو\n_________\n= (٤١٢٧ - ٤١٢٨)، والترمذي في السنن: ٤/ ٢٢٢، كتاب اللباس (٢٥)، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت (٧)، رقم (١٧٢٩)، وقال حديث حسن، وليس العمل على هذا عند أكثر أهل العلم، ورواه النسائي في المجتبى من السنن: ٧/ ١١٤٩، كتاب الفرع والعتيرة (٤١)، باب ما يدبغ به جلود الميتة (٥)، وابن ماجه في السنن: ٢/ ١١٩٤، كتاب اللباس (٣٢)، باب من قال لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب (٢٦) رقم (٣٦١٣).\n(^١) البرهان: ٢/ ١١٥٩ - ١١٦٠\n(^٢) ينظر: التاريخ الكبير للبخاري: ٧/ ١٦٧ رقم (٧٤٣).\n(^٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه بترتيب ابن بلبان: ٤/ ٩٨ رقم الحديث ١٢٧٧. قال: أخبرنا عبد الكبير بن عمر الخطابي بالبصرة بخبر غريب قال حدثنا بشر بن علي الكرماني قال حدثنا حسان بن إبراهيم قال حدثنا أبان بن تغلب عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم قال: \"كتب إلينا رسول الله - ﷺ - قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب\".","vol":"7","page":2802},{"text":"بعده؟ لأنّه أظهر تأخرًا (^١).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-589>(الخامس باللفظ </span>فيرجح الفصيح لا الأفصح والخاصّ وغير المخصص والحقيقة. والأشبه بها والشرعية ثم العرفية والمستغني عن الإضمار والدال على المراد من وجهين وبغير واسطة والمومئ إلى علة الحكم والمذكور معه معارضة والمقرون بالتهديد).\nالترجيح بحسب اللفظ يقع بأمور:\nالأول: فصاحةُ أحدِ اللفظين مع ركاكة الآخر، ومن النّاس من لم يقبل الركيك.\nوالحقّ قبوله (^٢)، وحمله على أنّ الراوي رواه بلفظ نفسه، فإنّه لا يشترط على الراوي بالمعنى أنْ يأتي بالمساوي في الفصاحة (^٣).\nالثاني: قال قوم يرجح الأفصح على الفصيح؛ لأنَّ النبي - ﷺ - كان\n_________\n(^١) \"وهذا يستقيم لو كان ذلك الخبر الذي وقع التعارض فيه على ما ذكر من الوصف، أو كان يعلم أن أكثر روايات أحدهما بعد إسلامه، فأما إذا لمن يكن على هذين الوجهين فلا يستقيم ذلك\". أفاده الهندي في نهايته: ٨/ ٣٦٩٨. وينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٦٩، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٩٦.\n(^٢) من ترجيحات السبكي. وهو ما رجحه أيضا في جمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ٣٦٦، ورفع الحاجب شرح مختصر ابن الحاجب: اللوحة ٣١٢/ أ - ٣١٣/ ب.\n(^٣) ينظر: فتح المغيث للسخاوي: ٣/ ١٢٧ - ٢٤٥، وتدريب الراوي ٢/ ٩٨ - ١٠٤، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٠٢، وشرح العبري: ص ٦٣٦، وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨٠٣ - ٨٠٤.","vol":"7","page":2803},{"text":"أفصحَ العربِ فلا ينطق بغير الأفصح.\nوالحقّ (^١) الذي جزم به في الكتاب أنَّه لا يرجح به؛ لأنَّ البليغ قد يتكلم بالأفصح، وقد يتكلم (^٢) بالفصيح، لا سيما إذا كان مع ذوي لغة لا يعرفون سوى تلك اللفظة الفصيحة؛ فإنّه يقصد إفهامهم (^٣).\nوقد روى عبد الرزاق عن معمر (^٤) عن الزهري عن صفوان بن عبد الله بن صفوان (^٥) عن أمّ الدرداء (^٦) عن كعب بن عاصم\n_________\n(^١) من ترجيحات السبكي.\n(^٢) (يتكلم): مطموسة في (ص).\n(^٣) ينظر الرأيان وتعليلهما في: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٢، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٠٢، وشرح العبري: ص ٣٦٣، ونهاية السول للإسنوي مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٩٧، وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨٠٤، وجمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ٣٦٦.\n(^٤) هو معمر بن راشد بن أبي عمرو الأزديّ، مولاهم أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ولد سنة ٩٥ وشهد جنازة الحسن البصري وطلب العلم وهو حدث، حدّث عن قتادة والزهري، وهمّام بن منبه، كان من أوعية العلم، مات في شهر رمضان سنة ١٥٢ هـ.\nينظر ترجمته في: طبقات خليفة: ص ٢٨٨، وسير أعلام النبلاء: ٧/ ٥ رقم (١)، وتقريب التهذيب: ص ٥٤١ (٦٨٠٩).\n(^٥) هو صفوان بن عبد الله بن صفوان بن أمية القرشي. ينظر ترجمته في: التقريب: ص ٢٧٧ رقم (٢٩٣٦).\n(^٦) أم الدرداء هجيمة وقيل جهيمة الأوصابية الحميرية الدمشقية السيدة العالمة الفقيهة، وهي أم الدرداء الصغرى، وأما الكبرى فهي خيرة بنت أبي حدرد لها صحبة. روت علمًا جمًّا عن زوجها أبي الدرداء وعن سلمان الفارسي، وكعب بن عاصم الأشعري وعائشة وأبي هريرة وطائفة، حدّث عنها مكحول ورجاء بن حيوة وزيد بن =","vol":"7","page":2804},{"text":"الأشعري (^١) قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ليس من أم بر أم صيام في أم سفر\" (^٢) وأراد \"ليس من البر الصيام في السفر\" (^٣) فأتى بهذه اللغة إذ خاطب بها أهلها وهي لغة الأشعريين (^٤) يقلبون اللام ميمًا.\nالثالث: يرجّح الخاص على العام لما تقدم في بابه (^٥).\nومن أمثلة الفصل رواية أبي هريرة - ﵁ - في الصحيحين أنّ رسول الله - ﷺ - علّم رجلًا الصلاة فقال: \"كبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن\" (^٦).\n_________\n= أسلم وغيرهم كثير. توفيت رحمها الله سنة ١٨١ هـ. ينظر: سير أعلام النبلاء: ٤/ ٢٧٧ - ٢٧٨ رقم (١٠٠)، التقريب: ص ٧٥٦ رقم (٨٧٢٨).\n(^١) هو كعب بن عاصم الأشعري والصحيح أنه غير أبي مالك الأشعري. ينظر ترجمته في: الإصابة: ٥/ ٣٠٣ - ٣٠٤ رقم (٧٤١).\n(^٢) وبهذا اللفظ وهذا الإسناد أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٤٣٤، والبيهقي في السنن الكبرى: ٤/ ٤٠٨ كتاب الصيام باب تأكيد الفطر في السفر (٥٦) رقم (٨١٥١، ٨١٥٢).\n(^٣) حديث ليس من البر الصيام في السفر متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه: ص ٣٦٩ كتاب الصوم (٣٠)، باب قول النبي - ﷺ - لمن ظلل عليه (٣٦) رقم (١٩٤٦)، ومسلم في صحيحه: ص ٤٣٢، كتاب الصيام (١٣) باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر (١٥) رقم (٩٢/ ١١١٥).\n(^٤) الأشعريون: هم بنو أشعر بطن من سبأ من القحطانية، وهم بنو أشعر بن سبأ. وينسب إليهم أبو موسى الأشعرى الصحابي، وقيل إن الأشعريين منسوبون إلى الأشعر بن أدد. ينظر: نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب، للقلقشندي: ص ٥١.\n(^٥) ينظر ص ١٤٨٠.\n(^٦) متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه: ص ١٥٧، كتاب الأذان (١٠) باب وجوب قراءة الإمام والمأموم (٩٥ رقم (٧٥٧)، وأخرجه مسلم في صحيحه: =","vol":"7","page":2805},{"text":"وقد احتج به الخصم على أنّ الفاتحة لا تتعين.\nولنا ما ثبت في الصحيحين من قوله - ﷺ -: \"لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" (^١) ورواه الدارقطني ولفظه: \"لا تجزي صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب\" (^٢) وهو أظهر في الدلالة؛ فإنّه صريح في نفي الصحة.\nالرابع: يقدّم العام الذي لم يخصص، على العام الذي خصّ، واستدل عليه الإمام بأن الذي دخله التخصيص، قد أزيل عن تمام مسمّاه (^٣).\n_________\n= ص ١٧٠ - ١٧١ كتاب الصلاة (٤) باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة .. (١١) رقم (٤٥/ ٣٩٧).\n(^١) سبق تخريجه قريبًا.\n(^٢) أخرجه الدارقطني في سننه: ١/ ٣٢١ - ٣٢٢، ثم قال: هذا إسناد صحيح. كما رواه ابن حبان بهذا اللفظ بغير الإسناد الذي روى به الدارقطني، عن أبي هريرة في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان: ٣/ ١٣٩ - ١٤٠، باب البيان بأن الخداج الذي قال رسول الله - ﷺ - في هذا الخبر هو النقص الذي لا تجزئ الصلاة معه .. رقم (١٧٨٦).\n(^٣) قال الآمدي في الإحكام ٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥ \"وعلى هذا فما كان عامًا من وجه وخاصًا من وجه يكون مرجّحًا على ما هو عام من كل وجه، وكذلك المطلق من وجه، مرجح على ما هو مطلق من كل وجه، وما هو منطوق من كل وجه مقدم على ما هو حقيقي من وجه دون وجه\".\nتنظر المسألة في: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٤٤، تشنيف المسامع للزركشي: ٣/ ٥٢٠ - ٥٢١، وشرح العبري على المنهاج: ص ٦٣٦، شرح الأصفهاني: ٢/ ٨٠٤، ونهاية السول مع حاشية المطيعي ٤/ ٤٩٧، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٠٢.","vol":"7","page":2806},{"text":"والحقيقة مقدّمة على المجاز.\nولقائل أنْ يقول: إذا كان الغالب أنّ كلّ عام مخصص، وأنَّه ما من عام إلا وقد خصّ، فالعمل بالمخصوص أولى؛ لأنّه التحق بالغالب فاطمأنت إليه النفس ولم ينتظر بعده تطرق التخصيص إليه، بخلاف الباقي على عمومه، فإنّ النّفس لا تستيقن ذلك.\nواعترض الهندي أيضًا بأنّ المخصوص راجح من حيث كونُه خاصًا بالنسبة إلى ذلك العام الذي لم يدخله التّخصيص والخاص أولى من العام (^١).\nالخامس: تترجح الحقيقة على المجاز لتبادرها إلى الذهن، فتكون أظهرَ دلالة من المجاز، وهذا إذا لم يكن المجاز غالبًا فإنْ غَلَب (^٢)، فقد سبق في موضعه (^٣).\nفإن قلت: المجاز المستعار أظهر دلالةً من الحقيقة فإنّ قولك: فلان بحر أقوى من قولك: فلان سخي.\nقلت: ليس المعنى من قولنا أظهر دلالة أقوى وأبلغ بل إنّ المتبادر فيها إلى الفهم أكثر كما عرفت ولا نسلم أنّ الاستعارة كذلك فضلًا عن أنْ تكون أظهر (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٤/ ١٦٤٥.\n(^٢) كان أظهر دلالة منها فلا تتقدم الحقيقة عليه. ينظر نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٠٣.\n(^٣) ينظر ص: ٨٠٨.\n(^٤) ينظر الاعتراض وجوابه في نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٠٣. والمحصول =","vol":"7","page":2807},{"text":"ولك أنْ تقول إذا ذكر المجاز بدون قرينة معينة مقيّدة بأنْ قيل ابتداءً: فلان بحر فهذا الجواب صحيح؛ لأنّه ليست دلالةُ هذا على الكرم أظهرَ من قولنا: سخيّ أو كريم (^١) كما ذكرتم؛ لأنَّ تسميته بالبحر متردد بين علمه الغزير وكرمه الكثير، فلا يتعين لواحد منهما إلا بقرينة. وأمّا إذا وجدت معه قرينة مخصصة معينة لذلك المعنى المجازي فالاستعارة كذلك، بل (^٢) أظهر دلالة، وذلك كقول القائل: رأيت أسدًا يرمي بالنّشاب أو (^٣) يفوه بالخطاب فإنّ لهذا دلالةً ظاهرةً أظهر وأقوى من قولك رأيت شجاعًا.\nالسادس: إذا تعارض خبران، ولم يمكن العملُ بأحدهما إلا بعد ارتكاب المجاز، ومجاز أحدهما أشبه بالحقيقة من مجاز الآخر فيرجح على ما ليس كذلك، وقد مرّ تمثيله في المجمل والمبين (^٤).\nالسابع: يرجَّحُ المشتملُ على الحقيقةِ الشرعيةِ على المشتملِ على العرفيةِ أو اللغويةِ (^٥)، ثم العرفيةُ مقدّمةٌ (^٦) على اللغويةِ (^٧)، كما عرفت في\n_________\n= للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٣.\n(^١) في (ت): أسخى أو أكرم.\n(^٢) (بل) ليس في (ص).\n(^٣) في (ص): أو سهم.\n(^٤) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٥، الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٤٠ - ٣٤١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٠٤.\n(^٥) قال الصفي الهندي في نهايته: ٨/ ٣٧٠٤ \"وهذا يستقيم إذا كان اللفظ واحدًا، لكن في أحد الخبرين يدل على المعنى الشرعي وفي الآخر على المعنى اللغوي، أما إذا كان لفظان أحدهما حقيقة شرعية في خبر، والآخر حقيقة لغوية في خبر آخر، ولم ينقله الشرع عن عرف اللغة إلى عرفه، فلا نسلم ترجح الحقيقة الشرعية على الحقيقة اللغوية، بل الحقيقة اللغوية أولى، وهذا لأنّ الحقيقة اللغوية إذا لم ينقلها الشرع فهي لغوية لا شرعية عرفية معًا لتقرير الشرع والعرف على المعنى اللغوي، بخلاف الحقيقة الشرعية فإنها شرعية فقط، وليس لغوى ولا عرفي، والنقل خلاف الأصل، فكان اللفظ اللغوي أولى\".\n(^٦) في (ت): متقدمة.\n(^٧) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٤، الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٤٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٠٤، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٩٨، وشرح العبري: ص ٦٣٧.","vol":"7","page":2808},{"text":"مكانه (^١).\nالثامن: يرجّح الخبر المستغني عن الإضمار في الدلالة على المفتقر إليه (^٢)؛ لكون الإضمار على خلاف الأصل (^٣).\nالتاسع: يقدّم الخبر الدال على المراد من وجهين على الدال عليه من وجه واحد لقوة الظنّ (^٤) الحاصل من الأول بتعدد جهة\n_________\n(^١) ينظر ص: ٨٠٨.\n(^٢) قال الآمدي في الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٤٠ \"فالذي لا يحتاج إلى ذلك أولى لقلة اضطرابه\".\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٤، الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٤٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٠٣، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٩٨، وشرح العبري: ص ٦٣٧ - ٦٣٨.\n(^٤) (الظن) ليس في (ت).","vol":"7","page":2809},{"text":"الدلالة (^١).\nالعاشر: يرجّح الخبر الدال على الحكم بغير وسط على ما يدل عليه بوسط لزيادة غلبة الظنّ بقلّة الوسائط (^٢).\nمثاله قوله - ﷺ -: \"أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل\" (^٣) فإنّه لا يدلّ على بطلان نكاحها إذا نكحت نفسها بإذن وليها\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٥، الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٤١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٠٥، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٩٨، وشرح العبري: ص ٦٣٨.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٨ - ٥٧٩، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٠٩، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٤٩٨ - ٤٩٩، وشرح العبري: ص ٦٣٨.\n(^٣) وتتمة الحديث: فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان وليّ من لا وليّ له\" والحديث مروي عن عائشة ﵂. أخرجه الشافعي في المسند: ٢/ ١١ في النكاح الباب الثاني فيما جاء في الولي: رقم (١٨، ١٩)، والطيالسي: ص ٢٠٦ رقم (١٤٦٣)، وعبد الرزاق في مصنفه: ٦/ ١٩٥، في النكاح، باب النكاح بغير ولي: رقم (١٠٤٧٢)، والحميدي في مسنده: ١/ ١١٢ - ١١٣ رقم (١٠)، وسعيد بن منصور: ١/ ١٤٨ - ١٤٩ في باب من قال لا نكاح إلا بولي رقم (٥٢٨، ٥٢٩)، وابن أبي شيبة في مصنفه: ٤/ ١٢٨ في النكاح باب من قال لا نكاح إلا بولي أو سلطان: وأحمد في المسند: ٦/ ١٦٦، ٦٦، والدارمي في السنن: ٢/ ٦٢، النكاح (١١) باب النهي عن النكاح بغير ولي (١١) رقم (٢١٩٠)، وابن ماجه في السنن: ١/ ٣٤٦ - ٣٤٧ باب لا نكاح إلا بولي (١٥) رقم (١٨٨٥)، وأبو داود في السنن: ٢/ ٥٦٦ - ٥٦٨ في النكاح (٦) باب في الولي (٢٠) رقم (٢٠٨٣)، والترمذي في سننه: =","vol":"7","page":2810},{"text":"إلا بواسطة الإجماع إذ يقال إذا بطل عند عدم الإذن بطل بالإذن (^١) لعدم القائل بالفصل وقوله - ﷺ -: \"الأيّم أحق بنفسها من وليها\" (^٢) يدلّ على صحة نكاحها إذا نكحت نفسها مطلقًا من غير واسطة فالحديث الثاني أرجح من هذا الوجه.\nالحادي عشر: الخبر المذكور مع (^٣) لفظ مومأً إلى علّته يرجّح على ما ليس كذلك لأنَّ الانقياد إليه أكثر من الانقياد إلى المذكور بغير علّة مثاله: تقديم قوله - ﷺ -: \"من بدّل دينه فاقتلوه\" (^٤) على (^٥) من روى نهيه - ﷺ - عن قتل النساء والصبيان (^٦) من جهة أنّ قوله من بدّل دينه إيماءً إلى أنّ (^٧) العلّة\n_________\n= ٣/ ٤٠٧ - ٤٠٨ في النكاح (٩) باب ما جاء لا نكاح إلا بولي (١٤) رقم (١١٠٢)، وابن الجارود في المنتقى من السنن المسندة في النكاح ٤٨٣٧، ٤٧٥٠، والدارقطني: ٣/ ٢٢١ رقم (١٠) والحاكم في المستدرك: ٢/ ١٦٨ وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى: ٧/ ١٠٥ في النكاح باب لا نكاح إلا بولي.\n(^١) في (ت): بالأول.\n(^٢) بقية الحديث: \"والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها\". أخرجه مسلم في صحيحه: ص ٥٥٨ كتاب النكاح (١٦) باب استئذان الثيب في النكاح بالنطق والبكر بالسكوت (٩) رقم (٦٦/ ١٤٢١).\n(^٣) في (ت): من لفظ.\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) (على) ليس في (ت).\n(^٦) أخرجه مسلم في صحيحه: ص ٧٢٣ في كتاب الجهاد والسير (٣٢) باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب (٨) رقم (٢٥/ ١٧٤٤).\n(^٧) (أنّ) ليس في (ت).","vol":"7","page":2811},{"text":"التبديل (^١).\nالثاني عشر: المذكور مع معارضه، أولى مما ليس كذلك.\nمثاله قوله - ﷺ -: \"كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها\" (^٢) فيرجّح على الخبر الدّال على تحريم زيارة القبور أو على كراهيتها من غير ذكر معارض معه مثل: \"لعن الله زوّارات القبور\" (^٣)، وذلك لأنَّ الترجيح الأوّل يقتضي النّسخ مرّة واحدة وترجيح الثاني يقتضي النّسخ مرتين لنسخ الثاني حينئذ إلّا من (^٤) المذكور في الأوّل ونسخ الأمر المذكور فيه النهي المخبر عنه فيكون مرجوحًا.\nومن أمثلته أيضًا رواية جَبَلَة بن سحيم (^٥) قال (^٦): كان ابن الزبير\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٥ - ٥٧٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٠٥، وشرح العبري: ص ٦٣٨.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) أخرجه الترمذي في سننه: ٣/ ٣٧١ كتاب الجنائز (٨) باب ما جاء في كراهية زيارة القبور للنساء (٦٢) رقم (١٠٥٦) وابن ماجه: ١/ ٥٠٢، في كتاب الجنائز (٦) باب ما جاء في النهي عن زيارة النساء للقبور (٤٩) رقم (١٥٧٦).\n(^٤) في (ص): الأمر.\n(^٥) في جميع النسخ جميلة بنت سحيم، وما أثبته أولى، لكونه يتفق وسند الحديث في كل الكتب التي أخرجت الحديث. وجَبَلَةُ هو: ابن سُحَيْم التيمي وقيل الشيباني من ثقات التابعين بالكوفة حدّث عن معاوية وابن عمر وعبد الله بن الزبير، وروى عنه حجاج بن أرطأة، وشعبة والثوري، وقيس، وآخرون. وثقه يحيى بن سعيد القطان، وابن معين. توفي سنة ١٢٥ هـ. ينظر ترجمته في: طبقات خليفة: ص ١٦١، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ٣١٥ رقم (١٥٢)، والتقريب: ص ١٣٨ رقم (٨٩٧).\n(^٦) في جميع النسخ قالت. بناء على التصحيف الذي وقع في الاسم. والصحيح ما أثبته.","vol":"7","page":2812},{"text":"يرزقنا التمر في الجهد، فيمر علينا ابن عمر فيقول: لا تقارنوا \"فإنّ رسول الله - ﷺ - نهى عن الإقران\" (^١)، مع رواية عطاء الخراساني (^٢) عن ابن بريدة (^٣) (^٤) عن أبيه (^٥) عن النبي - ﷺ -: \"كنت نهيتكم عن الإقران وإنّ الله قد أوسع عليكم الخير فاقرنوا\" (^٦) فهذا يدل على جواز إقران التمرتين فما\n_________\n(^١) بهذا اللفظ أخرجه مسلم في صحيحه: ص ٨٤٧ في كتاب الأشربة (٣٦) باب نهي الآكل مع جماعة عن قران تمرتين ونحوهما في لقمة إلا بإذن أصحابه (٢٥) رقم (١٥٠/ ٢٠٤٥)، وأخرجه البخاري فى صحيحه: ص ٤٧١ في كتاب الشركة (٤٧) باب القران في التمر بين الشركاء (٤) رقم (٢٤٨٩)، أخرجه مسلم في صحيحه: ص ٨٤٧.\n(^٢) هو عطاء بن أبي مسلم الخراساني المحدث الواعظ نزيل دمشق والقدس، أرسل عن أبى الدرداء وابن عباس والمغيرة بن شعبة وطائفة وروى عن ابن المسيب وعروة وعطاء بن أبي رباح، وابن بريدة، ونافع وغيرهم، وروى عنه شعبة ومالك وسفيان وحماد بن سلمة وعدد كثير. وثقه ابن معين. توفي بأريحا ودفن ببيت المقدس سنة ١٣٥ هـ. ينظر ترجمته في: تاريخ خليفة: ص ٣١٣، وسير أعلام النبلاء: ٦/ ١٤٠ - ١٤٣ رقم (٥٢)، وتقريب التهذيب: ص ٣٩٢ رقم (٤٦٠٠).\n(^٣) في (ت): عن زيد.\n(^٤) هو عبد الله بن بريدة بن الحصيب أبو سهل الأسلمي المروزي، أخو سليمان بن بريدة وكانا توأمين، ولد سنة ١٥ هـ حدث عن أبيه فأكثر، وعمران بن حصين وعائشة وأم سلمة وحدث عنه ابناه صخر وسهل وعطاء الخرساني وخلق سواهم. توفي ﵀ ١١٥ هـ. ينظر ترجمته في: طبقات خليفة: ص ٢١١، وسير أعلام النبلاء: ٥/ ٥٠ رقم (١٥)، وتقريب التهذيب: ص ٢٩٧ رقم (٣٢٢٧).\n(^٥) وأبوه هو بريدة بن الحصيب بن عبد الله أبو سهل الأسلمي الصحابي الجليل. ينظر ترجمته في: أسد الغابة، والاستيعاب، والإصابة: ١/ ١٥١ رقم (٦٢٩)\n(^٦) أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ، وهو في مسند البزار، وقال الحازمي =","vol":"7","page":2813},{"text":"فوقهما، وهو صريح في نسخ النّهي عنه، ولكن الشافعي - ﵁ - نصّ على تحريم الإقران بين التمرتين في غير موضع (^١)، وكأنَّه لم ير صحّة هذا الإسناد.\nالثالث عشر: المقرون بنوع من التهديد يرجّح لأنَّ اقترانه به يدلّ على تأكد الحكم الذي تضمنه كقوله - ﷺ -: \"من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم\" (^٢) وكذلك إذا كان في أحدهما زيادة تهديد (^٣).\n_________\n= حديث النهي أصح وأشهر، إلا أن الخطب فيه يسير؛ لأنه ليس من باب العبادات وإنما من قبيل المصالح الدنيوية فيكتفى فيه بمثل ذلك. وينظر: فتح الباري: ٩/ ٧١٤.\n(^١) ينظر: فتح العزيز شرح الوجيز للرافعي: ٨/ ٣٥٣.\n(^٢) أخرجه البخاري معلقًا في صحيحه: ص ٣٦٢ في كتاب الصوم (٣٠) باب قول النبي - ﷺ - إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا (١١). واخرجه عبد الرزاق في مصنفه: ٤/ ١٥٩ كتاب الصيام باب فصل ما بين رمضان وشعبان، رقم (٧٣١٨) والدارمي في السنن: ٢/ ٢، كتاب الصوم (٤) باب في النهي عن صيام يوم الشك (١)، وأبو داود في السنن: ٢/ ٧٤٩ - ٧٥٠ كتاب الصوم (٨) باب كراهية الصوم يوم الشك (١٠) رقم (٢٣٣٤) والترمذي في سننه: ٣/ ٧٠ كتاب الصوم (٦) باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك (٣)، رقم (٦٨٦)، والنسائي في المجتبى من السنن: ٤/ ١٥٣، كتاب الصيام (٧)، باب صيام يوم الشك (٣) رقم (١٦٤٥) وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه: ٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥، كتاب الصيام، باب الزجر عن صوم اليوم الذي يشك فيه (٣١) رقم (١٩١٤)، وأخرجه الحاكم في المستدرك: ١/ ٤٢٣ - ٤٢٤، كتاب الصوم، باب من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: ٤/ ٣٥٠ كتاب الصيام باب النهي عن استقبال شهر رمضان. . . رقم (٧٩٥٢).\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٨، نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٠٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٠٨، وشرح العبري: ص ٦٣٩.","vol":"7","page":2814},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-590>(السادس بالحكم </span>فيرجح المبقي لحكم الأصل؛ لأنَّه لو لم يتأخر عن الناقل لم يفد، والمحرم على المبيح لقوله - ﷺ -: \"ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال\" وللاحتياط ويعادل الموجب ومثبت الطلاق والعتاق لأنَّ الأصل عدم القيد ونافي الحدّ لأنّه ضرر (^١) لقوله - ﷺ -: \"ادرءوا الحدود بالشبهات\").\nالترجيح بحسب الحكم على وجوه:\nالأول: إذا كان أحد الخبرين مقررًا لحكم الأصل والثاني ناقلًا.\nفالجمهور على أنَّه يجب ترجيح الناقل (^٢).\nوذهب بعضهم واختاره الإمام وبه جزم المصنف: أنَّه يجب ترجيح المقرر (^٣).\nمثاله: خبر من روى عنه - ﷺ -: \"إذا مسّ أحدكم ذكره فليتوضأ\" (^٤)، وخبر من روى قوله - ﷺ -: \"هل هو إلا بضعة منك\" (^٥) فإنَّ الأوّل ناقل عن\n_________\n(^١) في (ت): هدر.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٩، والمسودة: ص ٣١٤، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٢٤، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧١٨.\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٩، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٠١.\n(^٤) سبق تخريجه.\n(^٥) رواه أحمد في مسنده: ٤/ ٢٢ رقم (١٦٣٢)، وابن حبان في صحيحه: ٣/ ٤٠٣ رقم (١١٢٠)، والدارقطني في سننه: ١/ ١٤٩ رقم (١٨) وشرح معاني الآثار: ١/ ٧٩.","vol":"7","page":2815},{"text":"حكم الأصل والثاني مقرر.\nوكذلك خبر من روى: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" (^١) مع من روى أنَّه - ﷺ - \"احتجم وهو صائم\" (^٢).\nواحتج المصنف على ما ذهب إليه، بأنّ حملَ الحديثِ على ما لا يستفاد إلَّا من الشرع أولى من حمله على ما يستقل العقل بمعرفته، فلو جعلنا المبقي (^٣) متقدّما على الناقل، لكان واردًا حيث لا يحتاج إليه؛ لأنَّا في ذلك الوقت نعرف ذلك بالعقل، ولو قلنا إنّ المبقي (^٤) ورد بعد الناقل لكان واردًا حيث يحتاج إليه فكان الحكم بتأخره أولى من الحكم بتقدمه عليه هذا تقريره.\n_________\n(^١) أخرجه الشافعي في المسند: ١/ ٢٥٥، كتاب الصوم، باب فيما يفسد الصوم وما لا يفسد، رقم (٦٨٥، وعبد الرزاق في المصنف: ٤/ ٢٠٩، كتاب الصيام، باب الحجامة للصائم، رقم (٧٥٢٠)، وأحمد في المسند: ٤/ ١٢٣، ١٢٤، ١٢٥، والدارمي في السنن: ٢/ ١٤، كتاب الصوم، باب الحجامة تفطر الصائم، وأبو داود في سننه: ٢/ ٧٧٢، كتاب الصوم (٨) باب في الصائم يحتجم (٢٨)، رقم (٢٣٦٩)، وابن ماجه في السنن: ١/ ٥٣٧، كتاب الصيام (٧)، باب ما جاء في الحجامة للصائم (١٨)، رقم (١٦٨١)، والبيهقي في السنن الكبرى: ٤/ ٤٤٠ كتاب الصيام، باب الحديث الذي روى في الإفطار بالحجامة (٨٢). رقم (٨٢٧٦).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه: ص ٣٦٨ في كتاب الصوم (٣٠) باب الحجامة والقيء للصائم (٣٢) رقم (١٩٣٨ - ١٩٣٩).\n(^٣) في (غ)، (ت): المنفي.\n(^٤) في (ت): النفي.","vol":"7","page":2816},{"text":"وحاصله أنَّه يختار تقدم الناقل وتأخر المقرر لكونه متضمنا للعمل بالخبرين بالناقل في زمان، وبالمقرر بعد ذلك، فإن كانت الصورة هكذا، وهي أنَّه يقرر حكم الناقل مدّة في الشرع عند المجتهد، وعمل بموجبه، ثمّ نقل له المقرر في الشرع، ولم يعلم التاريخ فما ذكره من الاحتجاج والترجيح ظاهر (^١).\nقال النقشواني: لكن ليست هذه الصورة بالتي فرض الخلاف فيها ولا يظن بهم المخالفة في ذلك وأمّا إن كانت الصورة على خلاف ذلك وهو أنّ (^٢) الثابت عند الجمهور مقتضى البراءة الأصلية، ونقل الخبرين (^٣) المقرر والناقل فلا يتأتى هذا الاحتجاج إذ يلزم تعطيل (^٤) الناقل بالكلية لعدم وقوع العمل به في شيء من المدّة بخلاف المقرر فإنّ الحكم العقلي يصير مستندًا إليه ويصير شرعيًا كذا ذكره النقشواني (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٨٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧١٩.\n(^٢) (أنّ) ليس في (ت).\n(^٣) في جميع النسخ (الخبران) وليس لها مسوغ نحوى فيما أعلم.\n(^٤) في (ت): تعليل.\n(^٥) وعبارة النقشواني في تلخيص المحصول لتهذيب الأصول: ٢/ ٩٨٥ \"لكن هذه الصورة ليست هي الصورة التي فرض الخلاف فيها، ولا أظنّ أنهم يخالفون في ذلك. وأما إذا كانت الصورة على خلاف ذلك وهو أن الثابت عند الجمهور مقتضى البراءة الأصلية فنقل الخبران أحدهما ناقل والآخر مقرر، فلا يتأتى فيه ما ذكره المؤلف من الاحتجاج والترجيح، إذ لو صرنا إلي ما يدعيه، تعطل الناقل بالكلية، إذ لم يقع العمل به أصلًا، لا في الماضي ولا في المستقبل، بل لا يقع العمل إلا بما لا =","vol":"7","page":2817},{"text":"ولقائل أنْ يقول: يتساقط الخبران بالتعارض ونرجع إلى البراءة الأصلية، ولا نقول إنّ الحكم العقلي صار شرعيًا، ولا نرجح أحد الخبرين لموافقته الأصل كما هو قضية تقرير الإمام والمصنف، ونحمل قولهم إن المقرر راجح على أنّ العمل بمضمونه ثابت (^١) بالدليل العقلي لا أنَّه قدّم لموافقته الدليل العقلي.\nالثاني: ذهب الأكثرون وبه جزم المصنف إلى ترجيح المقتضي للتحريم (^٢).\nوقال آخرون (^٣). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يفيد، إلا عن ما استفيد من دليل العقل، مع وجود ما يفيد من الأحكام، ما لا يستفاد إلا من الشرع، وهذا لا يجوز فهذا الإشكال وارد على احتجاج المؤلف\" اهـ. وهذا الذي ارتضاه السبكي من نجم الدين النقشواني كذلك ارتضاه الفتوحي في شرحه. ينظر شرح الكوكب المنير: ٤/ ٦٨٩.\n(^١) (ثابت) ليس في (ت).\n(^٢) وإليه ذهب من الحنفية أبو بكر الرازي، والكرخي، وهو مذهب الإمام أحمد بن حنبل. ينظر: فواتح الرحموت: ٢/ ٢٠٦، والعدة: ٣/ ١٠٤١، والروضة: ٣/ ١٠٣٥ والمستصفى: ٢/ ٣٩٨، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٨٧، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٥١، شرح العضد على مختصر ابن الحاجب: ٢/ ٣١٤، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٠٢، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٢٦ - ٣٧٢٧، وشرح العبري: ص ٦٤١.\n(^٣) كأبي هاشم من المعتزلة، وعيسى بن أبان، وبعض الشافعية، وبعض المالكية. ينظر: العدّة: ٣/ ١٠٤٢، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢٠٦، والمستصفى: ٢/ ٣٩٨، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٧٧، والمسودة: ص ٣١٢، والتمهيد لأبي الخطاب: ٣/ ٢١٤، =","vol":"7","page":2818},{"text":"بترجيح (^١) المقتضي الإباحة (^٢)؛ لأنَّ الإباحة تستلزم نفي الحرج الذي هو الأصل. وحكاهما الشيخ أبو إسحاق وجهين (^٣).\nوذهب الغزالي إلى أنّهما يستويان؛ لأنّهما حكمان شرعيان صدق الراوي فيهما على وتيرة واحدة (^٤).\nواحتج الأولون بوجهين ذكرهما في الكتاب:\nأحدهما: ما روي من قوله - ﷺ -: \"ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام الحلال\" (^٥) وهو حديث لا أعرفه.\n_________\n= والروضة: ٣/ ١٠٣٥، الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٥١.\n(^١) في (ص): يترجح.\n(^٢) المراد بالإباحة هنا جواز الفعل والترك، ليدخل فيها المكروه، والمندوب، والمباح. المصطلح عليه. كذا أفاده الإسنوي نقلا عن ابن الحاجب. ينظر نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٠٢، السراج الوهاج في شرح المنهاج: ٢/ ١٠٥١، والمعراج شرح المنهاج: ٢/ ٢٧١.\n(^٣) ينظر: اللمع: ص ١٢٠.\n(^٤) ينظر: المستصفى: ٢/ ٣٩٨.\n(^٥) حديث رواه جابر الجعفي عن الشعبي عن ابن مسعود به، قال البيهقي: فيه ضعف وانقطاع. وذلك لأن جابرًا ضعيف، والشعبي لم يدرك ابن مسعود. ونقل الحافظ السخاوي عن الحافظ العراقي أن هذا الحديث لا أصل له. وأخرجه من هذا الطريق عبد الرزاق في مصنفه وهو موقوف على ابن مسعود لا مرفوع. ينظر: المقاصد الحسنة: ص ٣٦٢ رقم (٩٤١)، وسنن البيهقي: ٧/ ٢٧٥ كتاب النكاح، باب الزنا لا يحرم الحلال رقم (١٣٩٦٩)، وتخريج أحاديث مختصر المنهاج للعراقي: ص ٣٠٧ رقم (٨٧)، والابتهاج فى تخريج أحاديث المنهاج لعبد الله الغماري: ص ٢٦٤.","vol":"7","page":2819},{"text":"والثاني: أنّ الأخذَ بالتحريمِ احتياطٌ؛ لأنَّ الفعلَ إن كان حرامًا، ففي ارتكابِه ضررٌ، وإنْ كان مباحًا، فلا ضررَ في تركهِ، وهذا ما (^١) اعتمد عليه الشيخ أبو إسحاق (^٢).\nولهذا إذا طلّق إحدى زوجتيه حرمتا إلى البيان (^٣).\nومن أمثلة الفصلِ: روى أحمد بن حنبل بطريقين متصلين أنّ رسول الله - ﷺ - قال: \"ما أسكر كثيره فقليله حرام\" (^٤) وروى الدارقطني بسنده: \"سئل النبي - ﷺ - عن النبيذ حلال أو حرام قال حلال\" (^٥) فيرجح الأوّل.\nالثالث: إذا ورد خبران مقتضى أحدِهما التحريم\n_________\n(^١) في (ت): مما اعتمد.\n(^٢) ينظر: شرح اللمع: ٢/ ٩٦٠.\n(^٣) وكذا لو أعتق إحدى إمائه، وكذا لو اشتبهت المنكوحة بالأجنبية، أو المذبوحة بالميتة، ففي هذه الصور كلها تغلب الحرمة على الحل.\nينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٢٩.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند: ٣/ ٣٤٣، وأخرجه أبو داود في السنن: ٤/ ٨٧، كتاب الأشربة (٢٠) باب النهي عن المسكر (٥) رقم (٣٦٨١)، وأخرجه الترمذي في السنن: ٤/ ٢٩٢، كتاب الأشربة (٢٧) باب ما جاء ما أسكر كثيره. . (٣) رقم (١٨٦٥)، وأخرجه ابن ماجه في السنن: ٢/ ١١٢٥، كتاب الأشربة (٣٠) باب ما أسكر كثيره. . . (١٠) رقم (٣٣٩٣) واللفظ لهم.\n(^٥) ولفظه عند الدارقطني: \"سئل النبي - ﷺ - عن النبيذ حلال هو أو حرام؟ قال: حلال\" ٤/ ٢٦٤ كتاب الأشربة وغيرها رقم (٨٧). ثم قال الدارقطني: عبد العزيز بن أبان متروك الحديث.","vol":"7","page":2820},{"text":"والآخر الإيجاب.\nفذهب المصنف إلى التسوية بينهما وإليه أشار بقوله: \"ويعادل الموجب\" أي يعادل الخبر المحرِّم الخبر الموجب (^١)؛ لأنّ المحرّم يقتضي استحقاق العقاب على الفعل كتضمن الموجب العقاب على الترك (^٢).\nورجّح آخرون المقتضي للتحريم؛ لأنَّ المحرِّم يستدعي دفع المفسدة، وهي أهمّ من جلب المصلحة وبه جزم الآمدي (^٣).\nومن أمثلة الفصل ما روى نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله - ﷺ - \"إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غمَّ عليكم فاقْدُرُوا له\" (^٤)\nقال نافع: فكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يبعث من\n_________\n(^١) (الخبر الموجب) ليس في (ت).\n(^٢) وهو رأي الإمام وأتباعه. ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٨٧ - ٥٨٨، وشرح الأصفهاني على المنهاج: ٢/ ٨٠٧، وشرح المنهاج للعبري: ص ٦٤١، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٠٣، والسراج الوهاج في شرح المنهاج: ٢/ ١٠٥١، ومعراج المنهاج: ٢/ ٢٧١.\n(^٣) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٥٢، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٥.\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه: ص ٣٦٢ في كتاب الصوم (٣٠) باب قول النبي - ﷺ - إذا رأيتم الهلال فصوموا (١١) رقم (١٩٠٧). وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الصيام (١٣) باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر لرؤية الهلال. . (٢) رقم (٩/ ١٠٨٠).","vol":"7","page":2821},{"text":"ينظر، فإن رُئِيَ، فذاك، وإن لم يُرَ ولم يحل دون منظره سحاب ولا قَتَرٌ، أصبح مفطرًا، وإنْ حال دون منظره سحابٌ أو قترٌ أصبح صائمًا (^١).\nوهذا يستدل به من يقول بوجوب صوم يوم الشك ويعارضه خصمه بما روي عن عمار بن ياسر: \"من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -\" (^٢) قال الترمذي: حديث صحيح (^٣).\nومنها ما روي من قوله - ﷺ -: \"في مال اليتيم زكاة\" (^٤) إذ يدل على أنَّه يجب على الولي إخراجها مع قوله - ﷺ -: \"رفع القلم عن ثلاث\" (^٥) إذ\n_________\n(^١) هذه الزيادة أخرجها الإمام أحمد في المسند (الموسوعة الحديثية) شارك في تحقيقه مجموعة من العلماء: ٨/ ٧١ رقم (٤٤٨٨) مسند عبد الله بن عمر.\n(^٢) سبق تخرجه قريبًا.\n(^٣) سنن الترمذي: ٣/ ٧٠ كتاب الصوم (٦) باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك (٣)، رقم (٦٨٦).\n(^٤) أخرجه الدارقطني في سننه: ٢/ ١١٠، كتاب الزكاة، باب وجوب الزكاة في مال الصبي واليتيم، الحديث رقم (٣)، والحديث متكلم فيه، فهو حديث ضعيف. ولمزيد من التفصيل ينظر: نصب الراية: ٢/ ٣٣١ - ٣٣٢.\n(^٥) أخرجه البخاري معلقًا في صحيحه: ص ١٠٤٣ في كتاب الطلاق (٦٨) باب الطلاق في الإغلاق والكره (١١) فقال: وقال عليٌّ: أم تعلم أن القلم رفع. . .، وأخرجه أبو داود في سننه: ٤/ ٥٦٠، كتاب الحدود (٣٢) باب في المجنون يسرق (١٦) رقم (٤٤٠٣)، وأخرجه الترمذي في السنن: ٤/ ٣٢، كتاب الحدود (١٥) باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد (١) رقم (١٤٢٣) واللفظ له، وأخرجه ابن ماجه في السنن: ١/ ٦٥٨، كتاب الطلاق (١٠) باب طلاق المعتوه. . . (١٥) رقم (٢٠٤١)، وأخرجه الحاكم في المستدرك: ١/ ٢٥٨، كتاب الصلاة باب رفع القلم =","vol":"7","page":2822},{"text":"يدلّ على عدم الوجوب، وإذا لم تجب حرُم على الولي إخراجها؛ لأنّه لا يتصرف إلا (^١) بالمصلحة والغبطة (^٢).\nوذكر القاضي أبو بكر في مختصر التقريب باختصار إمام الحرمين في تعارض العلّة المقتضية للإيجاب مع العلّة المقتضية للندب أنّ بعضهم قدّم الإيجاب.\nقال: وفي هذا نظر فإنّ الوجوب فيه قدر زائد على الندب والأصل عدمه (^٣).\nالرابع: إذا كان أحد الخبرين مثبتا للطلاق أو العتاق، والآخر نافيًا له.\nفمنهم من قدّم المثبت على النافي؛ لأنَّ الأصل عدم القيد أي قيد النّكاح، وقيد الرقبة فما دلّ على ثبوت الطلاق أو العتاق فقد دلّ على زوال قيد النكاح أو ملك اليمين فكان موافقًا للأصل، فليرجح، وهذا ما جزم به المصنف (^٤).\n_________\n= عن ثلاث. . وقال صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.\n(^١) في (ت): لأنه يتصرف بالمصلحة.\n(^٢) الغبطة: حسن الحال (المصباح المنير: ص ٤٤٢ مادة: \"غبط\".\n(^٣) ٣/ ٣٣٠، وإن كانت عبارة التلخيص مقتضبة والذي نقله السبكي يؤيده ما نقله صاحب البحر المحيط أيضا: ٦/ ١٧٢.\n(^٤) وهو مذهب الكرخي وابن الحاجب، ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٥٤، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٢، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٠٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٣٣ - ٣٧٣٤، وفواتح الرحموت: ٢/ ٢٠٦.","vol":"7","page":2823},{"text":"ومنهم من قدّم النافي؛ لكونه على وفق الدليل المقتضي لصحة النّكاح، وإثبات ملك اليمين (^١).\nوهذا هو الصحيح عندي (^٢).\nوقولهم الأصل (^٣) عدم القيد لا يصح مع ثبوت وجوده فإنّ الأصل بعد ثبوت وجوده إنما هو بقاؤه.\nومنهم من سوّى بينهما (^٤).\nوتجري هذه الأقوال في تعارض الخبر المثبت والنافي في غير الطلاق والعتاق أيضًا كخبر بلال: \"دخل النَّبي - ﷺ - البيْتَ وصلَّى فيه\" (^٥) وخبر\n_________\n(^١) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٥٤، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٠٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٣٣ - ٣٧٣٤.\n(^٢) من ترجيحات السبكي ومخالفته للبيضاوي.\n(^٣) (الأصل) ليس في (ت).\n(^٤) وهو قول القاضي عبد الجبار من المعتزلة. حكاه الآمدي في الإحكام: ٤/ ٣٥٤، وينظر: المعتمد: ٢/ ٦٨٤، والمسودة: ص ٣١٤، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٣٤.\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه: ص ١١٦ عن ابن عمر قال: \"دخل النبي - ﷺ - البيتَ وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة، وبلال فأطال، ثم خرج، وكنت أوّل النّاس دخل على أثره، فسألت بلالًا أين صلى؟ قال بين العمودين المقدمين\" كتاب الصلاة (٨) باب الصلاة بين السواري في غير جماعة (٩٦) رقم (٥٠٤ - ٥٠٥). وأخرجه مسلم في صحيحه: ص ٥٢٥ كتاب الحج (١٥) باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره والصلاة فيها والدعاء في نواحيها كلّها (٦٨) رقم (٣٩١/ ١٣٢٩).","vol":"7","page":2824},{"text":"أسامة: \"لم يصل فيه\" (^١).\nونقل إمام الحرمين هنا عن جمهور الفقهاء ترجيح الإثبات، ثم قال: وهو يحتاج إلى مزيد تفصيل عندنا، فإنْ كان الذي ينقله الناقل إثبات لفظ عن رسول الله - ﷺ - مقتضاه النفي، فلا يرجح على ذلك اللفظ المتضمن للإثبات؛ لأنَّ كلّ واحد من الراويين مثبت فيما ينقله.\nومثاله أن ينقل أحد الراويين أنَّه أباح شيئا وينقل الآخر أنَّه قال لا يحل، وأمّا إذا نقل أحدهما قولًا أو فعلًا ونقل الآخر أنَّه لم يقله ولم يفعله فالإثبات مقدم، لأنَّ الغفلة تتطرق إلى المصغي المستمع وإن كان محدثًا، والذهول عن بعض ما يجري أقرب من تخيل شيء لم يجر له ذكر (^٢).\nوهذا التفصيل حق ولا يتجه معه خلاف في الحالتين بل ينبغي حمل كلام القائل بالاستواء على الحالة الأولى. والقائل بتقديم الإثبات على الثانية، ولا يجعل في المسألة خلاف.\nنعم قد يقال في الحالة الثانية بعدم ترجيح الإثبات إذا كان النفي\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه: ص ٥٢٥، عن ابن جريج قال: \"قلت لعطاء: أسمعت ابن عباس يقول: إنما أمرتم بالطواف ولم تؤمروا بدخوله؟ قال: لم يكن ينهى عن دخوله، ولكني سمعته بقول: أخبرني أسامة بن زيد، أن النبي - ﷺ - لما دخل البيت دعا نواحيه كلّها، ولم يصلِّ فيه، حتى خرج فلما خرج ركع في قبل البيت ركعتين، وقال هذه القِبْلَة. . .\" كتاب الحج (١٥) باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره والصلاة فيها والدعاء في نواحيها كلّها (٦٨) رقم (٣٩٥/ ١٣٣٠).\n(^٢) البرهان للجويني: ٢/ ١٢٠٠ - ١٢٠١.","vol":"7","page":2825},{"text":"محصورًا كخبر أسامة، فإنّ قوله: \"لم يصل\" نفي محصور، في وقت يمكن نفي الفعل فيه، فهذا له احتمال.\nالخامس: يُرَجَّحُ الخبر النافي للحدِّ على الموجب له (^١).\nخلافا لقوم (^٢).\nواستدل عليه المصنف بأن الحدّ مُدْرَأٌ بقوله - ﷺ -: \"ادرءوا الحدود بالشبهات\" (^٣) وهذا الحديث لا يعرف بهذا اللفظ إلا في مسند أبي حنيفة لأبي محمد البخاري (^٤)، وروى الترمذي: \"ادرءوا الحدود عن المسلمين ما\n_________\n(^١) وهو قول الأكثرين منهم البيضاوي تبعا للإمام، وابن الحاجب والآمدي، وغيرهم، وضعفه الغزالي. ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٠، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٩٨، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٥٦، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٥ - ٣١٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٣٥، نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٠٦، شرح العبري: ص ٦٤٢، ومعراج المنهاج: ٢/ ٢٧٢، والسراج الوهاج: ١٠٥١.\n(^٢) وهم المتكلمون كما صرح صاحب النهاية: ٨/ ٣٧٣٥، القائلون إنهما سواء ورجحه الغزالي في المستصفى: ٢/ ٣٩٨ حيث قال: \"الخبر الذي يدرأ الحد لا يقدم على الموجب وإن كان الحد يسقط بالشبهة وقال قوم الرافع أولى وهو ضعيف\". وينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٠، وتشنيف المسامع للزركشي: ٣/ ٥٣٠.\n(^٣) في مسند أبي حنيفة للحارث (أبو محمد البخاري) من طريق مقسم عن ابن عباس مرفوعًا بهذا. ينظر: الابتهاج في تخريج أحاديث المنهاج للغماري: ص ٢٦٤، والتلخيص الحبير: ٤/ ١٣٧٠.\n(^٤) عبد الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث بن خليل، الحارثي البخاري الكلابذي الحنفي، أبو محمد المشهور بعبد الله الأستاذ. الفقيه العلامة عالم ما وراء النهر، =","vol":"7","page":2826},{"text":"استطعتم\" (^١) ثم صحح أنَّه موقوف.\nووجه الحجّة: أنّ الخبر المعارض لوجوب الحدِّ، أقلّ درجاتِه أنْ يكون شبهةً، والشبهةُ تَدْرأ الحدَّ؛ للحديث.\nفائدة: الخلاف في أنَّه هل يرجّح النافي للحدّ جار في أنَّه هل ترجّح العلّة المثبتة للعتق على النافية له لتشوف الشارع إلى العتق ذكره ابن السمعاني (^٢).\n_________\n= مولده سنة ٢٥٨ هـ ألف مسندًا لأبي حنيفة الإمام، وتعب عليه، وله كتاب كشف الآثار في مناقب أبي حنيفة، توفي ﵀ في شوال سنة ٣٤٠ هـ. ينظر: تاريخ بغداد: ١٠/ ١٢٦ - ١٢٧ رقم (٥٢٦٢)، وسير أعلام النبلاء: ١٥/ ٤٢٤ رقم (٢٣٧)، وتاج التراجم: ص ٣٠ - ٣١، والطبقات السنية: رقم (١١٠٧)، والجواهر المضيئة: ٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥ رقم (٧٣٤).\n(^١) أخرجه الترمذي عن عائشة مرفوعًا: ٤/ ٢٥ في كتاب الحدود (١٥)، باب ما جاء في درء الحدود (٢) رقم (١٤٢٤) ولفظه: \"ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإنّ الإمام أن يخطيءَ في العفو خير من أن يخطيء في العقوبة\"، وأخرجه الدارقطني في سننه، والبيهقي: ٨/ ٤١٣ - ٤١٤ في كتاب الحدود، باب ما جاء في درء الحدود بالشبهات (٣١)، رقم (١٧٠٥٧)، وأخرجه الحاكم في المستدرك: ٤/ ٤٢٦ في كتاب الحدود (٤٦)، رقم (٨١٦٣/ ١٤٠)، قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في التلخيص وقال: قال النسائي: يزيد بن زياد شامي متروك، وينظر: التلخيص الحبير: ٤/ ١٣٦٩ رقم (١٧٥٥)، ونصب الراية: ٣/ ٣٠٩، وتخريج أحاديث مختصر المنهاج للعراقي: ص ٣٢، والابتهاج تخريج أحاديث المنهاج لعبد الله الغماري: ص ٢٦٥.\n(^٢) قال ابن السمعاني في القواطع تحقيق علي عباس الحكمي: ٤/ ٤٣٢ \"والثامن عشر: أن تكون إحداها توجب حدًا، والأخرى تسقطه أو إحداهما توجب العتق، =","vol":"7","page":2827},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-591>(السابع بعمل أكثر السلف)</span>\nالترجيح بالأمر الخارجي على وجوه: اقتصر منها في الكتاب على عمل أكثر السلف.\nفالمختار (^١) ترجيح أحد الخبرين بعمل أكثر السلف به (^٢)؛ لأنَّ الأكثر يوفق للصواب ما لا يوفق له الأقلّ، وهذا ما جزم به المصنف (^٣).\nومنع قوم من حصول الترجيح به؛ لأنّه لا حجّة في قول الأكثر (^٤).\n_________\n= والأخرى تسقطه، فمن أصحابنا من قال: التي توجب العتق والتي تسقط الحد أولى؛ لأن العتق مبني على الإيقاع والتكميل، والحدّ مبني على الإسقاط والدرء. ومن أصحابنا من قال: لا يترجح بما بيّنا؛ لأن إيجاب الحدّ وإسقاطه والعتق والرق في حكم الشرع على السواء\".\n(^١) لم يرجح الإمام شيئًا بل نقل الترجيح بدلًا عن عيسى بن أبان فقط، ثم نقل عن آخرين أنه لا يفيد ترجيحًا لكونه ليس بحجة، وذكر صاحب الحاصل نحوه. ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٢، والحاصل: ٢/ ٩٨٨، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٠٧.\n(^٢) قال الإسنوي في نهاية السول: ٤/ ٥٠٧ \"والتعبير بأكثر السلف عبر به الإمام وهو يقتضي أن ما دون ذلك لا يحصل به الترجيح، وهو مخالف لما جزم به الآمدي، واقتضاه كلام ابن الحاجب، وهذا في غير الصحابة. أما الصحابة فإن قول بعضهم كاف في الرجحان كما جزم به الإمام\". وينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٢، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٤.\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٥٩، شرح العبري: ص ٦٤٣، نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٠٧.\n(^٤) المصادر نفسها.","vol":"7","page":2828},{"text":"ومن فروع (^١) المسألة: التقديم بعمل الشيخين ولذلك قدمنا رواية من روى في تكبيرات العيدين سبعًا وخمسًا (^٢) على رواية من روى أربعًا كأربع الجنائز (^٣)؛ لأنَّ الأوّل قد عمل به أبو بكر وعمر.\nوقد بقيت مرجحات أخر في كل قسم من الأقسام السبعة أهملها المصنف فتابعناه في ذلك؛ لأنَّ الخطب فيها يسير، وهل المدار إلا على زيادة ظنّ بطريق من الطرق، وقد انفتحت (^٤) أبوابها بما ذكرناه، فلا يحتاج الفطن من بعده إلى مزيد تطويل، ففيما ذكرناه إرشاد عظيم لما لم نذكره.\n_________\n(^١) في (ت): وقوع.\n(^٢) روي أنه - ﷺ - كان يكبر في الفطر وفي الأضحى في الأولى سبعًا وفي الثانية خمسًا، أخرجه الترمذي في سننه من رواية كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده: ٢/ ٤١٦، أبواب الصلاة، باب ما جاء في التكبير في العيدين (٣٨٦) رقم (٥٣٦)، وأخرجه ابن ماجه في السنن: ١/ ٤٠٧، كتاب إقامة الصلاة، (٥) باب ما جاء في كم يكبر الإمام في صلاة العيدين (١٥٦) رقم (١٢٧٩)، وأخرجه الدارقطني في سننه: ٣/ ٢٨٦، وابن عدي في الكامل: ٦/ ٥٨، ورواه البيهقي في السنن الكبرى: ٣/ ٤٠٣ كتاب صلاة العيدين، باب التكبير في صلاة العيدين (١٢) رقم (٦١٧١، ٦١٧٢) وينظر: تلخيص الحبير: ٢/ ٦١٤ رقم (٦٩١).\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند: ٤/ ٤١٦ ضمن مسند أبي موسى الأشعري - ﵁ -، وأخرجه أبو داود في السنن: ١/ ٦٨٢، كتاب الصلاة (٢) باب التكبير في العيدين (٢٥١)، رقم (١١٥٣)، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى: ٣/ ٤٠٩ كتاب صلاة العيدين، باب ذكر الخبر الذي روى في التكبير أربعًا (١٣) رقم (٦١٨٣، ٦١٨٤). وينظر: التلخيص الحبير: ٢/ ٦١٦.\n(^٤) في (ص): انتحت.","vol":"7","page":2829},{"text":"الباب الرابع: ترجيح الأقيسة","vol":"7","page":2831},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-592>(الباب الرابع: في تراجيح الأقيسة</span>.\nوهي بوجوه:<span data-type=\"title\" id=toc-593> الأوّل: بحسب العلّة فترجح المظنة ثم الحكمة ثم الوصف الإضافي ثمّ العدمي ثم الحكم الشرعي والبسيط والوجودي للوجودي والعدمي للعدمي)</span>.\nقال إمام الحرمين ﵀: هذا الباب هو الغرض الأعظم من الكتاب وفيه تنافسُ القيَّاسيين (^١)، وفيه اتساع الاجتهاد (^٢).\nواعلم أنّ ترجيح الأقيسة بوجوه (^٣):\nالأول: بحسب العلّة: وهو مفرع على جواز التعليل بكلّ واحد من الأوصاف التي نذكرها وذلك خمسة أمور:\nأولها: يرجح القياس المعلل بالوصف الحقيقي الذي هو مظنة الحكمة على القياس المعلل بنفس الحكمة للإجماع بين القياسيين على صحة التعليل\n_________\n(^١) وفي البرهان: ٢/ ١٢٠٢ \"تنافس القيَّاسون\".\n(^٢) البرهان: ٢/ ١٢٠٢.\n(^٣) لما فرغ الشارح من ترجيح الأخبار شرع في ترجيح الأقيسة وهي على وجوه ذكر منها خمسة:\n١ - ما يكون بحسب ماهية العلّة.\n٢ - وما يكون بحسب ما يدلّ على العلّة.\n٣ - وما يدلُّ على ثبوت الحكم في الأصل.\n٤ - وما يكون بحسب كيفية الحكم.\n٥ - وما يكون بحسب محال العلّة.","vol":"7","page":2833},{"text":"بالمظنّة (^١).\nومن أمثلته ترجيح التعليل بالسفر الذي هو مظنة المشقة على التعليل بنفس المشقة.\nوثانيها: يرجح التعليل بالحكمة على التعليل بالوصف العدمي؛ لأنَّ العدم لا يكون علّة إلَّا إذا علم اشتماله على الحكمة، فالدّاعي إلى شرع الحكم في الحقيقة إنّما هو الحكمة، فإذا كانت العلّة الحكمة لا ذلك العدم كان التعليل بها أولى (^٢).\nفإنْ قلت: قضية هذا أنْ يرجح التعليل بالحكمة على التعليل بالوصف الحقيقي.\nقلت: نعم، ولكن التعليل بالحقيقي راجح من جهة كونه منضبطًا، ولذلك وقع الاتفاق عليه (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٥، الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٧١، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٧، شرح تنقيح الفصول: ص ٤٣٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٤٨، شرح العبري: ص ٦٤٤، شرح الأصفهاني: ٢/ ٨١١ - ٨١٢.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٥، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٧١، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٧، شرح تنقيح الفصول: ص ٤٢٦، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١١، وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨١٢، وشرح العبري: ص ٦٤٥، ومعراج المنهاج: ٢/ ٢٧٣، والسراج الوهاج شرح المنهاج: ٢/ ١٠٥٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٤٨.\n(^٣) ينظر الاعتراض والإجابة عنه في: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٤٨.","vol":"7","page":2834},{"text":"قوله: \"ثم الوصف الإضافي\".\nاعلم أنّ هذا ساقط في (^١) بعض النسخ ولإسقاطه وجه وجيه لدخوله تحت العدمي، إذ الإضافات من الأمور العدمية، وقد قررنا أنّ التعليل بها مرجوح، ولإثباته وجه من جهة أنَّه مختلف في كونه وجوديًا، فيكون مرجوحًا بالنسبة إلى المتفق على كونه وجوديًا (^٢).\nومثال تعارض التعليل بالحكمة والوصف (^٣) الإضافي أنْ يقول القائل: في النكاح بلا ولي: ناقضة بالأنوثة، فلا ينفذ منها عقد النكاح كالصغيرة، فيكون أولى منه أنْ يقول: قلّة العقل والدّين مع فرط الشهوة حكمة تقتضي أنْ تسلب الولاية، فإنّ هذا تعليل بالحكمة وذاك بالنقصان وهو أمر إضافي.\nوثالثها: - وإن شئت قلت: رابعها على تقدير صحة إحدى النسختين - يرجح القياس المعلل حكمه بالوصف العدمي على المعلل حكمه بالحكم الشرعي؛ لأن التعليل بالعدمي يستدعي كونه مناسبًا للحكم، والحكم الشرعي لا يكون علّة إلا بمعنى الأمارة، والتعليل بالمناسب أولى من التعليل بالأمارة.\nوهذا ما اختاره المصنف وصاحب التحصيل (^٤) وصفي الدين\n_________\n(^١) في (ت): من.\n(^٢) هذا التنبيه على السقوط نبه إليه الإسنوي أيضا في نهاية السول: ٤/ ٥١١.\n(^٣) في (ت): بالوصف.\n(^٤) ينظر: التحصيل لسراج الدين الأرموي: ٢/ ٢٧١.","vol":"7","page":2835},{"text":"الهندي (^١) والإمام ذكر في المسألة احتمالين ولم يرجح شيئا. أحدهما هذا. والثاني عكسه، قال: لأنَّ الحكم الشرعي أشبه بالموجود (^٢).\nفإن قلت: لا نسلم ذلك، وهذا لأنَّ الأحكام الشرعية أمور اعتبارية بدليل أنَّه يجوز تبدلها وتغيرها (^٣) بحسب الأشخاص والأزمان والأمور الاعتبارية أمور عدمية.\nقلت: لما كان الحكم هو الخطاب المتعلق ولا شك أنّ الكلام أمر وجودي سقط هذا (^٤).\nورابعها: يرجح المعلل بالحكم الشرعي على المعلل حكمه بغيره مما عدا الأقسام المذكورة، كالوصف التقديري (^٥) مثلا لكون التقديري على خلاف الأصل (^٦).\nوخامسها: المعلل بالبسيطة (^٧) مرجح على المعلل بالمركبة، وهذا هو\n_________\n(^١) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٤٩.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٧.\n(^٣) في (ت): وبغيرها.\n(^٤) ينظر الاعتراض والإجابة عنه في: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٥١.\n(^٥) في (ت): العدمي.\n(^٦) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٥، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٧١، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٧، شرح تنقيح الفصول: ص ٤٢٦، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١٢، وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨١٢، وشرح العبري: ص ٦٤٥، ومعراج المنهاج: ٢/ ٢٧٣، والسراج الوهاج شرح المنهاج: ٢/ ١٠٥٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٤٨.\n(^٧) عبر عنها الإمام بالمفردة بدل البسيطة. المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٨.","vol":"7","page":2836},{"text":"الذي جزم به المصنف، وهو رأي المتأخرين، وعليه الجدليون (^١) وعلل بأمرين (^٢):\nأحدهما: أنّ البسيطة تكثر فروعها وفوائدها.\nوالآخر: أنّ الاجتهاد يقلّ فيها وإذا قلّ الاجتهاد قلّ الحظر له (^٣).\nوقال بعضهم بترجيح المركبة (^٤).\nوقيل: هما سواء. قال القاضي في التلخيص لإمام الحرمين: ولعله الصحيح (^٥).\nوقد اعترض إمام الحرمين على ما اعتل به الأوّلون، بأنّه لا ترجيح بكثرة الفروع، ثمّ إنّه رُبَّ علَّة ذات وصف لا يلزم (^٦) فروعها، وربما\n_________\n(^١) ينظر: البرهان للجويني: ٢/ ١٢٨٢، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٨، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٧٥، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٧، شرح تنقيح الفصول: ص ٤٢٦، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١١، وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨١٢، وشرح العبري: ص ٦٤٥، ومعراج المنهاج: ٢/ ٢٧٣، والسراج الوهاج شرح المنهاج: ٢/ ١٠٥٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٥١ - ٣٧٥٢.\n(^٢) وعللها الآمدي في الإحكام: ٤/ ٣٧٥ \"بأنه أقرب إلى الضبط وأبعد عن الخلاف\".\n(^٣) ينظر التعليلان في: البرهان للجويني: ٢/ ١٢٨٦.\n(^٤) ينظر: التلخيص للجويني: ٣/ ٣٢٩ وقال: \"ومن الناس من قدم المركبة على ذات وصف. وهذا بعيد جدًا\".\n(^٥) التلخيص للجويني: ٣/ ٣٢٩، وعلله بقوله: \"فإنّ سبيل العلل السمعية سبيل الأمارات ويجوز تقدير وصفين أمارة. كما يجوز ذلك في الوصف الواحد\".\n(^٦) في (ت): تكثر.","vol":"7","page":2837},{"text":"كانت قاصرة (^١).\nوأمّا ترجيح البسيطة بقلّة الاجتهاد فقول ركيك إذ النظر في الأدلة وترجيح بعضها على بعض لا يتلقى من جهة الحظر.\nقال: والذي يحقق هذا أنّ صاحب العلّة ذات الوصف الواحد إذا لم يناظر في ذات الوصفين فاجتهاده قاصر وهو على رتبة المقلدين أو المقتصرين على طرف من الاجتهاد، وإن ناظر في ذات الوصفين ولم ير التعلق بهما فقد كثر اجتهاده وتعرض للغرور ولكن أدّى اجتهاده إلى النفي وإن رأى ذات الوصف صحيحة فذات الوصفين عنده عديمة التأثير في أحد وصفيها وكلّ ذلك بعد نهاية الاجتهاد فسقط الركون إلى قلّة الاجتهاد وتبين أنّ اقتحام النظر حتم على من يجتهد (^٢).\nومن أمثلة الفصل (^٣): قول الشافعي في الجديد العلّة الطعم في الأشياء الأربعة مع ضمّه في القديم التقدير إلى الطعم (^٤)\nوسادسها: يرجح القياس الذي يكون فيه الوصف وجوديًا، والحكم\n_________\n(^١) البرهان للجويني: ٢/ ١٢٨٦ - ١٢٨٧.\n(^٢) المصدر السابق: ١٢٨٨ - ١٢٨٩.\n(^٣) ينظر هذا المثال في: المصدر نفسه: ٢/ ١٢٨٧.\n(^٤) وقال الرافعي في العزيز شرح الوجيز: \"فأما الأشياء الأربعة فللشافعي - ﵁ - قولان: في علّة الربا فيها: الجديد: أن العلّة هي الطعم، لما روى معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"الطعام بالطعام مثل بمثل\"، علّق الحكم باسم الطعام، والحكم المعلق بالاسم المشتق معلل بما منه الاشتقاق، كالقطع المعلّق باسم السارق، والجلد المعلّق باسم الزاني. والقديم: أنّ العلّة فيها الطعم، مع الكيل والوزن\".","vol":"7","page":2838},{"text":"وجوديًا على ما إذا كان أحدهما عدميًا، أو كانا عدميين، ويرجح تعليل العدمي بالعدمي على ما إذا كان أحدهما وجوديًا هذا حاصل ما في الكتاب (^١).\nفقوله: \"والوجودي للوجودي\" أي: ويرجح الوصف الوجودي لتعليل الحكم الوجودي على الأقسام الثلاثة.\nوقوله: \"ثم العدمي للعدمي\" أي: يرجح على القسمين الباقيين (^٢).\nومما ينبه عليه المعتني بلفظ الكتاب أنّ المصنف إنما أتى بالواو في قوله: \"والبسيط\" لكونه شروعًا في ترجيح الأقيسة باعتبار آخر.\n_________\n(^١) اعلم أن الوصف والحكم قد يكونان وجوديين، وقد يكونان عدميين، وقد يكون الحكم وجوديًا والوصف عدميًا، وقد يكون بالعكس.\n- فتعليل الحكم الوجودي بالوصف الوجودي أرجح على الأقسام الثلاثة؛ لأنّ العلّة والمعلولية وصفان ثبوتيان فحملهما على المعدوم لا يمكن، إلا إذا قدر المعدوم موجودًا.\n- ثم يلي هذا القسم في الأولوية تعليل العدمي بالعدمي، وحينئذ يكون أرجح من تعليل الحكم الوجودي بالعلّة العدمية ومن العكس للمشابهة. أفاده الإسنوي في نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١٣.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٥، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٧٥، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٧، شرح تنقيح الفصول: ص ٤٢٦، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١١، وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨١٢، وشرح العبري: ص ٦٤٦، ومعراج المنهاج: ٢/ ٢٧٣، والسراج الوهاج شرح المنهاج: ٢/ ١٠٥٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٤٨ - ٣٧٤٩.","vol":"7","page":2839},{"text":"ونختم الفصل بقولنا: ما اقتضاه كلام المصنف من ترجيح التعليل بالعدمي للعدمي على التعليل بالوجودي للعدمي وعكسه، هو ما صرح به الإمام معتلا بالمشابهة بين التعليل بالعدمي للعدمي (^١).\nوعندنا (^٢) في هذا وقفة، فإنّ مخالفة الأصل فيه أكثر من القسمين الباقيين، فكان يجب أنْ يقضي عليه بالمرجوحية بالنسبة إليهما، وإنَّما قلنا: إنّ مخالفة الأصل فيه أكثر؛ لأنَّ العليّة والمعلولية وصفان وجوديان، ولا يمكن حملهما على المعدوم إلّا إذا قُدِّر موجودًا، وهو خلافُ الأصل، وزيادةُ المناسبة والمشابهة لا تصلحُ مقاومة؛ لمخالفة الأصل، بل لقائل أنْ يقول: إذا كانت العليةُ والمعلوليةُ صفتين وجوديتين، كما صرح به الإمام هنا، فيستحيل قيامهما بالمعدومين، فإنْ لم يقتض ذلك منع هذا القسم، فلا أقلّ من اقتضائه المرجوحية (^٣).\nومما يلتحق بأذيال ما قررناه الترجيح بين تعليل العدمي بالوجودي وعكسه وقد سكت عنه المصنف؛ لتوقف الإمام فيه (^٤).\nونحن نقول (^٥): هو أولى من عكسه؛ لأنَّ المحذور في عكسه أشدّ\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٨.\n(^٢) من ترجيحات السبكي واختياراته.\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٨، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١٢، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٥١.\n(^٤) قال الرازي في المحصول: ج ٢/ ق ٢/ ٥٩٨ \"وأمَّا تعليل العد بالوجودي أولى أم تعليل الوجود بالعدم؟ ففيه نظر\".\n(^٥) من اختيارات السبكي.","vol":"7","page":2840},{"text":"لحصوله في أشرف الجهتين وهو العليّة (^١).\nمثال (^٢): الوجوديين العدميين قولنا: الخلع (^٣) طلاق؛ لأنّه فرقة ينحصر ملكها في الزوج فيكون طلاقًا، كما لو قال: أنت طالق على ألف مع قول القديم هو فسخ؛ لأنّه لا رجعة فيه فلا يكون طلاقًا كالرضاع (^٤).\n_________\n(^١) رجحه الصفي الهندي في النهاية، وذكر التعليل نفسه. ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٥١.\n(^٢) ذكر هذه الأمثلة الأربعة في رفع الحاجب شرح مختصر ابن الحاجب: اللوحة ٣٢٢٠/ ب - أ.\n(^٣) الخلع لغةً: النزع، وهو استعارة من خلع اللباس، لأن كلّ واحد منهما لباس للآخر، فكأن كل واحد نزع لباسه منه، وخالعت المرأة زوجها مخالعة إذا افتدت منه وطلقها على الفدية. ينظر: المصباح المنير: ص مادة: ١٧٨ \"خلع\"، والمطلع: ص ٣٣١، والتوقيف على مهمات التعاريف: ص ٣٢٣، وتعريفات الجرجاني: ص ١٠٦.\nواصطلاحًا: فقد عرفه الأحناف بأنه: عبارة عن أخذ المال بإزاء ملك النكاح بلفظ الخلع.\nوعرفه المالكي بأنه: الطلاق بعوض\nوعرفه الشافعية بأنه: فرقة الزوجين بعوض بلفظ طلاق أو خلع.\nوعرفه الحنابلة بأنه: فراق الزوج امرأته بعوض يأخذه الزوج بألفاظ مخصوصة.\nينظر: حاشية ابن عابدين: ٣/ ٤٢٢، والشرح الصغير للدردير: ٣/ ٣١٩، وشرح الخرشي على خليل: ٤/ ١١، والعزيز شرح الوجيز: ٨/ ٣٩٤، والروض المربع: ص ٢٨٩.\n(^٤) ينظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي: ٨/ ٤٣٢.","vol":"7","page":2841},{"text":"ومثال: العدميين مع الوصف في العدمي والحكم الوجودي قولنا: المرأة لا تلي القضاء، فلا تلي النكاح قياسًا على المجنون، مع قولهم: لا تمنع من التصرف من المال فتتصرف في النكاح قياسًا على العاقل (^١).\nومثال: العدميين مع الوصف الوجودي والحكم العدمي أنْ يقال: في عتق الراهن: تصرفٌ صادفَ الملْكَ، فلا يُلْغَى، كما لو كان غير راهن فيقال: لم يتصرف فيه وهو مطلق التصرف فيه، فلا يعتبر، كما لو أعتقه غير المالك (^٢).\nومثال: الوصف العدمي والحكم الوجودي مع عكسه، أنْ يقال في عتق الراهن: ليس تصرفًا من غير مالك، فيكون معتبرًا فيقال: تصرفٌ يبطل حقَّ الغير وهو المرتهن فلا يعتبر (^٣).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-594>(الثاني بحسب دليل العلية فيرجح الثابت بالنص القاطع </span>ثم الظاهر اللام ثم إنْ والباء ثمّ بالمناسبة الضرورية الدينية ثم الدنيوية [ثم] (^٤) التي في حيز الحاجة الأقرب اعتبارًا فالأقرب ثمّ الدوران في محل ثمّ في محلين ثمّ السبر ثم الشبه ثم الإيماء ثم الطرد).\nالترجيح بحسب الدليل الدال على علية الوصف للحكم على أقسام:\n_________\n(^١) ينظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي: ١٢/ ٤١٥.\n(^٢) ينظر: المهذب للشيرازي: ١/ ٣١٢.\n(^٣) ينظر: المصدر نفسه.\n(^٤) لم ترد في نسخنا، ولكن دلت عليها نسخ المتن المحققة.","vol":"7","page":2842},{"text":"الأول: يرجح القياس الذي ثبت عليّة الوصف لحكم أصله بالنّص القاطع على ما لم يثبت بالقاطع؛ لأنّه لا يحتمل فيه عدم العلية بخلاف ما ليس بقاطع (^١).\nالثاني: ما ثبت عليّة الوصف فيه بالظاهر على ما لم يثبت بالظاهر من سائر الأدلة سوى النّص القاطع.\nوالألفاظ الظاهرة في إفادة العليّة ثلاثة: (اللام، وإن، والباء).\nوأقواها (اللام)؛ لأنَّها أظهر في العليّة من (إنْ، والباء)، وقد اقتضت عبارة الكتاب مساواة (إنّ) (للباء) (^٢).\nوالإمام تردد في أيهما يقدم (^٣).\nواختار صفي الدّين الهندي تقديم الباء لكونها أظهر في التعليل بالاستقراء (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: التلخيص للجويني: ٣/ ٣٢٣، وقواطع الأدلة للسمعاني: ٤/ ٤٢٨، واللمع: ص ١١٨، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٦٠٤، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٧١، وشرح العبري: ص ٦٤٦، وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨١٣، والسراج الوهاج في شرح المنهاج: ٢/ ١٠٥٦، والمعراج شرح المنهاج: ٢/ ٢٧٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٥٦.\n(^٢) ينظر: المصادر نفسها.\n(^٣) قال الإمام الرازي في المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٦٠٥ \"وأمّا\" الباء، وإنّ \"أيّهما المقدم؟ فيه احتمال\".\n(^٤) قال صفي الدين الهندي في نهايته: ٨/ ٣٧٥٦ \"ثم الباء مقدم على إنّ؛ لكونها =","vol":"7","page":2843},{"text":"الثالث: يرجح ما ثبت علية الوصف فيه بالمناسبة على ما عداها من الدوران وأشباهه (^١)؛ لقوة دلالة المناسبة، واستقلالها في إفادة العليّة (^٢).\nويرجح من المناسبة ما هو واقع في محل الضرورة على ما وقع (^٣) في محل الحاجة، وهو المصلحي أو التتمة وهو التحسيني كما تقدم شرح ذلك (^٤) في كتاب القياس (^٥).\nوترجح الضرورية الدينية على الضرورية (^٦) الدنيوية؛ لأنَّ ثمرتها السعادة الأخروية التي هي أنجح المطالب وأربح المكاسب (^٧).\nفإن قلت: بل ينبغي العكس؛ لأنَّ حقَّ الآدمي مبنيٌ على الشحِّ\n_________\n= أكثر استعمالًا في التعليل من إن\".\n(^١) وقال قوم: ما دلّ على عليّة الدوران فهو أولى، وعبروا عنه: بأن العلّة المطردة المنعكسة، أقوى مما لا يكون كذلك. ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٥٩.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٦٠٧ - ٦٠٨، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٧، فواتح الرحموت: ٢/ ٣٢٥، وتيسير التحرير: ٤/ ٨٨، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٢٧، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٥٩، وتشنيف المسامع للزركشي: ٣/ ٥٤٦، والمسودة: ص ٣٧٨، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٧١٩.\n(^٣) (وقع) ليس في (ت).\n(^٤) في (ت): كما تقدم في شرح كتاب القياس.\n(^٥) ينظر: ص ٢٣٢٦.\n(^٦) في (ت): الضرورة.\n(^٧) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٧٧، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٦٥.","vol":"7","page":2844},{"text":"والمضايقةِ، وحقُّ الله تعالى مبنيُّ على المسامحةِ والمساهلةِ. ولهذا كان حقُّ الآدمي مقدمًا على حقِّ الله تعالى لما ازدحمَ الحقَّان في محلٍّ واحدٍ وتعذر استيفاؤهما منه كما يقدم القصاص (^١) على القتل في الردّة، والقطع في السرقة وكذا الدَّين على زكاتي المال والفطر في أحد الأقوال.\nقلت: الذي نختاره (^٢): تقديم حقّ الله تعالى لقوله - ﷺ - في حديث الخثعمية (^٣). . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) في (ت): في القصاص.\n(^٢) اختيارات السبكي.\n(^٣) لم يصرح باسمها في الحديث بل جاء بروايات متعددة مرة برجل ومرة بامرأة، لذا قال ابن حجر في فتحه: ٤/ ١٩٥ \"قوله: جاء رجل لم أقف على اسمه واتفق من عدا زائدة وعبثر بن القاسم على أن السائل امرأة وزاد أبو حريز في روايته أنها خثعمية\". وقال في كتاب الحج: ٤/ ٦٥ - ٦٦ \"قوله: أن امرأة من جهينة لم أقف على اسمها ولا على اسم أبيها لكن روى ابن وهب عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه أن غايثة أو غاثية أتت النبي - ﷺ - فقالت: إن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة فقال: \"اقض عنها\" أخرجه ابن منده في حرف الغين المعجمة من الصحابيات وتردد هل هي بتقديم المثناة التحتانية على المثلثة أو بالعكس وجزم ابن طاهر في المبهمات بأنه اسم الجهينية المذكورة في حديث الباب، وقد روى النسائي وابن خزيمة وأحمد من طريق موسى بن سلمة الهذلي عن ابن عباس قال: \"أمرت امرأة سنان بن عبد الله الجهني أن يسأل رسول الله - ﷺ - عن أمها توفيت ولم تحج\" الحديث لفظ أحمد ووقع عند النسائي سنان بن سلمة والأول أصح وهذا لا يفسر به المبهم في حديث الباب أن المرأة سألت بنفسها وفي هذا أن زوجها سأل لها ويمكن الجمع بأن يكون نسبة السؤال إليها مجازية وإنما الذي تولى لها السؤال زوجها وغايته أنه في هذه الرواية لم يصرح بأن الحجة المسئول عنها كانت نذرا وأما ما =","vol":"7","page":2845},{"text":"\"فدين الله أحق بالقضاء\" (^١)، وفي المسائل التي ازدحم فيها الحقان\n_________\n= روى ابن ماجه من طريق محمد بن كريب عن أبيه عن ابن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته أنها أتت النبي - ﷺ - فقالت: \"إن أمي توفيت وعليها مشي إلى الكعبة نذرا\" الحديث.\nفإن كان محفوظا حمل على واقعتين بأن تكون امرأته سألت على لسانه عن حجة أمها المفروضة وبأن تكون عمته سألت بنفسها عن حجة أمها المنذورة، ويفسر من في حديث الباب بأنها عمة سنان واسمها غايثة كما تقدم ولم تسم المرأة ولا العمة ولا أم واحدة منهما قوله: إن أمي نذرت أن تحج كذا رواه أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس من رواية أبي عوانة عنه وسيأتي في النذور من طريق شعبة عن أبي بشر بلفظ أتى رجل النبي - ﷺ - فقال له: إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت، فإن كان محفوظا احتمل أن يكون كل من الأخ سأل عن أخته والبنت سألت عن أمها، وسيأتي في الصيام من طريق أخرى عن سعيد بن جبير بلفظ: قالت امرأة إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، وسيأتي بسط القول فيه هناك، وزعم بعض المخالفين أنه اضطراب يعل به الحديث وليس كما قال، فإنه محمول على أن المرأة سألت عن كل من الصوم والحج، ويدل عليه ما رواه مسلم عن بريدة أن امرأة قالت: يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت قال وجب أجرك وردها عليك الميراث قالت: إنه كان عليها أن صوم شهر أفأصوم عنها قال صومي عنها قالت: إنها لم تحج أفأحج عنها قال حجي عنها.\nوللسؤال عن قصة الحج من حديث ابن عباس أصل آخر أخرجه النسائي من طريق سليمان بن يسار عنه وله شاهد من حديث أنس عند البزار والطبراني\" اهـ بلفظه.\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: ص ٣٧١، كتاب الصوم (٣٠) باب من مات وعليه صوم (٤٢) رقم (١٩٥٣)، وأخرجه مسلم في صحيحه: ص ٤٤٣ كتاب الصيام (١٣) باب قضاء الصيام عن الميت (٢٧) رقم (١٥٦/ ١١٤٨).","vol":"7","page":2846},{"text":"كثيرة (^١)، والرأي الأصحّ، تقديم الحج، والعمرة والزكاة، فسقط السؤال بالنسبة إلى الصور الثلاث، وأمَّا القتل والقطع فإنَّ المقصود من الشرع إزالة مفسدة الردّة، ولا غرض له في القتل، بل لما كان وسيلة إلى إزالة تلك المفسدة شرع، فلمّا اجتمع مع حقّ الآدمي ولم يتعارض القصدان، إذ ليس غرض الآدمي سوى التشفي بالاقتصاص، سلمناه إلى ولي الدم ليستوفي منه فيحصل المقصدان في ضمن ذلك، فلم يتقدم حقّ الآدمي، وكذلك القول في القطع فتأمل هذا (^٢).\nومن المسائل اجتماع الكفارات مع حقّ الآدمي وقد أجرى الأصحاب فيها أقوال الزكاة، والأصحّ تقديم حقّ الله تعالى (^٣).\nقوله: \"الأقرب اعتبارًا فالأقرب\" أي: يرجح من ذلك ما هو أقرب اعتبارًا في الشرع من صاحبه، فيرجح ما ثبت اعتبار نوع وصفه في نوع الحكم، على المعتبر نوع وصفه في جنس الحكم، أو المعتبر جنس وصفه في نوع الحكم، وهما مرجحان على المعتبر جنس وصفه في جنس الحكم (^٤).\nوما المرجح منهما؟ قال الإمام: هما كالمتعارضين (^٥).\n_________\n(^١) في (ص): كثرة.\n(^٢) نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٦٧، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٧ - ٣١٨، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١٥، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٧٢٧، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٢٦.\n(^٣) ينظر الاعتراض والجواب عليه: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٧٧ - ٣٧٩.\n(^٤) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٦٧.\n(^٥) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٦١٣.","vol":"7","page":2847},{"text":"وقال صفي الدين الهندي: الأظهر تقديم المعتبر نوع وصفه في جنس الحكم على عكسه (^١).\nوهو كما ذكر لحصول الخصوصية وقلة الإيهام في أشرف الجهتين وهي العلية (^٢).\nالرابع: يرجَّحُ القياسُ الذي ثَبَتَتْ (^٣) عليَّةُ وَصْفِهِ بالدورانِ على الثابتِ بالسبرِ (^٤)، وما بعده؛ لاجتماع الإطراد والإنعكاس في العليّة المستفادة من الدوران دون غيره، بل قد قدّمه بعضهم على المناسبة؛ محتجًا بأنّ المطردة المنعكسة أشبه بالعلل العقلية، وهذا ضعيف؛ فإنّ سبيل العلل الشرعية سبيل الأمارات، والعقلية - عند القائل بها - موجبة فلا يمكن اعتبار تلك بهذه (^٥).\nقال القاضي أبو بكر في التلخيص باختصار إمام الحرمين في الكلام على البسيطة والمركبة مضاهاة العلل العقلية لا أصل له فإنّ السمعية لا تضاهي العقلية أبدًا فتدبر ذلك (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٦٧.\n(^٢) ينظر: المصدر السابق. وينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٦١٣، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٢٧.\n(^٣) في (ت): ثبت.\n(^٤) ويراد بالسبر: السبر المظنون، فإنه يحتاج في الدلالة على العليّة إلى مقدمات كثيرة، وأما السبر المقطوع وهو ما تكون مقدماته قطعية فلا شك أنه راجح على الدوران. أفاده العبري في شرحه: ص ٦٤٦.\n(^٥) ينظر: شرح العبري: ص ٦٤٦، نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١٥.\n(^٦) ينظر: التلخيص للجويني: ٣/ ٣٢٩.","vol":"7","page":2848},{"text":"ثم القياس الثابت عليته بالدوران الحاصل في محل واحد مرجح على الثابت عليته بالدوران الحاصل في محلين؛ لقلّة احتمال الخطأ في الأوّل؛ لأنّه يفيد القطع بعدم عليّة ما عدا المدار بخلاف الدوران في محلين فإنّه لا يفيد ذلك (^١).\nفإنّا (^٢) لما رأينا أنّ العصير لما لم يكن مسكرًا لم يكن محرمًا، ثمَّ صار محرمًا (^٣) بالإسكار، وانعدم بعدمه، حصلنا على قطع بأنّ ما عدا المسكرية من الصفات الثابتة في الأحوال الثلاثة ليس بعلّة للحرمة، وإلَّا لزم وجود العلّة بدون الحكم (^٤).\nأمّا الدوران في محلين فليس كذلك.\nألا ترى أنّ الحنفي إذا قال في مسألة الحليّ: كونه ذهبًا موجبٌ للزكاة؛ لأنَّ التبر (^٥) لما كان ذهبًا وجب فيه الزكاة. وثياب البذلة (^٦) لما لم\n_________\n(^١) المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٦١٥ - ٦١٦، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٧، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٦٩، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١٥، وشرح العبري: ص ٦٤٦، والسراج الوهاج في شرح المنهاج: ٢/ ١٠٥٧، وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨١٥.\n(^٢) في (ت): فإنه.\n(^٣) (ثم صار محرمًا) ليس في (ت).\n(^٤) ينظر المثال في: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٦١٥.\n(^٥) التبر: ما كان من الذهب غير مضروب، فإذا ضرب دنانير فهو عين، ولا يقال تبر إلا للذهب. المصباح المنير: ص ٧٢ مادة: \"تبر\".\n(^٦) البِذْلَةُ: مثل سِدْرَة: ما يمتهن من الثياب في الخدمة. المصباح المنير: ص ٤١ مادة: \"بذل\".","vol":"7","page":2849},{"text":"يكن ذهبًا لم تجب فيها الزكاة لم يمكن القطع بأنّ ما عدا كونه ذهبًا ليس علّة لوجوب الزكاة لاحتمال أن يكون المجموع المركب من كونه ذهبًا وكونه غير معد للاستعمال هو العلَّة هكذا قرروه (^١).\nولك أنْ تقول لا نسلم أنّ الدوران الحاصل في محل واحد يفقد القطع بعدم عليّة ما عدا المدار، كما تقرر في موضعه، وإنما قصاراه - على الرأي المختار - إفادة الظنّ.\nنعم الظنّ الحاصل فيه أقوى من الحاصل في محلين وقوة الظنّ كافية في الترجيح.\nالخامس: يرجح القياس الذي يثبت عليّة وصفِه بالسبر على الثابتِ بالشَّبَهِ وما بعدَه. واستدلوا عليه بأنّه أقوى في إفادة الظنّ (^٢).\nومنهم من قدّمه على المناسبة لإفادة ظنّ العلية (^٣) ونفي المعارض بخلاف المناسبة، فإنّها لا تدل على نفي المعارض (^٤).\nواختاره الآمدي وابن الحاجب (^٥).\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٦١٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٦٩.\n(^٢) ينظر: شرح العبري: ص ٦٤٩ - ٦٥٠. السراج الوهاج في شرح المنهاج: ٢/ ١٠٥٨. وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨١٦، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١٦.\n(^٣) في (ت): لإفادته الظن للعلية.\n(^٤) ينظر: نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١٦.\n(^٥) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٧٢، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣١٧.","vol":"7","page":2850},{"text":"ويلزم منه تقديمه على الدوران أيضًا عند من يقدم الدوران على المناسبة (^١)، ثمّ محل الخلاف في غير المقطوع به، فإنّ العمل بالمقطوع متعين وليس من قبيل الترجيح لما علم أنّ تقديم المقطوع على المظنون ليس من الترجيح في شيء وإنما النزاع في السبر المظنون في كل مقدماته.\nوأما ما اشتملت مقدماته على القطعي والظني فذلك مختلف باختلاف القطع والظنّ، فإنْ كان الظنّ الحاصل من السبر (^٢) الذي بعض مقدماته قطعيٌّ أكثر من الظنّ الحاصل بالمناسبة فهو أولى وإلا فهما متساويان والمناسبة أولى (^٣).\nومن أمثلة السبر مع الشبه قول الحنفي في الدليل على أنَّه إذا أفلس المحال عليه فللمحتال الرجوع على المحيل: عجز عن الرجوع مع بقاء عينه فليرجع لمشابهة البائع من المفلس (^٤).\n_________\n(^١) كصنيع الصفي الهندي في النهاية: ٨/ ٣٧٦٨ قال: \"إذا كان طريق إحدى العلتين السبر، والأخرى الدوران، فما كان طريقه السبر أولى، لإفادته تعين العلّة ونفي المعارض وهو راجح على بقية الطرق، والظاهر أن الدوران راجح على المؤثر والشبه\".\n(^٢) (المظنون في كل مقدماته. وأما ما اشتملت مقدماته. . . . . . . الظنّ الحاصل من السير) ساقط من (ت).\n(^٣) قال الرازي في المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٦١١ \"وأمّا إذا كان السبر مظنونًا في بعض المقدمات، مقطوعًا في البعض: عاد الترجيح المذكور في تلك المقدمات المظنونة\".\nوينظر: نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١٦.\n(^٤) ينظر: بداية المبتدي: ص ١٤٩.","vol":"7","page":2851},{"text":"فنقول: الحوالة (^١) وصفٌ، فإمّا أنْ لا تقتضي شيئًا، أو تقتضي شيئا (^٢) وبطلان الأوّل ظاهر فيثبت الثاني، وحينئذ فذلك الشيء؛ إمّا أنْ يَكُون هو تحول الحقّ عن المحيل أوْ لَا، والثاني: باطل، وإلَّا لزمَ أنْ يدوم له المطالبة، كما في الضمان (^٣) فثبت الأول ووجب أن تبرأ ذمته ولا يعود إليه كما لو أبرأه.\nالسادس: يرجح القياس الثابت علية وصفه بالشبه على الثابت علية وصفه بالإيماء والطرد، كذا ذكره المصنف (^٤).\n_________\n(^١) الحوالة: لغة: من التحوّل والانتقال. المصباح المنير: ص ١٥٧ مادة: \"حول\"، والقاموس المحيط: ص ١٢٧٨.\nواصطلاحًا: إبدال ديْن بآخر للدّائن على غيره رخصة. ينظر: التوقيف على مهمات التعاريف: ص ٢٩٩، والتعريفات للجرجاني: ص ٩٩، وأنيس الفقهاء: ص ٢٤٤.\n(^٢) (أو تقتضي شيئا) ليس (ت).\n(^٣) الضمان: مصدر ضمن الشيء ضمانًا فهو ضامن وضمين إذا كفل به، والضمان الالتزام. الصحاح: ٦/ ٢١٥٥ \"ضمن\"، والقاموس المحيط: ص ١٥٦٤ \"ضمن\".\nقال ابن الأعرابي كما في تهذيب اللغة: ١٠/ ٢٥٣ \"كفيل وكافل وضمين وضامن بمعنى واحد\"، ويسمى الضامن ضمينا وحميلًا وزعيمًا، وكافلًا، وكفيلًا، وصبيرًا، وقبيلًا. ينظر: العين للخليل بن أحمد: ٧/ ٥٠، والزاهر: ص ٢٣٣، وتحرير ألفاظ التنبيه: ص ٢٠٣.\nوفي الاصطلاح: ضمُّ ذمّة الضامن إلى ذمّة المضمون عنه في التزام الحقّ. المغني لابن قدامة: ٧/ ٧١.\n(^٤) ينظر: شرح العبري: ص ٦٥٠. السراج الوهاج في شرح المنهاج: ٢/ ١٠٥٨. وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨١٦، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١٦.","vol":"7","page":2852},{"text":"فأمّا تقديمه على الطرد فظاهر، إذ لا يمتري الطاردون في ضعف الظنّ الحاصل منه.\nوأمّا على الثابت بالإيماء (^١) فهو بحث ذكره الإمام بعد أنْ حكى اتفاق الجمهور على أنّ ما ظهرت عليته بالإيماء راجع على ما ظهرت عليته بالوجوه العقلية من المناسبة والدوران والسبر.\nووجهه بأنّ الإيماء لما (^٢) لم يوجد فيه لفظ يدل على العليّة فلا بد وأنْ يكون الدال على عليته أمرا آخر سوى اللفظ ولما بحثنا لم نجد شيئا يدل على عليته إلا أحد أمور ثلاثة المناسبة والدوران والسبر على ما تقدم في الإيماء. وإذا ثبت أنّ الإيماءات لا تدل إلا بواسطة أحد هذه الطرق، كانت هي الأصل، والأصل أقوى من الفرع، فكان كلّ واحد من هذه الثلاثة أقوى من الإيماءات (^٣).\nوهذا لا يقتضي ترجيح دلالة الشبه على الإيماء، إلَّا إذا ساوى الشبه الأمور الثلاثة، أوْ كان أقوى منها، وهو خلاف ما رتبه في الكتاب.\nثمّ إنّه مدخول من وجهين:\nأحدهما: أنّ ما ذكره هو من الدليل، وهو استقباحُ أكرِمْ الجاهلَ وأهِنِ العالم على أنّ ترتيب الحكم على الوصف، مشعر بالعليّة، دليل غير\n_________\n(^١) في (ت): على الإيماء.\n(^٢) (لما) ليس في (ت).\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٦٠٦.","vol":"7","page":2853},{"text":"هذه الثلاثة، فلم يلزم افتقار دلالة الإيماء إلى أحد الطرق الثلاثة، فلا يلزم كون الطرق العقلية أصلًا لها، فلا يلزم رجحان الطرق العقلية عليها.\nوثانيهما: أنَّه اختار عدم اشتراط المناسبة في الوصف المُومَى إليه، ولم يشترط فيه الدوران والسبر وفاقًا، فجاز وجدان عليته بدون هذه الأمور الثلاثة.\nومما نُذَنِّبه على هذا الموضع أنّ القاضي أبا بكر مع قوله ببطلان قياس الأشباه، قال هنا: الأظهر أنَّه يجوز الترجيح به وإن لم يجز التمسك به ابتداءً (^١).\nوقد حكينا هذا في الكلام على قياس الشبه (^٢).\nالسابع: يرجح القياس الثابت علية وصفه بالإيماء على الثابت بالطرد لأنَّ الطرد لا يناسب الحكم أصلًا والإيماء قد يناسب (^٣)، ولقصور الطرد عند الطاردين عن مراتب إخوانه من الأدلة (^٤). وأمَّا نحن فلا نقيم للطرد وزنًا.\nهذا شرح ما في الكتاب، وقد يؤخذ منه أنّ تنقيح المناط متأخر الرتبة\n_________\n(^١) ينظر: التلخيص للجويني: ٣/ ٣٢٥.\n(^٢) ينظر ص ٢٣٥٧.\n(^٣) في (ت): قد يناسبه.\n(^٤) ينظر: شرح العبري: ص ٦٥٠. السراج الوهاج في شرح المنهاج: ٢/ ١٠٥٨. وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨١٦، المعراج شرح المنهاج: ٢/ ٢٧٨، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١٦.","vol":"7","page":2854},{"text":"عن الطرد؛ لأنّه رَتَّبَ الأدلةَ ترتيبًا خَتَمَ به الطرد، ومقتضاه تقديم الطرد على ما لم يذكره، وهذا لا يستقيم، بل الصوابُ تقديمُ تنقيح المناط، ولا احتفال بما اقتضاه سياق الكتاب، فإنّه على هذا الترتيب يقتضي أيضًا تأخرَ رتبةِ ما ثبتت عليته بالإجماع، حيث لم يذكره ولا مرية (^١) في أنَّه ليس كذلك (^٢).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-595>(الثالث بحسب دليل الحكم فيرجح النص ثم الإجماع لأنّه فرعه)</span>.\nيرجح من القياسين المتعارضين ما يكون دليل حكم أصله أقوى من دليل حكم أصل الآخر.\nومن فروع المسألة: أنَّه يُرَجَّحُ القياس الثابت حكم أصله بالنّص سواء كان كتابًا أم سنة على القياس الثابت حكم أصله بالإجماع؛ وذلك لأنَّ الإجماع فرع عن النّص لتوقف ثبوته على الأدلة اللفظية (^٣)، والأصل يقدم على الفرع، وهذا الذي ذكره اختاره صاحب الحاصل فتبعه فيه (^٤).\n_________\n(^١) في (ت): لا مزية.\n(^٢) ولم يصرح الإمام وابن الحاجب وغيرهما بالترجيح بين الدوران والسبر والشبه وإنما ذكره صاحب الحاصل على الوجه الذي ذكره البيضاوي، فتابعه عليه لكونه قد يؤخذ بعضها من تعليل الإمام. ينظر: الحاصل: ٢/ ٩٩٥ - ٩٩٦، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١٦.\n(^٣) في (ت): القطعية.\n(^٤) ينظر الحاصل: ٢/ ٩٩٦.","vol":"7","page":2855},{"text":"والإمام إنما ذكره هنا بعد أن نقل أنهم قالوا بتقديم الإجماع؛ معتلين بأنّ الذي ثبت الحكم في أصله بالدلائل اللفظية (^١) يقبل التخصيص والتأويل، والإجماع لا يقبلهما، وهذا هو المختار (^٢). وما ذكره الإمام مدخول.\nوقوله: الأصل يقدم على الفرع.\nقلنا: على فرعه، أمَّا على فرعِ آخر فَلِمَ لا يُقَدَّم؟ وكيفَ لا يقدِّم الإجماع مع أنَّه إنْ كان صادرًا عن نصٍّ، فالمتعارض إذ ذاك ليس إلَّا نَصَّانِ يُرَجَّحُ جانبُ أحدهما بالإجماع، وإنْ كان عن قياسٍ، فدليلان عارضهما دليلٌ واحدٌ، وأيضًا فالإجماع متفق عليه، والنّص - والحالة هذه - غيرُ متفقٍ عليه، والمجمعُ عليه مقدَّمٌ على المختلف فيه، وإنْ فرضت أنّ النّصَّ غير (^٣) مختلفٍ فيه، فذلك حينئذ إجماع عن نص عارضَ مِثلَه وليس صورة المسألة (^٤).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-596>(الرابع بحسب كيفية الحكم </span>وقد سبق لأن الترجيح بحسب كيفية الحكم قد ذكرنا فيه قولًا بليغًا في باب ترجيح الأخبار فاعتبر مثله هنا (^٥).\n_________\n(^١) في (ت): القطعية.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٢/ ٦١٧.\n(^٣) (غير) ليس في (ت).\n(^٤) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٧٥.\n(^٥) (فاعتبر مثله هنا) ليس في (ت).","vol":"7","page":2856},{"text":"قال: الخامس: موافقه الأصول في العلّة أو الحكم والإطراد في الفروع).\n\nهذا الوجه في الترجيح<span data-type=\"title\" id=toc-597> بحسب الأمور الخارجية </span>وهو على ثلاثة أضرب:\nأولها: أنْ يكون أحد القياسين موافقًا للأصول في العلّة بأنْ يكون علّة أصلِه على وِفْقِ الأصول الممهدَةِ في الشريعة، دون الآخر، فيرجح الأوَّل؛ لشهادةِ كلّ واحد من تلك الأصول؛ لاعتبار تلك العلّة، وكلَّما كان العدولُ عن القياسِ فيه أكثر كان أضعف.\nوثانيها: يرجح الموافق للأصول في الحكم بأن يكون حكم أصله على وفق الأصول المقررة على ما ليس كذلك للاتفاق على الأول.\nالثالث: يرجح الذي يكون مطرد الفروع بأن يلزم الحكم عليه في جميع الصور على ما لا يكون كذلك، وبنجاز هذا تمّ كتاب التعادل والتراجيح (^١).\nواعلم أنّ طرق الترجيح لا تنحصر فإنها تلويحات تجول فيها الاجتهادات ويتوسع فيها من توسع في فنّ الفقه، فلذلك اقتصرنا على شرح ما في الكتاب، وأما الأمثلة في بابي تراجيح الأخبار والأقيسة فإذا\n_________\n(^١) ينظر هذا النوع من الترجيح: شرح العبري: ص ٦٥١. السراج الوهاج في شرح المنهاج: ٢/ ١٠٥٩. وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨١٨، المعراج شرح المنهاج: ٢/ ٢٧٨، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥١٩.","vol":"7","page":2857},{"text":"ضرب الضارب بعضها في بعض وأراد الإتيان لكلّ قسم بمثال كان طالبًا لتطويل عظيم فإنَّ ذلك يحتمل مع الاستيعاب وِقْر (^١) بعيرٍ، فلذلك أضْربنا عن هذا الغرض، وجئنا بالنَّزْرِ اليسير في البابين، والله الموفق والمعين بمنه وكرمه.\n_________\n(^١) وِقْر: بالكسر حِمل البغل أو الحمار، ويستعمل في البعير، ينظر: المصباح المنير: ص ٦٦٨، مادة \"وقر\"","vol":"7","page":2858},{"text":"الكتاب السابع: الاجتهاد والإفتاء","vol":"7","page":2859},{"text":"الباب الأول: الاجتهاد","vol":"7","page":2861},{"text":"قال ﵀: <span data-type=\"title\" id=toc-598>(الكتاب السابع: في الاجتهاد والإفتاء</span>.\nوفيه بابان: الأول: في الاجتهاد وهو: استفراغ الوسع في درك الأحكام الشرعية)\nالاجتهاد (^١) لغةً: هو استفراغ الوسع في تحصيل الشيء (^٢).\nوقد علمت من ضرورة كونه استفراغ الوسع أنَّه لا يكون إلا فيما فيه مَشَقَّة وكُلْفَة.\nوفي الاصطلاح: ما ذكره في الكتاب (^٣).\nفقوله: \"استفراغ الوسع\" جنس.\nوقوله: \"في درك الأحكام\" فصل (^٤)، خرج به استفراغ الوسع في فعل من الأفعال العلاجية مثلًا.\n_________\n(^١) لما فرغ الشارح ﵀ من الكتاب السادس، شرع في الكتاب السابع والمعقود للاجتهاد والإفتاء، وختم به الكتاب، وذكره في بابين الأول: في الإجتهاد، والثاني في الإفتاء.\n(^٢) الجَهْدُ، والجُهْدُ: الطاقة والمشقة، والاجتهاد والتجاهد، بذل الوسع والمجهود. الصحاح: ٢/ ٤٦٠، والقاموس المحيط: ص ٦٥١ مادة \"جهد\".\n(^٣) والذي هو: (استفراغ الوسع في درك الأحكام الشرعية).\n(^٤) الفصل: أحد أقسام الكليات الخمس والتي هي (الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض)، وهو أي الفصل: مفهوم كلي يتناول من الماهية الجزء الذي يميز النوع عن سائر الأنواع، مثاله ناطق في قولك: الإنسان حيوان ناطق. ينظر: التعريفات: ص ٢٤١، وضوابط المعرفة: ص ٤٠، وإيضاح المبهم: ص ٨ - ٩.","vol":"7","page":2863},{"text":"وقوله: \"الشرعية\" فصل ثان، تُخْرِجُ اللغوية والعقلية والحسية.\nوالأحكام الشرعية تتناول الأصول والفروع، ودَرْكُهَا أعمُّ من كونه على سبيل القطع أو الظنّ. هذا مدلول لفظه، ويجوز أنْ يريدَ بالأحكام الشرعية: خطاب الله تعالى المتعلق (^١)، فيخرج (^٢) الاجتهاد في الأصولية (^٣).\nوهذا التعريف الذي ذكره المصنف سبقه إليه صاحب الحاصل (^٤)، وهو من أجود التعاريف فلا نطوّل بذكر غيره إذ ليس في تعداد التعاريف كبير فائدة (^٥).\n_________\n(^١) يشير إلى ما عرف به البيضاوي الحكم الشرعي: خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء والتخيير فيشمل الخطاب التكليفي (الواجب، والمندوب، والحرام، والمكروه والمباح).\n(^٢) في (ت): فيخرج عنه.\n(^٣) أي يخرج الاجتهادات الأصولية التي لا علاقة لها بالفروع، فيكون الاجتهاد في الفروع الفقهية دون الإجتهادات والآراء الأصولية. وإن كنت أرى أن الاجتهاد أعم من أن يكون في الفروع الفقهية فقط، فكل استفراغ للوسع في درك الأحكام أصولية كانت أو فرعية أو نحوية، فهو اجتهاد، ويؤجر عليه صاحبه. والله أعلم.\n(^٤) ينظر: الحاصل: ٢/ ١٠٠٠.\nوصاحب الحاصل: هو محمد بن الحسين بن عبد الله العلامة تاج الدين أبو الفضائل الأرموي سبقت ترجمته.\n(^٥) اختلفت عبارات المصنفين في تعريف الاجتهاد اصطلاحًا، ويراجع في ذلك: كشف الأسرار: ٤/ ١٤، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٢٩، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٠ - ٣٥٤، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢١٨، والحدود للباجي: ص ٦٤، والعدّة: =","vol":"7","page":2864},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٢/ ١١٥٥، وتيسير التحرير: ٤/ ١٧٩، جمع الجوامع مع حاشية البناني: ٢/ ٢٨٩، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٤٥٧، والإحكام لابن حزم: ١/ ٤١، والتعريفات للجرجاني: ص ١٠.","vol":"7","page":2865},{"text":"الفصل الأول: المجتهد","vol":"7","page":2867},{"text":"قال: (وفيه فصلان: الأول في المجتهد.\nوفيه مسائل:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-601>الأولى يجوز له - ﷺ - أنْ يجتهد </span>لعموم ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ ووجوب العمل بالراجح؛ ولأنه أشقّ وأدلّ على الفطانة فلا يتركه.\nومنع أبو علي وابنه لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.\nقلنا: مأمور به فليس بهوى.\nولأنه ينتظر الوحي.\nقلنا: ليحصل اليأس عن النّص أو لأنّه لم يجد أصلًا يقيس عليه).\nاختلفوا في أنّ الرَّسول - ﷺ - هل كان يجوز له الاجتهاد فيما لا نصّ فيه؟\nفذهب الشافعي وأكثر الأصحاب (^١)، وأحمد (^٢) والقاضيان أبو يوسف (^٣) وعبد الجبار وأبو الحسين (^٤). . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) ينظر: التبصرة للشيرازي: ص ٥٢١، والبرهان للجويني: ٢/ ١٣٥٦، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٢/ ٣٥٥، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٩، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٣٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٩٠.\n(^٢) ينظر: الروضة: ٣/ ٩٦٥، والمسودة: ص ٥٠٦، والمدخل: ص ١٨٦.\n(^٣) ينظر: أصول السرخسي: ٢/ ٩١، وتيسير التحرير: ٤/ ١٨٥.\n(^٤) ينظر: المعتمد: ٢/ ٧١٩، ٧٦٢.","vol":"7","page":2869},{"text":"إلى جوازه (^١).\nثمّ منهم من قال: بوقوعه وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب (^٢).\nومنهم من أنكر وقوعه (^٣).\nوتوقف فيه جمهور المحققين (^٤).\nوذهب أبو علي وابنه أبو هاشم إلى أنَّه لم يكن متعبدًا به (^٥).\n_________\n(^١) قال الإسنوي في نهاية السول: ٤/ ٥٣٠ \"وهو مذهب الجمهور، واختاره الغزالي وابن الحاجب، وهو قول الحنفية، ولكنهم يشترطون انتظار الوحي واليأس من نزوله\" وينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٢٢، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٩١، والمسودة: ص ٥٠٦.\n(^٢) وهو مذهب الجمهور وهو اختيار الشيرازي والرازي أيضًا، ينظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٩١، والتبصرة: ص ٥٢١، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٦، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٢٢، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٩.\n(^٣) قال بعدم وقوع الإجتهاد من النبي - ﷺ - شرعًا أكثر المتكلمين، وبعض الشافعية. ينظر هذا القول بأدلته ومناقشتها: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٦، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٣١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٩٠، والكوكب المنير: ٤/ ٤٧٦، والمحلي على جمع الجوامع: ٢/ ٣٨٧.\n(^٤) وهو اختيار القاضي وصححه الغزالي في المستصفى فقال: ٢/ ٣٥٦ \"أما الوقوع فقد قال به قوم وأنكره آخرون وتوقف فيه فريق ثالث وهو الأصح فإنه لم يثبت فيه قاطع\". ينظر: المعتمد: ٢/ ٧٦٢، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٩، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٩١، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٣١، والبحر المحيط للزركشي: ٦/ ٢١٦.\n(^٥) وهو قول بعض الشافعية، ينظر: المعتمد: ٢/ ٧٦١، والتبصرة: ص ٥٢١، =","vol":"7","page":2870},{"text":"وشذّ قوم فقالوا: بامتناعه عقلًا (^١) كما حكاه القاضي في التلخيص لإمام الحرمين (^٢).\nومنهم من جوزه في أمور الحرب دون الأحكام الشرعية (^٣).\nوقد احتج في الكتاب على الجواز بأوجه أربعة وهي دالة على الوقوع أيضا:\nأحدها: عموم قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (^٤) وكان عليه أفضل الصلاة والسلام أعلى النّاس بصيرة (^٥)، وأكثرهم اطلاعًا على شرائط القياس، وذلك إنْ لم يرجح دخوله في هذا الأمر، فلا أقلّ من المساواة فيكون مندرجًا في الأمر، ومتى كان مأمورًا به كان فاعلًا له ضرورة امتثاله أوامر ربه ووقوفه عندها - ﷺ - (^٦).\n_________\n= والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٩، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٢٢.\n(^١) حكي هذا المذهب عن الأستاذ أبي منصور عن أصحاب الرأي.\n(^٢) ينظر: التلخيص للجويني: ٣/ ٣٩٩.\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٩، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٢٢، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٣٦، والمسودة: ص ٥٠٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٩١.\n(^٤) سورة الحشر من الآية ٢.\n(^٥) إلى هنا ينتهي السقط من النسخة (غ).\n(^٦) ينظر الدليل في: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٩ - ١٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٩١، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٣٥، وينظر كذلك: تفسير الرازي للآية: ٤/ ١٢١، وروح المعاني للآلوسي: ١٨/ ٢٦.","vol":"7","page":2871},{"text":"وثانيها: إذا غلب على ظنّه - ﷺ - كون الحكم في (^١) الأصل معللًا بوصفٍ، ثم عَلِمَ أو ظنّ حصولَ ذلك الوصفِ في صورةٍ أخرى، فلا بد وأنْ نظنّ أنّ الحكم في الفرع مثله في الأصل، وترجيح الراجح على المرجوح من مقتضيات بداية العقول (^٢).\nولقائل أنْ يقول: إذا وجب ترجيح الراجح فليمتنع عن العمل بهذا الراجح لقدرته على أرجح منه وهو النّص (^٣).\nوثالثها: أنّ العمل بالاجتهاد أشقّ من العمل بالنّص، فيكون أكثر ثوابًا، فلا تختص الأمّة (^٤) بفضيلة لا توجد فيه (^٥).\nورابعها: أنّ العمل بالاجتهاد أدلّ على الفطانة والذكاء من النّص لتوقفه على النظر الدقيق والقريحة المستجادة فلا يتركه - ﷺ - لكونه نوعًا من الفضيلة (^٦).\n_________\n(^١) في (ت): من.\n(^٢) وهذا يقتضي أن يجب عليه العمل بالقياس. ينظر: التبصرة: ص ٥٢٢، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٠، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٢٤، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٩٤، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٣٥.\n(^٣) ينظر الاعتراض والإجابة عنه في: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٩٤.\n(^٤) في (ت): الآية.\n(^٥) ينظر: التبصرة: ص ٥٢٢، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٠، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٢٤، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٩١، وتيسير التحرير: ٤/ ١٨٧، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٧٩٥، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٣٥.\n(^٦) المصادر نفسها.","vol":"7","page":2872},{"text":"واحتج الجبائيان بوجهين:\nأحدهما: قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^١)، فإنّه دال على انحصار الأحكام الصادرة منه - ﷺ - عن الوحي.\nوأجاب عنه الإمام: بأنّه متى قال له متى ظننت كذا فاعلم أنَّه حكمي، فالعمل حينئذ بالظنّ عمل بالوحي لا بالهوى (^٢)، وهذا قد ذكره الغزالي (^٣).\nولقائل: أنْ يقول ليس هذا أمرًا بالاجتهاد فإنّه تعالى لو قال: كُلَّمَا ملكت النِّصاب وحالَ عليه الحوْل أوجبتُ عليك الزّكاة، لا يكون هذا أمرًا بملكية النّصاب، ثمّ إنْ مَلَكَه كذلك، وجبت عليه الزكاة بالنّصِّ، لا بالاجتهاد، وإنّما الكلام في الحكم الثابت بالاجتهاد، وهو لا يوجد فيه مثل هذا القول، فلا يكون النطق بذلك نطقا بالوحي.\nوأجاب عنه المصنف بأن الاجتهاد إذا كان مأمورًا به (^٤) لم يكن النطق به هوى، وهو مدخول لإشعاره بأنّ الخصم احتج بصدر الآية وليس كذلك إذ هو لا يقول بأنّ القول بالاجتهاد قول بالهوى (^٥).\nوالثاني: أنّه لو جاز له - ﷺ - الاجتهاد، لامتنع عليه\n_________\n(^١) سورة النجم من الآية (٣، ٤).\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٧.\n(^٣) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦.\n(^٤) (به) ليس في (ص)، (غ).\n(^٥) ينظر: الاعتراض وجوابه في: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٠٣.","vol":"7","page":2873},{"text":"انتظار الوحي لفصل الحكومات وغيرها؛ لأنَّ الفصل يجب على الفور، وقد تمكن منه بالاجتهاد، ولكنّه قد أخَّرَه، وانتظر الوحي كثيرًا (^١).\nوأجاب بوجهين:\nأحدهما أنّ العمل بالقياس لما كان مشروطًا بعدم وجدان النَّص، فكان انتظاره للوحي لكى يحصل اليأس عن النّص (^٢).\nفإن قلت: إنما شرط فقدان النّص إذا احتمل أنْ يكون ثَمَّ نَصٌ، فإنّه يؤمر المجتهد إذ ذاك بالفحص الشديد، أمّا إذا تحقق عدمه (^٣) فلا يتجه انتظار تشريعه، ولو كان كذلك لانقدح (^٤) للمعترض أنْ يقول: لينتظر\n_________\n(^١) يشير إلى مسألتي اللعان والظهار. فقد توقف رسول الله - ﷺ - في أمر المجادِلة حتى جاءت الآيات الكريمة التي أنزلت في شأنها وأولها قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا. .﴾ ينظر سبب نزولها في: تفسير القرطبي: ١٧/ ٢٤٩ - ٢٦٢، وتفسير ابن كثير: ٤/ ٣١٨، وتفسير الطبري: ٢٨/ ٢، وفتح الباري: ٩/ ٣٨٢. وفي انتظار الرسول - ﷺ - الوحي في الجواب عمن قال له: ماذا يفعل من وجد مع امرأته رجلًا، وهو عويمر العجلاني وقيل هلال بن أمية، فنزلت آيات اللعان. فحديث العجلاني في اللعان أخرجه البخاري في صحيحه: ص ١٠٥٠، كتاب الطلاق (٦٨) باب اللعان ومن طلق بعد اللعان (١٩) رقم (٥٣٠٨)، وأخرجه مسلم في صحيحه: ص ٦٠٤، كتاب اللعان (١٩) رقم (٣/ ١٤٩٢)، وينظر تفسير القرطبي: ١١/ ١٨٢. وينظر: التبصرة: ص ٥٢٣، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٦.\n(^٢) ينظر: التبصرة: ٥٢٣، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٣٣، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٨.\n(^٣) (عدمه) ليس في (ت).\n(^٤) في (غ): انقدح.","vol":"7","page":2874},{"text":"المجتهد إجماع الأمّة ولطوينا بساط الاجتهاد.\nقلت: كأنَّ احتمال نزول النّص في حقِّه - ﷺ -، بمنزلة احتمال كونه موجودًا في حقِّ سائر المجتهدين لقرب وجدانه في (^١) الجهتين (^٢).\nوالثاني: أنَّه يحتمل أنْ يكون انتظاره الوحي، إنَّما كان (^٣) فيما لا مساغَ للاجتهاد فيه، ولا أصل يقيس عليه (^٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-602>فائدتان:</span>\nإحداهما: قال الغزالي: يجوز القياس على الفرع الذي قاسه النبي - ﷺ -، وعلى كلّ فرع أجمعت الأمّة على إلحاقه بأصل. قال: لأنّه صار أصلًا بالإجماع والنَّص، فلا ينظر إلى مأخذهم (^٥).\nالثانية: النبي - ﷺ - يتصرف في الفتيا (^٦)، والتبليغ، والقضاء، والإمامة، وقد ادَّعى القرافي (^٧) أنّ محل الخلاف في هذه المسألة\n_________\n(^١) في (غ)، (ت): من الجهتين.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٨، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٣٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٠٩.\n(^٣) في (غ): يكون.\n(^٤) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٣٣.\n(^٥) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٦.\n(^٦) في (ت): بالفتيا.\n(^٧) هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي العلاء إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي البهنسي القرافي المصري، ولد سنة ٦٢٦ هـ بقرية بوش كورة بصعيد مصر، كان من أفضل أهل عصره، فقيه مالكي وأصولي ذو باع طويل، له من المصنفات الكثير =","vol":"7","page":2875},{"text":"في الفتاوى، وأنّ الأقضية يجوز فيها من غير نزاع وستعرف الفرق بينهما بسؤال نذكره من (^١) كلام القرافي.\nومما يدل على جوازه في الأقضية ما روى أبو داود من حديث أبي سلمة - ﵁ - قال: أتى رسول الله - ﷺ - رجلان يختصمان في مواريث وأشياء قد درست فقال: \"إني إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل عليّ فيه\" (^٢).\nفإنْ قلت ما الفرق بين هذه الأمور وبين الرسالة والنبوة؟ .\nقلت: تصرفه - ﷺ - بالفتيا (^٣) هو إخباره عن الله تعالى بما يجده في الأدلة من حكم الله تعالى كما نقول في سائر المفتين.\nوتصرفه بالتبليغ هو مقتضى الرسالة. والرسالة (^٤) هي أمرُ الله تعالى في ذلك التبليغ فهو - ﷺ - يَنقُلُ عن الحقِّ للخلقِ في مقامِ الرسالة: ما وصَل إليه\n_________\n= منها: نفائس الأصول في شرح المحصول، وتنقيح الفصول، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، والاستغناء في أحكام الاستثناء، والذخيرة في الفقه، والفروق، والعقد المنظوم في الخصوص والعموم، وغيرها كثير. توفي ﵀ سنة ٦٨٤ هـ. ينظر ترجمته في: الوافي بالوفيات للصفدي: ٦/ ٢٣٣، ٢٣٤ والديباج المذهب لابن فرحون: ص ٨٤، ٦٤، والفكر السامي للحجوي: ٤/ ٦٨، وشهاب الدين القرافي حياته وآراؤه الأصولية لعياض السلمي ص ٦ - ٧٠.\n(^١) في (غ): في كلام.\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه: (ت): ٥٥١، كتاب الأقضية (١٨)، باب قضاء القاضي إذا أخطأ (٧) رقم (٣٥٨٣).\n(^٣) في (ت): في الفتيا.\n(^٤) (والرسالة) ليس في (ص).","vol":"7","page":2876},{"text":"عن الله تعالى فهو في هذا المقام مبلِّغٌ وناقِلٌ عن ربّ العالمين كما ينقل الرواة لنا أحاديثه، فالمحدثون ورثوا عنه هذا المقام كما ورث عنه المفتي الفتيا.\nوإذا اتضح بهذا الفرق بين الراوي والمفتي لاح الفرق بين تبليغه - ﷺ - عن ربه وبين فتياه في الدّين بهذا الفرق بعينه.\nوأما تصرفه - ﷺ - بالحكم (^١) فهو مغاير للرسالة والفتيا؛ لأنَّ الفتيا والرسالة تبليغٌ محضٌ واتباعٌ صِرْفٌ، والحكمُ إنشاء وإلزام من قبله - ﷺ - بحسب ما يسنح من الأسباب والحجاج، ولذلك قال - ﷺ -: \"إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم انْ يكون ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له في شيء من حق أخيه فلا يأخذه إنما أقتطع له قطعة من النار\" (^٢) دلّ على أنّ القضاء يتبع الحجاج وقوّة اللحن به فهو - ﷺ - في هذا المقام منشئ وفي الفتيا والرسالة مبلِّغ متَّبِع، وهو في الحكم أيضًا متبع لأمر الله تعالى له بأن ينشئ الأحكام على وفق الحجاج والأسباب؛ لا أنّه متبع في نقل ذلك\n_________\n(^١) (وبين فتياه في الدّين بهذا الفرق بعينه. . . بالحكم) ساقط من (ت).\n(^٢) رواه البخاري في صحيحه: ص ٤٦٢ عن أم سلمة في كتاب المظالم (٤٦)، باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه (١٦) رقم (٢٤٥٨)، وفي ص ١٣٣٠، في كتاب الحيل (٩٠، باب (١٠) رقم (٦٩٦٧)، وفي ص ٥١٠ في كتاب الشهادات (٥٢)، باب من أقام البينة بعد اليمين (٢٧)، رقم (٢٦٨٠)، وفي ص ١٣٦٨ في كتاب الأحكام (٩٣) باب موعظة الإمام للخصوم (٢٠) رقم (٧١٦٩)، رواه مسلم في صحيحه: كتاب الأقضية (٣٠) باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة (٣) رقم (٤/ ١٧١٣).","vol":"7","page":2877},{"text":"الحكم عن الله تعالى، لأنَّ ما فوض إليه من أمر (^١) الله تعالى لا يكون منقولًا عن الله تعالى.\nوقد يفرق بين الحكم والفتيا بوجه آخر وهو أنّ الفتيا لقبل النسخ دون الحكم فإنّه لا يقبل إلا النّقض عند ظهور بطلان ما رتّب عليه الحكم، وهذا في زمن النبي - ﷺ - وأمّا بعده فالفتيا لا تقبل النسخ لتقرر الشريعة.\nوأما الرسالة من حيث هي فلا تقبل النسخ ولا النقض.\nوأما النبوة فهي الإيحاء لبعض الخلق بحكم الشيء له يختص به كما أوحى الله لمحمد - ﷺ -: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ (^٢).\nفهذا تكليف يختص به. قال: العلماء فهذه نبوة وليست برسالة فلما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (^٣) كان هذا رسالة؛ لأنّه تكليف يتعلق بغير الموحى إليه فوضح لك بهذا أنّ كلّ رسول نبي من غير عكس.\nوأما تصرفه - ﷺ - بالإمامة فهو وصف زائد على النبوة والرسالة والفتيا والقضاء؛ لأنّ الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق\n_________\n(^١) (أمر) ليس في (ت).\n(^٢) سورة العلق الآية ١ - ٢.\n(^٣) سورة المدثر الآية ١ - ٢.","vol":"7","page":2878},{"text":"وضبط معاقد المصالح ودرء مواقع (^١) المفاسد إلى غير ذلك.\nوهذا ليس داخلًا في مفهوم شيء مما تقدم؛ لتحقق الفتيا بمجرد الإخبار عن الله تعالى، والحكم بالتصدي لفصل الخصومات دون السياسة العامة لا سيما الحاكم الضعيف الذي لا قدرة له على التنفيذ إذا أنشأ الحكم على الملوك الجبابرة فهو إنما ينشئ الإلزام على ذلك الملك ولا يخطر بباله السعي في تنفيذه لتعذر ذلك عليه فظهر أنّ الحاكم من حيث هو حاكم ليس له إلا الإنشاء، وأمّا قوة التنفيذ فأمر زائد على كونه حاكمًا فصارت السلطة (^٢) العامة التي هي حقيقة الإمامة مباينة للحكم من حيث كونه حكمًا وأما الرسالة فليس يدخل فيها إلا التبليغ عن الله تعالى ولا يستلزم هذا تفويض السياسة العامة إليه (^٣)، فكم بعث الله من رسول لم يطلب منه غير التبليغ لإقامة الحجة من غير أنْ يأمره بالنظر في المصالح العامة.\nوبوضوح الفرق بين الرسالة والإمامة يظهر بينها وبين النبوة؛ إذ النبوة خاصة بالموحى إليه لا تعلق لها بالغير.\nفإن قلت: فهل لهذه الحقائق المفترقة آثار في الشريعة؟ .\nقلت: نعم فإنّ كلّ ما فعله - ﷺ - بطريق الإمامة من إقامة الحدود وترتيب الجيوش وغير ذلك لم يجز لأحدٍ أنْ يفعله إلا بإذن\n_________\n(^١) في (غ)، (ت): معاقد المفاسد.\n(^٢) في (غ): سلطنة.\n(^٣) في (غ): إليكم.","vol":"7","page":2879},{"text":"إمام الوقت الحاضر؛ لأنّه - ﷺ - إنما فعله بطريق الإمامة ولا استبيح إلا بإذنه.\nوكلما فعله بطريق الحكم كفسوخ الأنكحة والعقود وغير ذلك، لم يقدم عليه أحد إلا بحكم الحاكم في الوقت الحاضر، اقتداء برسول الله - ﷺ - فإنّه لم يقرر تلك الأمور إلا بالحكم.\nوأما تصرفه - ﷺ - بالرسالة والتبليغ أو الفتيا، فذلك شرع يتقرر على الخلائق إلى يوم الدّين من غير اعتبار حكم ولا إذن إمام، وإنما هو - ﷺ - بلّغ الخليقة ارتباط ذلك الحكم بذلك السبب، وخلَّى بينهم وبين ربّهم كأنواع العبادات وغيرها فإذا تصرف - ﷺ - تصرفًا فقد يتضح كونه تصرفًا بالإمامة أو بالقضاء أو بالفتيا.\nوقد علمت حكم كلّ قسم وقد يتردد بين هذه الأقسام ويتشاجر العلماء على أيّها نحمل وفي المسائل الداخلة في هذا كثرة.\n- ولكنا نورد منها ما شهدت به النظر فمنها قوله - ﷺ -: \"من أحيا أرضًا ميتة فهي له\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه بهذا اللفظ الترمذي في سننه: ٣/ ٦٦٢، كتاب الأحكام (١٣) باب ما ذكر في إحياء أرض الموات (٣٨) رقم (١٣٧٨)، وقال حديث حسن غريب، وأخرجه البخاري في صحيحه: ص ٤٣٩ بلفظ: \"من أعمر أرضا. .\" في كتاب المزارعة (٤١) باب من أحيا أرضًا مواتًا (١٥) رقم الحديث ٢٣٣٥، وأخرجه أبو داود: في سننه، كتاب الخراج والإمارة والفيء (١٩) باب إحياء الموات (٣٧)، رقم (٣٠٧٣)، وينظر تخريجه في: نصب الراية: ٤/ ٢٨٨، وتلخيص الحبير: ٣/ ١٠٣٦ رقم (١٢٩٤).","vol":"7","page":2880},{"text":"قال أبو حنيفة هذا تصرف منه - ﷺ - بالإمامة فلا يجوز لأحد أنْ يحيِيَ بدون إذن الإمام (^١).\nوقال الشافعي - ﵁ - بل بالفتيا؛ لأنّه الغالب من تصرفاته - ﷺ - فلا يتوقف الإحياء على إذن الإمام (^٢).\n- ومنها قوله - ﷺ - لهند بنت عتبة لما شكت إليه شحّ أبي سفيان: \"خذي لك ولولدك ما يكفيك بالمعروف\" (^٣).\nفذهب الشافعي إلى أنّ هذا تصرف بالفتيا، فعلى هذا من ظفر بجنس حقّه أو بغير جنسه إذ لم يظفر بالجنس مع تعذر أخذ الحق\n_________\n(^١) قال الكاساني في بدائع الصنائع: ٦/ ١٩٤ \"وأما بيان ما يثبت به الملك في الموات وما لا يثبت ويثبت به الحق فالملك في الموات يثبت بالإحياء بإذن الإمام عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى يثبت بنفس الإحياء وإذن الإمام ليس بشرط\".\n(^٢) قال الشيرازي في المهذب: ١/ ٤٢٣ \"يستحب إحياء الموات لما روى جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \"من أحيا أرضا ميتة، فله فيها أجر وما أكله العوافي منها فهو له صدقة\" وتملك به الأرض لما روى سعيد بن زيد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أحيا أرضا ميتة فهي له\" ويجوز ذلك من غير إذن الإمام للخبر ولأنه تملك مباح فلم يفتقر إلى إذن الإمام كالاصطياد\".\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه: ص ١٠٦٢، كتاب النفقات (٦٩)، باب إذا لم ينفق الرجل (٩) رقم (٥٣٦٤)، ومسلم في صحيحه: ص ٧١١ - ٧١٢، كتاب الأقضية (٣٠) باب قضية هند (٤) رقم (٧/ ١٧١٤)، وأما بلفظ المؤلف فقد أخرجه الدارمي في سننه: ٢/ ٥٩٨، كتاب النكاح (١١) باب في وجوب نفقة الرجل على أهله (٥٤) رقم (٢١٧٦).","vol":"7","page":2881},{"text":"ممن هو عليه جاز له أخذه حتى يستوي حقه (^١). وحكى في التهذيب وجهًا أنَّه يجوز أخذ غير الجنس مع الظفر بالجنس، وقد يوجه بعدم التنفيذ في الحديث (^٢).\n_________\n(^١) يقول الغزالي في الوسيط: ٧/ ٤٠٠ ما نصه: \"فإذا ظفر بجنس حقه فله أن يأخذه ويتملكه مستبدا فإن ظفر بغير جنس حقه ففي جواز الأخذ قولان: أحدهما نعم لقوله ﵊ لهند: \"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف\" ولم يفرق بين الجنس وغيره، والثاني لا؛ لأنه كيف يتملك وليس من جنس حقه وكيف يبيع ملك غيره بغير إذنه فإن قلنا يأخذ ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو القول المشهور أنه يرفع إلى القاضي حتى يبيع بجنس حقه ولم يذكر القفال غير هذا. والثاني: أنه ينفرد ببيعه كما ينفرد بالتعيين في جنس حقه فإن هذه رخصة ولو كلف ذلك كلفه القاضي البينة وربما عسر عليه. والثالث: أنه يتملك منه بقدر حقه ولا معنى للبيع وهذا بعيد في المذهب وإن كان متجها.\nفإن قلنا يبيع فإن كان حقه نقدا باع بالنقد وإن كان حنطة أو شعيرا قال القاضي: يبيع بالنقد ثم يشتري به الحنطة فإنه كالوكيل المطلق لا يبيع بالعرض، وقال غيره وهو الأصح يبيع بجنس حقه ولا معنى للتطويل\".\n(^٢) قال ابن حجر في فتح الباري ٩/ ٥٠٩: \". . . واستدل به [أي حديث هند] على أن من له عند غيره حق وهو عاجز عن استيفائه جاز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه وهو قول الشافعي وجماعة وتسمى مسألة الظفر والراجح عندهم لا يأخذ غير جنس حقه إلا إذا تعذر جنس حقه. وعن أبي حنيفة المنع وعنه يأخذ جنس حقه ولا يأخذ من غير جنس حقه إلا أحد النقدين بدل الآخر. وعن مالك ثلاث روايات كهذه الآراء. وعن أحمد المنع مطلقا. . . . قال الخطابي: يؤخذ من حديث هند جواز أخذ الجنس وغير الجنس لأن منزل الشحيح لا يجمع كل ما يحتاج إليه من النفقة والكسوة وسائر\". وقد أفاض النووي في روضة الطالبين: ٤/ ٢٥٠ - ٢٥٥ في باب الدعوى والبينات، فينظر هناك فستجد فيه شفاء للغليل.","vol":"7","page":2882},{"text":"وذهب مالك ﵀ إلى خلاف ذلك، وقال: إنه - ﷺ - تصرف في قضية هند بالقضاء (^١).\nوجعل بعضهم هذه القضية أصلًا في القضاء على الغائب وهو ضعيف؛ لأنَّ أبا سفياد كان حاضرًا في البلد ظاهرًا لا يمتنع عن الحضور إذا طلبه النبي - ﷺ -، والقضاء لا يتأتى على من هو بهذه المثابة على الصحيح من المذهب (^٢).\nواستنبط القاضي الحسين من كونه تصرفًا بالقضاء أنَّه يجوز أنْ يسمع\n_________\n(^١) ينظر: التمهيد لابن عبد البر: ٢٢/ ٢٢٠، والتاج والإكليل للمواق حاشية على الحطاب: ٦/ ١١٩.\n(^٢) قال النووي في روضة الطالبين: ٤/ ٢٣٨ \". . . بيان جواز القضاء لحاضر على غائب، والأصل فيه قوله - ﷺ - لهند: \"خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف\" وهو قضاء منه على زوجها وهو غائب، ولو كان فتوى لقال لها لك أن تأخذي أو لا بأس عليك أو نحوه ولم يقل خذي. وقول عمر ﵁ في خطبته: \"من كان له على الأسيفع بالفاء المكسورة دين فليأتنا غدا فإنا بايعوا ماله وقاسموه بين غرمائه وكان غائبا\". قال ابن حجر في فتح الباري: ٩/ ٥١٠ وما بعدها \"وذكر النووي أن جمعا من العلماء من أصحاب الشافعي ومن غيرهم استدلوا بهذا الحديث لذلك حتى قال الرافعي في القضاء على الغائب احتج أصحابنا على الحنفية في منعهم القضاء على الغائب بقصة هند وكان ذلك قضاء من النبي - ﷺ - على زوجها وهو غائب قال النووي ولا يصح الاستدلال لأن هذه القصة كانت بمكة وكان أبو سفيان حاضرًا بها وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبا عن البلد أو مستترا لا يقدر عليه أو متعززا ولم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجودًا فلا يكون قضاء على الغائب بل هو إفتاء وقد وقع في كلام الرافعي في عدة مواضع أنه كان إفتاء اهـ\".","vol":"7","page":2883},{"text":"إلى أحد الخصمين دون الآخر (^١).\nواستنبط الرافعي من كونه تصرفًا بالفتيا؛ أنّه يجوز للمرأة أنْ تخرج لتستفتي (^٢).\nوفيه نظر؛ فإنّ هندًا خرجت عام الفتح متقدمة على سائر النّساء لما نزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ (^٣) فقال رسول الله - ﷺ -: \"أبايعكن على أنْ لا تشركن بالله شيئا فقالت: هند لو أشركنا بالله شيئًا ما دخلنا في دين الإسلام، فقال: أبايعكن على أنْ لا تقتلن أولادكن فقالت هند: فهل تركتم لنا من ولد ربيناهم صغارًا فقتلتموهم كبارًا. فقال أبايعكنّ على أنْ لا تزنين فقالت هند: أوتزني الحرّة! فقال: أبايعكنّ على أنْ لا تسرقن فقالت هند: إد أبا سفيان رجل شحيح\" (^٤). . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) ينظر العزيز شرح الوجيز: ١٠/ ٧١ - ٧٢.\n(^٢) ينظر الوسيط: ٦/ ٢٢٠.\n(^٣) سورة الممتحنة من الآية ١٢.\n(^٤) الشُّحُ: الشُّحُّ مُثَلَّثَةٌ: البُخْلُ، والحِرْصُ، شَحِحْتَ، بالكسر، به وعليه تَشَحُّ، وشَحَحْتَ تَشُحُّ وتَشِحُّ، وهو شَحاحٌ، كسَحابٍ، وشَحيحٌ وشَحْشَحٌ وشَحْشاحٌ وشَحْشَحانٌ، وقومٌ شِحاحٌ وأشِحَّةٌ وأشِحَّاء. ينظر: القاموس المحيط: مادة \"شحح\". ولزيادة الفائدة نسوق كلام ابن حجر في الفتح: ٩/ ٥٨ حيث يقول: \"رجل شحيح تقدم قبل بثلاثة أبواب رجل مَسِيك، واختلف في ضبطه فالأكثر بكسر الميم وتشديد السين على المبالغة، وقيل بوزن شحيح قال: النووي هذا هو الأصح من حيث اللغة، وإن كان الأول أشهر في الرواية ولم يظهر لي كون الثاني أصح فإن الآخر مستعمل كثيرا مثل شِرِّيب وسِكِّير وإنْ كان المخفف أيضا فيه نوع مبالغة لكن المشدد =","vol":"7","page":2884},{"text":"الحديث (^١).\nفهند لم تخرج لأجل الاستفتاء فلا يحسن الاستدلال به عليه (^٢).\n_________\n= أبلغ، وقد تقدم عبارة النهاية في كتاب الأشخاص حيث قال: المشهور في كتب اللغة الفتح والتخفيف وفي كتب المحدثين الكسر والتشديد. والشحّ البخل مع حرص، والشح أعمّ من البخل؛ لأن البخل يختص بمنع المال والشح بكل شيء وقيل الشح لازم كالطبع والبخل غير لازم\".\n(^١) أخرج أبو يعلي في مسنده: ٨/ ١٩٤ قال: \"عن عائشة قالت: جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة إلى رسول الله - ﷺ - لتبايعه فنظر إلى يديها فقال لها: اذهبي فغيري يدك قال فذهبت فغيرتها بحناء ثم جاءت إلى رسول الله - ﷺ - فقال: أبايعك على أن لا تشركي بالله شيئا ولا تسرقي ولا تزني، قالت: أوتزني الحرة! قال: ولا تقتلن أولادكن خشية إملاق، قالت: وهل تركت لنا أولادًا نقتلهم، قال فبايعته ثم قالت له وعليها سواران من ذهب: ما تقول في هذين السوارين؟ قال: جمرتان من جمر جهنم\".\nوأخرج البخاري في صحيحه: ص ٧٢٦ كتاب مناقب الأنصار (٦٣) باب ذكر هند بنت عتبة بن ربيعة ﵂ (٢٣) رقم الحديث (٣٨٢٥) قال: \"عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت هند أم معاوية لرسول الله - ﷺ -: إن أبا سفيان رجل شحيح فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرا؟ قال: خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف\".\nفهذان حديثان قد جمع بينهما الشارح ودمجهما في حديث واحد. ولعلهما حديث واحد لكني لم أقف عليه بعد البحث والتقصي. وأخرجه مسلم أيضًا: ص ٧١٢ في كتاب الأقضية (٣٠) باب قضية هند (٤) رقم الحديث (١٧١٤).\n(^٢) قال ابن حجر في فتح الباري: ٩/ ٥١٠ وما بعدها \". . واستدل بهذا الحديث على جواز ذكر الإنسان بما لا يعجبه إذا كان على وجه الاستفتاء والاشتكاء ونحو ذلك. .\" فكأنه يرى أن هندًا جاءت للاستفتاء.\nوقال بعدها بصفحات: \". . . على الخلاف في قصة هند فإن كانت إفتاء جاز لها الأخذ بغير إذن، وإن كانت قضاءً فلا يجوز إلا بإذن القاضي ومما رجح به أنه كان قضاء =","vol":"7","page":2885},{"text":"- ومنها قوله - ﷺ -: \"من قتل قتيلا فله سلبه\" (^١).\nقال بعض العلماء هذا تصرف منه - ﷺ - بالإمامة فلا يجوز لأحد أنْ\n_________\n= لا فتيا، التعبير بصفة الأمر حيث قال لها: خذي، ولو كان فتيا لقال مثلا: لا حرج عليك إذا أخذت؛ ولأن الأغلب من تصرفاته - ﷺ- إنما هو الحكم، ومما رجح به أنه كان فتوى وقوع الاستفهام في القصة في قولها هل عليَّ جناح؟ ولأنه فوض تقدير الاستحقاق إليها، ولو كان قضاءً لم يفوضه إلى المدعى؛ ولأنّه لم يستحلفها على ما ادعته ولا كلفها البينة. والجواب أن في ترك تحليفها أو تكليفها البينة حجة لمن أجاز للقاضي أنْ يحكم بعلمه فكأنه - ﷺ - علِم صدقها في كل ما ادعت به، وعن الاستفهام أنه لا استحالة فيه من طالب الحكم وعن تفويض قدر الاستحقاق أن المراد الموكول إلى العرف كما تقدم.\nتنبيه: أشكل على بعضهم استدلال البخاري بهذا الحديث على مسألة الظفر في كتاب الأشخاص حيث ترجم له قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه واستدلاله به على جواز القضاء على الغائب لأن الاستدلال به على مسألة الظفر لا تكون إلا على القول بأن مسألة هند كانت على طريق الفتوى والاستدلال به على مسألة القضاء على الغائب لا يكون إلا على القول بأنها كانت حكما.\nوالجواب أن يقال: كل حكم يصدر من الشارع فإنه ينزل منزلة الإفتاء بذلك الحكم في مثل تلك الواقعة فيصح الاستدلال بهذه القصة للمسألتين والله أعلم. .\"\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: ص ٨١٥ كتاب المغازي (٦٤)، باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ رقم (٤٣٢١)، وأخرجه مسلم في صحيحه: ٧٢٦ - ٧٢٧، كتاب الجهاد والسير (٣٢)، باب استحقاق القاتل سلب القتيل (١٣) رقم (٤١/ ١٧٥١). والسَّلْبُ: هو فرس المحارب المقتول وسرجه، ولجامه، وكل ما عليه من لباس وحلية وكل ما على المقتول من سلاح أو مال في نطاقه أو في يده أو كيفما كان. ينظر: المصباح المنير: ص ٢٨٤ مادة: \"سلب\"، والتوقيف على مهمات التعاريف: ص ٤١١، والتعريفات للجرجاني: ص ١٢٦.","vol":"7","page":2886},{"text":"يختص بسلب إلا بإذن الإمام (^١).\nوقال الشافعي: هو تصرف بالفتيا فلا يتوقف على إذن الإمام (^٢) (^٣).\nقال: (فرع لا يخطئ اجتهاده وإلا لما وجب اتباعه).\n_________\n(^١) يقول ابن حجر في فتحه ما نصه: ٦/ ٢٤٧ وما بعدها \"ذهب الجمهور وهو أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلا فله سلبه أو لم يقل ذلك وهو ظاهر حديث أبي قتادة ثاني حديثي الباب وقال إنه فتوى من النبي - ﷺ - وإخبار عن الحكم الشرعي.\nوعن المالكية والحنفية: لا يستحقه القاتل إلا إن شرط له الإمام ذلك.\nوعن مالك: يخير الإمام بين أن يعطي القاتل السلب أو يخمسه\".\n(^٢) قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: ١٢/ ٥٩ \"من قتل قتيلا له عليه بينه فله سلبه\" اختلف العلماء في معنى هذا الحديث. فقال الشافعي ومالك والأوزاعي والليث والثوري وأبو ثور وأحمد وإسحق وابن جرير وغيرهم: يستحق القاتل سلب القتيل في جميع الحروب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلا فله سلبه أم لم يقل ذلك، قالوا: وهذا فتوى من النبي - ﷺ - وإخبار عن حكم الشرع فلا يتوقف على قول أحد.\nوقال أبو حنيفة ومالك ومن تابعهما رحمهم الله تعالى: لا يستحق القاتل بمجرد القتل سلب القتيل بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنيمة إلا أن يقول الأمير قبل القتال من قتل قتيلا فله سلبه، وحملوا الحديث على هذا وجعلوا هذا إطلاقا من النبي - ﷺ - وليس بفتوى وإخبار عام وهذا الذي قالوه ضعيف لأنه صرح في هذا الحديث بأن النبي ﷺ قال هذا بعد الفراغ من القتال واجتماع الغنائم والله أعلم\".\n(^٣) نقله السبكي على طوله لما فيه من الفائدة العظيمة في بابه مع شيء من التصرف من كتاب الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام للقرافي تحقيق أبو غدة: ٩٥ - ١١٨.","vol":"7","page":2887},{"text":"عبّر عن هذا بالفرع لكونه مبنيًا على جواز الاجتهاد للنبي - ﷺ -.\nوالذي جزم به من كونه لا يخطئ اجتهاده هو الحقّ (^١).\nوَأَنَا أطهرُ (^٢) كتابي أنْ أَحْكِي فيه قولًا سِوَى هذا القوْلَ بل لا نَحْفَلُ به ولا نَعْبَأ.\nواستدل في الكتاب بأنه لو جاز الخطأ عليه لوجب علينا اتباعه في الخطأ، وذلك ينافي كونه خطأ (^٣).\nونحن نقول: - لمن زخرف قوله، وقال: يجوز بشرط ألَّا يُقِرَّ\n_________\n(^١) وهو قول جمهور العلماء منهم الإمام الشافعي كما حكاه الزركشي في البحر المحيط، وهو قول ابن فورك، والحليمي، وقول بعض الحنفية منهم البزدوي، والمختار عند المالكية، وقال الإمام الرازي في المحصول: \"إنه الحق\" واختاره البيضاوي، والسبكي والصفي الهندي. ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٩٠ - ٢٩١، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣٠٣، والمسودة: ص ٥٠٩، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٧٢، والتبصرة: ص ٥٢٤، والتحصيل: ٢/ ٢٨٣، ومعراج المنهاج: ٢/ ٢٨٦، والسراج الوهاج في شرح المنهاج: ٢/ ١٠٧١، وسلاسل الذهب للزركشي: ص ٤٣٧، وتشنيف المسامع له: ٤/ ٥٨٠، والبحر المحيط له: ٦/ ٢١٨، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨١١، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٣٧، وكشف الأسرار: ٣/ ٢٠٩، ونشر البنود: ٢/ ٣٢٦.\n(^٢) في جميع النسخ، (أظهر) والذي أثبته لا يخلو من وجاهة. إنما الذي دفعني لإثباته هو السياق فيما بعد، حين قال: \"وأنا قد اقتصرت على ما ذكرت تطهيرا لكتابي من البحث\" والله أعلم.\n(^٣) ينظر: الدليل في: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٩١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨١١.","vol":"7","page":2888},{"text":"عليه (^١) - ألَيْسَ يصدق صدورَ الخطأ المضاد لمنصب النبوة؟ ولقد يلزمك على هذا محال من الهذيان (^٢)، وهو أنْ يكون بعض المجتهدين في حالة إصابته أكمل من المصطفى - ﷺ - في تلك الحالة - معاذ الله - أنْ يكون رسول الله - ﷺ - كذلك.\nوأنا قد اقتصرت على ما ذكرت تطهيرا لكتابي من البحث مع هذا القائل، ووفاء بحقّ الشرح، وإلّا فيعزّ علينا أن نفوه فيه أو نثني نحوه عطفًا (^٣).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-603>(الثانية يجوز للغائبين عن الرسول - ﷺ - وفاقًا وللحاضرين أيضًا إذ لا يمتنع أمرهم به</span>.\n_________\n(^١) والقول الثاني: وهو الجواز لكن بشرط أن لا يقرّ عليه. وهو مذهب الأكثرية من الحنابلة والحنفية وأصحاب الحديث، وجماعة من المعتزلة، واختاره الآمدي وابن الحاجب: ينظر هذا القول وأدلته في: التبصرة: ص ٥٢٤، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٩٠ - ٢٩١، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣٠٣، والمسودة: ص ٩٠٥، وتيسير التحرير: ٤/ ١٩٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨١١، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٣٧.\n(^٢) الهذيان: من هَذَى يَهْذِي هذْيًا، وهَذَيَانًا، تكلم بغير معقول لمرض أو غيره، والاسم كدعاء، ورجل هذَّاء وهذّاءة كثيره. ينظر: القاموس المحيط: ص ١٧٣٤، مادة \"هذى\".\n(^٣) تراجع أدلة المجيزين: في التبصرة: ص ٢٤، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٣٤، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٩١ - ٢٩٢، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣٠٣، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٣٨، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨١٣ - ٣٨١٥.","vol":"7","page":2889},{"text":"قيل: عرضة للخطأ.\nقلنا: لا نسلم بعد الإذن).\nاتفقوا على جواز الاجتهاد بعد وفاة الرسول - ﷺ -.\nفأمّا في عصره فقد اختلفوا فيه:\nفمنهم من جوزه مطلقًا، وهو المختار عند الأكثرين منهم الإمام وصاحب الكتاب (^١).\nومنهم من منع منه مطلقًا (^٢).\nوقالت طائفة: يجوز للغائبين عن الرسول - ﷺ - من القضاة والولاة دون الحاضرين (^٣).\n_________\n(^١) وهو مذهب معظم الأصوليين، واختاره الإمام والبيضاوي والصفي الهندي والآمدي وابن الحاجب.\nينظر: التبصرة: ص ٥١٩، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٤، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢٥، والروضة: ٣/ ٩٦٥، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٣٥ - ٢٣٦، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٩٢، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٣٨، والمسودة: ص ٥١١، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٧٤.\n(^٢) وهو مذهب أبي علي الجبائي وأبي هاشم. ينظر: المعتمد: ٢/ ٧٢٢، والتبصرة: ص ٥١٩، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢٦، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٣٦.\n(^٣) وهو اختيار الغزالي، وابن الصباغ وإليه مال إمام الحرمين. ينظر: البرهان للجويني: ٢/ ١٣٥٥، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٤، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢٥، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٣٦، وشرح العبر للمنهاج: ص ٦٦٤، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٣٨، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨١٦.","vol":"7","page":2890},{"text":"وجوزه آخرون للغائبين مطلقًا دون الحاضرين (^١).\nومنهم من قال: يجوز إن لم يوجد في (^٢) ذلك منع.\nقال صفي الدّين الهندي وهذا ليس بمرضي؛ لأنَّ ما بعده أيضًا كذلك فلم يكن له خصوصية بزمانه - ﷺ - (^٣).\nومنهم من قال إن ورد الإذن بذلك جاز وإلا فلا (^٤).\nثمّ من هؤلاء من نزّل السكوت عن (^٥) المنع منه مع العلم بوقوعه منزلة الإذن (^٦).\nومنهم من اشترط صريح الإذن (^٧).\nهذه جملة المذاهب في المسألة، وبه يعلم أنّ دعوى المصنف الاتفاق على جوازه للغائبين ليس بجيد (^٨).\n_________\n(^١) أيّد هذا القول الغزالي في المنخول: ص ٤٦٨. وإن كانت عبارته لا تفيد التفريق بين القاضي وغيره.\n(^٢) في (ص): مع.\n(^٣) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨١٧.\n(^٤) ينظر: المصدر نفسه.\n(^٥) في (غ): على المنع.\n(^٦) ينظر: التبصرة: ص ٥١٩، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٤، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢٦، الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٣٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨١٧، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٣٩.\n(^٧) ينظر: المصادر نفسها.\n(^٨) وهذا من مواطن الاعتراض من الشارح على المصنف.","vol":"7","page":2891},{"text":"واحتج المصنف على الجواز بأنّه لا يمتنع أنْ يقول الرسول - ﷺ -: لقد أوحي إليَّ أنّك مأمورٌ بأنْ تجتهدَ أو بأنْ تعملَ على وِفْقِ ظنّك.\nواحتج المانعون بأنّ الاجتهاد في معرض الخطأ والنّص آمن منه وسلوك السبيل المخوف مع القدرة على سلوك السبيل الآمن قبيح عقلًا.\nوأجاب عنه تبعا للإمام: بأنّ الشَّرع لا قال له: أنت مأمورٌ بأنْ تجتهد، وتعمل على وفق ظنّك كان آمنا من الغلط؛ لأنّه بعد الاجتهاد يكون آتيًا بما أمر به وهو ضعيف، فإنّ الإذن في الاجتهاد لا يمنع وقوع الخطأ فيه.\nوقد يقال: في تقرير الجواب إنَّه بالأمر صارَ آمنًا من الخطأ بفعل الاجتهاد أي يكون فعله الاجتهادَ صوابًا لا أنَّه يأمن من تأدية الاجتهاد إلى الخطأ. وإذا كان الإقدام على الاجتهاد صوابًا فلا عليه أنْ يخطئ بعد إتيانه بما أمر به.\nوأجيب عنه أيضًا: بأنّا لا نسلم أنَّه قادر على التوصل إلى النّص؛ وذلك لأنَّ ورود النّص ليس باختياره ومسألته بل جاز أنْ يسأل عن القضية ولا يرد فيها نصّ بل يؤمر بالعمل فيها بالظنّ ولا يمكنكم نفي هذا الاحتمال إلا إذا أثبتم نفي جواز الاجتهاد، فبيان نفي جواز الاجتهاد بناءً على نفي هذا الاحتمال دور.\nواعلم أنّ الإمام قال: الخوض في هذه المسألة قليل الفائدة؛ لأنّه لا ثمرة له في الفقه.","vol":"7","page":2892},{"text":"وهذا فيه نظر إذ ينبني على هذا الأصل مسائل:\n- منها إذا شكّ في نجاسة أحدِ الإناءين ومعه ماءٌ طاهر بيقين، أو الثوبين ومعه آخر طاهر بيقين، أو ماء يغسل به أحدهما، ففي جواز الاجتهاد له بين الإناءين والثوبين وجهان أصحهما أنَّه يجتهد (^١).\n- وكذلك إذا غاب عن القبلة فإنّه لا يعتمد على خبر من أخبره عن علمٍ ولا على الاجتهاد إلَّا إذا لم يقدر على معرفة القبلة يقينًا، وكذلك حكى الأصحاب وجهين في المصلي إذا استقبل حِجْر الكعبة وحده وقالوا: الأصحّ المنع؛ لأنَّ كونه من البيت غير مقطوع به، وإنما هو مجتهد فيه فلا يجوز العدول عن اليقين إليه (^٢).\nقال: (ولم يثبت وقوعه)\nهذا عائد إلى اجتهاد الحاضر الذي جعله المصنف محلّ الخلاف.\nوقد ذهب الأكثرون إلى ما قاله المصنف من التوقف (^٣).\n_________\n(^١) ينظر: الوسيط للغزالي: ٢/ ١٤٦.\n(^٢) قال النووي في روضة الطالبين: ١/ ٢١٧ \"اعلم أن القادر على يقين القبلة لا يجوز له الاجتهاد وفي من استقبل حجر الكعبة مع تمكنه منها وجهان: الأصح المنع لأن كونه من البيت غير مقطوع به بل هو مظنون ثم اليقين قد يحصل بالمعاينة وبغيرها كالناشئ بمكة العارف يقينا بأمارات وكما لا يجوز الاجتهاد مع القدرة على اليقين لا يجوز اعتماد قول غيره، وأما غير القادر على اليقين فإن وجد من يخبره بالقبلة عن علم اعتمده ولم يجتهد بشرط عدالة الخبر يستوي فيه الرجل والمرأة والعبد\".\n(^٣) أي في حق من حضر وهذا اختيار القاضي عبد الجبار. ينظر: المعتمد: ٢/ ٧٢٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٢٢.","vol":"7","page":2893},{"text":"ومنهم من قال بوقوعه (^١).\nومنهم من نفاه (^٢). وهذا في حقّ الحاضرين.\nوأما الغائبون.\nفمنهم من ذهب إلى وقوع التعبد به في حقهم (^٣).\nومنهم من منعه (^٤).\n_________\n(^١) وهو مذهب الآمدي وابن الحاجب، وقد نسب الإسنوي هذا القول إلى الغزالي، ولكن الإمام الغزالي يصرح في المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٥ بقوله: \"فالصحيح أنه قام الدليل على وقوعه في غيبته بدليل قصة معاذ فأما في حضرته فلم يقم فيه دليل\". ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٣٦، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٤١ - ٥٤٢.\n(^٢) وهو ما ذهب إليه أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم على المشهور، وإن كان الآمدي قد نقل عنهما التوقف، والحق أن أبا علي توقف في الغائب وقطع هو وابنه في حق الحاضر إذا أمكنه سؤال النبي - ﷺ -، وفي الغائب إذا أمكنه مراسلة الرسول ﵊. ينظر: المعتمد: ٢/ ٧٢٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٢٢، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٧٥.\n(^٣) ونسبه صاحب مسلم الثبوت إلى الأكثر. وينظر: البرهان للجويني: ٢/ ١٣٥٥، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢٥، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٣٦، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٩٢، والمسودة: ص ٥١١، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٧٥. ومستندهم خبر معاذ لما أرسله رسول الله - ﷺ - إلى اليمن الذي سبق تخريجه.\n(^٤) أي المنع مطلقًا إلا لضرورة مانعة من السؤال كالغائب البعيد أو للإذن من الرسول - ﷺ - وذهب إلى هذا صاحب مسلم الثبوت. فالأصل عنده المنع ويستثنى من ذلك =","vol":"7","page":2894},{"text":"وتوقفت فرقة ثالثة (^١).\nواحتج من قال بالوقوع في الحاضر والغائب؛ بقول الصديق - ﵁ - لأبي قتادة (^٢) حيث قتل رجلا من المشركين فأخذ غيره سلَبه: \"لاها الله (^٣)، إذًا لا نعمد إلى أسَدٍ من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله فنعطيك\n_________\n= حالان: أولهما الغائب البعيد فيجوز له الاجتهاد مطلقًا، وقد وقع بدليل قصة معاذ. وثانيها الحاضر بعد إذن الرسول - ﷺ - له بالاجتهاد كقصة سعد بن معاذ. ينظر: فواتح الرحموت: ٢/ ٣٧٥.\n(^١) أي توقف في ذلك بالنسبة إلى الفريقين أي الحاضرين والغائبين. ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨١٧.\n(^٢) هو الحارث بن ربعي بن بُلْدُمة أبو قتادة الأنصاريّ الخزرجيّ السلمي، فارس رسول الله - ﷺ -، اختلف في شهوده بدرًا، وشهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، توفي سنة ٤٥ هـ وقيل قبل ذلك سنة ٤٠ هـ. ينظر ترجمته في: الاستيعاب: ٤/ ١٧٣١ - ١٧٣٢ رقم (٣١٣٠)، وأسد الغابة: ٦/ ٢٥٠ - ٢٥١ رقم (٦١٦٦)، والإصابة: ٧/ ٣٢٧ - ٣٢٩ رقم (١٠٤٠٥).\n(^٣) قول أبي بكر الصديق \"لاها الله، إذن لا يعمد إلى أسد من أسود الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه\" قال ابن حجر في فتح الباري: ٨/ ٤٧ - ٥٦ \"فأما لاها الله فقال الجوهري: ها للتنبيه وقد يُقْسم بها يقال: لاها الله ما فعلت كذا. قال ابن مالك: فيه شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه، قال: ولا يكون ذلك إلا مع الله أي لم يسمع لاها الرحمن كما سمع لا والرحمن، قال: وفي النطق بها أربعة أوجه: أحدها ها الله باللام بعد الهاء بغير إظهار شيء من الألفين، ثانيها: مثله لكن بإظهار ألف واحدة بغير همز كقولهم: التقتا حلقتا البطان، ثالثها: ثبوت الألفين بهمزة القطع، رابعها: بحذف الألف وثبوت همزة القطع، انتهى كلامه. والمشهور في الرواية من هذه الأوجه الثالث والأول. وقال أبو حاتم السجستاني: العرب تقول: =","vol":"7","page":2895},{"text":"سلبه، فقال النبي - ﷺ -: صدق\" (^١).\nفإنّ الصديق - ﵁ - قال ذلك اجتهادًا وإلّا لأسنده إلى النّص؛ لكونه أدعى إلى الانقياد وقرره النبي - ﷺ - على ذلك، فإذا جاز في حقّ الحاضر جاز بطريق أولى في حق الغائب.\nويخصّ الغائب حديث معاذ (^٢) المذكور في كتاب القياس.\nوأجيب عنهما: بأنّهما أخبار آحاد والمسألة علمية، وقول الغزالي هذا حديث معاذ مشهور قبلته الأمّة (^٣) أخذه من إمام الحرمين (^٤)، وإمام الحرمين تلقاه من القاضي فإنّه قال في التقريب: إنّ الأمّة تلقته بالقبول (^٥). وليس بجيد لما عرفت في كتاب\n_________\n= لاهأ الله ذا بالهمز، والقياس ترك الهمز، وحكى ابن التين عن الداودي أنه روي برفع الله، قال: والمعنى يأبى الله. وقال غيره: إن ثبتت الرواية بالرفع فتكون ها للتنبيه والله مبتدأ ولا يعمد خبره انتهى. ولا يخفى تكلفه. وقد نقل الأئمة الاتفاق على الجر فلا يلتفت إلى غيره. . .\" اهـ كلامه.\n(^١) الحديث سبق تخريجه.\n(^٢) سبق تخريجه.\n(^٣) قال الغزالي في المستصفى ٢/ ٢٥٤ \"وهذا حديث تلقته الأمة بالقبول ولم يظهر أحد فيه طعنًا وإنكارًا وما كان كذلك فلا يقدح فيه كونه مرسلًا بل لا يجب البحث عن إسناده\".\n(^٤) ينظر البرهان ٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣.\n(^٥) قال في التلخيص للجويني: ٣/ ٢١١ \"وهذا حديث متلقى بالقبول، صريح في إثبات القياس\".","vol":"7","page":2896},{"text":"القياس (^١).\nواحتج من أنكر الوقوع مطلقًا\nبأنّهم لو اجتهدوا في عصره - ﷺ - لنقل واشتهر كاجتهادهم بعده (^٢).\nوالمختار عندنا التوقف في حقّ الحاضرين (^٣).\nوأمّا الغائبون فالظاهر وقوع تعبدهم به ولا قطع.\nقال: (الثالثة (^٤): لا بد له أن يعرف من الكتاب والسنّة والإجماع ما يتعلق بالأحكام وشرائطِ القياس وكيفيةِ النظر وعلمِ العربية والناسخ والمنسوخِ وحالِ الرواة ولا حاجة إلى الكلام والفقه؛ لأنّه نتيجته).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-604>شرط المجتهد أنْ يكون محيطًا بمدارك الأحكام</span>، ومتمكنًا من استثارة الظنّ بالنّظر فيها، وتقديم ما يجب تقديمه، وتأخير ما يتعين تأخيره (^٥)، وإنما يكون كذلك بأمور: (^٦)\n_________\n(^١) ينظر: ص ٢١٩٦.\n(^٢) ينظر: المعتمد: ٢/ ٧٢٢، والتبصرة: ص ٥١٩، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٢٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨١٦.\n(^٣) وهو اختيار عبد الجبار من المعتزلة. ينظر: المعتمد: ٢/ ٧٢٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٣٦.\n(^٤) في (غ): الثانية.\n(^٥) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٠.\n(^٦) ينظر: الحاوي للماوردي في شروط القاضي: ٢٠/ ١٠٦ - ٢١٨.","vol":"7","page":2897},{"text":"أحدها: كتاب الله فإنّه الأصل ولا بدّ من معرفته، ولكن لا يشترط معرفة جميع الكتاب بل ما يتعلق منه بالأحكام.\nقال الغزالي: وهو مقدار خمسمائة آية، ولا يشترط حفظها من وراء ظهره، بل أنْ يكون عالمًا بمواقعها، حين يطلب الآية إذا احتيج إليها (^١).\nوثانيها: سنة رسول الله - ﷺ - ولا يشترط فيها أيضًا الحفظ ولا معرفة ما لا يتعلق بالأحكام كما في معرفة الكتاب.\nقال الغزالي: ويكفيه أنْ يكون عنده أصل مصحَّحٌ لجميع أحاديث الأحكام، كسنن أبي داود، ومعرفة السنن لأحمد البيهقي، أو أصل وقعت العناية فيه لجميع أحاديث الأحكام، ويكتفي منه بمعرفة مواقع كلّ باب فيراجعه وقت الحاجة (^٢).\nقال الشيخ محيي الدّين النووي قدّس الله روحه والتمثيل (^٣) بسنن أبي داود لا يصحّ فإنّه لم يستوعب الصحيح من أحاديث الأحكام ولا معظمه، وكم في صحيحي البخاري ومسلم من حديث حكمي ليس في سنن أبي داود (^٤).\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥١، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٣٣.\n(^٢) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥١، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٣٣، والعزيز شرح الوجيز: ١٢/ ٤١٦.\n(^٣) في (غ): والتمسك.\n(^٤) روضة الطالبين للنووي: ٨/ ٨٣.","vol":"7","page":2898},{"text":"وثالثها: الإجماع فليعرف مواقعه حتى لا يفتي بخلافه، ولكنه لا يلزمه حفظ جميع مواقعه بل كلّ مسألة يفتي فيها فينبغي أنْ يعلم أنّ فتواه ليست مخالفة للإجماع إمّا بموافقة مذهب عالم أو تكون الواقعة متولدة في العصر ليس لأهل الإجماع فيها خوض (^١).\nورابعها: القياس فلتعرفه، وتعرف شرائطه، فإنّه مناط الاجتهاد، وأصل الرأي، ومنه يتشعب الفقه، وأساليب الشريعة (^٢).\nوخامسها: كيفية النظر فلتعرف شرائط البراهين والحدود وكيف تركب المقدمات وتستنتج المطلوب لتكون على بصيرة من نظره (^٣).\nوسادسها: علم العربية لغةً ونحوًا وتصريفًا، فلتعرف القدر الذي يفهم به خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال إلى حدّ يميز به بين صريح الكلام\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٣٤، وشرح العبري: ص ٦٧٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٢٧.\n(^٢) ينظر: شرح العبري: ص ٦٧٠. وقال: الصفي الهندي في النهاية: ٨/ ٣٨٢٨: \"واعلم أن هذا ما ذكره الشيخ الغزالي، ونقله الإمام عنه، ووافقه على ذلك، ولم يذكر فيه القياس، فإن كان ذلك بناء على أنه متفرع من الكتاب والسنة، فالإجماع والعقل أيضًا كذلك، فكان يجب أن يذكرهما، وإن كان بناءً على أنه ليس بمدرك فكونه حجة ينفي ذلك، بل هو أيضًا مدرك من المدارك، فينبغي أيضًا أن يكون المجتهد عارفًا به، وبأنواعه، وأقسامه، وشرائطه المعتبرة والطرق الدالة على العلة فيه\" اهـ.\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٣٤، وشرح العبري: ص ٦٧٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٢٧.","vol":"7","page":2899},{"text":"وظاهره ومجمله ومبينه وحقيقته ومجازه وعامه وخاصه إلى غير ذلك، وليس عليه أنْ يبلغ مبلغ الخليل بن أحمد (^١).\nوسابعها: معرفة الناسخ من المنسوخ مخافة أنْ يقع في الحكم بالمنسوخ المتروك ولا يشترط حفظ ذلك جميعه كما تقدم (^٢).\nوثامنها: حال الرواة في القوة والضعف، وتمييز الصحيح عن الفاسد، والمقبول عن المردود (^٣).\nقال الغزالي وليكتف بتعديل الإمام العدل بعد أنْ يعرف صحة مذهبه في التعديل (^٤).\nوكذا قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: يعول على قول أئمة المحدثين كأحمد والبخاري ومسلم، والدارقطني وأبي داود؛ لأنّهم أهل المعرفة بذلك، فجاز الأخذ بقولهم كما يؤخذ بقول المقومين في القيم (^٥) (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥١، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٣٥، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٢٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٢٨ - ٣٨٢٩.\n(^٢) وهذا عام في الكتاب والسنة. كما ينبغي أن يعرف أسباب النزول. ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٢، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٣٦، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٢٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٣١، وشرح العبري: ص ٦٦٩ - ٦٧٠.\n(^٣) وهذا يخص السنة فقط. ينظر: المصادر نفسها.\n(^٤) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٣.\n(^٥) (وليكتف بتعديل الإمام العدل بعد أنْ يعرف. . . . . كما يؤخذ بقول المقومين في القيم) ساقط من (ت).\n(^٦) ينظر: شرح اللمع: ٢/ ١٠٣٣.","vol":"7","page":2900},{"text":"قال الغزالي: فهذه هي العلوم الثمانية التي يستفاد بها منصب الاجتهاد، ومعظم ذلك يشتمل على ثلاثة فنون الحديث واللغة وأصول الفقه (^١).\nوقال الإمام: أهمّ العلوم للمجتهد أصول الفقه (^٢)، وشرط الإمام أنْ يكون عارفًا بالدليل العقلي، وعارفًا بأننا مكلفون به (^٣).\nوقد اتبع في ذلك الغزالي (^٤)، فإنّه ذكر ذلك ولم يذكر القياس، وكأنهما تركاه لكونه متفرعًا (^٥) عن الكتاب والسنّة.\nولكن لقائل أنْ يقول: الإجماع والعقل أيضًا كذلك، فلِمَ ذكرا قوله: \"ولا حاجة\" أي: لا يحتاج المجتهد إلى علم الكلام؟ \" (^٦).\nلأنا لو فرضنا إنسانًا جازمًا بالإسلام تقليدًا؛ لأمكنه الاستدلال بالدلائل الشرعية على الأحكام (^٧)، ولكن الأصحاب عدّوا معرفة أصول\n_________\n(^١) المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٣.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٣٦.\n(^٣) ينظر: المصدر نفسه: ج ٢/ ق ٣/ ٣٤.\n(^٤) فقد صرح الإمام في المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٣٣ بذلك: حين قال: \"قال الغزالي ﵀: مدارك الأحكام أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل، فلا بد من العلم بهذه الأربعة. . .\".\n(^٥) في (غ): مفرعًا.\n(^٦) ينظر الاعتراض في المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٣٦. وينظر كلام المطيعي في حاشيته: نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٥٣ - ٥٥٤.\n(^٧) وهذا جواب الإمام في المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٣٦.","vol":"7","page":2901},{"text":"الاعتقاد من الشروط (^١).\nولا حاجة أيضًا إلى تفاريع الفقه، وكيف يحتاج إليها والمجتهد هو الذي يولدها ويحكم فيها (^٢).\nفإذا كان الاجتهاد نتيجته، فلو شرط فيه لزم الدور.\nونقل اشتراط الفقه عن الأستاذ أبي إسحاق. ولعله أراد ممارسة الفقه.\nوهذا قد ذكره الغزالي فقال: إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسته، فهو طريق يحصل الدربة في هذا الزمان ولم يكن الطريق في زمن الصحابة - ﵁ - ذلك ويمكن الآن سلوك طريق الصحابة أيضًا\n_________\n(^١) قال الرافعي في العزيز شرح الوجيز: ١٢/ ٤١٧ \"وعدَّ بعض الأصحاب من شروط الاجتهاد معرفة أصول العقائد\". وقال الجويني في التلخيص للجويني: ٣/ ٤٦٠، نقلا عن القاضي الباقلاني ما يفيد ذلك أيضًا: \"وقد قال القاضي ﵁ في خلال كلامه، ما يدل على أن التبحر في فنّ الكلام شرط في استجماع أوصاف المجتهدين. .\".\nوالمسألة خلافية بين مذهبين:\nالأول: عدم اشتراطه، وهو قول جل أصحاب الحديث والفقهاء وغيرهم.\nالثاني: الاشتراط، وهو قول القدرية كما حكاه الزركشي في البحر. وإليه ميل القاضي أبي بكر.\nينظر: البحر المحيط: ٦/ ٢٠٤، وتشنيف المسامع له: ٤/ ٥٧٣.\n(^٢) قاله الرازي في المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٣٦، وينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٣، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٣٠، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٥٤.","vol":"7","page":2902},{"text":". . . (^١).\nقال ابن الصلاح: واشتراط ذلك في صفة المفتي الذي يتأدى به فرض الكفاية، هو الصحيح، وإن لم يكن كذلك في صفة المفتي (^٢) المستقل على تجرده؛ لأنَّ حال المفتي يقتضي اشتراط كونه على صفة تسهل عليه معها إدراك أحكام الوقائع على القرب من غير تعب كثير، ولا يحصل ذلك لأحد الخلف إلَّا بحفظ أبواب الفقه ومسائله، ولا يشترط حفظ الجميع بل قدر يتمكن به من إدراك الباقي على القرب (^٣).\nواعلم أنّ ما ذكرناه من اشتراط هذه العلوم إنما هو في حق المجتهد المطلق، أمّا المجتهد في بعض الأحكام دون بعض (^٤)، فمن عرف طرق النظر\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٣.\n(^٢) في (ص): المجتهد.\n(^٣) ينظر: أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح: ص ٢٧.\n(^٤) ولمزيد التفصيل في الفرق بين المجتهد المطلق وقسيمه، أقترح على القارئ نصين؛ نص من الإحكام للآمدي: يقول فيه: \". . . إنما يشترط في حق المجتهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في جميع مسائل الفقه وأما الاجتهاد في حكم بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفًا بما يتعلق بتلك المسألة وما لا بد منه فيها ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق له بها مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية كما أن المجتهد المطلق قد يكون مجتهدا في المسائل المتكثرة بالغًا رتبة الاجتهاد فيها وإن كان جاهلا ببعض المسائل الخارجة عنها فإنه ليس من شرط المفتي أن يكون عالما بجميع أحكام المسائل ومداركها، فإنّ ذلك مما لا يدخل تحت وسع البشر\".\nوأما النص الثاني فهو من المدخل لابن بدران: ص ٣٧٤ يقول في أنواع المجتهدين: \"جعل بعض المتأخرين أقسام المجتهدين على خمس مراتب وممن علمناه جنح إلى =","vol":"7","page":2903},{"text":"القياسي له أنْ يفتي في مسألة قياسية وإن لم يعرف غيره، وقس على هذا (^١).\nوزعم بعض النّاس أن الاجتهاد لا يتجزأ، وهو ضعيف. وأمّا المجتهد المقيَّد الذي لا يعدو مذهب إمام خاص، فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع.\nقال ابن الصلاح: والذي رأيته من كلام الأئمة مشعر (^٢) بأنّه لا يتأدى فرض الكفاية بالمجتهد المقيد، قال: والذي يظهر أنَّه يتأدى به فرض الكفاية في الفتوى وإن لم يتأد به فرض الكفاية في إحياء العلوم التي منها الاستمداد في الفتوى (^٣).\nخاتمة شرط الغزالي في المجتهد العدالة ثمّ قال: وهذا يشترط لجواز الاعتماد على قوله، أمَّا هو في نفسه، إذا كان عالمًا فله أنْ يجتهد لنفسه،\n_________\n= هذا التقسيم أبا عمرو ابن الصلاح وابن حمدان من أصحابنا في كتابه أدب المفتي وتلاهما شيخ الإسلام أحمد بن تيمية فإنه نقل في مسودة الأصول كلام ابن الصلاح ولم يتعقبه وتتبعهم العلامة الفتوحي في آخر كتابه شرح المنتهى الفقهي ونحن نلخص كلامهم هنا فنقول: ذهبوا إلى أن المفتي يعني المجتهد ينقسم إلى مستقل وغير مستقل؛ فالمستقل هو المجتهد المطلق، وقد مر بيانه وأما غير المستقل فقد كان ابن الصلاح ومن دهر طويل طوى بساط المفتي المستقل والمجتهد المطلق وأفضى أمر الفتيا إلى الفقهاء المنتسبين لأئمة المذاهب المتنوعة\" انتهى.\n(^١) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٣.\n(^٢) في (ص): يشعر.\n(^٣) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٣.","vol":"7","page":2904},{"text":"ويأخذ باجتهاد نفسه، فالعدالة شرط لقبول الفتوى لا لصحة الاجتهاد (^١) هكذا ذكره.\nواقتضى كلام غيره أنّ العدالة ركن في الاجتهاد (^٢).\nويتفرع على هذا:\nأنّ الفاسق إذا أدَّاه اجتهاده في مسألة إلى حكم، هل يأخذ بقوله من عُلِمَ صدقُهُ في فتواه بقرائن؟ (^٣)\nبل قد يقال: إذا كانت العدالة ركنًا في الاجتهاد، فلا يجوز له أنْ يأخذ في حقِّ نفسه باجتهاده، بل يقلّد لكونه والحالة هذه غير مجتهد. وهذا بعيد.\n_________\n(^١) ينظر: المستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٠.\n(^٢) يقول ابن السمعاني في القواطع: ٥/ ٩ بتحقيق (ص). علي عباس الحكمي \"وليس يعتبر في صحة الاجتهاد أن يكون رجلًا، ولا أن يكون حرًّا، ولا أن يكون عدلًا، وهو يصح من الرجل والمرأة، والحرّ والعبد، والعدل والفاسق. وإنما تعتبر العدالة في الحكم والفتوى فلا يجوز استفتاء الفاسق. واعلم أن الثقة والأمانة في أن لا يكون متساهلًا في أمر الدّين فلا بد منه\".\n(^٣) قال الزركشي في تشنيف المسامع: ٤/ ٥٧٣ - ٥٧٤ \"لا يعتبر في صحة [الاجتهاد] أن يكون المجتهد رجلا ولا أن يكون حرًّا، ولا أن يكون عدلًا، وإنما تعتبر العدالة في الحكم والفتوى، فلا يجوز استفتاء الفاسق، وإن صحّ استفتاء المرأة والعبد، ولا يصح الحكم إلا من رجل عدل، فصارت شروط الفتيا أغلظ من شروط الاجتهاد بالعدالة\".","vol":"7","page":2905},{"text":"الفصل الثاني: حكم الاجتهاد","vol":"7","page":2907},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-605>(الفصل الثاني: في حكم الاجتهاد</span>.\nاختلف في تصويب المجتهدين في مسائل الفروع بناءً على الخلاف في أنّ لكلّ صورة حكمًا معينًا، وعليه دليل (^١) قطعي أو ظني.\nوالمختار ما صحّ عن الشافعي - ﵁ -: أنّ في الحادثة حكمًا معينًا وعليه أمارة من وجدها أصاب، ومن فقدها أخطأ ولم يأثم).\nالمسألة عظيمة الخطب، وقد اختصر المصنف القول فيها، فلنتوسط فيما نورده، ثمّ نلتفت (^٢) إلى ما ذكره (^٣). فنقول: في المسألة أبحاث:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>أولها: ذهب طوائف المسلمين على طبقاتهم إلى أنَّه: ليس كلُّ مجتهدٍ في الأصول مصيبًا</span>، وأنّ الإثمَ غيرُ محطوطٍ عنه إذا لم يصادف ما هو الواقع،\n_________\n(^١) (دليل) ليس في (ص).\n(^٢) (نلتفت) ليس في (غ).\n(^٣) هذه المسألة معقودة للمُجتَهَد فيه. والمجتهد فيه هو الحكم الشرعي الذي لا يعدو أن يكون أصوليًا اعتقاديًا، أو فرعيًا عمليًّا. وهذا الأخير إما أن يكون من ضروريات الدّين أو لا؟ فأمَّا الأحكام الشرعية الأصولية الاعتمادية، كإثبات الوحدانية والصِّفات، وما يجري مجراها، وكذا الأحكام الشرعية الضرورية، كأركان الإسلام من وجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج والمسألة الإجمالية الجلية فلا يجتهد فيه ألْبَتَة. ولا يلتفت للخلاف فيها. وغير هذين القسمين فهو المجتهد فيه. وهنا وقع خلاف العلماء في تصويب المجتهد.","vol":"7","page":2909},{"text":"وإنْ بالغ في الاجتهاد والنظر.\nسواءً كان مدركُه عقليًا، كحدوثِ العالمَ، وخلقِ الأعمال.\nأو شرعيًا لا يعلم إلا بالشرعِ، كعذابِ القبرِ والحشرِ.\nولا يعلم خلافٌ بين المسلمين في ذلك (^١).\nإلَّا ما نقل عن الجاحظ (^٢) وعبيد الله بن الحسين العنبري (^٣) أنهما قالا: بالتصويب في الأصول.\n_________\n(^١) ينظر مذاهب الجماهير: المعتمد: ٢/ ٩٨٨، والتبصرة: ص ٤٩٦، والقواطع للسمعاني: ٥/ ١١، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٥٧، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٤٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٢١، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٢٩٣، والمسودة: ٤٩٥، وتيسير التحرير: ٤/ ١٩٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٣٧.\n(^٢) هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني الليثي المعروف بالجاحظ البصري، المولود سنة ١٦٣ هـ، العالم المشهور، وهو من أشهر الأذكياء، ومن أئمة اللغة والأدب، ورئيس الفرقة الجاحظية من المعتزلة. له تصانيف كثيرة منها: كتاب الحيوان، والبيان والتبيين، والبخلاء، والعرجان والبرصان والقرعان، وتوفي سنة ٢٥٥ هـ.\nينظر ترجمته في: تاريخ بغداد: ١٢/ ٢١٢ رقم (٦٦٦٩)، ومعجم الأدباء: ٦/ ٥٦، بغية الوعاة: ٢/ ٢٢٨.\n(^٣) هو عبيد الله بن الحسن العنبري، البصري، قاضي القضاة، كانت ولادته عام ١٠٠ هـ وتوفي عام ١٦٨ هـ. ثقة فقيه لكن عابوا عليه تكافؤ الأدلة [وهي قوله: كل مجتهد مصيب في أصول الدين] وهي ما نحن بصدده. ينظر ترجمته في: تاريخ بغداد: ١٠/ ٣٠٦ رقم (٥٤٥٦)، وتقريب التهذيب: ص ٣٧٠ رقم (٤٢٨٣).","vol":"7","page":2910},{"text":"قال ابن السمعاني: وكان العنبري يقول في مثبتي القدر: هؤلاء عظّموا الله، وفي نافي القدر: هؤلاء نزَّهوا الله (^١).\nومنهم: من لم ينقل عن الجاحظ التصويب، بل نفي الإثم والحرج فقط (^٢).\nوالقاضي في مختصر التقريب اقتصر على النقل عن العنبري ثم قال: واختلفت الرواية عنه، فقال في أشهر الروايتين: إنما أصوِّبُ كلّ مجتهد في الدّين لجمعهم الملّة، فأمّا الكفرة فلا يصوبون.\nوغلا بعض الرواة عنه فصوب الكافة من المجتهدين دون الراكنين إلى الدّعة (^٣).\nونحن نتكلم معهما على سبيل الاختصار فنقول:\n_________\n(^١) ينظر: قواطع الأدلة لابن السمعاني: ٥/ ١١.\n(^٢) ينظر: قواطع الأدلة لابن السمعاني أيضًا: ٥/ ١١ - ١٢، فقد حكى ذلك بصيغة التضعيف فقال: \"وقد قيل: إنّ هذا القول منه في أصول الديانات التي يختلف فيها أهل القبلة، ويرجع المخالفون فيها إلى آيات وآثار محتملة للتأويل كالرؤية وخلق الأعمال، وما أشبه ذلك، وأما ما اختلف فيه المسلمون وغيرهم من أهل الملل كاليهود والنصارى والمجوس فإن هذا الموضع نقطع بأن الحق فيما يقوله أهل الإسلام. وينبغي أن يكون التأويل على هذا الوجه؛ لأنا لا نظن أن أحدًا من هذه الأمة لا يقطع بتضليل اليهود والنصارى والمجوس. . .\" وقال الزركشي في تشنيف المسامع: ٤/ ٥٨٥: \"ثم اختلف النقل عنهم [أي الجاحظ والعنبري] فمنهم من أطلق ذلك فشمل سائر الكفار والضلال، ومنهم من شرط الإسلام، وهذا هو اللائق بهما\".\n(^٣) التلخيص للجويني: ٣/ ٣٣٥.","vol":"7","page":2911},{"text":"أنتما أولًا: محجوجان بالإجماع قبلكما وبعدكما.\nوثانيا: إن أردتما بذلك مطابقة الاعتقاد للمعتقد فقد خرجتما عن حيز العقلاء وانخرطتما في سلك الأنعام.\nوإنْ أريد الخروج عن عهدة التكليف ونفي الحرج كما نقل عن الجاحظ، فالبراهين النقلية من الكتاب والسنّة والإجماع الخارجة عن حدّ الحصر تردّ هذه المقالة (^١).\nوأما تخصيص التصويب بالمجتمعين على الملّة الإسلامية فنقول: مما خاض فيه المسلمون القولُ بالتشبيه تعالى الله عنه علوًا كبيرًا، والقولُ بخلق القرآن وغير ذلك، مما يعظم خطره، وأجمعوا قبل العنبري على أنَّه يجب على المرء إدراك بطلان القول بالتشبيه.\nقال القاضي: ونقول له أيضًا ما الذي حجزك عن القول بأن المصيب واحد فإن احتج بغموض الأدلة قلنا: له فالكلام في النبوات والإحاطة بصفات المعجزات وتميزها من المخاريق والكرامات أغمض عند العارفين بأصول الديانات من الكلام في القدر وغيره، مما يختلف فيه أهل الملّة فهلا عذرت الكفرة بما ذكرت قال وهذا لا محيص له عنه (^٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-607>البحث الثاني: في تصويب المجتهدين في المسائل الفروعية</span>.\n_________\n(^١) ينظر هذه الإجابة في: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٣٨.\n(^٢) التلخيص للجويني: ٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣.","vol":"7","page":2912},{"text":"وقد ضبط صفي الدّين الهندي المذاهب فيه جيدًا، فقال:\n\"الواقعة التي وقعت إمّا أنْ يكون عليها نصٌّ أوْ لا.\nفإنْ كان الأوّل: فإمّا أن وجده المجتهد أو لا.\nوالثاني: على قسمين؛ لأنَّه إمّا قصّر في طلبه أو لم يقصّر.\nفإن وجده وحكم بمقتضاه فلا كلام.\nوإن لم يحكم بمقتضاه فإنْ كان مع العلم بوجه دلالته على المطلوب فهو مخطئ وآثم وفاقًا.\nوإن لم يكن مع العلم به ولكنه قصّر في البحث عنه فكذلك، وإن لم يقصّر بل بالغ في الاستكشاف والبحث ولم يعثر على وجه دلالته على المطلوب، فحكمه حكم ما إذا لم يجده مع الطلب الشديد وسيأتي إن شاء الله تعالى.\nوإن لم يجده فإن كان (^١) لتقصيره في الطلب فهو أيضًا مخطئ وآثم.\nوإن لم يقصّر بل بالغ في التنقيب عنه وأفرغ الوسع في طلبه ومع ذلك لم يجده بأنْ خفي عليه الراوي الذي عنده النّص أو عرفه ولكنه مات قبل وصوله إليه، فهو غير آثم قطعًا.\nوهل هو مخطئ أو مصيب؟ على الخلاف الذي يأتي إن شاء الله تعالى فيما لا نص فيه، وأولى بأنْ يكون مخطئًا.\n_________\n(^١) (كان) ليس في (غ).","vol":"7","page":2913},{"text":"وأمّا التي لا نصّ عليها؛ فإمّا أنْ يقال لله تعالى فيها قبل اجتهاد المجتهد حكم معين أو لا، بل حكمه فيها تابع لاجتهاد المجتهد، فهذا الثاني قول من قال: كلّ مجتهد مصيب وهو مذهب جمهور المتكلمين منا كالشيخ أبي الحسن (^١)، والقاضي أبي بكر (^٢)، والغزالي (^٣). ومن المعتزلة كأبي الهذيل وأبي علي وأبي هاشم (^٤) وأتباعهم.\nونقل عن الشافعي (^٥) وأبي حنيفة (^٦)، وأحمد (^٧)، والمشهور عنهم خلافه.\nوهؤلاء اختلفوا في أنَّه وإن لم يكن يوجد في الواقعة حكمٌ معين، فهل وُجِدَ فيها ما لو حكم الله تعالى فيها بحكم لما حكم إلا به، أو لم يوجد ذلك؟ .\nوالأوّل هو القول بالأشبه (^٨)، . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) ينظر: المحصول: ٢/ ق ٣/ ٤٨، ونهاية الوصول للهندي: ٨/ ٣٨٤٦.\n(^٢) ينظر: المحصول: ٢/ ق ٣/ ٤٨، والإحكام للآمدي: ٤/ ١٨٣، ونهاية الوصول للهندي: ٨/ ٣٨٤٦.\n(^٣) ينظر: المستصفى: ٢/ ٣٥٨.\n(^٤) ينظر: المعتمد: ٢/ ٩٤٩، والمحصول: ٢/ ق ٣/ ٤٨، والإحكام للآمدي: ٤/ ١٨٣، ونهاية الوصول للهندي: ٨/ ٣٨٤٦.\n(^٥) ينظر: شرح اللمع: ٢/ ١٠٤٦، والبرهان: ٢/ ١٣١٩، ونهاية الوصول: ٨/ ٣٨٤٧.\n(^٦) ينظر: تيسير التحرير: ٤/ ٢٠٢، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٨١.\n(^٧) المسودة: ص ٤٩٧، وشرح الكوكب المنير: ٤/ ٤٨٩.\n(^٨) قال إمام الحرمين في البرهان: ٢/ ٨٦٧ في شرح الأشبه ما نصه: \"إذا الذي عليه =","vol":"7","page":2914},{"text":"وهو قول كثير من المصوبين\" (^١).\nوإليه صار أبو يوسف (^٢) ومحمد بن الحسن وابن سريج في إحدى الروايتين عنه.\nقال القاضي في مختصر التقريب: وذهب بعضهم في الأشبه إلى أنَّه ليس هذا بل هو أولى طرق الشبه في المقاس والعبر، ومثلوا ذلك بإلحاق الأرز بالبر بوصف الطعم أو القوت أو الكيل فأحد هذه الاوصاف أشبه عند الله تعالى وأقرب في التمثيل (^٣) (^٤). وأمّا الثاني فَقَوْلُ الخلَّصِ من المصوِّبة (^٥).\n_________\n= التعويل أنا نقول المسألة إذا ترددت بين أصلين في التحريم والتحليل ويجاذبهما أصل التحريم وأصل التحليل فالمطلوب تقرير الأشبه، فإن كانت أشبه بأصل التحريم فالمطلوب الذي هو نهاية التشوف والتحريم وإن كانت على العكس فالتشوف التحليل ومن يسبق إلى الأشبه فله أجرا مصيبٍ فيهما وإن أخطأ الشوف فهو مصيب في العمل مخطئ نهاية الشوف فكأن الذي لم ينته إلى نهاية الشوف مصيب من وجه مخطئ من وجه\" اهـ بلفظه.\n(^١) ينظر هذا الاقتباس من: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٤٦ - ٣٨٤٧. وينظر أيضًا: شرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٨٣٨.\n(^٢) ينظر قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن في: تيسير التحرير: ٤/ ٢٠٢، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٨٠ - ٣٨١.\n(^٣) التلخيص للجويني: ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤.\n(^٤) متابعة النقل من نهاية الوصول للصفي الهندي.\n(^٥) ينظر: نهاية الوصول للهندي: ٨/ ٣٨٤٧، وشرح المنهاج للأصفهاني: ٢/ ٨٣٨.","vol":"7","page":2915},{"text":"وأمَّا الأوّل: وهو أنّ لله تعالى في الواقعة حكمًا معينًا؛ فإمّا أنْ يقال عليه دلالة وأمارة فقط، أو ليس عليه لا دلالة ولا أمارة.\nفأمّا القول الأول: وهو أنّ على الحكم دليلا يفيد العلم والقطع، فهو قول بشر المريسي والأصمّ (^١) وابن علية. وهؤلاء اتفقوا على أنّ المجتهد مأمور بطلبه، وأنّه إذا وجده فهو مصيب، وإذا أخطأه فهو مخطئ، ولكنّهم اختلفوا في المخطئ هل يأثم ويستحق العقاب؟ .\nفذهب بِشْرٌ إلى التأثيم (^٢).\nوأنكره الباقون لخفاء الدليل وغموضه (^٣).\nواختلفوا أيضًا في أنَّه هل ينقض قضاء القاضي فيه؟\nفذهب الأصمّ إلى أنَّه ينقض (^٤).\n_________\n(^١) هو عبد الرحمن بن كيسان الأصم أبو بكر من كبار المعتزلة وشيوخهم، كان فقيهًا فصيحًا ديِّنا وقورًا، وصبورًا على الفقر توفي سنة ٢٠١ هـ له تفسير وكتاب خلق القرآن، وكتاب الحجّة والرسل، والرد على الملاحدة، والأسماء الحسنى.\nينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: ٥/ ٤٠٢ رقم (١٣١)، وتقريب التهذيب: ص ٣٤٩ رقم (٣٩٩٢)، فرق وطبقات المعتزلة: ص ٥٥ - ٦٥.\n(^٢) أي أن المجتهد يأثم ويستحق العقاب وهو قول بعيد.\nينظر مذهبه في: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٥٠، ونهاية الوصول: ٨/ ٣٨٤٨.\n(^٣) ينظر: المصدران نفسهما.\n(^٤) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٥١، ونهاية الوصول: ٨/ ٣٨٤٨.","vol":"7","page":2916},{"text":"وخالفه الباقون (^١).\nوأما القول الثاني وهو أنَّ على الحكم أمارة فقط، فهو قول أكثر الفقهاء؛ كالأئمة الأربعة (^٢) وكثير من المتكلمين (^٣).\nوهؤلاء اختلفوا:\nفمن قائل: إنّ المجتهد غير مكلّف بإصابته؛ لخفائه وغموضه، وإنما هو مكلف بما غلب على ظنّه، فهو وإن أخطأ على تقديرِ عَدَمِ إصابتِهِ، لكنَّه معذورٌ مأجور، وهو منسوبٌ إلى الشافعي - ﵁ - (^٤) \" (^٥).\nوعلى هذا فعلام يؤجر المخطئ؟ فيه وجهان لأصحابنا:\nأحدهما: وهو اختيار المزني، وظاهر النّص أنَّه يُؤْجَر على القصد إلى الصواب ولا يُؤْجَر على (^٦) الاجتهاد؛ لأنّه أفضى به إلى الخطأ، فكأنّه لم يسلك الطريق المأمور به (^٧).\n_________\n(^١) ينظر: المصدران نفسهما.\n(^٢) ينظر: المحصول: ٢/ ق ٣/ ٤٩، ونهاية الوصول: ٨/ ٣٨٤٩.\n(^٣) كابن فورك، والأستاذ أبي إسحاق. ينظر رأيهما في التبصرة: ص ٤٩٨، وشرح اللمع: ٢/ ١٠٤٨.\n(^٤) ونسبه الصفي الهندي إلى أبي حنيفة أيضًا. ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٤٩، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٤٩.\n(^٥) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٤٧ - ٣٤٤٩.\n(^٦) في (غ): عند.\n(^٧) قال الرافعي في العزيز شرح الوجيز: ١٢/ ٤٧٨: \". . . وعلام يؤجر المخطئ؟ فيه وجهان عن أبي إسحاق: أحدهما: وهو ظاهر النص، واختيار المزني ﵀: أنه =","vol":"7","page":2917},{"text":"وشبّهه القفال (^١) في الفتاوى (^٢) برجلين رميَا إلى كافرٍ فأخطأَ أحدهما، يؤْجر على قصد الإصابة، بخلاف صاحبِه، والساعي إلى الجمعة إذا فاتته، يؤجرُ على القصدِ، وإن لم ينل ثواب العمل.\nوالثاني: أنَّه يؤجر على القصد وعلى الاجتهاد جميعا؛ لكونه بذل ما في وسعه (^٣).\n_________\n= يؤجر على القصد إلى الصواب، ولا يؤجر على الاجتهاد؛ لأنه اجتهاد أفضى به إلى الخطأ، وكأنه لم يسلك الطريق المأمور به. . .\".\n(^١) هو عبد الله بن أحمد بن عبد الله المروزي الإمام الجليل أبو بكر القفال الصغير - سبقت ترجمته - وللفائدة قال النووي في تهذيبه: إذا ذكر القفال الشاشي فالمراد محمد بن علي بن إسماعيل الكبير، وإذا ورد القفال المروزي فهو الصغير ثم إن الشاشي يتكرر ذكره في التفسير والحديث والأصول والكلام والمروزي يتكرر ذكره في الفقيه. ينظر: طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة: ٢/ ١٨٣، وينظر أيضا ترجمة القفال الكبير في المصدر نفسه: ٢/ ١٤٩.\n(^٢) الفتاوى من مصنفات القفال المروزي الصغير، وهو في عداد المخطوطات ولم يطبع إلى الآن على حد علمي وحسب اطلاعي.\n(^٣) للنووي كلام ملخص في روضة الطالبين جدير بأن يسطر في هذا البحث: ١١/ ١٥٠، قال ﵀: \"القاعدة الثالثة المسائل الفروعية الاجتهادية إذا اختلف المجتهدون، فيها طريقان: أشهرهما قولان أظهرهما المحقّ فيها واحد والمجتهد مأمور بإصابته والذاهب إلى غيره مخطئ والثاني أن كل مجتهد مصيب والطريق الثاني القطع بالقول الأول وبه قال أبو إسحق والقاضي أبو الطيب، فإن قلنا المصيب واحد فالمخطئ معذور غير آثم بل مأجور لقوله - ﷺ -: \"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر\". وقال الشيخ أبو إسحاق في اللمع قال ابن أبي هريرة: يأثم والصواب الأول. وفيما يؤجر عليه وجهان عن أبي إسحاق: أحدهما: =","vol":"7","page":2918},{"text":"ومن قائل: إنّه مأمور بطلبه ومكلف بإصابته أولًا، فإنْ أخطأه، وغلب على ظنّه شيء آخر، فهناك يتغير التكليف، ويصير مأمورًا بالعمل بمقتضى ظنِّه ولا يأثم.\nوأما القول الثالث وهو أنَّه لا دلالة عليه ولا أمارة، فذهب إليه وجمع من المتكلمين (^١).\nوقد زعم هؤلاء أنّ ذلك الحكم كدفين يتفق عثور الطالب عليه ويتفق تعديه (^٢)\nقال القاضي في مختصر التقريب: واختلف هؤلاء فذهب بعضهم إلى أنَّ (^٣) العثور عليه ليس بواجب وإنما الواجب الاجتهاد.\nوذهب بعضهم إلى أنّ العثور عليه مما يجب على المكلف وإن لم يكن\n_________\n= وهو ظاهر النص واختيار المزني يؤجر على قصده الصواب ولا يؤجر على الاجتهاد؛ لأنه أفضى به إلى الخطأ وكأنه لم يسلك الطريق المأمور به والثاني يؤجر عليه وعلى الاجتهاد جميعا. وإذا قلنا كل مجتهد مصيب فهل نقول الحكم والحقّ في حق كل واحد من المجتهدين ما ظنه أم الحق واحد؟ وهو أشبه مطلوب إلا أن كلا منهم مكلف بما ظنه لا بإصابة الأشبه وجهان: اختار الغزالي الأول وبالثاني قطع به أصحابنا العراقيون، وحكوه عن القاضي أبي حامد والداركي\" اهـ.\n(^١) في (غ): المكلفين.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٤٨، والحاصل: ٢/ ١٠١٠، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٤٧، وشرح العبري: ص ٦٧٨، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٦٢.\n(^٣) (أنّ) ليس في (غ).","vol":"7","page":2919},{"text":"عليه دليل (^١).\nهذا شرح المذاهب في المسألة فلنعد إلى لفظ الكتاب (^٢).\nقوله: \"اختلف في تصويب المجتهدين في مسائل الفروع\": إشارة إلى أنّ خلاف العنبري في الأصول لا احتفال به، وقد أصاب؛ فإنّه لا ينبغي أنْ يعدَّ ما ذهب إليه هذا الرجل قولًا في الشريعة المحمدية، مع أنّه مصادم بالإجماع قبله (^٣).\nوالذي نراه غير شاكين فيه (^٤)، أنّ المجمعين لو عاصروا العنبري لم يلتفتوا إلى ما قاله ولعدّوا الإجماع قائمًا دونه.\nقوله: \"بناءً على الخلاف. . . إلى آخره\" مقتضاه: أنَّ كلَّ من قال: بأنَّ لكلِّ صورة حكمًا معينًا، وعليه دليل قطعي أو ظني، قال: بأنّ المصيب واحد، ومن لم يقل بذلك صوب الكلّ (^٥).\nقوله: \"والمختار. . . . إلى آخره\" باح باختيار المذهب الذي حكيناه من اشتمال الحادثة على حكم معين، وعليه دليل قطعي أو ظني لا يكلف المجتهد به، وإنما يكلف بما غلب على ظنّه (^٦).\n_________\n(^١) ينظر: التلخيص للجويني: ٣/ ٣٦٠.\n(^٢) ينظر: التلخيص للجويني: ٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨.\n(^٣) قال الآمدي: \"وما أظنّ عاقلًا يذهب إلى ذلك\" وقد ردّ قوله بالكتاب والسنة والإجماع. ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠.\n(^٤) من ترجيحات السبكي.\n(^٥) ينظر: نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٦١ - ٥٦٢.\n(^٦) ينظر: نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٦٥.","vol":"7","page":2920},{"text":"قال: (لأنَّ الاجتهاد مسبوق بالدلالة لأنّه طلبها والدلالة متأخرة عن الحكم فلو تحقق الاجتهادان (^١) لاجتمع النقيضان ولأنه قال - ﷺ -: \"من اجتهد فأصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر\").\nهذان وجهان (^٢) استدل بهما على اختياره:\nأحدهما: أنّ الاجتهاد مسبوق بدلالة الدليل على الحكم؛ لأنّه عبارة عن طلب دلالة الدليل على الحكم، والطلب مسبوق على المطلوب، فيكون الاجتهاد متأخرًا عن الدلالة، والدلالة متأخرة عن الحكم بها؛ لأنها نسبة بين الدليلين الذي هو المطلوب، والمدلول الذي هو الحكم، والنسبة متأخرة عن كلّ واحد من الأمرين؛ لتوقف تحققها على تحققهما، فيلزم منه أنْ يكونَ الاجتهادُ متأخرًا عن الحكم بمرتبتين؛ لتأخره عن الدلالة المتأخرة عن الحكم، فلو تحقق الاجتهادان أي كان كلّ مجتهد مصيبًا لاجتمع النقيضان (^٣) لاستلزامه ثبوت حكمين متناقضين (^٤)\n_________\n(^١) في (غ): الاجتهاد.\n(^٢) الأول عقلي، والثاني نقلي.\n(^٣) (النقيضان) ليس في (ت).\n(^٤) وذلك لأن الإثبات والنفي نقيضان ليس بينهما واسطة، ومتى اختلف المجتهدون فأحدهم مثبت، والآخر ناف قطعًا، ولا ثالث، والإثبات والنفي لا يجتمعان في الواقع في آن واحد. فأحدهما حق ثابت بيقين، والآخر باطل غير متحقق بيقين، فكان الحق بهذا المعنى واحدًا لا تعدد فيه بيقين، فمن أصابه فهو المصيب، ومن لا يصيبه فهو المخطئ.\nأفاده المطيعي في حاشيته على الإسنوي: ٤/ ٥٦٨.","vol":"7","page":2921},{"text":"في نفس الأمر بالنسبة إلى مسألة واحدة (^١).\nوهذا الدليل فيه نظر:\nأنّا وإنْ سلمنا أنّ الاجتهاد طلب الدلالة، فلا نسلم أنّ طلبَ الشيءِ يتوقفُ على ثبوتِه في الخارج، بلْ على تصوره فقط، ثمّ إنّه لا يثبت به إلَّا أحدَ شطرَي ما ادّعاه، فإنّه لا يدلُّ على سقوطِ الإثم عن المخطئ وحصولِ الأجرِ له (^٢).\nالوجه الثاني: الحديث الذي ذكره في الكتاب، واللفظ في الصحيحين: \"إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر\" (^٣).\n_________\n(^١) قال الجاربردي في السراج الوهاج: ٢/ ١٠٧٩ عن هذا الدليل: \"وتقريره: لو لم يكن المصيب واحدًا لاجتمع النقيضان، والتالي باطل، فالمقدم مثله. أما الملازمة؛ فلأنّ الاجتهاد طلب الدلالة فيكون متأخرًا عن الدلالة، والدلالة متأخرة عن المدلول الذي هو الحكم، لتأخر النسبة بين المنتسبين، فيكون الاجتهاد متأخرًا عن الحكم. إذا تقرر ذلك فنقول: إذا اجتهد مجتهد وأدى اجتهاده إلى الحرمة، واجتهد مجتهد آخر وأدى اجتهاده إلى الوجوب، فلو كان كل منهما حقًا لزم اجتماع النقيضين\". وينظر الدليل في: الحاصل: ٢/ ١٠١٢، وشرح العبري: ص ٦٧٩ - ٦٨٠، ومعراج المنهاج للجزري: ٢/ ٢٩٣، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٦٧ - ٥٦٨.\n(^٢) قال الإسنوي في نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٦٨ \"وفي الدليلين نظر [أي الدليل العقلي والنقلي] أما الأول: فلا نسلم أن طلب الشيء يتوقف على ثبوته في الخارج، بل على تصوره، ألا ترى أن المتيمم إذا طلب الماء في برية، فإنه ليس متحققا لوجوده، بل مقصوده إنما هو التحصيل على تقدير الوجود. . .\". وينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٥٤.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه: ص ١٤٠٠ كتاب الاعتصام (٩٦) باب أجر =","vol":"7","page":2922},{"text":"دلّ الحديث على أنّ المجتهد قد يخطئ وقد يصيب وهو المدَّعَى (^١).\nفإن قلت: لا ينافي ذلك كون كلِّ مجتهدٍ مصيبًا، إذ (^٢) يتصور الخطأ عند القائلين بهذه المقالة، وذلك فيمن لم يستفرغ الوسع في الطلب مع كونه غير عَالِمٍ بالتقصير، فإنّه مخطئ غيرُ آثمٍ؛ للجهل بالتقصير، فلعلّ هذه الصورة هي المرادة من الحديث (^٣).\nقلت: هذا تخصيصٌ بصورةٍ نادرةٍ من غيرِ دليل.\nوأيضًا: إنْ تحقق الاجتهاد المعتبر فيما ذكرته، فقد ثبت المدعى وهو خطأ بعض المجتهدين في الجملة، وإلا فلا يجوز حمل الحديث عليه من غير صارفٍ عن حمله على الاجتهاد المعتبر؛ لأنَّ الشرعي مقدم على العرفي واللغوي (^٤).\nواعلم أنّ الاستدلال بالحديث قويٌّ، لو كانت المسألة ظنية، ولكنَّ المسألةَ قطعيةٌ، كما صرَّح بها الأصوليون على اختلاف طبقاتهم.\nوبذلك تحلّ شبهة من قال: ليس كلّ مجتهد مصيبًا؛ لقول من قال من\n_________\n= الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (٢١) رقم (٧٣٥٢). وأخرجه مسلم في صحيحه: ص ٧١٣، كتاب الأقضية (٣٠) باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ (٦). رقم (١٧١٦).\n(^١) ينظر: نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٦٨.\n(^٢) في (غ): أو.\n(^٣) ينظر: نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٧٠.\n(^٤) ينظر: نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٧٠ - ٥٧١.","vol":"7","page":2923},{"text":"المجتهدين: ليس كل مجتهد مصيبًا؛ لأنّه إنْ أصاب فما قاله حقّ، وإن أخطأ فقد أخطأ بعض المجتهدين، فلم يكن كلّ مجتهد مصيبًا.\nفنقول: الخلاف في أنّ المصيبَ واحدٌ إنما هو (^١) في مسائل الفروع الظنيّة كما عرفت، أمّا مسائل الأصول القطعية، فالمصيب فيها واحد بلا خلاف.\nولك في حلّ هذه النكتة طريقة أخرى فنقول:\nنلتزم أنَّه مصيب في قوله: ليس كلّ مجتهد مصيبًا.\nولكن لم قلت: إنّه يلزم من ذلك أنْ يكون الواقع في نفس الأمر ليس إلّا أنَّه ليس (^٢) كل مجتهد مصيبًا.\nوقولك: لأنّه مصيب.\nقلنا: وكذا خصمه أيضا مصيب بناءً على القول بالتصويب.\nفحكم الله في حقّ هذا أنَّه ليس كل مجتهد مصيبا غير (^٣) أنَّه في حقّ خصمه أنّ كلّ مجتهد مصيبٌ.\nفهاتان طريقتان في حلّ هذه الشبهة:\nالأولى: على تقدير كونها من مسائل الأصول\n_________\n(^١) (هو) ليس في (غ).\n(^٢) (ليس) ليس في (غ).\n(^٣) (غير) ليس في (ص).","vol":"7","page":2924},{"text":"والثانية: على التزام كونها من مسائل الفروع.\nومن جيّد ما استدل به القائلون بأنّ المصيب واحد، اجتماع الصحابة فمن بعدهم للمناظرة، وطلبُ كلِّ واحدٍ من المتناظرين خصمَه إلى ما ينصره، فلوْ أنّ كلَّ مجتهدٍ مصيبٌ، لم يكن إلى الحجاج والنَّظرِ فائدة.\nوأجاب عنه القاضي: بأنّ التناظر ثابت، وأمّا ما ادعيتموه من غرض المتناظرين، فأنتم منازعون فيه، ولسنا نُسَلِّم أنّ العلماء إنما تنازعوا؛ ليدعو (^١) كلّ واحد منهما خصمه، بل للتدرب في طرق الاجتهاد ولاحتمالِ وضوحِ (^٢) نصٍّ يقطعُ البحثَ، وغير ذلك (^٣).\nقال: (قيل لو تعين فالمخالف له لم يحكم بما أنزل الله فيفسق أو يكفر لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قلنا: لما أمر بالحكم بما ظنه وإن أخطأ حكم بما أنزل الله.\nقيل: لو لم يصوب الجميع لما جاز نصب المخالف وقد نصب أبو بكر زيدا (^٤) - ﵁ -.\n_________\n(^١) ليدعو في (ص): ليدعي.\n(^٢) (كلّ واحد منهما خصمه بل للتدرب في طرق الاجتهاد والاحتمال وضوح) ساقط من (ت).\n(^٣) ينظر: التلخيص للجويني: ٣/ ٣٥٥.\n(^٤) (زيدا) ليس في (غ).","vol":"7","page":2925},{"text":"قلنا: لم يجز تولية المبطل، والمخطئ ليس بمبطل).\nاحتج المصوّبون بوجهين (^١):\nأحدهما: أنَّه لوْ لم يكنْ كلُّ مجتهدٍ مصيبًا، لتعين الحكمُ في الواقعةِ قبلَ الاجتهادِ، وحينئذٍ فيكونُ المجتهدُ المخالفُ باجتهادِه لذلك الحكمِ حاكمًا، بخلاف ما أنزل الله فيفسق لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (^٢)، أو يكفر بالآية الأخرى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٣) (^٤).\nوأجاب بأنَّا لا نسلم أنَّه والحالة هذه يكون حاكمًا، بخلاف ما أنزل الله، فإنَّه لما كان مأمورًا بالحكم بموجب ظنِّه بعد الاجتهاد، فحكمُه به حكمٌ بما أنزل الله، وإن أخطأ في اجتهاده بعدم إصابة ذلك الحكم المتعين (^٥).\n_________\n(^١) هذا شروع في الاحتجاج للقائلين أنه ليس لله في الواقعة حكم معين، بل حكمها تابع لظنّ المجتهدين.\n(^٢) سورة المائدة الآية ٤٧.\n(^٣) سورة المائدة الآية ٤٤.\n(^٤) واللازم باطل اتفاقًا، فالملزوم مثله. بمعنى: لكن المخالف ليس بفاسق ولا كافر إجماعًا، فلا يكون في الواقعة حكم معين وهو المطلوب. ينظر الدليل: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٥١، وشرح العبري: ص ٦٨١ - ٦٨٢، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٧٢.\n(^٥) ينظر الجواب في: شرح العبري: ص ٦٨١ - ٦٨٢، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٧٢ - ٥٧٣.","vol":"7","page":2926},{"text":"ولقائل أنْ يقول: إذا كان الحقُّ واحدًا متعينًا، فهو الذي أنزله الله تعالى، والحكم بخلافه حكم بخلاف ما أنزل الله.\nنعم هو حكم بشيء أنزل الله؛ أنّ الحاكم به يؤجر، ولا يأثم لبذله الوسع في اجتهاده، فكان ينبغي تقريره هكذا، إنما يفسّق أو يكفّر الحاكم بخلاف ما أنزل الله من كلّ وجه؛ لأنّه الذي يصدق عليه إطلاق قول القائل: حَكَمَ بخلافِ ما أنزل الله.\nأمَّا الحاكم بما أنزل الله أنّ له أنْ يحكمَ به، وإن لم يحكم به وإنْ لم ينزل المحكوم به، ولم يجعله الحقّ عنده فليس حاكمًا، بخلاف المنزل. أو نقول: هو حاكم بخلافه، ولكن هو معذور لما ذكرناه. والفسق والكفر يختصان بغير المعذور.\nوالثاني: أنَّه لو لم يكن كلُّ مجتهدٍ مصيبًا، لما جاز للمجتهدِ أنْ ينصِّبَ حاكمًا مخالفًا له في الاجتهاد؛ لأنّه في ظنِّه قد مكَّنه من الحكم بغير الحقّ، وليس كذلك؛ لأنّه جائز بدليل أنّ أبَا بكر - ﵁ - نصّب زيدًا - ﵁ - مع أنَّه كان يخالفه في الجدّ (^١) وفي غيره، وشاع ذلك بين الصحابة من غير نكير (^٢).\nوأجاب: بأن الممتنع إنما هو تولية المبطل؛ أي الذي يقضي بالباطل،\n_________\n(^١) ينظر كلام الحافظ ابن حجر في التلخيص، وفتح العزيز: ٦/ ٤٨٥ - ٤٨٦.\n(^٢) فكان إجماعًا. ينظر: العدّة: ٥/ ١٥٦٨، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٦٨، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٥١ - ٢٥٢، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٥٥، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٧٣.","vol":"7","page":2927},{"text":"ومن كان مجتهدًا مخطئًا فهو غير مبطل؛ لإتيانه بالمأمور به (^١). (^٢)\nوهذا أيضًا فيه عندنا نظر (^٣)، فإنّ المجتهد في مسألة القائل: بأنّ المصيب واحد، يظنّ خطأ صاحبه، ولا معنى لذلك إلَّا أنَّه مبطلٌ فيما أتى به، وإنما بذْلُ الوسعِ أقامَ عذرَه.\nنعم، قد يجاب بأنّه ليس يعلم حال التولية، أنَّه يحكم بخلاف ما يعتقده، وذلك لأنَّ على الحاكم أنْ يجتهد في الحكم عند كلِّ حادثة، وربما تغير اجتهاده.\nوأيضًا، فلعل أبا بكر - ﵁ - نهى زيدًا عن الحكم فيما يخالفه فيه، وقصر توليته على الحوادث التي يوافقه فيها.\nوقد صرح بجواز مثل هذا الماوردي كما نقله الرافعي فقال: ولو ولَّى الإمام رجلًا، وقال: لا تحكم في قتل المسلمِ [بـ] الكافرِ (^٤) والحرّ [بـ] العبيدَ (^٥)، جاز وقد قصر عمله على باقي الحوادث (^٦).\n_________\n(^١) (به) ليس في (غ).\n(^٢) ينظر: شرح العبري: ص ٦٨٢.\n(^٣) من ترجيحات السبكي.\n(^٤) [بـ] الكافر في (ت)، (غ): الكافر، والمثبت من العزيز شرح الوجيز: ١٢/ ٤٣٤.\n(^٥) [بـ] العبد في (ت)، (غ): العبد، والمثبت من العزيز شرح الوجيز: ١٢/ ٤٣٤.\n(^٦) يقول الرافعي في العزيز شرح الوجيز: ١٢/ ٤٣٤ \"ولو قال: لا تحكم في قتل المسلم بالكافر، والحرّ بالعبد، جاز، وكان قصْرًا لعمله على بقية الحوادث، وحكى وجهين فيما لو قال: لا تقض فيهما بالقصاص: أنه يلغو، أو يكون منعًا له من الحكم بالقصاص نفيًا وإثباتًا. الثالث: حيث لا يجوز الاستخلاف. . .\". وينظر: الحاوي =","vol":"7","page":2928},{"text":"وواقعة زيد واقعة عين، لا يمكن فيها نفي هذا الاحتمال.\nوأيضا فلعل أبا بكر - ﵁ - كان يرى أنّ كلّ مجتهدٍ مصيبٌ، فالمسألة مشهورة باضطراب الآراء فيها قديما وحديثا (^١).\nقال: (فرعان الأول لو رأى الزوج لفظًا (^٢) كناية ورأته المرأة صريحا فله الطلب ولها الامتناع فيراجعان غيرهما).\nهذان فرعان من فروع حكم الاجتهاد (^٣).\nالأول: لو كان الزوجان مجتهدين، فخاطبها الزوج بلفظة يرى أنها كناية في الطلاق ولا نيّة، وترى المرأة أنها صريحة فيه، فللزوج طلب الاستمتاع منها، ولها الامتناع عملًا مع كلِّ منهما بمقتضى اجتهاده.\nوطريق قطع المنازعة بينهما أنْ يرَاجعَا مجتهدًا آخر غيرهما حاكمًا أو حكمًا من جهتهما، ليحكم بينهما بما أدّى إليه اجتهاده.\n_________\n= للماوردي: ٢٠/ ٤٠٤.\n(^١) وهذه توجيهات من السبكي كلها محتملة.\n(^٢) لفظًا في (ص): لفظ.\n(^٣) ينظر: الفرعان في التلخيص للجويني: ٣/ ٣٤٨ - ٣٤٩، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٩٠ - ٩١، والحاصل: ٢/ ١٠١٨ - ١٠١٩، والتحصيل: ٢/ ٢٩٧، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٥٤، وشرح العبري: ص ٦٨٤ - ٦٨٦، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٤١، وشرح الأصفهاني: ٢/ ٥٤٢ - ٨٤٣، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٧٣ - ٥٧٦.","vol":"7","page":2929},{"text":"وهذا الطريق متعين لدفع المشاجرة في نحو الصورة المفروضة، سواءً قلنا: المجتهد واحد أم كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ، وهذا إذا لم تكن المنازعة فيما يجري فيه الصلح، فإنْ جرى فيها الصلح كالحقوق المالية، فينقطع بطريق الصلح أيضًا. هذا ما في الكتاب (^١).\nوقد ذكر القاضي في مختصر التقريب هذا الفرع، وجعله من أدلة خصومه القائلين: بأنّ المصيب واحد، وأنهم قالوا: هذا يقتضي الجمع بين التسليط على الاستمتاع والامتناع منه.\nثم أجاب عنه: بأنا نسألكم عن هذه الحادثة إذا عنت وكل ما قدرتموه جوابًا ظاهرًا في حقهما فهو حكم الله قطعًا، قال: فإن زعموا أنّ المرأة مأمورة بالامتناع جهدها والرجل مباح له الطلب للاستمتاع وإنْ أدّى إلى قهرها ولم يعدوا ذلك تناقضًا في ظاهر الجواب فهو حكم الله تعالى عندنا ظاهرًا وباطنًا (^٢).\nقال: ومما تمسكوا به أنّ المنكوحة بغير ولي إذا زوجها وليُّها ثانيًا من شافعي والذي تزوج بها أولًا حنفي، والمرأة مترددة بين دعوتهما (^٣) وهما مجتهدان فما وجه القول في جمع الحلّ والتحريم؟ (^٤).\n_________\n(^١) ينظر هذا المثال في: التلخيص للجويني: ٣/ ٣٤٦.\n(^٢) ينظر: المصدر نفسه: ٣/ ٣٤٧ - ٣٤٨.\n(^٣) (من شافعي والذي تزوج بها أولا حنفي والمرأة مترددة بين دعوتهما) ساقط من (ت).\n(^٤) بالنظر إلى أن الحنفية لا يشترطون الولي والشافعية عكس ذلك.","vol":"7","page":2930},{"text":"وأجاب بجوابه الأوّل: وأنّ كلّ ما أجبتم به في ظاهر الأمر، ولم تعدوه تناقضًا، فهو حكم الله تعالى عندنا.\nثم قال: وإن اجتزيت بهذا القدر كفاك وإن أردت التفصيل في الجواب. قلنا: من القائلين بأن المصيب واحد من صار في هذه الصورة إلى الوقف حتى يرفع الأمر إلى القاضي كما قدمناه في الصورة (^١) المعلومة الأولى فعلى هذا نقول: حكم الله فيهما الوقف ظاهرًا وباطنًا حتى نرفع أمرهما إلى القاضي فينزلهما على اعتقاد نفسه وهذا حكم الله حينئذ، ومنهم من قال نسلم المرأة إلى الزوج الأول فإنْ نكحها نكاحا يعتقد صحته وهو السابق به فلا يبعد أنْ يكون هذا هو الحكم، قال وهذه الصورة وأمثالها من المجتهدات وفيها تقابل الاحتمالات فيجتهد المجتهد فيها عندنا، وما أدى إليه اجتهاده فهو حقّ من وقف أو تقديم أو غيرهما من وجوه الجواب (^٢).\nقال: (الثاني إذا تغير الاجتهاد كما لو ظنّ أنّ الخلع فسخٌ ثمّ ظنّ أنَّه طلاق فلا ينتقض الأوّل بعد اقتران الحكم وينتقض قبله).\nإذا أداه اجتهاده إلى أنّ الخلع فسخٌ فنكح امرأة كان قد خالعها ثلاثًا بمقتضى هذا الاعتقاد (^٣)، ثمّ تغير اجتهاده، وأدّاه إلى أنَّه طلاق (^٤).\n_________\n(^١) (إلى الوقف حتى يرفع الأمر إلى القاضي كما قدمناه في الصورة) ساقط من (غ).\n(^٢) ينظر: التلخيص للجويني: ٣/ ٣٤٨ - ٣٤٩.\n(^٣) في (ت): الاعتبار.\n(^٤) هذا هو الفرع الثاني. وعبر عنه الأصوليون بنقض الاجتهاد. وهما بحثان: =","vol":"7","page":2931},{"text":"فإمَّا أن يتغير بعد قضاءِ القاضي بمقتضى الاجتهاد الأوّل المقتضي لصحة النّكاح، فلا ينقض بالاجتهاد الثاني، بل يبقى على النكاح.\nوإمَّا أنْ يتغير قبل القضاء بالصّحة، فيجب عليه مفارقتها؛ لأنَّ الظنّ المصاحب له الآن قاضٍ بأنّ اجتهاده الأوّل خطأ فليعمل به.\nوهذا ما أراده المصنف بقوله: \"وينتقض قبله\" ومراده بالنّقض: ترك العمل بالاجتهاد الأوّل، وإلّا فالاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، وهذا فيما إذا\n_________\n= الأول: المجتهد إذا أدَّى اجتهاده إلى حكم في حقّ نفسه ثم تغيَّر اجتهاده، كما إذا أدى اجتهاده إلى أن الخلع فسخ، فنكح امرأة خالعها ثلاثًا، ثم تغير اجتهاده إلى أنه طلاق، فإن حكم حاكم قبل تغير اجتهاده بصحة ذلك النكاح بقي صحيحًا لأن حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية لا ينقض، وإن لم يحكم بها حاكم قبل تغير اجتهاده لزمه تسريحها، ولم يجز له إمساكها على خلاف اجتهاده؛ لأنه حينئذ يكون مستديما لحرمة الاستمتاع بها نظرًا إلى اعتقاده.\nالثاني: إذا أفتى المجتهد على وفق اجتهاده للعامي، فعمل العاميّ بذلك، وبقي مستديمًا عليه، كما إذا أفتاه بجواز نكاع المختلعة ثلاثًا، ثم تغير اجتهاده إلى أن الخلع طلاق، فإن حكم حاكم بصحة النكاح قبل تغير اجتهاده، فالحكم ما سبق في حق المجتهد، وإن لم يحكم بها حاكم فقد اختلفوا: والأظهر أنه يجب عليه تسريحها، كما في المجتهد في حق نفسه، وكما لو قلد من ليس له أهلية الاجتهاد في القِبلة لمن له أهلية الاجتهاد فيها، ثم تغير اجتهاده إلى جهة أخرى في أثناء صلاة المقلد له، فإنه يجب عليه أن يتحول إلى الجهة التي تغير اجتهاد متبوع إليها تنزيلًا له منزلة متبوعه، ومنهم من لم يوجب ذلك لزعمه أنه يؤدي إلى نقض الاجتهاد بالاجتهاد وهو ممتنع. ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٨٠. بتصرف.","vol":"7","page":2932},{"text":"تغير اجتهاده في حقّ نفسه.\nفلو تغير في حقّ غيره؛ كما إذا أفتى مقلده بصحة نكاح المختلعة ثلاثًا، ونكحها المقلد عملًا بفتواه، ثمّ تغير اجتهاده ولم يكن الحاكم قد حكم بصحة النّكاح قبل تغير اجتهاده.\nفالمختار: أنَّه يجب عليه تسريحها كما في حقّ نفس المجتهد.\nولو قال: مجتهد للمقلد - والصورة هذه -: أخطأ بكَ من قلدته.\nفإنْ كان الذي قلّده أعلمَ من الثاني، أو (^١) استويا، فلا أثر له لقوله.\nوإن كان الثاني أعلم.\nقال الرافعي: فالقياس أنّا إنْ أوجبنا تقليدَ الأعلم، فهو كما لو تغير اجتهاد مقلده وإلا فلا أثر له (^٢).\nقال النووي: وهذا ليس بشيء بل الوجه الجزم بأنّه لا يلزمه شيء ولا أثرَ لقولِ الثاني (^٣).\n_________\n(^١) في (غ): واستويا.\n(^٢) ينظر العزيز شرح الوجيز: ١٢/ ٤٢٦.\n(^٣) وهنا ننقل كلام النووي من الروضة: ٨/ ٩٣ لما له من فائدة في الموضوع قال ﵀: \"فرع: متى تغير اجتهاد المجتهد دار المقلد معه وعمل في المستقبل بقوله الثاني ولا ينقض ما مضى، ولو نكح المجتهد امرأة ثم خالعها ثلاثا لأنه رأى الخلع فسخا ثم تغير اجتهاده قال الغزالي: يلزمه مفارقتها، وأبدى ترددًا فيما لو فعل المقلد مثل ذلك ضم تغير اجتهاد مقلده قال: والصحيح أن الجواب كذلك كما لو تغير اجتهاد المقلد في الصلاة فإنه يتحول، ولو قال مجتهد للمقلد والصورة هذه: أخطأ بك من قلدته، فإن كان الذي قلده أعلم من الثاني، أو استويا، فلا أثر لقوله، وإن كان الثاني أعلم، =","vol":"7","page":2933},{"text":"خاتمة: القاضي إذا حكمَ في هذه الواقعة، ثمّ تغير اجتهاده لم يكن له النّقض لكون المسألة اجتهادية (^١).\n_________\n= فالقياس أنا إن أوجبنا تقليد الأعلم، فهو كما لو تغير اجتهاد مقلده، وإلا فلا أثر له.\nقلت: هذا الذي زعم الإمام الرافعي ﵀ أنه القياس ليس بشيء بل الوجه الجزم بأنه لا يلزمه شيء ولا أثر لقول الثاني، وهذا كله إذا كانت المسألة اجتهادية، وقد لخص الصيمري والخطيب البغدادي وغيرهما من أصحابنا هذه المسألة بتفصيل حسن فقالوا إذا أفتى ثم رجع فإن علم المستفتي رجوعه ولم يكن عمل بالأول لم يجز له العمل به وكذا إذا نكح بفتواه أو استمر على نكاح بفتواه ثم رجع لزمه فراقها كنظيره في القبلة، وإن كان عمل به قبل الرجوع فإن كان مخالفا لدليل قاطع لزم المستفتي نقض عمله وإن كان في محل الاجتهاد فلا لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ولا يعمل خلاف هذا لأصحابنا وما ذكره صاحبا المستصفى والمحصول فليس فيه تصريح بمخالفة هذا\" اهـ.\n(^١) إذا بان للقاضي أنه قد أخطأ في حكمه، أو بان له أن غيره من القضاة قد أخطأ في حكمه، فذلك ضربان:\nأحدهما: أن يخطئ فيما يسوغ فيه الاجتهاد.\nوالثاني: أن يخطئ فيما لا يسوغ فيه الاجتهاد.\nفإن أخطأ فيما يسوغ فيه الاجتهاد وهو أن يخالف أولى القياسين من قياس المعنى الخفي أو لأولاهما من قياس التقريب في الشبه، كان حكمه نافذًا، وحكم غيره من القضاة به نافذًا، لا يتعقب بفسخ ولا نقض.\nوالدليل على ذلك: أنّ عمر - ﵁ - لم يشرك في عام، وشرّك في عام. فلما قيل له: إنك لم تشرك في العام الماضي بين ولد الأم وبين ولد الأب والأم، فكيف تشرك الآن؟ قال: \"تلك على ما قضينا وهذه على قضيناه\". ينظر: الحاوي للماوردي: ٢٠/ ٢٣٩. بتصرف.","vol":"7","page":2934},{"text":"ولنا: - فيما إذا حكم الحاكم بحكم، ثم انقدح له ما لو كان مقاربٌ لمنع الحكم - قولٌ بليغٌ، فلنورده، فنقول ذلك على أقسام:\nأحدها: أنْ يَكونَ أمرًا متجدِدًا لم يكنْ حالَةَ الحكْمِ.\nمثاله: أنْ يباعَ مالُ يتيمٍ بقيمتِه؛ لحاجته، ويُحْكَمَ بصحَةِ البيْعِ، ثمّ تَغْلُو الأسعارُ بعد ذلك، فتصير قيمتُه أكثرَ، فهذا لا اعتبار به؛ لأنَّ الشرطَ البيعُ بالقيمةِ ذلك الوقت، لا بعده.\nالثاني: أنْ يحكم باجتهاده لدليلٍ أو أمارةٍ، ثمّ يظهرُ له دليلٌ أو أمارةٌ أرجحُ (^١) من الأوّل، ولا ينتهي إلى ظهور النّص. فهذا أيضًا (^٢) لا اعتبار به، وإنْ كانَ لو قارنَ لوجب الحكم به؛ لأنَّ الحكمَ بالراجحِ، وإنْ كانَ واجبًا لكن الرجحان حاصلٌ الآن في ظنّه، ولا يدري لو حصل ذلك الاحتمال عنده حالة الحكمِ هلْ يكون عنده راجحًا أو مرجوحًا؟ والاعتبار إنما هو بالرجحان حال الحكم، ولا يلزم من الرجحان في وقت الرجحانُ في وقت غيره؛ لتفاوت الظنون بحسب الأوقات، وما يكون فيها من أمور لا تنحصر يتغير بها الظنّ، ولا يتمكن الظانّ من الجزم بأنّ الظنّ الذي عنده في وقت، لو نظر في وقت آخر لكان مستمرًا، ورجحان الاعتقاد إنما يحصل حالًا فحالًا، وأمّا اعتقاد الرجحان، فقد يكون يعتقد - في وقت قطعًا - رجحانَ أمرٍ عنده في الماضي، وهو\n_________\n(^١) في (غ): راجح من الأول.\n(^٢) (أيضًا): ليس في (غ).","vol":"7","page":2935},{"text":"من الأمور الوجدانيات (^١) ليس مما نحن فيه.\nنعم (^٢)، سيأتي قسم منه هنا، فاضبط هذا هنا؛ لتنتفع به إذا قلناه.\nالثالث: أنْ يظهر دليلٌ أو أمارةٌ تساوي الأوّل فبطريق الأولى لا اعتبار به، وإن كان لو قارن لمنع من الحكم.\nوبهذا تعلم أنّ إطلاق من أطلق أنَّه إذا ظهر بعد الحكم ما لو قارن؛ لمنع من الحكم (^٣) بنقض الحكم، ليس بجيد (^٤).\nالرابع: أنْ يظهر نصٌّ، أو إجماع، أو قياس جليّ بخلافه فينقض الحكم؛ لأنَّ ذلك أمرٌ مقطوعٌ به، فلم ينقضه بظنّ، وإنما نَقَضَه بالدليلِ القاطعِ على تقديمِ النّص، والإجماع والقياس الجليّ على الاجتهاد، فهو أمرٌ لو قارنَ العلمَ به لوجب تقديمه قطعًا، فلذلك نُقِضَ به.\nالخامس: أنْ يظهر أمر لو قارن لمنع ظنًّا لا قطعًا كبيّنة الداخل فإنّ في (^٥) تقديمها على بيّنة الخارج خلافًا، فهو أمر مظنون مجتهد فيه، ولكنّ الحاكم الذي يراه اجتهادًا أو تقليدًا قاطعٌ بظنّه، ووجوبِ العملِ به، فلو\n_________\n(^١) هكذا في جميع النسخ. ولعلها من الأمور الوجدانية، أو من أمورِ الوجدانيات. أما هكذا فحسب اطلاعي المتواضع، لا أدري هل تصح لغة أم لا؟\n(^٢) (نعم) ليس في (ص).\n(^٣) (وبهذا تعلم أنّ إطلاق من أطلق أنَّه إذا ظهر بعد الحكم ما لو قارن لمنع من الحكم) ساقط من (غ).\n(^٤) من ترجيحات السبكي وتصحيحاته.\n(^٥) (في) ليس في (غ).","vol":"7","page":2936},{"text":"قارنَ لوجبَ الحكم به، وهو يعلم من نفسه أنَّه إنما يحكم به، فإذا حكم للخارج (^١) معتقدًا أنَّه لا بينة للداخل، ثمّ جاءت البينة، فقد ظهر أمر لو قارن لمنع ظنًّا، والظنّ السابق معلومٌ الآن. وهذا هو اعتقاد الرجحان الذي أشرنا إليه من قبل.\nوقد اختلف الأصحاب ها هنا في النّقض:\nفمن ذهب إلى أنَّه لا ينقض؛ فوجهه أنَّه أمرٌ مجتهَدٌ فيه.\nومن قال بالنّقض؛ فوجهه أنَّه عالم بظنّه وبأنّه إنما حكم معتقدًا عدم بينة الخارج فهو قاطع بما كان يمنعه من الحكم لو قارن.\nفانظر هذا التفاوت بين المراتب، وأنّ هذه المرتبة بين ظهور النّص، وبين ظهور الدليل الراجح أو المساوي، فلذلك نقض في النّص قطعًا ولم ينقض في الدليل أو الأمارة قطعًا وحصل التردد في هذا على وجهين.\nالسادس: أنْ يظهر معارض محضّ من غير مرجح.\nكما إذا حكم للخارج ببينة، ثمّ جاءت بينة لخارج آخر، فهذه البينة لو قارنت لمنعت الحكم للتعارض.\nفإذا ظهرت بعد الحكم؛ فلوالدي - أيده الله تعالى - في المسألة احتمالان:\nأحدهما: أنْ يقال إنّه كظهور الأمارة المساوية فلا ينقض به قطعًا.\n_________\n(^١) في (ص): الخارج.","vol":"7","page":2937},{"text":"وأرجحهما عندي، أنّها ليست كالأمارة المساوية؛ لأنَّ مساواة الأمارة المساوية مظنونة، وجاز أنْ تضعف في وقت آخر ويستمر رجحان الأمارة المحكوم بها لعدم الوثوق بالظنون، وجاز أنّها لو لاحت له في (^١) وقت الحكم لكانت مرجوحة غير مساوية، وأمّا البينة إذا عارضت أخرى فمساواتها معلومة ميؤوس فيها من الترجيح فلا يبقى لاحتمال استمرار ذلك الحكم أو غيره فيرد (^٢) الأمر إلى ما كان عليه قبل الحكم ويقف لقطعنا باستواء الجانبين بخلاف الأمارات التي لا يوثق بحال الظنون فيها فإنّه لو لم يمض الحكم فيها أدّى إلى عدم استمرار الأحكام وأنْ لا يحكم بشيء.\nوقد مال والدي - أيده الله تعالى - إلى ترجيح الأوّل. وقال: لم أجد في كلام الأصحاب إلى الآن ما أعْتَضِد به في الجزمِ بأحدهما، غير أني أميلُ إلى عدمِ النقضِ، وأنَّ الحاكمَ لا يحكمُ ولا ينقض إلَّا بمستند.\nولك أنْ تقول: ظهورنا يقطع بمساواته مستند، وقد تخلّص (^٣) من هذا أنّ العلم بمقارنة ما يقطع بتقديمه على مستند الحكم موجب لنقضه قطعًا، والعلم بمقارنة ما يظنّ تقديمه فيه وجهان كبينة الداخل، والعلم بمقارنة ما يمنع الحكم ويوجب التوقف فيه الاحتمالان المذكوران. وهذا هو القسم السادس (^٤)\n_________\n(^١) (في) ليس في (غ).\n(^٢) في (غ): فتردد.\n(^٣) في (ت): تلخص.\n(^٤) أن يظهر معارض محضّ من غير مرجح.","vol":"7","page":2938},{"text":"والذي قبله الخامس (^١) والذي قبله الرابع (^٢) والثلاثة الأوّل لا نقض فيها قطعًا.\nأمّا الأوّل (^٣)؛ فللعلم بعدم المقارنة.\nوأمّا الثاني (^٤) والثالث (^٥)؛ فللشك فيها وعدم استقرار الأحكام.\n_________\n(^١) أن يظهر أمر لو قارن لمنع ظنا لا قطعًا كبينة الداخل.\n(^٢) أن يظهر نصّ أو إجماع أو قياس جلي بخلافه فينقض الحكم.\n(^٣) وهو أنْ يَكونَ أمرًا متجدِدًا لم يكنْ حالَةَ الحكْمِ.\n(^٤) أنْ يحكم باجتهاده لدليلٍ أو أمارةٍ، ثمّ يظهرُ له دليلٌ أو أمارةٌ أرجحُ من الأوّل، ولا ينتهي إلى ظهور النّص.\n(^٥) أنْ يظهر دليلٌ أو أمارةٌ تساوي الأوّل فبطريق الأولى لا اعتبار به، وإن كان لو قارن لمنع من الحكم.","vol":"7","page":2939},{"text":"الباب الثاني: الإفتاء","vol":"7","page":2941},{"text":"قال: <span data-type=\"title\" id=toc-608>(الباب الثاني: في الإفتاء</span>. وفيه مسائل:\nالأولى: يجوز الإفتاء للمجتهد ومقلد الحي واختلف في تقليد الميت؛ لأنّه لا قول له لانعقاد الإجماع على خلافه.\nوالمختار جوازه للإجماع عليه في زماننا).\nيشتمل هذا الباب على ثلاث مسائل (^١):\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-609>الأولى: النظر فيما يتعلق بالمفتي</span>.\nاعْلَمْ أنَّه يجوز للمجتهد الإفتاء (^٢).\n_________\n(^١) لما فرغ من الباب الأول والذي عقده لموضوع الاجتهاد وما يتعلق له، شرع في الباب الثاني والمعقود للإفتاء وفيه ثلاث مسائل:\n- المسألة الأولى: في المفتي.\n- المسألة الثانية: في المستفتي.\n- المسألة الثالثة: في ما فيه الاستفتاء. أي موضوع الفتوى.\nوالإفتاء: لغةً: أفتاه في الأمر: أبانه له، والفُتْيَا، والفُتْوَى وتفتح: ما أفتى به الفقيه. القاموس المحيط: ص ١٧٠٢ وقال: الفيومي في المصباح المنير: ص ٤٦٢ مادة: \"فتي\" \"والفتوى بالواو بفتح الفاء وبالياء فتضم، وهي اسم من أفتى العالِم إذا بيّن الحكم، واستفيته سألته أن يفتي ويقال أصله من الفتي وهو الشاب القوي والجمع الفتاوِي بكسر الواو على الأصل وقيل: يجوز الفتح للتخفيف\". وفي الاصطلاح: بيان حكم المسألة. التعريفات: ص ٣٢، والتوقيف في مهمات التعاريف: ص ٧٩.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٩٥، الإحكام للآمدي: ٤/ ٣١١، والحاصل: ٢/ ١٠٢٠، والتحصيل: ٢/ ٣٠١، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٤٢، والمسودة: ص ٥٤٢، وشرح العبري: ص ٦٨٨، والسراج الوهاج للجاربردي: ٢/ ١٠٨٥ - ١٠٨٦، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٦٠٦.","vol":"7","page":2943},{"text":"وأمّا المقلد (^١) فقال: أبو الحسين البصري، وجماعة لا يجوز له الإفتاء مطلقًا (^٢).\nوذهب قوم إلى الجواز مطلقًا إذا عرف المسألة بدليلها (^٣).\nوذهب الأكثرون إلى أنَّه إن تبحر في مذهب ذلك المجتهد، واطلع على مأخذه، وكان أهلًا للنظر والتفريع على قواعده جاز له الفتوى، وإلا فلا (^٤).\nوقال آخرون: إن عدم المجتهد جاز وإلا فلا (^٥).\n_________\n(^١) حكى ابن الحاجب في المسألة أربعة مذاهب: قال الشارح: ٢/ ٣٠٨ \"قد اختلف في أن غير المجتهد هل له أن يفتي بمذهب مجتهد على أربعة أقول: المختار أنه لو كان مطلعا على مأخذ الأحكام أهلًا للنظر، كان جائزًا وإلا فلا، وقيل إنما يجوز عند عدم المجتهد، وأما مع وجوده فلا، وقيل يجوز مطلقًا، وقيل لا يجوز مطلقًا وهو مذهب أبي الحسين\" وقد نقلها عنه الإسنوي في نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٨١ - ٥٨٢.\n(^٢) ينظر: المعتمد: ٢/ ٩٤٢ - ٩٤٣، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٩٧، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣٠٨، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣١٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٨٥، وفواتح الرحموت: ٢/ ٤٠٤.\n(^٣) ينظر: المصادر نفسها. عدا المعتمد.\n(^٤) وهو اختيار الآمدي وابن الحاجب. ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣١٦، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣٠٨.\n(^٥) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٩٧، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العد: ٢/ ٣٠٨، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣١٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٨٥، وفواتح الرحموت: ٢/ ٤٠٤.","vol":"7","page":2944},{"text":"وقالت طائفة: يجوز لمقلد الحيّ أنْ يفتي بما شافهه به، أو نقله إليه موثوق بقوله، أو وجده مكتوبًا في كتاب معتمد عليه، ولا يجوز لمقلد الميت (^١).\nهذا شرح ما في الكتاب، وعبارته قد تُوهِم اختصاص الخلاف بمقلد الميت، وهو جائز (^٢) مطلقًا، وقد تُوهِمُ أنَّ اختيارَه جوازُ إفتاءِ (^٣) المقلدِ العاميَّ.\nوالظنّ به أنّه لم يختر هذا المذهب، وإنْ كان وجهًا في المذهب.\nفقد قال القاضي في مختصر التقريب: أجمعوا على أنَّه لا يحلّ لمن شدَا شيئًا من العلم أنْ يفتي (^٤).\nوإنما قال المصنفُ في تقليدِ الميتِ، ولم يقلْ في مقلدِ الميتِ، مع أنّ الغرض حكم إفتاء مقلد الميت، لا بيان حكم تقليده؛ ليشير إلى أنّ جواز إفتائه مشروط بصحة تقليده؛ فيلزم من الخلاف فيها الخلاف في إفتائه.\nقوله: \"لأنّه لا قول له\" أي: احتجَّ من منع (^٥) تقليد الميت بأنّ الميت لا قول له؛ بدليل انعقاد الإجماع على خلافه، ولو كان ذا قول، لم ينعقد مع مخالفته كالحيّ، وإذا لم يكن له قول لم يجز تقليده.\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٩٩، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٨٦.\n(^٢) في (ص): جارٍ.\n(^٣) (إفتاء) ليس في (غ).\n(^٤) ينظر: التلخيص للجويني: ٣/ ٤٥٧.\n(^٥) (منع) ليس في (غ).","vol":"7","page":2945},{"text":"واستدل المصنف على اختياره بالإجماع عليه في زماننا (^١).\nوهذا قد ذكره الإمام فقال: انعقد الإجماع في زماننا هذا على جواز العمل بهذا النّوع لأنّه ليس في هذا الزمان مجتهد، والإجماع حجّة (^٢).\nولقائل أنْ يقول: لا يجامع قولك: ليس في هذا الزمان مجتهد (^٣). قولك: إجماع أهل هذا الزمان حجّة؛ لأنَّ الإجماع المعتبر هو إجماع المجتهدين (^٤).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-610>(الثانية يجوز الاستفتاء للعامي </span>لعدم تكليفهم في شيء من الأعصار بالاجتهاد وتفويت معائشهم واستضرارهم بالاشتغال بأسبابه دون المجتهد؛ لأنّه مأمور بالاعتبار.\nقيل: معارض بعموم ﴿فَاسْأَلُوا﴾، ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.\n_________\n(^١) قال الأصفهاني في شرح المنهاج: ٢/ ٨٤٦: \"والمختار عند المصنف تبعًا للإمام جواز تقليد المجتهد الميت للإجماع عليه في زماننا، فإنه قد انعقد الإجماع في زماننا على جواز العمل بهذا النوع من الفتوى؛ لأنه ليس في هذا الزمان مجتهد حجة. .\" وينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٩٧.\n(^٢) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ٩٨.\n(^٣) (والإجماع حجّة، ولقائل أنْ يقول لا يجامع قولك ليس في هذا الزمان مجتهد) ساقط من (ت).\n(^٤) ينظر الاعتراض والجواب عليه في شرح العبري: ص ٦٩٠.","vol":"7","page":2946},{"text":"وقول عبد الرحمن لعثمان: أبايعك على كتاب الله وسنّة رسوله - ﷺ - وسيرة الشيخين.\nقلنا: الأول مخصوص وإلا لوجب بعد الاجتهاد والثاني في الأقضية والمراد من السيرة (^١) لزوم العدل).\nهذه المسألة ناظرة فيما يتعلق بالمستفتي باحثة عمّن يجوز له الاستفتاء ومن لا يجوز فنقول للمكلف حالات:\nالأولى: أنْ يكون عاميًا صرفًا لم يحصِّل شيئًا من العلوم التي يترقى بها إلى منازل المجتهدين.\n- فالجماهير على أنَّه يجوز له الاستفتاء، ويجب عليه التقليد في فروع الشريعة جميعها، ولا ينفعه ما عنده من علوم لا تؤدي إلى الاجتهاد، وإن كانت عدد الحصى (^٢).\n- ومنع منه معتزلة بغداد مطلقًا، وقالوا: يجب عليه الوقوف على طريق الحكم، ولا يرجع إلى العالم إلا لينبه (^٣) على أصولها وطريقة النظر فيها (^٤).\n_________\n(^١) في (غ)، (ت): الأقضية.\n(^٢) وقد حكى ابن عبد البر فيه الإجماع. ينظر: المعتمد: ٢/ ٩٣٤، والتبصرة: ص ٤١٤، والتمهيد للكلوذاني: ٤/ ٣٩٩، والمستصفى للغزالي: ٢/ ١٠١، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٦، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٣٠، والمسودة: ص ٤٥٨، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٩٣، والبحر المحيط للزركشي: ٦/ ٢٨٣.\n(^٣) في (ت): لتنبيهه.\n(^٤) ينظر: المعتمد: ٢/ ٩٣٤، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٦، ونهاية الوصول للصفي =","vol":"7","page":2947},{"text":"قال القاضي عبد الوهاب (^١): وعلى هذا جعفر بن مبشر (^٢) وجعفر بن حرب (^٣) منهم (^٤).\n- وفصّل الجبائي فقال: يجوز في المسائل الاجتهادية دون ما عداها كالعبادات الخمس (^٥).\n_________\n= الهندي: ٨/ ٣٨٩٣.\n(^١) هو أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد التغلبي البغدادي المالكي القاضي، ولد ببغداد سنة ٣٦٢ هـ، شيخ المالكية في العراق، له الإشراف والمعونة والتلقين، وغير ذلك خرج في آخر عمره إلى مصر وتوفي بها سنة ٤٢٢ هـ.\nينظر: ترجمته في: تاريخ بغداد: ١١/ ٣١ - ٣٢ رقم (٥٧٠٣)، وترتيب المدارك: ٧/ ٢٢٠ - ٢٢٧، والديباج المذهب: ٢/ ٢٦ - ٢٩ رقم (٣)، وسير أعلام النبلاء: ١٧/ ٤٢٩ - ٤٣٢ رقم (٢٨٧).\n(^٢) جعفر بن مبشر الثقفي المتكلم أبو محمد البغدادي الفقيه البليغ كان مع بدعته يوصف بزهد وتأله وعفة، وله تصانيف جمة وتبحر في العلوم صنف كتاب الأشربة وكتابا في السنن وكتاب الاجتهاد وكتاب تنزيه الأنبياء وكتاب الحجة على أهل البدع وكتاب الإجماع ما هو وكتاب الرد على المشبهة والجهمية والرافضة والرد على أرباب القياس وكتاب الآثار الكبير وأشياء مفيدة ذكره محمد بن إسحاق النديم وأنه توفي سنة أربع وثلاثين ومئتين. ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٥٤٩.\n(^٣) أبو الفضل جعفر بن حرب الهمذاني المعتزلي العابد كان من نساك القوم، وتوفي سنة ست وثلاثين ومئتين عن نحو ستين سنة وله كتاب متشابه القرآن وكتاب الاستقصاء وكتاب الرد على أصحاب الطبائع وكتاب الأصول. ينظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٥٤٩.\n(^٤) ينظر: المعتمد: ٢/ ٩٣٤، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٩٣، والبحر المحيط: ٦/ ٢٨٤.\n(^٥) وتحريم الربا في الأشياء الستة المنصوصة عليه. ينظر: المعتمد: ٢/ ٩٣٤، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٩٣.","vol":"7","page":2948},{"text":"الحالة الثانية: العَالِمُ الذي تعالى عن رتْبَةِ العامَّةِ بتحصِيلِ بعضِ العلومِ المعتبرَةِ، ولم يحِطْ بمنصبِ الاجتهادِ.\nفالمختار: أنّ حكمَه حكمُ العاميِّ الصِّرف؛ لعجزه عن الاجتهاد (^١).\nوقال قوم (^٢): لا يجوز له ذلك، ويجب عليه معرفة الحكم بطريقه؛ لأنَّ له صلاحية معرفة طرق (^٣) الأحكام بخلاف العامي (^٤).\nواستدل المصنف على جواز الاستفتاء للعامي سواءً كان عاميًا صرفًا وهو المذكور في الحالة الأولى، أو عالمًا وهو المذكور في الثانية (^٥) بوجهين:\nأحدهما: إجماع السلف عليه إذ لم يكلّفوا العوام في عصر من الأعصار بالاجتهاد، بل قنعوا منهم بمجردِ أخذِ الأحكامِ من أقوالهم من غيرِ بيانِ مأخذِها (^٦).\n_________\n(^١) وهو اختيار ابن الحاجب أيضًا، وقال: والخلاف جار في غير المجتهد سواء كان عاميًا او عالمًا محضًا. ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٦، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣٠٦، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٨٦ - ٥٨٧، والبحر للزركشي: ٦/ ٢٨٤.\n(^٢) في (ت): قولًا.\n(^٣) (طرق) ليس في (ت).\n(^٤) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٦، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣٠٦، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٨٦ - ٥٨٧، والبحر للزركشي: ٦/ ٢٨٤.\n(^٥) (في الثانية) ليس في (ت).\n(^٦) ينظر: المعتمد: ٢/ ٩٣٤ - ٩٣٥، والتبصرة: ص ٤١٤، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٨٩، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٠١، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٧، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٩٤، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٧٨.","vol":"7","page":2949},{"text":"فإن قلتَ: دعوى قيامِ الإجماعِ على إفتاءِ المستفتين صحيحة، ولكن من أين لكم أنّ المستفتين لم يسألوا عن بيان المأخذ؟\nقلت: لم ينقل ذلك ولا لَامَ أحدٌ العوام على تركِهم السؤالَ عن وجهِ دلالةِ الدليلِ، ويعلم قطعًا أنّهم كانوا لا يذكرون الدليل عند الإفتاء مع علمهم بجهل المستفتى به (^١).\nوالثاني: أنّ وجوب ذلك عليهم يؤدي إلى تفويت معايشهم واستضرارهم بالاشتغال بأسبابه، وذلك مؤذن باختلال نظام العالم وفساد الأحوال (^٢).\nفإن قلت: هذا يقتضي أنْ لا يجب النظر في أصول الدين، وأن يجوز فيه التقليد؛ لأنا نعلم أنّ الصحابة والتابعين ما كانوا يلومون من لم يتعلم علم الكلام، بل ربما لاموا المشتغل به مع أنَّه يلزم منه تعطيل أمور المعايش؛ لأنَّ غموض أدلة الأصول أكثر.\nقلت: إنْ سلمنا عدمَ جوازِ التقليدِ فيه، فالفرقُ أنَّ مطالبه معدودة محصورة لا تتكرر، وأكثر أدلتها قواطع تحمل الطبع السليم على الإذعان لها، بخلاف الأحكام الفرعية، فإنّها غير متناهية، وأكثر\n_________\n(^١) ينظر: المصادر نفسها.\n(^٢) ينظر: المعتمد: ٣/ ٩٣٤ - ٩٣٦، والتلخيص للجويني: ٣/ ٤٦٢، والتبصرة: ص ٤١٤، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٨٩، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٠٢، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٨، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٩٥، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٧٨.","vol":"7","page":2950},{"text":"أدلتها ظنون، تضطرب بحسب الأذهان، فكان تحصيل رتبة الاستدلال فيها محتاجًا إلى الانقطاع عن الاشتغال بغيرها فأدّى إلى ما ذكرناه (^١).\nواحتج الجبائي: بأن الحقّ في المسائل الاجتهادية متعدد، بخلاف غيرها، فإنّه واحد، فالتقليد فيه لا يؤمن من الوقوع في غير الحقّ.\nوالجواب: بعد تسليم (^٢) أنّ كلّ قول في المجتهدات حقّ، أنَّه لا يؤمن فيها أيضًا من الوقوع في الخطأ؛ لاحتمال تقصير المجتهد في الاجتهاد، أو أنْ لا يجتهد أو يفتي بخلاف اجتهاده (^٣).\nتنبيه: ذهب معظم الأصوليين إلى أنّ القول بأنّ العاميَّ مقلدٌ للمفتي فيما يأخذ منه؛ لأنَّ التقليد إن عرف بأنه: قبول قول القائل بلا حجّة فقد تحقق ذلك، إذ ليس قوله في نفسه بحجة، وإن عرف بأنّه: قبول قول القائل مع الجهل بمأخذه، تحقق في قول المفتي أيضًا.\nقال القاضي في مختصر التقريب: والذي نختاره أنّ ذلك ليس بتقليدٍ أصلًا، فإنَّ قولَ العالمِ حجةٌ في حقٍّ المستفتي نَصَبَهُ الربُّ تعالى علمًا في حقّ العامي، وأوجب عليه العمل به، كما أوجب على المجتهد العمل باجتهاده،\n_________\n(^١) ينظر: المعتمد: ٢/ ٩٣٥، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٩٠، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٠٤ - ١٠٧، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٨٩٧ - ٣٨٩٨.\n(^٢) في (ص): تسلم، وفي (غ): تسلمهم.\n(^٣) ينظر أدلة الجبائي والإجابة عنه: المعتمد: ٢/ ٩٣٨، والتبصرة: ص ٤١٤، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١١١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٠٣.","vol":"7","page":2951},{"text":"واجتهادُه علمٌ عليه، وقولُه علم على المستفتي.\nويخرج لك من هذا أنّه لا يتصور تقليد مباح في الشريعة لا في الأصول ولا في الفروع؛ إذِ التقليد على ما عرَّفه القاضي: هو اتباع من لم يقم باتباعه حجّة ولم يستند إلى علم.\nقال: ولو ساغ تسميةُ العاميِّ مقلدًا مع أنّ قول العالم في حقه واجب الاتباع جاز أنْ يسمى المتمسك بالنصوص وغيرها من الدلائل مقلدًا (^١).\nقوله: \"دون المجتهد\" هذا هو الحال.\nالثالثة: وهو أنْ يبلغَ المكلَّفُ رتبةَ الاجتهاد، فإنْ كان قدْ اجتهدَ في المسألة، ووضح في ظنّه وجه الصواب، لم يقلد غيره بلا ريب.\nوإنْ لم يكن قدْ اجتهدَ فيها فهي مسألة الكتاب، وقد اختلفوا فيها على مذاهب:\nالأول: المنعُ من التقليدِ مطلقًا، وإليه ذهب أكثر الفقهاء وجمع من الأصوليين (^٢) منهم القاضي، واختاره المصنف تبعًا\n_________\n(^١) التلخيص للجويني: ٣/ ٤٢٦ - ٤٢٧.\n(^٢) كابن الصباغ والباجي، قال الباجي في إحكام الفصول: ص ٦٣٥ \"وبهذا قال أكثر أصحابنا من البغداديين، وإليه ذهب القاضي أبو بكر، وأبو الطيب الطبري، وجماعة من أصحاب الشافعية وهو الأشبه بمذهب مالك\"، ونقله الروياني عن عامة أصحاب الشافعية، وهو ظاهر نص الشافعي، ذكره في أول البحر، وكذا نقله الشيخ أبو حامد عن عامة الأصحاب خلا ابن سريج. وقال أبو إسحاق إنه مذهب الشافعي، ونقله =","vol":"7","page":2952},{"text":"للإمام (^١) وهو المختار عند الآمدي (^٢) وابن الحاجب (^٣).\nوالثاني: التجويزُ مطلقًا، وعليهِ سفيان الثوري وأحمد، وإسحاق (^٤) (^٥).\nوالثالث: يجوز تقليد الصحابة فقط (^٦).\n_________\n= أبو منصور وأبو بكر الرازي عن أبي يوسف ومحمد، وهو النص لأحمد بن حنبل. ينظر: التبصرة: ص ٤٠٣، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٨٤، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١١٥، وتنقيح الفصول: ص ٦٣٥، والبحر للزركشي: ٦/ ٢٨٥ - ٢٨٦، وفواتح الرحموت: ٢/ ٣٩٢ والكوكب المنير: ٤/ ٥٥٧.\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١١٥.\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣١٦.\n(^٣) ينظر: مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣٠٨.\n(^٤) هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن إبراهيم التميمي أبو يعقوب الحنظلي الروزي، الشهير بابن راهويه، نزيل نيسابور، ولد سنة ١٦١ هـ سيد الحفاظ، شيخ المشرق توفي سنة ٢٣٨ هـ. ينظر ترجمته في: الجرح والتعديل: ٢/ ٢٠٩ - ٢١٠ رقم (٧١٤)، وتاريخ بغداد: ٦/ ٣٤٥ - ٣٥٥ رقم (٣٣٨١) وسير أعلام النبلاء: ١١/ ٣٥٨ - ٣٨٣ رقم (٩٧).\n(^٥) وحكاه الشيخ أبو حامد عن أبي حنيفة. وبه قال الأستاذ أبو منصور. قال الكرخي: يجوز في قول أبي حنيفة، وكذا حكاه عنه أبو بكر الرازي في أصوله، وقد حكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أنه مذهب أحمد قال بعض الحنابلة: لا نعرفه. ينظر: الفصول في الأصول: للجصاص: ٣/ ٣٦٢، وشرح اللمع: ٢/ ١٠١٣، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١١٦، والحاوي للماوردي: ٢٠/ ١٠٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٠٥، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٨٩، والبحر المحيط: ٦/ ٢٨٦.\n(^٦) حكى القرافي الإجماع في ذلك، ونقل جواز تقليد الصحابي فيما لم يخالفه غيره فيه، وإن لم يظهر قوله ولم ينتشر عن الشافعي في القديم، وقال في الجديد: لا يجوز. وقد =","vol":"7","page":2953},{"text":"والرابع: يجوز تقليد الصحابة والتابعين دون غيرهم (^١).\nوالخامس: يجوز تقليدُ العالمِ لأعْلَمَ منه، ولا يجوز لمساوِيهِ ودُونَه، وإليه ذهب محمد بن الحسن (^٢).\nوالسادس: يجوز له التقليد فيما يخصه دون ما يفتي به (^٣).\n_________\n= أجاب الروياني بأن ذلك ليس تقليدًا وإنما هو اتفاق رأيه لرأيهم. ونقل الأستاذ أبو منصور وإمام الحرمين عن أحمد أنه يجوز تقليد الصحابة، ولا يقلد أحد بعدهم غير عمر بن عبد العزيز. واستغربه بعض أئمة الحنابلة. ينظر: الفصول في الأصول: للجصاص: ٣/ ٣٦٢، والبرهان للجويني: ٢/ ١١٤٦، والغياثي: ص ٤١٠، والقواطع للسمعاني: ٥/ ١٠١، والمنخول: ص ٤٧٤، والإحكام للآمدي: ٤/ ٢٠٩، والحاوي للماوردي: ٢٠/ ١٠٥، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١١٥، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٣٢ - ٤٣٣، والبحر المحيط: ٦/ ٢٨٦، و٣/ ٣١٢ - ٣١٣، وسلاسل الذهب له: ص ٤٥٠.\n(^١) وقيده الحنفية بكبار التابعين كما عزاه صاحب جامع الأسرار لهم. ينظر: جامع الأسرار في شرح المنار للكاكي: ٥/ ١٤٤٦، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٩١، والبحر المحيط: ٦/ ٢٨٦.\n(^٢) قال الجصاص في الفصول في الأصول: ٣/ ٣٦٢ \". . . وقال محمد: ليس لمن كان من أهل الاجتهاد تقليد غيره\". وينظر: أصول السرخسي: ٢/ ١١٠ - ١١١، والمغني للخبازي: ص ٢٧٠ - ٢٧١، وشرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح: ٢/ ١٧، وفتح الغفار: ٢/ ١٤٠ - ١٤١، وتيسير التحرير: ٤/ ٢٥٥.\n(^٣) حكاه ابن القاص عن ابن سريج، وهو يقتضي إنه لا يجوز له الحكم به من باب أولى، وهو مبني على تصويب المجتهدين. أفاده صاحب البحر المحيط: ٦/ ٢٨٦.\nوينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١١٦، البحر المحيط: ٦/ ٢٨٦","vol":"7","page":2954},{"text":"والسابع: أنَّه يجوز فيما يخصه إذا خشي فوات الوقت، باشتغاله بالحادثة وهو رأي أبي العباس بن سريج (^١).\nوالثامن: أنَّه يجوز للقاضي دون غيره (^٢).\nواستدل المصنف على أنّ المجتهد لا يجوز له التقليد مطلقًا، بأنه مأمور بالاعتبار في قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ (^٣) فإذا تركه يكون تاركًا للمأمور به فيعصي.\n_________\n(^١) قال أبو إسحاق الشيرازي في شرح اللمع: ٢/ ١٠١٢ \"فأمّا العالم فلا يجوز له تقليد غيره في شيء من الشرعيات سواء خشي فوات الوقت أو لم يخش الفوات، وهو قول أبي إسحاق الإسفراييني. وقال أبو العباس بن سريج: إذا نزلت بالعالم نازلة وخشي فوات وقتها جاز له ان يقلد عالمًا آخر\". وعلل السمعاني في القواطع: ٥/ ١٠٩، رأي ابن سريج بقوله: \"لأنه في هذه النازلة بمنزلة العامي، من حيث إنه لا يتوصل إلى معرفة حكمها بالاجتهاد، ولأنه مضطر إلى التقليد، فإنه إذا اجتهد فاتته العبادة عن وقتها، فجاز له التقليد كالعامي\"، وينظر: التلخيص للجويني: ٣/ ٤٣٤، ٤٣٥، المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١١٦، وروضة الطالبين للنووي: ٨/ ٨٨ ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٩١، والبحر المحيط: ٦/ ٢٨٧.\n(^٢) قال النووي في روضة الطالبين للنووي: ٨/ ٨٨ \"فرع: ليس لمجتهد أن يقلد مجتهدًا لا ليعمل له، ولا ليفتي به، ولا إذا كان قاضيًا ليقضي به، سواء خاف الفوت لضيق وقت أم لا. وقال ابن سريج: له التقليد إذا ضاق الوقت ليعمل به، لا ليفتي، وقياسه أن لا يجوز للقضاء وأولى. وفي الشامل والتهذيب طرد قول ابن سريج في القضاء = = وصورة الضيق فيه: أن يتحاكم مسافران والقافلة ترحل، ومن قال به فقياسه طرده في الفتوى\". وينظر: والحاوي للماوردي: ٢٠/ ١٠٢، والبحر المحيط للزركشي: ٦/ ٢٨٧ - ٢٨٨.\n(^٣) سورة الحشر، الآية رقم ٢.","vol":"7","page":2955},{"text":"ولا يرد العامي لأنّه خرج من عموم الأمر بدليل عجزه عن الاجتهاد، هذا إن جعلناه مقلدًا وإن لم نجعله مقلدًا كما قال القاضي فلا سؤال (^١).\nوجعل الآمدي المعتمد في المسألة أنْ يقال جوازُ تقليدِ المجتهدِ للمجتهدِ حكمٌ شرعيٌ، فلا بد عليه من دليل، والأصل عدم ذلك الدليل، فعلى مدعيه بيانه، والقياس على العامي لا يصلح أنْ يكون دليلا لما عرفت من الفرق (^٢).\nولمعارض أنْ يقول: القولُ بوجوبِ الاجتهادِ على المجتهدِ فيما نزل به من الوقائع مطلقًا، وحرمة التقليد عليه، حكم شرعيٌّ، فلا بد عليه من دليل وعلى مدعيه بيانه.\nقوله: \"قيل معارض\" أي: عارض (^٣) الخصم الاستدلال على منع التقليد للمجتهد (^٤) بأوجه:\nالأول: قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٥) والعالم قبل (^٦) أنْ يجتهد لا يعلم فوجب تجويز الاجتهاد له (^٧).\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١١٧\n(^٢) ينظر: الإحكام للآمدي: ٤/ ٢٧٨.\n(^٣) في (غ): معارض.\n(^٤) (للمجتهد) مطموسة في (غ).\n(^٥) سورة النحل من الآية ٤٣، وسورة الأنبياء من الآية ٧.\n(^٦) (والعالم قبل) مطموسة من (غ).\n(^٧) ينظر: التبصرة: ص ٤٠٦ - ٤٠٧، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٨٥، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١١٩ - ١٢١، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٧، ونهاية الوصول للصفي =","vol":"7","page":2956},{"text":"والثاني: قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^١) والعلماء هم أولو الأمر لأنَّ أمورهم تنفذ على الأمراء والولاة (^٢).\nوالثالث: إجماع الصحابة: روى أحمد عن سفيان بن وكيع بن الجراح (^٣) قال: حدثنا قَبِيصَة (^٤) قال حدثنا أبو بكر بن عياش (^٥) عن عاصم عن [أبي] (^٦) وائل قال: قلت لعبد الرحمن بن عوف\n_________\n= الهندي: ٨/ ٣٩١٥، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٩٢.\n(^١) سورة النساء من الآية ٥٩.\n(^٢) ينظر: التبصرة: ص ٤٠٦ - ٤٠٨، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٨٥، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٢١ - ١٢٣، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٧، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩١٥ - ٣٩١٦، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٩٢.\n(^٣) سفيان بن وكيع بن الجراح أبو موسى الرؤاسي، الكوفي، كان صدوقًا، إلا أنه ابتلي بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه. توفي سنة [. . . . .]. ينظر: ترجمته في: تقريب التهذيب: ص ٢٤٥، رقم (٢٤٥٦).\n(^٤) قَبِيصَة بن عقبة بن محمد بن سفيان السّوائي، بضم المهملة وتخفيف الواو والمد أبو عامر الكوفي، صدوق ربما خلف توفي سنة ١١٥ هـ ينظر: ترجمته في: تقريب التهذيب: ص ٤٥٣، رقم (٥٥١٣).\n(^٥) أبو بكر بن عياش بن سالم الأسدي الإمام المقرئ معدود في الكوفيين. قال الأندرشي يروي عن حصين بن عبد الرحمن السلمي وحميد الطويل وسليمان الأعمش وغيرهم وعنه أحمد بن عبد الله بن يونس وإسماعيل بن أبان الوراق وأبو بكر إسماعيل بن حفص الإبلي وأبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة وغيرهم أثبته ابن حبان في الثقات روى له البخاري في صحيحه ومسلم في مقدمة كتابه والأربعة، وتوفي سنة اثنتين وتسعين ومائة وقيل سنة ثلاث وقيل سنة أربع. ينظر ترجمته في: الجرح والتعديل: ٩/ ٣٨٨، تذكرة الحفاظ: ١/ ٢٦٥، والكواكب النيرات: ص ٨٧.\n(^٦) ساقطة من جميع النسخ. وما أثبته أصحّ لأنه لا يستقيم سند الحديث إلا بهذه الإضافة، كذا في كتب الحديث، ولأن وائل غير أبي وائل.","vol":"7","page":2957},{"text":"كيف بايعتم عثمان وتركتم عليًا، فقال: ما ذنبي قد بدأت هكذا (^١) لعلي، فقلت: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - وسيرة أبي بكر وعمر، فقال: فيما استطعت، ثم عرضت ذلك على عثمان، فقال: نعم، فقد التزم عثمان ذلك بمحضر من عظام الصحابة من غير نكير عليه (^٢).\n_________\n(^١) (هكذا) ليس في (غ).\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ - كما أشار الشارح - الإمام أحمد في المسند بتحقيق شعيب الأرنؤوط، وعادل مرشد: ١/ ٥٦٠ رقم (٥٥٧) مسند عثمان بن عفان. قال محققاه: إسناده ضعيف، سفيان بن وكيع ضعفه غير واحد، قال الحافظ في التقريب: ص ٢٤٥ رقم (٢٤٥٦) كان صدوقًا إلا أنه ابتلي بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل فسقط حديثه. والحديث أصله في البخاري أخرجه في صحيحه: ص ٧٠٦ - ٧٠٨، في كتاب فضائل الصحابة (٦٢) باب قصة البيعة (٨) رقم (٣٧٠٠). ولفظه: \"أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس المهاجرون والأنصار، وأمراء الأجناد، والمسلمون\"، وأخرجه الطبري في تاريخه: ٥/ ٣٤، ٣٥، وابن الأثير في الكامل: ٣/ ٣٦. قال ابن حجر في فتحه: ١٣/ ١٩٧ \". . . ويؤيده رواية عاصم بن بهدلة عن أبي وائل قال \"قلت: لعبد الرحمن بن عوف كيف بايعتم عثمان وتركتم عليا فقال: ما ذنبي بدأت بعلي، فقلت له: أبايعك على كتاب الله وسنة رسوله وسيرة أبي بكر وعمر. فقال: فيما استطعت وعرضتها على عثمان فقبل\". أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند عن سفيان بن وكيع عن أبي بكر بن عياش عنه وسفيان بن وكيع ضعيف، وقد أخرج أحمد من طريق زائدة عن عاصم عن أبي وائل، قال الوليد بن عقبة لعبد الرحمن بن عوف مالك جفوت أمير المؤمنين يعني عثمان فذكر قصة وفيها =","vol":"7","page":2958},{"text":"فكان إجماعًا على جواز أخذ المجتهدِ بقول المجتهدِ الميِّتِ، وإذا ثَبَتَ في الميِّتِ ثَبَتَ في الحيِّ بطريقِ الأولى (^١).\nوأجاب المصنف عن الأوَّل بأنه: عام مخصوص، بالمقلدين، وإلَّا لوجب الاجتهاد على المجتهد بعد اجتهاده؛ لأنّه بعد الاجتهاد أيضًا ليس بعالم بل هو ظانٌّ وذلك باطل بالإجماع (^٢) (^٣).\nولقائل أنْ يقول: المراد بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٤) إنْ كنتم غيرَ ذوِي علمٍ، وذَو العلمِ صادقٌ على منْ يتوصلُ إلى الأحكامِ بمسالكِ الظنونِ، وهذا واضح، بل الجواب أنّ السؤال مشروط بعدم العلم، ولم يوجد في المجتهد؛ لأنّه عالم.\nوقولكم: قبل الاجتهاد لا يعلم.\n_________\n= قول عثمان وأما قوله: سيرة عمر فإني لا أطيقها ولا هو وفي هذا إشارة إلى أنه بايعه على أن يسير سيرة عمر فعاتبه على تركها ويمكن أن يأخذ من هذا ضعف رواية سفيان بن وكيع إذ لو كان استخلف بشرط أن يسير بسيرة عمر لم يكن ما أجاب به عذرًا في الترك\" اهـ.\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٢٠، والسراج الوهاج في شرح المنهاج: ٢/ ١٠٨٩ - ١٠٩٠، وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨٤٨، ومعراج المنهاج للجزري: ٢/ ٣٠٢، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٩٢.\n(^٢) (بالإجماع) ليس في (غ).\n(^٣) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٢١، والسراج الوهاج في شرح المنهاج: ٢/ ١٠٩٠، وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨٤٨، ومعراج المنهاج للجزري: ٢/ ٣٠٢، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٩٣.\n(^٤) سورة النحل: من الآية ٤٣، وسورة الأنبياء: من الآية ٧.","vol":"7","page":2959},{"text":"قلنا: لا يخرج عن كونه عالمًا بغيبوبة المسألة عن ذهنه، مع تمكنه من معرفتها من غير احتياج إلى غيره.\nوأجاب الإمام أيضًا: بأنّ ظاهر الآية يقتضي وجوب السؤال على المجتهد وهو غير واجب بالاتفاق (^١).\nقلت (^٢): وفي دعوى الاتفاق نظر، فإنّ القائل بتجويزه إذا ضاق الوقت، لا بد وأنْ يوجبَه عليه والحالة هذه، ولعلَّ مرادَه بالاتفاقِ، اتفاقُ الخصمين المانع مطلقًا ومقابله؛ لأنَّ البحث في هذا الدليل بينهما.\nوأجاب المصنف عن الثاني بأنّ الآية الأولى (^٣) دلت على وجوب الطاعة في الأقضية والأحكام جمعًا بين الأدلة (^٤).\nوأيضًا المتبادر إلى الفهم من إطلاق أولي الأمر الأمراء والحكام.\nوأجاب عن الثالث بأنّ المرادَ من سيرة أبي بكر وعمر - ﵁ - لزومُ العدلِ والإنصافِ والسَنَنِ المرضيِّ في جميع الحالاتِ؛ لأنّه من (^٥) المتبادر إلى الذهن من\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٢١.\n(^٢) رأي السبكي واعتراضاته.\n(^٣) (الأولى) ليس في (غ).\n(^٤) وأتى الإسنوي بجواب آخر قال في نهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٩٤ \"إنه مطلق ولا عموم فيه فيكفي حمله على الأقضية\" وقال العبري في شرحه معللًا: ص ٦٩٦ \"وذلك لأن الصحابة - ﵃ - ردّوا عمر - ﵁ - في المسائل التي أخطأ فيها، فيكون وجوب طاعة ولاة الأمر مخصوصًا بالأقضية المسائل الاجتهادية\".\nينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٢٢، والسراج الوهاج: ٢/ ١٠٩٠، وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨٤٨، ومعراج المنهاج للجزري: ٢/ ٣٠٢.\n(^٥) (من) ليس في (غ).","vol":"7","page":2960},{"text":"السيرة (^١).\nوأيضًا في سند الحديث سفيان بن وكيع وقد قال فيه أبو زرعة (^٢) متّهم بالكذب (^٣) (^٤).\n\nقال: <span data-type=\"title\" id=toc-611>(الثالثة: إنما يجوز في الفروع وقد اختلف في الأصول ولنا فيه نظر وليكن آخر كلامنا وبالله التوفيق)</span>.\nهذه المسألة فيما يجوز فيه الاستفتاء وما لا يجوز\nفنقول: أمّا الاستفتاء في الفروع، فهو جائز على ما سلف فيه من\n_________\n(^١) ينظر: التبصرة: ص ٤٠٦ - ٤٠٧، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٢٨٥، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٧، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٢٢، والسراج الوهاج: ٢/ ١٠٩٠، وشرح الأصفهاني: ٢/ ٨٤٨، ومعراج المنهاج للجزري: ٢/ ٣٠٢، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩١٧.\n(^٢) أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم بن زيد بن فروخ الرازي، سيد الحفاظ، ولد بعد نيف ومئتين، قال الإمام أحمد عنه: كان يحفظ ستمائة ألف حديث، توفي سنة ٢٦٤ هـ.\nينظر ترجمته في الجرح والتعديل: ١/ ٣٢٨ - ٣٤٩، ٥/ ٣٢٤ - ٣٢٦ رقم (١٥٤٣)، وتاريخ بغداد: ١٠/ ٣٢٦ - ٣٣٧ رقم (٥٤٦٩)، وسير أعلام النبلاء: ١٣/ ٦٥ - ٨٥ رقم (٤٨). وينظر: الجزء الأول من كتاب أبو زرعة الرازي وجهوده في السنة النبوية مع تحقيق كتاب الضعفاء وأجوبته على أسئلة البرذعي للدكتور سعدي الهاشمي، فقد استقصى فيه أخباره.\n(^٣) ينظر: الجرح والتعديل ٤/ ٢٣٠.\n(^٤) مدى توسعه بين شرَّاح المنهاج، في الحكم على الحديث مما ينم على الخلفية التي عند السبكي في مجال الصناعة الحديثية.","vol":"7","page":2961},{"text":"الكلام.\nوهل عملُ العاميِّ بقول المجتهدِ تقليدٌ؟\nفيه ما أوردناه عن القاضي والأصوليين.\nوأما الاستفتاء في الأصول (^١).\nفذهب كثير من الفقهاء، وبعض المتكلمين كعبيد الله بن الحسين العنبري والحشوية (^٢) والتعليمية (^٣) إلى جوازه (^٤).\n_________\n(^١) كوجود الصانع ووحدته وإثبات الصفات، ودلائل النبوة.\n(^٢) الحشوية: بسكون الشين وفتحها، فرقة تمسكوا بظواهر النصوص فذهبوا إلى التجسيم، حيث اعتقدوا أن ظواهر نصوص الصفات مراد، وأن كيفيتها معلومة، ويجوز أن يخاطبنا الله بالمهمل، ويسمون الدين حشو. وسبب تسميتهم بذلك: أنهم كانوا في حلقة الحسن البصري فوجدهم يتكلمون كلاما فقال: ردوا هؤلاء إلى حشى الحلقة أي جانبها فسموا حَشَويَّة بفتح الشين. وقيل: لأنهم مجسمة، والجسم حشو، فسمّوا حشْو، بسكون الشين، نسبة إلى الحشو. ينظر: شرح الكوكب المنير: ٢/ ١٤٧.\n(^٣) التعليمية: - بفتح التاء وسكون العين نسبة إلى التعليم - وهم فرقة من الباطنية يقولون: إن في كل عصر إمامًا معصومًا، لا يجوز عليه الخطأ أو الزلة، يعلِّم غيره ما بلغه من العلم، وسمُّوا بذلك؛ لأنهم يقولون بوجوب الرجوع إلى التعليم من الإمام المعصوم في كل ما يستجد من وقائع وأحداث، وهم لا يحتجون بالعقليات. ينظر: الأنساب للسمعاني: ١/ ٤٦٨.\n(^٤) ينظر: المعتمد: ٢/ ٩٤١، واللمع: ص ٧٠، والتبصرة: ص ٤٠١، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٨٧، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٢٥، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٠، ومختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣٠٥، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٣٠، وتيسير التحرير: ٤/ ٥٩٥، والمسودة: ص ٤٥٧، وفواتح الرحموت: ٢/ ٤٠١، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٢٥ - ٣٩٢٦.","vol":"7","page":2962},{"text":"وربما بالغ بعضهم فقال التقليد: واجب والنظر في ذلك حرام (^١).\nوذهب الباقون: إلى عدم جوازه (^٢)، وأنه يجب على كلّ أحدّ معرفة الله وما يجب له من الأوصاف، ويجوز عليه ويتقدَّس عنه، وكذلك جملة العقائد بالنظر والاستدلال.\nولما كان محل المسألة علم الكلام، لم يطل المصنف فيها، ولتقاوم الأدلة عنده لم يجزم بشيء بل قال: إنَّ له (^٣) فيه نظرًا، ونحن نورد نزرًا (^٤) يسيرًا من معتصمات الفريقين.\nأمّا مجوزو التقليد فاحتجوا بوجوه:\nمنها: أنّ النظر في أصول الدين منهي عنه لقوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (^٥)، ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا\n_________\n(^١) ينظر: المصادر السابقة.\n(^٢) وعليه الأكثرون على ما نقله الآمدي في الإحكام، واختاره البيضاوي تبعا للإمام، كما اختاره ابن الحاجب. ينظر: المعتمد: ٢/ ٤٩١، واللمع: ص ٧٠، والتبصرة: ص ٤٠١، والمستصفى للغزالي: ٢/ ٣٨٧، والإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٠، والمحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٢٥، مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد: ٢/ ٣٠٥، وشرح تنقيح الفصول: ص ٤٣٠، وفواتح الرحموت: ٢/ ٤٠١، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٩٥، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٢٧.\n(^٣) (له) ليس في (غ).\n(^٤) نَزُرَ الشيءُ بالضمّ نزارة ونزورًا فهو نزْرٌ ونزور ونذير أي قليل. المصباح المنير: ص ٦٠٠ مادة: \"نَزُر\".\n(^٥) سورة غافر من الآية ٤٦.","vol":"7","page":2963},{"text":"بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (^١)\nوالنظر يفضي إلى فتح باب الجدال (^٢). (^٣)\nوروي أنَّه - ﷺ - نهى الصحابة؛ لما رآهم يتكلمون في مسألة القدر (^٤)، وإذا كان منهيًا عنه فلا يكون واجبًا، فيكون التقليد جائزًا (^٥).\nوأجيب (^٦) عنه: بمنع كون النظر منهيًا عنه، والآيات محمولة على النهي عن الجدال بالباطل جمعًا بين الأدلة فإنّ قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^٧) ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (^٨).\nوأثنى الله تعالى على الناظرين بقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي\n_________\n(^١) سورة الزخرف الآية ٥٨.\n(^٢) في (غ): الجدل.\n(^٣) ينظر: نهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٣٢.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند: ٢/ ١٧٨، والترمذي في سننه: ٤/ ٣٨٦، كتاب القدر (٣٣) باب ما جاء في التشديد في الخوض في القدر (١) رقم (٢١٣٣) وقال: هذا حديث غريب لا تعرفه إلا من هذا الوجه من حديث صالح المُرِّيّ له غرائب ينفرد بها لا يتابع عليها، وابن ماجه: ١/ ٣٣ في المقدمة، باب في القدر (١٠) رقم (٨٤).\n(^٥) ينظر وجه الاستدلال: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٢، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٣٢.\n(^٦) ينظر الإجابة عن الدليل: الإحكام للآمدي: ٤/ ٣٠٢، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٣٢ - ٣٩٣٣.\n(^٧) سورة النحل من الآية ١٢٥.\n(^٨) سورة العنكبوت الآية ٤٦.","vol":"7","page":2964},{"text":"خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^١)\nوأمّا الحديث فلعل النبي - ﷺ - لما علم صحةَ اعتقادِهم وحَقَيَّةَ (^٢) يقينِهم بما تَلَقَوْهُ (^٣) عنه وشاهدوا من المعجزات الخوارق، علم أنّ الجدال بعد ذلك لا يفيدهم شيئًا، وربما أورث شكًّا فنهاهم لذلك.\nأمَّا الساذج (^٤) الذي لم يثبت عنده شيء، فكيف لا يجب عليه السعي في إثبات يقينه والذّب عن تأكيد دينه.\nومنها: أنّ النظر فيه مظنّة الوقوع في الشكوك والشبهات والخروج إلى البدع.\nوأجيب: بأن التقليد لا بد أنَّه ينتهي إلى النّظر والاستدلال؛ لامتناع التسلسل، وحينئذ ما ذكرتم من المحذور لازم للتقليد، مع زيادة محذور احتمال كذب المقلّد فيما أخبر به المقلد عن اعتقاده.\nوأمّا المانعون منه فاعتصموا بوجوه:\nمنها: أنّ تحصيل العلم في أصول الدّين كان واجبا على المصطفى - ﷺ - بقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٥) فيكون واجبًا على أمته بقوله: ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ (^٦). . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(^١) سورة آل عمران من الآية ١٩١.\n(^٢) في (ص): حقة.\n(^٣) في (ص): يلقوه.\n(^٤) الساذج: معرَّب: ساده. القاموس المحيط: ص ٢٤٧.\n(^٥) سورة محمد من الآية ١٩.\n(^٦) سورة الأنعام الآية ١٥٣، والمقصود الأعراف من الآية ١٥٨، ولفظها ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾.","vol":"7","page":2965},{"text":". . (^١).\nومنها: أنّ التقليد مذموم شرعًا في قوله تعالى حكاية عن قوم في معرض الذّم لهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (^٢).\nووجوه الحجاج في المسألة عديدة.\nوقد ذكرنا أنّ محلها علم الكلام، فمن أراد الإحاطة به، فهو محال على كتبه.\n_________\n(^١) ينظر: المحصول للرازي: ج ٢/ ق ٣/ ١٢٦، ونهاية الوصول للصفي الهندي: ٨/ ٣٩٢٧، ونهاية السول مع حاشية المطيعي: ٤/ ٥٩٦.\n(^٢) سورة الزخرف الآية ٢٢.","vol":"7","page":2966},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-612>خاتمة</span>\nوبنجاز هذه المسألة تمّ هذا الشرح المبارك أسأل الله تعالى أنْ يجعلَه خالصًا لوجهِه الكريم موجبًا للفوزِ لديه، وأنْ يعمَّ النَّفع به بمحمد وآله وصحبه.\nوقدْ راعينا فيه جانب التَّوسط؛ لأنَّ الكتاب مختصر، فالألْيَقُ بشارحه أنْ يحذو حَذْوَه، ولا يتعدى ممشاه فوق خَطْوِه، وقد كنّا نروح ونغدو على المسألة، وربما لم نخرج عن حدّ الشرح قدرَ أُنْمُلة، وفي النفسِ حَزَازَات من مباحثَ نترك ذكرَها خشيةَ التطويل، ونَسْلُكُ في الإضرابِ عنها سبيلَ غيرنا، وإنْ كنَّا لا نرتضي تلك السبيل، على أنَّا لم نألُ جهدًا فيما وضعناه، ولم نرض إلَّا أنْ نحله محلَ النَّجم، وفي الظنِّ أنَّا ما أنصفناه، فإنَّا لم نغادر صغيرة ولا كبيرة مما يطالب الشارح بها إلَّا وقد جمعناها فيه، مع زيادات مِنْ نُقُولٍ، وفرائدَ يَهِيمُ الفَهِمُ إذا سَمِعَها طربًا، وينطق (^١) شاكرُها ملءَ فيه، ومباحث ما البدورُ الكواملُ إلَّا ما تطلعُ، ولا العُرُبُ الأترابُ إلَّا ما تَفُوهُ به بناتُ فكرها وتسمع.\nلكنَّ الكتابَ مع أنّه الروض المبدعةُ أزهارُه، والواضحُ الجليُّ الذي ينضال لديه النّهار وأنواره، لم يغنِ على نفسه لقلّة ما أودع فيه من المسائل، ولم يبن عن جمعٍ كبيرٍ، فلم نهتم له ولا به، وكيف\n_________\n(^١) في (ت): انطلق.","vol":"7","page":2967},{"text":"لا؟ وقد كنَّا نكتب فيه بأطراف الأنامل، ونجيء إليه وقد سئمنا الطلب، وقالت: النَّفس حِطَّة (^١)، وبعد عليه، فنقول: من رأى القلم يكتب والهمّة تملي عليه. أمَّا القلم قد أبلَ (^٢) وليس في تلك شطّة (^٣).\nوفي عزمي والله الميسر أنْ أضع (^٤) شرحًا على مختصر ابن الحاجب بسيطًا لا عذر لي إذا لم آتِ فيه بالعَجَبِ العُجَاب، محيطًا بهذا العلم على أتمّ وجه، لا أميط عنه إلَّا القشر عن اللباب، والله المسؤول أنْ يوفقنا لصالح الأعمال، ويجمعنا على العلم ونشره في كلّ حال بمنِّه وكرمِه، إنّه المرجو خيرُه المأمولُ يسرُه، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرا إلى يوم الدين.\nقال المصنف أيده الله: فرغت منه صبيحة يوم الجمعة السادس عشر من صفر المبارك سنة اثنين وخمسين وسبعمائة (٧٥٢ هـ) أحسن الله تقضيها بالمدرسة العادلية منزل سيدي ووالدي أحسن الله إليه من دمشق\n_________\n(^١) الحطُّ: الوضع والرخص، والحدر من علو إلى أسفل، والاسم الحِطّة والحطيطى بكسرهما. القاموس المحيط: ص ٨٥٥ مادة \"حطط\". وهو اقتباس بديع من قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ سورة البقرة من الآية ٥٨.\n(^٢) أَبَلَ، وأَبِلَ، كفرِح، ونصَر، كثر وأبل العشب أُبُولًا طال فاستمكن منه الإبل. القاموس المحيط: ص ١٢٣٩. مادة \"إبل\".\n(^٣) شطَّ يشِط ويشُط وشطوطًا بالضم بَعُدَ وفي حكمه يشط شطيطًا جار وفي سلعته شططًا جاوز القدر المحدود، وتباعد عن الحقّ. القاموس المحيط: ص ٨٧٠ مادة \"شطط\"\n(^٤) في (ص): أصنع.","vol":"7","page":2968},{"text":"المحروسة، وكتب مؤلفه عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي بن علي السبكي الشافعي أصلحه الله تعالى وكان له، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين وحسبنا الله ونعم الوكيل.\nتم بحمد الله","vol":"7","page":2969}]}